{"ً":{"ٌ":23618,"ٍ":"تفسير الثعالبي = الجواهر الحسان في تفسير القرآن","َ":1,"ُ":1,"ّ":"الكتاب: الجواهر الحسان في تفسير القرآن\nالمؤلف: أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف الثعالبي (ت ٨٧٥هـ)\nالمحقق: الشيخ محمد علي معوض والشيخ عادل أحمد عبد الموجود\nالناشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت\nالطبعة: الأولى - ١٤١٨ هـ\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":113,"ٕ":3,"ٖ":1770153983,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2","3","4","5"],"ٚ":[{"title":"الجزء الاول","level":1,"page":1},{"title":"\"توطئة\"","level":2,"page":1},{"title":"١ - مدرسة ابن عباس ب\"مكة\"، وكان أشهر تلاميذه من التابعين:","level":3,"page":2},{"title":"٢ - مدرسة أبي بن كعب ب\"المدينة النبوية\"، وأشهر تلاميذه:","level":3,"page":2},{"title":"٣ - مدرسة عبد الله بن مسعود ب\"العراق\"، وأشهر تلاميذه:","level":3,"page":2},{"title":"المبحث الأول نبذة عن حياة الثعالبي","level":2,"page":5},{"title":"مولده:","level":3,"page":5},{"title":"نشأته:","level":3,"page":5},{"title":"رحلاته وشيوخه:","level":3,"page":6},{"title":"تلاميذه:","level":3,"page":21},{"title":"مصنفات الثعالبي:","level":3,"page":32},{"title":"ثناء العلماء عليه:","level":3,"page":34},{"title":"وفاته:","level":3,"page":35},{"title":"المبحث الثاني التفسير قبل أبي زيد الثعالبي التفسير والتأويل","level":2,"page":36},{"title":"التفسير اصطلاحا:","level":3,"page":37},{"title":"التأويل لغة:","level":3,"page":38},{"title":"التأويل اصطلاحا:","level":3,"page":39},{"title":"التأويل عند السلف له معنيان:","level":3,"page":39},{"title":"الفرق بين التفسير والتأويل","level":3,"page":40},{"title":"حاجة الناس إلى التفسير","level":3,"page":42},{"title":"فهم الصحابة للقرآن الكريم","level":3,"page":46},{"title":"أشهر مفسري القرآن من الصحابة","level":3,"page":48},{"title":"١ - علي بن أبي طالب:","level":4,"page":48},{"title":"٢ - عبد الله بن مسعود:","level":4,"page":49},{"title":"٣ - أبي بن كعب:","level":4,"page":51},{"title":"٤ - عبد الله بن عباس:","level":4,"page":52},{"title":"طرق الرواية عن ابن عباس:","level":3,"page":55},{"title":"قيمة التفسير المأثور عن الصحابة","level":3,"page":56},{"title":"مدرسة مكة تلاميذ ابن عباس","level":4,"page":58},{"title":"١ - سعيد بن جبير:","level":4,"page":58},{"title":"٢ - مجاهد بن جبر:","level":4,"page":62},{"title":"٣ - عكرمة:","level":4,"page":63},{"title":"٤ - طاوس:","level":4,"page":66},{"title":"٥ - عطاء بن أبي رباح:","level":4,"page":67},{"title":"مدرسة المدينة تلاميذ أبي بن كعب","level":3,"page":70},{"title":"١ - أبو العالية:","level":4,"page":70},{"title":"٢ - محمد بن كعب القرظي:","level":4,"page":71},{"title":"٣ - زيد بن أسلم:","level":4,"page":71},{"title":"مدرسة العراق تلاميذ عبد الله بن مسعود","level":3,"page":72},{"title":"١ - علقمة بن قيس:","level":4,"page":72},{"title":"٢ - مسروق:","level":4,"page":73},{"title":"٣ - عامر الشعبي:","level":4,"page":73},{"title":"٤ - الحسن البصري:","level":4,"page":74},{"title":"٥ - قتادة:","level":4,"page":75},{"title":"قيمة التفسير المأثور عن التابعين","level":3,"page":77},{"title":"سمات التفسير في تلك المرحلة","level":3,"page":78},{"title":"التفسير في عصر التدوين","level":3,"page":78},{"title":"أقسام التفسير","level":3,"page":79},{"title":"أولا - الاتجاه الأثري (التفسير بالمأثور):","level":4,"page":79},{"title":"-\"ابن جرير الطبري\":","level":5,"page":80},{"title":"طريقة الطبري في التفسير:","level":5,"page":81},{"title":"ثانيا - الاتجاه اللغوي:","level":4,"page":82},{"title":"ثالثا - الاتجاه البياني:","level":4,"page":84},{"title":"المبحث الثالث الكلام على تفسير الثعالبي","level":2,"page":87},{"title":"أولا: المصادر التي استقى منها أبو زيد الثعالبي في\"الجواهر الحسان\"","level":3,"page":87},{"title":"أولا: مصادره من كتب التفسير:","level":4,"page":87},{"title":"٤ -\"مفاتيح الغيب\" أو التفسير الكبير، للإمام الرازي:","level":5,"page":89},{"title":"٥ -\"أحكام القرآن\" للقاضي أبي بكر بن العربي:","level":5,"page":89},{"title":"ثانيا: كتب غريب القرآن والحديث:","level":4,"page":90},{"title":"ثالثا: المصادر التي اعتمد عليها من كتب السنة:","level":4,"page":91},{"title":"رابعا: كتب الترغيب والترهيب والرقائق:","level":4,"page":91},{"title":"١ - التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة، للإمام القرطبي.","level":5,"page":91},{"title":"خامسا: كتب في الأحكام الفقهية والأصولية:","level":4,"page":92},{"title":"سادسا: كتب الخصائص والشمائل:","level":4,"page":92},{"title":"سابعا: كتب في التربية وتهذيب النفوس:","level":4,"page":92},{"title":"١ -\"بهجة النفوس وتحليها بمعرفة ما لها وما عليها\"","level":5,"page":92},{"title":"٤ - شرح ابن الفاكهاني على أربعين النووي.","level":5,"page":93},{"title":"تاسعا: ومن كتب التاريخ:","level":4,"page":93},{"title":"عاشرا: كتب أخرى منثورة:","level":4,"page":93},{"title":"ثانيا: منهج الإمام الثعالبي في تفسيره","level":3,"page":94},{"title":"بين يدي المنهج:","level":4,"page":94},{"title":"أولا: جمعه بين التفسير بالمأثور والرأي:","level":4,"page":95},{"title":"ثانيا: تعرضه لمسائل في أصول الدين:","level":4,"page":96},{"title":"ثالثا: مسائل أصول الفقه في تفسيره:","level":4,"page":97},{"title":"رابعا: تعرضه لآيات الأحكام، وذكره للاختلافات الفقهية:","level":4,"page":98},{"title":"خامسا: احتجاجه باللغة والمسائل النحوية، والتصريفية وغيرها:","level":4,"page":99},{"title":"سادسا: ذكره لأسباب النزول، ومكي القرآن ومدنية:","level":4,"page":100},{"title":"سابعا: ذكره للقراءات الواردة في الآية:","level":4,"page":101},{"title":"ثامنا: احتجاجه بالشعر:","level":4,"page":104},{"title":"تاسعا: موقفه من الإسرائيليات:","level":4,"page":105},{"title":"وصف النسخ المعتمد عليها في كتاب تفسير\"الثعالبي\" المسمى بجواهر الحسان في تفسير القرآن","level":3,"page":109},{"title":"عملنا في الكتاب","level":4,"page":109},{"title":"مقدمة المؤلف","level":2,"page":113},{"title":"وسميته ب\"الجواهر الحسان في تفسير القرآن\"","level":3,"page":116},{"title":"باب في فضل القرآن","level":3,"page":119},{"title":"باب في فضل تفسير القرآن وإعرابه","level":3,"page":131},{"title":"فصل فيما قيل في الكلام في تفسير القرآن والجرأة عليه ومراتب المفسرين","level":4,"page":134},{"title":"فصل","level":4,"page":141},{"title":"فصل في ذكر الألفاظ التي في القرآن مما للغات العجم بها تعلق","level":4,"page":144},{"title":"باب تفسير أسماء القرآن وذكر السورة والآية","level":3,"page":146},{"title":"باب في الاستعاذة","level":3,"page":150},{"title":"تفسير فاتحة الكتاب","level":2,"page":152},{"title":"[سورة الفاتحة (١): آية ١]","level":3,"page":152},{"title":"باب في تفسير: بسم الله الرحمن الرحيم","level":4,"page":152},{"title":"[سورة الفاتحة (١): الآيات ٢ إلى ٣]","level":3,"page":159},{"title":"[سورة الفاتحة (١): الآيات ٤ إلى ٥]","level":3,"page":160},{"title":"[سورة الفاتحة (١): الآيات ٦ إلى ٧]","level":3,"page":162},{"title":"(القول في\"آمين\")","level":4,"page":166},{"title":"تفسير سورة البقرة","level":2,"page":170},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١ إلى ٣]","level":3,"page":176},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٤ إلى ٧]","level":3,"page":180},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٨ إلى ١٢]","level":3,"page":183},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٣ إلى ١٦]","level":3,"page":185},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٧ إلى ٢٠]","level":3,"page":187},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢١ إلى ٢٤]","level":3,"page":191},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٥]","level":3,"page":194},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٦ إلى ٢٩]","level":3,"page":198},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٣٠ إلى ٣٢]","level":3,"page":200},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٣٣ إلى ٣٤]","level":3,"page":207},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٣٥ إلى ٣٦]","level":3,"page":214},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٣٧ إلى ٣٨]","level":3,"page":219},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٣٩ إلى ٤١]","level":3,"page":221},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٤٢ إلى ٤٣]","level":3,"page":223},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٤٤ إلى ٤٦]","level":3,"page":224},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٤٧ إلى ٤٨]","level":3,"page":229},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٤٩]","level":3,"page":230},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٥٠ إلى ٥٤]","level":3,"page":232},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٥٥ إلى ٥٧]","level":3,"page":235},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٥٨ إلى ٦٠]","level":3,"page":242},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٦١ إلى ٦٤]","level":3,"page":246},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٦٥ إلى ٦٦]","level":3,"page":250},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٦٧ إلى ٧٣]","level":3,"page":255},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٧٤ إلى ٧٥]","level":3,"page":260},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٧٦ إلى ٧٨]","level":3,"page":263},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٧٩ إلى ٨٢]","level":3,"page":264},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٨٣ إلى ٨٥]","level":3,"page":266},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٨٦ إلى ٨٨]","level":3,"page":272},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٨٩ إلى ٩١]","level":3,"page":274},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٩٢ إلى ٩٥]","level":3,"page":277},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٩٦ إلى ٩٧]","level":3,"page":280},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٩٨ إلى ١٠٤]","level":3,"page":282},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٠٥ إلى ١٠٦]","level":3,"page":288},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٠٧ إلى ١٠٨]","level":3,"page":296},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٠٩ إلى ١١٠]","level":3,"page":297},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١١١ إلى ١١٥]","level":3,"page":300},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١١٦ إلى ١١٧]","level":3,"page":304},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١١٨ إلى ١٢٠]","level":3,"page":305},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٢١ إلى ١٢٤]","level":3,"page":307},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٢٥ إلى ١٢٦]","level":3,"page":310},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٢٧ إلى ١٢٩]","level":3,"page":312},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٣٠ إلى ١٣٣]","level":3,"page":317},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٣٤ إلى ١٣٨]","level":3,"page":320},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٣٩ إلى ١٤١]","level":3,"page":321},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٤٢ إلى ١٤٣]","level":3,"page":322},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٤٤ إلى ١٤٥]","level":3,"page":324},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٤٦ إلى ١٤٧]","level":3,"page":327},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٤٨ إلى ١٥١]","level":3,"page":327},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٥٢ إلى ١٥٣]","level":3,"page":330},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٥٤ إلى ١٥٧]","level":3,"page":332},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٥٨]","level":3,"page":338},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٥٩ إلى ١٦٠]","level":3,"page":340},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٦١ إلى ١٦٢]","level":3,"page":344},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٦٣ إلى ١٦٤]","level":3,"page":344},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٦٥ إلى ١٦٧]","level":3,"page":347},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٦٨ إلى ١٧٠]","level":3,"page":350},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٧١]","level":3,"page":351},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٧٢ إلى ١٧٣]","level":3,"page":352},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٧٤ إلى ١٧٦]","level":3,"page":357},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٧٧]","level":3,"page":359},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٧٨ إلى ١٧٩]","level":3,"page":363},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٨٠ إلى ١٨٢]","level":3,"page":366},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٨٣ إلى ١٨٤]","level":3,"page":367},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٨٥]","level":3,"page":376},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٨٦]","level":3,"page":380},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٨٧ إلى ١٨٨]","level":3,"page":386},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٨٩ إلى ١٩٢]","level":3,"page":395},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٩٣ إلى ١٩٥]","level":3,"page":399},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٩٦]","level":3,"page":404},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٩٧]","level":3,"page":410},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٩٨ إلى ١٩٩]","level":3,"page":413},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٠٠ إلى ٢٠٢]","level":3,"page":419},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٠٣ إلى ٢٠٥]","level":3,"page":421},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٠٦ إلى ٢١٠]","level":3,"page":423},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢١١ إلى ٢١٢]","level":3,"page":425},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢١٣ إلى ٢١٤]","level":3,"page":427},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢١٥ إلى ٢١٦]","level":3,"page":429},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢١٧ إلى ٢١٨]","level":3,"page":431},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢١٩ إلى ٢٢٠]","level":3,"page":435},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٢١]","level":3,"page":441},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٢٢]","level":3,"page":443},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٢٣]","level":3,"page":445},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٢٤ إلى ٢٢٥]","level":3,"page":448},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٢٦ إلى ٢٢٧]","level":3,"page":451},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٢٨]","level":3,"page":452},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٢٩]","level":3,"page":454},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٣٠ إلى ٢٣٢]","level":3,"page":456},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٣٣]","level":3,"page":461},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٣٤]","level":3,"page":468},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٣٥]","level":3,"page":469},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٣٦ إلى ٢٣٧]","level":3,"page":470},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٣٨ إلى ٢٣٩]","level":3,"page":473},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٤٠ إلى ٢٤٢]","level":3,"page":478},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٤٣ إلى ٢٤٥]","level":3,"page":479},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٤٦ إلى ٢٤٨]","level":3,"page":484},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٤٩ إلى ٢٥٢]","level":3,"page":488},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٥٣ إلى ٢٥٤]","level":3,"page":494},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٥٥]","level":3,"page":495},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٥٦ إلى ٢٥٧]","level":3,"page":500},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٥٨ إلى ٢٥٩]","level":3,"page":502},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٦٠]","level":3,"page":507},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٦١ إلى ٢٦٤]","level":3,"page":511},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٦٥ إلى ٢٦٦]","level":3,"page":516},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٦٧ إلى ٢٦٩]","level":3,"page":519},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٧٠ إلى ٢٧١]","level":3,"page":522},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٧٢ إلى ٢٧٣]","level":3,"page":524},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٧٤ إلى ٢٧٧]","level":3,"page":529},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٧٨ إلى ٢٨١]","level":3,"page":534},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٨٢]","level":3,"page":541},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٨٣ إلى ٢٨٥]","level":3,"page":547},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٨٦]","level":3,"page":554},{"title":"محتوى الجزء الأول من تفسير الثعالبي","level":2,"page":558},{"title":"الجزء الثاني","level":1,"page":563},{"title":"تفسير سورة آل عمران","level":2,"page":563},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١ إلى ٤]","level":3,"page":563},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ٥ إلى ٧]","level":3,"page":566},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ٨ إلى ١١]","level":3,"page":571},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٢ إلى ١٣]","level":3,"page":572},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٤ إلى ١٧]","level":3,"page":574},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٨ إلى ٢٠]","level":3,"page":578},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ٢١ إلى ٢٥]","level":3,"page":583},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ٢٦ إلى ٢٩]","level":3,"page":585},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ٣٠ إلى ٣٢]","level":3,"page":588},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ٣٣ إلى ٣٥]","level":3,"page":591},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ٣٦ إلى ٣٨]","level":3,"page":592},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ٣٩ إلى ٤١]","level":3,"page":597},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ٤٢ إلى ٤٣]","level":3,"page":601},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ٤٤ إلى ٤٨]","level":3,"page":602},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ٤٩ إلى ٥١]","level":3,"page":604},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ٥٢ إلى ٥٤]","level":3,"page":606},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ٥٥ إلى ٥٨]","level":3,"page":609},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ٥٩ إلى ٦١]","level":3,"page":611},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ٦٢ إلى ٦٤]","level":3,"page":613},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ٦٥ إلى ٦٨]","level":3,"page":614},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ٦٩ إلى ٧١]","level":3,"page":616},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ٧٢ إلى ٧٤]","level":3,"page":617},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ٧٥ إلى ٧٨]","level":3,"page":620},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ٧٩ إلى ٨٠]","level":3,"page":623},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ٨١ إلى ٨٥]","level":3,"page":626},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ٨٦ إلى ٨٩]","level":3,"page":631},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ٩٠ إلى ٩٣]","level":3,"page":631},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ٩٤ إلى ٩٧]","level":3,"page":635},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ٩٨ إلى ١٠١]","level":3,"page":639},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٠٢ إلى ١٠٤]","level":3,"page":641},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٠٥ إلى ١٠٩]","level":3,"page":647},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١١٠ إلى ١١٢]","level":3,"page":649},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١١٣ إلى ١١٤]","level":3,"page":652},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١١٥ إلى ١١٦]","level":3,"page":654},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١١٧]","level":3,"page":654},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١١٨ إلى ١١٩]","level":3,"page":655},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٢٠ إلى ١٢٢]","level":3,"page":656},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٢٣ إلى ١٢٥]","level":3,"page":659},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٢٦ إلى ١٢٩]","level":3,"page":661},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٣٠ إلى ١٣٢]","level":3,"page":662},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٣٣ إلى ١٣٤]","level":3,"page":663},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٣٥ إلى ١٣٦]","level":3,"page":668},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٣٧ إلى ١٤٣]","level":3,"page":671},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٤٤ إلى ١٤٦]","level":3,"page":674},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٤٧ إلى ١٤٨]","level":3,"page":678},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٤٩ إلى ١٥٢]","level":3,"page":679},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٥٣ إلى ١٥٥]","level":3,"page":683},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٥٦ إلى ١٥٨]","level":3,"page":687},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٥٩ إلى ١٦٠]","level":3,"page":689},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٦١ إلى ١٦٣]","level":3,"page":692},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٦٤ إلى ١٦٥]","level":3,"page":694},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٦٦ إلى ١٦٧]","level":3,"page":695},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٦٨ إلى ١٧٢]","level":3,"page":695},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٧٣ إلى ١٧٤]","level":3,"page":698},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٧٥ إلى ١٧٨]","level":3,"page":699},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٧٩ إلى ١٨٠]","level":3,"page":700},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٨١ إلى ١٨٢]","level":3,"page":702},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٨٣ إلى ١٨٤]","level":3,"page":703},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٨٥]","level":3,"page":704},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٨٦]","level":3,"page":704},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٨٧]","level":3,"page":705},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٨٨ إلى ١٩٠]","level":3,"page":706},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٩١ إلى ١٩٢]","level":3,"page":706},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٩٣ إلى ١٩٤]","level":3,"page":711},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٩٥ إلى ١٩٨]","level":3,"page":711},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٩٩ إلى ٢٠٠]","level":3,"page":713},{"title":"تفسير سورة النساء مدنية","level":2,"page":717},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١]","level":3,"page":717},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٢ إلى ٣]","level":3,"page":719},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٤ إلى ٥]","level":3,"page":724},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٦ إلى ٧]","level":3,"page":729},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٨]","level":3,"page":732},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٩]","level":3,"page":732},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٠]","level":3,"page":733},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١١]","level":3,"page":735},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١٢ إلى ١٤]","level":3,"page":737},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١٥ إلى ١٦]","level":3,"page":739},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١٧ إلى ١٨]","level":3,"page":749},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١٩ إلى ٢١]","level":3,"page":752},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٢٢]","level":3,"page":755},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٢٣]","level":3,"page":756},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٢٤ إلى ٢٥]","level":3,"page":762},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٢٦ إلى ٢٨]","level":3,"page":781},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٢٩ إلى ٣١]","level":3,"page":782},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٣٢ إلى ٣٣]","level":3,"page":785},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٣٤]","level":3,"page":787},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٣٥]","level":3,"page":790},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٣٦ إلى ٣٧]","level":3,"page":790},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٣٨ إلى ٣٩]","level":3,"page":794},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٤٠]","level":3,"page":795},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٤١ إلى ٤٢]","level":3,"page":797},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٤٣]","level":3,"page":798},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٤٤ إلى ٤٦]","level":3,"page":802},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٤٧ إلى ٥٠]","level":3,"page":803},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٥١ إلى ٥٢]","level":3,"page":806},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٥٣ إلى ٥٥]","level":3,"page":806},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٥٦ إلى ٥٧]","level":3,"page":808},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٥٨]","level":3,"page":809},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٥٩]","level":3,"page":812},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٦٠ إلى ٦٣]","level":3,"page":813},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٦٤]","level":3,"page":815},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٦٥ إلى ٦٨]","level":3,"page":816},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٦٩ إلى ٧٠]","level":3,"page":817},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٧١ إلى ٧٣]","level":3,"page":818},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٧٤ إلى ٧٦]","level":3,"page":819},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٧٧ إلى ٧٨]","level":3,"page":820},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٧٩ إلى ٨١]","level":3,"page":824},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٨٢ إلى ٨٤]","level":3,"page":826},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٨٥ إلى ٨٧]","level":3,"page":828},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٨٨ إلى ٩٠]","level":3,"page":831},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٩١]","level":3,"page":834},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٩٢]","level":3,"page":834},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٩٣]","level":3,"page":836},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٩٤]","level":3,"page":839},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٩٥ إلى ٩٦]","level":3,"page":840},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٩٧ إلى ١٠٠]","level":3,"page":845},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٠١]","level":3,"page":848},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٠٢]","level":3,"page":849},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٠٣]","level":3,"page":852},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٠٤]","level":3,"page":853},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٠٥]","level":3,"page":853},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٠٦]","level":3,"page":855},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٠٧]","level":3,"page":856},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٠٨]","level":3,"page":856},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١٠٩ إلى ١١١]","level":3,"page":856},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١١٢ إلى ١١٣]","level":3,"page":857},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١١٤]","level":3,"page":858},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١١٥ إلى ١١٦]","level":3,"page":859},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١١٧ إلى ١١٩]","level":3,"page":859},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١٢٠ إلى ١٢٢]","level":3,"page":860},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٢٣]","level":3,"page":861},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١٢٤ إلى ١٢٥]","level":3,"page":862},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٢٦]","level":3,"page":862},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٢٧]","level":3,"page":863},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٢٨]","level":3,"page":864},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٢٩]","level":3,"page":866},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٣٠]","level":3,"page":867},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١٣١ إلى ١٣٣]","level":3,"page":867},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١٣٤ إلى ١٣٥]","level":3,"page":869},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٣٦]","level":3,"page":874},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٣٧]","level":3,"page":874},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١٣٨ إلى ١٣٩]","level":3,"page":875},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٤٠]","level":3,"page":875},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١٤١ إلى ١٤٣]","level":3,"page":876},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١٤٤ إلى ١٤٧]","level":3,"page":878},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١٤٨ إلى ١٤٩]","level":3,"page":880},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١٥٠ إلى ١٥٢]","level":3,"page":881},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١٥٣ إلى ١٥٤]","level":3,"page":882},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١٥٥ إلى ١٥٧]","level":3,"page":883},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٥٨]","level":3,"page":885},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٥٩]","level":3,"page":885},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١٦٠ إلى ١٦٢]","level":3,"page":886},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١٦٣ إلى ١٦٤]","level":3,"page":887},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٦٥]","level":3,"page":887},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١٦٦ إلى ١٦٩]","level":3,"page":888},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١٧٠ إلى ١٧٣]","level":3,"page":888},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٧٤]","level":3,"page":889},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٧٥]","level":3,"page":890},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٧٦]","level":3,"page":890},{"title":"تفسير سورة المائدة","level":2,"page":892},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١]","level":3,"page":892},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٢]","level":3,"page":895},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٣]","level":3,"page":899},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٤]","level":3,"page":902},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٥]","level":3,"page":904},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٦]","level":3,"page":905},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٧ إلى ١٠]","level":3,"page":919},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١١]","level":3,"page":919},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ١٢ إلى ١٣]","level":3,"page":920},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١٤]","level":3,"page":921},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ١٥ إلى ١٧]","level":3,"page":923},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١٨]","level":3,"page":924},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١٩]","level":3,"page":924},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٢٠ إلى ٢٢]","level":3,"page":925},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٢٣ إلى ٢٦]","level":3,"page":926},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٢٧ إلى ٣٠]","level":3,"page":927},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٣١ إلى ٣٢]","level":3,"page":929},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٣٣ إلى ٣٤]","level":3,"page":931},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٣٥ إلى ٣٧]","level":3,"page":932},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٣٨ إلى ٤٠]","level":3,"page":933},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٤١ إلى ٤٣]","level":3,"page":940},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٤٤]","level":3,"page":943},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٤٥]","level":3,"page":946},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٤٦ إلى ٥٠]","level":3,"page":947},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٥١ إلى ٥٣]","level":3,"page":950},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٥٤ إلى ٥٩]","level":3,"page":952},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٦٠ إلى ٦٣]","level":3,"page":955},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٦٤]","level":3,"page":956},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٦٥ إلى ٦٦]","level":3,"page":960},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٦٧ إلى ٦٨]","level":3,"page":961},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٦٩ إلى ٧٠]","level":3,"page":963},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٧١ إلى ٧٥]","level":3,"page":964},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٧٦ إلى ٧٧]","level":3,"page":966},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٧٨ إلى ٨١]","level":3,"page":967},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٨٢ إلى ٨٦]","level":3,"page":969},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٨٧ إلى ٨٩]","level":3,"page":971},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٩٠ إلى ٩٢]","level":3,"page":977},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٩٣ إلى ٩٤]","level":3,"page":978},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٩٥ إلى ٩٨]","level":3,"page":979},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٩٩ إلى ١٠٠]","level":3,"page":984},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ١٠١ إلى ١٠٢]","level":3,"page":984},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ١٠٣ إلى ١٠٤]","level":3,"page":986},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١٠٥]","level":3,"page":988},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ١٠٦ إلى ١٠٨]","level":3,"page":989},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ١٠٩ إلى ١١١]","level":3,"page":994},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ١١٢ إلى ١١٣]","level":3,"page":996},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ١١٤ إلى ١١٥]","level":3,"page":997},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ١١٦ إلى ١١٨]","level":3,"page":998},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ١١٩ إلى ١٢٠]","level":3,"page":999},{"title":"تفسير سورة الأنعام","level":2,"page":1000},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ١ إلى ٢]","level":3,"page":1000},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٣ إلى ٦]","level":3,"page":1002},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٧ إلى ٩]","level":3,"page":1004},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٠ إلى ١٢]","level":3,"page":1005},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٣ إلى ١٦]","level":3,"page":1007},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٧ إلى ١٩]","level":3,"page":1008},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٢٠ إلى ٢٢]","level":3,"page":1010},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٢٣ إلى ٢٦]","level":3,"page":1011},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٢٧ إلى ٢٨]","level":3,"page":1013},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٢٩ إلى ٣١]","level":3,"page":1014},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٣٢ إلى ٣٣]","level":3,"page":1015},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٣٤ إلى ٣٦]","level":3,"page":1017},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٣٧ إلى ٣٨]","level":3,"page":1019},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٣٩ إلى ٤١]","level":3,"page":1021},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٤٢ إلى ٤٥]","level":3,"page":1022},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٤٦ إلى ٤٩]","level":3,"page":1023},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٥٠ إلى ٥٣]","level":3,"page":1024},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٥٤ إلى ٥٧]","level":3,"page":1026},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٥٨ إلى ٥٩]","level":3,"page":1031},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٦٠ إلى ٦٤]","level":3,"page":1032},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٦٥ إلى ٦٧]","level":3,"page":1035},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٦٨ إلى ٦٩]","level":3,"page":1036},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٧٠ إلى ٧٣]","level":3,"page":1038},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٧٤ إلى ٧٥]","level":3,"page":1042},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٧٦ إلى ٧٩]","level":3,"page":1043},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٨٠ إلى ٨٢]","level":3,"page":1045},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٨٣ إلى ٨٦]","level":3,"page":1046},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٨٧ إلى ٩٠]","level":3,"page":1047},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٩١ إلى ٩٢]","level":3,"page":1050},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٩٣]","level":3,"page":1052},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٩٤]","level":3,"page":1054},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٩٥ إلى ٩٧]","level":3,"page":1056},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٩٨ إلى ٩٩]","level":3,"page":1056},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٠٠ إلى ١٠٢]","level":3,"page":1059},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٠٣ إلى ١٠٧]","level":3,"page":1060},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٠٨ إلى ١١٠]","level":3,"page":1063},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ١١١ إلى ١١٢]","level":3,"page":1065},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ١١٣ إلى ١١٥]","level":3,"page":1067},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ١١٦ إلى ١١٨]","level":3,"page":1067},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ١١٩ إلى ١٢١]","level":3,"page":1068},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٢٢ إلى ١٢٤]","level":3,"page":1070},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٢٥ إلى ١٢٩]","level":3,"page":1072},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٣٠ إلى ١٣٢]","level":3,"page":1076},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٣٣ إلى ١٣٥]","level":3,"page":1077},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٣٦ إلى ١٣٨]","level":3,"page":1078},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٣٩ إلى ١٤٠]","level":3,"page":1079},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٤١ إلى ١٤٢]","level":3,"page":1080},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٤٣ إلى ١٤٥]","level":3,"page":1081},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٤٦ إلى ١٥٠]","level":3,"page":1085},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٥١ إلى ١٥٣]","level":3,"page":1087},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٥٤ إلى ١٥٧]","level":3,"page":1088},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٥٨]","level":3,"page":1090},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٥٩ إلى ١٦١]","level":3,"page":1091},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٦٢ إلى ١٦٥]","level":3,"page":1093},{"title":"الجزء الثالث","level":1,"page":1096},{"title":"تفسير سورة الأعراف","level":2,"page":1096},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١ إلى ٣]","level":3,"page":1096},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٤ إلى ٥]","level":3,"page":1097},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٦ إلى ٧]","level":3,"page":1098},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٨ إلى ١٠]","level":3,"page":1099},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١١ إلى ١٨]","level":3,"page":1101},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٩ إلى ٢١]","level":3,"page":1105},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٢٢ إلى ٢٥]","level":3,"page":1107},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٢٦]","level":3,"page":1108},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٢٧]","level":3,"page":1110},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٢٨ إلى ٣٠]","level":3,"page":1112},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٣١]","level":3,"page":1113},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٣٢]","level":3,"page":1116},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٣٣]","level":3,"page":1117},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٣٤ إلى ٣٦]","level":3,"page":1118},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٣٧]","level":3,"page":1119},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٣٨ إلى ٣٩]","level":3,"page":1119},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٤٠ إلى ٤٢]","level":3,"page":1121},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٤٣]","level":3,"page":1122},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٤٤ إلى ٤٦]","level":3,"page":1123},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٤٧ إلى ٤٩]","level":3,"page":1125},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٥٠ إلى ٥٣]","level":3,"page":1126},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٥٤ إلى ٥٥]","level":3,"page":1128},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٥٦]","level":3,"page":1131},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٥٧ إلى ٥٨]","level":3,"page":1131},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٥٩ إلى ٦٤]","level":3,"page":1133},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٦٥ إلى ٧٠]","level":3,"page":1134},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٧١ إلى ٧٢]","level":3,"page":1138},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٧٣]","level":3,"page":1139},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٧٤ إلى ٧٩]","level":3,"page":1142},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٨٠ إلى ٨٤]","level":3,"page":1143},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٨٥ إلى ٩٣]","level":3,"page":1145},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٩٤ إلى ٩٦]","level":3,"page":1149},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٩٧ إلى ١٠٠]","level":3,"page":1150},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٠١ إلى ١٠٨]","level":3,"page":1150},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٠٩ إلى ١١٦]","level":3,"page":1153},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١١٧ إلى ١١٩]","level":3,"page":1155},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٢٠ إلى ١٢٧]","level":3,"page":1155},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٢٨ إلى ١٣٢]","level":3,"page":1157},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٣٣ إلى ١٣٧]","level":3,"page":1159},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٣٨ إلى ١٤١]","level":3,"page":1162},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٤٢ إلى ١٤٥]","level":3,"page":1164},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٤٦ إلى ١٤٧]","level":3,"page":1168},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٤٨ إلى ١٥١]","level":3,"page":1169},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٥٢ إلى ١٥٥]","level":3,"page":1170},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٥٦ إلى ١٥٧]","level":3,"page":1172},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٥٨ إلى ١٦٠]","level":3,"page":1176},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٦١ إلى ١٦٢]","level":3,"page":1179},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٦٣ إلى ١٦٦]","level":3,"page":1179},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٦٧ إلى ١٦٨]","level":3,"page":1180},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٦٩ إلى ١٧٠]","level":3,"page":1181},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٧١ إلى ١٧٤]","level":3,"page":1183},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٧٥ إلى ١٧٧]","level":3,"page":1184},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٧٨ إلى ١٨٠]","level":3,"page":1187},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٨١ إلى ١٨٣]","level":3,"page":1188},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٨٤ إلى ١٨٦]","level":3,"page":1189},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٨٧ إلى ١٨٨]","level":3,"page":1190},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٨٩ إلى ١٩٣]","level":3,"page":1192},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٩٤ إلى ١٩٨]","level":3,"page":1196},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٩٩ إلى ٢٠٠]","level":3,"page":1197},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٢٠١ إلى ٢٠٢]","level":3,"page":1198},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٢٠٣ إلى ٢٠٤]","level":3,"page":1199},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٢٠٥ إلى ٢٠٦]","level":3,"page":1200},{"title":"تفسير سورة الأنفال","level":2,"page":1203},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ١]","level":3,"page":1203},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ٢ إلى ٤]","level":3,"page":1204},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ٥ إلى ٦]","level":3,"page":1205},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ٧ إلى ١٠]","level":3,"page":1206},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ١١ إلى ١٣]","level":3,"page":1209},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ١٤ إلى ١٦]","level":3,"page":1212},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ١٧ إلى ١٩]","level":3,"page":1213},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ٢٠ إلى ٢٣]","level":3,"page":1214},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ٢٤ إلى ٢٦]","level":3,"page":1214},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ٢٧ إلى ٢٩]","level":3,"page":1217},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ٣٠ إلى ٣١]","level":3,"page":1218},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ٣٢ إلى ٣٤]","level":3,"page":1220},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ٣٥ إلى ٣٦]","level":3,"page":1221},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ٣٧ إلى ٤٠]","level":3,"page":1223},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ٤١ إلى ٤٤]","level":3,"page":1227},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ٤٥ إلى ٤٧]","level":3,"page":1231},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٤٨]","level":3,"page":1234},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ٤٩ إلى ٥١]","level":3,"page":1235},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ٥٢ إلى ٥٤]","level":3,"page":1235},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ٥٥ إلى ٥٩]","level":3,"page":1236},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٦٠]","level":3,"page":1237},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ٦١ إلى ٦٣]","level":3,"page":1242},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ٦٤ إلى ٦٦]","level":3,"page":1244},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ٦٧ إلى ٦٩]","level":3,"page":1246},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ٧٠ إلى ٧١]","level":3,"page":1248},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٧٢]","level":3,"page":1248},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ٧٣ إلى ٧٥]","level":3,"page":1249},{"title":"تفسير سورة التوبة","level":2,"page":1252},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ١ إلى ٢]","level":3,"page":1252},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٣ إلى ٤]","level":3,"page":1253},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٥ إلى ٧]","level":3,"page":1255},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٨ إلى ١١]","level":3,"page":1256},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ١٢ إلى ١٣]","level":3,"page":1256},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ١٤ إلى ١٥]","level":3,"page":1257},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ١٦ إلى ١٨]","level":3,"page":1259},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ١٩ إلى ٢٢]","level":3,"page":1260},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٢٣ إلى ٢٤]","level":3,"page":1261},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٢٥ إلى ٢٧]","level":3,"page":1262},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٢٨ إلى ٢٩]","level":3,"page":1264},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٣٠ إلى ٣٣]","level":3,"page":1266},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٣٤ إلى ٣٥]","level":3,"page":1268},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٣٦]","level":3,"page":1269},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٣٧ إلى ٣٩]","level":3,"page":1271},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٤٠ إلى ٤١]","level":3,"page":1272},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٤٢ إلى ٤٥]","level":3,"page":1274},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٤٦ إلى ٤٩]","level":3,"page":1275},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٥٠ إلى ٥٢]","level":3,"page":1276},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٥٣ إلى ٥٤]","level":3,"page":1277},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٥٥ إلى ٥٧]","level":3,"page":1277},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٥٨ إلى ٥٩]","level":3,"page":1279},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٦٠]","level":3,"page":1279},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٦١ إلى ٦٢]","level":3,"page":1281},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٦٣ إلى ٦٤]","level":3,"page":1284},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٦٥ إلى ٦٦]","level":3,"page":1284},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٦٧ إلى ٦٨]","level":3,"page":1285},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٦٩ إلى ٧٢]","level":3,"page":1285},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٧٣ إلى ٧٤]","level":3,"page":1287},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٧٥ إلى ٧٩]","level":3,"page":1289},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٨٠ إلى ٨١]","level":3,"page":1292},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٨٢ إلى ٨٤]","level":3,"page":1293},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٨٥ إلى ٨٩]","level":3,"page":1294},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٩٠ إلى ٩٢]","level":3,"page":1295},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٩٣ إلى ٩٤]","level":3,"page":1297},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٩٥ إلى ٩٧]","level":3,"page":1297},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٩٨]","level":3,"page":1298},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٩٩ إلى ١٠٠]","level":3,"page":1298},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٠١]","level":3,"page":1299},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٠٢]","level":3,"page":1300},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ١٠٣ إلى ١٠٤]","level":3,"page":1301},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ١٠٥ إلى ١١٠]","level":3,"page":1302},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ١١١ إلى ١١٢]","level":3,"page":1307},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ١١٣ إلى ١١٦]","level":3,"page":1312},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ١١٧ إلى ١١٨]","level":3,"page":1314},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ١١٩ إلى ١٢١]","level":3,"page":1316},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٢٢]","level":3,"page":1318},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ١٢٣ إلى ١٢٧]","level":3,"page":1321},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ١٢٨ إلى ١٢٩]","level":3,"page":1323},{"title":"تفسير سورة يونس","level":2,"page":1324},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ١ إلى ٢]","level":3,"page":1324},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٣ إلى ٤]","level":3,"page":1325},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٥ إلى ٩]","level":3,"page":1326},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ١٠]","level":3,"page":1328},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ١١ إلى ١٤]","level":3,"page":1330},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ١٥ إلى ١٨]","level":3,"page":1331},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ١٩ إلى ٢١]","level":3,"page":1332},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٢٢ إلى ٢٥]","level":3,"page":1333},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٢٦ إلى ٣١]","level":3,"page":1334},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٣٢ إلى ٣٣]","level":3,"page":1336},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٣٤ إلى ٣٦]","level":3,"page":1337},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٣٧ إلى ٤٠]","level":3,"page":1338},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٤١ إلى ٤٥]","level":3,"page":1340},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٤٦ إلى ٤٧]","level":3,"page":1340},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٤٨ إلى ٥٣]","level":3,"page":1341},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٥٤ إلى ٥٦]","level":3,"page":1342},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٥٧ إلى ٥٩]","level":3,"page":1342},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٦٠ إلى ٦١]","level":3,"page":1343},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٦٢ إلى ٦٤]","level":3,"page":1344},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٦٥ إلى ٦٦]","level":3,"page":1347},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٦٧ إلى ٦٩]","level":3,"page":1347},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٧٠ إلى ٧٢]","level":3,"page":1348},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٧٣ إلى ٧٥]","level":3,"page":1349},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٧٦ إلى ٨٢]","level":3,"page":1350},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٨٣ إلى ٨٦]","level":3,"page":1351},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٨٧ إلى ٩١]","level":3,"page":1352},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٩٢ إلى ٩٣]","level":3,"page":1355},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٩٤ إلى ٩٧]","level":3,"page":1356},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٩٨ إلى ١٠٠]","level":3,"page":1358},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ١٠١ إلى ١٠٣]","level":3,"page":1360},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ١٠٤ إلى ١٠٧]","level":3,"page":1360},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ١٠٨ إلى ١٠٩]","level":3,"page":1361},{"title":"تفسير سورة هود","level":2,"page":1362},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ١ إلى ٤]","level":3,"page":1362},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٥ إلى ٨]","level":3,"page":1363},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٩ إلى ١٣]","level":3,"page":1365},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ١٤ إلى ٢١]","level":3,"page":1366},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٢٢ إلى ٢٤]","level":3,"page":1369},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٢٥ إلى ٢٧]","level":3,"page":1370},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٢٨ إلى ٣٤]","level":3,"page":1371},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٣٥ إلى ٤٠]","level":3,"page":1372},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٤١ إلى ٤٣]","level":3,"page":1374},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٤٤ إلى ٤٨]","level":3,"page":1376},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٤٩ إلى ٥١]","level":3,"page":1378},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٥٢ إلى ٥٩]","level":3,"page":1378},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٦٠ إلى ٦٦]","level":3,"page":1379},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٦٧ إلى ٧٤]","level":3,"page":1381},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٧٥ إلى ٧٦]","level":3,"page":1383},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٧٧ إلى ٨٣]","level":3,"page":1385},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٨٤ إلى ٨٥]","level":3,"page":1387},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٨٦ إلى ٩٤]","level":3,"page":1387},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٩٥ إلى ٩٩]","level":3,"page":1390},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ١٠٠ إلى ١٠٦]","level":3,"page":1392},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ١٠٧ إلى ١١٢]","level":3,"page":1393},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ١١٣ إلى ١١٥]","level":3,"page":1395},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ١١٦ إلى ١١٩]","level":3,"page":1398},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ١٢٠ إلى ١٢٣]","level":3,"page":1399},{"title":"تفسير سورة يوسف","level":2,"page":1401},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ١ إلى ٣]","level":3,"page":1401},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ٤ إلى ٦]","level":3,"page":1402},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ٧ إلى ١٠]","level":3,"page":1402},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ١١ إلى ١٥]","level":3,"page":1403},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ١٦ إلى ١٨]","level":3,"page":1405},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ١٩ إلى ٢٢]","level":3,"page":1406},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ٢٣ إلى ٢٤]","level":3,"page":1409},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ٢٥ إلى ٢٩]","level":3,"page":1412},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ٣٠ إلى ٣٤]","level":3,"page":1413},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٣٥]","level":3,"page":1416},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ٣٦ إلى ٣٨]","level":3,"page":1416},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ٣٩ إلى ٤٢]","level":3,"page":1418},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ٤٣ إلى ٤٥]","level":3,"page":1420},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ٤٦ إلى ٤٩]","level":3,"page":1422},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ٥٠ إلى ٥٣]","level":3,"page":1423},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ٥٤ إلى ٥٧]","level":3,"page":1424},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ٥٨ إلى ٦٧]","level":3,"page":1425},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ٦٨ إلى ٦٩]","level":3,"page":1429},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ٧٠ إلى ٧٢]","level":3,"page":1430},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ٧٣ إلى ٧٦]","level":3,"page":1432},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ٧٧ إلى ٧٩]","level":3,"page":1434},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ٨٠ إلى ٨٤]","level":3,"page":1435},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ٨٥ إلى ٨٨]","level":3,"page":1438},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ٨٩ إلى ٩٢]","level":3,"page":1440},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ٩٣ إلى ٩٦]","level":3,"page":1441},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ٩٧ إلى ١٠٠]","level":3,"page":1442},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ١٠١ إلى ١٠٤]","level":3,"page":1444},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ١٠٥ إلى ١٠٧]","level":3,"page":1445},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ١٠٨ إلى ١١١]","level":3,"page":1446},{"title":"تفسير سورة الرعد","level":2,"page":1449},{"title":"[سورة الرعد (١٣): الآيات ١ إلى ٢]","level":3,"page":1449},{"title":"[سورة الرعد (١٣): الآيات ٣ إلى ٤]","level":3,"page":1450},{"title":"[سورة الرعد (١٣): الآيات ٥ إلى ٧]","level":3,"page":1452},{"title":"[سورة الرعد (١٣): الآيات ٨ إلى ١١]","level":3,"page":1453},{"title":"[سورة الرعد (١٣): الآيات ١٢ إلى ١٤]","level":3,"page":1454},{"title":"[سورة الرعد (١٣): الآيات ١٥ إلى ١٨]","level":3,"page":1456},{"title":"[سورة الرعد (١٣): الآيات ١٩ إلى ٢٥]","level":3,"page":1458},{"title":"[سورة الرعد (١٣): الآيات ٢٦ إلى ٢٩]","level":3,"page":1459},{"title":"[سورة الرعد (١٣): الآيات ٣٠ إلى ٣٢]","level":3,"page":1460},{"title":"[سورة الرعد (١٣): الآيات ٣٣ إلى ٣٥]","level":3,"page":1462},{"title":"[سورة الرعد (١٣): الآيات ٣٦ إلى ٣٨]","level":3,"page":1462},{"title":"[سورة الرعد (١٣): الآيات ٣٩ إلى ٤٣]","level":3,"page":1463},{"title":"تفسير سورة إبراهيم","level":2,"page":1465},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ١ إلى ٣]","level":3,"page":1465},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ٤ إلى ٦]","level":3,"page":1465},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ٧ إلى ٩]","level":3,"page":1466},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ١٠ إلى ١٤]","level":3,"page":1467},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ١٥ إلى ١٦]","level":3,"page":1468},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ١٧ إلى ٢١]","level":3,"page":1468},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ٢٢ إلى ٢٣]","level":3,"page":1470},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ٢٤ إلى ٢٦]","level":3,"page":1471},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ٢٧ إلى ٣٠]","level":3,"page":1472},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ٣١ إلى ٣٤]","level":3,"page":1474},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ٣٥ إلى ٣٩]","level":3,"page":1476},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ٤٠ إلى ٤١]","level":3,"page":1478},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ٤٢ إلى ٤٤]","level":3,"page":1478},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ٤٥ إلى ٤٧]","level":3,"page":1480},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ٤٨ إلى ٥٢]","level":3,"page":1481},{"title":"تفسير سورة الحجر","level":2,"page":1484},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ١ إلى ٢]","level":3,"page":1484},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٣ إلى ٥]","level":3,"page":1485},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٦ إلى ٩]","level":3,"page":1485},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ١٠ إلى ١٥]","level":3,"page":1486},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ١٦ إلى ٢١]","level":3,"page":1487},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٢٢ إلى ٢٥]","level":3,"page":1488},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٢٦ إلى ٣٣]","level":3,"page":1490},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٣٤ إلى ٤٠]","level":3,"page":1491},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٤١ إلى ٤٤]","level":3,"page":1492},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٤٥ إلى ٥٠]","level":3,"page":1492},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٥١ إلى ٥٦]","level":3,"page":1493},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٥٧ إلى ٦٥]","level":3,"page":1494},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٦٦ إلى ٧٧]","level":3,"page":1494},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٧٨ إلى ٨٤]","level":3,"page":1496},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٨٥ إلى ٨٧]","level":3,"page":1497},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٨٨ إلى ٩١]","level":3,"page":1498},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٩٢ إلى ٩٩]","level":3,"page":1499},{"title":"تفسير سورة النحل","level":2,"page":1501},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ١ إلى ٤]","level":3,"page":1501},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ٥ إلى ١٢]","level":3,"page":1502},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ١٣ إلى ١٧]","level":3,"page":1504},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ١٨ إلى ٢١]","level":3,"page":1505},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ٢٢ إلى ٢٥]","level":3,"page":1505},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ٢٦ إلى ٢٩]","level":3,"page":1506},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ٣٠ إلى ٣٢]","level":3,"page":1508},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ٣٣ إلى ٣٥]","level":3,"page":1509},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ٣٦ إلى ٤٠]","level":3,"page":1509},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ٤١ إلى ٤٧]","level":3,"page":1510},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ٤٨ إلى ٥٣]","level":3,"page":1517},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ٥٤ إلى ٥٦]","level":3,"page":1518},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ٥٧ إلى ٥٩]","level":3,"page":1519},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ٦٠ إلى ٦٢]","level":3,"page":1519},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ٦٣ إلى ٦٦]","level":3,"page":1520},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ٦٧ إلى ٧٠]","level":3,"page":1521},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ٧١ إلى ٧٤]","level":3,"page":1524},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ٧٥ إلى ٧٨]","level":3,"page":1525},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ٧٩ إلى ٨٣]","level":3,"page":1526},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ٨٤ إلى ٨٨]","level":3,"page":1528},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ٨٩ إلى ٩١]","level":3,"page":1529},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ٩٢ إلى ٩٣]","level":3,"page":1530},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ٩٤ إلى ٩٧]","level":3,"page":1531},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ٩٨ إلى ١٠٠]","level":3,"page":1532},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ١٠١ إلى ١٠٤]","level":3,"page":1533},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ١٠٥ إلى ١٠٦]","level":3,"page":1533},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ١٠٧ إلى ١٠٩]","level":3,"page":1534},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ١١٠ إلى ١١١]","level":3,"page":1534},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ١١٢ إلى ١١٥]","level":3,"page":1535},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ١١٦ إلى ١١٨]","level":3,"page":1536},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ١١٩ إلى ١٢٣]","level":3,"page":1537},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ١٢٤ إلى ١٢٥]","level":3,"page":1538},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ١٢٦ إلى ١٢٨]","level":3,"page":1539},{"title":"تفسير سورة الإسراء","level":2,"page":1540},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١]","level":3,"page":1540},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٢ إلى ٤]","level":3,"page":1541},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٥ إلى ٨]","level":3,"page":1543},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٩ إلى ١٠]","level":3,"page":1546},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ١١ إلى ١٢]","level":3,"page":1546},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ١٣ إلى ١٥]","level":3,"page":1547},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ١٦ إلى ٢٠]","level":3,"page":1548},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٢١ إلى ٢٢]","level":3,"page":1551},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٢٣ إلى ٢٨]","level":3,"page":1551},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٢٩ إلى ٣٠]","level":3,"page":1561},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٣١ إلى ٣٥]","level":3,"page":1561},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٣٦ إلى ٣٨]","level":3,"page":1564},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٣٩ إلى ٤٠]","level":3,"page":1566},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٤١ إلى ٤٤]","level":3,"page":1567},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٤٥ إلى ٤٧]","level":3,"page":1568},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٤٨ إلى ٥١]","level":3,"page":1568},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٥٢]","level":3,"page":1569},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٥٣ إلى ٥٥]","level":3,"page":1570},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٥٦ إلى ٥٨]","level":3,"page":1571},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٥٩]","level":3,"page":1572},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٦٠ إلى ٦٥]","level":3,"page":1573},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٦٦ إلى ٦٩]","level":3,"page":1576},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٧٠ إلى ٧٣]","level":3,"page":1577},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٧٤ إلى ٧٥]","level":3,"page":1579},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٧٦ إلى ٧٧]","level":3,"page":1580},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٧٨]","level":3,"page":1581},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٧٩ إلى ٨١]","level":3,"page":1582},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٨٢ إلى ٨٤]","level":3,"page":1585},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٨٥ إلى ٨٧]","level":3,"page":1585},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٨٨ إلى ٨٩]","level":3,"page":1587},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٩٠ إلى ٩٥]","level":3,"page":1588},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٩٦ إلى ٩٨]","level":3,"page":1589},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٩٩ إلى ١٠٠]","level":3,"page":1590},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ١٠١ إلى ١٠٤]","level":3,"page":1590},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ١٠٥ إلى ١٠٩]","level":3,"page":1592},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ١١٠ إلى ١١١]","level":3,"page":1593},{"title":"تفسير سورة الكهف","level":2,"page":1596},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ١ إلى ٥]","level":3,"page":1597},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٦ إلى ٨]","level":3,"page":1598},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٩ إلى ١٠]","level":3,"page":1599},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ١١ إلى ١٣]","level":3,"page":1601},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ١٤ إلى ١٦]","level":3,"page":1603},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ١٧ إلى ١٨]","level":3,"page":1604},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ١٩ إلى ٢١]","level":3,"page":1605},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٢٢]","level":3,"page":1607},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٢٣ إلى ٢٦]","level":3,"page":1609},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٢٧ إلى ٢٨]","level":3,"page":1611},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٢٩]","level":3,"page":1612},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٣٠ إلى ٣٢]","level":3,"page":1613},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٣٣ إلى ٣٤]","level":3,"page":1614},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٣٥ إلى ٣٧]","level":3,"page":1615},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٣٨ إلى ٤١]","level":3,"page":1616},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٤٢ إلى ٤٤]","level":3,"page":1617},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٤٥ إلى ٤٨]","level":3,"page":1618},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٤٩ إلى ٥٠]","level":3,"page":1620},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٥١ إلى ٥٣]","level":3,"page":1621},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٥٤ إلى ٥٩]","level":3,"page":1622},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٦٠]","level":3,"page":1623},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٦١ إلى ٧٤]","level":3,"page":1625},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٧٥ إلى ٨٢]","level":3,"page":1627},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٨٣ إلى ٩٢]","level":3,"page":1630},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٩٣ إلى ٩٥]","level":3,"page":1632},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٩٦ إلى ٩٩]","level":3,"page":1633},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ١٠٠ إلى ١٠٦]","level":3,"page":1635},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ١٠٧ إلى ١٠٨]","level":3,"page":1636},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ١٠٩]","level":3,"page":1637},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ١١٠]","level":3,"page":1637},{"title":"محتوى الجزء الثالث من تفسير الثعالبي","level":2,"page":1640},{"title":"الجزء الرابع","level":1,"page":1641},{"title":"تفسير سورة مريم","level":2,"page":1641},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ١ إلى ١١]","level":3,"page":1641},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ١٢ إلى ١٦]","level":3,"page":1645},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ١٧ إلى ١٩]","level":3,"page":1647},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٢٠ إلى ٢٣]","level":3,"page":1648},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٢٤ إلى ٢٨]","level":3,"page":1649},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٢٩ إلى ٣٣]","level":3,"page":1653},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٣٤ إلى ٣٦]","level":3,"page":1654},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٣٧ إلى ٣٩]","level":3,"page":1655},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٤٠ إلى ٤٦]","level":3,"page":1657},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٤٧ إلى ٥٠]","level":3,"page":1658},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٥١ إلى ٥٣]","level":3,"page":1659},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٥٤ إلى ٥٨]","level":3,"page":1659},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٥٩ إلى ٦٣]","level":3,"page":1661},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٦٤ إلى ٦٥]","level":3,"page":1662},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٦٦ إلى ٧٠]","level":3,"page":1665},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٧١ إلى ٧٤]","level":3,"page":1666},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٧٥ إلى ٧٦]","level":3,"page":1670},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٧٧ إلى ٧٩]","level":3,"page":1671},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٨٠ إلى ٨٣]","level":3,"page":1672},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٨٤ إلى ٨٧]","level":3,"page":1673},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٨٨]","level":3,"page":1675},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٨٩ إلى ٩٦]","level":3,"page":1675},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٩٧ إلى ٩٨]","level":3,"page":1678},{"title":"تفسير سورة طه","level":2,"page":1679},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ١ إلى ٨]","level":3,"page":1679},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٩ إلى ١٤]","level":3,"page":1680},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ١٥ إلى ٣٦]","level":3,"page":1683},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٣٧ إلى ٤٦]","level":3,"page":1690},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٤٧ إلى ٥٤]","level":3,"page":1692},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٥٥ إلى ٦٦]","level":3,"page":1693},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٦٧ إلى ٧٣]","level":3,"page":1696},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٧٤ إلى ٧٩]","level":3,"page":1697},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٨٠ إلى ٨٢]","level":3,"page":1698},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٨٣ إلى ٩٨]","level":3,"page":1699},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٩٩ إلى ١٠٤]","level":3,"page":1703},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ١٠٥ إلى ١١٠]","level":3,"page":1704},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١١١]","level":3,"page":1704},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١١٢]","level":3,"page":1705},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ١١٣ إلى ١١٤]","level":3,"page":1706},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ١١٥ إلى ١١٧]","level":3,"page":1706},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ١١٨ إلى ١١٩]","level":3,"page":1707},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ١٢٠ إلى ١٢٧]","level":3,"page":1707},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ١٢٨ إلى ١٣٣]","level":3,"page":1708},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ١٣٤ إلى ١٣٥]","level":3,"page":1712},{"title":"تفسير سورة الأنبياء","level":2,"page":1715},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ١]","level":3,"page":1715},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٢ إلى ٥]","level":3,"page":1716},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٦ إلى ٧]","level":3,"page":1717},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٨ إلى ١٢]","level":3,"page":1717},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ١٣ إلى ١٦]","level":3,"page":1718},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ١٧ إلى ٢٠]","level":3,"page":1719},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٢١ إلى ٢٦]","level":3,"page":1720},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٢٧ إلى ٣٣]","level":3,"page":1720},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٣٤ إلى ٣٥]","level":3,"page":1721},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٣٦ إلى ٣٨]","level":3,"page":1722},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٣٩ إلى ٥٠]","level":3,"page":1723},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٥١ إلى ٥٦]","level":3,"page":1725},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٥٧ إلى ٥٨]","level":3,"page":1725},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٥٩ إلى ٦٣]","level":3,"page":1726},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٦٤ إلى ٧٠]","level":3,"page":1727},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٧١ إلى ٧٦]","level":3,"page":1728},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٧٧ إلى ٨٤]","level":3,"page":1729},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٨٥ إلى ٨٨]","level":3,"page":1733},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٨٩ إلى ٩١]","level":3,"page":1735},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٩٢ إلى ٩٥]","level":3,"page":1736},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٩٦]","level":3,"page":1737},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٩٧ إلى ١٠١]","level":3,"page":1738},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ١٠٢ إلى ١٠٥]","level":3,"page":1739},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ١٠٦ إلى ١١٢]","level":3,"page":1740},{"title":"تفسير سورة الحج","level":2,"page":1742},{"title":"[سورة الحج (٢٢): الآيات ١ إلى ٢]","level":3,"page":1742},{"title":"[سورة الحج (٢٢): الآيات ٣ إلى ٤]","level":3,"page":1744},{"title":"[سورة الحج (٢٢): الآيات ٥ إلى ٧]","level":3,"page":1745},{"title":"[سورة الحج (٢٢): الآيات ٨ إلى ١٠]","level":3,"page":1746},{"title":"[سورة الحج (٢٢): الآيات ١١ إلى ١٨]","level":3,"page":1747},{"title":"[سورة الحج (٢٢): الآيات ١٩ إلى ٢٢]","level":3,"page":1749},{"title":"[سورة الحج (٢٢): الآيات ٢٣ إلى ٢٤]","level":3,"page":1750},{"title":"[سورة الحج (٢٢): الآيات ٢٥ إلى ٢٩]","level":3,"page":1751},{"title":"[سورة الحج (٢٢): الآيات ٣٠ إلى ٣١]","level":3,"page":1754},{"title":"[سورة الحج (٢٢): الآيات ٣٢ إلى ٣٥]","level":3,"page":1757},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٣٦]","level":3,"page":1759},{"title":"[سورة الحج (٢٢): الآيات ٣٧ إلى ٣٩]","level":3,"page":1761},{"title":"[سورة الحج (٢٢): الآيات ٤٠ إلى ٤١]","level":3,"page":1762},{"title":"[سورة الحج (٢٢): الآيات ٤٢ إلى ٥١]","level":3,"page":1764},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٥٢]","level":3,"page":1765},{"title":"[سورة الحج (٢٢): الآيات ٥٣ إلى ٥٧]","level":3,"page":1769},{"title":"[سورة الحج (٢٢): الآيات ٥٨ إلى ٦٢]","level":3,"page":1770},{"title":"[سورة الحج (٢٢): الآيات ٦٣ إلى ٦٤]","level":3,"page":1771},{"title":"[سورة الحج (٢٢): الآيات ٦٥ إلى ٦٧]","level":3,"page":1771},{"title":"[سورة الحج (٢٢): الآيات ٦٨ إلى ٧١]","level":3,"page":1772},{"title":"[سورة الحج (٢٢): الآيات ٧٢ إلى ٧٤]","level":3,"page":1772},{"title":"[سورة الحج (٢٢): الآيات ٧٥ إلى ٧٧]","level":3,"page":1773},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٧٨]","level":3,"page":1775},{"title":"تفسير سورة المؤمنين","level":2,"page":1777},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ١ إلى ٤]","level":3,"page":1777},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٥ إلى ١١]","level":3,"page":1778},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ١٢ إلى ١٤]","level":3,"page":1779},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ١٥ إلى ١٩]","level":3,"page":1781},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٢٠ إلى ٢٦]","level":3,"page":1782},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٢٧ إلى ٣٠]","level":3,"page":1783},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٣١ إلى ٣٩]","level":3,"page":1784},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٤٠ إلى ٤٨]","level":3,"page":1785},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٤٩ إلى ٥٠]","level":3,"page":1786},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٥١ إلى ٦٠]","level":3,"page":1787},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٦١ إلى ٦٥]","level":3,"page":1790},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٦٦ إلى ٧٦]","level":3,"page":1791},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٧٧ إلى ٨٣]","level":3,"page":1795},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٨٤ إلى ٩١]","level":3,"page":1795},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٩٢ إلى ٩٨]","level":3,"page":1796},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٩٩ إلى ١٠٤]","level":3,"page":1798},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ١٠٥ إلى ١٠٨]","level":3,"page":1800},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ١٠٩ إلى ١١٨]","level":3,"page":1800},{"title":"تفسير سورة النور","level":2,"page":1803},{"title":"[سورة النور (٢٤): الآيات ١ إلى ٣]","level":3,"page":1803},{"title":"[سورة النور (٢٤): الآيات ٤ إلى ٥]","level":3,"page":1806},{"title":"[سورة النور (٢٤): الآيات ٦ إلى ١٠]","level":3,"page":1808},{"title":"[سورة النور (٢٤): الآيات ١١ إلى ١٣]","level":3,"page":1810},{"title":"[سورة النور (٢٤): الآيات ١٤ إلى ١٨]","level":3,"page":1811},{"title":"[سورة النور (٢٤): الآيات ١٩ إلى ٢١]","level":3,"page":1811},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٢٢]","level":3,"page":1813},{"title":"[سورة النور (٢٤): الآيات ٢٣ إلى ٢٥]","level":3,"page":1815},{"title":"[سورة النور (٢٤): الآيات ٢٦ إلى ٢٨]","level":3,"page":1815},{"title":"[سورة النور (٢٤): الآيات ٢٩ إلى ٣١]","level":3,"page":1817},{"title":"[سورة النور (٢٤): الآيات ٣٢ إلى ٣٤]","level":3,"page":1821},{"title":"[سورة النور (٢٤): الآيات ٣٥ إلى ٣٧]","level":3,"page":1823},{"title":"[سورة النور (٢٤): الآيات ٣٨ إلى ٤٠]","level":3,"page":1827},{"title":"[سورة النور (٢٤): الآيات ٤١ إلى ٤٤]","level":3,"page":1828},{"title":"[سورة النور (٢٤): الآيات ٤٥ إلى ٥١]","level":3,"page":1829},{"title":"[سورة النور (٢٤): الآيات ٥٢ إلى ٥٤]","level":3,"page":1830},{"title":"[سورة النور (٢٤): الآيات ٥٥ إلى ٥٧]","level":3,"page":1831},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٥٨]","level":3,"page":1832},{"title":"[سورة النور (٢٤): الآيات ٥٩ إلى ٦٠]","level":3,"page":1832},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٦١]","level":3,"page":1833},{"title":"[سورة النور (٢٤): الآيات ٦٢ إلى ٦٤]","level":3,"page":1837},{"title":"تفسير سورة الفرقان","level":2,"page":1838},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ١ إلى ٣]","level":3,"page":1838},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٤ إلى ٦]","level":3,"page":1838},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٧ إلى ١٤]","level":3,"page":1839},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ١٥ إلى ١٨]","level":3,"page":1839},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ١٩ إلى ٢٠]","level":3,"page":1840},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٢١ إلى ٢٤]","level":3,"page":1842},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٢٥ إلى ٢٩]","level":3,"page":1843},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٣٠ إلى ٣٤]","level":3,"page":1844},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٣٥ إلى ٤٤]","level":3,"page":1846},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٤٥ إلى ٥٢]","level":3,"page":1847},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٥٣ إلى ٥٧]","level":3,"page":1848},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٥٨ إلى ٥٩]","level":3,"page":1849},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٦٠ إلى ٦١]","level":3,"page":1851},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٦٢ إلى ٦٣]","level":3,"page":1851},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٦٤ إلى ٦٦]","level":3,"page":1853},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٦٧]","level":3,"page":1854},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٦٨ إلى ٧٢]","level":3,"page":1854},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٧٣ إلى ٧٦]","level":3,"page":1856},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٧٧]","level":3,"page":1858},{"title":"تفسير سورة الشعراء","level":2,"page":1860},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١ إلى ٤]","level":3,"page":1860},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٥ إلى ٩]","level":3,"page":1860},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٠ إلى ٢١]","level":3,"page":1861},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٢٢ إلى ٣٤]","level":3,"page":1862},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٣٥ إلى ٤٥]","level":3,"page":1863},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٤٦ إلى ٦٨]","level":3,"page":1863},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٦٩ إلى ٨٢]","level":3,"page":1864},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٨٣ إلى ١٠٦]","level":3,"page":1866},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٠٧ إلى ١٢٧]","level":3,"page":1867},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٢٨ إلى ١٤٥]","level":3,"page":1868},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٤٦ إلى ١٥٩]","level":3,"page":1869},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٦٠ إلى ١٧٥]","level":3,"page":1870},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٧٦ إلى ١٩١]","level":3,"page":1871},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٩٢ إلى ١٩٩]","level":3,"page":1871},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٢٠٠ إلى ٢٠٣]","level":3,"page":1873},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٢٠٤ إلى ٢١١]","level":3,"page":1873},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٢١٢ إلى ٢١٧]","level":3,"page":1874},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٢١٨ إلى ٢٢٠]","level":3,"page":1874},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٢٢١ إلى ٢٢٦]","level":3,"page":1875},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢٢٧]","level":3,"page":1876},{"title":"تفسير\"سورة النمل","level":2,"page":1878},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ١ إلى ٥]","level":3,"page":1878},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ٦ إلى ٩]","level":3,"page":1878},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ١٠ إلى ١٤]","level":3,"page":1879},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ١٥ إلى ١٧]","level":3,"page":1880},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ١٨ إلى ٢٤]","level":3,"page":1882},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ٢٥ إلى ٣٥]","level":3,"page":1884},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ٣٦ إلى ٤٢]","level":3,"page":1886},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ٤٣ إلى ٤٤]","level":3,"page":1888},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ٤٥ إلى ٥٣]","level":3,"page":1889},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ٥٤ إلى ٥٨]","level":3,"page":1890},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ٥٩ إلى ٦١]","level":3,"page":1891},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ٦٢ إلى ٦٦]","level":3,"page":1892},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ٦٧ إلى ٨٢]","level":3,"page":1893},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ٨٣ إلى ٨٧]","level":3,"page":1896},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ٨٨ إلى ٩٠]","level":3,"page":1897},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ٩١ إلى ٩٣]","level":3,"page":1898},{"title":"تفسير\"سورة القصص\"","level":2,"page":1899},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ١ إلى ٩]","level":3,"page":1899},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ١٠ إلى ١٤]","level":3,"page":1901},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ١٥ إلى ٢٤]","level":3,"page":1902},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ٢٥ إلى ٢٨]","level":3,"page":1905},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ٢٩ إلى ٤٠]","level":3,"page":1907},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ٤١ إلى ٤٣]","level":3,"page":1908},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ٤٤ إلى ٤٥]","level":3,"page":1909},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ٤٦ إلى ٤٧]","level":3,"page":1910},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ٤٨ إلى ٥٠]","level":3,"page":1910},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ٥١ إلى ٦٠]","level":3,"page":1911},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ٦١ إلى ٦٤]","level":3,"page":1914},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ٦٥ إلى ٧٢]","level":3,"page":1915},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ٧٣ إلى ٧٥]","level":3,"page":1916},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ٧٦ إلى ٧٩]","level":3,"page":1917},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ٨٠ إلى ٨٢]","level":3,"page":1920},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ٨٣ إلى ٨٤]","level":3,"page":1922},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ٨٥ إلى ٨٨]","level":3,"page":1922},{"title":"تفسير\"سورة العنكبوت\"","level":2,"page":1924},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ١ إلى ٣]","level":3,"page":1924},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٤ إلى ٧]","level":3,"page":1924},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٨ إلى ١١]","level":3,"page":1925},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ١٢ إلى ١٣]","level":3,"page":1926},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ١٤ إلى ١٨]","level":3,"page":1926},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ١٩ إلى ٢٥]","level":3,"page":1927},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٢٦ إلى ٣٥]","level":3,"page":1928},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٣٦ إلى ٤١]","level":3,"page":1930},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٤٢ إلى ٤٥]","level":3,"page":1930},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٤٦ إلى ٤٩]","level":3,"page":1933},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٥٠ إلى ٥٢]","level":3,"page":1936},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٥٣ إلى ٥٦]","level":3,"page":1936},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٥٧ إلى ٦٣]","level":3,"page":1937},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٦٤ إلى ٦٩]","level":3,"page":1939},{"title":"تفسير\"سورة الروم\"","level":2,"page":1941},{"title":"[سورة الروم (٣٠): الآيات ١ إلى ٨]","level":3,"page":1941},{"title":"[سورة الروم (٣٠): الآيات ٩ إلى ١٣]","level":3,"page":1943},{"title":"[سورة الروم (٣٠): الآيات ١٤ إلى ١٦]","level":3,"page":1944},{"title":"[سورة الروم (٣٠): الآيات ١٧ إلى ٢٩]","level":3,"page":1944},{"title":"[سورة الروم (٣٠): الآيات ٣٠ إلى ٣٢]","level":3,"page":1947},{"title":"[سورة الروم (٣٠): الآيات ٣٣ إلى ٤٧]","level":3,"page":1949},{"title":"[سورة الروم (٣٠): الآيات ٤٨ إلى ٥٣]","level":3,"page":1952},{"title":"[سورة الروم (٣٠): الآيات ٥٤ إلى ٦٠]","level":3,"page":1952},{"title":"تفسير\"سورة لقمان\"","level":2,"page":1954},{"title":"[سورة لقمان (٣١): الآيات ١ إلى ٦]","level":3,"page":1954},{"title":"[سورة لقمان (٣١): الآيات ٧ إلى ١١]","level":3,"page":1955},{"title":"[سورة لقمان (٣١): الآيات ١٢ إلى ١٣]","level":3,"page":1955},{"title":"[سورة لقمان (٣١): الآيات ١٤ إلى ٢١]","level":3,"page":1956},{"title":"[سورة لقمان (٣١): الآيات ٢٢ إلى ٢٦]","level":3,"page":1959},{"title":"[سورة لقمان (٣١): الآيات ٢٧ إلى ٣٢]","level":3,"page":1959},{"title":"[سورة لقمان (٣١): الآيات ٣٣ إلى ٣٤]","level":3,"page":1960},{"title":"تفسير\"سورة السجدة\"","level":2,"page":1962},{"title":"[سورة السجده (٣٢): الآيات ١ إلى ٤]","level":3,"page":1962},{"title":"[سورة السجده (٣٢): الآيات ٥ إلى ٩]","level":3,"page":1963},{"title":"[سورة السجده (٣٢): الآيات ١٠ إلى ١٥]","level":3,"page":1963},{"title":"[سورة السجده (٣٢): الآيات ١٦ إلى ٢٢]","level":3,"page":1964},{"title":"[سورة السجده (٣٢): الآيات ٢٣ إلى ٢٥]","level":3,"page":1967},{"title":"[سورة السجده (٣٢): الآيات ٢٦ إلى ٣٠]","level":3,"page":1968},{"title":"تفسير\"سورة الأحزاب\"","level":2,"page":1970},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ١ إلى ٥]","level":3,"page":1970},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٦]","level":3,"page":1972},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٧ إلى ٨]","level":3,"page":1973},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٩ إلى ١٢]","level":3,"page":1973},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ١٣ إلى ٢١]","level":3,"page":1975},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٢٢ إلى ٢٥]","level":3,"page":1978},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٢٦ إلى ٢٧]","level":3,"page":1979},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٢٨ إلى ٣٤]","level":3,"page":1980},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٣٥]","level":3,"page":1983},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٣٦]","level":3,"page":1984},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٣٧]","level":3,"page":1985},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٣٨ إلى ٣٩]","level":3,"page":1986},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٤٠ إلى ٤٤]","level":3,"page":1986},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٤٥ إلى ٤٩]","level":3,"page":1987},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٥٠]","level":3,"page":1988},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٥١]","level":3,"page":1989},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٥٢ إلى ٥٥]","level":3,"page":1991},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٥٦ إلى ٥٩]","level":3,"page":1993},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٦٠ إلى ٧١]","level":3,"page":1995},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٧٢ إلى ٧٣]","level":3,"page":1997},{"title":"تفسير\"سورة سبإ\"","level":2,"page":1999},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): الآيات ١ إلى ٢]","level":3,"page":1999},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): الآيات ٣ إلى ١١]","level":3,"page":1999},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): الآيات ١٢ إلى ١٣]","level":3,"page":2001},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ١٤]","level":3,"page":2004},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): الآيات ١٥ إلى ١٧]","level":3,"page":2005},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): الآيات ١٨ إلى ١٩]","level":3,"page":2007},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): الآيات ٢٠ إلى ٢٤]","level":3,"page":2008},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): الآيات ٢٥ إلى ٣٠]","level":3,"page":2010},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): الآيات ٣١ إلى ٣٣]","level":3,"page":2011},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): الآيات ٣٤ إلى ٣٧]","level":3,"page":2011},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): الآيات ٣٨ إلى ٤٣]","level":3,"page":2012},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): الآيات ٤٤ إلى ٤٦]","level":3,"page":2013},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): الآيات ٤٧ إلى ٥٠]","level":3,"page":2014},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): الآيات ٥١ إلى ٥٤]","level":3,"page":2014},{"title":"تفسير سورة فاطر","level":2,"page":2017},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): الآيات ١ إلى ٤]","level":3,"page":2017},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): الآيات ٥ إلى ٧]","level":3,"page":2018},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): الآيات ٨ إلى ١٠]","level":3,"page":2019},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): الآيات ١١ إلى ١٤]","level":3,"page":2020},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): الآيات ١٥ إلى ١٨]","level":3,"page":2022},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): الآيات ١٩ إلى ٢٨]","level":3,"page":2022},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): الآيات ٢٩ إلى ٣١]","level":3,"page":2025},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): الآيات ٣٢ إلى ٣٥]","level":3,"page":2026},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): الآيات ٣٦ إلى ٤١]","level":3,"page":2028},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): الآيات ٤٢ إلى ٤٥]","level":3,"page":2029},{"title":"محتوى الجزء الرابع من تفسير\"الثعالبي\"","level":2,"page":2031},{"title":"الجزء الخامس","level":1,"page":2032},{"title":"تفسير سورة يس","level":2,"page":2032},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ١ إلى ٧]","level":3,"page":2032},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ٨ إلى ١٠]","level":3,"page":2033},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ١١ إلى ١٢]","level":3,"page":2034},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ١٣ إلى ٢٧]","level":3,"page":2035},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ٢٨ إلى ٣٢]","level":3,"page":2038},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ٣٣ إلى ٣٦]","level":3,"page":2039},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ٣٧ إلى ٤٠]","level":3,"page":2039},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ٤١ إلى ٤٦]","level":3,"page":2040},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ٤٧ إلى ٥٠]","level":3,"page":2041},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ٥١ إلى ٥٤]","level":3,"page":2043},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ٥٥ إلى ٥٨]","level":3,"page":2044},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ٥٩ إلى ٦٥]","level":3,"page":2045},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ٦٦ إلى ٦٩]","level":3,"page":2045},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ٧٠ إلى ٧٦]","level":3,"page":2046},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ٧٧ إلى ٨٣]","level":3,"page":2047},{"title":"تفسير سورة\"الصافات\"","level":2,"page":2049},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١ إلى ١٠]","level":3,"page":2049},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١١ إلى ١٣]","level":3,"page":2050},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٤ إلى ٢٦]","level":3,"page":2051},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٢٧ إلى ٣٤]","level":3,"page":2053},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٣٥ إلى ٣٩]","level":3,"page":2054},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٤٠ إلى ٤٨]","level":3,"page":2055},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٤٩ إلى ٥٣]","level":3,"page":2056},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٥٤ إلى ٦١]","level":3,"page":2058},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٦٢ إلى ٧٢]","level":3,"page":2059},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٧٣ إلى ٧٦]","level":3,"page":2060},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٧٧ إلى ٨٢]","level":3,"page":2061},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٨٣ إلى ٨٧]","level":3,"page":2062},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٨٨ إلى ٩٠]","level":3,"page":2063},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٩١ إلى ١٠٢]","level":3,"page":2063},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٠٣ إلى ١٢٤]","level":3,"page":2071},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٢٥ إلى ١٣٨]","level":3,"page":2073},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٣٩ إلى ١٤٢]","level":3,"page":2074},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٤٣ إلى ١٤٤]","level":3,"page":2075},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٤٥ إلى ١٤٦]","level":3,"page":2075},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٤٧ إلى ١٥٧]","level":3,"page":2076},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٥٨ إلى ١٦٠]","level":3,"page":2077},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٦١ إلى ١٧٣]","level":3,"page":2078},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٧٤ إلى ١٨٢]","level":3,"page":2079},{"title":"تفسير سورة\"ص\"","level":2,"page":2081},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ١ إلى ٥]","level":3,"page":2081},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ٦ إلى ٨]","level":3,"page":2083},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ٩ إلى ١٤]","level":3,"page":2084},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ١٥ إلى ١٩]","level":3,"page":2085},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ٢٠ إلى ٢٢]","level":3,"page":2088},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ٢٣ إلى ٢٥]","level":3,"page":2089},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ٢٦ إلى ٢٨]","level":3,"page":2091},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ٢٩ إلى ٣٣]","level":3,"page":2092},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ٣٤ إلى ٣٥]","level":3,"page":2094},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ٣٦ إلى ٤٨]","level":3,"page":2096},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ٤٩ إلى ٥٤]","level":3,"page":2099},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ٥٥ إلى ٦١]","level":3,"page":2099},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ٦٢ إلى ٦٩]","level":3,"page":2101},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ٧٠ إلى ٧٦]","level":3,"page":2102},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ٧٧ إلى ٨٦]","level":3,"page":2103},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ٨٧ إلى ٨٨]","level":3,"page":2104},{"title":"تفسير سورة الزمر","level":2,"page":2105},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): الآيات ١ إلى ٥]","level":3,"page":2105},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٦ إلى ٧]","level":3,"page":2107},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٨ إلى ٩]","level":3,"page":2108},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): الآيات ١٠ إلى ١٦]","level":3,"page":2111},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): الآيات ١٧ إلى ١٨]","level":3,"page":2112},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): الآيات ١٩ إلى ٢١]","level":3,"page":2113},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٢٢]","level":3,"page":2113},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٢٣]","level":3,"page":2114},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٢٤ إلى ٢٨]","level":3,"page":2116},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٢٩ إلى ٣١]","level":3,"page":2117},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٣٢ إلى ٣٥]","level":3,"page":2118},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٣٦ إلى ٤٤]","level":3,"page":2119},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٤٥ إلى ٥٢]","level":3,"page":2122},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٥٣ إلى ٥٤]","level":3,"page":2123},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٥٥ إلى ٦٠]","level":3,"page":2124},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٦١ إلى ٦٦]","level":3,"page":2125},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٦٧ إلى ٧٢]","level":3,"page":2126},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٧٣ إلى ٧٥]","level":3,"page":2128},{"title":"تفسير\"سورة غافر\"","level":2,"page":2130},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ١ إلى ٥]","level":3,"page":2130},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٦ إلى ٩]","level":3,"page":2131},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ١٠ إلى ١١]","level":3,"page":2133},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ١٢ إلى ١٤]","level":3,"page":2134},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ١٥ إلى ١٨]","level":3,"page":2134},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ١٩ إلى ٢٠]","level":3,"page":2136},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٢١ إلى ٢٥]","level":3,"page":2137},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٢٦ إلى ٣٣]","level":3,"page":2138},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٣٤ إلى ٤٠]","level":3,"page":2142},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٤١ إلى ٥٦]","level":3,"page":2143},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٥٧ إلى ٥٩]","level":3,"page":2146},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٦٠]","level":3,"page":2147},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٦١ إلى ٦٦]","level":3,"page":2148},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٦٧ إلى ٦٨]","level":3,"page":2148},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٦٩ إلى ٧٧]","level":3,"page":2149},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٧٨ إلى ٨١]","level":3,"page":2150},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٨٢ إلى ٨٥]","level":3,"page":2150},{"title":"تفسير سورة فصلت","level":2,"page":2152},{"title":"[سورة فصلت (٤١): الآيات ١ إلى ١١]","level":3,"page":2152},{"title":"[سورة فصلت (٤١): الآيات ١٢ إلى ١٥]","level":3,"page":2155},{"title":"[سورة فصلت (٤١): الآيات ١٦ إلى ٢١]","level":3,"page":2157},{"title":"[سورة فصلت (٤١): الآيات ٢٢ إلى ٢٥]","level":3,"page":2158},{"title":"[سورة فصلت (٤١): الآيات ٢٦ إلى ٢٩]","level":3,"page":2160},{"title":"[سورة فصلت (٤١): الآيات ٣٠ إلى ٣٢]","level":3,"page":2162},{"title":"[سورة فصلت (٤١): الآيات ٣٣ إلى ٣٥]","level":3,"page":2165},{"title":"[سورة فصلت (٤١): الآيات ٣٦ إلى ٣٩]","level":3,"page":2166},{"title":"[سورة فصلت (٤١): الآيات ٤٠ إلى ٤٣]","level":3,"page":2169},{"title":"[سورة فصلت (٤١): الآيات ٤٤ إلى ٤٦]","level":3,"page":2170},{"title":"[سورة فصلت (٤١): الآيات ٤٧ إلى ٥٠]","level":3,"page":2172},{"title":"[سورة فصلت (٤١): الآيات ٥١ إلى ٥٤]","level":3,"page":2173},{"title":"تفسير سورة الشورى","level":2,"page":2175},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): الآيات ١ إلى ٥]","level":3,"page":2175},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٦ إلى ٨]","level":3,"page":2176},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٩ إلى ١٢]","level":3,"page":2178},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): الآيات ١٣ إلى ١٥]","level":3,"page":2179},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): الآيات ١٦ إلى ١٩]","level":3,"page":2181},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٢٠ إلى ٢٢]","level":3,"page":2182},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٢٣ إلى ٢٦]","level":3,"page":2184},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٢٧ إلى ٢٩]","level":3,"page":2186},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٣٠ إلى ٣٣]","level":3,"page":2188},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٣٤ إلى ٣٧]","level":3,"page":2190},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٣٨ إلى ٤١]","level":3,"page":2191},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٤٢ إلى ٤٥]","level":3,"page":2193},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٤٦ إلى ٤٨]","level":3,"page":2194},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٤٩ إلى ٥١]","level":3,"page":2195},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٥٢ إلى ٥٣]","level":3,"page":2196},{"title":"التعريف برحلة المؤلف","level":4,"page":2198},{"title":"تفسير سورة الزخرف","level":2,"page":2199},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ١ إلى ٤]","level":3,"page":2199},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٥ إلى ٨]","level":3,"page":2199},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٩ إلى ١٤]","level":3,"page":2200},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ١٥ إلى ١٩]","level":3,"page":2203},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٢٠ إلى ٢٥]","level":3,"page":2204},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٢٦ إلى ٢٨]","level":3,"page":2205},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٢٩ إلى ٣٥]","level":3,"page":2205},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٣٦ إلى ٤٢]","level":3,"page":2209},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٤٣ إلى ٤٥]","level":3,"page":2210},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٤٦ إلى ٥١]","level":3,"page":2211},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٥٢ إلى ٥٦]","level":3,"page":2212},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٥٧ إلى ٥٩]","level":3,"page":2213},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٦٠ إلى ٦٢]","level":3,"page":2214},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٦٣ إلى ٦٥]","level":3,"page":2215},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٦٦ إلى ٦٧]","level":3,"page":2215},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٦٨ إلى ٧٣]","level":3,"page":2217},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٧٤ إلى ٧٧]","level":3,"page":2217},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٧٨ إلى ٨٣]","level":3,"page":2218},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٨٤ إلى ٨٩]","level":3,"page":2219},{"title":"تفسير سورة الدخان","level":2,"page":2221},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): الآيات ١ إلى ٣]","level":3,"page":2221},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٤ إلى ١٧]","level":3,"page":2221},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): الآيات ١٨ إلى ٢٤]","level":3,"page":2222},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٢٥ إلى ٣٦]","level":3,"page":2224},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٣٧ إلى ٤٢]","level":3,"page":2228},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٤٣ إلى ٤٩]","level":3,"page":2228},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٥٠ إلى ٥٤]","level":3,"page":2229},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٥٥ إلى ٥٩]","level":3,"page":2230},{"title":"تفسير سورة الجاثية","level":2,"page":2231},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ١ إلى ٨]","level":3,"page":2231},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ٩ إلى ١٠]","level":3,"page":2232},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ١١ إلى ١٣]","level":3,"page":2232},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ١٤ إلى ١٧]","level":3,"page":2233},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ١٨ إلى ٢٠]","level":3,"page":2233},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ٢١ إلى ٢٢]","level":3,"page":2234},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ٢٣ إلى ٢٤]","level":3,"page":2235},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ٢٥ إلى ٢٩]","level":3,"page":2236},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ٣٠ إلى ٣٣]","level":3,"page":2237},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ٣٤ إلى ٣٧]","level":3,"page":2238},{"title":"تفسير سورة الأحقاف","level":2,"page":2239},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ١ إلى ٥]","level":3,"page":2239},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ٦ إلى ٩]","level":3,"page":2240},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ١٠ إلى ١٤]","level":3,"page":2241},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ١٥ إلى ١٦]","level":3,"page":2243},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ١٧ إلى ١٩]","level":3,"page":2245},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ٢٠ إلى ٢٢]","level":3,"page":2247},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ٢٣ إلى ٢٦]","level":3,"page":2249},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ٢٧ إلى ٢٨]","level":3,"page":2250},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ٢٩ إلى ٣٣]","level":3,"page":2250},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ٣٤ إلى ٣٥]","level":3,"page":2252},{"title":"تفسير سورة محمد","level":2,"page":2255},{"title":"[سورة محمد (٤٧): الآيات ١ إلى ٣]","level":3,"page":2255},{"title":"[سورة محمد (٤٧): الآيات ٤ إلى ٩]","level":3,"page":2256},{"title":"[سورة محمد (٤٧): الآيات ١٠ إلى ١٢]","level":3,"page":2260},{"title":"[سورة محمد (٤٧): الآيات ١٣ إلى ١٥]","level":3,"page":2260},{"title":"[سورة محمد (٤٧): الآيات ١٦ إلى ٢١]","level":3,"page":2262},{"title":"[سورة محمد (٤٧): الآيات ٢٢ إلى ٢٤]","level":3,"page":2265},{"title":"[سورة محمد (٤٧): الآيات ٢٥ إلى ٢٩]","level":3,"page":2267},{"title":"[سورة محمد (٤٧): الآيات ٣٠ إلى ٣٢]","level":3,"page":2268},{"title":"[سورة محمد (٤٧): الآيات ٣٣ إلى ٣٥]","level":3,"page":2269},{"title":"[سورة محمد (٤٧): الآيات ٣٦ إلى ٣٨]","level":3,"page":2270},{"title":"تفسير سورة الفتح","level":2,"page":2275},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): الآيات ١ إلى ٤]","level":3,"page":2275},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): الآيات ٥ إلى ٧]","level":3,"page":2276},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): الآيات ٨ إلى ٩]","level":3,"page":2277},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ١٠]","level":3,"page":2278},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): الآيات ١١ إلى ١٧]","level":3,"page":2279},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): الآيات ١٨ إلى ٢٠]","level":3,"page":2281},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): الآيات ٢١ إلى ٢٦]","level":3,"page":2283},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): الآيات ٢٧ إلى ٢٨]","level":3,"page":2287},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ٢٩]","level":3,"page":2288},{"title":"تفسير سورة\"الحجرات\"","level":2,"page":2294},{"title":"[سورة الحجرات (٤٩): الآيات ١ إلى ٣]","level":3,"page":2294},{"title":"[سورة الحجرات (٤٩): الآيات ٤ إلى ٨]","level":3,"page":2296},{"title":"[سورة الحجرات (٤٩): الآيات ٩ إلى ١٠]","level":3,"page":2297},{"title":"[سورة الحجرات (٤٩): الآيات ١١ إلى ١٢]","level":3,"page":2298},{"title":"[سورة الحجرات (٤٩): الآيات ١٣ إلى ١٤]","level":3,"page":2304},{"title":"[سورة الحجرات (٤٩): الآيات ١٥ إلى ١٨]","level":3,"page":2305},{"title":"تفسير سورة\"ق\"","level":2,"page":2307},{"title":"[سورة ق (٥٠): الآيات ١ إلى ١٤]","level":3,"page":2307},{"title":"[سورة ق (٥٠): الآيات ١٥ إلى ١٧]","level":3,"page":2309},{"title":"[سورة ق (٥٠): الآيات ١٨ إلى ٢٢]","level":3,"page":2310},{"title":"[سورة ق (٥٠): الآيات ٢٣ إلى ٢٨]","level":3,"page":2314},{"title":"[سورة ق (٥٠): الآيات ٢٩ إلى ٣١]","level":3,"page":2316},{"title":"[سورة ق (٥٠): الآيات ٣٢ إلى ٣٧]","level":3,"page":2317},{"title":"[سورة ق (٥٠): الآيات ٣٨ إلى ٤٠]","level":3,"page":2320},{"title":"[سورة ق (٥٠): الآيات ٤١ إلى ٤٥]","level":3,"page":2321},{"title":"تفسير سورة\"الذاريات\"","level":2,"page":2323},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): الآيات ١ إلى ٧]","level":3,"page":2323},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٨ إلى ١٢]","level":3,"page":2324},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): الآيات ١٣ إلى ١٧]","level":3,"page":2325},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): الآيات ١٨ إلى ٢١]","level":3,"page":2326},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٢٢ إلى ٢٣]","level":3,"page":2327},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٢٤ إلى ٣٦]","level":3,"page":2329},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٣٧ إلى ٤٤]","level":3,"page":2330},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٤٥ إلى ٤٨]","level":3,"page":2331},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٤٩ إلى ٥٥]","level":3,"page":2332},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٥٦ إلى ٦٠]","level":3,"page":2333},{"title":"تفسير سورة\"الطور\"","level":2,"page":2336},{"title":"[سورة الطور (٥٢): الآيات ١ إلى ١٦]","level":3,"page":2336},{"title":"[سورة الطور (٥٢): الآيات ١٧ إلى ٢٠]","level":3,"page":2338},{"title":"[سورة الطور (٥٢): الآيات ٢١ إلى ٢٨]","level":3,"page":2339},{"title":"[سورة الطور (٥٢): الآيات ٢٩ إلى ٣٤]","level":3,"page":2343},{"title":"[سورة الطور (٥٢): الآيات ٣٥ إلى ٣٦]","level":3,"page":2344},{"title":"[سورة الطور (٥٢): الآيات ٣٧ إلى ٤٣]","level":3,"page":2344},{"title":"[سورة الطور (٥٢): الآيات ٤٤ إلى ٤٩]","level":3,"page":2345},{"title":"تفسير سورة\"النجم\"","level":2,"page":2348},{"title":"[سورة النجم (٥٣): الآيات ١ إلى ٣]","level":3,"page":2348},{"title":"[سورة النجم (٥٣): الآيات ٤ إلى ١٠]","level":3,"page":2349},{"title":"[سورة النجم (٥٣): الآيات ١١ إلى ١٥]","level":3,"page":2350},{"title":"[سورة النجم (٥٣): الآيات ١٦ إلى ٢٥]","level":3,"page":2352},{"title":"[سورة النجم (٥٣): الآيات ٢٦ إلى ٣٢]","level":3,"page":2354},{"title":"[سورة النجم (٥٣): الآيات ٣٣ إلى ٣٨]","level":3,"page":2356},{"title":"[سورة النجم (٥٣): الآيات ٣٩ إلى ٤١]","level":3,"page":2357},{"title":"[سورة النجم (٥٣): الآيات ٤٢ إلى ٥٤]","level":3,"page":2358},{"title":"[سورة النجم (٥٣): الآيات ٥٥ إلى ٥٨]","level":3,"page":2360},{"title":"[سورة النجم (٥٣): الآيات ٥٩ إلى ٦٢]","level":3,"page":2361},{"title":"تفسير سورة\"القمر\"","level":2,"page":2363},{"title":"[سورة القمر (٥٤): الآيات ١ إلى ٨]","level":3,"page":2363},{"title":"[سورة القمر (٥٤): الآيات ٩ إلى ١٥]","level":3,"page":2365},{"title":"[سورة القمر (٥٤): الآيات ١٦ إلى ١٩]","level":3,"page":2366},{"title":"[سورة القمر (٥٤): الآيات ٢٠ إلى ٤١]","level":3,"page":2366},{"title":"[سورة القمر (٥٤): الآيات ٤٢ إلى ٤٨]","level":3,"page":2369},{"title":"[سورة القمر (٥٤): الآيات ٤٩ إلى ٥٥]","level":3,"page":2370},{"title":"تفسير سورة الرحمن","level":2,"page":2372},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ١ إلى ٥]","level":3,"page":2372},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٦ إلى ١٣]","level":3,"page":2373},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ١٤ إلى ٢١]","level":3,"page":2375},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٢٢ إلى ٢٥]","level":3,"page":2377},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٢٦ إلى ٢٨]","level":3,"page":2378},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٢٩ إلى ٣٦]","level":3,"page":2378},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٣٧ إلى ٤٥]","level":3,"page":2379},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٤٦ إلى ٥٧]","level":3,"page":2381},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٥٨ إلى ٦١]","level":3,"page":2382},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٦٢ إلى ٧٨]","level":3,"page":2383},{"title":"تفسير سورة الواقعة","level":2,"page":2387},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ١ إلى ٧]","level":3,"page":2387},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٨ إلى ١٢]","level":3,"page":2388},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ١٣ إلى ٢٥]","level":3,"page":2389},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٢٦ إلى ٣٨]","level":3,"page":2391},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٣٩ إلى ٥٠]","level":3,"page":2394},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٥١ إلى ٥٧]","level":3,"page":2395},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٥٨ إلى ٦٣]","level":3,"page":2395},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٦٤ إلى ٧٤]","level":3,"page":2396},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٧٥ إلى ٨٠]","level":3,"page":2397},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٨١ إلى ٨٤]","level":3,"page":2399},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٨٥ إلى ٨٧]","level":3,"page":2399},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٨٨ إلى ٩٠]","level":3,"page":2400},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٩١ إلى ٩٦]","level":3,"page":2401},{"title":"تفسير سورة الحديد","level":2,"page":2404},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): الآيات ١ إلى ٦]","level":3,"page":2404},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): الآيات ٧ إلى ٩]","level":3,"page":2405},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): الآيات ١٠ إلى ١١]","level":3,"page":2405},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): الآيات ١٢ إلى ١٣]","level":3,"page":2408},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): الآيات ١٤ إلى ١٥]","level":3,"page":2411},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ١٦]","level":3,"page":2413},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): الآيات ١٧ إلى ١٩]","level":3,"page":2413},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ٢٠]","level":3,"page":2416},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): الآيات ٢١ إلى ٢٣]","level":3,"page":2418},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): الآيات ٢٤ إلى ٢٧]","level":3,"page":2420},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): الآيات ٢٨ إلى ٢٩]","level":3,"page":2422},{"title":"تفسير سورة المجادلة","level":2,"page":2424},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): الآيات ١ إلى ٤]","level":3,"page":2424},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): الآيات ٥ إلى ٧]","level":3,"page":2426},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): الآيات ٨ إلى ١٠]","level":3,"page":2426},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): الآيات ١١ إلى ١٢]","level":3,"page":2427},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): الآيات ١٣ إلى ١٨]","level":3,"page":2431},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): الآيات ١٩ إلى ٢٢]","level":3,"page":2431},{"title":"تفسير سورة الحشر","level":2,"page":2433},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): الآيات ١ إلى ٤]","level":3,"page":2433},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): الآيات ٥ إلى ٧]","level":3,"page":2434},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): الآيات ٨ إلى ٩]","level":3,"page":2435},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): الآيات ١٠ إلى ١٤]","level":3,"page":2437},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): الآيات ١٥ إلى ١٧]","level":3,"page":2439},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): الآيات ١٨ إلى ٢٠]","level":3,"page":2440},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): الآيات ٢١ إلى ٢٤]","level":3,"page":2441},{"title":"تفسير سورة الممتحنة","level":2,"page":2443},{"title":"[سورة الممتحنة (٦٠): آية ١]","level":3,"page":2443},{"title":"[سورة الممتحنة (٦٠): الآيات ٢ إلى ٣]","level":3,"page":2444},{"title":"[سورة الممتحنة (٦٠): الآيات ٤ إلى ٥]","level":3,"page":2445},{"title":"[سورة الممتحنة (٦٠): الآيات ٦ إلى ٧]","level":3,"page":2446},{"title":"[سورة الممتحنة (٦٠): الآيات ٨ إلى ١١]","level":3,"page":2447},{"title":"[سورة الممتحنة (٦٠): الآيات ١٢ إلى ١٣]","level":3,"page":2449},{"title":"تفسير سورة الصف","level":2,"page":2451},{"title":"[سورة الصف (٦١): الآيات ١ إلى ٣]","level":3,"page":2451},{"title":"[سورة الصف (٦١): الآيات ٤ إلى ٩]","level":3,"page":2452},{"title":"[سورة الصف (٦١): الآيات ١٠ إلى ١٢]","level":3,"page":2454},{"title":"[سورة الصف (٦١): الآيات ١٣ إلى ١٤]","level":3,"page":2454},{"title":"تفسير سورة الجمعة","level":2,"page":2455},{"title":"[سورة الجمعة (٦٢): الآيات ١ إلى ٥]","level":3,"page":2455},{"title":"[سورة الجمعة (٦٢): الآيات ٦ إلى ٨]","level":3,"page":2456},{"title":"[سورة الجمعة (٦٢): الآيات ٩ إلى ١١]","level":3,"page":2456},{"title":"تفسير سورة\"المنافقون\"","level":2,"page":2461},{"title":"[سورة المنافقون (٦٣): الآيات ١ إلى ٣]","level":3,"page":2461},{"title":"[سورة المنافقون (٦٣): الآيات ٤ إلى ٦]","level":3,"page":2461},{"title":"[سورة المنافقون (٦٣): الآيات ٧ إلى ٨]","level":3,"page":2463},{"title":"[سورة المنافقون (٦٣): الآيات ٩ إلى ١١]","level":3,"page":2463},{"title":"تفسير سورة\"التغابن\"","level":2,"page":2465},{"title":"[سورة التغابن (٦٤): الآيات ١ إلى ٤]","level":3,"page":2465},{"title":"[سورة التغابن (٦٤): الآيات ٥ إلى ١٠]","level":3,"page":2466},{"title":"[سورة التغابن (٦٤): الآيات ١١ إلى ١٣]","level":3,"page":2466},{"title":"[سورة التغابن (٦٤): الآيات ١٤ إلى ١٥]","level":3,"page":2467},{"title":"[سورة التغابن (٦٤): الآيات ١٦ إلى ١٨]","level":3,"page":2468},{"title":"تفسير سورة الطلاق","level":2,"page":2470},{"title":"[سورة الطلاق (٦٥): الآيات ١ إلى ٣]","level":3,"page":2470},{"title":"[سورة الطلاق (٦٥): الآيات ٤ إلى ٦]","level":3,"page":2473},{"title":"[سورة الطلاق (٦٥): الآيات ٧ إلى ١١]","level":3,"page":2474},{"title":"[سورة الطلاق (٦٥): آية ١٢]","level":3,"page":2475},{"title":"تفسير سورة التحريم","level":2,"page":2477},{"title":"[سورة التحريم (٦٦): الآيات ١ إلى ٥]","level":3,"page":2477},{"title":"[سورة التحريم (٦٦): الآيات ٦ إلى ٩]","level":3,"page":2479},{"title":"[سورة التحريم (٦٦): الآيات ١٠ إلى ١٢]","level":3,"page":2480},{"title":"تفسير سورة الملك","level":2,"page":2482},{"title":"[سورة الملك (٦٧): آية ١]","level":3,"page":2483},{"title":"[سورة الملك (٦٧): الآيات ٢ إلى ٥]","level":3,"page":2483},{"title":"[سورة الملك (٦٧): الآيات ٦ إلى ١١]","level":3,"page":2485},{"title":"[سورة الملك (٦٧): الآيات ١٢ إلى ٢٠]","level":3,"page":2486},{"title":"[سورة الملك (٦٧): الآيات ٢١ إلى ٢٤]","level":3,"page":2487},{"title":"[سورة الملك (٦٧): الآيات ٢٥ إلى ٣٠]","level":3,"page":2488},{"title":"تفسير سورة القلم","level":2,"page":2490},{"title":"[سورة القلم (٦٨): الآيات ١ إلى ٧]","level":3,"page":2490},{"title":"[سورة القلم (٦٨): الآيات ٨ إلى ١١]","level":3,"page":2492},{"title":"[سورة القلم (٦٨): الآيات ١٢ إلى ١٥]","level":3,"page":2494},{"title":"[سورة القلم (٦٨): الآيات ١٦ إلى ٣٢]","level":3,"page":2494},{"title":"[سورة القلم (٦٨): الآيات ٣٣ إلى ٤٣]","level":3,"page":2496},{"title":"[سورة القلم (٦٨): الآيات ٤٤ إلى ٥٢]","level":3,"page":2498},{"title":"تفسير سورة\"الحاقة\"","level":2,"page":2500},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ١ إلى ٤]","level":3,"page":2500},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ٥ إلى ١٧]","level":3,"page":2500},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ١٨ إلى ٢٩]","level":3,"page":2502},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ٣٠ إلى ٣٣]","level":3,"page":2504},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ٣٤ إلى ٣٧]","level":3,"page":2505},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ٣٨ إلى ٤٠]","level":3,"page":2506},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ٤١ إلى ٤٤]","level":3,"page":2506},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ٤٥ إلى ٥٢]","level":3,"page":2506},{"title":"تفسير سورة\"المعارج\"","level":2,"page":2508},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): الآيات ١ إلى ٣]","level":3,"page":2508},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): آية ٤]","level":3,"page":2509},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): الآيات ٥ إلى ١٨]","level":3,"page":2510},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): الآيات ١٩ إلى ٢١]","level":3,"page":2511},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): الآيات ٢٢ إلى ٢٣]","level":3,"page":2512},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): الآيات ٢٤ إلى ٣١]","level":3,"page":2512},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): الآيات ٣٢ إلى ٣٥]","level":3,"page":2513},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): الآيات ٣٦ إلى ٣٧]","level":3,"page":2513},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): الآيات ٣٨ إلى ٤٤]","level":3,"page":2513},{"title":"تفسير سورة نوح ﵇","level":2,"page":2515},{"title":"[سورة نوح (٧١): الآيات ١ إلى ٤]","level":3,"page":2515},{"title":"[سورة نوح (٧١): الآيات ٥ إلى ١٠]","level":3,"page":2515},{"title":"[سورة نوح (٧١): الآيات ١١ إلى ١٢]","level":3,"page":2516},{"title":"[سورة نوح (٧١): الآيات ١٣ إلى ١٥]","level":3,"page":2516},{"title":"[سورة نوح (٧١): الآيات ١٦ إلى ٢٤]","level":3,"page":2517},{"title":"[سورة نوح (٧١): الآيات ٢٥ إلى ٢٨]","level":3,"page":2518},{"title":"تفسير سورة الجن","level":2,"page":2520},{"title":"[سورة الجن (٧٢): الآيات ١ إلى ٣]","level":3,"page":2520},{"title":"[سورة الجن (٧٢): الآيات ٤ إلى ٥]","level":3,"page":2521},{"title":"[سورة الجن (٧٢): الآيات ٦ إلى ١٠]","level":3,"page":2521},{"title":"[سورة الجن (٧٢): الآيات ١١ إلى ١٥]","level":3,"page":2523},{"title":"[سورة الجن (٧٢): الآيات ١٦ إلى ١٨]","level":3,"page":2524},{"title":"[سورة الجن (٧٢): الآيات ١٩ إلى ٢٢]","level":3,"page":2524},{"title":"[سورة الجن (٧٢): الآيات ٢٣ إلى ٢٤]","level":3,"page":2525},{"title":"[سورة الجن (٧٢): الآيات ٢٥ إلى ٢٨]","level":3,"page":2526},{"title":"تفسير سورة المزمل","level":2,"page":2527},{"title":"[سورة المزمل (٧٣): الآيات ١ إلى ٤]","level":3,"page":2527},{"title":"[سورة المزمل (٧٣): الآيات ٥ إلى ١٠]","level":3,"page":2529},{"title":"[سورة المزمل (٧٣): الآيات ١١ إلى ١٤]","level":3,"page":2530},{"title":"[سورة المزمل (٧٣): الآيات ١٥ إلى ١٧]","level":3,"page":2531},{"title":"[سورة المزمل (٧٣): الآيات ١٨ إلى ١٩]","level":3,"page":2531},{"title":"[سورة المزمل (٧٣): آية ٢٠]","level":3,"page":2532},{"title":"تفسير سورة المدثر","level":2,"page":2536},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): الآيات ١ إلى ٦]","level":3,"page":2536},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): الآيات ٧ إلى ١٠]","level":3,"page":2538},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): الآيات ١١ إلى ١٥]","level":3,"page":2539},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): الآيات ١٦ إلى ٢٨]","level":3,"page":2540},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): الآيات ٢٩ إلى ٣٥]","level":3,"page":2540},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): الآيات ٣٦ إلى ٤١]","level":3,"page":2542},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): الآيات ٤٢ إلى ٤٩]","level":3,"page":2543},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): الآيات ٥٠ إلى ٥٦]","level":3,"page":2544},{"title":"تفسير سورة القيامة","level":2,"page":2546},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): الآيات ١ إلى ٩]","level":3,"page":2546},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): الآيات ١٠ إلى ١٣]","level":3,"page":2548},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): الآيات ١٤ إلى ١٩]","level":3,"page":2548},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): الآيات ٢٠ إلى ٢٥]","level":3,"page":2550},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): الآيات ٢٦ إلى ٣٠]","level":3,"page":2551},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): الآيات ٣١ إلى ٣٣]","level":3,"page":2551},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): الآيات ٣٤ إلى ٤٠]","level":3,"page":2552},{"title":"تفسير سورة\"الإنسان\"","level":2,"page":2554},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): الآيات ١ إلى ٥]","level":3,"page":2554},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): الآيات ٦ إلى ٨]","level":3,"page":2555},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): الآيات ٩ إلى ١٩]","level":3,"page":2557},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): الآيات ٢٠ إلى ٢٢]","level":3,"page":2559},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): الآيات ٢٣ إلى ٢٦]","level":3,"page":2560},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): الآيات ٢٧ إلى ٢٨]","level":3,"page":2560},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): الآيات ٢٩ إلى ٣١]","level":3,"page":2562},{"title":"تفسير سورة\"المرسلات\"","level":2,"page":2563},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): الآيات ١ إلى ٦]","level":3,"page":2563},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): الآيات ٧ إلى ١٥]","level":3,"page":2564},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): الآيات ١٦ إلى ٣٧]","level":3,"page":2564},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): الآيات ٣٨ إلى ٤٥]","level":3,"page":2567},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): الآيات ٤٦ إلى ٥٠]","level":3,"page":2567},{"title":"تفسير سورة النبأ","level":2,"page":2568},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): الآيات ١ إلى ٣]","level":3,"page":2568},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): الآيات ٤ إلى ٧]","level":3,"page":2568},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): الآيات ٨ إلى ٢٣]","level":3,"page":2569},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): الآيات ٢٤ إلى ٣٧]","level":3,"page":2570},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): الآيات ٣٨ إلى ٤٠]","level":3,"page":2571},{"title":"تفسير سورة\"النازعات\"","level":2,"page":2574},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): الآيات ١ إلى ٩]","level":3,"page":2574},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): الآيات ١٠ إلى ٢٩]","level":3,"page":2575},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): الآيات ٣٠ إلى ٣٦]","level":3,"page":2576},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): الآيات ٣٧ إلى ٤١]","level":3,"page":2577},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): الآيات ٤٢ إلى ٤٦]","level":3,"page":2577},{"title":"تفسير سورة\"عبس\"","level":2,"page":2578},{"title":"[سورة عبس (٨٠): الآيات ١ إلى ٨]","level":3,"page":2578},{"title":"[سورة عبس (٨٠): الآيات ٩ إلى ١٢]","level":3,"page":2578},{"title":"[سورة عبس (٨٠): الآيات ١٣ إلى ١٦]","level":3,"page":2579},{"title":"[سورة عبس (٨٠): الآيات ١٧ إلى ٢٢]","level":3,"page":2580},{"title":"[سورة عبس (٨٠): الآيات ٢٣ إلى ٣٣]","level":3,"page":2580},{"title":"[سورة عبس (٨٠): الآيات ٣٤ إلى ٤٢]","level":3,"page":2581},{"title":"تفسير سورة\"التكوير\"","level":2,"page":2582},{"title":"[سورة التكوير (٨١): الآيات ١ إلى ٥]","level":3,"page":2582},{"title":"[سورة التكوير (٨١): الآيات ٦ إلى ١٤]","level":3,"page":2582},{"title":"[سورة التكوير (٨١): الآيات ١٥ إلى ٢٣]","level":3,"page":2584},{"title":"[سورة التكوير (٨١): الآيات ٢٤ إلى ٢٩]","level":3,"page":2585},{"title":"تفسير سورة\"الانفطار\"","level":2,"page":2586},{"title":"[سورة الانفطار (٨٢): الآيات ١ إلى ٤]","level":3,"page":2586},{"title":"[سورة الانفطار (٨٢): الآيات ٥ إلى ٧]","level":3,"page":2586},{"title":"[سورة الانفطار (٨٢): الآيات ٨ إلى ١٤]","level":3,"page":2587},{"title":"[سورة الانفطار (٨٢): الآيات ١٥ إلى ١٩]","level":3,"page":2587},{"title":"تفسير سورة\"المطففين\"","level":2,"page":2589},{"title":"[سورة المطففين (٨٣): الآيات ١ إلى ٣]","level":3,"page":2589},{"title":"[سورة المطففين (٨٣): الآيات ٤ إلى ٦]","level":3,"page":2589},{"title":"[سورة المطففين (٨٣): آية ٧]","level":3,"page":2590},{"title":"[سورة المطففين (٨٣): الآيات ٨ إلى ٢٦]","level":3,"page":2590},{"title":"[سورة المطففين (٨٣): الآيات ٢٧ إلى ٢٨]","level":3,"page":2592},{"title":"[سورة المطففين (٨٣): الآيات ٢٩ إلى ٣٤]","level":3,"page":2592},{"title":"[سورة المطففين (٨٣): الآيات ٣٥ إلى ٣٦]","level":3,"page":2593},{"title":"تفسير سورة\"الانشقاق\"","level":2,"page":2594},{"title":"[سورة الانشقاق (٨٤): الآيات ١ إلى ٥]","level":3,"page":2594},{"title":"[سورة الانشقاق (٨٤): الآيات ٦ إلى ١٢]","level":3,"page":2595},{"title":"[سورة الانشقاق (٨٤): الآيات ١٣ إلى ١٥]","level":3,"page":2596},{"title":"[سورة الانشقاق (٨٤): الآيات ١٦ إلى ٢٥]","level":3,"page":2596},{"title":"تفسير سورة\"البروج\"","level":2,"page":2598},{"title":"[سورة البروج (٨٥): الآيات ١ إلى ٣]","level":3,"page":2598},{"title":"[سورة البروج (٨٥): الآيات ٤ إلى ٩]","level":3,"page":2598},{"title":"[سورة البروج (٨٥): الآيات ١٠ إلى ١٢]","level":3,"page":2599},{"title":"[سورة البروج (٨٥): الآيات ١٣ إلى ٢٢]","level":3,"page":2599},{"title":"تفسير سورة\"والطارق\"","level":2,"page":2601},{"title":"[سورة الطارق (٨٦): الآيات ١ إلى ٤]","level":3,"page":2601},{"title":"[سورة الطارق (٨٦): الآيات ٥ إلى ٧]","level":3,"page":2601},{"title":"[سورة الطارق (٨٦): الآيات ٨ إلى ١٧]","level":3,"page":2602},{"title":"تفسير سورة\"الأعلى\"","level":2,"page":2604},{"title":"[سورة الأعلى (٨٧): الآيات ١ إلى ٥]","level":3,"page":2604},{"title":"[سورة الأعلى (٨٧): الآيات ٦ إلى ٧]","level":3,"page":2605},{"title":"[سورة الأعلى (٨٧): الآيات ٨ إلى ١٣]","level":3,"page":2605},{"title":"[سورة الأعلى (٨٧): الآيات ١٤ إلى ١٩]","level":3,"page":2606},{"title":"تفسير سورة\"الغاشية\"","level":2,"page":2609},{"title":"[سورة الغاشية (٨٨): الآيات ١ إلى ٢]","level":3,"page":2609},{"title":"[سورة الغاشية (٨٨): الآيات ٣ إلى ١٠]","level":3,"page":2609},{"title":"[سورة الغاشية (٨٨): الآيات ١١ إلى ١٣]","level":3,"page":2610},{"title":"[سورة الغاشية (٨٨): الآيات ١٤ إلى ٢٢]","level":3,"page":2610},{"title":"[سورة الغاشية (٨٨): الآيات ٢٣ إلى ٢٦]","level":3,"page":2611},{"title":"تفسير سورة\"الفجر\"","level":2,"page":2612},{"title":"[سورة الفجر (٨٩): الآيات ١ إلى ٤]","level":3,"page":2612},{"title":"[سورة الفجر (٨٩): الآيات ٥ إلى ١٤]","level":3,"page":2612},{"title":"[سورة الفجر (٨٩): الآيات ١٥ إلى ٢١]","level":3,"page":2614},{"title":"[سورة الفجر (٨٩): الآيات ٢٢ إلى ٢٣]","level":3,"page":2614},{"title":"[سورة الفجر (٨٩): الآيات ٢٤ إلى ٣٠]","level":3,"page":2615},{"title":"تفسير سورة\"البلد\"","level":2,"page":2617},{"title":"[سورة البلد (٩٠): الآيات ١ إلى ٢]","level":3,"page":2617},{"title":"[سورة البلد (٩٠): الآيات ٣ إلى ١٠]","level":3,"page":2617},{"title":"[سورة البلد (٩٠): الآيات ١١ إلى ١٦]","level":3,"page":2619},{"title":"[سورة البلد (٩٠): الآيات ١٧ إلى ٢٠]","level":3,"page":2619},{"title":"تفسير سورة\"الشمس\"","level":2,"page":2621},{"title":"[سورة الشمس (٩١): الآيات ١ إلى ٢]","level":3,"page":2621},{"title":"[سورة الشمس (٩١): الآيات ٣ إلى ٧]","level":3,"page":2621},{"title":"[سورة الشمس (٩١): الآيات ٨ إلى ١٥]","level":3,"page":2622},{"title":"تفسير سورة\"الليل\"","level":2,"page":2625},{"title":"[سورة الليل (٩٢): الآيات ١ إلى ٢]","level":3,"page":2625},{"title":"[سورة الليل (٩٢): الآيات ٣ إلى ١٤]","level":3,"page":2625},{"title":"[سورة الليل (٩٢): الآيات ١٥ إلى ٢١]","level":3,"page":2627},{"title":"تفسير سورة\"الضحى\"","level":2,"page":2628},{"title":"[سورة الضحى (٩٣): الآيات ١ إلى ٦]","level":3,"page":2628},{"title":"[سورة الضحى (٩٣): الآيات ٧ إلى ١١]","level":3,"page":2629},{"title":"تفسير سورة\"الشرح\"","level":2,"page":2631},{"title":"[سورة الشرح (٩٤): الآيات ١ إلى ٨]","level":3,"page":2631},{"title":"تفسير سورة\"التين\"","level":2,"page":2633},{"title":"[سورة التين (٩٥): الآيات ١ إلى ٨]","level":3,"page":2633},{"title":"تفسير سورة\"العلق\"","level":2,"page":2635},{"title":"[سورة العلق (٩٦): الآيات ١ إلى ٥]","level":3,"page":2635},{"title":"[سورة العلق (٩٦): الآيات ٦ إلى ١٣]","level":3,"page":2635},{"title":"[سورة العلق (٩٦): الآيات ١٤ إلى ١٩]","level":3,"page":2636},{"title":"تفسير سورة\"القدر\"","level":2,"page":2638},{"title":"[سورة القدر (٩٧): الآيات ١ إلى ٥]","level":3,"page":2638},{"title":"تفسير سورة\"البينة\"","level":2,"page":2640},{"title":"[سورة البينة (٩٨): الآيات ١ إلى ٨]","level":3,"page":2640},{"title":"تفسير سورة\"الزلزلة\"","level":2,"page":2642},{"title":"[سورة الزلزلة (٩٩): الآيات ١ إلى ٤]","level":3,"page":2642},{"title":"[سورة الزلزلة (٩٩): الآيات ٥ إلى ٨]","level":3,"page":2643},{"title":"تفسير سورة\"العاديات\"","level":2,"page":2645},{"title":"[سورة العاديات (١٠٠): الآيات ١ إلى ٦]","level":3,"page":2645},{"title":"[سورة العاديات (١٠٠): الآيات ٧ إلى ١١]","level":3,"page":2646},{"title":"تفسير سورة\"القارعة\"","level":2,"page":2648},{"title":"[سورة القارعة (١٠١): الآيات ١ إلى ١١]","level":3,"page":2648},{"title":"تفسير سورة\"التكاثر\"","level":2,"page":2649},{"title":"[سورة التكاثر (١٠٢): الآيات ١ إلى ٤]","level":3,"page":2649},{"title":"[سورة التكاثر (١٠٢): الآيات ٥ إلى ٨]","level":3,"page":2650},{"title":"تفسير سورة\"العصر\"","level":2,"page":2652},{"title":"[سورة العصر (١٠٣): الآيات ١ إلى ٣]","level":3,"page":2652},{"title":"تفسير سورة\"الهمزة\"","level":2,"page":2653},{"title":"[سورة الهمزة (١٠٤): الآيات ١ إلى ٩]","level":3,"page":2653},{"title":"تفسير سورة\"الفيل\"","level":2,"page":2654},{"title":"[سورة الفيل (١٠٥): الآيات ١ إلى ٥]","level":3,"page":2654},{"title":"تفسير سورة\"قريش\"","level":2,"page":2656},{"title":"[سورة قريش (١٠٦): الآيات ١ إلى ٤]","level":3,"page":2656},{"title":"تفسير سورة\"الماعون\"","level":2,"page":2657},{"title":"[سورة الماعون (١٠٧): الآيات ١ إلى ٧]","level":3,"page":2657},{"title":"تفسير سورة\"الكوثر\"","level":2,"page":2659},{"title":"[سورة الكوثر (١٠٨): الآيات ١ إلى ٣]","level":3,"page":2659},{"title":"تفسير سورة\"الكافرون\"","level":2,"page":2661},{"title":"[سورة الكافرون (١٠٩): الآيات ١ إلى ٦]","level":3,"page":2661},{"title":"تفسير سورة\"النصر\"","level":2,"page":2662},{"title":"[سورة النصر (١١٠): الآيات ١ إلى ٣]","level":3,"page":2662},{"title":"تفسير سورة\"المسد\"","level":2,"page":2663},{"title":"[سورة المسد (١١١): الآيات ١ إلى ٥]","level":3,"page":2663},{"title":"تفسير سورة\"الإخلاص\"","level":2,"page":2665},{"title":"[سورة الإخلاص (١١٢): الآيات ١ إلى ٤]","level":3,"page":2665},{"title":"تفسير سورة\"الفلق\"","level":2,"page":2667},{"title":"[سورة الفلق (١١٣): الآيات ١ إلى ٥]","level":3,"page":2667},{"title":"تفسير سورة الناس","level":2,"page":2669},{"title":"[سورة الناس (١١٤): الآيات ١ إلى ٦]","level":3,"page":2669},{"title":"محتوى الجزء الخامس من تفسير الثعالبي","level":2,"page":2671},{"title":"ثبت وبيان بأهم مراجع التحقيق","level":2,"page":2674},{"title":"حرف الألف","level":3,"page":2674},{"title":"حرف الباء","level":3,"page":2677},{"title":"حرف التاء","level":3,"page":2677},{"title":"حرف الثاء","level":3,"page":2681},{"title":"حرف الجيم","level":3,"page":2681},{"title":"حرف الخاء","level":3,"page":2683},{"title":"حرف الدال","level":3,"page":2683},{"title":"حرف الراء","level":3,"page":2684},{"title":"حرف الزاي","level":3,"page":2684},{"title":"حرف السين","level":3,"page":2685},{"title":"حرف الشين","level":3,"page":2686},{"title":"حرف الصاد","level":3,"page":2687},{"title":"حرف الضاد","level":3,"page":2688},{"title":"حرف الطاء","level":3,"page":2688},{"title":"حرف العين","level":3,"page":2689},{"title":"حرف الغين","level":3,"page":2690},{"title":"حرف الفاء","level":3,"page":2690},{"title":"حرف القاف","level":3,"page":2691},{"title":"حرف الكاف","level":3,"page":2691},{"title":"حرف اللام","level":3,"page":2692},{"title":"حرف الميم","level":3,"page":2692},{"title":"حرف النون","level":3,"page":2697},{"title":"حرف الهاء","level":3,"page":2698},{"title":"حرف الواو","level":3,"page":2698}],"ٛ":{"1,5":1,"1,6":2,"1,7":3,"1,8":4,"1,9":5,"1,10":6,"1,11":7,"1,12":8,"1,13":9,"1,14":10,"1,15":11,"1,16":12,"1,17":13,"1,18":14,"1,19":15,"1,20":16,"1,21":17,"1,22":18,"1,23":19,"1,24":20,"1,25":21,"1,26":22,"1,27":23,"1,28":24,"1,29":25,"1,30":26,"1,31":27,"1,32":28,"1,33":29,"1,34":30,"1,35":31,"1,36":32,"1,37":33,"1,38":34,"1,39":35,"1,40":36,"1,41":37,"1,42":38,"1,43":39,"1,44":40,"1,45":41,"1,46":42,"1,47":43,"1,48":44,"1,49":45,"1,50":46,"1,51":47,"1,52":48,"1,53":49,"1,54":50,"1,55":51,"1,56":52,"1,57":53,"1,58":54,"1,59":55,"1,60":56,"1,61":57,"1,62":58,"1,63":59,"1,64":60,"1,65":61,"1,66":62,"1,67":63,"1,68":64,"1,69":65,"1,70":66,"1,71":67,"1,72":68,"1,73":69,"1,74":70,"1,75":71,"1,76":72,"1,77":73,"1,78":74,"1,79":75,"1,80":76,"1,81":77,"1,82":78,"1,83":79,"1,84":80,"1,85":81,"1,86":82,"1,87":83,"1,88":84,"1,89":85,"1,90":86,"1,91":87,"1,92":88,"1,93":89,"1,94":90,"1,95":91,"1,96":92,"1,97":93,"1,98":94,"1,99":95,"1,100":96,"1,101":97,"1,102":98,"1,103":99,"1,104":100,"1,105":101,"1,106":102,"1,107":103,"1,108":104,"1,109":105,"1,110":106,"1,111":107,"1,112":108,"1,113":109,"1,114":110,"1,115":111,"1,116":112,"1,117":113,"1,118":114,"1,119":115,"1,120":116,"1,121":117,"1,122":118,"1,123":119,"1,124":120,"1,125":121,"1,126":122,"1,127":123,"1,128":124,"1,129":125,"1,130":126,"1,131":127,"1,132":128,"1,133":129,"1,134":130,"1,135":131,"1,136":132,"1,137":133,"1,138":134,"1,139":135,"1,140":136,"1,141":137,"1,142":138,"1,143":139,"1,144":140,"1,145":141,"1,146":142,"1,147":143,"1,148":144,"1,149":145,"1,150":146,"1,151":147,"1,152":148,"1,153":149,"1,154":150,"1,155":151,"1,156":152,"1,157":153,"1,158":154,"1,159":155,"1,160":156,"1,161":157,"1,162":158,"1,163":159,"1,164":160,"1,165":161,"1,166":162,"1,167":163,"1,168":164,"1,169":165,"1,170":166,"1,171":167,"1,172":168,"1,173":169,"1,174":170,"1,175":171,"1,176":172,"1,177":173,"1,178":174,"1,179":175,"1,180":176,"1,181":177,"1,182":178,"1,183":179,"1,184":180,"1,185":181,"1,186":182,"1,187":183,"1,188":184,"1,189":185,"1,190":186,"1,191":187,"1,192":188,"1,193":189,"1,194":190,"1,195":191,"1,196":192,"1,197":193,"1,198":194,"1,199":195,"1,200":196,"1,201":197,"1,202":198,"1,203":199,"1,204":200,"1,205":201,"1,206":202,"1,207":203,"1,208":204,"1,209":205,"1,210":206,"1,211":207,"1,212":208,"1,213":209,"1,214":210,"1,215":211,"1,216":212,"1,217":213,"1,218":214,"1,219":215,"1,220":216,"1,221":217,"1,222":218,"1,223":219,"1,224":220,"1,225":221,"1,226":222,"1,227":223,"1,228":224,"1,229":225,"1,230":226,"1,231":227,"1,232":228,"1,233":229,"1,234":230,"1,235":231,"1,236":232,"1,237":233,"1,238":234,"1,239":235,"1,240":236,"1,241":237,"1,242":238,"1,243":239,"1,244":240,"1,245":241,"1,246":242,"1,247":243,"1,248":244,"1,249":245,"1,250":246,"1,251":247,"1,252":248,"1,253":249,"1,254":250,"1,255":251,"1,256":252,"1,257":253,"1,258":254,"1,259":255,"1,260":256,"1,261":257,"1,262":258,"1,263":259,"1,264":260,"1,265":261,"1,266":262,"1,267":263,"1,268":264,"1,269":265,"1,270":266,"1,271":267,"1,272":268,"1,273":269,"1,274":270,"1,275":271,"1,276":272,"1,277":273,"1,278":274,"1,279":275,"1,280":276,"1,281":277,"1,282":278,"1,283":279,"1,284":280,"1,285":281,"1,286":282,"1,287":283,"1,288":284,"1,289":285,"1,290":286,"1,291":287,"1,292":288,"1,293":289,"1,294":290,"1,295":291,"1,296":292,"1,297":293,"1,298":294,"1,299":295,"1,300":296,"1,301":297,"1,302":298,"1,303":299,"1,304":300,"1,305":301,"1,306":302,"1,307":303,"1,308":304,"1,309":305,"1,310":306,"1,311":307,"1,312":308,"1,313":309,"1,314":310,"1,315":311,"1,316":312,"1,317":313,"1,318":314,"1,319":315,"1,320":316,"1,321":317,"1,322":318,"1,323":319,"1,324":320,"1,325":321,"1,326":322,"1,327":323,"1,328":324,"1,329":325,"1,330":326,"1,331":327,"1,332":328,"1,333":329,"1,334":330,"1,335":331,"1,336":332,"1,337":333,"1,338":334,"1,339":335,"1,340":336,"1,341":337,"1,342":338,"1,343":339,"1,344":340,"1,345":341,"1,346":342,"1,347":343,"1,348":344,"1,349":345,"1,350":346,"1,351":347,"1,352":348,"1,353":349,"1,354":350,"1,355":351,"1,356":352,"1,357":353,"1,358":354,"1,359":355,"1,360":356,"1,361":357,"1,362":358,"1,363":359,"1,364":360,"1,365":361,"1,366":362,"1,367":363,"1,368":364,"1,369":365,"1,370":366,"1,371":367,"1,372":368,"1,373":369,"1,374":370,"1,375":371,"1,376":372,"1,377":373,"1,378":374,"1,379":375,"1,380":376,"1,381":377,"1,382":378,"1,383":379,"1,384":380,"1,385":381,"1,386":382,"1,387":383,"1,388":384,"1,389":385,"1,390":386,"1,391":387,"1,392":388,"1,393":389,"1,394":390,"1,395":391,"1,396":392,"1,397":393,"1,398":394,"1,399":395,"1,400":396,"1,401":397,"1,402":398,"1,403":399,"1,404":400,"1,405":401,"1,406":402,"1,407":403,"1,408":404,"1,409":405,"1,410":406,"1,411":407,"1,412":408,"1,413":409,"1,414":410,"1,415":411,"1,416":412,"1,417":413,"1,418":414,"1,419":415,"1,420":416,"1,421":417,"1,422":418,"1,423":419,"1,424":420,"1,425":421,"1,426":422,"1,427":423,"1,428":424,"1,429":425,"1,430":426,"1,431":427,"1,432":428,"1,433":429,"1,434":430,"1,435":431,"1,436":432,"1,437":433,"1,438":434,"1,439":435,"1,440":436,"1,441":437,"1,442":438,"1,443":439,"1,444":440,"1,445":441,"1,446":442,"1,447":443,"1,448":444,"1,449":445,"1,450":446,"1,451":447,"1,452":448,"1,453":449,"1,454":450,"1,455":451,"1,456":452,"1,457":453,"1,458":454,"1,459":455,"1,460":456,"1,461":457,"1,462":458,"1,463":459,"1,464":460,"1,465":461,"1,466":462,"1,467":463,"1,468":464,"1,469":465,"1,470":466,"1,471":467,"1,472":468,"1,473":469,"1,474":470,"1,475":471,"1,476":472,"1,477":473,"1,478":474,"1,479":475,"1,480":476,"1,481":477,"1,482":478,"1,483":479,"1,484":480,"1,485":481,"1,486":482,"1,487":483,"1,488":484,"1,489":485,"1,490":486,"1,491":487,"1,492":488,"1,493":489,"1,494":490,"1,495":491,"1,496":492,"1,497":493,"1,498":494,"1,499":495,"1,500":496,"1,501":497,"1,502":498,"1,503":499,"1,504":500,"1,505":501,"1,506":502,"1,507":503,"1,508":504,"1,509":505,"1,510":506,"1,511":507,"1,512":508,"1,513":509,"1,514":510,"1,515":511,"1,516":512,"1,517":513,"1,518":514,"1,519":515,"1,520":516,"1,521":517,"1,522":518,"1,523":519,"1,524":520,"1,525":521,"1,526":522,"1,527":523,"1,528":524,"1,529":525,"1,530":526,"1,531":527,"1,532":528,"1,533":529,"1,534":530,"1,535":531,"1,536":532,"1,537":533,"1,538":534,"1,539":535,"1,540":536,"1,541":537,"1,542":538,"1,543":539,"1,544":540,"1,545":541,"1,546":542,"1,547":543,"1,548":544,"1,549":545,"1,550":546,"1,551":547,"1,552":548,"1,553":549,"1,554":550,"1,555":551,"1,556":552,"1,557":553,"1,558":554,"1,559":555,"1,560":556,"1,561":557,"1,563":558,"1,564":559,"1,565":560,"1,566":561,"1,567":562,"2,5":563,"2,6":564,"2,7":565,"2,8":566,"2,9":567,"2,10":568,"2,11":569,"2,12":570,"2,13":571,"2,14":572,"2,15":573,"2,16":574,"2,17":575,"2,18":576,"2,19":577,"2,20":578,"2,21":579,"2,22":580,"2,23":581,"2,24":582,"2,25":583,"2,26":584,"2,27":585,"2,28":586,"2,29":587,"2,30":588,"2,31":589,"2,32":590,"2,33":591,"2,34":592,"2,35":593,"2,36":594,"2,37":595,"2,38":596,"2,39":597,"2,40":598,"2,41":599,"2,42":600,"2,43":601,"2,44":602,"2,45":603,"2,46":604,"2,47":605,"2,48":606,"2,49":607,"2,50":608,"2,51":609,"2,52":610,"2,53":611,"2,54":612,"2,55":613,"2,56":614,"2,57":615,"2,58":616,"2,59":617,"2,60":618,"2,61":619,"2,62":620,"2,63":621,"2,64":622,"2,65":623,"2,66":624,"2,67":625,"2,68":626,"2,69":627,"2,70":628,"2,71":629,"2,72":630,"2,73":631,"2,74":632,"2,75":633,"2,76":634,"2,77":635,"2,78":636,"2,79":637,"2,80":638,"2,81":639,"2,82":640,"2,83":641,"2,84":642,"2,85":643,"2,86":644,"2,87":645,"2,88":646,"2,89":647,"2,90":648,"2,91":649,"2,92":650,"2,93":651,"2,94":652,"2,95":653,"2,96":654,"2,97":655,"2,98":656,"2,99":657,"2,100":658,"2,101":659,"2,102":660,"2,103":661,"2,104":662,"2,105":663,"2,106":664,"2,107":665,"2,108":666,"2,109":667,"2,110":668,"2,111":669,"2,112":670,"2,113":671,"2,114":672,"2,115":673,"2,116":674,"2,117":675,"2,118":676,"2,119":677,"2,120":678,"2,121":679,"2,122":680,"2,123":681,"2,124":682,"2,125":683,"2,126":684,"2,127":685,"2,128":686,"2,129":687,"2,130":688,"2,131":689,"2,132":690,"2,133":691,"2,134":692,"2,135":693,"2,136":694,"2,137":695,"2,138":696,"2,139":697,"2,140":698,"2,141":699,"2,142":700,"2,143":701,"2,144":702,"2,145":703,"2,146":704,"2,147":705,"2,148":706,"2,149":707,"2,150":708,"2,151":709,"2,152":710,"2,153":711,"2,154":712,"2,155":713,"2,156":714,"2,157":715,"2,158":716,"2,159":717,"2,160":718,"2,161":719,"2,162":720,"2,163":721,"2,164":722,"2,165":723,"2,166":724,"2,167":725,"2,168":726,"2,169":727,"2,170":728,"2,171":729,"2,172":730,"2,173":731,"2,174":732,"2,175":733,"2,176":734,"2,177":735,"2,178":736,"2,179":737,"2,180":738,"2,181":739,"2,182":740,"2,183":741,"2,184":742,"2,185":743,"2,186":744,"2,187":745,"2,188":746,"2,189":747,"2,190":748,"2,191":749,"2,192":750,"2,193":751,"2,194":752,"2,195":753,"2,196":754,"2,197":755,"2,198":756,"2,199":757,"2,200":758,"2,201":759,"2,202":760,"2,203":761,"2,204":762,"2,205":763,"2,206":764,"2,207":765,"2,208":766,"2,209":767,"2,210":768,"2,211":769,"2,212":770,"2,213":771,"2,214":772,"2,215":773,"2,216":774,"2,217":775,"2,218":776,"2,219":777,"2,220":778,"2,221":779,"2,222":780,"2,223":781,"2,224":782,"2,225":783,"2,226":784,"2,227":785,"2,228":786,"2,229":787,"2,230":788,"2,231":789,"2,232":790,"2,233":791,"2,234":792,"2,235":793,"2,236":794,"2,237":795,"2,238":796,"2,239":797,"2,240":798,"2,241":799,"2,242":800,"2,243":801,"2,244":802,"2,245":803,"2,246":804,"2,247":805,"2,248":806,"2,249":807,"2,250":808,"2,251":809,"2,252":810,"2,253":811,"2,254":812,"2,255":813,"2,256":814,"2,257":815,"2,258":816,"2,259":817,"2,260":818,"2,261":819,"2,262":820,"2,263":821,"2,264":822,"2,265":823,"2,266":824,"2,267":825,"2,268":826,"2,269":827,"2,270":828,"2,271":829,"2,272":830,"2,273":831,"2,274":832,"2,275":833,"2,276":834,"2,277":835,"2,278":836,"2,279":837,"2,280":838,"2,281":839,"2,282":840,"2,283":841,"2,284":842,"2,285":843,"2,286":844,"2,287":845,"2,288":846,"2,289":847,"2,290":848,"2,291":849,"2,292":850,"2,293":851,"2,294":852,"2,295":853,"2,296":854,"2,297":855,"2,298":856,"2,299":857,"2,300":858,"2,301":859,"2,302":860,"2,303":861,"2,304":862,"2,305":863,"2,306":864,"2,307":865,"2,308":866,"2,309":867,"2,310":868,"2,311":869,"2,312":870,"2,313":871,"2,314":872,"2,315":873,"2,316":874,"2,317":875,"2,318":876,"2,319":877,"2,320":878,"2,321":879,"2,322":880,"2,323":881,"2,324":882,"2,325":883,"2,326":884,"2,327":885,"2,328":886,"2,329":887,"2,330":888,"2,331":889,"2,332":890,"2,333":891,"2,334":892,"2,335":893,"2,336":894,"2,337":895,"2,338":896,"2,339":897,"2,340":898,"2,341":899,"2,342":900,"2,343":901,"2,344":902,"2,345":903,"2,346":904,"2,347":905,"2,348":906,"2,349":907,"2,350":908,"2,351":909,"2,352":910,"2,353":911,"2,354":912,"2,355":913,"2,356":914,"2,357":915,"2,358":916,"2,359":917,"2,360":918,"2,361":919,"2,362":920,"2,363":921,"2,364":922,"2,365":923,"2,366":924,"2,367":925,"2,368":926,"2,369":927,"2,370":928,"2,371":929,"2,372":930,"2,373":931,"2,374":932,"2,375":933,"2,376":934,"2,377":935,"2,378":936,"2,379":937,"2,380":938,"2,381":939,"2,382":940,"2,383":941,"2,384":942,"2,385":943,"2,386":944,"2,387":945,"2,388":946,"2,389":947,"2,390":948,"2,391":949,"2,392":950,"2,393":951,"2,394":952,"2,395":953,"2,396":954,"2,397":955,"2,398":956,"2,399":957,"2,400":958,"2,401":959,"2,402":960,"2,403":961,"2,404":962,"2,405":963,"2,406":964,"2,407":965,"2,408":966,"2,409":967,"2,410":968,"2,411":969,"2,412":970,"2,413":971,"2,414":972,"2,415":973,"2,416":974,"2,417":975,"2,418":976,"2,419":977,"2,420":978,"2,421":979,"2,422":980,"2,423":981,"2,424":982,"2,425":983,"2,426":984,"2,427":985,"2,428":986,"2,429":987,"2,430":988,"2,431":989,"2,432":990,"2,433":991,"2,434":992,"2,435":993,"2,436":994,"2,437":995,"2,438":996,"2,439":997,"2,440":998,"2,441":999,"2,442":1000,"2,443":1001,"2,444":1002,"2,445":1003,"2,446":1004,"2,447":1005,"2,448":1006,"2,449":1007,"2,450":1008,"2,451":1009,"2,452":1010,"2,453":1011,"2,454":1012,"2,455":1013,"2,456":1014,"2,457":1015,"2,458":1016,"2,459":1017,"2,460":1018,"2,461":1019,"2,462":1020,"2,463":1021,"2,464":1022,"2,465":1023,"2,466":1024,"2,467":1025,"2,468":1026,"2,469":1027,"2,470":1028,"2,471":1029,"2,472":1030,"2,473":1031,"2,474":1032,"2,475":1033,"2,476":1034,"2,477":1035,"2,478":1036,"2,479":1037,"2,480":1038,"2,481":1039,"2,482":1040,"2,483":1041,"2,484":1042,"2,485":1043,"2,486":1044,"2,487":1045,"2,488":1046,"2,489":1047,"2,490":1048,"2,491":1049,"2,492":1050,"2,493":1051,"2,494":1052,"2,495":1053,"2,496":1054,"2,497":1055,"2,498":1056,"2,499":1057,"2,500":1058,"2,501":1059,"2,502":1060,"2,503":1061,"2,504":1062,"2,505":1063,"2,506":1064,"2,507":1065,"2,508":1066,"2,509":1067,"2,510":1068,"2,511":1069,"2,512":1070,"2,513":1071,"2,514":1072,"2,515":1073,"2,516":1074,"2,517":1075,"2,518":1076,"2,519":1077,"2,520":1078,"2,521":1079,"2,522":1080,"2,523":1081,"2,524":1082,"2,525":1083,"2,526":1084,"2,527":1085,"2,528":1086,"2,529":1087,"2,530":1088,"2,531":1089,"2,532":1090,"2,533":1091,"2,534":1092,"2,535":1093,"2,536":1094,"2,537":1095,"3,5":1096,"3,6":1097,"3,7":1098,"3,8":1099,"3,9":1100,"3,10":1101,"3,11":1102,"3,12":1103,"3,13":1104,"3,14":1105,"3,15":1106,"3,16":1107,"3,17":1108,"3,18":1109,"3,19":1110,"3,20":1111,"3,21":1112,"3,22":1113,"3,23":1114,"3,24":1115,"3,25":1116,"3,26":1117,"3,27":1118,"3,28":1119,"3,29":1120,"3,30":1121,"3,31":1122,"3,32":1123,"3,33":1124,"3,34":1125,"3,35":1126,"3,36":1127,"3,37":1128,"3,38":1129,"3,39":1130,"3,40":1131,"3,41":1132,"3,42":1133,"3,43":1134,"3,44":1135,"3,45":1136,"3,46":1137,"3,47":1138,"3,48":1139,"3,49":1140,"3,50":1141,"3,51":1142,"3,52":1143,"3,53":1144,"3,54":1145,"3,55":1146,"3,56":1147,"3,57":1148,"3,58":1149,"3,59":1150,"3,60":1151,"3,61":1152,"3,62":1153,"3,63":1154,"3,64":1155,"3,65":1156,"3,66":1157,"3,67":1158,"3,68":1159,"3,69":1160,"3,70":1161,"3,71":1162,"3,72":1163,"3,73":1164,"3,74":1165,"3,75":1166,"3,76":1167,"3,77":1168,"3,78":1169,"3,79":1170,"3,80":1171,"3,81":1172,"3,82":1173,"3,83":1174,"3,84":1175,"3,85":1176,"3,86":1177,"3,87":1178,"3,88":1179,"3,89":1180,"3,90":1181,"3,91":1182,"3,92":1183,"3,93":1184,"3,94":1185,"3,95":1186,"3,96":1187,"3,97":1188,"3,98":1189,"3,99":1190,"3,100":1191,"3,101":1192,"3,102":1193,"3,103":1194,"3,104":1195,"3,105":1196,"3,106":1197,"3,107":1198,"3,108":1199,"3,109":1200,"3,110":1201,"3,111":1202,"3,112":1203,"3,113":1204,"3,114":1205,"3,115":1206,"3,116":1207,"3,117":1208,"3,118":1209,"3,119":1210,"3,120":1211,"3,121":1212,"3,122":1213,"3,123":1214,"3,124":1215,"3,125":1216,"3,126":1217,"3,127":1218,"3,128":1219,"3,129":1220,"3,130":1221,"3,131":1222,"3,132":1223,"3,133":1224,"3,134":1225,"3,135":1226,"3,136":1227,"3,137":1228,"3,138":1229,"3,139":1230,"3,140":1231,"3,141":1232,"3,142":1233,"3,143":1234,"3,144":1235,"3,145":1236,"3,146":1237,"3,147":1238,"3,148":1239,"3,149":1240,"3,150":1241,"3,151":1242,"3,152":1243,"3,153":1244,"3,154":1245,"3,155":1246,"3,156":1247,"3,157":1248,"3,158":1249,"3,159":1250,"3,160":1251,"3,161":1252,"3,162":1253,"3,163":1254,"3,164":1255,"3,165":1256,"3,166":1257,"3,167":1258,"3,168":1259,"3,169":1260,"3,170":1261,"3,171":1262,"3,172":1263,"3,173":1264,"3,174":1265,"3,175":1266,"3,176":1267,"3,177":1268,"3,178":1269,"3,179":1270,"3,180":1271,"3,181":1272,"3,182":1273,"3,183":1274,"3,184":1275,"3,185":1276,"3,186":1277,"3,187":1278,"3,188":1279,"3,189":1280,"3,190":1281,"3,191":1282,"3,192":1283,"3,193":1284,"3,194":1285,"3,195":1286,"3,196":1287,"3,197":1288,"3,198":1289,"3,199":1290,"3,200":1291,"3,201":1292,"3,202":1293,"3,203":1294,"3,204":1295,"3,205":1296,"3,206":1297,"3,207":1298,"3,208":1299,"3,209":1300,"3,210":1301,"3,211":1302,"3,212":1303,"3,213":1304,"3,214":1305,"3,215":1306,"3,216":1307,"3,217":1308,"3,218":1309,"3,219":1310,"3,220":1311,"3,221":1312,"3,222":1313,"3,223":1314,"3,224":1315,"3,225":1316,"3,226":1317,"3,227":1318,"3,228":1319,"3,229":1320,"3,230":1321,"3,231":1322,"3,232":1323,"3,233":1324,"3,234":1325,"3,235":1326,"3,236":1327,"3,237":1328,"3,238":1329,"3,239":1330,"3,240":1331,"3,241":1332,"3,242":1333,"3,243":1334,"3,244":1335,"3,245":1336,"3,246":1337,"3,247":1338,"3,248":1339,"3,249":1340,"3,250":1341,"3,251":1342,"3,252":1343,"3,253":1344,"3,254":1345,"3,255":1346,"3,256":1347,"3,257":1348,"3,258":1349,"3,259":1350,"3,260":1351,"3,261":1352,"3,262":1353,"3,263":1354,"3,264":1355,"3,265":1356,"3,266":1357,"3,267":1358,"3,268":1359,"3,269":1360,"3,270":1361,"3,271":1362,"3,272":1363,"3,273":1364,"3,274":1365,"3,275":1366,"3,276":1367,"3,277":1368,"3,278":1369,"3,279":1370,"3,280":1371,"3,281":1372,"3,282":1373,"3,283":1374,"3,284":1375,"3,285":1376,"3,286":1377,"3,287":1378,"3,288":1379,"3,289":1380,"3,290":1381,"3,291":1382,"3,292":1383,"3,293":1384,"3,294":1385,"3,295":1386,"3,296":1387,"3,297":1388,"3,298":1389,"3,299":1390,"3,300":1391,"3,301":1392,"3,302":1393,"3,303":1394,"3,304":1395,"3,305":1396,"3,306":1397,"3,307":1398,"3,308":1399,"3,309":1400,"3,310":1401,"3,311":1402,"3,312":1403,"3,313":1404,"3,314":1405,"3,315":1406,"3,316":1407,"3,317":1408,"3,318":1409,"3,319":1410,"3,320":1411,"3,321":1412,"3,322":1413,"3,323":1414,"3,324":1415,"3,325":1416,"3,326":1417,"3,327":1418,"3,328":1419,"3,329":1420,"3,330":1421,"3,331":1422,"3,332":1423,"3,333":1424,"3,334":1425,"3,335":1426,"3,336":1427,"3,337":1428,"3,338":1429,"3,339":1430,"3,340":1431,"3,341":1432,"3,342":1433,"3,343":1434,"3,344":1435,"3,345":1436,"3,346":1437,"3,347":1438,"3,348":1439,"3,349":1440,"3,350":1441,"3,351":1442,"3,352":1443,"3,353":1444,"3,354":1445,"3,355":1446,"3,356":1447,"3,357":1448,"3,358":1449,"3,359":1450,"3,360":1451,"3,361":1452,"3,362":1453,"3,363":1454,"3,364":1455,"3,365":1456,"3,366":1457,"3,367":1458,"3,368":1459,"3,369":1460,"3,370":1461,"3,371":1462,"3,372":1463,"3,373":1464,"3,374":1465,"3,375":1466,"3,376":1467,"3,377":1468,"3,378":1469,"3,379":1470,"3,380":1471,"3,381":1472,"3,382":1473,"3,383":1474,"3,384":1475,"3,385":1476,"3,386":1477,"3,387":1478,"3,388":1479,"3,389":1480,"3,390":1481,"3,391":1482,"3,392":1483,"3,393":1484,"3,394":1485,"3,395":1486,"3,396":1487,"3,397":1488,"3,398":1489,"3,399":1490,"3,400":1491,"3,401":1492,"3,402":1493,"3,403":1494,"3,404":1495,"3,405":1496,"3,406":1497,"3,407":1498,"3,408":1499,"3,409":1500,"3,410":1501,"3,411":1502,"3,412":1503,"3,413":1504,"3,414":1505,"3,415":1506,"3,416":1507,"3,417":1508,"3,418":1509,"3,419":1510,"3,420":1511,"3,421":1512,"3,422":1513,"3,423":1514,"3,424":1515,"3,425":1516,"3,426":1517,"3,427":1518,"3,428":1519,"3,429":1520,"3,430":1521,"3,431":1522,"3,432":1523,"3,433":1524,"3,434":1525,"3,435":1526,"3,436":1527,"3,437":1528,"3,438":1529,"3,439":1530,"3,440":1531,"3,441":1532,"3,442":1533,"3,443":1534,"3,444":1535,"3,445":1536,"3,446":1537,"3,447":1538,"3,448":1539,"3,449":1540,"3,450":1541,"3,451":1542,"3,452":1543,"3,453":1544,"3,454":1545,"3,455":1546,"3,456":1547,"3,457":1548,"3,458":1549,"3,459":1550,"3,460":1551,"3,461":1552,"3,462":1553,"3,463":1554,"3,464":1555,"3,465":1556,"3,466":1557,"3,467":1558,"3,468":1559,"3,469":1560,"3,470":1561,"3,471":1562,"3,472":1563,"3,473":1564,"3,474":1565,"3,475":1566,"3,476":1567,"3,477":1568,"3,478":1569,"3,479":1570,"3,480":1571,"3,481":1572,"3,482":1573,"3,483":1574,"3,484":1575,"3,485":1576,"3,486":1577,"3,487":1578,"3,488":1579,"3,489":1580,"3,490":1581,"3,491":1582,"3,492":1583,"3,493":1584,"3,494":1585,"3,495":1586,"3,496":1587,"3,497":1588,"3,498":1589,"3,499":1590,"3,500":1591,"3,501":1592,"3,502":1593,"3,503":1594,"3,504":1595,"3,505":1596,"3,506":1597,"3,507":1598,"3,508":1599,"3,509":1600,"3,510":1601,"3,511":1602,"3,512":1603,"3,513":1604,"3,514":1605,"3,515":1606,"3,516":1607,"3,517":1608,"3,518":1609,"3,519":1610,"3,520":1611,"3,521":1612,"3,522":1613,"3,523":1614,"3,524":1615,"3,525":1616,"3,526":1617,"3,527":1618,"3,528":1619,"3,529":1620,"3,530":1621,"3,531":1622,"3,532":1623,"3,533":1624,"3,534":1625,"3,535":1626,"3,536":1627,"3,537":1628,"3,538":1629,"3,539":1630,"3,540":1631,"3,541":1632,"3,542":1633,"3,543":1634,"3,544":1635,"3,545":1636,"3,546":1637,"3,547":1638,"3,548":1639,"3,549":1640,"4,5":1641,"4,6":1642,"4,7":1643,"4,8":1644,"4,9":1645,"4,10":1646,"4,11":1647,"4,12":1648,"4,13":1649,"4,14":1650,"4,15":1651,"4,16":1652,"4,17":1653,"4,18":1654,"4,19":1655,"4,20":1656,"4,21":1657,"4,22":1658,"4,23":1659,"4,24":1660,"4,25":1661,"4,26":1662,"4,27":1663,"4,28":1664,"4,29":1665,"4,30":1666,"4,31":1667,"4,32":1668,"4,33":1669,"4,34":1670,"4,35":1671,"4,36":1672,"4,37":1673,"4,38":1674,"4,39":1675,"4,40":1676,"4,41":1677,"4,42":1678,"4,43":1679,"4,44":1680,"4,45":1681,"4,46":1682,"4,47":1683,"4,48":1684,"4,49":1685,"4,50":1686,"4,51":1687,"4,52":1688,"4,53":1689,"4,54":1690,"4,55":1691,"4,56":1692,"4,57":1693,"4,58":1694,"4,59":1695,"4,60":1696,"4,61":1697,"4,62":1698,"4,63":1699,"4,64":1700,"4,65":1701,"4,66":1702,"4,67":1703,"4,68":1704,"4,69":1705,"4,70":1706,"4,71":1707,"4,72":1708,"4,73":1709,"4,74":1710,"4,75":1711,"4,76":1712,"4,77":1713,"4,78":1714,"4,79":1715,"4,80":1716,"4,81":1717,"4,82":1718,"4,83":1719,"4,84":1720,"4,85":1721,"4,86":1722,"4,87":1723,"4,88":1724,"4,89":1725,"4,90":1726,"4,91":1727,"4,92":1728,"4,93":1729,"4,94":1730,"4,95":1731,"4,96":1732,"4,97":1733,"4,98":1734,"4,99":1735,"4,100":1736,"4,101":1737,"4,102":1738,"4,103":1739,"4,104":1740,"4,105":1741,"4,106":1742,"4,107":1743,"4,108":1744,"4,109":1745,"4,110":1746,"4,111":1747,"4,112":1748,"4,113":1749,"4,114":1750,"4,115":1751,"4,116":1752,"4,117":1753,"4,118":1754,"4,119":1755,"4,120":1756,"4,121":1757,"4,122":1758,"4,123":1759,"4,124":1760,"4,125":1761,"4,126":1762,"4,127":1763,"4,128":1764,"4,129":1765,"4,130":1766,"4,131":1767,"4,132":1768,"4,133":1769,"4,134":1770,"4,135":1771,"4,136":1772,"4,137":1773,"4,138":1774,"4,139":1775,"4,140":1776,"4,141":1777,"4,142":1778,"4,143":1779,"4,144":1780,"4,145":1781,"4,146":1782,"4,147":1783,"4,148":1784,"4,149":1785,"4,150":1786,"4,151":1787,"4,152":1788,"4,153":1789,"4,154":1790,"4,155":1791,"4,156":1792,"4,157":1793,"4,158":1794,"4,159":1795,"4,160":1796,"4,161":1797,"4,162":1798,"4,163":1799,"4,164":1800,"4,165":1801,"4,166":1802,"4,167":1803,"4,168":1804,"4,169":1805,"4,170":1806,"4,171":1807,"4,172":1808,"4,173":1809,"4,174":1810,"4,175":1811,"4,176":1812,"4,177":1813,"4,178":1814,"4,179":1815,"4,180":1816,"4,181":1817,"4,182":1818,"4,183":1819,"4,184":1820,"4,185":1821,"4,186":1822,"4,187":1823,"4,188":1824,"4,189":1825,"4,190":1826,"4,191":1827,"4,192":1828,"4,193":1829,"4,194":1830,"4,195":1831,"4,196":1832,"4,197":1833,"4,198":1834,"4,199":1835,"4,200":1836,"4,201":1837,"4,202":1838,"4,203":1839,"4,204":1840,"4,205":1841,"4,206":1842,"4,207":1843,"4,208":1844,"4,209":1845,"4,210":1846,"4,211":1847,"4,212":1848,"4,213":1849,"4,214":1850,"4,215":1851,"4,216":1852,"4,217":1853,"4,218":1854,"4,219":1855,"4,220":1856,"4,221":1857,"4,222":1858,"4,223":1859,"4,224":1860,"4,225":1861,"4,226":1862,"4,227":1863,"4,228":1864,"4,229":1865,"4,230":1866,"4,231":1867,"4,232":1868,"4,233":1869,"4,234":1870,"4,235":1871,"4,236":1872,"4,237":1873,"4,238":1874,"4,239":1875,"4,240":1876,"4,241":1877,"4,242":1878,"4,243":1879,"4,244":1880,"4,245":1881,"4,246":1882,"4,247":1883,"4,248":1884,"4,249":1885,"4,250":1886,"4,251":1887,"4,252":1888,"4,253":1889,"4,254":1890,"4,255":1891,"4,256":1892,"4,257":1893,"4,258":1894,"4,259":1895,"4,260":1896,"4,261":1897,"4,262":1898,"4,263":1899,"4,264":1900,"4,265":1901,"4,266":1902,"4,267":1903,"4,268":1904,"4,269":1905,"4,270":1906,"4,271":1907,"4,272":1908,"4,273":1909,"4,274":1910,"4,275":1911,"4,276":1912,"4,277":1913,"4,278":1914,"4,279":1915,"4,280":1916,"4,281":1917,"4,282":1918,"4,283":1919,"4,284":1920,"4,285":1921,"4,286":1922,"4,287":1923,"4,288":1924,"4,289":1925,"4,290":1926,"4,291":1927,"4,292":1928,"4,293":1929,"4,294":1930,"4,295":1931,"4,296":1932,"4,297":1933,"4,298":1934,"4,299":1935,"4,300":1936,"4,301":1937,"4,302":1938,"4,303":1939,"4,304":1940,"4,305":1941,"4,306":1942,"4,307":1943,"4,308":1944,"4,309":1945,"4,310":1946,"4,311":1947,"4,312":1948,"4,313":1949,"4,314":1950,"4,315":1951,"4,316":1952,"4,317":1953,"4,318":1954,"4,319":1955,"4,320":1956,"4,321":1957,"4,322":1958,"4,323":1959,"4,324":1960,"4,325":1961,"4,326":1962,"4,327":1963,"4,328":1964,"4,329":1965,"4,330":1966,"4,331":1967,"4,332":1968,"4,333":1969,"4,334":1970,"4,335":1971,"4,336":1972,"4,337":1973,"4,338":1974,"4,339":1975,"4,340":1976,"4,341":1977,"4,342":1978,"4,343":1979,"4,344":1980,"4,345":1981,"4,346":1982,"4,347":1983,"4,348":1984,"4,349":1985,"4,350":1986,"4,351":1987,"4,352":1988,"4,353":1989,"4,354":1990,"4,355":1991,"4,356":1992,"4,357":1993,"4,358":1994,"4,359":1995,"4,360":1996,"4,361":1997,"4,362":1998,"4,363":1999,"4,364":2000,"4,365":2001,"4,366":2002,"4,367":2003,"4,368":2004,"4,369":2005,"4,370":2006,"4,371":2007,"4,372":2008,"4,373":2009,"4,374":2010,"4,375":2011,"4,376":2012,"4,377":2013,"4,378":2014,"4,379":2015,"4,380":2016,"4,381":2017,"4,382":2018,"4,383":2019,"4,384":2020,"4,385":2021,"4,386":2022,"4,387":2023,"4,388":2024,"4,389":2025,"4,390":2026,"4,391":2027,"4,392":2028,"4,393":2029,"4,394":2030,"4,395":2031,"5,5":2032,"5,6":2033,"5,7":2034,"5,8":2035,"5,9":2036,"5,10":2037,"5,11":2038,"5,12":2039,"5,13":2040,"5,14":2041,"5,15":2042,"5,16":2043,"5,17":2044,"5,18":2045,"5,19":2046,"5,20":2047,"5,21":2048,"5,22":2049,"5,23":2050,"5,24":2051,"5,25":2052,"5,26":2053,"5,27":2054,"5,28":2055,"5,29":2056,"5,30":2057,"5,31":2058,"5,32":2059,"5,33":2060,"5,34":2061,"5,35":2062,"5,36":2063,"5,37":2064,"5,38":2065,"5,39":2066,"5,40":2067,"5,41":2068,"5,42":2069,"5,43":2070,"5,44":2071,"5,45":2072,"5,46":2073,"5,47":2074,"5,48":2075,"5,49":2076,"5,50":2077,"5,51":2078,"5,52":2079,"5,53":2080,"5,54":2081,"5,55":2082,"5,56":2083,"5,57":2084,"5,58":2085,"5,59":2086,"5,60":2087,"5,61":2088,"5,62":2089,"5,63":2090,"5,64":2091,"5,65":2092,"5,66":2093,"5,67":2094,"5,68":2095,"5,69":2096,"5,70":2097,"5,71":2098,"5,72":2099,"5,73":2100,"5,74":2101,"5,75":2102,"5,76":2103,"5,77":2104,"5,78":2105,"5,79":2106,"5,80":2107,"5,81":2108,"5,82":2109,"5,83":2110,"5,84":2111,"5,85":2112,"5,86":2113,"5,87":2114,"5,88":2115,"5,89":2116,"5,90":2117,"5,91":2118,"5,92":2119,"5,93":2120,"5,94":2121,"5,95":2122,"5,96":2123,"5,97":2124,"5,98":2125,"5,99":2126,"5,100":2127,"5,101":2128,"5,102":2129,"5,103":2130,"5,104":2131,"5,105":2132,"5,106":2133,"5,107":2134,"5,108":2135,"5,109":2136,"5,110":2137,"5,111":2138,"5,112":2139,"5,113":2140,"5,114":2141,"5,115":2142,"5,116":2143,"5,117":2144,"5,118":2145,"5,119":2146,"5,120":2147,"5,121":2148,"5,122":2149,"5,123":2150,"5,124":2151,"5,125":2152,"5,126":2153,"5,127":2154,"5,128":2155,"5,129":2156,"5,130":2157,"5,131":2158,"5,132":2159,"5,133":2160,"5,134":2161,"5,135":2162,"5,136":2163,"5,137":2164,"5,138":2165,"5,139":2166,"5,140":2167,"5,141":2168,"5,142":2169,"5,143":2170,"5,144":2171,"5,145":2172,"5,146":2173,"5,147":2174,"5,148":2175,"5,149":2176,"5,150":2177,"5,151":2178,"5,152":2179,"5,153":2180,"5,154":2181,"5,155":2182,"5,156":2183,"5,157":2184,"5,158":2185,"5,159":2186,"5,160":2187,"5,161":2188,"5,162":2189,"5,163":2190,"5,164":2191,"5,165":2192,"5,166":2193,"5,167":2194,"5,168":2195,"5,169":2196,"5,170":2197,"5,171":2198,"5,172":2199,"5,173":2200,"5,174":2201,"5,175":2202,"5,176":2203,"5,177":2204,"5,178":2205,"5,179":2206,"5,180":2207,"5,181":2208,"5,182":2209,"5,183":2210,"5,184":2211,"5,185":2212,"5,186":2213,"5,187":2214,"5,188":2215,"5,189":2216,"5,190":2217,"5,191":2218,"5,192":2219,"5,193":2220,"5,194":2221,"5,195":2222,"5,196":2223,"5,197":2224,"5,198":2225,"5,199":2226,"5,200":2227,"5,201":2228,"5,202":2229,"5,203":2230,"5,204":2231,"5,205":2232,"5,206":2233,"5,207":2234,"5,208":2235,"5,209":2236,"5,210":2237,"5,211":2238,"5,212":2239,"5,213":2240,"5,214":2241,"5,215":2242,"5,216":2243,"5,217":2244,"5,218":2245,"5,219":2246,"5,220":2247,"5,221":2248,"5,222":2249,"5,223":2250,"5,224":2251,"5,225":2252,"5,226":2253,"5,227":2254,"5,228":2255,"5,229":2256,"5,230":2257,"5,231":2258,"5,232":2259,"5,233":2260,"5,234":2261,"5,235":2262,"5,236":2263,"5,237":2264,"5,238":2265,"5,239":2266,"5,240":2267,"5,241":2268,"5,242":2269,"5,243":2270,"5,244":2271,"5,245":2272,"5,246":2273,"5,247":2274,"5,248":2275,"5,249":2276,"5,250":2277,"5,251":2278,"5,252":2279,"5,253":2280,"5,254":2281,"5,255":2282,"5,256":2283,"5,257":2284,"5,258":2285,"5,259":2286,"5,260":2287,"5,261":2288,"5,262":2289,"5,263":2290,"5,264":2291,"5,265":2292,"5,266":2293,"5,267":2294,"5,268":2295,"5,269":2296,"5,270":2297,"5,271":2298,"5,272":2299,"5,273":2300,"5,274":2301,"5,275":2302,"5,276":2303,"5,277":2304,"5,278":2305,"5,279":2306,"5,280":2307,"5,281":2308,"5,282":2309,"5,283":2310,"5,284":2311,"5,285":2312,"5,286":2313,"5,287":2314,"5,288":2315,"5,289":2316,"5,290":2317,"5,291":2318,"5,292":2319,"5,293":2320,"5,294":2321,"5,295":2322,"5,296":2323,"5,297":2324,"5,298":2325,"5,299":2326,"5,300":2327,"5,301":2328,"5,302":2329,"5,303":2330,"5,304":2331,"5,305":2332,"5,306":2333,"5,307":2334,"5,308":2335,"5,309":2336,"5,310":2337,"5,311":2338,"5,312":2339,"5,313":2340,"5,314":2341,"5,315":2342,"5,316":2343,"5,317":2344,"5,318":2345,"5,319":2346,"5,320":2347,"5,321":2348,"5,322":2349,"5,323":2350,"5,324":2351,"5,325":2352,"5,326":2353,"5,327":2354,"5,328":2355,"5,329":2356,"5,330":2357,"5,331":2358,"5,332":2359,"5,333":2360,"5,334":2361,"5,335":2362,"5,336":2363,"5,337":2364,"5,338":2365,"5,339":2366,"5,340":2367,"5,341":2368,"5,342":2369,"5,343":2370,"5,344":2371,"5,345":2372,"5,346":2373,"5,347":2374,"5,348":2375,"5,349":2376,"5,350":2377,"5,351":2378,"5,352":2379,"5,353":2380,"5,354":2381,"5,355":2382,"5,356":2383,"5,357":2384,"5,358":2385,"5,359":2386,"5,360":2387,"5,361":2388,"5,362":2389,"5,363":2390,"5,364":2391,"5,365":2392,"5,366":2393,"5,367":2394,"5,368":2395,"5,369":2396,"5,370":2397,"5,371":2398,"5,372":2399,"5,373":2400,"5,374":2401,"5,375":2402,"5,376":2403,"5,377":2404,"5,378":2405,"5,379":2406,"5,380":2407,"5,381":2408,"5,382":2409,"5,383":2410,"5,384":2411,"5,385":2412,"5,386":2413,"5,387":2414,"5,388":2415,"5,389":2416,"5,390":2417,"5,391":2418,"5,392":2419,"5,393":2420,"5,394":2421,"5,395":2422,"5,396":2423,"5,397":2424,"5,398":2425,"5,399":2426,"5,400":2427,"5,401":2428,"5,402":2429,"5,403":2430,"5,404":2431,"5,405":2432,"5,406":2433,"5,407":2434,"5,408":2435,"5,409":2436,"5,410":2437,"5,411":2438,"5,412":2439,"5,413":2440,"5,414":2441,"5,415":2442,"5,416":2443,"5,417":2444,"5,418":2445,"5,419":2446,"5,420":2447,"5,421":2448,"5,422":2449,"5,423":2450,"5,424":2451,"5,425":2452,"5,426":2453,"5,427":2454,"5,428":2455,"5,429":2456,"5,430":2457,"5,431":2458,"5,432":2459,"5,433":2460,"5,434":2461,"5,435":2462,"5,436":2463,"5,437":2464,"5,438":2465,"5,439":2466,"5,440":2467,"5,441":2468,"5,442":2469,"5,443":2470,"5,444":2471,"5,445":2472,"5,446":2473,"5,447":2474,"5,448":2475,"5,449":2476,"5,450":2477,"5,451":2478,"5,452":2479,"5,453":2480,"5,454":2481,"5,455":2482,"5,456":2483,"5,457":2484,"5,458":2485,"5,459":2486,"5,460":2487,"5,461":2488,"5,462":2489,"5,463":2490,"5,464":2491,"5,465":2492,"5,466":2493,"5,467":2494,"5,468":2495,"5,469":2496,"5,470":2497,"5,471":2498,"5,472":2499,"5,473":2500,"5,474":2501,"5,475":2502,"5,476":2503,"5,477":2504,"5,478":2505,"5,479":2506,"5,480":2507,"5,481":2508,"5,482":2509,"5,483":2510,"5,484":2511,"5,485":2512,"5,486":2513,"5,487":2514,"5,488":2515,"5,489":2516,"5,490":2517,"5,491":2518,"5,492":2519,"5,493":2520,"5,494":2521,"5,495":2522,"5,496":2523,"5,497":2524,"5,498":2525,"5,499":2526,"5,500":2527,"5,501":2528,"5,502":2529,"5,503":2530,"5,504":2531,"5,505":2532,"5,506":2533,"5,507":2534,"5,508":2535,"5,509":2536,"5,510":2537,"5,511":2538,"5,512":2539,"5,513":2540,"5,514":2541,"5,515":2542,"5,516":2543,"5,517":2544,"5,518":2545,"5,519":2546,"5,520":2547,"5,521":2548,"5,522":2549,"5,523":2550,"5,524":2551,"5,525":2552,"5,526":2553,"5,527":2554,"5,528":2555,"5,529":2556,"5,530":2557,"5,531":2558,"5,532":2559,"5,533":2560,"5,534":2561,"5,535":2562,"5,536":2563,"5,537":2564,"5,538":2565,"5,539":2566,"5,540":2567,"5,541":2568,"5,542":2569,"5,543":2570,"5,544":2571,"5,545":2572,"5,546":2573,"5,547":2574,"5,548":2575,"5,549":2576,"5,550":2577,"5,551":2578,"5,552":2579,"5,553":2580,"5,554":2581,"5,555":2582,"5,556":2583,"5,557":2584,"5,558":2585,"5,559":2586,"5,560":2587,"5,561":2588,"5,562":2589,"5,563":2590,"5,564":2591,"5,565":2592,"5,566":2593,"5,567":2594,"5,568":2595,"5,569":2596,"5,570":2597,"5,571":2598,"5,572":2599,"5,573":2600,"5,574":2601,"5,575":2602,"5,576":2603,"5,577":2604,"5,578":2605,"5,579":2606,"5,580":2607,"5,581":2608,"5,582":2609,"5,583":2610,"5,584":2611,"5,585":2612,"5,586":2613,"5,587":2614,"5,588":2615,"5,589":2616,"5,590":2617,"5,591":2618,"5,592":2619,"5,593":2620,"5,594":2621,"5,595":2622,"5,596":2623,"5,597":2624,"5,598":2625,"5,599":2626,"5,600":2627,"5,601":2628,"5,602":2629,"5,603":2630,"5,604":2631,"5,605":2632,"5,606":2633,"5,607":2634,"5,608":2635,"5,609":2636,"5,610":2637,"5,611":2638,"5,612":2639,"5,613":2640,"5,614":2641,"5,615":2642,"5,616":2643,"5,617":2644,"5,618":2645,"5,619":2646,"5,620":2647,"5,621":2648,"5,622":2649,"5,623":2650,"5,624":2651,"5,625":2652,"5,626":2653,"5,627":2654,"5,628":2655,"5,629":2656,"5,630":2657,"5,631":2658,"5,632":2659,"5,633":2660,"5,634":2661,"5,635":2662,"5,636":2663,"5,637":2664,"5,638":2665,"5,639":2666,"5,640":2667,"5,641":2668,"5,642":2669,"5,643":2670,"5,644":2671,"5,645":2672,"5,646":2673,"5,647":2674,"5,648":2675,"5,64932":2676,"5,650":2677,"5,651":2678,"5,652":2679,"5,653":2680,"5,654":2681,"5,655":2682,"5,656":2683,"5,657":2684,"5,658":2685,"5,659":2686,"5,660":2687,"5,661":2688,"5,662":2689,"5,663":2690,"5,664":2691,"5,665":2692,"5,666":2693,"5,667":2694,"5,668":2695,"5,669":2696,"5,670":2697,"5,671":2698},"ٜ":{"1":[5,567],"2":[5,537],"3":[5,549],"4":[5,395],"5":[5,671]},"ٝ":["1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,514","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,520","1,521","1,522","1,523","1,524","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529","1,530","1,531","1,532","1,533","1,534","1,535","1,536","1,537","1,538","1,539","1,540","1,541","1,542","1,543","1,544","1,545","1,546","1,547","1,548","1,549","1,550","1,551","1,552","1,553","1,554","1,555","1,556","1,557","1,558","1,559","1,560","1,561","1,563","1,564","1,565","1,566","1,567","2,5","2,6","2,7","2,8","2,9","2,10","2,11","2,12","2,13","2,14","2,15","2,16","2,17","2,18","2,19","2,20","2,21","2,22","2,23","2,24","2,25","2,26","2,27","2,28","2,29","2,30","2,31","2,32","2,33","2,34","2,35","2,36","2,37","2,38","2,39","2,40","2,41","2,42","2,43","2,44","2,45","2,46","2,47","2,48","2,49","2,50","2,51","2,52","2,53","2,54","2,55","2,56","2,57","2,58","2,59","2,60","2,61","2,62","2,63","2,64","2,65","2,66","2,67","2,68","2,69","2,70","2,71","2,72","2,73","2,74","2,75","2,76","2,77","2,78","2,79","2,80","2,81","2,82","2,83","2,84","2,85","2,86","2,87","2,88","2,89","2,90","2,91","2,92","2,93","2,94","2,95","2,96","2,97","2,98","2,99","2,100","2,101","2,102","2,103","2,104","2,105","2,106","2,107","2,108","2,109","2,110","2,111","2,112","2,113","2,114","2,115","2,116","2,117","2,118","2,119","2,120","2,121","2,122","2,123","2,124","2,125","2,126","2,127","2,128","2,129","2,130","2,131","2,132","2,133","2,134","2,135","2,136","2,137","2,138","2,139","2,140","2,141","2,142","2,143","2,144","2,145","2,146","2,147","2,148","2,149","2,150","2,151","2,152","2,153","2,154","2,155","2,156","2,157","2,158","2,159","2,160","2,161","2,162","2,163","2,164","2,165","2,166","2,167","2,168","2,169","2,170","2,171","2,172","2,173","2,174","2,175","2,176","2,177","2,178","2,179","2,180","2,181","2,182","2,183","2,184","2,185","2,186","2,187","2,188","2,189","2,190","2,191","2,192","2,193","2,194","2,195","2,196","2,197","2,198","2,199","2,200","2,201","2,202","2,203","2,204","2,205","2,206","2,207","2,208","2,209","2,210","2,211","2,212","2,213","2,214","2,215","2,216","2,217","2,218","2,219","2,220","2,221","2,222","2,223","2,224","2,225","2,226","2,227","2,228","2,229","2,230","2,231","2,232","2,233","2,234","2,235","2,236","2,237","2,238","2,239","2,240","2,241","2,242","2,243","2,244","2,245","2,246","2,247","2,248","2,249","2,250","2,251","2,252","2,253","2,254","2,255","2,256","2,257","2,258","2,259","2,260","2,261","2,262","2,263","2,264","2,265","2,266","2,267","2,268","2,269","2,270","2,271","2,272","2,273","2,274","2,275","2,276","2,277","2,278","2,279","2,280","2,281","2,282","2,283","2,284","2,285","2,286","2,287","2,288","2,289","2,290","2,291","2,292","2,293","2,294","2,295","2,296","2,297","2,298","2,299","2,300","2,301","2,302","2,303","2,304","2,305","2,306","2,307","2,308","2,309","2,310","2,311","2,312","2,313","2,314","2,315","2,316","2,317","2,318","2,319","2,320","2,321","2,322","2,323","2,324","2,325","2,326","2,327","2,328","2,329","2,330","2,331","2,332","2,333","2,334","2,335","2,336","2,337","2,338","2,339","2,340","2,341","2,342","2,343","2,344","2,345","2,346","2,347","2,348","2,349","2,350","2,351","2,352","2,353","2,354","2,355","2,356","2,357","2,358","2,359","2,360","2,361","2,362","2,363","2,364","2,365","2,366","2,367","2,368","2,369","2,370","2,371","2,372","2,373","2,374","2,375","2,376","2,377","2,378","2,379","2,380","2,381","2,382","2,383","2,384","2,385","2,386","2,387","2,388","2,389","2,390","2,391","2,392","2,393","2,394","2,395","2,396","2,397","2,398","2,399","2,400","2,401","2,402","2,403","2,404","2,405","2,406","2,407","2,408","2,409","2,410","2,411","2,412","2,413","2,414","2,415","2,416","2,417","2,418","2,419","2,420","2,421","2,422","2,423","2,424","2,425","2,426","2,427","2,428","2,429","2,430","2,431","2,432","2,433","2,434","2,435","2,436","2,437","2,438","2,439","2,440","2,441","2,442","2,443","2,444","2,445","2,446","2,447","2,448","2,449","2,450","2,451","2,452","2,453","2,454","2,455","2,456","2,457","2,458","2,459","2,460","2,461","2,462","2,463","2,464","2,465","2,466","2,467","2,468","2,469","2,470","2,471","2,472","2,473","2,474","2,475","2,476","2,477","2,478","2,479","2,480","2,481","2,482","2,483","2,484","2,485","2,486","2,487","2,488","2,489","2,490","2,491","2,492","2,493","2,494","2,495","2,496","2,497","2,498","2,499","2,500","2,501","2,502","2,503","2,504","2,505","2,506","2,507","2,508","2,509","2,510","2,511","2,512","2,513","2,514","2,515","2,516","2,517","2,518","2,519","2,520","2,521","2,522","2,523","2,524","2,525","2,526","2,527","2,528","2,529","2,530","2,531","2,532","2,533","2,534","2,535","2,536","2,537","3,5","3,6","3,7","3,8","3,9","3,10","3,11","3,12","3,13","3,14","3,15","3,16","3,17","3,18","3,19","3,20","3,21","3,22","3,23","3,24","3,25","3,26","3,27","3,28","3,29","3,30","3,31","3,32","3,33","3,34","3,35","3,36","3,37","3,38","3,39","3,40","3,41","3,42","3,43","3,44","3,45","3,46","3,47","3,48","3,49","3,50","3,51","3,52","3,53","3,54","3,55","3,56","3,57","3,58","3,59","3,60","3,61","3,62","3,63","3,64","3,65","3,66","3,67","3,68","3,69","3,70","3,71","3,72","3,73","3,74","3,75","3,76","3,77","3,78","3,79","3,80","3,81","3,82","3,83","3,84","3,85","3,86","3,87","3,88","3,89","3,90","3,91","3,92","3,93","3,94","3,95","3,96","3,97","3,98","3,99","3,100","3,101","3,102","3,103","3,104","3,105","3,106","3,107","3,108","3,109","3,110","3,111","3,112","3,113","3,114","3,115","3,116","3,117","3,118","3,119","3,120","3,121","3,122","3,123","3,124","3,125","3,126","3,127","3,128","3,129","3,130","3,131","3,132","3,133","3,134","3,135","3,136","3,137","3,138","3,139","3,140","3,141","3,142","3,143","3,144","3,145","3,146","3,147","3,148","3,149","3,150","3,151","3,152","3,153","3,154","3,155","3,156","3,157","3,158","3,159","3,160","3,161","3,162","3,163","3,164","3,165","3,166","3,167","3,168","3,169","3,170","3,171","3,172","3,173","3,174","3,175","3,176","3,177","3,178","3,179","3,180","3,181","3,182","3,183","3,184","3,185","3,186","3,187","3,188","3,189","3,190","3,191","3,192","3,193","3,194","3,195","3,196","3,197","3,198","3,199","3,200","3,201","3,202","3,203","3,204","3,205","3,206","3,207","3,208","3,209","3,210","3,211","3,212","3,213","3,214","3,215","3,216","3,217","3,218","3,219","3,220","3,221","3,222","3,223","3,224","3,225","3,226","3,227","3,228","3,229","3,230","3,231","3,232","3,233","3,234","3,235","3,236","3,237","3,238","3,239","3,240","3,241","3,242","3,243","3,244","3,245","3,246","3,247","3,248","3,249","3,250","3,251","3,252","3,253","3,254","3,255","3,256","3,257","3,258","3,259","3,260","3,261","3,262","3,263","3,264","3,265","3,266","3,267","3,268","3,269","3,270","3,271","3,272","3,273","3,274","3,275","3,276","3,277","3,278","3,279","3,280","3,281","3,282","3,283","3,284","3,285","3,286","3,287","3,288","3,289","3,290","3,291","3,292","3,293","3,294","3,295","3,296","3,297","3,298","3,299","3,300","3,301","3,302","3,303","3,304","3,305","3,306","3,307","3,308","3,309","3,310","3,311","3,312","3,313","3,314","3,315","3,316","3,317","3,318","3,319","3,320","3,321","3,322","3,323","3,324","3,325","3,326","3,327","3,328","3,329","3,330","3,331","3,332","3,333","3,334","3,335","3,336","3,337","3,338","3,339","3,340","3,341","3,342","3,343","3,344","3,345","3,346","3,347","3,348","3,349","3,350","3,351","3,352","3,353","3,354","3,355","3,356","3,357","3,358","3,359","3,360","3,361","3,362","3,363","3,364","3,365","3,366","3,367","3,368","3,369","3,370","3,371","3,372","3,373","3,374","3,375","3,376","3,377","3,378","3,379","3,380","3,381","3,382","3,383","3,384","3,385","3,386","3,387","3,388","3,389","3,390","3,391","3,392","3,393","3,394","3,395","3,396","3,397","3,398","3,399","3,400","3,401","3,402","3,403","3,404","3,405","3,406","3,407","3,408","3,409","3,410","3,411","3,412","3,413","3,414","3,415","3,416","3,417","3,418","3,419","3,420","3,421","3,422","3,423","3,424","3,425","3,426","3,427","3,428","3,429","3,430","3,431","3,432","3,433","3,434","3,435","3,436","3,437","3,438","3,439","3,440","3,441","3,442","3,443","3,444","3,445","3,446","3,447","3,448","3,449","3,450","3,451","3,452","3,453","3,454","3,455","3,456","3,457","3,458","3,459","3,460","3,461","3,462","3,463","3,464","3,465","3,466","3,467","3,468","3,469","3,470","3,471","3,472","3,473","3,474","3,475","3,476","3,477","3,478","3,479","3,480","3,481","3,482","3,483","3,484","3,485","3,486","3,487","3,488","3,489","3,490","3,491","3,492","3,493","3,494","3,495","3,496","3,497","3,498","3,499","3,500","3,501","3,502","3,503","3,504","3,505","3,506","3,507","3,508","3,509","3,510","3,511","3,512","3,513","3,514","3,515","3,516","3,517","3,518","3,519","3,520","3,521","3,522","3,523","3,524","3,525","3,526","3,527","3,528","3,529","3,530","3,531","3,532","3,533","3,534","3,535","3,536","3,537","3,538","3,539","3,540","3,541","3,542","3,543","3,544","3,545","3,546","3,547","3,548","3,549","4,5","4,6","4,7","4,8","4,9","4,10","4,11","4,12","4,13","4,14","4,15","4,16","4,17","4,18","4,19","4,20","4,21","4,22","4,23","4,24","4,25","4,26","4,27","4,28","4,29","4,30","4,31","4,32","4,33","4,34","4,35","4,36","4,37","4,38","4,39","4,40","4,41","4,42","4,43","4,44","4,45","4,46","4,47","4,48","4,49","4,50","4,51","4,52","4,53","4,54","4,55","4,56","4,57","4,58","4,59","4,60","4,61","4,62","4,63","4,64","4,65","4,66","4,67","4,68","4,69","4,70","4,71","4,72","4,73","4,74","4,75","4,76","4,77","4,78","4,79","4,80","4,81","4,82","4,83","4,84","4,85","4,86","4,87","4,88","4,89","4,90","4,91","4,92","4,93","4,94","4,95","4,96","4,97","4,98","4,99","4,100","4,101","4,102","4,103","4,104","4,105","4,106","4,107","4,108","4,109","4,110","4,111","4,112","4,113","4,114","4,115","4,116","4,117","4,118","4,119","4,120","4,121","4,122","4,123","4,124","4,125","4,126","4,127","4,128","4,129","4,130","4,131","4,132","4,133","4,134","4,135","4,136","4,137","4,138","4,139","4,140","4,141","4,142","4,143","4,144","4,145","4,146","4,147","4,148","4,149","4,150","4,151","4,152","4,153","4,154","4,155","4,156","4,157","4,158","4,159","4,160","4,161","4,162","4,163","4,164","4,165","4,166","4,167","4,168","4,169","4,170","4,171","4,172","4,173","4,174","4,175","4,176","4,177","4,178","4,179","4,180","4,181","4,182","4,183","4,184","4,185","4,186","4,187","4,188","4,189","4,190","4,191","4,192","4,193","4,194","4,195","4,196","4,197","4,198","4,199","4,200","4,201","4,202","4,203","4,204","4,205","4,206","4,207","4,208","4,209","4,210","4,211","4,212","4,213","4,214","4,215","4,216","4,217","4,218","4,219","4,220","4,221","4,222","4,223","4,224","4,225","4,226","4,227","4,228","4,229","4,230","4,231","4,232","4,233","4,234","4,235","4,236","4,237","4,238","4,239","4,240","4,241","4,242","4,243","4,244","4,245","4,246","4,247","4,248","4,249","4,250","4,251","4,252","4,253","4,254","4,255","4,256","4,257","4,258","4,259","4,260","4,261","4,262","4,263","4,264","4,265","4,266","4,267","4,268","4,269","4,270","4,271","4,272","4,273","4,274","4,275","4,276","4,277","4,278","4,279","4,280","4,281","4,282","4,283","4,284","4,285","4,286","4,287","4,288","4,289","4,290","4,291","4,292","4,293","4,294","4,295","4,296","4,297","4,298","4,299","4,300","4,301","4,302","4,303","4,304","4,305","4,306","4,307","4,308","4,309","4,310","4,311","4,312","4,313","4,314","4,315","4,316","4,317","4,318","4,319","4,320","4,321","4,322","4,323","4,324","4,325","4,326","4,327","4,328","4,329","4,330","4,331","4,332","4,333","4,334","4,335","4,336","4,337","4,338","4,339","4,340","4,341","4,342","4,343","4,344","4,345","4,346","4,347","4,348","4,349","4,350","4,351","4,352","4,353","4,354","4,355","4,356","4,357","4,358","4,359","4,360","4,361","4,362","4,363","4,364","4,365","4,366","4,367","4,368","4,369","4,370","4,371","4,372","4,373","4,374","4,375","4,376","4,377","4,378","4,379","4,380","4,381","4,382","4,383","4,384","4,385","4,386","4,387","4,388","4,389","4,390","4,391","4,392","4,393","4,394","4,395","5,5","5,6","5,7","5,8","5,9","5,10","5,11","5,12","5,13","5,14","5,15","5,16","5,17","5,18","5,19","5,20","5,21","5,22","5,23","5,24","5,25","5,26","5,27","5,28","5,29","5,30","5,31","5,32","5,33","5,34","5,35","5,36","5,37","5,38","5,39","5,40","5,41","5,42","5,43","5,44","5,45","5,46","5,47","5,48","5,49","5,50","5,51","5,52","5,53","5,54","5,55","5,56","5,57","5,58","5,59","5,60","5,61","5,62","5,63","5,64","5,65","5,66","5,67","5,68","5,69","5,70","5,71","5,72","5,73","5,74","5,75","5,76","5,77","5,78","5,79","5,80","5,81","5,82","5,83","5,84","5,85","5,86","5,87","5,88","5,89","5,90","5,91","5,92","5,93","5,94","5,95","5,96","5,97","5,98","5,99","5,100","5,101","5,102","5,103","5,104","5,105","5,106","5,107","5,108","5,109","5,110","5,111","5,112","5,113","5,114","5,115","5,116","5,117","5,118","5,119","5,120","5,121","5,122","5,123","5,124","5,125","5,126","5,127","5,128","5,129","5,130","5,131","5,132","5,133","5,134","5,135","5,136","5,137","5,138","5,139","5,140","5,141","5,142","5,143","5,144","5,145","5,146","5,147","5,148","5,149","5,150","5,151","5,152","5,153","5,154","5,155","5,156","5,157","5,158","5,159","5,160","5,161","5,162","5,163","5,164","5,165","5,166","5,167","5,168","5,169","5,170","5,171","5,172","5,173","5,174","5,175","5,176","5,177","5,178","5,179","5,180","5,181","5,182","5,183","5,184","5,185","5,186","5,187","5,188","5,189","5,190","5,191","5,192","5,193","5,194","5,195","5,196","5,197","5,198","5,199","5,200","5,201","5,202","5,203","5,204","5,205","5,206","5,207","5,208","5,209","5,210","5,211","5,212","5,213","5,214","5,215","5,216","5,217","5,218","5,219","5,220","5,221","5,222","5,223","5,224","5,225","5,226","5,227","5,228","5,229","5,230","5,231","5,232","5,233","5,234","5,235","5,236","5,237","5,238","5,239","5,240","5,241","5,242","5,243","5,244","5,245","5,246","5,247","5,248","5,249","5,250","5,251","5,252","5,253","5,254","5,255","5,256","5,257","5,258","5,259","5,260","5,261","5,262","5,263","5,264","5,265","5,266","5,267","5,268","5,269","5,270","5,271","5,272","5,273","5,274","5,275","5,276","5,277","5,278","5,279","5,280","5,281","5,282","5,283","5,284","5,285","5,286","5,287","5,288","5,289","5,290","5,291","5,292","5,293","5,294","5,295","5,296","5,297","5,298","5,299","5,300","5,301","5,302","5,303","5,304","5,305","5,306","5,307","5,308","5,309","5,310","5,311","5,312","5,313","5,314","5,315","5,316","5,317","5,318","5,319","5,320","5,321","5,322","5,323","5,324","5,325","5,326","5,327","5,328","5,329","5,330","5,331","5,332","5,333","5,334","5,335","5,336","5,337","5,338","5,339","5,340","5,341","5,342","5,343","5,344","5,345","5,346","5,347","5,348","5,349","5,350","5,351","5,352","5,353","5,354","5,355","5,356","5,357","5,358","5,359","5,360","5,361","5,362","5,363","5,364","5,365","5,366","5,367","5,368","5,369","5,370","5,371","5,372","5,373","5,374","5,375","5,376","5,377","5,378","5,379","5,380","5,381","5,382","5,383","5,384","5,385","5,386","5,387","5,388","5,389","5,390","5,391","5,392","5,393","5,394","5,395","5,396","5,397","5,398","5,399","5,400","5,401","5,402","5,403","5,404","5,405","5,406","5,407","5,408","5,409","5,410","5,411","5,412","5,413","5,414","5,415","5,416","5,417","5,418","5,419","5,420","5,421","5,422","5,423","5,424","5,425","5,426","5,427","5,428","5,429","5,430","5,431","5,432","5,433","5,434","5,435","5,436","5,437","5,438","5,439","5,440","5,441","5,442","5,443","5,444","5,445","5,446","5,447","5,448","5,449","5,450","5,451","5,452","5,453","5,454","5,455","5,456","5,457","5,458","5,459","5,460","5,461","5,462","5,463","5,464","5,465","5,466","5,467","5,468","5,469","5,470","5,471","5,472","5,473","5,474","5,475","5,476","5,477","5,478","5,479","5,480","5,481","5,482","5,483","5,484","5,485","5,486","5,487","5,488","5,489","5,490","5,491","5,492","5,493","5,494","5,495","5,496","5,497","5,498","5,499","5,500","5,501","5,502","5,503","5,504","5,505","5,506","5,507","5,508","5,509","5,510","5,511","5,512","5,513","5,514","5,515","5,516","5,517","5,518","5,519","5,520","5,521","5,522","5,523","5,524","5,525","5,526","5,527","5,528","5,529","5,530","5,531","5,532","5,533","5,534","5,535","5,536","5,537","5,538","5,539","5,540","5,541","5,542","5,543","5,544","5,545","5,546","5,547","5,548","5,549","5,550","5,551","5,552","5,553","5,554","5,555","5,556","5,557","5,558","5,559","5,560","5,561","5,562","5,563","5,564","5,565","5,566","5,567","5,568","5,569","5,570","5,571","5,572","5,573","5,574","5,575","5,576","5,577","5,578","5,579","5,580","5,581","5,582","5,583","5,584","5,585","5,586","5,587","5,588","5,589","5,590","5,591","5,592","5,593","5,594","5,595","5,596","5,597","5,598","5,599","5,600","5,601","5,602","5,603","5,604","5,605","5,606","5,607","5,608","5,609","5,610","5,611","5,612","5,613","5,614","5,615","5,616","5,617","5,618","5,619","5,620","5,621","5,622","5,623","5,624","5,625","5,626","5,627","5,628","5,629","5,630","5,631","5,632","5,633","5,634","5,635","5,636","5,637","5,638","5,639","5,640","5,641","5,642","5,643","5,644","5,645","5,646","5,647","5,648","5,64932","5,650","5,651","5,652","5,653","5,654","5,655","5,656","5,657","5,658","5,659","5,660","5,661","5,662","5,663","5,664","5,665","5,666","5,667","5,668","5,669","5,670","5,671"],"ٞ":{"1":[1,2],"2":[3,4,5],"5":[6,7,8],"6":[9],"21":[10],"32":[11],"34":[12],"35":[13],"36":[14],"37":[15],"38":[16],"39":[17,18],"40":[19],"42":[20],"46":[21],"48":[22,23],"49":[24],"51":[25],"52":[26],"55":[27],"56":[28],"58":[29,30],"62":[31],"63":[32],"66":[33],"67":[34],"70":[35,36],"71":[37,38],"72":[39,40],"73":[41,42],"74":[43],"75":[44],"77":[45],"78":[46,47],"79":[48,49],"80":[50],"81":[51],"82":[52],"84":[53],"87":[54,55,56],"89":[57,58],"90":[59],"91":[60,61,62],"92":[63,64,65,66],"93":[67,68,69],"94":[70,71],"95":[72],"96":[73],"97":[74],"98":[75],"99":[76],"100":[77],"101":[78],"104":[79],"105":[80],"109":[81,82],"113":[83],"116":[84],"119":[85],"131":[86],"134":[87],"141":[88],"144":[89],"146":[90],"150":[91],"152":[92,93,94],"159":[95],"160":[96],"162":[97],"166":[98],"170":[99],"176":[100],"180":[101],"183":[102],"185":[103],"187":[104],"191":[105],"194":[106],"198":[107],"200":[108],"207":[109],"214":[110],"219":[111],"221":[112],"223":[113],"224":[114],"229":[115],"230":[116],"232":[117],"235":[118],"242":[119],"246":[120],"250":[121],"255":[122],"260":[123],"263":[124],"264":[125],"266":[126],"272":[127],"274":[128],"277":[129],"280":[130],"282":[131],"288":[132],"296":[133],"297":[134],"300":[135],"304":[136],"305":[137],"307":[138],"310":[139],"312":[140],"317":[141],"320":[142],"321":[143],"322":[144],"324":[145],"327":[146,147],"330":[148],"332":[149],"338":[150],"340":[151],"344":[152,153],"347":[154],"350":[155],"351":[156],"352":[157],"357":[158],"359":[159],"363":[160],"366":[161],"367":[162],"376":[163],"380":[164],"386":[165],"395":[166],"399":[167],"404":[168],"410":[169],"413":[170],"419":[171],"421":[172],"423":[173],"425":[174],"427":[175],"429":[176],"431":[177],"435":[178],"441":[179],"443":[180],"445":[181],"448":[182],"451":[183],"452":[184],"454":[185],"456":[186],"461":[187],"468":[188],"469":[189],"470":[190],"473":[191],"478":[192],"479":[193],"484":[194],"488":[195],"494":[196],"495":[197],"500":[198],"502":[199],"507":[200],"511":[201],"516":[202],"519":[203],"522":[204],"524":[205],"529":[206],"534":[207],"541":[208],"547":[209],"554":[210],"558":[211],"563":[212,213,214],"566":[215],"571":[216],"572":[217],"574":[218],"578":[219],"583":[220],"585":[221],"588":[222],"591":[223],"592":[224],"597":[225],"601":[226],"602":[227],"604":[228],"606":[229],"609":[230],"611":[231],"613":[232],"614":[233],"616":[234],"617":[235],"620":[236],"623":[237],"626":[238],"631":[239,240],"635":[241],"639":[242],"641":[243],"647":[244],"649":[245],"652":[246],"654":[247,248],"655":[249],"656":[250],"659":[251],"661":[252],"662":[253],"663":[254],"668":[255],"671":[256],"674":[257],"678":[258],"679":[259],"683":[260],"687":[261],"689":[262],"692":[263],"694":[264],"695":[265,266],"698":[267],"699":[268],"700":[269],"702":[270],"703":[271],"704":[272,273],"705":[274],"706":[275,276],"711":[277,278],"713":[279],"717":[280,281],"719":[282],"724":[283],"729":[284],"732":[285,286],"733":[287],"735":[288],"737":[289],"739":[290],"749":[291],"752":[292],"755":[293],"756":[294],"762":[295],"781":[296],"782":[297],"785":[298],"787":[299],"790":[300,301],"794":[302],"795":[303],"797":[304],"798":[305],"802":[306],"803":[307],"806":[308,309],"808":[310],"809":[311],"812":[312],"813":[313],"815":[314],"816":[315],"817":[316],"818":[317],"819":[318],"820":[319],"824":[320],"826":[321],"828":[322],"831":[323],"834":[324,325],"836":[326],"839":[327],"840":[328],"845":[329],"848":[330],"849":[331],"852":[332],"853":[333,334],"855":[335],"856":[336,337,338],"857":[339],"858":[340],"859":[341,342],"860":[343],"861":[344],"862":[345,346],"863":[347],"864":[348],"866":[349],"867":[350,351],"869":[352],"874":[353,354],"875":[355,356],"876":[357],"878":[358],"880":[359],"881":[360],"882":[361],"883":[362],"885":[363,364],"886":[365],"887":[366,367],"888":[368,369],"889":[370],"890":[371,372],"892":[373,374],"895":[375],"899":[376],"902":[377],"904":[378],"905":[379],"919":[380,381],"920":[382],"921":[383],"923":[384],"924":[385,386],"925":[387],"926":[388],"927":[389],"929":[390],"931":[391],"932":[392],"933":[393],"940":[394],"943":[395],"946":[396],"947":[397],"950":[398],"952":[399],"955":[400],"956":[401],"960":[402],"961":[403],"963":[404],"964":[405],"966":[406],"967":[407],"969":[408],"971":[409],"977":[410],"978":[411],"979":[412],"984":[413,414],"986":[415],"988":[416],"989":[417],"994":[418],"996":[419],"997":[420],"998":[421],"999":[422],"1000":[423,424],"1002":[425],"1004":[426],"1005":[427],"1007":[428],"1008":[429],"1010":[430],"1011":[431],"1013":[432],"1014":[433],"1015":[434],"1017":[435],"1019":[436],"1021":[437],"1022":[438],"1023":[439],"1024":[440],"1026":[441],"1031":[442],"1032":[443],"1035":[444],"1036":[445],"1038":[446],"1042":[447],"1043":[448],"1045":[449],"1046":[450],"1047":[451],"1050":[452],"1052":[453],"1054":[454],"1056":[455,456],"1059":[457],"1060":[458],"1063":[459],"1065":[460],"1067":[461,462],"1068":[463],"1070":[464],"1072":[465],"1076":[466],"1077":[467],"1078":[468],"1079":[469],"1080":[470],"1081":[471],"1085":[472],"1087":[473],"1088":[474],"1090":[475],"1091":[476],"1093":[477],"1096":[478,479,480],"1097":[481],"1098":[482],"1099":[483],"1101":[484],"1105":[485],"1107":[486],"1108":[487],"1110":[488],"1112":[489],"1113":[490],"1116":[491],"1117":[492],"1118":[493],"1119":[494,495],"1121":[496],"1122":[497],"1123":[498],"1125":[499],"1126":[500],"1128":[501],"1131":[502,503],"1133":[504],"1134":[505],"1138":[506],"1139":[507],"1142":[508],"1143":[509],"1145":[510],"1149":[511],"1150":[512,513],"1153":[514],"1155":[515,516],"1157":[517],"1159":[518],"1162":[519],"1164":[520],"1168":[521],"1169":[522],"1170":[523],"1172":[524],"1176":[525],"1179":[526,527],"1180":[528],"1181":[529],"1183":[530],"1184":[531],"1187":[532],"1188":[533],"1189":[534],"1190":[535],"1192":[536],"1196":[537],"1197":[538],"1198":[539],"1199":[540],"1200":[541],"1203":[542,543],"1204":[544],"1205":[545],"1206":[546],"1209":[547],"1212":[548],"1213":[549],"1214":[550,551],"1217":[552],"1218":[553],"1220":[554],"1221":[555],"1223":[556],"1227":[557],"1231":[558],"1234":[559],"1235":[560,561],"1236":[562],"1237":[563],"1242":[564],"1244":[565],"1246":[566],"1248":[567,568],"1249":[569],"1252":[570,571],"1253":[572],"1255":[573],"1256":[574,575],"1257":[576],"1259":[577],"1260":[578],"1261":[579],"1262":[580],"1264":[581],"1266":[582],"1268":[583],"1269":[584],"1271":[585],"1272":[586],"1274":[587],"1275":[588],"1276":[589],"1277":[590,591],"1279":[592,593],"1281":[594],"1284":[595,596],"1285":[597,598],"1287":[599],"1289":[600],"1292":[601],"1293":[602],"1294":[603],"1295":[604],"1297":[605,606],"1298":[607,608],"1299":[609],"1300":[610],"1301":[611],"1302":[612],"1307":[613],"1312":[614],"1314":[615],"1316":[616],"1318":[617],"1321":[618],"1323":[619],"1324":[620,621],"1325":[622],"1326":[623],"1328":[624],"1330":[625],"1331":[626],"1332":[627],"1333":[628],"1334":[629],"1336":[630],"1337":[631],"1338":[632],"1340":[633,634],"1341":[635],"1342":[636,637],"1343":[638],"1344":[639],"1347":[640,641],"1348":[642],"1349":[643],"1350":[644],"1351":[645],"1352":[646],"1355":[647],"1356":[648],"1358":[649],"1360":[650,651],"1361":[652],"1362":[653,654],"1363":[655],"1365":[656],"1366":[657],"1369":[658],"1370":[659],"1371":[660],"1372":[661],"1374":[662],"1376":[663],"1378":[664,665],"1379":[666],"1381":[667],"1383":[668],"1385":[669],"1387":[670,671],"1390":[672],"1392":[673],"1393":[674],"1395":[675],"1398":[676],"1399":[677],"1401":[678,679],"1402":[680,681],"1403":[682],"1405":[683],"1406":[684],"1409":[685],"1412":[686],"1413":[687],"1416":[688,689],"1418":[690],"1420":[691],"1422":[692],"1423":[693],"1424":[694],"1425":[695],"1429":[696],"1430":[697],"1432":[698],"1434":[699],"1435":[700],"1438":[701],"1440":[702],"1441":[703],"1442":[704],"1444":[705],"1445":[706],"1446":[707],"1449":[708,709],"1450":[710],"1452":[711],"1453":[712],"1454":[713],"1456":[714],"1458":[715],"1459":[716],"1460":[717],"1462":[718,719],"1463":[720],"1465":[721,722,723],"1466":[724],"1467":[725],"1468":[726,727],"1470":[728],"1471":[729],"1472":[730],"1474":[731],"1476":[732],"1478":[733,734],"1480":[735],"1481":[736],"1484":[737,738],"1485":[739,740],"1486":[741],"1487":[742],"1488":[743],"1490":[744],"1491":[745],"1492":[746,747],"1493":[748],"1494":[749,750],"1496":[751],"1497":[752],"1498":[753],"1499":[754],"1501":[755,756],"1502":[757],"1504":[758],"1505":[759,760],"1506":[761],"1508":[762],"1509":[763,764],"1510":[765],"1517":[766],"1518":[767],"1519":[768,769],"1520":[770],"1521":[771],"1524":[772],"1525":[773],"1526":[774],"1528":[775],"1529":[776],"1530":[777],"1531":[778],"1532":[779],"1533":[780,781],"1534":[782,783],"1535":[784],"1536":[785],"1537":[786],"1538":[787],"1539":[788],"1540":[789,790],"1541":[791],"1543":[792],"1546":[793,794],"1547":[795],"1548":[796],"1551":[797,798],"1561":[799,800],"1564":[801],"1566":[802],"1567":[803],"1568":[804,805],"1569":[806],"1570":[807],"1571":[808],"1572":[809],"1573":[810],"1576":[811],"1577":[812],"1579":[813],"1580":[814],"1581":[815],"1582":[816],"1585":[817,818],"1587":[819],"1588":[820],"1589":[821],"1590":[822,823],"1592":[824],"1593":[825],"1596":[826],"1597":[827],"1598":[828],"1599":[829],"1601":[830],"1603":[831],"1604":[832],"1605":[833],"1607":[834],"1609":[835],"1611":[836],"1612":[837],"1613":[838],"1614":[839],"1615":[840],"1616":[841],"1617":[842],"1618":[843],"1620":[844],"1621":[845],"1622":[846],"1623":[847],"1625":[848],"1627":[849],"1630":[850],"1632":[851],"1633":[852],"1635":[853],"1636":[854],"1637":[855,856],"1640":[857],"1641":[858,859,860],"1645":[861],"1647":[862],"1648":[863],"1649":[864],"1653":[865],"1654":[866],"1655":[867],"1657":[868],"1658":[869],"1659":[870,871],"1661":[872],"1662":[873],"1665":[874],"1666":[875],"1670":[876],"1671":[877],"1672":[878],"1673":[879],"1675":[880,881],"1678":[882],"1679":[883,884],"1680":[885],"1683":[886],"1690":[887],"1692":[888],"1693":[889],"1696":[890],"1697":[891],"1698":[892],"1699":[893],"1703":[894],"1704":[895,896],"1705":[897],"1706":[898,899],"1707":[900,901],"1708":[902],"1712":[903],"1715":[904,905],"1716":[906],"1717":[907,908],"1718":[909],"1719":[910],"1720":[911,912],"1721":[913],"1722":[914],"1723":[915],"1725":[916,917],"1726":[918],"1727":[919],"1728":[920],"1729":[921],"1733":[922],"1735":[923],"1736":[924],"1737":[925],"1738":[926],"1739":[927],"1740":[928],"1742":[929,930],"1744":[931],"1745":[932],"1746":[933],"1747":[934],"1749":[935],"1750":[936],"1751":[937],"1754":[938],"1757":[939],"1759":[940],"1761":[941],"1762":[942],"1764":[943],"1765":[944],"1769":[945],"1770":[946],"1771":[947,948],"1772":[949,950],"1773":[951],"1775":[952],"1777":[953,954],"1778":[955],"1779":[956],"1781":[957],"1782":[958],"1783":[959],"1784":[960],"1785":[961],"1786":[962],"1787":[963],"1790":[964],"1791":[965],"1795":[966,967],"1796":[968],"1798":[969],"1800":[970,971],"1803":[972,973],"1806":[974],"1808":[975],"1810":[976],"1811":[977,978],"1813":[979],"1815":[980,981],"1817":[982],"1821":[983],"1823":[984],"1827":[985],"1828":[986],"1829":[987],"1830":[988],"1831":[989],"1832":[990,991],"1833":[992],"1837":[993],"1838":[994,995,996],"1839":[997,998],"1840":[999],"1842":[1000],"1843":[1001],"1844":[1002],"1846":[1003],"1847":[1004],"1848":[1005],"1849":[1006],"1851":[1007,1008],"1853":[1009],"1854":[1010,1011],"1856":[1012],"1858":[1013],"1860":[1014,1015,1016],"1861":[1017],"1862":[1018],"1863":[1019,1020],"1864":[1021],"1866":[1022],"1867":[1023],"1868":[1024],"1869":[1025],"1870":[1026],"1871":[1027,1028],"1873":[1029,1030],"1874":[1031,1032],"1875":[1033],"1876":[1034],"1878":[1035,1036,1037],"1879":[1038],"1880":[1039],"1882":[1040],"1884":[1041],"1886":[1042],"1888":[1043],"1889":[1044],"1890":[1045],"1891":[1046],"1892":[1047],"1893":[1048],"1896":[1049],"1897":[1050],"1898":[1051],"1899":[1052,1053],"1901":[1054],"1902":[1055],"1905":[1056],"1907":[1057],"1908":[1058],"1909":[1059],"1910":[1060,1061],"1911":[1062],"1914":[1063],"1915":[1064],"1916":[1065],"1917":[1066],"1920":[1067],"1922":[1068,1069],"1924":[1070,1071,1072],"1925":[1073],"1926":[1074,1075],"1927":[1076],"1928":[1077],"1930":[1078,1079],"1933":[1080],"1936":[1081,1082],"1937":[1083],"1939":[1084],"1941":[1085,1086],"1943":[1087],"1944":[1088,1089],"1947":[1090],"1949":[1091],"1952":[1092,1093],"1954":[1094,1095],"1955":[1096,1097],"1956":[1098],"1959":[1099,1100],"1960":[1101],"1962":[1102,1103],"1963":[1104,1105],"1964":[1106],"1967":[1107],"1968":[1108],"1970":[1109,1110],"1972":[1111],"1973":[1112,1113],"1975":[1114],"1978":[1115],"1979":[1116],"1980":[1117],"1983":[1118],"1984":[1119],"1985":[1120],"1986":[1121,1122],"1987":[1123],"1988":[1124],"1989":[1125],"1991":[1126],"1993":[1127],"1995":[1128],"1997":[1129],"1999":[1130,1131,1132],"2001":[1133],"2004":[1134],"2005":[1135],"2007":[1136],"2008":[1137],"2010":[1138],"2011":[1139,1140],"2012":[1141],"2013":[1142],"2014":[1143,1144],"2017":[1145,1146],"2018":[1147],"2019":[1148],"2020":[1149],"2022":[1150,1151],"2025":[1152],"2026":[1153],"2028":[1154],"2029":[1155],"2031":[1156],"2032":[1157,1158,1159],"2033":[1160],"2034":[1161],"2035":[1162],"2038":[1163],"2039":[1164,1165],"2040":[1166],"2041":[1167],"2043":[1168],"2044":[1169],"2045":[1170,1171],"2046":[1172],"2047":[1173],"2049":[1174,1175],"2050":[1176],"2051":[1177],"2053":[1178],"2054":[1179],"2055":[1180],"2056":[1181],"2058":[1182],"2059":[1183],"2060":[1184],"2061":[1185],"2062":[1186],"2063":[1187,1188],"2071":[1189],"2073":[1190],"2074":[1191],"2075":[1192,1193],"2076":[1194],"2077":[1195],"2078":[1196],"2079":[1197],"2081":[1198,1199],"2083":[1200],"2084":[1201],"2085":[1202],"2088":[1203],"2089":[1204],"2091":[1205],"2092":[1206],"2094":[1207],"2096":[1208],"2099":[1209,1210],"2101":[1211],"2102":[1212],"2103":[1213],"2104":[1214],"2105":[1215,1216],"2107":[1217],"2108":[1218],"2111":[1219],"2112":[1220],"2113":[1221,1222],"2114":[1223],"2116":[1224],"2117":[1225],"2118":[1226],"2119":[1227],"2122":[1228],"2123":[1229],"2124":[1230],"2125":[1231],"2126":[1232],"2128":[1233],"2130":[1234,1235],"2131":[1236],"2133":[1237],"2134":[1238,1239],"2136":[1240],"2137":[1241],"2138":[1242],"2142":[1243],"2143":[1244],"2146":[1245],"2147":[1246],"2148":[1247,1248],"2149":[1249],"2150":[1250,1251],"2152":[1252,1253],"2155":[1254],"2157":[1255],"2158":[1256],"2160":[1257],"2162":[1258],"2165":[1259],"2166":[1260],"2169":[1261],"2170":[1262],"2172":[1263],"2173":[1264],"2175":[1265,1266],"2176":[1267],"2178":[1268],"2179":[1269],"2181":[1270],"2182":[1271],"2184":[1272],"2186":[1273],"2188":[1274],"2190":[1275],"2191":[1276],"2193":[1277],"2194":[1278],"2195":[1279],"2196":[1280],"2198":[1281],"2199":[1282,1283,1284],"2200":[1285],"2203":[1286],"2204":[1287],"2205":[1288,1289],"2209":[1290],"2210":[1291],"2211":[1292],"2212":[1293],"2213":[1294],"2214":[1295],"2215":[1296,1297],"2217":[1298,1299],"2218":[1300],"2219":[1301],"2221":[1302,1303,1304],"2222":[1305],"2224":[1306],"2228":[1307,1308],"2229":[1309],"2230":[1310],"2231":[1311,1312],"2232":[1313,1314],"2233":[1315,1316],"2234":[1317],"2235":[1318],"2236":[1319],"2237":[1320],"2238":[1321],"2239":[1322,1323],"2240":[1324],"2241":[1325],"2243":[1326],"2245":[1327],"2247":[1328],"2249":[1329],"2250":[1330,1331],"2252":[1332],"2255":[1333,1334],"2256":[1335],"2260":[1336,1337],"2262":[1338],"2265":[1339],"2267":[1340],"2268":[1341],"2269":[1342],"2270":[1343],"2275":[1344,1345],"2276":[1346],"2277":[1347],"2278":[1348],"2279":[1349],"2281":[1350],"2283":[1351],"2287":[1352],"2288":[1353],"2294":[1354,1355],"2296":[1356],"2297":[1357],"2298":[1358],"2304":[1359],"2305":[1360],"2307":[1361,1362],"2309":[1363],"2310":[1364],"2314":[1365],"2316":[1366],"2317":[1367],"2320":[1368],"2321":[1369],"2323":[1370,1371],"2324":[1372],"2325":[1373],"2326":[1374],"2327":[1375],"2329":[1376],"2330":[1377],"2331":[1378],"2332":[1379],"2333":[1380],"2336":[1381,1382],"2338":[1383],"2339":[1384],"2343":[1385],"2344":[1386,1387],"2345":[1388],"2348":[1389,1390],"2349":[1391],"2350":[1392],"2352":[1393],"2354":[1394],"2356":[1395],"2357":[1396],"2358":[1397],"2360":[1398],"2361":[1399],"2363":[1400,1401],"2365":[1402],"2366":[1403,1404],"2369":[1405],"2370":[1406],"2372":[1407,1408],"2373":[1409],"2375":[1410],"2377":[1411],"2378":[1412,1413],"2379":[1414],"2381":[1415],"2382":[1416],"2383":[1417],"2387":[1418,1419],"2388":[1420],"2389":[1421],"2391":[1422],"2394":[1423],"2395":[1424,1425],"2396":[1426],"2397":[1427],"2399":[1428,1429],"2400":[1430],"2401":[1431],"2404":[1432,1433],"2405":[1434,1435],"2408":[1436],"2411":[1437],"2413":[1438,1439],"2416":[1440],"2418":[1441],"2420":[1442],"2422":[1443],"2424":[1444,1445],"2426":[1446,1447],"2427":[1448],"2431":[1449,1450],"2433":[1451,1452],"2434":[1453],"2435":[1454],"2437":[1455],"2439":[1456],"2440":[1457],"2441":[1458],"2443":[1459,1460],"2444":[1461],"2445":[1462],"2446":[1463],"2447":[1464],"2449":[1465],"2451":[1466,1467],"2452":[1468],"2454":[1469,1470],"2455":[1471,1472],"2456":[1473,1474],"2461":[1475,1476,1477],"2463":[1478,1479],"2465":[1480,1481],"2466":[1482,1483],"2467":[1484],"2468":[1485],"2470":[1486,1487],"2473":[1488],"2474":[1489],"2475":[1490],"2477":[1491,1492],"2479":[1493],"2480":[1494],"2482":[1495],"2483":[1496,1497],"2485":[1498],"2486":[1499],"2487":[1500],"2488":[1501],"2490":[1502,1503],"2492":[1504],"2494":[1505,1506],"2496":[1507],"2498":[1508],"2500":[1509,1510,1511],"2502":[1512],"2504":[1513],"2505":[1514],"2506":[1515,1516,1517],"2508":[1518,1519],"2509":[1520],"2510":[1521],"2511":[1522],"2512":[1523,1524],"2513":[1525,1526,1527],"2515":[1528,1529,1530],"2516":[1531,1532],"2517":[1533],"2518":[1534],"2520":[1535,1536],"2521":[1537,1538],"2523":[1539],"2524":[1540,1541],"2525":[1542],"2526":[1543],"2527":[1544,1545],"2529":[1546],"2530":[1547],"2531":[1548,1549],"2532":[1550],"2536":[1551,1552],"2538":[1553],"2539":[1554],"2540":[1555,1556],"2542":[1557],"2543":[1558],"2544":[1559],"2546":[1560,1561],"2548":[1562,1563],"2550":[1564],"2551":[1565,1566],"2552":[1567],"2554":[1568,1569],"2555":[1570],"2557":[1571],"2559":[1572],"2560":[1573,1574],"2562":[1575],"2563":[1576,1577],"2564":[1578,1579],"2567":[1580,1581],"2568":[1582,1583,1584],"2569":[1585],"2570":[1586],"2571":[1587],"2574":[1588,1589],"2575":[1590],"2576":[1591],"2577":[1592,1593],"2578":[1594,1595,1596],"2579":[1597],"2580":[1598,1599],"2581":[1600],"2582":[1601,1602,1603],"2584":[1604],"2585":[1605],"2586":[1606,1607,1608],"2587":[1609,1610],"2589":[1611,1612,1613],"2590":[1614,1615],"2592":[1616,1617],"2593":[1618],"2594":[1619,1620],"2595":[1621],"2596":[1622,1623],"2598":[1624,1625,1626],"2599":[1627,1628],"2601":[1629,1630,1631],"2602":[1632],"2604":[1633,1634],"2605":[1635,1636],"2606":[1637],"2609":[1638,1639,1640],"2610":[1641,1642],"2611":[1643],"2612":[1644,1645,1646],"2614":[1647,1648],"2615":[1649],"2617":[1650,1651,1652],"2619":[1653,1654],"2621":[1655,1656,1657],"2622":[1658],"2625":[1659,1660,1661],"2627":[1662],"2628":[1663,1664],"2629":[1665],"2631":[1666,1667],"2633":[1668,1669],"2635":[1670,1671,1672],"2636":[1673],"2638":[1674,1675],"2640":[1676,1677],"2642":[1678,1679],"2643":[1680],"2645":[1681,1682],"2646":[1683],"2648":[1684,1685],"2649":[1686,1687],"2650":[1688],"2652":[1689,1690],"2653":[1691,1692],"2654":[1693,1694],"2656":[1695,1696],"2657":[1697,1698],"2659":[1699,1700],"2661":[1701,1702],"2662":[1703,1704],"2663":[1705,1706],"2665":[1707,1708],"2667":[1709,1710],"2669":[1711,1712],"2671":[1713],"2674":[1714,1715],"2677":[1716,1717],"2681":[1718,1719],"2683":[1720,1721],"2684":[1722,1723],"2685":[1724],"2686":[1725],"2687":[1726],"2688":[1727,1728],"2689":[1729],"2690":[1730,1731],"2691":[1732,1733],"2692":[1734,1735],"2697":[1736],"2698":[1737,1738]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>[الجزء الاول]</span>\nبسم الله الرّحمن الرّحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2>«توطئة»</span>\nنحمدك اللهم حمد الشاكرين، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، ملء السموات، وملء الأرض، وملء ما بينهما، وملء ما شئت من شيء بعد، سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم.\nوصلاة وسلاما دائمين متلازمين على نبينا محمد عبد الله ورسوله، خير من قرأ كتاب الله، وخير من فسره، وخير من عمل به.\nوبعد:\nفإن علم التفسير من خير العلوم قاطبة، وشرف العلم من شرف المعلوم، وقدر المرء قدر ما يحسنه، ولا شك أن الاشتغال بكتاب الله تعالى وتفسيره شرف عظيم، ف «خيركم من تعلم القرآن وعلمه» .\nيا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [يونس: ٥٧] .\nوهذا الشفاء لن يتحصل عليه إلا من التزم بشرطه، وشرطه التدبر، قال تعالى:\nكِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ [ص: ٢٩] .\nولما كانت حاجة الأمة ماسّة إلى معرفة تفسير كتاب ربها، والوقوف على أسراره- قمنا بإخراج أحد هذه التفاسير المباركة ليكون تبصرة للمسلمين، وعونا لهم على فهم كتاب الله العزيز.\nوها نحن أولاء نقدم للأمة الإسلامية تفسير «الجواهر الحسان» للإمام العلامة أبي زيد الثعالبي رحمه الله تعالى.\nوقد جاء هذا الكتاب في قسمين:\nالقسم الأول: الدراسة. وجاء في ثلاثة مباحث:","vol":"1","page":5},{"text":"المبحث الأول: نبذة عن حياة أبي زيد الثعالبي.\nويشمل: اسمه، كنيته، لقبه، مولده، نشأته، شيوخه، تلاميذه، مصنفاته، ثناء الناس عليه، ثم وفاته.\nالمبحث الثّاني: في الحديث عن التفسير قبل أبي زيد الثعالبي.\nوفيه ذكرنا معنى التفسير والتأويل، والفرق بينهما، ثم ذكرنا حاجة الناس إلى تفسير الكتاب العزيز، ثم الحديث عن فهم أصحاب النبي ﷺ للقرآن الكريم، ثم ذكرنا أشهر مفسري القرآن من الصحابة فمن بعدهم، وبيّنا كذلك قيمة التفسير بالمأثور.\nثم عرضنا لأهم مدارس التفسير، وكانت كما يلي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>١- مدرسة ابن عباس ب «مكّة»، وكان أشهر تلاميذه من التابعين:</span>\n- سعيد بن جبير.\n- مجاهد بن جبر.\n- عكرمة.\n- طاوس.\n- عطاء بن أبي رباح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>٢- مدرسة أبي بن كعب ب «المدينة النبوية»، وأشهر تلاميذه:</span>\n- أبو العالية.\n- محمد بن كعب القرظي.\n- زيد بن أسلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>٣- مدرسة عبد الله بن مسعود ب «العراق»، وأشهر تلاميذه:</span>\n- علقمة.\n- مسروق.\n- عامر الشعبي.\n- الحسن البصري.\n- قتادة.","vol":"1","page":6},{"text":"ثم تحدثنا عن قيمة التفسير المأثور عن التابعين، واختلاف أهل العلم من بعدهم في الاحتجاج بأقوالهم.\nوكذلك خضنا في ذكر سمات التفسير في تلك المرحلة من مثل: اعتماده على التّلقّي والرواية، والخلاف المذهبي الناشئ، وغير ذلك مما هو مسطور في موضعه.\nوانتقل بنا الحديث إلى الكلام عن التفسير في عصر التدوين، وتحديد هذا العصر تاريخيّا، وكيف سار هذا التفسير سيره حتى بلغ تابعي التابعين. ثم تدرّجنا إلى تبيان اتجاهات التفسير الموجودة بين المفسرين، وكانت:\n- الاتجاه الأثري: وذكرنا من أعلامه «يحيى بن سلام»، ثم «محمد بن جرير الطّبريّ» .\n- الاتجاه اللّغوي: وبيّنّا تاريخ بدايته، وبعض أعلامه، مثل «أبي عبيدة معمر بن المثنى» .\n- الاتجاه البيانيّ: وأوضحنا جذوره، وبعض أمثلته.\nالمبحث الثالث: الكلام على تفسير أبي زيد.\nوتحدثنا فيه عن مصادر الشيخ الثعالبي في تفسيره، والكتب التي استقى منها مادّته، وبنى عليها مصنفه.\nثم تطرّقنا إلى بيان منهجه في بناء تفسيره من احتجاج بمأثور، ورأي، وكيف أنه مزج بينهما، ففسر كتاب الله بعضه ببعض، ثم بالسّنّة، ثم بتفسير الصحابة والتابعين، واحتجاجه باللغة والأصول، وحديثه عن التوحيد، والرقائق، وعلوم الآخرة، وغير ذلك.\nوتحدثنا عن الإسرائيليات في تفسيره، وكيف أنه أقلّ منها، ولم يعتمد عليها.\nثم تحدثنا عن المنهج اللّغويّ في تفسير أبي زيد، وكذلك المنهج البياني، ثم علوم القرآن في تفسير «الجواهر الحسان»، وهي:\n- المكّي والمدني.\n- القراءات المتواترة والشّاذّة.\n- الناسخ والمنسوخ.\n- الأحكام الفقهية المأخوذة من آيات الأحكام.","vol":"1","page":7},{"text":"القسم الثاني: وهو قسم تحقيق النّصّ:\nوقد كان عملنا في الكتاب مرتبا على النحو التالي:\nأولا: إخراج النّص سليما خاليا من الأخطاء النحوية والإملائية، وقد اقتضى ذلك من الموازنة بين النسخ التي تحت أيدينا، فآثرنا النص الأصوب والأرقّ دون اعتماد على نسخة بعينها.\nثانيا: إثبات فروق النّسخ، وتركنا الكثير منها حيث لا جدوى من ذكرها.\nثالثا: تخريج الأحاديث الواردة في النص.\nرابعا: عزو الآثار إلى مصادرها.\nخامسا: توضيح الغريب من الألفاظ الواردة في النّصّ معتمدين في ذلك على المعاجم اللغوية والفقهية.\nسادسا: ترجمة الأعلام الواردة أسماؤهم في النص.\nسابعا: عزو القراءات إلى مصادرها، والتعليق على بعضها حسبما احتاج النص مع بيان كل قراءة.\nثامنا: توضيح بعض المصطلحات الفقهية والأصولية الواردة في النص.\nتاسعا: التعليق على بعض الموضوعات التي أشار إليها المصنف.\nعاشرا: وضع آيات القرآن الكريم ضمن هلالين مزهرين تيسيرا على القارئ، وتخريج آيات الشواهد.","vol":"1","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>المبحث الأول نبذة عن حياة الثعالبي</span>\nاسمه، وكنيته، ولقبه:\nهو عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف «١»، يكنى أبا زيد، ويلقب ب «الثعالبي» «٢» .\nالجزائري «٣»، المغربي، المالكي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>مولده:</span>\nذكر صاحبا «شجرة النور الزّكيّة»، و«الأعلام» أنه ولد سنة ٧٨٦ هـ- جزما، بينما حكى صاحب «نيل الابتهاج بتطريز الديباج» الشك في سنة ميلاده بين ستا وثمانين، وسبع وثمانين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>نشأته:</span>\nلم تذكر المصادر المترجمة لهذا الإمام شيئا عن نشأته إلا أن الظن بحال من حاله كالإمام يؤكد أن نشأته في بيت علم وفضل، ولا يبعد وجود أهل صلاح في أسرته، كما أن الظن بمثله أن يكون درج على طلب العلم، كما يطلبه أهله من قراءة كتاب الله وحفظه في\n_________\n(١) ينظر ترجمته في: «الضوء اللامع» (٤/ ١٥٢)، و«شجرة النور الزكية» (٢٦٥) ت (٩٧٦)، و«فهرس الفهارس» (٢/ ١٣١)، و«هدية العارفين» (٥٣٢)، و«ديوان الإسلام» (٢/ ٥٦) ت (٦٣٧)، و«نيل الابتهاج» (٢٥٧) ت (٣٠٦)، و«الأعلام» (٣/ ٣٣١) . والملاحظ اتفاقها على ذكر اسمه وكنيته ولقبه، بلا زيادة على ما تقدم.\n(٢) هذه النسبة إلى خياطة جلود الثعالب، وعمل الفراء. وفرق بينها وبين «الثعلبي» حيث إن الأخيرة نسبة إلى القبائل وإلى الموضع، فأما المنتسب إلى القبائل، فإلى ثعلبة بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان، منهم أسامة بن شريك الثعلبي، وابن أخيه زياد بن علاقة بن مالك الثعلبي، والنسبة إلى ثعلبة بن ثور بن هدبة بن لاطم بن عثمان بن عمرو بن أد بن طابخة، بطن من «مزينة»، وأبي إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي. ويقال: الثعالبي، المفسر المشهور النيسابوري. وثعلبة بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، بطن كبير من تميم. وثعلبة بن جدعاء بن ذهل بن رومان بن جندب بن خارجة بن سعد بن فطرة بن طيء، بطن مشهور من طيء، منهم مسعود بن علبة بن حارثة بن ربيع بن عمرو بن عكوة بن ثعلبة الشاعر. ينظر: «الأنساب» (١/ ٥٠٥)، و«اللباب» (١/ ٢٣٧- ٢٣٩)، و«الإكمال» (١/ ٥٢٩) و«لب الألباب» (١/ ١٨٥) .\n(٣) نسبة الى البلدة المعروفة ب «الجزائر» إحدى أقطار المغرب العربي.","vol":"1","page":9},{"text":"الصغر، واطّلاعه على كتب التاريخ، والتفسير، والحديث، والأصول، والكلام، والأدب، واللغة، والنحو، والصرف، والعروض، وغيرها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>رحلاته وشيوخه:</span>\nمما لا شكّ فيه أن حاجة العلماء إلى الرحلة عظيمة جدّا سعيا في تحصيل العلم، والسّماع من الأشياخ لأن في الرّحلة إليهم، والالتقاء بهم تثقيفا للعقول، وتنقيحا للعلوم، وتمحيصا للمحفوظ. ولقد كانت الرّحلة سنّة العلماء من لدن سيدنا محمد﵊- إلى أن وقع النّاس فريسة للتخلّف والتكاسل، فقعد بهم ذلك عن طلب العلم، والسّعي في تحصيله.\nولقد كان بعض أصحاب رسول الله ﷺ إذا تناءت به الدّار، يركب إلى «المدينة»، فيسأل رسول الله ﷺ.\nواستمر ذلك السّعي والتّرحال بعد وفاة النبي ﷺ. ولما اتسعت رقعة الدولة الإسلاميّة بعد الفتوحات العظيمة، نجد أن الرّحلة شاعت، وانتشر أمرها، لتفرّق العلماء في شتّى بلدان الدولة الإسلامية.\nولقد ضحّى سلفنا الصّالح بكل غال ورخيص، ودفعوا المال والجهد، وتكبّدوا العناء والمشاقّ، في سبيل طلب الحديث وجمعه، والعناية بسنّة النبي ﷺ.\nفهذا الصّحابي الجليل أبو أيوب الأنصاريّ يرحل من «المدينة» قاصدا عقبة بن عامر ب «مصر» ليسأله عن حديث سمعه من النبي ﷺ، حتى إذا وصل إلى منزل عقبة بن عامر، خرج إليه عقبة فعانقه، وقال: ما جاء بك يا أبا أيوب؟ فقال: حديث سمعته من رسول الله ﷺ لم يبق أحد سمعه منه غيري وغيرك، في ستر المؤمن. قال عقبة: نعم، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من ستر مؤمنا في الدّنيا على خزية، ستره الله يوم القيامة» .\nفقال أبو أيوب: صدقت.\nثم انصرف أبو أيوب من توّه إلى راحلته، راجعا إلى «المدينة»، متحمّلا مشقّة السفر، ووعثاء الطريق، وأخطار المفاوز والقفار.\nويقول سعيد بن المسيّب: إني كنت لأسافر مسيرة الأيام والليالي في الحديث الواحد.\nوذات مرّة قال عمرو بن أبي سلمة للأوزاعيّ: يا أبا عمرو أنا ألزمك منذ أربعة أيام،","vol":"1","page":10},{"text":"ولم أسمع منك إلّا ثلاثين حديثا! قال: وتستقلّ ثلاثين حديثا في أربعة أيّام؟ لقد سار جابر بن عبد الله إلى «مصر»، واشترى راحلة فركبها، حتى سأل عقبة بن عامر عن حديث واحد، وانصرف إلى «المدينة»، وأنت تستقلّ ثلاثين حديثا في أربعة أيام؟ «١» .\nمما سبق يتبيّن أن للرحلة أثرا ملحوظا في تمحيص العلوم، وتنقيحها، وتثبيتها في أذهان العلماء، وأن طلاب العلم نزحوا من قطر إلى قطر، تحملهم ظهور الفيافي والقفار، تنقيبا عن الحديث، أو المسألة الفقهية، أو السّماع من شيخ مشهور، أو التّلمذة على يد عالم إمام.\nولم يكن الإمام الثعالبي بدعا في هذا الشّأن، بل سار على درب أسلافه من العلماء، وأقرانه من طلّاب العلم في السّعي والسّفر رغبة في تحصيل العلم، وطلب مسائله وقضاياه.\nوقد عرفنا الثعالبي نفسه أنه قد رحل في طلب العلم، وسمع من أهل العلم في مختلف الأقطار، فنراه يقول:\nرحلت في طلب العلم من ناحية «الجزائر» في آخر القرن الثامن، فدخلت «بجاية» عام اثنين وثمانمائة، فلقيت بها الأئمة المقتدى بهم في العلم والدين والورع، أصحاب الفقيه الزاهد الورع عبد الرحمن الوغليسي، وأصحاب الشيخ أبي العباس أحمد بن إدريس متوافرون يومئذ، أصحاب ورع ووقوف مع الحد لا يعرفون الأمراء، ولا يخالطونهم، وسلك أتباعهم مسلكهم، كشيخنا الإمام الحافظ أبي الحسن علي بن عثمان المكلاتي، وشيخنا الولي الفقيه المحقّق أبي الربيع سليمان بن الحسن، وأبي الحسن علي بن محمد البليليتي، وعلي بن موسى، والإمام العلامة أبي العباس النقاوسي، حضرت مجالسهم، وعمدتي على الأولين، ثم دخلت «تونس» عام تسعة أوائل عشرة وأصحاب ابن عرفة متوافرون، فأخذت عنهم، كشيخنا واحد زمانه أبي مهدي عيسى الغبريني، وشيخنا الجامع بين علمي المنقول والمعقول أبي عبد الله الأبي، وأبي القاسم البرزلي، وأبي يوسف يعقوب الزغبي، وغيرهم، وأكثر عمدتي على الأبي، ثم رحلت للمشرق، وسمعت «البخاري» ب «مصر» على البلالي، وكثيرا من اختصار «الإحياء» له، وحضرت مجلس شيخ المالكية بها أبي عبد الله البساطي، وحضرت كثيرا عند شيخ المحدثين بها ولي الدين العراقي، وأخذت عنه علومًا جَمَّةً، مُعْظَمُهَا عِلْمُ الحديث، وفتح لي فتحا عظيما وأجازني،\n_________\n(١) روى هذه الآثار الحاكم في «علوم الحديث» ص ٧، ٨.","vol":"1","page":11},{"text":"ثم رجعت ل «تونس» فإذا في موضع الغبريني الشيخ أبو عبد الله القلشاني خلفه فيه عند موته، فلازمته، وأخذت البخاري إلا يسيرا عن البرزلي، ولم يكن ب «تونس» يومئذ من يفوقني في علم الحديث، إذا تكلمت أنصتوا، وقبلوا ما أرويه، تواضعا منهم، وإنصافا واعترافا لحق، وكان بعض فضلاء المغاربة يقول لي لما قدمت من المشرق: كنت آية في علم الحديث، وحضرت أيضا شيخنا الأبي وأجازني، ثم قدم «تونس» شيخنا ابن مرزوق عام تسعة عشر، فأقام بها نحو سنة، فأخذت عنه كثيرا، وسمعت عليه «الموطأ» بقراءة الفقيه أبي حفص عمر القلشاني ابن شيخنا أبي عبد الله وغير شيء، وأجازني وأذن لي هو والأبي في الإقراء، وأخذت عن غيرهم- اهـ-.\nمما سبق يتضح أن الثعالبي قد ذكر أنه سمع في رحلته من شيوخ كثيرين، سمى منهم أربعة عشر شيخا، وسنوردهم فيما يلي مع ذكر البلد التي سمع فيها:\n١- محمد بن خلفة بن عمر التونسي الوشتاني «١» الشهير ب «الأبي»:\nالإمام، العلامة، المحقق، المدقق، البارع، الحافظ، الحاج، الرّحلة، أخذ عن الإمام ابن عرفة، ولازمه، واشتهر في حياته بالمهارة والتقدم في الفنون، وكان من أعيان أصحابه ومحققيهم، «وأبة» «٢»، بضم الهمزة، قرية من «تونس» .\nقال السّخاويّ: كان سليم الصدر، ذكر ذلك جماعة عنه مع مزيد تقدم في الفنون، له «إكمال الإكمال» في شرح مسلم في ثلاثة مجلدات، جمع فيه بين المازري، وعياض، والقرطبي، والنووي مع زيادات مفيدة من كلام ابن عرفة شيخه وغيره.\nوله «شرح المدوّنة» أيضا، وله نظم، وكثر انتقاده لشيخه مشافهة، وربما رجع عليه سيما في تعريفه الطهارة. ووصفه ابن حجر في المثبتة بالأصولي، عالم المغرب بالمعقول.\nوقال: إنه سكن «تونس» وسمّى والده خلفا.\nوأما شرحه لمسلم، ففي غاية الجودة ملأه بتحقيقات بارعة، وزيادة حسنة نافعة سيما أوائله. قال الثعالبي: حضرت عليه قراءة بحث وتحقيق وتدقيق من أوله إلى «الطهارة» متواليا، وكثيرا من «الطهارة» وأكثر «كتاب الصلاة»، وكثيرا من أواخر مسلم أو كله، ومن\n_________\n(١) ينظر ترجمته في: «شجرة النور الزكية» (٢٤٤)، و«نيل الابتهاج» (٤٨٧) .\n(٢) أبة: اسم مدينة بإفريقية، بينها وبين القيروان ثلاثة أيام، وهي من ناحية الأربس، موصوفة بكثرة الفواكه وإنبات الزعفران. ينظر: «معجم البلدان» (١/ ١٠٨) .","vol":"1","page":12},{"text":"«المدونة» و«الرسالة» و«ابن الحاجب» كلها قراءة بحث وتحقيق، وأكثر «إرشاد» أبي المعالي وتفسير القرآن، وأذن لي في إقرائها كلها سنة تسعة عشر وثمانمائة- اهـ- ملخصا.\nوسمعت والدي الفقيه أحمد﵀- يحدث عن بعض المشارقة أنه رأى له تفسير القرآن في ثمان مجلدات- اهـ.\nقال التنبكي: قرأت بخط سيّدي يخلفتين حفيد الشيخ عبد الرحمن الثعالبي أن وفاته سنة ثمان وعشرين وثمانمائة- اهـ. ويذكر أن الإمام ابن عرفة ليم على كثرة الاجتهاد، وتعبه نفسه في النظر، فقال: كيف أنام وأنا بين أسدين الأبي بفهمه وعقله، والبرزلي بحفظه ونقله- اهـ.\nووصفه أبو عبد الله المشذالي بالفقيه، المحقق، العالم. وأخذ عنه جماعة من الأئمة كالقاضي عمر القلشاني، وأبي القاسم بن ناجي، وعبد الرحمن الجدولي، والثعالبي، والشريف العجيسي، وغيرهم، وقال الثعالبي فيه: شيخنا، مولاي، الإمام، الحجة، الثقة، إمام المحققين، الجامع بين حقيقتي المنقول والمعقول، ذو التصانيف الفائقة البارعة، والحجج السّاطعة اللامعة- اهـ. توفي، فيما قيل، سنة سبع وعشرين، و«خلفة» بكسر المعجمة وفتحها ثم لام ساكنة بعدها فاء.\nوقد سمع الثعالبي من شيخه الأبي ببلدة «تونس» .\n٢- وليّ الدين العراقي «١»:\nوهو أحمد بن عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن، الإمام الحافظ الفقيه، المصنف، قاضي القضاة وليّ الدين أبو زرعة ابن الإمام العلامة الحافظ زين الدين أبي الفضل، العراقي الأصل، المصري. ولد في ذي الحجة سنة اثنتين وستين وسبعمائة، وبكر به أبوه، فأحضره عند أبي الحرم القلانسي خاتمة المسندين بالقاهرة، واستجاز له من أبي الحسن الفرضي، ثم رحل به إلى «الشام» سنة خمس وستين، فأحضره في الثالثة على جماعة من أصحاب الفخر ابن البخاري، ثم رجع، وأسمعه ب «القاهرة» من جماعة من المسندين، ثم طلب بنفسه وهو شاب، فقرأ الكثير، ودأب على الشيوخ، ثم رحل إلى «الشام» صحبه صهره الحافظ نور الدين الهيثمي بعد الثمانين، فسمع الكثير ثم رجع، وهو\n_________\n(١) ينظر ترجمته في: «إنباء الغمر في أبناء العمر» (٨/ ٢١)، و«البدر الطالع» (١/ ٧٢)، و«طبقات ابن قاضي شهبة» (٤/ ٨٠) .","vol":"1","page":13},{"text":"مع ذلك ملازم للاشتغال بالفقه، والعربية، والفنون، حتى مهر واشتهر، ولازم الشيخ سراج الدين البلقيني، وحفظ، وكتب عنه الكثير، وأخذ عن علماء عصره. قال الحافظ قاضي القضاة شهاب الدين ابن حجر: ونشأ صيّنا، ديّنا، خيّرا، مع جمال الصورة، وطيب النعمة والتودّد إلى الناس، وناب في الحكم، ودرس في عدة أماكن، ثم استقر في جهات والده بعد وفاته، وعقد مجلس الإملاء بعده، واشتهر صيته وصنف التصانيف، وخرج التخاريج، وولي مشيخة «الجمالية» .\nومن تصانيفه: «تحرير الفتاوى» على التنبيه، و«المنهاج»، و«الحاوي»، أخذ نكت النشائي، والتوشيح، ونكت ابن النقيب على المنهاج، ونكت الحاوي لابن الملقن، وشحن الكتاب بفوائد الشيخ سراج الدين البلقيني، وبسبب ذلك اشتهر الكتاب، واجتمع شمل فوائد الشيخ، وجمع حواشي الشيخ على «الروضة» في مجلدين، واختصر «المهمات»، وجمع بينها وبين حواشي «الروضة» في مجلدين، وشرح «بهجة» ابن الوردي في مجلدين، وشرح «جمع الجوامع» للسبكي في مجلدة، وله وفيّات ابتدأ فيها من سنة مولده- رحمه الله تعالى- قال الحافظ شهاب الدين ابن حجر: وشرح منظومة أبيه في الأصول، وشرع في شرح «سنن» أبي داود، فكتب نحو السدس منه في سبع مجلدات.\nمات في شعبان سنة ست وعشرين وثمانمائة وله ثلاث وستون سنة وثمانية أشهر.\nوسمع منه الإمام الثعالبي ب «مصر» .\n٣- محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن محمد بن أبي بكر بن مرزوق الحفيد العجيسي التلمساني «١»:\nالإمام المشهور، العلّامة، الحجّة، الحافظ، المحقّق الكبير، الثقة الثبت، المطلع النظار، المصنف، التقي، الصالح، الزاهد، الورع، البركة، الخاشي لله، الخاشع الأوّاب، القدوة النبيه، الفقيه المجتهد، الأبرع، الأصوليّ المفسر المحدث، الحافظ المسند الراوية، الأستاذ المقرئ المجوّد، النحوي اللغوي البياني العروضي، الصوفي المسلك المتخلق، الولي الصالح العارف بالله، الآخذ من كل فنّ بأوفر نصيب.\nأخذ العلم عن جماعة، كالسّيد الشريف العلامة أبي محمد عبد الله بن الإمام العلم الشريف التلمساني، والإمام عالم المغرب سعيد العقباني، والولي الصالح أبي إسحاق\n_________\n(١) ينظر ترجمته في: «البدر الطالع» (٢/ ١١٩)، و«نيل الابتهاج» (٤٩٩) .","vol":"1","page":14},{"text":"المصمودي، أفرد ترجمته بتأليف، والعلامة أبي الحسن الأشهب العماري، وعن أبيه وعمّه ابني الخطيب ابن مرزوق، وبتونس عن الإمام ابن عرفة، وأبي العباس القصار، وبفأس عن الأستاذ النحوي ابن حياتي الإمام، والشيخ الصالح أبي زيد المكودي، والحافظ محمد بن مسعود الصنهاجي الفيلالي في جماعة، وبمصر عن الأئمة السراج البلقيني، والحافظ أبي الفضل العراقي، والسراج ابن الملقن، والشمس الغماري، والمجد الفيروزآبادىّ صاحب «القاموس»، والإمام محبّ الدين بن هشام ولد صاحب «المغني»، والنور النويري، والولي ابن خلدون، والقاضي العلامة ناصر الدين التنسي، وغيرهم.\nوأجازه من «الأندلس» الأئمة كابن الخشّاب، وأبي عبد الله القيجاطي، والمحدث الحفار، والحافظ ابن علاق، وأبي محمد ابن جزي، وغيرهم، وأخذ عنه جماعة من السادات كالشيخ الثعالبي، وقاضي الجماعة عمر القلشاني، والإمام محمد بن العباس، والعلامة نصر الزواوي، وولي الله الحسن أبركان، وأبي البركات الغماري، والعلّامة أبي الفضل المشذالي، والسيد الشريف قاضي الجماعة بغرناطة أبي العباس بن أبي يحيى الشريف، وأخيه أبي الفرج، وإبراهيم بن فائد الزواوي، وأبي العباس أحمد بن عبد الرحمن الندرومي، والعلّامة علي بن ثابت، والشهاب ابن كحيل التجاني، وولد العالم محمد بن محمد بن مرزوق الكفيف، والعلامة أحمد بن يونس القسنطيني، والعالم يحيى بن بدير، وأبي الحسن القلصادي، والشيخ عيسى بن سلامة البكري، والعلامة يحيى المازوني، والحافظ التنسي، والإمام ابن زكري. في خلق كثيرين من الأجلّاء.\nوقال الحافظ السّخاوي: هو أبو عبد الله حفيد ابن مرزوق، ويقال له أيضا «ابن مرزوق»، تلا بنافع على عثمان الزروالي، وانتفع في الفقه بابن عرفة، وأجازه ابن الخشّاب والحفار والقيجاطي. وحج قديما سنة تسعين وسبعمائة رفيقا لابن عرفة، وسمع من البهاء الدماميني، والنور العقيلي بمكة، وقرأ بها البخاري على ابن صديق، ولازم المحب ابن هشام في العربية، ثم حج سنة تسعة عشر وثمانمائة، ولقيه رضوان الزيني بمكة، وكذا لقيه ابن حجر- اهـ.\nوأما تآليفه، فكثيرة منها: شروحه الثلاثة على «البردة»: الأكبر المسمى «إظهار صدق المودة في شرح البردة» استوفي فيه غاية الاستيفاء، ضمنه سبعة فنون في كل بيت، و«الأوسط» و«الأصغر» المسمى «بالاستيعاب لما فيها من البيان والإعراب» و«المفاتيح القرطاسية في شرح الشقراطيسية»، و«المفاتيح المرزوقية في استخراج رموز الخزرجية»، ورجزان في علوم الحديث، الكبير سماه «الروضة» جمع فيه بين ألفيتي ابن ليون والعراقي،","vol":"1","page":15},{"text":"و«مختصر الحديقة» اختصر فيه ألفية العراقي، وأرجوزة في الميقات سماه «المقنع الشافي» في ألف وسبعمائة بيت، وأرجوزة ألفية في محاداة «الشاطبية»، وأرجوزة نظم «تلخيص المفتاح»، وأرجوزة نظم «تلخيص ابن البنا» وأرجوزة نظم «جمل» الخونجي، وأرجوزة في اختصار «ألفية ابن مالك»، و«نهاية الأمل» في شرح جمل الخونجي، و«اغتنام الفرصة في محادثة عالم قفصة»، وهو أجوبة على مسائل في الفقه والتفسير وغيرهما، وردت عليه من عالم قفصة أبي يحيى بن عقيبة فأجابه عنها، و«المعراج إلى استمطار فوائد الأستاذ ابن سراج» أجاب فيه العالم قاضي الجماعة بغرناطة ابن سراج عن مسائل نحوية ومنطقية، و«نور اليقين في شرح أولياء الله المتقين» تأليف ألفه في شأن البدلاء تكلم فيه على حديث في أول «الحلية»، و«الدليل المؤمى في ترجيح طهارة الكاغذ الرومي»، و«النصح الخالص في الرد على مدعي رتبة الكامل للناقص» في سبعة كراريس، ألفه في الرد على عصريه وبلديه الإمام قاسم العقباني في فتواه في مسألة الفقراء الصوفية في أشياء صوّب العقباني صنيعهم فيها، فخالفه ابن مرزوق، و«مختصر الحاوي في الفتاوى» لابن عبد النور التونسي، و«الروض البهيج في مسألة الخليج» في أوراق نصف كراس، و«أنوار الدراري في مكررات البخاري»، وتأليف في مناقب شيخه الزاهد الولي إبراهيم المصمودي في مقدار كراس، و«تفسير سورة الإخلاص على طريقة الحكماء»، وهذه كلها تامة.\nوأما ما لم يكمل من تآليفه، «فالمتجر الربيح والسعي الرحب الفسيح في شرح الجامع الصحيح» صحيح البخاري، و«روضة الأديب في شرح التهذيب»، و«المنزع النبيل في شرح مختصر خليل» شرح منه الطهارة في مجلدين، ومن الأقضية لآخره في سفرين في غاية الإتقان، و«التحرير والاستيفاء والتنزيل لألفاظ الكتاب والنقول» لا نظير له أصلا، لخصه العلامة الراعي، و«إيضاح المسالك في ألفية ابن مالك» انتهى إلى اسم الإشارة والموصول، مجلد في غاية الإتقان، ومجلد في شرح شواهد شراحها إلى باب كان وأخواتها، وله خطب عجيبة، وأما أجوبته وفتاويه على المسائل المنوعة، فقد سارت بها الركبان شرقا وغربا، بدوا وحضرا. ذكر المازوني والونشريسي منها جملة وافرة في كتابيهما، وله أيضا عقيدته المسماة «عقيدة أهل التوحيد المخرجة من ظلمة التقليد»، وعلى منحاه بنى السنوسي عقيدته الصغرى، و«الآيات الواضحات في وجه دلالة المعجزات»، و«الدليل الواضح المعلوم في طهارة كاغد الروم»، و«إسماع الصّم في إثبات الشرف من قبل الأم» .\nوذكر السخاوي أن من تأليفه شرح فرعي ابن الحاجب، وشرح التسهيل، والله أعلم.","vol":"1","page":16},{"text":"ومولده، كما ذكره هو في شرحه على البردة، ليلة الاثنين رابع عشر ربيع الأول عام ستة وستين وسبعمائة.\nوقال تلميذه الإمام الثعالبي: وقدم علينا بتونس شيخنا أبو عبد الله بن مرزوق، فأقام بها وأخذت عنه كثيرا، وسمعت عليه جميع «الموطأ» بقراءة صاحبنا أبي حفص عمر ابن شيخنا محمد القلشاني، وختمت عليه «أربعينيات النووي» قراءة عليه في منزلة قراءة تفهم، فكان كلما قرأت عليه حديثا يعلوه خشوع وخضوع، ثم أخذ في البكاء، فلم أزل أقرأ وهو يبكي حتى ختمت الكتاب، وهو من أولياء الله تعالى الذين إذا رأوا ذكر الله.\nوأجمع الناس على فضله من «المغرب» إلى الديار المصرية، واشتهر فضله في البلاد، فكان بذكره تطرز المجالس، جعل الله حبه في قلوب العامة والخاصة، فلا يذكر في مجلس إلا والنفوس متشوقة لما يحكى عنه، وكان في التواضع والإنصاف والاعتراف بالحق في الغاية وفوق النهاية، لا أعلم له نظيرا في ذلك في وقته فيما علمته.\nوقال أيضا في موضع آخر: هو سيدي الشيخ الإمام، الحبر الهمام، حجة أهل الفضل في وقتنا وخاتمتهم، ورحلة النقاد وخلاصتهم، ورئيس المحققين.\nتوفي يوم الخميس عصر رابع عشر شعبان عام اثنين وأربعين وثمانمائة، وصلّى عليه بالجامع الأعظم بعد صلاة الجمعة، حضر جنازته السلطان فمن دونه، لم أر مثله قبله، وأسف الناس لفقده، وآخر بيت سمع منه عند موته: [البسيط]\nإن كان سفك دمي أقصى مرادكم ... فما غلت نظرة منكم بسفك دمي\nوقد سمع الثعالبي منه بعد عودته من رحلته إلى تونس.\n٤- أبو القاسم بن أحمد بن محمد المعتل البلوي، القيرواني، ثم التونسي، الشهير بالبرزلي، الإمام المشهور «١»، نزيل «تونس»:\nمفتيها، وفقيهها، وحافظها، العلّامة، أحد الأئمة في المذهب المالكي صاحب «الديوان» في الفقه والنوازل، من كتب المذهب الأجلة، أجاد فيه ما شاء، كان﵀- إماما علامة، بارعا، حافظا للفقه متفقها فيه، بحاثا نظارا مستحضرا للفقه، أخذ عن جماعة، وفي بعض إجازاته ما ملخصه أنه قرأ على الفقيه المحدث الراوية الخطيب أبي عبد الله بن مرزوق شيئا من الصحيحين، والشاطبيتين، وتكملة القيجاطي، والدرر\n_________\n(١) ينظر ترجمته في: «شجرة النور الزكية» (٢٤٥)، و«نيل الابتهاج» (٣٦٨) .","vol":"1","page":17},{"text":"اللّوامع، يرويهما عن مؤلفهما، والعمدة وغيرها، وعلى الفقيه المحدث الراوية المسن الصالح أبي الحسن البطروني القراءة السبعة، وكتبا كثيرة، وأحزاب الشاذلي عن الشيخ ماضي عنه، وعلى الإمام المؤلف الفقيه الصّالح المتفنن العلم أبي عبد الله بن عرفة، لازمه ما ينيف على ثلاثين سنة، وقرأ عليه بعض مسلم، وسمع جميعه عليه وجميع البخاري، و«الموطأ»، و«الشفاء»، و«علوم الحديث» لابن الصلاح، وجميع «التهذيب» مرارا، وابن الحاجب الفرعي، وكثيرا من الأصلي، و«معالم» التلمساني الفقيه، و«جمل» الخونجي، وكثيرا من «المحصل»، وإلقاء التفسير مرارا، وقرأ عليه مختصره المنطقي وفي الأصلين وأكثر مختصره الفقهي، وأجازه بالجميع وغيرها، وكتب له بخطه مرارا، وقرأ عليه الفقيه المقرئ الراوية أحمد بن مسعود البلنسي، (عرف بابن الحاجة) القراءات السبعة وغيرها، وعلى الفقيه الصالح الراوية المتفنن أبي محمد الشبيبي القراءات السبعة وغيرها، و«التهذيب»، و«الجلاب»، و«الرسالة» وغيرها، و«الموطأ»، ومسلما، وعلم النحو، والحساب، والفرائض، والتنجيم، ولازمه من حدود ستين وسبعمائة إلى عام سبعين، وعلى الفقيه الصالح القاضي العدل الحافظ أحمد بن حيدرة التوزري، لازمه كثيرا، وأخذ عنه مسائل كثيرة، وقرأ على الفقيه الصالح العدل أبي العباس المومناني الصحيحين، و«الشفاء»، وغيرها، وكذا أخوه الفقيه الصالح القاضي العدل أبو زيد عبد الرحمن، وقرأ عليه شيئا من أصلي ابن الحاجب، وأذن له في إقرائه، وعلى الفقيه المحدث الراوية برهان الدين الشامي، قرأ عليه أبعاضا من البخاري، والترمذي، والشفاء، والشاطبية، وغيرها، وناوله فهرسته، وعلى الرواية المحدث المعمر أبي إسحاق بن صديق الرسام.\nوذكر في فتاويه أنه لازم ابن عرفة نحو أربعين عاما، فأخذ هديه وعلمه وطريقته، وجالس غيره كثيرا في الفقه والرواية في الحديث وغيره، وحصل بذلك علما كثيرا.\nوقال السّخاويّ: كان البرزلي أحد أئمة المالكية ببلاده «المغرب»، وصاحب الفتاوى المتداولة، قدم «القاهرة» حاجا سنة ست وثمانمائة، وأجاز لشيخنا (يعني: ابن حجر) أخذ عنه غير واحد ممن لقيناهم، كأحمد بن يونس. توفي بتونس سنة أربع وأربعين، على ما قيل، أو سنة ثلاث، عن مائة وثلاث سنين، وحينئذ فهو آخر من في القسم الأول من معجم الحافظ ابن حجر، وكان موصوفا بشيخ الإسلام- اهـ. وقد سمع الثعالبي منه ب «تونس» .\nوكانت وفاته سنة اثنين وأربعين، ومولده (على ما قال السخاوي) في حدود أربعين وسبعمائة، وممن أخذ عنه الشيخ أبو القاسم بن ناجي، والرصاع، والشيخ حلولو،","vol":"1","page":18},{"text":"وغيرهم.\n٥- علي بن عثمان المنجلاتي «١»، الزواوي، البجائي:\nمن علماء المالكية وفقهائها الجلة، أخذ عن الشيخ عبد الرحمن الوغليسي وغيره، وهو والد العلامة أبي منصور مفتي «بجاية»، قال الشيخ عبد الرحمن الثعالبي في حقّه:\nشيخنا أبو الحسن، الإمام الحافظ، وعليه كانت عمدة قراءتي ببجاية- اهـ. وله فتاوى نقل بعضها في «المازونية» و«المعيار» .\nوقد سمع منه الثعالبي أثناء رحلته ب «بجاية» .\n٦- أحمد النقاوسي البجاني «٢»، العلامة:\nقال تلميذه أبو زيد عبد الرحمن الثعالبي: هو شيخنا الإمام المحقق الجامع بين علمي المنقول والمعقول، ذو الأخلاق المرضية، والأحوال الصالحة السنية- اهـ.\nوقد سمع منه الثعالبي ب «بجاية» .\n٧- عيسى بن أحمد بن محمد بن محمد الغبريني، أبو مهدي التونسي «٣»:\nقاضي الجماعة ب «تونس» وعالمها وصالحها، وحافظها وخطيبها، قال الشيخ الثعالبي: شيخنا أوحد زمانه علما ودينا- اهـ.\nووصفه تلميذه أبو القاسم بن ناجي بأنه ممن يظن به حفظ المذهب بلا مطالعة، وبالغ في الثناء عليه في غير موضع، بل نقل عنه عصريه أبو القاسم البرزلي في ديوانه في غير موضع. قال السّخاويّ في «تاريخ أهل المائة التاسعة» فيه: قاضي «تونس» وعالمها، أخذ عنه أحمد القلشاني، والشرف العجيسي وغيرهما، مات عام ستة عشر وثمانمائة- اهـ.\nقال أحمد التنبكي في «نيل الابتهاج»: بل أخذ عنه غالب تلاميذ ابن عرفة المتأخرة وغيرهم، كالبسيلي، وأبي يحيى بن عقبة، وعمر القلشاني، وأبي القاسم القسنطيني، وأبي الحسن علي بن عصفور، وابن ناجي، والزلديوي في خلق كثير، قال ابن ناجي: ما رأيت أصح منه نقلا، ولا أحسن منه ذهنا، ولا أنصف منه، مع كمال الرئاسة، وشاهدت بعض\n_________\n(١) وقع في «شجرة النور الزكية» هكذا: المنكلاتي. وفي غيره «المكلاتي» . وهو هنا كما في «نيل الابتهاج» (٣٣٢) .\n(٢) ينظر ترجمته في: «نيل الابتهاج» (١١١) .\n(٣) ينظر ترجمته في: «شجرة النور الزكية» (٢٤٣)، و«نيل الابتهاج» (٢٩٧) .","vol":"1","page":19},{"text":"جهّال الطلبة، وكان مؤدبا تلقّاه لما قام في مجلسه، وسجد بين يديه مشتكيا له بإنسان، فصاح عليه وانتهره، وهرب منه، وغضب لمخالفته السنة، وحلف له لا أسمع منه الآن كلمة واحدة- اهـ.\nوقال تلميذه الأمير أبو عبد الله المدعو الحسن بن السلطان أبي العباس: شيخنا ابن عرفة وشيخنا الغبريني ممن يجتهد في المذهب، ولا يحتاج للدليل على ذلك إذ العيان شاهد بتلك- اهـ.\nوقال أبو العباس القلشاني: استناب ابن عرفة وقت سفره للحج تلميذه القاضي الجليل أبا مهدي الغبريني على إمامة جامع «الزيتونة»، وهو المشار إليه في كلامه، وتلميذه حينئذ قاضي الجماعة، ثم استقل بالإمامة المذكورة بعد وفاته، وبقي عليها حتى توفي ليلة السبت سابع عشرين من ربيع الثاني عام خمسة عشر وثمانمائة- اهـ.\nوقد سمع منه الثعالبي ب «تونس» .\n٨- سليمان بن الحسن البوزيدي، الشريف التلمساني، أبو الربيع «١»:\nالإمام العالم، المحصّل، السيد، قال الشيخ أبو البركات التالي: شيخنا الفقيه المحقق، كان قائما على «المدونة» و«ابن الحاجب»، مستحضرا لفقه ابن عبد السلام، وأبحاثه نصب عينيه- اهـ.\nقال القلصادي في رحلته: حضرت مجلس سيّدي سليمان البوزيدي، وكان فقيها إماما عالما بمذهب مالك- اهـ.\nوذكر ابن غازي في ترجمة شيخه أبي محمد الورياغلي، أن من شيوخه صاحب الترجمة، وأنه وصف بالشريف، الحسيب النسيب، الفقيه العالم، المحقق الأفضل- اهـ.\nقال الونشريسي: شيخ شيوخنا، الفقيه المحصّل المحقّق، له إشكالات وجهها لعالم تونس أبي عبد الله بن عقاب، فأجابه عنها- اهـ.\nوقال في وفياته: توفي شيخ شيوخنا، الحافظ الذاكر، شيخ الفروع أبو الربيع سليمان الشريف عام خمسة وأربعين وثمانمائة.\nوسمع منه الثعالبي ب «بجاية» .\n_________\n(١) تنظر ترجمته في: «نيل الابتهاج» (١٨٥) .","vol":"1","page":20},{"text":"٩- محمد بن علي بن جعفر الشمس، العجلوني، ثم القاهري، الشافعي الصوفي، ويعرف بالبلالي «١» - بكسر الموحدة ثم لام خفيفة-:\nولد قبل الخمسين وسبعمائة، واشتغل بتلك البلاد قليلا، ولازم أبا بكر الموصلي، فانتفع به وبغيره، وتميز في التصوف، ولازم النظر في «الإحياء» بحيث كاد يأتي عليه حفظا، وصارت له به ملكة قوية بحيث اختصره اختصارا حسنا جدا. وكان بالنسبة لأصله كالحاوي مع الرافعي، وانتفع به الناس وأقبلوا على تحصيله سيما المغاربة وقرىء عليه غير مرة، وربما استكثر عليه، وكذا صنف «السول في شيء من أحاديث الرسول»، واختصر «الروضة» ولكن لم يكملا، واختصر «الشفا»، وعمل مختصرا بديعا في الفروع، وقرض السيرة النبوية لابن ناهض. وعرف بالخير والصلاح قديما، واشتهر بالتعظيم في الآفاق، وحسنت عقيدة الناس فيه، واستقدمه سودون الشيخوني نائب السّلطنة في حدود التسعين، وولاه مشيخة سعيد السعداء، فدام بها نحو ثلاثين سنة لم يزل عنها إلا مرة بخادمها خضر لقيام تمراز نائب الغيبة في الأيام الناصرية فرج ولم يمض سوى عشرة أيام، ثم جيء بالقبض عليه، وعد ذلك من كرامات البلالي، ثم أعيد. وكان كثير التواضع إلى الغاية منطرح النفس جدا، مشهورا بذلك، كثير البذل لما في يده، شديد الحياء، كثير العبادة والتلاوة والذكر، سليم الباطن جدّا بحيث كان كثير من الناس يتكلم فيه بسبب ما له من المباشرات بالخانقات وتؤثر عنه كرامات وخوارق. ذكره ابن حجر في معجمه بما هذا حاصله، قال: وكان يودني كثيرا، وأجاز في استدعاء ابني محمد، وذكر أنه ضاع منه مسموعاته. وكذا ذكره في «الإنباء» باختصار، وأنه استقر في مشيخة سعيد السعداء مدة متطاولة مع التّواضع الكامل، والخلق الحسن وإكرام الوارد. واختصر «الإحياء» فأجاد، وطار اسمه في الآفاق، ورحل إليه بسببه، ثم صنف تصانيف أخرى. وكانت له مقامات وأوراد، وله محبون معتقدون، ومبغضون منتقدون. ونحوه قول المقريزي: كان معتقدا وله شهرة طارت في الآفاق، وللناس فيه اعتقاد، وعليه انتقاد. مات في يوم الأربعاء رابع عشر شوال سنة عشرين، ودفن بمقابر الصوفية بعد شهود ابن حجر الصلاة عليه، وقد جاز السبعين. وهو في عقود المقريزي، وقال: كان كثير الذكر، متواضعا إلى الغاية بحيث لما اجتمعت به قبل يدي مرارا، وقدم إليّ نعلي لما انصرفت عنه، وهذه سيرته مع كل أحد، وحضرت عنده وظيفة الذكر بعد العشاء بالخانقاه، وكان يرى رفع الصوت به ويعلل ذلك،\n_________\n(١) ينظر: «الضوء اللامع» (٨/ ١٧٨) . [.....]","vol":"1","page":21},{"text":"كثير الحياء يديم التلاوة مع سلامة الباطن، وله محبون يؤثرون عنه كرامات وخوارق ﵀.\nوسمع منه الثعالبي ب «مصر» .\n١٠- عمر بن محمد القلشاني «١» - بفتح القاف وسكون اللام ثم معجمة أو جيم- المغربي، التونسي، الباجي الأصل- «باجة تونس» لا «الأندلس» فتلك منها شارح «الموطأ» - المالكي والد قاضي الجماعة محمد وأخو أحمد. أخذ عن أبيه وغيره، وولي قضاء الجماعة بتونس، واقرأ الفقه، والأصلين، والمنطق، والمعاني والبيان والعربية.\nوحدث بالبخاري عن أبي عبد الله بن مرزوق، وشرح «الطوالع» شرحا حسنا لم يكمل انتهى منه أكثر من مجلد إلى الإلهيات، وأخذ عنه خلق، منهم ولده، وإبراهيم الأخضري، وغالب الأعيان، وأبو عبد الله التريكي وآخرون ممن لقيناهم كابن زغدان، وكانت ولايته أولا قضاء الأنكحة ببلده كأبيه، ثم قضاء الجماعة بعد موت أبي القاسم القسنطيني، وكان يكون بينهما ما بين الأقران فدام به قليلا حتى مات في سنة ثمان وأربعين. وهناك من أرخه في سنة سبع وسمى جده عبد الله، وكان أبو القاسم قام على أخيه أحمد بسبب ما وقع منه من نقل كلام بعض المفسرين في قصة آدم ﵇ وأفتى بقتله، بل أفتى أخوه أيضا بذلك قبل علمه به، فلما تبين أنه أخوه قام في الدفع عنه، وكان فصيحا في التقرير بحيث يستفيد منه من يكون بمجلسه من الأعلى والأدنى، ولا يمكن كبير أحد من الكلام، وقد قيل: إن سبب دخوله في القضاء أن عمه أحمد لم يسر سير ابن عقارب الذي كان قبله، فعز على الملك، واقتضى رأيه صرفه بابن أخيه هذا، وحصل لعمه نكاية عظيمة ولكن أعطوه إمامة جامع «الزيتونة»، واستمر حتى مات، فالله أعلم.\nوسمع منه الثعالبي بعد رجعته إلى «تونس» .\n١١- علي بن موسى البجائي، أحد شيوخ عبد الرحمن الثعالبي ابن عبد الله بن محمد بن هيدور التادلي «٢»:\nكان إماما في الفرائض والحساب، حسن الخط كثير التقييد، له مسائل في فنون، شرح تلخيص ابن البناء، وقيد على رفع الحجابلة، توفي عام ستة عشر وثمانمائة.\n_________\n(١) ينظر ترجمته في: «الضوء اللامع» (٦/ ١٣٧) .\n(٢) ينظر ترجمته في: «نيل الابتهاج» (٣٣٣) .","vol":"1","page":22},{"text":"وسمع منه الثعالبي ب «بجاية» .\n١٢- البساطي «١» - محمد بن أحمد بن عثمان بن نعيم بن مقدم البساطي شمس الدين أبو يوسف القاضي المصري المالكي ولد سنة (٧٥٦) وتوفي سنة (٨٤٢) اثنتين وأربعين وثمانمائة. من تصانيفه: توضيح المعقول وتحرير المنقول في شرح منتهى السول والأمل لابن الحاجب، حاشية على شرح المواقف، حاشية على شرح لوامع الأسرار للتحتاني في المنطق والحكمة، حاشية على المطول، الرد الوافر على ابن الناصر، روضة المجالس وأنس الجالس، شرح الألفية لابن مالك، شرح البديعية لابن حجة، شرح التائية لابن الفارض، شرح قصيدة البردة، شفاء العليل شرح مختصر الشيخ الخليل في الفروع قصة الخضر ﵇، محاضرات خواص البرية في ألغاز الفقهية، المغني في الفروع، المفاخرة بين الدمشق والقاهرة، مقدمة في الأصول، مقدمة في الكلام، نكت على طوالع الأنوار للبيضاوي في الكلام.\nوسمع منه الثعالبي أثناء رحلته، وذلك ب «مصر» حرسها الله!! ١٣- أبو الحسن علي بن محمد البليليتي «٢»:\nوسمع منه الثعالبي ب «بجاية» .\n١٤- أبو يوسف يعقوب الزغبي «٣»:\nوسمع منه ب «تونس» .\nوأما شيوخه الذين لم يذكرهم في رحلته، فقد ذكر التنبكي في «نيل الابتهاج» منهم ثلاثة، وهم:\n١- عبد الله بن مسعود التونسي «٤»:\nشهر بابن قرشية، قال ابن حجر: أخذ عن والده، وقرأت بخطه أن من شيوخه الإمام ابن عرفة، وقاضي الجماعة أحمد بن محمد بن حيدرة، وأحمد بن إدريس الزواوي، وأبا الحسن محمد بن أحمد البطروني، وأبا العباس أحمد بن مسعود بن غالب القيسي، وتوفي\n_________\n(١) ينظر ترجمته في: «هدية العارفين» (١٩٢) .\n(٢) ينظر: «نيل الابتهاج» (٢٥٨) .\n(٣) ينظر: «نيل الابتهاج» (٢٥٨)، و«شجر النور الزكية» (٢٦٥)، وفيه «الزعبي» بالعين المهملة.\n(٤) ينظر ترجمته في: «نيل الابتهاج» (٢٣٠)، و«الضوء اللامع» (٣/ ٧٠) .","vol":"1","page":23},{"text":"سنة سبع وثلاثين وثمانمائة.\n٢- عبد العزيز بن موسى بن معطي العبدوسي «١»:\nالإمام الحافظ الفقيه المحدث العلامة الجليل، حامل لواء المذهب والحفظ في وقته، أبو القاسم شيخ الإسلام ابن شيخ الإسلام أبي عمران العبدوسي الفاسي نزيل «تونس»، أخذ عن أبيه وغيره، ووصل في قوة الحافظة الدرجة العظمى، قال القاضي أبو عبد الله بن الأزرق: كتب إليّ الشيخ الفقيه الجليل أحد المفتيين بتونس أبو عبد الله الزلديوي يعرفني حاله بالحفظ فيما يقضي منه العجب من الغرابة، قال: ورد علينا في أخريات عام سبعة عشر وثمانمائة الفقيه العالم الحافظ أبو القاسم ابن الشيخ الإمام أبي عمران موسى العبدوسي بكتاب في يده من قبل الإمام أبي عبد الله محمد بن مرزوق، ويقول لنا فيه: يرد عليكم حافظ المغرب الآن، فقلنا: لعل ذلك من تعسيل الإخوان لإخوانهم في الوصيّة بهم، فلما اجتمعنا به، وأقام عندنا أزيد من عام رأينا منه العجب العجاب من حفظ لا نتوهّم يكون لأحد لما رأينا في بلادنا إفريقيا ومجالس أشياخنا بتونس وبجاية، كان عندنا بتونس الشيخ أبو القاسم البرزلي له أهل زماننا في حفظ الفقه، وأشياخ المدونة والناس دونه في ذلك، وببجاية الشيخ الفقيه أبو القاسم المشذالي حضرنا مجالسهم، فما رأينا ولا سمعنا من يشبه العبدوسي في حفظه، وعلمنا صدق ابن مرزوق فيما وصفه به، وأن من ورعه ألا يذكر ولا يكتب إلا بما تحقق كما قال الشاعر: [الطويل] فلمّا التقينا صدّق الخبر الخبر وقال الآخر: [منهوك الرجز] بل صغّر الخبر الخبر وقال الونشريسي في تحليته: إنه الفقيه الحافظ المدرس المحدث الصدر الراوية المعتبر الأرفع الأفضل- اهـ.\nوقال الشيخ الرصاع: شيخنا الإمام العلامة المحدث الصالح الرباني يقال: اجتمع ليلة في جهاز بالشيخ أبي القاسم البرزلي، وهو أعمى، ولما تكلم العبدوسي قال له البرزلي:\nأهلا بواعظ بلدنا، فقال له العبدوسي: قل وفقيهها، فسكت البرزلي، فعد ذلك من رجلة العبدوسي وسرعة جوابه، رحمهم الله تعالى- اهـ.\n_________\n(١) ينظر ترجمته في: (٢٧٠)، (٣٧١)، و«شجرة النور الزكية» (٢٥٢) .","vol":"1","page":24},{"text":"ونقل عنه ابن ناجي في «شرح المدونة»، والشيخ الثعالبي في شرح ابن الحاجب، وذكر عنه أنه قال: لا يلزم البراذعي مما تعقب به إلا حيث خالف ما في روايته من الأمهات عن موسى بن عقبة. وذكر الونشريسي في وفياته أنه توفي بتونس في التاسع والعشرين في ذي القعدة عام سبعة وثلاثين وثمانمائة.\n٣- عبد الواحد الغرياني «١»:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>تلاميذه:</span>\nأخذ عن الإمام الثعالبي جماعة من أهل العلم منهم:\n١- محمد بن محمد بن أحمد بن الخطيب، الشهير محمد بن أحمد بن محمد بن محمد بن أبي بكر بن مرزوق «٢» .\nالعجيسي التلمساني، عرف بالكفيف، ولد الإمام أبي الفضل قطب المغرب الحفيد ابن مرزوق شارح «المختصر»، كان ولده صاحب الترجمة إماما عالما علامة، وصفه ابن داود البلوي بشيخنا الإمام، علم الأعلام، فخر خطباء الإسلام، سلالة الأولياء وخلف الأتقياء، المسند الراوية المحدث، العلامة القدوة الحافل الكامل، أبو عبد الله ابن سيدنا شيخ الإسلام، خاتمة العلماء الأعلام، الحبر البحر، الناقد النافذ النّحرير، المشاور العمدة الكبير، ذي التصانيف العديدة، والأنظار السديدة، أبي عبد الله بن مرزوق.\nأخذ العلم عن جماعة منهم: أبو شيخ الإسلام، قرأ عليه «الصحيح»، و«الموطأ» وغير كتاب من تآليفه وغيرها، وتفقه عليه وأجازه ما يجوز له وعنه روايته. والإمام العالم، النظار الحجة، أبو الفضل ابن الإمام، والإمام العلامة قاضي الجماعة المعمر المشاور أبو الفضل قاسم العقباني، والأستاذ المقرئ العالم أحمد بن محمد بن عيسى اللجائي الفاسي، والإمام العالم والولي الصالح المحدث عبد الرحمن الثعالبي، والإمام العالم الفقيه النظار أبو عبد الله محمد بن قاسم المشذالي، والإمام قاضي الجماعة العالم المحقق أبو عبد الله بن عقاب الجذامي التونسي، والإمام العالم الراوية الرحال، قاضي الأنكحة أبو محمد عبد الله بن سليمان بن قاسم البجيري التونسي. قرأ وسمع عليهم، وأجازوه عامة، وأجازه مكاتبة من شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر مع أولاد مرزوق عام تسعة وعشرين،\n_________\n(١) ينظر: «نيل الابتهاج» (٢٥٩)، و«شجرة النور الزكية» (٢٦٥) .\n(٢) ينظر ترجمته في: «نيل الابتهاج» (٥٧٤) .","vol":"1","page":25},{"text":"ومولده ليلة الثلاثاء غرة ذي القعدة عام أربع وعشرين وثمانمائة.\nقال التنبكي: ومن شيوخه الإمام ابن العبّاس، قال السخاوي: قدم صاحب الترجمة «مكة» فعرض عليه ظهيرة، وأخذ عنه في الفقه وأصوله، والعربية والمنطق في سنة إحدى وستين، وسمعت في إحدى وسبعين أنه حي- اهـ.\nوفي «وفيات الونشريسي» أن وفاته عام أحد وتسعمائة، ووصفه بالفقيه الحافظ المصقع. وأخذ عنه الخطيب ابن مرزوق ابن أخته، وابن العباس الصغير، ووصفه بشيخنا علم الأعلام وحجة الإسلام آخر حفاظ «المغرب»، قرأت عليه الصحيحين وبعض مختصري ابن الحاجب الأصلي والفرعي، وحضرت عليه جملة من «التهذيب» و«الخونجي» وغيرها.\nوبالإجازة ابن غازي نقل عنه في «المازونية» .\n٢- محمد بن يوسف بن عمر شعيب السنوسي «١»:\nوبه اشتهر نسبة لقبيلة بالمغرب، الحسني، نسبة للحسن بن علي بن أبي طالب من جهة أم أبيه، قاله تلميذه الملالي في تأليفه التلمساني، عالمها، وصالحها، وزاهدها، وكبير علمائها، الشيخ، العلامة المتفنن، الصالح الزاهد العابد، الأستاذ المحقّق المقرئ، الخاشع: أبو يعقوب يوسف.\nنشأ خيرا مباركا فاضلا صالحا، أخذ (كما قال تلميذه الملالي) عن جماعة، منهم:\nوالده المذكور، والشيخ العلامة نصر الزواوي، والعلامة محمد بن توزت، والسيد الشريف أبو الحجاج يوسف بن أبي العباس بن محمد الشريف الحسني، أخذ عنه القراءات، وعن العالم المعدل أبي عبد الله الحباب علم الأسطرلاب، وعن الإمام محمد بن العباس الأصول والمنطق، وعن الفقيه الجلاب الفقه، وعن الولي الكبير الصالح الحسن أبركان الراشدي حضر عنده كثيرا، وانتفع به وببركته، وكان يحبه ويؤثره ويدعو له، فحقق الله فيه فراسته ودعوته، وعن الفقيه الحافظ أبي الحسن التالوتي أخيه لأمه «الرسالة»، وعن الإمام الورع الصالح أبي القاسم الكنابشي «إرشاد» أبي المعالي والتوحيد، وعن الإمام الحجة الورع الصالح أبي زيد الثعالبي «الصحيحين» وغيرهما من كتب الحديث، وأجازه ما يجوز له وعنه، وعن الإمام العالم العلامة الولي الزاهد الناصح إبراهيم التازي، وروى عنه أشياء\n_________\n(١) ينظر ترجمته في: «نيل الابتهاج» (٥٦٣) .","vol":"1","page":26},{"text":"كثيرة من المسلسلات وغيرها. وعن العالم الأجلّ الصالح أبي الحسن القلصادي الأندلسي الفرائض والحساب، وأجازه جميع ما يرويه وغيرهم. وكان آية في علمه وهديه، وصلاحه وسيرته، وزهده وورعه وتوقيه.\nجمع تلميذه الملالي في أحواله وسيره وفوائده تأليفا كبيرا في نحو ستة عشر كراسا من القالب الكبير.\nوكان حليما، كثير الصبر، ربما يسمع ما يكره فيتعامى عنه ولا يؤثر فيه، بل يتبسم، وهذا شأنه في كل ما يغضبه ولا يلقي له بالا، ولا يحقد على أحد، ولا يعبس في وجهه، يفاتح من تكلم في عرضه بكلام طيب وإعظام حتى يعتقد أنه صديقه، وقع له ممن يدعي أنه أعلم أهل الأرض كلام ينقصه، فما بالى به، ولما ألّف بعض عقائده أنكر عليه كثير من علماء أهل وقته، وتكلموا بما لا يليق، فتغير لذلك كثيرا وحزن أياما، ثم رأى في منامه عمر بن الخطاب واقفا على رأسه بيده سيف أو عصا، فهزها على رأسه وهدده بها، وكأنه قال: ما هذا الخوف من الناس. فأصبح قد زال حزنه، واشتدّ قلبه على المنكرين فخرست حينئذ ألسنتهم، فحلم عنهم وسمح، فأقروا بفضله.\nوكان من عاداته أنه إذا صلى الصبح في مسجده وفرغ من ورده، أقرأ العلم إلى وقت الفطور المعتاد، ثم خرج ووقف مع الناس ساعة بباب داره ثم دخل وصلى الضحى قدر قراءة عشرة أحزاب، ثم اشتغل بالمطالعة في وقت طول النهار، وإلا ربما زالت الشمس وهو في الضحى، وخرج بعد الزوال للخلوات، فلا يرجع إلا للغروب، أو يبقى في بيته فيتوضأ ويصلي أربع ركعات، ثم خرج لمسجده وصلى بالناس الظهر وتنفل أربعا، ويقرىء ثم يتنفل وقت العصر أربعا، ويصلي العصر ويقرأ، أو يخرج لداره. واشتغل بالورد إلى الغروب، ثم خرج للمغرب وتنفل بست ركعات، ويبقى هناك حتى يصلي العشاء، ويقرأ ما تيسر ورجع لداره ونام ساعة، ثم اشتغل بالنظر أو النسخ ساعة وتوضأ، ويصلي باقيا فيها، أو في ذكر لطلوع الفجر، هذا أكثر حاله.\nوأما وعظه، فكان يقرع الأسماع، وتقشعر منه الجلود، كل من حضر يقول: معي يتكلم، وإياي يعني، جله في الخوف والمراقبة وأحوال الآخرة، لا تخلو مجالسه منه مع حلاوة له، لا توجد في كلام غيره، يعظ كل أحد بحسب حاله، ما رؤي قط إلا وشفتاه متحركتان بالذكر، وربما يكلمه إنسان وهو يذكر الله تعالى، وتسمع لقلبه أنينا من شدة خوفه ومراقبته على الدوام، كان يقول: حقيقة العبودية امتثال الأمر، واجتناب النهي مع كمال الذلة والخضوع.","vol":"1","page":27},{"text":"وكان﵀- أورع زمانه، يبغض الاجتماع بأهل الدنيا والنظر إليهم وقربهم، وأتاه في مرضه بعض من يذمه من علماء عصره، فطلب منه أن يسمح له، فغفر له ودعا له، ولما مات بكى عليه هذا العالم شديدا وتألم، ومتى ذكره بكى ويقول: فقدت الدنيا بفقده، كان يثني كثيرا على رجلين من علماء عصره ممن يذمونه ويسيئون إليه، وكان يصلح بين الخصام، ويقضي الحوائج، ذكر أنه كتب يوما ثلاثين كتابا بلا فترة، قال: «كلفني بها إنسان لم أقدر على ردها» . ولو كان إنسان ينسخ مثل هذا في كل يوم لظفر بعدة أسفار، وهذه مصائب ابتلينا بها.\nومن صبره كثرة وقوفه مع الخلق، ولا يفارق الرجل حتى ينصرف. وهذا كله مع إدامة الطاعات وسواء الطريقة وشدة التّحرّز والإسراع بوفاء حقوق العباد قبل استحقاقها، إذا أعار كتابا رده في أقرب مدة قبل طلب صاحبه، وربما كان سفرا ضخما لا يمكن مطالعته إلا في ثلاثة أيام، فيطالعه يوما واحدا ويرده.\nوكان يأمر أهله بالصّدقة سيما وقت الجوع ويقول: من أحب الجنة فليكثر الصدقة خصوصا في الغلاء، كثير التصدق بيده، ويكثر الخروج للخلوات ومواضع الخرب الباقية آثارها للاعتبار، وإذا رأى ما كان منها متقنا ذكر حديث: «رحم الله عبدا صنع شيئا فأتقنه» ويقول: أين سكانها؟ وكيف يتنعمون؟.\nوأما تآليفه فقال الملالي: منها شرحه الكبير على «الحوفية» المسمى «المقرب المستوفى» كبير الجرم، كثير العلم، ألفه وهو ابن تسعة عشر عاما، ولما وقف عليه شيخه الحسن أبركان تعجب منه، وأمر بإخفائه حتى يكمل سنه أربعين سنة لئلا يصاب بالعين، ويقول له: لا نظير له فيما أعلم، ودعا لمؤلفه، وعقيدته الكبرى سماها «عقيدة التوحيد» في كراريس من القالب الرباعي، أول ما صنفه في الفن، ثم شرحها، ثم الوسطى وشرحها في ثلاثة عشر كراسا، ثم الصغرى وشرحها في ست، وهي من أجل العقائد لا تعادلها عقيدة، كما أشار إليه هو. حدثني بعضهم أنه مات قريبه وكان صالحا، فرآه في النوم.\nفسأله عن حاله فقال: دخلت الجنة فرأيت إبراهيم الخليل (﵇) يقرىء صبيانا عقيدة السنوسي، يدرسونها في الألواح يجهرون بقراءتها- اهـ.\nقال الشيخ: لا شك أنه لا نظير لها فيما علمت، تكفي من اقتصر عليها عن سائر العقائد، وقد نظم سيدي محمد بن يحبش التازي في مدحها أبياتا، وعقيدته المختصرة أصغر من الصغرى، وشرحها أربع كراريس، وفيه فوائد ونكت، والمقدمات المبينة لعقيدته الصغرى قريبة منها جرما، وشرحها خمس كراريس، وشرح الأسماء الحسنى في كراريس،","vol":"1","page":28},{"text":"وشرحه الكبير على الجزيرية فيه نكت نفيسة، ومختصر الأبي على مسلم في سفرين فيه نكت حسنة، وشرح «ايسا غوجي» في المنطق، تأليف البرهان البقاعي كثير العلم، ومختصره العجيب فيه زوائد على «الخونجي» وشرحه الحسن جدا، وشرح قصيدة الحباك في الأسطرلاب شرح جليل، وشرح أبيات الإمام الاليري في التصوف، وشرح الأبيات التي أولها: تطهر بماء الغيب، وشرحه العجيب على البخاري وصل فيه إلى باب «من استبرأ لدينه»، وشرح مشكلات البخاري في كراسين، ومختصر الزركشي على البخاري.\nومنها عقيدة أخرى فيها دلائل قطعية على من أثبت تأثير الأسباب العادية، كتبها لبعض الصالحين، ومختصر «حاشية التفتازاني» على «الكشاف»، و«شرح مقدمة الجبر والمقابلة» لابن الياسمين، وشرح «جمل» الخونجي في المنطق، و«شرح مختصر ابن عرفة»، فيه حل صعوبته، وقال لي: إن كلامه صعب سيما هذا المختصر تعبت كثيرا في حله لصعوبته إلى الغاية، لا أستعين عليها إلا بالخلوة.\nومنها شرح رجز ابن سينا في الطب لم يكمل، ومختصر في القراءات السبع، وشرح «الشاطبية» الكبرى لم يكمل، وشرح «الوغليسية» في الفقه لم يكمل، ونظم في الفرائض، واختصار «رعاية» المحاسبي، ومختصر «الرّوض الأنف» للسهيلي لم يكمل، ومختصر «بغية السالك في أشرف المسالك» للساحلي، وشرح «المرشدة» و«الدر المنظوم» في شرح «الجرومية»، وشرح «جواهر العلوم» للعضد في علم الكلام على طريقة الحكماء، وهو كتاب عجيب جدا في ذلك، إلا أنه صعب متعسّر على الفهم جدا، وتفسير القرآن إلى قوله: وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ في ثلاثة كراريس، ولم يمكن له التفرغ له، وتفسير سورة «ص» وما بعدها، فهذا ما علمت من تآليفه مع ما له من الفتاوى والوصايا والرسائل والمواعظ، مع كثرة الأوراد وقضاء الحوائج والإقراء- اهـ.\nوقد أخذ عنه أعلام كابن صعد، وأبي القاسم الزواوي، وابن أبي مدين، والشيخ يحيى بن محمد، وابن الحاج البيدري، وابن العباس الصغير، وولي الله محمد القلعي ريحانة زمانه، وإبراهيم الوجديجي وابن ملوكة، وغيرهم من الفضلاء.\nوتوفي يوم الأحد ثامن عشر جمادى الأخيرة عام خمسة وتسعين وثمانمائة، وشم الناس المسك بنفس موته، ﵀. مولده بعد الثلاثين وثمانمائة.\n٣- أبو العباس أحمد بن عبد الله الجزائري الزواوي «١»، الشيخ الإمام الفاضل،\n_________\n(١) ينظر ترجمته في: «شجرة النور الزكية» (٢٦٥) .","vol":"1","page":29},{"text":"العالم العامل، الولي الصالح الكامل. أخذ عن أبي زيد الثعالبي وغيره، وعنه الشيخ زروق وغيره. ألف اللامية المشهورة في العقائد، شرحها الشيخ السنوسي، وأثنى على ناظمها بالعلم والصّلاح. توفي سنة ٨٨٤ هـ.\n٤- محمد بن عبد الكريم بن محمد المغيلي «١»:\nالتلمساني خاتمة المحققين، الإمام العالم، العلامة الفهامة، القدوة الصالح السني، أحد الأذكياء، ممن له بسطة في الفهم والتقدم، متمكن المحبة في السنة وبغض أعداء الدين، وقع له بسبب ذلك أمور مع فقهاء وقته حين قام على يهود «توات»، وألزمهم الذل، بل قتلهم وهدم كنائسهم، ونازعه في ذلك الفقيه عبد الله العصنوني قاضي «توات»، وراسلوا في ذلك علماء «فاس» و«تونس» و«تلمسان»، فكتب في ذلك الحافظ التنسي كتابة مطولة، بصواب رأي صاحب الترجمة، ووافقه عليها الإمام السنوسي.\nدخل بلاد «أهر» وبلاد «تكدة»، واجتمع بصاحبها، وأقرأ أهلها وانتفعوا به، ثم دخل بلاد «كنو وكشن» من بلاد السودان، واجتمع بصاحب «كنو» واستفاد عليه، وكتب رسالة في أمور السلطنة يحضه على اتباع الشرع، وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، وقرر لهم أحكام الشرع وقواعده.\nثم رحل لبلاد «التكرور»، فوصل إلى بلدة «كاغو»، واجتمع بسلطانها ساسكي محمد الحاج، وجرى على طريقته من الأمر بالمعروف، وألف له تأليفا أجابه فيه عن مسائل، وبلغه هناك قتل ولده بتوات من جهة اليهود، فانزعج لذلك، وطلب من السلطان قبض أهل توات الذين بكاغو حينئذ، فقبض عليهم، وأنكر عليه أبو المحاسن محمود بن عمر إذ لم يفعلوا شيئا، فرجع عن ذلك، وأمر بإطلاقهم، ورحل لتوات فأدركته المنية بها، فتوفي هناك سنة تسع وتسعمائة.\nويقال: إن بعض ملاعين اليهود أو غيرهم مشى لقبره فبال عليه فعمي مكانه، وكان﵀- مقداما على الأمور، جسورا جريء القلب، فصيح اللسان، محبا في السنة جدليا نظارا محققا.\nله تآليف منها: «البدر المنير في علوم التفسير»، و«مصباح الأرواح في أصول الفلاح» كتاب عجيب في كراسين أرسله للسنوسي، وابن غازي، فقرظاه، وشرح «مختصر\n_________\n(١) ينظر ترجمته في: «نيل الابتهاج» (٥٧٦)، و«بروكلمان» (٢/ ٣٦٣) .","vol":"1","page":30},{"text":"خليل» سماه «مغني النبيل»، اختصر فيه جدا، وصل فيه للقسم بين الزوجات، وله عليه قطع أخر من البيوعات وغيرها، بل قيل: إنه شرح ثلاثة أرباع المختصر، وحاشية عليه سماها «إكليل المغني»، وشرح بيوع الآجال من ابن الحاجب، فبحث فيه مع ابن عبد السلام وخليل، وتأليف في المنهيات، ومختصر «تلخيص المفتاح» وشرحه، و«مفتاح النظر» في علم الحديث، فيه أبحاث مع النووي في تقريبه، وشرح «الجمل» في المنطق، ومقدمة فيه، ومنظومة فيه سماها «منح الوهاب»، وثلاثة شروح عليها.\nوله أيضا «تنبيه الغافلين عن مكر الملبسين بدعوى مقامات العارفين»، وشرح خطبة المختصر، ومقدمة في العربية، وكتاب «الفتح المبين»، وفهرسة مروياته، وعدة قصائد، كالميمية على وزن البردة ورويّها في مدحه ﷺ.\nأخذ عن الإمام عبد الرحمن الثعالبي، والشيخ يحيى بن بدير، وغيرهما، وأخذ عنه جماعة، كالفقيه أيد أحمد، والشيخ العاقب الأنصمني، ومحمد بن عبد الجبار الفيجي وغيرهم.\nووقع له مراسلة مع الجلال السيوطي في علم المنطق، فمما كتب للسيوطي فيه قوله:\n[من الطويل]\nسمعت بأمر ما سمعت بمثله ... وكلّ حديث حكمه حكم أصله\nأيمكن أنّ المرء في العلم حجّة ... وينهى عن الفرقان في بعض قوله\nهل المنطق المعنيّ إلّا عبارة ... عن الحقّ أو تحقيقه حين جهله\nمعانيه في كلّ الكلام وهل ترى ... دليلا صحيحا لا يردّ لشكله\nأرنّي هداك الله منه قضيّة ... على غير هذا تنفها عن محلّه\nودع عنك أبداه كفور وذمّة ... رجال وإن أثبتّ صحّة نقله\nخذ الحقّ حتّى من كفور ولا تقم ... دليلا على شخص بمذهب مثله\nعرفناهم بالحقّ لا العكس فاستبن ... به لا بهم إذ هم هداة لأجله\nلئن صحّ عنهم ما ذكرت فكم هم ... وكم عالم بالشّرع باح بضلّه\n... في أبيات أخرى، فأجابه السيوطيّ بقوله: [من الطويل]\nحمدت إله العرش شكرا لفضله ... وأهدي صلاة للنّبيّ وأهله\nعجيب لنظم ما سمعت بمثله ... أتاني عن حبر أقرّ بنبله","vol":"1","page":31},{"text":"تعجّب منّي حين ألّفت مبدعا ... كتابا جموعا فيه جمّ ب\nنقله أقرّر فيه النّهي عن علم منطق ... لما قاله الأعلام من ذمّ\nشكله وسمّاه بالفرقان يا ليت لم يقل ... فذا وصف قرآن كريم ل\nفضله وقال فيه فيما يقرر رأيه ... مقالا عجيبا نائيا عن مح\nلّه: ودع عنك أبداه كفور وبعد ذا ... خذ الحقّ حتّى من كفور ب\nختله وقد جاءت الآثار في ذمّ من حوى ... علوم يهود أو نصارى ل\nأجله يعزّز به علما لديه وأنّه ... يعذّب تعذيبا يليق ب\nفعله وقد منع المختار فاروق صحبه ... وقد خطّ لوحا بعد توراة\nأهله وقد جاء من نهي اتّباع لكافر ... وإنّ كان ذاك الأمر حقّا ب\nأصله أقمت دليلا بالحديث ولم أقم ... دليلا على شخص بمذهب\nمثله سلام على هذا الإمام فكم له ... لديّ ثناء واعتراف بفضله- اهـ-\n٥- علي بن محمد التالوتي الأنصاري أخو الإمام محمد بن يوسف السنوسي لأمه «١»:\nقال تلميذه الملالي: شيخنا، الفقيه، الحافظ، المتقن، العالم، المتفنن، الصالح، أبو الحسن، كان محقّقا متقنا حافظا يحفظ كتاب ابن الحاجب، ويستحضره بين عينيه، قل أن ترى مثله حافظا، قرأ عليه أخوه محمد السنوسي «الرسالة» في صغره، وكان من أكابر أصحاب الحسن أبركان، ما رأيته قط مشتغلا بما لا يعنيه، بل إما ذاكرا أو قارئا للقرآن أو مشتغلا بمطالعة أو نحوه، يحفظ «الرسالة» و«ابن الحاجب»، و«التسهيل» لابن مالك، وغيرها، جعل له وردا كل يوم، قرأت عليه «ابن الحاجب» قراءة بحث وإفادة، وسألته عن وضع الكتاب في الأرض، فقال: حكى شيخنا الحسن أبركان فيه قولين لمتأخري أهل «تونس» و«بجاية» جوازا ومنعا، وسألته عن مستند الناس في عادتهم من عدم أخذ الرجل المقص من صاحبه بل يضعه على الأرض فيأخذه حينئذ، فقال: سألت عنه شيخنا الحسن أبركان فقال: هكذا رأينا شيوخنا يفعلون، ثم قال سيدي علي: ولعلّه علم نسبي- اهـ.\nقال التنبكي: وقد ذكر السيد الشريف السمهودي الشافعي في كتابه «جواهر العقدين» حكمة منعه عن بعض شيوخه فانظره فيه، قال الملالي: وسألته عن الوتر جالسا قال: فيه قولان بالجواز وعدمه، وذكر أخوه السنوسي أنه يؤخذ جوازه جالسا من قول «المدونة»: أنه\n_________\n(١) ينظر ترجمته في: «نيل الابتهاج» (٣٤١)، و«شجرة النور الزكية» (٢٦٦) .","vol":"1","page":32},{"text":"يوتر في سفره على الدّابّة- اه.\nوهذا الأخذ نقله ابن ناجي عن بعض الشيوخ، قال الملالي: رأيت بخطّه عن بعض الصالحين أن من نزل منزلا وجمع أثقاله وخط على حواليها خطّا وهو في داخل الخط، ويقول في داخله ثلاثا: الله الله ربي لا شريك له، لم يضره لصّ ولا عدوّ ولا غيره، ويكون مع ثقله في حرز الله، وهو مجرب- اهـ. وتوفي في صفر عام خمسة وتسعين وثمانمائة، ورأى أخوه السنوسي قبل موته في المنام دارا عظيمة فيها فرش مرتفع فقيل له:\nهي لأخيك عليّ يدخل فيها عروسا- اهـ. - من الملالي.\n٦- علي بن عبّاد التّستريّ البكري الفاسي المغربي: «١» أخذ عن أبي بكر البرجي الفقه، وأسئلة كثيرة عن محمد القوري، وسمع الحديث على عبد الرحمن الثعالبي، ومن تآليفه «لطائف الإشارات في مراتب الأنبياء في السموات»، ولد سنة ثلاثين وثمانمائة.\nقال التنبكي: وتأليفه المذكور في كراسة ذكر في آخره أنه فرغ منه في ذي الحجة عام ثمانين وثمانمائة.\n٧- أحمد بن أحمد بن محمد بن عيسى البرنسي الفاسي الشهير بزروق «٢»:\nالإمام العالم الفقيه، المحدث، الصوفي، الولي، الصالح الزاهد، القطب الغوث العارف بالله، الحاج الرحلة المشهورة شرقا وغربا، ذو التصانيف العديدة، والمناقب الحميدة، والفوائد العتيدة، قد عرف بنفسه وأحواله وشيوخه في كناشته وغيرها، فقال:\nولدت يوم الخميس طلوع الشمس ثامن وعشرين من المحرم سنة ست وأربعين وثمانمائة، وتوفيت أمي يوم السبت بعده وأبي يوم الثلاثاء بعده كلاهما في سابعي، فبقيت بعين الله بين جدتي الفقيهة أم البنين، فكفلتني حتى بلغت العشر، وحفظت القرآن، وتعلمت صناعة الخرز، ثم نقلني الله بعد بلوغي سادس عشر إلى القراءة، فقرأت «الرسالة» على الشيخين:\nعلى السطي، وعبد الله الفخار قراءة بحث وتحقيق، و«القرآن» على جماعة منهم:\nالقوري، والزرهوني، وكان رجلا صالحا، والمجاصي، والأستاذ الصغير بحرف نافع، واشتغلت بالتصوف والتوحيد، فأخذت «الرسالة القدسية»، و«عقائد الطوسي» على الشيخ\n_________\n(١) ينظر ترجمته في: «نيل الابتهاج» (٣٤٢) . [.....]\n(٢) ينظر ترجمته في: «نيل الابتهاج» (١٣٠) .","vol":"1","page":33},{"text":"عبد الرحمن المجدولي، وهو من تلاميذ الأبي، وبعض «التنوير» على القوري، وسمعت عليه البخاري كثيرا، وتفقهت عليه في كل «أحكام عبد الحق الصغرى»، و«جامع الترمذي»، وصحبت جماعة من المباركين لا تحصى كثرة بين قفيه وفقير.\nوقال فيه الشيخ ابن غازيّ: صاحبنا الأود الخلاصة الصفي، الفقيه المحدث، الفقير، الصوفي البرنسي، و«برنس»، بنون مضمومة بعد الراء، نسبة إلى عرب بالمغرب، انتهت فهرسته. وقال الحافظ السخاوي: أخذ على القوري، وكتب على «حكم ابن عطاء الله»، وعلى «القرطبية» في الفقه، ونظم «فصول السلمي» - اهـ.\nقال التنبكي: ومن شيوخه، كما ذكره هو، الشيخ الإمام عبد الرحمن الثعالبي، والولي إبراهيم التازي، والمشذالي، والشيخ حلولو، والسراج الصغير، والرصاع، وأحمد بن سعيد الحباك، والحافظ التنسي، والإمام السنوسي، وابن زكري، وأبو مهدي عيسى المواسي، وبالمشرق عن جماعة كالنور السنهوري، والحافظ الدميري، والحافظ السخاوي، والقطب أبي العباس أحمد بن عقبة الحضرمي، وولي الله الشهاب الأنشيطي في جماعة آخرين. وأما تآليفه: فكثيرة يميل إلى الاختصار مع التحرير، ولا يخلو شيء منها عن فوائد غزيرة، وتحقيقات مفيدة سيما في التصوف، فقد انفرد بمعرفته وجودة التأليف فيه، فمنها شرحان على «الرسالة»، وشرح «إرشاد ابن عسكر»، وشرح «مختصر خليل»، رأيت مواضع منه بخطه عن الأنكحة والبيوع وغيرها، وشرح «الوغليسية»، وشرح «القرطبية»، وشرح «الغافقية»، وشرح «العقيدة القدسية» للغزالي، ونيف وعشرون شرحا على الحكم، وقفت على الخامس عشر والسابع عشر منها، وأخبرني والدي- رحمه الله تعالى- أن بعض المكيين أخبره، أن له عليها أربعا وعشرين شرحا، وشرحان على «حزب البحر»، وشرح «الحزب الكبير» لأبي الحسن الشاذلي، وشرح مشكلاته، وشرح «الحقائق والدقائق» للمقري، وشرح قطع الششتري وشرح «الأسماء الحسنى»، وشرح «المراصد» في التصوف لشيخه ابن عقبة، و«النصيحة الكافية لمن خصّه الله بالعافية» . واختصره.\nو«إعانة المتوجه المسكين على طريق الفتح والتمكين»، وكتاب «القواعد في التصوف»، وهذه الثلاثة في غاية النبل والحسن، سيما الأخير لا نظير له. وكتاب «النصح الأنفع والجنة للمعتصم من البدع بالسنة»، وكتاب «عدة المريد الصادق من أسباب المقت في بيان الطريق وذكر حوادث الوقت» كتاب جليل فيه مائة فصل بين فيه البدع التي يفعلها فقراء الصّوفية، وله تعليق لطيف على «البخاري» قدر عشرين كراسا اقتصر فيه على ضبط الألفاظ وتفسيرها، وجزء صغير في علم الحديث، وله رسائل كثيرة لأصحابه مشتملة على حكم","vol":"1","page":34},{"text":"ومواعظ وآداب ولطائف التصوف مع الاختصار قلّ أن توجد لغيره، وبالجملة فقدره فوق ما يذكر، ومن تفرغ فذكر حاله وفوائده وحكمه ورسائله جمع منها مجلدا.\nوهو آخر أئمة الصوفية المحققين الجامعين لعلمي الحقيقة والشريعة، له كرامات عديدة، وحجّ مرات، وأخذ عنه جماعة من الأئمة، كالشمس اللقاني، والعالم محمد بن عبد الرحمن الحطّاب، والزين طاهر القسنطيني، وغيرهم، وقد أجازني سيدي الشيخ الصوفي أحمد بن أبي القاسم الهروي التادلي ما أجازه شيخه العريف الخروبي تلميذ زروق عنه. توفي ب «تكرين» من عمل «طرابلس» «١» في صفر عام تسعة وتسعين وثمانمائة، ووجدت منسوبا إليه من نظمه قوله: [الطويل]\nألا قد هجرت الخلق طرّا بأسرهم ... لعلّي أرى محبوب قلبي بمقلتي\nوخلّفت أصحابي وأهلي وجيرتي ... وتيّمت نجلي واعتزلت عشيرتي\nووجّهت وجهي للّذي فطر السّما ... وأعرضت عن أفلاكها المستنيرة\nوعلّقت قلبي بالمعالي تهمّسا ... وكوشفت بالتّحقيق من غير مرية\nوقلّدت سيف العزّ في مجمع الوغى ... وصرت إمام الوقت صاحب رفعة\nوملّكت أرض الغرب طرّا بأسرها ... وكلّ بلاد الشّرق في طيّ قبضتي\nفملّكنيها بعض من كان عارفا ... وخلّفني فيها بأحسن سيرتي\nفأرفع قدرا ثمّ أخفض رتبة ... لأرفع مقدارا بأرفع حكمتي\nوأعزل قوما ثمّ أولي سواهم ... وأعلي منار البعض فوق المنصّة\nوأجبر مكسورا وأشهر خاملا ... وأرفع مقدارا بأرفع همّتي\nوأقهر جبّارا وأدحض ظالما ... وأنظر مظلوما بسلطان سطوتي\nوألهمت أسرارا وأعطيت حكمة ... وحزت مقامات العلا المستنيرة\nأنا لمريدي جامع لشتاته ... إذا ما سطا جور الزّمان بنكبة\nوإن كنت في كرب وضيق ووحشة ... فناد أيا زروق، آت بسرعة\nفكم كربة تجلى بمكنون عزّنا ... وكم طرفة تجنى بأفراد صحبتى\n_________\n(١) طرابلس الغرب: بلدة على جانب البحر. ينظر: «مراصد الاطلاع» (٨٨٢) .","vol":"1","page":35},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>مصنّفات الثّعالبيّ:</span>\nلم تحظ أمة من الأمم بمثل ما حظيت به هذه الأمة الإسلامية من تراث تليد، وأثر حميد، ذلك أن علماءها قد ملئوا مكتباتها بكتب وأسفار تحمل في صفحاتها وصحيفاتها كل علم نافع، سواء في الدنيا أو في الآخرة.\nولقد درج الثعالبي﵀- نفسه ضمن تلك السلسلة المباركة، من شيوخ هذه الأمة، فأخرج لنا نفائس الكتب في مختلف العلوم، إلا أن الذي ذكر لنا في تراجمه لم يكن بالعدد الضخم الذي يبلغ المائة، ولا ما يزيد، مثل ما كان عدد مصنفات ابن الجوزيّ مثلا، فقد قال ابن تيمية عنه: «عددت له ألف مصنف، ثم رأيت بعد ذلك ما لم أر» .\nوكانت مصنّفات الثعالبي كما يلي:\nأولا: في التفسير:\n- الجواهر الحسان في تفسير القرآن، وهو هذا الكتاب.\nثانيا: في الفقه:\n١- روضة الأنوار، جمعه من نحو من ستين من أمهات الدواوين المعتمدة.\n٢- جامع الأمهات في أحكام العبادات.\nثالثا: في الحديث:\n١- أربعون حديثا مختارة.\n٢- المختار من الجوامع.\nرابعا: الرقائق وعلوم الآخرة:\n١- الأنوار المضيئة في الجمع بين الشريعة والحقيقة.\n٢- العلوم الفاخرة في أحوال الآخرة.\n٣- كتاب النّصائح.\n٤- جامع الفوائد.\n٥- الدر الفائق في الأذكار.","vol":"1","page":36},{"text":"٦- الإرشاد في مصالح العباد.\nخامسا: في القراءات:\n- شرح منظومة ابن بريّ في قراءة نافع.\nسادسا: تهذيب النّفس:\n- إرشاد السالك.\nسابعا: إعراب القرآن وغريبه:\n١- تحفة الأقران في إعراب بعض آي القرآن.\n٢- الذهب الإبريز في غريب القرآن العزيز.\nثامنا: في الخصائص النبوية:\n- كتاب في معجزاته ﷺ.\nوقد أثنى العلماء على مصنّفات الثعالبي، فقال السخاوي: «كان إماما علامة، مصنفا ...» .، وفي شجرة النور: له تآليف كثيرة مفيدة.\nوبالجملة، فهذا تقييم لأحد مترجمي الإمام الثعالبي، ذكر فيه كتبه وحجمها، ومادتها. قال التنبكي:\nوأما تآليفه فكثيرة كتفسيره «الجواهر الحسان» في غاية الحسن، اختصر فيه «ابن عطية» مع فوائد وزوائد كثيرة، و«روضة الأنوار، ونزهة الأخيار»، وهو قدر «المدونة»، فيه لباب من نحو ستين من أمهات الدواوين المعتمدة، وهو خزانة كتب لمن حصله قال:\nوجمعته في سنين كثيرة، فيه بساتين وروضات- اهـ.\nوكتاب «الأنوار في معجزات النبي المختار» ﷺ، و«الأنوار المضيئة الجامع بين الحقيقة» في جزء، و«رياض الصالحين» جزء، وكتاب «التقاط الدرر»، وكتاب «الدر الفائق في الأذكار والدعوات»، و«العلوم الفاخرة في أحوال الآخرة» مجلد ضخم، وشرح «ابن الحاجب» الفرعي في سفرين، جمع فيه نخب كلام ابن رشد وابن عبد السلام وابن هارون وخليل وغرر ابن عرفة مع جواهر «المدونة» وعيون مسائلها في سفرين، وفي آخره جامع كبير نحو عشرة كراريس من القالب الكبير فيه فوائد، و«إرشاد السالك» جزء صغير،","vol":"1","page":37},{"text":"و«الأربعون حديثا مختارة»، و«المختار من الجوامع في محاذاة الدرر اللوامع»، وكتاب «جامع الفوائد»، وكتاب «جامع الأمهات في أحكام العبادات»، وكتاب «النصائح»، وكتاب «تحفة الإخوان في إعراب بعض آي القرآن»، و«الذهب الإبريز في غرائب القرآن العزيز»، وكتاب «الإرشاد في مصالح العباد»، ذكر جميعها في فهرسته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>ثناء العلماء عليه:</span>\nنال الإمام الثعالبي ثناء عطرا من أهل العلم، والله (سبحانه) يعلي ذكر المرء في الأمم والأعصار على قدر إخلاصه ونيته.\nقال الإمام السخاوي: «وكان إماما مصنفا ... وعمل في الوعظ والرقائق وغير ذلك» .\nوفي «نيل الابتهاج» قال التنبكي: «الشيخ، الإمام، الحجة، العامل، الزاهد، الورع، ولي الله الناصح الصالح، العارف بالله، أبو زيد، شهر بالثعالبي، صاحب التصانيف المفيدة، كان من أولياء الله المعرضين عن الدنيا وأهلها، ومن خيار عباد الله الصالحين، قال السخاوي: كان إماما علامة مصنفا، اختصر تفسير ابن عطية في جزءين، وشرح «ابن الحاجب» الفرعي في جزءين، وعمل في الوعظ والرقائق وغيرها- اهـ.\nقال الشيخ زروق: شيخنا الفقيه الصالح والديا عليه أغلب من العلم، يتحرى في النقل أتم التحري، وكان لا يستوفيه في بعض المواضع- اهـ.\nقال ابن سلامة البكري: كان شيخنا الثعالبي رجلا صالحا زاهدا عالما عارفا وليا من أكابر العلماء، له تآليف جمة أعطاني نسخة من تفسير «الجواهر» لا بشراء ولا عوض، عاوضه الله بالجنة، وقال غيره: سيدنا ووسيلتنا لربنا الإمام الولي العارف بالله- اهـ.\nقلت: وهو ممن اتفق النّاس على صلاحه وإمامته، أثنى عليه جماعة من شيوخه بالقلم والدين والصلاح، كالإمام الأبي، والوليّ العراقي، والإمام الحفيد ابن مرزوق.\nوقال في «شجرة النور الزكية»: «الإمام، علم الأعلام، الفقيه، المفسر، المحدث، الراوية، العمدة، الفهامة، الهمام، الصالح، الفاضل، العارف بالله، الواصل. أثنى عليه جماعة بالعلم والصّلاح والدين المتين» .\nوقال الغزي في «ديوان الإسلام»: «الإمام، الحبر، العلامة» .","vol":"1","page":38},{"text":"وقال الذّهبيّ في «التفسير والمفسرون»: «الإمام الحجة، العالم العامل، الزاهد، الورع، ولي الله الصالح، العارف بالله، كان من أولياء الله المعرضين عن الدنيا وأهلها، ومن خيار عباد الله الصالحين» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>وفاته:</span>\nكانت وفاة الثعالبي سنة خمس وسبعين وثمانمائة، كما ذكر تلميذه زروق، وذكره السخاوي في «الضوء اللامع» . إلا أن صاحب «شجرة النور الزكية» حكاها على الشّكّ، بين خمس وست وسبعين. ﵀ رحمة واسعة!!","vol":"1","page":39},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>المبحث الثاني التفسير قبل أبي زيد الثعالبي التّفسير والتّأويل</span>\nالتّفسير لغة:\nالتفسير في اللغة: الإيضاح والتبيين ومنه قوله تعالى: وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا [الفرقان: ٣٣] أي: بيانا وتفصيلا، وهو مأخوذ من الفسر، وهو:\nالإبانة والكشف.\nقال الفيروزآباديّ «١»:\n«الفسر: الإبانة وكشف المغطى كالتفسير، والفعل كضرب ونصر» .\nوقال ابن منظور «٢»:\n«الفسر: البيان، فسر الشيء يفسره- بالكسر- ويفسره- بالضم- فسرا، وفسّره:\nأبانه، والتفسير: مثله ... والفسر: كشف المغطّى، والتفسير: كشف المراد عن اللفظ المشكل» .\nوقال أبو حيان «٣»:\n«... ويطلق التفسير أيضا على التّعرية للانطلاق قال ثعلب: «تقول: فسّرت الفرس: عريته لينطلق في حصره، وهو راجع لمعنى الكشف، فكأنه كشف ظهره لهذا الذي يريده منه من الجري» .\nوعلى ذلك: فالمادة تدور حول معنيين «٤»:\nالكشف المادّيّ المحسوس، والكشف المعنويّ المعقول.\n_________\n(١) «القاموس المحيط» «فسر» .\n(٢) «اللسان»: مادة «فسر» .\n(٣) «البحر المحيط» ١/ ١٣.\n(٤) «التفسير»: معالم حياته- منهجه اليوم- أمين الخولي ص ٥، و«التفسير والمفسرون» / للذهبي ج ١/ ١٥.","vol":"1","page":40},{"text":"وقيل: إن أصل الكلمة من التّفسرة، وهي الدليل من الماء ينظر فيه الطّبيب فيكشف عن علّة المريض كما يكشف المفسّر عن شأن الآية وقصّتها «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>التفسير اصطلاحا:</span>\nعرفه السّيوطيّ قائلا «٢»:\n«هو علم نزول الآيات وشؤونها وأقاصيصها، والأسباب النازلة فيها، ثم ترتيب مكّيّها ومدنيّها، وبيان محكمها ومتشابهها، وناسخها ومنسوخها، وخاصّها وعامّها، ومطلقها ومقيّدها، ومجملها ومفسّرها، وحلالها وحرامها، ووعدها ووعيدها، وأمرها ونهيها، وعبرها وأمثالها، ونحو ذلك» .\nوعرّفه أبو حيان فقال «٣»:\n«هو علم يبحث فيه عن كيفية النّطق بألفاظ القرآن، ومدلولاتها، وأحكامها الإفراديّة والتركيبية، ومعانيها التي تحمل عليها حالة التّركيب وتتمّات ذلك ...» وفيه قصور وغموض «٤» ...\nوتعريف الزركشي أوضح من التعريفين السابقين إذ يقول «٥»:\n«التفسير: علم يفهم به كتاب الله المنزّل على نبيّه محمّد ﷺ وبيان معانيه، واستخراج أحكامه وحكمه، واستمداد ذلك من علم اللغة، والنّحو والتصريف، وعلم البيان، وأصول الفقه، والقراءات، ويحتاج لمعرفة أسباب النّزول، والناسخ والمنسوخ» .\nوهناك تعريفات أخرى- غير ما ذكرنا «٦» - وكلها تتفق «على أن علم التفسير علم يبحث عن مراد الله تعالى بقدر الطاقة البشرية فهو شامل لكلّ ما يتوقّف عليه فهم المعنى، وبيان المراد» «٧» .\n_________\n(١) «الإتقان في علوم القرآن» / للسيوطي ٢/ ٢٩٤، و«تفسير البغوي» ١/ ١٨ ط المنار، و«اللسان»: فسر.\n(٢) «الإتقان» ٢/ ١٧٤.\n(٣) «البحر المحيط» ج ١ أو ما بعدها.\n(٤) راجع: الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير أبو شهبة ص ٤١.\n(٥) «البرهان» ج ١/ ٣٣.\n(٦) راجع مثلا: «مناهل العرفان في علوم القرآن» ١/ ٤٠٦ ط أولى، و«منهج الفرقان في علوم القرآن» ج ٢/ ٦، «التيسير في قواعد التفسير» / الكافيجي ص ٣، ١١ وغيرها.\n(٧) «التفسير والمفسرون» ١/ ١٧.","vol":"1","page":41},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>التأويل لغة:</span>\nأصله: «من الأول، وهو الرّجوع» .\nقال الفيروزآباديّ «١»:\n«آل إليه أولا ومآلا: رجع- وعنه ارتدّ ... وأوّل الكلام تأويلا، وتأوّله: دبّره وقدّره وفسّره، والتأويل عبارة الرّؤيا» .\nوقال ابن منظور «٢»:\n«الأول: الرّجوع: آل الشّيء يؤول أولا ومآلا: رجع، وأوّل الشّيء: رجعه، وألت عن الشّيء: ارتددت» وفي الحديث: «من صام الدّهر، فلا صام ولا آل» أي: لا رجع إلى خير ... وأوّل الكلام وتأوّله: دبّره وقدّره، وأوّله وتأوّله: فسّره» .\nوعليه:\nفالتأويل: إرجاع الكلام إلى ما يحتمله من المعاني.\nوقيل: التأويل مأخوذ من الإيالة، وهي السّياسة، فكأنّ المؤوّل ساس الكلام ووضعه في موضعه قال الزمخشري «٣»:\n«آل الرّعيّة يؤولها إيالة حسنة، وهو حسن الإيالة، وائتالها، وهو مؤتال لقومه مقتال عليهم، أي: سائس محتكم قال زياد في خطبته: قد ألنا وإيل علينا، أي: سسنا وسسنا ...» .\nوقد ورد لفظ التأويل في القرآن الكريم على معان مختلفة:\nمن ذلك قوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ... [آل عمران: ٧] . بمعنى: التفسير والتعيين.\nوقوله تعالى: فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [النساء: ٥٩] بمعنى: العاقبة والمصير.\nوقوله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ ... [الأعراف: ٥٣] وقوله\n_________\n(١) «القاموس المحيط» ٣/ ٣٣١. [.....]\n(٢) «اللسان» / مادة «أول» ١/ ١٧١ وما بعدها.\n(٣) «أساس البلاغة» ص ٢٥ ط الشعب.","vol":"1","page":42},{"text":"تعالى: بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ... [يونس: ٣٩] بمعنى:\nوقوع المخبر به.\nومن آيات سورة يوسف «١» أريد بها: نفس مدلول الرؤيا.\nومن آيتي سورة الكهف «٢» بمعنى بيان حقيقة الأعمال الّتي عملها العبد الصالح، وليس تأويل الأقوال «٣» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>التأويل اصطلاحا:</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>التأويل عند السلف له معنيان:</span>\nأحدهما: تفسير الكلام وبيان معناه، وبذلك يكون التأويل والتفسير مترادفين، وهذا ما يعنيه «ابن جرير الطبري» في تفسيره حين يقول: «القول في تأويل قوله تعالى ...»\nوكذا قوله: «اختلف أهل التأويل في هذه الآية ...» . فالتفسير والتأويل كلاهما بمعنى.\nثانيهما: هو نفس المراد بالكلام فإن كان الكلام طلبا، كان تأويله نفس الفعل المطلوب، وإن كان خبرا كان تأويله نفس الشيء المخبر به وعليه:\nفالتأويل هنا نفس الأمور الموجودة في الخارج، سواء كانت ماضية أم مستقبلة، فإذا قيل: طلعت الشّمس، فتأويل هذا هو نفس طلوعها، وهذا في نظر «ابن تيميّة» هو لغة القرآن التي نزل بها وعلى هذا فيمكن إرجاع كلّ ما جاء في القرآن من لفظ التأويل إلى هذا المعنى الثاني «٤» .\nأما التأويل عند المتأخّرين من الأصوليين والكلاميّين وغيرهم:\nفهو: «صرف اللّفظ عن المعنى الرّاجح إلى المعنى المرجوح لدليل يقترن به»، وهذا هو التأويل الذي يتكلّمون عليه في أصول الفقه ومسائل الخلاف «٥» .\nقال في «جمع الجوامع» «٦»:\n_________\n(١) الآيات: ٦، ٣٧، ٤٤، ٤٥، ١٠٠.\n(٢) الآيتان: ٧٨، ٨٢.\n(٣) راجع: «التفسير والمفسرون» ١/ ١٨، ١٩.\n(٤) «التفسير والمفسرون» ١/ ١٩ (بتصرف وإيجاز) .\n(٥) راجع: «التفسير والمفسرون» ١/ ١٩.\n(٦) ج ٢/ ٥٦، و«التفسير والمفسرون» ١/ ٢٠.","vol":"1","page":43},{"text":"«التأويل: حمل الظاهر على المحتمل المرجوح، فإن حمل عليه لدليل- فصحيح، أو لما يظنّ دليلا من الواقع- ففاسد، أو لا لشيء- فلعب لا تأويل» .\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>الفرق بين التّفسير والتّأويل</span>\nاختلف علماء «التفسير» في بيان الفرق بين التفسير والتأويل، ولعل منشأ هذا الخلاف «هو استعمال القرآن لكلمة «التأويل»، ثم ذهاب الأصوليين إلى اصطلاح خاصّ فيها، مع شيوع الكلمة على ألسنة المتكلمين من أصحاب المقالات والمذاهب» «١» .\n- ومن العلماء من ذهب إلى أنهما بمعنى واحد، ومن هؤلاء: «أبو عبيد القاسم بن سلّام»، وطائفة معه «٢» .\n- ومنهم من فرق بينهما:\nيقول الراغب الأصفهانيّ «٣»:\n«التفسير أعمّ من التّأويل، وأكثر ما يستعمل التّفسير من الألفاظ، والتأويل في المعاني كتأويل الرؤيا.\nوالتأويل يستعمل أكثره في الكتب الإلهيّة، والتفسير يستعمل فيها وفي غيرها.\nوالتفسير أكثره يستعمل في مفردات الألفاظ، والتّأويل أكثره يستعمل في الجمل فالتفسير: إمّا أن يستعمل في غريب الألفاظ: «كالبحيرة، والسائبة، والوصيلة»، أو في تبيين المراد وشرحه كقوله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ [البقرة: ٤٣]، وإما في كلام مضمّن بقصّة لا يمكن تصوّره إلا بمعرفتها نحو قوله تعالى: إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ [التوبة: ٣٧]، وقوله تعالى: وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها [البقرة: ١٨٩] .\nوأما التأويل: فإنه يستعمل مرة عامّا، ومرة خاصّا نحو «الكفر» المستعمل تارة في\n_________\n(١) «التفسير»: معالم حياة- ص ٦.\n(٢) «الإتقان» ٢/ ١٧٣، «التفسير والمفسرون» ١/ ٢١ و«الإسرائيليات والموضوعات» ٤٣.\n(٣) «التفسير والمفسرون» ١/ ٢١، «نشأة التفسير في الكتب المقدسة والقرآن» / السيد خليل ص ٢٩، نقلا عن: مقدمة التفسير للراغب ص ٤٠٢- ٤٠٣ آخر كتاب «تنزيه القرآن عن المطاعن» للقاضي عبد الجبار.","vol":"1","page":44},{"text":"الجحود المطلق، وتارة في جحود الباري خاصّة- و«الإيمان» المستعمل في التصديق المطلق تارة، وفي تصديق دين الحقّ تارة، وإما في لفظ مشترك بين معان مختلفة، نحو لفظ «وجد» المستعمل في الجدّ والوجد والوجود» .\nوقال أبو طالب الثّعلبيّ «١»:\n«التفسير: بيان وضع اللفظ إمّا حقيقة أو مجازا كتفسير الصراط بالطّريق، والصّيّب بالمطر، والتأويل: تفسير باطن اللفظ، مأخوذ من الأول، وهو الرجوع لعاقبة الأمر فالتأويل: إخبار عن حقيقة المراد، والتفسير: إخبار عن دليل المراد لأنّ اللفظ يكشف عن المراد، والكاشف دليل، مثال قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ [الفجر: ١٤] تفسيره:\nأنه من الرّصد يقال: رصدته إذا رقبته، والمرصاد: مفعال منه، وتأويله: التّحذير من التهاون بأمر الله، والغفلة عن الأهبة والاستعداد للعرض عليه» .\nوقال البغويّ «٢»:\n«التأويل: هو صرف الآية إلى معنى محتمل يوافق ما قبلها وما بعدها، غير مخالف للكتاب والسنة من طريق الاستنباط.\nوالتفسير: هو الكلام في أسباب نزول الآية وشأنها وقصّتها» .\nوقيل: التفسير: ما يتعلق بالرواية، والتأويل: ما يتعلق بالدراية» «٣» يقول الكافيجيّ «٤»:\n«... إن علم التفسير علم يبحث فيه عن أحوال كلام الله المجيد، من حيث إنه يدلّ على المراد بحسب الطاقة البشرية، وينقسم إلى قسمين:\nتفسير: وهو ما لا يدرك إلا بالنّقل أو السماع، أو بمشاهدة النّزول وأسبابه، فهو ما يتعلّق بالرواية ولهذا قيل: إن التفسير للصحابة.\nوتأويل: وهو ما يمكن إدراكه بقواعد العربيّة، فهو ما يتعلّق بالدراية ولهذا قيل: إن التأويل للفقهاء، فالقول من الأوّل بلا نقل أو سماع خطأ وكذا القول من الثاني بمجرّد\n_________\n(١) «الإتقان» ٢/ ١٧٣.\n(٢) «تفسير البغوي» ١/ ١٨.\n(٣) «الإتقان» ٢/ ١٧٣. [.....]\n(٤) «التيسير في قواعد التفسير» ص ٣، ١١.","vol":"1","page":45},{"text":"التشهّي، وأما استنباط المعاني على قانون اللّغة فمما يعدّ فضلا وكمالا» .\nوقد رجّح المرحوم الدكتور الذهبي هذا الرأي، وعلّل ذلك بقوله «١»:\n«وذلك لأن التّفسير معناه: الكشف والبيان، والكشف عن مراد الله تعالى لا نجزم به إلا إذا ورد عن رسول الله ﷺ أو عن بعض أصحابه، الذين شهدوا نزول الوحي، وعلموا ما أحاط به من حوادث ووقائع، وخالطوا رسول الله ﷺ ورجعوا إليه فيما أشكل عليهم من معاني القرآن الكريم.\n«وأما التأويل: فملحوظ فيه ترجيح أحد محتملات اللّفظ بالدليل، والترجيح يعتمد على الاجتهاد، ويتوصّل إليه بمعرفة مفردات الألفاظ ومدلولاتها في لغة العرب، واستعمالها بحسب السياق، ومعرفة الأساليب العربيّة، واستنباط المعاني من كلّ ذلك» .\nوهذا هو ما نميل إليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>حاجة النّاس إلى التّفسير</span>\nنزل القرآن الكريم لغرضين أساسيّين:\nأولهما: ليكون معجزة فلا يقدر البشر على أن يأتوا بمثله: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء: ٨٨]، ولا بسورة من مثله: قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [يونس: ٣٨] .\nثانيهما: ليكون منهج حياة، ودستورا للمسلمين، فيه صلاحهم وفلاحهم إذ تكفّل بكلّ حاجاتهم من أمور الدين والدنيا: عقائد، وأخلاق، وعبادات، ومعاملات ... إلخ.\nيا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [يونس: ٥٧] .\nوَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسارًا [الاسراء: ٨٢]، ففي اتباعه الهداية، وفي الإعراض عنه الشقاء والضّنك فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً\n_________\n(١) «التفسير والمفسرون» ١/ ٢٣.","vol":"1","page":46},{"text":"ْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى\n[طه: ١٢٣- ١٢٦] .\nوبه مخرج الأمّة من أزماتها، ونجاتها من الفتن يقول علي- كرم الله وجهه-:\nقلت: يا رسول الله، ستكون فتن، فما المخرج منها؟.\nقال ﷺ: «كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبّار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضلّه الله، هو حبل الله المتين، والذّكر الحكيم، والصّراط المستقيم، هو الّذي لا تزيغ به الأهواء، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثرة الرّدّ، ولا تنقضي عجائبه، من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن خاصم به أفلح، ومن دعي إليه هدي إلى صراط مستقيم» .\n- ولكي يكون معجزا ويتأتّى تحدّيه للبشر.\n- ولكي يتأتّى اتخاذه دستورا ومنهج حياة..\n- ولكي يتدبّر المؤمنون آياته ... «١» .\nولكي يستطيع المسلمون العرب الانطلاق بالدعوة «٢» .. لكلّ هذا جاء القرآن عربيّا.\nوكان القوم- «عند نزوله- سواء من هو حجّة له من المؤمنين الصادقين، ومن هو حجّة عليه من الكافرين الجاحدين- يفهمونه ويحيطون بمعانيه إفرادا وتركيبا فيتلقّون دعوته، ويدركون مواعظه، ويعون تحدّيه بالإعجاز بين مذعنين، يقولون: آمنّا به، ومعاندين يلحدون في آياته، ويمعنون في معارضته كيدا وليّا بألسنتهم وطعنا في الدين.\n«فما كان منهم من تعذّر عليه فهمه، ولا من خفيت عليه مقاصده ومعانيه، بل كان وضوح معانيه، ويسر فهمه، هو الأصل فيما قام حوله من صراع بين مؤمن يجد فيه شفاء نفسه، وانشراح صدره، وكافر ينقبض لقوارع آياته فلا يزال يدفعها بالإعراض والمعارضة، والدفاع والمقارعة، وكان ذلك هو الأصل أيضا في تكوّن الأمّة المحمّدية، وتولّد التاريخ الإسلاميّ» «٣» .\n_________\n(١) قال تعالى: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ....\n(٢) قال تعالى: وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ....\n(٣) «التفسير ورجاله» / محمد الفاضل بن عاشور ص ٧- ٨.","vol":"1","page":47},{"text":"يقول ابن خلدون «١»:\n«إنّ القرآن نزل بلغة العرب، وعلى أساليب بلاغتهم فكانوا كلّهم يفهمونه، ويعلمون معانيه في مفرداته وتراكيبه» .\nوقد سبقه أبو عبيدة معمر بن المثنّى حين قال «٢»:\n«إنما نزل القرآن بلسان عربيّ مبين فلم يحتج السلف، ولا الذين أدركوا وحيه، إلى النبيّ ﷺ أن يسألوا عن معانيه لأنهم كانوا عرب الألسن، فاستغنوا بعلمهم عن المسألة عن معانيه، وعما فيه مما في كلام العرب مثله من الوجوه والتلخيص» .\nإلا أن هذا الإطلاق يعارضه قول عمر بن الخطّاب للرسول ﷺ «٣»:\n«يا رسول الله، إنّك تأتينا بكلام من كلام العرب، وما نعرفه، ولنحن العرب حقّا؟\nفقال رسول الله ﷺ: «إنّ ربّي علّمني فتعلّمت، وأدّبني فتأدّبت» .\nكما يعارضه صريح القرآن إذ يقول تعالى: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل: ٤٤] .\nنعم.. إن هناك ألفاظا لم تستطع بعض القبائل العربيّة معرفتها، ربّما لعدم استعمالهم لها، أو لاحتمال اللفظ عدّة معان، وكذا بعض آيات أشكل عليهم فهم معناها وذلك كسؤالهم النبيّ ﷺ لما نزل قوله تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام: ٨٢]، فقالوا: وأيّنا لم يظلم؟ وفزعوا إلى النبيّ ﷺ فبيّن لهم أنّ المراد بالظّلم الشرك واستدلّ عليه بقوله تعالى: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ «٤» [لقمان: ١٣] .\nولو صح ما ذهب إليه ابن خلدون وأبو عبيدة، لما كانت حاجة الصحابة إلى تفسير الرسول ﷺ. لكنّ تفسير الرسول للقرآن، وقد ورد في الأحاديث الصحيحة، بيانا لمعنى\n_________\n(١) المقدمة ص ٣٦٧ ط الأزهرية سنة ١٩٣٠.\n(٢) «مجاز القرآن» - ط ثانية- دار الفكر.\n(٣) «البرهان في علوم القرآن» للزركشي ١/ ٢٨٤ ط الحلبي تحقيق أبو الفضل إبراهيم، وقال الصيرفي:\nولست أعرف إسناد هذا الحديث، وإن صح، فقد دل على أن النبي ﷺ قد عرف ألسنة العرب.\n(٤) «الإتقان» للسيوطي ٢/ ٣٣٠ و«البرهان» للزركشي ١/ ١٤.","vol":"1","page":48},{"text":"لفظ، أو توضيحا لمشكل، أو تأكيدا لحكم، أو تفصيلا لمجمل، أو تخصيصا لعامّ، أو تقييدا لمطلق ... إلخ.\nوكان الصحابة- رضوان الله عليهم- حراصا على حفظ القرآن، وفهم معانيه، وفقه أحكامه ...\nقال أبو عبد الرحمن السّلميّ:\n«حدّثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن كعثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود، وغيرهما أنهم كانوا إذا تعلّموا من النبي ﷺ عشر آيات، لم يتجاوزوها حتّى يعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلّمنا القرآن، والعلم، والعمل جميعا» .\nوإذا كان العرب الخلّص الذين لم تعكّر عربيّتهم عجمة- يحتاجون إلى التّفسير، فنحن أولى وأحوج، بل وأشدّ حاجة إلى تفسير القرآن الكريم إذ صار البون بعيدا بين العرب والفصحى.\nيقول السّيوطيّ «١»:\n«ونحن محتاجون إلى ما كانوا يحتاجون إليه، وزيادة على ذلك مما لم يحتاجوا إليه من أحكام الظواهر لقصورنا عن مدارك أحكام اللغة بغير تعلّم، فنحن أشدّ احتياجا إلى التفسير» .\nوالحاجة إلى التفسير «إنّما هي حاجة عارضة نشأت من سببين:\nالسبب الأول: هو أن القرآن لم ينزل دفعة واحدة، وإنما كان نزوله وتبليغه في ظرف زمنيّ متسع جدّا قدره أكثر من عشرين عاما، فكان ينزل منجّما على أجزاء مع فواصل زمنيّة متراخية بين تلك الأجزاء، وكان نزوله في تقدم بعض أجزائه وتأخّر البعض الآخر، على ترتيب يختلف عن ترتيبه التعبّديّ لأنّ ترتيب تاريخ النزول كان منظورا فيه إلى مناسبة الظروف والوقائع، مناسبة ترجع إلى ركن من أركان مطابقة الكلام لمقتضى الحال، وترتيب التلاوة أو الترتيب التعبدي، كان منظورا فيه إلى تسلسل المعاني وتناسب أجزاء الكلام بعضها مع بعض، ... والترتيب الأوّل مؤقّت زائل بزوال ملابساته من الوقائع والأزمنة والأمكنة.\n_________\n(١) «الإتقان» ٢/ ٢٩٦- ٢٩٧.","vol":"1","page":49},{"text":"أما ترتيب التلاوة التعبديّ فباق لأنه في ذات الكلام، يدركه كلّ واقف عليه وتال له من الأجيال المتعاقبة، بينما الترتيب التاريخيّ لا يدركه إلا شاهد العيان لتلك الملابسات من الجيل الذي كان معاصرا لنزول القرآن ... وكان انقراض تلك الملابسات الوقتية محوجا إلى معرفتها معرفة نقلية تصوّرية، ليتمكّن الآتون من استعمال القرائن والأحوال، التي اهتدى بها إلى معاني التراكيب القرآنية سابقوهم.\nوأما السبب الثاني: فهو أنّ دلالات القرآن الأصليّة، التي هي واضحة بوضوح ما يقتضيه من الألفاظ والتراكيب- تتبعها معان تكون دلالة التراكيب عليها محلّ إجمال أو محلّ إبهام إذ يكون الترتيب صالحا على الترديد لمعان متباينة، يتصوّر فيها معناه الأصليّ ولا يتبيّن المراد منها، كأن يقع التعبير عن ذات بإحدى صفاتها، أو يكنى عن حقيقة بإحدى خواصّها، أو أحد لوازمها ... فينشأ عن ذلك إجمال يتطلّب بيانا، أو إبهام يتطلّب تعيينا ... ولما كان الذين اتصلوا أوّلا بتلك المجملات أو المبهمات أو المطلقات قد رجعوا إلى المبلّغ ﷺ في طلب بيانها أو تعيينها أو تقييدها فتلقّوا عند ما أفادهم فاطلعوا بأن الذين أتوا بعدهم احتاجوا إلى معرفة تلك الأمور المأثورة عن النبيّ ﷺ لتتّضح لهم تلك المعاني كما اتضحت لمن قبلهم ...» «١» .\nوبذا تبيّن أن التفسير نشأ منذ بدء الوحي إذ احتاج إليه الصحابة، ثم زادت حاجة التابعين إلى التفسير، ولا سيّما ما رآه الصحابة وسمعوه من الرسول ﷺ ولم يتمكّنوا هم من رؤيته ولا سماعه ... ثم اشتدّت حاجة تابعي التابعين.\nوهكذا كلّما بعد الناس عن عصر نزوله، زادت الحاجة إلى التفسير بمقدار ما زاد من غموض «٢» ...\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>فهم الصّحابة للقرآن الكريم</span>\nنزل القرآن عربيّا على رسول عربيّ، وقوم عرب هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ ... [الجمعة: ٢]، فكانوا أخبر بلغتهم، وفهموا القرآن حقّ فهمه، وقد يشكل عليهم فهم آية منه فيرجعون إلى القرآن نفسه، فقد يجدون فيه توضيحا أو تفصيلا، وإلا رجعوا إلى النبيّ ﷺ ليفسّر لهم ما أشكل عليهم ...\n_________\n(١) «التفسير ورجاله» من ١٠- ١٣.\n(٢) راجع «التفسير والمفسرون» / للذهبي ١/ ١٠١- ١٠٢.","vol":"1","page":50},{"text":"وكان الصحابة يجتهدون في فهم القرآن الكريم مستعينين على ذلك ب «١»:\n١- معرفة أوضاع اللّغة وأسرارها.\n٢- معرفة عادات العرب.\n٣- معرفة أحوال اليهود والنصارى في الجزيرة وقت نزول القرآن.\n٤- قوّة الفهم، وسعة الإدراك.\nوبدهيّ أن يتفاوت الصحابة في توافر هذه الأدوات عندهم. وبالتّالي في فهم القرآن الكريم فلم يكونوا جميعا في مرتبة واحدة، ومن هنا كان الاختلاف اليسير بينهم في تفسير القرآن الكريم.\nومن ذلك:\n- ما روي «من أن الصحابة فرحوا حين نزل قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [المائدة: ٣] لظنّهم أنها مجرّد إخبار وبشرى بكمال الدين، ولكنّ عمر بكى وقال: ما بعد الكمال إلّا النّقص، مستشعرا نعي النبيّ ﷺ وقد كان مصيبا في ذلك إذ لم يعش النبيّ ﷺ بعدها إلا واحدا وثمانين يوما كما روي» «٢» .\n- وفيه ما رواه البخاريّ عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال «٣»:\n«كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر. فكأنّ بعضهم وجد في نفسه، وقال: لم يدخل هذا معنا، وإنّ لنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنّه من أعلمكم، فدعاهم ذات يوم فأدخلني معهم، فما رأيت أنه دعاني فيهم إلا ليريهم، فقال: ما تقولون في قوله تعالى: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ [النصر: ١]؟\nفقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذ نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم، ولم يقل شيئا، فقال لي: أكذلك تقول يا ابن عبّاس؟\nفقلت: لا، فقال: ما تقول؟\nقلت: هو أجل رسول الله ﷺ أعلمه الله له، قال: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ\n_________\n(١) راجع «التفسير والمفسرون» ١/ ٥٩ وما بعدها.\n(٢) «الموافقات» للشاطبي ج ٣/ ٣٨٤، «التفسير والمفسرون» ١/ ٦١، ٦٢. [.....]\n(٣) «فتح الباري بشرح صحيح البخاري» ٨/ ٥١٩، / باب التفسير، وكذا «أسد الغابة» .","vol":"1","page":51},{"text":"[النصر: ١] فذلك علامة أجلك، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّابًا [النصر: ٣] فقال عمر: لا أعلم منها إلا ما تقول» .\n- وقال ابن عباس «١»:\n«كنت لا أدري ما فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [فاطر: ١]، حتّى أتاني أعرابيّان يتخاصمان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها يقول: أنا ابتدأتها» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>أشهر مفسّري القرآن من الصّحابة</span>\nعدّ السّيوطيّ عددا من مفسّري القرآن من الصحابة ذكر منهم:\nالخلفاء الأربعة، وابن عبّاس، وابن مسعود، وأبيّ بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبا موسى الأشعريّ، وعبد الله بن الزّبير ﵃.\nأما الخلفاء الثلاثة الأول، فالرواية عنهم في التفسير قليلة جدّا وذلك بسبب تقدّم وفاتهم، ولا نشغالهم بمهامّ الخلافة «٢» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>١- عليّ بن أبي طالب:</span>\nوأما عليّ- كرّم الله وجهه- فهو أكثرهم تفسيرا للقرآن وذلك لأنه لم يشغل بالخلافة، وإنما كان متفرّغا للعلم حتّى نهاية عصر عثمان ...\nوكثرة مرافقته للرسول ﷺ، وسكناه معه، وزواجه من ابنته فاطمة إلى جانب ما حباه الله من الفطرة السليمة ... كلّ ذلك أورثه العلم الغزير حتّى قالت عائشة ﵂ «٣»:\n«أما إنّه لأعلم النّاس بالسّنّة» في زمن كان الصحابة﵃- متوافرين.\nوروى معمر، عن وهب بن عبد الله، عن أبي الطّفيل قال: «شهدت عليّا يخطب، وهو يقول: سلوني فو الله، لا تسألوني عن شيء إلّا أخبرتكم به، وسلوني عن كتاب الله فو الله، ما من آية إلّا أنا أعلم: أبليل نزلت أم بنهار، أم في سهل أم في جبل» .\nوقيل لعطاء: أكان في أصحاب محمّد أعلم من عليّ؟\n_________\n(١) «الإتقان» ٢/ ١١٣.\n(٢) «الإسرائيليات والموضوعات في التفسير» ٨٤، و«التفسير والمفسرون» للذهبي ١/ ٦٤، ٦٥.\n(٣) «الاستيعاب» ٣/ ١١٠٤، و«أسد الغابة» ٤/ ٢٩.","vol":"1","page":52},{"text":"قال: لا، والله لا أعلمه.\nوقال ابن مسعود: «إنّ القرآن أنزل على سبعة أحرف، ما منها حرف إلّا وله ظهر وبطن، وإنّ عليّ بن أبي طالب عنده من الظّاهر والباطن» «١» .\nنموذج من تفسير عليّ﵁- للقرآن:\nقال في تفسير قوله تعالى: وَإِذا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيمانًا [التوبة: ١٢٤]: إن الإيمان يبدو لمظة بيضاء في القلب، فكلّما ازداد الإيمان عظما ازداد ذلك البياض، حتّى يبيضّ القلب كلّه، وإنّ النفاق يبدو لمظة سوداء في القلب، فكلّما ازداد النفاق ازداد بذلك السّواد، حتّى يسودّ القلب كلّه، وايم الله، لو شققتم عن قلب مؤمن لوجدتّموه أبيض، ولو شققتم عن قلب منافق لوجدتّموه أسود» «٢» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>٢- عبد الله بن مسعود:</span>\nهو: عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب بن سمح، وقيل «شمخ» ... ينتهي نسبه إلى مضر، يكنى بأبي عبد الرحمن، وأمّه: أمّ عبد بنت عبد ودّ من هذيل، وكان يقال له: ابن أمّ عبد.\nأسلم قديما قبل عمر بن الخطّاب، وكان سبب إسلامه: حين مرّ به رسول الله ﷺ وأبو بكر﵁- وهو يرعى غنما، فسألاه لبنا فقال: إنّي مؤتمن، قال: فأخذ رسول الله ﷺ عناقا لم ينز عليها الفحل، فاعتقلها، ثم حلب وشرب وسقى أبا بكر، ثم قال للضّرع: أقلص، فقلص، فقلت: علّمني من هذا الدّعاء، فقال: إنّك غلام معلّم ...\nالحديث «٣» .\nكان عبد الله من أحفظ الصحابة لكتاب الله وأقرئهم له، وكان ﷺ يطلب منه أن يقرأه عليه، فقال له يوما: اقرأ عليّ سورة النّساء، قال ابن مسعود: أقرأ عليك، وعليك أنزل؟ قال: إنّي أحبّ أن أسمعه من غيري، يقول: فقرأت عليه، حتّى بلغت: فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيدًا [النساء: ٤١] ففاضت\n_________\n(١) راجع «الإتقان» ٢/ ٣١٩.\n(٢) «تفسير البغوي» - ط المنار ٤/ ٢٧٣.\n(٣) «البداية والنهاية» ٧/ ١٦٩، «أسد الغابة» ٣/ ٢٥٦- ٢٦٠.","vol":"1","page":53},{"text":"عيناه ﷺ «١» .\nوكان ﷺ يقول:\n«من سرّه أن يقرأ القرآن رطبا كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أمّ عبد» «٢» وكان ابن مسعود حريصا على فهم القرآن الكريم يروي الطبريّ وغيره عن ابن مسعود أنه قال:\n«كان الرجل منّا إذا تعلّم عشر آيات لم يجاوزهنّ حتّى يعرف معانيهنّ والعمل بهنّ، وعن مسروق قال «٣»: قال عبد الله بن مسعود:\n«والّذي لا إله غيره، ما نزلت آية من كتاب الله إلّا وأنا أعلم فيم نزلت، وأين نزلت، ولو أعلم مكان أحد أعلم بكتاب الله منّي تبلغه الإبل لركبت إليه» .\nوطرق الرواية عن ابن مسعود متعدّدة، وأصحّ هذه الطرق ما جاء من «٤»:\n١- طريق الأعمش، عن أبي الضّحى، عن مسروق، عن ابن مسعود.\n٢- طريق مجاهد، عن أبي معمر، عن ابن مسعود.\n٣- طريق الأعمش، عن أبي وائل، عن ابن مسعود.\nوهذه الطرق الثلاثة أخرج منها البخاريّ في صحيحه.\nوهناك طرق أخرى ك:\n١- طريق السّدّيّ الكبير عن مرّة الهمذانيّ عن ابن مسعود أخرج منها الحاكم في مستدركه، وابن جرير في تفسيره- كثيرا.\n٢- طريق أبي روق عن الضّحّاك عن ابن مسعود، وهي طريق غير مرضيّة أخرج منها ابن جرير في تفسيره أيضا، وهي منقطعة لأن الضّحّاك لم يلق ابن مسعود.\nوكان لابن مسعود تلاميذ كثير في الكوفة، وكان عمر﵁- لمّا ولّى عمّار بن ياسر على الكوفة سيّر معه عبد الله بن مسعود معلّما ووزيرا، فجلس الكوفيّون إليه وتعلّموا منه.\n_________\n(١) «البداية والنهاية» ٧/ ١٦٩.\n(٢) «مسند الإمام أحمد» ١/ ٧.\n(٣) «صحيح البخاري» - كتاب الفضائل/ باب مناقب عبد الله بن مسعود.\n(٤) «التفسير والمفسرون» للذهبي ١/ ٨٧، ٨٨.","vol":"1","page":54},{"text":"ويقول العلماء:\nإن ابن مسعود هو الذي وضع الأساس لطريقة الاستدلال، وقد أثرت هذه الطريقة في مدرسة التفسير، فكثر التفسير بالرأي والاجتهاد «١»، وسوف يأتي ذكر تلاميذه عند حديثنا عن تفسير التابعين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>٣- أبيّ بن كعب:</span>\nهو: أبيّ بن كعب بن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النّجّار، سيّد القرّاء «٢»، كنيته: أبو المنذر أو أبو الطّفيل.\nشهد بيعة العقبة مع السّبعين من الأنصار، وشهد بدرا وأحدا والخندق والمشاهد كلّها مع رسول الله ﷺ.\nوهو أحد المشهورين بحفظ القرآن من الصحابة، وبإقرائه قال فيه عمر بن الخطاب: «أبيّ أقرؤنا» «٣» .\nوهو أحد الذين تلمذ عليهم «ابن عبّاس» يقول ابن عباس «٤»:\n«ما حدّثني أحد قطّ حديثا فاستفهمته، فلقد كنت آتي باب أبيّ بن كعب، وهو نائم، فأقيل على بابه، ولو علم بمكاني لأحبّ أن يوقظ لمكاني من رسول الله ﷺ، ولكنّي أكره أن أملّه» .\nكان أبيّ يكتب في مصحفه أشياء ليست من القرآن الكريم مما يعدّ شرحا، أو تفسيرا، أو سببا لنزول، أو مما نسخ، وكان يقول: لا أدع شيئا سمعته من رسول الله ﷺ «٥»، فمن ذلك مثلا: دعاء القنوت «٦» .\nوكان من أعلم الصحابة بكتاب الله وذلك لعدّة عوامل:\nأنه كان من كتّاب الوحي للرسول ﷺ.\nأنه كان حبرا من أحبار اليهود العارفين بأسرار الكتب القديمة وما ورد فيها.\n_________\n(١) المصدر السابق ١/ ١٢٠.\n(٢) «تهذيب التهذيب» ١/ ١٨٧، «غاية النهاية في طبقات القراء» ١/ ٣١. «أسد الغابة» ١/ ٤٩- ٥١.\n(٣) رواه البخاري، وانظر «طبقات القراء للذهبي» ٦/ ٦٢٩ وكذا شهد له النبي ﷺ. [.....]\n(٤) «طبقات ابن سعد» ٢/ ٣٧١.\n(٥) «تاريخ الإسلام» للذهبي ٢/ ٢٨.\n(٦) راجع «الإتقان» ١/ ٦٦.","vol":"1","page":55},{"text":"وقد تعدّدت طرق الرواية عنه، وأشهر هذه الطّرق:\n١- طريق أبي جعفر الرّازيّ، عن الرّبيع بن أنس، عن أبي العالية، عنّ أبيّ، وهي طريق صحيحة، أخرج منها ابن جرير وابن أبي حاتم كثيرا، وأخرج الحاكم منها في مستدركه، والإمام أحمد في مسنده.\n٢- طريق وكيع عن سفيان، عن عبد الله بن محمّد بن عقيل، عن الطّفيل بن أبيّ بن كعب، عن أبيه، وهذه يخرج منها الإمام أحمد في مسنده، وهي على شرط الحسن «١» .\nوتلاميذ أبيّ كثير منهم: أبو العالية، وزيد بن أسلم، ومحمّد بن كعب القرظيّ وغيرهم، ويعدّ أبيّ بن كعب أستاذ مدرسة التفسير في المدينة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>٤- عبد الله بن عبّاس </span>«٢»:\nهو: عبد الله بن عبّاس بن عبد المطّلب بن هاشم ... يلتقي مع الرسول ﷺ في الجدّ الأول (عبد المطلب)، فهو ابن عمّ رسول الله.\nولد إبّان المقاطعة الاقتصادية الّتي فرضتها قريش على بني المطّلب، أيّ: قبل الهجرة بثلاث سنوات.\nلازم ابن عبّاس رسول الله ﷺ، لكنّ الرسول توفّي ولابن عباس من العمر ثلاث عشرة سنة، وقيل: خمس عشرة سنة.\nوقد حظي ابن عبّاس بدعوة رسول الله له حين قال ﷺ: «اللهمّ، علّمه الكتاب والحكمة» .\nوفي رواية: «اللهمّ، فقّهه في الدّين وعلّمه التّأويل» .\nواستجيبت دعوة الرسول ﷺ، فكان عبد الله بن عبّاس «ترجمان القرآن» يقول ابن مسعود:\n«نعم ترجمان القرآن ابن عبّاس» وذلك لبراعته في التفسير، كما لقّب بالحبر لغزارة علمه، وبالبحر كذلك.\n_________\n(١) راجع «التفسير والمفسرون» ١/ ٩٢، ٩٣.\n(٢) بعض الكتب التي تترجم للمفسرين من الصحابة تقدم ابن عباس على سائر الصحابة لتفوقه في هذا العلم، وبعضها ترجئه بعد الثّلاثة السابقين لتقدمهم في السن عليه وحداثته بينهم.","vol":"1","page":56},{"text":"وإذا كان ابن عبّاس قد فاته طول الصّحبة للرسول ﷺ، فقد استعاض عن ذلك بملازمة كبار الصحابة، يسألهم، ويتعرّف أسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، وغير ذلك.\nيقول ابن عبّاس «١»:\n«لم أزل حريصا على أن أسأل عمر بن الخطّاب عن المرأتين من أزواج النبيّ ﷺ اللّتين قال الله فيهما: إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ [التحريم: ٤]، ولم أزل أتلطّف له حتّى عرفت أنهما حفصة وعائشة» .\nويقول:\n«وجدت عامّة حديث رسول الله ﷺ عند الأنصار فإنّي كنت لآتي الرّجل، فأجده نائما، لو شئت أن يوقظ لي لأوقظ، فأجلس على بابه تسفي على وجهي الرّيح، حتّى يستيقظ متى ما استيقظ، وأسأله عمّا أريد ثمّ أنصرف» .\nلقد تلمذ ابن عبّاس على رسول الله ﷺ أوّلا، فكان الرسول يعلّمه ويربّيه، قال له يوما:\n«يا غُلاَمُ، إنِّي أُعَلِّمَكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ اللَّهِ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، وَإذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّه، وإذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، واعْلَم أنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ، لم يَنْفَعُوكَ إلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّه لَكَ، وإن اجْتَمَعُوا عَلَى أن يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ، لم يَضُرُّوكَ إلاَّ بِشَيْءٍ قد كَتَبَهُ الله عليك، رفعت الأقلام وجفّت الصّحف» .\nوفي خلافة عمر كان لابن عبّاس تقدير خاصّ عنده، فكان يدنيه من مجلسه، رغم حداثة سنّه- كما ذكرنا.\nوقد أفاد ابن عبّاس من هؤلاء الذين يعدّون بمثابة شيوخه:\nعمر بن الخطّاب، وأبيّ بن كعب، وعليّ بن أبي طالب، وزيد بن ثابت، روى عبد الرزّاق عن معمر قال «٢»:\n«عامّة علم ابن عبّاس من ثلاثة: عمر وعليّ وأبيّ بن كعب» .\nوذكر ابن الأثير الجزريّ في ترجمة ابن عبّاس أنه «٣» «حفظ المحكم في زمن\n_________\n(١) «الجامع لأحكام القرآن» / للقرطبي ١/ ٢٢.\n(٢) «تذكرة الحفاظ» للذهبي ١/ ٤١.\n(٣) «طبقات القراء» ٤٢٥.","vol":"1","page":57},{"text":"النبيّ ﷺ، ثم عرض القرآن على أبيّ بن كعب وزيد بن ثابت، وقيل: إنّه قرأ على علي بن أبي طالب﵁» .\nلقد أوتي ابن عبّاس علما غزيرا جعله أبرز المفسّرين، وأتمّهم اضطلاعا بالتفسير حتّى إنه «لم يبق عند منتصف القرن الأوّل من الهجرة من بين الصحابة وغيرهم إلّا مذعن لابن عبّاس، مسلّم له مقدرته الموفّقة، وموهبته العجيبة، وعلمه الواسع في تفسير القرآن» «١» .\nلقد امتلك ابن عبّاس أدوات المفسّر فكان عالما بأسرار العربيّة يحفظ الكثير من الشّعر القديم، ويحثّ النّاس على النّظر فيه قائلا «٢»:\n«إذا تعاجم شيء من القرآن، فانظروا في الشّعر فإنّ الشّعر عربيّ» .\nوهو القائل «٣»:\n«الشّعر ديوان العرب فإذا خفي علينا الحرف من القرآن الّذي أنزله الله بلغة العرب، رجعنا إلى ديوانها فالتمسنا ذلك منه» .\nوقد ذكر السّيوطيّ بسنده حوارا دار بين نافع بن الأزرق وابن عبّاس فقال «٤»:\nبينا عبد الله بن عبّاس جالس بفناء الكعبة، قد اكتنفه الناس يسألونه عن تفسير القرآن، فقال نافع بن الأزرق لنجدة بن عويمر:\nقم بنا إلى هذا الذي يجترىء على تفسير القرآن بما لا علم له به، فقاما إليه، فقالا:\nإنّا نريد أن نسألك عن أشياء من كتاب الله فتفسّرها لنا، وتأتينا بمصادقة من كلام العرب فإنّ الله تعالى إنما أنزل القرآن بلسان عربيّ مبين، فقال ابن عبّاس: سلاني عما بدا لكما، فقال نافع:\nأخبرني عن قول الله تعالى: عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ [المعارج: ٣٧] .\nقال: العزون: حلق الرّفاق.\n_________\n(١) «التفسير ورجاله» / ابن عاشور ص ١٦.\n(٢) «التفسير ورجاله» / ابن عاشور ص ١٧.\n(٣) «الإتقان» ١/ ١١٩، «غاية النهاية في طبقات القراء» ٤٢٦.\n(٤) «الإتقان» ١/ ١٢٠.","vol":"1","page":58},{"text":"قال: وهل تعرف العرب ذلك؟\nقال: نعم أما سمعت عبيد بن الأبرص وهو يقول: [الوافر]\nفجاءوا يهرعون إليه حتّى ... يكونوا حول منبره عزينا\nقال: أخبرني عن قوله: وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ [المائدة: ٣٥] .\nقال: الوسيلة: الحاجة.\nقال: وهل تعرف العرب ذلك؟\nقال: نعم أما سمعت عنترة وهو يقول: [الكامل]\nإنّ الرّجال لهم إليك وسيلة ... إن يأخذوك تكحّلي وتخضّبي\nإلى آخر المسائل وأجوبتها «١» .\nوهي إن دلّت فإنما تدلّ على سعة علمه بلغة العرب، وقوّة ذاكرته مما جعله إمام التّفسير في عهد الصحابة، ومرجع المفسّرين في الأعصر التالية لعصره، وهو إمام مدرسة التفسير في مكّة، وأوّل من ابتدع الطريقة اللّغويّة في تفسير القرآن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>طرق الرواية عن ابن عبّاس:</span>\nتعدّدت طرق الرواية عن ابن عباس، واختلفت تلك الطّرق وأشهر هذه الطّرق وأصحّها «٢»:\n١- طريق الزّهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عبّاس، وتعدّ هذه الطريق من السلاسل الذهبيّة، وقد أخرج منها ابن جرير الطبريّ، وعبد الرّزاق في تفسيرهما.\n٢- طريق سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن أبي رباح- وعن عكرمة أحيانا- عن ابن عباس، وقد أخرج منها عبد الرّزّاق في تفسيره.\n٣- طريق معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاس ... وقالوا:\n_________\n(١) راجعها في «الإتقان» ١/ ١٢٠ وما بعدها.\n(٢) راجع: «الإتقان» ٢/ ١٨٨، «التفسير والمفسرون» ١/ ٧٧، ٨٨، «حبر الأمة عبد الله بن عباس» ص ١٨٢. [.....]","vol":"1","page":59},{"text":"إن هذه أجود الطّرق عنه، وفيها قال الإمام أحمد﵁- «إنّ بمصر صحيفة في التّفسير رواها عليّ بن أبي طلحة، لو رحل رجل فيها إلى مصر قاصدا ما كان كثيرا» .\nوقال الحافظ ابن حجر:\n«وهذه النسخة كانت عند أبي صالح كاتب اللّيث، رواها عن معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاس، وهي عند البخاريّ عن أبي صالح، وقد اعتمد عليها في صحيحه فيما يعلّقه عن ابن عباس» .\n٤- طريق عطاء بن السّائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس.\nوهناك طرق أخرى تلي هذه الطّرق ... «١» .\nوكان لابن عبّاس مدرسة في التفسير بمكّة، فكان يجلس لأصحابه من التابعين يفسّر لهم كتاب الله تعالى.\nيقول الإمام ابن تيميّة.\n«أما التفسير، فأعلم النّاس به أهل مكّة لأنهم أصحاب ابن عبّاس كمجاهد، وعطاء بن أبي رباح، وعكرمة مولى ابن عبّاس، وغيرهم من أصحاب ابن عبّاس كطاوس، وأبي الشعثاء، وسعيد بن جبير، وأمثالهم..» «٢» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>قيمة التّفسير المأثور عن الصّحابة</span>\nبعض المحدّثين يعطي التفسير المأثور عن الصحابيّ حكم المرفوع ومن هؤلاء الإمام الحاكم في «مستدركه» إذ يقول «٣»:\n«ليعلم طالب الحديث أنّ تفسير الصحابيّ الذي شهد الوحي والتنزيل- عند الشيخين- حديث مسند» .\nولكن قيد ابن الصّلاح والنّوويّ وغيرهما هذا الإطلاق بما يرجع إلى أسباب النّزول، وما لا مجال للرّأي فيه.\n_________\n(١) راجع: «حبر الأمة عبد الله بن عباس» ١٤٦ وما بعدها.\n(٢) «مقدمة في أصول التفسير» ص ١٥.\n(٣) راجع: «تدريب الراوي» ص ٦٤، «التفسير والمفسرون» للذهبي ١/ ٩٤.","vol":"1","page":60},{"text":"يقول ابن الصّلاح «١»:\n«ما قيل من أنّ تفسير الصحابيّ حديث مسند، فإنما ذلك في تفسير يتعلّق بسبب نزول آية يخبر به الصّحابيّ، أو نحو ذلك مما لا يمكن أن يؤخذ إلّا عن النبيّ ﷺ، ولا مدخل للرأي فيه كقول جابر﵁-: كانت اليهود تقول:\nمن أتى امرأة من دبرها في قبلها، جاء الولد أحول فأنزل الله ﷿:\nنِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ ... [البقرة: ٢٢٣] الآية، فأما سائر تفاسير الصحابة التي لا تشتمل على إضافة شيء إلى الرسول ﷺ فمعدودة في الموقوفات» .\nوذكروا أن تفسير الصحابيّ له حكم المرفوع إذا لم يكن للرأي فيه مجال، وأما ما يكون للرأي فيه مجال، فله حكم الموقوف.\nوما حكم عليه بالوقف:\nقال بعض العلماء: لا يجب الأخذ به لأنه مجتهد فيه، وقد يصيب وقد يخطىء.\nوقال بعضهم:\nيجب الأخذ به لأنه: إما سمعه من الرسول، وإما فسّره برأيه، وهم أدرى النّاس بكتاب الله، وهم أهل اللسان، ولما شاهدوه من القرائن والأحوال، ولا سيّما ما ورد عن الأئمّة الأربعة وابن مسعود وابن عبّاس وغيرهم «٢» .\nيقول الزركشيّ «٣»:\n«اعلم أنّ القرآن قسمان: قسم ورد تفسيره بالنّقل، وقسم لم يرد، والأوّل: إما أن يرد عن النبيّ ﷺ أو الصحابة، أو رءوس التابعين، فالأوّل: يبحث فيه عن صحّة السّند، والثاني: ينظر فيه تفسير الصحابيّ: فإن فسّره من حيث اللغة، فهم أهل اللسان فلا شكّ في اعتماده، أو بما شاهدوه من الأسباب والقرائن فلا شكّ فيه ...» .\nويقول الحافظ ابن كثير «٤»:\n«.. وحينئذ: إذا لم نجد التفسير في القرآن ولا في السّنّة، رجعنا في ذلك إلى أقوال الصّحابة فإنّهم أدرى بذلك لما شاهدوه من القرائن والأحوال التي اختصّوا بها، ولما لهم\n_________\n(١) مقدمة «ابن الصلاح» ص ٢٤.\n(٢) «التفسير والمفسرون» ص ٩٥ (بتصرف) .\n(٣) «البرهان» ٢/ ١٨٣.\n(٤) مقدمة «تفسير ابن كثير» / الجزء الأول.","vol":"1","page":61},{"text":"من الفهم التامّ والعلم الصحيح والعمل الصالح، ولا سيّما علماؤهم وكبراؤهم كالأئمّة الأربعة، والخلفاء الراشدين، والأئمة المهديّين، وعبد الله بن مسعود ﵃» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>مدرسة مكّة تلاميذ ابن عبّاس</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>١- سعيد بن جبير:</span>\nهو «١»: سعيد بن جبير بن هشام الأسديّ، مولى بني والبة، يكنى بأبي محمّد «٢» أو بأبي عبد الله «٣»، كان حبشيّ الأصل، أسود اللّون، أبيض الخصال «٤» .\nهو أحد كبار التابعين، وإمام من أئمّة الإسلام في التّفسير.\nكان في أوّل أمره كاتبا لعبد الله بن عتبة بن مسعود، ثم لأبي بردة الأشعريّ، ثم تفرّغ للعلم حتّى صار إماما علما «٥» .\nأخذ العلم عن ابن عباس، وابن عمر، وعبد الله بن مغفّل المزنيّ وغيرهم، وتخرّج من مدرسة ابن عبّاس «٦» .\nوكان ابن عباس يثق بعلمه، ويحيل عليه من يستفتيه، وكان يقول لأهل الكوفة إذا أتوه ليسألوه عن شيء: أليس فيكم ابن أمّ الدّهماء؟! يعني: سعيد بن جبير «٧» .\nوكان يحبّ أن يسمع منه، قال له مرّة: حدّث، فقال: أحدّث، وأنت هنا؟ فقال:\nأليس من نعمة الله عليك أن تحدّث، وأنا شاهد فإن أصبت فذاك، وإن أخطأت علّمتك «٨»؟!\n_________\n(١) ترجمته في: «طبقات ابن سعد» ٦/ ٢٥٦، «تقريب التهذيب» ١/ ٢٩٢، و«فيات الأعيان» ١/ ٢٠٤، «تهذيب التهذيب» ٤/ ١١، «البداية والنهاية» ٩/ ١٠٣، «الأعلام» ٣/ ١٤٥.\n(٢) «طبقات ابن سعد»، و«البداية والنهاية» وغيرهما.\n(٣) «طبقات ابن سعد»، و«البداية والنهاية» وغيرهما.\n(٤) «التفسير والمفسرون» ١/ ١٠٤.\n(٥) «الإسرائيليات والموضوعات» ٩٥.\n(٦) «الإسرائيليات والموضوعات» ٩٥.\n(٧) «التفسير والمفسرون» ١/ ١٠٥. [.....]\n(٨) «طبقات ابن سعد» ٦/ ٢٥٧، و«وفيات الأعيان» ١/ ٢٠٤.","vol":"1","page":62},{"text":"مكانته في التّفسير: كان﵁- من أعلم التابعين بالقراءات يقول إسماعيل بن عبد الملك «١»: «كان سعيد بن جبير يؤمّنا في شهر رمضان، فيقرأ ليلة بقراءة عبد الله بن مسعود، وليلة بقراءة زيد بن ثابت، وليلة بقراءة غيره، وهكذا أبدا» .\nوساعدته معرفته بالقراءات على معرفة معاني القرآن وأسراره، ومع ذلك كان يتورّع من القول في التفسير برأيه.\nيروي ابن خلّكان «٢»: «أن رجلا سأل سعيدا أن يكتب له تفسير القرآن، فغضب، وقال: لأن يسقط شقّي أحبّ إليّ من ذلك» .\nوقد شهد له التابعون بتفوّقه في العلم، ولا سيّما التفسير قال قتادة «٣»: «وكان أعلم النّاس أربعة، كان عطاء بن أبي رباح أعلمهم بالمناسك، وكان سعيد بن جبير أعلمهم بالتّفسير، وكان عكرمة أعلمهم بالسّير، وكان الحسن أعلمهم بالحلال والحرام» .\nوقال سفيان الثّوريّ «٤»: «خذوا التّفسير عن أربعة: سعيد بن جبير، ومجاهد بن جبر، وعكرمة، والضّحّاك» .\nوقال خصيف «٥»: «كان من أعلم التابعين بالطّلاق سعيد بن المسيّب، وبالحجّ عطاء، وبالحلال والحرام طاوس، وبالتّفسير أبو الحجّاج مجاهد بن جبر، وأجمعهم لذلك كلّه سعيد بن جبير» .\nنموذج من تفسيره: قال سعيد بن جبير: السّبع المثاني هي: البقرة وآل عمران، والنّساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، ويونس قال: وسمّيت بذلك لأنها بينت فيها الفرائض والحدود «٦» .\nقتله:\nقتل﵁- سنة أربع وتسعين من الهجرة، قتله الحجّاج بن يوسف الثّقفيّ\n_________\n(١) «وفيات الأعيان» ١/ ٢٠٤.\n(٢) «وفيات الأعيان» ١/ ٢٠٤- ٢٠٥.\n(٣) «الإسرائيليات والموضوعات» ٩٥.\n(٤) «الإسرائيليات والموضوعات» ٩٥.\n(٥) «وفيات الأعيان» ١/ ٢٠٤- ٢٠٥.\n(٦) «تفسير الطبري» ١/ ٣٣، ٣٤.","vol":"1","page":63},{"text":"صبرا وذلك: أن سعيد بن جبير خرج على الخليفة مع ابن الأشعث، فلما قتل ابن الأشعث وانهزم أصحابه من دير الجماجم هرب سعيد، فلحق بمكّة، وكان واليها خالد بن عبد الله القسريّ، فأخذه وبعث به إلى الحجّاج، فقال له الحجّاج: ما أسمك؟ قال:\nسعيد بن جبير.\nقال: بل أنت شقيّ بن كسير، قال: بل أمّي كانت أعلم باسمي منك.\nقال: شقيت أنت وشقيت أمّك، قال: الغيب يعلمه غيرك.\nقال: لأبدّلنّك بالدّنيا نارا تلظّى، قال: لو علمت أن ذلك بيدك لاتّخذتك إلها.\nقال: فما قولك في محمّد؟ قال: نبيّ الرحمة، وإمام الهدى.\nقال: فما قولك في عليّ؟ أهو في الجنّة أو هو في النار؟ قال: لو دخلتها وعرفت من فيها عرفت أهلها «١» .\nقال: فما قولك في الخلفاء؟ قال: لست عليهم بوكيل.\nقال: فأيّهم أعجب إليك؟ قال: أرضاهم لخالقهم.\nقال: وأيّهم أرضى للخالق؟ قال: علم ذلك عند الذي يعلم سرّهم ونجواهم.\nقال: فما بالك لم تضحك؟ قال: وكيف يضحك مخلوق خلق من طين، والطين تأكله النّار؟! قال: فما بالنا نضحك؟ قال: لم تستو القلوب.\nثم أمر الحجّاج باللّؤلؤ والزّبرجد والياقوت، فجمعه بين يديه، فقال سعيد:\nإن كنت جمعت هذا لتتّقي به من فزع يوم القيامة، فصالح، وإلا ففزعة واحدة تذهل كلّ مرضعة عما أرضعت، ولا خير في شيء جمع للدّنيا إلّا ما طاب وزكا، ثمّ دعا الحجّاج بالعود والنّاي، فلمّا ضرب بالعود، ونفخ بالنّاي بكى سعيد.\nفقال: ما يبكيك هو اللّعب؟\nقال سعيد: هو الحزن: أما النفخ، فذكّرني يوما عظيما، يوم النّفخ في الصّور، وأما\n_________\n(١) هذه رواية المحاجّة بين سعيد والحجاج، أمّا نحن فننزّه سعيدا عن هذا الرد، ونجزم بكون عليّ من أهل الجنة.","vol":"1","page":64},{"text":"العود، فشجرة قطعت من غير حقّ، وأما الأوتار، فمن الشّاء تبعث معها يوم القيامة.\nقال الحجّاج: ويلك يا سعيد! قال: لا ويل لمن زحرح عن النّار وأدخل الجنّة! قال الحجاج: اختر يا سعيد أيّ قتلة أقتلك.\nقال: اختر لنفسك يا حجّاج فو الله، لا تقتلني قتلة إلا قتلك الله مثلها في الآخرة! قال: أفتريد أن أعفو عنك؟ قال: إن كان العفو، فمن الله، وأما أنت، فلا براءة لك ولا عذر.\nقال الحجّاج: اذهبوا به فاقتلوه، فلمّا خرج، ضحك، فأخبر الحجّاج بذلك فردّه، وقال: ما أضحكك؟ قال: عجبت من جرأتك على الله، وحلم الله عليك.\nفأمر بالنّطع فبسط، وقال: اقتلوه! فقال سعيد: وجّهت وجهي للّذي فطر السّموات والأرض، حنيفا وما أنا من المشركين.\nقال: وجّهوا به لغير القبلة، قال سعيد: فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة ١١٥] .\nقال: كبّوه لوجهه، قال سعيد: مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى [طه: ٥٥] .\nقال الحجّاج: اذبحوه! قال سعيد: أما إنّي أَشْهَدُ أَنْ لاَ إلَهَ إلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، خذها منّي حتّى تلقاني بها يوم القيامة، ثمّ دعي سعيد فقال: اللهمّ لا تسلّطه على أحد يقتله بعدي.\nوكان الحجّاج إذا نام يراه في المنام يأخذ بمجامع ثوبه، ويقول: يا عدوّ الله، فيم قتلتني؟\nفيقول الحجّاج: ما لي ولسعيد بن جبير؟! ما لي ولسعيد بن جبير؟ «١» .\nذكر عن الإمام أحمد أنه قال «٢»:\nقتل سعيد بن جبير، وما على وجه الأرض أحد إلّا وهو محتاج- أو قال: مفتقر- إلى علمه.\n_________\n(١) انظر «وفيات الأعيان» ١/ ٢٠٥- ٢٠٦، «تذكرة الحفاظ» ٧١- ٧٣، «البداية والنهاية» ٩/ ١٠١- ١٠٣.\n(٢) «طبقات ابن سعد» ٦/ ٢٦٦، «وفيات الأعيان» ١/ ٢٠٦، «الأعلام» ٣/ ١٤٥.","vol":"1","page":65},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>٢- مجاهد بن جبر:</span>\nهو: مجاهد بن جبر، أبو الحجّاج القرشيّ المخزوميّ، مولى السّائب بن أبي السّائب المخزوميّ، ولد سنة ٢١ هـ- في خلافة عمر بن الخطاب، وتوفي سنة ١٠٣ هـ «١» .\nأحد أئمّة التابعين والمفسّرين، وأحد أعلام القرّاء، ومن خاصّة أصحاب ابن عبّاس، اشتهر بقوّة حافظته حتى قال ابن عمر وهو آخذ بركابه:\n«وددت أنّ ابني سالما وغلامي يحفظان حفظك» «٢» .\nكان مجاهد شغوفا بالعلم، وخاصّة التفسير، روى الفضل بن ميمون عن مجاهد قال «٣»: عرضت القرآن على ابن عبّاس ثلاثين مرّة.\nويقول أيضا «٤»: عرضت القرآن على ابن عبّاس ثلاث عرضات، أقف عند كلّ آية، أسأله، فيم نزلت، وكيف كانت؟\nولا تعارض بين الرّوايتين، فالأولى لتمام الضّبط والتجويد، والثانية للعلم والتفسير.\nأسند مجاهد عن أعلام الصحابة وعلمائهم، عن ابن عمر، وابن عبّاس، وأبي هريرة، وابن عمرو، وأبي سعيد، ورافع بن خديج ... وروى عنه خلق من التابعين «٥» .\nمكانته في التّفسير: كان مجاهد أقلّ أصحاب ابن عبّاس رواية عنه في التفسير، وكان أوثقهم.\nقال سفيان الثّوريّ «٦»: «إذا جاءك التّفسير عن مجاهد، فحسبك به» .\nوقال ابن تيميّة «٧»: «ولذا يعتمد على تفسيره الشافعيّ والبخاريّ وغيرهما من أهل العلم» غير أن بعض العلماء كان لا يأخذ بتفسيره يقول أبو بكر بن عيّاش: قلت للأعمش، ما بال تفسير مجاهد مخالف؟ أو: ما بالهم يتّقون تفسير مجاهد؟\n_________\n(١) «طبقات ابن سعد» ٥/ ٤٤٦، «تهذيب التهذيب» ١٠/ ٤٢، «البداية والنهاية» ٩/ ٢٣٢.\n(٢) «ميزان الاعتدال» ٣/ ٩.\n(٣) «ميزان الاعتدال» ٣/ ٩.\n(٤) «تهذيب التهذيب» ١٠/ ٤٢. [.....]\n(٥) «البداية والنهاية» ٩/ ٢٣٢.\n(٦) «تفسير الطبري» ١/ ٣٠.\n(٧) «مقدمة في أصول التفسير» ص ٧ لابن تيمية.","vol":"1","page":66},{"text":"قال: كانوا يرون أنه يسأل أهل الكتاب «١» .\nلكن هذا لا يقدح في صدقه وعدالته فقد «أجمعت الأمّة على إمامته والاحتجاج به، وقد أخرج له أصحاب الكتب السّتّة» «٢» .\nثم إنّ سؤال أهل الكتاب أمر مباح- فيما لا يتعلّق بحكم تشريعيّ- أباحه الرسول ﷺ «٣» .\nكان مجاهد﵁- يعطي عقله حرّيّة واسعة في فهم بعض نصوص القرآن التي يبدو ظاهرها بعيدا فإذا ما مرّ بنصّ قرآنيّ من هذا القبيل، وجدناه ينزّله بكلّ صراحة ووضوح على التشبيه والتمثيل، وتلك الخطّة كانت فيما بعد مبدأ معترفا به، ومقرّرا لدى المعتزلة في تفسير القرآن بالنسبة لمثل هذه النصوص» «٤» .\nنموذج من تفسير مجاهد: روى ابن كثير أن مجاهدا قال في قوله تعالى: وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً [لقمان: ٢٠]، قال: أما الظاهرة: فالإسلام والقرآن والرسول والرّزق، وأما الباطنة: فما ستر من العيوب والذنوب «٥» .\nوقال في قوله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [الحجرات: ١١] قال:\nمن لم يتب إذا أصبح وإذا أمسى، فهو من الظّالمين «٦» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>٣- عكرمة:</span>\nهو: عكرمة بن عبد الله البربريّ المدنيّ، مولى عبد الله بن عبّاس، يكنى بأبي عبد الله، أصله من البربر بالمغرب «٧» .\nسمع من مولاه «ابن عبّاس»، وعليّ بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر، وعمرو بن العاص، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدريّ، وغيرهم «٨» .\n_________\n(١) «طبقات ابن سعد» ٥/ ٤٦٦.\n(٢) «سير أعلام النبلاء» ٤/ ٣٢٤.\n(٣) يقول ﷺ: بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار.\n(٤) «التفسير والمفسرون» ١/ ١٠٨.\n(٥) «البداية والنهاية» ٩/ ٢٣٤.\n(٦) «البداية والنهاية» ٩/ ٢٣٤.\n(٧) «طبقات ابن سعد» ٥/ ٢٨٧، «وفيات الأعيان» ١/ ٣١٩، «البداية والنهاية» ٩/ ٢٥٤، «الأعلام» ٥/ ٤٣.\n(٨) «طبقات ابن سعد» ٥/ ٢٨٧.","vol":"1","page":67},{"text":"تلمذ على يدي عبد الله بن عبّاس، وكان ابن عبّاس لا يألو جهدا في تثقيفه وتعليمه، بل إنّه كان يقسو عليه حتّى يعلّمه، روى ابن أبي شيبة عن عكرمة قال «١»:\n«كان ابن عبّاس يجعل في رجليّ الكبل يعلّمني القرآن والسّنّة» .\nوروى البخاريّ في صحيحه عن عكرمة أن ابن عباس قال له «٢»:\n«حدّث النّاس كلّ جمعة مرّة، فإن أبيت فمرّتين، فإن أكثرت فثلاث مرّات، ولا تملّ النّاس هذا القرآن، ولا ألفينّك تأتي القوم، وهم في حديث من حديثهم فتقصّ عليهم، فتقطع عليهم حديثهم فتملّهم، ولكن أنصت، فإذا أمروك فحدّثهم، وهم يشتهونه، وانظر السّجع من الدّعاء فاجتنبه فإنّي عهدتّ رسول الله ﷺ وأصحابه لا يفعلون ذلك» .\nلقد اهتمّ ابن عبّاس بتلميذه هذا اهتماما كبيرا وكأنّه كان يعدّه ليكون خليفته في تفسير القرآن، وكان يكافئه إذا ما أحسن فهم آية أشكلت على ابن عبّاس.\nروى داود بن أبي هند عن عكرمة قال:\nقرأ ابن عبّاس هذه الآية: لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذابًا شَدِيدًا [الأعراف: ١٦٤] قال ابن عبّاس: لم أدر أنجا القوم أم هلكوا؟ قال: فما زلت أبيّن له حتّى عرف أنهم نجوا، فكساني حلّة «٣» .\nقال شهر بن حوشب: «عكرمة حبر هذه الأمّة» «٤» .\nوقد شهد له الأئمّة الأعلام بالثّقة والعدالة.\nقال المروزيّ: قلت لأحمد: يحتجّ بحديث عكرمة؟ فقال: نعم، يحتجّ به «٥» .\nوقال ابن معين: إذا رأيت إنسانا يقع في عكرمة وفي حمّاد بن سلمة، فاتهمه على الإسلام «٦» .\n_________\n(١) «البداية والنهاية» ٩/ ٢٥٥، والكبل: القيد.\n(٢) «ميزان الاعتدال» ٣/ ٩٣.\n(٣) «طبقات ابن سعد» ٥/ ٢٨٨. [.....]\n(٤) «ميزان الاعتدال» ٣/ ٩٣، مقدمة فتح الباري ص ٤٥٠.\n(٥) «مقدمة فتح الباري» ص ٣٤٠.\n(٦) «معجم الأدباء» ١٢/ ١٨٩.","vol":"1","page":68},{"text":"وقال البخاريّ: ليس أحد من أصحابنا إلّا وهو يحتجّ بعكرمة «١» .\nوقد أخرج له: البخاريّ ومسلم وأبو داود والنّسائيّ.\nعلمه ومكانته في التّفسير: كان عكرمة على درجة كبيرة من العلم، فهو من أعلم النّاس بالسّير والمغازي.\nقال سفيان عن عمرو قال «٢»:\nكنت إذا سمعت عكرمة يحدّث عن المغازي كأنه مشرف عليهم ينظر كيف يصفّون ويقتتلون، وهو من علماء زمانه بالفقه والقرآن.\nأما التفسير، فقد شهد له الأئمة بذلك، يقول الشّعبيّ: ما بقي أحد أعلم بكتاب الله من عكرمة «٣» .\nوقال حبيب بن أبي ثابت:\nاجتمع عندي خمسة: طاوس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، وعطاء فأقبل مجاهد، وسعيد بن جبير يلقيان على عكرمة التفسير، فلم يسألاه عن آية إلّا فسّرها لهما، فلمّا نفذ ما عندهما جعل يقول:\nأنزلت آية كذا في كذا، وأنزلت آية كذا في كذا «٤» .\nنموذج من تفسير عكرمة: قال عكرمة في قوله تعالى: وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ أي:\nبالشهوات، وَتَرَبَّصْتُمْ بالتوبة، وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ أي: التّسويف، حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللَّهِ: الموت، وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ [الحديد: ١٤]: الشّيطان «٥» .\nوتوفّي عكرمة﵁- بالمدينة سنة سبع ومائة للهجرة، وقيل: سنة أربع ومائة «٦» .\n_________\n(١) «مقدمة فتح الباري» ص ٤٥٠.\n(٢) «البداية والنهاية» ٩/ ٢٥٥، «مقدمة فتح الباري» ص ٤٥٠.\n(٣) «البداية والنهاية» ٩/ ٢٥٥.\n(٤) «مقدمة فتح الباري» ص ٤٥٠.\n(٥) «البداية والنهاية» ٩/ ٢٥٩.\n(٦) «تهذيب التهذيب» ٧/ ٢٦٣- ٢٧٣، «تذكرة الحفاظ» ١/ ٩٠، «البداية والنهاية» ٩/ ٢٥٣.","vol":"1","page":69},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-33>٤- طاوس:</span>\nهو: طاوس بن كيسان الخولانيّ، أبو عبد الرّحمن.\nأوّل طبقة أهل اليمن من التابعين، وهو من أبناء الفرس الذين أرسلهم كسرى إلى اليمن «١» .\nأدرك جماعة من الصحابة وروى عنهم، وروايته عن ابن عبّاس أكثر، وأخذه عنه في التفسير أكثر من غيره ولهذا عدّ من تلاميذ ابن عبّاس، وجاء ذكره في مدرسته بمكّة «٢» .\nروى عنه خلق من التابعين، منهم: مجاهد، وعطاء، وعمرو بن دينار، وغيرهم «٣»، شهد له ابن عبّاس بالورع والتقوى، فقال: «إنّي لأظنّ طاوسا من أهل الجنّة» «٤» . وطاوس ثقة، أخرج له أصحاب الكتب السّتّة.\nكان طاوس﵁- جريئا في الحقّ، لا يخشى فيه لومة لائم.\nروى الزّهريّ «٥»:\nأنّ سليمان رأى رجلا يطوف بالبيت، له جمال وكمال، فقال: من هذا يا زهريّ؟\nفقلت: هذا طاوس، وقد أدرك عدّة من الصحابة، فأرسل إليه سليمان، فأتاه، فقال:\nلو ما حدّثتنا!! فقال: حدّثني أبو موسى قال: قال رسول الله ﷺ:\n«إنّ أهون الخلق على الله ﷿ من ولي من أمور المسلمين شيئا فلم يعدل فيهم»، فتغيّر وجه سليمان، فأطرق طويلا، ثم رفع رأسه إليه، فقال: لو ما حدّثتنا!! فقال: حدّثني رجل من أصحاب النبيّ ﷺ، قال ابن شهاب: ظننت أنه أراد عليّا- قال: دعاني رسول الله ﷺ إلى طعام في مجلس من مجالس قريش، ثم قال:\nإنّ لكم على قريش حقّا، ولهم على النّاس حقّ، ما إذا استرحموا رحموا، وإذا حكموا عدلوا، وإذا ائتمنوا أدّوا، فمن لم يفعل فعليه لعنة الله والملائكة والنّاس أجمعين،\n_________\n(١) «البداية والنهاية» ٩/ ٢٤٤.\n(٢) «التفسير والمفسرون» ١/ ١١٤.\n(٣) «البداية والنهاية» ٩/ ٢٤٥.\n(٤) «تهذيب التهذيب» ٥/ ٩.\n(٥) «البداية والنهاية» ٩/ ٢٤٧. [.....]","vol":"1","page":70},{"text":"لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا» .\nقال: فتغيّر وجه سليمان، وأطرق طويلا، ثم رفع رأسه إليه، وقال: لو ما حدّثتنا!! فقال: حدّثني ابن عبّاس أنّ آخر آية نزلت من كتاب الله: وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [البقرة: ٢٨١] .\nعلمه: بلغ طاوس من العلم مبلغا عظيما، وكان واثقا من علمه هذا ...\nأنكر عليه سعيد بن جبير قوله عن ابن عبّاس: «إنّ الخلع طلاق»، فلقيه مرّة فقال له:\n«لقد قرأت القرآن قبل أن تولد، ولقد سمعته وأنت إذ ذاك همّك لقم الثّريد» .\nوقال قيس بن سعد:\n«كان طاوس فينا مثل ابن سيرين فيكم» .\nوالتفسير المأثور عنه قليل جدّا، ومعظمه يرويه عن ابن عباس، ولقلّة التفسير المأثور عنه وطول باعه في الفقه قالوا عنه: إنّه فقيه لا مفسّر، وعدّه علماء الفقه فقيها.\nنموذج من تفسيره: قال في قوله تعالى: وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ ... [الروم: ٣٩] الآية: «هو الرّجل يعطي العطيّة، ويهدي الهديّة، ليثاب أفضل من ذلك، ليس فيه أجر ولا وزر» .\nوقد توفّي طاوس﵁- يوم السابع من ذي الحجة سنة ١٠٦ هـ، ووافته منيته وهو يحجّ بيت الله الحرام، وصلّى عليه هشام بن عبد الملك، وهو خليفة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-34>٥- عطاء بن أبي رباح:</span>\nهو: عطاء بن أبي رباح، وأبو رباح هو: أسلم بن صفوان، مولى آل أبي ميسرة بن أبي حثيم الفهريّ «١» .\nسيّد التابعين علما وعملا وإتقانا في زمانه بمكّة «٢» .\nقال ابن سعد «٣»:\n_________\n(١) «طبقات ابن سعد» ٥/ ٤٦٧، «وفيات الأعيان» ١/ ٣١٨، «البداية والنهاية» ٩/ ٣١٧، ٣١٨.\n(٢) «ميزان الاعتدال» ٣/ ٧٠.\n(٣) «طبقات ابن سعد» ٥/ ٤٩٦، «البداية والنهاية» ٩/ ٣١٨.","vol":"1","page":71},{"text":"سمعت بعض أهل العلم يقول: كان عطاء أسود، أعور، أفطس، أشلّ، أعرج، ثمّ عمي بعد ذلك، وكان ثقة، فقيها، عالما، كثير الحديث.\nقال أبو جعفر الباقر وغير واحد «١»:\nما بقي أحد في زمانه أعلم بالمناسك منه، وزاد بعضهم: وكان قد حجّ سبعين حجّة، وعمّر مائة سنة، وكان في آخر عمره يفطر في رمضان من الكبر والضّعف، ويفدي عن إفطاره.\nروى عن عدد كثير من الصحابة، منهم: ابن عمر، وابن عمرو، وعبد الله بن الزّبير، وأبو هريرة، وغيرهم.\nوسمع من ابن عبّاس التفسير وغيره، وروى عنه من التابعين عدّة، منهم: الزّهري، وعمرو بن دينار، وقتادة، والأعمش، وغيرهم «٢» .\nمكانته في التّفسير: كان ابن عبّاس يقول لأهل مكّة إذا جلسوا إليه: تجتمعون إليّ يأهل مكّة، وعندكم عطاء؟ «٣» .\nوقال قتادة «٤»:\nكان أعلم التابعين أربعة: كان عطاء بن أبي رباح أعلمهم بالمناسك، وكان سعيد بن جبير أعلمهم بالتفسير، وكان عكرمة أعلمهم بالسّير، وكان الحسن أعلمهم بالحلال والحرام.\nلم يكن عطاء مكثرا من رواية التّفسير عن ابن عبّاس فضلا عن تفسيره هو، ولعلّ إقلاله في التفسير يرجع إلى تحرّجه من القول بالرّأي «٥» .\nقال عبد العزيز بن رفيع «٦»: سئل عطاء عن مسألة فقال: لا أدري، فقيل له: ألا تقول فيها برأيك؟ قال: إني أستحي من الله أن يدان في الأرض برأيي.\n_________\n(١) «البداية والنهاية» ٩/ ٣١٨.\n(٢) «البداية والنهاية» ٩/ ٣١٨.\n(٣) «تذكرة الحفاظ» ١/ ٩١.\n(٤) «طبقات ابن سعد» ٥/ ٤٩٦.\n(٥) «التفسير والمفسرون» ١/ ١١٥.\n(٦) «التفسير والمفسرون» ١/ ١١٥.","vol":"1","page":72},{"text":"لكنّه كان يدلي برأيه- أحيانا- في التفسير.\nروى الطبرانيّ- بسنده- عن يحيى بن ربيعة الصّنعانيّ قال: سمعت عطاء بن أبي رباح يقول في قوله تعالى: وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ [النمل: ٤٨] قال: كانوا يقرضون الدّراهم، قيل: كانوا يقصّون منها ويقطعونها «١» .\nوقيل لعطاء: إن هاهنا قوما يقولون: الإيمان لا يزيد ولا ينقص، فقال: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً [محمد: ١٧]، فما هذا الهدى الذي زادهم؟ قلت: ويزعمون أن الصلاة والزكاة ليستا من دين الله، فقال: قال تعالى: وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ [البينة: ٥] فجعل ذلك دينا «٢» .\nوتوفّي﵁- سنة أربع عشرة ومائة من الهجرة «٣» .\nوبعد:\nفهذه هي مدرسة التّفسير بمكّة، تلك التي أسّسها حبر الأمّة عبد الله بن عبّاس، وهؤلاء أشهر شيوخها الذين تخرّجوا فيها على يدي ابن عبّاس، وفي نهاية مطافنا معها نرصد ما يلي:\nكان لهذه المدرسة دور ضخم في نشر التفسير، وقد هيأ لها هذا الدّور: نبوغ شيوخها، بالإضافة إلى موطن المدرسة «مكّة» حيث البيت الحرام الذي يأتيه الناس من كلّ فجّ عميق.\nلم يكتف شيوخ هذه المدرسة بنشر التفسير في مكّة، وإنما كان لهم دور بالغ الأهمية خارج مكّة فقد كان لسعيد بن جبير رحلة إلى الرّيّ نشر فيها الكثير من العلم «٤»، وكذلك كان لمجاهد رحلات خارج مكّة، واستقر طاوس باليمن ينشر هناك علم ابن عباس وتفسيره، وأما عكرمة فقد طاف البلاد الإسلاميّة شرقا وغربا إذ رحل إلى خراسان، واليمن، والعراق، والشّام، ومصر، والحرمين «٥» .\n_________\n(١، ٢) «البداية والنهاية» ٩/ ٣١٨، ٣١٩.\n(٣) «المصدر نفسه» ٩/ ٣١٧.\n(٤) راجع: «حبر الأمة عبد الله بن عباس» ص ١٤٥.\n(٥) راجع: «وفيات الأعيان» ١/ ٣١٩، «معجم الأدباء» ١٢/ ١٨١، «البداية والنهاية» ٩/ ٢٥٤.","vol":"1","page":73},{"text":"جزى الله هؤلاء الأعلام عن القرآن والمسلمين خير الجزاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-35>مدرسة المدينة تلاميذ أبيّ بن كعب</span>\nقامت مدرسة المدينة في التفسير على الصحابيّ الجليل أبيّ بن كعب﵁- فهو أستاذها وأشهر مفسّريها.\nوكان بالمدينة كثير من الصحابة، أقاموا بها، فجلسوا إلى أبيّ يعلمهم كتاب الله وسنّته، ومن أشهر هؤلاء:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>١- أبو العالية:</span>\nهو: زياد، وقيل: رفيع بن مهران الرّياحيّ، مولاهم «١» .\nمخضرم، أدرك الجاهلية وأسلم بعد وفاة النبيّ ﷺ بسنتين.\nروى عن: عليّ، وابن مسعود، وابن عبّاس. وابن عمر، وأبيّ بن كعب، وغيرهم.\nكان من ثقات التابعين، وقد أجمع عليه أصحاب الكتب السّتّة.\nكان يحفظ القرآن ويتقنه، قال:\n«قرأت القرآن بعد وفاة نبيّكم بعشر سنين» .\nوقال: «قرأت القرآن على عهد عمر ثلاث مرّات» .\nوقال فيه ابن أبي داود:\n«ليس أحد بعد الصحابة أعلم بالقراءة من أبي العالية» .\nرويت عنه نسخة كبيرة في التفسير، رواها أبو جعفر الرازيّ عن الرّبيع بن أنس عن أبي العالية عن أبيّ، وهو إسناد صحيح.\nتوفّي سنة تسعين من الهجرة، على أرجح الأقوال.\n_________\n(١) راجع: «تهذيب التهذيب» ٣/ ٢٨٤- ٢٨٥، و«مقدمة فتح الباري» ص ٤٢٢، وانظر: «التفسير والمفسرون» ١/ ١١٦، ١١٧. [.....]","vol":"1","page":74},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-37>٢- محمّد بن كعب القرظيّ:</span>\nهو: محمد بن كعب بن سليم بن أسد القرظيّ، المدنيّ، أبو حمزة، أو أبو عبد الله، له روايات كثيرة عن جماعة من الصحابة منهم:\nعليّ، وابن مسعود، وابن عبّاس، وغيرهم، وروى عن أبيّ بن كعب بالواسطة «١» .\nقال فيه ابن سعد «٢»: كان ثقة، عالما، كثير الحديث، ورعا، وهو من رجال الكتب السّتّة.\nقال فيه ابن عون «٣»:\nما رأيت أحدا أعلم بتأويل القرآن من القرظيّ:\nنموذج من تفسيره «٤»: قال في قوله تعالى: ... اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا ...:\nاصبروا: على دينكم، وصابروا: لوعدكم الذي وعدتم، ورابطوا عدوّكم الظاهر والباطن، وَاتَّقُوا اللَّهَ: فيما بيني وبينكم، لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [آل عمران: ٢٠٠] إذا لقيتموني.\nتوفي سنة مائة وثمان من الهجرة «٥»، وقيل: بعد ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-38>٣- زيد بن أسلم:</span>\nهو «٦»: زيد بن أسلم العدويّ، المدنيّ، الفقيه، المفسّر، أبو أسامة، أو أبو عبد الله.\nكان أبوه مولى عمر بن الخطّاب ﵁.\nوكان زيد من كبار التّابعين الذين عرفوا القول بالتفسير.\nقال فيه الإمام أحمد وأبو زرعة وأبو حاتم والنّسائيّ: «ثقة»، وهو عند أصحاب الكتب السّتّة.\n_________\n(١) «البداية والنهاية» ٩/ ٢٦٨ وما بعدها.\n(٢) راجع: «التفسير والمفسرون» ١/ ١١٧، و«الإسرائيليات والموضوعات» ٩٨.\n(٣) راجع: «التفسير والمفسرون» ١/ ١١٧، و«الإسرائيليات والموضوعات» ٩٨.\n(٤) «البداية والنهاية» ٩/ ٢٦٨.\n(٥) المصدر نفسه.\n(٦) «تهذيب التهذيب» ٣/ ٣٩٥- ٣٩٧، وراجع: «التفسير والمفسرون» ١/ ١١٨، ١١٩.","vol":"1","page":75},{"text":"عرف بغزارة العلم، كان يقرأ القرآن برأيه، ولا يتحرّج من ذلك، إذ يرى جواز التّفسير بالرّأي.\nوأشهر من أخذ التّفسير عن زيد بن أسلم من علماء المدينة: ابنه عبد الرّحمن بن زيد، ومالك بن أنس إمام دار الهجرة.\nوتوفّي سنة ستّ وثلاثين ومائة للهجرة، وقيل غير ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>مدرسة العراق تلاميذ عبد الله بن مسعود</span>\nقامت هذه المدرسة على عبد اللَّه بن مسعود﵁- وغيره، إلا أنّ ابن مسعود هو أشهر أساتذتها أو هو أستاذها الأوّل لطول باعه في هذا الميدان، بالإضافة إلى أن عمر بن الخطاب﵁- حين ولّى عمّار بن ياسر على الكوفة، سيّر معه عبد الله بن مسعود، معلّما ووزيرا، فجلس إليه أهل الكوفة وأخذوا عنه أكثر من غيره.\nومن أهمّ سمات هذه المدرسة: شيوع طريقة الاستدلال فيها: نظرا إلى أنّ أهل العراق عرفوا بأنهم أهل الرّأيّ، وقد وضع حجر الأساس لهذه الطريقة عبد الله بن مسعود «١» .\nومن أشهر رجال هذه المدرسة:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>١- علقمة بن قيس:</span>\nهو: علقمة بن قيس بن عبد الله بن مالك، أبو شبل، النّخعيّ، الكوفيّ.\nكان من أكابر أصحاب ابن مسعود وعلمائهم، وكان يشبّه بابن مسعود، وكان أعلم أصحابه بعلم ابن مسعود «٢» .\nقال عثمان بن سعيد: «قلت لابن معين: علقمة أحبّ إليك أم عبيدة؟ فلم يخيّر، قال عثمان: كلاهما ثقة، وعلقمة أعلم بعبد الله» .\nوروى عبد الرحمن بن يزيد قال: قال عبد الله: ما أقرأ شيئا ولا أعلمه إلّا علقمة\n_________\n(١) «التفسير والمفسرون» ١/ ١٢٠ (بتصرف وإيجاز) .\n(٢) «تهذيب التهذيب» ٧/ ٢٧٦- ٢٧٨، «البداية والنهاية» ٨/ ٢١٩.","vol":"1","page":76},{"text":"يقرؤه ويعلمه.\nقال فيه الإمام أحمد: ثقة من أهل الخير، وهو عند أصحاب الكتب الستّة.\nمات سنة إحدى وستين، وقيل: سنة اثنتين وستّين عن تسعين سنة «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>٢- مسروق:</span>\nهو: مسروق بن الأجدع بن مالك بن أميّة الهمدانيّ، الكوفيّ، العابد، أبو عائشة.\nسأله عمر يوما عن اسمه، فقال له: اسمي مسروق بن الأجدع، فقال عمر: الأجدع شيطان، أنت مسروق بن عبد الرحمن «٢» .\nروى عن الخلفاء الأربعة، وابن مسعود، وأبيّ بن كعب، وغيرهم.\nوكان أعلم أصحاب ابن مسعود، وأكثرهم أخذا منه، قال عليّ بن المدينيّ: ما أقدّم على مسروق أحدا من أصحاب عبد الله، يعني: ابن مسعود.\nوقال الشّعبيّ: ما رأيت أطلب للعلم منه.\nوقد وثّقه علماء الجرح والتّعديل فقال ابن معين:\nثقة، لا يسأل عن مثله، وقال ابن سعد: «كان ثقة، وله أحاديث صالحة»، وقد أخرج له الستة.\nتوفّي﵁- سنة ثلاث وستّين من الهجرة على الأشهر «٣» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>٣- عامر الشّعبيّ:</span>\nهو: عامر بن شراحيل الشّعبيّ، الحميريّ، الكوفيّ، التّابعيّ الجليل أبو عمرو.\nقاضي الكوفة «٤» .\n_________\n(١) راجع المصدرين السابقين.\n(٢) «تهذيب التهذيب» ١٠/ ١٠٩- ١١١، «التفسير والمفسرون» ١/ ١٢١، ١٢٢، «الإسرائيليات والموضوعات» ٩٩.\n(٣) «تهذيب التهذيب» ١٠/ ١٠٩- ١١١، «التفسير والمفسرون» ١/ ١٢١، ١٢٢، «الإسرائيليات والموضوعات» ٩٩.\n(٤) «تهذيب التهذيب» ٥/ ٦٥- ٦٩، «البداية والنهاية» ٩/ ٢٣٩- ٢٤٠.","vol":"1","page":77},{"text":"كان علّامة أهل الكوفة، إماما حافظا، ذا فنون.\nوقد أدرك خلقا من الصحابة وروى عنهم، ومنهم: عمر، وعليّ، وابن مسعود، وإن لم يسمع منهم، وروى عن أبي هريرة، وعائشة، وابن عبّاس، وأبي موسى الأشعريّ، وغيرهم.\nقال الشّعبيّ: أدركت خمسمائة من الصحابة.\nوالشّعبيّ ثقة، فهو عند أصحاب الكتب السّتّة، وقال ابن حبّان في الثقات: كان فقيها شاعرا.\nوعن سليمان بن أبي مجلز قال: ما رأيت أحدا أفقه من الشّعبيّ، لا سعيد بن المسيّب، ولا طاوس، ولا عطاء، ولا الحسن، ولا ابن سيرين.\nوقال ابن سيرين:\nقدمت الكوفة، وللشّعبيّ حلقة، وأصحاب رسول الله ﷺ يومئذ كثير «١» .\nومع أنه قد أوتي هذا الحظّ الوافر من العلم، لم يكن جريئا على كتاب الله حتّى يقول فيه برأيه قال ابن عطية «٢»:\nكان جلّة من السلف كسعيد بن المسيّب، وعامر الشّعبيّ يعظّمون تفسير القرآن، ويتوقّفون عنه تورّعا واحتياطا لأنفسهم، مع إدراكهم وتقدّمهم.\nتوفّي سنة أربع ومائة من الهجرة «٣»، وقيل: سنة تسع ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>٤- الحسن البصريّ:</span>\nهو: الحسن بن أبي الحسن يسار البصريّ، أبو سعيد، مولى الأنصار، وأمّه خيرة مولاة أمّ سلمة زوج النبيّ ﷺ، ربّي في حجرها، وأرضعته بلبانها، فعادت عليه بركة النّبوّة «٤» .\n_________\n(١) راجع لهذه الأقوال: «تهذيب التهذيب»، «البداية والنهاية»، و«التفسير والمفسرون» .\n(٢) «مقدمة تفسير القرطبي» ١/ ٣٤. [.....]\n(٣) «البداية والنهاية» ٩/ ٢٣٩.\n(٤) «تهذيب التهذيب» ٢/ ٢٦٣- ٢٧٠، «البداية والنهاية» ٩/ ٢٨٠، «الحسن البصري» للإمام أبي الفرج بن الجوزي- هدية مجلة الأزهر/ محرم ١٤٠٨ هـ.","vol":"1","page":78},{"text":"ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر بن الخطّاب.\nوهو أحد كبار التابعين الأجلّاء علما وعملا وإخلاصا، شهد له بالعلم خلق كثير.\nقال أنس بن مالك:\n«سلوا الحسن فإنّه حفظ ونسينا»، وقال سليمان التّيميّ: «الحسن شيخ أهل البصرة»، وروى أبو عوانة عن قتادة أنه قال:\n«ما جالست فقيها قطّ إلّا رأيت فضل الحسن عليه» .\nوكان أبو جعفر الباقر يقول عنه: «ذلك الّذي يشبه كلامه كلام الأنبياء» «١» .\nوقد التزم الحسن البصريّ بمنهجه السّلفيّ في تفسير الآيات المتعلّقة بالله وصفاته، ولم يمنعه هذا الالتزام من حرّيّة العقل حين تعرّض لغيرها يقول في تفسير قوله تعالى:\nإِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ [القمر: ٤٩]، قدّر الله لكلّ شيء من خلقه قدره الذي ينبغي له، وهذه هي عقيدة السّلف التي بنوها على ما تعلّق بالآية من سبب لنزولها، فعن أبي هريرة قال:\nجاءت مشركو قريش إلى النبيّ ﷺ يخاصمونه في القدر، فنزلت هذه الآية: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ [القمر: ٤٩] «٢» .\nوكان الحسن يعمل عقله وفكره في فهم القرآن وتفسيره يقول في قوله تعالى:\nلابِثِينَ فِيها أَحْقابًا [النبأ: ٢٣]:\n«إنّ الله لم يجعل لأهل النّار مدّة، بل قال: لابثين فيها أحقابا، فو الله، ما هو إلّا أنّه إذا مضى حقب دخل آخر ثمّ آخر إلى الأبد، فليس للأحقاب عدّة إلّا الخلود» «٣» .\nوتوفّي﵀- سنة عشر ومائة من الهجرة عن ثمان وثمانين سنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>٥- قتادة:</span>\nهو: قتادة بن دعامة السّدوسيّ: الأكمه، أبو الخطّاب، عربيّ الأصل، كان يسكن البصرة.\n_________\n(١) «تهذيب التهذيب» ٢/ ٢٦٣.\n(٢) «البغوي الفراء» ٢٢١.\n(٣) «البغوي الفراء» ٢٢٢.","vol":"1","page":79},{"text":"أحد علماء التّابعين، والأئمّة العاملين، روى عن أنس بن مالك وجماعة من التابعين، منهم: سعيد بن المسيّب، وأبو العالية، وزرارة بن أوفى، وعطاء، ومجاهد، وابن سيرين، ومسروق، وأبو مجلز، وغيرهم «١» .\nوحدّث عنه جماعات من الكبار كالأعمش، وشعبة، والأوزاعيّ، وغيرهم.\nوكان قويّ الحافظة، واسع الاطّلاع في الشّعر العربيّ، بصيرا بأيّام العرب.\nكان قتادة على مبلغ عظيم من العلم، فضلا عما اشتهر به من معرفته لتفسير كتاب الله تعالى، وقد شهد له بذلك كبار التّابعين والعلماء.\nقال فيه سعيد بن المسيّب: «ما أتاني عراقيّ أحسن من قتادة» .\nوقد استخدم قتادة معرفته باللّغة العربية في التفسير، وأعمل فكره في تفهّم الآيات، بجانب روايته عن السّلف.\nوقد توفّي﵁- سنة سبع عشرة ومائة من الهجرة، عن ستّ وخمسين سنة على المشهور، وقيل: سنة خمس عشرة ومائة «٢» .\nوبعد:\nفهذه هي مدارس التفسير المشهورة في عصر التابعين، الذين تلقّوا غالب أقوالهم في التفسير عن الصحابة، وبعضهم استعان بأهل الكتاب، ثم اجتهدوا مستعينين على ذلك بما بلغوا من العلم ودقّة الفهم، وقرب عهدهم من الرسول ﷺ، والعرب الخلّص، فلم تفسد سليقتهم.\nوهناك مدارس أخرى غير هذه المدارس الثّلاث، ولكنّها لم ترق لشهرة هذه الثلاث، ومن هذه: مدرسة مصر التي اشتهر من شيوخها:\nيزيد بن حبيب الأزديّ، وأبو الخير مرثد بن عبد الله، وغيرهما.\nومدرسة اليمن التي أرسى دعائمها طاوس بن كيسان، وكان من أشهر شيوخها:\nوهب بن منبّه الصّنعانيّ.\n_________\n(١) «وفيات الأعيان» ٢/ ١٧٩، «البداية والنهاية» ٩/ ٣٢٦، «تهذيب التهذيب» ٨/ ٣٥١.\n(٢) راجع: «تهذيب التهذيب» ٨/ ٣٥١- ٣٥٦، «البداية والنهاية» ٩/ ٣٢٥، ٣٢٦.","vol":"1","page":80},{"text":"وهكذا بذل هؤلاء التابعون جهدا ضخما في حمل الأمانة عن الصحابة، ثم جاء تابعو التّابعين ليكملوا المسيرة، وظلّت تتوارث حتّى وصلت إلينا، فجزى الله كلّ من أسهم في هذا العلم خير الجزاء، ونفعنا الله بالقرآن وعلومه!!\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-45>قيمة التّفسير المأثور عن التّابعين</span>\nتفسير التّابعيّ: إما أن يكون مأثورا عن النبيّ ﷺ أو عن صحابته، أو لا، فإن كان مأثورا عن النبيّ، يأخذ حكم تفسيره ﷺ، وكذلك إن كان مأثورا عن الصحابة.\nوإن لم يكن مأثورا عن النبيّ ولا عن الصحابة، فقد اختلف العلماء في الرّجوع إليه والأخذ بأقوال التابعين فيه.\nفقد نقل عن أبي حنيفة أنّه قال «١»:\nما جاء عن رسول الله ﷺ فعلى الرّأس والعين، وما جاء عن الصّحابة تخيّرنا، وما جاء عن التّابعين فهم رجال، ونحن رجال.\nونقلوا عن الإمام أحمد روايتين، إحداهما: بالقبول، والأخرى: بعدم القبول «٢» .\nوذهب بعض العلماء إلى أنه لا يؤخذ بتفسير التابعين لأنهم لم يسمعوا من النبيّ ﷺ بخلاف تفسير الصّحابة الذين سمعوا من النبيّ ﷺ وشاهدوا القرائن والأحوال.\nوأكثر المفسّرين على الأخذ بأقوال التابعين لأنهم تلقوا على أيدي الصحابة كما سبق أن ذكرنا.\nوالرّأي الذي نرجّحه، ونميل إليه هو ما ذكره ابن تيميّة، قال «٣»:\n«قال شعبة بن الحجّاج وغيره: أقوال التابعين ليست حجّة، فكيف تكون حجّة في التفسير!! يعني أنها لا تكون حجّة على غيرهم ممّن خالفهم، وهذا صحيح، أما إذا أجمعوا على الشيء فلا يرتاب في كونه حجّة، فإن اختلفوا، فلا يكون قول بعضهم حجّة على بعض، ولا على من بعدهم، ويرجع في ذلك إلى لغة القرآن، أو السنة، أو عموم لغة العرب، أو أقوال الصحابة في ذلك» .\n_________\n(١) راجع: «التفسير والمفسرون» للذهبي ١/ ١٢٩.\n(٢) المصدر نفسه.\n(٣) «مقدمة في أصول التفسير» ابن تيمية ٢٨- ٢٩، «الإتقان في علوم القرآن» ٢/ ١٧٩.","vol":"1","page":81},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-46>سمات التّفسير في تلك المرحلة</span>\nأتّسم التفسير في تلك المرحلة بعدّة سمات، من أبرزها «١»:\nأنه اعتمد على التلقّي والرواية، وغلب على التلقّي والرواية طابع الاختصاص، فكان لكلّ بلد مدرسته وأستاذه، فمكّة: أستاذها ابن عبّاس، والمدينة: أستاذها أبيّ بن كعب، والعراق: أستاذه ابن مسعود، وهكذا.\nدخول أهل الكتاب في الإسلام كان سببا في تسلّل الدّخيل إلى علم التفسير، وقد تساهل التابعون في النّقل عنهم- فيما لا يتعلّق بالأحكام الشرعية- بدون تحرّ ونقد، وأكثر من روي عنه في ذلك من مسلمي أهل الكتاب:\nعبد الله بن سلام، وكعب الأحبار، ووهب بن منبّه، وغيرهم.\nكان بدهيّا أن يختلف التابعون في التفسير نظرا لتعدّدهم وكثرتهم، واختلاف مدارسهم التي تخرّجوا فيها، ولكنه خلاف ليس بالكثير إذا ما قيس بالعصور اللاحقة.\nكما ظهرت نواة الخلاف المذهبيّ إذ ظهرت بعض التفسيرات تحمل في طيّاتها بذورا لتلك المذاهب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>التّفسير في عصر التّدوين</span>\nتبدأ هذه المرحلة في أواخر العصر الأمويّ وأوائل العصر العباسيّ إذ انتشر التدوين بصورة واسعة، وعني العرب «بتدوين كلّ ما يتّصل بدينهم الحنيف، فقد تأسّست في كلّ بلدة إسلامية مدرسة دينية عنيت بتفسير الذّكر الحكيم، ورواية الحديث النبويّ، وتلقين الناس الفقه وشئون التشريع، وكان كثير من المتعلّمين في هذه المدارس يحرصون على تدوين ما يسمعونه ...» «٢» .\nتدوين التّفسير: اختلف في أوّل من ألّف تفسيرا «مكتوبا»، فبعضهم يذكر أن عبد الملك بن جريج «٣» (ت ١٤٩ هـ.) هو أوّل من ألّف تفسيرا مكتوبا.\n_________\n(١) راجع: «التفسير والمفسرون» ١/ ١٣١، ١٣٢.\n(٢) «تاريخ الأدب العربي» / العصر الإسلامي د. شوقي ضيف ٤٥٢.\n(٣) هو عبد الملك عبد العزيز بن جريج، أبو خالد، أو أبو الوليد، مولاهم، من علماء مكة ومحدثيها، ولد سنة ٨٠ هـ، توفي سنة ١٤٩ هـ، أول من صنف بالحجاز الكتب، نقل عنه ابن جرير في تفسيره.\nراجع «طبقات ابن سعد» .","vol":"1","page":82},{"text":"وذكر ابن النّديم: أن أبا العبّاس ثعلبا قال: كان السّبب في إملاء كتاب الفرّاء في المعاني أنّ عمر بن بكير كان من أصحابه، وكان منقطعا إلى الحسن بن سهل، فكتب إلى الفرّاء: إنّ الأمير الحسن بن سهل، ربّما سألني عن الشّيء بعد الشّيء من القرآن فلا يحضرني فيه جواب، فإن رأيت أن تجمع لي أصولا، أو تجعل في ذلك كتابا أرجع إليه، فعلت، فقال الفرّاء لأصحابه: اجتمعوا حتّى أملي عليكم كتابا في القرآن ... فقال الفرّاء لرجل: اقرأ بفاتحة الكتاب نفسّرها، ثم نوفي الكتاب كلّه، فقرأ الرجل وفسّر الفرّاء، قال أبو العبّاس: «لم يعمل أحد قبله مثله، ولا أحسب أنّ أحدا يزيد عليه» «١» .\nوبذلك يكون ابن النّديم قد عدّ «الفرّاء» أوّل من ألّف تفسيرا للقرآن مدوّنا.\nولكن ابن حجر يذكر أن التفسير المدوّن كان قبل الفرّاء وقبل ابن جريج إذ يقول «٢»:\n«وكان عبد الملك بن مروان (ت ٨٦ هـ.) سأل سعيد بن جبير (ت ٩٥ هـ.) أن يكتب إليه بتفسير القرآن فكتب سعيد بهذا التفسير، فوجده عطاء بن دينار في الديوان فأخذه فأرسله عن سعيد بن جبير.\nويبدو أنه من الصّعب تحديد أوّل من فسّر القرآن تفسيرا مدوّنا على تتابع آياته وسوره كما في المصحف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-48>أقسام التّفسير</span>\nوظل الخلف يحمل رسالة السّلف جيلا بعد جيل، حتّى وصلت مسيرة التفسير إلى تابعي التابعين، وهنا تعدّدت اتجاهات التفسير إلى ثلاثة اتجاهات رئيسية هي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>أوّلا- الاتّجاه الأثريّ (التّفسير بالمأثور):</span>\nوالمأثور: اسم مفعول من أثرت الحديث أثرا: نقلته، والأثر: اسم منه، وحديث مأثور، أي: منقول «٣» .\nوعلى ذلك، فهو يشمل المنقول عن الله ﵎- في القرآن الكريم،\n_________\n(١) «الفهرست» ص ٩٩. [.....]\n(٢) «تهذيب التهذيب» ٧/ ١٩٨.\n(٣) «المصباح المنير» (أثر)، «الإسرائيليات والموضوعات» أبو شهبة ص ٦٤.","vol":"1","page":83},{"text":"والمنقول عن النبيّ ﷺ والمنقول عن الصّحابة، والمنقول عن التّابعين.\nوجلّ الذين يكتبون عن تاريخ التفسير ويتحدّثون عن الاتجاه الأثريّ يبدأونه بالطبريّ، «فيقطعون بذلك اتصال سلسلة التطوّر في الأوضاع التفسيريّة بين القرن الأول والقرن الثالث بإضاعة حلقة من تلك السلسلة التي تمثّل منهج التفسير في القرن الثّاني لأن تفسير<span data-type=\"title\" id=toc-50> ابن جرير الطبريّ </span>ألّف في أواخر القرن الثالث، وصاحبه توفّي في أوائل القرن الرّابع، وبالوقوف على هذه الحلقة- وهي إفريقيّة تونسيّة- يتّضح كيف تطوّر فهم التفسير عما كان عليه في عهد ابن جريج، إلى ما أصبح عليه في تفسير الطبريّ، ويتضح لمن كان الطبريّ مدينا له بذلك المنهج الأثريّ النظريّ الذي درج عليه في تفسيره العظيم.\n«ذلك التفسير هو أقدم التفاسير الموجودة اليوم على الإطلاق، ويعدّ صاحبه مؤسّس طريقة التفسير النقديّ، أو الأثريّ النظريّ الذي صار بعده «ابن جرير الطبريّ» واشتهر بها.\nذلك هو تفسير «يحيى بن سلّام» التميميّ البصريّ المتوفّى سنة ٢٠٠ هـ، ويقع في ثلاث مجلّدات ضخمة، وقد بناه على إيراد الأخبار مسندة، ثم تعقّبها بالنقد والاختيار، وكان يبني اختياره على المعنى اللّغويّ والتخريج الإعرابيّ، وتوجد من هذا التفسير نسخة بتونس «١» .\nويعدّ ابن جرير الطبريّ ربيب تلك الطريقة، طريقة يحيى بن سلّام، وثمرة غرسه، وقد ذكر السّيوطيّ عددا من مفسّري هذا الاتجاه الأثريّ منهم:\nيزيد بن هارون ت ١١٧ هـ.\nشعبة بن الحجّاج ت ١٦٠ هـ.\nوكيع بن الجرّاح ت ١٩٧ هـ.\nسفيان بن عيينة ت ١٩٨ هـ، وغيرهم.\n\n- «ابن جرير الطّبريّ» «٢»:\nلكنّ التفسير حين انتهى إلى الطبريّ في أوائل القرن الثالث الهجريّ «كان نهرا مزبدا،\n_________\n(١) «التفسير ورجاله» / ابن عاشور ص ٢٧.\n(٢) هو: محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب، الإمام أبو جعفر الطبري، ولد سنة ٢٢٤ هـ، وتوفي سنة ٣١٠ هـ. وقد جاوز الثمانين بخمس أو ست سنين.","vol":"1","page":84},{"text":"ذا ركام ورواسب، قد انصبّ إلى بحر خضمّ عباب، فامتزج بمائه، وتشرّب من عناصره، وصفا إليه من زبده، وتطهّر لديه من ركامه ورواسبه» «١» .\n«وابن جرير» فقيه، عالم تبحّر في فنون شتّى من العلم، فهو أحد المشاهير من رجال التّاريخ، ويعدّ كتابه «تاريخ الأمم والملوك» فيه مرجع المراجع، وبه صار إمام المؤرّخين غير منازع.\nوقد شهد له بذلك كثير من الأعلام يقول الخطيب البغداديّ «٢»:\n«جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره، وكان حافظا لكتاب الله، عارفا بالقراءات كلّها، بصيرا بالمعاني، فقيها في الأحكام، عالما بالسّنن وطرقها، وصحيحها وسقيمها، وناسخها ومنسوخها، عارفا بأقوال الصحابة والتّابعين ومن بعدهم، عارفا بأيّام النّاس وأخبارهم، وله الكتاب المشهور في تاريخ الأمم والملوك، وكتاب في التفسير لم يصنّف أحد مثله ...» .\nلقد امتلك الطبريّ أدوات التّفسير فاستخدمها بمهارة وحذق، ومن هنا عدّ تفسيره «ذا أوّليّة بين كتب التفسير، أولية زمنية، وأولية من ناحية الفنّيّة والصياغة، أما أوليته الزمنية: فلأنه أقدم كتاب في التفسير وصل إلينا وما سبقه من المحاولات التفسيريّة، ذهبت بمرور الزّمن، ولم يصل إلينا شيء منها، اللهمّ، إلا ما وصل إلينا منها في ثنايا ذلك الكتاب الخالد الذي نحن بصدده» .\n«وأما أوليته من ناحية الفنّ والصياغة، فذلك أمر يرجع إلى ما يمتاز به الكتاب من الطريقة البديعة الّتي سلكها فيه مؤلّفه، حتّى أخرجه للنّاس كتابا له قيمته ومكانته» «٤» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-51>طريقة الطّبريّ في التّفسير:</span>\nحين يفسّر الطبريّ آية يضع لها عنوانا هكذا «القول في تأويل قوله جلّ ثناؤه ...» ثم يقول: «يعني تعالى بذلك ...» ويستشهد على التفسير بما يرويه بسنده إلى الصّحابة أو\n_________\n(١) «التفسير ورجاله» ص ٣٠.\n(٢) «البداية والنهاية» لابن كثير ١١/ ١٥٦.\n(٣) هذا على اعتبار فقد تفسير «يحيى بن سلام» الذي أشرت إليه آنفا، أما وقد ذكر الإمام الفاضل بن عاشور أن نسخة من الكتاب موجودة في تونس فإن تفسير الطبري لا يعد ذا أولية زمنية.\n(٤) «التفسير والمفسرون» ١/ ٢٠٥.","vol":"1","page":85},{"text":"التابعين، عارضا المعاني الحقيقة والمجازية في استعمالات العرب، مستشهدا بالشّعر العربيّ على ما يثبت استعمال اللفظ في المعنى الذي حمله عليه.\nوقد يعرض أقوال الصحابة والتابعين إذا تعدّدت في الآية الواحدة، ثم لا يكتفي بمجرّد العرض، وإنما يرجح رأيا على رأي بقوله «١»:\n«وأولى الأقوال عندي بالصّواب ...» أو «وقال أبو جعفر: والصّواب من القول في هذه الآية ...»، أو «وأولى التأويلات بالآية ...»، ثم يويّد رأيه بقوله: «وبمثل الذي قلنا قال أهل التّأويل ...» أو بعرض حجج وأدلة قائلا: «وإنّما رأينا أنّ ذلك أولى التأويلات بالآية لأنّ ...»، وقد عني ابن جرير بالقراءات عناية كبيرة، ولا غرو، فهو من علماء القراءات المشهورين، وله فيها مؤلّف، إلا أنه ضاع ضمن ما ضاع من التراث العربيّ القديم.\nكما اهتم الطبريّ بالشعر القديم، يستشهد به على الغريب، وهو في ذلك تابع لابن عباس كما كانت له عناية بالمذاهب النحويّة البصريّة والكوفيّة، يورد الرّأي ويوجّهه.\nويورد بعض الأحكام الفقهيّة في تفسيره، مختارا لأحد الآراء، مؤيّدا اختياره بالأدلّة العلميّة القيّمة ... «٢» .\nرحم الله الطبري وجزاه عن القرآن وتفسيره خير الجزاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-52>ثانيا- الاتّجاه اللّغويّ:</span>\nوقد بدا هذا الاتجاه واضحا في أواخر القرن الثاني الهجريّ وأوائل القرن الثّالث إذ نشأ علم النّحو، ونضجت علوم اللغة على أيدي الرّوّاد أمثال أبي عمرو بن العلاء، ويونس بن حبيب، والخليل بن أحمد الفراهيديّ، وغيرهم.\nوكان الغرض الأسمى من تأصيل هذه العلوم وتقعيدها خدمة القرآن الكريم صيانة له من اللّحن، ولا سيما بعد اتصال العرب بالعجم.\nوقد أثّرت هذه الدراسات في تفسير القرآن تأثيرا كبيرا إذ اشتغل اللغويّون أنفسهم بالقرآن ولغته، وكان من أشهر هؤلاء العلماء «أبو عبيدة معمر بن المثنّى» المتوفّى سنة\n_________\n(١) راجع: «تفسير الطبري» .\n(٢) راجع: «التفسير والمفسرون» ١/ ٢٠٢- ٢١٨.","vol":"1","page":86},{"text":"٢٠٨ هـ. أو ٢١٥ هـ، وقد ألف كتابه «مجاز القرآن» سنة ١٨٨ هـ «١»، ويعدّ هذا الكتاب أقدم مؤلّف في معاني القرآن وصل إلينا.\nوأبو عبيدة موسوعة علمية له مؤلّفات في مجالات شتّى، وقد «أوتي لسانا صارما جلب على نفسه عداوات كثيرة، ثم تنفّس به العمر قرابة قرن كامل زامل فيه أعلاما كبارا، وجادل خصوما كثارا، وشهد تلاميذه ومن في طبقتهم يجادلون عنه، ويجادلون فيه، فقرّب وباعد، وواصل وقاطع، ولكنّ مخالفيه كانوا من الكثرة بحيث أرهقوه وضايقوه، حتّى جاءه الأجل فلم ينهض لتشييع جنازته أحد، وعلّل ذلك بما ترك من حزازات أدبية» «٢» .\nويحكي أبو عبيدة سبب تأليفه كتاب «مجاز القرآن» فيقول:\n«أرسل إليّ الفضل بن الربيع والي البصرة في الخروج إليه سنة ثمان وثمانين ومائة، فقدمت إلى بغداد واستأذنت عليه، فأذن لي، فدخلت عليه، وهو في مجلس له طويل عريض فيه بساط واحد قد ملأه، وفي صدره فرش عالية لا يرتقى إليها إلا على كرسيّ، وهو جالس عليها، فسلّمت عليه بالوزارة، فردّ وضحك إليّ، واستدناني حتّى جلست إليه على فرشة، ثم سألني وألطفني وباسطني، وقال: أنشدني، فأنشدتّه فطرب وضحك، وزاد نشاطه، ثم دخل رجل في زيّ الكتّاب له هيئة، فأجلسه إلى جانبي، وقال له: أتعرف هذا؟\nقال: لا، قال: هذا أبو عبيدة علّامة أهل البصرة! أقدمناه لنستفيد من علمه، فدعا له الرجل وقرّظه لفعله هذا، وقال لي: إنّي كنت إليك مشتاقا، وقد سألت عن مسألة، أفتأذن لي أن أعرّفك إيّاها؟\nفقلت: هات، قال: قال الله ﷿: طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ [الصافات: ٦٥]، وإنما يقع الوعد والإيعاد بما عرف مثله وهذا لم يعرف، فقلت: إنما كلّم الله تعالى العرب على قدر كلامهم أما سمعت قول امرئ القيس: [الطويل]\nأَيَقْتُلُنِي وَالمَشْرَفِيُّ مُضَاجِعِي ... وَمَسْنُونَةٌ زُرْقٌ كَأَنْيَابِ أَغْوَالِ\nوهم لم يروا الغول قطّ، ولكنه لما كان أمر الغول يهولهم، أو عدوا به فاستحسن الفضل ذلك، واستحسن السّائل، وعزمت من ذلك اليوم أن أضع كتابا في القرآن في مثل هذا وأشباهه وما يحتاج إليه من علمه، فلمّا رجعت إلى البصرة، عملت كتابي الذي سمّيته\n_________\n(١) «معجم الأدباء» ١٩/ ١٥٨.\n(٢) «خطوات التفسير البياني» د. رجب البيومي ص ٣٧، ٣٨، وراجع: «معجم الأدباء» ١٩/ ١٦٠.","vol":"1","page":87},{"text":"المجاز، وسألت عن الرجل السائل، فقيل لي: هو من كتّاب الوزير وجلسائه وهو إبراهيم بن إسماعيل الكاتب» «١» .\nوبعض العلماء ينكر هذه القصّة لأن أبا عبيدة لم يشر إليها في مقدّمة كتابه ... «٢» .\nومن الذين كتبوا عن اتجاهات التّفسير من يسلك أبا عبيدة- من خلال كتابه هذا- في سلك الاتجاه البيانيّ في التّفسير، وأكثرهم يعدّه رائدا في الاتجاه اللّغويّ.\nعلى أن أبا عبيدة لم «يعن بالمجاز ما هو قسيم الحقيقة، وإنّما عنى بمجاز الآية ما يعبّر به عن الآية» «٣» .\nفقد يستعمل أبو عبيدة لفظ المجاز قاصدا به معنى اللّفظ، فمثلا في قوله تعالى:\nرَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ [الأحقاف: ١٥] يقول: «مجازه: شددني إليك، ومنه قولهم: وزعني الحلم عن السّفاه، أي: منعني، ومنه الوزعة: الّذين يدفعون الخصوم والنّاس عن القضاة والأمراء» ثم يستشهد بالبيت:\nعلى حِينَ عَاتَبْتُ المَشِيبَ عَلَى الصِّبَا ... فَقُلْتُ ألمّا تصح والشّيب وازع «٤»\nوأما أبو زكريّا الفرّاء المتوفّى سنة ٢٠٧ هـ، فكان يستعين بتفسيرات السّلف، مضيفا له ما أدّى إليه اجتهاده اللغويّ، وكذا الزّجّاج المتوفّى سنة ٣١١ هـ «٥» .\nلقد استلهم الفرّاء الحسّ اللّغويّ محكّما ذوقه وعقله كما راعى السّياق العامّ في الآية ولذا نجده يفضّل قراءة تحقّق التجانس بين الكلمات المتجاورات على غيرها «٦» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-53>ثالثا- الاتّجاه البيانيّ </span>«٧»:\nوبذور هذا الاتجاه نجدها في تفسير ابن عبّاس المبثوث في ثنايا التفسير الأثريّ، ومن\n_________\n(١) «معجم الأدباء» ١٩/ ١٥٨.\n(٢) راجع «خطوات التفسير البياني» ص ٤٤، ٤٥ وقد ذكر الدكتور رجب البيومي أسبابا أخرى ومبررات لرفض هذه القصة. [.....]\n(٣) «فتاوى ابن تيمية» كتاب الإيمان ص ٨٨.\n(٤) «مجاز القرآن» ٢/ ٩٢، ٩٣.\n(٥) راجع البغوي الفراء ص ٢٣٨.\n(٦) راجع البغوي الفراء ص ٢٣٩، ٢٤٠ (بتصرف وإيجاز) .\n(٧) بعض المؤلفين في تاريخ التفسير يضعون اتجاها ثالثا بدلا من هذا الاتجاه يطلقون عليه «الاتجاه النقدي»، وبعضهم يسلك هذا الاتجاه ضمن الاتجاه الأثري. انظر: «التفسير ورجاله»: ابن عاشور ص ٢٦.","vol":"1","page":88},{"text":"أمثلة ذلك: ما رواه ابن جرير في تفسير قوله تعالى: أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ ... لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَأَصابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ [البقرة: ٢٦٦] أن عمر﵁- سأل النّاس عن هذه الآية، فما وجد أحدا يشفيه، حتّى قال ابن عباس، وهو خلفه: يا أمير المؤمنين، إني أجد في نفسي منها شيئا، فتلفّت إليه، فقال: تحوّل هاهنا لم تحقّر نفسك؟ قال:\nهذا مثل ضربه الله ﷿، فقال: أيودُّ أحدُكُم أنْ يعمل عمره بعَمَلِ أهْل الخير وأهل السّعادة حتّى إذا كان أحوج ما يكون إلى أن يختمه بخير حين فَنِيَ عمره واقترب أجله، خَتَم ذلك بعَمَلٍ من عمل أهل الشقاء، فأفسده كلّه فحرقه أحوج ما كان إليه «١» .\n«وهو من باب الاستعارة التمثيلية، وقد ألمع إليه ابن عبّاس بقوله المقارب: هذا مثل ضربه الله ﷿ ... إلخ، وهل قال البلاغيّون فيما بعد غير ذلك؟!» «٢» .\nونهج تلاميذ ابن عبّاس نهجه، وكان أكثرهم نتاجا في هذا الاتجاه «مجاهدا» «٣»، وأما تأصيل هذا الاتجاه فقد كان على يد «أبي عبيدة» صاحب «مجاز القرآن»، ويعدّ صاحب الخطوة الأولى في هذا الاتجاه.\n«وفضل هذا الكتاب في الدراسات البلاغيّة: أنه حين تعرّض للنصوص القرآنية أشار إلى ما تدلّ عليه من حقيقة أو مثل أو تشبيه أو كناية وما يتضمّن من ذكر أو حذف أو تقديم أو تأخير، فوضع بذلك اللّبنة الأولى في صرح الدراسات البلاغيّة للقرآن ... وإذا كان عبد القاهر أظهر من نادى من البلغاء بأن يوضع الكلام الوضع الذي يقتضيه علم النّحو، وهو ما سمّي بقضية النّظم فإن بذور قضيّته هذه كانت تكمن في مجاز «أبي عبيدة» حيث رأى في زمنه السّابق ما رآه صاحب «الدّلائل» في زمنه اللاحق، فكان بذلك الرائد الأوّل لعلم المعاني عند من يلتمسون الجذور الضّاربة في الأعماق «٤» .\nوقد رتّب «أبو عبيدة» كتابه وفق ترتيب السّور القرآنية في المصحف، ومن هنا صار من اليسير أن يرجع الدّارس إلى ما ذكر أبو عبيدة في توجيه الآيات الكريمة من مثل قوله تعالى: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ [البقرة: ٢٢٣] حيث قال: إنّها كناية\n_________\n(١) «تفسير ابن جرير» ٣/ ٤٧.\n(٢) راجع: «خطوات التفسير البياني» ص ٢١ وفيه شواهد أخرى.\n(٣) راجع الأمثلة التي ذكرها الدكتور رجب البيومي في «خطوات التفسير البياني» ص ٣٤ وما بعدها.\n(٤) «خطوات التفسير البياني» ص ٤٦، ٤٧.","vol":"1","page":89},{"text":"وتشبيه «١» .\nومن مثل قوله تعالى: أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ [التوبة: ١٠٩] حيث أتبع الآية بتحليل بيانيّ وعدّها من مجاز التمثيل حين قال:\n«ومجاز الآية: مجاز التمثيل لأن ما بنوه على التقوى أثبت أساسا من البناء الذي بنوه على الكفر والنفاق فهو على شفا جرف، وهو ما يجرف من الأودية فلا يثبت البناء عليه «٢» .\nتلك هي الخطوة الأولى خطاها أبو عبيدة في التفسير البيانيّ للقرآن الكريم، وإن وجّهت إليه كثير من النقود والمطاعن من علماء كبار أمثال الفرّاء والأصمعيّ والطبريّ «٣» ...\nثم تلت هذه الخطوة خطوات الجاحظ وابن قتيبة وغيرهما ...\n_________\n(١) راجع: «مجاز القرآن» ١/ ٧٣.\n(٢) «مجاز القرآن» ١/ ٢٦٩، وانظر: «خطوات التفسير البياني» ص ٥١، ٥٢.\n(٣) راجع: «خطوات التفسير البياني» ص ٥٨ وما بعدها.","vol":"1","page":90},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-54>المبحث الثّالث الكلام على تفسير الثّعالبيّ</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-55>أوّلا: المصادر الّتي استقى منها أبو زيد الثّعالبيّ في «الجواهر الحسان»</span>\nبادىء ذي بدء أقول: إنه لا يستطيع أحد من الناس أن يزعم أنه يستطيع أن يأتي بأفضل مما أتى به أئمة هذه الأمة، فالخلف عيال على السّلف، ولولا أن الله حفظ بهم الدين، لما كان هذا حال المسلمين، ولعبدوا الله تعالى بمذاهب باطلة ما أنزل الله بها من سلطان، فلله درهم، وعليه شكرهم. [الطويل]\nأولئك آبائي فجئني بمثلهم ... إذا جمعتنا يا جرير المجامع\nوليس هذا من باب تحجير الواسع، أو تضييق رحمة الله فلم يقصر الله العلم والشعر والبلاغة على عصر دون عصر، ولا خص به قوما دون قوم، بل جعل ذلك مفرّقا في الأمة، موجودا لمن التمسه، وكم ترك الأول للآخر!! إلا أن اللاحق- ولا مفر- ينقل عن السابق، وهكذا دواليك، سُنَّةَ الله فِي الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلُ، ولن تجد لسنّة الله تبديلا، ولن تجد لسنة الله تحويلا.\nمن هنا كان للثعالبي أن يعتمد على كلام من سبقوه، فهم سلفه، وهو خلفهم، وهم شيوخه، وهو تلميذهم، فمن مكثر عنه، ومن مقلّ.\nولا شك أن للرحلة التي ارتحلها الثعالبي في طلب العلم أثرا بالغا في تحصيل دواوين أولئك الأعلام خاصة كتب المشرقيين منهم، فجمع حصيلة وافرة عزّ اقتناؤها، وأسفارا عظيمة ندر اقتناصها.\nولقد تنوعت مصادر الثعالبي، وتشكلت على اختلاف العلوم التي يحتاج إليها المفسر والتفسير، وهذه قائمة بأهم المصادر في كل علم على حدة:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-56>أوّلا: مصادره من كتب التّفسير:</span>\nاعتمد الثعالبي﵀- على عدة مصادر مهمة في التفسير، كان أهمها:\n١- تفسير ابن عطية المسمى «المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز»: وهو الأصل الذي اعتمده المصنّف، فاختصره، وزاد عليه. ومؤلف «المحرر» هو:","vol":"1","page":91},{"text":"عبد الحق بن غالب بن عبد الرحيم. وقيل: عبد الرحمن بن غالب بن تمام بن عبد الرؤوف بن عبد الله بن تمام بن عطية الغرناطي صاحب التفسير الإمام أبو محمد الحافظ القاضي. قال ابن الزبير: كان فقيها جليلا عارفا بالأحكام والحديث والتفسير، نحويا لغويا أديبا بارعا شارعا مفيدا ضابطا نسيبا فاضلا، من بيت علم وجلالة، غاية في توقد الذهن، وحسن الفهم، وجلالة التصرف. روى عن: أبيه الحافظ أبي بكر، وأبي علي الغساني، والصفدي، وعنه: ابن مضار، وأبو القاسم بن حبيش، وجماعة. وولي قضاء «المرية» يتوخى الحق والعدل.\nوألف تفسير القرآن العظيم، وهو أصدق شاهد له بإمامته في العربية وغيرها، وخرج له برنامجا.\nولد سنة إحدى وثمانين وأربعمائة، وتوفي بلورقة في خامس عشر رمضان سنة ثنتين.\nوقيل: إحدى. وقيل: ست وأربعين وخمسمائة.\nوذكره في «قلائد العقيان»، ووصفه بالبراعة في الأدب والنظم والنثر.\nولقد نوّه أبو حيان في مقدمة تفسيره بالزمخشري، وابن عطية باعتبارهما علمين من أعلام التفسير، وإمامين من كبار أئمته، ووصفهما بأنهما أجل من صنّف في علم التفسير، وأفضل من تعرض للتنقيح فيه، والتحرير، ثم أثنى أبو حيان في هذه المقدمة كذلك على كتابيهما في التفسير ثناء، ورفع من شأنهما، وأشار إلى أنه قام في تفسيره بانتقاد هذين الكتابين والتعقيب عليهما، وذلك حيث يقول:\n«ولما كان كتاباهما في التفسير قد أنجدا وأغارا وأشرقا في سماء هذا العلم بدرين، وأنارا، وتنزّلا من الكتب التفسيرية منزلة الإنسان من العين، والذهب الإبريز من العين، ويتيمة الدر من اللآلي، وليلة القدر من الليالي، فعكف الناس شرقا وغربا عليهما، وثنوا أعنّة الاعتناء إليهما، وكان فيهما على جلالتهما مجال لانتقاد ذوي التبريز، ومسرح للتخيل فيهما والتمييز، ثنيت إليهما عنان الانتقاد، وحللت ما تخيل الناس فيهما من الاعتقاد أنهما في التفسير الغاية التي لا تدرك، والمسلك الوعر الذي لا يكاد يسلك، وعرضتهما على محكّ النظر، وأوريت فيهما نار الفكر، حتى خلصت دسيسهما، وبرز نفيسهما، وسيرى ذلك من هو للنظر أهل، واجتمع فيه إنصاف وعقل» .\nوالمقصود ذكر فضل تفسير ابن عطية، وبيان أهميته.\nولقد نص الثعالبي نفسه في مقدمته على أنه قد اعتمد تفسير ابن عطية، فقال: «","vol":"1","page":92},{"text":"فقد ضمنته (يعني: تفسيره) بحمد الله المهم مما اشتمل عليه تفسير ابن عطية، وزدته فوائد جمّة ... إلخ» .\n٢- «مختصر تفسير الطّبريّ» لأبي عبد الله محمد بن عبد الله بن أحمد اللخمي، النحوي.\n٣- مختصر «البحر المحيط» لأبي حيّان، اختصره الصفاقسي، وسمّاه: «المجيد في إعراب القرآن المجيد»:\nيقول محمد بن مخلوف في «شجرة النور الزكية» واصفا كتاب «المجيد»: «وهو من أجلّ كتب الأعاريب، وأكثرها فائدة» .\nويقول حاجي خليفة في «كشف الظنون» (بعد أن عرّف بعلم إعراب القرآن وذكر بعض من صنف فيه): «وأبو الحسن علي بن إبراهيم الحوفي المتوفى ٥٦٢ هـ، وكتابه أوضحها، وهو في عشر مجلدات، وأبو البقاء عبد الله بن الحسين العكبري النحوي، المتوفى سنة ٦١٦ هـ، وكتابه أشهرها، وسماه «التبيان» . أوله: «الحمد لله ...»، وأبو إسحاق إبراهيم بن محمد الصفاقسي، المتوفى سنة ٧٤٢ هـ، وكتابه أحسن منه، وهو في مجلدات سماه «المجيد في إعراب القرآن المجيد» . وقد ذكره في مقدمته، فقال: «وما نقلته من الإعراب عن غير ابن عطية، فمن الصفاقسي مختصر أبي حيان ... إلخ» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-57>٤- «مفاتيح الغيب» أو التفسير الكبير، للإمام الرّازيّ:</span>\nوهو من أجلّ التفاسير، وإن كان أطال في الاستدلال وردّ الشبه إطالة كادت تغطي على كونه كتاب تفسير. ولسنا نميل مع أبي حيان في قوله فيه: «فيه كل شيء إلا التفسير»، فإنه﵀- مع الاستطراد إلى ذكر الأدلة والبراهين، قد وفّى التفسير حقّه.\nوبالجملة: فالكتاب أشبه ما يكون بموسوعة في علم الكلام، واللغة، والأصول، والآثار، وفي العلوم الكونية، والطبيعية، وغير ذلك من فنون العلم.\nهذا، ولم ينصّ الثعالبي في مقدمته على أنه استقى من «مفاتيح الغيب»، إلا أنه نقل منه في ثنايا تفسيره، فأكثر من النقل، فيقول: قال الفخر، ثم يذكر كلامه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-58>٥- «أحكام القرآن» للقاضي أبي بكر بن العربيّ:</span>\nوقد أكثر الثّعالبيّ﵀- من النقل عنه، وهذا واضح من خلال استقراء آيات الأحكام، وتناوله لها.","vol":"1","page":93},{"text":"وهذا الكتاب لا يتعرض لسور القرآن كلها، ولكنه يتعرض لما فيها من آيات الأحكام فقط، وطريقته في ذلك أن يذكر السّورة، ثم يذكر عدد ما فيها من آيات الأحكام، ثم يأخذ في شرحها آية آية ... قائلا: الآية الأولى وفيها خمس مسائل «مثلا»، والآية الثانية وفيها سبع مسائل «مثلا» وهكذا، حتى يفرغ من آيات الأحكام الموجودة في السورة.\nوهذا الكتاب يعتبر مرجعا مهما للتفسير الفقهي عند المالكية وذلك لأن مؤلفه مالكي تأثر بمذهبه، فظهرت عليه في تفسيره روح التعصّب له، والدفاع عنه، غير أنه لم يشتط في تعصبه إلى الدرجة التي يتغاضى فيها عن كل زلّة علمية تصدر من مجتهد مالكي، ولم يبلغ به التعسّف إلى الحد الذي يجعله يفنّد كلام مخالفه إذا كان وجيها ومقبولا، والذي يتصفح هذا التفسير يلمس منه روح الإنصاف لمخالفيه أحيانا، كما يلمس منه روح التعصب المذهبي التي تستولي على صاحبها، فتجعله أحيانا كثيرة يرمي مخالفه، وإن كان إماما له قيمته ومركزه بالكلمات المقذعة اللاذعة، تارة بالتصريح، وتارة بالتّلويح. ويظهر لنا أن الرجل كان يستعمل عقله الحر، مع تسلط روح التعصب عليه، فأحيانا يتغلب العقل على التعصب، فيصدر حكمه عادلا لا تكدره شائبة التعصب، وأحيانا- وهو الغالب- تتغلب العصبية المذهبية على العقل، فيصدر حكمه مشوبا بالتعسّف، بعيدا عن الإنصاف.\nوهذا الكتاب أيضا لم ينص المصنف على أنه اعتمد عليه- في مقدمته، بل ذكر النقل عنه في ثنايا التفسير.\n\nثانيا: كتب غريب «١» القرآن والحديث:\nوقد اعتمد الثعالبي على كتابين في غريب ألفاظ الكتاب العزيز: أولهما: لأبي عبيد القاسم بن سلام الهروي، والثاني: وهو مختصر غريب القرآن للحافظ زين الدين العراقي.\n_________\n(١) قال الإمام أبو سليمان حمد بن محمد الخطابي الغريب من الكلام انما هو الغامض البعيد من الفهم كما أن الغريب من الناس إنما هو البعيد عن الوطن المنقطع عن الأهل والغريب من الكلام يقال به على وجهين. أحدهما أن يراد به أنه بعيد المعنى غامضه لا يتناوله الفهم إلا عن بعد، ومعاناة فكره والوجه الأخر أن يراد به كلام من بعدت به الدار من شواذ قبائل العرب، فإذا وقعت إلينا الكلمة من لغاتهم استغربناها انتهى.\nوقال ابن الأثير في «النهاية»: وقد عرفت أن رسول الله ﷺ كان أفصح العرب لسانا، حتى قال له علي رضي الله تعالى عنه وقد سمعه يخاطب وقد بني نهد: يا رسول الله نحن بنو أب واحد، ونراك تكلم وفود العرب بما لا نفهم أكثره، فقال: «أدبني ربي فأحسن تأديبي» فكان ﵊ يخاطب العرب على اختلاف شعوبهم وقبائلهم بما يفهمونه، فكأن الله تعالى قد أعلمه ما لم يكن يعلمه غيره، وكان","vol":"1","page":94},{"text":"كما اعتمد في غريب السّنة على كتاب أبي عبيد بن سلام الهرويّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-60>ثالثا: المصادر الّتي اعتمد عليها من كتب السّنّة:</span>\n١- صحيح الإمام البخاري.\n٢- صحيح الإمام مسلم.\n٣- سنن أبي داود.\n٤- سنن الترمذي.\n٥- حلية الأبرار «أو» الأذكار، للأمام النووي.\n٦- سلاح المؤمن، لتقي الدين أبي الفتح محمد بن محمد بن همام المصري الشافعي.\n٧- مصابيح السنة، للبغوي.\n٨- الموطأ، للإمام مالك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-61>رابعا: كتب الترغيب والترهيب والرقائق:</span>\nاعتمد الثعالبي في هذا الفنّ على كتابين هما:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-62>١- التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة، للإمام القرطبي</span>.\n_________\nأصحابه يعرفون أكثر ما يقوله، وما جهلوه سألوه عنه، فيوضحه لهم. واستمر عصره إلى حين وفاته﵊- وجاء عصر الصحابة جاريا على هذا النمط، فكان اللسان العربي عندهم صحيحا لا يتداخله الخلل إلى أن فتحت الأمصار، وخالط العرب غير جنسهم، فامتزجت الألسن، ونشأ بينهم الأولاد، فتعلموا من اللسان العربي ما لا بد لهم في الخطاب، وتركوا ما عداه، وتمادت الأيام إلى أن انقرض عصر الصحابة، وجاء التابعون فسلكوا سبيلهم، فما انقضى زمانهم إلا واللسان العربي قد استحال أعجميا، فلما أعضل الداء ألهم الله ﷾ جماعة من أهل المعارف إن صرفوا إلى هذا الشأن طرفا من عنايتهم، فشرعوا فيه حراسة لهذا العلم الشريف. فقيل: إن أول من جمع في هذا الفن شيئا أبو عبيدة معمر بن المثنى التميمي البصري المتوفى سنة ٢١٠ عشر ومائتين، فجمع كتابا صغيرا، ولم تكن قلته لجهله بغيره، وإنما ذلك لأمرين: أحدهما: أن كل مبتدئ [مبتدأ] بشيء لم يسبق إليه يكون قليلا، ثم يكثر. والثاني: أن الناس كان فيهم يومئذ بقية، وعندهم معرفة، فلم يكن الجهل قد عمّ. [.....]","vol":"1","page":95},{"text":"٢- العاقبة، للإمام عبد الحق الأشبيلي.\nوهذان الكتابان نص عليهما في مقدمته، إلا أنه اعتمد على كتب أخرى في ذلك الفن، مثل:\n٣- الرقائق، لابن المبارك.\n٤- بهجة المجالس وأنس المجالس، لأبي عمر بن عبد البر.\n٥- رياضة المتعلمين، للأصفهاني.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-63>خامسا: كتب في الأحكام الفقهية والأصوليّة:</span>\n١- المدونة، لسحنون بن سعيد.\n٢- مختصر ابن الحاجب الفرعي.\n٣- الإلمام في أحاديث الأحكام، لابن دقيق العيد.\n٤- البيان والتحصيل، لابن رشد.\n٥- مختصر ابن الحاجب، المسمى ب «المنتهى» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-64>سادسا: كتب الخصائص والشمائل:</span>\nاعتمد الثعالبي في «الجواهر الحسان» في هذا الفن على كتاب القاضي عياض، والمسمى ب «الشفا بتعريف حقوق المصطفى» .\nوكذلك كتاب «الآيات والمعجزات» لابن القطّان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-65>سابعا: كتب في التربية وتهذيب النفوس:</span>\nنعت الإمام الثعالبي ب «الإمام، الورع، الزاهد، العارف بالله»، وهذا الرجل كان يتبرك به، ويكثر من الثناء عليه.\nولهذا عنى في تفسيره بإيراد آثار الصالحين، والتزود من أخبارهم، فأورد عن بعض كتب أهل العلم المصنفة في ذلك، وكان منها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-66>١- «بهجة النفوس وتحليها بمعرفة ما لها وما عليها»</span>\nوهو شرح مختصر صحيح البخاري، المسمى «جمع النهاية في بدء الخير والغاية»،","vol":"1","page":96},{"text":"للإمام أبي محمد بن أبي جمرة الأندلسي.\nوقد ذكره المصنف في مقدمته، فقال: «...» .\n٢- «إحياء علوم الدين»، لأبي حامد الغزالي.\nوهو أشهر من أن يذكر، وأعرف من أن يعرف.\nوقد نقل منه المصنف، فأكثر من النقل.\nواعتمد أيضا على مختصره لمحمد بن علي بن جعفر البلالي.\nوقد حكى الثعالبي عن هذا المصنف، فقال: «... وهذا الشيخ البلاليُّ لقيتُهُ، ورويتُ عنه كتابه هذا» .\nوذلك في تفسيره لآيات الصيام من سورة البقرة.\n٣- «جواهر القرآن»، لأبي حامد الغزالي.\nوهو أليق بالتفسير، إلا أنه ذكر فيه أنه ينقسم إلى علوم، وأعمال، والأعمال ظاهرة وباطنة، والباطنة إلى تزكية وتخلية، فهي أربعة أقسام، علوم وأعمال ظاهرة وباطنة، مذمومة ومحمودة، وكل قسم يرجع إلى عشرة أصول، فيشتمل على زبدة القرآن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-67>٤- شرح ابن الفاكهاني على أربعين النووي</span>.\nثامنا: في الأسماء والصّفات:\nذكر الثعالبي في ثنايا كلامه نقله عن كتابين في «أسماء الله تعالى»، وهما:\n١- شرح أسماء الله الحسنى، للإمام الرازي.\n٢- غاية المغنم في أسماء الله الأعظم. لابن الدريهم الموصلي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-68>تاسعا: ومن كتب التّاريخ:</span>\nذكر الثعالبي أثناء تفسيره نقولا عن أحد الكتب التي عنيت بسير الخلفاء، وهو كتاب:\n- الاكتفاء في أخبار الخلفاء، لعبد الملكِ بْنُ محمَّدِ بْنِ أبي القَاسِم بْن الكرديوس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-69>عاشرا: كتب أخرى منثورة:</span>\n١- لطائف المنن، لابن عطاء الله.","vol":"1","page":97},{"text":"٢- الأنواء، للزجاج.\n٣- الإفصاح، لشبيب بن إبراهيم.\n٤- الكوكبِ الدُّرِّيِّ، لأبي العباس أحمد بن سَعْد التجيبي.\n٥- الكلم الفارقية.\n٦- التّشوّف، ليوسف بن يحيى التادلي.\n٧- التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، لأبي عمر بن عبد البر.\n٨- مختصر المدارك، للقضاعي.\n٩- تاريخ بغداد، لأبي بكر بن الخطيب.\nوغير ذلك مما هو منثور في تفسيره لكتاب الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-70>ثانيا: منهج الإمام الثّعالبيّ في تفسيره</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-71>بين يدي المنهج:</span>\nذكر السيوطي في «الإتقان» شروطا يجب توافرها فيمن أقبل على كتاب ربّه بنيّة تفسيره، وكشف معانيه، فحكى عن بعض العلماء قوله: اختلف الناس في تفسير القرآن، هل يجوز لكل أحد الخوض فيه؟ فقال قوم: لا يجوز لأحد أن يتعاطى تفسير شيء من القرآن وإن كان عالما، أديبا، متسعا في معرفة الأدلة والفقه، والنحو، والأخبار، والآثار، وليس له إلا أن ينتهي إلى ما روي عن النبي ﷺ في ذلك.\nومنهم من قال: يجوز تفسيره لمن كان جامعا للعلوم التي يحتاج إليها، وهي خمسة عشر علما ... ثم ذكرها﵀-، وهي: اللغة، والنحو، والتصريف، والاشتقاق، والمعاني، والبيان، والبديع، والقراءات، وأصول الدين، وأصول الفقه، وأسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، وعلم الفقه، والأحاديث والآثار لتفصيل المجمل، وتوضيح المبهم، وهكذا، ثم علم الملكة (أو الموهبة) .\nوزاد غير السيوطي علوما أخرى، وأيّا ما يكن الأمر، فقد ذكر أيضا في «التحبير في علم التفسير» عن العلماء أنه: «من أراد تفسير الكتاب العزيز، طلبه أولا من القرآن، فإن ما أجمل في مكان قد فسر في مكان آخر، فإن أعياه ذلك طلبه في السّنّة فإنها شارحة للقرآن، وموضحة له ...» وساق كلام الشافعي.","vol":"1","page":98},{"text":"والمقصود أن الإمام الثعالبي﵀- قد أتى بحظّ وافر من هذه الشروط التي ذكرها أهل العلم حدودا ومراسم لمن أقبل على تفسير الكتاب العزيز. فهو قد فسر كتاب الله بعضه ببعض، وفسره بما فسره من أنزل عليه، وهو محمد ﷺ، وبما فسره الصحابة والتابعون، كما استخدم اللغة، وشرح الغريب، وتعرض لتصريف بعض الكلمات، وأكثر من المسائل الإعرابية، ثم هو بعد ذلك يذكر مسائل في أصول الدين، وأصول الفقه، وفروعه، وأسباب النزول، وإيراده بعض الإسرائيليات، واحتجاجه بالقراءات المتواترة، وذكره الشاذ منها، على ما سيتضح مما يلي.\nالعناصر التي بنى عليها الثعالبي مادّة تفسيره:\n١- جمعه بين التفسير بالمأثور من كتاب وسنّة، والتفسير بالرأي.\n٢- تعرضه لمسائل في أصول الدين.\n٣- مسائل أصول الفقه في تفسيره.\n٤- تعرضه لآيات الأحكام، وذكره للاختلافات الفقهية.\n٥- احتجاجه باللغة، والمسائل النحوية، والتصريفية، وغيرها.\n٦- ذكره لأسباب النزول، ومكّيّ القرآن ومدنيّه.\n٧- ذكره للقراءات الواردة في الآية.\n٨- احتجاجه بالشعر واستشهاده به.\n٩- موقفه من الإسرائيليات.\nوإليك- أيها القارئ الكريم- تفصيل ذلك:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-72>أولا: جمعه بين التفسير بالمأثور والرّأي:</span>\nمن المشهور عند أهل العلم أن خير ما فسر به كتاب الله تعالى، تفسير بعضه ببعض، أو بما فسره به رسوله ﷺ، قال السيوطي: فإن ما أجمل في مكان، قد فسر في مكان آخر، فإن أعياه ذلك، طلبه في السّنّة فإنها شارحة للقرآن، وموضحة له «١» .\nوأما تفسيره كتاب الله بعضه ببعض، فمنه (مثلا) في قوله تعالى:\n_________\n(١) «التحبير في علم التفسير» (٣٢٣) .","vol":"1","page":99},{"text":"فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها ... [البقرة: ٣٦]، يتعرض لمعنى «أزلّهما»، فيقول: مأخوذ من الزلل، ثم يحكي اختلافهم في كيفية هذا الإزلال، فيقول: وقال جمهور العلماء: أغواهما مشافهةً بدليل قوله تعالى: وَقاسَمَهُما [الأعراف: ٢١] .\nوفي الآية التالية، وهي قوله تعالى: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ [البقرة: ٣٧] يحكي عن الحسن أنها قوله تعالى: رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا ... الآية وهي من [الأعراف: ٢٣] .\nوأما تفسيره بالحديث، فهذا كثير جدا، وفيه (مثلا) في قوله تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ ... الآية [الأنعام: ٨٢] يقول: والظُّلْم في هذا الموضع: الشِّرْك تظاهرت بذلك الأحاديث الصحيحة.\nوفي تفسير قوله تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ... الآية [الأنفال: ٦٠] قال: وفي صحيحِ مُسْلِمْ: «أَلاَ إِنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي» .\nوأما آثار السّلف من الصحابة والتابعين، فقد حشا بها تفسيره، فهم خير القرون وأعلمها، فإن سألت عن العربية فهم أرباب الفصاحة فيها، وإن سألت عن علمهم بالأحكام، فهم مؤصّلوها، والبحور التي لا تكدرها الدّلاء، وإن سألت عن أسباب النزول، ومعرفتهم بها، فليس المخبر كالمعاين، وليس من رأى كمن سمع، فمن بينهم من كان يعاين نزول الوحي، ومنهم من نزل بسببه آي الكتاب، وتوبة رب الأرباب.\nوقد رأينا الثعالبي﵀- يزيّن صحيفته بالنقل عنهم، والأمثلة تملأ الكتاب، ومنها مثلا: في تفسير قوله تعالى: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ... السورة، أن النبي ﷺ قال لعائشة: «ما أراه إلا حضور أجلي»، قال الثعالبي: وتأوله عمر والعباس بحضرة النبي ﷺ فصدقهما. قال: ونزع هذا المنزع ابن عباس وغيره.\nوفي سورة القدر في قوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ يقول: قَال الشعبيُّ وغيرُه: المعْنَى:\nإنا ابتدأْنا إنزالَ هذا القرآن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-73>ثانيا: تعرّضه لمسائل في أصول الدين:</span>\nفقد تعرض لذكر معتقده في مسائل منها، مثل «تكليف ما لا يطاق»، عند تفسيره لقوله تعالى: فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ [البقرة: ٣١] فقال الثعالبي: «وقال قوم:\nيخرج من هذا الأمر بالإنباء تكليفُ ما لا يطاقُ، ويتقرَّر جوازه لأنه سبحانه عَلِمَ أنهم لا","vol":"1","page":100},{"text":"يعلمون. وقال المحقِّقون من أهل التأويل: ليس هذا على جهة التكليفِ، إِنما هو على جهة التقرير والتوقيف» .\nثم عاد وذكر المسألة عينها عند تفسير قوله تعالى: رَبَّنا لاَ تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا ... الآية «٢٨٦» من سورة البقرة، وحكى مذهب أبي الحسن الأشعري.\nومنها أيضا: مسألة كلام الله تعالى، فتحدث عن مذهب أهل السّنة فيه، عند قوله تعالى: قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ ... الآية [البقرة: ٣٣]، فقال: «وهذا هو قول أهل السنة، والحقّ أن كلام اللَّه (﷿) صفة من صفات ذاته يستحيل عليها النّقص ... إلخ» .\nومنها: تعرّضه لمسألة الكسب عند تفسير قوله تعالى: وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ... الآية [البقرة: ٩٥] .\nومنها: مسألة رؤية الله تعالى، وهذه قد تعرض لها الثعالبي بالذكر عند قوله تعالى:\nلَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً [البقرة: ٥٥]، فأشار إلى أن مذهب أهل السّنة امتناع ذلك في الدنيا، وأنه من طريق السمع ورد، ثم عاد فرد على الزمخشري، عند تفسير الآية (١٤٣) من سورة «الأعراف» .\nومنها: مسألة عصمة الأنبياء ﵈، وقد ذكرها عند تفسير قوله تعالى:\nوَأَرِنا مَناسِكَنا وَتُبْ عَلَيْنا [البقرة: ١٢٨] وحكى إجماع الأمة على عصْمة الأنبياء في معنى التبليغ، ومن الكبائر والصغائر التي فيها رذيلة، وخلافهم في غير ذلك من الصغائر.\nوحكاية الإجماع إنما نقلها من مختصر الطبري.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-74>ثالثا: مسائل أصول الفقه في تفسيره:</span>\nولم يتوسّع الثعالبي في ذكر مصادر اعتمد عليها في المسائل الأصولية غير ما ذكره من مختصر ابن الحاجب.\nومن المسائل التي أوردها كلامه على «النسخ» لغة واصطلاحا، وذلك عند قوله تعالى: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها ... [البقرة: ١٠٦]، فنقل كلام ابن الحاجب، ثم قال: انتهى من مختصره الكبير، ثم تعرض لجواز النسخ عقلا، وأن البداء لا يجوز على الله تعالى، وبين أن المنسوخ هو الحُكْم الثابتُ نفسُه، لا ما ذهْبت إِلَيْه المعتزلةُ من أنه مثل الحُكْم الثَّابت فيما يستقبل.\nكما أنه تعرض لمسألة التقبيح والتحسين، وأنهما في الأحكام من جهة الشرع، لا","vol":"1","page":101},{"text":"بصفة نفسية.\nومنها: كلامه على تخصيص العموم، وأن العامَّ المخصَّص حُجَّةٌ في غَيْر محلِّ التخصيص، ونقل عن الرازي قوله: وقد ثَبَتَ في أصول الفقْهِ أنه إذا وقع التعارُضُ بَيْن الإجمال والتَّخْصِيص، كان رَفْع الإجمال أولى لأنَّ العامَّ المخصَّص حُجَّةٌ في غَيْر محلِّ التخصيص، والمُجْمَلُ لا يكونُ حُجَّةً أصلا. ثم قال الثعالبي: وهو حسن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-75>رابعا: تعرضه لآيات الأحكام، وذكره للاختلافات الفقهية:</span>\nقدمنا أن الثعالبي﵀- نقل من أحكام القاضي ابن العربي، ولم لا فالرجل مذهبه مالكي مثله، ولا غرو، فكان بدهيا أن ينقل ما يخص آيات الأحكام، ويذكر خلاف أهل العلم فيها.\nومن ذلك: آية الوضوء والطهارة، وهي الآية السادسة من سورة المائدة، فنجد الثعالبي يقول: قال ابن العربي في أحكامه ... ثم حكى كلامه، ونقل المسائل الفقهية منه، ومنها: قوله: واختلف العلماءُ هل تدخُلُ المرافِقُ في الغُسْلِ أم لا ... واختلفَ في رَدِّ اليدَيْنِ في مَسْح الرَّأْسِ هل هو فرض أو سنة؟ ...\nومنها: آية قصر الصلاة، في قوله تعالى: وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا [النساء: ١٠١] .\nفقال: قال مالك، والشافعيُّ، وأحمدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وابنُ رَاهَوَيْهِ: تُقْصَرُ الصلاةُ في أربعةِ بُرُدٍ، وهي ثمانيةٌ وأربعون ميلًا، وحُجَّتهم: أحاديثُ رُوِيَتْ في ذلك عن ابن عمر، وابن عباس. وقال الحسنُ، والزُّهْريُّ: تُقْصَرُ في مسيرةِ يَوْمَيْنِ. وروي هذا أيضًا عن مالكٍ، وروي عنه: تُقْصَر في مسافة يوم وليلة.\nثم قال: وهذه الأقوالُ الثلاثةُ تتقارَبُ في المعنى، والجمهورُ على جواز القصر في السّفر المباح ... إلخ.\nومنها: تعرضه لشهادة القاذف إذا تاب، وذلك في تفسير سورة النور، عند قوله تعالى: وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ [النور: ٤- ٥] . وحكى عن الجمهور قبول شهادته إذا تاب. قال: ثم اختلفوا في صورة توبته: فقيل: بأن يُكَذِّبَ نَفْسَه، وإلاَّ لم تُقْبَلُ، وقالت فرقةٌ منها مالك: توبته أن يَصْلُحَ وتَحْسُنَ حالُه، وإنْ لم يرجع عن قوله بتكذيب. واختلف فقهاءُ المالكيَّةِ متى تسقط شهادة القاذفِ، فقال ابن الماجشون:","vol":"1","page":102},{"text":"بنفس قَذَفِهِ، وقال ابن القاسم وغيره: لا تَسْقُطُ حتى يُجْلَدَ، فإن مَنَعَ من جلده مانع عفو أو غيره لم تُرَدَّ شهادَتُه، ... إلخ كلامه» .\nوفي اللّعان يقول: وتحريم اللعان أَبَدِيٌّ باتفاق فيما أحفظ من مذهب مالك.\nويلاحظ على الثعالبي أنه لم يتوسّع في الاحتجاج للمسائل الفقهية، كما صنع القرطبي- مثلا- ومن قبله ابن العربي، ولعلّ السّبب في ذلك هو أنه لم يخصص تفسيره لنقل الأحكام، وإلا لكان كتاب فقه لا تفسير، وهو قد نص في مقدمته على أنه مختصر، فقال: «فإني جمعت لنفسي ولك في هذا المختصر ... إلخ» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-76>خامسا: احتجاجه باللّغة والمسائل النحوية، والتصريفية وغيرها:</span>\nوقد ذكرنا آنفا أنه ينقل من الغريبين لأبي عبيد الهروي، ويفسر الألفاظ التي ترد مشكلة، فإذا كانت ذات دلالة شرعية نص عليها، كما وجدناه ينقل المسائل النحوية معتمدا على كلام الصفاقسي في اختصاره من أبي حيان.\nفمنها: تفسيره للفظ «القسيس» في قوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبانًا [المائدة: ٨٢]، فنراه يقول: قال الفَخْر: القُسُّ والْقِسِّيسُ: اسمُ رئيس النصارى، والجمْعُ:\nقِسِّيسُونَ، وقال قُطْرُب: القُسُّ والقِسِّيس: العَالِمُ، بلغة الروم ...» .\nويقول في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ ... الآية [آل عمران: ١٥٦] قال ابن عطية: الرِّجْس: كلُّ مكروهٍ ذميمٍ، وقد يقال للعذابِ والرجْزِ: العذابُ لا غَيْر، والرِّكْس: العَذِرَةُ لا غير، والرجس يقال للأمرين.\nويقول في قوله تعالى: وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ [البقرة: ٢٤٧] قال أبو عبيد الهروي: أي: انبساطا وتوسُّعًا في العلْم، وطولًا وتمامًا في الجسم ...\nوفي قوله تعالى: فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ [البقرة: ٢٦٠] يقول: يقال: صُرْتُ الشَّيْءَ أصُورُهُ، بمعنى: قطعته، ويقال أيضا: صرت الشيء، بمعنى: أملته ... إلخ» .\nوأما ذكره للمسائل النحوية، فكثير جدا، فمثلا في قوله تعالى: وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزامًا ... [طه: ١٢٩] ينقل عن الصفاقسي قوله: «ولزاما» إمَّا مصدرٌ، وإمَّا بمعنى ملزم. وأجاز أبو البقاء أنْ يكون جمع لاَزِم، كَقَائِمٍ وقيام.\nوفي قوله تعالى: ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ [الأنبياء: ٦٥] .","vol":"1","page":103},{"text":"نقل عن الصفاقسي قوله: وقولهم: «لَقَدْ عَلِمْتَ» جواب قَسَمٍ محذوف معمول لقول محذوف في موضع الحال، أي: قائلين: لقد علمت.\nوفي أصل الكلمة يقول عند قوله تعالى: حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها جَمِيعًا ...\n[الأعراف: ٣٨]: و«اداركوا» معناه: تلاحقوا. أصله: تداركوا أدغم، فجلبت ألف الوصل.\nويذكر بعض لغات العرب، فيقول عند تفسير قوله تعالى: قالَ أَحَدُهُما إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْرًا ... [يوسف: ٣٦]: قيل فيه: إنه سمى العنب خمرا بالمئال. وقيل: هي لغةُ أزدِ عُمَان، يسمُّون العِنَبَ خمرا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-77>سادسا: ذكره لأسباب النّزول، ومكّيّ القرآن ومدنية:</span>\nوهذا الفنّ شريف عزيز، فبه يستطيع المفسر أن يحسن الوصول إلى المعنى من الآية، فيسهل فهمها بمعرفة الملابسات التي أحاطت بنزولها.\nوقد ذكر الثعالبي أسباب نزول بعض الآيات، فمثلا:\nفي قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها [النساء: ٥٨] يقول:\n«خطاب للنبي ﷺ في أمر مِفْتَاحِ الكَعْبَةِ حين أخذه من عُثْمَانَ بْنِ طَلْحة، ومن ابن عَمِّه شَيْبَة، فطلبه العَبَّاس بْنُ عَبْدِ المطَّلب لِيُضِيفَ السَّدَانَةَ إلى السّقاية، فدخل النبي ﷺ الكعبةَ، وكَسَرَ ما كَانَ فيها من الأوثانِ، وأخْرَجَ مَقَامَ إبراهيمَ، وَنَزَلَ عليه جِبْرِيلُ بهذه الآية.\nقال عمر بنُ الخَطَّاب: فخرج النبيُّ ﷺ وهو يقرأُ هذه الآيةَ، وما كُنْتُ سَمْعْتُهَا قَبْلُ مِنْهُ، فَدَعَا عُثْمَانَ وشَيْبَةَ، فَقَالَ لَهُمَا: خُذَاهَا خَالِدَةً تَالِدَةً، لاَ يَنْزِعُهَا مِنْكُمْ إلاَّ ظالم..» .\nوفي قوله تعالى: وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزًا ... [النساء: ١٢٨] يقول:\nواختلف في سَبَبِ نزولِ الآية، فقال ابنُ عبَّاس وجماعةٌ: «نزلَتْ في النبيِّ﵇- وسودة بنت زمعة ...» ثم حكى أقوالا أخرى.\nوفي قوله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ... [الإسراء: ٨٥] يقول: روى ابن مسعود أن اليهود قال بعضُهم لبعْض: سَلُوا محمدًا عن الرُّوحِ، فإِن أجاب فيه عرفتم أنه ليس بنبي ... فسألوه، فنزلَتِ الآية. وقيل: إن الآية مكِّية، والسائلون هم قريش بإشارة اليهود.\nوأما ما ذكره لمكّي القرآن ومدنيّه، فكان يذكر في أوائل السور كونها مكية أو مدنية،","vol":"1","page":104},{"text":"فمثلا في سورة الحجرات يقول: وهي مدنية بإجماع، ويقول في «ق»: وهي مكية بإجماع، وفي سورة الأنفال: مدنية كلها، قال مجاهد: إلا آية واحدة، وهي قوله: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا ... الآية.\nوفي سورة هود: «مكية إلا نحو ثلاث آيات ...» وهكذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-78>سابعا: ذكره للقراءات الواردة في الآية:</span>\nوبداية فإن للقراءات الواردة في كتاب الله (تعالى) أثرا كبيرا في إثراء التفاسير بالمعاني المختلفة المتنوعة، مع اشتراط ما اشترطه أهل هذا الفنّ من ضوابط للقراءة المقبولة، واختلاف هذه القراءات له فوائد جمّة:\nمنها: جمع الأمة الإسلامية الجديدة على لسان واحد يوحد بينها، وهو لسان قريش الذي نزل به القرآن الكريم، والذي انتظم كثيرا من مختارات ألسنة القبائل العربية التي كانت تختلف إلى مكة في موسم الحجّ، وأسواق العرب المشهورة، فكان القرشيون يستملحون ما شاءوا، ويصطفون ما راق لهم من ألفاظ الوفود العربية القادمة إليهم من كل صوب وحدب، ثم يصقلونه ويهذبونه، ويدخلونه في دائرة لغتهم المرنة، التي أذعن جميع العرب لها بالزعامة، وعقدوا لها راية الإمامة.\nوعلى هذه السياسة الرشيدة نزل القرآن على سبعة أحرف يصطفي ما شاء من لغات القبائل العربية، على نمط سياسة القرشيين، بل أوفق. ومن هنا صحّ أن يقال: إنه نزل بلغة قريش لأن لغات العرب جمعاء تمثلت في لسان القرشيين بهذا المعنى، وكانت هذه حكمة إلهية سامية فإن وحدة اللسان العامّ من أهمّ العوامل في وحدة الأمة، خصوصا أول عهد بالتوثب والنهوض.\nومنها: بيان حكم من الأحكام، كقوله سبحانه: وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ [النساء: ١٢] قرأ سعدُ بْنُ أبي وَقَّاص: «وَلَهُ أَخٌ أَوْ أخت من أمّ» بزيادة لفظ: «من أمّ»، فتبين بها أن المراد بالإخوة في هذا الحكم الإخوة للأم دون الأشقاء، ومن كانوا لأب، وهذا أمر مجمع عليه.\nومثل ذلك قوله سبحانه في كفارة اليمين: فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ [المائدة: ٨٩]، وجاء في قراءة: «أو تحرير رقبة مؤمنة» بزيادة لفظ «مؤمنة» فتبين بها اشتراط الإيمان في الرقيق الذي يعتق كفارة يمين.","vol":"1","page":105},{"text":"وهذا يؤيد مذهب الشافعي، ومن نحا نحوه في وجوب توافر ذلك الشرط.\nومنها: الجمع بين حكمين مختلفين بمجموع القراءتين، كقوله تعالى: فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ [البقرة: ٢٢٢] قرىء بالتخفيف والتشديد في حرف الطاء من كلمة «يطهرن»، ولا ريب أنّ صيغة التشديد تفيد وجوب المبالغة في طهر النساء من الحيض لأن زيادة المبنى تدلّ على زيادة المعنى، أما قراءة التخفيف، فلا تفيد هذه المبالغة، ومجموع القراءتين يحكم بأمرين: أحدهما: أن الحائض لا يقربها زوجها حتى يحصل أصل الطهر وذلك بانقطاع الحيض. وثانيهما: أنها لا يقربها زوجها أيضا إلّا إن بالغت في الطهر، وذلك بالاغتسال، فلا بد من الطهرين كليهما في جواز قربان النساء، وهو مذهب الشافعي، ومن وافقه أيضا.\nومنها: الدلالة على حكمين شرعيين، ولكن في حالين مختلفين كقوله تعالى في بيان الوضوء: فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ [المائدة: ٦] قرىء بنصب لفظ «أرجلكم»، وبجرها، فالنصب يفيد طلب غسلها لأن العطف حينئذ يكون على لفظ: «وجوهكم» المنصوب، وهو مغسول، والجرّ يفيد طلب مسحها لأن العطف حينئذ يكون على لفظ «رءوسكم» المجرور، وهو ممسوح.\nوقد بين الرسول ﷺ: أن المسح يكون للابس الخف، وأنّ الغسل يجب على من لم يلبس الخف.\nومنها: دفع توهّم ما ليس مرادا: كقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ [الجمعة: ٩] وقرىء: «فامضوا إلى ذكر الله»، فالقراءة الأولى يتوهم منها وجوب السرعة في المشي إلى صلاة الجمعة، ولكنّ القراءة الثانية رفعت هذا التوهم لأن المضيّ ليس من مدلوله السرعة.\nومنها: بيان لفظ مبهم على البعض: نحو قوله تعالى: وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ [القارعة: ٥] وقرىء: «كالصوف المنفوش»، فبينت القراءة الثانية أنّ العهن هو الصوف.\nومنها: تجلية عقيدة ضلّ فيها بعض الناس: نحو قوله تعالى في وصفه الجنة وأهلها:\nوَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا [الإنسان: ٢٠] جاءت القراءة بضم الميم، وسكون اللام في لفظ: «وملكا كبيرا»، وجاءت قراءة أخرى بفتح الميم، وكسر اللام في هذا اللفظ نفسه، فرفعت هذه القراءة الثانية نقاب الخفاء عن وجه الحق في عقيدة رؤية","vol":"1","page":106},{"text":"المؤمنين لله- تعالى- في الآخرة لأنه- سبحانه- هو الملك وحده في تلك الدار: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ [غافر: ١٦] .\nوالخلاصة: أن تنوّع القراءات، يقوم مقام تعدّد الآيات وذلك ضرب من ضروب البلاغة، يبتدىء من جمال هذا الإيجاز، وينتهي إلى كمال الإعجاز.\nأضف إلى ذلك ما في تنوّع القراءات من البراهين الساطعة، والأدلة القاطعة على أن القرآن كلام الله، وعلى صدق من جاء به وهو رسول الله ﷺ، فإن هذه الاختلافات في القراءة على كثرتها لا تؤدي إلى تناقض في المقروء وتضادّ، ولا إلى تهافت وتخاذل، بل القرآن كله على تنوّع قراءاته، يصدّق بعضه بعضا، ويبين بعضه بعضا، ويشهد بعضه لبعض، على نمط واحد في علو الأسلوب والتعبير، وهدف واحد من سموّ الهداية والتعليم، وذلك- من غير شك- يفيد تعدّد الإعجاز بتعدّد القراءات والحروف.\nومعنى هذا: أن القرآن يعجز إذا قرىء بهذه القراءة، ويعجز أيضا إذا قرىء بهذه القراءة الثانية، ويعجز أيضا إذا قرىء بهذه القراءة الثالثة، وهلمّ جرّا. ومن هنا تتعدّد المعجزات بتعدّد تلك الوجوه والحروف! ولا ريب أن ذلك أدلّ على صدق محمد ﷺ لأنّه أعظم في اشتمال القرآن على مناح جمة في الإعجاز وفي البيان، على كل حرف ووجه، وبكل لهجة ولسان: لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ [الأنفال: ٤٢] .\nولقد كان الثعالبي﵀- يكثر من إيراد القراءات متواترة وشاذة، وكان معتمده الأول على تفسير ابن عطية، فكان ينقل منه مواضع القراءات ووجوهها.\nومن أمثلة نقله للقراءات:\n١- في قوله تعالى: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ [البقرة: ١٨٤] قال:\nقرأ باقي السبعة غيْرَ نافعٍ وابنِ عامر: «فدية» بالتنوين، «طعام مسكين» بالإفراد. قال: «وهي قراءة حسنة ...» .\n٢- في قوله تعالى: فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ [الحج: ٣٦] قال: وقرأ ابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وغيرهم: «صَوَافِنَ» جمع: صَافِنَة، وهي التي رُفِعَتْ إحدى يديها بالعقل لئَلاَّ تضطرب، ومنه في الخيل: الصَّافِناتُ الْجِيادُ [ص: ٣١] .\n٣- وفي قوله تعالى: وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ [المائدة: ٦] قال: وقرأ","vol":"1","page":107},{"text":"حمزة وغيره: «وَأَرْجُلِكُمْ» بالخفض، وقرأ نافع وغيره بالنَّصْب، والعاملُ «اغسلوا» . ومن قرأ بالخفْضِ، جعل العامل أقرب العاملين. وجمهور الصحابة والتابعِينَ على أنَّ الفَرْضَ في الرجْلَيْن الغسل، وأن المسح لا يجزىء ... ثم قال: قال ابن العربِيِّ في «القَبَس»: ومَنْ قرأ «وَأَرْجُلِكُمْ» بالخَفْض، فإنه أراد المَسْح على الخُفَّيْن، وهو أحد التأويلات في الآية.\nانتهى.\n٤- ثم يحتج ببعض القراءات الشّاذّة على تعضيد المعنى، مثل ما ذكره عند قوله تعالى: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ ... الآية [التوبة: ١٢٨] قال: وقوله: مِنْ أَنْفُسِكُمْ يقتضي مدحا لنسبه ﷺ، وأنه من صميمِ العَرَبِ وشَرَفِها، وقرأ عبد اللَّه بن قُسَيْطٍ المَكِّيُّ «مِنْ أَنْفَسِكُمْ» - بفتح الفاء- من النفاسة، ورويت عن النبي ﷺ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-79>ثامنا: احتجاجه بالشّعر:</span>\nالشعر ديوان العرب ففيه تاريخهم، وآثارهم، وبه يفتخرون، ويمتدحون، ويرغبون، ويرهبون، ولم لا وهم قوم الفصاحة والبيان وقد قال النبي ﷺ: «إن من البيان لسحرا، وإن من الشعر لحكمة» .\nوقد مضى سلف الأمة من المفسرين على الاحتجاج بأشعار العرب، وما قصة نافع بن الأزرق مع ابن عباس ببعيدة عن ذلك.\nوقد ذكرت أقوال كثيرة عن ابن عباس تدل على جواز الاحتجاج بالشعر في تفسير الكتاب العزيز، منها: الشعر ديوان العرب، فإذا خفي علينا الحرف من القرآن الذي أنزله الله بلغة العرب، رجعنا إلى ديوانها، فالتمسنا معرفة ذلك منه.\nومن سؤالات نافع ونجدة بن عويمر أنهما قالا: أخبرنا عن قوله تعالى: عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ [المعارج: ٣٧]، قال: العزون: الحلق الرقاق. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم. أما سمعت عبيد بن الأبرص وهو يقول: [الوافر]\nفجاءوا يهرعون إليه حتّى ... يكونوا حول منبره عزينا\nوهكذا كانت إجابات ابن عباس، قال أبو عبيد في فضائله: حدثنا هشيم عن حصين بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس أنه كان يسأل عن القرآن، فينشد فيه الشعر.\nومن هنا وجدنا الإمام الثعالبي يستشهد بأشعار العرب، فمن ذلك:","vol":"1","page":108},{"text":"١- احتجاجه لقراءة ابن كثير آتَيْتُمْ [البقرة: ٢٣٣] بمعنى فعلتم- بقول زُهَيْرٌ:\n[الطويل]\nوَمَا كَانَ مِنْ خَيْرٍ أَتَوْهُ فإنّما ... توارثه آباء آبائهم قبل\n٢- واحتجاجه لمعاني بعض الألفاظ، مثل قوله تعالى: وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا [النساء: ٨٥] . فقال: مُّقِيتًا: معناه: قديرًا ومنه قولُ الزُّبَيْر بْنِ عبدِ المُطَّلِبِ:\n[الوافر]\nوَذِي ضِغْنٍ كَفَفْتُ النَّفْسَ عنه ... وكنت على إساءته مقيتا\nومنه: احتجاجه على أن من معنى «الجهالة» أن يتعمد الأمر فيركبه، مع عدم مضادة للعلم قال: فمنها قولُ الشَّاعر: [الوافر]\nأَلاَ لاَ يَجْهَلَنْ أَحَدٌ علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا\n٣- ومنه احتجاجه على المسائل النحوية، فمثلا في قوله تعالى: وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ [الحشر: ٩] يقول نقلا عن الصفاقسي: و«الإيمان» منصوب بفعل مُقَدَّرٍ، أي: واعتقدوا الإيمان، فهو من عطف الجمل كقوله: [الرجز]\nعلفتها تبنا وماء باردا ... ......\nوهذا بالإضافة إلى شعر الزّهد والرقائق الذي ضمنه تفسيره، والذي يقرؤه القارئ الكريم، فيستشعر عذوبته ورقّته، وحسن اختياره ومكانه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-80>تاسعا: موقفه من الإسرائيليّات:</span>\nبادىء ذي بدء، فإن الجنس البشري مرّ عليه قرون عديدة، وأزمان بعيدة، حملت في طيّاتها أخبارا، وأحوالا، وتارة أهوالا، فأخبر بها السّلف الخلف، والمتقدم المتأخر.\nوإن هذه الأمة المباركة هي الآخرة في تلك السلسلة المديدة من عمر البشرية، فكان لها زبدة الأخبار، والرصيد الأكبر من تواريخ الأمم والشعوب، فحظيت بالعبر والعظات، والسعيد من وعظ بغيره.\nولأن أهل الكتاب كانوا سابقين علينا، فقد روي لنا، ورووا هم من أخبارهم وأخبار السابقين، وفي هذا يقول نبينا محمد ﷺ: «... وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج» .\nفكان ما أخبرونا به على ثلاثة أقسام:","vol":"1","page":109},{"text":"١- قسم صدقهم فيه الوحي، فنصدقهم فيه.\n٢- قسم أكذبهم فيه الوحي، فنكذبهم فيه.\n٣- قسم سكت عنه، فنسكت عنه، ونقول: آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم.\nولكن ما المقصود ب «الإسرائيليات»؟!! الإسرائيليات: جمع إسرائيلية، نسبة إلى بني إسرائيل، والنسبة في مثل هذا تكون لعجز المركب الإضافي لا لصدره، وإسرائيل هو: يعقوب﵇- أي: عبد الله، وبنو إسرائيل هم: أبناء يعقوب، ومن تناسلوا منهم فيما بعد، إلى عهد موسى، ومن جاء بعده من الأنبياء، حتى عهد عيسى﵇- وحتى عهد نبينا محمد ﷺ.\nوقد عرفوا- «باليهود»، أو «بيهود» من قديم الزمان، أما من آمنوا بعيسى: فقد أصبحوا يطلق عليهم اسم «النصارى»، وأما من آمن بخاتم الأنبياء: فقد أصبح في عداد المسلمين، ويعرفون بمسلمي أهل الكتاب» .\nوقد أكثر الله من خطابهم ببني إسرائيل في القرآن الكريم تذكيرا لهم بأبوة هذا النبي الصالح، حتى يتأسوا به، ويتخلقوا بأخلاقه، ويتركوا ما كانوا عليه من نكران نعم الله عليهم، وعلى آبائهم، وما كانوا يصفون به من الجحود، والغدر، واللؤم، والخيانة وكذلك ذكرهم الله- سبحانه- باسم اليهود في غير ما آية. وأشهر كتب اليهود هي: التوراة، وقد ذكرها الله في قوله تعالى: الم اللَّهُ لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ [آل عمران: ١- ٤] . وقال: إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ ... [المائدة: ٤٤] والمراد بها: التوراة التي نزلت من عند الله قبل التحريف والتبديل، أما التوراة المحرفة المبدلة، فهي بمعزل عن كونها كلها هداية، وكونها نورا، ولا سيما بعد نزول القرآن الكريم، الذي هو الشاهد والمهيمن على الكتب السماوية السابقة، فما وافقه فهو حق، وما خالفه فهو باطل.\nومن كتبهم أيضا: الزبور، وأسفار الأنبياء، الذين جاءوا بعد موسى﵇- وتسمى التوراة، وما اشتملت عليه من الأسفار الموسوية وغيرها (بالعهد القديم) .\nوكان لليهود بجانب التوراة المكتوبة التلمود، وهي التوراة الشفهية، وهو مجموعة","vol":"1","page":110},{"text":"قواعد ووصايا وشرائع دينية وأدبية، ومدنية، وشروح، وتفاسير، وتعاليم، وروايات كانت تتناقل وتدرس شفهيا من حين إلى آخر ... وقد اتسع نطاق الدرس والتعليم فيه إلى درجة عظيمة جدّا، حتى صار من الصعب حفظه في الذاكرة، ولأجل دوام المطالعة، والمداولة، وحفظا للأقوال والنصوص، والآراء الأصلية المتعددة والترتيبات، والعادات الحديثة، وخوفا من نسيانها وفقدانها، مع مرور الزمن، وخصوصا وقت الاضطهادات، والاضطرابات، قد دوّنها الحاخامون بالكتابة سياجا للتوراة، وقبلت كسنّة من سيدنا موسى﵇-.\nومن التوراة وشروحها، والأسفار وما اشتملت عليه، والتلمود وشروحه، والأساطير والخرافات، والأباطيل التي افتروها، أو تناقلوها عن غيرهم: كانت معارف اليهود وثقافتهم، وهذه كلها كانت المنابع الأصلية للإسرائيليات التي زخرت بها بعض كتب التفسير، والتاريخ والقصص والمواعظ، وهذه المنابع إن كان فيها حق، ففيها باطل كثير، وإن كان فيها صدق، ففيها كذب صراح، وإن كان فيها سمين ففيها غثّ كثير، فمن ثم انجرّ ذلك إلى الإسرائيليات، وقد يتوسع بعض الباحثين في الإسرائيليات، فيجعلها شاملة لما كان من معارف اليهود، وما كان من معارف النصارى التي تدور حول الأناجيل وشروحها، والرسل وسيرهم، ونحو ذلك، وإنما سميت إسرائيليات لأن الغالب والكثير منها إنما هو من ثقافة بني إسرائيل، أو من كتبهم ومعارفهم، أو من أساطيرهم وأباطيلهم.\nوالحق: أن ما في كتب التفسير من المسيحيات، أو من النصرانيات هو شيء قليل بالنسبة إلى ما فيها من الإسرائيليات، ولا يكاد يذكر بجانبها، وليس لها من الآثار السيئة ما للإسرائيليات إذ معظمها في الأخلاق، والمواعظ، وتهذيب النفوس، وترقيق القلوب «١» .\nوالملاحظ أن الثعالبي﵀- كغيره من التفاسير- ذكر بعض الإسرائيليات، ولكنه يعقب ما يذكره بما يفيد عدم صحته، أو على الأقل بما يفيد عدم القطع بصحته.\nومن ذلك في قوله تعالى: فَلَمَّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [الأعراف: ١٩٠] .\nفالثعالبي يقول: ... وروي في قصص ذلك أن الشيطانَ أشار عَلَى حواء أن تُسَمِّيَ هذا المولودَ عَبْدَ الحَارث، وهو اسْمُ إبليسَ، وقال لها: إِن لم تفعلي قتلته، فزعموا أنهما\n_________\n(١) ينظر: «الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير»، د. محمد محمد أبو شهبة، ط. مجمع البحوث الإسلامية، القاهرة ١٤٠٤ هـ، ص ٢١ فما بعدها.","vol":"1","page":111},{"text":"أطاعاه ... ثم ذكر القصة وقال: قلت: وينزه آدم وحواء عن طاعتهما لإبليس، ولم أقف بعد على صحة ما روي من هذه القصص، ولو صحّ لوجب تأويله ... قال: وعلى كلِّ حالٍ: الواجبُ التوقُّفْ والتنزيهُ لِمَنْ اجتباه اللَّه، وحُسْنُ التأويل ما أمكن، وقد قال ابنُ العربيِّ في توهينِ هذا القَوْل وتزييفِهِ: وهذا القولُ ونحوه مذكُورٌ في ضعيف الحديثِ في الترمذيِّ وغيره، وفي الإِسرائيليات التي لَيْسَ لها ثباتٌ، ولا يعوِّل عليها مَنْ له قلب ...\nإلخ» .\nومنه أيضا عند تفسير قوله تعالى: وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ [النمل: ٢٠] .\nيقول: وأكثَرَ بَعضِ النَّاسِ في قصَصها بما رأيتُ اختصاره لعدم صحته.\nونراه ينتقد ما يروى من آثار إذا خالفت الشّرع، أو ما لا يليق أن ينسب إلى الوحي.\nفمثلا عند تفسير قوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ [الحج: ٥٢]- يذكر حديث الغرانيق، ثم يحكي عن أئمة المالكية مثل القاضي عياض، وأبي بكر بن العلاء إنكارهم لهذه الرواية، وأمثالها، ثم قال: قال أبو بكر البَزَّارُ: هذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبي ﷺ بإسناد متصل يجوز ذكره ...» وقد أجمعت الأمة على عصمته ﷺ، ونزاهته عن مثل هذا.\nومنه أيضا ما ذكره في قصّة بني إسرائيل لما سألوا عيسى ابن مريم مائدة من السماء [المائدة: ١١٣- ١١٥]، ثم قال: وأكثَرَ الناسُ في قصص المائدةِ ممَّا رأَيْتُ اختصاره لعدم سنده.\nوعلى أية حال، فإن الملاحظ على الثعالبي﵀- ندرة إيراده للإسرائيليات جدا، فإن أورد بعض ذلك نبّه عليه كما تقدم.","vol":"1","page":112},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-81>وصف النسخ المعتمد عليها في كتاب تفسير «الثعالبي» المسمى بجواهر الحسان في تفسير القرآن</span>\nاعتمدنا في تحقيق الكتاب على أربع نسخ خطية.\nووصفها على النحو التالي:\nالنسخة الأولى: المحفوظة بدار الكتب المصرية/ تحت رقم (٤٥٣) طلعت، تقع في (٣١٣) ورقة، وسطرتها ٢٨ سطرا ورمزنا لها بالرمز (أ) .\nالنسخة الثانية: المحفوظة بدار الكتب المصرية، تبدأ من الكهف إلى آخر القرآن، تقع تحت رقم (٥) تفسير، الجزء الثاني فقط، ورمزنا لها بالرمز (ب) .\nالنسخة الثالثة: المحفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم (١١٥٧) تفسير، تقع في (٢١٦) ورقة، سطرتها (٣٣) سطرا وهي من مريم إلى آخر القرآن، ورمزنا لها بالرمز (ج) .\nالنسخة الرابعة: المحفوظة بدار الكتب المصرية، وهي من أول الزمر إلى آخر القرآن، وتحت رقم (٤٧) تفسير م، وتقع في (٢٤٨) ورقة، ومسطرتها (١٩) سطرا، ورمزنا لها بالرمز (د)، هذا، وكان من النسخ المطبوعة المعتمد عليها طبعة مؤسسة الأعلمي للمطبوعات. وقد رمزنا لها بالرمز (ط) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-82>عملنا في الكتاب</span>\nقمنا في تحقيق الكتاب بما يلي:\nأولا: المقابلة وإثبات ما كان صوابا في النص ومخالفه في هامش الكتاب، وقمنا بضبط ما أشكل من الكتاب.\nثانيا: عزو الآيات القرآنية إلى مواضعها.\nثالثا: تخريج الأحاديث النبوية والآثار.\nرابعا: ترجمة للأعلام الوارد أسمائهم بالكتاب.","vol":"1","page":113},{"text":"خامسا: شرح غريب النص. معتمدين في ذلك على كتب المعاجم.\nسادسا: التعليق على بعض المسائل الفقهية.\nسابعا: التعليق على بعض المسائل النحوية المشار إليها في النص.\nثامنا: توثيق للقراءات الواردة في الكتاب، وبيان ما أبهمه المصنف منها.\nتاسعا: توثيق لبعض المصادر التي اعتمد عليها المصنف.\nعاشرا: وضع مقدمة للكتاب وترجمة لمؤلفه.\nوآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الحَمْدُ للَّهِ رَبِّ العالمين","vol":"1","page":114},{"text":"الورقة قبل الأخيرة من نسخة دار الكتب المصرية الورقة الأخيرة","vol":"1","page":115},{"text":"ورقة أولى من نسخة أخرى وهي صعبة القراءة جدا ورقة ثانية","vol":"1","page":116},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-83>[مقدمة المؤلف]</span>\nالجزء الأول من تفسير الثعالبي بسم الله الرّحمن الرّحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا يَقُولُ العبدُ الفقيرُ إِلى الله تعالى المعترف بذنبه، الراجي رحمة ربّه، عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف الثعالبي، لطف الله به في الدّارين وبسائر المؤمنين.\nالحمد لله ربّ العالمين، وصلوات ربّنا وسلامه على سَيِّدِنَا محمَّد خاتَمِ النبيِّينَ، وَعَلى آله وصحبه السادة المكرمين، والحمد لله الذي منّ علينا بالإيمان، وشرّفنا بتلاوة القرآن، فأشرقت علينا بحمد الله أنواره، وبدت لذوي المعارف عند التلاوة أسراره، وفاضت على العارفين عند التدبّر والتأمّل بحاره، فسبحان من أنزل على عبده الكتاب، وجعله لأهل الفهم المتمسكين به من أعظم الأسباب كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ [ص: ٢٩] .\nأمّا بعد، أيّها الأخ، أشرق الله قلبي وقلبك بأنوار اليقين، وجعلني وإيّاك من أوليائه المتّقين، الذين شرّفهم بنزل قدسه، وأوحشهم من الخليقة بأنسه، وخصّهم من معرفته، ومشاهدة عجائب ملكوته، وآثار قدرته، بما ملأ قلوبهم حبره، وولّه عقولهم في عظمته حيره، فجعلوا همّهم به واحدا، ولم يروا في الدارين غيره، فهم بمشاهدة كماله وجلاله يتنعّمون وبين آثار قدرته وعجائب عظمته يتردّدون، وبالانقطاع إليه والتوكّل عليه يتعزّزون، لهجين بصادق قوله: قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ [الأنعام: ٩١] فإنّي جمعت لنفسي ولك في هذا المختصر ما أرجو أن يقر الله به عيني وعينك في الدارين فقد ضمّنته بحمد الله المهمّ مما اشتمل عليه تفسير ابن عطيّة «١»، وزدتّه فوائد جمّه، من غيره من كتب الأئمّة، وثقات أعلام هذه الأمّة، حسبما رأيته أو روّيته عن الأثبات، وذلك قريب من مائة تأليف، وما منها تأليف إلا وهو منسوب لإمام مشهور بالدين، ومعدود في\n_________\n(١) عبد الحق بن غالب بن عطية الغرناطي، كان فقيها جليلا، عارفا بالأحكام، والحديث، والتفسير، نحويا، لغويا، أديبا، روى عنه ابن مضاء وغيره، له «تفسير القرآن العظيم» مات سنة ٥٤١ هـ.\nينظر: «طبقات المفسرين» - للسيوطي- ص ٦٠، ٦١ «بغية الوعاة» (٢/ ٧٣، ٧٤)، «طبقات المفسرين» للداوودي (١/ ٢٦٥) .","vol":"1","page":117},{"text":"المحقّقين، وكلّ من نقلت عنه من المفسّرين شيئا فمن تأليفه نقلت، وعلى لفظ صاحبه عوّلت، ولم أنقل شيئا من ذلك بالمعنى خوف الوقوع في الزّلل، وإنما هي عبارات وألفاظ لمن أغزوها إليه، وما انفردت بنقله عن الطبريّ «١»، فمن اختصار الشيخ أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن أحمد اللّخميّ النحويّ لتفسير الطبريّ- نقلت لأنه اعتنى بتهذيبه، وقد أطنب أبو بكر بن الخطيب في حسن الثناء على الطبري ومدح تفسيره، وأثنى عليه غاية نسأل الله تعالى أن يعاملنا وإياهم برحمته، وكلّ ما في آخره انتهى، فليس هو من كلام ابن عطيّة، بل ذلك مما انفردت بنقله عن غيره، ومن أشكل عليه لفظ في هذا المختصر، فليراجع الأمّهات المنقول منها، فليصلحه منها، ولا يصلحه برأيه وبديهة عقله فيقع في الزّلل من حيث لا يشعر، وجعلت علامة التاء لنفسي بدلا من «قلت» ومن شاء كتبها «قلت»، وأمّا العين، فلابن عطيّة، وما نقلته من الإعراب عن غير ابن عطية فمن الصّفاقسيّ «٢» مختصر أبي حيّان «٣» غالبا، وجعلت الصّاد علامة عليه، وربّما نقلت عن غيره معزّوا لمن عنه نقلت، وكلّ ما نقلته عن أبي حيّان، فإنما نقلي له بواسطة الصّفاقسيّ غالبا، قال الصّفاقسيّ: وجعلت علامة ما زدتّه على أبي حيّان م.\nوما يتّفق لي إن أمكن، فعلامته «قلت»، وبالجملة فحيث أطلق فالكلام لأبي\n_________\n(١) أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الطبري، الإمام العلم صاحب التفسير المشهور، مولده سنة ٢٢٤، أخذ الفقه عن الزعفراني والربيع المرادي، وذكر الفرغاني عند عد مصنفاته كتاب:\nلطيف القول في أحكام شرائع الإسلام، وهو مذهبه الذي اختاره وجوّده واحتج له، وهو ثلاثة وثمانون كتابا. مات سنة ٣١٠.\nانظر: «طبقات ابن قاضي شهبة» (١/ ١٠٠)، «تاريخ بغداد» (٢/ ١٦٢)، «تذكرة الحفاظ» (٢/ ٦١٠) .\n(٢) هكذا بصاد ثم فاء كما ذكره المؤلف وفي الكتب بالسين ثم فاء، وهو إبراهيم بن محمد بن إبراهيم، القيسي، السفاقسي، أبو إسحاق، برهان الدين: فقيه مالكي. تفقه في «بجاية»، وحج فأخذ عن علماء «مصر» و«الشام» . وأفتى ودرّس سنين. له مصنفات منها «المجيد في إعراب القرآن المجيد» ويسمى «إعراب القرآن»، و«شرح ابن الحاجب» في أصول الفقه.\nينظر: «الأعلام» (١/ ٦٣)، و«الدرر الكامنة» (١/ ٥٥)، و«النجوم الزاهرة» (١٠/ ٩٨) .\n(٣) محمد بن يوسف بن علي بن حيان بن يوسف، الشيخ الإمام العلامة، الحافظ، المفسر النحوي، اللغوي، أثير الدين، أبو حيان الأندلسي، الجياني، الغرناطي، ثم المصري. ولد في ٦٥٢ هـ. قرأ العربية على رضي الدين القسنطيني، وبهاء الدين بن النحاس، وغيرهم، سمع نحوا من أربعمائة شيخ، وكان ظاهريا، فانتمى إلى الشافعية، له مصنفات منها: «البحر المحيط في التفسير» و«النهر في البحر»، و«شرح التسهيل»، و«ارتشاف الضرب» . سمع منه الأئمة العلماء، وأضر قبل موته بقليل، توفي بالقاهرة في صفر سنة خمس وأربعين وسبعمائة.\nينظر: «طبقات ابن قاضي شهبة» (٣/ ٦٧)، «الأعلام» (٨/ ٢٦)، «طبقات السبكي» (٦/ ٣١) «الدرر الكامنة» (٤/ ٣٠٢) .","vol":"1","page":118},{"text":"حيّان، وما نقلته من الأحاديث الصّحاح والحسان عن غير البخاريّ ومسلم وأبي داود والتّرمذيّ في باب الأذكار والدّعوات- فأكثره من «النّوويّ» «١» و«سلاح المؤمن»، وفي الترغيب والترهيب وأحوال الآخرة فمعظمه من «التذكرة» للقرطبي «٢»، و«العاقبة» لعبد الحقّ، وربّما زدتّ زيادات كثيرة من «مصابيح البغويّ» «٣» وغيره كما ستقف عليه- إن شاء الله تعالى- كلّ ذلك معزوّ لمحالّه، وبالجملة فكتابي هذا محشوّ بنفائس الحكم، وجواهر السّنن الصحيحة والحسان المأثورة عن سيّدنا محمد ﷺ، وقد قال أبو عمر بن عبد البر «٤» في كتاب «التّقصّي» «٥»: وأولى الأمور بمن نصح نفسه، وألهم رشده- معرفة\n_________\n(١) يحيى بن شرف بن مري بن حسن بن حسين بن محمد بن جمعة بن حزام، شيخ الإسلام محيي الدين، أبو زكريا الحزامي النووي، ولد سنة ٦٣١، قرأ القرآن ببلده، وختم وقد ناهز الاحتلام، وكان محققا في علمه وفنونه، مدققا في علمه وشؤونه، حافظا لحديث رسول الله ﷺ، عارفا بأنواعه من صحيحه وسقيمه وغريب ألفاظه، واستنباط فقهه.. في كثير من المناقب يطول ذكرها صنف «المنهاج في شرح مسلم»، و«المجموع» و«الأذكار» وغيرها. مات سنة ٦٧٧.\nانظر: «طبقات ابن قاضي شهبة» (٢/ ١٥٣)، «طبقات السبكي» (٥/ ١٦٥)، «النجوم الزاهرة» (٧/ ٢٧٨) .\n(٢) محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح، الأنصاري، الخزرجي، الأندلسي، أبو عبد الله، القرطبي: من كبار المفسرين، صالح متعبد من أهل «قرطبة» . رحل إلى الشرق واستقر بمنية ابن خصيب (في شمالي أسيوط، بمصر) وتوفي فيها. من كتبه «الجامع لأحكام القرآن» يعرف بتفسير القرطبي، و«التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة» . وكان ورعا متعبدا، طارحا للتكلف، يمشي بثوب واحد وعلى رأسه طاقية.\nينظر: «الأعلام» (٥/ ٣٢٢)، «الديباج» (٣١٧) .\n(٣) الحسين بن مسعود بن محمد، العلامة محيي السنة، أبو محمد البغوي، يعرف بالفراء أحد الأئمة، تفقه على القاضي الحسين، وكان دينا، عالما، عاملا على طريقة السلف، قال الذهبي: كان إماما في التفسير، إماما في الحديث، إماما في الفقه. بورك له في تصانيفه ورزق القبول لحسن قصده وصدق نيته. ومن تصانيفه: «التهذيب»، و«شرح المختصر»، وتفسيره «معالم التنزيل» . وغيرها. مات سنة ٥١٦.\nانظر: «طبقات ابن قاضي شهبة» (١/ ٢٨١)، «وفيات الأعيان» (١/ ٤٠٢)، «تذكرة الحفاظ» (٤/ ١٢٥٨)، و«الأعلام» (٢/ ٢٨٤)، «شذرات الذهب» (٤/ ٤٨)، «النجوم الزاهرة» (٥/ ٢٢٤) .\n(٤) يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري، القرطبي، المالكي، أبو عمر: من كبار حفّاظ الحديث، مؤرخ أديب، بحاثة، يقال له: حافظ المغرب، ولد بقرطبة سنة ٣٦٨ هـ، وتوفي بشاطبة سنة ٤٦٣ هـ، من تصانيفه: «الدرر في اختصار المغازي والسير» و«الاستيعاب» و«جامع بيان العلم وفضله» و«المدخل» من القراءات، و«بهجة المجالس وأنس المجالس» و«الاستذكار من شرح مذاهب علماء الأمصار» و«الإنباه على قبائل الرواة» و«الإنصاف فيما بين العلماء من الاختلاف» .\nينظر: «الأعلام» (٨/ ٢٤٠)، «وفيات الأعيان» (٢/ ٣٤٨)، «بغية الملتمس» (٤٧٤) .\n(٥) «تجريد التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد»، أو «التقصي لحديث الموطأ وشيوخ الإمام مالك»، ص ٩.","vol":"1","page":119},{"text":"السنن التي هي البيان لمجمل القرآن بها يوصل إلى مراد الله تعالى من عباده فيما تعبّدهم به من شرائع دينه الذي به الابتلاء، وعليه الجزاء، في دار الخلود والبقاء، التي لها يسعى الألبّاء العقلاء، والعلماء الحكماء، فمن منّ الله عليه بحفظ السّنن والقرآن، فقد جعل بيده لواء الإيمان، فإن فقه وفهم، واستعمل ما علم- دعي في ملكوت السموات عظيما، ونال فضلا جسيما- انتهى، والله أسأل أن يجعل هذا السعي خالصًا لوَجْهِهِ، وعملًا صالحًا يقرِّبنا إلى مرضاته، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إلاَّ باللَّهِ العَلِيِّ العظيم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-84>وسمّيته ب «الجواهر الحسان في تفسير القرآن»</span>\nأسأل الله أن ينفع به كلّ من حصّله، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا عدد ما ذكره الذاكرون، وغفل عن ذكره الغافلون، وآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الحَمْدُ للَّهِ رَبِّ العالمين.\nوها أنا- إن شاء الله- أشرع في المقصود وألتقط من كلام ابن عطيّة﵀- ما ستقف عليه من النّبذ الحسنة المختارة ما تقرّ به العين، وإذا نقلت شيئا من غيره، عزوته لصاحبه كما تقدّم.\nقال ع «١» - ﵀- بعد كلام في أثناء خطبته: ولما أردتّ أن أختار لنفسي وأنظر في علم أعدّ أنواره لظلم رمسي، سبرت العلوم بالتنويع والتقسيم، وعلمت أنّ شرف العلم على قدر شرف المعلوم فوجدتّ أمتنها حبالا، وأرسخها جبالا، وأجملها آثارا وأسطّعها أنوارا- علم كتاب الله جلّت قدرته، وتقدّست أسماؤه، الذي لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت: ٤٢] الذي استقلّ بالسّنّة والفرض، ونزل به أمين السماء إلى أمين الأرض، وأيقنت أنه أعظم العلوم تقريبا إلى الله تعالى، وتخليصا للنّيّات، ونهيا عن الباطل، وحضّا على الصالحات إذ ليس من علوم الدنيا فيختلّ حامله من منازلها صيدا، ويمشي في التلطّف لها رويدا، ورجوت أنّ الله تعالى يحرّم على النّار فكرا عمّرته أكثر عمره معانيه، ونفسا ميّزت براعة رصفه ومبانيه، ثم قال:\nقال اللَّه تعالى: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا [المزمل: ٥] قال المفسّرون: أي: علم معانيه، والعمل بها، وقد قال النبيّ ﷺ: «قيّدوا العلم بالكتب» «٢» ففزعت إلى تعليق ما\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٣٤- ٣٦) .\n(٢) ورد هذا الحديث عن جماعة من الصحابة، وهم: أنس بن مالك، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عباس.","vol":"1","page":120},{"text":"يتنخّل لي في المناظرة من علم التفسير، قال: ولنقدّم بين يدي القول في التفسير أشياء قد قدّم\n_________\nحديث أنس بن مالك:\nأخرجه ابن شاهين في «الناسخ والمنسوخ» (ص ٢٧٤- بتحقيقنا) والخطيب في «تاريخ بغداد» (١٠/ ٤٦)، وفي «تقييد العلم» (ص- ٧٠) وفي «الجامع لأخلاق الراوي» (١/ ٢٢٨)، رقم (٤٤٠)، وابن الجوزي في «العلل المتناهية» (١/ ٨٦)، رقم (٩٤)، وابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (١/ ٣٠٦)، كلهم من طريق عبد الحميد بن سليمان، عن ابن المثنى، عن عمه ثمامة بن أنس، عن أنس بن مالك مرفوعا.\nوقال الخطيب في «التقييد»: تفرد برواية هذا الحديث عبد الحميد بن سليمان الخزاعي المدني أخو فليح عن عبد الله بن المثنى مرفوعا، وغيره يرويه موقوفا على أنس، وقال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح تفرد بروايته مرفوعا عبد الحميد، قال يحيى بن معين وأبو داود: ليس بثقة. وقال الدارقطني:\nضعيف الحديث. قال: ووهم ابن المثنى في رفعه، والصواب: عن ثمامة، عن أنس أنه كان يقول ذلك لبنيه، ولا يرفعه. اه.\nوعبد الحميد بن سليمان قال الحافظ في «التقريب» (١/ ٤٦٨): ضعيف.\nوقال العسكري كما في «المقاصد» (ص ٥٥): ما أحسبه من كلام النبي ﷺ، وأحسب عبد الحميد وهم فيه، وإنه من قول أنس فقد روى عبد الله بن المثنى عن ثمامة قال: كان أنس يقول لبنيه: يا بني قيدوا العلم بالكتاب. اه.\nوللحديث طريق آخر مرفوع.\nأخرجه أبو نعيم في «أخبار أصبهان» (٢/ ٢٢٨) والقضاعي في «مسند الشهاب» (٦٣٧) كلاهما من طريق إسماعيل بن أبي أويس، عن إسماعيل بن إبراهيم ابن أخي موسى بن عقبة، عن الزهري، عن أنس مرفوعا به. وإسماعيل بن أبي أويس، قال الحافظ في «التقريب» (١/ ٧١): صدوق، أخطأ في أحاديث من حفظه.\nوقد ورد هذا الحديث موقوفا على أنس كما أشار إليه بعضهم كما تقدم.\nوالموقوف أخرجه الدارمي (١/ ١٢٦- ١٢٧)، باب: من رخص في كتابه العلم، وأبو خيثمة في «العلم» رقم (١٢٠)، والطبراني في «الكبير» (١/ ٢٤٦)، رقم (٧٠٠)، والحاكم (١/ ١٠٦)، والخطيب في «تقييد العلم» ص (٩٦)، وابن سعد في «الطبقات الكبرى» (٧/ ١٦)، والرامهرمزي في «المحدث الفاصل» (ص- ٣٦٨)، وابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (١/ ٣١٦)، كلهم من طريق عبد الله بن المثنى الأنصاري، عن ثمامة، عن أنس موقوفا.\nوالحديث ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ١٥٥) وقال: رواه الطبراني في «الكبير»، ورجاله رجال الصحيح، وعبد الله بن المثنى قال الحافظ في «هدي الساري» (ص- ٤٣٦): وثقه العجلي والترمذي، واختلف فيه قول الدارقطني، وقال ابن معين وأبو زرعة وأبو حاتم صالح، وقال النسائي: ليس بالقوي وقال الساجي: فيه ضعف، ولم يكن من أهل الحديث، وروى مناكير، وقال العقيلي: لا يتابع على أكثر حديثه. قلت: لم أر البخاري احتج به إلا في روايته عن عمه ثمامة، فعنده عنه أحاديث، وأخرج له من روايته عن ثابت عن أنس حديثا توبع فيه عنده، وهو في فضائل القرآن، وأخرج له أيضا في اللباس عن مسلم بن إبراهيم عنه عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر في النهي عن القزع بمتابعة نافع وغيره عن ابن عمر، وروى له الترمذي وابن ماجه.\nوقال في «التقريب» (١/ ٤٤٥): صدوق كثير الغلط. [.....]","vol":"1","page":121},{"text":"أكثرها المفسّرون، وأشياء ينبغي أن تكون راسخة في حفظ الناظر في هذا العلم مجتمعة لذهنه.\n_________\nحديث عبد الله بن عمرو:\nأخرجه الحاكم (١/ ١٠٦)، والخطيب في «تقييد العلم» (ص ٦٩)، والطبراني في «الأوسط» (١/ ٤٦٩) رقم (٨٥٢)، وابن الجوزي في «العلل المتناهية» (١/ ٨٧)، رقم (٩٦) كلهم من طريق عبد الله بن المؤمل، عن ابن جريج، عن عطاء، عن عبد الله بن عمرو قال: قلت يا رسول الله: أقيد العلم؟ قال:\nنعم، قلت: وما تقييده؟ قال: الكتابة.\nوضعفه الحاكم، وقال الذهبي: ابن المؤمل ضعيف.\nتنبيه: وقع في «المعجم الأوسط» عبد الله بن المؤمل، عن عطاء، ولم يذكر ابن جريج.\nوقد اضطرب عبد الله بن المؤمل في إسناد هذا الحديث، فرواه كما تقدم، ورواه مرة، عن ابن أبي مليكة، عن عبد الله بن عمرو، أخرجه الخطيب في «تقييد العلم» (ص- ٦٨)، والرامهرمزي في «المحدث الفاصل» (ص ٣٦٤)، وأخرجه الخطيب أيضا في «الجامع لأخلاق الراوي» (١/ ٢٢٨)، رقم (٤٣٩)، وابن الجوزي في «العلل المتناهية» (١/ ٨٦) رقم (٩٥) كلهم من طريق سريج بن النعمان عنه به.\nوقد ضعف ابن الجوزي هذا الطريق والذي قبله، فقال: هذه الطرق كلها لا تصح، أما الطريقان الأولان ففيهما عبد الله بن المؤمل قال أحمد: أحاديثه مناكير. وقال يحيى بن معين: ضعيف، وقال أبو حاتم بن حبان: لا يجوز الاحتجاج بخبره إذا انفرد. اه.\nواضطرب فيه ابن المؤمل مرة ثالثة، فرواه عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده.\nأخرجه الخطيب البغدادي في «تقييد العلم» (ص- ٦٩)، وقد توبع ابن المؤمل على هذا، تابعه ابن أبي ذئب: أخرجه الرامهرمزي في «المحدث الفاصل» (ص ٣٦٤)، والخطيب في «تقييد العلم» (ص- ٦٩)، وابن الجوزي في «العلل المتناهية» (١/ ٨٧)، رقم (٩٧)، كلهم من طريق إسماعيل بن يحيى، عن ابن أبي ذئب، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده به.\nونقل ابن الجوزي، عن الدارقطني قوله: تفرد به إسماعيل بن يحيى، عن ابن أبي ذئب.\nوقال ابن الجوزي: فيه إسماعيل بن يحيى، قال ابن عدي: يحدث عن الثقات بالبواطيل، وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الثقات وما لا أصل له عن الأثبات، لا يحل الرواية عنه بحال، وقال الدارقطني: كذاب متروك.\nحديث ابن عباس:\nأخرجه ابن عدي في «الكامل» (٢/ ٧٩٢) من طريق حفص بن عمر بن أبي العطاف، عن أبي الزناد، عن الأعرج. عن ابن عباس مرفوعا.\nوقال ابن عدي: وحفص بن عمر حديثه منكر.\nوالحديث من هذه الطرق يحتمل التحسين، وله شواهد موقوفة عن عمر بن الخطاب، وابن عباس.\nأثر عمر:\nأخرجه ابن أبي شيبة (٩/ ٤٩)، والدارمي (١/ ١٢٧)، والخطيب في «تقييد العلم» (ص ٨٨)، والحاكم (١/ ١٠٦) من طريق ابن جريج، عن عبد الله بن عبد الملك بن أبي سفيان، عن عمه عمرو بن أبي سفيان، عن عمر، فذكره. وصححه الحاكم.\nأثر ابن عباس:\nأخرجه الخطيب في «تقييد العلم» ص (٩٢) من طريق عكرمة بن عمار، عن يحيى بن أبي كثير. قال:","vol":"1","page":122},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-85>باب في فضل القرآن </span>«١»\nقال رسول الله ﷺ: «إنّها ستكون فتن كقطع اللّيل المظلم، قيل: فما النّجاة منها، يا رسول الله؟ قال: كتاب الله ﵎ فيه نبأ من قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، وهو فصل ليس بالهزل، من تركه تجبّرا، قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضلّه الله، وهو حبل الله المتين، ونوره المبين، والذّكر الحكيم، والصّراط المستقيم، هو الّذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تتشعّب معه الآراء، ولا يشبع منه العلماء، ولا يملّه الأتقياء، من علم علمه سبق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن اعتصم به، فقد هدي إلى صراط مستقيم» «٢»، وقال رسول الله ﷺ: «من أراد علم الأوّلين والآخرين، فليثوّر القرآن» «٣»، وقال ﷺ: «إنّ الّذي يتعاهد القرآن، ويشتدّ عليه له أجران، والّذي يقرؤه وهو خفيف عليه مع السّفرة الكرام البررة» «٤»، وقال ﷺ: «اتلوا هذا القرآن،\n_________\nقال ابن عباس: قيدوا العلم بالكتاب.\nوسنده ضعيف فرواية عكرمة بن عمار عن يحيى مضطربة.\n(١) هذا الباب يوجد في «المحرر الوجيز» (١/ ٣٦) هكذا: باب: ما ورد عن النبي ﷺ، وعن الصحابة، وعن نبهة العلماء، في فضل القرآن المجيد، وصورة الاعتصام به.\n(٢) أخرجه الترمذي (٥/ ١٧٢)، كتاب فضائل القرآن، باب ما جاء في فضائل القرآن، حديث (٢٩٠٦)، والدارمي (٢/ ٤٣٥)، كتاب فضائل القرآن، باب فضل من قرأ القرآن، كلاهما من طريق الحسين بن علي الجعفي، عن حمزة الزيات، عن أبي المختار الطائي، عن ابن أخي الحارث الأعور، عن الحارث، عن علي به.\nوقال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وإسناده مجهول، وفي الحارث مقال.\nوذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٣٣٧)، وعزاه إلى ابن أبي شيبة، والدارمي، والترمذي، ومحمد بن نصر، وابن الأنباري في «المصاحف» .\n(٣) ذكره المتقي الهندي في «كنز العمال» (١/ ٥٤٨) رقم (٢٤٥٤)، وعزاه إلى الديلمي، عن أنس مرفوعا، وقد ورد هذا الحديث عن ابن مسعود لكن موقوفا، فأخرجه الطبراني في «الكبير» (٩/ ١٤٦)، رقم (٨٦٦٥) من طريق زهير، عن أبي إسحاق، عن مرة، عن ابن مسعود، وذكره الهيثمي في «المجمع» (٧/ ١٦٨)، وقال: رواه الطبراني بأسانيد، ورجال أحدها رجال الصحيح.\nوأخرجه الطبراني أيضا (٩/ ١٤٦)، رقم (٨٦٦٦) من طريق شعبة، عن أبي إسحاق، عن مرة، عن عبد الله قال: «من أراد العلم فليثور القرآن، فإن فيه علم الأولين والآخرين» وأخرجه ابن المبارك في «الزهد» (ص ٢٨٠)، رقم (٨١٤)، والفريابي في «فضائل القرآن» (ص- ١٩٧)، رقم (٧٨)، وأبو عبيد في «فضائل القرآن» (ص ٣٦) رقم (٨٠) . وابن أبي شيبة (١٠/ ٤٨٥)، رقم (١٠٠٦٧) كلهم من طريق سفيان، عن أبي إسحاق، عن مرة، عن ابن مسعود قال: «إذا أردتم العلم فأثيروا القرآن، فإن فيه علم الأولين والآخرين» .\n(٤) أخرجه البخاري (٨/ ٥٦٠)، كتاب التفسير، باب سورة «عبس»، حديث (٤٩٣٧)، ومسلم (١/ ٥٥٠)،","vol":"1","page":123},{"text":"فإنّ الله يأجركم بالحرف منه عشر حسنات أما إنّي لا أقول «آلم» حرف، ولكن الألف حرف، واللّام حرف، والميم حرف» «١»، وقال ﷺ: «ما من شفيع أفضل عند الله من القرآن، لا نبيّ ولا ملك» «٢»، وقال ﷺ: «أفضل عبادة أمّتي القرآن» «٣»، وحدّث أنس بن\n_________\nكتاب «صلاة المسافرين»، باب فضل الماهر بالقرآن، حديث (٧٩٨/ ٢٤٤)، وأبو داود (١/ ٤٦٠)، كتاب الصلاة، باب في ثواب قراءة القرآن، حديث (١٤٥٤)، والترمذي (٥/ ١٧١)، كتاب «فضائل القرآن»، باب ما جاء في فضل قارئ القرآن، حديث (٢٩٠٤)، والنسائي في «التفسير» (٢/ ٤٩٢)، رقم (٦٦٦)، وابن ماجة (٢/ ١٢٤٢)، كتاب «الأدب»، باب ثواب القرآن، حديث (٣٧٧٩)، وأحمد (٦/ ٤٨، ١١٠، ١٩٢، ٢٣٩)، وعبد الرزاق (٢/ ٤٩١)، رقم (٤١٩٤)، وابن أبي شيبة (١٠/ ٤٩٠)، رقم (١٠٠٨٥)، والدارمي (٢/ ٤٤٤)، كتاب «فضائل القرآن»، باب فضل من يقرأ القرآن ويشتد عليه، والطيالسي (٢/ ٢- منحة)، رقم (١١٨٤)، والبيهقي (٢/ ٣٩٥)، كتاب «الصلاة»، وفي «شعب الإيمان» (٤/ ٥٣٧)، رقم (١٨٢٢)، وأبو عبيد في «فضائل القرآن» (ص- ٥)، رقم (٦)، والفريابي في «الفضائل» (ص- ١١٤)، وابن الضريس في «فضائل القرآن» (ص ٣٩)، رقم (٢٩)، وابن حبان (٣/ ٤٤)، رقم (٧٦٧)، من طرق، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام الأنصاري، عن عائشة مرفوعا.\nوقال الترمذي: حديث حسن صحيح.\n(١) أخرجه الترمذي (٥/ ١٧٥)، كتاب «فضائل القرآن»، باب ما جاء فيمن قرأ حرفا من القرآن ما له من الأجر، حديث (٢٩١٠)، والبخاري في «التاريخ الكبير» (١/ ٢١٦)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٤/ ٥٤٨)، رقم (١٨٣١) كلهم من طريق الضحاك بن عثمان، عن أيوب بن موسى قال: سمعت محمد بن كعب القرظي يقول: سمعت عبد الله بن مسعود يقول: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: (الم) حرف، ولكن ألف حرف، وميم حرف» .\nوقال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه، سمعت قتيبة يقول: بلغني أن محمد بن كعب القرظي ولد في حياة النبي ﷺ ...» اه. قلت: الذي ولد في حياة النبي ﷺ كعب والد محمد، وينظر «الإصابة» (٦/ ٣٤٦) .\n(٢) ذكره الغزالي في «الإحياء» (١/ ٢٧٣) .\nوقال الحافظ العراقي في «تخريجه»: رواه عبد الملك بن حبيب من رواية سعيد بن سليم مرسلا. اه.\nوينظر: «كشف الخفاء» (١/ ٢٠) .\n(٣) أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» (٢/ ٣٥٤)، رقم (٢٠٢٢) من طريق سلمة بن كهيل، عن حجية بن عدي، عن النعمان بن بشير مرفوعا.\nوقد ورد بلفظ: «أفضل العبادة قراءة القرآن» .\nذكره المتقي الهندي في «كنز العمال» (١/ ٥١١)، رقم (٢٢٦٣)، وعزاه إلى ابن قانع، عن أسير بن جابر، وإلى السجزي في «الإبانة»، عن أنس.\nوأسير بن جابر في صحبته نظر، قاله ابن الأثير كما في «فيض القدير» (٢/ ٤٤) .\nوالحديث ذكره الغزالي في «الإحياء» (١/ ٢٧٣)، وقال الحافظ العراقي: أخرجه أبو نعيم في «فضائل القرآن» من حديث النعمان بن بشير، وأنس، وإسنادهما ضعيف.","vol":"1","page":124},{"text":"مالك «١» عن رسول الله ﷺ أنّه قال: «من قرأ مائة آية، كتب من القانتين، ومن قرأ مائتي آية، لم يكتب من الغافلين، ومن قرأ ثلاثمائة آية، لم يحاجّه القرآن» «٢»، قال الشيخ يحيى بن شرف النوويّ «٣»: اعلم أنّ قراءة القرآن آكد الأذكار، وأفضلها فينبغي المداومة عليها فلا يخلو عنها يوما وليلة، ويحصل له أصل القراءة بقراءة الآيات القليلة، والمطلوب القراءة بالتدبّر والخشوع والخضوع، وقد روّينا في كتاب ابْنِ السُّنِّيِّ عن أنسٍ، عن النبيّ ﷺ أنّه قال: «من قرأ خمسين آية، لم يكتب من الغافلين، ومن قرأ مائة آية، كتب من القانتين، ومن قرأ مائتي آية، لم يحاجّه القرآن يوم القيامة، ومن قرأ خمسمائة آية، كتب له قنطار من الأجر»، وفي رواية: «من قرأ أربعين آية بدل: «خمسين»، وفي رواية:\n«عشرين «٤» آية» وفي رواية عن أبي هريرة «٥» عن النبي ﷺ: «من قرأ عشر آيات لم يكتب\n_________\n(١) أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار- واسمه تيم الله- بن ثعلبة بن عمرو بن خزرج بن حارثة.\nأبو حمزة. الأنصاري. الخزرجي. النجاري من بني عدي بن النجار. خادم رسول الله ﷺ. توفي سنة ٩٠ وقيل غير ذلك.\nينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (٢٥٨/ ١/ ١٥١)، «الإصابة» (١/ ٧١)، «تجريد أسماء الصحابة» (١/ ٣١)، «الاستيعاب» (١/ ١٠٩)، «الثقات» (٣/ ٤)، «سير أعلام النبلاء» (٣/ ٣٩٥)، «الجرح والتعديل» (٢/ ١٠٣٦)، «الأعلام» (٢/ ٢٤)، «العبر» (١/ ١٠٧)، «تهذيب الكمال» (١/ ١٢٢)، «تقريب التهذيب» (١/ ١٤)، «الوافي بالوفيات» (٩/ ٤١١)، «تاريخ الثقات» (٧٣) .\n(٢) أخرجه ابن السني في «عمل اليوم والليلة» رقم (٦٧٩) .\n(٣) ينظر: «الأذكار» ص ١٣٣، بتصرف.\n(٤) أخرجه ابن السني في «عمل اليوم والليلة» رقم (٦٧٩) . [.....]\n(٥) أبو هريرة بن عامر بن عبد ذي الشّرى بن طريف بن عتاب بن أبي صعب بن منبه بن سعد بن ثعلبة بن سليم بن فهم بن غنم بن دوس بن عدنان بن عبد الله بن زهران بن كعب. الدوسي. وقيل في نسبه غير ذلك. واختلف في اسمه اختلافا كثيرا. ذكره ابن حجر في «الإصابة» وقد عدد من أقوالهم في اسمه الشيء الكثير.\nقال ابن الأثير:\nأبو هريرة- الدوسي صاحب رسول الله ﷺ وأكثرهم حديثا عنه، وهو دوسي. وقد اختلف في اسمه اختلافا كثيرا لم يختلف في اسم آخر مثله ولا ما يقاربه.. وقيل: رآه رسول الله ﷺ وفي كمه هرة فقال:\n«يا أبا هريرة» .\nوفاته: قيل توفي سنة (٥٧)، وله (٧٨ سنة)، قيل: مات ب «العقيق»، وحمل إلى المدينة.\nينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (٦/ ٣١٨)، «الإصابة» (٧/ ١٩٩)، «الاستيعاب» (١٧٦٨)، «تجريد أسماء الصحابة» (٢/ ٢٠٩)، «تهذيب الكمال» (٣/ ١٦٥٥)، «تهذيب التهذيب» (١٢/ ٢٦٢)، «الكنى والأسماء» (١/ ٦٠)، «المغني» (٢٩٨)، «الكاشف» (٣/ ٣٨٥)، «الأنساب» (٥/ ٤٠٢)، «تنقيح المقال» (٣/ ٣٨)، «معرفة الثقات» (٢٢٧٥٦)، «تاريخ الثقات» (٢٠٦١) .","vol":"1","page":125},{"text":"من الغافلين» «١»، وجاء في الباب أحاديث كثيرة بنحو هذا. انتهى من «الحلية» .\nوروى ابن عبّاس «٢» عن النبي ﷺ أنه قال: «أشراف أمّتي حملة القرآن» «٣»، وروى أنَسُ بنُ مالكٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: «القرآن شافع مشفّع وما حل مصدّق، ومن شفع له القرآن نجا، ومن محل به القرآن يوم القيامة، كبّه الله لوجهه في النّار» «٤»، وأحقّ من شفع\n_________\n(١) أخرجه ابن السني في «عمل اليوم والليلة» (ص ١٨٨)، رقم (٧٠٢)، و«الحاكم» (١/ ٥٥٥)، كلاهما من طريق محمد بن إبراهيم الصوري، عن مؤمل بن إسماعيل، عن حماد بن سلمة، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة به وقال الحاكم: صحيحٌ على شرط مسلمٍ، ولم يخرِّجاه.\nووافقه الذهبي.\nقلت: ومؤمل بن إسماعيل. وثقه ابن معين وإسحاق بن راهويه.\nوقال ابن سعد: ثقة كثير الغلط.\nوقال الدارقطني: كثير الخطأ.\nوقال الساجي: صدوق كثير الخطأ، وله أوهام يطول ذكرها.\nوقال أبو حاتم: صدوق شديد السنة، كثير الخطأ.\nوقال البخاري: منكر الحديث.\nوقد لخص الحافظ هذه الأقوال في «التقريب» فقال: صدوق إلا أنه سىء الحفظ.\nينظر: «الجرح والتعديل» (٨/ ٣٧٤)، و«التقريب» (٢/ ٥٥٥) و«التهذيب» (١٠/ ٣٨٠- ٣٨١) .\n(٢) هو: عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف أبو العباس. القرشي. الهاشمي. ابن عم رسول الله ﷺ. أمه: أم الفضل لبابة بنت الحارث. الهلالية.\nولد وبنو هاشم بالشّعب قبل الهجرة بثلاث، وقيل: بخمس. كان يسمى «البحر» لسعة علمه، ويسمى «حبر الأمة»، ويسمى «ترجمان القرآن»، وهو من صغار الصحابة توفي النبي ﷺ وله على أرجح الأقوال ثلاث عشرة سنة. توفي ب «الطائف» سنة ٦٨ وله (٧١ أو ٧٢ أو ٧٤) .\nينظر ترجمته في: «الإصابة» (٤/ ٩٠)، «أسد الغابة» (٣/ ٢٩٠)، «الاستيعاب» (٣/ ٩٣٣)، «تجريد أسماء الصحابة (١/ ٣٢٠)، «التاريخ الكبير» (٣/ ٣، ٥) «الجرح والتعديل» (٥/ ١١٦)، «العبر» (١/ ٤١)، «الأعلام» (٤/ ٩٥)، «شذرات الذهب» (١/ ٧٥) «صفوة الصفوة» (١/ ٧٤٦) .\n(٣) أخرجه السهمي في «تاريخ جرجان» (ص- ٤٩٤)، والطبراني في «الكبير» (١٢/ ١٢٥)، رقم (١٢٦١٢)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٢/ ٥٥٦)، رقم (٢٧٠٣)، والخطيب في «تاريخ بغداد» (٤/ ١٢٤)، كلهم من طريق سعد بن سعيد الجرجاني: ثنا نهشل بن عبد الله، عن الضحاك، عن ابن عباس مرفوعا.\nوالحديث ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٧/ ١٦٤)، وقال: وفيه سعد بن سعيد الجرجاني، وهو ضعيف.\nوالحديث ضعفه المنذري في «الترغيب» (٩١٩) .\n(٤) أخرجه أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب «فضائل القرآن» كما في «تخريج الكشاف» للزيلعي (٢/ ١٨٧، ١٨٨) من طريق حجاج عن ابن جريج قال: حدثت عن أنس، فذكره وقال الزيلعي: وفيه انقطاع، وحجاج ضعيف.","vol":"1","page":126},{"text":"له القرآن أهله وحملته، وأولى من محل به من عدل عنه، وضيّعه، وقال قوم من الأنصار للنبي ﷺ: «ألم تر يا رسول الله ثابت بن قيس «١» لم تزل داره البارحة يزهر فيها وحولها أمثال المصابيح؟! فقال لهم: فلعلّه قرأ سورة البقرة، فسئل ثابت بن قيس فقال: نعم، قرأت سورة البقرة» «٢»، وفي هذا المعنى حديث صحيح عن أسيد بن حضير «٣» في تنزّل\n_________\nوللحديث شواهد من حديث جابر وابن مسعود.\nحديث جابر:\nأخرجه ابن حبان (١٧٩٣- موارد)، والبزار (١/ ٧٨- كشف)، رقم (١٢٢)، كلاهما من طريق أبي كريب محمد بن العلاء: ثنا عبد الله بن الأجلح، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر عن النبي ﷺ قال: «القرآن شافع مشفع، وما حل مصدّق، من جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلف ظهره ساقه إلى النار» .\nوصححه ابن حبان.\nوقال البزار: لا نعلم أحدا يرويه عن جابر إلّا من هذا الوجه وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ١٧٤)، وقال: ورجال حديث جابر المرفوع ثقات.\nحديث ابن مسعود:\nأخرجه أبو نعيم في «الحلية» (٤/ ١٠٨)، والطبراني في «الكبير» (١٠/ ٢٤٤)، رقم (١٠٤٥٠)، كلاهما من طريق هشام بن عمار: ثنا الربيع بن بدر، عن الأعمش، عن شقيق أبي وائل، عن ابن مسعود مرفوعا.\nوقال أبو نعيم: غريب من حديث الأعمش، تفرد به عنه الربيع.\n(١) ثابت بن قيس بن الشماس بن زهير بن مالك. أبو عبد الرحمن وأبو محمد. الأنصاريّ الخزرجي.\nخطيب الأنصار. قال ابن الأثير: كان ثابت خطيب الأنصار، وخطيب النبي ﷺ كما كان حسان شاعره.. شهد أحدا وما بعدها، وقتل يوم اليمامة في خلافة أبي بكر شهيدا. روى عنه أنس بن مالك وأولاده.\nينظر ترجمته في: «تجريد أسماء الصحابة» (١/ ٦٤)، «الاستيعاب» (١/ ٢٠٠)، «الاستبصار» (١/ ١١٧)، «الإصابة» (١/ ٢٠٣)، «أسد الغابة» (١/ ٢٧٥)، «الثقات» (٣/ ٤٣)، «تقريب التهذيب» (١/ ١١٦)، «تهذيب التهذيب» (٢/ ١٢)، «تهذيب الكمال» (١/ ٣٦٨)، «الكاشف» (١/ ١٧١)، «التاريخ الكبير» (٥/ ١٦٧)، «الجرح والتعديل» (٢/ ٤٥٦)، «سير أعلام النبلاء» (١/ ٣٠٨) .\n(٢) أخرجه أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب: «فضائل القرآن» كما في «تفسير ابن كثير» (١/ ٣٣)، قال حدثنا عباد بن عباد، عن جرير بن حازم، عن عمه جرير بن يزيد أن أشياخ أهل المدينة حدثوه، فذكروا الحديث.\nوقال ابن كثير: وهذا إسناد جيد إلا أن فيه إبهاما، ثم هو مرسل.\n(٣) هو: أسيد بن الحضير بن سماك بن عتيك بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل.. قيل كنيته: أبو حضير، أبو عمرو، أبو عيسى، أبو يحيى، أبو عتيك. الأنصاري. الأشهلي الأوسي، شهد العقبة الثانية، وكان نقيبا لبني عبد الأشهل. اختلف في شهوده بدرا، وشهد أحدا وكان ممن ثبت يومها، وجرح حينئذ سبع جراحات، قال ابن إسحاق: حدثنا يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن","vol":"1","page":127},{"text":"الملائكة في الظّلّة لصوته بقراءة سورة البقرة «١» .\nقلت: وفي رواية سورة الكهف.\nوهذا الحديث خرّجه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنّسائيّ. انتهى.\nوقال عقبة بن عامر «٢»: «عهد إلينا رسول الله ﷺ في حجّة الوداع، فقال: عليكم بالقرآن» «٣»، وقال عبد اللَّه بن عمرو بن العَاصِي «٤»: أنَّ من أشراط السّاعة أن يبسط\n_________\nعائشة قالت: «ثلاثة من الأنصار لم يكن أحد منهم يلحق في الفضل كلهم من بني عبد الأشهل:\nسعد بن معاذ وأسيد بن حضير، وعباد بن بشير. توفي سنة (٢٠)، وقيل ٢١، وقيل: في إمارة عمر.\nينظر ترجمته في: «تجريد أسماء الصحابة» (١/ ٢١)، «الثقات» (٣/ ٦)، «أسد الغابة» (١/ ١١١)، «الإصابة» (١/ ٤٨)، «الإكمال» (٢/ ٤٨٢)، «الاستيعاب» (١/ ٩٢)، «تهذيب الكمال» (١/ ١١٣) .\n(١) أخرجه البخاري (٨/ ٦٨٠)، كتاب «فضائل القرآن»، باب: نزول السكينة والملائكة عند قراءة القرآن، حديث (٥٠١٨) .\n(٢) هو: عقبة بن عامر بن عبس بن عمرو بن عدي بن عمرو بن رفاعة بن مودعة بن عدي بن غنم بن الربعة بن رشدان بن قيس بن جهينة ... الجهني، أبو حماد. وقيل: أبو لبيد. وأبو عمرو.\nقال ابن الأثير في «الأسد»:\nروى عنه من الصحابة: ابن عباس، وأبو عباس، وأبو أيوب، وأبو أمامة، وغيرهم. ومن التابعين: أبو الخير، وعلي بن رباح أبو قبيل، وسعيد بن المسيب وغيرهم.\nشهد «صفين» مع معاوية، وشهد فتوح الشام، وهو كان البريد إلى عمر بفتح «دمشق»، وكان من أحسن الناس صوتا بالقرآن. توفي بمصر، وكان واليا عليها سنة (٥٨ هـ.)\nينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (٤/ ٥٣)، «الإصابة» (٤/ ٢٥٠)، «الثقات» (٣/ ٢٨٠)، «الطبقات الكبرى» (٢/ ٣٧٦)، «التاريخ الكبير» (٦/ ٣٤٠)، «التاريخ الصغير» (٢/ ١٢٣)، «الرياض المستطابة» (٢٢٠)، «الأعلام» (٢/ ٢٤٠)، «العبر» (١/ ٦٢)، «الإكمال» (٦/ ٨٨)، «سير أعلام النبلاء» (٢/ ٤٦٧)، «طبقات الحفاظ» (١٠) «تذكرة الحفاظ» (١/ ٤٢)، «روضات الجنات» (٨/ ٣٨)، «الجرح والتعديل» (٦/ ٣١٣)، «تهذيب الكمال» (٢/ ٩٤٥)، «تقريب التهذيب» (٢/ ٢٧) .\n(٣) أخرجه الطبراني في «الكبير» (١٩/ ٢٩٦)، رقم (٦٥٨) .\n(٤) هو: عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم بن سعيد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي.. أبو محمد. وقيل: أبو عبد الرحمن. القرشي. السهمي. أسلم قبل أبيه، وكان من فضلاء الصحابة عالما بالقرآن، وقرأ الكتب المتقدمة، وكان من أشهر حفاظهم، وأخباره كثيرة لا يتسع المقام للحديث عنه.\nوفاته: قيل: توفي سنة (٦٣) وقيل غير ذلك.\nينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (٣/ ٣٤٩)، «الإصابة» (٤/ ١١١)، «الثقات» (٣/ ٢١١)، «الاستيعاب» (٣/ ٢٥٦)، «تجريد أسماء الصحابة» (١/ ٣٢٦)، «الجرح والتعديل» (٥/ ١١٦)، «تقريب التهذيب» (١/ ٤٣٦)، «تهذيب التهذيب» (٥/ ٣٣٧)، «تهذيب الكمال» (٢/ ٧١٦)، «شذرات الذهب» (١/ ٦٢)، «النجوم الزاهرة» (٢٠)، «الوافي بالوفيات» (١٧/ ٣٨٠) . [.....]","vol":"1","page":128},{"text":"القول، ويخزن الفعل، ويرفع الأشرار، ويوضع الأخيار، وأن تقرأ المثناة على رءوس النّاس، لا تغيّر، قيل: وما المثناة «١»؟ قال: ما استكتب من غير كتاب الله، قيل له: فكيف بما جاء من حديث رسول الله ﷺ؟ قال: ما أخذتموه عمّن تأمنونه على نفسه ودينه فاعقلوه، وعليكم بالقرآن فتعلّموه، وعلّموه أبناءكم فإنّكم عنه تسألون، وبه تجزون، وكفى به واعظا لمن عقل «٢» وقال رجل لعبد الله بن مسعود «٣»: أوصني، فقال: إذا سمعت الله تعالى يقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فأرعها سمعك فإنّه خير يأمر به، أو شرّ ينهى عنه «٤»، وروى أبو هريرة أنّ رسول الله ﷺ سئل عن أحسن النّاس قراءة أو صوتا بالقرآن فقال: «الّذي إذا سمعته رأيته يخشى الله تعالى» «٥»، وقال ﷺ: «اقرءوا بالقرآن قبل أن يجيء قوم يقيمونه كما يقام القدح «٦»، ويضيّعون معانيه، يتعجّلون أجره، ولا\n_________\n(١) قال العلامة ابن الأثير: وقيل: إن المثناة هي أن أحبار بني إسرائيل بعد موسى﵇- وضعوا كتابا فيما بينهم على ما أرادوا من غير كتاب الله، فهو المثناة، فكأن ابن عمرو كره الأخذ عن أهل الكتاب، وقد كانت عنده كتب وقعت إليه يوم اليرموك منهم، فقال هذا لمعرفته بما فيها.\nقال الجوهري: «المثناة» هي التي تسمى بالفارسية دوبتي، وهو الغناء. ينظر: «النهاية في غريب الحديث والأثر» (١/ ٢٢٥- ٢٢٦) .\n(٢) أخرجه الدارمي (١/ ١٢٣)، باب: من لم ير كتابة الحديث.\n(٣) هو: عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب بن سمع بن فار بن مخزوم بن صاهلة بن الحرث بن تيم بن سعد بن هذيل أبو عبد الرحمن الهذلي. حليف بني زهرة.\nقال له النبي ﷺ في أول الإسلام «إنك غلام معلم» وقال هو: لقد رأيتني سادس ستة، وما على الأرض مسلم غيرنا، وكان يقول أخذت من في رسول الله ﷺ سبعين سورة، وهو أول من جهر بالقرآن بمكة.\nتوفي سنة: ٣٢، وقيل: ٣٣، وقيل: توفي بالمدينة، وقيل: بالكوفة، والأول أرجح.\nينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (٣/ ٤٨٤)، «الإصابة» (٤/ ١٢٩)، «الثقات» (٣/ ٢٠٨)، «الاستبصار» (٦٥، ١٣٩)، «تجريد أسماء الصحابة» (١/ ٣٣٤)، «الأعلام» (٤/ ١٣٧)، «التاريخ الصغير» (١/ ٦٠)، «الجرح والتعديل» (٥/ ١٤٩)، «العبر» (١/ ٢٥)، «حلية الأولياء» (١/ ٣٧٥)، «سير أعلام النبلاء» (١/ ٤٦١) .\n(٤) أخرجه أحمد في «الزهد» (ص ٢٣١) رقم (٨٦٤) وابن المبارك في «الزهد» (ص ١٢) رقم (٣٦) وسعيد بن منصور رقم (٥٠) وابن أبي حاتم في «تفسيره» كما في «تفسير ابن كثير» (٢/ ٢) وأبو نعيم في «الحلية» (١/ ١٣٠) .\nوذكره السيوطي في «الدر المنثور» (١/ ١٩٥) ولكن عن ابن عباس وأظنه خطأ من الطابع أو الناسخ وزاد نسبته إلى أبي عبيد في «فضائله» والبيهقي في «شعب الإيمان» .\n(٥) أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٤٨٨) رقم (٤١٨٥) عن طاوس مرسلا.\nوذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٧/ ١٧٣) من حديث ابن عمر وعزاه للطبراني في الأوسط وقال:\nوفيه حميد بن حماد بن حوار وثقه ابن حبان وقال: ربما أخطأ وبقية رجاله رجال الصحيح.\n(٦) القدح: السهم قبل أن ينصّل ويراش. ينظر: «لسان العرب» (٣٥٤٢) .","vol":"1","page":129},{"text":"يتأجّلونه» «١»، وروي أنّ أهل اليمن، لمّا قدموا أيام أبي بكر الصديق «٢» ﵁ سمعوا القرآن فجعلوا يبكون، فقال أبو بكر: «هكذا كنّا، ثمّ قست القلوب» «٣»، وروي أن عمر بن الخطاب «٤» ﵁ قرأ مرة إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ما لَهُ مِنْ دافِعٍ [الطور: ٧، ٨] فأنّ أنّة عيد منها عشرين يوما «٥»، قال القرطبي في «التّذكرة» «٦»: وما تقرّب\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (١/ ٢٨٠)، كتاب: «الصلاة»، باب: ما يجزىء الأمي والأعجمي من القراءة، حديث (٨٣٠)، وأحمد (٣/ ٣٩٧)، والفريابي في «فضائل القرآن» (ص ٢٤٤)، رقم (١٧٤)، والآجري في «أخلاق أهل القرآن» (ص ٩٢)، رقم (٢٨)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٥/ ٥٧٥- ٥٧٦)، رقم (٢٣٩٩)، كلهم من طريق حميد الأعرج، عن محمد بن المنكدر، عن جابر مرفوعا.\nوأخرجه أحمد (٣/ ٣٥٧)، وأبو يعلى (٤/ ١٤٠)، رقم (٢١٩٧)، والبيهقي في «شعب الإيمان»، (٥/ ٥٧٦- ٥٧٧)، رقم (٢٤٠٠) من طريق أسامة بن زيد الليثي، عن محمد بن المنكدر، عن جابر به.\nوقد روي هذا الحديث عن ابن المنكدر مرسلا.\nأخرجه عبد الرزاق (٣/ ٣٨٢) رقم (٦٠٣٤)، وابن أبي شيبة (١٠/ ٤٨٠)، رقم (١٠٠٥٣)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٥/ ٥٧٥)، رقم (٢٣٩٨)، عن ابن المنكدر، عن النبي ﷺ مرسلا.\n(٢) هو: عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي..\nالقرشي. التيمي أبو بكر الصديق بن أبي قحافة، خليفة رسول الله ﷺ.\nولد بعد الفيل بسنتين وستة أشهر. هو صحابي شهير غني عن التعريف، وقد جاءت ترجمته في مصادر يصعب حصرها في مثل هذا الموضع. توفي يوم الاثنين في جمادى الأولى سنة (١٣) وله (٦٣ سنة) .\nينظر ترجمته في: «الاستيعاب» (٢٩٣)، «أسد الغابة» (٦/ ٣٧)، «الإصابة» (٤/ ١٠١)، «المغني» (٢٨٦)، «تجريد أسماء الصحابة» (٢/ ١٥٢)، «الكنى والأسماء» (١/ ٦)، «بقي بن مخلد» (٣٠)، «الزهد لوكيع» (٩٩)، «تاريخ الثقات» (١٩٠٦)، «معرفة الثقات» (٢٠٩٢)، «الأعلام» (٤/ ١٠٢)، «تهذيب الكمال» (٣/ ١٥٨٩)، «تهذيب التهذيب» (١٢/ ٤٣)، «تقريب التهذيب» (٢/ ٤٠١)، «تذكرة الحفاظ» (١/ ٢)، «شرف أصحاب الحديث» (٣٥، ٩٠)، «أصحاب بدر» (٤١)، «التحفة اللطيفة» (٢/ ٣٥٨)، «تاريخ الإسلام» (٢/ ٩٧) «الرياض المستطابة» (١٤٠)، «صفة الصفوة» (١/ ٢٣٥) .\n(٣) أخرجه أبو نعيم في «حلية الأولياء» (١/ ٣٣- ٣٤) من طريق الأعمش عن أبي صالح به وذكره الهندي في «كنز العمال» (٤٠٩٧) وعزاه لأبي نعيم.\n(٤) عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي.. أبو حفص. القرشي. العدوي. أمير المؤمنين. الفاروق.\nولد بعد «الفجار الأعظم» بأربع سنين قبل المبعث النبوي بثلاثين سنة، وقيل: يرون ذلك. طعن يوم الأربعاء لأربع ليال بقين من ذي الحجة سنة (٢٣)، ودفن يوم الأحد صباح هلال المحرم سنة (٢٤) على أرجح الأقوال.\nينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (٤/ ١٤٥)، «الإصابة» (٤/ ٢٧٥)، «تجريد أسماء الصحابة» (١/ ٣٩٧)، «الاستيعاب» (٣/ ١١٤٤)، «الجرح والتعديل» (٦/ ١٠٥)، «تقريب التهذيب» (٢/ ٥٤٠)، «تهذيب التهذيب» (٧/ ٤٣٨)، «الكاشف» (٣٠٩)، «تاريخ جرجان» (٧٣٠) .\n(٥) ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ١٤٦) وعزاه إلى أبي عبيد في «فضائله» .\n(٦) ينظر: «التذكرة» (١/ ١٢٦) .","vol":"1","page":130},{"text":"المتقرّبون إلى الله تعالى بشيء مثل القرآن قال ﷺ: «يقول الرّبّ ﵎: من شغله قراءة القرآن عَنْ مَسْأَلتي، أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائلين» رواه الترمذي. انتهى.\nقلت: ولفظ الترمذيّ عن أبي سعيد «١» قال: قال رسول الله ﷺ: «يقول الرّبّ ﷿: «من شغله القرآن وذكري عَنْ مَسْأَلتي، أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائلين»، و«فضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه»، قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ «٢» .\n_________\n(١) هو: سعد بن مالك بن سنان بن ثعلبة بن عبيد بن الأبجر بن عوف بن الحارث بن الخزرج.. أبو سعيد الخدري، الأنصاري.\nقال ابن الأثير:\nكان من الحفاظ لحديث رسول الله ﷺ المكثرين ومن العلماء الفضلاء العقلاء. روى عن أبي سعيد قال:\nعرضت على رسول الله ﷺ يوم الخندق وأنا ابن ثلاث عشرة، فجعل أبي يأخذ بيدي ويقول: يا رسول الله، إنه عبل العظام. فردني. توفي سنة «٧٤ هـ.» .\nينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (٦/ ١٤٣)، «الإصابة» (٧/ ٨٤)، «الاستيعاب» (٢/ ١٦٧١)، «تجريد أسماء الصحابة» (٢/ ١٧٢)، «الأنساب» (٥/ ٦)، «الإكمال» (٣/ ٢٩٦)، «تهذيب الكمال» (٣/ ١٦٠٩)، «تقريب التهذيب» (٢/ ٤٢٨) .\n(٢) أخرجه الترمذي (٥/ ١٨٤)، كتاب «فضائل القرآن»، باب (٢٥)، حديث (٢٩٢٦)، والدارمي (٢/ ٤٤١)، كتاب «فضائل القرآن»، باب فضل كلام الله على سائر الكلام، وابن نصر في «قيام الليل» (ص ٧١)، والعقيلي في «الضعفاء» (٤/ ٤٩)، وأبو نعيم في «الحلية» (٥/ ١٠٦)، والبيهقي في «الأسماء والصفات» (ص ٢٣٨)، كلهم من طريق محمد بن الحسن بن أبي يزيد الهمداني، عن عمرو بن قيس، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري به مرفوعا. وقال الترمذي: حديث حسن غريب.\nوالحديث أعله العقيلي في «الضعفاء» بمحمد بن الحسن وقال: لا يتابع عليه.\nوقال ابن أبي حاتم في «العلل» (٢/ ٨٢)، رقم (١٧٣٨): سألت أبي عن حديث رواه محمد بن الحسن بن أبي يزيد الهمداني، عن عمرو بن قيس، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ قال الله ﷿: «من شغله القرآن عن دعائي ومسألتي أعطيته أفضل ثواب السائلين» قال أبي: هذا حديث منكر، ومحمد بن الحسن ليس بالقوي اه. فأعل العقيلي وأبو حاتم هذا الحديث بمحمد بن الحسن. قلت: قال البيهقي: تابعه الحكم بن بشير، ومحمد بن مروان، عن عمرو بن قيس لتنحصر علة الحديث في ضعف وتدليس عطية العوفي.\nوللحديث شاهد من حديث عمر بن الخطاب: أخرجه البخاري في «خلق أفعال العباد» (ص ٩٣)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (١/ ٤١٣)، رقم (٥٧٢)، كلاهما من طريق صفوان بن أبي الصهباء، عن بكير بن عتيق، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، عن جده مرفوعا به، ومن طريق صفوان أورده ابن الجوزي في «الموضوعات» (٣/ ١٦٦)، وقال: قال ابن حبان: هذا موضوع ما رواه إلا صفوان بهذا الإسناد، فأما صفوان، فيروي عن الأثبات ما لا أصل له من حديث الثقات، ولا يجوز الاحتجاج بما انفرد به. [.....]","vol":"1","page":131},{"text":"وعن عبد الله بن عمرو أنّ النبيّ ﷺ قال: «لم يَفْقَهُ مَنْ قَرَأَ القُرْآنَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلاَثٍ»، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح «١» . انتهى.\nوعماد الأمر التدبّر والتفهّم، فقلّة القراءة مع التفهّم أفضل من كثرتها من غير تفهّم، وهذا الذي عليه المحقّقون، وهو الذي يدلّ عليه القرآن، وصحيح الآثار، ولولا الإطالة، لأتينا من ذلك بما يثلج له الصدر، وقد ذكر بعض شراح «الرسالة» «٢» في الذي يقرأ القرآن من غير تأمّل ولا تفهّم، هل له أجر أم لا؟ قولان، وهذا الخلاف، والله أعلم، في غير المتعلّم، والقول بعدم الأجر على ضعفه هو ظاهر ما حكاه عياض «٣» في «المدارك» عن\n_________\nوللحديث شاهد آخر من حديث حذيفة: أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (٧/ ٣١٣)، عن أبي مسلم عبد الرحمن بن واقد، ثنا سفيان بن عيينة، عن منصور، عن ربعي، عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ: «قال الله تعالى: من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته قبل أن يسألني» .\nوقال أبو نعيم: غريب، تفرد به أبو مسلم.\nوأخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» (١/ ٤١٣- ٤١٤)، رقم (٥٧٣)، من طريق يزيد بن خمير، عن جابر، عن النبي ﷺ عن ربه ﵎ قال: «مَنْ شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْأَلتي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ ما أعطي السائلين» .\n(١) أخرجه الترمذي (٥/ ١٩٨)، كتاب «القراءات»، باب (١٣)، حديث (٢٩٤٩)، وأبو داود (١/ ٤٤٣)، كتاب «الصلاة»، باب تحزيب القرآن، حديث (١٣٩٤)، وابن ماجة (١/ ٤٢٨)، كتاب «الصلاة»، باب في كم يستحب يختم القرآن، حديث (١٣٤٧)، والدارمي (١/ ٣٥٠)، كتاب «الصلاة»، باب في كم يختم القرآن، وأحمد (٢/ ١٩٥)، وابن حبان (٣/ ٣٥)، رقم (٧٥٨)، كلهم من طريق قتادة، عن أبي العلاء يزيد بن عبد الله، عن عبد الله بن عمرو مرفوعا.\nوقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وصححه ابن حبان.\n(٢) هي «الرسالة القشيرية» في التصوف، للإمام أبي القاسم عبد الكريم ابن هوازن القشيري، الأستاذ الشافعي، المتوفى سنة ٤٦٥ هـ، عن تسعة وثمانين عاما، وهي على أربعة وخمسين بابا، وثلاثة فصول، وقد شرحها القاضي زكريا بن محمد الأنصاري ت ٩١٠، في مجلد مع المتن، سماه «إحكام الدلالة على تحرير الرسالة» .\nومن شروحها «الدلالة على فوائد الرسالة» للشيخ الفقيه سديد الدين أبي محمد عبد المعطي بن محمود بن عبد العلي اللخمي.\nوشرحها- أيضا- المولى علي القاري في مجلدين. ينظر: «كشف الظنون» (٨٨٣) .\n(٣) هو أبو الفضل عياض- بكسر العين- بن موسى بن عياض بن عمرو بن موسى اليحصبي- بضم الصاد- المالكي، سبتي الدار والميلاد، أندلسي الأصل، ولد سنة ٤٧٦ هـ، ورحل إلى «الأندلس»، وأخذ عن علمائها كأبي الوليد بن رشد، وأبي علي الغساني، وغيرهما، ثم عاد إلى «سبتة» وتولى بها التدريس والقضاء، وصار إمام وقته في الحديث، والتفسير، والفقه، والأصول، كما كان عالما بالنحو واللغة ومن أشهر مؤلفاته: كتاب «التنبيهات المستنبطة على الكتب المدونة»، وكتاب «ترتيب المدارك في طبقات أصحاب مالك» . توفي سنة ٥٤٤ هـ.\nينظر: «ترتيب المدارك» (١/ ١٨)، «الفكر السامي» (٣/ ٥٨) وما بعدها، «شجرة النور» ص ١٤٠.","vol":"1","page":132},{"text":"الشّبليّ في قصّته مع الإمام المقرئ.\nوبالجملة فالتدبّر والتفهّم هو الذي يحصل معه الإنابة والخشوع، وكل خير، ونقل الباجيّ «١» في «سنن الصّالحين» عن محمد بن كعب القرظيّ «٢» قال: لأن أقرأ في ليلي حتّى أصبح ب «إذا زلزلت»، وبالقارعة لا أزيد عليهما وأتردّد فيهما وأتفكّر أحبّ إليّ من أن أهذّ القرآن ليلي هذّا، أو قال: أنثره نثرا «٣»، ونحوه عن مجاهد «٤» وغيره، وعن ابن عبّاس قال:\n«ركعتان مقتصدتان في تفكّر خير من قيام ليلة والقلب ساه «٥» . انتهى.\nقال ابن أبي جمرة «٦»: والمرغّب فيه التدبّر في القراءة، وإن قلّت، وهو خير من كثرة\n_________\n(١) القاضي أبو الوليد: هو سليمان بن خلف بن سعد بن أيوب بن وارث الباجي، أصلهم من «بطليوس»، ثم انتقلوا إلى باجة أعني «باجة» الأندلس، أخذ بالأندلس عن ابن الأصبغ، وابن محمد المكي، وابن شاكر، وغيرهم، ورحل سنة ٤٢٦، فأقام بالحجاز مع أبي ذر الهروي ثلاثة أعوام، ثم ارتحل إلى «بغداد»، فدرس الفقه، وسمع الحديث ثم دخل «الشام» ثم «الموصل» . له مؤلفات عديدة منها: كتاب «السراج في علم الحجاج»، وكتاب «مسائل الخلاف»، وكتاب «شرح المدونة»، وكتاب «المقتبس» من علم مالك، وكتاب «المهذب في اختصار المدونة»، وكتاب «اختلاف الموطأ»، وكتاب «إحكام الفصول في أحكام الوصول»، وكتاب «المنتقى في شرح الموطأ»، وهو اختصار لكتاب «الاستيفاء»، وتوفي سنة ٤٩٤ هـ، وقيل سنة ٤٧٤.\nينظر: «الديباج» ص ١٢٠ وما بعدها، و«شجرة النور» ص ١٢١.\n(٢) محمد بن كعب القرظي المدني، ثم الكوفي أحد العلماء. قال ابن عون: ما رأيت أحدا أعلم بتأويل القرآن من القرظي. وقال ابن سعد: كان ثقة ورعا كثير الحديث. قيل: مات سنة تسع عشرة ومائة.\nوقيل: سنة عشرين.\nينظر: «خلاصة تهذيب الكمال» (٢/ ٤٥٢) «تهذيب التهذيب» (٩/ ٤٢٠)، «تقريب التهذيب» (٢/ ٢٠٣)، «الكاشف» (٣/ ٩٢)، «الثقات» (٥/ ٣٥١)، «طبقات ابن سعد» (٥/ ٣٧٠، ٣٧١) .\n(٣) أخرجه أبو نعيم في «حلية الأولياء» (٣/ ٢١٤- ٢١٥) .\n(٤) مجاهد بن جبر، مولى السائب بن أبي السائب، أبو الحجّاج المكي، المقرئ، الإمام، المفسّر، روى عن ابن عباس وقرأ عليه. قال مجاهد: عرضت على ابن عباس ثلاثين مرة. روى عن الصحابة. وثقه ابن معين وأبو زرعة. ولد سنة ٢١ هـ، وتوفي ب «مكة» وهو ساجد سنة ١٠٢ هـ، وقيل: غير ذلك.\nينظر: «الخلاصة» (٣/ ١٠) (٦٨٥٤)، «صفة الصفوة» (٢/ ٢٠٨- ٢١١)، و«ميزان الاعتدال» (٣/ ٤٣٩- ٤٤٠) .\n(٥) ذكره المتقي الهندي في «كنز العمال» (٨/ ٢٠١) رقم (٢٢٥٤٤) وعزاه لابن أبي الدنيا في «التفكر» .\n(٦) عبد الله بن سعد بن سعيد بن أبي جمرة، الأزدي، الأندلسي، أبو محمد: من العلماء بالحديث، مالكي. أصله من «الأندلس»، ووفاته ب «مصر»، من كتبه «جمع النهاية» اختصر به صحيح البخاري، ويعرف بمختصر ابن أبي جمرة، و«بهجة النفوس» في شرح جمع النهاية، و«المرائي الحسان» في الحديث، و«الرؤيا» .\nينظر: «الأعلام» (٤/ ٨٩)، «البداية والنهاية» (١٣/ ٣٤٦) .","vol":"1","page":133},{"text":"القراءة بلا تدبّر وفائدة التدبّر هو أن تعرف معنى ما تتلوه من الآي «١» . انتهى.\nوقال الحسن بن أبي الحسن «٢»: إنّكم اتخذتم قراءة القرآن مراحل، وجعلتم الليل جملا تركبونه، فتقطعون به المراحل، وإن من كان قبلكم رأوه رسائل إليهم من ربّهم، فكانوا يتدبّرونه بالليل، وينفذونه بالنهار، وكان ابن مسعود ﵁ يقول: أنزل عليهم القرآن ليعملوا به فاتّخذوا درسه عملا، إنّ أحدهم ليتلو القرآن من فاتحته إلى خاتمته، ما يسقط منه حرفا، وقد أسقط العمل به.\nقال ع «٣»: قال الله تعالى: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ [القمر: ٢٢] وقال تعالى:\nإِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا [المزمل: ٥]، أي: علم معانيه، والعمل به، والقيام بحقوقه ثقيل، فمال الناس إلى الميسّر، وتركوا الثقيل، وهو المطلوب منهم، وقيل ليوسف بن أسباط «٤»: بأي شيء تدعو، إذا ختمت القرآن؟ فقال: أستغفر الله من تلاوتي لأنّي إذا ختمته، ثم تركت ما فيه من الأعمال، خشيت المقت، فأعدل إلى الاستغفار والتسبيح، وقرأ رجل القرآن على بعض العلماء، قال: فلما ختمته، أردت الرجوع من أوّله، فقال لي:\nاتخذت القراءة عليّ عملا، اذهب فاقرأه على الله تعالى في ليلك، وانظر ماذا يفهمك منه، قال الغزّاليّ في كتاب «التفكّر»: وأما طريق الفكر الذي تطلب به العلوم التي تثمر اجتلاب أحوال محمودة، أو التنزّه عن صفات مذمومة، فلا يوجد فيه أنفع من تلاوة القرآن بالفكر فإنه جامع لجميع المقامات والأحوال، وفيه شفاء للعالمين، وفيه ما يورث الخوف، والرجاء، والصبر، والشكر، والمحبة، والشوق، وسائر الأحوال المحمودة، وفيه ما يزجر\n_________\n(١) «بهجة النفوس» لابن أبي جمرة (٤/ ٧٦) .\n(٢) الحسن بن أبي الحسن البصري، مولى أم سلمة، والربيع بنت النضر، أو زيد بن ثابت، أبو سعيد الإمام، أحد أئمة الهدى والسنة. قال ابن سعد: كان عالما جامعا رفيعا ثقة مأمونا عابدا، ناسكا، كثير العلم فصيحا جميلا، وسيما، ما أرسله فليس بحجة، وكان الحسن شجاعا من أشجع أهل زمانه. قال ابن علية: مات سنة عشر ومائة. قيل: ولد سنة إحدى وعشرين لسنتين بقيتا من خلافة عمر. قال أبو زرعة: كل شيء قال الحسن: قال رسول الله ﷺ وجدت له أصلا ثابتا خلا أربعة أحاديث.\nينظر: «خلاصة تهذيب الكمال» (١/ ٢١٠)، «تهذيب الكمال» (١/ ٢٥٥)، «تهذيب التهذيب» (٢/ ٢٦٣) و«تقريب التهذيب» (١/ ١٦٥)، «خلاصة تهذيب الكمال» (١/ ٢١٠)، «الكاشف» (١/ ٢٢٠) .\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٣٩) .\n(٤) أحد الزهاد والعباد، وكان له اليد الطولى في المواعظ والحكم. روى عن الثوري وزائدة بن قدامة وغيرهما. وروى عنه المسيب بن واضح، وعبد الله بن خبيق. نزل الثغور مرابطا. قال شعيب بن حرب: ما أقدم على يوسف بن أسباط أحدا. وقد وثقه ابن معين. ينظر ترجمته في: «حلية الأولياء» (٨/ ٢٣٧)، «سير أعلام النبلاء» (٩/ ١٦٩) . [.....]","vol":"1","page":134},{"text":"عن سائر الصفات المذمومة، فينبغي أن يقرأه العبد، ويردّد الآية الّتي هو محتاج إلى التفكّر فيها مرة بعد أخرى، ولو ليلة كاملة، فقراءة آية بتفكّر وفهم خير من ختمة من غير تدبّر وفهم فإن تحت كل كلمة منه أسرارا لا تنحصر، ولا يوقف عليها إلا بدقيق الفكر عن صفاء القلب بعد صدق المعاملة وكذلك حكم مطالعة أخبار رسول الله ﷺ، فقد أوتي ﵇ جوامع الكلم، فكل كلمة من كلماته بحر من بحور الحكمة، لو تأمله العالم حقّ تأمله، لم ينقطع فيه نظره طول عمره، وشرح آحاد الآيات والأخبار يطول، وانظر قوله ﷺ: «إنّ روح القدس نفث في روعي «١» أحبب من أحببت، فإنّك مفارقه، وعش ما شئت فإنّك ميّت، واعمل ما شئت، فإنّك مجزيّ به» فإن هذه الكلمات جامعة لحكم الأولين والآخرين وهي كافية للمتأملين، ولو وقفوا على معانيها، وغلبت على قلوبهم غلبة يقين، لاستغرقتهم، ولحالت بينهم، وبين التلفّت إلى الدنيا بالكلية. انتهى من «الإحياء» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-86>باب في فضل تفسير القرآن وإعرابه</span>\nقال النّبيّ ﷺ: «أعربوا القرآن والتمسوا غرائبه «٢»، فإنّ الله تعالى يحبّ أن يعرب» .\nقال أبو العالية «٣» في تفسير قوله ﷿: وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا\n_________\n(١) الرّوع: القلب والعقل، ووقع ذلك في روعي، أي نفسي وخلدي وبالي.\nينظر: «لسان العرب» ١٧٧٨.\n(٢) أخرجه أبو يعلى (١١/ ٤٣٦)، رقم (٦٥٦٠)، والحاكم (٢/ ٤٣٩)، وابن أبي شيبة (١٠/ ٤٥٦)، رقم (٩٩٦١)، والخطيب في «تاريخ بغداد» (٨/ ٧٧- ٧٨) كلهم من طريق عبد الله بن سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعا.\nوقال الحاكم: صحيح الإسناد على مذهب جماعة من أئمتنا. وتعقبه الذهبي بقوله: بل أجمع على ضعفه.\nوالحديث ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٧/ ١٦٧) وقال: رواه أبو يعلى، وفيه عبد الله بن سعيد المقبري، وهو متروك.\nوالحديث ذكره السيوطي في «الجامع الصغير» (١/ ٥٥٨- فيض)، وعزاه إلى ابن أبي شيبة، والحاكم، والبيهقي في «شعب الإيمان» ورمز له بالضعف، ووافقه المناوي.\nوذكره أيضا الألباني في «السلسلة الضعيفة» .. رقم (١٣٤٥) وقال: ضعيف جدا.\n(٣) رفيع- بضم أوله مصغرا- ابن مهران الرياحي- بكسر المهملة- مولاهم، أبو العالية البصري، مخضرم، إمام من الأئمة، صلى خلف عمر، دخل على أبي بكر، روى عن أبي، وعلي، وحذيفة، وعلى خلق.\nوعنه قتادة، وثابت، وداود بن أبي هند بصريون وخلق. قال عاصم الأحول: كان إذا اجتمع عليه أكثر من أربعة قام وتركهم. قال مغيرة: أول من أذّن بما وراء النهر أبو العالية. قال أبو خلدة: مات سنة","vol":"1","page":135},{"text":"[البقرة: ٢٦٩] قال: الحكمة: الفهم في القرآن «١»، وقال قتادة «٢»: الحكمة: القرآن، والفقه فيه «٣» .\nوقال غيره: الحكمة: تفسير القرآن «٤» .\nوقال الشعبي «٥»: رحل مسروق «٦» إلى البصرة في تفسير آية، فقيل له: إن الذي يفسّرها رحل إلى الشام، فتجهز، ورحل إليه حتى علم تفسيرها، وذكر علي بن أبي طالب «٧» ﵁ ...\n_________\nتسعين، وهو الصحيح.\nينظر: «خلاصة تهذيب الكمال» (١/ ٣٣٠)، «تهذيب التهذيب» (٣/ ٢٨٤)، «تقريب التهذيب» (١/ ٢٥٢) و«الكاشف» (١/ ٣١٢) .\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٩٠) (٦١٧٩)، وذكره ابن عطية الأندلسي في «تفسيره» (١/ ٤٠) .\n(٢) قتادة بن دعامة السّدوسي، أبو الخطّاب البصري الأكمه، أحد الأئمة الأعلام، حافظ مدلس. قال ابن المسيّب: ما أتاني عراقي أحفظ من قتادة. وقال ابن سيرين: قتادة أحفظ الناس. وقال ابن مهدي: قتادة أحفظ من خمسين مثل حميد. قال حماد بن زيد: توفي سنة سبع عشرة ومائة، وقد احتج به أرباب الصحاح.\nينظر: «طبقات ابن سعد» (٩/ ١٥٦)، «معرفة الثقات» (١٥١٣)، «سير الأعلام» (٥/ ٢٦٩)، «الثقات» (٥/ ٣٢٢)، «تراجم الأحبار» (٣/ ٢٦٤)، «الحلية» (٢/ ٣٣٣)، «لسان الميزان» (٧/ ٣٤١)، «ميزان الاعتدال» (٣/ ٣٨٥)، «تهذيب الكمال» (٢/ ١١٢١)، «خلاصة تهذيب الكمال» (٢/ ٣٥٠) .\n(٣) الطبري (٣/ ٨٩) (٦١٧٧)، وذكره السيوطي في «الدر» (١/ ٦١٦)، وعزاه لعبد بن حميد، وذكره ابن عطية الأندلسي في تفسيره (١/ ٤٠) .\n(٤) ذكره ابن عطية الأندلسي في «تفسيره» (١/ ٤٠) .\n(٥) عامر بن شراحيل الحميري، الشعبي، أبو عمرو الكوفي، الإمام العلم، روى عن كثير من الصحابة، وروى عنه ابن سيرين والأعمش، وكان فقيها. قال الشعبي: «ما كتبت سوداء في بيضاء» .\nتوفي سنة ١٠٣ هـ.\nينظر: «الخلاصة» (٢/ ٢٢) (٣٢٦٣) ابن سعد (٦/ ١٧١- ١٧٨)، و«المعارف» (ص ٤٤٩- ٤٥١)، و«الحلية» (٤/ ٣١٠- ٣٣٨) .\n(٦) مسروق بن الأجدع الهمداني، أبو عائشة الكوفي، الإمام القدوة. عن أبي بكر وعمر وعلي ومعاذ وطائفة. وعنه: زوجته قمير، وأبو وائل، والشعبي، وخلق. قال أبو إسحاق: حج مسروق فما نام إلا ساجدا على وجهه، وقال ابن المديني: صلى خلف أبي بكر، وقال ابن معين: ثقة لا يسأل عن مثله.\nقال ابن سعد: توفي سنة ثلاث وستين.\nينظر: «طبقات ابن سعد» (٤/ ١١٣)، «سير الأعلام» (٤/ ٦٣)، «تاريخ بغداد» (١٣/ ٢٣٢)، «معرفة الثقات» (١٧٠٩)، «تراجم الأحبار» (٣/ ٣٣٠)، «تهذيب الكمال» (٣/ ١٣٢٠)، «تهذيب التهذيب» (١٠/ ١١٠) (٢٠٥)، «خلاصة تهذيب الكمال» (٣/ ٢١) .\n(٧) علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف.. أبو الحسن. القرشي. الهاشمي. ابن عم النبي ﷺ.","vol":"1","page":136},{"text":"جابر بن عبد الله «١»، فوصفه بالعلم، فقال له رجل: جعلت فداك، تصف جابرا بالعلم، وأنت أنت، فقال: إنه كان يعرف تفسير قوله تعالى: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ «٢» [القصص: ٨٥]، وقال إياس بن معاوية «٣»: مثل الذين يقرءون القرآن وهم لا يعلمون تفسيره كمثل قوم جاءهم كتاب من ملكهم ليلا، وليس عندهم مصباح، فتداخلتهم روعة «٤» لا يدرون ما في الكتاب، ومثل الذي يعلم التفسير كرجل جاءهم بمصباح فيقرءوا ما في الكتاب «٥»، وقال ابن عبّاس: الذي يقرأ، ولا يفسر كالأعرابيّ الذي يهذّ «٦» الشّعر «٧»، وقال مجاهد: أحبّ الخلق إلى الله أعلمهم بما أنزل الله «٨»، وقال الحسن:\n_________\nولد قبل البعثة بعشر سنين على الصحيح، رابع الخلفاء الراشدين، وزوج فاطمة بنت رسول الله ﷺ ووالد الحسن والحسين، وهو غني عن التعريف، فاضت بذكره كتب التواريخ والسير، قتل في ليلة السابع عشر من شهر رمضان سنة (٤٠) .\nينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (٤/ ٩١)، «الإصابة» (٤/ ٢٦٩)، «تجريد أسماء الصحابة» (١/ ٣٩٢)، «الاستبصار» (٣٩٠)، «تاريخ الخلفاء» (١٦٦)، «الطبقات الكبرى» (٩/ ١٣٧)، «التاريخ الصغير» (١/ ٤٣٥)، «الجرح والتعديل» (٦/ ١٩١)، «حلية الأولياء» (٢/ ٨٧)، «تهذيب الكمال» (٢/ ٩٧١)، «تهذيب التهذيب» (٧/ ٣٣٤) .\n(١) هو: جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة أبو عبد الله. وقيل:\nأبو عبد الرحمن الأنصاري السلمي شهد العقبة الثانية مع أبيه وهو صبي، ومن فضائله قال: استغفر لي رسول الله ﷺ ليلة البعير خمسا وعشرين مرة. يعني بقوله: ليلة البعير أنه باع رسول الله ﷺ بعيرا، واشترط ظهره إلى المدينة، وكان في غزوة لهم. توفي سنة ٧٤٠ وقيل ٧٧ وكان عمره: ٩٤ سنة.\nينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (١/ ٣٠٧)، «الإصابة» (١/ ٢٢٢)، «تجريد أسماء الصحابة» (١/ ٧٣)، «الاستيعاب» (١/ ٢١٩)، «الطبقات الكبرى» (٣/ ٥٦١)، «الاستبصار» (١٥١)، «التاريخ الكبير» (٢/ ٢٠٧)، «التاريخ الصغير» (١/ ٢١، ١١٥)، «الجرح والتعديل» (٢/ ٢٠١٩)، «تهذيب الكمال» (١/ ١٧٩) .\n(٢) ذكره ابن عطية الأندلسي في «تفسيره» (١/ ٤٠) . [.....]\n(٣) إياس بن معاوية بن قرة المزني، أبو وائلة البصري، القاضي. عن أبيه، وأنس، وابن المسيب. وعنه الأعمش، وأيوب، والحمادان. وثقه ابن سعد وابن معين. قال إياس: من عدم فضيلة الصدق فقد فجع بأكرم أخلاقه. وقال: كل ديانة أسست على غير ورع فهي هباء. قال خليفة: مات ب «واسط» سنة اثنتين وعشرين ومائة.\nينظر: «خلاصة تهذيب الكمال» (١/ ١٠٨)، «تهذيب التهذيب» (١/ ٣٩٠)، «تقريب التهذيب» (١/ ٨٧)، و«الكاشف» (١/ ١٤٤)، «طبقات ابن سعد» (٧/ ٢٣٤) .\n(٤) الرّوعة: الفزعة. ينظر: «لسان العرب» ١٧٧٧.\n(٥) ابن عطية (١/ ٤٠) .\n(٦) الهذّ: سرعة القراءة، ومنه: هذّ القرآن يهذّه هذّا. ينظر: «لسان العرب» ٤٦٤٣.\n(٧) ينظر: «المحرر الوجيز» لابن عطية الأندلسي (١/ ٤٠) .\n(٨) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٤٠) .","vol":"1","page":137},{"text":"والله ما أنزل الله آية إلا أحبّ أن يعلم فيمن أنزلت، وما يعني بها «١»، وقال النبي ﷺ: «لا يفقه الرّجل كلّ الفقه حتّى يرى للقرآن وجوها كثيرة» «٢» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-87>فصل فيما قيل في الكلام في تفسير القرآن والجرأة عليه ومراتب المفسّرين</span>\nروي عَن عائشَة «٣» ﵂ أنَّها قَالَتْ: «ما كان رسول الله ﷺ يفسّر من كتاب الله تعالى إلّا آيا بعدد علّمهنّ إيّاه جبريل ﵇» .\nقال ع «٤»: ومعنى هذا الحديث في مغيّبات القرآن، وتفسير مجمله، ونحو هذا مما لا سبيل إليه إلا بتوقيف من الله تعالى، ومن جملة مغيّباته ما لم يعلم الله به عباده كوقت قيام الساعة ونحوها، ومنها ما يستقرأ من ألفاظه كعدد النفخات في الصور وكرتبة خلق السموات والأرض.\nوروي أنّ رسول الله ﷺ قال: «من تكلّم في القرآن برأيه، فأصاب، فقد أخطأ» «٥»، ومعنى هذا أن يسأل الرجل عن معنى في كتاب الله، فيتسوّر عليه برأيه دون نظر فيما قال العلماء أو اقتضته قوانين العلوم كالنحو، والأصول، وليس يدخل في هذا الحديث أن يفسر اللغويّون لغته، والنحاة نحوه، والفقهاء معانيه، ويقول كلّ واحد باجتهاده المبنيّ على قوانين علم ونظر فإن هذا القائل على هذه الصفة ليس قائلا بمجرّد رأيه، وكان جلّة من السلف كسعيد بن المسيّب «٦»، وعامر الشّعبيّ، وغيرهما يعظّمون تفسير القرآن، ويتوقّفون\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٤٠) .\n(٢) ينظر: «إتحاف السادة المتقين» (٤/ ٥٢٧) .\n(٣) عائشة بنت أبي بكر الصديق بن أبي قحافة: عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي. أم عبد الله. أم المؤمنين﵂- القرشية. التيمية.\nأمها: أم رومان بنت عامر بن عويمر الكنانية. ولدت بعد البعثة بأربع سنين أو خمسة. توفيت سنة (٥٨) في ليلة الثلاثاء لسبع عشرة خلت من رمضان عند الأكثر، وقيل: سنة (٥٧) ودفنت بالبقيع.\nينظر ترجمتها في: «أسد الغابة» (٧/ ١٨٨)، «الإصابة» (٨/ ١٣٩)، «أعلام النساء» (٣/ ٩)، «الاستيعاب» (٤/ ١٨٨١)، «تجريد أسماء الصحابة» (٢/ ٢٨٦)، «التاريخ الصغير» (١/ ١٠٢)، «طبقات ابن سعد» (٨/ ٣٩)، «حلية الأولياء» (٢/ ٤٣)، «تهذيب الكمال» (٣/ ١٦٨٩)، «تهذيب التهذيب» (١٢/ ٤٣٣)، «تقريب التهذيب» (٢/ ٦٠٦)، «الكاشف» (٣/ ٤٧٦)، «خلاصة تهذيب الكمال» (٣/ ٣٨٧)، «السمط الثمين» (٣٣)، «شذرات الذهب» (١/ ٦١)، «طبقات الشيرازي» (٤٧)، «العبر» (١/ ٦٢)، «بقي بن مخلد» (٤)، «النجوم الزاهرة» (١/ ١٥٠)، «معجم طبقات الحفاظ» (١٠٥) .\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٤١) .\n(٥) سيأتي تخريجه.\n(٦) سعيد بن المسيّب بن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عابد بن مخزوم المخزومي، أبو محمد المدني،","vol":"1","page":138},{"text":"عنه تورّعا واحتياطا لأنفسهم مع إدراكهم وتقدّمهم، وكان جلّة من السلف كثير عددهم يفسّرونه، وهم أبقوا على المسلمين في ذلك رضي الله عن جميعهم.\nت: وخرج أبو عيسى التّرمذيّ في «جامعه» عن ابن عبَّاس ﵄، قال: قَالَ رسول الله ﷺ: «من قال في القرآن بغير علم، فليتبوّأ مقعده من النَّارِ»، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح «١»، وخرّج أيضا عن ابن عباس عن النبيّ ﷺ قال: «اتّقوا الحديث عنّي إلّا ما علمتم، فمن كذب عليّ متعمّدا فليتبوّأ مقعده من النّار، ومن قال في القرآن برأيه، فليتبوّأ مقعده من النَّارِ»، قال/ أبو عيسى: هذا حديث حسن «٢»، وخرّج عن جندب قال: قال رسول الله ﷺ: «من قال في القرآن برأيه، فأصاب، فقد أخطأ» «٣»، قال\n_________\nالأعور، رأس علماء التابعين، وفردهم، وفاضلهم وفقيههم. ولد سنة خمس عشرة. قال ابن عمر: هو والله أحد المقتدين به. قال قتادة: ما رأيت أعلم بالحلال والحرام منه. وقال أحمد: مرسلات سعيد صحاح. قال أبو نعيم: مات سنة ثلاث وتسعين. وقال الواقدي: سنة أربع.\nينظر: «الخلاصة» (١/ ٣٩٠)، «طبقات خليفة» ت (٢٠٩٦)، «تاريخ البخاري» (٣/ ٥١٠)، «تاريخ الإسلام» (٤/ ٤)، «العبر» (١/ ١١٠)، «سير أعلام النبلاء» (٤/ ٢١٧) .\n(١) أخرجه الترمذي (٥/ ١٩٩)، كتاب «التفسير»، باب ما جاء في الذي يفسر القرآن برأيه، حديث (٢٩٥٠)، وأحمد (١/ ٢٣٣)، والبغوي في «معالم التنزيل» (١/ ٣٥)، وفي «شرح السنة» (١/ ٢١١- بتحقيقنا)، كلهم من طريق سفيان، عن عبد الأعلى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس به.\nوقال الترمذي: حسن صحيح.\nقلت: وعبد الأعلى هو ابن عامر الثعلبي.\nقال أبو زرعة: ضعيف الحديث، ربما دفع الحديث وربما وقفه.\nوقال أبو حاتم: ليس بقوي.\nوقال النسائي: ليس بقوي، ويكتب حديثه.\nوقال أحمد: ضعيف الحديث.\nينظر: «ميزان الاعتدال» (٢/ ٥٣٠)، و«تهذيب التهذيب» (٦/ ٩٤) . [.....]\n(٢) أخرجه الترمذي (٥/ ١٩٩)، كتاب «التفسير»، باب: ما جاء في الذي يفسر القرآن برأيه، حديث (٢٩٥١)، وأحمد (١/ ٢٩٣)، والبغوي في «شرح السنة» (١/ ٢١٠) من طريق عبد الأعلى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، وقال الترمذي: حديث حسن اه.\nومداره على عبد الأعلى بن عامر الثعلبي، وقد مرت ترجمته.\n(٣) أخرجه الترمذي (٥/ ٢٠٠)، كتاب «تفسير القرآن»، باب ما جاء في الذي يفسر القرآن برأيه، حديث (٢٩٥٢)، وأبو داود (٢/ ٣٤٤)، كتاب «العلم»، باب الكلام في كتاب الله بغير علم، حديث (٣٦٥٢)، وأبو يعلى (٣/ ٩٠)، رقم (١٥٢٠)، والنسائي في «الكبرى» (٥/ ٣١)، كتاب «فضائل القرآن»، باب من قال في القرآن بغير علم، حديث (٨٠٨٦)، والبغوي في «معالم التنزيل» (١/ ٣٥)، وفي «شرح السنة» (١/ ٢١١- بتحقيقنا)، كلهم من طريق سهيل أخو حزم، عن أبي عمران الجوني، عن جندب بن عبد الله به.\nوقال الترمذي: هذا حديث غريب، وقد تكلم بعض أهل الحديث في سهيل بن أبي حزم.","vol":"1","page":139},{"text":"أبو عيسى: هكذا روي عن بعض أهل العلم من أصحاب النبيّ ﷺ وغيرهم أنهم شدّدوا في هذا في أنّ يفسر القرآن بغير علم.\nوأما الذي روي عن مجاهد وقتادة وغيرهما من أهل العلم أنهم فسروا القرآن، فليبس الظّنّ بهم أنهم قالوا في القرآن أو فسروه بغير علم، أو من قبل أنفسهم، وقد روي عنهم ما يدلّ على ما قلنا: إنهم لم يقولوا من قبل أنفسهم بغير علم حدثنا الحسين بن مهديّ البصريّ «١»، حدثنا عبد الرّزّاق «٢» عن معمر «٣» عن قتادة قال: ما في القرآن آية، إلا وقد سمعت فيها بشيء وحدثنا ابن أبي عمر «٤»، حدثنا سفيان بن عيينة «٥» عن\n_________\n(١) الحسين بن مهدي الأبلي- بالضم- أبو سعيد البصري. عن عبد الرزاق وعبيد الله بن موسى. وعنه الترمذي وابن ماجه قال أبو حاتم: صدوق. مات سنة سبع وأربعين ومائتين.\nينظر: «الخلاصة» (١/ ٢٣٢)، «تهذيب الكمال» (١/ ٢٩٥)، «تهذيب التهذيب» (٢/ ٣٧٢)، «تقريب التهذيب» (١/ ١٨٠) .\n(٢) عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري، أبو بكر الصنعاني، أحد الأئمة الأعلام الحفاظ. قال أحمد:\nمن سمع منه بعد ما ذهب بصره فهو ضعيف السماع. وقال ابن عدي: رحل إليه أئمة المسلمين وثقاتهم، ولم نر بحديثه بأسا، إلا أنهم نسبوه إلى التشيع. وقال أحمد: لم أسمع منه شيئا، لكنه رجل يعجبه أخبار الناس. مات سنة (٢١١) هـ. عن ٨٥ سنة.\nينظر: «تاريخ البخاري الكبير» (٦/ ١٣٠)، «الجرح والتعديل» (٦/ ٢٠٤)، «ميزان الاعتدال» (٢/ ٦٠٩)، «لسان الميزان» (٧/ ٢٨٧)، «سير الأعلام» (٩/ ٥٦٣)، «الثقات» (٨/ ٤١٢)، «تهذيب الكمال» (٢/ ٨٢٩)، «تهذيب التهذيب» (٦/ ٣١٠)، «خلاصة التهذيب» (٢/ ١٦١)، «البداية والنهاية» (١٠/ ٢٦٥) .\n(٣) معمر بن راشد الأزدي، مولى مولاهم، عبد السلام بن عبد القدوس، أبو عروة البصري ثم اليماني، أحد الأعلام. عن الزهري، وهمام بن منبه، وقتادة، وخلق. وعنه: أيوب، والثوري، وابن المبارك، وخلق. قال العجلي: ثقة صالح. قال النسائي: ثقة مأمون. وضعفه ابن معين في ثابت. توفي سنة (١٥٣) هـ.\nينظر: «نسيم الرياض» (١/ ٧٤)، «تراجم الأحبار» (٣/ ٢٥٥)، «تذكرة الحفاظ» (١/ ١٧٨)، «طبقات ابن سعد» (٣/ ٣٩٧)، «تاريخ الإسلام» (٦/ ٣٩٤)، «لسان الميزان» (٧/ ٣٩٤)، «تهذيب الكمال» (٣/ ١٣٥٥)، «تهذيب التهذيب» (١٠/ ٢٤٣)، «خلاصة تهذيب الكمال» (٣/ ٤٧)، «الكاشف» (٣/ ١٦٤) .\n(٤) محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني، أبو عبد الله الحافظ، نزيل مكة. عن فضيل بن عياض، وأبي معاوية وخلق. وعنه مسلم، والترمذي وابن ماجة وهلال بن العلاء. وثقه ابن حبان. وقال أبو حاتم:\nصدوق، حدث بحديث موضوع. عن ابن عيينة. قال البخاري: مات سنة ثلاث وأربعين ومائتين.\nينظر: «الخلاصة» (٢/ ٤٦٨)، «الكاشف» (٣/ ١٠٧)، «تهذيب التهذيب» (٩/ ٥١٨) .\n(٥) سفيان بن عيينة بن أبي عمر بن الهلالي، مولاهم أبو محمد الأعور الكوفي، أحد أئمة الإسلام. روى عن عمرو بن دينار والزّهري، وزيد بن أسلم وغيرهم، كان حديثه نحو سبعة آلاف. قال ابن وهب: ما رأيت أعلم بكتاب الله من ابن عيينة. وقال الشافعي: لولا مالك وابن عيينة لذهب علم الحجاز، ولد سنة (١٠٧) هـ، وتوفي سنة (١٩٨) هـ.","vol":"1","page":140},{"text":"الأعمش «١»، قال: قال مجاهد: لو كنت قرأت قراءة ابن مسعود، لم أحتج إلى أن أسأل ابن عبّاس عن كثير من القرآن مما سألت. انتهى ما نقلته من الترمذي «٢» .\nثم قال ع «٣»: فأما صدر المفسّرين والمؤيّد فيهم، فعليّ بن أبي طالب ﵁، ويتلوه عبد الله بن عباس ﵄، وهو تجرد للأمر وكمّله وتتبّعه العلماء عليه كمجاهد، وسعيد بن جبير «٤»، وغيرهما، والمحفوظ عنه في ذلك أكثر من المحفوظ عن عليّ بن أبي طالب، وقال ابن عبّاس: ما أخذت من تفسير القرآن، فعن علي بن أبي طالب، وكان علي بن أبي طالب يثني على تفسير ابن عبّاس، ويحضّ على الأخذ عنه، وكان عبد الله بن مسعود يقول: نعم ترجمان القرآن عبد الله بن عباس، وهو الذي قال فيه رسول الله ﷺ: «اللهمّ، فقّهه في الدّين، وعلّمه التّأويل» «٥»، وحسبك بهذه\n_________\nينظر: «الخلاصة» (١/ ٣٩٧)، (٢٥٩٠)، «الحلية» (٧/ ٢٧٠- ٣١٨)، و«المعارف» ص (٥٠٦- ٥٠٧)، «الوفيات» (٢/ ٣٩١- ٣٩٣) .\n(١) سليمان بن مهران الكاهلي، مولاهم، أبو محمد الكوفي الأعمش، أحد الأعلام الحفاظ والقراء. قال ابن المديني: له نحو ألف وثلاثمائة حديث. وقال ابن عيينة: كان أقرأهم وأحفظهم وأعلمهم. وقال عمرو بن علي: كان يسمى «المصحف» لصدقه. وقال العجلي، ثقة ثبت، يقال: ظهر له أربعة آلاف حديث، ولم يكن له كتاب، وكان فصيحا وقال النسائي: ثقة ثبت. وعدّه من المدلّسين. قال أبو نعيم:\nمات سنة ثمان وأربعين ومائة، عن أربع وثمانين سنة.\nينظر: «الثقات» (٤/ ٣٠٢)، «تهذيب التهذيب» (٤/ ٢٢٢)، «تقريب التهذيب» (١/ ٣٣١)، «تاريخ البخاري الكبير» (٤/ ٣٧)، «الجرح والتعديل» (٤/ ٦٣)، «سير الأعلام» (٥/ ٢٢٦) .\n(٢) ينظر: «سنن الترمذي» (٥/ ٢٠٠)، كتاب «التفسير» .\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٤١) .\n(٤) سعيد بن جبير الوالبي، مولاهم الكوفي الفقيه، أحد الأعلام. قال اللالكائي: ثقة إمام حجة. قال عبد الملك بن أبي سليمان: كان يختم كل ليلتين. قال ميمون بن مهران: مات سعيد وما على ظهر الأرض أحد إلا وهو محتاج إلى علمه. قتل سنة خمس وتسعين كهلا قتله الحجاج فما أمهل بعده. قال خلف بن خليفة عن أبيه: شهدت مقتل ابن جبير فلما بان الرأس قال: لا إله إلا الله لا إله إلا الله، فلما قالها الثالثة لم يتمها﵁.\nينظر: «تهذيب الكمال» (١/ ٤٧٩)، «تهذيب التهذيب» (٤/ ١١)، «خلاصة تهذيب الكمال» (١/ ٣٧٤)، «الكاشف» (١/ ٣٥٦)، «الثقات» (٤/ ٢٧٥)، «تاريخ البخاري الكبير» (٣/ ٤٦١)، «الحلية» (٤/ ٢٧٢) .\n(٥) أخرجه البخاري (١/ ٢٩٤)، كتاب «الوضوء»، باب وضع الماء عند الخلاء، حديث (١٤٣)، ومسلم (٤/ ١٩٢٧)، كتاب «فضائل الصحابة»، باب فضائل عبد الله بن عباس، حديث (١٣٨/ ٢٤٧٧)، وأحمد (١/ ٣٢٧)، والنسائي في «الكبرى» (٥/ ٥١- ٥٢)، كتاب «المناقب»، باب عبد الله بن العباس، حديث (٨١٧٧)، وأبو يعلى (٤/ ٤٢٧)، رقم (٢٥٥٣)، وابن حبان (١٥/ ٥٢٩)، رقم (٧٠٥٣)، والطبراني في «الكبير» (١١/ ١٠٤)، رقم (١١٢٠٤)، كلهم من طريق هاشم بن القاسم: ثنا","vol":"1","page":141},{"text":"الدعوات، ويتلوه عبد الله بن مسعود، وأبيّ بن كعب «١»، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمرو بن العاصي.\nوكل ما أخذ عن الصحابة، فحسن متقدّم، ومن المبرّزين في التابعين الحسن بن أبي\n_________\nورقاء بن عمر اليشكري، عن عبيد الله بن أبي يزيد، عن ابن عباس به.\nوأخرجه البخاري (١/ ٢٠٤)، كتاب «العلم»، باب قول النبي ﷺ: «اللهم علمه الكتاب»، حديث (٧٥)، و(٧/ ١٢٦) كتاب «فضائل الصحابة»، باب ذكر ابن عباس (﵄) حديث (٣٧٥٦)، و(١٣/ ٢٥٩)، كتاب «الاعتصام»، حديث (٧٢٧٠)، والترمذي (٥/ ٦٨٠)، كتاب «المناقب»، باب مناقب عبد الله بن عباس، حديث (٣٨٢٤)، والنسائي في «الكبرى» (٥/ ٥٢)، كتاب «المناقب»، حديث (٨١٧٩)، وابن ماجة (١/ ٥٨)، المقدمة، باب فضائل أصحاب رسول الله ﷺ، حديث (١٦٦)، وأحمد (١/ ٢١٤، ٣٥٩)، والفسوي في «المعرفة والتاريخ» (١/ ٥١٨)، وابن حبان (١٥/ ٥٣٠)، رقم (٧٠٥٤)، والطبراني في «الكبير» (١٠/ ٢٩٣)، رقم (١٠٥٨٨)، كلهم من طريق خالد الحذاء، عن عكرمة، عن ابن عباس.\nوقال الترمذي: حسن صحيح.\nوأخرجه أحمد (١/ ٢٦٩)، والطبراني في «الكبير» (١١/ ٢١٣)، رقم (١١٥٣١)، كلاهما من طريق سليمان بن بلال، عن حسين بن عبد الله، عن عكرمة، عن ابن عباس به. وأخرجه أحمد (١/ ٢٦٦، ٣١٤، ٣٢٨، ٣٣٥)، والفسوي في «المعرفة والتاريخ» (١/ ٤٩٣- ٤٩٤)، وابن حبان (١٥/ ٥٣١)، رقم (٧٠٥٥)، والطبراني في الكبير (١٠٥٨٧، ١٠٦١٤)، كلهم من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس به. وأخرجه الترمذي (٥/ ٦٧٩- ٦٨٠)، كتاب «المناقب»، باب مناقب عبد الله بن عباس (﵁)، حديث (٣٨٢٣)، من طريق عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن ابن عباس قال: دعا لي رسول الله ﷺ أن يؤتيني الحكمة مرتين.\nوقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه من حديث عطاء، وقد رواه عكرمة، عن ابن عباس. [.....]\n(١) هو: أبيّ بن كعب بن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار. أبو المنذر، أبو الطفيل سيد القراء، سيد المسلمين، الأنصاري، النجاري، الخزرجي، المعاوي.\nكان من أصحاب العقبة الثانية، وشهد بدرا والمشاهد. قال له النبي ﷺ: «ليهنئك العلم يا أبا المنذر» وقال له: «إن الله أمرني أن أقرأ عليك» . وكان عمر (﵁) يسميه: سيد المسلمين. وهو أول من كتب للنبي ﷺ، وأول من كتب في آخر الكتاب: وكتبه فلان بن فلان.\nروى عنه من الصحابة: عمر، وكان يسأله عن النوازل، ويتحاكم إليه في المعضلات- وأبو أيوب، وعبادة بن الصامت، وسهل بن سعد، وأبو موسى، وابن عباس، وأبو هريرة، وأنس، وسليمان بن صرد وغيرهم.\nمات سنة: ٢٢ في خلافة عمر، وقيل: بقي إلى خلافة عثمان.\nتنظر ترجمته في: «أسد الغابة» (ت ٣٣)، «الإصابة» (١/ ١٦)، «الثقات» (٣/ ٥)، «تقريب التهذيب» (١/ ٤٨)، «تاريخ ابن معين» (١٥٦٤)، «سير أعلام النبلاء» (١/ ٣٨٩) .","vol":"1","page":142},{"text":"الحسن، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعلقمة «١»، وقد قرأ مجاهد على ابن عباس قراءة تفهّم ووقوف عند كل آية، ويتلوهم عكرمة «٢»، والضّحّاك بن مزاحم «٣»، وإن كان لم يلق ابن عباس، وإنما أخذ عن ابن جبير، وأما السّدّي «٤» - رحمه الله تعالى- فكان عامر الشعبيّ يطعن عليه، وعلى أبي صالح «٥» لأنه كان يراهما مقصّرين في النظر، ثم حمل تفسير كتاب الله ﷿ عدول كلّ خلف، وألّف الناس فيه كعبد الرّزّاق، والمفضّل، وعلي بن أبي طلحة، والبخاري، وغيرهم، ثم إنّ محمد بن جرير الطبريّ﵀-\n_________\n(١) علقمة بن قيس بن عبد الله بن علقمة بن سلامان بن كهيل بن بكر بن عوف بن النّخع النّخعي، أبو شبل الكوفي، أحد الأعلام، مخضرم عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وحذيفة، وطائفة. وعنه إبراهيم النّخعي، والشّعبي، وسلمة بن كهيل وخلق. قال إبراهيم: كان يقرأ في خمس.\nوقال ابن المديني: أعلم الناس بابن مسعود علقمة والأسود. قال ابن سعد: مات سنة اثنتين وستين وقال أبو نعيم: سنة إحدى وستين. قيل: عن تسعين سنة.\nينظر: «الخلاصة» (٢/ ٢٤١)، «تهذيب التهذيب» (٧/ ٢٧٥)، «تقريب التهذيب» (٢/ ٣٠)، «الكاشف» (٢/ ٢٧٧)، «طبقات ابن سعد» (٧/ ٣٤، ٢٠٩)،\n(٢) عكرمة البريري، مولى ابن العباس، أبو عبد الله، أحد الأئمة الأعلام. روى عن مولاه، وعائشة، وأبي هريرة، وغيرهم من الصحابة. قال الشعبي: ما بقي أحد أعلم بكتاب الله من عكرمة، رموه بغير نوع من البدعة. ثقة بريء مما يرميه الناس به. وثّقه أحمد والنسائي. توفي سنة ١٠٥ هـ.\nينظر: «الخلاصة» (٢/ ٢٤٠) (٤٩٢٨)، «ابن سعد» (٥/ ٢١٢- ٢١٦)، «الوفيات» (٣/ ٢٦٥- ٢٦٦) و«الدوادي» (١/ ٣٨٠- ٣٨١) .\n(٣) الضحاك بن مزاحم الهلالي، مولاهم الخرساني، يكنى أبا القاسم. روى عن أبي هريرة، وابن عباس، وأبي سعيد، وغيرهم، وروى عنه عبد الرحمن بن عوسجة وغيره. قال ابن حبّان: في جميع ما روى نظر، إنما اشتهر بالتفسير. توفي سنة ١٠٥ هـ.\nينظر: «الخلاصة» (٢/ ٥) (٣١٤٦)، «ابن سعد» (٦/ ٢١٠- ٢١١)، «صفة الصفوة» (٤/ ١٥٠)، «المعارف» ص (٤٥٧- ٤٥٨) .\n(٤) إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة السدي مولى قريش، أبو محمد الكوفي، رمي بالتشيع. عن أنس، وابن عباس، وباذان. وعنه أسباط بن نصر، وإسرائيل، والحسن بن صالح. قال ابن عدي:\nمستقيم الحديث صدوق. قال خليفة: توفي سنة سبع وعشرين ومائة.\nينظر: «الخلاصة» (١/ ٩٠)، «تهذيب التهذيب» (١/ ٣١٣)، «تقريب التهذيب» (١/ ٧١، ٧٢)، «الكاشف» (١/ ١٢٥)، «الثقات» (٤/ ٢٠)، «ميزان الاعتدال» (١/ ٢٣٦) .\n(٥) ذكوان المدني، أبو صالح السّمّان، روى عن سعد، وأبي الدّرداء، وعائشة، وأبي هريرة، وخلق. وروى عنه بنوه سهيل، وعبد الله، وصالح، وعطاء بن أبي رباح، وسمع منه الأعمش ألف حديث. قال أحمد: ثقة ثقة، شهد الدّار. قال محمد بن عمر الواقدي: توفي سنة ١٠١ هـ.\nينظر: «الخلاصة» (١/ ٣١١) (١٩٧٣)، «ابن سعد» (٥/ ٢٢٢ و٦/ ١٥٨) و«تهذيب التهذيب» (٣/ ٢١٩- ٢٢٠)، و«مرآة الجنان» (١/ ٢١١) .","vol":"1","page":143},{"text":"جمع على الناس أشتات التفسير، وقرّب البعيد وشفى في الإسناد.\nومن المبرّزين في المتأخّرين أبو إسحاق الزّجّاج «١»، وأبو عليّ الفارسيّ «٢» فإن كلامهما منخول، وأما أبو بكر النّقّاش «٣»، وأبو جعفر النّحّاس «٤» - رحمهما الله-، فكثيرا ما استدرك الناس عليهما، وعلى سننهما مكّيّ بن أبي طالب «٥» - ﵀-، وأبو العباس المهدويّ «٦» - ﵀- متقن التأليف، وكلّهم مجتهد مأجور﵏- ونضّر وجوههم.\n_________\n(١) هو: إبراهيم بن السري بن سهل، أبو إسحاق الزجاج، كان من أهل الفضل والدين، حسن الاعتقاد، كان يخرط الزّجاج، ثم مال إلى النحو فلزم المبرد. صنف: «معاني القرآن وإعرابه» و«الاشتقاق» و«فعلت وأفعلت» وغيرها. توفي (٣١١ هـ) .\nينظر ترجمته في: «تاريخ بغداد» (٦/ ٨٩)، و«النجوم الزاهرة» (٣/ ٢٠٨)، و«بغية الوعاة» (١/ ٤١١) .\n(٢) الحسن بن أحمد بن عبد الغفار، أبو علي الفارسي، النحوي المشهور، أخذ النحو عن أبي إسحاق الزجاج، ثم عن أبي بكر بن السري، وأخذ عنه كتاب سيبويه، وانتهت إليه رياسة علم النحو، مات الفارسي سنة ٣٧٧ هـ.\nينظر: «غاية النهاية» (١/ ٢٠٧)، «طبقات الزبيدي» ص ١٢٠.\n(٣) محمد بن الحسن بن محمد بن زياد بن هارون الموصلي. ولد سنة (٢٦٦) هـ. وهو إمام أهل العراق في القراءات والتفسير، بلا مدافع. وقد قرأ على ابن أبي مهران، وهارون بن موسى الأخفش، وجماعة. وروى عن أبي مسلم الكجي، ومطين، وآخرين. وروى عنه الدارقطني، وابن شاهين وجماعة. ورحل وطوف من مصر إلى ماوراء النهر. وقد صنف في التفسير، وسماه «شفاء الصدور» .\nقال هبة الله اللالكائي: تفسير النقاش، إشقاء الصدور، ليس شفاء الصدور. توفي في شوال سنة (٣٥١) هـ.\nينظر: «الأعلام» (٦/ ٨١)، و«وفيات الأعيان» (١/ ٤٨٩) .\n(٤) أحمد بن محمد بن إسماعيل المرادي المصري، أبو جعفر النحاس: مفسر، أديب، مولده ب «مصر»، ووفاته ب «مصر» أيضا سنة (٣٣٨) هـ، كان من نظراء نفطويه، وابن الأنباري، زار «العراق»، واجتمع بعلمائه، من مصنفاته: «تفسير القرآن»، و«إعراب القرآن»، و«ناسخ القرآن ومنسوخه»، و«شرح المعلقات السبع» .\nينظر: «الأعلام» (١/ ٢٠٨)، «البداية والنهاية» (١١/ ٢٢٢)، «إنباه الرواة» (١/ ١٠١) .\n(٥) أبو محمد، مكي بن أبي طالب القيسي، النحوي المقرئ، كان من أهل التبحر في علوم القرآن والعربية كثير التآليف. صنف: «الكشف عن وجوه القراءات»، و«مشكل إعراب القرآن»، و«الموجز في القراءات» وغيرها. توفي (٤٣٧ هـ) .\nتنظر ترجمته في: «وفيات الأعيان» (٥/ ٢٧٤)، و«بغية الوعاة» (٢/ ٢٩٨)، و«شذرات الذهب» (٣/ ٢٦٠) .\n(٦) أحمد بن عمار، أبو العباس المهدوي، أستاذ مشهور، قرأ على محمد بن سفيان، وقرأ عليه غانم بن الوليد، وموسى بن سليمان اللخمي، له: «التفسير المشهور» مات سنة ٤٤٠ هـ.","vol":"1","page":144},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-88>فصل</span>\nواختلف الناس في معنى قوله ﷺ: «أنزل القرآن على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسّر منه» .\nثم قال ع «١» بعد كلام: والذي مال إليه كثير من أهل العلم كأبي عبيد «٢» وغيره، أنّ معنى الحديث أنّه أنزل على سبع/ لغات لسبع قبائل، ثم اختلفوا في تعيينهم، وأنا ألخّص الغرض جهدي بحول الله، فأصل ذلك وقاعدته قريش، ثم بنو سعد بن بكر «٣» لأنّ النبيّ ﷺ قرشيّ، واسترضع في بني سعد، ونشأ فيهم، ثم ترعرع وشب، وهو يخالط في اللسان كنانة وهذيلا وخزاعة وأسدا وضبّة وألفافها لقربهم من مكة، وتكرارهم عليها، ثم بعد هذه تميما وقيسا ومن انضاف إليهم وسط جزيرة العرب، فلما بعثه الله تعالى، ويسّر عليه أمر الأحرف أنزل عليه القرآن بلغة هذه الجملة المذكورة، وهي التي قسّمها على سبعة لها السبعة الأحرف، وهي اختلافاتها في العبارة، قال ثابت بن قاسم: لو قلنا: من هذه الأحرف لقريش، ومنها لكنانة، ومنها لأسد، ومنها لهذيل، ومنها لتميم، ومنها لضبّة وألفافها «٤»، ومنها لقيس، - لكان قد أتى على قبائل مضر في مراتب سبعة تستوعب اللغات التي نزل بها القرآن، وهذا نحو ما ذكرناه، وهذه الجملة هي التي\n_________\nينظر: «بغية الوعاة» (١/ ٣٥١)، ط. دار المعارف، و«غاية النهاية» (١/ ٩٢) .\n(١) انظر «المحرر الوجيز» (١/ ٥٤) . [.....]\n(٢) القاسم بن سلام أبو عبيد البغدادي، أحد أئمة الإسلام فقها، ولغة وأدبا، أخذ العلم عن الشافعي، والقراءات عن الكسائي وغيره. قال ابن الأنباري: كان أبو عبيد يقسم الليل أثلاثا فيصلي ثلثه، وينام ثلثه، ويصنف ثلثه. وقال عبد الله بن الإمام أحمد: عرضت كتاب «الغريب» لأبي عبيد على أبي فاستحسنه، وقال: جزاه الله خيرا. توفي سنة (٢٢٤) .\nانظر: «طبقات ابن قاضي شهبة» (١/ ٦٧)، «طبقات ابن سعد» (٧/ ٣٥٥)، و«إنباه الرواة» (٣/ ١٢)، و«طبقات الشافعية» للأسنوي ص ١١، «تهذيب الأسماء واللغات» (٢/ ٣٠)، «طبقات الفقهاء» للعبادي ص ٢٥.\n(٣) بنو سعد بن بكر: هم بطن من هوازن، من قيس عيلان، أصلهم من العدنانية. وهم بنو سعد بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان.\nوهم أصحاب غنم، وهم حضنة النبي ﷺ، وقد بعثوا سنة تسع للهجرة ضمام بن ثعلبة وافدا إلى رسول الله ﷺ، وحديثه مشهور. ومن أوديتهم: قرن الحبال، ومن مياههم: تقتد.\nينظر: «جمهرة أنساب العرب» لابن حزم (ص ٤٨١)، و«نهاية الأرب» للنويري (٢/ ٣٣٥)، و«معجم قبائل العرب» لكحالة (٥١٣) .\n(٤) اللفيف: القوم يجتمعون من قبائل شتى ليس أصلهم واحدا. وجاءوا ألفافا، أي لفيفا.\nينظر: «لسان العرب» (٤٠٥٤) .","vol":"1","page":145},{"text":"انتهت إليها الفصاحة وسلمت لغاتها من الدّخل «١»، ويسرها الله لذلك ليظهر آية نهيه بعجزها عن معارضة ما أنزل عليه، وسبب سلامتها أنها في وسط جزيرة العرب في الحجاز ونجد وتهامة، فلم تطرقها الأمم.\nفأما اليمن، وهو جنوبيّ الجزيرة، فأفسدت كلام عربه خلطة الحبشة والهنود على أنّ أبا عبيد القاسم بن سلّام، وأبا العبّاس المبرّد «٢» قد ذكرا أنّ عرب اليمن من القبائل التي نزل القرآن بلغاتها.\nقال ع «٣»: وذلك عندي إنما هو فيما استعملته عرب الحجاز من لغة اليمن كالعرم «٤» والفتّاح فأما ما انفردوا به كالزّخيخ «٥» والقلّوب «٦»، فليس في كتاب الله منه شيء، وأما ما والى العراق من جزيرة العرب وهي بلاد ربيعة وشرقيّ الجزيرة، فأفسدت لغتها مخالطة الفرس والنّبط ونصارى الحيرة وغير ذلك، وأما الذي يلي الشام، وهو شماليّ الجزيرة، وهي بلاد آل جفنة وغيرهم، فأفسدها مخالطة الرّوم، وكثير من بني إسرائيل، وأما غربيّ الجزيرة، فهي جبال تسكن بعضها هذيل وغيرهم، وأكثرها غير معمور، فبقيت القبائل المذكورة سليمة اللغات، لم تكدر صفو كلامها أمة من العجم.\nويقوى هذا المنزع أنه لما اتسع نطاق الإسلام وداخلت الأمم العرب، وتجرّد أهل المصرين البصرة، والكوفة لحفظ لسان العرب، وكتب لغتها، لم يأخذوا إلا من هذه\n_________\n(١) الدّخل: العيب والغش والفساد. ينظر «لسان العرب» (١٣٤٢) .\n(٢) محمد بن يزيد بن عبد الأكبر، أبو العباس المبرد، إمام العربية ب «بغداد» في زمانه، أخذ عن المازني، وأبي حاتم السجستاني، له كتاب «الكامل»، و«المقتضب»، و«إعراب القرآن» مات سنة ٢٨٥ هـ.\nينظر: «بغية الوعاة» (١/ ٢٦٩)، و«أخبار النحويين البصريين» - لأبي السعيد الصيرفي- ص ١٠٥ ط. الاعتصام.\n(٣) «المحرر الوجيز» (١/ ٤٦) .\n(٤) قيل: العرم: اسم الوادي (يعني الذي كان به سبأ) . وقيل: اسم الخلد الذي نقب السدّ حتى فتح وسال ماؤه، فغرق ديارهم وأهلك بساتينهم. وقيل: العرم: المسنّاة.\nقال ابن الأعرابي: العرم والبرّ من أسماء الفأرة ... وقيل: العرم: المطر الشديد. وخصه بعضهم بالفأر الذكر، وهو الجراد أيضا.\nينظر: «عمدة الحفاظ»، للسمين الحلبي أحمد بن يوسف ت ٧٥٦ هـ، (٣/ ٧٨)، و«تفسير غريب القرآن»، ابن قتيبة الدينوري ص ٣٥٥.\n(٥) الزّخيخ: النار، يمانية، وقيل: هي شدة بريق الجمر والحرّ والحرير لأن الحرير يبرق من الثياب.\nينظر: «لسان العرب» ١٨٢٠.\n(٦) القلّيب، والقلّوب، والقلّوب، والقلوب، والقلاب: الذئب، يمانية. ينظر: «لسان العرب» ٣٧١٥.","vol":"1","page":146},{"text":"القبائل الوسيطة المذكورة، ومن كان معها، وتجنّبوا اليمن والعراق والشام، فلم يكتب عنهم حرف واحد، وكذلك تجنّبوا حواضر الحجاز مكّة، والمدينة، والطائف لأنّ السّبي والتجّار من الأمم كثروا فيها، فأفسدوا اللغة، وكانت هذه الحواضر في مدة النبيّ ﷺ سليمة لقلّة المخالطة، فمعنى قول النبيّ ﷺ: «أنزل القرآن على سبعة أحرف»، أي: فيه عبارات سبع قبائل بلغة جملتها نزل القرآن فيعبر عن المعنى فيه مرة بعبارة قريش، ومرة بعبارة هذيل، ومرة بغير ذلك بحسب الأفصح، والأوجز في اللفظة ألا ترى أنّ: «فطر» معناها عند غير قريش ابتداء خلق الشيء وعمله، فجاءت في القرآن، فلم تتجه لابن عبّاس حتى اختصم إليه أعرابيّان في بئر، فقال أحدهما/ أنا فطرتها، قال ابن عبّاس: ففهمت حينئذ موقع قوله سبحانه: فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [فاطر: ١] «١»، وقال أيضا: ما كنت أدري معنى قوله تعالى: رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا [الأعراف: ٨٩] حتى سمعت بنت ذي جدن تقول لزوجها: تعال، أفاتحك، أي: أحاكمك «٢»، وكذلك قال عمر بن الخطاب ﵁ وكان لا يفهم معنى قوله تعالى: أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ [النحل: ٤٧]، فوقف به فتى، فقال: إن أبي يتخوّفني حقّي، فقَالَ عُمَرُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ [النحل: ٤٧] أي: على تنقّص لهم «٣»، وكذلك اتفق لقطبة بن مالك «٤» إذ سمع النبيّ ﷺ يقرأ في الصلاة: وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ [ق: ١٠] ذكره مسلم في باب القراءة في صلاة الفجر «٥» إلى غير هذا من الأمثلة، فأباح الله تعالى لنبيه ﵇ هذه الحروف\n_________\n(١) أخرجه البيهقي في «الشعب» (٢/ ٢٥٨) (١٦٨٢)، وذكره السيوطي في «الدر» في سورة فاطر (٥/ ٤٥٨)، وعزاه لأبي عبيد في فضائله، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في «الشعب» .\n(٢) أخرجه الطبري في سورة الأعراف (٦/ ٤) (١٤٨٦٧)، وذكره السيوطي في «الدر» (٣/ ١٩١)، وعزاه لابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن الأنباري في «الوقف والابتداء»، والبيهقي في «الأسماء والصفات» .\n(٣) الطبري (٧/ ٥٨١) (٢١٦١٨) بنحوه. وذكره السيوطي في «الدر» (٤/ ٢٢٣)، وعزاه لابن جرير.\n(٤) قطبة بن مالك الثعلبي. صحابي له أحاديث. وعنه ابن أخيه زياد بن علاقة فقط.\nينظر: «الخلاصة» (٢/ ٣٥٤)، «تهذيب التهذيب» (٨/ ٣٨٩) (٦٧٣)، «تاريخ البخاري الكبير» (٧/ ١٩١)، «الثقات» (٣/ ٣٤٧)، «أسماء الصحابة الرواة» ت (٢٢٦) .\n(٥) أخرجه مسلم (٢/ ٤١٤- نووي/ دار الحديث)، كتاب «الصلاة»، باب القراءة في الصبح، حديث (١٦٥- ١٦٧/ ٤٥٧)، والترمذي (٢/ ١٠٨- ١٠٩)، كتاب «الصلاة»، باب ما جاء في القراءة في صلاة الصبح، حديث (٣٠٦)، والنسائي (٢/ ١٥٧)، كتاب «الافتتاح»، باب القراءة في الصبح بقاف، حديث (٩٥٠)، وابن ماجه (١/ ٢٦٨)، كتاب «الصلاة»، باب القراءة في صلاة الفجر، حديث (٨١٦)، وأحمد. [.....]","vol":"1","page":147},{"text":"السبعة، وعارضه بها جبريل في عرضاته على الوجه الذي فيه الإعجاز، وجودة الرّصف «١»، ولم تقع الإباحة في قوله: فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ [المزمل: ٢٠] بأن يكون كل واحد من الصحابة إذا أراد أن يبدل اللفظة من بعض هذه اللغات، جعلها من تلقاء نفسه، ولو كان هذا، لذهب إعجاز القرآن، وكان معرّضا أن يبدل هذا وهذا حتى يكون غير الذي نزل من عند الله، وإنما وقعت الإباحة في الحروف السبعة للنبيّ ﷺ ليوسّع بها على أمته، فقرأ مرة لأبيّ بما عارضه به جبريل، ومرة لابن مسعود بما عارضه به أيضا، وفي صحيح البخاريّ عن النبيّ ﷺ قال: «أقرأني جبريل على حرف، فراجعته، فلم أزل أستزيده ويزيدني حتّى انتهى إلى سبعة أحرف» «٢» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-89>فصل في ذكر الألفاظ الّتي في القرآن ممّا للغات العجم بها تعلّق</span>\nاختلف الناس في هذه المسألة «٣»، ...\n_________\n(٤/ ٣٢٢)، والحميدي (٨٢٥)، وابن خزيمة (٥٢٧، ١٥٩١)، كلهم من طريق زياد بن علاقة، عن قطبة بن مالك. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.\n(١) الرّصف: ضم الشيء بعضه إلى بعض ونظمه. ينظر: «لسان العرب» (١٦٥٦) .\n(٢) أخرجه البخاري (٨/ ٦٣٩)، كتاب «فضائل القرآن»، باب أنزل القرآن على سبعة أحرف، حديث (٤٩٩١)، ومسلم (١/ ٥٦١)، كتاب «صلاة المسافرين»، باب بيان أن القرآن على سبعة حروف، حديث (٢٧٢/ ٨١٩)، من حديث ابن عباس.\n(٣) ذهب أكثر أهل العلم، ومنهم الإمام الشافعي، وابن جرير، وأبو عبيدة والقاضي أبو بكر، وأبو الحسين بن فارس إلى عدم وقوع لفظ أعجمي في كتاب الله تعالى. واستدلوا بقوله تعالى: قُرْآنًا عَرَبِيًّا [يوسف: ٢]، وقوله تعالى: وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ [فصلت: ٤٤]، وقد شدد الشافعي النكير على القائل بعكس ذلك.\nوقال أبو عبيدة: إنما أنزل القرآن بلسان عربي مبين، فمن زعم أن فيه غير العربية فقد أعظم القول، ومن زعم أن «كذا» بالنبطية فقد أكبر القول.\nوقال أبو جعفر محمد بن جرير الطبري﵀-: ما ورد عن ابن عباس وغيره من تفسير ألفاظ من القرآن إنها بالفارسية والحبشية أو النبطية أو نحو ذلك، إنما اتفق فيها توارد اللغات، فتكلمت بها العرب والفرس والحبشة بلفظ واحد.\nوقال ابن فارس: لو كان فيه من لغة غير العرب شيء لتوهم متوهم أن العرب إنما عجزت عن الإتيان بمثله لأنه أتى بلغات لا يعرفونها.\nوذهب آخرون من العلماء إلى وقوعه فيه، وأجابوا عن قوله تعالى: قُرْآنًا عَرَبِيًّا بأن الكلمات اليسيرة بغير العربية لا تخرجه عن كونه عربيّا، والقصيدة الفارسية لا تخرج عنها بلفظة فيها عربية، وعن قوله تعالى: ءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ بأن المعنى من السياق: «أكلام أعجمي ومخاطب عربي!» كما استدلوا","vol":"1","page":148},{"text":"فقال أبو عبيدة «١» وغيره: إنّ في كتاب الله تعالى من كلّ لغة، وذهب الطبريّ وغيره إلى أن القرآن ليس فيه لفظة إلا وهي عربية صريحة، وأن الأمثلة والحروف التي تنسب إلى سائر اللغات إنما اتفق فيها توارد اللغتين، فتكلّمت العرب والفرس أو الحبشة بلفظ واحد وذلك مثل قوله تعالى: إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ [المزمل: ٦] قال ابن عبّاس: نشأ بلغة الحبشة: قام من الليل «٢»، ومنه قوله تعالى: يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ [الحديد: ٢٨]، قال أبو موسى الأشعريّ «٣»: كفلان: ضعفان من الأجر بلسان ...\n_________\nباتفاق النحاة على أن منع صرف نحو «إبراهيم»، و«سليمان»، و«داود» للعلمية والعجمة.\nورد هذا الاستدلال بأن الأعلام ليست محل خلاف، فالكلام في غيرها موجّه بأنه إذا اتفق على وقوع الأعلام فلا مانع من وقوع الأجناس.\nوقد اختار السيوطي مذهب القائلين بالوقوع، واستدل له بما أخرجه ابن جرير بسند صحيح عن أبي ميسرة التابعي الجليل قال: في القرآن من كل لسان. وروي مثله عن سعيد بن جبير ووهب بن منبه.\nوكان في ذلك إشارة إلى أن كتاب الله حوى علوم الأولين والآخرين، ونبأ كل شيء، فلا بد أن تقع فيه الإشارة إلى أنواع اللغات والألسن ليتم إحاطته بكل شيء، فاختير له من كل لغة أعذبها وأخفها وأكثرها استعمالا للعرب.\nوأيضا فالنبي ﷺ مرسل إلى كل أمة، وقد قال تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ [إبراهيم: ٤] فلا بد وأن يكون في الكتاب المبعوث به من لسان كل قوم، وإن كان أصله بلغة قومه هو.\nوثمة مذهب يجمع بين القولين، وهو قول أبي عبيد القاسم بن سلام، فقد قال: والصواب عندي مذهب فيه تصديق القولين جميعا وذلك أن هذه الأحرف أصولها أعجمية كما قال الفقهاء، لكنها وقعت للعرب، فعربتها بألسنتها وحولتها عن ألفاظ العجم إلى ألفاظها، فصارت عربية، ثم نزل القرآن وقد اختلطت هذه الحروف بكلام العرب، فمن قال: إنها عربية فهو صادق، ومن قال: أعجمية فصادق.\nومال إلى هذا القول الجواليقي وابن الجوزي وآخرون.\nوللتاج السبكي نظم لهذه الكلمات الأعجمية، وقد زاد عليه كل من الحافظ ابن حجر والسيوطي.\nينظر: «الإتقان في علوم القرآن» (٢/ ١٢٥- ١٢٩)، و«التحبير في علم التفسير» (٢٠٠- ٢٠٢)، وكلاهما للحافظ السيوطي.\n(١) معمر بن المثنى التيمي البصري، أبو عبيدة النحوي: من أئمة العلم بالأدب واللغة، ولد في ١١٠ هـ. قال الجاحظ: لم يكن في الأرض أعلم بجميع العلوم منه، كان إباضيا شعوبيا، من حفاظ الحديث، لما مات لم يحضر جنازته أحد، لشدة نقده معاصريه توفي ٢٠٩ هـ، له مؤلفات منها: «مجاز القرآن»، «الشوارد»، «الزرع» .\nينظر: «وفيات» (٢/ ١٠٥)، «المشرق» (١٥/ ٦٠٠)، «تذكرة الحفاظ» (١/ ٣٣٨)، «بغية الوعاة» (٣٩٥)، «السيرافي» (٦٧)، «الأعلام» (٧/ ٢٧٢) .\n(٢) ينظر: «الطبري» (١/ ٣١) (٢)، والبيهقي في «سننه» (٣/ ٢٠)، وذكره السيوطي في «الدر» (٦/ ٤٤٣)، وعزاه لسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن نصر، وابن المنذر، والبيهقي في «سننه» .\n(٣) هو: عبد الله بن قيس بن سليم بن حصار بن حرب بن عامر بن غنم بن بكر بن عامر بن عذب بن وائل بن ناجية بن الجماهر بن الأشعر.. أبو موسى الأشعري. صحابي مشهور، كان حسن الصوت.","vol":"1","page":149},{"text":"الحبشة «١»، وكذلك قال ابن عبّاس في القسورة: إنّه الأسد بلغة الحبشة «٢»، إلى غير هذا من الأمثلة.\nقال ع «٣»: والذي أقوله إنّ القاعدة والعقيدة هي أنّ القرآن بلسان عربيّ مبين، وليس فيه لفظة تخرج عن كلام العرب، فلا تفهمها إلا من لسان آخر، فأما هذه الألفاظ وما جرى مجراها، فإنه قد كان للعرب العاربة التي نزل القرآن بلسانها بعض مخالطة لسائر الألسنة بتجارات وسفر إلى الشام وأرض الحبشة، فعلقت العرب بهذا كلّه ألفاظا أعجمية، غيّرت بعضها بالنقص من حروفها، وجرت إلى تخفيف ثقل العجمة، واستعملتها في أشعارها ومحاوراتها حتى جرت مجرى العربيّ الصحيح الصريح، ووقع بها البيان، وعلى هذا الحدّ نزل بها القرآن، فإن جهلها عربيّ ما، فكجهله الصريح مما في لغة غيره كما لم يعرف ابن عبّاس معنى «فاطر» إلى غير ذلك، فحقيقة العبارة عن هذه الألفاظ أنها في الأصل أعجمية، لكن استعملتها العرب، وعرّبتها، فهي عربية بهذا الوجه، وما ذهب إليه الطبريّ من أن اللغتين اتفقتا في لفظة لفظة، فذلك بعيد، بل إحداهما أصل، والأخرى فرع في الأكثر لأنا لا ندفع أيضا جواز الاتفاق قليلا شاذّا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-90>باب تفسير أسماء القرآن وذكر السّورة والآية</span>\nهو القرآن، وهو الكتاب، وهو الفرقان، وهو الذّكر، فالقرآن: مصدر من قولك: قرأ الرّجل، إذا تلا، يقرأ قرآنا وقراءة.\n/ وقال قتادة: القرآن: معناه التأليف، قرأ الرجل إذا جمع وألّف قولا، وبهذا فسر قتادة قوله تعالى: إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ\n[القيامة: ١٧] أي: تأليفه «٤»، والقول الأول\n_________\nبالقرآن، وله رواية عن النبي ﷺ كثيرة توفي سنة ٤٢ أو ٤٤ وله نيف وستين سنة.\nينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (٦/ ٣٠٦)، «الإصابة» (٤/ ١١٩)، «الاستيعاب» (٤/ ١٧٦٢)، «تجريد أسماء الصحابة» (٢/ ٢٠٦)، «الأنساب» (١/ ٢٦٦)، «الكنى والأسماء» (١/ ٥٧)، «تذكرة الحفاظ» (١/ ٢٣) .\n(١) ينظر: الطبري (١/ ٣١) (١)، وقد ذكره السيوطي في «الدر» (٦/ ٢٦١)، وعزاه لابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٢) أخرجه الطبري (١/ ٣١) (٤)، وذكره السيوطي في «الدر» (٦/ ٤٦١)، وعزاه لابن أبي حاتم.\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٥١) .\n(٤) أخرجه الطبري (١/ ٦٨) (١١٩)، وذكره السيوطي في «الدر» (٦/ ٤٦٨)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن المنذر.","vol":"1","page":150},{"text":"أقوى أن القرآن مصدر من قرأ إذا تلا، ومنه قول حسّان بن ثابت «١» يرثي عثمان بن عفّان «٢» ﵁: [البسيط]\nضحّوا بأشمط عنوان السّجود به ... يقطّع اللّيل تسبيحا وقرآنا\n«٣» أي: وقراءة.\nوأما الكتاب، فهو مصدر من كتب، إذا جمع ومنه قيل: كتيبة لاجتماعها ومنه قول الشاعر: [البسيط]\n............... ..... ... ... واكتبها بأسيار «٤»\n_________\n(١) هو: حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار.. أبو الوليد، وأبو المضرب، وأبو الحسام، وأبو عبد الرحمن الأنصاري. الخزرجي.\nالنجاري.\nشاعر النبي ﷺ. وهو صحابي شهير، وقد جاء في الصحيحين عن البراء أن النبي ﷺ قال لحسان:\n«اهجهم» أو «هاجهم، وجبريل معك» .\nوفاته: قيل: توفي قبل الأربعين وقيل غير ذلك.\nينظر ترجمته في: «تجريد أسماء الصحابة» (١/ ١٢٩)، «الاستيعاب» (١/ ٣٤١)، «أسد الغابة» (٢/ ٥)، «الإصابة» (٢/ ٨)، «الثقات» (٣/ ٧١)، «تقريب التهذيب» (١/ ١٦١)، «تهذيب التهذيب» (٢/ ٢٤٧)، «تهذيب الكمال» (١/ ٢٤٨)، «الجرح والتعديل» (٣/ ١٠٢٦)، «شذرات الذهب» (١/ ٤١) . [.....]\n(٢) هو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس. أبو عبد الله وأبو عمرو. القرشي.\nالأموي. ذو النورين. أمير المؤمنين. ولد بعد عام الفيل بست سنين. وهو ثالث الخلفاء الراشدين ومجهز جيش العسرة، وهو الذي تستحي منه ملائكة الرحمن، وهو المقتول ظلما، غني عن التعريف، كتبت في سيرته الكتب، وتغير وجه التاريخ بمقتله، والله سبحانه نسأل العودة إلى أصل الإسلام الصافي قبل الممات بفضله آمين. توفي يوم ٢٢ ذي الحجة سنة ٣٥ وقيل: غير ذلك.\nينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (٣/ ٥٨٤)، «الإصابة» (٤/ ٢٢٣)، «الزهد» لوكيع (٥٢١)، «التبصرة والتذكرة» (١/ ١٣١)، «التعديل والتجريح» (١٠٤٣)، «بقي بن مخلد» (٢٨) .\n(٣) وهو في «ديوانه» ص ٢١٦، و«لسان العرب» (عنن)، و(ضحا)، و«الدر المصون» (١/ ٤٦٦)، والذهبي في «التاريخ» كما في «خزانة الأدب» (٩/ ٤١٨)، ونسبه البغدادي لأوس بن مغراء، وكذلك في المقاصد النحوية (٤/ ١٧)، ولكثير بن عبد الله النهشلي في «الدرر» (٥/ ٢١٤)، وبلا نسبة في «إصلاح المنطق» ص ٢٩٠.\nوللبيت رواية أخرى لصدره، وهي: هذا سراقة للقرآن يدرسه. وقوله: «ضحّوا» ... البيت أي: ذبحوه كالأضحية وذلك أنهم قتلوه في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين للهجرة. والشّمط: بياض الشعر من الرأس يخالط سواده. وكأنه قال: بأشمط ظاهر الخير.\n(٤) هذا جزء من عجز بيت، وهو:\nلا تأمنن فزاريا خلوت به ... على بعيرك............","vol":"1","page":151},{"text":"أي: اجمعها.\nوأما الفرقان، فهو أيضا مصدر لأنه فرق بين الحقّ والباطل، والمؤمن والكافر فرقانا وفرقانا.\nوأما الذّكر فسمي بذلك لأنه ذكر به الناس آخرتهم وإلاههم، وما كانوا في غفلة عنه، فهو ذكر لهم، وقيل: سمي بذلك، لأن فيه ذكر الأمم الماضية، والأنبياء، وقيل:\nسمي بذلك لأنه ذكر وشرف لمحمّد ﷺ وقومه وسائر العلماء به.\nوأما السّورة، فإن قريشا كلّها ومن جاورها من قبائل العرب كهذيل، وسعد بن بكر، وكنانة يقولون: سورة بغير همز، وتميم كلها وغيرهم يهمزون.\nفأما من همز، فهي عنده كالبقيّة من الشيء، والقطعة منه التي هي سؤر وسؤرة من أسأر، إذا أبقى ومنه سؤر الشراب. وأما من لا يهمز، فمنهم من يراها من المعنى المتقدّم إلا أنها سهلت همزتها، ومنهم من يراها مشبهة بسورة البناء، أي: القطعة منه لأن كل بناء فإنما بني قطعة بعد قطعة، فكل قطعة منها سورة، فكان سور القرآن هي قطعة بعد قطعة حتى كمل منها القرآن، ويقال أيضا للرتبة الرفيعة من المجد والملك: سورة ومنه قول النابغة الذبيانيّ «١» للنعمان بن المنذر «٢» [الطويل]:\n_________\nوالبيت منسوب لسالم بن دارة الفزاري في «الكامل» (٩٨٨)، و«خزانة الأدب» (٥/ ٥٣١)، وفيها «على قلوصك»، «شرح ديوان الحماسة» للتبريزي (١/ ٢٠٥)، وبلا نسبة في «اللسان» (كتب)، و«تاج العروس» (٤/ ١٠٣) . وللبيت رواية أخرى كما في «شرح ديوان الحماسة»، وهي:\nوإن خلوت به في الأرض وحدكما ... فاحفظ قلوصك واكتبها بأسيار\nوقصة البيت أن بني فزارة كانت ترمى بغشيان الإبل، فهجاهم سالم بقصيدة مطلعها:\nيا صاحبيّ ألمّا بي على الدار ... بين الهشوم وشطي ذات أمّار.\n(١) زياد بن معاوية بن ضباب الذبياني، الغطفاني المضري أبو أمامة، شاعر جاهلي. وكان الأعشى وحسان والخنساء ممن يعرض شعره على النابغة، كان أحسن شعراء العرب ديباجة، عاش عمرا طويلا.\nتوفي في (١٨) ق هـ.\nينظر: «شرح شواهد المغني» (٢٩)، «معاهد التنصيص» (١/ ٢٣٣)، «الأغاني» (١١/ ٣)، و«جمهرة» (٥٢٤٢٦)، و«نهاية الأرب» (٣/ ٥٩)، و«الشعر والشعراء» (٣٨)، «الأعلام» (٣/ ٥٤) .\n(٢) النعمان الثالث بن المنذر الرابع بن المنذر بن امرئ القيس اللخمي، أبو قابوس، من أشهر ملوك «الحيرة» في الجاهلية. كان داهية مقداما. وهو ممدوح النابغة الذبياني، وحسان بن ثابت، وحاتم الطائي. وهو صاحب إيفاد العرب على كسرى، وباني مدينة «النعمانية» على ضفة دجلة اليمنى، وصاحب يومي البؤس والنعيم. توفي سنة (١٥) قبل الهجرة.","vol":"1","page":152},{"text":"ألم تر أنّ الله أعطاك سورة ... ترى كلّ ملك دونها يتذبذب «١»\nفكأن الرتبة انبنت حتى كملت.\nوأما الآية، فهي العلامة في كلام العرب، ولما كانت الجملة التامة من القرآن علامة على صدق الآتي بها، وعلى عجز المتحدّى بها، سميت آية، هذا قول بعضهم، وقيل:\nسميت آية لما كانت جملة وجماعة كلام كما تقول العرب: جئنا بآيتنا، أي: بجماعتنا، وقيل: لما كانت علامة للفصل بين ما قبلها وما بعدها، سمّيت آية.\nت: وقوله ﷺ في الصحيح: «آية المنافق ثلاث إذا حدّث كذب ...»\nالحديث «٢»، و«آية الإيمان حبّ الأنصار «٣»، وآية ما بيننا وبين المنافقين شهود العشاء» يقوّي القول الأول، والله أعلم، وهذا هو الراجح في مختصر الطبريّ، قال: والآية العلامة، وذلك أظهر في العربية والقرآن، وأصحّ القول أن آيات القرآن علامات للإيمان، وطاعة الله تعالى، ودلالات على وحدانيته وإرسال رسله، وعلى البعث والنشور، وأمور الآخرة، وغير ذلك ممّا تضمّنته علوم القرآن. انتهى.\n_________\nانظر: «حمزة الأصفهاني» (٧٣- ٧٤)، «الصحاح» (٢/ ٣٤٠)، «ابن خلدون» (٢/ ٢٦٥)، «الأعلام» (٨/ ٤٣) .\n(١) البيت في ديوانه (٢٨)، «ديوان المعاني» (١/ ١٦)، و«المصون» (١٥٤)، و«البحر المحيط» (١/ ٢٤٢)، و«تفسير القرطبي» (١/ ٦٥)، و«الدر المصون» (١/ ١٥٣)، «اللسان» (سور) (٣/ ٢١٤٨) .\nوالمعنى: أعطاك رفعة وشرفا ومنزلة، وجمعها (سور)، أي: رفع.\n(٢) أخرجه البخاري (١/ ١١١)، كتاب «الإيمان»، باب علامة المنافق، حديث (٣٣)، و(٥/ ٣٤١- ٣٤٢)، كتاب «الشهادات»، باب من أمر بإنجاز الوعد، حديث (٢٦٨٢)، (٥/ ٤٤١)، كتاب «الأدب»، باب قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ، حديث (٦٠٩٥)، ومسلم (١/ ٧٨)، كتاب «الإيمان»، باب بيان خصال المنافق، حديث (٩٥/ ١٠٧)، والترمذي (٥/ ١٩)، كتاب «الإيمان»، باب ما جاء في علامة المنافق، حديث (٢٦٣١)، والنسائي (٨/ ١١٧)، كتاب «الإيمان»، باب علامة المنافق، وأحمد (٢/ ٣٥٧، ٣٩٧، ٥٣٦)، وأبو عوانة (١/ ٢٠، ٢١)، وأبو يعلى (١١/ ٤٠٦)، رقم (٦٥٣٣)، وابن الجوزي في «مشيخته» (ص ٥٩) من طرق، عن أبي هريرة به.\n(٣) أخرجه البخاري (٧/ ١٤١)، كتاب «مناقب الأنصار»، باب حب الأنصار من الإيمان، حديث (٣٧٨٤)، ومسلم (١/ ٨٥)، كتاب «الإيمان»، باب الدليل على أن حب الأنصار من الإيمان، حديث (٧٤/ ١٢٨)، والنسائي (٨/ ١١٦)، كتاب «الإيمان»: باب علامة الإيمان، وأبو يعلى (٧/ ١٩٠- ١٩١)، رقم (٤١٧٥)، والبغوي في «شرح السنة» (٧/ ٢٤٠- بتحقيقنا)، من حديث أنس مرفوعا.","vol":"1","page":153},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-91>باب في الاستعاذة</span>\nقال الله ﷿: فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ [النحل: ٩٨] معناه: إذا أردت أن تقرأ، فأوقع الماضي موقع المستقبل لثبوته، وأجمع العلماء على أنّ قول القارئ: أعوذ بالله من الشّيطان الرّجيم ليس بآية من كتاب الله، وأجمعوا على استحسان ذلك، والتزامه عند كل قراءة في غير صلاة.\nواختلفوا في التعوّذ في الصلاة فابن سيرين «١» والنّخعيّ «٢» وقوم يتعوّذون في كل ركعة، ويمتثلون أمر الله سبحانه بالاستعاذة على العموم في كل قراءة، وأبو حنيفة «٣»\n_________\n(١) محمد بن سيرين الأنصاري مولاهم، أبو بكر البصري، إمام وقته. عن مولاه أنس، وزيد بن ثابت، وعمران بن حصين، وأبي هريرة، وعائشة، وطائفة من كبار التابعين. وعنه الشعبي، وثابت، وقتادة، وأيوب، ومالك بن دينار، وسليمان التّيمي، وخالد الحذّاء، والأوزاعي وخلق كثير. قال أحمد: لم يسمع من ابن عباس. وقال خالد الحذّاء: كل شيء يقول يثبت عن ابن عباس إنما سمعه من عكرمة أيام المختار. قال ابن سعد: كان ثقة مأمونا، عاليا، رفيعا، فقيها، إماما، كثير العلم. وقال أبو عوانة: رأيت ابن سيرين في السوق فما رآه أحد إلا ذكر الله تعالى. وقال بكر المزني: والله ما أدركنا من هو أورع منه. وروي أنه اشترى بيتا، فأشرف فيه على ثمانين ألف دينار، فعرض في قلبه منه شيء فتركه. قال حماد بن زيد: مات سنة عشر ومائة.\nينظر: «الخلاصة» (٢/ ٤١٢)، «تهذيب التهذيب» (٩/ ٢١٤)، «الكاشف» (٣/ ٥١)، «تاريخ البخاري الكبير» (١/ ٩٠)، «الوافي بالوفيات» (٣/ ١٤٦) .\n(٢) إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعي، أبو عمران الكوفي، الفقيه يرسل كثيرا عن علقمة، وهمام بن الحارث، والأسود بن يزيد، وأبي عبيدة بن عبد الله، ومسروق، وخلق. وعنه الحكم، ومنصور، والأعمش، وابن عون، وزبيد وخلق. وكان لا يتكلم إلا إذا سئل. قال مغيرة: كنا نهاب إبراهيم كما يهاب الأمير. وقال الأعمش. كان إبراهيم يتوقى الشهرة، ولا يجلس إلى الأسطوانة. وقيل:\nإنه لم يسمع من عائشة. قال أبو نعيم: مات سنة ست وتسعين. وقال عمرو بن عليّ: سنة خمس آخر السنة. وولد سنة خمسين، وقيل سنة سبع وأربعين.\nينظر: «الخلاصة» (١/ ٥٩، ٦٠)، «تاريخ البخاري الكبير» (١/ ٣٣٥)، «الجرح والتعديل» (٢/ ١٤٦)، «الثقات» (٦/ ٢٥)، «لسان الميزان» (١/ ١٢٦) .\n(٣) النعمان بن ثابت، التيمي بالولاء، الكوفي، أبو حنيفة: إمام الحنفية، الفقيه المجتهد المحقق، أحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة. قيل: أصله من أبناء فارس. ولد ونشأ بالكوفة. كان يبيع الخز ويطلب العلم في صباه. ثم انقطع للتدريس والإفتاء، وامتنع عن القضاء ورعا، كان قوي الحجة، ومن أحسن الناس منطقا، كريما في أخلاقه. وقال الشافعي: الناس عيال في الفقه على أبي حنيفة، ولد سنة (٨٠) هـ، وتوفي سنة (١٥٠) هـ.\nانظر: «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٢٣)، «النجوم الزاهرة» (٢/ ١٢)، «الأعلام» (٨/ ٣٦) .","vol":"1","page":154},{"text":"والشافعيّ «١» يتعوّذان/ في الركعة الأولى من الصلاة، ويريان قراءة الصلاة كلّها كقراءة واحدة، ومالك﵀- لا يرى التعوّذ في الصلاة المفروضة، ويراه في قيام رمضان، ولم يحفظ عن النبيّ ﷺ أنّه تعوّذ في صلاة.\nوأما لفظ الاستعاذة، فالذي عليه جمهور الناس هو لفظ كتاب الله تعالى: أعوذ بالله من الشيطان الرّجيم، وأما المقرءون، فأكثروا في هذا من تبديل الصفة في اسم الله، وفي الجهة الأخرى كقول بعضهم: أعوذ بالله المجيد من الشّيطان المريد، ونحو هذا مما لا أقول فيه: نعمت البدعة، ولا أقول: إنه لا يجوز، ومعنى الاستعاذة الاستجارة والتحيّز إلى الشيء على وجه الامتناع به من المكروه.\nوأما الشيطان، فاختلف في اشتقاقه «٢»، فقال الحذّاق: هو فيعال من شطن، إذا بعد\n_________\n(١) محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن الشافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن عبد المطلب بن عبد مناف جد النبي ﷺ. وشافع بن السائب هو الذي ينسب إليه الشافعي، لقي النبي ﷺ في صغره، وأسلم أبوه السائب يوم «بدر» فإنه كان صاحب راية بني هاشم، وكانت ولادة الشافعي بقرية من الشام يقال لها «غزة» . قاله ابن خلكان وابن عبد البر. وقال صاحب التنقيب: ب «منى» من مكة، وقال ابن بكار: ب «عسقلان»، وقال الزوزني: ب «اليمن»، والأول أشهر، وكان ذلك في سنة خمسين ومائة، وهي السنة التي مات فيها الإمام أبو حنيفة (﵀) حمل إلى مكة وهو ابن سنتين، ونشأ بها، وحفظ القرآن وهو ابن سبع سنين، ثم سلمه أبوه للتفقه إلى مسلم بن خالد مفتي مكة، فأذن له في الإفتاء. وهو ابن خمسة عشر سنة، فرحل إلى الإمام مالك بن أنس ب «المدينة»، فلازمه حتى توفي مالك (﵀) ثم قدم «بغداد» سنة خمسة وتسعين ومائة، وأقام بها سنتين، فاجتمع عليه علماؤها، وأخذوا عنه العلم ثم خرج إلى «مكة» حاجا، ثم عاد إلى «بغداد» سنة ثمان وتسعين ومائة، فأقام بها شهرين أو أقل، فلما قتل الإمام موسى الكاظم خرج إلى «مصر»، فلم يزل بها ناشرا للعلم، وصنف بها الكتب الجديدة، وانتقل إلى رحمة الله (تعالى) يوم الجمعة سلخ رجب سنة أربع ومائتين، ودفن بالقرافة بعد العصر في يومه.\nينظر: «ابن هداية الله» ص ١١، «سير أعلام النبلاء» (١٠/ ١)، «التاريخ الكبير» (١/ ٤٢)، «طبقات الحفاظ» (ص ١٥٢)، «تذكرة الحفاظ» (١/ ٣٦١) . [.....]\n(٢) اختلف أهل العربية في اشتقاق «الشيطان»، فقال جمهورهم: هو مشتق من «شطن يشطن» أي: بعد لأنه بعيد من رحمة الله تعالى، وأنشدوا: [الوافر]\nنأت بسعاد عنك نوى شطوف ... فبانت والفؤاد بها رهين\nوقال أمية بن أبي الصلت: [الخفيف]\nأيّما شاطن عصاه عكاه ... ثمّ يلقى في السّجن والأكبال\nوحكى شيخ النحاة سيبويه: «تشيطن» أي فعل فعل الشياطين، فهذا كله يدل على أنه من شطن لثبوت النون وسقوط الألف في تصاريف الكلمة، ووزنه على هذا «فيعال» .\nوقيل: هو مشتق من «شاط يشيط» أي: هاج واحترق. ولا شك أن هذا المعنى موجود فيه، فأخذوا.","vol":"1","page":155},{"text":"لأنه بعد عن الخير والرحمة، وأما الرجيم، فهو فعيل بمعنى مفعول كقتيل وجريح، ومعناه: أنه رجم باللعنة والمقت وعدم الرحمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-92>تفسير فاتحة الكتاب</span>\nبحول الله تعالى وقوّته\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-93>[سورة الفاتحة (١): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-94>باب في تفسير: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ</span>\nروي أن رجلا قال بحضرة النبيّ ﷺ: «تعس الشّيطان» فقال رسول الله ﷺ: «لا تقل ذلك فإنّه يتعاظم عنده ولكن قل: بسم الله الرّحمن الرّحيم، فإنّه يصغر حتّى يصير أقلّ من الذّباب» «١»، والبسملة تسعة عشر حرفا، قال بعض الناس: إن رواية بلغتهم أنّ ملائكة النار الذين قال الله فيهم: عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ [المدثر: ٣٠] إنما ترتب عددهم على حروف: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ لكلّ حرف ملك، وهم يقولون في كل أفعالهم:\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، فمن هناك هي قوتهم، وباسم الله استضلعوا «٢» .\nقال ع «٣»: وهذا من ملح التفسير، وليس من متين العلم.\nت: ولا يخفى عليك لين ما بلغ هؤلاء، ولقد أغنى الله تعالى بصحيح\n_________\n- بذلك أنه مشتق من هذه المادة، لكن لم يسمع من تصاريفه إلا ثابت النون محذوف الألف، كما تقدم.\nووزنه على هذا «فعلان» . ويترتب على القولين: صرفه وعدم صرفه إذا سمى به، وأما إذا لم يسم به فإنه منصرف البتة لأن من شرط امتناع فعلان الصفة ألا يؤنث بالتاء، وهذا يؤنث بها، قالوا: شيطانة.\nينظر: «الدر المصون»، للسمين الحلبي (١/ ٤٨- ٤٩) . بتصرف.\n(١) أخرجه أبو داود (٢/ ٧١٤)، كتاب «الأدب»، باب (٧٧)، حديث (٤٩٨٢)، والنسائي في «الكبرى» (٦/ ١٤٢)، كتاب «عمل اليوم والليلة»، باب ما يقول إذا عثرت دابته، حديث (١٠٣٨٨)، كلاهما من طريق خالد الحذاء، عن أبي تميمة، عن أبي المليح، عن رجل قال: كنت رديف النبي ﷺ فذكره.\nوأخرجه الحاكم (٤/ ٢٩٢) من طريق يزيد بن زريع: ثنا خالد الحذاء، عن أبي تميمة، عن رديف رسول الله ﷺ به.\nوقال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، ورديف رسول الله ﷺ الذي لم يسمه يزيد بن زريع، عن خالد سماه غيره أسامة بن مالك والد أبي المليح بن أسامة.\nووافقه الذهبي، وزاد: «ورواه محمد بن حمدان، عن خالد، عن أبي تميمة، عن أبي المليح بن أسامة عن أبيه. اه. والطريق الذي أشار إليه الذهبي:\nأخرجه النسائي في «الكبرى» (٦/ ١٤٢)، كتاب «عمل اليوم والليلة»، باب ما يقول إذا عثرت به دابته، حديث (١٠٣٨٩)، من طريق أحمد بن عبدة، عن محمد بن حمدان به. وأخرجه أحمد (٥/ ٥٩)، والبغوي في «شرح السنة» (٦/ ٤٠١- بتحقيقنا)، من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن عاصم الأحول، عن أبي تميمة الهجيمي، عمن كان رديفه.\n(٢) الضّلاعة: القوة وشدة الأضلاع، والضليع: العظيم الخلق الشديد، يقال: ضليع بيّن الضّلاعة.\nينظر: «لسان العرب» (٢٥٩٩) .\n(٣) «المحرر الوجيز» (١/ ٦١) .","vol":"1","page":156},{"text":"الأحاديث وحسنها عن موضوعات الورّاقين، فجزى الله نقاد الأمة عنا خيرا.\nوما جاء من الأثر عن جابر وأبي هريرة مما يقتضي بظاهره أن البسملة آية من الفاتحة يرده صحيح الأحاديث كحديث أنس، وأبي بن كعب، وحديث: «قسمت الصّلاة بيني وبين عبدي» «١» ونحوها، ولم يحفظ قطّ عن النبيّ ﷺ، ولا عن الخلفاء بعده أنهم يبسملون في الصلاة «٢» .\n_________\n(١) أخرجه مالك (١/ ٨٤)، كتاب «الصلاة»، باب القراءة خلف الإمام، الحديث (٣٩)، وأحمد (٢/ ٢٨٥)، ومسلم (١/ ٢٩٧)، كتاب «الصلاة»، باب وجوب قراءة الفاتحة، الحديث (٣٩ و٤٠)، وأبو داود (١/ ٥١٢- ٥١٣- ٥١٤)، كتاب «الصلاة»، باب من ترك قراءة الفاتحة، الحديث (٨٢١)، والترمذي (٢/ ٢٥)، كتاب «الصلاة»، باب لا صلاة إلا بالفاتحة، الحديث (٢٤٧)، والنسائي (٢/ ١٣٥- ١٣٦)، كتاب «الصلاة»، باب ترك قراءة البسملة في الفاتحة، والبخاري في «جزء القراءة» (ص ٤)، وابن ماجة (٢/ ١٢٤٣)، كتاب «الأدب»، باب ثواب القرآن، حديث (٣٧٨٤)، والدارقطني (١/ ٣١٢) وابن خزيمة (١/ ٢٥٣)، والبيهقي (٢/ ٣٩) عن أبي هريرة.\nولفظ مالك عن أبي السائب مولى هشام بن زهرة، عن أبي هريرة، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج، هي خداج، هي خداج غير تمام» قال: فقلت: يا أبا هريرة إني أحيانا أكون وراء الإمام، قال: فغمز ذراعي، ثم قال: اقرأ بها في نفسك يا فارسي، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «قال الله ﵎: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي، ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل» قال رسول الله ﷺ: «اقرءوا، يقول العبد: الحمد لله رب العالمين، يقول الله تعالى: حمدني عبدي» الحديث.\n(٢) ذهب أكثر أهل العلم من الصحابة، فمن بعدهم إلى ترك الجهر بالتسمية، بل يسرّ بها، منهم أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وغيرهم، وهو قول إبراهيم النّخعي، وبه قال مالك، والثوري، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي.\nوذهب قوم إلى أنه يجهر بالتسمية للفاتحة والسورة جميعا، وبه قال من الصحابة أبو هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وأبو الزبير، وهو قول سعيد بن جبير، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، وإليه ذهب الشافعي.\nوروى في الحديث أن النبي ﷺ وأبا بكر يبدءون وعمر وعثمان كانوا يفتتحون القراءة ب «الحمد لله رب العالمين» معناه: أنهم كانوا يبدءون بقراءة فاتحة الكتاب قبل السورة، وليس معناه: أنهم كانوا لا يقرءون «بسم الله الرحمن الرحيم» . وكان الشافعي يرى أن يبدأ «ببسم الله الرحمن الرحيم» وأن يجهر بها إذا جهر بالقراءة. قال العلامة أحمد شاكر: ومن فقه أبي عيسى الترمذي أن عقد الخلاف في البابين (١٨٠، ١٨١) بين الجهر بالبسملة وترك الجهر بها، ولم يعقد بين أصل قراءتها وتركها. أما أئمة القراءات، فإنهم جميعا اتفقوا على قراءة البسملة في ابتداء قراءة كل سورة، سواء الفاتحة أو غيرها من السور سوى «براءة» ولم يرد عن واحد منهم أبدا إجازة ابتداء القراءة بدون التسمية. قال ابن الجزري في «طيبته» .\nبسمل بين السّورتين (ب) س (ن) صف ... (د) م (ش) ق (ر) جا وصل (ف) شا\nوعن خلف (العاشر) فاسكت فصل ... والخلف (ك) م (حما) (ج) لا (الأزرق)\nإلى أن قال: وفي ابتداء السورة كلّ بسملا.\nوقال صاحب «الشاطبية»: ولا بد منها (أي البسملة) في ابتدائك سورة.","vol":"1","page":157},{"text":"ع «١»: والباء في بِسْمِ اللَّهِ متعلّقة عند نحاة البصرة باسم تقديره: ابتدائي مستقر أو ثابت باسم الله، وعند نحاة الكوفة بفعل تقديره: ابتدأت باسم الله، واسم: أصله سمو بكسر السين، أو سمو بضمها، وهو عند البصريين مشتقّ من السّمو «٢» .\nت: وهو العلو والارتفاع.\n_________\n- والحرف الأول في كلمة من البيتين يرمز لقارىء أو راو، فالبسملة آية في كل سورة عند الأكثرين، وهؤلاء هم أهل الرواية المنقولة بالسماع والتلقي شيخا عن شيخ في التلاوة والأداء، وقد اتفقوا جميعا على قراءتها أول الفاتحة، وإن وصلت بغيرها، وجميع المصاحف التي كتبها الخليفة الثالث عثمان وأقرها الصحابة دون ما عداها كتبت فيها البسملة في أول كل سورة، سوى «براءة»، وأن الصحابة (رضوان الله عليهم) حين جمعوا القرآن في المصاحف جردوه من كل شيء غيره، فلم يأذنوا بكتابة أسماء السور ولا أعداد الآي ولا «آمين»، ومنعوا أن يجرؤ أحد على كتابة ما ليس في كتاب الله في المصاحف، حرصا منهم على الحفاظ عليه، فهل يعقل مع هذا كله أن يكتبوا مائة وثلاث عشرة بسملة زيادة على ما أنزل على رسول الله ﷺ ألا يدل دلالة قاطعة منقولة بالتواتر العمل المؤيد بالكتابة المتواترة على أنها آية من القرآن في كل موضع كتابة فيه؟!! تنظر المسألة في: «الأم» للشافعي (١/ ٢١٣)، «شرح المهذب» (٣/ ٢٨٨)، «حلية العلماء ومعرفة مذاهب الفقهاء» (٢/ ١٠٢)، «فتح الوهاب» للشيخ زكريا (١/ ٤٠)، «الحاوي» للماوردي (٢/ ١٠٤)، «روضة الطالبين» (١/ ٣٤٧)، «بدائع الصنائع» (١/ ٢٠٣)، «المبسوط» (١/ ١٥)، «الهداية» (١/ ٤٨)، «شرح فتح القدير» (١/ ٢٥٣، ٢٥٤)، «الاختيار» (١/ ٥١)، «الحجة على أهل المدينة» (١/ ٩٦)، «الكافي» لابن عبد البر ص (٤٠)، «المغني» لابن قدامة (٢/ ١٥١)، «كشاف القناع» (١/ ٣٣٥)، «الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف» (٢/ ٤٨)، «بداية المجتهد» لابن رشد (١/ ٩٦- ٩٧)، «نيل الأوطار» (٢/ ٢٢٢- ٢٣٢)، «فتح العلام» ص (١٩٥)، «سبل السلام» (١/ ٢٤١)، «شرح البهجة» (١/ ٣٠٨- ٣٠٩)، «الجمل على المنهج» (١/ ٣٤٥)، «مختلف الرواية» ص (٤١٢)، «الأوسط» (٣/ ١١٩- ١٢٣) .\n(١) «المحرر الوجيز» (١/ ٦١) .\n(٢) اشتقاق الاسم عند المحققين من النحويين من السمو، وهو الارتفاع، ومحل مرتفع فهو ظاهر. والاسم يظهر المسمى عند السامع فاشتق من السمو لذلك، وقد قيل: إنما اشتق الاسم من السمو لكون الكلام على ثلاثة أقسام. وضع لكل قسم عبارة، وكان الاسم المقدم فأعطي أرفع العبارات، وكان الحرف المتأخر إذ لا معنى له في ذاته، فأعطي أحط العبارات، وكان الفعل واسطة بينهما فتوسط اسمه.\nوذهب قوم إلى أن اشتقاق الاسم من السمة، وهي العلامة، والاسم جعل دلالة على المسمى، وهذا تبطله صناعة العربية إذ لو كان مشتقا من السمة لقيل في تصغيره: وسيم، ولا يقال ذلك إنما يقال في تصغيره سميّ، وكذلك في جمعه أسماء برد لام الفعل. والتكبير والتصغير يردان الأشياء إلى أصولها، فصح أن اشتقاقه من السمو.\nينظر: «العلوم المستودعة في السبع المثاني» (ج ٢)، و«الصاوي على الخريدة» (٦- ٧) .","vol":"1","page":158},{"text":"قال ص «١»: والاسم: هو الدالّ بالوضع. على موجود في العيان إن كان محسوسا، وفي الأذهان إن كان معقولا من غير تعرّض ببنيته للزمان، ومدلوله هو المسمّى «٢»، والتسمية جعل ذلك اللفظ دليلا على المعنى، فهي أمور ثلاثة متباينة، فإذا أسندت حكما إلى لفظ اسم، فتارة يكون حقيقة نحو: زيد اسم ابنك، وتارة يكون مجازا وهو حيث يطلق الاسم، ويراد به المسمّى كقوله تعالى: تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ [الرحمن: ٧٨]، وسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ [الأعلى: ١]، وتأول السّهيليّ: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ على إقحام الاسم، أي: سبح ربك، وإنما ذكر الاسم حتى لا يخلو التسبيح من/ اللفظ باللسان لأن الذكر بالقلب متعلّقه المسمى، والذكر باللسان متعلقه اللفظ، وتأول قوله تعالى: ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً [يوسف: ٤٠] بأنها أسماء كاذبة غير واقعة على الحقيقة فكأنهم لم يعبدوا إلا الأسماء التي اخترعوها. انتهى.\nوقال الكوفيّون: أصل اسم وسم من السّمة، وهي العلامة لأن الاسم علامة لمن وضع له، والمكتوبة التي لفظها الله أبهر أسمائه تعالى وأكثرها استعمالا، وهو المتقدّم لسائرها في الأغلب، وإنما تجيء الأخر أوصافا، وحذفت الألف الأخيرة من الله لئلّا يشكل بخط «اللّات»، وقيل: طرحت تخفيفا.\n_________\n(١) ينظر: «المجيد في إعراب القرآن المجيد» لإبراهيم بن محمد الصفاقسيّ ص (٤١) .\n(٢) في حقيقة الاسم عند المتكلمين خلاف مشهور، فذهب الأشعرية إلى أنه عين المسمى. وذهبت المعتزلة إلى أنه غير المسمى، وقالت الأشعرية وطائفة من المتكلمين: إن الكلام في الاسم والمسمى يعرفك حقيقة صفات معبودك، فتصل بذلك إلى تصحيح توحيدك، فإذا لم ينظر الإنسان ويستدل فكيف يصل إلى المعرفة التي كلفها؟! لكن منع الشافعي ﵁، وابن حبل، وأكثر الفقهاء، والمحدثين (﵃) طريق الكلام في الاسم والمسمى. حتى قال الشافعي: إذا سمعت الرجل يقول:\nالاسم هو المسمى أو غير المسمى فاشهد بأنه من أهل الكلام ولا دين له.\nوعلى كل، فطريق المتكلمين غير طريق الفقهاء والمحدثين فإن الفقهاء والمحدثين أخذوا الأمور بالتسليم والنقل، والمتكلمون ركبوا إلى النقل طريق النظر بالعقل، فأقاموا صناعة غير معهودة في السلف، وقالوا: نفتح بها طريق النظر إذ السلف كانوا لقرب عهدهم بالنبوة ولاشتغال أفكارهم بالنظر في ملكوت السماء والأرض مستغنين عن هذه الصناعة إذ كانت الأدلة راسخة في قلوبهم، وطرق الاستدلال نيرة في عقولهم، فلما ذهب ذلك الجيل الجليل وفترت الدواعي، وفشت البدع بسوء النظر، وجب أن يحرّ طريق النظر، وتنهج مسلك العبر، وتبين الأدلة الصحيحة من الفاسدة، وتصان عقائد الخلق عن تشويش المبتدعة والمارقة، فتكلموا بما لم يعهد من السلف الكلام فيه، فمن العلماء من يؤثره ويراه عين الصواب، ومنهم من يجتنبه ويجعله عين الضلال، ومنهم من يتوقف فيه، ومنهم من يرتضي منه أسلوبا دون غيره من الأساليب. انظر: «العلوم المستودعة في السبع المثاني» ١٩ خ.","vol":"1","page":159},{"text":"والرّحمن «١»: صفة مبالغة من الرحمة، معناها: أنه انتهى إلى غاية الرحمة، وهي صفة تختصّ بالله تعالى، ولا تطلق على البشر، وهي أبلغ من فعيل، وفعيل أبلغ من فاعل لأن راحما يقال لمن رحم ولو مرة واحدة، ورحيما يقال لمن كثر منه ذلك، والرحمن النهاية في الرحمة «٢» .\n_________\n(١) ينظر: «الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى» للإمام القرطبي، (١/ ٦١: ٩٢) .\n(٢) قال الشيخ أبو حيان: «وكان القياس الترقي كما تقول: عالم نحرير، وشجاع باسل، لكن أردف الرحمن الذي يتناول جلائل النعم وأصولها، ليكون كالتتمة والرديف ليتناول ما دق منها وما لطف، واختاره الزمخشري» .\nينظر: «البحر المحيط» (١/ ١٢٨) . [.....]","vol":"1","page":160},{"text":"قال ابن عبّاس وغيره: إنها مكية «١» ويؤيد هذا أن في سورة الحجر: وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثانِي [الحجر: ٨٧]، والحجر مكية بإجماع، وفي حديث أبي بن كعب أنّها السبع المثاني «٢» .\nولا خلاف أن فرض الصلاة كان بمكة، وما حفظ أنه كانت قط في الإسلام صلاة بغير: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ، وروي عن عطاء بن يسار «٣» وغيره ...\n_________\n(١) ذكره السمرقندي في «تفسيره» (١/ ٧٨)، وابن كثير (١/ ٨) عن ابن عباس، وقتادة، وأبي العالية.\nوالسيوطي في «الدر» (١/ ١٩- ٢٠) عن علي وقتادة. وقال الحافظ في «الفتح» (٨/ ٩): إن الفاتحة مكية، وهو قول الجمهور.\n(٢) أخرجه الترمذي (٥/ ٢٩٧)، كتاب «تفسير القرآن»، باب سورة الحجر، حديث (٣١٢٥)، (٥/ ١٥٥)، كتاب «فضائل القرآن»، باب ما جاء في فضل فاتحة الكتاب، حديث (٢٨٧٥)، والنسائي (٢/ ١٣٩)، كتاب «الافتتاح»، باب تأويل قول الله (﷿): وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ، حديث (٩١٤)، وفي «التفسير» (١/ ٥٢٣- ٥٢٤)، رقم (٢٢٥)، والطبري في «تفسيره» (٩/ ١٤٢)، وأحمد (٢/ ٤١٢- ٤١٣)، والدارمي (٢/ ٤٤٦)، وعبد الله بن أحمد في «زوائد المسند» (٥/ ١١٤)، وعبد بن حميد في «المنتخب من المسند» (ص ٨٦)، رقم (١٦٥)، وأبو يعلى (١١/ ٣٦٧- ٣٦٨)، رقم (٦٤٨٢)، وابن خزيمة (١/ ٢٥٢)، رقم (٥٠٠، ٥٠١)، وابن حبان (٣/ ٥٣)، رقم (٧٧٥- الإحسان)، والحاكم (١/ ٥٥٧)، والبيهقي (٢/ ٣٧٥- ٣٧٦)، كلهم من طريق العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن أبي بن كعب به.\nوقال الترمذي: حديث حسن صحيح.\nوصححه الحاكم، ووافقه الذهبي.\nوصححه ابن خزيمة وابن حبان.\nوالحديث ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٢١) وزاد نسبته إلى أبي عبيد، وابن المنذر، وابن مردويه، وأبي ذر الهروي في «فضائل القرآن» .\n(٣) عطاء بن يسار الهلالي، أبو محمد المدني، أحد الأعلام. عن مولاته ميمونة، وابن مسعود، وأبيّ بن كعب، وأبي ذرّ وخلق. وعنه أبو سلمة، وحبيب بن أبي ثابت، وأبو جعفر الباقر، وعمرو بن دينار، وخلق. قال النسائي: ثقة. قال الهيثم بن عديّ: توفي سنة سبع وتسعين. وقال عمرو بن علي: سنة.","vol":"1","page":161},{"text":"أنها مدنية «١»، وأما أسماؤها فلا خلاف أنه يقال لها فاتحة الكتاب، واختلف، هل يقال لها أم الكتاب؟ فكره ذلك الحسن بن أبي الحسن، وأجازه ابن عبّاس وغيره «٢» .\nوفي تسميتها ب «أمّ الكتاب» حديث رواه أبو هريرة «٣»، واختلف هل يقال لها: «أمّ القرآن»؟ فكره ذلك ابن سيرين «٤»، وجوزه جمهور العلماء.\nوسميت «المثاني» لأنها تثنّى في كل ركعة «٥» وقيل: لأنها استثنيت لهذه الأمة.\nوأما فضل هذه السورة، فقد قال رسول الله ﷺ في حديث أبيّ بن كعب أنّها لم ينزل في التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في الفرقان مثلها «٦»، وروي أنها تعدل ثلثي القرآن، وهذا العدل إما أن يكون في المعاني، وإما أن يكون تفضيلا من الله تعالى لا يعلل وكذلك يجيء عدل: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص: ١] وعدل: إِذا زُلْزِلَتِ [الزلزلة: ١] وغيره.\n_________\n- ثلاث ومائة.\nينظر: «تهذيب الكمال» (٢/ ٩٣٨)، و«تهذيب التهذيب» (٧/ ٣١٧)، و«تقريب التهذيب» (٢/ ٢٣)، و«سير الأعلام» (٤/ ٤٤٨) .\n(١) ذكره البغوي في «تفسيره» (١/ ٣٧)، والماوردي في «تفسيره» (١/ ٤٥)، والسيوطي في «الدر» (١/ ٢٠)، وعزاه لوكيع في «تفسيره» . كلهم عن مجاهد. وابن كثير (١/ ٨) عن أبي هريرة، ومجاهد، وعطاء بن يسار، والزهري. وقال ابن كثير: والأولى أشبه «أي أنها مكية»، لقوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثانِي والله تعالى أعلم.\n(٢) أخرجه البخاري معلقا (٨/ ٦) . وذكره الماوردي في «تفسيره» (١/ ٤٦)، وابن كثير (١/ ٨) . وقال الحافظ في «الفتح» (٨/ ٦): ويأتي في تفسير «الحجر» حديث أبي هريرة مرفوعا: «أم القرآن هي السبع المثاني» ولا فرق بين تسميتها بأم القرآن، وأم الكتاب، ولعل الذي كره ذلك وقف عند لفظ «الأم» .\n(٣) أخرجه الترمذي (٥/ ٢٩٧)، كتاب «التفسير»، باب ومن سورة الحجر، حديث (٣١٢٤)، وأبو داود (١/ ٤٦١)، كتاب «الصلاة»، باب فاتحة الكتاب، حديث (١٤٥٧) من طريق ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «الحمد لله أم القرآن، وأم الكتاب والسبع المثاني» .\nوأخرجه البخاري (٨/ ٢٣٢) بلفظ: «أم القرآن هي السبع، والقرآن العظيم» .\nوأخرجه البغوي في «شرح السنة» (٣/ ١٣- بتحقيقنا)، وقال: هذا حديث صحيح، وأراد بأم القرآن فاتحة الكتاب، وسميت بأم القرآن لأنها أصل القرآن، وأم كل شيء أصله، وسميت مكة أم القرى كأنها أصلها ومعظمها، وقيل: سميت أم القرآن، لأنها تتقدم القرآن، وكل من تقدم شيئا فقد أمه» .\n(٤) ينظر: الماوردي في «تفسيره» (١/ ٤٦)، وابن كثير (١/ ٨)، والحافظ في «الفتح» (٨/ ٦)، والسيوطي في «الدر» (١/ ٢٠)، وعزاه لابن ضريس في «فضائل القرآن» .\n(٥) ينظر: «تفسير الطبري» (١/ ١٠٣) طبعة أحمد شاكر.\n(٦) تقدم تخريجه قريبا.","vol":"1","page":162},{"text":"ت: ونحو حديث أبيّ حديث أبي سعيد بن المعلّى «١» إذ قال له ﷺ: «ألا أعلّمك أعظم سورة في القرآن الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ هي السّبع المثاني، والقرآن العظيم الّذي أوتيته» . رواه البخاري، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجة. انتهى من «سلاح المؤمن» تأليف الشيخ المحدّث أبي الفتح تقي الدّين محمّد بن علي بن همام «٢» - ﵀-.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-95>[سورة الفاتحة (١): الآيات ٢ الى ٣]</span>\nالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢) الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣)\nالحَمْدُ: معناه الثناء الكاملُ، والألف واللام فيه لاِستغراقِ الجنس من المحامد، وهو أعم من الشكر لأنَّ الشكر إنما يكون على فِعْلٍ جميل يسدى إِلى الشاكر، والحمد المجرَّد هو ثناء بصفات المحمود.\nقال ص «٣»: وهل الحمدُ بمعنى الشكْر أو الحمدُ أَعمُّ، أو الشكر ثناءٌ على اللَّه بأفعاله، والحمد ثناء عليه بأوصافه؟ ثلاثةُ أقوال. انتهى.\nقال الطبريُّ «٤»: الحمدُ لِلَّهِ: ثناءٌ أثنى به على نفسه تعالى، وفي ضمنه أمر عباده أن يثنوا به عليه فكأنه قال: قولوا: الحمد للَّه/، وعلى هذا يجيء: قولوا: إِيَّاكَ، واهْدِنَا.\n_________\n(١) أبو سعيد بن المعلّى بن لوذان بن حبيب بن عدي بن زيد بن ثعلبة بن مالك بن زيد مناة الأنصاري، اسمه رافع، له أحاديث، انفرد له البخاري بحديث. وعنه حفص بن عاصم. قال الزيادي: مات سنة ثلاث وسبعين.\nينظر: «الخلاصة» (٣/ ٢١٩)، و«تهذيب التهذيب» (١٢/ ١٠٧)، و«التاريخ الكبير» (٩/ ٣٤) .\n(٢) «سلاح المؤمن» لتقي الدين أبي الفتح محمد بن محمد بن علي بن همام، المصري، الشافعي، المتوفى سنة خمس وأربعين وسبعمائة. اشتهر في حياته بالغرناطي. أوله: الحمد لله المنعم على خلقه بجميع آلائه. إلخ، بوبه على واحد وعشرين بابا، وقد اختصره الذهبي محمد بن أحمد الحافظ المتوفى سنة ثمان وأربعين وسبعمائة. ينظر: «كشف الظنون» (٢/ ٩٩٤، ٩٩٥) .\n(٣) «المجيد» ص ٥٠.\n(٤) «تفسير الطبري» (١/ ١٣٩- ١٤٠)، وقد استدل أبو جعفر على حذف ما تعرفه العرب في أحاديثها بقول الشاعر: [الوافر]\nواعلم أنني سأكون رمسا ... إذا سار النواعج لا يسير\nفقال السائلون لمن حفرتم؟ ... فقال المخبرون لهم: وزير\nثم قال: يريد بذلك، فقال المخبرون لهم: الميت وزير، فأسقط الميت إذ كان قد أتى من الكلام بما دل على ذلك ...» . [.....]","vol":"1","page":163},{"text":"قال: وهذا من حذف العربِ ما يدلُّ ظاهر الكلام عليه، وهو كثيرٌ.\nوالرب في اللغة: المعبودُ، والسيدُ المالكُ، والقائمُ بالأمور المُصْلِحُ لما يفسد منها، فالرب على الإِطلاق هو ربُّ الأرباب على كل جهة، وهو اللَّه تعالى.\nوالعَالَمُونَ: جمع عَالَمٍ، وهو كل موجود سوى اللَّه تعالى، يقال لجملته: عَالَمٌ، ولأجزائه من الإنس والجن وغير ذلك عَالَمٌ، عَالَمٌ، وبحسب ذلك يجمع على العَالَمِينَ، ومن حيثُ عالَمُ الزمانِ متبدِّلٌ في زمان آخر، حَسُنَ جمعها، ولفظة العالَمِ جمع لا واحد له من لفظه، وهو مأخوذ من العَلَمِ والعلامة لأنه يدل على موجده كذا قال الزَّجَّاج «١»، قال أبو حَيَّان «٢»: الألف واللام في العَالَمِينَ لِلاستغراقِ، وهو جمع سلامة، مفرده عَالَمٌ، اسم جمع، وقياسه ألا يجمع، وشذَّ جمعه أيضًا جمع سلامة لأنه ليس بعَلَمٍ ولا صفةٍ.\nم: وذهب ابنُ مالك «٣» في «شَرْحِ التَّسْهِيلِ» إلى أن «عَالَمِين» اسم جمعٍ لمن يعقل، وليس جمع عالمٍ لأن العَالَمَ عامٌّ، و«عالَمِينَ» خاصٌّ، قلت: وفيه نظر. انتهى.\nوقد تقدّم القول في الرحمن الرحيم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-96>[سورة الفاتحة (١): الآيات ٤ الى ٥]</span>\nمالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)\nمالِكِ يَوْمِ الدِّينِ: الدِّينُ في كلام العربِ على أنحاء، وهو هنا الجزاءُ يوم الدين، أي: يوم الجزاء على الأعمال والحساب بها قاله ابن عباس «٤» وغيره مَدِينِينَ:\nمحاسَبِينَ «٥»، وحكى أهل اللغة: دِنْتُهُ بِفِعْلِهِ دَيْنًا بفتح الدال، ودينا بكسرها: جزيته\n_________\n(١) «معاني القرآن وإعرابه» لأبي إسحاق الزجاج (١/ ٤٦) .\n(٢) «البحر المحيط» (١/ ١٣٢)، وينظر «المجيد» ص (٥٣) .\n(٣) محمد بن عبد الله بن مالك الطائي الجيّاني، أبو عبد الله، جمال الدين، أحد الأئمة في علوم العربية.\nولد في حيان ب «الأندلس» سنة ٦٠٠ هـ. وانتقل إلى دمشق، فتوفي فيها سنة (٦٧٢) هـ. من كتبه:\n«الألفية» وهو أشهرها في النحو، و«تسهيل الفوائد» في النحو أيضا، وكذلك «الكافية الشافية» أرجوزة في نحو ثلاثة آلاف بيت، و«إيجاز التعريف» في الصرف، و«العروض» .\nينظر: «الأعلام» (٦/ ٢٣٣)، «بغية الوعاة» (٥٣)، «آداب اللغة» (٣/ ١٤٠)، و«طبقات السبكي» (٥/ ٢٨) .\n(٤) أخرجه ابن جرير (٩/ ٢٩٢) (٢٥٨٨٩)، وذكره السيوطي في «الدر» (٥/ ٦٥) عن ابن عباس، والقرطبي (١/ ١٢٥) .\n(٥) أخرجه ابن جرير (١٠/ ٤٩١) برقم (٢٩٣٨٣)، عن قتادة، و(١٠/ ٤٩١) رقم (٢٩٣٨٤)، عن السدي.\nوذكره السيوطي في «الدر» (٥/ ٥١٩)، والقرطبي (١/ ١٢٥) .","vol":"1","page":164},{"text":"ومنه قول الشاعر: [الكامل]\nواعلم يَقِينًا أَنَّ مُلْكَكَ زَائِلٌ ... واعلم بِأَنَّ كَمَا تَدِينُ تُدَانُ «١»\nإِيَّاكَ نَعْبُدُ: نطق المؤمن به إِقرار بالربوبية، وتذلُّل وتحقيق لعبادة اللَّه وقدَّم «إِيَّاكَ» على الفعل اهتماما، وشأن العرب تقديم الأَهَمِّ، واختلف النحويُّون في «إِياك» «٢»، فقال الخليلُ «٣»: «إيَّا»: اسم مضمر أضيف إِلى ما بعده للبيان لا للتعريف، وحكى عن العرب: «إِذَا بَلَغَ الرَّجُلُ السِّتِّينَ، فَإِيَّاهُ وَإِيَّا الشَّوَابِّ»، وقال المبرِّد: إِيَّا: اسمٌ مبهم أضيف للتخصيص لا للتعريف، وحكى ابن كَيْسَانَ «٤» عن بعض الكوفيِّين أنَّ «إِيَّاكَ» بكماله اسم\n_________\n(١) ينظر: «مجاز القرآن» (١/ ٢٣)، «الكامل» (١/ ٤٢٦)، «إعراب ثلاثين سورة» لابن خالويه (٢٤١)، «الجمهرة» (٢/ ٣٠٦)، «الخزانة» (٤/ ٢٣٠)، «جمهرة الأمثال» للعسكري (١٦٩)، «المخصص» (١٧/ ١٥٥)، «تفسير الطبري» (١/ ١٥٥)، «القرطبي» (١/ ١٠١)، «الدر المصون» (١/ ٧٢)، «اللسان والتاج» (دين) .\n(٢) اختلف النحويون في «ايا» هل هو من قبيل الأسماء الظاهرة أو المضمرة؟ فالجمهور على أنه مضمر، وقال الزجاج: هو اسم ظاهر. وقال ابن درستويه. إنه بين الظاهر والمضمر. وقال الكوفيون: مجموع «ايا» ولواحقها هو الضمير. والقائلون بأنه ضمير اختلفوا فيه على أربعة أقوال:\nأحدها: أنه كله ضمير.\nوالثاني: أن «ايا» وحده ضميره، وما بعده اسم مضاف إليه يبين ما يراد به من تكلم، وغيبة، وخطاب.\nوالثالث: أن «ايا» عماد، وما بعده هو الضمير، وشذت إضافته إلى الظاهر في قولهم: «إذا بلغ الرجل الستين، فإياه وايا الشواب» بإضافة «ايا» إلى الشواب. وهذا يؤيد قول من جعل الكاف والهاء والياء في محل جر إذا قلت: إياك، إياه، إياي.\nينظر: «الدر المصون» (١/ ٧٣)، و«همع الهوامع» (١/ ٦١)، و«الكتاب» (٢/ ٣٥٥)، و«شرح الكافية» (٢/ ١٢)، و«سر صناعة الإعراب» (١/ ٣١١)، و«شرح المفصل» (٣/ ٩٨)، و«الإنصاف» (٢/ ٦٩٥) .\n(٣) الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم، الفراهيدي، الأزدي، اليحمدي، أبو عبد الرحمن، ولد سنة (١٠٠) هـ. في البصرة. من أئمة اللغة والأدب، وواضع علم العروض، وهو أستاذ سيبويه النحوي، عاش فقيرا صابرا. قال النضر بن شميل: ما رأى الراءون مثل الخليل، ولا رأى الخليل مثل نفسه. فكر في ابتكار طريقة في الحساب تسهله على العامة فدخل المسجد وهو يعمل فكره فصدمته سارية وهو غافل، فكانت سبب موته سنة (١٧٠) هـ. ب «البصرة» . من كتبه «العين»، و«معاني الحروف»، و«العروض»، و«النغم» .\nينظر: «وفيات الأعيان» (١/ ١٧٢)، «إنباه الرواة» (١/ ٣٤١)، «نزهة الجليس» (١/ ٨٠)، «الأعلام» (٢/ ٣١٤) .\n(٤) محمد بن أحمد بن إبراهيم، أبو الحسن المعروف ب «ابن كيسان»: عالم بالعربية من أهل «بغداد»، أخذ عن المبرد وثعلب، من كتبه «المهذب» في النحو، «غريب الحديث»، «معاني القرآن»، «المختار في علل النحو» توفي من (٢٩٩) هـ.\nينظر: «إرشاد الأريب» (٦/ ٢٨٠)، «معجم المطبوعات» (٢٢٩) . «نزهة الألباء» (٣٠١)، «شذرات الذهب» (٢/ ٢٣٢)، «كشف الظنون» (١٧٠٣)، «مصابيح الكتاب»، «الأعلام» (٥/ ٣٠٨) .","vol":"1","page":165},{"text":"مضمر، ولا يعرف اسم مضمر يتغيَّر آخره غيره، وحكي عن بعضهم أنه قال: الكاف والهاء والياء هو الاسم المضمر، لكنها لا تقوم بأنفسها، ولا تكون إِلا متصلات، فإذا تقدَّمت الأفعال جعل «إِيَّا» عمادًا لها، فيقال: إِيَّاكَ، وإِيَّاهُ، وإِيَّايَ، فإِذا تأخرت، اتصلت بالأفعال، واستغني عن «إيّا» .\nونَعْبُدُ: معناه: نقيم الشرع والأوامر مع تذلُّل واستكانةٍ، والطريقْ المذلَّل يقال له معبَّدٌ، وكذلك البعير.\nونَسْتَعِينُ معناه نطلب العون منك في جميع أمورنا، وهذا كله تبرّ من الأصنام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-97>[سورة الفاتحة (١): الآيات ٦ الى ٧]</span>\nاهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ (٧)\nوقوله تعالى: اهْدِنَا: رغبة لأنها من المربوب إلى الرب، وهكذا صيغ الأمر كلها، فإِذا كانت من الأعلى، فهي أَمْرٌ.\nوالهِدَايَةُ في اللغة: الإرشادُ، لكنها تتصرف على وجوه يعبر عنها المفسِّرون بغير لفظ الإِرشاد وكلها إِذا تأملت راجِعةٌ إلى الإرشاد، فالهدى يجيء بمعنى خَلْقِ الإيمان في القلب، ومنه قوله تعالى: أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ [البقرة: ٥] ويَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [النور: ٤٦]، وإِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ [القصص: ٥٦] فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ [الأنعام: ١٢٥] الآية، قال أبو المعالي «١»: فهذه الآيات لا يتجه جلها إلا على خلق الإيمان في القلب، وهو محض الإرشاد «٢» .\n٨ أوقد جاء الهدى بمعنى الدعاء كقوله تعالى: وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ [الرعد: ٧] أي: داع/ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشورى: ٥٢] .\n_________\n(١) عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن عبد الله بن يوسف بن محمد، العلامة إمام الحرمين، أبو المعالي بن أبي محمد الجويني، ولد سنة (٤١٩)، وتفقه على والده، وقعد للتدريس بعده، وحصل أصول الدين وأصول الفقه على أبي القاسم الأسفراييني الإسكاف، وصار إماما، حضر درسه الأكابر، وتفقه به جماعة من الأئمة. قال السمعاني: كان إمام الأئمة على الإطلاق، ومن تصانيفه: النهاية والغياثي والإرشاد، وغيرهما. مات سنة (٤٧٨) .\nانظر: «طبقات ابن قاضي شهبة» (١/ ٢٥٥)، «طبقات السبكي» (٣/ ٢٤٩)، «وفيات الأعيان» (٢/ ٣٤١)، و«الأنساب» (٣/ ٤٣٠)، «شذرات الذهب» (٣/ ٣٥٨)، «النجوم الزاهرة» (٥/ ١٢١)، و«معجم البلدان» (٢/ ١٩٣) .\n(٢) ينظر: ص ٤٨٦.","vol":"1","page":166},{"text":"وقد جاء الهدى بمعنى الإِلهام من ذلك قوله تعالى: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى [طه: ٥٠] .\nقال المفسِّرون: ألهم الحيواناتِ كلَّها إِلى منافعها.\nوقد جاء الهدى بمعنى البيان من ذلك قوله تعالى: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ [فصلت: ١٧] قال المفسِّرون: معناه: بيَّنَّا لهم.\nقال أبو المعالي «١»: معناه: دعوناهُمْ، وقوله تعالى: إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى [الليل: ١٢]، أي: علينا أنْ نبيِّن.\nوفي هذا كله معنى الإِرشاد.\nقال أبو المعالي: وقد ترد الهدايةُ، والمراد بها إِرشاد المؤمنين إِلى مسالك الجِنَانِ والطرقِ المفضيةِ إِلَيْهَا كقوله تعالى في صفة المجاهدين: فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ [محمد: ٤- ٥] ومنه قوله تعالى: فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ [الصافات: ٢٣]، معناه: فاسلكوهم إِليها.\nقال ع «٢»: وهذه الهدايةُ بعينها هي التي تقال في طرق الدنيا، وهي ضدُّ الضلالِ، وهي الواقعة في قوله تعالى: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ على صحيح التأويلات، وذلك بيِّن من لفظ «الصِّرَاط» والصراط في اللغة: الطريقُ الواضِحُ ومن ذلك قول جَرِيرٍ «٣»: [الوافر]\nأَمِيرُ المُؤْمِنيِنَ على صِرَاطٍ ... إِذَا اعوج المَوَارِدُ مستقيم «٤»\n_________\n(١) ينظر: «الإرشاد» ص (١٩٠)، و«المحرر الوجيز» (١/ ٧٣) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٧٣) .\n(٣) جرير بن عطية بن حذيفة الخطفى بن بدر الكلبي، اليربوعي، من تميم أشعر أهل عصره، ولد سنة (٢٨) هـ. ومات سنة ١١٠ هـ. في «اليمامة» . وعاش عمره كله يناضل شعراء زمنه ويساجلهم، وكان هجاءا مرّا، فلم يثبت أمامه غير الفرزدق والأخطل، وكان عفيفا، وهو من أغزل الناس شعرا.\nينظر: «الأعلام» (٢/ ١٩)، «وفيات الأعيان» (١/ ١٠٢)، «الشعر والشعراء» (١٧٩)، و«خزانة الأدب» (١/ ٣٦) . [.....]\n(٤) البيت في مدح هشام بن عبد الملك، ينظر: ديوانه (٥٠٧)، «شرح الديوان» لمحمد بن حبيب (١/ ٢١٨)، «المحتسب» (١/ ٤٣)، «مجاز القرآن» (١/ ٢٤)، «تفسير الطبري» (١/ ٥٦)، «تفسير القرطبي» (١/ ١٠٣)، «اللسان» (سرط)، «الجمهرة» (٢/ ٣٣٠)، «الدر المصون» (١/ ٧٨) .\nوالموارد: الطرق، واحدها موردة.","vol":"1","page":167},{"text":"واختلف المفسِّرون في المعنى الذي استعير له «الصِّراط» في هذا الموضع: فقال علي بن أبي طالب ﵁: الصراط المستقيم هنا القرآنُ «١»، وقال جابرٌ: هو الإِسلام، يعني الحنيفيَّة «٢» .\nوقال محمَّد بن الحنفيَّة «٣»: هو دينُ اللَّه الذي لا يَقْبَلُ مِن العِبَادِ غيره «٤» .\nوقال أبو العالية: هو رسول الله ﷺ وصاحباه أبو بَكْر وعمر، أي: الصراط المستقيم طريق محمد ﷺ وأبي بكر وعمر «٥»، وهذا قويٌّ في المعنى، إلاَّ أنَّ تسمية أشخاصهم طريقًا فيه تجوُّز، ويجتمع من هذه الأقوال كلِّها أنَّ الدعوة هي أنْ يكون الداعي على سنن المنعم عليهم من النبيِّين والصِّدِّيقين والشهداء والصالحين في معتقداته، وفي التزامه لأحكام شرعه، وذلك هو مقتضى القرآن والإسلام وهو حالُ رسول اللَّه ﷺ وصاحبيه.\nوهذا الدعاء إِنما أمر به المؤمنون، وعندهم المعتقدات، وعند كل واحد بعض الأعمال، فمعنى قوله: اهْدِنَا فيما هو حاصل عندهم: التثبيتُ والدوام، وفيما ليس بحاصل، إِما من جهة الجهل به، أو التقصير في المحافظة عليه: طلب الإرشاد إليه، فكلّ\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير (١/ ١٧٣) (١٧٦)، وذكره الماوردي في «تفسيره» (١/ ٥٩)، والبغوي في «تفسيره» (١/ ٤١)، عن علي مرفوعا، وابن كثير (١/ ٢٧)، عن علي موقوفا عليه.\nوقال أحمد شاكر في تحقيقه للطبري: والإسناد إلى علي بن أبي طالب فيه انهيار.\n(٢) أخرجه ابن جرير (١٧٨)، وصححه الحاكم (٢/ ٢٥٩)، ووافقه الذهبي. وذكره الماوردي في تفسيره (١/ ٥٩)، والبغوي (١/ ٤١)، وابن كثير (١/ ٢٧)، قال: صحيح، وذكره السيوطي في «الدر» (١/ ٤٠) وعزاه لوكيع، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن جرير، والمحاملي في «أماليه»، والحاكم. وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح.\n(٣) محمد بن علي بن أبي طالب الهاشمي، أبو محمد، الإمام المعروف ب «ابن الحنفية» أمه خولة بنت جعفر الحنفية، نسب إليها. عن أبيه، وعثمان، وغيرهما. وعنه بنوه: إبراهيم، وعبد الله، والحسن، وعمرو بن دينار، وخلق. قال إبراهيم بن الجنيد: لا نعلم أحدا أسند عن علي أكثر ولا أصح مما أسند محمد بن الحنفية. قال أبو نعيم: مات سنة ثمانين.\nينظر: «الخلاصة» (٢/ ٤٤٠)، و«تهذيب التهذيب» (٩/ ٣٥٤)، و«الكاشف» (٣/ ٨٠)، و«الثقات» (٥/ ٣٤٧) .\n(٤) ذكره الماوردي في «تفسيره» (ص ٥٩)، وابن كثير (ص ٢٧)، وقال: صحيح.\n(٥) أخرجه ابن جرير (١/ ١٠٥) برقم (١٨٤)، وذكره الماوردي في «تفسيره» (١/ ٥٩)، والبغوي (١/ ٤١)، وابن كثير (١/ ص ٢٧، ٢٨)، وقال: صحيح. وذكره السيوطي في «الدر» (١/ ٤١)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جريج، وابن أبي حاتم، وابن عدي، وابن عساكر. ورواه الحاكم في «المستدرك»، عن ابن عباس، وقال: صحيح. ووافقه الذهبي.","vol":"1","page":168},{"text":"داع به إنما يريد الصراط بكماله في أقواله، وأفعاله، ومعتقداته واختلف في المشار إِليهم بأنه سبحانه أنعم عليهم، وقول ابن عبَّاس، وجمهور من المفسِّرين: أنه أراد صراط النبيِّين والصدِّيقين والشهداء والصالِحِين، وانتزعوا ذلك من قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ ... الآية [النساء: ٦٦] إلى قوله: رَفِيقًا «١» .\nوقوله تعالى: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ، اعلم أنَّ حكم كل مضافٍ إلى معرفة أنْ يكون معرفة، وإنما تنكَّرت «غَيْرٌ» و«مِثْلٌ» «٢» مع إضافتهما إلى المعارف من أجل معناهما، وذلك إِذا قلْتَ: رأيتُ غَيْرَكَ، فكلُّ شيء سوى المخاطَبِ، فهو غيره وكذلك إِنْ قُلْتَ: رأيْتُ مثْلَكَ، فما هو مثله لا يحصى لكثرة وجوه المماثلة.\nوالْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ: اليهودُ، والضالُّون: النصارى قاله ابن مسعود، وابن عَبَّاس، مجاهد، والسُّدِّيُّ، وابن زيد «٣» .\nوروى ذلك عديّ بن حاتم «٤» عن النبيّ ﷺ «٥»، وذلك بيِّن من كتاب اللَّه لأنَّ ذِكْرَ\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير (١/ ١٠٦) برقم (١٨٨)، وقال أحمد شاكر في تحقيقه للطبري (١/ ١٧٨) (١٨٨): في إسناده ضعف. وذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٧٥)، والسيوطي في «الدر» (١/ ٤٢) .\n(٢) هذا يكون في الإضافة المحضة المعنوية لا الإضافة غير المحضة اللفظية.\n(٣) أخرجه الطبري (١/ ١١١- ١١٤) بأرقام (٢٠٠- ٢٠١- ٢٠٢- ٢٠٥- ٢١٤- ٢١٩) عن ابن زيد، ومجاهد، عن ابن عباس، وابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ. وذكره ابن عطية الأندلسي في تفسيره (١/ ٧٧)، والسيوطي في «الدر» (١/ ٤٢- ٤٣) .\nوابن زيد هو عبد الرحمن بن زيد بن أسلم المدني روى عن أبيه، وعن وكيع وابن وهب، وقتيبة، وخلق. ضعّفه أحمد، وابن المديني، والنسائي، وغيرهم. توفي سنة (١٨٢) هـ.\nينظر: «الخلاصة» (٢/ ١٣٣) (٤٠٩٤)، «الجرح والتعديل» (٢/ ٢٣٢- ٢٣٣)، و«المغني» (٢/ ٣٨٠) .\n(٤) هو: عدي بن حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج بن امرئ القيس بن عدي بن أخزم بن أبي أخزم بن ربيعة بن جرول بن ثعلب بن عمرو بن عوث بن طيّ ... وقيل في نسبه غير ذلك، أبو الطريف. وقيل: أبو وهب، الطائي.\nوهو ابن حاتم الطائي الذي يضرب بكرمه وجوده المثل، وكان هو أيضا كريما جوادا، وقد أسلم بعد أن كان نصرانيا. وروى عن النبي ﷺ أحاديث كثيرة، وثبت هو وقومه بعد موت النبي ﷺ وردت كثير من العرب، فجاء إلى أبي بكر بصدقة قومه. وأخباره في الكلام كثيرة، وسيرته بين الصحابة شهيرة. توفي سنة (٦٧) وقيل غير ذلك.\nينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (٤/ ٨)، «الإصابة» (٤/ ٢٢٨)، «الثقات» (١/ ٣١٦)، «الاستيعاب» (١٠٥٧)، «تجريد أسماء الصحابة» (١/ ٣٧٦)، «الطبقات الكبرى» (١/ ٣٢٢)، «التاريخ الكبير» (٧/ ٤٣)، «التاريخ الصغير» (١/ ١٤٨)، «الجرح والتعديل» (٧/ ٢) .\n(٥) أخرجه الترمذي (٥/ ٢٠٤)، كتاب «تفسير القرآن»، باب ومن سورة فاتحة الكتاب، حديث (٢٩٥٤) . -","vol":"1","page":169},{"text":"٨ ب غضَبِ اللَّه على اليهود متكرِّر فيه كقوله: وَباؤُ بِغَضَبٍ/ مِنَ اللَّهِ [آل عمران: ١١٢] قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ ... الآية [المائدة: ٦٠] وغضب اللَّه تعالى، عبارة عن إظهاره عليهم محنًا وعقوباتٍ وذِلَّةً، ونحو ذلك ممَّا يدلُّ على أنه قد أبعدهم عن رحمته بُعْدًا مؤكَّدًا مبالغًا فيه، والنصارى كان محقِّقوهم على شِرْعَةٍ قبل ورود شرعِ محمَّد ﷺ، فلما ورد، ضلُّوا، وأما غير متحقِّقيهم، فضلالتهم متقرِّرة منذ تفرَّقت أقوالهم في عيسى ﵇، وقد قال اللَّه تعالى فيهم: وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ [المائدة: ٧٧] .\nوأجمع الناسُ على أنَّ عدد آي سورة الحمد سبْعُ آيات العالمين آية، الرحيم آية، الدين آية، نستعين آية، المستقيم آية، أنعمت عليهم آية، ولا الضالين آية، وقد ذكرنا عند تفسير بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أن ما ورد من خلاف في ذلك ضعيفٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-98>(القَوْلُ فِي «آمِينَ»)</span>\nروى أبو هريرة وغيره عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إِذَا قَالَ الإِمَامُ: وَلَا الضَّالِّينَ فَقُولُوا «آمِينَ»، فَإنَّ المَلاَئِكَةَ فِي السَّماءِ تَقُولُ: «آميِنَ»، فَمَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ المَلاَئِكَةِ، غُفِرَ له ما تقدّم من ذنبه» «١» .\n_________\n- وأحمد (٤/ ٣٧٨- ٣٧٩)، وابن حبان (١٧١٥- موارد)، والطبراني في «الكبير» (١٧/ ٩٩- ١٠٠)، رقم (٢٣٧)، والطبري في «تفسيره» (١/ ١٩٣- شاكر)، رقم (٢٠٨) والبيهقي في «دلائل النبوة» (٥/ ٣٤٠)، كلهم من طريق سماك بن حرب، عن عباد بن حبيش، عن عدي بن حاتم به مرفوعا.\nوقال الترمذي: هذا حديث حسنٌ غريبٌ، لا نعرفه إِلا من حديث سماك بن حرب، وروى شعبة، عن سماك بن حرب، عن عباد بن حبيش، عن عدي بن حاتم، عن النبي ﷺ الحديث بطوله.\nوصححه ابن حبان.\nوذكره السيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٤٣)، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. وقد ورد هذا الحديث مرسلا.\nأخرجه سعيد بن منصور (١٧٩) ثنا سفيان، عن إسماعيل بن أبي خالد، أن رسول الله ﷺ قال لعدي بن حاتم: «المغضوب عليهم: اليهود، والنصارى هم الضالون» .\nوذكره السيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٤٣)، وزاد نسبته إلى سفيان بن عيينة في «تفسيره» . وللحديث طرق أخرى ضعيفة أخرجها الطبري في «تفسيره» (١/ ١٩٣) .\nوللحديث أيضا شاهد من حديث أبي ذر، أخرجه ابن مردويه كما في «تفسير ابن كثير» (١/ ٣٠) . وحسنه الحافظ في «الفتح» (٨/ ٩) فقال: وأخرجه ابن مردويه بإسناد حسن عن أبي ذر.\n(١) أخرجه مالك (١/ ٨٨)، كتاب «الصلاة»، باب التأمين خلف الإمام، الحديث (٤٧)، وأحمد (٢/ ٤٤٠)، والبخاري (٢/ ٢٦٦)، كتاب «الأذان»، باب جهر المأموم بالتأمين، الحديث (٧٨٢)، ومسلم-","vol":"1","page":170},{"text":"ت: وخرج مسلم وأبو داود والنسائيُّ من طريق أبي موسى ﵁ عن النبيّ ﷺ قال: «إِذَا صَلَّيْتُمْ فَأَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ، ثُمَّ ليُؤمَّكُمْ أَحَدُكُمْ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا قَالَ: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ فَقُولُوا: «آمِينَ»، يُجِبْكُمُ اللَّهُ ...»\nالحديثَ «١» . انتهى.\nومعنى «آمِينَ» عند أكثر أهل العلم: اللَّهُمَّ، استجب، أو أجبْ «٢» يَا رَبِّ.\nومقتضى الآثار أنَّ كل داع ينبغي له في آخر دعائه أنْ يقول: «آمِينَ»، وكذلك كل\n_________\n- (١/ ٣١٠)، كتاب «الصلاة»، باب النهي عن مبادرة الإمام بالتكبير، الحديث (٨٧/ ٤١٥)، وأبو داود (١/ ٥٧٥)، كتاب «الصلاة»، باب التأمين وراء الإمام، الحديث (٩٣٥)، والنسائي (٢/ ١٤٤)، كتاب «الافتتاح»، باب الأمر بالتأمين خلف الإمام، من حديث أبي صالح، عن أبي هريرة به بزيادة: «فإنه من وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ المَلاَئِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تقدم من ذنبه» .\nوأخرجه عبد الرزاق (٢/ ٩٧)، كتاب «الصلاة»، باب آمين، الحديث (٢٦٤٤) بزيادة، فقال: ثنا معمر، عن الزهري، عن المسيب، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إذا قال الإمام: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ، فقولوا: آمين، فإن الملائكة يقولون: آمين، وإن الإمام يقول: آمين، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه» .\nوأخرجه أحمد (٢/ ٢٣٣)، والنسائي (٢/ ١٤٤)، كتاب «الافتتاح»، باب جهر الإمام بآمين، من طريق معمر به. [.....]\n(١) أخرجه مسلم (٢/ ٢٨٣: ٢٨٦- الأبي)، كتاب «الصلاة»، باب التشهد في الصلاة، حديث (٦٢/ ٤٠٤)، وأبو داود (١/ ٣١٩- ٣٢٠)، كتاب «الصلاة»، باب التشهد، حديث (٩٧٢)، والنسائي (٢/ ١٩٦)، كتاب «التطبيق»، باب قوله، ربنا لك الحمد، حديث (١٠٦٤) . وابن ماجة (١/ ٢٧٦)، كتاب «الصلاة»، باب إذا قرأ الإمام فأنصتوا، حديث (٨٤٧)، وأحمد (٤/ ٣٩٣، ٣٩٤، ٤٠١، ٤٠٥، ٤١٥)، وابن خزيمة (١٥٨٤، ١٥٩٣)، والبيهقي (٢/ ٩٦)، كلهم من طريق حطان بن عبد الله الرقاشي، عن أبي موسى الأشعري مرفوعا.\n(٢) «آمين» ليست من القرآن إجماعا، ومعناها: استجب، فهي اسم فعل مبني على الفتح. وقيل: ليس اسم فعل، بل هو من أسماء الباري تعالى، والتقدير: يا آمين، وقد ضعف أبو البقاء هذا القول بوجهين:\nأحدهما: أنه لو كان كذلك لكان ينبغي أن يبنى على الضم لأنه منادى مفرد معرفة.\nوالثاني: أن أسماء الله تعالى توقيفية.\nوفي «آمين» لغتان: المد والقصر، تقول العرب: آمين، وأمين، قال الشاعر: [الطويل]\nتباعد عنّي فطحلّ إذ دعوته ... أمين فزاد الله ما بيننا بعدا\nوقال المجنون: [البسيط]\nيا ربّ لا تسلبنّي حبّها أبدا ... ويرحم الله عبدا قال آمينا\nينظر: «معاني القرآن» للزجاج (١/ ٥٤)، و«الوسيط» (١/ ٧٠)، و«الدر المصون» (١/ ٨٦)، و«الزاهر» (١/ ١٦١)، و«غرائب النيسابوري» (١/ ٧٥)، وابن كثير (١/ ٣١) .","vol":"1","page":171},{"text":"قارئ للحمدِ في غير صلاة، وأما في الصلاة، فيقولها المأموم والفَذُّ، وفي الإمام في الجهر اختلاف «١» .\nواختلف في معنى قوله ﷺ: «فَمَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ المَلاَئِكَةِ»، فقيل: في الإجابة، وقيل: في خلوص النية، وقيل: في الوقت، والذي يترجَّح أنَّ المعنى: فمن وافق في الوقْتِ مع خلوصِ النيةِ والإِقبالِ على الرغبة إِلى اللَّه بقلْبٍ سليمٍ فالإِجابة تتبع حينئذ لأِنَّ من هذه حاله، فهو على الصراط المستقيم.\nوفي «صحيح مُسْلِمٍ» وغيره عن أبي هريرة قال: سمعت النبيّ ﷺ يَقُولُ: «قَالَ اللَّهُ ﷿: قَسَمْتُ الصَّلاَةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، فَنِصْفُهَا لِي، وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ العَبْدُ: الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، قَالَ اللَّهُ حَمِدَنِي عَبْدِي، فَإِذَا قَالَ:\nالرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، قَالَ اللَّهُ: أثنى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي، فَإذَا قَالَ: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ: اهدنا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ، قَالَ: هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ» «٢» انتهى، وعند مالك: «فَهَؤُلاَءِ لِعَبْدِي» .\nوأسند أبو بكر بن الخَطِيبِ «٣» عن نافعٍ «٤» عن ابن عُمَرَ «٥» قال: قال النبيُّ ﷺ: «من\n_________\n(١) ذهب جماعة من الصحابة والتابعين فمن بعدهم إلى الجهر بالتأمين، وبه يقول الشافعي، وأحمد، وإسحاق، قال عطاء: كنت أسمع الأئمة- وذكر ابن الزّبير ومن بعده- يقولون: آمين، ويقول من خلفه:\nآمين، حتى إنّ للمسجد للجّة.\nينظر: «شرح السنة» (٢/ ٢٠٨) .\n(٢) تقدم تخريجه.\n(٣) أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي، الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي، أحد حفاظ الحديث وضابطيه المتقنين. ولد سنة (٣٩٢)، وتفقه على القاضي أبي الطيب الطبري، وأبي إسحاق الشيرازي وأبي نصر ابن الصباغ، وشهرته في الحديث تغني عن الإطناب. قال ابن ماكولا: ولم يكن للبغداديين بعد الدارقطني مثله.\nوقال الشيرازي: كان أبو بكر يشبه بالدارقطني ونظرائه في معرفة الحديث وحفظه. مات (٤٦٣) .\nانظر: «طبقات ابن قاضي شهبة» (١/ ٢٤٠)، «طبقات السبكي» (٣/ ١٢)، «وفيات الأعيان» (١/ ٧٦) .\n(٤) نافع بن مالك بن أبي عامر الأصبحي، أبو سهيل المدني عن ابن عمر، وأنس. وعنه ابن أخيه مالك بن أنس، والزهري. وثقه أبو حاتم وغيره. قال الواقدي: هلك في إمارة أبي العباس.\nينظر: «تاريخ الإسلام» (٥/ ٣٠٧)، «الثقات» (٥/ ٤٧١)، «تراجم الأحبار» (٤/ ١٣٩)، «تاريخ أسماء الثقات» (١٤٧٣)، «سير الأعلام» (٥/ ٢٨٣)، «تهذيب الكمال» (٣/ ١٤٠٤)، «تهذيب التهذيب» (١٠/ ٤٠٩) (٧٣٧)، «خلاصة تهذيب الكمال» (٣/ ٨٩)، «الكاشف» (٣/ ١٩٧) .\n(٥) عبد الله بن عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن-","vol":"1","page":172},{"text":"كَانَ لَهُ إِمَامٌ، فَقِرَاءَةُ الإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ» انتهى من «تَارِيخِ بَغْدَاد» ولم يذكر في سنده مَطْعَنًا.\nوقال ابن العربيِّ «١» في «أحكامه» «٢»: والصحيحُ عندي وجوبُ قراءتها على المأمومِ فيما أسر فيه، وتحريمها فيما جهر فيه، إذا سمع/ الإِمام لِمَا عليه من وجوب الإِنصاتِ ٩ أوالاستماع، فإِنْ بَعُدَ عن الإِمام، فهو بمنزلة صلاة السرِّ. انتهى.\nنجز تفسير سورة الحَمْدِ، والحَمْدُ للَّه بجميع محامده كلِّها ما علمْتُ منها، وما لم أعلم.\n_________\n- عدي بن كعب بن لؤي بن غالب. أبو عبد الرحمن. القرشي، العدوي. ولد سنة: (٣) من البعثة النبوية توفي سنة: (٨٤) .\nينظر ترجمته في: «الإصابة» (٤/ ١٠٧)، «أسد الغابة» (٣/ ٣٤٠)، «الثقات» (٣/ ٢٠٩)، «شذرات الذهب» (٢/ ١٥)، «الجرح والتعديل» (٥/ ١٠٧)، «سير أعلام النبلاء» (٣/ ٢٠٣)، «تجريد أسماء الصحابة» (١/ ٣٢٥)، «تقريب التهذيب» (١/ ٤٣٥)، «تهذيب التهذيب» (٥/ ٣٢٨) .\n(١) محمد بن عبد الله بن محمد المعافري الأشبيلي المالكي، أبو بكر بن العربي، ولد (٤٦٨) هـ.، من حفاظ الحديث بلغ رتبة الاجتهاد في علوم الدين، صنف كتبا في الحديث، والفقه، والأصول، والتفسير، والأدب، والتاريخ، وولي قضاء إشبيلية، من مؤلفاته «أحكام القرآن» و«المحصول»، و«الناسخ والمنسوخ»، وغيرها كثير، توفي (٥٤٣) هـ.\nينظر: «طبقات الحفاظ» للسيوطي، «وفيات» (١/ ٤٨٩)، «نفح الطيب» (١/ ٣٤٠)، «قضاة الأندلس» (١٠٥)، «جذوة الاقتباس» (٢١٦٠)، «الأعلام» (٦/ ٢٣٠) .\n(٢) ينظر: «أحكام القرآن» (١/ ٥) .","vol":"1","page":173},{"text":"بسم الله الرّحمن الرّحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-99>تفسير سورة البقرة </span>«١»\nهذه السورة مدنيّة نزلت في مدد شتّى، وفيها آخر آية نزلت على رسول الله ﷺ،\n_________\n(١) هذه السورة مترامية أطرافها، وأساليبها ذات أفنان، قد جمعت من وشائج أغراض السور ما كان مصداقا لتلقيبها فسطاط القرآن. فلا تستطيع إحصاء محتوياتها بحسان. وعلى الناظر أن يترقب تفاصيل منها فيما يأتي لنا من تفسيرها، ولكن هذا لا يحجم بنا عن التعرض إلى لائحات منها. وقد حيكت بنسج المناسبات والاعتبارات البلاغية من لحمة محكمة في نظم الكلام، وسدى متين من فصاحة الكلمات.\nومعظم أغراضها ينقسم إلى قسمين: قسم يثبت سمو هذا الدين على ما سبقه وعلو هديه وأصول تطهيره النفوس، وقسم يبين شرائع هذا الدين لأتباعه وإصلاح مجتمعهم.\nوكان أسلوبها أحسن ما يأتي عليه أسلوب جامع لمحاسن الأساليب الخطابية وأساليب الكتب التشريعية وأساليب التذكير والموعظة. يتجدد بمثله نشاط السامعين بتفنن الأفانين، ويحضر لنا من أغراضها أنها ابتدئت بالرمز إلى تحدي العرب المعاندين تحديا إجماليا بحروف التهجي المفتتح بها رمزا يقتضي استشرافهم لما يرد بعده، وانتظارهم لبيان مقصده، فأعقب بالتنويه بشأن القرآن، فتحول الرمز إيماء إلى بعض المقصود من ذلك الرمز له أشد وقعا على نفوسهم، فتبقى في انتظار ما يتعقبه من صريح التعجيز الذي سيأتي بعد قوله: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [البقرة: ٢٣] الآيات.\nفعدل بهم إلى ذات جهة التنويه بفائق صدق هذا الكتاب وهديه، وتخلص إلى تصنيف الناس تجاه تلقيهم هذا الكتاب وانتفاعهم بهديه أصنافا أربعة، وكانوا قبل الهجرة صنفين بحسب اختلاف أحوالهم في ذلك التلقي، وإذ قد كان أخص الأصناف انتفاعا بهديه هم المؤمنين بالغيب المقيمين الصلاة يعني المسلمين- ابتدئ بذكرهم، ولما كان أشد الأصناف عنادا وحقدا صنفي المشركين الصرحاء، والمنافقين، لف الفريقان لفا واحدا، فقورعوا بالحجج الدامغة والبراهين الساطعة، ثم خص بالإطناب صنف أهل النفاق تشويها لنفاقهم وإعلانا لدخائلهم، ورد مطاعنهم، ثم كان خاتمة ما قرعت من أنوفهم صريح التحدي الذي رمز إليه بدءا تحديا يلجئهم إلى الاستكانة ويخرس ألسنتهم عن التطاول والإبانة، ويلقي في قرارات أنفسهم مذلة الهزيمة وصدق الرسول الذي تحداهم، فكان ذلك من رد العجز على الصدر، فاتسع المجال لدعوة المنصفين إلى عبادة الرب الحق الذي خلقهم وخلق السماوات والأرض، وأنعم عليهم بما في الأرض جميعا، وتخلص إلى صفة بدء خلق الإنسان فإن في ذلك تذكيرا لهم بالخلق الأول قبل أن توجد أصنامهم التي يزعمونها من صالحي قوم نوح ومن بعدهم، ومنّه على النوع بتفضيل أصلهم على مخلوقات هذا العالم وبمزيته بعلم ما لم يعلمه أهل الملأ الأعلى، وكيف نشأت عداوة الشيطان له ولنسله لتهيئة نفوس السامعين لاتهام شهواتها ولمحاسبتها على دعواتها، فهذه المنة التي شملت كل الأصناف الأربعة المتقدم ذكرها كانت مناسبة للتخلص إلى منة عظمى تخص الفريق الرابع وهم أهل الكتاب الذين هم أشد الناس مقاومة لهدي القرآن، وأنفذ الفرق قولا في عامة العرب لأن أهل الكتاب يومئذ هم أهل-","vol":"1","page":174},{"text":"وهي: وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ\n_________\n- العلم، ومظنة اقتداء العامة لهم من قوله: يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي [البقرة: ٤٠] الآيات، فأطنب في تذكيرهم بنعم الله وأيامه لهم، ووصف ما لاقوا به نعمه الجمة من الانحراف عن الصراط السوي انحرافا بلغ بهم حد الكفر، وذلك جامع لخلاصة تكوين أمة إسرائيل وجامعتهم في عهد موسى ثم ما كان من أهم أحداثهم مع الأنبياء الذين قفوا موسى إلى أن تلقوا دعوة الإسلام بالحسد والعداوة حتى على الملك جبريل وبيان أخطائهم لأن ذلك يلقي في النفوس شكا في تأهلهم للاقتداء بهم. وذكر من ذلك نموذجا من أخلاقهم في تعلق الحياة وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ [البقرة: ٩٦] ومحاولة العمل بالسحر وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ [البقرة: ١٠٢] إلخ، وأذى النبي بموجبة الكلام لا تَقُولُوا راعِنا [البقرة: ١٠٤] .\nثم قرن اليهود والنصارى والمشركين في قرن حسدهم المسلمين والسخط على الشريعة الجديدة ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ- إلى قوله- وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة:\n١٠٥- ١١٢] ثم ما أثير من الخلاف بين اليهود والنصارى، وادعاء كل فريق أنه هو المحق وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ- إلى- يَخْتَلِفُونَ [البقرة: ١١٢] ثم خص المشركين بأنهم أظلم هؤلاء الأصناف الثلاثة لأنهم منعوا المسلمين من ذكر الله في المسجد الحرام، وسمحوا بذلك في خرابه، وأنهم تشابهوا في ذلك هم واليهود والنصارى واتحدوا في كراهية الإسلام.\nوالاحتراز عن إجابتها في الذين كفروا منهم، وأن الإسلام على أساس ملة إبراهيم وهو التوحيد، وأن اليهودية والنصرانية ليستا ملة إبراهيم، وأن من ذلك الرجوع إلى استقبال الكعبة، ادخره الله للمسلمين آية على أن الإسلام هو القائم على أساس الحنيفية، وذكر شعائر الله بمكة، وإبكات أهل الكتاب في طعنهم على تحويل القبلة، وإن العناية بتزكية النفوس أجدر من العناية باستقبال الجهات: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ [البقرة: ١٧٧] وذكروا بنسخ الشرائع لصلاح الأمم، وأنه لا بدع في نسخ شريعة التوراة أو الإنجيل بما هو خير منهما. ثم عاد إلى محاجة المشركين بآثار صنعة الله إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ [البقرة: ١٦٤] إلخ ومحاجة المشركين في يوم يتبرءون فيه من قادتهم، وإبطال مزاعم دين الفريقين في محرمات من الأكل يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ [البقرة: ١٧٢] وقد كمل ذلك بذكر صنف من الناس قليل، وهم المشركون الذين لم يظهروا الإسلام ولكنهم أظهروا مودة المسلمين وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا [البقرة: ٢٠٤] .\nولما قضى حق ذلك كله بأبدع بيان وأوضح برهان انتقل إلى قسم تشريعات الإسلام إجمالا بقوله:\nلَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ [البقرة: ١٧٧] ثم تفصيلا: القصاص، الوصية، الصيام، الاعتكاف، الحج، الجهاد، ونظام المعاشرة والعائلة والمعاملات المالية، والإنفاق في سبيل الله والصدقات، والمسكرات، واليتامى، والمواريث، والبيوع، والربا، والديون، والإشهاد، والرهن، والنكاح، وأحكام النساء والعدة والطلاق، والرضاع، والنفقات، والأيمان.\nوختمت السورة بالدعاء المتضمن لخصائص الشريعة الإسلامية، وذلك من جوامع الكلم فكان هذا الختام تذليلا وفذلكة: لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ [البقرة: ٢٨٤] الآيات.\nوكانت في خلال ذلك كله أغراض شتى سيقت في معرض الاستطراد في متفرق المناسبات تجديدا-","vol":"1","page":175},{"text":"[البقرة: ٢٨١]، ويقال لسورة البقرة: «فسطاط القرآن»، وذلك لعظمها وبهائها، وما تضمّنت من الأحكام والمواعظ، وفيها خمسمائة حكم، وخمسة عشر مثلا، وروي أنّ رسول الله ﷺ قال: «أعطيت سورة البقرة من الذّكر الأوّل، وأعطيت طه والطّواسين «١» من ألواح موسى «٢»، وأعطيت فاتحة الكتاب وخواتم سورة البقرة من تحت العرش» «٣» .\nت: وها أنا إن شاء الله أذكر أصل الحديث بكماله لما اشتمل عليه من الفوائد العظيمة.\nخرّج الحاكم أبو عبد الله «٤» في «المستدرك على الصحيحين»\n_________\n- لنشاط القارئ والسامع كما يسفر وجه الشمس إثر نزول الغيوث الهوامع، وتخرج بوادر الزهر عقب الرعود القوارع- من تمجيد الله وصفاته اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ [البقرة: ٢٥٥] ورحمته، وسماحة الإسلام، وضرب أمثال أَوْ كَصَيِّبٍ [البقرة: ١٩] واستحضار نظائر وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ [البقرة: ٧٤] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ [البقرة: ٢٤٣]، وعلم، وحكمة، ومعاني الإيمان والإسلام، وتثبيت المسلمين يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ [البقرة: ١٥٣] والكمالات الأصلية، والمزايا التحسينية، وأخذ الأعمال والمعاني من حقائقها وفوائدها لا من هيئاتها، وعدم الاعتداد بالمصطلحات إذا لم ترم إلى غايات وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها [البقرة: ١٨٩] لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ [البقرة: ١٧٧] وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ [البقرة: ٢١٧] والنظر والاستدلال، ونظام المحاجة، وأخبار الأمم الماضية والرسل وتفاضلهم، واختلاف الشرائع.\nينظر: «التحرير» (١/ ٢٠٣- ٢٠٦) .\n(١) وهي السور المبدوءة ب «طس» أو «طسم» . [.....]\n(٢) «موسى» اسم عبراني معرب عن «موشى»، «مو» بالعبرانية: الماء، و«شى» الشجر، سمي به لأنه أخذ من بين الماء والشجر. وهو اسم نبي بني إسرائيل ﵊، وهو علم أعجمي لا يقضى عليه بالاشتقاق، وإنما يشتق «موسى الحديد» . ينظر: «التبيان» (١/ ٦٣) .\nوهو موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب بن إسماعيل بن إبراهيم الخليل.\n«الكامل» لابن الأثير (١/ ١٦٩) .\n(٣) أخرجه الحاكم (١/ ٥٦١)، (٢/ ٢٥٩)، وعنه البيهقي في «شعب الإيمان» (٢/ ٤٨٥)، رقم (٢٤٧٨)، كلاهما من طريق عبيد الله بن أبي حميد، عن أبي المليح، عن معقل بن يسار به مرفوعا.\nوقال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.\nوتعقبه الذهبي فقال: عبيد الله، قال أحمد: تركوا حديثه.\n(٤) محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه بن نعيم بن الحكم، الضبي، الطهماني، الحافظ أبو عبد الله، الحاكم النيسابوري المعروف بابن البيع، صاحب «المستدرك»، وغيره من الكتب المشهورة، كان مولده سنة (٣٢١)، ورحل في طلب الحديث، وسمع الكثير على شيوخ يزيدون على ألفين، وتفقه على أبي علي بن أبي هريرة وأبي الوليد النيسابوري وأبي سهل الصعلوكي وغيرهم، أخذ عنه أبو بكر البيهقي وصنف المصنفات الكثيرة. مات سنة (٤٠٥) . انظر: «طبقات ابن قاضي شهبة» (١/ ١٩٣)، «لسان الميزان» (٥/ ٢٣٢) .","vol":"1","page":176},{"text":"عن معقل بن يسار «١» ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «أعملوا بالقرآن أحلّوا حلاله، وحرّموا حرامه، واقتدوا به، ولا تكفروا بشيء منه، وما تشابه عليكم منه فردّوه إلى الله وإلى أولي العلم من بعدي كي ما يخبرونكم، وآمنوا بالتّوراة والإنجيل والزّبور وما أوتي النّبيّون من ربّهم، وليسعكم القرآن وما فيه من البيان، فإنّه شافع مشفّع، وما حل»\nمصدّق، وإنّي أعطيت سورة البقرة من الذّكر الأوّل وأعطيت طه والطّواسين والحواميم «٣» من الواح موسى، وأعطيت فاتحة الكتاب من تحت العرش» «٤»، ما حل بالمهملة، أي:\nساع، وقيل: خصم. انتهى من «السّلاح» .\nوفي الحديث الصحيح، عن النبيّ ﷺ أنه قال: «تجيء البقرة وآل عمران يوم القيامة كأنّهما غيايتان «٥»، بينهما شرق، أو غمامتان سوداوان، أو كأنّهما ظلّة من طير صوافّ تجادلان عن صاحبهما» «٦» .\nت: أصل الحديث في صحيح مسلم عن أبي أمامة الباهليّ «٧» ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رسُولَ اللَّهِ ﷺ يقول: «اقرءوا القرآن فإنّه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه\n_________\n(١) معقل بن يسار المزني، أبو علي، بايع تحت الشجرة. له أربعة وثلاثون حديثا، اتفقا على حديث، وانفرد البخاري بآخر، ومسلم بحديثين وعنه عمران بن حصين. مات في خلافة معاوية.\nينظر: «الخلاصة» (٣/ ٤٥)، و«تهذيب التهذيب» (١٠/ ٢٣٥)، و«الثقات» (٣/ ٣٩٢) .\n(٢) أي: خصم مجادل مصدق. وقيل: ساع مصدق، من قولهم: محل بفلان، إذا سعي به إلى السلطان، يعني أن من اتبعه وعمل بما فيه، فإنه شافع له مقبول الشفاعة، ومصدق عليه فيما يرفع من مساويه إذا ترك العمل به.\nينظر: «النهاية» (٤/ ٣٠٣) .\n(٣) يعني السور المبدوءة ب «حم» .\n(٤) أخرجه الحاكم في «المستدرك» (٣/ ٥٧٨) كتاب «معرفة الصحابة» باب معقل بن يسار وسكت عنه هو والذهبي.\n(٥) الغياية: السحابة المنفردة، أو هي كل شيء أظل الإنسان فوق رأسه. ينظر: «النهاية» (٣/ ٤٠٣)، و«لسان العرب» (٣٣٣٢) .\n(٦) سيأتي تخريجه.\n(٧) هو: صدي بن عجلان بن الحارث وقيل: عجلان بن وهب ... أبو أمامة. الباهلي. السهمي. سكن «مصر» ثم انتقل منها فسكن «حمص» من الشام، ومات بها، وكان من المكثرين في الرواية، وأكثر حديثه عند الشاميين. وقال ابن الأثير في موضع آخر. روى عنه سليم بن عامر الجنائزي، والقاسم أبو عبد الرحمن، وأبو غالب حزور، وشرحبيل بن مسلم، ومحمد بن زياد، وغيرهم. توفي سنة (٨١) .\nينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (٣/ ١٦)، (٦/ ١٦)، «الإصابة» (٧/ ٩)، «الاستيعاب» (٤/ ١٦٠٢) «تجريد أسماء الصحابة» (٢/ ١٤٨)، «بقي بن مخلد» (١٧)، «الطبقات الكبرى» (١/ ٤١٥) .","vol":"1","page":177},{"text":"اقرءوا الزّهراوين البقرة وآل عمران فإنّهما يأتيان كأنّهما غمامتان، أو كأنّهما غيايتان، أو كأنّهما فرقان «١» من طير صوّاف يحاجّان عن أصحابهما، اقرءوا سورة البقرة فإنّ أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة»، قال معاوية «٢»: بلغني أنّ البطلة: السّحرة «٣»، فقوله ﷺ: «غمامتان»، يعني: سحابتين بيضاوين، والغيايتان بالغين المعجمة.\nأبو عبيد: الغياية كلّ شيء أظلّ الإنسان فوق رأسه، وهو مثل السحابة، وفرقان بكسر الفاء، أي: جماعتان. انتهى من «السلاح» .\nوروى أبو هريرة عنه ﷺ، أنه قال: «لكلّ شيء سنام، وسنام القرآن سورة البقرة فيها آية هي سيّدة آي القرآن، هي آية الكرسيّ» «٤»، وفي «البخاريّ» أنه ﷺ قال: «من قرأ\n_________\n(١) الفرقان: القطعتان. ينظر: «النهاية» (٣/ ٤٤٠) .\n(٢) هو: معاوية بن صخر (أبي سفيان) بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف أبو عبد الرحمن.\nالقرشي. الأموي. أمه: هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف، قيل: ولد قبل البعثة بخمس سنين، وقيل: بسبع، وقيل: بثلاث عشرة، والقول الأول أشهر على الصحيح من الأقوال. وهو خال المؤمنين، وكاتب النبي ﷺ وهو الذي طالب بدم عثمان، فكان من الحروب بينه وبين عليّ ما كان، وإسلامه وحروبه وإمارته شهيرة جدّا، ولا يتسع المقام للحديث عنه. توفي في رجب سنة (٦٠) هـ.\nينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (٥/ ٢٠٩)، «الإصابة» (٦/ ١١٢)، «الاستيعاب» (٣/ ١٤١٦)، «الاستبصار» (٤٠، ٦٧)، «الكاشف» (٣/ ١٥٧)، «الأعلام» (٧/ ٢٦١)، «شذرات الذهب» (١/ ٤١٨)، «العبر» (١/ ٥٤٩)، «العقد الثمين» (٧/ ٢٢٧)، «تهذيب التهذيب» (١٠/ ٢٠٧)، «تهذيب الكمال» (٣/ ١٣٤٤)، «التاريخ الكبير» (٧/ ٣٢٦) .\n(٣) أخرجه مسلم (١/ ٥٥٣)، كتاب «صلاة المسافرين»، باب فضل قراءة القرآن وسورة البقرة، حديث (٢٥٢)، وأحمد (٥/ ٢٤٩)، والطبراني في «الكبير» (٨/ ١٣٩)، رقم (٧٥٤٤)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٢/ ٣٩٥)، كتاب «الصلاة»، باب المعاهدة على قراءة القرآن، وفي «شعب الإيمان» (٢/ ٤٥١)، رقم (٢٣٧٢)، والبغوي في «شرح السنة» (٣/ ١٩- بتحقيقنا)، كلهم من طريق معاوية بن سلام، عن أخيه زيد بن سلام أنه سمع أبا سلام أنه سمع أبا أمامة، فذكره.\nوللحديث شاهد من حديث النواس بن سمعان الكلابي: أخرجه مسلم (١/ ٥٥٣) كتاب «صلاة المسافرين»، باب فضل قراءة القرآن، وسورة البقرة، حديث (٢٥٣)، والترمذي (٥/ ١٦٠)، كتاب «فضائل القرآن»، باب ما جاء في سورة آل عمران، حديث (٢٨٨٣) . والبيهقي في «شعب الإيمان» (٢٣٧٣)، عن النواس بن سمعان بنحو حديث أبي أمامة.\n(٤) أخرجه الترمذي (٥/ ١٥٧)، كتاب «فضائل القرآن»، باب ما جاء في فضل سورة البقرة وآية الكرسي، حديث (٢٨٧٨)، وعبد الرزاق (٣/ ٣٧٦- ٣٧٧)، رقم (٦٠١٩)، والحميدي (٢/ ٤٣٧)، رقم (٩٩٤)، والحاكم (١/ ٥٦٠- ٥٦١)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٢/ ٤٥٢)، رقم (٢٣٧٥)، وابن عدي في «الكامل» (٢/ ٦٣٧) . كلهم من طريق حكيم بن جبير، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعا. -[.....]","vol":"1","page":178},{"text":"بالآيتين مِنْ آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ/ فِي لَيْلَةٍ، كَفَتَاهُ» «١» وروى أبو هريرة عنه ﷺ أنه قال: ٩ ب\n_________\n- وقال الترمذي: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث حكيم بن جبير، وقد تكلم شعبة في حكيم بن جبير وضعفه اه.\nوقال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه والشيخان لم يخرجا عن حكيم لوهن في رواياته، وإنما تركاه لغلوه في التشيع. ووافقه الذهبي.\nقلت: والشيخان لم يتركا حكيم لتشيعه فقط، إنما لضعفه أيضا.\nفقال الحافظ في «التقريب» (١٤٦٨): ضعيف، رمي بالتشيع، ولأول الحديث شاهد من حديث سهل بن سعد: أخرجه أبو يعلى (١٣/ ٥٤٧)، رقم (٧٥٥٤)، وابن حبان (١٧٢٧- موارد)، والعقيلي في «الضعفاء» (٢/ ٦)، وأبو نعيم في «تاريخ أصبهان» (١/ ١٠١)، والطبراني في «الكبير» (٦/ ١٦٣)، رقم (٥٨٦٤) كلهم من طريق خالد بن سعيد المدني، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد به.\nوخالد بن سعيد، قال العقيلي: لا يتابع على حديثه.\nوقال: وفي فضل سورة البقرة رواية أحسن من هذا الإسناد وأصلح.\nوالنسائي في «الكبرى» (٥/ ١٤)، كتاب «فضائل القرآن»، باب الآيتان من سورة البقرة، حديث (٨٠٢٠)، والحميدي (١/ ٢١٥)، رقم (٤٥٢)، وعبد الرزاق (٣/ ٣٧٧)، رقم (٦٠٢١)، وابن خزيمة (٢/ ١٨٠)، رقم (١١٤١)، كلهم من طريق سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن علقمة، عن أبي مسعود به مرفوعا. وعند بعضهم: قال عبد الرحمن: ثم لقيت أبا مسعود في الطواف فسألته عنه، فحدثني أن رسول الله ﷺ ...، وذكر الحديث وللحديث طرق أخرى واختلاف فيها تكلم عليها الحافظ علي بن عمر الدارقطني في كتابه القيم «العلل الواردة في الأحاديث النبوية» (٦/ ١٧١- ١٧٤) .\n(١) أخرجه البخاري (٨/ ٦٧٢)، كتاب «فضائل القرآن»: باب فضل سورة البقرة، حديث (٥٠٠٩)، ومسلم (١/ ٥٥٥)، كتاب «صلاة المسافرين»: باب فضل الفاتحة وخواتيم سورة البقرة (٢٥٥/ ٨٠٧)، وأبو داود (١/ ٤٤٤)، كتاب «الصلاة»، باب تحزيب القرآن، حديث (١٣٩٧)، والترمذي (٥/ ١٥٩)، كتاب «فضائل القرآن»، باب ما جاء في آخر سورة البقرة، حديث (٢٨٨١)، والنسائي في «الكبرى»، (٥/ ٩) كتاب «فضائل القرآن»، باب سورة كذا وسورة كذا، حديث (٨٠٠٣)، و(٥/ ١٤)، باب الآيتان من آخر سورة البقرة، حديث (٨٠١٨)، وأحمد (٤/ ١٢١، ١٢٢)، وعبد بن حميد في «المنتخب من المسند» (ص ١٠٥- ١٠٦)، رقم (٢٣٣)، وعبد الرزاق (٣/ ٣٧٧)، رقم (٦٠٢٠)، والدارمي (١/ ٢٨٨)، وسعيد بن منصور (٤٧٥)، وابن الضريس في «فضائل القرآن» (ص- ٨٣)، رقم (١٦١)، والطبراني في «الكبير» (١٧/ ٢٠٤- ٢٠٥) رقم (٥٥٠، ٥٥٢)، والبيهقي في «السنن الكبرى»، (٣/ ٢٠)، كتاب «الصلاة»، باب كم يكفي الرجل قراءة القرآن في ليله، وفي «شعب الأيمان» (٢/ ٤٦٢)، رقم (٢٤٠٥، ٢٤٠٦)، كلهم من طريق منصور، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد قال: كنت أحدّث عن أبي مسعود حديثا فلقيته وهو يطوف بالبيت، فسألته، فحدث عن النبي ﷺ أنه قال: «من قرأ الآيتين الأخيرتين من سورة البقرة في ليلة كفتاه» .\nوقال الترمذي: حديث حسن صحيح.\nقلت: والذي حدث عبد الرحمن بن يزيد بهذا الحديث هو علقمة بلا شك فأخرجه البخاري (٨/ ٧١٢)، كتاب «فضائل القرآن»، باب في كم يقرأ القرآن، حديث (٥٠٥١) .","vol":"1","page":179},{"text":"«البيت الّذي تقرأ فيه سورة البقرة لا يدخله الشّيطان» «١» .\nت: وعن ابن عبّاس قال: بينما جبريل قاعد عند النبيّ ﷺ سمع نقيضا من فوقه، فقال له: هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قطّ إلّا اليوم، وقال: أبشر بنورين أوتيتهما، لم يؤتهما نبيّ قبلك فاتحة الكتاب، وخواتم سورة البقرة لن تقرأ بحرف منها إلّا أعطيته» رواه مسلم، والنسائيّ «٢»، والنقيض بالنون والقاف: هو الصوت انتهى من «السلاح» .\nوعدد آي سورة البقرة مائتان، وخمس وثمانون آية، وقيل: وستّ وثمانون آية، وقيل: وسبع وثمانون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-100>[سورة البقرة (٢): الآيات ١ الى ٣]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالم (١) ذلِكَ الْكِتابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)\nقوله تعالى: الم: اختلف في الحروف التي في أوائل السور على قولين «٣» فقال\n_________\n(١) الحديث بهذا اللفظ عن عبد الله بن المغفل ذكره الهيثمي في «معجم الزوائد» (٦/ ٣١٥)، وقال: رواه الطبراني، وفيه عدي بن الفضل، وهو ضعيف.\nأما الحديث الذي ورد عن أبي هريرة في هذا المعنى، فأخرجه مسلم (١/ ٥٣٩) من طريق سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعا: «لا تجعلوا بيوتكم مقابر فإن الشيطان يفر من البيت الذي يقرأ فيه سورة البقرة» .\n(٢) أخرجه مسلم (١/ ٥٥٤)، كتاب: «الإيمان»، باب: في ذكر سدرة المنتهى، حديث (٢٥٤/ ٨٠٦)، والنسائي في «الكبرى» (٥/ ١٥)، كتاب «فضائل القرآن»، باب «الآيتان من آخر سورة البقرة»، حديث (٨٠٢١)، والبغوي في «شرح السنة» (٢/ ٢٣- بتحقيقنا)، من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس به.\n(٣) إنه مما علم باستقراء كتاب الله تعالى أن تسعا وعشرين سورة من القرآن الكريم قد افتتحت بحروف مقطعة، من جنس كلام العرب.\nوبداية، فإن هذه الحروف لم ينقل عن العرب دلالات لها، ولو كانت لها دلالات لتواتر النقل عليها، ولنقل ذلك علماء الصحابة وأئمتهم، وهذا الأمر- أعني افتتاح السور بها- لهو في حد ذاته نوع من التحدي للقيام بالكشف عن أسرارها والتفكر فيها.\nولما لم يذكر عن الغرب لها دلالات فقد كان للعلماء بشأنها موقفان: أولهما: ذهب الشعبي وسفيان الثوري، وجماعة من أهل الحديث إلى أنها سر الله في القرآن، وهي من المتشابه. وثانيهما: وهو ما ذهب إليه الجمهور من أهل العلم: أنه يجب أن يتكلم فيها، وتلتمس الفوائد التي تحتها والمعاني التي تتخرج عليها.\nوقد كان لابن عباس ترجمان القرآن النصيب الأوفر من الأقوال في هذه الأحرف.\nوجاء المفسرون من بعده، فاتسعوا في تحديد معاني هذه الفواتح، فقد ذكروا منها: أنها: -","vol":"1","page":180},{"text":"الشَّعْبِيُّ، وسفيانُ الثوريُّ، وجماعةٌ من المحدِّثين: هي سر اللَّه في القرآن، وهي من المتشابه الذي انفرد اللَّه بعلمه، ولا يجب أن يُتكلَّم فيها، ولكن يؤمن بها، وتُمَرُّ كما جاءت «١»، وقال الجمهور من العلماء، بل يجب أن يُتكلَّم فيها، وتلتمس الفوائد التي تحتها، والمعاني التي تتخرَّج عليها، واختلفوا في ذلك على اثنَيْ عَشَرَ قولًا.\nفقال عليٌّ، وابن عَبَّاس ﵄: الحروف المقطَّعة في القرآن: هي اسم اللَّه الأعظم إلا أنا لا نعرف تأليفه منها «٢» .\nوقال ابن عبَّاس أيضًا: هي أسماء اللَّه أقسم بها «٣»، وقال أيضًا: هي حروف تدلُّ على: أَنَا اللَّهُ أعلم، أنا الله أرى «٤»، وقال قوم:\n_________\n- ١- اسم الله الأعظم.\n٢- قسم أقسم الله به وهو من أسمائه.\n٣- أسماء للسور التي وردت فيها.\n٤- اسم من أسماء القرآن.\n٥- فواتح يفتح الله بها القرآن.\n٦- لكل كتاب سر، وسر القرآن فواتحه.\n٧- حروف مقطعة من أسماء وأفعال، كل حرف من ذلك لمعنى غير معنى الحرف الآخر.\n٨- حروف هجاء موضوع.\n٩- حروف يشتمل كل حرف منها على معان شتى مختلفة.\n١٠- ابتدئت بذلك السور ليفتح لاستماعه أسماع المشركين.\n١١- علامات لأهل الكتاب أنه سينزل على محمد كتاب يفتتح بالحروف المقطعة.\n١٢- حروف من حساب الجمل.\nينظر: «البرهان» (١/ ١٦٩)، و«جامع البيان» (١/ ٢٠٥)، و«المحرر الوجيز» (١/ ٨١)، و«مفاتيح الغيب» (٢/ ٣)، و«البحر المحيط» (١/ ١٥٤) .\n(١) ذكره السمرقندي في تفسيره (١/ ٨٧)، والبغوي (١/ ٤٤)، وابن عطية الأندلسي (١/ ٨٢)، والقرطبي (١/ ١٣٣- ١٣٤) .\n(٢) أخرجه ابن جرير (١/ ١١٩)، (٢٣٣) مختصرا. وذكره السمرقندي في «تفسيره» (١/ ٨٧)، عن علي بلفظ «وهو اسم من أسماء الله تعالى» . وابن عطية في «تفسيره» (١/ ٨٢)، وابن كثير (١/ ٣٦)، القرطبي (١/ ١٣٤)، والسيوطي في «الدر» (١/ ٥٤)، بلفظ «اسم الله أعظم»، وعزاه لابن جريج وابن أبي حاتم.\n(٣) أخرجه ابن جرير (١/ ١١٩) (٢٣٦)، وذكره ابن عطية الأندلسي في «تفسيره» (١/ ٨٢)، والبغوي (١/ ٤٤)، بلفظ «أنها أقسام» عن ابن عباس، والماوردي في «تفسيره» (١/ ٦٤) وابن كثير (١/ ٣٦)، والسيوطي في «الدر» (١/ ٥٤)، وعزاه لابن مردويه.\n(٤) أخرجه ابن جرير (١/ ١١٩) برقم (٢٣٩) بلفظ: «أنا الله أعلم» . وفي (٦/ ٥٢٥) برقم (١٧٥٣٤)، -","vol":"1","page":181},{"text":"هي حسابُ أَبِي جَاد «١» لتدلَّ على مدَّة ملّة محمّد ﷺ كما ورد في حديث حُيَيِّ بن أَخْطب «٢»، وهو قول أبي العالية وغيره «٣» .\nت: وإِليه مال السُّهَيْلِيُّ «٤» في «الرَّوْضِ الأُنُفِ»، فانظره.\nقوله تعالى: ذلِكَ الْكِتابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ: الاسمُ من «ذَلِكَ»: الذال، والألف، واللام لبعد المشار إليه، والكاف للخطاب.\nواختلف في «ذَلِكَ» هنا فقيل: هو بمعنى «هَذَا»، وتكون الإشارة إلى هذه الحروف من القرآن، وذلك أنه قد يشار بذلك إلى حاضرٍ تعلَّق به بعضُ غَيْبَةٍ، وقيل: هو على بابه، إِشارةً إِلى غائب.\nواختلفوا في ذلك الغائب فقيل: ما قد كان نزل من القرآن، وقيل غير ذلك انظره.\n_________\n- بلفظ: «أنا الله أرى» . والسيوطي في «الدر» (١/ ٥٤)، بلفظ: «أنا الله أعلم»، وعزاه لوكيع، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والنحاس. وفي (٣/ ٥٣٤)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، والبيهقي في «الأسماء والصفات»، وابن النجار في «تاريخه»، وذكره القرطبي (١/ ١٣٥)، وابن كثير (١/ ٣٦)، وابن عطية الأندلسي في «تفسيره» (١/ ٨٢) .\n(١) وأبو جاد: الكلمة الأولى من الكلمات الثماني التي تجمع حروف الهجاء العربية. ويقال: أن عمر بن الخطاب﵁- لقي أعرابيّا فسأله: هل تحسن القراءة؟ فقال: نعم، قال: فاقرأ أم القرآن، فقال الأعرابي: والله ما أحسن البنات فكيف الأم؟!، فضربه عمر، وأسلمه إلى الكتّاب، فمكث حينا ثم هرب، ولما رجع إلى أهله أنشدهم [الوافر]:\nأتيت مهاجرين فعلموني ... ثلاثة أسطر متتابعات\nوخطوا لي أبا جاد وقالوا ... تعلم سعفصا وقريشيات\nوما أنا والكتابة والتهجي ... وما حظ البنين مع البنات\nينظر: «المعجم الكبير» (١/ ٢٢، ٢٣) .\n(٢) حييّ بن أخطب النضري: جاهلي، من الأشداء العتاة. كان ينعت ب «سيد الحاضر والبادي» . أدرك الإسلام، وآذى المسلمين فأسروه يوم «قريظة» . ثم قتلوه. ينظر: «سيرة ابن هشام» (٢/ ١٤٨- ١٤٩)، «تهذيب الأسماء» (١/ ١٧١)، و«الأعلام» (٢/ ٢٩٢) .\n(٣) ذكره ابن عطية الأندلسي (١/ ٨٢) والسيوطي في «الدر» (١/ ٥٦)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم. [.....]\n(٤) عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد الخثعمي السهيلي: حافظ، عالم باللغة والسير، ضرير. ولد في «مالقة»، وعمي وعمره (١٧ سنة) . ونبغ فاتصل خبره بصاحب «مراكش» فطلبه إليها وأكرمه، فأقام يصنّف كتبه، من كتبه «الروض الأنف» في شرح «السيرة النبوية» لابن هشام، وغيرها من الكتب في التفسير. ولد سنة (٥٠٨ هـ.)، وتوفي سنة (٥٨١ هـ.) .\nانظر: «وفيات الأعيان» (١/ ٢٨)، «نكت الهميان» (١٨٧)، «زاد المسافر» (٩٦) «الأعلام» (٣/ ٣١٣) .","vol":"1","page":182},{"text":"ولا رَيْبَ فِيهِ: معناه: لا شكّ فيه، وهُدىً: معناه إِرشادٌ وبيانٌ، وقوله:\nلِلْمُتَّقِينَ: اللفظ مأخوذ من «وقى»، والمعنى: الذين يَتَّقُونَ اللَّه تعالى بامتثال أوامره، واجتناب معاصيه، كان ذلك وقايةً بينهم وبين عذابه.\nقوله تعالى: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ.\nيُؤْمِنُونَ: معناه يُصَدِّقون، وقوله: بِالْغَيْبِ قالت طائفةٌ: معناه: يُصَدِّقون، إِذا غَابُوا وَخَلَوْا، لا كالمنافقين الَّذين يؤمنون إذَا حضروا، ويكْفُرُونَ إِذا غابوا، وقال آخرون: معناه:\nيصدِّقون بما غاب عنهم مما أخبرتْ به الشرائعُ، وقوله: يُقِيمُونَ الصَّلاةَ معناه:\nيظهرونها ويثبتونها كما يقال: أُقِيمَتِ السُّوقُ.\nت: وقال أبو عبد اللَّه النَّحْوِيُّ في اختصاره لتفسيرِ الطَّبَرِيِّ: إِقامة الصلاة إتمام الركوع، والسجود، والتلاوة، والخشوع، والإِقبال عليها. انتهى.\nقال ص «١»: يقيمون الصلاةَ من التقويمِ ومنه: أَقَمْتُ العُودَ، أو الإِْدَامَةِ ومنه: قامتِ السُّوقُ، أو التشميرِ والنهوضِ ومنه: قام بالأمر. انتهى.\nوقوله تعالى/: وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ: الرزْقُ «٢» عند أهل السنة ما صحّ الانتفاع ١٠ أ\n_________\n(١) «المجيد» ص ٨٤.\n(٢) اختلف العلماء في تعريف الرزق في عرف الشرع، فقال أبو الحسين البصري من المعتزلة: الرزق هو تمكين الحيوان من الانتفاع بالشيء والحظر على غيره أن يمنعه من الانتفاع به، فإذا قلنا: قد رزقنا الله تعالى الأموال. فمعنى ذلك أنه مكننا من الانتفاع بها، وإذا سألناه تعالى أن يرزقنا مالا فإنا نقصد بذلك أن يجعلنا بالمال أخص.\nواعلم أن المعتزلة لما فسروا الرزق بذلك لا جرم قالوا: الحرام لا يكون رزقا.\nوقال الأشاعرة: الحرام قد يكون رزقا، وحجتهم من وجهين:\nالأول: أن الرزق في أصل اللغة هو الحظ والنصيب على ما بيناه، فمن انتفع بالحرام، فذلك الحرام صار حظا ونصيبا، فوجب أن يكون رزقا له.\nالثاني: أنه تعالى قال: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها [هود: ٦] وقد يعيش الرجل طول عمره لا يأكل إلا من السرقة، فوجب أن يقال: إنه طول عمره لم يأكل من رزقه شيئا.\nوقد احتج المعتزلة بالكتاب، والسنة، والمعنى:\nأما الكتاب فعدة وجوه:\nأحدها: قوله تعالى: وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ [البقرة: ٣] مدحهم الله تعالى على الإنفاق مما رزقهم، فلو كان الحرام رزقا لوجب أن يستحقوا المدح إذا أنفقوا من الحرام، وهذا باطل بالاتفاق.\nثانيها: قالوا: لو كان الحرام رزقا لجاز أن ينفق الغاصب منه لقوله سبحانه: وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ [المنافقون: ١٠]، وقد أجمع المسلمون على أنه لا يجوز للغاصب أن ينفق مما أخذه، بل يجب عليه-","vol":"1","page":183},{"text":"به، حلالا كان أو حراما، ويُنْفِقُونَ: معناه هنا: يؤْتُونَ ما ألزمهُمُ الشرعُ من زكاةٍ، وما ندبهم إِلَيْهِ من غير ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-101>[سورة البقرة (٢): الآيات ٤ الى ٧]</span>\nوَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٦) خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٧)\nقوله تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ: اختلف المتأوِّلون من المراد بهذه الآية والتي قبلها، فقال قوم: الآيتان جميعًا في جميع المؤمنينَ، وقال آخرون: هما في مُؤْمِنِي أهْلِ الكتاب، وقال آخرون: الآية الأولى في مُؤْمِنِي العربِ، والثانيةُ في مؤمني أهل الكتاب كعبد الله بن سلام «١» وفيه نزلت.\n_________\n- رده فدل ذلك على أن الحرام لا يكون رزقا.\nثالثها: استدلوا بقوله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرامًا وَحَلالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ [يونس: ٥٩] . فبين سبحانه أن من حرم رزق الله فهو مفتر على الله فثبت أن الحرام لا يكون رزقا.\nوأما السنة، فما رواه أبو الحسين البصري بإسناده عن صفوان بن أمية قال: كنا عند رسول الله ﷺ إذ جاءه عمرو بن قرة، فقال له: يا رسول الله! إن الله كتب علي الشقوة، فلا أراني أرزق إلا من دفّي بكفي، فائذن لي في الغناء من غير فاحشة، فقال ﵇ «لا إذن لك ولا كرامة ولا نعمة، كذبت، أي عدو الله: لقد رزقك الله رزقا طيبا فاخترت ما حرم الله عليك من رزقه مكان ما أحل الله لك من حلاله، أما إنك لو قلت بعد هذه المقدمة شيئا ضربتك ضربا وجيعا» وأما المعنى، فإن الله تعالى منع المكلف من الانتفاع بالحرام، وأمر غيره بمنعه من الانتفاع به، ومن منع من أخذ الشيء والانتفاع به لا يقال: إنه رزقه إياه ألا ترى أنه لا يقال: إن السلطان قد رزق جنده مالا قد منعهم من أخذه، وإنما يقال: إنه رزقهم ما مكنهم من أخذه ولا يمنعهم منه ولا أمر بمنعهم منه، أجاب أصحابنا عن التمسك بالآيات بأنه وإن كان الكل من الله، لكنه كما يقال: يا خالق المحدثات والعرش والكرسي، ولا يقال: يا خالق الكلاب والخنازير، وقال: عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ [الإنسان: ٦] فخص اسم العباد بالمتقين، وإن كان الكفار أيضا من العباد، وكذلك هاهنا خص اسم الرزق بالحلال على سبيل التشريف وإن كان الحرام رزقا أيضا، وأجابوا عن التمسك بالخبر بأنه حجة لنا لأن قوله ﵇: «فاخترت ما حرم الله عليك من رزقه» صريح في أن الرزق قد يكون حراما. وأجابوا عن المعنى بأن هذه المسألة محض اللغة، وهو أن الحرام هل يسمى رزقا أم لا؟ ولا مجال للدلائل العقلية في الألفاظ. والله أعلم. ينظر:\n«الفخر الرازي» (٢/ ٢٨، ٢٩) .\n(١) هو: عبد الله بن سلام بن الحارث.. من ذرية يوسف (﵇) . أبو يوسف، حليف النوافل من الخزرج «الإسرائيلي»، الأنصاري. -","vol":"1","page":184},{"text":"وقوله: بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ: يعني القرآن، وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ، يعني: الكتب السالفة، ويُوقِنُونَ معناه: يعلَمُونَ عِلْمًا متمكِّنًا في نفوسهم، واليقين أعلى درجات العلم.\nوقوله تعالى: أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ إِشارة إِلى المذكورين، والهدى هنا:\nالإِرشاد، والفلاحُ: الظَّفَر بالبغية، وإدراك الأمل.\nقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ ... إلى عَظِيمٌ: اختلف فيمن نزلَتْ هذه الآية بعد الاتفاق على أنها غير عامَّة لوجود الكفار قد أسلموا بعدها، فقال قوم: هي فيمن سبق في علْمِ اللَّه، أنه لا يؤمِنُ، وقال ابن عَبَّاسٍ: نزَلَتْ في حُيَيٍّ بْنِ أَخْطَبَ، وأَبِي ياسِرِ بنِ أَخْطَبَ، وكعب بن الأَشْرَفِ «١»، ونظرائهم «٢» .\nوالقولُ الأول هو المعتمد عليه.\nوقوله: سَواءٌ عَلَيْهِمْ معناه: معتدلٌ عندهم، والإِنذار: إعلام بتخويف، هذا حدُّه، وقوله تعالى: خَتَمَ: مأخوذ من الخَتْم، وهو الطبعُ، والخاتَمُ: الطابَعُ قال في مختصر الطبريِّ: والصحيح أن هذا الطبع حقيقة «٣»\n_________\n- قال ابن الأثير في «الأسد»: كان إسلامه لما قدم النبي المدينة مهاجرا. روى عنه ابناه يوسف، ومحمد، وأنس بن مالك، وزرارة بن أوفى، وكان قد ذكر قبل ذلك أنه كان اسمه في الجاهلية «الحصين»، فسماه رسول الله حين أسلم عبد الله. توفي سنة (٤٣) هـ.\nينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (٣/ ٢٦٤)، «الإصابة» (٤/ ٨٠)، «الثقات» (٣/ ٢٢٨)، «نقعة الصديان» (٢٤٥)، «عنوان النجابة» (١٢٤)، «شذرات الذهب» (١/ ٤٠)، «تقريب التهذيب» (١/ ٤٢٢)، «تهذيب التهذيب» (٥/ ٢٤٩) .\n(١) كعب بن الأشرف الطائي، من بني نبهان، شاعر جاهلي. كانت أمه من «بني النضير» فدان باليهودية.\nوكان سيدا في أخواله. أدرك الإسلام ولم يسلم، وأكثر من هجوم النبي ﷺ وأصحابه، وتحريض القبائل عليهم وإيذائهم، والتشبيب بنسائهم، وخرج إلى مكة بعد وقعة «بدر» فندب قتلى قريش فيها، وحض على الأخذ بثأرهم، وعاد إلى المدينة. وأمر النبي ﷺ بقتله، فانطلق إليه خمسة من الأنصار فقتلوه في ظاهر حصنه سنة (٣ هـ.) وحملوا رأسه في مخلاة إلى المدينة.\nينظر: «الروض الأنف» (٢/ ١٢٣)، «إمتاع الأسماع» (١/ ١٠٧)، «ابن الأثير» (٢/ ٥٣)، «الطبري» (٣/ ٢)، «الأعلام» (٥/ ٢٢٥) .\n(٢) الطبري (١/ ١٤١) برقم (٢٩٥) وذكره السمرقندي (١/ ٩١- ٩٢)، وابن عطية الأندلسي (١/ ٨٧)، والماوردي (١/ ٧٢)، والقرطبي (١/ ١٦٠)، والسيوطي في «الدر» (١/ ٦٥)، وعزاه لابن إسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم. وذكره ابن كثير (١/ ٤٥) .\n(٣) قال ابن فارس في «فقه اللغة»: الحقيقة من قولنا: حقّ الشيء إذا وجب. واشتقاقه من الشيء المحقق، -","vol":"1","page":185},{"text":"لا أنه مجاز «١» فقد جاء عن النبيِّ ﷺ: «إنَّ العَبْدَ إِذَا أَذْنَبَ ذَنْبًا، نُكِتَتْ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فِي قَلْبِهِ، فَإِنْ تَابَ، وَنَزَعَ واستغفر، صُقِلَ «٢» قَلْبُهُ، وَإِنْ زَادَ، زَادَتْ حتى تَغَلَّقَ قلبه، فذلك\n_________\nوهو المحكم يقال: ثوب محقّق النّسج: أي محكمه. فالحقيقة: الكلام الموضوع موضعه الذي ليس باستعارة، ولا تمثيل، ولا تقديم فيه، ولا تأخير كقول القائل: أحمد الله على نعمه وإحسانه. وهذا أكثر الكلام، وأكثر آي القرآن وشعر العرب على هذا.\nوينظر: «البحر المحيط» للزركشي (٢/ ١٥٢)، «سلاسل الذهب» له ص (١٨٢)، «التمهيد» للأسنوي ص (١٨٥)، «نهاية السول» له (٢/ ١٤٥)، «منهاج العقول» للبدخشي (١/ ٣٢٧)، «غاية الوصول» للشيخ زكريا الأنصاري» (ص ٤٦) .\n(١) المجاز مأخوذ من جاز يجوز إذا استنّ ماضيا، تقول: جاز بنا فلان، وجاز علينا فارس هذا هو الأصل.\nثم تقول: يجوز أن تفعل كذا: أي ينفذ ولا يرد ولا يمنع. وتقول: عندنا دراهم وضح وازنة، وأخرى تجوز جواز الوازنة: أي: إن هذه وإن لم تكن وازنة فهي تجوز مجازها وجوازها لقربها منها.\nفهذا تأويل قولنا: «مجاز» يعني: أن الكلام الحقيقي يمضي لسننه لا يعترض عليه، وقد يكون غيره يجوز جوازه لقربه منه، إلا أن فيه من تشبيه واستعارة وكفّ ما ليس في الأوّل وذلك كقولنا: عطاء فلان مزن واكف. فهذا تشبيه، وقد جاز مجاز قوله: عطاؤه كثير واف. ومن هذا قوله تعالى: سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ [القلم: ١٦] . فهذا استعارة.\nوقال ابن جني في «الخصائص»: الحقيقية ما أقرّ في الاستعمال على أصل وضعه في اللغة، والمجاز: ما كان بضد ذلك، وإنما يقع المجاز ويعدل إليه عن الحقيقة لمعان ثلاثة: وهي الاتساع، والتوكيد، والتشبيه، فإن عدمت الثلاثة تعيّنت الحقيقة فمن ذلك قوله ﷺ في الفرس: «هو بحر»، فالمعاني الثلاثة موجودة فيه.\nينظر: «البحر المحيط» للزركشي (٢/ ١٥٨)، «سلاسل الذهب» له ص (١٩٠)، «التمهيد» للأسنوي ص (١٨٥)، «نهاية السول» له (٢/ ١٤٥)، «منهاج العقول» للبدخشي (١/ ٣٥٤)، «غاية الوصول» للشيخ زكريا الأنصاري ص (٤٧)، «التحصيل من المحصول» للأرموي، (١/ ٢٢١)، «المستصفى» للغزالي (١/ ٣٤١)، «حاشية البناني» (١/ ٣٠٤)، «الإبهاج» لابن السبكي (١/ ٢٧٣)، «الآيات البينات» لابن قاسم العبادي (٢/ ١٥٢)، «تخريج الفروع على الأصول» للزنجاني ص (٣٨٧)، «حاشية العطار على جمع الجوامع» (١/ ٣٩٩)، «المعتمد» لأبي الحسين (١/ ١٤، ٢/ ٤٠٥)، «الإحكام في أصول الأحكام» (٤/ ٤٣٧)، «التحرير» لابن الهمام ص (١٦٠)، «تيسير التحرير لأمير بادشاه» (١/ ٧٣، ٢/ ٣)، «كشف الأسرار» للنسفي (١/ ٢٢٦)، «حاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى» (١/ ١٣٨)، «شرح التلويح على التوضيح» لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني (١/ ٧٢)، «حاشية نسمات الأسحار» لابن عابدين ص (٩٨)، «شرح مختصر المنار» للكوراني ص (٥٩)، «الوجيز» للكراماستي ص (٨)، «ميزان الأصول» للسمرقندي (١/ ٥٢٧)، «تقريب الوصول» لابن جزي ص (٧٣)، «إرشاد الفحول» للشوكاني ص (٢٢)، «نشر البنود» للشنقيطي (١/ ١٢٤)، «الكوكب المنير» للفتوحي ص (٣٩- ٥٦)، «التقرير والتحبير» لابن أمير الحاج (٢/ ٢) .\n(٢) الصّقل: الجلاء. ينظر: «لسان العرب» (٢٤٧٣) .","vol":"1","page":186},{"text":"الرَّانُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ تعالى: كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ مَّا كانُوا يَكْسِبُونَ» «١» [المطففين: ١٤]» انتهى.\nوالغِشَاوَةُ: الغطاء المغشي الساتر، وقوله تعالى: وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ: معناه:\nلِمخالفتِكَ يا محمَّد، وكفرهم بالله، وعَظِيمٌ: معناه بالإضافة إلى عذاب دونه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-102>[سورة البقرة (٢): الآيات ٨ الى ١٢]</span>\nوَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨) يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ (٩) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ (١٠) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ (١٢)\nقوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ ... إِلَى وَما يَشْعُرُونَ: هذه الآية نزلت في المنافقين، وسَمَّى اللَّهُ تعالى يوم القيامة اليَوْمَ الآخِرَ لأنه لا ليل بعده، ولا يقالُ يوم إِلا لما تقدَّمه ليل، واختلف المتأوِّلون في قوله: يُخادِعُونَ اللَّهَ، فقال الحسن بن أبي الحسن: المعنى يُخَادِعُون رسول اللَّه «٢»، فأضافَ الأمرَ إلى اللَّه تجوُّزًا لتعلُّق رسوله به، ومخادعتُهم هي تحيُّلهم في أن يُفْشِيَ رسول الله ﷺ والمؤمنون إليهم أسرارهم.\nع «٣»: تقول: خادَعْتُ الرجُلَ بمعنى: أعملْتُ التحيُّل عليه، فَخَدَعْتُهُ، بمعنى:\nتمَّت عليه الحيلة، ونفذ فيه المرادُ، وقال جماعةٌ: بل يخادعون اللَّهَ والمؤمنين بإِظهارهم من الإِيمان خلافَ ما أبطنوا من الكفر، وإِنما خدعوا أنفسهم لحصولهم في العذاب، وَما يَشْعُرُونَ بذلك، معناه: وما يعلمون علْمَ تفطُّن وتَهَدٍّ، وهي لفظة مأخوذة من\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٢/ ٢٩٧)، والترمذي (٥/ ٤٣٤)، كتاب «تفسير القرآن»، باب ومن سورة ويل للمطففين، حديث (٣٣٣٤)، والنسائي في «التفسير» (٢/ ٥٠٥)، رقم (٦٧٨)، وفي «الكبرى» (٦/ ١١٠)، كتاب «عمل اليوم والليلة»، باب ما يفعل من بلي بذنب وما يقول، حديث (١٠٢٥١)، وابن ماجه (٢/ ١٤١٨)، كتاب «الزهد» باب ذكر الذنوب، حديث (٤٢٤٤)، والطبري في «تفسيره» (٣٠/ ٦٢)، والحاكم (٢/ ٥١٧)، وابن حبان (٣/ ٢١٠)، رقم (٩٣٠)، و(١٧٧١- موارد)، كلهم من طريق محمد بن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعا.\nوقال الترمذي: حديث حَسَنٌ صَحِيحٌ.\nوقال الحاكمُ: صحيحٌ على شرطِ مسلم، ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وصححه ابن حبان.\nوالحديث ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٥٣٩) وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن مردويه، والبيهقي في «شعب الإيمان» .\n(٢) ذكره ابن عطية (١/ ٩٠)، والقرطبي (١/ ١٧٠) . [.....]\n(٣) «المحرر الوجيز» (١/ ٩٠) .","vol":"1","page":187},{"text":"الشِّعَار كأن الشيء المتفطَّن له شعار للنَّفْس، وقولهم: لَيْتَ شِعْرِي: معناه: ليت فطنتي تُدْرِكُ.\nواختلف، ما الذي نَفَى/ اللَّه عنهم أنْ يشعروا له؟ فقالت طائفة: وما يَشْعُرُونَ أنَّ ضرَرَ تلْكَ المخادَعَةِ راجعٌ عليهم لخلودهم في النَّار، وقال آخرون: وما يَشْعُرُونَ أنَّ اللَّه يكشف لك سرّهم ومخادعتهم في قولهم: آمَنَّا.\nقوله تعالى: فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ، أي: في عقائدهم فسادٌ «١»، وهم المنافقون، وذلك إما أن يكون شكًّا، وإما جحدًا بسبب حسدهم مع علمهم بصحَّة ما يجحدون، وقال قوم: المَرَضُ غمّهم بظهوره ﷺ، فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا، قيل: هو دعاءٌ عليهم، وقيل:\nهو خبر أنَّ اللَّه قد فعل بهم ذلك، وهذه الزيادة هي بما ينزل من الوحْيِ، ويظهر من البراهين.\nت: لما تكلَّم ع: على تفسير قوله تعالى: عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ [الفتح: ٦] . قال «٢»: كُلُّ ما كان بلفظ دعاء من جهة اللَّه ﷿، فَإنَّما هو بمعنى إيجاب الشيء لأَنَّ اللَّه تعالى لا يدعو على مخلوقاته، وهي في قبضته، ومن هذا: وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ [الهمزة: ١]، وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ [المطففين: ١]، وهي كلها أحكام تامَّة تضمنها خبره تعالى: وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ، أي: مؤلم، وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ أي:\nبالكفر وموالاةِ الكفرةِ ولقول المنافقين: إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ ثلاثُ تأويلاتٍ:\nأحدها: جحد أنهم يفسدون، وهذا استمرار منهم على النِّفاق.\nوالثاني: أنّ يقروا بموالاة الكُفَّار ويدَّعون أنها صلاحٌ من حيث هم قرابةٌ توصل.\nوالثالث: أنهم يصلحون بين الكفار والمؤمنين.\n_________\n(١) وفي تفسير «المرض» قال ابن عباس، وابن مسعود، والحسن، وقتادة، وجميع المفسرين: أي شك ونفاق. وقال الزجاج: المرض في القلب: كل ما خرج به الإنسان من الصحة في الدين.\nينظر: «الوسيط» (١/ ٨٧)، «صحيفة ابن أبي طلحة» (ص ٧٨)، و«معاني الزجاج» (١/ ٨٦)، ونسبه إلى أبي عبيدة، و«غريب القرآن» (ص ٤١)، و«الدر المنثور» (١/ ٣٠) عن ابن عباس، وقتادة، وابن زيد، والربيع، وينظر: «مجاز القرآن» (١/ ٣٢)، و«الزاهر» (١/ ٥٨٦) .\n(٢) «المحرر الوجيز» (٣/ ٧٣) .","vol":"1","page":188},{"text":"و«أَلاَ»: استفتاحُ كلامٍ، و«لكن»: حرف استدراك، ويحتمل أن يراد هنا: لا يَشْعُرُونَ أنهم مفسدون، ويحتمل أن يراد: لا يشعرون أن الله يفضحهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-103>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٣ الى ١٦]</span>\nوَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ (١٣) وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥) أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (١٦)\nقوله تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ ... الآية: المعنى: صدِّقوا بمحمَّد وشرعه كما صدَّقَ المهاجرون والمحقِّقون من أهل يثرب، قالوا: أنكون كالذين خَفَّت عقولهم، والسفه: الخفَّة والرقَّة الداعيةُ إِلى الخفة، يقال: ثوب سَفِيهٌ، إِذا كان رقيقًا هَلْهَلَ النَّسْجِ، وهذا القول إِنما كانوا يقولونه في خفاء، فَأَطْلَعَ اللَّه عليه نبيَّه ﵇، والمؤمنين، وقرر أن السفه ورقَّة الحلوم وفساد البصائرِ إِنما هو في حيِّزهم وصفةٌ لهم، وأخبر أنهم لا يعلمون أنهم السفهاء لِلرَّيْنِ الَّذي على قلوبهم.\nوقوله تعالى: وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا ... الآية: هذه كانت حالَ المنافقين: إِظهارُ الإيمان للمؤمنين، وإِظهار الكفر في خلواتهم، وكان رسولُ الله ﷺ يعرض عنهم، ويَدَعُهُمْ في غمرة الاشتباه مخافة أن يتحدَّثَ الناسُ عنه أنه يقتُلُ أصحابه حَسْبَمَا وقع في قِصَّة عبد اللَّه بن أُبَيٍّ ابْنِ سَلُول «١»، قال مَالِكٌ: النِّفَاقُ في عهد رسول الله ﷺ هو الزندقةُ اليَوْمَ، واختلف المفسِّرون في المراد بشياطينهم، فقال ابن عبَّاس ﵄: هم رؤساء الكفر «٢»، وقيل: الكُهَّان، قال البخاريُّ: قال مجاهدٌ: إِلى شَياطِينِهِمْ، أي:\nأصحابهم من المنافقين والمشركين «٣» .\nقال ص «٤»: شياطينهم: جمع شيطانٍ، وهو كل متمرّد من الجنّ والإنس\n_________\n(١) عبد الله بن أبي بن مالك بن الحارث بن عبيد الخزرجي، أبو الحباب، المشهور ب «ابن سلول»، وسلول جدته لأبيه، من «خزاعة»، رأس المنافقين في الإسلام، من أهل المدينة. كان سيد الخزرج في آخر جاهليتهم. كان كلما نزلت بالمسلمين نازلة شمت بهم، وكلما سمع بسيئة نشرها. لما مات تقدّم النبي ﷺ فصلّى عليه ولم يكن ذلك من رأي «عمر» فنزلت: وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَدًا [التوبة: ٨٤] . ينظر: «الأعلام» (٤/ ٦٥)، «طبقات ابن سعد» (٣/ ٩٠)، «جمهرة الأنساب» (٣٣٥) .\n(٢) أخرجه الطبري (١/ ١٦٣) برقم (٣٤٩)، وذكره القرطبي (١/ ١٧٩) .\n(٣) أخرجه الطبري (١/ ١٦٤) برقم (٣٥٥)، وذكره البغوي في «التفسير» (١/ ٥١)، والسيوطي في «الدر» (١/ ٧٠)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وذكره ابن كثير (١/ ٥١) .\n(٤) «المجيد في إعراب القرآن المجيد» (ص ١١٨) .","vol":"1","page":189},{"text":"والدوابِّ. قاله ابن عبَّاس، وأنثاه شيطانة. انتهى.\nت: ويجب على المؤمن أن يجتنب هذه الأخلاق الذميمة، وقد ثبت عن النبيّ ﷺ أنه قال: «مِنْ شَرِّ النَّاسِ ذُو الوَجْهَيْنِ الَّذِي يَأْتِي هَؤُلاَءِ بِوَجْهٍ، وَهَؤُلاَءِ بِوَجْهٍ» .\nرواه أبو داود «١»، وفيه عنه ﷺ: «مَنْ كَانَ لَهُ وَجْهَانِ فِي الدُّنْيَا، كَانَ له يوم القيامة لسانان ١١ أمن نَارٍ» . انتهى. / من سنن أبي داود «٢» .\nاللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ: اختلف المفسِّرون في هذا الاستهزاء، فقال جمهور العلماء:\nهي تسمية العُقُوبة باسم الذَّنْب، والعربُ تستعمل ذلك كثيرًا، وقال قوم: إن اللَّه سبحانه يفعل بهم أفعالًا هي في تأمل البَشَر هُزْءٌ روي أنَّ النَّارَ تجمد كما تَجْمُدُ الإِهالة «٣»، فيمشون عليها، ويظنون أنها منجاة، فتخسف بهم، وما روي أن أبواب النَّار تفتح لهم، فيذهبون إِلى الخروج، نحا هذا المنحى ابنُ عَبَّاس والحسن.\nت: وقوله تعالى: قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا [الحديد: ١٣] يقوِّي هذا المنحى، وهكذا نص عليه في اختصار الطبريِّ. انتهى.\nوقيل: استهزاؤه بهم هو استدراجهم بدرور النعم الدنيوية، ويَمُدُّهُمْ، أي:\nيزيدهم في الطغيان، وقال مجاهد: معناه: يملي لهم «٤»، والطغيان الغلوّ وتعدّي الحدّ\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (٢/ ٦٨٤)، كتاب «الأدب»، باب في ذي الوجهين، حديث (٤٨٧٢)، من طريق أبي الزِّنَادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرة، مرفوعا بهذا اللفظ، وأخرجه البخاري (١٠/ ٤٨٩)، كتاب «الأدب»، باب ما قيل في ذي الوجهين، حديث (٦٠٥٨)، ومسلم (٤/ ١٩٥٨)، كتاب «فضائل الصحابة»، باب خيار الناس، حديث (١٩٩/ ٢٥٢٦)، بلفظ: «تجدون من شر الناس ...»\nالحديث.\n(٢) أخرجه أبو داود (٢/ ٦٨٤- ٦٨٥)، كتاب «الأدب»، باب في ذي الوجهين، حديث (٤٨٧٣)، والدارمي (٢/ ٣١٤)، كتاب «الرقاق»، باب ما قيل في ذي الوجهين، والبخاري في «الأدب المفرد» (١٨٨)، وابن حبان (١٩٧٩- موارد)، والطيالسي (٢/ ٥٩- منحة)، رقم (٦١٧٥)، وابن أبي شيبة (٨/ ٥٥٨) رقم (٥٥١٥)، والبغوي في «شرح السنة» (٦/ ٥٢٣- بتحقيقنا)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٤/ ٢٢٩)، رقم (٤٨٨١)، كلهم من طريق شريك بن عبد الله، عن الركين، عن نعيم بن حنظلة، عن عمار بن ياسر مرفوعا، وصححه ابن حبان.\nوقال العراقي في «تخريج الإحياء» (٣/ ١٣٧): وسنده حسن.\n(٣) الإهالة: الدّهن. ينظر: «عمدة الحفاظ» (١/ ١٥٣) .\n(٤) أخرجه الطبري (١/ ١٦٨) برقم (٣٦٤) عن ابن مسعود وناس من أصحاب النبي ﷺ. وبرقم (٣٦٥) عن مجاهد، وذكره السيوطي في «الدر» (١/ ٧٠) عن ابن مسعود.","vol":"1","page":190},{"text":"كما يقال: طغى الماء، وطغت النّار ويَعْمَهُونَ: معناه: يتردَّدون حيرةً، والعَمَهُ الحَيْرَةُ من جهة النّظر، والعامة الذي كأنه لا يبصر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-104>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٧ الى ٢٠]</span>\nمَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ (١٨) أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ (١٩) يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠)\nقوله تعالى: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا ... إلى قوله: يا أَيُّهَا النَّاسُ: قال الفَخْر «١»: اعلم أن المقصود من ضرب المِثَالِ أنه يؤثر في القلوب ما لا يؤثره وصف الشيء في نفْسِهِ لأن الغرض من المَثَل تشبيه الخَفِيِّ بِالجَلِيِّ، والغائب بالشاهدِ، فيتأكَّد الوقوفُ على ماهيته، ويصير الحس مطابقًا للعقل وذلك هو النهاية في الإِيضاح ألا ترى أنَّ الترغيب والترهيب إِذا وقع مجرَّدًا عن ضرب مَثَلٍ، لم يتأكَّد وقوعه في القلب كتأكُّده مع ضرب المثل، ولهذا أكثر اللَّه تعالى في كتابه المبين، وفي سائر كتبه الأمثالَ، قال تعالى: وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [الحشر: ٢١] انتهى.\nوالمَثَل والمِثْل والمَثِيلُ واحدٌ، معناه: الشبيه، قاله أهل اللغة.\nواسْتَوْقَدَ: قيل: معناه أوقد.\nواختلف المتأولون في فعل المنافقين الذي يشبه فعل الذي استوقد نارًا فقالت فرقةٌ:\nهي فيمن كان آمن، ثم كفر بالنفاقِ، فإِيمانه بمنزلة النار أضاءت، وكفره بعد بمنزلة انطفائها، وذهابِ النور، وقالت فرقةٌ، منهم قتادة: نطقهم ب «لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ» والقُرْآنِ كإِضاءة النار، واعتقادهم الكفر بقلوبهم كانطفائها «٢»، قال جمهورُ النحاة: جواب «لَمَّا»:\n«ذَهَبَ» ويعود الضمير من نورهم على «الذي»، وعلى هذا القولِ يتمُّ تمثيل المنافق بالمستوقِدِ لأنَّ بقاء المستوقِدِ في ظلمات لا يبصر كبقاء المنافق على الخلاف المتقدِّم.\nوقال قومٌ «٣»: جوابُ «لَمَّا» مضمرٌ، وهو «طُفِئَتْ»، فالضمير في «نُورِهِمْ» على هذا\n_________\n(١) «مفاتيح الغيب» (٢/ ٦٦) .\n(٢) ذكره ابن عطية (١/ ١٠٠) .\n(٣) ومن هؤلاء أبو القاسم الزمخشري، فقد قال عن جواب «لما» . «محذوف ... كأن قيل: فلما أضاءت ما حوله خمدت فبقوا خابطين في ظلام، متحيرين متحسرين على فوت الضوء، خائبين بعد الكدح في-[.....]","vol":"1","page":191},{"text":"للمنافقين، والإخبار بهذا هو عن حال لهم تكونُ في الآخرة، وهو قوله تعالى: فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ ... الآيةَ [الحديد: ١٣] وهذا القول غير قويٍّ.\nوالأصم: الذي لا يسمع، والأبكم: الذي لا ينطق، ولا يفهم، فإِذا فهم، فهو الأخرس، وقيل: الأبكم والأخرس واحدٌ، ووصفهم بهذه الصفات إِذْ أعمالهم من الخطإ وعدم الإِجابة كأعمال من هذه صفته.\nو«صُمٌّ»: رفع على خبر الابتداء، إما على تقدير تكرير «أُولَئِكَ»، أو إِضمارهم.\nوقوله تعالى: فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ قيل: معناه: لا يؤمنون بوجْهٍ، وهذا إنما يصح أنْ لو كانت الآية في معيَّنينِ، وقيل: معناه: فهم لا يرجعونَ ما داموا على الحال التي وصفهم بها، وهذا هو الصحيحُ.\nأَوْ كَصَيِّبٍ: «أَوْ»: للتخيير، معناه مثِّلوهم بهذا أو بهذا، والصَّيِّبُ المطر من:\n١١ ب صَابَ يَصُوبُ، إِذا/ انحط من عُلْو إِلى سفل.\nوظُلُماتٌ: بالجمع: إِشارة إِلى ظلمة الليل وظلمة الدجن، ومن حيث تتراكب وتتزيد جُمِعَتْ، وكون الدجن مظلمًا هول وغم للنفوس بخلاف السحاب والمطر، إذا انجلى دجنه، فإنه سارٌّ جميل.\nواختلف العلماء في «الرَّعْدِ»، فقال ابن عباس ومجاهد وشَهْرُ بن حَوْشَبٍ «١» وغيرهم: هو مَلَكٌ يزجرُ السحابَ بهذا الصوتِ المسموعِ كلَّما خالفتْ سحابةٌ، صاح بها، فإِذا اشتد غضبه، طارت النار من فيه، فهي الصواعقُ، واسم هذا الملك: الرّعد «٢» .\n_________\n- إحياء النار..» وجعل هذا أبلغ من ذكر الجواب، وجعل جملة قوله: ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ مستأنفة أو بدلا من جملة التمثيل.\nوقد رد عليه أبو حيان- كما ذكر السمين عنه- بوجهين: أحدهما: أن هذا تقدير مع وجود ما يغني عنه، فلا حاجة إليه إذ التقديرات إنما تكون عند الضرورات. والثاني: أنه لا تبدل الجملة الفعلية من الجملة الاسمية.\nينظر: «الكشاف» (١/ ٧٣)، و«البحر المحيط» (١/ ٢١٣)، و«الدر المصون» (١/ ١٣٢) .\n(١) شهر بن حوشب الأشعري، فقيه قارئ، من رجال الحديث. شامي الأصل، سكن «العراق»، وكان يتزيّا بزي الجند، ويسمع الغناء بالآلات. وولي بيت المال مدة، وهو متروك الحديث. وكان ظريفا، قال له رجل: إني أحبك، فقال: ولم لا تحبني وأنا أخوك في كتاب الله، ووزيرك على دين الله، ومؤنتي على غيرك.\nينظر: «الأعلام» (٣/ ١٧٨)، «تهذيب التهذيب» (٤/ ٣٦٩)، و«التاج» (١/ ٢١٤) .\n(٢) ذكره ابن عطية (١/ ١٠٢)، والبغوي في «تفسيره» (١/ ٥٣)، والقرطبي (١/ ١٨٧) .","vol":"1","page":192},{"text":"وقيل: الرَّعْدُ مَلَكٌ، وهذا الصوت تسبيحُهُ.\nوقيل: الرعد: اسم الصوْتِ المسموعِ قاله عليُّ بن أبي طالب «١» .\nوأكثر العلماء على أن الرعد ملكٌ، وذلك صوته يسبِّح ويزجرُ السحابَ.\nواختلفوا في البَرْقِ.\nفقال علي بن أبي طالب وروي عن النبيّ ﷺ: «هُوَ مِخْرَاقُ حَدِيدٍ بِيَدِ المَلَكِ يَسُوقُ بِهِ السَّحَابَ» وهذا أصحُّ ما روي فيه «٢» .\nوقال ابن عبَّاس: هو سَوط نور بيد المَلَكِ يزجي به السحَابَ «٣»، وروي عنه: أنَّ البرق ملك يتراءى «٤» .\nواختلف المتأوّلون في المقصد بهذا المثل، وكيف تترتب أحوالُ المنافقينَ المُوَازِنَةُ لما في المَثَل من الظلماتِ والرعْدِ والبرقِ والصواعِقِ.\nفقال جمهور المفسِّرين: مَثَّلَ اللَّه تعالى القُرْآنَ بالصَّيِّبِ، فما فيه من الإشكال عليهم والعمى هو الظلماتُ، وما فيه من الوعيدِ والزجْرِ هو الرعْدُ، وما فيه من النُّور والحُجَج الباهرة هو البَرْقُ، وتخوُّفهم ورَوْعُهُمْ وحَذَرُهم هو جَعْلُ أصابعهم في آذانهم، وفَضْحُ نفاقهم، واشتهارُ كفرهم، وتكاليفُ الشرع التي يكرهونها من الجهادِ والزكاةِ ونحوه هي الصواعقُ، وهذا كله صحيحٌ بيِّن.\nوقال ابنُ مسعود: إِن المنافقين في مجلس رسول الله ﷺ كانُوا يجعلون أصابعهم في آذانهم لئلا يسمعوا القرآن، فضرب اللَّه المثل لهم «٥»، وهذا وفاقٌ لقول الجمهور.\nومُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ معناه: بعقابهم، يقال: أحاط السلطان بفلانٍ، إِذا أخذه أخذًا حاصرًا من كل جهة، ومنه قوله تعالى: وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ [الكهف: ٤٢] .\n_________\n(١) ذكره البغوي في «تفسيره» (١/ ٥٣)، وابن عطية (١/ ١٠٢)، والقرطبي (١/ ١٨٧) .\n(٢) أخرجه البيهقي في «سننه» (٣/ ٣٦٣)، كتاب «صلاة الاستسقاء»، باب ما جاء في الرعد، عن علي موقوفا وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٩٦)، وعزاه لابن أبي الدنيا في كتاب «المطر»، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي، والخرائطي في «مكارم الأخلاق» .\n(٣) ذكره الماوردي في «التفسير» (١/ ٨٢)، والبغوي (١/ ٥٣)، والقرطبي (١/ ١٨٧) .\n(٤) ذكره ابن عطية الأندلسي (١/ ١٠٢)، والقرطبي (١/ ١٨٨) .\n(٥) ذكره ابن عطية الأندلسي (١/ ١٠٣) .","vol":"1","page":193},{"text":"ويَكادُ فعل ينفي المعنى مع إِيجابه، ويوجبه مع النفي «١»، فهنا لم يخطف البرق الأبصار، والخَطْفُ: الانتزاعُ بسرعة، ومعنى يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ، تكاد حجج القرآن وبراهينه وآياته الساطعة تبهرهم، ومن جعل البَرْقَ في المثل الزجْرَ والوعيدَ، قال:\nيكاد ذلك يصيبهم.\nو«كُلَّمَا»: ظرفٌ، والعامل فيه «مَشَوْا»، و«قَامُوا» معناه: ثَبَتُوا، ومعنى الآية فيما روي عن ابن عَبَّاس وغيره: كلَّما سمع المنافقون القرآن، وظهرت لهم الحججُ، أنسوا ومشوا معه، فإذا نَزَلَ من القرآن ما يعمهون فيه، ويضلون به، أو يكلَّفونه، قاموا، أي:\nثَبَتُوا على نفاقهم.\nوروي عن ابن مسعودٍ أنَّ معنى الآية: كلَّما صلُحَتْ أحوالهم في زروعهم ومواشِيهِمْ، وتوالَتْ عليهم النّعم، قالوا: دين محمَّد دِينٌ مبارَكٌ، وإِذا نزلت بهم مصيبةٌ أَو أصابتهم شدَّة، سَخِطُوه وثَبَتُوا في نفاقهم «٢» .\nووحَّد السمع لأنه مصدر يقع للواحد والجمع.\n١٢ أوقوله سبحانه: عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ لفظه العمومُ، ومعناه عند/ المتكلِّمين: فيما يجوز وصفه تعالى بالقدرة عليه، وقديرٌ بمعنى قَادِرٍ، وفيه مبالغةٌ، وخَصَّ هنا سبحانه صفتَهُ الَّتي هي القدرةُ- بالذِّكُر لأنه قد تقدَّم ذكر فعلٍ مضمَّنه الوعيدُ والإِخافةُ، فكان ذكر القدرة مناسبًا لذلك.\n_________\n(١) وزعم جماعة منهم ابن جني وأبو البقاء وابن عطية أنّ نفيها إثبات وإثباتها نفي، حتى ألغز بعضهم فيها فقال: [الطويل]\nأنحويّ هذا العصر ما هي لفظة ... جرت في لساني جرهم وثمود\nإذا نفيت- والله أعلم- أثبتت ... وإن أثبتت قامت مقام جحود\nوحكوا عن ذي الرمة أنه لمّا أنشد قوله: [الطويل]\nإذا غيّر النأي المحبّين لم يكد ... رسيس الهوى من حبّ ميّة يبرح\nعيب عليه لأنه قال: لم يكد يبرح فيكون قد برح، فغيّره إلى قوله: «لم يزل» أو ما هو بمعناه، والذي غرّ هؤلاء قوله تعالى: فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ [البقرة: ٧١] قالوا: فهي هنا منفيّة وخبرها مثبت في المعنى، لأن الذبح وقع لقوله: فَذَبَحُوها. والجواب عن هذه الآية من وجهين:\nأحدهما: أنه يحمل على اختلاف وقتين، أي: ذبحوها في وقت، وما كادوا يفعلون في وقت آخر.\nوالثاني: أنه عبّر بنفي مقاربة الفعل عن شدّة تعنّتهم وعسرهم في الفعل. وأمّا ما حكوه عن ذي الرّمّة فقد غلّط الجمهور ذا الرّمة في رجوعه عن قوله وقالوا: هو أبلغ وأحسن ممّا غيّره إليه.\nينظر: «الدر المصون» (١/ ١٤٠) .\n(٢) ينظر: ابن عطية (١/ ١٠٤) .","vol":"1","page":194},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-105>[سورة البقرة (٢): الآيات ٢١ الى ٢٤]</span>\nيا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشًا وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢) وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (٢٤)\nقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ... الآيَةَ: «يَا»: حرفُ نداءٍ، وفيه تنبيهٌ، و«أَيُّ» هو المنادى، قال مجاهد: يا أَيُّهَا النَّاسُ حيث وقع في القرآن مكّيّ، ويا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مدنيٌّ «١» .\nقال ع «٢»: قد تقدَّم في أول السورة أنها كلها مدنية، وقد يجيء في المدنيّ:\nيا أَيُّهَا النَّاسُ.\nوأما قوله في: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فصحيح.\nاعْبُدُوا رَبَّكُمُ: معناه: وحِّدوه، وخصوه بالعبادة، وذكر تعالى خلقه لهم إِذ كانت العرب مقرة بأن اللَّه خلقها، فذكر ذلك سبحانه حجةً عليهم، ولعل في هذه الآية قال فيها كثيرٌ من المفسِّرين: هي بمعنى إيجاب التقوى، وليست من اللَّه تعالى بمعنى ترجٍّ وتوقُّع، وفي «مختصر الطَّبَرِيِّ»: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ عن مجاهد، أي: لعلَّكم تطيعون «٣»، والتقوَى التوقِّي من عذاب اللَّه بعبادته، وهي من الوقاية، وأما «لَعَلَّ» هنا، فهي بمعنى «كَيْ» أو «لامِ كَيْ»، أي: لتتقوا، أوْ لكَيْ تتقوا، وليست هنا من اللَّه تعالى بمعنى الترجِّي، وإنما هي بمعنى كَيْ، وقد تجيء بمعنى «كَيْ» في اللغة قال الشاعر: [الطويل]\nوَقُلْتُمْ لَنَا كُفُّوا الحُرُوبَ لَعَلَّنَا ... نَكُفُّ وَوَثَّقْتُمْ لَنَا كُلَّ موثق «٤»\n_________\n(١) ينظر المصدر السابق، والقرطبي (١/ ١٩٤) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ١٠٥) .\n(٣) أخرجه الطبري (١/ ١٩٦) برقم (٤٧٤)، والسيوطي في «الدر» (١/ ٧٤)، وعزاه لوكيع، وعبد بن حميد، وابن جرير، وأبي الشيخ.\n(٤) وبعده:\nفلمّا كففنا الحرب كانت عهودكم ... كلمع سراب في الملا متألّق\nوهما بلا نسبة في «تفسير الطبري» (١/ ٣٦٤)، و«القرطبي» (١/ ٢٢٧، ١٢/ ٢٨٢)، و«زاد المسير» (١/ ٤٨)، و«الدر المصون» (١/ ٤٧)، و«الحماسة البصرية» (١/ ٥٦) . والشاهد فيه «لعل»: استعملها-[.....]","vol":"1","page":195},{"text":"انتهى.\nقال ع «١»: وقال سيبويه «٢»: ورؤساءُ اللِّسَان: هي على بابها، والترجِّي والتوقُّع إنما هو في حيز البشر، أي: إذا تأملتم حالكم مع عبادة ربكم، رجَوْتُمْ لأنفسكم التقوى، و«لَعَلَّ»: متعلِّقة بقوله: «اعبدوا»، ويتجه تعلُّقها ب «خَلَقَكُمْ» أي: لَمَّا وُلِدَ كلُّ مولود على الفطرة، فهو إِن تأمله متأمِّل، توقَّع له ورجا أن يكون متقيًا، و«تَتَّقُونَ»: مأخوذ من الوقاية، وجعل بمعنى «صَيَّرَ» في هذه الآية لتعدِّيها إِلى مفعولين، و«فِرَاشًا» معناه: تفترشونها، و«السَّمَاء» قيل: هو اسم مفرد، جمعه سماوات، وقيل: هو جمعٌ، واحده سَمَاوَة، وكلُّ ما ارتفع عليك في الهواء، فهو سماء، وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ يريد السحاب، سمي بذلك تجوُّزًا لَمَّا كان يلي السماء، وقد سَمَّوُا المطر سماءً للمجاورة ومنه قول الشاعر: [الوافر]\nإِذَا نَزَلَ السَّمَاءُ بأَرْضِ قَوْمٍ ... رَعَيْنَاهُ وَإِنْ كَانُوا غِضَابَا «٣»\nفتجوز أيضًا في «رَعَيْنَاهُ» .\nوواحد الأنداد نِدٌّ، وهو المقاوم والمضاهي، واختلف المتأوّلون من المخطاب بهذه الآية، فقالتْ جماعة من المفسِّرين: المخاطَبُ جميع المشركين، فقوله سبحانه على هذا:\nوَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ يريد العلم الخاصَّ في أنه تعالى خلق، وأنزل الماء، وأخرج الرزق، وقيل: المراد كفَّار بني إسرائيل، فالمعنى: وأنتم تعلَمُون من الكتب التي عندكم أنّ الله لا\n_________\n- الشاعر هنا مجردة من الشك بمعنى «لام كي» . يقول: كفوا الحروب لنكف، ولو كانت «لعل» هنا شكا لم يوثقوا لهم كل موثق. ينظر: «أمالي ابن الشجري» (١: ٧١)، والملا: الصحراء، والأرض الواسعة.\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ١٠٥) .\n(٢) عمرو بن عثمان بن قنير الحارثي بالولاء، أبو بشر، الملقب «سيبويه»: إمام النحاة، وأول من بسط علم النحو. ولد في إحدى قرى «شيراز»، وقدم «البصرة»، فلزم الخليل بن أحمد، ففاقه، وصنف كتابه المسمى «كتاب سيبويه» في النحو. لم يصنع قبله ولا بعده مثله، ناظر الكسائي وأجازه الرشيد بعشرة آلاف درهم. كان أنيقا جميلا، توفي شابا، ولد سنة (١٤٨ هـ.) وتوفي سنة (١٨٠ هـ.) .\nينظر: «ابن خلكان» (١: ٣٨٥)، «البداية والنهاية» (١٠: ١٧٦)، «الأعلام» (٥/ ٨١) .\n(٣) البيت لمعود الحكماء. انظر: «تأويل مشكل القرآن» (١٣٥)، الأصبهاني (٢١٤)، الصاحبي (٦٣)، «معجم الشعراء» (٣٩١)، «المفضليات» (٣٥٩)، «الصناعتين» (٢١٢)، «معجم مقاييس اللغة» (٣/ ٩٨)، «العمدة» (١/ ٢٣٧)، وفيه النسبة لجرير بن عطية، «معاهد التنصيص» (٢/ ٢٦٠) .\nوالشاهد فيه: الاستخدام، وهو أن يراد بلفظ له معنيان: أحدهما، ثم يراد بضمير الآخر، أو يراد بأحد ضميريه أحدهما، ثم يراد بالآخر الآخر، فالأول كما في البيت هنا، فإنه أراد بالسماء الغيث، وبالضمير الراجع إليه من «رعيناه» النبت.","vol":"1","page":196},{"text":"ندَّ له، وقال ابنْ فُورَكَ «١»: يحتمل أن تتناول الآية المؤمنين.\nقوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ، أي: في شكٍّ، فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ:\nالضمير في «مِثْلِهِ» عند الجمهور: عائد على القرآن «٢»، وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ، أي: مَنْ شهدكم وحضركم من عون ونصير قاله ابنُ عَبَّاس «٣»: إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ، أي: فيما قلتم من أنَّكم تقدرون على معارضته. ويؤيِّد هذا القول ما حكي عنهم في آية أخرى: / ١٢ ب لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا [الأنفال: ٣١]، وفي قوله جل وعلا: وَلَنْ تَفْعَلُوا إِثَارةٌ لِهِمَمِهِمْ، وتحريكٌ لنفوسهم ليكون عجزهم بعد ذلك أبدع، وهو أيضًا من الغيوب التي أخبر بها القرآن.\nوقوله تعالى: فَاتَّقُوا النَّارَ: أمر بالإيمانِ وطاعةِ اللَّه، قال الفَخْر «٤» ولما ظهر عجزهم عن المعارضة، صح عندهم صدق النبيّ ﷺ وإِذا صح ذلك، ثم لزموا العناد، استوجبوا العقاب بالنار، واتقاءُ النار يوجب ترك العناد فأقيم قوله: فَاتَّقُوا النَّارَ مُقَامَ قوله: «واتركوا العِنَادَ»، ووصف النار بأنها تتقد بالناس والحجارة وذلك يدلُّ على قوتها، نجَّانا اللَّه منها برحمته الواسعة.\nوقرَنَ اللَّه سبحانه النَّاسَ بالحجارة لأنهم اتخذوها في الدنيا أصنامًا يعبدونها قال تعالى: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ [الأنبياء: ٩٨] فإحدى الآيتين مفسِّرة للأخرى، وهذا كتعذيب مانعي الزكاة بنوع ما منعوا، انتهى.\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ١٠٦) . وابن فورك هو: محمد بن الحسين بن فورك، أبو بكر الأصفهاني، المتكلم، الأصولي، الأديب، النحوي، الواعظ، أخذ طريقة أبي الحسن الأشعري، عن أبي الحسين الباهلي وغيره، أحيى الله تعالى به أنواعا من العلوم، وبلغت مصنفاته الشيء الكثير، وجرت له مناظرات عظيمة. مات سنة (٤٠٦) . انظر: «طبقات ابن قاضي شهبة» (١/ ١٩٠)، «طبقات السبكي» (٣/ ٥٢)، «تبيين كذب المفتري» ص (٢٣٢) . «الأعلام» (٦/ ٣١٣)، «مرآة الجنان» (٣/ ١٧)، «النجوم الزاهرة» (٤/ ٢٤٠) .\n(٢) وقال قوم آخرون: إن معنى قوله تعالى: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ: من مثل محمد من البشر لأن محمدا بشر مثلكم، يعني لأنه لم يكن قرأ الكتب ولا درس، فأتوا بسورة فيها حق من مثل محمد، كما جاء بذلك ﷺ.\nينظر: «تفسير الطبري» (١/ ٣٧٤)، و«بحر العلوم» للسمرقندي (١/ ١٠٢) .\n(٣) أخرجه الطبري (١/ ٢٠٢) برقم (٤٩٦)، وذكره ابن عطية (١/ ١٠٧)، والسيوطي في «الدر» (١/ ٧٧)، وعزاه لابن جرير، وابن إسحاق، وابن أبي حاتم.\n(٤) ينظر: «مفاتيح الغيب» (٢/ ١١٢) .","vol":"1","page":197},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-106>[سورة البقرة (٢): آية ٢٥]</span>\nوَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهًا وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٥)\nقوله تعالى: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ ... الآية.\nبَشِّرِ: مأخوذ من البَشَرَةِ لأن ما يبشر به الإنسان من خير أو شر يظهر عنه أثرٌ في بَشَرة الوجه، والأغلب استعمال البِشَارة في الخير، وقد تستعمل في الشر مقيَّدة به كما قال تعالى: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ [التوبة: ٣٤] ومتى أطلق لفظ البِشَارة، فإِنما يحمل على الخير، وفي قوله تعالى: وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ردٌّ على من يقول: إِن لفظة الإِيمان بمجرَّدها تقتضي الطاعاتِ لأنه لو كان كذلك، ما أعادها، وجَنَّاتٍ جمع جَنَّة، وهي بستان الشجرِ والنخلِ، وبستانُ الكَرْم، يقال له الفِرْدَوسُ، وروى النسائي عن أبي هريرة عن النبيّ ﷺ: «أَنَّ ثِيَابَ الجَنَّةِ تَشَقَّقُ عَنْهَا ثَمَرُ الجَنَّةِ» «١»، وروى التِّرْمِذِيُّ عن أبي هريرةَ عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قَالَ: «مَا فِي الجَنَّةِ شَجَرَةٌ إِلاَّ وَسَاقُهَا مِنْ ذَهَبٍ»، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن «٢» . انتهى من «التَّذْكِرَةِ» «٣» .\nت: وفي الباب عن ابن عبَّاس، وجرِيرِ بن عبد اللَّهِ، وغيرهما: وسمِّيتِ الجنةُ جنَّةً لأنها تجنُّ من دخلها «٤» أي: تستره، ومنه المِجَنُّ، وَالْجَنَنُ، وجنّة اللّيل.\nومِنْ تَحْتِهَا معناه من تحت الأشجار التي يتضمَّنها ذِكْر الجنة.\nت: ومن أعظم البِشَارات أنَّ هذه الأمة هم ثلثا أهْلِ الجنَّة، وقد خرَّج أبو بكر بن أبي شيبة «٥» عن النبي ﷺ أنه قال: «إِنَّ أُمَّتِي يَوْمَ القِيَامَةِ ثُلُثَا أهل الجنّة، إنّ أهل\n_________\n(١) تقدم تخريجه.\n(٢) أخرجه الترمذي (٤/ ٦٧١- ٦٧٢)، كتاب «صفة الجنة»، باب ما جاء في صفة شجرة الجنة، حديث (٢٥٢٥)، وأبو يعلى (١١/ ٥٧)، رقم (٦١٩٥)، وابن حبان (٢٦٢٤- موارد)، وأبو نعيم في «صفة الجنة» (٣/ ٢٤٠)، رقم (٤٠٠)، والخطيب في «تاريخ بغداد» (٥/ ١٠٨)، كلهم من طريق أبي حازم، عن أبي هريرة مرفوعا.\nوقال الترمذي: حسن غريب. وصححه ابن حبان.\n(٣) «التذكرة»، تحقيق الدكتور السيد الجميلي، ص (٦٠٧)، وفيها قول الترمذي: حديث حسن غريب.\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ١٠٨) .\n(٥) عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن عثمان العبس (بموحدة)، مولاهم، أبو بكر بن أبي شيبة، الكوفي الحافظ. أحد الأعلام، وصاحب «المصنف» . عن شريك، وهشيم، وابن المبارك، وجرير بن-","vol":"1","page":198},{"text":"الجَنَّةِ يَوْمَ القِيَامَةِ عِشْرُونَ وَمِائَةُ صَفٍّ، وَإِنَّ أُمَّتِي مِنْ ذَلِكَ ثَمَانُونَ صَفًّا» «١»، وخرَّج ابن ماجه والترمذيُّ عن بُرَيْدة بن حُصَيْب «٢» قال: قال رسول الله ﷺ: «أَهْلُ الجَنَّةِ عِشْرُونَ وَمِائَةُ صَفٍّ ثَمَانُونَ مِنْهَا مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ، وَأَرْبَعُونَ مِنْ سَائِرِ الأُمَمِ»، قال أبو عيسى:\nهذا حديث حسن «٣» .\n_________\n- عبد الحميد، وابن عيينة، وخلق. وعنه البخاري، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه، وأبو زرعة، وعثمان بن خرّزاذ، وأحمد بن علي المروزي، وخلق. قال أبو زرعة: ما رأيت أحفظ منه. وقال الخطيب: كان متقنا حافظا، صنف التفسير وغيره. وقال نفطويه: اجتمع في مجلسه نحو ثلاثين ألفا.\nقال البخاري: مات سنة خمس وثلاثين ومائتين.\nينظر: «الخلاصة» (٢/ ٩٤)، و«تهذيب التهذيب» (٦/ ٢)، و«الجرح والتعديل» (٥/ ٧٣٧) . [.....]\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة (١١/ ٤٧٠) .\n(٢) هو: بريدة بن الحصيب بن عبد الله بن الحارث بن الأعرج بن سعد بن رزاح بن عدي بن سهم بن مازن بن الحارث بن سلامان بن أسلم بن أفصى بن حارثة بن عمرو بن عامر ... أبو عبد الله.\nوقيل: أبو سهل. وقيل: أبو ساسان. وقيل أبو الحصيب. الأسلمي. قال ابن الأثير في «الأسد»: أسلم حين مر به النبي ﷺ مهاجرا هو ومن معه، وكانوا نحو ثمانين بيتا، فصلى رسول الله ﷺ العشاء الآخرة، فصلوا خلفه، وأقام بأرض قومه ثم قدم على رسول الله ﷺ بعد «أحد»، فشهد معه مشاهده، وشهد الحديبية وبيعة الرضوان تحت الشجرة.\nوكان من ساكني «المدينة» ثم تحول إلى «البصرة»، وابتنى بها دارا، ثم خرج منها غازيا إلى «خراسان» فأقام ب «مرو» حتى مات ودفن بها، وبقي ولده بها.\nينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (١/ ٢٠٩)، «الإصابة» (١/ ١٥١)، «الثقات» (٣/ ٢٩)، «الجرح والتعديل» (٢/ ٤٢٤)، «سير أعلام النبلاء» (٢/ ٤٦٩)، «الجمع بين رجال الصحيحين» (١/ ٦١)، «مشاهير علماء الأمصار» (٦٠)، «تقريب التهذيب» (١/ ٩٦) .\n(٣) أخرجه الترمذي (٤/ ٦٨٣)، كتاب «صفة الجنة»، باب ما جاء في صف أهل الجنة، حديث (٢٥٤٦)، وأحمد (٥/ ٣٤٧)، كلاهما من طريق ضرار بن مرة، عن محارب بن دثار، عن ابن بريدة، عن أبيه مرفوعا.\nوقال الترمذي: هذا حديث حسن، وقد روي هذا الحديث عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن النبي ﷺ مرسلا، ومنهم من قال: عن سليمان بن بريدة، عن أبيه. اهـ.\nقلت: أما الطريق المرسل والذي أشار إليه الترمذي، فأخرجه ابن المبارك في «الزهد» (ص ٥٤٨)، رقم (١٥٧٢) من طريق سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن ابن بريدة عن النبي ﷺ مرسلا.\nوأخرجه ابن ماجه (٢/ ١٤٣٣- ١٤٣٤)، كتاب «الزهد»، باب صفة أمة محمد ﷺ، حديث (٤٢٨٩)، والدارمي (٢/ ٣٣٧)، كتاب «الرقاق»، باب في صفوف أهل الجنة، والحاكم (١/ ٨٢) من طرق عن سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه مرفوعا. وعند الدارمي: عن علقمة، عن سليمان قال: أراه عن أبيه. وللحديث شاهد من حديث أبي موسى.\nذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٧٣)، وقال: رواه الطبراني، وفيه القاسم بن غصن، وهو ضعيف. -","vol":"1","page":199},{"text":"انتهى من «التذْكرة» «١» للقرطبيِّ.\nوالْأَنْهارُ: المياه في مجاريها المتطاولة الواسعَةِ مأخوذةٌ من أنْهَرْتُ، أي:\nوسّعت ومنه قول النبيّ ﷺ: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسم اللَّهِ عَلَيْهِ، فَكُلُوهُ» «٢» . ومعناه: ما وسع الذبح حتى جرى الدم كالنهْرِ، ونسب الجري إِلى النهر، وإِنما يجري الماء تجوّزا كما قال سبحانه: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: ٨٢] وروي أن أنهار الجنة ليست في أخاديد إِنما تجري على سطْح أرض الجنة منضبطةً.\nوقولهم: هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ: إِشارة إِلى الجنس، أي: هذا من الجنس الذي ١٣ أرزقنا منه من قبل، والكلام يحتمل/ أن يكون تعجبًا منهم، وهو قولُ ابنِ عَبَّاس «٣»، ويحتمل أن يكون خَبَرًا من بعضهم لبعْضٍ قاله جماعة من المفسِّرين، وقال الحسنُ، ومجاهدٌ: يرزقُونَ الثمرةَ، ثم يرزقُونَ بعْدَها مثْلَ صورتها، والطَّعْم مختلفٌ، فهم يتعجَّبون لذلك، ويخبر بعضهم بعضًا «٤»، وقال ابن عبَّاس: ليس في الجنة شيْءٌ ممّا في الدنيا سوى\n_________\n- وقال ابن أبي حاتم في «العلل» (٢/ ٢١٥): سألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه القاسم بن غصن، عن موسى الجهني، عن أبي بردة، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: «أهل الجنة عشرون ومائة صف، أمتي منهم ثمانون صفا» قالا: هذا خطأ إنما هو موسى الجهني، عن الشعبي، عن النبي ﷺ مرسل. قالا: والخطأ من القاسم. قلت: ما حال القاسم؟؟! قالا: ليس بقوي.\n(١) ينظر: «التذكرة» (٢/ ٥٠٦) .\n(٢) أخرجه أحمد (٣/ ٤٦٣- ٤٦٤)، والبخاري (٩/ ٦٧٢)، كتاب «الذبائح والصيد»، باب إذا أصاب القوم غنيمة ...، حديث (٥٥٤٣)، ومسلم (٣/ ١٥٥٨)، كتاب «الأضاحي»، باب جواز الذبح بكل ما أنهر الدم، حديث (٢٠/ ١٩٦٨)، وأبو داود (٣/ ٢٤٧)، كتاب «الأضاحي»، باب في الذبيحة بالمروة، حديث (٢٨٢١)، والترمذي (٤/ ٨١)، كتاب «الأحكام والفوائد»، باب ما جاء في الزكاة بالقصب وغيره، حديث (١٤٩١)، والنسائي (٧/ ٢٢٦)، كتاب «الضحايا»، باب في الذبح بالسن، وابن ماجة (٢/ ١٠٦١)، كتاب «الذبائح»، باب ما يذكى به، حديث (٣١٧٨) . والدارمي (٢/ ٨٤)، كتاب «الأضاحي»، باب: في البهيمة إذا ندت، وعبد الرزاق (٤/ ٤٦٥- ٤٦٦)، رقم (٨٤٨١)، والطيالسي (٩٦٣)، وابن الجارود (٨٩٥)، والحميدي (١/ ١٩٩)، رقم (٤١٠)، وابن حبان (٥٨٥٦- الإحسان)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٤/ ١٨٣)، والطبراني في «الكبير» (٤/ ٣٢١)، رقم (٤٣٨٠، ٤٣٨١، ٤٣٨٢، ٤٣٨٣، ٤٣٨٤)، والبغوي في «شرح السنة» (٦/ ١٨- بتحقيقنا)، من طريق عباية بن رفاعة، عن رافع بن خديج قال: قلت يا رسول الله، إنا نلقى العدو غدا، وليس معنا مدى، فقال النبي ﷺ: «ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه، فكلوا ما لم يكن سنّا، أو ظفرا، وسأحدثكم عن ذلك أما السن فعظم، وأما الظفر فمدى الحبشة» .\n(٣) ذكره ابن عطية الأندلسي (١/ ١٠٩)، والماوردي (١/ ٨٦)، وابن كثير (١/ ٦٢) .\n(٤) أخرجه الطبري (١/ ٢٠٩) برقم (٥٢٨)، وعبد الرزاق في تفسيره (١/ ٤١)، وذكره البغوي في «التفسير» -","vol":"1","page":200},{"text":"الأسماءِ، وأما الذوات فمتباينة «١»، وقال بعض المتأوِّلين: المعنى أنهم يرون الثمر، فيميزون أجناسه حين أشبه منظره ما كان في الدنيا، فيقولون: هذا الذي رزقْنَا مِنْ قبل في الدنيا، وقال قومٌ: إن ثمر الجنة إِذا قطف منه شيء، خرج في الحين في موضعه مثله، فهذا إِشارة إِلى الخارج في موضع المجني.\nوقوله تعالى: مُتَشابِهًا قال ابن عباس وغيره: معناه يشبه بعضه بعضًا في المنظر، ويختلف في الطعم «٢»، وأَزْواجٌ: جمع زوج، ويقال في المرأة: زوجة، والأول أشهر، ومُطَهَّرَةٌ: أبلغ من طَاهِرَة، أي: مُطَهَّرة من الحَيْض، والبُزَاق، وسائر أقذار الآدميَّات، والخلودُ: الدوامُ، وخرَّج ابن ماجة عن أسامة بن زيد «٣» قال: قال النبيّ ﷺ، ذَاتَ يَوْمٍ لأَِصْحَابِهِ: «أَلاَ مُشَمِّرٌ لِلْجَنَّةِ؟ فَإِنَّ الجَنَّةَ لاَ خَطَرَ «٤» لَهَا هِيَ، وَرَبِّ الكَعْبَةِ، نور\n_________\n- (١/ ٥٦)، وابن عطية الأندلسي (١/ ١٠٩)، والماوردي (١/ ٨٦)، والسيوطي في «الدر» (١/ ٨٣)، وعزاه لوكيع، وعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وذكره ابن كثير (١/ ٦٣) .\n(١) أخرجه الطبري (١/ ٢١٠) برقم (٥٣٥)، وذكره السمرقندي (١/ ١٠٤)، والبغوي في التفسير (١/ ٥٦)، وابن عطية الأندلسي (١/ ١٠٩)، والماوردي (١/ ٨٦)، والقرطبي (١/ ٢٠٦)، وابن كثير (١/ ٦٣)، والسيوطي في «الدر» (١/ ٨٢)، وعزاه لمسدد، وهناد في «الزهد»، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في «البعث» .\n(٢) أخرجه الطبري (١/ ٢٠٩) برقم (٥٢٤)، وذكره البغوي في التفسير (١/ ٥٦)، وابن عطية (١/ ١٠٩)، والماوردي (١/ ٨٦)، وابن كثير (١/ ٦٣) .\n(٣) أسامة بن زيد بن شراحيل بن عبد العزى بن زيد بن امرئ القيس بن عامر بن النعمان بن عامر بن عبد ود بن عوف بن كنانة بن بكر، أبو يزيد، وأبو خارجة، وأبو محمد، وأبو زيد الحب بن الحب الكلبي.\nأمه: أم أيمن حاضنة النبي ﷺ. ولد في الإسلام، ومناقبه كثيرة، وأحاديثه شهيرة، وكان سكن «المزة» من عمل «دمشق»، ثم رجع فسكن وادي القرى، ثم نزل إلى «المدينة» فمات بها ب «الجرف» .\nروى ابن عمر أن النبي ﷺ قال: «إن أسامة بن زيد لأحب إليّ (أو من أحب الناس إليّ)، وأنا أرجو أن يكون من صالحيكم، فاستوصوا به خيرا» .\nقيل: توفي في آخر خلافة معاوية، وقيل: مات سنة (٥٤) .\nينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (١/ ٧٩)، «الإصابة» (١/ ٢٩)، «الاستيعاب» (١/ ٧٥)، «الاستبصار» (٣٤)، «الكاشف» (١/ ١٠٤)، «صفة الصفوة» (١/ ٥٢١)، «بقي بن مخلد» (٣٣)، «تجريد أسماء الصحابة» (١/ ١٣)، «التاريخ الكبير» (٢/ ٢٠)، «التاريخ لابن معين» (٣/ ٢٢) .\n(٤) قوله ﷺ: «لا خطر لها» أي لا عوض لها ولا مثل. والخطر بالتحريك- في الأصل: الرّهن وما يخاطر عليه. ومثل الشيء، وعدله، ولا يقال إلا في الشيء الذي له قدر ومزيّة.\nينظر: «النهاية» (٢/ ٤٦) .","vol":"1","page":201},{"text":"يَتَلأْلأُ، وَرَيْحَانَةٌ تَهْتَزُّ، وَقَصْرٌ مَشِيدٌ، وَنَهْرٌ مُطَّرِدٌ، وَفَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ نَضِيجَةٌ وَزَوْجَةٌ حَسْنَاءُ جَمِيلَةٌ، وَحُلَلٌ كَثِيرَةٌ فِي مَقَامِ أَبَدٍ فِي حَبْرةٍ «١» وَنَضْرَةٍ، فِي دَارٍ عَالِيَةٍ سَلِيمَةٍ بَهِيَّةٍ»، قَالُوا:\nنَحْنُ المُشَمِّرُونَ لَهَا، يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «قُولُوا: إِنْ شَاءَ اللَّهُ»، ثُمَّ ذَكَرَ الْجِهَادَ وَحَضَّ عَلَيْهِ» «٢» انتهى من «التذْكرَةِ» «٣» .\nوقوله: لا خَطَرَ لها بفتح الطاء: قيل: معناه: لا عِوَضَ لها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-107>[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٦ الى ٢٩]</span>\nإِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَما يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفاسِقِينَ (٢٦) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٢٧) كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتًا فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٨) هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)\nقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَما فَوْقَها: لما كان الجليلُ القدْرِ في الشاهد لا يمنعه من الخَوْضِ في نازل القوْلِ إِلا الحَيَاء من ذلكَ، رَدَّ اللَّه بقوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا على القائلين كيف يضرب الله مثلا\n_________\n(١) الحبرة: النّعمة وسعة العيش، وكذلك الحبور. ينظر: «النهاية» (١/ ٣٢٧) . [.....]\n(٢) أخرجه ابن ماجه (٢/ ١٤٤٨- ١٤٤٩)، كتاب «الزهد»، باب صفة الجنة، حديث (٤٣٣٢)، وابن حبان (٢٦٢٠- موارد)، والطبراني في «الكبير» (١/ ١٦٢- ١٦٣)، رقم (٣٨٨)، والفسوي في «المعرفة والتاريخ» (١/ ٣٠٤)، وأبو نعيم في «صفة الجنة»، رقم (٢٤)، والبيهقي في «البعث والنشور» (ص ٢٣٣)، رقم (٣٩١)، كلهم من طريق الضحاك المعافري، عن سليمان بن موسى، عن كريب مولى ابن عباس، عن أسامة بن زيد مرفوعا.\nوقال البوصيري في «الزوائد»: في إسناده مقال، والضحاك المعافري ذكره ابن حبان في «الثقات» اهـ.\nقال الحافظ في «التقريب» (١/ ٣٧٤): الضحاك المعافري مقبول. اهـ.\nيعني عند المتابعة، وإلا فهو لين كما ذكره هو في مقدمة «التقريب» .\nوالحديث ذكره الهندي في «كنز العمال» (١٤/ ٤٦١)، وعزاه إلى ابن ماجة، وأبي يعلى، والنسائي، وابن حبان، وأبي بكر بن أبي داود في «البعث»، والروياني، والرامهرمزي، والطبراني، والبيهقي في «البعث»، وسعيد بن منصور، عن أسامة بن زيد.\nتنبيه: عزاه الحافظ المزي في «تحفة الأشراف» (١/ ٥٩) إلى ابن ماجة فقط، ولم يعزه للنسائي في «الصغرى»، ولا في «الكبرى»، وأظن أن عزوه للنسائي خطأ من المتقي الهندي.\n(٣) ينظر: «التذكرة» (٥٩٦) .","vol":"1","page":202},{"text":"بالذُّبَابِ ونحوه.\nواختلف في قوله تعالى: يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا، هل هو من قول الكافرين أو خبرٌ من اللَّه تعالى؟ ولا خلاف أن قوله تعالى: وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ من قول اللَّه تعالى، والفسْقُ: الخروجُ عن الشيء، يقال: فَسَقَتِ الفَأْرَةُ، إِذا خرجَتْ من جحرها، والرُّطَبَةُ، إِذا خرجَتْ من قِشْرها، والفِسْقُ في عرف استعمال الشرْعِ: الخروجُ من طاعة اللَّه ﷿ بكُفْر أو عصيان.\nقوله تعالى: الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ: النَّقْضُ: ردُّ ما أبرم على أوله غير مبرمٍ، والعهدُ: في هذه الآية: التقدُّم في الشيء، والوَصَاةُ به، وظاهرٌ مما قبل وبعد أنه في جميع الكُفَّار.\nع «١»: وكل عهد جائزٌ بيْنَ المسلمين، فنقضه لا يحلُّ بهذه الآية، والخاسر الذي نَقَصَ نفسه حظَّها من الفلاحِ والفوزِ، والخسرانُ النقْصُ، كان في ميزانٍ أو غيره.\nقوله تعالى: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ: هو تقريرٌ وتوبيخٌ، أي: كيف تَكْفُرون، ونعمه عليكم وقدرته هذه، والواو في قوله: وَكُنْتُمْ واو الحال.\nواختلف في قوله تعالى: وَكُنْتُمْ أَمْواتًا ... الآية.\nفقال ابن عبَّاس، وابن مسعود، ومجاهد: المعنى: كنتم أمواتًا معدومِينَ قبل أن تخلقوا دارسين كما يقال للشيء الدَّارِسِ: ميِّت، ثم خلقكم وأخرجكم إِلى الدنيا، فأحياكم، ثم يميتكم/ الموتَ المعهُودَ، ثم يحييكم للبعث يوم القيامة «٢»، وهذا التأويل هو ١٣ ب أولى ما قيل لأنه هو الذي لا محيد للكفار عن الإِقرار به، والضميرُ في «إِلَيْهِ» عائد على اللَّه تعالى، أي: إلى ثوابه أو عقابه، وخَلَقَ: معناه: اخترع، وأوجد بعد العدم، ولَكُمْ: معناه: لِلاِعتبار ويَدُلُّ عليه ما قبله وما بعده من نَصْب العِبَرِ: الإِحياء والإِماتة والاستواء إلى السماء وتسويتِها.\nوقوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ: «ثُمَّ» هنا: لترتيب الأخبار، لا لترتيب الأمر\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ١١٣) .\n(٢) أخرجه الطبري (١/ ٢٢٢- ٢٢٣) برقم (٥٧٦- ٥٨٠) بنحوه، عن ابن عباس، ومجاهد. وذكره ابن عطية الأندلسي (١/ ١١٤)، والماوردي (١/ ٩٠)، والسيوطي في «الدر» (١/ ٨٩)، والقرطبي (١/ ٢١٣) .","vol":"1","page":203},{"text":"في نفسه، واسْتَوى: قال قومٌ: معناه: علا دون كَيْفٍ، ولا تحديدٍ، هذا اختيار الطبريِّ، والتقديرُ: علا أمره وقدرته وسلطانه، وقال ابن كَيْسَان: معناه: قصد إلى السماء.\nع «١»: أي: بخلقه، واختراعه، والقاعدةُ في هذه الآية ونحوها منع النّقْلَة وحلولِ الحوادث، ويبقى استواء القدرة والسلطان.\nوفَسَوَّاهُنَّ: قيل: جعلهن سواءً، وقيل: سوى سطوحَهُنَّ بالإملاس، وقال الثعلبيُّ «٢»: فَسَوَّاهُنَّ، أي: خلقهن. انتهى. وهذه الآية تقتضي أن الأرض وما فيها خُلِقَ قبل السماء، وذلك صحيحٌ، ثم دحيت الأرض بعد خلق السماء، وبهذا تتفق معاني الآيات هذه والتي في سورة «المُؤْمِنِ»، وفي «النازعات» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-108>[سورة البقرة (٢): الآيات ٣٠ الى ٣٢]</span>\nوَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ (٣٠) وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣١) قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلاَّ ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢)\nوقوله تعالى: وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً: «إِذْ» ليست بزائدةٍ عند الجمهور، وإِنما هي معلَّقة بفعل مقدَّر، تقديره: واذكر إِذ قال، وإِضافةُ «رَبٍّ» إِلى محمد ﷺ، ومخاطبتُهُ بالكاف- تشريفٌ منه سبحانه لنبيِّه، وإِظهار لاِختصاصه به، و«الملائكةُ»: واحدها ملَكٌ، والهاء في «ملائكة» لتأنيث الجُموعِ غير حقيقيٍّ، وقيل: هي للمبالغة كعلّامة ونسّابة، والأول أبين.\nوجاعِلٌ في هذه الآية بمعنى خَالِقٍ، وقال الحسن وقتادة: جاعلٌ بمعنى فاعل «٣»، وقال ابن سابط «٤» عن النبي ﷺ: «إِنَّ الأَرْضَ هُنَا هِيَ مَكَّةُ لأَنَّ الأَرْضَ دحيت\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ١١٥) .\n(٢) هو أحمد بن محمد بن إبراهيم، أبو إسحاق النيسابوري الثعلبي. كان إماما كبيرا، حافظا للغة بارعا في العربية، روى عن أبي طاهر بن خزيمة، وأبي محمد المخلدي. أخذ عنه الواحدي. له: «العرائس في قصص الأنبياء» وكتاب «ربيع المذكرين» . توفي (٤٢٧ هـ.) .\nينظر ترجمته في: «بغية الوعاة» (١/ ٣٥٦)، و«النجوم الزاهرة» (٤/ ٢٨٣)، و«طبقات المفسرين» للداوودي (١/ ٦٦) .\n(٣) أخرجه الطبري (١/ ٢٣٥) برقم (٥٩٧)، وذكره السيوطي في «الدر» (١/ ٩٣)، عن الحسن، وعزاه لابن جرير.\n(٤) عبد الرحمن بن سابط القرشي، الجمحي، المكي، عن عمر، ومعاذ مرسلا، وعن عائشة بواسطة، في-","vol":"1","page":204},{"text":"مِنْ تَحْتِهَا وَلأنَّهَا مَقَرُّ مَنْ هَلَكَ قَوْمُهُ مِنَ الأَنْبِيَاءِ، وَأَنَّ قَبْرَ نُوحٍ وَهُودٍ وَصَالِحٍ بين المقام والرّكن» «١» .\nوخَلِيفَةً: معناه: من يخلف.\nقال ابن عبَّاس: كانت الجن قبل بني آدم في الأرض، فأفسدوا، وسَفَكُوا الدماء، فبعث اللَّه إِليهم قبيلًا من الملائكة قتلهم، وألْحَقَ فَلَّهُمْ «٢»، بجزائرِ البحار، ورؤوسِ الجبالِ، وجعل آدم وذريته خليفةً «٣»، وقال ابن مسعود: إنما معناه: خليفةٌ مني في الحُكْمِ «٤» .\nوقوله تعالى: أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها ... الآيةَ: قد علمنا قطعًا أن الملائكة لا تعلم الغيْبَ، ولا تسبق القول، وذلك عَامٌّ في جميع الملائكة، لأن قوله تعالى: لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ [الأنبياء: ٢٧] خرج على جهة المدح لهم، قال القاضي ابن الطَّيِّب «٥»: فهذه قرينة العموم، فلا يصح مع هذين الشرطَيْن إِلا أن يكون عندهم من إفساد الخليفة نبأٌ ومقدِّمة.\nقال ابن زيد وغيره: إن اللَّه تعالى أعلمهم أن الخليفة سيكونُ من ذريته قومٌ يفسدونَ، ويسفكون الدماء «٦» فقالوا لذلك هذه المقالةَ: إِما على طريق التعجُّب من استخلاف الله\n_________\n- مسلم فرد حديث، وسعد، وجابر، وعنه علقمة بن مرثد، وابن جريج، والليث، وخلق. وثقه ابن معين وقال: لم يسمع من أبي أمامة، والدارقطني، قال ابن سعد: مات بمكة سنة ثماني عشرة ومائة. ينظر: «الخلاصة» (٢/ ١٣٣)، «تهذيب التهذيب» (٦/ ١٨٠)، «الثقات» (٧/ ٦٩) .\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١/ ٤٤٨- شاكر)، وابن أبي حاتم كما في «تفسير ابن كثير» (١/ ٧٠) من طريق عطاء عن ابن سابط به مرفوعا.\nوقال ابن كثير: وهذا مرسل، وفي سنده ضعف.\nوذكره السيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٩٥)، وزاد نسبته إلى ابن عساكر.\n(٢) الفلّ: المنهزمون. ينظر: «لسان العرب» (٣٤٦٦) .\n(٣) أخرجه الطبري (١/ ٢٣٦) برقم (٦٠١)، وصححه الحاكم (٢/ ٢٦١)، ووافقه الذهبي، وذكره السيوطي في «الدر» (١/ ٩٣) .\n(٤) ذكره ابن عطية الأندلسي (١/ ١١٦)، والماوردي (١/ ٩٥) .\n(٥) محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر، أبو بكر: قاض من كبار علماء الكلام انتهت إليه الرياسة في مذهب الأشاعرة، ولد في «البصرة» سنة (٣٣٨) هـ.، وسكن «بغداد» فتوفي فيها سنة (٤٠٣. هـ.)، كان جيد الاستنباط، سريع الجواب. من تصانيفه: «إعجاز القرآن»، و«الإنصاف»، و«مناقب الأئمة»، و«دقائق الكلام»، و«الملل والنحل»، و«هداية المرشدين»، وغير ذلك.\nينظر: «الأعلام» (٦/ ١٧٦)، «وفيات الأعيان» (١/ ٤٨١)، «قضاة الأندلس» (٣٧- ٤٠)، «تاريخ بغداد» (٥/ ٣٧٩) . [.....]\n(٦) أخرجه الطبري (١/ ٢٤٤) برقم (٦١٤- ٦١٥- ٦١٦)، عن ابن زيد، وابن إسحاق، وابن جريج، وذكره السيوطي في «الدر» (١/ ٩٤)، عن ابن زيد، وعزاه لابن جرير.","vol":"1","page":205},{"text":"من يعصيه، أو من عصيان من يستخلفُهُ اللَّهُ في أرضه وينعم علَيْه بذلك، وإِما على طريق الاِستعظامِ والإِكبار للفصلَيْن جميعًا الاستخلاف، والعصيان.\n١٤ أوقال أحمد بن يَحْيَى/ ثَعْلَبٌ «١» وغيره: إنما كانت الملائكة قد رأَتْ، وعلمت ما كان من إفساد الجِنِّ، وسفكهم الدماء في الأرض فجاء قولهم: أَتَجْعَلُ فِيها ... «٢»\nالآية على جهة الاستفهام المحض، هل هذا الخليفة يا ربَّنَا على طريقة من تقدَّم من الجِنِّ أم لا؟\nوقال آخرون: كان اللَّه تعالى قد أعلم الملائكة أنه يخلق في الأرضِ خلْقًا يفسدون، ويسفكون الدماء، فلما قال لهم سبحانه بعد ذلك: إِنِّي جاعِلٌ قالوا: رَبَّنَا، أَتَجْعَلُ فِيها ... الآيةَ على جهة الاسترشاد والاستعلام، هل هذا الخليفةُ هو الذي كان أعلمهم به سبحانه قبل، أو غيره؟ ونحو هذا في «مختصر الطبريِّ»، قال: وقولهم:\nأَتَجْعَلُ فِيها ليس بإنكار لفعله ﷿ وحكمه، بل استخبارٌ، هل يكون الأمر هكذا، وقد وجَّهه بعضهم بأنهم استعظموا الإِفسادَ وسفْكَ الدماء فكأنهم سألوا عن وجه الحكمة في ذلك إذ علموا أنه ﷿ لا يفعل إِلا حكمة. انتهى.\nت: والعقيدة أن الملائكة معصومون، فلا يقع منهم ما يوجب نقصانًا من رتبتهم، وشريف منزلتهم- صلوات اللَّه وسلامُهُ على جميعهم- والسفك صبُّ الدَّمِ، هذا عُرْفُه، وقولهم: وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ.\nقال بعض المتأوّلين: هو على جهة الاستفهام كأنهم أرادوا: وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ... الآيةَ، أم نتغير عن هذه الحال؟\nقال ع «٣»: وهذا يحسن مع القول بالاستفهام المحْضِ في قولهم: أَتَجْعَلُ.\nوقال آخرون: معناه: التمدُّح ووصف حالهم، وذلك جائز لهم كما قال يوسُفُ:\nإِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ [يوسف: ٥٥]، وهذا يحسن مع التعجُّب والاستعظام لأن يستخلف الله\n_________\n(١) هو: أبو العباس أحمد بن يحيى بن يسار، وقيل: سيار الشيباني، المعروف بثعلب، إمام الكوفيين في النحو واللغة. صنف: «المصون في النحو»، و«معاني القرآن»، و«ما تلحن فيه العامة»، و«الفصيح» وغيرها. توفي (٢٩١ هـ) .\nينظر ترجمته في: «وفيات الأعيان» (١/ ٣٠)، و«بغية الوعاة» (١/ ٢٩٦)، و«غاية النهاية» (١/ ١٤٨) .\n(٢) ينظر: ابن عطية الأندلسي في «تفسيره» (١/ ١١٧) .\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ١١٨) .","vol":"1","page":206},{"text":"من يعصيه في قولهم: أَتَجْعَلُ، وعلى هذا أدَّبهم بقوله تعالى: إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ، ومعنى: نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ: ننزِّهك عما لا يليق بصفاتك، وقال ابن عبَّاس وابن مسعود: تسبيحُ الملائكةِ صلاتهم للَّه سبحانه «١»، وقال قتادةُ: تسبيحهم قولهم: «سبحانَ اللَّهِ» على عرفه «٢» في اللغة، وبِحَمْدِكَ: معناه نَصِلُ التسبيح بالحمدِ، ويحتمل أن يكون قولهم: بِحَمْدِكَ اعتراضا بين الكلامين كأنهم قالوا: ونحن نسبِّح ونقدِّس، وأنت المحمود في الهداية إِلى ذلك، وخرَّج مسلم في صحيحه عن أبي ذَرٍّ «٣» قال: قال لِي رسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَلاَ أُخْبِرُكَ بِأَحَبِّ الكَلاَمِ إِلَى اللَّهِ تعالى؟ إِنَّ أَحَبَّ الكَلاَمِ إِلَى اللَّهِ تعالى:\n«سبحان الله وَبِحَمْدِهِ»، وفي رواية: «سُئِلَ ﷺ، أَيُّ الكَلاَمِ أَفْضَلُ؟ قَالَ:\nمَا اصطفى اللَّهُ لِمَلاَئِكَتِهِ أَوْ لِعِبَادِهِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ» «٤» وفي صحيحَي البخاريِّ ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي المِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ الله العظيم» «٥» وهذا الحديث\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١/ ٢٤٨) برقم (٦١٩)، وذكره البغوي (١/ ٦٠)، وابن عطية الأندلسي (١/ ١١٨)، والقرطبي (١/ ٢٣٦)، وابن كثير (١/ ٧١) .\n(٢) أخرجه الطبري (١/ ٢٤٨) برقم (٦٢٠)، وعبد الرزاق في التفسير (١/ ٤٢)، وذكره السيوطي في «الدر» (١/ ٩٥) .\n(٣) قيل هو: جندب بن جنادة بن سكن. وقيل: عبد الله، وقيل: اسمه: برير وقيل بالتصغير، والاختلاف في أبيه كذلك، وشهرته: أبو ذر الغفاري. قلت: كان من كبار الصحابة وفضلائهم ومشاهيرهم وزهادهم، قديم الإسلام، قويّا في الحق، صادق اللهجة. ولا يتسع المقام للحديث عنه، وقد ألفت في سيرته المؤلفات الكثيرة. توفي ب «الربذة» سنة (٣١ أو ٣٢) .\nتنظر ترجمته في: «أسد الغابة» (١/ ٣٥٧)، «الإصابة» (٧/ ٦٠)، «بقي بن مخلد» (١٥)، «تجريد أسماء الصحابة» (٢/ ١٦٤)، «حلية الأولياء» (١/ ١٢٧)، «تهذيب الكمال» (١٦٠٣)، «تقريب التهذيب» (٢/ ٤٢٠)، «تهذيب التهذيب» (١٢/ ٩٠)، «الزهد» لوكيع (٣٣)، «شذرات الذهب» (١/ ٣١) .\n(٤) أخرجه مسلم (٤/ ٢٠٩٣- ٢٠٩٤)، كتاب «الذكر والدعاء»، باب فضل سبحان الله وبحمده، حديث (٨٤، ٨٥/ ٢٧٣١)، من طريق عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر به.\n(٥) أخرجه البخاري (١١/ ٢١٠)، كتاب «الدعوات»، باب فضل التسبيح، حديث (٦٤٠٦)، و(١١/ ٥٧٥)، كتاب «الأيمان والنذور»، باب إذا قال: والله لا أتكلم اليوم فصلى، حديث (٦٦٨٢)، و(١٣/ ٥٤٧)، كتاب «التوحيد»، باب قول الله تعالى: وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ، حديث (٧٥٦٣)، ومسلم (٤/ ٢٠٧٢)، كتاب «الذكر والدعاء»، باب فضل التهليل، والتسبيح، والدعاء، حديث (٣١/ ٢٦٩٤)، والترمذي (٥/ ٥١٢)، كتاب «الدعوات»، باب (٦٠)، حديث (٣٤٦٧)، وابن ماجة (٢/ ١٢٥١)، كتاب «الأدب»، باب فضل التسبيح، حديث (٣٨٠٦)، والنسائي في «الكبرى» (٦/ ٢٠٧- ٢٠٨)، كتاب «عمل اليوم والليلة»، باب ما يثقل الميزان، حديث (١٠٦٦٦)، وأحمد (٢/ ٢٣٢)، وأبو يعلى (١٠/ ٤٨٣)، رقم (٦٠٩٦)، وابن حبان (٣/ ١١٢- ١١٣)، رقم (٨٣١)، (٣/-","vol":"1","page":207},{"text":"به ختم البخاريُّ ﵀. انتهى.\nوَنُقَدِّسُ لَكَ: قال الضَّحَّاك وغيره: معناه: نُطَهِّرُ أنفسنا لك ابتغاء مرضاتك، والتقديسُ: التطهير بلا خلافٍ «١»، ومنه الأرض المقدَّسة، أي: المطهَّرة، وقال آخرون:\nوَنُقَدِّسُ لَكَ: معناه: نقدِّسك، أي: نعظِّمك ونطهِّر ذكرك ممَّا لا يليقُ به، قاله مجاهد وغيره «٢» .\nوقوله تعالى: إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ.\nقال ابن عبَّاس: كان إِبليس- لعنه اللَّه- قد أُعْجِبَ بنفسه، ودخله الكِبْرُ لما جعله الله ١٤ ب خَازِنَ السماء الدنيا/، واعتقد أن ذلك لمزيَّة له، فلما قالت الملائكة: ونحن نسبِّح بحمدك ونقدِّس لك، وهي لا تعلم أنَّ في نفْسِ إِبليسَ خلافَ ذلك، قال اللَّه سبحانه: إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ يعني ما في نفس إِبْلِيسَ «٣» .\nوقال قتادة: لما قالتِ الملائكةُ: أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها، وقد علم اللَّه أنَّ في مَنْ يستخلفُ في الأرض أنبياءَ وفضلاءَ وأهلَ طاعةٍ، قال لهم: إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ، يعني: أفعالَ الفضلاء «٤» .\n_________\n- ١٢١- ١٢٢)، رقم (٨٤١)، والبيهقي في «الأسماء والصفات» (ص ٤٩٩)، وفي «شعب الإيمان» (١/ ٤٢٠)، رقم (٥٩١)، والبغوي في «شرح السنة» (٣/ ٨١- بتحقيقنا)، وابن الجوزي في «مشيخته» (ص ٨٧)، كلهم من طريق محمد بن فضيل، ثنا عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة مرفوعا. وقال الترمذي: حسن صحيح غريب.\n(١) أخرجه الطبري (١/ ٢٤٩) برقم (٦٢٥)، وذكره السيوطي في «الدر» (١/ ٩٥)، عن ابن عباس، وذكره ابن كثير (١/ ٧١) .\n(٢) أخرجه الطبري (١/ ٢٤٩) برقم (٦٢٣)، وذكره السيوطي في «الدر» (١/ ٩٥)، وابن كثير (١/ ٧١) .\n(٣) أخرجه الطبري (١/ ٢٤٩) برقم (٦٢٦)، وقال أحمد شاكر: بشر بن عمارة ضعيف، قال البخاري في «التاريخ الكبير» (١/ ٢/ ٨١): تعرف وتنكر.\nوقال النسائي في «الضعفاء» ص ٦: ضعيف. وقال الدارقطني: متروك. وقال ابن حبان في كتاب:\n«المجروحين» (ص ١٢٥) رقم، (١٣٢): كان يخطىء حتى خرج عن حد الاحتجاج به إذا انفرد، ولم يكن يعلم الحديث ولا صناعته، وأما شيخه أبو روق فهو عطية بن الحارث الهمداني، وهو ثقة، وقال أحمد والنسائي: «لا بأس به»، وقد أشار ابن كثير إليه بالانقطاع لأجل اختلافهم في سماع الضحاك بن مزاحم الهلالي من ابن عباس وقد رجح أحمد شاكر في «شرح المسند» (٢٢٦٢) سماعه منه، ثم قال:\nوكفى ببشر بن عمارة ضعفا في الإسناد إلى نكارة السياق الذي رواه وغرابته. اهـ.\n(٤) أخرجه الطبري (١/ ٢٥٠) برقم (٦٣٩)، وقال أحمد شاكر: ذكره ابن كثير (١/ ١٣٠)، و«الدر المنثور» (١/ ٤٦)، و«الشوكاني» (١/ ٥٠) . [.....]","vol":"1","page":208},{"text":"وقوله تعالى: وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها: معناه: عرَّف، وتعليم آدم هنا عند قومٍ إِلهامُ علمه ضرورةً، وقال قوم: بل تعليمٌ بقولٍ إما بواسطة مَلَكٍ، أو بتكليمٍ قبل هبوطه الأرضَ، فلا يشارك موسى﵇- في خَاصَّته.\nت: قال الشيخ العارف بالله عبد الله بن أبي جمرة: تعليمه سبحانه لآِدم الأسماء كلَّها، إِنما كان بالعلْم اللدنيِّ بلا واسطة. انتهى من كتابه الذي شرح فيه بعض أحاديث البخاريِّ، وكل ما أنقله عنه، فمنه، واختلف المتأوِّلون في قوله: الْأَسْماءَ:\nفقال جمهور الأُمَّة: علَّمه التسميات، وقال قومٌ: عرض عليه الأشخاص، والأول أبين ولفظة عَلَّمَ تعطي ذلك.\nثم اختلف الجمهورُ في أيِّ الأسماء علَّمه، فقال ابن عبَّاسٍ، وقتادة، ومجاهدٌ: علَّمه اسم كلِّ شيء من جميع المخلوقات دقيقها، وجليلها «١»، وقال الطبريُّ «٢»: علَّمه أسماء ذريته، والملائكة ورجَّحه بقوله تعالى: ثُمَّ عَرَضَهُمْ وقال أكثر العلماء: عَلَّمه تعالى منافعَ كلِّ شيء، ولما يصلَح.\nوقيل غير هذا.\nواختلف المتأوِّلون، هل عرض على الملائكة أشخاص الأسماء أو الأسماء دون الأشخاص؟.\nوأَنْبِئُونِي: معناه: أخبروني، والنبأ: الخبر، وقال قوم: يخرج من هذا الأمر بالإنباء تكليفُ ما لا يطاقُ «٣»، ويتقرَّر جوازه لأنه سبحانه عَلِمَ أنهم لا يعلمون.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١/ ٢٥٢) برقم (٦٤٦- ٦٤٧- ٦٤٨- ٦٤٩- ٦٥٦)، وعبد الرزاق في تفسيره (١/ ٤٢- ٤٣)، وذكره السيوطي في «الدر» (١/ ١٠٠- ١٠١) .\n(٢) ينظر: «تفسير الطبري» (١/ ٤٨٥) .\n(٣) حاصل ما في شرح «المواقف»، أشار إليه «الخالي» هو أن ما لا يطاق على ثلاث مراتب:\nالأولى: ما يمكن في نفسه لكن يمتنع من العبد لعلم الله (تعالى) بعدم وقوعه، كإيمان أبي لهب، وهي المرتبة الأولى من مراتب ما لا يطاق فإن هذا مقدور للمكلف بالنظر إلى ذاته، وممتنع له بالنظر إلى علم الله (تعالى) بعدم وقوعه، ومعنى كونه مقدورا أنه يجوز تعلق القدرة الحادثة أي قدرة المكلف به لا أنه متعلق القدرة بالفعل لأن القدرة الحادثة لا تتعلق بمثل هذا الفعل لأن القدرة الحادثة عندنا مع الفعل لا قبله، فلا يتصور تعلقه بما لم يقع. ثم إن التكليف بهذا المحال جائز وواقع اتفاقا، ولا خلاف فيه للمعتزلة.\nالثانية: ما يمكن في نفسه لكن يمتنع من العبد عادة، كخلق الأجسام، وحمل الجبل، والطيران إلى-","vol":"1","page":209},{"text":"وقال المحقِّقون من أهل التأويل: ليس هذا على جهة التكليفِ، إِنما هو على جهة التقرير والتوقيف.\nوقوله تعالى: هؤُلاءِ ظاهره حضورُ أشخاصٍ، وذلك عند العرض على الملائكة، وليس في هذه الآية ما يدلُّ أن الاسم هو المسمى كما ذهب إِليه مَكِّيٌّ والمَهْدَوِيُّ.\nوالذي يظهر أن اللَّه تعالى علَّم آدم الأسماء، وعرض مع ذلك عليه الأجناس أشخاصًا، ثم عرض تلك على الملائكة، وسألهم عن تسمياتها التي قد تعلَّمها آدم، ثم إِن آدم قال لهم: هذا اسمه كذا، وهذا اسمه كذا.\nوَهَؤُلاءِ: مبنيٌّ على الكسر، وكُنْتُمْ في موضع الجزمِ بالشرْطِ، والجواب عند سيبويه: فيما قبله، وعند المبرِّد: محذوفٌ تقديره: إِن كنتمْ صادِقِينَ، فَأَنْبِئوني، وقال ابن عبَّاس وابن مسعود وناس من أصحاب النبيّ ﷺ: معنى الآية: إِنْ كنتم صادِقِينَ في أنَّ الخليفةَ يُفْسِدُ ويسفك «١» .\nت: وفي النفس من هذا القول شيءٌ، والملائكة منزَّهون معصومون كما تقدَّم، والصواب ما تقدَّم من التفسير عند قوله تعالى: أَتَجْعَلُ فِيها ... الآية.\n_________\n- السماء. وهذه المرتبة الوسطى من مراتب ما لا يطاق، والتكليف بهذا جائز عندنا وإن لم يقع، كما دل عليه الاستقراء، وقوله تعالى: لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَها [البقرة: ٢٨٦] وما يتوهم من ظاهر بعض الآيات أنه تكليف بهذا المحال، كقوله تعالى: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [البقرة: ٢٣] فهو للتعجيز لا للتكليف، ومنعت المعتزلة جواز التكليف لكونه قبيحا منه تعالى عقلا عندهم كما في الشاهد فإن من كلف الأعمى نقط المصاحف والزمنى المشي إلى أقصى البلاد، عد سفيها، وقبح ذلك في بداهة العقول. والجواب: أنه لا يقبح منه تعالى شيء، ولا يجب عليه، إذ يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، والمفهوم من كلام صاحب «التوضيح» أن مذهب الماتريدية هنا كمذهب المعتزلة إلا أن عدم جوازه عند الماتريدية بناء على أنه لا يليق من حكمته وفضله. وعند المعتزلة بناء على أن الأصلح واجب على الله (تعالى) .\nالثالثة: ما يمكن في نفسه ولكن يمتنع لنفس مفهومه، كجمع الضدين، وقلب الحقائق. وهي المرتبة القصوى من مراتب ما لا يطاق، والتكليف به لا يقع ولا يجوز بالاتفاق، أما أنه لا يقع قط فلأنه لم يوجد بالاستقراء، وأما أنه لا يجوز فلأن جواز التكليف فرع تصوره، ولا يمكن تصوره. وفي شرح «المواقف» أن بعضا منا قالوا بوقوع تصوره، فما ذكره صاحب «المواقف» من أن جواز التكليف بالممتنع لذاته فرع تصوره يشعر بأن هؤلاء يجوزونه.\nينظر: «نشر الطوالع» (٢٩٥- ٢٩٧)، و«البرهان» (١/ ١٠٢)، و«المنخول» (ص ٢٢)، و«المحصول» (١/ ٢/ ٣٥٧)، والمتصفي» (١/ ٧٤) .\n(١) أخرجه الطبري (١/ ٢٥٥) برقم (٦٧٢)، وذكره السيوطي في «الدر» (١/ ١٠١) .","vol":"1","page":210},{"text":"وقال آخرون: إِن كنتم صادِقِينَ في أنِّي إِن استخلفتكم، سبَّحتم بحَمْدِي، وقدَّستم لي.\nوقال/ قوم: معناه: إن كنتم صادقين في جوابِ السؤال، عالمين بالأسماء. ١٥ أوسُبْحانَكَ: معناه تنزيهًا لك وتبرئةً أنْ يعلم أحدٌ من علمك إِلا ما علمته، والعَلِيمُ: معناه: العَالِمُ، ويزيد عليه معنى من المبالغةِ والتكثيرِ في المعلوماتِ، والحكيمُ:\nمعناه: الحاكِمُ وبينهما مزية المبالغةِ، وقيل: معناه: المُحْكِمُ، وقال قوم: الحَكِيمُ المانعُ من الفساد، ومنه حَكَمَةُ الفرسِ مانعته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-109>[سورة البقرة (٢): الآيات ٣٣ الى ٣٤]</span>\nقالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٣٣) وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ (٣٤)\nوقوله تعالى: قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ: أَنْبِئْهُمْ: معناه: أخبرهم، والضمير في «أَنْبِئْهُمْ» عائدٌ على الملائكة بإجماعٍ، والضميرُ في «أَسْمَائِهِمْ» مختلَفٌ فيه حَسَبَ الاختلاف في الأسماء التي علَّمها آدم، قال بعض العلماء: إنَّ في قوله تعالى: فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ نبوءةً لآدم ﵇ إِذ أمره اللَّه سبحانه أن ينبىء الملائكة بما ليس عندهم من علم اللَّه ﷿.\nوقوله تعالى: أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ: معناه: ما غاب عنكم لأنَّ اللَّه تعالى لا يغيبُ عنه شيء، الكلُّ معلوم له.\nواختلف في قوله تعالى: مَا تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ.\nفقال طائفة: ذلك على معنى العموم في معرفة أسرارهم وظواهرهم وبواطنهم أجمع، «وإِذْ» من قوله: وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ معطوفةٌ على «إذِ» المتقدِّمة، وقولُ «١» اللَّه تعالى\n_________\n(١) كلام الله تعالى صفة أزلية قديمة قائمة بذاته (تعالى)، منافية للسكوت والآفة- كما في الخرس- ليست من جنس الأصوات والحروف. بل بها آمر ناه. يدل عليها بالعبارات أو الكتابة أو الإشارة. فتلك الصفة واحدة في ذاتها، وإن اختلفت العبارات الدالة عليها، كما إذا ذكر الله بألسنة مختلفة، فالصفة: هي الأمر القائم بالغير، فهو جنس في التعريف أو كالجنس، بناء على الخلاف في المفهومات الاصطلاحية: هل هي حدود أو رسوم.\nالأول: مبني على أنها وإن كان أمرا اصطلاحيا طارئا على المعنى اللغوي للكلام إذ الكلام في اللغة القول. يقال: أتى بكلام طيب، أي قول، إلا أنه ليست وراء ما اصطلح عليه المصطلح أمر آخر. فذلك-","vol":"1","page":211},{"text":"وخطابه للملائكةِ متقرِّر قديم في الأَزَلِ بشرط وجودهم وفهمهم، وهذا هو الباب كله في أوامر الله تعالى ونواهيه ومخاطباته.\n_________\n- الذي ذكر في تعريف تلك الصفة هو ذاتياتها بحسب الاصطلاح.\nوالثاني: مبني على أن لها قبل المعنى الاصطلاحي معنى وضع الواضع اللفظ ليدل عليه، فذلك المعنى ثان بعد أول، فهو عارض والتعريف بالعوارض رسم. وجزم البعض من المحققين بأنها رسوم لأن الاطلاع على ذاتيات تلك الصفات غير ممكن. والحد ما تركب من الذاتيات: الجنس، والفصل. وحيث إن الذاتيات لم يطلع عليها فلا تكون إلا رسوما لأنها بخواص هذه الصفات فقط لأن الخواص مأخوذة في تعريف الصفات حيث أخذ في تعريف صفة الكلام أنها تتعلق دلالة ... وفي تعريف صفة القدرة أنها تتعلق تعلق تأثير.\nوعلى كل ف «صفة» يشمل الصفة القديمة والحادثة. «قديمة»: فصل أو كالفصل- مخرج لغير الصفة القديمة، وهو الصفة الحادثة. ثم الأقوال في القديم والأزلي ثلاثة:\nالأول: القديم هو الذي لا ابتداء لوجوده. والأزلي: ما لا أول له، عدميا كان أو وجوديا. فكل قديم أزلي ولا عكس.\nالثاني: القديم هو القائم بنفسه الذي لا أول لوجوده. والأزلي: ما لا أول له عدميا كان أو وجوديا، قائما بنفسه أو غيره.\nالثالث: القديم والأزلي: ما لا أول له، عدميا كان أو وجوديا، قائما بنفسه أولا.\nفعلى الأول: الصفات السلبية لا توصف بالقدم، وتوصف بالأزلية، بخلاف ذات الله تعالى والصفات الثبوتية فإنها توصف بالقدم والأزلية.\nوعلى الثاني: الصفات مطلقا لا توصف بالقدم، وتوصف بالأزلية، بخلاف ذاته تعالى فإنها توصف بكل منهما.\nوعلى الثالث: كل من الذات والصفات مطلقا يوصف بالقدم والأزلية. فالقديم في التعريف صحيح على الرأي الأول والثالث، بخلافه على الثاني «قائمة بذاته» . وللقيام معنيان:\nقيام: بمعنى التبعية في التحيز كما في العرض بالنسبة لجوهره. وليس قيام صفة الله بذاته على هذا النحو إذ لا تحيز للذات حتى تتبعها الصفة فيه. وقيام: بمعنى آخر هو اختصاص الناعت بالمنعوت.\nوهو المراد بقيام الصفة بذاته تعالى.\n«ليس بحرف ولا صوت»: لأنه معنى نفسي، وتلك أعراض مشروط حدوث بعضها بانقضاء البعض إذ امتناع التكلم بالحرف الثاني بدون انقضاء الحرف الأول بدهي خلافا للحنابلة، والحشوية، والكرامية القائلين بأن كلامه منتظم من كلمات قائمة بذاته تعالى. قديم عند الحنابلة، حادث عند الكرامية. «منافية للسكوت والآفة»: السكوت عدم التكلم مع القدرة عليه.\nوالآفة: عدم مطاوعة الآلة، إما بحسب الفطرة كما في الخرس، أو من جهة ضعفها كما في الطفولية.\nولقائل أن يقول: هذا إنما يصدق على الكلام اللفظي دون النفسي إذ السكوت والخرس إنما ينافيان التلفظ.\nويجاب بأن المراد ب «السكوت والآفة»: الباطنيان، بأن لا يريد في نفسه الكلام، أو لا يقدر عليه، ويتلخص في أنه كما أن الكلام لفظي ونفسي، كذلك ضده، وهو السكوت والخرس: لفظي وباطني، -","vol":"1","page":212},{"text":"ت: ما ذكره﵀- هو عقيدةُ أهل السنة، وها أنا أنقل من كلام الأئمة، إن شاء اللَّه، ما يتبيَّن به كلامه، ويزيده وضوحًا، قال ابن رُشْدٍ: قوله ﷺ: «أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خلق» «١» لا يفهم منه أن لله ﷿ كلمات غير تامّات لأن\n_________\n- والمراد الثاني منهما حيث أريد بالكلام الكلام النفسي، فالله منزه عن الاتصاف بالخرس والآفة. «هو بها آمر ناه»: فهو صفة واحدة تتكثر بحسب التعلقات. فالكلام باعتبار تعلقه بشيء خبر، وبآخر أمر أو نهي. وبهذا يخرج العلم والقدرة. وهكذا سائر الصفات الوجودية غير الكلام لأنه لا أمر ولا نهي بواحدة منها.\nوغير الأشاعرة يقولون: الكلام هو اللفظ المنتظم من الحروف والأصوات، وينفون الصفة النفسية وهم في ذلك قد انقسموا إلى قسمين:\nالقسم الأول: كلامه ألفاظ قائمة بذاته، وهي قديمة، وهم بعض الحنابلة، أو حادثة، وهم الكرامية.\nوالقسم الثاني: يقول: كلام الله ألفاظ قائمة بالغير. وهم المعتزلة. فالحنابلة يعرفونه: بأنه المؤلف من الكلمات القديمة القائمة بذاته تعالى. والكرامية يعرفونه: بأنه هو المؤلف من الكلمات الحادثة القائمة بذاته تعالى. وحيث إن المعتزلة لم يعرفوه بالصفة النفسية، فليس عندهم سوى الألفاظ وهي حادثة لأنها مرتبة، ويستحيل قيام الحادث بالقديم. فهم يقولون: إن كلامه ألفاظ قائمة بغيره، فهم يتجوزون بمتكلم عن موجد وخالق للكلام. وعليه فالمعتزلة لا يثبتون كلاما لله لا نفسيا، كما أثبته الأشاعرة.\nولا لفظيا حادثا كما قالت الكرامية، بل يثبتون كلاما لا على أنه متصف به، بل على أنه مخلوق قائم بغيره.\nفالكلام عند المعتزلة هو المؤلف من الكلمات المسموعة الحادثة القائمة بغير الذات. فقد خالفوا جميع الفرق.\nينظر: تحقيق «صفة الكلام» لشيخنا حافظ مهدي ص ٥٢- ٥٤.\n(١) أخرجه مالك (٢/ ٩٧٨)، كتاب «الاستئذان»، باب ما يؤمر به من الكلام في السفر، حديث (٣٤)، ومسلم (٤/ ٢٠٨٠- ٢٠٨١)، كتاب «الذكر والدعاء»، باب في التعوذ من سوء القضاء ودرك الشقاء وغيره، حديث (٥٤/ ٢٧٠٨)، والترمذي (٥/ ٤٩٦)، كتاب «الدعوات»، باب ما يقول إذا نزل منزلا، حديث (٣٤٣٧)، والنسائي في «الكبرى» (٦/ ١٤٤)، كتاب «عمل اليوم والليلة»، باب ما يقول إذا نزل منزلا، حديث (١٠٣٦٤)، وأحمد (٦/ ٣٧٧)، وابن السني في «عمل اليوم والليلة»، رقم (٥٣٣)، وابن خزيمة (٤/ ١٥٠- ١٥١)، رقم (٢٥٦٧)، وابن حبان (٦/ ٤١٨)، رقم (٢٧٠٠)، والبيهقي (٥/ ٢٥٣)، كتاب «الحج»، باب ما يقول إذا نزل منزلا، كلهم من طريق يعقوب بن عبد الله الأشج، عن بسر بن سعيد، عن سعد بن أبي وقاص، عن خولة بنت حكيم قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من نزل منزلا فليقل ...» فذكرت الحديث.\nوقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب.\nوقال: وروى مالك بن أنس هذا الحديث أنه بلغه، عن يعقوب بن عبد الله بن الأشج، فذكر نحو هذا الحديث.\nوروى ابن عجلان هذا الحديث عن يعقوب بن عبد الله بن الأشج، ويقول: عن سعيد بن المسيب، عن خولة. -","vol":"1","page":213},{"text":"كلماته هي قوله، وكلامه هو صفةٌ من صفات ذاتِهِ يستحيلُ عليها النقص، وفي الحديث بيان واضح على أن كلماته ﷿ غير مخلوقة إذ لا يستعاذ بمخلوقٍ، وهذا هو قول أهل السنة، والحقّ أن كلام اللَّه ﷿ صفة من صفات ذاته قديمٌ غيرُ مخلوقٍ لأن الكلام هو، المعنى القائِمُ في النفسِ، والنطقُ به عبارةٌ عنه قال اللَّه ﷿: وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ [المجادلة: ٨] فأخبر أن القول معنًى يقوم في النفْسِ، وتقول: في نَفْسِي كَلاَمٌ، أريد أن أعلمك به، فحقيقة كلام الرجل هو المفهومُ من كلامه، وأما الذي تسمعه منه، فهو عبارة عنه وكذلك كلام الله ﷿ القديمُ الذي هو صفة من صفاتِ ذاته هو المفهوم من قراءة القارئ لا نَفْسُ قراءته التي تسمعها لأنَّ نفس قراءته التي تسمعها مُحْدَثَةٌ، لم تكن حتى قرأ بها، فكانت، وهذا كله بيِّن إلا لمن أعمى اللَّه بصيرته. انتهى بلفظه من «البَيَانِ» .\nوقال الغَزَّالِيُّ «١» بعد كلامٍ له نحو ما تقدَّم لابن رشد: وكما عقل قيامُ طلبِ التعلُّم وإرادته بذات الوالدِ قبل أن يخلق ولده حتى إذا خلق ولده، وعقل، وخلق اللَّه سبحانه له علْمًا بما في قلْب أبيه من الطَّلَب، صار مأمورًا بذلك الطلب الذي قام بذاتِ أبيه، ودام وجوده إِلى وقت معرفة ولده، فليعقل قيام الطلب الذي دلَّ عليه قوله ﷿: فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ/ [طه: ١٢] بذات اللَّه تعالى، ومصير موسى ﵇ سامعا لذلك الكلام\n_________\n- وحديث الليث أصح من رواية ابن عجلان. اهـ. وهذا توضيح وشرح لكلام الترمذي ﵀: أما رواية مالك، فهي في «الموطأ» (٢/ ٩٧٨)، عن الثقة عنده، عن يعقوب بن عبد الله بن الأشج به. أما رواية محمد بن عجلان، فأخرجها ابن ماجة (٢/ ١١٧٤)، كتاب «الطب»، باب الفزع والأرق وما يتعوذ منه، حديث (٣٥٤٧)، والنسائي في «الكبرى» (٦/ ١٤٤)، كتاب «عمل اليوم والليلة»، باب ما يقول إذا نزل منزلا، حديث (١٠٣٩٥)، كلاهما من طريق محمد بن عجلان، عن يعقوب بن عبد الله بن الأشج، عن سعيد بن المسيب، عن سعد بن مالك، عن خولة بنت حكيم به.\nوقد ورد هذا الحديث، عن سعيد بن المسيب مرسلا.\nأخرجه عبد الرزاق (٩٢٦٠)، والنسائي (٦/ ١٤٤- الكبرى)، كتاب «عمل اليوم والليلة»، باب ما يقول إذا نزل منزلا، كلاهما من طريق ابن عجلان، عن يعقوب بن عبد الله، عن سعيد بن المسيب مرسلا.\n(١) محمد بن محمد بن محمد، حجة الإسلام، أبو حامد الغزالي، ولد سنة (٤٥٠)، أخذ عن الإمام، ولازمه، حتى صار أنظر أهل زمانه وجلس للإقراء في حياة إمامه وصنف «الإحياء» المشهور، و«البسيط»، وهو كالمختصر للنهاية، وله «الوجيز»، و«المستصفى»، وغيرها. توفي سنة (٥٠٥) .\nانظر: «طبقات ابن قاضي شهبة» (١/ ٢٩٣)، «وفيات الأعيان» (٣/ ٣٥٣)، «الأعلام» (٧/ ٢٤٧)، و«اللباب» (٢/ ١٧٠)، و«شذرات الذهب» (٤/ ١٠)، و«النجوم الزاهرة» (٥/ ٢٠٣)، «العبر» (٤/ ١٠) .","vol":"1","page":214},{"text":"مخاطَبًا به بعد وجوده إذ خلقت له معرفة بذلك الطلبِ، ومعرفةُ بذلك الكلامِ القديمِ.\nانتهى بلفظه من «الإحياء» .\nوقوله: لِلْمَلائِكَةِ عمومٌ فيهم، والسجودُ في كلام العرب: الخضوعُ والتذلُّل، وغايته وضعه الوجْه بالأرض، والجمهور على أنَّ سجود الملائكة لآدم إيماءٌ وخضوعٌ، ولا تدفع الآية أنْ يكونوا بلغوا غاية السجود، وقوله تعالى: فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ [الحجر: ٢٩] لا دليل فيه لأن الجاثي على ركبتيه واقعٌ، واختُلِفَ في حال السجودِ لآدم.\nفقال ابن عَبَّاسٍ: تعبَّدهم اللَّه بالسجود لآدم، والعبادةُ في ذلك للَّهِ «١»، وقالَ عليُّ بْنُ أبي طَالِبِ، وابنُ مَسْعُودٍ، وابن عبَّاس أيضًا: كان سجودَ تحيَّة كسجود أبوَيْ يوسُفَ ﵇ له، لا سجودَ عبادة «٢»، وقال الشَّعبيُّ: إنما كان آدم كالقِبْلة «٣»، ومعنى لِآدَمَ:\nإلى آدَمَ.\nع «٤»: وفي هذه الوجوهِ كلِّها كرامةٌ لآدم ﵇.\nوقوله تعالى: إِلَّا إِبْلِيسَ نصبٌ على الاستثناءِ المتَّصِلِ لأنه من الملائكة على قوله الجمهور، وهو ظاهر الآية، وكان خازنًا ومَلَكًا على سماء الدنيا والأرض، واسمه عزازيل قال ابن عباس «٥» .\nوقال ابن زيد والحسن: هو أبو الجِنِّ كما آدمُ أبو البشر، ولم يكُ قطُّ ملَكًا «٦»، وقد روي نحوه عن ابن عباس أيضا، قال: واسمه الحارث «٧» .\n_________\n(١) ذكره ابن عطية الأندلسي في «تفسيره» (١/ ١٢٤)، والسيوطي في «الدر» (١/ ١٠٢) بنحوه.\n(٢) ذكره ابن عطية الأندلسي في «تفسيره» (١/ ١٢٤)، والسيوطي في «الدر» (١/ ١٠٢)، بنحوه عن ابن عباس.\n(٣) ذكره ابن عطية الأندلسي في «تفسيره» (١/ ١٢٤) . [.....]\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ١٢٤) .\n(٥) أخرجه البيهقي في «الشعب» (١/ ١٧٠) برقم (١٤٦- ١٤٧) بنحوه، وذكره السيوطي في «الدر» (١/ ١٠٢- ١٠٣)، وعزا أحدهما لابن أبي الدنيا في «مكايد الشيطان»، وابن أبي حاتم، وابن الأنباري في كتاب: «الأضداد»، والبيهقي في «الشعب»، والثاني عزاه لوكيع، وابن المنذر، والبيهقي.\n(٦) أخرجه الطبري (١/ ٢٦٤) رقم (٧٠١)، عن ابن زيد، وذكره ابن عطية في تفسيره (١/ ١٢٤)، والقرطبي (١/ ٢٥١) .\n(٧) أخرجه الطبري (١/ ٢٦٥) برقم (٧٠٤)، عن السدي، وذكره ابن عطية الأندلسي (١/ ١٢٤)، والقرطبي (١/ ٢٥١)، والسيوطي في «الدر» (١/ ١٠٣)، عن السدي، بلفظ «كان اسم إبليس الحرث» .","vol":"1","page":215},{"text":"وقال شَهْرُ بن حَوْشَبٍ: كان من الْجِنِّ الذين كانوا في الأرض، وقاتلتهم الملائكةُ فسَبَوْهُ صغيرًا، وتعبَّد مع الملائكة، وخُوطِبَ معها، وحكاه الطبريّ عن ابن مسعود «١» .\nوالاستثناء على هذا الأقوال منقطعٌ واحتجَّ بعض أصحاب هذا القول بأن اللَّه تعالى قال في صفة الملائكة: لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ [التحريم: ٦] ورجَّح الطبريُّ قَوْلَ من قال: إن إِبليسَ كان من الملائكَةِ، وقال «٢»: ليس في خلقه مِنْ نارٍ، ولا في تركيبِ الشَّهْوَةِ والنسلِ فيه حينَ غُضِبَ عليه ما يدْفَعُ أنه كان من الملائكة، وقوله تعالى:\nكانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ [الكهف: ٥٠] يتخرَّج على أنه عمل عملهم، فكان منهم في هذا، أو على أن الملائكة قد تسمى جِنًّا لاستتارها قال اللَّه تعالى: وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا [الصافات: ١٥٨] وقال الأعشى في ذكر سليمانَ ﵇: [الطويل]\nوَسَخَّرَ مِنْ جِنِّ المَلاَئِكِ تِسْعَةً ... قِيَامًا لَدَيْهِ يَعْمَلونَ بِلاَ أَجْرِ «٣»\nأو على أن يكون نسبه إلى الجَنَّةِ كما ينسب إلى البَصْرَةِ بِصْرِيَّ.\nقال عِيَاضٌ: ومما يذكرونه قصَّةُ إبليس، وأنه كان من الملائكة، ورئيسًا فيهم، ومن خُزَّان الجَنَّة إلى ما حكَوْه، وهذا لم يتفقْ عليه، بل الأكثر ينفون ذلك، وأنه أبو الجن.\nانتهى من «الشِّفا» «٤» .\nوإِبْلِيسُ: لا ينصرفُ لأنه اسم أعجميٌّ قال الزَّجَّاج: ووزنه فِعْلِيلُ، وقال ابن عبَّاس وغيره: هو مشتقٌّ من أُبْلِسَ، إِذا أبعد عن الخير، ووزنه على هذا إفعيل «٥»، ولم\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١/ ٢٦٣) برقم (٦٩٨)، وذكره القرطبي (١/ ٢٥١) .\n(٢) ينظر: «تفسير الطبري» (١/ ٥٠٨) .\n(٣) البيت للأعشى وقبله:\nولو كان شيء خالدا أو معمّرا ... لكان سليمان البريء من الدّهر\nبراه إلهي واصطفاه عباده ... وملّكه ما بين ثريا إلى مصر\nينظر: «ملحق ديوانه» (٢٤٣)، و«اللسان» (جنن)، و«تفسير الطبري» (١/ ٥٠٦)، و«القرطبي» (١/ ٢٩٥)، و«البحر المحيط» (١/ ٣٠٤)، و«الدر المصون» (١/ ١٨٦)، و«روح المعاني» (١/ ٢٣٠) وقال: وكون الملائكة لا يستكبرون- وهو قد استكبر- لا يضر، إما لأن من الملائكة من ليس بمعصوم- وإن كان الغالب فيهم العصمة على العكس منا- وفي «عقيدة أبي المعين النسفي» ما يؤيد ذلك، وإما لأن إبليس سلبه الله (تعالى) الصفات الملكية، وألبسه ثياب الصفات الشيطانية، فعصى عند ذلك، والملك ما دام ملكا لا يعصي.\n(٤) ينظر: «الشفا» ص (٨٥٨) .\n(٥) ذكره ابن عطية الأندلسي في «تفسيره» (١/ ١٢٥) .","vol":"1","page":216},{"text":"تصرفه هذه الفرقةُ لشذوذه وقلَّته، ومنه قوله تعالى: فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ [الأنعام: ٤٤] أيْ:\nيائسون من الخير، مبعدون منه فيما يرون، وأَبى: معناه: امتنَعَ من فعْلِ ما أمر به، وَاسْتَكْبَرَ: دخل في الكبرياءِ، والإبَاءَةُ مقدَّمة على الاِستكبارِ في ظهورهما عليه، والاستكبارُ والأَنَفَة مقدَّمة في معتقده، وروى ابْنُ القاسم «١» عن مَالكٍ أنه قال: بَلَغَنِي أنَّ أوَّلَ معْصيَةٍ كانت الحسدُ، والكِبْرُ، والشُّحُّ، حسد إِبليسُ آدم، وتكبَّر، وشحّ آدم/ في أكله ١٦ أمن شجرة قد نُهِيَ عن قربها «٢» .\nت: إِطلاق الشحِّ على آدم فيه ما لا يخفى عليك، والواجب اعتقاد تنزيه الأنبياء عن كل ما يحُطُّ من رتبتهم، وقد قال اللَّه تعالى في حق آدَمَ: وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا [طه: ١١٥] .\nوقوله تعالى: وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ: قالت فِرقَةٌ: معناه: وصار من الكافرين، وردَّه ابن فُورَكَ، وقال جمهور المتأوِّلين: معنى: وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ، أيْ: في علْمِ اللَّهِ تعالى، وقال أبو العالية: معناه: من العاصين «٣»، وذهب الطبريُّ إِلى أن اللَّه تعالى أراد بقصة إبْلِيسَ تقريعَ أشباهه من بني آدم، وهم اليهود الذين كفروا بمحمّد ﷺ، مع علمهم بنبوءته، ومع تقدُّم نعم اللَّه عليهم، وعلى أسلافهم.\nت: ولفظ الطبريِّ «٤»: وفي هذا تقريعٌ لليهود إذ أبوا الإسلام مع علمهم بنبوءة رسول الله ﷺ من التوراة والكُتُبِ حَسَدًا له، ولبني إِسماعيل كما امتنع إِبليسُ من السجود حَسَدًا لآدَم وتكبُّرًا عن الحق وقبولِهِ، فاليهود نظراء إِبْليسَ في كُفْرهم وكِبْرهم وحَسَدهم وتَرْكِهِمْ الانقيادَ لأمر اللَّه تعالى. انتهى من «مختصر الطبريِّ» لأبي عبد اللَّه اللَّخْمِيِّ النحْويِّ.\nواختلف، هل كفر إبليس جهلًا أو عنادًا؟ على قولَيْن بين أهل السنة، ولا خلاف أنه\n_________\n(١) عبد الرحمن بن القاسم العتقي: جمع بين الزهد والعلم، وتفقه بمالك ونظرائه، وصحب مالكا عشرين سنة، وعاش بعده اثنتي عشرة سنة، مولده سنة اثنتين وثلاثين ومائة، ومات ب «مصر» سنة إحدى وتسعين ومائة.\nينظر: «الطبقات» للشيرازي (١٥٠) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ١٢٥) .\n(٣) أخرجه الطبري (١/ ٢٦٦) برقم (٧٠٥) .\n(٤) ينظر: «تفسير الطبري» (١/ ٥١٠) .","vol":"1","page":217},{"text":"كان عالمًا باللَّه قبل كفره، ولا خلاف أن اللَّه تعالى أخرج إبليس عند كفره، وأبعده عن الجنة، وبعد إخراجه قال لآدم: اسْكُنْ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-110>[سورة البقرة (٢): الآيات ٣٥ الى ٣٦]</span>\nوَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (٣٦)\nقوله تعالى: وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ: اسْكُنْ: معناه: لاَزِمِ الإقامةَ، ولفظه لفظ الأمر، ومعناه الإِذن، واختلف في الجنة التي أسكنها آدم ﵇، هل هي جنةُ الخُلْدِ، أو جنةٌ أخرى.\nت: والأول هو مذهب أهل السنة والجماعة.\nوَكُلا مِنْها، أي: من الجنةِ، والرغَد: العيشَ الدارَّ الهنيَّ، و«حَيْثُ» مبنيةٌ على الضمِّ.\nوقوله تعالى: وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ: معناه لا تقرباها بأكْلٍ، والهاءُ في «هَذِهِ» بدلٌ من الياء، وتحتمل هذه الإشارة أن تكون إلى شجرةٍ معيَّنة واحدة، واختلف في هذه الشجرة، ما هي؟ فقال ابن عَبَّاس، وابن مسعود: هي الكَرْم «١»، وقيل: هي شجرة التِّين «٢»، وقيل: السنبلة «٣» وقيل غير ذلك.\nوقوله: فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ: الظالمُ في اللغة: الذي يضع الشيء في غير موضعه، والظلم في أحكام الشرع على مراتب: أعلاها الشِّرْكُ، ثم ظُلْمُ المعاصي وهي مراتب، وفَأَزَلَّهُمَا: مأخوذ من الزَّلَلِ، وهو في الآية مجازٌ لأنه في الرأْي والنَّظر، وإنما حقيقة الزَّلَلِ في القَدَمِ، وقرأ حمزة «٤»: «فأَزَالَهُمَا» مأخوذ من الزوال، ولا خلاف بين\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١/ ٢٦٩- ٢٧٠) برقم (٧٣٠) عن ابن عباس وذكره السيوطي في «الدر» (١/ ١٠٧) . [.....]\n(٢) أخرجه الطبري (١/ ٢٧٠) برقم (٧٤٠) عن بعض أصحاب النبي ﷺ بلفظ «التينة» وذكره السيوطي في «الدر» (١/ ١٧٠) بلفظ: «التين»، والشوكاني في «تفسيره» (١/ ١٣٠) .\n(٣) أخرجه الطبري (١/ ٢٦٩) عن عدد من الصحابة والتابعين، وذكره السيوطي في «الدر» (١/ ١٠٧)، وعزاه لوكيع، وعبد بن حميد، وابن جرير، وأبي الشيخ.\n(٤) ينظر: «إتحاف فضلاء البشر» (١/ ٣٨٨)، و«الحجة للقراء السبعة» (٢/ ١٤)، و«طيبة النشر» (٤/ ١٨)، و«العنوان» (٦٩)، و«إعراب القراءات السبع وعللها» (١/ ٨١)، و«حجة القراءات» (٩٤)، و«شرح شعلة» (٢٦١)، و«معاني القراءات» للأزهري (١/ ١٤٧)، وقد قرأ بها الحسن وأبو رجاء. ينظر: «البحر المحيط» (١/ ٣١٣)، و«القرطبي» (١/ ٢١٣) .","vol":"1","page":218},{"text":"العلماء أن إبليس اللعينَ هو متولِّي إغواء آدم﵇-، واختلف في الكيفيَّة.\nفقال ابن عباس، وابن مسعود، وجمهور العلماء: أغواهما مشافهةً «١» بدليل قوله تعالى: وَقاسَمَهُما [الأعراف: ٢١] والمقاسمة ظاهرها المشافهةُ.\nوقالت طائفةٌ: إن إبليس لم يدخُلِ الجنةَ بعد أن أخرج منها، وإنما أغوى آدم بشيطانِهِ، وسُلْطَانه، ووَسَاوِسِهِ التي أعطاه الله تعالى، كما قال النبيّ ﷺ: «إنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِن ابن آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ/» «٢» .\nت: وإلى هذا القوْلِ نَحَا المَازِرِيُّ «٣» في بعض أجوبته، ومن ابتلي بشيء من\n_________\n- وحمزة هو: حمزة بن حبيب بن عمارة بن إسماعيل التيمي الزيات. أحد القراء السبعة. كان عالما بالقراءات. انعقد الإجماع على تلقي قراءته بالقبول.\nقال الثوري: ما قرأ حمزة حرفا من كتاب الله إلا بأثر.\nينظر: «الأعلام» (٢/ ٢٧٧)، «تهذيب التهذيب» (٣/ ٢٧)، «وفيات الأعيان» (١/ ١٦٧) .\n(١) أخرجه الطبري (١/ ٢٧٢) رقم (٧٤١)، عن ابن عباس، وذكره السيوطي في «الدر» (١/ ١٠٨)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. وذكره الشوكاني في «تفسيره» (١/ ١٣١)، كلاهما عن ابن عباس.\n(٢) أخرجه البخاري (٤/ ٣٢٦)، كتاب «الاعتكاف»، باب هل يخرج المعتكف، حديث (٢٠٣٥)، وباب زيارة المرأة زوجها في اعتكافه، حديث (٢٠٣٨)، وباب هل يدرأ المعتكف عن نفسه، حديث (٢٠٣٩)، و(٦/ ٢٤٢- ٢٤٣)، كتاب «فرض الخمس»، باب ما جاء في بيوت أزواج النبي ﷺ حديث (٣١٠١)، و(٦/ ٣٨٧- ٣٨٨)، كتاب «بدء الخلق»، باب صفة إبليس وجنوده، حديث (٣٢٨١)، و(١٠/ ٦١٣- ٦١٤)، كتاب «الأدب» باب التكبير والتسبيح عند التعجب، حديث (٦٢١٩)، و(١٣/ ١٦٩)، كتاب «الأحكام»، باب الشهادة تكون عند الحاكم في ولاية القضاء، حديث (٧١٧١)، ومسلم (٤/ ١٧١٢)، كتاب «السلام»، باب بيان أنه يستحب لمن رئي خاليا بامرأة ...، حديث (٢٥/ ٢١٧٥)، وأبو داود (١/ ٧٤٩)، كتاب «الصيام»، باب المعتكف يدخل البيت لحاجته، حديث (٢٤٧٠، ٢٤٧١)، وابن ماجة (١/ ٥٦٥- ٥٦٦)، كتاب «الصيام»، باب في المعتكف يزوره أهله في المسجد، حديث (١٧٧٩)، وأحمد (٦/ ٣٣٧)، وعبد الرزاق (٨٠٦٥)، وابن خزيمة (٣/ ٣٤٩)، رقم (٢٢٣٣، ٢٢٣٤)، وابن حبان (٣٦٧١)، والطحاوي في «مشكل الآثار» (١/ ٢٩- ٣٠)، والبيهقي (٤/ ٣٢١)، كتاب «الصيام»، باب المعتكف يخرج إلى باب المسجد، والبغوي في «شرح السنة» (٧/ ٣٩٧- بتحقيقنا) كلهم من طريق الزهري، عن علي بن الحسين، عن صفية بنت حيي به.\n(٣) المازري: هو محمد بن علي بن عمر التميمي، المازري، يعرف ب «الإمام»، ويكنى بأبي عبد الله، أصله، من «مازر» مدينة في جزيرة «صقلية»، خاتمة العلماء المحققين والأئمة الأعلام المجتهدين، الحافظ النظار، كان واسع الباع في العلم والاطلاع مع حدة في الذهن ورسوخ تام حتى بلغ درجة الاجتهاد، أخذ عن أبي الحسن اللخمي وغيره وعنه أخذ ما لا يعد، منهم: أبو محمد عبد السلام، وأبو عبد الله محمد بن عبد الرحيم، وله مؤلفات منها: «شرح التلقين» ليس للمالكية كتاب مثله، و«شرح البرهان» -","vol":"1","page":219},{"text":"وسوسة هذا اللعينِ فأعظم الأدوية له الثقَةُ باللَّه، والتعوُّذ به، والإعراض عن هذا اللعين، وعدمُ الالتفاتِ إليه، ما أمكن قال ابن عطاءِ اللَّه «١» في «لَطَائِفِ المِنَنِ»: كان بي وسواسٌ في الوضوءِ، فقال لي الشيخُ أبو العبَّاس المُرْسِيُّ «٢»: إن كنت لا تترك هذه الوسوسةَ لا تَعْدُ تَأْتِينَا، فَشَقَّ ذلك علَيَّ، وقطع اللَّه الوسواسَ عني، وكان الشيخ أبو العباس يُلَقِّنُ للوسواسِ: سُبْحَانَ المَلِكِ الخَلاَّقِ، إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ [فاطر: ١٦، ١٧] انتهى.\nقال عِيَاضٌ: في «الشِّفا» «٣» وأما قصة آدم ﵇، وقوله تعالى: فَأَكَلا مِنْها [طه: ١٢١] بعد قوله: وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ، وقوله تعالى: أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ [الأعراف: ٢٢] وتصريحه تعالى عليه بالمعصية بقوله: وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى [طه: ١٢١] أي: جهل، وقيل: أخطأ، فإن اللَّه تعالى قد أخبر بعذره بقوله:\nوَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا [طه: ١١٥] قال ابن عبَّاس: نسي عداوة إِبليس، وما عهد اللَّه إِليه من ذلك «٤» بقوله: إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ ...\n[طه: ١١٧] الآيَة، وقيل: نسي ذلك بما أظهر لهما، وقال ابن عباس: إنما سمي الإنسان إنسانًا لأنه عهد إِليه فنسي «٥»، وقيل: لم يقصد المخالفة استحلالا لها، ولكنهما اغترا بِحَلِفِ إِبليس لهما: إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ [الأعراف: ٢١] وتوهَّما أن أحدًا لا يحلف\n_________\n- لأبي المعالي الجويني المسمى «إيضاح المحصول من برهان الأصول» .\nولد سنة (٤٤٣) هـ، وتوفي سنة (٥٣٦ هـ.) ينظر: «شجرة النور» ص (١٢٧)، «الديباج» (ص ٢٧٩) .\n(١) أحمد بن محمد بن عبد الكريم، أبو الفضل تاج الدين، ابن عطاء الله الإسكندري: متصوف شاذلي، من العلماء، كان من أشد خصوم شيخ الإسلام ابن تيمية. له تصانيف منها: «الحكم العطائية» في التصوف، و«تاج العروس» في الوصايا والعظات، و«لطائف المنن في مناقب المرسي وأبي الحسن» توفي ب «القاهرة» . وينسب إليه كتاب «مفتاح الفلاح»، وليس من تآليفه.\nينظر: «الأعلام» (١/ ٢٢١ و٢٢٢)، «الدرر الكامنة» (١/ ٢٧٣)، «كشف الظنون» (٦٧٥) .\n(٢) أحمد بن عمر المرسي، أبو العباس، شهاب الدين: فقيه متصوف، من أهل الإسكندرية، أصله من «مرسية» من «الأندلس» .\nينظر: «الأعلام» (١/ ١٨٦)، «النجوم الزاهرة» (٧/ ٣٧١) .\n(٣) ينظر: «الشفا» ص (٨٢٢، ٨٢٣) .\n(٤) ذكره الماوردي في «التفسير» (٣/ ٤٣٠) بنحوه، والقرطبي (٦/ ٤٢٩١) .\n(٥) أخرجه الطبري (٨/ ٤٦٥) برقم (٢٤٣٨٠)، والحاكم (٢/ ٣٨٠- ٣٨١)، وصححه، ووافقه الذهبي، وذكره السيوطي في «الدر» (٤/ ٥٥٣)، وعزاه لعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني في «الصغير» وابن منده في «التوحيد»، والحاكم.","vol":"1","page":220},{"text":"باللَّه حانِثًا، وقد روي عذر آدم مثل هذا في بعض الآثار، وقال ابن جُبَيْر: حلف باللَّه لهما حتى غَرَّهُمَا، والمؤمن يخدع، وقد قيل: نسي، ولم ينو المخالفَةَ فلذلك قال تعالى:\nوَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا [طه: ١١٥] أَيْ: قَصْدًا للمخالفةِ وأكثر المفسرين «١» على أن العزمَ هنا الحزمُ والصبرُ، وقال ابن فُورَكَ وغيره: إِنه يمكن أن يكون ذلك قبل النبوءة، ودليل ذلك قوله تعالى: وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى [طه: ١٢١، ١٢٢] فذكر أن الاجتباء والهداية كانا بعد العصيان، وقيل: بل أكلها، وهو متأوِّل، وهو لا يعلم أنَّها الشجرة التي نهي عنها، لأنه تأول نهي اللَّه تعالى عن شجرة مخصوصةٍ، لا على الجنْسِ، ولهذا قيل: إنما كانت التوبةُ من ترك التحفُّظ، لا من المخالفة، وقيل: تأول أن اللَّه تعالى لم ينهه عنها نَهْيَ تحريمٍ. انتهى بلفظه فجزاه اللَّه خيرًا، ولقد جعل اللَّه في شِفَاهُ شِفَاءً.\nوالضمير في عَنْها يعود على الجنة، وهنا محذوفٌ يدلُّ عليه الظاهر تقديره: فَأَكَلاَ مِنَ الشَّجَرَةِ. وقوله تعالى: فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كَانَا فِيهِ: قيل: معناه: مِنْ نعمة الجنَّةِ إلى شقاء الدنيا، وقيل: من رفعة المنزلةِ إلى سُفْل مكانة الذنب.\nت: وفي هذا القول ما فيه، بل الصوابُ ما أشار إليه صاحب «التَّنْوِيرِ» بأن إخراج آدَم لم يكن إهانة له، بل لما سبق في علمه سبحانه من إكرام آدم وجعله في الأرض خليفةً، هو وأخيارَ ذرّيته، قائمين فيها بما يجبُ للَّه من عبادتِهِ، والهبوطُ النزولُ من عُلْو إلى سُفْل، واختلف من المخاطَبُ بالهبوط.\nفقال السُّدِّيُّ/ وغيره: آدم، وحَوَّاء، وإِبليس، والحيّة التي أدخلت إبليس في فمها، ١٧ أوقال «٢» الحسن: آدم، وحواء والوسوسة «٣» .\nوبَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ جملةٌ في موضع الحال، وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ، أيْ: موضع استقرار، وقيل: المراد الاستقرار في القبور، والمتاع: ما يستمتع به من\n_________\n(١) قال السمين الحلبي: «قال قتادة: صبرا، وقال غيره: حزما. وهذه غلطة. والأولى في تفسيرها: ولم نجد له تصميما على ما همّ به. وقال شمر: العزم والعزيمة: ما عقد عليه قلبك من أمر أنك فاعله.\nينظر: «عمدة الحفاظ» (٣/ ٨٧) . [.....]\n(٢) أخرجه الطبري (١/ ٢٧٨) برقم (٧٦٠)، وذكره السيوطي في «الدر» (١/ ١١٠) عن ابن عباس، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. وذكره ابن كثير (١/ ٢٠٦)، والماوردي (١/ ١٠٧) والشوكاني في «تفسيره» (١/ ١٣١) .\n(٣) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ١٢٩)، والقرطبي (١/ ٢٧٢) .","vol":"1","page":221},{"text":"أكل، ولُبْس، وحَدِيثٍ، وأنس، وغيرِ ذلك.\nواختلف في «الحِينِ» هنا.\nفقالت فرقةٌ: إلى المَوْتِ، وهذا قولُ من يقول: المستقرُّ هو المُقام في الدنيا، وقالت فرقة: إِلى حِينٍ: إلى يومِ القيامةِ، وهذا هو قول من يقول: المستَقَرُّ هو في القبور، والحِينُ المدَّة الطويلة من الدهر، أقصرها في الأيمان «١» والالتزامات سَنَةٌ قال اللَّه تعالى:\nتُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ [إبراهيم: ٢٥] وقيل: أقصرها ستَّةُ أشهر لأن من النخل ما يطعم في كلِّ ستة أشهر.\nوفي قوله تعالى: إِلى حِينٍ فائدةٌ لآدم ﵇ ليعلم أنه غير باق فيها، ومنتقلٌ إِلى الجنة التي وعد بالرجوع إِليها، وهي لغير آدم دالَّة على المعاد، وروي أن آدم نزل على جبل من جبال سَرَنْدِيبَ «٢»، وأن حواء نزلَتْ بِجُدَّةَ «٣»، وأن الحية نزلت بأصبهان «٤»،\n_________\n(١) الأيمان لغة: جمع يمين، وهو القوة، وفي الصحاح: اليمين: القسم، والجمع: الأيمن، والأيمان.\nانظر: «الصحاح» (٦/ ٢٢٢١)، «المصباح المنير» (٢/ ١٠٥٧)، و«المغرب» (٢/ ٣٩٩)، «لسان العرب» (٣/ ٤٦٢)، «القاموس المحيط» (٤/ ٢٨١) .\nواصطلاحا:\nعرفه الحنفية بأنه: عقد قوي به عزم الحالف على فعل شيء أو تركه.\nوعرفه الشافعية بأنه: تحقيق غير ثابت ماضيا كان أو مستقبلا، نفيا أو إثباتا، ممكنا أو ممتنعا، صادقة أو كاذبة، على العلم بالحال أو الجهل به.\nوعرفه المالكية بأنه: تحقيق ما لم يجب بذكر اسم الله أو صفته.\nوعرفه الحنابلة بأنه: توكيد حكم (أي: محلوف عليه)، بذكر معظم، أو هو: المحلوف به على وجه مخصوص.\nينظر: «تبيين الحقائق» (٣/ ١٠٧)، «شرح فتح القدير» (٤/ ٢)، «مغني المحتاج» (٤/ ٣٢٠)، «المحلى على المنهاج» (٤/ ٣٧٠)، «حاشية الدسوقي» (٢/ ١١٢)، «شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٤١٩) .\n(٢) سرنديب جزيرة عظيمة بأقصى بلاد الهند. يقال: ثمانون فرسخا في مثلها، فيها الجبل الذي هبط عليه آدم﵇- يقال له: الرهون، وهو ذاهب في السماء يراه البحريون من مسافة أيام كثيرة. وفيه أثر آدم وقبره، وهي قدم واحدة مغموسة في الحجر طولها نحو سبعين ذراعا. ينظر: «مراصد الاطلاع» (٢/ ٧١٠) .\n(٣) جدّة بالتشديد: بلد على ساحل بحر اليمن، هو فرضة «مكة» . ينظر: «مراصد الاطلاع» (١/ ٣١٨) .\n(٤) أصبهان منهم من يفتح الهمزة وهو الأكثر الأشهر، وكسرها آخرون. أصبهان: لفظ معرّب من سباهان بمعنى الجيش، فيكون معناه على حذف المضاف مدينة «الجيش»: مدينة عظيمة مشهورة من أعلام المدن وأعيانها. وأصبهان: اسم للإقليم بأسره. ينظر: «مراصد الاطلاع» (١/ ٨٧) .","vol":"1","page":222},{"text":"وقيل: بِمَيْسَانَ «١»، وأن إبليسَ نزل عند الأُبُلَّةِ «٢» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-111>[سورة البقرة (٢): الآيات ٣٧ الى ٣٨]</span>\nفَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧) قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨)\nقوله تعالى: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ: المعنى: فقال الكلماتِ، فتابَ اللَّه علَيْه عنْد ذلك، وقرأ ابن كثير «٣» «آدَمَ» بالنصب «مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٌ» بالرفع، واختلف المتأوِّلون في الكلماتِ، فقال الحسنُ بن أبي الحسن: هي قوله تعالى: رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا ... «٤» الآية [الأعراف: ٢٣]، وقالت طائفة: إِنَّ آدم رأى مكتوبًا على ساق العرش: محمَّدٌ رسُولُ اللَّهِ، فتشفَّع به، فهي الكلماتُ «٥»، وسئل بعض سَلَفِ المسلمين عمَّا ينبغي أن يقوله المُذْنِبُ، فقال: يقول ما قاله أبواه: رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا [الأعراف: ٢٣] وما قاله موسى: رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي [القصص: ١٦] وما قال يونس: لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء: ٨٧] وتَابَ عَلَيْهِ: معناه: راجعٌ به، والتوبةُ، من اللَّه تعالى الرجوعُ على عبده بالرحمةِ والتوفيقِ، والتوبةُ من العبد الرجوعُ عن المعصيةِ، والندمُ على الذنب، مع تركه فيما يستأنف.\nت: يعني: مع العزم على تركه فيما يستقبل، وإنما خص اللَّه تعالى آدم بالذكْرِ في التلقِّي، والتوبة، وحواءُ مشارِكَةٌ له في ذلك بإجماع لأنه المخاطَبُ في أول القصَّة، فكملت القصة بذكُره وحْدَه وأيضًا: فَلأَنَّ المرأة حُرْمَةٌ ومستورةٌ، فأراد اللَّه تعالَى السِّتْر لها ولذلك لم يذكرها في المعصية في قوله: وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ [طه: ١٢١] وبنية التَّوَّاب للمبالغة والتكثير، وفي قوله تعالى: هُوَ التَّوَّابُ تأكيدٌ فائدتُهُ أنَّ التوبة على العبد إنما هي\n_________\n(١) «ميسان»: كورة واسعة كثيرة القرى والنخل، بين «البصرة» و«واسط» قصبتها «ميسان» .\nينظر: «مراصد الاطلاع» (٣/ ١٣٤٣) .\n(٢) «الأبلّة»: بلدة على شاطىء دجلة «البصرة» العظمى، في زاوية الخليج الذي يدخل إلى مدينة «البصرة» .\nينظر: «مراصد الاطلاع» (١/ ١٨) .\n(٣) عبد الله بن كثير الداري المكي، أبو معبد: أحد القرّاء السبعة. كان قاضي الجماعة ب «مكة» . وكانت حرفته العطارة. ويسمون العطار «داريّا» . فعرف ب «الداري» . وهو فارسي الأصل، ولد سنة (٤٥ هـ.)\nب «مكة» وتوفي سنة (١٢٠ هـ.) بها أيضا.\nينظر: «وفيات الأعيان» (١: ٢٥٠)، «الأعلام» (٤/ ١١٥) .\n(٤) أخرجه الطبري (١/ ٢٨١) برقم (٧٧٨)، وذكره السيوطي في «الدر» (١/ ١١٨)، وعزاه لعبد بن حميد، وذكره ابن كثير (١/ ٨١) .\n(٥) ينظر: القرطبي (١/ ٢٧٦) .","vol":"1","page":223},{"text":"نعمة من اللَّه تعالى، لا من العبد وحده لئلاَّ يعجب التائبُ، بل الواجب عليه شكر اللَّه تعالى في توبته عليه، وكرر الأمر بالهبوط لما علَّق بكل أمر منهما حكمًا غير حكم الآخر، فعلَّق بالأول العداوة، وبالثاني إتيان الهدى.\nت: وهذه الآية تبين أن هبوط آدم كان هبوط تَكْرِمَةٍ لما ينشأ عن ذلك من أنواع الخيرات، وفنون العبادات.\n١٧ ب وجَمِيعًا: حالٌ من الضمير/ في «اهبطوا»، واختلف في المقصود بهذا الخطاب.\nفقيل: آدم، وحواء، وإبليس، وذريَّتهم، وقيل: ظاهره العموم، ومعناه الخصوص في آدم وحواء لأن إبليس لا يأتيه هُدًى، والأول أصح لأن إبليس مخاطَبٌ بالإيمان بإجماع «١» .\n«وإِنْ» في قوله: فَإِمَّا هي للشرط، دخلت «مَا» عليها مؤكِّدة ليصح دخول النون المشدَّدة، واختلف في معنى قوله: هُدىً فقيل: بيان وإرشاد، والصواب أن يقال: بيان ودعاءٌ، وقالت فرقة: الهُدَى الرسُلُ، وهي إلى آدم من الملائكة، وإلى بنيه من البشر هو فَمَنْ بعده.\n_________\n(١) يطلق الإجماع في اللّغة، على معنيين:\nأحدهما: العزم، يقال: أجمعت المسير والأمر، وأجمعت عليه أي: عزمت.\nثانيهما: الاتّفاق، ومنه يقال: أجمع القوم على كذا، إذا اتّفقوا، قال في «القاموس»: الإجماع: الاتّفاق، والعزم على الأمر.\nعرّفه الرازيّ في «المحصول» والإجماع اصطلاحا بأنه: عبارة عن اتّفاق أهل الحلّ والعقد من أمّة محمد ﷺ على أمر من الأمور.\nوعرّفه الآمديّ بقوله: عبارة عن اتّفاق جملة أهل الحلّ والعقد من أمة محمد ﷺ في عصر من الأعصار على واقعة من الوقائع.\nوعرّفه النّظّام من المعتزلة بقوله: هو كلّ قول قامت حجّته حتّى قول الواحد.\nوعرّفه سراج الدين الأرمويّ في «التحصيل» بقوله: هو اتّفاق المسلمين المجتهدين في أحكام الشّرع على أمر ما من اعتقاد، أو قول، أو فعل.\nويمكن أن يعرّف بأنّه اتفاق المجتهدين من هذه الأمّة بعد وفاة محمّد ﷺ في عصر على أمر شرعيّ.\nينظر: «البرهان» لإمام الحرمين (١/ ٦٧٠)، «البحر المحيط» للزركشي (٤/ ٤٣٥)، «الإحكام في أصول الأحكام» للآمدي (١/ ١٧٩)، «سلاسل الذهب» للزركشي ص (٣٣٧)، «التمهيد» للأسنوي ص (٤٥١)، «نهاية السول» له (٣/ ٢٣٧)، «زوائد الأصول» له ص (٣٦٢)، «منهاج العقول» (٢/ ٣٧٧) .","vol":"1","page":224},{"text":"وقوله تعالى: فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ: شرطٌ، جوابه: فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ، قال سيبوَيْهِ: والشرط الثاني وجوابه هما جواب الأول في قوله: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ.\nوقوله تعالى: فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ: يحتمل فيما بين أيديهم من الدنيا، وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ على ما فاتهم منها، ويحتمل: فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ يوم القيامة، وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ فيه.\nت: وهذا هو الظاهر، وعليه اقتصر في اختصار الطبريِّ، ولفظه عن ابن زيد:\nفَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ، أي: لا خوف عليهم أمامهم «١»، قال: وليس شيء أعظم في صدر من يموت مما بعد الموتِ فأمَّنهم سبحانه منه، وسلّاهم عن الدنيا. انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-112>[سورة البقرة (٢): الآيات ٣٩ الى ٤١]</span>\nوَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٣٩) يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠) وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (٤١)\nوقوله تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا ... الآية: لما كانت لفظة الكُفْرِ يشترك فيها كفر النعمِ، وكفر المعاصي، ولا يجب بهذا خلودٌ، بيَّن سبحانه أن الكفر هنا هو الشرك، بقوله:\nوَكَذَّبُوا بِآياتِنا ... والآياتُ هنا يحتمل أن يريد بها المتلوَّة، ويحتمل أن يريد العلاماتِ المنصوبَةَ، والصُّحْبَةُ الاقتران بالشيْءِ في حالةٍ مَّا زمنا.\nقوله تعالى: يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ: إسْرَائِيلَ: هو يَعْقُوبُ بْنُ إسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ﵈- وإِسْرَا: هو بالعبرانية عبد، وإِيلُ: اسم اللَّه تعالى، فمعناه عَبْدُ اللَّهِ، والذِّكْرُ في كلام العَرَبِ على أنحاء، وهذا منها ذكر القلب الذي هو ضدّ النسيان، والنعمة هنا اسم «٢» جنس، فهي مفردة بمعنى الجَمْعِ، قال ابن عَبَّاس، وجمهور العلماء:\nالخِطَابُ لجميع بني إسرائيل في مدَّة النبيِّ ﷺ.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١/ ٢٨٥) برقم (٧٩٦) .\n(٢) الجنس: هو جملة الشيء ومجموع أفراده، وهو أعم من النوع، وقد استعمل النحاة هذا التعبير في مجال الدلالة على الشيوع والعمومية في النوع الواحد. وقد أطلق النحاة هذا اللفظ في مجال تقسيم العلم وذكر أنواعه، فقالوا: العلم: علم شخص أو جنس. واستعملوه أيضا في اسم الجنس الذي قسموه إلى ثلاثة أقسام:\n١- اسم جنس جمعي. ٢- اسم جنس إفرادي. ٣- اسم جنس آحادي.\n«معجم المصطلحات النحوية والصرفية»، د. محمد سمير نجيب اللبدي، (ص ٥٥- ٥٦) . [.....]","vol":"1","page":225},{"text":"وقوله تعالى: وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ: أمر وجوابه، وهذا العهد في قول جمهور العلماءِ عامٌّ «١» في جميع أوامره سبحانه ونواهيه ووصاياه لهم، فيدخل في ذلك ذكر محمّد ﷺ الذي في التوراة، والرهبةُ يتضمَّن الأمر بها معنى التهديد، وأسند الترمذيُّ الحَكِيمُ «٢» في «نَوَادِرِ الأصول» له عن النبيّ ﷺ أنه قال: «قَالَ رَبُّكُمْ سُبْحَانَهُ: لاَ أَجْمَعُ على عَبْدِي خَوْفَيْنِ، وَلاَ أَجْمَعُ لَهُ أَمْنَيْنِ، فَمَنْ خَافَنِي فِي الدُّنْيَا أَمَّنْتُهُ فِي الآخِرَةِ، وَمَنْ أَمِنَنِي فِي الدُّنْيَا، أَخَفْتُهُ فِي الآخِرَةِ» «٣» . انتهى من «التذكرة» للقرطبيّ، ورواه ابن المبارك «٤» في\n_________\n(١) عرفه أبو الحسين البصريّ في «المعتمد» بقوله: «هو اللّفظ المستغرق لما يصلح له» . وزاد الإمام الرّازي على هذا التّعريف في «المحصول»: «... بوضع واحد»، وعليه جرى البيضاويّ في «منهاجه» .\nوعرّفه إمام الحرمين الجوينيّ في «الورقات» بقوله: «العام: ما عمّ شيئين فصاعدا» . وإلى ذلك أيضا ذهب الإمام الغزّاليّ حيث عرّفه بأنّه: «اللّفظ الواحد الدّالّ من جهة واحدة على شيئين فصاعدا» .\nويرى سيف الدّين الآمديّ أنّ العامّ هو: «اللّفظ الواحد الدّالّ على قسمين فصاعدا مطلقا معا» .\nواختار ابن الحاجب: «أن العامّ ما دلّ على مسميّات باعتبار أمر اشتركت فيه مطلقا ضربة» .\nينظر: «البرهان» لإمام الحرمين (١/ ٣٤١٨)، و«البحر المحيط» للزركشي (٣/ ٥)، و«الإحكام في أصول الأحكام» للآمدي (٢/ ١٨٥)، و«سلاسل الذهب» للزركشي (ص ٢١٩)، و«التمهيد» للإسنوي (ص ٢٩٧)، و«نهاية السول» له (٢/ ٣١٢)، و«زوائد الأصول» له (ص ٢٤٨)، و«منهاج العقول» للبدخشي: (٢/ ٧٥)، و«غاية الوصول» للشيخ زكريا الأنصاري (ص ٦٩)، و«التحصيل من المحصول» للأرموي: (١/ ٣٤٣)، و«المنخول» للغزالي (ص ١٣٨)، و«المستصفى» له (٢/ ٣٢)، و«حاشية البناني» (١/ ٣٩٢)، و«الإبهاج» لابن السبكي (٢/ ٨٢)، و«الآيات البينات» لابن قاسم العبادي (٢/ ٢٥٤)، و«تخريج الفروع على الأصول» للزنجاني (ص ٣٢٦)، و«حاشية العطار على جمع الجوامع» (١/ ٥٠٥)، و«المعتمد» لأبي الحسين (١/ ١٨٩)، و«إحكام الفصول في أحكام الأصول» للباجي (ص ٢٣٠) .\n(٢) محمد بن علي بن الحسن بن بشر، أبو عبد الله، الحكيم الترمذي: باحث صوفي، عالم بالحديث وأصول الدين من أهل «ترمذ» نفي منها بسبب تصنيفه كتابا خالف فيه ما عليه أهلها، فشهدوا عليه بالكفر. وقيل: اتهم باتباع طريقة الصوفية في الإشارات ودعوى الكشف. وقيل: فضّل الولاية على النبوة، ورد بعض العلماء هذه التهمة عنه. أما كتبه، فمنها: «نوادر الأصول في أحاديث الرسول»، و«الفروق» .\nينظر: «الأعلام» (٦/ ٢٧٢)، «مفتاح السعادة» (٢/ ١٧٠)، «طبقات السبكي» (٢/ ٢٠)، «الرسالة المستطرفة» (٤٣) .\n(٣) أخرجه ابن حبان (٢٤٩٤- موارد)، والبزار (٤/ ٧٤- «كشف»)، حديث (٣٢٣٣) .\n(٤) عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي، مولاهم، أبو عبد الرحمن المروزي، أحد الأئمة الأعلام وشيوخ الإسلام. روى عن حميد، وإسماعيل، وغيرهم. كتب عن أربعة آلاف شيخ وروى عن ألف، عالم المشرق والمغرب، وكان ثقة، ولد سنة (١١٨ هـ.)، وتوفي سنة (١٨١ هـ.) .\nينظر: «الخلاصة» (٢/ ٩٣) (٣٧٦٧)، و«الحلية» (٨/ ١٦٢- ١٩٠)، و«الوفيات» (٣/ ٣٢- ٣٤) .","vol":"1","page":226},{"text":"«رَقَائِقِهِ» من طريق الحسن البصريِّ، وفيه: قَالَ اللَّهُ: «وَعِزَّتِي، لاَ أَجْمَعُ على عَبْدِي خَوْفَيْنِ، وَلاَ أَجْمَعُ لَهُ أَمْنَيْنِ فَإذَا أَمِنَنِي فِي الدُّنْيَا أَخَفْتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَإذَا خَافَنِي فِي الدُّنْيَا أَمَّنْتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ» «١» . انتهى، ورواه أيضًا الترمذيُّ الحكيمُ في كتاب «خَتْمِ الأَوْلِيَاءِ» قال صاحب «الكَلِمِ الفَارِقِيَّةِ، والحِكَمِ الحقيقيَّة»: «بقدر ما يدخل القلب من التعظيم والحرمة/ ١٨ أتنبعث الجوارح في الطاعة والخدمة» . انتهى.\nوآمِنُوا: معناه: صدّقوا، ومُصَدِّقًا نصبٌ على الحال من الضمير في أَنْزَلْتُ، وبِما أَنْزَلْتُ كناية عن القرآن، ولِما مَعَكُمْ، يعني: التوراةَ.\nوقوله: وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ هذا من مفهوم الخطاب الذي المذكور فيه والمسكوت عنه حكمها واحدٌ، وَحُذِّرُوا البدارَ إلى الكفر به إِذ على الأول كِفْلٌ من فعل المقتدى به، ونصب «أَوَّلَ» على خبر «كَانَ» .\nع «٢»: وقد كان كَفَر قبلهم كفار قريشٍ، وإِنما معناه من أهل الكتاب إِذ هم منظورٌ إِليهم في مثل هذا، واختلف في الضمير في «به»، فقيل: يعود على محمّد ﷺ، وقيل: على القرآن، وقيل: على التوراة، واختلف في الثمن الذي نُهُوا أن يشتروه بالآياتِ.\nفقالتْ طائفةٌ: إن الأحبار كانوا يُعلِّمُونَ دينَهم بالأجرة، فَنُهُوا عن ذلك، وفي كتبهم:\n«عَلِّمْ مَجَّانًا كَمَا عُلِّمْتَ مَجَّانًا»، أي: باطلًا بغير أجرة.\nوقيل: كانت للأخبار مأكلة يأكلونها على العِلْمِ.\nوقال قوم: إن الأحبار أخذوا رُشًا على تغييرِ صفَةِ محمَّد ﷺ في التوراة، فنُهُوا عن ذلك.\nوقال قوم: معنى الآية: ولا تشتروا بأوامري، ونواهِيَّ، وآياتي ثمنًا قليلًا، يعني:\nالدنيا ومدَّتها والعيش الذي هو نزْرٌ «٣» لا خَطَر له، وقد تقدَّم نظير قوله: وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ، وبيْنَ «اتقون»، و«ارهبون» فرق إن الرهبة مقرونٌ بها وعيدٌ بالغ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-113>[سورة البقرة (٢): الآيات ٤٢ الى ٤٣]</span>\nوَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢) وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)\n_________\n(١) أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (ص ٥٠، ٥١) رقم (١٥٧) عن الحسن مرسلا.\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ١٣٤) .\n(٣) النّزر: القليل التّافه. ينظر: «لسان العرب» (٤٣٩٣) .","vol":"1","page":227},{"text":"وقوله تعالى: وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ، أي: لا تخلطوا، قال أبو العاليةِ: قالت اليهود: محمَّد نبيٌّ مبعوثٌ، لكن إلى غيرنا، فإقرارهم ببعثه حق، وقولهم: إلى غيرنا باطلٌ، وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ، أي: أمر محمّد ﷺ «١»، وفي هذهِ الألفاظ دليل على تغليظ الذنب على من وقع فيه، مع العلم به، وأنه أعصى من الجاهل، وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ جملةٌ في موضع الحال.\nقال ص «٢»: وَتَكْتُمُوا مجزومٌ معطوف على تَلْبِسُوا، والمعنى النهْيُ عن كلٍّ من الفعلين. انتهى.\nوَأَقِيمُوا الصَّلاةَ: معناه: أظهروا هيئَتَها، وأديموها بشروطها، والزكاة في هذه الآية هي المفروضة، وهي مأخوذة من النماء، وقيل: من التطهير.\nوقوله تعالى: وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ: قيل: إنما خص الركوع بالذِّكْر لأن بني إسرائيل لم يكن في صلاتهم ركوعٌ.\nت: وفي هذا القول نظرٌ، وقد قال تعالى في «مَرْيم»: اسْجُدِي وَارْكَعِي [آل عمران: ٤٣]، وقالت فرقة: إنما قال: مَعَ لأن الأمر بالصلاة أولًا لم يقتضِ شهود الجماعة، فأمرهم بقوله: مَعَ شهود الجماعة.\nت: وهذا القول هو الذي عوَّل عليه ع: في قصَّة مرْيَمَ «٣» - ﵍-، والركوع الانحناء بالشخص.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-114>[سورة البقرة (٢): الآيات ٤٤ الى ٤٦]</span>\nأَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٤٤) وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخاشِعِينَ (٤٥) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ (٤٦)\nوقوله تعالى: أَتَأْمُرُونَ خرج مخرج الاستفهامِ، ومعناه التوبيخُ، و«البِرُّ» يجمع وجوه الخيرِ والطاعاتِ، وتَنْسَوْنَ معناه تتركون أنفسكم.\nقال ابنُ عَبَّاس: كان الأحبار يأمرون أتباعهم ومقلِّديهم باتباع التوراة، وكانوا هم\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١/ ٢٩٤) برقم (٨٢٩) بلفظ «كتموا بعث محمد ﷺ» . وذكره ابن عطية الأندلسي في «تفسيره» (١/ ١٣٥) .\n(٢) «المجيد» ص ٢٣٠.\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٤٣٤) .","vol":"1","page":228},{"text":"يخالفونها في جحدهم منها صفة محمّد ﷺ «١» .\nوقالت فرقة: كان الأحبار إذا استرشدَهُمْ أحد من العرب في اتّباع محمّد ﷺ، دلُّوه على ذلك، وهم لا يفعلونه.\nت: وخرَّج الحافظُ أبو نُعَيْمٍ أحمد بن عبد اللَّه الأصبهانيُّ «٢» في كتاب «رِيَاضَةِ المُتَعَلِّمِينَ» قال: حدَّثنا أبو بكر بن خَلاَّد «٣»، حدَّثنا الحارث بن أبي أُسَامَةَ «٤»، حدثنا أبو النَّضْرِ «٥» /، حدثنا محمَّد بن عبد اللَّه بن علي بن زيْدٍ عن أنس بن مالك- رضي اللَّه ١٨ أعنه- قال: قال رسول الله ﷺ: «رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي رِجَالًا تُقْرَضُ أَلْسِنَتُهُمْ وَشِفَاهُهُمْ بِمَقَارِيضَ مِنْ نَارٍ، فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، مَنْ هَؤُلاَءِ؟ قَالَ: الخُطَبَاءُ مِنْ أُمَّتِكَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ، وَيَنْسُونَ أَنْفُسَهُمْ، وَهُمْ يَتْلُونَ الكتاب أفلا يعقلون» «٦» . انتهى.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١/ ٢٩٦) برقم (٨٤٠) بنحوه، وذكره السيوطي في «الدر» (١/ ١٢٦)، وعزاه لابن إسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم.\n(٢) أحمد بن عبد الله بن أحمد الأصبهاني، أبو نعيم: حافظ، مؤرخ، من الثقات في الحفظ والرواية. ولد ومات في «أصبهان» . من تصانيفه «حلية الأولياء وطبقات الأصفياء»، و«معرفة الصحابة» .\nينظر: «الأعلام» (١/ ١٥٧)، «ابن خلكان» (١/ ٢٦)، «ميزان الاعتدال» (١/ ٥٢)، «طبقات الشافعية» (٣/ ٧) .\n(٣) محمد بن خلاد بن كثير الباهلي، أبو بكر البصري. عن ابن عيينة، ومعتمر بن سليمان، وابن فضيل، وطبقتهم. وعنه مسلم، وأبو داود، وابن ماجة، وزكريا خياط السنة. قال ابن حبان في «الثقات»: مات سنة تسع وثلاثين ومائتين.\nينظر: «خلاصة تذهيب تهذيب الكمال» (٢/ ٤٠١)، «تهذيب التهذيب» (٩/ ١٥٢)، «الثقات» (٩/ ٨٦) .\n(٤) اسم أبي أسامة: داهر: ونعت الحارث بأنه الحافظ، الصّدوق، العالم، مسند العراق، أبو محمد التّميمي، مولاهم البغدادي الخصيب، صاحب «المسند» المشهور، ولم يرتّبه على الصّحابة، ولا على الأبواب. ولد في سنة ستّ وثمانين ومئة.\nذكره ابن حبان في «الثقات» . وقال الدارقطني: صدوق.\nتوفي الحارث يوم «عرفة» سنة اثنين وثمانين ومئتين. ينظر: «سير أعلام النبلاء» (١٣/ ٣٨٨- ٣٩٠) . [.....]\n(٥) هاشم بن القاسم الليثي، أبو النضر الخراساني، قيصر، الحافظ. عن شعبة، وابن أبي ذئب، وحريز بن عثمان، وخلق. وعنه أحمد، وإسحاق، ويحيى، وابن المديني، وخلق. قال العجلي: ثقة، صاحب سنة. كان أهل «بغداد» يفتخرون به. قال مطين: مات سنة سبع ومائتين. ينظر: «خلاصة تهذيب التهذيب» (٣/ ١١٠)، و«تهذيب التهذيب» (١١/ ١٨)، و«الكاشف» (٣/ ٢١٧)، و«الجرح والتعديل» (٦/ ٤٤٦) .\n(٦) أخرجه أحمد (٣/ ١٢٠، ١٨٠، ٢٣١، ٢٣٩)، وابن المبارك في «الزهد» (٨١٩)، وأبو يعلى (٧/ ٦٩)، رقم (٣٩٩٢)، من طريق حماد عن علي بن زيد، عن أنس به. -","vol":"1","page":229},{"text":"وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ: قال مقاتل «١»: معناه: على طلب الآخرة، وقيل:\nاستعينوا بالصبر على الطاعات، وعن الشهوات على نيلِ رضوانِ اللَّه سبحانه، وبالصلاةِ على نيل رضوانِ اللَّه، وحطِّ الذنوب، وعلى مصائب الدهْر أيضًا ومنه الحديثُ: «كان رسول الله ﷺ، إذَا حَزَبَهُ «٢» أَمْرٌ، فَزِعَ إلَى الصَّلاَةِ» «٣»، ومنْهُ ما روي أنَّ عبد اللَّه بن عباس نُعِيَ له أخوه قُثَمُ «٤» وهو في سفر، فاسترجع، وتنحى عن الطريق، وصلى، ثم انصرف إلى راحلته، وهو يقرأُ: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ «٥»، وقال مجاهد: الصبر في هذه الآية الصوْمُ «٦»، ومنه قيل لرمضانَ شهْرُ الصبْرِ، وخص الصوم والصلاة على هذا القول بالذكْرِ لتناسبهما في أن الصيام يمنع الشهواتِ، ويزهِّد في الدنيا، والصلاة تنهى عن الفحشاء والمنْكَرِ، وتُخشِّع، ويقرأُ فيها القرآن الذي يذكِّر بالآخرة، وقال قومٌ: الصبر على بابه، والصلاة الدعاءُ، وتجيء الآية على هذا القولِ مشْبِهةً لقوله تعالى: إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا\n_________\nوأخرجه أبو يعلي (٧/ ١٨٠)، رقم (٤١٦٠)، وابن حبان. (٣٥- موارد) من طريق مالك بن دينار، عن أنس به.\nوأخرجه أبو نعيم في «الحلية» (٨/ ١٧٢)، من طريق سليمان التيمي، عن أنس به.\nوالحديث ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٦٤)، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، والبزار، وابن أبي داود في «البعث»، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في «شعب الإيمان» .\n(١) مقاتل بن سليمان الأزدي، أبو الحسن الخراساني، المفسر عن الضحاك، ومجاهد. وعنه ابن عيينة، وعلي بن الجعد. قال الشافعي: الناس عيال عليه في التفسير. قال ابن المبارك: ما أحسن تفسيره لو كان ثقة. وقال الحربي: لم يسمع من مجاهد شيئا. وقال أبو حنيفة: مشبّه. وكذّبه وكيع. قال ابن حبان:\nكان يأخذ عن اليهود علم الكتاب، وكان مشبّها يكذب. قيل: مات سنة خمسين ومائة.\nينظر: «الخلاصة» (٣/ ٥٣- ٥٤)، «تهذيب التهذيب» (١٠/ ٢٨٥) .\n(٢) أي إذا نزل به منهم أو أصابه غمّ.\nينظر: «النهاية» (١/ ٣٧٧) .\n(٣) أخرجه أحمد (٥/ ٣٨٨)، وأبو داود (١/ ٤٢٠- ٤٢١) كتاب «الصلاة»، باب وقت قيام النبي ﷺ من الليل، حديث (١٣١٩)، من حديث حذيفة.\n(٤) قثم (بضم أوله، وفتح المثلاثة) ابن عباس بن عبد المطلب الهاشمي، صحابي، روى عنه أبو إسحاق السبيعي، واستشهد في غزو «سمرقند» وقبره بها.\nينظر: «الخلاصة» (٢/ ٣٥٩)، «تهذيب الكمال» (٢/ ١١٢٤)، «تهذيب التهذيب» (٨/ ٣٦١)، «تقريب التهذيب» (٢/ ١٢٣) .\n(٥) أخرجه الطبري (١/ ٢٩٩) برقم (٨٥٢)، وقال أحمد شاكر: «إسناده صحيح» وأخرجه البيهقي في «الشعب» (٧/ ١١٤) برقم (٩٦٨٢)، وذكره السيوطي في «الدر» (١/ ١٣١)، وعزاه لسعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي في «الشعب» .\n(٦) أخرجه البيهقي في «الشعب» (٧/ ١١٣) برقم (٩٦٨٠) .","vol":"1","page":230},{"text":"وَاذْكُرُوا اللَّهَ [الأنفال: ٤٥] لأن الثبات هو الصبر، وذكر اللَّه هو الدعاءُ، وروى ابن المبارك في «رقائقه» قال: أخبرنا حمَّاد بن سَلَمَةَ «١» عن ثابتٍ البُنَانِيِّ «٢» عن صِلَةَ بْنِ أشْيَمِ «٣» قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ صلى صَلاَةً، لَمْ يَذْكُرْ فِيهَا شَيْئًا مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا، لَمْ يَسْأَلِ اللَّهَ شَيْئًا إِلاَّ أَعْطَاهُ إيَّاه» «٤» وأسند ابن المبارك عن عقبة بن عامر الجُهَنِيِّ قال: سَمِعْتُ رسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: «مَنْ تَوَضَّأَ، فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ صلى صَلاَةً غَيْرَ سَاهٍ، وَلاَ لاَهٍ، كُفِّرَ عَنْهُ مَا كَانَ قَبْلَهَا مِنْ شَيْءٍ» «٥» . انتهي.\nوهذان الحديثان يُبَيِّنَانِ ما جاء في «صحيح البخاريِّ» عن عثمانَ حيثُ توضَّأَ ثلاثًا ثلاثًا، ثم قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئي هَذَا، ثُمَّ صلى ركعتين لا\n_________\n(١) حمّاد بن سلمة بن دينار الرّبعي، أو التّميمي، أو القرشي، مولاهم، أبو سلمة البصري، أحد الأعلام.\nعن ثابت، وسماك، وسلمة بن كهيل، وابن أبي مليكة، وقتادة، وحميد، وخلق. وعنه ابن جريح، وابن إسحاق شيخاه، وشعبة، ومالك، وحبّان بن هلال، والقعنبيّ، وأمم. قال القطان: إذا رأيت الرجل يقع في حماد فاتهمه على الإسلام. وقال ابن المبارك: ما رأيت أشبه بمسالك الأول من حماد.\nوقال وهيب بن خالد: كان حماد بن سلمة سيدنا وأعلمنا. قال حماد: من طلب العلم لغير الله مكر به.\nتوفي سنة سبع وستين ومائة.\nينظر: «الخلاصة» (١/ ٢٥٢)، «تهذيب التهذيب» (٣/ ١١)، و«الثقات» (٦/ ٢١٦) .\n(٢) ثابت بن أسلم البناني، مولاهم، أبو محمد البصري، أحد الأعلام. قال ابن المديني: له نحو مائتين وخمسين حديثا. وقال حماد بن زيد: ما رأيت أعبد من ثابت. وقال شعبة: كان يختم في كل يوم وليلة ويصوم الدهر. وثقه النسائي، وأحمد، والعجلي. قال ابن عليّة: مات سنة سبع وعشرين ومائة عن ست وثمانين سنة.\nينظر: «طبقات ابن سعد» (١/ ٤٧٨ و٧/ ٢٣١)، «الوافي بالوفيات» (١٠/ ٤٦١)، «الحلية» (٢/ ٣١٨)، «سير الأعلام» (٥/ ٢٢٠)، «تذكرة الحفاظ» (١٢٥)، «لسان الميزان» (٧/ ١٨٧)، «ميزان الاعتدال» (١/ ٣٦٢)، «تهذيب الكمال» (١/ ١٧٠)، «خلاصة تهذيب الكمال» (١/ ١٤٧) .\n(٣) الزاهد، العابد، القدوة، أبو الصهباء، العدوي، البصري، زوج العالمة معاذة العدوية.\nحدث عنه: أهله معاذة، والحسن، وحميد بن هلال، وثابت البناني، وغيرهم.\nينظر: «سير الأعلام» (٣/ ٤٩٧) .\n(٤) أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (ص ٤٠٢) رقم (١١٤٣)، وابن شاهين في «الصحابة» كما في «الإصابة» (٣/ ٢٦٠) من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن صلة بن أشيم به مرسلا.\n(٥) أخرجه ابن المبارك (ص ٤٠٢- ٤٠٣)، رقم (١١٤٥)، والطبراني في «الكبير» (١٧/ ٣٢٦- ٣٢٧)، رقم (٩٠٢) من طريق ابن لهيعة، عن بكر بن سوادة، عن ربيعة بن قيس، عن عقبة بن عامر مرفوعا.\nوأخرجه الطبراني (١٧/ ٣٢٧)، رقم (٩٠٣)، من طريق ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن بكر بن سوادة، عن رجل، عن ربيعة بن قيس، عن عقبة بن عامر به.\nوذكره الهيثمي في «المجمع» (٢/ ٢٧٨)، وقال: رواه الطبراني في «الكبير» بإسنادين في أحدهما ابن لهيعة، وفيه كلام. [.....]","vol":"1","page":231},{"text":"يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» «١» . انتهى.\nوالضمير في قوله تعالى: وَإِنَّها قيل: يعود على الصلاة، وقيل: على العبادة التي تضمنها بالمعنى ذكر الصبْرِ والصلاة.\nقال ص «٢»: «وإنَّهَا» الضمير للصلاة، وهو القاعدة في أن ضمير الغائب لا يعود على غير الأقرب إلا بدليل. انتهى.\nثم ذكر أبو حَيَّان «٣» وجوهًا أُخَرَ نحو ما تقدَّم.\nوكَبِيرَةٌ: معناه: ثقيلةٌ شاقَّة، والخَاشِعُونَ: المتواضعون المخبتُونَ، والخشوعُ هيئة في النفْسِ يظهر منها على الجوارح سكون وتواضع.\nويَظُنُّونَ في هذه الآية، قال الجمهور: معناه: يوقنُونَ، والظنُّ في كلام العرب قاعدته الشَّكُّ مع ميلٍ إلى أحد معتقديه، وقد يقع موقع اليقين، لكنه لا يقع فيما قد خرج إلى الحِسِّ لا تقول العرب في رجل مَرْئِيٍّ أظن هذا إنسانًا، وإنَّمَا تجد الاستعمال فيما لم يخرج إلى الحس كهذه الآية وكقوله تعالى: فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها [الكهف: ٥٣] .\nقال ص «٤»: قلتُ: وما ذكره ابن عَطيَّةَ هو معنى ما ذكره الزّجّاج «٥» في معانيه ١٩ أعن بعْض أهل العلْمِ أنَّ الظنَّ يقع في معنى العلْمِ الذي لم تشاهدْه/، وإِنْ كان قد قامت في نفسك حقيقتُهُ، قال: وهذا مذهبٌ إلا أن أهل اللغة لم يذكروه، قال: وسمعته من أبي إسحاق إسماعيل بن إسحاق القاضي «٦»،\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١/ ٢٥٩)، كتاب «الوضوء»، باب الوضوء ثلاثا، الحديث (١٥٩)، (١٦٠)، (١٦٤)، (١٩٣٤)، (٦٤٣٣)، ومسلم (١/ ٢٠٥)، كتاب «الطهارة»، باب صفة الوضوء وكماله، الحديث (٤/ ٢٢٦)، وأبو داود (١/ ٧٨- ٨١)، كتاب «الطهارة»، باب صفة وضوء النبي ﷺ، الحديث (١٠٦)، (١١٠)، وابن ماجة (١/ ١٠٥)، كتاب «الطهارة»، باب ثواب الطهور، الحديث (٢٨٥)، والنسائي (١/ ٦٤)، كتاب «الطهارة»، باب المضمضة والاستنشاق، وباب بأي اليدين يتمضمض، والبيهقي (١/ ٤٩)، كتاب «الطهارة»، باب سنة التكرار في المضمضة والاستنشاق، والدارقطني (١/ ٨٣)، كتاب «الطهارة»، باب وضوء رسول الله ﷺ.\n(٢) «المجيد» ص ٢٣٣.\n(٣) ينظر: «البحر المحيط» (١/ ٣٤١) .\n(٤) «المجيد» (٢٣٥) .\n(٥) ينظر: «معاني القرآن وإعرابه» للزجاج (١/ ١٢٦) .\n(٦) أبو إسحاق: إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل بن حماد بن زيد بن درهم بن بابك الجهضمي الأزدي: مولى آل جرير بن حازم. أصله من «البصرة»، وبها نشأ، واستوطن «بغداد» وتفقه بابن-","vol":"1","page":232},{"text":"رواه عن زيد بن أسْلَمَ «١» . انتهى.\nوالمُلاَقَاةُ هي لِلثوابِ أو العقابِ، ويصحُّ أن تكون الملاقاة هنا بالرؤية التي عليها أهل السنة، وورد بها متواتر الحديث.\nوراجِعُونَ: قيل: معناه: بالموْتِ، وقيل: بالحشرِ والخروجِ إلى الحساب والعرضِ، ويقوِّي هذا القوْل الآيةُ المتقدِّمة قوله تعالى: ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-115>[سورة البقرة (٢): الآيات ٤٧ الى ٤٨]</span>\nيا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (٤٧) وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٨)\nقوله تعالى: يا بَنِي إِسْرائِيلَ ... الآية: قد تكرَّر هذا النداءُ والتذكيرُ بالنعمة، وفائدةُ ذلك أن الخطاب الأول يصحُّ أن يكون للمؤمنين، ويصح أن يكون للكافرين منهم، وهذا المتكرِّر إنما هو للكافرين بدلالة ما بعده وأيضًا: فإن فيه تقويةَ التوقيف، وتأكيدَ الحضِّ على أيَادِي اللَّه سبحانه، وحُسْن خطابهم بقوله سبحانه: فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ لأن تفضيل آبائهم وأسلافهم تفضيلٌ لهم، وفي الكلام اتساعٌ، قال قتادة وغيره: المعنى:\nعلى عَالَمِ زمانِهِمُ الذي كانتْ فيه النبوءةُ المتكرِّرة، لأن الله تعالى يقول لأمة محمّد ﷺ:\nكُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ «٢» [آل عمران: ١١٠] .\nوَاتَّقُوا يَوْمًا، أي: عذابَ يوم، أو هولَ يومٍ ويصح أن يكون يومًا نصبه على\n_________\n- المعدّل، وكان يقول: أفخر على الناس برجلين ب «البصرة»: ابن المعدل: يعلّمني الفقه، وابن المديني:\nيعلمني الحديث.\nينظر: «الديباج المذهب» (١/ ٢٨٣- ٢٨٤) .\n(١) زيد بن أسلم العدوي، مولاهم، المدني، أحد الأعلام. عن أبيه، وابن عمر، وجابر، وعائشة، وأبي هريرة، وقال ابن معين: لم يسمع منه، ولا من جابر، وعنه بنوه، وداود بن قيس، ومعمر وروح بن القاسم. قال مالك: كان زيد يحدّث من تلقاء نفسه، فإذا قام فلا يتجرىء عليه أحد. وثقه أحمد، ويعقوب بن شيبة. مات سنة ست وثلاثين ومائة في ذي الحجة.\nينظر: «الخلاصة» (١/ ٣٤٩)، «تهذيب التهذيب» (٣/ ٣٩٥)، «الكاشف» (١/ ١٣٦)، «تاريخ البخاري الكبير» (٣/ ٣٨٧)، «تاريخ البخاري الصغير» (١/ ١٣٧)، «الجرح والتعديل» (٣/ ٢٥٠٩)، «ميزان الاعتدال» (٢/ ٩٨)، «الثقات» (٦/ ٢٤٦) .\n(٢) أخرجه الطبري (١/ ٣٠٣) برقم (٨٦٩) بلفظ «فضلهم على عالم ذلك الزمان» وذكره السيوطي في «الدر» (١/ ١٣٣) بلفظ «فضلوا على العالم الذي كانوا فيه، ولكل زمان عالم» وعزاه لعبد الرزاق، وعبد بن حميد.","vol":"1","page":233},{"text":"الظرف «١»، ولا تَجْزِي: معناه: لا تغني، وقال السُّدِّيُّ: معناه: لا تقضي ويقوِّيه قوله: شَيْئًا، وفي الكلام حذفٌ، التقدير: لا تجزي فيه، وفي مختصر الطبريِّ: أي:\nواتقوا يومًا لا تقضي نفْسٌ عن نفس شيئًا، ولا تغني غَنَاءً، وأَحَدُنَا اليومَ قد يقضي عن قريبه دَيْنًا، وأما في الآخرة، فيسر المرء أن يترتَّب له على قريبه حقٌّ لأنَّ القضاء هناك من الحسنات والسيئات كما أخبر النبيّ ﷺ. انتهى.\nوالشَّفَاعَةُ: مأخوذة من الشَّفْع، وهما الاثنان لأن الشافع والمشفوع له شَفْعٌ وسبب هذه الآية أنَّ بني إسرائيل قالوا: «نَحْنُ أبناءُ أنبياء الله، وسيشفع لنا أبناؤنا»، وهذا إنما هو في حق الكافرين للإجماع، وتواترِ الأحاديث بالشفاعة في المؤمنين.\nوقوله تعالى: وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ: قال أبو العالية: العَدْلُ: الفدية.\nقال ع «٢»: عدل الشيْءِ هو الذي يساويه قيمةً وقدرًا، وإن لم يكن من جنسه، والعِدْلُ بكسر العين: هو الذي يساوي الشيء من جنسه، وفي جرمه، والضمير في قوله:\nوَلا هُمْ عائد على الكافرين الذين اقتضتهم الآيةُ، ويحتمل أن يعود على النفسينِ المتقدِّمِ ذكرُهما لأن اثنين جمع، أو لأن النفس للجنْسِ، وهو جمع، وحصرت هذه الآية المعاني التي اعتادها بنو آدم في الدنيا فإِن الواقع في شدة مع آدمي لا يتخلَّص إِلاَّ بأن يشفع له، أو ينصر، أو يفتدى.\nت: أو يمنّ عليه إلا أنَّ الكافرَ ليس هو بأهلٍ لإنْ يمنّ عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-116>[سورة البقرة (٢): آية ٤٩]</span>\nوَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٤٩)\nوقوله تعالى: وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ: أي: خلَّصناكم، وَآل: أصْلُهُ أَهْل قلبت الهاء أَلِفًا ولذلك رَدَّها التصغيرُ إلى الأصل، فقيل: أُهَيْل، وآلُ الرجل قرابته، وشيعته، وأتباعه، وفرعونُ: اسمٌ لكلِّ من ملك من العَمَالِقَةِ بمصر، وفرعون موسى، قيل:\n_________\n(١) ويكون المفعول حينئذ محذوفا، وتقديره: واتقوا العذاب في يوم صفته كيت وكيت. وقد منع أبو البقاء كونه ظرفا، قال: لأن الأمر بالتقوى لا يقع في يوم القيامة. والجواب عنه- كما يقول السمين الحلبي-:\nأن الأمر بالحذر من الأسباب المؤدية إلى العذاب في يوم القيامة.\nينظر: «الدر المصون» (١/ ٢١٤)، «التبيان في إعراب القرآن» لأبي البقاء العكبري، تحقيق علي محمد البجاوي، دار الشام للتراث، بيروت لبنان، (١/ ٦٠) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ١٣٩) .","vol":"1","page":234},{"text":"اسمه مُصْعَبُ بْنُ الرَّيَّان، وقال ابْن إِسحاق: اسمه الوليدُ بْنُ مُصْعب، وروي أنه كان من أهل إِصْطَخْر «١» وَرَدَ مِصْرَ، فاتفق له فيها المُلْك، وكان أصل كون بني إِسرائيل بمصر نزولَ إسرائيل بها زمَنَ ابنه يُوسُفَ ﵉.\nويَسُومُونَكُمْ: معناه: يأخذونكم به، ويُلْزمُونَكم إياه، والجملة في موضعِ نصبٍ على الحال، أي: سائمين/ لكم سُوءَ العذاب، وسوءُ العذاب أشدُّه وأصعبه، وكان فرعون ١٩ ب على ما روي قد رأى في منامه نارًا خرجَتْ من بيت المقْدِس، فأحرقت بيوتَ مِصْرَ، فأولت له رؤياه أنَّ مولودًا من بني إسرائيل ينشأ، فيخرب مُلْكَ فرعون على يَدَيْهِ، وقال ابن إسْحَاق، وابن عبَّاس، وغيرهما: إن الكهنة والمنجِّمين قالُوا لفرعون: قد أظلك زمانُ مولودٍ من بني إسرائيل يخرب مُلْكَك «٢» .\nويُذَبِّحُونَ بدلٌ من: «يَسُومُونَ»، وَفِي ذلِكُمْ: إشارةٌ إلى جملة الأمر، وبَلاءٌ معناه: امتحان واختبار، ويكون البلاء في الخير والشر.\nوحكى الطبريُّ وغيره في كيفية نجاتهم أن موسى﵇- أوحي إلَيْه أن يسري من مصر ببني إِسرائيل، فأمرهم موسى أن يستعيروا الحُلِيَّ والمتاعَ من القِبْطِ «٣»، وأحل اللَّه ذلك لبني إسرائيل، ويروى أنهم فعلوا ذلك دون رَأْيِ موسى﵇- وهو الأشبه به، فسرى بهم موسى من أول الليْلِ، فأعلم بهم فرعون، فقال: لا يتبعهم أحد حتى تصيح الدِّيَكَةُ، فلم يَصِحْ تلك الليلة بمصر دِيكٌ حتى أصبح، وأمات اللَّه تلك الليلةَ كثيرًا من أبناء القِبطِ، فاشتغلوا بالدَّفْنِ، وخرجوا في الأتباع مشرِّقين، وذهب موسى ﵇ إلى ناحية البحر حتى بلغه، وكانت عدة بني إِسرائيل نيِّفًا على ستِّمائة ألف، وكانت عِدَّة فرعون أَلْفَ ألْفٍ ومِائَتَي ألْفٍ، وحكي غير هذا مما اختصرته لقلَّة ثبوته، فلما لحق فرعَوْنُ موسى، ظن بنو إِسرائيل أنهم غير ناجين، فقال يُوشَعُ بْنُ نُونٍ لموسى: أين أُمِرْتَ؟ فقال:\nهكذا، وأشار إلى البحر، فركض يُوشَعُ فرسه حتى بلغ الغَمْرَ «٤»، ثم رجع، فقال لموسى: أين أُمِرْتَ؟ فو الله: ما كَذَبْتَ، ولا كُذِبْتَ، فأشار إِلى البحر، وأوحى الله تعالى\n_________\n(١) إصطخر: بلدة بفارس، يقال: إن كور «فارس»، الخمسة، أكبرها وأصلها كورة «إصطخر»، ينظر:\n«مراصد الاطلاع» (١/ ٨٧) .\n(٢) أخرجه الطبري (١/ ٣١١) برقم (٨٩٣)، وذكره السيوطي في «الدر» (١/ ١٣٣)، وعزاه لابن جرير.\n(٣) القبط: جيل بمصر. وقيل: هم أهل مصر. ينظر: «لسان العرب» (٣٥١٤)، و«النهاية» (٤/ ٦) . [.....]\n(٤) غمر البحر: معظمه، والغمر: الماء الكثير، وقيل: الكثير المغرّق. ينظر: «لسان العرب» (٣٢٩٣، ٣٢٩٤) .","vol":"1","page":235},{"text":"إليه أنِ اضرب بعصاك البَحْرَ، وأوحى اللَّه إلى البحر أن انفرِقْ لموسى إذا ضربك، فبات البَحْرُ تلك الليلة يضطرب، فحينَ أصبَحَ، ضرَبَ موسى البحر، وكناه أبا خالد، فانفلَقَ، وكان ذلك في يوم عاشوراء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-117>[سورة البقرة (٢): الآيات ٥٠ الى ٥٤]</span>\nوَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْناكُمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٠) وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ (٥١) ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٢) وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (٥٣) وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٥٤)\nوقوله تعالى: وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ ... الآية: فَرَقْنا: معناه: جعلْنَاه فِرَقًا، ومعنى بِكُمُ أي: بسببكم، والبحر هو بحر القُلْزُمِ «١» ولم يفرق البحر عَرْضًا من ضفَّة إلى ضفَّة، وإنما فرق من موضع إلى موضع آخر في ضفة واحدة، وكان ذلك الفرق يُقَرِّبُ موضع النجاة، ولا يلحق في البر إلا في أيام كثيرةٍ بسبب جبالٍ وأوغار حائلة، وقيل:\nانفرق البحْرُ عَرْضًا على اثني عَشَرَ طَريِقًا طريق لكلِّ سبط، فلما دخلوها، قالَتْ كل طائفة: غَرِقَ أصحابنا، وجَزِعُوا، فقال موسى﵇-: اللهمَّ، أَعِنِّي على أخلاقهِمُ السَّيئة، فأوْحَى اللَّه إِلَيْه أَنْ أدِرْ عصَاك على البَحْر، فأدارها، فصار في الماء فتوحٌ كالطَّاق «٢»، يرى بعضهم بعضًا، وجازوا وجبريلُ في ساقتهم على مَاذِيَانةٍ «٣» يحث بني إسرائيل، ويقول لآلِ فرْعَوْنَ: مَهْلًا حتى يلحق آخركم أوَّلَكُم، فلما وصل فرعونُ إلى البحر، أراد الدخول، فنفر فرسُهُ، فتعرَّض له جبريلُ بالرَّمَكَة «٤»، فأتبعها الفرَسُ، ودخَل آلُ فرعَوْن، وميكائلُ يحثهم، فلما لم يبق إلا ميكائلُ في ساقتهم على الضّفَّة وحده، انطبق البحر عليهم، فغرقوا.\n_________\n(١) بحر القلزم: شعبة من بحر الهند، أوّله من بلاد البربر والسودان والحبش من جهة الجنوب، ومن جهة الشمال «عدن» وبلاد العرب حتى يقطع آخره عند «القلزم»، وهي مدينة صغيرة على أرض مصر.\nينظر: «مراصد الاطلاع» (١/ ١٦٦) .\n(٢) هو ما عطف وجعل كالقوس من الأبنية.\nينظر: «لسان العرب» (٢٧٢٥)، و«المعجم الوسيط» (٥٧٧) .\n(٣) قيل: إن الماذيان هو النهر الكبير، وهذه الكلمة ليست بعربية، قال ابن الأثير: وهي سواديّة.\nينظر: «النهاية» (٤/ ٣١٣) .، «اللسان» (٤١٦٤) (حزن) .\n(٤) الرّمكة: الفرس والبرذونة التي تتخذ للنسل، معرّب، والجمع رمك.\nينظر: «لسان العرب» (١٧٣٣) .","vol":"1","page":236},{"text":"وتَنْظُرُونَ: قيل: معناه بأبصاركم لقُرْبِ بعضهم من بعضٍ، وقيل: ببصائركم للاعتبار لأنهم كانوا في شُغُلٍ.\nقال الطبريُّ: وفي أخبار القرآن على لسان النبيّ ﷺ بهذه المغيَّبات التي لم تكُنْ من علم العَرَب، ولا وقعتْ إلا في خفيِّ علْمِ بني إسرائيل دليلٌ واضحٌ عند بني إسرائيل، وقائم/ عليهم بنبوءة نبيّنا محمّد ﷺ. ٢٠ أوموسى: اسم أَعْجميٌّ، قال ابن إِسحاقَ: هو مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ بْنِ يَصْهرَ بْنِ قَاهَثَ بْنِ لاَوى بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحَاقَ بْنِ إبْرَاهِيمَ الخليل ﷺ «١» .\nوخص الليالي بالذكْرِ في قوله تعالى: وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً إِذ الليلة أقدم من اليوم، وقبله في الرتبة، ولذلك وقع بها التاريخُ، قال النقَّاش: وفي ذلك إشارة إلى صلة الصوم لأنه لو ذكر الأيام، لأَمْكَن أن يعتقد أنه كان يفطر بالليل، فلما نصَّ على الليالي، اقتضت قوة الكلام أنه ﵇ واصل أربعين ليلةً بأيامها.\nقال ع «٢»: حدثني أبي﵁- قال: سمعتُ الشيخَ الزاهد الإِمام الواعظَ أبا الفضل بْنَ الجوهَرِيِّ﵀- يعظُ النَّاسَ بهذا المعنى في الخلوة باللَّه سبحانه، والدنوِّ منه في الصلاة، ونحوه، وأنَّ ذلك يشغل عن كل طعامٍ وشرابٍ، ويقول:\nأين حال موسى في القرب من اللَّه، ووصالِ ثمانين من الدهْرِ من قوله، حين سار إلى الخَضِرِ لفتاه في بعض يوم: آتِنا غَداءَنا [الكهف: ٦٢] .\nت: وأيضًا في الأثر أنَّ موسى لم يصبه، أو لم يشك ما شكاه من النَّصَب حتى جاوز الموضع الذي وعد فيه لقاء الخَضِرِ ﵉.\nقال ع «٣»: وكل المفسِّرين على أن الأربعين كلَّها ميعاد.\nوقوله تعالى: ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ أي: إلهًا، والضمير في بَعْدِهِ يعود على موسى، وقيل: على انطلاقه للتكليمِ إذ المواعدة تقتضيه، وقصص هذه الآية أن موسى ﵇، لما خرج ببني إسرائيل من مصْرَ، قال لهم: إن اللَّه تعالى سينجِّيكم من آل فرعَوْنَ، وينفلكم حُلِيَّهُمْ، ويروى أن استعارتهم للحُلِيِّ كانت بغير إذن موسى- عليه\n_________\n(١) ينظر: «النكت والعيون» (١/ ١٢٠) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ١٤٢) .\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ١٤٢) .","vol":"1","page":237},{"text":"السلام- وهو الأشبه به، ويؤيِّده ما في سورة طه في قولهم لموسى: وَلكِنَّا حُمِّلْنا أَوْزارًا [طه: ٨٧]، فظاهرُهُ أنهم أخبروه بما لم يتقدَّم له به شعورٌ، ثم قال لهم موسى: إنه سينزل اللَّه عليَّ كتابًا فيه التحليلُ والتحريمُ والهدى لكم، فلما جازوا البحر، طلبوا موسى بما قال لهم من أمر الكتاب، فخرج لميعاد ربه وحده، وقد أعلمهم بالأربعين ليلةً، فعدوا عشرين يومًا بعشرين ليلة، وقالوا: هذه أربعون من الدهر، وقد أَخْلَفَنَا المَوْعِدَ، وبدا تعنُّتهم وخلافُهم، وكان السامريُّ رجلًا من بني إسرائيل يسمى موسى بْنَ ظفر، ويقال: إِنه ابْنُ خالِ موسى، وقيل: لم يكن من بني إسرائيل، بل كان غريبًا فيهم، والأول أصحُّ، وكان قد عرف جبريلَ ﵇ وقت عبورهم، قالت طائفة: أنكَرَ هَيْئَتَهُ، فعرف أنه ملَكٌ، وقالت طائفة: كانت أم السامريِّ ولدته عام الذبْحِ، فجعلته في غَارٍ وأطبقت عليه، فكان جبريل ﵇ يَغْذُوهُ بأصبع نفسه، فيجد في أصبع لَبَنًا وفي أصبع عَسَلًا، وفي أصبع سَمْنًا، فلما رآه وقت جواز البحْرِ، عرفه، فأخذ من تحت حافرِ فرسه قبضةَ ترابٍ، وألقى في روعِهِ أنه لن يلقيها على شيء، ويقول له: كن كذا إلا كان، فَلَمَّا خرج موسى لميعاده، قال هارون لبنِي إسرائيل: إِن ذلك الحُلِيَّ والمتاعَ الذي استعرتم من القِبْط لا يحلُّ لكم، فَجِيئوا به حتى تأكله النار التي كانت العادةُ أن تنزل على القرابين.\nوقيل: بل أوقد لهم نارًا، وأمرهم بطرح جميعِ ذلك فيها، فجعلوا يطرحون.\nوقيل: بل أمرهم أن يضعوه في حُفْرة دُون نار حتى يجيء موسى، وروي، وهو الأصحُّ الأكثر أنه ألقى الناسُ الحُلِيَّ في حفرة، أو نحوِها، وجاء السامريُّ، / فطرح القبضة، وقال: كن عجلًا.\nوقيل: إن السامريَّ كان في أصله من قوم يعبدون البقر، وكان يعجبه ذلك.\nوقيل: بل كانت بنو إسرائيل قد مرَّت مع موسى على قوم يعبدون البَقَرَ.\nت: والذي في القرآن: يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ [الأعراف: ١٣٨]، قيل:\nكانت على صور البقر، قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهًا كَما لَهُمْ آلِهَةٌ [الأعراف: ١٣٨]، فوعاها السامريُّ، وعلم أن من تلك الجهة يفتنون، ففتنت بنو إسرائيل بالعجل، وظلَّت منهم طائفةٌ يعبدونه، فاعتزلهم هارونُ بمن تبعه، فجاء موسى من ميعاده، فغضب حسبما يأتي قصصه في مواضعه، إن شاء اللَّه تعالى، ثم أوحى اللَّه إِليه أنه لن يتوب على بني إِسرائيل حتى يقتلوا أنفسهم، ففعلَتْ بنو إِسرائيل ذلك، فروي أنهم لبسوا السلاح مَنْ عَبَدَ منهم، ومن لم يَعْبُد، وألقى اللَّه عليهم الظلام، فقتل بعضهم بعضًا، يقتل الأب ابنه،","vol":"1","page":238},{"text":"والأخ أخاه، فلما استحر فيهم القتْلُ، وبلغ سبعين ألفًا، عفا اللَّه عنهم، وجعل من مات شهيدًا، وتاب على البقية فذلك قوله سبحانه: ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ وقال بعض المفسِّرين:\nوقف الذين عبدوا العجْلَ صفًّا، ودخل الذين لم يعبدوه عليهم بالسلاح، فقتلوهم، وقالت طائفة: جلس الذين عبدوا بالأفْنِيَةِ، وخرج يُوشَعُ بنُ نُونٍ ينادي: ملعونٌ مَن حَلَّ حُبْوَتَهُ «١»، وجعل الذين لم يعبدوه يقتلونهم، وموسى ﷺ في خلالِ ذلك يدعو لقومه، ويَرْغَبُ في العفو عنهم، وإِنما عوقب الذين لم يعبدوا بقتل أنفسهم على أحد الأقوال لأنهم لم يغيِّروا المُنْكَرَ حين عُبِدَ العِجْلُ.\nوَأَنْتُمْ ظالِمُونَ ابتداءٌ وخبرٌ في موضع الحالِ، والعفو تغطيةُ الأثر، وإِذهابُ الحالِ الأول من الذنب أو غيره.\nت: ومنه الحديثُ: «فَجَعَلَتْ أُمُّ إسْمَاعِيلَ تعفي أَثَرَهَا» .\nقال ع «٢»: ولا يستعمل العفو بمعنى الصفح إلا في الذَّنْبِ، والكتابُ هنا هو التوراةُ بإجماع، واختلف في الفُرْقَانِ هنا، فقال الزجَّاج وغيره: هو التوراة أيضًا كرر المعنى لاختلاف اللفظ، وقال آخرون: الكتاب التوراةُ، والفرقانُ سائر الآيات التي أوتي موسى ﵇ لأنها فَرَقَتْ بين الحق والباطل، واختلف هل بقي العجْلُ مِنْ ذَهَب؟\nفقال ذلك الجمهور، وقال الحسن بن أبي الحسن: صار لحمًا ودمًا، والأول أصحُّ.\nت: وقوله تعالى: فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ عن أبي العالية: إلى خالقكم «٣» مِنْ بَرَأَ اللَّهُ الخَلْقَ، أي: خلقهم، فالبريئة: فَعِيلَةٌ بمعنى مفعولة. انتهى من «مختصر أبي عبد الله اللّخميّ النحوي للطبريّ» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-118>[سورة البقرة (٢): الآيات ٥٥ الى ٥٧]</span>\nوَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦) وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٥٧)\nوقوله تعالى: وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى: يريد السبعين الذين اختارهم موسى، واختلف\n_________\n(١) الحبوة والحبوة: الثوب الذي يحتبى به، والاحتباء هو أن يضم الإنسان رجليه إلى بطنه بثوب يجمعهما به مع ظهره، ويشده عليها. ينظر: «لسان العرب» (٧٦٥) .\n(٢) «المحرر الوجيز» (١/ ١٤٤) .\n(٣) السيوطي في «الدر» (١/ ١٣٦)، وعزاه لابن أبي حاتم.","vol":"1","page":239},{"text":"في وقت اختيارهمْ.\nفحكى أكثر المفسِّرين أن ذلك بعد عبادة العجل، فاختارهم ليستغفِروا لبني إسرائيل، وحكى النقَّاش وغيره أنه اختارهم حين خَرَجَ من البحْرِ، وطلب بالميعاد، والأول أصح.\nوقصة السبعين أنَّ موسى ﵇، لما رجع من تكليم اللَّه تعالى، ووجد العجْلَ قد عُبِدَ، قالتْ له طائفة ممَّن لم يعبد العجلَ: نحن لم نكْفُرْ، ونحن أصحابك، ولكنْ أسمعْنَا كلام ربِّك، فأوحى اللَّه إِليه أن اختَرْ منهم سَبْعِينَ، فلم يجد إلا ستِّين، فأوحى إليه أن اختر من الشباب عَشَرةً، ففعل، فأصبحوا شيوخًا، وكان قد اختار ستَّةً من كلِّ سبط، فزادوا اثنين على السبعين، فتشاحُّوا فيمن يتأخَّر، فأُوحِيَ إِليه أنَّ من تأخّر له أجر من ٢١ أمضى، فتأخَّر يوشَعُ بْنُ نُونٍ، وكَالُوثُ بْنُ يُوفَنَّا، وذهب موسى ﵇/ بالسبْعين، بعد أن أمرهم أن يتجنَّبوا النساء ثلاثًا، ويغتسلوا في اليوم الثالث، واستخلف هارون على قومه، ومضى حتى أتى الجَبَلَ، فألقي عليهم الغمام، قال النَّقَّاش: غشيتهم سحابة، وحِيلَ بينهم وبين موسى بالنور، فوقعوا سجودًا، قال السُّدِّيُّ وغيره: وَسَمِعوا كلامَ اللَّهِ يأمر وينهى، فلم يطيقوا سماعه، واختلطتْ أذهانهم، ورَغِبُوا أن يكون موسى يسمع ويعبِّر لهم، ففعل، فلما فرغوا، وخرجوا، بدَّلت منهم طائفةٌ ما سمعت من كلام اللَّهِ، فذلك قوله تعالى: وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ [البقرة: ٧٥] واضطرب إيمانهم، وامتحنهم اللَّه تعالى بذلك، فقالوا: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً، ولم يطلبوا من الرؤية محالًا أما إِنه عند أهل السُّنَّة «١» ممتنعٌ في الدنيا من طريق السمع،\n_________\n(١) اتفقت كلمة الأشاعرة على جواز رؤيته (تعالى) عقلا في الدنيا والآخرة، بمعنى أنه تعالى يجوز أن ينكشف لعباده المؤمنين من غير ارتسام صورة، ولا اتصال شعاع، ولا حصول في جهة ومقابلة.\nواستدلوا على ذلك بأدلة نقلية وأدلة عقلية، فلنذكر الأدلة النقلية لأنها الأصل في هذا الباب، وهي أكثر من أن تحصى، والمعتمد منها عند أهل السنة قوله تعالى حكاية عن سيدنا موسى﵇- في ميقات المناجاة: قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقًا فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ [الأعراف: ١٤٣] .\nتنطق الآية الكريمة بمسألة تتعلق بالذات الأقدس، وهي مسألة الرؤية، ولم يحدد النطق الكريم الحكم فيها، بل ترك لذوي العقول البحث.\nفكان القول بجوازها ووقوعها، وكان القول باستحالتها وعدم وقوعها، ولم يكن لصاحب كل قول من الآية الكريمة ما يعتمد عليه صريحا، بل كل مستند له هو الركون إلى اللغة تارة، واللجوء إلى الدليل العقلي أخرى. غير أن أهل السنة نظروا إلى ظروف الآية وما سيقت لأجله، فكانت عضدا قويا ركنوا إليه. -","vol":"1","page":240},{"text":"فأخذتهم حينئذ الصاعقةُ، فاحترقوا وماتوا موْتَ همودٍ يعتبر به الغير، وقال قتادة: ماتوا،\n_________\n- فالآية الكريمة تقول: لقد وعى موسى﵇- لمناجاتنا، ورفعناه إلى هذا المستوي واتصل بالأفق الأعلى، وانتهى من الإنسانية إلى الذروة العليا، وشهد من أمر الله ما لم يصل غيره إلى تعقله بأقوى الأدلة والبراهين، وأنزله هذه المنزلة، ووقف في ساحة جلاله وحظائر قدسه ومساقط أنوار جماله وذاق حلاوة خطابه.\nأليس يطلب إلى ربه أن يمتعه بالنظر إلى ذاته الأقدس ليجمع بين حلاوة الكلام وجمال الرؤية، ويؤيد أن الحامل لموسى﵇- على طلب الرؤية عوامل الشوق ما روي عن ابن عباس (﵄) قال: «جاء موسى﵇- ومعه السبعون رجلا، وصعد موسى الجبل، وبقي السبعون في أسفل الجبل، فكلم الله موسى، وكتب له في الألواح كتابا، وقربه نجيّا، فلما سمع موسى صرير القلم عظم شوقه فقال: رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ، نعم طلبها بعامل الشوق، وقال: رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ، ولم يكن موسى قد جرى في هذه القضية على غير المألوف، حيث جعل النظر مسببا عن الرؤية، والحال أن النظر تقليب الحدقة نحو الشيء التماسا لرؤيته، فهي متأخرة عنها إذ الغرض رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ: مكني من رؤيتك، فأنظر إليك، وأراك، ففي الكلام ذكر الملزوم وإرادة اللازم. نعم أقدم موسى على طلب النظر إلى الذات الأقدس، وانتظر ما يكون من أمر الله، وقد وقع عليه عمود من الغمام، وتغشى الجبل جلال الرب وسمع النطق الكريم لَنْ تَرانِي عند هذه الآية الكريمة تقف المعتزلة رافعة الرأس، ولو أنهم لاحظوا ما كان من حب موسى واصطفاء الله له، لم ينصرف ذهنهم إلى المنع من مطالعة الذات الأقدس، بل المتبادر إلى الذهن «لن تقوى على رؤيتي وأنت على ما أنت عليه، لتوقفها على استعداد في الرائي، ولم يوجد في موسى﵇- وقت الطلب يشهد لهذا ما أخرجه الترمذي في «نوادر الأصول» عن ابن عباس «تلا رسول الله ﷺ هذه الآية فقال: قال الله تعالى: «يا موسى إنه لا يراني حي إلا مات ولا رطب إلا تفرق وإنما يراني أهل الجنة الذين لا تموت أعينهم، ولا تبلى أجسامهم» .\nكذلك يدل على أن التأبيد المستفاد من قوله تعالى: لَنْ تَرانِي إنما هو موقوف على عدم تغيير الحال يؤيد ذلك ما رواه أبو الشيخ عن ابن عباس، وفيه يقول: «يا موسى إنه لن يراني أحد فيحيا، قال موسى:\nرب أن أراك ثم أموت أحب إلي من ألا أراك ثم أحيا» وقد نبّه جل شأنه بقوله: لَنْ تَرانِي على وجود المانع، وهو الضعف عن تحملها، حيث أراه ضعف من هو أقوى منه وتفتته عند ما تجلى عليه الرب وغشيه ذو الجلال والإكرام.\nفكان الجبل وتماسكه وعاد الجبل متقوص الأركان متداخل الأجزاء سقيم القوام، وكان موسى فاقد الحياة لطلبه هذه المرئية من الانكشاف، وهو باق على حاله.\nأفاق موسى واسترد حياته، وقال: سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ [الأعراف: ١٤٣] أنزهك من أن أسألك شيئا بغير إذنك تبت عن الإقدام وأنا أول المؤمنين بأن لا يراك أحد في هذه النشأة، وليس كما يزعم الخصم من أن التوبة دليل العصيان، فكان موسى يعلم امتناعها وقد طلبها وهي ممتنعة. بل تاب من طلب الرؤية بغير إذن، وكيف لا يتوب وهو الرب صاحب الجبروت، وهو موسى المصطفى الكليم.\nوقد قيل قديما: (حسنات الأبرار سيئات المقربين) - إلى هنا كان حتما أن نبين أن أهل السنة كانوا في غيبة عن أدلة الجواز، لكن دفعهم أن ما سيكون من الأدلة على الوقوع سمعي فحسب، قد يأتيها الخصم بمنع إمكان المطلوب لأجل هذا مهدوا الطريق للوقوع، فبرهنوا على الجواز بالأدلة النقلية والعقلية، -","vol":"1","page":241},{"text":"وذهبت أرواحهم، ثم رُدُّوا لاستيفاء آجالهم، فحين حصلوا في ذلك الهمود، جعل موسى\n_________\n- وكان سلوكهم بهذا الطريق كافيا في الاستدلال على الوقوع بالدليل النقلي، وتفصيل ذلك مذكور في كتب العقائد.\nوكذلك اتفقت كلمة الأشاعرة على وقوع رؤيته (تعالى) في الآخرة، واستدلوا على ذلك بالكتاب، والسنة، والإجماع:\nأما دلالة الكتاب: فقوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ [القيامة: ٢٢- ٢٣] فالآية صريحة في أن وجوه المؤمنين المخلصين يوم القيامة متهللة من عظيم المسرة، يشاهد عليها نضرة النعيم. إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ أن تراه مستغرقة في مطالعة جماله، بحيث تغفل عما سواه ففي حديث جابر، وقد رواه ابن ماجة: «فينظر إليهم، وينظرون إليه، فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه حتى يحجب عنهم» والحجاب من قبلهم لا من قبله (﷿)، فهذا يدل على أن المراد من النظر حقيقته، وهو الرؤية.\nووجه الاحتجاج في الآية الكريمة: أن النظر في الآية جاء موصولا بإلى، وكل ما كان كذلك فهو بمعنى الرؤية، فالنظر في الآية بمعنى الرؤية.\nأما الصغرى، فدليلها الآية، وأما الكبرى، فيستدل لها بشهادة النقل عن أئمة اللغة وتتبع موارد الاستعمال، فقد نقل عن أهل اللغة أن للنظر معان عدة يتميز بعضها عن بعض بواسطة التعدية فقد جاء النظر بمعنى الانتظار متعديا بنفسه قال الله تعالى: انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ [الحديد: ١٣] أي:\nانتظرونا، وقول الشاعر: [الوافر]\nوإن يك صدر هذا اليوم ولى ... فإن غدا لناظره قريب\nأي ينتظره.\nوجاء بمعنى التفكر ويستعمل ب «في» يقال: نظرت في الأمر الفلاني، أي تفكرت فيه: وجاء بمعنى الرأفة والتعطف، ويتعدى باللام، يقال: نظر الأمير لفلان، أي رأف به وتعطف.\nوجاء بمعنى الرؤية، ويستعمل ب «إلى» قال الشاعر: [الطويل]\nنظرت إلى من أحسن الله وجهه ... فيا نظرة كادت على رامق تقضي\nومثل ذلك النظر في الآية إذ جاء موصولا ب «إلى»، فيجب حمله على الرؤية، فتكون واقعة في ذلك اليوم، وهو المطلوب. ولا يعكر أن النظر المستعمل ب «إلى» يأتي بمعنى آخر غير الرؤية كالتأخير كما في قوله تعالى: فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ [البقرة: ٢٨٠] . لأن لفظة «إلى» في الآية ليست صلة للنظر، بل لبيان المدة.\nوقد اعترضت المعتزلة هذا الدليل، فمنعت صغراه (النظر في الآية موصول بإلى) قالوا: لا نسلم أن النظر في الآية موصول ب «إلى» لأنها ليست حرفا، بل هي اسم بمعنى النعمة واحد الآلاء، ومفعول به للنظر، يشهد لذلك ما قيل عن أهل اللغة أن الآلاء واحدها آلى، وأيلى، وألو، وألى، وإلى. قال الأعشى:\nأبيض لا يرهبه النزال ولا ... يقطع رحما ولا يخون إليّ\nأي نعمة أو بمعنى «عند» يؤيده قول الشاعر:\nفهل لكم فيما إلى فإنني ... طبيب بما أعيى النطاس حذيما\nأي فيما عند. -[.....]","vol":"1","page":242},{"text":"يناشد ربَّه فيهم، ويقول: أيْ ربِّ، كيف أرجع إِلى بني إِسرائيل دونهم، فيَهْلِكُون، ولا يؤمنون بي أبدًا، وقد خرجوا، وهم الأخيار.\nقال ع «١»: يعني: هم بحال الخير وقْتَ الخروج، وقال قومٌ: بل ظن موسى أنَّ السبعين، إِنما عوقبوا بِسَبَبِ عبادة العجْلِ، فذلك قوله: أَتُهْلِكُنا [الأعراف: ١٥٥]، يعني السبعين: بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا [الأعراف: ١٥٥] يعني: عَبَدَةَ العجلِ، وقال ابن فورك:\nيحتمل أن تكون معاقبة السبعين لإخراجهم طلب الرؤية عن طريقه بقولهم لموسى:\nأَرِنَا [النساء: ١٥٣] وليس ذلك من مقدورِ موسى ﵇.\nقال ع «٢»: ومن قال: إن السبعين سَمِعُوا ما سمع موسى، فقد أخطأ، وأذهب فضيلةَ موسى، واختصاصه بالتكليم.\nوجَهْرَةً: مصدر في موضع الحالِ «٣»، والجهرُ العلانيةُ، ومنه الجهر ضد السر،\n_________\n- ومعنى الآية على الأول: منتظرة نعمة ربها، وعلى الثاني: عند ربها منتظرة نعمته.\nأجاب أهل السنة عند المنع:\nأولا: لو أريد من النظر في الآية انتظار النعمة لما خص بإسناده إلى الوجوه التي هي محل الأعين- بالباصرة، ولم يكن للتعدية بالظرف معنى فإن المؤمنين في دار الدنيا منتظرون نعمته تعالى، وكذلك الكفار.\nثانيا: أن جعل «إلى» بمعنى النعمة في هذا المقام يخالف المعقول لأن الانتظار يعد من الآلام كيف وقد قيل: إنه الموت الأحمر؟! ويخالف المنقول أيضا إذ روي أنه ﷺ قال: «أدنى أهل الجنة منزلة من ينظر إلى جناته وأزواجه وخدمه وسرره مسيرة ألف سنة، وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجه الله غدوة وعشية» ثم قرأ (﵊): وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ [القيامة: ٢٢- ٢٣] والله ما نسخها منذ أنزلها.\nثالثا: إن الانتظار أمارة الغم وعدم الاطمئنان، وقد قيل كما سبق أنه الموت الأحمر، وهذا يخالف ما سيقت لأجله الآية من التبشير للمؤمنين بالإنعام وحسن الحال وفراغ البال، وذلك إنما يكون برؤيته تعالى، فإنها من أجلّ النعم والكرامات المستتبعة لنضارة الوجوه.\nوما يقوله المعتزلة من أن ترتب الغم على الانتظار أمر عادي يجوز تخلفه في الآخرة حيث إنها دار خوارق العادات، على أنه إنما يكون غما إذا لم يكن مقطوعا بما يترتب عليه من حصول النعم كيف وهو وعد من لا يخلف وعده، فمدفوع بأن هذا خروج عن السنن الكونية فقد جرت عادة الله (تعالى) أن يبشر خلقه وينذرهم بما يعلمونه لذة وعذابا بحسب العادة، ولذا لم يقع التبشير بالنار والإنذار بالجنة مع إمكان أن يخلق الله اللذة في النار والعذاب والألم في الجنة.\nينظر: الرؤية لشيخنا عبد الفضيل طلبة ص ٤٠ وما بعدها.\n(١) «المحرر الوجيز» (١/ ١٤٧) .\n(٢) السابق.\n(٣) قوله تعالى: جَهْرَةً فيه قولان:","vol":"1","page":243},{"text":"وجَهَرَ الرَّجُلُ الأَمْرَ: كشفه، وفي «مختصر الطبريِّ» عن ابن عبَّاس: جَهْرَةً: قال علانيةً «١»، وعن الربيع: جَهْرَةً: عيانًا «٢» . انتهى.\nوقوله تعالى: ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ: أجاب اللَّه تعالى فيهم رغبةَ موسى ﵇ وأحياهم من ذلك الهمودِ، أو الموت ليستوفوا آجالهم، وتاب عليهم، والبعث هنا الإثارة، ولَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ، أي: على هذه النعمة، والترجِّي إِنَّمَا هو في حق البَشَر.\nوذكر المفسِّرون في تظليل الغمامِ أنَّ بني إِسرائيل، لما كان من أمرهم ما كان من القتل، وبقي منهم من بقي، حصلوا في فحص «٣» التِّيه بَيْن مصْر والشَّام، فأُمِرُوا بقتال الجَبَّارين، فَعَصَوْا، وقالوا: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا [المائدة: ٢٤] فدعا موسى عليهم، فعوقبوا بالبقاء في ذلك الفحْص أربعين سَنَةً يتيهون في مقدارِ خَمْسَة فراسِخَ أو ستَّةٍ، روي أنهم كانوا يمشون النهار كلَّه، وينزلون للمبيت، فيصبحون حيثُ كانوا بكرةَ أَمْسِ، فندم موسى على دعائه عليهم، فقيل له: فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ [المائدة: ٢٦] .\n_________\n- أحدهما: أنها مصدر وفيها حينئذ قولان:\nأحدهما: أنّ ناصبها محذوف، وهو من لفظها، تقديره: جهرتم جهرة، نقله أبو البقاء.\nوالثاني: أنها مصدر من نوع الفعل فتنتصب انتصاب القرفصاء من قولك: «قعد القرفصاء»، «واشتمل الصمّاء»، فإنها نوع من الرؤية، وبه بدأ الزمخشري.\nوالثاني: أنها مصدر واقع موقع الحال، وفيها حينئذ أربعة أقوال:\nأحدهما: أنه حال من فاعل «نرى» أي: ذوي جهرة، قاله الزمخشري.\nوالثاني: أنّها حال من فاعل «قلتم»، أي: قلتم ذلك مجاهرين، قاله أبو البقاء، وقال بعضهم: فيكون في الكلام تقديم وتأخير، أي: قلتم جهرة لن نؤمن لك، ومثل هذا لا يقال فيه تقديم وتأخير، بل أتى بمفعول القول ثم بالحال من فاعله، فهو نظير: «ضربت هندا قائما» .\nوالثالث: أنّها حال من اسم الله تعالى، أي: نراه ظاهرا غير مستور.\nوالرابع: أنّها حال من فاعل «نؤمن» نقله ابن عطية، ولا معنى له، والصحيح من هذه الأقوال الستة الثاني.\nينظر: «الدر المصون» (١/ ٢٢٩) .\n(١) أخرجه الطبري (١/ ٣٣٨) برقم (٩٤٨)، وذكره السيوطي في «الدر» (١/ ١٣٦)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٢) أخرجه الطبري (١/ ٣٣٩) برقم (٩٤٩) .\n(٣) الفحص: ما استوى من الأرض. وفي حديث كعب: «إن الله بارك في الشام، وخص بالتقديس من فحص الأردن إلى رفح» والفحص- هنا- ما بسط من نهر الأردن، وكشف من نواحيه. ينظر: «لسان العرب» (٣٣٥٦) .","vol":"1","page":244},{"text":"وروي أنهم ماتوا بأجمعهم في فحص التِّيه، ونشأ بنوهم على خير طاعة، فهم الذين خرجوا من فحْصِ التيه، وقاتلوا الجَبَّارين، وإذ كان جميعُهم في التيه، قالوا لموسى: من لنا بالطعامِ؟ قال: اللَّه، فأنزل اللَّه عليهم المَنَّ والسلوى، قالوا: مَنْ لنا من حَرِّ الشمس؟\nفظلَّل عليهم الغمامَ، قالوا: بِمَ نستصْبِحُ بالليل، فضَرَبَ لهم عمودَ نُورٍ في وَسَطَ مَحَلَّتهم، وذكر مكِّيٌّ عمود نار، قالوا: من لنا بالماء؟ / فأمر موسى بضرب الحَجَرِ، قالوا: من لنا ٢١ ب باللباس، فَأُعْطُوا ألاَّ يبلى لهم ثوبٌ، ولا يَخْلَقَ، ولا يَدْرَنَ، وأن تنمو صِغَارُهَا حَسَب نُمُوِّ الصبيانِ، والمَنُّ صَمْغَةٌ حُلْوَةٌ هذا قول فرقةٍ، وقيل: هو عسل، وقيل: شراب حُلْوٌ، وقيل: الذي ينزل اليوْمَ على الشجَر، وروي أنَّ المَنَّ كان ينزل عليهم من طُلُوع الفَجْر إلى طُلُوع الشمس كالثلج، فيأخذ منه الرجُلُ ما يكفيه ليومه، فإِنِ ادَّخَرَ، فسد عليه إِلا في يوم الجمعة فإِنهم كانوا يدَّخرون ليوم السبْتِ، فلا يفسد عليهم لأن يوم السبت يومُ عبادةٍ.\nوالسلوى طيرٌ بإِجماع المفسّرين، فقيل: هو السّمانى.\nوقيل: طائر مثل السّمانى.\nوقيل: طائر مثل الحمام تحشره عليهم الجَنُوب.\nص «١»: قال ابن عطيَّة: وغلط الهُذَلِيُّ «٢» في إِطلاقه السلوى على العَسَلِ حيث قال: [الطويل]\nوَقَاسَمَهَا بِاللَّهِ عَهْدًا لأنْتُمُ ... أَلَذُّ مِنَ السلوى إِذَا مَا نَشُورُهَا\n«٣» ت «٤»: قد نقل صاحبُ المختصر أنه يطلق على العَسَلِ لغةً فلا وجه\n_________\n(١) «المجيد» ص (٢٥٩) .\n(٢) خويلد بن خالد بن محرّث، أبو ذؤيب، من بني هذيل بن مدركة، من «مضر»: شاعر فحل، مخضرم، أدرك الجاهلية والإسلام، وسكن «المدينة»، واشترك في الغزو والفتوح. وعاش إلى أيام عثمان.\nقال البغدادي: هو أشعر هذيل من غير مدافعة. وفد على النبي ﷺ ليلة وفاته، فأدركه وهو مسجّى، وشهد دفنه.\nينظر: «الأغاني» (٦/ ٥٦)، «الشعر والشعراء» (٢٥٢)، و«خزانة البغدادي» (١/ ٢٠٣)، و«الأعلام» (٢/ ٣٢٥) .\n(٣) البيت لأبي ذؤيب، وأنشده ابن منظور في «اللسان» لخالد بن زهير ينظر: «ديوان الهذليين» (١/ ١٥٨)، و«اللسان» (سلا)، و«البحر المحيط» (١/ ٣٦٤)، و«القرطبي» (١/ ٤٠٧)، و«الدر المصون» (١/ ٢٣٠)، و«روح المعاني» (١/ ٢٦٤) .\n(٤) لا زال الكلام للصفاقسي.","vol":"1","page":245},{"text":"لتغليظه لأنَّ إِجماع المفسِّرين لا يمنع من إِطلاقِهِ لغةً بمعنى آخر في غير الآية. انتهى.\nوقوله تعالى: كُلُوا ... الآية: معناه: وقلنا: كلوا، فحذف اختصارا لدلالة الظاهر عليه، والطَّيِّبَاتُ، هنا جَمَعَتِ الحلال واللذيذ.\nص «١»: وقوله: وَما ظَلَمُونا: قدَّر ابن عطية قبل هذه الجملةِ محذوفًا، أي:\nفَعَصوْا، وما ظَلَمُونا، وقدَّر غيره: فظَلَمُوا، ومَا ظَلَمُونَا، ولا حاجَة إِلى ذلك لأن ما تقدَّم عنهم من القبائِح يُغْنِي عنه. انتهى.\nت: وقول أبي حَيَّان: «لا حاجة إلى هذا التقدير ...» إِلى آخره: يُرَدُّ بأن المحذوفاتِ في الكلام الفصيحِ هذا شأنها لا بد من دليل في اللفظ يدلُّ عليها إلا أنه يختلف ذلك في الوضوحِ والخفاءِ، فأما حذف ما لا دليل عليه، فإنه لا يجوز.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-119>[سورة البقرة (٢): الآيات ٥٨ الى ٦٠]</span>\nوَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (٥٩) وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٦٠)\nوقوله تعالى: وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ.\nالْقَرْيَةَ: المدينةُ سمِّيت بذلك لأنها تَقَرَّتْ، أي: اجتمعت ومنه: قَرَيْتُ المَاءَ في الحَوْضِ، أي: جمعته، والإِشارة بهذه إِلى بيت المقدس في قول الجمهور.\nوقيل: إلى أريحا، وهي قريبٌ من بيت المَقْدِس، قال عمر بن شبّة «٢»: كانت\n_________\n(١) «المجيد» (ص ٢٥٩) .\n(٢) عمر بن شبّة- واسمه زيد- بن عبيدة بن ريطة النميري، البصري، أبو زيد، شاعر، راوية، مؤرخ، حافظ للحديث، من أهل «البصرة» . توفي ب «سمراء» سنة (٢٦٢) هـ، له تصانيف، منها: «كتاب الكتاب»، و«النسب»، و«أخبار بني نمير»، و«أخبار المدينة» جزء منه، و«تاريخ البصرة»، و«أمراء الكوفة»، و«أمراء البصرة»، و«أمراء المدينة»، و«أمراء مكة»، و«كتاب السلطان»، و«مقتل عثمان»، و«السقيفة»، و«جمهرة أشعار العرب»، و«الشعر والشعراء»، و«الأغاني» .\nينظر: «الأعلام» (٥/ ٤٧- ٤٨)، و«تهذيب التهذيب» (٧/ ٤٦٠)، و«الوفيات» (١/ ٣٧٨) . [.....]","vol":"1","page":246},{"text":"قاعدةً، ومسْكنَ ملوكٍ، ولما خرج ذريةُ بني إِسرائيل من التِّيه، أُمِرُوا بدخول القرية المشار إِلَيْها، وأما الشيوخ، فماتوا فيه، وروي أن موسى وهارون ﵉ ماتا في التِّيه، وحكى الزجَّاج «١» عن بعضهم أنهما لم يكونا في التِّيه لأنه عَذَابٌ، والأول أكْثَرُ.\nت: لكن ظاهر قوله: فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ [المائدة: ٢٥] يقوِّي ما حكاهُ الزجَّاج، وهكذا قال الإمام الفخر»\n. انتهى.\nوفَكُلُوا: إِباحة، وتقدَّم معنى الرَّغَد، وهي أرض مباركة عظيمة الغلّة، فلذلك قال: رَغَدًا.\nوالْبابَ: قال مجاهد: هو باب في مدينة بَيْت المقدس يعرف إلى اليوم بباب حطّة «٣»، وسُجَّدًا: قال ابن عبَّاس: معناه: ركوعًا «٤»، وقيل: متواضعين خضوعًا، والسجودُ يعم هذا كلَّه، وحِطَّة: فِعْلَةٌ من حَطَّ يَحُطُّ، ورفعه على خبر ابتداء «٥» كأنهم قالوا: سؤالُنَا حِطَّة لذنُوبِنَا، قال عكرمة و، غيره: أُمِرُوا أَنْ يَقُولُوا: «لا إِله إِلاَّ اللَّهُ» لتحطَّ بها ذنوبُهُمْ «٦»، وقال ابن عَبَّاس: قيل/ لهم: استغفروا، وقولوا ما يحطُّ ذنوبكم «٧» .\nت: قال أحمد بن نصرٍ «٨» الدَّاوُودِيُّ في «تفسيره»: «وروي أن النبيّ ﷺ سار\n_________\n(١) ينظر: «معاني القرآن» (٢/ ١٦٥) .\n(٢) ينظر: «مفاتيح الغيب» (١١/ ١٥٩) .\n(٣) أخرجه الطبري (١/ ٣٣٩) برقم (١٠٠٤) .\n(٤) أخرجه الطبري (١/ ٣٣٩) برقم (١٠٠٨)، والحاكم (٢/ ٢٦٢)، وصححه، ووافقه الذهبي، وذكره السيوطي في «الدر» (١/ ١٣٨)، وعزاه لوكيع، والفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم.\n(٥) قال الزجاج: ولو قرىء «حطة» كان وجهها في العربية، كأنهم قيل لهم: قولوا: احطط عنا ذنوبنا حطة.\nمعاني القرآن (١/ ١٣٩) .\nوقد فات الزجاج أن إبراهيم بن أبي عبلة قرأها بالنصب، كما في «المحرر الوجيز» (١/ ١٥٠)، و«البحر المحيط» (١/ ٣٨٤)، و«الدر المصون» (١/ ٢٣٢)، و«الشواذ» لابن خالويه (ص ١٣) .\n(٦) أخرجه الطبري (١/ ٣٤٠) برقم (١٠١٦)، وذكره السيوطي في «الدر» (١/ ١٣٨)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم. كلاهما عن عكرمة. وأخرجه عبد الرزاق في «تفسيره» (١/ ٤٧)، بلفظ: «لا إله إلّا الله» .\n(٧) أخرجه الطبري (١/ ٣٤١) برقم (١٠١٧)، بلفظ: «أمروا أن يستغفروا» .\n(٨) أحمد بن نصر، أبو حفص الداودي، فقيه مالكي. له كتاب «الأموال» في أحكام أموال المغانم والأراضي التي يتغلب عليها المسلمون.\nينظر: «الأعلام» (١/ ٢٦٤) .","vol":"1","page":247},{"text":"مَعَ أَصْحَابِهِ فِي سَفَرٍ، فَقَالَ: قُولُوا: نَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، وَنَتُوبُ إِلَيْهِ، فَقَالُوا ذَلِكَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ، إِنَّهَا للْحِطَّةُ الَّتِي عُرِضَتْ على بَنِي إِسْرَائِيلَ فَلَمْ يَقُولُوهَا» انتهى.\nوحكي عن ابن مَسْعود وغيره أنهم أمروا بالسُّجود، وأن يقولوا: حِطَّةٌ، فَدَخَلُوا يزْحفُونَ على أَسْتَاهِهِمْ، ويَقُولُونَ: حِنْطَةٌ حَبَّةٌ حَمْرَاءُ فِي شَعْرَةٍ، ويروى غير هذا من الألفاظ.\nوقوله تعالى: وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ عِدَةٌ: المعنى: إِذا غُفِرَتِ الخطايا بدخولكم وقولِكُمْ، زِيدَ بعد ذلك لمن أحسن، وكان من بني إسرائيل من دخل كما أُمِرَ، وقال: لا إله إلا اللَّه، فقيل: هم المراد ب الْمُحْسِنِينَ هنا.\nوقوله تعالى: فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ... الآية.\nروي أنهم لما جاءوا الباب، دخلوا من قبل أدبارهم القهقرى، وفي الحديث: أنهم دَخَلوا يَزْحَفُونَ على أَسْتَاهِهِمْ، وبدَّلوا، فقالوا: حَبَّة في شَعْرَة، وقيل: قالوا: حِنْطَة حبَّة حمراء في شَعْرة، وقيل: شعيرة، وحكى الطبريُّ أنهم قالوا: «هَطِّي شَمْقَاثَا أَزْبَه» وتفسيره ما تقدَّم وفي اختصار الطبريِّ، وعن مجاهد قال: أمر موسى قومَهُ أنْ يدخلوا الباب سُجَّدًا، ويقولُوا: حِطَّة، وطؤطئ لهم البابُ ليسجدوا، فلم يسجدوا، ودخلوا على أدبارهم، وقالوا: حِنْطَة «١» .\nوذكر ﷿ فعل سلفهم تنبيها أنّ تكذيبهم لمحمّد ﷺ جَارٍ على طريق سلَفهم في خلافهم على أنبيائهم، واستخفافهم بهم، واستهزائهم بأمر ربِّهم. انتهى.\nوالرِّجْز العَذَابُ، قال ابن زيد وغيره: فبعث اللَّه على الذينَ بدَّلوا الطاعونَ، فأذهب منهم سبْعِينَ أَلْفًا، وقال ابن عبَّاس «٢»: أمات اللَّه منهم في ساعةٍ واحدةٍ نيِّفًا على عشرينَ ألفا.\nواسْتَسْقى: معناه: طلب السُّقْيَا، وَعُرْفُ «استفعل» طلَبُ الشيءِ، وقد جاء في غير ذلك كقوله تعالى: وَاسْتَغْنَى اللَّهُ [التغابن: ٦]، وكان هذا الاستسقاءُ في فحْصِ التيه، فأمره اللَّه تعالى بضرب الحَجَر آيةً منه، وكان الحَجَرُ من جبل الطور على قدر رأس\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١/ ٣٤٤) برقم (١٠٢٨)، وذكره السيوطي في «الدر» (١/ ١٣٩)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم.\n(٢) أخرجه الطبري (١/ ٣٤٥) برقم (١٠٤١) بنحوه. وذكره الماوردي في «التفسير» (١/ ١٢٧) بنحوه.","vol":"1","page":248},{"text":"الشاة، يلقى في كِسْر جُوَالِقَ «١»، ويرحل به، فإذا نزلُوا وضع في وَسَط محلَّتهم، وضربه موسى، وذكر أنهم لم يكونوا يحملون الحَجَر لكنَّهم كانوا يجدُونه في كلِّ مرحلة في منزلته من المرحَلَة الأولى، وهذا أعظم في الآية، ولا خلاف أنه كان حجرًا مربَّعًا منْفَصِلًا تطَّرد من كلِّ جهة منه ثلاثُ عُيُونٍ، إِذا ضربه موسى، وإِذا استغنَوْا عن الماءِ، ورحَلُوا، جفَّت العيون، وفي الكلام حذفٌ تقديره: فضربه، فانفجرت، والانفجار: انصداع شيء عن شَيْء ومنه: الفَجْر، والانبجاس في الماء أقلُّ من الانفجار.\nوأُناسٍ: اسم جمع، لا واحد له من لفظه، ومعناه هنا: كلُّ سِبْطٍ لأن الأسباط في بني إِسرائيل كالقبائل في العرب، وهم ذرِّية الاثْنَيْ عَشَرَ أولادُ يعقُوبَ ﵇.\nوقوله سبحانه: كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ ... الآية.\nت: رُوِّينَا من طريق أنس، بن مالك عن النبيّ ﷺ أنَّه قال: «إنَّ اللَّهَ ليرضى عَنِ العَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا، أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا» رواه مُسْلِمٌ، والترمذيُّ، والنسائِيُّ «٢» . انتهى.\nوالمَشْرَبُ: موضع الشُّرْب، وكان لكلِّ سبطٍ عَيْنٌ من تلك العيون، لا يتعداها.\nوَلا تَعْثَوْا: معناه: ولا تُفْرِطُوا في الْفَسَادِ.\nص «٣»: مُفْسِدِينَ: حالٌ مؤكِّدة لأن: «لاَ تَعْثَوْا»: معناه: / لا تفسدوا. ٢٢ ب انتهى.\n_________\n(١) الجوالق والجوالق: وعاء من الأوعية معروف معرب.\nينظر: «لسان العرب» (٦٦٢) .\n(٢) أخرجه مسلم (٤/ ٢٠٩٥)، كتاب «الذكر والدعاء»، باب استحباب حمد الله تعالى بعد الأكل والشرب، حديث (٨٩/ ٢٧٣٤)، والترمذي (٤/ ٢٦٥)، كتاب «الأطعمة»، باب ما جاء في الحمد على الطعام إذا فرغ منه، حديث (١٨١٦)، والنسائي في «الكبرى» (٤/ ٢٠٢) كتاب «الدعاء بعد الأكل»، باب ثواب الحمد لله، حديث (٦٨٩٩)، وأحمد (٣/ ١٠٠، ١١٧)، وأخرجه أيضا الترمذي في «الشمائل»، رقم (١٩٥)، والبغوي في «شرح السنة» (٣/ ٦٥- بتحقيقنا)، كلهم من طريق زكريا بن أبي زائدة، عن سعيد بن أبي بردة، عن أنس مرفوعا. وقال الترمذي: هذا حديث حسن، ولا نعرفه إلا من حديث زكريا بن أبي زائدة.\n(٣) «المجيد» (ص ٢٧١) .","vol":"1","page":249},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-120>[سورة البقرة (٢): الآيات ٦١ الى ٦٤]</span>\nوَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثَّائِها وَفُومِها وَعَدَسِها وَبَصَلِها قالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (٦١) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٦٣) ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ (٦٤)\nوقوله تعالى: وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ ... الآيةَ: كان هذا القول منهم في التيه حينَ ملُّوا المَنَّ والسلوى، وتذكَّروا عيشهم الأول بمصْرَ، قال ابنُ عَبَّاس وأكثر المفسِّرين: الفُومُ: الحِنْطَة «١»، وقال قتادة، وعطاء: الفوم: جميع الحبوب التي يمكن أن تختبز «٢»، وقال الضحَّاك: الفوم: الثُّوم، وهي قراءة عبد اللَّه بن مسعود، وروي ذلك عن ابن عبَّاس «٣»، والثاء تُبْدَلُ من الفاءِ كما قالوا: مَغَاثِيرُ ومَغَافِير «٤» .\nت: قال أحمد بن نصر الدَّاوُوديُّ: وهذا القولُ أشبه لما ذكر معه، أي: من العَدَسِ والبَصَلِ. انتهى.\nوأَدْنى: قال عليُّ بن سليمان الأخْفَشُ «٥» . مأخوذٌ من الدّنيء البيّن الدناءة بمعنى:\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١/ ٣٥٢) برقم (١٠٧٦) قال أحمد شاكر: «ابن كريب» ضعيف، وقد بين القول في ضعفه في «شرح المسند» (٢٥٧١) . وأبوه كريب بن أبي مسلم «تابعي ثقة» . اهـ.\nوذكره السيوطي في «الدر» (١/ ١٤١)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. [.....]\n(٢) أخرجه الطبري (١/ ٣٥١) برقم (١٠٧١) عن قتادة.\n(٣) ذكره السيوطي في «الدر» (١/ ١٤١) عن ابن عباس بنحوه، وعزاه لابن أبي حاتم. وذكره في موضع آخر عن ابن عباس بلفظ «قراءتي قراءة زيد، وأنا آخذ ببضعة عشر حرفا من قراءة ابن مسعود هذا أحدها: «من بقلها وقثائها وثومها» وعزاه في هذا الموضوع لابن أبي داود.\n(٤) المغافير: صمغ شبيه بالناطف ينضحه العرفط والرمث. الواحد مغفور ومغثور.\nينظر: «لسان العرب» (٣٢٧٥) .\n(٥) علي بن سليمان بن الفضل، أبو المحاسن، المعروف ب «الأخفش الأصغر»: نحوي، من العلماء. من أهل بغداد، أقام ب «مصر» سنة (٢٨٧- ٣٠٠ هـ.)، وخرج إلى «حلب»، ثم عاد إلى «بغداد»، وتوفي بها وهو ابن ٨٠ سنة. له تصانيف، منها: «شرح سيبويه»، و«الأنواء»، و«المهذب»، وكان ابن الرومي مكثرا من هجوه. توفي سنة (٣١٥ هـ.) .\nانظر: «بغية الوعاة» (٣٣٨)، و«وفيات الأعيان» (١: ٣٣٢)، و«الأعلام» (٤/ ٢٩١) .","vol":"1","page":250},{"text":"الأَخَسِّ، إلا أنه خُفِّفَت همزته، وقال غيره: هو مأخوذ من الدُّون، أي: الأحط فأصله أَدْوَن، ومعنى الآية: أَتَسْتَبْدِلُونَ البَقْلَ، والْقِثَّاءَ، والفُومَ، وَالعَدَسَ، والبَصَلَ الَّتي هى أدنى بالمَنِّ والسلْوَى الذي هو خيرٌ.\nوجمهور النَّاس يقرءون «مِصْرًا» بالتنوين «١»، قال مجاهدٌ وغيره: أراد مِصْرًا من الأمصار غير معيَّن «٢»، واستدلُّوا بما اقتضاه القرآن من أمرهم بدخول القرية، وبما تظاهَرَتْ به الرواياتُ أنهم سكنوا الشَّام بعد التيه، وقالت طائفة: أراد مِصْرَ فِرْعَونَ بعينها، واستدلوا بما في القرآن من أنَّ اللَّه أورَثَ بني إسْرائيل ديار آل فرعون وآثارهم، قال في «مختصر الطبريِّ»: وعلى أن المراد مصْر التي خرجُوا منها، فالمعنى: إنَّ الذي تطلُبُونَ كان في البَلَد الَّذي كان فيه عذابُكُم، واستعبادكم، وأسْركم، ثمَّ قال: والأظهر أنهم مُذْ خرجوا من مصْر، لم يرجعوا إليها، واللَّه أعلم. انتهى.\nوقوله تعالى: فَإِنَّ لَكُمْ مَّا سَأَلْتُمْ يقتضي أنه وكلهم إلى أنفسهم، ووَ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ «٣» معناه: الزموها كما قالت العرب: ضربة لازب، وَباؤُ بِغَضَبٍ: معناه: مروا متحمِّلين له، قال الطبري: باءوا به، أي: رجعوا به، واحتملوه، ولا بد أن يوصل بَاءَ بخير أو بشرٍّ. انتهى.\nوقوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ الأشارة ب ذلِكَ إلى ضرب الذلَّة وما بعدهُ، وقوله تعالى: بِغَيْرِ الْحَقِّ تعظيم\n_________\n(١) وقرأ «مصر» بغير تنوين في هذه الآية الأعمش، كما في مختصر الشواذ لابن خالويه (ص ١٤) .\nكما قرأ بها طلحة بن مصرف والحسن وأبان بن تغلب، وقيل: هي كذلك في مصحف أبي بن كعب ومصحف عبد الله وبعض مصحاف عثمان. كما في «البحر المحيط» (١/ ٣٩٦- ٣٩٧)، و«الدر المصون» (١/ ٢٤١) .\n(٢) أخرجه الطبري (١/ ٣٥٤) برقم (١٠٨٥) بلفظ: «مصرا من الأمصار، زعموا أنهم لم يرجعوا إلى مصر» اهـ.\n(٣) قوله تعالى: الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ يعني: فقر النفس. قال السمين الحلبي: والمراد بها هنا الجزية والصغار. «عمدة الحفاظ» (٢/ ٢٣٩) . وقال الحسن وقتادة: ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ هي أنهم يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون، وقال عطاء بن السائب: هي الكستينج (لبس اليهود) وزي اليهودية، والْمَسْكَنَةُ: زي الفقر، فترى المثرى منهم يتباءس مخافة أن يضاعف عليه الجزية، ولا يوجد يهودي غني النفس.\nينظر: «الوسيط» (١/ ١٤٧)، و«الطبري» (٢/ ١٣٧)، و«البغوي» (١/ ٦٦)، و«ابن كثير» (١/ ١٠٢)، و«الدر المنثور» (١/ ٧٣) .","vol":"1","page":251},{"text":"للشنعة «١»، والذَّنْب، ولم يجرم نبيٌّ قطُّ ما يوجبُ قتله، وإنما التسليطُ عليهم بالقَتْل كرامةٌ لهم، وزيادةٌ لهم في منازلهم صلى اللَّه عليهمْ كَمَثَلِ مَنْ يُقْتَلُ في سبيلِ اللَّهِ من المؤمنين، والباء في «بِمَا» باء السبب.\nويَعْتَدُونَ: معناه: يتجاوزون الحُدُود، والاعتداء هو تجاوُزُ الحدِّ.\nوقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ ... الآية.\nاختلف في المراد ب الَّذِينَ آمَنُوا في هذه الآية.\nفقالت فرقة: الذين آمنوا هم المؤمنون حقّا بنبيّنا محمّد ﷺ، وقوله: مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ يكون فيهم بمعنى مَنْ ثَبَتَ ودَامَ، وفي سائر الفرق: بمعنى: مَنْ دخَلَ فيه، وقال السُّدِّيُّ: هم أهل الحنيفيَّة ممَّن لم يلحق محمّدا ﷺ، والذين هَادُوا، ومن عطف عليهم كذلك ممَّن لم يلحق محمّدا ﷺ، وَالَّذِينَ هادُوا هم اليهودُ، وسُمُّوا بذلك لقولهم:\nهُدْنا إِلَيْكَ [الأعراف: ١٥٦]، أي: تبنا، وَالنَّصارى لفظةٌ مشتقَّة من/ النَّصْرِ.\nقال ص «٢»: وَالصَّابِئِينَ: قرأ الأكثر بالهمز صَبَأَ النَّجْمُ، والسِّنُّ، إِذا خرج، أي: خَرَجُوا من دينٍ مشهورٍ إِلى غيره، وقرأ نافع «٣» بغير همز، فيحتمل أن يكون من المهموز المُسَهَّل، فيكون بمعنى الأول، ويحتمل أن يكون مِنْ صَبَا غيْرَ مهموزٍ، أي: مَالَ ومنه: [الهزج]\nإلى هِنْدٍ صَبَا قَلْبِي ... وهند مثلها يصبي «٤»\nانتهى.\nقال ع «٥»: والصّابئ في اللغة: من خرج من دين إلى دين.\nوأما المشار إليهم في قوله تعالى: وَالصَّابِئِينَ فقال السديُّ: هم فرقة من أهل\n_________\n(١) الشّنعة: الاسم من الشناعة، وشنع الأمر أو الشيء شناعة وشنعا وشنعا وشنوعا: قبح.\nينظر: «لسان العرب» (٢٣٣٩) .\n(٢) «المجيد» (ص ٢٨٠) .\n(٣) ينظر: «السبعة» (١٥٧)، و«الحجة للقراء السبعة» (٢/ ٩٤)، و«حجة القراءات» (١٠٠)، و«شرح شعلة» (٢٦٥)، و«إتحاف فضلاء البشر» (١/ ٣٩٦) .\n(٤) البيت لزيد بن ضبة، وهي في «اللسان» صبا.\n(٥) «المحرر الوجيز» (١/ ١٥٧) .","vol":"1","page":252},{"text":"الكتاب «١»، وقال مجاهد: هم قوم لا دِينَ لهم «٢»، وقال ابنُ جْرَيْج «٣»: هم قوم تركب دينهم بين اليهوديَّة والمجوسيَّة «٤»، وقال ابنُ زَيْد: هم قومٌ يقولون لا إله إلا اللَّه، وليس لهم عمل ولا كتابٌ كانوا بجزيرةِ المَوْصِلِ «٥»، وقال الحسنُ بْنُ أبي الحسن، وقتادة: هم قوم يعبدون الملائكةَ، ويصلُّون الخمْسَ إلى القبلة، ويقرءون الزَّبُور رَآهُمْ زيادُ بن أبي سفيان «٦»، فأراد وضع الجزْيَة عنْهم حتَّى عُرِّفَ أنهم يعبدون الملائكَةَ «٧» .\nوقوله تعالى: وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ ... الآية: الطُّورَ: اسم الجبلِ الَّذي نُوجِيَ موسى ﵇ عليه. قاله ابنُ عبَّاس «٨»، وقال مجاهدٌ وغيره: الطُّورَ: اسمٌ لكلِّ جبلٍ «٩»، وقصص هذه الآية أنَّ موسى ﵇، لما جاء إلى بني إسرائيل من عنْد اللَّه تعالى بالألواح، فيها التوراة، قال لهم: خُذُوهَا، والتزموها، فقَالُوا: لا، إِلاَّ أنْ يكلَّمنا اللَّهُ بهَا كما كلَّمك، فصُعِقُوا، ثم أُحْيُوا، فقال لهم: خُذُوها، فقالوا: لاَ، فأمر اللَّه الملائكَةَ، فاقتلعت جَبَلًا من جبالِ فِلَسْطِينَ «١٠» طولُه فَرْسَخٌ في مثله، وكذلك كان\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١/ ٣٦١) برقم (١١١٢)، وذكره السيوطي في «الدر» (١/ ١٤٦)، وعزاه لوكيع.\n(٢) أخرجه الطبري (١/ ٣٦٠) برقم (١١٠١) بنحوه، وأخرجه عبد الرزاق في «التفسير» (١/ ٤٧)، وذكره السيوطي في «الدر» (١/ ١٤٥)، وعزاه لوكيع، وعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم. [.....]\n(٣) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي، مولاهم، أبو الوليد، وأبو خالد المكي، الفقيه، أحد الأعلام. عن ابن أبي مليكة، وعكرمة مرسلا، وعن طاوس مسألة، ومجاهد، ونافع، وخلق، وعنه يحيى بن سعيد الأنصاري أكبر منه، والأوزاعي، والسفيانان، وخلق. قال أبو نعيم: مات سنة خمسين ومائة.\nينظر: «الخلاصة» (٢/ ١٢)، «تهذيب التهذيب» (٦/ ٤٠٢)، «تهذيب الكمال» (٢/ ١٧٨)، «الكاشف» (٢/ ٢١٠)، «الثقات» (٧/ ٩٣) .\n(٤) أخرجه الطبري (١/ ٣٦٠) برقم (١١٠٧) .\n(٥) أخرجه الطبري (١/ ٣٦٠) برقم (١١٠٨) .\n(٦) زياد بن أبيه، وأبيه أبو سفيان، أمير من الدهاة، القادة الفاتحين، الولاة من أهل «الطائف» أدرك النبي ﷺ ولم يره، وأسلم في عهد أبي بكر، ولد في (اهـ.) قال الشعبي: ما رأيت أحدا أخطب من زياد، توفي في (٥٣ هـ.)\nينظر: «ميزان الاعتدال» (١: ٣٥٥)، «الأعلام» (٣/ ٥٣) .\n(٧) أخرجه الطبري (١/ ٣٦١) برقم (١١٠٩)، (١١١٠) عن الحسن وقتادة.\n(٨) أخرجه الطبري (١/ ٣٦٦- ٣٦٧) برقم (١١٢٥) .\n(٩) أخرجه الطبري (١/ ٣٦٦) برقم (١١١٨)، وذكره السيوطي في «الدر» (١/ ١٤٦)، وعزاه للفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(١٠) فلسطين: آخر كور «الشام» من ناحية «مصر»، قصبتها «بيت المقدس»، ومن مشهور مدنها «عسقلان»، -","vol":"1","page":253},{"text":"عسْكَرهم، فجعل عليهم مثْلَ الظُّلَّة، وأخرج اللَّه تعالى البَحْرَ من ورائهم، وأضرم نَارًا من بين أيديهم، فأحاط بهم غضبه، وقيل لهم: خذوها، وعليكُم الميثَاقُ، ولا تضيِّعوها، وإِلا سقط علَيْكم الجبَلُ، وأغرقكم البَحْر، وأحرقتكم النارُ، فَسَجَدُوا توبةً للَّه سبحانه، وأخذوا التوراةَ بالميثاقِ، قال الطبريُّ عن بعض العلماء: لو أخذوها أوَّلَ مرَّة، لم يكُنْ عليهم ميثاقٌ، وكانت سجدتهم على شِقٍّ لأنهم كانوا يرقبون الجَبَل خوْفًا، فلما ﵏ سبحانه، قالوا: لا سجدَةَ أفضلُ من سَجْدة تقبَّلها اللَّه، ورَحِمَ بها، فأَمَرُّوا سجودَهم على شِقٍّ واحدٍ.\nقال ع «١»: والذي لا يصحُّ سواه أن اللَّه تعالى اخترع وقْتَ سجودهم الإِيمان في قلوبهم، لا أنهم آمنوا كُرْهًا، وقلوبهم غيرُ مطمئنة، قال: وقد اختصرْتُ ما سرد في قصصِ هذه الآية، وقصدت أَصَحَّهُ الذي تقتضيه ألفاظُ الآية، وخلط بعْضُ الناس صَعْقَةَ هذه القصَّة بصَعْقة السبعين.\nوبِقُوَّةٍ: قال ابن عباس: معناه: بجِدٍّ واجتهاد «٢» .\nوقال ابن زيد: معناه: بتصديق وتحقيق «٣» .\nوَاذْكُرُوا مَا فِيهِ، أي: تدبُّروه واحْفَظُوا أوامره ووعيدَهُ، ولا تنسوه، ولا تضيِّعوه.\nوقوله تعالى: ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ ... الآية: تولَّى: أصله الإِعراض والإِدبار عن الشيء بالجِسْمِ، ثم استعمل في الإعراض عن الأمورِ، والأديانِ، والمعتقداتِ اتِّساعًا ومجازًا، وتَوَلِّيهِمْ من بعد ذلك: إما بالمعاصِي، فكان فضل اللَّه بالتوبة والإِمهال إِلَيْها، وإما أن يكون تَوَلِّيهم بالكُفْر، فلم يعاجلْهم سبحانه بالهَلاَكِ لِيَكُونَ من ذرِّيَّتهم من يؤمن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-121>[سورة البقرة (٢): الآيات ٦٥ الى ٦٦]</span>\nوَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ (٦٥) فَجَعَلْناها نَكالًا لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٦٦)\n_________\n- و«الرملة»، و«غزة»، و«أرسوف»، و«قيسارية»، و«نابلس»، و«أريحا»، و«عمان» و«يافا»، و«بيت جبرين»، وهي أول أجناد «الشام»، أولها من ناحية الغرب «رفح» وآخرها «اللجون» من ناحية الغور.\nينظر: «مراصد الاطلاع» (٣/ ١٠٤٢) .\n(١) «المحرر الوجيز» (١/ ١٥٩) .\n(٢) أخرجه الطبري (١/ ٣٦٧) برقم (١١٣١) عن السدي، وذكره السيوطي في «الدر» (١/ ١٤٦) وعزاه لابن جرير.\n(٣) أخرجه الطبري (١/ ٣٦٨) برقم (١١٣٢) بلفظ: «خذوا الكتاب الذي جاء به موسى بصدق وبحق» .","vol":"1","page":254},{"text":"وقوله تعالى: وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ ... الآية: علمتمْ:\nمعناه: عرفتم، والسَّبْتُ مأْخوذٌ من السُّبُوت الَّذِي هو الراحةُ والدَّعَة، وإِما من السبت، وهو القَطْع لأن الأشياء فيه سَبَتَتْ وتمَّت خِلْقَتُها، وقصَّة اعتدائهم فيه/ أن الله ﷿ أمر ٢٣ ب موسى ﵇ بيَوْمِ الجُمُعَةِ، وعرَّفه فَضْلَه، كما أمر به سائر الأنبياءِ صلواتُ اللَّه عَلَيْهِمْ، فذكر موسى ذلك لبني إِسرائيل عن اللَّه سبحانه، وأمرهم بالتشرُّع فيه، فأبوا وتعدَّوْه إلى يوم السَّبْت، فأوحى اللَّه إلى موسى أنْ دَعْهم، وما اختاروا من ذلك، وامتحنهم بأنْ أمرهم بترك العَمَل فيه، وحرَّم عليهم صَيْدَ الحِيتَانِ، وشدَّد عليهم المِحْنَة بأن كانت الحِيتَانُ تأتي يوم السبْتِ حتى تخرج إلى الأفنية، قاله الحسن بن أبي الحسن.\nوقيل حتى تخرج خراطيمُهَا من الماء، وذلك إِما بإِلهامٍ من اللَّه تعالى، أو بأمر لا يعلَّل، وإما بأن ألهمها معنى الأَمَنَةِ التي في اليومِ، مع تكراره كما فَهِمَ حمام مَكَّة الأَمَنَةَ، وكان أمر بني إِسرائيل بِأَيْلَةَ «١» على البحْر، فَإِذا ذهب السَّبْت، ذهبت الحيتان، فلم تظهر إلى السبت الآخر، فبقُوا على ذلك زمانًا حتى اشْتَهَوُا الحُوتَ، فعَمَدَ رجُلٌ يوم السبْتِ، فربط حوتًا بخزمة «٢»، وضرب له وَتِدًا بالساحل، فلما ذهب السَّبْتُ، جاء، فأخذه، فسَمِع قومٌ بفعْلِهِ، فصنعوا مثْلَ ما صنع.\nوقيل: بل حفر رجُلٌ في غير السَّبْت حَفِيرًا يخرج إِلَيْه البحر، فإِذا كان يوم السبت، خرج الحوت، وحصل في الحفير، فإذا جزر البحر، ذهب الماء من طريق الحفير، وبقي الحوت، فجاء بعد السبت، فأخذه، ففعل قوم مثل فعله، وكثر ذلك حتى صادره يوم السبت علانيةً، وباعوه في الأسواقِ، فكان هذا من أعظم الاعتداء، وكانت من بني إِسرائيل فرقةٌ نهَتْ عن ذلك، فنجَتْ من العقوبة، وكانت منهم فرقةٌ لم تَعْصِ، ولم تَنْهَ، فقيل:\nنجت مع الناهين، وقيل: هلَكَتْ مع العاصين.\nوكُونُوا: لفظةُ أمر، وهو أمر التكوينِ كقوله تعالى لكُلِّ شَيْءٍ: كُنْ فَيَكُونُ [يس: ٨٢] قال ابن الحاجب «٣»\n_________\n(١) أيلة: مدينة على ساحل بحر «القلزم» مما يلي «الشام» . قيل: هي آخر الحجاز وأول «الشام» . وهي مدينة اليهود، الذين اعتدوا في السبت. ينظر: «مراصد الاطلاع» (١/ ١٣٨) .\n(٢) الخزم: شجر له ليف تتخذ من لحائه الحبال، الواحدة خزمة.\nينظر: «لسان العرب» (١١٥٣) . [.....]\n(٣) عثمان بن عمر بن أبي بكر بن يونس، أبو عمرو، جمال الدين ابن الحاجب: فقيه مالكي، من كبار-","vol":"1","page":255},{"text":"في مختصره الكَبِيرِ المسمى ب «منتهى الوُصُولِ» «١»: صيغةُ: افعل، وما في معناها قد صَحَّ إِطلاقها بإزاء خمسةَ عَشَرَ محملًا.\nالوجوبُ: أَقِمِ الصَّلاةَ [الإسراء: ٧٨] والنَّدْبُ: فَكاتِبُوهُمْ [النور: ٣٣] .\nوالإِرشادُ: وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ [البقرة: ٢٨٢] والإِباحةُ: فَاصْطادُوا [المائدة: ٢] .\nوالتأديب: «كُلْ مِمَّا يَلِيكَ» . والامتنانُ: كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ [الأنعام: ١٤٢] .\nوالإِكرامُ: ادْخُلُوها بِسَلامٍ [ق: ٣٤] والتَّهديد: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ [فصلت: ٤٠] والإِنذار: تَمَتَّعُوا [إبراهيم: ٣٠] والتسخيرُ: كُونُوا قِرَدَةً [الأعراف: ١٦٦] والإِهانة:\nكُونُوا حِجارَةً [الإسراء: ٥٠] والتَّسويةُ: فَاصْبِرُوا أَوْ لاَ تَصْبِرُوا [الطور: ١٦] والدعاءُ:\nاغْفِرْ لَنا [آل عمران: ١٤٧] والتمنِّي: [الطويل]:\n... أَلاَ انجلي ... «٢»\nوكمالُ القدرة: كُنْ فَيَكُونُ [يس: ٨٢] . انتهى.\nوزاد غيره كونها للتعجيزِ، أعني: صيغةَ «افعل» .\nقال ابن الحاجِبِ: وقد اتفق على أنها مجازٌ فيما عَدَا الوُجُوبَ والنَّدْبَ والإِباحةَ والتهديدَ، ثم الجمهورُ على أنها حقيقةٌ في الوجوب «٣» . انتهى.\n_________\n- العلماء بالعربية، كردي الأصل. ولد في «أسنا» (من صعيد مصر) ونشأ في «القاهرة»، وسكن «دمشق»، وكان أبوه حاجبا، فعرف به، له تصانيف كثيرة منها: «الكافية» في النحو، و«الشافية» في الصرف. ولد سنة (٥٧٠ هـ.)، وتوفي سنة (٦٤٦ هـ.) .\nينظر: «وفيات» (١: ٣١٤)، «الطالع السعيد» (١٨٨)، «مفتاح السعادة» (١: ١١٧)، «غاية النهاية» (١: ٥٠٨)، «الأعلام» (٤/ ٢١١) .\n(١) ينظر: «البرهان» (١/ ٢١٢)، «المحصول» (١/ ٢/ ٦٢)، «الأحكام» للآمدي (١/ ١٢٢)، «المستصفى» (١/ ٤٢٠)، «التمهيد» للأسنوي (٢٦٩)، «المنخول» (١٠٥)، «شرح العضد» (٢/ ٧٩)، «شرح الكوكب» (٢/ ٤١)، «المعتمد» (١/ ٥٧)، «التبصرة» (٢٧)، «كشف الأسرار» (١/ ١٠٧)، «حاشية البناني» (١/ ٣١٦)، «فواتح الرحموت» (١/ ٣٧٢)، «تيسير التحرير» (١/ ٣٥١)، «أصول السرخسي» (١/ ١٥)، «الوصول إلى الأصول» (١/ ١٣٣)، «تقريب الوصول» (٩٣)، «ميزان الأصول» (١/ ٢١٧) .\n(٢) البيت لامرىء القيس في ديوانه ص (١٨) و«الأزهية» ص (٢٧١) و«خزانة الأدب» (٢/ ٣٢٦، ٣٢٧) و«سرّ صناعة الإعراب» (٢/ ٥١٣)، و«لسان العرب» (١١/ ٣٦١) (شلل) و«المقاصد النحويّة» (٤/ ٣١٧) وبلا نسبة في «أوضح المسالك» (٤/ ٩٣) و«جواهر الأدب» ص (٧٨) و«رصف المباني» ص (٧٩) و«شرح الأشموني» (٢/ ٤٩٣) .\n(٣) ولطلب الفعل صيغ مختلفة نوردها فيما يلي:","vol":"1","page":256},{"text":"وخاسِئِينَ: معناه: مُبْعَدِينَ أذلاَّء صاغِرِينَ كما يقال للكَلْب، وللمطْرُود:\nاخسأ، وروي في قصصهم أنَّ اللَّه تعالى مسخ العاصِينَ قردَةً في الليل، فأصبح الناجون\n_________\n- ١- فعل الأمر: وذلك بصيغته المعروفة مثل قوله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ [الحج: ٧٨] .\n٢- صيغة المضارع المقترن ب «لام الأمر» مثل قوله تعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة: ١٨٥] .\nومثل: وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ [الحج: ٢٩] .\nومثل: لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ [الطلاق: ٧] .\n٣- صيغة المصدر القائم مقام فعل الأمر: مثل قوله تعالى: فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ [المائدة: ٨٩] .\nومثل قوله تعالى: فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ [محمد: ٤] .\n٤- جملة خبرية يراد بها الطلب: مثل قوله تعالى: وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ [البقرة: ٢٣٣] .\nإذ ليس المراد من هذا النّصّ الإخبار عن حصول الإرضاع من الوالدات لأولادهن، وإنما المراد هو أمر الوالدات بإرضاع أولادهن، وطلب إيجاده منهن.\nومثل قوله تعالى: وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا [النساء: ١٤١] .\nفإن الظاهر من هذه الآية أنها للخبر، وإنما المراد بها أمر المؤمنين ألا يمكّنوا الكافرين من التّجبّر عليهم، والتّكبّر بأية صفة كانت.\nومثل قوله ﷺ فيما أخرجه الشّيخان: «لا تنكح البكر حتّى تستأذن» .\nوقد اتّفق الأصوليون على أنّ صيغة الأمر تستعمل في مدلولات كثيرة، لكن لا تدلّ على واحد من هذه المدلولات بعينه إلا بقرينة، وهذه المدلولات هي كما ذكرها المصنف ﵀.\nوقد اختلفت آراء العلماء في تعداد هذه الصّيغ زيادة، ونقصا، وسبب ذلك تداخل هذه الصّيغ مع بعضها، واختلاف وجهات النّظر في المعنى، وفي القرينة الّتي تحدّد وجه الاستعمال.\nواتّسعت دائرة الاختلاف بين العلماء والأصوليين فيما يدلّ عليه الأمر حقيقة حيث إنّ دوران الأمر على أوجه كثيرة- كما سبق- لا يدلّ على أنّه حقيقة في كلّ منها.\nفإذا ورد أمر من الأوامر في القرآن الكريم، أو في السّنّة النّبويّة، فهل يعتبر هذا الأمر دالّا على الوجوب؟\nأم النّدب؟ أم الإباحة؟ أم لمعنى آخر؟\nإن خصوصيّة التّعجيز، والتّحقير، والتّسخير ... وغير هذه المعاني غير مستفاد من مجرّد صيغة الأمر، بل إنّما تفهم هذه المعاني من القرائن، وعليه فلا خلاف في أنّ صيغة الأمر ليست حقيقيّة في جميع الوجوه السّابقة.\nوللعلماء آراء متعدّدة في دلالة الصيغة على الوجوب، أو على الندب، أو على غيرهما، فقد اتفق العلماء على أن صيغة الأمر لا تدلّ على أي معنى من المعاني المتقدمة إلا بقرينة، كما قلنا سابقا.\nوقد اختلفوا فيما إذا تجرّدت هذه الصّيغة عن القرينة، فهل تدل على الوجوب؟ أم على النّدب؟ أم على الإباحة؟\nالمذهب الأوّل: وهو لجمهور العلماء حيث ذهبوا إلى أن صيغة «افعل» تدلّ على الوجوب حقيقة، -","vol":"1","page":257},{"text":"إلى مساجِدِهِمْ، ومجتمعاتِهِمْ، فلم يروا أحدًا من الهالكينَ، فقالوا: إِن للنَّاس لشأنًا، ففتحوا عليهم الأبوابَ لما كانت مغْلَقة باللَّيْل، فوجدوهم قردَةً يعرفون الرجُلَ والمرأة.\nوقيل: إن الناجينَ كانُوا قد قسموا بينهم وبين العاصين القريَةَ بجِدَارٍ تَبَرِّيًا منهم، فأصبحوا، ولم تفتحْ مدينةُ الهالكين، فتسوَّروا عليهم الجدارَ، فإِذَا هم قردةٌ يثبُ بعضهم ٢٤ أعلى بعض/.\nوروي عن النبيّ ﷺ، وثبت أنَّ المُسُوخَ لا تنسل، ولا تأكل، ولا تشرَبُ، ولا تعيشُ أكثَرَ من ثلاثة أيام «١»، ووقع في كتاب مسلم عنه ﷺ «أنّ أمّة من الأمم فقدت، وأراها\n_________\n- مجازا فيما سواه، أي: في النّدب والإباحة، وسائر المعاني المستعملة فيها الصيغة، وهذا مذهب الشافعي، واختاره ابن الحاجب في «المختصر»، والبيضاويّ في «المنهاج» .\nالمذهب الثّاني: ويعزى لأبي هاشم الجبّائي، وهو وجه عند الشافعية حيث ذهبوا إلى أن صيغة الأمر حقيقة في الندب، مجاز فيما سواه.\nالمذهب الثّالث: يرى أن صيغة الأمر حقيقة في الإباحة، وهو التخيير بين الفعل والتّرك، فهي لا تدلّ إلا على الجواز حقيقة لأنه هو المتيقن، فعند خلوّه عن القرينة يكون حقيقته في الإباحة، مجازا فيما سواها.\nالمذهب الرّابع: ويعزى للماتريديّ حيث يرى أن صيغة الأمر حقيقة في القدر المشترك بين الوجوب والندب، وهو الطّلب لأن كلا من الوجوب والندب طلب، ويزاد قيد الجزم في جانب الوجوب لأنه الطلب الجازم، والندب غير جازم.\nالمذهب الخامس: وفيه تكون صيغة الأمر مشتركة بين الوجوب والنّدب اشتراكا لفظيّا.\nالمذهب السّادس: يرى أن صيغة الأمر مشتركة بين الوجوب، والنّدب، والإباحة.\nالمذهب السّابع: يرى أن صيغة الأمر حقيقة في القدر المشترك بين هذه الأنواع الثلاثة، وهو الإذن. نصّ عليه أبو عمرو بن الحاجب.\nالمذهب الثّامن: وإليه ذهب القاضي أبو بكر الباقلاني، والغزالي، والآمديّ حيث كانوا يتوقّفون عن القول بأن الصيغة تدلّ على الوجوب، أو على الندب لأن الصيغة استعملت في الوجوب تارة، وفي النّدب أخرى، فقالوا بالتوقّف.\nقال الآمديّ: ومنهم من توقّف، وهو مذهب الأشعري (رحمه الله تعالى) ومن تبعه من أصحابه كالقاضي أبي بكر، والغزالي، وغيرهما، وهو الأصح.\nالمذهب التّاسع: يرى أن صيغة الأمر مشتركة بين الوجوب، والندب، والإباحة، والإرشاد، والتهديد.\nوقيل: صيغة الأمر مشتركة بين الوجوب، والنّدب، والتحريم، والكراهة، والإباحة فهي مشتركة بين الأحكام الخمسة، ووجهة دلالة الصيغة على التحريم والكراهة فإنها تستعمل في التّهديد، وهو يستلزم ترك الفعل المهدّد عليه، وهو إما محرم، أو مكروه.\nينظر: «الإحكام» للآمدي (٢/ ٩)، و«التيسير شرح التحرير» (٢/ ٤٩) .\n(١) ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (١/ ١٤٧) وعزاه لابن جرير عن ابن عباس.","vol":"1","page":258},{"text":"الفأر»، وظاهر هذا أنَّ المسوخ تنسل، فإن كان أراد هذا، فهو ظنّ منه ﷺ في أمر لا مَدْخَلَ له في التبليغِ، ثم أوحي إِلَيْه بعد ذلك أنَّ المسوخ لا تنسل ونظير ما قلناه نزوله ﷺ على مياهِ بَدْرٍ وأمره باطراح تذكير النخل، وقد قال ﷺ: إذا أخبرتكم عنِ اللَّهِ تعالى، فهو كما أخبرتكم، وإذا أخبرتكم برأْيِي في أمور الدنيا، فإنما أنا بشر مثلكم، والضمير في فَجَعَلْناها يَحتَمِلُ عوده على المسخة والعقوبة، ويحتمل علَى الأُمَّة الَّتِي مُسِخَتْ، ويحتمل على القِرَدَةِ، ويحتمل على القرية إِذ معنى الكلام يقتضيها، والنَّكال:\nالزجر بالعقاب، ولِما بَيْنَ يَدَيْها. قال السُّدِّيُّ: ما بين يَدَيِ المسخة مَا قَبْلَهَا من ذنوب القَوْم، وما خَلْفها لمن يذنب بعدها مثل تلك الذنوب «١»، وقال غيره: ما بين يدَيْها من حضرها من الناجين، وما خلفها، أي: لمن يجيءُ بعدها «٢»، وقال ابن عبَّاس: لما بين يديها وما خلْفَها من القرى «٣» .\nوَمَوْعِظَةً: من الاتعاظ، والازدجار، ولِلْمُتَّقِينَ: معناه: الذين نَهَوْا وَنَجَوْا، وقالتْ فرقةٌ: معناه: لأمّة محمّد ﷺ، واللفظ يَعُمُّ كُلَّ مُتَّقٍ من كلِّ أُمَّةٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-122>[سورة البقرة (٢): الآيات ٦٧ الى ٧٣]</span>\nوَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُوًا قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ (٦٧) قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ (٦٨) قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (٦٩) قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (٧٠) قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ (٧١)\nوَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيها وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢) فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٧٣)\nوقوله تعالى: وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ ... الآية: المراد تذكيرهم بنقْضِ سلفهم للميثاقِ، وسبب هذه القصَّة على ما روي أن رجلًا من بني إسرائيل أَسَنّ، وكان له مالٌ، فاستبطأ ابن أخيه موته، وقيل: أخوه، وقيل: ابنا عمه، وقيل: ورثةٌ غيْرُ معيَّنين، فقتله ليرثه، وألقاه في سبط آخر غير سبطه ليأخذ ديته، ويلطّخهم بدمه.\n_________\n(١) ذكره ابن عطية في «التفسير» (١/ ١٦١)، والماوردي (١/ ١٣٦) .\n(٢) ذكره ابن عطية في «التفسير» (١/ ١٦١) .\n(٣) ذكره ابن عطية (١/ ١٦١)، وقد رجح هذا الخبر الذي رواه ابن عباس.","vol":"1","page":259},{"text":"وقيل: كانت بنو إسرائيل في قريتين متجاورتين، فألقاهُ إِلى باب إِحدى القريتَيْن، وهي التي لم يُقْتَلْ فيها، ثم جعل يطلبه هو وسبطه حتى وجده قتيلًا، فتعلَّق بالسبط، أوْ بسكَّان المدينة التي وجد القتيل عندها، فأنكروا قتله، فوقع بين بني إسرائيل في ذلك لحاء «١» حتى دخلوا في السِّلاح، فقال أهل النهى، منهم: أَنَقْتَتِلُ ورسُولُ اللَّهِ معنا، فذهبوا إلى موسى ﵇، فقصُّوا علَيْهِ القصَّة، وسألوهُ البيانَ، فأوحى اللَّه تعالى إِليه أن يذبحوا بقرةً، فيُضْرَبُ القتيل ببعضها، فيحيى ويُخْبِرُ بقاتله، فقال لهم: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً، فكان جوابهم أنْ قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُوًا وهذا القول منهم ظاهره فسادُ اعتقادٍ مِمَّنْ قاله، ولا يصحُّ إيمان من يقول لِنبيٍّ قد ظهرتْ معجزته، وقال: إن اللَّه يأمرُ بكذا: أنتخذُنَا هُزُوًا، ولو قال ذلك اليوم أحد عن بعض أقوال النبيّ ﷺ، لوجب تكفيره.\nوذهب قوم إلى أنَّ ذلك منهم على جهة غلظ الطبع والجفاء، وقول موسى ﵇: أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ:\nأحدهما: الاستعاذةُ من الجهل في أن يخبر عن اللَّه تعالى مستهزئًا.\nوالآخر: من الجهل كما جهلوا في قولهم.\n٢٤ ب وقوله تعالى: قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ/ ... الآيةَ: هذا تعنيتٌ منهم، وقلَّةُ طواعية، ولو امتثلوا الأمر، فاستعرضوا بقرةً فذبحُوها، لَقَضَوْا ما أمروا به، ولكن شدَّدوا، فشَدَّدَ اللَّهُ علَيْهم قاله ابن عَبَّاسٍ وغيره «٢» .\nوالفارض: المسنَّة الهَرِمَة، والبِكْر من البقر: التي لم تلدْ من الصغر، ورفعت «عَوَانٌ» على خبر ابتداءِ مضمرٍ، تقديره: هي عَوَانٌ، والعَوَانُ التي قد وَلَدَتْ مرَّةً بعد مرّة.\nقال م: قال الجَوْهَرِيُّ «٣»: والعَوَانُ: النَّصَفُ في سِنِّها من كل شيْء، والجمعُ عون. انتهى.\n_________\n(١) اللّحاء- ممدود-: الملاحاة كالسّباب، ولاحى الرّجل وملاحاة ولحاء: شاتمه. ولاحيته ملاحاة ولحاء:\nإذا نازعته. ينظر: «لسان العرب» (٤٠١٥) .\n(٢) أخرجه الطبري (١/ ٣٨٩) برقم (١٢٣٩)، وذكره السيوطي في «الدر» (١/ ١٥١)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم. كلاهما عن ابن عباس.\n(٣) إسماعيل بن حماد الجوهري، كان من أعاجيب الزمان ذكاء، وفطنة، وعلما، كان إماما في اللغة والأدب، قرأ على ابن علي الفارسي، والسيرافي. له: «الصحاح»، و«مقدمة في النحو»، مات سنة ٣٩٣ هـ.\nينظر: «البغية» (١/ ٤٤٦، ٤٤٧) . [.....]","vol":"1","page":260},{"text":"ت: قال الشيخُ زين الدين عبد الرحيم بن حُسَيْنٍ العَراقيُّ «١» في نظمه لغريب القُرآن جمع أبي حيان: [الرجز]\nمعنى «عَوَانٌ» نَصَفٌ بَيْنَ الصِّغَرْ ... وَبَيْنَ مَا قَدْ بَلَغَتْ سِنَّ الْكِبَرْ\nوكل ما نقلته عن العِرَاقِيِّ منظومًا، فمن أرجوزته هذه.\nوقوله: فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ تجديدٌ للأمر، وتأكيدٌ وتنبيهٌ على ترك التعنُّت، فما تركوه. قال ابنُ زَيْد: وجمهورُ الناسِ في قوله: صَفْراءُ أنَّها كانت كلُّها صفراء، وفي «مختصر الطبريِّ»: فاقِعٌ لَوْنُها أي: صافٍ لونُها. انتهى.\nوالفقوعُ مختصٌّ بالصفرة كما خُصَّ أحمر بقانئ، وأسْوَدُ بحالِك، وأبْيَضُ بناصِع، وأخْضَرُ بناضِرٍ، قال ابن عبَّاس وغيره: الصفرة تسر النفْسَ، وسأَلُوا بعد هذا كلِّه عن ما هي سؤال متحيِّرين، قد أحسُّوا مقْتَ المعصية «٢» .\nوفي استثنائهمْ في هذا السؤالِ الأخيرِ إنابةٌ مَّا، وانقيادٌ، ودليلُ ندمٍ وحِرْصٌ على موافقة الأمر. ورُوِيَ عن النبيّ ﷺ أنَّهُ قَالَ: «لَوْلاَ مَا استثنوا، مَا اهتدوا إليها أبدا» «٣» .\n_________\n(١) عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن إبراهيم، محدث الديار المصرية، ذو التصانيف المفيدة، زين الدين أبو الفضل، العراقي الأصل، الكردي. ولد سنة (٧٢٥)، أحب الحديث، وسمع كثيرا، وولع بتخريج أحاديث «الإحياء»، ورافق الزيلعي الحنفي، وكان مفرط الذكاء، أكثر الرحلة والسماع، أخذ عنه الهيثمي، وغيره كابن حجر وبرهان الدين الحلبي، صنف «ألفية الحديث» وعمل نكتا على ابن الصلاح، وشرع في تكملة شرح الترمذي تذييلا على ابن سيد الناس. ت (٨٠٦) .\nينظر: «طبقات ابن قاضي شهبة» (٤/ ٢٩)، «الضوء اللامع» (٤/ ١٧١)، «إنباء الغمر» (٥/ ١٧٠) .\n(٢) ذكره ابن عطية الأندلسي (١/ ١٦٣) .\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (١/ ٢٢٣)، رقم (٧٢٧)، والبزار (٣/ ٤٠- كشف)، رقم (٢١٨٨)، وابن مردويه كما في «تفسير ابن كثير» (١/ ١١١)، كلهم من طريق عباد بن منصور، عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «لولا أن بني إسرائيل قالوا: وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ [البقرة: ٧٠] لما أعطوا، ولكن استثنوا» وقال البزار: لا نعلمه يروى عن أبي هريرة إلا بهذا الإسناد.\nوقال الهيثمي في «المجمع» (٦/ ٣١٩): رواه البزار، وفيه عباد بن منصور، وهو ضعيف، وبقية رجاله ثقات.\nوقال ابن كثير: وهذا حديث غريب من هذا الوجه، وأحسن أحواله أن يكون من كلام أبي هريرة.\nوالحديث ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (١/ ١٥٠)، وعزاه إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه.\nوللحديث شاهد مرسل عن عكرمة.\nذكره السيوطي في «الدر المنثور» (١/ ١٥٠)، وعزاه إلى سعيد بن منصور، والفريابي، وابن المنذر.","vol":"1","page":261},{"text":"وقوله: لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ، أي: غير مذللة بالعمل والرياضة، وتُثِيرُ الْأَرْضَ معناه: بالحراثة، وهي عند قوم جملةٌ في موضعِ رفعٍ على صفة البقرة، أي: لا ذلول مثيرة، وقال قوم: «تُثِيرُ» فعلٌ مستأنفٌ والمعنى إيجاب الحرث، وأنها كانت تحرُثُ، ولا تسقي، ومُسَلَّمَةٌ: بناء مبالغة من السلامة قال ابن عبَّاس وغيره: معناه: من العيوب «١»، وقال مجاهد: معناه: من الشّيات والألوان «٢»، وقيل: من العمل «٣» .\nولا شِيَةَ فِيها، أي: لا خلاف في لونها هي صفراء كلُّها قاله ابن زيد وغيره، والمُوَشَّى المختلِطُ الألوان، ومنه: وَشْيُ الثَّوْب: تزينه بالألوان، والثَّوْرُ الأَشْيَهُ الذي فيه بلقة يقال: فرس أَبْلَقُ، وكبش أَخْرَجُ، وتَيْسٌ أَبْرَق، وكَلْبٌ أبقع، وثور أشبه كل ذلك بمعنى البلقة.\nوهذه الأوصاف في البقرة سببها أنهم شدَّدوا، فشدَّد اللَّه عليهم، ودينُ اللَّه يُسْر، والتعمُّق في سؤال الأنبياء مذمومٌ، وقصَّة وجود هذه البقرة على ما روي أنَّ رجلًا من بني إِسرائيل ولد له ابنٌ، وكانت له عِجْلَةٌ، فأرسلها في غيضة «٤»، وقال: اللهم، إني قد استودعتُكَ هذه العِجْلَةَ لهذا الصبيِّ، ومات الرجُلُ، فلما كبر الصبيُّ، قالت له أمه: إِن أباك كان قد استودع اللَّه عِجْلَةً لكَ، فاذهب، فخذْها، فلما رأَتْه البقَرَة، جاءت إلَيْه حتى أخذ بقرنَيْها، وكانت مستوحشةً، فجعل يقودها نحو أمه، فلقيه بنو إسرائيل، ووجدوا بقرته على الصِّفَة التي أمروا بها، فلمَّا وجدت البقرة، ساموا صاحبها، فاشتطّ عليهم، فأتوا به موسى ٢٥ أعليه السلام وقالوا له: إِن هذا اشتطَّ علينا، فقال لهم موسى: أرضُوهُ في مِلْكِه. / فاشتروها منه بوزنها مرّة قاله عبيدة السّلمانيّ «٥»،\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١/ ٣٩٤- ٣٩٥) برقم (١٢٦٢- ١٢٦٣- ١٢٦٤)، عن قتادة وأبي العالية، وذكره السيوطي في «الدر» (١/ ١٥٢) عن أبي العالية، وعزاه لابن جرير.\n(٢) ذكره ابن عطية الأندلسي (١/ ١٩٤) .\n(٣) ذكره ابن عطية الأندلسي (١/ ١٦٤) .\n(٤) الغيضة: الأجمة، وهي مغيض ماء يجتمع فينبت فيه الشجر. ينظر: «لسان العرب» (٣٣٢٧) .\n(٥) أخرجه الطبري (١/ ٣٩٨) برقم (١٢٩٠) عن عبيدة السلماني من طريق محمد بن سيرين. كما أخرجه عبد الرزاق في التفسير (١/ ٤٩) .\nوهو عبيدة بن عمرو السّلماني، قبيلة من «مراد» . مات النبي ﷺ وهو في الطريق. عن علي، وابن مسعود. وعنه الشعبي، والنخعي، وابن سيرين. قال ابن عيينة: كان يوازي شريحا في القضاء والعلم.\nقال أبو مسهر: مات سنة اثنتين وسبعين. وقال الترمذي: سنة ثلاث.\nينظر: «الخلاصة» (٢/ ٢٠٧)، «طبقات ابن سعد» (٦/ ٩٣)، «سير أعلام النبلاء» (٤/ ٤٠)، «العبر» (١/ ٧٩)، و«التقريب» (١/ ٥٤٧) .","vol":"1","page":262},{"text":"وقيل: بوزنها مرتَيْنِ «١» . وقيل: بوزنها عشْرَ مرَّات «٢»، وقال مجاهد: كانت لرجل يبَرُّ أمه، وأخذت منه بملء جلدها دنانير «٣» .\nوالْآنَ: مبنيٌّ على الفتح «٤»، معناه: هذا الوقت، وهو عبارة عما بين الماضي والمستقبل، وجِئْتَ بِالْحَقِّ: معناه عن من جعلهم عُصَاةً: بيَّنْتَ لنا غاية البيانِ، وهذه الآية تعطي أن الذَّبْح أصل في البقر، وإن نحرت أَجْزَأَ.\nوقوله تعالى: وَما كادُوا يَفْعَلُونَ: عبارة عن تثبُّطهم في ذَبْحِها، وقلَّة مبادرتهم إلى أمر اللَّه تعالى، وقال محمَّد بن كَعْب القُرَظِيُّ: كان ذلك منهم لغلاء البقرة «٥»، وقيل: كان\n_________\n(١) ذكره ابن عطية الأندلسي (١/ ١٦٤)، ولم يذكر له سندا.\n(٢) أخرجه الطبري (١/ ٣٩٨) برقم (١٢٨٢) عن السدي.\n(٣) أخرجه الطبري (١/ ٣٩٨) برقم (١٢٨٤) بلفظ: «كانت البقرة لرجل يبر أمه، فرزقه الله أن جعل تلك البقرة له، فباعها بملء جلدها ذهبا» . عن مجاهد. اهـ.\n(٤) واختلف في علّة بنائه، فقال الزجاج: «لأنّه تضمّن معنى الإشارة لأنّ معنى أفعل الآن أي: هذا الوقت» . وقيل: لأنه أشبه الحرف في لزوم لفظ واحد، من حيث إنه لا يثنّى ولا يجمع ولا يصغّر.\nوقيل: لأنه تضمّن معنى حرف التعريف وهو الألف واللام كأمس، وهذه الألف واللام زائدة فيه بدليل بنائه ولم يعهد معرّف بأل إلّا معربا، ولزمت فيه الألف واللام كما لزمت في «الذي» و«التي» وبابهما، ويعزى هذا للفارسي. وهو مردود بأنّ التضمين اختصار، فكيف يختصر الشيء، ثم يؤتى بمثل لفظه.\nوهو لازم للظرفيّة ولا يتصرّف غالبا، وقد وقع مبتدأ في قوله﵇-: «فهو يهوي في قعرها الآن حين انتهى» فالآن مبتدأ، وبني على الفتح لما تقدّم، و«حين» خبره، بني لإضافته إلى غير متمكّن، ومجرورا في قوله:\nأإلى الآن لا يبين ارعواء ...\nوادعى بعضهم إعرابه مستدلا بقوله:\nكأنّهما ملآن لم يتغيّرا ... وقد مرّ للدارين من بعدنا عصر\nيريد: «من الآن» فجرّه بالكسرة، وهذا يحتمل أن يكون بني على الكسر. وزعم الفراء أنه منقول من فعل ماض، وأن أصله آن بمعنى حان فدخلت عليه أل زائدة واستصحب بناؤه على الفتح، وجعله مثل قولهم: «ما رأيته مذ شبّ إلى دبّ» وقوله ﵇: «وأنهاكم عن قيل وقال»، وردّ عليه بأنّ أل لا تدخل على المنقول من فعل ماض، وبأنه كان ينبغي أن يجوز إعرابه كنظائره، وعنه قول آخر أنّ أصله «أوان» فحذفت الألف ثم قلبت الواو ألفا، فعلى هذا ألفه عن واو، وقد أدخله الراغب في باب «أين» فتكون ألفه عن ياء، والصواب الأول.\nينظر: «الدر المصون» (١/ ٢٦٠، ٢٦١) .\n(٥) أخرجه الطبري (١/ ٣٩٧) برقم (١٢٧٩) بلفظ: «من كثرة قيمتها» قال العلامة أحمد شاكر: «وفيه أبو معشر بن عبد الرحمن السندي المدني، وهو ضعيف» .، وذكره السيوطي في «الدر» (١/ ١٥٢)، وعزاه لابن جرير، وذكره الشوكاني في «تفسيره» (١/ ١٦٣) .","vol":"1","page":263},{"text":"ذلك خوف الفضيحة في أمر القاتل «١» .\nوفَادَّارَأْتُمْ: معناه: تدافعتم قتل القتيل، وفِيها، أي: في النَّفْس.\nوقوله تعالى: اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها\n: آية من اللَّه تعالى على يدَيْ موسى ﵇ أن أمرهم أن يضربوا ببعض البقرة القتيلَ، فيحيى ويخبر بقاتله، فقيل: ضربوه، وقيل: ضربوا قبره لأن ابن عباس ذكر أنَّ أمر القتيل وقع قَبْل جواز البَحْر، وأنهم داموا في طلب البقرة أربعين سنَةً.\nوقوله تعالى: كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى ...\nالآيةَ: في هذه الآية حض على العبرة، ودلالةٌ على البعث في الآخرة، وظاهرها أنها خطاب لبني إسرائيل حينئذ، حكي لمحمّد ﷺ، ليعتبر به إلى يوم القيامة.\nوذهب الطبريُّ إلى أنها خطاب لمعاصري محمّد ﷺ، وأنها مقطوعة من قوله:\nاضْرِبُوهُ بِبَعْضِها\n، وروي أن هذا القتيل لما حَيِيَ، وأخبر بقاتله، عاد ميتا كما كان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-123>[سورة البقرة (٢): الآيات ٧٤ الى ٧٥]</span>\nثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٧٤) أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥)\nوقوله تعالى: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ ... الآية: أي: صلبت وجفَّت، وهي عبارة عن خلوِّها من الإنابة والإذعان لآيات اللَّه تعالى، قال قتادة وغيره: المراد قلوب بني إسرائيل جميعًا في معاصيهم، وما ركبوه بعد ذلك «٢»، و«أَوْ»: لا يصحُّ أن تكون هنا للشكِّ، فقيل: هي بمعنى «الواو»، وقيل: للإضراب، وقيل: للإبهام، وقيل غير ذلك «٣» .\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١/ ٣٩٩) برقم (١٢٩٢) عن وهب بن منبه كان يقول: «إن القوم إذ أمروا بذبح البقرة، إنما قالوا لموسى «أتتخذونا هزوا» لعلمهم بأنهم سيفتضحون إذا ذبحت، فحادوا عن ذبحها»، وذكره ابن عطية في تفسيره (١/ ١٦٥)، والقرطبي (١/ ٣٨٧)، عن وهب بن منبه. [.....]\n(٢) ذكره ابن عطية الأندلسي في تفسيره (١/ ١٦٦) عن أبي العالية وقتادة.\n(٣) في «أو» خمسة أقوال:\nأظهرها: أنها للتفصيل بمعنى أنّ النّاظرين في حال هؤلاء منهم من يشبّههم بحال المستوقد الذي هذه صفته، ومنهم من يشبّههم بأصحاب صيّب هذه صفته.\nالثاني: أنها للإبهام، أي: إن الله أبهم على عباده تشبيههم بهؤلاء أو بهؤلاء.","vol":"1","page":264},{"text":"وقوله تعالى: وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ ... الآية: معذرةٌ للحجارة، وتفضيلٌ لها على قلوبهم، قال قتادة: عذر اللَّه تعالى الحجارة، ولم يعذِر شقيَّ بني آدم «١» .\nت: وروى البَزَّار عن النبيِّ ﷺ أنه قال: «أَرْبَعَةٌ مِنَ الشَّقَاءِ: جُمُودُ العَيْنِ، وَقَسَاوَةُ القَلْبِ، وَطُولُ الأَمَلِ، وَالْحِرْصُ عَلَى الدُّنْيَا» «٢» . انتهى من «الكوكب الدّرّيّ» لأبي\n_________\n- الثالث: أنها للشّكّ، بمعنى أن الناظر يشكّ في تشبيههم.\nالرابع: أنها للإباحة.\nالخامس: أنها للتخيير، أي: أبيح للناس أن يشبّهوهم بكذا أو بكذا، وخيّروا في ذلك. وزاد الكوفيون فيها معنيين آخرين:\nأحدهما: كونها بمعنى الواو، وأنشدوا: [البسيط]\nجاء الخلافة أو كانت له قدرا ... كما أتى ربّه موسى على قدر\nوالثاني: كونها بمعنى بل، وأنشدوا: [الطويل]\nبدت مثل قرن الشمس في رونق الضّحى ... وصورتها أو أنت في العين أملح\nأي: بل أنت.\nينظر: «الدر المصون» (١/ ١٣٤- ١٣٥) .\n(١) أخرجه الطبري (١/ ٤٠٨) برقم (١٣٢٣)، وذكره السيوطي في «الدر» (١/ ١٥٦)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير.\n(٢) أخرجه البزار (٣٢٣٠- كشف)، وابن الجوزي في «الموضوعات» (٣/ ١٢٥) من طريق هانىء بن المتوكل عن عبد الله بن سليمان عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس مرفوعا.\nوقال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح عن رسول الله ﷺ، ففيه هانىء بن المتوكل. قال ابن حبان:\nكثرت المناكير في روايته، لا يجوز الاحتجاج به. وقال ابن الجوزي: وعبد الله بن سليمان مجهول.\nوذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٢٢٩)، وقال: رواه البزار، وفيه هانىء بن المتوكل، وهو ضعيف.\nوتعقب السيوطي ابن الجوزي في «اللآلئ» (٢/ ٣١٢) بما لا طائل تحته، فقال: أورده في «الميزان» في ترجمة هانىء، وقال: حديث منكر. اهـ.\nوالحديث ذكره الحافظ في «اللسان» (٦/ ١٨٦- ١٨٧) وقال: أورده البزار في مسنده، وقال:\nعبد الله بن سليمان روى أحاديث لم يتابع عليها. وأما هانىء فقال ابن القطان: لا يعرف حاله. كذا قال. وقال أبو حاتم الرازي: أدركته ولم أكتب عنه. اهـ. وللحديث طريق آخر:\nأخرجه ابن عدي في «الكامل» (٣/ ١٠٩٩)، وأبو نعيم في «تاريخ أصبهان» (١/ ٢٤٦)، (٢/ ٣٢٣)، وابن الجوزي في «الموضوعات» (٣/ ١٢٥) كلهم من طريق سليمان بن عمرو النخعي عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس مرفوعا.\nوقال ابن عدي: هذا الحديث وضعه سليمان على إسحاق.\nوقال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح عن رسول الله ﷺ، أبو داود النخعي، قال أحمد ويحيى: كان يضع الأحاديث، قال ابن عدي: وضع هذا على إسحاق. وللحديث طريق ثالث:\nأخرجه أبو نعيم في «الحلية» (٦/ ١٧٥) من طريق الحسن بن عثمان: ثنا أبو سعيد المازني، ثنا-","vol":"1","page":265},{"text":"العباس أحمد بن سَعْد التُّجِيبِيِّ، قال الغَزَّاليُّ في «المِنْهَاج»: واعلم أن أول الذنب قسوةٌ، وآخره، والعياذ باللَّه، شؤمٌ وشِقْوَةٌ، وسوادُ القلْب يكون من الذنوب، وعلامةُ سواد القلب ألاَّ تجد للذنوب مفزعًا، ولا للطاعات موقعًا، ولا للموعظة منجعًا. انتهى.\nوقيل في هبوط الحجارة: تفيُّؤ ظلالها، وقيل: إن اللَّه تعالى يخلُقُ في بعض الأحجار خشيةً وحياةً، يهبط بها من عُلْوٍ تواضعًا، وقال مجاهد: ما تردى حجرٌ من رأسِ جبلٍ، ولا تَفَجَّرَ نهر من حَجَر، ولا خَرَج ماء منه، إلا من خشية الله ﷿ نزل بذلك القرآن «١»، وقال مثله ابْنُ جُرَيْجٍ «٢» .\nوقوله تعالى: أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ ... الآية: الخطاب للمؤمنين من أصحاب محمّد ﷺ وذلك أن الأنصار كان لهم حرص على إسلام اليهود للحلف والجوار ٢٥ ب الذي كان بينهم، ومعنى هذا الخطابِ التقرير/ على أمر فيه بُعْد إذ قد سلف لأسلاف هؤلاء اليهودِ أفاعيلُ سوءٍ، وهؤلاء على ذلك السَّنَن.\nوتحريفُ الشيء: إِمالته من حالٍ إلى حال، وذهب ابن عبَّاس إلى أن تحريفهم وتبديلهم إِنما هو بالتأويل، ولفْظُ التوراة باق «٣»، وذهب جماعة من العلماء إلى أنهم بدَّلوا ألفاظًا من تلقائهم، وأنَّ ذلك ممكن في التوراة لأنهم استحفظوها، وغير ممكن في القرآن لأن اللَّه تعالى ضَمِنَ حفظه.\nقلْتُ: وعن ابن إسحاق أن المراد ب «الفريقِ» هنا طائفةٌ من السبعين الذين سمعوا كلامَ اللَّه مع موسى. انتهى من «مختصر الطبريِّ» وهذا يحتاج إلى سند صحيح.\n_________\n- حجاج بن منهال عن صالح المري عن يزيد الرقاشي عن أنس مرفوعا.\nوقال أبو نعيم: تفرد برفعه متصلا عن صالح حجاج.\nوهذا الشاهد ذكره السيوطي في «اللآلئ» (٢/ ٣١٣)، ولم يتكلم عليه.\nوقال ابن عراق في «تنزيه الشريعة» (٢/ ٣٠١) قلت: فيه مضعفون. اهـ.\nيقصد ﵀ صالح المري ويزيد الرقاشي. وأخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» (٧/ ٤٠٧) رقم (١٠٧٨٣) عن محمد بن واسع من قوله.\n(١) أخرجه الطبري (١/ ٤٠٨) برقم (١٣٢١)، وذكره السيوطي في «الدر» (١/ ١٥٦)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير.\n(٢) أخرجه الطبري (١/ ٤٠٨) برقم (١٣٢٦)، وذكره القرطبي (١/ ٣٩٥) .\n(٣) ذكره ابن عطية (١/ ١٦٨) .","vol":"1","page":266},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-124>[سورة البقرة (٢): الآيات ٧٦ الى ٧٨]</span>\nوَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ قالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٧٦) أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ (٧٧) وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلاَّ أَمانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ (٧٨)\nوقوله تعالى: وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا ... الآية: المعنى: وهم أيضًا، إذا لُقُوا يفعلون هذا، فكيف يُطْمَع في إيمانهم، ويحتمل أن يكون هذا الكلام مستأنَفًا فيه كشف سرائرهم ورد في التفسير أنّ النبيّ ﷺ قال: «لاَ يَدْخُلَنَّ عَلَيْنَا قَصَبَةَ «١» المَدِينَةِ إِلاَّ مُؤْمِنٌ»، فقال كَعْبُ بن الأشْرَفِ وأشباهه: اذهبوا وتحسَّسوا أخبارَ من آمَنَ بمحمَّد، وقولوا لهم: آمنا، واكفروا إِذا رجعتم، فنزلتْ هذه الآية، وقال ابن عبَّاس: نزلَتْ في المنافقين من اليهود «٢»، وروي عنه أيضًا أنها نزلَتْ في قومٍ من اليهود، قالوا لبعض المؤمنين: نحن نؤمن أنه نبيٌّ، ولكن ليس إلَيْنا، وإنما هو إليكم خاصّة، فلما دخلوا، قال بعضهم: لم تُقِرُّونَ بنبوءته «٣»، وقال أبو العالية وقتادةُ: إِن بعض اليهود تكلَّم بما في التوراة من صفة النبيّ ﷺ فقال لهم كفرةُ الأحبار: أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ أي: عرَّفكم من صفة محمَّد ﷺ «٤» .\nولِيُحَاجُّوكُمْ: من الحجة، وعِنْدَ رَبِّكُمْ: معناه: في الآخرة.\nوقول تعالى: أَفَلا تَعْقِلُونَ: قيل: هو من قول الأحبار لَلأتباعِ، وقيل: هو خطابٌ من اللَّه تعالى للمؤمنين، أي: أفلا تعقلون أن بني إِسرائيل لا يؤمنون، وهم بهذه الأحوال.\nوأُمِّيُّونَ هنا: عبارةٌ عن عامَّة اليهود، وجهلتهم، أي: أنهم لا يطمع في إيمانهم لما غمرهم من الضَّلاَل، والأُمِّيُّ في اللغة: الذي لا يكتب ولا يقرأ في كتابٍ نُسِبَ إلى الأُمِّ إِما لأنه بحالِ أمِّه من عَدَمِ الكتب، لا بحال أبيه إذ النساء ليس من شغلهن الكَتْبُ قاله الطبريُّ وإما لأنه بحال ولدته أمه فيها، لم ينتقل عنها.\nوالْكِتابَ: التوراة.\n_________\n(١) قصبة البلد: مدينته، وقيل: معظمه، والقصبة: جوف الحصن، يبنى فيه بناء هو أوسطه، والقصبة:\nالقرية. وقصبة القرية: وسطها.\nينظر: «لسان العرب» (٣٦٤١) .\n(٢) أخرجه الطبري (١/ ٤١٣) برقم (١٣٣٩)، وذكره السيوطي في «الدر» (١/ ١٥٧)، وعزاه لابن جرير.\nوذكره ابن عطية الأندلسي في «التفسير» (١/ ١٦٨) .\n(٣) ذكره ابن عطية الأندلسي في «تفسيره» (١/ ١٦٨) .\n(٤) ذكره السيوطي في «الدر» (١/ ١٥٨)، وعزاه لعبد بن حميد.","vol":"1","page":267},{"text":"والأَمَانِيُّ: جمع أُمْنِيَّة، واختلف في معنى أَمانِيَّ، فقالت طائفة: هي هاهنا من:\nتمنَّى الرجل، إذا ترجى، فمعناه أن منهم من لا يكْتُب ولا يقرأ، وإنما يقول بظنِّه شيئًا سمعه، فيتمنى أنه من الكتاب.\nوقال آخرون: هي من تمنى إذا تلا، ومنه قول الشاعر: [الطويل]\nتمنى كِتَابَ اللَّهِ أَوَّلَ لَيْلِهِ ... وَآخِرَهُ لاقى حِمَامَ المَقْادِرِ «١»\nفمعنى الآية: أنهم لا يَعْلَمُون الكتاب إِلاَّ سماع شيْءٍ يتلى، لا عِلْمَ لهم بصحَّته.\nوقال الطبريُّ: هي من تَمَنَّى الرجُلِ، إذا حدَّث بحديث مختلَقٍ كذبٍ، أي: لا يعلمون الكتاب إِلا سماعَ أشياء مختلَقَةٍ من أحبارهم، يظنُّونها من الكتاب.\nص «٢»: وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ: «إن»: نافية بمعنى «ما» . انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-125>[سورة البقرة (٢): الآيات ٧٩ الى ٨٢]</span>\nفَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩) وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٨٠) بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٨١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٨٢)\nوقوله تعالى: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ... الآية.\n٢٦ أقال الخليلُ: «الوَيْلُ»: شِدَّةُ الشر، وهو مصدر، / لا فِعْلَ له، ويجمع على وَيْلاَتٍ، والأحسن فيه إِذا انفصل: الرفْعُ لأنه يقتضي الوقُوعَ، ويصحُّ النصب على معنى الدُّعَاء، أي: ألزمه اللَّه وَيْلًا، ووَيْلٌ ووَيْحٌ ووَيْسٌ تتقاربُ في المعنى، وقد فرق بينها قوم.\nوروى سفيانُ، وعطاءُ بنُ يَسارٍ أن الوَيْلَ في هذه الآية وادٍ يجري بفناءِ جهنَّم من صديد أهل النار «٣» .\n_________\n(١) البيت من شواهد «المحرر الوجيز» (١/ ١٦٩) و«البحر المحيط» (١/ ٤٣٦)، و«الدر المصون» (١/ ٢٦٩) . [.....]\n(٢) «المجيد» ص ٣٠٨.\n(٣) أخرجه الطبري (١/ ٤٢٣) برقم (١٣٩٩) بلفظ «واد في جهنم لو سيرت فيه الجبال لا نماعت من شدة حره»، وذكره السيوطي في «الدر» (١/ ١٥٩)، وعزاه لابن مبارك في «الزهد»، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي في «البعث» .","vol":"1","page":268},{"text":"وروى أبو سعيد الخدريّ عن النبيّ ﷺ «أنه وادٍ في جهنَّم بيْن جبَلَيْنِ يَهْوِي فيه الهاوِي أربعِينَ خَرِيفًا» «١» .\nوروى عثمانُ بن عفّان عن النبيّ ﷺ «أنه جَبَلٌ مِنْ جِبَالِ النَّار» «٢»، والذين يكْتُبُونَ:\nهم الأحبار والرؤساء.\nوبِأَيْدِيهِمْ قال ابن السَّرَّاج «٣»: هي كناية عن أنه من تلقائهم دون أن ينزل عليهم، والذي بدّلوه هو صفة النبيّ ﷺ ليستديمُوا رياستهم ومكاسبهم، وذكر السُّدِّيُّ أنهم كانوا يكتبون كتبا يبدّلون فيها صفة النبيّ ﷺ ويبيعونَهَا من الأَعراب، ويبثُّونها في أتباعهم، ويقولون هي من عبد اللَّه «٤»، والثَّمَنُ: قيل: عَرَضُ الدنيا، وقيل: الرُّشَا والمآكل التي كانت لهم، ويَكْسِبُونَ معناه: من المعاصي، وقيل: من المال الذي تضمنه ذكر الثَّمَن.\nوقوله تعالى: وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً ... الآية: روى ابن زَيْد وغيره أنَّ سببها أن النبيّ ﷺ قَالَ لِلْيَهُودِ: «مَنْ أَهْلُ النَّارِ؟ فَقَالُوا: نَحْنُ، ثمّ تخلفونا أنتم،\n_________\n(١) أخرجه الترمذي (٥/ ٣٢٠) كتاب «تفسير القرآن»، باب سورة الأنبياء، حديث (٣١٦٤)، وأحمد (٣/ ٧٥)، وعبد بن حميد في «المنتخب من المسند» رقم (٩٢٤)، وأبو يعلى (٢/ ٥٢٣) رقم (١٣٨٣)، وابن حبان (٢٦١٠- موارد)، والطبري (٢٩/ ١٥٥)، والحاكم (٤/ ٥٩٦)، ونعيم بن حماد في «زوائده» على «الزهد» لابن المبارك رقم (٣٣٤)، والبيهقي في «البعث والنشور» (ص ٢٧١) رقم (٤٦٤) من طرق عن دراج أبي السمح عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري مرفوعا.\nوقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي قلت: وسنده ضعيف لضعف دراج كما هو معروف، وبعضهم يقبل حديثه عن أبي الهيثم.\nقال الحافظ في «التقريب» (١/ ٢٣٥): دراج صدوق في حديثه عن أبي الهيثم، ضعيف.\nوالحديث ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (١/ ١٥٩)، وزاد نسبته إلى هناد، وابن أبي الدنيا في «صفة النار»، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه.\n(٢) أخرجه الطبري في تفسيره (١/ ٤٢٢) عن عثمان.\n(٣) محمد بن السري بن سهل، أبو بكر: أحد أئمة الأدب والعربية. من أهل «بغداد»، كان يلثغ بالراء فيجعلها غينا. ويقال: ما زال النحو مجنونا حتى عقله ابن السراج بأصوله. مات شابا. وكان عارفا بالموسيقى. من كتبه: «الأصول» في النحو، و«شرح كتاب سيبويه»، و«الشعر والشعراء»، و«الخط والهجاء»، و«المواصلات والمذكرات في الأخبار» . توفي في سنة ٣١٦ هـ.\nينظر: «بغية الوعاة» (٤٤)، و«طبقات النحويين واللغويين» (١٢٢)، و«نزهة الألباء» (٣١٣)، و«الأعلام» (٦/ ١٣٦) .\n(٤) أخرجه الطبري (١/ ٤٢٢) برقم (١٣٩١)، وذكره السيوطي في «الدر» (١/ ٦٦٠)، وعزاه لابن أبي حاتم.","vol":"1","page":269},{"text":"فَقَالَ لَهُمْ: كَذَبْتُمْ لَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّا لاَ نَخْلُفُكُمْ» فنزلَتْ هذه الآية «١» .\nقال أهل التفسير: العهد في هذه الآية: الميثاقُ والموعد، و«بلى» رد بعد النفْيِ بمنزلة «نَعَمْ» بعد الإِيجاب «٢»، وقالت طائفة: السيئة هنا الشرك كقوله تعالى: وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ [النمل: ٩٠] والخَطِيئاتُ: كبائر الذنوب، قال الحسن بن أبي الحسن، والسُّدِّيُّ: كل ما توعد اللَّه عليه بالنار، فهي الخطيئة المحيطَةُ «٣»، والخلودُ في هذه الآية على الإِطلاق والتأبيد في الكُفَّار، ومستعار بمعنى الطُّول في العُصَاة، وإِن علم انقطاعه.\nقال محمَّد بن عبد اللَّه اللَّخْمِيُّ في مختصره للطبريِّ: أجمعتِ الأمَّة على تخليد مَنْ مات كافرًا، وتظاهرت الرواياتُ الصحيحةُ عن الرسول ﷺ والسلفِ الصالح، بأن عصاة أهل التوحيد لا يخلَّدون في النار، ونطق القرآن ب إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [النساء: ١١٦] لكن من خاف على لَحْمه ودَمِه، اجتنب كل ما جاء فيه الوعيدُ، ولم يتجاسَرْ على المعاصي اتكالا على ما يرى لنفسه من التوحيد، فقد كان السلف وخيار الأمة يخافُون سلْب الإِيمان على أنفسهم، ويخافون النفاقَ عليها، وقد تظاهرتْ بذلك عنهم الأخبار. انتهى.\nوقوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا ... الآية: يدلُّ هذا التقسيم على أن قوله تعالى:\nبَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً ... الآية في الكفار، لا في العصاة ويدل على ذلك أيضًا قوله:\nوَأَحاطَتْ لأن العاصي مؤمنٌ، فلم تحط به خطيئاته ويدل على ذلك أيضًا أن الردَّ كان على كُفَّارٍ ادَّعَوْا أنَّ النَّارَ لا تَمَسُّهم إلا أيامًا معدودةً، فهم المراد بالخلود، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-126>[سورة البقرة (٢): الآيات ٨٣ الى ٨٥]</span>\nوَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا وَذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (٨٣) وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤) ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥)\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١/ ٤٢٦) برقم (١٤٦٢) . وذكره السيوطي في «الدر» (١/ ١٦٣)، وعزاه لابن جرير.\n(٢) ينظر: «مغني اللبيب» ص ١١٣، ص ٣٤٦، ص ٣٤٨.\n(٣) أخرجه الطبري (١/ ٤٣٠) برقم (١٤٣٨) عن الحسن، وذكره السيوطي في «الدر» (١/ ١٦٤)، وعزاه لوكيع.","vol":"1","page":270},{"text":"وقوله تعالى: وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ ... الآية: أخذ اللَّه سبحانه الميثاق عليهم على لسان موسى﵇- وغيره من أنبيائهم، وأخْذ الميثاق قولٌ، فالمعنى:\nقلنا لهم: لاَ تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ ... الآية، قال سيبوَيْهِ: «لا تعبدون: متلق لقسم» والمعنى: وإذ استحلفناهم، واللَّهِ/ لا تعبدونَ إلاَّ اللَّه، وفي الإحسان تدخل أنواع برّ ٢٦ ب الوالدين كلُّها، واليُتْم في بَنِي آدمَ: فَقْدُ الأب، وفي البهائم فقد الأمّ، وقال ﷺ: «لاَ يُتْمَ بَعْدَ بُلُوغٍ وَالْمِسْكِينُ الَّذِي لاَ شَيْءَ لَهُ»، وقيل: هو الذي له بُلْغَةٌ، والآية تتضمَّن الرأفة باليتامى، وحيطة أموالهم، والحضّ على الصدقة، والمواساة، وتفقُّد المساكين.\nوقوله تعالى: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا: أمر عطف على ما تضمَّنه لاَ تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وما بعده، وقرأ حمزة والكسَائِيُّ «١»: «حَسَنًا» بفتح الحاء والسين، قال الأخفش «٢»:\nوهما بمعنى واحدٍ، وقال الزجَّاج «٣» وغيره: بل المعنى في القراءة الثانية، وقولوا «قَوْلًا حَسَنًا» بفتح الحاء والسين، أو قولًا ذا حُسْن بضم الحاء وسكون السين في الأولى قال ابن عبَّاس: معنى الكلام قولُوا للنَّاس: لا إله إلا اللَّه، ومُرُوهم بها «٤»، وقال ابن جُرَيْجٍ:\nقولوا لهم حُسْنًا في الإعلام بما في كتابكم من صفة محمَّد ﷺ «٥»، وقال سفيان الثّوريّ «٦»:\n_________\n(١) ينظر: «العنوان»، (٧٠)، و«حجة القراءات» (١٠٣)، و«الحجة» (٢/ ١٢٦)، و«شرح الطيبة» (٤/ ٤٤)، و«شرح شعلة» (٢٦٧)، و«إتحاف» (١/ ٤٠١)، و«معاني القراءات» للأزهري (١/ ١٦٠) .\nوالكسائي هو: علي بن حمزة بن عبد الله الأسدي بالولاء، الكوفي، أبو الحسن الكسائي: إمام في اللغة والنحو والقراءة. من تصانيفه: «معاني القرآن»، و«المصادر»، و«الحروف»، و«القراءات»، و«النوادر»، و«المتشابه في القرآن»، و«ما يلحن فيه العوام» . توفي ب «الري» في «العراق» سنة ١٨٩ هـ.\nينظر: «ابن خلكان» (١/ ٣٣٠)، «تاريخ بغداد» (١١/ ٤٠٣)، «الأعلام» (٤/ ٢٨٣) .\n(٢) «معاني القرآن» (١/ ٣٠٨)، و«المحتسب» (٢/ ٣٦٣) .\n(٣) «معاني القرآن» (١/ ١٦٤) .\n(٤) أخرجه الطبري (١/ ٤٣٢) برقم (١٤٥٠) من طريق سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عباس. وذكره السيوطي في «الدر» (١/ ١٦٥)، وعزاه لابن جرير.\n(٥) ذكره ابن عطية في تفسيره (١/ ١٧٣) عن ابن جريج. [.....]\n(٦) سفيان بن سعيد بن مسروق بن حبيب بن رافع بن عبد الله بن موهب بن منقذ بن نصر بن الحكم بن الحارث بن مالك بن ملكان بن ثور بن عبد مناة بن أدّ بن طابخة على الصحيح، وقيل: من ثور همدان، الثوري، أبو عبد الله الكوفي، أحد الأئمة الأعلام، كان من الفضلاء، وكان لا يسمع شيئا إلّا حفظه، كان متقنا ضابطا زاهدا ورعا. ولد سنة سبع وسبعين، وتوفي ب «البصرة» سنة ١٦١ هـ. -","vol":"1","page":271},{"text":"معناه: مروهم بالمَعْروف، وانهوهم عن المُنْكَر «١»، وقال أبو العالية: قولوا لهم الطيبَ من القول، وحاورُوهم بأحسن ما تُحِبُّونَ أن تحاوروا به «٢»، وهذا حضٌّ على مكارم الأخلاق، وزكاتُهم هي التي كانوا يَضعُونها، وتنزل النار على ما تقبّل منها، دون ما لم يتقبل.\n٢٧ أوقوله تعالى: ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ ... الآية: خطابٌ لمعاصري النبيِّ ﷺ أسند إليهم تولّي أسلافهم إِذ هم كلُّهم بتلك السبيل، قال نحوه ابنُ عَبَّاس وغيره «٣» . والمراد بالقليلِ المستثنى جميعُ مؤمنيهم قديمًا من أسلافهم، وحديثًا كابن سَلاَمٍ وغيره، والقِلَّة على هذا هي في عدد الأشخاصِ، ويحتمل أن تكون القِلَّة في الإِيمان، والأول أقوى.\nص «٤»: إِلَّا قَلِيلًا: منصوب على الاستثناء، وهو الأفصح لأنه استثناءٌ من موجب، وروي عن أبي عَمرو «٥»: «إلاَّ قَلِيلٌ» بالرفع، ووجَّهه ابن عطية على بدل قليل من ضمير: «تَوَلَّيتُمْ» على أن معنى «تَوَلَّيْتُم» النفي، أي: لم يف بالميثاق إلا قليل، ورد بمنع النحويِّين البدل من الموجب لأن البدل يحل محلَّ المبدل منه، فلو قلْت: قام إلا زيد، لم يجز لأن «إِلاَّ» لا تدخل في الموجب، وتأويله الإِيجاب بالنفْي يلزم في كل موجب باعتبار نفي ضده أو نقيضه فيجوز إِذَنْ: «قَامَ القَوْمُ إلاَّ زَيْدٌ» على تأويل: «لَمْ يَجْلِسُوا إِلاَّ زَيْدٌ» ولم تبن العَرَب على ذلك كلامها، وإِنما أجازوا: «قام القَوْمُ إِلاَّ زَيْدٌ» بالرفع على الصفة، وقد عقد سيبوَيْه «٦» لذلك بابا في كتابه. انتهى.\nودِماءَكُمْ: جمع دَمٍ، وهو اسمٌ منقوصٌ. أصله «دَمَيٌ» وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ\n_________\n- ينظر: «الخلاصة» (١/ ٣٩٦) (٢٥٨٤)، «ابن سعد» (٦/ ٢٥٧- ٢٦٠)، و«الحلية» (٦/ ٣٥٦- ٤٩٣)، و(٧/ ٣- ١٤١) .\n(١) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ١٧٣) عن سفيان الثوري.\n(٢) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ١٧٣) عن أبي العالية.\n(٣) أخرجه الطبري (١/ ٤٣٨) برقم (١٤٦٥) بلفظ: «أي تركتم ذلك كله»، وذكره السيوطي في «الدر» (١/ ١٦٥)، وعزاه لابن إسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم.\n(٤) «المجيد» ص ٣١٩.\n(٥) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ١٧٣)، و«البحر المحيط» (١/ ٤٥٥)، و«الدر المصون» (١/ ٢٨٠)، و«حاشية الشيخ زادة على البيضاوي» (١/ ٣٤٥) .\nوهو زيان (وقيل غير ذلك) أبو عمرو بن العلاء، البصري، أحد القراء السبعة، قرأ على سعيد بن جبير، وشيبة بن نصاح، وعاصم بن أبي النجود، روى القراءة عنه عرضا وسماعا حسين بن علي الجعفي، وخارجة بن مصعب، مات سنة ١٥٤ هـ.\nينظر: «غاية النهاية» (١/ ٢٨٨)، و«طبقات الزبيدي» (ص ٣٥) .\n(٦) ينظر: «الكتاب» (٢/ ٣٣٠- ٣٣١) .","vol":"1","page":272},{"text":": معناه: ولا ينفي بعضكم بعضًا بالفتنة والبغْي، وكذلك حكم كلّ جماعة تخاطب بهذا اللفظ في القول.\nوقوله تعالى: ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ، أي: خَلفًَا بعد سَلَف، أن هذا الميثاق أخذ عليكم، وقوله: وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ قيل: الخطابُ يُرادُ به من سلف منهم، والمعنى: وأنتم شهود، أي: حُضور أخْذ الميثاق والإِقرار.\nوقيل: المراد: من كان في مدة محمّد ﷺ والمعنى: وأنتم شهداء، أي: بيِّنةَ أن الميثاق أخذ على أسلافكم، فمنْ بعدهم منْكُمْ.\nوقوله تعالى: ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ ... الآية: هؤُلاءِ دالَّةٌ على أن المخاطبة للحاضرين لا تحتمل ردًّا إلى الأسلاف، قيل: تقدير الكلام: / يا هؤلاء، فحذف ٢٧ ب حرف النداء، ولا يحسن حذفه عند سيبوَيْه «١»، مع المبهمات.\nوقال الأستاذ الأَجَلُّ أبو الحسن بن أحمد «٢» ...\n_________\n(١) إلى مذهب سيبويه والبصريين أشار ابن مالك بقوله: [الرجز]\nوذاك في اسم الجنس والمشار له ... قلّ، ومن يمنعه فانصر عاذله\nأي: ذاك التعرّي من حرف النداء يكون مع اسم الجنس، واسم الإشارة- كما في الآية- قليلا، وهو مذهب الكوفيين، وأما من منع الحذف معهما- وهم البصريون وسيبويه- فهم محجوجون بما روي من أشعار العرب مما لا يمكن ردّه، فمما ورد في اسم الإشارة قوله: [الطويل]\nإذا هملت عيني لها قال صاحبي ... بمثلك- هذا- لوعة وغرام\nوقوله: [البسيط]\nإنّ الألى وصفوا قومي لهم فبهم ... هذا- اعتصم، تلق من عاداك مخذولا\nوقوله: [الخفيف]\nذا، أرعواء، فليس بعد اشتعال الر ... رأس شيبا إلى الصّبا من سبيل\nوجعل منه قوله تعالى: ثُمَّ أَنْتُمْ- هؤُلاءِ- تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ [البقرة: ٨٥] .\nواعلم أن هذا الحذف مع اسم الجنس واسم الإشارة مقيس مطرد عند الكوفيين، وأما مذهب البصريين وسيبويه فشاذ أو ضرورة كما أشار المصنف إليه بمنع سيبويه الحذف.\n(٢) قال أبو حيان: وهو أبو الحسن علي بن أحمد بن خلف الأنصاري، من أهل بلدنا «غرناطة»، يعرف بابن الباذش، وهو والد الإمام أبي جعفر أحمد مؤلف كتاب «الإقناع» في القراءات، وله اختيارات في النحو، حدث بكتاب سيبويه عن الوزير أبي بكر محمد بن هشام المصحفي، وعلق عنه في النحو على كتاب «الجمل» و«الإيضاح»، ومسائل من «كتاب سيبويه» .\nوقال السيوطي: وفي «تاريخ غرناطة»: أوحد في زمانه إتقانا ومعرفة، وتفرّدا بعلم العربيّة، ومشاركة في غيرها. حسن الخطّ، كبير الفضل، مشاركا في الحديث، عالما بأسماء رجاله ونقلته، مع الدين والفضل-","vol":"1","page":273},{"text":"٢٨ أشيخنا «١»: هؤُلاءِ: رفع بالابتداء، وأَنْتُمْ: خبر، وتَقْتُلُونَ، حال بها تَمَّ المعنى، وهي المقصود.\nص «٢»: قال الشيخ أبو حَيَّان: ما نقله ابن عطية عن شيخه أبي الحسن بن البَادْش من جعله هؤُلاءِ مبتدأ، وأَنْتُمْ خبر مقدَّم، لا أدري ما العلَّة في ذلك، وفي عدوله عن جعل أَنْتُمْ مبتدأ، وهؤُلاءِ الخبر، إلى عكسه. انتهى.\nت: قيل: العلة في ذلك دخولُ هاء التنبيه عليه لاختصاصها بأول الكلام ويدلُّ على ذلك قولهم: «هَأَنَذَا قَائِمًا»، ولم يقولوا: «أَنَا هَذَا قَائِمًا»، قال معناه ابنُ هِشَامٍ «٣»، ف «قَائِمًا»، في المثال المتقدِّم نصب على الحال. انتهى.\nوهذه الآية خطابٌ لقُرَيْظة، والنضير، وبني قَيْنُقَاع، وذلك أن النَّضِيرَ وقُرَيْظة حَالَفَت الأوسَ، وبني قَيْنُقَاع حالفتِ الخزرج، فكانوا إِذا وقعتِ الحربُ بين بني قَيْلَة، ذهبت كل طائفة من بني إسرائيل مع أحلافها، فقتل بعضهم بعضًا، وأخرج بعضهم بعضًا من ديارهم، وكانوا مع ذلك يفدي بعضهم أسرى بعض اتباعا لحكم التوراة، وهم قد خالَفُوها بالقتَالِ، والإِخراج.\nوالديارُ: مباني الإِقامة، وقال الخليلُ: «مَحَلَّةِ القَوْمِ: دَارُهُمْ» .\nومعنى تَظاهَرُونَ: تتعاونون، والْعُدْوانِ: تجاوز الحدود، والظلم.\n_________\n- والزّهد والانقباض عن أهل الدنيا، قرأ على نعم الخلف وغيره. وحدّث عن القاضي عياض وغيره، وأمّ بجامع «غرناطة» .\nوصنّف: شرح «كتاب سيبويه»، و«المقتضب» وشرح «أصول ابن السّراج»، وشرح «الإيضاح»، وشرح «الجمل»، وشرح «الكافي» للنحاس. توفي سنة ثمان وعشرين وخمسمائة.\nينظر: «البحر المحيط» (١/ ٤٥٨)، و«بغية الوعاة» (٢/ ١٤٢- ١٤٣) .\n(١) هذا من كلام ابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ١٧٤) .\n(٢) «المجيد» ص ٣٢٢.\n(٣) عبد الله بن يوسف بن أحمد بن عبد الله بن يوسف، أبو محمد، جمال الدين، ابن هشام، من أئمة العربية، قال ابن خلدون: ما زلنا ونحن بالمغرب نسمع أنه ظهر ب «مصر» عالم بالعربية يقال له: «ابن هشام»، أنحى من سيبويه. من تصانيفه: «مغني اللبيب عن كتب الأعاريب- ط» و«عمدة الطالب في تحقيق تصريف ابن الحاجب»، و«الجامع الصغير»، و«الجامع الكبير»، وغيرها، وتوفي سنة ٥٦٧ هـ.\nب «مصر» .\nينظر: «الأعلام» (٤/ ١٤٧)، «الدرر الكامنة» (٢/ ٣٠٨)، «النجوم الزاهرة» (١٠/ ٣٣٦) . [.....]","vol":"1","page":274},{"text":"وقرأ حمزة «١»: «أسرى تفدوهم»، وأُسارى: جمع أَسِيرٍ، مأخوذ من الأَسْر، وهو الشَّدُّ، ثم كثر استعماله حتى لزم، وإن لم يكنْ ثَمَّ رَبْطٌ ولا شَدٌّ، وأَسِيرٌ: فَعِيلِ:\nبمعنى مفعول، وتُفادُوهُمْ: معناه في اللغة: تطلقونهم بعد أن تأخذوا عنهم شيئًا، وقَالَ الثَّعْلَبِيُّ: يقال: فدى، إِذا أعطى مالًا، وأخذ رجلًا، وفادى، إِذا أعطى رجلًا، وأخذ رجُلًا فتُفْدُوهم: معناه بالمالِ، وتُفَادُوهم، أي: مفادات الأسير بالأسير. انتهى.\nت: وفي الحديث من قوْل العَبَّاس ﵁: «فَإِنِّي فَادَيْتُ نَفْسِي وعَقِيلًا»، وظاهره لا فَرْق بينهما.\nوقوله تعالى: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ... الآية: والذي آمنوا به فداءُ الأسارى، والذي كَفَرُوا به قتْلُ بعضهم بعضًا، وإِخراجُهُمْ من ديارهم، وهذا توبيخٌ لهم وبيانٌ لقبح فعلهم، والخِزْيُ: الفضيحة، والعقوبة، فقيل: خزيهم: ضرْبُ الجزية عليهم غابَر الدهر، وقيل: قتل قريظة، وإِجلاءُ النضير، وقيل: الخزْيُ الذي تتوعَّد به الأمة من الناس هو غلبة العدوّ.\nوالدُّنْيا: مأخوذةٌ من دَنَا يدْنُو، وأصل الياء فيها واوٌ، ولكن أبدلتْ فرقًا بين الأسماء والصفات، وأَشَدِّ الْعَذابِ: الخلودُ في جهنم.\nوقوله تعالى: وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ قرأ نافعٌ، وابن كَثِير «٢» بياءٍ على ذِكْر الغائب، فالخطاب بالآية لأمة محمّد ﷺ والآية واعظةٌ لهم بالمعنى، إذ اللَّه تعالى بالمرصاد لكل كافر وعاص.\nوقرأ الباقون بتاء على الخطاب لمن تقدَّم ذكره في الآية قبل هذا وهو قوله:\nأَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ ... الآية، وهو الأظهر، ويحتمل أن يكون لأمة محمّد ﷺ فقد رُوِيَ أنَّ عمر بن الخَطَّاب﵁- قال: «إِنَّ بنِي إِسرائيل قد مضَوْا، وأنتم الذين تُعْنَوْنَ بهذا، يا أمة محمّد يريد هذا، وما يجري مجراه «٣» /.\n_________\n(١) وقرأ الجماعة غير حمزة «أسارى»، وقرأ هو أسرى، وقرىء «أسارى» بفتح الهمزة.\nينظر: «الحجة للقراء السبعة» (٢/ ١٤٣)، و«حجة القراءات» (١٠٤)، و«العنوان» (٧٠)، و«إتحاف» (١/ ٤٠٢)، و«شرح الطيبة» (٤/ ٤٥)، و«شرح شعلة» (٢٦٨)، و«البحر المحيط» (١/ ٤٥٩) .\n(٢) ينظر: «حجة القراءات» (١٠٥)، وشرح «طيبة النشر»، (٤/ ٤٠)، وشرح «شعلة» (٢٦٦)، و«إتحاف فضلاء البشر» (١/ ٤٠٣) .\n(٣) ذكره ابن عطية الأندلسي في «تفسيره» (١/ ١٧٦) .","vol":"1","page":275},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-127>[سورة البقرة (٢): الآيات ٨٦ الى ٨٨]</span>\nأُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٨٦) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (٨٧) وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ (٨٨)\nوقوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ ... الآية: جعل اللَّه ترك الآخرةِ، وأخْذَ الدنيا عوضًا عنها، مع قدرتهم على التمسُّك بالآخرة- بمنزلة من أخذها، ثم باعها بالدنيا، فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ، في الآخرة، وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ لا في الدنيا، ولا في الآخرة.\nص «١»: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ: «اللام» في «لَقَدْ»: يحتمل أن تكون توكيدًا، ويحتمل أن تكون جواب قسم، وموسى هو المفعول الأول، والكتاب الثانِي، وعكس السّهيليّ.\nومَرْيَمَ: معناه في السُّرْيانية: الخَادَم، وسميت به أمُّ عيسى، فصار علما عليها.\nانتهى.\nوالْكِتابَ: التوراةُ.\nوَقَفَّيْنا: مأخوذ من القَفَا تقول: قَفَيْتُ فُلاَنًا بِفُلاَنٍ، إِذا جئْتَ به من قبل قَفَاه، ومنه: قَفَا يَقْفُو، إِذا اتبع، وكلُّ رسول جاء بعد موسى، فإِنما جاء بإِثبات التوراة، والأمر بلزومها إلى عيسَى﵈-.\nوالْبَيِّناتِ: الحججُ التي أعطاها اللَّه عيسى.\nوقيل: هي آياته من إحياء، وإبراء، وخَلْق طَيْرٍ، وقيل: هي الإِنجيل، والآية تعم ذلك.\nوَأَيَّدْناهُ: معناه: قويْناه، والأَيْدُ القوة.\nقال ابن عبَّاس: رُوح القدس: هو الاسم الذي كان يُحْيِي به الموتى «٢»، وقال ابن زِيْد: هو الإِنجيل كما سمَّى اللَّه تعالَى القرآن رُوحًا «٣»، وقال السُّدِّيُّ، والضّحّاك،\n_________\n(١) «المجيد» (ص ٣٣١) .\n(٢) أخرجه الطبري (١/ ٤٤٩) برقم (١٤٩٤)، وذكره السيوطي في «الدر» (١/ ١٦٧) .\n(٣) أخرجه الطبري (١/ ٤٤٩) برقم (١٤٩٣) عن ابن زيد.","vol":"1","page":276},{"text":"والربيع، وقتادة: بِرُوحِ الْقُدُسِ: جبريلُ﵇ «١» - وهذا أصحُّ الأقوال، وقد قال النبيّ ﷺ لِحَسَّان: «اهج قُرَيْشًا، وَرُوحُ القُدُسِ مَعكَ» «٢» ومرةً قال له: «وجبريل معك»، وفَكُلَّما: ظرف والعامل فيه: اسْتَكْبَرْتُمْ، وظاهر الكلامِ الاستفهامُ، ومعناه التوبيخُ روي أن بني إِسرائيل كانوا يقتلون في اليومِ ثلاثمائة نبيٍّ، ثم تقوم سوقُهم آخر النهار، وروي سبعين نبيًّا، ثم تقومُ سوق بَقْلِهِمْ آخر النهار.\nوالهوى أكثر ما يستعمل فيما ليس بحقٍّ، وهو في هذه الآية من ذلك لأنهم إنما كانوا يَهْوَوْنَ الشهوات، ومعنى: قُلُوبُنا غُلْفٌ، أي: عليها غشاوات، فهي لا تفقه، قاله ابن عبَّاس. ثم بيَّن تعالى سبب نُفُورهم عن الإِيمان إِنما هو أنهم لُعِنُوا بما تقدَّم من كفرِهِم واجترامهم، وهذا هو الجزاء على الذنْبِ بذنْب أعظم منه، واللعن: الإبعاد والطرد.\nوفَقَلِيلًا: نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ، تقديره: فإِيمانًا قَلِيلًا مَّا يؤمنون، والضمير في «يؤمنون» لحاضري محمّد ﷺ منْهُمْ ومَا في قوله: مَّا يُؤْمِنُونَ زائدةٌ موكّدة «٣» .\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١/ ٤٤٨) بأرقام (١٤٨٨- ١٤٨٩- ١٤٩٠- ١٤٩١) عن قتادة، والسدي، والضحاك، والربيع.\n(٢) أخرجه البخاري (٦/ ٣٥١) كتاب «بدء الخلق»، باب ذكر الملائكة، حديث (٣٢١٣)، (٧/ ٤٨٠) كتاب «المغازي»، باب مرجع النبي ﷺ من الأحزاب، حديث (٤١٢٣، ٤١٢٤)، (١٠/ ٥٦٢) كتاب «الأدب»، باب هجاء المشركين، حديث (٦١٥٣)، ومسلم (٤/ ١٩٣٣) كتاب «فضائل الصحابة»، باب فضائل حسابن بن ثابت، حديث (١٥٣/ ٢٤٨٦)، وأحمد (٤/ ٢٩٩، ٣٠٢)، وابن حبان (٧١٤٦)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٤/ ٢٩٨)، والبيهقي (١٠/ ٢٣٧)، والطبراني في «الكبير» (٣٥٨٨، ٣٥٨٩، ٣٥٩٠) كلهم من طريق عدي بن ثابت عن البراء بن عازب به.\n(٣) قال السمين الحلبي: في نصب «قليلا» ستة أوجه:\nأحدها وهو الأظهر: أنه نعت لمصدر محذوف أي: فإيمانا قليلا يؤمنون.\nالثاني: أنه حال من ضمير ذلك المصدر المحذوف أي: فيؤمنونه أي الإيمان في حال قلّته، وقد تقدّم أنه مذهب سيبويه وتقدّم تقريره.\nالثالث: أنه صفة لزمان محذوف، أي: فزمانا قليلا يؤمنون، وهو كقوله: آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ.\nالرابع: أنه على إسقاط الخافض والأصل: فبقليل يؤمنون، فلمّا حذف حرف الجرّ انتصب، ويعزى لأبي عبيدة.\nالخامس: أن يكون حالا من فاعل «يؤمنون»، أي فجمعا قليلا يؤمنون أي المؤمن فيهم قليل، قال معناه ابن عباس وقتادة. إلا أن المهدوي قال: «ذهب قتادة إلى أنّ المعنى: فقليل منهم من يؤمن»، وأنكره النحويون، وقالوا: لو كان كذلك للزم رفع «قليل» . قلت: لا يلزم الرفع مع القول بالمعنى الذي ذهب إليه قتادة لما تقدّم من أنّ نصبه على الحال واف بهذا المعنى. و«ما» على هذه الأقوال كلها مزيدة للتأكيد. -","vol":"1","page":277},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-128>[سورة البقرة (٢): الآيات ٨٩ الى ٩١]</span>\nوَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ (٨٩) بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ (٩٠) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِما مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩١)\nوقوله تعالى: وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ... الآية الكتاب: القرآن، ومُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ: يعني التوراة، ويَسْتَفْتِحُونَ معناه أن بني إِسرائيل كانوا قبل مَبْعَثِ رسول الله ﷺ قد علموا خروجه بما علموا عنْدَهُمْ من صفته، وذكر وقته، وظنُّوا أنه منهم، فكانوا إذا حاربوا الأوْسَ والخَزْرجَ، فغلبتهم العَرَبُ، قالوا لهم: لو قد خرج النبيُّ الذي أظلَّ وقتُهُ، لقاتلْنَاكُم معه، واستنصرنا عليكم به، ويَسْتَفْتِحُونَ: معناه يستنصرون، قال أحمد بن نصر الداوديّ: ومنه: «عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالفَتْحِ»، أي: بالنصر. انتهى.\nوروى أبو بكر/ محمد بن حُسَيْنٍ الاْجُرِّيُّ «١» عن ابن عبَّاس، قال: كانت يهود خيبر\n_________\n- السادس: أن تكون «ما» نافية أي: فما يؤمنون قليلا ولا كثيرا، ومثله: قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ [السجدة: ٩]، قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ [النمل: ٦٢]، وهذا قوي من جهة المعنى، وإنما يضعف شيئا من جهة تقدّم ما في حيّزها عليها، قاله أبو البقاء، وإليه ذهب ابن الأنباري، إلا أنّ تقديم ما في حيزها عليها لم يجزه البصريون، وأجازه الكوفيون. قال أبو البقاء: «ولا يجوز أن تكون «ما» مصدرية، لأن «قليلا» يبقى بلا ناصب» . يعني أنّك إذا جعلتها مصدرية كان ما بعدها صلتها، ويكون المصدر مرفوعا ب «قليلا» على أنه فاعل به فأين الناصب له؟ وهذا بخلاف قوله: كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ\n[الذاريات: ١٧] فإنّ «ما» هناك يجوز أن تكون مصدرية لأنّ «قليلا» منصوب ب كان. وقال الزمخشري:\n«ويجوز أن تكون القلّة بمعنى العدم» .\nقال أبو حيان: «وما ذهب إليه من أنّ «قليلا» يراد به النفي فصحيح، لكن في غير هذا التركيب»، أعني قوله تعالى: فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ [البقرة: ٨٨] لأنّ «قليلا» انتصب بالفعل المثبت فصار نظير «قمت قليلا» أي: قمت قياما قليلا، ولا يذهب ذاهب إلى أنّك إذا أتيت بفعل مثبت وجعلت «قليلا» منصوبا نعتا لمصدر ذلك الفعل يكون المعنى في المثبت الواقع على صفة أو هيئة انتفاء ذلك المثبت رأسا وعدم وقوعه بالكليّة، وإنما الذي نقل النحويون: أنّه قد يراد بالقلة النفي المحض في قولهم: «أقلّ رجل يقول ذلك، وقلّما يقوم زيد»، وإذا تقرّر هذا فحمل القلة على النفي المحض هنا ليس بصحيح» انتهى. قلت:\nما قاله أبو القاسم الزمخشري﵀- من أنّ معنى التقليل هنا النفي قد قال به الواحديّ قبله، فإنه قال: «أي: لا قليلا ولا كثيرا، كما تقول: قلّما يفعل كذا، أي: ما يفعله أصلا» .\nينظر: «الدر المصون» (١/ ٢٩٧) .\n(١) محمد بن الحسين بن عبد الله، أبو بكر الآجري: فقيه شافعي، محدث، نسبته إلى «آجر» (من قرى-","vol":"1","page":278},{"text":"يُقَاتِلُونَ غَطَفَانَ، فكُلَّمَا التقوا، هزمت اليهودَ، فَعَاذَ اليهودُ يومًا بالدعاء، فقالوا: اللهم، إِنا نسألكَ بحَقِّ محمَّدٍ النبيِّ الأُمِّيِّ الذي وعدتَّنَا أن تخرجَهُ لَنَا في آخر الزمان إِلاَّ نَصَرْتَنا علَيْهم، فكانوا إِذا التقوا، دعوا بهذا الدعاء، فهزموا غطفان، فلما بعث رسول الله ﷺ كَفَرُوا به، فأنزل اللَّه ﷿، وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا، والاستفتاحُ: الاستنصار، ووقع ليهود المدينة نحو هذا مع الأنصار قُبَيْل الإِسلام «١» . انتهى من تأليف حسن بن عليِّ بن عبد المَلْكِ الرّهونيِّ المعروفِ بابْنِ القَطَّان، وهو كتابٌ نفيسٌ جِدًّا ألَّفه في معجزات النبيّ ﷺ وآيات نبوءته.\nوروي أن قريظة والنضير وجميعَ يَهُودِ الحجازِ في ذلك الوقْتِ كانوا يستفتحون على سائر العرب، وبسبب خروج النبيِّ المنتظر، كانت نقلتهم إلى الحجاز، وسُكْناهم به، فإِنهم كانوا علموا صُقع «٢» المَبْعَث، وما عرفوا هو محمّد ﷺ وشرعه ويظهر في هذه الآية العنادُ منهم، وأن كفرهم كان مع معرفة ومعاندة وفَلَعْنَةُ اللَّهِ إبعاده لهم، وخزيهم لذلك.\nوبئس: أصله «بَئِسَ»، سُهِّلت الهمزة، ونقلت حركتها إلى الباء، و«مَا» عند سيبويه «٣»: فَاعِلَةٌ ب «بِئْسَ» والتقدير: بِئْسَ الذي اشتروا به أنفسُهُمْ.\n_________\n- «بغداد») ولد فيها، وحدث ب «بغداد» قبل سنة ٣٣٠، ثم انتقل إلى «مكة»، فتنسك وتوفي فيها ٣٦٠ هـ، له تصانيف كثيرة، منها: «أخبار عمر بن عبد العزيز»، و«أخلاق حملة القرآن» .\nينظر: «الأعلام» (٦/ ٩٧)، «وفيات الأعيان» (١: ٤٨٨)، و«الرسالة المستطرفة» (٣٢)، و«صفة الصفوة» (٢/ ٢٦٥)، و«النجوم الزاهرة» (٤/ ٦٠) .\n(١) أخرجه الحاكم (٢/ ٢٦٣) وقال الذهبي: عبد الملك متروك هالك.\n(٢) الصّقع: ناحية الأرض والبيت ... وفلان من أهل هذا الصقع، أي من أهل هذه الناحية.\nينظر: «لسان العرب» (٢٤٧٢) . [.....]\n(٣) ذهب الفراء إلى أنها مع «بئس» شيء واحد ركّب تركيب «حبّذا»، نقله ابن عطية، ونقل عنه المهدوي أنه يجوّز أن تكون «ما» مع بئس بمنزلة كلّما، فظاهر هذين النقلين أنها لا محلّ لها. وذهب الجمهور إلى أنّ لها محلا، ثم اختلفوا: محلّها رفع أو نصب؟ فذهب الأخفش إلى أنها في محلّ نصب على التمييز والجملة بعدها في محلّ نصب صفة لها، وفاعل بئس مضمر تفسّره «ما»، والمخصوص بالذمّ هو قوله:\n«أن يكفروا» لأنه في تأويل مصدر، والتقدير: بئس هو شيئا اشتروا به كفرهم، وفيه قال الفارسي في أحد قوليه، واختاره الزمخشري، ويجوز على هذا أن يكون المخصوص بالذمّ محذوفا، و«اشتروا» صفة له في محلّ رفع تقديره: بئس شيئا شيء أو كفر اشتروا به، كقوله: [الطويل] لنعم الفتى أضحى بأكناف حائل أي: فتى أضحى، و«أن يكفروا» بدل من ذلك المحذوف، أو خبر مبتدأ محذوف أي: هو أن يكفروا.\nوذهب الكسائي إلى أنّ «ما» منصوبة المحلّ أيضا، لكنه قدّر بعدها «ما» أخرى موصولة بمعنى الذي، وجعل الجملة من قوله: «اشتروا» صلتها، و«ما» هذه الموصولة هي المخصوص بالذمّ، والتقدير: بئس-","vol":"1","page":279},{"text":"واشْتَرَوْا: بمعنى: باعوا.\nوبِما أَنْزَلَ اللَّهُ، يعني به القرآن، ويحتمل التوراة، ويحتمل أن يراد الجميع من توراة، وإِنجيل، وقرآن لأن الكفر بالبعض يستلزمُ الكفر بالكلِّ، ومِنْ فَضْلِهِ، يعني:\nمن النبوءة والرسالة، ومَنْ يَشاءُ، يعني به محمّدا ﷺ لأنهم حَسَدوه لما لم يكن منهم، وكان من العرب، ويدخل في المعنى عيسى ﷺ لأنهم كفروا به بَغْيًا، واللَّه قد تفضَّل عليه.\nوفَباؤُ: معناه: مَضَوْا متحمِّلين لما يذكر أنهم بَاءُوا به.\nوقال البخاريّ: قال قتادة: فَباؤُ: معناه: انقلبوا «١» . انتهى.\n_________\n- شيئا الذي اشتروا به أنفسهم، فلا محلّ ل «اشتروا» على هذا، ويكون «أن يكفروا» على هذا القول خبرا لمبتدأ محذوف كما تقدّم، فتلخّص في الجملة الواقعة بعد «ما» على القول بنصبها ثلاثة أقوال، أحدها:\nأنها صفة لها فتكون في محلّ نصب أو صلة ل «ما» المحذوفة فلا محلّ لها أو صفة للمخصوص بالذم فتكون في محلّ رفع.\nوذهب سيبويه إلى أنّ موضعها رفع على أنّها فاعل بئس، فقال سيبويه: هي معرفة تامة، التقدير: بئس الشيء، والمخصوص بالذمّ على هذا محذوف أي شيء اشتروا به أنفسهم، وعزي هذا القول أيضا للكسائي. وذهب الفراء والكسائي أيضا إلى أنّ «ما» موصولة بمعنى الذي والجملة بعدها صلتها، ونقله ابن عطية عن سيبويه، وهو أحد قولي الفارسي، والتقدير: بئس الذي اشتروا به أنفسهم أن يكفروا، فأن يكفروا هو المخصوص بالذمّ.\nقال أبو حيان: «وما نقله ابن عطية عن سيبويه وهم عليه» . ونقل المهدوي وابن عطية عن الكسائي أيضا أن «ما» يجوز أن تكون مصدرية، والتقدير: بئس اشتراؤهم، فتكون «ما» وما في حيّزها في محلّ رفع.\nقال ابن عطية: «وهذا معترض بأنّ «بئس» لا تدخل على اسم معيّن يتعرّف بالإضافة للضمير» .\nقال أبو حيان: «وهذا لا يلزم إلا إذا نصّ أنه مرفوع بئس، أمّا إذا جعله المخصوص بالذمّ وجعل فاعل «بئس» مضمرا والتمييز محذوف لفهم المعنى، والتقدير: بئس اشتراء اشتراؤهم فلا يلزم الاعتراض» .\nقلت: وبهذا- أعني بجعل فاعل بئس مضمرا فيها- جوّز أبو البقاء في «ما» أن تكون مصدرية، فإنه قال:\n«والرابع أن تكون مصدرية أي: بئس شراؤهم، وفاعل بئس على هذا مضمر لأنّ المصدر هاهنا مخصوص ليس بجنس» يعني فلا يكون فاعلا، لكن يبطل هذا القول عود الضمير في «به» على «ما» والمصدرية لا يعود عليها، لأنها حرف عند الجمهور، وتقدير أدلّة كلّ فريق مذكور في المطوّلات. فهذه نهاية القول في «بئسما» و«نعمّا» والله أعلم.\nينظر: «الدر المصون» (١/ ٢٩٩- ٣٠٠)، و«الكتاب» (١/ ٤٧٦) .\n(١) علقه البخاري في «صحيحه» (٨/ ١١) كتاب «التفسير» وقال الحافظ في «الفتح» (٨/ ١٢): وصله عبد بن حميد.","vol":"1","page":280},{"text":"وبِغَضَبٍ معناه من الله تعالى لكفرهم بمحمّد ﷺ على غَضَبٍ متقدِّم من اللَّه تعالى عليهم، قيل: لعبادتهم العِجْلَ.\nوقيل: لكفرهم بعيسى﵇- فالمعنى: على غَضَبٍ قد باءَ به أسلافهم، حظُّ هؤلاءِ منْهُ وافرٌ بسبب رضاهم بتلك الأفعال، وتصويبهم لها.\nومُهِينٌ: مأخوذ من «الهَوَانِ»، وهو الخلود في النَّار لأن من لا يخلد من عصاة المسلمين، إنما عذابه كعذابِ الذي يقام عليه الحدُّ، لا هوان فيه، بل هو تطهيرٌ له.\nوقوله تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ، يعني لليهود: آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ على محمّد ﷺ، وهو القرآن، قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا يعنون: التوراةَ، وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ قال قتادة: أي: بما بعده «١»، قال الفَرَّاء «٢» . أي: بما سواه «٣»، ويعني به:\nالقرآن، ووصف تعالى القرآن بأنه الحق ومُصَدِّقًا: حالٌ مؤكِّدة عند سيبَوَيْهِ.\nوقوله تعالى: قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ردٌّ من اللَّه تعالى عليهم، وتكذيب لهم في ذلك، واحتجاج عليهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-129>[سورة البقرة (٢): الآيات ٩٢ الى ٩٥]</span>\nوَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ (٩٢) وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قالُوا سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩٣) قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٩٤) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٩٥)\nوقوله تعالى: وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ: بِالْبَيِّناتِ: التوراة، والعصا، وفرق البحر، وسائر الآيات، وخُذُوا ما/ آتَيْناكُمْ: يعني: التوراة والشرع بِقُوَّةٍ، أي: ٢٩ ب\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١/ ٤٦٣) برقم (١٥٥٩)، وذكره ابن عطية الأندلسي في «تفسيره» (١/ ١٧٩) .\n(٢) هو: يحيى بن زياد بن عبد الله بن مروان، الديلمي، إمام العربية، أبو زكريا، المعروف ب «الفراء»، كان أعلم الكوفيين بالنحو بعد الكسائي، كان يميل إلى الاعتزال، من تصانيفه: «معاني القرآن» و«المذكر والمؤنث»، و«الحدود» في الإعراب وغيرها. توفي (٢٠٧ هـ.) .\nينظر ترجمته في: «تاريخ بغداد» (١٤/ ١٤٩)، و«بغية الوعاة» (٢/ ٣٣٣)، و«النجوم الزاهرة» (٢/ ٨٥) .\n(٣) ينظر: «معاني الفراء» (١/ ٦٠)، و«الطبري» (٢/ ٣٤٨)، و«الوسيط» (١/ ١٧٤)، و«بحر العلوم» (١/ ١٣٧) .","vol":"1","page":281},{"text":"بعزمٍ، ونشاطٍ. وجِدٍّ.\nوَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ: أي: حبَّ العجْلِ، والمعنى: جُعِلَتْ قلوبهم تَشْربه، وهذا تشبيهٌ ومجازٌ عبارة عن تمكُّن أمر العِجْل في قلوبهم.\nوقوله تعالى: بِكُفْرِهِمْ يحتمل أن تكون باء السببِ، ويحتمل أن تكون بمعنى «مَعَ» .\nوقوله تعالى: قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ أمر لمحمّد ﷺ أن يوبِّخهم لأنَّه بئس هذه الأشياء التي فَعَلْتُمْ، وأمركم بها إِيمانُكُم الذي زعمتُمْ في قولكم: نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا.\nوقوله تعالى: قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ ... الآية: أمر لمحمّد ﷺ أنْ يوبِّخهم، والمعنى: إِن كان لكم نعيمُهَا وحُظْوَتُهَا، وخيرها، فذلك يقتضي حرْصَكُم على الوصُول إِليها، فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ، والدَّارُ: اسمُ «كان»، و«خالصة»: خبرها ومِنْ دُونِ النَّاسِ يحتملُ أن يراد ب «النَّاس»: محمّد ﷺ، ومن تبعه، ويحتمل أن يراد العموم، وهذه آية بيّنة أعطاها الله رسوله محمّدا ﷺ لأن اليهود قالَتْ: نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [المائدة: ١٨]، وشبه ذلك من القول، فأمر اللَّه نبيَّه أن يدعوهم إلى تمنِّي الموت، وأن يعلمهم أنه من تمنَّاه منهم مات، ففعل النبيّ ﷺ ذلك، فعلموا صدْقَهُ، فَأَحْجَمُوا عن تمنِّيه فَرَقًا من اللَّه لِقبحِ أفعالهم ومعرفتهم بكذبِهم، وحرصًا منهم على الحَيَاة، وقيل: إِن اللَّه تعالى منعهم من التمنِّي، وقصرهم على الإِمساك عنه لتظهر الآية لنبيّه ﷺ.\nت: قال عِيَاضٌ «١»: ومن الوجوه البَيِّنة في إِعجاز القُرْآن آيٌ وردتْ بتعجيز قومٍ في قضايا «٢»، وإعلامهم أنهم لا يفعلونها، فما فَعَلُوا ولا قَدَرُوا على ذلك كقوله تعالى لليهود: قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً «٣» ... الآية: قال أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَاج «٤» في هذه الآية: أعظم حجة، وأظهر دلالة على صحَّة الرسالة لأنهُ قال لهم:\nفَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ وأعلمهم أنهم لَنْ يتمنَّوْهُ أبدًا، فلم يتمنَّهُ وَاحِدٌ منهم، وعن النبيِّ صلى الله\n_________\n(١) ينظر: «الشفا» (ص ٣٨٢- ٣٨٣) .\n(٢) قضايا: جمع قضية، وهي الحادثة الواقعة في حكم قضاء الله (تعالى) وقدره.\n(٣) خالصة: خاصة بكم.\n(٤) «معاني القرآن» (١/ ١٧٦) .","vol":"1","page":282},{"text":"تعالى عليه وسلم «والَّذي نَفُسِي بيَدِهِ، لا يقولها رجُلٌ منهم إلا غصَّ بِرِيقِهِ» «١»، يعني:\nيموتُ مكانه، قال أبو محمَّدٍ الأصيليُّ «٢»: من أَعجب أمرهم أنَّهُ لا تُوجَدُ منهم جماعةٌ ولا واحدٌ من يومِ أَمَرَ اللَّهُ تعالى بذلك نبيَّهُ يقدَّم عليه «٣»، ولا يجيب إليه، وهذا موجودٌ مشاهَدٌ لمن أراد أن يمتحنه منهم. انتهى من «الشّفا» .\nوالمراد بقوله: فَتَمَنَّوُا: أريدوهُ بقلوبكم، واسْألوهُ، هذا قَوْلُ جماعة من المفسِّرين، وقال ابن عبَّاس: المراد به السؤالُ فقطْ، وإِن لم يكن بالقَلْب «٤»، ثم أخبر تعالى عنهم بعجزهم، وأنهم لا يتمنَّونه أبدًا، وأضاف ذنوبهم واجترامهم إِلى الأيدي إِذ الأَكْثَرُ من كسب «٥» العبد الخير والشرَّ، إِنما هو بيديه، فحمل جميع الأشياء على ذلك.\n_________\n(١) ينظر: «تفسير ابن كثير» (١/ ١٨٢)، الغصة: ما تقف في الحلق، فتمنع النفس حتى تهلكه، وغص بريقه: وقع الموت به سريعا.\nوقد ورد هذا موقوفا على ابن عباس، أخرجه الطبري وابن أبي حاتم وينظر: «الدر المنثور» (١/ ١٧٣) .\n(٢) عبد الله بن إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن جعفر، أبو محمد، الأموي، المعروف بالأصيلي: عالم بالحديث، والفقه. من أهل «أصيلة» (في «المغرب») أصله من كورة «شبدونة» ولد فيها سنة ٣٢٤ هـ، ورحل به أبوه إلى «أصيلا» من بلاد العدوة، فنشأ فيها، ويقال: ولد في «أصيلا» . رحل في طلب العلم، فطاف في «الأندلس» والمشرق، ودخل «بغداد» سنة ٣٥١ هـ، وعاد إلى «الأندلس» في آخر أيام المستنصر، فمات ب «قرطبة»، له كتاب «الدلائل على أمهات المسائل» في اختلاف مالك والشافعي وأبي حنيفة.\nينظر: «الأعلام» (٤/ ٦٣)، و«جذوة المقتبس» (٢٣٩) .\n(٣) يقدم عليه أي: على تمني الموت. ولا يجيب إليه: أي إلى تمنيه، إذا قيل له: تمنه.\n(٤) ذكره السيوطي في «الدر» (١/ ١٧٢) بلفظ: «فاسألوا الموت»، وعزاه لابن جرير.\nوذكره ابن عطية الأندلسي في «التفسير» (١/ ١٨١) بلفظ: «السؤال فقط وإن لم يكن بالقلب» . قاله ابن عباس. [.....]\n(٥) الكسب أصله في اللغة: الجمع، قاله الجوهري: وهو طلب الرزق، يقال: كسبت شيئا واكتسبته بمعنى، وكسبت أهلي خيرا، وكسبت الرجل مالا فكسب، وهذا مما جاء على فعلته ففعل. والكواسب:\nالجوارح، وتكسب: تكلف الكسب، والكسب قد وقع في القرآن على ثلاثة أوجه:\nأحدها: عقد القلب وعزمه، كقوله تعالى: لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ [البقرة: ٢٢٥] أي بما عزمتم عليه وقصدتموه.\nالوجه الثاني: من الكسب: كسب المال من التجارة، قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ [البقرة: ٢٦٧] . فالأول للتجار، والثاني للزراع.\nالوجه الثالث: من الكسب: السعي والعمل، كقوله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ [البقرة: ٢٨٦] وقوله: بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ [الأعراف: ٣٩] وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ [الأنعام: ٧٠] فهذا كله للعمل، واختلف الناس في الكسب والاكتساب، هل هما بمعنى واحد أم بينهما فرق؟ -","vol":"1","page":283},{"text":"وقوله تعالى: وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ: ظاهره الخبر، ومضمَّنه الوعيدُ لأن اللَّه سبحانه عليمٌ بالظالمينَ، وغيرهم، ففائدة تخصيصهم حصول الوعيد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-130>[سورة البقرة (٢): الآيات ٩٦ الى ٩٧]</span>\nوَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (٩٦) قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٩٧)\n_________\n- فقالت طائفة: معناهما واحد.\nقال أبو الحسن علي بن أحمد: وهو الصحيح عند أهل اللغة لا فرق بينهما، وقال ذو الرمة: [البسيط] ألفى أباه بذاك الكسب يكتسب.\nوقال الآخرون: الاكتساب أخص من الكسب لأن الكسب ينقسم إلى كسبه لنفسه ولغيره، ولا يقال:\nيكتسب، قال الحطيئة: [البسيط]\nألقيت كاسبهم في قعر مظلمة ... فاغفر هداك مليك الناس يا عمر\nقلت: والاكتساب: افتعال، وهو يستدعي اهتماما وتعملا واجتهادا، وأما الكسب فيصح نسبته بأدنى شيء، ففي جانب الفضل جعل لها ما لها فيه أو في سعي. وفي جانب العدل لم يجعل عليها إلا ما لها فيه اجتهاد واهتمام.\nوالقائلون بالكسب اختلفوا في حقيقته، فقالت المعتزلة: هو إحداث العبد لفعله بقدرته ومشيئته استقلالا، وليس للرب منع فيه، ولا هو خالق فعله، ولا مكونه، ولا مريد له.\nوقالت الأشعرية: هو مقارنة قدرة العبد لفعله الاختياري في محل واحد هو العبد، بمعنى أنه متى خلق الله القدرة التي هي العرض مقارنة لذلك الفعل، كان ذلك الفعل اختياريا ومكسوبا للعبد بدون أن يكون لقدرته فيه مدخل أصلا، وإن لم يخلق الله تلك القدرة المقارنة للفعل، بل خلق الفعل في العبد فقط، كان ذلك الفعل اضطراريا، ولم يكن مكسوبا للعبد. وهذا الفريق صرح بأن العبد مجبور في الباطن مختار في الظاهر، فهو عنده مجبور في صورة مختار.\nولا يخفى أن هذا المذهب ومذهب الجبرية واحد معنى، فيلزم على كل من المذهبين ما يلزم على الآخر، والتستر بقالب الاختيار، وصورته الظاهرية، المخالفة للواقع لا يفيد.\nوقال العلامة الأمير: الكسب هو صرف إرادة العبد إلى الفعل، وهو أمر اعتباري، لا يحتاج لخلق وإيجاد، وبيان ذلك: أن العبد إذا توجهت إرادته لفعل من أفعاله كالصلاة، أوجد الله (تعالى) في العبد شيئين مقترنين أحدهما فعله بالمعنى الحاصل بالمصدر أي حركاته وسكناته. والثاني قدرته المتعلقة بفعله تعلق مقارنة، وتعلقه المذكور هو فعله بالمعنى المصدري، فالسبب هو توجه إرادة العبد، والمسبب شيئان وجوديان أوجدهما المولى تعالى مقترنين وهما فعل العبد وقدرته، فلا يناسب حينئذ جعل أحدهما علة أو شرطا لآخر، وإنما السبب أو الشرط في إيجاد المؤثر لهما إرادة العبد، لكنه عادي لا عقلي. فإذا قصد العبد فعل الخير خلق الله (تعالى) فيه قدرة فعل الخير، وخلق الخير معها. وإن قصد فعل الشر خلق الله (تعالى) فيه قدرة فعل الشر، وخلق الشر معها. فكان هو المفوت لقدرة فعل الخير لقصده فعل الشر فيستحق الذم.\nينظر: «أفعال العباد» لشيخنا عبد الرحمن إبراهيم ص ٥١- ٥٤.","vol":"1","page":284},{"text":"وقوله تعالى: وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ ... الآية: وحرصهم على الحياة لمعرفتهم بذنوبهم، وأن لا خير لهم عند اللَّه تعالى.\nوقوله تعالى: وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا: قيل: المعنى: / وأحرصُ من الذين أشركوا ٣٠ ألأن مشركِي العَرَبِ لا يعرفون إلا هذه الحياة الدنيا، والضمير في أَحَدُهُمْ يعودُ في هذا القول على اليهودِ، وقيل: إِن الكلام تَمَّ في حياةٍ، ثم استؤنف الإِخبار عن طائفة من المشركين أنهم يودُّ أحدهم لو يُعمَّر ألف سنَةٍ، والزحزحة الإبعاد والتنحية، وفي قوله تعالى: وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ وعيدٌ.\nوقوله تعالى: قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ ... الآيةَ: أجمع أهل التفْسير أن اليهود قالتْ: جبريلُ عدوُّنا، واختلف في كيفيَّة ذلك، فقيل: إن يهود فدك «١» قالوا للنبيّ ﷺ:\n«نَسْأَلُكَ عَنْ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ، فَإِنْ عَرَفْتَهَا، اتبعناك، فَسَأَلُوهُ عَمَّا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ على نَفْسِهِ، فَقَالَ:\nلُحُومُ الإِبِلِ، وأَلْبَانُهَا، وَسَأَلُوهُ عَنِ الشَّبَهِ فِي الوَلَدِ، فَقَالَ: أَيُّ مَاءٍ عَلاَ، كَانَ لَهُ الشَّبَهُ، وَسَأَلُوهُ عَنْ نَوْمِهِ، فَقَالَ: تَنَامُ عَيْنِي، وَلاَ يَنَامُ قَلْبِي، وَسَأَلُوهُ عَنْ مَنْ يَجِيئُهُ مِنَ المَلاَئِكَةِ، فَقَالَ: جِبْرِيلُ، فَلَمَّا ذَكَرَهُ، قَالُوا: ذَاكَ عَدُوُّنَا لأنَّهُ مَلَكُ الحَرْبِ، وَالشَّدَائِدِ، وَالجَدْبِ، وَلَوْ كَانَ الَّذِي يَجِيئُكَ مِيكَائِيلُ مَلَكُ الرَّحْمَةِ، وَالخِصْب، والأَمْطَار، لاتَّبَعْنَاكَ» .\nوَفِي جِبْرِيلَ لغاتٌ:\nجِبْرِيلُ «٢» بكسر الجيم والراء من غير همز، وبها قرأ نافع، وجبريل، بفتح الجيم\n_________\n(١) بالتحريك، وآخره كاف: قرية ب «الحجاز»، بينها وبين «المدينة» يومان. وقيل: ثلاثة، أفاءها الله (تعالى) على رسوله (﵇) صلحا. فيها عين فوّارة ونخل.\nينظر: «مراصد الاطلاع» (٣/ ١٠٢٠)\n(٢) قرأ نافع وابن عامر وأبو عمرو وحفص: «جبريل» بكسر الجيم والراء، جعلوا (جبريل) اسما واحدا على وزن (قطمير)، وحجتهم قول الشاعر:\nوجبريل رسول الله فينا ... وروح القدس ليس له كفاء\nوقرأ حمزة والكسائي: «جبرئيل» بفتح الجيم والراء مهموزا، قال الشاعر:\nشهدنا فما تلقى لنا من كتيبة ... مدى الدهر إلا جبرئيل أمامها\nوحجتهم ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «إنما جبرئيل وميكائيل» كقولك عبد الله وعبد الرحمن، (جبر) هو العبد، و(إيل) هو الله، فأضيف (جبر) إليه وبني فقيل (جبرئيل) .\nوقرأ ابن كثير «جبريل» بفتح الجيم وكسر الراء مثل (سمويل) وهو اسم طائر. قال عبد الله بن كثير:\nرأيت رسول الله ﷺ في المنام فأقرأني «جبريل» فأنا لا أقرأ إلا كذلك.\nوقرأ يحيى عن أبي بكر: «جبرئل» على وزن (جبرعل) وهذه لغة تميم وقيس.\nينظر: «العنوان في القراءات السبع» (٧١)، و«حجة القراءات» (١٠٧)، و«الحجة» (٢/ ١٦٣)، و«شرح طيبة النشر» (٤/ ٥٠)، و«شرح شعلة» (٢٧٠)، و«معاني القراءات» للأزهري (١/ ١٦٧) .","vol":"1","page":285},{"text":"وكسر الراء من غير همز، وبها قرأ ابن كثير، وروي عنه أنه قال: رأيْتُ النّبيّ ﷺ في النَّوْمِ وهو يَقُرَأُ: جَبْرِيلَ وَمِيكَالَ، فلا أزال أقرأها أبدًا كذلك.\nت: يعني، واللَّه أعلم: مع اعتماده على روايتها، قال الثعلبيُّ: والصحيح المشهورُ عن ابْن كَثِيرٍ ما تقدَّم من فتح الجيم، لا ما حُكِيَ عنه في الرؤْيَا من كَسْرها.\nانتهى.\nوذكر ابن عبَّاس وغيره أنَّ جِبْر، ومِيك، وإِسْرَاف هي كلُّها بالأعجميَّة بمعنى عَبْد وممْلُوك، وإِيلُ: اللَّهُ «١» .\nوقوله تعالى: فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ الضمير في «إِنَّهُ» عائد على اللَّه تعالى، وفي «نَزَّلَهُ» عائدٌ على «جِبْرِيل»، أي: بالقرآن، وسائر الوحْي، وقيل: الضمير في «إنَّهُ» عائدٌ على جبريل، وفي «نَزَّلَهُ» عائد على القرآن، وخص القلب بالذِّكْر لأنه موضع العقْل والعلْم، وتلقِّي المعارف.\nوبِإِذْنِ اللَّهِ: معناه: بعلْمه وتمكينه إِياه من هذه المنزلة، ومُصَدِّقًا: حال من ضمير القرآن في «نزّله»، ولِما بَيْنَ يَدَيْهِ: ما تقدَّمه من كتب اللَّه تعالى، وَهُدىً، أي: إرشاد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-131>[سورة البقرة (٢): الآيات ٩٨ الى ١٠٤]</span>\nمَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ (٩٨) وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وَما يَكْفُرُ بِها إِلاَّ الْفاسِقُونَ (٩٩) أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (١٠٠) وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٠١) وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢)\nوَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٣) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا وَاسْمَعُوا وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٠٤)\n_________\n(١) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ١٨٣) .","vol":"1","page":286},{"text":"وقوله تعالى: مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ ... الآيةَ: وعيدٌ وذمٌّ لمعادِي جبريلَ، وإعلام أن عداوة البعض تقتضي عداوةَ اللَّهِ لهم، وعطف جبريل وميكائل على الملائكة، وقد كان ذكْر الملائكة عمَّهما تشريفًا لهما وقيل: خُصَّا لأن اليهود ذكروهما، ونزلَتِ الآية بسببهما فذكرا لئلا تقول اليهود: إِنا لم نُعَادِ اللَّه، وجميعَ ملائكتِهِ، وعداوة العبد الله هي مَعْصِيَتُهُ، وترْكُ طاعته، ومعاداةُ أوليائه، وعداوةُ اللَّه للعبْدِ تعذيبُهُ وإظهار أثر العداوة عليه.\nوقوله تعالى: أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْدًا ... الآيةَ: قال سيبوَيْه «١»: «الواو للعطف، دخلت عليها ألف الاستفهام»، والنبذ: الطَّرْح، ومنه المنبوذ، والعَهْد الذي نبَذُوه: هو ما أُخِذَ عليهم في التوراة من أمر النبيّ ﷺ وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هو محمّد ﷺ ومُصَدِّقٌ: نعْتٌ لرسولٍ، وكتابُ اللَّه: القُرْآن، وقيل: التوراة لأن مخالفتها نبذ لها، ووَراءَ ظُهُورِهِمْ مَثَلٌ لأن ما يجعل ظهريًّا، فقد زال النظَر إِلَيْه جملةً، والعرب تقول: جَعَلَ هذا الأمر وراء ظهره، ودبر أذنه.\nوكَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ: تشبيهٌ بمن لا يَعْلَم/ فيجيء من اللفظ أنهم كفروا على ٣٠ ب عِلْمٍ.\nوقوله تعالى: وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّياطِينُ ... الآية: يعني اليهود، وتَتْلُوا: قال عطاءٌ: معناه: تقرأ «٢»، وقال ابن عبَّاس: تَتْلُوا: تتبع «٣»، وعَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ، أي: على عهد مُلْكِ سليمانَ، وقال الطبريّ: اتَّبَعُوا: بمعنى: فضلّوا، وعَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ، أي: على شرعه ونبوءته، والَّذي تلته الشياطينُ، قيل: إِنهم كانوا يلقون إِلى الكهنة الكَلِمَةَ من الحَقِّ معها المائةُ من الباطل حتى صار ذلك علمهم، فجمعه سُلَيْمَانُ، ودفَنَه تحْت كرسيِّه، فلما مات، أخرجته الشياطينُ، وقالت: إن ذلك كان علم سليمان.\n_________\n(١) اختلف النحويون في ذلك على ثلاثة أقوال فقال الأخفش: إن الهمزة للاستفهام والواو زائدة، وهذا على رأيه في جواز زيادتها. وقال الكسائي: هي «أو» العاطفة التي بمعنى بل، وإنما حركت الواو ويؤيده قراءة من قرأها ساكنة. وقال البصريون هي واو العطف قدمت عليها همزة الاستفهام على ما عرف، والزمخشري يقدر بين الهمزة وحرف العطف شيئا يعطف عليه ما بعده، لذلك قدره هنا: أكفروا بالآيات البينات، وكلما عاهدوا. ينظر: «الدر المصون» (١/ ٣١٦)، و«الكتاب» (٣/ ١٨٩) .\n(٢) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ١٨٥) بلفظ: «تقرأ من التلاوة» عن عطاء.\n(٣) أخرجه الطبري (١/ ٤٩٢) برقم (١٦٥٨)، وقال العلامة أحمد شاكر: ووقع في المطبوعة «العبقري» وهو تصحيف، وتصحيحه كالآتي: الحسين بن عمرو بن محمد العنقزي- ضعيف قال أبو زرعة «لا يصدق»، وهو مترجم في «لسان الميزان»، و«ابن أبي حاتم» (١/ ٢/ ٦١- ٦٢)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ١٨٥)، والسيوطي في «الدر» (١/ ١٨٣)، وعزاه لابن جرير.","vol":"1","page":287},{"text":"وروي أنّ رسول الله ﷺ، لما ذَكَر سليمانَ﵇- في الأنبياء، قال بعضُ اليهود: انظروا إلى محمَّد يذكر سليمانَ في الأنبياء، وما كان إِلا ساحرًا.\nوقوله تعالى: وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ تبرئةٌ من اللَّه تعالى لسليمان﵇.\nوالسِّحْرُ والعمل به كفْرٌ، ويقتلُ السَّاحر عند مالك كُفْرًا، ولا يستتابُ كالزنديقِ، وقال الشافعيُّ: يسأل عن سِحْره، فإِن كان كُفرًا، استتيب منه، فإِن تاب، وإِلا قتل، وقال مالكٌ فيمَنْ يعقدُ الرجَالَ عن النساءِ: يعاقَبُ، ولا يُقْتَلُ، والناس المعلَّمون: أتباعُ الشياطين من بني إِسرائيل، وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ: «مَا» عطْفٌ على السِّحْر، فهي مفعولةٌ، وهذا على القول بأن اللَّه تعالى أنزل السِّحْرَ على الملكَيْن ليكفر به من اتبعه، ويؤمن به من تركه، أو على قول مجاهد وغيره أنَّ اللَّه تعالى أنزل على الملكَيْن الشيْءَ الذي يفرق به بين المرء وزوجه، دون السِّحْر، أو «١» على القول أن اللَّه تعالى أنزل السحر عليهما ليُعْلَم على جهة التحذير منه، والنهْيِ عنه.\nقال ع «٢»: والتعليمُ على هذا القول، إِنما هو تعريف يسير بمبادئه، وقيل:\n«إِنَّمَا» عطف على «ما» في قوله: مَا تَتْلُوا، وقيل: «ما» نافية، ردٌّ على قوله: وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ، وذلك أنَّ اليهود قالُوا: إن اللَّه تعالى أنزل جبريلَ وميكَائلَ بالسِّحْر، فنفى اللَّه ذلك.\nت: قال عِيَاضٌ: والقِرَاءَةُ بكسر اللام من الملكَيْن شاذَّة «٣»، وبَابِل: قُطْر من الأرض، وهَارُوتُ ومَارُوتُ: بدل من الملكَيْن، وما يذكر في قصتهما مع الزُّهرةِ كُلُّه ضعيفٌ وكذا قال: ع «٤» ت: قال عياض «٥»: وأما ما ذكره أهل الأخبار، ونقله المفسِّرون في قصَّة\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١/ ٤٩٩) برقم (١٦٨٠)، وذكره السيوطي في «الدر» (١/ ١٨٣)، وابن عطية الأندلسي في «تفسيره» (١/ ١٨٦) .\n(٢) «المحرر الوجيز» (١/ ١٨٦) .\n(٣) وقرأ بها الحسن بن علي وابن عباس، كما في مختصر الشواذ ص ١٦ وقرأ بها أيضا أبو الأسود الدؤلي، والضحاك، وابن أبزى.\nينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ١٨٦)، و«البحر المحيط» (١/ ٤٩٧)، و«الدر المصون» (١/ ٣٢١) .\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ١٨٧) .\n(٥) ينظر: «الشفا» (ص ٨٥٣- ٨٥٥) .","vol":"1","page":288},{"text":"هَارُوت ومَارُوت. وما رُوِيَ عن عليٍّ، وابنِ عَبَّاسٍ﵄- في خَبَرِهما، وابتلائهما، فاعلم- أكرمك اللَّه- أن هذه الأخبار لم يُرْو منها سقيمٌ ولا صحيحٌ عن رسولِ الله ﷺ، وليس «١» هو شَيْئًا يؤخذ بقياسٍ، والذي منه في القرآن، اختلف المفسِّرون في معناه، وأنكَرَ ما قال بعضهم فيه كثيرٌ من السلف، وهذه الأخبار من كتب اليهود، وافترائهم «٢» كما نصَّه اللَّه أول الآيات. انتهى. انظره.\nوقوله تعالى: وَما يُعَلِّمانِ ... الآية: ذكر ابْنُ الأعرابيِّ «٣» في «اليَاقُوتَةِ» أنَّ يُعَلِّمانِ بمعنى «يُعْلِمَانِ «٤»، ويشعران» كما قال كعب بن زهير «٥»: [الطويل]\n_________\n(١) وليس هو أي ما تضمنته قصتهما. يؤخذ بقياس: يستنبط بقياس أي ليس مما يجري فيه القياس على غيره، مما ورد من الآيات والأحاديث الصحيحة فلا ينبغي الخوض فيه نفيا أو إثباتا.\nقال في «نسيم الرياض»: وهذا الذي ذكره من أنه لم يرد فيه حديث ضعيف، ولا صحيح ردوه- كما نقله السيوطي في «مناهل الصفا في تخريج أحاديث الشفا» - بأنه ورد من طرق كثيرة منها ما في مسند أحمد، عن ابن عمر (﵄) مرفوعا ورواه ابن حبان، والبيهقي، وابن جرير وابن حميد في «مسنده»، وابن أبي الدنيا وغيرهم من طرق عديدة.\nوقال ابن حجر في «شرح البخاري»: إن له طرقا تفيد العلم بصحته. وكذا في حواشي البرهان الحلبي، وذكره مسندا عن ابن عمر (﵄) أنه سمعه ﷺ يقول: «لما أهبط الله (تعالى) آدم إلى الأرض، قالت الملائكة: أتجعل فيها من يفسد فيها! وقالوا: ربنا نحن أطوع لك من بني آدم. فقال الله تعالى: هلما بملكين يهبطان الأرض. قالوا: ربنا هاروت وماروت. فأهبطا، فتمثلت لهما الزهرة امرأة حسنة من البشر فراوداها عن نفسها، فقالت: لا، والله، حتى تتكلما بهذه الكلمة من الشرك، فأبيا.\nفذهبت وأتت بابن جار لها تحمله، فراوداها. فقالت: لا، حتى تقتلا هذا الصبي فقالا: لا. ثم راوداها مرة أخرى، فأتت بقدح خمر، فقالت: لا، حتى تشرباه. فشربا وسكرا، فتكلما بكلمة الكفر، وقتلا الصبي، فخيرهما الله (تعالى) بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا: «فعلقا بين السماء والأرض» . قال الخفاجي: وقد جمع السيوطي طرق هذا الحديث في تأليف مستقل، فبلغت نيفا وعشرين طريقا. [.....]\n(٢) هذه الأخبار التي ذكرها بعض المفسرين منقولة من كتب اليهود في الإسرائيليات وافترائهم وكذبهم على أنبياء الله تعالى وملائكته.\n(٣) محمد بن زياد، المعروف ب «ابن الأعرابي»، راوية، ناسب، علامة باللغة، ولد ١٥٠ هـ من أهل «الكوفة»، كان أحول، لم ير أحد في علم الشعر أغزر منه. له تصانيف منها: «أسماء الخيل وفرسانها»، و«الأنواء» و«الفاضل» و«البشر» وغيرها. وتوفي ٢٣١ هـ.\nينظر: «وفيات الأعيان» (١/ ٤٩٢)، و«تاريخ بغداد» (٥/ ٢٨٢)، و«المقتبس» (٦/ ٣- ٩)، و«نزهة الألباء» (٢٠٧)، و«الأعلام» (٦/ ١٣١) .\n(٤) وهي قراءة طلحة بن مصرف، كما في «مختصر الشواذ» (ص ١٦)، و«البحر المحيط» (١/ ٤٩٨)، و«الدر المصون» (١/ ٣٢٢) .\n(٥) كعب بن زهير بن أبي سلمى المازني، أبو المصرب. شاهر عالي الطبقة من أهل «نجد»، له «ديوان-","vol":"1","page":289},{"text":"تَعَلَّمْ رَسُولَ اللَّهِ أنَّكَ مُدْرِكِي ... وَأَنَّ وَعِيدًا مِنْكَ كَالأَخْذِ بِالْيَدِ «١»\nوحَمَلَ هذه الآية على أن الملكين إِنما نزلا يُعْلِمَانِ بالسَّحْر، وينهَيَان عنه، وقال الجمهورُ: بل التعليمُ على عرفه.\n٣١ أص «٢»: وقوله تعالى: مِنْ أَحَدٍ: «مِنْ» هنا زائدةٌ مع المفعول لتأكيد/ استغراق الجنْس لأن أحدًا من ألفاظ العموم. انتهى.\nويُفَرِّقُونَ: معناه فرقةَ العِصْمَة، وقيل: معناه يُؤْخِّذُونَ «٣» الرجُلَ عن المرأة حتى لا يَقْدِرَ على وطْئها، فهي أيضا فرقة، وبِإِذْنِ اللَّهِ: معناه: بعلمه، وتمكينه، ويَضُرُّهُمْ: معناه: في الآخرة، والضميرُ في علموا عائدٌ على بني إِسرائيل، وقال:\nاشْتَراهُ لأنهم كانوا يعطون الأجرة على أنْ يعُلَّمُوا، والخَلاَقُ: النصيب والحظُّ وهو هنا بمعنى الجاه والقَدْرِ، واللامُ في قوله: «لَمَن» للقسمِ المؤذنة بأنَّ الكلام قَسَمٌ لا شرط.\nم: وَلَبِئْسَ مَا: أبو البقاء «٤»: جواب قسم محذوف، والمخصوص بالذم\n_________\nشعر» كان ممن اشتهر في الجاهلية، ولما ظهر الإسلام هجا النبي ﷺ وأقام يشبب بنساء المسلمين، فهدر النبي دمه، فجاءه «كعب» مستأمنا، وقد أسلم، وأنشده لاميته المشهورة التي مطلعها: «بانت سعاد فقلبي اليوم متبول» فعفا عنه النبي ﷺ وخلع عليه بردته. وهو من أعرق الناس في الشعر.\nينظر: «الأعلام» (٥/ ٢٢٦) .\n(١) البيت في ملحق ديوانه (٢٥٨)، و«أمالي المرتضى» (٢/ ٧٧)، و«المحرر الوجيز» (١/ ١٨٧)، و«تفسير القرطبي» (٢/ ٥٤)، و«الدر المصون» (٣٢٢) . ويروى ملفقا من بيتين لأسيد بن أبي إياس الهذلي في «شرح أشعار الهذليين» (٢/ ٦٢٧) وبلا نسبة في «شرح الأشموني» (١/ ١٥٨) و«شرح شذور الذهب» (ص ٤٦٨) و«مغني اللبيب» (ص ٢/ ٥٩٤) .\nوالشاهد فيه استعمال الفعل «تعلّم» بمعنى «اعلم»، فنصب به مفعولين بواسطة «أنّ» المصدريّة المؤكّدة، وهذا هو الأكثر في تعدّي هذا الفعل.\n(٢) «المجيد» (ص ٣٦١) .\n(٣) التأخيذ: حبس السواحر أزواجهن عن غيرهن من النساء. والتأخيذ- أيضا-: أن تحتال المرأة بحيل في منع زوجها من جماع غيرها، يقال: لفلانة أخذة تؤخذ بها الرجال عن النساء.\nينظر: «لسان العرب» (٣٦) .\n(٤) «التبيان» (١/ ١٠١) وأبو البقاء هو عبد الله بن الحسين بن عبد الله بن الحسين، الإمام محبّ الدين، أبو البقاء العكبريّ، البغداديّ الضّرير، النحويّ، الحنبليّ، صاحب الإعراب. قال القفطي: أصله من «عكبرا»، وقرأ بالرّوايات على أبي الحسن البطائحيّ، وتفقّه بالقاضي أبي يعلى الفرّاء، ولازمه حتى برع في المذهب والخلاف والأصول، وقرأ العربيّة على يحيى بن نجاح وابن الخشّاب حتى حاز قصب السّبق، وصار فيها من الرّؤساء المتقدّمين، وقصده الناس من الأقطار، وأقرأ النّحو، واللّغة، والمذهب، والخلاف، والفرائض، والحساب. ينظر: «بغية الوعاة» (٢/ ٣٨، ٣٩) .","vol":"1","page":290},{"text":"محذوف، أي: السحر أو الكفر، والضمير في «بِهِ» عائدٌ على السحر، أو الكفر. انتهى.\nوشَرَوْا: معناه: باعوا، والضمير في «يَعْلَمُونَ» عائدٌ على بني إسرائيل اتفاقا، وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا: يعني: الذين اشْتَرُوا السِّحْرَ، وجوابُ: «لَوْ»: لَمَثُوبَةٌ، والمثوبةُ عند الجمهور: بمعنى الثواب.\nوقوله سبحانه: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ يحتمل نفْيَ العلْمِ عنهم، ويحتمل: لو كانوا يعلمون عِلْمًا ينفع.\nوقرأ جمهورُ النَّاس «١»: راعِنا من المراعاة بمعنى: فَاعِلْنَا، أي: ارعنا نَرْعَكَ، وفي هذا جَفَاءٌ أنْ يُخَاطِب به أحدٌ نبيِّهُ، وقد حضَّ اللَّه تعالى على خَفْض الصوت عنده، وتعزيرِهِ وتوقيرِهِ، وقالتْ طائفةٌ: هي لغةٌ للعرب، فكانت اليهودُ تصرفها إلى الرُّعُونَة يظهرون أنهم يريدون المراعاة، ويُبْطِنُون أنهم يريدونَ الرُّعُونَة التي هي الجَهْلُ، فنهى اللَّه المؤمنين عن هذا القول سَدًّا للذريعةِ «٢» لئلاَّ يتطرق منه اليهود إِلى المحظور، وانْظُرْنا: معناه: انتظرنا، وأمهل علَيْنا، ويحتمل أن يكون المعنى: تفقَّدنا من النَّظَر، والظاهرُ عنْدي استدعاءُ نظر العَيْن المقترِنِ بتدبُّر الحال، ولما نهى اللَّه تعالى في هذه الآية، وأمر، حض بَعْدُ على السمع الذي في ضمنه الطاعةِ، وأَعلَمَ أنَّ لمن خالف أمره، فكفر- عذابًا أليمًا، وهو المؤلم، وَاسْمَعُوا: معطوفٌ على قُولُوا، لا على معمولها.\n_________\n(١) وفي مصحف عبد الله وقراءته، وقراءة أبي: «راعونا» على إسناد الفعل لضمير الجمع، وذكر أيضا أن في مصحف عبد الله (ارعونا) خاطبوه بذلك إكبارا وتعظيما إذ أقاموه مقام الجمع، وقرأ الحسن وابن أبي ليلى، وأبو حيوة، وابن محيصن: «راعنا» بالتنوين جعله صفة لمصدر محذوف، أي: قولا راعنا، وهو على سبيل النسب كلابن، وتامر.\nينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ١٨٩)، و«البحر المحيط» (١/ ٥٠٨)، و«الدر المصون» (١/ ٣٣٢)، و«مختصر الشواذ» (ص ١٦)، و«إتحاف فضلاء البشر» (١/ ٤١١) .\n(٢) وسدّ الذّرائع: هي التّوصّل بما هو مصلحة إلى مفسدة، كما يرى الشاطبي، أو وسيلة وطريقة إلى الشيء، عن شمس الدين ابن القيم، فالشاطبي يقتصر على الذّرائع سدّا، وابن القيم يشملها سدّا وفتحا.\nفسدّ الذرائع وسيلة مباحة يتوصّل بها إلى ممنوع مشتمل على مفسدة.\nقال الباجيّ: ذهب مالك إلى المنع من سدّ الذّرائع، وهي المسألة التي ظاهرها الإباحة، ويتوصّل بها إلى فعل المحظور، مثل: أن يبيع السّلعة بمائة إلى أجل، ويشتريها بخمسين نقدا، فهذا قد توصل إلى خمسين بذكر السلعة.","vol":"1","page":291},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-132>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٠٥ الى ١٠٦]</span>\nمَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (١٠٥) ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦)\nوقوله سبحانه: مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ ... الآية: يتناول لفظُ الآيةِ كلَّ خير، والرحمةُ في هذه الآية عامَّة لجميعِ أنواعها، وقال قومٌ: الرحمة القرآن.\nوقوله تعالى: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها ... الآية: النَّسْخُ في كلام العرب، على وجهين:\nأحدهما: النَّقْل كنقل كتابٍ من آخر، وهذا لا مدْخَل له في هذه الآية، وورد في كتاب اللَّه تعالى في قوله: إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الجاثية: ٢٩] .\nالثاني: الإِزالةُ، وهو الذي في هذه الآية، وهو منقسمٌ في اللغة على ضَرْبَيْنِ:\nأحدهما: يثبت الناسخ بعد المنسوخ كقولهم: نَسَخَتِ الشَّمْسُ الظِّلَّ.\nوالآخر: لا يثبت كقولهم: نَسَخَتِ الرِّيحُ الأَثَرَ.\nوورد النسخ في الشَّرْع حسب هذَيْن الضربَيْن وحَدُّ «النَّاسِخ» عنْد حُذَّاق أهل السنة:\nالْخِطَابُ الدالُّ على ارتفاع الحُكْمِ الثَّابتِ بالخطابِ المتقدِّمِ على وجْهٍ لولاه لكان ثَابِتًا، مع تراخيه عنه.\nت: قال ابن الحاجِبِ: والنَسْخُ لغةً: الإِزالة، وفي الاصطلاح: رفع الحُكْمِ الشرعيِّ بدليلٍ شرعيٍّ متأخِّر «١» . انتهى من «مختصره الكبير» .\n_________\n(١) ينظر: «البرهان» لإمام الحرمين (٢/ ١٢٩٣)، «البحر المحيط» للزركشي (٤/ ٦٣)، «الإحكام في أصول الأحكام» للآمدي (٣/ ١٥)، «سلاسل الذهب» للزركشي (ص ٢٩٠)، «التمهيد» للأسنوي (ص ٤٣٥)، «نهاية السول» له (٢/ ٥٤٨)، «زوائد الأصول» له (ص ٣٠٨)، «منهاج العقول» للبدخشي (٢/ ٢٢٤)، «غاية الوصول» للشيخ زكريا الأنصاري (ص ٨٧)، «التحصيل من المحصول» للأرموي (٢/ ٧)، «المنخول» للغزالي (ص ٢٨٨)، «المستصفى» له (١/ ١٠٧)، «حاشية البناني» (٢/ ٧٤)، «الإبهاج» لابن السبكي (٢/ ٢٢٦)، «الآيات البينات» لابن قاسم العبادي (٣/ ١٢٩)، «حاشية العطار على جمع الجوامع» (٢/ ١٠٦)، «المعتمد» لأبي الحسين (١/ ٣٦٣)، «إحكام الفصول في أحكام الأصول» للباجي (ص ٣٨٩)، «الإحكام في أصول الأحكام» لابن حزم (٤/ ٤٦٣)، «أعلام الموقعين» لابن القيم (١/ ٢٩)، «التقرير والتحبير» لابن أمير الحاج (٣/ ٤٩)، «ميزان الأصول» للسمرقندي (٢/ ٦٢١، ٩٨١)، «حاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى» (٢/ ١٨٥)، «شرح التلويح على التوضيح» لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني (٢/ ٣٤)، «شرح المنار» لابن ملك (ص ٩١)، «الموافقات» للشاطبي (٣/-","vol":"1","page":292},{"text":"والنسْخُ جائز على اللَّه تعالى عقلًا لأنه لا يلزم عنه محالٌ «١»، ولا تتغيرُ صفة من صفاته تعالى/، وليست الأوامر متعلِّقة بالإِرادة، فيلزم من النسْخ أنَّ الإِرادة تغيَّرت، ولا ٣١ ب النسخ لطروء علْم، بل اللَّه تعالى يعلم إلى أيِّ وقت ينتهي أمره بالحكم الأول، ويعلم نسخه له بالثاني، والبَدَاءُ لا يجوزُ على اللَّه تعالى لأنه لا يكون إلا لطروءِ علْمٍ أو لتغيُّر إِرادة وذلك محالٌ في جهة اللَّه تعالى، وجعلت اليهود النسْخَ والبَدَاءَ واحدًا، فلم يجوِّزوه، فضَلُّوا.\nوالمنسوخُ عند أئمتنا: الحُكْم الثابتُ نفسُه، لا ما ذهْبت إِلَيْه المعتزلةُ من أنه مثل الحُكْم الثَّابت فيما يستقبلُ، والذي قادهم إلى ذلك مذهَبُهم في أنّ الأوامر مرادة، وأن\n_________\n- ١٠٢)، «تقريب الوصول» لابن جزيّ (ص ١٢٥)، «شرح مختصر المنار» للكوراني (ص ٩١)، «نشر البنود» للشنقيطي (٢/ ٢٨٠)، «شرح الكوكب المنير» للفتوحي (ص ٤٦٢) .\nوينظر: «تهذيب اللغة» (٧/ ١٨١)، «لسان العرب» (٦/ ٤٤٠٧)، «تاج العروس» (٢/ ٢٨٢)، «معيار العقول في علم الأصول» لابن المرتضى (١/ ١٧٢)، «كشف الأسرار» (٣/ ١٥٤)، «حواشي المنار» (٧٠٨)، «العدة» (٣/ ٧٧٨)، «الحدود» للباجي (ص ٤٩)، «اللمع» (ص ٣٠)، «الوصول» لابن برهان (٢/ ٧)، «روضة الناظر» (٢٦)، «الرسالة» للشافعي (١٢٨)، «المغني» للخبازي (٢٥٠)، «المسودة» (١٩٥)، «شرح تنقيح الفصول» (٣٠١)، «تقريب الوصول» (١٢٥)، «المنتهى» لابن الحاجب (١١٣) .\n(١) أجمع أهل الشرائع طرّا من المسلمين والنصارى واليهود على جوازه عقلا، وخالف في ذلك الشمعونية من اليهود متمسكين بشبه واهية.\nاحتج الجمهور بدليل عقلي حاصله: أن المخالف لا يخلو حاله من أحد أمرين: أما إن يكون ممن يوافق على أن الله (تعالى) هو الفاعل المختار، له أن يفعل ما يشاء كما يشاء من غير نظر إلى حكمة وغرض.\nوإما أن يكون ممن يعتبر المصلحة في أفعاله (تعالى)، فإن كان الأول، فليس في العقل ما يمنع من أن يأمر الله بشيء في وقت وينهى عنه في وقت آخر، كأمره بالصوم في اليوم الأخير من رمضان، ونهيه عنه في اليوم الأول من شوال. وإن كان الثاني، فلا يمتنع أن يعلم الله أن في الفعل مصلحة في وقت، فيأمر به، وأن في الفعل مضرة في وقت آخر، فينهى عنه فإن المصلحة مما تختلف باختلاف الأشخاص والأحوال. أما اختلافها بالأشخاص فإنا نرى الغنى مصلحة لبعض الناس، والفقر مفسدة له، بينما نرى الفقر مصلحة للبعض الآخر، والغنى مفسدة له يدلنا على ذلك قول الرسول الأمين فيما يرويه عن رب العالمين: «إن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلّا الفقر، ولو أغنيته لأفسده. وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الغنى، ولو أفقرته لأفسده» وأما اختلافها بحسب الأحوال والأزمان، فإنا نرى الشدة والغلظة نافعة في زمان دون زمان، لا ينفع فيه إلا المداراة والمساهلة. ومثل ذلك المريض يكون تناول الدواء مفيدا له حين مرضه، فيأمره الطبيب بتناوله، ويكون مضرا له بعد سلامته، فينهاه الطبيب عنه حينئذ، أو كالغذاء الجيد لا تتحمله معدة المريض الضعيف، فينهى عنه. فإذا شفي من مرضه وسلمت معدته واحتاج إلى ما يعيد قوته، حتم عليه الطبيب تناول ما كان يمنعه عنه. واعتبر ذلك في تربية الطفل يعطى من الغذاء الخفيف ما يناسبه حتى إذا شب زيد له من متين الغذاء بمقداره. ومنع من رضاع أمه إذ كان ذلك لا يناسب بعد كبره. ينظر: «النسخ» لشيخنا إمام إبراهيم عيسى ص ٢٠. [.....]","vol":"1","page":293},{"text":"الحُسْن صفةٌ نفسيَّةٌ للحَسَنِ، ومراد اللَّه تعالى حَسَنٌ «١»، وقد قامت الأدلَّة على أنَّ الأوامر لا\n_________\n(١) لا قبح عقلا وشرعا في شيء من الأشياء من حيث كونه مخلوقا لله (تعالى)، سواء كانت أفعال العباد أو لا لأن مالك الأمور كلها يفعل ما يشاء. وأما أفعال العباد من حيث كونها مكسوبة للعباد، فقد تتصف بالحسن والقبح الشرعيين. هذا عند الأشاعرة، وأما المعتزلة فقد قالوا: القبيح قبيح في نفسه، فيقبح من الله (تعالى) كما يقبح منا، وكذا الحسن، وقد يدركان بالعقل، فوقع الاختلاف بين الفريقين في أن العقل هل له حكم في حسن الأفعال وقبحها أم لا. بل الحاكم بهما الشرع فقط؟! وتفصيل المقام على ما في شرح «المواقف»: أن العلماء قد ذكروا أن الحسن والقبح يطلقان على ثلاثة معان: الأول:\nكون الفعل صفة كمال كالعلم، وكونه صفة نقصان كالجهل، ولا نزاع بين الفريقين في أن الحسن والقبح بهذا المعنى يدركان بالعقل فإن العقل يحتم بأن العلم حسن، والجهل قبيح، ولا يتوقف على حكم الشرع بالحسن والقبح فيهما. والمعنى الثاني: كون الفعل ملائما للغرض أو منافرا له، فما وافق الغرض كان حسنا، وما خالفه كان قبيحا، وما خلا منهما لا يكون حسنا ولا قبيحا. وقد يعبر عن الحسن والقبح بهذا المعنى بالمصلحة والمفسدة، فيقال: الحسن ما فيه مصلحة، والقبيح: ما فيه مفسدة، وما خلا عنهما لا يكون حسنا ولا قبيحا. ولا نزاع في أن الحسن والقبح بهذا المعنى أيضا عقليان، أي يدركان بالعقل، لكن هذا المعنى يختلف بالاعتبار فإن قتل زيد مصلحة لأعدائه وموافق لغرضهم، ومفسدة لأوليائه ومخالف لغرضهم، والمعنى الثالث: كون الفعل متعلق المدح عاجلا والثواب آجلا، وكونه متعلق الذم عاجلا والعقاب آجلا. وهذا المعنى الثالث هو محل النزاع، فالحسن والقبح بهذا المعنى عند الأشعري شرعي وذلك لأنهما لا يكونان لذات الفعل، وليس للفعل صفة لأجلها يكون الفعل حسنا وقبيحا بهذا المعنى الثالث حتى يدرك العقل ما به الحسن والقبح، ويحكم بالحسن والقبح، بل كل ما أمر الشارع به فهو حسن، وكل ما نهى الشارع عنه قبيح، حتى لو عكس الأمر لانعكس الحال. وقالت المعتزلة: للفعل في نفسه (أي مع قطع النظر عن الشرع) جهة محسنة مقتضية لاستحقاق فاعله مدحا وثوابا أو مقبحة مقتضية لاستحقاق فاعله ذما وعقابا. ثم إن تلك الجهة المقتضية لهما هو ذات الفعل عند جمهور المتقدمين منهم، وصفة حقيقة زائدة على ذات الفعل عند بعض المتقدمين منهم. وقال الجبائي منهم: ليس حسن الأفعال وقبحها لذواتها ولا لصفات حقيقية لها، بل لوجوه واعتبارات وأوصاف إضافية تختلف بحسب الاعتبار كما في لطم اليتيم للتأديب. ثم إن المعتزلة قالوا: إن من الحسن والقبح ما يدركه العقل ضرورة من غير نظر واستدلال، كحسن الصدق النافع، وقبح الكذب الضار. ومنهما ما يدركه العقل بالنظر والاستدلال، كقبح الصدق الضار، وحسن الكذب النافع. ومنهما ما لا يدركه العقل لا بالضرورة ولا بالاستدلال، كحسن صوم آخر رمضان، وقبح صوم أول شوال، لكن إذا ورد به الشرع، وعلم أن ثمة جهة محسنة ومقبحة، فإدراكه الحسن والقبح في هذا القسم موقوف على كشف الشرع عنهما بأمره ونهيه. وللماتريدية موافقة للمعتزلة في أن حسن بعض أفعال العباد وقبحها يكونان لذات الفعل أو لصفة له، ويعرفان عقلا كما يعرفان شرعا.\nينظر: «نشر الطوالع» (ص ٢٧٨- ٢٨٠)، «البحر المحيط» للزركشي (١/ ١٤٣، ١٦٨)، «البرهان» لإمام الحرمين (١/ ٨٧)، «سلاسل الذهب» للزركشي (٩٧)، «الإحكام في أصول الأحكام» للآمدي (١/ ٧٦)، «التمهيد» للأسنوي (٦١- ٦٢)، «نهاية السول» له (١/ ٨٨)، «زوائد الأصول» له (١٩٥)، «منهاج العقول» للبدخشي (١/ ٦٧٠)، «غاية الوصول» للشيخ زكريا الأنصاري (٧)، «التحصيل من المحصول» للأرموي (١/ ١٧٥- ١٨٠)، «المنخول» للغزالي (٨)، «المستصفى» له (١/ ٥٥)، «حاشية البناني» (١/-","vol":"1","page":294},{"text":"ترتبطُ بالإِرادة، وعلى أن الحُسْن والقُبْح في الأحكام، إِنما هو من جهة الشرع، لا بصفة نفسيَّة، والتخصيصُ من العموم يوهم أنه نسْخ، وليس «١» به لأن المخصَّص لم يتناولْه العمومُ قطُّ، ولو تناوله العموم، لكان نسخًا، والنسخ لا يجوز في الأخبار «٢»، وإِنما هو\n_________\n- ٦٤)، «الإبهاج» لابن السبكي (١/ ٦١، ١٣٨)، «الآيات البينات» لابن قاسم العبادي (١/ ٨٧- ٨٨)، «تخريج الفروع» (٢٤٤)، «حاشية العطار على جمع الجوامع» (١/ ٧٧- ٨١)، «المعتمد» لأبي الحسين (٢/ ٣٢٧)، «شرح التلويح على التوضيح» لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني (١/ ١٧٣)، «نسمات الأسحار» لابن عابدين (٤٥)، «شرح المنار» لابن ملك (٣٥)، «ميزان الأصول» للسمرقندي (١/ ١٥٠- ١٥١)، «الكوكب المنير» للفتوحي (٩٥) .\n(١) معلوم أن التخصيص والنسخ يشتركان في أن كل واحد منهما بيان ما لم يرد باللفظ، إلا أنهما يفترقان في أمور، وهي أن التخصيص يبين أن العام لم يتناول المخصوص، والنسخ يرفع بعد الثبوت وأن التخصيص لا يرد إلا على العام، والنسخ يرد عليه وعلى غيره. وأنه يجب أن يكون متصلا، والنسخ لا يكون إلا متراخيا. وأنه لا يجوز إلى أن لا يبقى شيء، والنسخ يجوز. وأنه قد يكون بأدلة السمع وغيرها، والنسخ لا يجوز إلا بالسمع. وأنه يكون معلوما ومجهولا. والنسخ لا يكون إلا معلوما. وأنه لا يخرج المخصوص منه من كونه معمولا به في مستقبل الزمان، والنسخ يخرج المنسوخ عن ذلك. وأنه يرد في الأخبار والأحكام، والنسخ لا يرد إلا في الأحكام. وأن دليل الخصوص يقبل التعليل ودليل النسخ لا يقبله.\nينظر: «النسخ» لشيخنا إمام إبراهيم عيسى ص ٩١.\n(٢) تنوعت آراء الأصوليين في موضوع النسخ، فمنهم من ذهب إلى أن النسخ كما يكون في الأوامر والنواهي يكون في الأخبار. وينسب لعبد الرحمن بن زيد بن أسلم والسدي حيث قالا: «قد يدخل النسخ على الأمر والنهي وعلى جميع الأخبار» ولم يفصلا، وتابعهما على هذا القول جماعة.\nقال أبو جعفر: «وهذا القول عظيم جدا يئول إلى الكفر» لأن قائلا لو قال: «قام فلان» ثم قال: «لم يقم» ثم قال: «نسخته» لكان كاذبا.\nوبعضهم ذهب إلى أن أمر الناسخ والمنسوخ موكول إلى الإمام، فله أن ينسخ ما شاء. وهذا القول أعظم لأن النسخ لم يكن إلى النبي ﷺ إلا بالوحي من الله (تعالى) إما بقرآن مثله على قول قوم، وإما بوحي من غير القرآن، فلما ارتفع هذا بموت النبي ﷺ ارتفع النسخ.\nومنهم من ذهب إلى أن النسخ يكون في الأوامر والنواهي، وأما الأخبار فيفصل فيها بين ما فيه حكم، فيجوز النسخ فيه، وبين ما لا حكم فيه، فلا يجوز.\nومنهم من ذهب إلى أن النسخ يكون في الأوامر والنواهي خاصة.\nوهذا المذهب حكاه هبة الله بن سلامة عن مجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة بن عمار.\nوهناك مذهب خامس، عليه أئمة العلماء، وهو أن النسخ إنما يكون في المتعبدات لأن لله (﷿) أن يتعبد خلقه بما شاء إلى أي وقت شاء، ثم يتعبدهم بغير ذلك، فيكون النسخ في الأوامر والنواهي وما كان في معناهما مثل قوله تعالى: الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ [النور: ٣] وقوله تعالى في سورة يوسف﵇-: قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا [يوسف: ٤٧] فالأولى مثال للخبر الذي بمعنى النهي لأن المعنى. لا تنكحوا زانية ولا مشركة. -","vol":"1","page":295},{"text":"مختصٌّ بالأوامر والنواهي، ورد بعض المعترضين الأمر خبرًا بأن قال: أليس معناه وَاجِبٌ عَلَيْكُمْ أنْ تَفْعَلُوا كذا، فهذا خبر، والجوابُ أن يقال: إِن في ضمن المعنَى: إِلاَّ أنْ أنْسَخَهُ عنْكُم، وأرفعه، فكما تضمَّن لفظ الأمر ذلك الإِخبار كذلك تضمَّن هذا الاستثناءُ، وصور النسخ تختلفُ، فقد ينسخ الأثقل إِلى الأَخَفِّ، وبالعكس، وقد ينسخ المثلُ بمثلهِ ثِقَلًا وخِفَّةً، وقد ينسخ الشيء لا إِلى بدل، وقد تُنْسَخُ التلاوة دون الحُكْم، وبالعكس، والتلاوة والحكم حكمان، فجائز نَسْخ أحدهما دون الآخر، ونسْخُ القرآن بالقرآن، وينسخ خبر الواحدِ بخبر الواحدِ وهذا كله مُتَّفَقٌ عليه، وحُذَّاق الأئمَّة على أن القرآن ينسخ بالسنة، وذلك موجودٌ في قوله﵇- «لاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» «١»، وهو ظاهر مسائل مالك.\n_________\n- والثانية مثال للخبر الذي بمعنى الأمر لأن المعنى «ازرعوا» وهذا المذهب عزي إلى الضحاك بن مزاحم.\nينظر: «النسخ» لشيخنا إمام عيسى. (ص ١٨- ١٩) .\n(١) أخرجه أبو داود (٣/ ٢٩٠) كتاب «الوصايا»، باب الوصية للوارث، حديث (٢٨٧٠)، والترمذي (٤/ ٤٣٣) كتاب «الوصايا»، باب لا وصية لوارث، حديث (٢١٢٠)، وابن ماجه (٢/ ٩٠٥) كتاب «الوصايا»، باب لا وصية لوارث، حديث (٢٧١٣)، وأحمد (٥/ ٢٦٧)، والطيالسي (٢/ ١١٧- منحة) رقم (٢٤٠٧)، وسعيد بن منصور (٤٢٧)، والدولابي في «الكنى» (١/ ٦٤)، وأبو نعيم في «تاريخ أصبهان» (١/ ٢٢٧)، والبيهقي (٦/ ٢٦٤) كتاب «الوصايا»، باب نسخ الوصية للوالدين، كلهم من إسماعيل بن عياش عن شرحبيل بن مسلم عن أبي أمامة الباهلي. قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول في خطبته عام حجة الوداع: «إنّ الله (﵎) قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث» .\nوقال الترمذي: حديث حسن صحيح.\nوأخرجه ابن الجارود في «المنتقى» رقم (٩٤٩) من طريق الوليد بن مسلم قال: ثنا ابن جابر، ثنا سليم بن عامر، سمعت أبا أمامة، فذكر الحديث.\nوفي الباب عن جماعة من الصحابة وهم: عمرو بن خارجة، وأنس بن مالك، وابن عباس، وجابر، وعلي، وعبد الله بن عمرو، ومعقل بن يسار، وزيد بن أرقم، والبراء، ومجاهد مرسلا.\nحديث خارجة: أخرجه الترمذي (٤/ ٤٣٤) كتاب «الوصايا»، باب لا وصية لوارث، حديث (٢١٢١)، والنسائي (٦/ ٢٤٧)، كتاب «الوصايا»، باب إبطال الوصية للوارث وابن ماجة (٢/ ٩٠٥) كتاب «الوصايا»، باب لا وصية لوارث، وأحمد (٤/ ١٨٦، ١٨٧)، والدارمي (٢/ ٤١٩) كتاب «الوصايا»، باب الوصية للوارث، والطيالسي (١٣١٧)، وأبو يعلى (٣/ ٧٨) رقم (١٥٠٨)، والبيهقي (٦/ ٢٦٤) كتاب «الوصايا»، باب نسخ الوصية للوالدين، كلهم من طريق شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم عن عمرو بن خارجة أن النبي ﷺ خطب على ناقته وأنا تحت جرانها، وإن لعابها يسيل بين كتفي، فسمعته يقول: «إن الله (﷿) أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث» .\nقال الترمذي: حسن صحيح.\nوللحديث طريق آخر. -","vol":"1","page":296},{"text":"ت: ويعني بالسنةِ الناسخة للقرآن الخَبَرَ المتواترَ القطعيّ، وقد أشار إلى أن هذا\n_________\n- أخرجه الدارقطني (٤/ ١٥٢) كتاب الوصايا، حديث (١٠)، والبيهقي (٦/ ٢٦٤) كتاب «الوصايا»، باب نسخ الوصية للوالدين والأقربين، عن طريق زياد بن عبد الله عن إسماعيل بن مسلم عن الحسن بن عمرو بن خارجة مرفوعا بلفظ: «لا وصية لوارث، إلا أن يجيز الورثة» .\nوضعف البيهقي سنده: وأخرجه الطبراني في «الكبير» (٤/ ٢٠٢) رقم (٤١٤٠) من طريق عبد الملك بن قدامة الجمحي عن أبيه عن خارجة بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال يوم الفتح وأنا عند ناقته: «ليس لوارث وصية، قد أعطى الله (﷿) كل ذي حق حقه، وللعاهر الحجر» .\nوقال الهيثمي: رواه الطبراني، وفيه عبد الملك بن قدامة الجمحي، وثقه ابن معين، وضعفه الناس. اهـ.\nقلت: ووثقه أيضا يعقوب بن سفيان فقال في «المعرفة والتاريخ» (١/ ٤٣٥): «مديني ثقة» .\nلكن عبد الملك هذا ضعفه الجمهور: قال البخاري في «الضعفاء» (٢٢٠): يعرف وينكر.\nوقال أبو زرعة الرازي: منكر الحديث «سؤالات البرذعي» (ص ٣٥٦) .\nوقال أبو حاتم: ضعيف الحديث «علل الحديث» (٢٤٣٥) .\nوقال النسائي: مدني ليس بالقوي «الضعفاء والمتروكين» (٤٠٣) .\nوقال الدارقطني: مدني يترك «سؤالات البرقاني» (٣٠١) .\nحديث أنس: أخرجه ابن ماجه (٢/ ٩٠٦) كتاب «الوصايا» باب لا وصية لوارث، حديث (٢٧١٤)، والدارقطني (٤/ ٧٠) كتاب «الفرائض»، حديث (٨)، والبيهقي (٦/ ٢٦٤- ٢٦٥) كتاب «الوصايا»، باب نسخ الوصية للوالدين والأقربين. من طريق عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن سعيد بن أبي سعيد عن أنس به.\nقال البوصيري في «الزوائد» (٢/ ٣٦٨): هذا إسناد صحيح رجاله ثقات.\nحديث ابن عباس:\nأخرجه الدارقطني (٤/ ٩٧) كتاب الفرائض، حديث (٨٩)، والبيهقي (٦/ ٢٦٣) كتاب «الوصايا»، باب نسخ الوصية للوالدين والأقربين. من طريق ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس. قال البيهقي: عطاء: هو الخراساني، لم يدرك ابن عباس ولم يره. قاله أبو داود وغيره.\nوأخرجه البيهقي (٦/ ٢٦٣- ٢٦٤) من طريق يونس بن راشد عن عطاء عن عكرمة عن ابن عباس.\nقال الحافظ في «التلخيص» (٣/ ٩٢): حديث حسن.\nحديث جابر:\nأخرجه الدارقطني (٤/ ٩٧) كتاب «الفرائض»، حديث (٩٠) من طريق فضل بن سهل: ثنى إسحاق بن إبراهيم الهروي، ثنا سفيان عن عمرو عن جابر به.\nقال الدارقطني: الصواب مرسل.\nقال أبو الطيب آبادي في «التعليق المغني» (٤/ ٩٧): إسحاق بن إبراهيم الهروي، ثم البغدادي، أبو موسى، وثقه ابن معين وغيره، وقال عبد الله بن علي بن المديني: سمعت أبي يقول: أبو موسى الهروي روى عن سفيان عن عمرو عن جابر: «لا وصية ... الحديث» .\nكأنه سفيان عن عمرو مرسلا، «كذا في الميزان» اهـ.","vol":"1","page":297},{"text":"الحديث مُتَوَاتِرٌ، ذكره عند تفسير قوله تعالى: إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ [البقرة: ١٨٠]،\n_________\n- وللحديث طريق آخر: أخرجه الدارقطني (٤/ ١٥٢) كتاب «الوصايا»، حديث (١٢) من طريق نوح بن دراج عن أبان بن تغلب عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: «لا وصية لوارث، ولا إقرار بدين» .\nحديث علي:\nأخرجه الدارقطني (٤/ ٩٧) كتاب الفرائض، حديث (٩١)، من طريق يحيى بن أبي أنيسة، عن أبي إسحاق الهمداني، عن عاصم بن ضمرة، عن علي قال: رسول الله ﷺ: «الدين قبل الوصية، ولا وصية لوارث» .\nومن طريق يحيى أخرجه ابن عدي في «الكامل» (٧/ ١٩٠) ويحيى بن أبي أنيسة. قال أحمد: متروك الحديث.\nوقال ابن المديني: لا يكتب حديثه.\nوقال ابن معين: ليس بشيء.\nوقال البخاري: لا يتابع في حديثه، وليس بذاك.\nوقال النسائي: متروك الحديث.\nوأسند ذلك ابن عدي في «الكامل» عنهم.\nحديث عبد الله بن عمرو:\nأخرجه الدارقطني (٤/ ٩٨) كتاب «الفرائض»، حديث (٩٣)، وابن عدي في «الكامل» (٢/ ٨١٧) من طريقين عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال في خطبته يوم النحر: «لا وصية لوارث، إلا أن يجيز الورثة» .\nحديث معقل بن يسار:\nأخرجه ابن عدي في «الكامل» (٥/ ٢١١) من طريق علي بن الحسن بن يعمر: ثنا المبارك بن فضالة عن الحسن قال: قال معقل بن يسار: كنا بمنى وكان رسول الله ﷺ يخطب ولعاب ناقته بين كتفي، ففهمت من كلامه قال: «لا وصية لوارث» .\nقال ابن عدي: هذا الحديث باطل بهذا الإسناد.\nحديث زيد بن أرقم والبراء:\nأخرجه ابن عدي في «الكامل» (٦/ ٣٥٠) من طريق موسى بن عثمان الحضرمي عن أبي إسحاق عن البراء وزيد بن أرقم قالا: كنا مع النبي ﷺ يوم غدير «خم» ونحن نرفع غصن الشجرة عن رأسه فقال:\n«إن الصدقة لا تحل لي ولا لأهلي، لعن الله من ادعى إلى غير أبيه، ولعن الله من تولى غير مواليه.\nالولد للفراش وللعاهر الحجر. ليس لوارث وصية» . قال ابن عدي: موسى بن عثمان: حديثه ليس بمحفوظ.\nوقال أبو حاتم: متروك. ينظر: «اللسان» (٦/ ١٢٥)، و«الميزان» (٤/ ٢١٤) .\nمرسل مجاهد:\nأخرجه البيهقي (٦/ ٢٦٤) كتاب «الوصايا»، باب نسخ الوصية للوالدين والأقربين، من طريق الشافعي عن ابن عيينة عن سليمان الأحول عن مجاهد به.","vol":"1","page":298},{"text":"واختلف القُرَّاء في قراءة قوله تعالى: أَوْ نُنْسِها فقرأ ابن كثير وأبو عمرو: «نَنْسَأْهَا» بنون مفتوحةٍ، وأخرى ساكنة، وسين مفتوحة، وألف بعدها مهموزةٍ، وهذا بمعنى التأخير، وأما قراءة نافعٍ والجمهورِ: «نُنْسِهَا» من النسيان «١»، وقرأَتْ ذلك فرقةٌ إِلاَّ أنها همزت بعد السين «٢»، فهذه بمعنى التأخير والنِّسْيَان في كلام العربِ يجيء في الأغلب ضدَّ الذكر، وقد يجيء بمعنى التَّرْك، فالمعاني الثلاثة مقولَةٌ في هذه القراءات، فما كان منها يترتَّب في لفظةَ النسيان الذي هو ضدُّ الذكْر، فمعنى الآية به: ما ننسَخْ/ من آيةٍ أو نقدِّر نسيانَكَ لها، فإنّا ٣٢ أنأتي بخيرٍ منها لكُمْ أو مثلها في المنفعة، وما كان على معنى الترك، أو على معنى التأخيرِ، فيترتَّب فيه معانٍ، انظرها، إِنْ شئْتَ فإِنِّي آثرت الاختصار.\nع «٣»: والصحيح أن نسيان النبيّ ﷺ لِمَا أراد اللَّه أن يَنْسَاهُ، ولم يرد أن يثبته قرآنًا- جائزٌ، فأما النِّسْيَان الذي هو آفة في البشر، فالنبيّ ﷺ معصومٌ منْه قبل التبليغ، وبعد التبليغ، ما لم يحفظْه أحد من أصْحابه، وأما بعد أن يحفظ، فجائز علَيْه ما يجوز على البشر لأنه ﷺ قد بَلَّغَ، وأدَّى الأمانة ومنه الحديثُ، حِينَ أَسْقَطَ آيَةً، فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الصَّلاَةِ قَالَ: «أَفِي القَوْمِ أُبَيٌّ؟ قَالَ: نَعَمْ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَلِمَ لَمْ تُذَكِّرْنِي؟ قَالَ:\nحَسِبْتُ أنّها رفعت فقال النّبيّ ﷺ: لَمْ تُرْفَعْ، وَلَكِنِّي نُسِّيتُهَا» «٤» .\nوقوله تعالى: أَلَمْ تَعْلَمْ: معناه: التقرير، ومعنى الآية، أن اللَّه تعالى ينسخ ما شاء، ويثبت ما شاء، ويفعل في أحكامه ما شاء، هو قدير على ذلك، وعلى كلِّ شيء، وهذا لإِنْكَارِ اليَهُودِ النَّسْخَ، وقوله: عَلى كُلِّ شَيْءٍ عمومٌ، معناه الخصوصُ، إِذ لا تدخل فيه الصفاتُ القديمةُ بدليل العقل، ولا المحالاتُ لأنها ليستْ بأشياء، والشيء في كلام العرب: الموجود، وقَدِيرٌ: اسم فاعل على المبالغةِ، قال القُشَيْرِيُّ «٥»: وإِن من علم\n_________\n(١) ينظر: «السبعة» (١٦٨)، و«الكشف» (١/ ٢٥٧)، و«حجة القراءات» (١٠٩)، و«العنوان» (٧١)، و«الحجة» (٢/ ١٨٠)، و«شرح الطيبة» (٤/ ٥٤، ٥٥)، و«شرح شعلة» (٢٧٢)، و«معاني القراءات» (١/ ١٦٩)، و«إتحاف» (١/ ٤١١) .\n(٢) وقد ذكر أبو حيان في البحر اثنتي عشرة قراءة لهذه اللفظة. ينظر: «البحر المحيط» (١/ ٥١٣) .\n(٣) «المحرر الوجيز» (١/ ١٩٤) .\n(٤) أخرجه أحمد (٣/ ٤٠٧) وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٢/ ٧٢) وقال: رواه أحمد والطبراني ورجاله رجال الصحيح.\n(٥) عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك بن طلحة بن محمد، أبو القاسم القشيري، النيسابوري، أخذ عن أبي علي الدقاق، وأبي عبد الرحمن السلمي، ودرس الفقه على أبي بكر الطوسي، وقرأ الكلام على ابن فورك، وأبي إسحاق الأسفراييني، قال ابن السمعاني: لم ير أبو القاسم مثل نفسه في كماله وبراعته.\nصنف التفسير الكبير، والرسالة. ولد سنة ٣٧٦، ومات سنة ٤٦٥.","vol":"1","page":299},{"text":"أن مولاه قديرٌ على ما يريد، قَطَعَ رجاءه عن الأغيار كما قال تعالى عن إِبراهيم﵇-: رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ [إبراهيم: ٣٧] قال أهل الإِشارة:\nمعناه: سهلت طريقهم إِليك، وقطَعْت رجاءهم عن سواك، ثم قال: لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ، [إبراهيم: ٣٧] أي: شغلتهم بخدمتك، وأنت أولى بهم، فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ [إبراهيم: ٣٧]، أي: إِذا احتاجوا شيئًا، فذلل عبادك لهم، وأوصل بكرمك رعايتهم إليهم فإِنك على ذلك قديرٌ، وإِن من لزم بابه أوصل إليه محابَّه، وكفاه أسبابه، وذلل لهُ كلَّ صعب، وأورده كلَّ سهل عذبٍ من غير قطعِ شُقَّة، ولا تحمل مشقة انتهى من «التحبير» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-133>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٠٧ الى ١٠٨]</span>\nأَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (١٠٧) أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (١٠٨)\nوقوله تعالى: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ... الآيةَ: المُلْك السلطانُ، ونفوذُ الأمرِ، والإِرادةِ، وجَمْع الضمير في لَكُمْ دالٌ على أن المراد بخطاب النبيّ ﷺ خطابُ أمته.\nوقوله تعالى: أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ ... الآيةَ: قال أبو العالية: إِن هذه الآية نزلَتْ حين قال بعض الصحابة للنبيّ ﷺ: «لَيْتَ ذُنُوبَنَا جَرَتْ مجرى ذُنُوبِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي تَعْجِيلِ العُقُوبَةِ فِي الدُّنْيَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «قَدْ أَعْطَاكُمُ اللَّهُ خَيْرًا مِمَّا أعطى بَنِي إِسْرَائِيلَ»، وتَلاَ: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا\n[النساء: ١١٠]، وقال ابنُ عَبَّاس: سَبَبُهَا أنَّ رافع بن حريملة اليهوديّ سأل النبيّ ﷺ تفجيرَ عُيونٍ، وغير ذلك «١»، وقيل غير هذا، وما سئل موسى﵇- هو أَنْ يرى اللَّه جهرةً.\nوكنى عن الإِعراض عن الإيمان والإقبال على الكفر بالتبدّل، وضَلَّ: أخطأ (٣٢ ب الطريق، والسواء مِنْ/ كل شيءٍ الوسَطُ، والمعظَمُ ومنه: فِي سَواءِ الْجَحِيمِ\n_________\n- انظر: «طبقات ابن قاضي شهبة» (١/ ٢٥٤)، «طبقات السبكي» (٣/ ٢٤٣)، «تاريخ بغداد» (١١/ ٨٣)، «الأعلام» (٤/ ١٨٠) . [.....]\n(١) أخرجه الطبريّ (١/ ٥٣٠) برقم (١٧٨٠) وقال أحمد شاكر في المطبوعة: «من قولهم»، والصواب ما أثبت من سيرة ابن هشام (٢/ ١٩٧) اهـ. وذكره السيوطي في «الدر» (١/ ٢٠١)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم، ولابن إسحاق.","vol":"1","page":300},{"text":"[الصافات: ٥٥] وقال حَسَّانُ بنُ ثابتٍ في رثاء النبيِّ ﷺ [الكامل]:\nيَا وَيْحَ أَنْصَارِ النَّبِيِّ وَرَهْطِه ... بَعْدَ المُغَيَّبِ فِي سَوَاءِ المُلْحَدِ «١»\nوالسبيلُ: عبارة عن الشريعة التي أنزلها الله تعالى لعباده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-134>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٠٩ الى ١١٠]</span>\nوَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٩) وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٠)\nوقوله تعالى: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّارًا ...\nالآيةَ: قال ابنُ عَبَّاس: المراد ابنا أَخْطَبَ حُيَيٌّ وأَبُو يَاسِرً، أي: وأتباعهما «٢»، واختلف في سبب هذه الآيةِ، فقيل: إن حُذَيْفَةَ بْنَ اليَمَانِ «٣»، وعمّار بن ياسر «٤» أتيا بيت\n_________\n(١) ينظر: «ديوانه» ص (٦٦)، و«لسان العرب» (١٤/ ٤١٢) (سوا)، وبلا نسبة من «المقتضب» (٢/ ٢٧٤)، و«السيرة مع الروض» (٤/ ٢٦٦)، و«مجاز القرآن» (١/ ٥٠)، و«الكامل» (٣/ ١٣٦٩) .\nوينظر: «تفسير الطبري» (١/ ٣٦٨)، و«القرطبي» (٢/ ٧٠)، «الدر المصون» (١/ ٣٤٠) .\n(٢) أخرجه الطبري (١/ ٥٣٤) برقم (١٧٩١)، وذكره السيوطي في «الدر» (١/ ٢٠١)، وعزاه لابن إسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم. وذكره ابن عطية الأندلسي في «تفسيره» (١/ ١٩٦) .\n(٣) حذيفة بن اليمان (واسم اليمان حسل، وقيل: حسيل) بن جابر بن عمرو بن ربيعة بن جروة فروة، ابن الحارث بن مازن بن قطيعة بن عبس بن بغيض. أبو عبد الله العبسي، واليمان لقب: حسل والده.\nوقيل: لقب جروة بن الحارث. وقيل له ذلك لأنه حالف الأنصار وهم من اليمن. من كبار الصحابة.\nصاحب سر رسول الله ﷺ في المنافقين. روى عنه ابنه أبو عبيدة، وعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وقيس بن أبي حازم، وأبي وائل، وزيد بن وهب، وغيرهم. توفي سنة (٣٦) بعد وفاة عثمان بأربعين ليلة.\nينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (١/ ٤٦٨)، «الإصابة» (١/ ٣٣٢)، «الثقات» (٣/ ٨٠)، «تجريد أسماء الصحابة» (١/ ١٢٥)، «الكاشف» (١/ ٢١٠)، «العبر» (١/ ٢٥)، «الاستيعاب» (١/ ٣٤٤) .\n(٤) عمار بن ياسر بن عامر بن مالك بن كنانة بن قيس بن الحصين بن الوذيم ... المذحجي أبو اليقظان.\nالعنسي. حليف بني مخزوم. هو من السابقين الأولين إلى الإسلام ... وأمه سميّة، وهي أول من استشهد في سبيل الله (﷿) وأبوه وأمه من السابقين، وكان إسلام عمار بعد بضعة وثلاثين، وهو ممن عذب في الله. قال عمار: لقيت صهيب بن سنان على باب دار الأرقم ورسول الله ﷺ فيها فقلت: ما تريد؟ فقال: ما تريد أنت؟ قلت: أريد أن أدخل على محمد وأسمع منه كلامه. فقال: وأنا أريد ذلك، فدخلنا عليه، فعرض علينا الإسلام، فأسلمنا. وهو من مشاهير الصحابة ﵁.\nقتل مع علي ب «صفين» سنة (٣٧)، وله (٩٣ سنة) .\nينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (٤/ ١٢٩)، «الإصابة» (٤/ ٣٧٣)، «الثقات» (٣/ ٣٠٢)، «الاستيعاب» -","vol":"1","page":301},{"text":"المِدْرَاس «١»، فأراد اليهودُ صرْفَهما عن دينهما، فثبتا عليه، ونزلت الآية، وقيل: إن هذه الآية تابعةٌ في المعنى لما تقدَّم من نَهْيِ اللَّه ﷿ عن متابعة أقوال اليهود في: راعِنا [البقرة: ١٠٤] وغيره، وأنهم لا يودُّون أن ينزل على المؤمنين خيْرٌ، ويودُّون أن يردوهم كفارًا من بعد ما تبيَّن لهم الحق، وهو نبوءة محمّد ﷺ.\nت: وقد جاءَتْ أحاديث صحيحةٌ في النهيِ عن الحسدِ، فمنْها حديثُ مالكٍ في الموطَّإ عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: «لاَ تَبَاغَضُوا، وَلاَ تَدَابَرُوا، وَلاَ تَحَاسَدُوا، وَكُونُوا عِبَاد اللَّهِ إخْوَانًا، وَلاَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهُجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاَثٍ» «٢» وأسند أبو عمر بن عبد البَرِّ عن الزُّبَيْر، قال: قال رسول الله ﷺ: «دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الأُمَمِ قَبْلَكُمْ: الحَسَدُ وَالبَغْضَاءُ، حَالِقَتَا الدِّينِ، لاَ حَالِقَتَا الشَّعْرِ» «٣» . انتهى من «التمهيد» .\n_________\n- (٣/ ١١٣٥)، «تجريد أسماء الصحابة» (١/ ٣٩٤)، «التاريخ الصغير» (١/ ٧٩)، «الجرح والتعديل» (٦/ ٣٨٩) .\n(١) المدراس: البيت الذي يدرس فيه القرآن، وكذلك مدراس اليهود، وهو المقصود هنا.\nينظر: «لسان العرب» (١٣٦٠) .\n(٢) أخرجه البخاري (١٠/ ٤٩٦) في الأدب، باب ما ينهى عن التحاسد والتدابر (٦٠٦٥)، وباب الهجرة (٧٠٧٦) . ومسلم (٤/ ١٩٨٣- ١٩٨٤) في البر والصلة، باب تحريم التحاسد والتباغض والتدابر (٢٣- ٢٤/ ٢٥٥٩) وأبو داود (٢/ ٦٩٥) في الأدب، باب فيمن يهجر أخاه المسلم (٤٩١٠)، والترمذي (٤/ ٩٠) في البر والصلة، باب ما جاء في الحسد (١٩٣٥)، ومالك في الموطأ (٢/ ٩٠٧) في المهاجرة، باب ما جاء في حسن الخلق، باب ما جاء في المهاجرة (١٤) . وأحمد (٣/ ١٩٩، ٢٠١، ٢٢٥، ٢٧٧، ٢٨٣) . والحميدي (١١٨٣)، والطيالسي (٢١٩٠) وعبد الرزاق (٢٠٢٢٢)، وأبو يعلى (٣٢٦١) والبيهقي (١٠/ ٢٣٢) والبغوي في شرح السنة بتحقيقنا (٦/ ٤٩٠) برقم (٣٤١٦) من طرق عن أنس.\n(٣) أخرجه الترمذي (٤/ ٦٦٤) كتاب «صفة القيامة»، باب (٥٦) رقم (٢٥١٠)، وأحمد (١/ ١٦٥، ١٦٧)، وابن عبد البر في «التمهيد» (٦/ ١٢٠) كلهم من طريق يحيى بن أبي كثير عن يعيش بن الوليد أن مولى الزبير حدثه أن الزبير بن العوام حدثه أن النبي ﷺ قال، فذكره. وقال الترمذي: هذا حديث قد اختلفوا في روايته عن يحيى بن أبي كثير، فروى بعضهم عن يحيى بن أبي كثير عن يعيش بن الوليد، عن مولى الزبير عن النبي ﷺ ولم يذكروا فيه عن الزبير. اهـ.\nوالطريق المرسل الذي أشار إليه الترمذي: أخرجه ابن عبد البر في «التمهيد» (٦/ ١٢١) . وهذا الحديث أخرجه البزار (٢/ ٤١٨، ٤١٩- كشف) رقم (٢٠٠٢) من طريق موسى بن خلف عن يحيى بن أبي كثير عن يعيش بن الوليد مولى لآل الزبير عن ابن الزبير به.\nوقال البزار: هكذا رواه موسى بن خلف، ورواه هشام صاحب الدستوائي عن يحيى عن يعيش عن مولى للزبير عن الزبير. وقال الهيثمي في «المجمع» (٨/ ٣٣): وإسناده جيد.\nقلت: وفيه نظر كما سيأتي فقال ابن أبي حاتم في «العلل» (٢/ ٣٢٧) رقم (٢٥٠٠): سئل أبو زرعة عن حديث رواه موسى بن خلف عن يحيى بن أبي كثير عن يعيش مولى ابن الزبير عن الزبير أن النبي ﷺ-","vol":"1","page":302},{"text":"والعَفْوُ: تركُ العُقُوبةِ، والصفْح: الإِعراض عن المُذْنِبِ كأنَّه يولي صفحة العُنُق، قال ابنُ عَبَّاس: هذه الآية منسوخةٌ بقوله تعالى: قاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ [التوبة: ٢٩] الآيةَ إلى قوله: صاغِرُونَ «١» .\nوقيل: بقوله: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ «٢» [التوبة: ٥]، وقال قوم: ليس هذا حدَّ المنسوخِ لأن هذا في نفْس الأمر كان التوقيفَ على مدَّته.\nت: وينبغي للمؤمن أَن يتأدَّب بآداب هذه الآية، وفي الحديث عن النبيّ ﷺ أَنَّهُ قَال: «أَلاَ أَدُلُّكُمْ على مَا يَرْفَعُ اللَّهُ بِهِ الدَّرَجَاتِ»؟ قَالُوا: نَعَمْ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ:\n«تَحْلُمُ على مَنْ جَهِلَ عَلَيْكَ، وَتَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَكَ، وَتُعْطِي مَنْ حَرَمَكَ، وَتَصِلُ مَنْ قَطَعَكَ» خرَّجه النسائيُّ «٣» . انتهى من «الكوكب الدرِّيِّ» لأبي العبَّاس أحمد بن سعيد التُّجِيبِيِّ.\nوقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ: مقتضاه في هذا الموضِعِ: وَعْدٌ للمؤمنين.\nوقوله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ ... الآية: قال الطبريُّ «٤»: إِنما أمر اللَّه المؤمنين هنا بالصَّلاة والزَّكاة ليحطَّ ما تقدَّم من ميلهم إِلى قول اليهودِ: راعِنا [البقرة: ١٠٤] لأنَّ ذلك نَهْيٌ عن نوعه، وقوله: تَجِدُوهُ، أي: تجدوا ثوابه، وروى ابن المبارك في «رَقَائِقِهِ» بسنده قال: «جَاءَ رجل من الأنصار إلى رسول الله ﷺ فقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَالِي لاَ أُحِبُّ المَوْتَ؟ فَقَالَ: هَلْ لَكَ مَالٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَقَدِّمْ مَالَكَ بَيْنَ يديك فإنّ\n_________\nقال، فذكر الحديث، قال أبو زرعة: رواه علي بن المبارك، وشيبان، وحرب بن شداد عن يحيى بن أبي كثير عن يعيش بن الوليد بن هشام أن مولى لآل الزبير حدثه أن الزبير حدثه عن النبي ﷺ. قال أبو زرعة: الصحيح هذا، وحديث موسى بن خلف وهم.\n(١) أخرجه الطبري (١/ ٥٣٦) برقم (١٧٩٩)، والبيهقي في «الدلائل» (٢/ ٥٨٢)، وذكره ابن عطية في تفسيره (١/ ١٩٦)، والسيوطي في «الدر» (١/ ٢٠٢)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في «الدلائل» . وذكره الشوكاني في «تفسيره» (١/ ١٩٤) .\n(٢) أخرجه الطبري (١/ ٥٣٦) برقم (١٧٩٩) عن ابن عباس، وعبد الرزاق في تفسيره (١/ ٥٥) عن قتادة، والبيهقي في «الدلائل» (٢/ ٥٨٢) عن ابن عباس، وذكره السيوطي في «الدر» (١/ ٢٠٢) عن ابن عباس، وعزاه لابن جرير، والبيهقي في «الدلائل»، وابن أبي حاتم، وابن مردويه. وذكره الشوكاني في «تفسيره» (١/ ١٩٤) .\n(٣) ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٨/ ١٩٢) من حديث عبادة بن الصامت، وقال: رواه البزار، وفيه يوسف بن خالد السمتي، وهو كذاب.\n(٤) «تفسير الطبري» (٢/ ٥٠٦) . [.....]","vol":"1","page":303},{"text":"المَرْءَ مَعَ مَالِهِ، إِنْ قَدَّمَهُ، أَحَبَّ أَنْ يلحقه، وإن خلفه، أحبّ التّخلّف» «١» . انتهى.\n٣٣ أوقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ خبرٌ في اللفظ، معناه الوعد والوعيد/.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-135>[سورة البقرة (٢): الآيات ١١١ الى ١١٥]</span>\nوَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كانَ هُودًا أَوْ نَصارى تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١١١) بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (١١٢) وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١١٣) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعى فِي خَرابِها أُولئِكَ مَا كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلاَّ خائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (١١٤) وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥)\nوقوله تعالى: لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُودًا أَوْ نَصارى، معناه: قال اليهودُ:\nلن يدخل الجنة إلا من كان هودا، وقال النصارى: لن يدخل الجنة إِلا من كان نصارى، فجمع قولهم. ودلَّ تفريقُ نوعَيْهم على تفريقِ قولَيْهم، وهذا هو الإِيجازُ واللفُّ.\nوهُودًا: جمعُ هَائِدٍ «٢»، ومعناه: التائبُ الراجعُ، وكذَّبهم اللَّه تعالى، وجعل قولهم أمنيَّةً، وأمر نبيَّه﵇- بدعائهم إِلى إِظهار البُرْهان، وهو الدليلُ الذي يوقع اليقينَ، وقولهم: «لَنْ» نفي حسُنت بعده «بلى» إذ هي ردٌّ بالإيجاب في جواب النفي، حرف مرتجل لذلك، وأَسْلَمَ: معناه: استسلم، وخضَع، ودان، وخص الوجْهَ بالذكْر لكونه أشرف الأعضاء، وفيه يظهر أثر العِزِّ والذُّلِّ، وَهُوَ مُحْسِنٌ: جملة في موضعِ الحالِ.\nوقوله تعالى: وَقالَتِ الْيَهُودُ ... الآية: معناه: أنه ادعى كلُّ فريقٍ أنه أحقُّ برحمةِ اللَّه من الآخر، وسبب الآية أن نصارى نجران اجتمعوا مع يهود المدينة عند النبيّ ﷺ فتسابُّوا، وكَفَرَ اليهودُ بعيسى وبملَّته، وبالإِنجيلِ، وكَفَر النصارى بموسى وبالتَّوراة.\nع «٣»: وفي هذا من فعلهم كفر كل طائفة بكتابها لأن الإِنجيلَ يتضمَّن صدْقَ موسى، وتقرير التَّوْراة، والتوراةَ تتضمَّن التبشير بعيسى، وكلاهما يتضمّن صدق النبيّ ﷺ،\n_________\n(١) أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (ص ٢٢٤) رقم (٦٣٤) عن عبد الله بن عبيد به.\n(٢) ينظر: «عمدة الحفاظ» (٤/ ٣٠٧) .\n(٣) «المحرر الوجيز» (١/ ١٩٨) .","vol":"1","page":304},{"text":"فعنفهم اللَّه تعالى على كذبهم، وفي كتبهم خلافُ ما قالوا.\nوفي قوله تعالى: وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ تنبيه لأمة محمّد ﷺ على ملازمة القُرْآن، والوقوف عند حدوده، والكتَابُ الذي يتلونه، قيل: هو التوراةُ والإِنجيل، فالألف واللام للْجِنْسِ، وقيل: التوراةِ لأن النصارى تمتثلُها.\nوقوله تعالى: كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ يعني: كفار العَرَبِ لأنهم لا كتابَ لهم، فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ... الآية، أي: فيثيب من كان على شيءٍ، ويعاقب من كان على غَيْر شيء، وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ ... الآيةَ، أي: لا أحد أظلم من هؤلاء، قال ابنُ عَبَّاس وغيره: المراد النصارَى الذين كانِوا يؤذون من يصلِّي ببَيْت المَقْدِسِ «١»، وقال ابن زَيْد: المراد كُفَّار قريش حين صدّوا رسول الله ﷺ عن المسجِدِ الحرامِ «٢»، وهذه الآية تتناوَلُ كلَّ من منع من مسجد إِلى يوم القيامة.\nوقوله سبحانه: أُولئِكَ مَا كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلَّا خائِفِينَ ... الايةَ: فمن جعل الآية في النصارى، روى أنَّه مَرَّ زمَنٌ بعْد ذلك لا يدخل نصرانيٌّ بيْتَ المَقْدِس إِلا أوجع ضربًا، قاله قتادةُ والسُّدِّيُّ «٣»، ومن جعلها في قريش، قال: كذلك نودي بأمر النبيِّ ﷺ أَلاَّ يَحُجَّ مُشْرِكٌ، وَأَلاَّ يَطُوفَ بِالبَيْتِ عُرْيَانٌ «٤» وفَأَيْنَما «٥» شرط، وتُوَلُّوا جزم به،\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١/ ٥٤٤) برقم (١٨٢٢) بلفظ: «إنهم النصارى»، وذكره ابن عطية الأندلسي في «تفسيره» (١/ ١٩٩)، والسيوطي في «الدر» (١/ ٢٠٤)، وعزاه لابن جرير، ولفظه السيوطي: «هم النصارى» .\n(٢) أخرجه الطبري (١/ ٥٤٦) برقم (١٨٢٨) وذكره ابن كثير (١/ ١٥٦) ورجح قول ابن زيد. وذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ١٩٩)، والبغوي في «تفسيره» (١/ ١٠٧)، ولفظه «نزلت في مشركي مكة، وأراد بالمساجد المسجد الحرام، منعوا رسول الله ﷺ وأصحابه من حجه والصلاة فيه عام الحديبية»، وذكره السيوطي في «الدر» (١/ ٢٠٤)، وعزاه لابن جرير.\n(٣) أخرجه الطبري (١/ ٥٤٧) برقم (١٨٢٩) عن قتادة وبرقم (١٨٣١) عن السدي. وذكره ابن عطية في تفسيره (١/ ١٩٩) عن قتادة والسدي.\n(٤) أخرجه البخاري (٣/ ٤٨٣)، كتاب «الحج»، باب لا يطوف بالبيت عريان، الحديث (١٦٢٢)، ومسلم (٢/ ٩٨٢)، كتاب «الحج»، باب لا يحج البيت مشرك، الحديث (٤٣٥/ ١٣٤٧) واللفظ له، من حديث أبي هريرة قال: «بعثني أبو بكر الصديق (﵁)، في الحجّة التي أمره عليها رسول الله ﷺ، قبل حجة الوداع في رهط يؤذنون في الناس يوم النحر: «لا يحجّ بعد العام مُشْرِكٌ، ولا يطوف بالبيت عريان» .\n(٥) «أين» هنا اسم شرط بمعنى «إن» و«ما» مزيدة عليها «وتولوا» مجزوم بها وزيادة «ما» ليست لازمة لها بدليل قوله: -","vol":"1","page":305},{"text":"وفَثَمَّ: جوابه، ووَجْهُ اللَّهِ: معناه: الذي وجَّهنا إِلَيْه كما تقولُ: سافَرْتُ في وجه كذا، أي: في جهة كذا، ويتجه في بعض المواضِعِ من القرآن كهذه الآية أن يراد بالوجْهِ الجِهَةُ الَّتي فيها رضَاهُ، وعلَيْها ثوابُه كما تقول تصدَّقت لوجْهِ اللَّهِ، ويتَّجه في هذه الآية خاصَّة أن يراد بالوجه الجهةُ الَّتي وجهنا إليها في القبلة، واختلف في سبب نزولِ هذه الآية، ٣٣ ب فقال ابنُ عُمَرَ: نزلَتْ هذه الآية في صلاة النافلةِ في السفَرِ، / حيث توجَّهت بالإِنسان دابَّته «١»، وقال النَّخَعِيُّ: الآية عامَّة، أينما تولوا في متصرَّفاتكم ومساعِيكُمْ، فثَمَّ وجْه اللَّه، أي: موضع رضاه، وثوابه، وجهة رحمته الَّتي يوصِّل إِليها بالطاعة «٢»، وقال عبد اللَّه بن عامِرِ بنِ ربيعَةَ «٣»: نَزَلَتْ فيمن اجتهد في القبلة «٤»، فأخطأ، ووَرَدَ في ذلكَ حديثٌ رواه عامرُ بن ربيعة، قال: «كنّا مع النّبيّ ﷺ فِي سَفَرٍ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ، فتحرى قَوْمٌ القبلة،\n_________\n- أين تضرب بنا العداة تجدنا ...\nوهي ظرف مكان، والناصب لها ما بعدها، وتكون اسم استفهام أيضا فهي لفظ مشترك بين الشرط والاستفهام ك «من» و«ما» وزعم بعضهم أن أصلها السؤال عن الأمكنة وهي مبنية على الفتح لتضمنه معنى حرف الشرط أو الاستفهام. ينظر «الدر المصون» (١/ ٣٥٠) .\n(١) الطبري (١/ ٥٥٠) (١٨٣٩- ١٨٤٠) وروي بإسنادين عن ابن عمر أولهما من طريق أبي كريب قال حدثنا ابن إدريس قال حدثنا عبد الملك عن سعيد بن جبير عن ابن عمر. وثانيهما من طريق أبي السائب قال حدثنا ابن فضيل عن عبد الملك بن أبي سليمان عن سعيد بن جبير عن ابن عمر. اهـ.\nوقال أحمد شاكر: «والحديث رواه أحمد أيضا (٤٧١٤) عن يحيى القطان عن عبد الملك بن أبي سليمان بنحوه ورواه مسلم (١/ ١٩٥) من طريق يحيى وآخرين. وكذلك رواه البيهقي في «السنن الكبرى» (٢/ ٤) بأسانيد من طريق عبد الملك» اهـ.\nوذكره البغوي في «التفسير» (١/ ١٠٨) وذكره ابن عطية (١/ ٢٠٠)، وابن كثير (١/ ١٥٨) والشوكاني في «التفسير» (١/ ١٩٧) .\n(٢) أخرجه الطبري (١/ ٥٥١) برقم (١٨٤٤) عن المثنى قال: حدثني الحجاج، قال: حدثنا حماد، قال:\nقلت للنخعي: إني كنت استيقظت- أو قال: أيقظت- شك الطبري- فكان في السماء سحاب، فصليت لغير القبلة؟ قال: مضت صلاتك، يقول الله (﷿): فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ. اهـ.\nوذكره ابن عطية في تفسيره (١/ ٢٠٠) .\n(٣) عبد الله بن عامر بن ربيعة بن مالك بن عامر.. حليف بني عدي بن كعب ثم حليف الخطاب والد عمرو. وهو من عنز بن وائل. أبو محمود. العنزي. الأصغر. العدوي. ولد على عهد النبي ﷺ، وقيل: ولد سنة ٦، وتوفي سنة (٨٥ هـ.)\nينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (٣/ ٢٨٧)، «الإصابة» (٤/ ٨٩)، «الثقات» (٣/ ٢١٩)، «الجرح والتعديل» (٥/ ١٢٢)، «بقي بن مخلد» (٦٤٧) .\n(٤) أخرجه الطبري (١/ ٥٥١) برقم (١٨٤٥)، وذكره ابن عطية (١/ ٢٠٠) والشوكاني في «فتح القدير» (١/ ١٩٧) .","vol":"1","page":306},{"text":"وأَعْلَمُوا عَلاَمَاتً، فَلَمَّا أَصْبَحُوا، رَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ أخطئوها، فعرّفوا رسول الله ﷺ بذلك، فنزلت هذه الآية» «١» .\n_________\n(١) أخرجه أبو داود الطيالسي (ص- ١٥٦)، الحديث (١١٤٥)، والترمذي (٢/ ١٧٦)، كتاب «الصلاة»، باب ما جاء في الرجل يصلي لغير القبلة في الغيم، الحديث (٣٤٥)، وابن ماجة (١/ ٣٢٦)، كتاب «إقامة الصلاة»، باب من يصلي لغير القبلة وهو لا يعلم، الحديث (١٠٢٠)، والدارقطني (١/ ٢٧٢):\nكتاب «الصلاة»، باب الاجتهاد في القبلة، الحديث (٥)، وأبو نعيم (١/ ١٧٩)، والبيهقي (٢/ ١١)، كتاب «الصلاة»، باب استبيان الخطأ بعد الاجتهاد، وعبد بن حميد (ص- ١٣٠)، رقم (٣١٦)، والطبري في «تفسيره» (٢/ ٥٣١)، والعقيلي في «الضعفاء» (١/ ٣١)، من رواية الربيع بن السمان، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه به، وقال الترمذي: (ليس إسناده بذاك، لا نعرفه إلا من حديث أشعث السمان، وأشعث بن سعيد، أبو الربيع السمان يضعف في الحديث) .\nوقال العقيلي: وأما حديث عامر بن ربيعة، فليس يروى من وجه يثبت متنه، وقد توبع أبو الربيع السمان.\nتابعه عمرو بن قيس عند الطيالسي، وسعد بن سعيد، عند عبد بن حميد لتنحصر علة الحديث في عاصم بن عبيد الله.\nوعاصم بن عبيد الله: قال الحافظ: ضعيف.\nينظر: «التقريب» (١/ ٣٨٥) .\nوقال العلامة أحمد شاكر في «تعليقه على الطبري» (٢/ ٥٣١)، حديث ضعيف.\nوقد وردت القصة من وجه آخر من حديث جابر بن عبد الله: أخرجه الحاكم (١/ ٢٠٦)، كتاب «الصلاة»، والدارقطني (١/ ٢٧٢)، والبيهقي (٢/ ١٠)، من طريق داود بن عمرو، ثنا محمد بن يزيد الواسطي، عن محمد بن سالم، عن عطاء، عن جابر قال: «كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فأصابنا غيم ...» فذكره، قال الدارقطني: (كذا قال: عن محمد بن سالم وقال غيره: عن محمد بن يزيد، عن محمد بن عبيد الله العزرمي عن عطاء، وهما ضعيفان) .\nوقال الحاكم: (رواته محتج بهم كلهم، غير محمد بن سالم، فإني لا أعرفه بعدالة ولا جرح) .\nوأخرجه الدارقطني (١/ ٢٧٢)، والبيهقي (٢/ ١١)، أيضا من طريق أحمد بن عبيد الله بن الحسن العنبري قال: وجدت في كتاب أبي: ثنا عبد الملك بن أبي سليمان العزرمي، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر (﵄) قال: «بعث رسول الله ﷺ بسرية كنت فيها، فأصابتنا ظلمة، فلم نعرف القبلة ...» فذكر الحديث، وفيه: «فأتينا النبي ﷺ فسألناه عن ذلك، فسكت وأنزل الله (﷿):\nوَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ أي حيث كنتم» .\nقال البيهقي: (وكذلك رواه الحسن بن علي بن شبيب العمري، ومحمد بن محمد بن سليمان الباغندي، عن أحمد بن عبيد الله، ولم نعلم لهذا الحديث إسنادا صحيحا قويا، وذلك لأن عاصم بن عبيد الله بن عمر العمري، ومحمد بن عبيد الله العزرمي، ومحمد بن سالم الكوفي، كلهم ضعفاء، والطريق إلى عبد الملك العزرمي غير واضح لما فيه من الوجادة وغيرها، وفي حديثه أيضا نزول الآية في ذلك، وصحيح عن عبد الملك بن أبي سليمان العزرمي، عن سعيد بن جبير، عن عبد الله بن عمر بن الخطاب، أن الآية إنما نزلت في التطوع خاصة، حيث توجه بك بعيرك) . [.....]","vol":"1","page":307},{"text":"وقيلَ: نزلت الآية حين صُدَّ رسولُ اللَّه ﷺ عن البيت.\nوواسِعٌ: معناه مُتَّسِعُ الرحمة، عَلِيمٌ أين يضعها، وقيل: واسِعٌ: معناه هنا أنه يوسِّع على عباده في الحُكْم دينُهُ يُسْرٌ، عَلِيمٌ بالنيَّات التي هي ملاك العمل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-136>[سورة البقرة (٢): الآيات ١١٦ الى ١١٧]</span>\nوَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحانَهُ بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ (١١٦) بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِذا قَضى أَمْرًا فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (١١٧)\nوقوله تعالى: وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحانَهُ ... الآية: اختلف على مَنْ يعود ضميرُ «قَالُوا»، فقيل: على النصارى، وهو الأشبه، وقيل: على اليهود لأنهم قالوا: عُزَيْرٌ ابن اللَّهِ، وقيل: على كفرة العربِ لأنهم قالوا: الملائكة بنَاتُ اللَّه.\nت: وقال أبو عبد اللَّه اللَّخْمِيُّ: ويحتمل أن يعني بالآية كلُّ من تقدَّم ذكره من الكفرة، وقد تقدَّم ذكر اليهود والنصارى والذين لا يعلمون، وهم المشركون، وكلُّهم قد ادعى للَّه ولدًا، تعالى اللَّه عن قولهم. انتهى من «مختصر الطبريّ» .\nوسُبْحانَهُ: مصدر، معناه: تنزيهًا له وتبرئةً مما قالوا، والقُنُوتُ في اللغة:\nالطاعةُ، والقنوتُ: طول القيام، فمعنى الآية: إن المخلوقات تقنُتُ للَّه، أي: تخشع، وتطيع، والكفار قنوتُهم في ظهور الصنعة عليهم وفيهم، وقيل: الكافر يسجد ظلُّه، وهو كاره، وبَدِيعُ: مصروف من مبدع، والمبدع: المخترع المنشئ، وخص السَّموات والأرضَ بالذكْر لأنها أعظم ما نرى من مخلوقاته جلّ وعلا.\nوقَضى: معناه: قدَّر، وقد يجيء بمعنى: أمضى، ويتجه في هذه الآية المعنَيَانِ، والأمر: واحد الأمور، وليس هو هنا بمصدر أَمَرَ يَأْمُرُ، وتلخيص المعتَقَدِ في هذه الآية أنَّ اللَّه ﷿ لم يزل آمرًا للمعدومات بشرط وجودِهَا، قادرًا مع تأخُّر المقدورات، عالمًا مع تأخُّر وقوع المعلوماتِ، فكلُّ ما في الآية ممَّا يقتضي الاستقبال، فهو بحسب المأموراتِ إِذ المحدَثَاتُ تجيء بعد أنْ لم تكنْ، وكل ما يستند إِلى اللَّه تعالى من قدرةٍ وعلمٍ وأمر، فهو قديمٌ لم يزَلْ، والمعنى الَّذي تقتضيه عبارةُ كُنْ هو قديمٌ قائمٌ بالذاتِ، والوضوح التامُّ في هذه المسألة [لا] يحتاج أكثر من هذا البَسْط.\nت: وقد قدَّمنا ما يزيدُ هذا المعنى وضُوحًا عند قوله تعالى: وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ [البقرة: ٣٤]، فانظره.","vol":"1","page":308},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-137>[سورة البقرة (٢): الآيات ١١٨ الى ١٢٠]</span>\nوَقالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (١١٨) إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ (١١٩) وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (١٢٠)\nوقوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ ... الآية: قال الربيعُ والسُّدِّيَّ: هم كفار العرب «١»، وقد طلب عبد اللَّه بن أمية وغيره من النبيّ ﷺ نحو هذا، وقال مجاهدٌ: هم النصارى «٢»، وقال ابن عباس: المراد من كان على عهد النبيّ ﷺ من اليهود لأنَّ رافع بن حُرَيْمِلَةَ قال للنبيّ/ ﷺ: أسمعنا كلام الله «٣»، وقيل: الإشارة إلى ٣٤ أجميع هذه الطوائف لأنهم كلهم قالوا هذه المقالة، ولَوْلا تحضيضٌ بمعنى «هَلاَّ»، والآية هنا العلامة الدالَّة، والَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ هم اليهودُ والنصارى في قول من جعل الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ كفَّارَ العرب، وهم اليهودُ في قول مَنْ جعل الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ النصارَى، وهم الأمم السالفة في قول من جعل الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ العربَ والنصارى واليهُودَ وتشابه القلوب هنا في طَلَب ما لا يصحّ أو في الكفر.\nوقوله تعالى: قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ قرينة تقتضي أن اليقين صفة لعلمهم، وقرينةٌ أخرى أنَّ الكلام مدْحٌ لهم.\nوقوله تعالى: إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا، أي: لمن آمن، ونذيرًا لمن كفر، وقرأ نافع وحده «٤» ولا تسأل، أي: لا تسأل عن شدَّة عذابهم كما تقول: فلانٌ لا تَسْأَلْ عَنْه، تعني أنه في نهاية تشهره من خيْرٍ أو شرٍّ.\nت: وزاد في «مختصر الطبرِّي»، قال: وتحتمل هذه القراءة معنى آخر، وهو،\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١/ ٥٦٠) برقم (١٨٦٦) عن الربيع بلفظ: «هم كفار العرب»، وبرقم (١٨٦٧) عن السدي: «فهم العرب» اهـ.\nوذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٢٠٢) .\n(٢) أخرجه الطبري (١/ ٥٦٠) برقم (١٨٦٢)، (١٨٦٣) من طريقين عن مجاهد.\nوذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٢٠٢)، والبغوي في «معالم التنزيل» (١/ ١٠٩) .\n(٣) أخرجه الطبري (١/ ٥٦٠) برقم (١٨٦٤) وذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٢٠٢)، والسيوطي في «الدر» (١/ ٢٠٨)، وعزاه لابن إسحاق، وابن جرير وابن أبي حاتم. وذكره الشوكاني في «تفسيره» (١/ ١٩٩) .\n(٤) ينظر: «السبعة» (١٦٩)، و«الكشف» (١/ ٢٦٢)، و«حجة القراءات» (١١١)، و«الحجة للقراء السبعة» (٢/ ٢٠٩)، و«العنوان» (٧١)، و«شرح طيبة النشر» (٤/ ٦٠)، و«معاني القراءات» (١/ ١٧٠)، و«شرح شعلة» (٢٧٤)، و«إتحاف» (١/ ٤١٤) .","vol":"1","page":309},{"text":"واللَّه أعلم، أظهر، أي: ولا تسأل عنهم سؤالَ مكْتَرِثٍ «١» بما أصابهم، أو بما هم عليه من الكُفْر الذي يوردهم الجحيمَ نظيرَ قوله ﷿: فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ [فاطر: ٨]، وأما ما روي عن محمَّد بن كعب القُرَظِيِّ ومن وافقه من أن النبيّ ﷺ سَأَلَ، مَا فَعَلَ أَبَوَايَ؟ فنَزَلَتِ الآيةُ في ذلك، فهو بعيدٌ، ولا يتصل أيضًا بمعنى مَا قبله. انتهى.\nوقرأ باقي السبعة: «وَلاَ تسأل» بضم التاء واللام.\nوالْجَحِيمِ: إحدى طبقات النار.\nوقوله تعالى: إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى، أي: ما أنت عليه يا محمَّد من هدى اللَّه هو الهدَى الحقيقيُّ، لا ما يدعيه هؤلاء، ثم قال تعالى لنبيِّه: وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ فهذا شرط خوطب به النبيّ ﷺ وأمته معه داخلةٌ فيه.\nت: والأدب أن يقال: خوطب به ﷺ والمراد أمّته لوجود عصمته ﷺ وكذلك الجواب في سائر ما أشبه هذا المعنى من الآيِ، وقد نبَّه﵀- على هذا المعنى في نظيرتها كما سيأتي، وكان الأولى أن ينبِّه على ذلك هنا أيضًا، وقد أجاب عِيَاضٌ عن الآيِ الواردةِ في القرآن ممَّا يوهمُ ظاهره إِشكالًا، فقال﵀-: اعلم، وفَّقنا اللَّه وإياك، أنه﵇- لا يصحُّ ولا يجوز علَيْه ألاَّ يبلغ، وأن يخالف أمر ربه، ولا أن يشرك ولا أن يتقوَّل «٢» على اللَّه ما لا يجبُ أو يفترى عليه، أو يضل، أو يختم على قلبه «٣»، أو يطيع الكافرين، لكن اللَّه أمره بالمكاشفةِ والبيان «٤» في البلاغ للمخالِفِينَ، وإن إِبلاغه، إِنْ لم يكُنْ بهذا البيان فكأنه ما بلَّغ، وطيَّب نفسه، وقوَّى قلبه بقوله تعالى: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ «٥» [المائدة: ٦٧] كما قال لموسى وهارون﵍-: لاَ تَخافا [طه: ٤٦] لتشتد بصائرهم «٦» في الإبلاغ وإظهار دين الله، ويذهب\n_________\n(١) يقال: ما أكترث به، أي ما أبالي، ولا يستعمل إلا في النفي، فإن ورد في إثبات فهو شاذ.\nينظر: «لسان العرب» (٣٨٤٨) (كرث) .\n(٢) أي: يكذب عليه ويفتري.\n(٣) يختم على قلبه: يطبع عليه ما يمنعه عن قبول الحق.\n(٤) بالمكاشفة والبيان: بكشفه له وتبيينه.\n(٥) «ويعصمك من الناس»: أي يحميك ويصونك عنهم حتى لا يقدر أحد على شيء يضرك.\n(٦) تشتد: تقوى، وتزيد شدة. بصائرهم: المقصود بهم موسى، وهارون، ومحمد. أي: يكونون على بصيرة ويقين في أمورهم.","vol":"1","page":310},{"text":"عنهمْ خَوْفُ العدوِّ المضعف لليقين، وأما قوله تعالى: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ ... [الحاقة: ٤٤] الآية، وقوله: إِذًا لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ [الإسراء: ٧٥]، فمعناه: أنّ هذا جزاء من فعل هذا، وجزاؤك لو كنت ممن يفعله، وهو ﷺ لا يفعله، وكذلك قوله تعالَى: وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ [الأنعام: ١١٦] فالمراد غيره، كما قال:\nإِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا ... الآية [آل عمران: ١٤٩] وقوله: فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ [الشورى: ٢٤]، ولَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر: ٦٥] وما أشبهه، فالمراد غيره، وأن هذا حال مَنْ أشرك، والنبيُّ ﷺ لا يَجُوزُ عليه هذا، وقوله تعالَى: اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ [الأحزاب: ١]، فليس فيه أنه أطاعهم، واللَّه يَنْهَاهُ عما يشاء، ويأمره بما يشاء كما قال تعالى: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ ... [الأنعام: ٥٢] الآية، وما كان طَرَدَهُمْ﵇- ولا كَانَ من الظالمين. انتهى من «الشِّفَا» «١» .\nص «٢»: وَلَئِنِ: هذه اللام هي الموطّئة والمؤذنة، وهي مشعرة بقسم مقدّر قبلها. انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-138>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٢١ الى ١٢٤]</span>\nالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٢١) يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (١٢٢) وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (١٢٣) وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمامًا قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)\nوقوله تعالى: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ ... الآية: قال قتادة: المراد ب «الَّذِينَ» في هذا الموضع: من أسلم من أمّة النبيّ ﷺ، والكتابُ على هذا: التأويل القرآن «٣»، وقال ابنُ زَيْد: المراد مَنْ أسلم من بني إِسرائيل «٤»، والكتاب على هذا التأويل: التوراة، وآتَيْناهُمُ: معناه: أعطيناهم، ويَتْلُونَهُ: معناه: يتبعونه حقَّ اتباعه بامتثال الأمر والنهي، قال أحمد بن نَصْر الدَّاوُودِيُّ: وهذا قول ابن عباس، قال عِكْرِمَةُ: يقال: فلانٌ يتلو فلانًا، أي: يتبعه ومنه: وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها [الشمس: ٢] أي: تبعها. انتهى.\n_________\n(١) ينظر: «الشفا» (ص ٧١٧، ٧١٨) .\n(٢) «المجيد» (ص ٣٩٦) .\n(٣) أخرجه الطبري (١/ ٥٦٦) برقم (١٨٨٠)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٢٠٤)، والسيوطي في «الدر» (١/ ٢١٠)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير.\n(٤) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٢٠٤) . [.....]","vol":"1","page":311},{"text":"وللَّه دَرُّ مَنِ اتبع كلامَ ربِّهِ، واقتفى سُنَّة نبيِّه، وإِن قلَّ عِلْمُهُ، قال القُضَاعِيُّ في اختصاره لِ «المدارك»: قال في ترجمة سُحْنُون «١»: كان سُحْنُون يقول: مَثَلُ العلْمِ القليلِ في الرجُلِ الصالحِ مَثَلُ العَيْنِ العَذْبَةِ في الأرض العَذْبة، يزرع علَيْها صاحبُها ما ينتفعُ به، ومَثَلُ العلْمِ الكثيرِ في الرجُلِ الطالحِ مَثَلُ العَيْن الخَرَّارة في السَّبِخَةِ تهرُّ الليلَ والنَّهارَ، ولا ينتفعُ بها. انتهى.\nوقيل: يَتْلُونَهُ: يقرءونه حقَّ قراءته، وهذا أيضًا يتضمَّن الاِتّباع والامتثال، وحَقَّ «٢»: مصدرٌ، وهو بمعنَى أفْعل، والضمير في «بِهِ» عائدٌ على «الكتاب»، وقيل:\nيعود على محمَّد ﷺ لأن مُتَّبِعِي التوراةِ يجدُونه فيها، فيؤمنون به، والضميرُ في يَكْفُرْ بِهِ يحتمل من العود ما ذكر في الأول.\nوقوله تعالى: يا بَنِي إِسْرائِيلَ ... الآية: تقدّم بيان نظيرها، ومعنى: لا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ: أنه ليستْ ثَمَّ، وليس المعنى أنه يشفع فيهم أحَدَّ، فيردّ، وأما الشفاعةُ التي هي في تعجيلِ الحسَابِ، فليستْ بنافعة لهؤلاءِ الكَفَرة.\nت: ولم ينبِّه﵀- على هذا في التي تقدَّمت أولَ السورة، وابْتَلى معناه: اختبر، وفي «مختَصَرِ الطَّبريِّ»: ابْتَلى، أي: اختبر، والاختبارُ من اللَّه ﷿ لعباده على علْمٍ منه سبحانه بباطِنِ أمرهم وظاهره، وإنما يبتليهم ليظهر منهم سابق علمه\n_________\n(١) هو الإمام سحنون، أبو سعيد عبد السلام بن سعيد التنوخي، القيرواني، الفقيه، الحافظ، العابد، الورع، المتفق على فضله وإمامته، اجتمع فيه من الفضائل ما تفرق في غيره، أخذ العلم عن أئمة من أهل المشرق والمغرب. وأخذ عنه من أئمة الرواة نحو سبعمائة، انتهت إليه الرياسة في العلم، وعليه المعول في المشكلات، وإليه الرحلة، ومدونته عليها الاعتماد في المذهب المالكي. ولد ﵀ سنة ١٦٠ هـ. وتوفي سنة ٢٤٠ هـ. وقبره ب «القيروان» .\nينظر: «الديباج» (٢/ ٣٠)، و«الشجرة الزكية» (ص ٦٩) .\n(٢) فيه ثلاثة أوجه:\nأحدها: أنه نصب على المصدر، وأصله: «تلاوة حقا» ثم قدم الوصف وأضيف إلى المصدر، وصار نظير: «ضربت شديد الضرب» أي: ضربا شديدا، فلما قدم وصف المصدر نصب نصبه.\nالثاني: أنه حال من فاعل يتلونه، أي: يتلونه محقين.\nالثالث: أنه نعت مصدر محذوف، وقال ابن عطية: و«حق» مصدر، والعامل فيه فعل مضمر، وهو بمعنى أفعل، ولا تجوز إضافته إلى واحد معرف، وإنما جازت هنا لأن تعرف التلاوة بإضافتها إلى ضمير ليس بتعرف محض، وإنما هو بمنزلة قولهم: «رجل واحد أمه، ونسيج وحده» يعني أنه في قوة أفعل التفضيل بمعنى أحق التلاوة، وكأنه يرى أن إضافة أفعل غير محضة، ولا حاجة إلى تقدير عامل فيه، لأن ما قبله يطلبه. ينظر: «الدر المصون» (١/ ٣٥٨) .","vol":"1","page":312},{"text":"فيهم، وقد روي ذلك عن عليٍّ﵁- في قوله ﷿: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ [محمد: ٣١] فقال ﵁: إِن اللَّه ﷿ لم يزلْ عالمًا بأخبارِهِمْ وخُبْرِهِمْ وما هُمْ عليه، وإن قوله: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ، أي: حتى نسوقَكُم إِلى سابقِ علْمِي فيكم. انتهى، وهو كلام حسنٌ.\nوقد نبه ع: على هذا المعنى فيما يأتي، والعقيدةُ أنَّ علمه سبحانه قديمٌ، عَلِمَ كلَّ شيء قبْلَ كونه، فجرى على قَدَرِهِ لا يكون من عباده قولٌ ولا عملٌ إلا وقد قضاه، وسبق علمه به سبحانه لا إله إلا هو.\nوإِبْراهِيمَ: يقال: إِنَّ تفسيره بالعربيَّةِ أَبٌ رَحِيمٌ، واختلف أهل التأويل في «الكلمات»، فقال ابن عَبَّاس: هي ثلاثُونَ سَهْمًا هي الإسلام كلُّه، لم يتمَّه أحدٌ كاملًا إلا إبراهيمُ﵇- منْها في «براءة»: التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ ... الآية [التوبة: ١١٢]، وعشرة في «الأحزاب»: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ ... الآية [الأحزاب: ٣٥]، وعَشَرة في سَأَلَ سائِلٌ «١» [المعارج: ١] .\nت: وقيل غير هذا.\nوفي «البخاريِّ»: أنه اختتن، وهو ابن ثمانينَ سنَةً بالقَدُومِ «٢»، قال الراوي: فأوحى اللَّه إليه إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمامًا والإِمام القُدْوة.\nوإِنما سمِّيت هذه الخصالُ كلماتٍ لأنها/ اقترنتْ بها أوامر هي كلمات، وروي أن ٣٥ أ\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١/ ٥٧٢) برقم (١٩٠٩- ١٩١٠- ١٩١١)، والحاكم (٢/ ٥٥٢)، وقال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. وصححه الذهبي. وذكره البغوي في «تفسيره» (١/ ١١١)، وابن عطية الأندلسي في «تفسيره» (١/ ٢٠٥)، وابن كثير (١/ ١٦٥)، والسيوطي في «الدر» (١/ ٢١١)، وعزاه لابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم، وابن مردويه، وابن عساكر، وذكره الشوكاني في «تفسيره» (١/ ٢٠٤) .\n(٢) أخرجه البخاري (٦/ ٤٤٧) كتاب «أحاديث الأنبياء»، باب قول الله تعالى: وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا حديث (٣٣٥٦)، ومسلم (٤/ ١٨٣٩) كتاب «الفضائل»، باب من فضائل إبراهيم الخليل ﷺ، حديث (١٥١/ ٢٣٧٠)، وأحمد (٢/ ٤١٨)، والبيهقي (٨/ ٣٢٥) كتاب «الأشربة»، باب السلطان يكره على الاختتان. كلهم من طريق أبي الزِّنَادِ عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «اختتن إبراهيم على رأس ثمانين سنة، واختتن بالقدوم» .\nوللحديث طريق آخر عن أبي هريرة: أخرجه أبو يعلى (١٠/ ٣٨٣- ٣٨٤) رقم (٥٩٨١) من طريق محمَّد بنِ عَمْرٍو عن أَبي سَلَمَةَ عن أبي هريرة به.","vol":"1","page":313},{"text":"إبراهيم، لما أتمَّ هذه الكلماتِ أو أتمَّها اللَّه عليه، كتب اللَّه له البراءة من النَّار، فذلك قوله تعالى: وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى [النجم: ٣٧] . وقول إبراهيم ﵇: وَمِنْ ذُرِّيَّتِي هو على جهةِ الرغباءِ إلى اللَّه، أي: ومن ذريتي، يا ربِّ، فاجعل.\nوقوله تعالى: قالَ لاَ يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ، أي: قال الله، والعهد فيما قال مجاهد: الإمامة «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-139>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٢٥ الى ١٢٦]</span>\nوَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥) وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦)\nوقوله تعالى: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ، أي: الكعبة مَثابَةً «٢»، يحتملُ مِنْ ثَابَ إِذا رجع، ويحتمل أن تكون من الثواب، أي: يثابون هناك، وَأَمْنًا للناسِ والطيرِ والوُحُوشِ إذ جعل اللَّه لها حرمةً في النفوس بحيث يَلْقَى الرجُلُ بها قاتِلَ أبيه، فلا يهيجه، وقَرَأَ جمهور الناس: «واتخذوا»، بكسر الخاء على جهة الأمر لأمّة محمّد ﷺ، وقرأ نافعٌ، وابنُ عامرٍ، «واتخذوا» «٣» بفتح الخاء على جهة الخبر عن مَنِ اتخذه مِنْ متبعي إبراهيم﵇- ومقام إبراهيم في قول ابن عَبَّاس، وقتادة، وغيرهما، وخرَّجه البُخَارِيُّ هو الحَجَر الذي ارتفع عليه إِبراهيم حينَ ضَعُف عن رفْع الحجارةِ الَّتي كان إِسماعيلُ يناوله إِياها في بنَاء البَيْت، وغَرِقَتْ قدماه فيه، ومُصَلًّى: موضع صلاة.\nص «٤»: مِنْ مَقامِ: مِنْ تبعيضيةٌ على الأظهر، أو بمعنى: «في» أو زائدة\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١/ ٥٧٨) برقم (١٩٤٨) بلفظ: «لا يكون إمام ظالما» من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. وذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٢٠٦)، كما ذكر المصنف.\n(٢) قوله تعالى: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ قيل: مكانا يثوبون إليه كل وقت على ممر الأيام وتكرر الأعوام، لا يملون منه. وقيل: مكانا يكسبون فيه الثواب.\nقال السمين: ولا شك أنه موجود فيه الأمران. ومنه: إن فلانا لمثابة ولمثابا، أي تأتيه الناس لمعروفه، ويرجعون إليه مرة أخرى.\nينظر: «عمدة الحفاظ» (١/ ٣٣٩)، و«غريب القرآن» لابن قتيبة (٦٣) .\n(٣) ينظر: «حجة القراءات» (١١٣)، و«الحجة» (٢/ ٢٢٠)، و«العنوان» (٧١)، و«شرح الطيبة» (٤/ ٦٧)، و«إتحاف» (١/ ٤١٧) .\n(٤) «المجيد» (ص ٤٠٢) .","vol":"1","page":314},{"text":"على مذهب الأخفش، والمقامُ: مَفْعَلٌ من القيامِ، والمراد به هنا المكانُ، انتهى، يعني:\nالمكانَ الذي فيه الحَجَر المسمى بالمقام.\nوقوله تعالى: وَعَهِدْنا: العَهْدُ في اللغة: على أقسام، هذا منها، الوصية بمعنى الأمر، وطَهِّرا: قيل: معناه: ابنياه وأسِّساه على طَهَارَةٍ ونيَّةِ طَهَارَةٍ، وقال مجاهدٌ: هو أمر بالتطهير من عبادة الأوثان «١»، ولِلطَّائِفِينَ ظاهره: أهل الطوافِ، وَقَالَهُ عطاء وغيره «٢»، وقال ابن جُبَيْر: معناه: للغرباءِ الطارئِينَ على مكَّة «٣»، وَالْعاكِفِينَ: قال ابن جُبَيْر: هم أهل البلد المقيمُونَ «٤»، وقال عطاء: هم المجاورُونَ بمكَّة «٥»، وقال ابنُ عبَّاس:\nالمصَلُّون «٦»، وقال غيره المعتكفُونَ، والعكُوف في اللغة: الملازمة.\nوقوله تعالى: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَدًا آمِنًا، أيْ: من الجبابرة والعدُوِّ المستأصل، وروي أن اللَّه تعالى، لما دعاه إِبراهيم، أمر جبريل، فاقتلع فِلَسْطِينَ، وقيل:\nبقعة من الأرْدُنِّ «٧»، فطاف بها حَوْلَ البيتِ سبْعًا، وأنزلها بِوَج «٨»، فسمِّيت الطَّائِفَ «٩» بسبب الطواف.\nوقوله تعالى: قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ... الآية: قال أبيُّ بن كَعْب، وابن إسحاقَ، وغيرهما: هذا القَوْلُ من اللَّه ﷿ لإِبراهيم «١٠»، وقال ابنُ عَبَّاس، وغيره:\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١/ ٥٨٨) برقم (٢٠١٦) بلفظ: «من الأوثان»، وذكره ابن عطية الأندلسي في «تفسيره» (١/ ٢٠٨) .\n(٢) أخرجه الطبري (١/ ٥٨٨) برقم (٢٠٢٠) بلفظ: «إذا كان طائفا بالبيت فهو من الطائفين» . وذكره ابن عطية الأندلسي في «تفسيره» (١/ ٢٠٨) .\n(٣) أخرجه الطبري (١/ ٥٨٨) برقم (٢٠١٩) بلفظ: «من أتاه من غربة»، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٢٠٨) .\n(٤) أخرجه الطبري (١/ ٥٨٩) برقم (٢٠٢٣)، وابن عطية الأندلسي في «التفسير» (١/ ٢٠٨) .\n(٥) ذكره ابن عطية الأندلسي في «تفسيره» (١/ ٢٠٨) .\n(٦) أخرجه الطبري (١/ ٥٨٩) برقم (٢٠٢٥)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٢٠٨) . [.....]\n(٧) الأردن: كورة واسعة منها «الغور»، و«طبريّة»، و«صور»، و«عكّا»، وما بين ذلك.\nينظر: «مراصد الاطلاع» (١/ ٥٤) .\n(٨) بالفتح، ثم التشديد: واد موضع بالطائف به كانت غزاة النبي ﵇. ينظر: «مراصد الاطلاع» (٣/ ١٤٢٦) .\n(٩) كانت تسمى قديما «وجّ»، وسمّيت «الطائف» لما أطيف عليها الحائط وهي ناحية ذات نخيل وأعناب ومزارع وأودية، وهي على ظهر جبل غزوان. ينظر: «مراصد الاطلاع» (٢/ ٨٧٧) .\n(١٠) أخرجه الطبري (١/ ٥٩٤) برقم (٢٠٣٥) عن أبي بن كعب، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٢٠٩)، والسيوطي في «الدر» (١/ ٢٣٣)، والشوكاني في «التفسير» (١/ ٢٠٨) .","vol":"1","page":315},{"text":"هذا القول من إِبراهيم «١» .\nقال ع «٢»: فكأنَّ إِبراهيم دعا للمؤمنين، وعلى الكافرين، وفي «مختصر الطبريِّ»: وقرأ بعضهم، «فأُمْتِعْهُ» بالجزم، والقَطْع على الدعاء «٣»، ورآه دعاءً من إِبراهيم، وروي ذلك عن أبي العالية، كان ابنُ عبَّاس يقول: ذلك قولُ إبراهيم، سأل ربَّه أنَّ من كَفَر به، فأمتعه قليلًا يقول: فارزقه قليلًا، ثم اضطره إِلى عذاب النارِ، أي: أَلْجِئْهُ. انتهى، وعلى هذِهِ القراءةِ يجيءُ قولُ ابن عبّاس، لا على قراءة الجمهور، وقَلِيلًا: معناه: مُدَّة العُمُر لأن متاع الدنيا قليلٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-140>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٢٧ الى ١٢٩]</span>\nوَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنا مَناسِكَنا وَتُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨) رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩)\nوقوله تعالى: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ ... الآية: القواعدُ: جمع قاعدةٍ، وهي الأساس.\nص «٤»: القواعدُ، قال الكسائيُّ والفَرَّاء: هي الجُدُر، وقال أبو عُبَيْدة: هي الأساس. انتهى.\nواختلفوا في قصص البَيْت، فقيل: إِن آدم أمر بِبِنَائِهِ، ثم دثر، ودرس حتى دلَّ عليه\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١/ ٥٩٤) برقم (٢٠٣٧)، وذكره السيوطي في «الدر» (١/ ٢٣٣)، والشوكاني في «التفسير» (١/ ٢٠٨) .\n(٢) «المحرر الوجيز» (١/ ٢٠٩) .\n(٣) وهي قراءة شاذة، كما في «المحتسب» (١/ ١٠٤)، ونسبها لابن عباس﵄- قال ابن جني: فيحتمل أمرين:\nأحدهما: - وهو الظاهر- أن يكون الفاعل في «قال» ضمير إبراهيم ﵇، أي قال إبراهيم أيضا:\nومن كفر فأمتعه يا رب ثم اضطره يا رب ...\nوأما الآخر فهو أن يكون الفاعل في «قال» ضمير اسم الله تعالى أي: فأمتعه يا خالق، أو فأمتعه يا قادر، أو يا مالك، أو يا إله، يخاطب بذلك نفسه (﷿)، فجرى هذا على ما تعتاده العرب من أمر الإنسان لنفسه، كقراءة من قرأ: قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة: ٢٥٩] أي: أعلم يا إنسان.\nوكقول الأعشى: [البسيط] وهل تطيق وداعا أيها الرجل.\n(٤) «المجيد» (ص ٤٠٨) .","vol":"1","page":316},{"text":"إبراهيم، فرفع قواعده، وقيل: إِن إبراهيم ابتدأ بناءه بأمر اللَّه، وقيل غير هذا.\nع «١»: والذي يصحُّ من هذا كلِّه أن اللَّه سبحانه أمر إبراهيم برفع قواعد البيت، / ٣٥ ب وجَائِزٌ قِدَمُهُ، وجَائز أن يكون ذلك ابتداءً، ولا يرجح شيء من ذلك إِلا بسند يقطع العُذْر.\nوَإِسْماعِيلُ: عطْفٌ على إِبْراهِيمُ، والتقديرُ: يقولاَنِ: رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، أي: السميع لدعائنا، العليمُ بنيَّاتنا، وخصَّا هاتين الصفتين لتناسبهما مع حالهما، وقولهما: اجْعَلْنا بمعنى: صيِّرنا مُسْلِمَيْن، وكذلك كانا، وإنما أرادا التثبيتَ والدوامَ، والإِسلام في هذا الموضعِ. الإِيمانُ والأعمالُ جميعًا، «ومِنْ» في قوله: وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا للتبعيض لأن اللَّه تعالى قد كان أعلمه أنَّ منهم ظالمين، والأُمَّة: الجماعةُ، وَأَرِنا قالتْ طائفةٌ: من رؤية البصَرِ، وقالت طائفةٌ: من رؤية القلبِ، وهذا لا يصحُّ، قال قتادة: المناسكُ معالم الحجِّ، واختلف في معنى طلبهم التوبةَ، وهم أنبياء معصومُونَ، فقالتْ طائفةٌ: طلبا التثْبيتَ والدوامَ، وقيل: أرادا من بعدهما مِنَ الذُّرِّيَّة، وقيل، وهو الأحسن إِنهما لما عرفا المناسكَ، وبنيا البيتَ، أرادا أن يسنا للناس أنَّ تلك المواطنَ مكانُ التنصُّل من الذنوبِ، وطلبِ التوبة.\nوقال الطبريُّ: إِنه ليس أحد من خلق اللَّه إِلا بينه وبين اللَّه معانٍ يحب أنْ تكون أحسن ممَّا هي، وأجمعت الأمة على عصْمة الأنبياء في معنى التبليغ، ومن الكبائر ومن الصغائر الَّتي فيها رذيلةٌ، واختلف في غير ذلك من الصغائر، والذي أقول به أنهم معصومُونَ من الجميع «٢»، وأنّ قول النبيّ ﷺ: «إنِّي لأَتُوبُ فِي اليَوْمِ وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ سَبْعِينَ\n_________\n(١) «المحرر الوجيز» (١/ ٢١٠) .\n(٢) وفي «شرح المواقف»: أجمع أهل الملل والشرائع كلها على وجوب عصمتهم عن تعمد الكذب في دعوى الرسالة وما يبلغونه من الله (تعالى) إلى الخلائق، وفي جواز صدور الكذب عنهم فيما ذكر على سبيل السهو والنسيان خلاف، فمنعه الأستاذ أبو إسحاق وكثير من الأئمة لدلالة المعجزة على صدقهم في تبليغ الأحكام. وجوز القاضي أبو بكر، وقال: إنما دلت المعجزة على صدقه فيما هو متذكر له عامد إليه، وأما ما كان من النسيان وفلتات اللسان، فلا دلالة للمعجزة على الصدق فيه، فلا يلزم من الكذب هناك نقص لدلالتها. وأما ما سوى الكذب في التبليغ، فهو إما كفر أو غيره من المعاصي، أما الكفر فأجمعت الأمة على عصمتهم عنه قبل النبوة وبعدها.\nوجوز الشيعة إظهار الكفر وقاية لنفسه عند الهلاك، وذلك باطل لأنه يفضي إلى إخفاء الدعوة بالكلية لضعفهم وقلة موافقتهم وكثرة مخالفتهم عند دعوتهم أولا. وأيضا منقوض بدعوة إبراهيم وموسى (﵉) في زمن نمرود وفرعون مع شدة خوف الهلاك. وأما غير الكفر فإما كبائر أو صغائر، وكل منهما إما أن يصدر عمدا أو سهوا، فالأقسام أربعة، وكل واحد منهما إما قبل البعثة أو بعدها،","vol":"1","page":317},{"text":"مَرَّةً»، إِنَّما هُوَ رُجُوعُهُ مِنْ حَالَةٍ إلى أَرْفَعَ مِنْهَا لِتَزَيُّدِ علومه، وإطلاعه على أمر ربه، فهو يتوب من منزلة إلى أعلى، والتوبةُ هنا لُغَوِيَّةٌ، وقوله: رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ ...\nالآية: هذا هو الذي أراد النبيّ ﷺ بقوله: «أَنَا دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ، وبشرى عيسى»، ومعنى مِنْهُمْ، أي: يعرفُوهُ، ويتحقَّقوا فضلَه، ويشفق عليهم، ويحرص.\nت: وقد تواتَرَتْ أخبار نبيِّنا محمّد ﷺ وبعثته في الكتب السالفة، وعَلِمَ بذلك الأحْبارُ، وأخبروا به، وبتعيين الزَّمَن الذي يبعث فيه.\nوقد روى البيهقيّ أحمد بن الحسين «١» ...\n_________\n- فالأقسام ثمانية. أما صدور الكبائر عنهم عمدا، فمنعه الجمهور من محققي الأشاعرة والمعتزلة، وأما صدورها عنهم سهوا أو على سبيل الخطأ في التأويل، فجوزه الأكثرون، والمختار خلافه. وأما الصغائر عمدا فجوزه الجمهور خلافا للجبائي. وأما صدورها سهوا، فهو جائز باتفاق أكثر أصحابنا وأكثر المعتزلة بشرط أن ينبهوا عليه فينتهوا عنه، إلا الصغائر التي تدل على الخسة ودناءة الهمة، كسرقة حبة أو لقمة فإنها لا تجوز أصلا، عمدا ولا سهوا. وهذا كله بعد الاتصاف بالنبوة. وأما قبلها فعند أكثر أصحابنا وجمع من المعتزلة لا يمتنع أن يصدر عنهم كبيرة (أقول: أي عمدا كان أو سهوا) وقال أكثر المعتزلة: تمتنع الكبيرة وإن تاب عنها لأن صدور الكبيرة يوجب النفرة ممن ارتكبها، والمنفور عنه لا يتبعه الناس، فتفوت مصلحة البعثة. وفي «شرح العقائد»: ومن المعتزلة من منع ما ينفر الطباع عن متابعتهم، سواء كان ذنبا لهم أو لا، كعهر الأمهات، أي كونهن زانيات، والفجور في الآباء ودنائتهم أو استرذالهم. كذا في شرح «المواقف» . وفي شرح «العقائد»: أنه الحق. ولعل ضميري الجمع في «دنائتهم، واسترذالهم» راجعان إلى الأنبياء، ولا يبعد رجوعهما إلى الآباء. وعند الروافض: لا يجوز صغيرة ولا كبيرة، لا عمدا ولا سهوا، ولا خطأ في التأويل قبل الوحي وبعده. والمفهوم من شرح «العقائد»: أن الشيعة كالروافض في هذا الحكم إلا أنهم جوزوا إظهار الكفر عند خوف الهلاك.\nتنبيه: العصمة عندنا على ما يقتضيه أصلنا من استناد الأشياء كلها إلى الفاعل المختار ابتداء: ألا يخلق الله (تعالى) فيهم ذنبا. وهي عند الفلاسفة بناء على ما ذهبوا إليه من القول بإيجاب الفعل عند استعداد القوابل ملكة، أي صفة نفسانية راسخة تمنع صاحبها من الفجور، وتحصل هذه الصفة النفسانية ابتداء بالعلم بمعايب المعاصي ومناقب الطاعات، وتتأكد وتترسخ هذه الصفة في الأنبياء بتتابع الوحي إليهم بالأوامر والنواهي، والاعتراض على ما يصدر عنهم من الصغائر وترك الأولى فإن الصفات النفسانية تكون في ابتداء حصولها أحوالا، أي غير راسخة ثم تصير ملكات، أي راسخة في محلها، كذا في شرح «المواقف» .\nينظر: «نشر الطوالع» (٣٣٨- ٣٤٢) .\n(١) أحمد بن الحسين بن علي بن موسى، الإمام الحافظ الكبير، أبو بكر البيهقي سمع الكثير ورحل وجمع وصنف، مولده سنة ٣٨٤، تفقه على ناصر العمري، وأخذ علم الحديث عن أبي عبد الله الحاكم، وكان كثير التحقيق والإنصاف، قال إمام الحرمين: ما من شافعي إلا وللشافعي عليه منه إلا البيهقي، فإن له على الشافعي منه لتصانيفه في نصرة مذهبه، ومن تصانيفه: «السنن الكبير»، و«السنن الصغير»، -","vol":"1","page":318},{"text":"وغيره عن طلحة بن عُبَيْد اللَّه «١» - ﵁- قَالَ: «حَضَرْتُ سُوقَ بصرى، فَإِذَا رَاهِبٌ في صومعة، يقول: سَلُوا أَهْلَ هَذَا المَوْسِمِ، أفيهِمْ مَنْ هو مِنْ هذا الحَرَمِ؟ قَالَ:\nقُلْتُ: أَنَا، فما تَشَاءُ؟ قَالَ: هَلْ ظَهَرَ أَحْمَدُ بَعْدُ؟ قُلْتُ: ومَنْ أَحْمَدُ؟ قَالَ: أحمدُ بْنُ عبدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، هَذَا شَهْرُهُ الَّذِي يَخْرُجُ فِيهِ، وَهُوَ خَاتَمُ الأَنْبِيَاءِ، مَخْرَجُهُ مِنَ الحَرَمِ، وَمُهَاجَرُهُ إلى نَخْلٍ وَسِبَاخٍ، إِذَا كَانَ، فَلاَ تُسْبَقَنَّ إِلَيْهِ، فَوَضَعَ فِي قَلْبِي مَا قَالَ، وَأَسْرَعْتُ اللَّحَاق بِمَكَّةَ، فَسَأَلْتَ، هَلْ ظَهَرَ بَعْدِي أَمْرٌ؟ فَقَالُوا: مُحَمَّدٌ الأُمِّيُّ قَدْ تَنَبَّأَ، وَتَبِعَهُ أبو بَكْرِ بْنُ أبِي قُحَافَةَ، فَمَشَيْتُ إلى أَبِي بَكْرٍ، وَأَدْخَلَنِي إلى رسول الله ﷺ، فَأَسْلَمْتُ» «٢»، وقد روى العُذْرِيُّ وغيره عن أبي بكر﵁- أنَّه قَالَ: «لقيتُ شيخًا باليمن، فقال لي: أنْتَ حَرَمِيٌّ، فقلت: نعم، فقال: وأحسبكَ قُرَشِيًّا، قلت: نعم، قال: بَقِيَتْ لِي فيكَ واحدةٌ، اكشف لي عن بَطْنك، قُلْتُ: لا أفعل، أو تخبرني لِمَ ذلك، قال: أجدُ في العلْمِ الصحيحِ أن نبيًّا يبعثُ في الحرمين يقارنه على أمره فتًى وكَهْل، أمَّا الفتى، فخوَّاض غمراتٍ، ودفَّاع مُعْضِلاَتٍ، وأما الكَهْل، فأبيضُ نحيفٌ على بطنه شَامَةٌ، وعلى فَخِذِهِ اليسرى علامةٌ، وما عليك أنْ تريني ما سألتُكَ عَنْه، فقد تكامَلَتْ فيك الصِّفَةُ، إِلا/ ما خَفِيَ علَيَّ؟ قال أبو بكر: فكَشَفْتُ له عَنْ بطني، فرأى شامَةً سوداء فوق سُرَّتي، فقالَ: أَنْتَ هو وربِّ الكعبة، إِني متقدِّم إِليك في أمْرٍ، قُلْتُ: مَا هُوَ؟ قال: إِيَّاكَ، والمَيْلَ عن الهدى،\n_________\n- و«دلائل النبوة» وغيرها. مات سنة ٤٥٨.\nينظر: «طبقات ابن قاضي شهبة» (١/ ٢٢٠)، «الأعلام» (١/ ١١٣) .\n(١) هو: طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب ... أبو محمد القرشي. التيمي، أحد العشرة. يعرف ب «طلحة الخير» .\nقال ابن حجر في «الإصابة» هو أحد العشرة، وأحد الثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام، وأحد الخمسة الذين أسلموا على يد أبي بكر، وأحد الستة أصحاب الشورى. روى عن النبي، وعنه: بنوه يحيى، وموسى، وعيسى، وقيس بن أبي حازم، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، والأحنف، ومالك بن أبي عامر، وغيرهم ... وكان عند وقعة بدر في تجارة في «الشام»، فضرب له النبي بسهمه وأجره، وشهد «أحدا»، وأبلى فيها بلاء حسنا، ووقى النبي بنفسه، واتقى النبل عنه بيده حتى شلت أصبعه. توفي في جمادى الأولى سنة (٣٦) .\nينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (٣/ ٨٥)، «البداية والنهاية» (٧/ ٤٧)، «تهذيب التهذيب» (٥/ ٢٠)، «التحفة اللطيفة» (٢/ ٢٦٤)، «شذرات الذهب» (١/ ٤٢، ٤٣، ٥٩)، «الإصابة» (٣/ ٢٩٠)، «التعديل والتجريح» (٤٢١)، «الاستبصار» (١١٦، ١٣٤، ١٦٠)، «التاريخ الصغير» (٦٩، ٧٥)، «الرياض المستطابة» (١٣٥)، «الرياض النضرة» (١/ ٣٣)، «تهذيب الكمال» (٢/ ٦٢٨) . [.....]\n(٢) أخرجه البيهقي في «دلائل النبوة» (٢/ ١٦٥- ١٦٦) عن طلحة بن عبيد الله.","vol":"1","page":319},{"text":"وعليك بالتمسُّك بالطريقةِ الوسطى، وخَفِ اللَّه فيما خَوَّلَكَ، وأعطى، قال أبو بكر: فلمَّا ودعتُهُ، قال: أَتَحْمِلُ عنِّي إِلى ذلك النبيِّ أبياتًا، قلت: نعم، فأنشأ الشيخ يَقُولُ: [الطويل]\nأَلَمْ تَرَ أَنِّي قَدْ سَئِمْتُ مُعَاشِرِي ... وَنَفْسِي وَقَدْ أَصْبَحْتُ فِي الحَيِّ عَاهِنَا\nحَيِيتُ وَفِي الأَيَّامِ لِلْمَرْءِ عِبْرَةٌ ... ثَلاَثَ مِئينَ بَعْدَ تِسْعِينَ آمِنَا\nوَقَدْ خَمَدَتْ مِنِّي شَرَارَةُ قُوَّتِي ... وَأُلْفِيتُ شَيْخًا لاَ أُطِيقُ الشِّوَاحِنَا\nوَأَنْتَ وَرَبِّ الَبْيتِ تَأْتِي مُحَمَّدًا ... لِعَامِكَ هَذَا قَدْ أَقَامَ البَرَاهِنَا\nفَحَيِّ رَسُولَ اللَّهِ عَنِّي فَإِنَّنِي ... على دِينِهِ أَحْيَا وَإِنْ كُنْتُ قَاطِنَا\nقال أبو بكر: فحفظْتُ شعره، وقدمت مكّة، وقد بعث النبيّ ﷺ، فجاءني صناديد «١» قُرَيْشٍ، وقالوا: يا أبا بكْرٍ، يتيمُ أَبِي طالِبٍ، يَزْعُم أنه نبيٌّ، قال: فجئت إلى منزل النبيّ ﷺ فقرعْتُ علَيْه، فخرَجَ إِلَيَّ، فَقُلْتُ: يَا مُحَمَّدُ، فُقِدْتَ مِنْ مَنَازِلِ قَوْمِكَ، وَتَرَكْتَ دِينَ آبَائِكَ؟ فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ، إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكَ، وَإِلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ، فَآمِنْ بِاللَّهِ، فَقُلْتُ وَمَا دَلِيلُكَ؟ قَالَ: الشَّيْخُ الَّراهِبُ الَّذِي لَقِيتَهُ بِاليَمَنِ، قُلْتُ: وَكَمْ مِنْ شَيْخٍ لَقِيتُ! قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ أُرِيدُ، إِنَّمَا أُرِيدُ الشَّيْخَ الَّذِي أَفَادَكَ الأَبْيَاتَ، قُلْتُ: وَمَنْ أَخْبَرَكَ بِهَا؟ قَالَ: الرُّوحُ الأمِينُ الَّذِي كَانَ يَأْتِي الأَنْبِيَاءَ قَبْلِي، قُلْتُ: مُدَّ يَمِينَكَ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فانصرفت وَمَا بَيْنَ لاَبَتَيْهَا أَشَدُّ مِنْ رسول الله ﷺ فَرَحًا بِإِسْلاَمِي» . انتهى من تأليف ابن القَطَّان في «الآيات والمعجزات» .\nويَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ، أي: آيات القرآن، والْكِتابَ: القرآن، قال قتادة:\nوَالْحِكْمَةَ السنة «٢»، وروى ابن وهْب «٣» عن مالكٍ أن الْحِكْمَةَ: الفقْهُ في الدين «٤»، والفهم الذي هو سجيَّة ونور من الله تعالى.\n_________\n(١) هم أشرافهم وعظماؤهم، واحدها صنديد. ينظر: «لسان العرب» (٢٥٠٧) .\n(٢) أخرجه الطبري (١/ ٦٠٧) برقم (٢٠٨٣) وذكره ابن عطية الأندلسي في «تفسيره» (١/ ٢١٢) والسيوطي في «الدر» (١/ ٢٥٥)، وعزاه لعبد بن حميد، ابن جرير. وذكره ابن كثير (١/ ١٨٤) .\n(٣) ابن وهب هو أبو محمد، عبد الله بن وهب بن مسلم، القرشي، مولاهم. روى عن علماء كثيرين منهم مالك، والليث، وابن أبي ذئب، والسفيانان. وقرأ على نافع بن أبي نعيم، تفقه بمالك، والليث، وابن أبي دينار، وأبي حازم، وغيرهم. له مصنفات كثيرة، منها: سماعه من مالك، وجامعه الكبير، وكان مولده سنة خمس ب «مصر» وتوفي يوم الأحد لخمس بقين من شعبان سنة سبع وتسعين ومائة.\nينظر: «الديباج المذهب» (١/ ٤١٣)، و«تذكرة الحفاظ» (١/ ٢٧٧)، و«البداية والنهاية» (١٠/ ٢٤٠) .\n(٤) أخرجه الطبري (١/ ٦٠٧) برقم (٢٠٨٤)، وذكره ابن عطية (١/ ٢١٢)، وابن كثير (١/ ١٨٤) .","vol":"1","page":320},{"text":"ت: ونقل عِيَاضٌ في «مداركه» عن مالك أن الْحِكْمَةَ نورٌ يقذفه اللَّه في قلب العبد، وقال أيضًا: يقع في قلبي أنَّ الْحِكْمَةَ الفقْهُ في دين اللَّه، وأمر يدخلُه اللَّه القلُوبَ من رحمته وفَضْله، وقال أيضًا: الْحِكْمَةَ التفكُّر في أمر اللَّه، والاتِّباعُ له، والفقْه في الدِّين، والعمل به. انتهى.\nوقد أشار ع: إلى هذا عند قوله تعالى: يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ «١» [البقرة: ٢٦٩] .\nت: والظاهر أن المراد ب الْحِكْمَةَ هنا: ما قاله قتادة، فتأمَّله.\nوَيُزَكِّيهِمْ: معناه يطَهِّرهم، وينمِّيهم بالخَيْر، والْعَزِيزُ: الّذي يغلب، ويتم مراده، والْحَكِيمُ: المصيب مواقع الفعل، المحكم لها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-141>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٣٠ الى ١٣٣]</span>\nوَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠) إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (١٣١) وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢) أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِلهًا واحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣)\nوقوله تعالى: وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ ... الآية: «من»: استفهام، والمعنى:\nومن يزهد منها، ويربأ بنفسه عنها إِلا مَنْ سفه نفسه، والملَّة: الشريعة والطريقَةُ، وسَفِهَ من السَّفَه الَّذي معناه الرِّقَّة والْخِفَّة، واصطفى من الصَّفْوَة، معناه: تخيَّر الأصفى، ومعنى هذا الاِصطفاءِ أنه نبأه، واتَّخذه خليلًا.\nوَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ: قيل: المعنى أنه في عمل الآخرة لمن الصالحين، فالكلام على حذف مضافٍ، إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ كان هذا القول من اللَّه تعالى حين ابتلاه بالكوكبِ والقمرِ والشمس والإِسلامُ هنا على أتمِّ وجوهِهِ، والضميرُ في «بِهَا» عائدٌ على كلمته التي هي أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ، وقيلَ: على الملة، والأول أصوبُ لأنه أقرب مذكور.\nوَيَعْقُوبُ: قيل: عطْفٌ على إِبْراهِيمُ، وقيل: مقطوعٌ منفردٌ بقوله: يَا بَنِيَّ، والتقدير: ويعقوب قال: يا بنيّ/. ٣٦ ب\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٣٦٤) .","vol":"1","page":321},{"text":"واصْطَفى هنا: معناه: تخيَّر صفوةَ الأديان.\nوقوله: فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ: إِيجاز بليغ، وذلك أنَّ المقصود من أمرهم بالإِسلام الدوامُ علَيْه، فأتى بلفظ موجَزٍ يقتضي المقصودَ، ويتضمَّن وعظًا وتذكيرًا بالموت، وذلك أن المرء يتحقَّق أنه يموت، ولا يدري متى، فإِذا أمر بأمر لا يأتيه الموت إِلاَّ وهو عليه، فقد توجَّه من وقت الأمر دائبًا لازمًا.\nوقوله تعالى: أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ هذا الخطابُ لليهودِ والنصارَى الذين انتحلوا الأنبياءَ- صلوات اللَّه عليهم- ونَسَبوهم إِلَى اليهوديَّة والنصرانية، فردَّ اللَّه عليهم وكذَّبهم، وأعلمهم أنهم كانُوا على الحنيفيَّة الإِسلامِ، وقال لهم على جهة التقريرِ والتوبيخ: أَشهدتُّمْ يعقوبَ بما أوصى، فتدَّعُونَ عنْ علْمٍ أَم لم تشهدوا، بل أنتم تفترُونَ، «وأم» «١»: للاستفهامِ في صدرِ الكلامِ، لغةٌ يمانيَةٌ، وحكى الطبريُّ أنَّ «أَمْ» يستفهم\n_________\n(١) في «أم» هذه ثلاثة أقوال:\nأحدها: وهو المشهور أنها منقطعة، والمنقطعة تقدر ب «بل» وهمزة الاستفهام، وبعضهم يقدرها ببل وحدها، ومعنى الإضراب انتقال من شيء إلى شيء لا إبطال له، ومعنى الاستفهام الإنكار والتوبيخ، فيؤول معناه إلى النفي أي: بل أكنتم شهداء يعني لم تكونوا.\nالثاني: أنها بمعنى همزة الاستفهام وهو قول ابن عطية والطبري، لا أنهما اختلفا في محلها: فإن ابن عطية قال: وأم تكون بمعنى ألف الاستفهام في صدر الكلام لغة يمانية، وقال الطبري: إن أم يستفهم بها وسط كلام قد تقدم صدره/.\nقال أبو حيان في قول ابن عطية: ولم أقف لأحد من النحويين على ما قال، وقال في قول الطبري: وهذا أيضا قول غريب.\nالثالث: أنها متصلة وهو قول الزمخشري، قال الزمخشري بعد أن جعلها منقطعة وجعل الخطاب للمؤمنين قال بعد ذلك: وقيل الخطاب لليهود، لأنهم كانوا يقولون: ما مات نبي إلا على اليهودية، إلا أنهم لو شهدوه وسمعوا ما قاله لبنيه وما قالوه، لظهر لهم حرصه على ملة الإسلام، ولما ادعوا عليه اليهودية، فالآية منافية لقولهم فكيف يقال لهم: أم كنتم شهداء؟ ولكن الوجه أن تكون «أم» متصلة على أن يقدر قبلها محذوف كأنه قيل: أتدعون على الأنبياء اليهودية أم كنتم شهداء، يعني أن أوائلكم من بني إسرائيل كانوا مشاهدين له إذ أراد بنيه على التوحيد وملة الإسلام، فما لكم تدعون على الأنبياء ما هم منه براء؟\nقال أبو حيان: ولا أعلم أحدا أجاز حذف هذه الجملة، ولا يحفظ ذلك في شعر ولا غيره لو قلت: «أم زيد» تريد: «أقام عمرو أم زيد» لم يجز، وإنما يجوز حذف المعطوف عليه مع الواو والفاء إذا دل عليه دليل كقولك: «بلى وعمرا» لمن قال: لم يضرب زيدا، وقوله- تعالى-: فَانْفَجَرَتْ [البقرة: ٦٠] أي فضرب فانفجرت وندر حذفه مع أو كقوله: [الطويل]\nفهل لك أو من والد لك قبلنا ... ............... ...........\nأي: من أخ أو والد، ومع حتى كقوله: [الطويل] .","vol":"1","page":322},{"text":"بها في وسط كلامٍ قد تقدَّمَ صدره، وهذا منه، وشُهَداءَ: جمع شاهدٍ، أي: حاضر، ومعنى الآية حضر يعقوب مقدّمات الموت.\nومِنْ بَعْدِي، أي: من بَعْدِ مَوْتِي، ودخل إِسماعيل في الآباء لأنه عَمَّ.\nوقد أطلق النبيُّ ﷺ على العَبَّاس اسم الأب، فقال: «هذا بقية آبائي» «١»، وقال:\n«رُدُّوا عَلَيَّ أَبِي» الحَدِيثَ «٢»، وقال: «أَنَا ابن الذِّبِيحَيْنِ» «٣»، على القول الشهيرِ في أنَّ إِسحاق هو الذبيحُ.\nت: وفي تشهيره نظَرٌ، بل الراجحُ أنه إِسماعيل على ما هو معلومٌ في موضعه، وسيأتي إِنْ شاء الله تعالى.\n_________\n- فوا عجبا حتّى كليب تسبّني ... كأنّ أباها نهشل أو مجاشع\nأي: يسبني الناس حتى كليب على نظر فيه، وإنما الجائز حذف «أم» مع ما عطفت كقوله: [الطويل]\nدعاني إليها القلب إنّي لأمره ... سميع فما أدري أرشد طلابها\nأي: أم في، وإنما جاز ذلك، لأن المستفهم عن الإثبات يتضمن نقيضه، ويجوز حذف الثواني المقابلات إذا دل عليها المعنى، ألا ترى إلى قوله: تَقِيكُمُ الْحَرَّ [النحل: ٨١] كيف حذف، «والبرد» انتهى.\nينظر: «الكتاب» (٣/ ١٨)، و«ابن يعيش» (٨/ ١٨)، و«المقتضب» (٢/ ٤١)، و«الأشموني» (٣/ ١١٦)، و«البحر المحيط» (١/ ٥٧٢)، و«الدر المصون» (١/ ٣٧٧- ٣٧٨) .\n(١) أخرجه الطبراني في «الصغير» (١/ ٢٠٧) من حديث الحسن بن علي مرفوعا بلفظ: «احفظوني في العباس، فإنه بقية آبائي» .\nوقال: لا يروي عن الحسن بن علي بن أبي طالب إلا بهذا الإسناد. وقال الهيثمي في «المجمع» (٩/ ٢٧٢): رواه الطبراني في «الصغير»، و«الأوسط»، وفيه جماعة لم أعرفهم.\nوأخرجه الطبراني في «الكبير» كما في «تخريج الكشاف» للزيلعي (١/ ٩٠) عن ابن عباس بمثل حديث الحسن.\nوقد روي هذا الحديث مرسلا عن مجاهد: أخرجه ابن أبي شيبة (٦/ ٣٨٢) كتاب «الفضائل»، باب فضائل العباس، حديث (٣٢٢١٢)، وعبد الرزاق (٢/ ١٣٢) كلاهما من طريق ابن عيينة عن داود بن سابور عن مجاهد عن النبي ﷺ مرسلا.\n(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (١٤/ ٤٨٤) كتاب «المغازي»، باب فتح مكة عن عكرمة مرسلا بلفظ: «ردوا عليّ أبي فإن عم الرجل صنو أبيه» .\nوذكره الهندي في «كنز العمال» (٣٠١٩٥)، وعزاه إلى ابن أبي شيبة.\n(٣) الحديث لا أصل له بهذا اللفظ.\nقال الزيلعي في «تخريج الكشاف» (٣/ ١٧٧): غريب، والخلاف في تعيين الذبيح، هل هو إسماعيل أم إسحاق منذ عهد الصحابة (﵃)، والأحاديث التي وردت في تعيين أحدهما لا يصح منها شيء.","vol":"1","page":323},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-142>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٣٤ الى ١٣٨]</span>\nتِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٤) وَقالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٣٥) قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦) فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣٧) صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ (١٣٨)\nوقوله تعالى: تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ... الآية، يعني بالأُمَّةِ الأنبياءَ المذكورينَ، والمخاطَبُ في هذه الآية اليهودُ والنصارى، وقولهم: كُونُوا هُودًا أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا نظير قولهم: لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُودًا أَوْ نَصارى [البقرة: ١١١]، والحنيف في الدين: الذي مال عن الأديان المكروهة إِلى الحقِّ، ويجيء الحنيفُ في الدين بمعنى المستقيمِ على جميع طاعاتِ اللَّهِ.\nقوله تعالى: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ ... الآية: هذا الخطاب لأمّة محمّد ﷺ، وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا: يعني القرآن، والْأَسْباطِ هم ولَدُ يعقوبَ، وهم: رُوبِيل، وشَمْعُون، ولاَوي، ويَهُوذَا، وريالُون، ويشحر، ودنية بنته، وأمهم ليا، ثم خَلَف على أختها رَاحِيل، فولَدَتْ له يوسُفَ، وبِنْ يَامِين، ووُلِدَ له من سُرِّيَّتَيْنِ:\nذان، وتفثالا، وجاد، واشر.\nوالسِّبْطُ في بني إسرائيل بمنزلة القبيلة في ولد إسماعيل، فسُمُّوا الأسباط لأنه كان من كل واحدٍ منهم سبط.\nولا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ، أي: لا نؤمن ببعض، ونكفر ببعض كما تفعلون، فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ، أيْ: فإن صَدَّقوا تصديقًا مثْلَ تصديقكم، فَقَدِ اهْتَدَوْا، وَإِنْ تَوَلَّوْا، أي: أعرضوا، يعني: اليهودَ والنصارى، فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ، أي: في مشاقَّةٍ ومخالفةٍ لَكَ، هم في شِقٍّ، وأنت في شِقٍّ، وقيل: شَاقَّ معناه: شَقَّ كل واحدٍ وصل ما بينَه وبين صاحبه، ثم وعده تعالى أنه سيكفيه إِياهم، ويغلبه عليهم، فكان ذلك في قَتْل بني قَيْنُقَاعَ، وبني قريظة، وإِجلاء النَّضِير.\nوهذا الوَعْدُ وانتجازه من أعلام نبوّة نبيّنا محمّد ﷺ.\nوالسَّمِيعُ لقول كل قائل، والْعَلِيمُ بما ينفذه في عباده، وصِبْغَةَ اللَّهِ:","vol":"1","page":324},{"text":"شريعتُهُ ودينُهُ وسنَّته، وفطْرته، قال كَثِيرٌ من المفسّرين/: وذلك أن النصارى لهم ماء ٣٧ أيصبغون فيه أولادهم، فهذا ينظر إلى ذلك. وقيل: سمي الدِّين صبغةً استعارةً من حيث تظهر أعْمَالُهُ وسِمَتُهُ على المتدِّين كما يظهر الصِّبْغ في الثَّوْب وغيره، ونصب الصِّبْغة على الإِغراء «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-143>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٣٩ الى ١٤١]</span>\nقُلْ أَتُحَاجُّونَنا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ وَلَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (١٣٩) أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطَ كانُوا هُودًا أَوْ نَصارى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٠) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (١٤١)\nوقوله تعالى: قُلْ أَتُحَاجُّونَنا فِي اللَّهِ ... الآية: معنى الآية: قل يا محمَّد لهؤلاءِ اليهودِ والنصارى: أتحاجُّوننا في اللَّه، أي: أتجادلونَنَا في دِينِهِ، والقُرْب منه، والحُظْوة لديه سُبْحانه، والرب واحدٌ، وكلٌّ مجازًى بعمله، ثم وبَّخهم بقوله: وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ، أي: ولم تخلصوا أنتم، فكيف تدَّعون ما نَحْن أولى به منْكُمْ.\nوقوله تعالى: أَمْ تَقُولُونَ عطْفٌ على ألف الاستفهامِ المتقدِّمة، وهذه القراءة بالتاء من فوقُ قراءةُ ابن عامر، وحمزةَ، وغيرهما، وقرأ نافعٌ وغيره بالياء من أسفل «٢»، «وأَمْ» على هذه القراءةِ مقطوعةٌ، ووقفهم تعالى على موضعِ الإنقطاعِ في الحجّة لأنهم إن قالوا:\n_________\n(١) وفي انتصاب «صبغة» أربعة أوجه:\nأحدها: أن انتصابها انتصاب المصدر المؤكد، وهذا اختاره الزمخشري، وقال: هو الذي ذكر سيبويه والقول ما قالت حذام انتهى. قوله واختلف حينئذ عن ماذا انتصب هذا المصدر؟ فقيل عن قوله: قُولُوا آمَنَّا [البقرة: ١٣٦]، وقيل عن قوله: وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [البقرة: ١٣٦]، وقيل عن قوله: فَقَدِ اهْتَدَوْا [البقرة: ١٣٧] .\nالثاني: أن انتصابها على الإغراء أي: الزموا صبغة الله.\nقال أبو حيان: وهذا ينافره آخر الآية، وهو قوله: وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ [البقرة: ١٣٨] إلا أن يقدر هنا قول، وهو تقدير لا حاجة إليه، ولا دليل من الكلام عليه.\nالثالث: أنها بدل من «ملة»، وهذا ضعيف إذ قد وقع الفصل بينهما بجمل كثيرة.\nالرابع: انتصابها بإضمار فعل أي: اتبعوا صبغة الله، ذكره أبو البقاء مع وجه الإغراء، وهو في الحقيقة ليس زائدا، فإن الإغراء أيضا هو نصب بإضمار فعل.\nينظر: «الدر المصون» (١/ ٣٨٨) .\n(٢) ينظر: «السبعة» (١٧١)، و«الحجة» (٢/ ٢٢٨)، و«معاني القراءات» (١/ ١٨٠)، و«العنوان» (٧٢)، و«حجة القراءات» (١١٥)، و«شرح الطيبة» (٤/ ٧١)، و«شرح شعلة» (٢٧٨)، و«إتحاف» (١/ ٤١٩) .","vol":"1","page":325},{"text":"إنَّ الأنبياء المذكُورين على اليهوديَّة والنصرانية، كَذَبوا لأنه قد عُلِمَ أن هذين الدينَيْن حَدَثَا بعدهم، وإِن قالوا: لم يكونوا على اليهودية والنصرانية، قيل لهم: فهلُمُّوا إِلى دينهم إِذ تقرّون بالحق.\nوقوله تعالى: قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ تقريرٌ على فساد دعواهم إذ لا جواب لمفطورٍ إلا أن اللَّه تعالى أعلم، وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً، أيْ: لا أحد أظلم منه، وإياهم أراد تعالى بكتمانِ الشهادةِ، قال مجاهد وغيره: فالذي كتموه هو ما في كتبِهِمْ مِنْ أنَّ الأنبياء على الحنيفيَّة، لا على ما ادعوه «١»، وقال قتادةُ وغيره: هو ما عندهم من الأمر بتصديق النبيّ ﷺ «٢» والأولُ أشبه بسياقِ الآيةِ، «ومِن» متعلِّقةٌ ب «عِنْده»، ويحتمل أن تتعلق ب «كَتَمَ» .\nوَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ ... الآيةَ: فيه وعيد وإِعلام أنه لا يترك أمرهم سدًى، والغافل:\nالذي لا يفطنُ للأمور إهْمالًا منه، مأخوذ من الأرض الغُفْلِ، وهي التي لا مَعْلَمَ بها.\nوقوله تعالى تِلْكَ أُمَّةٌ ... الآية: كرَّرها عن قرب لأنها تضمَّنت معنى التهْديدِ والتخويفِ، ولترداد ذكرهم أيضا في معنى غير الأول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-144>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٤٢ الى ١٤٣]</span>\nسَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢) وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)\nقوله تعالى: سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ... الآية: اختلف في تعْيينِ هؤلاء السفهاءِ، فقال ابن عبَّاس: هم الأحبارُ، وذلك أنهم جاءوا إِلى النبيّ ﷺ فقالوا: يا محمَّد، ما ولاَّك عَنْ قبلتنا، ارجع إليها، ونؤمنْ بك «٣»، يريدُونَ فتنتَهُ، وقيل: اليهود والمنافقُونَ، وقالت فرقة: هم كفّار قريش.\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (١/ ٢١٧) عن مجاهد، والحسن، والربيع. [.....]\n(٢) أخرجه الطبري (١/ ٦٢٧) برقم (٢١٤٢) من طريق معمر عن قتادة. وأخرجه عبد الرزاق في «تفسيره» (١/ ٦٠) بنحوه. وذكره السيوطي في «الدر» (١/ ٢٦٠)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير. وذكره ابن عطية في «التفسير» (١/ ٢١٧) .\n(٣) أخرجه الطبري (٢/ ٧) برقم (٢١٦٧)، وذكره ابن عطية (١/ ٢١٨) .","vol":"1","page":326},{"text":"ووَلَّاهُمْ: معناه: صرفهم، ويَهْدِي مَنْ يَشاءُ: إِشارة إِلى هداية اللَّه تعالى هذه الأمة إلى قبلة إِبراهيم، وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ، أيْ كما هديناكم إلى قبلة إبراهيم وشريعته، جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا، أي: عدولًا روي ذلك عن رسول الله ﷺ وتظاهَرَتْ به عباراتُ المفسِّرين، والوَسَط: الخيارُ والأعلى من الشيء، وواسطة القلادةِ أنفَسُ حَجَر فيها ومنه قوله تعالى: قالَ أَوْسَطُهُمْ [القلم: ٢٨] .\nوشُهَداءَ: جمع شاهدٍ، والمراد بالناسِ هنا في قول جماعة: جميع الجنس، وأن أمة محمّد ﷺ تشهدُ يوم القيامة للأنبياءِ على أممهم بالتبليغِ، وروي في هذا المعنى حديثٌ صحيحٌ عن النبيّ ﷺ وروي عنه أنَّ أُمته تشهدُ لكُلِّ نبيٍّ نَاكَرَهُ قومه «١» .\nت: وهذا الحديثُ خرَّجه البخاريُّ، وابن ماجة، وابن المبارك في «رقائقه» وغيرهم قائلا ﷺ، فذلك قوله تعالى: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ... الآية.\nوكون الرسولِ شهيدًا، قيل: معناه: بأعمالكم يوم القيامة، وقيل: «عليكم» بمعنى «لَكُمْ»، أي: يَشْهَدُ لَكُمْ بالإِيمان.\nوقوله تعالى: وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ ... الآية: قال قتادةُ وغيره: القِبْلة هنا بيْتُ المَقْدِس «٢»، أي: إِلا فِتْنَةً لنعلَمَ من يتبعك مِنَ العربِ الذين لم يألفوا إِلا مسجد مكَّة أو من اليهود على ما قاله الضّحّاك الذين قالوا للنبيّ ﷺ: «إِنْ صَلَيْتَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، اتبعناك»، فأمره اللَّه بالصَّلاة إِليه، امتحانا لهم، فلم يؤمنوا «٣» .\nوقال ابنُ عَبَّاس: القبلة في الآيَةِ: الكعبةُ «٤»، وكُنْتَ عَلَيْها بمعنى: أَنْتَ عليها كقوله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ [آل عمران: ١١٠]، بمعنى: أنتم.\nوَمَا جَعَلْنَاهَا وَصَرَّفْنَاكَ إلَيْهَا إلا فتنةً، وروي في ذلك أنّ رسول الله ﷺ لما حُوِّل إِلى الكعبة، أكْثَرَ في ذلك اليهودُ والمنافقونَ، وارتاب بعض المؤمنين حتى نزلتِ الآية، ومعنى: لِنَعْلَمَ، أي ليعلم رسولِي والمؤمنون به، والقاعدة نَفْيُ استقبال العلْمِ بعد أنْ\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٨/ ٢٤٧) كتاب «التفسير»، باب «ذرية من حملنا مع نوح» حديث (٤٧١٢) ومسلم (١/ ١٨٤) كتاب «الإيمان» باب أدنى أهل الجنة منزلة حديث (٣٢٧/ ١٩٤) من حديث أبي هريرة.\n(٢) أخرجه الطبري (٢/ ١٤) برقم (٢٢٠٦) عن السدي، وذكره ابن عطية (١/ ٢١٩) . وذكره الشوكاني (١/ ٢١٨) عن عطاء.\n(٣) ذكره ابن عطية (١/ ٢١٩) .\n(٤) ذكره ابن عطية (١/ ٢٢٠) .","vol":"1","page":327},{"text":"لم يكن، ويَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ عبارةٌ عن المرتدِّ، والرجوعُ على العَقِبِ أَسوأُ حالات الراجع.\nوقوله تعالى: وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ... الآية: الضمير في «كَانَتْ» راجع إلى القبلة إلى بيت المقدس، أو إلى التحويلة إلى الكعبة، حَسْبما تقدَّم من الخلاف في القبلة، «وكَبِيرَة» هنا معناه: شاقَّة صعبةٌ، تكبُرُ في الصدور، ولما حُوِّلَتِ القبلة، كان من قول اليهود: يا محمَّدُ، إن كانَتِ الأولى حقًا، فأنتَ الآنَ على باطلٍ، وإن كانتْ هذه حقًّا، فكنْتَ في الأولى على ضلالٍ، فَوَجَمَتْ نفوسُ بعْضِ المؤمنين، وأشْفَقُوا على مَنْ مات قبل التحويل من صلاتِهِمُ السالفة، فنزلَتْ: وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ، أي: صلاتكم، قاله ابن عبَّاس وغيره «١»، وسمَّى الصلاة إِيمانًا لَمَّا كانَتْ صادرةً عن الإيمان ولأن الإِيمان هو القطب الذي عليه تدور الأعمال، فذكره إِذ هو الأصل، ولئلاَّ يندرج في اسم الصلاة صلاةُ المنافقين إِلى بيت المَقْدِسِ، فذكر المعنَى الَّذي هو ملاك الأمر، وأيْضًا سُمِّيتْ إِيمانًا إِذ هي من شُعَب الإِيمان.\nت: وفي العتبية من سماع ابن القاسم «٢»، قال مالكٌ: قال اللَّهُ ﵎:\nوَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ قال: هي صلاة المؤمنين إلى بيت المَقْدِس، قال ابنُ رُشْد وعلى هذا القول أكثر أهل التفسير، وقد قيل: إن المعنى في ذلك، وما كان اللَّه ليضيعَ إِيمانكم بفَرْضِ الصلاة عليكم إلى بيْتِ المقدِسِ. انتهى من «البَيَان» .\nوالرَّأْفَةُ: أعلى منازل الرحْمَة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-145>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٤٤ الى ١٤٥]</span>\nقَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٤٤) وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٤٥)\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٢/ ٢٠) برقم (٢٢٣٢) . وذكره ابن عطية (١/ ٢٢١) .\n(٢) ابن القاسم هو: أبو عبد الله عبد الرحمن بن القاسم بن خالد بن جنادة العتقي بالولاء، المعروف بابن القاسم، ولد ب «مصر» سنة ١٢٨ هـ. وقيل: سنة ١٣٢ هـ. وقيل غير ذلك، سافر إلى «المدينة» فصحب الإمام مالكا، وتفقه عليه، وروى عنه وعن الليث بن سعد، وعبد العزيز بن الماجشون، وغيرهم، وروى عنه أصبغ، وسحنون، وعيسى بن دينار، وغيرهم.\nومن مؤلفاته: «كتاب المدونة»، وهي التي أخذها عنه سحنون، وهي من أجل كتب الفقه المالكي، توفي ب «مصر» سنة ١٩١ هـ.\nينظر: «الديباج المذهب» (١/ ٤٦٥)، «شذرات الذهب» (١/ ٣٢٩)، «وفيات الأعيان» (٣/ ٣٦٢) .","vol":"1","page":328},{"text":"وقوله تعالى: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ ... الآية: المقْصِد تقلُّب البصر، وأيضًا: فالوجه يتقلَّب بتقلُّب البصر، قال قتادة وغيره: كان رسول الله ﷺ يقلِّب وجهه في الدعاءِ إلى اللَّه تعالى أنْ يحوِّله إِلى قبلة مكَّة «١»، ومعنى التقلُّب نحو السماء: أنَّ السماء جهةٌ قد تعوَّد العالَمُ منْها الرحمةَ كالمطر، والأنوار، والوَحْي، فهم يجعلون رغبتهم حيْثُ توالَتِ النعَمُ.\nقال ص: فَلَنُوَلِّيَنَّكَ: يدلُّ على تقدير حالٍ، أي: قد نرى تقلُّب وجهك في السماءِ طالبًا قبلةً غير التي أنت مستقبلها، فلنولينّك. انتهى.\nوتَرْضاها: معناه: تحبّها/، وكان النبيّ ﷺ يحبّ الكعبة والتحوّل عن بيت ٣٨ أالمقدس لوجوه ثلاثة رُوِيَتْ:\nأحدها: لقول اليهودِ: «مَا عَلِمَ محمَّدٌ دينَهُ حتَّى اتبعنا» قاله مجاهد.\nالثاني «٢»: ليصيب قبلة إِبراهيمَ﵇- قاله ابن عَبَّاس «٣» .\nالثالث: ليستألف العربَ لمحبَّتها في الكعبة، قاله الربيعة والسُّدِّيُّ «٤» .\nع «٥»: والميزابُ هو قبلة المدينةِ والشامِ، وهنالك قبلةُ أهل الأندلسِ بتأريب، ولا خلاف أن الكعبة قبلةٌ من كل أُفُقٍ.\nوقوله تعالى: فَوَلِّ وَجْهَكَ ... الآية: أمر بالتحوُّل، ونسخ لقبلة الشام، وشَطْرَ: نصبٌ على الظرف، ومعناه: نحو، وتلقاء، وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا: أمر\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٢/ ٢٢) برقم (٢٢٣٥)، (٢٢٣٦) عن قتادة من طريقين وأخرجه عبد الرزاق في «التفسير» (١/ ٦٢)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٢٢١) .\n(٢) أخرجه الطبري (٢/ ٢٣) برقم (٢٢٣٩) بنحوه. وذكره ابن عطية (١/ ٢٢١)، والسيوطي في «الدر» (١/ ٢٦٩)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير.\n(٣) أخرجه الطبري (٢/ ٢٣) برقم (٢٢٤١) بنحوه. وذكره ابن عطية (١/ ٢٢١) .\n(٤) أخرجه الطبري (٢/ ٢٢) برقم (٢٢٣٧) عن الربيع، وبرقم (٢٢٣٨) عن السدي. وذكره ابن عطية (١/ ٢٢) .\n(٥) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٢٢٢)، والميزاب: المثعب، فارسي معرب، والجمع مآزيب إذا همز، وميازيب إذا لم يهمز. ينظر: «لسان العرب» (٤٨٢٣) (وزب)، و«الوسيط» (٤٠٧) .","vol":"1","page":329},{"text":"للأمة ناسخٌ.\nوَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ ... الآية: المعنى: أن اليهود والنصارى يعلمون أن الكعبة هي قبلة إبراهيم أمام الأمم، وأن استقبالها هو الحقُّ الواجب على الجميع اتباعا لمحمَّد ﷺ الذي يجدونه في كتبهم، وتضمَّنت الآيةُ الوعيد.\nوقوله جلَّت قدرته: وَلَئِنْ أَتَيْتَ ... الآية: أعلَمَ اللَّه تعالى نبيَّه﵇- حين قالَتْ له اليهودُ: راجِعْ بيْتَ المَقْدِسِ، ونؤمن بكَ أن ذلك مخادَعَةٌ منهم، وأنهم لا يتَّبعون له قِبْلَةً، يعني: جملتهم لأن البعض قد اتبع، كعبد اللَّه بن سَلاَمٍ وغيره، وأنهم لا يؤمنون بدينه، أي: فلا تُصْغِ إِليهم، والآية هنا العَلاَمَةُ.\nوقوله جلَّت عظمته: وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ ... لفظ خبرٍ يتضمَّن الأمر، أي: فلا تركنْ إِلى شيء من ذلك، وَما بَعْضُهُمْ ... الآية، قال ابن زيد وغيره: المعنى ليستِ اليهودُ متبعةً قبلة النصارى، ولا النصارى متبعةً قبلةَ اليهودِ، فهذا «١» إِعلام باختلافهم، وتدابرهم، وضلالهم، وقبلةُ النصارى مَشْرِقُ الشمْسِ، وقبلةُ اليهود بيْتُ المَقْدِسِ.\nوقوله تعالى: وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ... الآية: خطاب للنبيّ ﷺ والمرادُ أمته، وما ورد من هذا النوع الّذي يوهم من النبيّ ﷺ ظُلْمًا متوقّعًا، فهو محمولٌ على إِرادة أمته لعصمة النبيّ ﷺ، وقَطْعًا أن ذلك لا يكُونُ منْه، وإِنما المرادُ مَنْ يمكنُ أنْ يَقَعَ ذلكَ منه، وخوطب النبيّ ﷺ تعظيمًا للأمر، قال الفَخْر «٢»: ودلَّت هذه الآية على أن توجه الوعيد على العلماء أشدُّ من توجُّهه على غيرهم لأن قوله: مِنْ بَعْدِ مَا جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ يدلُّ على ذلك. انتهى، وهو حَسَنٌ.\nص: وَلَئِنْ أَتَيْتَ: لام «لَئِنْ» مؤذنةٌ بقَسَمٍ مقدَّرٍ قبلها، ولهذا كان الجواب:\nله مَّا تَبِعُوا، ولو كان للشرط، لدخلت الفاء، وجوابُ الشرطِ محذوفٌ لدلالة جواب القسم عليه، ومن ثم جاء فعل الشرط ماضيًا، لأنه إِذا حذف جوابه، وجب فعله لفظا.\nانتهى.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٢/ ٢٧) برقم (٢٢٦٣)، وذكره ابن عطية (١/ ٢٢٣)، والسيوطي في «الدر» (١/ ٢٧٠) عن السديّ. وذكره الشوكاني في «تفسيره» عن السديّ كذلك. [.....]\n(٢) «التفسير الكبير» (٤/ ١١٦) .","vol":"1","page":330},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-146>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٤٦ الى ١٤٧]</span>\nالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١٤٧)\nوقوله تعالى: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ ... الآية: الضمير في يعرفونه عائدٌ على الحق في القبلة، والتحوُّل إلى الكعبة، قال ابن عبَّاس وغيره «١»، وقال مجاهدٌ وغيره:\nهو عائدٌ على محمّد ﷺ، أي: يعرفون صدْقَه ونبوَّته «٢» .\nت: بل وصفاتِهِ.\nوَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ: الفريقُ: الجماعةُ، وخص، [لأن] منهم من أسلم ولم يكتم والإشارة بالحق إلى ما تقدَّم على الخلاف في ضمير يَعْرِفُونَهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ظاهرٌ في صحَّة الكفر عنادًا.\nوقوله تعالى: الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ، أي: هو الحق، فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ:\nالخطاب للنبيّ/ ﷺ والمرادُ أمَّته، وامترى في الشيء، إِذا شك فيه ومنه: المراء، لأن ٣٨ ب هذا يشك في قول هذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-147>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٤٨ الى ١٥١]</span>\nوَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٤٨) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٩) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٠) كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١)\nوقوله تعالى: لِكُلٍّ وِجْهَةٌ\n: الوجهةُ: من المواجهة كالقبلة، والمعنى: ولكلِّ صاحبِ ملَّة وجهةٌ هو مولِّيها نفْسَه، قاله ابن عبّاس وغيره «٣» .\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٢/ ٢٨) برقم (٢٢٦٧) عن ابن عباس، كما أخرج عدة آثار بهذا المعنى عن قتادة، والربيع، والسدي وغيرهم.\nوالأثر ذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٢٢٣)، والسيوطي في «الدر» (١/ ٢٧٠) .\n(٢) ذكره ابن عطية (١/ ٢٢٤) .\n(٣) أخرجه الطبري (٢/ ٣١) برقم (٢٢٨٠) عن الربيع وبرقم (٢٢٨١) عن عطاء وبرقم (٢٢٨٣) عن ابن عباس.\nوذكره ابن عطية الأندلسي (١/ ٢٢٤)، وذكره السيوطي في «الدر» (١/ ٢٧١)، وعن ابن عباس، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم.","vol":"1","page":331},{"text":"وقرأ ابن عامر «١»: «هُوَ مَولاَّهَا»، أيْ: اللَّه مُوَلِّيها إياهم، ثم أمر تعالى عباده باستباق الخَيْرات، والبدارِ، إلى سبيل النجاة، وروى ابن المبارك في «رقائقه» بسنده أَن النبيّ ﷺ قال: «مَنْ فُتِحَ لَهُ بَابٌ مِنَ الخَيْرِ فَلْيَنْتَهُزْهُ «٢»، فَإِنَّهُ لاَ يَدْرِي، متى يُغْلَقُ عَنْهُ» . انتهى.\nثم وعظهم سبحانه بذكْر الحشر موعظةً تتضمَّن وعيدًا وتحذيرًا.\nص: «أينما» ظرفٌ مضمَّن معنى الشرط في موضعِ خَبَرِ «كان» . انتهى.\nوقوله: أْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا\nيعني به البعْثَ من القبور.\nوقوله تعالى: وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ معناه: حيثُ كنْتَ، وأَنى توجَّهْتَ من مشارقِ الأرض، ومغاربِها، وكرَّرت هذه الآية تأكيدًا من اللَّه سبحانه لأن موقع التحويلِ كان صَعْبًا في نفوسهم جدًّا، فأكَّد الأمر ليرى الناسُ التهمُّم به، فيخفَّ عليهم وتسكُنَ نفوسُهم إليه.\nوقوله تعالى: وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ ... الآية: المعنى: عرفتكم وجه الصواب في قبلتكم، والحجة لذلك لئلاَّ يكون للناسِ عليكم حجةٌ، والمراد ب «النَّاس» العمومُ في اليهودِ والعربِ وغيرهم إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ، أي: من المذكورين ممَّن تكلَّم في النازلة في قولهم: مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ [البقرة: ١٤٢] .\nوقوله تعالى: فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي ... الآية: [فيه] تحقيرٌ لشأنهم، وأمر باطراح أمرهم، ومراعاة أمره سبحانه، قال الفَخْر «٣»: وهذه الآية تدلُّ على أن الواجب علَى المَرْء في كلِّ أفعاله وتروكه أن ينصب بين عينيه خشيةَ ربه تعالى، وأن يعلم أنه ليس في أيدي الخَلْقِ شيء البتَّةَ وألاَّ يكون مشتغل القَلْب بهم، ولا ملتفت الخاطر إليهم. انتهى.\n_________\n(١) وحجته في هذه القراءة أنه: قدر له أن يتولاها، ولم يسند إلى فاعل بعينه، فيجوز أن يكون «هو» كناية عن الاسم الذي أضيفت إليه «كل» . وهو الفاعل، ويجوز أن يكون فاعل التولية «الله»، و«هو» كناية عنه. والتقدير: ولكل ذي ملة قبلة الله موليها وجهه. ثم ردّ ذلك إلى ما لم يسمّ فاعله.\nينظر: «حجة القراءات» (١١٧)، و«الحجة للقراء السبعة» (٢/ ٢٣٠)، و«العنوان» (٧٢)، و«شرح طيبة النشر» (٤/ ٧٤، ٧٥)، و«شرح شعلة» (٢٧٨)، و«معاني القراءات» (١/ ١٨١)، و«إتحاف فضلاء البشر» (١/ ٤٢٢) .\n(٢) النهزة: الفرصة، وانتهزتها: اغتنمتها. ينظر: «النهاية» (٥/ ١٣٥) .\n(٣) «التفسير الكبير» (٤/ ١٢٧) .","vol":"1","page":332},{"text":"قال ص: إِلَّا الَّذِينَ استثناءٌ متَّصِلٌ، قاله ابن عباس وغيره، أي: لئلاَّ تكون حجةٌ من اليهود المعاندين القائلين ما ترك قبلتنا، وتوجَّه للكعبة إِلاَّ حبًّا لبلده، وقيل:\nمنقطع، أي: لكن الذين ظلموا منهم فإِنهم يتعلَّقون عليكم بالشُّبَه، وزعم أبو عُبَيْدة مَعْمَرُ بْنُ المثنى: إن «إِلاَّ» في الآية بمعنى «الواو»، قال ومنه: [الوافر]:\nوَكُلُّ أَخٍ مُفَارِقُهُ أَخُوه ... لَعَمْرُ أَبِيكَ إِلاَّ الفَرْقَدَانِ «١»\nأي: والَّذين ظلموا، وَالفَرْقَدَان، ورُدَّ بأنَّ «إِلاَّ» بمعنى الواو ولا يقوم علَيْه دليلٌ.\nانتهى.\nوقوله تعالى: فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ أمر باستقبال القبْلَة، وهو شرطٌ في الفرض إِلاَّ في القتالِ حالة الالتحامِ، وفي النوافل إِلا في السفرِ الطويلِ للرَّاكب، والقدرةُ على اليقينِ في مصادفتها تَمْنَعُ من الاِجتهادِ، وعلى الاِجتهادِ تَمْنَعُ من التقليد.\nوقوله سبحانه: وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ عطْفٌ على قوله: «لَئِلاَّ» وقيل: هو في موضع رفع بالاِبتداء، والخبرُ مضمرٌ، تقديره: ولأتمَّ نعمتي عليكم، عرَّفتكم قبلتي، ونحوهُ، وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ترجٍّ في حقِّ البشر، والكافُ في قوله: «كَمَا» ردٌّ على قوله:\n«وَلأُتِمَّ»، أي: إِتمامًا كما، وهذا أحسنُ الأقوال، أي: لأتم نعمتي عليكم في بيان سُنَّة إِبراهيم ﵇/ كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ إِجابة لدعوته في قوله: رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ [البقرة: ١٢٩] . ٣٩ أ\n_________\n(١) البيت لعمرو بن معد يكرب في ديوانه (ص ١٧٨) و«الكتاب» (٢/ ٣٣٤) و«لسان العرب» (١٥/ ٤٣٢) (ألا) و«الممتع في التصريف» (١/ ٥١) والحضرمي بن عامر في «تذكرة النحاة» (ص ٩٠) و«حماسة البحتري» (ص ١٥١) و«الحماسة البصرية» (٢/ ٤١٨) و«شرح أبيات سيبويه» (٢/ ٤٦) و«المؤتلف والمختلف» (ص ٨٥) ولعمرو أو لحضرمي في «خزانة الأدب» (٣/ ٤٢١) و«الدرر» (٣/ ١٧٠) و«شرح شواهد المغني» (١/ ٢١٦) وبلا نسبة في «الأشباه والنظائر» (٨/ ١٨٠) و«أمالي المرتضى» (٢/ ٨٨) و«الإنصاف» (١/ ٢٦٨) و«الجنى الداني» (ص ٥١٩) و«خزانة الأدب» (٩/ ٣٢١، ٣٢٢) و«رصف المباني» (ص ٩٢) و«شرح الأشموني» (١/ ٢٣٤) و«شرح المفصل» (٢/ ٨٩) و«العقد الفريد» (٣/ ١٠٧، ١٣٣) و«فصل المقال» (ص ٢٥٧) و«مغني اللبيب» (١/ ٧٢) و«المقتضب» (٤/ ٤٠٩) و«همع الهوامع» (١/ ٢٢٩) .\nواستشهد به على نعت «كلّ» بقوله: «إلّا الفرقدان» على تقدير «غير» . وفيه ردّ على المبرد الذي زعم أنّ الوصف ب «إلّا» لم يجىء إلّا فيما يجوز فيه البدل. ف «إلّا الفرقدان» صفة، ولا يمكن فيه البدل.\n(والفرقدان) نجمان قريبان من القطب، لا يفارق أحدهما الآخر.","vol":"1","page":333},{"text":"وقيل: الكاف من «كمَا» رَدٌّ على «تَهْتَدُونَ»، أي: اهتداء كما.\nقال الفَخْر «١»: وهنا تأويلٌ ثالثٌ، وهو أن الكاف متعلِّقة بما بعدها، أي: كما أرسلنا فيكم رسولًا، وأوليتكم هذه النعم، فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي ... الآيةَ. انتهى.\nت: وهذا التأويل نقله الدَّاوُودِيُّ عن الفراء. انتهى، وهذه الآية خطاب لأمة محمّد ﷺ وآياتِنا يعني: القرآن، ويُزَكِّيكُمْ، أي: يطهركم من الكفر، وينمّيكم بالطاعة، والْكِتابَ: القرآن، والْحِكْمَةَ: ما يتلقّى عنه ﷺ من سنَّةٍ، وفقْهٍ، ودينٍ، وما لم تكونوا تعلمون قصص من سلف، وقصص ما يأتي من الغيوب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-148>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٥٢ الى ١٥٣]</span>\nفَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ (١٥٢) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣)\nقوله تعالى: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ... الآية: قال سعيد بن جُبَيْر: معنى الآية:\nاذكروني بالطاعةِ، أذكركم بالثواب «٢» .\nت: وفي تفسير أحمد بن نصر الداوديّ: وعن ابن جُبَيْر: اذكروني بطاعتِي، أذكرْكُمْ بمغفرتي «٣»، وروي أن النبيّ ﷺ قال: «مَنْ أَطَاعَ اللَّهَ، فَقَدْ ذَكَر اللَّهَ، وإِنْ قلَّت صلاته، وصيامه، وتلاوته القُرآن، ومن عَصَى اللَّه، فقد نَسِيَ اللَّه، وإِن كَثُرَتْ صلاته، وصيامه، وتلاوته القرآن» «٤» . انتهى.\n_________\n(١) ينظر: «التفسير الكبير» (٤/ ١٢٩)، و«الدر المصون» (١/ ٤٠٩- ٤١١) .\n(٢) ذكره ابن عطية (١/ ٢٢٦) .\n(٣) أخرجه الطبري (٢/ ٤٠) برقم (٢٣١٨)، وذكره ابن عطية (١/ ٢٢٦)، والسيوطي في «الدر» (١/ ٢٧٣)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وأخرجه ابن المبارك في كتاب «الزهد» باب ذكر الله ﵎، (٩٢٨)، وذكره البغوي في «تفسيره» (١/ ١٢٨) .\n(٤) أخرجه الطبراني في «الكبير» (٢٢/ ١٥٤) رقم (٤١٣) من طريق الهيثم بن جماز عن الحارث بن حسان، عن زاذان عن واقد مولى رسول الله ﷺ به مرفوعا. وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٢/ ٢٦١)، وقال: وفيه الهيثم بن جماز، وهو متروك.\nوذكره المتقي الهندي في «كنز العمال» (١/ ٤٤٦) رقم (١٩٢٤)، وعزاه إلى الحسن بن سفيان، والطبراني، وابن عساكر عن واقد.\nوللحديث شاهد مرسل: أخرجه ابن المبارك (ص ١٧) رقم (٧٠)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (١/ ٤٥٢) رقم (٦٨٧)، وسعيد بن منصور رقم (٢٣٠) عن خالد بن أبي عمران مرسلا.\nوزاد نسبته السيوطي في «الدر» (١/ ١٤٩) إلى ابن المنذر.","vol":"1","page":334},{"text":"وروى ابن المبارك في «رقائقه» بسنده عن أنس بن مالك، قال: مَا مِنْ بُقْعَةٍ يُذْكَرُ اللَّهُ عَلَيْهَا بصَلاةٍ أو بذكْرٍ إِلاَّ افتخرت على ما حَوْلَهَا من البِقَاعِ، واستبشَرَتْ بذكْر اللَّه إِلى منتهاها منْ سبعِ أرَضِينَ، وما مِنْ عَبْدٍ يقومُ يصلِّي إِلا تزخرفَتْ له الأرض «١» . قال ابنُ المُبَارك: وأخبرنا المسعوديُّ عن عَوْنِ بنِ عبدِ اللَّهِ «٢»، قال: الذاكِرُ في الغافِلِينَ كالمقاتل خَلْف الفارِّين «٣» . انتهى.\nوقال الربيعُ والسِّدّي: المعنى: اذكروني بالدعاءِ والتسبيحِ «٤» ونحوه، وفي صحيح البخاريِّ ومسلمٍ وغيرهما عن أبي هريرة﵁-، قال: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ:\nيَقُولُ اللَّهُ ﵎: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ، ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلإِ، ذَكَرْتُهُ فِي مَلإِ خَيْرٍ منهم ...» «٥» الحديث. انتهى.\n_________\n(١) أخرجه ابن المبارك في «الزهد» ص (١١٥) رقم (٣٣٩) عن أنس بن مالك موقوفا.\nوأخرجه أبو يعلى (٧/ ١٤٣) رقم (٤١١٠) من طريق موسى بن عبيدة الربذي عن يزيد الرقاشي عن أنس مرفوعا.\nوذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٨١- ٨٢) وقال: رواه أبو يعلى، وفيه موسى بن عبيدة الربذي، وهو ضعيف. اهـ.\nوزاد نسبته المناوي في «فيض القدير» (٥/ ٤٧٥) إلى البيهقي في «شعب الإيمان» .\n(٢) عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي، أبو عبد الله، الكوفي، الزاهد. عن أبيه، وعائشة، وابن عباس. وعنه قتادة، وأبو الزبير، والزهري. وثقه أحمد وابن معين، ورماه ابن سعد بالإرجاء. قال البخاري: مات بعد العشرين ومائة.\nينظر: «الخلاصة» (٢/ ٣٠٩)، و«تهذيب التهذيب» (٨/ ١٧١)، و«الكاشف» (٢/ ٣٥٨)، و«تاريخ الثقات» (٣٧٧) . [.....]\n(٣) أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (ص ١٢٢) رقم (٣٥٧) .\n(٤) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٢/ ٤٠) برقم (٢٣١٩)، (٢٣٢٠)، وذكره ابن عطية في تفسيره (١/ ٢٢٦) .\n(٥) أخرجه البخاري (١٣/ ٣٩٥) كتاب «التوحيد»، باب قول الله تعالى: وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ، حديث (٧٤٠٥)، ومسلم (٤/ ٢٠٦١) كتاب «الذكر والدعاء»، باب الحث على ذكر الله (تعالى)، حديث (٢١/ ٢٦٧٥)، والترمذي (٥/ ٥٨١) كتاب «الدعوات»، باب في حسن الظن بالله (﷿)، حديث (٣٦٠٣)، وابن ماجة (٢/ ١٢٥٥- ١٢٥٦) كتاب «الأدب»، باب فضل العمل، حديث (٣٨٢٢)، وأحمد (٢/ ٢٥١، ٤١٣)، وابن خزيمة في «التوحيد» (ص ٧)، وابن حبان (٣/ ٩٣) رقم (٨١١)، والبغوي في «شرح السنة» (٣/ ٨١- بتحقيقنا) كلهم من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعا.\nوقال الترمذي: حديث حسن صحيح.\nوأخرجه مسلم (٤/ ٢٠٦١) كتاب «الذكر والدعاء»، باب الحث على ذكر الله (تعالى)، حديث-","vol":"1","page":335},{"text":"وَاشْكُرُوا لِي، أي: نعمي وأيادِيَّ، وَلا تَكْفُرُونِ: أي: نعمي وأياديَّ.\nت: وعن جابر قَالَ: قال رسول الله ﷺ: «مَا أَنْعَمَ اللَّهُ على عَبْدٍ مِنْ نِعْمَةٍ، فَقَالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ إِلاَّ وَقَدْ أدى شُكْرَهَا، فَإِنْ قالها الثانيةَ، جدَّد اللَّهُ لها ثوابَهَا، فَإن قالها الثالثةَ، غفر اللَّه له ذُنوبَه» رواه الحاكمُ في «المستَدْرَكِ»، وقال: صحيح»\n. انتهى من «السِّلاح» .\nوقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ، أي: بمعونته وإنجاده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-149>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٥٤ الى ١٥٧]</span>\nوَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ (١٥٤) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ (١٥٦) أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)\nوقوله تعالى: وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ ... الآية: سببها أن الناس قالوا فيمن قتل ببدر وأُحُدٍ من المؤمنين: مَاتَ فلانٌ، ماتَ فلانٌ، فكره اللَّه سبحانه أن تُحَطَّ منزلةُ الشهداءِ إِلى منزلة غيرهم، فنزلَتْ هذه الآية، وأيضًا: فإِن المؤمنين صَعْبٌ عليهم فراقُ إِخوانهم وقراباتِهِمْ، فنزلَتِ الآيةُ مسلِّية لهم، تعظِّم منزلة الشهداءِ، وتخبر عن حقيقةِ حالِهِمْ، فصاروا مغبوطين لا محزونًا لهم ويظهر ذلك من حديث أُمِّ حارثَةَ في السِّيَرِ.\nت: وخرَّجه البخاريُّ في «صحيحه» عن أنسٍ، قال: «أُصِيبَ حارثةُ يوم بَدْر أصابه غَرْبُ «٢» سَهْمٍ، وهو غلامٌ، فجاءَتْ أُمُّهُ إِلى النبيِّ ﷺ فقالت: يا رسول الله/، قد\n_________\n- (٢٦٧٥)، والبخاري في «خلق أفعال العباد» (ص ٨٥)، وأحمد (٢/ ٥١٦، ٥٢٤) من طريق زيد بن أسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعا.\n(١) أخرجه الحاكم (١/ ٥٠٧- ٥٠٨)، وعنه البيهقي في «شعب الإيمان» (٤/ ٩٨) رقم (٤٤٠٢) من طريق عبد الرحمن بن قيس: نا محمد بن أبي حميد، عن محمد بن المنكدر، عن جابر مرفوعا.\nوقال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.\nوتعقبه الذهبي فقال: ليس بصحيح قال أبو زرعة: عبد الرحمن بن قيس كذاب.\nوالحديث ذكره الذهبي في «الميزان» (٢/ ٥٨٣)، وقال: منكر. اهـ.\nوعبد الرحمن بن قيس: قال الحافظ في «التقريب» (١/ ٤٩٦): متروك كذبه أبو زرعة وغيره.\n(٢) أي لا يعرف راميه يقال: سهم غرب، بفتح الراء وسكونها، وبالإضافة، وغير الإضافة. وقيل: هو بالسكون إذا أتاه من حيث لا يدري، وبالفتح إذا رماه فأصاب غيره.\nينظر: «النهاية» (٣/ ٣٥٠- ٣٥١) .","vol":"1","page":336},{"text":"عَرَفْتَ مَنْزِلَةَ حَارِثَةَ مِنِّي، فَإِنْ يَكُ فِي الجَنَّةِ أَصْبِرْ، وَأَحْتَسِب، وَإِن تَكُن الأخرى، ترى مَا أَصْنَعُ، فَقَالَ: وَيْحَكِ، أَوَ هُبِلْتِ، أَو جَنَّةٌ وَاحِدَةٌ هَيَ إنَّهَا جِنَانٌ كَثِيرَةٌ، وَإِنَّهُ فِي الفِرْدَوْسِ الأعلى ...» الحديثَ «١» . انتهى.\nع «٢»: والفرق بين الشهيدِ وغيرهِ إِنما هو الرِّزْقُ، وذلك أنَّ اللَّه تعالى فضَّلهم بدوام حالِهِمُ التي كانَتْ في الدنيا فرزَقهُم.\nت: وللشهيدِ أحوالٌ شريفةٌ منها ما خرَّجه الترمذيُّ وابن ماجة عن النبيّ ﷺ قَالَ: «لِلشَّهِيدِ عِنْد اللَّهِ سِتُّ خِصَالٍ: يُغْفَرُ لَهُ فِي أَوَّلِ دَفْعَةٍ، ويرى مَقْعَدَهُ مِنَ الجَنَّةِ، وَيُجَارُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَيَأْمَنُ مِنَ الفَزَعِ الأَكْبَرِ، وَيُوضَعُ على رَأْسِهِ تَاجُ الوَقَارِ، اليَاقُوتَةُ مِنْهُ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا، ومَا فِيهَا، وَيُزَوَّجُ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً مِنَ الحُورِ الْعِينِ، وَيَشْفَعُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أقْرِبَائِهِ» . قال الترمذيُّ: هذا حديثٌ حَسَنٌ غريبٌ، زاد ابن ماجَة: «ويحلى حُلَّةَ الإِيمَانِ» «٣»، قال القرطبيُّ في «تذكرته» «٤»: هكذا وقع في نسخ الترمذيِّ وابن ماجة: «ستَّ خِصَالٍ» وهي في متن الحديث سَبْعٌ، وعلى ما في ابن ماجة: «ويحلى حُلَّةَ الإِيمَانِ» تكون ثمانيًا، وكذا ذكره أبو بكر أحمد بن سَلْمَان النَّجَّاد «٥» بسنده عن النبيِّ ﷺ قال: «لِلشَّهِيدِ عِنْدَ اللَّهِ ثَمَانِ خِصَالٍ» انتهى. وخرّج الترمذيّ، والنسائيّ عنه ﷺ أنه قال: «الشَّهِيدُ لاَ يَجِدُ أَلَمَ القَتْلِ إلاَّ كَمَا يَجِدُ أَحَدُكُمْ أَلَمَ القَرْصَةِ» «٦» انتهى.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٧/ ٣٥٥) كتاب «المغازي»، باب فضل من شهد بدرا، حديث (٣٩٨٢)، (١١/ ٤٢٣) كتاب «الرقاق» باب صفة الجنة والنار، حديث (٦٥٥٠) من حديث أنس.\n(٢) «المحرر الوجيز» (١/ ٢٢٧) .\n(٣) أخرجه الترمذي (٤/ ١٨٧- ١٨٨) كتاب «فضائل الجهاد»، باب في ثواب الشهيد، حديث (١٦٦٣)، وابن ماجة (٢/ ٩٣٥- ٩٣٦) كتاب «الجهاد»، باب فضل الشهادة في سبيل الله، حديث (٢٧٩٩) كلاهما من طريق بجير بن سعد عن خالد بن معدان عن المقدام بن معد يكرب مرفوعا.\nوقال الترمذي: حسن صحيح غريب.\n(٤) ينظر: «التذكرة» للقرطبي (١/ ٢١٨) .\n(٥) الإمام المحدّث الحافظ الفقيه المفتي، شيخ العراق، أبو بكر أحمد بن سلمان بن الحسن بن إسرائيل، البغدادي الحنبليّ النّجّاد.\nولد سنة ثلاث وخمسين ومئتين، سمع أبا داود السّجستاني، ارتحل إليه، وهو خاتمة أصحابه، وصنف ديوانا كبيرا في السنن، مات النّجّاد- رحمه الله تعالى- في ذي الحجّة سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة.\nينظر: «سير أعلام النبلاء» (١٥/ ٥٠٢- ٥٠٤) .\n(٦) أخرجه الترمذي (٤/ ١٩٠) كتاب «فضائل الجهاد»، باب ما جاء في فضل المرابط، حديث (١٦٦٨)، والنسائي (٦/ ٣٦) كتاب «الجهاد»، باب ما يجد الشهيد من الألم، حديث (٣١٦١)، وابن ماجه (٢/-","vol":"1","page":337},{"text":"ع «١»: روي عن النبيّ ﷺ: «أنَّ أرْوَاحَ الشُّهَدَاءِ فِي حَوَاصِلِ طَيْرٍ خُضْرٍ تُعَلَّقُ مِنْ ثَمَرِ الجَنَّةِ» «٢»، وروي: «أَنَّهُمْ فِي قُبَّةٍ خَضْرَاءَ»، ورويَ: «أنهم في قَنَادِيلَ مِنْ ذَهَبٍ»، إِلى كثير من هذا، ولا محالة أنها أحوالٌ لِطَوَائِفَ، أو للجميع في أوقات متغايرة.\nت: وكذا ذكر شَبِيبُ بن إِبراهيم في كتاب «الإِفصاح» أنَّ المنعَّمين على جهاتٍ مختلفةٍ بحسب مقاماتهم وتفاوتهم في أعمالهم، قال صاحب «التذكرة»: وهذا قول حَسَنٌ، وبه يجمع بين الأخبار حتى لا تتدافع. انتهى.\nقال ع «٣»: وجمهور العلماء على أنهم في الجَنَّة ويؤيّده قول النبيّ ﷺ لأمِّ حَارِثَةَ: «إِنَّهُ فِي الفِرْدَوْسِ الأعلى» .\nوقال مجاهد: هم خارجُ الجَنَّةِ ويعلَّقون من شجرِهَا «٤»، وفي «مختصر الطبريِّ»، قال: ونهى ﷿ أنْ يقال لِمَنْ يقتلُ في سبيلِ اللَّهِ أموات، وأعلم سبحانه أنه أحياء،\n_________\n- ٩٣٧) كتاب «الجهاد»، باب فضل الشهادة في سبيل الله، حديث (٢٨٠٢)، والدارمي (٢/ ٢٠٥) كتاب «الجهاد»، باب فضل الشهيد، وأحمد (٢/ ٢٩٧)، والبيهقي (٩/ ١٦٤) كتاب «السير»، باب فضل الشهادة في سبيل الله (﷿)، والبغوي في «شرح السنة» (٥/ ٥١٦- بتحقيقنا) كلهم من طريق محمد بن عجلان عن القعقاع بن حكيم عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعا.\nوقال الترمذي: حسن صحيح غريب.\nوللحديث شاهد من حديث أبي قتادة: ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٥/ ٢٩٧) وقال: رواه الطبراني، وفيه رشدين بن سعد، وهو ضعيف.\nوأخرجه أبو نعيم في «الحلية» (٧/ ١٤٢) من طريق إسحاق العنبري: ثنا يعلى بن عبيد، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة.\nوقال أبو نعيم: غريب من حديث الثوري، تفرد به إسحاق عن يعلى. اهـ.\nوإسحاق العنبري: قال الذهبي في «المغني» (١/ ٧٢) رقم (٥٧٤): قال الأزدي: لا تحل الرواية عنه كذاب. اهـ. وللحديث شاهد من حديث سنان بن سنة الأسلمي: أخرجه ابن ماجة (١/ ٥٦١) كتاب «الصيام»، باب فيمن قال: الطاعم الشاكر كالصائم الصابر، حديث (١٧٦٥)، والدارمي (٢/ ٩٥) .\nوقال البوصيري: إسناده صحيح.\n(١) «المحرر الوجيز» (١/ ٢٢٧) . [.....]\n(٢) أخرجه الترمذي (٤/ ١٧٦) كتاب «فضائل الجهاد»، باب ما جاء في ثواب الشهداء، حديث (١٦٤١) .\nوقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٢٢٧) .\n(٤) أخرجه الطبري (٢/ ٤٢) برقم (٢٣٢٣) بنحوه، وذكره السيوطي في «الدر» (١/ ٢٨٥)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.","vol":"1","page":338},{"text":"ولكنْ لا شعورَ لَنَا بذلك إذ لا نُشَاهِدُ باطنَ أمرهم، وخُصُّوا مِنْ بين سائر المُؤمنين، بأنهم في البَرْزَخِ يرزَقُون من مطاعِم الجَنَّة ما يُرْزَقُ المؤمنون من أهْل الجنة على أنه قد ورد في الحديثِ: «إِنَّمَا نَسَمَةُ المُؤْمِنِ طَائِرٌ يُعَلَّقُ فِي شَجَرِ الجَنَّةِ»، ومعنى: «يُعَلَّق»: يأكل ومنه قوله: ما ذقْتُ عَلاقًا، أي: مأكلًا، فقد عم المؤمنين بأنهم يرزقُونَ في البرزخ من رزق الجنة، ولكن لا يمتنعُ أن يخصَّ الشهداء من ذلك بقَدْر لا يناله غيرهم، واللَّه أعلم.\nانتهى.\nوروى النسائيُّ أن رجلًا قال: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا بَالُ المُؤْمِنِينَ يُفْتَنُون فِي قُبُورِهِمُ إِلاَّ الشَّهِيدَ؟ قَالَ: كفى بِبَارِقَةِ السُّيُوفِ على رَأْسِهِ فِتْنَةً» «١» . انتهى.\nت: وحديثُ: «إِنَّمَا نَسَمَةُ المُؤْمِنِ طَائِرٌ» خرَّجه مالك ﵀. قال الدَّاووديُّ: وحديث مالكٍ، هذا أصحُّ ما جاء في الأرواح، والذي روي أنها تجعل في حواصِلِ طيرٍ لا يصحُّ في النقل. انتهى.\nقال أبو عمر بن عبد البر في «التمهيد» «٢»: والأشبه قولُ من قال: كَطَيْرٍ أو كصُوَرِ طيرٍ لموافقته لحديثِ «الموطَّإ»، هذا/ وأسند أبو عمر هذه الأحاديثَ، ولم يذكر مطعنًا في ٤٠ أإسنادها. انتهى.\nثم أعلمهم تعالى أن الدنيا دارُ بلاءٍ ومحنةٍ، ثم وعد على الصَّبْر، فقال:\nوَلَنَبْلُوَنَّكُمْ أي: نمتحنكم بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ، أي: من الأعداء في الحروبِ، وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ أي بالجوانحِ «٣»، والمصائبِ، وَالْأَنْفُسِ بالموت، والقَتْل، وَالثَّمَراتِ بالعَاهَاتِ، والمرادُ بشيءٍ من هذا وشيءٍ من هذا، واكتفى بالأول إِيجازًا، ثم وصف سبحانه الصابرين الَّذين بشَّرهم بقوله: الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، فجعل سبحانه هذه الكلماتِ ملجأً لذوي المصائبِ لما جمعتْ من المعاني المباركةِ من توحِيدِ اللَّهِ سبحانه، والإِقرار له بالعبودية، والبعثِ من القبور، واليقين\n_________\n(١) أخرجه النسائي (٤/ ٩٩) كتاب «الجنائز»، باب الشهيد، حديث (٢٠٥٣) عن رجل من أصحاب النبي ﷺ به مرفوعا.\nوهذا الحديث لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة سوى النسائي.\n(٢) ينظر: «التمهيد» (١١/ ٦٤) .\n(٣) الجائحة: الشدة والنازلة العظيمة التي تجتاح المال من سنة أو فتنة. ينظر: «لسان العرب» (٧١٩) (جوح) .","vol":"1","page":339},{"text":"بأنَّ رجوع الأمر كلِّه إِليه كما هو له، قال الفَخْرُ «١»: قال أبو بَكْرٍ الوَرَّاق «٢»: إِنَّا لِلَّهِ:\nإقرارٌ منَّا له بالمُلْكِ، وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ إِقرارٌ على أنفسنا بالهلاكِ.\nواعلم أن قوله: إِنَّا لِلَّهِ يدلُّ على كونه راضيًا بكلِّ ما نَزَلَ به، ووردَتْ أخبارٌ كثيرة في هذا الباب عن النبيّ ﷺ، فمنِ استرجع عند المصيبة، جَبَر اللَّه مصيبته، وأحْسَنَ عقباه، وجعل له خَلَفًا صالحًا يرضَاهُ. انتهى.\nوروي: «أنّ مصباح رسول الله ﷺ انطفأ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَقَالَ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، فَقِيلَ: أَمُصِيبَةٌ هِيَ، يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ كُلُّ مَا آذَى المُؤْمِنَ، فَهُوَ مُصِيبَةٌ» «٣» . قال النوويُّ «٤»: ورُوِّينَا في «كتاب ابن السُّنِّيِّ» «٥» عن أبي هريرة، قال: قَالَ رسول الله ﷺ: «ليسترجعْ أحدُكُمْ في كلِّ شيء، حتى في شِسْعِ «٦» نَعْلِه فَإِنها من المصائِبِ» «٧» . انتهى من «الحلية» .\n_________\n(١) «التفسير الكبير» (٤/ ١٤٠) .\n(٢) الإمام المحدّث، أبو بكر، محمد بن إسماعيل بن العبّاس البغداديّ المستملي الورّاق. سمع أباه، والحسن بن الطّيّب، وعمر بن أبي غيلان، وأحمد بن الحسن الصّوفي، ومحمد بن محمد الباغندي، والبغوي.\nوعنه: الدّارقطني، والبرقاني، وأبو محمد الخلّال، وأحمد بن عمر القاضي، وأبو محمد الجوهري وعدّة.\nولد سنة ثلاث وتسعين ومئتين، ومات في ربيع الآخر سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة.\nينظر: «سير أعلام النبلاء» (١٦/ ٣٨٨، ٣٨٩) .\n(٣) ينظر: «تفسير القرطبي» (٢/ ١٧٥) .\n(٤) «الأذكار» (ص ١٥٨) .\n(٥) الإمام الحافظ الثقة الرّحال، أبو بكر، أحمد بن محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن أسباط الهاشميّ الجعفريّ، مولاهم الدّينوري، المشهور ب «ابن السّنّي»، ولد في حدود سنة ثمانين ومئتين.\nوهو الذي اختصر «سنن النّسائي»، واقتصر على رواية المختصر، وسمّاه «المجتبى»، وجمع وصنّف كتاب «يوم وليلة» . توفي آخر سنة أربع وستين وثلاثمائة. ينظر: «سير أعلام النبلاء» (١٦/ ٢٥٥- ٢٥٦) .\n(٦) الشّسع: أحد سيور النعل، وهو الذي يدخل بين الإصبعين، ويدخل طرفه في الثقب الذي في صدر النعل المشدود في الزمام، والزمام: السّير الذي يعقد فيه الشّسع.\nينظر: «النهاية» (٢/ ٤٧٢) .\n(٧) أخرجه ابن السني في «عمل اليوم والليلة» (٣٤٦)، وذكره الحافظ ابن حجر في «المطالب العالية» (٣/ ٢٣١) رقم (٣٣٥١)، وعزاه لمسدد.","vol":"1","page":340},{"text":"وقوله تعالى: أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ ... الآية: نِعَمٌ من اللَّه تعالى على الصابرين المسترجعين، وصلوات اللَّه على عبده: عفْوُهُ، ورحمتُه، وبركته، وتشريفه إِياه في الدنيا والآخرة، وكرَّر الرحْمَة، وهي من أعظم أجزاء الصلاة، لمَّا اختلف اللَّفْظ تأكيدًا منه تعالى وشهد لهم بالاهتداء.\nت: وفي «صحيح البخاري»: وقال عُمَرُ: نِعْمَ العدلان، ونَعْمُ العِلاَوة «١» الَّذين إذا أصابتهم مصيبةٌ، قالوا: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ... إلى الْمُهْتَدُونَ «٢»، قال النوويُّ في «الحلية» «٣»: ورُوِّينا في سنن ابن ماجة، والبيهقيِّ بإِسناد حَسَنٍ عن عمرو بن حزم «٤» عن النبيّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ مُؤْمِنٍ يُعَزِّي أَخَاهُ بِمُصِيبَةٍ إلّا كساه ﷿ مِنْ حُلَلِ الكَرَامَةِ يَوْم القِيَامَةِ» «٥»، ورُوِّينا في كتاب الترمذيِّ، والسنن الكَبيِرِ للبيهقيِّ عن ابن مسعود عن النبيّ ﷺ قَالَ: «مَنْ عزى مُصَابًا، فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ» إسناده ضعيف «٦»، وروّينا في\n_________\n(١) العلاوة: ما عولي فوق الحمل وزيد عليه. ينظر: «النهاية» (٣/ ٢٩٥)، و«الوسيط» (٦٣١) . [.....]\n(٢) أخرجه البخاري (٣/ ٢٠٥) كتاب «الجنائز»، باب الصبر عند الصدمة الأولى، عن عمر تعليقا.\nووصله الحاكم (٢/ ٢٧٠) من طريق جرير عن منصور عن سعيد بن المسيب عن عمر به.\nوقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، ولا أعلم خلافا بين أئمتنا أن سعيد بن المسيب أدرك أيام عمر (﵁)، وإنما اختلفوا في سماعه منه. اهـ وله طريق آخر عن عمر بنحوه: ذكره الحافظ في «الفتح» (٣/ ٢٠٥)، وعزاه إلى عبد بن حميد.\n(٣) «الأذكار» (ص ١٨٠) .\n(٤) عمرو بن حزم بن زيد الأنصاري، الخزرجي، أبو الضحاك، المدني، شهد الخندق، وولي بعض أمور «اليمن» . له أحاديث. وعنه ابنه محمد، وزياد بن نعيم. قال المدائني: مات سنة إحدى وخمسين.\nينظر: «الخلاصة» (٢/ ٢٨٢- ٢٨٣)، و«تهذيب التهذيب» (٨/ ٢٠)، و«الكاشف» (٣٢٦)، و«تقريب التهذيب» (٢/ ٦٨) .\n(٥) أخرجه ابن ماجة (١/ ٥١١) كتاب «الجنائز» باب ما جاء في ثواب من عزى مصابا، حديث (١٦٠١)، والبيهقي (٤/ ٥٩) كتاب «الجنائز»، باب ما يستحب من تعزية أهل الميت من طريق قيس أبي عمارة، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده مرفوعا.\nوقال البوصيري: في إسناده قيس أبو عمارة، ذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال الذهبي في «الكاشف»:\nثقة. وقال البخاري: فيه نظر، وباقي رجاله على شرط مسلم.\n(٦) أخرجه الترمذي (٣/ ٣٨٥) كتاب «الجنائز»، باب ما جاء في أجر من عزى مصابا، حديث (١٠٧٣)، وابن ماجة (١/ ٥١١) كتاب «الجنائز»، باب ما جاء في ثواب من عزى مصابا، حديث (١٦٠٢) من طريق محمد بن سوقة عن إبراهيم عن الأسود عن عبد الله بن مسعود به.\nوقال الترمذي: هذا حديث غريب، لا نعرفه مرفوعا إلا من حديث علي بن عاصم، ورواه بعضهم عن محمد بن سوقة بهذا الإسناد موقوفا اهـ.\nقال الحافظ ابن حجر في أجوبته عن أحاديث «المصابيح» (١/ ٨٦): قلت: أخرجه الترمذي، وابن ماجه-","vol":"1","page":341},{"text":"كتاب الترمذيِّ أيضًا عن أبي هريرة عن النّبيّ ﷺ قَالَ: «مَنْ عزى ثكلى، كُسِيَ بِرِدَاءٍ فِي الجَنَّةِ» . قال الترمذيُّ ليس إِسناده بالقَوِيِّ «١» . انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-150>[سورة البقرة (٢): آية ١٥٨]</span>\nإِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨)\nقوله تعالى: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ: الصَّفَا: جمع صَفَاةٍ، وهي الصَّخْرة العَظيمة، والمَرْوَة واحدةُ المَرْوِ، وهي الحجارة الصِّغَار الَّتي فيها لين، ومِنْ شَعائِرِ اللَّهِ معناه: معالمه، ومواضع عبادته، وقال مجاهدٌ: ذلك راجعٌ إِلى القول، أي:\nمما أشعركم اللَّه بفضله: مأخوذٌ من شَعَرْتُ، إِذا تحسّست «٢» .\nوحَجَّ: معناه: قصد، وتكرّر، واعْتَمَرَ: زار وتكرّر مأخوذ من عمرت ٤٠ ب الموضعَ، والجُنَاحُ: الإِثمُ، والمَيْلُ عن الحقِّ والطاعةِ، ومن اللفظةِ الجناح/ لأنه في شِقٍّ ومنه: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها [الأنفال: ٦١]، ويَطَّوَّفَ: أصله يتطوَّف، فقوله: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ ... الآيةَ: خبر يقتضي الأمر بما عهد من الطواف بهما، وقوله: فَلا جُناحَ ليس المقصودُ منه إباحة الطوافِ لمن شاءه لأن ذلك بعد الأمر لا يستقيمُ، وإِنما المقصودُ رفْعُ ما وقع في نفوسِ قومٍ من العربِ من أنَّ الطوَافَ بينهما فيه حرجٌ، وإِعلامهم أن ما وقع في نفوسهم غيرُ صوابٍ، وفي الصحيح عن عائشة- رضي الله\n_________\nمن حديث عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ. ورجاله رجال «الصحيحين» إلا علي بن عاصم فإنه ضعيف عندهم. قال الترمذي بعد تخريجه: «لا نعرفه مرفوعا إلا عن علي بن عاصم» .\nورواه بعضهم عن محمد بن سوقة شيخ علي بن عاصم موقوفا على عبد الله بن مسعود. وقال الترمذي أيضا: «أنكروه على علي بن عاصم، وعدوه من غلطه» .\nوقال أبو أحمد بن عدي: رواه جماعة متابعة لعلي بن عاصم، سرقه بعضهم منه، وأخطأ فيه بعضهم.\nوأخرجه ابن عدي من حديث أنس بلفظ: «من عزّى أخاه المسلم من مصيبته كساه الله حلّة»، وسنده ضعيف.\nوأخرجه أبو الشيخ في «كتاب الثواب» من حديث جابر بمعناه، وأبو يعلى من حديث أبي برزة بلفظ آخر. وقد قلنا: إن الحديث إذا تعددت طرقه يقوى بعضها ببعض، وإذا قوي كيف يحسن أن يطلق عليه:\nإنه مخلتق؟! اهـ.\n(١) أخرجه الترمذي (٣/ ٣٧٨- ٣٧٩)، كتاب «الجنائز»، باب آخر في فضل التعزية، حديث (١٠٧٦)، من حديث أبي برزة.\nوقال الترمذي: هذا حديث غريب، وليس إسناده بالقوي.\nوهذا الحديث لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة سوى الترمذي.\n(٢) ذكره ابن عطية (١/ ٢٢٩) .","vol":"1","page":342},{"text":"عنها-: «أنَّ ذَلِكَ فِي الأنْصارِ» .\nومذهبُ مالكٍ والشافعيِّ «١» أنَّ السعْيَ بينهما فرضٌ لا يجزىء تاركه، إِلاَّ العودة، قال ابنُ العَرَبِيِّ في «أحكامه» «٢» والدليلُ على ركنيَّته ما رُويَ عن النبيّ ﷺ أنّه قال: «إنّ\n_________\n(١) من أركان الحج: السعي بين الصفا والمروة لما روى «الدارقطني» و«البيهقي» بإسناد حسن أنه ﷺ استقبل الناس في المسعى. وقال: «يا أيّها النّاس اسعوا فإنّ السّعي قد كتب عليكم»، أي فرض، وأصل السعي: الإسراع، والمراد به هنا: مطلق المشي.\nويشترط لصحة السعي شروط ستة:\nالأوّل: البدء بالصفا في الأوتار، وبالمروة في الأشفاع للاتباع مع خبر «خذوا عنّي مناسككم»، وخبر «ابدءوا بما بدأ الله به»، فلو خالف الساعي ذلك لم يصح.\nالثاني: كونه سبع مرات يقينا، للاتباع بحسب الذهاب من الصفا إلى المروة مرّة، والإياب من المروة إلى الصفا مرة أخرى، ولا بد أن تكون السبع متيقنة، فلو شك الساعي في العدد، فإن كان قبل الفراغ، بنى على الأقل وجوبا، وإن كان بعد الفراغ لم يؤثر.\nالثالث: أن يقطع الساعي المسافة بين الصفا والمروة في كل مرّة، فلو بقي منها شيء لم يكف.\nالرابع: أن يكون قطع المسافة من بطن الوادي، وهو المسعى المعروف الآن.\nنعم لو انحرف قليلا في سعيه عن محلّ السعي لم يضر، كما نصّ عليه الشافعيّ﵁-.\nالخامس: أن يكون بعد طواف الإفاضة أو طواف القدوم لأنه الوارد من فعله ﷺ، ونقل «الماوردي» الإجماع على ذلك.\nومحلّ كونه يقع صحيحا بعد طواف القدوم إذا لم يكن الساعي قد وقف بعرفة بعد طواف القدوم، فلو وقف بها بعد طواف القدوم، وقبل السعي، لم يصح سعيه، إلا بعد طواف الإفاضة لدخول طواف الفرض، فلا يجوز أن يسعى بعد طواف نفل مع إمكانه بعد طواف الفرض.\nومن فعل السعي بعد طواف القدوم لم تسنّ له إعادته بعد طواف الإفاضة، بل تكره إعادته لأنه ﷺ وأصحابه لم يسعوا إلا بعد طواف القدوم.\nنعم تجب إعادة السعي على صبي ورقيق إذا كملا قبل الوقوف بعرفة، أو في أثنائه، كما تقدّم.\nالسادس: عدم الصارف، فلو حصل السعي بقصد المسابقة مثلا لم يصح.\nويندب في السعي أمور: منها: أن يخرج من باب الصفا عقب الفراغ من صلاة الطواف واستلام الحجر وتقبيله. ومنها: أن يرقى الذكر على الصفا والمروة قدر قامة فإنه ﷺ رقى على كلّ منهما- حتى رأى البيت. رواه مسلم. أما النساء والخناثى، فلا يسنّ لهم ذلك إلا إذا خلا المحلّ عن الرجال الأجانب.\nومنها: الذكر الوارد عند كل منهما. ومنها: أن يكون متطهرا من الحدث والخبث، مستور العورة.\nومنها: عدم الركوب إلا لعذر. ومنها: أن يهرول الذكر في وسط المسافة ذهابا وإيابا، وأما في أوّل المسافة وآخرها، فيمشي على حسب عادته، كما أن المرأة والخنثى لا يهرولان مطلقا. ومنها: اتصال السعي بالطواف، واتصال أشواط بعضها ببعض من غير تفريق. ومنها: أن يتحرز من إيذاء الغير وألا يشتغل بما يشغل القلب، كالنظر إلى الساعين.\nويكره للساعي أن يقف في أثناء سعيه بلا عذر لحديث أو غيره، وأن يصلّي بعده ركعتين.\n(٢) ينظر: «أحكام القرآن» (١/ ٤٨) .","vol":"1","page":343},{"text":"اللَّهَ كَتَبَ عَلَيكُمُ السَّعْيَ، فاسعوا»، صحَّحه الدارقطنيُّ «١» ويعضِّده المعنى، فإنه شعار، أي: معلم لا يخلو عنه الحجُّ والعمرة، فكان ركنًا كالطواف. انتهى.\nوَمَنْ تَطَوَّعَ: أي: زاد بِرًّا بعد الواجبِ في جميع الأعمال، وقال بعضهم: معناه:\nمن تطوَّع بحجٍّ أو عمرةٍ بعد حجَّةِ الفريضةِ، ومعنى شاكِرٌ، أي: يبذل الثوابَ والجزاءَ، عَلِيمٌ: بالنيات والأعمال لا يضيعُ معه لعاملٍ عمل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-151>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٥٩ الى ١٦٠]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ (١٥٩) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠)\nوقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنْزَلْنا ... الآيةَ: المراد ب «الذين»: أحبار اليهود «٢»، ورهبانُ النصارى الذين كتموا أمر محمّد ﷺ وتتناول الآية بَعْدُ كلَّ من كتم علمًا من دين اللَّه يُحْتَاجُ إلى بَثِّهِ، وذلك مفسّر في قول النبيّ ﷺ: «مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ، فَكَتَمَهُ، أُلْجِمَ يَوْمَ القيامة بلجام من النّار» «٣» .\n_________\n(١) أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد بن مهدي بن مسعود بن النعمان، البغدادي الدارقطني، الحافظ الكبير، ولد سنة ٣٠٦، تفقه بأبي سعيد الإصطخري، صنف المصنفات المفيدة، منها السنن والعلل وغيرهما، قال الحاكم: صار أوحد عصره في الحفظ والفهم والورع، وإماما في النحو، والقراءة، وأشهد أنه لم يخلق على أديم الأرض مثله. مات سنة ٣٨٥.\nانظر: «طبقات ابن قاضي شهبة» (١/ ١٦١)، «تاريخ بغداد» (١٢/ ٣٤)، «وفيات الأعيان» (٢/ ٤٥٩) .\n(٢) ينظر: «الطبري» (٣/ ٢٤٩)، و«معاني الزجاج» (١/ ٢١٨)، و«الدر المنثور» (١/ ١٦٢)، عن مجاهد والسدي وقتادة، وابن كثير (١/ ٢٠٠) عن أبي العالية، و«غرائب النيسابوري» (٢/ ٦٧) عن ابن عباس، و«أسباب النزول» للواحدي (ص ٣١)، و«أسباب النزول» للسيوطي (ص ٢٧) .\n(٣) ورد من حديث أبي هريرة، وحديث عبدُ اللَّه بن عمرو بن العاص، وابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر، وأبي سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وعمرو بن عبسة، وطلق بن علي.\nفأما حديث أبي هريرة أخرجه أبو داود (٢/ ٣٤٥) في العلم، باب كراهية منع العلم (٣٦٥٨)، والترمذي (٥/ ٢٩) في العلم، باب ما جاء في كتمان العلم (٢٦٤٩)، وابن ماجه (١/ ٩٦) في «المقدمة»، باب من سئل عن علم فكتمه (٢٦١)، وأحمد في «المسند» (٢/ ٢٦٣، ٣٠٥، ٣٤٤، ٣٥٣، ٤٩٥)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (٩/ ٥٥)، والطيالسي (٢٥٣٤)، وأبو يعلى (١١/ ٢٦٨)، برقم (٦٣٨٣)، وابن حبان (٩٥- موارد)، والقضاعي في «مسند الشهاب» (٤٣٢)، من طريقين: حماد بن سلمة، وعمارة بن زاذان، وعن علي بن الحكم، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة به.\nوقال الترمذي: حديث حسن. وقال العقيلي في «الضعفاء» (١/ ٧٤)، إسناده صالح.\nوقال الذهبي في «الكبائر» (ص ١٢٢): إسناده صحيح، رواه عطاء بن أبي هريرة.\nوقال الحافظ في «القول المسدد» ص ٤٥ بعد ما أورد الحديث من طريق أبي داود: والحديث وإن لم-","vol":"1","page":344},{"text":"_________\n- يكن في نهاية الصحة. لكنه صالح للحجة.\nوأخرجه أحمد (٢/ ٢٩٦، ٤٩٩، ٥٠٨)، وابن أبي شيبة (١٩/ ٥٥)، والخطيب البغدادي في «تاريخ بغداد» (٢/ ٢٦٨)، وابن الجوزي في «العلل المتناهية» (١٣٤، ١٣٥)، من طريق الحجاج بن أرطأة، عن عطاء به.\nوأخرجه الحاكم (١/ ١٠١) من طريق القاسم بن محمد بن حماد، عن أحمد بن عبد الله، عن محمد بن ثور، عن ابن جريج قال: جاء الأعمش إلى عطاء فسأله عن حديث فحدثه، فقلنا له: تحدث هذا وهو عراقي؟ قال: لأني سمعت أبا هريرة يحدث عن النبي ﷺ قال: «ممن سئل....» فذكره.\nوقال الحاكم: هذا حديث تداوله الناس بأسانيد كثيرة، تجمع ويذاكر بها. وهذا الإسناد صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وسكت عنه الذهبي. وتعقبه العراقي كما في «شرح الإحياء» رقم ٥٦ بقوله: لا يصح من هذا الطريق لضعف القاسم بن محمد بن حماد الدلال الكوفي. قال الدارقطني:\nحدثنا عنه وهو ضعيف. فلهذا لم أخرجه من هذا الوجه. قال الدارقطني في الجزء السابع من «الأفراد»:\nوإنما يعرف هذا من حديث علي بن الحكم، عن عطاء، عن أبي هريرة.\nوأخرجه البيهقي في «المدخل» (٥٧٤)، والبغوي في «شرح السنة» بتحقيقنا (١/ ٢٣٨) برقم (١٤٠)، من طريق سماك بن حرب، عن عطاء به.\nوقال البغوي: هذا حديث حسن.\nوأخرجه ابن عدي في «الكامل» (٤/ ٤١٠)، ومن طريقه ابن الجوزي في «العلل المتناهية» (١٣٧)، من طريق الحسن بن شعيب قال نا إسماعيل بن إبراهيم نا صغدي بن سنان، عن ابن جريج عن عطاء به.\nوقال ابن الجوزي (١/ ١٠٦): صغدي، قال يحيى: ليس بشيء.\nوأخرجه الطبراني في «الصغير» (١/ ١١٤)، وابن عدي في «الكامل» (٤/ ١٣٩٥)، ومن طريقه ابن الجوزي في «العلل» (١٣٦)، من طريق صدقة بن موسى الدقيقي عن مالك بن دينار، عن عطاء به.\nقال الطبراني، وابن عدي: لم يروه عن مالك غير صدقة. ونقل ابن الجوزي قول يحيى في صدقة: ليس بشيء.\nوأخرجه ابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (٦)، وابن الجوزي في «العلل» (١٤٠)، وابن عدي في «الكامل» (٤/ ١٥٩٦)، من طريقين عن ليث بن أبي سليم عن عطاء به.\nوقال ابن عدي: وهذا لا أعلم رفعه عن ليث غير عبد الرحمن بن أبي الجويني- الراوي عنه عنده، وعند ابن عبد البر- ورواه جرير الرازي، وغيره عن ليث موقوفا.\nوأخرجه ابن ماجة (١/ ٩٨) في «المقدمة»، باب من سئل عن علم فكتمه (٢٦٦)، والعقيلي (١/ ٧٤) من طريق إسماعيل بن إبراهيم الكرابيسي، قال: أخبرنا ابن عون، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة به.\nوقال الحافظ العراقي في «الشرح»: وله طريق آخر صحيح من رواية ابن سيرين، عن أبي هريرة أورده ابن ماجة. وقال العلامة ابن القيم في «تهذيب السنن» (٥/ ٢٥١): وهؤلاء كلهم ثقات، وعزاه لابن خزيمة أيضا.\nوقال العقيلي في ترجمة الكرابيسي: ليس لحديثه أصل مسند، إنما هو موقوف من حديث ابن عون.\nأما حديث عبد الله بن عمرو بن العاص فأخرجه ابن حبان (٩٦- موارد)، وابن عبد البر (٨)، والحاكم-[.....]","vol":"1","page":345},{"text":"قال ابن العربيِّ «١»: وللآية تحقيقٌ، وهو أن العَالِمَ إِذا قصد الكتمانَ، عصى، وإِذا لم يقصده، لم يلزمْهُ التبليغُ، إذا عرف أن معه غيره، وقد كان أبو بكر وعمر لا يحدِّثان بكلِّ ما سمعا من النبيِّ ﷺ إِلاَّ عند الحاجةِ، وكان الزُّبَيْرُ أقلَّهم حديثًا، ثم قال ابنُ العَرَبِيِّ: فأما من سئل، فقد وجَبَ عليه التبليغُ لهذه الآية، وأما إِن لم يُسْأل، فلا يلزمُ التبليغ إِلا في القرآن وحْده، وقد ثَبَتَ عن النبيِّ ﷺ في فضيلةِ التبْلِيغِ بأنَّه قال: «نَضَّرَ اللَّهُ امرأ سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا، فَأَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا» «٢» انتهى من «أحكام القرآن» .\n_________\n- في المستدرك» (١/ ١٠٢)، والخطيب في «التاريخ» (٥/ ٣٨- ٣٩)، وابن المبارك في «الزهد» (١١٩)، والبيهقي في «المدخل» (٥٧٥)، وابن الجوزي في «العلل» (١٢٣)، من طرق عن ابن وهب قال: حدثني عبد الله بن عياش بن عباس، عن أبيه، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو رفعه به.\nوصححه الحاكم، وسكت عنه الذهبي، وقال ابن الجوزي: فيه عبد الله بن وهب الفسوي قال ابن حبان: دجال يضع الحديث.\nوقال المنذري في «المختصر» (٥/ ٢٥١): وهذا إسناد صحيح. وقد ظن أبو الفرج بن الجوزي أن هذا هو ابن وهب النسوي الذي قال فيه ابن حبان: يضع الحديث، فضعف الحديث به، وهذا من غلطاته، بل هو ابن وهب الإمام العلم، والدليل عليه: أن الحديث من رواية أصبغ بن الفرج، ومحمد بن عبد الله بن الحكم، وغيرهما من أصحاب ابن وهب عنه. والنسوي متأخر. من طبقة يحيى بن صاعد. والعجب من أبي الفرج كيف خفي عليه هذا؟ وقد ساقها من طريق أصبغ، وابن عبد الحكم، عن ابن وهب.\nوقال الهيثمي في «المجمع» (١/ ١٦٦) . رواه الطبراني في «الكبير»، و«الأوسط»، ورجاله موثقون.\nوأما حديث ابن مسعود فأخرجه الخطيب في «التاريخ» (٦/ ٧٧)، وابن عبد البر (٩)، وابن عدي في «الكامل» (٣/ ١٠٦٢، ١٢٩٣، ٦/ ٢١٧٤)، وابن الجوزي في «العلل» (١١٥- ١١٨)، وابن حبان في «المجروحين» (٣/ ٩٧) من طرق عنه.\nوعزاه الهيثمي في «المجمع» (١/ ١٦٣) للطبراني في «الكبير»، و«الأوسط»، وقال في إسناد «الكبير»:\nسوار بن مصعب وهو متروك، وفي إسناد «الأوسط»: النضر بن سعيد ضعفه العقيلي.\n(١) ينظر: «الأحكام» (١/ ٤٩) .\n(٢) ورد من حديث ابن مسعود، وزيد بن ثابت، وجبير بن مطعم، فأما حديث ابن مسعود أخرجه الترمذي (٥/ ٣٣) في «العلم»، باب ما جاء في الحث على تبليغ السماع (٢٦٥٧، ٢٦٥٨)، وابن ماجة (١/ ٨٥) في «المقدمة»، باب من بلغ علما (٢٣٢)، والحميدي في «مسنده» (٨٨)، وأحمد (١/ ٤٣٧)، والشافعي في «مسنده» (١/ ١٦)، وأبو يعلى (٢٦/ ٥، ٥٢٩٦)، وابن حبان (٧٤، ٧٥، ٧٦) موارد، والرامهرمزي في «المحدث الفاصل» برقم (٦، ٧، ٨)، وابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (١٨٨، ١٨٩، ١٩٠، ١٩١)، وأبو نعيم في «الحلية» (٧/ ٣٣١)، والخطيب في «الكفاية» (ص ١٧٣)، وفي «شرف أصحاب الحديث» . ص (١٨، ١٩)، والبيهقي في «معرفة السنن والآثار» (١/ ١٥- ١٦، ٤٣)، وفي «الدلائل» (٦/ ٥٤٠)، والقضاعي في «مسند الشهاب» (١٤١٩، ١٤٢٠)، وابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (٢/ ٩، ١٠)، وأبو الشيخ في «الأمثال» (٢٠٤)، وأبو نعيم في «تاريخ أصبهان» (٢/ ٩٠)، والحاكم في «معرفة علوم الحديث» ص ٣٢٢ من طرق عنه. -","vol":"1","page":346},{"text":"والْبَيِّناتِ وَالْهُدى: أمر محمّد ﷺ ثم يعمُّ بعدُ كلَّ ما يكتم من خير، وفِي الْكِتابِ يراد به التوراةُ والإنجيلُ، ويدخل القرآن في عموم الآية.\nواختلف في «اللاَّعِنينَ» .\nفقال قتادة، والربيع: الملائِكةُ والمؤمنون «١»، وهذا ظاهرٌ واضحٌ، وقيل: الحشرات والبهائمُ «٢»، وقيل: جميع المخلوقات ما عدا الثقلين الجنّ\n_________\n- وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.\nوأما حديث زيد بن ثابت أخرجه أبو داود (٢/ ٣٤٦)، في «العلم»، باب فضل نشر العلم (٣٦٦٠)، والترمذي (٢٦٥٦)، وابن ماجة (٢٣٠)، وأحمد (٥/ ١٨٣)، وابن حبان (٧٢- ٧٣) موارد، والدارمي (١/ ٧٥)، والطحاوي في «مشكل الآثار» (٢/ ٢٣٢)، وابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (١٨٤، ١٨٥، ١٨٦، ١٨٧)، وابن أبي عاصم في «السنة» (٩٤)، وابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (٢/ ١١)، والرامهرمزي (٣، ٤)، والخطيب في «شرف أصحاب الحديث» (ص ١٧، ١٨)، والخطيب في «الفقيه والمتفقه» (٢/ ٧١) .\nوقال الترمذي: حديث حسن.\nوأما حديث جبير بن مطعم:\nفأخرجه ابن ماجة (٢٣١)، وأحمد (٤/ ٨٠، ٨٢)، والدارمي (١/ ٧٤- ٧٥)، والطبراني في «الكبير» (١٥٤١)، وأبو يعلى في «مسنده» (٧٤١٣)، والقضاعي في «مسند الشهاب» (١٤٢١)، والطحاوي في «المشكل» (٢/ ٢٣٢)، وابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (٢/ ١٠)، وابن حبان في «المجروحين» (١/ ٤- ٥)، وابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (١٩٥)، والحاكم في «المستدرك» (١/ ٨٧)، من طرق عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن محمد بن جبير، عن أبيه.\nوأخرجه ابن ماجة (٢٣١)، والطبراني في «الكبير» (١٥٤٢)، والطحاوي في «المشكل» (٢/ ٢٣٢)، من طريق ابن إسحاق، وعن عبد السلام بن أبي الجنوب، عن الزهري، عن محمد بن جبير به.\nوقال البوصيري في «الزوائد» (١/ ٩٩): هذا إسناد ضعيف لضعف عبد السلام ... وأخرجه الطبراني (١٥٤٣)، وابن أبي حاتم (١/ ١٠) من طريق ابن إسحاق، عن عمرو بن أبي عمرو، عن محمد بن جبير، عن أبيه به.\nوأخرجه أبو يعلى في «مسنده» (٧٤١٤)، والحاكم (١/ ٨٧- ٨٨)، من طريق ابن إسحاق، عن عمرو بن أبي عمرو، عن عبد الرحمن بن الحويرث، عن محمد بن جبير به.\nوتابعه عليه إسماعيل بن جعفر، عن عمرو به، أخرجه الدارمي في «سننه» (١/ ٧٤) .\nوأخرجه الطبرانيّ (١٥٤٤)، والحاكم (١/ ٨٧) من طريق نعيم بن حماد قال: ثنا إبراهيم بن سعد عن صالح بن كيسان، عن الزهري، عن محمد بن جبير. وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي.\n(١) أخرجه الطبري (٢/ ٥٩) برقم (٢٣٩٣- ٢٣٩٤- ٢٣٩٥)، عن قتادة، والربيع، وذكره ابن عطية (١/ ٢٣١)، وأخرجه عبد الرزاق في «التفسير» (١/ ٦٥) عن قتادة بلفظ: «الملائكة» .\n(٢) أخرجه الطبري (٢/ ٥٨) برقم (٢٣٨٥ إلى ٢٣٩٢) عن مجاهد، وعكرمة، أما الأخبار التي عن مجاهد رويت بأسانيد مختلفة.\nوذكره ابن عطية الأندلسي (١/ ٢٣١)، والبغوي في «التفسير» (١/ ١٣٤) عن مجاهد.","vol":"1","page":347},{"text":"والإِنْسَ «١»، وهذان القولانِ لا يقتضيهما اللفظُ، ولا يثبتان إلا بسندٍ يقطعُ العُذْر، ثم استثنى اللَّه سبحانه التائبين.\nوَأَصْلَحُوا، أي: في أعمالهم وأقوالهم.\nوَبَيَّنُوا، أي: أمر محمّد ﷺ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-152>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٦١ الى ١٦٢]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١) خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (١٦٢)\nوقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ ... الآية: هذه الآية محكمةٌ في الذين وَافَوْا على كفرهم، واختلف في معنى قوله: وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ: والكُفَّار لا يلعنُون أنفسهم.\nفقال قتادة، والربيع: المراد ب النَّاسِ: المؤمنون خاصَّة «٢»، وقال أبو العالية:\nمعنى ذلك في الآخرة «٣» .\nوقوله: خالِدِينَ فِيها، أي: في اللعنة، وقيل: في النار، وعاد الضمير علَيْها، وإِن لم يَجْرِ لها ذكر لثبوتها في المعنى.\nوَلا هُمْ يُنْظَرُونَ، أي: لا يُؤَخَّرون عن العذاب، ويحتمل أن يكون من النّظر ٤١ أنحو قوله تعالى: وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ/ يَوْمَ الْقِيامَةِ [آل عمران: ٧٧] والأول أظهر لأن النظر بالعين إنما يعدَّى ب «إلى» إلا شاذًّا في الشعر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-153>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٦٣ الى ١٦٤]</span>\nوَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لاَّ إِلهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ (١٦٣) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٢/ ٦٠) برقم (٢٣٩٦)، وإسناد هذا الخبر: «حدثني موسى قال: حدثنا عمرو قال:\nحدثنا أسباط عن السدي قال: قال البراء بن عازب ...» ثم ذكر الخبر بنحوه.\n(٢) أخرجه الطبري (٢/ ٦٢) برقم (٢٤٠٠- ٢٤٠١) بإسنادين مختلفين أحدهما: عن قتادة، والآخر عن الربيع. وذكره ابن عطية (١/ ٢٣٢)، والسيوطي في «الدر» (١/ ٢٩٨) عن قتادة.\n(٣) أخرجه الطبري (٢/ ٦٢) برقم (٢٤٠٢) بلفظ: «إن الكافر يوقف يوم القيامة، فيلعنه الله، ثم تلعنه الملائكة، ثم يلعنه الناس أجمعون» . وذكره ابن عطية (١/ ٢٣٢)، والبغوي في «تفسيره» (١/ ١٣٤)، والسيوطي في «الدر» (١/ ٢٩٨)، وعزاه لابن جرير.","vol":"1","page":348},{"text":"وقوله تعالى: وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ ... الآية: إِعلام بالوحدانيّة.\nقال عطاءٌ: لما نزلَتْ هذه الآية بالمدينَةِ، قال كفَّار قريشٍ بمكَّة: ما الدليلُ على هذا، وما آيته، وعلامته «١»؟ ونحوه عن ابن المُسَيَّب «٢»، فنزل عنْد ذلك قولُه تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ... الآية، أي: في اختراعها وإنشائها.\nوَالنَّهارِ: من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، يقضي بذلك قول النبيّ ﷺ لِعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ: «إِنَّمَا هُوَ بَيَاضُ النَّهَارِ، وَسَوَادُ الَّليْلِ» «٣»، وهذا هو مقتضى الفقْهِ في\n_________\n(١) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٢٣٢) .\n(٢) المصدر السابق.\n(٣) ورد ذلك من حديث عدي بن حاتم، وسهل بن سعد: فأما حديث عدي بن حاتم: فأخرجه البخاري (٤/ ١٥٧) في الصوم: باب قول الله تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ ...، وفي (٨/ ٣١) في التفسير، باب: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ ... (٤٥٠٩)، ومسلم (٢/ ٧٦٦) في الصيام: باب بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر (٣٣- ١٠٩٠)، وأبو داود (١/ ٧١٧) في الصيام، باب في وقت السحور (٢٣٤٩)، والترمذي (٥/ ١٩٥) في التفسير: باب ومن سورة البقرة (٢٩٧٠، ٢٩٧١)، وأحمد (٤/ ٣٧٧)، وابن أبي شبية في «مصنفه» (٣/ ٢٨٩) برقم (٩٠٧٩)، وابن جرير في «تفسيره» (٢٩٨٩)، والدارمي (٢/ ٥، ٦)، في الصوم، باب متى يمسك المتسحر من الطعام والشراب، والطبراني في «الكبير» (١٧/ ٧٩، ٨٠) برقم (١٧٦)، والبيهقي (٤/ ٢١٥) من طريق الشعبي، عن عدي بن حاتم به.\nوقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.\nوذكره السيوطي في «الدر» (١/ ٣٦٠)، فزاد في نسبته إلى سفيان بن عيينة، وسعيد بن منصور، وابن المنذر.\nوأخرجه البخاري في التفسير (٤٥١٠)، والنسائي (٤/ ١٤٨) في الصيام: باب قول الله تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ، وابن جرير (٢٩٨٩)، والطبراني (١٧٧، ١٧٨) من طريق مطرف عن الشعبي، عن عدي قال: قلت: يا رسول الله، ما الخيط الأبيض من الخيط الأسود؟ أهما الخيطان؟ قال: إنك لعريض القفا، إن أبصرت الخيطين، ثم قال: لا، بل هو سواد الليل، وبياض النهار. وصحّحه ابن خزيمة (٣/ ٢٠٩) برقم (١٩٢٦)، وذكره السيوطي في «الدر»، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد.\nوأخرجه أحمد (٤/ ٣٧٧)، والطبراني في «الكبير» (١٧٢، ١٧٣، ١٧٤، ١٧٥)، وابن جرير (٢٩٨٨) من طريق مجالد: حدثني عامر حدثني عدي بن حاتم. قال: علمني رسول الله ﷺ الصلاة والصيام.\nفقال: صل كذا، وصل كذا، وصم كذا. فإذا غابت الشمس فكل واشرب، حتى يتبين لك الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، وصم ثلاثين يوما، إلا أن ترى الهلال قبل ذلك. فأخذت خيطين من شعر أسود وأبيض، فكنت أبصر فيهما فلا يتبين لي، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فضحك، فقال:\nيا ابن حاتم، إنما ذلك بياض النهار من سواد الليل.\nوأما حديث سهل بن سعد: فأخرجه البخاري البخاري (٤/ ١٥٧) في الصوم، باب قول الله تعالى: وَكُلُوا-","vol":"1","page":349},{"text":"الأيْمَانِ ونحوها، وأما على ظاهر اللغة، وأخذه من السعة، فهو من الإِسْفَار، وقال الزَّجَّاج في «كتاب الأنوار»: أَوَّلُ النهارِ ذُرُورُ الشمسِ، قال: وزعم النَّضْرُ بن شُمَيْلٍ «١» أن أول النهار ابتداءُ طلوعِ الشمسِ، ولا يعدُّ ما قبل ذلك من النَّهار.\nقال ع «٢»: وقول النبيّ ﷺ هو الحَكَم.\nوَالْفُلْكِ: السُّفُن، ومفرده وجمعه بلفظ واحد.\nوَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ يعني به الأمطارَ، وَبَثَّ: معناه: فرق، وبسط، ودَابَّةٍ: تجمع الحيوان كلّه.\nوتَصْرِيفِ الرِّياحِ: إِرسالها عقيمًا، وملقَّحة وَصِرًّا ونَصْرًا وهلاكًا وجنوبًا وشَمالًا وغير ذلك، والرِّيَاحُ: جمع ريحٍ، وجاءت في القرآن مجموعةً مع الرحمة، مفردةً مع العذاب، إِلا في «يُونُسُ» في قوله سبحانَه: وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ [يونس: ٢٢] وهذا، أغلب وقوعها في الكلام، وفي الحديثِ: «كان رسول الله ﷺ إِذَا هَبَّتْ رِيحٌ، يَقُولُ:\nاللَّهُمَّ، اجعلها رِيَاحًا، وَلاَ تَجْعَلْهَا رِيحًا» «٣»، وذلك لأن ريح العذابِ شديدة ملتئمة\n_________\n- وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ ... (١٩١٧)، و(٨/ ٣١) في التفسير، باب: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ ... (٤٥١١) . ومسلم (٢/ ٧٦٧) في الصيام: باب بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر (٣٥/ ١٠٩١)، والنسائي في «الكبرى»، ذكره المزي في «تحفة الأشراف» (٤/ ١٢١)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٢/ ٥٣) . وأبو يعلى في «مسنده» (٧٥٤٠)، وابن جرير (٢٩٩٠)، والبيهقي (٤/ ٢١٥) في الصيام، باب الوقت الذي يحرم فيه الطعام على الصّائم من طريق أبي حازم، عن سهل بن سعد قال: لما نزلت هذه الآية: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ قال: فكان الرجل إذا أراد الصوم، ربط أحدهم في رجليه الخيط الأسود والخيط الأبيض، فلا يزال يأكل ويشرب حتى يتبين له رئيهما، فأنزل الله بعد ذلك: مِنَ الْفَجْرِ فعلموا أنما يعني بذلك: اللّيل والنهار.\n(١) النضر بن شميل بن خرشة بن يزيد المازني، التميمي، أبو الحسن: أحد الأعلام بمعرفة أيام العرب ورواية الحديث وفقه اللغة، ولد ب «مرو» (من بلاد «خراسان») سنة ١٢٢ هـ. من مصنفاته: «الصفات» كبير، من صفات الإنسان، والبيوت، والجبال، والإبل، والغنم، والطير، والكواكب، والزروع، و«كتاب السلاح»، و«المعاني» و«غريب الحديث» و«الأنواء» . وتوفي ب «مرو» سنة ٢٠٣ هـ.\nينظر: «الأعلام» (٨/ ٣٣)، و«وفيات الأعيان» (٢/ ١٦١)، و«غاية النهاية» (٢/ ٣٤١) . [.....]\n(٢) «المحرر الوجيز» (١/ ٢٣٣) .\n(٣) أخرجه أبو يعلى (٤/ ٣٤١) رقم (٢٤٥٦) من طريق حسين بن قيس عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعا.\nوذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ١٣٨)، وقال: رواه الطبراني، وفيه حسين بن قيس. الملقب بحنش، وهو متروك، وقد وثقه حصين بن نمير، وبقية رجاله رجال الصحيح. اهـ.\nوالحديث ذكره الحافظ في «المطالب العالية» رقم (٣٣٧١)، وعزاه إلى مسدد وأبي يعلى.","vol":"1","page":350},{"text":"الأجزاء، كأنها جسمٌ واحدٌ، وريح الرحمة لينة تجيء من هاهنا وهاهنا متقطِّعة، فلذلك يقال هي رياحٌ، وهو معنى نشر، وأفردت مع الفلك لأن ريح إِجراء السُّفُن، إنما هي واحدةٌ متصلة، ثم وصفت بالطِّيبِ، فزال الاشتراك بينها وبين ريح العذاب، وهي لفظة من ذوات الواوِ، يقال: رِيحٌ، وأَرْوَاحٌ، ولا يقال: «أَرْيَاحٌ»، وإِنما يقال: رِيَاحٌ من جِهة الكَسْرة، وطلب تناسب الياء معها، وقد لُحِّن في هذه اللفظة عُمَارَةُ بْنُ عَقِيلِ بْنِ بِلاَلِ بْنِ جَرِيرٍ «١»، فاستعمل «الأَرْيَاحَ» في شعره، ولُحِّنَ في ذلك، وقال له أبو حَاتِمٍ «٢»: إِنَّ الأرياحَ لا يجوزُ، فقال: أما تَسْمَعُ قولهم: رِيَاح، فقال أبو حَاتِمٍ: هذا خلافُ ذلك، فقال: صدَقْتَ، ورَجَع.\nوَالسَّحابِ: جمع سحابَةٍ، سمي بذلك لأنه ينسحبُ، وتسخيره بعثه من مكانٍ إلى آخر، فهذه آيات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-154>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٦٥ الى ١٦٧]</span>\nوَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ (١٦٥) إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ (١٦٦) وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧)\nوقوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدادًا ... الآية: النّدّ: النظير،\n_________\n(١) عُمَارَةُ بْنُ عَقِيلِ بْنِ بِلاَلِ بْنِ جَرِيرٍ بن عطية الكلبي، اليربوعي، التميمي: شاعر مقدم، فصيح. من أهل «اليمامة» . كان يسكن بادية «البصرة»، ويزور الخلفاء من بني العباس، فيجزلون صلته. وبقي إلى أيام الواثق، وعمي قبل موته. وهو من أحفاد جرير الشاعر. وكان النحويون في البصرة يأخذون اللغة عنه. له أخبار. وهو القائل: [الطويل]\n«بدأتم فأحسنتم، فأثنيت جاهدا ... وإن عدتم أثنيت، والعود أحمد»\nوالقائل: [الطويل]\n«وما النفس إلا نطفة بقرارة ... إذا لم تكدّر كان صفوا غديرها»\nوجمع من نظمه «ديوان شعر» حققه ونشره شاكر العاشور. ينظر: «الأعلام» (٥/ ٣٧)، و«تاريخ بغداد» (١٢/ ٢٨٢) .\n(٢) سهل بن محمد بن عثمان الجشمي السجستاني: من كبار العلماء باللغة والشعر؟ من أهل «البصرة» كان المبرد يلازم القراءة عليه. له نيف وثلاثون كتابا، منها كتاب «المعمرين»، و«النخلة»، و«ما تلحن فيه العامة»، و«الشجر والنبات»، و«الطير» و«الأضداد»، و«الوحوش»، و«الحشرات»، و«الشوق إلى الوطن»، و«العشب والبقل»، و«الفرق بين الآدميين وكل ذي روح»، و«المختصر» في النحو على مذهب الأخفش وسيبويه. وله شعر جيد.\nينظر: «الأعلام» (٣/ ١٤٣)، و«الفهرست» لابن النديم (١/ ٥٨)، و«الوفيات» (١/ ٢١٨) .","vol":"1","page":351},{"text":"والمقاوم، قال مجاهد، وقتادة: المراد بالأنداد: الأوثانُ «١» كَحُبِّ اللَّهِ، أي: كحبِّكم للَّه، أو كحبِّهم حسبما قَدَّر كلَّ وجه منْها فرقةٌ، ومعنى: كَحُبِّهِمْ، أي: يسوُّون بين محبَّة اللَّه، ومحبَّة الأوثان، ثم أخبر أن المؤمنين أشدُّ حبًّا للَّه، لإِخلاصهم، وتيقُّنهم الحق.\nوقوله تعالى: وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا، أي: ولو ترى، يا محمَّد، الذين ظلموا في حال رؤيتهمُ العذابَ، وفزعهم منْه، واستعظامِهِمْ له، لأقرُّوا أن القوة للَّه، أو لعلمتَ أنَّ القوَّة للَّه جميعًا، فجواب «لَوْ»: مضمَرٌ على التقديرين «٢»، وقد كان النبيّ ﷺ/ علم\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٢/ ٧١) برقم (٢٤١٤- ٢٤١٥) بإسنادين مختلفين أحدهما: عن قتادة، ومجاهد بلفظ:\n«من الكفار لأوثانهم» . وذكره ابن عطية (١/ ٢٣٤) والسيوطي في «الدر» (١/ ٣٠٣- ٣٠٤) .\n(٢) جواب «لو» محذوف، واختلف في تقديره، ولا يظهر ذلك إلا بعد ذكر القراءات الواردة في ألفاظ هذه الآية الكريمة: قرأ ابن عامر ونافع: «ولو ترى» بتاء الخطاب، «أن القوة» و«أن الله» بفتحهما، وقرأ ابن عامر: «إذ يرون» بضم الياء، والباقون بفتحهما. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكوفيون: «ولو يرى» بياء الغيبة، «أنّ القوة» و«أنّ الله» بفتحهما، وقرأ الحسن وقتادة وشيبة ويعقوب وأبو جعفر: «ولو ترى» بالخطاب، «إنّ القوة» و«إن الله» بكسرهما، وقرأت طائفة: «ولو يرى» بياء الغيبة، «إن القوة» و«إن الله» بكسرهما. إذا تقرّر ذلك فقد اختلفوا في تقدير جواب لو، فمنهم من قدّره قبل قوله: «أن القوة» ومنهم من قدّره بعد قوله: «وأنّ الله شديد العذاب» وهو قول أبي الحسن الأخفش والمبرد. أمّا من قدّره قبل «أنّ القوة» فيكون «أنّ القوة» معمولا لذلك الجواب. وتقديره على قراءة ترى- بالخطاب- وفتح أنّ وأنّ: لعلمت أيها السامع أنّ القوة لله جميعا، والمراد بهذا الخطاب: إمّا النبيّ ﵇ وإمّا كلّ سامع. وعلى قراءة الكسر في «إنّ» يكون التقدير: لقلت إنّ القوة لله جميعا، والخلاف في المراد بالخطاب كما تقدّم، أو كون التقدير: لاستعظمت حالهم، وإنما كسرت «إنّ» لأنّ فيها معنى التعليل نحو قولك: لو قدمت على زيد لأحسن إليك إنّه مكرم للضّيفان، فقولك: «إنه مكرم للضّيفان» علّة لقولك:\n«أحسن إليك» .\nوقال ابن عطية: «تقديره: ولو ترى الذين ظلموا في حال رؤيتهم العذاب وفزعهم منه واستعظامهم له لأقرّوا أنّ القوة لله جميعا» .\nوناقشه الشيخ فقال: «كان ينبغي أن يقول: في وقت رؤيتهم العذاب فيأتي بمرادف «إذ» وهو الوقت لا الحال، وأيضا فتقديره لجواب «لو» غير مرتّب على ما يلي «لو» لأنّ رؤية السامع أو النبي ﵇ الظالمين في وقت رؤيتهم لا يترتّب عليها إقرارهم بأنّ القوة لله جميعا، وهو نظير قولك: «يا زيد لو ترى عمرا في وقت ضربه لأقرّ أنّ الله قادر عليه» فإقراره بقدرة الله ليست مترتبة على رؤية زيد. انتهى.\nوتقديره على قراءة «يرى» بالغيبة: لعلموا أن القوة، إنّ كان فاعل «يرى» «الذين ظلموا»، وإن كان ضميرا يعود على السامع فيقدّر: لعلم أنّ القوة.\nوأمّا من قدّره بعد قوله: شديد العذاب فتقديره على قراءة «ترى» بالخطاب: لاستعظمت ما حلّ بهم، ويكون فتح «أنّ» على أنه مفعول من أجله، أي: لأنّ القوة لله جميعا، وكسرها على معنى التعليل نحو:\n«أكرم زيدا إنه عالم، وأهن عمرا إنّه جاهل»، أو تكون جملة معترضة بين «لو» وجوابها المحذوف.\nوتقديره على قراءة «ولو يرى» بالغيبة إن كان فاعل «يرى» ضمير السامع: لاستعظم ذلك، وإنّ كان فاعله-","vol":"1","page":352},{"text":"ذَلِكَ، ولكنْ خوطبَ، والمرادُ أمته.\nوقرأ حمزةُ وغيره «١» بالياء، أي: ولو يرى في الدنيا الذين ظلموا حالَهُمْ في الآخرة، إِذ يرون العذاب، لعلموا أن القوة لله.\nوالَّذِينَ اتُّبِعُوا بفتح التاء والباء: هم العَبَدة لغير اللَّه الضالُّون المقلِّدون لرؤسائهم، أو للشياطينِ، وتبرِّيهم هو بأنْ قالوا إِنا لم نضلَّ هؤلاء، بل كفروا بإرادتهم.\nوالسَّبَبُ في اللغة: الحبلُ الرابط الموصِّل، فيقال في كلِّ ما يتمسَّك به فَيَصِلُ بين شيئين، وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا، أي: الأتباع.\nوالكَرَّة: العودة إِلى حال قد كانَتْ كذلك، يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ ... الآيةَ: يحتمل\n_________\n- «الذين» كان التقدير: لا ستعظموا ما حلّ بهم، ويكون فتح «أنّ» على أنها معمولة ليرى، على أن يكون الفاعل «الذين ظلموا»، والرؤية هنا تحتمل أن تكون من رؤية القلب فتسدّ «أنّ» مسدّ مفعولهما، وأن تكون من رؤية البصر فتكون في موضع مفعول واحد.\nوأمّا قراءة «يرى الذين» بالغيبة وكسر «إنّ» و«إنّ» فيكون الجواب قولا محذوفا وكسرتا لوقوعهما بعد القول، فتقديره على كون الفاعل ضمير الرأي: لقال إنّ القوة وعلى كونه «الذين»: لقالوا، ويكون مفعول «يرى» محذوفا أي: لو يرى حالهم. ويحتمل أن يكون الجواب: لاستعظم أو لا ستعظموا على حسب القولين، وإنما كسرتا استئنافا، وحذف جواب «لو» شائع مستفيض، وكثر حذفه في القرآن.\nوفائدة حذفه استعظامه وذهاب النفس كلّ مذهب فيه بخلاف ما لو ذكر، فإنّ السامع يقصر همّه عليه، وقد ورد في أشعارهم ونثرهم حذفه كثيرا. قال امرؤ القيس: [الطويل]\nوجدّك لو شيء أتانا رسوله ... سواك ولكن لم نجد لك مدفعا\nوقال النابغة: [الطويل]\nفما كان بين الخير لو جاء سالما ... أبو حجر إلّا ليال قلائل\nينظر: «الدر المصون» (١/ ٤٢٨- ٤٢٩)، و«البحر المحيط» (١/ ٦٤٥- ٦٤٦) .\n(١) قراءة أهل مكة والكوفة وأبي عمرو بالياء التحتية «يرى»، وهو اختيار أبي عبيد. وقراءة أهل المدينة وأهل الشام بالفوقية. والمقصود بأهل مكة: ابن كثير، وأهل الكوفة: عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر، وأبو عامر بالياء التحتية، وابن جماز عن أبي جعفر، وليس من أهل الشام من يقرأ بياء الغيبة، والمقصود به ابن عامر.\nوأما الذين يقرءون بتاء الخطاب، فهم: نافع، وابن وردان عن أبي جعفر، ويعقوب البصري.\nوالمخاطب: السامع، أو الرسول ﷺ. و«الذين» مفعول به. أما اختيار أبي عبيد لإحدى القراءتين فلا يطعن في الأخرى لأن القراءة سنة متبعة.\nينظر: «حجة القراءات» (١٢٠)، و«السبعة» (١٧٣)، و«الحجة» (٢/ ٢٥٨)، و«العنوان» (٧٢)، و«شرح طيبة النشر» (٤/ ٨٠)، و«معاني القراءات» (١/ ١٨٦)، و«إتحاف فضلاء البشر» (١/ ٤٢٥) .","vol":"1","page":353},{"text":"أن يكون من رؤية البَصَر، ويحتمل رؤية القلب، أي: يريهم اللَّه أعمالهم الفاسدة الَّتي ارتكبوها.\nوقال ابنُ مَسْعود: أعمالهم الصالحة التي تركوها «١»، والحَسْرَة: أعلى درجات النَّدامة، والهَمِّ بما فات، وهي مشتقَّة من الشيء الحَسِيرِ الذي انقطع، وذهبت قوَّته، وقيل:\nمن حَسَر، إِذا كشف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-155>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٦٨ الى ١٧٠]</span>\nيا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّبًا وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨) إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (١٦٩) وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ (١٧٠)\nوقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّبًا ... الآية: الخطابُ عامٌّ، و«ما» بمعنى «الَّذِي»، «وحَلاَلًا»: حال من الضمير العائد على «مَا»، و«طَيِّبًا»:\nنعتٌ، ويصح أن يكون حالًا من الضمير في «كُلُواْ»، تقديره: مستطيبِينَ، والطَّيِّبُ عند مالك: الحلال فهو هنا تأكيدٌ لاختلاف اللفظِ، وهو عند الشافعيِّ: المستَلَذُّ، ولذلك يمنع أكل الحيوان القَذِرِ.\nقال الفَخْر «٢»: الحلالُ هو المباحُ الذي انحلَّتْ عقدة الحَظْر عنه، وأصله من الحَلِّ الذي هو نقيضُ العَقْد. انتهى.\nوخُطُواتِ: جمع خطوةٍ، والمعنى: النهْيُ عن اتباع الشيطان، وسلوكِ سبله، وطرائقه.\nقال ابن عَبَّاس: خطواته: أَعماله «٣»، وقال غيره: آثاره «٤» .\nع «٥»: وكلُّ ما عدا السنَنَ والشرائعَ من البِدَعِ والمعاصِي، فهي خطوات الشيطان.\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (١/ ٢٣٦) عن ابن مسعود، والسدي.\n(٢) ينظر: «التفسير الكبير» (٥/ ٣) .\n(٣) أخرجه الطبري (٢/ ٨١) برقم (٢٤٤٦) بلفظ: «عمله»، وذكره ابن عطية في التفسير (١/ ٢٣٧)، والسيوطي في «الدر» (١/ ٣٠٥) .\n(٤) ينظر: «المحرر» (١/ ٢٣٧) .\n(٥) ينظر: «المحرر» (١/ ٢٣٧) .","vol":"1","page":354},{"text":"وعَدُوّ: يقع للمفرد والمثنى والجمع.\nإِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ ... الآية: «إنما» هاهنا: للحصر، وأمر الشيطان:\nإما بقوله في زَمَن الكهنة، وإما بوسوسته.\nوالسوء: مصدرٌ من: سَاءَ يَسُوءُ، وهي المعاصِي، وما تسوء عاقبته، وَالْفَحْشاءِ: قيل: الزنا، وقيل: ما تفاحَشَ ذكره، وأصل الفُحْش: قُبْحِ المنظر، ثم استعملت اللفظة فيما يستقبحُ، والشَّرْعُ: هو الذي يُحَسِّنُ ويُقَبِّحُ، فكُّل ما نهتْ عنه الشريعةُ، فهو من الفحشاء.\nوما لاَ تَعْلَمُونَ: قال الطبري «١»: يريد: ما حرموا من البَحِيرة، والسِّائبة، ونحوها، وجعلوه شرعًا.\nوَإِذا قِيلَ لَهُمُ، يعني: كفَّارَ العرب، وقال ابن عبَّاس: نزلَتْ في اليهود «٢»، والألفُ في قوله سبحانه: أَوَلَوْ كانَ: للاستفهامِ لأن غاية الفساد في الاِلتزامِ أنْ يقولوا: نتبع آباءنا، ولو كانوا لا يعقلون، فقُرِّرُوا على التزامهم هذا إذ هذه حال آبائهم.\nوقوةُ ألفاظ هذه الآية تُعطِي إِبْطَال التقليد، وأجمعتِ الأمَّة على إبطاله في العقائد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-156>[سورة البقرة (٢): آية ١٧١]</span>\nوَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلاَّ دُعاءً وَنِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ (١٧١)\nوَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا ... الآية: المرادُ تشبيهُ واعظِ الكافرينَ، وداعِيهِمْ بالراعي الذي يَنْعِقُ بالغَنَمِ أو الإِبل، فلا تسمع إِلا دعاءه، ونداءه، ولا تَفْقَهُ ما يقول هكذا فسر ابن عباس، وعكْرمة، والسُّدِّيُّ «٣»، وسيبويه «٤»، فذكَرَ تعالى بعْضَ هذه الجملة، وبعضَ هذه، ودَلَّ المذْكُور على المحذوفِ، وهذه نهايةُ الإِيجاز.\nوالنَّعِيقُ: زجْر الغَنَم، والصِّيَاحُ بها.\n_________\n(١) «تفسير الطبري» (٣/ ٣٠٣) . [.....]\n(٢) أخرجه الطبري (٢/ ٨٣)، برقم (٢٤٥٥)، وذكره ابن عطية (١/ ٢٣٨)، وابن كثير (١/ ٢٠٤) .\n(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٢/ ٨٤- ٨٥) عن ابن عباس، والسدي، وعكرمة، وكذا أخرجه سفيان الثوري في «التفسير» (١/ ٥٥) عن عكرمة، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٢٢٨)، وابن كثير في «التفسير» (١/ ٢٠٤)، والسيوطي في «الدر» (١/ ٣٠٦- ٣٠٧) .\n(٤) ينظر: «الكتاب» (١/ ١٠٨) .","vol":"1","page":355},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-157>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٧٢ الى ١٧٣]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢) إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)\nوقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا/ كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ مَا رَزَقْناكُمْ ... الآية: الطَّيِّب:\nهنا يجمع الحلال المستلَذَّ، والآية تشير بتبعيض «مِنْ» إلى أن الحرام رزْقٌ، وحضّ سبحانه على الشكر، والمعنى: في كل حالةٍ، وفي «مصابيح البَغَوِيِّ» عن أبي دَاوُدَ والنَّسائِيِّ عن النبيّ ﷺ أنَّهُ قال: «الطَّاعِمُ الشَّاكِرُ كَالصَّائِمِ الصَّابِرِ» «١» . انتهى.\nقال القُشَيْرِيُّ: قال أهل العلْمِ بالأصول: نِعَمُ اللَّهِ تعالى على ضربَيْن: نعمةُ نَفْعٍ، ونعمةُ دَفْعٍ، فنعمةُ النفْعِ: ما أولاهم، ونعمةُ الدفع: ما زوى عنهم، وليس كلّ إنعامه\n_________\n(١) أخرجه الترمذي (٤/ ٦٥٣)، كتاب «صفة القيامة»، باب (٤٣) رقم (٢٤٨٦)، حدثنا إسحاق بن موسى الأنصاري، ثنا محمد بن معن، حدثني أبي عن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة بن مرفوعا.\nوقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.\nوأخرجه الحاكم (٤/ ١٣٦) من طريق عمر بن علي المقدمي، عن محمد بن معن به.\nوقال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي.\nوأخرجه ابن حبان (٩٥٢- موارد) من طريق معتمر بن سليمان، عن معمر، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة به.\nوهذا سند منقطع كما أفاد الحافظ في «الفتح» (٩/ ٥٨٣)، وقال: لكن في الرواية انقطاع خفي على ابن حبان، فقد رويناه في مسند مسدد عن معتمر، عن معمر، عن رجل من بني غفار عن المقبري اهـ.\nوالطريق الذي ذكره الحافظ وعزاه لمسدد: أخرجه عبد الرزاق (١٠/ ٤٢٤) رقم (١٩٥٧٣)، وأحمد (٢/ ٢٨٣)، والبيهقي (٤/ ٣٠٦) كتاب «الصيام»، باب ما جاء في الطاعم الشاكر. كلهم من طريق معمر عن رجل من بني غفار، عن المقبري، عن أبي هريرة به. وللحديث طرق أخرى عن أبي هريرة: فأخرجه أحمد (٢/ ٢٨٩)، والحاكم (٤/ ١٣٦) من طريق محمد بن عبد الله بن أبي حرة عن عمه حكيم عن سليمان الأغر عن أبي هريرة.\nوأخرجه ابن ماجة (١/ ٥٦١) كتاب «الصيام»، باب فيمن قال: الطاعم الشاكر كالصائم الصابر، حديث (١٧٦٤) من طريق عبد الله بن عبد الله الأموي، عن معن بن محمد عن حنظلة بن علي الأسلمي، عن أبي هريرة به.\nوللحديث شاهد آخر من حديث عائشة: أخرجه الحاكم (٢/ ١٢) من طريق عبد العزيز بن يحيى: ثنا سليمان بن بلال، عن علقمة بن أبي علقمة، عن أمه عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: «ليس بالمؤمن الذي يبيت وجاره جائع إلى جنبه» .\nوسكت عنه الحاكم، وقال الذّهبي: عبد العزيز ليس بثقة.\nوقال ابن حجر في «التقريب» (١/ ٥٢٣): متروك كذبه إبراهيم بن المنذر.","vol":"1","page":356},{"text":"سبحانه انتظام أسبابِ الدنيا، والتمكُّنَ منها، بل ألطافُ اللَّه تعالى فيما زوى عنهم من الدُّنْيَا أكثرُ، وإن قرب العبد من الربِّ تعالى على حسب تباعُدِهِ من الدنيا. انتهى من «التَّحْبير» .\nوقال أبو عمر بن عبد البر في كتابهِ المسمى ب «بهجة المجالس» . قال رسول الله ﷺ: «مَا أَنْعَمَ اللَّهُ على عَبْدٍ بِنِعْمَةٍ، فَعَلِمَ أَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِلاَّ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ شُكْرَهَا، وَمَا عَلَمَ اللَّهُ مِنْ عَبْدٍ نَدَامَةً على ذَنْبٍ إِلاَّ غَفَرَ لَهُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَغْفِرَهُ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَلْبَسُ الثَّوْبَ، فَيَحْمَدُ اللَّهَ، فَمَا يَبْلُغُ رُكْبَتَيْهِ حتى يُغْفَرَ لَهُ» «١» قال أبو عُمَر: مكتوبٌ في التوراةِ: «اشكر لِمَنْ أَنْعَمَ عَلَيْكَ، وَأَنْعِمْ على مَنْ شَكَرَكَ فَإِنَّهُ لاَ زَوَالَ لِلنِّعَمِ، إِذَا شُكِرَتْ، وَلاَ مُقَامَ لَهَا، إِذَا كُفِرَتْ» . انتهى.\n«وإِنْ» من قوله: إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ: شرطٌ، والمراد بهذا الشرط التثبيتُ، وهزُّ النفوس كما تقول: افعل كَذَا، إِنْ كنْتَ رجلًا، و«إِنَّمَا» هاهنا حاصرة، ولفظ الميتة عمومٌ، والمعنى مخصِّص لأنَّ الحوتَ لم يدخُلْ قطُّ في هذا العموم، وفي مسند البزّار عن النبيّ ﷺ أنَّهُ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الخَمْرَ وَثَمَنَهَا، وَحَرَّمَ المَيْتَةَ وَثَمَنَهَا، وحَرَّمَ الْخِنْزِيرَ، وَثَمَنَهُ» «٢» انتهى من «الكوكب الدُّرِّيِّ» للإمام أبي العباس أحمد بن سعد التّجيبيّ.\n_________\n(١) تقدم تخريجه.\n(٢) لقد أبعد المصنف (﵀) النجعة في هذا الحديث، حيث إن هذا الحديث بهذا اللفظ قد أخرجه أبو داود (٢/ ٣٠١) كتاب «البيوع»، باب في ثمن الخمر والميتة، حديث (٣٤٨٥) من حديث أبي هريرة مرفوعا.\nوللحديث شاهد من حديث جابر: أخرجه البخاري (٤/ ٤٢٤) كتاب «البيوع»، باب بيع الميتة: والأصنام حديث (٢٢٣٦)، ومسلم (٣/ ١٢٠٧) كتاب «المساقاة»، باب تحريم بيع الخمر، والميتة، والخنزير، والأصنام حديث (٧١/ ١٥٨١)، وأحمد (٣/ ٣٢٤، ٣٢٦)، وأبو داود (٣/ ٧٥٦- ٧٥٧) كتاب «البيوع»، باب في ثمن الخمر، والميتة حديث (٣٤٨٦) . والترمذي (٣/ ٥٩١) كتاب «البيوع»، باب ما جاء في بيع جلود الميتة والأصنام، حديث (١٢٩٧)، والنسائي (٧/ ٣٠٩- ٣١٠)، كتاب «البيوع»، باب بيع الخنزير، وابن ماجة (٢/ ٧٣٢)، كتاب «التجارات»، باب ما لا يحل بيعه حديث (٢١٦٧)، وأبو يعلى (٣/ ٣٩٥- ٣٩٦) رقم (١٨٧٣)، وابن الجارود (٥٧٨)، والبيهقي (٦/ ١٢) كتاب «البيوع»، باب تحريم بيع الخمر، والميتة، والخنزير والأصنام. والبغوي في «شرح السنة» (٤/ ٢١٨- بتحقيقنا) من طريق يزيد بن أبي حبيب، عن عطاء بن أبي رباح عن جابر به.\nوقال الترمذي: حسن صحيح.\nوفي الباب عن عمر بن الخطاب، وابن عباس، وأبو هريرة، وعبد الله بن عمرو، ويحيى بن عباد، وأنس بن مالك:\nحديث عمر بن الخطاب:\nأخرجه البخاري (٤/ ٤٨٣) كتاب «البيوع» باب لا يذاب شحم الميتة ويباع ودكه، حديث (٢٢٢٣)، -","vol":"1","page":357},{"text":"وَالدَّمَ يراد به المسفوحُ لأن ما خالط اللحْمَ، فغير محرَّم بإِجماع.\nت: بل فيه خلافٌ شاذٌّ، ذكره ابن الحاجبِ، وغيره، والمشهورُ: أظهر لقول\n_________\n- ومسلم (٣/ ١٢٠٨) كتاب «المساقاة»، باب تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام، حديث (١/ ١٨٥٢)، والنسائي (٧/ ١٧٧)، كتاب «الفرع والعتيرة»، باب النهي عن الانتفاع بما حرم الله (﷿) . وابن ماجة (٢/ ١١٢٢)، كتاب «الأشربة»، باب التجارة في الخمر، حديث (٣٣٨٣) .\nوالدارمي (٢/ ١١٥) كتاب «الأشربة»، باب النهي عن الخمر وشرائها. وأحمد (١/ ٢٥)، والحميدي (١/ ٩) رقم (١٣)، وعبد الرزاق (٨/ ١٩٥- ١٩٦) رقم (١٤٨٥٤)، وابن الجارود رقم (٥٧٧)، وأبو يعلى (١/ ١٧٨) رقم (٢٠٠) . والبغوي في «شرح السنة» (٤/ ٢٢٠- ٢٢١- بتحقيقنا) كلهم من طريق طاوس، عن ابن عباس قال: بلغ عمر أن فلانا باع خمرا فقال: قاتل الله فلانا ألم يعلم أن رسول الله ﷺ قال: «قاتل الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها» .\nحديث ابن عباس:\nأخرجه أحمد (١/ ٣٤٧، ٢٩٣)، وأبو داود (٢/ ٢- ٣)، كتاب «البيوع»، باب في ثمن الخمر والميتة حديث (٣٤٨٨)، والبيهقي (٦/ ١٣) كتاب «البيوع»، باب تحريم بيع ما يكون نجسا لا يحل أكله. كلهم من طريق أبي الوليد، عن ابن عباس قال: رأيت رسول الله ﷺ جالسا عند الركن قال: فرفع بصره إلى السماء فضحك، فقال: «لعن الله اليهود.. ثلاثا، إن الله تعالى حرم عليهم الشّحوم فباعوها، وأكلوا أثمانها، وإن الله تعالى إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه» .\nحديث أبي هريرة:\nأخرجه البخاري (٤/ ٤٨٤) كتاب «البيوع»، باب لا يذاب شحم الميتة ولا يباع، ودكه حديث (٢٢٢٤)، ومسلم (٣/ ١٢٠٨) كتاب «المساقاة»، باب تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام، حديث (١٥٨٣) من طريق سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: «قاتل الله يهودا حرمت عليهم الشحوم، فباعوها، وأكلوا أثمانها» .\nحديث عبد الله بن عمر:\nأخرجه أحمد (٢/ ٢١٣) عنه، قال: سمعت رسول الله ﷺ عام الفتح يقول: «إن الله ورسوله حرم بيع الخمر، والميتة، والخنزير، فقيل: يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة فإنه يدهن به الجلود، ويستصبح بها الناس، فقال: «لا، هي حرام»، ثم قال: «قاتل الله اليهود، إن الله لما حرم عليهم الشحوم جملوها، ثم باعوها، فأكلوا ثمنها» .\nوذكره الهيثمي في «المجمع» (٤/ ٩٤)، وقال: رواه أحمد، والطبراني في «الأوسط»، إلا أنه قال: نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب، وثمن الخنزير، وعن مهر البغي، وعن عسب الفحل. ورجال أحمد ثقات وإسناد الطبراني حسن.\nحديث يحيى بن عباد:\nذكره الهيثمي في «المجمع» (٤/ ٩٢) عنه، قال: أهدي للنبي ﷺ زق خمر بعد ما حرمت فلما أتي بها النبي ﷺ فقال: «إنّ الخمر قد حرمت»، فقال بعضهم: لو باعوها فأعطوا ثمنها فقراء المسلمين، فأمر بها النبي ﷺ فأهريقت في وادي من أودية «المدينة»، وقال: «لعن الله اليهود، حرمت عليهم شحومها فباعوها، وأكلوا أثمانها» .\nقال الهيثمي: رواه الطبراني في «الأوسط»، وفيه أشعث بن سوار، وهو ثقة، وفيه كلام. -","vol":"1","page":358},{"text":"عائشةَ﵂-: «لَوْ حُرِّمَ غَيْرُ المَسْفُوحِ، لَتَتَبَّعَ النَّاسُ مَا فِي العُرُوقِ، وَلَقَدْ كُنَّا نَطْبُخُ اللَّحْمَ، وَالبُرْمَةُ تَعْلُوهَا الصُّفْرَةُ» . انتهى.\nوَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ.\nقال ابن عبَّاس وغيره: المراد ما ذُبِحَ للأنْصَاب والأوثان «١»، وأُهِلَّ بِهِ: معناه صِيحِ به ومنه: استهلالُ المولودِ، وجرَتْ عادة العرب بالصياحِ باسم المقصودِ بالذبيحةِ، وغلب ذلك في استعمالهم حتى عبر به عن النيَّة التي هي علَّة التحريم.\nفَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ قال قتادة وغيره: غيْرَ قاصدِ فسادٍ «٢» وتعدٍّ بأن يجدَ عن هذه المحرَّمات مندوحةً، ويأكلها، وأصحاب هذا القول يجيزونَ الأكل منها في كلِّ سفر، مع الضرورة، وقال مجاهد وغيره: المعنى: غير باغٍ على المسلمين، وعَادٍ عليهم، فيدخل في الباغِي والعادِي قُطَّاعُ السبل، والخارجُ على السلطانِ، والمسافر في قَطْع الرحمِ، والغَارَةُ على المسلمين، وما شاكله، ولغير هؤلاء: هي الرخصة «٣» .\n_________\n- حديث أنس بن مالك:\nأخرجه أحمد (٣/ ٢١٧)، وأبو يعلى (٥/ ٣٨٢) رقم (٣٠٤٢) . وابن حبان (١١١٩- موارد)، من طريق عبد الرزاق وهو في «مصنفه» (٩/ ٢١١- ٢١٢) رقم (١٦٩٧٠)، من حديث أنس بن مالك مرفوعا بلفظ: «قاتل الله اليهود، حرمت عليهم الشّحوم فباعوها، وأكلوا أثمانها» .\n(١) أخرجه الطبري (٢/ ٩٠) برقم (٢٤٧٩- ٢٤٨١) بإسنادين مختلفين عن ابن عباس بنحوه، وذكره ابن عطية (١/ ٢٤٠) والسيوطي في «الدر» (١/ ٣٠٨)، وعزاه لابن المنذر، وابن جرير.\n(٢) أخرجه الطبري (٢/ ٩٢) برقم (٢٤٩٥) بنحوه. وذكره ابن عطية في «التفسير» (١/ ٢٤٠)، والبغوي في «التفسير» (١/ ١٤١)، والسيوطي في «الدر» (١/ ٣٠٨)، وعزاه لعبد بن حميد.\n(٣) الرخصة (بسكون الخاء وحكي ضمها) في اللغة: التيسير والتسهيل. قال الجوهري: الرخصة في الأمر:\nخلاف التشديد فيه، ومن ذلك رخص الشعر إذا سهل وتيسر.\nوفي الاصطلاح: الحكم الثابت على خلاف الدليل لعذر.\nوتنقسم الرخصة إلى أربعة أقسام:\nالأول: الإيجاب، ويمثل له بوجوب أكل الميتة للمضطر الثابت بقوله تعالى: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة: ١٩٥] مع قوله تعالى: فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ [البقرة: ١٧٣] على خلاف قوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ... [المائدة: ٣] إلخ فهو رخصة لأنه حكم ثبت على خلاف الدليل لعذر هو حفظ الحياة.\nالثاني: الندب، كقصر الصلاة الرباعية في السفر الثابت بقوله ﷺ: «صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته» على خلاف الدليل الموجب للإتمام، وهو فعله ﷺ مع قوله ﷺ: «صلوا كما رأيتموني أصلي» المبين للعدد المطلوب في قوله تعالى: أَقِيمُوا الصَّلاةَ.\nالثالث: الإباحة، كإباحة السلم الثابت بقوله ﷺ: «من أسلم فليسلم في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى-","vol":"1","page":359},{"text":"قال مالك «١» - ﵀-: يأكل المضطَرُّ شِبَعَهُ، وفي «الموطّإ» وهو لكثير من ٤٢ ب العلماءِ أنه يتزوَّد، إِذا خشي الضرورة فيما بين يديه/ من مفازةٍ وقَفْرٍ.\nقال ابنُ العربيِّ في «أحكامه» «٢»، وقد قال العلماء: إِنَّ من اضطرَّ إلى أكل الميتةِ، والدمِ، ولحمِ الخنزيرِ، فلم يأكلْ، دخل النَّار إِلا أنْ يَغْفِرَ اللَّه له. انتهى. والمعنى: أنه لم يأكلْ حتى مات جوعًا، فهو عاصٍ، وكأنه قتل نفسه، وقد قال تعالى: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ... [النساء: ٢٩] الآية إِلى قوله: وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْوانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا [النساء: ٣٠] قال ابن العربيِّ: وإذا دامتِ المَخْمَصة «٣»، فلا خلاف في جواز شبع المضطَرِّ، وإن كانت نادرةً، ففي شبعه قوْلانِ: أحدهما لمالك: يأكل حتى يَشْبَعَ، ويتضلَّع، وقال غيره: يأكل بمقدارِ سدّ الرّمق، وبه قال ابن حبيب «٤»،\n_________\nأجل معلوم» على خلاف قوله ﷺ: «لا تبع ما ليس عندك» الدال على حرمة بيع المعدوم. للحاجة إلى هذا النوع من المعاملة. وإن شئت فارجع إلى كتب الفروع لتقف على حكمة مشرعية السلم.\nالرابع: خلاف الأولى، كالفطر في نهار رمضان (للمسافر الذي لا يتأذى بالصوم) المشروع بقوله تعالى:\nفَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة: ١٨٤] على خلاف قوله تعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة: ١٨٥] دفعا للمشقة. وكان خلاف الأولى لقوله تعالى: وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: ١٨٤] .\nينظر: «البحر المحيط» للزركشي (١/ ٣٢٥- ٣٢٦)، «الإحكام في أصول الأحكام» للآمدي (١/ ١٢٢)، «التمهيد»، للأسنوي (٧٠)، «نهاية السول» له (١/ ١٢٠)، «منهاج العقول» للبدخشي (١/ ٩٣)، «غاية الوصول» للشيخ زكريا الأنصاري (١٩)، «التحصيل من المحصول» للأرموي (١/ ١٧٩)، «المستصفى» للغزالي (١/ ٩٨)، «حاشية البناني» (١/ ١١٩- ١٢٣)، «الإبهاج» لابن السبكي (١/ ٨١)، «الآيات البينات» لابن قاسم العبادي (١/ ١٨٥) .\n(١) أخرجه الطبري (٢/ ٩١- ٩٢) بإسنادين عن مجاهد. وسعيد بن منصور في سننه (٢/ ٦٤٥) برقم (٢٤٣) وذكره ابن عطية (١/ ٢٤٠) .\n(٢) ينظر: «الأحكام» (١/ ٥٦) . [.....]\n(٣) المخمصة: مفعلة من الخمص، وهو ضمور البطن، ومنه: رجل خامص، وخمصان البطن، وامرأة خمصانة، ولما كان الجوع يؤدي إلى ضمور البطن عبّر به عنه: أي فمن اضطر في مجاعة.\nينظر: «عمدة الحفاظ» (١/ ٦١٧) .\nلأن الضرورة تقدر بقدرها، فأكل الميتة محظور، ولكن إبقاء مهجة الإنسان عند المخمصة ضرورة، وليست أقل من المحظور، فيباح المحظور لأجل الضرورة، فعليه الأكل لإبقاء روحه، فلو لم تبح الضرورات المحظورات لما تحقق الضرر، والضرر يزال.\n(٤) ابن حبيب: هو أبو مروان عبد الملك بن حبيب، كان إماما في الحديث، والفقه، واللغة، والنحو، انتهت إليه رئاسة العلم في الأندلس، ولد في «ألبيرة»، وسكن «قرطبة»، وتفقه بابن الماجشون، ومطرف، وعبد الله بن عبد الحكم، وغيرهم، له مؤلفات تزيد على ألف كتاب، أشهرها:\n«الواضحة»، توفي عام ٢٣٨ هـ، وقيل ٢٣٩ هـ.","vol":"1","page":360},{"text":"وابن الماجشون «١» . انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-158>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٧٤ الى ١٧٦]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٧٤) أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى وَالْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (١٧٥) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (١٧٦)\nوقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ ... الآية.\nقال ابن عَبَّاس وغيره: المراد أحبار اليهود الذين كتموا أمْر محمّد ﷺ، والْكِتابِ: التوراة والإِنجيل «٢» .\nع «٣»: وهذه الآية وإِن كانَتْ نزلَتْ في الأحبار، فإِنها تتناوَلُ من علماء المسلمين مَنْ كتم الحقَّ مختارًا لذلك بسبب دُنْيَا يصيبُهَا، وفي ذكر البَطْنِ تنبيهٌ على مذمَّتهم بأنهم باعوا آخرتهم بحظِّهم من المطعم الذي لا خَطَرَ له، وعلى هُجْنَتِهمْ «٤» بطاعة بُطُونهم، قال الرَّبِيع وغيره: سمى مأكولهم نارًا لأنه يؤول بهم إِلى النار «٥»، وقيل: يأكلون النار في جَهَنَّمَ حقيقةً.\nت: وينبغي لأهل العلْمِ التنزُّه عن أخْذ شيء من المتعلِّمين على تعليم العلْم، بل يلتمسُونَ الأجر من اللَّه ﷿ «٦»، وقد قال تعالى لنبيِّه﵇-:\n_________\nينظر ترجمته في: «شجرة النور الزكية» (ص ٧٤)، «الديباج» (ص ١٥٤)، «شذرات الذهب» (٢/ ٩٠) .\n(١) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون، كنيته أبو مروان، والماجشون هو أبو سلمة، والماجشون: المورد بالفارسية، سمي بذلك لحمرة في وجهه.\nكان عبد الملك فقيها فصيحا، دارت عليه الفتوى في أيامه إلى أن مات، كما دارت على أبيه قبله، فهو فقيه تفقه بأبيه وبمالك، وغيرهما، وتفقه به خلق كأحمد بن المعذل، وابن حبيب، توفي عبد الملك سنة اثنتي عشرة، وقيل: ثلاث عشرة، وقيل: أربع عشرة ومائتين هجرية.\nينظر: «الديباج المذهب» (٢/ ٦)، و«ترتيب المدارك» (٢/ ٣٦٠)، و«وفيات الأعيان» (٢/ ٣٤٠)، و«شجرة النور الزكية» (١/ ٥٦) .\n(٢) أخرجه الطبري (٢/ ٩٤) برقم (٢٥٠٢- ٢٥٠٣- ٢٥٠٤) عن قتادة، والربيع، والسدي. وذكره ابن عطية في التفسير (١/ ٢٤١) .\n(٣) «المحرر الوجيز» (١/ ٢٤١) .\n(٤) الهجنة من الكلام: ما يعيبك، وتقول: لا تفعل كذا فيكون عليك هجنة. ينظر: «لسان العرب» (٤٦٢٥- ٤٦٢٦) .\n(٥) ينظر: «المحرر» (١/ ٢٤١) .\n(٦) «تفسير الطبري» (٣/ ٣٣٠) .","vol":"1","page":361},{"text":"قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ... [الأنعام: ٩٠] الآية، وفي سنن أبي دَاوُدَ، عن عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ «١»، قال: «عَلَّمْتُ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ الكِتَابَ، وَالقُرْآنَ، وأهدى إِلَيَّ رَجُلٌ مِنْهُمْ قَوْسًا، فَقُلْتُ:\nلَيْسَتْ بِمَالٍ، وَأَرْمِي عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، لآتِيَنَّ رَسُولَ الله ﷺ، فَلأسْأَلَنَّهُ، فَأَتَيْتُهُ، فَقُلْتُ:\nيَا رَسُولَ اللَّهِ، رَجُلٌ أهدى إِلَيَّ قَوْسًا مِمَّنْ كُنْتُ أُعَلِّمُهُ الكِتَابَ وَالقُرْآنَ، وَلَيْسَتْ بِمَالٍ، وَأَرْمِي عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قَالَ: إِنْ كُنْتَ تُحِبُّ أَنْ تُطَوَّقَ طَوْقًا مِنْ نَارٍ، فاقبلها»، وَفِي روايةٍ: «فَقُلْتُ مَا ترى فِيهَا، يَا رَسُولَ اللَّهُ؟ قَالَ: جَمْرَةٌ بَيْنَ كَتِفَيْكَ تَقَلَّدْتَهَا أَوْ تَعَلَّقْتَهَا» «٢» .\nانتهى.\nوقوله تعالى: وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ: قيل: هي عبارةٌ عن الغضب عليهم، وإِزالة الرضَا عنهم إِذ في غير موضعٍ من القُرآن ما ظاهره أن اللَّه تعالى يكلِّم الكافرين، وقال الطبريُّ وغيره: المعنى: لا يكلِّمهم بما يحبُّونَهُ.\nوَلا يُزَكِّيهِمْ، أي: لا يطهِّرهم من موجباتِ العذابِ، وقيل: المعنى: لا يسمِّيهم أزكياء.\nوقوله تعالى: فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ: قال جمهور المفسِّرين: «ما» تعجُّب، وهو في حيِّز المخاطبين، أي: هم أهلٌ أن تَعْجَبُوا منْهم، وممَّا يطول مُكْثُهم في النَّار، وفي التنزيل: قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ [عبس: ١٧] وأَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ [مريم: ٣٨] .\n_________\n(١) هو: عبادة بن الصامت بن قيس بن صرم بن فهر بن قيس بن ثعلبة بن غنم بن سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج، أبو الوليد الأنصاري، الخزرجي.\nمن مناقبه: نزل فيه قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ [سورة المائدة:\nالآية ٥١] لما تبرأ من حلفه مع بني قينقاع لما خانوا المسلمين في غزوة الخندق.\nتوفي سنة ٣٤ بالرملة. وقيل: ببيت المقدس. وقيل: عاش إلى سنة «٤٥» .\nينظر ترجمته في: «الثقات» (٣/ ٣٠٢)، «أسد الغابة» (٣/ ١٦٠)، «تجريد أسماء الصحابة» (١/ ٣٩٤)، «أصحاب بدر» (١٨٤)، «الإصابة» (٤/ ٢٧)، «الطبقات» (٩٩، ٣٠٢)، «المصباح المضيء» (١/ ٨٥)، «الجرح والتعديل» (٦/ ٩٥)، «تقريب التهذيب» (١/ ٣٩٥)، «الاستيعاب» (٢/ ٨٠٧)، «تهذيب التهذيب» (٥/ ١١١)، «التاريخ الصغير» (١/ ٤١، ٤٢، ٦٥، ٦٦)، «التاريخ الكبير» (٦/ ٩٢)، «الوافي بالوفيات» (١٦/ ٦١٨)، «الطبقات الكبرى» (٩/ ١٠٧)، «تهذيب الكمال» (٢/ ٦٥٥)، «طبقات الحفاظ» (٤٥)، «الأعلام» (٣/ ٢٥٨)، «الرياض المستطاب» (٢٠٧) .\n(٢) أخرجه أبو داود (٢/ ٢٨٥) كتاب «الإجارة»، باب في كسب المعلم، حديث (٣٤١٦)، وابن ماجة (٢/ ٧٢٩- ٧٣٠) كتاب «التجارات»، باب الأجر على تعليم القرآن، حديث (٢١٥٧)، وأحمد (٥/ ٣١٥)، وعبد بن حميد في «المنتخب من المسند» (١٨٣) من طريق المغيرة بن زياد الموصلي عن عبادة بن نسي عن الأسود بن ثعلبة عن عبادة بن الصامت به.","vol":"1","page":362},{"text":"وقال قتادة، والحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْر، والربيع: أظهر التعجُّب من صبرهم على النار لَمَّا عملوا عملَ مَنْ وَطَّن نفْسه علَيْها «١»، وتقديره ما أجرأَهم علَى النَّارِ إِذ يعملون عملًا يؤدِّي إِليها، وذهب مَعْمَرُ بْنُ المثنى إِلى أن «ما» استفهامٌ، معناه: أيُّ شَيْءٍ صبرهم عَلَى النار «٢»، والأول أظهر.\nوقوله سبحانه: ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ ... الآية: المعنى: ذلك الأمر بأنَّ اللَّه نزَّل الكتابَ بالحَقِّ، فكفروا/ به، والإشارة إلى وجوب النّار لهم.\nوالْكِتابَ: القرآن، وبِالْحَقِّ، أي: بالإخبار الحقّ، أي: الصادقة.\nوالَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ هم اليهودُ والنصارى، في قول السُّدِّيِّ «٣»، وقيل:\nهم كفَّار العرب لقول بعضهم: هو سِحْرٌ، وبعضهم: أساطير، وبَعْضهم: مفترًى، إلى غير ذلك.\nوبَعِيدٍ، هنا: معناه من الحقّ، والاستقامة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-159>[سورة البقرة (٢): آية ١٧٧]</span>\nلَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧)\nوقوله تعالى: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ... الآية: قال ابن عَبَّاس وغيره: الخِطَابُ بهذه الآية للمؤمنين، فالمعنى: ليس البرّ الصلاة وحدها «٤»،\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٢/ ٩٦) برقم (٢٥٠٨- ٢٥٠٩- ٢٥١٠- ٢٥١١- ٢٥١٢)، عن قتادة، والحسن، وسعيد بن جبير، والربيع. وذكره ابن عطية (١/ ٢٤٢)، وأخرجه عبد الرزاق في «التفسير» (١/ ٦٦) عن قتادة بلفظ: «ما أجرأهم عليها»، وذكره السيوطي في «الدر» (١/ ٣٠٩) عن قتادة، وعزاه لابن جرير.\n(٢) وبه قال السدي وجماعة، كما في تفسير الطبري (٣/ ٣٣٢)، عن السدي، وأبي كريب، وابن زيد، وفي «البحر» (١/ ٦٦٩) عن ابن عباس والسدي، والمبرد ومعمر بن المثنى، وفي «الدر» (١/ ١٦٩) عن السدي، وفي «فتح القدير» (١/ ١٧٢) عنه أيضا. وينظر: «مجاز القرآن» لأبي عبيدة (١/ ٦٤) .\n(٣) أخرجه الطبري (٢/ ٩٨) برقم (٢٥٢٠) وذكره ابن عطية (١/ ٢٤٢)، والسيوطي في «الدر» (١/ ٣٠٩)، وعزاه لابن جرير. [.....]\n(٤) أخرجه الطبري (٢/ ٩٩) برقم (٢٥٢١- ٢٥٢٤) بإسنادين عن ابن عباس. وذكره ابن عطية (١/ ٢٤٣)، والسيوطي في «الدر» (١/ ٣١٠) بإسنادين، عن ابن عباس، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم.","vol":"1","page":363},{"text":"وقال قتادة، والربيع: الخطاب لليهودِ والنصارى لأنهم تكلَّموا في تحويل القبلة، وفضَّلت كل فرقة تولِّيها، فقيلَ لهم: ليس البرَّ ما أنتم فيه، ولكنَّ البرَّ من آمن باللَّه «١» .\nوقوله تعالى: وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ... الآيةَ: هذه كلُّها حقوقٌ في المال سوى الزكاةِ، قال الفَخْر «٢»: وروَتْ فاطمةُ بنْتُ قَيْسٍ، أنَّ فِي المَالِ حَقًّا سِوَى الزَّكَاةِ «٣»، وتَلاَ:\nوَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ... الآية، وعنه ﷺ «لاَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ مَنْ بَاتَ شبعان، وجاره طاويا إلى جنبه» «٤» انتهى.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٢/ ٩٩- ١٠٠) برقم (٢٥٢٦- ٢٥٢٨) عن قتادة، والربيع بن أنس، وذكره ابن عطية (١/ ٢٤٣) .\nوأخرجه عبد الرزاق في «التفسير» (١/ ٦٦) عن قتادة. وذكره السيوطي في «الدر» (١/ ٣١٠) عن قتادة، وعزاه لعبد الرزاق، وابن جرير.\n(٢) «التفسير الكبير» (٥/ ٣٥) .\n(٣) أخرجه الترمذي (٣/ ٤٨) في الزكاة، باب ما جاء أن في المال حقا سوى الزكاة (٦٥٩، ٦٦٠) . والطبري (٢/ ٥٧)، والدارمي (١/ ٣٨٥) في الزكاة، باب ما يجب في مال سوى الزكاة. والدارقطني (٢/ ١٢٥) في الزكاة، باب تعجيل الصدقة قبل الحول رقم (١١، ١٢) . والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٢/ ٢٧)، والبيهقي (٤/ ٨٤) في الزكاة: باب الدليل على أن من أدى فرض الله في الزكاة، فليس عليه أكثر منه إلا أن يتطوع ... من طريق شريك، عن أبي حمزة، عن الشعبي، عن فاطمة بنت قيس بنحوه.\nوقال الترمذي: هذا حديث ليس إسناده بذاك، وأبو حمزة ميمون الأعور يضعف. وروى بيان وإسماعيل بن سالم، عن الشعبي هذا الحديث من قوله. وهذا أصح. وقال البيهقي: هذا حديث يعرف بأبي حمزة ميمون الأعور كوفي، وقد جرحه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، فمن بعدهما من حفاظ الحديث. والذي يرويه أصحابنا في التعاليق ليس في المال حق سوى الزكاة- فلست أحفظ فيه إسنادا.\nوأخرجه ابن ماجة بالإسناد السابق (١/ ٥٧٠) في الزكاة، باب ما أدي زكاته ليس بكنز (١٧٨٩) بلفظ:\n«ليس في المال حق سوى الزكاة» .\nوقال النووي كما في تخريج أحاديث «الكشاف» للزيعلي (١/ ١٠٧): حديث «ليس في المال حق سوى الزكاة» حديث منكر. ثم نقل كلام البيهقي برمته.\nوبالجملة فالحديث كيفما كان ضعيف بأبي حمزة ميمون الأعور ضعفه الترمذي. وقال البيهقي: لا يثبت إسناده، تفرد به أبو حمزة الأعور، وهو ضعيف. ومن تابعه أضعف منه.\nوللفظ الأول من الحديث شاهد أخرجه البخاري في «التاريخ الكبير» (٣/ ٨٩، ٩٠)، من طريق موسى بن إسماعيل، عن محمد بن راشد، عن عبد الكريم، عن حبان بن جزىء، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ: «في المال حق بعد الزكاة؟ قال: نعم، يحمل على النجيبة» .\n(٤) أخرجه البزار (١/ ٧٦- كشف) رقم (١١٥)، من طريق حسين بن علي الجعفي، ثنا سفيان بن عيينة، عن علي بن زيد بن جدعان، عن أنس مرفوعا بلفظ: «ليس المؤمن الذي يبيت شبعان وجاره طاوي» .\nوقال البزار: لا نعلمه، يروى عن أنس إلا من هذا الوجه.\nقلت: وفي كلام البزار نظر حيث إن للحديث طريقا آخر عن أنس: أخرجه الطبراني في «المعجم-","vol":"1","page":364},{"text":"قال ابن العربيِّ في «أحكامه» «١»: وإِذا وقع أداء الزكاة، ثم نزلَتْ بعد ذلك حاجةٌ، فإِنه يجبُ صرف المال إِليها باتفاق من العلماءِ، وقد قال مالك: يجبُ على كافَّة المسلمين فِدَاءُ أسراهم، وإن استغرق ذلك أموالَهُمْ، وكذلك إِذا منع الوالي الزكاةَ، فهل يجبُ على الأغنياء إِغناءُ الفقراء؟ الصحيحُ: وجوبُ ذلك علَيْهم. انتهى.\nومعنى: آتَى: أعطى على حبِّه، أي: على حبِّ المال، ويحتملُ أن يعود الضميرُ على اسْمِ اللَّه تعالى من قوله: مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ، أي: من تَصَدَّقَ مَحَبَّة في اللَّه وطاعته.\nص: والظاهر أن الضمير في «حُبِّهِ» عائدٌ على «المال» لأن قاعدتهم أن الضمير لا يعود على غير الأقرب إِلاَّ بدليلٍ. انتهى.\nقال ع «٢»: والمعنَى المقصودُ أن يتصدَّق المرءُ في هذه الوجوهِ، وهو صحيحٌ شحيحٌ يخشَى الفَقْر، ويأمل الغنى كما قال ﷺ «٣» . والشحّ في هذا الحديث: هو\n_________\n- الكبير» (١/ ٢٥٩) رقم (٧٥١)، من طريق محمد بن سعيد الأثرم، ثنا همام، ثنا ثابت، ثنا أنس قال:\nقال رسول الله ﷺ: «ما آمن بي من بات شبعانا، وجاره جائع إلى جنبه، وهو يعلم به» . والحديث ذكره الهيثمي في «المجمع» (٨/ ١٧٠)، وقال: رواه الطبراني، والبزار، وإسناد البزار حسن.\nوالحديث ذكره أيضا المنذري في «الترغيب» (٣/ ٣٣٤)، وقال: رواه الطبراني، والبزار، وإسناده حسن، وللحديث شاهد من حديث ابن عباس.\nأخرجه البخاري في «الأدب المفرد» رقم (١١٠)، وفي «التاريخ الكبير» (٥/ ١٩٥، ١٩٦)، وأبو يعلى (٥/ ٩٢) رقم (٢٦٩٩)، والحاكم (٤/ ١٦٧)، والطبراني في «الكبير» (١٢/ ١٥٤) رقم (١٢٧٤١)، والخطيب في «تاريخ بغداد» (١٠/ ٣٩٢)، كلهم من طريق سفيان عن عبد الملك بن أبي بشير، عن عبد الله بن المساور، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «ليس المؤمن الذي يشبع، وجاره جائع إلى جنبه» .\nوالحديث ذكره المنذري في «الترغيب» (٣/ ٣٣٤)، وقال: رواه الطبراني، وأبو يعلى ورواته ثقات.\nوقال الهيثمي في «المجمع» (٨/ ١٧٠): رواه الطبراني، وأبو يعلى، ورجاله ثقات.\n(١) ينظر: «الأحكام» (١/ ٥٩) .\n(٢) «المحرر الوجيز» (١/ ٢٤٣) .\n(٣) أخرجه البخاري (٣/ ٣٣٤) في الزكاة، باب فضل صدقة الشحيح (١٤١٩)، و(٥/ ٤٣٩- ٥٤٠) في «الوصايا»، باب الصدقة عند الموت (٢٧٤٨)، ومسلم (٢/ ٧١٦) في الزكاة، باب بيان أن أفضل الصدقة صدقة الصحيح الشحيح (٩٢- ٩٣/ ١٠٣٢)، وأبو داود (٢/ ١٢٦) في الوصايا، باب ما جاء في كراهية الإضرار في الوصية (٢٨٦٥)، والنسائي (٥/ ٦٨) في الزكاة، باب أي الصدقة أفضل، و(٦/ ٢٣٧) في الوصايا، باب الكراهية في تأخير الوصية، وابن ماجة (٢/ ٩٠٣) في الوصايا، باب النهي عن الإمساك في الحياة، والتبذير عند الموت (٢٧٠٦) . والبخاري في «الأدب المفرد» برقم (٧٨٦)، وأحمد (٢/ ٢٣١، ٤١٥، ٤٤٧)، وابن خزيمة (٤/ ١٠٣) برقم (٢٤٥٤)، والبيهقي (٤/ ١٩٠)، والبغوي (٣/ ٤٢٣) برقم.","vol":"1","page":365},{"text":"الغريزيُّ الذي في قوله تعالى: وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ [النساء: ١٢٨] وليس المعنَى أنْ يكون المتصدِّق متَّصِفًا بالشحِّ الذي هو البُخْل.\nوَفِي الرِّقابِ، أي: العتق، وفَكّ الأسرى.\nوَالصَّابِرِينَ: نصبٌ على المدح، أو على إِضمار فعْلٍ، وهذا مَهْيَعٌ «١» في تكرار النعوت.\nوالْبَأْساءِ: الفَقْر والفاقة.\nوَالضَّرَّاءِ: المرض، ومصائبُ البدن، وعن ابن عبَّاس ﵄، قال:\nقَالَ رسول الله ﷺ: «أَوَّلُ مَنْ يدعى إِلَى الجَنَّةِ الَّذِينَ يَحْمَدُونَ اللَّهَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ» رواه الحاكم في «المستَدْرَكِ»، وقال: صحيحٌ على شرط مُسْلِمٍ «٢» . انتهى من «السلاح» .\n_________\n- (١٦٦٥)، من طريق عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة قال: «جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أي الصدقة أفضل؟ ...» فذكره.\n(١) المهيع: هو الطريق الواسع المنبسط. ينظر: «لسان العرب» (٤٨٣٨) (هيع) .\n(٢) أخرجه الطبراني في «المعجم الصغير» (١/ ١٠٣)، وفي «الأوسط» (٤/ ٤٤) رقم (٣٠٥٧)، وفي «الكبير» (١٢/ ١٩) رقم (١٢٣٤٥)، وأبو نعيم في «الحلية» (٥/ ٦٩) . كلهم من طريق قيس بن الربيع، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مرفوعا.\nوقال الطبراني: لم يروه عن حبيب إلا قيس بن الربيع، وشعبة بن الحجاج، عن نصر بن حماد الوراق.\nوقال أبو نعيم: رواه شعبة عن حبيب بن أبي ثابت، وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٩٨)، وقال: رواه الطبراني في الثلاثة بأسانيد، وفي أحدها قيس بن الربيع وثقه شعبة، والثوري، وغيرهما.\nوضعفه يحيى القطان، وغيره، وبقية رجاله رجال الصحيح اهـ.\nقلت: قيس بن الربيع في سند الطبراني في معاجمه الثلاثة، وليس كما يوهم كلام الهيثمي.\nوالحديث ضعفه الحافظ العراقي في «تخريج الإحياء» (٤/ ٧٩)، وأعله بقيس بن الربيع، وقال: ضعفه الجمهور، وهذا الحديث قد رواه شعبة عن حبيب بن أبي ثابت، كما أشار إلى ذلك الحافظ أبو نعيم.\nأخرجه الطبراني في «الصغير» (١/ ١٠٣)، والبغوي في «شرح السنة» (٣/ ٨٤- بتحقيقنا) . كلاهما من طريق نصر بن حماد الوراق، نا شعبة عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس به.\nوهذا سند ضعيف جدا.\nنصر بن حماد قال النسائي، وغيره: ليس بثقة، ينظر «المغني» للذهبي (٦٦٠٩) .\nوتابعهما عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي، عن حبيب.\nأخرجه الحاكم (١/ ٥٠٢) .\nوقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي. والمسعودي لم يخرج له مسلم شيئا فضلا عن اختلاطه.","vol":"1","page":366},{"text":"وفي صحيح مُسْلِمٍ، عن صُهَيْب «١»، قال: قَالَ رسول الله ﷺ: «عَجَبًا لأَمْرِ المُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لأِحَدٍ إِلاَّ لِلْمُؤْمِنِ، إِذَا أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ فَشَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ» «٢» انتهى.\nوَحِينَ الْبَأْسِ، أي: وقْتَ شدَّة القتال، هذا قولُ المفسِّرين في الألفاظ الثلاثة، تقولُ العربُ: بَئِسَ الرَّجُلُ إِذَا افتقر، وبَؤُسَ إِذا شَجُع، ثم وصف تعالى أهل هذه الأفعال البَرَّة بالصدْقِ في أمورهم، أي: هم عند الظنِّ بهم والرجاء فيهم كما تقول: صَدَقَنِي المَالُ، وصَدَقَنِي الرُّمْحُ، ووصفهم تعالى/ بالتقى، والمعنى: هم الذين جعلوا بينهم وبين ٤٣ ب عذاب الله وقاية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-160>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٧٨ الى ١٧٩]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٧٨) وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)\nوقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ ... الآيةَ: كُتِبَ:\nمعناه: فُرِضَ، وأُثْبِتَ، وصورةُ فَرْضِ القصاصِ «٣»، هو أنَّ القاتل فرض عليه، إذا أراد\n_________\n(١) هو: صهيب بن سنان بن مالك بن عبد عمرو بن عقيل بن عامر. أبو يحيى. الرومي. الربعي.\nالنمري.\nوهو صحابي مشهور. روى عنه أولاده حبيب، وحمزة، وسعد، وصالح، وصيفي، وعباد، وعثمان، ومحمد. وحفيده زياد بن صيفي. وروى عنه أيضا جابر الصحابي. وسعيد بن المسيب. وإنما قيل له الرومي قيل: لأن الروم سبوه صغيرا حين كان أبوه وعمه عاملين لكسرى على «الأبلة»، وكانت لهم منازل على «دجلة» عند الموصل، وقيل غير ذلك. وروى الستة عنه قال: لم يشهد رسول الله ﷺ مشهدا قط إلا كنت حاضره، ولم يبايع بيعة قط إلا كنت حاضره، ولم يسر سرية قط إلا كنت حاضرها، ولا غزا غزاة قط إلا كنت فيها عن يمينه أو شماله، وما خافوا أمامهم قط إلا كنت أمامه، توفي سنة (٣٨) وقيل (٣٩)، وقيل في شوال سنة ٣٨، وله (٧٠ سنة) .\nينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (٣/ ٣٦)، «الإصابة» (٣/ ٢٥٤)، «الاستيعاب» (٢/ ٧٢٦)، «الاستبصار» (٧٨، ١٣٤)، «الرياض المستطابة» (١٣٠)، «تجريد أسماء الصحابة» (١/ ٢٦٨)، «عنوان النجابة» (١٠٦)، «أصحاب بدر» (١٠٨)، «الثقات» (٣/ ١٩٤)، «الكاشف» (٢/ ٣٢)، «حلية الأولياء» (١/ ٣٧٢)، «التحفة اللطيفة» (٢/ ١٤٤)، «تنقيح المقال» (٥٨١١)، «بقي بن مخلد» (٩٥) .\n(٢) أخرجه مسلم (٤/ ٢٢٩٥) كتاب «الزهد»، باب المؤمن أمره كله خير، حديث (٦٤/ ٢٩٩٩) .\nوهذا الحديث لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة سوى مسلم. وينظر: «تحفة الأشراف» (٤/ ٢٠٠) . [.....]\n(٣) القصاص: أن يفعل بالفاعل مثل ما فعل. كذا في «المغرب» . وفي «الصحاح»: القصاص: القود، وقد أقصّ الأمير فلانا من فلان إذا اقتصّ له منه فجرحه مثل جرحه أو قتله. -","vol":"1","page":367},{"text":"الوليُّ القتل، الاِستسلامُ لأمر اللَّه، وأن الوليَّ فرض عليه الوقوف عند قتل قاتل وليِّه، وترك التعدِّي على غيره، فإِن وقع الرضَا بدون القصاص من دية أو عفو، فذلك مباحٌ، والآية معلِّمة أن القِصَاصَ هو الغاية عند التّشاحّ «١»، والْقِصاصُ: مأخوذ من: قَصِّ الأثر فكأن القاتل سلك طريقا من القتل، فقص أثره فيها.\n_________\nينظر: «الصحاح» (٣/ ١٠٥٢)، و«القاموس المحيط» (٢/ ٣٢٤)، و«المصباح المنير» (٢/ ٧٧٨)، و«المغرب» (٢/ ١٨٢) .\nوقد اضطربت القوانين الوضعية في هذا القصاص، واختلفت أنظار المفكرين في جوازه أو عدمه، وأخذ كل يدافع عن فكرته، ويحاجج عن رأيه، حتى رمى بعض الغلاة الإسلام بالقسوة في تقرير هذه العقوبة، وقالوا: إنها غير صالحة لهذا الزمن، وقد نسوا أن الإسلام جاء في ذلك بما يصلح البشر على مر الزمن مهما بلغوا في الرقي، وتقدموا في الحضارة.\nكانت هذه العقوبة موجودة قبل الإسلام، ولكن للاعتداء فيها يده المثمرة، وللإسراف فيها ضرره البالغ، فحد الإسلام من غلوائها، وقصر من عدوانها، ومنع الإسراف منها. فقال تعالى: وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُورًا [الإسرا: ٣٣] فلم يبح دم من لم يشترك في القتل قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى.\nوقال عز من قائل: وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ ...\n[المائدة: ٤٥] الآية، ولكنه أفسح المجال للفصل بين الناس، وترك للجماعة الراقية مع ذلك أن ترى خيرا في العفو عن الجاني فقال: فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ [المائدة: ٤٥] على أن العقلاء الذين خبروا الحوادث، وعركوا الأمور، ودرسوا طبائع النفوس البشرية، ونزعاتها وغرائزها، فهداهم تفكيرهم الصحيح إلى صلاح هذه العقوبة، لإنتاج الغاية المقصودة، وهي إقرار الأمن وطمأنة النفوس، ودرء العدوان والبغي، وإنقاذ كثيرين من الهلاك، قال تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ.\nولقد فهم أولو الألباب هذه الحكمة البالغة، وقدروها حق قدرها، وها نحن أولاء نرى اليوم أن الأمم التي ألغت هذه العقوبة عادت إلى تقريرها لما رأته في ذلك من المصلحة.\nوأمكننا الآن أن نقول: إنه ليس هناك من خلاف كبير بين الإسلام والقوانين الوضعية في هذا الموضوع.\nأما القصاص في غير القتل مما ورد في الآية الكريمة: وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ [المائدة: ٤٥] فهو في غاية الحكمة والعدالة إذ لو لم يكن الأمر كذلك لاعتدى القوي على الضعيف، وشوه خلقته، وفعل به ما أمكنته الفرصة لا يخشى من وراء ذلك ضررا يناله، أو شرا يصيبه، ولو اقتصر الأمر على الديات كما هو الحال في القوانين الوضعية لكان سهلا على الباغي يسيرا على الجاني، ولتنازل الإنسان عن شيء من ماله في سبيل تعجيز عدوه، وتشويهه ما دامت القوة في يده، ولكنه لو عرف أن ما يناله بالسوء من أعضاء عدوه سيصيب أعضاءه مثله كذلك، انكمش وارتدع، وسلموا جميعا من الشر.\n(١) يقال: هما يتشاحّان على أمر: إذا تنازعاه، لا يريد كل واحد منهما أن يفوته ...، وتشاحّ الخصمان في الجدل كذلك. ينظر: «لسان العرب» (٢٢٠٥) .","vol":"1","page":368},{"text":"روي عن ابن عَبَّاس أنَّ هذه الآية مُحْكَمة «١»، وفيها إِجمال فسَّرته آية «المائدة»، وأن قوله سبحانه: الْحُرُّ بِالْحُرِّ يعمُّ الرجال والنساء، وأجمعتِ الأمة على قتل الرجُلِ بالمرأةِ، والمرأة بالرجل «٢» .\nوقوله تعالى: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ ... الآيةَ: فيه تأويلاتٌ:\nأحدها: أنَّ «مَنْ» يرادُ بها القاتلُ، و«عُفِيَ»: تتضمن عافيًا، وهو وليُّ الدم، والأخُ:\nهو المقتولُ، و«شَيْءٌ»: هو الدمُ الذي يعفى عنه، ويرجع إلى أخذ الدية، هذا قول ابْنِ عَبَّاس، وجماعة من العلماء «٣»، والعَفْوُ على هذا القولِ على بابه.\nوالتأويلُ الثَّاني: وهو قول مالكٍ أنَّ «مَنْ» يراد بها الوليُّ، وعُفِيَ: بمعنى: يُسِّرَ، لا على بابها في العَفْو، والأخُ: يراد به القاتل، و«شَيْءٌ»: هي الديةُ، والأخوَّة على هذا أخوَّة الإِسلام.\nوالتأويل الثالثُ: أنَّ هذه الألفاظ في معنى: الَّذين نزلَتْ فيهم الآيةُ، وهم قومٌ تقاتَلُوا، فقتل بعضهم بعضا، فأمر النبيّ ﷺ أن يصلحَ بينهم، ويُقَاصَّهم بعضَهم من بعض بالدِّيَات على استواء الأحرار بالأحرار، والنساء بالنساء، والعبيد بالعبيد، فمعنى الآية: فمن فضِل له من إِحدى الطائفتين على الأخرى شيْءٌ من تلك الدِّيَاتِ، وتكون: «عُفِيَ» بمعنى فَضِلَ.\nوقوله تعالى: فَاتِّباعٌ: تقديره: فالواجبُ والحُكْمُ: اتباع، وهذا سبيلُ الواجباتِ كقوله تعالى: فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ [البقرة: ٢٢٩] وأما المندوبُ إِلَيْه، فيأتي منصوبًا كقوله تعالى: فَضَرْبَ الرِّقابِ [محمد: ٤]، وهذه الآية حضٌّ من اللَّه تعالى على حسن الاقتضاءِ من الطالِبِ، وحُسْنِ القضاء من المُؤَدِّي.\nوقوله سبحانه: ذلِكَ تَخْفِيفٌ إِشارة إِلى ما شرعه لهذه الأمة، من أخذ الدية، وكانت بنو إِسرائيل لا ديَةَ عندهم، إِنما هو القِصَاصُ فَقَطْ، والاعتداء المتوعّد عليه في هذه\n_________\n(١) المحكم: هو ما لا يحتمل شيئا من ذلك، وحكمه بثبوت ما انتظمه على اليقين، ويرادفه المبين عند علماء الشافعية.\n(٢) أخرجه الطبري (٢/ ١١٠) برقم (٢٥٧٩)، والبيهقي في «السنن» (٨/ ٣٩- ٤٠)، وذكره ابن عطية (١/ ٢٤٥)، وأورده ابن عباس في «تفسيره» (ص ٩٣/ ٥٢) وابن كثير (١/ ٢٠٩)، والسيوطي في «الدر» (١/ ٣١٦)، وعزاه للنحاس في «ناسخه» .\n(٣) ذكره ابن عطية في «التفسير» (١/ ٢٤٥) .","vol":"1","page":369},{"text":"الآية، هو أنْ يأخذ الرجُلُ ديةَ وليِّه، ثم يقتل القاتل بعد سقوط الدم.\nواختلف في العذابِ الأليم الَّذي يلحقه، فقال فريقٌ من العلماء، منهم مالك: هو كَمَنْ قتل ابتداءً، إِن شاء الوليُّ قتله، وإِن شاء، عفا عنه، وعذابه في الآخرة، وقال قتادة وغيره: يقتل البتَّةَ، ولا عَفْوَ فيه «١»، ورُوِيَ في ذلك حديث عن النبيّ ﷺ.\nوقوله تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ: المعنى: أن القصاص إِذا أقيم، وتحقَّق الحكْمُ به، ازدجر مَنْ يريد قتْلَ أحدٍ مخافَةَ أن يقتصَّ منه، فَحَيِيَا بذلك معًا، وأيضًا: فكانت العربُ إِذا قتل الرجلُ الآخَر، حمي قبيلاَهُما «٢»، وتقاتلوا، وكان ذلك داعيًا إلى موت العددِ الكثيرِ، فلمَّا شرَعَ اللَّه سبحانه القِصَاص، قنع الكلُّ به، ووقَف عنده، وتركوا الاقتِتال، فلهم في ذلك حياةٌ، وخُصَّ أولو الألباب بالذِّكْر، تنبيهًا عليهم لأنهم العارفون القابلُون للأوامر والنواهِي، وغيرهم تبع لهم.\nوتَتَّقُونَ معناه: القتل، فتسلمون من القصاص، ثم يكون ذلك داعية لأنواع ٤٤ أالتقوى في غير ذلك، فإن اللَّه سبحانه/ يثيبُ على الطاعة بالطاعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-161>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٨٠ الى ١٨٢]</span>\nكُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠) فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٨١) فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨٢)\nوقوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ ... الآية: كُتِبَ: معناه:\nفُرِضَ وأُثْبِتَ، وفي قوله تعالى: إِذا حَضَرَ مجازٌ لأن المعنى: إِذا تخوَّف وحضرتْ علاماتُهُ.\nوالخير في هذه الآية: المالُ، واختُلِفَ في هذه الآية، هل هي مُحْكَمَةٌ، أو منسوخةٌ، فقال ابنُ عبَّاس، وقتادةُ، والحَسَن: الآيةُ عامَّة، وتقرَّر الحكم بها برهةً، ونسخ منها كلّ من يرث بآية الفرائض «٣»، وقال بعضُ العلماء: إِن الناسخ لهذه الآية هي السّنّة المتواترة، وهو\n_________\n(١) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٢٤٦) عن قتادة، وعكرمة، والسدي، وغيرهم.\n(٢) القبيل: الجماعة من الناس يكونون من الثلاثة فصاعدا من قوم شتى، كالزنج والروم والعرب، وقد يكونون من نحو واحد، وربما كان القبيل من أب واحد كالقبيلة. وجمع القبيل قبل. ينظر: «لسان العرب» (٣٥١٩) .\n(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٢/ ١٢٢- ١٢٣) عن ابن عباس، والحسن، وقتادة بألفاظ متقاربة، وأخرجه عبد الرزاق في «تفسيره» عن قتادة، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٢٤٨) .","vol":"1","page":370},{"text":"قوله ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ أعطى كُلَّ ذِي حَقٍّ حقّه فلا وصيّة لوارث» «١» .\nوبِالْمَعْرُوفِ: معناه بالقصد الَّذي تعرفه النفوسُ دون إِضرار بالورثة، ولا تنزير «٢» للوصية وحَقًّا: مصدر مؤكِّد، وخُصَّ «المتقون» بالذكر تشريفًا للرتبة ليتبادر النَّاس إِليها.\nوقوله تعالى: فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ ... الآية: الضمير في «بَدَّلَهُ» عائدٌ على الإيصاء، وأمر الميت، وكذلك في «سَمِعَهُ»، ويحتمل أن يعود الذي في «سَمِعَهُ» على أمر اللَّه تعالى في هذه الآية، والأول أسبق للناظر، وسَمِيعٌ عَلِيمٌ: صفتان لا يخفى معهما شيْءٌ من جَنَفِ الموصِينَ، وتبديلِ المتعدينَ، والجَنَفُ: الميل.\nومعنى الآية على ما قال مجاهد: من خشي أن يحيف الموصِي، ويقطع ميراث طائفة، ويتعمَّد الإِذاءة، فذلك هو الجَنَفُ في إِثم، وإِن لم يتعمَّد، فهو الجنف دون إِثم «٣»، فالمعنى: مَنْ وعظه في ذلك وردَّه عنه، وأصلح ما بينه وبين ورثَتِهِ، وما بين الورثة في ذاتهم، فلا إِثم عليه إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ بالموصِي، إِذا عملت فيه الموعظة، ورجع عما أراد من الإذاءة.\nوقال ابن عبّاس وغيره: معنى الآية: فَمَنْ خافَ، أي: علِم، ورأى بعد موت الموصِي أن الموصِيَ حَافَ، وجَنَف، وتعمَّد إذاءة بعض ورثته، فَأَصْلَحَ ما بين الورثة، فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ، وإِن كان في فعله تبديلٌ مَّا لأنه تبديلٌ لمصلحة، والتبديلُ الذي فيه الإِثم إنما هو تبديل الهوى «٤» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-162>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٨٣ الى ١٨٤]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) أَيَّامًا مَعْدُوداتٍ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤)\n_________\n(١) تقدم.\n(٢) التنزير: تفعيل من النّزر، وهو: القليل التافه من كل شيء. والمقصود ألا يقلل من الوصية ولو شيئا يسيرا.\n(٣) أخرجه الطبري (٢/ ١٢٩) برقم (٢٦٩٧- ٢٦٩٨) بإسنادين مختلفين، عن مجاهد. وذكره ابن عطية (١/ ٢٤٩)، والبغوي في تفسيره (١/ ١٤٨)، والسيوطي في «الدر» (١/ ٣٢١)، وعزاه لابن جرير، وعبد بن حميد.\n(٤) أخرجه الطبري (٢/ ١٢٩) برقم (٢٦٩٩)، وذكره ابن عطية (١/ ٢٤٩)، والسيوطي في «الدر» (١/ ٣٢٠)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.","vol":"1","page":371},{"text":"قوله جلّت قدرته: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ ... الآية: كُتِبَ:\nمعناه فُرِضَ، والصيام في اللغة: الإِمساك، ومنه قوله سبحانه: إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْمًا [مريم: ٢٦] وفي الشرع: إِمساكٌ عن الطعام والشراب مقترنةٌ به قرائنُ مِنْ مُراعاة أوقاتٍ، وغير ذلك.\nوقوله تعالى: كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ: اختلف في موضع التشبيه: قالتْ فرقة: التشبيهُ: كُتِبَ عليكم كصيامٍ قد تقدَّم في شرع غيركم، ف «الّذين» عامّ في النصارى «١» وغيرهم.\nولَعَلَّكُمْ: ترجّ في حقهم.\nوتَتَّقُونَ: قيل على العموم لأن الصيام كما قال ﷺ: «جنّة «٢» ووجاء، وسبب\n_________\n(١) هذا قول، والقول الثاني: أن التشبيه يعود إلى وقت الصوم وإلى قدره، وهذا ضعيف لأن تشبيه الشيء بالشيء يقتضي استواءهما في أمر من الأمور، فأما أن يقال: إنه يقتضي الاستواء في كل الأمور فلا. ثم القائلون بهذا القول ذكروا وجوها. أحدها: أن الله تعالى فرض صيام رمضان على اليهود، والنصارى، أما اليهود فإنها تركت هذا الشهر وصامت يوما من السنة، وزعموا أنه يوم غرق فيه فرعون، وكذبوا في ذلك أيضا لأن ذلك اليوم يوم عاشوراء على لسان رسول الله ﷺ، أما النصارى فإنهم صاموا رمضان، فصادفوا فيه الحر الشديد، فحولوه إلى وقت لا يتغير، ثم قالوا عند التحويل: نزيد فيه، فزادوا عشرا، ثم بعد زمان اشتكى ملكهم، فنذر سبعا، فزادوه، ثم جاء بعد ذلك ملك آخر فقال: ما بال هذه الثلاثة، فأتمه خمسين يوما، وهذا معنى قوله تعالى: اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْبابًا [التوبة: ٣١] وهذا مروي عن الحسن. وثانيها: أنهم أخذوا بالوثيقة زمانا، فصاموا قبل الثلاثين يوما وبعدها يوما، ثم لم يزل الأخير يستسن بسنة القرن الذي قبله حتى صاروا إلى خمسين يوما، ولهذا كره صوم يوم الشك، وهو مروي عن الشعبي، وثالثها: أن وجه التشبيه أنه يحرم الطعام والشراب والجماع بعد النوم كما كان ذلك حراما على سائر الأمم. واحتج القائلون بهذا القول بأن الأمة مجمعة على أن قوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ [البقرة: ١٨٧] يفيد نسخ هذا الحكم، فهذا الحكم لا بد فيه من دليل يدل عليه، ولا دليل عليه إلا هذا التشبيه وهو قوله: كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ، فوجب أن يكون هذا التشبيه دليلا على ثبوت هذا المعنى، قال أصحاب القول الأول: قد بينا أن تشبيه شيء بشيء لا يدل على مشابهتهما من كل الوجوه، فلم يلزم من تشبيه صومنا بصومهم أن يكون صومهم مختصا برمضان، وأن يكون صومهم مقدرا بثلاثين يوما، ثم إن هذه الرواية مما ينفر من قبول الإسلام إذا علم اليهود والنصارى كونه كذلك.\nينظر: «الفخر الرازي» (٥/ ٦٠) . [.....]\n(٢) أخرجه البخاري (٤/ ١٢٥)، كتاب «الصوم»، باب فضل الصوم حديث (١٨٩٤)، ومسلم (٢/ ٨٠٦) كتاب «الصيام»، باب فضل الصيام حديث (١٦٢/ ١١٥١) . ومالك (١/ ٣١٠) كتاب «الصيام»، باب.","vol":"1","page":372},{"text":"تقوى لأنه يميت الشهوات» .\nوأَيَّامًا مَعْدُوداتٍ: قيل: رمضان، وقيل: الثلاثةُ الأيام من كل شهرٍ، ويومُ عاشوراءَ الَّتي نُسخَتْ بشهر رمضان.\nص: وأَيَّامًا: منصوبٌ بفعل مقدَّر يدلُّ عليه ما قبله، أي: صوموا أيامًا، وقيل: أَيَّامًا: نصب على الظرف «١» انتهى.\n_________\nجامع الصيام حديث (٥٨) . وأبو داود (١/ ٧٢)، كتاب «الصيام»، باب الغيبة للصائم حديث (٢٣٦٣) .\nوأحمد (٢/ ٤٦٥)، والبيهقي (٤/ ٢٦٩) كتاب «الصيام»، باب الصائم ينزه صيامه عن اللفظة والمشاتمة، والبغوي في «شرح السنة» (٣/ ٤٥٣- بتحقيقنا)، كلهم من طريق أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «الصيام جنة، فلا يرفث، ولا يجهل، وإن امرؤ قاتله أو شاتمه- فليقل: إني صائم مرتين-، والذي نفسي بيده، لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، يترك طعامه، وشرابه، وشهوته من أجلي، الصيام لي، وأنا أجزي به، والحسنة بعشر أمثالها» لفظ البخاري.\nوأخرجه البخاري (٤/ ١٤١) كتاب «الصيام»، باب هل يقول الصائم: إني صائم إذا شتم، حديث (١٩٠٤) . ومسلم (٢/ ٨٠٦)، كتاب «الصيام»، باب فضل الصيام، حديث (١٦٣/ ١١٥١) . والنسائي (٤/ ١٢٦٣)، كتاب «الصوم»، باب فضل الصوم، وأحمد (٢/ ٢٧٣)، والبيهقي (٤/ ٢٧٠) . كلهم من طريق ابن جريج، حدثني عطاء عن أبي صالح، عن أبي هريرة به.\nوأخرجه البخاري (١/ ٣٨١)، كتاب «اللباس»، باب ما يذكر في المسك، حديث (٥٩٢٧) . ومسلم (٢/ ٨٠٦) كتاب «الصيام»، باب فضل الصيام، حديث (١٦١/ ١١٥١) . والترمذي (٣/ ١٦٣)، كتاب «الصوم»، باب ما جاء في فضل الصوم، حديث (٧٦٤) . والنسائي (٤/ ١٦٤)، كتاب «الصوم»، باب فضل الصوم. وأحمد (٢/ ٢٨١)، وعبد الرزاق (٤/ ٣٠٦) رقم (٧٨٩١) . والبغوي في «شرح السنة» (٣/ ٤٥١- بتحقيقنا) . كلهم من طريق سعيد بن المسيب عن أبي هريرة به.\nوقال الترمذي: حديث أبي هريرة حسن غريب من هذا الوجه.\nوأخرجه البخاري (١٣/ ٤٧٢) كتاب «التوحيد»، باب قول الله تعالى: يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ حديث (٧٤٩٢)، ومسلم (٢/ ٨٠٦) كتاب «الصيام»، باب فضل الصيام، حديث (١٦٤/ ١١٥١)، وأحمد (٢/ ٣٩٣، ٤٤٣، ٤٧٧، ٤٨٠) .\nوابن ماجة (١/ ٥٢٥)، كتاب «الصيام»، باب ما جاء في فضل الصيام حديث (١٦٣٨)، (٢/ ١٢٥٦)، كتاب «الأدب»، باب فضل العمل حديث (٣٨٢٣)، والبغوي في «شرح السنة» (٣/ ٤٥- بتحقيقنا)، من طريق الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة.\nوأخرجه البخاري (١٣/ ٥٢١) كتاب «التوحيد»، باب ذكر النبي ﷺ، وروايته عن ربه حديث (٧٥٣٨)، وأحمد (٢/ ٤٥٧، ٤٦٧، ٥٠٤) . والطيالسي (١/ ١٨١- منحة) رقم (٨٦٣)، من طريق محمد بن زياد، عن أبي هريرة.\nوأخرجه أحمد (٢/ ٥٠٣)، والدارمي (٢/ ٢٥) كتاب «الصيام»، باب فضل الصيام، وأبو يعلى (١٠/ ٣٥٣) رقم (٥٩٤٧)، من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.\n(١) وقيل: منصوب بالصيام، ولم يذكر الزمخشري غيره. ونظّره بقولك: «نويت الخروج يوم الجمعة»، -","vol":"1","page":373},{"text":"وقوله سبحانه: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلى سَفَرٍ: التقدير: فأفْطَرَ، فَعِدَّةٌ، وهذا يسمونه فَحْوَى «١» الخطابِ، واختلف العلماءُ في حَدِّ المرض الذي يقع به الفطْر، فقال جمهور العلماء: إِذا كان به مرضٌ يؤذيه، ويؤلمه أو يخاف تَمادِيَهُ، أو يخافُ من الصوم تزيُّده، صحَّ له الفطْرُ، وهذا مذْهَبُ حُذَّاقِ أصحاب مالك، وبه يناظرون، وأما لفظ ٤٤ ب مالكٍ: فهو المرضُ الَّذي يَشُقُّ على المرء، ويبلغ به، واختلف في الأفضل/ من الفِطْرِ أو الصَّوْمِ، ومذهبُ مالكٍ استحباب الصومِ لمن قَدَرَ علَيْه، وتقصيرُ الصَّلاة حَسَنٌ لأن الذمَّة تبرأ في رخصة الصلاة، وهي مشغولةٌ في أمر الصيام، والصوابُ: المبادرةُ بالأعمال.\nوالسَّفَرُ: سفَرُ الطاعةِ كالحجِّ، والجهادِ بإجماع، ويتصلُ بهذَيْن سفَرُ صلَةِ الرَّحِمِ، وطلبِ المعاشِ الضروريِّ.\nوأما سفر التجارة، والمباحاتِ، فمختلَفٌ فيه بالمنع، والجواز، والقولُ بالجواز أرجح.\n_________\n- وهذا ليس بشيء، لأنّه يلزم الفصل بين المصدر ومعموله بأجنبي، وهو قوله: «كما كتب» لأنه ليس معمولا للمصدر على أيّ تقدير قدّرته. فإن قيل: يجعل «كما كتب» صفة للصيام، وذلك على رأي من يجيز وصف المعرّف بأل الجنسية بما يجري مجرى النكرة فلا يكون أجنبيا. قيل: يلزم من ذلك وصف المصدر قبل ذكر معموله، وهو ممتنع.\nوقيل: منصوب بالصيام على أن تقدّر الكاف نعتا لمصدر من الصيام، كما قد قال به بعضهم، وإن كان ضعيفا، فيكون التقدير: «الصيام صوما كما كتب» فجاز أن يعمل في «أياما» «الصيام» لأنه إذ ذاك عامل في «صوما» الذي هو موصوف ب «كما كتب» فلا يقع الفصل بينهما بأجنبي بل بمعمول المصدر.\nوقيل: ينتصب بكتب: إمّا على الظرف وإمّا على المفعول به توسّعا، وإليه نحا الفراء وتبعه أبو البقاء.\nقال أبو حيان: «وكلا القولين خطأ: أمّا النصب على الظرف فإنه محلّ للفعل، والكتابة ليست واقعة في الأيام، لكن متعلّقها هو الواقع في الأيام. وأمّا النصب على المفعول اتّساعا فإنّ ذلك مبنيّ على كونه ظرفا لكتب، وقد تقدّم أنه خطأ. ينظر: «الدر المصون» (١/ ٤٦٠) .\n(١) وهو: مفهوم الموافقة وهو ما كان مدلول اللفظ في محل المسكوت موافقا لمعناه في محل المنطوق، ويسمى «دلالة النص»، و«فحوى الخطاب»، و«لحن الخطاب» .\nوقد اتفق الشّافعية، والحنفية على حجية الفحوى، واشترط الشافعية أولوية المسكوت.\nوينظر تفصيل ذلك في: «البحر المحيط» للزركشي (٤/ ٧)، «البرهان» لإمام الحرمين (١/ ٤٤٩)، «الإحكام في أصول الأحكام» للآمدي (٣/ ٦٢)، «نهاية السول» للأسنوي (٢/ ٢٠٢)، «غاية الوصول» للشيخ زكريا الأنصاري (٣٧)، «المنخول» للغزالي (٢٠٨)، «حاشية البناني» (١/ ٢٤٠)، «الإبهاج» لابن السبكي (١/ ٣٦٧)، «الآيات البينات» لابن قاسم العبادي (٢٠/ ١٥)، «حاشية العطار على جمع الجوامع» (١/ ٣١٩)، «التحرير» لابن الهمام (٢٩)، «حاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى» (٢/ ١٧٢)، «التقرير والتحبير» لابن أمير الحاج (١/ ١١٢) .","vol":"1","page":374},{"text":"وأما سفر العصْيَان، فمختلف فيه بالجوازِ، والمنعِ، والقولُ بالمنع أرجحُ.\nومسافةُ سفر الفطر عند مالك، حيث تقصر الصلاة ثمانيةٌ وأربعون «١» ميلًا.\n_________\n(١) يباح للمسافر الفطر في رمضان إذا تحققت الشروط الآتية:\nالأول: أن يكون سفره سفر قصر، أي: أن يكون سفرا طويلا، والسفر الطويل: ما كان مرحلتين فأكثر، وهما: سير يومين من غير ليلة على الاعتبار، أو ليلتين بلا يوم كذلك، أو يوم وليلة مع النزول المعتاد، لنحو استراحة، أو أكل أو صلاة، وأن تكون المرحلتان بسير الأثقال. أي: الحيوانات المثقلة بالأحمال، والبحر كالبر في اشتراط المسافة المذكورة، فلو قطع الأميال فيه في ساعة مثلا لشدة جري السفينة بالهواء، فإنه يبيح له الفطر أيضا لوجود المسافة الصالحة، ولا يضرّ قطعها في زمن يسير. فإن قيل: إذا قطع المسافة في لحظة صار مقيما، فكيف يتصور ترخيصه فيها؟\nأجيب بأنّه لا يلزم من وصول المقصد انتهاء الرّخصة.\nالشرط الثاني: أن يكون سفره في غير معصية بألّا يكون عاصيا بالسفر، وهو الذي أنشأ سفره معصية، ولا عاصيا بالسفر في السفر، وهو الذي أنشأ سفره طاعة ثم قلبه معصية. أمّا العاصي في السفر، وهو من أنشأ سفره طاعة، واستمر كذلك إلّا أنه وقعت منه معصية في أثناء سفره فيجوز له الفطر، ولم يجوّز الشارع الفطر لمن كان سفره في معصية لأن ذلك يكون إعانة له على المعصية ولأن جواز الفطر رخصة والرخصة لا تناط بالمعاصي.\nوبناء على هذين الشرطين يمكن أن يقال: إنّ المسافر الذي كان سفره في غير معصية، وكان سفره سفر قصر يباح له الفطر بالإجماع لقوله تعالى: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ أي: فله الفطر وعليه عدة من أيام أخر، ولما روت السيدة عائشة﵂- أن حمزة بن عمر الأسلمي قال: يا رسول الله أأصوم في السّفر؟ فقال له رسول الله ﷺ: «إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر» . ثمّ إن كان المسافر ممن لا يجهده الصوم. أي: لا يتضرر به، فالأفضل له الصوم لما روي عن أنس﵁- أنه قال للصّائم في السّفر: «إن أفطرت فرخصة، وإن صمت فأفضل» . وأنّه لو أفطر عرض الصوم للنسيان، وحوادث الأيّام ولأن شهر الصوم له أفضلية ومزيّة على سائر الأيّام. وإن كان المسافر ممن يجهده الصوم، أي: يتضرر به فالأفضل له الفطر لما روى جابر﵁- أنّه قال: مرّ رسول الله ﷺ في سفر برجل تحت شجرة يرشّ عليه الماء، فقال (﵇): «ما بال هذا»؟ قالوا: صائم يا رسول الله. قال (﵇): «ليس من البرّ الصّيام في السّفر» .\nفإن صام المسافر ثمّ أراد أن يفطر فله أن يفطر لأن العذر قائم، كما لو صام المريض وأراد أن يفطر.\nالشرط الثالث: أن يكو السّفر سابقا على الصوم بأن يكون الشروع فيه سابقا على الشروع في الصوم، كأن يقع السفر بعد الغروب، وقبل الفجر.\nأمّا إذا كان الشروع في السّفر بعد الشروع في الصوم، فيحرم عليه الفطر، ويجب الصوم.\nوقال المزني: له أن يفطر، كما لو أصبح الصحيح صائما، ثمّ مرض. والمذهب الأوّل، وهو وجوب الصّوم وعدم جواز الفطر. دليل ذلك: أنّه عبادة أجتمع فيها سفر وحضر، وكل عبادة يجتمع فيها سفر وحضر يغلب جانب الحضر لأنّه الأصل.\nوعلى الأول: لو جامع فيه لزمه الكفارة لأنّه يوم من رمضان هو صائم فيه صوما لا يجوز فيه الفطر.\nالشرط الرابع: أن يرجو المسافر إقامة يقضي فيها ما أفطره من أيام سفره، فإن لم يرج إقامة يقضي فيها ما-","vol":"1","page":375},{"text":"وقوله تعالى: فَعِدَّةٌ، أي: فالحكم أو الواجب عدّة، وفي وجوب تتابعها قولان، وأُخَرَ لا ينصرف للعَدْلِ.\nوقوله تعالى: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ ... الآية: قرأ باقي السبعة «١» غيْرَ نافعٍ وابنِ عامر: «فِدْيَةٌ» بالتنوين «طَعَامُ مِسْكِينٍ» بالإِفراد، وهي قراءة حَسَنةٌ لأنها بيَّنت الحكم في اليوم.\nواختلفوا في المراد بالآية، فقال ابن عُمَر وجماعةٌ: كان فرضُ الصيامِ هكذا على\n_________\n- أفطره، بأن كان مديم السّفر، فلا يباح له الفطر، لأنّ إباحة الفطر في هذه الحالة تؤدّي إلى إسقاط الفرض بالكلية، نعم، لو قصد القضاء في أيام أخرى من أيام سفره، جاز له الفطر، ولا فرق في جواز الفطر للمسافر بين أن يكون بأكل أو نحوه، كجماع، وغير ذلك.\nومتى أفطر المسافر وجب عليه القضاء دون الفدية، ثم إنّه إذا قدم المسافر، أو برىء المريض، وهما مفطران استحب لهما إمساك بقية النهار لحرمة الوقت، ولا يجب عليهما ذلك لأنهما أفطرا بعذر.\nويندب لهما إذا أكلا ألّا يأكلا إلّا عند من يعرف عذرهما لخوف التهمة.\nوإذا قدم المسافر، وهو صائم، أو برىء المريض وهو صائم، ففي جواز إفطاره وجهان.\nأحدهما: أنه يجوز لهما الفطر، وبه قال ابن أبي هريرة لأنه أبيح لهما الفطر من أوّل النهار، فجاز لهما الإفطار في بقيّة النّهار، كما لو دام السّفر والمرض.\nوثانيهما: لا يجوز لهما الإفطار، وهو قول القاضي أبي الطيّب وجمهور الأصحاب لأنه زال سبب الرّخصة قبل الترخص. واعلم أنّه لا يباح الفطر في شهر رمضان بسبب من الأسباب المتقدمة، ألّا إذا نوى المفطر الترخص بفطره، بأن يقصد أن الشارع رخّص له الفطر، وذلك ليحصل الفرق، والتمييز بين الفطر الجائز والفطر الممتنع.\nفلو أفطر بدون النّيّة المذكورة حرم عليه الفطر، وأثم به.\n(١) وأما قراءة نافع وابن عامر، فهي «فدية طعام مساكين»، وحجتهما في الإضافة أولا: أن الفدية غير الطعام، وأن الطعام إنما هو المفدى به الصوم، لا الفدية، فإذا كان كذلك فالصواب في القراءة إضافة الفدية إلى الطعام.\nوحجة الجمع أيضا: قوله قبلها: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ، ثم قال: أَيَّامًا مَعْدُوداتٍ قالوا: إنما عرف عباده حكم من أفطر الأيام التي كتب عليهم صومها بقوله: أَيَّامًا مَعْدُوداتٍ فإذا كان ذلك كذلك فالواجب أن تكون القراءة في «المساكين» على الجمع لا على التوحيد، ويكون تأويل الآية: وعلى الذين يطيقونه فدية أيام يفطر فيها إطعام مساكين، ثم تحذف «أياما» وتقيم «الطعام» مكانها.\nينظر: «حجة القراءات» (١٢٤، ١٢٥)، «السبعة» (١٧٦)، و«والكشف» (١/ ٢٨٢)، و«الحجة للقراء السبعة» (٢/ ٢٧٣)، و«شرح الطيبة» (٤/ ٩١)، و«معاني القراءات» (١/ ١٩٢)، و«شرح شعلة» (٢٨٤، ٢٨٥)، و«العنوان» (٧٣)، و«إتحاف فضلاء البشر» (١/ ٤٣٠) .","vol":"1","page":376},{"text":"الناس مَنْ أراد أن يصوم، صام، ومن أراد أن يفطر أطعم مسكينًا، وأفطر، ثم نسخ ذلك بقوله سبحانه: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ «١» [البقرة: ١٨٥] . وقالت فرقة: الآية في الشيوخ الذي يطيقونه بتكلُّف شديدٍ «٢»، والآيةُ عند مالك: إِنما هي فيمَنْ يدركه رمضانٌ ثانٍ، وعليه صومٌ من المتقدِّم، فقد كان يطيق في تلك المدة الصوْمَ، فتركه، والفديةُ عند مالك وجماعةٍ من العلماء: مُدٌّ لكلِّ مسكين.\nوقوله تعالى: فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ ... الآية: قال ابنُ عَبَّاس وغيره:\nالمراد مَنْ أطعم مسكينَيْنِ فصاعدًا «٣»، وقال ابن شِهَابٍ «٤»: من زاد الإطعام مع\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٢/ ١٣٩) برقم (٢٧٤٧)، وقال أحمد شاكر في «عمدة التفاسير» (٣/ ٤٢١): «عمر بن المثنى» هكذا في المطبوعة، وأنا أرجح أن يكون صوابه «محمد بن المثنى»، شيخ الطبري الذي يروي عنه كثيرا. ولم أجد من يسمى «عمر بن المثنى» إلا رجلا واحدا في «التهذيب»، و«لسان الميزان»، على أنه من التابعين ثم لم أجترئ على تصحيحه هذا، لاحتمال أن يكون من شيوخ الطبري الذين لم نجد تراجمهم.\nعبد الوهاب: هو ابن عبد المجيد الثقفي.\nعبد الله: هو ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، عرف بلقب «العمري» وهو ثقة مترجم في «التهذيب»، وابن أبي حاتم (٢/ ٢/ ١٠٩- ١١٠)، ومن المحتمل أن يكون في المطبوعة خطأ، وأن يكون صوابه «عبيد الله» بالتصغير، وهو أخو عبد الله أكبر منه، وأوثق عند أئمة الجرح والتعديل، وهو أحد الفقهاء السبعة. مترجم في «التهذيب»، وابن أبي حاتم (٢/ ٢/ ٣٢٦- ٣٢٧)، وهو وأخوه يشتركان في كثير من الشيوخ، منهم: «نافع مولى ابن عمر»، وإنما ظننت هذا الاحتمال لأن الحديث مروي من حديث «عبيد الله» .\nفرواه البيهقي في «السنن الكبرى» (٤/ ٢٠٠)، من طريق عبد الوهاب الثقفي، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر. ورواه البخاري مختصرا (٤/ ١٦٤، ٨/ ١٣٦) من طريق عبد الأعلى، وهو ابن عبد الأعلى، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر.\nورواه البيهقي أيضا من أحد طريقي البخاري.\nوالحديث صحيح بكل حال. اهـ.\nوذكره السيوطي في «الدر» (١/ ٣٢٥)، وعزاه لوكيع، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة في «المصنف»، والبخاري، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي في «سننه» . وذكره ابن عطية (١/ ٢٥٢)، عن ابن عمر، والشعبي، وسلمة بن الأكوع، وابن شهاب، ومعاذ بن جبل، وعلقمة، والنخعي، والحسن البصري.\n(٢) وذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٢٥٢) .\n(٣) أخرجه الطبري (٢/ ١٤٨) برقم (٢٨٠٢) عن ابن عباس بلفظ: «فزاد طعام مسكين آخر»، وذكره ابن عطية (١/ ٢٥٣)، والسيوطي في «الدر» (١/ ٣٢٧)، عن طاوس بلفظ: «إطعام مساكين»، وعزاه لعبد بن حميد. اهـ.\n(٤) محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة القرشي، -","vol":"1","page":377},{"text":"الصوم «١»، وقال مجاهدٌ: مَنْ زاد في الإِطعام على المدّ «٢»، وخَيْرًا الأول قد نُزِّل منزلة مالٍ، أو نفعٍ، وخَيْرٌ الثاني والثالثُ صفةُ تفضيلٍ.\nوقوله تعالى: إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ يقتضي الحضَّ على الصوْمِ، أي: فاعلموا ذلك وصوموا.\nت: وجاء في فضل الصومِ أحاديثُ صحيحةٌ مشهورةٌ، وحدث أبو بكر بْنُ الخَطِيبُ بسنده عن سهل بن سعد الساعديّ «٣» عن النبي ﷺ قَالَ: «مَنْ صَامَ يَوْمًا تَطوُّعًا، لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ أَحَدٌ، لَمْ يَرْضَ اللَّهُ لَهُ بِثَوَابٍ دُونَ الجَنَّةِ» «٤»، قال: وبهذا الإِسناد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ بمثله. انتهى «٥» .\n_________\n- الزهري، أبو بكر المدني، أحد الأئمة الأعلام وعالم الحجاز والشام. عن ابن عمر، وسهل بن سعد، وأنس، ومحمود بن الربيع، وابن المسيّب وخلق. وعنه أبان بن صالح، وأيوب، وإبراهيم بن أبي عبلة، وجعفر بن برقان، وابن عيينة، وابن جريج، والليث، ومالك وأمم. قال ابن المديني: له نحو ألفي حديث. قال ابن شهاب: ما استودعت قلبي شيئا فنسيته. وقال الليث: ما رأيت عالما قط أجمع من ابن شهاب. وقال أيوب: ما رأيت أعلم من الزهري، وقال مالك: كان ابن شهاب من أسخى الناس وتقيّا، ما له في الناس نظير. قال إبراهيم بن سعد: مات سنة أربع وعشرين ومائة.\nينظر: «تهذيب الكمال» (٣/ ١٢٦٩)، و«تهذيب التهذيب» (٩/ ٤٤٥)، و«تقريب التهذيب» (٢/ ٢٠٧)، و«خلاصة تهذيب الكمال» (٢/ ٤٥٧)، و«الكاشف» (٣/ ٩٦)، و«تاريخ البخاري الكبير» (١/ ٢٢٠)، و«تاريخ البخاري الصغير» (١/ ٥٦، ٣٢٠)، و«الجرح والتعديل» (٨/ ٣١٨) .\n(١) أخرجه الطبري (٢/ ١٤٩) برقم (٢٨١٣)، وذكره ابن عطية (١/ ٢٥٣) . [.....]\n(٢) أخرجه الطبري (٢/ ١٤٩) برقم (٢٨١٤)، وذكره ابن عطية (١/ ٢٥٣)، والبغوي في «التفسير» (١/ ١٥٠) .\n(٣) هو: سهل بن سعد بن مالك بن خالد بن ثعلبة بن حارثة بن عمرو بن الخزرج بن ساعدة بن كعب.\nأبو العباس. وقيل: أبو يحيى، الأنصاري، الساعدي.\nقال ابن الأثير في «الأسد»: شهد قضاء رسول الله ﷺ في المتلاعنين، وأنه فرق بينهما، وكان اسمه حزنا، فسماه رسول الله ﷺ سهلا. قال الزهري: رأى سهل بن سعد النبي ﷺ وسمع منه، وذكر أنه كان له يوم توفي النبي ﷺ خمس عشرة سنة. توفي سنة (٨٨) وله (٩٦) سنة.\nينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (٢/ ٤٧٢)، «الإصابة» (٣/ ١٤٠)، «الكاشف» (١/ ٤٠٧)، «تجريد أسماء الصحابة» (١/ ٢٤٤)، «الثقات» (٣/ ١٦٨)، «الاستيعاب» (٢/ ٦٦٤)، «تهذيب الكمال» (١/ ٥٥٥)، «تهذيب التهذيب» (٤/ ٢٥٢)، «تقريب التهذيب» (١/ ٣٣٦)، «الجرح والتعديل» (٤/ ٨٥٣)، «شذرات الذهب» (١/ ٦٣)، «الرياض المستطابة» (١١٠)، «الأعلام» (١/ ١٤٣) .\n(٤) أخرجه الخطيب في «تاريخ بغداد» (١/ ٢٧٨)، عن سهل بن سعد الساعدي.\n(٥) ينظر المصدر السابق.","vol":"1","page":378},{"text":"قال ابن عبد البَرِّ في كتابهِ المسمَّى ب «بهجةِ المَجالِسِ» قال أبو العالية: الصائمُ في عبادةٍ ما لم يغتَبْ.\nقال الشيخُ الصالحُ أبو عبد اللَّه محمَّد البلاليُّ الشافعيُّ في «اختصاره للإحياء»: وذكر السُّبْكِيُّ «١» في شرحه أن الغِيبَةَ تمنع ثوابَ الصوْمِ إِجماعًا، قال البلاليُّ: وفيه نظر لمشقَّة الاحتراز، نعم، إِن أكثر، توجَّهت المقالة. انتهى، وهذا الشيخ البلاليُّ لقيتُهُ، ورويتُ عنه كتابه هَذَا.\nوصحَّ عنه ﷺ أنَّهُ قَالَ: «إِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ، فُتِحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ» «٢» قال أبو عمر في «التمهيد» «٣»: وذلك لأن الصوْمَ جُنَّةٌ يستجنُّ بها العَبْدُ من النار، وتُفْتَحُ لهم أبواب الجنة لأن أعمالهم تزكو فيه، تقبل منهم، ثم أسند أبو عمر عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «أُعْطِيَتْ أُمَّتِي خَمْسَ خِصَالٍ فِي رَمَضَانَ، لَمْ تُعْطَهُنَّ أُمَّةٌ قَبْلَهَا: خُلُوفُ فَمِ الصَّائِم أَطْيَبُ/ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، وَتَسْتَغْفِرُ لَهُمُ الملائكة حتّى ٤٥ أيفطروا، وَيُزَيِّنُ اللَّهُ لَهُمْ كُلَّ يَوْمٍ جَنَّتَهُ، ثُمَّ يَقُولُ: يُوشِكُ عِبَادِي الصَّائِمُونَ أَنْ يُلْقُوا عَنْهُمْ المَئُونَةَ، والأذى، ثُمَّ يَصِيرُونَ إِلَيْكِ، وَتُصَفَّدُ «٤» فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ، فَلاَ يَخْلُصُونَ إلى مَا كَانُوا يَخْلُصُونَ إِلَيْهِ فِي غَيْرِهِ، ويَغْفِرُ لَهُمْ آخِرَ لَيْلَةٍ، قيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَهِيَ لَيْلَةُ القدر؟\n_________\n(١) علي بن عبد الكافي بن علي بن تمام بن يوسف بن موسى بن تمام، الأنصاري، الخزرجي، الشيخ الإمام الفقيه، المحدث، الحافظ، المفسر، المقرئ، الأصولي، المتكلم، النحوي، اللغوي، الأديب الحكيم، المنطقي، الجدلي، الخلافي، النظار، شيخ الإسلام، قاضي القضاة تقي الدين السبكي، ولد بسبك من أعمال الشرقية في صفر سنة ثلاث وثمانين وستمائة. قال ابن الرفعة: إمام الفقهاء ومصنفاته تزيد على المائة والخمسين. توفي في جمادى الآخرة سنة ست وخمسين وسبعمائة.\nينظر: «ابن قاضي شهبة» (٣/ ٦٠٣)، و«الدرر الكامنة» (٣/ ٥٨) و«شذرات الذهب» (٦/ ١٨٧) .\n(٢) أخرجه البخاري (٤/ ١٣٥) كتاب «الصوم»، باب هل يقال: رمضان، أو شهر رمضان، حديث (١٨٩٨، ١٨٩٩)، ومسلم (٢/ ٧٥٨)، كتاب «الصيام»، باب فضل شهر رمضان، حديث (١، ٢/ ١٠٧٩)، والنسائي (٤/ ١٢٦- ١٢٧)، كتاب «الصيام»، باب فضل شهر رمضان، وأحمد (٢/ ٣٥٧، ٤٠١)، والدارمي (٢/ ٢٦)، كتاب «الصوم»، باب في فضل شهر رمضان، وابن حبان (٣٤٣٤)، والبيهقي (٤/ ٢٠٢) كتاب «الصيام»، باب ما روي في كراهية قول القائل: جاء رمضان، وذهب رمضان. والبغوي في «شرح السنة» (٣/ ٤٤٦- بتحقيقنا)، من حديث أبي هريرة مرفوعا.\n(٣) ينظر: «التمهيد» (١٦/ ١٥٣) .\n(٤) صفده يصفده صفدا وصفودا وصفّده: أوثقه، وشدّه وقيّده في الحديد وغيره، وكذلك التصفيد.\nينظر: «لسان العرب» (٢٤٥٧) .","vol":"1","page":379},{"text":"قَالَ: لاَ، ولَكِنَّ العَامِلَ إِنَّمَا يوفى أَجْرَهُ إِذَا انقضى» «١»، قال أبو عمر: وفي سنده أبو المِقْدام، فيه ضعف، ولكنَّه محتملٌ فيما يرويه من الفضائل.\nوأسند أبو عمر عن الزهري، قال: «تسبيحة في رمضان أفضل من ألفِ تسبيحةٍ في غيره» . انتهى.\nت: وخرَّجه الترمذيُّ عن الزهري قال: «تَسْبِيحَةٌ فِي رَمَضَانَ أفضل من ألف تسبيحة في غيره» «٢» . انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-163>[سورة البقرة (٢): آية ١٨٥]</span>\nشَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَرِيضًا أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥)\nقوله تعالى: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ: الشَّهْرُ: مشتقٌّ من الاشتهار.\nقال ص: الشهر مصْدَرُ: شَهَر يَشْهر، إِذا ظهر، وهو اسم للمدَّة الزمانيَّة، وقال الزجَّاج: الشَّهْر: الهلالُ، وقيل: سمِّي الشهْرُ باسمِ الهلالِ. انتهى.\nورَمَضَانُ: عَلِقَهُ هذا الاسمُ من مُدَّة كان فيها في الرَّمَضِ، وشدَّة الحَرِّ، وكان اسمه قبل ذلك نَاثرًا «٣» .\nواختلف في إنزال القرآن فيه، فقال الضَّحَّاك: أنزل في فَرْضِهِ، وتعظيمِهِ، والحضِّ\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٢/ ٢٩٢)، والبزار (١/ ٤٥٨- كشف) رقم (٩٦٣)، من طريق هشام بن زياد، عن محمد بن محمد بن الأسود، عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعا.\nوقال البزار: لا نعلمه عن أبي هريرة مرفوعا، إلا بهذا الإسناد، وهشام بصري يقال له: هشام بن زياد أبو المقدام، حدث عنه جماعة من أهل العلم، وليس هو بالقوي في الحديث.\nوالحديث ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٣/ ١٤٣)، وقال: رواه أحمد، والبزار، وفيه هشام بن زياد أبو المقدام، وهو ضعيف. اهـ.\nوذكره الحافظ في «المطالب العالية» (٩٣٢)، وعزاه لأحمد بن منيع في «مسنده» .\n(٢) ذكره السيوطي في «الدر» (١/ ٣٤١)، عن الزهري، وعزاه للأصبهاني.\n(٣) الصواب كما في «اللسان» (٤٣٣٧) «ناتقا»، قال ابن منظور: «وناتق: شهر رمضان»، وحكاه عن ابن سيده وغيره.","vol":"1","page":380},{"text":"عليه «١»، وقيل: بدىء بنُزُوله فيه علَى النبيِّ ﷺ وقال ابنُ عبَّاس فيما يؤثر: أنزل إِلى السماء الدنيا جملةً واحدةً ليلةَ أربعٍ وعشرينَ من رمضان، ثم كان جبرئيل ينزله رِسْلًا رِسْلًا في الأوامر، والنواهي، والأسباب «٢»، وروى واثلة بن الأسقع عن النبيّ ﷺ أنَّهُ قَالَ: «نَزَلَتْ صُحُفُ إِبْرَاهِيمَ أَوَّلَ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَالتَّوْرَاةُ لِسِتٍّ مَضَيْنَ مِنْهُ، والإنجيل لثلاث عشرة، والقرآن لأربع وعشرين» «٣» .\nوهُدىً في موضع نصبٍ على الحال من القُرآن، فالمراد أن القرآن بجملته مِنْ مُحْكَمٍ ومتشابِهٍ وناسخٍ ومنسوخٍ- هُدًى ثم شُرِّفَ، بالذِّكْر، والتخصيصِ البيناتُ منه، يعني:\nالحلالَ والحرامَ والمواعظَ والمُحْكَمَ كلّه، فالألفُ واللامُ في الهدى للعهْدِ، والمراد الأول.\nقال ص: هُدىً: منصوبٌ على الحال، أي: هاديًا، فهو مصدرٌ وضع موضعَ اسم الفاعلِ، وذو الحال القُرآن، والعاملُ «أنزل» . انتهى.\nوالْفُرْقانِ: المفرّق بين الحق والباطل، وشَهِدَ: بمعنى حَضَر، والتقدير:\nمَنْ حضر المِصْرَ في الشَّهْر، فالشهر نصْبٌ على الظرف.\nوقوله سبحانه: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ.\nقال مجاهد، والضَّحَّاك: اليُسْر: الفِطْر في السفر، والعسر: الصوم في السفر «٤» .\nع «٥»: والوجْهُ عمومُ اللفظِ في جميع أمورِ الدينِ، وقد فسر ذلك قول النبيّ ﷺ: «دِينُ اللَّهِ يُسْرٌ» . «٦»\nقلتُ: قال ابْنُ الفاكهانيِّ في «شرح الأربعينَ» للنَّوويِّ: فإِن قلْتَ: قوله تعالى: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ... [الشرح: ٦] الآيةَ: يدلُّ على وقوع العسر قطعا، وقوله تعالى:\n_________\n(١) ذكره ابن عطية في «التفسير» (١/ ٢٥٤) .\n(٢) ذكره ابن عطية في «التفسير» (١/ ٢٥٤) .\n(٣) ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٣٤٣) وعزاه لابن جرير الطبري. [.....]\n(٤) أخرجه أحمد (٤/ ١٠٧) من حديث واثلة، وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ٢٠٢)، وقال: رواه أحمد، والطبراني في «الكبير» و«الأوسط»، وفيه عمران بن داود القطان، ضعفه يحيى، ووثقه ابن حبان، وقال أحمد: أرجو أن يكون صالح الحديث. وبقية رجاله ثقات.\n(٥) ذكره ابن عطية في «التفسير» (١/ ٢٥٥) .\n(٦) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٢٥٥) .","vol":"1","page":381},{"text":"يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ يدلُّ على نفي العسرِ قطعًا لأن ما لا يريده تعالى، لا يكون بإجماع أهل السنة، قلْتُ: العسرُ المنفيُّ غير المثبت، فالمنفيُّ: إنما هو العسر في الأحكام، لا غير، فلا تعارض. انتهى.\nوترجم البخاريُّ في «صحيحه» قول النبيّ ﷺ: «يَسِّرُوا وَلاَ تُعَسِّرُوا»، وَكَانَ يُحِبُّ التَّخْفِيفَ وَاليُسْرَ عَلَى النَّاسِ. ثم أسند هو ومسلمٌ عن أنس، قال: قال النّبيّ ﷺ: «يسروا ولا ٤٥ ب تُعَسِّرُوا، وَسَكِّنُوا وَلاَ تْنَفِّرُوا» «١» وأسند البخاريُّ ومسلم عن النبيّ ﷺ/ أنه قال لأبِي موسى، ومعاذٍ «٢»: «يَسِّرَا وَلاَ تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا وَلاَ تُنَفِّرَا» «٣» . قال البخاريُّ: حدَّثنا أبو النعمان «٤»، قال:\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١/ ١٩٦) كتاب «العلم»، باب ما كان النبي ﷺ يتخولهم بالموعظة، حديث (٦٩)، (١٠/ ٥٢٤) كتاب «الأدب»، باب قول النبي ﷺ: «يسروا ولا تعسّروا» حديث (٦١٢٥)، وفي «الأدب المفرد» رقم (٤٦٩)، ومسلم (٣/ ١٣٥٩) كتاب «الجهاد والسير»، باب في الأمر بالتيسير، وترك التنفير، حديث (٨/ ١٨٣٤) . وأحمد (٣/ ١٣١، ٢٠٩)، وأبو يعلى (٧/ ١٨٧) رقم (٤١٧٢)، والبغوي في «شرح السنة» (٥/ ٣١٥- بتحقيقنا)، من طريق أبي التياح عن أنس مرفوعا.\n(٢) هو: معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس بن عائذ بن عدي بن كعب بن عمرو بن أديّ بن علي بن أسد بن ساردة ... أبو عبد الرحمن، الخزرجي، الأنصاري. ثم الجشمي.\nهو من صحابة رسول الله ﷺ وقد روى عنه من الصحابة عمر، وابنه عبد الله، وأبو قتادة، وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك، وأبو ليلى الأنصاري، ومن التابعين جنادة بن أبي أمية، وعبد الرحمن بن علم وأبو إدريس وغيرهم. توفي قيل: في طاعون «عمواس» سنة (١٨ أو ١٧) وله (٣٨) سنة وقيل: (٣٣)، وقيل: (٣٤) .\nتنظر ترجمته في: «أسد الغابة» (٥/ ١٩٤)، «الإصابة» (٦/ ١٠٦)، «الثقات» (٣/ ٣٦٨)، «تجريد أسماء الصحابة» (٢/ ٨٠)، «بقي بن مخلد» (٢٦)، «الاستيعاب» (٣/ ١٤٠٢)، «الاستبصار» (٤٨، ٧١، ١٢٦)، «شذرات الذهب» (١/ ٣٠، ٦٢، ٦٣)، «الجرح والتعديل» (٨/ ٤٤)، «غاية النهاية» (٢/ ٣٠١)، «العبر» (١/ ٧٨)، «تهذيب التهذيب» (١٠/ ١٨٦)، «تهذيب الكمال» (٣/ ١٣٣٨)، «سير أعلام النبلاء» (١/ ٤٤٣)، «المصباح المضيء» (١/ ٦٦)، «الأعلام» (٧/ ٢٥٨)، «الطبقات الكبرى» (٩/ ١٨٤) .\n(٣) أخرجه البخاري (٧/ ٦٦٠)، كتاب «المغازي»، باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن قبل حجة الوداع، حديث (٤٣٤٥)، ومسلم (٣/ ١٣٥٩)، كتاب «الجهاد والسير»، باب في الأمر بالتيسير، وترك التنفير، وأحمد (٤/ ٤٠٩) .\n(٤) تصحف في المطبوعة إلى «أبو اليمان»، وأبو النعمان هو: محمد بن الفضل السّدوسي، أبو النّعمان البصري، الحافظ الملقب ب «عارم» . عن الحمّادين، ومهدي بن ميمون، ووهيب بن خالد، وخلق.\nوعنه البخاري، وأحمد بن حنبل، ومحمد بن يحيى، وعبد بن حميد وخلق. اختلط عارم. قال أبو حاتم: ثقة، من سمع منه قبل سنة عشرين ومائتين، فسماعه جيد. قال عاصم بن عمر المقدّمي: مات ستة أربع وعشرين ومائتين.\nينظر: «الخلاصة» (٢/ ٤٤٩)، و«تهذيب التهذيب» (٩/ ٤٠٢)، و«الكاشف» (٣/ ٨٩)، و«التقريب» (٢/ ٢٠٠)، و«المغني» (٥٩٠٣) .","vol":"1","page":382},{"text":"حدَّثنا حمَّاد بْنُ زَيْدٍ «١»، عن الأزرقِ بْن قَيْسٍ «٢» . قال: «كُنَّا على شَاطِىءِ نَهْرٍ بِالأَهْوَاز «٣» قَدْ نَضَبَ عَنْهُ المَاءُ، فَجَاءَ أَبُو بَرْزَةَ الأَسْلَمِيُّ «٤» على فَرَسٍ، فصلى وخلى فَرَسَهُ، فانطلق الفَرَسُ فَتَرَكَ صَلاَتَهُ، وَتَبِعَهَا حتى أَدْرَكَهَا، فَأَخَذَهَا، ثُمَّ جَاءَ، فقضى صَلاَتَهُ، وفِينَا رَجُلٌ لَهُ رَأْيٌ، فَأَقْبَلَ يَقُولُ: انظروا إِلَى هَذَا الشَّيْخِ، تَرَكَ صَلاَتَهُ مِنْ أَجْلِ فَرَسٍ، فَأَقْبَلَ، فَقَالَ: مَا عَنَّفَنِي أَحَدٌ مُنْذُ فَارَقْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: وَقَالَ: إِنَّ مَنْزِلِي مْنْزَاحٌ، فَلَوْ صَلَّيْتُ وَتَرَكْتُهُ، لَمْ آتِ أَهْلِي إِلَى اللَّيْلِ، وذكَر أنّه قد صحب النّبيّ ﷺ فرأى من تَيْسِيرِهِ «٥» . انتهى.\nوقوله تعالى: وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ: معناه: ولْيُكْمِلْ من أَفْطَرَ في سفره، أو في مرضه عدَّةَ الأيام التي أفطر فيها.\n_________\n(١) حماد بن زيد بن درهم الأزدي، أبو إسماعيل الأزرق، البصري، الحافظ، مولى جرير بن حازم، وأحد الأعلام. عن أنس بن سيرين، وثابت، وعاصم بن بهدلة، وابن واسع، وأيوب وخلق كثير. وعنه إبراهيم بن أبي عبلة، والثوري، وابن مهدي، وأبو الرّبيع الزّهراني وابن المديني وخلائق. قال ابن مهدي: ما رأيت أحفظ منه، ولا أعلم بالسنة، ولا أفقه ب «البصرة» منه. وقال أحمد: من أئمة المسلمين. قال خالد بن خداش: توفي سنة سبع وتسعين ومائة عن إحدى وثمانين سنة.\nينظر: «الخلاصة» (١/ ٢٥١)، و«تهذيب التهذيب» (٣/ ٩)، و«التقريب» (١/ ١٩٧)، و«الكاشف» (١/ ٢٥١)، و«الثقات» (٦/ ٢١٧) .\n(٢) أزرق بن قيس الحارثي بلحارث بن كعب بصري. عن أبي برزة وعبد الله بن عمرو وأنس. وعنه الحمّادان وشعبة، ووثقه النسائي. قال الذهبي: بقي إلى حدود العشرين ومائة.\nينظر: «الخلاصة» (١/ ٦٤)، و«تهذيب التهذيب» (١/ ٢٠٠)، و«التقريب» (١/ ٥١)، و«الكاشف» (١/ ١٠٢)، و«الثقات» (٤/ ٦٢) .\n(٣) أصله أحواز جمع «حوز» أبدلته الفرس لأنه ليس في كلامهم حاء، وكان اسمها في أيام الفرس «خوزستان» . وقيل: اسمها هرمز شهر، وأهل هذه البلاد بأسرها يقال لهم الحوز. ينظر: «مراصد الاطلاع» (١/ ١٣٥) .\n(٤) أبو برزة الأسلمي. قال ابن الأثير في «الأسد»: اختلف في اسمه واسم أبيه وأصح ما قيل فيه: نضلة بن عبيد قاله أحمد بن حنبل وابن معين، وقال غيرهما: نضلة بن عبد الله ويقال: نضلة بن عابد، وقال الخطيب أبو بكر عن الهيثم بن عدي: اسم أبي برزة خالد بن نضلة. نزل البصرة وله بها دار وسار إلى خراسان فنزل مرو وعاد إلى البصرة.\nينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (٦/ ٣١)، «الإصابة» (٦/ ٢٣٧)، «تجريد أسماء الصحابة» (٢/ ١٥١)، «بقي بن مخلد» (١٢٣)، «الاستيعاب» (٤/ ١٦١٠)، «تقريب التهذيب» (٢/ ٢٩٤)، «تهذيب التهذيب» (٢/ ٢٠)، «تهذيب الكمال» (٣/ ١٥٨٠)، «المصباح المضيء» (١/ ٢٠٨)، «التاريخ الصغير» (١/ ١٢٨)، «الكنى والأسماء» (١٩)، «التاريخ لابن معين» (٢/ ١٥١)، «التاريخ الكبير» (٩/ ٩٢)، تبصير المنتبه» (٤/ ١٤٧٢) .\n(٥) أخرجه البخاري (١٠/ ٥٤١)، كتاب «الأدب»، باب قول النبي ﷺ: «يسّروا ولا تعسروا» حديث (٦١٢٧) .","vol":"1","page":383},{"text":"وقوله تعالى: وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ حضٌّ على التكبير في آخر رمضان.\nقال مالكٌ: وهو من حينِ يَخْرُجُ الرجلُ من منزله إِلى أنْ يخرج الإِمامُ إلى المصلى، ولفظه عند مالك وجماعةٍ من العلماء: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ ثلاثًا.\nومن العلماء من يكبِّر، ويهلِّل، ويسبِّح أثناء التكبيرِ، ومنهم من يقول: اللَّه أكبر كبيرًا، والحمدُ للَّهِ كَثيرًا، وسبحانَ اللَّهِ بُكْرةً وأصيلًا، وقيل غير هذا. والجميعُ حسن واسع مع البداءة بالتكبير.\nوهَداكُمْ: قيل: المرادُ: لِمَا ضَلَّ فيه النصارى من تبديلِ صيامِهِمْ، وتعميمُ الهدى جيدٌ.\nوَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ترجٍّ في حق البَشَر، أي: على نعم اللَّه في الهدى.\nص: وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ علَّةَ الترخيصِ والتيسيرِ، وهذا نوعٌ من اللَّفِّ لطيفُ المسلك انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-164>[سورة البقرة (٢): آية ١٨٦]</span>\nوَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)\nوقوله جلَّ وعلا: وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ ... الآيةَ.\nقال الحسنُ بْنُ أبي الحَسَن: سببُها أن قوما قالوا للنبيّ ﷺ: «أَقَرِيبٌ رَبُّنَا فَنُنَاجِيَهُ، أَمْ بَعِيدٌ فَنُنَادِيَهُ»، فنزلتِ الآية «١» .\nوأُجِيبُ: قال قومٌ: المعنى: أجيبُ إِن شئْتُ، وقال قوم: إِن اللَّه تعالى يجيب كلَّ الدعاء، فإِما أن تظهر الإِجابةُ في الدنيا، وإما أن يكفِّر عنه، وإِما أن يُدَّخَرَ له أجرٌ في الآخرة، وهذا بحَسَب حديثِ «الموطَّإِ»، وهو: «مَا مِنْ دَاعٍ يَدْعُو إِلاَّ كَانَ بين إحدى ثلاث ...» «٢» الحديث.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٢/ ١٦٥) برقم (٢٩١٣)، وقال شاكر في «عمدة التفاسير» (٣/ ٤٨١): «وهذا الإسناد صحيح إلى الحسن، ولكن الحديث ضعيف لأنه مرسل لم يسنده الحسن عن أحد من الصحابة» .\nوأخرجه عبد الرزاق في تفسيره (١/ ٧٣)، وابن كثير (١/ ٢١٨) .\n(٢) أخرجه مالك في «الموطأ» (١/ ٢١٨) . كتاب «القرآن»، باب العمل في الدعاء حديث (٤١) . [.....]","vol":"1","page":384},{"text":"ت: وليس هذا باختلاف قولٍ.\nقال ابن رُشْدٍ في «البيان»: الدعاءُ عبادةٌ من العبادات يؤْجر فيها الأجر العظيم، أَجيبَتْ دعوته فيما دعا به، أو لم تُجَبْ، وهأنا أنقل، إِن شاء اللَّه، من صحيح الأحاديث في هذا المَحَلِّ ما يَثْلَجُ له الصَدْرُ، وعن أنسٍ﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ:\n«لاَ تَعْجِزُوا عَنِ الدُّعَاءِ فَإِنَّهُ لَنْ يَهْلِكَ مَعَ الدُّعَاءِ أَحَدٌ» رواه الحاكم أبو عبد اللَّه في «المُسْتَدْرَكِ» على الصحيحين، وابن حِبَّانَ في «صحيحه»، واللفظ له، وقال الحاكم:\nصحيحُ الإِسناد «١»، وعن أبي هريرة﵁- قال: قال رسول الله ﷺ: «الدُّعَاءُ:\nسِلاَحُ المُؤْمِنِ، وَعِمَادُ الدِّينِ، وَنُورُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ» رواه الحاكم في «المستدرك»، وقال: صحيحٌ «٢»، وعن جابرِ بن عبدِ اللَّهِ﵄- عن النبيّ ﷺ قَالَ: «يَدْعُو اللَّهُ بِالمُؤْمِنِ يَوْمَ القِيَامَةِ حتى يُوقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَيَقُولُ: عَبْدِي، إِنِّي أَمَرْتُكَ أَنْ تَدْعُونِي، وَوَعَدْتُّكَ أَنْ أَسْتَجِيبَ لَكَ، فَهَلْ كُنْتَ تَدْعُونِي، فَيَقُولُ: نَعَمْ، يَا رَبِّ، / فَيَقُولُ: أما إنّك لم ٤٦ أتدعني بِدَعْوَةٍ إِلاَّ استجبت لَكَ، أَلَيْسَ دَعَوْتَنِي يَوْمَ كذا وكذا لغم نزل بك أن أفرج عَنْكَ فَفَرَّجْتُ عَنْكَ؟! فَيَقُولُ: نَعَمْ، يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: فَإِنِّي عَجَّلْتُهَا لَكَ فِي الدُّنْيَا، وَدَعَوْتَنِي يوم كذا وكذا لغم نزل بك، أن أُفَرِّجَ عَنْكَ، فَلَمْ تَرَ فَرَجًا؟ قَالَ: نَعَمْ، يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: إِنِّي ادخرت لَكَ بِهَا فِي الجَنَّةِ كَذَا وَكَذَا [و] كَذَا وَكَذَا، وَدَعَوْتَنِي فِي حَاجَةٍ أَقْضِيهَا لَكَ فِي يَوْمِ كَذَا وَكَذَا، فَقَضَيْتُهَا، فَيَقُولُ: نَعَمْ، يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: فَإِنِّي عَجَّلْتُهَا لَكَ فِي الدُّنْيَا، وَدَعَوْتَنِي فِي يَوْمِ كَذَا وَكَذَا فِي حَاجَةٍ أَقْضِيهَا لَكَ، فَلَمْ تَرَ قَضَاءَهَا، فَيَقُولُ: نَعَمْ، يَا رَبِّ، فَيَقُولُ:\nإِنِّي ادخرت لَكَ فِي الجَنَّةِ كذا وكذا، قال رسول الله ﷺ: «فَلاَ يَدَعُ اللَّهُ دَعْوَةً دَعَا بِهَا عَبْدُهُ المُؤْمِنُ إِلاَّ بَيَّنَ لَهُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَجَّلَ لَهُ فِي الدُّنْيَا، وإِمَّا أَنْ يَكُونَ ادخر لَهُ فِي الآخِرَةِ، قَالَ:\nفَيَقُولُ المُؤْمِنُ فِي ذَلِكَ المَقَامِ: يَا لَيْتَهُ لَمْ يَكُنْ عُجِّلَ لَهُ شَيْءٌ مِنْ دُعَائِهِ»، رواه الحاكم في «المستدرك» «٣» .\n_________\n(١) أخرجه ابن حبان (٣/ ١٥٢- ١٥٣) رقم (٨٧١)، والحاكم (١/ ٤٩٣- ٤٩٤)، من طريق عمر بن محمد الأسلمي، عن ثابت عن أنس مرفوعا.\n(٢) أخرجه الحاكم (١/ ٤٩٢)، وابن عدي في «الكامل» (٦/ ٢١٨١)، وأبو يعلى (١/ ٣٤٤) رقم (٤٣٩) .\nكلهم من طريق محمد بن الحسن بن أبي يزيد الهمداني، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، عن علي مرفوعا. وليس عن أبي هريرة كما ذكره المؤلف. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح، ووافقه الذهبي، والحديث ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ١٥٠)، وقال: رواه أبو يعلى، وفيه محمد بن الحسن بن أبي يزيد، وهو متروك.\n(٣) أخرجه الحاكم (١/ ٤٩٤)، وأبو نعيم في «الحلية» (٦/ ٢٠٨)، من طريق الفضل بن عيسى، عن-","vol":"1","page":385},{"text":"وعن ثَوْبَانَ﵁- قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ: «لاَ يَرُدُّ القَدَرِ إِلاَّ الدُّعَاءُ»، رواه الحاكمُ في «المُسْتَدْرَكِ»، وابنُ حِبَّانَ في «صحيحه»، واللفظ للحاكمِ، وقال: صحيحُ الإِسناد «١» .\nقلت: وقد أخرج ابن المبارك في «رقائقه» هذا الحديثَ أيضًا، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن عبد اللَّه بن عيسى عن عبد اللَّه بن أبي الجَعْد «٢»، عن ثوبان «٣»، قال: قال رسول\n_________\n- محمد بن المنكدر، عن جابر مرفوعا.\nوقال الحاكم: هذا حديث تفرد به الفضل بن عيسى الرقاشي، ومحله محل من لا يتهم بالوضع، ووافقه الذهبي، والفضل بن عيسى، قال الحافظ في «التقريب»: متروك.\n(١) أخرجه ابن ماجة (٢/ ١٣٣٤)، كتاب «الفتن»، باب العقوبات حديث (١٠٢٢)، وأحمد (٥/ ٢٧٧، ٢٨٠، ٢٨٢)، والحاكم (١/ ٤٩٣)، وابن أبي شيبة (١٠/ ٤٤١- ٤٤٢)، والطحاوي في «مشكل الآثار» (٤/ ١٦٩)، وأبو نعيم في «ذكر أخبار أصبهان» (٢/ ١٠)، والقضاعي في «مسند الشهاب» (٨٣١)، من حديث ثوبان مرفوعا.\nقال البوصيري في «الزوائد»: هذا إسناد حسن، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وصححه ابن حبان.\n(٢) عبد الله بن أبي الجعد الأشجعي. عن ثوبان. وعنه عبد الله بن عيسى بن أبي ليلى. له عند كل منهما فرد حديث. وثقه ابن حبان. ينظر: «الخلاصة» (٢/ ٤٦) .\n(٣) هو: ثوبان بن بجدد. مولى رسول الله ﷺ.\nقال ابن الأثير في «الأسد»: هو من «حمير» من «اليمن»، وقيل: هو من سعد العشيرة من «مذحج»، أصابه سباء، فاشتراه رسول الله ﷺ فأعتقه، وقال له: «إن شئت أن تلحق بمن أنت منهم، وإن شئت أن تكون منا أهل البيت» . فثبت على ولاء رسول الله ﷺ، ولم يزل معه سفرا وحضرا إلى أن توفي رسول الله ﷺ، فخرج إلى الشام فنزل إلى «الرملة» وابتنى بها دارا، وابتنى ب «مصر» دارا، وب «حمص» دارا، وتوفي بها سنة (٥٤) .\nروى عن النبي ﷺ أحاديث ذوات عدد.\nروى عنه شداد بن أوس، وجبير بن نفير، وأبي إدريس الخولاني، وأبي سلام ممطور الحبشي، ومعدان بن أبي طلحة، وأبي الأشعث الصنعاني، وأبي أسماء الرحبي، وغيرهم.\nقال البرقي: روي عنه نحو من خمسين حديثا.\nتوفي ب «حمص» سنة (٥٤) .\nتنظر ترجمته في: «أسد الغابة» (١/ ٢٩٦)، «الإصابة» (١/ ٢١٢)، «الثقات» (٣/ ٤٨)، «الاستيعاب» (١/ ٢١٨)، «تجريد أسماء الصحابة» (١/ ٧)، «العبر» (١/ ٥٩)، «در السحابة» (٧٥٩)، «صفة الصفوة» (٦٧٠)، «الحلية» (١/ ٣٥٠)، «التحفة اللطيفة» (١/ ٤٠١)، «الوافي بالوفيات» (١١/ ٢١)، «التاريخ الكبير» (٢/ ١٨١)، «الجرح والتعديل» (٢/ ٤٦٩)، «تنقيح المقال» (١٥٧٨)، «الزهد» لوكيع (١٤٠)، «بقي بن مخلد» (٣٤)، «تهذيب الكمال» (١/ ١٧٦، ٤/ ٤١٣)، «تهذيب التهذيب» (٢/ ٣١)، «تقريب التهذيب» (١/ ١٢٠)، «مشاهير علماء الأمصار» (٣٢٤) .","vol":"1","page":386},{"text":"الله ﷺ: «لاَ يَرُدُّ القَضَاءَ إِلاَّ الدُّعَاءُ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ» «١» . انتهى.\nوعن عائشةَ﵂- قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لاَ يُغْنِي حَذَرٌ مَنْ قَدَرٍ، وَالدُّعَاءُ يَنْفَعُ مِمَّا نَزَلَ وَمِمَّا لَمْ يَنْزِلْ، وَإنَّ البَلاَءَ لَيَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ، فَيَتَلَقَّاهُ الدُّعَاءُ، فَيَعْتَلِجَانِ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ» رواه الحاكم في «مستدركه»، وقال: صحيحُ الإِسناد «٢»، وقوله «فَيَعْتَلِجَانِ»، أي: يتصارعان.\nوعن سَلْمَانِ»\n- ﵁- قال: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُسْتَجَابَ لَهُ عِنْدَ الكُرَبِ، وَالشَّدَائِدِ، فَلْيُكْثِرِ الدُّعَاءَ فِي الرَّخَاءِ»، رواه الحاكمُ أيضًا، وقال: صحيحُ الإِسناد «٤»، وعن ابْنِ عمر﵄- قال: قال رسول الله ﷺ: «من فتح له في\n_________\n(١) أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (ص ٢٩) رقم (٨٦) .\n(٢) أخرجه الحاكم (١/ ٤٩٢)، والخطيب في «تاريخ بغداد» (٨/ ٤٥٣)، وابن الجوزي في «العلل» (٢/ ٣٥٩)، من طريق زكريا بن منظور، عن عطاف بن خالد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة مرفوعا.\nوقال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وتعقّبه الذهبي فقال: زكريا بن منظور مجمع على ضعفه.\nوقال ابن الجوزي: لا يصح، قال يحيى: زكريا ليس بثقة، وقال الدارقطني: متروك.\nوالحديث ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ١٤٩)، وقال: رواه الطبراني في «الأوسط»، والبزار، وفيه زكريا بن منظور، وثقه أحمد بن صالح المصري، وضعفه الجمهور، وبقية رجاله ثقات.\n(٣) هو: سلمان بن الإسلام. وسلمان الخير، وسلمان الفارسي. أبو عبد الله. مولى رسول الله ﷺ.\nكان اسمه قبل الإسلام: مابه بن بوذخشان بن مورسلان بن بهبوذان بن فيروز بن سهرك، من ولد آب الملك.\nوأول مشاهده مع رسول الله ﷺ الخندق، ولم يتخلف عن مشهد بعد الخندق، وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين أبي الدرداء.\nومما ذكر في مناقبه قول النبي ﷺ: «إن الجنة تشتاق إلى ثلاثة: عليّ وعمار، وسلمان»، كان سلمان من خيار الصحابة وزهادهم وفضلائهم وذي القرب من رسول الله ﷺ. روى عنه ابن عباس، وأنس، وعقبة بن عامر، وأبو سعيد، وكعب بن عجرة، وأبو عثمان النهدي. وغيرهم.\nتوفي سنة (٣٥) آخر خلافة عثمان.\nتنظر ترجمته في: «أسد الغابة» (٢/ ٤١٧)، «الإصابة» (٣/ ١١٣)، «الاستيعاب» (٢/ ٦٣٤)، «الاستبصار» (١٢٥)، «الرياض المستطابة» (١٠٢)، «حلية الأولياء» (٦/ ٣٦٧)، «الطبقات الكبرى» (٩/ ٨٤)، «صفة الصفوة» (١/ ٥٢٣)، «التاريخ الكبير» (٤/ ١٣٤)، «التاريخ الصغير» (١/ ٧١)، «تاريخ بغداد» (١/ ١٦٣)، «الكاشف» (١/ ٣٨٢)، «تاريخ جرجان» (٦٤، ١٣٨)، «التحفة اللطيفة» (١٦٧) .\n(٤) أخرجه الحاكم (١/ ٥٤٤)، من طريق عبد الله بن صالح، ثنا معاوية بن صالح، عن أبي عامر الألهاني، عن أبي هريرة مرفوعا. -","vol":"1","page":387},{"text":"الدُّعَاءِ مِنْكُمْ، فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الجَنَّةِ» «١»، قال الغَزَّالِيُّ﵀- في كتابِ «الإِحياء»:\n«فإِن قلت: فما فائدة الدعاء، والقضاء لا يرد؟ فاعلمْ أنَّ من القضاءِ رَدَّ البلاء بالدعاءِ، فالدعاءُ سببٌ لردِّ البلاء، واستجلابٌ للرحمة كما أن التُّرْس سبب لردِّ السهم، ثم في الدعاءِ من الفائدة أنه يستدْعِي حضورَ القَلْب، مع اللَّه ﷿، وذلك منتهى العبادَاتِ، فالدعاء يردّ القلب إلى الله ﷿ بالتضرُّع والاستكانةِ»، فانظره، فإِني اثرت الاختصار، وانظر «سِلاَحَ المُؤْمن» الذي منه نقلْتُ هذه الأحاديثَ.\nومن «جامع الترمذيِّ» . عن أبي خُزَامَةَ «٢»، واسمه رفاعة، عن أبيه، قال: سألت رسول الله ﷺ، فقلت: يا رسول الله، أرأيت رقى نسترقيها، ودواء نتداوى به، وتقاة نتقيها، هل ترد من قدر الله شيئا؟ قال: هي من قدر اللَّهُ» قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيحٌ «٣» .\nوانظر جوابَ عمر لأبي عُبَيْدة «نَعَمْ، نَفِرُّ من قدر اللَّه إِلى قدر اللَّه ...» الحديث هو من هذا المعنى. انتهى، والله الموفق بفضله.\n٤٦ ب وقوله تعالى: فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي/ قال أبو رجاء الخُرَاسانِيُّ «٤»: معناه: «فَلْيَدْعُونِي» .\nقال ع «٥»: المعنى: فليطلبوا أن أجيبهم، وهذا هو بابُ «استفعل»، أي: طلب\n_________\n- وقال الحاكم: صحيح الإسناد، احتج البخاري بابن صالح. وأبو عامر الألهاني أظنه الهوزني، وهو صدوق. ووافقه الذهبي.\nوأخرجه الترمذي (٣٣٨٢)، من طريق شهر بن حوشب، عن أبي هريرة مرفوعا. وقال الترمذي:\nغريب.\n(١) أخرجه الحاكم (١/ ٤٩٨) .\nوقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وتعقبه الذهبي فقال: المليكي ضعيف.\n(٢) أبو خزامة. ذكره المؤلف (رحمنا الله وإياه) بغير نسبة، قال ابن الأثير: كان يسكن «الجناب»، وهي أرض عذرة. له صحبة، عداده من أهل «الحجاز» . روى عن عطاء بن يسار.\nينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (٦/ ٨٨)، و«الإصابة» (٧/ ٥١)، و«بقي بن مخلد» (٣١٩) . [.....]\n(٣) أخرجه الترمذي (٤/ ٣٩٩- ٤٠٠)، كتاب «الطب»، باب ما جاء في الرقى والأدوية، حديث (٢٠٦٥)، وابن ماجة (٢/ ١٣٧)، كتاب «الطب»، باب ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء، حديث (٣٤٣٧) .\nوقال الترمذي: حديث حسن صحيح.\n(٤) عبد الله بن واقد بن الحارث، الحنفي، أبو رجاء الهروي. عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، وأبي هارون العبدي. وعنه إسحاق بن منصور السّلولي. وثقه أحمد وابن معين. ينظر: «الخلاصة» (٢/ ١٠٨) .\n(٥) «المحرر الوجيز» (١/ ٢٥٦) .","vol":"1","page":388},{"text":"الشيء إِلا ما شَذَّ مثل: استغنى اللَّهُ.\nوقال مجاهد وغيره: المعنى: فليجيبوا لي فيما دعوتهم إِلَيْه من الإِيمان، أي:\nبالطاعة، والعملِ «١» .\nفائدةٌ: قال صاحب «غاية المَغْنَم في اسم اللَّه الأَعْظَم» وهو إِمام عارفٌ «٢» بعلْمِ الحديث، وكتابه هذا يَشْهَدُ له، قال: ذكر الدِّينَوَرِيُّ «٣» في «كتاب المُجَالَسَة»، عن ليثِ بنِ سُلَيْمٍ أن رجلًا وقَفَ على قوم، فقال: مَنْ عنده ضيافةٌ هذه الليلةَ، فسكَتَ القومُ، ثم عاد، فقالَ رجُلٌ أعمى: عندي، فذَهَبَ بِهِ إلى منزله، فعشَّاه، ثم حدَّثه ساعةً، ثم وضع لهُ وَضُوءًا، فقام الرجُلُ في جَوْف اللَّيْلِ، فتوضَّأ، وصلى ما قُضِيَ له، ثم جَعَلَ يدعو، فانتبه الأعمى، وجَعَلَ يسمع لدْعَائِهِ، فقال: اللَّهُمَّ، ربَّ الأرواحِ الفانيةِ، والأجسادِ الباليةِ، أسألُكَ بطَاعَةِ الأرواحِ الرَّاجعَةِ إلى أجسادها، وبطاعةِ الأَجْسَادِ الملتئمَةِ في عروقها، وبطاعة القُبُور المتشقِّقة عن أهلها، وبدَعْوتِكَ الصادقةِ فيهم، وأخذِكَ الحقَّ منهم، وتبريز الخلائقِ كلِّهم من مخافَتِكَ ينتظرُونَ قضاءَكَ، ويرْجُون رحمتَكَ، ويخافُونَ عذابَكَ، أَسأَلُك أنْ تَجْعَلَ النُّور في بَصَري، والإِخلاصَ في عَمَلِي، وشُكْرَكَ في قَلْبِي، وذِكْرَكَ في لِسَانِي في الليلِ والنهارِ، ما أبقيتَنِي، قال: فَحَفِظَ الأعمى هذا الدعاءَ، ثم قَامَ، فَتَوضَّأ، وصلى ركعتَيْنِ، ودعا به فأصْبَحَ قدْ رَد اللَّهُ عليه بَصَرَهُ. انتهى من «غاية المَغْنَم في اسم اللَّه الأعظَم»، وإِطلاَقُ الفناءِ على الأرواحِ فيه تجوُّز، والعقيدةُ أن الأرواح باقيةٌ لا تفنى، وإِنَّما عبر عن مفارقتها لأجسادها بالفَنَاءِ، هذا هو مراده.\nوروى ابنُ المبارك في «رقائقه» بسنده عن النبيّ ﷺ أنه قَالَ: «إِنَّ القُلُوبَ أَوْعِيَةٌ، وَبَعْضُهَا أوعى مِنْ بَعْضٍ، فادعوا اللَّهَ أَيُّهَا النَّاسُ، حِينَ تَدْعُونَ، وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالإِجَابَةِ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَجِيبُ لِعَبْدٍ دَعَاهُ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ غَافِلٍ» «٤» . انتهى.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٢/ ١٦٦) برقم (٢٩٢١) بلفظ: قوله: «فليستجيبوا لي» قال: فليطيعوا لي. قال:\n«الاستجابة» الطاعة، وذكره ابن عطية (١/ ٢٥٦) .\n(٢) وهو الشيخ تاج الدين علي بن محمد بن الدريهم الموصلي، المتوفى سنة اثنتين وستين وسبعمائة، وكتابه هذا ذكره حاجي خليفة بعنوان «غاية المغنم في الاسم الأعظم»، وذكر عنه أنه أورد فيه من الأحاديث وأقوال العلماء. ينظر: «كشف الظنون» (١١٩٤) .\n(٣) «المجالسة» - لأحمد بن مروان الدينوري المالكي، المتوفى سنة ٣١٠ عشرة وثلاثمائة، ضمّنه من كتب الأحاديث والأخبار ومحاسن النوادر والآثار، ومنتفى الحكم والأشعار، وانتخب منه بعضهم وسماه «نخبة المؤانسة من كتاب المجالسة» . ينظر: «كشف الظنون» (٢/ ١٥٩١) .\n(٤) أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (٢/ ٢١) .","vol":"1","page":389},{"text":"قال ابن عطاء الله في «لطائف المنن»: وإِذا أراد اللَّه أن يعطِيَ عبدًا شيئًا وهبه الاضطرار إِلَيْهِ فيه، فيطلبه بالاِضطرارِ، فيعطى، وإِذا أراد اللَّه أن يمنع عبدًا أمرًا، منعه الاضطرَار إِلَيْه فيه، ثم منعه إِياه، فلا يُخَافُ علَيْكَ أن تضطرَّ، وتطلب، فلا تعطى، بل يُخَافُ عليك أنْ تُحْرَمَ الاضطرارَ، فتحرم الطَّلَب، أو تَطْلُب بغير اضطرارٍ، فتحرم العطاء.\nانتهى.\nوقوله سبحانه: وَلْيُؤْمِنُوا بِي، قال أبو رجاءٍ: في أنَّني أجيبُ دعاءهم، وقال غيره: بل ذلك دعاءٌ إِلى الإِيمان بجملته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-165>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٨٧ الى ١٨٨]</span>\nأُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧) وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨)\nوقوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ ... الآيةَ: لفظة أُحِلَّ تقتضي أنه كان محرَّمًا قبل ذلك «١»، ولَيْلَةَ: نصب على الظّرف.\nوالرَّفَثُ: كناية عن الجِمَاع لأن اللَّه تعالى كريمٌ يُكَنِّي قاله ابن عَبَّاس «٢» وغيره، والرَّفَثُ في غير هذا: ما فَحُشَ من القول، وقال أبو إِسْحَاق «٣»: الرَّفَثُ: كلُّ ما يأتيه الرجُلُ، مع المرأة من قُبْلةٍ، ولَمُسٍ «٤» .\nع «٥»: أو كلامٍ في هذا المعنى، وسببُ هذه الآيةِ فيما قال ابن عَبَّاس وغيره: إِن جماعةً من المسلمين اختانوا أنفُسَهُم، وأصابوا النِّسَاء بعد النّوم، أو بعد صلاة العشاء على\n_________\n(١) ينظر: «تفسير الرازي» (٥/ ٨٨- ٨٩) .\n(٢) أخرجه الطبري (٢/ ١٦٧- ١٦٨) برقم (٢٩٢٨)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (٣/ ١٧٩) برقم (١٣٢٣٠) . وذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٢٥٦)، والبغوي في «التفسير» (١/ ١٥٦) .\n(٣) «معاني القرآن» (١/ ٢٥٥)، ولفظه: الرّفث: كلمة جامعة لكل ما يريد الرجل من المرأة.\nوينظر: «عمدة الحفاظ» (٢/ ١١٤) .\n(٤) ذكره ابن عطية في «التفسير» (١/ ٢٥٧) .\n(٥) «المحرر الوجيز» (١/ ٢٥٧) .","vol":"1","page":390},{"text":"الخلافِ في ذلك، منْهم عُمَرُ بْنُ الخَطَّاب: جاء إِلى امرأته، فأرادها/، فقالَتْ له قد نمت، ٤٧ أفظنّ أنها تَعْتَلُّ بذلك، فوقع بها، ثم تحقَّق أنها قد كانت نامَتْ، وكان الوطْءُ بعد نَوْمِ أحدهما ممنوعًا، فذهب عُمَرُ، فاعتذر عنْدَ رسول الله ﷺ، فنَزَلَ صدْرُ الآية «١»، وروي أن صِرْمَةَ بْنَ قَيْسٍ «٢» نام قَبْل الأكْلِ، فبقي كذلك دُونَ أكْلٍ، حتى غُشِيَ علَيْهِ في نهارِهِ المُقْبِلِ، فنَزَلَ فيه مَنْ قوله تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا «٣» .\nواللِّبَاسُ: أصله في الثِّيَاب، ثم شبه التباس الرَّجُلٍ بالمرأةِ بذلك.\nوتَابَ عَلَيْكُمْ، أي: من المعصية التي وقعتم فيها.\nقال ابنُ عبَّاس وغيره: بَاشِرُوهُنَّ كنايةٌ عن الجماعة، وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ «٤» اللَّهُ لَكُمْ.\nقال ابن عبَّاس وغيره: أي: ابتغوا الوَلَدَ «٥»، قال الفَخْر «٦» والمعنى: لا تباشروهن لقضاء الشهوة فقطْ، ولكنْ لابتغاء ما وَضَعَ اللَّه له النِّكاح من التناسُلِ، قال- عليه\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «التفسير» (٢/ ١٧٠- ١٧١ رقم (٢٩٤٣، ٢٩٤٨، ٢٩٤٩)، وذكره البغوي في «معالم التنزيل» (١/ ١٥٧)، وابن عطية الأندلسي في «المحرر الوجيز» (١/ ٢٥٧)، والسيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٣٥٧)، وعزاه إلى أحمد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم بسند حسن، عن كعب بن مالك.\n(٢) صرمة بن قيس بن مالك، النجاري، الأوسي، أبو قيس: شاعر جاهلي، عمر طويلا، وترهب، وفارق الأوثان في الجاهلية. وكان معظما في قومه. أدرك الإسلام في شيخوخته، وأسلم عام الهجرة.\nينظر: «الأعلام» (٣/ ٢٠٣)، و«الإصابة» ت (٤٠٥٦)، و«الروض الأنف» (٢/ ٢١) . [.....]\n(٣) أخرجه الطبري (٢/ ١٧٠- ١٧١- ١٧٣) برقم (٢٩٤٥، ٢٩٤٧، ٢٩٥٧) .\nوذكره البغوي في «معالم التنزيل» (١/ ١٥٧)، وابن عطية الأندلسي في «المحرر الوجيز» (١/ ٢٥٧)، والسيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٣٥٨)، وعزاه إلى وكيع، وعبد بن حميد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى.\n(٤) أخرجه الطبري في «التفسير» (٢/ ١٧٤) رقم (٢٩٦١)، (٢٩٦٦) .\nوذكره ابن عطية الأندلسي في «المحرر الوجيز» (١/ ٢٥٧)، والسيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٣٥٩)، وعزاه إلى ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي.\n(٥) أخرجه الطبري في «التفسير» (٢/ ١٧٥)، وذكره البغوي في «معالم التنزيل» (١/ ١٥٧)، وابن عطية الأندلسي في «المحرر الوجيز» (١/ ٢٥٧)، والسيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٣٥٩)، وعزاه إلى ابن جرير، وابن أبي حاتم.\n(٦) «التفسير الكبير» (٥/ ٩٢) .","vol":"1","page":391},{"text":"السلام-: «تَنَاكَحُوا، تَنَاسَلُوا فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأُمَمَ» «١» انتهى.\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه (١/ ٥٩٩)، كتاب «النكاح»، باب تزويج الحرائر والولود، حديث (١٨٦٣)، من طريق طلحة بن عمرو الحضرمي، عن عطاء، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «انكحوا فإني مكاثر بكم» .\nوقال البوصيري في «الزوائد» (٢/ ٧٣): هذا إسناد ضعيف لضعف طلحة بن عمرو المكي الحضرمي اهـ.\nوطلحة بن عمرو: قال عمرو بن علي: كان يحيى وعبد الرحمن لا يحدثان عنه. وقال أحمد: لا شيء متروك الحديث.\nوقال البخاري: ليس بشيء.\nوقال النسائي: متروك الحديث.\nوكذلك ضعفه ابن حبان وغيره.\nوله لفظ آخر بإسناد آخر: أخرجه أبو داود (٢/ ٥٤٢)، كتاب «النكاح»، باب النهي عن تزويج من لم يلد من النساء، حديث (٢٠٥٠)، والنسائي (٦/ ٦٠- ٦٦)، كتاب «النكاح»، باب كراهية تزويج العقيم، والحاكم (٢/ ١٦٢)، وأبو نعيم في «الحلية» (٣/ ٦٢)، من حديث معقل بن يسار قال: قال رسول الله ﷺ: «تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم» .\nوقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.\nوأخرجه أيضا ابن حبان (١٢٢٩- موارد)، والبيهقي (٧/ ٨١)، كتاب «النكاح»، باب استحباب التزويج بالودود الولود.\nوأخرجه أحمد (٣/ ١٥٨، ٢٤٥)، وسعيد بن منصور (١/ ١٦٤) رقم (٤٩٠)، وابن حبان (١٢٢٨- موارد)، والبيهقي (٧/ ٨١- ٨٢)، كتاب «النكاح»، باب استحباب التزوج بالودود الولود، والقضاعي في «مسند الشهاب» رقم (٦٧٥)، وأبو نعيم في «الحلية» (٤/ ٢١٩)، من حديث أنس بلفظ: «تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأنبياء» .\nوصححه ابن حبان.\nوالحديث ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٤/ ٢٦١)، وقال: رواه أحمد، والطبراني في «الأوسط»، وإسناده حسن.\nوأخرجه ابن عدي في «الكامل» (٦/ ٢١٤٧)، ومن طريقه البيهقي (٧/ ٧٨)، من حديث أبي أمامة بلفظ:\n«تزوجوا، فإني مكاثر بكم الأمم، ولا تكونوا كرهبانية النصارى» .\nوفيه محمد بن ثابت البصري، وهو ضعيف قاله الحافظ في «التقريب» (٢/ ١٤٨) .\nوأخرجه ابن ماجة (١/ ٥٩٢)، كتاب «النكاح»، باب ما جاء في فضل النكاح، حديث (١٨٤٦)، من طريق عيسى بن ميمون، عن القاسم، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: «النكاح من سنتي، فمن لم يعمل بسنتي فليس مني، وتزوجوا فإني مكاثر بكم الأمم، ومن كان ذا طول فلينكح، ومن لم يجد فعليه بالصوم فإن الصوم له وجاء» .\nقال البوصيري في «الزوائد» (٢/ ٦٥): هذا إسناد ضعيف لضعف عيسى بن ميمون اهـ.\nوضعفه الحافظ ابن حجر في «تلخيصه» (٢/ ١٠٢)، وقال: ضعيف. -","vol":"1","page":392},{"text":"وقيل: المعنى: ابتغوا ليلةَ القَدْرِ.\nوقيل: ابتغوا الرُّخْصَة، والتوسعَةَ قاله قتادة، وهو قول حَسَنٌ» .\nوَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ... الآيةُ: نزلت بسبب صرمة بن قيس، وحَتَّى: غايةٌ للتبيُّن، ولا يصحُّ أن يقع التبيُّن لأحد، ويحرم عليه الأكل إِلا وقدْ مَضَى لطُلُوع الفجْرِ قدْرٌ، والخيط استعارةٌ وتشبيه لرقَّة البياضِ أولًا، ورقَّةُ السوادِ إِلحاقٌ به، والمرادُ فيما قال جميع العلماء «٢»: بياضُ النهارِ، وسوادُ الليل.\nومِنَ الأولى لابتداء الغاية، والثانية للتبعيض، والْفَجْرِ: مأخوذ من تَفَجُّر الماء لأنه ينفجر شيئًا بعد شيْء، وروي عن سَهْل بن سعدٍ وغيره من الصحَابة أن الآية نزلَتْ إِلا قوله: مِنَ الْفَجْرِ، فصنع بعض الناسِ خَيْطَيْنِ، أَبْيَضَ وأسْوَدَ، فنزَلَ قوله تعالى: مِنَ الْفَجْرِ «٣» .\nع «٤»: ورُوِيَ أنَّهُ كَانَ بَيْنَ طرفَيِ المُدَّة عام من رمضان إلى رمضان تأخّر\n_________\nوأخرجه الخطيب في «تاريخ بغداد» (١٢/ ٣٧٧)، من حديث ابن عمر بلفظ: «تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة» .\nوأخرجه عبد الرزاق (٦/ ١٧٣) رقم (١٠٣٩١) عن سعيد بن أبي هلال مرسلا.\nوالحديث صححه الألباني في «الصحيحة» برقم (١٧٨٢) .\n(١) أخرجه الطبري (٢/ ١٧٦) برقم (٢٩٨٧) . وذكره البغوي في «معالم التنزيل» (١/ ١٥٧)، وابن عطية من «المحرر الوجيز» (١/ ٢٥٧- ٢٥٨) .\nوالسيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٣٥٩)، وعزاه إلى ابن جرير، وابن أبي حاتم.\n(٢) ينظر: «الطبري» (٣/ ٥٠٩)، و«المحرر الوجيز» (١/ ٢٥٨)، و«الرازي» (٥/ ٩٤)، و«الوسيط» (١/ ٢٨٧)، و«بحر العلوم» (١/ ١٨٦) .\n(٣) أخرجه البخاري (٤/ ١٥٧) كتاب «الصوم»، باب قوله تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ. حديث (١٩١٧) . ومسلم (٢/ ٧٦٧) كتاب «الصيام»، باب بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر، وأن له الأكل وغيره، حتى يطلع الفجر، وبيان صفة الفجر الذي تتعلق به الأحكام من الدخول في الصوم، ودخول وقت صلاة الصبح وغير ذلك، حديث (٣٤/ ١٠٩١) .\nوالنسائي (٦/ ٢٩٧) (الكبرى)، كتاب «التفسير»، باب قوله تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ. حديث (١١٠٢٢/ ٢) .\nوالطبري في «التفسير» (٢/ ١٨٧) رقم (٢٩٩٨)، وذكره البغوي في «معالم التنزيل» (١/ ١٥٨)، وابن عطية الأندلسي في «المحرر الوجيز» (١/ ٢٥٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٣٦٠)، وعزاه إلى البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٢٥٨) .","vol":"1","page":393},{"text":"البيان «١» إِلى وقت الحاجة، وعَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ جعل خيطين على وساده، وأخبر النبيّ ﷺ\n_________\n(١) تأخر البيان إلى وقت الحاجة: بادىء ذي بدء أقول: هناك حالان لكل ما يحتاج إلى تأخير بيان، من عام، ومجمل، ومجاز، ومشترك، وفعل متردد ومطلق:\nالحال الأول: أن يتأخر عن وقت الحاجة، وهو الوقت الذي إن أخر البيان عنه لم يتمكن المكلّف من المعرفة بما تضمنه الخطاب، وهذا يكون في كل ما كان واجبا على الفور، كالإيمان، ورد الودائع.\nوقد حكى أبو بكر الباقلاني إجماع أرباب الشرائع على امتناعه.\nالحال الثاني: أن يؤخر عن وقت ورود الخطاب إلى وقت الحاجة إلى الفعل، وذلك في الواجبات التي ليست على الفور، ويكون فيما لا ظاهر له كالأسماء المتواطئة والمشتركة، أو له ظاهر وقد استعمل في خلافه، كتأخير بيان التخصيص، وتأخير بيان النسخ، ونحوه.\nوقد اختلف العلماء في هذا القسم على مذاهب:\nالأول: الجواز مطلقا، وعليه عامة العلماء من الفقهاء والمتكلمين، كما قال ابن برهان. ومنهم ابن فورك، والقاضي أبو الطيب، والشيخ أبو إسحاق الشيرازي، وابن السمعاني، ونقلوه عن ابن سريج، والإصطخري، والقفال، وكثير من علماء الشافعية. ونقل عن الشافعي- كما قال الزركشي في «البحر» .\nوقد اختاره الرازي في «المحصول»، وابن الحاجب، وقال الباجي: عليه أكثر أصحابنا. وحكاه القاضي عن مالك.\nواستدلوا بآيات، منها قوله سبحانه: فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ [القيامة: ١٨- ١٩] .\nوهناك حوادث كثيرة جدا- كما يقول الشوكاني- وقع البيان لها بعد السّنة.\nالمذهب الثاني: المنع مطلقا، ونقل عن أبي إسحاق المروزي، والصيرفي، وأبي حامد المروزي، والدقاق، ومن المالكية: الأبهري.\nقال القاضي: وهو قول المعتزلة، وكثير من الحنفية، وابن داود الظاهري، ونقله القشيري عن داود.\nوقد استدل هؤلاء بما لا طائل تحته، قالوا: لو جاز ذلك فإما أن يجوز إلى مدة معينة أو إلى الأبد، وكلاهما باطل، أما إلى المدة المعينة فلكونه تحكما، ولكونه لم يقل به أحد. وأما إلى الأبد فلكونه يلزم المحذور، وهو الخطاب والتكليف به مع عدم الفهم.\nوأجيب عنهم: باختيار جوازه إلى مدة معينة يعلمها الله، وهو الوقت الذي يعلم أنه يكلف به فيه فلا تحكم.\nالمذهب الثالث: جوازه في المجمل دون غيره، وحكي عن الصيرفي وأبي حامد المروزي.\nالمذهب الرابع: جوازه في العموم، وحكي عن عبد الجبار، وحكاه الروياني والماوردي وجها لأصحاب الشافعي.\nالمذهب الخامس: جوازه في الأوامر والنواهي، لا في الأخبار، وحكي عن الكرخي وبعض المعتزلة.\nالمذهب السادس: عكسه. حكاه الشيخ أبو إسحاق، ولم ينسبه إلى أحد.\nالمذهب السابع: جوازه في النسخ دون غيره، ذكره أبو الحسين البصري، وأبو علي، وأبو هاشم، وعبد الجبار.\nالمذهب الثامن: التفصيل بين ما ليس له ظاهر كالمشترك فلا يجوز، وما له ظاهر كالعام فيجوز.\nالمذهب التاسع: أن بيان المجمل إن لم يكن تبديلا ولا تغييرا، جاز مقارنا وطارئا، وإن كان تغييرا جاز مقارنا، ولا يجوز طارئا. نقله ابن السمعاني عن أبي زيد من الأحناف.","vol":"1","page":394},{"text":"فَقَالَ لَهُ: «إِنَّ وِسَادَكَ لَعَرِيضٌ» «١» .\nواختلف في الحدِّ الذي بتبيُّنه يجبُ الإِمساك، فقال الجمهورُ، وبه أخذ الناس، ومضَتْ عليه الأمصار والأعصار، ووردتْ به الأحاديثُ الصِّحَاحُ: إِنه الفَجْر المُعْتَرِضُ في الأُفُقِ يَمْنَةً ويَسْرَةً، فبطلوعِ أوله في الأفق يجبُ الإمساكُ، وروي عن عثمانَ بن عفَّان، وحذيفةَ بن اليَمَانِ، وابن عبَّاس وغيرهم أن الإِمساك يجبُ بتبيُّن الفَجْر في الطُّرُق، وعلى رءوس الجبالِ «٢»، وذكر عن حُذَيفة أنه قال: «تسحّرت مع رسول الله ﷺ وَهُوَ النَّهارُ إِلاَّ أنَّ الشَّمْسَ لَمْ تَطْلُعْ» «٣» .\nومن أكل، وهو يشكُّ في الفجر، فعليه القضاء عند مالك.\nوقوله سبحانه: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ أمر يقتضي الوجوب، وإِلى:\nغايةٌ، وإِذا كان ما بعدها من جنْسِ ما قبلها، فهو داخلٌ في حكمه، وإِذا كان من غير جنْسه، لم يدخلْ في المحدودِ، والليلُ: الذي يتم به الصيامُ: مَغِيبُ قرص الشمسِ، فمن أفطر شاكًّا في غروبها، فالمشهورُ من المَذْهَب أنَّ عليه القضاءَ والكفَّارةَ.\nوروى أبو هريرة عن النبيّ ﷺ أنَّهُ قَالَ: «ثَلاَثةٌ لاَ تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ: الصَّائِمُ حِينَ يُفْطِرُ، والإِمَامُ العَادِلُ، ودَعْوَةُ المَظْلُومِ، يَرْفَعُهَا اللَّهُ فَوْقَ الغَمَامِ، وَتُفْتَحُ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَيَقُولُ الرَّبُّ تعالى: وَعِزَّتِي، لأَنْصُرَنَّكِ، وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ» رواه الترمذيُّ/، وابن ماجة، وابن حِبَّان\n_________\n- والمذاهب الثمانية الأخيرة ضعيفة كما أشار إلى ذلك الشوكاني، قال ﵀: وأنت إذا تتبعت موارد هذه الشريعة المطهرة وجدتها قاضية بجواز تأخير البيان عن وقت الخطاب قضاء ظاهرا واضحا لا ينكره من له أدنى خبرة بها وممارسة لها.\nينظر: «البحر المحيط» للزركشي (٣/ ٤٩٣)، «البرهان» لإمام الحرمين (١/ ١٦٦)، «الإحكام في أصول الأحكام» للآمدي (٣/ ٢٨)، «نهاية السول» (٢/ ٥٤٠)، «زوائد الأصول» للأسنوي (ص ٣٠٤)، «منهاج العقول» (٢/ ٢٢٠)، «غاية الوصول» للشيخ زكريا الأنصاري (ص ٨٦)، «التحصيل من المحصول» للأرموي (١/ ٤٢٩)، «المنخول» للغزالي (ص ٦٨)، «المستصفى» له (١/ ٣٦٨)، «حاشية البناني» (٢/ ٦٩)، «الآيات البينات» لابن قاسم العبادي (٣/ ١٢١)، «حاشية العطار لجمع الجوامع» (٢/ ١٠٢)، «المعتمد» لأبي الحسين (١/ ٣١٤)، «الإحكام في أصول الأحكام» لابن حزم (١/ ٨١)، «حاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى» (٢/ ١٦٤) . وينظر: «كشف الأسرار» (٣/ ١٠٨)، «المسودة» (١٨١)، «شرح العضد» (٢/ ١٦٤) .\n(١) تقدم تخريجه.\n(٢) أخرجه الطبري (٢/ ١٧٩) برقم (٣٠٠٢)، وابن عطية الأندلسي في «المحرر الوجيز» (١/ ٢٥٨) . [.....]\n(٣) أخرجه الطبري (٢/ ١٨١) برقم (٣٠١٩)، وابن عطية الأندلسي في «المحرر الوجيز» (١/ ٢٥٨) .","vol":"1","page":395},{"text":"في «صحيحه»، وقال الترمذيُّ: واللفظ له حديثٌ حسنٌ، ولفظ ابن ماجة: «حتى يُفْطِرَ» «١» . انتهى من «السّلاح» .\nوعنه ﷺ: «إِنَّ لِلصَّائِمِ عِنْدَ فِطْرِهِ لَدَعْوَةً مَّا تُرَدُّ»، رواه ابنُ السُّنِّيِّ «٢» . انتهى من «حِلْيَة النوويِّ» «٣» .\nوعنه ﷺ أنَّهُ قَالَ: «لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ» . رواه البخاريُّ ومسلم. انتهى «٤» .\nوروى ابنُ المبارك في «رقائقه»، قال: أخبرنا حمَّاد بن سَلَمَةَ، عن واصل «٥» مولى أبي عيينة، عن لقيط أبِي المُغيرَةِ، عن أبي بُرْدَة «٦»: أنَّ أبا موسى الأشعريّ كان في سفينة\n_________\n(١) أخرجه الترمذي (٥/ ٥٣٩)، كتاب «الدعوات»، باب «في العفو والعافية»، حديث (٣٥٩٨)، وابن ماجة (١/ ٥٥٧)، كتاب «الصيام»، باب في الصائم لا ترد دعوته، حديث (١٧٥٢)، والبيهقي (٣/ ٣٤٥)، كتاب «صلاة الاستسقاء»، باب استحباب الصيام للاستسقاء لما يرجى من دعاء الصائم، (٨/ ١٦٢)، كتاب «قتال أهل البغي»، باب فضل الإمام العادل، و(١٠/ ٨٨)، كتاب «آداب القاضي»، باب فضل من ابتلي بشيء من الأعمال، فقام فيه بالقسط، وقضى بالحق، وابن حبان كما في «موارد الظمآن» (٣/ ١٩٨)، باب دعوة الصائم وغيره، حديث (٨٩٤)، والطيالسي (١/ ٢٥٥)، حديث (١٢٦٤)، وأحمد (٢/ ٣٠٤- ٣٠٥)، من حديث أبي هريرة بلفظ: «ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حين يفطر ...» وقال الترمذي: «هذا حديث حسن» .\n(٢) أخرجه ابن ماجة (١/ ٥٥٧)، كتاب «الصيام»، باب في الصائم لا ترد دعوته، حديث (١٧٥٣)، وابن السني في «عمل اليوم والليلة» رقم (٤٨٢)، من طريق عبد الله بن أبي مليكة عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعا.\nوقال البوصيري في «الزوائد»: إسناده صحيح.\n(٣) «حلية» النووي (ص ٢٢٤) .\n(٤) تقدم تخريجه.\n(٥) واصل الأسدي مولى أبي عيينة بن المهلّب. عن ابن بريدة، والضّحّاك. وعنه حمّاد بن زيد، وعبّاد بن عبّاد. وثقه ابن معين. ينظر: «الخلاصة» (٣/ ١٢٦) .\n(٦) هو: عامر بن قيس بن سليم بن حضار بن حرب بن عامر بن عنز بن بكر بن عامر بن عذر بن وائل بن ناجية بن الجماهر بن الأشعر بن أدد بن زيد بن يشجب ...\nأبو بردة. الأشعري. مشهور بكنيته كأخيه. قال ابن حجر في «الإصابة»: قال البغوي: سكن «الكوفة» .\nوروى حديثه أحمد، والحاكم من طريق عاصم الأول عن كريب بن الحارث بن أبي موسى عن عمه أبي بردة قال: قال رسول الله: «اللهم اجعل فناء أمتي قتلا في سبيلك بالطعن والطاعون» .\nوله ذكر في حديث آخر من طريق يزيد بن عبد الله بن أبي بردة عن أبي موسى عن جده أبي موسى قال:\nخرجنا من اليمن في بعض وخمسين رجلا من قومنا ونحن ثلاثة إخوة: أبو موسى، وأبو بردة، وأبو رهم، فأخرجتنا سفينة إلى النجاشي. أخرجه البغوي من هذا الوجه.\nينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (٦/ ٢٩)، «الإصابة» (٧/ ١٧)، «الثقات» (٣/ ٤٥١)، «تجريد أسماء-","vol":"1","page":396},{"text":"في البَحْر مرفوعٍ شراعُها، فإِذا رجُلٌ يقول: يأَهْلَ السفينةِ، قِفُوا سبْعَ مرارٍ، فقلْنا: ألا ترى على أيِّ حالٍ نحْنُ، ثم قال في السابعة، قِفُوا أخبرْكُمْ بقضاءٍ قضاه اللَّه على نَفْسِهِ أنَّه من عَطَّشَ نَفْسَهُ للَّهِ في يومٍ حارٍّ من أيامِ الدُّنْيَا شديدِ الحَرِّ، كان حقًّا على اللَّه أنْ يرويه يوم القيامة، فكان أبو موسى يبتغي اليَوْمَ الشَّديدَ الحَرِّ، فيصومه. انتهى.\nقال يوسُفُ بن يَحْيَى التَّادِلِيُّ في «كتاب التشوُّف»، وخرَّج عبد الرزَّاق في «مصنَّفه» عن هشامِ بنِ حَسَّان «١»، عن واصلِ بن لَقِيط، عن أبي بُرْدة، عن أبي موسَى الأشعريِّ، قَالَ: «غَزَا النَّاسُ بَرًّا وبحرًا، فكنْتُ ممَّن غَزَا في البَحْر، فبينما نحْنُ نسيرُ في البَحْر إِذ سمعنا صوتًا يقول: يأهل السفينة، قِفُوا أخبرْكُم، فنظرنا يمينًا وشَمالًا، فلم نر شيئًا إِلا لُجَّةَ البحر، ثم نادى الثانيةَ حتى نادى سبْعَ مراتٍ، يقول كذلك، قال أبو موسى: فلما كانَتِ السابعةُ، قُمْتُ، فقُلْتُ: ما تخبرنا؟ قال: أخبركم بقضاءٍ قضاه اللَّه على نَفْسِهِ أنَّ من عَطِشَ للَّه في يوم حَارٍّ، أنْ يرويه اللَّه يوم القيامة» «٢»، وذكره ابن حَبِيب في «الواضحة» بلفظ آخر. انتهى.\nقال ابن المبارك: وأخبرنا أبو بكر بن أبي مَرْيَم الغَسَّانيّ «٣»، قال: حدَّثني ضَمْرَةُ بْنُ حَبِيبٍ «٤»، قال: قال رسول الله ﷺ: «إنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ بَابًا، وإِنَّ بابَ العبادة الصيام» «٥» . انتهى.\n_________\n- الصحابة» (٢/ ١٥١)، «بقي بن مخلد» (٨٨٣)، «الاستيعاب» (٤/ ١٦٠٨)، «التاريخ الكبير» (١/ ٢١١)، «تهذيب الكمال» (٣/ ١٥٧٩)، «تهذيب التهذيب» (١٢/ ١٨)، «تقريب التهذيب» (٢/ ٣٩٤)، «تعجيل المنفعة» (٤٦٨)، «الاستبصار» (٢٣٨)، «الجرح والتعديل» (٩/ ٤٣٦)، «الكاشف» (٣/ ٣١٢) .\n(١) هشام بن حسّان القردوسي الأزدي، مولاهم، أبو عبد الله البصري. أحد الأعلام. عن حفصة، ومحمد، وأنس بن سيرين، وطائفة. وعنه السفيانان والحمّادان. ضعفه القطان عن عطاء. وقال عباد بن منصور: ما رأيته عند الحسن قط، قال أبو حاتم: صدوق. قال مكي بن إبراهيم: مات سنة ثمان وأربعين ومائة.\nينظر: «الخلاصة» (٣/ ١١٣) .\n(٢) ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٣٢٩)، وعزاه للبيهقي.\n(٣) أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم الغسّاني، الحمصي، اسمه: بكير، أو عبد السّلام. عن مكحول، وخالد بن معدان. وعنه إسماعيل بن عيّاش، وبقيّة. قال الحافظ أبو عبد الله: ضعيف. توفي سنة ست وخمسين ومائة.\nينظر: «الخلاصة» (٣/ ٢٠٣) .\n(٤) ضمرة بن حبيب الزّبيدي، أبو عبيد الحمصي. عن أبي أمامة، وشدّاد بن أوس. وعنه ابنه عتبة، وأرطاة بن المنذر. وثقه ابن معين. ينظر: «الخلاصة» (٢/ ٦) .\n(٥) أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (ص ٥٠٠) رقم (١٤٢٣)، وهناد بن السري في «الزهد» (٢/ ٣٥٨) رقم (٦٧٩)، والقضاعي في «مسند الشهاب» (١٠٣٢)، عن ضمرة بن حبيب مرسلا.","vol":"1","page":397},{"text":"وروى البخاريُّ ومسلم في «صحيحيهما»، عن النبيِّ ﷺ قَالَ: «كُلُّ عَمَلِ ابن آدَمَ يُضَاعَفُ، الحَسَنَةُ بعَشْرِ أَمْثَالِهَا إلى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، قَالَ اللَّهُ: إِلاَّ الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، إِنَّمَا يَدَعُ شَهْوتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي» «١» . انتهى.\nوقوله تعالى: وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ قالتْ فرقة: المعنى: ولا تجامعوهُنَّ، وقال الجمهور: ذلك يقع على الجِمَاعِ، فما دونه ممّا يتلذّذ به من النساء، وعاكِفُونَ، أيْ: مُلاَزِمُون، قال مالكٌ﵀- وجماعةٌ معه: لا اعتكاف إلا في مساجد الجُمُعَاتِ «٢»، وروي عن مالكٍ أيضًا أنَّ ذلك في كل مسجدٍ، ويخرج إِلى الجُمُعة كما يخرج إِلى ضروريِّ أشغالِهِ، قال ابن العربيِّ في «أحكامه» «٣»: وحرم اللَّه سبحانه المباشَرَةَ في المَسْجد وكذلك تحرم خارجَ المَسْجِدِ لأن معنى الآية، ولا تباشرُوهُنَّ وأنتم ملتزمون لِلاعتكاف في المساجد معتقدون له. انتهى. وتِلْكَ إِشارةٌ إِلى هذه الأوامر والنواهِي.\nوالحُدُودُ: الحواجزُ بيْن الإِباحة والحظر ومنه قيل للبوَّاب حَدَّاد لأنه يمنع ومنه الحَادُّ لأنها تُمنع من الزينة، والآيات: العلامات الهادية إلى الحق.\n٤٨ أوقوله تعالى: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ ... الآية: الخطاب لأمة/ نبيّنا محمّد ﷺ ويدخلُ في هذه الآيةِ القِمَارُ، والخُدَعُ، والغُصُوب، وجَحْد الحُقُوق، وغَيْرُ ذلك.\nوقوله سبحانه: وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ ... الآية: يقال: أَدْلَى الرَّجُلُ بحجّة، أو\n_________\n(١) تقدم تخريجه. [.....]\n(٢) لا يصح الاعتكاف إلا في المسجد لقوله تعالى: وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ ووجه الدلالة من الآية: أنه لو صح في غير المسجد لم يختص تحريم المباشرة به لأن الجماع مناف للاعتكاف بالإجماع، فعلم من ذكر المساجد أن المراد أن الاعتكاف لا يكون إلا فيها فدل على أنه لا يجوز إلا في المسجد، والأفضل أن يعتكف في المسجد الجامع لأن رسول الله ﷺ اعتكف في المسجد الجامع ولأن الجماعة في صلواته أكثر ولأنه يخرج من الخلاف، فإن الزهري قال: لا يجوز في غيره. وإن نذر أن يعتكف في مسجد غير الثلاثة، وهي المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجد المدينة، جاز أن يعتكف في غيره لأنه لا مزية لبعضها على بعض فلم تتعين ويصح الاعتكاف في كل مسجد، والجامع أفضل، وأومأ الشافعي في القديم إلى اشتراط الجامع، والصواب جوازه في كل مسجد، ويصح في رحبته، وسطحه بلا خلاف، لأنهما منه.\nينظر: «الاعتكاف» لشيخنا أحمد خليفة جبر.\n(٣) ينظر: «أحكام القرآن» (١/ ٩٦) .","vol":"1","page":398},{"text":"بأمْر يرجُو النَّجاح به، تشبيهًا بالذي يرسل الدَّلْو في البِئْر يرجُو بها الماءَ، قال قومٌ: معنى الآية: تُسَارعون في الأموال إِلى المخاصَمَة، إِذا علمْتم أنَّ الحُجَّة تقوم لكم إِمَّا بأن لا تكون على الجاحِدِ بيِّنة، أو يكون مالَ أمانةٍ كاليتيم ونحوه ممَّا يكون القول فيه قوله، فالباء في «بهاء» باءُ السبب «١»، وقيل: معنى الآية: تُرْشُوا بهَا على أكْل أكثر منْها، فالباء إِلزاقٌ مجرَّدٌ وهذا القول يترجَّح لأن الحكَّام مَظِنَّةُ الرُّشَا، إِلاَّ من عُصِمَ، وهو الأقل، وأيضًا، فإِن اللفظتين متناسبتَان.\nتُدْلُوا: من إِرسال الدلْوِ، والرِّشْوَةُ: من الرِّشَاءِ كأنها يمدُّ بها لتقضي الحاجة.\nوالفريق: القطعة، والجزء.\nوبِالْإِثْمِ أي: بالظلم.\nوَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أي: أنكم مبطلون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-166>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٨٩ الى ١٩٢]</span>\nيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٨٩) وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠) وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ (١٩١) فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٢)\nوقوله تعالَى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ، قال ابنْ عَبَّاس، وغيره: نَزلَتْ على سؤالِ قَوْمٍ من المسلمين النبيّ ﷺ عنِ الهِلاَلِ، وما فائدةُ مُحَاقِهِ، وكمالِهِ، ومخالفته لحال الشمس «٢» .\nومَواقِيتُ أي: لمحَلِّ الدُّيون، وانقضاءِ العِدَدِ والأَكْرِيَةِ، وما أشبه، هذا من مصالحِ العبادِ، ومواقيت للحَجِّ أيضًا: يعرف بها وقته وأشهره.\nوقوله سبحانه: وَلَيْسَ الْبِرُّ ... الآية: قال البَرَاء بن عَازِبٍ «٣»، والزهريّ،\n_________\n(١) وقيل: إنها للتعدية، أي: لترسلوا بها إلى الحكام. ينظر: «الدر المصون» (١/ ٤٧٨) .\n(٢) أخرجه الطبراني في «تفسيره» (٢/ ١٨٩) رقم (٣٨٠)، وذكره البغوي (٢/ ١٦٠)، وابن عطية الأندلسي في «المحرر الوجيز» (١/ ٢٦١)، والسيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٣٦٨)، وعزاه إلى ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس.\n(٣) هو: البراء بن عازب بن الحارث بن عدي بن جشم بن مجدعة بن حارثة بن الحارث بن عمرو بن مالك بن الأوس ... أبو عمرو. وقيل: أبو عمارة، وهو الأصح. الأوسي. الأنصاري.\nقال ابن الأثير في «الأسد»: -","vol":"1","page":399},{"text":"وقتادة: سببها أن الأنصار كانوا إِذا حَجُّوا، أو اعتمروا، يلتزمون تشرُّعًا ألاَّ يحول بينهم وبَيْن السماء حائلٌ، فكانوا يتسنَّمون ظهور بيوتِهِم على الجُدُرَاتِ «١»، وقيل: كانوا يجعلون في ظهور بيوتهم فُتُوحًا يدخلُون منْها، ولا يدخلون من الأبواب «٢»، وقيل غير هذا ممَّا يشبهه «٣» .\nوقوله تعالى: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ... الآيةُ هي أول آية نزلَتْ في الأمر بالقتالِ.\nقال ابن زَيْد، والربيعُ: قوله: وَلا تَعْتَدُوا أي: في قتالِ مَنْ لم يقاتلْكم، وهذه الموادَعَةُ منسوخةٌ بقوله تعالى: وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً «٤» [التوبة: ٣٦]، وقال ابن عبّاس وغيره:\n_________\n- رده رسول الله ﷺ عن «بدر» استصغره. وأول مشاهده «أحد»، وقيل: «الخندق» . وغزا مع النبي ﷺ أربع عشرة غزوة. وهو الذي افتتح الري سنة أربع وعشرين صلحا أو عنوة في قول أبي عمرو الشيباني.\nوقال أبو عبيدة: افتتحها حذيفة. نزل «الكوفة» وابتنى بها دارا.\nتوفي في إمارة مصعب بن الزبير، وقيل: في سنة (٧٢) .\nينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (١/ ٢٠٥)، «الإصابة» (١/ ١٤٧)، «الاستيعاب» (١/ ١٥٥)، «تجريد أسماء الصحابة» (١/ ٤٦)، «الطبقات الكبرى» (٢/ ٣٧٦)، «الأعلام» (٢/ ٤٦)، «التاريخ الكبير» (٢/ ١١٧)، «التاريخ الصغير» (١/ ٦)، «الجرح والتعديل» (٢/ ٣٩٩)، «تهذيب الكمال» (١/ ٢١٣٩)، «تهذيب التهذيب» (١/ ٤٢٥)، «تقريب التهذيب» (١/ ٩٤)، «تاريخ بغداد» (١/ ١٧٧)، «تاريخ ابن معين» (٢/ ١٤٧)، «بقي بن مخلد» (١٤)، «البداية والنهاية» (٨/ ٣٢٨)، «التحفة اللطيفة» (١/ ٣٦٤)، «الوافي بالوفيات» (١/ ١٠٤)، «الكاشف» (١/ ١٥١)، «الثقات» (٣/ ٢٦)، «عنوان النجابة» (٤٩) .\n(١) أخرجه الطبري (٢/ ١٩٤) برقم (٣٠٩٠)، وذكره البغوي في «معالم التنزيل» (١/ ١٦٠)، وابن عطية الأندلسي في «المحرر الوجيز» (١/ ٢٦١)، والسيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٣٦٨)، وعزاه إلى الطيالسي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي المنذر، وابن أبي حاتم عن البراء.\nوفي (١/ ٣٦٩)، عن الزهري، وعزاه لابن جرير.\nوالجدرة: حظيرة تصنع للغنم من حجارة. والجمع جدر.\nوالجديرة: زرب الغنم. والجديرة: كنيف يتخذ من حجارة يكون للبهم وغيرها. ينظر: «لسان العرب» (٥٦٦) .\n(٢) أخرجه الطبري (٢/ ١٩٢) رقم (٣٠٨٢)، ورقم (٣٠٨٩) . وذكره البغوي في «معالم التنزيل» (١/ ١٦٠)، وابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٢٦١)، عن البراء بن عازب، والزهري، وقتادة.\nوالسيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٣٦٩)، عن الزهري.\n(٣) أخرجه الطبري (٢/ ١٩٢/ ١٩٣/ ١٩٤) برقم (٣٠٨٢)، (٣٠٨٣) عن البراء، وبرقم (٣٠٨٩)، عن الزهري وبرقم (٣٠٩٠) عن قتادة، وذكره البغوي (١/ ١٦٠)، وابن عطية (١/ ٢٦١) عن البراء بن عازب، والزهري، وقتادة.\nكما ذكره السيوطي (١/ ٣٦٨- ٣٦٩)، عن البراء بن عازب، وقتادة.\n(٤) أخرجه الطبري (٢/ ١٩٥) برقم (٣٠٩٥)، عن الربيع وبرقم (٣٠٩٦)، عن زيد.\nوذكره البغوي في «معالم التنزيل» (١/ ١٦١)، عن الربيع.\nوابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٢٦٢)، عن ابن زيد، والربيع.","vol":"1","page":400},{"text":"وَلا تَعْتَدُوا في قتْلِ النساءِ، والصبيانِ، والرهبانِ، وشبههم فهي مُحْكَمَةٌ «١» .\nوقوله تعالى: وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ... الآية: قال ابْنُ إِسحاق وغيره: نزَلَتْ هذه الآيةُ في شأنِ عَمْرو بن الحَضْرَمِيِّ، وواقدٍ، وهي سَرِيَّةُ عبد اللَّه بن جَحْش «٢»، وثَقِفْتُمُوهُمْ معناه: أحكمتم غلبتهم، يقال: رَجُلٌ ثَقِفٌ لَقِفٌ، إِذا كان محكِمًا لما يتناوَلُهُ من الأمور «٣» .\nوأَخْرِجُوهُمْ: خطاب لجميع المؤمنين، والضمير لكفار قريش.\nوالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ، أي: الفتنةُ التي حملوكم علَيْها، ورامُوكم بِهَا على الرُّجوع إِلى الكفر- أشدُّ من القتْل، ويحتمل أن يكون المعنى: والفتنةُ، أي: الكفر والضَّلال الذي هم فيه أَشَدُّ في الحَرَمِ، وأعظم جُرْمًا من القتل الَّذي عيَّروكم به في شأن ابْنِ الحَضْرَمِيِّ.\nوقوله تعالى: وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ... الآية.\nقال الجمهورُ «٤»: كان هذا ثُمَّ نُسِخَ، وقال مجاهد: الآية محكمةٌ «٥»، ولا يجوز قتال أحد، يعني: عند المسجد الحرام، إِلا بعد أن يقاتل.\nقلت: وظاهر قوله ﷺ: «وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ، وَلَمْ تُحَلَّ لأَحَدٍ بَعْدِي» «٦» يقوي قول مجاهد، وهذا هو الراجح عند الإمام\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٢/ ١٩٦) برقم (٣١٠٠)، وذكره البغوي في «معالم التنزيل» (١/ ١٦١) من قول ابن عباس، ومجاهد، وذكره ابن عطية الأندلسي في «المحرر الوجيز» (١/ ٢٦٢)، عن ابن عباس، وعمر بن عبد العزيز، ومجاهد.\nوالسيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٣٧٠)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس.\n(٢) عبد الله بن جحش الأسدي بن رياب، ابن يعمر الأسدي. حليف بني عبد شمس. أحد السابقين.\nقال ابن حبّان: له صحبة. وقال ابن إسحاق: هاجر إلى الحبشة، وشهد بدرا.\nودفن هو وحمزة في قبر واحد، وكان له يوم قتل نيف وأربعون سنة ينظر: «الإصابة» (٤/ ٣١، ٣٣) .\n(٣) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٢٦٢) .\n(٤) ينظر: «تفسير الطبري» (٣/ ٥٦٧)، و«المحرر الوجيز» (١/ ٢٦٣) . [.....]\n(٥) ذكره البغوي في «معالم التنزيل» (١/ ١٦٢)، عن مجاهد، وجماعة، وابن عطية الأندلسي (١/ ٢٦٣) عن مجاهد.\n(٦) هذا جزء من حديث أخرجه البخاري (٤٦، ٤٧)، كتاب «جزاء الصيد»، باب لا يحل القتال بمكة، -","vol":"1","page":401},{"text":"الفَخْر «١»، وأنَّ الآية محكمةٌ، ولا يجوز الابتداء بالقتال في الحرم. انتهى.\n٤٨ ب قال ابن العربيِّ في «أحكامه» «٢» وقد روى الأئمّة/ عن ابن عبّاس أنّ النبيّ ﷺ قال يَوْمَ فَتْح مكَّة: «إِنَّ هَذَا البَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ تعالى يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ والأَرْضَ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ تعالى إلى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ القِتَالُ فِيهَا لأَحَدٍ قَبْلِي، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ» «٣» .\nفقد ثبت النهْيُ عن القتالِ فيها قُرآنًا وسُنَّة، فإِن لجأ إِليها كافرٌ، فلا سبيل إِلَيْه، وأما الزانِي والقاتلُ، فلا بُدَّ من إِقامة الحَدِّ عليه إِلا أنْ يبتدىء الكافر بالقتَال فيها، فيقتل بنصِّ القرآن. انتهى.\nوقرأ حمزة والكسائيّ «٤»: «وَلاَ تَقْتُلُوهُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرَامِ حتى يَقْتُلُوكُمْ فِيهِ، فَإِنْ قَتَلُوكُمْ فاقتلوهم»، أي: فإِن قتلوا منْكم، والانتهاء في هذه الآية هو الدخول في الإسلام.\n_________\n- حديث (١٨٣٤)، ومسلم (٢/ ٩٨٦، ٩٨٧)، كتاب «الحج»، باب تحريم مكة، وصيدها، وخلاها، وشجرها، ولقطتها إلا لمنشد على الدوام، حديث (٤٤٥/ ١٣٥٣) .\nوأبو داود (٢/ ٦) كتاب «الجهاد»، باب في الهجرة هل انقطعت، حديث (٢٤٨٠)، والنسائي (٧/ ١٤٦) كتاب «الجهاد»، باب ذكر الاختلاف في انقطاع الهجرة. والترمذي (٤/ ١٢٦) كتاب «السير»، باب ما جاء في الهجرة، حديث (١٥٩) . والدارمي (٢/ ٢٣٩)، كتاب «السير»، باب لا هجرة بعد الفتح.\nوعبد الرزاق (٥/ ٣٠٩) رقم (٩٧١٣) . وابن الجارود (١٠٣٠) . وابن حبان (٤٨٤٥- الإحسان)، والبيهقي (٥/ ١٩٥)، والطبراني في «الكبير» رقم (١٠٩٤٤)، والبغوي في «شرح السنة» (٥/ ٥٢٠- بتحقيقنا)، من طريق منصور، عن مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ فذكره.\n(١) ينظر: «التفسير الكبير» (٥/ ١١٣) .\n(٢) ينظر: «أحكام القرآن» (١/ ١٠٦- ١٠٧) .\n(٣) ينظر الحديث السابق.\n(٤) وحجة جمهور السبعة قوله تعالى: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ، وقوله: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ [البقرة: ١٩٣] .\nوحجة أخرى، وهي: أن القتال إنما يؤمر به الأحياء، فأما المقتولون، فإنهم لا يقاتلون فيؤمروا به، وعلى قراءة الأخوين ظاهره أمر للمقتول بقتل القاتلين، وذلك محال.\nوحجتهما: أن وصف المؤمنين بالقتل في سبيل الله أبلغ في الثناء، وأن المقصود: فإن قتلوا بعضكم فاقتلوهم، وحكى الفراء عن العرب أنهم يقولون: قتلنا بني فلان. وإنما قتلوا بعضهم.\nواحتجا بأثر: «ولا تبدءوهم بالقتل حتى يبدءوكم به» .\nينظر: «حجة القراءات» (١٢٨)، و«السبعة» (١٧٩)، و«الكشف» (١/ ٢٨٥)، و«الحجة» (٢/ ٢٨٤- ٢٨٥)، و«العنوان» (٧٣)، و«شرح الطيبة» (٤/ ٩٤- ٩٦)، و«شرح شعلة» (٢٨٦)، و«إتحاف» (١/ ٤٣٣)، و«معاني القراءات» (١/ ١٩٥) .","vol":"1","page":402},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-167>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٩٣ الى ١٩٥]</span>\nوَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣) الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٩٤) وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)\nوَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ: الفتنة: هنا الشِّرْك، وما تابعه من أذى المؤمنين. قاله ابن عبّاس وغيره «١» .\nوالدِّينُ هنا: الطاعةُ، والشَّرْعُ، والانتهاءُ في هذا الموضع يصحُّ مع عموم الآية في الكفار أنْ يكون الدُّخُولَ في الإِسلام ويصحُّ أن يكون أداء الجزية.\nوقوله تعالى: الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ ... الآية: قال ابن عبَّاس وغيره: نزلَتْ في عمرة القَضِيَّةِ، وعامِ الحديبيَةِ سنَةَ ستٍّ، حين صدَّهم المشركون، أي: الشهرُ الحرام الذي غلّبكم الله فيه، وأدخلكم الحرام عليهم سنَةَ سَبْعٍ- بالشهر الحرامِ الذي صدُّوكم فيه، والحرمات قصاصٌ «٢» .\nوقالتْ فرقةٌ: قوله: وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ: مقطوعٌ مما قبله «٣»، وهو ابتداء أمر كان في أول الإِسلام أنَّ من انتهك حرمَتَكَ، نِلْتَ منه مثْلَ ما اعتدى عليك.\nوَاتَّقُوا اللَّهَ: قيل: معناه في أَلاَّ تعتدوا، وقيل: في ألاَّ تزيدُوا على المثل.\nوقوله تعالى: وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ... الآية:\nسبيلُ اللَّهِ هنا: الجهادُ، واللفظ يتناوَلُ بَعْدُ جميعَ سُبُلِهِ، وفي الصحيح أنَّ أبا أيُّوب الأنصاريَّ «٤» كان على القُسْطَنْطِينِيَّةِ، فحمل رجُلٌ على عَسْكَر العدُوِّ، فقال قومٌ: ألقى هذا بيده إِلى التهلكة، فقال أبو أيوب: لا، إِنَّ هذه الآيةَ نزلَتْ في الأنصار، حين أرادوا، لمَّا ظهر الإِسلام أن يتركوا الجهادَ، ويَعْمُروا أموالهم، وأما هذا، فهو الذي قال الله تعالى\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١/ ٢٠٠) برقم (٣١٢٤)، وذكره ابن عطية الأندلسي (١/ ٢٦٣)، والسيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٣٧١)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي.\n(٢) ذكره البغوي في «معالم التنزيل» (١/ ١٦٣)، وابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٢٦٣) .\n(٣) ذكره ابن عطية الأندلسي في «المحرر الوجيز» (١/ ٢٦٤) .\n(٤) خالد بن زيد بن كليب بن ثعلبة، الأنصاري، النّجّاري، أبو أيوب المدني، شهد بدرا، والعقبة، وعليه نزل النبي ﷺ حين دخل المدينة. له مائة وخمسون حديثا.\nينظر: «الخلاصة» (١/ ٢٧٧) .","vol":"1","page":403},{"text":"فيه: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ «١» [البقرة: ٢٠٧] .\nوقال ابن عبَّاس، وحذيفةُ بْنُ اليَمَانِ، وجمهورُ الناس: المعنى: لا تُلْقُوا بأيديكم بأنْ تتركُوا النَّفَقَةَ في سَبِيلِ اللَّه، وتخافوا العَيْلَةَ «٢» .\nوَأَحْسِنُوا: قيل: معناه: في أعمالكم بامتثال الطَّاعات روي ذلك عن بعض الصحابة «٣»، وقيل: المعنى: وأحسنوا في الإِنفاق في سبيل اللَّهِ، وفي الصَّدَقَات، قاله زَيْدُ بْنُ أَسْلَم «٤»، وقال عِكْرِمَة: المعنى: وأحْسِنُوا الظنَّ باللَّه ﷿ «٥» .\nت: ولا شَكَّ أن لفظ الآية عامٌّ يتناول جميعَ ما ذكر، والمخصَّص يفتقر إِلى دليل.\nفأما حُسْن الظن باللَّه سبحانه، فقد جاءَتْ فيه أحاديثُ صحيحةٌ، فمنها: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي» «٦»، وفي «صحيح مسلم»، عن جابر، قال: سمعت النّبيّ ﷺ قبل وفاته بثلاثة ٤٩ أأيّام يَقُولُ: «لاَ يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلاَّ وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ» «٧» انتهى/.\nوأخرج أبو بكر بن الخطيب، بسنده، عن أنس أنّ النبيّ ﷺ قَالَ: «مِنْ حُسْنِ عِبَادَةِ المَرْءِ حُسْنُ ظَنِّهِ» «٨» . انتهى.\n_________\n(١) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٢٦٥) .\n(٢) أخرجه الطبري في «التفسير» (٢/ ٢٠٧) رقم (٣١٥٥) .\nوذكره البغوي في «معالم التنزيل» (١/ ١٦٤)، وابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٢٦٥)، والسيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٣٧٤)، وعزاه إلى الفريابي، وابن جرير، وابن المنذر.\n(٣) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٢٦٥) . [.....]\n(٤) أخرجه الطبري (٢/ ٢١٢) برقم (٣١٩٠)، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٢٦٥) .\n(٥) أخرجه الطبري (٢/ ٢١٢)، رقم (٣١٨٩)، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٢٦٥)، والسيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٣٧٥)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، عن عكرمة.\n(٦) تقدم تخريجه.\n(٧) أخرجه مسلم (٤/ ٢٢٠٤) كتاب «الجنة وصفة نعيمها وأهلها» باب الأمر بحسن الظن بالله تعالى عند الموت، حديث (٨١/ ٢٨٧٧)، من حديث جابر.\nوابن ماجه (٢/ ١٢٩٥)، كتاب «الزهد»، باب «التوكل واليقين» رقم (٤١٦٧)، والبيهقي (٣/ ٣٧٨) كتاب «الجنائز»، باب المريض يحسن ظنه بالله﷿- ويرجو برحمته»، وأحمد (٣/ ٢٩٣- ٣١٥- ٣٢٥- ٣٩٠)، وابن حبان (٢/ ٤٠٣)، كتاب «الرقاق»، باب ذكر الأمر للمسلم بحسن الظن بمعبوده، مع قلة التقصير في الطاعات رقم (٦٣٦)، (٢/ ٤٠٤، ٤٠٥)، كتاب «الرقاق»، باب حث المصطفى ﷺ على حسن الظن بمعبودهم جل وعلا، رقم (٦٣٨) .\n(٨) أخرجه الخطيب في «تاريخ بغداد» (٥/ ٣٧٧) .","vol":"1","page":404},{"text":"قال عبد الحَقِّ في «العاقبة»: أَمَّا حسْنُ الظنِّ باللَّهِ ﷿ عند الموت، فواجبٌ للحديث. انتهى.\nويدخل في عموم الآية أنواعُ المعروف قال أبو عمر بن عَبْدِ البَرِّ: قال رسول الله ﷺ: «كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ» «١»، قَالَ أبُو جُرَيٍّ الْهُجَيْمِيُّ «٢» قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوْصِنِي، قَالَ: «لاَ تَحْقِرَنَّ شَيْئًا مِنَ المَعْرُوفِ أَنْ تَأْتِيَهُ، وَلَوْ أَنْ تُفَرِّغَ مِنْ دَلْوِكَ فِي إِنَاءِ المُسْتَسْقِي، وَلَوْ أَنْ تلقى أَخَاكَ، وَوَجْهُكَ مُنْبَسِطٌ إِلَيْهِ» «٣»، وَقَالَ ﵇: «أَهْلُ المَعْرُوفِ فِي الدُّنْيَا هُمْ أَهْلُ المَعْرُوفِ فِي الآخِرَةِ» «٤»، وقال ﵊: «إنّ لله\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١٠/ ٤٦٢) كتاب «الأدب»، باب كل معروف صدقة حديث (٦٠٢١)، ومسلم (٢/ ٦٩٧)، كتاب «الزكاة»، باب بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف حديث (٥٢/ ١٠٠٥) .\n(٢) هو جابر بن سليم، وقيل: سليم بن جابر، جريّ الهجيمي مشهور بكنيته.\nينظر: «أسد الغابة» ت (٦٣٧)، «الاستيعاب» ت (٣٠٥)، «الثقات» (٣/ ٢٥٤)، «تجريد أسماء الصحابة» (١/ ٧١)، «تقريب التهذيب» (٢/ ٣٩)، «الطبقات الكبرى» (١٧٩)، «تهذيب الكمال» (١/ ١٧٨)، «الوافي بالوفيات» (١١/ ٢٦)، «التاريخ الصغير» (١/ ١١٧)، «التاريخ الكبير» (٢/ ٢٠٥)، «الجرح والتعديل» (٢/ ٢٠٢٧)، «تبصير المنتبه» (٣/ ٩١٥)، «الإصابة» (١/ ٥٤٢) .\n(٣) أخرجه أبو داود (٢/ ٤٥٤)، كتاب «اللباس»، باب ما جاء في إسبال الإزار، حديث (٤٠٨٤)، وأحمد (٥/ ٦٣)، والحاكم (٤/ ١٨٦)، وابن حبان (٨٦٦- موارد) .\n(٤) أخرجه الطبراني في «الصغير» (١/ ٢٦٢- ٢٦٣)، والقضاعي في «مسند الشهاب» (٣٠١)، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (٩/ ٣١٩) من طريق المسيب بن واضح، ثنا علي بن بكار، ثنا هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة مرفوعا.\nوقال الطبراني: لم يروه عن هشام إلا علي، تفرد به المسيب، وقال ابن أبي حاتم في «العلل» (٢/ ٢٩٢) رقم (٢٣٨٠): سألت أبي عن حديث رواه المسيب بن واضح، عن علي بن بكار، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «أهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة» . قال أبي: هذا حديث منكر جدا اه.\nوالحديث ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٧/ ٢٦٦)، وقال: رواه الطبراني في «الصغير»، و«الأوسط» بإسنادين في أحدهما يحيى بن خالد بن حيان الرقي، ولم أعرفه، ولا ولده أحمد، وفي الأخير المسيب بن واضح، قال أبو حاتم: يخطىء كثيرا. اه.\nوفي الباب عن أبي موسى، وابن عمر، وعمر، وعلي، وسلمان، وأبي الدرداء، وابن عباس، وأبي أمامة، وقبيصة بن مرة.\nحديث أبي موسى:\nأخرجه الطبراني في «المعجم الصغير» (١/ ٧٤) من طريق مؤمل بن إسماعيل، ثنا سفيان، عن عاصم الأحول، عن أبي عثمان النهدي، عن أبي موسى الأشعري مرفوعا.\nوقال الطبراني: لم يروه عن سفيان إلا مؤمل.\nوالحديث أخرجه الدارقطني في «العلل» (٧/ ٢٤٢- ٢٤٣)، ومن طريقه ابن الجوزي في «العلل-","vol":"1","page":405},{"text":"_________\n- المتناهية» (٢/ ٥٠٨) رقم (٨٣٨)، من طريق مؤمل بن إسماعيل به.\nوقال الدارقطني: هذا حديث يرويه عاصم الأحول، واختلف عنه، فرواه مؤمل عن الثوري، عن عاصم، عن أبي عثمان، عن أبي موسى.\nوخالفه هشام بن لاحق، رواه عن عاصم عن أبي عثمان عن سلمان، عن النبي ﷺ.\nوغيرهما يرويه عن عاصم، عن أبي عثمان، عن النبي ﷺ مرسلا، وهو الصواب.\nوقال ابن الجوزي: تفرد به مؤمل عن الثوري، فأسنده عن أبي موسى.\nحديث ابن عمر:\nأخرجه البزار (٣٢٩٥- كشف)، وابن عدي في «الكامل» (٥/ ٢٠٠١)، وابن الجوزي في «العلل المتناهية» (٢/ ٥٠٦) رقم (٨٣٥)، من طريق خازم بن مروان. قال: حدثني ابن السائب عن نافع، عن ابن عمر مرفوعا.\nقال ابن أبي حاتم في «العلل» (٢/ ١٠٥) رقم (١٨٠٨): قال أبي الحديث الذي روي عن عطاء بن السائب، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: «أهل المعروف في الدنيا، أهل المعروف في الآخرة» . قال أبي: هذا حديث باطل. اه.\nوالحديث ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٧/ ٢٦٥)، وقال: رواه البزار، وفيه خازم أبو محمد قال أبو حاتم: مجهول.\nحديث عمر:\nقال الدارقطني في «العلل» (٢/ ٢٤٤- ٢٤٦): يرويه عاصم بن سليمان الأحول، واختلف عنه، فرواه مؤمل عن الثوري عن عاصم عن أبي موسى عن النبي ﷺ، ورواه هشام بن لاحق عن عاصم عن أبي عثمان عن سلمان عن النبي ﷺ. وكلاهما وهم، والصّواب ما رواه حماد بن زيد، وغيره عن عاصم عن أبي عثمان عن عمر من قوله غير مرفوع، ورواه علي بن مسهر، وغيره، عن عاصم عن أبي عثمان قال:\nقال رسول الله ﷺ مرسلا، حدثنا أبو علي المالكي، ثنا زيد بن أخرم، ثنا عبد القاهر بن شعيب قال:\nثنا هشام، عن عاصم الأحول، عن أبي عثمان قال: سمعت عمر على المنبر يقول: «إن أهل المعروف ... الحديث» .\nوالحديث ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٧/ ٢٦٦)، وقال: رواه الطبراني، وفيه هشام بن لاحق تركه أحمد، وقوّاه النسائي، وبقية رجاله ثقات. اه.\nحديث أبي الدرداء:\nأخرجه الخطيب (١٠/ ٤٢٠) من طريق هيذام بن قتيبة، قال: نا عبد الملك بن زيد أبو بشر البزار:\nقال: نا سفيان الثوري، عن العلاء بن الحارث، عن مكحول، عن أبي الدرداء مرفوعا، ومن طريق الخطيب، أخرجه ابن الجوزي في «العلل» (٢/ ٥٠٨) رقم (٨٤٠)، وقال: هيذام مجهول.\nحديث ابن عباس:\nأخرجه الطبراني في «الكبير» (١١/ ٧١) رقم (١١٠٧٨) من طريق موسى بن أعين، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عباس مرفوعا. وأخرجه (١١/ ١٩٠- ١٩١) رقم (١١٤٦٠)، من طريق عبد الله بن هارون الفروي، ثنا محمد بن منصور، حدثني أبي عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس مرفوعا. -","vol":"1","page":406},{"text":"عِبَادًا خَلَقَهُمْ لِحَوَائِجِ النَّاسِ، هُمُ الآمِنُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ» «١» . انتهى من كتابه المسمى ب «بهجة المجالس وأنس المجالس» .\nوَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ\n_________\n- والحديث ذكره الهيثمي في «المجمع» (٧/ ٢٦٦)، وقال: رواه الطبراني في «الكبير»، و«الأوسط»، وفي إسناد الكبير عبد الله بن هارون الفروي وهو ضعيف، وفي الآخر ليث بن أبي سليم.\nحديث أبي أمامة:\nأخرجه الطبراني في «الكبير» (٨/ ٣١٢- ٣١٣) رقم (٨٠١٥)، وقال الهيثمي في «المجمع» (٧/ ٢٦٦):\nوفيه من لم أعرفه.\nحديث قبيصة بن مرة:\nأخرجه الطبراني في «الكبير» (١٨/ ٣٧٦) رقم (٩٦)، والبزار (٣٢٩٤- كشف)، من طريق نصير بن عمرو بن يزيد بن قبيصة بن برمة الأسدي الكوفي قال: سمعت برمة بن ليث يقول: سمعت قبيصة بن برمة به مرفوعا.\nوقال الهيثمي في «المجمع» (٧/ ٢٦٥): وفيه علي بن أبي هاشم، قال أبو حاتم: هو صدوق إلا أنه ترك حديثه من أجل أن يتوقف في القرآن، وفيه من لم أعرفه.\nحديث علي:\nأخرجه الخطيب (٢/ ٢٤٤)، من طريق محمد بن الحسين البغدادي، عن محمد بن عبد الله بن خليس، عن أبي عثمان بكر بن محمد المازني قال: سمعت سيبويه يقول: سمعت الخليل بن أحمد يقول: سمعت ذرا الهمداني يقول: سمعت الحارث العكلي عن علي بن أبي طالب مرفوعا.\nوله طريق آخر: أخرجه الخطيب (١١/ ٣٢٦) من طريق أيوب بن محمد، عن أبي عثمان المازني به.\nومن طريقي الخطيب أخرجه ابن الجوزي في «العلل المتناهية» (٢/ ٥٠٧) رقم (٨٣٦، ٨٣٧) .\nوقال: هذا حديث لا يصح. أما حديث علي ففي الطريق الأول محمد بن الحسين البغدادي، وكان يسمي نفسه لاحقا، وقد وضع على رسول الله ﷺ ما لا يحصى ذكره الخطيب. وأما الطريق الثاني فإن أيوب بن محمد مجهول الحال. اه.\nوللحديث طريق آخر عن علي: أخرجه الحاكم (٤/ ٣٢١)، من طريق حبان بن علي عن سعد بن طريف عن الأصبغ بن نباتة عن علي مرفوعا بلفظ: «يا علي، إن أهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة» . وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.\nوتعقبه الذهبي فقال: الأصبغ واه، وحبان ضعفوه.\nحديث سليمان:\nأخرجه الطبراني في «الكبير» (٦/ ٢٤٦) رقم (٦١١٢)، والعقيلي في «الضعفاء» (٤/ ٣٣٧)، من طريق هشام بن لاحق، ثنا عاصم الأحول، عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان مرفوعا.\nقال ابن الجوزي في «العلل» (٢/ ٥٠٩): وأما حديث سلمان فقال أحمد بن حنبل: تركت حديث هشام بن لاحق، وقال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به.\n(١) أخرجه القضاعي في «مسند الشهاب» رقم (١٠٠٧، ١٠٠٨) .","vol":"1","page":407},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-168>[سورة البقرة (٢): آية ١٩٦]</span>\nوَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (١٩٦)\nوقوله تعالى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ: قال ابنُ زَيْد وغيره: إِتمامهما ألاَّ تفسخا، وأن تتمهما، إِذا بدأْتَ بهما «١»، وقال ابن عَبَّاس وغيره: إِتمامهما أنْ تقضي مناسكهما كاملةً بما كان فيهما من دماء «٢»، وقال سفيانُ الثَّوْرِيُّ: إتمامهما أن تخريج قاصدًا لهما، لا لتجارةٍ، ولا لغيرِ ذلك «٣» ويؤيد هذا قولُهُ: لِلَّهِ.\nوفروضُ الحجِّ: النيَّة «٤»، والإحرام، والطواف «٥» المتصل بالسعي، يعني: طواف\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٢/ ٢١٤) برقم (٣٢٠٧)، وذكره ابن عطية (١/ ٢٦٥) .\n(٢) أخرجه الطبري (٢/ ٢١٣) برقم (٣١٩٤) . وذكره البغوي (١/ ١٦٥)، وابن عطية (١/ ٢٦٦)، والسيوطي (١/ ٣٧٦)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس. [.....]\n(٣) أخرجه الطبري (٢/ ٢١٤) برقم (٣٢٠٦)، وذكره البغوي (١/ ١٦٥- ١٦٦)، وابن عطية (١/ ٢٦٥) .\n(٤) معناه: نية الدخول في الحج وكيفيته: أن يقصد الحج والإحرام به لله تعالى لخبر «إنما الأعمال بالنيات» ... ويشترط في النية أن تكون في أشهر الحج لقوله تعالى: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ والمراد به وقت إحرام الحجّ.\nويسن اقتران النية بالتلبية بأن ينوي ويلبي بلا فاصل، كما يسنّ في النية- التلفظ باللسان، ليساعد اللسان القلب، بأن يقول الشخص: نويت الحج وأحرمت به لله (تعالى) إذا كان يحج عن نفسه، أو نويت الحج عن فلان، وأحرمت به لله تعالى- إذا كان يحج عن غيره.\nوصيغة التلبية: «لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك» .\nوقال أبو حنيفة (﵁): لا ينعقد الإحرام حتى يلبّي، أو يسوق الهدي، واستدل «أوّلا» بقوله (﵊): «أمرني جبريل أن آمر أصحابي بالتلبية ورفع الصوت. و«ثانيا» بالقياس على الصلاة.\nوأجيب عن الأول بأن الأمر أمر استحباب، وإلا لزم رفع الصوت، كما أجيب عن الثاني، بأنّ المقصود من الصلاة الذكر بخلاف الحجّ.\n(٥) من أركان الحج الطواف بالبيت لقوله تعالى: وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ [الحج: ٢٩]، والمراد به طواف الإفاضة، لانعقاد الإجماع على ذلك، ولهذا الطواف أسماء غير ذلك، منها «طواف الزيارة»، و«طواف الفرض»، وقد يسمى «طواف الصّدر» بفتح الدال، والأشهر أن طواف الصدر هو طواف الوداع.\nومحل طواف الإفاضة بعد الخروج من عرفة ولهذا سمي طواف الإفاضة، ويدخل وقته بنصف ليلة النحر، لمن وقف قبله قياسا على رمي جمرة العقبة، ولا آخر لوقته إذ الأصل، عدم التأقيت إلا إذا دلّ دليل على ذلك، ولا دليل ثمّة. -","vol":"1","page":408},{"text":"الإِفاضة، والسَّعْيِ بين الصفا والمروة عنْدنا خلافًا لأبي حنيفة، والوقوفُ بعرفة «١»، وزاد ابن الماجِشُونَ: جَمْرة العَقَبَة.\nوقوله تعالى: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ هذه الآية نزلَتْ عام الحديبية عنْد جمهور أهل التأويل، وأجمع جمهورُ النَّاس على أنَّ المُحْصَرَ بالعَدُوِّ يَحِلُّ حيثُ أُحْصِرَ، وينحر هَدْيه، إِن كان ثَمَّ هَدْيٌ، ويحلق رأسه، وأما المُحْصَرُ بمرضٍ، فقال مالك، وجمهور من العلماء: لا يحله إِلا البيتُ، ويقيم حتى يُفِيقَ، وإِن أقام سنين، فإِذا وصل البيتَ، بعد فوت الحجِّ، قطع التلبيةَ في أوائل الحرم، وحلَّ بعمرة، ثم تكون عليه حجَّة قضاء، وفيها يكون الهَدْي.\nو«مَا» في موضع رفعٍ «٢»، أي: فالواجبُ، أو: فعليكُمْ ما استيسر، وهو شاةٌ عند الجمهور.\n_________\n- ويسن تأخيره إلى بعد طلوع الشمس للاتباع، ويكره تأخيره عن يوم النحر، وفي تأخيره عن أيام التشريق كراهة شديدة، وعن خروجه من «مكة» كراهة أشد.\n(١) من أركان الحج: الوقوف بعرفة، لقوله ﷺ: «الحجّ عرفة» أي: معظمه، ويبتدىء وقته من زوال اليوم التاسع من ذي الحجة لما صح «أنّه ﷺ وقف بعد الزّوال» مع خبر «خذوا عنّي مناسككم»، وينتهي بطلوع فجر يوم النحر، وهو اليوم العاشر من ذي الحجة لقوله ﷺ: «من أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك الحجّ»، ففي أي جزء من الزمن المذكور وقف المحرم بأرض عرفة أجزأه، دون ما قبله، ودون ما بعده.\nنعم لو وقفوا يوم النحر غلطا لظنهم أنه اليوم التاسع بأن غم عليهم هلال ذي الحجّة، فأكملوا ذا القعدة ثلاثين، ثم بان أن الهلال أهلّ ليلة الثلاثين، أجزأهم ذلك الوقوف بدون قضاء، بشرط ألا يكون عددهم أقلّ من المعتاد، فإذا قلّ عددهم عن حسب العادة وجب عليهم القضاء، كما يجب عليهم القضاء إذا وقفوا اليوم الثامن أو الحادي عشر غلطا لندرة الغلط فيهما.\nوالمعتبر في الوقوف بعرفة حضور المحرم بها ولو لحظة ماشيا كان أو راكبا، متيقظا كان أو نائما، وسواء حضر لغرض الوقوف أم لا، كأن كان هاربا أو مارّا في طلب آبق، وسواء علم أنها عرفة، أو لم يعلم أنها هي، وبالجملة فيجزىء الوقوف مع النوم ولو استغرق جميع الوقت، ومع الغفلة، ومع عدم المكث، ومع الجهل بالبقعة واليوم.\nوفي حكم أرض عرفة ما اتصل بها وكان في هوائها، فيكفي كون المحرم على دابّة أو سيّارة أو شجرة في أرض المذكورة. ولا يكفي كونه على غصن شجرة خارج عن هوائها، وإن كان أصل الغصن المذكور فيها، ولا كونه على غصن في هوائها وأصله ليس فيها، كما لا يكفي الطيران في جوّها، ولا الوقوف على جزء نقل منها إلى مكان آخر.\nوحدّ عرفة من وادي «عرنة» إلى الجبال المقبلة على عرفة إلى حوائط بستان بني عامر، وإلى طريق الحصن، وليست النّمرة، ولا وادي «عرنة»، ولا صدر مسجد إبراهيم (﵇) من عرفات.\n(٢) وفيها قولان آخران:\nأحدهما: أنها في محل نصب، أي: فليهد، أو فلينحر. وهذا مذهب ثعلب.","vol":"1","page":409},{"text":"وقال ابن عمر وعروة «١»: جَملٌ دون جَمَلٍ، وبقرةٌ دون بقرة «٢» .\nوقوله تعالى: وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ الخطابُ لجميعِ الأمَّة، وقيل: للمحصَرِينَ خاصَّة، ومَحِلُّ الهَدْيِ: حيث يحل نحره، وذلك لمن لم يُحصَرْ بمنى، والترتيب: أن يرمي الحاجُّ الجَمْرَة، ثم ينحر، ثم يَحْلِق، ثم يَطُوف للإِفاضة.\nوقوله تعالى: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا ... الآية: المعنى: فحَلَق لإِزالة الأذى، فَفِدْيَةٌ، وهذا هو فحْوَى الخطاب عند أكثر الأصوليِّين، ونزلَتْ هذه الآية في كَعْب بن عجرة «٣»، حين رآه رسول الله ﷺ وَرَأْسُهُ يَتَنَاثَرُ قملًا، فَأَمَرَهُ بِالحَلاَّقِ، ونَزَلَتِ الرخْصَةُ.\nوالصيامُ عند مالك، وجميع أصحابه: ثلاثةُ أيامٍ، والصدقة ستّة مساكين لكلّ\n_________\n- والثاني: أنه مبتدأ، والخبر محذوف تقديره: فعليه ما استيسر. ويعزى للأخفش.\nينظر: «الدر المصون» (١/ ٤٨٤) .\n(١) عروة بن الزبير بن العوّام الأسدي، أبو عبد الله المدني، أحد الفقهاء السبعة، وأحد علماء التابعين، روى عن أبيه وأمه وكثير من الصحابة.\nقال الزهري: عروة بحر لا تكدره الدّلاء. كان يقرأ كل ليلة ربع القرآن. ولد سنة ٢٩ هـ. ومات وهو صائم سنة ٩٢ هـ، وقيل غير ذلك.\nينظر: «الخلاصة» (٢/ ٢٢٦) (٤٨٢٦)، ابن سعد (٥/ ١٣٢- ١٣٥)، و«الحلية» (٢/ ١٧٦- ١٨٣)، «الوفيات» (٣/ ٢٥٥- ٢٥٨) .\n(٢) أخرجه الطبري (٢/ ٢٢٥) رقم (٣٢٧٥)، وذكره ابن عطية (١/ ٢٦٧)، والسيوطي (١/ ٣٨٤)، وعزاه لوكيع، وسفيان بن عيينة، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، من طرق عن ابن عمر.\n(٣) هو: كعب بن عجرة بن أمية بن عدي بن عبيد بن الحارث بن عمرو بن عوف بن غنم بن سواد بن مري بن إراشة ... أبو محمد البلوي، حليف الأنصار.\nقال الواقدي: ليس بحليف للأنصار، ولكنه من أنفسهم. قال ابن سعد: طلبت اسمه في نسب الأمصار فلم أجده. وقال ابن الكلبي. وساق نسبه إلى «بلي» ثم قال: انتسب كعب في الأنصار في بني عمرو بن عوف، وتأخر إسلامه ثم أسلم وشهد المشاهد كلها. روى عنه ابن عمر، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وابن عياش، وطارق بن شهاب وغيرهم.\nينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (٤/ ٤٨١)، «الإصابة» (٥/ ٣٠٤)، «الثقات» (٣/ ٣٥١)، «الاستيعاب» (٢/ ١٣٢١)، «الاستبصار» (١٩٥)، «العبر» (١/ ٥٧)، «تجريد أسماء الصحابة» (٢/ ٣١)، «تاريخ جرجان» (٢٩٦)، «الأعلام» (٥/ ٢٢٧)، «عنوان النجابة» (١٤٩)، «الكاشف» (٣/ ٨)، «الإكمال» (٤/ ٣٩١)، «الجرح والتعديل» (٧/ ١٦٠)، «تهذيب الكمال» (٣/ ١١٤٧)، «تهذيب التهذيب» (٨/ ٤٣٥)، «تقريب التهذيب» (٢/ ١٣٥)، «سير أعلام النبلاء» (٣/ ٥٢) .","vol":"1","page":410},{"text":"مسكينٍ نصفُ صاعٍ، وذلك مُدَّانِ بمُدِّ النبيِّ ﷺ، والنُّسُكُ: شاة بإِجماع، ومَنْ أتى بأفضلَ منها ممَّا يذبح أو ينحر، فهو أفضلُ والمفتدِي مخيَّر في أيِّ هذه الثلاثة شاء، حيثُ شاء من مكَّة وغيرها.\nقال مالكٌ وغيره: كلَّما أتى في القرآن «أَوْ أَوْ»، فإِنه على التخْيير.\nوقوله تعالى: فَإِذا أَمِنْتُمْ، أي: من العدُوِّ المُحْصِرِ/، قاله ابن عبَّاس وغيره»\n، ٤٩ ب وهو أشبهُ باللَّفظ، وقيل: معناه: إِذا برأتم من مَرَضِكم «٢» .\nوقوله سُبحانه: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ ... الآية.\nقال ابن عبَّاس وجماعةٌ من العلماء: الآيةُ في المحصَرين وغيرهم «٣»، وصورة المتمتِّع «٤» أنْ تجتمعَ فيه ستَّةُ شروطٍ، أن يكون معتمرًا في أشْهُر الحجِّ، وهو من غير\n_________\n(١) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٢٦٨)، والسيوطي (١/ ٣٨٤)، وعزاه إلى سفيان بن عيينة، والشافعي في «الأم»، وعبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس.\n(٢) أخرجه الطبري (٢/ ٢٥١)، وذكره البغوي (١/ ١٧٠)، وابن عطية (١/ ٢٦٨) .\n(٣) أخرجه الطبري (٢/ ٢٥٤) برقم (٣٤٣١)، وذكره ابن عطية (١/ ٢٦٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٣٨٧)، وعزاه إلى ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٤) وهو عكس الإفراد أن يحرم الشخص بالعمرة أوّلا من الميقات الذي مرّ عليه في طريقه إن كان غير ميقات بلده، ثم يأتي بأعمالها، وبعد الفراغ منها يحرم بالحج من «مكة» أو من الميقات الذي أحرم منه للعمرة، أو من مثل مسافته، أو من ميقات أقرب منه، وسواء كان إحرامه بالعمرة في أشهر الحج أو قبل أشهره، وسواء حج في العام الذي اعتمر فيه، أو أخر الحج إلى عام قابل، فللتمتع أربع صور، وسمّي الآتي به:\nمتمتعا لأنه تمتّع بمحظورات الإحرام بين النّسكين. ولدم التمتع شروط أربعة: أن تقع عمرة المتمتع في أشهر الحج، فإذا أحرم بالعمرة قبل أشهر الحج «سواء أتمها قبل دخول أشهر الحج أو أتمها فيها» فلا يجب عليه الدم، لأنه لم يجمع بين الحج والعمرة في أشهر الحج، فأشبه المفرد. أن يحج من عامه، فإذا اعتمر في أشهر الحج ثم حج في عام آخر أو لم يحج أصلا، فلا دم عليه، لما روى البيهقي «كان أصحاب رسول الله ﷺ يعتمرون في أشهر الحج، فإذا لم يحجوا من عامهم ذلك لم يهدوا» .\nألا ويعود المتمتع بعد فراغه من العمرة إلى الميقات الذي أحرم منه أولا أو إلى ميقات آخر من مواقيت الحج ليحرم منه بالحج، فإن عاد المتمتع إلى الميقات ليحرم منه بالحج، فلا دم عليه لأن المقتضي للدم هو ذبح الميقات، وقد انتفى بعودة المتمتع إليه.\nألا يكون المتمتع من حاضري المسجد الحرام، لقوله تعالى: ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ [البقرة: ١٩٦]، والمراد بحاضري المسجد الحرام من بين مساكنهم، والحرم أقل من مرحلتين، فإن كان المتمتع من أهل هذه الجهة، فلا يلزمه الدم، لقربه من الحرم، والقريب من الشيء يقال له: «حاضره»، قال تعالى: وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ [الأعراف: ١٦٣] أي-[.....]","vol":"1","page":411},{"text":"خاضري المَسْجِد الحرام، ويحل وينشىء الحَجَّ من عَامِهِ ذلك، دون رُجُوع إِلى وطنه، أو ما ساواه بُعْدًا، هذا قول مالِكٍ، وأصحابه، واختلف، لِمَ سُمِّيَ متمتعًا.\nفقال ابن القاسِمِ: لأنه تمتع بكلِّ ما لا يجوز للمُحْرِمِ فعْلُه مِنْ وقْت حلِّه في العمرة إِلى وقْت إِنشائه الحجِّ «١»، وقال غيره: سمي متمتعًا لأنه تمتَّع بإِسقاط أحد السفرين، وذلك أنَّ حق العمرة أنْ تقصد بسَفَرٍ، وحقّ الحج كذلك، فلمَّا تمتع بإِسقاط أحدهما ألزمه اللَّه تعالى هَدْيًا كالقَارن الَّذي يجمع الحجَّ والعمرةَ في سَفَر واحدٍ، وجُلُّ الأمة «٢» على جواز العُمْرة في أَشْهُر الحجِّ للمكِّيِّ ولا دَمَ عليه «٣» .\nوقوله تعالى: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ، يعني: من وقتِ يُحْرِمْ إِلى يومِ عرفة، فإِنْ فاته صيامها قبل يوم النحرِ، فليصُمْها في أيام التشريق لأنها من أيام الحج.\nوَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ، قال مجاهد وغيره: أي: إِذا رجعتم من منى «٤»، وقال قتادة، والربيع: هذه رخصةٌ من اللَّه سبحانه «٥»، والمعنى: إِذا رجعتم إِلى أوطانكم، ولما جاز أن\n_________\n- قريبة منه. والمعنى في ذلك أنه لم يربح ميقاتا عامّا لأهله ولمن مرّ به.\nووقت وجوب الدم على المتمتع هو وقت إحرامه بالحج، لأنه حينئذ يصير متمتعا بالعمرة إلى الحج، ويجوز له أن يذبح بعد فراغه من العمرة وقبل الإحرام بالحج لتقدم أحد سببيه. والأفضل ذبحه يوم النحر ولا آخر لوقته كسائر دماء الجبر بها.\n(١) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٢٦٨) .\n(٢) والأصل في ذلك ما روي عن قتادة أنّ أنسا أخبره قال: اعتمر النّبيّ ﷺ أربع عمر، كلّهنّ في ذي القعدة إلّا الّتي كانت مع حجّته: عمرة من الحديبية في ذي القعدة، وعمرة من العام المقبل في ذي القعدة، وعمرة من الجعرّانة حيث قسم غنائم حنين في ذي القعدة، وعمرة مع حجّته» .\nأخرجه البخاري (٣/ ٨٠١)، كتاب العمرة: باب كم اعتمر النبي ﷺ (١٧٧٨)، وأطرافه في (١٧٧٩- ١٧٨٠- ٣٠٦٦- ٤١٤٨)، ومسلم (٢/ ٩١٦)، كتاب «الحج»، باب بيان عدد عمر النبي ﷺ (٢١٧- ١٢٥٣) .\nوروي عن ابن عمر أنه قال: اعتمر النبي ﷺ أربع عمر، إحداهن في رجب، فأخبرت عائشة بذلك، قالت: يرحم الله أبا عبد الرحمن ما اعتمر رسول الله ﷺ إلا وهو معه، وما اعتمر في رجب قطّ.\nوروي عن مجاهد أن علي بن أبي طالب قال: في كل شهر عمرة، وكان أنس بن مالك بمكة، فكان إذا حمم رأسه، خرج فاعتمر.\nأخرجه الشافعي، كذا في «ترتيب المسند» (٢/ ٣٧٩) .\n(٣) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٢٦٧- ٢٦٨) .\n(٤) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٢٧٠) .\n(٥) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٢٧٠) .","vol":"1","page":412},{"text":"يتوهَّم متوهم التخْيير بين ثلاثةِ أيَّامٍ في الحجِّ أو سبعة إِذا رجع، أُزِيلَ ذلك بالجليّة من قوله تعالى: تِلْكَ عَشَرَةٌ.\nوكامِلَةٌ «١» قال الحسن بن أبي الحَسَن: المعنى: كاملة الثوابِ «٢»، وقيل: كاملةٌ «٣» تأكيدٌ كما تقول: كَتَبْتُ بيَدِي، وقيل: لفظها الإِخبار «٤»، ومعناها الأمر، أي: أكملوها، فذلك فرضها، وقوله تعالى: ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ ... الآيةَ: الإِشارة بذلك على قول الجمهورِ هي إِلى الهَدْي، أي: ذلك الاشتداد والإِلزام، وعلى قول من يرى أن المكِّيَّ لا تجوز له العُمْرة في أشهر الحج، تكون الإِشارة إِلى التمتُّع، وحُكْمِه فكأن الكلام ذلك الترخيصُ لمن لَمْ ويتأيَّد هذا بقوله: لِمَنْ لَمْ لأن اللام أبدًا إِنما تجيء مع الرخص «٥»، واختلف الناس في حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ بعد الإِجماع على أهل مكة، وما اتصل بها، فقيل: من تَجِبُ عليه الجمعة بمكَّة، فهو حَضَرِيٌّ، ومن كان أبعد من ذلك، فهو بَدَوِيٌّ، قال ع «٦»: فجعل اللفظة من الحضارة، والبداوة.\nوقيل: من كان بحيثُ لا يَقْصُرُ الصلاة، فهو حاضرٌ، أي: مشاهدٌ، ومن كان أبعد من ذلك، فهو غائبٌ.\nوقال ابن عبَّاس، ومجاهد: أهل الحرم «٧» كلّه حاضر والمسجد الحرامِ، ثم أمر تعالى بتقواه على العموم، وحذّر من شديد عقابه.\n_________\n(١) قال الشافعي في «رسالته»: احتملت أن تكون زيادة في التبيين، واحتملت أن يكون أعلمهم أنّ ثلاثة إذا جمعت إلى سبع كانت عشرة كاملة. ينظر: «الرسالة» (٢٦) .\n(٢) ذكره البغوي في «معالم التنزيل» (١/ ١٧٠) وابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٢٧٠) .\n(٣) أخرجه الطبري (٢/ ٢٦٤)، وذكره البغوي (١/ ١٧٠)، وابن عطية (١/ ٢٧٠) .\n(٤) أخرجه الطبري (٢/ ٢٦٤)، وذكره ابن عطية (١/ ٢٧٠)، والبغوي (١/ ١٧١) .\n(٥) وهذا على قول من قال: إن الإشارة ب «ذلك» المقصود بها: ذلك الترخيص، وأما القائلون بجواز اعتمار المكي في أشهر الحج، فيقولون: إن اللام في قوله تعالى: «لمن» بمعنى «على»، ويصير المعنى:\nوجوب الدم على من لم يكن من أهل مكة، كقوله ﵇: «اشترطي لهم الولاء» .\nينظر: «الجامع لأحكام القرآن»، للإمام القرطبي (٢/ ٢٦٨) .\n(٦) «المحرر الوجيز» (١/ ٢٧١) .\n(٧) أخرجه الطبري (٢/ ٢٦٥) برقم (٣٥٠٦)، وذكره ابن عطية (١/ ٢٧١)، والسيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٣٩١) عن مجاهد، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس.","vol":"1","page":413},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-169>[سورة البقرة (٢): آية ١٩٧]</span>\nالْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ (١٩٧)\nوقوله تعالى: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ في الكلام حذفٌ، تقديره «١»: أشهر الحج أشهرٌ أو وقتُ الحجِّ أشهر معلوماتٌ، قال ابن مسعود وغيره: وهي شوَّال، وذُو القَعْدة، وذو الحَجَّة كلُّه «٢» .\nوقال ابن عبَّاس وغيره: هي شَوَّال، وذو القَعْدة، وعَشْرٌ من ذي الحجة «٣»، والقولان لمالكٍ﵀- فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ، أي: ألزمه نفْسَهُ، وفرض الحج هو بالنيةِ والدخولِ في الإِحرام، والتلبيةُ تَبَعٌ لذلك، وقوله تعالى: فِيهِنَّ، ولم يجىء الكلام «فيها»، فقال قوم: هما سواء/ في الاستعمال، وقال أبو عثمانَ المازنيّ «٤»: الجمع الكثير\n_________\n(١) وكان هذا التقدير لأن «الحج» فعل من الأفعال، و«أشهر» زمان فهما غيران، فكان لا بد من تأويل.\nوهناك احتمالان آخران للإعراب، وهما:\nالأول: الحج حجّ أشهر على الإضافة.\nوالثاني: أن يجعل الحدث نفس الزمان مبالغة ومجازا، فالحج حال فيه، فلما اتسع في الظرف جعل نفس الحدث.\nونظيرها: وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا [الأحقاف: ١٥] وإذا كان ظرف الزمان نكرة مخبرا به عن حدث جاز فيه الرفع والنصب مطلقا، أي: سواء كان الحدث مستوعبا للظرف أم لا، هذا مذهب البصريين.\nوأمّا الكوفيون فقالوا: إن كان الحدث مستوبعا فالرفع فقط نحو: «الصوم يوم» وإن لم يكن مستوعبا فهشام يلتزم رفعه أيضا نحو: «ميعادك يوم» والفراء يجيز نصبه مثل البصريين، وقد نقل عنه أنه منع نصب «أشهر» يعني في الآية لأنها نكرة، فيكون له في المسألة قولان، وهذه المسألة بعيدة الأطراف تضمّها كتب النحويين. قال ابن عطية: «ومن قدّر الكلام: الحج في أشهر فيلزمه مع سقوط حرف الجر نصب الأشهر، ولم يقرأ به أحد» قال الشيخ: «ولا يلزم ذلك، لأنّ الرفع على جهة الاتساع، وإن كان أصله الجرّ بفي» .\nينظر: «الدر المصون» (١/ ٤٨٩- ٤٩٠) . [.....]\n(٢) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٢٧١) .\n(٣) أخرجه الطبري (٢/ ٢٦٨) برقم (٣٥٢٥)، وذكره ابن عطية (١/ ٢٧١)، والسيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٣٩٣)، وعزاه لوكيع، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي.\n(٤) بكر بن محمد بن حبيب بن بقية، أبو عثمان المازني، من مازن شيبان: أحد الأئمة في النحو، من أهل البصرة. ووفاته فيها. له تصانيف، منها كتاب: «ما تلحن فيه العامة» و«الألف واللام» و«التصريف» و«العروض» و«الديباج» . توفي سنة (٢٤٩) هـ. ينظر: «الأعلام» (٢/ ٦٩) .","vol":"1","page":414},{"text":"لما لا يعقل يأتي كالواحدةِ المؤنَّثة، والقليلُ ليس كذلك، تقول: الأجذاعُ انكسرن والجُذُوعُ انكسرت «١»، ويؤيد ذلك قوله تعالى: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ [التوبة: ٣٦] ثم قال:\nمِنْها [التوبة: ٣٦] .\nوقوله تعالى: فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ ... الآية، وقرأ ابن كثيرٍ، وأبو عمرٍو: «فَلاَ رَفَثٌ وَلاَ فُسُوقٌ وَلاَ جِدَالَ»، بالرفع في الاثنين، ونصب الجدال «٢»، و«لا» بمعنى «لَيْسَ»، في قراءة الرفع، والرَّفَثُ الجماعُ في قول ابن عبَّاس، ومجاهد، ومالك «٣»، والفُسُوقُ قال ابن عبَّاس وغيره: هي المعاصِي كلُّها «٤»، وقال ابن زَيْد، ومالك: الفُسُوقُ:\nالذبْح للأصنام «٥»، ومنه قوله تعالى: أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ [الأنعام: ١٤٥]، والأول أولى.\nقال الفَخْر «٦»: وأكثر المحقِّقين حملوا الفِسْقَ هنا على كل المعاصِي قالوا: لأن\n_________\n(١) وهذا بخلاف قوله: مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ [التوبة: ٣٦]، فهناك «أشهر» جمع كثرة، وهنا «حرم» جمع قلة.\n(٢) وحجة من فتح أنه نفي لجميع جنس الرفث والفسوق، كما قال: لا رَيْبَ فِيهِ [البقرة: ٢] وكأن قائلا قال: هل من رفث؟ هل من فسوق؟\nوحجة من رفع: أنه يعلم من الفحوى أنه ليس النفي وقتا واحدا، ولكنه بجميع ضروبه، وقد يكون اللفظ واحدا، والمراد جميعا.\nينظر: «السبعة» (١٨٠)، و«الكشف» (١/ ٢٨٥)، و«حجة القراءات» (١٢٨، ١٢٩)، و«الحجة» (٢/ ٢٨٦)، و«شرح الطيبة» (٤/ ٩٦)، و«شرح شعلة» (٢٨٧)، و«العنوان» (٧٣)، و«إتحاف» (١/ ٤٣٣)، و«معاني القراءات» (١/ ١٩٦) .\n(٣) أخرجه الطبري (٢/ ٢٧٦- ٢٧٧) رقم (٣٥٩٩- ٣٦٠٣- ٣٦١٣) عن ابن عباس، رقم (٣٦٠٩- ٣٦١٤) عن مجاهد.\nوذكره البغوي (١/ ١٧٢) عن ابن عباس ومجاهد، وابن عطية (١/ ٢٧٢) عن ابن عباس، ومجاهد، ومالك.\nوذكره السيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٣٩٥)، وعزاه لوكيع، وسفيان بن عيينة، والفريابي، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وأبي يعلى، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس.\n(٤) أخرجه الطبري (٢/ ٢٧٩- ٢٨٠) رقم (٣٦٣٤- ٣٦٤٨، ٣٦٥٢، ٣٦٥٦)، وذكره البغوي في «معالم التنزيل» (١/ ١٧٢) . وابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٢٧٢)، والسيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٣٩٥)، وفي (١/ ٣٩٦)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وسفيان، ووكيع، والفريابي، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن أبي يعلى، وابن أبي حاتم.\n(٥) أخرجه الطبري (٢/ ٢٨٢) رقم (٣٦٧١)، عن ابن زيد. وذكره ابن عطية (١/ ٢٧٢)، عن ابن زيد، ومالك.\n(٦) «التفسير الكبير» (٥/ ١٤٠) .","vol":"1","page":415},{"text":"اللفظ صالِحٌ للكلِّ ومتناولٌ له، والنهي عن الشيء يوجبُ الاِنتهاءَ عن جَميعِ أنواعه، فحمل اللفْظ على بعض أنواع الفسوقِ تحكُّم من غير دليل. انتهى.\nقال ابن عباس وغيره: الجِدَالُ هنا: أن تماري مسلمًا «١» .\nوقال مالك، وابن زَيْد: الجدالُ هنا أن يَخْتَلفَ الناسُ أيهم صادَفَ موقفَ إِبراهيمَ﵇- كما كانوا يفعلون في الجاهلية «٢»، قُلْتُ: ومعنى الآية: فلا تَرْفُثُوا، ولا تفسُقُوا، ولا تجادلُوا كقوله ﷺ: «وَالصَّوْمُ جُنَّةٌ، فَإِذَا كَانَ صَوْمُ أَحَدِكُمْ، فَلاَ يرفث، ولا يصحب، فَإِنْ شَاتَمَهُ أَحَدٌ، أَوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ إِنِّي امرؤ صَائِمٌ ...» «٣» الحديث. انتهى.\nقال ابن العربيِّ في «أحكامه» «٤»: قوله تعالى: فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ، أراد نفيه مشروعًا، لا موجودًا، فإِنا نجد الرفَثَ فيه، ونشاهده، وخبَرُ اللَّه سبحانه لا يَقَعُ بخلافِ مخبره. انتهى.\nقال الفَخْر «٥»: قال القَفَّال: ويدُخُل في هذا النهْيِ ما وقع من بعضهم من مجادلة النبيّ ﷺ حين أمرهم بفَسْخِ الحَجِّ إِلى العمرة، فشَقَّ عليهم ذلك، وقالوا: «أنروحُ إلى منى، ومَذَاكِيرُنَا تَقْطُرُ مَنِيًّا ...» الحديث. انتهى.\nوقوله تعالى: وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ: المعنى: فيثيب عليه، وفي هذا تحضيضٌ على فعل الخير.\nت: وروى أُسَامَةُ بنُ زيدٍ عن النبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ صُنِعَ إِليْهِ مَعْرُوفٌ، فَقَالَ لِفَاعِلِهِ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا، فَقَدْ أَبْلَغَ فِي الثَّنَاءِ» رواه الترمذيُّ، والنَّسائي، وابنُ حِبَّانَ في «صحيحه» بهذا اللفظ «٦» . انتهى من «السلاح» ونحو هذا جوابه ﷺ للمهاجرين حيث\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٢/ ٢٨٣- ٢٨٤)، رقم (٣٦٧٤- ٣٦٧٥- ٣٦٨١- ٣٦٩٥- ٣٦٩٦)، وذكره ابن عطية (١/ ٢٧٣)، والسيوطي (١/ ٣٩٥- ٣٩٦) وعزاه إلى وكيع، وسفيان بن عيينة، والفريابي، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وأبي يعلى، وابن جرير، وابن أبي حاتم.\n(٢) أخرجه الطبري (٢/ ٢٨٦) رقم (٣٧٠٦)، وذكره البغوي في «معالم التنزيل» (١/ ١٧٣)، وابن عطية (١/ ٢٧٣) عن مالك، وابن زيد، وذكره السيوطي (١/ ٣٩٧)، وعزاه لابن جرير عن ابن زيد.\n(٣) تقدم تخريجه.\n(٤) ينظر: «الأحكام» (١/ ١٣٤) .\n(٥) «التفسير الكبير» (١/ ١٤١) . [.....]\n(٦) أخرجه الترمذي (٤/ ٣٨٠) كتاب «البر والصلة»، باب ما جاء في المتتبع بما لم يعطه، حديث (٢٠٣٤)، والنسائي في «الكبرى» (٦/ ٥٣)، كتاب «عمل اليوم والليلة»، باب ما يقول لمن صنع إليه معروفا، -","vol":"1","page":416},{"text":"قَالُوا: «مَا رَأَيْنَا كَالأَنْصَارِ»، وأثنوا علَيْهم خيرًا.\nوقوله سبحانه: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى ... الآية: قال ابن عُمَرَ وغيره:\nنزلَتِ الآية في طائفةٍ من العرب، كانت تجيء إِلى الحج بلا زادٍ، ويبقون عالة على النَّاس، فأمروا بالتزوُّد «١»، وقال بعض النَّاس: المعنى: تزوَّدوا الرفيقَ الصالحَ، وهذا تخصيصٌ ضعيفٌ، والأولى في معنى الآية: وتزوَّدوا لمعادِكُمْ من الأعمال الصالحة، قُلْتُ: وهذا التأويلُ هو الذي صَدَّر به الفخْرُ «٢» وهو الظاهرُ، وفي قوله: فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى حضّ على التقوى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-170>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٩٨ الى ١٩٩]</span>\nلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩)\nوقوله تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ ... الآية: الجُنَاحُ: أعم من الإثم لأنه فيما\n_________\n- حديث (١٠٠٠٨)، وابن السني في «عمل اليوم والليلة» (٢٧٦)، والطبراني في «الصغير» (٢/ ١٤٨)، وأبو نعيم في «ذكر أخبار أصبهان» (٢/ ٣٤٥)، كلهم من طريق الأحوص بن جواب، ثنا سعيد بن الخمس، ثنا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ، عن أبي عثمانَ النهدي، عن أسامة بن زيد مرفوعا.\nوقال الترمذي: هذا حديث حسن جيد غريب، لا نعرفه من حديث أسامة بن زيد، إلا من هذا الوجه. اهـ.\nوصححه ابن حبان برقم (٣٤١٣) .\nوقال الترمذي أيضا: وقد روي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ بمثله، وسألت محمدا فلم يعرفه اهـ. قلت:\nوالحديث الذي أشار إليه الترمذي:\nأخرجه ابن أبي شيبة (٩/ ٧٠)، والبزار (٢/ ٣٩٧- كشف) رقم (١٩٤٤)، والطبراني في «الصغير» (٢/ ١٤٩)، كلهم من طريق موسى بن عبيدة الربذي، عن محمد بن ثابت، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «إذا قال الرجل لأخيه: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا فَقَدْ أَبْلَغَ فِي الثَّنَاءِ» .\nقال البزار: ومحمد بن ثابت لا نعلم روى عنه إلا موسى بن عبيدة، ولا روى عن أبي هريرة هذا الحديث غيره.\nوالحديث ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٤/ ١٥٣)، وقال: رواه البزار، وفيه موسى بن عبيدة، وهو ضعيف.\n(١) أخرجه الطبري في (٢/ ٢٩٠) رقم (٣٧٣٢)، وذكره البغوي في «معالم التنزيل» (١/ ١٧٣)، وابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٢٧٣)، والسيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٣٩٨)، وعزاه إلى ابن جرير، وابن مردويه، عن ابن عمر.\n(٢) ينظر: «التفسير الكبير» (٥/ ١٤٣) .","vol":"1","page":417},{"text":"يقتضي العقابَ، وفي ما يقتضي الزجْرَ والعتاب.\n٥٠ ب وتَبْتَغُوا: معناه: تَطْلبوا، أي: لا دَرك «١» في أنْ تتجروا وتطلبوا/ الرحب.\nوقوله تعالى: فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ: أجمع أهْل العْلمِ على تمامِ حجِّ من وقف بعرفاتٍ بعد الزوال، وأفاض نهارًا قبل الليل إِلا مالك بن أنس، فإِنه قال: لا بدَّ أن يأخذ من الليل شيئًا، وأمَّا من وقف بعرفة ليلًا، فلا خلافَ بيْن الأمَّة في تمام حَجِّه.\nوأفاض القومُ أو الجيشُ، إِذا اندفعوا جملةً، واختلف في تسميتها عرفةَ، والظاهر أنه اسم مرتجلٌ كسائر أسماء البقاع، وعرفةُ هي نَعْمَانُ الأَرَاكِ «٢»، والمَشْعَر الحَرَامُ جمعٌ كله، وهو ما بين جبلَيِ المزدَلِفَةِ من حَدِّ مفضى مَأْزِمَي «٣» عرفَةَ إِلى بطن مُحَسِّرٍ «٤»، قاله ابن عبَّاس وغيره «٥»، فهي كلُّها مشعر «٦» إِلا بطن مُحَسِّرٍ كما أن عرفة كلُّها موقف إِلا بطن عُرَنَةَ «٧» بفتح الراء وضمها، وروي عن النبيّ ﷺ أنَّهُ قَالَ: «عَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ إِلاَّ بَطْنَ عُرَنَةَ، والمُزْدَلِفَةُ كُلُّهَا مَشْعرٌ، أَلاَ وارتفعوا عَنْ بَطْنِ مُحَسِّرٍ» «٨»، وذكر هذا عبد اللَّه بن\n_________\n(١) الدّرك: التّبعة، يسكّن ويحرك. يقال: ما لحقك من درك فعليّ خلاصه. ينظر: «لسان العرب» (١٣٦٤) .\n(٢) هو واد في طريق الطائف يخرج إلى عرفات. ينظر: «لسان العرب» (٤٤٨٤) (نعم) .\n(٣) المأزم: كل طريق ضيق بين جبلين، ومنه سمي الموضع الذي بين المشعر وعرفة مأزمين.\nينظر: «لسان العرب» (٧٤) (أزم) .\n(٤) ومحسّر: بضم الميم، وفتح الحاء، بعدها سين مهملة مشددة مكسورة، بعدها راء، كذا قيده البكري:\nوهو واد بين «مزدلفة» و«منى»، وقيل: سمي بذلك لأن فيل أصحاب الفيل حسّر فيه، أي: أعيا. وقال البكري: هو واد ب «جمع» . وقال الجوهري: هو موضع ب «منى» . ينظر: «المطلع» (١٩٦- ١٩٧) .\n(٥) أخرجه الطبري في «التفسير» (٢/ ٢٩٨) رقم (٣٧٩٨)، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٢٧٤)، والسيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٤٠١)، وعزاه إلى وكيع، وابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس.\n(٦) المشعر الحرام، بفتح الميم، قال الجوهري: وكسر الميم لغة، وهو موضع معروف ب «مزدلفة»، ويقال له: «قزح» . وقد تقدم أن المشعر الحرام و«قزح»، من أسماء المزدلفة، فتكون «مزدلفة» كلها سميت بالمشعر الحرام، و«قزح»، تسمية للكل باسم البعض، كما سمي المكان كله: «بدرا» باسم ماء به، ويقال له: «بدر» . ينظر: «المطلع» (١٩٧) .\n(٧) بضم العين، وفتح الراء والنون بين عرفة والمزدلفة. وكل طريق بين جبلين فهو مأزم، وموضع الحرب أيضا: مأزم. قال الجوهري: ومنه سمي الموضع الذي بين المشعر الحرام وعرفة: مأزمين.\nينظر: «المطلع» (١٩٦) .\n(٨) بدون الاستثناء لعرفة ومحسر: أخرجه: مسلم (٢/ ٨٨٦: ٨٩٢) كتاب «الحج»، باب حجة النبي ﷺ، حديث (١٤٧/ ١٢١٨)، وغيره من حديث جابر في حديثه الطويل في صفة حج النبي ﷺ، المعروف من رواية محمد بن علي، عن جابر. -","vol":"1","page":418},{"text":"_________\n- وفي حديث آخر له أيضا من رواية عطاء عنه: أخرجه أبو داود (٢/ ٤٧٨، ٤٧٩)، كتاب «المناسك» (الحج)، باب الصلاة بجمع، حديث (١٩٣٧)، وأحمد (٣/ ٣٢٦)، والدارمي (٢/ ٥٦- ٥٧)، كتاب «المناسك»، باب عرفة كلّها موقف، والبيهقي (٥/ ١٢٢)، كتاب «الحج»، باب حيث ما وقف من «المزدلفة» أجزأه.\nولفظه، أن رسول الله ﷺ قال: «كل عرفة موقف، وكل مزدلفة موقف، ومنى كلها منحر، وكل فجاج مكة طريق ومنحر» .\nوورد أيضا من حديث علي: أخرجه أبو داود (٢/ ٤٧٨)، كتاب «المناسك» (الحج)، باب الصلاة بجمع (١٩٣٥)، والترمذي (٣/ ٢٣٢)، كتاب «الحج»، باب ما جاء أن عرفة كلها موقف، حديث (٨٨٥)، وابن ماجة (٢/ ١٠٠١)، كتاب «المناسك»، باب الموقف بعرفات، حديث (٣٠١٠)، والبيهقي (٥/ ١٢٢)، كتاب «الحج»، باب حيث ما وقف من «المزدلفة» أجزأه، وأحمد (١/ ٧٦) .\nوقال الترمذي: حسن صحيح.\nأما بزيادة الاستثناء المذكور، فورد من حديث جبير بن مطعم، وجابر، وابن عباس، وأبي هريرة، وحبيب بن حماشة، وابن عمر.\nحديث جبير بن مطعم:\nأخرجه أحمد (٤/ ٨٢)، والبزار (٢/ ٢٧)، كتاب «الحج»، باب عرفة كلها موقف، حديث (١١٢٦)، والطبراني (٢/ ١٣٨)، رقم (١٥٨٣)، وابن حبان في «موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان للهيثمي» (ص ٢٤٩)، كتاب «الحج»، باب ما جاء في الوقوف بعرفة والمزدلفة، حديث (١٠٠٨)، والبيهقي (٥/ ٢٣٩)، كتاب «الحج»، باب النحر يوم النحر، وأيام منى كلها، وابن حزم في «المحلى» (٧/ ١٨٨) عنه، قال رسول الله ﷺ: «كل عرفات موقف، وارفعوا عن عرنة، وكل مزدلفة موقف، وارفعوا عن محسر، وكل فجاج منى منحر، وكل أيام التشريق ذبح» .\nوالحديث ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٣/ ٢٥٤)، وقال: رواه أحمد، والبزار، والطبراني في «الكبير» .... ورجاله موثقون. اهـ. وصححه ابن حبان.\nوحديث جابر:\nأخرجه ابن ماجه (٢/ ١٠٠٢)، كتاب «المناسك»، باب الموقف بعرفات، حديث (٣٠١٢)، من طريق القاسم بن عبد الله العمري، ثنا محمد بن المنكدر، عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ: «كل عرفة موقف، وارتفعوا عن بطن عرنة، وكل المزدلفة موقف، وارتفعوا عن بطن محسر، وكل منى منحر إلا ما وراء العقبة» .\nقال الحافظ البوصيري في «الزوائد» (٣/ ٢٧): هذا إسناد ضعيف القاسم بن عبد الله بن عمر قال فيه أحمد بن حنبل: كان كذابا يضع الحديث، ترك الناس حديثه. وقال البخاري: سكتوا عنه. وقال أبو حاتم، وأبو زرعة، والنسائي: متروك الحديث اهـ.\nوذكره مالك في «الموطأ» (١/ ٣٨٨) كتاب «الحج»، باب الوقوف بعرفة والمزدلفة (١٦٦) بلاغا.\nوللحديث طريق آخر عن محمد بن المنكدر مرسلا.\nأخرجه البيهقي (٥/ ١١٥) كتاب «الحج»، باب حيث ما وقف من عرفة أجزأه من طريق عبد الوهاب بن عطاء، عن ابن جريج قال: أخبرني محمد بن المنكدر به. -","vol":"1","page":419},{"text":"الزُّبَيْرِ «١» في خطبته، وذِكْرُ اللَّه تعالى عند المشعر\n_________\n- حديث ابن عباس:\nأخرجه الحاكم (١/ ٤٦٢)، كتاب «المناسك»، والبيهقي (٥/ ١١٥)، كتاب «الحج»، باب حيث ما وقف من عرفة أجزأه، من طريق سفيان بن عيينة، عن زياد بن سعد، عن أبي الزبير، عن أبي معبد، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «عرفة كلها موقف، وارفعوا عن بطن عرنة، والمزدلفة كلها موقف، وارفعوا عن بطن محسر، وشعاب منى كلها منحر» .\nوقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، وشاهده على شرط الشيخين صحيح، إلا أن فيه تقصيرا في سنده، ثم أخرجه من طريق يحيى القطان، عن ابن جريج، أخبرني عطاء، عن ابن عباس قال: كان يقال: «ارتفعوا عن محسر، وارتفعوا عن عرفات» .\nحديث أبي هريرة:\nأخرجه ابن عدي في «الكامل» (٧/ ٢٧١٦)، من جهة يزيد بن عبد الملك النوفلي، عن داود بن فراهج، عنه، والنوفلي ضعيف.\nقال الذهبي في «المغني» (٢/ ٧٥١): مجمع على ضعفه.\nوله طريق صحيح، ذكره ابن عبد البر كما في «تلخيص الحبير» (٢/ ٢٥٥)، رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن محمد بن المنكدر عن أبي هريرة به.\nحديث حبيب بن خماشة:\nأخرجه الحارث بن أبي أسامة (٣٨٠- بغية)، في «مسنده»، قال: حدثنا محمد بن عمر، ثنا صالح بن خوات، عن يزيد بن رومان، عن حبيب بن عمير بن عدي، عن حبيب بن خماشة الجهني، قال:\nسمعت رسول الله ﷺ يقول بعرفة: «عرفة كلها موقف إلا بطن عرنة، والمزدلفة كلها موقف إلا بطن محسر»، وذكره الحافظ في «التلخيص» (٢/ ٢٥٥)، وقال: رواه ابن قانع في «معجم الصحابة»، وفي إسناده الواقدي، وهو كذاب.\nحديث ابن عمر: أخرجه ابن عدي (٤/ ١٥٨٩، ١٥٩٠)، وفيه عبد الرحمن بن عبد الله العمري.\nتركوه، واتهمه بعضهم. وقال الحافظ: متروك.\nينظر: «المغني» للذهبى (٢/ ٣٨٢)، و«التقريب» (١/ ٤٨٧- ٤٨٨) . [.....]\n(١) هو: عبد الله بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى ... أبو بكر. وقيل أبو خبيب الأسدي. القرشي.\nولد عام الهجرة، وهو أول مولود للمسلمين بعد الهجرة. من مشاهير الصحابة وفضلائهم، وسيرته شهيرة مع الحجاج بن يوسف الثقفي، وكان قد حفظ عن النبي ﷺ، وعن أبيه، وعن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وخالته عائشة أم المؤمنين، وغيرهم، وهو أحد الشجعان.\nتوفي في جمادى الأولى سنة (٧٣) هـ.\nينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (٣/ ٢٤٢)، «الإصابة» (٤/ ٦٩)، «الثقات» (٣/ ٢١٢)، «الاستيعاب» (٣/ ٩٥)، «الاستبصار» (٧٣)، «صفة الصفوة» (٩/ ١١٧)، «التاريخ الكبير» (٣/ ٦)، «الجرح والتعديل» (٥/ ٥٦)، «التاريخ الصغير» (١/ ١٥٩)، «التاريخ لابن معين» (٢/ ٤٩)، «تهذيب الكمال» (٢/ ٦٨٢)، «غاية النهاية» (١/ ٤١٩)، «الأعلام» (٤/ ٨٧)، «الرياض المستطابة» (٢٠١)، «رياض النفوس» (١/ ٤٢)، «حلية الأولياء» (١/ ٣٢٩)، «شذرات الذهب» (١/ ٤٢)، «العبر» (١/ ٤، ٦٠) .","vol":"1","page":420},{"text":"الحرام «١» ندْبٌ عند أهل العلْم، قال مالك: ومن مَرَّ به، ولم ينزلْ، فعليه دَمٌ.\nوقوله تعالى: وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ تعديد للنعمة، وأمر بشكرها.\nص: كَما هَداكُمْ: الكاف للتشبيهِ، وهو في موضع نصْبٍ على النعت لمصدرٍ محذوفٍ، و«مَا» مصدريةٌ، أي: كهدايتِهِ، فتكون «مَا» وما بعدها في موضع جَرٍّ، إِذ يَنْسَبِكُ منْها مع الفعل مصْدَرٌ، ويَحتملُ أن تكون للتعليلِ على مذهب الأخفش، وابن بَرْهَانَ «٢»، وجوَّز ابن عطيَّة وغيره، أنْ تكون «مَا» كافَّة للكاف عن العَمَل، والأول أولى «٣» لأن فيه إِقرار الكافِ على عملها الجرّ، وقد منع صاحبُ «المستوفى» «٤» أنْ تكون الكافُ مكفوفةً ب «مَا» واحتج من أثبته بقوله: [الوافر]\nلَعَمْرُكَ إِنَّنِي وَأَبَا حُمَيْدٍ ... كَمَا النِّسْوَانُ وَالرَّجُلُ الْحَلِيمُ\nأُريدُ هِجَاءَهُ وَأَخَافُ رَبِّي ... وَأَعْلَمُ أَنَّهُ عبد لئيم\n«٥» انتهى.\n_________\n(١) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٢٧٤) .\n(٢) عبد الواحد بن عليّ بن عمر بن إسحاق بن إبراهيم بن برهان أبو القاسم الأزديّ العكبري النّحوي.\nصاحب العربيّة واللغة والتواريخ وأيّام العرب، قرأ على عبد السلام البصريّ وأبي الحسن وكان أوّل أمره منجما فصار نحويّا، وكان حنبليّا فصار حنفيّا. مات في جمادى الآخرة سنة ست وخمسين وأربعمائة.\nينظر: «بغية الوعاة» (٢/ ١٢٠- ١٢١) .\n(٣) ينظر: «البحر المحيط» (٢/ ١٠٦)، و«الدر المصون» (١/ ٤٩٥) .\n(٤) «المستوفى» في النحو، قال السيوطي في «بغية الوعاة» (٣٥٥): «أكثر أبو حيان من النقل عنه» . وهو لأبي سعد كمال الدين علي بن مسعود بن محمود بن الحكم الفرّخان القاضي. وفي «كشف الظنون» أنه علي بن مسعود الفرغاني. لكن قال السيوطي: «كذا، وسماه هكذا ابن مكثوم في «تذكرته» .\n(٥) البيتان لزياد الأعجم في ديوانه (ص ٩٧) و«الجنى الداني» (ص ٤٨١) و«شرح شواهد المغني» (ص ٥٠١) و«المقاصد النحوية» (٣/ ٣٤٨) وبلا نسبة في «مغني اللبيب» (١/ ١٧٨)، «خزانة الأدب» (١٠/ ٢٠٦- ٢٠٨)، «العيني» (٣/ ٤٨)، و«شرح أبيات المغني» للبغدادي (٤/ ١٢٥- ١٢٦)، و«الدر المصون» (١/ ٤٩٥) .\nويروي البيت الثاني هكذا:\nأريد حباءه ويريد قتلي ... واعلم أنه الرجل اللئيم\nوبعده:\nفإن الخمر من شر المطايا ... كما الحفظان شربني تميم\nوالنشوان: السكران. والنشوة: السكر. والحليم: الذي عنده تأن.\nوتحمّل لما يثقل على النفس. يقول: أنا وأبو حميد كالسّكران والحليم، أتحمّل منه وهو يعبث بي.\nكالسّكران يسفه على الحليم وهو متحمّل. وهذا تشبيه تمثيلي. شبّه حالته معه بحالة الحليم مع السّكران.\nينظر: «خزانة الأدب» (١٠/ ٢٠٩) .","vol":"1","page":421},{"text":"ثم ذكّرهم سبحانه بحالِ ضلالهم ليظهر قدر إِنعامه عليهم.\nوَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ، أي: من قبل الهدى.\nوقوله سبحانه: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ المخاطب بهذه الآيةِ قريشٌ، ومن وَلَدَتْ، قاله ابن عبَّاس وغيره «١»، وذلك أنهم كانوا لا يخرجُونَ من الحَرَم، ويَقِفُون بجَمْعٍ، ويفيضون منْه، مع معرفته أنَّ عرفة هي موقفُ إِبراهيم، فقِيلَ لهم: أفيضُوا من حيثُ أفاضَ النَّاس، أي: من عرفة، و«ثُمَّ» ليست في هذه الآية للترتيبِ، إِنما هي لعطف جملة كلامٍ على جملة هي منها منقطعةٌ.\nوقال الضَّحَّاك: المخاطب بالآيةِ جملةُ الأمَّة، والمرادُ بالناسِ إبراهيم، ويحتملُ أن تكون إِفاضةً أخرى، وهي التي من المزدلفة «٢»، وعلى هذا عوَّل الطَبريُّ «٣»، فتكون «ثُمَّ» على بابها، وقرأ سعيدُ بن جُبَيْر: «النَّاسِي» «٤»، وتأوَّله آدم﵇-، وأمر ﷿ بالاستغفار لأنها مواطنه، ومظَانُّ القبولِ، ومساقطُ الرحْمَةِ، وفي الحديث أنّ رسول الله ﷺ خَطَب عشيَّة عَرَفَةَ، فقال: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللَّهَ ﷿ تَطَاوَلَ عَلَيْكُمْ فِي مَقَامِكُمْ هَذَا، فَقَبِلَ مِنْ مُحْسِنِكُمْ وَوَهَبَ مُسِيئَكُمْ لِمُحْسِنِكُمْ، إِلاَّ التَّبِعَاتِ فِيمَا بَيْنَكُمْ، أَفِيضُوا عَلَى اسم اللَّهِ»، فَلَمَّا كَانَ غَدَاةَ جَمْعٍ، خَطَبَ، فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللَّهَ تَطَاوَلَ عَلَيْكُمْ، فَعَوَّضَ التّبعات من عنده» «٥» .\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «التفسير» (٢/ ٣٠٧)، وذكره البغوي في «معالم التنزيل» (١/ ١٧٥)، وابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٢٧٥) .\n(٢) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٢٧٥) .\n(٣) الطبري لم يصرح بموافقته لتأويل الضحاك، وإنما احترز بوجود الإجماع على خلافه، ولولا الإجماع لقال بقوله. ينظر: «جامع البيان» (٤/ ١٩٠- ١٩١) .\n(٤) واستدل بها أبو الفتح على أن لام التعريف تدخل على الأعلام للذم كما تدخلها للمدح، فمن الأول قولهم: فلان بن الصّعق لأن ذلك داء ناله، فهى بلوى. ومن الثاني: المظفر، والعباس ونحوهما.\nينظر: «المحتسب» (١/ ١١٩)، و«الشواذ» (ص ٢٠)، و«المحرر الوجيز» (١/ ٢٧٦)، و«البحر المحيط» (٢/ ١٠٩)، و«الدر المصون» (١/ ٤٩٧) .\n(٥) ذكر ابن الجوزي في «الموضوعات» (٢/ ٢١٥) أحاديث بهذا المعنى عن أنس، وابن عمر، وعبادة.\nوقال: ليس في هذه الأحاديث شيء يصح.","vol":"1","page":422},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-171>[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٠٠ الى ٢٠٢]</span>\nفَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ (٢٠٠) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ (٢٠١) أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ (٢٠٢)\nوقوله تعالى: فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ/ ... الآية.\nقال مجاهد: المناسكُ: الذبائحُ، وهي إِراقة الدِّماء «١» .\nع «٢»: والمناسكُ عندي العباداتُ في معالمِ الحجِّ، ومواضع النسك فيه.\nوالمعنى: إِذا فرغتُمْ من حجِّكم الذي هو الوقوفُ بعرفة، فاذكروا اللَّه بمحامده، وأثْنُوا عليه بآلائه عندكم، وكانت عادَةُ العَرَبِ، إِذا قَضَتْ حجَّها، تقفُ عند الجَمْرة تتفاخَرُ بالآباء، وتذكر أيام أسلافها من بَسَالةٍ، وكَرَم، وغير ذلك، فنزلَتِ الآية، أنْ يُلْزِموا أنفسهم ذكر الله تعالى أكثر من التزامهم ذكر آبائهم بأيامِ الجاهلية، هذا قول جمهور المفسِّرين «٣» .\nوقال ابن عبَّاس، وعطاء: معنى الآيةِ: واذكروا اللَّه كذكر الأطفال آباءهم، وأمهاتهمْ، أي: فاستغيثوا به، والْجئوا إِليه «٤» .\nقال النوويُّ في «حليته» «٥»: والمرادُ من الذِّكْر حضورُ القَلْب، فينبغي أن يكون هو مقصودَ الذاكر، فيحرص على تحصيله، ويتدبَّر ما يذكر، ويتعقَّل معناه، فالتدبُّر في الذكْر مطلوبٌ كما هو مطلوب في القراءة لاشتراكهما في المعنَى المقصود، ولهذا كان المذهبُ الصحيحُ المختارُ استحبابَ مَدِّ الذاكرِ قوله: «لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ»، لما فيه من التدبُّر، وأقوالُ السلفِ، وأئمةِ الخَلَف في هذا مشهورةٌ. انتهى.\nقال الشيخُ العارفُ أبو عبد اللَّه محمَّد بن أحمد الأنصاريُّ الساحليُّ المَالقِيُّ: ومنفعةُ الذكْرِ أبدًا إِنما هي تَتْبع معناه بالفكْرِ ليقتبس الذاكِرُ من ذُكْرِهِ أنوار المعرفة، ويحصل على\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٢/ ٣٠٧) رقم (٣٨٤٨)، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٢٧٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٤١٦)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير عن مجاهد.\n(٢) «المحرر الوجيز» (١/ ٢٧٦) .\n(٣) ينظر: «معاني الزجاج» (١/ ٢٦٢)، و«الرازي» (٥/ ١٨٣)، و«الدر» (١/ ٢٣٢)، و«الوسيط» (١/ ٣٠٦) . [.....]\n(٤) أخرجه الطبري (٢/ ٣٠٩) برقم (٣٨٦٧)، وذكره البغوي (١/ ١٧٦)، وابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٢٧٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٤١٧) .\n(٥) «حلية النووي» (ص ٤٠) .","vol":"1","page":423},{"text":"اللُّبِّ المراد، ولا خير في ذِكْرٍ مع قَلْبٍ غافلٍ ساهٍ، ولا مع تضْييعِ شيءٍ من رسوم الشرعِ، وقال في موضعٍ آخر من هذا الكتاب الذي ألَّفه في «السُّلوك»: ولا مَطْمع للذَّاكر في دَرْكِ حقائقِ الذِّكْرِ إِلا بإِعمال الفكْر فيما تحْت ألفاظ الذكْر من المعانِي، وليدفع خَطَرات نفْسه عن باطنه راجِعًا إِلى مقتضى ذكْره حتى يغلب معنى الذكْر على قلبه، وقد آن له أنْ يدخل في دائرة أهْل المحاضَرَات. انتهى.\nوقوله تعالى: فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا ... الآية: قال أبو وائلٍ وغيره: كانت عادتهم في الجاهلية الدُّعَاءَ في مصالحِ الدنْيا فقطْ إذ كانوا لا يعرفون الآخرةَ، فَنُهُوا عن ذلك الدعاءِ المخصوصِ بأمر الدنيا، وجاء النهْيُ في صيغة الخبر عنه، والخَلاَقُ: الحظُّ، والنصيبُ «١» .\nقال الحسنُ بْنُ أبي الحَسَن: حَسَنَةُ الدنيا: العلْمُ والعبَادة «٢» .\nع «٣»: واللفظ أَعمُّ من هذا، وحَسَنةُ الآخِرة الجنَّة بإِجماع، وعن أنس: قال:\nكان أكثر دعاء النبيّ ﷺ: «رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ» رواه البخاريُّ ومسلم وغيرهما «٤»، زاد مسلمٌ: «وكَانَ أَنَسٌ، إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ بِدُعَاءٍ دَعَا بِهَا فِيهِ» . انتهى.\nأُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وعْدٌ على كسْب الأعمال الصالحة، والربُّ سبحانه سريعُ الحسابِ لأنه لا يحتاجُ إِلى عقْد، ولا إِعمال فكْر، قيل لعليٍّ﵁-:\nكيف يحاسِبُ اللَّه الخلائِقَ في يَوْمٍ، فقال: كما يَرْزُقُهُمْ فِي يومٍ، وقيل: الحسابُ هنا:\nالمجازاتُ.\nوقيل: معنى الآية: سريعُ مجيءِ يومِ الحسابِ، فيكون المقصد بالآية الإنذار بيوم القيامة.\n_________\n(١) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٢٧٦) .\n(٢) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٢٧٦) .\n(٣) «المحرر الوجيز» (١/ ٢٧٧) .\n(٤) أخرجه البخاري (١١/ ١٩٥)، كتاب «الدعوات»، باب قول النبي ﷺ: «ربنا آتنا في الدنيا حسنة» حديث (٦٣٨٩)، ومسلم (٤/ ٢٠٧٠- ٢٠٧١) كتاب «الذكر والدعاء»، باب فضل الدعاء بأللهم آتنا في الدنيا حسنة، حديث (٢٦، ٢٧/ ٢٦٩٠) .","vol":"1","page":424},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-172>[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٠٣ الى ٢٠٥]</span>\nوَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٠٣) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ (٢٠٤) وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ (٢٠٥)\nوقوله تعالى: وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ. أَمَرَ اللَّه سبحانه بذكْره في الاْيام المعدوداتِ/، وهي الثلاثة الَّتي بعد يَوْم النحر، ومن جملة الذكر التكبير في إثر الصّلوات. ٥١ ب قال مالك: يكبِّر من صلاة الظُّهْر يوم النَّحْر إِلى صلاة الصُّبْح من آخر أيام التَّشْريق، وبه قال الشافعيُّ، ومشهور مذهبِ مالكٍ، أنه يكبِّر إِثْر كلِّ صلاةٍ ثلاثَ تكْبيراتٍ.\nومن خواصِّ التكبير وبركتِهِ ما رواه ابن السُّنِّيِّ، بسنده، عَن عَمْرِو بْنِ شُعَيْب، عن أَبِيهِ، عَنْ جَدِّه، قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا رَأَيْتُمُ الحَرِيقَ، فَكَبِّرُوا فَإِنَّ التَّكْبِيرَ يُطْفِئُهُ» «١» انتهى من «حلية النوويِّ» «٢» .\nوقوله تعالى: فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ ... الآية: قال ابنُ عبَّاس وغيره: المعنى:\nمن نَفَر اليوم الثَّاني من الأيام المعدوداتِ، فلا حرج عليه، ومن تأخَّر إِلى الثالث، فلا إِثم عليه، كلُّ ذلك مباحٌ إِذ كان من العربِ مَنْ يذمُّ المتعجِّل وبالعكْس، فنزلَتِ الآية رافعةً للجُنَاحِ «٣» . قُلْتُ: وأهل مكة في التعجيلِ كغيرهم على الأصحِّ.\nثم أمر سبحانه بالتقوى، وذكَّر بالحَشْر، والوقوفِ بين يَدَيْهِ.\nوقوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ... الآية.\nقال السُّدِّيُّ: نزلَتْ في الأخْنَسِ بْنِ شريقٍ: أظهر الإِسلام، ثم هَرَب، فمرَّ بقومٍ من المسلمين، فأحرق لهم زرعًا، وقتل حُمُرًا «٤» .\nقال ع «٥»: ما ثبت قطُّ أن الأخنس أسلم، قُلْتُ: وفي ما قاله ع: نظر،\n_________\n(١) أخرجه ابن السني في «عمل اليوم والليلة» حديث (٢٩٥)، والعقيلي في «الضعفاء» (٢/ ٢٩٦)، من طريق عمرو بن شُعَيْب، عن أبيه عن جَدِّه مرفوعا.\n(٢) «حلية النووي» (ص ٣٣٢) .\n(٣) أخرجه الطبري (٢/ ٣١٨- ٣٢١) برقم (٣٩٣١- ٣٩٥٧) .\nوذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٢٧٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٤٢٣) .\n(٤) أخرجه الطبري (٢/ ٣٢٤) رقم (٣٩٦٤)، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٢٧٩)، والسيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٤٢٧)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن السدي.\n(٥) «المحرر الوجيز» (١/ ٢٧٩) .","vol":"1","page":425},{"text":"ولا يلزم من عدم ثبوتِهِ عِنْده ألاَّ يثبت عنْد غيره، وقد ذكر أحمدُ بن نصرٍ الدَّاووديُّ في تفسيره أنَّ هذه الآية نزلَتْ في الأخْنَس بْنِ شريق. انتهى، وسيأتي للطبريِّ نحوه.\nوقال قتادةُ، وجماعة: نزلَتْ هذه الآيةُ في كل مُبْطِن كُفْرٍ، أو نفاقٍ، أو كذبٍ، أو ضرارٍ، وهو يظهر بلسانه خلافَ ذلك، فهي عامَّة «١»، ومعنى: وَيُشْهِدُ اللَّهَ، أي:\nيقول: اللَّه يعلم أنِّي أقول حقًّا، والأَلَدُّ: الشديدُ الخصومةِ الذي يَلْوِي الحجج في كل جانبٍ، فيشبه انحرافُه المَشْيَ في لَدِيديِ «٢» الوادي.\nوعنه ﷺ: «أبغض الرّجال إلى الله الألدّ الخصم» .\nوتَوَلَّى وسَعى: يحتمل معنيين:\nأحدهما: أن يكونا فِعْلَ قَلْبٍ، فيجيء «تولى» بمعنى: ضَلَّ وغَضِبَ وأنف في نَفْسه، فسعى بِحِيَلِهِ وإِدارته الدوائر علَى الإِسلام نحا هذا المنحى في معنى الآية ابْنُ جُرَيْج، وغيره.\nوالمعنى الثاني: أن يكونا فِعْلَ شخصٍ، فيجيء «تَوَلَّى» بمعنى: أدبر ونَهَض وسعى، أي: بقدميه، فقطع الطريقَ وأفسدها، نحا هذا المنحَى ابن عبَّاس وغيره.\nوقوله تعالى: وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ: قال الطبريُّ «٣»: المراد الأخنَسُ في إِحراقه الزرْعَ، وقتلِهِ الحُمُرَ.\nقال ع «٤»: والظاهر أن الآية عبارةٌ عن مبالغته في الإِفساد.\nولا يُحِبُّ الْفَسادَ معناه: لا يحبُّه من أهل الصَّلاح، أو لا يحبُّه دِينًا، وإِلا فلا يقع إِلاَّ ما يحبُّ اللَّه وقوعه، والفسادُ: واقعٌ، وهذا على ما ذهب إِليه المتكلِّمون من أنَّ الحُبَّ بمعنى الإِرادة.\nقال ع «٥»: والحُبُّ له على الإِرادة مزيَّة إِيثارٍ إِذ الحبّ من الله تعالى إنما هو\n_________\n(١) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٢٧٩) .\n(٢) اللّديدان: جانبا الوادي. كل واحد منهما لديد. ينظر: «لسان العرب» (٤٠١٩) .\n(٣) «جامع البيان» (٤/ ٢٣٨) . [.....]\n(٤) «المحرر الوجيز» (١/ ٢٨٠) .\n(٥) «المحرر الوجيز» (١/ ٢٨١) .","vol":"1","page":426},{"text":"لما حسن من جميع جهاته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-173>[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٠٦ الى ٢١٠]</span>\nوَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ (٢٠٦) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (٢٠٧) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨) فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٠٩) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٢١٠)\nوقوله تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ ... الآية: هذه صفة الكَافِرِ والمنافقِ الذاهِبِ بنَفْسِهِ زَهْوًا، ويحذر المؤمن أن يوقعه الحَرَجُ في نحو هذا، وقد قال بعْضُ العلماءِ: كفى بالمرء إِثمًا أنّ يقول له أخُوهُ: اتق اللَّهَ، فيقول له: عَلَيْكَ نَفْسَكَ، مِثْلُكَ يُوصِينِي. قلت:\nقال أحمد بن نصر الداوديّ: عن ابن مسعودٍ: من أكبر/ الذنبِ أنْ يقال للرجل: اتق ٥٢ أالله، فيقول: عليك نفسك، أنت تأمرني «١» . انتهى.\nوالْعِزَّةُ هنا: المنعة، وشدَّة النفْس، أي: اعتز في نفسه، فأوقعته تلك العزةُ في الإِثم، ويحتمل المعنى: أخذته العزّة مع الإثم.\nوفَحَسْبُهُ، أي: كافيه، والْمِهادُ: ما مهد الرجلُ لنفسه كأنه الفراشُ.\nوقوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ... الآية: تتناول كلَّ مجاهدٍ في سبيل اللَّهِ، أو مستشهدٍ في ذاته، أو مغيِّر منْكَرٍ، وقيل: هذه الآية في شهداء غزوة الرَّجِيعِ «٢»:\nعاصمِ بْنِ ثَابِتٍ «٣»، وخُبَيْب «٤»، وأصحابِهِمَا، وقال عكرمةُ وغيره: هي في طائفة من\n_________\n(١) ذكره البغوي في «معالم التنزيل» (١/ ١٨٠)، والسيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٤٣٠)، وعزاه لوكيع، وابن المنذر، والطبراني، والبيهقي في «الشعب» عن ابن مسعود.\n(٢) والرّجيع (بفتح الراء وكسر الجيم) هو في الأصل: اسم للروث، سمي بذلك لاستحالته. والمراد هنا اسم موضع من بلاد هذيل، كانت الوقعة بقرب منه، فسميت به. ينظر: «فتح الباري» (٨/ ١٣١) .\n(٣) عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح.\nواسم أبي الأقلح قيس بن عصمة بن النّعمان بن مالك بن أميّة بن صبيعة بن زيد بن مالك بن عمرو بن عوف الأنصاريّ. جدّ عاصم بن عمرو بن الخطاب لأمّه، من السّابقين الأولين من الأنصار.\nينظر: «الإصابة» (٣/ ٤٦٠) .\n(٤) خبيب بن عدي: بن مالك بن عامر بن مجدعة بن جحجبى بن عوف بن كلفة بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس الأنصاريّ الأوسيّ.\nشهد بدرا واستشهد في عهد النبيّ ﷺ. ينظر: «الإصابة» (٢/ ٢٢٥) .","vol":"1","page":427},{"text":"المهاجرين، وذكروا حديث صهيب «١» .\nويَشْرِي: معناه يبيعُ ومنه وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ [يوسف: ٢٠]، وحكى قوم أنه يقالُ: شرى بمعنى اشترى، ويحتاجُ إِلى هذا من تأوَّل الآية في صُهَيْبٍ لأنه اشترى نفْسَه بمالِهِ.\nوقوله تعالى: وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ ترجيةٌ تقتضي الحضَّ على امتثال ما وقع به المدْحُ في الآية كما أن قوله سبحانه: فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ تخويفٌ يقتضي التحذيرَ ممَّا وقع به الذمُّ في الآية، ثم أمر تعالى المؤمنين بالدخولِ في السِّلْم، وهو الإِسلام، والمُسَالمة، وقال ابن عبَّاس: نزلَتْ في أهل الكتابِ، والألف واللام في الشيطانِ للجنْسِ» .\nوعَدُوٌّ: يقع للواحدِ، والاثنينِ، والجمعِ، وقوله تعالى: فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ ... الآية: أصل الزلل في القدم، ثم يستعمل في الاعتقادات، والآراء، وغير ذلك، والمعنى: ضللتم، والْبَيِّناتُ محمّد ﷺ وآياته، ومعجزاته، إِذا كان الخطابُ أوَّلًا لجماعةِ المؤمنين، وإِذا كان الخطابُ لأهل الكتاب، فالبيناتُ ما ورد في شرائعهم من الإِعلام بمحمَّد ﷺ، والتعريف به.\nوعَزِيزٌ: صفة مقتضيةٌ أنَّه قادرٌ عليكم لا تعجزونَهُ، ولا تمتنعون منه، وحَكِيمٌ، أي: مُحْكِمٌ فيما يعاقبكم به لِزَلَلِكُمْ.\nوقوله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ، أيْ: ينتظرون، والمراد هؤلاء الذين يزلُّون، والظُّلَلُ:\nجمع ظُلَّة، وهي ما أظَلَّ من فوق، والمعنى: يأتيهم حكم اللَّه، وأمره، ونهيه، وعقابه إِياهم.\nوذهب ابن جُرَيْج وغيره إِلى أن هذا التوعُّد هو مما يقع في الدنيا «٣»، وقال قومٌ:\nبل هو توعُّد بيوم القيامة «٤»، وقال قوم: إِلا أن يأتيهم الله وعيد بيوم القيامة «٥» .\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٢/ ٣٣٣) برقم (٤٠٠٤)، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٢٨١)، والسيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٤٣٠) وعزاه لابن جرير الطبري.\n(٢) أخرجه الطبري (٢/ ٣٣٧) برقم (٤٠٢٠)، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٢٨٢) والسيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٢١٠) وعزاه لابن جرير. من طريق ابن جريج، عن ابن عباس.\n(٣) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٢٨٣) .\n(٤) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٢٨٣) .\n(٥) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٢٨٣) .","vol":"1","page":428},{"text":"وأما الْمَلائِكَةُ، فالوعيد بإِتيانهم عنْدَ المَوْت والغمامُ: أرقُّ السحابِ، وأصفاه وأحسنه، وهو الذي ظُلِّلَ به بنو إِسرائيل.\nوقال النَّقَّاش: هو ضَبَابٌ أبيض، وقُضِيَ الأمرُ: معناه وقع الجزاء، وعُذِّبَ أهل العصيان، وقرأ معاذ بن جَبَلٍ «١»: «وقضاء الأمر» .\nوإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ: هي راجعةٌ إِليه سبحانه قَبْل وبَعْد، وإِنما نبه بذكْر ذلك في يَوْم القيامة على زوالِ ما كان منها إلى الملوك في الدنيا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-174>[سورة البقرة (٢): الآيات ٢١١ الى ٢١٢]</span>\nسَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٢١١) زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٢١٢)\nوقوله سبحانه: سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ ... الآية: معنى الآية: توبيخُهم على عنادهم بعد الآياتِ البيِّناتِ، والمراد بالآيةِ: كم جاءَهُمْ في أمر محمّد ﷺ من آية معرّفة به دالّة عليه، ونِعْمَةَ اللَّهِ: لفْظٌ عامٌّ لجميع إِنعامه ولكنْ يقوِّي من حال النبيّ ﷺ معهم أنَّ المشار إِليه هنا هو محمَّد ﷺ فالمعنى: ومن يبدِّلْ من بني إِسرائيل صفةَ نعمة اللَّه، ثم جاء اللفظ منسحبًا على كلِّ مبدِّل نعمةً للَّه، ويدخل في اللفظ كفّار قريش/، والتوراة أيضا نعمة ٥٢ ب على بني إِسرائيل، فبدَّلوها بالتحريفِ لها، وجَحْدِ أمر محمّد ﷺ، فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ: خبرٌ يتضمنُ الوعيد.\nوقوله تعالى: زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا ... الآية: الإِشارة إِلى كفار قريشٍ لأنهم كانوا يعظمون حالهم من الدنيا، ويغتبطون بها، ويسخرون من أتْبَاعِ النبيِّ ﷺ كبلالٍ «٢»، وصُهَيْبٍ، وابنِ مَسْعودٍ، وغيرهم، فذكر اللَّه قبيح فعلهم، ونبه على خفض\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٢٨٤)، و«الكشاف» (١/ ٢٥٤)، وفيه أنها عطف على «الملائكة»، وينظر: «الشواذ» (ص ٢٠) .\n(٢) بلال بن رباح. هو بلال بن حمامة. أبو عبد الرحمن. الحبشي. مؤذن النبي ﷺ قال ابن حجر: اشتراه أبو بكر الصديق من المشركين لما كانوا يعذبونه على التوحيد، فأعتقه، فلزم النبي وأذن له، وشهد معه جميع المشاهد، وآخى النبي بينه وبين أبي عبيدة بن الجراح، ثم خرج بلال بعد النبي مجاهدا. توفي ب «الشام» .\nينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (١/ ٢٤٣)، «الإصابة» (١/ ١٧٠)، «الاستيعاب» (١/ ١٧٨)، «تجريد أسماء الصحابة» (١/ ٥٦)، «التاريخ الكبير» (٢/ ١٠٦)، «الجرح والتعديل» (٢/ ٣٩٥)، «الثقات» (٣/ ٢٨)، «تهذيب الكمال» (١/ ١٤٠)، «تهذيب التهذيب» (١/ ٥٠٢)، «العبر» (١/ ٢٤)، «تقريب التهذيب» (١/ ١١٠)، «التحفة اللطيفة» (١/ ٣٨٢)، «الحلية» (١/ ١٤٧) .","vol":"1","page":429},{"text":"منزلتهم بقوله: وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ، ومعنى الفوقيَّة هنا في الدرجَةِ والقَدْر ويحتمل أن يريد أنَّ نعيم المتَّقِينَ في الآخرة فوق نعيم هؤلاء الآن. قلت: وحكى الداوديّ عن قتادة: فوقهم يوم القيامة. قال: فَوْقَهُم في الجنّة «١» . انتهى.\nومهما ذكرت الداوديّ في هذا «المختصر»، فإِنما أريد أحمد بن نَصْرٍ الفقيهَ المَالِكِيَّ، ومن تفسيره أنا أنقل. انتهى.\nفإِن تشوَّفَتْ نفسُك أيها الأخُ إِلى هذه الفوقيَّة، ونَيْلِ هذه الدرجة العَليَّة، فارفض دنياك الدنيَّة، وازهَدْ فيها بالكليَّة لتسلَمَ من كل آفة وبليَّة، واقتد في ذلك بخَيْر البريَّهْ. قال عِيَاضٌ في «شِفَاهُ» «٢»: فانظُرْ- رحمك الله- سيرة نبيّنا محمّد ﷺ وخُلُقَه في المال، تجده قد أوتي خزائنَ الأرْض [ومفاتيح البلاد، وأُحلّت له الغنائم «٣»، ولم تحلَّ لنبي قبله، وفتح عليه في حياته ﷺ بلاد الحجاز واليمن وجميع جزيرة العرب، وما دانى ذلك من الشام والعراق] «٤»، وجُبِيَتْ إِلَيْه الأخماس، [وصدقاتها ما لا يجبى «٥» للملوك إِلاَّ بعضه] «٦»، وهادَتْه جماعةٌ من الملوك، فما استأثر بشيء من ذلك، ولا أمْسَكَ دِرْهَمًا منْه، بل صرفه مصارفه، وأغنى به غيره، وقوى به المسلمين، ومات ﷺ، ودِرْعُهُ مرهُونَةٌ في نفقةِ عيَالِهِ، واقتصر من نفقته ومَلْبَسِهِ على ما تدْعُوه ضرُورتُهُ إِليه، وزهد فيما سواه، فكان- عليه\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٢/ ٣٤٦) رقم (٤٠٥٠)، وابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٢٨٥)، والسيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٤٣٤)، وعزاه لعبد الرزاق عن قتادة. [.....]\n(٢) ينظر: «الشفا» (١٢٢- ١٢٣) .\n(٣) الغنيمة في اللغة: ما ينال الرجل أو الجماعة بسعي، ومن ذلك قول الشاعر: [الوافر]\nوقد طوّفت في الآفاق حتى ... رضيت من الغنيمة بالإياب\nوتطلق الغنيمة على الفوز بالشيء بلا مشقة، ومن قولهم للشيء يحصل عليه الإنسان عفوا بلا مشقة:\n«غنيمة باردة» .\nواصطلاحا: عرفها الشافعية بأنها: مال أو مال ألحق به، كخمر محترمة، حصل لنا من كفار أصليين حربيين، مما هو لهم بقتال منا، أو إيجاف خيل ما، أو نحو ذلك.\nوعرفها الحنفية: بما نيل من أهل الشرك عنوة أي قهرا، أو غلبة والحرب قائمة.\nوعرفها المالكية: بأنها اسم لما أخذه المسلمون من الكفار بإيجاف الخيل أو الركاب.\nوعرفها الحنابلة: بأنها ما أخذ من مال حربي قهرا بقتال وما ألحق به.\nينظر: «الإقناع» للخطيب الشربيني (٢/ ٥١٧)، «أنيس الفقهاء» (١٨٣)، و«كشاف القناع» (٣/ ٧٧) .\n(٤) من «الشفا» (١/ ١٢٣) .\n(٥) يجبى: يجمع.\n(٦) من «الشفا» (١/ ١٢٣) .","vol":"1","page":430},{"text":"السلام- يلبس مَا وَجَدَ، فيلْبَسُ في الغالِبِ الشّملة، والكساء الخشن، والبرد الغليظ.\nانتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-175>[سورة البقرة (٢): الآيات ٢١٣ الى ٢١٤]</span>\nكانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤)\nوقوله تعالى: كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً ... الآية: قال ابن عبَّاس: النَّاسُ:\nالقُرُونُ التي كانَتْ بين آدم ونوح، وهي عشوة كانوا على الحَقِّ حتى اختلفوا، فبعث اللَّه تعالى نوحًا فمن بعده «١»، وقال ابنُ عبَّاس أيضًا: كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً، أي: كفارًا يريد في مدَّة نوحٍ حين بعثه اللَّه «٢» .\nوقال أُبَيُّ بن كعب، وابنُ زَيْد: المرادُ ب النَّاسُ بنو آدم حين أخرجهم اللَّه نسمًا من ظهر آدم، أي: كانوا على الفطْرة «٣»، وقيل غير هذا، وكل من قدَّر الناسَ في الآية مؤمنين، قدَّر في الكلام «فاختلفوا»، وكلُّ من قدَّرهم كفارًا، قدَّر: كانت بعثة النبيِّين إِلَيْهم.\nوالأُمَّة: الجماعة على المَقْصد، ويسمَّى الواحدُ أُمَّةٍ، إِذا كان منفردًا بمَقْصِد، ومُبَشِّرِينَ: معناه بالثواب على الطاعة، ومُنْذِرِينَ: بالعقاب، والْكِتابَ: اسم الجنس، والمعنى: جميع الكتب، ولِيَحْكُمَ: مسند إِلى الكتاب في قول الجمهور، والذين أوتوه أرباب العلْم به، وخصوا بالذكْر تنبيهًا منه سبحانه على عظيم الشّنعة، والقبح، والْبَيِّناتُ: الدَّلالات، والحججُ، والبغي: التعدِّي بالباطل، وهدى: معناه أرشد،\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٢/ ٣٤٧) برقم (٤٠٥١)، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٢٨٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٤٣٥)، وعزاه إلى البزار، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم عن ابن عباس.\n(٢) ذكره البغوي في «معالم التنزيل» (١/ ١٨٦)، وابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٢٨٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٤٣٥)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم، من طريق العوفي، عن ابن عباس.\n(٣) أخرجه الطبري (٢/ ٣٤٨) برقم (٤٠٥٧)، عن ابن زيد.\nوذكره البغوي في «معالم التنزيل» (١/ ١٨٦)، عن أبي بن كعب. وابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٢٨٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٤٣٥)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم، عن أبي بن كعب.","vol":"1","page":431},{"text":"والمراد ب الَّذِينَ آمَنُوا من آمن بمحمّد ﷺ فقالتْ طائفةٌ: معنى الآية أن الأمم كَذَّب بعضهم كتابَ بعض، فَهَدَى اللَّه أمَّة محمَّد ﷺ للتصديقِ بجمِيعِهَا «١»، وقالتْ طائفة: إِن اللَّه سبحانه هَدَى المؤمنين للحَقِّ فيما اختلف فيه أهلُ الكتاب من قولهم: إنّ إبراهيم كان ٥٣ أيهوديّا أوْ نَصْرَانِيًّا «٢»، قال زيْدُ بن أسلم: وكاختلافهم في يوم الجمعة فإن النبيّ ﷺ/ قال: «هذا اليومُ الَّذي اختلفوا فيه، فهَدَانا اللَّه له، فلليهود غَدٌ، وللنصارى بَعْدَ غد، وفي صيامهمْ، وجميع ما اختلفوا «٣» فيه.\nقال الفَرَّاء: وفي الكلام قلْبٌ، واختاره الطبريُّ «٤»، قال: وتقديرُهُ: فهدَى اللَّه الذين آمنوا للحقِّ ممَّا اختلفوا فيه، ودعاه إِلى هذا التقديرِ خوْفُ أن يحتمل اللفظ أنهم اختلفوا في الحَقِّ، فهدى اللَّه المؤمنين لبَعْضِ ما اختلفوا فيه، وعَسَاه غير الحق في نَفْسه نحا إِلى هذا الطبريُّ في حكايته عن الفَرَّاء.\nقال ع «٥»\n: وادعاء القَلْب على كتابِ اللَّه دُونَ ضرورة تَدْفَعُ إِلى ذلك عَجْزٌ، وسُوء نَظَرٍ. وذلك أنَّ الكلام يتخرَّج على وجهه ورَصْفه لأن قوله: فَهَدَى يقتضي أنهم أصابوا الحَقَّ، وتم المعنى في قوله: فِيهِ، وتبيَّن بقوله: مِنَ الْحَقِّ جنسُ ما وقع الخلاف فيه، وبِإِذْنِهِ قال الزجَّاج «٦»\n: معناه بعِلْمِهِ.\nع «٧»\n: والإِذن هو العلم، والتمكين، فإِن اقترن بذلك أمرٌ، صار أقوى من الإِذن بمزية.\nوقوله تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ ... الآية: أكثر المفسرين «٨»\n_________\n(١) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٢٨٦) .\n(٢) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٢٨٦) .\n(٣) أخرجه الطبري (٢/ ٣٥١) برقم (٤٠٦٤)، وذكره البغوي في «معالم التنزيل» (١/ ١٨٧)، وابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٢٨٧)، والسيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٤٣٦)، وعزاه لابن أبي حاتم، عن زيد بن أسلم.\n(٤) «تفسير الطبري» (٤/ ٢٨٦) .\n(٥) «المحرر الوجيز» (١/ ٢٨٧) .\n(٦) «معاني القرآن» (١/ ٢٨٥) . [.....]\n(٧) «المحرر الوجيز» (١/ ٢٨٧) .\n(٨) ينظر: «الطبري» (٤/ ٢٨٨)، و«المحرر الوجيز» (١/ ٢٨٧)، و«بحر العلوم» (١/ ٢٠٠)، و«الرازي» (٦/ ١٧) .","vol":"1","page":432},{"text":"أنها نزلَتْ في قصَّة الأحزاب حين حصروا المدينة، وقالَتْ فرقةٌ: نزلَتْ تسليةً للمهاجرين، حين أصيبَتْ أموالهم بعْدَهم، وفيما نَالَهم من أذاية الكافرين لهم.\nوخَلَوْا: معناه: انقرضوا، أي: صاروا في خَلاَءٍ من الأرض، والْبَأْساءُ في المال، والضَّرَّاءُ في البدن، ومَثَلُ: معناه شبه، والزَّلْزَلَة: شِدَّة التحريك، تكون في الأشْخَاص والأحوال.\nوقرأ نافع «١»\n: «يَقُولُ» بالرفع، وقرأ الباقون بالنَّصْب، وحتى: غايةٌ مجرَّدة تنصبُ الفعل بتقدير «إلى أَنْ» وعلى قراءة نافعٍ، كأنها اقترن بها تسبيبٌ، فهي حرفُ ابتداءٍ ترفَعُ الفعلَ.\nوأكثر المتأوِّلين على أن الكلام إِلى آخر الآية من قول الرَّسُول والمؤمنين، ويكون ذلك من قول الرسُولِ على طلب استعجال النَّصْر، لا على شَكٍّ ولا ارتياب، والرسولُ اسم الجنْسِ، وقالتْ طائفةٌ: في الكلامِ تقديمٌ وتأخيرٌ، والتقديرُ: حتى يقول الذين آمنوا: متى نَصْرُ اللَّهِ، فيقولَ الرسولُ: ألا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قريبٌ، فقدم الرسولَ في الرتبة لمكانته، ثم قدم قول المؤمنين لأنه المتقدِّم في الزمان.\nقال ع «٢»\n: وهذا تحكُّم، وحمل الكلام على وجهه غيرُ متعذِّر، ويحتملُ أن يكون: أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ إِخبارًا من اللَّه تعالى مؤتنفًا بعد تمام ذكْرِ القَوْل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-176>[سورة البقرة (٢): الآيات ٢١٥ الى ٢١٦]</span>\nيَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَآ أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢١٥) كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٢١٦)\nقوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَآ أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ ... الآية: السَّائِلُون: هم المؤمنون، والمعنى: يسألونك، ما هي الوجوهُ التي ينفقون فيها؟ و«ما» يصحُّ أنْ تكونَ في موضع رفعٍ على الابتداء، و«ذَا»: خبرها بمعنى «الَّذِي» و«يُنْفِقُونَ»: صلةٌ، و«فِيهِ» عائدٌ على «ذَا» تقديرُه: ينفقونَهُ، ويصحُّ أن تكون «مَاذَا» اسما واحدًا مركَّبًا في موضع نصب.\n_________\n(١) وحجته أنها بمعنى «قال»، وليست على الاستقبال، وإنما ينصب من هذا الباب ما كان مستقبلا.\nوحجة الباقين أنها بمعنى الانتظار.\nينظر: «حجة القراءات» (١٣١- ١٣٢)، و«السبعة» (١٨١)، و«النشر» (٢/ ٢٢٧)، و«الحجة» للفارسي (٢/ ٣٠٥)، و«الزجاج» (١/ ٢٧٧) .\n(٢) «المحرر الوجيز» (١/ ٢٨٨) .","vol":"1","page":433},{"text":"قال قومٌ: هذه الآية في الزكاة المفروضةِ، وعلى هذا نسخَ منها الوالِدَانِ «١»\n، وقال السُّدِّيُّ: نزلَتْ قبل فرض الزكاة، ثم نسختها آية الزكاة المفروضَة «٢»\n، وقال ابن جُرَيْجٍ وغيره: هي ندْبٌ، والزكاة غيْرُ هذا الإِنفاق، وعلى هذا لا نسخ فيها «٣» .\nوما تَفْعَلُوا جزم بالشرط، والجوابُ في الفاءِ، وظاهر الآية الخبر، وهي تتضمّن الوعد بالمجازات، وكُتِبَ: معناه فُرِضَ واستمر الإِجماع على أن الجهاد على أمة محمّد ﷺ فرض كفاية «٤» .\nوقوله تعالى: وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا ... الآية: قال قومٌ: عسى مِنَ اللَّهِ واجِبَةٌ، والمعنى: عسى أن تكرهوا ما في الجهادِ من المشقَّة، وهو خيرٌ لكم في أنكم تغلبون\n_________\n(١) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٢٨٨) .\n(٢) أخرجه الطبري (٢/ ٣٥٦) برقم (٤٠٧١)، وذكره البغوي (١/ ١٨٨) . وابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٢٨٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٤٣٧)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السّدي.\n(٣) أخرجه الطبري (٢/ ٣٥٦) برقم (٤٠٧٢)، وابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٢٨٩)، والسيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٤٣٧)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، عن ابن جريج.\n(٤) أجمع العلماء على أن الجهاد يكون فرض عين في ثلاثة أحوال:\nالأوّل: أن يستنفر الإمام شخصا أو جماعة للقتال، ففي هذه الحالة يتعين الخروج على من طلب للجهاد.\nوالدليل على ذلك قوله (تعالى): يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ [التوبة: ٣٨] .\nوجه الدلالة: أن الله (تعالى) أنكر تثاقلهم عن الجهاد، ولو لم يكن متعينا لما أنكره عليهم. وما رواه الجماعة إلا ابن ماجة عن ابن عبّاس عن النبيّ ﷺ أنه قال: «لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونيّة، وإذا استنفرتم فانفروا» .\nوجه الدلالة من الحديث: أن النبي ﷺ يقول: من طلب للجهاد وجب عليه أن ينفر، وهو معنى الوجوب العيني.\nالثاني: أن يدخل العدو بلاد المسلمين، أو يتغلب على قطر من أقطارهم، فيتعين القتال حينئذ، والدليل عليه الإجماع لأنه من قبيل إغاثة الملهوف المجمع عليها.\nالثّالث: عند التقاء الصفين يجب على من حضر القتال، ويحرم الانصراف إلا إذا كان متحرّفا لقتال أو متحيزا إلى فئة. والدليل عليه قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [الأنفال: ١٥- ١٦] فقد نهى الله المؤمنين عن التّولّي يوم الزحف، وتوعدهم عليه، والنهي والتوعد يدلان على أن الثبات واجب، واستفيدت العينية من أداة العموم في قوله ﷿:\nوَمَنْ يُوَلِّهِمْ ... ثم اختلفوا في غير هذه الأحوال:\nفذهب جمهور العلماء إلى أنه فرض كفاية، إذا قام به من فيه الكفاية سقط الطلب عن الباقين.\nوقيل: إنه فرض عين، وحكاه الماوردي عن سعيد بن المسيب. وقيل: إنه مندوب.","vol":"1","page":434},{"text":"وتَظْهرون، وتَغْنَمُون، وتؤجَرُون، ومن مات، مَاتَ شهيدًا/، وعسى أن تحبّوا الدّعة، وترك ٥٣ ب القتَالِ، وهو شرٌّ لكم في أنَّكم تُغْلَبُونَ، وتذلُّون، ويذْهَب أمركم.\nقال ص: قوله: وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا عسى هنا للترجِّي، ومجيئها له كثيرٌ في كلام العرب، قالوا: وكل «عسى» في القُرآن للتحقيق، يعْنُون به الوقوعَ إِلاَّ قوله تعالى:\nعَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ [التحريم: ٥] انتهى.\nوفي قوله تعالى: وَاللَّهُ يَعْلَمُ ... الآية- قوة أمر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-177>[سورة البقرة (٢): الآيات ٢١٧ الى ٢١٨]</span>\nيَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢١٧) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢١٨)\nوقوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ ... الآية نزلَتْ في قصَّة عمرو بن الحَضْرَمِيِّ، وذلك أنّ رسول الله ﷺ بَعَثَ سَرِيَّةً علَيْها عبد اللَّه بن جَحْشٍ الأسَدِيُّ مَقْدَمَهُ من بَدْر الأولى، فلقوا عمرو بن الحَضْرَمِيِّ، ومعه عثمانُ بنُ عبد اللَّهِ بْنِ المُغِيرَةِ، وأخوه نَوْفَلٌ المخزوميَّان، والحَكَمُ بْنُ كَيْسَانَ في آخر يومٍ من رَجَبٍ على ما قاله ابْنُ إِسْحَاق «١»\n، وقالوا: إِن تركْنَاهم اليَوْمَ، دخَلُوا الحَرَم، فأزمعوا قتالَهُم، فرمى واقدُ بْنُ عبدِ اللَّهِ «٢»\nعمْرَو بْنَ الحَضْرَمِيِّ بسهْمٍ، فقتله، وأَسَرَ عثمانَ بْنَ عبدِ اللَّهِ، والحَكَمَ، وفَرَّ نوفَلٌ، فأعجزهم، واستسهل المسْلمون هذا في الشَّهْر الحرام خوف فوتهم، فقالَتْ قريشٌ:\nمحمَّد قد استحلَّ الأشهر الحُرُم، وعَيَّروا بذلك، وتوقَّف النبيّ ﷺ وقَالَ: «مَا أَمَرْتُكُمْ بِقِتَالٍ فِي الأَشْهُرِ الحُرُمِ» فنزلت هذه الآية، وقِتالٍ بدلُ اشتمالٍ عند سيبوَيْه.\nوقال الفَرَّاء: هو مخفوضٌ بتقدير «عَنْ» وقرىء «٣»\nبِهِ، والشهْرُ في الآية اسم الجنس،\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «التفسير» (٢/ ٣٦٠) برقم (٤٠٨٥)، وابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٢٨٩) .\n(٢) واقد بن عبد الله بن عبد مناف بن عرين بن ثعلبة بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تيمم التميميّ الحنظليّ اليربوعي، حليف بني عديّ بن كعب.\nقال موسى بن عقبة في «المغازي»: واقد، ويقال: وقدان، شهد بدرا، وكذا ذكره ابن إسحاق فيمن شهد بدرا. ينظر: «الإصابة» (٦/ ٤٦٥) .\n(٣) وهي في مصحف عبد الله بن مسعود، ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٢٩٠)، وزاد أبو حيان في «البحر» (٢/ ١٥٤) نسبتها إلى ابن عباس، والربيع، والأعمش.","vol":"1","page":435},{"text":"وكانتِ العربُ قد جعل اللَّه لها الشهْرَ الحرامَ قِوَامًا تعتدلُ عنده، فكانت لا تسفكُ دمًا، ولا تغيِّر في الأشهر الحرم، وهي ذُو القَعْدة، وذو الحجَّة، والمُحَرَّم ورَجَبٌ، وروى جابر بن عبد الله، أنّ النبيّ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَغْزُو فِيهَا إِلاَّ أَنْ يغزى، فذلكَ قولُهُ تعالى: قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ: مبتدأٌ مقطوعٌ ممَّا قبله، والخبرُ «أَكْبَرُ»، ومعنى الآيةِ على قول الجمهورِ:\nإِنكم يَا كُفَّار قُرَيْشٍ تَسْتَعْظِمُون علَيْنا القتالَ في الشَّهْرِ الحَرَام، وما تفْعَلُون أنْتُمْ من الصَّدِّ عن سبيلِ اللَّهِ لِمَنْ أراد الإِسلام، وكُفْرِكم بِاللَّه، وإِخراجِكُم أهْلَ المسْجد عنْه كما فعلتم برَسُولِ الله ﷺ وأصحابِهِ، أَكْبَرُ جُرْمًا عند اللَّه.\nقال الزُّهْرِيُّ ومجاهدٌ وغيرهما: قوله تعالى: قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ منسوخ.\nص: وسبيل الله: دينه «١»\n، والْمَسْجِدِ: قراءة الجمهور بالخَفْض، قال المبرِّد، وتبعه ابن عطية «٢»\nوغيره: هو معطوفٌ على سَبِيلِ اللَّهِ وردَّ بأنه حينئذٍ يكون متعلِّقًا ب «صَدّ»، أي: وصَدّ عن سبيل اللَّهِ، وعن المسجدِ الحرامِ، فيلزم الفَصْلُ بين المصدر، وهو «صَدّ» وبين معموله، وهو «المسجد» بأجنبيٍّ، وهو: «وكُفْرٌ بِهِ»، ولا يجوز.\nوقيل: معطوفٌ على ضمير «بِهِ»، أي: وكُفْرٌ بِهِ، وَبِالْمَسُجِدِ ورُدَّ بأن فيه عطفًا على الضمير المجرور من غير إعادة الخافض ولا يجوز عند جمهور البَصْرِيِّين، وأجازه الكوفيُّون، ويونُسُ «٣»\n، وأبو الحَسَنِ والشَّلَوْبِينُ «٤»\n، والمختار جوازه لكثرته سماعا ومنه\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٢/ ٣٦٢- ٣٦٣- ٣٦٥) برقم (٤٠٨٨)، عن مجاهد، وبرقم (٤٠٨٩)، (٤١٠١) عن الزهري، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٢٩٠)، عن الزهري، ومجاهد.\nوذكره أيضا السيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٤٤٩) وعزاه للفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن مجاهد. وفي (١/ ٤٥٠) عزاه لعبد الرزاق، وأبي داود في «ناسخه»، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن الزهري.\n(٢) «المحرر الوجيز» (١/ ٢٩٠) .\n(٣) يونس بن حبيب الضبّي بالولاء، البصريّ، أبو عبد الرحمن. قال السّيرافيّ: بارع في النّحو، من أصحاب أبي عمرو بن العلاء، سمع من العرب، وروى عن سيبويه فأكثر، وله قياس في النّحو، ومذاهب يتفرّد بها. سمع منه الكسائيّ والفرّاء. وكانت له حلقة ب «البصرة» ينتابها أهل العلم وطلاب الأدب وفصحاء الأعراب والبادية. مولده سنة تسعين، ومات سنة ثنتين وثمانين ومائة. ينظر: «البغية» (٢/ ٣٦٥) . [.....]\n(٤) عمر بن محمد بن عمر بن عبد الله، الأستاذ أبو عليّ الإشبيليّ، الأزديّ، المعروف بالشّلوبين، ومعناه بلغة الأندلس: «الأبيض الأشقر» . -","vol":"1","page":436},{"text":"قراءة حمزة: تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ [النساء: ١] أي: وبالأرحام، وتأويلها على غيره بعيدٌ يُخْرِجُ الكلام عن فصاحته. انتهى.\nوقوله تعالى: وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ: المعنى عند جمهور المفسِّرين: والفتنةُ التي كُنْتُمْ تفتنون المُسْلمين عن دينهم حتى يهلكوا أشدُّ اجتراما من قَتْلكم في الشَّهْر الحرام، وقيل: المعنى والفِتْنَة أشَدُّ من أن لو قتلوا ذلك المَفْتُون.\nوقوله تعالى: وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا هو ابتداءُ خبرٍ من اللَّه تعالى، وتحذيرٌ منه للمؤمنين.\nوقوله تعالى: وَمَنْ يَرْتَدِدْ، أي: يرجع عن الإِسلام إِلى الكفر عياذًا باللَّه، قالَتْ طائفةٌ من العلماء: يُستَتَابُ المرتدُّ ثلاثةَ أيامٍ، فإِن تاب، وإِلا قتل، وبه قال مالك، وأحمد «١»\n، وأصحابُ الرَّأيِ، والشَّافعيُّ في أحد قولَيْه، وفي قولٍ له: يُقْتَلُ دون استتابةٍ، وحبط العمل، إِذا انفسد في آخره، فبطل، وميراث المرتدِّ «٢»\nعند مالك والشافعيّ: في بيت\n_________\n- قال ابن الزّبير: كان إمام عصره في العربية بلا مدافع، آخر أئمة هذا الشأن بالمشرق والمغرب، ذا معرفة بنقد الشّعر وغيره، بارعا في التعليم، ناصحا، أبقى الله به ما بأيدي أهل المغرب من العربيّة.\nروى عن السّهيليّ، وابن بشكوال، وغيرهما، وأجاز له السّلفيّ وغيره، وأخذ عنه ابن أبي الأحوص، وابن فرتون وجماعة.\nوصنف تعليقا على كتاب سيبويه، وشرحين على الجزوليّة، وله كتاب في النّحو سمّاه «التوطئة» .\nمولده سنة ثنتين وستين وخمسمائة، ومات في العشر الأخير من صفر سنة خمس وأربعين وستمائة.\nينظر: «البغية» (٢/ ٢٢٤- ٢٢٥) .\n(١) أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني أبو عبد الله المروزي ثم البغدادي. ولد سنة ١٦٤، أخذ الفقه عن الشافعي، وسلك مسلكه، صنف المسند. قال إبراهيم الحربي: كأن الله جمع له علم الأولين والآخرين. توفي سنة ٢٤١.\nينظر: «طبقات ابن قاضي شهبة» (١/ ٥٦)، و«حلية الأولياء» (٩/ ١٦١)، و«تذكرة الحفاظ» (٢/ ٤٣١) .\n(٢) إذا قتل المرتد أو مات على ردته، فقد اختلف الفقهاء في إرث ورثته المسلمين لماله على الوجه الآتي:\nذهب الشافعي، وابن أبي ليلى، وأبو ثور، وأحمد بن حنبل، ومالك، وداود بن علي، وعلقمة، وقتادة إلى عدم إرث ورثته المسلمين من تركته. واختلف هؤلاء فيما بينهم، فذهب الشافعي، وابن أبي ليلى، وأبو ثور، وابن حنبل إلى أن جميع ماله يكون فيئا لبيت مال المسلمين، ووافقهم مالك على ذلك، إلا في حالة واحدة هي ما إذا قصد المورّث المرتد حرمان ورثته من ماله فيرثوه في تلك الحالة عنده. وذهب داود بن عليّ إلى أن ماله يكون لورثته الذين ارتد إليهم. وذهب علقمة، وقتادة إلى أن ماله ينتقل لأهل الدين الذين ارتد إليهم.\nوذهب الحنفية، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وسعيد بن المسيب، وعمر بن-","vol":"1","page":437},{"text":"مال المسلمين.\nوقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ... الآية:\n_________\n- عبد العزيز، والحسن، وعطاء، وسفيان الثوري، وزفر إلى إرث ورثته المسلمين من تركته.\nوهؤلاء فريقان أيضا: ذهب علي بن أبي طالب، وابن مسعود، وابن المسيب، وعمر بن عبد العزيز، والحسن وعطاء، والصاحبان من الحنفية إلى أن جميع ماله الذي كسبه في الإسلام وبعد ردته يكون موروثا لورثته المسلمين. وذهب الإمام أبو حنيفة، وسفيان الثوري، وزفر إلى أن الذي يورث هو كسب إسلامه دون كسب ردته فإنه يكون فيئا.\nاستدل القائلون بعدم إرث الورثة المسلمين:\nأولا: بما رواه البراء بن عازب قال: مر بي خالي أبو بردة ومعه الراية، فقلت: إلى أين تذهب؟ فقال:\nأرسلني رسول الله ﷺ إلى رجل نكح امرأة أبيه أن أقتله وآخذ ماله. دلت الرواية على أن مال المرتد فيء وليس لورثته، فإن إرسال الرسول الرجل لمن فعل فعلا يخرجه عن الإسلام، وأمره بقتله- دليل على أنه ارتد بفعله.\nوثانيا: بما روى معاوية بن قرّة عن أبيه «أنّ النّبيّ ﷺ بعث جدّ معاوية إلى رجل عرّس بامرأة أبيه أن يضرب عنقه، ويخمّس ماله» وهذا يدل على أن مال ذلك الرجل كان مغنوما بالمحاربة، ولذلك أخذ منه الخمس.\nونوقش الحديثان:\nبأن الرسول ﷺ إنما فعل ذلك لأن كلا من الرجلين، كان محاربا بسبب استحلاله لأمر محظور شرعا، فكان ماله مغنوما. ودليل ذلك: أن الراية إنما تعقد للمحاربة لا لغيرها. وإذا كان مغنوما، فلا حق لورثته والحالة هذه لكونه فيئا.\nواستدلوا ثانيا: بأن المرتد كافر بردته، والمسلم لا يرث الكافر.\nونوقش بالفرق بين المرتد والكافر فإن ملك المرتد فيما كسبه قبل الردة كان صحيحا، فلم تجز غنيمته، إذ لا تغنم أموال المسلمين لصحة ملكهم له. وإن جاز غنيمة ما كسبه بعد الردة لمحاربته الله والرسول، فكان كالمربي في أمواله. وبهذا يتبين أن مال المرتد غير مال الكافر وكيف يكون مثله والمرتد غير مقر على ما انتقل إليه، ولا يحل التزوج بالمرتدة ولا أكل ذبيحتها ولا كذلك الكافر.\nواستدل القائلون بالإرث، وهم الحنفية:\nأولا: بقوله تعالى: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ [الأنفال: ٧٥] وجه الدلالة:\nأن صلة الرحم باقية بين المرتد وورثته، فتكون سببا في بقاء الميراث بينهما.\nثانيا: بالآثار: فقد ورد عن كثير من الصحابة توريثهم الورثة المسلمين من المرتد روى زيد بن ثابت قال: بعثني أبو بكر عند رجوعه إلى أهل الردة أن أقسم أموالهم بين ورثتهم المسلمين. وروي مثله عن ابن مسعود، وإليه ذهب أكثر التابعين كسعيد بن المسيب، والحسن. وروي عن علي بن أبي طالب أنه أتي بالمستورد العجلي وقد ارتد، فعرض عليه الإسلام، فأبى أن يسلم، فضرب عنقه، وجعل ميراثه لورثته المسلمين. وروى ابن حزم من طريق المنهال عن معاوية الضرير عن الأعمش عن أبي عمرو الشيباني عن علي بن أبي طالب «اجعلوا ميراث المرتد لورثته من المسلمين» . فدلت هذه الآثار على أن ورثة المرتد المسلمين أحق بتركته دون غيرهم إذا كانوا يرثونه في الصدر الأول. -","vol":"1","page":438},{"text":"قال عروة بن الزُّبَيْر وغيره: لما عَنَّفَ المسلمون عبْدَ اللَّه بن جَحْشٍ وأصحابه، شَقَّ ذلك عليهم، فتلافاهم الله ﷿ بهذه الآية، ثم هي باقيةٌ في كلِّ من فعل ما ذكره اللَّه ﷿ «١» .\nوهَاجَرَ الرجُلُ، إِذا انتقل نقلة إِقامة من موضعٍ إِلى موضعٍ، وقصد ترك الأول إِيثارًا للثاني، وهي مُفَاعَلَةٌ من هَجَرَ، وجَاهَدَ مفاعلة من جهد، إذا استخرج الجهد، ويَرْجُونَ: معناه يَطْمَعُون ويستقْربُون، والرجاء تنعُّم، والرجاء أبدًا معه خوفٌ ولا بدَّ، كما أن الخوف معه رجاء.\nت: والرجاءُ ما قارنه عمَلٌ، وإلا فهو أمنيّة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-178>[سورة البقرة (٢): الآيات ٢١٩ الى ٢٢٠]</span>\nيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٠)\nقوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ... الآية: السائلُون هم المؤمنُونَ، والخَمْر: مأخوذ من خمر، إِذا ستر ومنه: خِمَارُ المَرْأة، والخَمَرُ: ما واراك من شَجَر وغيره، ومنه قولُ الشاعر: [الوافر]\nأَلاَ يَا زَيْدُ وَالضَّحَّاكُ سِيرَا ... فَقَدْ جاوزتما خمر الطّريق\n«٢»\n_________\n- واستدلوا ثالثا: بأن المرتد بردته تنتقل أمواله عنه، فلا بد أن تنقل إلى ورثته المسلمين، كما لو انتقلت بالموت، خصوصا وقد جاء نص المواريث عاما لأن ظاهر قوله: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ [النساء: ١١] يقتضي توريث المسلم من المرتد إذ لم يفرق بين الميت المسلم وبين المرتد.\nونوقش: بأن العموم في آية المواريث قد خص بحديث أسامة بن زيد: «لا يرث المسلم من الكافر» كما خص توريث الكافر من المسلم، وهو وإن كان من أخبار الآحاد إلا أن الأمة تلقته بالقبول، واستعملته في منع توريث الكافر من المسلم، فصار في حيز المتواتر لأن آية المواريث خاصة بالاتفاق. وأخبار الآحاد مقبولة في تخصيص مثلها.\nوأجيب: بأن حديث أسامة المراد به إسقاط التوارث بين أهل الملتين، وليست الردة بملة قائمة لأنه غير مقرّ عليها. وليس محكوما عليه بحكم الملة التي انتقل إليها، فلم يتناول الحديث محل النزاع.\nينظر: «أثر الاختلاف في الأحكام» لشيخنا «بدران أبو العينين»، «تفسير الجصاص» (٢/ ١٢٧)، «مغني» ابن قدامة (٧/ ١٧٤)، «المنتقى» على الموطأ (٦/ ٢٥٠)، «الأم» للشافعي (٤/ ٣)، «المحلى» لابن حزم (٩/ ٣٠٨) .\n(١) أخرجه الطبري (٢/ ٣٦٩) برقم (٤١٠٦)، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٢٩١) .\n(٢) البيت بلا نسبة في «الأزهيّة» (ص ١٦٥) و«الدرر» (٦/ ١٦٨) و«شرح قطر الندى» (ص ٢١٠) -","vol":"1","page":439},{"text":"ولما كانت الخمر تستُرُ العَقْل، وتغطِّي عليه، سُمِّيت بذلك، وأجمعت الأمة على تحريمِ خَمْر العِنَبِ، ووجوبِ الحدِّ في القليلِ والكثيرِ منْه، وجمهورُ الأمة على أن ما أسكر كثيرُهُ مِنْ غير خَمْرِ العِنَبِ محرَّم قليلُهُ وكثيرُهُ، والحدُّ في ذلك واجبٌ.\nوروي أنَّ هذه الآية أولُ تطرُّق إِلى تحريمِ الخَمْر، ثم بعده: لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى [النساء: ٤٣] ثم إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ... الآية إلى قوله: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [المائدة: ٩١]، ثم قوله تعالى: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ [المائد: ٩٠] فقال رسول الله ﷺ: «حرّمت الخمر» «١»\n،\n_________\n- و«شرح المفصل» (١/ ١٢٩) و«لسان العرب» (٤/ ٢٥٧) (خمر) و«اللمع» (ص ١٩٥) و«همع الهوامع» (٢/ ١٤٢)، و«الدر المصون» (١/ ٥٣٥) .\nواستشهد بقوله: «يا زيد والضحاك» حيث روي بنصب «الضحاك» ورفعه، فدلّ ذلك على أنّ المعطوف على المنادى المبنيّ، إذا كان مفردا، يجوز فيه وجهان: الرفع على لفظ المنادى، والنصب على محلّه.\n(١) أخرجه النسائي (٨/ ٣٢١)، كتاب «الأشربة»، باب ذكر الأخبار التي اعتل بها من أراد شرب السكر، من طريق ابن شبرمة، عن عبد الله بن شداد بن الهاد، عن ابن عباس موقوفا بلفظ: «حرمت الخمر قليلها وكثيرها، والسكر من كل شراب» .\nقال النسائي: ابن شبرمة لم يسمعه من عبد الله بن شداد، وأخرجه (٨/ ٣٢١) كتاب «الأشربة»، باب ذكر الأخبار التي اعتل بها من أراد شرب السكر، من طريق ابن شبرمة قال: حدثني الثقة عن عبد الله بن شداد، عن ابن عباس به. قال: خالفه أبو عون محمد بن عبيد الله الثقفي.\nفرواه عن عبد الله بن شداد، عن ابن عباس بزيادة: «حرمت الخمر بعينها: قليلها، وكثيرها» ...\nأخرجه النسائي (٨/ ٣٢١) ثم أخرجه من طريق عباس بن ذريح، عن أبي عون، عن عبد الله بن شداد، عن ابن عباس قال:\n«حرمت الخمر قليلها وكثيرها، وما أسكر من كل شراب» .\nقال النسائي: وهذا أولى بالصواب من حديث ابن شبرمة، وهشيم بن بشير- الراوي عنه- كان يدلس، وليس في حديثه ذكر السماع من ابن شبرمة، ورواية أبي عون أشبه بما رواه الثّقات عن ابن عباس.\nوقد أخرجه النسائي (٨/ ٣٢١)، والدارقطني (٤/ ٢٥٦)، وأبو نعيم في «الحلية» (٧/ ٢٢٤)، من طريق شعبة، عن مسعر، عن أبي عون به، عن ابن عباس موقوفا.\nوفي الباب عن علي مرفوعا: أخرجه العقيلي في «الضعفاء» (٤/ ١٢٣- ١٢٤)، من طريق محمد بن الفرات الكوفي، عن أبي إسحاق السبيعي، عن الحارث، عن علي قال: طاف النبي ﷺ بين الصفا والمروة أسبوعا، ثم استند إلى حائط من حيطان مكة، فقال: «هل من شربة»؟ فأتي بقعب من نبيذ، فذاقه، فقطب، قال: فرده، قال: فقام إليه رجل من آل حاطب، فقال: يا رسول الله، هذا شراب أهل مكة، قال: فرده. قال: فصب عليه الماء حتى رغا، ثم شرب، ثم قال: «حرمت الخمر بعينها، والسكر من كل شراب» .\nقال العقيلي: لا يتابع عليه.\nونقل عن يحيى قوله: ليس بشيء، وعن البخاري قوله: منكر الحديث. -","vol":"1","page":440},{"text":"ولم يحفظ عن النبيّ ﷺ في حدِّ الخمر إِلا أنَّه جلد أربعين، خرّجه مسلم، وأبو داود «١»، وروي عنه ﷺ أَنَّهُ ضرب فيها ضَرْبًا مُشَاعًا «٢»، وحَزَرَهُ أبو بكر أربعين سوطًا، وعمل بذلك هو، ثُمَّ عمر «٣» ثم تهافَتَ النَّاس فيها، فشدَّد عليهم الحدّ، وجعله كأخفّ الحدود\n_________\n- وقول العقيلي: لا يتابع عليه، فيه نظر.\nفقد تابعه عبد الرحمن بن بشر الغطفاني.\nأخرجه هو في «ضعفائه» (٣/ ٤٢٤) من طريقه، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: سألت رسول الله ﷺ عن الأشربة، عام حجة الوداع، فقال رسول الله ﷺ: «حرم الله الخمر بعينها، والسكر من كلّ شراب» .\nقال العقيلي: عبد الرحمن بن بشر مجهول في النسب والرواية حديثه غير محفوظ.\nليس له من حديث أبي إسحاق أصل، وهذا يعرف عن عبد الله بن شداد بن الهاد، عن ابن عباس قوله.\n(١) أخرجه أحمد (٣/ ٦٧)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٣/ ١٥٧)، كتاب «الحدود»، باب حد الخمر، من طريق يزيد بن هارون، عن المسعودي، عن زيد العمي، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد قال:\nجلد على عهد النبي ﷺ في الخمر بنعلين أربعين، فلما كان زمن عمر جلد بدل كل نعل سوطا.\nوزيد العمي ضعيف، والمسعودي كان قد اختلط.\n(٢) أخرجه البخاري (١٢/ ٦٦) كتاب «الحدود»، باب الضرب بالجريد والنعال، حديث (٦٧٧٨)، ومسلم (٣/ ١٣٣٢) كتاب «الحدود»، باب حد الخمر، حديث (٣٩/ ١٧٠٧)، وأبو داود (٤/ ٦٢٦)، كتاب «الحدود»، باب إذا تتابع في شرب الخمر، حديث (٤٤٨٦)، وابن ماجة (٢/ ٨٥٨)، كتاب «الحدود»، باب حد السكران، حديث (٢٥٦٩)، وأحمد (١/ ١٢٥)، وأبو يعلى (١/ ٢٨١) برقم (٣٣٦)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار»، كتاب «الحدود»، باب حد الخمر، والبيهقي (٨/ ٣٢١)، كتاب «الأشربة والحد فيها»، باب الشارب يضرب زيادة على الأربعين. كلهم من حديث علي قال: ما كنت لأقيم حدا على أحد، فيموت، وأجد في نفسي منه شيئا، إلا صاحب الخمر فإنه لو مات وديته، وذلك أن رسول الله ﷺ لم يتبين فيه شيئا.\nقال البيهقي: وإنما أراد- والله أعلم- أن رسول الله ﷺ لم يسنه زيادة على الأربعين، أو لم يسنه بالسياط، وقد سنه بالنعال، وأطراف الثياب مقدار أربعين.\n(٣) أخرجه أبو داود (٤/ ٦٢٨)، كتاب «الحدود»، باب إذا تتابع في شرب الخمر، حديث (٤٤٨٩)، والشافعي (٢/ ٩٠) كتاب «الحدود»، باب حد الشرب، حديث (٢٩٢)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٣/ ١٥٦)، كتاب «الحدود»، باب حد الخمر، والحاكم (٤/ ٣٧٥)، كتاب «الحدود»، باب كان الشارب يضرب بالأيدي والنعال، والبيهقي (٨/ ٣٢٠) كتاب «الأشربة»، باب عدد حد الخمر، عن عبد الرحمن بن أزهر قال: «رأيت رسول الله ﷺ غداة الفتح، وأنا غلام شاب يتخلل الناس، يسأل عن منزل خالد بن الوليد، فأتي بشارب، فأمرهم، فضربوه بما في أيديهم، فمنهم من ضربه بالسوط، ومنهم من ضربه بعصا، ومنهم من ضربه بنعليه، وحثى رسول الله ﷺ التراب، فلما كان أبو بكر، فسألهم عن ضرب النبي ﷺ الذي ضرب، فحزروه أربعين، فضرب أبو بكر أربعين.\nوقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. [.....]","vol":"1","page":441},{"text":"ثمانين وبه قال مالك «١» .\n_________\n(١) ذهب الحنفية والمالكية إلى أن حد الخمر ثمانون، وهو مذهب إسحاق، والأوزاعي، والثوري، وغيرهم، وإحدى الروايتين عن أحمد، وأحد قولي الشافعي، واختاره ابن المنذر.\nوذهب الشافعي (في أصح مذهبه) إلى أن قدرها أربعون، وهو مذهب الظاهرية، وأبي ثور، وإحدى الروايتين عن أحمد، قال الشافعي: وللإمام أن يبلغ به ثمانين، وتكون الزيادة على الأربعين تعزيرات على تسببه في إزالة عقله، وفي تعرضه للقذف والقتل وأنواع الإيذاء، وترك الصلاة وغير ذلك.\nواحتج الأولون بما رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وصحّحه عن أنس أن النبي ﷺ «أتي برجل قد شرب الخمر، فجلد بجريدتين نحو أربعين. وفعله أبو بكر، فلمّا كان عمر استشار النّاس، فقال عبد الرّحمن: أخفّ الحدود ثمانين. فأمر به عمر» .\nوبما رواه أحمد عن أبي سعيد قال: جلد على عهد رسول الله ﷺ في الخمر بنعلين أربعين، فلما كان زمن عمر جعل بدل كل نعل سوطا.\nوجه الدلالة: أن شارب الخمر كان يجلد بين يدي رسول الله ﷺ ثمانين لأنه كان يضرب بالجريدتين أو بالنعلين مجتمعين أربعين، فتكون الجملة الحاصلة ثمانين لأن كل ضربة ضربتان. وإن كانت الرواية الأولى محتملة لقوله: «فجلد بجريدتين نحو أربعين» إلا أن الثانية جازمة، بأن الضرب بنعلين أربعين، ولذا استشار عمر الصحابة (رضوان الله عليهم أجمعين) فرأوا أن الجلد في الخمر ثمانون سوطا بدل الضرب بالنعال ونحوها.\nوروى الإمام مالك (﵁) عن ثور بن زيد الدّيلي أن عمر بن الخطاب استشار في الخمر يشربها الرجل فقال له علي بن أبي طالب: «نرى أن تجلده ثمانين فإنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى. أو كما قال. فجلد عمر في الخمر ثمانين» .\nوجه الدلالة: أن عمر (﵁) استشار الصحابة في عقوبة شرب الخمر، فأشار عليه عليّ بأنها ثمانون، فوافقه عمر عليها، وعمل بها فدل ذلك على أنها ثمانون، ولم يعلم له مخالف.\nوأما المعقول فقالوا: إن هذا حد في معصيته، فلم يكن أقل من ثمانين، كحد الفرية والزنا.\nوأما الإجماع، فقالوا: إن الصحابة في عهد عمر أجمعوا على أن حدّ شرب الخمر ثمانون. يدل لذلك ما روى الدارقطني قال: حدثنا القاضي الحسين بن إسماعيل، قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم الدّورقي، قال: حدثنا صفوان بن عيسى، قال: حدثنا أسامة بن زيد عن الزهري، قال: أخبرني عبد الرحمن بن أزهر، قال: رأيت رسول الله ﷺ يوم حنين، وهو يتخلل الناس يسأل عن منزل خالد بن الوليد، فأتي بسكران، قال: فقال رسول الله ﷺ لمن عنده، فضربوه بما في أيديهم، وقال: وحثا رسول الله ﷺ عليه التراب قال: ثم أتي أبو بكر (﵁) بسكران، قال: فتوخى الذي كان من ضربهم يومئذ، فضرب أربعين. قال الزهري: ثم أخبرني حميد بن عبد الرحمن عن ابن وبرة الكلبي قال: أرسلني خالد بن الوليد إلى عمر، قال: فأتيته ومعه عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وعلي بن أبي طالب وطلحة والزبير (﵃) . وهم معه متكئون في المسجد، فقلت: إن خالد بن الوليد أرسلني إليك وهو يقرأ عليك السلام، ويقول: إن الناس قد انهمكوا في الخمر وتحاقروا العقوبة فيه، فقال عمر: هم هؤلاء عندك، فسلهم، فقال علي: نراه إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، وعلى المفتري ثمانون. قال: فقال عمر: أبلغ صاحبك ما قال، قال: فجلد خالد ثمانين، وعمر ثمانين.","vol":"1","page":442},{"text":"ويجتنبُ من المضروبِ: الوجْهُ، والفَرْجُ، والقَلْب، والدِّماغ، والخَوَاصر بإِجماع.\nقال ابن سِيرِينَ، والحسنُ، وابْنُ عَبَّاس، وابن المُسَيَّب، وغيرهم: كلُّ قمارٍ مَيْسِرٌ مِنْ نَرْدٍ وشِطْرَنْجٍ، ونحوه، حتّى لعب الصّبيان بالجوز «١» .\n_________\nوأخرج أبو داود والنسائي من حديث عبد الرحمن بن أزهر في قصة الشارب الذي ضربه النبي ﷺ بحنين، وفيه: فلما كان عمر كتب إليه خالد بن الوليد أن الناس قد انهمكوا في الشرب وتحاقروا العقوبة. قال: وعنده المهاجرون والأنصار، فسألهم واجتمعوا على أن يضربه ثمانين.\nقال الباجي: «واستدل أن ذلك حكمه، وإلى ذلك ذهب مالك، وأبو حنيفة أن حد شارب الخمر ثمانون، وقال الشافعي: أربعون. والدليل على ما نقوله ما روي من الأحاديث الدالة على أنه لم يكن من النبي ﷺ نص في ذلك على تحديد، وكان الناس على ذلك ثم وقع الاجتهاد في ذلك في زمن عمر بن الخطاب، ولم يوجد عند أحد منهم نص على تحديد، وذلك من أقوى الدليل على عدم النص فيه لأنه لا يصح أن يكون فيه نص باق حكمه، ويذهب على الأمة لأن ذلك كان يكون إجماعا منهم على الخطأ ولا يجوز ذلك على الأمة، ثم أجمعوا واتفقوا على أن الحد ثمانون، وحكم بذلك على ملأ منهم، ولم يعلم لأحد فيه مخالفة فثبت أنه إجماع.\nواستدل الشافعي ومن معه بالسنة، والأثر، والمعقول. فمن السنة ما روى مسلم عن أنس (﵁) أن النبي ﷺ كان يضرب في الخمر بالنعال والجريد أربعين.\nوجه الدلالة: أن النبي ﷺ كان يضرب في الخمر بالجريد والنعال أربعين فدل ذلك على أنها حده.\nوأمّا الأثر، فما روى مسلم عن حضين بن المنذر قال: شهدت عثمان بن عفان أتي بالوليد قد صلّى الصبح ركعتين ثم قال: أزيدكم، فشهد عليه رجلان أحدهما حمران أنه شرب الخمر، وشهد آخر أنه رآه يتقيؤها، فقال عثمان: إنه لم يتقيأها حتى شربها، فقال: يا علي قم فاجلده، فقال علي: قم يا حسن فاجلده، فقال الحسن: «ول حارّها من تولى قارّها» فكأنه وجد عليه، فقال: يا عبد الله بن جعفر، قم فاجلده، فجلده وعلي يعدّ حتى بلغ أربعين، فقال: أمسك، ثم قال: جلد النبي أربعين، وأبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكلّ سنّة، وهذا أحب إليّ» .\nوجه الدلالة: أن عليا (كرم الله وجهه) جزم في إخباره بأن النبي ﷺ جلد أربعين، وسائر الأخبار ليس فيها عدد محدد إلا بعض الروايات السالفة عن أنس، ففيها نحو الأربعين- بطريق التقريب، والجمع بين الأخبار أن عليا جزم بالأربعين، فهو حجة على من ذكرها بلفظ التقريب، فعملنا بما جزم به عليّ في إخباره عن الجلد الواقع في عهد الرسول (﵊) وعهد أبي بكر، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ ولذلك قال لعبد الله بن جعفر لما بلغ الأربعين: أمسك.\nوأما المعقول فقالوا: إن الشرب سبب يوجب الحد، فوجب أن يختص بعدد لا يشاركه فيه غيره، كالزنا والقذف.\nينظر: «الباجي» على الموطأ (٣/ ١٤٤)، و«الزرقاني» على الموطأ (٤/ ٣٤٤)، و«تفسير القرطبي» (١٢/ ١٦٥)، و«فتح الباري» (١٢/ ٥٥) .\n(١) أخرجه الطبري (٢/ ٣٧٠- ٣٧١) برقم (٤١١٤- ٤١١٥)، عن محمد بن سيرين، وبرقم (٤١١٨)، عن الحسين، وبرقم (٤١٢٠) عن سعيد بن المسيب، وبرقم (٤١٢٤) عن ابن عباس.\nوذكره ابن عطية (١/ ٢٩٤) .","vol":"1","page":443},{"text":"ت: وعبارة الداوديّ: وعن ابْنِ عُمَر: المَيْسِرُ القِمَار كلُّه «١»، قال ابن عبَّاس:\nكلُّ ذلك قمارٌ حتى لعِبْ الصِّبْيَان بالجَوْز، والكِعَاب «٢» . انتهى.\nوقوله تعالى: قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ ... الآية: قال ابن عبّاس، ٥٤ أوالرّبيع: الإثم فيها بعد التحريم/، والمنفعةُ قبله «٣» .\nوقال مجاهد: المنفعةُ بالخَمْر كسب أثمانها «٤»، وقيل: اللَّذَّة بها إِلى غير ذلك من أفراحِها «٥»، ثم أعلم اللَّه ﷿ أنَّ الإِثم أكْبَرُ من النَّفْع، وأعود بالضَّرر في الآخرة، فهذا هو التقدمة للتحريم.\nوقوله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ قال جمهور العلماء: هذه نفقاتُ التطوُّع، والعفُو مأخوذ من عَفَا الشَّيْء، إِذا كَثُر، فالمعنَى: أنفِقُوا ما فَضَل عن حوائجِكُم، ولم تُؤْذُوا فيه أنفُسَكم، فتكونوا عالَةً على النَّاس.\nوقوله تعالى: كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ: الإِشارة إِلى ما تقدَّم تبيينُهُ من الخَمْر والمَيْسِر، والإِنفاق، وأخبر تعالى أنه يبيِّن للمؤمنين الآياتِ التي تقودُهم إِلى الفِكْرة في الدنيا والآخرة، وذلك طريقُ النجاة لمن نفعته فكرته.\nقال الداوديّ: وعن ابن عبَّاس: لعلَّكم تتفكَّرون في الدنيا والآخرةِ، يعني: في زوال الدنْيا وفنائِها، وإِقبال الآخرة وبقائها «٦» . انتهى.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٢/ ٣٧١) برقم (٤١٣٣) .\n(٢) أخرجه الطبري (٢/ ٣٧١) برقم (٤١٢٤)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٤٥٢)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والنحاس في «ناسخه» عن ابن عباس. والكعاب:\nفصوص النرد، واحدها كعب وكعبة.\nينظر: «لسان العرب» (٣٨٨٩) .\n(٣) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٢٩٤) والسيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٤٥٣)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس.\n(٤) أخرجه الطبري (٢/ ٣٧٢) برقم (٤١٣٧)، وذكره ابن عطية (١/ ٢٩٤) .\n(٥) أخرجه الطبري (٢/ ٣٧٣) برقم (٤١٤٠)، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٢٩٤)، والسيوطي (١/ ٤٥٢)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والنحاس في «ناسخه» عن ابن عباس.\n(٦) أخرجه الطبري (٢/ ٣٨١) برقم (٤١٨١)، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٢٩٥)، والسيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٤٥٦)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ في «العظمة» عن ابن عباس.","vol":"1","page":444},{"text":"قال الغَزَّالِيُّ﵀- تَعَالَى: العَاقِل لا يغفُلُ عن ذكْر الآخرةِ في لَحْظة فإِنها مصيره ومستقرُّه، فيكون لَهُ في كلِّ ما يراه من ماءٍ، أو نارٍ، أو غيرهما عبرةٌ فإن نظر إلى سوادٍ، ذكر ظلمة اللَّحْد، وإِن نَظَر إِلى صورة مروِّعة، تذكَّر مُنْكَرًا ونكيرًا والزبانيةَ، وإِن سمع صوتًا هائلًا، تذكَّر نفخة الصُّور، وإِنْ رأى شيئًا حسَنًا، تذكَّر نعيم الجنَّة، وإِن سمع كلمةَ ردٍّ أو قَبُولٍ، تذكَّر ما ينكشفُ لَهُ من آخر أمره بعد الحسَابِ من ردٍّ أو قبول، ما أجدر أن يكون هذا هو الغالِبَ على قَلْبِ العاقِلِ، لا يصرفُهُ عنه إِلاَّ مُهِمَّاتُ الدنيا، فإِذا نسب مدةَ مُقَامه في الدُّنْيا إِلى مدة مُقَامه في الآخِرة، استحقر الدنيا إِنْ لم يكُنْ أغفل قلبه، وأعميتْ بصيرته. انتهى من «الإِحياء» .\nوقوله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ: قال ابن عبَّاس، وسعيد بن المسيَّب: سبب الآية أن المسلمين لما نزلَتْ: وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ ...\n[الأنعام: ١٥٢] و[الإسراء: ٣٤] الآية، ونزلت: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْمًا [النساء: ١٠]، تجنبوا اليتامى وأموالَهم، وعزلوهم عن أنفسهم، فنزلت: وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ ... الآية، وأمر اللَّه سبحانه نبيَّه أن يجيب بأن من قصد الإِصلاح في مال اليتيمِ، فهو خيْرٌ، فرفع تعالى المشقَّة، وأباح الخُلْطة في ذلك إِذا قُصِدَ الإِصلاح، ورفْقُ اليتيم «١» .\nوقوله سبحانه: وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ: تحذيرٌ.\nوقوله تعالى: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ، أي: لأتعبكم في تجنُّب أمر اليتامَى، والعَنَتُ: المشقَّة، ومنه عَقَبَةٌ عنوت ومنه: عنت العزبة، وعَزِيزٌ: مقتضاه لا يرد أمره، وحَكِيمٌ: أي: محكم ما ينفذه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-179>[سورة البقرة (٢): آية ٢٢١]</span>\nوَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٢١)\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٢/ ٣٨٢- ٣٨٣- ٣٨٤) برقم (٤١٨٥- ٤١٨٦- ٤١٩٢- ٤١٩٤- ٤١٩٦) عن ابن عباس، وبرقم (٤١٨٧) عن سعيد.\nوذكره البغوي (١/ ١٩٤) عن ابن عباس، وابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٢٩٥- ٢٩٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٤٥٦)، وعزاه لأبي داود، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، وابن مردويه، والحاكم وصححه، والبيهقي في «سننه» عن ابن عباس.","vol":"1","page":445},{"text":"وقوله تعالى: وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ ونَكَح: أصله في الجمَاع، ويستعمل في العَقْد تجوُّزًا.\nقالت طائفة: المشركاتُ هنا: من يُشْرِكُ مع اللَّه «١» إِلهًا آخرْ.\nوقال قتادة وابْنُ جُبَيْر: الآية عامَّة في كل كَافِرة، وخصَّصتها آية المائدة، ولم يتناوَلِ العمومُ قطُّ الكتابيَّاتِ «٢»، وقال ابنُ عبَّاس، والحسن: تناولهن العمومُ، ثم نَسَخَتْ آيةُ المائدة بَعْضَ العمومِ في الكتابيَّات «٣»، وهو مذهب مالكٍ﵀- ذكره ابن حَبِيبٍ.\nوقوله تعالى: وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ ... الآية. هذا إِخبار من اللَّه سبحانَه ٥٤ ب أن المؤمنة المَمْلُوكة خَيْرٌ من المشركة، وإِن كانت ذاتَ الحَسَب والمَالِ، ولو أعجبتْكم/ في الحُسْن وغير ذلك، هذا قول الطَّبَرِيِّ وغيره.\nوقوله سبحانه: وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا ... الآية: أجمعت الأمة على أن المشرك لا يطأ المؤمنة بوجْهٍ لما في ذلك من الغَضَاضَةِ على دين الإِسلام.\nقال بعض العلماء: إِن الولايةَ في النكاحِ نصٌّ في هذه الآية، قلت: ويعني ببعض العلماءِ محمَّدَ بْنَ عليِّ بْنِ حُسَيْنٍ، قاله ابنُ العَرَبِيِّ «٤» . انتهى.\nولَعَبْدٌ مُؤمنٌ مملوكٌ خَيْرٌ من مشركٍ حسيبٍ، ولو أعجبكم حُسْنُه ومالُهُ حسبما تقدَّم.\nقال ع «٥»: وتحتمل الآية عنْدي أن يكون ذكْر العَبْدِ والأمةِ عبارةً عن جميع الناسِ حُرِّهم ومملوكِهِم إِذْ هم كلُّهم عبيده سُبْحَانه.\nوقوله تعالى: أُولئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ، أي: بصحبتهم، ومعاشرتهم، والاِنحطاطُ في كثيرٍ من أهوائهم، واللَّه ﷿ مُمِنٌّ بالهداية، ويبيِّنُ الآياتِ، ويحضُّ على الطاعات\n_________\n(١) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٢٩٦) .\n(٢) أخرجه الطبري (٢/ ٣٨٩) برقم (٤٢٢٠، ٤٢٢١، ٤٢٢٢) عن قتادة، وبرقم (٤٢٢٣) عن سعيد بن جبير، وذكره البغوي (١/ ١٩٥) .\nوابن عطية (١/ ٢٩٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٤٥٨)، وعزاه إلى وكيع، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والنحاس في «ناسخه» عن سعيد بن جبير، وعزاه لعبد الرزاق، وعبد بن حميد عن قتادة.\n(٣) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٢٩٦) .\n(٤) ينظر: «الأحكام» (١/ ١٥٨) . [.....]\n(٥) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٢٩٧) .","vol":"1","page":446},{"text":"التي هي كلُّها دواعٍ إِلى الجنَّة، والإِذن: العلْم والتمكينُ، فإِن انضاف إلى ذلك أمْرٌ، فهو أقوى من الإِذن لأنك إِذا قلْتَ: أذنْتُ في كذا، فليس يلزمك أنَّكَ أمرْتَ، ولَعَلَّهُمْ:\nترجٍّ في حق البشر، ومن تذَكَّر، عمل حسب التذكّر، فنجا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-180>[سورة البقرة (٢): آية ٢٢٢]</span>\nوَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)\nقوله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً قال الطبريُّ عن السُّدِّيِّ: إنَّ السائلَ ثابتُ بْنُ الدَّحْدَاحِ «١»، وقال قتادةُ وغيره: إِنما سألوه لأنَّ العرب في المدينةِ وما والاها، كانُوا قد استنوا بسُنَّة بني إِسرائيل في تجنُّب مواكلة الحائِضِ، ومساكَنَتِها، فنزلَتِ الآية «٢» .\nوقوله تعالى: فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ يريدُ: جماعَهُنَّ بما فسّر من ذلك رسول الله ﷺ مِنْ أنْ تشدَّ الحائِضُ إِزارها، ثُمَّ شأنُه بأعلاها.\nقال أحمد بن نصر الداوديّ: روي أنّ رسول الله ﷺ قَالَ: «اتقوا النِّسَاءَ فِي المَحِيضِ فَإِنَّ الجُذَامَ يَكُونُ مِنْ أَوْلاَدِ المَحِيضِ» «٣» انتهى.\nقوله تعالى: وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ، وقرأ حمزة «٤» وغيره «يَطَّهَّرْنَ» بتشديد الطاء والهاء، وفتحهما، وكلُّ واحدة من القراءَتَيْنِ يحتملُ أنْ يراد بها الاِغتسالُ بالماء، وأن يراد بها انقطاعُ الدمِ، وزوالُ أذاه، قال ابنُ العربيُّ في «أحكامه» «٥»: سمعْتُ أبا بكر\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٢/ ٣٩٣) برقم (٤٢٣٧)، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٢٩٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٤٦١)، وعزاه لابن جرير.\nوهو ثابت بن الدّحداح بن نعيم بن غنم بن إياس، حليف الأنصار. وكان بلويّا، حالف بني عمرو بن عوف. ويقال: ثابت بن الدحداحة. ويكنى أبا الدحداح، وأبا الدحداحة. ينظر: «الإصابة» (١/ ٥٠٣) (العلمية) .\n(٢) أخرجه الطبري (٢/ ٣٩٣) برقم (٤٢٣٤)، وذكره ابن عطية (١/ ٢٩٨) . والسيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٤٦٢)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير عن قتادة.\n(٣) ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٢٥٩)، وعزاه لابن المنذر.\n(٤) ينظر: «السبعة» (١٨٢)، و«الكشف» (١/ ٢٩٣)، و«الحجة» (٢/ ٣٢١)، و«حجة القراءات» (١٣٤، ١٣٥)، و«العنوان» (٧٤)، و«شرح الطيبة» (٤/ ٩٩)، و«شرح شعلة» (٢٩٠، ٢٩١)، و«معاني القراءات» للأزهري (١/ ٢٠٢)، و«إتحاف» (١/ ٤٣٨) .\n(٥) ينظر: «الأحكام» (١٠/ ١٦٤) .","vol":"1","page":447},{"text":"الشَّاشِيَّ «١» يقولُ: إِذا قيل: لا تَقْرَبْ بفتح الراء، كان معناه: لا تَلْتَبِسْ بالفعلِ، وإِذا كان بضم الراء، كان معناه لا تَدْن منه. انتهى.\nوجمهورُ العلماء على أنَّ وطأها في الدَّمِ ذنْبٌ عظيمٌ يتاب منْه، ولا كفَّارة فيه بمالٍ «٢»، وجمهُورهم على أن الطُّهْر الذي يُحِلُّ جماعَ الحائِض، هو بالماءِ كطهر الجُنُب، ولا يجزىء من ذلك تَيَمُّمٌ ولا غيره.\nوقوله تعالى: فَإِذا تَطَهَّرْنَ ... الآية: الخلافُ فيها كما تقدَّم، وقال مجاهدٌ وجماعةٌ: تَطَهَّرْنَ، أي: اغتسلن بالماء «٣» بقرينةِ الأمر بالإِتيان لأنَّ صيغة الأمر من الله\n_________\n(١) القاسم بن القفال الكبير الشاشي محمد بن علي، مصنف «التقريب»، كان إماما جليلا حافظا، برع في حياة أبيه، قال العبادي: إن كتابه «التقريب» قد تخرج به فقهاء خراسان، وازدادت طريقة أهل العراق به حسنا، وقد أثنى البيهقي على التقريب، وقال فيه الأسنوي: ولم أر في كتب الأصحاب أجلّ منه.\nينظر: «طبقات ابن قاضي شهبة» (١/ ١٨٧)، «هدية العارفين» (١/ ٨٢٧)، «طبقات الأسنوي» (ص ١٠٨) .\n(٢) اتفق أهل العلم على تحريم غشيان الحائض، ومن فعله عالما عصى، ومن استحلّه كفر لأنه محرّم بنصّ القرآن، ولا يرتفع التّحريم حتى ينقطع الدم وتغتسل عند أكثر أهل العلم، وهو قول سالم بن عبد الله، وسليمان بن يسار، ومجاهد، والحسن، وإبراهيم، وإليه ذهب عامة العلماء، لقوله ﷾:\nفَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ أي: اغتسلن.\nوذهب أبو حنيفة إلى أنه يجوز غشيانها بعد ما انقطع دمها لأكثر الحيض قبل الغسل.\nواختلف أهل العلم في وجوب الكفّارة بوطء الحائض، فذهب أكثرهم إلى أنه يستغفر الله ولا كفّارة عليه، وهو قول سعيد بن المسيّب، وسعيد بن جبير، وإبراهيم النّخعي، والقاسم، وعطاء، والشّعبي، وابن سيرين، وبه قال ابن المبارك، والشّافعيّ، وأصحاب الرأي.\nوذهب جماعة إلى إيجاب الكفّارة بإتيان الحائض، منهم قتادة والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وقاله الشافعي في القديم، لما روى عن ابن عبّاس، أنّ النّبيّ ﷺ قال في رجل جامع امرأته وهي حائض.،\nقال: «إن كان الدّم عبيطا، فليتصدّق بدينار، وإن كان صفرة، فنصف دينار» .\nأخرجه الترمذي (١/ ٢٤٥)، أبواب الطهارة: باب ما جاء في الكفارة في ذلك (١٣٧)، وفي سنده عبد الكريم بن أبي المخارق، ضعيف كما في «التقريب» (١/ ٥١٦)، وللحديث طرق أخرى قد بسطها الشيخ شاكر في شرحه للترمذي (١/ ٢٤٥- ٢٥٤)، فانظرها ففيها فوائد.\nقال أبو عيسى: حديث الكفّارة في إتيان الحائض قد روي عن ابن عباس موقوفا، وروي أنه قال: «إن أصابها في فور الدّم تصدّق بدينار، وإن كان في انقطاع الدم، فنصف دينار» .\nوقال قتادة: دينار للحائض، ونصف دينار إذا أصابها قبل الغسل. وقال أحمد: يتخيّر بين الدّينار والنصف، وقال الحسن: عليه ما على المجامع في نهار رمضان.\nومن لم يوجب الكفارة، ذهب إلى أن حديث ابن عبّاس لا يصحّ متّصلا مرفوعا. ينظر: «شرح السنة» (١/ ٤٠٩- ٤١٠) .\n(٣) أخرجه الطبري (٢/ ٣٩٨- ٣٩٩) برقم (٤٢٧٣) . -","vol":"1","page":448},{"text":"تعالى لا تقعُ إِلا على الوَجْه الأكمل، وفَأْتُوهُنَّ: أمر بعد الحَظْر يقتضي الإِباحة، والمعنى: من حيثُ أمركم اللَّه باعتزالهن، وهو الفَرْج، أو من السُّرَّة إِلى الرُّكْبة على الخلاف في ذلك، وقال ابن عبَّاس: المعنى: من قِبَلِ الطُّهْرِ، لا من قِبَلِ الحَيض «١»، وقيل: المعنى مِنْ قِبَلِ حالِ الإِباحة، لا صائماتٍ ولا مُحْرِماتٍ، ولا غيرَ ذلك، والتَّوَّابُون:\nالرجَّاعون، وعُرْفُهُ من الشَّرِّ إِلى الخير، والمُتَطَهِّرْونَ: قال عطاءٌ وغيره: المعنى: بالماء «٢»، وقال مجاهد وغيره: المعنى: من الذنوب «٣» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-181>[سورة البقرة (٢): آية ٢٢٣]</span>\nنِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٢٢٣)\nوقوله تعالى: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ ... الآية مبيحةٌ لهيئات الإتيان كلّها، إذا كان/ ٥٥ أالوطء في موضع الحرثِ، ولفظة «الحَرْث» تعطي أنَّ الإِباحة لم تقعْ إِلا في الفَرْجِ خاصَّة إِذ هو المُزْدَرَعُ.\nقال ابنُ العَرَبِيِّ في «أحكامه» «٤»: وفي سبب نزولِ هذه الآية رواياتٌ:\nالأولى: عن جابرٍ، قال: كانَتِ اليهودُ تقولُ: من أتَى امرأة فِي قُبُلِهَا منْ دُبُرِهَا، جَاءَ الوَلَدُ أَحْوَلَ، فنزلَتِ الآية، وهذا حديثٌ صحيح خرّجه الأئمّة «٥» .\n_________\n- وذكره البغوي في «معالم التنزيل» (١/ ١٩٧)، وابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٢٩٩)، والسيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٤٦٥)، وعزاه لسفيان بن عيينة، وعبد الرزاق في «المصنف»، وابن جرير، وابن المنذر، والنحاس عن مجاهد.\n(١) أخرجه الطبري (٢/ ٤٠١) برقم (٤٢٩٢)، وابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٩٩)، والسيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٤٦٦)، وعزاه إلى الدارمي، وابن جرير، وابن المنذر، عن ابن عباس.\n(٢) أخرجه الطبري (٢/ ٤٠٣) برقم (٤٣٠٤- ٤٣٠٥- ٤٣٠٦)، وذكره البغوي (١/ ١٩٨)، وابن عطية (١/ ٢٩٩)، والسيوطي (١/ ٤٦٦)، وعزاه لوكيع، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم عن عطاء.\n(٣) أخرجه الطبري (٢/ ٤٠٣) برقم (٤٣٠٨)، وذكره البغوي (١/ ١٩٨)، وابن عطية (١/ ٢٩٩) .\n(٤) ينظر: «الأحكام» (١/ ١٧٣) . [.....]\n(٥) أخرجه البخاري (٨/ ٣٧)، كتاب «التفسير»، باب نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ، حديث (٤٥٢٨)، ومسلم (٢/ ١٠٥٨- ١٠٥٩)، كتاب «النكاح»، باب جواز جماعه امرأته في قبلها من قدامها، ومن ورائها، من غير تعرض للدبر، حديث (١١٧- ١١٩/ ١٤٣٥)، وأبو داود (١/ ٦٥٦) كتاب «النكاح»، باب في جامع النكاح، حديث (٢١٦٣)، والترمذي (٥/ ٢٠٠)، كتاب «التفسير»، باب سورة البقرة، حديث (٢٩٨٢) . وابن ماجة (١/ ٦٢٠) كتاب «النكاح»، باب إتيان النساء في أدبارهن، حديث (١٩٢٥)، والدارمي (١/ ٢٥٨)، كتاب «الوضوء»، باب إتيان النساء في أدبارهن، وفي (٢/ ١٤٥- ١٤٦) كتاب «النكاح»، باب النهي عن إتيان النساء في أعجازهن، وأبو يعلى (٤/ ٢١) -","vol":"1","page":449},{"text":"الثانية: قالت أمّ سلمة «١» عن النبيّ ﷺ في قوله تعالى: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ:\nقال: «يَأْتِيَها مُقْبِلَةً ومُدْبِرَةً، إِذَا كَانَ فِي صِمَامٍ وَاحِدٍ» خرَّجه مسْلم، وغيره «٢» .\nالثالثة: ما رَوَى الترمذيّ أنّ عمر جاء إلى النبيّ ﷺ فقَالَ لَهُ: هَلَكْتُ، قَالَ: «وَمَا أَهْلَكَكَ؟ قَالَ: حَوَّلْتُ البَارِحَةَ رَحْلِي، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ شَيْئًا، حتى نزلَتْ: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ أَقْبِلْ وأدبر، واتّق الدّبر» «٣» انتهى.\n_________\n- برقم (٢٠٢٤)، وابن حبان (٤١٧٤)، والطبري في «تفسيره» (٢/ ٣٩٧)، والواحدي في «أسباب النزول» (ص- ٥٣)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٣/ ٤٠)، والبيهقي (٧/ ١٩٣، ١٩٤، ١٩٥)، من حديث جابر. وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٤٦٧)، وعزاه إلى وكيع، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، والبخاري، وأبي داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، وابن جرير، وأبي نعيم، والبيهقي، عن جابر، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.\n(١) هي: هند بنت أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم. أم المؤمنين (﵂) أم سلمة. القرشية. المخزومية.\nقال ابن الأثير: كان أبوها يعرف ب «زاد الركب» .. وكانت من المهاجرات إلى الحبشة وإلى المدينة..\nوقيل: إنها أول ظعينة هاجرت إلى «المدينة»، والله أعلم، وتزوجها رسول الله ﷺ بعد أبي سلمة.\nتوفيت سنة (٦٣) على أرجح الأقوال.\nينظر ترجمتها في: «أسد الغابة» (٧/ ٣٤٠)، «الإصابة» (٨/ ٢٤٠)، «الاستيعاب» (٤/ ١٩٣٩)، «تجريد أسماء الصحابة» (٢/ ٣٢٢)، «أعلام النساء» (٢/ ٢٣٥) .\n(٢) أخرجه الترمذي (٥/ ٢٠٠) في التفسير، باب «ومن سورة البقرة» (٢٩٧٩)، وأحمد (٦/ ٣٠٥، ٣١٠، ٣١٨، ٣١٩)، والدارمي (١/ ٢٥٦) في الوضوء: باب إتيان النساء في أدبارهن، وأبو يعلى في «مسنده» (٦٩٧٢)، والطبري في تفسيره (٤٣٤١- ٤٣٤٥)، والطحاوي (٣/ ٤٢- ٤٣)، والبيهقي (٧/ ١٩٥) عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن ابن سابط، عن حفصة بنت عبد الرحمن عن أم سلمة قالت: قال رسول الله ﷺ: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ، قال: صماما واحدا، صماما واحدا.\nوقال الترمذي: هذا حديث حسن..... ويروى في سمام واحد.\nويشهد له حديث جابر عند مسلم (٢/ ١٥٩) في النكاح: باب جواز جماعه امرأته في قبلها من قدامها، ومن ورائها، من غير تعرض للدبر (١١٩- ١٤٣٥) . والواحدي في «أسباب النزول» ص (٥٣) .\nوالطحاوي (٣/ ٤١)، والبيهقي (٧/ ١٩٥) عن النعمان بن راشد، عن الزهري، عن ابن المنكدر، عن جابر بن عبد الله قال: قالت اليهود: إذا أتى الرجل امرأته مجبية كان الولد أحول، فنزلت: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ، إن شاء مجبية وإن شاء غير مجبية، غير أن ذلك في صمام واحد.\n(٣) أخرجه الترمذي (٥/ ٢٠٠) في التفسير، باب «ومن سورة البقرة» (٢٩٨٠)، والنسائي في «الكبرى» (٥/ ٣١٤)، في «عشرة النساء» (٨٩٧٧/ ٤) و(٦/ ٣٠٢)، في «التفسير» (١١٠٤٠/ ٣)، وأحمد (١/ ٢٦٧)، والطبري في التفسير (٤٣٤٧)، وأبو يعلى (٢٧٣٦)، والبيهقي (٧/ ١٩٨)، والواحدي في «أسباب النزول» ص ٥٣ عن يعقوب القمي، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: جاء عمر إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، هلكت......» فذكره. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. -","vol":"1","page":450},{"text":"قال ع «١»: وأَنَّى شِئْتُمْ: معناه عند جمهور العلماء: من أيِّ وجهٍ شئتم مقبلةً، ومدبرةً، وعلى جَنْب.\nقال ع «٢»: وقد ورد عن رسول الله ﷺ في مصنَّف النسائيِّ وفي غيره أنه قَالَ: «إِتْيَانُ النِّسَاءِ فِي أَدْبَارِهِنَّ حَرَامٌ» «٣»، وورد عنْه فيه، أنَّه قال: «مَلْعُونٌ مَنْ أَتَى امرأة فِي دُبُرَهَا» «٤»، وورد عنه، أنَّه قال: «مَنْ أَتَى امرأة فِي دُبُرِهَا فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ على قَلْبِ مُحَمَّدٍ» «٥»، وهذا هو الحقُّ المتَّبع، ولا ينبغي لمؤمنٍ باللَّه أن يعرج بهذه النازلة على زَلَّة عالِمٍ بعد أنْ تصحَّ عنْه، واللَّه المرشِدُ لا ربَّ غيره.\n_________\n- وينظر: «الدر المنثور» (١/ ٤٦٩) .\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٢٩٩) .\n(٢) ذكره في «المحرر الوجيز» (١/ ٣٠٠) .\n(٣) أخرجه بهذا اللفظ النسائي في «السنن الكبرى» (٥/ ٣١٩)، كتاب «عشرة النساء»، باب ذكر الاختلاف على عبد الله بن علي بن السائب، حديث (٨٩٩٥) .\n(٤) أخرجه أبو داود (١/ ٦٥٥)، كتاب «النكاح»، باب في جامع النكاح، حديث (٢١٦٢)، وأحمد (٢/ ٤٤٤)، وأبو يعلى (١١/ ٣٤٩) برقم (٦٤٦٢)، من حديث أبي هريرة، وليس من حديث خزيمة بن ثابت كما في «المهذب» .\n(٥) أخرجه أبو داود (٢/ ٤٠٨) كتاب «الطب»، باب في الكهان، حديث (٣٩٠٤)، والترمذي (١/ ٢٤٢- ٢٤٣) كتاب «الطهارة»، باب ما جاء في كراهية إتيان الحائض، حديث (١٣٥)، والنسائي في «الكبرى» (٥/ ٣٢٣)، كتاب «عشرة النساء»، باب ذكر اختلاف ألفاظ الناقلين لخبر أبي هريرة في ذلك، حديث (٩٠١٦، ٩٠١٧)، وابن ماجة (١/ ٢٠٩) كتاب «الطهارة»، باب النهي عن إتيان الحائض، حديث (٦٣٩)، وأحمد (٢/ ٤٠٨، ٤٧٦) . والدارمي (١/ ٢٥٩)، كتاب «النكاح»، باب من أتى امرأته في دبرها. والبخاري في «التاريخ الكبير» (٣/ ١٦)، وابن الجارود في «المنتقى» برقم (١٠٧)، والعقيلي في «الضعفاء» (١/ ٣١٨) . وابن عدي في «الكامل» (٢/ ٦٣٧) . والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٣/ ٤٤- ٤٥) . والبيهقي في «السنن الكبرى» (٧/ ١٩٨) . كلهم من طريق حكيم الأثرم، عن أبي تميمة الهجيمي، عن أبي هريرة مرفوعا، وقال الترمذيّ: لا نعرف هذا الحديث إلا من حديث حكيم الأثرم، عن أبي تميمة الهجيمي، عن أبي هريرة.\nوقال البخاري: هذا حديث لا يتابع عليه، ولا يعرف لأبي تميمة سماع من أبي هريرة.\nوقال البزار كما في «التلخيص» (٣/ ١٨٠): هذا حديث منكر، وحكيم لا يحتج به، وما انفرد به فليس بشيء.\nوقال ابن عدي: الأثرم يعرف بهذا الحديث، وليس له غيره إلا اليسير.\nوقد ضعف هذا الحديث البخاري، والترمذي، وابن سيد الناس، والبغوي، والذهبي فقال: إسناده ليس بالقائم، وينظر «فيض القدير» (٦/ ٢٣) . وقد صحيح هذا الحديث الشيخ أحمد شاكر في «تعليقه على المسند» (١٨/ ٥٦، ١٩/ ١٤٢)، وفند العلل التي علّلوا بها الحديث بما لا تراه في مكان، فلينظر.","vol":"1","page":451},{"text":"وقوله جلَّت قُدْرته: وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ.\nقال السُّدِّيُّ: معناه: قدِّموا الأجْر في تجنُّب ما نُهِيتُمْ عنْه، وامتثال ما أُمِرْتُمْ به- وَاتَّقُوا اللَّهَ: تحذيرٌ- وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ: خبرٌ يقتضي المبالغَةَ في التحْذير، أي: فهو مجازيكُمْ علَى البِرِّ والإِثم وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ: تأنيسٌ لفاعلي البرِّ، ومِتَّبِعِي سنن الهدى «١»،\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-182>[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٢٤ الى ٢٢٥]</span>\nوَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٤) لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٢٥)\nقوله تعالى: وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ ... الآية: مقصد الآيةِ: ولا تُعرِّضوا اسم اللَّهِ تعالى، فتكثروا الأيمان به، فإِن الحِنْثَ يقع مع الإِكثار، وفيه قِلَّة رَعْيٍ لحقِّ اللَّه تعالى.\nوقال الزجَّاج «٢» وغيره: معنى الآيةِ: أنْ يكون الإِنسان، إِذا طُلِبَ منه فعْلُ خيرٍ ونحوه، اعتل باللَّه، وقال: عليَّ يمينٌ، وهو لم يحلفْ.\nوقوله: عُرْضَةً، قال ابن العربيِّ في «أحكامه» «٣»: اعلم أنَّ بناء عرض في كلامِ العربِ يتصرَّف على معانٍ مرجعُها إِلى المَنْع لأنَّ كلَّ شيء عرضٌ، فقد مَنَعَ، ويقال لِمَا عَرَضَ في السَّمَاء من السحَابِ عَارِضٌ لأَنَّه يمنع من رؤيتها، ومن رؤية البدرين، والكواكب. انتهى.\nوأَنْ تَبَرُّوا: مفعولٌ من أجله «٤»، والبِرُّ: جميع وجوه البرّ، وهو ضدّ الإثم\n_________\n(١) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٣٠٠) .\n(٢) «معاني القرآن» (١/ ٢٩٩) .\n(٣) ينظر: «الأحكام» (١/ ١٧٤- ١٧٥) . [.....]\n(٤) هذا قول الجمهور، ثم اختلفوا في تقديره، فقيل: إرادة أن تبرّوا، وقيل: كراهة أن تبروا، قاله المهدوي، وقيل: لترك أن تبروا، قاله المبرد، وقيل: لئلا تبروا، قاله أبو عبيدة والطبري، وأنشدا:\n... فلا والله تهبط تلعة ... ............... ............... ..\nأي: لا تهبط، فحذف «لا» ومثله: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا [النساء: ١٧٦] أي: لئلا تضلّوا. وتقدير الإرادة هو الوجه، وذلك أنّ التقادير التي ذكرتها بعد تقدير الإرادة لا يظهر معناها، لما فيه من تعليل امتناع الحلف بانتفاء البر، بل وقوع الحلف معلّل بانتفاء البرّ، ولا ينعقد منهما شرط وجزاء، لو قلت في معنى هذا النهي وعلّته: «إن حلفت بالله بررت» لم يصحّ، بخلاف تقدير الإرادة، فإنه يعلّل امتناع-","vol":"1","page":452},{"text":"- وسَمِيعٌ، أي: لأقوالِ العبادِ- عَلِيمٌ: بنياتهمْ، وهو مُجَازٍ على الجميع، واليمين:\nالحَلِفُ، وأصله أنَّ العَرَب كانت إِذا تحالَفَت، أو تعاهَدَت، أخذ الرجل يمينَ صاحبه بيمينه، ثم كَثُر ذلك حتى سمي الحلف والعَهْد نفسه يمينًا.\nوقوله تعالى: لاَّ يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ: اللَّغْو: سَقَطُ الكلامِ الَّذي لا حُكْم لَه.\nقال ابنُ عَبَّاس، وعائشَةُ، والشَّعْبِيُّ، وأبو صالِحٍ، ومجاهد: لَغْو اليمينِ: قولُ الرجلِ في دَرْجِ كلامِهِ واستعجاله في المحاورة: لا واللَّهِ، وبلى وَاللَّهِ، دون قصدٍ لليمينِ، وقد أسنده البخاريُّ عن عائشة «١» .\nوقال أبو هريرة، والحَسَن، ومالكٌ، وجماعة: لغو اليمين: ما حلف به الرجُلُ على يقينه، فكشف الغيبُ خلافَ ذلك «٢» .\nع «٣»: وهذا اليقين/ هو غلبة الظّنّ. ٥٥ ب وقال زيدُ بْنُ أسْلَمَ: لغو اليمينِ: هو دعاءُ الرجلِ على نَفْسه «٤» .\nوقال الضَّحَّاك: هي اليمينُ المكفَّرة «٥» .\nوحكى ابنُ عبد البَرِّ قَولًا أن اللغو أيمان «٦» ...\n_________\n- الحلف بإرادة وجود البرّ، وينعقد منهما شرط وجزاء، تقول: إن حلفت لم تبرّ وإن لم تحلف بررت.\nينظر: «الدر المصون» (١/ ٥٤٦- ٥٤٧) .\n(١) أخرجه الطبري (٢/ ٤١٦- ٤١٧- ٤١٨- ٤١٩) برقم (٤٣٧٧- ٤٣٧٨) عن عائشة، وبرقم (٤٣٨٧- ٤٣٨٨- ٤٤٠١) عن الشعبي، وبرقم (٤٣٧٦) عن ابن عباس، وبرقم (٤٣٩٢) عن أبي صالح.\nوذكره البغوي (١/ ٢٠١) عن عائشة، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٣٠١)، والسيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٤٨٠)، وعزاه إلى مالك، ووكيع، والشافعي في «الأم»، وعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي، من طرق عن عائشة. وفي (١/ ٤٨١)، وعزاه لسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس.\n(٢) أخرجه الطبري (٢/ ٤١٩- ٤٢٠- ٤٢١)، رقم (٤٤٠٩- ٤٤١٠- ٤٤١١- ٤٤١٢- ٤٤٢٣) عن الحسن، (٤٤٢٠- ٤٤٢٩- ٤٤٣٠) عن مالك، وذكره البغوي (١/ ٢٠١) عن الحسن، وابن عطية (١/ ٣٠١)، والسيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٤٨١)، وعزاه لابن جرير عن أبي هريرة.\n(٣) «المحرر الوجيز» (١/ ٣٠١) .\n(٤) أخرجه الطبري (٢/ ٤٢٤)، وذكره البغوي في «معالم التنزيل» (١/ ٢٠١)، وابن عطية (١/ ٣٠١) .\n(٥) أخرجه الطبري (٢/ ٤٢٥) برقم (٤٤٦٧)، وذكره ابن عطية (١/ ٣٠١) .\n(٦) وقد اختلفوا في تفسير «اللغو»: فمنهم من قال: هو ما جرى على لسان الحالف من غير قصد ك «لا-","vol":"1","page":453},{"text":"المُكْرَهِ «١» .\nقال ع «٢»: وطريقةُ النَّظَر أن تتأمَّل لفظة اللغْو، ولفظة الكَسْب، ويُحَكَّم موقعهما في اللغة، فكَسْب المرء ما قَصَده، ونواه، واللَّغْوُ: ما لم يتعمَّده، أو ما حقُّه لهجنته أن يسقط، فيقوَّى على هذه الطريقة بعْض الأقوال المتقدِّمة، ويضعَّف بعضها، وقد رفع اللَّه ﷿ المؤاخذة بالإِطلاق في اللَّغْو، فحقيقته: ما لا إِثم فيه، ولا كفارة، والمؤاخذةُ في الأيمان هي بعقوبةِ الآخِرَةِ في الغَمُوس «٣» المَصْبُورة، وفيما تُرِكَ تكفيره ممَّا فيه كفَّارة،\n_________\n- والله»، و«بلى والله» وهم الشافعية ورواية عن أبي حنيفة، وهو مروي عن ابن عمر، وابن عباس، وعائشة (﵃)، والشعبي، وعكرمة، وعطاء، والقاسم وغيرهم. وسواء تعلق عندهم بالماضي أو بالمستقبل لقوله تعالى: لاَّ يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ ... الآية. يقال: لغا يلغو. ولغا يلغا إذا تكلّم بما لا حقيقة له، ولا قصد له فيه، قال الأزهري: اللغو في كلام العرب على وجهين:\nأحدهما: فضول الكلام، وباطله الذي يجري على غير عقد.\nوالثاني: ما كان فيه رفث وفحش ومأثم.\nوقال قتادة في قوله (تعالى): لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً [الغاشية: ١١] ما يؤثم. وقالت عائشة (﵂): «إنّ رسول الله ﷺ قال (يعني في اللّغو في اليمين) «هو كلام الرّجل في بيته: لا والله، وبلى والله» . أخرجه أبو داود، ورواه الزهري، وعبد الملك بن أبي سليمان، ومالك بن مغول عن عطاء عن عائشة موقوفا.\nوقالت المالكية: هو الحلف على شيء يعتقده الحالف. أي: «يغلب على ظنّه فيظهر له خلافه»، وهو مذهب الحنفية.\nوقالت الحنابلة: هو ما جرى على اللسان من غير قصد، أو الحلف على شيء يعتقده، فيظهر له خلافه، ودليلهم ما تقدم للشافعية والمالكية والحنفية.\nوإذا نظرنا إلى دليل كلّ وجدنا أن اللغو الذي ينبغي أن يعتبر هو: ما جرى على اللّسان من غير قصد فقط لأن هذا هو معنى اللغو في اللغة، والألفاظ تحمل على معانيها اللغوية ما لم يرد عن الشرع ما يحملها على خلافه، ولم يرد عنه ما يخالف ذلك، بل ورد ما يعضده، فقد أجابت عائشة (﵂) حينما سئلت عن اللّغو في اليمين بأنه هو كلام الرجل في بيته: «لا والله، وبلى والله» . ووافقها على ذلك كثير من الصحابة والتابعين، فإن كان هذا القول قالته عن سماع من رسول الله ﷺ فالحجة فيه واضحة، وإن كان قولا منها، فهو تفسير لصحابي يعرف معاني الألفاظ اللغوية والمعاني الشّرعية، وقوله مقبول.\nوأما حديث الرّماة، فقد قال الحافظ فيه: إنه لا يثبت لأنه من مراسيل الحسن، وهو ممن لا تعتبر مراسيله لأنه كان لا يتحرى الثقة. ينظر: «الكفارات» لشيخنا: حسن علي حسانين.\n(١) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٣١٠) .\n(٢) «المحرر الوجيز» (١/ ٣٠٢) .\n(٣) اليمين الغموس هي: الحلف على فعل أو ترك ماض كاذبا، سميت به لأنها تغمس صاحبها في الإثم. -","vol":"1","page":454},{"text":"وبعقوبة الدنيا في إِلزام الكفَّارة، فيضعَّف القول بأنها اليمين المكفَّرة لأن المؤاخذة قد وَقَعَتْ فيها، وتخصيصُ المؤاخذة بأنها في الآخرة فقَطْ تحكُّم.\nت: والقولُ الأوَّل أرجح، وعليه عَوَّل اللَّخْميُّ وغيره.\nوقوله تعالى: وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ.\nقال ابن عبَّاس وغيره: ما كسب القلْبُ هي اليمينُ الكاذبة الغموسُ «١»، فهذه فيها المؤاخذة في الآخرةِ، أي: ولا تكفّر.\nع «٢»: وسمِّيت الغَمُوسَ لأنها غَمَسَتْ صاحِبَها في الإثم، وغَفُورٌ حَلِيمٌ:\nصفتان لائقتان بما ذكر من طَرْح المؤاخذة، إذ هو باب رفق وتوسعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-183>[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٢٦ الى ٢٢٧]</span>\nلِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧)\nوقوله تعالى: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ... الآية: يُؤْلُونَ: معناه يَحْلِفُون، والإِيلاءُ: اليمين.\nواختلف مَنِ المرادُ بلزومِ حكمِ الإِيلاء «٣» . فقال مالكٌ: هو الرجل يغاضب امرأته،\n_________\n- واختلفوا في اليمين الغموس هل لها كفارة؟ فقال أبو حنيفة، ومالك، وأحمد في إحدى الروايتين عنه:\nلا كفارة لها لأنها أعظم من أن تكفّر، وقال الشافعي، وأحمد في الرواية الأخرى: تكفّر.\nينظر: «أنيس الفقهاء» (١٧٢) .\n(١) أخرجه الطبري (٢/ ٤٢٧) برقم (٤٤٧٢)، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٣٠٢) . [.....]\n(٢) «المحرر الوجيز» (١/ ٣٠٢) .\n(٣) الإيلاء لغة: الحلف، وهو: مصدر. يقال: آلى بمدة بعد الهمزة، يؤلي إيلاء، وتألّى وأتلى، والآليّة، بوزن فعيلة: اليمين، وجمعها ألايا: بوزن خطايا، قال الشاعر: [الطويل]\nقليل الألايا حافظ ليمينه ... وإن سبقت فيه الأليّة برّت\nوالألوة (بسكون اللام، وتثليث الهمزة): اليمين أيضا.\nينظر: «الصحاح» (٦/ ٢٢٧)، «المغرب» (٢٨)، «لسان العرب» (١/ ١١٧)، «المصباح المنير» (١/ ٣٥) .\nواصطلاحا:\nعرفه الحنفية بأنه: عبارة عن اليمين على ترك وطء المنكوحة أربعة أشهر أو أكثر.\nوعرّفه الشافعية بأنه: حلف زوج يصح طلاقه ليمتنعن من وطئها مطلقا أو فوق أربعة أشهر.\nوعرفه المالكية بأنه: حلف الزوج المسلم المكلف الممكن وطؤه بما يدل على ترك وطء زوجته غير الموضع أكثر من أربعة أشهر أو شهرين للعبد، تصريحا أو احتمالا، قيد أو أطلق وإن تعليقا. -","vol":"1","page":455},{"text":"فيحلفُ بيمينٍ يلحقُ عن الحِنْثِ فيها حُكْمُ ألاَّ يطأها ضررًا منْه، أكْثَرَ من أربعة أشهر، لا يقصد بذلك إِصلاحَ ولَدٍ رضيعٍ ونحوه، وقال به عطاءٌ وغيره «١» .\nوقوله تعالى: مِنْ نِسائِهِمْ يدخل فيه الحرائرُ والإِماء، إِذا تزوَّجن، والتربُّص:\nالتأنِّي والتأخُّر، وأربعَةَ أشْهُرٍ عند مالك، وغيره: للحر، وشهران: للعبد.\nوقال الشافعيُّ: هو كالحرّ، وفاؤُ: معناه: رجَعُوا ومنه: حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ [الحجرات: ٩]: قال الجُمْهور: وإِذا فاء كَفَّر، والفَيْءُ عند مالكٍ: لا يكون إِلا بالوطْء، أو بالتكْفير في حال العذر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-184>[سورة البقرة (٢): آية ٢٢٨]</span>\nوَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٨)\nقوله تعالى: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ حكم هذه الآية قصْدُ الاِستبراءِ، لا أنه عبادةٌ ولذلك خرجَتْ منه مَنْ لم يُبْنَ بها بخلاف عِدَّة الوفاةِ الَّتي هي عبادةٌ- والقَرْءُ في اللغةِ: الوقْتُ المعتادُ تردُّده، فالحَيْضُ يسمى على هذا قُرْءًا، وكذلك يسمَّى الطُّهْرُ قرءا.\n_________\n- وعرفه الحنابلة بأنه: حلف الزوج- القادر على الوطء- بالله (تعالى) أو صفة من صفاته على ترك وطء زوجته في قبلها مدة زائدة على أربعة أشهر.\nوخصت الأربعة الأشهر بالذكر لأن المرأة يعظم ضررها إذا زاد على ذلك لأنها تصبر عن الزوج أربعة أشهر، وبعد ذلك يفنى صبرها أو يقلّ، روى البيهقي عن عمر أنه خرج مرة في الليل في شوارع المدينة فسمع امرأة تقول: [الطويل]\nتطاول هذا الليل واسودّ جانبه ... وأرّقني أن لا خليل ألاعبه\nفو الله لولا الله تخشى عواقبه ... لحرّك من هذا السرير جوانبه\nمخافة ربي والحياء يصدّني ... وأخشى لبعلي أن تنال مراتبه\nفقال عمر لابنته حفصة: كم أكثر ما تصبر المرأة عن الزوج؟ وروي أنه سأل النساء فقلن له: تصبر شهرين، وفي الثالث يقل صبرها، وفي آخر الرابع يفقد صبرها، فكتب إلى أمراء الأجناد: ألا تحبسوا رجلا عن امرأته أكثر من أربعة أشهر.\nينظر: «تبيين الحقائق/ شرح كنز الدقائق» (٢/ ٢٦١)، «مغني المحتاج» (٣/ ٣٤٣)، «الشرح الصغير» (٢/ ٢٧٨، ٢٧٩)، «المطلع» (٣٤٣)، «تحفة المحتاج» (٨/ ١٨٨)، «شرح المحلى على المنهاج» (٢٤) .\n(١) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٣٠٢) .","vol":"1","page":456},{"text":"واختلف في المراد بالقُرُوء هنا: فقال عُمَرُ وجماعةٌ كثيرةٌ: المراد بالقروء، في الآية:\nالحَيْضُ، وقالتْ عائشةُ وجماعةٌ من الصَّحابة، والتابعين، ومن بعدهم: المراد: الأطهار، وهو قولُ مالكٍ.\nواختلف المتأوِّلون في قوله: مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ.\nفقال ابن عُمَر، ومجاهدٌ، وغيرهما: هو الحَيْضُ، والحَبَل جميعًا، ومعنى النهْيِ عن الكتمان: النهْيُ عن الإِضرار بالزَّوْجِ في إِلزامه النفقَةَ، وإِذهابِ حقه في الارتجاع، فأُمِرْنَ بالصدْقِ نفيًا وإِثباتًا «١»، وقال قتادة: كانتْ عادتهُنَّ في الجاهليةِ أن يكتمن الحمل/ ليلحقن ٥٦ أالولد بالزوْج الجديدِ، ففي ذلك نزلَتِ الآية «٢» .\nوقال ابن عَبَّاس: إِن المرادَ الحَبَل، والعموم راجحٌ «٣»، وفي قوله تعالى: وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ ما يقتضي أنهنَّ مؤتمناتٌ على ما ذكر، ولو كَان الاِستقصَاءُ مباحًا، لم يمكن كَتْمٌ.\nوقوله سبحانه: إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ ... الآية: أي: حقَّ الإِيمان، وهذا كما تقولُ:\nإِن كُنْتَ حُرًّا، فانتصر، وأنتَ تخاطبُ حُرًّا، والبَعْلُ: الزوْجُ، ونصَّ اللَّه تعالى بهذه الآية على أن للزوْجِ أن يرتجعَ امرأته المطلَّقة، ما دامَتْ في العدَّة، والإِشارة بذلك إِلى المدَّة بشرط أنْ يريدَ الإِصْلاَح، دون المُضَارَّة كما تُشُدِّدَ على النساء في كَتْمِ ما في أرحامهن وقوله تعالى: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ ... الآية: تعمُّ جميعَ حقوقِ الزوجيَّة.\nوقوله تعالى: وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ قال مجاهدٌ: هو تنبيهٌ على فضْلِ حظِّه على حظِّها في الميراث، وما أشبهه «٤»، وقال زيد بن أسلم: ذلك في الطَّاعة علَيْها أنْ تطيعه، وليس علَيْه أن يطيعَهَا «٥»، وقال ابن عباس: تلك الدرَجَةُ إِشارة إلى حضّ الرجل على حسن\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٢/ ٤٦١) برقم (٤٧٣٨)، عن ابن عمر وبأرقام (٤٧٣٩، ٤٧٤٠، ٤٧٤٥) عن مجاهد.\nوذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٣٠٥)، والسيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٤٩٢)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عمر وفي (١/ ٤٩٢)، وعزاه لعبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، والبيهقي، عن مجاهد.\n(٢) أخرجه الطبري (٢/ ٤٦٢) رقم (٤٧٥٤- ٤٧٥٥- ٤٧٥٦)، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٣٠٥)، والسيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٤٩٢)، وعزاه لعبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وعبد بن حميد عن قتادة.\n(٣) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٣٠٥) .\n(٤) أخرجه الطبري (٢/ ٤٦٧) برقم (٤٧٧٣- ٤٧٧٤) .\nوذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٣٠٥) . والسيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٤٩٣)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير عن مجاهد.\n(٥) أخرجه الطبري (٢/ ٤٦٨) رقم (٤٧٧٧)، وذكره ابن عطية (١/ ٣٠٥) .","vol":"1","page":457},{"text":"العِشرة، والتوسُّع للنساء في المالِ والخُلُقِ «١»، أي: أنَّ الأفضل ينبغِي أنْ يتحامَلَ على نفسه، وهو قول حسن بارع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-185>[سورة البقرة (٢): آية ٢٢٩]</span>\nالطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَنْ يَخافا أَلاَّ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩)\nوقوله تعالى: الطَّلاقُ مَرَّتانِ ... الآية: قال عروة بن الزُّبَيْر وغيره: نزلَتْ هذه الآية بيانًا لِعَدَدِ الطلاقِ الذي للمرء فيه أنْ يرتجعَ دون تجديدِ مَهْرٍ ووليٍّ «٢»، وقال ابن عبَّاس وغيره: المراد بالآية التعريفُ بسُنَّة الطلاقِ، وأنَّ من طلَّق اثنتَيْنِ، فليتَّق اللَّه في الثالثَةِ، فإِما تركَهَا غيْرَ مظلومةٍ شيئًا من حقِّها، وإِما أمسكها محسنًا عشْرَتَها «٣» .\nع «٤»: والآية تتضمَّن هذين المعنيين.\n٥٦ ب ص: الطلاقُ: مبتدأٌ على حذفِ مضافٍ، أي: عدد الطلاق، ومرَّتانِ: خبره.\nانتهى.\nوالإِمساكُ بالمعروفِ: هو الاِرتجاعُ بعد الثانية إِلى حسن العِشْرةِ، والتسْريحُ: يحتمل لفظه معنَيَيْنِ:\nأحدهما: تركها تتمُّ العدة من الثانية، وتكون أملكَ بنَفْسها، وهذا قولُ السُّدِّيِّ، والضَّحَّاك «٥» .\nوالمعنَى الآخر: أن يطلقها ثالثةً، فيسرِّحها بذلك، وهذا قولُ مجاهِدٍ، وعطاءٍ، وغيرهما، وإِمْسَاك: مرتفع بالاِبتداءِ والخبر أمثل أو أحسن.\nوقوله تعالى: وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا ... الآية: خطاب\n_________\n(١) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٣٠٦) .\n(٢) أخرجه الطبري (٢/ ٤٦٩) رقم (٤٧٨٣)، وذكره البغوي (١/ ٢٠٦)، وابن عطية (١/ ٣٠٦)، والسيوطي (١/ ٤٩٤)، وعزاه لمالك، والشافعي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن عروة.\n(٣) أخرجه الطبري (٢/ ٤٧٠- ٤٧١) برقم (٤٧٩١)، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٣٠٦) .\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٣٠٦) .\n(٥) أخرجه الطبري (٢/ ٤٧٢- ٤٧٣)، برقم (٤٨٠٠- ٤٨٠٧) عن السدي، وأرقام (٤٨٠١- ٤٨٠٢- ٤٨٠٣- ٤٨٠٨) عن الضحاك، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٣٠٦) . [.....]","vol":"1","page":458},{"text":"للأزواجِ، نهاهم به أن يأخذوا من أزواجهم شيئًا على وجه المضارَّة، وهذا هو الخُلْع «١» الذي لا يصحُّ إِلاّ بأن لا ينفردَ الرجُلُ بالضَّرر، وخصَّ بالذكْر ما آتى الأَزْوَاجُ نساءَهم لأنه عرف الناس عند الشِّقَاق والفَسَاد أنْ يطلبوا ما خَرَجَ من أيديهم، وحرَّم اللَّه تعالى علَى الزَّوْجِ في هذه الآية أنْ يأخذ إِلا بعد الخوف ألاَّ يقيما حدودَ اللَّه، وأكَّد التحريم بالوعيدِ، وحدود اللَّه في هذا الموضعِ هي ما يلزمُ الزوجَيْنِ مِنْ حُسْنِ العشرة، وحقوقِ العِصْمَة.\nوقوله تعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ: المخاطبة للحُكَّام والمتوسِّطين لهذا الأمر، وإِن لم يكونوا حُكَّامًا، وتَرْكُ إِقامة حدود اللَّه: هو استخفاف المرأة بحقِّ زوجها، وسوءُ طاعتها إِياه قاله ابن عباس، ومالكٌ، وجمهور العلماء «٢» .\nوقال الشَّعبيُّ: أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ: معناه: ألاَّ يطيعَا اللَّه «٣»، وذلك أنَّ المغاضبة تَدْعُو إِلى ترك الطاعة.\nوقوله تعالى: فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ إِباحة للفدْية، وشَرَّكَهَا/ في ارتفاع ٥٧ أالجناح لأنها لا يجوز لها أن تعطيه مالها حيثُ لا يجُوزُ له أخْذه، وهي تَقْدِرُ على المخاصَمَةِ.\nقال ابن عَبَّاس، وابنُ عمر، ومالكٌ، وأبو حنيفةَ، وغيرهم: مباحٌ للزَّوْج أن يأخذ من المرأةِ في الفدْيَة جميعَ ما تملكه وقضى بذلك عمر بن الخطّاب «٤» .\n_________\n(١) الخلع لغة: النّزع، وهو استعارة من خلع اللّباس لأن كل واحد منهما لباس للآخر، فكأن كل واحد نزع لباسه منه، وخالعت المرأة زوجها مخالعة: إذا افتدت منه، وطلّقها على الفدية.\nواصطلاحا:\nعرفه الأحناف بأنه: عبارة عن أخذ المال بإزاء ملك النكاح، بلفظ الخلع.\nوعرفه الشّافعيّة بأنه: فرقة بين الزّوجين بعوض، بلفظ طلاق أو خلع.\nوعرفه المالكية بأنه: الطلاق بعوض.\nوعرفه الحنابلة بأنه: فراق الزوج امرأته، بعوض يأخذه الزوج، بألفاظ مخصوصة.\nينظر: «لسان العرب» (٢/ ١٢٣٢)، و«المصباح المنير» (١/ ٢٤٣)، و«المطلع» (٣٣١)، «تبيين الحقائق» (٢/ ٢٦٧)، «شرح فتح القدير» (٤/ ٢١٠)، «حاشية ابن عابدين» (٣/ ٤٢٢)، «مغني المحتاج» (٣/ ٢٦٢)، «الشرح الصغير» للدردير (٣/ ٣١٩)، «بداية المجتهد» (٢/ ٩٨)، «الكافي» (٢/ ٥٩٧)، «كشف القناع» (٥/ ٢١٢)، «المغني» (٧/ ٥٣٦) .\n(٢) أخرجه الطبري (٢/ ٤٧٩) برقم (٤٨٣٩)، عن ابن عباس.\nوذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٣٠٧) .\n(٣) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٣٠٧) .\n(٤) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٣٠٧- ٣٠٨) .","vol":"1","page":459},{"text":"وقال طَاوُسٌ «١»، والزُّهْرِيّ، والحَسَن، وغيرهم: لا يجوزُ له أنْ يزيدَ على المَهْر الذي أعطاها «٢»، وقال ابن المُسَيِّب: لا أرى أن يأخذ منها كلَّ مالِها، ولكنْ لِيَدَعْ لها شيئًا «٣» .\nوقوله تعالى: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ... الآية: أي: هذه الأوامر والنواهي، فلا تتجاوزُوها، ثم توعَّد تعالى على تجاوُزِ الحَدِّ بقوله: وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ، وهو كما قال ﷺ: «الظّلم ظلمات يوم القيامة» «٤» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-186>[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٣٠ الى ٢٣٢]</span>\nفَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠) وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٣١) وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٢٣٢)\n_________\n(١) طاوس بن كيسان اليماني الجندي- بفتح الجيم والنون- قيل: من الأبناء، وقيل: مولى همدان، الإمام العلم. قيل: اسمه ذكوان. قاله ابن الجوزي. عن أبي هريرة، وعائشة، وابن عباس، وزيد بن ثابت، وزيد بن أرقم. وعنه: مجاهد، وعمرو بن شعيب، وحبيب. قال ابن عباس: إني لأظن طاوسا من أهل الجنة. مات سنة ١٠٦. ينظر: «خلاصة تهذيب الكمال» (٢/ ١٥) .\n(٢) أخرجه الطبري (٢/ ٤٨٣- ٤٨٥) بأرقام (٤٨٥٨)، (٤٨٥٩)، (٤٨٦٠)، (٤٨٨٠) عن الحسن، وبرقم (٤٨٦٢) عن ابن طاوس، وبرقم (٤٨٦٣) عن الزهري. وذكره البغوي (١/ ٢٠٧) عن الزهري، وابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٣٠٨) .\n(٣) أخرجه الطبري (٢/ ٤٨٣) برقم (٤٨٦١)، وذكره البغوي (١/ ٢٠٧)، وابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٣٠٨) .\n(٤) أخرجه البخاري (٥/ ١٢٠- ١٢١) كتاب «المظالم»، باب الظلم ظلمات يوم القيامة، حديث (٢٤٤٧)، وفي «الأدب المفرد» رقم (٤٨١)، ومسلم (٤/ ١٩٩٦)، كتاب «البر والصلة»، باب تحريم الظلم، حديث (٥٧/ ٢٥٧٩) . وأحمد (٢/ ١٣٧، ١٤٦)، والبيهقي (٦/ ٣٩)، كتاب «الغصب»، باب تحريم الغصب. والبغوي في «شرح السنة» (٧/ ٣٦٤- بتحقيقنا) . كلهم من طريق عبد الله بن دينار، عن ابن عمر مرفوعا، وللحديث شاهد من حديث جابر بلفظ: «اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة» .\nأخرجه مسلم (٤/ ١٩٩٦)، كتاب «البر والصلة»، باب تحريم الظلم، حديث (٥٦/ ٢٥٧٩)، والبخاري في «الأدب المفرد» رقم (٤٧٩) . وأحمد (٣/ ٣٢٣)، من طريق عبيد الله بن مقسم، عن جابر به.\nوله شاهد أيضا من حديث عبد الله بن عمرو.\nوأخرجه أحمد (٢/ ١٥٩) عنه مرفوعا، بلفظ: «الظلم ظلمات يوم القيامة، وإياكم والفحش ...» .","vol":"1","page":460},{"text":"وقوله تعالى: فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ ... الآية: قال ابنُ عَبَّاس وغيره:\nهو ابتداء الطلْقةِ الثالثةِ «١» قال ع «٢»: فيجيء التسريحُ المتقدِّم ترك المرأة تتمُّ عِدَّتها من الثانية، وأجمعتِ الأُمَّةُ في هذه النازلةِ على اتباع الحديثِ الصحيحِ في امرأة رِفَاعَةَ «٣»، حِينَ تزوَّجت عبْدَ الرحمنِ بْنَ الزَّبِيرِ «٤»، فقال لها النبيُّ ﷺ: «لَعَلَّكِ أَرَدتِّ الرُّجُوعَ إلى رِفَاعَةَ، لاَ حتى يَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ، وَتَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ» «٥» فرأَى العلماء أنه لا يحلّها إلا الوطء.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٢/ ٤٨٨) برقم (٤٨٨٦)، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٣٠٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٥٠٤)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي عن ابن عباس.\n(٢) «المحرر الوجيز» (١/ ٣٠٨) .\n(٣) امرأة رفاعة القرظي التي تزوجها عبد الرحمن بن الزّبير اختلف في اسمها فقيل: سهيمة، وقيل: عائشة، وقيل: تميمة، حكى الأقوال الثلاثة ابن الأثير في مواضع من كتابه، وذكرها في حرف «التاء» تميمة بنت وهب بن عبيد القرظية، مطلقة رفاعة القرظي.\nينظر: «تهذيب الأسماء» (٢/ ٣٧٠) .\n(٤) عبد الرحمن بن الزّبير بفتح الزاي ابن باطياء القرشي، صحابي له حديث، وعنه ابنه الزّبير.\nينظر: «الخلاصة» (٢/ ١٣٢) .\n(٥) أخرجه مالك (٢/ ٥٣١)، كتاب «النكاح»، باب نكاح المحلل وما أشبهه، حديث (١٧)، من طريق المسور بن رفاعة القرظي، عن الزبير بن عبد الرحمن بن الزبير، أن رفاعة بن سموآل طلق امرأته.....، ومن طريق مالك أخرجه الشافعي في «الأم» (٥/ ٢٤٨)، باب نكاح المطلقة ثلاثا، وابن حبان (١٣٢٣- موارد)، والبيهقي (٧/ ٣٧٥) كتاب «الرجعة»، باب نكاح المطلقة ثلاثا.\nقال السيوطي في «تنوير الحوالك» (٢/ ٦)، قال ابن عبد البر: كذا لأكثر الرواة مرسل، ووصله ابن وهب عن مالك، فقال: عن أبيه، وابن وهب من أجل من روى عن مالك هذا الشأن، وأثبتهم فيه، وتابعه أيضا ابن القاسم، وعلي بن زياد، وإبراهيم بن طهمان، وعبيد الله بن عبد المجيد الحنفي.\nكلهم عن مالك، وقالوا فيه: عن أبيه، وهو صاحب القصة. اهـ.\nومن طريق ابن وهب: أخرجه ابن الجارود (٦٨٢)، والبيهقي، (٧/ ٣٧٥) كتاب «الرجعة»، باب نكاح المطلقة ثلاثا.\nوأخرجه البزار (٢/ ١٩٤- كشف) رقم (١٥٠٤)، من طريق عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي، ثنا مالك بن أنس، عن المسور بن رفاعة، عن الزبير بن عبد الرحمن بن الزبير، عن أبيه.\nقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٤/ ٣٤٣): رواه البزار، والطبراني، ورجالهما ثقات، وقد رواه مالك في «الموطأ» مرسلا، وهو هنا متصل. اهـ. -","vol":"1","page":461},{"text":"وكلُّهم على أن مَغِيبَ الحَشَفة يُحِلُّ إِلا الحسنَ بْنَ أبي الحَسَن، قال: لا يحلُّها إلا الإنزال،\n_________\n- وقد ورد هذا الحديث موصولا من حديث عائشة.\nأخرجه أحمد (٦/ ٢٢٦)، والبخاري (٥/ ٢٤٩)، كتاب «الشهادات»، باب شهادة المختبئ، حديث (٢٦٣٩)، ومسلم (٢/ ١٠٥٥- ١٠٥٦)، كتاب «النكاح»، باب لا تحل المطلقة ثلاثا لمطلقها حتى تنكح زوجا غيره، حديث (١١١/ ١٤٣٣) . والترمذي (٢/ ٢٩٣)، كتاب «النكاح»، باب ما جاء فيمن يطلق امرأته ثلاثا، حديث (١١١٨) . والنسائي (٦/ ١٤٨) كتاب «الطلاق»، باب إحلال المطلقة ثلاثا، وابن ماجة (١/ ٦٢١- ٦٢٢) كتاب «النكاح»، باب الرجل يطلق امرأته ثلاثا، حديث (١٩٣٢) .\nوالدارمي (٢/ ١٦١) كتاب «الطّلاق»، باب ما يحل المرأة لزوجها الذي طلقها.... والشافعي (٢/ ٣٤- ٣٥) كتاب الطلاق، حديث (١١٠)، والحميدي (١/ ١١١) رقم (٢٢٦)، وعبد الرزاق (٦/ ٣٤٦- ٣٤٧) رقم (١١١٣١)، والطيالسي (١/ ٣١٤- ٣١٥) رقم (١٦١٢، ١٦١٣) . وسعيد بن منصور (٢/ ٧٣- ٧٤) رقم (١٩٨٥) . وأبو يعلى (٧/ ٣٩٧) رقم (٤٤٢٣) . وابن حبان (٤١٩٩- الإحسان)، والبيهقي (٧/ ٣٧٣- ٣٧٤)، والبغوي في «شرح السنة» (٥/ ١٦٩- بتحقيقنا)، من طريق الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: «جاءت امرأة رفاعة القرظي إلى النبي ﷺ فقالت: كنت عند رفاعة، فطلقني، فبتّ طلاقي، فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير، وإنما معه مثل هدبة الثوب، فقال: «أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة لا حتى تذوقي عسيلته، ويذوق عسيلتك» .\nوقال الترمذي: حسن صحيح.\nوللحديث طرق أخرى عن عائشة.\nفأخرجه البخاري (٩/ ٢٨٤)، كتاب «الطلاق»، باب من قال لامرأته: أنت عليّ حرام، حديث (٥٢٦٥)، ومسلم (٢/ ١٠٥٧)، كتاب «النكاح»، باب لا تحل المطلقة ثلاثا لمطلقها، حتى تنكح زوجا غيره، حديث (١١٤/ ١٤٣٣)، وأحمد (٦/ ٢٢٩)، والدارمي (٢/ ١٦٢)، من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة به، وأخرجه مسلم (٢/ ١٠٥٧)، كتاب «النكاح»، باب لا تحل المطلقة ثلاثا لمطلقها، حتى تنكح زوجا غيره، حديث (١١٥/ ١٤٣٣)، وأحمد (٦/ ١٩٣) . وأبو يعلى (٨/ ٣٧٣- ٣٧٤) رقم (٤٩٦٤)، من طريق القاسم بن محمد عن عائشة.\nوأخرجه أبو داود (١/ ٧٠٥) كتاب «الطلاق»، باب في المبتوتة لا يرجع إليها زوجها حتى تنكح زوجا غيره، حديث (٢٣٠٩) . وأحمد (٦/ ٤٢) من طريق الأسود عن عائشة.\nوأخرجه البخاري (١٠/ ٢٩٣)، من طريق عبد الوهاب عن أيوب عن عكرمة أنّ رفاعة طلّق امرأته، فتزوجها عبد الرحمن بن الزّبير القرظيّ، قالت عائشة: وعليها خمار أخضر، فشكت إليها، وأرتها خضرة بجلدها، فلما جاء رسول الله ﷺ- والنساء ينصر بعضهنّ بعضا- قالت عائشة: ما رأيت مثل ما يلقى المؤمنات، لجلدها أشدّ خضرة من ثوبها، قال: وسمع أنها قد أتت رسول الله ﷺ، فجاء ومعه ابنان له من غيرها، قالت: والله مالي إليه من ذنب، إلا أنّ ما معه ليس بأغنى عني من هذه- وأخذت هدبة من ثوبها- فقال: كذبت والله يا رسول الله، إني لأنفضها نفض الأديم، ولكنها ناشز تريد رفاعة، فقال رسول الله ﷺ: فإن كان ذلك لم تحلي له أو تصلحي له حتى يذوق من عسيلتك، قال: وأبصر معه ابنين له فقال: بنوك هؤلاء؟ قال: نعم. قال: هذا الذي تزعمين ما تزعمين؟ فو الله لهم أشبه به من الغراب بالغراب. -[.....]","vol":"1","page":462},{"text":"وهو ذَوْقُ العُسَيْلَةَ «١»، والذي يُحِلُّها عند مالك النكاحُ الصحيحُ، والوطْء المُباح.\nوقوله تعالى: فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ ... الآية: المعنى: فإِنْ طلَّقها المتزوِّج الثَّاني، فلا جُنَاح عليهما، أي: المرأة والزوج الأول. قاله ابن عَبَّاس «٢»، ولا خلاف فيه، والظنُّ هنا على بابه من تغليبِ أحد الجائزَيْن، وخص الذين يعلمون بالذكر تشريفا.\n_________\n- وفي الباب عن ابن عمر، وعبيد الله بن عباس، وأنس بن مالك، والفضل بن عباس.\nحديث ابن عمر:\nأخرجه أحمد (٢/ ٨٥)، والنسائي (٦/ ١٤٨- ١٤٩)، كتاب «النكاح»، باب إحلال المطلقة ثلاثا، وابن ماجة (١/ ٦٢٢)، كتاب «النكاح»، باب الرجل يطلق المرأته ثلاثا فتتزوج، فيطلقها (١٩٣٣)، من طريق محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن علقمة بن مرثد: سمعت سالم بن رزين يحدث عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن سعيد بن المسيب، عن ابن عمر به.\nأخرجه أحمد (٢/ ٦٢)، والنسائي (٦/ ١٤٩)، والبيهقي (٧/ ٣٧٥)، من طريق سفيان عن علقمة بن مرثد، عن رزين بن سليمان، عن ابن عمر، قال النسائي: هذا أولى بالصّواب.\nوأخرجه أبو يعلى (٨/ ٣٧٤)، رقم (٤٦٦)، من طريق يحيى بن سعيد، عن نافع، عن ابن عمر.\nقال الهيثمي في «المجمع» (٤/ ٣٤٣)، رواه الطبراني وأبو يعلى، ورجال أبي يعلى رجال الصحيح.\nحديث عبيد الله بن عباس:\nأخرجه أحمد (١/ ٢١٤)، والنسائي (٦/ ١٤٨)، كتاب «الطلاق»، باب إحلال المطلقة ثلاثا عنه أن الغميصاء أو الرميصاء أتت النبي ﷺ تشتكي زوجها أنه لا يصل إليها، فلم يلبث أن جاء زوجها فقال: يا رسول الله، هي كاذبة وهو يصل إليها، ولكنها تريد أن ترجع إلى زوجها الأول، فقال رسول الله ﷺ:\n«ليس ذلك حتى تذوقي عسيلته»، وأخرجه أبو يعلى (١٢/ ٨٥- ٨٦) رقم (٦٧١٨) عن عبيد الله بن عباس، والفضل بن عباس به.\nوقال الهيثمي في «المجمع» (٤/ ٣٤٣)، رواه أبو يعلى، ورجاله رجال الصحيح.\nحديث أنس بن مالك:\nأخرجه أحمد (٣/ ٢٨٤)، والبزار (٢/ ١٩٥- كشف) برقم (١٥٠٥)، وأبو يعلى (٧/ ٢٠٧) رقم (٤١٩٩) عنه أن رسول الله ﷺ سئل عن رجل طلق امرأته ثلاثا، فتزوجت زوجا، فمات عنها قبل أن يدخل بها. هل يتزوجها الأول، قال: «لا، حتى يذوق عسيلتها» .\nقال الهيثمي في «المجمع» (٤/ ٣٤٣)، وقال: رواه أحمد، والبزار، وأبو يعلى، والطبراني في «الأوسط»، ورجاله رجال الصحيح، خلا محمد بن دينار الطاحي، وقد وثقه أبو حاتم، وأبو زرعة، وابن حبان، وفيه كلام لا يضر.\nحديث الفضل بن عباس: ينظر حديث عبيد الله بن العباس.\n(١) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٣٠٩) .\n(٢) أخرجه الطبري (٢/ ٤٩١) برقم (٤٩٠٩)، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٣٠٩)، والسيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٥٠٨)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي، عن ابن عباس.","vol":"1","page":463},{"text":"وقوله تعالى: وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ... الآية: خطابٌ للرجالِ، نُهِي الرجُلُ أن يطول العدَّة، مضارَّةً لها بأن يرتجع قرب انقضائها، ثم يطلِّق بعد ذلك قاله الضَّحَّاك وغيره «١»، ولا خلاف فيه.\nومعنى: فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ: قاربْنَ لأنه بعد بلوغ الأجل لا خيار له في الإِمساك، ومعنى: أمسكوهنَّ راجِعُوهنَّ- وبِمَعْرُوفٍ: قِيلَ: هو الإِشهاد «٢» - وَلا تُمْسِكُوهُنَّ، أي: لا تراجعوهنَّ ضِرارًا، وباقي الآية بَيِّنٌ.\nوقوله تعالى: وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُوًا ... الآية: المرادُ بآياته النازلَةُ في الأوامر والنَّواهِي، وقال الحسن: نزلَتْ هذه الآية فيمَنْ طَلَّق لاعبًا أو هازئًا، أو راجَعَ كذلك «٣» .\nوقالتْ عائشةُ: قال رسول الله ﷺ: «ثَلاَثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ، وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: النِّكَاحُ، وَالطَّلاَقُ، وَالرَّجْعَةُ» «٤» .\nثم ذَكَّرَ اللَّه عباده بإِنعامه سبحانه عليهم بالقرآن، والسّنّة، وَالْحِكْمَةِ: هي السُّنَّة المبينة مرادَ اللَّه سبحانه.\nوقوله تعالى: وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ ... الآية: خطابٌ للمؤمنين الذين منْهم الأزواج، ومنهم الأولياءُ لأنهم المراد في تَعْضُلُوهنَّ، وبلوغ الأجلِ في هذا الموضِعِ تناهِيهِ لأن المعنى يقتضي ذلكَ.\nوقد قال بعضُ النَّاسِ في هذا المعنى: إِن المراد ب تَعْضُلُوهُنَّ: الأزواجُ وذلك ٥٨ أبأن يكون الاِرتجاعُ مضارَّة عضْلًا/ عن نكاحِ الغَيْر، فقوله: أَزْواجَهُنَّ على هذا، يعني به: الرجالَ إِذ منهم الأزواج، وعلى أن المراد ب تَعْضُلُوهُنَّ الأولياء، فالأزواج\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٢/ ٤٩٤) برقم (٤٩٢٢)، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٣٠٩) .\n(٢) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٣٠٩)، والبغوي في (١/ ٢١٠) .\n(٣) أخرجه الطبري (٢/ ٤٩٦) برقم (٤٩٢٦)، وذكره ابن عطية (١/ ٣١٠)، والسيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٢٣١)، وعزاه لابن أبي شيبة في «المصنف»، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن الحسن.\n(٤) أخرجه أبو داود (٢/ ٢٥٩)، كتاب «الطلاق»، باب في الطلاق (٢١٩٤)، والترمذي (٣/ ٤٩٠)، كتاب «الطلاق»، باب ما جاء في الحد (١١٨٤)، وابن ماجة (١/ ٦٥٨)، كتاب «الطلاق»، باب من طلق أو نكح (٢٠٣٩)، والدارقطني (٤/ ١٨- ١٩)، كتاب «الطلاق»، والحاكم في «المستدرك» (٢/ ١٩٧- ١٩٨)، كتاب «الطلاق»، باب ثلاث جدهن جد.","vol":"1","page":464},{"text":"هم الذين كُنَّ في عصمتهم.\n«وَالعَضْل»: المَنْع وهو من معنى التضْييقِ والتعسيرِ كما يقال: أعْضَلَتِ الدجاجَةُ، إِذا عَسُر بيضُها، والدَّاء العُضَال: العسيرُ البرءِ، وقيل: نزلَتْ هذه الآيةُ في مَعْقِل بْنِ يَسَارٍ «١»، وأخته، لما طلَّقها زوجها، وتمَّتْ عدَّتُها، أراد ارتجاعها، فمنعَهُ وليُّ المرأة «٢»، وقيل: نزلَتْ في جابِرِ بنِ عبدِ اللَّهِ، وأختِهِ «٣» .\nوهذه الآيةُ تقتضي ثبوتَ حَقِّ الولي في إِنكاح وليَّته، وقوله: بِالْمَعْرُوفِ: معناه:\nالمهر، والإِشهاد.\nوقوله تعالى: ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ خطاب للنبيّ ﷺ ثم رجُوعٌ إِلى خطابِ الجَمَاعة، والإِشارة في ذلِكُمْ أَزْكى إلى ترك العضل، وأَزْكى ...\nوَأَطْهَرُ: معناه: أطيبُ للنفْسِ، وأطهر للعِرْضِ والدِّين بسبب العلاقاتِ التي تكونُ بين الأزواجِ، وربَّما لم يعلمها الوليُّ، فيؤدِّي العَضْلُ إِلى الفسادِ، والمخالطةِ على ما لا ينبغِي، واللَّه تعالى يعلَمُ من ذلك ما لا يعلَمُ البَشَر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-187>[سورة البقرة (٢): آية ٢٣٣]</span>\nوَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَها لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ فَإِنْ أَرادا فِصالًا عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٣)\nقوله تعالى: وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ\n_________\n(١) معقل بن يسار بن عبد الله بن معبّر بن حراق بن أبي بن كعب بن عبد ثور بن هدمة بن لاطم بن عثمان بن عمرو المزني.\nومزينة هي والدة عثمان بن عمرو، ونسبوا إليها.\nومعقل يكنى أبا علي، وقيل: كنيته أبو عبد الله، وقيل: أبو يسار.\nومات في آخر خلافة معاوية. وقيل: عاش إلى إمرة يزيد. وذكره البخاري في «الأوسط» في فضل من مات ما بين الستين إلى السبعين.\nينظر: «الإصابة» (٦/ ١٤٦- ١٤٧) .\n(٢) أخرجه الطبري (٢/ ٤٩٧- ٤٩٨- ٤٩٩) بأرقام (٤٩٣٠- ٤٩٣١- ٤٩٣٢- ٤٩٣٣- ٤٩٣٤)، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٣١٠)، والسيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٥١١)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير عن مجاهد.\n(٣) أخرجه الطبري (٢/ ٤٩٩) رقم (٤٩٤٢)، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٣١٠)، والسيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٥١١)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر عن السّدّي.","vol":"1","page":465},{"text":"يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ: خبر معناه الأمرُ على الوجوب لبَعْضِ الوالداتِ، وعلى الندْبِ لبعضهنَّ، فيجب على الأمِّ الإِرضاع، إِن كانَتْ تحت أبيه، أو رجعيَّةً، ولا مانع من عُلُوِّ قدْرٍ بغير أجر، وكذلك إِن كان الأبُ عديمًا، أو لم يقبلِ الولَدُ غيرها.\nوهذه الآياتُ في المطلَّقات جعَلَها اللَّه حدًّا عند اختلاف الزوجَيْن في مدَّة الرَّضَاع، فمَنْ دعا منهما إِلى إِكمالِ الحَوْلَيْنِ، فذلك له.\nوقوله تعالى: لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ مبنيٌّ على أن الحولَيْن ليسا بفَرْض، لا يُتَجَاوَزُ، وانتزع مالِكٌ﵀- وجماعةٌ من العلماء من هذه الآيةِ أنَّ الرضاعةَ المحرِّمة الجاريةَ مَجْرى النَّسَبِ، إِنما هي ما كان في الحولَيْن «١» لأنَّ بانقضاء الحولَيْنِ، تمَّتِ الرَّضَاعة، فلا رضَاعَة.\nت: فلو كان رضاعُه بعد الحولَيْن بمدَّة قريبة، وهو مستمرُّ الرضاعِ، أو بعد يومَيْن من فِصَالِهِ- اعتبر، إِذ ما قارب الشيْءَ فله حكمه. انتهى.\nوقوله تعالى: وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ ... الآية: المولود له: اسم جنس،\n_________\n(١) من شروط الرضاع المحرّم: ألا يبلغ الرضيع حولين كاملين يقينا في ابتداء الرضعة الخامسة، فلا أثر لرضاع من بلغها، ولو بيسير من الزمن، فإن شك في بلوغه وعدمه حرم لأن الشك لا أثر له مع اليقين الذي هو الأصل، وهو بقاء المدة، ولو بلغهما في أثناء الرضعة الخامسة حرم لكفاية ما وجد من هذه الرضعة في الحولين، ويعتبر الحولان بالأهلّة فإن انكسر الشهر الأول تمم ثلاثين يوما من الشهر الخامس والعشرين.\nوالسنة الهلالية، وهي القمرية ثلاثمائة وأربعة وخمسون يوما وخمس، وسدس من اليوم، والسنة الشمسية ثلاثمائة وخمسة وستون يوما وربع يوم، إلا جزءا من ثلاثمائة من اليوم، والفلكيون يعتبرونها ثلاثمائة وخمسة وستين يوما فقط إن كانت بسيطة، وستة وستين إن كانت كبيسة، والسنة العددية ثلاثمائة وستون يوما لا تزيد ولا تنقص.\nوشرط عدم بلوغ الرضيع حولين كاملين هو مذهب إمامنا الشافعي (رضي الله تعالى عنه)، وهو قول أبي يوسف، ومحمد (رضي الله تعالى عنهم أجمعين) . وقول الإمام مالك في إحدى روايتيه، وبه قال من الصحابة سيدنا عمر، وابنه، وسيدنا علي، وابن مسعود، وابن عباس، وأبو هريرة، وأمهات المؤمنين سوى سيدتنا عائشة (رضي الله تعالى عنهم)، وقال سيدنا مالك (﵁) مدته خمسة وعشرون شهرا، وقال الإمام أبو حنيفة: مدته ثلاثون شهرا، وقال زفر: مدته ثلاثة أحوال، فهي ستة وثلاثون شهرا، فكل هؤلاء يشترطون الصغر في الرضاع غير أنهم قد اختلفوا فيما بينهم في مدته.\nوذهب بعض الفقهاء (ومنهم الأوزاعي، وداود الظاهري) إلى تحريم رضاع الكبير، ونسب هذا أيضا إلى الإمام الليث بن سعد، وهو مذهب أم المؤمنين عائشة (رضي الله تعالى عنها) وقال الجصاص: إنه قول شاذ. ينظر: «الرضاع» لشيخنا قاسم محمد العبدي.","vol":"1","page":466},{"text":"وصنْفٌ من الرجال، والرِّزْقُ في هذا الحكم: الطعامُ الكافِي.\nوقوله: بِالْمَعْرُوفِ يجمع حُسْن القَدْر في الطاعم، وجَوْدَةَ الأداء له، وحُسْنَ الاقتضاء من المرأةِ.\nثم بيَّن سبحانه أنَّ الإِنفاق على قدر غِنَى الزوْجِ بقوله: لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَها، وقرأ «١» أبو عمرو، وابن كَثِيرٍ، وأبانُ «٢» عن عاصمٍ «٣»: «لاَ تُضَارُّ وَالِدَةٌ» بضم الراء، وهو خبر، معناه الأمر، ويحتمل أن يكون الأصلُ: لاَ تُضَارِرُ بكسر الراءِ الأولى، ف «وَالِدَةٌ» فاعلةٌ، ويحتمل بفَتْح الرَّاء الأولى، ف «وَالِدَةٌ»: مفعولٌ لم يسمَّ فاعله، ويعطف «مولود له» على هذا الحدِّ في الاحتمالين، وقرأ نافعٌ، وحمزةُ، والْكسَائِيُّ، وعاصمٌ: لاَ تُضَارَّ بفتح الراء، وهذا على النهْيِ، ويحتمل أصله ما ذكرنا في الأولى، ومعنى الآية في كلِّ قراءة: النهْيُ عن الإِضرار، ووجوهُ الضَّرَرِ لا تنحصرُ، وكل ما ذُكِرَ منْها في التفاسير، / ٥٨ ب فهو مثالٌ.\nت: وفي الحديثِ: «لاَ ضَرَرَ، وَلاَ ضِرَارَ»، رواه مالكٌ في «الموطإ» مرسلًا «٤» .\n_________\n(١) وحجتهم في ذلك قوله تعالى قبله: لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَها [البقرة: ٢٣٣]، فجعلا الرفع نسقا عليه، وجعلاه خبرا بمعنى النهي.\nينظر: «الحجة للقراء السبعة» (٢/ ٣٣٣)، و«العنوان» (٧٤)، و«شرح طيبة النشر» (٤/ ١٠٠- ١٠٢)، و«حجة القراءات» (١٣٦)، و«معاني القراءات» (١/ ٢٠٥)، و«شرح شعلة» (٢٩٠)، و«إتحاف» (١/ ٤٤٠)\n(٢) أبان بن تغلب الربعي، أبو سعد، ويقال: أبو أميمة الكوفي، النحوي، جليل، قرأ على عاصم، وأبي عمرو الشيباني، وطلحة بن مصرف، والأعمش، وهو أحد الذين ختموا عليه. ويقال: إنه لم يختم القرآن على الأعمش إلا ثلاثة منهم أبان بن تغلب، أخذ القراءة عنه عرضا محمد بن صالح بن زيد الكوفي، توفي سنة إحدى وأربعين ومائة. وقال القاضي أسد: سنة ثلاث وخمسين ومائة. ينظر: «غاية النهاية» (١/ ٤) .\n(٣) عاصم بن أبي النجود بهدلة، الكوفي، الأسدي بالولاء، أبو بكر: أحد القراء السبعة، تابعي من أهل «الكوفة»، ووفاته فيها سنة ١٢٧ هـ، كان ثقة في القراءات، صدوقا في الحديث، قيل: اسم أبيه عبيد، وبهدلة اسم أمه.\nينظر: «تهذيب التهذيب» (٥/ ٣٨)، «الأعلام» (٣/ ٢٤٨)، «الوفيات» (١/ ٢٤٣)، «غاية النهاية» (١/ ٣٤٦)، «ميزان الاعتدال» (٢/ ٥) . [.....]\n(٤) ورد هذا الحديث من حديث عبادة بن الصامت، وعبد الله بن عباس، وأبي هريرة، وعائشة، وأبي سعيد الخدري، وجابر، وعمرو بن عوف، وأبي لبابة.\nحديث عبادة بن الصامت:\nأخرجه ابن ماجه (٢/ ٧٨٤)، كتاب «الأحكام»، باب من بني في حقه ما يضر بجاره، حديث (٢٣٤٠) . -","vol":"1","page":467},{"text":"قال النوويُّ في «الحِلْية»: ورويناه في «سُنَن الدَّارَقُطْنِيِّ» وغيره من طرقٍ متصلًا، وهو حسن انتهى.\n_________\n- وأحمد (٥/ ٣٢٦- ٣٢٧) . وأبو نعيم في «أخبار أصبهان» (١/ ٣٤٤)، والبيهقي (١٠/ ١٣٣)، كتاب «آداب القاضي»، باب ما لا يحتمل القسمة، كلهم من طريق موسى بن عقبة، ثنا إسحاق بن يحيى بن الوليد، عن عبادة بن الصامت أن رسول الله ﷺ قضى أن لا ضرر ولا ضرار.\nقال الزيلعي في «نصب الراية» (٤/ ٣٨٤)، قال ابن عساكر في «أطرافه»: وأظن إسحاق لم يدرك جده.\nوقال العلائي في «جامع التحصيل» (ص ١٤٤) إسحاق بن يحيى بن الوليد بن الصامت، عن جد أبيه عبادة بن الصامت (﵁) . قال الترمذي: لم يدركه. اه. والحديث ذكره البوصيري في «زوائد ابن ماجة» (٢/ ٢٢١)، وقال: هذا إسناد رجاله ثقات، إلا أنه منقطع. اه. قلت: وهذا فيه نظر، فإن إسحاق بن يحيى قد ذكره ابن عدي في «الكامل» (١/ ٣٣٣)، وقال: عامة أحاديثه غير محفوظة.\nوقد حكى البوصيري نفسه تضعيفه في «الزوائد» (٢/ ١٧٩)، فقال عن إسناد فيه إسحاق هذا: هذا إسناد ضعيف لضعف إسحاق بن يحيى بن الوليد، وأيضا لم يدرك عبادة بن الصامت قاله البخاري، والترمذي، وابن حبان، وابن عدي.\nوالحديث ذكره الحافظ أيضا في «الدراية» (٢/ ٢٨٢)، وقال: وفيه انقطاع.\nحديث ابن عباس:\nأخرجه أحمد (١/ ٣١٣)، وابن ماجة (٢/ ٧٨٤)، كتاب «الأحكام»، باب من بنى في حقه ما يضر بجاره، حديث (٢٣٤١)، من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن جابر الجعفي، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «لا ضرر ولا ضرار» .\nقال البوصيري في «الزوائد» (٢/ ٢٢٢): هذا إسناد فيه جابر، وقد اتهم. اه.\nلكنه توبع تابعه داود بن الحصين: أخرجه الدارقطني (٤/ ٢٢٨)، كتاب «الأقضية»، حديث (٨٤) من طريق إبراهيم بن إسماعيل، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس به.\nقال الزيلعي في «نصب الراية» (٤/ ٣٨٥)، قال عبد الحق في «أحكامه»: وإبراهيم بن إسماعيل هذا هو ابن أبي حبيبة وفيه مقال، فوثقه أحمد، وضعّفه أبو حاتم، وقال: هو منكر الحديث، لا يحتج به. اه.\nقلت: وضعفه أيضا البخاري، فقال: منكر الحديث «التاريخ الكبير» (١/ ٨٧٣) .\nوقال الترمذي في «سننه» (١٤٦٢): يضعف في الحديث، وقال النسائي فقال في «الضعفاء» رقم (٢):\nضعيف.\nوقال الدارقطني: متروك، ينظر «سؤالات البرقاني» (٢٢)، و«الضعفاء» له (٣٢) .\nوقال أبو حاتم: ليس بالقوي ينظر «العلل» (١٥٧٥)، وقال الحافظ في «التقريب» (١/ ٣١) رقم (١٦٨)، ضعيف.\nحديث أبي هريرة:\nأخرجه الدارقطني (٤/ ٢٢٨)، كتاب «الأقضية»، حديث (٨٦)، من طريق أبي بكر بن عياش قال: أراه عن ابن عطاء، عن أبيه، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «لا ضرر ولا ضرورة، ولا يمنعن أحدكم جاره أن يضع خشبة على حائطه» .\nقال الزيلعي في «نصب الراية» (٤/ ٣٨٥)، وأبو بكر بن عياش مختلف فيه. اه.\nوللحديث علة أخرى، وهي ابن عطاء، واسمه يعقوب بن عطاء بن أبي رباح. -","vol":"1","page":468},{"text":"وقوله تعالى: وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ قال مالك، وجميع أصحابه، والشّعبيّ،\n_________\n- قال أحمد: منكر الحديث. وقال مرة أخرى: ضعيف، وقال ابن معين، وأبو زرعة، والنّسائي:\nضعيف.\nوقال أبو حاتم: ليس بالمتين يكتب حديثه.\nوقال ابن عدي: له أحاديث صالحة، وهو ممن يكتب حديثه، وعنده غرائب.\nينظر «التهذيب» (١١/ ٣٩٣) .\nوقد لخص الحافظ هذه الأقوال فقال في «التقريب» (٢/ ٣٧٦) رقم (٣٨٦): ضعيف.\nحديث عائشة:\nوله طريقان:\nالأول: أخرجه الدارقطني (٤/ ٢٢٧) كتاب «الأقضية»، حديث (٨٣)، من طريق الواقدي: ثنا خارجة بن عبد الله بن سليمان بن زيد بن ثابت، عن أبي الرجال، عن عمرة، عن عائشة، عن النبي ﷺ قال: «لا ضرر ولا ضرار» .\nوالواقدي محمد بن عمر متروك.\nالطريق الثاني: أخرجه الطبراني في «الأوسط»، كما في «نصب الراية» (٤/ ٣٨٦)، حدثنا أحمد بن رشدين، ثنا روح بن صلاح، ثنا سعيد بن أبي أيوب، عن أبي سهيل، عن القاسم بن محمد، عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: «لا ضرر ولا إضرار» .\nوالحديث ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٤/ ١١٣)، وقال: رواه الطبراني في «الأوسط»، وفيه أحمد بن محمد بن الحجاج بن رشدين. قال ابن عدي: كذبوه. اه.\nوللحديث طريق آخر أيضا: أخرجه الطبراني في «الأوسط» كما في «نصب الراية» (٤/ ٣٨٦)، حدثنا أحمد بن داود المكي، ثنا عمرو بن مالك الراسبي، ثنا محمد بن سليمان بن مسمول، عن أبي بكر بن أبي سبرة، عن نافع بن مالك، عن القاسم بن محمد، عن عائشة أن النبي ﷺ قال: «لا ضرر ولا ضرار» .\nقال الطبراني: لم يروه عن القاسم إلا نافع بن مالك.\nقلت: وهذا الطريق لم يذكره الهيثمي في «المجمع»، مع أنه على شرطه.\nوأبو بكر بن أبي سبرة: قال البخاري: منكر الحديث ... «التاريخ الصغير» (٢/ ١٨٤)، وقال مرة:\nضعيف ... «الضعفاء الصغير» (٤١٦) . وقال النسائي: متروك الحديث ... «الضعفاء والمتروكين» (٦٩٧) . وقال الدارقطني: متروك ... «الضعفاء والمتروكين» (٦١٢) . وقال البزار: لين الحديث ...\n«كشف الأستار» (١١٢٩) . وذكره أبو زرعة الرازي في «أسامي الضعفاء» (٣٨٠) .\nحديث أبي سعيد الخدري:\nأخرجه الدارقطني (٤/ ٢٢٨) كتاب «الأقضية»، حديث (٨٦)، والحاكم (٢/ ٥٧)، كتاب «البيوع»، باب النهي عن المحاقلة....، والبيهقي (٦/ ٦٩- ٧٠)، كتاب «الصلح»، باب لا ضرر ولا ضرار، كلهم من طريق الدراوردي، عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، عن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال: «لا ضرر ولا ضرار»، قال الحاكم: صحيح الإسناد على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.\nوقال البيهقي: تفرد به عثمان بن محمد- عن الدراوردي-. قلت: وفي كلام الثلاثة نظر. -","vol":"1","page":469},{"text":"والزُّهْرِيُّ، وجماعةٌ من العلماء: المرادُ بقوله: مِثْلُ ذلِكَ: أَلاَّ يُضَارَّ، وأمَّا الرزقُ، والكُسْوة، فلا شيء علَيْه منه «١»، قال ع «٢»: فالإِجماع من الأُمَّة في ألاَّ يُضَارَّ الوارثُ، وإِنَّما الخلافُ، هل عليه رزقٌ وكُسْوَة أم لا؟\nوقوله تعالى: فَإِنْ أَرادا فِصالًا ... الآية، أي: فإِن أراد الوالَدانِ، وفِصَالًا:\nمعناه: فِطَامًا عن الرَّضَاع.\nوتحرير القول في هذا: أن فَصْله قَبْل الحولَيْن لا يصحُّ إلا بتراضيهما وألاَّ يكونَ على المولودِ ضَرَرٌ، وأمَّا بعد تمامهما، فمن دعا إِلى الفَصْل، فذلك له إِلاَّ أن يكون في ذلك على الصبيّ ضرر.\n_________\n- أما صحته على شرط مسلم، فعثمان بن محمد لم يخرج له مسلم شيئا، ومع ذلك فهو ضعيف ضعّفه الدارقطني. ينظر: «لسان الميزان» (٤/ ١٧٥) .\nوأما قول البيهقي: «تفرد به عثمان بن محمد»، ففيه نظر أيضا، فقد تابعه عبد الملك بن معاذ النصيبي عن الدراوردي به كما في «نصب الراية» (٤/ ٣٨٥) . قال ابن القطان في كتابه: وعبد الملك هذا لا يعرف له حال. اه.\nوأخرجه مالك (٢/ ٧٤٥)، كتاب «الأقضية»، باب القضاء في المرفق، حديث (٣١)، عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: «لا ضرر ولا ضرار» . هكذا مرسلا.\nحديث جابر:\nأخرجه الطبراني في «الأوسط» كما في «نصب الراية» (٤/ ٣٨٦)، ثنا محمد بن عبدوس بن كامل، ثنا حبان بن بشر القاضي قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن عمه واسع بن حبان، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: «لا ضرر ولا ضرار في الإسلام» .\nوذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٤/ ١١٣)، وقال: رواه الطبراني في «الأوسط»، وفيه ابن إسحاق، وهو ثقة لكنه مدلس. اه.\nوهذا الحديث رواه عبد الرحمن بن مغراء، ثنا محمد بن إسحاق، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن عمه واسع بن حبان مرسلا. أخرجه أبو داود في «المراسيل» (ص ٢٩٤) رقم (٤٠٧) .\nحديث عمرو بن عوف:\nذكره الحافظ في «التهذيب» (٨/ ٤٢١- ٤٢٢)، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه.\nحديث أبي لبالبة:\nأخرجه أبو داود في «المراسيل» (ص ٢٩٤) رقم (٤٠٧) .\n(١) ذكره البغوي في «معالم التنزيل» (١/ ٢١٣)، وابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٣١٢) .\n(٢) «المحرر الوجيز» (١/ ٣١٢) .","vol":"1","page":470},{"text":"وقوله تعالى: وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ مخاطبة لجميعِ النَّاسِ، يجمع الآباءَ والأمهاتِ، أي: لهم اتخاذُ الظِّئْر «١»، مع الاتفاقِ على ذلك، وأما قوله: إِذا سَلَّمْتُمْ، فمخاطبةٌ للرجال خاصَّة إِلا عَلَى أحد التأويلَيْن في قراءة مَنْ «٢» قرأ: «أُوتِيتُمْ»، وقرأ السِّتَّة من السبعةِ: «آتَيْتُمْ» بالمدِّ بمعنى أَعْطَيْتم، وقرأ ابن كثير: «أَتَيْتُمْ» بمعنى:\nفعلتم «٣» كما قال زُهَيْرٌ: [الطويل]\nوَمَا كَانَ مِنْ خَيْرٍ أَتَوْهُ فَإِنَّمَا ... تَوَارَثَهُ آبَاءُ آبائِهِمْ قَبْلُ\n«٤» فأحد التأويلين في هذه القراءة كالأول، والتأويل الثَّاني لقتادَةَ، وهو إِذا سلَّمتم ما آتيتم من إِرادة الاِسترضاع «٥»، أيْ: سلم كلُّ واحدٍ من الأبوين، ورضي، وكان ذلك عَلَى اتفاقٍ منهما، وقَصْدِ خَيْرٍ، وإِرادةِ مَعْروفٍ، وعلى هذا الاِحتمال يدخلُ النساءُ في الخطاب.\nت: وفي هذا التأويل تكلُّف.\nوقال سفيانُ: المعنى: إِذا سلَّمتم إِلى المستَرْضعة، وهي الظِّئْر أَجْرَها بالمَعْروف «٦» .\nوباقي الآية أمْرٌ بالتقْوَى، وتوقيفٌ على أن اللَّه تعالى بصيرٌ بكلِّ عمل، وفي هذا وعيدٌ وتحذيرٌ، أي: فهو مُجازٍ بحسب عملكم.\n_________\n(١) الظّئر: المرضعة غير ولدها.\nينظر: «النهاية» (٣/ ١٥٤)، و«لسان العرب» (٢٧٤١) .\n(٢) وهي رواية شيبان عن عاصم، كما في شواذ ابن خالويه ص (٢٢) .\n(٣) وقراءة ابن كثير معناها: إذا سلمتم ما أتيتم به.\nينظر: «حجة القراءات» (١٣٧)، و«السبعة» (١٨٣)، و«الحجة» (٢/ ٣٣٥)، و«معاني القراءات» (١/ ٢٠٦- ٢٠٧)، و«العنوان» (٧٤)، و«شرح الطيبة» (٤/ ١٠٣)، و«شرح شعلة» (٢٩١)، و«إتحاف» (١/ ٤٤٠) .\n(٤) البيت في ديوان زهير بن أبي سلمى ص (١١٥)، و«تفسير القرطبي» (٣/ ١٧٣)، و«الدر المصون» (١/ ٥٧٥) .\nتوارثه، يعني: ورثه كابر عن كابر. وقال ابن ميّادة في مثله:\nإنّ بني العبّاس في مشرف ... يزل عنه الغفر، الأحمر\nله الفعال، وله الوالد ال ... أكبر، فالأكبر، فالأكبر.\n(٥) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٣١٣) .\n(٦) أخرجه الطبري (٢/ ٥٢٣) برقم (٥٠٧٣)، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٣١٣) .","vol":"1","page":471},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-188>[سورة البقرة (٢): آية ٢٣٤]</span>\nوَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٣٤)\nوقوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ هذه الآيةُ في عدَّة المتوفى عنها زوجُها، وظاهرها العمومُ، ومعناها الخصوصُ في الحرائرِ غيْرِ الحَوَامِلِ، ولم تعن الآية لما يشذُّ من مرتابةٍ ونحوها، وعدَّة الحَامِلِ: وضْعُ حملها عند الجمهور.\nورُوِيَ عن عليٍّ، وابن عبَّاس: أقصَى الأجلَيْن «١»، وَيَتَرَبَّصْنَ: خبر يتضمَّن معنى الأمر، والتربُّص: الصبْر والتأنِّي.\nوالأحاديث عن النبي ﷺ متظاهرة أن التربُّص بإِحْدَادٍ، وهو الامتناع عن الزينة، ولبس المصبوع الجميلِ، والطِّيب، ونحوه، والتزامِ المَبِيتِ في مَسْكنها حيث كانَتْ وقت وفَاة الزَّوْج، وهذا قولُ جمهورِ العُلَماء، وهو قولُ مالكٍ، وأصحابه، وجعل اللَّه تعالى أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا عبادةً في العِدَّة فيها استبراء للحَمْل إِذ فيها تكمل الأربعون، ٥٨ ب والأربعون، والأربعون حسب الحديثِ الَّذي رواه ابن مَسْعود وغيره، ثم ينفخ الرُّوحُ/، وجعل تعالى العَشْر تكملةً إِذ هي مَظِنَّةٌ لظهورِ الحركةِ بالجنينِ، وذلك لنقْصِ الشهور، أو كمالها، أو لسُرْعة حركةِ الجنين، أو إِبطائها.\nقاله ابن المُسَيِّب، وغيره «٢» .\nوقال تعالى: وَعَشْرًا تغْليبًا لحكْم الليالِي، وقرأ «٣» ابن عَبَّاس: «وَعَشْرَ لَيَالٍ»، قال جمهور العلماء: ويدخل في ذلك اليَوْمُ العَاشِر.\nوقوله تعالى: فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ: فِيما فَعَلْنَ: يريدُ به التزوُّجَ، فما دونَهُ من زينةٍ، واطراح الإِحداد قاله مجاهد وغيره «٤»، إِذا كان مَعْرُوفًا غيْرَ منكر.\nقال ع «٥»: ووجوه المُنْكَر كثيرةٌ، وقوله سبحانه: وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ\n_________\n(١) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٣١٤) .\n(٢) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٩١٤)، والسيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٥١٥)، وعزاه لابن جرير عن قتادة. [.....]\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٣١٤)، و«البحر المحيط» (٢/ ٢٣٣) .\n(٤) أخرجه الطبري (٢/ ٥٣٠) برقم (٥٠٩٧- ٥٠٩٨) .\nوذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٣١٤- ٣١٥) .\n(٥) «المحرر الوجيز» (١/ ٣١٥) .","vol":"1","page":472},{"text":"وعيد يتضمّن التحذير، وخَبِيرٌ: اسم فاعلٍ مِن «خَبَرَ»، إِذا تَقَصَّى علْم الشيء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-189>[سورة البقرة (٢): آية ٢٣٥]</span>\nوَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلاَّ أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٣٥)\nوقوله تعالى: وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ ... الآية:\nتصريحُ خطبةِ المعتدَّة حرامٌ، والتعريضُ جائزٌ، وهو الكلام الذي لا تصريحَ فيه، أَوْ أَكْنَنْتُمْ: معناه: سترتم، وأخفيتم.\nوقوله تعالى: سَتَذْكُرُونَهُنَّ قال الحَسَن: معناه: ستخطُبُونَهُنَّ «١»، وقال غيره:\nمعناه: علم اللَّه أنكم ستذكُرونَ النِّسَاء المعتدَّاتِ في نفوسكم وبألسنتكُمْ، فنهى عن أنْ يوصل إِلى التواعُدِ معَهُنَّ «٢» .\nع «٣»: والسرُّ، في اللغة: يقع على الوَطْء حلالِهِ وحرامِهِ، والآية تعطي النهْيَ عن أنْ يواعد الرجُلُ المعتدَّةَ أن يطأها بعد العدَّة بوجْه التزويجِ، وقال ابن جُبَيْر: سِرًّا، أيْ: نكاحًا «٤»، وهذه عبارة مخلصة.\nوأجمعتِ الأمة على كراهةِ المواعَدَةِ في العدَّةِ.\nوقوله تعالى: إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا استثناءٌ منقطعٌ، والقولُ المعروف هو ما أبيح من التعريض كقول الرجُل: إِنَّكم لأَكْفَاءٌ كِرَامٌ، وما قُدِّرَ كَانَ، ونحو هذا.\nوقوله تعالى: وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ: عزمُ العقدةِ:\nعَقْدها بالإشهاد، والوليّ، وحينئذ: تسمى عقدة.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٢/ ٥٣٥) برقم (٥١٣٦- ٥١٣٨)، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٣١٥)، والسيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٥١٨)، وعزاه لوكيع، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير عن الحسن.\n(٢) أخرجه الطبري (٢/ ٥٣٥) رقم (٥١٣٧)، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٣١٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٥١٨)، وعزاه لابن أبي شيبة، وابن جرير عن مجاهد.\n(٣) «المحرر الوجيز» (١/ ٣١٦) .\n(٤) أخرجه الطبري (٢/ ٥٣٧) رقم (٥١٥٨)، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٣١٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٥١٩)، وعزاه لعبد الرزاق عن سعيد بن جبير.","vol":"1","page":473},{"text":"ت: والظاهر أن العَزْم غَيْرُ العقد، وقوله تعالى: حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ:\nيريد تمام العدَّة، والكتاب هنا هو الحدُّ الذي جُعِل، والقَدْر الذي رُسِمَ من المدَّة، وقوله:\nوَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ ... الآية: تحذيرٌ من الوقوع فيما نهى عْنه، وتوقيف على غفره وحلمه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-190>[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٣٦ الى ٢٣٧]</span>\nلاَّ جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦) وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٧)\nوقوله تعالى: لاَّ جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً هذا ابتداءُ إِخبارٍ برفع الجُنَاحِ عن المُطَلِّق قبل البِنَاءِ والجِمَاعِ، فَرَض مَهْرًا أو لم يفرض، ولمّا نهى رسول الله ﷺ عن التزوُّج لمعنَى الذَّوْقِ، وقضَاءِ الشَّهْوةِ، وأمر بالتزوُّج، طلبًا للعصْمَة، والتماس ثَوَابِ اللَّهِ، وقَصْدِ دوامِ الصُّحْبَةِ، وقع في نُفُوسِ المؤمنِينَ أنَّ من طلَّق قبل البناء قد واقع جزءًا من هذا المكروه، فنزلَتِ الآية رافعةً للجُنَاحِ في ذلك، إِذا كان أصْل النَّكاح علَى المَقْصِد الحَسَن.\nوقال قَوْمٌ: لاَّ جُناحَ عَلَيْكُمْ: معناه: لا طَلَبَ لجميعِ المَهْر، بل عليكُمْ نصْفُ المفروض لِمَنْ فرض لها، والمتعةُ لمن لم يُفْرَضْ لها، وفَرْضُ المهرِ: إثباتُه، وتحديدُهُ، ٥٩ أوهذه الآية/ تُعْطِي جوازَ العَقْد على التفْويض لأنه نكاحٌ مقرَّر في الآية، مُبَيَّنٌ حكْمُ الطلاق فيه قاله مالك في «المدوّنة» .\nوالفريضة: المصداق.\nوقوله تعالى: وَمَتِّعُوهُنَّ. أي: أعطوهنَّ شيئًا يكون متاعًا لهنَّ، وحمله ابن عُمَر وغيره على الوجُوبِ، وحمله مالكٌ وغيره على الندْبِ، واختلف النَّاس في مقدارِ المُتْعة، قال الحَسَن: يمتَّع كلٌّ على قدْره، هذا بخادم، وهذا بأثوابٍ، وهذا بثوبٍ، وهذا بنفقةٍ «١»، وكذلك يقول مالك.\nوقوله تعالى: عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ: دليلٌ على رفض التحديد، والمُوسِعُ: أي: من اتسع حالُه، والمُقْتِر: المقلُّ القليلُ المالِ، ومَتاعًا:\n_________\n(١) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٣١٩) .","vol":"1","page":474},{"text":"نصبٌ على المصدر «١» .\nوقوله تعالى: بِالْمَعْرُوفِ، أي: لا حمل فيه، ولا تكلُّف على أحد الجانبَيْنِ، فهو تأْكيدٌ لمعنى قوله: عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ، ثم أكَّد تعالى الندْبَ بقوله:\nحَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ، أي: في هذه النازلةِ من التمتيعِ هُمْ محسِنُون، ومن قال بأنَّ المتعةَ واجبةٌ، قال: هذا تأكيدٌ للوجوب، أي: على المحسنين بالإيمان والإسلام، وحَقًّا: صفةٌ لقوله تعالى: مَتاعًا.\nت: وظاهر الآيةِ عمومُ هذا الحكْمِ في جميع المطلَّقات كما هو مذهبُ الشافعيِّ، وأحمد، وأصحاب الرأْي، والظاهرُ حمل المُتْعَة على الوجوبِ لوجوه، منها:\nصيغةُ الأمر، ومنها: قولُه: حَقًّا، ومنْها: لفظةُ «على»، ومنها: من جهة المعنى: ما يترتَّب على إِمتاعها من جَبْر القلوبِ، وربَّما أدى ترك ذلك إِلى العَدَاوة والبَغْضاء بَيْن المؤمنين، وقد مال بعضُ أئمَّتنا المتأخِّرين إِلى الوجوب. انتهى.\nوقوله تعالى: وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ ... الآية: اختلف في هذه الآية، فقالتْ فرقةٌ، فيها مالك: إِنها مُخْرِجَةٌ للمطلَّقة بعد الفَرْض من حُكْم التمتيعِ إِذ يتناولها.\nقوله تعالى: وَمَتِّعُوهُنَّ: وقال قتادةُ: نَسَخَتْ هذه الآيةُ الآيةَ الَّتي قبلها «٢»، وقال ابن القاسِمِ في «المدوَّنة»: كان المتاعُ لكلِّ مطلَّقة بقوله تعالى: وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة: ٢٤١]، ولغير المدخولِ بها بالآيةِ الَّتي في سورة «الأحزاب»، فاستثنى اللَّه سبحانَهُ المَفْرُوضَ لها قَبْل الدخولِ بهذه الآية، وأثبت لها نصْفَ ما فَرَضَ فقَطْ «٣»، وزعم زيْدُ بْنُ أسْلَم أنها منسوخة «٤»، حكى ذلك في «المدوَّنة» عن زيد بن أسْلَم زعْمًا.\nوقال ابن القاسِمِ: إنها استثناءٌ، والتحرير يردُّ ذلك إِلى النسخ الَّذي قال زيْدٌ لأنَّ ابْنَ القاسِمِ قال: إِن قولَه تعالى: وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ [البقرة: ٢٤١] عمَّ الجميعَ، ثم استثنَى اللَّه\n_________\n(١) ويجوز أن ينتصب على الحال، والعامل فيه حينئذ ما تضمنه الجار والمجرور «على الموسع» من معنى الفعل، وصاحب الحال ذلك الضمير المستكن في ذلك العامل. والتقدير: قدر الموسع يستقر عليه في حال كونه متاعا. وينظر: «الدر المصون» (١/ ٥٨٣) .\n(٢) أخرجه الطبري (٢/ ٥٥٥) برقم (٥٢٥٢)، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٣٢٠) .\n(٣) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٣٢٧) .\n(٤) ينظر المصدر السابق.","vol":"1","page":475},{"text":"منْه هذه التي فُرِضَ لها قبل المَسِيسِ، وقال فريق من العلماء، منهم أبو ثَوْر «١»: المُتْعَة لكلِّ مطلَّقة عمومًا، وهذه الآية إِنما بينت أن المفروض لها تأخُذُ نصْفَ ما فرض، أي: مع مُتْعَتها، وقرأ الجمهورُ «٢»: «فَنِصْفُ» بالرفع، والمعنى: فالواجبُ نصْفُ ما فرضْتُمْ.\nوقوله تعالى: إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ: استثناء منقطعٌ، و«يَعْفُونَ»: معناه: يتركْنَ ويصفحْنَ، أي: يتركْن النِّصْفَ الذي وجَبَ لهنَّ عند الزوْجِ، وذلك إِذا كانت المرأةُ تمْلِكُ أمْرَ نَفْسِها.\nواختلف في المرادِ بقوله تعالى: أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ.\nفقال ابن عَبَّاس، ومُجَاهدٌ، ومالكٌ، وغيرهم: هو الوليُّ الذي المَرْأَة في حِجْره «٣»، ٥٩ ب وقالتْ فرْقَة: الذي بيده عُقْدة النكاح هو الزَّوْج «٤»، فعلى القول الأول: / الندْبُ في النَّصْف الذي يجبُ للمرأة إِمَّا أن تعفو هي، وإِما أن يعفو وليُّها، وعلى القول الثَّاني: إِما أنْ تعفو هي أيضًا فلا تأخذَ شيئًا، وإِما أن يعفو الزوْجُ عن النِّصْفِ الذي يحطّ، فيؤدّي جميع\n_________\n(١) أبو عبد الله إبراهيم بن خالد بن أبي يمان، أبو ثور، أخذ عن الشافعي﵁- كما أخذ الفقه عن غيره، قال الخطيب البغدادي: كان أحد الثقات المأمونين، ومن الأئمة الأعلام في الدين، وله كتب مصنفة في الأحكام ينظر: «طبقات ابن قاضي شهبة» (١/ ٥٥)، و«تهذيب التهذيب» (١/ ١١٨)، و«طبقات السبكي» (١/ ٢٧٧) .\n(٢) وقرأ علي وزيد بن ثابت «فنصف» بضم النون في جميع القرآن. قال ابن عطية: وهي لغة، وكذلك روى الأصمعي قراءة عن أبي عمرو بن العلاء.\nينظر: «الشواذ» (ص ٢٢)، و«المحرر الوجيز» (١/ ٣٢٠) . ونسبها أبو حيان في «البحر» (٢/ ٢٤٤) زيادة على ما تقدم إلى السلمي. [.....]\n(٣) أخرجه الطبري (٢/ ٥٥٨- ٥٥٩) برقم (٥٢٨٦- ٥٢٨٧- ٥٣٠٨) عن مجاهد برقم (٥٣٠٤) عن ابن عباس. وذكره البغوي في «معالم التنزيل» (١/ ٢١٩) عن ابن عباس. وابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٣٢٠) . والسيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٥٢١)، وعزاه لابن جرير عن ابن عباس.\n(٤) أخرجه الطبري (٢/ ٥٦٠- ٥٦٣) بأرقام (٥٣١٧- ٥٣٦٣) عن علي وشريح. وذكره البغوي في «معالم التنزيل» (١/ ٢١٩)، وابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٣٢١)، والسيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٥٢١) . وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني في «الأوسط»، والبيهقي بسند حسن، عن ابن عمرو، عن النبي ﷺ ...\nوعزاه لوكيع، وسفيان، والفريابي، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والدارقطني، والبيهقي، عن علي بن أبي طالب.\nوعزاه لابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي من طرق عن ابن عباس.","vol":"1","page":476},{"text":"المَهْر، ثم خاطب تعالَى الجميعَ نادبًا بقوله: وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى، أي: يا جميعَ الناسِ، وقرأ عليُّ بن أبي طالبٍ. وغيره: «وَلاَ تَنَاسَوا الفَضْلَ»، وهي قراءةٌ متمكِّنة المعنى «١» لأنه موضع تناسٍ، لا نسيان إِلا على التشْبيه.\nوقوله تعالى: وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ: ندْبٌ إِلى المجاملة.\nوقوله: إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ خَبَرٌ، وضمنه الوَعْد للمحسِنِ والحِرْمان لغير المحسن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-191>[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٣٨ الى ٢٣٩]</span>\nحافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ (٢٣٨) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أَوْ رُكْبانًا فَإِذا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (٢٣٩)\nقوله تعالى: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى ... الآية: الْخِطابُ لجميع الأمة، والآية أَمْر بالمحافظةِ عَلَى إِقامة الصَّلوات في أوقاتها، وبجميع شروطها، وخرَّج الطحاويُّ «٢» عن ابنِ مسعودٍ، عن النبيُّ ﷺ قال: «أُمِرَ بِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ أَنْ يُضْرَبَ فِي قَبْرِهِ مِائَةُ جَلْدَةٍ، فَلَمْ يَزَلْ يَسْأَلُ اللَّهَ تعالى وَيَدْعُوهُ، حتى صَارَتْ وَاحِدَةً، فامتلأ قَبْرُهُ عَلَيْهِ نَارًا، فَلَمَّا ارتفع عَنْهُ، أَفَاقَ، فَقَالَ: عَلاَمَ جَلَدتَّنِي؟ قَالَ: إِنَّكَ صَلَّيْتَ صَلاَةً بِغَيْرِ طُهُورٍ، ومَرَرْتَ على مَظْلُومٍ، فَلَمْ تَنْصُرْهُ» «٣» . انتهى من «التذْكِرَة» للقرطبيِّ «٤» .\nوفي الحديثِ: «أنَّ الصَّلاَةَ ثَلاَثَةُ أَثْلاَثٍ الطُّهُورُ ثُلُثٌ، وَالرُّكُوعُ ثلث، والسّجود ثلث،\n_________\n(١) ينظر: «المحتسب» (١/ ١٢٧)، و«مختصر الشواذ» (ص ٢٢) . وزاد ابن عطية نسبتها إلى مجاهد وأبي حيوة، وابن أبي عبلة.\nينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٣٢٢)، و«البحر المحيط» (٢/ ٢٤٧)، و«الدر المصون» (١/ ٥٨٨) .\n(٢) أحمد بن محمد بن سلامة بن سلمة الأزدي، الطحاوي، أبو جعفر: فقيه انتهت إليه رياسة الحنفية ب «مصر»، ولد ونشأ في «طحا» من صعيد مصر ٢٣٩ هـ، وتفقه على مذهب الشافعي ثم تحول حنفيا.\nوتوفي ب «القاهرة» ٣٢١ هـ وهو ابن أخت المزني. من تصانيفه: «شرح معاني الآثار»، و«بيان السنة»، و«الشفعة»، و«المحاضر والسجلات»، و«مشكل الآثار»، وأحكام القرآن»، و«المختصر» في الفقه، وشرحه كثيرون.\nينظر: «الأعلام» (١/ ٢٠٦)، «البداية والنهاية» (١١/ ١٧٤)، «لسان الميزان» (١/ ٢٧٤)، «اللباب» (٢/ ٨٢) .\n(٣) أخرجه الطحاوي في «مشكل الآثار» (٤/ ٢٣١)، وقال الطحاوي: في هذا الحديث ما يدلّ على أن تارك الصلاة ليس بكافر لأن من صلى صلاة بغير طهور فلم يصل، وقد أجيبت دعوته، ولو كان كافرا ما أجيبت له دعوة لأن الله (﵎) يقول: وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ.\n(٤) ينظر: «التذكرة» (١/ ١٩٥) .","vol":"1","page":477},{"text":"فَمَنْ أَدَّاهَا بِحَقِّهَا، قُبِلَتْ مِنْهُ، وَقُبِلَ مِنْهُ، وَقُبِلَ مِنْهُ سَائِرُ عَمَلِهِ، وَمَنْ رُدَّتْ عَلَيْهِ صَلاَتُهُ، رُدَّ عَلَيْهِ سَائِرُ عَمَلِهِ» رواه النَّسَائِيّ «١» . انتهى من «الكوكب الدَّرِّيِّ» .\nوروى مالكٌ في «الموطَّإ»، عن يَحْيَى بْنِ سعيدٍ «٢» أنه قال: «بلَغَنِي أَنَّهُ أَوَّلُ مَا يُنْظَرُ فِيهِ مِنْ عَمَلِ العَبْدِ الصَّلاَةُ، فَإِنْ قُبِلَتْ مِنْهُ، نُظِرَ فيما بقي من عمله، وإن لم تقبل منه، لم ينظر في شيء من عمله» «٣» . قال أبو عمر بن عبد البر في «التمهيد»: وقد رُوِيَ هذا الحديثُ مسنَدًا عن النبيّ ﷺ مِنْ وجوهٍ صِحَاحٍ، ثم أسند أبو عمر عن أنَسِ بنِ حكيمٍ الضَّبِّيِّ «٤»، قال: قَالَ لِي أبو هُرَيْرة: إِذا أَتَيْتَ أَهْلَ مِصْرِكَ، فأخبرهم أنّي سمعت رسول الله ﷺ يَقُولُ: «أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ العَبْدُ المُسْلِمُ صَلاَةُ المَكْتُوبَةِ، فَإِنْ أَتَمَّهَا وَإِلاَّ قِيلَ:\nانظروا، هَلْ لَهُ مِنْ تَطَوُّعٍ، فَإِنْ كَانَ لَهُ تَطَوُّعٌ، أُكْمِلَتِ الفَرِيضَةُ مِنْ تَطَوُّعِهِ، ثُمَّ يُفْعَلُ بسائر الأعمال المفروضة مثل ذلك» «٥»،\n_________\n(١) أخرجه البزار (١/ ١٧٧- كشف) رقم (٣٤٩)، من طريق المغيرة بن مسلم، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة به. وقال البزار: لا نعلمه مرفوعا إلا عن المغيرة، وإنما نحفظه عن أبي صالح عن كعب قوله.\nقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ١٥٠): المغيرة ثقة، وإسناده حسن.\n(٢) يحيى بن سعيد بن قيس بن عمرو بن سهل بن ثعلبة الأنصاري، النّجّاري، قاضي المدينة. عن أنس، وابن المسيّب، والقاسم، وعراك بن مالك وخلق. وعنه الزهري، والأوزاعي، ومالك، والسفيانان، والحمّادان، والجريران وأمم. قال ابن المديني: له نحو ثلاثمائة حديث. وقال ابن سعد: ثقة، حجة، كثير الحديث، وقال أبو حاتم: يوازي الزهري في الكثرة. وقال أحمد: يحيى بن سعيد أثبت الناس.\nقال القطان: مات سنة ثلاث وأربعين ومائة. ينظر: «الخلاصة» (٣/ ١٤٩) .\n(٣) أخرجه مالك في «الموطأ» (١/ ١٧٣)، كتاب «قصر الصلاة في السفر»، باب جامع الصلاة، حديث (٨٩) .\n(٤) أنس بن حكيم الضّبّي، البصري. عن أبي هريرة. وعنه الحسن، وعلي بن زيد.\nينظر: «الخلاصة» (١/ ١٠٤) .\n(٥) أخرجه أبو داود (١/ ٢٩٠- ٢٩١)، كتاب «الصلاة»، باب كل صلاة لا يتمها صاحبها تتم من تطوعه، حديث (٨٦٤) . وأحمد (٢/ ٤٢٥)، والبخاري في «التاريخ الكبير» (٢/ ٣٣)، والحاكم (١/ ٢٦٢)، من طريق الحسن، عن أنس بن حكيم الضبي، عن أبي هريرة به.\nوأخرجه ابن ماجة (١/ ٤٥٨)، كتاب «الصلاة»، باب ما جاء في أول ما يحاسب به العبد الصلاة، حديث (١٤٥٠)، من طريق علي بن زيد، عن أنس بن حكيم الضبي، عن أبي هريرة به.\nوأخرجه أبو داود (١/ ٢٩١)، كتاب «الصلاة»، باب كل صلاة لا يتمها صاحبها تتم من تطوعه، حديث (٨٦٥) . والحاكم (١/ ٢٦٣)، والبخاري في «التاريخ» (٢/ ٣٤)، من طريق حماد بن سلمة، عن حميد، عن الحسن، عن رجل من بني سليط عن أبي هريرة.\nوأخرجه الترمذي (٢/ ٢٦٩- ٢٧٠)، كتاب «الصلاة»، باب ما جاء أن أول ما يحاسب به العبد يوم-","vol":"1","page":478},{"text":"وفي رواية تميم الدّاريّ «١» عن النبيّ ﷺ بهذا المعنى.\nقال: «ثُمَّ الزَّكَاةُ مِثْلُ ذَلِكَ، ثُمَّ تُؤْخَذُ الأَعْمَالُ على حَسَبِ ذَلِكَ» «٢» . انتهى.\nوذكَرَ اللَّه سبحانه الصَّلاةَ الوسطى ثانيةً، وقد دَخَلَتْ قَبْلُ في عموم قوله:\n«الصَّلَوَاتِ» لأنه أراد تشريفَهَا.\nواختلف النَّاس في تعيينها.\nفقال عليٌّ، وابن عبَّاسٍ، وجماعة من الصَّحابة: إِنها صلاةُ الصُّبْح «٣»، وهو قول مالكٍ، وقالتْ فرقةٌ: هي الظُّهْر، وورد فيه حديث، وقالت فرقة: هي صلاة العصر، وفي\n_________\n- القيامة الصلاة، حديث (٤١٣) . والنسائي (١/ ٢٣٢)، كتاب «الصلاة»، باب المحاسبة على الصلاة، كلاهما من طريق قتادة، عن الحسن، عن حريث بن قبيصة، عن أبي هريرة به.\nوقال الترمذي: حديث حسن غريب من هذا الوجه، وقد روي هذا الحديث من غير هذا الوجه، عن أبي هريرة. اه. وقد روى هذا الحديث الحسن عن أبي هريرة.\nأخرجه أبو داود الطيالسي (١/ ٦٨- منحة) رقم (٢٦٤)، وأبو يعلى (١١/ ٩٦) رقم (٦٢٢٥)، من طريق الحسن، عن أبي هريرة.\nقال البخاري في «التاريخ» (٢/ ٣٥)، ولا يصح سماع الحسن من أبي هريرة في هذا.\nوقد وصف الحافظ ابن حجر في «التهذيب» (١/ ٣٧٤) هذا الحديث بالاضطراب. وصححه الألباني بطرقه في «الصحيحة» (١٣٥٨) .\n(١) هو: تميم بن أوس بن حارثة أبو رقية. الداري. قال ابن حجر في «الإصابة»: مشهور في الصحابة، وكان نصرانيّا، وقدم المدينة فأسلم، وذكر للنبي قصة الجساسة والدجال، فحدث النبي عنه بذلك على المنبر، وعد ذلك من مناقبه. وقال أبو نعيم. كان راهب أهل عصره، وعابد أهل «فلسطين»، وهو أول من أسرج السراج في المسجد. وقال ابن إسحاق: قدم «المدينة» وغزا مع النبي ﷺ.\nينطر ترجمته في: «أسد الغابة» (١/ ٢٥٦)، «الإصابة» (١/ ١٩١)، «الثقات» (٣/ ٣٩)، «الجرح والتعديل» (٢/ ٤٤٠)، «تقريب التهذيب» (١/ ١١٣)، «سير أعلام النبلاء» (٢/ ٤٤٢)، «جمهرة أنساب العرب» (٤٢٢)، (٤٥٤)، «المتفردات والوحدان» (٦٢)، «مشاهير علماء الأمصار» (٥٢)، «الجمع بين رجال الصحيحين» (٦٤)، «تسمية من أخرج لهم البخاري ومسلم» (٢٢)، «التاريخ لابن معين» (١٧) .\n(٢) أخرجه أبو داود (١/ ٢٩١)، كتاب «الصلاة»، باب كل صلاة لا يتمها صاحبها تتم من تطوعه، حديث (٨٦٦)، وابن ماجة (١/ ٤٥٨) كتاب «الصلاة»، باب ما جاء في أول ما يحاسب به العبد الصلاة، حديث (١٤٢٦) . وأحمد (٤/ ١٠٣) . والدارمي (١/ ٣١٣)، كتاب «الصلاة»، باب أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة، والحاكم (١/ ٢٦٢)، والطبراني في «الأوائل» رقم (٢٣) . كلهم من طريق داود بن أبي هند، عن زرارة بن أوفى، عن تميم الداري مرفوعا. [.....]\n(٣) ذكره الماوردي في «النكت والعيون» (١/ ٣٠٩)، والبغوي في «معالم التنزيل» (١/ ٢٢٠)، وابن عطية الأندلسي في «تفسيره» (١/ ٣٢٢)، والسيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٥٣٤) .","vol":"1","page":479},{"text":"مُصْحَف عائشةَ «١»، وإِملاء حَفْصَة: «صَلاَةِ العَصْرِ» وعلى هذا القول جمهورُ العلماءِ، وبه أقولُ.\nوقال قَبِيصَةُ بن ذُوَيْبٍ «٢»: هي صلاة المَغْرِب «٣»، وحكى أبو عمر بن عبد البَرِّ عن فرقة أنها صلاة العشَاءِ الآخِرَةِ، وقالتْ فرقة: الصلاة الوسطى لم يعيِّنها اللَّه سبْحانه، فهي في جملة الخَمْس غير معيَّنة كليلة القَدْر، وقالت فرقة: هي صلاة الجمعة، وقال بعض ٦٠ ب العلماء: هي الخَمْس، وقوله أولًا: عَلَى الصَّلَواتِ يعم النفْلَ/، والفَرْض، ثم خَصْ الفرْضَ بالذِّكْر.\nوقوله تعالى: وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ معناه في صلاتِكُمْ.\nواختلف في معنى قانِتِينَ.\nفقال الشَّعْبِيُّ وغيره: معناه مطيعين «٤»، قال الضَّحَّاك: كل قُنُوتٍ في القرآن، فإِنما يعنى به الطاعة «٥»، وقاله أبو سعيد عن النبيّ ﷺ وقال ابْنُ مسعودٍ وغيره: القُنُوت:\nالسُّكُوت «٦» وذلك أنهم كانوا يتكلَّمون في الصلاة حتى نزلَتْ هذه الآيةُ، فأمروا بالسُّكُوت، وقال مجاهد: معنى قانِتِينَ خاشِعِينَ،، فالقنوتُ: طُولُ الركوعِ والخشوعِ، وغضُّ البصر، وخَفْضُ الجَنَاح «٧»، قال ع «٨»: وإِحضارُ الخَشْية، والفكر في الوقوف\n_________\n(١) وفي مختصر ابن خالويه: «وصلاة العصر» بزيادة واو، ونسبها إلى عائشة، وابن عباس، وجماعة.\n«مختصر الشواذ» (ص ٢٢) .\nوينظر: «الكشاف» (١/ ٢٨٧)، و«المحرر الوجيز» (١/ ٣٢٢- ٣٢٣)، و«البحر المحيط» (١/ ٢٤٩)، وزاد نسبتها إلى أبي، وعبيد بن عمير.\n(٢) قبيصة بن ذؤيب، عن أبيه، وأبي هريرة، وعنه الزّهري، ورجاء بن حيوة وغيره. وثقه ابن حبان، قال عمرو بن علي: مات سنة ست وثمانين. ينظر: «الخلاصة» (٢/ ٣٤٩) .\n(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٢/ ٥٧٩)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٥٤٢)، وعزاه لابن أبي حاتم بسند حسن عن ابن عباس.\n(٤) ذكره البغوي في «معالم التنزيل» (١/ ٢٢١) .\n(٥) أخرجه الطبري (٥/ ٢٢٩)، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٣٢٣) .\n(٦) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٢/ ٥٨٥)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٢٣٨) .\n(٧) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٢/ ٥٨٥)، وذكره الماوردي في «تفسيره» (١/ ٣١٠) والبغوي في «معالم التنزيل» (١/ ٢٢١)، والسيوطي في «الدر المنثور»، (١/ ٥٤٤) .\n(٨) «المحرر الوجيز» (١/ ٣٢٤) .","vol":"1","page":480},{"text":"بين يَدَيِ اللَّه سبحَانَه، وقال الرَّبِيعُ: القنوتُ: طولُ القيَامِ، وطولُ الرُّكُوعَ «١» .\nوقال قومٌ: القنوتُ: الدعاء، وقانِتِينَ: معناه دَاعِينَ، روي معناه عن ابن عَبَّاس «٢» .\nوقول تعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أَوْ رُكْبانًا ... الآية، أمر اللَّه تعالى بالقيامِ له في الصلاة بحالة قُنُوت، وهو الوقار والسَّكينة، وهدوء الجوارحِ، وهذا على الحالة الغالبَةِ من الأمْن والطُّمأْنينة، ثم ذكر تعالى حالة الخَوْف الطارئَة أحيانا، فرخّص لعبيده في الصّلاة فَرِجالًا: متصرّفين على الأقدام، ورُكْبانًا: على الخَيْل والإِبل ونحوهما إِيماء، وإِشارة بالرأس حيث ما توجَّه، هذا قول جميع العلماءِ، وهذه هي صلاة الفَذِّ الذي قد ضايقه الخَوْفُ على نَفْسه في حال المسايفة، أو مِنْ سَبُعٍ يطلبه، أو عدو يتبعه، أو سَيْلٍ يحملُه، وبالجملة فكلُّ أمرْ يخافُ منْه على رُوحِهِ، فهو مبيحٌ ما تضمَّنته هذه الآية.\nوأما صَلاَةُ الخَوْف بالإِمام، وانقسام النَّاس، فليس حكْمُها في هذه الآية، وسيأتي، إِن شاء اللَّه، في «سورة النساء» «٣» .\nوالرُّكْبَان: جمع رَاكِبٍ «٤»، وهذه الرخْصَة في ضِمنها بإِجماعٍ من العلماء: أن يكون الإنسان حيثُ ما توجَّه ويتقلَّب ويتصرَّف بحسب نَظَره في نجاة نَفْسِهِ.\nت: وروى أبو داودَ في «سُنَنِهِ»، عن عبد اللَّه بن أُنَيْسٍ «٥»، قال: «بَعَثَنِي رَسُولُ\n_________\n(١) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٢٣٩) .\n(٢) ذكره الماوردي في «النكت والعيون» (١/ ٣١٠)، وابن عطية في «تفسيره» (١/ ٣٢٤) .\n(٣) في تفسير الآية (١٠١)، (١٠٢) .\n(٤) ينظر: «لسان العرب» (١٧١٢)، و«عمدة الحفاظ» (٢/ ١٢١) .\n(٥) عبد الله بن أنيس بن أسعد بن حرام بن خبيب بن مالك بن غنم بن كعب بن تيم، أبو يحيى الجهني. القضاعي. الأنصاري. السّلمي. قال ابن الأثير: كان مهاجرا، أنصاريا، عصبيا، شهد بدرا وأحدا وما بعدهما. روى عنه أولاده: عطية، وعمرو، وضمرة، وعبد الله، وجابر بن عبد الله، وبسر بن سعيد. هو الذي سأل رسول الله عن ليلة القدر وقال: إني شاسع الدار، فمرني بليلة أنزل لها قال: «انزل ليلة ثلاث وعشرين» وهو أحد الذين كانوا يكسرون أصنام بني سلمة.\nينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (٣/ ١٧٩)، «الإصابة» (٤/ ٣٧)، «الثقات» (٣/ ٢٣٤)، «تجريد أسماء الصحابة» (١/ ٢٩٨)، «الاستيعاب» (٣/ ٨٦٩)، «الاستبصار» (١٣٧)، «شذرات الذهب» (١/ ٦٠)، «حلية الأولياء» (٢/ ٥)، «عنوان النجابة» (١١٧)، «تقريب التهذيب» (١/ ٤٠٢)، «تهذيب التهذيب» (٥/ ١٤٩)، «تهذيب الكمال» (٢/ ٦٦٦)، «بقي بن مخلد» (١١٣)، «الوافي بالوفيات» (١٧/ ٧٦)، «الكاشف» (٢/ ٧٣)، «رياض النفوس» (١/ ٤٥)، «الجرح والتعديل» (٥/ ١)، «التاريخ الكبير» (٣/ ١٤) . [.....]","vol":"1","page":481},{"text":"الله ﷺ إلى خَالِدِ بْنِ سُفْيَانَ، وَكَانَ نَحْوَ عُرَنَةَ وَعَرَفَاتٍ، قَالَ: «اذهب فاقتله»، فَرَأَيْتُهُ وَقَدْ حَضَرْتُ صَلاَةَ العَصْرِ، فَقُلْتُ: إِنِّي لأَخَافُ أَنْ يَكُونَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ مَا يُؤَخِّرُ الصَّلاَةَ، فانطلقت أَمْشِيَ وأنا أصلّي أومئ إِيمَاءً نَحْوَهُ، فَلَمَّا دَنَوْتُ مِنْهُ، قَالَ لِي: «مَنْ أَنْتَ»؟ قُلْتُ: رَجُلٌ مِنَ العَرَبِ، بَلَغَنِي أَنَّكَ تَجْمَعُ لِهَذَا الرَّجُلِ، فَجِئْتُكَ فِي ذَلِكَ، قَالَ: إِنِّي لَفِي ذَلِكَ، فَمَشَيْتُ مَعَهُ سَاعَةً حتى إِذَا أَمْكَنَنِي عَلَوْتُهُ بِسَيْفِي حتى بَرَدَ» «١» . انتهى، وقد ترْجَم عليه «بَابٌ فِي صَلاَةِ الطَّالِبِ» .\nقال ع «٢»: واختلف النَّاس، كَمْ يصلِّي من الركعات؟ والذي عليه مالكٌ وجماعةٌ: أنه لا ينقصُ من عدد الركعاتِ شيئًا، فيصلِّي المسافر ركعتَيْن.\nواختلف المتأوِّلون في قوله سبحانه: فَإِذا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ ... الآية: فقالَتْ فرقةٌ: المعنى: إِذا زال خَوْفُكُم، فاذكروا اللَّه سبحانه بالشُّكْر على هذه النعمة، وقالتْ فرقة: اذكروا اللَّه، أي: صَلُّوا كما علمتم صلاةً تامَّة، يعني فيما يستقبل من الصّلوات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-192>[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٤٠ الى ٢٤٢]</span>\nوَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجًا وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٤٠) وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١) كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢٤٢)\nقوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجًا وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعًا إِلَى الْحَوْلِ ٦٠ ب غَيْرَ إِخْراجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ/ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ: الَّذِينَ: رَفْعٌ بالاِبتداء، وخبره مضمرٌ، تقديره: فعليهم وصيَّةٌ لأزواجهم، وفي قراءة ابن مسعود «٣»: كُتِبَ عليكُمْ وصيَّةً، قالت فرقة: كانَتْ هذه وصيَّةً من اللَّه تعالى تَجِبُ بعد وفاة الزوْجِ، قال قتادة: كانتِ المرأةُ إِذا تُوُفِّيَ عنها زوجُها، لها السكنى والنفقة حولًا في مال الزَّوْج، ما لم تخرجْ برأْيها «٤»، ثم نُسِخَ ما في هذه الآية من النفقة بالربع أو بالثّمن\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (١/ ٤٠١) كتاب «الصلاة»، باب صلاة الطالب، حديث (١٢٤٩) .\nوهذا الحديث لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة سوى أبي داود.\n(٢) «المحرر الوجيز» (١/ ٣٢٥) .\n(٣) وهي في «مختصر شواذ ابن خالويه» ص (٢٢) هكذا: كتب عليكم الوصية لأزواجكم. وينظر:\n«الكشاف» (١/ ٢٨٩) . وحكاها ابن عطية في «المحرر» (١/ ٣٢٦): الوصية لأزواجهم.\n(٤) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٣٢٦) .","vol":"1","page":482},{"text":"الَّذِي في «سورة النساءِ» «١»، ونسخ سكنى الحَوْل بالأربعة الأشْهُر والعَشْر «٢»، وقاله ابن عَبَّاس وغيره «٣»: ومَتاعًا نصْب على المَصْدر، وقوله تعالى: غَيْرَ إِخْراجٍ: معناه:\nليس لأولياء الميِّت، ووارثي المنزلِ إِخراجها، وقوله تعالى: فَإِنْ خَرَجْنَ ... الآية:\nمعناه: إِنَّ الخروجَ، إِذا كان من قبل الزوجة، فلا جُنَاح على أحدٍ وليٍّ أو حاكمٍ، أو غيره فيما فعلْنَ في أنفسِهِنَّ من تزويجٍ وتزيُّن، وترك إِحداد، إِذا كان ذلك من المعروف الَّذي لا يُنْكَر، وقوله تعالى: وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ: صفةٌ تقتضي الوعيدَ بالنِّقْمة لمن خالف الحَدَّ في هذه النازلة، وهذا كلُّه قد زال حكمه بالنَّسْخ المتَّفَقِ عليه.\nوقوله تعالى: وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ: قال عطاء بْنُ أبي رَبَاحٍ وغيره: هذه الآية في الثَّيِّبَاتِ اللواتي قد جُومِعْنَ «٤» إِذ قد تقدم في غير هذه الآية ذكْر المتعة لِلَّواتي لم يُدْخَلْ بهنَّ.\nوقال ابنُ زَيْد: هذه الآية نزلَتْ مؤكِّدة لأمر المتعة لأنه نزل قبل حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ [البقرة: ٢٣٦]، فقال رجُلٌ: فإِنْ لم أُرِدْ أُحْسِنَ، لم أمتِّع، فنزلَتْ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ.\nقال الطبريُّ: فوجب ذلك عليهم «٥» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-193>[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٤٣ الى ٢٤٥]</span>\nأَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ (٢٤٣) وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٤٤) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٤٥)\nقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ... الآية: هذه رؤية القَلْب بمعنى: ألم تَعْلَمْ، وقصَّة هؤلاء فيما قال الضَّحَّاك أنهم قوم من بني إِسرائيل أُمِرُوا بالجهَادِ، فخافوا الموْتَ بالقَتْل في الجهادِ، فخرجوا من ديارهم فِرَارًا من ذلك، فأماتهم اللَّه ليعرِّفهم أنه لا يُنْجِيهِمْ من الموت شيْء،\n_________\n(١) آية (١٢) .\n(٢) آية (٢٣٤) من سورة البقرة.\n(٣) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٣٢٦) .\n(٤) ذكره الطبري (٢/ ٥٩٨)، وابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٣٢٧) .\n(٥) ذكره الطبري في «تفسيره» (٢/ ٥٩٩) .","vol":"1","page":483},{"text":"ثم أحياهم، وأمرهم بالجهادِ، بقوله: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ... الآية «١» .\nوروى ابن جريج عن ابن عبَّاس أنهم كانوا من بني إِسرائيل، وأنهم كانوا أربعينَ ألفًا، وثمانيةَ آلاف، وأنهم أُميتوا، ثم أُحْيُوا، وبقيتِ الرائحَةُ على ذلك السِّبْط من بني إِسرائيل إِلى اليَوْم، فأمرهم اللَّه بالجهَادِ ثانيةً، فذلك قوله: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ «٢» .\nقال ع «٣»: وهذا القَصَصُ كلُّه ليِّن الإِسناد، وإِنما اللازم من الآية أنَّ الله تعالى أخبر نبيّه محمّدا ﷺ إِخبارًا في عبارة التنْبيه، والتوقيفِ عنْ قَوْم من البَشَر خَرَجوا من ديارهم فرارًا من المَوْت، فأماتهم اللَّه، ثم أحياهم ليعلموا هم وكلُّ من خَلَفَ بعدهم أن الإِماتة إِنما هي بإِذْنِ اللَّه لا بيَدِ غَيْره، فلا معنى لخوفِ خائفٍ، وجعل اللَّه تعالى هذه الآية مقدِّمة بين يدَيْ أمره المؤمنين من أمّة محمّد ﷺ بالجهادِ، هذا قول الطَّبري «٤»، وهو ظاهرُ رَصْف الآية.\nوالجمهورُ على أنَّ أُلُوفٌ جمعُ أَلْفٍ، وهو جمعُ كَثرة «٥»، وقال ابن زَيْد في لفظة أُلُوفٌ: إنما معناها، وهم مؤتلفون «٦» .\n٦١ أوقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ ...\nالآية: تنبيهٌ على فضله سبحانه على هؤلاء القَوْم الذين تفضَّل عليهم بالنعم، وأمرهم بالجهاد، وألاَّ يجعلوا الحَوْل والقُوَّة إِلا له سبحانه حَسْبما أمر جميع العالم بذلك، فلم يشكروا نعمته في جميعِ هذا، بل استبدُّوا وظَنُّوا أنَّ حولَهُمْ وسعْيَهم ينجِّيهم، وهذه الآيةُ تَحْذيرٌ لسائر النَّاسِ مِنْ مثل هذا الفعْلِ، أي: فيجب أنْ يشكر النَّاسُ فضْلَه سبحانه في إِيجاده لهم، ورزْقِهِ إِياهم، وهدايتِهِ بالأوامر والنواهِي، فيكون منهم المبادرة إلى امتثالها، لا\n_________\n(١) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٣٢٧) .\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٢/ ٦٠٢) برقم (٥٦٠٨)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٣٢٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٥٥٣) .\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٣٢٨) .\n(٤) ينظر: «جامع البيان» (٥/ ٢٧٨) .\n(٥) هو أحد قسمي جمع التكسير، والآخر هو جمع القلة، فأما جمع القلة فيصدق على الثلاثة إلى العشرة، وأما جمع الكثرة فيدل على أحد عشر فما فوق، ولكل من النوعين صيغ فلجمع القلة أربع صيغ، ولجمع الكثرة ثلاثة وعشرون بناء. ينظر: «معجم المصطلحات النحوية والصرفية» (ص ٥١) . [.....]\n(٦) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٣٢٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٥٥٣) .","vol":"1","page":484},{"text":"طَلَبُ الخُرُوج عنْها، وفي تَخْصِيصه تعالى: «الأَكْثَر» دلالةٌ على أنَّ الأقلَّ الشَّاكِر.\nوقوله تعالى: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ... الآية: الجمهورُ أن هذه الآية مخاطبة لأمّة محمّد ﷺ بالقتالِ في سبيلِ اللَّهِ، وهو الذي ينوى به أن تكون كلمةُ اللَّه هي العليا حَسَب الحديث «١» .\nوقال ابن عَبَّاس، والضَّحَّاك: الأمْرُ بالقتال هو لِلَّذينَ أُحْيُوا من بني إسرائيل «٢»، قال الطبريُّ «٣»: ولا وجه لهذا القَوْل، ثم قال تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ ... الآية، فدخل في ذلك المقاتلُ في سبيل اللَّه، فإِنه يقرض رَجَاء ثوابِ اللَّهِ كما فعل عثمانُ في جَيْش العُسْرة، ويروى أنَّ هذه الآية، لَمَّا نزلَتْ، قال أبو الدَّحْدَاحِ «٤»: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوَ إِنَّ اللَّهَ يُرِيدُ مِنَّا القَرْضَ؟ قَالَ: «نَعَمْ، يَا أَبَا الدَّحْدَاحِ»، قَالَ: فَإِنِّي قَدْ أَقْرَضْتُهُ حَائِطِي لِحَائِطٍ فِيهِ سِتُّمِائَةِ نَخْلَةٍ، ثُمَّ جَاءَ الحَائِطَ، وَفِيهِ أُمُّ الدّحداح «٥»، فقال: اخرجي، فإنّي قد أقرضت\n_________\n(١) أخرجه البخاري في العلم (١/ ٢٦٨) باب من سأل وهو قائم عالما جالسا (١٢٣)، و(٦/ ٣٣) في الجهاد: باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا (٢٨١٠) (٦/ ٢٦٠) في فرض الخمس (٣١٢٦)، و(١٣/ ٤٥٠) في التوحيد: باب وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ (٧٤٥٨)، ومسلم (٣/ ١٥١٢- ١٥١٣) في الإمارة: باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله (١٤٩- ١٥١/ ١٩٠٤) وأبو داود (١/ ١٨) في الجهاد باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا (٢٥١٧- ٢٥١٨) والترمذي (٤/ ١٥٤) في فضائل الجهاد: باب ما جاء فيمن يقاتل رياء وللدنيا (١٦٤٦)، والنسائي (٦/ ٢٣) في الجهاد: باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، وابن ماجة (٢/ ٩٣١) في الجهاد: باب النية في القتال (٢٧٨٣)، وأحمد (٤/ ٣٩٢، ٣٩٧، ٤٠٢، ٤٠٥، ٤١٧)، والطيالسي (١/ ٢٣٣) برقم (١١٣٥)، وأبو يعلى (٧٢٥٣)، والبيهقي (٩/ ١٦٧، ١٦٨) من طرق عن أبي وائل شقيق بن سلمة عن أبي موسى الأشعري قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، ما القتال في سبيل الله؟ فإن أحدنا يقاتل غضبا، ويقاتل حمية، فرفع إليه رأسه، قال: وما رفع إليه رأسه إلّا أنه كان قائما، فقال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل الله ﷿» .\nوقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.\n(٢) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٣٢٩) .\n(٣) ينظر: «جامع البيان» (٥/ ٢٨١) .\n(٤) أبو الدّحداح الأنصاري: حليف لهم. قال أبو عمر: لم أقف على اسمه ولا نسبه، أكثر من أنه من الأنصار حليف لهم، وقال البغويّ: أبو الدحداح الأنصاري، ولم يزد.\nينظر: «الإصابة» (٧/ ١٠٠) .\n(٥) أمّ الدّحداح، زوج أبي الدحداح.\nلها ذكر في حديث أبي الدحداح، وصدقته بالحائط الذي فيه النخل. فقال: يا أم الدحداح، اخرجي، يعني: من الحائط، ذكره الأشيري.\nينظر: «أسد الغابة» (٧/ ٣١٦) .","vol":"1","page":485},{"text":"رَبِّي حَائِطِي هَذَا، قَالَ: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «كَمْ مِنْ عِذْقٍ مُذَلَّلٍ لأَبِي الدَّحْدَاحِ فِي الجَنَّةِ «١» .\nواستدعاء القَرْض في هذه الآية وغيرها إنما هو تأنيسٌ وتقريبٌ للأفهام، واللَّه هو الغنيُّ الحميدُ.\nقال ابنُ العربيِّ في «أحكامه» «٢» وكَنَى اللَّه ﷿ عن الفقيرِ بنَفْسه العليَّة ترغيبًا في الصَّدَقة كما كنى عن المريضِ، والجائِعِ، والعاطشِ بنفسه المقدَّسة فقال النبيّ ﷺ: «إِنَّ اللَّهِ ﷿ يَقُولُ يَوْمَ القِيَامَةِ: يَا ابْنَ آدَمَ، مَرِضْتُ، فَلَمْ تَعُدْنِي، قَالَ: يَا رَبِّ، كَيْفَ أَعُودُكَ، وَأَنْتَ رَبُّ العَالَمِينَ؟ قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلاَنًا مَرِضَ، فلم تعده، أما علمت أنّك لوعدتّه، لَوَجَدتَّنِي عِنْدَهُ، يَا ابْنَ آدَمَ، استطعمتك، فَلَمْ تُطْعِمْنِي، قَالَ: يَا رَبِّ، كَيْفَ أُطْعِمُكَ، وَأَنْتَ رَبُّ العَالَمِينَ؟! قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ استطعمك عَبْدِي فُلاَنٌ، فَلَمْ تُطْعِمْهُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ، لَوَجَدتَّ ذَلِكَ عِنْدِي، يَا ابْنَ آدَمَ، استسقيتك، فَلَمْ تَسْقِنِي، قَالَ: يَا رَبِّ، كَيْفَ أَسْقِيكَ، وَأَنْتَ رَبُّ العَالَمِينَ؟! قَالَ: استسقاك عَبْدِي فُلاَنٌ، فَلَمْ تَسْقِهِ، أَمَا إِنَّكَ لَوْ سَقَيْتَه، وَجَدتَّ ذَلِكَ عِنْدِي» . انتهى، واللفظ لصحيح مسلم «٣»، قال ابنُ العَرَبِيِّ «٤»: وهذا كلُّه خرَجَ مَخْرَجَ التشريفِ لمَنْ كُنِيَ عنه، وترغيبًا لمن خوطب انتهى.\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق في «تفسيره» (١/ ٩٧- ٩٨)، وعنه الطبري (٥٦١٨)، عن معمر عن زيد بن أسلم قال: لمَّا نزلَتْ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافًا كَثِيرَةً، قال: جاء أبو الدحداح ...\nوقال الشيخ شاكر: هذا حديث مرسل فهو ضعيف الإسناد لأن زيد بن أسلم تابعي، ولم يذكر من حدثه من الصحابة.\nوأخرجه الطبري في «تفسيره» (٥٦٢٠)، وأبو يعلى (٤٩٨٦)، عن خلف بن خليفة عن حميد الأعرج عن عبد الله بن الحارث عن عبد الله بن مسعود قال: لمَّا نزلَتْ: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا، قال أبو الدحداح: ...»، فذكره بنحوه.\nوذكره السيوطي في «الدر» (١/ ٥٥٤- ٥٥٥)، وزاد فعزاه لسعيد بن منصور، وابن سعد، والبزار، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحكيم الترمذي في «نوادر الأصول»، والطبراني، والبيهقي في «الشعب» .\nولم يعزه لأبي يعلى.\nوقال الشيخ شاكر: هذا إسناد ضعيف جدا ... فالبلاء في هذه الرواية من حميد الأعرج.\n(٢) ينظر «أحكام القرآن» (١/ ٢٣٠) .\n(٣) أخرجه مسلم (٤/ ١٩٩٠) في البر والصلة: باب فضل عيادة المريض (٤٣/ ٢٥٦٩)، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أبي رافع، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله (﷿) يقول يوم القيامة: يا ابن آدم، مرضت فلم تعدني.....» فذكره.\n(٤) ينظر: «أحكام القرآن» (١/ ٢٣٠) .","vol":"1","page":486},{"text":"وقوله: حَسَنًا: معناه: تَطِيبُ فيه النية، ويشبه أيضًا أنْ تكون إِشارة إِلى كثرته وجَوْدته.\nوهذه الأضعاف الكثيرةُ إِلى السَّبْعِمِائَةِ التي رُوِيَتْ، ويعطيها مثالُ السُّنْبُلة.\nت: والحقُّ الذي لا شَكَّ فيه وجوبُ الإِيمان بما ذكر المولى سبحانه، ولا سبيل إِلى التحديد إِلاَّ أنْ يثبتَ في ذلك حديثٌ صحيحٌ/، فيصار إِليه، وقد بيّن ذلك ﷺ ٦١ ب فيما خرَّجه مُسْلِم، والبُخاريُّ، انظره عند قوله تعالى: كَمَثَلِ حَبَّةٍ [البقرة: ٢٦١] .\nقال ع: رُوِيَ أن النبيّ ﷺ طُلِبَ مِنْهُ أَنْ يُسَعِّر بِسَبَبِ غَلاَءٍ خِيفَ عَلَى المَدِينَةِ، فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ هُوَ البَاسِطُ القَابِضُ، وَإِنِّي لأَرْجُو أَنْ أَلْقَى اللَّهَ، وَلاَ يَتْبَعْنِي أَحَدٌ بِمَظْلَمَةٍ فِي نَفْسٍ وَلاَ مَالٍ» «١»، قال صاحب «سِلاحِ المؤمن» عند شَرْحه لاسمه تعالَى «القَابِضِ البَاسِطِ»: قال بعْضُ العلماءِ: يجبُ أن يُقْرَنَ بيْنَ هذَيْن الاسمين، ولا يفصل بينهما ليكون أنبأَ عن القُدْرة، وأدلَّ على الحكمة كقوله تعالى: يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ، وإِذا قلْتَ:\n«القَابِض» مفردًا، فكأنَّك قَصَرْتَ بالصفة على المنع والحرْمان، وإِذا جمعْتَ أَثْبَتَّ الصفتين وكذلك القولُ في الخافضِ والرافعِ والمُعِزِّ والمُذِلِّ. انتهى، وما ذكره عن بعض العلماءِ، هو كلامُ الإِمام الفَخْر في شرحه لأسماء اللَّه الحسنى، ولفظه: القابض والباسط: الأحسن\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (٢/ ٢٩٣)، كتاب «البيوع»، باب في التسعير، حديث (٣٤٥٠)، والبغوي في «شرح السنة» (٤/ ٣٣١- بتحقيقنا)، وأحمد (٢/ ٣٣٧)، من طريق العَلاءِ بْنِ عَبْدِ الرحمن، عن أبِيهِ، عن أبي هريرة «أن رجلا جاء فقال: يا رسول الله سعر، فقال: بل ادعو، ثم جاء رجل فقال: يا رسول الله، سعر، فقال: بل الله يخفض ويرفع، وإني لأرجو أن ألقى الله، وليس لأحد عندي مظلمة» .\nوللحديث شاهد قوي من حديث أنس بن مالك.\nأخرجه أبو داود (٢/ ٢٩٣- ٢٩٤) كتاب «البيوع»، باب في التسعير، حديث (٣٤٥١)، والترمذي (٣/ ٦٠٥- ٦٠٦) كتاب «البيوع»، باب ما جاء في التسعير، حديث (١٣١٤)، والدارمي (٢/ ٢٤٩) كتاب «البيوع»، باب في النهي أن يسعر في المسلمين، وأحمد (٣/ ٢٨٦)، والبيهقي (٦/ ٢٩) كتاب «البيوع»، باب التسعير، كلهم من طريق حماد بن سلمة، عن قتادة، وثابت، وحميد عن أنس قال: غلا السعر في المدينة على عهد رسول الله ﷺ. فقالوا: يا رسول الله، سعر لنا، فقال: «إنّ الله هو المسعر القابض الباسط الرازق، وإني لأرجو أن ألقى ربي، وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة بدم ولا مال» .\nوقال الترمذي: حديث حسن صحيح.\nوأخرجه أبو يعلى (٥/ ٢٤٥) رقم (٢٨٦١)، من طريق حماد بن سلمة، عن قتادة، وثابت، وحميد عن أنس به.\nوأخرجه أحمد (٣/ ١٥٦)، من طريق حماد، عن قتادة، عن ثابت، عن أنس.\nوأخرجه أبو يعلى (٥/ ١٦٠) رقم (٢٧٧٤)، من طريق مبارك بن فضالة عن الحسن عن أنس به.","vol":"1","page":487},{"text":"في هذين الاِسمَيْن أنْ يقْرَنَ أحدهما في الذِّكْر بالآخر ليكون ذلك أدلَّ على القدرة والحكمةِ ولهذا السببِ قال اللَّه تعالى: وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ وإذا ذكرت «القابضَ» منْفردًا عن «البَاسِطِ»، كنْتَ قد وصفته بالمَنْع والحرمانِ، وذلك غير جائز، وقوله: «المُعِزُّ المُذِلّ»، وقد عرفْتَ أنه يجبُ في أَمثالِ هذَيْن ذكْرُ كل واحد منهما مع الآخر. انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-194>[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٤٦ الى ٢٤٨]</span>\nأَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكًا نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلاَّ تُقاتِلُوا قالُوا وَما لَنا أَلاَّ نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا إِلاَّ قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٢٤٦) وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكًا قالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ قالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٢٤٧) وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٤٨)\nقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى ... الآية: هذه الآية خَبَرٌ عن قوم من بني إِسرائيل نالتهم ذِلَّةٌ وغَلَبة عَدُوٍّ فطلبوا الإِذن في الجِهَاد، وأن يؤمروا به، فلمّا أمروا، كعّ أكثرهم «١»، وصبر الأقلُّ، فنصرهم اللَّه، وفي هذا كلِّه مثالٌ للمؤمنين ليحذروا المَكْرُوه منْه ويقتدوا بالحسن.\nوالْمَلَإِ: في هذه الآية جميعُ القَوْم لأن المعنى يقتضيه، وهو أصل اللفظة، ويسمى الأشرافُ «المَلأَ» تشبيها، ومِنْ بَعْدِ مُوسى: معناه: مِنْ بعد موته، وانقضاء مدَّته.\nوقوله تعالى: لِنَبِيٍّ لَهُمُ، قال ابن إِسحاق وغيره: هو شمويلُ بْن بَابِل «٢» .\nوقال السدِّيُّ: هو شَمْعُونُ «٣»، وكانت بنو إِسرائيل تغلِبُ من حاربها، وروي أنها\n_________\n(١) أي: نكصوا على أعقابهم.\nينظر: «لسان العرب» (٣٨٩١) .\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٢/ ٦١٠) برقم (٥٦٣٠)، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٣٣٠) .\n(٣) أخرجه الطبري (٢/ ٦١٠) برقم (٥٦٣٠)، وذكره البغوي في «تفسيره» «معالم التنزيل» (١/ ٢٢٦)، وينظر «المحرر الوجيز» لابن عطية (١/ ٣٣٠)، و«النكت والعيون» للماوردي (١/ ٣١٤) . [.....]","vol":"1","page":488},{"text":"كانت تَضَعُ التابوتَ الذي فيه السكينةِ والبقيَّة في مَأْزِقِ الحرب، فلا تزال تَغْلِبُ حتى عصَتْ، وظهرتْ فيهم الأحداث، وخالف ملوكهم الأنبياء، واتَّبعوا الشَّهوات، وقد كان اللَّه تعالى أقام أمورهم بأنْ يكون أنبياؤهم يسدِّدون ملوكهم، فلما فعلوا ما ذكرناه، سلَّط اللَّه عليهم أُممًا من الكَفَرة، فغلَبُوهم، وأُخِذَ لهم التابوتُ في بعض الحُرُوب، فذلّ أمرهم.\nوقال السُّدِّيُّ: كان الغالبُ لهم «جَالُوتَ»، وهو من العمالقة، فلما رأوا أنه الاِصطلامُ، وذَهَابُ الذِّكْرِ، أَنِفَ بعضُهمْ وتكلَّموا في أمرهم «١» حتى اجتمع ملأهم على أنْ قالوا لنبيِّ الوَقْتِ: ابْعَثْ لَنا مَلِكًا ... الآية، وإِنما طلبوا مَلِكًا يقوم بأمر القتَال، وكانت المَمْلَكَة في سِبْطٍ من أسباط بني إِسرائيل يقال لهم: بَنُو يَهُوذا، فعلم النبيُّ بالوحْي، أنه ليس في بيْتِ المَمْلَكَة من يقوم بأمر الحَرْب، ويسَّر اللَّه لذلك طَالُوت، وقرأ جمهور النَّاسِ: «نُقَاتِلْ» بالنون وجزم اللام على جواب الأمر، وأراد النبيُّ المذكور﵇- أن يتوثَّق منهم، فوقفهم على جهة/ التّقرير، وسبر ما عندهم بقوله: ٦٢ أهَلْ عَسَيْتُمْ، ومعنى هذه المقالةِ، هل أنتم قريبٌ من التولِّي والفرار، إِن كُتِبَ عليكم القِتَالُ.\nص: لِنَبِيٍّ متعلِّق ب قالُوا، واللامُ معناها: التبليغُ. انتهى.\nثم أخبر تعالى أنه لما فرض عليهم القتالَ، تولَّوْا، أي: اضطربت نياتهم، وفَتَرت عزائمهم، إلا قليلًا منهم، وهذا شأن الأمم المتنعِّمة المائلَة إِلى الدَّعَة تتمنَّى الحرب أوقاتِ السَّعَة، فإِذا حَضَرت الحَرْب، كَعَّتْ، وعن هذا المعنى نهى النبيّ ﷺ بِقَوْلِهِ: «لاَ تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ العَدْوِّ، واسألوا اللَّهَ العَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ، فاثبتوا» «٢» .\nثم توعَّد سبحانه الظالمينَ في لَفْظ الخبر بقوله: وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ.\nوقوله تعالى: وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكًا ... الآية: قال وهب بن منبّه «٣»:\n_________\n(١) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٣٣٠) .\n(٢) أخرجه البخاري (٦/ ١٢٠)، كتاب «الجهاد»، باب كان النبي ﷺ إذا لم يقاتل، حديث (٢٩٦٦) .\nومسلم (٣/ ١٣٦٢- ١٣٦٣)، كتاب «الجهاد»، باب كراهة تمني لقاء العدو، حديث (٢٠/ ١٧٤٢) .\n(٣) وهب بن منبّه بن كامل، الأبناوي، الصّنعاني، أبو عبد الله الأخباري، عن ابن عباس، وجابر، وأبي سعيد، وطائفة، وعنه سماك بن الفضل، وهمّام بن نافع، وخلق.\nوثقه النسائي، قال مسلم بن خالد: لبث وهب أربعين سنة لم يرقد على فراشه، قتله يوسف بن عمر سنة عشر ومائة.\nينظر: «الخلاصة» (٣/ ١٣٨) .","vol":"1","page":489},{"text":"وكان طالوتُ رجلًا دبَّاغًا «١»، وقال السُّدِّيُّ: سَقَّاءً «٢»، وكان من سِبْط «بِنْيَامِينَ»، وكان سبطًا لا نبوَّةَ فيه، ولا ملكَ، ثم إِن بني إِسرائيل تعنَّتوا، وحادُوا عن أمر اللَّه، وجَرَوْا على سَنَنِهِمْ، فقالوا: أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ، أي: لم يؤت مالًا واسعًا، يجمع به نفوسَ الرجالِ، ويَغْلِبُ به أهْل الأَنَفَةِ.\nقال ع «٣»: وترك القَوْمُ السَّببَ الأقوى، وهو قَدَرُ اللَّه وقضاؤُه السَّابقُ، وأنه مالكُ الملكِ فاحتج عليهم نبيُّهم بالحُجَّة القاطعة، وبيَّن لهم مع ذلك تعليلَ اصطفاء طالوتَ ببَسْطَته في العِلْمِ، وهو مِلاَكُ الإِنسان، والجِسْمِ الذي هو مُعِينُهُ في الحرب، وعُدَّتُهُ عند اللقاء، و«اصطفى»: مأخوذٌ من الصَّفْوة، والجمهورُ على أنَّ العلْم في هذه الآية يرادُ به العمومُ في المعارف، وقيل: المرادُ عِلْمُ الحرب، وأما جِسْمُهُ، فقال وهْبُ بنُ مُنَبِّهٍ: إِن أطْولَ رجُلٍ في بني إِسرائيل كان يَبْلُغ مَنْكِبَ طالوت «٤» .\nت: قال أبو عُبَيْد الهَرَوِيُّ: قوله: وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ، أي:\nانبساطا وتوسُّعًا في العلْم، وطولًا وتمامًا في الجسم. انتهى من شرحه لِغَرِيبَيِ القُرآن وأحاديثِ النبيِّ ﵇.\nولما علم نبيُّهم﵇- تعنُّتهم وجدالَهم، تمَّم كلامه بالقَطْع الذي لا اعتراض عليه، وهو قوله: وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ، وظاهر اللفظ أنه من قول نبيِّهم﵇-، وذهب بعض المتأوِّلين إِلى أنَّه من قول اللَّه تعالى لمحمّد ﷺ، والأول أظهر، وواسِعٌ: معناه: وسعَتْ قدرته، وعلمه كلَّ شيْء، وأما قول النبيّ لهم: إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ، فإِن الطبريَّ ذهب إِلى أن بني إِسرائيل تعنَّتوا، وقالوا لنبيِّهم: وما آية مُلْكِ طالُوتَ؟\nوذلك على جهة سؤالِ الدَّلالة على صِدْقه في قوله: إِنَّ اللَّه بَعَثَهُ.\nقال ع: ويحتمل أنَّ نبيَّهم قال لهم ذلك على جهة التغليظِ والتنبيه على هذه النعمة الَّتي قرَنَها بمُلْكِ طَالُوت، دون تكْذيب منْهم لنبيِّهم، وهذا عندي أظهر من لفظ الآية، وتأويلُ الطبريِّ أشبهُ بأخلاقِ بني إِسرائيل الذميمةِ فإنّهم أهل تكذيب وتعنّت واعوجاج.\n_________\n(١) ذكره البغوي في تفسيره «معالم التنزيل» (١/ ٢٢٨)، وابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٣٣٠) .\n(٢) ذكره الماوردي في «النكت والعيون» (١/ ٣١٤)، وابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٣٣٢) .\n(٣) ينظر «المحرر الوجيز» (١/ ٣٣٢) .\n(٤) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٥/ ٣١٣) برقم (٥٦٥٢)، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٣٣٢) .","vol":"1","page":490},{"text":"وقد حكى الطبريُّ معناه عن ابْنِ عَبَّاس وغيره «١» .\nواختلف في كيفيَّة إِتيان التابُوتِ، فقال وهب: لما صار التابوتُ عند القومِ الذين غَلَبُوا بني إِسْرَائيل، وضَعُوه في كنيسة لهم فيها أصنامٌ، فكانت الأصنام تُصْبِحُ منكَّسة، فجعلوه في قرية قَوْمٍ، فأصاب أولئك القَوْم/ أوجاعٌ، فقالوا: ما هذا إلّا لهذا التابوت، ٦٢ ب فلنردَّه إِلى بني إِسرائيل، فأخذوا عَجَلَةً، فجعلوا التابُوتَ علَيْها، وربَطُوها ببقرتَيْن، فأرسلوهما في الأرضِ نَحْو بلادِ بَني إسرائيل، فبعث اللَّه ملائكَةً تَسُوقُ البقرتَيْنِ حتى دخَلَتَا به على بني إِسرائيل، وهم في أمر طَالُوتَ، فأيقنوا بالنَّصْر.\nوقال قتادةُ، والربيعُ: كان هذا التابوتُ مما تركه موسى عنْد يُوشَعَ، فجعله يُوشَعُ في البريَّة، ومَرَّتْ علَيْه الدُّهُور حتى جاء وقْتُ طَالُوت، فحملَتْه الملائكةُ في الهَوَاء حتى وضعْته بينهم، فاستوثقت بنو إِسرائيل عند ذلك على طالوت «٢»، وقيل غير هذا، واللَّه أعلم.\nوقوله تعالى: فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ ... الآية: قال ابن عَبَّاس: السكينةُ طَسْتٌ من ذهَبٍ من الجَنَّة «٣»، وقال مجاهدٌ: السكينة لها رأس كرأس الهِرَّة، وجنَاحَان، وذَنَب «٤» .\nوقال عطاءٌ: السكينة ما يعرفونَ من الآياتِ، فيسكنون إِليها «٥»، وقال قتادة: سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ أي: وقار لكم من ربِّكم «٦» .\nقال ع: والصحيحُ أن التابوت كانَتْ فيه أشياء فاضلةٌ من بقايا الأنبياء وآثارهم، تَسْكُن إِلى ذلك النُّفُوس، وتأنس به، ثم قَرَّر تعالى أن مجيء التابوتِ آية لهم، إن كانوا\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٥/ ٣١٥)، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٣٣٢) .\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٥/ ٣٢٤) برقم (٥٦٦٢، ٥٦٦٣)، و«المحرر الوجيز» (١/ ٣٣٢) .\n(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٥/ ٣٢٨) برقم (٥٦٧٨)، وذكره البغوي في «معالم التنزيل» (١/ ٢٢٨)، وابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٣٣٢)، والماوردي في «النكت والعيون» (١/ ٣١٦) .\n(٤) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٥/ ٣٢٨) برقم (٥٦٧٥)، و«المحرر الوجيز» لابن عطية (١/ ٣٣٢)، و«الدر المنثور» (١/ ٥٦٢)، وعزاه السيوطي لسفيان بن عيينة، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، والبيهقي في «الدلائل» عن مجاهد.\n(٥) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٥/ ٣٢٩)، والبغوي في «تفسيره معالم التنزيل» (١/ ٢٢٨)، و«النكت والعيون» (١/ ٣١٦)، و«المحرر الوجيز» (١/ ٣٣٢) .\n(٦) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٥/ ٣٢٩) برقم (٥٦٨٤)، وذكره الماوردي في «النكت والعيون» (١/ ٣١٦)، وابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٣٣٣) .","vol":"1","page":491},{"text":"ممَّن يؤمن ويُبْصر.\nت: وهذا يؤيِّد تأويلَ الطبريّ المتقدّم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-195>[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٤٩ الى ٢٥٢]</span>\nفَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ قالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قالُوا لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩) وَلَمَّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٢٥٠) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ (٢٥١) تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢٥٢)\nوقوله تعالى: فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ ... الآية، أي: لما اتفق ملأهم على تمليك طالوتَ، وفصل بهم، أيْ: خرج بهم من القُطْرِ، وفَصَلَ حالَ السفر من حال الإِقامة.\nقال السُّدِّيُّ وغيره: وكانوا ثمانين ألفًا «١»، قالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ أي:\nمختبركم، فمن ظهرت طاعته في تَرْك الماءِ، علم أنه يطيع فيما عدا ذلك، ومن غلبته شهْوَتُه في الماء، وعصى الأمر، فهو بالعصيان في الشدائد أحرى ورخَّص للمطيعين في الغُرْفة ليرتفع عنْهم أذى العَطَش بعض الاِرتفاعِ، وليكسروا نزاعَ النَّفْس في هذه الحال.\nت: ولقد أحْسَنَ من شبه الدُّنْيا بنَهَرِ طالوتَ، فمن اغترف منْها غرفة بيد الزهد، وأقبل على ما يعينه من أمر آخرته، نجا، ومَنْ أكبَّ عليها، صدَّته عن التأهُّب لآخرته، وقلَّت سلامته إِلاَّ أنْ يتدارَكَه اللَّه.\nقال ابن عَبَّاس: وهذا النَّهَر بيْن الأَرْدُنِّ وَفِلَسْطِينَ «٢»، وقال أيضًا: هو نهر فلسطين «٣» .\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٥/ ٣٣٩) برقم (٥٧٠٨)، وذكره السيوطي في «الدر» (١/ ٥٦٣) . [.....]\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٥/ ٣٤٠) برقم (٥٧١٤)، وذكره الماوردي في «النكت والعيون» (١/ ٣١٦) .\n(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٥/ ٣٤١) برقم (٥٧١٥)، وذكره البغوي (١/ ٢٣١)، والماوردي في «النكت والعيون» (١/ ٣١٧)، وابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٣٣٤)، والسيوطي في «الدر»، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس.","vol":"1","page":492},{"text":"قال ع: وظاهرُ قولِ طالوتَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ أنه بإِخبار من النبيِّ لطالوتَ، ويحتمل أنْ يكون هذا مما ألهم اللَّه إِليه طالوتَ، فجرَّب به جنده، وهذه النَّزْعة واجبٌ أنْ تقع من كلِّ متولِّي حَرْب، فليس يحارِبُ إِلا بالجنْدِ المطيعِ، وبَيِّنٌ أن الغرفة كَافَّةُ ضرر العَطَش عنْد الحَزَمَةِ «١» الصَّابرين على شَظَف «٢» العَيْش الَّذين هم في غير الرفاهيَةِ، وقوله:\nفَلَيْسَ مِنِّي، أي: ليس من أصحابي في هذه الحَرْب، ولم يخرجْهم بذلك عن الإيمان، ومثل هذا قول النبيّ ﷺ: «مَنْ غَشَّنَا، فَلَيْسَ مِنَّا» «٣»، و«مَنْ رَمَانَا بالنّبل، ...\n_________\n(١) الحزمة: جمع حازم، ورجل حزيم، وهو من قوم حزماء، وحزّم وحزّام، وأحزام. وهو العاقل المميز ذو الحنكة. ينظر: «لسان العرب» (٨٥٩) .\n(٢) الشّظف: الشدة والضيق، ويبس العيش وشدته.\nينظر: «لسان العرب» (٢٢٦٧) .\n(٣) أخرجه مسلم (١/ ٣٤٨- الأبي)، كتاب «الإيمان»، باب قول النبي ﷺ: «من غشنا فليس منا»، حديث (١٦٤/ ١٠٢)، وأبو داود (٢/ ٢٩٤) كتاب «البيوع»، باب في النهي عن الغش، حديث (٣٤٥٢)، والترمذي (٣/ ٥٩٧)، كتاب «البيوع»، باب ما جاء في كراهية الغش في البيوع، حديث (١٣١٥)، وابن ماجة (٢/ ٧٤٩) كتاب «التجارات»، باب النهي عن الغش، حديث (٢٢٢٤)، وأبو عوانة (١/ ٥٧)، وأحمد (٢/ ٢٤٢)، والحميدي (٢/ ٤٤٧) رقم (١٠٣٣)، وابن الجارود في «المنتقى» رقم (٥٦٤)، وابن حبان (٤٩٠٥- الإحسان)، وابن منده في «الإيمان» رقم (٥٥٠، ٥٥١، ٥٥٢)، والطحاوي في «مشكل الآثار» (٢/ ١٣٤)، والحاكم (٢/ ٨- ٩)، والبيهقي (٥/ ٣٢٠)، كتاب «البيوع»، كلهم من طريق العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة به.\nوقال الترمذي: حديث حسن صحيح.\nوقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم.\nقلت: وقد وهم ﵀ في ذلك فالحديث في «صحيح مسلم»، كما تقدم في التخريج.\nوللحديث شواهد من حديث ابن عمر، وأبي بردة بن نيار، وابن مسعود، والحارث بن سويد، وقيس بن أبي غرزة، وأبي الحمراء، وعائشة.\nحديث ابن عمر:\nأخرجه أحمد (٢/ ٥٠)، والبزار (٢/ ٨٢- كشف) رقم (١٢٥٥)، من طريق أبي معشر، عن نافع، عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: «من غشّنا فليس منا» .\nوالحديث ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٢/ ٢٨٨) . وقال: رواه أحمد، والبزار، والطبراني في «الأوسط»، وفيه أبو معشر وهو صدوق، وضعّفه جماعة.\nوللحديث طريق آخر عن ابن عمر: أخرجه الدارمي (٢/ ٢٤٨)، كتاب «البيوع»، باب في النهي عن الغش، والقضاعي في «مسند الشهاب» (٣٥١)، من طريق يحيى بن المتوكل، ثنا القاسم بن عبيد الله، عن عمه سالم بن عبد الله، عن ابن عمر به. ويحيى بن المتوكل قال الحافظ في «التقريب» (٢/ ٣٥٦): ضعيف.\nحديث أبي بردد بن نيار: -","vol":"1","page":493},{"text":"فَلَيْسَ مِنَّا» «١»، و«لَيْسَ مِنَّا مَنْ شَقَّ الجُيُوبَ، وَلَطَمَ الخُدُودَ» «٢» .\nوفي قوله: وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ سدُّ الذرائعِ لأنَّ أدْنَى الذَّوْق يدْخُل في لفظ الطّعم،\n_________\n- أخرجه أحمد (٣/ ٤٦٦)، والبزار (١/ ٦٨- كشف) رقم (٦٨)، والطبراني في «الكبير» (٢٢/ ١٩٨) رقم (٥٢١)، وابن أبي شيبة (٧/ ٢٩٠) . كلهم من طريق جميع بن عمير عن عمه، يعني أبا بردة مرفوعا.\nوقال الهيثمي في «المجمع» (٢/ ٣١): رواه البزار، وفيه جميع بن عمير، وثقه أبو حاتم، وضعفه البخاري وغيره.\nحديث ابن مسعود:\nأخرجه ابن حبان (٥٦٧)، والطبراني في «الكبير» (١٠٢٣٤)، وفي «الصغير» (١/ ٢٦١) . وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (٤/ ١٨٨- ١٨٩)، والقضاعي في «مسند الشهاب» (٢٥٣) . كلهم من طريق عاصم بن بهدلة، عن زر عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «من غشنا فليس منا، والمكر والخديعة في النار» .\nحديث الحارث بن سويد:\nأخرجه الحاكم (٢/ ٩) .\nحديث قيس بن أبي غرزة:\nأخرجه أبو يعلى (٢/ ٢٣٣) رقم (٩٣٣)، من طريق الحكم بن عتيبة، عن قيس بن أبي غرزة مرفوعا بلفظ: «من غش المسلمين فليس منهم» .\nوذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٤/ ٨٢)، وقال: رواه الطبراني في «الكبير» و«الأوسط»، ورجاله ثقات، وذكره الحافظ في «المطالب العالية» (١٣٦١)، وعزاه إلى أبي يعلى.\nحديث أبي الحمراء:\nأخرجه ابن ماجة (٢/ ٧٤٩) كتاب «التجارات»، باب النهي عن الغش، حديث (٢٢٢٥)، من طريق أبي داود، عن أبي الحمراء به مرفوعا.\nوأبو داود هو نفيع بن الحارث الأعمى متروك كذبه ابن معين، وغيره.\nحديث عائشة:\nأخرجه البزار (٢/ ٨٣- كشف) رقم (١٢٥٦)، وقال البزار: لا نعلمه عن عائشة إلا بهذا الإسناد، والحديث ذكره الهيثمي في «المجمع» (٤/ ٨١)، وقال: ورجاله ثقات.\n(١) أخرجه الطبراني في «الكبير» (١١/ ٢٢١) رقم (١١٥٥٣)، من طريق عكرمة عن ابن عباس.\n(٢) أخرجه البخاري (٣/ ١٦٣)، كتاب «الجنائز»، باب ليس منا من شق الجيوب، حديث (١٢٩٤)، ومسلم (١/ ٩٩)، كتاب «الإيمان»، باب تحريم ضرب الخدود، حديث (١٦٥/ ١٠٣) . والترمذي (٣/ ٣١٥)، كتاب «الجنائز»، باب ما جاء في النهي عن ضرب الخدود، حديث (٩٩٩)، والنسائي (٤/ ٢٠)، كتاب «الجنائز»، باب ضرب الخدود، وابن ماجة (١/ ٥٠٤- ٥٠٥)، كتاب «الجنائز»، باب ما جاء في النهي عن ضرب الخدود وشق الجيوب، حديث (١٥٨٤) . وأحمد (١/ ٤٣٢)، والطيالسي (١/ ١٥٧- منحة) رقم (٧٤٧) . وأبو يعلى (٩/ ١٢٧) رقم (٥٢٠١)، والبيهقي (٤/ ٦٤) كتاب «الجنائز»، والبغوي في «شرح السنة» (٣/ ٢٨٨- بتحقيقنا)، من حديث عبد الله بن مسعود به.\nوقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.","vol":"1","page":494},{"text":"فإِذا وقع النَّهْيُ عن الطُّعْم، فلا سبيل إِلى وقوع الشُّرْبِ ممَّن يتجنَّب الطعْم، ولهذه المبالغةِ لم يأْتِ الكلامُ: ومَنْ لَمْ يَشْرَبْ مِنْهُ.\nص: إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ: استثناءٌ من الجملة الأولى، وهو قوله:\nفَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي، أيْ: إِلاَّ من اغترف غُرْفة بيَده، دون الكَرْع، / فهو منِّي، ٦٣ أوالاستثناء إِذا تعقَّب جملتين فأكثر، أمكَنَ عَوْده إِلى كلِّ منها، فقيل: يعود على الأخيرة، وقيل: إِلى الجميع «١» .\nوقال أبو البقاء: إِنْ شئْتَ، جعلته مِنْ «مَنِ» الأولى، وإِنْ شئْتَ مِنْ «مَنِ» الثانيةِ، وتُعُقِّبَ بأنه لو كان استثناءً من الثانية، وهي: وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي، لَلَزِمَ أنْ يكون: مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً ليس منه لأن الاستثناء من الإِثبات نفيٌ، ومن النفي إِثبات على الصحيح، وليس كذلك لأنه أبيحَ لهم الاغترافُ، والظاهر عوده إِلى الأولى، والجملةُ الثانية مفهومةٌ من الأولى، لأنه حين ذكر أنَّ من شربه، فليس منه، فُهِمَ من ذلك أنَّ مَنْ لم يشرب منه، فإِنه منه. انتهى.\nثم أخبر تعالى أن الأكثر شَرِبَ، وخالَفَ ما أريد منه، روي عن ابن عَبَّاس وغيره أن القوم شَرِبوا على قدر يقينهم، فشرب الكُفَّار شُرْبَ الهيم، وشرب العاصُون دُون ذلك، وانصرف من القوْمِ ستَّة وسبْعُون ألفًا، وبقي بعض المؤمنين، لم يَشْرَبْ شيئًا، وأخذ بعضهم الغُرْفة، فأما مَنْ شرب، فلم يرو، بل برَّح به العطش، وأما من ترك الماء، فَحَسُنَتْ حاله،\n_________\n(١) الصحيح أنه يعود على الجملة الأولى وهي: فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي، والجملة الثانية معترضة بين المستثنى والمستثنى منه، وأصلها التأخير، وإنّما قدّمت لأنها تدلّ عليها الأولى بطريق المفهوم، فإنّه لمّا قال تعالى: فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي فهم منه أنّ من لم يشرب فإنّه منه، فلمّا كانت مدلولا عليها بالمفهوم صار الفصل بها كلا فصل. وقال الزمخشري: «والجملة الثانية في حكم المتأخرة، إلّا أنها قدمت للعناية، كما قدّم «والصابئون» في قوله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ [الحج: ١٧] .\nوالثاني: أنه مستثنى من الجملة الثانية، وإليه ذهب أبو البقاء. وهذا غير سديد لأنه يؤدّي إلى أن المعنى:\nومن لم يطعمه فإنه مني إلّا من اغترف بيده فإنه ليس مني لأنّ الاستثناء من النفي إثبات، ومن الإثبات نفي، كما هو الصحيح، ولكن هذا فاسد في المعنى لأنهم مفسوح لهم في الاغتراف غرفة واحدة.\nوالاستثناء إذا تعقّب الجمل وصلح عوده على كلّ منها هل يختصّ بالأخيرة أم لا؟ خلاف مشهور، فإن دلّ دليل على اختصاصه بإحدى الجمل عمل به، والآية من هذا القبيل، فإنّ المعنى يعود إلى عوده إلى الجملة الأولى لا الثانية لما ذكرت لك.\nينظر: «الدر المصون» (١/ ٦٠٥) .","vol":"1","page":495},{"text":"وكان أَجْلَدَ ممن أخذ الغُرْفَة «١» .\nوقوله تعالى: فَلَمَّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ... الآية: أكثر المفسِّرين على أنه إِنَّما جاوز النَّهَرَ مَنْ لم يشرَبْ إِلا غُرْفة، ومن لم يَشْرَبْ جملةً، ثم كانَتْ بصائرُ هؤلاء مختلفةً فبعضٌ كَعَّ، وقليلٌ صَمَّم، وهم عِدَّة أهل بدرٍ ثَلاثُمِائَةٍ، وبضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا.\nوقوله تعالى: قالُوا لاَ طاقَةَ.\nقال ابن عبَّاس: قال كثير من الأربعةِ الآلافِ الباقيَةِ مع طالُوت، الذين جاوزوا النَّهَر:\nلاَ «٢» طاقَةَ لَنَا على جهة الفَشَل، والفزع من الموت، وانصرفوا عن طالوتَ، فقال المؤمنون الموقنُون بالبَعْث، والرجوعِ إِلى اللَّه تعالى، وهم عِدَّة أهل بَدْر: كَمْ مِنْ فِئَةٍ، والظنُّ على هذا القول: اليقينُ والفئةُ: الجماعة التي يرجعُ إِليها في الشدائد، وفي قولهم﵃- كَمْ مِنْ فِئَةٍ ... الآية: تحريضٌ بالمثالِ، وحضٌّ واستشعارٌ للصبر، واقتداء بمن صَدَق ربَّه، وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ بنصره وتأييده.\nوقوله تعالى: وَلَمَّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا ... الآية:\nبَرَزُوا: معناه صَارُوا في البَرَازِ، وهو الأفْيَحُ من الأرض المتَّسِع، والإِفْرَاغُ: أعظم الصبِّ، وكان جالوتُ أمير العمالقة، ومَلِكَهُم، ورُوِيَ في قصَّة داود وقَتْله جالوتَ أنَّ أصحَابَ طالُوتَ كان فيهم إِخوة دَاوُد، وهم بنو أيش، وكان داود صغيرًا يرعى غنَمًا لأبيه، فلمَّا حضَرَتِ الحربُ، قال في نفْسه: لأذهبنَّ لرؤية هذه الحرْب، فلمَّا نهض مَرَّ في طريقه بحَجَر، فناداه: يا دَاوُد، خُذْنِي، فَبِي تَقْتُلُ جالُوتَ، ثم ناداه حَجَرٌ آخَرُ، ثم آخر، ثم آخَرُ، فأخَذَها، وجعَلَها في مِخْلاَتِهِ، وسار، فلَمَّا حَضَر البأْسُ، خَرَجَ جالُوتُ يطلب مُبَارِزًا، فكَعَّ الناسُ عَنْه حتى قال طالوتُ: مَنْ بَرَز له، ويَقْتُلُه، فأنا أزوِّجه ابنَتِي، وأحكِّمه في مالِي، فجاء داوُدُ، فقال: أنا أَبْرُزُ له، وأقتلُه، فقال له طالوت: فاركب فَرَسِي، وخُذْ سلاحِي، ففَعَلَ، وخَرَج في أحْسَنِ شِكَّةٍ، فلمَّا مشى قَليلًا، رجَع، فقال الناسُ: جَبُنَ الفتى، فقَالَ داوُد: إِنَّ اللَّه سبحانه، إِنْ لم يَقْتُلْهُ لِي، ويعينَنِي علَيْه، لم ينفعْنِي هذا الفَرَسُ، ولا هذا السِّلاحُ، ولكنِّي أحبُّ أنْ أقاتِلَهُ على عادَتِي، قال: وكان داوُدُ من أرمى النّاس بالمقلاع، ٦٣ ب فنَزَلَ، وأخَذَ مِخْلاَته، / فتقلَّدها، وأخَذَ مِقْلاَعه، فخَرَج إِلى جَالُوتَ، وهو شَاكٍ فِي السِّلاحِ، فقال له جالوت: «أنْتَ، يا فتى، تَخْرُجُ إِلَيَّ» . قال: نعم، قال: هكذا كما\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٥/ ٣٤٥) بنحوه، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٣٣٥) .\n(٢) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٣٣٦) .","vol":"1","page":496},{"text":"يُخْرَجُ إِلى الكَلْبِ، قال: نعم، وأنْتَ أهْوَنُ، قَالَ: لأُطْعِمَنَّ اليَوْمَ لَحْمَكَ الطيرَ، والسِّبَاعَ، ثُمَّ تدَانَيَا، فأدار دَاوُدُ مِقْلاَعَهُ، وأدْخَلَ يدَهُ إِلى الحجارةِ فرُوِيَ أنَّها التأمت، فصارَتْ واحدًا، فأَخذه، ووضَعَه في المِقْلاَع، وسمَّى اللَّهَ، وأدارَهُ، ورَمَاه، فأصَابَ به رَأسَ جالُوت، فقتله، وحزَّ رأسَهُ، وجعَلَهُ في مِخْلاَته، واختلط النَّاسُ، وحَمَل أصْحَاب طالُوتَ، وكانَتِ الهزيمةُ، ثم إِنَّ داوُدَ جاء يَطْلُبُ شرطَهُ من طالُوتَ، فقال له: إِن بناتِ المُلُوكِ لهُنَّ غرائِبُ من المَهْرِ، ولا بُدَّ لك من قَتْل مائَتَيْنِ من هؤُلاَء الجَرَاجِمَةِ «١» الذينَ يُؤْذُونَ النَّاس، وتجيئَنِي بغُلُفهِمْ «٢»، وطمع طالوتُ أنْ يُعَرِّض داوُدَ للقَتْلِ بهذه النَّزْعَة، فقَتَل داوُدُ منْهم مائَتَيْنِ، وجاء بذلك، وطَلَبَ امرأته، فدَفَعَهَا إِليه طالُوتُ، وعَظُم أمْرُ داود، فيروى أنَّ طالُوتَ تخلى له عن المُلْك، وصار هو المَلِكَ، وقد أكْثَر الناس في قَصَص هذه الآية، وذلك كلُّه ليِّن الأَسانيد فلذلك انتقَيْتُ منه ما تنفكُّ به الآية، ويعلم به مناقلُ النازلة.\nوأما الحكْمَةُ التي آتاه اللَّه، فَهِيَ النبوَّة، والزَّبُور، وعلَّمه سبحانه صَنْعَة الدُّرُوع، ومَنْطِقَ الطَّيْر، وغيْرَ ذلك من أنواع علْمه- صلَّى اللَّه على نبيِّنا وعلَيْه-.\nوقوله تعالى: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ ... الآية:\nأخبر اللَّه سبحانه في هذه الآية أنه لوْلاَ دفعه بالمؤمنين في صدور الكَفَرة على مرِّ الدَّهْر، لَفَسَدَتِ الأرْض لأن الكُفْر كان يطبقها، ولكنه سبحانه لا يُخْلِي الزمانَ مِنْ قَائِمٍ بحقٍّ، وداعٍ إِلى اللَّه إِلى أنْ جعل ذلك في أمَّة محمَّد إلى قيامِ السَّاعة له الحَمْدُ كَثيرًا.\nص: وَلكِنَّ استدراكٌ بإثبات الفضل للَّه سبحانه على جميع العالمين لما يتوهَّمه من يريد الفَسَاد أنَّ اللَّه غير متفضِّل عليه إِذ لم يبلِّغه مقاصده واحتيج إلى هذا التقديرِ لأن «لَكِنَّ» تكونُ بين متنافِيَيْن بوجْهٍ مَّا- انتهى.\nوالإِشارةُ ب تِلْكَ إلى ما سلف من القصص والأنباء، وفي هذه القصَّة بجملتها مثالٌ عظيمٌ للمؤمنين ومعتَبَرٌ، وقد كان أصحاب نبيّنا محمّد ﷺ معدِّين لحَرْب الكفَّار، فلهم في هذه النازلة معتَبَرٌ يقتضي تقْوِيَة النفُوسِ، والثقَةَ باللَّه سبحانه، وغير ذلك من وجوه العبر.\n_________\n(١) أي لصوص يستلبون الناس، وينتهبونهم. والجراجمة: قوم من العجم بالجزيرة. ويقال: الجراجمة نبط الشام. ينظر: «لسان العرب» (٥٨٦) .\n(٢) هو جمع غلاف، والغلاف ما اشتمل على الشيء، والغلاف: غلاف السيف والقارورة، وسيف أغلف، وقوس غلفاء، وكذلك كل شيء في غلاف. ورجل مغلّفّ: عليه غلاف من هذه الآدم ونحوها.\nينظر: «لسان العرب» (٣٢٨٢، ٣٢٨٣) .","vol":"1","page":497},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-196>[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٥٣ الى ٢٥٤]</span>\nتِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ (٢٥٣) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤)\nقوله سبحانه: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ ... الآية: «تِلْكَ»: رفْعٌ بِالابتداءِ، والرسُل: خبره، ويجوز أنْ يكُونَ «الرُّسُلُ» عطْفَ بيانٍ، و«فَضَّلْنَا»: الخبَر، و«تِلْكَ»: إِشارة إِلى جماعة، ونصَّ اللَّه سبحانه في هذه الآية على تفضيل بعْض النَّبيِّين على بعضٍ من غير تعْيين.\nوقوله تعالى: وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ:\nقال مجاهد وغيره: هي إِشارة إلى نبيِّنا محمَّد ﷺ لأنه بعث إِلى الناس كافَّة، وأعطي الخُمُسَ الَّتي لَمْ يُعْطَهَا أَحَدٌ قبله، وهو أعْظَمُ النَّاس أمَّةً، وختم اللَّه به النبوَّات «١» إِلى غير ذلك ممَّا أعطاه من الخُلُقِ العظيمِ، ومِنْ معجزاتِهِ، وباهرِ آياته، ويَحْتَمِلُ اللفْظُ أن يراد به نبيّنا محمّد ﷺ وغيره ممَّن عظُمَتْ آياته، وبيِّناتُ عيسى﵇- إِحياءُ الموتى، وإِبراء الأكْمَه، والأبْرَص، وخَلْق الطَّيْر من الطِّين، ورُوحُ القُدُسِ جبريلُ- عليه ٦٤ أالسلام- وقد تقدَّم/ ما قال العلماءُ فيه.\nوقوله تعالى: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ ... الآية: معنى الآيةِ: ولو شاء اللَّه ما اقتتل النَّاس بعد كُلِّ نبيٍّ، فمنهم مَنْ آمَنَ، ومِنْهُمْ مَنْ كفر بغيًا وحَسَدًا، وعلى حُطَامِ الدنيا، وذلك كلُّه بقضاء، وقَدَرٍ، وإِرادةٍ من اللَّه سبحانه، ولو شاء اللَّه خلافَ ذلك، لكان، ولكنَّه المستأْثِرُ بسرِّ الحكمة في ذلك، وهو الفَعَّال لما يريد سبحانه.\nص: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ، قيل: في الكلام حذْفٌ، أي: فاختلف أممهم، فاقتتلوا، ولو شاء اللَّهُ، فمفعولُ «شَاءَ» محذوفٌ، أي: «أَلاَّ يَقْتَتِلُوا» انتهى.\nوقوله: مَا اقْتَتَلُوا، أي: بأنْ قاتل المؤمنُونَ الكافرينَ على مَرِّ الدهر، وذلك هو\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٣) برقم (٥٧٥٧) بنحوه، وذكره ابن عطية (١/ ٣٣٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٥٧١)، وعزاه لآدم بن أبي إياس، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي في «الأسماء والصفات» . [.....]","vol":"1","page":498},{"text":"دفَاعُ اللَّه النَّاسَ بعضَهُم ببعض.\nقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ ... الآيةَ، قال ابن جُرَيْج: هذه الآيةُ تجمعُ الزكاةَ والتطوُّع، أي «١»: وجميعَ وجوهِ البرِّ من سبيلٍ وصلةِ رحمٍ، وهذا كلامٌ صحيحٌ، لكن ما تقدَّم من الآيات في ذكْر القتَالِ يرجِّح أنَّ هذه النفقةَ في سَبيل اللَّه، ويقوِّي ذلك قولُه: وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ، أي: فكافِحُوهم بالقتَالِ بالأنْفُس، وإِنفاقِ الأموال ممَّا رزقْنَاكم، وهذا غاية الإِنعام والتفضُّل منه سبحانه أنْ رَزَق، ثم نَدَب للنفقةِ ممَّا به أنعم، وحذَّر سبحانه من الإِمساك إِلى أنْ يأتي يَوْم لا يمكنُ فيه بيْعٌ، ولا شراءٌ، ولا استدراك نفقةٍ في ذاتِ اللَّه تعالى، إِذ هي مبايعةٌ إِذ البيعُ فديةٌ لأن المرء قد يشتري نفْسَه، ومرادَهُ بماله فكأن معنى الآية أنْ لا فديةَ يوم القيامة، ولا خُلَّةَ نافعة، وأهل التقوى في ذلك اليَوْمِ بينهم خُلَّة، ولكنَّه غير محتاج إِلَيْها.\nت: وفي قوله: «غَيْر مُحْتَاجٍ إِلَيْهَا» قلقٌ، ولا شفاعة يَومَئِذٍ إِلا لِمَنْ أذن له سبحانه، فالمنفيُّ مثل حال الدُّنيا من البَيْع، والخُلَّة، والشَّفاعة بغير إِذْن المَشْفوع عنده، قال عطاءُ بن دِينَار: الحَمْدُ للَّهِ الَّذي قال: وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ، ولم يقل:\nوالظّالمون هم الكافرون» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-197>[سورة البقرة (٢): آية ٢٥٥]</span>\nاللَّهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِما شاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)\nوقوله تعالى: اللَّهُ لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ... الآية: هذه الآيةُ سيِّدة آي القرآن، وورد في الحديثِ «أَنَّهَا تَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآن» «٣»، وورد «أنَّ مَنْ قَرَأَهَا أَوَّلَ لَيْلِهِ، لَمْ يَقْرَبْهُ شَيْطَانٌ» وكذلك مَنْ قَرَأَهَا أَوَّلَ نهاره «٤»، وهي متضمّنة التوحيد والصّفات العلا،\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٥) برقم (٥٧٦٢)، وذكره البغوي في «تفسيره»، وذكره أيضا ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٣٣٩)، والسيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٥٧١)، وغزاه لابن جرير، وابن المنذر.\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٦) برقم (٥٧٦٤)، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز»، (١/ ٣٤٠)، والسيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٥٧١)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم.\n(٣) تقدم تخريجه.\n(٤) أخرجه النسائي في «عمل اليوم والليلة» (٩٦١)، وأبو يعلى كما في «النكت الظراف» (١/ ٣٨)، وابن حبان (٧٨٤) . وأبو نعيم في «دلائل النبوة» (٢/ ٧٦٥)، والحاكم (١/ ٥٦٢) . والبيهقي في «الدلائل» (٧/ ١٠٩) . والطبراني (٥١٤) . كلهم من حديث أبي بن كعب أنه كان له جرن فيه تمر، فكان-","vol":"1","page":499},{"text":"وعن أنسِ بنِ مالكٍ، قال: قال النبيُّ ﷺ لفاطمةَ: «مَا مَنَعَكِ أَنْ تَسْمَعِي، مَا أَوْصَيْتُكِ بِهِ، تَقُولِينَ، إِذَا أَصْبَحْتِ، وَإِذَا أَمْسَيْتِ: يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ، أَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ، وَلاَ تَكِلْنِي إلى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ»، رواه النَّسائيُّ، واللفظ له، والحاكمُ في «المستدرك» على الصحيحين، وقال: صحيح على شرط الشيخين، يعني البخاريَّ ومسلما «١» . انتهى من «السلاح» .\nوعن ابن مسعود أنّ النبيّ ﷺ كَانَ إِذَا نَزَلَ بِهِ هَمٌّ أَوْ غَمٌّ، قال: «يا حي يا قيوم، برحمتك أستغيث» رواه الحاكم في «المستدرك»، وقال: صحيح الإِسناد «٢»، ورواه الترمذيُّ من حديث أنسٍ «٣»، والنَّسائيّ من حديثِ رَبِيعَةَ بْنِ عامرٍ «٤»، انتهى من «السِّلاح» .\nواللَّه: مبتدأ، ولا إِلَهَ: مبتدأ ثانٍ، وخبره محذوف، تقديره معبود أو موجود، ٦٥ أوقيّوم: بناءُ مبالغةٍ، أي: هو القائم على كلِّ نفس بما كَسَبَتْ بهذا المعنى/ فسَّره مجاهدٌ، والرَّبيع، والضَّحَّاك «٥»، ثم نفى ﷿ أنْ تأخذه سِنَةٌ أو نَوْم. وفي لفظٍ: الأَخْذُ غلبة\n_________\n- يتعاهده، فوجده ينقص، فحرسه ذات ليلة، فإذا هو بدابة شبه الغلام المحتلم قال: فسلمت، فرد السلام، فقلت: من أنت؟ جني أم إنسي؟ قال: جني. قلت: ناولني يدك، فناولني، فإذا يداه يد كلب، وشعره شعر كلب، فقلت: هكذا خلق الجن؟ قال: لقد علمت الجن أن ما فيهم من هو أشد مني، قلت: ما حملك على ما صنعت؟ قال: بلغني أنك رجل تحب الصّدقة، فأحببنا أن نصيب طعامك، فقال له أبيّ: فما الذي يجيرنا منكم، قال: هذه الآية آية الكرسي التي في «سورة البقرة»، من قالها حين يمسي أجير منا حتى يصبح، ومن قالها حين يصبح أجير منا حتى يمسي، فلما أصبح أتى رسول الله ﷺ فأخبره فقال: «صدق الخبيث» .\n(١) أخرجه الحاكم (١/ ٥٤٥)، كتاب «الدعاء»، من حديث أنس بن مالك.\nوقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي.\n(٢) أخرجه الحاكم (١/ ٥٠٩)، من طريق وضاح بن يحيى النهشلي، ثنا النضر بن إسماعيل البجلي، ثنا عبد الرحمن بن إسحاق، ثنا القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه، عن ابن مسعود به، وقال الحاكم:\nصحيح الإسناد ولم يخرجاه. وتعقبه الذهبي. فقال: عبد الرحمن لم يسمع من أبيه، ومن بعده ليسوا بحجة.\n(٣) أخرجه الترمذي (٥/ ٥٣٩) كتاب «الدعوات»، باب (٩٢)، حديث (٣٥٢٤)، من طريق يزيد الرقاشي عن أنس به. وقال: هذا حديث غريب.\n(٤) ربيعة بن عامر، صحابي له حديث، وعنه يحيى بن حسان، شيخ لابن المبارك. ينظر: «الخلاصة» ت (٢٠٤١) .\n(٥) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٧) برقم (٥٧٦٧، ٥٧٧٠)، وذكره البغوي في «تفسيره» (١/ ٢٣٨)، وابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٣٤٠)، والسيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٥٧٩)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم عن الربيع، ولآدم بن أبي أياس، وابن جرير، والبيهقي عن مجاهد.","vol":"1","page":500},{"text":"مَّا، فلذلك حَسُنَتْ في هذا الموضِعِ بالنفْيِ، والسِّنَةُ: بدْء النُّعَاس، وليس يفقد معه كلّ الذِّهْن، والنَّوْمُ هو المستثْقَلُ الذي يزولُ معه الذهْن، والمراد بالآية: التنزيهُ أنه سبحانه لا تدركُه آفة، ولا يلحقه خَلل بحالٍ من الأحوال، فجعلت هذه مثالًا لذلك، وأقيمَ هذا المذكورُ من الآفاتِ مقام الجميعِ، وهذا هو مفهومُ الخطَابِ «١» كما قال تعالى: فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ [الإسراء: ٢٣] .\nت: وبيانه أنه إِذا حرم التأفيف، فأحرى ما فوقه من الشَّتْمِ، والضَّرْب في حقِّ الأبوَيْن، وروى أبو هريرة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يَحْكِي عَنْ موسى عَلَى المِنْبَرِ، قَالَ: «وَقَعَ فِي نَفْسِ موسى: هَلْ يَنَامُ اللَّهُ- جَلَّ ثَنَاؤُهُ- فَأَرْسَلَ اللَّهُ إِلَيْهِ مَلَكًا فَأرَّقَهُ ثَلاَثًا، ثُمَّ أعْطَاهُ قَارُورَتَيْنِ فِي كُلِّ يَدٍ قَارُورَةً، وأَمَرَهُ بِأَنْ يَحْتَفِظَ بِهِمَا، قَالَ: فَجَعَلَ يَنَامُ، وتَكَادُ يَدَاهُ تَلْتَقِيَانِ، ثُمَّ يَسْتَيْقِظُ، فَيَحْبِسُ إِحْدَاهُمَا عَنِ الأخرى حتى نَامَ نَوْمَةً، فاصطفقت يَدَاهُ، فانكسرت القَارُورَتَانِ، قَالَ: ضَرَبَ اللَّهُ لَهُ مَثَلًا أَنْ لَوْ كَانَ يَنَامُ، لَمْ تَسْتَمْسِكِ السَّمَاءُ والأرض» «٢» .\nقوله تعالى: لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ، أي: بالملك فهو مالكُ الجميع، وربُّه، ثم قرَّر، ووَقَفَ تعالى من يتعاطى أنْ يشفع إِلاَّ بإذنه، أي: بأمره.\nص: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ: «مَنْ»: مبتدأ، وهو استفهام معناه النفْيُ ولذا دخلَت «إِلاَّ» في قوله: إِلَّا بِإِذْنِهِ، والخبر «ذَا»، و«الَّذِي» نعْتٌ ل «ذَا» أو بدل منه، وهذا على أنَّ «ذا» اسمُ إِشارةٍ، وفيه بُعْد لأن الجملة لم تستقلَّ ب «مَنْ» مع «ذَا»، ولو كان خبرًا، لاستقلَّ، ولم يحتجْ إِلى الموصولِ، فالأولى أنَّ «مَنْ» ركّبت مع «ذا» للاستفهام.\nانتهى.\n_________\n(١) يطلق المفهوم، ويقصد به معنى دلّ عليه اللّفظ لا في محلّ النّطق، أو هو: «دلالة اللّفظ على معنى في غير محلّ النّطق بأن يكون ذلك المعنى حكما لغير المذكور في الكلام، وحالا من أحواله، سواء كان ذلك الحكم موافقا لحكم المذكور، أو مخالفا له.\nينظر: «المفهوم» لشيخنا الخضراوي، و«شرح العضد» (٢/ ١٧١)، و«البرهان» (١/ ٤٤٩)، و«العدة» (١/ ١٥٤)، و«الإحكام» للآمدي (٣/ ٦٢)، و«جمع الجوامع» (١/ ٢٤٠)، و«الآيات البينات» (٢/ ١٥، ٢٣)، و«شرح الكوكب» (٣/ ٤٨٠، ٤٨٩)، و«روضة الناظر» (١٣٨، ١٣٩)، و«إرشاد الفحول» (١٧٨- ١٩٨)، و«تيسير التحرير» (١/ ٩١- ٩٨)، و«فواتح الرحموت» (١/ ٤١٣- ٤١٤)، و«شرح التنقيح» (٥٣)، و«الحدود» للباجي (٥٠)، و«نشر البنود» (١/ ٩٤- ٩٨)، و«المدخل» (٢٧١) .\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» رقم (٥٧٨٠) عن أبي هريرة مرفوعا.","vol":"1","page":501},{"text":"قال مجاهدٌ وغيره: مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ: الدُّنيا، وَما خَلْفَهُمْ: الآخرة «١»، وهذا صحيحٌ في نفْسه عند موت الإِنسان لأن ما بين اليَدِ هو كلُّ ما تقدَّم الإِنسان، وما خَلْفه:\nهو كلُّ ما يأتي بعده، وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ، أي: مِن معلوماته لأن علْم اللَّه تعالى لا يتبعَّض، ومعنى الآية: لاَ مَعْلُومَ لأحدٍ إلا ما شاء اللَّه أنْ يعلمه، قال ابن عبَّاس:\nكُرْسيُّه: علْمه «٢» [قالَ] الطبريُّ «٣»: ومنه الكُرَّاسَة.\nقال ع «٤»: والذي تقتضيه الأحاديثُ أنَّ الكرسيَّ مخلوقٌ عظيمٌ بَيْن يَدَيِ العَرْشِ، والعَرْشُ أعظمُ منْه وقد قال رسول الله ﷺ يقول: «مَا السَّمَوَاتُ السَّبْعُ فِي الكُرْسِيِّ إِلاَّ كَدَرَاهِمَ سَبْعَةٍ أُلْقِيَتْ فِي تُرْسٍ» وقال أبو ذَرٍّ: سمعت رسول الله ﷺ يَقُولُ: «مَا الكُرْسيُّ فِي العَرْش إِلاَّ كَحَلْقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ أُلْقِيَتْ فِي فَلاَةٍ مِنَ الأَرْضِ» «٥» وهذه الآية مُنْبِئَةٌ عن عِظَمِ مخلوقاتِ اللَّه سبحانَهُ، والمستفادُ من ذلك عِظَمُ قدرتِهِ- جل وعلا- إِذ لا يَؤُوده حفْظُ هذه المخلوقاتِ العظيمة، وَلا يَؤُدُهُ: معناه: لا يُثْقِلُهُ، ولا يشقُّ عليه، وهو تفسير ابن عبّاس وغيره، والْعَلِيُّ: يراد به عُلُوُّ القَدْر، والمنزلةِ، لا عُلُوُّ المكانِ لأن اللَّه سبحانه منزَّه عن التَّحَيُّز وكذا الْعَظِيمُ: هو صفةٌ بمعنى عِظَم القَدْر، والخَطَر، لا على معنى عِظَمِ الأجْرَامِ، ومن «سلاح المؤمن» قال: وعن أبي أُمَامَةً، قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ قَرَأَ آيَةَ الكُرْسِيِّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلاَةٍ مَكْتُوبَةٍ، لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ دُخُولِ الجَنَّةِ إِلاَّ أَنْ يَمُوتَ» . رواه النَّسَائِيُّ «٦» عن الحُسَيْن بن بشر «٧»\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ١١) برقم (٥٧٨٣)، وذكره البغوي في «تفسيره» (١/ ٢٣٩)، وابن عطية في «تفسيره» (١/ ٣٤١)، والسيوطي في «الدر المنثور»، وعزاه لابن جرير (١/ ٥٨٠) .\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ١١) برقم (٥٧٨٨)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٣٤٢)، والماوردي في «تفسيره» (١/ ٣٢٥)، وابن كثير في «تفسيره» (١/ ٣٠٩)، والسيوطي في «تفسيره» (١/ ٥٨٠)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في «الأسماء والصفات» عنه. [.....]\n(٣) ذكره الطبري (٣/ ١٢) .\n(٤) ذكره ابن عطية (١/ ٣٤٢) .\n(٥) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ١٠)، وأبو الشيخ في «العظمة» (٢/ ٥٨٧)، من طريق عبد الرحمن بن زَيْد بن أسْلَمُ، عن أبيه، عن أبي ذر.\nوقال ابن كثير في «البداية والنهاية» (١/ ١٣): أول الحديث مرسل، وعن أبي ذر منقطع.\nوقال الذهبي: «العلو» (ص ٩١): هذا مرسل، وعبد الرحمن ضعيف.\n(٦) أخرجه النسائي في «الكبرى» (٦/ ٣٠) كتاب «عمل اليوم والليلة»، باب من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة، حديث (٩٩٢٨) .\n(٧) الحسين بن بشر الطّرسوسي، عن محمد بن حمير، وحجّاج بن محمد، وعنه النسائي، ووثقه، قال-","vol":"1","page":502},{"text":"عن محمَّد بن حِمْيَرَ «١»، عن محمَّد بن زيَادٍ/ الألهانيِّ، عن أبي أُمَامَةَ، فأما الحُسَيْن، فقال ٦٥ ب فيه النَّسائيُّ: لا بأس به، وقال في موضِعٍ آخر: ثِقَة، وقال أبو حاتِمٍ: شيخ، وأما المُحمَّدان، فاحتج بهما البخاريُّ في «صحيحه»، وقد أخرج شيخُنا الحافظُ أبو محمَّد الدِّمْيَاطِيُّ «٢» - ﵀- الْحَدِيثَ في بَعْضِ تصانِيفِهِ مِنْ حديثِ أبِي أمَامَةَ، وعليٍّ، وعبد اللَّه بنِ عُمَر، والمُغِيرَة، وجابرٍ، وأنَس، قال: وإِذَا ضمت هذه الأحاديث بعضُها إلى بعض، أخذت قوة. انتهى من «السلاح» .\nوقد أخْرج البخاريُّ والنَّسَائِيُّ من حديث أبي هُرَيْرة في قصَّته مع الشَّيْطَان وأخْذِهِ الطَّعام، ما هو مَعْلُومٌ من فَضْل هذه الآية.\nوفيه: أنه إِذا قرأْتَهَا حِينَ تَأوي إلى فِرَاشِكَ، لَمْ يَزَلْ عَلَيْكَ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ، وَلاَ يَقْرَبْكَ شَيْطَانٌ حتى تُصْبِحَ، وخرَّجه الترْمِذِيُّ من حدِيثِ أبي أَيُّوبَ في قصَّته مع الغُول نحْو حديث أبِي هريرة «٣» قال الغزَّاليُّ ما معناه: إِنما وصفت بكونها سيِّدة آي القرآن لاشتمالها على اسم اللَّه الأعظم، وهو الحيُّ القيومُ قاله في «الجواهر»، وأسند صاحب «غاية المغنم\n_________\n- المزّي: لم أقف على روايته عنه.\nينظر: «الخلاصة» (١/ ٢٢٣) .\n(١) محمد بن حمير القضاعي السّليحي الحمصي، عن محمد بن زياد، وبجير بن سعد، وصفوان بن عمرو، وخلق، وعنه داود بن رشد، ومحمد بن مصفّى، وعمرو بن عثمان، وخلق.\nقال دحيم: مات سنة مائتين. ينظر: «الخلاصة» (٢/ ٣٩٦- ٣٩٧) .\n(٢) عبد المؤمن بن خلف بن أبي الحسن بن شرق بن الخضر بن موسى، شرف الدين أبو محمد، وأبو أحمد الدمياطي، ولد ب «دمياط» سنة ٦١٣، وتفقّه بها وقرأ بالسبع على الكمال الضرير، وسمع الكثير، ورحل، ولازم المنذري سنين، وتخرج به، ودرس لطائفة المحدثين بالمنصورية، وسمع منه أبو الفتح الأبيوردي، وروى عنه من تلامذته: المزي، والبرزالي، والذهبي، وابن سيد الناس والسبكي وغيرهم.\nنعته الذهبي ببقية نقاد الحديث. وله مصنفات نفيسة منها «السيرة النبوية»، و«الصلاة الوسطى» وغيرهما. مات سنة ٧٠٥. انظر: «طبقات ابن قاضي شهبة» (٢/ ٢٢٠)، «طبقات السبكي» (٦/ ١٣٣)، «الأعلام» (٤/ ٣١٨) .\n(٣) أخرجه الترمذي (٥/ ١٨٥) كتاب «فضائل القرآن»، باب ما جاء في فضل سورة البقرة وآية الكرسي، حديث (٢٨٨٠) . وأحمد (٥/ ٤٢٣)، والحاكم (٣/ ٤٥٩)، والطبراني في «الكبير» (٤/ ١٩٣) رقم (٤٠١١)، وأبو الشيخ في «العظمة» (١٠٩١) . كلهم من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبي أيوب الأنصاري به.\nوقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.\nوذكره السيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٥٧٦)، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة، وابن أبي الدنيا في «مكائد الشيطان» . وأبي نعيم في «الدلائل» .","vol":"1","page":503},{"text":"في اسم اللَّهِ الأعْظَمِ»، عن غَالِبٍ القَطَّان «١»، قال: مكثْتُ عشْرَ سنينَ، أدعو اللَّه أنْ يعلِّمني اسمه الأعْظَم الَّذي إِذا دُعِيَ به أجَابَ، وإِذا سُئِلَ به أعطى، فأتانِي آتٍ في مَنَامِي ثَلاَثَ لَيَالٍ مُتَوَالِيَاتٍ يَقُولُ: يَا غَالِبُ قُلْ: يَا فَارِجَ الهَمِّ، وَيَا كَاشِفَ الغَمِّ، يَا صَادِقَ الوَعْدِ، يَا مُوفِيًا بِالْعَهْدِ، يَا مُنْجِزًا لِلْوَعْدِ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، لاَ إله إِلاَّ أَنْتَ. انتهى من «غاية المغنم» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-198>[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٥٦ الى ٢٥٧]</span>\nلا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لاَ انْفِصامَ لَها وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦) اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٥٧)\nقوله تعالى: لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ: الدِّينُ، في هذه الآية:\nهو المُعْتَقَدُ، والمِلَّة، ومقتضى قولِ زَيْدِ بن أسْلَمَ أن هذه الآية مكِّيَّة، وأنها من آيات الموادَعَة الَّتي نسخَتْها آية السَّيْف «٢»، وقال قتادةُ والضَّحَّاك بنُ مُزَاحِمٍ: هذه الآية مُحْكَمَةٌ خاصَّة في أهل الكتاب الذينَ يبذُلُون الجزْيَة «٣»، وقوله تعالى: قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ:\nمعناه: بنصب الأدلّة، ووجود الرسول ﷺ الدَّاعِي إِلى اللَّه، والآياتِ المُنيرة، والرُّشْدُ:\nمصْدَر من قولك: رَشِدَ بكسر الشين، وضَمِّها، يَرْشُدُ رُشْدًا، ورَشَدًا، ورَشَادًا، والغيُّ مصدر من: غَوِيَ يغوى، إِذا ضلَّ في معتقد، أو رأْيٍ، ولا يُقَال: الغيُّ في الضلال على الإِطلاق، والطَّاغُوتَ بنَاءُ مبالغةٍ من: طغى يطغى، واختلف في مَعْنى الطَّاغوت، فقال عُمَر بْنُ الخَطَّاب وغيره: هو الشَّيْطَان «٤»، وقيل: هو السَّاحِر، وقيل: الكَاهِنُ، وقيل:\nالأصْنَام، وقال بعضُ العلماء: كُلُّ ما عُبِدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فهُوَ طَاغُوتٌ.\n_________\n(١) غالب بن خطّاف (بضم المعجمة وتشديد الطاء) القطّان، أبو سليمان بن أبي غيلان البصري، عن ابن سيرين، وبكر المزني، وعنه شعبة، وابن عليّة، وبشر بن المفضّل، وثقه أحمد وابن معين.\nينظر: «الخلاصة» (٢/ ٣٢٩) .\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ١٨)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٣٤٢) .\n(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ١٧، ١٨)، برقم (٥٨٢٩) (٥٨٢٣٠)، وذكره البغوي في «تفسيره» عن قتادة (١/ ٢٤٠)، والماوردي في «تفسيره» (١/ ٣٢٧) عن قتادة، وابن عطية في «تفسيره» (١/ ٣٤٣) .\nوالسيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٥٨٣)، وعزاه لعبد بن حميد، وأبي داود في «ناسخه»، وابن جرير عن قتادة.\n(٤) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٢٠) برقم (٥٨٣٥) وذكره الماوردي في «تفسيره» (١/ ٣٢٧)، وابن عطية في «تفسيره» (١/ ٣٤٤)، وابن كثير في «تفسيره» (١/ ٣١١)، والسيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٥٨٤)، وعزاه للفريابي، وسعيد بن منصور، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن عمر.","vol":"1","page":504},{"text":"ع «١»: وهذه تسميةٌ صحيحة في كلِّ معبودٍ يرضى ذلك كفرعَوْنَ ونُمْرُوذ، وأما مَنْ لا يرضى ذلك، فسمي طاغوتًا في حقِّ العَبَدَةِ، قال مجاهد: العروةُ الوثقَى:\nالإِيمانُ «٢»، وقال السُّدِّيُّ: الإِسلام «٣»، وقال ابن جُبَيْر وغيره: لا إِله إِلا الله «٤» .\nقال ع «٥»: وهذه عباراتٌ تَرْجِعُ إِلى معنًى واحدٍ.\nوالاِنْفِصَامُ: الاِنكسارُ من غَيْر بَيْنُونَةٍ، وقد يجيءُ بمعنى البَيْنُونة «٦»، والقَصْم كسر بالبينونة.\nت: وفي «الموطّإ» عن النبيّ ﷺ أنَّهُ قَالَ: «إِنَّ الوَحْيَ يَأْتِينِي أَحْيَانًا فِي مِثْلِ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ، وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ، فَيَفْصِمُ عَنِّي، وَقَدْ وَعَيْتُ» «٧» . قال أبو عُمَر في «التمهيد»: قوله: «فَيَفْصِمُ عَنِّي»: معناه: ينفرجُ عنِّي، ويذهب كما تفصمُ الخلخال، إِذا فتحته لتخرجَهُ من الرِّجْل، وكلُّ عُقدْة حلَلْتَهَا، فقد فَصَمْتَها/، قال الله ﷿: ٦٥ ب فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لَا انْفِصامَ لَها، وانفصامُ العروةِ أنْ تنفَكَّ عن موضعها، وأصْلُ الفَصْم عند العرب: أنْ تفكَّ الخلخال، ولا يبين كَسْره، فإِذا كسرته، فقد قَصَمْتَهُ بالقافِ.\nانتهى.\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (١/ ٣٤٤) . [.....]\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٢١) برقم (٥٨٤٨) عن محمد بن عمرو، عن أبي عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، وذكره الماوردي في «تفسيره» (١/ ٣٢٨)، وابن عطية في «تفسيره» (١/ ٣٤٤)، وابن كثير في «تفسيره» (١/ ٣١١)، والسيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٥٨٤)، وعزاه لسفيان، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم.\n(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١/ ٢٢) برقم (٥٨٥٠)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٣٤٤)، وابن كثير في «تفسيره» (١/ ٣١١) .\n(٤) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١/ ٢٢)، وابن عطية في «تفسيره» (١/ ٣٤٤)، وابن كثير في «تفسيره» (١/ ٣١١) .\n(٥) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٣٤٤) .\n(٦) البينونة والبين في كلام العرب جاء على وجهين: يكون بمعنى الفرقة، ويكون الوصل، وهو هنا من الأول، يقال: ضربه فأبان رأسه من جسده وفصله.\nينظر: «لسان العرب» (٤٠٣، ٤٠٤) .\n(٧) أخرجه مالك (١/ ٢٠٢- ٢٠٣): كتاب «القرآن»، باب ما جاء في القرآن، حديث (٧)، عن هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة أن الحارث بن هشام سأل رسول الله ﷺ، كيف يأتيك الوحي؟ فذكره.\nومن طريق مالك: أخرجه البخاري (١/ ٢٥- ٢٦)، كتاب «بدء الوحي»، حديث (٢) .\nوأخرجه مسلم (٤/ ١٨١٦): كتاب «الفضائل»، باب عرق النبي ﷺ في البرد، حديث (٨٧/ ٢٣٣٣)، من طرق عن هشام بن عروة به.","vol":"1","page":505},{"text":"ولما كان الإِيمان ممَّا ينطقُ به اللِّسان، ويعتقده القلبُ، حَسُن في الصفاتِ- سَمِيعٌ: من أجل النّطق، وعَلِيمٌ من أجْل المعتقَدِ.\nقوله سبحانه: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا ... الآية: الوليُّ من: وَلِيَ، فَإِذا لازم أحدٌ أحدًا بنَصْره، وودِّه، واهتباله، فهو وليُّه هذا عُرْفُهُ لغةً، ولفظ الآية مترتِّب في الناس جميعًا، وذلك أن منْ آمن منهم، فاللَّه وليُّه، أخرجه من ظلمة الكُفْر إِلى نور الإِيمان، ومَنْ كفر بعد وجودِ الرسول ﷺ فَشَيْطَانَهُ ومُغْوِيهِ أخرجه من الإِيمان إِذ هو معدٌّ وأهل للدخول فيه، ولفظ الطاغوت في هذه الآيةِ يَقْتَضِي أنَّه اسم جنْسٍ ولذلك قال: أَوْلِياؤُهُمُ بالجمع إذ هي أنواع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-199>[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٥٨ الى ٢٥٩]</span>\nأَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٢٥٨) أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٥٩)\nقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ ... الاية: أَلَمْ تَرَ: تنبيهٌ، وهي رؤية القَلْب، والَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ، هو نُمْرَوذُ بْنُ كَنْعَانَ «١» مَلِكُ زمانه، وصاحبُ النَّار، والبَعُوضَةِ، قاله مجاهد وغيره «٢»، قال قتادة: هو أولُ من تجبَّر، وهو صاحبُ الصَّرْح بِبَابِلَ «٣»، قيل: إِنه مَلكَ الدُّنْيَا بأجمعها، وهو أحد الكَافِرَيْنِ، والآخر بُخْتَ نَصَّرَ «٤»، وقيل: إِن النُّمْرُوذَ الذي حاجَّ إِبراهيم هو نُمْرُوذُ بْنُ فَالخ، وفي قصص هذه\n_________\n(١) وهو نمروذ بن كنعان بن كوش بن سام بن نوح ملك بابل الجبار، وهو أول من وضع التاج على رأسه، وتجبر في الأرض وادعى الربوبية. ينظر: «تفسير ابن كثير» (١/ ٣١٣)، و«الطبري» (٥/ ٤٣٠) .\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٢٥) برقم (٥٨٦٢)، وذكره البغوي في «تفسيره» (١/ ٢٤١) بنحوه، وابن عطية في «تفسيره» (١/ ٣٤٥)، والسيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٥٨٥)، وعزاه لابن جرير.\n(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٢٦) برقم (٥٨٦٧)، وذكره ابن عطية (١/ ٣٤٤)، والسيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٥٨٤)، وعزاه لابن جرير.\n(٤) «بختنصر البابلي»: كان في ابتداء أمره مسكينا صعلوكا مريضا عالجه رجل كان يقرأ الكتب من بني إسرائيل، أرسله ملك الفرس في عسكر إلى الشام، وأمّره عليهم، فساروا وغنموا وعادوا سالمين، فلما كثرت في بني إسرائيل الأحداث والمعاصي دخل بخت نصر وجنوده «بيت المقدس»، فقتل بني إسرائيل-","vol":"1","page":506},{"text":"المحاجَّة روايتان.\nإحداهما: ذكر زيْد بن أسْلم أنَ النُّمْروذ هذا قَعَدَ يأمر للنَّاس بالميرة «١»، فكلَّما جاء قومٌ، قال: مَنْ رَبُّكُمْ وَإِلَهُكِمْ، فيقولُونَ: أَنْتَ، فيقولُ: مِيرُوهُمْ، وجاء إِبراهيم﵇-، يَمْتَارُ، فَقَالَ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ وَإِلَهُكَ؟ قَالَ إِبْرَاهِيمُ: رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ، فَلَمَّا سَمِعَهَا نُمْرُوذُ، قَالَ: أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ، فَعَارَضَهُ إِبْرَاهِيمُ بِأَمْرِ الشَّمْسِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ، وَقَالَ: لاَ تُمِيرُوهُ، فَرَجَعَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى أَهْلِهِ دُونَ شَيْءٍ، فَمَرَّ على كَثِيبٍ رَمْلٍ كَالدَّقِيقِ، فَقَالَ: لَوْ مَلأْتُ غَرَارَتِي مِنْ هَذَا، فَإذَا دَخَلْتُ بِهِ، فَرِحَ الصِّبْيَانُ حتى أَنْظُرَ لَهُمَا، فَذَهَبَ بِذَلِكَ، فَلَمَّا بَلَغَ مَنْزِلَهُ، فَرِحَ الصِّبْيَانُ، وَجَعَلاَ يَلْعَبَانِ فَوْقَ الغِرَارَتَيْنِ، وَنَامَ هُوَ مِنَ الإِعْيَاءِ، فَقَالَتِ امرأته: لَوْ صَنَعْتُ لَهُ طَعَامًا يَجِدُهُ حَاضِرًا، إِذَا انتبه، فَفَتَحَتْ إِحْدَى الْغِرَارَتَيْنِ، فَوَجَدَتْ أَحْسَنَ مَا يَكُونُ مِنَ الحَوَارِيِّ، فَخَبَزَتْهُ، فَلَمَّا قَامَ: وَضَعَتْهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ هَذَا؟ قَالَتْ: مِنَ الدَّقِيقِ الَّذِي سُقْتَ، فَعَلِمَ إِبْرَاهِيمُ أنَّ اللَّه يسَّر لَهُمْ ذَلِكَ.\nوقال «٢» الربيعُ وغيره في هذا القصص: إِن النُّمروذَ لَمَّا قال: أنَا أُحْيِي وأُمِيتُ، أَحْضَرَ رَجُلَيْنِ، فَقَتَل أحَدَهُمَا، وأَرْسَلَ الآخَرَ، وقَالَ: قَدْ أحْيَيْتُ هَذَا، وأَمَتُّ هذا، فردَّ علَيْهِ إِبراهيمُ بأمْرِ الشمْسِ «٣» .\nوالروايةُ الأخرى: ذكر السُّدِّيُّ أنه لما خَرَجَ إِبراهيمُ من النَّار، وأُدْخِلَ على المَلِكِ، قالَ له: مَنْ ربُّكَ؟ قَالَ: ربِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ «٤» .\nيقالُ: بُهِتَ الرَّجُلُ، إِذا انقطعَ، وقامت عليه الحجّة.\n_________\n- وخرب «بيت المقدس»، وعاد إلى «بابل»، وأقام في سلطانه إلى ما شاء الله. ينظر: «الكامل» لابن الأثير (١/ ٢٦١، ٢٦٦) .\nوانظر أقوال المفسرين: في «تفسير الثوري» (ص ٧١)، و«الدر» (١/ ٣٣١- ٣٣٣) عن علي، وابن عباس، وعكرمة، وقتادة، وسليمان بن بريدة، والضحاك، والسدي، وعبد الله بن سلام، وكعب، والحسن، ووهب. والطبري (٥/ ٤٣٩) عنهم، و«كنز العمال» (٢/ ٢٦٤)، وابن كثير (١/ ٣١٤) عن علي وغيره، و«فتح القدير» (١/ ٢٧٩) .\n(١) الميرة: الطعام يمتاره الإنسان، قال ابن سيده: الميرة جلب الطعام، وفي التهذيب: جلب الطعام للبيع.\nينظر: «لسان العرب» (٤٣٠٦) .\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٢٧) برقم (٥٨٧٦) وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٣٤٥) .\n(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٢٨) برقم (٥٨٧٨)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٣٤٦) . [.....]\n(٤) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٢٨) برقم (٥٨٧٩) وذكره ابن كثير في «تفسيره» (١/ ٣١٣) .","vol":"1","page":507},{"text":"وقوله تعالى: وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ: إخبار لمحمّد ﷺ وأمته، والمعنى:\nلا يرشدهم في حججهم على ظُلْمهم، وظاهر اللفْظ العمومُ، ومعناه الخصوصُ لأنَّ اللَّه سبحانه قد يَهْدي بعْضَ الظالمينَ بالتَّوْبة والرجوع إِلى الإِيمان.\nقوله تعالى: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها ... الآية: عطفت «أوْ» في هذه الآية على المعنى الَّذِي هو التعجُّب في قوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ.\n٦٦ أقال ابن عبَّاس وغيره: الذي مَرَّ على القَرْيَة هو عُزَيْرٌ، وقال «١» / وهْبُ بن مُنَبِّهٍ وغيره: هو أَرْمِيَا «٢»، قال ابن إِسحاق: أَرْمِيَا هو الخَضِرُ «٣»، وحكاه النَّقَّاش عن وهْب بن منَبِّه.\nواختلف في القَرْيَةِ، مَا هِيَ؟ فقِيلَ: المُؤْتَفِكَةُ، وقال زيْدُ بن أسلم: قريةُ الَّذين خَرَجُوا مِنْ ديارهم، وهم أُلُوفٌ «٤»، وقال وهْبُ بن مُنَبِّهٍ، وقتادة، والضَّحَّاك، والرَّبيع، وعِكْرِمَة: هي بَيْت المَقْدِسِ «٥»، لما خرَّبها بُخْتَ نَصَّرُ البابليُّ، والعَرِيشُ: سقْف البيتِ، قال السُّدِّيُّ: يقول: هي ساقطةٌ على سَقْفِها، أي: سقطت السقْف، ثم سقطت الحيطانُ عليها «٦»، وقال غيره: معناه: خاوية من الناس، وخاوية: معناه: خاليةٌ يقال: خَوَتِ الدَّارُ تَخْوِي خَوَاءً وخُوِيًّا، ويقال: خويت، قال الطبريُّ «٧»: والأول أفصح، قال ص:\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٣٠) برقم (٥٨٩١) وذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٣٤٧)، وابن كثير في «تفسيره» (١/ ٣١٤)، والسيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٥٨٧)، وعزاه لابن جرير، وابن عساكر.\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٣٠) برقم (٥٨٩٣)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٣٤٧)، والماوردي في «تفسيره» (١/ ٣٣١)، وابن كثير (١/ ٣١٤)، والسيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٥٨٩)، وعزاه لعبد الرزاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ في «العظمة» .\n(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٣٠) برقم (٥٨٩١)، وذكره الماوردي في «تفسيره» (١/ ٣٣١)، وابن عطية في «تفسيره» (١/ ٣٤٧)، وابن كثير في «تفسيره» (١/ ٣١٤) .\n(٤) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٣٢) برقم (٥٩٠٦)، وذكره الماوردي في «تفسيره» (١/ ٣٣١)، وابن عطية في «تفسيره» (١/ ٣٤٧)، وقد ذكروا هذا الأثر عن ابن زيد.\n(٥) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٣١) بأرقام (٥٩٠٠)، (٥٩٠١)، (٥٩٠٣)، بأسانيد مختلفة، وذكره البغوي في «تفسيره» (١/ ٢٤٣)، وابن عطية في «تفسيره» (١/ ٣٤٧)، والسيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٥٨٩) . وعزاه لابن جرير.\n(٦) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٣٣) برقم (٥٩١٠) . وذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٣٤٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٥٨٩)، وعزاه لابن جرير.\n(٧) ذكره الطبري (٣/ ٣٢) .","vol":"1","page":508},{"text":"وَهِيَ خاوِيَةٌ في موضع الحالِ من فَاعِلِ «مرّ» أو من «قرية» وعَلى عُرُوشِها: قيل:\nعلى بابِهَا، والمعنى: خاويةٌ من أهلها، ثابتةٌ على عروشها، والبُيُوت قائمةٌ، والمَجْرور على هذا يتعلَّق بمحذوفٍ، وهو ثابتةٌ، وقيل: يتعلَّق ب «خَاوِيَة» والمعنى: وقعتْ جُدُرَاتُهَا على سقوفها بعْد سُقُوط السقوفِ. انتهى، وقد زدنا هذا المعنى وضوحًا في سورة الكهف، واللَّه الموفِّق بفضله.\nوقوله: أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها: ظاهر اللفظ السؤَالُ عن إِحياءِ القَرْيَة بعمارةٍ أو سُكَّانٍ، فكأنَّ هذا تلهُّفٌ من الواقِفِ المعتبر على مدينة أحبَّته، ويحتمل أنْ يكونَ سؤاله إِنما كانَ عن إِحياء الموتى، فضرب له المَثَل في نَفْسه، وحكى الطبريُّ «١» عن بعضهم أنَّ هذا القَوْلَ منه شك في قدرة اللَّه على الإِحياء قال ع «٢»: والصواب ألاَّ يتأول في الآية شكٌّ، وروي في قصص هذه الآية أنَّ بني إِسرائيل، لَمَّا أحدثوا الأحدَاثَ، بعث اللَّه عليهم بُخْتَ نَصَّرَ، فقتَلَهُم، وجَلاَهم من بْيتِ المَقْدِسِ، وخرَّبه، فلَمَّا ذهب عنه، جاء عُزَيْرٌ أَوْ أزمِيَّا، فوقَف على المدينة معتبرًا، فقال: أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فأماته اللَّه تعالى، وكان معه حمارٌ قد رَبَطَهُ بحَبْلٍ جديدٍ، وكان معه سَلَّة فيها تِينٌ هو طعامه، وقيل: تِينٌ وعِنَبٌ، وكانتْ معه رِكْوة «٣» من خَمْر، وقيل: من عصيرٍ، وقيل: قُلَّة من ماءٍ هي شرابُهُ، وبقي ميتًا مائةَ عامٍ، فروي أنَّه بَلِيَ، وتفرَّقت عظامه هو وحمارُهُ، وروي أنَّ الحمار بَلِيَ، وتفرَّقت أوصاله، دون عُزَيْرٍ.\nوقوله تعالى: ثُمَّ بَعَثَهُ: معناه: أحياه، فسأله اللَّه تعالى بوسَاطَةِ المَلَكِ، كَمْ لَبِثْتَ على جهة التقرير، فقال: لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ، قال ابن جُرَيْج، وقتادة، والربيع: أماته اللَّه غدوة يَوْمٍ، ثم بعثه قُرْبَ الغروبِ، فظنَّ هو اليومَ واحدًا، فقال: لَبِثْتُ يومًا، ثم رأى بَقِيَّةً مِن الشمْسِ، فَخَشِيَ أنْ يكون كاذبًا، فقال: أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ، فقيل له:\nبَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ «٤» .\nوقوله تعالى: فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ، أي: لم يتغيّر.\n_________\n(١) ذكره الطبري (٣/ ٣٣) .\n(٢) ذكره ابن عطية (١/ ٣٤٨) .\n(٣) الرّكوة: إناء صغير من جلد يشرب فيه. والجمع ركوات، وركاء. ينظر: «لسان العرب» (١٧٢٢) .\n(٤) أخرجه الطبري عن ابن جريج، قتادة، الربيع (٣/ ٣٨) بأرقام (٥٩١٥)، (٥٩١٦)، (٥٩١٧)، (٥٩١٨)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٣٤٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٥٨٩)، وعزاه لابن أبي حاتم عن قتادة.","vol":"1","page":509},{"text":"ت: قال البخاريُّ في «جامعه»: يَتَسَنَّهْ: يتغيَّر.\nوأمَّا قوله تعالى: وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ، فقال وهْبُ بن منَبِّه وغيره: المعنى: انظر إِلى اتصال عظامِهِ، وإِحيائه جُزْءًا جُزْءًا «١»، ويروى أنه أحياه اللَّهُ كذلك حتى صار عظَامًا ملتئِمَةً، ثم كساه لَحْمًا، حتى كمل حمارًا، ثم جاء ملَكٌ، فنفَخَ في أنْفِهِ الرُّوح، فقام الحمارُ ينْهَقُ.\nورُوِيَ عن الضَّحَّاكِ، ووهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أيضًا أنهما قالا: بل قيلَ لَهُ: وانظر إلى حمارك قائمًا في مربطه، لم يُصِبْهُ شيء مِائَةَ سَنَةٍ، قالا: وإِنما العظامُ التي نَظَر إِلَيْها عظامُ نَفْسِهِ، وأعمى اللَّه العُيُون عنه، وعن حِمَاره طُولَ هذه المُدَّة «٢»، وكثّر أهل القصص في ٦٦ ب صورة هذه النَّازلة تَكْثيرًا اختصرته، / لعدم صحته.\nوقوله تعالى: وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ، قال ع «٣»: وفي إِمَاتَتِهِ هذه المُدَّةَ، ثم إِحيائِهِ- أعظمُ آية، وأمره كلّه آية للناس غابر الدهر.\nت: قال ابن هِشَامٍ: لا يصحُّ انتصاب «مِائَة» ب «أَمَاتَهُ» لأن الإِماتة سلْبُ الحياة، وهي لا تمتدُّ، وإِنما الوجْهُ أنْ يضمَّن «أَمَاتَهُ» معنى «أَلْبَثَهُ»، فكأنه قيلَ: فألبثه اللَّه بالمَوْت مِائَةَ عامٍ وحينئذٍ يتعلَّق به الظرف. انتهى من «المُغْنِي» .\nومعنى «نُنْشِرُهَا»، أي: نُحْيِيها، وقرأ حمزةُ وغيره: «نُنْشِزُهَا» «٤» ومعناه: نرفعها، أي: ارتفاعا قليلًا قليلًا فكأنه وَقَفَ على نباتِ العظامِ الرُّفَاتِ، وقال النَّقَّاشُ: نُنْشِزُهَا:\nمعناه: نُنْبِتُهَا، ومِنْ ذلك: نَشَزَ نَابُ البعير.\n_________\n(١) أخرجه الطبري بنحوه (٣/ ٤٢) برقم (٥٩٣٩)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٣٥٠) .\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٤٢) برقم (٥٩٣٩) بنحوه، عن وهب بن منبه، وبرقم (٥٩٣٩) عن الضحاك، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٣٥٠) . [.....]\n(٣) ذكره ابن عطية (١/ ٣٥٠) .\n(٤) وحجتهم أن العظام إنما توصف بتأليفها وجمع بعضها إلى بعض إذ كانت العظام نفسها لا توصف بالحياة، لا يقال: قد حيّ العظم. وإنما يوصف بالإحياء صاحبها.\nوحجة أخرى، وهي قوله سبحانه: ثُمَّ نَكْسُوها لَحْمًا دل على أنها قبل أن يكسوها اللحم غير أحياء، فلما قال: ثُمَّ نَكْسُوها لَحْمًا علم بذلك أنه لم يحيها قبل أن يكسوها اللحم.\nينظر: «السبعة» (١٨٩)، و«الحجة للقراء السبعة» (٢/ ٣٧٩)، و«معاني القراءات» (١/ ٢٢٢)، و«إعراب القراءات» (١/ ٩٦، ٩٧)، و«العنوان» (٧٥)، و«حجة القراءات» (١٤٤)، و«شرح شعلة» (٢٩٥)، و«شرح الطيبة» (٤/ ١١٨)، و«إتحاف فضلاء البشر» (١/ ٤٤٩) .","vol":"1","page":510},{"text":"وقوله تعالى: فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ: المعنى: قال هو: أَعلَمُ أنَّ اللَّه على كلِّ شيء قديرٌ، وهذا عنْدي لَيْسَ بإِقرار بما كان قَبْلُ يُنْكِرُهُ كما زعم الطبريُّ «١»، بل هو قولٌ بَعَثَهُ الاعتبارُ كما يقول الإِنسان المؤمن، إِذا رأى شيئًا غريبًا مِنْ قدرةِ اللَّهِ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، ونحْو هذا.\nوأما قراءة حمزةَ والكسائي «٢»: «قال اعلم» . موصولةَ الألفِ، ساكنةَ الميمِ، فتحتمل وجهيْن:\nأحدهما: قال المَلَكُ له: اعلم، وقد قرأ ابن مسعود، والأعمشُ «٣»: «قِيلَ اعلم» .\nوالوجه الثاني: أنْ يُنَزِّلَ نفسه منزلةَ المُخَاطَبِ الأجنبيِّ المُنْفَصِلِ، أي: قال لنفسه:\nاعلم، وأمثلة هذا كثيرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-200>[سورة البقرة (٢): آية ٢٦٠]</span>\nوَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٦٠)\nقوله تعالى: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى ... الآية: قال جمهور العلماء: إِن إبراهيم﵇- لم يكُنْ شَاكًّا في إِحياء اللَّه الموتى قطُّ، وإنما طلب المعايَنَة، وأما قول النبيّ ﷺ: «نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ» «٤» فمعناه: أنْ لو كانَ شَكَّ، لكنَّا نحْنُ أَحَقُّ به، ونحن لا نشكّ، فإبراهيم- عليه\n_________\n(١) ذكره الطبري (٣/ ٤٧) .\n(٢) ينظر: «السبعة» (١٨٩)، و«الحجة» (٢/ ٣٨٣)، و«حجة القراءات» (١٤٤)، و«معاني القراءات» (١/ ٢٢٣)، و«شرح شعلة» (٢٩٦)، و«العنوان» (٧٥)، و«شرح الطيبة» (٤/ ١١٨)، و«إتحاف» (١/ ٤٤٩) .\n(٣) قراءة ابن مسعود ذكرها ابن زنجلة في «حجة القراءات» (ص ١٤٤) وابن خالويه في «مختصر الشواذ» (ص ٢٣)، والزمخشري في «الكشاف» (١/ ٣٠٨)، وقراءتهما معا في «المحرر الوجيز» (١/ ٣٥١)، و«البحر المحيط» (٢/ ٣٠٨)، وقراءة الأعمش وحده في «الدر المصون» (١/ ٦٢٨) .\n(٤) أخرجه البخاري (٦/ ٤٧٣)، كتاب «الأنبياء»، باب قوله: وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ، حديث (٣٣٧٢)، و(٦/ ٤٨١) باب قول الله تعالى: لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ، حديث (٣٣٨٧)، و(٨/ ٤٩)، كتاب «التفسير»، باب: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ، حديث (٤٥٣٧)، وباب تفسير سورة يوسف، حديث (٤٦٩٤)، و(١٢/ ٣٩٧)، كتاب «التعبير»، باب رؤيا أهل السجون، حديث (٦٩٩٢)، ومسلم (١/ ١٣٣)، كتاب «الإيمان»، باب زيادة طمأنينة القلب بتظاهر الأدلة، حديث (٢٣٨/ ١٥١)، وابن ماجة (٢/ ١٣٣٥)، كتاب «الفتن»، باب الصبر على البلاء، حديث (٤٠٢٦)، -","vol":"1","page":511},{"text":"السلام- أحرى ألاَّ يشكَّ، فالحديث مبنيٌّ على نفْيِ الشكِّ عن إِبراهيم، والذي روي فيه عن النبيّ ﷺ أنَّهُ قَالَ: «ذَلِكَ مَحْضُ الإِيمَانِ» «١» إِنما هو في الخواطر الجاريَةِ الَّتي لا تثبتُ، وأما الشَّكُّ، فهو توقّف بيْن أمرين، لا مزية لأحدهما على الآخرِ، وذلك هو المنفيُّ عن الخليل ﷺ.\nوإِحياء الموتى إِنما يثبُتُ بالسمْع، وقد كان إِبراهيمُ أُعْلِمَ بذلك يدلُّك على ذلك قولُهُ: رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ [البقرة: ٢٥٨]، والشكُّ يبعد على من ثبت قدمه في\n_________\n- والطبري في تفسيره بأرقام (٥٩٧٣)، (٥٩٧٣)، (١٩٣٩٩)، (١٩٤٠٠)، وأحمد (٢/ ٣٢٦)، وابن حبان (٦٢٠٨)، والطحاوي في «مشكل الآثار» (١/ ١٣٤)، والبيهقي في «الأسماء والصفات» ص (٥٠٧)، وابن منده في «الإيمان» (٣٦٩، ٣٧٠، ٣٧١)، والبغوي في «شرح السنة» (١/ ١٢٣- بتحقيقنا) . كلهم من حديث أبي هريرة مرفوعا.\nقال البغوي في «شرح السنة» (١/ ١٢٤): حكي عن أبي إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني أنه قال: لم يشك النبي، ولا إبراهيم (صلوات الله عليهما) في أن الله قادر على أن يحيي الموتى، وإنما شكّا أن يجيبهما إلى ما سألاه، ومما يؤيد هذا الذي ذكره المزني ما روي عن ابن عباس في قوله ﷿:\nرَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قال: أعلم أنك تجيبني إذا دعوتك، وتعطيني إذا سألتك.\nقال أبو سليمان الخطّابي: ليس في قوله: «نحن أحق بالشك من إبراهيم» اعتراف بالشك على نفسه، ولا على إبراهيم، لكن فيه نفي الشك عنهما، يقول: إذا لم أشك أنا، ولم أرتب في قدرة الله (﷿) على إحياء الموتى، فإبراهيم أولى بأن لا يشك ولا يرتاب، وقال ذلك على سبيل التواضع، والهضم من النفس، وفيه الإعلام أن المسألة من قبل إبراهيم لم تعرض من جهة شك، لكن من قبل زيادة العلم فإن العيان يفيد من المعرفة والطمأنينة ما لا يفيده الاستدلال، وقوله: لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي، أي: بيقين النظر.\n(١) أخرجه مسلم (١/ ١١٩): كتاب «الإيمان»، باب بيان الوسوسة في الإيمان، وما يقوله من وجدها، حديث (٢١١/ ١٣٣)، والنسائي في «عمل اليوم والليلة»، كما في «تحفة الإشراف» (٧/ ١٠٧)، وأبو عوانة (١/ ٧٩)، وابن حبان (١٤٩- الإحسان)، وابن منده في «الإيمان» (٣٤٧)، والطحاوي في «مشكل الآثار» (٢/ ٢٥١) والبغوي في «شرح السنة» (١/ ١٢٠- بتحقيقنا) . وكلهم من طريق إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود قال: سألنا رسول الله ﷺ عن الرجل يجد الشيء، لو خر من السماء فتخطفه الطير كان أحب إليه من أن يتكلم به؟ قال: ذلك محض، أو صريح الإيمان. اهـ.\nوقال ابن حبان: إذا وجد المسلم في قلبه، أو خطر بباله من الأشياء التي لا يحل له النطق بها- من كيفية الباري جل وعلا، أو ما يشبه هذه، فرد ذلك على قلبه بالإيمان الصريح، وترك العزم على شيء منها- كان رده إياها من الإيمان، لا أن خطرات مثلها من الإيمان.\nوقال البغوي: قال أبو سليمان الخطابي: قوله ﷺ: «ذلك صريح الإيمان» معناه أن صريح الإيمان هو الذي يمنعكم من قبول ما يلقيه الشيطان في أنفسكم، والتصديق به، وليس معناه أن الوسوسة نفسها صريح الإيمان، وذلك أنها إنما تتولد من فعل الشيطان وتسويله، فكيف يكون إيمانا صريحا.","vol":"1","page":512},{"text":"الإِيمان فقَطْ، فكيف بمرتبة النبوَّة والخُلَّة، والأنبياءُ معصومون من الكبائرِ، ومن الصغائرِ التي فيها رذيلةٌ إِجماعًا، وإِذا تأمَّلت سؤاله﵇- وسائِرَ ألفاظ الآيةِ، لم تعط شكًّا، وذلك أنَّ الاستفهام ب «كَيْفَ»، إِنما هو عن حالِ شيء موجودٍ، ومتقرّر الوجودِ عند السائل والمسئول نحو قولكَ: كَيْفَ عِلْمُ زَيْدٍ، وَكَيْفَ نَسْجُ الثَّوْبِ؟ ف «كَيْفَ» في هذه الآية إِنما هي استفهامٌ عن هيئة الإِحياء، والإِحياءُ متقرِّر، ولما وجدنا بعض المنكرين لوجودِ شيْء قد يعبَّر عن إِنكاره بالاستفهام عن حالةٍ لذلك الشيء، يعلم أنها لا تصحّ، فنيلزم من ذلك أنَّ الشيْءَ في نفْسه لا يصحُّ مثال ذلك: أنْ يقولَ مدَّعٍ: أنا أرفَعُ هذا الجَبَلَ، فيقول المكذِّب: كَيْفَ ترفعه، فهذه طريقة مجازٍ في العبارة، ومَعْنَاها: تسليمٌ جدليٌّ كأنه يقول: افرض أنَّك ترفعه، أَرِنِي كيف، فلمّا كان في عبارة الخليل ﷺ هذا الاشتراكُ المجازيُّ، خَلَّصَ اللَّه سبحانه ذلك/، وحمَلَهُ على أنْ يبيّن الحقيقةَ، فقال له: ٦٧ ب أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى فكمل الأمر، وتخلَّص من كلِّ شك، ثم علَّل﵇- سؤاله بالطّمأنينة.\nت: قال الداوديّ: وعن ابن جُبَيْر: أَوَلَمْ تُؤْمِنْ بالخُلَّة «١»، قال مجاهدٌ، والنَّخَعِيُّ: وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي، أي: أزداد إِيمانًا إِلى إِيماني «٢»، وعن قتادة: لأزداد يقينًا «٣» . انتهى.\nقال ع «٤»: وقوله تعالى: أَوَلَمْ تُؤْمِنْ معناه: إِيمانًا مطلقًا دخل فيه فصْل إِحياء الموتى، والواو: واو حالٍ دخَلَتْ عليها ألِفُ التقريرِ، وقال ص: الهمزة في أَوَلَمْ تُؤْمِنْ للتقرير كقوله تعالى: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح: ١] وكقوله [الوافر]:\nأَلَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ المطايا «٥» ...\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٥٠)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٣٥٢) .\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٥٢)، برقم (٥٩٨٤)، وذكره الماوردي في «تفسيره» (١/ ٣٣٤)، وابن عطية في «تفسيره» (١/ ٣٥٣) .\n(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٥٢) برقم (٥٩٧٩)، وذكره الماوردي في «تفسيره» (١/ ٣٣٤)، وابن عطية في «تفسيره» (١/ ٣٥٣) .\n(٤) ذكره ابن عطية (١/ ٣٥٣) .\n(٥) صدر بيت لجري، وعجزه\n............... ... ... وأندى العالمين بطون راح-","vol":"1","page":513},{"text":"أي: قد شَرَحْنا لك صدرك، وأنتم خَيْر.\nوقولُ ابن عطيَّة «١»: «الواو للحالِ، دخَلَتْ عليها ألفُ التقرير»: متعقَّب، والظاهر أنَّ التقرير منسحبٌ على الجملة المنفيَّة فقطْ، وأن الواو للعطْف. انتهى.\nولِيَطْمَئِنَّ: معناه: ليسكُنَ، فطمأنينةُ القَلْب هي أنْ تَسْكُنَ فِكَرُهُ في الشيء المعتَقَدِ، والفِكَرُ في صورة الإِحياء غيْرُ محظورةٍ كما لنا نحن اليوم أنْ نفكِّر فيها، بل هي فِكَرٌ، فيها عِبَرٌ، فأراد الخليلُ أن يعاين، فتذهب فِكَرُهُ في صُورة الإِحياء إِذ حرَّكه إِلى ذلك، إِما الدابَّةُ المأكولةُ في تأويل، وإِمَّا قولُ النُّمْرُوذِ: أنا أُحْيِي وأميتُ في تأويل آخر، ورُوِيَ أن الأربعة التي أَخَذَ إِبراهيم﵇- هي الدِّيكُ، وَالطَّاوُسُ، والحَمَامُ، وَالغُرَابُ، قاله مجاهد وغيره «٢»، وقال ابن عباس: مكان الغرابِ الكَرْكِيّ، فروي أنه أخذها﵇- حَسَب ما أمر، وذكَّاها، ثم قَطَعها قِطَعًا قِطَعًا صِغَارًا، وجمع ذلك مع الدم والرِّيش، ثم جعل من ذلك المجْمُوع المختلط جزْءًا على كلِّ جبل، ووقَفَ هو من حيثُ يرى تلك الأجزاء، وأمْسَك رُءُوس الطَّيْر في يده، ثم قال: تَعَالَيْنَ بإِذنِ اللَّه، فتطايَرَتْ تلك الأجزاءُ، وطار الدمُ إِلى الدمِ، والريشُ إِلى الريشِ حتى التأمت كما كانَتْ أولًا، وبقيتْ بلا رءوسٍ، ثم كرر النداء، فجاءته سعيًا حتى وضعت أجسادها في رءوسها، وطارتْ بإِذن اللَّه تعالى.\nوقوله تعالى: فَصُرْهُنَّ، يقال: صُرْتُ الشَّيْءَ، أصُورُهُ، بمعنى: قطعته، ويقال أيضًا: صُرْتُ الشيْءَ، بمعنى: أَمَلْتُهُ، وقد تأوَّل المفسِّرون اللفظة بمعنى التقطيع، وبمعنى الإمالَةِ، وقد قال ابن عَبَّاس وغيره في هذه الآية: «صرهنّ»: معناه: قطّعهنّ «٣»، وقال\n_________\n- وهو من قصيدة مدح بها عبد الملك بن مروان مطلعها:\nأتصحو بل فؤادك غير صاح ... عشيّة همّ صحبك بالرّواح\nوهو في ديوانه (ص ٨٥، ٨٩)، و«الجنى الداني» (ص ٣٢) و«شرح شواهد المغني» (١/ ٤٢) و«لسان العرب» (٧/ ١٠١) (نقص) و«مغني اللبيب» (١/ ١٧) وبلا نسبة، في «الخصائص» (٢/ ٤٦٣، ٣/ ٢٦٩)، و«رصف المباني» (ص ٤٦)، و«شرح المفصل» (٨/ ١٢٣)، و«المقتضب» (٣/ ٢٩٢) .\nواستشهد بمجىء همزة الاستفهام للإيجاب وتحقق الكلام. والمعنى: أنتم خير من ركب المطايا. [.....]\n(١) ذكره ابن عطية (١/ ٣٥٣) .\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٥٣) برقم (٥٩٩١) عن مجاهد، وذكره الماوردي في «تفسيره» (١/ ٣٣٤)، والبغوي في «معالم التنزيل» (١/ ٢٤٨)، وابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٣٥٢) .\n(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٥٦) برقم (٥٩٩٦) عن ابن عباس، وذكره الماوردي في «تفسيره» (١/ ٣٣٤)، وابن عطية في «تفسيره» (١/ ٣٥٤) .","vol":"1","page":514},{"text":"قتادة: صُرْهُنَّ: فَصِّلْهن «١»، وقال عطاء بن أبي رَبَاح «٢»: صُرْهُنَّ: اضممهن «٣»، وقال ابن زيد: معناه: اجمعهن «٤»، وعن ابن عباس أيضًا: أوْثِقْهُن «٥» .\nوقرأ قومٌ: «فَصُرَّهُنَّ» بضم الصاد، وشدِّ الراء كأنه يقول: فشدّهنّ ومنه: صرّة الدّنانير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-201>[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٦١ الى ٢٦٤]</span>\nمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَآ أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢) قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (٢٦٣) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (٢٦٤)\nقوله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ في الآية بيانُ شرفِ النفقة في سبيلِ اللَّه، وتحسينها، وضمنها التحريض على ذلك، وهذه الآيةُ في نفقة التطوُّع، وسبلُ اللَّهِ كثيرةٌ، وهي جميعُ ما هو طاعةٌ، وعائدٌ بمنفعةٍ على المسلمين، وعلى الملَّة وأشهرها وأعظمها غَنَاءُ الجهَاد لتكون كَلمةُ اللَّه هي العليا، والحبَّة: اسم جنْسٍ لكلِّ ما يزرعه ابن آدم، وأشهر ذلك البُرُّ، وقد يوجد في سنبل القمحِ/ ما فيه مائة حبّة، وأما في ٦٧ ب سائر الحبوب، فأكثر، وقد ورد القُرآن بأن الحسنة بعَشْر أمثالها واقتضت الآية أنَّ نفقة\n_________\n(١) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٣٥٤) .\n(٢) عطاء بن أبي رباح القرشي. مولاهم، أبو محمد الجندي، اليماني، نزيل «مكة» وأحد الفقهاء والأئمة.\nعن: عثمان، وعتاب بن أسيد مرسلا، وعن أسامة بن زيد، وعائشة. وعنه: أيوب، وحبيب بن أبي ثابت، وجعفر بن محمد، وجرير بن حازم. قال ابن سعد: كان ثقة عالما كثير الحديث. وقال أبو حنيفة: ما لقيت أفضل من عطاء. مات سنة ١٣٦ هـ.\nينظر: «خلاصة تهذيب الكمال» (٢/ ٢٣٠) .\n(٣) ذكره الماوردي في «تفسيره» (١/ ٣٣٤)، وابن عطية في «تفسيره» (١/ ٣٥٤) .\n(٤) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٥٧) برقم (٦٠١٢) وذكره الماوردي في «تفسيره» (١/ ٣٣٥) عن أبي عبيدة، وابن عطية في «تفسيره» (١/ ٣٥٤) .\n(٥) ذكره السيوطي في «تفسيره» (١/ ٥٩٢)، وعزاه إلى ابن جرير، وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس.","vol":"1","page":515},{"text":"الجهَادِ حسنتها بِسَبْعِمِائَةِ ضعفٍ، وبيَّن ذلك الحديث الصحيحُ، واختلف في معنى قوله سبحانه: وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ، فقيل: هي مبينة، ومؤكِّدة لما تقدَّم من ذكْر السَّبْعمائَةِ، وقالت طائفة من العلماء: بل هو إِعلام من اللَّه تعالى بأنه يضاعف لِمَنْ يشاء أكْثَر من سبْعمائة ضعْفٍ.\nت: وأرجحُ الأقوالِ عنْدِي قولُ هذه الطائفة، وفي الحديثِ الصحيحِ عن ابن عبّاس، عن رسول الله ﷺ فِيمَا يَرْوِيهِ عن ربِّه ﵎، قال: «إِنَّ اللَّهَ تعالى كَتَبَ الحَسَناتِ والسَّيِّئَاتِ، ثمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ، فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ، فَلَمْ يَعْمَلْهَا، كَتَبَهَا اللَّهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، وإِنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا، كَتَبَهَا اللَّهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إلى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إلى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ ...» الحديثَ، رواه مسلمٌ والبخاريُّ بهذه الحروفِ «١» . انتهى.\nوقال ابن عمر: لمَّا نزلَتْ هذه الآيةُ، قال النبيّ ﷺ: «رَبِّ، زِدْ أُمَّتِي»، فَنَزَلَتْ:\nمَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ... [البقرة: ٢٤٥] الآية، فَقَالَ: «رَبِّ، زِدْ أُمَّتِي»، فَنَزَلَتْ: إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ ... «٢» [الزمر: ١٠] .\nوفي الآية حذفُ مضافٍ، تقديره مَثَلُ إِنفاقِ الذين، وَكَمَثَلِ ذِي حَبَّة، وقوله تعالى:\nالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَآ أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ، لَمَّا تقدَّم في الآية التي قَبْلَها ذِكْرُ فَضْلِ الإِنفاقِ في سبيلِ اللَّهِ علَى العُمُوم، بيَّن أنَّ ذلك إِنما هو لِمَنْ لم يُتْبِعْ إِنفاقَهُ منًّا ولا أذًى، وذلك أنَّ المنفِقَ في سبيلِ اللَّهِ، إنما يريد وجه اللَّه تعالى، ورجاء ثوابه، وأمَّا من أراد من المُنْفِقِ علَيْه جزاءً بوَجْهٍ من الوجوه، فهذا لم يُرِدْ وجْهَ اللَّهِ تعالى، وهذا هو الذي متى أخلفه طنه، مَنَّ بالإِنفاق وآذى، إِذ لم يكُنْ إِنفاقه مخلصًا لوجه اللَّه، فالمَنُّ والأذى مُبْطِلانِ للصَّدقة، وهما كاشفان لمقاصد المُنْفِقينَ، والمَنُّ: ذِكْرُ النِّعمة على معنى التعديدِ لها، والتقْريعِ بها، والأَذَى: السَّبُّ والتشكِّي، وهو أعمُّ من المَنِّ، لأن المَنَّ جزء من الأذى، ولكنَّه نصَّ عليه لكثرة وقوعه، وقال زيدُ بْنُ أسْلَم: لَئِنْ ظَنَنْتَ أنَّ سلاَمَكَ يَثْقُلُ على من أنفقْتَ علَيْه، تريدُ وجْهَ اللَّه، فلا تسلِّم علَيْه «٣»، وقالَتْ له امرأةٌ: «يا أبا أُسَامَة، دُلَّنِي على رجل يخرج\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١١/ ٣٣١)، كتاب «الرقاق»، باب من هم بحسنة أو سيئة، حديث (٦٤٩١)، ومسلم (١٣١)، كتاب «الإيمان»، باب إذا هم العبد بحسنة، وأحمد (١/ ٣١٠) من حديث ابن عباس.\n(٢) أخرجه ابن حبان (١٦٤٨- موارد) وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٣١٣)، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، والبيهقي في «شعب الإيمان» .\n(٣) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٣٥٦) .","vol":"1","page":516},{"text":"في سَبِيلِ اللَّهِ حقًّا فإِنهم إِنما يخرجُون ليأْكُلُوا الفواكه، فإِنَّ عندي أَسْهُمًا وجَعْبَةً «١»، فقالَ لَهَا: لاَ بَارَكَ اللَّه فِي أَسْهُمِكِ وَجَعْبَتِكِ، فَقَدْ آذيتِهِمْ قَبْلَ أَنْ تُعْطِيَهُمْ» .\nوتضمَّن اللَّه الأَجْرَ للمُنْفِقِ في سبيلِ اللَّه، والأجْرُ: الجَنَّة، ونفى عنه الخوْفَ لما يستقبلُ، والحُزْنَ على ما سَلَف من دنْياه لأنه يغتبط بآخِرَتِهِ.\nت: وممَّا جاء من صحيح الآثار في هذا البابِ ما رواه مالِك في «الموطَّإ»، عن ابن شِهَابٍ، عن حُمَيْد بن عَبْد الرحمنِ بْن عَوْف «٢»، عن أبي هريرة أنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: «مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، نُودِيَ مِنْ أَبْوَابِ الجَنَّةِ، يَا عَبْدَ اللَّهِ، هَذَا خَيْرٌ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلاَةِ، دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلاَةِ/، وَمَنْ كَانَ مِنْ أهل الجهاد، دعي من باب ٦٨ أالجهاد، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ، دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ، دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا على مَنْ يدعى مِنْ هَذِهِ الأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ، فَهَلْ يدعى أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأَبْوَابِ كُلِّهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ» «٣»، قال أبو عمر بن عبد البَرِّ في «التمهيد» «٤»: في هذا الحديثِ من الفقْه: [والفضائل] الحضُّ على الإِنفاقِ في سبل الخير، ومعنى زوجَيْنِ، أي: شيئين من نوعٍ واحدٍ نحو درهمَيْن، أو دينارَيْن، أو فرسَيْن، أو قميصَيْن، هكذا قال أهل العلْمِ، وفيه: أَنَّ من أكثر مِنْ شيء، عُرِفَ به، ونُسِبَ إِلَيْه ألا ترى إِلى قوله: «فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلاَةِ»، يريد: من أكثر\n_________\n(١) الجعبة: كنانة النّشّاب. ينظر: «لسان العرب» (٦٣٠) .\n(٢) حميد بن عبد الرحمن بن عوف الزّهري المدني. عن أمه أم كلثوم بنت عقبة، وخاله عثمان، وطائفة.\nوعنه ابنه عبد الرحمن، وابن أخيه سعد، والزّهري. وثقه أبو زرعة وقال: مات سنة خمس وتسعين.\nينظر: «الخلاصة» (١/ ٢٥٩) .\n(٣) أخرجه مالك في «الموطأ» (٢/ ٤٦٩)، كتاب «الجهاد»، باب ما جاء في الخيل والمسابقة بينها، حديث (٤٩) .\nومن طريق مالك أخرجه البخاري (٤/ ١٣٣) كتاب «الصيام»، باب الريان للصائمين، حديث (١٨٩٧)، والترمذي (٥/ ٦١٤) كتاب «المناقب»، باب في مناقب أبي بكر وعمر، حديث (٣٦٧٤)، والنسائي (٤/ ١٦٨- ١٦٩) كتاب «الصوم»، باب ذكر الاختلاف على محمد بن أبي يعقوب في حديث أبي أمامة في فضل الصائم، وفي (٦/ ٤٧- ٤٨) كتاب «الجهاد»، باب فضل النفقة في سبيل الله تعالى.\nوقال الترمذي: حسن صحيح.\nوأخرجه البخاري (٣٦٦٦)، ومسلم (٢/ ٧١٢) كتاب «الزكاة»، باب من جمع الصدقة وأعمال البر، حديث (٨٥/ ١٠٢٧)، والنسائي (٥/ ٩) كتاب «الزكاة»، باب وجوب الزكاة. والبيهقي (٩/ ١٧١) من طريق الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة به. [.....]\n(٤) ينظر: «التمهيد» (٧/ ١٨٤) .","vol":"1","page":517},{"text":"منها، فنُسِبَ إِلَيْها لأن الجميع من أهل الصلاة وكذلك: مَنْ أكثر من الجهادِ، ومِنَ الصيامِ على هذا المعنى، والرَّيَّانُ: فَعْلاَن من الرِّيِّ، ومعنى الدعاء من تلك الأبواب:\nإِعطاؤه ثوابَ العامِلِينَ تلْكَ الأعمال، ونَيْلُه ذلك، واللَّه أعلم، وفيه: أنّ للجنّة أبواب، يعني: متعدِّدة بحَسَب الأعمال. انتهى.\nوروى ابن أبي شيبة في «مسنده»، عن النبيّ ﷺ: «أنَّ لِكُلِّ أَهْلِ عَمَلٍ بَابًَا مِنْ أَبْوَابِ الجَنَّةِ يُدْعَوْنَ فِيهِ بِذَلِكَ العَمَلِ» «١» . هذا لفظه على ما نقله صاحب «الكوكب الدري» .\nانتهى.\nقوله تعالى: قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً: هذا إِخبارٌ، جزم من اللَّه تعالى أنَّ القول المعروفَ وهو الدعاءُ والتأنيسُ والترجيةُ بما عند اللَّه- خير من صدقة، هي في ظاهرِهَا صدَقَةٌ، وفي باطنها لا شَيْء لأن ذلك القوْلَ المعروفَ فيه أجْر، وهذه لا أجْر فيها، والمَغْفِرَة: السَّتْر للخَلَّة، وسوءِ حالة المُحْتَاجِ ومِنْ هذا قولُ الأعرابيِّ، وقد سأل قومًا بكلامٍ فصيحٍ، فقال له قائلٌ: مِمَّنِ الرجُل؟ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ غَفْرًا، سُوءُ الاِكْتِسَابِ يَمْنَعُ مِنَ الاِنْتِسَابِ» .\nوقال النَّقَّاشُ يقال: معناه: ومغفرةٌ للسائلِ إِنْ أغلظ أو جفا، إِذا حُرِم.\nثم أخبر تعالى بغنَاهُ عن صدَقَةِ مَنْ هذه حالُهُ، وحلْمِهِ عَمَّن يقع منه هذا وإِمهالِهِ.\nوحدَّث [ابن] الجَوْزِيِّ «٢» في «صَفْوة الصَّفْوَة» بسنده إِلى حارثَةَ بْنِ النّعمان «٣»\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي عاصم في «السنة» (٢/ ٥٧٨) من حديث أبي هريرة.\n(٢) عبد الرحمن بن علي بن محمد بن الجوزي، القرشي، البغدادي، أبو الفرج، علامة عصره في التاريخ والحديث، كثير التصانيف، مولده في ٥٠٨ هـ، له ثلاثمائة مصنف، منها: «روح الأرواح»، «الأذكياء وأخبارهم»، «الناسخ والمنسوخ»، «تلبيس إبليس»، «صيد الخاطر»، «غريب الحديث»، وغيرها كثير جدا. توفي في ٥٩٧ هـ.\nينظر: «وفيات الأعيان» (١/ ٢٧٩)، «البداية والنهاية» (١٣/ ٢٨)، «مفتاح السعادة» (١/ ٢٠٧)، «ابن الوردي» (٢/ ١١٨)، «آداب اللغة» (٣/ ٩١)، «دائرة المعارف الإسلامية» (١/ ١٢٥)، «الأعلام» (٣/ ٣١٧)، «البداية والنهاية» (١٣/ ٢٨- ٣٠)، و«العبر» (٤/ ٢٩٧- ٢٩٨)، و«هدية العارفين» (١/ ٥٢٠- ٥٢٣) .\n(٣) حارثة بن النعمان بن نفع بن زيد بن عبيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النّجار الأنصاريّ.\nذكره موسى بن عقبة وابن سعد فيمن شهد بدرا، وقد ذكره ابن إسحاق إلا أنه سمى جدّه رافعا. وقال ابن سعد: يكنى أبا عبد الله.\nوكان برّا بأمه، وهو عند أحمد من طريق معمر عن الزهري، عن عروة أو غيره ولفظه: كان أبرّ الناس بأمه.\nينظر: «الإصابة» (١/ ٧٠٧) .","vol":"1","page":518},{"text":"الصحابيِّ﵁- قال، لَمَّا كُفَّ بصره، جعل خيطًا في مُصَلاَّه إِلى بابِ حُجْرته، ووضع عنده مِكْتَلًا فيه تَمْرٌ وغير ذلك، فكان إِذا سأل المِسْكِين أخذ من ذلك التَّمْر، ثم أخذ من ذلك الخَيْط حتى يأخذ إِلى باب الحُجْرة، فيناوله المِسْكِين، فكان أهله يقولُونَ:\nنَحْنُ نَكْفِيكَ، فيقولُ: سَمِعْتُ رسول الله ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ مُنَاوَلَةَ المِسْكِينِ تَقِي مِيتَةَ السُّوءِ» انتهى «١» .\nوقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى ... الآية.\nالعقيدةُ أنَّ السيئات لا تبطل الحسنَاتِ، فقال جُمْهُورُ العلماء في هذه الآية: إِن الصدقة التي يعلم اللَّه من صاحبها أنه يمنُّ بها أو يؤذِي فإنها لا تُتقبَّلُ صدَقَةً، وقيل: بل يجعل اللَّه للمَلَكِ علَيْها أمارةً، فهو لا يكتبها، قال ع «٢»: وهذا حسنٌ لأن المانَّ المُؤْذِيَ لم تكُنْ نيَّته خالصةً للَّه سبحانه، فلم تترتَّب له صدقةٌ، فهذا هو البطلانُ بالمَنِّ والأذى، وهما لا يبطلان صدَقَةً غيرها سالمةَ النية.\nثم مثَّل اللَّه سبحانه هذا الَّذي يَمُنُّ ويؤذي بحَسَب مقدِّمه نيته بالذي ينفقُ رياءً، لا لوجْه اللَّه/، والرِّيَاءُ: مصدرٌ من «فَاعَلَ» من الرؤية: كأنّ الرياءَ تظاهر، وتفاخر بين من لا ٦٨ ب خير فيه من الناس.\nقال المَهْدَوِيُّ: والتقدير: كإِبطال الذي ينفقُ ريَاءً.\nوقوله تعالى: وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يحتمل أنْ يريد الكافر أو المنافق إِذْ كلٌّ منهما ينفق ليقال: جَوَاد، ثم مثَّل سبحانه هذا المُنْفِقَ رياءً بِصَفْوَانٍ عليه ترابٌ، فيظنه الظانُّ أرضًا منْبِتَةً طيِّبةً كما يظنُّ قومٌ أنَّ صدقة هذا المرائي لها قَدْر، أو معنًى، فإِذا أصاب الصَّفْوَانَ وابلٌ من المَطَر، انكشف ذلك التُّرَاب، وبقي صَلْدًا، فكذلك هذا المرائي، إِذا كان يوم القيامة، وحضرت الأعمال، انكشَفَ سرُّه، وظهر أنه لا قَدْر لصدَقَاته، ولا مَعْنَى، والصَّفْوَانُ: الحَجَر الكبيرُ الأملَسُ، والوَابِلُ: الكثير القَوِيُّ من المَطَر وهو الذي يُسَيِّلُ وجْهَ الأرْضِ، والصَّلْدُ من الحجارة: الأملَسُ الصُّلْب الذي لا شيْء فيه، ويستعار للرأسِ الذي لا شَعْرَ فيه.\nوقوله تعالى: لاَّ يَقْدِرُونَ يريد: الذين يتفقُونَ رياءً، أي لا يقدرون على الاِنتفاع\n_________\n(١) أخرجه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» (٣/ ٢/ ٥٢) .\n(٢) ذكره ابن عطية (١/ ٣٥٧) .","vol":"1","page":519},{"text":"بشيء من إنفاقهم ذلك، وهو كَسْبهم.\nوقوله تعالى: وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ إِما عمومٌ يراد به الخصوصُ، ويحتمل لا يهْدِيهِمْ في كفرهم إِذ هو ضلالٌ محضٌ، ويحتمل: لا يهديهم في صدَقَاتِهِم، وأعمالِهِم، وهم على الكفر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-202>[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٦٥ الى ٢٦٦]</span>\nوَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٦٥) أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَأَصابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢٦٦)\nوقوله تعالى: وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ ... الآية: من أساليب فصاحة القرآن أنه يأتي فيه ذكْرُ نقيضِ ما يتقدَّم ذكره ليتبيَّن حال التضادِّ بعرضها على الذهْن، ولما ذكر اللَّه صدقاتِ القوم الذين لا خَلاَق لصدَقَاتهم، ونَهَى المؤْمنين عن مواقَعَة ما يشبه ذلك بوَجْهٍ مَّا، عَقَّبَ في هذه الآية بذكْرِ نفقاتِ القَوْم الذين بذَلُوا صدقاتِهِمْ على وجْهها في الشرع، فضرب لها مثلًا، وتقدير الكلام: ومَثَلُ نفقةِ الذين ينفقون كَمَثَلِ غارِسِ جَنَّة، أو تقدِّر الإِضمار في آخر الكلام، دون إِضمار في أوله كأنه قال: كَمَثَلِ غارِسِ جَنَّةِ- وابتغاء: معناه طلب، وهو مصدر في موضع الحالِ- وتَثْبِيتًا: مصدر، ومَرْضَاة: مصدر من: رَضِيَ.\nقال ص: ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا كلاهما مفعولٌ من أجله، وقاله مكِّيٌّ، وردَّه ابن عَطيَّة «١» بأن ابتغاء: لا يكون مفعولًا من أجله، لعطف: «وَتَثْبِتًا» عليه، ولا يصحُّ في «تثبيت» أنْ يكون مفعولًا من أجله لأنَّ الإِنفاق ليس من أجل التثبيت وأجيب: بأنه يمكن أنْ يقدَّر مفعولُ التثبيت الثوابَ، أي: وتحصيلًا لأنفسهم الثوابَ على تلك النفقة فيصحّ أنْ يكون مفعولًا من أجله، ثم قال أبو حَيَّان «٢»، بعد كلام: والمعنى أنَّهم يُثَبِّتُونَ من أنفسهم على الإِيمان، وما يرجُونه من اللَّه تعالى بهذا العمل. انتهى.\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (١/ ٣٥٨) .\n(٢) ذكره أبو حيان (٢/ ٣٢٣) .","vol":"1","page":520},{"text":"قال قتادة وغيره: وَتَثْبِيتًا: معناه: وتيقُّنًا، أي «١»: أنَّ نفوسهم لها بصائرُ متأكِّدة، فهي تثبتهم على الإِنفاق في طاعة اللَّه تثبيتًا، وقال مجاهد والحَسَن: معنى قوله:\nوَتَثْبِيتًا، أي: أنهم يتثبَّتون، أين يَضَعُونَ صَدَقَاتِهِمْ «٢» .\nقال الحَسَن: كان الرجُلُ، إِذا هَمَّ تثبَّت فإِنْ كان ذلك لِلَّه أمضاه، وإِنْ خالَطَهُ شيْء أَمْسَك «٣» .\nوالقولُ الأول أصوبُ لأن هذا المعنى الذي ذهب إِليه مجاهدٌ، والحسنُ إِنما عبارته: «وتَثْبِيتًا»، فإِنَّ قال محتجٌّ: إِن هذا من المصادر الَّتِي خُرِّجَتْ على غير الصَّدْر كقوله تعالى: وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا [المزمل: ٨] وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتًا [نوح: ١٧] فالجوابُ: أنَّ هذا لاَ يسُوغُ إلاَّ مع ذِكْر الصدرِ، والإِفصاحِ/ بالفعْلِ المتقدِّم للمصدر، وأمّا ٦٩ أإذا لم يقع إِفصاحٌ بفعْلٍ، فليس لك أنْ يأتي بمصدر في غير معناه، ثم تقول: أحمله على فعْلِ كذا وكذا لفعلٍ لم يتقدَّم له ذكْرٌ، هذا مَهْيَعُ كلامِ العربِ فيما علمتُ.\nوالرَّبْوَةُ: ما ارتفع من الأرض ارتفاعا يسيرًا معه في الأغلب كثافةُ الترابِ وطِيبُهُ وتعمُّقه، وما كان كذلك، فنباتُه أحْسَنُ.\nولفظ الرَّبْوَة: مأخوذ من: رَبَا يَرْبُو، إِذا زاد، وآتَتْ: معناه أعطت، والأُكُل بضم الهمزة: الثمر الَّذي يُؤْكَل، والشيء المأْكُول مِنْ كُلِّ شيء، يقال له: أُكُل، وإِضافته إِلى الجنَّة إِضافة اختصاص كَسَرْج الدَّابَّة، وبابِ الدَّارِ، وضِعْفَيْن: معناه اثنين مِمَّا يظن بها، ويُحْزَر من مثلها.\nثم أكَّد سبحانه مدْحَ هذه الربوة بأنها إِنْ لم يصبْها وابلٌ، فإِن الطَّلَّ يكفيها، وينوبُ مناب الوابِلِ وذلك لكَرَمِ الأرض، والطَّلُّ: المستدَقُّ من القَطْرِ، قاله ابن عبَّاس وغيره «٤»، وهو مشهورُ اللغة، فشبه سبحانه نُمُوَّ نفقاتِ هؤلاء المُخْلِصِينَ الذين يُرْبِي اللَّه صدقاتِهِمْ كتربية الفلوّ «٥»\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٦٩) برقم (٦٠٦٥) عن قتادة. وذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٣٥٨) .\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١/ ٧٠) برقم (٦٠٦٩)، (٦٠٧٠)، وذكره الماوردي في «تفسيره» (١/ ٣٤٠)، وابن عطية في «تفسيره» (١/ ٣٥٩)، وابن كثير في «تفسيره» (١/ ٣١٩) .\n(٣) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٣٥٩) .\n(٤) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٣٦٠) .\n(٥) الفلوّ والفلوّ والفلو: الجحش والمهر إذا فطم.\nينظر: «لسان العرب» (٣٤٦٩) .","vol":"1","page":521},{"text":"والفصيلِ «١» حسب الحديثِ بنموِّ نباتِ هذه الجنة بالرَّبْوَة الموصُوفةِ، وذلك كلُّه بخلافِ الصَّفْوان، وفي قوله تعالى: وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ: وعد ووعيد.\nوقوله تعالى: أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ ... الاية: حكى الطبريُّ «٢» عن ابْن زَيْد، أنَّه قرأ قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ ... [البقرة: ٢٦٤] الآية: ثم قال: ضرَبَ اللَّه في ذلك مثلًا فقال: أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ ... الآية، وهذا بيِّن، وهو مقتضى سياقِ الكلامِ «٣»، وقال ابنُ عَبَّاس: هذا مثَلٌ ضربه اللَّه كأنه قال: أيودُّ أحدُكُم أنْ يعمل عمره بعَمَلِ أهْل الخير، فإذا فَنِيَ عمره، واقترب أجله، خَتَم ذلك بعَمَلٍ مِنْ عمل أهْل الشقاء، فَرَضِيَ ذلك عُمَرُ منه، ﵁ «٤»، وروى ابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ «٥» عن عمر نحوه «٦» .\nع «٧»: فهذا نظرٌ يحمل الآية على كلِّ ما يدخل تحْتَ ألفاظها، وقال بنَحْو هذا مجاهدٌ وغيره «٨»، ونقل الثَّعْلَبِيُّ عن الحَسَن، قال: قَلَّ واللَّهِ، من يعقلُ هذا المَثَلَ شيْخٌ كبر سنه، وضَعُف جسمه، وَكَثُرَ عياله، أَفْقَرُ ما كان إِلى جنته، وأحدُكُم أفْقَرُ ما يكُونُ إلى عمله، إِذا انقطعت الدنْيَا عنه. انتهى، وهو حسن جدّا.\n_________\n(١) الفصيل: ولد الناقة إذا فصل عن أمه، والجمع فصلان، وفصال. ينظر: «لسان العرب» (٣٤٢٣) . [.....]\n(٢) أخرجه الطبري (٣/ ٧٧) برقم (٦١٠٢) .\n(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١/ ٧٧) برقم (٦١٠٢) .\n(٤) أخرجه البخاري (٤٥٣٨)، وأخرجه الطبري في «تفسيره» (١/ ٧٥) برقم (٦٠٩٣)، وذكره البغوي في «تفسيره» (١/ ٢٥٣)، وابن عطية في «تفسيره» (١/ ٣٦٠)، والسيوطي في «الدر» (١/ ٦٠٢)، وعزاه لابن المبارك في «الزهد»، وعبد بن حميد، والبخاري، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم عن ابن عباس.\n(٥) عبد الله بن عبيد الله بن زهير، وهو أبو مليكة بن عبد الله بن جدعان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم، التيمي، أبو بكر المكي. عن عائشة، وأم سلمة، وأسماء، وابن عباس. وأدرك ثلاثين من الصحابة (﵃) . وعنه ابنه يحيى، وعطاء، وعمرو بن دينار. وثقه أبو حاتم وأبو زرعة. قال البخاري: مات سنة سبع عشرة ومائة.\nينظر: «الخلاصة» (٢/ ٧٦)، و«تهذيب التهذيب» (٥/ ٣٠٦)، «تقريب التهذيب» (١/ ٤٣١)، و«تهذيب الكمال» (٢/ ٧٠٧)، «الكاشف» (٢/ ١٠٦)، «طبقات ابن سعد» (٤٧٣) .\n(٦) ينظر الأثر السابق، و«المحرر الوجيز» (١/ ٣٦٠) .\n(٧) ذكره ابن عطية (١/ ٣٦٠) .\n(٨) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٧٥) برقم (٦٠٩٢)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٦٠٣)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن مجاهد.","vol":"1","page":522},{"text":"وقال أبو عبد اللَّه اللَّخْمِيُّ في «مختصره» لتفسير الطبريِّ: وعن قتادة: هذا مثلٌ «١»، فاعقلوا عن اللَّه أمثالَهُ هذا رجلٌ كَبرت سنُّه، ورَقَّ عظمه، وكَثُر عياله، ثم احترقت جنَّته، أحْوجَ ما يَكُون إِليها، يقول: أيحبُّ أحدكم أنْ يضلَّ عنه عمله يَوْمَ القيامةِ أحْوَجَ ما يكُونُ إِلَيْه. وعن الحَسَنِ نحوه. انتهى.\nوخصَّ الأعناب والنَّخيل بالذكْر، لشرفهما، وفَضْلهما على سائر الشَّجَر، والواو في قوله: وَأَصابَهُ واو الحالِ وكذلك في قوله: وَلَهُ، وضعفاءُ: جمعُ ضعيفٍ، والأعصار: الريحُ الشديدةُ العاصفةُ التي فيها إِحراق لكلِّ ما مرَّت عليه يكونُ ذلك في شدَّة الحرِّ، ويكون في شدَّة البَرْد، وكلّ ذلك من فيح جهنّم.\nولَعَلَّكُمْ: تَرَجٍّ في حقِّ البَشَر، أي: إِذا تأمَّل من بُيِّنَ له هذا البيان رُجِيَ له التفكُّر، وكان أهْلًا له، وقال ابنُ عَبَّاس: تتفكَّرونَ في زوالِ الدنْيَا، وفنَائِها، وإِقبال الآخرةِ وبقائها «٢»\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-203>[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٦٧ الى ٢٦٩]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧) الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦٨) يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَما يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُوا الْأَلْبابِ (٢٦٩)\nقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ مَا كَسَبْتُمْ ... الآية: هذا خطاب لجميع أمّة نبيّنا محمّد ﷺ/ وهذه صيغةُ أمر بالإِنفاق، واختلف المتأوِّلون، هل المراد بهذا ٦٩ ب الإِنفاق الزَّكَاةُ المفروضةُ، أو التطوُّع، والآية تعمُّ الوجهَيْن، لكنَّ صاحب الزكاة يتلَقَّاها على الوُجُوب، وصاحب التطوُّع يتلَقَّاها على الندْبِ، وجمهورُ المتأوِّلين قالوا: معنى مِنْ طَيِّباتِ: من جَيِّد ومختارِ ما كسبتُمْ، وجعلوا الخبيثَ بمعنَى الرديء، وقال ابن زَيْد:\nمعناه: من حلالِ ما كسبتمْ «٣»، قال: وقوله: وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ، أي: الحرام «٤» .\nع «٥»: وقولُ ابن زيدٍ ليس بالقويِّ من جهة نَسَق الآيةِ، لا من معناه في نفسه.\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١/ ٧٧) برقم (٦٠٩٨)، وذكره السيوطي في «تفسيره» (١/ ٦٠٤)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن أبي حاتم عن قتادة.\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٨٠) برقم (٦١١٨)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٣٦١) .\n(٣) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٣٦١) .\n(٤) ينظر السابق.\n(٥) ذكره ابن عطية (١/ ٣٦١) .","vol":"1","page":523},{"text":"وكَسَبْتُمْ: معناه: كانت لكُمْ فيه سعاية، وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ:\nالنباتات، والمَعَادن، والرِّكَاز، وما ضارع ذلك، وتَيَمَّمُوا: معناه: تعمدوا، وتَقْصِدوا، والتيمُّم: القصْد، وقال الجُرْجَانِيُّ: قال فريقٌ من الناس: إِن الكلام تَمَّ في قوله:\nالْخَبِيثَ، ثم ابتدأ خَبَرًا آخر، فقال: تُنْفِقُونَ منه وأنتم لا تأخذونه إِلا إِذا أغمضتم، أي:\nساهَلْتُم، قال ع «١»: كأنَّ هذا المعنى عتابٌ للنَّفْسِ وتقريعٌ وعلى هذا، فالضميرُ في مِنْهُ عائدٌ على الْخَبِيثَ.\nقال الجُرْجَانِيُّ: وقال فريقٌ آخر: بل الكلامُ متَّصِلُ إِلى قوله: فِيهِ وعلى هذا، فالضمير في «مِنْهُ» عائدٌ على: «مَا كَسَبْتُمْ» كأنه في موضعَ نصبٍ على الحالِ، والمعنى في الآية: فَلاَ تَفْعَلُوا مع اللَّهِ ما لا ترضَوْنه لأنفُسِكم، واعلموا أنَّ اللَّه غنيٌّ عن صدقاتكم، فمَنْ تقرب وطلب مثوبةً، فلْيفعلْ ذلك بما لَهُ قَدْرٌ.\nت: وهذا يقوِّي القولَ بأنها في الزكاة المفروضة، وحَمِيدٌ: معناه محمودٌ.\nوقوله تعالى: الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ ... الآية: هذه الآيةُ وما بعدها- وإِن لم تكُنْ أمرًا بالصدقة، فهي جالبةُ النفوس إلى الصدقة- بيَّن﷿- فيها نزغاتِ الشيطانِ، ووسوستَهُ، وعداوتَهُ، وذكَّر بثوابه هو سبحانه، لا رَبَّ غيره، وذَكَّر بتفضُّله بالحكْمة، وأثنى عليها، ونبَّه أنَّ أهل العقول هم المتذكِّرون الذين يقيمُونَ بالحكْمة قدْرَ الإِنفاق في طاعةِ اللَّه، وغير ذلك، ثم ذكر سبحانه علْمَهُ بكلِّ نفقة ونَذْر، وفي ذلك وعْدٌ ووعيدٌ، ثم بيَّن الحِكَمَ في الإِعلان والإِخفاء وكذلك إِلى آخر المعنى.\nوالوعد في كلامِ العربِ، إِذا أطلق، فهو في الخير، وإِذا قُيِّد بالموعود، فقد يقيد بالخَيْر، وقد يقيَّد بالشر كالبِشَارة، وهذه الآية مما قُيِّدَ الوعْدُ فيها بمكْرُوه، والفَحْشَاءُ: كلُّ ما فَحُشَ، وفَحُشَ ذكْرُه، روى ابن مسعود، عن النبيّ ﷺ أنَّهُ قَالَ: «إِنَّ لِلشَّيْطَانِ لَمَّةً «٢» مِن ابن آدَمَ، وَلِلْمَلِكِ لَمَّةً، فَأَمَّا لَمَّةُ الشَّيْطَانِ، فَإِيعَادٌ بالشَّرِّ، وَتَكْذِيبٌ بِالحَقِّ، وأَمَّا لَمَّةُ المَلَكِ، فَإِيعَادٌ بِالخَيْرِ، وَتَصْدِيقٌ بِالحَقِّ، فَمَنْ وَجَدَ ذَلِكَ، فَلْيَعْلَمْ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ، فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ الأخرى، فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ» ثُمَّ قرأَ ﷺ: الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ ... الآية. قُلْتُ: هذا حديثٌ صحيحٌ خرَّجه أبو عيسَى التِّرمذيُّ، وقال\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (١/ ٣٦٢) .\n(٢) اللّمّة: الهمة والخطرة تقع في القلب. ينظر: «لسان العرب» (٤٠٧٩) . [.....]","vol":"1","page":524},{"text":"فيه: حَسَنٌ غريبٌ صحيحٌ «١» .\nوالمغفرةُ: هي السَّتْر على عبادِهِ في الدنيا والآخرة، والفَضْل: هو الرزق في الدنيا، والتوسعةُ فيه، والنَّعِيمُ في الآخرة، وَبِكُلٍّ قدْ وعد اللَّه جلَّ وعلاَ، وروي، أنَّ في التوراة:\n«عَبْدِي، أَنْفِقْ مِنْ رِزْقِي، أَبْسُطْ عَلَيْكَ فَضْلِي، فَإِنَّ يَدِي مَبْسُوطَةٌ على كُلِّ يَدٍ مَبْسُوطَةٍ» وفي القُرآن مصداقه، وهو: وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ/ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [سبأ: ٣٩] . ٧٠ أت: روى الطَّبرانيُّ سليمانُ بْنُ أحْمَدَ «٢»، بسنده عَنْ عبد اللَّه بنِ عمرٍو، قال:\nقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَنْ أَطْعَمَ أَخَاهُ حتى يُشْبِعَهُ، وسَقَاهُ مِنَ المَاءِ، حتى يَرْوِيَهُ، بَعَّدَهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ سَبْعَ خَنَادِقَ مَا بَيْنَ كُلِّ خَنْدَقَيْنِ مَسِيرَةُ مِائَةِ عَامٍ» «٣» . انتهى.\nوعن أبي سَعيدٍ الخُدْرِيِّ﵁- عن النبيّ ﷺ قال: «أَيُّمَا مُسْلِمٍ كَسَا مُسْلِمًا ثَوْبًا عَلَى عُرْيٍ، كَسَاهُ اللهُ مِنْ خُضْرِ الجَنَّةِ، وأَيُّما مُسْلِمٍ أَطْعَمَ مُسْلِمًا عَلَى جُوعٍ أَطْعَمَهُ اللَّهُ مِنْ ثِمَارِ الجَنَّةِ، وأَيُّمَا مُسْلِمٍ سقى مُسْلِمًا على ظَمَإٍ، سَقَاهُ اللَّهُ ﷿ مِنَ الرَّحِيقِ المَخْتُومِ» أخرجه أبو داود «٤»، مِنْ حديثِ أبي خالد، هو الدّالاني «٥»، عن نبيح «٦»،\n_________\n(١) أخرجه الترمذي (٥/ ٢١٩- ٢٢٠)، كتاب «التفسير» باب سورة البقرة، حديث (٢٩٨٨)، وأبو يعلى (٨/ ٤١٧) رقم (٤٩٩٩)، وابن حبان (٤٠- موارد)، والطبري (٣/ ٨٨) كلهم من طريق عطاء بن السائب عن مرة الهمداني عن ابن مسعود به.\nوقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.\n(٢) سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي الشامي، أبو القاسم، ولد ب «عكا» سنة ٢٦٠ هـ. من كبار المحدثين، أصله من «طبرية» الشام، وإليها نسبته، رحل إلى الحجاز، واليمن، ومصر، والعراق، وفارس، والجزيرة، وتوفي سنة ٣٦٠ هـ ب «أصبهان» . له ثلاثة معاجم في الحديث، منها «المعجم الصغير» وله كتب في «التفسير»، و«الأوائل»، و«دلائل النبوة» وغير ذلك.\nينظر: «وفيات الأعيان» (١/ ٢١٥)، و«النجوم الزاهرة» (٤/ ٥٩)، و«تهذيب ابن عساكر» (٦/ ٢٤٠)، و«الأعلام» (٣/ ١٢١) .\n(٣) ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٣/ ١٣٣)، وقال: رواه الطبراني في «الكبير» و«الأوسط» بنحوه إلا أنه قال: من أطعم أخاه خبزا، وفيه رجاء بن أبي عطاء، وهو ضعيف.\n(٤) أخرجه أبو داود (١/ ٥٢٦) كتاب «الزكاة»، باب في فضل سقي الماء، حديث (١٦٨٢) من طريق أبي خالد الدالاني عن نبيح عن أبي سعيد مرفوعا.\n(٥) أبو خالد الدّالاني الكوفي، اسمه يزيد بن عبد الرحمن، عن عمرو بن مرّة، والمنهال بن عمرو، وعنه الثوري، وشعبة، وثقه أبو حاتم، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال ابن عديّ: في حديثه لين مات سنة مائة. ينظر: «الخلاصة» (٣/ ٢١٤) .\n(٦) نبيح بن عبد الله، العنزي الكوفي، عن جابر، وابن عباس، وابن عمر، وعنه الأسود بن قيس وجماعة، وثقه أبو زرعة. ينظر: «الخلاصة» (٣/ ١٠٤) .","vol":"1","page":525},{"text":"وقد وثَّق أبو حاتم أبا خالدٍ، وسُئِل أبو زُرْعَة «١» عن نُبَيْح، فقال: هو كوفيٌّ ثقة. انتهى من «الإِلمام في أحاديثِ الأحْكَامِ» لابن دقيق العيد «٢» .\nوواسِعٌ: لأنه وَسِعَ كلَّ شيء رحمةً وعلمًا.\nيُؤْتِي الْحِكْمَةَ: أَيْ: يعطيها لِمَنْ يَشَاء من عباده، والحكمةُ مصدرٌ من الإِحكام، وهو الإِتقان في عملٍ أو قولٍ، وكتابُ اللَّهِ حكْمَةٌ، وسُنَّةُ نبيِّه﵇- حِكْمَةٌ، وكلُّ ما ذكره المتأوِّلون فيها، فهُوَ جُزْء من الحكْمة التي هي الجنْس، قال الإِمامُ الفَخْر في شرحه لأسماء اللَّه الحسنى: قال المحقِّقون: العلماءُ ثلاثةٌ: علماءُ بأحكامِ اللَّهِ فقط وهم العلماءُ أصحابُ الفتوى، وعلماءُ باللَّهِ فقَطْ وهم الحكماءُ، وعلماءُ بالقِسْمَيْن وهُمُ الكبراءُ، فالقسْم الأول كالسِّراجِ يحرقُ نَفْسَه، ويضيءُ لغَيْره، والقسم الثَّاني حالُهم أكْمَلُ من الأوَّل لأنه أَشْرَقَ قَلْبُهُ بمَعْرفة اللَّه، وسره بنُور جلالِ اللَّه، إِلاَّ أنه كالكَنْز تَحْت التُّرَابِ، لا يصلُ أَثَرُه إلى غيره، وأما القسمُ الثالثُ، فهم أشرفُ الأقسامِ، فهو كالشَّمْسِ تضيءُ العَالَمَ لأنه تامٌّ، وفوْقَ التامِّ. انتهى.\nوباقي الآية تذكرةٌ بيِّنة، وإقامة لِهِمَمِ الغفلة- والْأَلْبابِ: العقول، واحدها لبّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-204>[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٧٠ الى ٢٧١]</span>\nوَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (٢٧٠) إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٧١)\n_________\n(١) عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد بن فرّوخ، المخزومي، مولاهم، أبو زرعة الرازي الحافظ، أحد الأعلام والأئمة. عن: أبي نعيم، وقبيصة، وخلائق، وعنه: مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة.\nقال أحمد: ما جاوز الجسر أحفظ من أبي زرعة، قال إسحاق: كل حديث لا يعرفه أبو زرعة فليس له أصل. وقال صالح بن محمد عنه: إنه قال: أحفظ عشرة آلاف حديث من القرآن. مات سنة أربع وستين ومائتين.\nينظر: «تهذيب الكمال» (٢/ ٨٨١)، و«تهذيب التهذيب» (٧/ ٣٠)، وو «خلاصة تهذيب الكمال» (٢/ ١٩٥)، و«الكاشف» (٢/ ٢٣٠)، و«الجرح والتعديل» (١/ ٣٢٨)، و«سير الأعلام» (١٣/ ١٦٥) .\n(٢) محمد بن علي بن وهب بن مطيع بن أبي الطاعة القشيري، تقي الدين ابن دقيق العيد، ولد سنة ٦٢٥ هـ، تفقه على والده، ثم على ابن عبد السلام، وسمع الحديث من جماعة، قال ابن عبد السلام:\nديار مصر تفتخر برجلين في طرفيها: ابن منير بالإسكندرية، وابن دقيق العيد بقوص. قال السبكي: ولم ندرك أحدا من مشايخنا يختلف في أن ابن دقيق العيد هو العالم المبعوث على رأس السبعمائة، وأنه أستاذ زمانه علما ودينا.. صنف «الإلمام» في الحديث، وله «شرح العمدة» أملاه إملاء، وله «الاقتراح في اختصار علوم ابن الصلاح» وهو مطبوع. مات سنة ٧٠٢. انظر: «طبقات ابن قاضي شهبة» (٢/ ٢٢٩)، و«طبقات الأسنوي» (ص ٣٣٦)، و«طبقات السبكي» (٦/ ٢) .","vol":"1","page":526},{"text":"وقوله تعالى: وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ ... الآية: يقال: نَذَرَ الرَّجُلُ كَذَا، إِذا التزم فعله.\nوقوله تعالى: فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ. قال مجاهدٌ: معناه: يُحْصِيه، وفي الآيةِ وعْدٌ ووعيدٌ، أي: مَنْ كان خالص النيَّة، فهو مثابٌ، ومن أنْفَقَ رياءً أو لمعنًى آخَرَ ممَّا يكْشفه المَنُّ والأذى، ونحو ذلك، فهو ظالمٌ يذهب فعْلُه باطلًا، ولا يجد ناصرًا فيه.\nوقوله تعالى: إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ... الآية: ذهب جمهورُ المفسِّرين إِلى أنَّ هذه الآيةَ في صدَقَةِ التطوُّع، قال ابن عبَّاس: جعل اللَّه صدَقَةَ السِّرِّ في التطوُّع تفضُلُ علانيتها، يقال: بسبعين ضِعْفًا، وجعل صدَقَةَ الفريضَةِ علانيتَهَا أفْضَلَ من سرِّها، يقال: بخَمْسَةٍ وعشْرين ضِعْفًا، قال: وكذلك جميعُ الفرائضِ والنوافلِ في الأشياء كلِّها «١» .\nع «٢»: ويقوِّي ذلك قول النبيّ ﷺ: «صَلاَةُ الرَّجُلِ فِي بَيْتِهِ أَفْضَلُ مِنْ صَلاَتِهِ فِي المَسْجِدِ إِلاَّ المَكْتُوبَة» «٣»، وذلك أن الفرائضَ لا يدْخُلُها رياءٌ، والنوافل عُرْضَةٌ لذلك، قال الطبريُّ «٤»: أجمعَ النَّاس على أن إِظهار الواجِبِ أفضلُ.\nوقوله تعالى: فَنِعِمَّا هِيَ: ثناءٌ على إِبداء الصدقةِ، ثم حكم أنَّ الإِخفاء خيْرٌ من ذلك الإِبداءِ، والتقديرُ: نِعْمَ شيءٌ إِبداؤها، فالإبداء هو المخصوص بالمدح/ وخرّج أبو ٧١ أداود في «سننه»، عن أبي أُمَامَةَ، قال: قَالَ النّبيّ ﷺ: «انطلق بِرَجُلٍ إلى بَابِ الجَنَّةِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَإِذَا على بَابِ الجَنَّةِ مَكْتُوبٌ: الصَّدَقَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَالقَرْضُ الوَاحِدُ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ لأنَّ صاحب القرضِ لا يأتيك إِلاَّ وهو محتاجٌ، والصدقةُ ربما وُضِعَتْ في غنيٍّ، وخرَّجه ابن ماجة في «سننه»، قال: حدَّثنا عُبَيْدُ اللَّه بن عبد الكريمِ، حدَّثنا هشام بْنُ خالدٍ «٥»، حدَّثنا خالدُ بن يَزِيدَ بْنِ أبي مالكٍ «٦»، عن أبيه، عن أنس بن مالك، قال: قَالَ رسول\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٩٣) برقم (٦١٩٥)، وذكره الماوردي في «النكت» (١/ ٣٤٥)، وابن عطية في «تفسيره» (١/ ٣٦٥)، وابن كثير في «تفسيره» (١/ ٣٢٣) .\n(٢) ذكره ابن عطية (١/ ٣٦٥) .\n(٣) تقدم تخريجه.\n(٤) ذكره الطبري (٣/ ٩٣) .\n(٥) هشام بن خالد الأزرق، أبو مروان الدمشقي. عن الوليد بن مسلم وجماعة. وعنه أبو داود وابن ماجه.\nقال أبو حاتم: صدوق. قال عمرو بن دحيم: مات سنة تسع وأربعين ومائتين.\nينظر: «الخلاصة» (٣/ ١١٣) .\n(٦) خالد بن يزيد بن عبد الرحمن بن أبي مالك، الهمداني، أبو هاشم الدمشقي، عن أبيه وأبي روق، وعنه-[.....]","vol":"1","page":527},{"text":"الله ﷺ: «رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي على بَابِ الجَنَّةِ مَكْتُوبٌ: الصَّدَقَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَالقَرْضُ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ، فَقُلْتُ لِجِبْرِيلَ: مَا بَالُ القَرْضِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ؟ قَالَ: إِنَّ السَّائِلَ يَسْأَلُ وَعِنْدَهُ، وَالمُسْتَقْرِضُ لاَ يَسْتَقْرِضُ إِلاَّ مِنْ حَاجَةٍ» «١» . انتهى من «التذكرة» .\nوقرأ ابن كثير وغيره: «ونُكَفِّرُ» بالنون، ورفع الراء، وقرأ ابن عامر: «وَيُكَفِّرُ»، بالياء، ورفع الراء، وقرأ نافع وغيره: «وَنُكَفِّرْ»، بالنون، والجزمِ، فأما رفْع الراء، فهو على وجهين:\nأحدهما: أن يكون الفعْلُ خبر ابتداءٍ، تقديره: ونحن نكفِّر، أو: واللَّه يكفر.\nوالثَّاني: القطع، والاستِئْناف، والواو لعطْفِ جملةٍ على جملةٍ، والجزمُ في الراءِ أفصحُ هذه القراءات لأنها تؤذن بدُخُول التكفير في الجزاء، وكونه مشروطًا إِن وقع الإِخفاء، وأمَّا رفع الراءِ، فليس فيه هذا المعنى، و«مِنْ» في قوله: مِنْ سَيِّئاتِكُمْ للتبعيضِ المحْضِ، لا أنها زائدةٌ كما زعم قومٌ، وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ: وعدٌ ووعيد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-205>[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٧٢ الى ٢٧٣]</span>\nلَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَما تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (٢٧٢) لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافًا وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢٧٣)\nوقوله تعالى: لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ ... الآية: وَرَدَتْ آثار أن النبيّ ﷺ مَنَعَ فُقَرَاء أهْلِ الذمَّة من الصَّدَقَة، فنزلَتِ الآية مبيحةً لهم، وذكر الطبريُّ «٢» أن مَقْصِدَ النبيّ ﷺ بمنع\n_________\n- أحمد بن أبي الحواري، وهاه ابن معين، وقال ابن حبان: صدوق، في حديثه مناكير، وقال النسائي:\nليس بثقة، ووثقه أحمد بن صالح، وأبو زرعة الدمشقي، مات سنة خمس وثمانين ومائة.\nينظر: «الخلاصة» (١/ ٢٨٦) .\n(١) أخرجه ابن ماجه (٢/ ٨١٢): كتاب «الصدقات»، باب القرض، حديث (٢٤٣١) .\nقال البوصيري في «الزوائد» (٢/ ٢٥٢): هذا إسناد ضعيف خالد بن يزيد بن عبد الرحمن بن مالك، أبو هشام الهمداني الدمشقي، ضعفه أحمد، وابن معين، وأبو داود، والنسائي، وأبو زرعة، وابن الجارود، والساجي، والعقيلي، والدارقطني وغيرهم. ووثقه أحمد بن صالح المصري، وأبو زرعة الدمشقي. وقال ابن حبان: هو من فقهاء الشام، كان صدوقا في الرواية ولكنه كان يخطىء كثيرا. وأبوه فقيه «دمشق» ومفتيهم.\n(٢) ذكره الطبري (٣/ ٩٤- ٩٥) .","vol":"1","page":528},{"text":"الصدَقة، إِنَّما كان ليُسْلِمُوا، ولِيَدْخُلُوا في الدِّين، فقال اللَّه سبحانه: لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ، قال ع «١»: وهذه الصدقةُ التي أبيحَتْ لهم حسبَمَا تضمَّنته هذه الآثار، إِنما هي صدقة التطوُّع، وأما المفروضة، فلا يجزىء دفعها لكَافِرٍ، قال ابن المُنْذِرِ «٢»: إِجماعًا فيما عَلِمْتُ، وقول المَهْدَوِيِّ: إباحتها هذه الآية مردودٌ، قال ابن العَرَبِيِّ «٣»، وإِذا كان المُسْلِمُ يترك أركان الإِسْلاَم من الصَّلاة، والصيام، فلا تُصْرَفُ إِلَيْه الصدقة حتى يتُوبَ، وسائرُ المعاصِي تُصْرَف الصدَقَةُ إلى مرتكبيها لدخولِهِمْ في اسم المسلمين. انتهى من «الإِحكام»، ويعني بالصدقةِ المفروضةَ، والهدى الَّذي ليس على نبيّنا ﷺ هو خَلْق الإِيمان في قلوبهم، وأما الهُدَى الذي هو الدعاء فهو عليه ﷺ، وليس بمراد في هذه الآية.\nثم أخبرَ سُبْحَانه أنه يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ، وفي الآية ردٌّ على القدريَّة وطوائفِ المعتزلةِ، ثم بيَّن تعالى أنَّ النفقة المقبولَةَ ما كان ابتغاءَ وَجْهِ اللَّهِ.\nوفي الآية تأويلٌ آخرُ، وهو أنها شهادة مِنَ اللَّهِ تعالى للصحابةِ أنهم إِنما ينفقون ابتغاءَ وَجُه اللَّه سبحانه، فهو خَبَر منه لهم فيه تفضيلٌ، وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ، أي: في الآخرة، وهذا هو بيانُ قوله: وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ، والخير هنا:\nالمالُ/ بقرينة الإِنفاق، ومتى لم يقترن بما يدلُّ على أنَّه المال، فلا يلزم أن يكون بمعنى ٧١ أالمال، وهذا الذي قلْناه تحرُّزًا من قول عِكْرِمَةَ: كُلَّ خَيْرٍ في كتابِ اللَّهِ، فهو المالُ «٤» .\nوقوله تعالى: لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ... الآية: التقديرُ: الإِنفاق أو الصدقةُ للفقراءِ، قال مجاهد وغيره: المرادُ بهؤلاءِ الفقراءِ فقراءُ المهاجرين من قريش وغيرهم «٥» .\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (١/ ٣٦٧) .\n(٢) محمد بن إبراهيم بن المنذر، أبو بكر النيسابوري الفقيه، نزيل مكة أحد الأئمة الأعلام، وممن يقتدى بنقله في الحلال والحرام، صنف كتبا معتبرة عند أئمة الإسلام، منها «الإشراف في معرفة الخلاف»، و«الأوسط» وهو أصل الإشراف، والإجماع والإقناع والتفسير وغير ذلك وكان مجتهدا لا يقلد أحدا.\nينظر: «طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة» (١/ ٩٨)، «طبقات الشافعية للسبكي» (٢/ ١٢٦)، «وفيات الأعيان» (٣/ ٣٤٤)، «شذرات الذهب» (٢/ ٢٨٠) .\n(٣) ينظر: «أحكام القرآن» (١/ ٢٣٨) .\n(٤) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٣٦٨) .\n(٥) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٩٦، ٦٢١٠) بنحوه، وابن عطية في «تفسيره» (١/ ٣٦٨) وابن كثير في «تفسيره» (١/ ٣٢٤) .","vol":"1","page":529},{"text":"ع «١»: ثم تتناول الآيةُ كلَّ مَنْ دخل تحْتَ صفة الفَقْر غابِرَ الدَّهْر، ثم بيَّن اللَّه سبحانه من أحْوَالِ أولئك الفقراءِ المهاجِرِينَ ما يُوجِبُ الحُنُوَّ عليهم بقوله: الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، والمعنى: حُبِسُوا، ومُنِعُوا، وتأوَّل الطبريّ «٢» في هذه الآية أنهم هم حاسبوا أَنُفُسِهِمْ بِرِبْقَة الدِّيْن، وقصد الجهاد، وخَوْفِ العَدُوِّ، إِذ أحاط بهم الكُفْر، فصار خوف العدو عذْرًا أحْصِروا به.\nع «٣»: كأنَّ هذه الأعذار أحصرتْهم، فالعدُوُّ وكلُّ محيطٍ يحصر، وقوله: فِي سَبِيلِ اللَّهِ يحتملُ الجهادَ، ويحتمل الدخولَ في الإِسلام، والضَّرْبُ في الأرض: هو التصرُّف في التجارة، وكانُوا لا يستطيعونَ ضَرْبًا في الأرض لكون البلادِ كلِّها كفْرًا مطبقًا، وهذا في صدْر الهجْرة، وكانوا﵃- من الانقباض، وترْكِ المسألةِ، والتوكُّلِ على اللَّه تعالى بحيث يحسبهم الجاهلُ بباطنِ أحوالهم أغنياءَ.\nت: واعلم أنَّ المواساة واجبةٌ، وقد خرَّج مسلمٌ وأبو داود عن أبي سعيدٍ الخدري، قال: «بينما نحن في سفر، مع النّبيّ ﷺ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ على راحِلَةٍ، فَجَعَلَ يَصْرِفُ بصره يمينا وشمالا، فقال النبيّ ﷺ: «مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ، فَلْيَعُدْ بِهِ على مَنْ لاَ ظَهْرَ لَهُ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ زَادٍ فَلْيَعُدْ بِهِ على مَنْ لاَ زَادَ لَهُ»، قَالَ: فَذَكَرَ مِنْ أَصْنَافِ المَالِ مَا ذَكَرَ حتى رُئِينَا أنَّهُ لاَ حقّ لأحد منّا في فضل «٤» انتهى.\nوالتَّعَفُّفِ: تفعُّلٌ، وهو بناءُ مبالغةٍ من: عَفَّ عن الشيْءِ، إِذا أمْسَك عنْه، وتنزَّه عن طَلَبه، وبهذا المعنى فسره قتادةُ وغيره.\nت: مَدَح اللَّه سبحانه هؤُلاءِ السَّادَةَ على ما أعطاهم من غنى النفْسِ، وفي الحديثِ الصحيحِ: «لَيْسَ الغنى عَنْ كَثْرَةِ المَالِ، وَإِنَّمَا الغنى غِنَى النّفس» «٥» وقد صحّ\n_________\n(١) ينظر: «المحرر» (١/ ٣٦٨) .\n(٢) ينظر: «الطبري» (٣/ ٩٧) .\n(٣) ينظر: «المحرر» (١/ ٣٦٨) .\n(٤) أخرجه مسلم (٣/ ١٣٥٤) كتاب «اللقطة»، باب استحباب المواساة بفضول المال، حديث (١٧٢٨)، وأبو داود (١/ ٥٢٢) كتاب «الزكاة»، باب في حقوق المال، حديث (١٦٦٣)، وأحمد (٣/ ٣٤)، وأبو يعلى (٢/ ٣٢٦) رقم (١٠٦٤) كلهم من طريق أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري به.\n(٥) أخرجه البخاري (١١/ ٢٧٦)، كتاب «الرقاق»، باب الغنى غنى النفس، حديث (٦٤٤٦)، ومسلم (٢/ ٧٢٦) كتاب «الزكاة»، باب ليس الغنى عن كثرة العرض، حديث (١٢٠/ ١٠٥١)، والترمذي (٤/ ٥٠٦- ٥٠٧) كتاب «الزهد»، باب ما جاء أن الغنى غنى النفس، حديث (٢٣٧٣)، وابن ماجه (٢/ ١٣٤٨٦): -","vol":"1","page":530},{"text":"عنه ﷺ أنَّهُ قَالَ: «اللَّهُمَّ، اجعل قُوتَ آلُ مُحَمَّدٍ كَفَافًا» أخرجه مسلم، وغيره «١»، وعنْدِي أن المراد بالآل هنا متّبعوه ﷺ.\nوفي سنن ابْن مَاجَة، عن أنسٍ، قال: قال النّبيّ ﷺ: «مَا مِنْ غَنِيٍّ، وَلاَ فَقِيرٍ إِلاَّ وَدَّ يَوْمَ القِيَامَةِ أَنَّهُ أُوتِيَ مِنَ الدُّنْيَا قُوتًا» «٢»، وروى مسلم والترمذيُّ عن أبي أُمَامة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ: «يا ابن آدَمَ، إِنَّكَ إِنْ تَبْذُلْ الفَضْلَ خَيْرٌ لَكَ، وَإِنْ تُمْسك شَرٌّ لَكَ، وَلاَ تُلاَمُ على كَفَافٍ، وابدأ بِمَنْ تَعُولُ، وَاليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ من اليد السّفلى» «٣»، قال أبو عيسى،\n_________\n- كتاب «الزهد»، باب القناعة، حديث (٤١٣٧)، وأحمد (٢/ ٢٤٣)، ٣٩٠)، وأبو يعلى (١١/ ١٣٣) رقم (٦٢٥٩)، وابن حبان (٦٧٩)، والبغوي «شرح السنة» (٧: ٢٨٩- بتحقيقنا) كلهم من حديث أبي هريرة.\nوقال الترمذي: حسن صحيح.\nوللحديث شاهد من حديث أنس: أخرجه أبو يعلى (٥/ ٤٠٤) رقم (٣٠٧٩) من طريق الخليل بن عمر العبدي، حدثني أبي عن قتادة عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس» .\nوقال الهيثمي في «المجمع» (١٠/ ٢٤٠): رواه الطبراني في «الأوسط»، ورجال الطبراني رجال الصحيح. [.....]\n(١) أخرجه البخاري (١١/ ٢٨٧) كتاب «الرقاق»، باب كيف كان عيش النبي ﷺ، حديث (٦٤٦٠)، ومسلم (٢/ ٧٣٠)، كتاب «الزكاة»، باب في الكفاف والقناعة (١٢٦/ ١٠٥٥) من حديث أبي هريرة مرفوعا.\n(٢) أخرجه ابن ماجة (٢/ ١٣٨٧) كتاب «الزهد»، باب القناعة، حديث (٤١٤٠)، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (١٠/ ٦٩) كلاهما من طريق أبي داود نفيع عن أنس بن مالك مرفوعا.\nونفيع متروك وكذبه ابن معين، وقد تقدمت ترجمته.\n(٣) أخرجه مسلم (٩٧/ ١٠٣٦)، والترمذي (٤/ ٤٩٥) في الزهد، باب (٣٢) برقم (٢٣٤٣)، وأحمد (٥/ ٢٦٢)، والبيهقي (٤/ ١٨٢) عنه مرفوعا: «يا آدم إنك إن تبذل الفضل خير لك، وإن تمسكه شر لك، ولا تلام على كفاف وابدأ بمن تعول، واليد العليا خير من اليد السفلى» .\nوقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.\nوفي الباب عن حكيم بن حزام، وأبي هريرة، وجابر بن عبد الله، وابن عمر.\nفأما حديث حكيم فرواه البخاري (٣/ ٣٤٥) في الزكاة، باب لا صدقة إلا عن ظهر غنى (١٤٢٧)، ومسلم (٢/ ٧١٧) في الزكاة، باب بيان أن اليد العليا خير من اليد (٩٥/ ١٠٣٤)، والنسائي (٥/ ٦٩) في الزكاة، باب أي الصدقة أفضل؟ وأحمد (٣/ ٤٠٢- ٤٣٤)، والدارمي (٢/ ٣١٠) . والطبراني في «الكبير» (٣/ ٢١٢) (٣٠٨٢- ٣٠٨٣- ٣٠٩١- ٣٠٩٣- ٣١٢٠) . والبيهقي (٤/ ١٨٠)، والقضاعي في مسند الشهاب (١٢٢٨- ١٢٢٩) بلفظ «أفضل الصدقة عن ظهر غنى، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول.\nوأما حديث أبي هريرة فرواه البخاري في المصدر السابق (١٤٢٦، ١٤٢٨) و(٩/ ٤١٠) في النفقات، باب وجوب النفقة على الأهل والعيال (٥٣٥٥، ٥٣٥٦) والنسائي (٥/ ٦٩)، وأبو داود (١/ ٥٢٥) في الزكاة، باب الرجل يخرج من ماله (١٦٧٦)، والنسائي (٥/ ٦٩)، وأحمد (٢/ ٢٨٨، ٣٩٤)، (٢/-","vol":"1","page":531},{"text":"واللفظ له: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. انتهى.\nوقوله سبحانه: تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ: السِّيَما مقصورة: العلامةُ، واختلف المفسِّرون في تعيينها، فقال مجاهد: هي التخشُّع والتواضُع «١»، وقال الربيعُ، والسُّدِّيُّ:\nهي جهد الحاجة، وقَضَفُ الفقر في وجوههم، وقلَّة النعمة «٢»، وقال ابن زَيْد: هي رِثَّة الثياب «٣»، وقال قوم، وحكاه مكِّيٌّ: هي أثر السجود «٤»، قال ع «٥»: وهذا حسنٌ، وذلك لأنهم كانوا متفرِّغين متوكِّلين، لا شُغْل لهم في الأغلب إِلاَّ الصَّلاة، فكان أثَرُ السُّجود علَيْهم أبدًا، والإِلحافُ، والإلحاح بمعنى، قال ع «٦»: والآية تحتمل ٧٢ أمعنيين/.\nأحدهما: نفْي السؤال جملة، وهذا هو الذي عليه الجمهورُ أنهم لا يسألون البَتَّة.\nوالثاني: نَفْي الإِلحاف فقَطْ، أي: لا يظهر لهم سؤال، بل هو قليل وبإِجمال.\nت: وهذا الثاني بعيدٌ من ألفاظ الآية، فتأمَّله.\nت: وينبغى للفقيرِ أنْ يتعفّف في فَقْره، ويكتفي بعلْمِ ربِّه، قال الشيخُ ابن أبي جَمْرة: وقد قال أهْلُ التوفيق: مَنْ لَمْ يَرْضَ باليسير، فهو أسير. انتهى، وذكر\n_________\n- ٤٠٢، ٤٣٤، ٤٧٦، ٤٨٠، ٥٢٤، ٥٢٧) والحميدي (١٠٥٨)، وابن خزيمة (٤/ ٩٦، ٩٧) برقم (٢٤٣٦، ٢٤٣٩)، والقضاعي في «مسند الشهاب» (٦٣٤، ١٢٣٢) وابن حبان (٣٣٥٢)، والدارقطني (٣/ ٢٩٧)، وابن الجارود في «المنتقى» (٧٥١) بلفظ: «أفضل الصدقة ما تصدق به عن ظهر تعول ...» .\nوأما حديث جابر فرواه أحمد (٣/ ٣٣٠)، وابن حبان (٨٢٦) مرفوعا عنه: «أفضل الصدقة عن ظهر غنى ... وابدأ بِمَنْ تَعُولُ، وَاليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليد السفلى» .\nوأما حديث ابن عمر فرواه أحمد (٢/ ٩٣- ٩٤) عنه مرفوعا «المسألة كدوح في وجه صاحبها يوم القيامة. فمن شاء فليستبق على وجهه، وأهون المسألة مسألة ذي الرحم تسأله في حاجته. وخير المسألة مسألة عن ظهر غنى. وابدأ بمن تعول» .\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٩٨)، وذكره الماوردي في «تفسيره» (١/ ٣٤٦)، وابن عطية في «تفسيره» (١/ ٣٦٩) .\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٩٩) برقم (٦٢٢٣)، (٦٢٢٤)، وذكره الماوردي في «تفسيره» (١/ ٣٤٦)، وابن عطية في «تفسيره» (١/ ٣٦٩) .\n(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٩٨)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٣٦٩) .\n(٤) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٣٦٨) .\n(٥) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٣٦٩) .\n(٦) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٣٦٩) .","vol":"1","page":532},{"text":"عبد الملكِ بْنُ محمَّدِ بْنِ أبي القَاسِم بْن الكَرْدَبُوسِ «١» في «الاكتفاء فِي أخبار الخُلَفَاء»، قال: وتكلَّم علي بن أبي طالب﵁- بتسْعِ كلماتٍ، ثلاثٌ في المناجاةِ، وثلاثٌ في الحكمة، وثلاثٌ في الآداب أمَّا المناجاة، فقال: كَفَانِي فَخْرًا أَنْ تَكُونَ لِي رَبًّا، وكَفَانِي عِزًّا أَنْ أَكُونَ لَكَ عَبْدًا، وَأَنْتَ كَمَا أُحِبُّ، فاجعلني كَمَا تُحِبُّ، وَأَمَّا الحكمة، فقال: قيمة كلّ امرئ مَا كَانَ يُحْسِنُهُ، وَمَا هَلَكَ امرؤ عَرَفَ قَدْرَ نَفْسِهِ، وَالمَرْءُ مَخْبُوءٌ تَحْتَ لِسَانِهِ، وَأَمَّا الآدَابُ، فَقَالَ: استغن عَمَّنْ شِئْتَ، فَأَنْتَ نَظِيرُهُ، وَتَفَضَّلْ على مَنْ شِئْتَ، فَأَنْتَ أَمِيرُهُ، واضرع إلى مَنْ شِئْتَ، فَأَنْتَ أَسِيرُهُ. انتهى.\nولما كانتِ السيما تدلُّ على حال صاحبِها، ويعرف بها حاله، أقامَها اللَّه سبحانه مُقَامَ الإِخبار عن حَالِ صاحبِها، فقال: «تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ»، وقد قال الشيخُ العارفُ باللَّهِ صاحبُ «الكَلِمِ الفارقيَّة والحِكَمِ الحقيقيَّة»: كلُّ ما دلَّ على معنًى، فقد أخبر عنه، ولو كان صامتًا، وأشار إليه، ولو كان ساكتًا، لكنَّ حصول الفهْمِ والمعرفةِ بحَسَب اعتبار المعتَبِرِ، ونَظَر المتأمِّل المتدبِّر. انتهى.\nقال ع «٢»: وفي الآية تنبيهٌ على سوء حالة من يسأل النَّاسَ إِلحافًا، وقال: ص: وقوله تعالى: لاَ يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافًا، إِذا نُفِيَ حُكْمٌ مِنْ محكومٍ عليه بقَيْدٍ، فالأكثر في لسانهم انصراف النفْيِ إلى ذلك القيدِ، فالمعنى على هذا: ثبوتُ سؤالهم، ونَفْي الإِلحاح، ويجوز أنْ ينفي الحُكْم، فينتفي ذلك القَيْد، فينتفي السؤالُ والإِلحاح، وله نظائر.\nانتهى.\nوقوله تعالى: وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ: وعدٌ محضٌ، أي: يعلمه، ويحصيه ليجازي عليه، ويثيب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-206>[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٧٤ الى ٢٧٧]</span>\nالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤) الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عادَ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٧٥) يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٧)\n_________\n(١) عبد الملك بن قاسم بن الكردبوس التوزري، أبو مروان: مؤرخ، نسبته إلى «توزر» ب «تونس» صنف «الاكتفاء في أخبار الخلفاء» .\nينظر: «الأعلام» (٤/ ١٦١) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٣٦٩) .","vol":"1","page":533},{"text":"وقوله تعالى: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ ... الآية: قال ابْنُ عَبَّاس:\nنزلَتْ هذه الآيةُ في عليِّ بن أبِي طَالِبٍ﵁- كانَتْ لِه أربعةُ دراهِمَ، فتصدَّق بدرهمٍ لَيْلًا، وبدرهمٍ نَهَارًا، وبدرهمٍ سرًّا، وبدرهمٍ علانيةً «١»، وقال قتادةُ: نزلَتْ في المنْفِقِينَ في سبيل اللَّه مِنْ غَيْر تبذيرٍ ولا تقتيرٍ، قال ع «٢»: والآية، وإنْ كانَتْ نزلَتْ في عليٍّ﵁- فمعناها يتناولُ كُلَّ مَنْ فعل فِعْلَه، وكلَّ مشَّاءٍ بصدَقَته في الظلم إِلى مَظِنَّةِ الحاجة.\nوقوله تعالى: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا ... الآية: الرِّبا: هو الزيادةُ، مأخوذ من:\nرَبَا يَرْبُو، إِذا نَمَا، وزاد على ما كان، وغالبه: ما كانت العربُ تفعله من قولها للغريم:\n«أَتَقْضِي، أَمْ تُرْبِي»، فكان الغريم يزيدُ في عدد المالِ، ويصبر الطالب عليه، ومن الربا البيِّن التفاضُلُ في النوع الواحِدِ وكذلك أكثر البيوعِ الممنوعَة، إِنما تجد منْعها لمعنى زيادةٍ إِما في عينِ مالٍ، أو في منفعةٍ لأحدهما مِنْ تأخيرٍ ونحوه، ومعنى الآية: الذين يكْسِبُون الربا، ويفعلونه، وإِنما قصد إِلى لفظة الأكْل لأنها أقوى مقاصدِ الناسِ في المَالِ، قال ابن عبَّاس وغيره: معنَى قوله سبحانه: لاَ يَقُومُونَ، أي: من قبورِهِمْ في البَعْثِ يوم القيامة إلّا ٧٢ ب كما/ يقومُ الَّذي يتخبَّطه الشيطانُ من المَسِّ «٣»، قالوا: كلُّهُم يُبْعَثُ كالمَجْنُونِ عقوبةً له وتمقيتًا عند جميع المَحْشَرِ ويقوِّي هذا التأويلَ المجْمَع علَيْه أنَّ في قراءة عبد اللَّه بن مسعود: «لاَ يَقُومُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ» .\nوقوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا معناه عند جميع المتأولين:\nفي الكفار، وأنه قول بتكذيب الشريعة، والآية كلُّها في الكفار المُرْبِينَ، نزلَتْ، ولهم قيلَ:\n_________\n(١) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٣٧١)، والسيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٦٤٢)، وعزاه لعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن عساكر من طريق عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه عن ابن عباس به، وذكره الماوردي في «النكت والعيون» (١/ ٣٤٧)، والبغوي في «تفسيره» (١/ ٢٦٠) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٣٧١) . [.....]\n(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١/ ١٠٢) برقم (٦٢٣٨)، وذكره الماوردي في «تفسيره» (١/ ٣٤٨)، وابن عطية في «تفسيره» (١/ ٣٧٢) بنحوه.","vol":"1","page":534},{"text":"فَلَهُ مَا سَلَفَ، ولا يقال ذلك لمؤمنٍ عاصٍ، ولكن يأخذ العصاة في الربا بطرف من وعيدِ هذه الآيةِ، ثم جزم اللَّه سبحانه الخَبَر في قوله: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا، قيل: هذا من عموم القُرآن المخصَّص، وقيل: من مُجْمَلِهِ المبيَّن، قال جعفر بن محمَّدٍ الصَّادِقُ «١»: وحرم اللَّه الربَا ليتقارض النَّاسُ.\nوقوله تعالى: فَلَهُ مَا سَلَفَ، أي: من الربا لا تباعة علَيْه في الدنيا والآخرة، وهذا حكْمٌ مِنَ اللَّه سبحانه لِمَنْ أسلم من الكفار، وفي قوله تعالى: وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ أربعُ تأويلات:\nأحدها: أمْرُ الربا في إِمرار تحريمه وغير ذلك.\nوالثاني: أمر ما سَلَف، أي: في العفْوِ وإِسقاطِ التَّبَعَةِ فيها.\nوالثالث: أنَّ الضمير عائدٌ على ذي الربا بمعنى: أمره إِلى اللَّه في أنْ يثبته على الاِنتهاء أو يعيدَهُ إِلى المعصية.\nوالرابع: أنْ يعود الضميرُ على المنتهى، ولكنْ بمعنى التأنيسِ له، وبَسْط أمله في الخَيْر.\nوقوله تعالى: وَمَنْ عادَ، يعني: إِلى فِعْلِ الربا، والقولِ إِنما البيعُ الرِّبَا، والخلودُ في حق الكافر: خلودُ تأبيدٍ حقيقيّ، وإِن لحظنا الآيةَ في مُسْلمٍ عاصٍ، فهو خلودٌ مستعارٌ على معنى المبالغة.\nوقوله تعالى: يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ، يَمْحَقُ: معناه: ينقص، ويذهب ومنه: مِحَاقُ القَمَرِ «٢»، وهو انتقاصه، وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ: معناه: ينميها، ويزيد ثوابها تضاعفًا، تقولُ: رَبَتِ الصدقةُ، وأرْبَاهَا اللَّه تعالى، وربَّاهَا، وذلك هو التضعيف لمن يشاء ومنه قول النبيّ ﷺ «إِنَّ صَدَقَةَ أَحَدِكُمْ لَتَقَعُ فِي يَدِ اللَّهِ تعالى،\n_________\n(١) جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي، أبو عبد الله، الإمام الصادق المدني، أحد الأعلام، عن أبيه وجده أبي أمه، القاسم بن محمد، وعروة، وعنه خلق لا يحصون منهم ابنه موسى، وشعبة، والسّفيانان، ومالك، قال الشافعي وابن معين، وأبو حاتم: ثقة، مات سنة ثمان وأربعين ومائة، عن ثمان وستين سنة. ينظر: «الخلاصة» (١/ ١٦٨- ١٦٩) .\n(٢) المحاق والمحاق: آخر الشهر إذا امّحق الهلال فلم ير. ينظر: «لسان العرب» (٤١٤٧) .","vol":"1","page":535},{"text":"فَيُرَبِّيهَا كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ أوْ فَصِيلَهُ حتى تَجِيءَ يَوْمَ القِيَامَةِ، وإِنَّ اللُّقْمَةَ لعلى قَدْرِ أُحُدٍ» «١» .\nقال ع «٢»: وقد جعل اللَّه سبحانه هذَيْن الفعلَيْن بعَكْس ما يظنُّه الحريصُ الجَشِيعُ من بني آدم إِذ يظن الربا يغنيه، وهو في الحقيقة مُمْحَقٌ، ويظن الصدَقَةَ تُفْقِرُه، وهي في الحقيقة نماءٌ في الدنيا والآخرة، وعن يزيدَ بْنِ أبي حَبِيبٍ «٣» أنَّ أبا الخير «٤» حدثه أَنَّه سمع عقبة بن عامر يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كلّ امرئ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ حَتَّى يُفْصَلَ بَيْنَ النَّاسِ» أوْ قَالَ: «حتى يُحْكَمَ بَيْنَ النَّاسِ»، قال يزيد: وكان أبو الخَيْرِ لاَ يُخْطِئُهُ يَوْمٌ لاَ يَتَصَدَّقُ بِشَيْءٍ فِيهِ، وَلَوْ كَعْكَةٍ أَوْ بَصَلَةٍ، قال الحاكم: صحيحٌ على شرط مسلمٍ، ولم يخرِّجاه، يعني: البخاريَّ ومسلمًا «٥» . انتهى من «الإلمام في أحاديث الأحكام» لابن دقيق العيد.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١٣/ ٤٢٦)، كتاب «التوحيد»، باب قول الله تعالى: تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ، حديث (٧٤٣٠)، ومسلم (٢/ ٧٠٢) كتاب «الزكاة»، باب قبول الصدقة من الكسب الطيب، حديث (٦٣، ٦٤/ ١٠١٤) من حديث أبي هريرة.\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٣٧٣) .\n(٣) يزيد بن أبي حبيب مولى شريك بن الطّفيل الأزدي، أبو رجاء المصري، عالمها. عن عبد الله بن الحارث بن جزء، وأبي الخير اليزني، وعطاء، وطائفة. وعنه يزيد بن أبي أنيسة. قال ابن سعد: ثقة يتشيع، مات سنة ثمان وسبعين ومائة.\nينظر: «الخلاصة» (٣/ ١٦٧)، «التهذيب» (١١/ ٣١٨) .\n(٤) مرثد بن عبد الله الحميري، اليزني، أبو الخير المصري الفقيه، عن عمرو بن العاص، وعقبة بن عامر وطائفة. وعنه يزيد بن أبي حبيب، وجعفر بن ربيعة، وطائفة، قال سعيد بن عفير: مات سنة تسعين.\nينظر: «الخلاصة» (٣/ ١٧) .\n(٥) أخرجه أحمد (٤/ ١٤٧- ١٤٨)، وأبو يعلى (٣/ ٣٠٠- ٣٠١) رقم (١٧٦٦)، وابن خزيمة (٤/ ٩٤) رقم (٢٤٣١)، وابن حبان (٨١٧- موارد)، والحاكم (١/ ٤١٦)، والبيهقي (٤/ ١٧٧) كتاب «الزكاة»، باب التحريض على الصدقة وإن قلت، وأبو نعيم في «الحلية» (٨/ ١٨١)، والبغوي في «شرح السنة» (٣/ ٤٠٢- بتحقيقنا) كلهم من طريق ابن المبارك، وهو في «الزهد» له (ص ٢٢٧) رقم (٦٤٥) عن حرملة بن عمران عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ:\n«الرجل في ظل صدقته حتى يقضى بين الناس» . وكان أبو الخير لا يأتي عليه يوم إلا تصدق فيه بشيء ولو كعكة، ولو بصلة.\nوقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وصححه ابن خزيمة وابن حبان.\nوقال الهيثمي في «المجمع» (٣/ ١١٣): رواه أحمد، وأبو يعلى، والطبراني. ورجال أحمد ثقات.\nوصححه السيوطي في «الجامع الصغير» (٦٢٨٢) .\nوقال المناوي في «الفيض» (٥/ ١٣): وقال- أي الذهبي- في «المهذب»: إسناده قوي.","vol":"1","page":536},{"text":"قال الشيخُ ابن أبي جَمْرَة: ولا يُلْهَمُ لِلصدقةِ إِلاَّ مَنْ سبقَتْ له سابقةُ خَيْر. انتهى.\nقال أبو عمر في «التمهيد»: وروي عن رسول الله ﷺ أنَّهُ قَالَ: «مَا أَحْسَنَ عَبْدٌ الصَّدَقَةَ إِلاَّ أَحْسَنَ اللَّهُ الخِلاَفَةَ على بَنِيهِ، وَكَانَ فِي ظِلِّ اللَّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ، وحُفِظَ فِي يَوْمِ صَدَقَتِهِ مِنْ كُلِّ عَاهَةٍ وَآفَةٍ «١» . انتهى.\nوروى أبو داود في «سننه»، أنَّ سَعْدَ بْنَ عْبَادَةَ «٢»، قَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أُمَّ سَعْدٍ «٣» مَاتَتْ، فَأَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: المَاءُ، فَحَفَرَ بئْرًا، وَقَالَ: هَذِهِ لأمّ سعد» «٤» .\n_________\n(١) قال الحافظ العراقي في «تخريج الإحياء» (١/ ٢٢٥): أخرجه ابن المبارك في «الزهد» عن ابن شهاب مرسلا بإسناد صحيح، وأسنده الخطيب فيمن روى عن مالك من حديث ابن عمر، وضعفه.\n(٢) هو: سعد بن عبادة بن دليم بن حارثة بن أبي حزيمة، أبو ثابت، صحابي مشهور، وهو نقيب بني ساعدة، ذكره الواقدي والمدائني، وابن الكلبي فيمن شهد بدرا، وكان سيدا جوادا. وله ولأهله في الجود أخبار حسنة. وكان صاحب راية الأنصار في المشاهد كلها. وكان غيورا شديد الغيرة، وإياه أراد رسول الله بقوله: «إن سعدا لغيور، وإني لأغير من سعد، والله أغير منا، وغيرة الله أن تؤتى محارمه ...» الحديث. روى أبو داود من حديث قيس بن سعد قال: «اللهم اجعل صلواتك ورحمتك على آل سعد بن عبادة» توفي ب «الشام» سنة (١١) .\nينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (٢/ ٣٥٦)، «الإصابة» (٣/ ٨٠)، «الثقات» (٣/ ١٤٨)، «الاستيعاب» (٢/ ٥٩٤)، «الطبقات الكبرى» (٩/ ٧٩)، «بقي بن مخلد» (١٢١)، «سير أعلام النبلاء» (١/ ٢٧٠)، «البداية والنهاية» (٣/ ٣٨٩)، «تقريب التهذيب» (١/ ٢٨٨)، «تهذيب التهذيب» (٣/ ٤٧٥)، «تهذيب الكمال» (١/ ٤٧١)، «الاستبصار» (٧/ ٢٥، ٩٣)، «التحفة اللطيفة» (١٣٠)، «صفة الصفوة» (١/ ٥٠٣)، «الجرح والتعديل» (٤/ ٣٨٢)، «شذرات الذهب» (١/ ٢٨)، «أصحاب بدر» (٢٣٦)، «التاريخ الكبير» (١/ ٢٥)، «الوافي بالوفيات» (١٥/ ٢٠٣)، «تاريخ الإسلام» (٣/ ٩٠) .\n(٣) عمرة بنت مسعود بن قيس بن عمرو بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجاد، والدة سعد بن عبادة. ماتت في حياة النبي ﷺ سنة خمس. قال ابن سعد: ماتت والنبي ﷺ في غزوة «دومة الجندل» في شهر ربيع الأول، فلمّا جاء النبيّ ﷺ المدينة أتى قبرها، فصلّى عليها.\nينظر: «الإصابة» (٨/ ٢٤٦) .\n(٤) أخرجه أبو داود (١/ ٥٢٦)، كتاب «الزكاة»، باب في فضل سقي الماء، حديث (١٦٨١) من طريق أبي إسحاق عن رجل عن سعد بن عبادة به.\nوأخرجه أحمد (٥/ ٢٨٤)، والنسائي (٦/ ٢٥٥)، كتاب «الوصايا»، باب ذكر الاختلاف على سفيان، حديث (٣٦٦٦) من طريق شعبة عن قتادة عن الحسن عن سعد بن عبادة به نحوه.\nوأخرجه النسائي (٦/ ٢٥٤)، كتاب «الوصايا»، باب ذكر الاختلاف على سفيان، حديث (٣٦٦٥)، وابن ماجة (٢/ ١٢١٤)، كتاب «الأدب»، باب فضل صدقة الماء، حديث (٣٦٨٤)، وابن خزيمة، رقم (٢٤٩٧) من طريق هشام الدستوائي عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن سعد بن عبادة قال: قلت: يا رسول الله أي الصدقة أفضل؟ قال: «سقي الماء» .\nوأخرجه أبو داود (١/ ٥٢٦) كتاب «الزكاة»، باب في فضل سقي الماء، حديث (١٦٨٠) من طريق شعبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب والحسن عن سعد بن عبادة بنحوه.","vol":"1","page":537},{"text":"٧٣ أوروى أبو داود في «سننه»، عن أبي سعيدٍ، عن النبيّ ﷺ قال: «أَيُّمَا مُسْلِمٍ/ كَسَا مُسْلِمًا ثَوْبًا عَلَى عُرْيٍ، كَسَاهُ اللهُ مِنْ خُضْرِ الجَنَّةِ، وأَيُّما مُسْلِمٍ أَطْعَمَ مُسْلِمًا عَلَى جُوعٍ، أَطْعَمَهُ اللَّهُ مِنْ ثِمَارِ الجَنَّةِ، وأَيُّمَا مُسْلِمٍ سقى مُسْلِمًا عَلَى ظَمَإٍ، سَقَاهُ اللَّهُ مِنَ الرَّحِيقِ المَخْتُومِ» «١» . انتهى.\nوقوله تعالى: وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ يقتضي الزجْرَ للكفَّارِ المستحلِّين للربا، ووصْف «الكَفَّار» ب «أثيم» إِما مبالغةٌ من حيثُ اختلف اللفظانِ، وإِما ليذهب الاشتراكُ الذي في «كَفَّار» إِذ قد يقع على الزَّارِعِ الذي يستر الحَبَّ في الأرض، قاله ابنُ فُورَكَ «٢» .\nولما انقضى ذكْر الكافرين، عقَّب سبحانه بذكْرِ ضدِّهم ليبين ما بين الحالَتَيْنِ، فقال: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ... الآية، وقد تقدَّم تفسير مثل هذه الألفاظ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-207>[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٧٨ الى ٢٨١]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ (٢٧٩) وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠) وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٨١)\nوقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا ... الآية: سبَبُ هذه الآيةِ أنه لما افتتح النبيّ ﷺ مكَّة، قال في خُطْبَتِهِ اليَوْمَ الثانِيَ من الفَتْح: «ألا كُلُّ رِبًا فِي الجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وأوّل ربا أضعه ربا «٣»\n_________\n(١) تقدم تخريجه.\n(٢) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٣٧٣) . [.....]\n(٣) قال صاحب «المصباح»: الربا: الفضل والزيادة، وهو مقصور على الأشهر، ويثنّى فيقال: ربوان بالواو على الأصل، وقد يقال: ربيان على التخفيف، وينسب إليه على لفظه، فيقال: ربويّ. قاله أبو عبيد وغيره.\nوزاد المطرزي فقال: الفتح في النسبة خطأ.\nوربا الشيء يربو، إذا زاد ونما، وأربى الرّجل (بالألف) دخل في الرّبا، وأربى على الخمسين، زاد عليها.\nوفي «اللسان»: ربا الشيء يربو ربوّا ورباء: زاد ونما، وأربيته: نميته.\nوفي التنزيل العزيز: وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ [البقرة: ٢٧٦] ومنه: آخذ الربا الحرام. وأربى الرّجل في الربا: يربي، وقد تكرر ذكره في الحديث. والأصل فيه الزيادة من: ربا المال، إذا زاد وارتفع، والاسم:\nالربا مقصور، وأربى الرجل على الخمسين ونحوها: زاد، وفي حديث الأنصار يوم «أحد»: «لئن أصبنا منهم يوما مثل هذا لنربينّ عليهم» . أي: لنزيدنّ ولنضاعفنّ. وفي حديث الصدقة: «وتربو في كف-","vol":"1","page":538},{"text":"العبّاس» «١» فبدأ ﷺ بعَمِّه، وأخَصِّ الناسِ به، وهذه من سنن العَدْلِ للإِمام أنْ يفيض العَدْل على نَفْسه وخاصَّته، فيستفيض في النَّاس، ثم رجع رسُولُ الله ﷺ إِلى المدينةِ، واستعمل على مكَّة عَتَّابَ بْنَ أسيد «٢»، فلمّا استنزل ﷺ أهْلَ الطائِفِ بَعْد ذلك إِلى الإِسْلامِ، اشترطوا شُرُوطًا، وكان في شروطهم: أنَّ كُلَّ ربًا لهم على النَّاسِ فإِنهم يأخذونه، وكُلُّ ربًا علَيْهم، فهو موضُوعٌ، فيروى أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَّر لهم هذه، ثم ردَّها اللَّه بهذه الآية كما ردّ\n_________\n- الرّحمن، حتّى تكون أعظم من الجبل» وربا السّويق ونحوه ربوّا: صبّ عليه الماء فانتفخ، وقوله (﷿) في صفة الأرض: اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ [الحج: ٥] قيل: معناه عظمت وانتفخت.\nوقرىء: «وربأت» فمن قرأ: «وربت» فهو من ربا يربو، إذا زاد على أيّ الجهات زاد.\nومن قرأ: «وربأت» بالهمز فمعناه: ارتفعت، وسابّ فلان فلانا، فأربى عليه في السّباب، إذا زاد عليه.\nوقوله (﷿): فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً [الحاقة: ١٠] أي: أخذه تزيد على الأخذات.\nقال الجوهري: أي: زائدة، كقولك: «أربيت، إذا أخذت أكثر مما أعطيت» .\nواصطلاحا:\nعرفه الحنفية بأنه: فضل مال خال عن عوض، شرط لأحد العاقدين، في معاوضة مال بمال.\nوعرفه الشّافعية بأنه: عقد على عوض مخصوص، غير معلوم التماثل في معيار حالة العقد، أي: مع تأخير في البدلين، أو أحدهما.\nوعرفه المالكية بأنه: عقد معاوضة على نقد أو طعام مخصوص بجنسه، مع التفاضل، أو مع التأخير مطلقا.\nوعرفه الحنابلة بأنه: الزّيادة في أشياء مخصوصة.\nوقد قسّم الفقهاء الرّبا إلى قسمين، وزاد الشافعية قسما ثالثا:\n١- ربا الفضل، وهو: البيع مع زيادة أحد العوضين عن الآخر.\n٢- ربا النّسا، وهو: البيع لأجل، أو تأخير أحد العوضين عن الآخر.\n٣- ربا اليد، وهو: البيع مع تأخير قبضهما، أو قبض أحدهما.\nينظر: «الصحاح» (٦/ ٢٣٥٠)، و«المغرب» (١٨٢)، و«المصباح المنير» (١/ ٣٣٣)، و«المطلع» (٢٣٩) .\nوينظر: «شرح فتح القدير» (٧/ ٣)، «تبيين الحقائق شرح كنز الحقائق» (٤/ ٨٥)، «تحفة الفقهاء» للسمرقندي (٢/ ٣١)، «مغنى المحتاج» (٢/ ٢١)، «فتح الوهاب بشرح منهج الطلاب» (١/ ١٦١)، «المغني» (٤/ ١٢٢)، «مجمع الأنهر» (٢/ ٨٣)، «كشاف القناع» (٣/ ٢٥١) .\n(١) هو جزء من حديث جابر في صفة حج النبي ﷺ، وقد تقدم تخريج هذا الحديث عند آيات الحج في سورة البقرة.\n(٢) عتّاب بن أسيد بن أبي العيص الأموي، أبو عبد الرحمن من مسلمة الفتح. ولي للنبي ﷺ «مكّة» وله عشرون سنة. وعنه ابن المسيّب، وعطاء مرسلا لأنه مات يوم مات الصّديق. وذكر الطبراني أنه عمل لعمر، وفي صحيح مسلم حديث يدل على ذلك إلى سنة إحدى وعشرين.\nينظر: «الخلاصة» (٢/ ٢٠٨) .","vol":"1","page":539},{"text":"صُلْحَه لكُفَّار قُرَيْش في ردِّ النِّسَاءِ إِليهم عامَ الحُدَيْبِية، وذكَرَ النَّقَّاش روايةً أنَّ رسُولَ الله ﷺ أَمَرَ أَنْ يُكْتَبَ فِي أَسْفَلِ الكِتَابِ لِثَقِيفٍ: «لَكُمْ مَا لِلْمُسْلِمِينَ، وَعَلَيْكُمْ مَا عَلَيهِمْ»، فلما جاءَتْ آجال رِبَاهُمْ، بعثوا إِلى مكَّة لِلاقتضاءِ، وكانت على بني المغيرة المخزوميّين، فقال بنو المُغِيرَةِ: لا نُعْطِي شَيئًا فإِن الربَا قد وُضِعَ، ورفعوا أمرهم إِلى عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ بمكَّة، فَكَتَب به إلى رسُولِ الله ﷺ فنزلت الآية، وكتب بها رسول الله ﷺ إلى عتَّابٍ، فعلمتْ بها ثقيفٌ، فكَفَّت: هذا سببُ الآية على اختصارٍ ممَّا روى ابْنُ إِسحاق، وابْنُ جُرَيْجٍ، والسُّدِّيُّ وغيرهم «١» .\nفمعنى الآية: اجعلوا بينكم وبيْنَ عذابِ اللَّهِ وقايةً بترككمْ ما بَقِيَ لكُمْ من ربًا، وصَفْحِكُمْ عنه، ثم توعَّدَهُمْ تعالَى، إِن لم يذروا الربَا بحَرْبٍ منه، ومِنْ رسوله، وأمَّته، والحَرّب داعية القَتْلِ.\nوقوله تعالى: فَأْذَنُوا قال سِيبَوَيْهِ: آذَنْتُ: أعْلَمْتُ.\nت: وهكذا فسره البخاريُّ، فقال: قال أبو عبد اللَّهِ: فَأذَنُوا، فاعلموا «٢»، وقال ع «٣»: هي عنْدِي من الأَذَنِ، وقال ابن عَبَّاس وغيره: معناه فاستيقنوا بحَرْبٍ «٤» .\nثم ردَّهم سبحانه مع التوبة إِلى رءوس أموالهم، وقال لهم: لا تَظْلِمُونَ في أخذِ الزائِدِ، ولا تُظْلَمُونَ في أنْ يتمسَّك بشيء من رءوس أموالكُمْ، ويحتمل لا تَظْلِمُونَ في مَطْلٍ، لأن مَطْل الغنيّ ظلم كما قال﵊ «٥» - فالمعنى أنه يكون\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ١٠٧) برقم (٦٢٥٦)، (٦٢٥٧) عن ابن جريج والسدي، والأثر ذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٣٧٤)، والسيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٦٤٦)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن السدي، وعزاه لابن جرير عن ابن جرير.\n(٢) ينظر: صحيح البخاري (٨/ ٥٢)، كتاب «التفسير»، باب (فأذنوا بحرب من الله)، حديث (٤٥٤٢) .\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٣٧٥) .\n(٤) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١/ ٨) برقم (٦٢٦٥)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٣٧٥)، والسيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٦٤٧)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس.\n(٥) أخرجه مالك (٢/ ٦٧٤)، كتاب «البيوع»، باب جامع الدين والحول، حديث (٨٤)، والبخاري (٤/ ٤٦٤) كتاب «الحوالة»، باب هل يرجع في الحوالة، حديث (٢٢٨٧)، ومسلم (٣/ ١١٩٧)، كتاب «المساقاة»، باب تحريم مطل الغني، حديث (٣٣/ ١٥٦٤)، وأبو داود (٣/ ٦٤٠)، كتاب «البيوع»، باب في المطل، حديث (٣٣٤٥)، والنسائي (٧/ ٣١٧)، كتاب «البيوع»، باب الحوالة. والترمذي (٣/ ٦٠٠)، كتاب «البيوع»، باب مطل الغني ظلم، حديث (١٣٠٨)، وابن ماجه (٢/ ٨٠٣) كتاب-","vol":"1","page":540},{"text":"القضاءُ، مع وضْعِ الربا وهكذا سنة الصُّلْح، وهذا أشبه شيء بالصُّلْح ألا ترى أنَّ النبيّ ﷺ لَمَّا أشارَ على كَعْبِ بْنِ مالِكٍ في دَيْنِ ابْنِ أَبِي حَدْرَدٍ بِوَضْعِ الشَّطْرِ، فقال كعب: نعم، فقال النّبيّ ﷺ لِلآخَرِ: «قُمْ، فاقضه» «١»، فَتلقَّى العلماءُ أمره بالقَضَاء سنّة في المصالحات.\n_________\n- «الصدقات»، باب الحوالة، حديث (٢٤٠٣)، والشافعي في «الأم» (٣/ ٢٣٣)، كتاب «الحوالة» .\nوأحمد (٢/ ٢٤٥)، والدارمي (٢/ ٢٦١) كتاب «البيوع»، باب في مطل الغني ظلم. والحميدي (٢/ ٤٤٧) رقم (١٠٣٢)، وأبو يعلى (١١/ ١٧٢- ١٧٣) رقم (٦٢٨٣)، والطحاوي في «مشكل الآثار» (٤/ ٨)، والبيهقي (٦/ ٧٠) كتاب «الحوالة»، باب من أحيل على ملىء فليتبع، كلهم من طريق أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «مطل الغني ظلم، وإذا أحيل أحدكم على ملىء فليتبع» .\nوأخرجه البخاري (٥/ ٧٥) كتاب «الاستقراض»، باب مطل الغني ظلم، حديث (٢٤٠٠)، ومسلم (٣/ ١١٩٧)، كتاب «المساقاة»، باب تحريم مطل الغني. وأحمد (٢/ ٣١٥)، وعبد الرزاق (٨/ ٣١٦) رقم (١٥٣٥٥)، والبيهقي (٦/ ٧٠) كتاب «الحوالة»، باب من أحيل على ملىء فليتبع، كلهم من طريق معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «مطل الغني ظلم» .\nلفظ البخاري هكذا مختصرا.\nوأخرجه الطبراني في «الصغير» (١/ ٢٣١) من طريق أبي قرة موسى بن طارق عن ابن جريج عن صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «مطل الغني ظلم» .\nوقال الطبراني: لم يروه عن صالح إلا ابن جريج، تفرد به أبو قرة. قال السهمي في «سؤالاته للدارقطني» (٤٠٢): سألت أبا الحسن الدارقطني، قلت: أبو قرة موسى بن طارق لا يقول: «أخبرنا» أبدا، يقول:\nذكر فلان. أيش العلة فيه؟ فقال: هو سماع له كله، وقد كان أصاب كتبه آفة فتورع فيه، فكان يقول: ذكر فلان. اهـ.\nوأخرجه الخطيب في «تاريخ بغداد» (٦/ ٢٩٤) من طريق علي بن مسهر عن عاصم الأحول عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «مطل الغني ظلم» .\nوفي الباب عن ابن عمر:\nأخرجه الترمذي (٣/ ٦٠٠- ٦٠١) كتاب «البيوع»، باب ما جاء في مطل الغني أنه ظلم، حديث (١٣٠٩)، وابن ماجة (٢/ ٨٠٣) كتاب «الصدقات»، باب الحوالة، حديث (٢٤٠٤)، وأحمد (٢/ ٧١) من طريق هشيم: ثنا يونس بن عبيد عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «مطل الغني ظلم، وإذا أحلت على ملىء فاتبعه، ولا تبع بيعتين في واحدة» .\nوالحديث ذكره الحافظ البوصيري في «الزوائد» (٢/ ٢٤٢) مع أنه ليس على شرطه فقد أخرجه الترمذي أيضا، ولم ينفرد به ابن ماجة.\nفقال: هذا إسناد رجاله ثقات غير أنه منقطع، قال أحمد بن حنبل: لم يسمع يونس بن عبيد من نافع شيئا، إنما سمع من ابن نافع عن أبيه. وقال ابن معين وأبو حاتم: لم يسمع من نافع شيئا.\n(١) أخرجه البخاري (١/ ٦٥٧)، كتاب «الصلاة»، باب التقاضي والملازمة في المسجد، حديث (٤٥٧)، (١/ ٦٦٩)، كتاب «الصلاة»، باب رفع الصوت في المسجد، حديث (٤٧١)، ومسلم (٣/ ١١٩٢)، كتاب «المساقاة»، باب استحباب الوضع من الدين، حديث (٢٠، ٢١/ ١٥٥٨) .","vol":"1","page":541},{"text":"٧٣ ب وقوله سبحانه: وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ/، فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ حكم اللَّه تعالى لأرباب الربَا برُءُوس أموالهم عنْدَ الواجدين للمال، ثم حكم في ذِي العُسْرَةِ بالنَّظَرَةِ إِلى حال اليُسْرِ، والعُسْرُ: ضيقُ الحالِ من جهة عدمِ المالِ، والنَّظِرَةُ التأخيرُ.\nت: وفي «الصحيحين» عَنِ النبيِّ ﷺ، قَالَ: «كَانَ رَجُلٌ يُدَايِنُ النَّاسَ، فَكَانَ يَقُولُ لِفَتَاهُ: إِذَا أَتَيْتَ مُعْسِرًا، فَتَجَاوَزْ عَنْهُ، لَعَلَّ اللَّهَ يَتَجَاوَزُ عَنَّا، قَالَ: فَلَقِيَ اللَّهَ فَتَجَاوَزَ عَنْهُ» «١»، وفي «صحيح مسلمٍ»: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُنْجِيَهُ اللَّهُ مِنْ كَرْبِ يَوْمِ القِيَامَةِ، فَلْيُنَفِّسْ عَنْ مُعْسِرٍ، أَوْ يَضَعْ عَنْهُ»، وفي روايةٍ: «مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا، أَوْ وَضَعَ عَنْهُ، أنْجَاهُ اللَّهُ مِنْ كَرْبِ يَوْمِ القِيَامَةِ»، وفي رواية: «مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا أَوْ وَضَعَ عَنْهُ، أَظَلَّهُ الله في ظلّه» «٢» . انتهى.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٤/ ٣٦١)، كتاب «البيوع»، باب من أنظر معسرا، حديث (٢٠٧٨)، ومسلم (٣/ ١١٩٦)، كتاب «المساقاة»، باب فضل إنظار المعسر، حديث (٣١/ ١٥٦٢) من حديث أبي هريرة.\n(٢) ورد من حديث أبي اليسر، وأبي هريرة، وأبي قتادة، وعثمان، وابن عباس، وكعب بن عجرة، وأسعد بن زرارة.\nحديث أبي اليسر:\nأخرجه أحمد (٣/ ٤٢٧)، والدارمي في «السنن» (٢/ ٢٦١)، كتاب «البيوع»، باب فيمن أنظر معسرا، ومسلم في «الصحيح» (٤/ ٢٣٠٢)، كتاب «الزهد» (٥٣)، باب حديث جابر الطويل، وقصة أبي اليسر (١٨)، الحديث (٧٤/ ٣٠٠٦)، وابن ماجة «السنن» (٢/ ٨٠٨)، كتاب «الصدقات» (١٥)، باب إنظار العسر. (١٤)، الحديث (٢٤١٩)، والحاكم في «المستدرك» (٢/ ٢٨- ٢٩)، كتاب «البيوع»، باب من أنظر معسرا، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٦/ ٢٨)، كتاب «البيوع»، باب من عجل له أدنى من حقه، وأبو نعيم في «الحلية» (٢/ ١٩- ٢٠) في ترجمة كعب بن عمرو أبي اليسر، رقم (١١٥) بلفظ: «من أنظر معسرا أو وضع عنه، أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله» وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووهم، لإخراج مسلما إياه.\nحديث أبي هريرة:\nأخرجه الترمذي في «السنن» (٣/ ٥٩٩)، كتاب البيوع (١٢)، باب ما جاء في إنظار المعسر والرفق به (٦٧)، الحديث (١٣٠٦) . والقضاعي في «مسند الشهاب» (١/ ٢٨١)، الحديث (٤٥٩) بلفظ: «من أنظر معسرا أو وضع له، أظله الله تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله» . قال الترمذي: حسن صحيح غريب من هذا الوجه.\nحديث أبي قتادة:\nأخرجه أحمد (٥/ ٣٠٠، ٣٠٨)، والدارمي (٢/ ٢٦١- ٢٦٢)، ومسلم (٣/ ١١٩٦) كتاب «المساقاة»، باب فضل إنظار المعسر، الحديث (٣٢/ ١٥٦٣)، وأبو نعيم في «الحلية» (٦/ ٢٦٦) في ترجمة حماد بن زيد، رقم (٣٧٣) بلفظ: «من نفس عن غريمه أو محا عنه، كان في ظل العرش يوم القيامة» لفظ أحمد والدارمي، وقال مسلم: «من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة، فلينظر معسرا، أو ليضع عنه» وقال أبو نعيم: «من أنظر معسرا أو وهب له، أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله» .\nحديث عثمان: -","vol":"1","page":542},{"text":"والمَيْسَرَةُ: مصدرٌ بمعنى اليُسْرِ، وارتفع: «ذُو عُسْرَةٍ» ب «كان» التامة الَّتي هي بمعنى:\n«وُجِدَ، وَحَدَثَ»، وارتفعَ قَوْلِه: «فَنَظِرَةٌ» علَى خبر ابتداءٍ مقدَّر، تقديره فالواجبُ نَظِرَةٌ.\nواختلف أهْلُ العلْمِ هلْ هذا الحُكْم بالنَّظِرَةِ إِلى الميسرةِ واقفٌ على أهل الربا خاصَّة، وهو قول ابن عبَّاس، وشُرَيْح «١»، أو هو منسحبٌ على كلِّ دين حلال، وهو قول جمهور\n_________\n- أخرجه عبد الله بن أحمد في «زوائد المسند» (١/ ٧٣) بلفظ: «أظل الله عبدا في ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إلاَّ ظِلُّهُ، أنظر معسرا أو ترك لغارم» وقال الهيثمي في «المجمع» (٤/ ١٣٦): وفيه عباس بن الفضل، ونسب إلى الكذب.\nوحديث ابن عباس:\nأخرجه أحمد في «المسند» (١/ ٣٢٧) عنه قال: خرج رسول الله ﷺ إلى المسجد وهو يقول بيده هكذا، وأومأ أبو عبد الرحمن بيده إلى الأرض: «من أنظر معسرا، أو وضع له، وقاه الله من فيح جهنم» .\nوذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٤/ ١٣٦- ١٣٧) وقال: رواه أحمد، وفيه عبد الله بن جعوية السلمي، ولم أجد من ترجمه، وبقية رجاله رجال الصحيح.\nحديث آخر لابن عباس:\nأخرجه الطبراني في «الكبير» (١١٣٣٠) عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من أنظر معسرا إلى ميسرته، أنظره الله بدينه إلى نوبته» .\nقال الهيثمي في «المجمع» (٤/ ١٣٨): رواه الطبراني في «الكبير» و«الأوسط»، وفيه الحكم بن الجارود، ضعفه الأزدي. وشيخ الحاكم وشيخ شيخه لم أعرفهما.\nحديث كعب بن عجرة:\nأخرجه الطبراني في «الصغير» (١/ ٢٠٩- ٢١٠)، و«الكبير» (١٩/ رقم ٢١٤) «من أنظر معسرا أو يسر عليه، أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله» .\nوذكره الهيثمي في «المجمع» (٤/ ١٣٧)، وقال: رواه الطبراني في الثلاثة، وفيه عبيدة بن معتب، وهو متروك.\nحديث أسعد بن زرارة:\nأخرجه الطبراني في الكبير (٨٩٩) بلفظ «من سره أن يظله الله يوم لا ظل إلا ظله، فلييسر على معسر، أو ليضع عنه» .\nوذكره الهيثمي في «المجمع» (٤/ ١٣٧)، وقال: رواه الطبراني في «الكبير» من طريق عاصم بن عبيد الله عن أسعد، وعاصم ضعيف، ولم يدرك أسعد بن زرارة. [.....]\n(١) شريح بن الحارث بن قيس بن الجهم بن معاوية الكندي، أبو أميّة الكوفي، مخضرم، ولي لعمر «الكوفة» فقضى بها ستين سنة، وكان من جلة العلماء، وأذكى العالم عن علي وابن مسعود، وعنه الشّعبي، وأبو وائل، وثقه ابن معين، قال الشعبي: كان أعلم الناس بالقضاء. وقال ابن حصين: اختصم إليه رجلان فحكم على أحدهما، فقال: قد علمت من حيث أتيت، فقال شريح: لعن الله الراشي والمرتشي والكاذب، قال محمد بن نمير: مات سنة ثمانين على الأصح، عن مائة وعشر سنين وقيل:\nعشرين سنة.\nينظر: «الخلاصة» (١/ ٤٤٧) .","vol":"1","page":543},{"text":"العلماء «١»؟\nع «٢»: وما قاله ابن عبَّاس إِنما يترتَّب، إِذا لم يكُنْ فقر مُدْقِعٌ، وأما مع الفقر والعُدْمِ الصريحِ، فالحُكْمُ هي النَّظِرة ضرورةً.\nت: ولا يخالف ابن عبَّاس في ذلك.\nوقوله تعالى: وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ: نَدَبَ اللَّه بهذه الألفاظ إِلى الصدَقَة على المُعْسِر، وجعل ذلك خيرًا من إنظاره، قاله جمهور العلماء.\nوروى سعيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، عن عمر بن الخَطَّاب أنه قَالَ: كان آخر ما نَزَلَ من القُرآن آية الربا، وقُبِضَ رسول الله ﷺ ولَمْ يفسِّرْها لَنَا، فدَعُوا الرِّبَا والرِّيبَةَ «٣» .\nوقال ابن عباس: آخر ما نزل آية الربا «٤» .\nقال ع «٥»: ومعنى هذا عنْدي، أنها من آخر ما نَزَلَ لأن جمهور النَّاس ابنُ عبَّاس، والسُّدِّيُّ، والضَّحَّاك، وابنُ جْرَيجٍ، وغيرهم، قالوا: آخر آية نزلَتْ قوله تعالى:\nوَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ، ورُوِيَ أَنَّ قوله: وَاتَّقُوا نزلت قبل موت النبيّ ﷺ بِتِسْعِ ليالٍ، ثم لم ينزلْ بعدها شيْءٌ، ورُوِيَ بثلاثِ ليالٍ، وروي أنَّها نزلَتْ قبل موته بثلاث ساعات، وأنّه ﷺ قَالَ: «اجعلوها بَيْنَ آيَةِ الرِّبَا وَآيَةِ الدَّيْنِ»، وحكى مكّيّ أنّ النبيّ ﷺ قَالَ: «جَاءَنِي جِبْرِيلُ، فَقَالَ: اجعلها على مِائَتَيْنِ وَثَمَانِينَ آيَةً مِنَ البَقَرةِ» «٦» .\nوقوله تعالى: وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ... الآية: وعْظٌ لجميعِ الناسِ، وأمْرٌ يخصُّ كلَّ إِنسان.\nت: حدَّثني من أثقُ به أنه جَلَسَ عند شيخ من الأفاضل يجوّد عليه القرآن،\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ١١٠) برقم (٦٢٧٤) عن ابن عباس، وبرقم (٦٢٧٥) عن ابن سيرين، والأثر ذكره الماوردي في «النكت والعيون» (١/ ٣٥٢) عن ابن عباس، وابن عطية (١/ ٣٧٧)، والسيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٦٥٠) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٣٧٧) .\n(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ١١٤) (٦٣٠٥)، وذكره الماوردي في «تفسيره» (١/ ٣٥٣)، وابن عطية في «تفسيره» (١/ ٣٧٧) .\n(٤) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ١١٤) برقم (٦٣٠٧) .\n(٥) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٣٧٨) .\n(٦) ينظر: «تفسير القرطبي» (٣/ ٣٧٤) .","vol":"1","page":544},{"text":"فقرئَتْ عليه هذه الآيةُ، فبكى عندها، ثم بكى، إلى أَنْ فاضتْ نفْسُه، ومَالَ، فحَرَّكُوه، فإِذا هو مَيِّتٌ﵀- ونَفَعَ بِهِ، يَا هَذَا، مَنْ صَحَا عَقْلُه مِنْ سُكْر هواه، وجَهْلِهِ، احترق بنَارِ النَّدَمِ والخَجَلِ مِنْ مهابة نَظَرِ ربِّه، وتنكَّرت صُورةُ حالِهِ في عَيْنِهِ نفوسَ الأغبياءِ الجُهَّال، غَافِلَةً عن العظمة والجَلاَل، ولاَهِيَةً عن أهْوَال المَعَاد والمَآل، مَشْغُولَةً برذائلِ الأفْعَال، وفُضُولِ القِيلِ والقَال، والاِستنباطِ والاِحْتِيَالِ لاِزدياد الأمْوَال، ولا يَعْلَمُون أنَّها فِتْنَةٌ وَوَبَال، وطُولُ حِسَابٍ وبَلاَء وبَلْبَالَ «١»، اغتنموا، يا ذوِي البَصَائر نعْمَةَ الإِمهال، واطرحوا خَوَادِع الأمانِي، وكَوَاذِب/ الآمال، فكأنْ قد فجأتْكُم هواجمُ الآجال. انتهى من ٧٤ «الكم الفارقيّة، في الحكم الحقيقيّة» .\nويَوْمًا: نصب على المفعول، لا على الظرف، وجمهور العلماء على أنَّ هذا اليوم المحذَّر منه هو يومُ القيامةِ، والحِسَابِ والتوفيةِ، وقال قومٌ: هو يوم المَوْت، والأول أصَحُّ، وهو يومٌ تنفطرُ لذكْره القُلُوب، وفي هذه الآيةِ نصٌّ على أنَّ الثواب والعقابَ متعلِّق بكَسْب الإِنْسَان، وهذا ردّ على الجبريّة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-208>[سورة البقرة (٢): آية ٢٨٢]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلى أَجَلِهِ ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلاَّ تَرْتابُوا إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوها وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢)\nوقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ...\nالآية.\nقال ابن عباس: هذه الآية نزلت في السّلم خاصّة «٢»،\n_________\n(١) البلبال: والبلابل، والبلبلة: شدة الهم والوسواس في الصدور وحديث النفس. ينظر: «لسان العرب» (٣٥١) (بلل) .\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ١١٦) برقم (٦٣١٥)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» .","vol":"1","page":545},{"text":"قال ع «١»: معناه أنَّ سَلَمَ أهْلِ المدينة كانَ سَبَبَ الآيةِ، ثم هِيَ تتناوَلُ جميعَ المدايَنَات إجماعًا، ووصفُهُ الأَجَلَ ب مُسَمًّى- دليلٌ على أنَّ الجهالة لا تجوزُ، وقال جمهورُ العلماء: الأمر بالكَتب ندْبٌ إِلى حفظ الأموال، وإِزالة الرّيب، وإِذا كان الغريمُ تقيًّا، فما يضرُّه الكَتْب، وإِن كان غير ذلك، فالكتب ثقافٌ في دَيْنِهِ وحَاجَة صاحبِ الحقِّ، قال بعضهم: إِن أشهدتَّ، فحَزْمٌ، وإِن ائتمنت، ففي حِلٍّ وَسَعةٍ.\nع «٢»: وهذا هو القول الصحيحُ، ثم علم تعالى أنه سيقع الاِئتمانُ، فقال: إِن وقع ذلك، فَلْيُؤَدِّ ... [البقرة: ٢٨٣] الآية، فهذه وصيَّة للذِينَ علَيْهم الدُّيون.\nواختلف في قوله تعالى: وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ.\nفقال عطاءٌ، والشَّعْبِيُّ: واجبٌ على الكاتِبِ أنْ يكْتُبَ، إِذا لم يوجَدْ سواه «٣»، وقال السُّدِّيُّ: هو واجبٌ مع الفَرَاغ «٤» .\nوقوله: بِالْعَدْلِ: معناه: بالحَقِّ، ثم نهى اللَّه سبحانه الكُتَّابَ عن الإباءَة، وحكى المَهْدَوِيُّ عن الرَّبِيعِ، والضَّحَّاك أنَّ قوله تعالى: وَلا يَأْبَ منسوخٌ بقوله: وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ، قال «٥» ع «٦»: أما إذا أمكن الكتاب، فلَيْسَ يجبُ الكَتْب على معيَّن، بل له الاِمتناع، إِلا إِذا استأجره، وأمَّا إِذا عدم الكاتبُ، فيتوجَّه وجوبُ النَّدْب حينئِذٍ على الكَاتِبِ.\nوقوله تعالى: وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ ... الاية: أَمَرَ اللَّه تعالى الَّذي علَيْه الحقُّ بالإِملال لأنَّ الشهادة، إِنما تكونُ بحَسَب إِقراره، وإِذا كتبت الوثيقة، وأقر بها، فهي\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٣٧٨) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٣٧٩) .\n(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ١١٩) برقم (٦٣٣٩) عن عطاء، وذكره الماوردي في «تفسيره» (١/ ٣٥٥)، وابن عطية في «تفسيره» (١/ ٣٧٩) .\n(٤) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ١١٩) برقم (٦٣٤٢)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٣٧٩)، والسيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٦٥٥)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن السدي، وذكره.\n(٥) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ١١٩) برقم (٦٣٤٠، ٦٣٤١)، وذكره الماوردي في «تفسيره» (١/ ٣٥٥) عن الضحاك، وذكره أيضا ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٣٧٩)، والسيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٦٥٥)، وعزاه لابن جرير عن الضحاك. [.....]\n(٦) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٣٧٩) .","vol":"1","page":546},{"text":"كإمْلاله، والبَخْسُ: النقْصُ بنوعٍ من المخادَعَة، والمُدَافعة، وهؤلاءِ الذين أُمِرُوا بالإِملال هم المالكُون لأنفسهم، إِذا حَضَرُوا.\nثم ذكر تعالى ثلاثةَ أنواعٍ تقَعُ نوازلُهُمْ في كلِّ زمانٍ، فقال: فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا، والسفيهُ: الهَلْهَل الرأي في المالِ، الذي لا يحسنُ الأخذ لنَفْسِهِ ولا الإِعطاء منْها مشبَّه بالثوْبِ السَّفِيهِ، وهو الخفيفُ النَّسْجِ، والسَّفَهُ: الخِفَّة، وهذه الصفة في الشريعةِ لا تخلُو من حجر أبٍ، أو وصيٍّ وذلك هو وليُّه، ثم قال: أَوْ ضَعِيفًا، والضعيفُ: هو المدخُولُ في عَقْلِهِ، وهذا أيضًا قد يكونُ وليُّه أَبًا أو وصيًّا، والذي لا يستطيعُ أن يُمِلَّ هو الصغيرُ، ووليُّه وصيُّه أو أبوه، والغائبُ عن موضعِ الإشهاد لمرضٍ أو لغيرِ ذلك مِنَ الأعذار، ووليُّه وكيلُهُ، وأمَّا الأخْرَسُ، فيسوغُ أنْ يكون من الضعفاء، والأولى أنه ممَّن لا يستطيعُ.\nوقوله: بِالْعَدْلِ: معناه: بالحَقِّ، وقَصْدِ الصواب.\nوقوله تعالى: وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ ... الآية: الاستشهادُ: طلبُ الشهادة/، وعبّر ٧٤ ب ببناءِ مبالغة في «شَهِيدَيْنِ» دلالةً على مَنْ قد شهد، وتكرَّر ذلك منه فكأنه إِشارة إِلى العدالة، قال ابنُ العربيِّ في «أحكامه» «١»: والصحيحُ أنَّ الأمر بالاستشهادِ محمولٌ على الندب. اهـ.\nوقوله تعالى: مِنْ رِجالِكُمْ: نصٌّ في رفضِ الكفارِ، والصِّبْيَانِ، والنِّساء، وأما العبيدُ، فاللفظ يتناولهم.\nواختلف العلماء فيهم، وقولُ مالكٍ، والشافعيِّ، وأبي حنيفةَ، وجمهورِ العلماءِ: أنَّ شهادتهم لا تجوزُ، وغلبوا نقْضَ الرِّقِّ.\nواسم كان الضميرُ الذي في قوله: يَكُونا، والمعنى في قول الجمهور: فإِن لم يكن المستشْهَدُ رجلَيْنِ، وقال قومٌ: بلْ المعنى: فإِن لم يوجَدْ رجلانِ.\nولا يجوز استشهاد المَرْأَتَيْنِ إِلا مع عَدَم الرجال، قال ع «٢»: وهذا قول ضعيفٌ ولفظ الآية لا يعطيه، بل الظاهرُ منه قولُ الجمهور.\n_________\n(١) ينظر: «أحكام القرآن» (١/ ٢٥١) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٣٨١) .","vol":"1","page":547},{"text":"وقوله: فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ، أي: فليشهدْ أو فليكُنْ رجُلٌ وامرأتان.\nوقوله تعالى: مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ: رفعٌ في موضع الصفةِ لقوله: فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ، وهذا الخطاب لجميع الناس، المتلبِّس بهذه القصَّة هم الحُكَّام، وهذا كثيرٌ في كتاب اللَّه يعمُّ الخطابُ فيما يتلبَّس به البعْض.\nوفي قوله: مِمَّنْ تَرْضَوْنَ: دليلٌ على أنَّ في الشهود من لا يرضى فيجيء من ذلك، أنَّ الناس ليسوا بمحمولِينَ عَلَى العَدَالة حتى تَثْبُتَ لهم.\nوقوله تعالى: أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما ... الآيةَ: «أنْ» مفعولٌ من أجله، والشهادة لم تقع لأَنْ تَضِلَّ إحْدَاهما، وإِنما وقع إِشهاد امرأتين لأنّ تُذَكِّر إِحداهما، إِنْ ضلَّت الأخرى، قال سيبوَيْهِ، وهذا كما تقول: أعْدَدتُّ هذه الخَشَبَةَ أنْ يميلَ الحَائِطُ، فأدعمه.\nع «١»: ولما كانتِ النفوسُ مستشرفةً إِلى معرفة أسباب الحوادِثِ، قدم في هذه العبارة ذكْرَ سبب الأمر المقْصُود إلى أنْ يخبر به، وهذا مِنْ أبْرَعِ الفَصَاحَةِ إِذ لو قال لكَ رجل: أعدت هذه الخشبةَ أنْ أدعم بها هذا الحائطَ، لقال السامعُ: ولِمَ تدعم حائطًا قائمًا، فيجب ذكر السبب، فيقال: إِذا مَالَ، فجاء في كلامِهِمْ تقديمُ السَّبَبِ أخْصَرَ من هذه المحاورة، قال أبو عبيد: ومعنى: تَضِلَّ تنسى «٢» .\nع «٣»: والضَّلال عن الشهادة: إِنما هو نسيانُ جزءٍ منها، وذكْرُ جزء، ويبقَى المرء بَيْن ذلك حيرانَ ضَالًاّ.\nوقوله تعالى: وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا مَا دُعُوا ... الآية: قال قتادة وغيره: معنى الآيةِ: إِذا دُعُوا أنْ يشهدوا «٤»، وقال الحسن بن أبي الحسن: الآيةُ جمعت أمرَيْن: لا تأب إِذا دُعِيتَ إلى تحصيل الشهادةِ، ولا إِذا دُعِيتَ إِلى أدائها «٥» وقاله ابن عباس «٦»، وقال\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٣٨٢) .\n(٢) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٣٨٣) .\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٣٨٢) .\n(٤) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ١٢٦) برقم (٦٣٦٦) بنحوه، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٣٨٣)، والسيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٦٥٧) بنحوه، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير عن قتادة.\n(٥) أخرجه الطبري (٣/ ١٢٧) برقم (٦٣٦٩)، وذكره الماوردي في «تفسيره» (١/ ٣٥٧)، وابن عطية في «تفسيره» (١/ ٣٨٣) .\n(٦) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ١٢٧) برقم (٦٣٧٠)، وذكره الماوردي في «تفسيره» (١/ ٣٥٧) .","vol":"1","page":548},{"text":"مجاهد: معنى الآيةِ لا تأبَ، إِذا دُعِيتَ إِلى أداء شهادة قد حصَلَتْ عندك «١»، وأسند النّقّاش إلى النبيّ ﷺ أنَّه فسر الآية بهذا.\nت: وهذا هو الحقيقة في الآيةِ، وأما تسمية الشيْءِ بِما يَئُولُ إِليه، فمجازٌ، والشاهد حقيقةً من حصَلَتْ له الشهادة، قال مجاهد: فأما إِذا دُعِيتَ أوَّلًا، فإِن شئْت فاذهب، وإِن شئت، فلا تذهب» «٢»، وقاله جماعة، قال ع «٣»: والآية كما قال الحَسَنُ جمعتْ أمرَيْنِ، والمسلمون مندوبون إِلى معونة إِخوانهم، فإِذا كانت الفُسْحَة لكَثْرة الشهودِ والأَمْنِ مِنْ تعطُّل الحق، فالمدعُّو مندوبٌ، وإِن خِيفَ تَلَفُ الحقِّ بتأخُّر الشاهد، وجب عليه القيام بها سِيَمَا إِن كانت محصَّلةً، ودُعِيَ لأدائها، / فهذه آكَدُ لأنها قِلاَدَةٌ في العُنُق وأمانةٌ تقتضي الأداء.\nم: وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ، قال أبو البقاءِ: مفعولُ «يأب» محذوفٌ، أي: ولا يأب الشهداءُ إِقامةَ الشهادةِ أو تحمُّل الشهادةِ، «وإِذا»: ظرفٌ ل «يَأْبَ»، ويحتمل أنْ يكون ظرفا للمفعول المحذوف. اهـ.\nوتَسْئَمُوا: معناه تملّوا، وقدّم الصغير اهتماما به، وأَقْسَطُ: معناه أعدل، وأَقْوَمُ، أي: أشدُّ إقامةً، وقيل: أقْوَمُ، من: قَامَ بمعنى: اعتدل، وأَدْنى:\nمعناه: أقرب، وتَرْتابُوا: معناه: تَشُكُّوا.\nقال ابنُ هِشَامٍ: إِلى أَجَلِهِ: لا يصحُّ تعلُّقه ب «تَكْتُبُوهُ» لاِقتضائه استمرار الكتابة إِلى أجل الدَّيْن، وإِنما هو حالٌ، أي: مستقِرًّا في الذِّمَّة إِلى أجله. اهـ من «المُغْنِي» .\nوقوله تعالى: إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً ... الآية: لما علمَ اللَّه سبحانه مشَقَّة الكتْب عليهم، نصَّ على ترك ذلك، ورَفْعِ الجُنَاح فيه، في كلِّ مبايعة بنَقْد، وذلك في الأغلَبِ، إِنما هو في قليلٍ كالطَّعام ونحوه، لا في كثير كالأملاك ونحوها، وقال السُّدِّيُّ، والضَّحَّاك: هذا فيما كان يدًا بيد، تأخذ وتعطي «٤» .\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ١٢٧) برقم (٦٣٧٥) بنحوه، وذكره الماوردي بنحوه في «تفسيره» (١/ ٣٥٧)، وابن عطية في «تفسيره» (١/ ٣٨٣) .\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ١٢٨) برقم (٦٣٧٦)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٣٨٣)، والسيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٦٥٧) وعزاه لسفيان، وعبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد.\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٣٨٣) .\n(٤) أخرجه الطبري (٣/ ١٣٢) برقم (٦٣٩٧) عن السدي، وبرقم (٦٣٩٨) عن الضحاك، وذكره ابن عطية (١/ ٣٨٣) .","vol":"1","page":549},{"text":"وقوله تعالى: تُدِيرُونَها: يقتضي التقابُضَ والبينونَةَ في المقبوضِ.\nوقوله تعالى: وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ، اختلف، هل ذلك على الوجوب، أو على الندب؟ والوجوبُ في ذلك قَلِقٌ أمَّا في الدقائق، فصعب شاقٌّ، وأما ما كَثُر، فربَّما يقصد التاجر الاِستِئْلافَ بتَرْك الإِشهاد إِلى غير ذلك من المصالِحِ، فلا يُشْهِد، ويدخل ذلك كله في الائتمان، ويبقَى الأمر في الإِشهاد نَدْبًا لما فيه من المصلحة في الأغلب، وحكى المهدويُّ عن قومٍ أنهم قالوا: وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ منسوخٌ بقوله تعالى: فَإِنْ أَمِنَ ... [البقرة: ٢٨٣] الآية: وذكره مكِّيٌّ عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ.\nواختلف النَّاس في معنى قوله تعالى: وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ، أي:\nكاختلافهم في قوله تعالى: لاَ تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها [البقرة: ٢٣٣]، هل الفعلُ مسند إِلى الفاعل، فأصله: «وَلاَ يضارر كَاتِبٌ ولاَ شَهِيدٌ» بكسر الراء، وقيل: مسندٌ إلى المفعول الذي لم يسمّ فاعله، فأصله: «وَلاَ يُضَارَرُ» بفتحها.\nع «١»: ووجوه المضارَّة لا تنحصرُ، وفكُّ الفعْلِ هي لغةُ الحجازِ، والإِدغامُ لغة تَمِيمٍ.\nوقوله: وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ أيْ: وإِنْ تفعلوا المضارَّة، وقوله: بِكُمْ، أي: حَالٌّ بِكُمْ.\nوباقي الآية موعظةٌ وتهديدٌ، واللَّه المستعانُ لا ربَّ غيره، وقيل: معنى الآية الوعْدُ لأنَّ من اتقى عُلِّمَ الخَيْرَ وأُلْهِمَهُ.\nت: وفي «العتبية» مِنْ سماع ابن القَاسِمِ، قال: سَمِعْتُ مالكًا يقولُ: سَمِعْتُ أنَّه يقالُ: ما زَهِدَ عَبْدٌ، واتقى اللَّهَ إِلا أنْطَقَهُ اللَّهُ بالحكْمَة. اهـ.\nوالمراد بهذا العلم العلم النافع الّذي يورث الحشية قال أبو عُمَرَ بنُ عبْدِ البَرِّ: رُوِّينَا عنْ مَسْروقٍ، قال: «كفى بالمَرْءِ عَلْمًا أنْ يخشَى اللَّهَ، وكفى بالمَرْءِ جهلًا أنْ يُعْجَب بعلْمه»، أبو عمر: إِنما أعرفه بعَمَلِهِ. اهـ من كتاب «فضل العلم» .\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٣٨٥) . [.....]","vol":"1","page":550},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-209>[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٨٣ الى ٢٨٥]</span>\nوَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كاتِبًا فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨٣) لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤) آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)\nوقوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ ... الآية: لما ذكر اللَّه تعالى الندْبَ إِلى الإِشهاد، والكتْبِ لمصلحة حفظ الأموال والأديان- عقَّب ذلك بذكْر حال الأعذار المانعة من الكتب، وجعل بدلها الرهْنَ، ونصَّ على السفر إِذ هو الغالب من الأعذار، ويدخل في ذلك بالمعنى كلُّ عذر. /\nقال ع «١»: رَهَنَ الشَّيْءَ في كلام العرب معناه: دَامَ، واستمر، قيل: ولما كان الرهنُ بمعنى الثبوتِ، والدوامِ «٢»، فمِنْ ثَمَّ بطَل الرهْنُ عند الفقهاء: إِذا خرج مِنْ يد\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٣٨٦) .\n(٢) الرهن يطلق لغة على العين المرهونة.\nقال ابن سيده: الرهن ما وضع عند الإنسان مما ينوب مناب ما أخذ منه يقال: رهنت فلانا رهنا، وارتهنته إذا أخذه رهنا، والرهينة (واحدة الرهائن): الرهن. والهاء للمبالغة كالشتيمة والشتم، ثم استعملا في معنى المرهون، فقيل: هو رهن بكذا، أو رهينة بكذا.\nوفي الحديث: «كل غلام رهينة بعقيقته» .\nومعناه: أن العقيقة لازمة له لا بد منها، فشبهه في لزومها، وعدم انفكاكه منها بالرهن في يد المرتهن.\nقال الخطّابي: تكلم الناس في هذا، وأجود ما قيل فيه ما ذهب إليه أحمد بن حنبل، قال: هذا في الشفاعة، يريد أنه إذا لم يعقّ عنه، فمات طفلا لم يشفع في والديه، أي: أن كل غلام محبوس، ومرهون عن الشفاعة بسبب ترك العقيقة عنه.\nوقيل: معناه أنه مرهون بأذى شعره، واستدلوا بقوله: «فأميطوا عنه الأذى» وهو ما علق به من دم الرّحم.\nورهنه الشيء يرهنه رهنا، ورهنه عنده، كلاهما، جعله عنده رهنا، ورهنه عنه جعله رهنا بدلا منه.\nقال الشاعر: [الكامل] ارهن بنيّك عنهم وأرهن بني أي: أرهن أنا بنيّ كما فعلت أنت.\nويطلق على الدوام والحبس.\nقال ابن عرفة: الرهن في كلام العرب هو الشيء الملزم، يقال: هذا راهن لك، أي: دائم محبوس عليك، وقوله تعالى: كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ وكُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ أي: محتبس بعمله، ورهينة محبوسة بكسبها.\nوحديث: «نفس المؤمن مرهونة بدينه حتى يقضى عنه» أي محبوسة عن مقامها الكريم.\nقال الشاعر: [البسيط]\nوفارقتك برهن لا فكاك له ... يوم الوداع فأمسى الرّهن قد غلقا-","vol":"1","page":551},{"text":"المرتَهِن إِلى يد الراهِنِ لأنه فَارَقَ ما جُعِلَ له.\nوقوله تعالى: مَقْبُوضَةٌ: هي بينونةُ المرتَهَنِ بالرَّهْن.\nوأجمع الناس على صحَّة قَبْض المرتَهَن وكذلك على قبض وكيله فيما علمتُ.\nواختلفوا في قَبْض عدلٍ «١» يوضَعُ الرهْنُ على يديه.\n_________\n- شبه لزوم قلبه لها، واحتباسه عندها لشدة وجده بها، بالرهن الذي يلزمه المرتهن، فيبقيه عنده، ولا يفارقه، وكل شيء ثبت ودام فقد رهن، ورهن لك الشيء أقام ودام، وطعام راهن مقيم.\nوأنشد الأعشى يصف قوما يشربون خمرا لا تنقطع: [البسيط]\nلا يستفيقون منها وهي راهنة ... إلّا بهات وإن علّوا وإن نهلوا\nورهن الشيء رهنا: دام وثبت، وراهنة في البيت ثابتة، ورهين والرهن اسمان.\nينظر: «لسان العرب» (٣/ ١٧٥٧- ١٧٥٨)، «المصباح المنير» (١/ ٣٣٠)، «الصحاح» (٥/ ٢١٢٨)، «المغرب» (١/ ٣٥٦) .\nواصطلاحا:\nعرفه الحنفية بأنه: جعل الشيء محبوسا بحق يمكن استيفاؤه من الرهن كالديون.\nوعرفه الشافعية بأنه: جعل عين مال متمولة وثيقة بدين ليستوفى منها عند تعذر وفائه.\nوعرفه المالكية بأنه: مال قبضه توثقا به في دين.\nوعرفه الحنابلة بأنه: المال الذي يجعل وثيقة بالدين ليستوفى من ثمنه إن تعذر استيفاؤه من ذمة الغريم.\nينظر: «تكملة فتح القدير» (١٠/ ١٣٥)، «مجمع الأنهر» (٢/ ٥٨٤)، «حاشية الشرقاوي على شرح التحرير» (٢/ ١٠٩)، «مغني المحتاج» (٢/ ١٢١)، «حاشية الدسوقي» (٣/ ٢٣١)، «أسهل المدارك» (٢/ ٢٦٦)، «الإقناع في فقه الحنابلة» (٢/ ١٥٠)، «المغني لابن قدامة» (٤/ ٣٦١) .\n(١) القبض في اللغة: الإمساك والتناول، يقال: قبضه بيده يقبضه: تناوله، وقبض عليه بيده أمسكه، والقبض شرعا: يرجع فيه إلى الشرع والعرف، وهو يختلف باختلاف الحال، وتفصيله: أن المال إما أن يرهن من غير اعتبار تقدير فيه، أو يرهن معتبرا فيه تقدير، فالحالة الأولى التي لم يعتبر فيها تقدير، إما لعدم إمكانه، أو مع الإمكان، فينظر إن كان المرهون مما لا ينقل، كالدور، والأرضين، والشجر الثابت، والثمرة على الشجرة قبل أوان الجداد، فقبضه بالتخلية بينه وبين المرتهن، وتمكينه من وضع يده، بأن يفتح الدار أو يسلمه مفتاحها، وإن كان من جملة المنقولات فقيه خلاف نبينه:\nفرأى «الشافعي» (في رواية راجحة)، وأحمد، وأبو يوسف: أنه لا يكتفي بالتخلية، بل لا بد من النقل والتحويل.\nومذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي (في رواية مرجوحة): «الاكتفاء بالتخلية. وقد أجمع الناس على قبض المرتهن، وكذا على قبض وكيله، واختلفوا في قبض عدل يوضع الرهن على يديه. وقيل ذكر المذاهب أوضح المراد من العدل هنا. العدل: من رضي الراهن والمرتهن وضع المرهون في يده، سواء أرضيا ببيعه أم لا، أو هو من يقدر على الإيفاء والاستيفاء، مسلما كان أم ذميا أم حربيا مستأمنا ما دام في دارنا أو هو من يجوز توكيله، وهو الجائز التصرف، مسلما كان أم كافرا، عدلا أم فاسفا، ذكرا أم أنثى. -","vol":"1","page":552},{"text":"فقال مالك، وجميعُ أصحابه، وجمهور العلماء: قَبْض العَدْل قبضٌ.\nوقال الحَكَم بن عُتَيْبَةَ «١»، وغيره: ليس بقَبْض.\nوقولُ الجمهورِ أصحُّ من جهة المعنى في الرهن.\nوقوله تعالى: فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا: شرطٌ ربَطَ به وصيَّةَ الذي علَيْه الحقُّ بالأداء.\nقال ابن العربيِّ في «أحكامه» «٢»: قوله تعالى: فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا: معناه: إن أسقط الكَتْبَ، والإِشهادَ، والرَّهْنَ، وعوَّل على أمانة المعامَلِ، فليؤدِّ الأمانةَ، وليتَّقِ اللَّه ربَّه وهذا يبيِّن أنَّ الإِشهاد ليس بواجبٍ إِذ لو كان واجبًا، لما جاز إِسقاطه، ثم قال:\nوجملة الأمر أنَّ الإِشهاد حزْم، والاِئتمانَ ثقةٌ باللَّه تعالى من الدائنِ، ومروءةٌ من المِدْيَان، ثم ذكر الحديثَ الصحيحَ «٣» في قصَّة الرَّجُل من بني إِسرائيل الذي استسْلَفَ ألْفَ دينارٍ، وكيف تَعَامَلاَ على الائتمان، ثم قال ابنُ العربيِّ: وقد رُوِيَ عن أبي سعيد الخدريِّ أنه قرأ هذه الآية، فقال: هذا نسخ لكلِّ ما تقدَّم، يعني: من الأمر بالكتب، والإشهاد،\n_________\n- وقال ابن المقري: فإن شرطا وضعه عند عدل أو عدلين جاز. قال شارحه: لو عبر بدل عدل بثالث لكان أولى فإن الفاسق كالعدل في ذلك وقد رأى أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، وعطاء، وعمرو بن دينار، والثوري، وابن المبارك، وإسحاق، وأبو ثور: أن قبضه يقوم مقام قبض المرتهن إذا شرطا وضعه عند عدل.\nوجنح ابن أبي ليلى، وقتادة، والحارث العسكري، والظاهرية إلى أنه لا يقوم مقامه.\nينظر: «الرهن» لشيخنا حسن مصطفى، و«الأم» (٣/ ١٢٣)، و«المهذب» (١/ ٣٠٤)، والقرطبي (٣/ ٤١٠)، و«البحر الرائق» (٨/ ٢٩١)، و«ابن عابدين» (٥/ ٣٣٤)، و«تكملة فتح القدير» (٨/ ٢٢١)، و«الشرح الكبير»، لابن قدامة (٤/ ٤١٤)، و«المغني» له (٤/ ٣٨٧) .\n(١) الحكم بن عتيبة الكندي، مولاهم، أو أبو عبد الله الكوفي، أحد الأعلام، عن أبي جحيفة، وعبد الله بن شدّاد، وأبي وائل، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وخلق، وعنه منصور، والأعمش، ومسعر، وشعبة، وأبي عوانة، وخلق، قال العجلي: ثقة ثبت من فقهاء أصحاب إبراهيم، صاحب سنة واتباع، قال أبو نعيم: مات سنة خمس عشرة ومائة، عن خمس وستين سنة.\nينظر: «الخلاصة» (١/ ٢٤٥) .\n(٢) ينظر: «أحكام القرآن» (١/ ٢٦٢) .\n(٣) أخرجه البخاري (٤/ ٣٥) في البيوع: باب التجارة في البحر (٢٠٦٣)، و(٤/ ٥٤٨- ٥٤٩) في الكفالة:\nباب الكفالة في القرض والديون بالأبدان وغيرها (٢٢٩١)، وأحمد (٢/ ٣٤٨) من طريق ليث بن سعد عن جعفر بن ربيعة عن عبد الرحمن بن هرمز عن أبي هريرة (﵁) عن رسول الله ﷺ أنه ذكر رجلا من بني إسرائيل ... فذكره.","vol":"1","page":553},{"text":"والرهن. اهـ.\nوقوله: فَلْيُؤَدِّ: أمر بمعنى الوجوبِ، وقوله: أَمانَتَهُ: مصْدَرٌ سُمِّيَ به الشيْء الذي في الذمَّة.\nوقوله تعالى: وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ ... الآية: نهي فيه تهديدٌ ووعيدٌ، وخص تعالى ذكْر القَلْب إذ الكَتْم من أفعاله، وإِذ هو البُضْعَةُ التي بصلاحها يصْلُحُ الجَسَدُ كُلُّه كما قال ﷺ، وفي قوله تعالى: وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ توعُّدٌ، وإِنْ كَانَ لفظُها يعمُّ الوعيدَ والوَعْدَ.\nوروى البزّار في «مسنده»، عن النبيّ ﷺ أنَّهُ قَالَ: «مَنْ مشى إلى غَرِيمِهِ بِحَقِّهِ، صَلَّتْ عَلَيْهِ دَوَابُّ الأَرْضِ، وَنُونُ المَاءِ، ونَبَتَتْ لَهُ بِكُلِّ خَطْوَةٍ شَجَرَةٌ، تُغْرَسُ فِي الجَنَّةِ، وَذَنْبُهُ يُغْفَرُ» «١» اهـ من «الكوكب الدري» .\nقوله تعالى: لِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ... الآية: المعنى: جميعُ ما في السمواتِ، وما في الأرض مِلْكٌ له سُبْحَانَهُ.\nوقوله تعالى: وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ ... الآية: قوله: مَا فِي أَنْفُسِكُمْ يقتضي قوَّةُ اللفظ أنَّه ما تقرَّر في النفْسِ، واستصحبت الفكْرةَ فيه، وأما الخواطر التي لا يُمْكِنُ دفْعُها، فليسَتْ في النفْسِ، إِلا على تجوُّز.\nواختلف في معنى هذه الآية.\nفقال عِكْرِمَةُ وغيره: هي في معنى الشهادةِ التي نُهِيَ عن كتمها «٢»، فلفظ الآية على هذا التأويل: العمومُ، ومعناه الخصوصُ وكذا نقل الثعلبيُّ.\nوقال ابن عبَّاس: وأبو هريرة، وجماعةٌ من الصَّحابة والتابعين: إِن هذه الآية، لَمَّا نزلَتْ، شَقَّ ذلك على الصَّحابة، وقالوا: هَلَكْنَا، يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ حُوسِبْنَا بخواطر نفوسنا، وشقّ ذلك على النّبيّ ﷺ لكِنَّهُ قَالَ لَهُمْ: «أَتُرِيدُونَ أَنْ تَقُولُوا، كَمَا قالت بنو إسرائيل: سمعنا ٧٥ ب وَعَصَيْنَا، بَلْ قُولُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا، / فَقَالُوهَا: فَأَنْزَلَ الله بعد ذلك:\n_________\n(١) أخرجه البزار (٢/ ١١٩- كشف) رقم (١٣٤٢)، من طريق إسماعيل بن عياش، عن عبد الرحمن بن سليمان، عن أبي سعد، عن معاوية بن إسحاق، عن سعيد بن المسيب، عن ابن عباس به.\nوقال الهيثمي في «المجمع» (٤/ ١٥٢): رواه البزار، وفيه جماعة لم أجد من ترجمهم.\n(٢) أخرجه الطبري (٣/ ١٤٣) برقم (٦٤٥٢)، وذكره ابن عطية (١/ ٣٨٩) .","vol":"1","page":554},{"text":"لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَها «١» [البقرة: ٢٨٦] ونَسَخ بِهَذِهِ تِلْكَ» هذا معنى الحديثِ الصحيحِ، وله طرقٌ من جهاتٍ، واختلفتْ عباراته، وتعاضَدَتْ عبارةُ هؤلاء القائلين بلفظة النَّسْخِ في هذه النازلةِ.\nوقال ابن عبَّاس: لما شقَّ ذلك علَيْهم، فأنزل اللَّه تعالى: لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَها ... الآية، فنسختِ الوسوسةُ، وثَبَتَ القوْلُ، والفعْلُ.\nوقال آخرون: هذه الآيةُ محكمةٌ غير منْسُوخةٍ، واللَّه محاسِبٌ خلقه على ما عملوه، وأضمروه، وأرادوه، ويَغْفِرُ للمؤمنين، ويأخذ به أهل الكفر والنفاق ورجّح الطبريّ «٢» أنّ\n_________\n(١) أخرجه مسلم (١/ ١١٥- ١١٦) كتاب «الإيمان»، باب بيان أنه ﷾ لم يكلف إلا ما يطاق، حديث (١٩٩/ ١٢٥)، وأحمد (٢/ ٤١٢)، والطبري في «تفسيره» (٦/ ٦٦١) . كلهم من طريق العَلاءِ بْنِ عَبْدِ الرحمن، عن أبِيهِ، عن أبي هريرة قال: لما نزلت: لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ اشتد ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ، فأتوا رسول الله ﷺ ثم بركوا على الركب، فقالوا: أي رسول الله، كلفنا من الأعمال ما نطيق: الصلاة، والصيام، والجهاد، والصدقة، وقد أنزلت عليك هذه الآية، ولا نطيقها، قال رسول الله ﷺ: «أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير» قالوا: سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا وإليك المصير، فلما اقترأها القوم، ذلت بها ألسنتهم، فأنزل الله في إثرها: آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ، فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى، فأنزل الله (﷿): لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا، قال: نعم، رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْرًا كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا قال: نعم، رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ قال: نعم، وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ.\nوالحديث ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٦٦١)، وزاد نسبته إلى أبي داود في «ناسخه»، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\nوورد أيضا بنحو ذلك من حديث ابن عباس ﵄: أخرجه مسلم (١/ ١١٦)، كتاب «الإيمان»، باب بيان أنه ﷾ لم يكلف إلا ما يطاق، حديث (٢٠٠/ ١٢٥) . والترمذي (٥/ ٢٠٦)، كتاب «التفسير»، باب سورة البقرة، حديث (٢٩٩٢) . وأحمد (١/ ٢٣٣) . والنسائي في «الكبرى» (٦/ ٣٠٧)، كتاب «التفسير»، باب قوله تعالى: وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ، حديث (١١٠٥٩)، والطبري في «تفسيره» (٦/ ١٠٥)، والحاكم (٢/ ٢٨٦)، كلهم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس به.\nوقال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.\nوفيه نظر: فقد أخرجه مسلم كما تقدم في التخريج.\nوالحديث ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٦٦١)، وزاد نسبته إلى ابن المنذر، والبيهقي في «الأسماء والصفات» .\n(٢) ينظر: «الطبري» (٣/ ١٤٩) .","vol":"1","page":555},{"text":"الآية محكَمَةٌ غير منْسُوخة.\nع «١»: وهذا هو الصوابُ، وإِنَّما هي مخصَّصة، وذلك أنَّ قوله تعالى: وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ: معناه: بما هو في وُسْعكم، وتحْتَ كَسْبِكُم، وذلك استصحابُ المعتقد، والفِكْر فيه، فلما كان اللفظ ممَّا يمكنُ أنْ تدخل فيه الخواطر، أشفق الصحابة، والنبيّ ﷺ فبيَّن اللَّه تعالى لهم ما أراد بالآيةِ الأولى، وخصَّصَها، ونصَّ على حُكْمِهِ أنه لا يكلِّف نفْسًا إِلا وسْعَهَا، والخواطرُ ليْسَتْ هي، ولا دفعُهَا في الوُسْع، بل هي أمر غالبٌ، وليست مما يُكْسَبُ، ولا يُكْتَسَبُ، وكان في هذا البيان فَرَحُهُمْ، وكَشْفُ كربهم، وتأتي الآية محكمةً لا نَسْخَ فيها، وممَّا يدفع أمر النَّسْخ أن الآية خَبَرٌ، والأخبار يدخُلُها النَّسْخُ، فإن ذهب ذاهبٌ إِلى تقرير النَّسْخِ، فإِنما يترتَّب له في الحُكْم الذي لَحِقَ الصحابة، حِينَ فزعوا من الآية، وذلك أن قول النبيّ ﷺ لهم: «قولُوا سَمِعْنَا وأطعنا»، يجيء منْه: الأمر بأن يبنُوا على هذا، ويلتزموه، وينتظروا لُطْفَ اللَّه في الغُفْران، فإِذا قرّر هذا الحكم، فصحيحٌ وقوعُ النَّسْخ فيه، وتشبه الآية حينئذٍ قوله تعالَى: إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ [الأنفال: ٦٥]، فهذا لفظه الخَبَرُ، ولكنَّ معناه: التزموا هذا، وابنوا عليه، واصبروا بحَسَبِهِ، ثم نسخ ذلك بَعْد ذلك، فهذه الآية في البقرة أشبهُ شَيْء بها.\nوقوله تعالى: وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ، يعني: من العصاةِ، وتعلَّق قومٌ بهذه الآية ممَّن قال بجوازِ تكْليفِ ما لا يُطَاقُ، وقالوا: إِن اللَّه قد كلَّفهم أمْرَ الخواطرِ، وذلك مما لا يِطَاق، قال ع «٢»: وهذا غير بيِّن، وإِنما كان أمر الخواطر تأويلا أوّله أصحاب النبيّ ﷺ ولم يثبتْ تكليفًا إِلا على الوَجْه الذي ذكرناه من تقرير النبي ﷺ، إِنَّهُ على ذلك، قال الشيخ الوليُّ العارفُ باللَّه ابن أبي جَمْرَةَ: والخواطرُ عندهم ستَّةٌ يعني عند العلماءِ العارفينَ باللَّه: أولُها الهَمَّة، ثم اللَّمَّة، ثم الخَطْرة وهذه الثلاثُ عندهم غَيرْ مُؤاخذٍ بها، ثم نِيَّة، ثمَّ إرادَةٌ، ثم عَزِيمَةٌ، وهذه الثلاثُ مؤَاخذ بها. اهـ.\nوقوله تعالى: آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ ... الآية: سببُ هذه الآية أنَّه لما نزلَتْ: وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ، وأشفق منها النبيّ ﷺ وأصحابه، ثم تقرَّر الأمر على أنْ قالوا: سَمِعْنا وَأَطَعْنا، ورجعوا إِلى التضرُّع والاِستكانةِ، مدَحَهم اللَّه تعالى، وأثنى عليهم في هذه الآيةِ، وقدَّم ذلك بين يدَيْ رِفْقِهِ بهم، فجمع لهم تعالَى التشْريفِ بالمَدْحِ، والثناءِ، ورفع المشقَّة في أمر الخواطرِ، وهذه ثمرة الطَّاعَة والانقطاعِ إلى الله تعالى، لا كما\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٣٨٩) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٣٩٠) . [.....]","vol":"1","page":556},{"text":"قالتْ بنو إِسرائيل: سَمِعْنا وَعَصَيْنا [البقرة: ٩٣] فأعقبهم ضدَّ ذلك، وهذه ثمرة العصيان، أعاذنا اللَّه من نقمه.\nوآمَنَ معناه: صدّق، والرسول: محمّد ﷺ، وبِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ: القُرآن، وسائرُ ما أوحى اللَّه إليه من حملة ذلك، وكُلُّ لفظة تصلح للإِحاطة، وهي كذلك هُنَا، والإِيمانُ باللَّه: هو التصديقُ به، أي: بوجودِهِ وصفاتِهِ، ورفْضُ كلِّ معبود سواه، والإِيمان بملائكته:\nهو اعتقادُهم أنهم عبادُ لِلَّهِ مكْرَمُون، لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يُؤْمَرون، والإِيمان بكتبه: هو التصديقُ بكلِّ ما أَنْزَلَ سبحانه على أنبيائه.\nوقرأ الجمهور: لاَ نُفَرِّقُ بالنون «١» . والمعنى: يقولون: لا نفرِّق.\nومعنى هذه الآية: أن المؤمنين ليسوا كاليَهُودِ والنصارى في أنَّهم يؤمنون ببَعْضٍ، ويكفرون ببعض.\nوقوله تعالى: وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا: مدح يقتضي الحضَّ على هذه المقالة، وأنْ يكون المؤمنُ يمتثلُها غابر الدّهر، والطاعة: قبول الأوامر، وغُفْرانَكَ: مصدرٌ، والعاملُ فيه فَعْلٌ، تقديره: نَطْلُبُ أوْ نَسْأَلُ غُفْرَانَكَ.\nت: وزاد أبو حَيَّان «٢»، قال: وجوَّز بعضُهم الرفْعَ فيه، على أنْ يكون مبتدأً، أيْ: غفرانُكَ بُغْيَتُنَا. اهـ.\nوَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ: إِقرار بالبعثِ، والوقوفِ بَيْنَ يَدَيْهِ سبحانه، وروي أنّ النبيّ ﷺ، لما أنزلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ، قَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَجَّلَ الثَّنَاءَ عَلَيْكَ، وعلى أُمَّتِكَ، فَسَلْ تُعْطَهْ، فَسَأَلَ إلى آخر السّورة «٣» .\n_________\n(١) وروي عن أبي عمرو «يفرق» كما في «الكشاف» (١/ ٣٣١)، ورويت عن سعيد بن جبير ويحيى بن يعمر، وأبي زرعة بن عمر بن جرير، ويعقوب كما في «المحرر الوجيز» (١/ ٣٩٢) .\nوقرأ عبد الله «يفرقون»، ينظر: «الكشاف» (١/ ٣٣١)، و«المحرر الوجيز» (١/ ٣٩٢)، و«البحر المحيط» (٢/ ٣٧٩- ٣٨٠)، و«الدر المصون» (١/ ٦٩٤) .\n(٢) ينظر: «البحر المحيط» (٢/ ٣٨٠) .\n(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٦٥٠١)، وابن أبي شيبة (١١/ ٥٠١) رقم (١١٨٢٤)، وسعد بن منصور (٤٧٨) عن حكيم بن جابر به، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٦٦٥)، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم، والحديث مرسل.","vol":"1","page":557},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-210>[سورة البقرة (٢): آية ٢٨٦]</span>\nلا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنا لاَ تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْرًا كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٢٨٦)\nوقوله تعالى: لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَها ... الآية: خبرُ جزمٍ نصَّ على أنَّه لا يكلِّف اللَّه العبادَ مِنْ وقْتِ نزولِ الآيةِ عبادةً مِنْ أَعمالِ القَلْب والجوارحِ إِلاَّ وهِيَ في وُسْعِ المكلَّف، وفي مقتضى إِدراكه وبنيته، وبهذا انكشفت الكُرْبَةُ عن المسلِمِينَ في تأوُّلهم أمْر الخواطِرِ، وهذا المعنَى الذي ذكَرْناه في هذه الآية يَجْرِي مع معنى قوله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة: ١٨٥] وقوله تعالى: وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج: ٧٨] وقوله: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن: ١٦]، قال العراقيُّ:\nوُسْعَها، أي: طاقتها. اهـ.\nقال ع «١»: واختلف النَّاسُ في جوازِ تكليفِ ما لا يُطَاقُ في الأحكامِ الَّتي هي في الدُّنْيا بعد اتفاقهم على أنَّه ليس واقعًا الآنَ في الشَّرْعِ، وأنَّ هذه الآية آذَنَتْ بعدمه، واختلف القائلُونَ بجوازِهِ، هل وَقَعَ في رسالةِ سيّدنا محمّد ﷺ أمْ لاَ؟\nفقالَتْ فرقة: وقَعَ في نازلةِ أبِي لَهَبٍ لأنه حَكَم علَيْه بتَبِّ اليدَيْنِ، وصَلْيِ النَّارِ وذلك مُؤْذِنٌ أنه لا يؤْمِنُ، وتكليفُ الشرْعِ له الإِيمان راتب، فكأنه كُلِّف أنْ يؤمِنَ، وأنْ يكون في إيمانه أنَّه لا يؤمن لأنه إِذا آمَن، فلا محالة أنْ يُدَيَّنَ بسورة: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ.\nوقالتْ فرقةٌ: لم يقَعْ قطُّ، وقوله تعالى: سَيَصْلى نَارًا [المسد: ٣] إِنما معناه: إِن وافى على كفره.\nع «٢»: وما لا يطاقُ على أقسامٍ:\nمنه المُحَالُ عقْلًا كالجمْعِ بين الضِّدَّيْن، ومنْه المُحَالُ عادَةً كرفع إِنسانٍ جبلًا، ومنْه ما لا يطاقُ مِنْ حيث هو مُهْلِكٌ كالاِحتراقِ بالنارِ، ونحوه، ومنه ما لا يطاقُ للاشتغال ٧٦ ب بغَيْره، وهذا/ إِنما يقال فيه مَا لاَ يطاقُ على تجوُّزٍ كثيرٍ.\nوقوله تعالى: لَها مَا كَسَبَتْ، يريدُ: من الحسناتِ، وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ، يريد:\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٣٩٣) .\n(٢) ينظر: المصدر السابق.","vol":"1","page":558},{"text":"من السِّيِّئاتِ قاله جماعة المفسِّرين لا خلاف في ذلك، والخواطُر ونحوها ليس من كَسْب الإنسان، وجاءت العَبَارةُ في الحَسَنَاتِ ب «لَهَا» من حيثُ هي مما يفرح الإِنسان بكسبه، ويسر المرء بها، فتضاف إِلى ملكه، وجاءَتْ في السيئة ب «عَلَيْهَا» من حيث هي أوزارٌ، وأثقال، ومتحَملاَتٌ صعْبَةٌ وهذا كما تقول: لي مالٌ، وعليَّ دَيْنٌ، وكرَّر فعْلَ الكَسْب، فخالف بين التصريفَيْن حسنًا لنمط الكلامِ كما قال: فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا [الطارق: ١٧] هذا وجه.\nع «١»: والذي يظهر لِي في هذا أنَّ الحسناتِ ممَّا يكسب دُونَ تكلُّف إِذ كاسبُها على جادَّة أمر اللَّه، ورسْمِ شرعه، والسيِّئَاتُ تُكْتَسَبُ ببناءِ المبالغة إِذ كاسبها يتكلَّف في أمرها خَرْقَ حجابِ نَهْيِ اللَّه تعالى، ويتخطَّاه إِلَيْها، فيحسن في الآية مجيءُ التصريفَيْن لهذا المعنى.\nوقال المهدويُّ وغيره: معنى الآيةِ: لاَ يُؤَاخَذُ أحدٌ بذَنْبِ أحدٍ «٢» قال ع «٣»:\nوهذا صحيحٌ في نفسه، لكن من غير هذه الآية.\nوقوله تعالى: رَبَّنا لاَ تُؤاخِذْنا: معناه: قُولُوا، واختلف الناسُ في معنى قوله سبحانه: إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا، فذهب كثير من العلماء إلى أَنَّ هذا الدعاءَ في النسيانِ الغالبِ، والخَطَإ غَيْر المقصودِ، وهو الصحيحُ عندي، قال قتادةُ في تفسير الآيةِ: بلغَنِي أنّ النبيّ ﷺ قَالَ: «إنَّ اللَّهِ تعالى تَجَاوَزَ لأُمَّتِي عَنْ نِسْيَانِهَا وَخَطَئِهَا»، وقال السُّدِّيُّ: لما نزلَتْ هذه الآية، فقالوها، قال جبريل للنّبيّ ﷺ: «قَدْ فَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ، يَا مُحَمَّدُ»، قال ع «٤»: فظاهر قولَيْهما ما صحَّحته وذلك أن المؤمنين، لما كُشِفَ عنهم ما خافوه في قوله تعالى: يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ [البقرة: ٢٨٤]، أمروا بالدعاء في ذلك النوْعِ الذي لَيْسَ من طاقة الإِنسان دفْعُهُ، وذلك في النسيانِ، والخطأ، والإِصر الثقيلِ، وما لا يطاقُ على أتمِّ أنواعه، وهذه الآية على هذا القولِ تقضِي بجوازِ تكليفِ ما لا يطاقُ ولذلك أمر المؤمنون بالدعاءِ في ألاَّ يقع هذا الجائزُ الصَّعْبُ. ومذهب أبي الحَسَنِ الأشعريِّ «٥» وجماعةٍ من\n_________\n(١) ينظر: المصدر السابق.\n(٢) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٣٩٣) .\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٣٩٣) .\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٣٩٤) .\n(٥) علي بن إسماعيل بن إسحاق بن سالم بن إسماعيل بن عبد الله بن موسى بن بلال بن أبي بردة بن أبي موسى، الشيخ أبو الحسن الأشعري، والبصري، إمام المتكلمين، وناصر سنة سيد المرسلين، -","vol":"1","page":559},{"text":"المتكلِّمين أنَّ تكليف ما لا يطاق جائزٌ عقلًا، ولا يخرم ذلك شيئًا من عقائِد الشَّرْع.\nوذهب الطبريُّ «١» وغيره إِلى أنَّ تكليفَ ما لا يطاقُ غيْر جائزٍ، وأنَّ النسيان في الآية بمعنى التَّرْك أيْ: إِن تركنا شيئًا من طاعتك، والخَطَأ هو المقصودُ من العَصْيَان، والإِصْر هي العباداتُ الثقيلةُ كتكاليف بني إِسرائيل، وما لا طاقة للمرءِ به هو عندهم على تجوُّز كما تقولُ: لا طاقة لي على خصومة فُلاَنٍ، أو: لا طاقَةَ لَنَا به من حيث هو مهلكٌ كعذاب جهنَّم وغيره، ثُمَّ قال تعالى فيما أمر المؤمنين بقوله: وَاعْفُ عَنَّا، أي: فيما واقعناه، وَاغْفِرْ لَنا، أيْ: استر علينا ما عَلِمْتَ منا وَارْحَمْنا، أيْ: تَفضَّلْ مبتدئًا برَحْمَةٍ منك لنا، فهذه مناح من الدعاء متباينة، وأَنْتَ مَوْلانا: مدح في ضمنه تقرّب ٧٧ ب إِلَيْه، وشُكْر على نعمه، ومولى: هو من وَلِيَ، وفي الحديث/: أنَّ جبريلَ﵇- قال للنبيّ ﷺ: «قُلْ: رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا» فقالَهَا، فَقَالَ جِبْرِيلُ: قَدْ فَعَلَ، قَالَ: قُلْ كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُهَا فَيَقُولُ جِبْرِيلُ: قَدْ فَعَلَ إلى آخِرِ السُّورةِ» «٢» .\nوتظاهرتْ بهذا المعنى أحاديثُ، وروى أبو مسعودٍ عُقْبَةُ بن عمرٍو «٣» عن النبيّ ﷺ أنَّهُ قَالَ: «مَنْ قَرَأَ الآيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ فِي لَيْلَةٍ، كَفَتَاهُ» «٤» يَعْنِي مِنْ قيام الليل، قال\n_________\n- والذاب عن الدين، والمصحح لعقائد المسلمين، مولده سنة ستين ومائتين، وقيل: سنة سبعين. كانت المعتزلة قد رفعوا رءوسهم حتى أظهر الله الأشعري فحجرهم من أقماع السمسم. قال الخطيب البغدادي: أبو الحسن الأشعري، المتكلم، صاحب الكتب والتصانيف في الرد على الملحدة وغيرهم من المعتزلة، والرافضة، والجهمية، والخوارج وسائر أصناف المبتدعة. توفي سنة ٣٢٤ هـ، وقيل:\n٣٢٠ هـ، وقيل: ٣٣٠ هـ.\nينظر: «الأعلام» (٥/ ٦٩)، و«تاريخ بغداد» (١/ ٣٤٦)، و«وفيات الأعيان» (٢/ ٤٤٦)، و«ابن قاضي شهبة» (١/ ١١٣) .\n(١) ينظر: «تفسير الطبري» (٣/ ١٥٩) .\n(٢) تقدم تخريجه.\n(٣) هو: عقبة بن عمرو بن ثعلبة بن أسيرة أبو مسعود. الأنصاري. البدري.\nقال ابن الأثير: هو المعروف ب «البدري» لأنه سكن أو نزل ماء بدر، وشهد العقبة ولم يشهد بدرا عند أكثر أهل السير. وقيل: شهد بدرا. ثم أورد له حديثا في الأحق بالإمامة.\nتوفي سنة (٤١) أو (٤٢) .\nينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (٦/ ٢٨٦)، «الإصابة» (٧/ ٢٧٦)، «تجريد أسماء الصحابة» (٢/ ٢٠٢)، «بقي بن مخلد» (٣٧)، «الاستيعاب» (٤/ ١٧٥٦)، «الكنى والأسماء» (١/ ٥٤، ٩٠)، «تقريب التهذيب» (٢/ ٤٧٢)، «تهذيب التهذيب» (١٢/ ٢٣٤)، «تهذيب الكمال» (٣/ ١٦٤٧)، «أصحاب بدر» (٢٣٧)، «التاريخ» لابن معين (٢/ ١٤٥)، «تنقيح المقال» (٣/ ٣٥) . [.....]\n(٤) تقدم تخريجه.","vol":"1","page":560},{"text":"صاحب «سلاح المؤمن»: هذا الحديثُ رواه الجماعةُ، يعني: الستةَ، ومعنى: «كَفَتَاهُ» أجزتَاهُ عنْ قيامِ الليل، وقيل: كَفَتَاهُ مِنْ كلِّ شيطانٍ، فلا يقربه ليلَتَهُ، وقيل: كفتاه ما يكُونُ مِنَ الآفاتِ تلك الليلةَ، وقيل: معناه حَسْبُهُ بهما فضلًا وأجرًا، ويحتمل الجميع، واللَّه أعلم. اهـ من «سلاح المؤمن» .\nوقال عليٌّ﵁-: «ما أظنُّ أَحَدًا عَقَلَ، وأدْرَكَ الإِسْلاَمَ يَنَامُ، حتى يَقْرَأَهُمَا» «١» وفي الحديثِ أن النبيَّ ﷺ، قَالَ: «أُوتِيتُ هَؤُلاَءِ الآياتِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ، مِنْ كَنْزٍ تَحْتَ العَرْشِ لَمْ يُؤْتَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي» «٢» .\nكمل تفسير سورة البقرة، والحمد لله\n_________\n(١) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٣٩٥)، والسيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٦٦٩)، وعزاه للدارمي، ومحمد بن نصر، وابن الضريس، وابن مردويه عن علي.\n(٢) تقدم تخريجه.","vol":"1","page":561},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-211>محتوى الجزء الأول من تفسير الثعالبي</span>\nمقدمة المحقق ٥ المبحث الأول: نبذة عن حياة الثعالبي ٩- اسمه وكنيته ولقبه ٩- رحلاته وشيوخه ٩ ١- محمد بن خلفه بن عمر التونسي ١٢ ٢- ولي الدين العراقي ١٣ ٣- محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن محمد بن أبي بكر مرزوق ١٤ ٤- أبو القاسم بن أحمد بن محمد المعتل البلوي ١٧ ٥- علي بن عثمان المنجلاتي ١٩ ٦- أحمد النقاوسي البجاني ١٩ ٧- عيسى بن أحمد بن محمد بن محمد الغبريني ١٩ ٨- سليمان بن الحسن البوزيدي ٢٠ ٩- محمد بن علي بن جعفر الشمس ٢١ ١٠- عمر بن محمد القلشاني ٢٢ ١١- علي بن موسى البجائي ٢٢ ١٢- البساطي ٢٣ ١٣- أبو الحسن علي بن محمد البليليتي ٢٣ ١٤- أبو يوسف يعقوب الزغبي ٢٣- شيوخه الدين لم يذكره في رحلته ٢٣ ١- عبد الله بن مسعود التونسيّ ٢٣ ٢- عبد العزيز بن موسى بن معطي العبدوسي ٢٤ ٣- عبد الواحد الغرياني ٢٥","vol":"1","page":563},{"text":"- تلاميذه ٢٥ ١- محمد بن محمد بن أحمد بن الخطيب ٢٥ ٢- محمد بن يوسف بن عمر شعيب السنوسي ٢٦ ٣- أبو العباس أحمد بن عبد الله الجزائري الزواوي ٢٩ ٤- محمد بن عبد الكريم بن محمد المغيلي ٣٠ ٥- علي بن محمد التالوتي الأنصاري ٣٢ ٦- علي بن عباد التستري البكري ٣٣ ٧- أحمد بن أحمد بن محمد بن عيسى البرنسي القاسي الشهير بزروق ٣٣- مصنفات الثعالبي ٣٦- ثناء العلماء عليه ٣٨ المبحث الثاني: التفسير قبل أبي زيد الثعالبي ٤٠- التفسير لغة ٤٠- التفسير اصطلاحا ٤١- التأويل لغة ٤٢- التأويل اصطلاحا ٤٣- الفرق بين التفسير والتأويل ٤٤- حاجة الناس إلى التفسير ٤٦- فهم الصحابة للقرآن الكريم ٥٠- أشهر مفسري القرآن من الصحابة ٥٢ ١- علي بن أبي طالب ٥٢ ٢- عبد الله بن مسعود ٥٣ ٣- أبيّ بن كعب ٥٥ ٤- عبد الله بن عباس ٥٦- طرق الرواية عن ابن عباس ٥٩- قيمة التفسير المأثور عن الصحابة ٦٠- مدرسة مكة: تلاميذ ابن عباس ٦٢ ١- سعيد بن جبير ٦٢ ٢- مجاهد بن جبر ٦٦","vol":"1","page":564},{"text":"٣- عكرمة ٦٧ ٤- طاووس ٧٠- مدرسة المدينة: تلاميذ أبيّ بن كعب ٧٤ ١- أبو العالية ٧٤ ٢- محمد بن كعب القرظي ٧٥ ٣- زيد بن أسلم ٧٥- مدرسة العراق: تلاميذ عبد الله بن مسعود ٧٦ ١- علقمة بن قيس ٧٦ ٢- مسروق ٧٧ ٣- عامر الشعبي ٧٧ ٤- الحسن البصري ٧٨ ٥- قتادة ٧٩- قيمة التفسير المأثور عن التابعين ٨١- سمات التفسير في تلك المرحلة ٨٢- التفسير في عصر التدوين ٨٢- أقسام التفسير ٨٣- الاتجاه الأثري في التفسير ٨٣- ابن جرير الطبري ٨٤- طريقة الطبري في التفسير ٨٥- الاتجاه اللغوي ٨٦- الاتجاه البياني ٨٨ المبحث الثالث: الكلام على تفسير الثعالبي ٩١ ١- مصادر من كتب التفسير ٩١ ٢- كتب غريب القرآن والحديث ٩٤ ٣- المصادر التي اعتمد عليها من كتب السنة ٩٥ ٤- كتب الترغيب والترهيب ٩٥ ٥- كتب في الأحكام الفقهية والأصولية ٩٦ ٦- كتب الخصائص والشمائل ٩٦","vol":"1","page":565},{"text":"٧- كتب في التربية وتهذيب النفوس ٩٦ ٨- في الأسماء والصفات ٩٧ ٩- ومن كتب التاريخ ٩٧ ١٠- كتب أخرى منثورة ٩٧- منهج الإمام الثعالبي في تفسيره ٩٨ ١- جمعه بين التفسير بالمأثور والرأي ٩٩ ٢- تعرضه لمسائل في أصول الدين ١٠٠ ٣- مسائل أصول الفقه في تفسيره ١٠١ ٤- تعرضه لآيات الأحكام ١٠٢ ٥- احتجاجه باللغة والمسائل النحوية ١٠٣ ٦- ذكره لأسباب النزول ١٠٤ ٧- ذكره للقراءت الواردة في الآية ١٠٥ ٨- احتجاجه بالشعر ١٠٨ ٩- موقفه من الإسرائيليات ١٠٩- وصف النسخ المعتمد عليها في كتاب تفسير الثعالبي ١١٣- نماذج من صور مخطوطات الكتاب ١١٥ الجزء الأول من تفسير الثعالبي- مقدمة المؤلف ١١٧- باب في فضل القرآن ١٢٣- باب في فضل تفسير القرآن وإعرابه ١٣٥- فصل فيما قيل في الكلام في تفسير القرآن والجرأة عليه ومراتب المفسرين ١٣٨- فصل: أنزل القرآن على سبعة أحرف ١٤٥- فصل في ذكر الألفاظ التي في القرآن مما للغات العجم بها تعلق ١٤٨- باب تفسير أسماء القرآن وذكر السورة والآية ١٥٠- باب في الاستعاذة ١٥٤- باب في تفسير بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ١٥٦","vol":"1","page":566},{"text":"- تفسير فاتحة الكتاب ١٦١- تفسير سورة البقرة ١٧٤","vol":"1","page":567},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-212>[الجزء الثاني]</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-213>تفسير سورة آل عمران</span>\nبسم الله الرّحمن الرّحيم هذه السورة مدنيّة، بإجماع في ما علمت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-214>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١ الى ٤]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالم (١) اللَّهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ (٤)\nقولُه جَلَّتْ قدرته: الم اللَّهُ لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ الأبْرَعُ في نَظْمِ الآيةِ أنّ يكون: اللَّهُ لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ كلامًا مبتدأً جزمًا جملةً رادةً على نصارَى نَجْرَانَ الذين وفَدُوا علَى النبيّ ﷺ فَحَاجُّوهُ فِي عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وقالوا: إِنَّهُ اللَّهُ على مَا هُوَ معلومٌ في السِّيَرِ، فنزل فيهم صَدْر هذه السورةِ إِلى نيِّفٍ «١» وثمانين آية منها، إلى أن دعاهم ﷺ إلى الابتهال.\nوقد تقدَّم تفسيرُ قوله: الْحَيُّ الْقَيُّومُ في آية الكرسيِّ، والآيةُ هناك إِخبارٌ لجميعِ الناسِ، وكُرِّرتْ هنا إخبارًا بحجج هؤلاءِ النصارى، ويردُّ عليهم إِذ هذه الصفاتُ لا يمكنهم ادعاؤها لعيسى﵇- لأنهم إِذ يقولُون: إِنه صُلِبَ، فذلك مَوْتٌ في معتقَدِهِمْ، وإِذْ من البيِّن أنَّه ليس بقَيُّومٍ.\nوقراءة الجمهور «القَيُّوم»، وقرىء خارجَ السَّبْعِ: «القَيَّامُ» و«القَيِّمُ» «٢»، وهذا كلُّه مِنْ: قَامَ بالأَمْرِ يقُومُ به، إِذا اضطلع بحفْظِهِ، وبجميعِ ما يحتاجُ إليه في وجوده، فالله تعالى\n_________\n(١) كل ما زاد على العقد، فهو نيّف- قال أبو العباس: الذي حصلناه من أقاويل حذاق البصريين والكوفيين أن النيف من واحدة إلى ثلاث.\nينظر: «لسان العرب» (٤٥٨٠) (نوف) .\n(٢) قرأ «الحيّ القيّام» كل من عمر، وعثمان، وابن مسعود، والنخعي، والأعمش، وأصحاب عبد الله، وزيد بن علي، وجعفر بن محمد، وأبي رجاء بخلاف، ورويت عن النبي ﷺ، وقرأ «الحيّ القيّم» علقمة بن قيس. كما في «مختصر الشواذ» (ص ٢٥)، و«المحتسب» (١/ ١٥١)، و«المحرر الوجيز» (١/ ٣٩٧) .","vol":"2","page":5},{"text":"القَيَّامُ على كلِّ شيءٍ ممَّا ينبغِي له، أوْ فِيهِ، أوْ عليه.\nت: وقد تقدَّم ما نقلْناه في هذا الاِسم الشريفِ أنه اسمُ اللَّهِ الأعظمُ، قال النوويُّ: ورُوِّينَا في كتاب الترمذيِّ عَنْ أنس، عن النبيّ ﷺ: أنَّهُ كَانَ إِذَا كَرَبَهُ أَمْرٌ، قَالَ:\n«يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، بِرَحْمَتِكَ أسْتَغِيثُ»، قَالَ الحاكمُ: هذا حديثٌ صحيحُ الإِسناد «١» . اهـ.\nقال صاحب «سلاح المؤمن»: وعنْ عليٍّ﵁-، قَالَ: «لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ، قَاتَلْتُ شَيْئًا مِنْ قِتَالٍ، ثمَّ جئْتُ إلى رسُولِ اللَّه ﷺ أنظر ما صنع فجئت، فإذا هو ب سَاجِدٌ يَقُولُ: «يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ»، ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى القِتَالِ/، ثُمَّ جِئْتُ، فَإِذَا هُوَ سَاجِدٌ لاَ يَزِيدُ على ذَلِكَ، ثُمَّ ذَهَبْتُ إلَى الْقِتَالِ، ثُمَّ جِئْتُ، فَإِذَا هُوَ سَاجِدٌ يَقُولُ ذَلِكَ، فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ» رواه النِّسائِيُّ، والحاكمُ في «المستدرك»، واللفظ للنسائِيِّ «٢» .\nوعن أسماء بنتِ يَزيد «٣» - ﵂- أنّ النبيّ ﷺ قَالَ: «اسم اللَّهِ الأَعْظَمُ فِي هَاتَيْنِ الآيَتَيْنِ: وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لاَّ إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ، وَفَاتِحَةِ آلِ عِمْرَانَ:\nالم اللَّهُ لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ» رواه أبو داود، واللفظُ له، والترمذيُّ، وابن ماجة «٤»، وقال التّرمذيّ: هذا حديث حسن صحيح.\n_________\n(١) تقدم تخريجه في سورة البقرة.\n(٢) أخرجه النسائي في «الكبرى» (٦/ ١٥٦- ١٥٧)، كتاب «عمل اليوم والليلة»، باب الاستنصار عند اللقاء، حديث (١٠٤٤٧) . والحاكم (١/ ٢٢٢)، من طريق عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب، عن إسماعيل بن عون بن عبيد الله بن أبي رافع، عن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، عن أبيه محمد بن عمر بن علي عن علي به.\nوقال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.\nوتعقبه الذهبي، فقال: ابن موهب اختلف قولهم فيه، وإسماعيل فيه جهالة.\n(٣) هي: أسماء بنت يزيد بن السكن بن رافع بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل بن جشم بن الحارث.. أم سلمة، الأنصارية، الأوسية، الأشهلية. خطيبة النساء.\nقال ابن حجر في «الإصابة»: روت عن النبي ﷺ عدة أحاديث، وعند أبي داود بسند حسن عنها قالت:\nسمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تقتلوا أولادكم سرا إنه ليدرك الفارس فيدعثره عن فرسه» .\nينظر ترجمتها في: «أسد الغابة» (٧/ ١٨، ١٩)، «الإصابة» (٨/ ١٢)، «الثقات» (٣/ ٢٣)، «الاستيعاب» (٤/ ١٧٨٧)، «تجريد أسماء الصحابة» (٢/ ٢٤٥)، «أعلام النساء» (١/ ٥٣)، «حلية الأولياء» (٢/ ٧٦)، «خلاصة تذهيب تهذيب الكمال» (٣/ ٣٧٥)، «الكاشف» (٣/ ٦٤)، «تهذيب الكمال» (٣/ ١٦٧٨)، «تهذيب التهذيب» (١٢/ ٣٩٩)، «تقريب التهذيب» (٢/ ٥٨٩)، «بقي بن مخلد» (٤٢) .\n(٤) أخرجه أبو داود (١/ ٤٧٠)، كتاب «الصلاة»، باب الدعاء، حديث (١٤٩٦)، والترمذي (٥/ ٥١٧)، كتاب «الدعوات»، حديث (٣٤٧٨)، وابن ماجة (٢/ ١٢٦٧)، كتاب «الدعاء»، باب اسم الله الأعظم، -","vol":"2","page":6},{"text":"وعن أبي أمامة، عن النبيّ ﷺ، قَالَ: «اسم اللَّهِ الأَعْظَمُ فِي ثَلاَثِ سُوَرٍ: فِي سُورَةِ البَقَرَةِ، وآل عِمْرَانَ، وَطَه»، قال القاسِمُ: فالتمستها أنَّهُ الحَيُّ القَيُّومُ «١» . انتهى.\nوقوله: بِالْحَقِّ: يحتملُ معنيَيْنِ:\nأحدهما: أنْ يكون المعنى: ضُمِّنَ الحقائقَ في خبره، وأمره، ونهيه، ومواعظه.\nوالثانِي: أنْ يكون المعنى: أنه نَزَّلَ الكتابَ باستحقاق أنْ يُنَزَّل لما فيه من المصلحةِ الشاملة، وليس ذلك على أنه واجبٌ على اللَّه تعالى أنْ يفعله.\nت: أي: إِذْ لا يجبُ عَلَى اللَّه سبحانه فعْلٌ قال ع «٢»: فالباءِ، في هذا المعنى: على حدِّ قوله: سُبْحانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ [المائدة: ١١٦] . وقيل: معنى: بِالْحَقِّ: أيْ: مِمَّا اختلف فيه أهْلُ الكتابِ، واضطرب فيه هؤلاءِ النصارَى الوافِدُونَ.\nقال ع «٣»: وهذا داخلٌ في المعنى الأول.\nوقوله: مُصَدِّقًا: حالٌ مؤكِّدة لأنه لا يمكن أنْ يكون غير مصدِّقٍ، لما بين يديه من كتب الله سبحانه، ولِما بَيْنَ يَدَيْهِ: هي التوراةُ والإِنجيلُ وسائرُ كُتُبِ اللَّه التي تُلُقِّيَتْ من شرعنا.\nوقوله تعالى: مِنْ قَبْلُ: يعني: من قبل القرآن.\nوقوله: هُدىً لِلنَّاسِ: معناه: دُعَاءٌ، والنَّاسُ: بنو إِسرائيل في هذا الموضع، وإن\n_________\n- حديث (٣٨٥٥) . كلهم من طريق عيسى بن يونس، عن عبيد الله بن أبي زياد القداح، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد به.\nوقال الترمذي: حسن صحيح.\nوشهر بن حوشب صدوق، كثير الإرسال والأوهام.\nينظر: «التقريب» (١/ ٣٥٥) .\n(١) أخرجه ابن ماجة (٢/ ١٢٦٧)، كتاب «الدعاء»، باب اسم الله الأعظم، حديث (٣٨٥٦) . والطبراني في «الكبير» (٨/ ٢١٤)، من طريق عيسى بن موسى، عن غيلان بن أنس، عن القاسم، عن أبي أمامة مرفوعا.\nقال البوصيري في «الزوائد» (٣/ ٢٠٤): هذا إسناد فيه مقال غيلان لم أر من جرحه، ولا من وثّقه.\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٣٩٧) .\n(٣) ينظر: المصدر السابق.","vol":"2","page":7},{"text":"كان المراد أنهما هُدىً في ذاتهما، مَدْعُوٌّ إليه فرعَوْنُ وغَيْرُه، فالناسُ عامٌّ في كل من شاء حينئذ أن يستبصر، والْفُرْقانَ: القرآن لأنه فَرَقَ بيْنَ الحقِّ والباطلِ، ثم توعَّد سبحانه الكفَّارَ عمومًا بالعذابِ الشديدِ، والإشارةُ بهذا الوعيد إلى نصارى نجران، وعَزِيزٌ:\nمعناه: غالبٌ، والنقمة والاِنتقام: معاقبةُ المذْنِبِ بمبالغةٍ في ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-215>[سورة آل عمران (٣): الآيات ٥ الى ٧]</span>\nإِنَّ اللَّهَ لاَ يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ (٥) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُوا الْأَلْبابِ (٧)\nقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ: هذه الآية خَبَرٌ عن علْمِ اللَّه تعالى بالأشياء، على التفصيل، وهذه صفةٌ لَمْ تكُنْ لعيسى، ولا لأحدٍ من المخلوقين، ثم أخبر سبحانه عن تَصْويره للبَشَرِ في أرحامِ الأمَّهاتِ، وهذا أمر لا ينكرُهُ عاقلٌ، ولا ينكر أنَّ عيسى وسائر البَشَر لا يقْدِرُونَ عليه، ولا ينكر أنَّ عيسى من المصوَّرِينَ كغيره من سائرِ البَشَر، فهذه الآية تعظيمٌ للَّه جلَّتْ قُدْرته في ضِمْنِها الرَّدُّ على نصارى نَجْران، وفي قوله: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ: وعيد، وشرح النبيّ ﷺ كيفيَّة التصْويرِ في الحديثِ الَّذي رواه ابنُ مَسْعُودٍ وغيره «أنَّ النُّطْفَةَ، إِذَا وَقَعَتْ فِي الرَّحِمِ، مَكَثَتْ نُطْفَةً أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ تَكُونُ عَلَقَةً أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ إلَيْهَا مَلَكًا، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، أَذَكَرْ/ أَمْ أنثى؟ أَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ ...» الحديث بطوله على اختلاف ألفاظه «١»، وفي مسندِ ابن «سِنْجَر» حديثٌ «أنَّ اللَّهَ سُبْحَانه يَخْلُقُ عِظَامَ الجَنِينِ وَغَضَارِيفَهُ مِنْ مَنِيِّ الرَّجُلِ، وَلَحْمَهُ وَشَحْمَهُ وَسَائِرَ ذَلِكَ مِنْ مَنِيِّ المَرْأَةِ»، وَصَوَّرَ: بناءُ مبالغةٍ من صَارَ يَصُورُ، إِذا أمال وثنى إلى حالٍ مَّا، فلما كان التصويرُ إمالةً إلى حال، وإِثباتًا فيها، جاء بناؤه على المُبَالغة، والكتابُ في هذه الآية: القرآن، بإِجماع، والمُحْكَمَاتُ:\nالمفصَّلات المبيَّنات الثابتَاتُ الأحكامِ، والمُتَشَابِهَاتُ: هي التي تحتاجُ إِلى نظر وتأويلٍ، ويظهر فيها ببَادِي النَّظَرِ: إِما تَعَارُضٌ مع أخرى، وإما مع العَقْل إِلى غير ذلك من أنواع التشابه، فهذا الشَّبَه الذي من أجله تُوصَفُ بمتشابهات، إِنما هو بينها وبيْنَ المعانِي الفاسدة الَّتي يظنُّها أهْلُ الزيغِ، ومَنْ لم يُنْعِمِ النظَرَ، وهذا نحوُ الحديث الصحيح عن النبيّ ﷺ:\n«الحَلاَلُ بَيِّنٌ وَالحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ» «٢»، أي: يكون الشيء حراما في نفسه،\n_________\n(١) تقدم تخريجه. [.....]\n(٢) ورد ذلك من حديث النعمان بن بشير، وعمار بن ياسر، وابن عباس، وجابر بن عبد الله. -","vol":"2","page":8},{"text":"فَيُشْبِهُ عند من لَمْ يُنْعِمِ النظر شيئًا حلالًا وكذلك الآية: يكونُ لها في نفسها معنًى صحيحٌ، فيشبه عنْد مَنْ لم ينعمِ النظر، أو عند الزائغِ معنًى آخر فاسدًا، فربَّما أراد الاِعتراضَ به على كتاب اللَّه، هذا عندي معنَى الإِحكام والتشابُهِ في هذه الآية.\n_________\n- فأما حديث النعمان، فأخرجه البخاري (١/ ١٥٣) في الإيمان: باب فضل من استبرأ لدينه (٥٢)، و(٤/ ٣٤٠) في البيوع: باب الحلال بيّن، والحرام بين، وبينهما مشتبهات (٢٠٥١)، ومسلم (٣/ ١٢١٩- ١٢٢١)، في المساقاة: باب أخذ الحلال وترك الشبهات (١٠٧، ١٠٨/ ١٥٩٩)، وأبو داود (١/ ٢٦٣) في البيوع، باب في اجتناب الشبهات (٣٣٢٩، ٣٣٣٠) . والنسائي (٧/ ٢٤١) في البيوع:\nباب اجتناب الشبهات في الكسب. والترمذي (٣/ ٥١١) في البيوع: باب ما جاء في ترك الشبهات (١٢٠٥) . وابن ماجة (٢/ ١٣١٨) في الفتن، باب الوقوف عند الشبهات (٣٩٨٤)، وأحمد (٤/ ٢٦٩، ٢٧٠)، والدارمي (٢/ ٢٤٥) في البيوع، باب في الحلال بين، والحرام بين. والحميدي (٩١٨)، والطحاوي في «مشكل الآثار» (١/ ٣٢٤)، والبيهقي (٥/ ٢٦٤) في البيوع: باب طلب الحلال، واجتناب الشهوات، وأبو نعيم في «الحلية» (٢/ ٢٦٩- ٢٧٠)، والسهمي في «تاريخ جرجان» (ص ٣١٧) .\nوالبغوي في «شرح السنة» بتحقيقنا (٤/ ٢٠٧) في البيوع: باب الاتقاء عن الشبهات (٢٠٢٤)، من طرق عن الشعبي قال: سمعت النعمان بن بشير يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور مشبهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات كراع يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه. ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله. وإذا فسدت فسد الجسد كله. إلا وهي القلب» .\nوأخرجه أحمد (٤/ ٢٦٧)، ثنا هاشم بن القاسم، ثنا شيبان، عن عاصم، عن خيثمة. والشعبي عن النعمان مرفوعا بنحوه.\nوقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.\nوأما حديث عمار بن ياسر، فأخرجه أبو يعلى في «مسنده» (١٦٥٣) . والطبراني في «الكبير»، و«الأوسط» كما في «مجمع الزوائد» (٤/ ٧٦)، من طريق موسى بن عبيدة، أخبرني سعد بن إبراهيم عمن أخبره، عن عمار بن ياسر رفعه: «إن الحلال بيّن، والحرام بيّن، وبينهما شبهات. من توقاهن كن وقاء لدينه، ومن يوقع فيهن يوشك أن يواقع الكبائر، كالمرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه، لكل ملك حمى» .\nوقال الهيثمي (٤/ ٧٦، ١٠/ ٢٩٦): فيه موسى بن عبيدة، وهو متروك. وقال الحافظ في «المطالب» (١٢٥٤): إسناده ضعيف.\nوأما حديث ابن عباس، فأخرجه الطبراني في «الكبير» (١٠/ ٤٠٤) برقم (١٠٨٢٤)، من طريق الوليد بن شجاع، حدثني أبي، ثنا سابق الجزري أن عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب أخبره عن عبد الرحمن بن الحارث، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: «الحلال بين، والحرام بين، وبين ذلك شبهات. فمن أوقع بهن فهو قمن أن يأثم، ومن اجتنبهن فهو أوفر لدينه، كمرتع إلى جنب حمى أوشك أن يقع فيه، ولكل ملك حمى، وحمى الله الحرام» .\nقال الهيثمي في «المجمع» (١٠/ ٢٩٧) فيه سابق الجزري، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات. وأما حديث جابر، فأخرجه الخطيب في «التاريخ» (٦/ ٧٠)، من طريق سعيد بن زكريا المدائني، حدثنا الزبير بن-","vol":"2","page":9},{"text":"قال ع «١»: وأحسنُ ما قيل في هذه الآية قولُ محمَّدِ بنِ جَعْفَرِ بنِ الزُّبَيرِ»\nأن المُحْكَمَاتِ هي الَّتِي فيهن حُجَّةُ الربِّ، وعصمةُ العبادِ، ودفْعُ الخصومِ والباطل، ليس لها تصريفٌ ولا تحريفٌ عمَّا وضعْنَ عليه، والمُتَشَابِهَاتُ: لها تصريفٌ وتحريفٌ، وتأويلٌ ابتلى اللَّه فيهنَّ العباد «٣»، قال ابن الحاجِبِ في «منتهَى الوُصُولِ»: مسألةٌ في القرآن محكمٌ ومتشابهٌ، قال تعالى: مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ، فالمُحُكَمُ:\nالمتَّضِح المعنى، قال الرهوني: يعني نَصًّا كان أو ظَاهِرًا، والمُتَشَابَهُ: مقابله إمَّا للاشتراك مثل: ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [البقرة: ٢٢٨]، أو للإجمالِ مثلُ: الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ [البقرة: ٢٣٧] وما ظاهره التّشبيه مثل: مِنْ رُوحِي [ص: ٧٢]، وأَيْدِينا [يس: ٧١]، وبِيَدَيَّ [ص: ٧٥] وبِيَمِينِهِ [الزمر: ٦٧]، ويَسْتَهْزِئُ [البقرة: ١٥]، ومَكَرَ اللَّهُ [آل عمران: ٥٤] ونحوه، والظاهرُ: الوقْفُ على: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ لأن الخطاب بما لا يُفْهَمُ بعيدٌ. انتهى.\nقال الرهونيُّ: وسمِّي ما ذكر «مُتَشَابِهًا» لاشتباهه على السامِعِ، قال الرهونيُّ:\nوالحقُّ الوقْفُ على: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ. وهو المرويُّ عن جماعة منهم: ابنُ عبَّاسٍ، وابنُ عمر، وابنْ مسعودٍ، ومالكٌ، وغيرهم، وفي مُصْحَفِ أُبِيٍّ: «وما يعلم تأويلَهُ إلاَّ اللَّه ويقول الراسخونَ [في العلْمِ] «٤» آمنا بِه» «٥» . اهـ.\nوقوله تعالى: هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ، أي: معظم الكتاب، وعُمْدة ما فيه: إذ المُحْكَم في آياتِ اللَّه كثيرٌ قد فُصِّلَ، ولم يفرَّطْ في شيء منه، قال يَحْيَى بْنُ يعمر «٦»: كما يقال\n_________\n- سعيد الهاشمي، عن محمد بن المنكدر، عن جابر رفعه بنحوه.\nثم قال: أخبرنا أحمد بن أبي جعفر أخبرنا محمد بن عدي البصري- في كتابه- حدثنا أبو عبيد محمد بن علي الآجري قال: سألت أبا داود عن سعيد بن زكريا المدائني فقال: سألت يحيى عنه فقال:\nليس بشيء.\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٤٠١) .\n(٢) محمد بن جعفر بن الزّبير بن العوّام الأسدي، عن عمه عروة، وابن عمه عبّاد بن عبد الله، وعنه عبيد الله بن أبي جعفر، وابن إسحاق، وجماعة، وثقه النسائي.\nينظر: «الخلاصة» (٢/ ٣٨٨) .\n(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ١٧٤) برقم (٦٥٨٤)، وذكره الماوردي في «تفسيره» (١/ ٣٦٩)، وابن عطية في «تفسيره» (١/ ٤٠١) .\n(٤) سقط في: أ.\n(٥) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١/ ١٨٣) برقم (٦٦٢٤) وعبد الرزاق (١/ ١١٦) .\n(٦) يحيى بن يعمر القيسي، الجدلي العدواني البصري، عن أبي ذر وأبي هريرة، وعلي، وعمّار، وعائشة، -","vol":"2","page":10},{"text":"لمكَّة أمُّ القرى.\nقال ع «١»: وكما يقالُ: أمُّ الرَّأْس لمجتمع الشؤونِ، فجميع المحكَمِ هو أم الكتابِ، ومعنى الآية الإِنْحَاءُ على أهل الزيْغِ، والمذمَّةُ لهم، والإِشارة بذلك أولًا إلى نصارى نَجْرَانَ، وإلى اليهودِ الذين كانوا معاصِرِينَ لمحمّد ﷺ، فإِنهم كانوا يعترضُون معانِيَ القُرآن، ثم يعم بعد ذلك كلِّ زائغ، فذكر تعالى أنه نزّل الكتاب/ على نبيّه محمد ﷺ إِفضالًا منه، ونعمةً وأنَّ مُحْكَمَه وبَيِّنَهُ الَّذي لا اعتراض فيه هو معظمه، والغالِبُ فيه وأنَّ متشابهه الذي يحتملُ التَّأْوِيلَ، ويحتاجُ إِلى التفهُّم هو أقلُّه، ثم إِن أهل الزيغ يتركُونَ المحكَمَ الذي فيه غُنْيَتهم، ويتبعونَ المتشَابِه ابتغاء الفِتْنَةِ، وأنْ يفسدوا ذاتَ البَيْن، ويردوا النَّاس إِلى زيغهم.\nم: قال أبو البقاءِ: وَأُخَرُ: معطوف على آياتٌ، ومُتَشابِهاتٌ: نعت ل أُخَرُ.\nوقوله تعالى: الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ: يعمُّ كل طائفةٍ من كافرٍ وزنديق وجاهل صاحب بدعة، والزيغ: الميل، وابْتِغاءَ: نصبٌ على المفعولِ من أجله، ومعناه: طلبُ الفِتْنَة، قال الربيع: الفِتْنَة هنا الشرْكُ، وقال مجاهدٌ: الفتْنَةُ: الشبهاتُ، واللَّبْسُ على المؤمنين، ثم قال: وابتغاء تأويلِهِ، والتأويل هو مَرَدُّ الكلامِ، وَمَرْجِعُهُ، والشيء الذي يقفُ علَيْه من المعانِي، وهو من: آلَ يَئولُ، إذا رجع، فالمعنى: وطَلَبَ تأويلِهِ على مَنَازِعِهِمُ الفاسدَةِ، هذا في ما له تأويلٌ حسنٌ، وإن كان ممَّا لا يتأوَّل، بل يوقَفُ فيه، كالكلامِ في معنَى الرُّوح ونحوه، فنَفْسُ طلب تأويله هو اتباع ما تشابه، ثم قال تعالى: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ، أي: وما يعلم تأويله على الكَمَال إلا اللَّه سبحانه.\nواختلف في قوله: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ، فرأَتْ فرقةٌ أنَّ رفْعَ الراسخين هو بالعطْفِ على اسْمِ اللَّهِ (﷿) وأنه مع علمهم بالمتشابه يقولونَ: آمَنَّا بِهِ، وقالتْ طائفةٌ أخرى: والراسخُونَ: رفْع بالابتداء، وهو مقطوعٌ من الكلامِ الأول، وخبره «يَقُولُونَ»، والمنفَردُ بعلْم المتشابه هو اللَّه وحده.\n_________\n- وابن عباس، وعنه ابن بريدة، وعكرمة، وقتادة، وسليمان التيمي.\nقال أبو داود: لم يسمع من عائشة، وثقه أبو حامد، توفي قبل التسعين «بخراسان» .\nينظر: «الخلاصة» (٣/ ١٦٤- ١٦٥) .\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٤٠١) .","vol":"2","page":11},{"text":"قال ع «١»: وهذه المسألة إذا تأمّلت، قَرُبَ الخلافُ فيها من الاِتفاقِ، وذلك أنَّ اللَّه تعالى قسَّم آي الكتابِ قسْمَيْن محكمًا ومتشابهًا، فالمُحْكَم هو المتَّضِحُ المعنى لكلِّ من يفهم كلامَ العَرَب، لا يحتَاجُ فيه إِلى نظر، ولا يتعلَّق به شيء يلبِّس، ويستوي في علمه الراسخُ وغيره، والمتشابه على نوعَيْن، منه: ما لا يُعْلَمُ البتَّةَ كأمر الرُّوح، وآمادِ المغيَّبات التي قد أعْلَمَ اللَّه بوقوعها إلى سائر ذلك، ومنه: ما يُحْمَلُ على وجوه في اللغة، ومَنَاحٍ في كلامِ العربِ، فَيُتَأوَّلُ، ويُعْلَم تأويله، ولا يسمَّى أحدٌ راسِخًا إلاَّ أنْ يعلم من هذا النوع كثيرًا بحَسَب ما قُدِّر له، فمَنْ قال: إن الراسخين لا يعلمون تأويله، فمراده النوْعُ الثاني الَّذي ذكرناه، ومَنْ قال: إن الراسخين لا يعلَمُونَ تأويله، فمراده النوع الأول كأمر الرُّوح، ووقْتِ الساعةِ، لكنَّ تخصيصه المتشابه بهذا النوعِ غيرُ صحيحٍ، بل هو نوعانِ كما ذكرنا، والضمير في تَأْوِيلِهِ عائدٌ على جميع متشابه القرآن، وهما نوعانِ كما ذكرنا، والرُّسُوخُ: الثبوتُ في الشيءِ، وسئل النبيُّ ﷺ عَنِ الرَّاسِخِينَ فِي العِلْمِ، فَقَالَ: «هُوَ مَنْ بَرَّتْ يَمِينُهُ، وَصَدَقَ لِسَانُهُ، واستقام قَلْبُهُ» «٢»، قُلْتُ: ومن «جامعِ العَتَبِيَّةِ»، وسُئِل مالكٌ عن تفسيرِ الراسخين في العلم، فقال: العالمون العالمون بما علموا، المتَّبِعُونَ له، قال ابنُ رُشْدٍ: قولُ مالِكٍ هذا هو معنى ما رُوِيَ من أنّ النبيّ ﷺ سُئِلَ: مَنِ الراسِخُ في العِلْمِ؟\nفقالَ: «مَنْ بَرَّتْ يَمِينُهُ، وصَدَقَ لِسَانُهُ، / واستقام بِهِ قَلْبُهُ، وعَفَّ بَطْنُهُ، فَذَلِكَ الرَّاسِخُ فِي العِلْمِ» قال ابنُ رُشْدٍ: ويشهد لصحَّة هذا قولُ اللَّهِ (﷿): إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ [فاطر: ٢٨] لأنه كَلاَمٌ يدُلُّ عَلى أنَّ مَنْ لَمْ يَخْشَ اللَّه، فَلَيْسَ بعالمٍ. انتهى.\nقلت: وقد جاء في فضْلِ العلْمِ آثارٌ كثيرةٌ، فمن أحسنها: ما رواه أبو عُمَرَ بْنُ عبدِ البَرِّ بسنده، عن معاذِ بنِ جَبلٍ، قال: قال رسول الله ﷺ: «تَعَلَّمُوا العِلْمَ فَإِنَّ تَعْلِيمَهُ لِلَّهِ خَشْيَةٌ، وَطَلَبَهُ عِبَادَةٌ، وَمُذَاكَرَتَهُ تَسْبِيحٌ، والبَحْثَ عَنْهُ جِهَادٌ، وتَعْلِيمَهُ لِمَنْ لاَ يَعْلَمُهُ صَدَقَةٌ، وَبَذْلَهُ لأَهْلِهِ قُرْبَةٌ لأَنَّهُ مَعَالِمُ الحَلاَلِ وَالْحَرَامِ، وَمَنَارُ سُبُلِ أَهْلِ الجَنَّةِ، وهو الأنيسُ فِي الوَحْشَةِ، والصَّاحِبُ فِي الغُرْبَةِ، وَالمُحْدِّثُ فِي الخَلْوَةِ، والدَّلِيلُ عَلَى السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ، وَالسِّلاَحُ عَلَى الأَعْدَاءِ، وَالزِّيْنُ عِنْدَ الأَخِلاَّءِ، وَيَرْفَعُ اللَّهُ بِهِ أَقْوَامًا فَيَجْعَلُهُمْ فِي الخَيْرِ قَادَةً وَأَئِمَّةً تُقْتَصُّ آثَارُهُمْ، ويقتدى بِفِعَالِهِمْ، وينتهى إلى رأيهم، وترغب الملائكة في خلّتهم،\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٤٠٣) .\n(٢) أخرجه الطبراني في «الكبير» (٨/ ١٧٧- ١٧٨) رقم (٧٦٥٨)، من طريق عبد الله بن يزيد بن آدم، حدثني أبو الدرداء، وأبو أمامة، وواثلة بن الأسقع، وأنس بن مالك به.\nوذكره الهيثمي في «المجمع» (٦/ ٣٢٧)، وقال: وفيه عبد الله بن يزيد، وهو ضعيف.","vol":"2","page":12},{"text":"وَبِأَجْنِحَتِهَا تَمْسَحُهُمْ، وَيَسْتَغْفِرُ لَهُمْ كُلُّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ، وَحِيتَانُ البَحْرِ وهَوَامُّهُ، وَسِبَاعُ البَرِّ وأَنْعَامُهُ لأنَّ العِلْمَ حَيَاةُ القُلُوبِ مِنَ الجَهْلِ، وَمَصَابِيحُ الأَبْصَارِ مِنَ الظُّلَمِ، يَبْلُغُ العَبْدُ بَالعِلْمِ مَنَازِلَ الأَخْيَارَ، وَالدَّرَجَاتِ العلى فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، الفِكْرُ فِيهِ يَعْدِلُ الصِّيَامَ، وَمُدَارَسَتُهُ تَعْدِلُ القِيَامَ، بِهِ تُوصَلُ الأَرْحَامُ، وَبِهِ يُعْرَفُ الحَلاَلُ مِنَ الحَرَامِ، هُوَ إِمَامُ العَمَلِ، وَالعَمَلُ تَابِعُهُ، يُلْهَمُهُ السُّعَدَاءُ، وَيُحْرَمُهُ الأَشْقِيَاءُ» «١»، قال أبو عمر: هكذا حدَّثنيه عُبَيْدُ بْنُ محمَّدٍ مرفوعًا بالإِسناد الَّذِي روَيْناه به عنه، وهو حديثٌ حسنٌ جِدًّا، ولكن ليس له إِسناد قويٌّ، وَرَوَيْنَاهُ من طرقٍ شتى موقوفًا على معاذ. انتهى من كتاب «فَضْل العِلْمِ» «٢»، قال الشيخُ العارِفُ أبو القاسِمِ عبْدُ الرحمنِ بْنُ يُوسُفَ اللجائي (﵀)، ومن علامة نورِ العلْمِ، إذا حلَّ بالقلب: المعرفةُ والمراقبةُ والحياءُ والتوبةُ والوَرَعُ والزُّهْد والتوكُّل والصَّبْر والرضى والأنس والمجاهَدَةُ والصَّمْت والخَوْف والرجاءُ والقَنَاعةُ وذِكْرُ المَوْتِ. اهـ.\nوقوله تعالى: كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا: فيه ضميرٌ عائدٌ على كتاب اللَّه مُحْكَمِهِ ومتشَابِهِهِ، والتقديرُ: كلُّه من عنْدِ ربِّنا.\nثم قال تعالى: وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ، أي: ما يقول هذا، ويؤمن ويقفُ حيثُ وُقِّفَ، ويدع اتباع المتشابهِ إلاَّ ذُو لُبٍّ، وهو العقْلُ و«أُولُو»: جمع: «ذو» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-216>[سورة آل عمران (٣): الآيات ٨ الى ١١]</span>\nرَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨) رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ (٩) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (١٠) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ (١١)\nوقوله تعالى: رَبَّنا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنا ... الآية: لمَّا ذكر اللَّه سبحانه أهلَ الزيْغِ، وذكَرَ نقيضهم، وظهر ما بَيْن الحالَتَيْنِ، عقَّب ذلك بأنْ علَّم عباده الدعاء إلَيْه في ألاَّ يكونوا من الطائفَةِ الذميمَةِ الَّتي ذُكِرَتْ، وهم أهلْ الزيْغِ، ويحتمل أنْ يكون هذا من تمام قول الراسخين، وتُزِغْ: معناه: تمل قلوبنا عن الهدى والحقّ، ومِنْ لَدُنْكَ: معناه: من عِنْدِكَ تَفَضُّلًا، لا عن سَبَبٍ منَّا، ولاَ عَمَلٍ، وفي هذا استسلامٌ وتطارُحٌ، والمرادُ: هَبْ لنا نعيمًا صادرًا عن الرحمة.\nوقوله تعالى: رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ: إِقرار بالبَعْثِ ليومِ القيامة،\n_________\n(١) أخرجه ابن عبد البر في «جامع بيان العلم» رقم (٢٦٨) . [.....]\n(٢) ينظر: المصدر السابق.","vol":"2","page":13},{"text":"والرَّيْبُ: الشكُّ، والمعنى أنه في نفْسِه حقٌّ لا رَيْبَ فيه.\nوقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعادَ، يحتمل: أنْ يكون إِخبارًا منه سبحانه لمحمّد ﷺ، وأمته، ويحتملُ: أنْ يكون حكايةً مِنْ قول/ الداعين، ففي ذلك إِقرارٌ بصفة ذاتِ اللَّه تعالى، والميعادُ: من الوَعْد.\nوقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ... الآية: الإِشارة بالآيةِ إلى معاصري النبيّ ﷺ، وكانوا يفْخَرُون بأموالهم وأبنائهم، وهي بَعْدُ متناوِلَةٌ كلَّ كافرٍ، والوَقُود بفتحِ الواوِ: كلُّ ما يحترق في النار من حَطَبٍ ونحوه، والدَّأْبُ، والدَّأَبُ بسكون الهمزة وفتحها: مصدرُ: دَأَبَ يَدْأَبُ، إذا لازم فعل شيءٍ، ودام عليه مجتهدًا فيه، ويقال للعادة دَأْبٌ، والمعنى في الآية: تشبيهُ هؤلاء في لزومهم الكُفْر ودوامِهِم عليه بأولئك المتقدِّمين، وآخر الآية يقتضي الوعيدَ بأنْ يصيب هؤلاءِ ما أصَابَ أولئك، والكافُ في قوله: كَدَأْبِ في موضعِ رفعٍ، والتقدير: دَأْبُهُمْ كَدَأْبِ، والضمير في قَبْلِهِمْ عائد على آلِ فِرْعَوْنَ، ويحتمل: على معاصري رسول الله ﷺ من الكفار.\nوقوله: كَذَّبُوا بِآياتِنا: يحتمل: أنْ يريد المتلوَّة، ويحتمل أن يريد العلاماتِ المنصوبَةَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-217>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٢ الى ١٣]</span>\nقُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ (١٢) قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ (١٣)\nوقوله تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ ... الآية: اختلف في تعيين هؤلاء الذين أمر ﷺ بالقَوْل لهم:\nفقيل: هم جميعُ معاصريه أمر أنْ يقول لهم هذا الذي فيه إعلامٌ بغَيْب، فوقع بحَمْدِ اللَّه كذلك، فغُلِبُوا، وصار مَنْ مات منهم على الكُفْرِ إلى جهنم.\nوتظاهرتْ رواياتٌ عن ابن عبَّاس وغيره بأنَّ المراد يهودُ المدينةِ، لما قَدِمَ رسُولُ اللَّه ﷺ من غزوة بَدْرٍ، جمعهم، وقال: «يَا مَعْشَرَ يَهُودَ أَسْلِمُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَ قُرَيْشًا»، فقالوا: يَا مُحَمَّدُ، لاَ تَغُرَّنَّكَ نَفْسُكَ أَنْ قَتَلْتَ نَفَرًا مِنْ قُرَيْشٍ كَانُوا أَغْمَارًا لاَ يَعْرِفُونَ القِتَالَ، إِنَّكَ لَوْ قَاتَلْتَنَا، لَعَرَفْتَ أَنَّا نحْنُ النَّاسُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ هذه الآية» «١»\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (٢/ ١٧٠): كتاب «الخراج والفيء والإمارة»، (٣٠٠١)، والطبري في «تفسيره» (٣/ ١٩٢) -","vol":"2","page":14},{"text":"والحَشْر: الجمْعُ والإِحضار.\nوقوله تعالى: وَبِئْسَ الْمِهادُ: يعني: جهنَّم هذا ظاهر الآية، وقال مجاهدٌ:\nالمعنى: بِئْسَ ما مهدوا لأنفسهم «١» .\nقال ع «٢»: فكان المعنى: وبئس فعْلُهُم الذي أدَّاهم إِلى جهنَّم.\nوقوله تعالى: قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ ... الآيةُ تحتملُ أنْ يخاطب بها المؤمنون تثبيتًا لنفوسهم، وتشجيعًا لها، وأن يُخَاطَبَ بها جميعُ الكُفَّار، وأنْ يخاطب بها يهودُ المدينةِ، وبكلِّ احتمال منْها قد قال قومٌ، وقرىء شاذًّا: «تَروْنَهُمْ» بضم التاء «٣» فكأن معناها أنَّ اعتقادَ التضْعيف في جَمْعِ الكفَّار إنما كان تخمينًا وظَنًّا لا يقينًا، وذلك أنَّ «أرى» بضم الهمزة: تقولها فيما بَقِيَ عندك فيه نَظَرٌ، وأرى بفتح الهمزةِ: تقولها في ما قد صَحَّ نظرك فيه، ونحا هذا المنحى أبو الفَتْحِ «٤»، وهو صحيحٌ، والمراد بالفئتَيْنِ: جماعةُ المؤمنين، وجماعةُ الكفَّار ببَدْرٍ.\nقال ع «٥»: ولا خلاف أن الإِشارة بهاتين الفئَتَيْنِ هي إلى يوم بدر ويُؤَيِّدُ:\nمعناه يقوّي من «الأيد»، وهو القوّة.\n_________\n- رقم (٦٦٦٣)، والبيهقي في «دلائل النبوة» (٣/ ١٧٣- ١٧٤) . كلهم من طريق محمد بن أبي محمد مولى زيد، عن سعيد بن جبير، أو عكرمة عن ابن عباس به.\nوذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ١٦)، وزاد نسبته إلى ابن إسحاق، وفاته أن يعزوه إلى أبي داود.\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ١٩٢) برقم (٦٦٦٨)، وذكره الماوردي في «تفسيره» (١/ ٣٧٤)، وابن عطية في «تفسيره» (١/ ٤٠٦) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٤٠٦) .\n(٣) وقرأ بها أبان عن عاصم، وأبو عبد الرحمن السلمي، كما في «المحرر الوجيز» (١/ ٤٠٦)، و«البحر المحيط» (٢/ ٤١١) . وقد نسبها ابن جني في «المحتسب» (١/ ١٥٤) إلى ابن عباس، وطلحة بن مصرف، وقال: قراءة حسنة.\n(٤) أبو الفتح عثمان بن يزيد بن جني، من حذاق أهل الأدب وأعلمهم بالنحو والتصريف- تلمذ على أبي علي الفارسي، من تصانيفه «الخصائص»، «سر صناعة الإعراب»، «المحتسب»، «اللمع» مات سنة ٣٩٢ هـ.\nينظر: «بغية الوعاة» (٢/ ١٣٢) .\n(٥) ينظر «المحرر الوجيز» (١/ ٤٠٧) .","vol":"2","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-218>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٤ الى ١٧]</span>\nزُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤) قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (١٥) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَقِنا عَذابَ النَّارِ (١٦) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ (١٧)\nوقوله تعالى: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ ... الآيةُ: هذه الآيةُ ابتداءُ وعظٍ لجميع الناس، وفي ضمن ذلك توبيخٌ، والشهواتُ ذميمةٌ، واتباعها مُرْدٍ، وطاعتها مهلكة، وقد قال ﷺ: «حُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ، وَحُفَّتِ الجَنَّةُ بِالمَكَارِهِ» «١»، فَحَسْبُكَ أَنَّ النَّارَ حُفَّتْ بِهَا، فمَنْ واقعها، خلص إِلى النَّار، قلْتُ: وقد جاءت إحاديثٌ/ كثيرةٌ في التزْهِيدِ في الدنيا، ذكَرْنا من صحيحها وحَسَنِهَا في هذا المُخْتَصَرِ جملةً صالحةً لا توجد في غيره من التَّفَاسير، فعلَيْكَ بتحصيله، فتَطَّلعَ فيه على جواهرَ نفيسةٍ، لا توجَدُ مجموعةً في غيره كما هي بحَمْدِ اللَّه حاصلةٌ فيه، وكيف لا يكونُ هذا المختصر فائقًا في الحُسْن، وأحاديثه بحَمْد اللَّه مختارةٌ، أكثرها من أصولِ الإسلامِ الستَّةِ: البخاريِّ، ومسلمٍ، وأبي داود، والتِّرمذيِّ، والنَّسائِيِّ، وابنِ مَاجَة، فهذه أصول الإِسلام، ثم مِنْ غيرها كصحيح ابن حِبَّانَ، وصحيح الحاكمِ، أعني: «المُسْتَدْرَكَ عَلَى الصَّحِيحَيْنِ»، وأَبِي عَوَانَةَ، وابْنِ خُزَيْمَةَ، والدَّارِمِيِّ، وَالمُوَطَّإِ، وغيرِها من المسانيدِ المشهورةِ بيْن أئمَّة الحديثِ حَسْبما هو معلومٌ في علْمِ الحديث، وقصْدِي من هذا نُصْحُ من اطلع على هذا الكتاب أنْ يعلم قَدْرَ ما أنعم اللَّه به علَيْه، فإِن التحدُّث بالنعم شُكْر، ولنرجَعْ إلى ما قصدناه من نقل الأحاديث:\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٤/ ٢١٧٤)، كتاب «الجنة»، باب صفة نعيمها، حديث (١/ ٢٨٢١)، والترمذي (٤/ ٦٩٣)، كتاب «صفة الجنة»، باب ما جاء: حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات، حديث (٢٥٥٩)، وأحمد (٣/ ١٥٣، ٢٥٤، ٢٨٤)، وأبو يعلى (٦/ ٣٣) رقم (٣٢٧٥)، وابن حبان (٧١٦، ٧١٨)، والبيهقي في «الشعب» (٧/ ١٤٧) رقم (٩٧٩٥) . والخطيب في «تاريخ بغداد» (٨/ ١٨٤)، والبغوي في «شرح السنة» (٧/ ٣٣١- بتحقيقنا)، من حديث أنس بن مالك به مرفوعا.\nوقال الترمذي: حسن صحيح غريب.\nوله شاهد من حديث أبي هريرة: أخرجه البخاري (١١/ ٣٢٧) كتاب «الرقاق»، باب حجبت النار بالشهوات، حديث (٦٤٨٧)، ومسلم (٤/ ٢١٧٤)، كتاب «الجنة»، حديث (١/ ٢٨٢٣)، وأحمد (٢/ ٢٦٠)، وابن حبان (٧١٩) . كلهم من طريق أبي الزِّنَادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرة به.\nوعند البخاري: «حجبت» بدلا من «حفت» .\nوأخرجه القضاعي في «مسند الشهاب» (٥٦٧)، من طريق مالك عن سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة به.","vol":"2","page":16},{"text":"روى الترمذيُّ عن عَائِشَةَ﵂- قالت: قال لي رسول الله ﷺ: «إِنْ أَرَدتِّ اللُّحُوقَ بِي، فَلْيَكْفِيكِ مِنَ الدُّنْيَا، كَزَادِ الرَّاكِبَ، وإِيَّاكِ وَمُجَالَسَةَ الأَغْنِيَاءِ، وَلاَ تَسْتَخْلِفِي ثَوْبًا حتى تَرْقَعِيهِ» «١» حديث غَرِيبٌ، وقال النبيُّ ﷺ: «إِنَّ البَذَاذَةَ مِنَ الإِيمَانِ»، خرَّجه أبو داود «٢» وقد نقله البغويُّ في «مصابيحه»، والبَذَاذَةُ: هي رث الهيئة. اهـ والْقَناطِيرِ: جمع قِنْطَارٍ، وهو العُقْدة الكثيرةُ من المال واختلف النّاس في تحرير\n_________\n(١) أخرجه الترمذي (٤/ ٢٤٥)، كتاب «اللباس»، باب ما جاء في ترقيع الثوب، حديث (١٧٨٠) . والحاكم (٤/ ٣١٢)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٥/ ١٥٧- ١٥٨) رقم (٦١٨١)، وابن السني في «القناعة» رقم (٥٤) . كلهم من طريق سعيد بن محمد الوراق، عن صالح بن حسان، عن عروة بن الزبير، عن عائشة به.\nقال الترمذي: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث صالح بن حسان، وسمعت محمدا يقول:\nصالح بن حسان منكر الحديث.\nوقال البيهقي: تفرد به صالح بن حسان، وليس بالقوي، ورواه الحسن بن حماد، عن إبراهيم بن عيينة، عن صالح بن حسان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، ورواه أبو يحيى الحماني، عن صالح عن عروة، وقيل: عنه، عن صالح، عن هشام بن عروة.\nأما الحاكم فقال: صحيح الإسناد.\nوقد تعقبه الذهبي فقال: الوراق عدم.\nوفي كلامهما نظر، أما تصحيحه فليس بصحيح كما مر، وكما سيأتي. أما تعليله بالوراق فقد توبع كما سيأتي لتنحصر العلة في صالح بن حسان.\nفأخرجه الترمذي (٤/ ٢٤٥)، كتاب «اللباس»، باب ما جاء في ترقيع الثوب حديث (١٧٨٠)، وابن السني في «القناعة» برقم (٥٥)، وابن عدي في «الكامل» (٤/ ١٣٧٠) . وابن الجوزي في «الموضوعات» (٣/ ١٣٩- ١٤٠)، من طريق أبي يحيى الحماني، عن صالح بن حسان، عن عروة، عن عائشة به.\nوقال ابن عدي: وقد رواه بعضهم عن أبي يحيى الحماني، عن صالح بن حسان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة. ومن قال: عن صالح عن عروة. أصح.\nوقال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح، قال يحيى بن معين: صالح بن حسان ليس حديثه بشيء، وقال النسائي: متروك الحديث، وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الأثبات والحديث أخرجه أبو نعيم في «أخبار أصبهان» (١/ ٨٩)، من طريق حفص بن غياث، عن صالح، عن عروة، عن عائشة.\nوأخرجه ابن السني في «القناعة» رقم (٥٦)، من طريق إبراهيم بن عيينة، عن صالح بن حسان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة به.\nوالحديث ذكره الهندي في «الكنز» (٣/ ٧٣٠- ٧٣١) رقم (٨٥٩٨) . وزاد نسبته إلى ابن الأعرابي في «الزهد»، والحديث ضعفه المنذري في «الترغيب» (٤/ ٦٤) .\n(٢) أخرجه أبو داود (٢/ ٤٧٤- ٤٧٥)، كتاب «الترجل»، حديث (٤١٦١)، من طريق عبد الله بن أبي أمامة، عن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبي أمامة به.\nوقال أبو داود: هو أبو أمامة بن ثعلبة الأنصاري.","vol":"2","page":17},{"text":"حَدِّه، وأصحُّ الأقوالِ فيه: ما رواه أُبَيُّ بن كعب عن النبيّ ﷺ أنَّهُ قَالَ: «القِنْطَارُ أَلْفٌ ومِائَتَا أُوقِيَّةٍ» «١»، لكنَّ القنْطارَ على هذا يختلفُ باختلاف البلادِ في قَدْر الأَوقِيَّةِ.\nوقوله: الْمُقَنْطَرَةِ، قال الطبريُّ «٢»: معناه: المُضَعَّفة، وقال الربيعُ: المالُ الكثيرُ بعْضُه على بعض «٣» .\nص: الْمُقَنْطَرَةِ: مُفَعْلَلَة، أو مُفَنْعَلَة مِن القنطار، ومعناه: المجتمعة.\nم: أبو البقاء: ومِنَ الذَّهَبِ: في موضعِ الحالِ من الْمُقَنْطَرَةِ اهـ.\nوقوله: الْمُسَوَّمَةِ: قال مجاهدٌ: معناه المُطَهَّمة الحِسَان «٤»، وقال ابن عبَّاس وغيره: معناه: الراعيَةُ «٥»، وقيل: المُعَدَّة، وَالْأَنْعامِ: الأصنافُ الأربعةُ: الإِبلُ، والبَقَرُ، والضَّأْنُ، والمَعْز.\nص: والأنعامُ: واحدُها نَعَمٌ، والنَّعَمُ: الإِبل فقَطْ، وإِذا جُمِعَ، انطلق على الإِبلِ والبقرِ والغنمِ. اهـ.\nوَالْحَرْثِ: هنا اسمٌ لكلِّ ما يُحْرَثُ من حَبٍّ وغيره، والمَتَاعُ: ما يستمتعُ به، وينتفع مدّة ما منحصرة، والْمَآبِ: المَرْجِعُ، فمعنى الآية: تقليلُ أمر الدُّنيا وتحقيرُها، والترغيبُ في حُسْن المَرْجِع إِلى اللَّه تعالى.\nوقوله تعالى: قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ ... الآية: في هذه الآية تَسْلِيَةٌ عن الدنيا، وتقويةٌ لنفوسِ تاركيها ذَكَر تعالى حالَ الدُّنْيا، وكَيْف استقر تزيينُ شهواتها، ثم جاء بالإِنباءِ بخَيْرٍ من ذلك هَازًّا للنفُوس، وجامعًا لها لتَسْمَعَ هذا النبأَ المستغْرَبَ النافع لمن عقل، وأنبّىء: معناه: أخبر.\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ١٩٩) برقم (٦٦٩٨) .\n(٢) ينظر: «تفسير الطبري» (٣/ ٢٠١) .\n(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٢٠١) برقم (٦٧٢٢)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٤٠٩)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ١٩)، وعزاه لابن جرير. [.....]\n(٤) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٢٠٣) برقم (٦٧٣٦)، وذكره الماوردي في «تفسيره» (١/ ٣٧٧) بنحوه، وابن عطية في «تفسيره» (١/ ٤٠٩)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ١٩)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد.\n(٥) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٢٠٢) برقم (٦٧٣١)، وذكره ابن عطية (١/ ٤٠٩)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ١٩)، وعزاه لابن أبي حاتم.","vol":"2","page":18},{"text":"وقوله تعالى: وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ، الرِّضْوَانُ: مصدر مِنْ «رَضِيَ»، وفي الحديث الصحيحِ، عن النبيِّ ﷺ: «أنَّ أَهْلَ الجَنَّةِ، إذا استقروا فِيهَا، وَحَصَلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا لاَ عَيْنٌ رَأَتْ وَلاَ أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلاَ خَطَرَ على قَلْبِ بَشَرٍ، قَالَ اللَّهُ لَهُمْ: أَتُرِيدُونَ أنْ أُعْطِيَكُمْ مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْ هَذَا؟ قَالُوا: يَا رَبَّنَا، وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ هَذَا؟ فَيَقُولُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي، فَلاَ أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ أَبَدًا» «١»، هذا سياقُ الحديثِ، وقد يجيءُ مختلِفَ الألفاظِ، والمعنى قريبٌ بعضُه من بعض، قال الفَخْر «٢»: وذلك أن معرفة أهْلِ الجَنَّة، مع هذا النعيم المقيم بأنَّه تعالى راضٍ عنهم، مُثْنٍ عليهم- أزيدُ عليهم في إِيجابِ السُّرور. اهـ.\nوباقي الآية بيِّن، وقد تقدَّم في سورة البقرة بيانُهُ.\nوقوله تعالى: الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا ... الآية: «الَّذِينَ»: بدلٌ من «الَّذِينَ اتقوا»، وفسر سبحانه في هذه الآية أحوال المتقين الموعودِينَ بالجَنَّات، والصَّبْرُ في هذه الآية: معناه: على الطَّاعاتِ، وعن المعاصي والشهواتِ، والصِّدْقُ:\nمعناه: في الأقوالِ والأفعالِ، والقُنُوتُ: الطاعةُ والدعاءُ أيضًا، وبكلِّ ذلك يتصف المتَّقِي، والإِنْفَاقُ: معناه: في سبِيلِ اللَّه ومَظَانِّ الأجر، والاِستغفارُ: طلبُ المَغْفرة من اللَّه سبحانه، وخصَّ تعالى السَّحَر لما فيه من الفَضْل حسْبَما وَرَدَ فيه مِنْ صحيحِ الأحاديثِ كحديث النُّزُول: «هَلْ مِنْ دَاعٍ، فَأَسْتجِيبَ لَهُ، هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ، فَأَغْفِرَ لَهُ»»\n، إِلى غير ذلك ممَّا ورد في فَضْله.\nقلت: تنبيهٌ: قال القرطبيُّ في «تذكرته»، وقد جاء حديثُ النزولِ مفسَّرًا مبيَّنًا في ما خرَّجه النسائِيُّ عن أبي هُرَيْرة، وأبي سَعِيدٍ، قَالاَ: قَالَ النّبيّ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ (﷿) يُمْهِلُ حتى يَمْضِيَ شَطْرُ اللَّيْلِ الأَوَّل، ثُمَّ يَأْمُرُ مُنَادِيًا يَقُولُ: هَلْ مِنْ دَاعٍ يُسْتَجَابُ لَهُ، هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ يُغْفَرُ لَهُ، هَلْ مِنْ سَائِلٍ يعطى»، صحّحه أبو محمّد عبد الحقّ «٤» . اهـ.\n_________\n(١) تقدم تخريجه.\n(٢) ينظر: «مفاتيح الغيب» (٧/ ١٧٤) .\n(٣) أخرجه البخاري (٣/ ٢٩)، كتاب «التهجد»، باب الدعاء والصلاة من آخر الليل، حديث (١١٤٥) ومسلم (١/ ٥٢٢) كتاب «صلاة المسافرين»، باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل حديث (١٦٨، ١٦٩/ ٧٥٨) وأبو داود (١/ ٤٢٠)، كتاب «الصلاة»، باب أي الليل أفضل؟، حديث (١٣١٥) والترمذي (٥/ ٥٢٦)، كتاب «الدعوات»، باب (٧٩) حديث (٣٤٩٨) وأحمد (٢/ ٤٨٧) والبيهقي (٣/ ٢) من حديث أبي هريرة.\n(٤) ينظر الحديث السابق.","vol":"2","page":19},{"text":"وخرج أبو بكر بن الخطيب بسنده، عن عبد الرحمن بن عوف «١»، عن النبيّ ﷺ:\nقَالَ: «إِنَّ نُزُولَ اللَّهِ تعالى إِلَى الشَّيْءِ إِقْبَالُهُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ نُزُولٍ» «٢» . اهـ.\nوالسَّحَر: آخرُ الليل، قال نافِعٌ: «كان ابْنُ عُمَرَ يُحْيِي الليْلَ صلاةً، ثم يقولُ: يا نَافِعُ، أسْحَرْنَا، فأقول: لاَ، فَيُعَاوِدُ الصَّلاة، ثم يسأل، فَإِذا قُلْتُ: نَعَمْ، قَعَدَ يَسْتَغْفِرُ» .\nقال ع «٣»: وحقيقةُ السَّحَرِ في هذه الأحكامِ الشرعيَّة من الاستغفار المحمودِ، وسُحُورِ الصَّائِمِ، ومِنْ يَمِين لَوْ وَقَعَتْ، إنما هي مِنْ ثُلُثِ اللَّيْلِ الآخر إلى الفجر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-219>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٨ الى ٢٠]</span>\nشَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِمًا بِالْقِسْطِ لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨) إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (١٩) فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (٢٠)\n_________\n(١) هو: عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة.. أبو محمد. القرشي. الزهري. من مشاهير الصحابة، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد الستة أهل الشورى الذين أوصى إليهم عمر بعده، وأحد الثمانية الذين أسلموا على يد أبي بكر الصديق، وشهد بدرا وأحدا والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ. وصلّى خلفه رسول الله ﷺ، ومناقبه كثيرة لا يتسع المقام لذكرها.\nتوفي سنة (٣١) ب «المدينة» .\nتنظر ترجمته في: «أسد الغابة» (٣/ ٤٨٠)، «الإصابة» (٤/ ١٧٦)، «الاستيعاب» (٢/ ٨٤٤)، «الاستبصار» (١١٤، ١٢٦)، «تجريد أسماء الصحابة» (١/ ٣٥٣)، «عنوان النجابة» (١٣١)، «الرياض المستطابة» (١٧٦)، «الأعلام» (٣/ ٣٢١)، «التاريخ الكبير» (٥/ ٢٣٩)، «التاريخ الصغير» (١/ ٥٠)، «العبر» (١/ ٣٣)، «الكاشف» (٢/ ١٧٩)، «بقي بن مخلد» (٥٣)، «تاريخ الإسلام» (٣/ ٢٢١)، «الرياض النضرة» (٢/ ٣٧٦)، «البداية والنهاية» (٧/ ١٦٣)، «سير أعلام النبلاء» (١/ ٦٨)، «شذرات الذهب» (١/ ٢٥، ٣٨، ٦٢)، «التحفة اللطيفة» (٢/ ٥٢٤)، «تهذيب الكمال» (٢/ ٨٠٩)، «تقريب التهذيب» (١/ ٤٩٤)، «العقد الثمين» (٥/ ٣٩٦) .\n(٢) أخرجه الخطيب في «تاريخ بغداد» (٢/ ٢٤٦) . وقال الذهبي في «الميزان» (٥٠٨٣): إسناد مظلم، ومتن مختلق، وقال ابن عراق في «تنزيه الشريعة» (١/ ١٣٨): وفيه عبد العزيز بن إسحاق بن جعفر البقال، وبحر بن كنيز السقا، وعبد الكريم بن روح. قال الذهبي في «تلخيص الموضوعات»: هم ظلمات متروكون.\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٤١٢) .","vol":"2","page":20},{"text":"وقوله تعالى: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ ... الآية: معنى: شَهِدَ اللَّهُ: أعلم عباده بهذا الأمْر الحَقِّ، وقال ص: شَهِدَ، بمعنى عَلِمَ أو قضى، أوْ حَكَم، أو بَيَّن، وهي أقوال اهـ.\nوأسند أبو عُمَرَ بن عبد البر في كتاب «فضل العلم» عن غالبٍ القَطَّان، قَالَ: كُنْتُ أختلِفُ إِلى الأَعْمَشِ، فرأيته ليلةً قَامَ يتهجَّد من الليل، وقرأ بهذه الآية: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِمًا بِالْقِسْطِ لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ قال الأعمش: وأنا أشْهَدُ بما شَهِدَ اللَّه به، وأسْتَوْدِعُ اللَّهَ هذه الشهادةَ، فقلْتُ للأعمش: إِني سمعتُكَ تقرأُ هذه الآية تردِّدها، فما بَلَغَكَ فيها؟ قال: حدَّثني أبو وَائِلٍ، عن ابنِ مَسْعُودٍ، عن النبيّ ﷺ، قَالَ: يُجَاءُ بِصَاحِبِهَا يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيَقُولُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: عَبْدِي عهدَ إلَيَّ، وَأَنَا أَحَقُّ مِنْ وفى بِالعَهْدِ، أدْخِلُوا عَبْدِي/ الجَنَّةَ» «١» . اهـ.\nوقرأ جميعُ القرَّاء «أَنَّهُ» بفتح الهمزةِ وبكَسْرها من قوله: إِنَّ الدِّينَ على استئناف الكلامِ، وقرأ الكِسَائيُّ وحْده: «أَنَّ الدِّينَ» بفتح الهمزةِ بَدَلًا من «أَنَّهُ» الأولى، وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ: عطْفٌ على اسم الله، قال الفَخْر «٢»: المراد بِأُولِي العِلْمِ هنا:\nالذينَ عَرَفُوا اللَّه بالدَّلاَلة القطعيَّة لأن الشهادة، إنما تكونُ مقبولةً، إِذا كان الإِخبار مقرونًا بالعلْمِ، وهذا يدلُّ أنَّ هذه الدرجةَ الشريفَةَ لَيْسَتْ إِلا للعلماء بالأُصُولِ، وتكرَّرت «لا إِله إِلا اللَّه» هنا، وفائدةُ هذا التكرير الإِعلامُ بأنَّ المسلم يجبُ أنْ يكون أَبدًا في تكرير هذه الكلمة، فإِنَّ أشرفَ كلمةٍ يذكرها الإِنسان هي هذه الكلمةُ، وإذا كان في أكثر الأوقات مُشْتَغِلًا بذكْرِها، وبتكريرها، كان مُشْتَغِلًا بأعظمِ أنواعِ العباداتِ، فكان من التكريرِ في هذه الآيةِ حضُّ العبادِ على تكريرها. اهـ.\nوصحّ في البخاريّ، عنه ﷺ أنَّهُ قَالَ: «أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ من قال:\n_________\n(١) أخرجه العقيلي في «الضعفاء» (٣/ ٣٢٥)، وابن عدي في «الكامل» (٥/ ١٦٩٣- ١٦٩٤) . والخطيب في «تاريخه» (٧/ ١٩٣- ١٩٤)، وابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (٦٠٧) . كلهم من طريق عمار بن عمر، عن أبيه، عن غالب القطان به.\nوقال العقيلي في ترجمة عمار: لا يتابع على حديثه، ولا يعرف إلا به.\nوقال الذهبي في «الميزان» (٣/ ٣٣٠): الآفة من عمر فإنه متهم بالوضع. وأقرّه الحافظ في «اللسان» (٤/ ٢٧٣) .\n(٢) ينظر: «مفاتيح الغيب» (٧/ ١٧٩) .","vol":"2","page":21},{"text":"لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ خَالِصًا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ» «١»، وروى زيْدُ بن أرْقَم «٢»، عن النبيِّ ﷺ أنه قال:\n«مَنْ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ مُخْلِصًا دَخَلَ الجَنَّةَ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا إخْلاَصُهَا؟ قَالَ: أَنْ تَحْجِزَهُ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ» «٣»، خرَّجه الترمذيُّ الحَكِيمُ في «نَوَادِرِ الأصول» اهـ من «التّذكرة» .\nوقائِمًا: حالٌ من اسمِهِ تعالى في قوله: شَهِدَ اللَّهُ، أو من قوله: إِلَّا هُوَ، والقسط: العَدْل، وقوله تعالى: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ ... الآية: الدِّينُ في هذه الآية: الطاعةُ والمِلَّة، والمعنى: أنَّ الدين المَقْبُول أو النافع هو الإِسلام، والإِسلام في هذه الآية هو الإِيمانُ والطَّاعات، قاله أبو العالية «٤» وعليه جمهور المتكلِّمين، وحديثُ:\n«بُنِيَ الإِسْلاَمُ على خَمْسٍ» «٥»، وحديثُ مجيء جبريل يعلّم النّاس................\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١/ ٢٣٣) كتاب «العلم»، باب الحرص على الحديث، حديث (٩٩)، و(١١/ ٤٢٦):\nكتاب «الرقاق»، باب صفة الجنة والنار، حديث (٦٥٧٠) .\n(٢) هو: زيد بن أرقم بن زيد بن قيس بن النعمان بن مالك بن الأغر بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج. أبو عمر. وقيل: أبو سعد، وقيل: أبو سعيد. الأنصاري، الخزرجي. سكن «الكوفة»، وابتنى بها دارا في «كندة» .\nروى حديثا كثيرا عن النبيّ ﷺ، روي عنه من وجوه أنه شهد مع رسول الله ﷺ سبع عشرة غزوة، واستصغر يوم أحد، وكان يتيما في حجر عبد الله بن رواحة، وسار معه إلى مؤتة، ويقال: إن أول مشاهده «المريسيع» . شهد مع علي «صفين»، وهو معدود في خاصة أصحابه.\nتوفي ب «الكوفة» سنة (٦٦)، وقيل: (٦٨) .\nينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (٢/ ٢٧٦)، «الإصابة» (٣/ ٢١)، «الثقات» (٣/ ١٣٩)، «الاستيعاب» (٢/ ٥٣٥)، «الاستبصار» (١١)، «الأعلام» (٣/ ٥٦)، «تجريد أسماء الصحابة» (١/ ١٩٦)، «الطبقات الكبرى» (١/ ١٨، ٢/ ٦٥)، «در السحابة» (٧٧٠)، «الرياض المستطابة» (٨٧)، «بقي بن مخلد» (٤٨) .\n(٣) ذكره المنذري في «الترغيب والترهيب» (٢/ ٣٩١) رقم (٢٢٥٣)، وعزاه للطبراني في «الكبير»، و«الأوسط»، وضعفه.\nوذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ٢١)، وقال: رواه الطبراني في «الأوسط»، و«الكبير»، وفي إسناده محمد بن عبد الرّحمن بن عزوان، وهو وضاع. [.....]\n(٤) ذكره ابن عطية في ««تفسيره»» (٣/ ٤١٣) .\n(٥) أخرجه البخاري (١/ ٦٤) كتاب «الإيمان»، باب دعاؤكم إيمانكم حديث (٨)، ومسلم (١/ ٤٥) كتاب «الإيمان»، باب بيان أركان الإسلام ودعائمه العظام، حديث (١٩/ ١٦)، والترمذي (٥/ ٥) كتاب «الإيمان»، باب ما جاء في «بني الإسلام على خمس»، حديث (٢٦٠٩)، والنسائي (٨/ ١٠٧- ١٠٨) كتاب «الإيمان»، باب على كم بني الإسلام، وأحمد (٢/ ١٢٠، ١٤٣)، والحميدي (٢/ ٣٠٨) رقم (٧٠٣)، وابن خزيمة (٣٠٨، ٣٠٩)، وأبو يعلى (١٠/ ١٦٤) رقم (٥٧٨٨)، وابن حبان (١٥٨)، وأبو نعيم في «الحلية» (٣/ ٦٢)، والبيهقي (٤/ ٨١) كتاب «الزكاة»، والبغوي في «شرح السنة» (١/ ٦٤- بتحقيقنا) من طرق عن ابن عمر به.\nوقال الترمذي: هذ حديث حسن صحيح. -","vol":"2","page":22},{"text":"دينَهُمْ «١» يفسِّر ذلك، ثم أخبر تعالى عن اختلاف أهْلِ الكتابِ بَعْد علمهم بالحقائقِ، وأنه\n_________\n- وللحديث شاهد من حديث جرير: أخرجه أحمد (٤/ ٣٦٣)، وأبو نعيم في «الحلية» (٩/ ٢٥١)، والطبراني في «الكبير» (٢/ ٣٢٦) رقم (٢٣٦٣، ٢٣٦٤) من طرق عن الشعبي عن جرير قال: قال رسول الله ﷺ: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان» .\nوقال الهيثمي في «المجمع» (١/ ٥٠): وإسناد أحمد صحيح.\n(١) أخرجه أحمد (٣/ ٣٣٠)، والترمذي (١/ ٢٨١- ٢٨٣)، كتاب «الصلاة»، باب ما جاء في مواقيت الصلاة، الحديث (١٥٠)، والنسائي (١/ ٢٥٥)، كتاب «الصلاة»، باب آخر وقت العصر، والدارقطني (١/ ٢٥٧)، كتاب «الصلاة»، باب إمامة جبرائيل، الحديث (٣)، والحاكم (١/ ١٩٥)، كتاب «الصلاة»، والبيهقي (١/ ٣٦٨)، كتاب «الصلاة»، باب وقت المغرب، من حديث وهب بن كيسان، عن جابر بن عبد الله «أن النبيّ ﷺ جاءه جبريل (﵇) فقال له: قم فصله، فصلى الظهر حين زالت الشمس، ثم جاءه العصر فقال: قم فصله، فصلى العصر حين صار كل شيء مثله، ثم جاءه المغرب فقال: قم فصله، فصلى المغرب حين وجبت الشمس، ثم جاءه العشاء فقال: قم فصله، فصلى العشاء حين غاب الشفق، ثم جاء الفجر فقال: قم فصله، فصلى الفجر حين برق الفجر، أو قال سطع الفجر، ثم جاءه من الغد للظهر فقال: فصله فصلى الظهر حين صار ظل كل شيء مثله، ثم جاءه العصر فقال: قم فصله فصلى العصر حين صار ظل كل شيء مثليه، ثم جاءه المغرب وقتا واحدا لم يزل عنه، ثم جاءه العشاء حين ذهب نصف الليل، أو قال ثلث الليل، فصلى العشاء، ثم جاءه الفجر حين أسفر جدا، فقال: قم فصله، فصلى الفجر، ثم قال: ما بين هذين الوقتين وقت» .\nوقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب.\nحديث جابر في المواقيت:\nقد رواه عطاء بن أبي رباح، وعمرو بن دينار، وأبو الزبير، عن جابر بن عبد الله، عن النبيّ ﷺ، نحو حديث وهب بن كيسان، عن جابر، وقال محمد- يعني البخاري-: أصح شيء في المواقيت، حديث جابر عن النبيّ ﷺ.\nوقال الحاكم: هذا حديث صحيح مشهور. ووافقه الذهبي، وقال الزيلعي (١/ ٢٢٢) وقال ابن القطان:\nهذا الحديث يجب أن يكون مرسلا لأن جابرا لم يذكر من حدثه بذلك، وجابر لم يشاهد ذلك صبيحة الإسراء لما علم أنه أنصاري، إنما صحب بالمدينة، ولا يلزم ذلك في حديث أبي هريرة، وابن عباس، فإنهما رويا إمامة جبريل من قول النبيّ ﷺ.\nوتعقبه ابن دقيق العيد كما في «نصب الراية» (١/ ٢٢٣) فقال: وهذا المرسل غير ضار، فمن أبعد البعد أن يكون جابر سمعه من تابعي عن صحابي، وقد اشتهر أن مراسيل الصحابة مقبولة، وجهالة عينهم غير ضارة.\nقلت: وقد صرح جابر بأن هذا من كلام النبيّ ﷺ كما في «سنن الترمذي» . فقال: عن رسول الله ﷺ قال: «أمني جبريل» .. فذكر الحديث.\nوفي الباب عن جماعة من الصحابة منهم: ابن عباس، وأبو هريرة، وأبو مسعود الأنصاري، وعمرو بن حزم، وأبو سعيد الخدري وأنس.\nحديث ابن عباس: -","vol":"2","page":23},{"text":"كان بَغْيًا وطلبًا للدنيا قاله ابن عُمَر وغيره «١»، والَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ: لفظٌ يعُمُّ اليهودَ والنصارى، لكنَّ الرَّبِيعَ بنَ أنسٍ «٢» قال: المرادُ بهذه الآية اليهود اختلفوا بعد موت\n_________\n- أخرجه أبو داود (٣٩٣)، والترمذي (١٤٩)، والحاكم (١/ ١٩٣)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (١/ ٨٧)، وابن الجارود (٧٨)، والدارقطني (١/ ٢٥٨)، والبيهقي (١/ ٣٦٤) من طريق عبد الرّحمن بن الحارث بن عياش بن أبي ربيعة، عن حكيم عن نافع بن جبير بن مطعم، عن ابن عباس بنحو حديث جابر.\nوقال الترمذي: حسن صحيح.\nوقال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وصححه ابن حبان، وابن خزيمة فقد روياه في صحيحيهما كما في «نصب الراية» (١/ ٢٢١) .\nلكن قال الزيلعي في «نصب الراية» (١/ ٢٢١): وعبد الرّحمن بن الحارث هذا تكلم فيه أحمد، وقال:\nمتروك الحديث، هكذا حكاه ابن الجوزي في «كتاب الضعفاء»، ولينه النسائي، وابن معين، وأبو حاتم الرازي، ووثقه ابن سعد، وابن حبان. قال في «الإمام»: ورواه أبو بكر بن خزيمة في «صحيحه»، وقال ابن عبد البر في «التمهيد»: وقد تكلم بعض الناس في حديث ابن عباس هذا بكلام لا وجه له، ورواته كلهم مشهورون بالعلم.\nوقد أخرجه عبد الرزاق عن الثوري، وابن أبي سبرة، عن عبد الرّحمن بن الحارث بإسناده، وأخرجه أيضا عن العمري، عن عمر بن نافع بن جبير بن مطعم، عن أبيه، عن ابن عباس نحوه، قال الشيخ:\nوكأنه اكتفى بشهرة العلم مع عدم الحرج الثابت، وأكد هذه الرواية بمتابعة ابن أبي سبرة، عن عبد الرّحمن، ومتابعة العمري، عن عمر بن نافع بن جبير بن مطعم، عن أبيه، وهي متابعة حسنة. اهـ.\nحديث أبي هريرة:\nأخرجه النسائي (١/ ٢٨٨)، والدارقطني (١/ ٢٥٨)، والحاكم (١/ ١٩٤)، والبيهقي (١/ ٣٦٩) بلفظ:\n«هذا جبريل جاءكم يعلمكم دينكم»، فصلى الصبح حين طلع الفجر ... بنحو الحديث الأول.\nوقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. ووافقه الذهبي.\nحديث أبي مسعود الأنصاري:\nأخرجه أبو داود (٣٩٤)، والدارقطني (١/ ٢٥٧)، والحاكم (١/ ١٩٤)، والبيهقي (١/ ٣٦٣) .\nوقال الحاكم: صحيح الإسناد. ووافقه الذهبي.\nحديث عمرو بن حزم:\nأخرجه عبد الرزاق في «المصنف»، كما في «نصب الراية» (١/ ٢٢٥)، وعنه إسحاق بن راهويه في مسنده.\nحديث أبي سعيد الخدري:\nأخرجه أحمد (٣/ ٣٠)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (١/ ٨٨) .\nحديث أنس:\nأخرجه الدارقطني (١/ ٢٥٧)، من طريق قتادة عنه.\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٢١٣) برقم (٦٧٦٤) وذكره ابن عطية (١/ ٤١٣) .\n(٢) الرّبيع بن أنس الكندي، أو الحنفي، البصري، عن أنس، والحسن، وأرسل عن أم سلمة. وعنه سليمان-","vol":"2","page":24},{"text":"موسى، وبعد مُضِيِّ ثلاثة قرون «١»، وقيل: الآيةُ توبيخٌ لنصارى نَجْرَانَ، وسُرْعَةُ الحسَاب:\nيحتمل أنْ يراد بها: مَجِيءُ القيامةِ والحِسَابِ إذ كل آت قريبٌ، ويحتمل أنْ يراد بسُرْعَةِ الحِسَابِ: أنَّ اللَّه تعالى بإِحاطته بكلِّ شَيْءٍ عِلْمًا لا يحتاجُ إلى عَدٍّ ولا فكْرة قاله مجاهد «٢» .\nوقوله تعالى: فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ ... الآية: الضميرُ في حَاجُّوكَ لليهودِ، ولنصارى نَجْرَانَ، والمعنى: إنْ جادَلُوك وتعنَّتوا بالأقاويلِ المزوَّرة والمغالطاتِ، فأسند إلى ما كُلِّفْتَ من الإِيمانِ، والتبليغِ، وعلى اللَّه نَصْرُكَ.\nوقوله: وَجْهِيَ: يحتمل أنْ يراد به المَقْصِدُ، أي: جعلتُ مقصدي للَّه، ويحتمل أنْ يراد به الذاتُ، أي: أَسْلَمْتُ شخْصي وَذاتِي للَّه، وأسلَمْتُ في هذا الموضعِ بمعنى:\nدَفَعْتُ، وأمضَيْتُ، وليستْ بمعنى دَخَلْتُ في السِّلْم/ لأنَّ تلك لا تتعدى، ومَنِ اتبعني:\nفي موضع رفعٍ عطْفًا على الضميرِ في «أَسْلَمْتُ»، والَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ، في هذا الموضعِ: يجمعُ اليهودَ والنصارى باتفاق، والأميُّونَ: الذين لا يكتبون، وهم العَرَبُ في هذه الآية، وقوله: أَأَسْلَمْتُمْ: تقرير في ضمنه الأمر، وقال الزّجّاج: أَأَسْلَمْتُمْ:\nتهدّد، وهو حسن، والْبَلاغُ: مَصْدَرُ بَلَغَ بتخفيف عَيْنِ الفعل.\nوفي قوله تعالى: وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ وعدٌ للمؤمنين، ووعيد للكافرين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-220>[سورة آل عمران (٣): الآيات ٢١ الى ٢٥]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٢١) أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٢٢) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَعْدُوداتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤) فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٥)\nوقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ... الآية: هذه الآية نزلت في اليهود\n_________\n- التّيمي، وسليمان الأعمش، وابن المبارك، قال أبو حاتم: صدوق، قيل: توفي سنة تسع وثلاثين ومائة، وقيل: سنة أربعين. ينظر: «الخلاصة» (١/ ٣١٨) .\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٢١٣) برقم (٦٧٦٥)، وذكره ابن عطية (١/ ٤١٣)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٢٢) وعزاه لابن جرير.\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٢١٤) برقم (٦٧٦٨) بنحوه.","vol":"2","page":25},{"text":"والنصارى، وتعمُّ كلَّ من كان بهذه الحال، وفيها توبيخ للمعاصرين لرسول الله ﷺ، روى أبو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرَّاحِ «١»، عن النبيِّ ﷺ «أَنَّ بَنِي إسْرَائِيلَ قَتَلُوا ثَلاَثَةً وَأَرْبَعِينَ نَبِيًّا، فاجتمع مِنْ عُبَّادِهِمْ وأَحْبَارِهِمْ مِائَةٌ وعِشْرُونَ لِيُغَيِّرُوا المُنْكَرَ، وَيُنْكِرُوا، فَقُتِلُوا جَمِيعًا، كُلُّ ذَلِكَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، وذَلِكَ معنى قَوْلِهِ تعالى: وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ «٢»، وحَبِطَتْ: معناه: بَطَلَتْ.\nوقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ ...\nالآية: قال ابن عبَّاس: نزَلَتْ هذه الآية بسبب أنّ النبيّ ﷺ دخَلَ بيْتَ المِدْرَاسِ على جماعةٍ من يَهُود، فدعاهمْ إِلى اللَّه تعالى، فقال له نُعَيْمُ بْنُ عَمْرٍو، والحَارِثُ بْنُ زَيْدٍ: على أَيِّ دِينٍ أَنْتَ يَا مُحَمَّدُ، فقالَ رسولُ اللَّه ﷺ: أنا على ملّة إبراهيم ﷺ، فَقَالا: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ يَهُودِيًّا، فَقَالَ لَهُمُ النّبيّ ﷺ: فَهَلُمُّوا إِلَى التَّوْرَاةِ، فَهِيَ بَيْنَنَا، وَبَيْنَكُمْ، فَأَبَيَا عَلَيْهِ، وَنَزَلَتِ الآيةُ «٣» .\nقال ع «٤»: فالكتابُ في قوله: مِنَ الْكِتابِ: اسمُ جنس، والكتابُ في قوله: إِلى كِتابِ اللَّهِ هو التوراةُ، وقال قتادةُ وابنُ جُرَيْجٍ: هو القرآن «٥»، ورجَّح الطبريُّ الأولَ «٦» .\nوقوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا: الإشارة فيه إٍلى التولِّي والإِعراض، أي: إِنما تولَّوْا، وأعرضوا لاغترارهم بأقوالهم، وافترائهم، ثم قال تعالى خطابا لنبيّه محمّد ﷺ،\n_________\n(١) هو: عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث بن فهر بن مالك بن النضر.. أبو عبيدة. القرشي. الفهري. أمين الأمة، المشهور ب «أبو عبيدة بن الجراح» . قال ابن الأثير:\nأحد العشرة المشهور لهم بالجنة، وشهد بدرا وأحدا. وسائر المشاهد مع رسول الله ﷺ، وهاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية. توفي في طاعون «عمواس» سنة (١٨) .\nينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (٦/ ٢٠٥)، «الإصابة» (٧/ ١٢٨)، «تجريد أسماء الصحابة» (٢/ ١٨٥)، «بقي بن مخلد» (١٥١)، «الاستيعاب» (٤/ ١٧١٠)، «تقريب التهذيب» (٢/ ٤٤٨)، «تهذيب التهذيب» (١٢/ ١٥٩)، «تهذيب الكمال» (٣/ ١٦٢٣)، «العقد الثمين» (٨/ ٦٩)، «مقاتل الطالبين» (٥٧) .\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٢١٦) برقم (٦٧٧٧)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٢٣)، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.\n(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٢١٧) برقم (٦٧٧٨) عن ابن عباس.\nوذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٢٤)، وزاد نسبته إلى ابن إسحاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٤١٦) . [.....]\n(٥) ذكره الماوردي في «تفسيره» (١/ ٣١٢)، وابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٤١٦) .\n(٦) ينظر الطبري (٣/ ٢١٩) .","vol":"2","page":26},{"text":"وأمته، على جهة التوقيفِ والتعجيب: فكيف حالُ هؤلاءِ المغترِّين بالأباطيل، إِذا حشروا يوم القيامة، واضمحلت تلك الزخارفُ والدعاوى، وجوَّزوا بما اكتسبوه مِنْ كفرهم، وأعمالهم القبيحة، قال ابن عطيَّة: والصحيحُ في يوم القيامةِ أنَّه يَوْمٌ لأنَّ قبله ليلةٌ، وفيه شَمْسٌ «١»، وقال النقَّاش: المراد باليوم الوقت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-221>[سورة آل عمران (٣): الآيات ٢٦ الى ٢٩]</span>\nقُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٢٧) لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٢٨) قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٩)\nوقوله تعالى: قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ ... الآية: هو ﷾ مالكُ الملكِ كلِّه مطلقًا في جميع أنواعه، وأشرفُ ملكٍ يؤتيه عباده سعادةُ الآخرة، رُوِيَ أنَّ الآية نزلَتْ بسبب أنّ النبيّ ﷺ بشَّر أُمَّتَه بفتح مُلْك فارس وغيره، فقالَتِ اليهودُ والمنافقُونَ: هَيْهَاتَ، وكذَّبوا بذلك.\nومذهب البصريِّين أن الأصل في «اللَّهُمَّ»: يَا أَللَّهُ، فعوِّض من ياء النداءِ ميمًا مشدَّدة.\nو«مالك»: نصْبٌ على النداء، وخص تعالى الخَيْر بالذكْر، وهو تعالى بيده كلُّ شيء إِذ الآية في معنى دعاء ورغبة، فكأنَّ المعنى: بِيَدِكَ الخَيْرُ فأجزِلْ حظِّي منه، قال النوويُّ: ورُوِّينَا في كتاب «التِّرْمذيِّ» وغيره، عن عُمَرَ بْنِ الخَطَّاب (﵁) أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ/ قَالَ: «مَنْ دَخَلَ السُّوقَ، فَقَالَ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّه وَحْده لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ حَيٌّ لاَ يَمُوتُ، بِيَدِهِ الخَيْرُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ- كَتَبَ اللَّهُ لَهُ أَلْفَ أَلْفِ حَسَنَةٍ، وَمَحَا عَنْهُ أَلْفَ أَلْفِ سَيِّئَةٍ، وَرَفَعَ لَهُ أَلْفَ أَلْفِ دَرَجَةٍ» «٢»، ورواه الحاكمُ أبو عبد اللَّه في «المُسْتَدْرَكِ عَلَى الصَّحِيحَيْنِ» من طرق كثيرةٍ، وزاد فيه في بعْضِ طرقه: «وبنى لَهُ بَيْتًا فِي الجَنَّةِ» قال الحاكمُ: وفي الباب، عن جابر،\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (١/ ٤١٤) .\n(٢) أخرجه الترمذي (٥/ ٤٩١)، كتاب «الدعوات»، باب ما يقول إذا دخل السوق، حديث (٣٤٢٨)، (٣٤٢٩)، وابن ماجة (٢/ ٧٥٢)، كتاب «التجارات»، باب الأسواق ودخولها، حديث (٢٢٣٥)، والحاكم (١/ ٥٣٩) من حديث عمر بن الخطاب.","vol":"2","page":27},{"text":"وأبي هريرة، وبُرَيْدَة الأسلميِّ. اهـ من «الحلية» «١» .\nوقال ابن عبَّاس وغيره في معنى قوله تعالى: تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ ... الآية: إنه ما ينتقصُ من النهار، فيزيد في الليل، وما ينتقصُ من الليلِ، فيزيدُ في النَّهار دَأَبًا كلَّ فَصْلٍ من السنة «٢»، وتحتملُ ألفاظُ الآية أنْ يدخل فيها تعاقُبُ الليلِ والنهارِ كأن زوالَ أحدهما وُلُوجٌ في الآخر.\nواختلف في معنى قوله تعالى: وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ ... الآيةَ:\nفقال الحسَنُ: معناهُ: يُخْرِجُ المؤمِنَ من الكافر، والكافِرَ من المؤمن «٣»، وروي نحْوَه، عن سَلْمَانَ الفَارِسِيِّ «٤»، وروى الزُّهْرِيُّ، أنَّ النبيَّ ﷺ، لمَّا سَمِعَ نَغْمَةَ «٥» خَالِدَةَ بِنْتِ الأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ، فَقَالَ: «مَنْ هَذِهِ» فأُخْبِرَ بِهَا، فقال النبيّ ﷺ: «سُبْحَانَ الَّذِي يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ»، وكَانَتِ امرأة صَالِحَةً، وكَانَ أَبُوهَا كَافِرًا «٦»، والمرادُ على هذا:\nموتُ قلبِ الكافرِ، وحياةُ قَلْب المؤمن.\n_________\n(١) ينظر: «الأذكار» (ص ٣٣٧- ٣٣٨) .\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٢٢٢) برقم (٦٧٩٢) وذكره الماوردي في «تفسيره» (١/ ٣٨٤) ونسبه للجمهور، وذكره ابن عطية (١/ ٤١٧) .\n(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٢٢٥) برقم (٦٨١٤)، وذكره البغوي في «تفسيره» (١/ ٢٩١)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٢٧)، وعزاه لابن جرير، وأبي الشيخ عن الحسن.\n(٤) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٢٢٥) برقم (٦٨١٥)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٢٧)، وعزاه لابن مردويه.\n(٥) ذكر هذا الحديث الطبري (٦٨٢١) بلفظ «أنّ النبيّ ﷺ دخل على بعض نسائه، فإذا بامرأة حسنة النّعمة، فقال: من هذه؟ قالت إحدى خالاتك! قال: إن خالاتي بهذه البلدة لغرائب! وأيّ خالاتي هذه؟ قالت:\nخالدة ابنة الأسود بن عبد يغوث. قال: سبحانه الَّذِي يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ! وكَانَتِ امرأة صالحة، وكان أبوها كافرا. وقد علق عليه الشيخ أحمد شاكر قائلا:\nقوله: «حسنة النعمة»، في المطبوعة: «النغمة» بالغين المعجمة، وهو خطأ، والنعمة (بفتح النون وسكون: العين) المسرة والفرح والترفه، وكأنه يعني ما يبين عليها من أثر الترف والنعمة. بيد أن الذي رواه ابن سعد، وما نقله الحافظ ابن حجر في الإصابة: «حسنة الهيئة» .\nهذا ما قاله العلامة أحمد شاكر، إلا أن الرواية الواردة في الأصول عندنا «لما سمع نغمة» تشعر بترجيح المعجمة أو لعل الحديث ذكر مع اختلاف في ألفاظه.\n(٦) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٦/ ٣٠٨- شاكر)، وعبد الرزاق في «تفسيره» (١/ ١١٧- ١١٨) عن الزهري مرسلا، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٢٧)، وزاد نسبته إلى ابن سعد، وابن أبي حاتم، وابن مردويه.","vol":"2","page":28},{"text":"وذهب جمهورٌ كثيرٌ إِلى أنَّ الحياة والمَوْتَ في الآية حقيقةٌ، لا أنها استعارةٌ، ثم اختلفوا في المُثُلِ التي فسَّروا بها.\nفقال ابن مسعود: هي النُّطْفة، تخْرُج من الرجُلِ، وهي ميتة، وهو حيٌّ، ويخرج الرجلُ منْها، وهي ميتة «١» .\nوقال عكرمة: هو إِخراج الدَّجَاجة، وهي حية، مِن البَيْضَة، وهي ميتة، وإِخراج البيضة، وهي ميتة من الدَّجَاجة، وهي حية «٢» .\nوروى السُّدِّيُّ، عن أبي مالكٍ، قال: هي الحبَّة تَخْرُجُ من السنبلةِ، والسنبلةُ تخرجُ من الحبَّة، وكذلك النَّوَاة «٣» .\nوقوله تعالى: لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ ... الآية: هذا النهْيُ عن الاِتخاذِ، إِنما هو عن إِظهار اللُّطْفِ للكفَّار، والميلِ إِليهم، فأما أنْ يتخذوا بالقَلْب، فلا يفعل ذلك مؤمن، ولفظ الآية عامٌّ في جميع الأعصار.\nواختلف في سَبَب نزولها، فقال ابنُ عَبَّاس: في كَعْبِ بْنِ الأَشْرَف وغيره، قد بطنوا بنَفَرٍ من الأنصار، ليفتنُوهم عن دِينِهِمْ، فنزلَتْ في ذلك الآيةُ «٤»، وقال قومٌ: نزلَتْ في قصَّة حاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ، وكتابِه إلى أهْل مكَّة «٥»، والآيةُ عامَّة في جميع هذا.\nوقوله تعالى: فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ: معناه: في شيءٍ مَرْضِيٍّ كقوله ﷺ: «مَنْ غَشَّنَا، فَلَيْسَ مِنَّا» «٦»، ثم أباح سبحانه إِظهار اتخاذهم بشرط الاِتقاءِ، فأما إِبطانه، فلا يصحُّ أن يتصف به مؤمنٌ في حالٍ.\nوقوله تعالى: وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ ... إلى آخر الآية: وعيد وتنبيه ووعظ وتذكير بالآخرة.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٣/ ٢٢٣)، وذكره الماوردي في «تفسيره» (١/ ٣٨٥)، والبغوي في «تفسيره» (١/ ٢٩١) .\n(٢) أخرجه الطبري بنحوه في «تفسيره» (٣/ ٢٢٤)، وذكره البغوي في «تفسيره» (١/ ٢٩١)، وابن عطية (١/ ٤١٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٢٧) بنحوه، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ عن عكرمة.\n(٣) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٤١٨) .\n(٤) ذكره ابن عطية (١/ ٤١٩)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٢٨) . [.....]\n(٥) ذكره ابن عطية (١/ ٤١٩) .\n(٦) تقدم تخريجه.","vol":"2","page":29},{"text":"وقوله: نَفْسَهُ: نائبةٌ عن «إيَّاهُ»، وهذه مخاطبةٌ على معهود ما يفهمه البشَرُ، والنَّفْسُ في مثْلِ هذا راجعٌ إِلى الذاتِ، وفي الكلامِ حذْفُ مضافٍ لأن التحذير إِنما هو من عقابٍ وتنكيلٍ ونحوه، قال ابنُ عَبَّاس، والحسن: / ويحذِّركم اللَّه عقابه «١» .\nوقوله تعالى: قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ ... الآية: الضميرُ في «تُخْفُوا» هو للمؤمنين الذين نُهُوا عن الكافرين، والمعنى: إِنكم إِن أبطنتم الحرْصَ على إِظهار موالاتهم، فإِن اللَّه يعلم ذلك، وَيَكْرَهُهُ منكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-222>[سورة آل عمران (٣): الآيات ٣٠ الى ٣٢]</span>\nيَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (٣٠) قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ (٣٢)\nوقوله تعالى: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا، قال ابنُ هِشَامٍ في «المُغْنِي»: «يَوْم»: نصْبٌ بمحذوفٍ، تقديره: اذكُروا أو احذروا، ولا يصحُّ أنْ يكون ظرفًا ل «يحذِّركم» كما زعم بعضُهم لأن التحذير في الدنيا وَقعَ لا في الآخرة. اهـ.\nوقوله تعالى: وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ، يحتمل أنْ تكون «مَا» معطوفةً على «مَا» الأولى، فهي في موضعِ نَصْب، ويكون «تَوَدُّ» في موضعِ الحالِ، وإِليه ذهب الطبريُّ «٢» وغيره، ويحتملُ أنْ تكون «مَا» رُفِعَ بالاِبتدَاء، والخبر في قوله: «تَوَدُّ» . وما بعده، والأَمَدُ:\nالغايةُ المحْدُودة من المكانِ أو الزَّمَان.\nوقوله تعالى: وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ يحتمل أنْ يكون إشارةً إِلى أنَّ تحذيره رأْفَةٌ منه سبحانه بعباده، ويحتملُ أنْ يكونَ ابتداء إِعلام بهذه الصفَةِ، فمقتضى ذلك: التأنيسُ لئلا يفرطَ الوعيدُ على نَفْس مؤمن، فسبحانه ما أرحمه بعباده!.\nوعن مَنْصُورِ بْنِ عَمَّار «٣» أنه قال: أعقلُ النّاس محسن خائف، وأجهل النّاس مسيء\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (١/ ٤٢٠) .\n(٢) ينظر: «تفسير الطبري» (٣/ ٢٣٠) .\n(٣) منصور بن عمّار بن كثير الواعظ، البليغ الصّالح، الرّبّاني، أبو السّريّ السّلمي، الخراساني، وقيل:\nالبصري، كان عديم النظير في الموعظة والتّذكير، روى عن اللّيث، وابن لهيعة، ومعروف الخيّاط، وهقل بن زياد، والمنكدر بن محمد، وبشير بن طلحة وجماعة، ولم يكن بالمتضلّع من الحديث.\nقال أبو حاتم: صاحب مواعظ، ليس بالقوي.\nوقال ابن عدي: حديثه منكر.\nوقال الدّارقطني: يروي عن ضعفاء أحاديث لا يتابع عليها. -","vol":"2","page":30},{"text":"آمنٌ، فلما سمع عَبْدُ المَلِكِ بْنُ مَرْوَان «١» منْه هذا الكلامَ بكى حتى بَلَّ ثيابه، ثم قال له:\nاتل عَلَيَّ، يا مَنْصُورُ، شَيْئًا منْ كتابِ اللَّهِ، فتلا عليه: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا ... الآيَةَ، فَقَالَ عَبْدُ المَلِكِ: قَتَلْتَنِي، يَا مَنْصُورُ، ثُمَّ غُشِيَ عَلَيْهِ. اهـ.\nوقوله تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي ... الآية: قال الشيخُ العارفُ باللَّه ابْنُ أبي جَمْرَةَ (﵁): مِنْ علامةِ السعادةِ للشخْصِ: أنْ يكون مُعْتَنِيًا بمعرفة السُّنَّة في جميعِ تصرُّفاته، والذي يكونُ كذلك هو دائمٌ في عبادة في كلِّ حركاته وسكناته، وهذا هو طريق أهل الفَضْلِ حتى حُكِيَ عن بعضهم أنه لم يأكُلِ البطِّيخَ سنين لَمَّا لَمْ يبلُغْه كيفيَّةُ السُّنَّة في أَكْله، وكيف لاَ، واللَّه سبحانه يَقُولُ: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ والاِتباعية الكاملةُ إِنما تصحُّ بأنْ تكون عامَّة في كلِّ الأشياء، يعني: إِلا ما خصَّصه به الدليلُ، جعلنا اللَّه من أهْلها في الدَّارَيْن. انتهى.\nقال ع «٢»: قال الحَسَنُ بْنُ أَبِي الحَسَنِ، وابنُ جريج: إنّ قوما على عهد النبيّ ﷺ قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّا نُحِبُّ رَبَّنَا، فنزلَتْ هذه الآية، وقيل: أمر ﷺ أنْ يقولَ هذا القولَ لنصارى نَجْرَان.\nقال ع «٣»: ويحتملُ أنْ تكون الآيةُ عامَّة لأهل الكتاب اليهود والنصارى لأنهم كانوا يدَّعُون أنَّهم يحبُّون اللَّه، ويحبهم.\nقال عِيَاضٌ: اعلم أَنَّ مَنْ أَحبَّ شيئًا، آثره، وآثر موافقته، وإِلا لم يكن صادقًا في حُبِّه، وكان مدَّعيًا، فالصادق في حبّ النبيّ ﷺ، مَنْ تظهر علاماتُ ذلك عليه، وأولُها الاِقتداءُ به، واتباع سنَّته، واتباع أقوالِهِ وأفعالِهِ، والتأدُّبُ بآدابه في عُسره ويُسْره قال تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي ... الآية، قال عياض: روي في الحديث، عن النبيّ ﷺ أنَّهُ قَالَ: «مَنِ استمسك بِحَدِيثِي، وَفَهِمَهُ وَحَفِظَهُ، جاء مع القرآن، ومن\n_________\n- ينظر: «التاريخ الكبير» (٧/ ٣٥٠)، و«طبقات الصوفية» (١٣٠، ١٣٦)، و«السير» (٩/ ٩٣- ٩٤)، و«النجوم الزاهرة» (٢/ ٢٤٤) .\n(١) عبد الملك بن مروان بن الحكم، الأموي، القرشي، أبو الوليد: من أعاظم الخلفاء ودهاتهم، نشأ في «المدينة» فقيها واسع العلم، متعبدا، ناسكا، وشهد يوم الدار مع أبيه، نقش خاتمه «آمنت بالله مخلصا» توفي ب «دمشق» سنة ٨٦ هـ. انظر: «ابن الأثير» (٤/ ١٩٨)، و«الطبري» (٨/ ٥٦)، و«الأعلام» (٤/ ١٦٥) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٤٢١- ٤٢٢) .\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٤٢٢) .","vol":"2","page":31},{"text":"تَهَاوَنَ بالقُرْآنِ، وَحَدِيثِيَ، / خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ...» الحديثَ «١»، وعن أبي هريرةَ (﵁)، عن النبيّ ﷺ قَالَ: «المُسْتَمْسِكُ بسُنَّتِي عِنْدَ فَسَادِ أُمَّتِي، لَهُ أَجْرُ مِائَةِ شَهِيدٍ» «٢»، وَقَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: «عليكُمْ بالسبيلِ والسُّنَّةِ، فإِنه ما على الأرضِ من عبد على السبيل والسنة، ذكر الله في نَفْسِهِ، ففاضَتْ عيناه مِنْ خَشْية ربه، فيعذِّبه اللَّه أبدًا، وما على الأرضِ مِنْ عبد على السبيل والسنة، ذكر الله في نَفْسه، فاقشعر جِلْدُهُ مِنْ خَشْية اللَّه، إلا كان مَثَلُهُ كَمَثَلِ شجرة، قَدْ يَبِسَ ورَقُهَا، فهي كَذَلِكَ إِذ أصابتها ريحٌ شديدةٌ فتحاتَّ عنها ورقُها إِلاَّ حَطَّ اللَّه عنه خَطَايَاهُ كما تَحَاتَّ عن الشجرة وَرَقُهَا ...» الحديث.\nقال عياض: ومن علامات محبّته ﷺ: زُهْدُ مدَّعيها في الدُّنْيا، وإِيثاره الفَقْر، واتصافه فيه ففي حديثِ أبي سَعِيدٍ: «إِنَّ الفَقْرَ إلى مَنْ يُحِبُّنِي مِنْكُمْ أَسْرَعُ مِنَ السَّيْلِ مِنْ أَعْلَى الوَادِي، أَوِ الجَبَل إلى أَسْفَلِهِ» «٣»، وفي حديثِ عبدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ «٤»: «قال رجُلٌ للنبيّ ﷺ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إٍنِّي أُحِبُّكَ، فَقَالَ: انظر مَا تَقُولُ؟ قَالَ: وَاللَّهِ لأُحِبُّكَ» ثَلاَثَ مَرَّات قَالَ: «إِنْ كُنْتَ تُحِبُّنِي، فَأَعِدَّ لِلفَقْرِ تَجْفَافًا»، ثم ذكر نَحْوَ حديثِ أبِي سَعِيدٍ بمعناه «٥» اهـ من «الشّفا» .\n_________\n(١) ينظر: «تفسير القرطبي» (١٨/ ١٧) .\n(٢) أخرجه ابن عدي في «الكامل» (٢/ ٧٣٩) من طريق الحسن بن قتيبة عن عبد الخالق بن المنذر عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس مرفوعا.\nوذكره الذهبي في «الميزان» (١/ ٥١٩) في ترجمة الحسن، وقال: هالك. قال الدارقطني: متروك الحديث، وقال أبو حاتم: ضعيف.\n(٣) أخرجه أحمد (٣/ ٤٢) من حديث أبي سعيد الخدري.\n(٤) هو: عبد الله بن مغفل بن عبد غنم المزني. قال البخاري: له صحبة، سكن «البصرة»، وهو أحد البكائين في غزوة «تبوك»، وشهد بيعة الشجرة، ثبت ذلك في الصحيح، وهو أحد العشرة الذين بعثهم عمر ليفقه الناس ب «البصرة» . وهو أول من دخل مدينة «تستر» قال ابن الأثير: روى عن النبيّ ﷺ أحاديث. وروى عنه: الحسن البصري، وأبو العالية، ومطرف، ويزيد بن عبد الله بن الشخير، وعقبة بن صهبان.. وغيرهم.\nتوفي ب «البصرة» سنة (٥٩ هـ)، وقيل: سنة (٦٠ هـ) .\nتنظر ترجمته في: «الثقات» (٣/ ٢٣٦)، «أسد الغابة» (٣/ ٣٩٨)، «الاستبصار» (٢٢٥)، «الجرح والتعديل» (٥/ ١٤٩)، «التحفة اللطيفة» (٢/ ٢٣)، «الإصابة» (٤/ ١٣٢)، «تقريب التهذيب» (١/ ٤٥٣)، «تهذيب التهذيب» (٦/ ٤٢)، «بقي بن مخلد» (٧٥)، «التاريخ الصغير» (١/ ١٢٨)، «التعديل والتجريح» (٧٧٦)، «الخلاصة» (٢/ ١٠٣)، «الاستيعاب» (٣، ٤/ ٩٩٦) .\n(٥) أخرجه الترمذي (٤/ ٥٧٦- ٥٧٧) كتاب «الزهد»، باب ما جاء في فضل الفقر، حديث (٢٣٥٠) من طريق أبي الوازع عن عبد الله بن مغفل به. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وأبو الوازع الراسبي اسمه جابر بن عمرو، وهو بصري. [.....]","vol":"2","page":32},{"text":"قال ع «١»: والمحبَّةُ: إِرادةٌ يقترنُ بها إِقبالٌ من النَّفْس ومَيْلٌ بالمعتَقِدِ، وقد تكونُ الإِرادة المجرَّدة فيما يكره المريدُ، واللَّه تعالى يريدُ وقوع الكُفْر، ولا يحبُّه، ومحبَّة العَبْد للَّه تعالى يلزمُ عَنْها، ولا بدَّ أنْ يطيعه، ومحبَّةُ اللَّه تعالى أمارتُها للمتأمِّلِ أنْ يُرَى العَبْدُ مَهْدِيًّا مسدِّدًا ذا قبولٍ في الأرض، فَلُطْفُ اللَّهِ تعالى بالعَبْدِ ورحمته إِيَّاه هي ثمرةُ محبَّته، وبهذا النظَر يفسَّر لفظُ المَحَبَّةِ حيثُ وقعَتْ من كتاب اللَّه ﷿.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-223>[سورة آل عمران (٣): الآيات ٣٣ الى ٣٥]</span>\nإِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣٤) إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥)\nوقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحًا ... الآية: لما مضى صدْرٌ مِنْ مُحَاجَّةِ نصارى نَجْرَانَ، والردُّ عليهم وبيانُ فسادِ ما هُمْ عليه، جاءَتْ هذه الآياتُ مُعْلِمَةً بصورةِ الأمر الذي قد ضَلُّوا فيه، ومُنْبِئَةً عن حقيقته، كيف كانَتْ، فبدأ تعالى بذكْرِ فضْل آدم ومَنْ ذُكِرَ بعده، ثم خَصَّ امرأة عِمْرَانَ بالذكْرِ لأنَّ القصْدَ وصْفُ قصَّة القَوْم إِلى أنْ يبيِّن أمر عيسى (﵇)، وكيف كان، وانصرف «نُوحٌ»، مع عُجْمَتِهِ وتعريفِهِ لخفَّة الاِسم كَهُودٍ وَلُوطٍ، قال الفَخْرُ «٢» هنا: اعلم أنَّ المخلوقاتِ على قسمَيْنِ: مكلَّفٍ، وغيْرِ مكلَّفٍ، واتفقوا على أنَّ المكلَّف أفْضَلُ من غير المكلَّفِ، واتفقوا على أنَّ أصنافَ المكلَّفين أربعةٌ:\nالملائكةُ، والإِنْسُ، والْجِنُّ، والشَّيَاطِين.\nت: تأمَّلْه جَعَلَ الشياطين قسيمًا للجِنِّ. اهـ.\nوالآلُ في اللغة: الأَهْلُ، والقَرَابَة، ويقال للأَتْبَاعِ، وأهل الطَّاعة: آل، والآلُ في الآيةِ: يحتملُ الوجهَيْنِ، فَإِنْ أُريدَ بالآلِ: القَرَابَةُ، فالتقديرُ أنَّ اللَّهَ اصطفى هؤلاءِ على عَالِمِي زمانِهِمْ، أو على العَالَمِينَ جميعًا بأن يقدّر نبيّنا محمّد ﷺ من آل إِبراهيم، وإِن أُرِيدَ بالآلِ: الأَتْبَاعُ، فيستقيم دخول أمّة نبيّنا محمّد ﷺ في الآلِ لأنها على ملَّةِ إِبراهيم.\nوقوله تعالى: ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ، أي: متشابهينَ في الدِّين، والحالِ، وعِمْرَانُ/ هو رجلٌ من بني إِسرائيل، وامرأة عِمْرَانَ اسمها حَنَّةُ، ومعنى: نَذَرْتُ:\nجعلْتُ لكَ ما في بطْنِي محرَّرًا، أي: حَبِيسًا على خدْمةِ بَيْتِكَ، محرَّرًا من كلِّ خدمةً وشُغْلٍ من أشغال الدنيا، والبَيْتُ الذي نَذَرَتْهُ له هو بَيْتُ المَقْدِسِ، فَتَقَبَّلْ مِنِّي، أي: ارض عنّي\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٤٢٢) .\n(٢) ينظر: «مفاتيح الغيب» (٨/ ١٨) .","vol":"2","page":33},{"text":"في ذلِكَ، واجعله فعلًا مقبولًا مُجَازًى به، والسَّمِيعُ: إشارة إلى دعائها، والْعَلِيمُ:\nإشارة إلى نيّتها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-224>[سورة آل عمران (٣): الآيات ٣٦ الى ٣٨]</span>\nفَلَمَّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (٣٦) فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقًا قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٣٧) هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ (٣٨)\nوقوله تعالى: فَلَمَّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ:\nالوضْعُ: الولادةُ، وقولها: رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى: لفظ خبر في ضِمْنِهِ التحسُّر والتلهُّف، وبيَّن اللَّه ذلك بقوله: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ، وقولها: وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى، تريد في امتناع نَذْرها إِذ الأنثى تحيضُ ولا تصلُحُ لِصُحْبَة الرُّهْبَان، قاله قتادة وغيره»\n، وبدأَتْ بذكْرِ الأَهَمِّ في نفْسها، وإِلاَّ فسياق قصَّتها يقتضي أنْ تقول: وليس الأنثى كالذَّكَر، وفي قولها: وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ: سنةُ تسميةِ الأطفالِ قُرْبَ الولادةِ ونحوُهُ قول النّبيّ ﷺ: «وُلِدَ لِي اللَّيْلَةَ مَوْلُودٌ، فَسَمَّيْتُهُ باسم أَبِي إِبْرَاهِيمَ» «٢»، وباقي الآيةِ إعاذةٌ، قال النووي «٣»: ورُوِّينَا فِي سُنَن أبِي دَاوُدَ بإسناد جيِّدٍ، عن أبي الدرداء «٤»، عن النبيّ ﷺ أنّه\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٢٣٧) برقم (٦٨٧٤)، وذكره الماوردي في «تفسيره» (١/ ٣٨٧)، وابن عطية في «تفسيره» (١/ ٤٢٥) .\n(٢) أخرجه مسلم (٤/ ١٨٠٧)، كتاب «الفضائل»، باب رحمته بالصبيان والعيال، حديث (٦٢/ ٢٣١٥)، وأبو داود (٢/ ٢١٠)، كتاب «الجنائز»، باب في البكاء على الميت، حديث (٣١٢٦)، وأحمد (٣/ ١٩٤)، وابن حبان (٢٩٠٢)، والبيهقي (٤/ ٦٩) كلهم من طريق سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس به.\n(٣) ينظر: «حلية الأبرار» (ص ٣٢١) .\n(٤) هو: عويمر بن عامر بن مالك بن زيد بن قيس بن أمية بن عامر بن عدي بن كعب بن الخزرج..\nوقيل: اسمه: عامر بن مالك، و«عويمر» لقب. أبو الدرداء.\nقال ابن الأثير في «الأسد»: تأخر إسلامه قليلا، كان آخر أهل داره إسلاما، وحسن إسلامه، وكان فقيها عاقلا حكيما. آخى رسول الله ﷺ بينه وبين سلمان الفارسي، وقال النبيّ ﷺ: «وعويمر حكيم أمتي» شهد ما بعد «أحد» من المشاهد. قلت: وهو صحابي مشهور بالزهد والورع والحكمة، ولا يتسع المقام للحديث عنه.\nوفاته قبل مقتل عثمان بسنتين.\nينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (٦/ ٩٧)، «الإصابة» (٧/ ٥٨)، «تجريد أسماء الصحابة» (٢/ ١٦٣)، «الاستيعاب» (٤/ ١٦٤٦)، «بقي بن مخلد» (٢١)، «تقريب التهذيب» (٢/ ٤١٩)، «تهذيب التهذيب» -","vol":"2","page":34},{"text":"قَالَ: «إِنَّكُمْ تُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيَامَةِ بأسْمَائِكُمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِكُمْ، فأحْسِنُوا أسْمَاءَكُمْ» «١» . وفي صحيح مُسْلِمٍ، عن ابن عمر، عن النبيّ ﷺ أنَّهُ قَالَ: «إِنَّ أَحَبَّ أَسْمَائِكُمْ إِلَى اللَّهِ ﷿ عَبْدُ اللَّهِ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ» «٢» وفي سنن أبِي دَاوُدَ والنَّسَائِيّ، وغيرِهِمَا، عن أبِي وهب الجشميّ، قال: قال النّبيّ ﷺ: «تَسَمَّوْا بِأَسْمَاءِ الأَنْبِيَاءِ، وَأَحَبُّ الأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ تعالى عبْدُ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَأَصْدَقُهَا حَارِثٌ وَهَمَّامٌ، وَأَقْبَحُهَا حَرْبٌ ومُرَّة» «٣» . اهـ.\nوفي الحديثِ، عن النبيّ ﷺ، مِنْ روايةِ أبي هُرَيْرة، قَالَ: «كُلُّ مَوْلُودٍ مِنْ بَنِي آدَمَ لَهُ طَعْنَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَبِهَا يَسْتَهِلُّ الصَّبِيُّ إِلاَّ مَا كَانَ مِنْ مريم ابنة عمران، وابنها فإنّ أمّها\n_________\n- (١٢/ ٧٩، ٨٩)، «تهذيب الكمال» (٣/ ١٦٠٣)، «الجرح والتعديل» (٩/ ٣٦٨)، «التاريخ» لابن معين (٢/ ١٤٦)، «الكنى والأسماء» (١/ ٢٧)، «تنقيح المقال» (٣/ ١٦)، «المصباح المضيء» (١/ ١٥١) .\n(١) أخرجه أبو داود (٢/ ٧٠٥)، كتاب «الأدب»، باب في تغيير الأسماء، حديث (٤٩٤٨)، وأحمد (٥/ ١٩٤)، والدارمي (٢/ ٢٩٤)، كتاب «الاستئذان»، باب في حسن الأسماء، وابن حبان (٥٨١٨)، والبيهقي (٩/ ٣٠٦)، كتاب «الضحايا»، باب ما يستحب أن يسمى به. وأبو نعيم في «الحلية» (٥/ ١٥٢)، والبغوي في «شرح السنة» (٦/ ٣٨٢- بتحقيقنا) كلهم من طريق عبد الله بن أبي زكريا الخزاعي عن أبي الدرداء مرفوعا.\nوقال البيهقي: هذا مرسل ابن أبي زكريا لم يسمع من أبي الدرداء.\nقال ابن أبي حاتم في «المراسيل» (ص ١١٣) رقم (٤١٠): سمعت أبي يقول: عبد الله بن أبي زكريا لم يسمع أبا الدرداء. اهـ.\nوأشار إلى هذا الانقطاع أيضا الحافظ المنذري في «الترغيب» (٢/ ٦٩٧) .\n(٢) أخرجه مسلم (٣/ ١٦٨٢)، كتاب «الأدب»، باب النهي عن التكني بأبي القاسم، حديث (٢/ ٢١٣٢)، وأبو داود (٢/ ٧٠٥)، كتاب «الأدب» باب في تغيير الأسماء، حديث (٤٩٤٩)، والترمذي (٥/ ١٣٢) كتاب «الأدب»، باب ما جاء ما يستحب من الأسماء، حديث (٢٨٣٣)، وابن ماجة (٢/ ١٢٢٩)، كتاب «الأدب»، باب ما يستحب من الأسماء، حديث (٣٧٢٨)، والبيهقي (٩/ ٣٠٦)، والبغوي في «شرح السنة» (٦/ ٣٨٦، ٣٨٧- بتحقيقنا) من حديث ابن عمر مرفوعا.\nوقال الترمذي: حديث حسن غريب.\nوللحديث شاهد من حديث أنس: أخرجه أبو يعلى (٥/ ١٦٤) رقم (٢٧٧٨) من طريق إسماعيل بن مسلم المكي عن الحسن عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «أحب الأسماء إلى الله: عبد الله، وعبد الرّحمن، والحارث» .\nوذكره الهيثمي في «المجمع» (٨/ ٥٢) وقال: رواه أبو يعلى، وفيه إسماعيل بن مسلم المكي، وهو ضعيف اهـ.\nوذكره أيضا الحافظ في «المطالب العالية» (٢٨٠٢)، وعزاه لأبي يعلى، وقال: له شاهد من حديث ابن عمر في صحيح مسلم.\n(٣) أخرجه أبو داود (٤/ ٢٨٧- ٢٨٨)، كتاب «الأدب»، باب تغيير الأسماء، حديث (٤٩٥٠)، والنسائي (٦/ ٢١٨)، كتاب «الخيل»، باب ما يستحب من شية الخيل، من حديث أبي وهب الجشمي.","vol":"2","page":35},{"text":"قَالَتْ حِينَ وَضَعْتَها: وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ، فَضُرِبَ بَيْنَهُمَا حِجَابٌ، فَطَعَنَ الشَّيْطَانُ فِي الحَجابِ» «١»، وَقَدِ اختلفت ألفاظُ هذا الحديثِ، والمعنى واحد كما ذكرته، قال النوويُّ: بَاب مَا يُقَالُ عنْد الولادةِ «٢»: رُوِّينَا في كتاب ابْنِ السُّنِّيِّ، عن فاطمة «٣» (﵂) «أنّ رسول الله ﷺ، لمَّا دَنَا ولاَدَهَا، أَمَر أُمَّ سَلْمَة، وَزَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ أنْ تَأْتِيَاهَا، فَتَقْرَآ عِنْدَهَا آيَةَ الكرسيّ، وإِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ ... إلى آخر الآية،\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٦/ ٣٣٦- شاكر) رقم (٦٨٨٤)، (٦٨٨٥)، (٦٨٨٦)، والحاكم (٢/ ٥٩٤) كلاهما من طريق يزيد بن عبد الله بن قسيط عن أبي هريرة به.\nوقال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وهذه الرواية ذكرها السيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٣٤) وزاد نسبتها إلى عبد بن حميد.\nوأخرجه البخاري (٨/ ٦٠) كتاب «التفسير»، باب وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ، حديث (٤٥٤٨) و(٦/ ٥٤١) كتاب «أحاديث الأنبياء»، باب وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ\n، حديث (٣٤٣١)، ومسلم (٤/ ١٨٣٨) كتاب «الفضائل»، باب فضائل عيسى ﵇، حديث (١٤٦/ ٢٣٦٦)، وأحمد (٢/ ٢٣٣، ٢٧٤- ٢٧٥)، والطبري في «تفسيره» (٦/ ٣٣٩- شاكر) رقم (٦٨٩١)، وابن حبان (٦٢٣٥- الإحسان)، والواحدي في «الوسيط» (١/ ٤٣١- بتحقيقنا)، والبغوي في «معالم التنزيل» (١/ ٢٩٥) كلهم من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة به.\nوأخرجه الطبري (٦/ ٣٤٣- شاكر) رقم (٦٨٩٩)، وأبو يعلى (١٠/ ٣٧٦) رقم (٥٩٧١) من طريقين عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة.\nوأخرجه البخاري (٦/ ٣٨٨- ٣٨٩) كتاب «بدء الخلق»، باب صفة إبليس وجنوده، حديث (٣٢٨٦)، والحميدي (٢/ ٤٥٠) رقم (١٠٤٢)، كلاهما من طريق أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة به.\nوأخرجه مسلم (٤/ ١٨٣٨)، كتاب «الفضائل»، باب فضائل عيسى ﵇، حديث (١٤٧/ ٢٣٦٦)، والطبري في «تفسيره» (٦/ ٣٣٨- شاكر) كلاهما من طريق عبد الله بن وهب عن عمرو بن الحارث أن أبا يونس سليمان مولى أبي هريرة حدثه عن أبي هريرة به.\nوالحديث ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٣٤)، وزاد نسبته إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٢) ينظر: «حلية الأبرار» (ص ٣١٨) .\n(٣) هي: فاطمة بنت رسول الله ﷺ، الزهراء، سيدة نساء العالمين ما عدا مريم بنت عمران. أمها: خديجة بنت خويلد بن وهب.. كنيتها: أم أبيها.\nهي أول من غطي نعشها في الإسلام، ثم بعدها زينب بنت جحش، كانت أحب الناس إلى رسول الله، وأول آل بيته لحوقا به بعد موته، وقد كتبت في سيرتها المؤلفات الكثيرة، ولا يتسع المقام لذكر شيء منها. توفيت لثلاث خلون من رمضان سنة (١١) هـ وكان عمرها (٢٩) سنة.\nتنظر ترجمتها في: «أسد الغابة» (٧/ ٢٢٠)، «الإصابة» (٨/ ١٥٧)، «الثقات» (٣/ ٣٣٤)، «بقي بن مخلد» (١٣٧)، «تجريد أسماء الصحابة» (٢/ ٢٩٤)، «تقريب التهذيب» (٢/ ٦٠٩)، «تهذيب التهذيب» (١٢/ ٤٤٠)، «تهذيب الكمال» (٣/ ١٦٩١)، «أعلام النساء» (٤/ ١٠٨)، «السمط الثمين» (١٧١)، «الدر المنثور» (٣٥٩)، «الاستيعاب» (٤/ ١٨٩٣)، «حلية الأولياء» (٢/ ٢٩) .","vol":"2","page":36},{"text":"وتُعَوِّذَانِهَا بِالمُعَوِّذَتَيْنِ» «١» . انتهى.\nوقوله تعالى: فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ: إخبار منه سبحانه لمحمّد ﷺ بأنه رَضِيَ مَرْيَمَ لخدمة المَسْجد كما نذَرَتْ أُمُّهَا وسنى لها الأمَلَ في ذلك.\nوقوله سبحانه: وَأَنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا: عبارةٌ عن حُسْن النشأة في خِلْقَةٍ وخُلُقٍ/.\nص: بِقَبُولٍ مصدر على غير الصَّدْرِ، والجاري على: تَقَبَّلَ تَقَبُّلًا، وعلى قبل قبولا، ونَباتًا: مصدرٌ منصوبٌ ب «أَنْبَتَهَا» على غير الصَّدْر. انتهى.\nوقوله تعالى: وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا معناه: ضمَّها إِلى إِنفاقه وحِضْنِهِ، والكَافِلُ: هو المربِّي، قال السُّدِّيُّ وغيره: إِنَّ زكريَّا كان زَوْجَ أختها «٢» ويعضد هذا القول قوله ﷺ في يحيى وعيسى: «ابنا الخَالَةِ»، والذي عليه النَّاس: أنَّ زكريَّا إنما كفَّلها بالاِستهامِ «٣» لتشاحِّهم حينئذٍ فيمَنْ يكفُلُ المحرَّر.\nوقوله تعالى: كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقًا: المِحْرَابُ:\nالمَبْنَى الحَسَنُ، ومِحْرَابُ القَصْر: أشرف ما فيه ولذلك قيل لأَشْرَفِ مَا في المصلى وهو موقِفُ الإِمامِ: مِحْرَاب، ومعنى رِزْقًا، أيْ: طعاما يتغذّى به، لم يَعْهَدْهُ، ولا عَرفَ كيف جُلِبَ إليها، قال مجاهد وغيره: كان يجدُ عندها فاكهةَ الشِّتاءِ في الصَّيْفِ، وفاكهةَ الصَّيْفِ في الشتاءِ «٤»، ونحوه عن ابن عَبَّاس إِلاَّ أنه قال: ثِمَار الجَنَّة «٥»، وقوله: أَنَّى:\nمعناه: كَيْفَ، ومِنْ أَيْنَ، وقولها: مِنْ عِنْدِ اللَّهِ دليلٌ على أنه ليس مِنْ جَلْب بَشَرٍ، قال الزَّجَّاج. وهذا من الآية الَّتي قال اللَّه تعالى: وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ [الأنبياء: ٩١] وقولها: إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ: تقرير لكون ذلك الرزْقِ من عند اللَّه، وذهب الطَّبَرِيُّ إِلى أنَّ ذلك ليس من قولِ مرْيَمَ، وأنَّه خبر من الله تعالى لمحمّد ﷺ، والله\n_________\n(١) أخرجه ابن السني في «عمل اليوم والليلة» رقم (٦٢٥)، وقال الألباني في تعليقه على «الكلم الطيب» (ص ١١٠): موضوع. [.....]\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٢٤٢) برقم (٦٨٩٩)، وذكره السيوطي في «تفسيره»، وعزاه لابن مسعود، وابن عباس، وناس من الصحابة.\n(٣) استهم الرجلان: تقارعا، والاستهام: المغالبة بالقرعة. ينظر: «لسان العرب» (٢١٣٥) (سهم) بتصرف.\n(٤) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٢٤٤) برقم (٦٩٢٢)، وذكره الماوردي في «تفسيره» (١/ ٣٨٨)، وابن عطية (١/ ٤٢٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٣٦)، وعزاه لابن جرير.\n(٥) ذكره ابن عطية (١/ ٤٢٦) .","vol":"2","page":37},{"text":"سبحانه لا تنتقصُ خزائنه، فليس يَحْسُبُ ما خرج منها، وقد يُعَبَّر بهذه العبارة عن المُكْثِرِينَ مِنَ النَّاسِ أنهم ينفقون بغَيْرِ حِسَابٍ، وذلك مجازٌ وتشبيهٌ، والحقيقةُ هي فيما ينتفقُ من خزائنِ اللَّه سبحانه، قال الشيخُ ابْنُ أبي جَمْرَةَ (﵁): وقد قال العلماءُ في معنى قوله ﷿ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ: إِنه الفتوحُ، إِذا كان على وجهه. اهـ، ذكر هذا عند شرحه لقوله ﷺ: «لَوْ دُعِيْتُ إلى ذِرَاعٍ أَوْ كُرَاعٍ، لأَجَبْتُ» . «١»\nوقوله تعالى: هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ ... الآية: هُنَالِكَ في كلامِ العربِ: إِشارةٌ إِلى مكانٍ أو زمانٍ فيه بُعْدٌ، ومعنى هذه الآية: إِنَّ في الوقْتِ الذي رأى زكريَّاء رزْقَ اللَّهِ لمَرْيَمَ ومكانَتَها مِنَ اللَّه، وفَكَّر في أنَّها جاءَتْ أُمَّها بَعْدَ أَنْ أَسَنَّتْ، وأن اللَّه تعالى تقَبَّلها، وجعَلَها من الصالحاتِ، تحرَّك أملُهُ لطَلَبِ الولدِ، وقَوِيَ رجاؤه، وذلك منْه على حالِ سِنٍّ وَوَهْنِ عَظْمٍ، واشتعال شَيْب، فدعا ربَّه أنْ يَهَبَ له ذريَّةً طيِّبَةً يرثه، والذُّرِّيَّةُ: اسم جنسٍ، يقع على واحد فصاعدًا كما أن الوَلَدَ: اسمُ جنسٍ كذلك، وطَيِّبة: معناه: سَلِيمَة في الخَلْق والدِّين، تَقِيَّة، ثم قال تعالى: فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ [آل عمران: ٣٩]، وترك محذوف كثير\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٩/ ١٥٤)، كتاب «النكاح»، باب من أجاب إلى كراع، حديث (٥١٧٨) والبيهقي (٦/ ١٦٩)، كتاب «الهبات»، باب التحريض على الهبة وابن حبان (٧/ ٣٤٩) رقم (٥٢٦٧) والخطيب في «تاريخ بغداد» (١٢/ ١٤) والبغوي في «شرح السنة» (٣/ ٣٨٢- بتحقيقنا) من حديث أبي هريرة مرفوعا وفي الباب عن أنس وابن عباس.\nحديث أنس:\nأخرجه الترمذي (٣/ ٦٢٣): كتاب «الأحكام»، باب ما جاء في قبول الهدية وإجابة الدعوة، حديث (١٣٣٨) وفي الشمائل رقم (٣٣٨)، وأحمد (٣/ ٢٠٩)، وابن حبان (١٠٦٥- موارد) وأبو الشيخ في «أخلاق النبيّ» (ص ٢٣٤)، والبيهقي (٦/ ١٦٩) كتاب «الهبات»، باب التحريض على الهبة والبغوي في «شرح السنة» (٧/ ٣٦) كلهم من طريق قتادة عن أنس مرفوعا.\nوقال الترمذي: حديث حسن صحيح.\nوصححه ابن حبان.\nوللحديث طريق آخر عن أنس بلفظ: يا معشر الأنصار تهادوا فإن الهدية تحل السخيمة وتورث المودة، فو الله لو أهدي إلى كراع لقبلت ولو دعيت إلى ذراع لأجبت» قال الهيثمي في «المجمع» (٤/ ١٤٩)، رواه الطبراني في «الأوسط» والبزار بنحوه وفيه عائذ بن شريح وهو ضعيف.\nحديث ابن عباس:\nأخرجه الطبراني في «الكبير» (١١/ ١٢٠) رقم (١١٢٣٦) من طريق عبد الله بن المؤمل عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس مرفوعا: «لو دعيت إلى كراع لأجبت» .\nوقال الهيثمي في «المجمع» (٣/ ٥٦): رواه الطبراني في الأوسط وفيه عبد الله بن المؤمل وثقه ابن سعد وابن حبان وقال يخطىء وضعفه جماعة.","vol":"2","page":38},{"text":"دَلَّ علَيْه ما ذُكِرَ، تقديره: فَقَبِلَ اللَّهُ دُعَاءَهُ، وبَعَثَ المَلَكَ، أو الملائكة، فنادتْهُ، وذكر جمهورُ المفسِّرين أنَّ المنادِي إِنما هو جبريلُ، وقال قومٌ: بل نادته ملائكةٌ كثيرةٌ حسْبما تقتضيه ألفاظ الآيةِ، قلت: وهذا هو الظاهرُ، ولا يعدل عنه إِلا أن يصحَّ في ذلك حديث عنه ﷺ، فيتّبع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-225>[سورة آل عمران (٣): الآيات ٣٩ الى ٤١]</span>\nفَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩) قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ قالَ كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ (٤٠) قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ (٤١)\nوقوله تعالى: فَنادَتْهُ عبارةٌ تستعملُ في التبشيرِ، وفي ما ينبغي أنْ يسرع/ به، وينهى إِلى نفس السامعِ ليسرَّ به، فلم يكُنْ هذا من الملائكةِ إِخبارًا على عرف الوحْيِ، بل نداء كما نادَى الرَّجُلُ الأنصاريُّ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ مِنْ أعلى الجَبَلِ.\nوقوله تعالى: وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ، يعني: ب «المِحْرَابِ» في هذا الموضعِ: موقفَ الإِمامِ من المسجدِ، ويَحْيَى: اسم سمَّاه اللَّه به قَبْلَ أنْ يولَدَ، ومُصَدِّقًا نصْبٌ على الحال، قال ابنُ عَبَّاس وغيره: الكلمةُ هنا يرادُ بها عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ.\nقال ع «١»: وسَمَّى اللَّه تعالى عيسى كلمةً، إِذْ صدر عن كَلِمةٍ منه تعالى، وهي «كُنْ»، لا بسبب إِنسان.\nوقوله تعالى: وَسَيِّدًا: قال قتادة: أيْ: واللَّهِ سَيِّدٌ في الحِلْمِ والعبادةِ والوَرَعِ «٢» .\nقال ع «٣»: مَنْ فَسَّر السؤدد بالحِلْمِ، فقَدْ أحرز أكْثَر معنى السؤددِ، ومَنْ جَرَّد تفسيره بالعِلْمِ والتقى ونحوه، فلم يفسِّره بحَسَب كلامِ العربِ، وقد تحصَّل العلْم ليحيى﵇- بقوله: مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ، وتحصَّل التقى بباقِي الآية، وخصَّه اللَّه بذكْرِ السؤددِ الذي هو الاعتمال في رِضَا النَّاس على أشْرَفِ الوجوهِ، دون أنْ يوقعِ في باطِل هذا اللفظ يعمُّ السؤددَ، وتفصيلُهُ أن يقالَ: بذل الندى، وهذا هو الكَرَمُ، وكَفُّ الأذى، وهنا\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٤٢٩) .\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٢٥٣) برقم (٦٩٦١) وذكره ابن عطية (١/ ٤٢٩) .\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٤٢٩) .","vol":"2","page":39},{"text":"هي العفةُ بالفَرْج، واليَدِ، وَاللِّسان، واحتمال العظائم، وهنا هو الحِلْمُ وغيرُهُ مِنْ تحمُّلِ الغراماتِ والإِنقاذِ من الهَلَكَاتِ، وجَبْرِ الكَسِيرِ، والإفضالِ على المسترفد، وانظر قول النبيّ ﷺ: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ، وَلاَ فَخْرَ» «١»، وذكر حديثَ الشفاعةِ في إِطلاق الموقِفِ، وذلك منه اعتمال في رِضَا ولد آدم، ثم:\nقال ع «٢»: أما أنه يحسن بالتقيِّ العَالِمِ أنْ يأخُذَ من السؤدد بكلِّ ما لا يخلُّ بعلمه وتقاه، وهكذا كان يحيى﵇-.\nوقوله تعالى: وَحَصُورًا أصل هذه اللفظة: الحَبْسُ والمَنْعُ، ومنه: حصر العدو.\nقال ع «٣»: وأجمعَ مَنْ يعتدُّ بقوله من المفسِّرين على أنَّ هذه الصفة ليحيى﵇- إِنما هي الاِمتناعُ من وطْءِ النِّسَاءِ إِلاَّ ما حكى مكِّيٌّ من قول من قَالَ: إِنه الحُصُور عن الذنوب، وذهب بَعْضُ العلماءِ إلى أنَّ حَصْرَهُ كان بأنه يُمْسِكُ نفسه تُقًى وجَلَدًا في طاعة اللَّه سبحانه، وكانتْ به القُدْرة على جِمَاعِ النساءِ، قالوا: وهذه أمْدَحُ له، قال الإِمام الفَخْر «٤»: وهذا القولُ هو اختيار المحقِّقين أنه لا يأتِي النِّساء، لا للعَجْز، بل للعِصْمَةِ والزُّهْد.\nقلْتُ: قال عِيَاضٌ: اعلم أنَّ ثناء اللَّه تعالى على يحيى﵇- بأنه حَصُورٌ، ليس كما قال بعضْهم: إِنه كان هَيُوبًا «٥» أو لا ذَكَرَ لَهُ، بل قد أنكر هذا حُذَّاق المفسِّرِين، ونُقَّادُ العلماء، وقالوا: هذه نقيصةٌ وعَيْب، ولا تليقُ بالأنبياء﵈-، وإِنما معناه: معصومٌ من الذُّنُوب، أي: لا يأتيها كأنه حُصِرَ عنها «٦»، وقيل: مانعًا نفسه من الشهوات، وقيل: ليستْ له شهوةٌ في النساءِ كفَايَةً من اللَّه له لكونها مشغلة في كثير من\n_________\n(١) نقدم تخريجه.\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٤٣٠) .\n(٣) ينظر: المصدر السابق.\n(٤) ينظر: «مفاتيح الغيب» (٨/ ٣٣) .\n(٥) الهيوب: الجبان الذي يهاب الناس، والمقصود هنا أنه كان يهاب من إتيان النساء، وهذا لا يليق بأنبياء الله سبحانه، كما علق القاضي عياض.\nويقال أيضا: الهيوب: المحجم عن الشيء، وهذا أيضا مما لا يليق وصفه الأنبياء به. ينظر «لسان العرب» (هيب) (حصر) .\n(٦) حصر عنها: منع. [.....]","vol":"2","page":40},{"text":"الأوقات، حاطَّة إِلى الدنيا، ثم هي في حَقِّ مَنْ أُقْدِرَ عَلَيْها، وقام بالواجب فيها، ولم تَشْغَلْهُ عن ربِّهِ- درجةٌ عُلْيَا، وهي درجة نبيّنا محمّد ﷺ، أيْ: وسائرِ النبيِّين. اهـ من «الشِّفَا» «١» .\nوباقي الآية بيِّن.\nورُوِيَ مِنْ صلاحه/- ﵇- أنَّهُ كان يعيشُ من العُشْب، وأنه كان كثير البُكَاء من خَشْية اللَّه حتى اتخذ الدمع في وجهه أخدودا.\nص: ومِنَ الصَّالِحِينَ، أي: من أصلاب الأنبياء، أو صالحًا من الصَّالحين، فيكون صفةً لموصوفٍ محذوفٍ. اهـ.\nقلت: والثاني أحْسَنُ، والأولُ تحصيلُ الحاصلِ، فتأمَّله.\nوقوله تعالى: قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ ... الآية: ذهب الطَّبَرِيُّ «٢» وغيره إِلي أنَّ زكريَّا لَمَّا رأى حال نَفْسه، وحال امرأته، وأنها ليستْ بحالِ نسلٍ، سأل عن الوَجْه الذي به يكونُ الغلامُ، أتبدلُ المرأةُ خِلْقَتَهَا أمْ كيْفَ يكُون؟\nقال ع «٣»: وهذا تأويلٌ حسن لائقٌ بزكريَّا﵇-.\nوأَنَّى: معناها: كَيْفَ، ومِنْ أَيْنَ، وحسن في الآية بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ من حيثُ هي عبارةُ وَاهِنٍ منفعلٍ.\nوقوله: كَذلِكَ، أي: كهذه القُدْرةِ المستغْرَبَةِ قُدْرَةُ اللَّهِ، ويحتمل أن تكون الإِشارة بذلك إلى حال زكريَّا، وحالِ امرأتِهِ كأنه قال: رَبِّ، على أيِّ وجه يكونُ لنا غلامٌ، ونحن بحالِ كذا، فقال له: كما أَنْتُمَا يكونُ لكُمَا الغلامُ، والكلامُ تامٌّ على هذا التأويل في قوله:\nكَذلِكَ.\nوقوله: اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشاءُ: جملةٌ مبيّنة مقرِّرة في النفْسِ وقوعَ هذا الأمْر المستغْرَبِ.\nوقوله: قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً، أي: علامة، قالَتْ فرقة من المفسِّرين لم يكن\n_________\n(١) ينظر: «الشفا» (١١٦) .\n(٢) ينظر «تفسير الطبري» (٣/ ٢٥٦- ٢٥٧) .\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٤٣١) .","vol":"2","page":41},{"text":"هذا من زكريَّا على جهة الشكِّ، وإِنما سأل علامةً على وَقْت الحَمْلِ.\nوقوله تعالى: آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ... الآية: قال الطبريُّ وغيره: لم يكُنْ منعه الكلامَ لآفة، ولكنه مُنِعَ محاورةَ النَّاس، وكان يَقْدِرُ على ذكر اللَّه، ثم استثنى الرَّمْز، وهو استثناءٌ مُنْقَطِعٌ، والكلام المرادُ في الآية: إِنما هو النطْقُ باللِّسَان، لا الإِعلام بما في النَّفْس، والرَّمْزُ في اللغة: حركةٌ تُعْلِمُ بما في نَفْسِ الرَّامِزِ كانت الحركةُ من عَيْنٍ، أو حاجبٍ، أو شَفَةٍ، أو يدٍ، أو عُودٍ، أو غيرِ ذلك، وقد قيل للكَلاَمِ المحرَّف عن ظاهره: رُمُوز.\nوأَمَرَهُ تعالى بالذِّكْر لربه كثيرًا لأنه لم يَحُلْ بينه وبين ذكْر اللَّه، وهذا قاضٍ بأنه لم تدركْهُ آفَةٌ ولا علَّة في لسانِهِ، قال محمَّد بن كَعْبٍ القُرَظِيّ: لو كان اللَّه رخَّصَ لأحدٍ في ترك الذِّكْر، لرخَّص لزكريَّاء﵇- حيث قال: آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا، لكنه قال له: اذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا «١» قال الإِمام الفَخْر «٢»: وفي الآية تأويلان:\nأحدهما: أنَّ اللَّه تعالى حبس لسانه عن أمور الدنيا، وأقدره علَى الذِّكْر والتَّسْبيحِ والتهليلِ ليكون في تلك المدَّة مشتغلًا بذكْرِ اللَّه وطاعته شُكْرًا للَّه على هذه النِّعْمة، ثم أعلم أنَّ هذه الواقعة كانَتْ مشتملةً علَى المُعْجِزِ من وجوه:\nأحدها: أنَّ قدرته على الذكْرِ والتَّسبيحِ، وعَجْزَه عن التكلُّم بأمور الدنْيَا من المُعْجِزَات.\nوثانيها: أنَّ حصولَ ذلك العَجْز مع صحّة البنية من المعجزاتِ.\nوثالثها: أن إِخباره بأنه متى حصلَتْ تلْكَ الحالةُ، فقَدْ حصل الولد، ثم إِنَّ الأمر خرج على وفَقْ هذا الخبرِ يكون أيضًا من المعجزات.\nوالتأويل الثَّاني: أن المراد منه الذكْر بالقَلْب وذلك لأن المستغْرِقِينَ في بِحَارِ معرفة اللَّه تعالى عادتهم في أوَّل الأمر أنْ يواظِبُوا على الذكْرِ اللِّسَانِيِّ مدةً، فإِذا امتلأ القَلْبُ من نُور ذِكْرِ اللَّه تعالى/، سكَتُوا باللِّسَان، وبقي الذِّكْرُ في القَلْب ولذلك قالوا: «مَنْ عَرَفَ اللَّه، كَلَّ لِسَانُهُ»، فكان زكريَّاء﵇- أمر بالسُّكُوت باللّسان واستحضار معاني\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٢٦١) برقم (٧٠١٨)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٤٣٢)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٤١)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو نعيم عن محمد بن كعب القرظي.\n(٢) ينظر: «مفاتيح الغيب» (٨/ ٣٦) .","vol":"2","page":42},{"text":"الذكْرِ والمعرفةِ، واستدامتها بالقَلْب. اهـ.\nوقوله تعالى: وَسَبِّحْ: معناه: قلْ سُبْحَانَ اللَّهِ، وقال قومٌ: معناه صَلِّ، والأول أصوبُ لأنه يناسب الذكْرَ، ويستغربُ مع امتناع الكلام مع النَّاسِ، والعَشِيُّ، في اللغة:\nمن زوالِ الشَّمْسِ إِلى مغيبها، والإِبْكَارُ: مصدرُ أَبْكَرَ الرَّجُلُ، إِذا بادر أمْرَهُ من لَدُنْ طلوع الفجر إِلى طلوع الشمْسِ، وتتمادَى البُكْرَة شَيْئًا بعد طلوع الشمس، يقال: أبكر الرجل وبكّر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-226>[سورة آل عمران (٣): الآيات ٤٢ الى ٤٣]</span>\nوَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ (٤٢) يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)\nوقوله تعالى: وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ: العامل في «إِذْ»: «اذكر» لأن هذه الآياتِ كلَّها إِنما هي إِخبارات بغَيْبٍ تدلُّ على نبوَّة نبيِّنا محمّد ﷺ، مَقْصِدُ ذِكْرها هو الأظهر في حِفْظِ رَوْنَقِ الكلام.\nواصْطَفاكِ: معناه: تخيّرك لطاعته، وطَهَّرَكِ: معناه: من كُلِّ ما يَصِمُ النساء في خَلْقٍ، أو خُلُقٍ، أو دِينٍ قاله مجاهد وغيره «١»، وقولُ الزَّجَّاجِ: قد جاء في التفْسير أنَّ معناه: طَهَّرك من الحَيْض والنفاسِ- يحتاج إلى سند قويّ، وما أحفظه، والْعالَمِينَ يحتملُ عَالَمَ زَمانها.\nقال ع «٢»: وسائغ أنْ يتأوَّل عموم الاِصطفاء على العَالَمِينَ، وقد قال بعضُ الناس: إِن مريم نَبِيَّةٌ من أَجْلِ مخاطَبَةِ الملائكةِ لها، وجمهورُ النَّاسِ على أنها لم تنبّإ امرأة، واقْنُتِي معناه: اعبدي، وأَطِيعِي قاله الحَسَن وغيره «٣»، ويحتمل أنْ يكون معناه:\nأطِيلِي القيامَ في الصَّلاة، وهذا هو قولُ الجمهورِ، وهو المناسبُ في المعنى لقوله:\nوَاسْجُدِي، وروى مجاهدٌ أنها لما خوطِبَتْ بهذا، قامَتْ حتى وَرِمَتْ قَدَماها، وروى الأوزاعيُّ: حتى سَالَ الدَّمُ والقَيْحُ من قَدَمَيْهَا، وروي أنَّ الطَّيْرَ كَانَتْ، تنزلُ على رَأْسِهَا تظُنُّها جَمَادًا.\nواختلف المتأوِّلون، لِمَ قُدِّمَ السُّجودُ على الركوع.\n_________\n(١) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٤٣٣) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٤٣٤) .\n(٣) أخرجه الطبري (٣/ ٢٦٥) برقم (٧٠٤٦)، وذكره ابن عطية (١/ ٤٣٤) .","vol":"2","page":43},{"text":"فقال قوم: كان ذلك في شرِعِهِمْ، والقول عنْدي في ذلك: أنَّ مريم أُمِرَتْ بفَصْلَيْنِ ومَعْلَمَيْنِ مِن مَعَالِمِ الصلاة، وهما طُولُ القيامِ، والسُّجُودُ، وخُصَّا بالذكْرِ لشرفهما، وهذانِ يَخْتَصَّان بصلاتها مفْرَدةً وإِلاَّ فمن يصلِّي وراء إِمامٍ، فليس يقال له: أَطِلْ قِيَامَكَ، ثم أمرتْ بعدُ بالصَّلاة في الجماعةِ، فقيل لها: وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ، وقُصِدَ هنا مَعْلَمٌ آخر من مَعَالِمِ الصلاةِ لئلاَّ يتكرَّر اللفظ، ولم يرد في الآية الركوع والسجود الذي هو منتظمٌ في ركْعَةٍ واحدةٍ، واللَّه أعلم.\nوقال ص: قوله: وَارْكَعِي، الواو: لا ترتّب، فلا يسأل، لِمَ قُدِّم السجود، إِلا من جهة علْمِ البيانِ، وجوابه أنه قدّم لأنه أقربُ ما يكونُ العَبْدُ فيه مِنْ ربِّه، فكان أشْرَفَ، وقيل: كان مقدّما في شرعهم. اهـ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-227>[سورة آل عمران (٣): الآيات ٤٤ الى ٤٨]</span>\nذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤) إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦) قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إِذا قَضى أَمْرًا فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٧) وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨)\nوقوله تعالى: ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ... الآية: هذه المخاطبة لنبيّنا محمّد ﷺ، والإِشارة بذلك إِلى ما تقدَّم ذكْرُهُ من القصصِ، والأنباء: الأخبار، والغَيْبُ: ما غَاب عن مدارك الإِنسان، ونُوحِيهِ: معناه: نُلْقِيهِ في نَفْسِك في خفاءٍ، وَحَدُّ الوَحْيِ: إِلقاء المعنى في النَّفْس في خفاءٍ، فمنه بالمَلَكِ، ومنه بالإِلهام، ومنه بالإِشارة، ومنه بالكِتَابِ.\nوفي هذه الآية بيان لنبوّة نبيّنا محمّد ﷺ إِذ جاءهم بغُيُوب/ لا يعلمها إِلا مَنْ شاهدها، وهو لَمْ يَكُنْ لديهم، أوْ مَنْ قرأها في كتبهم، وهو ﷺ أُمِّيٌّ من قومٍ أُمِّيِّينَ، أوْ:\nمن أعلمه الله بها، وهو ذاك ﷺ، ولَدَيْهِمْ: معناه: عندهم ومَعَهُمْ.\nوقوله: إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ ... الآية: جمهورُ العلماء على أنه استهام لأخذِها والمنافَسَةِ فيها، فروي أنهم أَلْقَوْا أقلامَهُمُ الَّتي كانوا يَكْتُبُونَ بها التوراةَ في النَّهْرِ، فروي أنَّ قَلَمَ زكريَّا صاعد الجرية، ومضَتْ أقلام الآخَرِينَ، وقيل غير هذا، قُلْتُ: ولفظ ابْنِ العربيّ في «الأحكام» قال النبيّ ﷺ: «فَجَرَتِ الأَقْلاَمُ وَعَلاَ قَلَمُ زَكَرِيَّا» «١» اهـ، وإِذا ثبت الحديث،\n_________\n(١) ينظر: «تفسير القرطبي» (٤/ ٨٦) .","vol":"2","page":44},{"text":"فلا نظر لأحد معه.\nويَخْتَصِمُونَ: معناه: يتراجَعُونَ القَوْلَ الجهيرَ في أمْرها.\nوفي هذه الآية استعمال القُرْعَةِ، والقُرعَةُ سُنَّة، «وكان النّبيّ ﷺ، إذا سافر، أقرع بين نسائه» «١» وقال ﷺ: «لَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الصَّفِّ الأَوَّلِ، لاسْتَهَمُوا عَلَيْهِ» «٢» .\nواختلف أيضًا، هل الملائكةُ هنا عبارةٌ عن جِبْرِيلَ وحْده أوْ عن جماعةٍ من الملائكة؟\nووَجِيهًا: نصبٌ على الحال، وهو من الوَجْهِ، أيْ: له وجْهٌ ومنزلةٌ عند اللَّه، وقال البخاريُّ: وجيهًا: شَريفًا اهـ.\nوَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ: معناه: مِنَ اللَّه تعالى، وكلامه في المَهْدِ: آيةٌ دالَّة على براءة أُمِّه، وأَخبر تعالى عنه أنَّه أيضًا يكلِّم الناس كَهْلًا، وفائدةُ ذلك أنَّه إِخبار لها بحَيَاتِهِ إلى سِنِّ الكهولة، قال جمهورُ النَّاس: الكَهْلُ الذي بَلَغَ سِنَّ الكهولةِ، وقال مجاهد: الكَهْلُ:\nالحليمُ قال ع «٣»: وهذا تفسيرٌ للكُهُولة بعَرضٍ مصاحِبٍ لها في الأغلب، واختلف النَّاسُ في حَدِّ الكهولة، فقيل: الكَهْلُ ابن أَرْبَعِينَ، وقيل: ابنُ خَمْسَةٍ وثلاثينَ، وقيل: ابن ثلاثةٍ وثلاثين، وقيل: ابن اثنين وثلاثينَ، هذا حدُّ أَوَّلِهَا، وأمَّا آخرها، فاثنان وخمسونَ، ثم يدْخُلُ سنُّ الشيخوخة.\nوقولُ مَرْيَمَ: أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ: استفهام عن جهة حَمْلها، واستغراب للحَمْلِ على بَكَارتها، و«يَمْسَسْ»: معناه: يَطَأ ويُجَامِع.\nص: والبَشَر يُطْلَقُ على الواحِدِ والجمع. اهـ.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٥/ ٢١٨)، كتاب «الهبة»، باب هبة المرأة لغير زوجها، الحديث (٢٥٩٣)، ومسلم (٤/ ٢١٣٠)، كتاب «التوبة»، باب في حديث الإفك، الحديث (٥٦/ ٢٧٧٠)، والنسائي في «الكبرى» (٥/ ٢٩٥- ٢٩٦) كتاب «عشرة النساء»، باب قرعة الرجل بين نسائه إذا أراد السفر، حديث (٨٩٣١)، وابن الجارود في (٧٢٣) من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وعلقمة بن وقاص، وعبيد الله بن عبد الله عن عائشة قالت: «كان النبيّ ﷺ إذا أراد أن يخرج في سفر، أقرع بين أزواجه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه.\n(٢) تقدم.\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٤٣٧) .","vol":"2","page":45},{"text":"والكلامُ في قولِهِ: كَذلِكِ كالكلامِ في أمر زكريَّا، وجاءَتِ العبارةُ في أمر زكريَّا:\n«يَفْعَلُ»، وجاءت هنا: «يَخْلُقُ» من حيث إِنَّ أمر زكريَّا داخلٌ في الإِمكان الذي يتعارَفُ، وإنْ قَلَّ، وقصَّة مريم لا تتعارَفُ البتَّة، فلفظ الخَلْق أقربُ إِلى الاِختراعِ، وأدَلُّ عليه.\nوقوله تعالى: إِذا قَضى أَمْرًا: معناه: إِذا أراد إِيجاده، والأمر واحدُ الأمور، وهو مَصْدَرٌ سُمِّيَ به، والضميرُ في «لَهُ» عائدٌ على الأمْر والقول على جهة المخاطبة.\nوقوله: كُنْ: خطابٌ للمَقْضِيِّ.\nوقوله: فَيَكُونُ بالرفع: خطابٌ للمُخْبَر.\nوقوله تعالى: وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ ... الآية: الكِتَابُ هنا: هو الخَطُّ باليد، وهو مصدر: كَتَبَ يَكْتُبُ قاله جمهور المفسّرين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-228>[سورة آل عمران (٣): الآيات ٤٩ الى ٥١]</span>\nوَرَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩) وَمُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٥١)\nوقوله: وَرَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ، أي: ويجعله رسولًا، وكانت رسالةُ عيسى﵇- إلى بني إِسرائيل مبيِّنًا حُكْمَ التوراة، ونَادِبًا إِلى العَمَل بها، ومُحَلِّلًا أشياءَ ممَّا حرم فيها كَالثُّرُوبِ ولُحُومِ الإِبل، وأشياء من الحِيتَانِ والطَّيْر/، ومن أول القول لِمَرْيم إِلى قوله: إِسْرائِيلَ: خطابٌ لمريم، ومن قوله: أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ إِلى قوله:\nمُسْتَقِيمٌ: يحتملُ أنْ يكون خطابًا لمريم على معنى: يَكُونُ من قوله لِبَنِي إِسرائيل كَيْتَ وَكَيْتَ، ويكون في آخر الكلام محذوفٌ يدُلُّ عليه الظاهرُ، تقديره: فجاء عيسى بني إِسرائيل رسولًا، فقال لهم ما تقدَّم ذكْرُهُ، ويحتملُ أنْ يكون المحذوفُ مقدَّرًا في صَدْرِ الكلامِ بعد قوله: إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ، فيكون تقديره: فجاء عيسى كما بَشَّر اللَّهُ رسولًا إلى بني إِسرائيل بأنِّي قد جئتكم، ويكون قوله: أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ ليس بخِطَابٍ لِمَرْيَمَ، والأول أظهر.\nوقوله: أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ ... الآية: قرأ نافعٌ: «إِنِّي أَخْلُقُ» بكسر الهمزة، وقرأ باقي السَّبْعة بفَتْحها، فوجه قراءةِ نافعٍ إِمَّا القَطْعُ والاستئناف، وإِما أنه فسَّر الآية بقوله:\nإِنِّي، كما فسر المَثَلَ في قوله: كَمَثَلِ آدَمَ [آل عمران: ٥٩] ووجْه قراءة الباقين البَدَلُ","vol":"2","page":46},{"text":"من «آية» كأنه قال: وجئْتكم بِأَنِّي أخلْقُ، وأَخْلُقُ: معناه: أقدّر وأهيئ بيَدِي.\nص: كَهَيْئَةِ: الهيئةُ: الشَّكْل والصُّورة، وهو مصدر: هَاءَ الشَّيْءُ يَهِيىءُ هَيْئَةً، وَهَيَّأَ، إِذا ترتَّب واستقر على حالٍ مَّا، وتعدِّيه بالتضْعيف، قال تعالى: وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا [الكهف: ١٦] اهـ.\nوقرأ نافعٌ وحْده: «فَيَكُونُ طَائِرًا» بالإِفراد أي: يكون طائرًا من الطيورِ، وقرأ الباقونَ: «فَيَكُونُ طَيْرًا» بالجمع وكذلك في «سورة المائدة» والطير: اسمُ جمعٍ، وليس من أبنيةِ الجُمُوع، وإِنما البنَاءُ في جَمْعِ طائرٍ: أَطْيارٌ، وجَمْعُ الجَمْعِ: طُيُورٌ.\nوقوله: فَأَنْفُخُ فِيهِ، ذكَّر الضميرَ لأنه يحتملُ أنْ يعود على الطِّينِ المهيّأ، ويحتملُ أنْ يريد: فأنفُخُ في المذكور، وأنَّثَ الضميرَ في «سورة المائدة» لأنه يحتمل أنْ يعود على الهيئة، أوْ على تأنيثِ لَفْظ الجَمَاعة، وكَوْنُ عيسى يخلُقُ بيده، وينفُخُ بِفِيهِ، إِنما هو ليبيِّن تلبُّسه بالمعجزةِ، وأنها جاءَتْ من قِبَلِهِ، وأمَّا الإِيجاد من العَدَمِ، وخَلْقُ الحياةِ في ذلك الطِّينِ، فمِنَ اللَّهِ تعالى وحده، لا شريك له.\nورُوِيَ في قَصَصٍ هذه الآية، أنَّ عيسى﵇- كانَ يَقُولُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: أَيُّ الطَّيْرِ أَشَدُّ خِلْقَةً، وَأَصْعَبُ أنْ يحكى؟ فيَقُولُونَ: الخُفَّاشُ لأَنَّهُ طَائِرٌ لاَ رِيشَ لَهُ، فَكَانَ يَصْنَعُ مِنَ الطِّينِ خَفَافِيشَ، ثُمَّ يَنْفُخُ فِيهَا فَتَطِيرُ، وَكُلُّ ذَلِكَ بِحَضْرَةِ النَّاسِ، وَمُعَايَنَتِهِمْ، فَكَانُوا يَقُولُونَ: «هَذَا سَاحِرٌ» أُبْرِئُ معناه: أزيل المرض، والْأَكْمَهَ: هو الَّذِي يُولَدُ أعمى مضمومَ العَيْنَيْنِ قاله ابن عَبَّاسٍ وقتادة «١»، قال ع «٢»: والأَكْمَهُ في اللغة: هو الأعمى، وقد كان عيسى﵇- يبرىءُ بدعائِهِ، ومَسْحِ يدِهِ على كل عاهة، ولكنَّ الاحتجاج على بني إِسرائيل في معنى النبوَّة لا يقومُ إِلاَّ بالإِبراء من العِلَلِ التي لا يُبْرِىءُ منها طبيبٌ بوجْهٍ، ورُوِيَ في إِحيائه الموتى أنه كان يَضْرِبُ بعَصَاهُ الميِّتَ، أو القَبْرَ، أو الجُمْجُمَةَ فَيَحْيَى الإِنسانُ، ويكلِّمه بإِذن اللَّه، وفي قصص الإِحياء أحاديثُ كثيرةٌ لا يوقَفُ على صحَّتها، وآياتُ عيسى﵇- إِنما تَجْرِي فيما يُعَارِضُ الطِّبَّ لأن علْمَ الطِّبِّ كان شَرَفَ النَّاس في ذلك/ الزّمان،\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٢٧٥) برقم (٧٠٨٦)، (٧٠٨٧) عن قتادة، وابن عباس. وذكره ابن عطية (١/ ٤٤٠)، والسيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٥٧)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، من طريق الضحاك عن ابن عباس.\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٤٤٠) . [.....]","vol":"2","page":47},{"text":"وشُغْلَهُمْ، وحينئذ أُثِيرَتْ فيه العجائبُ، فلما جاء عيسى﵇- بغرائبَ لا تقتضيها الأمزجةُ وأصولُ الطِّبِّ وذلك إِحياءُ الموتى، وإِبراء الأكْمَهِ والأَبْرَصِ، عَلِمَتِ الأطبَّاء أن هذه القوَّة من عند اللَّه، وهذا كأمْرِ السَّحَرَةِ مع موسى، والفصحاء مع نبيّنا محمّد ﷺ، ووقع في التواريخِ المُتَرْجَمَة عن الأطبَّاء أنَّ جَالِينُوسَ كانَ في زمنِ عيسى﵇-، وأنه رحَل إِلَيْهِ مِنْ رُومِيَّةَ إِلَى الشَّامِ، فَمَاتَ فِي طَرِيقِهِ ذلك.\nوقوله: وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ ... الآية: قال مجاهدٌ وغيره: كان عيسى﵇- مِنْ لَدُنْ طفوليَّته، وهو في الكُتَّابِ، يخبرُ الصِّبْيان بما يفعل آباؤهم في منازِلِهِمْ، وبما يُؤْكَلُ من الطعامِ، ويُدَّخَرُ، وكذلك إلى أنْ نُبِّئى، فكان يقول لكلِّ من سأله عن هذا المعنى: أَكَلْتَ البارحةَ كَذَا، وادخرت كذا «١»، وقال قتادةُ:\nمعنَى الآية: إِنما هو في نزول المائدةِ علَيْهم، وذلك أنَّها لما نزلَتْ، أخذ عليهم عَهْدَ أنْ يَأْكُلُوا ولا يَخْبَأَ أَحدٌ شيئًا، ولا يدَّخره ولا يَحْمِله إلى بيته، فَخَانُوا، وجعلوا يُخَبِّئُون، فكان عيسى﵇- يُخْبِرُ كلَّ أحدٍ عمَّا أكل، وعمَّا ادخر في بَيْته من ذلك، وعوقبوا على ذلك «٢» .\nوقوله: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ: تحذيرٌ، ودعاءٌ إِلى اللَّه ﷿.\nوقوله: هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ: إشارةٌ إلى قوله: إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ، لأن ألفاظه جمعتِ الإِيمان والطَّاعاتِ، والصِّرَاطُ: الطريقُ، والمُسْتَقِيم: الذي لا اعوجاج فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-229>[سورة آل عمران (٣): الآيات ٥٢ الى ٥٤]</span>\nفَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٥٢) رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣) وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (٥٤)\nوقوله تعالى: فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ ... الآية: قبل هذه الآية محذوفٌ، به يتمُّ اتساق الآيات، تقديره: فجاء عيسى كما بَشَّر اللَّه به، فقالَ جميعَ ما ذُكِرَ لبنِي إسرائيل، فَلَمَّا أَحَسَّ، ومعنى: أَحَسَّ: عَلِمَ من جهة الحَوَاسِّ بما سَمِعَ من أقوالهم في تكذيبه، ورأى من قرائن أحوالهم، وشدَّة عدَاوتِهِم، وإعراضهم، قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ وقوله: إِلَى اللَّهِ: يحتمل معنيين:\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٢٧٨) برقم (٧٠٩٨) بنحوه، وذكره ابن عطية (١/ ٤٤٠) .\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٢٧٩) برقم (٧١٠٤)، وذكره ابن عطية (١/ ٤٤٠) .","vol":"2","page":48},{"text":"أحدهما: مَنْ ينصرنِي فِي السَّبيل إلى اللَّه.\nوالثاني: أنْ يكون التقديرُ: مَنْ يضيفُ نُصْرته إلى نصرة اللَّهِ لِي، فإلى دَالَّة على الغاية في كِلاَ التقديرَيْن، وليس يُبَاحُ أنْ يُقَالَ: «إلى» بمعنى «مع» كما غلط في ذلك بَعْضُ الفقهاءِ في تَأْويلِ قوله تعالى: وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ [المائدة: ٦]، فقال: «إلى» بمعنى «مَعَ»، وهذه عُجْمَة.\nوالحواريُّون قَوْمٌ مرَّ بهم عيسى ﷺ، فدَعَاهم إلى نصرِهِ واتباع ملَّته، فأجَابوه، وقَامُوا بذلك خَيْرَ قيامٍ، وصَبَرُوا في ذاتِ اللَّه، واختلف، لِمَ قِيلَ لهم حواريُّون؟ فقال ابنُ جُبَيْرٍ:\nلبياضِ ثيابِهِمْ «١»، وقال أبو أرْطاةَ: لأنَّهم كانوا قَصَّارِينَ يَحُورُونَ الثِّياب، أيْ: يبيِّضونها «٢»، وقال قتادة: الحواريُّون: أصفياء الأنبياء الَّذِينَ تَصْلُحُ لهم الخلافةُ «٣»، وقال الضَّحَّاك نحوه «٤»، قال ع «٥»: وهذا القولُ تقريرُ حالِ القومِ، وليس بتَفْسِيرِ اللَّفْظَة، وعلى هذا الحدّ شبه النبيّ ﷺ ابن عَمَّتِهِ بِهِمْ في قوله: «وَحَوَارِيِّي الزُّبَيْرُ» .\nوالأقوال الأَوَلُ هي تفسيرُ اللفظة إذ هي من الحَوَر/، وهو البَيَاضُ، حَوَّرْتُ الثَّوْبَ: بَيَّضْته ومنْه الحُوَاري، وقد تسمِّي العرب النِّسَاءَ السَّاكِنَاتِ في الأمْصَارِ:\nالحَوَارِيَّاتِ لغلبة البَيَاض علَيْهِنَّ ومنه قول أبي جلدة اليشكريّ «٦»: [الطويل]\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٢٨٥) برقم (٧١٢٠)، وذكره الماوردي في «تفسيره» (١/ ٣٩٥)، وابن عطية في «تفسيره» (١/ ٤٤٢) .\n(٢) أخرجه الطبري (٣/ ٢٨٥) برقم (٧١٢١) وذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٤٤٢) .\n(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٢٨٥) برقم (٧١٢٢)، وذكره البغوي في «تفسيره» (١/ ٣٠٦)، وابن عطية في «تفسيره» (١/ ٤٤٢)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٦٣)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة.\n(٤) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٤٤٢) .\n(٥) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٤٤٢) .\n(٦) أبو جلدة بن عبيد الله اليشكري، من بني عدي بن جشم، من يشكر، شاعر نعته ابن قتيبة ب «الخبيث»، كان مولعا بالشراب، من أهل «الكوفة» . خرج مع ابن الأشعث (عبد الرّحمن بن محمد) وقتله الحجاج، وقيل: مات في طريق «مكة» . له شعر وأخبار، وكان يهاجي زيادا الأعجم، وفي حماسة ابن الشجري قصيدة له في تحريض أهل العراق على الثورة بعد قيام ابن الأشعث على الحجاج. ينظر:\n«الأعلام» (٢/ ١٣٣) .","vol":"2","page":49},{"text":"فَقُلْ لِلْحَوَارِيَّاتِ يَبْكِينَ غَيْرَنَا ... وَلاَ تَبْكِنَا إلاَّ الْكِلاَبُ النَّوَابِحُ «١»\nوقولُ الحواريِّين: وَاشْهَدْ يحتملُ أنْ يكون خطَابًا لعيسى﵇-، أي:\nاشهد لَنَا عنْدَ اللَّهِ، ويحتملُ أنْ يكونَ خطَابًا لله تعالى كقوله ﷺ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ:\n«اللَّهُمَّ، اشهد»، وقولهم: رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ يريدون: الإنجيل، وآياتِ عيسى، فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ، أي: في عِدَادِ مَنْ شهد بالحَقِّ مِنْ مؤمني الأمم، ثم أخبر تعالى عن بني إسرائيل الكافرِينَ بعيسى﵇-، فقال: وَمَكَرُوا، يريدُ في تحيُّلهم في قتله بزعمهم فهذا هو مَكْرُهُمْ، فجازاهم اللَّه تعالى بأنْ طرح شَبَهَ عيسى على أحد الحواريِّين في قول الجمهور، أو على يهوديٍّ منهم كَانَ جَاسُوسًا، وأعقبَ بَنِي إسرائيل مذلَّةً وهَوَانًا في الدُّنيا والآخرة، فهذه العُقُوبة هي التي سَمَّاها اللَّه تعالى مَكْرًا في قوله:\nوَمَكَرَ اللَّهُ، وذلك مَهْيَعٌ «٢» أنْ تسمَّى العقوبةُ باسم الذنب.\nوقوله: وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ: معناه: فاعلُ حقٍّ في ذلك، وذكر أبو القَاسِمِ القُشَيْرِيُّ في «تحبيره»، قال: سُئِلَ مَيْمُونٌ، أحسبه: ابن مِهْرَانَ «٣» عن قولِهِ تعالى:\nوَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ فقال: تخليتُهُ إياهم، مع مَكْرهم هو مَكْرُهُ بهم. اهـ. ونحوه عن الجُنَيْدِ «٤»، قال الفَرَّاء: المَكْرُ من المخْلُوقِ الْخِبُّ والحِيلَة، ومِنَ الإله الاِسْتِدْرَاجُ، قال الله\n_________\n(١) البيت لأبي جلدة اليشكري كما ذكر المصنف وهو من شعراء الدولة الأموية. من قصيدة قالها الشاعر، تحريضا وتحضيضا على قتال أهل «الشام» وهو يرمي أهل الشام وأنصار معاوية بالكفر والتنصّر، ويصف نفسه وجماعته أنهم أهل بداوة وخشونة، ومعنى البيت: قل للنساء الحضريات يبكين غيرنا فلسنا ممن عرف بالحضر على الفراش، بل نحن من أهل البدو والمحاربة، فلا تبكي علينا إلا الكلاب التي تساق معنا في البدو، أو الكلاب التي جرت عادتهن أن يأكلن قتلانا في المحاربة. والبيت في «مجاز القرآن» (١/ ٩٥)، و«جامع البيان» (٦/ ٤٥١)، و«معاني القرآن» للزجاج (١/ ٤٢٣)، و«الكشاف» (١/ ٤٣٢)، و«الجمهرة» (١/ ٢٣٠)، (٢/ ١٤٦)، والأساس (حور)، (ص ١٤٦)، و«اللسان» (ص ١٠٤٣)، الطبري (٦/ ٤٥٠) .\n(٢) المهيع: هو الطريق الواسع المنبسط، وهو مفعل من التهيع، وهو الانبساط.\nينظر: «لسان العرب» (٤٧٣٨) (هيع) .\n(٣) ميمون بن مهران الرقي، أبو أيوب: فقيه من القضاة، كان مولى لامرأة ب «الكوفة»، وأعتقته، فنشأ فيها، ثم استوطن الرقة (من بلاد الجزيرة الفراتية) فكان عالم الجزيرة، وسيدها، واستعمله عمر بن عبد العزيز على خراجها وقضائها، وكان على مقدمة الجند الشامي، مع معاوية بن هشام بن عبد الملك، لما عبر البحر غازيا إلى «قبرس»، سنة ١٠٨ هـ، وكان ثقة في الحديث، كثير العبادة.\nتوفي سنة (١١٧) هـ. ينظر «الأعلام» (٧/ ٣٤٢) .\n(٤) الجنيد بن محمد بن الجنيد البغدادي الخزاز، أبو القاسم: صوفي من العلماء بالدين. مولده ومنشؤه ووفاته ببغداد، أصل أبيه من «نهاوند» وعرف بالخزاز لأنه كان يعمل الخز. قال أحد معاصريه: ما رأت-","vol":"2","page":50},{"text":"تعالى: سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ [القلم: ٤٤] قال ابن عبَّاس: كُلَّما أحْدَثُوا خطيئةً، أحدثنا لهم نعمة. اهـ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-230>[سورة آل عمران (٣): الآيات ٥٥ الى ٥٨]</span>\nإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥٥) فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٥٦) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٥٧) ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (٥٨)\nوقوله تعالى: إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ ... الاية: اختلف في هذا التِّوفِّي.\nفقال الرَّبيع: هي وفاةُ نَوْمٍ «١»، وقال الحَسَن وغيره: هو توفِّي قَبْضٍ وتَحْصِيلٍ، أي:\nقابضك منَ الأرْضِ، ومحصِّلك في السماءِ «٢» وقال ابنُ عبَّاس: هي وفاةُ مَوْتٍ «٣»، ونحوه لمالك في «العَتَبِيَّة»، وقال وهْبُ بنُ مُنَبِّهٍ: توفَّاه اللَّه بالمَوْتِ ثلاثَ ساعاتٍ، ورفعه فيها، ثُمَّ أحياه بعد ذلك «٤»، وقال الفَرَّاء: هي وفاةُ مَوْتٍ «٥»، ولكنَّ المعنى: إني متوفِّيك في آخر أمْرِكَ عنْد نزولِكَ وقَتْلِك الدَّجَّال، ففي الكلامِ تقديمٌ وتأخير.\nقال ع «٦»: وأجمعتِ الأمة على ما تضمَّنه الحديثُ المتواتر «٧» منْ أنَّ عيسى- عليه\n_________\n- عيناي مثله، وهو أول من تكلم في علم التوحيد، وقال ابن الأثير: إمام الدنيا في زمانه، له رسائل، منها: «دواء الأرواح» مخطوط، توفي في (٢٩٧) هـ.\nينظر: «وفيات الأعيان» (١/ ١١٧)، و«حلية» (١٠/ ٢٥٥)، و«صفة الصفوة» (٢/ ٢٣٥)، و«تاريخ بغداد» (٧/ ٢٤١)، و«طبقات السبكي» (٢/ ٢٨)، و«طبقات الحنابلة» (٨٩)، «الأعلام» (٢/ ١٤١) .\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٢٨٨) برقم (٧١٢٩) وذكره الماوردي في «تفسيره» (١/ ٣٩٧)، والبغوي في «تفسيره» (١/ ٣٠٨)، وابن عطية (١/ ٤٤٢) . [.....]\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٢٨٨) برقم (٧١٣١) بنحوه، وذكره ابن عطية (١/ ٤٤٤) .\n(٣) ذكره الماوردي في «تفسيره» (١/ ٣٩٦)، وابن عطية (١/ ٤٤٤) .\n(٤) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٢٨٩) برقم (٧١٣٨)، وذكره البغوي في «تفسيره» (١/ ٣٠٨)، وابن عطية (١/ ٤٤٤)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٦٤)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم.\n(٥) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٤٤٤) .\n(٦) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٤٤٤) .\n(٧) والحديث المتواتر هو ما رواه جمع يحيل العقل تواطؤهم على الكذب عادة من أمر حسّيّ، أو حصول الكذب منهم اتّفاقا، ويعتبر ذلك في جميع الطّبقات إن تعدّدت. -","vol":"2","page":51},{"text":"السلام- في السَّمَاءِ حَيٌّ، وأنه يَنْزِلُ في آخِرِ الزَّمَانِ، فَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلُ الدَّجَّالَ، وَيُفِيضُ العَدْلَ، وَيُظْهِرُ هَذِهِ المِلَّةَ مِلَّةَ محمّد ﷺ ويحجّ البَيْتَ، ويَعْتَمِرُ، ويبقى في الأَرْضِ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَقِيلَ: أَرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ يُمَيتُهُ اللَّهُ تعالى «١» .\n_________\n- وشروط التّواتر:\n١- أن يكون رواته عددا كثيرا.\n٢- أن يحيل العقل تواطؤهم على الكذب، أو أن يحصل الكذب منهم اتّفاقا عادة.\n٣- أن يرووا ذلك عن مثلهم من الابتداء إلى الانتهاء في كون العقل يمنع من تواطؤهم على الكذب، أو حصوله منهم اتّفاقا عادة.\n٤- أن يكون مستند انتهائهم الإدراك الحسّيّ بأن يكون آخر ما يئول إليه الطريق ويتم عنده الإسناد- أمر حسيّ مدرك بإحدى الحواسّ الخمس الظاهرة من الذوق، واللّمس، والشم، والسّمع، والبصر.\nثم إنه من المتّفق عليه عند العلماء، وأرباب النّظر أنّ القرآن الكريم لا تجوز الرّواية فيه بالمعنى، بل أجمعوا على وجوب روايته لفظة لفظة، وعلى أسلوبه، وترتيبه، ولهذا كان تواتره اللفظي لا يشكّ فيه أدنى عاقل، أو صاحب حسّ، وأما سنّة رسول الله، فقد أجازوا روايتها بالمعنى لذلك لم تتّحد ألفاظها، ولا أسلوبها، ولا ترتيبها.\nفإذن يكون الحديث متواترا تواترا لفظيّا، أو معنويّا، إذا تعددت الرّواية بألفاظ مترادفة، وأساليب مختلفة في التّمام والنقص، والتقديم والتّأخير في الواقعة الواحدة، حتى بلغت مبلغ التّواتر.\nومن ناحية أخرى، فإذا تعدّدت الوقائع، واتفقت على معنى واحد، دلّت عليه تارة بالتّضمّن، وتارة بالالتزام حتّى بلغ القدر المشترك في تلك الوقائع المتعددة مبلغ التّواتر فإنه حينئذ يكون متواترا تواترا معنويا، لا خلاف في ذلك.\nينظر: «البحر المحيط» للزركشي (٤/ ٢٣١)، «البرهان» لإمام الحرمين (١/ ٥٦٦)، «الإحكام في أصول الأحكام» للآمدي (٢/ ١٤)، «نهاية السول» للأسنوي (٣/ ٥٤)، «منهاج العقول» للبدخشي (٢/ ٢٩٦)، «غاية الوصول» للشيخ زكريا الأنصاري (٩٥)، «التحصيل من المحصول» للأرموي (٢/ ٩٥)، «المنخول» للغزالي (٢٣١)، «المستصفى» له (١/ ١٣٢)، «حاشية البناني» (٢/ ١١٩)، «الإبهاج» لابن السبكي (٢/ ٢٦٣)، «الآيات البينات» لابن قاسم العبادي (٣/ ٢٠٦) .\n(١) أخرجه البخاري (٤/ ٤٨٣) في البيوع: باب قتل الخنزير (٢٢٢٢)، (٥/ ١٤٤) في المظالم: باب كسر الصليب وقتل الخنزير (٢٤٧٦) و(٦/ ٥٦٦) في أحاديث الأنبياء: باب نزول عيسى ابن مريم ﵉ (٣٤٤٨)، ومسلم في الإيمان: باب نزول عيسى ابن مريم حاكما بشريعة نبينا محمد ﷺ (٢٤٢- ١٥٥)، (٢٤٣- ...)، وأبو داود (٢/ ٥٢٠) في الملاحم: باب ذكر خروج الدجال (٤٣٢٤)، والترمذي (٤/ ٤٣٩) في الفتن باب ما جاء في نزول عيسى ابن مريم ﵇ (٢٢٣٣)، وابن ماجة (٢/ ١٣٦٣) في الفتن: باب فتنة الدجال، وخروج عيسى ابن مريم ... (٤٠٧٨)، وأحمد (٢/ ٢٧٢، ٢٩٠، ٣٩٤، ٤٠٦، ٤٣٧، ٤٨٢، ٥٣٨) . وعبد الرزاق (٢٠٨٤٠، ٢٠٨٤٤، ٢٠٨٤٥)، والحميدي (٢/ ٤٦٨) برقم (١٠٩٧، ١٠٩٨)، وأبو يعلى في «مسنده» (٥٨٧٧) من طرق عن أبي هريرة رفعه: «لا تقوم الساعة حتى ينزل فيكم ابن مريم حكما مقسطا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد» .","vol":"2","page":52},{"text":"قال ع «١»: فقول ابن عباس: هي وفاةُ مَوْتٍ لا بدَّ أنْ يتمِّم إما على قول وهْبِ بن مُنَبِّهٍ، وإما على قول الفَرَّاء.\nوقوله تعالى: وَرافِعُكَ إِلَيَّ عبارةٌ عَنْ نَقْلِهِ من سُفْلٍ إلى عُلْو، وإضافه اللَّه سبحانه إضافةُ تشريفٍ، وإلا فمعلومٌ أنه سبحانه غَيْرُ متحيِّزٍ في جهةٍ، وَمُطَهِّرُكَ، أي: مِنْ:\nدعاوى الكَفَرَةِ ومعاشَرَتِهِمْ.\nوقوله: وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ ... الآية: قال جمهورُ المفسِّرين بعموم اللفظ/ في المتّبعين، فتدخل في ذلك أمة محمّد ﷺ لأنها مُتَّبِعَةٌ لعيسى قاله قتادة وغيره «٢» وكذلك قالوا بعموم اللفظِ في الكَافِرِينَ، فمقتضَى الآيَةِ إعلامُ عيسى﵇- أنَّ أهْلَ الإيمانِ به، كما يجب، هم فوق الذين كَفَرُوا بالحُجَّة، والبُرْهَان، والعِزِّ والغَلَبَةِ، ويظْهَرُ منْ عبارة ابن جُرَيْج وغيره أنَّ المراد المتبعون لَهُ في وقْتِ استنصاره، وهم الحواريُّون «٣» .\nوقوله تعالى: ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ خَطَابٌ لعيسى، والمرادُ: الإخبار بالقيامة، والحَشْرِ، وباقي الآيةِ بيِّن، وتوفيةُ الأجور هي قَسْم المَنَازِلِ في الجَنَّة، فذلك هو بحَسَب الأعمال، وأما نَفْسُ دخولِ الجَنَّةَ، فبرحْمَةِ اللَّه وتفضُّله سبحانه.\nوقوله تعالى: ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ ... الآية: «ذَلِكَ»: إشارة إلى ما تقدّم من الأنباء، ونَتْلُوهُ: معناه: نسرده، ومِنَ الْآياتِ: ظاهره آيات القُرآن، ويحتملُ أنْ يريدَ: من المعجزاتِ والمُسْتَغْرَبَاتِ أن تأتيهم بهذه الغُيُوبِ من قبلنا، وبسبب تلاوتنا، والذِّكْرِ: ما ينزلُ من عند اللَّه. قال ابن عبّاس: الذّكر: القرآن، والْحَكِيمِ: الذي قد كمل في حكمته «٤» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-231>[سورة آل عمران (٣): الآيات ٥٩ الى ٦١]</span>\nإِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ (٦١)\n_________\n(١) ينظر «المحرر الوجيز» (١/ ٤٤٤) .\n(٢) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٤٤٥) .\n(٣) ذكره ابن عطية (١/ ٤٤٥) .\n(٤) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٢٩٣) برقم (٧١٥٥)، وذكره ابن عطية (١/ ٤٤٦) .","vol":"2","page":53},{"text":"وقوله تعالى: إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ ... الآية: قال ابن عَبَّاس وغيره: سبَبُ نزولها مُحَاجَّة نصارى نَجْرَانَ في أمر عيسى، وقولُهم: يا محمَّد، هل رأَيْتَ بَشَرًا قَطُّ مِنْ غَيْرِ فَحْلٍ، أَوْ سَمِعْتَ بِهِ «١»، ومعنى الآية أنَّ المَثَلَ الذي تتصوَّره النفُوسُ والعقولُ من عيسى هو كَالمُتَصَوَّرِ من آدَمَ إذ الناسُ مُجْمِعُونَ على أنَّ اللَّه تعالى خَلَقَهُ مِنْ ترابٍ من غير فَحْلٍ، وفي هذه الآية صحَّةُ القياس.\nوقوله تعالى: ثُمَّ قالَ ترتيبٌ للأخبار لمحمّد ﷺ، المعنى: خَلَقَهُ من تُرَابٍ، ثم كان مِنْ أمره في الأزَلِ أنْ قال له: كُنْ وقْتَ كذا.\nوقوله تعالى: الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ، أي: هذا هو الحقّ، والْمُمْتَرِينَ: هم الشاكّون، ونهي النبيّ ﷺ في عبارةٍ اقتضت ذَمَّ الممترين وهذا يدلُّ على أنَّ المراد بالامتراء غَيْرُهُ ونُهِيَ عن الامتراء، مع بُعْده عنه على جهة التثْبِيتِ والدَّوام على حاله.\nوقوله تعالى: فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ، أي: في عيسى، ويحتملُ في الحقِّ، والعِلْمُ الذي أشير إلَيْه بالمجيء هو ما تضمَّنته هذه الآياتُ المتقدِّمة.\nوقوله: فَقُلْ تَعالَوْا: استدعاء للمباهلة «٢»، وتَعالَوْا: تَفَاعَلُوا من العُلُوِّ، وهي كلمةٌ قُصِدَ بها أولًا تحسينُ الأدَب مع المدعوِّ، ثم اطردت حتى يقولها الإنسان لعدوّه، وللبهيمة، ونَبْتَهِلْ: معناه: نَلْتَعِن، ويقال: عَلَيْهِمْ بهلة اللَّه، والابتهال: الجِدُّ في الدُّعاء بالبهلة، روى محمَّد بنُ جَعْفَرِ بنِ الزُّبَيْرِ وغيره: «إن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، لما دَعَا نصارى نَجْرَانَ إلى المباهلة، قالوا: دَعْنَا نَنْظُرْ في أمرنا، ثم نأتِكَ بما نَفْعَلُ، فَذَهَبُوا إلَى العَاقِب، وهو ذُو رَأْيِهِمْ، فَقَالُوا: يَا عَبْدَ المَسِيحِ، مَا ترى، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ النصارى، وَاللَّهِ، لَقَدْ عَرَفْتُمْ أنَّ محمَّدًا النَّبيُّ المُرْسَلُ، ولَقَدْ جَاءَكُمْ بِالفَصْلِ مِنْ خَبَرِ صَاحِبِكُمْ، وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا لاَعَنَ قَوْمٌ قَطُّ نَبِيًّا، فَبَقِيَ كَبِيرُهُمْ، وَلاَ نَبَتَ/ صَغِيرُهُمْ، وَأَنَّهُ الاستئصال إنْ فَعَلْتُمْ، فَإنْ أَبَيْتُمْ إلاَّ إلْفَ دِينِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ عيْهِ مِنَ القَوْلِ في صاحبكم، فوادعوا الرّجل،\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٢٩٣) برقم (٧١٥٧)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٣/ ٤٤٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٦٦)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس.\n(٢) المباهلة: الملاعنة، يقال: باهلت فلانا، أي: لاعنته، ومعنى المباهلة أن يجتمع القوم إذا اختلفوا في شيء، فيقولوا: لعنة الله على الظالم منا.\nينظر: «لسان العرب» (٣٧٥) . [.....]","vol":"2","page":54},{"text":"وانصرفوا إلى بِلاَدِكُمْ حتى يُرِيَكُمْ زمن رَأْيه، فأتوا النّبيّ ﷺ فَقَالُوا: يَا أَبَا القَاسِمِ، قَدْ رَأَيْنَا أَلاَّ نُلاَعِنَكَ، وَأَنْ نبقى على دِينِنَا، وَصَالَحُوهُ على أَمْوَالٍ، وَقَالُوا لَهُ: ابعث مَعَنَا رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِكَ تَرْضَاهُ لَنَا، يَحْكُم بَيْنَنَا فِي أَشْيَاء قَدِ اختلفنا فِيهَا مِنْ أَمْوَالِنَا فَإنَّكُمْ عِنْدَنَا رِضًى» «١» .\nقال ع «٢»: وفي ترك النصارَى الملاعَنَةَ لعلمهم بنبوّة نبيّنا محمّد ﷺ شاهد عظيم على صحّة نبوّته ﷺ عندهم، ودعاءُ النِّساء والأبناء أهَزُّ للنفوسِ، وأدعى لرحمة اللَّه للمُحِقِّين، أو لغضبه على المُبْطِلِينَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-232>[سورة آل عمران (٣): الآيات ٦٢ الى ٦٤]</span>\nإِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٢) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (٦٣) قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤)\nوقوله تعالى: إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ ... الآية: هذا خبرٌ من اللَّه تعالى، جزمٌ مؤكَّد، فَصَل به بين المختَصِمَيْن، والإشارةُ بهذا هي إلى ما تقدَّم في أمر عيسى﵇-، والقصص معناه الإخبار.\nوقال ص: إِنَّ هذا لَهُوَ: هذا، إشارةً إلى القرآن. اهـ.\nواختلف المفسِّرون من المُرَاد بأهْلِ الكِتَابِ هنا.\nفروى قتادة، عن النبيّ ﷺ أنهم يهودُ المدينَة «٣» .\nوقال ابنُ زَيْدٍ وغيره: المرادُ نصارى نجران «٤» .\nقال ع «٥»: والذي يظهر لي أنَّ الآية نزلَتْ في وَفْد نَجْرَان، لكن لفظُ الآية يعمُّهم، وسواهم من النصارى واليهود، وقد كتب النبيّ ﷺ بهذه الآية إلى هِرَقْلَ عظيمِ الرُّومِ، وكذا\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٣/ ٢٩٨) برقم (٧١٧٧)، وذكره ابن عطية (١/ ٤٤٧) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٤٤٨) .\n(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٣٠٠) برقم (٧١٨٧) وذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٤٤٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٧١)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير عن قتادة.\n(٤) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٣٠٠) برقم (٧١٩٢)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٤٤٨) .\n(٥) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٤٤٨) .","vol":"2","page":55},{"text":"ينبغي أنْ يدعى بها أهل الكِتَابِ إلى يوم القيامة، «والكلمةُ» هنا عند الجمهور: عبارةٌ عن الألفاظ التي تتضمَّن المعانِيَ المدعوَّ إليها «١»، وهي ما فسر بعد ذلك، وهذا كما تسمِّي العربُ القصيدةَ «كَلِمَةً»، وقوله: سَواءٍ نعتٌ للكلمةِ، قال قتادةُ وغيره: معناه: إلى كلمةٍ عَدْلٍ «٢»، وفي مُصْحَف ابنِ مَسْعود: «إلى كلمةٍ عَدْلٍ» «٣» كما فسر قتادة، قال ع «٤»: والذي أقوله في لفظة سَواءٍ: إنها ينبغي أنْ تفسَّر بتفسير خاصٍّ بها في هذا الموضِعِ، وهو أنه دعاهم إلى معانٍ، جميعُ الناسِ فيها مُسْتَوُونَ.\nوقوله: أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ هو في موضعِ خفضٍ على البَدَلِ مِنْ كَلِمَةٍ، أو في موضعِ رفعٍ بمعنى هِيَ أَلاَّ نَعْبُدَ إلاَّ اللَّه، واتخاذُ بعضهم بعضًا أربابًا هو على مراتبَ، أشدُّها: اعتقادهم الألوهيَّة، وعبادتهم لهم كَعُزَيْرٍ، وعيسى، ومريمَ، وأدنى ذلك: طاعتهم لأساقفتهم في كلِّ ما أَمَرُوا بِهِ مِنَ الكُفْر والمعاصِي، والتزامهم طاعتهم شرعًا.\nم: فَإِنْ تَوَلَّوْا: أبو البقاءِ: تَوَلَّوْا: فعلٌ ماضٍ، ولا يجوزُ أنْ يكون التقديرُ:\n«تَتَوَلَّوا» لفساد المعنى لأنَّ قوله: فَقُولُوا اشْهَدُوا خطابٌ للمؤمنين، وتَوَلَّوْا للمشركينَ. اهـ.\nوقوله: فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ: أمر بالإعلان بمخالفتهم، ومواجهتهم بذلك وإشهادهم على معنى التوبيخ والتهديد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-233>[سورة آل عمران (٣): الآيات ٦٥ الى ٦٨]</span>\nيا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلاَّ مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٦٥) ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٦٦) ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (٦٨)\nوقوله تعالى: يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ ... الآية: قال ابن عبّاس\n_________\n(١) الكلمة، والكلمة، والكلمة، مثل كبد وكبد وكبد.\nقال أبو منصور: ... تقع على الحرف الواحد من حروف الهجاء، وتقع على لفظة مؤلفة من جماعة حروف ذات معنى، وتقع على قصيدة بكمالها وخطبة بأسرها. ينظر: «لسان العرب» (٣٩٢٢) .\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٣٠١) برقم (٧١٩٣) وذكره ابن عطية (١/ ٤٤٩)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٧١)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر عن قتادة.\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٤٤٩)،\n(٤) ينظر المصدر السابق.","vol":"2","page":56},{"text":"وغيره: اجتمعت نصارى نَجْرَانَ، وأحبارُ يَهُودَ عند النبيّ ﷺ، فتنازعوا عنده، فقالت الأحبارُ: ما كان إبراهيمُ إلاَّ يهوديًّا، وقالتِ النصارى: ما كان إبراهيمُ إلاَّ نصرانيًّا/، فأنزل اللَّه الآية «١» . ومعنى قوله تعالى: فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ، أي: على زعمكم، وفسَّر الطبريُّ «٢» هذا الموضع بأنه فيما لهم به علْمٌ من جهة كتبهم، وأنبيائِهِمْ ممَّا أيقنوه، وثَبَتَتْ عندهم صحَّته، قال ع «٣»: وذهب عنه (﵀) أنَّ ما كان هكذا، فلا يحتاجُ معهم فيه إلى محاجَّة لأنهم يجدونه عند محمَّد ﷺ كما كان هناك على حقيقته. قُلْتُ: وما قاله الطبريُّ أَبْيَنُ، وهو ظاهر الآية، ومن المعلومِ أن أكثر احتجاجاتهم إنَّما كانَتْ تعسُّفًا، وجَحْدًا للحَقِّ.\nوقوله تعالى: مَا كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا ... الآية: أخبر اللَّه تعالى في هذه الآية عن حقيقة أمر إبراهيم﵇-، ونفى عنه اليهوديَّةَ والنصرانيَّةَ، والإشراكَ، ثم أخبر تعالى إخبارًا مؤكَّدًا أن أَوْلَى النَّاسِ بإبراهيم هم القومُ الَّذين اتبعوه، فيدخلُ في ذلك كُلُّ من اتبع الحنيفيةَ في الفترات وهذَا النَّبِيُّ: يعني: محمدا ﷺ لأنه بعث بالحنيفيّة السّمحة، والَّذِينَ آمَنُوا: يعني: بمحمّد ﷺ، وسائرِ الأنبياء على ما يجبُ ثم أخبر سبحانه أنه وليُّ المؤمنين وعدًا منْهُ لهم بالنَّصْر في الدنيا والنعيم في الآخرة روى عبد الله بن مسعود، عن النبيّ ﷺ أنه قَالَ: «لِكُلِّ نَبِيٍّ وُلاَةٌ مِنَ النَّبِيِّينَ، وَإنَّ وَلِيِّي مِنْهُمْ أَبِي وَخَلِيلُ رَبِّي إبْرَاهِيمُ»، ثِمَّ قَرَأَ: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ ... الآية «٤» .\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٣٠٣) برقم (٧١٩٨)، وذكره ابن عطية (١/ ٤٥٠)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٧٢)، وعزاه لابن إسحاق، وابن جرير، والبيهقي في «الدلائل» عن ابن عباس.\n(٢) ينظر: «الطبري» (٣/ ٣٠٤) .\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٤٥١) .\n(٤) أخرجه الترمذي (٥/ ٢٢٣)، كتاب «التفسير»، باب من سورة آل عمران، حديث (٢٩٩٥)، والطبري في «تفسيره» (٦/ ٤٩٨- شاكر) رقم (٧٢١٦)، والطحاوي في «مشكل الآثار» (١/ ٤٤٤)، والبزار كما في «تفسير ابن كثير» (١/ ٣٧٢) كلهم من طريق أبي أحمد الزبيري عن سفيان الثوري عن أبيه عن أبي الضحى عن مسروق عن عبد الله بن مسعود به.\nوأخرجه الحاكم (٢/ ٢٩٢) من طريق محمد بن عبيد الطنافسي عن سفيان عن أبيه عن أبي الضحى عن مسروق عن ابن مسعود به.\nوقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي.\nوأخرجه الحاكم (٢/ ٥٥٣) من طريق الواقدي عن سفيان به.\nوذكره ابن أبي حاتم في «العلل» (٢/ ٦٣) رقم (١٦٧٧) من طريق روح بن عبادة عن سفيان بهذا-","vol":"2","page":57},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-234>[سورة آل عمران (٣): الآيات ٦٩ الى ٧١]</span>\nوَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَما يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ (٦٩) يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٧٠) يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٧١)\nوقوله تعالى: وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ، قال مَكِّيٌّ: قِيلَ: إن هذه الآية عُنِيَ بها قُرَيْظَةُ، والنَّضِيرُ، وبَنُو قَيْنُقَاع، ونصارى نَجْرَانَ.\nص: قوله تعالى: وَدَّتْ طائِفَةٌ: وَدَّ: بمعنى تمنى، ويستعملُ معها: «أَنْ، ولَوْ»، ورُبَّمَا جمع بينهما نَحْوُ: «وَدِدتُّ أَنْ لَوْ فَعَلَ»، ومصدره الوَدَادَةُ، والاسْم منه الوُدُّ، وبمعنى: أَحَبَّ، فيتعدى كتَعَدِّي أَحَبَّ، ومصدره: مَوَدَّة، والاسم منه وُدٌّ، وقد يتداخَلاَنِ في الاسم والمصدر اه.\nوقوله تعالى: وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ: إعلامٌ بأن سوء فعلهم عائدٌ عليهم، وأنهم ببعدهم عن الإسلام هم الضالُّون، ثم أَعْلَمَ تعالى أنهم لا يشعُرُونَ بذلك، أي: لا يتفطَّنون، ثم وقفهم تعالى موبِّخًا لهم على لسان نبيِّه، والمعنى: قُلْ لهم، يا محمَّدُ: لأيِّ سببٍ تكفرون بآياتِ اللَّه التي هي آياتُ القرآن، وأنتم تَشْهَدُونَ أنَّ أمره وَصِفَةَ محمّد في\n_________\n- الإسناد. ومن هذا نعلم أنه اتفق أبو أحمد الزبيري ومحمد بن عبيد وروح بن عبادة والواقدي على رواية هذا الحديث عن سفيان عن أبيه عن أبي الضحى عن مسروق عن ابن مسعود.\nوقد خالفهم ابن مهدي ويحيى القطان وأبو نعيم ووكيع، فرووه عن سفيان عن أبيه عن أبي الضحى عن ابن مسعود، فأخرجه أحمد (١/ ٤٢٩- ٤٣٠) من طريق عبد الرّحمن بن مهدي عن سفيان به.\nوأخرجه (١/ ٤٠٠- ٤٠١) من طريق وكيع عن سفيان به. والترمذي (٥/ ٢٢٤) من طريق وكيع أيضا.\nوأخرجه الترمذي (٥/ ٢٢٣) كتاب «التفسير»، باب من سورة آل عمران، حديث (٢٩٩٥)، والطبري في «تفسيره» (٦/ ٤٩٩- شاكر) رقم (٧٢١٧)، والحاكم (٢/ ٥٥٣) كلهم من طريق أبي نعيم عن سفيان به.\nوقال الترمذي: هذا أصح من حديث أبي الضحى عن مسروق، وأبو الضحى اسمه مسلم بن صبيح.\nوأخرجه الخطيب (٤/ ٢٢٢) من طريق معاوية بن هشام عن سفيان به.\nوقد رجح الترمذي رواية أبي الضحى عن ابن مسعود، وكذلك رجحه أبو زرعة وأبو حاتم.\nفقال ابن أبي حاتم في «العلل» (٢/ ٦٣) رقم (١٦٧٧): سألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه أبو أحمد الزبيري وروح بن عبادة عن سفيان الثوري عن أبيه عن أبي الضحى عن مسروق عن عبد الله عن النبيّ ﷺ: «لِكُلِّ نَبِيٍّ وُلاَةٌ مِنَ النَّبِيِّينَ، وَإنَّ وَلِيِّي منهم وخليلي أبي إبراهيم»، ثم قرأ: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ. فقالا جميعا: هذا خطأ رواه المتقنون من أصحاب الثوري عن الثوري عن أبيه عن أبي الضحى عن عبد الله عن النبيّ ﷺ بلا مسروق. اهـ.\nوقد رجح الشيخ أحمد شاكر الطريقين في «تعليقه على الطبري» بكلام متين، فلينظر. [.....]","vol":"2","page":58},{"text":"كتابكم قال هذا المعنى قتادةُ وغيره «١» .\nويحتملُ أنْ يريد بالآياتِ ما ظَهَرَ على يده ﷺ من المعجزات.\nقُلْتُ: ويحتملُ الجميع من الآيات المتلوّة والمعجزات التي شاهدوها منه ﷺ.\nوقال ص: وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ: جملةٌ حاليَّةٌ، ومفعول «تَشْهَدُونَ»: محذوفٌ، أي: أنها آيات اللَّه، أو ما يدلُّ على صحَّتها من كتابكم، أوْ بمثلها من آيات الأنبياء. اهـ.\nوقوله: لِمَ تَلْبِسُونَ: معناه: تَخْلِطُونَ: تَقُولُ: لَبَسْتُ الأَمْرَ بفتح الباءِ: بمعنى خَلَطْتُهُ ومنه قوله تعالى: وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ مَّا يَلْبِسُونَ [الأنعام: ٩] .\nوفي قوله: وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ توقيفٌ علَى العنادِ ظاهرٌ.\nوباقى الآية تقدّم بيانه في «سورة البقرة» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-235>[سورة آل عمران (٣): الآيات ٧٢ الى ٧٤]</span>\nوَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢) وَلا تُؤْمِنُوا إِلاَّ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٧٤)\nوقوله تعالى: وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ ... الآية/ أخبر اللَّه سبحانه في هذه الآيةِ أنَّ طائفة من اليهودِ مِنْ أحبارهم ذهَبَتْ إلى خديعة المسلمين بهذا المَنْزَع، قال قتادة وغيره: قال بَعْضُ الأحبار: لنظهر الإيمان بمحمَّد صَدْر النَّهار ثم لنكْفُر به آخر النهار، فسيقول المُسْلِمُون عنْد ذلك: ما بَالُ هؤلاءِ كَانُوا مَعَنا ثم انصرفوا عَنَّا، ما ذاك إِلاَّ لأنهم انكشفت لهم حقيقةٌ في الأمر، فيشكُّون، ولعلَّهم يَرْجِعُون عن الإِيمان «٢» بمحمَّد، قال الإِمام الفَخْر «٣»: وفي إِخبار اللَّه تعالى عن تواطئهم على هذه الحِيلَةِ من الفائدة وجوه:\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٣٠٧) برقم (٧٢١٥)، وذكره الماوردي في «تفسيره» (١/ ٤٠٠) بنحوه، وابن عطية (١/ ٤٥٢)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٧٥)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن قتادة.\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٣٠٨) برقم (٧٢٢٠) بنحوه، وذكره الماوردي (١/ ٤٠١)، والبغوي في «تفسيره» (١/ ٣١٥)، وابن عطية (١/ ٤٥٣)، وابن كثير في «تفسيره» (١/ ٣٧٣) .\n(٣) ينظر: «مفاتيح الغيب» (٨/ ٨٤) .","vol":"2","page":59},{"text":"الأولُ: أنَّ هذه الحِيلَةَ كَانَتْ مخفيَّةً فيما بينهم، فلما أَخْبَرَ بها عنهم، كان إخبارًا بمغيَّب، فيكون مُعْجِزًا.\nالثاني: أنه تعالى، لما أطْلَعَ المؤمنينَ على تواطئهم على هذه الحيلة، لَمْ يحصل لهذه الحيلة أثرٌ في قلوب المؤمنين، ولولا هذا الإِعلام، لأمكن تأثيرها في قَلْب من ضَعُفَ إِيمانه.\nالثالث: أنَّ القوم لما افتضحوا في هذه الحيلة، صار ذلكَ رَادِعًا لهم عن الإِقدام على أمثالها من الحِيَلِ والتَّلْبِيسِ اهـ.\nوذكر تعالى عن هذه الطائفةِ مِنْ أَهْل الكتابِ أنهم قالوا: وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ، ولا خلافَ أن هذا القول هو مِنْ كلام الطائفةِ، واختلف النَّاسُ في قوله تعالى:\nأَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ، فقال مجاهد وغيره مِنْ أهل التأويل: الكلامُ كلُّه من قول الطائفة لأتْباعهم «١» .\nوقوله تعالى: قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ اعتراضٌ بَيْن الكلامَيْن قال ع «٢»: والكلامُ على هذا التأويل يحتملُ معانِيَ:\nأحدها: ولا تصدِّقوا وتؤْمنوا إلاَّ لمن جاء بِمِثْلِ دينِكُمْ حذارًا أنْ يؤتى أحدٌ من النبوَّة والكرامة مِثْلَ ما أوتيتم، وحِذَارًا أنْ يحاجُّوكم بتصديقِكُمْ إيَّاهم عنْدَ ربِّكم، إذا لم تستمرُّوا عليه، وهذا القولُ على هذا المعنى ثمرةُ الحَسَدِ والكُفْر، مع المعرفة بصحّة نبوّة محمّد ﷺ، ويحتملُ الكلام أنْ يكون معناه: ولا تُؤْمنوا بمحمَّد، وتُقِرُّوا بنبوَّته إذ قد علمتم صحَّتها إلا لليهود الّذين هم منكم، وأَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ: صفَةٌ لحالِ محمّد ﷺ، فالمعنى: تستَّروا بإقراركم أن قَدْ أوتيَ مِثْلَ ما أوتيتم، أو فإنهم (يعنون العربَ) يحاجُّونكم بالإقرار عند ربِّكم.\nوقرأ ابنُ كَثيرٍ وحْده مِنْ بَيْنِ السبعة: «آنْ يُؤتى» بالمد: على جهة الاستفهام الَّذي هو تقريرٌ «٣»، وفسر أبو عليٍّ قراءة ابن كثيرٍ على أنَّ الكلام كلّه من قول الطائفة إلّا\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٣١١) برقم (٧٢٤٢) عن قتادة قال: هذا قول بعضهم لبعض. وذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٤٥٤) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٤٥٤) .\n(٣) قال الأزهري: ومن قرأ بالمد فهو استفهام معناه الإنكار، وذلك أن أحبار اليهود قالوا لذويهم: أيؤتى أحد مثل ما أوتيتم؟ أي: لا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم. -","vol":"2","page":60},{"text":"الاعتراض الذي هو: قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ فإنه لا يختلفُ أنَّه من قول الله تعالى لنبيّه ﷺ، قال: فلا يجوزُ مع الاستفهام أنْ يحمَلَ: «آن يؤتى» على ما قبله مِنَ الفَعْلِ لأن الاستفهامَ قاطعٌ، فيجوزُ أنْ تكونَ «أَنْ» في موضِعِ رَفْعٍ بالابتداء، وخبرُهُ محذوفٌ، تقديره:\nتُصدِّقون أو تعترفُون أو تذكِّرونه لغيركم، ونحو هذا ممَّا يدلُّ عليه الكلام.\nقال ع «١»: ويكونُ «يحاجُّوكم» على هذا معطوفًا على: «أنْ يؤتى» . قال أبو عَلِيٍّ: ويجوز أنْ يكون موضع «أنْ» نَصْبًا، فيكونُ المعنَى: أتشيعونَ أو تَذكُرُون أنْ يؤتى أحدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ، ويكون ذلك بمعنى قوله تعالى عنهم: أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ [البقرة: ٧٦]، فعلى كلا الوجهَيْن/ معنَى الآية توبيخٌ من الأحبارِ للأْتباعِ على تصديقهم بأنّ محمّدا ﷺ نَبِيٌّ مبعوثٌ.\nقال ع «٢»: ويكون قوله تعالى: أَوْ يُحاجُّوكُمْ في تأويل نصْب «أنْ» بمعنى:\nأو تريدونَ أنْ يحاجُّوكم.\nوقال السُّدِّيُّ وغيره: الكلام كله من قوله: قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ إلى آخر الآية: هو مما أمر به النبيّ ﷺ أن يقوله لأمَّته «٣» .\nوحكَى الزَّجَّاج «٤» وغيره أنَّ المعنى: قُلْ إن الهدى هو هذا الهدى، لا يؤتى أحدٌ مِثْلَ ما أوتيتم.\nومعنى الآية على قول السدِّيِّ: أيْ: لم يعط أحدٌ مثْلَ حظِّكم، وإلاَّ فليحاجَّكم مَنِ ادعى سوى ذلك، أو يكون المعنى: أو يحاجُّونكم على معنى الازدراء باليَهُود كأنه قال:\nأو هَلْ لهم أنْ يحاجُّوكم، أو يخاصمُوكُمْ فيما وهبَكُم اللَّه، وفضَّلكم به، وقال قتادةُ والرَّبيع: الكلام كله من قوله: قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ إلى آخر الآية هو مما أمر به النبيّ ﷺ أن يقوله للطائفة.\n_________\n- ينظر: «معاني القراءات» (١/ ٢٦٠)، و«السبعة» (٢٠٧)، و«الكشف» (١/ ١٤٧)، و«الحجة» (٣/ ٥٢)، و«حجة القراءات» (١٦٥)، و«إعراب القراءات» (١/ ١١٤)، و«العنوان» (٨٠)، و«شرح الطيبة» (٤/ ١٦٠)، و«إتحاف فضلاء البشر» (١/ ٤٨٢) .\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٤٥٥) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٤٥٥) .\n(٣) أخرجه الطبري (٣/ ٣١٢) برقم (٧٢٤٨)، وذكره ابن عطية (١/ ٤٥٦)، والسيوطي (٢/ ٧٦)، وعزاه لابن أبي حاتم عن السدي.\n(٤) «معاني القرآن» (١/ ٤٣٠) .","vol":"2","page":61},{"text":"قال ع «١»: ويحتملُ أنْ يكون قوله: أَنْ يُؤْتى بدلًا من قوله: هُدَى اللَّهِ.\nقلْتُ: وقد أطالوا الكلامَ هنا، وفيما ذكرناه كفايةٌ.\nوقوله تعالى: قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ في الآية تكذيبٌ لليهود في قولهم: لَنْ يُؤْتِيَ اللَّهُ أحدًا مِثْلَ ما أتى بني إسرائيل من النبوَّة والشَّرف، وباقي الآية تقدَّم تفسير نظيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-236>[سورة آل عمران (٣): الآيات ٧٥ الى ٧٨]</span>\nوَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥) بَلى مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ وَاتَّقى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧٦) إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٧) وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٨)\nوقوله تعالى: وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ ... الآية: أخبر تعالى عن أهْل الكتاب أنهم قسْمَانِ في الأمانةِ، ومَقْصِدُ الآية ذمُّ الخَوَنَةِ منْهم، والتفنيدُ لرأيهم وكَذِبِهِمْ على اللَّه في استحلالهم أموالَ العَرَبِ. قال الفَخْرَ «٢» وفي الآية ثلاثةُ أقوال:\nالأول: أنَّ أهل الأمانةِ منهم الَّذين أسْلَمُوا، أمَّا الذين بَقُوا عَلَى اليهوديَّة، فهم مصرُّون عَلَى الخيَانَة لأن مذهبهم أنَّه يحلُّ لهم قَتْلُ كلِّ من خالفهم في الدِّينِ، وأَخْذُ ماله.\nالثَّاني: أنَّ أهل الأمانة منهم هم النصارى، وأهل الخيانة هم اليهودُ.\nالثالث: قال ابنُ عَبَّاس: أوْدَعَ رجلٌ عبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلاَمٍ أَلْفًا ومِائَتَيْ أُوقِيَّةٍ مِنْ ذَهَبٍ، فأدَّى إلَيْه، وأودَعَ آخَرُ فِنْحَاصًا اليهوديَّ دينارًا، فخانه، فنزلَتِ الآية. اهـ «٣» .\nقال ابنُ العَرَبِيِّ في «أحكامِهِ» «٤»: قال الطبريُّ «٥»: وفائدةُ هذه الآية النهي عن ائتمانهم\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٤٥٦) .\n(٢) ينظر: «مفاتيح الغيب» (٨/ ٨٨) .\n(٣) ذكره البغوي في «تفسيره» (١/ ٣١٧) . [.....]\n(٤) ينظر: «أحكام القرآن» (١/ ٢٧٥) .\n(٥) ينظر: «تفسير الطبري» (٣/ ٣١٥) بنحوه.","vol":"2","page":62},{"text":"على مالٍ، وقالَ شيْخُنا أبو عبدِ اللَّهِ المغربيُّ: فائدتُها ألاَّ يؤُتَمَنُوا على دِينٍ يدُلُّ عليه ما بعده في قوله: وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ ... الآية، والصحيحُ عندي:\nأنها في المالِ نصٌّ، وفي الدِّينِ تنبيهٌ، فأفادَتِ المعنيين بهذَيْنِ الوجهَيْنِ. قال ابنُ العربيِّ:\nفالأمانةُ عظيمةُ القَدْرِ في الدِّينِ، ومن عظيمِ قَدْرها أنها تقفُ على جَنَبَتَيِ الصِّراطِ لا يُمَكَّنُ من الجواز إلا مَنْ حفظها، ولهذا وجَبَ علَيْكَ أن تؤدِّيها إلى من ائتمنك، ولا تَخُنْ مَنْ خانك، فتقابل المعْصِيَةَ بالمَعْصية وكذلك لا يجوزُ أنْ تَغْدُرَ مَنْ غَدَرَكِ. قال البخاريُّ:\nباب إثْمِ الغَادِرِ للْبَرِّ والفَاجِرِ. اهـ.\nوالقِنْطَارُ في هذه الآية: مثالٌ للمالِ الكَثيرِ، يَدْخُلُ فيه أكثر من القِنْطَارِ وأقلُّ، وأَمَّا الدينار، فيحتملُ أنْ يكون كذلك مثالًا لما قَلَّ، ويحتملُ أنْ يريد أنَّ منهم طبقةً لا تخون إلا في دينار فما زاد، ولم يُعْنَ/ لذكْرِ الخائنَين في أقَلَّ إذ هم طَغَامٌ حُثَالَةٌ، ودَامَ: معناه:\nثبت.\nوقوله: قائِمًا: يحتملُ معنيين: قال قتادة، ومجاهد، والزَّجَّاج «١»: معناه: قَائِمًا على اقتضاءِ حَقِّك «٢»، يريدون بأنواع الاقتضاءِ من الحَفْزِ والمُرَافَعَةِ إلى الحاكِمِ مِنْ غَيْر مراعاة لهيئة هذا الدِّائِم.\nوقال السُّدِّيُّ وغيره: معنى قَائِمًا: على رأسه «٣» .\nوقوله: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ ... الآية: الإشارة ب «ذَلِكَ» إلى كونهم لا يؤدُّون الأمانة، أي: يقولون نحن من أهل الكتاب، والعرب أُمِّيُّونَ أَصْحَابُ أوثانٍ، فأموالهم لنا حلالٌ، متى قَدَرْنا على شيْءٍ منها، لا حُجَّة عَلَيْنَا في ذلك، ولا سبيلَ لمعترضٍ.\nوقوله تعالى: وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ذمٌّ لبني إسرائيل بأنهم يَكْذِبُونَ علَى اللَّه سبحانه في غير مَا شَيْءٍ، وهم عالمون بمواضع الصّدق.\n_________\n(١) ينظر: «معاني القرآن» (١/ ٤٣٣) .\n(٢) أخرجه الطبري (٣/ ٣١٥) برقم (٧٢٥٨)، (٧٢٥٩) عن قتادة، وبرقم (٧٢٦٠) عن مجاهد، وذكره ابن عطية (١/ ٤٥٨)، والسيوطي (٢/ ٧٧)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد.\n(٣) أخرجه الطبري (٣/ ٣١٦) برقم (٧٢٦٢)، وذكره ابن عطية (١/ ٤٥٨)، والسيوطي (٢/ ٧٧)، وعزاه لابن أبي حاتم عن السدي.","vol":"2","page":63},{"text":"قال ص: وَهُمْ يَعْلَمُونَ: جملةٌ حاليَّةٌ. اهـ.\nثم ردَّ اللَّه تعالى في صَدْر قولهم: لَيْسَ عَلَيْنا بقوله: بَلى أي: عليهم سبيلٌ، وحُجَّةٌ، وتِبَاعَةٌ، ثُمَّ أخبر على جهة الشرط أنَّ مَنْ أوفى بالعَهْد، واتقى عقُوبةَ اللَّهِ في نَقْضه، فإنه محبوبٌ عند اللَّه.\nوقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ ... الآية: آية وعيدٍ لمن فعل هذه الأفاعيل إلى يوم القيامة، وهي آية يدخُلُ فيها الكُفْر فما دونه من جَحْد الحَقِّ وخَتْرِ «١» المواثيقِ، وكلٌّ يأخذ من وعيدها بحَسَب جريمتِهِ.\nقال ابنُ العربِيِّ في «أحكامه» «٢»: وقد اختلف الناسُ في سَبَب نزول هذه الآيةِ، والذي يصحُّ من ذلك: أنَّ عبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ حَلَفَ يَمِينَ صَبْرٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امرئ مُسْلِمٍ، لَقِيَ اللَّهَ، وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ»، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ:\nإِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا ... الآية، قال: فجاء الأشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، فَقَالَ: فِيَّ نَزَلَتْ كَانَتْ لِي بِئْرٌ فِي أَرْضِ ابن عَمٍّ لِي، وفِي رِوَايَةٍ: كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنَ اليهود أرض، فجحدني، فقال النّبيّ ﷺ: «بَيِّنَتُكَ أَوْ يَمِينُهُ»، قُلْتُ: إذَن يَحْلِفَ، يَا رسول الله، فقال النّبيّ ﷺ وذَكَرَ الحديث «٣» . اهـ.\nوقوله تعالى: وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ ... الآية: يَلْوُونَ: معناه:\nيحرِّفون ويتحيَّلون لتبديل المعانِي من جهة اشتباه الألفاظ، واشتراكها، وتشعّب\n_________\n(١) الختر: شبيه بالغدر والخديعة، وقيل: هو الخديعة بعينها، وقيل: هو أسوأ الغدر وأقبحه، وفي التنزيل العزيز: كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ [لقمان: ٣٢] . ينظر: لسان العرب» (١٠٩٩) .\n(٢) ينظر: «أحكام القرآن» (١/ ٢٧٧- ٢٧٨) .\n(٣) أخرجه البخاري (٥/ ٢٨٠)، كتاب «الشهادات»، باب اليمين على المدعى عليه، حديث (٢٦٦٩، ٢٦٧٠)، ومسلم (١/ ١٢٢- ١٢٣) كتاب «الإيمان»، باب من اقتطع حق امرئ مسلم بيمين فاجرة، حديث (٢٢٠/ ١٣٨)، وأبو داود (٤/ ٤١) كتاب «الأقضية»، باب إذا كان المدعى عليه ذميا، حديث (٣٦٢١)، والترمذي (٥/ ٢٢٤) كتاب «التفسير» باب (٤) حديث (٢٩٩٦)، وابن ماجة (٢/ ٧٧٨) كتاب «الأحكام»، باب البينة على المدعي، حديث (٢٣٢٢) .\nوالحميدي (١/ ٥٣) رقم (٩٥)، والطيالسي (١/ ٢٤٦) رقم (١٢١٦)، وأبو عوانة (١/ ٣٨- ٣٩) باب بيان الأعمال التي يستوجب فاعلها عذاب الله، وأبو يعلى (٩/ ٥٠- ٥١) رقم (٥١١٤)، والبيهقي (١٠/ ١٧٨) كلهم من طريق أبي وائل عن ابن مسعودٍ قال: قال رسول اللَّه ﷺ: «من حلف على يمين هو فيها فاجر ليقتطع بها مال امرئ مسلم، لقي الله وهو عليه غضبان» فقال الأشعث بن قيس: فيّ والله كان ذلك.","vol":"2","page":64},{"text":"التأويلات كقولهم: راعِنا [البقرة: ١٠٤]، وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ [النساء: ٤٦] ونحو ذلك، وليس التبديلُ المحْضُ بِلَيٍّ، وحقيقةُ اللَّيِّ في الثِّيَابِ والحِبَالِ ونحوها، وهو فَتْلُها وإراغتها ومنه: لَيُّ العُنُق، ثم استعمل ذلك في الحُجَج، والخُصُوماتِ والمُجَادلاتِ، والكِتَابُ في هذا الموضع: التوراةُ، والضميرُ في «تَحْسَبُوهُ» للمسلمين.\nوقوله: وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ: نفْيٌ أنْ يكون منزَّلًا من عند اللَّه كما ادعوا، وهو من عند اللَّه، بالخَلْق، والاختراع، والإيجاد، ومنهم بالتكسّب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-237>[سورة آل عمران (٣): الآيات ٧٩ الى ٨٠]</span>\nما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩) وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠)\nوقوله تعالى: مَا كانَ لِبَشَرٍ ... الآية: معناه: النفْيُ التامُّ لأنا نقطع أنَّ اللَّه لا يؤتي النبوّة للكذبة والمدّعين، والْكِتابَ هنا اسم جنس، والْحُكْمَ: بمعنى الحكمة ومنه قول النبيّ ﷺ: «إنَّ مِنَ الشِّعْرِ لَحُكْمًا» «١» وقال الفَخْر «٢»: هنا اتفق أهْلُ اللغة والتفْسير على أنَّ هذا الحكم هو العلْم، قال تعالى: وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا [مريم: ١٢] يعني: العلم والفهم. اهـ.\n«وثُمَّ»: في قوله: ثُمَّ يَقُولَ: معطيةٌ تعظيمِ الذنْبِ في القولِ بعد مُهْلة من هذا الإنعام، وقوله: عِبادًا: جمع «عَبْدٍ»، ومن جموعه عَبِيد، وعِبِدَّى.\nقال ع «٣»: والذي أستقْرَيْتُ/ في لفظة العِبَادِ، أنه جَمْعُ عَبْدٍ، متى سيقَتِ اللفظةُ في مضمارِ الترفيعِ، والدلالةِ على الطاعة، دون أنْ يقترن بها معنى التَّحْقير، وتصغير الشأن، وأما العبيد، فيستعمل في التحقير.\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (٢/ ٧٢١)، كتاب «الأدب»، باب ما جاء في الشعر، حديث (٥٠١١)، والترمذي (٥/ ١٢٦)، كتاب «الأدب»، باب ما جاء إن من الشعر حكمة، حديث (٢٨٤٥) وابن ماجة (٢/ ١٢٣٦)، كتاب «الأدب»، باب الشعر، حديث (٣٧٥٦)، والبخاري في «الأدب المفرد» رقم (٨٧٢)، وأحمد (١/ ٢٦٩، ٣٠٣، ٣٠٩، ٣١٣، ٣٢٧، ٣٣٢)، وأبو يعلى (٤/ ٢٢٠) رقم (٢٣٣٢)، والبيهقي (١٠/ ٢٤١)، كتاب «الشهادات»، باب شهادات الشعراء، كلهم من طريق سماك عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعا.\nوقال الترمذي: حديث حسن صحيح.\n(٢) ينظر: «مفاتيح الغيب» (٨/ ٩٨) .\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٤٦١) .","vol":"2","page":65},{"text":"قال ص: ونوقش ابْنُ عطيَّة بأنَّ «عِبِدَّى»: اسْمُ جمعٍ، وتفريقه بيْن عِبَادٍ وعَبِيدٍ لا يصحُّ. اهـ.\nقلتُ: وقوله تعالى: أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ [الفرقان: ١٧] ونحوه يوضِّحه. اهـ.\nومعنى الآيةِ: ما كان لأحَدٍ من النَّاسِ أنْ يَقُولَ: اعبدوني، واجعلوني إلَهًا، قال النَّقَّاشُ وغيره: وهذه الإِشارة إلى عيسى﵇-، والآية رادَّة على النصارى، وقال ابنُ عَبَّاس وجماعةٌ من المفسّرين: بل الإشارة إلى النبيّ ﷺ وسببُ نزولِ الآيةِ أنَّ أبا رافِعٍ القُرَظِيَّ قال للنبيّ ﷺ حِينَ اجتمعت الأحبارُ من يهودَ، والوَفْدُ مِنْ نصارى نَجْرَانَ: يَا مُحَمَّدُ، إنَّمَا تُرِيدُ أَنْ نَعْبُدَكَ وَنَتَّخِذَكَ إلَهًا، كَمَا عَبَدَتِ النصارى عيسى، فَقَالَ الرَّئِيسُ مِنْ نصارى نَجْرَانَ: أَوَ ذَاكَ تُرِيدُ يَا مُحَمَّدُ، وَإلَيْهِ تَدْعُونَا؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَعَاذَ اللَّهِ! مَا بِذَلِكَ أُمِرْتُ، وَلاَ إلَيْهِ دَعَوْتُ»، فنزلَتِ الآية، قال بعْضُ العلماءِ: أرادَتِ الأحبار أن تلزم هذا القول محمّدا ﷺ، لَمَّا تلا علَيْهِمْ: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي [آل عمران: ٣١] وإنَّما معنى الآيةِ: فاتبعوني فيما أدْعُوكُمْ إليه مِنْ طاعة اللَّهِ، فحرَّفوها بتأوُّلهم، وهذا مِنْ نوع لَيِّهِمُ الكتابَ بألسنتهم، قال الفَخْر «١» وقال ابنُ عبَّاس: إن الآية نزَلَتْ بسبب قولِ النَّصَارَى:\nالمَسِيحُ ابن اللَّهِ، وقولِ اليهود: عُزَيْرٌ ابن اللَّه «٢» وقيل: إن رجلًا من المسلِمِينَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلاَ نَسْجُدُ لَكَ؟ فَقَالَ﵇-: «مَا يَنْبَغِي السُّجُودُ إلاَّ لِلَّهِ» «٣» . قيلَ:\nوقوله تعالى: أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ يقوِّي هذا التأويل. اهـ.\nوقوله تعالى: وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ ... الآيةَ: المعنى: ولكنْ يقول: كونُوا ربانيِّين، وهو جَمْعُ رَبَّانِيٍّ، قال قومٌ: منْسُوبٌ إلَى الرَّبِّ من حيثُ هو عَالِمٌ ما علمه، عَامِلٌ بطاعته، معلِّم للناس ما أُمِرَ به، وزِيدَتْ فيه النُّونُ مبالغةً، وقال قومٌ: منسوبٌ إلى الرّبَّان، وهو معلِّم الناس، مأخوذ من: رَبِّ يَرُبُّ، إِذا أصلح، وربى، والنُّون أيضا زائدة\n_________\n(١) ينظر: «مفاتيح الغيب» (٨/ ٩٦) .\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٣٢٣) برقم (٧٢٩٤)، وذكره البغوي في «تفسيره» (١/ ٣٢٠)، وابن عطية في «تفسيره» (١/ ٤٦٢)، وابن كثير في «تفسيره» (١/ ٣٧٧)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٨٢)، وعزاه لابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في «الدلائل» عن ابن عباس.\n(٣) أخرجه ابن حبان (١٢٩١- موارد) بهذا اللفظ من حديث أبي هريرة.\nوأخرجه الترمذي (١١٥٩)، والبيهقي (٧/ ٢٩١)، مختصرا. [.....]","vol":"2","page":66},{"text":"كما زيدَتْ في غَضْبَان، وعَطْشَان «١»، وفي البخاريِّ: الرَّبَّانِيُّ الذي يُرَبِّى النَاس بصغارِ العِلْمِ قبل كِبارِهِ.\nقال ع «٢»: فجملةُ ما يُقَالُ في الرَّبَّانِيِّ: أنه العالمُ بالرَّبِّ والشرعِ، المصيبُ في التقديرِ من الأقوال والأفعال الَّتي يحاولُها في النَّاس، وقوله: بِما كُنْتُمْ: معناه: بسَبَبِ كونكُمْ عالمينَ دارِسِينَ، ف «مَا»: مصدريةٌ، وأسند أبو عمر بن عبد البر في كتاب «فضل العلم»، عن النبيّ ﷺ قَالَ: العِلْمُ عِلْمَانِ، علْمٌ فِي القَلْب، فَذَلِكَ العِلْمُ النَّافِعُ، وعِلْمٌ في اللسان، فذلك حُجَّة اللَّه (﷿) على ابن آدَمَ «٣»، ومِنْ حديثِ ابن وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هَلاَكُ أُمَّتِي عَالِمٌ فَاجِرٌ، وعَابِدٌ جَاهِلٌ، وَشَرُّ الشِّرَارِ جَبَّارُ العُلَمَاءِ، وَخَيْرُ الخِيَارِ خِيَارُ العُلَمَاءِ» «٤» . اهـ.\n_________\n(١) والربّانيّون جمع ربّانيّ، وفيه قولان:\nأحدهما: أنه منسوب إلى الرّبّ، والألف والنون فيه زائدتان في النسب دلالة على المبالغة، كرقباني، وشعراني، ولحياني للغليظ الرقبة، والكثير الشعر، والطويل اللحية، ولا تفرد هذه الزيادة عن النسب، أمّا إذا نسبوا إلى الرقبة، والشعر، واللحية من غير مبالغة قالوا: رقبي وشعري ولحوي، هذا معنى قول سيبويه.\nوالثاني: أنه منسوب إلى ربّان، والربّان هو المعلّم للخير ومن يسوس الناس ويعرّفهم أمر دينهم، فالألف والنون دالّتان على زيادة الوصف كهي في عطشان، وريّان، وجوعان، ووسنان، وتكون النسبة على هذا في الوصف نحو أحمريّ، قال:\nأطربا وأنت قنّسريّ ... والدّهر بالإنسان دوّاريّ\nوقال سيبويه: «زادوا ألفا ونونا في الرّباني أرادوا تخصيصا بعلم الرب دون غيره من العلوم، وهذا كما قالوا: شعراني، ولحياني، ورقباني» وفي التفسير: «كونوا فقهاء علماء»، ولمّا مات ابن عباس قال محمد ابن الحنفية: «مات اليوم ربّانيّ هذه الأمة» .\nينظر: «الكتاب» (٢/ ٨٩) و«الدر المصون» (٢/ ١٤٧- ١٤٨) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٤٦٢) .\n(٣) أخرجه الدارمي (١/ ١٠٢)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (١٣/ ٢٣٥)، وابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (١١٥٠)، عن الحسن عن النبيّ ﷺ مرسلا.\nوأخرجه الخطيب (٤/ ٣٤٦)، وابن الجوزي في «العلل المتناهية» رقم (٨٨) . من طريق الحسن عن جابر مرفوعا.\nوأخرجه ابن الجوزي في «العلل» (٨٩)، من طريق أبي الصلت الهروي، عن يوسف بن عطية الصفار، عن قتادة، عن الحسن، عن أنس مرفوعا.\nوالحديث ضعيف.\n(٤) ذكره ابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (١١٦٢) من حديث ابن وهب عن النبيّ ﷺ.","vol":"2","page":67},{"text":"وقرأ جمهورُ النَّاس: «تَدْرُسُونَ» بضم الرَّاء: من دَرَسَ، إذا أَدْمَنَ قراءةَ الكِتَابِ، وكرَّره.\nوقرأ نافع وغيره: «وَلاَ يَأْمُرُكُمْ» برفع الراء: على القَطْع «١» قال سِيبَوَيْهِ: المعنى لا يأمركم اللَّه، وقال ابْنُ جُرَيْجٍ وغيره: المعنى: ولا يأمركم هذا البَشَر الذي أُوتِيَ هذه النعَمَ، وهو محمّد ﷺ «٢»، وأما قراءةُ مَنْ نَصَب الراء، وهو حمزةُ وغيره، فهي عَطْفٌ على قوله:\nأَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ، المعنى: ولا له أنْ يأمركم قاله أبُو عَلِيٍّ وغيره «٣»، وهو الصوابُ، لا ما قاله الطَّبَرِيُّ «٤» من أنَّها عطْفٌ على قوله: ثُمَّ/ يَقُولَ، والأربابُ في هذه الآية:\nبمعنى الآلهة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-238>[سورة آل عمران (٣): الآيات ٨١ الى ٨٥]</span>\nوَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٨٢) أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣) قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٨٤) وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (٨٥)\nوقوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ: المعنى: واذكر يا محمَّد إذْ، فيحتملُ أن يكون أخذ هذا الميثاق حين أَخرج بني آدم مِنْ ظَهْر آدم نَسَمًا، ويحتملُ أنْ يكون هذا الأخْذُ على كلِّ نبيٍّ في زمنه، ووقت بعثه، والمعنى: إنَّ اللَّه تعالى أخذ ميثاقَ كُلِّ نبيٍّ بأنه ملتزمٌ هو ومن آمَنَ به الإيمانَ بمَنْ أتى بعده من الرُّسُل، والنّصر له، وقال ابن عبّاس: إنما\n_________\n(١) ينظر: «السبعة» (٢١٣)، و«الكشف» (١/ ٣٥٠)، و«الحجة» (٣/ ٥٧)، و«معاني القراءات» (١/ ٢٦٤)، و«حجة القراءات» (١٦٨)، و«العنوان» (٨٠)، و«إعراب القراءات» (١/ ١١٦)، و«شرح طيبة النشر» (٤/ ١٦١)، و«شرح شعلة» (٣١٩)، و«إتحاف» (١/ ٤٨٣) .\n(٢) أخرجه الطبري بنحوه في «تفسيره» (٣/ ٣٢٧) برقم (٧٣٢٠)، وذكره البغوي في «تفسيره» (١/ ٣٢١)، وابن عطية في «تفسيره» (١/ ٤٦٣)، والسيوطي في «الدر المنثور» بنحوه (٢/ ٨٣)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر.\n(٣) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٤٦٣) .\n(٤) ينظر: «تفسير الطبري» (٣/ ٣٢٧) .","vol":"2","page":68},{"text":"أخذ اللَّه ميثاقَ النَّبيِّين على قومهم، فهو أخذ لميثاقِ الجميع «١»، وقال عَلِيُّ بْنُ أبي طَالِبٍ (﵁): لَمْ يبعثِ اللَّهُ نَبِيًّا آدَمَ فَمَنْ بعده، إلا أخذ عليه العهد في محمّد ﷺ: لَئِنْ بُعثَ، وهو حيٌّ، لَيُؤْمِنَنَّ به، ولينصُرَنَّه «٢»، وأمره بأخذه على قومه، ثم تلا هذه الآيةَ، وقاله السُّدِّيُّ «٣» .\nوقرأ حمزةُ: «لِمَا» بكسر اللام «٤»، وهي لامُ الجَرِّ، والتقديرُ لأجْلِ ما آتيناكم إذْ أنتم القادَةُ والرءوس، ومَنْ كان بهذه الحال، فهو الذي يُؤْخَذُ ميثاقُهُ، و«ما» في هذه القراءةِ بمعنَى «الَّذِي»، والعائدُ إلَيْها من الصِّلَة، تقديره: آتيناكموه، و«مِنْ»: لبيان الجنس، وثُمَّ جاءَكُمْ ... الآية: جملةٌ معطوفةٌ على الصِّلة، ولا بُدَّ في هذه الجملة مِنْ ضميرٍ يعودُ على الموصُول، وإنما حذف تخفيفًا لطول الكلام، وتقديره عند سيبويه: رَسُولٌ بِهِ مصَدِّقٌ لِمَا معَكُمْ، واللامُ فِي: لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ هي اللامُ المتلقِّية للقَسَمِ الذي تضمَّنه أخْذُ الميثاقِ، وفصل بَيْن القَسَم والمُقْسَم عليه بالجارِّ والمجرورِ، وذلك جائِزٌ، وقرأ سائِرُ السَّبْعة «لَمَا» بفتح اللام، وذلك يتخرَّج على وجهين:\nأَحدهما: أنْ تكون «مَا» موصولةً في مَوْضع رفع بالابتداء، واللاَّمُ لامُ الابتداء، وهي متلقِّية لما أُجْرِيَ مُجْرَى القَسَم من قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ، وخَبَرُ الابتداءِ قولُهُ: لَتُؤْمِنُنَّ، ولَتُؤْمِنُنَّ: متعلِّق بقَسَمٍ محذوفٍ، فالمعنى: واللَّهِ، لَتُؤْمِنُنَّ، قاله أبو عَلِيٍّ «٥» وهو متَّجِه بأنَّ الحَلِفَ يقع مرَّتين.\nوالوجْهُ الثاني: أنْ تكونَ «ما» للجزاءِ شرْطًا، فتكون في موضع نصبٍ بالفعلِ الذي\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٣٣٠) برقم (٧٣٢٤)، وذكره الماوردي في «تفسيره» (١/ ٤٠٦)، والبغوي في «تفسيره» (١/ ٣٢٢)، وابن عطية (١/ ٤٦٤)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٨٤)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٣٣٠) برقم (٧٣٢٦)، وذكره الماوردي في «تفسيره» بنحوه (١/ ٤٠٦)، والبغوي في «تفسيره» (١/ ٣٢٢)، وابن عطية (١/ ٤٦٤)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٨٤) .\n(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٣٣٠) برقم (٧٣٢٩)، وذكره الماوردي في «تفسيره» (١/ ٤٠٦)، وابن عطية (١/ ٤٦٤)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٨٤)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم.\n(٤) ينظر: «السبعة» (٢١٣)، و«الكشف» (١/ ٣٥١)، و«الحجة» (٣/ ٦٢)، و«إعراب القراءات» (١/ ١١٦)، و«شرح الطيبة» (٤/ ١٦١)، و«معاني القراءات» (٢٦٥)، و«شرح شعلة» (٣٢٠)، و«إتحاف» (١/ ٤٨٣)، و«العنوان» (٨٠) .\n(٥) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٤٦٤) .","vol":"2","page":69},{"text":"بعْدَهَا، وهو مجزومٌ، و«جَاءَكُمْ»: معطوفٌ في موضع جزمٍ، واللام الداخلَةُ على «مَا» ليسَتِ المتلقِّية للقَسَمِ، ولكنها الموطِّئةُ المُؤْذِنَةُ بمجيءِ لامِ القَسَم، فهي بمَنْزِلَة اللاَّم في قوله تعالى: لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ [الأحزاب: ٦٠] لأنها مؤذِنَةٌ بمجيء المتلقِّية للقسم في قوله: لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ [الأحزاب: ٦٠] وكذلك هذه مؤذنةٌ بمجيء المتلقِّية للقَسَمِ في قوله:\n«لَتُؤْمِنُنَّ» .\nوقرأ نافعٌ وحْده: «آتَيْنَاكُمْ»، بالنُّون، وقرأ الباقون: «آتَيْتُكُمْ» بالتاء «١»، ورَسُول في هذه الآية: اسمُ جنسٍ، وقال كثيرٌ من المفسرين هو نبيّنا محمّد ﷺ.\nوقوله تعالى: قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي ... هذه الآية: هي وصْفُ توقيفِ الأنبياء﵈- على إِقرارهم بهذا الميثاق، والتزامهم له، وَأَخَذْتُمْ في هذه الآية: عبارةٌ عمَّا تحصَّل لهم من إيتاء الكُتُبِ والحِكْمة، فَمِنْ حيْثُ أخذ عليهم، أخذوا هم أيضًا، وقال الطَّبَرِيُّ «٢»: أَخَذْتُمْ في هذه الآية: معناه: قَبِلْتُمْ، والإصْر: العَهْد لا تَفْسِير له في هذا الموضع إلا ذَلِكَ «٣» .\nوقوله تعالى: فَاشْهَدُوا يحتملُ معنَيَيْنِ:\nأحدهما: فاشهدوا/ على أممكم المؤمنينِ بكُمْ، وعلى أنْفُسِكُمْ بالتزام هذا العَهْد، قاله الطَّبَرِيُّ، وجماعة «٤» .\nوالمعنى الثاني: بُثوا الأمْرَ عنْد أممكم، واشهدوا به، وشهادةُ اللَّهِ على هذا التأويل هي إعطاء المُعْجَزَاتِ، وإقرارُ نبوّاتهم، هذا قول الزّجّاج وغيره «٥» .\n_________\n(١) وحجة نافع قوله تعالى: وَآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا [الإسراء: ٥٥]، وقوله سبحانه: وَآتَيْناهُمَا الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ [الصافات: ١١٧]، ونحوه.\nينظر: «حجة القراءات» (١٦٨)، و«السبعة» (٢١٤)، و«الحجة» (٣/ ٦٩)، و«معاني القراءات» (١/ ٢٦٥)، و«إعراب القراءات» (١/ ١١٦)، و«شرح شعلة» (٣١٩)، و«العنوان» (٨٠)، و«إتحاف فضلاء البشر» (١/ ٤٨٤) . [.....]\n(٢) ينظر: «الطبري» (٣/ ٣٣٢) .\n(٣) وأصل الإصر: الثّقل والشّدّ. والإصر- أيضا-: الذنب. والإصر- أيضا-: والأصر ما عطفك على شيء.\nينظر: «لسان العرب» (٨٦، ٨٧) .\n(٤) ينظر: «الطبري» (٣/ ٣٣٣) .\n(٥) ينظر: «معاني القرآن» (١/ ٤٣٧) .","vol":"2","page":70},{"text":"وقال ع «١»: فتأمَّل أنَّ القول الأول هو إيداعُ الشهادةِ واستحفاظها، والقولُ الثَّانِي هو الأمر بأدائها، وحَكَمَ تعالى بالفِسْقِ على مَنْ تولى مِنَ الأمم بَعْدَ هذا الميثاق، قاله عليُّ بْنُ أبي طَالِبٍ، وغيره «٢»، وقرأ أبو عَمرٍو: «يَبْغُونَ» بالياء مِنْ أَسْفَلُ مفْتُوحَة «٣»، و«تَرْجِعُونَ» بالتَّاء من فوقُ مضمومةً، وقرأ عاصمٌ بالياءِ من أسفَلُ فيهما، وقرأ الباقُون بالتَّاء فيهما، ووجوه هذه القراءاتِ لا تخفى بأدنى تأمُّل.\nوتبغون: معناه: تَطْلُبُونَ.\nقال النوويِّ: ورُوِّينَا في كتاب ابن السُّنِّيِّ، عن السَّيِّدِ الجليلِ المُجْمَعِ على جلالته وحِفْظِهِ ودِيَانَتِهِ وَوَرَعِهِ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ دِينَارٍ البَصْرِيِّ الشَّافِعِيِّ المشهور «٤» أنه قَالَ: لَيس رجُلٌ يكونُ على دابَّة صَعْبَةٍ، فيقول في أذنها: أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ، إلا وقَفَتْ بإذن اللَّه تعالى.\nوروِّينَا في كتاب ابن السّنّيّ، عن ابن مسعود، عن النبيّ ﷺ أنَّهُ قَالَ: «إذَا انفلتت دَابَّةُ أَحَدِكُمْ بِأَرْضٍ فلاة، فليناد: يا عباد الله، احبسوا، يَا عِبَادَ اللَّهِ، احبسوا، فَإنَّ للَّهِ ﷿ فِي الأَرْضِ حَاضِرًا سَيَحْبِسُهَا «٥» .\nقال النَّوويُّ «٦»: حكى لِي بعُضْ شُيُوخِنا أَنَّهُ انفلتت لَهُ دابّة أظنّها بغلة، وكان يعرف\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٤٦٦) .\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٢/ ٣٣٣) برقم (٧٣٣٧)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٤٦٦) .\n(٣) وهي رواية حفص عن عاصم، وحجتهما أن الخطاب قد انقضى بالفصل بينه وبين ذلك بقوله: فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ ... الآية، ثم إن المعنى حينئذ: اليهود.\nينظر: «السبعة» (٢١٤)، و«الكشف» (١/ ٢٥٣)، و«العنوان» (٨٠)، و«الحجة للقراء السبعة» (٣/ ٦٩)، و«حجة القراءات» (١٧٠)، و«شرح شعلة» (٣٢٠)، و«شرح الطيبة» (٤/ ١٦٢)، و«إتحاف» (١/ ٤٨٤)، و«معاني القراءات» (١/ ٢٦٧) .\n(٤) يونس بن عبيد بن دينار الإمام القدوة، الحجة، أبو عبد الله العبدي، مولاهم البصري، من صغار التابعين وفضلائهم.\nرأى أنس بن مالك، وحدث عن الحسن، وابن سيرين، وعطاء، وعكرمة، قال علي بن المديني: له نحو مائتي حديث، وقال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث، وقال أحمد وابن معين والناس: ثقة.\nينظر: «السير» (٦/ ٢٨٨)، «طبقات ابن سعد» (٧/ ٢٦٠)، «الكامل» (٥/ ٤٨٧)، «حلية الأولياء» (٣/ ١٥- ٢٧) .\n(٥) أخرجه ابن السني في «عمل اليوم والليلة»، حديث (٥٤٢) .\n(٦) ينظر: «حلية الأبرار» (ص ٢٥٧) .","vol":"2","page":71},{"text":"هذا الحديثَ، فقالَهُ، فَحَبَسَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ في الحَالِ، وكنْتُ أَنَا مرَّةً مع جماعةٍ، فانفلتت منَّا بهيمةٌ، فَعَجَزُوا عَنْها، فَقُلْتُهُ، فوقَفَتْ في الحال بغَيْر سَبَبٍ سوى هذا الكلامِ. اهـ.\nوأَسْلَمَ: معناه: استسلم، عند الجمهور.\nواختلفوا في معنى قوله: طَوْعًا وَكَرْهًا، فقال مجاهد: هذه الآيةُ كقوله تعالى:\nوَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [لقمان: ٢٥] فالمعنى: أنَّ إقرار كلِّ كافرٍ بالصانعِ هو إسلامٌ كرهًا «١»، ونحوه لأبي العالية، وعبارته: كُلُّ آدمِيِّ، فقد أقرَّ على نفسه بأنَّ اللَّه رَبِّي، وأنا عبده، فمَنْ أشرك في عبادته، فهو الذي أسلم كرهًا، ومن أخلَص، فهو الذي أسلم طَوْعًا «٢» .\nقال ع «٣»: والمعنى في هذه الآية يفهم كلُّ ناظر أنَّ الكره خاصٌّ بأهل الأرض.\nوقوله سبحانه: أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ: توقيفٌ لمعاصرِي نبيّنا محمّد ﷺ من الأحبار والكفّار.\nقوله تعالى: قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ ... الآية: المعنى قل يا محمّد، أنت وأمّتك: آمَنَّا بِاللَّهِ ... الآية، وقد تقدَّم بيانها في «البقرة»، ثم حكم تعالى في قوله: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ ... الآيةَ بأنه لا يقبل من آدمي دِينًا غير دين الإسلام، وهو الَّذي وافَقَ في معتقداته دِينَ كُلِّ مَنْ سمي من الأنبياء﵈-، وهو الحنيفيَّة السَّمْحة، وقال بعض المفسِّرين: إن مَنْ يَبْتَغِ ... الآيةَ، نزلَتْ في الحارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ «٤»، قُلْتُ: وعلى تقدير صحَّة هذا القول، فهي تتناولُ بعمومها من سواه إلى يوم القيامة.\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٢/ ٣٣٤) برقم (٧٣٤٠)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٤٦٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٨٥)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير.\n(٢) ذكره ابن عطية (١/ ٤٦٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٨٦) . وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم.\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٤٦٧) .\n(٤) الحارث بن سويد بن الصامت الأنصاري الأوسي، ووقع لابن عبد البر الحارث بن سويد، ويقال: ابن مسلم المخزومي، ارتدّ ولحق بالكفار فنزلت: كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا.\nينظر: «الإصابة» (١/ ٦٧١- ٦٧٢)، «أسد الغابة» ت (٨٩٩) . [.....]","vol":"2","page":72},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-239>[سورة آل عمران (٣): الآيات ٨٦ الى ٨٩]</span>\nكَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦) أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٨٧) خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٨) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٨٩)\nوقوله تعالى: / كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ... الآيات: قال ابنُ عَبَّاس: نَزَلَتْ هذه الآياتُ من قوله: كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ في الحارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ الأنْصَارِيِّ، كان مُسْلِمًا، ثم ارتد وَلحِقَ بالشرك، ثم نَدِمَ، فأرْسَلَ إلى قومه أن سلوا رسول الله ﷺ، هَلْ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فنزلَتِ الآياتُ إلى قوله: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا، فأرسلَ إلَيْهِ قومُهُ، فأسْلَمَ «١»، قال مجاهدٌ: وحَسُنَ إسْلاَمُهُ «٢»، وقال ابنُ عَبَّاسٍ أيضًا والحَسَنُ بْنُ أبي الحَسَنِ: نَزلَتْ في اليهود والنّصارى، شهدوا ببعث النبيّ ﷺ، وآمنوا به، فلَمَّا جاء من العَرَب، حَسَدُوه، وكَفَرُوا «٣» به، ورجَّحه الطبري «٤» .\nوقال النقِّاش: نزلَتْ في طُعَيْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ «٥» .\nقال ع «٦»: وكُلُّ مَنْ ذُكِرَ، فألفاظ الآيةِ تعمُّه.\nوقوله تعالى: كَيْفَ: سؤالٌ عن حال لكنَّه سؤال توقيفٍ على جهة الاستبعادِ للأمْر، فالمعنى أنهم لشدَّة هذه الجرائِمِ يبعد أنْ يهديَهُم اللَّه جميعًا، وباقي الآيةِ بيِّن.\nقال الفَخْر «٧»: واستعظم تعالى كُفْرَ هؤلاء المرتدِّين بَعْدَ حصولِ هذه الخِصَالِ الثَّلاث لأن مثل هذا الكُفْر يكونُ كالمعانَدَة والجُحُود وهذا يدلُّ على أنَّ زَلَّة العالِمِ أقبح من زلّة الجاهل. اهـ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-240>[سورة آل عمران (٣): الآيات ٩٠ الى ٩٣]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (٩٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدى بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٩١) لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٩٢) كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًاّ لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلاَّ ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٩٣)\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٢/ ٣٣٨) برقم (٧٣٥٨)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٤٦٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٨٧)، وعزاه للنسائي، وابن حبان، وابن أبي حاتم، والبيهقي في «سننه»، من طريق عكرمة.\n(٢) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٤٦٨) .\n(٣) ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٨٨)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس، وعن الحسن، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر.\n(٤) ينظر: «تفسير الطبري» (٣/ ٣٢٠) .\n(٥) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٤٦٨) .\n(٦) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٤٦٨) .\n(٧) ينظر: «مفاتيح الغيب» (٨/ ١١٢) .","vol":"2","page":73},{"text":"وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا ... الآية: قال أبو العَالِيَة رفيع: الآية في اليهود كفروا بمحمّد ﷺ بعد إيمانهم بصفاته، وإقرارِهِمْ أنها في التَّوراة، ثم ازدادوا كُفْرًا بالذُّنوبِ الَّتي أصابوها في خلاف النبيّ ﷺ مِنَ الافتراءِ، والبَهْتِ، والسَّعْي على الإسلام، وغير ذلك «١» .\nقال ع «٢»: وعلى هذا الترتيبِ يَدْخُلُ في الآية: المرتدُّون اللاحقون بقُرَيْش، وغيرُهم. وقال مجاهد: معنى قوله: ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا، أي: أتموا على كُفْرهم، وبلغوا المَوْت «٣» به.\nقال ع «٤»: فيدخُلُ في هذا القولِ: اليهودُ، والمرتدُّون، وقال السُّدِّيُّ نحوه «٥»، ثم أخبر تعالى أنَّ توبة هؤلاءِ لَنْ تقبَل، وقد قررت الشريعةُ أنَّ توبة كلِّ كافر تقبل، فلا بُدَّ في هذه الآيةِ مِنْ تخصيصٍ تُحْمَلُ عليه، ويصحُّ به نَفْيُ قبولِ التَّوبة، فقال الحسن وغيره:\nالمعنى: لَنْ تُقْبَلَ توبتُهم عنْدَ الغَرْغَرَةِ والمعاينة، وقال أبو العاليَةِ: المعنى: لَنْ تُقْبَلَ توبتْهم مِنْ تلك الذُّنُوبِ الَّتي أصابُوها مع إقامتهم على كفرهم بمحمّد ﷺ «٦» .\nقال ع «٧»: وتحتملُ الآية عنْدي أنْ تكونَ إشارةً إلى قومٍ بأعيانهم من المرتدِّين، وهم الذين أشار إلَيْهم بقوله سبحانه: كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا [آل عمران: ٨٦]، فأخبر عنهم أنَّه لا\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٣٤١) برقم (٧٣٧٤، ٧٣٧٥)، وذكره الماوردي في «تفسيره» (١/ ٤٠٨)، وأسنده لأبي العالية، وذكره أيضا ابن عطية (١/ ٤٦٩)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٨٨)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٤٦٩) .\n(٣) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٤٧٠)، والسيوطي في «الدر» (٢/ ٨٨)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير.\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٤٧٠) .\n(٥) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٣٤٢) برقم (٧٣٨١)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٨٨)، وعزاه لابن جرير.\n(٦) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٤٧٠) .\n(٧) ينظر: المصدر السابق. [.....]","vol":"2","page":74},{"text":"تكونُ منهم توبَةٌ، فيتصوَّر قبولها فكأنه أخبر عن هؤلاء المعيَّنين أنهم يموتون كُفَّارًا، ثم أخبر الناسَ عَنْ حُكْم كلِّ مَنْ يموت كافرًا، والمِلْء: ما شُحِنَ به الوعاء، وقوله: وَلَوِ افْتَدى بِهِ، قال الزَّجَّاج «١»: المعنى: لَنْ يقبلَ منْ أحدهم إنفاقُهُ وتقرُّباته في الدُّنْيَا، ولو أنفق مِلْءَ الأرْض ذَهَبًا، ولو افتدى أيضًا به في الآخرة، لَنْ يقبَل منْه، قال: فأَعْلَمَ اللَّهُ أنه لا يُثِيبُهُم على أعمالهم من الخَيْر، ولا يقبل منهم الافتداء من العذاب.\nقال ع «٢»: وهذا قولٌ حسَنٌ، وقال قوم: الواو زائدةٌ، وهذا قولٌ مردودٌ، ويحتملُ المعنى نفْيَ القَبُول على كلِّ وجه، ثم خص مِنْ تلك الوجوهِ أليقها وأحراها بالقَبُول، وباقي الآية وعيدٌ بَيِّن، عافانا اللَّه من عقابِهِ، وخَتَمَ لنا بما خَتَمَ به للصَّالحين من عباده/.\nوقوله تعالى: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ... الآية: خطابٌ لجميعِ المؤمنين، فتحتملُ الآية أنْ يريد لَنْ تنالوا بِرَّ اللَّه بكُمْ، أي: رحمتَهُ ولُطْفَه، ويحتملُ أنْ يريد لَنْ تنالوا درجَةَ الكمالِ مِنْ فعْلِ البِرِّ حتى تكونُوا أبرارًا إلاَّ بالإنفاقِ المُنْضَافِ إلى سائر أعمالكم.\nقال ص: قوله: مِمَّا تُحِبُّونَ: «مِنْ»: للتبعيضِ تدلُّ عليه قراءةُ عبْد اللَّهِ:\n«بَعْضِ مَا تُحِبُّونَ» «٣» اهـ.\nقال الغَزَّالِيُّ: قال نافعٌ: كانَ ابْنُ عُمَرَ مريضًا، فاشتهى سَمَكَةً طَرِيَّةً، فحملتْ إلَيْه على رغيفٍ، فقام سائلٌ بالبابِ، فأمر بدفعها إلَيْه، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أيّما امرئ اشتهى شَهْوَةً، فَرَدَّ شَهْوَتَهُ، وآثَرَ على نَفْسِهِ غفر الله له» «٤» اهـ من «الإحياء» .\n_________\n(١) ينظر: «معاني القرآن» للزجاج (١/ ٤٤١) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٤٧٠) .\n(٣) ينظر: «الكشاف» (١/ ٣٨٥)، و«البحر المحيط» (٢/ ٥٤٦)، و«الدر المصون» (٢/ ١٦٦) .\n(٤) ذكره الهندي في «الكنز» (٤٣١١٢)، وعزاه للدار قطني في الأفراد، وأبي الشيخ في «الثواب» .\nوقال الحافظ العراقي في «تخريج الإحياء» (٣/ ٢٥٧): أخرجه ابن حبان في «الضعفاء»، وأبو الشيخ في «الثواب» من حديث ابن عمر بسند ضعيف. اهـ.\nوالحديث أخرجه ابن الجوزي في «الموضوعات» (٣/ ١٣٨)، من طريق عمرو بن خالد، عن حبيب بن أبي ثابت، عن نافع، عن ابن عمر به.\nوقال ابن الجوزي: هذا حديث موضوع، والمتهم به عمرو بن خالد، قال وكيع: كان في جوارنا يضع الحديث، وقال ابن عدي: عامة ما يروي موضوعات كذبه أحمد، ويحيى.\nواعلم أن جهلة المتزهدين بنوا على مثل هذا الحديث الواهي، فتركوا كل ما تشتهيه النفس، فعذبوا أنفسهم لمجاهدتها في ترك كل ما يشتهى من المباحات، وذلك غلط لأن للنفس حقّا، ومتى ترك كل ما-","vol":"2","page":75},{"text":"قال ع «١»: وبسبب نزول هذه الآيةِ تَصَدَّقَ أبو طَلْحَةَ بحائِطِه المسمى بَيْرَحًا، وتصدَّق زيْدُ بْنُ حَارِثَةَ بفَرَسٍ كان يحبُّها، وكان عبد اللَّه بنُ عُمَرَ يشْتَهِي أكْلَ السُّكَّر باللّوز، فكان يَشْتَرِي ذلك، ويَتصدَّق به «٢» .\nقال الفَخْر «٣»: والصحيحُ أنَّ هذه الآية في إيتاء المالِ على طريق النَّدْب، لا أنها في الزكاة الواجِبَةِ. اهـ.\nوقوله سبحانه: وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ شرطٌ وجوابٌ فيه وعْد، أي: عليمٌ مُجَازٍ به، وإن قَلَّ.\nوقوله تعالى: كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ ... الآية إخبار بمغيّب عن النبيّ ﷺ لا يعلمه إلا اللَّه، وعُلَماءُ أهْلِ الكِتَابِ، وحِلاَّ: معناه: حَلاَلًا، والآيةُ ردُّ على اليهودِ في زَعْمهم أنَّ كُلَّ ما حَرَّموه على أنفسهم أنه بأمر اللَّه تعالى في التوراة، فأكذبهم اللَّه تعالى بهذه الآية، وقوله سبحانه: إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ، أي: فهو محرَّم عليهم في التَّوْراة، لا هذه الزوائد التي افتروها.\nوقال الفَخْر «٤»: قوله تعالى: مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ، المعنى: أنَّ قَبْلَ نُزُولِ التوراةِ كان حَلاَلًا لبني إسرائيل كُلُّ أنواعِ المطْعُوماتِ سوى ما حرَّمه إسرائيلُ على نفسه، فأما بعد نزولِ التوراةِ، فلم يَبْقَ الأمرُ كذلك، بل حَرَّم اللَّه عليهمْ أنواعًا كثيرةً بسبب بَغْيِهِمْ، وذلك هو عَيْنُ النَّسْخِ الذي هُمْ له منكرون. اهـ.\n_________\n- تشتهيه أثر في صورتها ومعناها. أما في صورتها، فإن جسدها قد بني على أخلاط وفي باطنها طبيعة مستحثة على ما يصلحها، فإذا قلّت عندها الرطوبة مالت إلى المرطبات، وإذا كثرت فيها طلبت المنشفات، طلبا لإصلاح بدنها، فإذا منعت ما ركبت عليه من طلب الملائم كان ذلك مضادا لحكمة الواضع، ومبالغة في أذى النفس.\nوأما في معناها ينكمد برد أغراضها إذ نيل أغراضها يقوي حاستها، فلا ينبغي أن يترك من أغراضها، إلا ما خاف من تناوله، إما الملائم أو التثبط عن الطاعة، أو فوات خيرها، وإنما المنع من ترك شهواتها على الإطلاق. وأما إذا اشتهت شيئا من فضول العيش، فآثرت به، فالثواب حاصل، وذلك داخل في قوله تعالى: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران: ٩٢] .\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٤٧١) .\n(٢) ذكره ابن عطية (١/ ٤٧١) .\n(٣) ينظر: «مفاتيح الغيب» (٨/ ١١٨) .\n(٤) ينظر: «مفاتيح الغيب» (٨/ ١٢٣) .","vol":"2","page":76},{"text":"قال ع «١»: ولم يختلفُ فيما علمتُ أنَّ سبَبَ تحريمِ يَعْقُوبَ ما حرَّمه على نَفْسِهِ هو بمَرَضٍ أصابه، فَجَعَلَ تحريمَ ذلِكَ شُكْرًا للَّه، إنْ شُفِيَ، وقيل: هو وَجَعُ عِرْقِ النّسا، وفي حديث عن النبيّ ﷺ: «إنَّ عِصَابَةً مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ، قَالُوا لَهُ: يَا مُحَمَّدُ، مَا الَّذِي حَرَّمَ إسْرَائِيلُ على نَفْسِهِ؟ فَقَالَ لَهُمْ: أُنْشِدُكُمْ بِاللَّه! هَلْ تَعْلَمُونَ أنَّ يَعْقُوبَ مَرِضَ مَرَضًا شَدِيدًا، فَطَالَ سَقَمُهُ مِنْهُ، فَنَذَرَ لِلَّهِ نَذْرًا، إنْ عَافَاهُ اللَّهُ مِنْ سَقَمِهِ، لَيُحْرِّمَنَّ أَحَبَّ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ إلَيْهِ، وَكَانَ أَحَبُّ الطَّعَامِ إلَيْهِ لُحُومَ الإبِلِ، وَأَحَبُّ الشَّرَابِ إلَيْهِ أَلْبَانَهَا؟ قَالُوا:\nاللَّهُمَّ، نَعَمْ» «٢» .\nقال ع «٣»: وظاهرُ الأحاديثِ والتفاسيرِ في هذا الأمْرِ أنَّ يعقوبَ﵇- حَرَّم لُحوم الإبلِ وألْبَانَهَا، وهو يحبُّها تقرُّبًا بذلك إذْ ترك الترفُّه والتنعُّم من القُرَبِ، وهذا هو الزهْدُ في الدُّنْيا، وإليه نَحَا عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ (﵁) بقوله: «إيَّاكُمْ وهذه المَجَازِرَ فإنَّ لها ضَرَاوَةً كَضَرَاوَةِ الخَمْرِ» ومِنْ ذلك قولُ أبِي حَازِمٍ الزاهِدِ، وقدْ مَرَّ بسُوقِ الفَاكِهَةِ، / فرأى مَحَاسِنَهَا، فقَالَ: مَوْعِدُكَ الجَنَّةُ، إنْ شاء الله.\nوقوله ﷿: قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ ... الآية: قال الزَّجَّاج «٤»: وفي هذا تعجيز لهم، وإقامة للحجة عليهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-241>[سورة آل عمران (٣): الآيات ٩٤ الى ٩٧]</span>\nفَمَنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩٤) قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٩٥) إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا وَهُدىً لِلْعالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ (٩٧)\nوقوله سبحانه: فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ\n، أي: مِنْ بعد ما تبيَّن له الحَقُّ، وقيامُ الحُجَّة، فهو الظَّالِمُ.\nوقوله: قُلْ صَدَقَ اللَّهُ، أي: الأمر كما وصَفَ سبحانه، لا كما تَكْذُبونَ، فإن كنتم تَعْتزونَ إلى إبراهيم، فاتبعوا ملَّته على ما ذكر الله.\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٤٧٣) .\n(٢) رواه الطبري (٧٤٠٢) عن ابن عباس، وزاد السيوطي في «الدر» (٢/ ٩٢) فعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم.\nوأخرجه الطبري (٧٤٠٠) عن الضحّاك.\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٤٧٣) .\n(٤) ينظر: «معاني القرآن» (١/ ٤٤٤) .","vol":"2","page":77},{"text":"وقوله سبحانه: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ...... الآية: لا مِرْيَة أنَّ إبراهيم﵇- وضع بيْتَ مكة، وإنما الخلافُ، هَلْ هو وضع بَدْأَةً أوْ وُضِعَ تجديدًا؟ وقال الفَخْر «١»: يحتمل أولًا في الوضْعِ والبناءِ، ويحتملُ أنْ يريد أولًا في كونه مباركًا، وهذا تحصيلُ المفسِّرين في الآية. اهـ.\nقال ابن العربيِّ في «أحكامِهِ» «٢» وكونُ البَيْتِ الحَرَامِ مُبَارَكًا، قيل: بركَتُهُ ثوابُ الأعمال هناك، وقيل: ثوابُ قاصِدِيهِ، وقيل: أمْنُ الوَحْش فيه، وقيل: عُزُوفُ النفْسِ عن الدنيا عِنْدَ رؤيته، قال ابنُ العربيِّ «٣»: والصحيحُ عِنْدَي أنَّهُ مُبَارَكٌ مِنْ كلِّ وجْهٍ مِنْ وجوه الدنْيَا والآخرة وذلك بجميعه موجودٌ فيه. اهـ.\nقال مالكٌ في سماعِ ابن القاسِمِ من «العتبية»: بَكَّة موضعُ البَيْت، ومَكَّة غيره مِنَ المواضعِ، قال ابن القاسِمِ: يريد القَرْيَةَ «٤»، قلتُ: قال ابنُ رُشْدٍ في «البيان» «٥»: أرى مالكًا أخَذَ ذلك مِنْ قول اللَّه ﷿ لأنه قال تعالى في بَكَّة: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا، وهو إنما وضع بموضعه الَّذي وُضِعَ فيه لا فيما سواه من القرية، وقال في «مَكَّة» وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ [الفتح: ٢٤] وذلك إنما كان في القرية، لا في موضع البَيْتَ. اهـ.\nوقوله سبحانه: فِيهِ، أي: في البيت آياتٌ بَيِّناتٌ، قال ع «٦»: والمترجِّح عندي أنَّ المَقَامَ وأَمْنَ الدَّاخِلِ جُعِلاَ مثالًا ممَّا في حَرَمِ الله من الآيات وخصّا بالذكر لعظمهما، ومَقامُ إِبْراهِيمَ: هو الحَجَرُ المعروفُ قاله الجمهور، وقال قوم: البيتُ كلُّه مقامُ إبراهيم، وقال قومٌ: الحَرَمُ كلُّه مقامُ إبراهيم، والضميرُ في قوله: وَمَنْ دَخَلَهُ عائدٌ على البَيْت في قول الجمهور، وعائد على الحرم\n_________\n(١) ينظر: «مفاتيح الغيب» (٨/ ١٢٥) . [.....]\n(٢) ينظر: «أحكام القرآن» (٢/ ٢٨٣٠) .\n(٣) ينظر: «أحكام القرآن» (٢/ ٢٨٣- ٢٨٤) .\n(٤) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٤٧٤) .\n(٥) صاحب «البيان» هو أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن رشد القرطبي. وكتاب «البيان» هو كتاب «البيان والتحصيل لما في المستخرجة من التوجيه والتعليل»، وهي مستخرجة العتبي المسماة «العتبية»، وهو كتاب عظيم نيف على عشرين مجلدا.\nينظر: «شجرة النور» (١/ ١٢٩)، و«هدية العارفين» (٢/ ٨٥)، و«الديباج المذهب» (٢/ ٢٤٨) .\n(٦) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٤٧٥) .","vol":"2","page":78},{"text":"في قول مَنْ قَالَ: مقامُ إبراهيم هو الحرم.\nوقوله: كانَ آمِنًا قال الحَسَنُ وغيره: هذه وصْفُ حالٍ كانَتْ في الجاهلية، إذا دخَلَ أحدٌ الحَرَمَ، أَمِنَ، فلا يُعْرَضُ له، فأما في الإسلام، فإن الحرم لا يَمْنَعُ مِنْ حَدٍّ مِنْ حدودِ اللَّه، وقال يَحْيَى بْنُ جَعْدَةَ: معنى الآية: ومَنْ دخل البيتَ، كان آمنًا من النَّار، وحكى النقَّاش عن بَعْض العُبَّاد، قال: كُنْتُ أطوفُ حوْلَ الكعبةِ لَيْلًا، فقلْتُ: يا رَبِّ، إنّك قلت: وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِنًا، فمماذا هو آمنٌ؟ فسمعتُ مكلِّمًا يكلِّمني، وهو يقولُ: مِنَ النَّارِ، فنظَرْتُ، وتأمَّلت، فما كان في المكان أحد، قال ابنُ العَرَبِيِّ في «أحكامه» «١»: وقول بعضهم: وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمنًا من النار- لا يصحُّ حمله على عمومه، ولكنه ثَبَتَ أنَّ مَنْ حَجَّ، فَلَمْ يرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ، خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ «٢»، والحَجُّ المَبْرُور لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إلاَّ الجنّة «٣» . قال ذلك كلّه رسول الله ﷺ اهـ.\n_________\n(١) ينظر: «أحكام القرآن» (٢/ ٢٨٥) .\n(٢) أخرجه البخاري (٣/ ٣٨٢)، كتاب «الحج»، باب فضل الحج المبرور، حديث (١٥٢١)، (٤/ ٢٥)، كتاب «المحصر»، باب قوله الله تعالى: فَلا رَفَثَ، حديث (١٨١٩)، وباب قول الله (﷿):\nوَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ، حديث (١٨٢٠) . ومسلم (٢/ ٩٨٣)، كتاب «الحج»، باب في فضل الحج والعمرة، حديث (٤٣٨/ ١٣٥٠) . والنسائي (٥/ ١٤)، كتاب «الحج»، باب فضل الحج.\nوالترمذي (٣/ ١٧٦)، كتاب «الحج»، باب ما جاء في ثواب الحج والعمرة، حديث (٨١) . وابن ماجة (٢/ ٩٦٤- ٩٦٥)، كتاب «المناسك»، باب فضل الحج والعمرة، حديث (٢٨٨٩) . وأحمد (٢/ ٢٤٨، ٤١٠، ٤٨٤)، والطيالسي (١/ ٢٠٢- منحة) رقم (٩٧٥) . والدارمي (٢/ ٣١)، كتاب «المناسك»، باب في فضل الحج والعمرة، وأبو يعلى (١١/ ٦١) رقم (٦١٩٨) . وأبو نعيم في «الحلية» (٨/ ٣١٦) . وابن خزيمة (٤/ ١٣١) رقم (٢٥١٤)، وابن حبان رقم (٣٧٠٢- الإحسان) . والبيهقي (٥/ ٦٧)، كتاب «الحج»، باب لا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج، والخطيب في «تاريخ بغداد» (١١/ ٢٢٢)، والحميدي (٢/ ٤٤٠) رقم (١٠٠٤)، والبغوي في «شرح السنة» (٤/ ٤- بتحقيقنا) . كلهم من طريق أبي حازم عن أبي هريرة مرفوعا.\nوقال الترمذي: حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح.\n(٣) أخرجه البخاري (٣/ ٦٩٨) في العمرة: باب العمرة، وجوب العمرة وفضلها (١٧٧٣)، ومسلم (٢/ ٩٨٣) في الحج: باب في فضل الحج والعمرة ويوم عرفة (٤٣٧- ١٣٤٩)، والنسائي (٥/ ١١٥) في الحج: باب فضل العمرة. والترمذي (٣/ ٢٧٢) في الحج، باب ما ذكر في فضل العمرة (٩٣٣) . وابن ماجة (١/ ٩٦٤) في المناسك: باب فضل الحج والعمرة (٢٨٨٨) . وأحمد (٢/ ٢٤٦، ٢٦١، ٢٦٢)، والدارمي (٢/ ٣١) في المناسك: باب في فضل الحج والعمرة، من طريق سمي مولى أبي بكر بن عبد الرّحمن، عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة مرفوعا: «العمرة إلى العمرة كفارة ما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة» .\nوقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.","vol":"2","page":79},{"text":"وقوله تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ ... الآية: هو فرضُ الحجِّ في كتابِ اللَّه بإجماع، وقرأ حمزةُ، والكِسَائيُّ، وحَفْص عن عاصِمٍ: «حَجُّ الَبْيتِ» بكَسْر الحاء، وقرأ الباقُونَ بفتحها «١»، / فَبِكَسْر الحاء: يريدُون عَمَلَ سَنَةٍ واحدةٍ، وقال الطبريُّ «٢»: هما لُغَتَانِ الكَسْر: لُغَةُ نَجْدٍ، والفتْحُ لغة أهل العَالِيَةِ.\nوقوله سبحانه: مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا «مَنْ»: في موضعِ خَفْضٍ بدلٍ من «النَّاس»، وهو بدلُ البَعْض من الكلِّ، وقال الكسائيُّ وغيره: هي شَرْطٌ في موضع رفعٍ بالابتداء، والجوابُ محذوفٌ، تقديره: فَعَلَيْهِ الحِجُّ ويدلُّ عليه عطْفُ الشرطِ الآخَرِ بعده في قوله:\nوَمَنْ كَفَرَ، وأسند الطبريُّ إلى النبيِّ ﷺ أنه قال: «مَنْ مَلَكَ زَادًا وَرَاحِلَةً، فَلَمْ يَحُجَّ، فَلاَ عَلَيْهِ أَنْ يَمُوتَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا «٣»، وذهب جماعةٌ من العلماءِ إلى أنَّ قوله سبحانه:\nمَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا كلامٌ عامٌّ لا يتفسَّر بزادٍ ولا راحلةٍ، ولا غَيْرِ ذلك، بل إذا كان مستطيعًا غَيْرَ شاقٍّ على نفسه، فقد وجَبَ علَيْه الحَجُّ، وإليه نحا مَالِكٌ في سماع أَشْهَبَ، وقال: لا صِفَةَ في هذا أبْيَنُ ممَّا قال الله تعالى. هذا أنْبَلُ الأقوال، وهذه مِنَ الأمور التي يتصرَّف فيها فِقْهُ الحال، والضميرُ في «إِلَيْهِ» عائدٌ على البيت، ويحتملُ عَلَى الحِجِّ.\nوقوله سبحانه: وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ، قال ابن عبَّاس وغيره:\nالمعنى: مَنْ زعم أنَّ الحَجَّ ليس بفَرْضٍ عليه «٤»، وروي عن النبيّ ﷺ أنه قرأَ هذه الآيةَ، فقَالَ رَجُلٌ مِنْ هُذَيْلٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: مَنْ تَرَكَهُ، كَفَرَ، فقال له النبيّ ﷺ: «من تركه، لا\n_________\n(١) ينظر: «السبعة» (٢١٤)، و«الكشف» (١/ ٢٥٣)، و«الحجة» (٣/ ٧١)، و«العنوان» (٨٠)، و«حجة القراءات» (١٧٠)، و«إعراب القراءات» (١/ ١١٧)، و«شرح شعلة» (٣٢٠)، و«شرح الطيبة» (٤/ ١٦٢)، وإتحاف» (١/ ٤٨٥)، و«معاني القراءات» (١/ ٢٦٨) .\n(٢) ينظر: «تفسير الطبري» (٣/ ٣٦٦) .\n(٣) أخرجه الدارمي (٢/ ٢٩)، كتاب «الحج»، باب من مات ولم يحج. وأبو نعيم في «الحلية» (٩/ ٢٥١)، من طريق شريك، عن ليث، عن عبد الرّحمن بن سابط، عن أبي أمامة مرفوعا.\nومن هذا الوجه أورده ابن الجوزي في «الموضوعات» (٢/ ٢١٠- بتحقيقنا)، وقال: لا يصح. وأعله بالمغيرة بن عبد الرّحمن، قال يحيى: ليس بشيء. وفيه ليث، وقد ضعفه ابن عيينة، وتركه يحيى القطان، ويحيى بن معين، وابن مهدي، وأحمد.\nقلت: ولا وجه لإعلاله بالمغيرة لأنه توبع على هذا الحديث، تابعه الدارمي، ومحمد بن أسلم، عن أبي نعيم في «الحلية» .\n(٤) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٣٦٧)، وذكره الماوردي في «تفسيره» (١/ ٤١١)، والبغوي في «تفسيره» (١/ ٣٣٠)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ١٠١)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم.","vol":"2","page":80},{"text":"يَخَافُ عُقُوبَتَهُ، ومَنْ حَجَّهُ لاَ يَرْجُو ثَوَابَهُ، فَهُوَ ذَلِكَ» «١»، وقال بمعنى هذا الحديثِ ابْنُ عبَّاس وغيره، وقال السُّدِّيُّ وجماعة مِنْ أهْل العلْم. معْنَى الآيةِ: مَنْ كَفَر بأنْ وَجَد ما يَحُجُّ به، ثم لَمْ يَحُجَّ، قال السُّدِّيُّ: مَنْ كان بهذه الحالِ، فهو كافرٌ «٢»، يعني: كُفْرَ مَعْصية، ولا شكَّ أنَّ مَنْ أنعم اللَّه علَيْه بمالٍ وصحَّة، ولم يَحُجَّ، فقد كَفَر النِّعْمَةَ، وقال ابنُ عُمَر وجماعةٌ: معنى الآيةِ: ومن كَفَر باللَّه واليومِ الآخِرِ، قال الفَخْر «٣»: والأكثرون هم الذين حَمَلُوا الوعيدَ على مَنْ ترك اعتقادَ وُجُوبَ الحجِّ، وقال الضَّحَّاك: لما نَزلَتْ آية الحَجِّ، فأعْلَمِ النبيُّ ﷺ بذَلِكَ أَهْلَ المِلَلِ، وقَالَ: «إنَّ اللَّه تعالى كَتَبَ عَلَيْكُمْ الحَجُّ، فحُجُّوا»، فَآمَنَ بِهِ المُسْلِمُونَ وَكَفَرَ غَيْرُهُم «٤» فَنَزَلَتِ الآيةُ، قَالَ الفَخْرُ «٥»: وهذا هو الأقوى، واللَّه أعلم. اهـ.\nومعنى قوله تعالى: غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ: الوعيدُ لِمَنْ كفر، والقَصْدُ بالكلامِ: فَإنَّ اللَّه غنيٌّ عنهم، ولكن عمَّم اللفظ ليَبْرَعَ المعنى، وتنتبه الفِكَرُ لقدرته سبحانه، وعظيم سلطانه، واستغنائه عن جميعِ خَلْقِهِ لا ربّ سواه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-242>[سورة آل عمران (٣): الآيات ٩٨ الى ١٠١]</span>\nقُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ (٩٨) قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَداءُ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٩) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ (١٠٠) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٠١)\nوقوله ﷿: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلى مَا تَعْمَلُونَ. هذه الآياتُ: توبيخٌ لليهود المعاصرين للنّبيّ ﷺ، والكتابُ: التوراةُ، وآياتُ اللَّه يحتملُ أنْ يريدَ بها القُرآن، ويحتملُ العلاماتِ الظاهرةَ على يَدَيِ النبيّ ﷺ، وقوله\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٣٦٨) رقم (٧٥٠٩)، عن أبي داود نفيع.\nوذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ١٠١)، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد.\n(٢) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٤٨٠) . [.....]\n(٣) ينظر: «مفاتيح الغيب» (٨/ ١٣٥) .\n(٤) أخرجه الطبري (٧/ ٤٩- ٥٠) برقم (٧٥١٦)، وسعيد بن منصور رقم (٥١٥) . كلاهما من طريق جويبر عن الضحاك به.\nوذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ١٠١)، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.\n(٥) ينظر: «مفاتيح الغيب» (٨/ ١٣٥) .","vol":"2","page":81},{"text":"سبحانه: وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلى مَا تَعْمَلُونَ وعيدٌ محض، قال الطبريّ «١»: هاتان الآيتان:\nقُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ، وما بعدهما إلى قوله: وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ [آل عمران: ١٠٥]، نزلَتْ بسبب رَجْلٍ من اليهودِ، حاول الإغراء بَيْن الأوس والخَزْرَج، قال ابنُ إسْحَاق: حدَّثني الثِّقَةُ عَنْ زَيْدِ بنِ أسْلَم، قال: مَرَّ شَاسُ بْنُ قَيْسٍ اليَهُودِيُّ، وكان شَيْخًا قَدْ عَسَا فِي الجَاهِلِيَّةِ عَظِيمَ الكُفْر، شَدِيدَ الضِّغْن على المُسْلمين/، والحَسَدِ لهم على نَفَرٍ من أصحاب رسول الله ﷺ مِنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ، وَهُمْ في مَجْلِسٍ يتحدَّثُونَ، فغَاظَهُ مَا رآه مِنْ جماعَتِهِمْ وصَلاَحِ بَيْنِهِمْ بَعْدَ مَا كَانَ بينَهُمْ مِنَ العَدَاوَةِ، فَقَالَ:\nقَدِ اجتمع مَلأ بَنِي قَيْلَةَ بِهَذِهِ البِلاَدِ، واللَّهِ، مَا لَنَا مَعَهُمْ، إذَا اجتمع مَلَؤُهُمْ بِهَا مِنْ قَرَارٍ، فَأَمَر فَتًى شَابًّا مِنْ يَهُودَ، فَقَالَ: اعمد إلَيْهِمْ، واجلس مَعَهُمْ، وَذَكِّرْهُمْ يَوْمَ بُعَاثَ، وَمَا كَانَ قَبْلَهُ مِنْ أَيَّامِ حَرْبِهِمْ، وَأَنْشِدْهُمْ مَا قَالُوهُ مِنَ الشِّعْرِ فِي ذَلِكَ، فَفَعَلَ الفتى، فَتَكَلَّمَ القَوْمُ عِنْدَ ذَلِكَ، فَتَفَاخَرُوا، وَتَنَازَعُوا حتى تَوَاثَبَ رَجُلاَنِ مِنَ الحَيَّيْنِ عَلَى الرُّكَبِ أوْسُ بْنُ قَيْظِيٍّ مِنَ الأَوْسِ، وَجَبَّارُ بْنُ صَخْر مِنَ الخَزْرَجِ، فَتَقَاوَلاَ، ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: إنْ شِئْتُمْ، وَاللَّهِ، رَدَدْنَاهَا الآنَ جَذَعَةً، فَغَضِبَ الفَرِيقَانِ، وَقَالُوا: قَدْ فَعَلْنَا، السِّلاَحَ السِّلاَح! مَوْعِدُكُمُ الظَّاهِرَةُ، يُرِيدُونَ: الحَرَّةَ، فَخَرَجُوا إليها وتحاوز النَّاسُ على دَعْوَاهُمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا فِي الجاهليّة، وبلغ ذلك النّبيّ ﷺ، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ فِيمَنْ مَعَهُ مِنَ المُهَاجرِينَ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ، اللَّه اللَّه، أَبِدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ، وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ «٢»، وَوَعَظَهُمْ، فَعَرَفَ القَوْمُ أَنَّهَا نَزْغَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَأَلْقُوا السِّلاَحَ، وَبَكَوْا، وَعَانَقَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا مِنَ الأَوْسِ وَالخَزْرَجِ، وانصرفوا مع رسول الله ﷺ سَامِعِينَ مُطِيعِينَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي شَاسِ بْنِ قيسٍ، وما صَنَعَ هذه الآيات.\nوقال الحَسَنُ وغيره: نزلَتْ في أحْبَار اليَهُود الَّذِينَ يَصُدُّون المُسْلِمِينَ عَنِ الإسلام، ويَقُولُون: إن محمَّدًا ليس بالموصُوفِ في كتابنا «٣» .\nقال ع «٤»: ولا شَكَّ في وقوعِ هَذيْن الشيئَيْن، وما شاكَلَهما مِنْ أفعال اليهودِ وأقوالِهِمْ، فَنَزَلَتِ الآياتُ في جميعِ ذلك، ومعنى «تَبْغُونَ» أي: تطلبون لها الاعوجاجَ\n_________\n(١) ينظر: «تفسير الطبري» (٣/ ٣٧١) .\n(٢) ينظر: «السيرة النبوية» (٢/ ١٩٧- ١٩٨) . والحديث أخرجه الطبري (٤/ ١٦) بسنده.\n(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٣٧٥) .\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٤٨١) .","vol":"2","page":82},{"text":"والانفسادَ، وأنْتُمْ شُهَدَاءُ: يريدُ جَمْعَ شاهِدٍ على ما في التوراة من صفة النّبيّ ﷺ، وصدقه، وباقي الآية وعيد.\nوقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ ... الآية: خطابٌ عامٌّ للمؤمنين، والإشارة بذلك وقْتَ نزوله إلى الأوْسِ والخَزْرَجِ بسبب نَائِرَةِ شَاسِ بْنِ قَيْسٍ.\nقال ص: قوله تعالى: يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ، ردَّ: بمعنى صَيَّر، فيتعدى إلى مفعولَيْنِ الأول: الكافُ، والثاني: الكافِرِينَ كقوله: [الوافر]\nفَرَدَّ شُعُورَهُنَّ السّود بيضا ... وردّ وجوههنّ البيض سودا «١»\nاهـ.\nويَعْتَصِمْ: معناه: يتمسَّك، وعُصِمَ الشَّيءُ، إذا مُنِعَ وحُمِيَ ومنه: قوله:\nيَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ [هود: ٤٣] وباقي الآية بيّن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-243>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٠٢ الى ١٠٤]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوانًا وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣) وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)\nوقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ، قال ابن مسعود: «حَقَّ تُقَاتِهِ»: هو أنْ يُطَاع فلا يُعْصَى، وأنْ يُذْكَر فلا ينسى، وأنْ يُشْكَر فلا يكفر «٢»، وكذلك عبّر\n_________\n(١) وقبله:\nرمى الحدثان نسوة آل حرب ... بمقدار سهرن له سمودا\nوهو لعبد الله بن الزبير في ملحق ديوانه (ص ١٤٣- ١٤٤) و«تخليص الشواهد» (ص ٤٤٣) و«شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ص ٩٤١) و«المقاصد النحوية» (٢/ ٤١٧) ولأيمن بن خريم في ديوانه (ص ١٢٦) ولفضالة بن شريك في «عيون الأخبار» (٣/ ٧٦) و«معجم الشعراء» (ص ٣٠٩) وللكميت بن معروف في «ذيل الأمالي» (ص ١١٥) وبلا نسبة في «شرح الأشموني» (١/ ١٥٩) و«شرح ابن عقيل» (ص ٢١٧) و«لسان العرب» (٣/ ٢١٩) .\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٣٧٥) برقم (٧٥٣٤: ٧٥٤١)، وذكره البغوي في «معالم التنزيل» (١/ ٣٣٢- ٣٣٣)، وابن عطية (١/ ٤٨٣)، والسيوطي في «الدر» (٢/ ١٠٥)، وعزاه لابن المبارك في «الزهد»، وعبد الرزاق، والفريابي، وعبد بن حميد، وابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والنحاس في «الناسخ»، والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه.","vol":"2","page":83},{"text":"الرَّبِيعُ بْنُ خَيْثَم «١»، وقتادةُ، والحَسَنُ، قالتْ فرقة: نزلَتِ الآيةُ على عمومِ لفظها مِنْ لزومِ غاية التقوى حتى لا يقع الإخْلاَلُ في شَيْء من الأشياءِ، ثم نُسِخَ ذلك بقوله تعالى:\nفَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن: ١٦]، وبقوله: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَها [البقرة: ٢٨٦] وقالت جماعة: لاَ نَسْخَ هنا، وإنَّما المعنى: اتقوا اللَّهَ حَقَّ تقاته فِي ما استطعتم، وهذا هو الصحيحُ، وخرَّج الترمذيُّ، عن ابن عبّاس أنّ النبيّ ﷺ قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ، وهي: اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ، قال: قال رسول الله ﷺ: «لَوْ أَنَّ قَطْرَةً مِنَ الزَّقُّومِ قُطِرَتْ فِي الدُّنْيَا، لأفْسَدَتْ على أَهْلِ الدُّنْيَا مَعَايِشَهُمْ، فَكيْفَ بِمَنْ يَكُونُ طَعَامَهُ؟» قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وخرَّجه ابنُ ماجة أيضًا «٢» اهـ.\nوقوله تعالى: وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ: معناه: دُومُوا على الإسلام حتى يوافيكم المَوْتُ، وأنتم علَيْه، والحَبْلُ في هذه الآيةِ مستعارٌ، قال ابنُ مسعودٍ: حبْلُ اللَّهِ الجماعةُ، وروى أنس بن مالك، عن النبيّ ﷺ أنه قَالَ: «إنَّ بَنِي إسْرَائِيلَ افترقوا على إحدى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وإنَّ أُمَّتِي سَتَفْتَرِقُ عَلَى اثنين وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، كُلُّهَا فِي النَّارِ إلاَّ واحدة،\n_________\n(١) الرّبيع بن خيثم، الثوري، أبو يزيد الكوفي، مخضرم، عن ابن مسعود، وأبي أيوب، وعمرو بن ميمون، وعنه الشعبي، وإبراهيم النّخعي، وأبو بردة، قال له ابن مسعود: لو رآك النبي ﷺ لأحبّك، توفي سنة أربع وستين، وكان لا ينام الليل كله، رحمه الله تعالى.\nينظر: «الخلاصة» (١/ ٣١٨- ٣١٩)، و«تهذيب الكمال» (١/ ٤٠٣)، و«تهذيب التهذيب» (٣/ ٢٤٢)، و«الكاشف» (١/ ٣٠٤)، و«طبقات ابن سعد» (٦/ ١٠، ٩٦، ١١٨)، و«سير الأعلام» (٤/ ٢٥٨)، و«الثقات» (٤/ ٢٢٤) .\n(٢) أخرجه الترمذي (٤/ ٧٠٦- ٧٠٧)، كتاب «صفة جهنم»، باب ما جاء في صفة شراب أهل النار، حديث (٢٥٨٥) . وابن ماجة (٢/ ١٤٤٦)، كتاب «الزهد»، باب صفة النار، حديث (٤٣٢٥)، والنسائي في «التفسير» (١/ ٣١٦)، رقم (٩٠)، وأحمد (١/ ٣٠١، ٣٣٨)، والطيالسي (٢/ ١٦- منحة) رقم (١٩٥)، وابن حبان (٢٦١١- موارد)، والحاكم (٢/ ٢٩٤، ٤٥١- ٤٥٢) . والبيهقي في «البعث والنشور» رقم (٥٩٦)، والطبراني في «الكبير» (١١/ ٦٨)، رقم (١١٠٦٨)، وفي «الصغير» (٢/ ٥١) . كلهم من طريق شعبة، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس مرفوعا.\nوقال الترمذي: هذا حديث حَسَنٌ صَحِيحٌ.\nوقال الحاكمُ: صحيحٌ على شرطِ الشيخين، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.\nوذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٦٠) . وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم، وابن المنذر.\nوقد جاء هذا الحديث موقوفا على ابن عباس: أخرجه أحمد (١/ ٣٣٨)، وابن أبي شيبة (١٣/ ١٦١) رقم (١٥٩٩١) . والبيهقي في «البعث والنشور» (٥٩٧)، من طريق الأعمش، عن أبي يحيى القتات، عن ابن عباس موقوفا، وأبو يحيى القتات، قال الحافظ: ليّن الحديث.","vol":"2","page":84},{"text":"فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا هَذِهِ الوَاحِدَةُ؟ قَالَ: فَقَبَضَ يَدَهُ، وَقَالَ: الجَمَاعَةُ، وقرأ «١»:\nوَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا»، وقال قتادةُ وغيره: حبْلُ اللَّهِ الَّذي أمر بالاعتصام به: هو القُرآن «٢»، ورواه أبو سعيد الخدريّ، عن النبيّ ﷺ «٣»، وقال ابنُ زَيْدٍ: هو الإسلام «٤»، وقيل غير هذا ممَّا هو كلُّه قريبٌ بعضُهُ مِنْ بعض.\nوقوله تعالى: وَلا تَفَرَّقُوا: يريد: التفرُّقَ الَّذي لا يتأتى معه الائُتلافُ، كالتفرُّقِ بالفتن، والافتراقِ في العقائد، وأما الافتراقُ في مسائل الفروعِ والفِقْه، فلَيْسَ بداخلٍ في هذه الآيةِ، بل ذلك هو الذي قال فيه ﷺ: «خلاف أمّتي رحمة» «٥»، وقد اختلفت الصّحابة\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجة (٢/ ١٣٢٢)، كتاب «الفتن»، باب افتراق الأمم، حديث (٣٩٩٣)، من حديث أنس.\nوقال البوصيري في «الزوائد» (٣/ ٢٣٩): هذا إسناد صحيح رجاله ثقات.\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٣٧٨)، وذكره الماوردي بنحوه في «تفسيره» (١/ ٤١٢)، والبغوي في «تفسيره» (١/ ٣٣٣)، وابن عطية (١/ ٤٨٣) .\n(٣) ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ١٠٧)، وعزاه إلى ابن أبي شيبة، وابن جرير. [.....]\n(٤) ذكره الماوردي في «تفسيره» (١/ ٤١٤)، وابن عطية في «تفسيره» (١/ ٤٨٣)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ١٠٨) .\n(٥) قال السخاوي في «المقاصد» (ص ٢٦- ٢٧): أخرجه البيهقي في «المدخل» من حديث سليمان ابن أبي كريمة عن جويبر عن الضحاك عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: «مهما أوتيتم من كتاب الله، فالعمل به لا عذر لأحد في تركه، فإن لم يكن في كتاب الله فسنة مني ماضية، فإن لم تكن سنة مني فما قال أصحابي، إن أصحابي بمنزلة النجوم في السماء، فأيما أخذتم به اهتديتم، واختلاف أصحابي لكم رحمة»، ومن هذا الوجه أخرجه الطبراني، والديلمي في مسنده بلفظه سواء، وجويبر ضعيف جدا، والضحاك عن ابن عباس منقطع، وقد عزاه الزركشي إلى كتاب «الحجة» لنصر المقدسي مرفوعا من غير بيان لسنده ولا صحابيه، وكذا عزاه العراقي لآدم بن أبي إياس في كتاب «العلم والحكم» بدون بيان بلفظ: «اختلاف أصحابي رحمة لأمتي» قال: وهو مرسل ضعيف، وبهذا اللفظ ذكره البيهقي في رسالته الأشعرية بغير إسناد، وفي «المدخل» له من حديث سفيان عن أفلح بن حميد عن القاسم بن محمد قال:\nاختلاف أصحاب محمد ﷺ رحمة لعباد الله. ومن حديث قتادة أن عمر بن عبد العزيز كان يقول: ما سرني لو أن أصحاب محمد ﷺ لم يختلفوا لأنهم لو لم يختلفوا لم تكن رخصة. ومن حديث الليث بن سعد عن يحيى بن سعيد قال: أهل العلم أهل توسعة، وما برح المفتون يختلفون فيحل هذا ويحرم هذا، فلا يعيب هذا على هذا إذا علم هذا. وقد قرأت بخط شيخنا: إنه (يعني هذا الحديث) حديث مشهور على الألسنة، وقد أورده ابن الحاجب في «المختصر» في مباحث القياس بلفظ: «اختلاف أمتي رحمة للناس»، وكثر السؤال عنه، وزعم كثير من الأئمة أنه لا أصل له، لكن ذكره الخطابي في «غريب الحديث» مستطردا، وقال: اعترض على هذا الحديث رجلان، أحدهما ماجن والآخر ملحد، وهما إسحاق الموصلي وعمرو بن بحر الجاحظ، وقالا جميعا: لو كان الاختلاف رحمة لكان الاتفاق عذابا، ثم تشاغل الخطابي برد هذا الكلام، ولم يقع في كلامه شفاء في عزو الحديث، ولكنه أشعر بأن له أصلا عنده، ثم ذكر شيخنا شيئا مما تقدم في عزوه.","vol":"2","page":85},{"text":"في الفُرُوع أشَدَّ اختلافٍ، وهم يَدٌ واحدةٌ على كُلِّ كافرٍ.\nوقوله سبحانه: وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ ...\nالآية: هذه الآيةُ تدُلُّ على أنَّ الخطاب إنما هو للأوس والخَزْرَج كما تقدَّم، وكانَتِ العداوةُ قد دامَتْ بين الحَيَّيْنِ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً حتى رفَعَها اللَّه بالإسلام، فجاء النَّفَر الستَّةُ من الأنْصَارِ إلى مكَّة حُجَّاجًا، فعرض النبيّ ﷺ نَفْسَهُ علَيْهم، وتَلاَ عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِنَ القُرآنِ كَمَا كَانَ يَصْنَعُ مَعَ قَبَائِلِ العَرَبِ، فَآمَنُوا بِهِ، وَأَرَادَ الخُرُوجَ مَعَهُمْ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنْ قَدِمْتَ بَلَدَنَا على مَا بَيْنَنَا مِنَ العَدَاوَةِ وَالحَرْبِ، خِفْنَا أَلاَّ يَتِمَّ مَا نُرِيدُهُ بِكَ، وَلَكِنْ نَمْضِي نَحُنُ، وَنُشِيعُ أَمْرَكَ، وَنُدَاخِلُ النَّاسَ، وَمَوْعِدُنَا وَإيَّاكَ العَامُ القَابِلُ، فَمَضَوْا، وَفَعَلُوا، وَجَاءَتِ الأَنْصَارُ فِي العَامِ القَابِلِ، فَكَانَتِ العَقَبَةُ الثَّانِيَةُ، وَكَانُوا اثني عَشَرَ رَجُلًا فِيهِمْ خَمْسَةٌ مِنَ السِّتَّةِ الأَوَّلِينَ، ثُمَّ جَاءُوا مِنَ العَامِ الثَّالِثِ، فَكَانَتْ بَيْعَةُ العَقَبة الكبرى، حَضَرَهَا سَبْعُونَ، وَفِيهِمُ اثنا عَشَرَ نَقِيبًا.\nووصْفُ القصَّة مستوعبٌ في السِّيرِ، ويسَّر اللَّه تعالى الأنصار للإسلام بوجْهَيْن:\nأحدهما: أنَّ بني إسرائيل كانُوا مجاوِرِينَ لهم، وكانوا يقولُونَ لِمَنْ يتوعَّدونه من العَرَبِ: يُبْعَثُ لَنَا الآنَ نَبِيٌّ نَقْتُلُكُمْ معه قَتْلَ عَادٍ وإرَمَ، فلمَّا رأَى النَّفَر من الأنصار النبيّ ﷺ قال بعضُهم لبعضٍ: هذا، واللَّهِ، النَّبيُّ الَّذِي تَذْكُرُه بَنُو إسرائيل، فلا تُسْبَقَنَّ إلَيْهِ.\nوالوجْهُ الآخرُ: الحَرْبُ الَّتي كَانَتْ ضرَّسَتْهم، وأفْنَتْ سراتهم، فَرَجوْا أنْ يجمع اللَّه به كلمتهم، فكان الأمر كما رَجَوْا، فعدَّد اللَّه سبحانَهُ علَيْهم نعمَتَهُ في تأليفهم بعد العَدَاوة، وذَكَّرهم/ بها قال الفَخْر «١»: كانَتِ الأنصارُ قَبْلَ الإسلام أعداءً، فلما أكرمهم اللَّه [سبحانه] «٢» بالإسلام، صاروا إخوانًا في اللَّه متراحِمِينَ.\nواعلم أنَّ كلَّ مَنْ كان وجهه إلى الدنيا، كان معاديًا لأكثر الخَلْق، ومَنْ كان وجهه إلى خدمة المولى سبحانه، لَمْ يكُنْ معادِيًا لأحدٍ لأنه يَرَى الكُلَّ أسيرًا في قبضة القَضَاء والقَدَر، ولهذا قيل: إن العارف، إذا أَمَرَ، أَمَرَ برفْقٍ، ونَصَحَ لاَ بِعُنْفٍ وعُسْر، وكيف، وهو مُسْتَبْصِرٌ باللَّه في القَدَر. اهـ.\nوقوله تعالى: فَأَصْبَحْتُمْ عبارة عن الاستمرار.\n_________\n(١) ينظر: «مفاتيح الغيب» (٨/ ١٤٣) .\n(٢) سقط من أ.","vol":"2","page":86},{"text":"قال ص: «أصْبَحَ»: يستعملُ لاتصافِ الموصوفِ بصفَتِهِ وقْتَ الصَّباحِ، وبمعنى «١» «صَارَ»، فلا يلحظ فيها وقْت الصباح، بل مطْلَق الانتقال والصيرورةِ مِنْ حالٍ إلى حالٍ، وأَصْبَحَ: هنا بمعنى صَارَ، وما ذكره ابنُ عطية «٢» مِنْ أنَّ «أَصْبَحَ» لِلاستمرارِ، لم يذهَبْ إليه أحَدٌ من النَّحْوِيِّين. اهـ.\nقلْتُ: وفيما ادَّعاه نَظَرٌ، وهي شهادةٌ على نَفْيٍ. وكلامٍ.\nع «٣»: واضحٍ من جهة المعنى، والشَّفَا: حَرْفُ كلِّ جِرْمٍ له مهوى كالحفرة، والبِئْر، والجُرُفِ، والسَّقْفِ، والجِدَار، ونحوه، ويضافُ في الاستعمالِ إلى الأعلى كقوله: شَفا جُرُفٍ [التوبة: ١٠٩]، وإلى الأسفلِ كقوله: شَفا حُفْرَةٍ فشبَّه اللَّه كفرهم الذي كانوا عليه بالشَّفَا، لأنهم كانوا يسقطون في جهنّم دأبا، فأنقذهم اللَّه منها بالإسلام.\nوقوله تعالى: فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها، أي: مِنَ النَّار، ويحتمل من الحُفْرة، والأول أحسن، قال العراقيّ: أنقذكم، أي: خلَّصكم. اهـ.\nوقوله تعالى: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ: أَمْرَ اللَّه سبحانه الأمَّةَ بأنْ يكونَ منْها علماءُ يَفْعَلُونَ هذه الأفعالَ على وجوهها، ويحْفَظُونَ قوانينَها، ويكون سائِرُ الأمَّة مُتَّبِعِينَ لأولئك، إذ هذه الأفعالُ لا تكُونُ إلاَّ بعلْمٍ واسعٍ، وقد عَلِمَ اللَّه سبحانه أنّ الكلّ\n_________\n(١) أصبح من أخوات «كان»، فإذا كانت ناقصة كانت مثل «كان» في رفع الاسم ونصب الخبر، وإذا كانت تامة رفعت فاعلا واستغنت به، فإن وجد منصوب بعدها فهي حال، وتكون تامة إذا كانت بمعنى دخل في الصباح تقول: «أصبح زيد» أي دخل في الصباح، ومثلها في ذلك «أمسى»، قال تعالى: فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ [الروم: ١٧] وقوله: وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ\n[الصافات: ١٣٧] وفي أمثالهم: «إذا سمعت بسرى القين فاعلم أنّه مصبح» لأنّ القين- وهو الحدّاد- ربما قلّت صناعته في أحياء العرب فيقول: أنا غدا مسافر، ليأتوه الناس بحوائجهم فيقيم ويترك السفر، فأخرجوه مثلا لمن يقول قولا ويخالفه، فالمعنى أنه مقيم في الصباح، وتكون بمعنى «صار» عملا ومعنى كقوله:\n١٣٧٩- فأصبحوا كأنّهم ورق جف ... ف فألوت به الصّبا والدّبور\nأي: صاروا. و«إخوانا» خبرها، وجوّزوا فيها هنا أن تكون على بابها من دلالتها على اتّصاف الموصوف بالصفة في وقت الصباح، وأن تكون بمعنى «صار»، وأن تكون التامة، أي: دخلتم في الصباح، فإذا كانت ناقصة على بابها فالأظهر أن يكون «إخوانا» خبرها. ينظر: «الدر المصون» (٢/ ١٧٨) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٤٨٤) .\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٤٨٥) .","vol":"2","page":87},{"text":"لا يكُونونَ علماء، ف «مِنْ» هنا: للتبعيضِ، وهو تأويلُ الطبريِّ «١» وغيره.\nوذهب الزَّجَّاج «٢» وغيرُ واحدٍ إلى أنَّ المعنى: ولتكونوا كلُّكم أمةً يدْعُونَ، و«مِنْ»: لبيانِ الجنْس، ومعنى الآية على هذا: أمر الأمة بأنْ يَدْعُوا جميعَ العَالَمِ إلى الخَيْر، فيَدْعُون الكُفَّار إلى الإسلامِ، والعُصَاةَ إلى الطاعةِ، ويكونُ كلُّ واحدٍ في هذه الأمور على منزلته من العلْمِ والقدرةِ، وروى الليثُ بْنُ سَعْدٍ «٣»، قال: حدَّثني محمَّدُ بْنُ عَجْلاَن «٤»، أنَّ وَافِدًا النَّضْرِيَّ أَخْبَرَهُ عَنْ أنس بن مالك، عن رسول الله ﷺ أنَّهُ قَالَ:\n«لَيُؤْتَيَنَّ بِرِجَالٍ يَوْمَ القِيَامَةِ لَيْسُوا بِأَنْبِيَاءَ، وَلاَ شُهَدَاءَ، يَغْبِطُهُمُ الأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ لِمَنَازِلِهِمْ مِنَ اللَّهِ، يَكُونُونَ على مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ، قالوا: ومن هم، يا رسول الله؟ قال: هُمُ الَّذِينَ يُحَبِّبُونَ اللَّهَ إلَى النَّاسِ، وَيُحَبِّبُونَ النَّاسَ إلَى اللَّهِ، وَيَمْشُونَ فِي الأَرْضِ نُصْحًا، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا يُحَبِّبُونَ اللَّهَ إلَى النَّاسِ، فَكَيْفَ يُحَبِّبُونَ النَّاسَ إلَى اللَّهِ؟! قَالَ: يَأْمُرُونَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَنْهَوْنَهُمْ عَنِ المُنْكَرِ، فَإذَا أَطَاعُوهُمْ، أَحَبَّهُمُ اللَّهُ تعالى» «٥» اهـ من «التذكرة» «٦» للقرطبيّ.\n_________\n(١) ينظر: «تفسير الطبري» (٣/ ٣٨٥) بنحوه.\n(٢) ينظر: «معاني القرآن» (١/ ٤٥٢) .\n(٣) ليث بن سعد بن عبد الرّحمن الفهمي، مولاهم، الإمام، عالم «مصر» وفقيهها ورئيسها، عن سعيد المقبري، وعطاء، ونافع، وقتادة، والزهري وصفوان بن سليم، وخلائق. وعنه ابن عجلان، وابن لهيعة، وهشيم، وابن المبارك، والوليد بن مسلم، وابن وهب، وأمم. قال ابن بكير: هو أفقه من مالك. وقال محمد بن رمح: كان دخل الليث ثمانين ألف دينار ما وجبت عليه زكاة قط. وثقه أحمد وابن معين والناس. قال ابن بكير: ولد سنة أربع وتسعين، وتوفي سنة خمس وسبعين ومائة.\nينظر: «خلاصة تهذيب الكمال» (٢/ ٣٧١) .\n(٤) محمد بن عجلان القرشي، أبو عبد الله المدني، أحد العلماء العاملين. عن أنس، وأبي حازم، والأعرج، وعكرمة، وطائفة. وعنه عبد الوهاب بن بخت، ومنصور، وشعبة، والثوري، ومالك، وخلق. وثقه أحمد وابن معين. وذكره البخاري في الضعفاء. حمل به ثلاث سنين. توفي سنة ثمان وأربعين ومائة. روى له البخاري تعليقا، ومسلم متابعة.\nينظر: «الخلاصة» (٢/ ٤٣٨)، و«تهذيب الكمال» (٣/ ١٢٤٢)، و«الكاشف» (٣/ ٧٧)، و«تقريب التهذيب» (٢/ ١٩٠)، و«لسان الميزان» (٧/ ٣٦٨) .\n(٥) أخرجه العقيلي (٤/ ٣٣١)، وابن عدي في «الكامل» (٧/ ٩٢- ٩٣)، من طريق الليث بن سعد، عن جابر بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال.\nوأسند العقيلي عن البخاري قوله: واقد بن سلامة النضري لم يصح حديثه.\nوذكره العقيلي، وابن الجارود في «الضعفاء»، وقال الحافظ في «اللسان»: ضعفوه.\nينظر: «لسان الميزان» (٦/ ٢١٥) .\n(٦) ينظر: «التذكرة» للقرطبي (٢/ ٦٢٠) .","vol":"2","page":88},{"text":"قال ع «١»: قال أهْلُ العلْمِ: وفَرَضَ اللَّه سبحانه بهذه الآية الأَمْرَ بالمَعْرُوفِ، والنَّهْيَ عن المُنْكَر، وهو مِنْ فروضِ الكفاية «٢»، إذا قام به قائمٌ، سقَطَ عن الغَيْر، وقال النبيُّ ﷺ: «مَنْ رأى مِنْكُمْ مُنْكَرًا، فَلْيُغَيِّرهُ بِيَدِهِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ، فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإيمَان «٣» والناسُ في الأمر بالمعروفِ وتغْييرِ المُنْكَرِ على مراتِبَ، فَفَرْضُ العلماءِ فيه تنبيهُ الولاةِ، وحَمْلُهُمْ على جَادَّة العلْمِ، وفرضُ الولاةِ تَغْييره بقوَّتهم وسلطانِهِمْ/، ولهم هي اليَدُ، وفَرْضُ سائر الناسِ رَفْعُهُ إلى الولاةِ والحُكَّام بعد النَّهْيِ عنه قولًا، وهذا في المُنْكَرِ الذي له دَوَامٌ، وأما إنْ رأى أحَدٌ نازلةٌ بديهيَّةً مِنَ المُنْكَرِ كالسَّلْبِ والزِّنَا ونحوه، فيغيِّرها بنَفْسِهِ، بحَسَب الحالِ والقدرةِ، ويَحْسُنُ لكلِّ مؤمن أنْ يعتمل في تَغْيِيرِ المُنْكَرِ، وإنْ ناله بَعْضُ الأذى ويؤيِّد هذا المَنْزَعَ أنَّ في قراءة عثمانَ وابْنِ مسْعودٍ، وابنِ الزُّبَيْرِ: «يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ، وَيَسْتَعِينونَ اللَّهَ على مَا أَصَابَهُمْ» «٤»، فهذا وإنْ لم يثبتْ في المُصْحَفِ، ففيه إشارةٌ إلى التعرُّض لما يصيبِ عَقِيبَ الأمْر والنهْيِ كما هو في قوله: وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ [لقمان: ١٧] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-244>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٠٥ الى ١٠٩]</span>\nوَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٠٥) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١٠٧) تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعالَمِينَ (١٠٨) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (١٠٩)\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٤٨٦) . [.....]\n(٢) «الفرض» و«الواجب» عند غير الحنفية لفظان مترادفان اصطلاحا على مفهوم واحد، هو الفعل الذي طلبه الشارع من المكلف طلبا جازما، سواء كان الطلب بدليل قطعي كالكتاب والسنة المتواترة، أو كان بدليل ظني كخبر الآحاد، ومن هنا يمكن أن نقول:\nينقسم الواجب باعتبار فاعله إلى فرض عين، وفرض كفاية، وفرض الكفاية:\nهو الفعل الذي طلب الشارع حصوله من غير نظر بالذات إلى فاعله. ومعناه: أن فرض الكفاية هو الفعل المطلوب حصوله في الجملة، أي من غير نظر بالإصالة إلى الفاعل، وإنما المنظور إليه أولا وبالذات إنما هو الفعل. أما الفاعل، فلا ينظر إليه إلا تبعا للفعل ضرورة توقف حصوله على فاعل. ولذا كان فعل البعض كافيا في تحصيل المقصود منه والخروج عن عهدته، ومن هنا سمي «فرض كفاية» .\n(٣) أخرجه مسلم (١/ ٦٩) في الإيمان: باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان، (٧٨- ٧٩) (٤٩)، وأبو داود (١/ ٣٦٦) في الصلاة: باب الخطبة يوم العيد (١١٤٠)، و(٢/ ٥٢٦)، في الملاحم: باب الأمر والنهي (٤٣٤٠)، والترمذي (٤/ ٤٠٧- ٤٠٨) في الفتن: باب ما جاء في تغيير المنكر باليد أو باللسان أو بالقلب (٢١٧٢)، والنسائي (٨/ ١١١- ١١٢) في الإيمان: باب تفاضل أهل الإيمان، وابن ماجة (٢/ ٤٠٦)، في إقامة الصلاة: باب ما جاء في صلاة العيدين (١٢٧٥)، وأحمد (٣/ ٢٠، ٤٩، ٥٢- ٥٣)، والبيهقي (٣/ ٢٩٦- ٢٩٧)، (٦/ ٩٤- ٩٥)، (٧/ ٢٦٦)، (١٠/ ٩٠) من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعا به.\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٤٨٦)، و«البحر المحيط» (٣/ ٢٤) .","vol":"2","page":89},{"text":"وقوله سبحانه: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا ... الآية: قال ابن عبَّاس: هي إشارة إلى كلِّ مَنِ افترق من الأمَمِ في الدِّين، فأهلكهم الافتراقُ «١»، وقال الحسنُ: هي إشارة إلى اليهودِ والنصارى «٢» .\nقلتُ: وروى أبو داوُدَ في سُنَنِهِ، عن معاويةَ بْنِ أبي سُفْيَان، قال: قَالَ النّبيّ ﷺ:\n«إنَّ مَنْ قَبْلَكُمْ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ افترقوا على ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، وَإنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ سَتَفْتَرِقُ على ثَلاَثٍ وَسَبْعِينَ، ثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ، وَوَاحِدَةٌ فِي الجَنَّةِ، وَهِيَ الجَمَاعَةُ» «٣»، وروى أبو هريرة نحوه، ولم يَذْكُرِ النَّار «٤» اهـ.\nوقوله تعالى: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ... الآية: بياضُ الوُجُوهِ: عبارةٌ عن إشراقِها واستنارتها وبِشْرِها برحمة اللَّهِ قاله الزَّجَّاج «٥» وغيره.\nوقوله تعالى: أَكَفَرْتُمْ: تقريرٌ وتوبيخٌ متعلِّق بمحذوف، تقديره: فيقالُ لهم:\nأكفرتم، وفي هذا المَحْذُوفِ جوابُ «أمَّا»، وهذا هو فحوَى الخطَابِ، وهو أنْ يكون في\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» بنحوه (٣/ ٣٨٦)، وذكره ابن عطية (١/ ٤٨٦) .\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٣٨٦)، وذكره ابن عطية (١/ ٤٨٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ١١٠)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم.\n(٣) أخرجه أبو داود (٢/ ٦٠٨)، كتاب «السنة»، باب شرح السنة، حديث (٤٥٩٧)، وأحمد (٤/ ١٠٢) .\nوالطيالسي (٢/ ٢١١- منحة) برقم (٢٧٥٤)، والدارمي (٢/ ٢٤١)، كتاب «السير»، باب في افتراق هذه الأمة، والحاكم (١/ ١٢٨) من حديث معاوية.\nوصححه الحاكم.\n(٤) أخرجه أبو داود (٢/ ٦٠٨)، كتاب «السنة»، باب شرح السنة، حديث (٤٥٩٦)، والترمذي (٥/ ٢٥)، كتاب «الإيمان»، باب ما جاء في افتراق هذه الأمة، حديث (٢٦٤٠)، وابن ماجة (٢/ ١٣٢١)، كتاب «الفتن»، باب افتراق الأمم (٣٩٩١)، والحاكم (١/ ١٢٨)، وابن حبان (١٨٣٤)، من حديث أبي هريرة.\nوقال الترمذي: حَسَنٌ صَحِيحٌ.\nوقال الحاكمُ: صحيحٌ على شرطِ مسلم. ووافقه الذهبي.\nوالحديث صححه ابن حبان.\n(٥) ينظر: «معاني القرآن» (١/ ٤٥٣) .","vol":"2","page":90},{"text":"الكلام شيْءٌ مقدَّر لا يستغنِي المعنى عنه كقوله تعالى: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ [البقرة: ١٨٤] المعنى: فَأَفْطَرَ، فَعِدَّةٌ.\nوقوله تعالى: بَعْدَ إِيمانِكُمْ يقتضي أنَّ لهؤلاء المذكورين إيمانًا متقدِّمًا، واختلف أهل التأويل في تَعْيِينِهِمْ، فقال أُبيُّ بْنُ كَعْبٍ: هم جميعُ الكُفَّارِ، وإيمانهم هو إقرارهم يَوْمَ قِيلَ لهم: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى «١» [الأعراف: ١٧٢] وقال أكثر المتأوِّلين: المراد أهل القبْلَة مِنْ هذه الأمة، ثم اختلفوا، فقال الحسَنُ: الآية في المنافقين «٢»، وقال قتادة: هي في أهْل الرَّدة «٣»، وقال أبو أُمَامة: هي في الخَوَارج «٤» .\nوقوله تعالى: تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ الإشارة ب «تِلْكَ» إلى هذه الآياتِ المتضمِّنة تعذيبَ الكُفَّار، وتَنْعِيمَ المؤمنين، ولَمَّا كان في هذا ذكْرُ التعذيبِ، أخبر سبحانه أنه لا يريدُ أنْ يقع منه ظُلْمٌ لأحدٍ من العبادِ، وإذا لم يردْ ذلك، فلا يوجد ألبتة لأنه لا يَقَعُ من شيء إلاَّ ما يريده سُبْحانه، وقوله: بِالْحَقِّ: معناه بالإخبار الحَقِّ، ويحتمل أنْ يكون المعنى: نَتْلُوهَا عَلَيْكَ مضمَّنة الأفعال التي هِيَ حَقٌّ في نفسها من كرامةِ قومٍ، وتعذيبِ آخرينَ، ولما كان للذِّهْنِ أنْ يقف هنا في الوَجْه الذي به خَصَّ اللَّه قومًا بعملٍ يرحمهم مِنْ أجله، وآخرين بعملٍ يعذِّبهم عليه، ذكر سبحانه الحُجَّة القاطعة في مِلْكِهِ جميعَ المخلوقاتِ، وأنَّ الحَقَّ أَلاَّ يعترض علَيْه وذلك في قوله: وَلِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ... الآية/.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-245>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١١٠ الى ١١٢]</span>\nكُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ (١١٠) لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذىً وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ (١١١) ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلاَّ بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (١١٢)\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٣٨٧) وذكره الماوردي في «تفسيره» (١/ ٤١٠)، وابن عطية (١/ ٤٨٧)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ١١٢) بنحوه، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٣٨٧) برقم (٧٦٠٣)، وذكره الماوردي في «تفسيره» (١/ ٤١٠)، وابن عطية في «تفسيره» (١/ ٤٨٧) .\n(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٣٨٦) برقم (٧٥٩٩)، وابن عطية، في «تفسيره» (١/ ٤٨٧)، والسيوطي بنحوه في «الدر المنثور» (٢/ ١١٢)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير.\n(٤) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٣٨٧) برقم (٧٦٠١)، وذكره البغوي في «تفسيره» (١/ ٣٤٠)، وابن عطية (١/ ٤٨٧)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ١١٢)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير.","vol":"2","page":91},{"text":"وقوله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ... الآية: اختلفَ في تأويل هذه الآية.\nفقيل: نزلَتْ في الصحابة، وقال الحسَنُ بْنُ أبي الحَسَن وجماعةٌ مِنْ أَهْل العلْمِ:\nالآيةُ خطَابٌ لجميع الأمة بأنهم خير أمة أخرجَتْ للنَّاس «١» ويؤيِّد هذا التأويلَ كونُهم شهداءَ عَلَى النَّاس. وأمَّا قوله: «كُنْتُمْ» على صيغة المُضِيِّ فإنها التي بمعنَى الدَّوامِ كما قال تعالى: وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [الأحزاب: ٧٣] وقال قوم: المعنى: كنتم فِي عِلْمِ اللَّه، وهذه الخَيْريَّة التي خَصَّ اللَّه بها هذه الأمَّة، إنما يأخذ بحَظِّه منها مَنْ عمل بهذه الشُّروط مِنَ الأمر بالمعروفِ، والنَّهْيِ عن المنكر، والإيمانِ باللَّه ممَّا جاء في فَضْل هذه الأمَّة ما خرَّجه مُسْلِمٌ في صحيحه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «نَحْنُ الآخِرُونَ الأَوَّلُونَ يَوْمَ القِيَامةِ» وفي رواية: «السَّابِقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَنَحْنُ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الجَنَّة» وفي رواية: «نَحْنُ الآخِرُونَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا، وَالأَوَّلُونَ يَوْمَ القيامة، المقتضي لَهُمْ قَبْلَ الخَلاَئِقِ»، وفي رواية: «المَقْضِيُّ بَيْنَهُمْ» «٢» . اهـ.\nوخرَّج ابن مَاجَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاس، عن النبيّ ﷺ قَالَ: «نَحْنُ آخرُ الأُمَمِ، وَأَوَّلُ مَنْ يُحَاسَبَ، يقال: أين الأمّة الأمّيّة ونبيّها، فَنَحْنُ الآخرُونَ الأَوَّلُونَ» «٣»، وفي روايةٍ عن ابن عَبَّاس: «فتُفَرِّجُ لَنَا الأَمَمُ عَنْ طَرِيقَنَا، فَنَمْضِي غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الطُّهُورِ، فَتَقُولُ الأُمَمُ:\nكَادَتْ هَذِهِ الأَمَّةُ أَنْ تَكُونَ أَنْبِيَاءَ كُلُّهَا» «٤»، وخَرَّجهُ أيضًا أبو داود الطَّيَالِسِيُّ في مسنده بمعناه. اهـ من «التذكرة» «٥» .\nورَوَى أبو داودَ في سننِه، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ أبي شيبة، عن أبيه، عن أبي\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» بنحوه (٣/ ٣٩١)، ولفظه «قال: قد كان ما تسمع من الخير في هذه الأمة»، والأثر ذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٤٨٩) .\n(٢) أخرجه مسلم (٢/ ٥٨٥)، كتاب «الجمعة»، باب هداية هذه الأمة ليوم الجمعة، حديث (١٩/ ٨٨٥) . [.....]\n(٣) أخرجه ابن ماجة (٢/ ١٤٣٤)، كتاب «الزهد»، باب صفة أمة محمد ﷺ، حديث (٤٢٩٠) .\nوقال البوصيري في «الزوائد» (٣/ ٣١٧): هذا إسناد صحيح رجاله ثقات.\n(٤) أخرجه أحمد في «مسنده» (١/ ٢٨٢) .\n(٥) ينظر: «التذكرة» للقرطبي (١/ ٣٧٧) .","vol":"2","page":92},{"text":"موسى، قال: قال رسول الله ﷺ: «أُمَّتِي هَذِهِ أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ لَيْسَ عَلَيْهَا عَذَابٌ فِي الآخِرَةِ، عَذَابُهَا فِي الدُّنْيَا الفِتَنُ، وَالزَّلاَزِلُ، وَالقَتْل» «١» اهـ، وقد ذكرنا هذا الحديثَ أيضًا عن غَيْر أبي داود، وهذا الحديثُ ليس هو على عمومه في جميعِ الأمَّة لثبوت نُفُوذِ الوعيدِ في طائفةٍ من العُصَاة. اهـ.\nوقوله: تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ، وما بعده: أحوالٌ في موضعِ نصبٍ.\nوفي الحديثِ: «خَيْرُ النَّاسِ أتُقَاهُمْ لِلَّهِ، وَآمَرُهُمْ بِالمَعْرُوفِ، وَأَنْهَاهُمْ عَنِ المُنْكَرِ، وَأَوْصَلُهُمْ لِلرَّحِمِ» «٢»، رواه البغويُّ في «منتخبه» . اهـ من «الكوكب الدري» .\nوقوله سبحانه: مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ: تنبيهٌ على حال عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلاَمٍ وأخيهِ، وثَعْلَبَةَ بْنِ سَعْيَةَ، وغيْرِهِمْ مِمَّنْ آمَنَ.\nوقوله تعالى: لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً، أي: إلا أَذًى بالألسنة فَقَطْ، وأخبر سبحانه في قوله: وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ، بخبر غَيْب، صحَّحه الوجود، فهي من آيات نبيّنا محمّد ﷺ، وفائدةُ الخَبَرِ هي في قولِهِ: ثُمَّ لاَ يُنْصَرُونَ، أي: لا تكونُ حَرْبُ اليهودِ معكم سِجَالًا، وخص الأدبار بالذِّكْر دون الظَّهْرِ، تَخْسِيسًا للفَارِّ، وهكذا هو حيثُ تصرَّفَ.\nوقوله تعالى: ضُرِبَتْ: معناه: أُثْبِتَتْ بشدَّةٍ وإلزامٍ، وهذا وصْفُ حالٍ تقرَّرت على اليهودِ في أقطار الأرْضِ قبل مَجِيء الإسلام، وثُقِفُوا: معناه أُخِذُوا بحالِ المذْنِبِ المستحِقِّ الإهلاك، وقوله: إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ في الكلامِ محذوفٌ يدركُهُ فهُمْ السامعِ، تقديره: فلا نجاة لهم مِنَ القَتْلِ أو الاستئصال إلاَّ بحَبْلٍ، وهو العَهْدُ.\nوقوله: ذلِكَ إشارةٌ إلى الغَضَب، وضَرْب الذلَّة والمَسْكَنَة، وباقي الآية تقدّم تفسير نظيره.\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (٢/ ٥٠٧)، كتاب «الفتن»، باب ما يرجى في القتل، حديث (٤٢٧٨)، حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال: ثنا كثير بن هشام، ثنا المسعودي، عن سعيد بن أبي بردة، عن أبيه، عن أبي موسى مرفوعا.\nوسقط في السند عند المؤلف كثير، والمسعودي، وسعيد بن أبي بردة.\n(٢) أخرجه أحمد (٦/ ٤٣١- ٤٣٢)، من حديث درة بنت أبي لهب.\nوقال الهيثمي في «المجمع» (٧/ ٢٦٦): رواه أحمد والطبراني، ورجالهما ثقات.","vol":"2","page":93},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-246>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١١٣ الى ١١٤]</span>\nلَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَأُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٤)\nوقوله تعالى: لَيْسُوا سَواءً ... الآية: قال ابنُ عَبَّاس (﵄): لمَّا أسلم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلاَمٍ، وثَعْلَبَةُ بْنُ سَعْيَةَ، وَأُسَيْدُ بْنُ سَعْيَةَ/، وَأَسَدُ بْنُ عُبَيْدٍ، ومَنْ أَسْلَمَ من اليهود معهم، قال الكُفَّار من أحْبَارِ اليهودِ: مَا آمن بمحمَّد إلاَّ شِرَارُنَا، وَلَوْ كَانُوا خِيَارًا، ما تَرَكُوا دِينَ آبائِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي ذَلِكَ: لَيْسُوا سَواءً ... الآية «١»، وقالَ مثلَهُ قتادةُ، وابنُ جُرَيْجٍ «٢»، وهو أصح التأويلات في الآية.\nواختلفَ في قوله: قائِمَةٌ، فقال ابنُ عَبَّاس وغيره: معناه: قائمةٌ على كتابِ اللَّهِ، وحُدُودِهِ مهتديةٌ «٣»، وقال السُّدِّيُّ: القائمةُ: القانِتَةُ المُطيعةُ «٤»، وهذا كلُّه يرجع إلى معنى وَاحِدٍ، ويحتمل أنْ يراد ب قائِمَةٌ: وَصْفُ حال التالين في آناء الليلِ، ومَنْ كانت حاله هذه، فلا محالة أنه معتدلٌ عَلَى أمر الله، وآياتِ اللَّهِ في هذه الآيةِ: هي كُتُبُهُ، والآناءُ: السَّاعاتُ، واحِدها إنْيٌ بكسر الهمزة، وسكونِ النون، وحكم هذه الآية لا يتَّفقُ في شَخْص شَخْصٍ بأنْ يكون كلُّ واحدٍ يصلِّي جميعَ ساعاتِ الليلِ، وإنما يقوم هذا الحُكْمُ من جماعةِ الأمَّة إذ بعضُ الناسِ يَقُومُ أول الليلِ، وبعضهم آخِرَهُ، وبعضُهُم بَعْدَ هَجْعَةٍ، ثم يعودُ إلى نَوْمِهِ، فيأتي مِنْ مجموعِ ذلك في المُدُنِ والجَمَاعَاتِ عِمَارةُ آناء الليلِ بالقيامِ، وهكذا كان صَدْرُ هذه الأمَّة، وعُرْفُ النَّاسِ القيامُ في أول الثُّلُثِ الآخرِ مِنَ الليلِ، أو قبله بشَيْء، وحينئذٍ: كان يقوم الأكثر، والقيام طولَ الليلِ قليلٌ، وقد كان في الصالِحِينَ مَنْ يلتزمه، وقد ذكر اللَّه سبحانه القَصْدَ من ذَلِكَ في «سُورة المُزَّمِّلِ»، وقِيامُ الليلِ لقراءةِ العِلْمِ المبتغى به وجْهُ اللَّهِ داخلٌ في هذه الآيةِ، وهو أفضلُ من التنفُّل لِمَنْ يُرْجَى انتفاعُ المسلمِينَ بعلْمه، قُلْتُ: وقد تقدَّم في أوَّل السُّورة: ما جاء من التأويل في حديث النّزول،\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٣٩٨) برقم (٧٦٤٢)، وذكره الماوردي في «تفسيره» (١/ ٤١٧)، والبغوي في «تفسيره» (١/ ٣٤٣)، وابن عطية (١/ ٤٩٢)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ١١٥)، وعزاه لابن إسحاق، وابن المنذر، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني، والبيهقي في «الدلائل»، وابن عساكر.\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٣٩٩) برقم (٧٦٤٤)، (٧٦٤٥) .\n(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٣٩٩) برقم (٧٦٥١) وذكره الماوردي في «تفسيره» (١/ ٤١٧) .\n(٤) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٤٠٠) برقم (٧٦٥٢)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٤٩٢)، والسيوطي بنحوه في «الدر المنثور» (٢/ ١١٦)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم.","vol":"2","page":94},{"text":"فلنذكُرِ الآن الحديثَ بكَمَالِهِ، لما فيه من الفوائد:\nروى أبو هريرة، عن النبيّ ﷺ أنَّهُ قَالَ: «يَنْزِلُ رَبَّنَا ﵎ كُلَّ لَيْلَةٍ إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يبقى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ» «١» رواه الجماعةُ، أعني: الكتبَ الستَّة البخاريَّ، ومُسْلِمًا، وأبا داوُدَ، والتِّرمذيَّ، والنَّسائيَّ، وابْنَ مَاجَة، وفي بعضِ الطُّرُق «٢»: «حتى يَطْلُعَ الفَجْرُ»، زاد ابْنُ ماجَة: «فَلِذَلِكَ كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ الصَّلاَةَ آخِرَ اللَّيْلِ على أَوَّلِهِ» .\nوعن عمرو بْنِ عَبَسَة «٣» أَنَّهُ سمع النبيّ ﷺ يَقُولُ: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الرَّبُّ مِنَ العَبْدِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ الآخِرِ، فإنِ استطعت أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَذْكُرُ اللَّهَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ، فَكُنْ» «٤» . رواه أبو داوُد، والتِّرمذيُّ، والنَّسَائِيُّ، والحَاكِمُ في «المستدرك»، واللفظُ للتِّرمذيِّ، وقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، وقال الحاكمُ: صحيحٌ على شرطِ مُسْلِمٍ. اهـ من «السلاح» .\nوعن أبي أُمَامَةَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أيُّ الدُّعَاءِ أَسْمَعُ؟ قَالَ: «جَوْفَ اللَّيْلِ الآخِرَ، ودُبُرَ الصَّلَوَاتِ المَكْتُوبَاتِ» «٥»، رواه الترمذيُّ والنسائيُّ، وقال الترمذيُّ: هذا حديثٌ حسنٌ، وفي روايةٍ: «جَوْفَ اللَّيْلِ الآخِرَ أرجى»، أو نحو هذا. اهـ من «السلاح» .\n_________\n(١) تقدم تخريجه.\n(٢) تقدم تخريجه.\n(٣) عمرو بن عبسة، السّلمي، أبو نجيح، صحابي مشهور. له ثمانية وأربعون حديثا. عنه أبو أمامة، وشر حبيل بن السّمط. قال الواقدي: أسلم ب «مكة» ثم رجع إلى بلاد قومه حتى مضت «بدر» و«أحد» و«الخندق» و«الحديبية» و«خيبر»، ثم قدم «المدينة» . قال أبو سعيد: يقولون: إنه رابع أو خامس في الإسلام.\nينظر: «الخلاصة» (٢/ ٢٩٠)، و«تهذيب الكمال» (٢/ ١٠٤٠)، و«تهذيب التهذيب» (٨/ ٦٩) ت (١٠٧)، و«الجرح والتعديل» (٦/ ٢٤١)، و«الثقات» (٣/ ٢٦٩)، (٤/ ٢٥١)، و«أسد الغابة» (٤/ ٢٥١)، و«الاستيعاب» (٣/ ١١٩٣) .\n(٤) أخرجه الترمذي (٥/ ٥٦٩- ٥٧٠)، كتاب «الدعوات» باب (١١٩)، حديث (٣٥٧٩)، والنسائي (١/ ٢٧٩- ٢٨٠) كتاب «الصلاة»، باب النهي عن الصلاة بعد العصر، حديث (٥٧٢)، وابن خزيمة (٢/ ١٨٢) .\nوقال الترمذي: حسن صحيح غريب.\n(٥) أخرجه الترمذي (٥/ ٥٢٦- ٥٢٧)، كتاب «الدعوات»، باب (٧٩)، حديث (٣٤٩٩) من طريق عبد الرّحمن بن سابط عنه به.\nوقال الترمذي: هذا حديث حسن. [.....]","vol":"2","page":95},{"text":"ومما يدْخُلُ في ضِمْنِ قوله سبحانه: وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ أن يكون المرءُ مغْتَنِمًا للخَمْس كما قال النبيّ ﷺ: «اغتنم خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ وَصِحَّتِكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغُلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ» «١» فَيَكُونُ متى أَرَادَ أَنْ يَصْنَعَ خَيْرًا، بادر إليه، ولم يسوِّف نفسه بالأمل، فهذه أيضًا مسارعةٌ في الخيرات، وذكر بعض النَّاس قال: دخلْتُ معَ بَعْضِ الصَّالحين في مَرْكَبٍ، فقُلْتُ له: ما تقُولُ (أصْلَحَكَ اللَّه) في الصَّوْمِ في السَّفر؟ فقال لي: إنها المبادرةُ، يا ابْنَ الأخِ، قال المحدِّث: فجاءني، واللَّهِ، بجوابٍ ليس من أجوبة الفُقَهَاء/.\nقال ص: قوله: مِنَ الصَّالِحِينَ: «مِنْ»: للتبعيض، ابنُ عطية: ويحسُنُ أيضًا أنْ تكون لبيانِ الجنْس، وتعقِّب بأنه لم يتقدَّم شيء فيه إبهام، فيبين جنسه. اهـ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-247>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١١٥ الى ١١٦]</span>\nوَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (١١٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١١٦)\nوقوله تعالى: وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ، أي: فلَنْ يعطى دونكم، فلا تثابُونَ عليه، وفي قوله سبحانه: وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ: وعد ووعيد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-248>[سورة آل عمران (٣): آية ١١٧]</span>\nمَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٧)\nوقوله تعالى: ثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ ...\nالآية: وقع في الآية التشبيهُ بين شيئَيْن وشَيْئَيْن، وتَرَكَ مِنْ كلٍّ منهما ما دلَّ عليه الكلام، وهذه غايةُ الإيجازِ والبلاغةِ، وجمهور المفسّرين على أن نْفِقُونَ\nيراد به الأموال التي كانُوا ينفقُونَها في التحنُّث، أي: يبطلها كفْرهم كما تبطل الريح الزرْعَ، والصِّرُّ: البَرْدُ الشديدُ المُحْرِقُ لكلِّ ما يهبّ عليه، والحرث: شامل للزرع والثمار.\n_________\n(١) أخرجه الحاكم (٤/ ٣٠٦)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٧/ ٢٦٣) رقم (١٠٢٤٨) من طريق عبد الله بن سعيد بن أبي هند عن أبيه عن ابن عباس مرفوعا.\nوقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي.\nوأخرجه ابن المبارك في «الزهد» رقم (٢)، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (٤/ ١٤٨)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٧/ ٢٦٣) رقم (١٠٢٥٠)، والبغوي في «شرح السنة» (٧/ ٢٧٦، ٢٧٧- بتحقيقنا) عن عمرو بن ميمون الأودي عن النبيّ ﷺ مرسلا.\nوالمرسل ذكره الحافظ العراقي في «تخريج الإحياء» (٤/ ٤٤٣)، وعزاه لأحمد في «الزهد»، وقال:\nبإسناد حسن.","vol":"2","page":96},{"text":"وقوله سبحانه: رْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ...\nالآية: مِنْ أَهْلِ العِلْم من يرى أنَّ كل مصائبِ الدنيا، فإنما هي بمعاصِي العبيدِ، وينتزع ذلك مِنْ غير ما آية في القرآن، فيستقيم على قوله أنَّ كلَّ حرثٍ تحرقُهُ ريحٌ، فإنما هو لِمَنْ قد ظلم نفْسَه، والضميرُ في قوله: ما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ\nللكفَّار الذين تقدَّم ضميرهم في نْفِقُونَ\n، وليس هو للقوم ذوي الحرث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-249>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١١٨ الى ١١٩]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا وَدُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨) ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (١١٩)\nوقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطانَةً، أي: لا تتَّخذوا من الكفَّارِ، واليهودِ، والمنافقينَ أخلاَّء تأنَسُونَ بهم في الباطنِ، وتفاوضونهم في الآراء.\nوقوله سبحانه: مِنْ دُونِكُمْ، يعني: مِنْ دُونِ المؤمنين.\nوقوله سبحانه: لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبالًا: معناه: لا يقصِّرون لكم فيما فيه فسادٌ عليكم، تقُول: ما أَلَوْتُ فِي كَذَا، أيْ: ما قصَّرت، بل اجتهدت، والخبالُ: الفسادُ، قال ابن عبَّاس: كان رجالٌ من المؤمنين يواصِلُون رجالًا من اليهودِ للْحِلْفِ والجِوَارِ الذي كان بَيْنهم في الجاهليَّة، فنزلَتِ الآية في ذلك «١»، وقال ابنُ عبَّاس أيضًا، وقتادة، والرَّبِيع، والسُّدِّيُّ:\nنزلَتْ في المنافقين «٢» .\nقال ع «٣»: ويدخُلُ في هذه الآية استكتاب أهل الذِّمَّة، وتصريفُهم في البَيْع والشِّراء، ونَحْو ذلك، و«ما» في قوله: مَا عَنِتُّمْ: مصدريةٌ، فالمعنى: وَدُّوا عَنَتَكُمْ، والعَنَتُ: المشقَّة والمكروه يلقاه المرءُ، وعَقَبَةٌ عَنُوتٌ، أي: شاقَّة.\nقال ص: قال الزجَّاج «٤»: عَنَتَكُمْ، أي: مشقَّتَكُم، وقال ابنُ جرير «٥»: ضلالكم،\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٤٠٧) برقم (٧٦٧٨)، وذكره البغوي في «تفسيره» (١/ ٣٤٤)، وابن عطية (١/ ٤٩٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ١١٨)، وعزاه لابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٤٠٧، ٤٠٨) برقم (٧٦٨٠- ٧٦٨٤)، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٤٩٦) .\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٤٩٦) .\n(٤) ينظر: «معاني القرآن» (١/ ٤٦٢) .\n(٥) ينظر: «تفسير الطبري» (٣/ ٤٠٨) .","vol":"2","page":97},{"text":"وقال الزُّبَيْدِيُّ: العَنَتُ: الهلاك. اهـ.\nوقوله تعالى: قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ، أي: فهم فوق المستَتِر الَّذي تبدو البغضاءُ في عينيه، وخصَّ سبحانه الأفواه بالذكْرِ دون الألسنة إشارةً إلى تشدُّقهم وثَرْثَرَتِهِمْ في أقوالهم هذه، ثمَّ قال سبحانه للمؤمنين: قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ تحْذيرًا وتنبيهًا، وقد عَلِمَ سبحانه أنهم عقلاء، ولكن هذا هَزٌّ للنفوس، كما تقول: إنْ كُنْتَ رَجُلًا، فافعل كذا وكذا.\nوقوله: ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ: الضمير في «تُحِبُّونهم» للذين تقدَّم ذكْرُهم في قوله: بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ، قال: ص: وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ، قال أبو البقاء:\nالكِتَاب، هنا: جنس، أيْ: بالكتب كلِّها. اهـ.\nوقوله تعالى: عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ: عبارةٌ عن شدَّة الغيظِ، مع عدم القُدْرة على إنفاذه ومنه قولُ أبي طَالِبٍ: [الطويل]\n................ ... يَعَضُّونَ غَيْظًا خَلْفَنَا بِالأَنَامِلِ «١»\nوقوله سبحانه: قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ قال فيه الطبريُّ «٢»، وكثيرٌ من المفسِّرين: هو دعاءٌ عليهم، وقال قومٌ: بل أمر النبيّ ﷺ وأمَّتَه أنْ يواجهُوهم بهذا فعلَى/ هذا زال معْنَى الدعاء، وبَقِيَ معنى التقْرِيعِ.\nوقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ: وعيد وذات الصدور: ما تنطوي عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-250>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٢٠ الى ١٢٢]</span>\nإِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (١٢٠) وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٢١) إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُما وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٢٢)\n_________\n(١) عجز بيت، وصدره:\nوقد صالحوا قوما علينا أشحّة ... ............... ..\nوهو في ديوان أبي طالب (١٠١)، و«السيرة النبوية» (١/ ٢٧٢)، و«الروض الأنف» (٢/ ١٣)، و«البحر المحيط» (٣/ ٤٤)، و«الدر المصون» (٢/ ١٩٧) .\n(٢) ينظر: «تفسير الطبري» (٣/ ٤١٢، ٤١٣) .","vol":"2","page":98},{"text":"وقوله سبحانه: إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ ... الآية: الحَسَنَةُ والسيِّئة في هذه الآية: لفظ عامٌّ في كل ما يَحْسُنُ ويَسُوء، قلْتُ: ويجبُ على المؤمن أن يجتنب هذه الأخلاق الذميمة وَرُوِّينا في «كتاب الترمذيِّ»، عن وَاثِلَةَ بْنِ الأَسْقَعِ (﵁)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «لاَ تُظْهِرِ الشَّمَاتَةَ لأخِيكَ، فَيَرْحَمَهُ اللَّهُ وَيَبْتَلِيكَ» «١» اهـ.\nوالكَيْد: الاحتيالُ بالأباطيل، وقوله تعالى: وَأَكِيدُ كَيْدًا [الطارق: ١٦] من باب تسمية العقوبة باسم الذَّنْب.\nوقوله تعالى: وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ هذا ابتداءُ عتْبِ\n_________\n(١) أخرجه الترمذي (٤/ ٦٦٢)، كتاب «صفة القيامة»، باب (٥٤)، حديث (٢٥٠٦)، وابن حبان في «المجروحين» (٢/ ٢١٣- ٢١٤)، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (٥/ ١٨٦)، والطبراني في «الكبير» (٢٢/ ٥٣- ٥٤) رقم (١٢٧)، والقضاعي في «مسند الشهاب» (٩١٧) كلهم من طريق القاسم بن أمية الحذاء: ثنا حفص بن غياث عن برد بن سنان عن مكحول عن واثلة بن الأسقع.\nوقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، ومكحول قد سمع من واثلة بن الأسقع، وأنس بن مالك، وأبي هند الداري، ويقال: إنه لم يسمع من أحد من أصحاب النبيّ ﷺ إلا من هؤلاء الثلاثة. اهـ.\nوقال أبو نعيم: غريب من حديث برد ومكحول، لم نكتبه إلا من حديث حفص بن غياث.\nوقال ابن حبان: هذا لا أصل له من كلام رسول الله ﷺ. وقال في ترجمة القاسم: شيخ، يروي عن حفص بن غياث المناكير الكثيرة، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد. اهـ.\nوفيما قاله ابن حبان نظر فقد قال الحافظ في «التقريب» (٢/ ١١٥): بصري صدوق، ضعفه ابن حبان بلا مستند.\nقلت: وقد توبع القاسم على هذا الحديث: فأخرجه الترمذي (٤/ ٦٦٢) كتاب صفة القيامة: باب (٥٤) حديث (٢٥٠٦)، والخطيب في «تاريخ بغداد» (٩/ ٩٥- ٩٦)، وأبو الشيخ في «الأمثال» (٢٠٢)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٥/ ٣١٥) رقم (٦٧٧٧) كلهم من طريق عمر بن إسماعيل بن مجالد عن حفص بن غياث به.\nومن طريق الخطيب أخرجه ابن الجوزي في «الموضوعات» (٣/ ٢٢٤) .\nوقال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح عن رسول الله ﷺ، وعمر بن إسماعيل لا يعد. وقال يحيى:\nليس بشيء، كذاب، رجل سوء، خبيث، وقال الدارقطني: متروك. اهـ.\nوقال الحافظ في «التقريب» (٢/ ٥٢): متروك.\nوله متابع آخر: أخرجه المخلص في «فوائده» كما في «اللآلئ» (٢/ ٢٢٨) من طريق فهد بن حيان عن حفص بن غياث به.\nوفهد بن حيان: قال البخاري: سكتوا عنه، وقال أيضا: يتكلمون فيه. وقال العجلي: ضعيف الحديث.\nوذكره الدارقطني في «الضعفاء والمتروكين» .\nينظر: «التاريخ الصغير» (٢/ ٣٣١، ٣٤٤)، و«الثقات» للعجلي (١١٥٧)، و«الضعفاء والمتروكين» للدار قطني (٤٣٦) .","vol":"2","page":99},{"text":"المؤمنين في أَمْر أُحُدٍ، وفيه نزلَتْ هذه الآياتُ كلُّها، وكان من أمر غزوة أُحُدٍ أَنَّ المُشْرِكِينَ اجتمعوا في ثلاثة آلاف رجُلٍ، وقصدوا المدينةَ ليأخذوا بثأرهم في يوم بَدْرٍ، فنزلوا عند أُحُدٍ يوم الأربعاء، الثَّانِيَ عَشَرَ مِنْ شَوَّالٍ، سنَةَ ثلاثٍ من الهجرةِ، على رأس أَحَدٍ وثلاثين شهرًا من الهجْرة، وأقاموا هنالك يوم الخميس، ورسول الله ﷺ بالمدينة يدبِّر وينتظرُ أمْرَ اللَّهِ سبحانه، فلَمَّا كان في صَبِيحَة يَوْم الجُمُعة، جَمَعَ رسُولُ الله ﷺ النَّاس واستشارهم، وأخبرهم أنه كان يرى بقرًا تُذْبَح، وثَلْمًا في ذُبَابِ سَيْفه، وأنَّهُ يُدْخِلُ يده في دِرْعٍ حَصِينَةٍ، وأنه تأوَّلها المدينةَ، وقال لهم: أرى ألاَّ نخرج إلى هؤلاء الكُفَّارِ، فقال له عبدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابن سَلُولَ: أَقِمْ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلاَ تَخْرُجْ إلَيْهِمْ بِالنَّاسِ، فَإنْ هُمْ أَقَامُوا، أَقَامُوا بِشَرِّ مَحْبِسٍ، وإنِ انْصَرَفُوا، مَضَوْا خَائِبِينَ، وَإنْ جَاءُونَا إلَى المَدِينَةِ، قَاتَلْنَاهُمْ فِي الأَفْنِيَةِ وَرَمَاهُمُ النّساء والصّبيان بالحجارة من الآطام «١»، فو الله، مَا حَارَبَنَا قَطُّ عَدُوٌّ فِي هَذِهِ المَدِينَةِ إلاَّ غَلَبْنَاهُ، وَلاَ خَرَجْنَا مِنْهَا إلى عَدُوٍّ إلاَّ غَلَبَنَا، فَوَافَقَ هَذَا الرَّأْيُ رَأْيَ رَسُولِ الله ﷺ، ورَأْيَ جَمَاعَةٍ عَظِيمَةٍ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، وقَالَ قَوْمٌ مِنْ صُلَحَاءِ المُؤْمِنِينَ مِمَّنْ فَاتَتْهُ بَدْرٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اخرج بِنَا إلى عَدُوِّنَا، وَشَجَّعُوا النَّاسَ، وَدَعَوْا إلَى الحَرْبِ، فَقَامَ رَسُولُ الله ﷺ، فصلى بِالنَّاسِ صَلاَةَ الجُمُعَةِ، وَقَدْ حَشَّمَهُ هَؤُلاَءِ الدَّاعُونَ إلَى الحَرْبِ، فَدَخَلَ إثْرِ صَلاَتِهِ بَيْتَهُ، وَلَبِسَ سِلاَحَهُ، فَنَدِمَ أُولَئِكَ القَوْمُ، وَقَالُوا: أَكْرَهْنَا رسول الله ﷺ، فلمّا خرج عليهم النبيّ ﷺ فِي سِلاَحِهِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَقِمْ، إنْ شِئْتَ، فَإنَّا لاَ نُرِيدُ أنْ نُكْرِهَكَ، فقال رسول الله ﷺ: «مَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ لَبِسَ سِلاَحَهُ أَنْ يَضَعَهَا حتى يُقَاتِل، ثُمَّ خَرَجَ بِالنَّاسِ، وَسَارَ حتى قَرُبَ مِنْ عَسْكَرِ المُشْرِكِينَ، فَعَسْكَرَ هُنَالكَ، وَبَاتَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَقَدْ غَضِبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابن سَلُولَ، وَقَالَ: أَطَاعَهُمْ، وَعَصَانِي، فَلَمَّا كَانَ فِي صَبِيحَةِ يَوْمَ السَّبْتِ، اعتزم النَّبِيُّ ﷺ عَلَى المَسِيرِ إلى مُنَاجَزَةِ المُشْرِكِينَ، فَنَهَضَ وَهُوَ فِي أَلْفِ رَجُلٍ، فانخزل عَنْهُ عِنْدَ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابن سَلُولَ بِثَلاَثِمِائَةِ رَجُلٍ مِنْ مُنَافِقٍ وَمُتَّبِعٍ، وَقَالُوا: نَظُنُّ أَنَّكُمْ لا تلقون قتالا، ومضى رسول الله ﷺ فِي سبْعِمِائةٍ/ فَهَمَّتْ عِنْدَ ذَلِكَ بَنُو حَارِثَةَ مِنَ الأَوْسِ وَبَنُو سَلِمَةَ مِنَ الخَزْرَجِ بالانْصِرَافِ، وَرَأَوْا كَثَافَةَ المُشْرِكِينَ، وَقِلَّةَ المُسْلِمِينَ، وَكَادُوا أَنْ يَجْبُنُوا، وَيَفْشَلُوا، فَعَصَمَهُمُ اللَّهُ تعالى، وَذَمَّ بَعْضُهُمْ بعضا، ونهضوا مع النّبيّ ﷺ حتى أَطَلَّ عَلَى المُشْرِكِينَ فَتَصَافَّ النَّاسُ، وَكَانَ النّبيّ ﷺ قَدْ أَمَّرَ عَلَى الرُّمَاةِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُبَيْرٍ «٢»، وَكَانُوا خَمْسِينَ رَجُلًا، وَجَعَلَهُمْ يَحْمُونَ الجَبَلَ وراء المسلمين،\n_________\n(١) واحدها: أطم، وهي حصون مبنية بحجارة. ينظر: «لسان العرب» (٩٣) .\n(٢) عبد الله بن جبير بن النعمان الأنصاري، أخو خوّات بن جبير. -","vol":"2","page":100},{"text":"وَأسْنَدَ هُوَ إلَى الجَبَلِ، فَلَمَّا اضطرمت نَارُ الحَرْبِ، انكشف المُشْرِكُونَ، وانهزموا، وَجَعَلَ نِسَاءُ المُشْرِكِينَ يَشْدُدْنَ فِي الجَبَلِ، وَيَرْفَعْنَ عَنْ سُوقِهِنَّ، قَدْ بَدَتْ خَلاَخِيلُهُنَّ، فَجَعَلَ الرُّمَاةُ يَقُولُونَ: الغَنِيمَةَ الغَنِيمَةَ، وكان النّبيّ ﷺ قَدْ قَالَ لَهُمْ: لاَ تَبْرَحُوا مِنْ هُنَا، وَلَوْ رَأَيْتُمُونَا تَخَطَّفُنَا الطَّيْرُ، فَقَالَ لَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُبَيْرٍ، وَقَوْمٌ مِنْهُمْ: اتقوا اللَّهَ واثبتوا كَمَا أَمَرَكُمْ نَبِيُّكُمْ، فَعَصَوْا، وَخَالَفُوا، وانصرفوا يُرِيدُونَ النَّهْبَ، وَخَلَّوْا ظُهُورَ المُسْلِمِينَ لِلْخَيْلِ، وَجَاءَ خَالِدٌ فِي جَرِيدَةِ خَيْلٍ مِنْ خَلْفِ المُسْلِمِينَ، حَيْثُ كَانَ الرُّمَاةُ، فَحَمَلَ عَلَى النَّاسِ، وَوَقَعَ التَّخَاذُلُ، وَصِيحَ فِي المُسْلِمِينَ مِنْ مُقَدِّمَتِهِم، وَمِنْ سَاقَتِهِمْ، وَصَرَخَ صَارِخٌ: قُتِلَ مُحَمَّدٌ، فَتَخَاذَلَ النَّاسِ، واستشهد مِنَ المُسْلِمِينَ سَبْعُونَ، وَتَحَيَّزَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي أَعْلَى الجَبَلِ، وَتَحَاوَزَ النَّاسُ» .\nهَذَا مختصرٌ من القصَّة يتركَّب عليه تفسيرُ الآياتِ، وأمْرِ أُحُدٍ مستوعَبٌ في السِّيَرِ، وليس هذا التعليقُ ممّا يقتضي ذكره، وتُبَوِّئُ: معناه: تُعَيِّنُ لهم مقاعدَ يتمكَّنون فيها، ويثْبُتُون، وقوله سبحانه: مَقاعِدَ: جمعُ مَقْعَدٍ، وهو مكانُ القعود، وهذا بمنزلة قولك:\nمَوَاقِف، ولكنَّ لفظة القُعُود أدلُّ على الثبوتِ، ولا سيَّما أنَّ الرماة إنما كانوا قُعُودًا، وكذلك كانَتْ صفوفُ المسلمين أولًا والمُبَارِزَةُ والسَّرعَان «١» يَجُولُون.\nقوله تعالى: وَاللَّهُ سَمِيعٌ، أي: ما تقولُ: وما يقالُ لك وقت المشاورة وغيره، وهَمَّتْ: معناه: أرادَتْ، ولم تَفْعَلْ، والفَشَل: في هذا الموضع: هو الجُبْن الذي كاد يلحق الطَّائفتين، ففي البُخَاريِّ وغيره، عَنْ جَابِرٍ، قال: نزلَتْ هذه الآيةُ فينا إذ همَّت طائفتان في بَنِي سَلِمَةَ وبَنِي حَارِثَةَ، وما أحب أنها لم تنزل، والله يقول: وَاللَّهُ وَلِيُّهُما «٢» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-251>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٢٣ الى ١٢٥]</span>\nوَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥)\nوقوله سبحانه: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ... لمّا أمر الله سبحانه بالتوكّل\n_________\n- قال البخاريّ: حديثه في أهل «المدينة»، شهد العقبة وبدرا، واستشهد بأحد، وكان أمير الرماة.\nينظر: «الإصابة» (٤/ ٣١) .\n(١) سرعان الناس وسرعانهم: أوائلهم المستبقون إلى الأمر. ينظر: «لسان العرب» (١٩٩٥) .\n(٢) أخرجه البخاري رقم (٤٥٥٨) . [.....]","vol":"2","page":101},{"text":"عليه، ذَكَّر بأَمْر بَدْرٍ الذي كان ثَمَرَتُهُ التوكُّلَ عَلَى اللَّه سبحانه، والثِّقَةَ به.\nوقوله سبحانه: وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ: معناه: قليلون، واسم الذُّلِّ في هذا الموضع:\nمستعارٌ إذ نسبتهم إلى عدوِّهم، وإلى جميعِ الكفَّار في أقطار الأرض تَقْتَضِي عند المتأمِّل ذِلَّتَهُمْ، وأنهم مغلوبُونَ رَوَى ابن عمرو «أنّ النبيّ ﷺ خَرَجَ يَوْمَ بَدْرٍ فِي ثَلاَثِمِائَةٍ، وَخَمْسَةَ عَشَرَ، فقال ﷺ: «اللَّهُمَّ، إنَّهُمْ حُفَاةٌ، فاحملهم، اللَّهُمَّ إنَّهُمْ عُرَاةٌ، فاكسهم، اللَّهُمَّ، إنَّهُمْ جِيَاعٌ، فَأَشْبِعْهُمْ»، فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ، فانقلبوا حِينَ انقلبوا، وَمَا فِيهِمْ رجُلٌ إلاَّ قَدْ رَجَعَ بِجَمَلٍ أوْ جمَلَيْنِ، واكتسوا، وَشَبِعُوا» «١» رواه أبو داود، والحاكمُ في «المستدرك على الصَّحيحَيْن»، واللفظ له، وقال: صحيحٌ على شرط الشيخَيْن. اهـ من «السلاح» .\nوقوله سبحانه: إِذْ/ تَقُولُ: العاملُ في «إذ» فعلٌ مضمرٌ، ويحتملُ أنْ يكون العاملُ «نَصَرَكُمْ»، وعلى هذا قولُ الجمهورِ أَنَّ هذا القولَ من النبيّ ﷺ كَانَ ببَدْرٍ، قال ابنُ عبَّاس: لم تقاتِلِ الملائكةُ في يَوْمٍ من الأيامِ إلا يَوْمَ بَدْرٍ، وكانوا يكونون في سائرِ الأيام عدَدًا ومَددًا لا يَضْرِبُون «٢»، قال الشَّعْبِيُّ: وهم يحضرون حروبَ المُسْلمين إلى يَوْمِ القيامة، وقال قتادة: أمد اللَّه المؤمنين يَوْمَ بَدْر بخَمْسَة آلاف «٣»، قال عِكْرِمَةُ: كان الوعْدُ يوْمَ بدرٍ، فلم يصْبروا يَوْمَ أُحُدٍ، ولا اتقوا، فلم يُمَدُّوا، ولَوْ مُدُّوا، لَمْ يهزموا «٤»، وقال الضَّحَّاك، وابنُ زيدٍ: إنما كان هذا الوعدُ والمقالة للمؤمنين يوم أحُدٍ، ففَرَّ الناس، ووَلَّوْا مدبرين، فلم يمدَّهم اللَّه، وإنما مُدَّوا يوم بدر بألفٍ من الملائكة مُرْدِفِينَ «٥»، والفَوْرُ: النهوضُ المُسْرِعُ إلى الشيء مأخوذ من فَوْرِ القِدْرِ، والماءِ ونحوِهِ ومنه: الفور في الحجّ والوضوء\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (٢/ ٨٨)، كتاب «الجهاد» باب في نفل السرية تخرج من المعسكر، حديث (٢٧٤٧)، والحاكم (٢/ ١٣٢- ١٣٣)، والبيهقي (٩/ ٥٧) كتاب «السير»، باب قسم الغنيمة في دار الحرب، من حديث عبد الله بن عمرو.\nوقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي.\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٤٢٢) برقم (٧٧٤٩)، وذكره ابن عطية (١/ ٥٠٣) .\n(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٤٢٣) برقم (٧٧٥٣)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ١٢٤)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر.\n(٤) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٤٢٤) برقم (٧٧٥٨)، وذكر ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٥٠٣)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ١٢٤)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٥) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٥٠٣)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ١٢٤)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وعزاه لابن جرير عن ابن زيد.","vol":"2","page":102},{"text":"ومُسَوِّمِينَ: معناه: مُعْلِمِينَ بعَلاَماتٍ، وروي أنَّ الملائكةَ أَعْلَمَتْ يَوْمَ بَدْرٍ بعمائمَ بِيضٍ إلاَّ جِبْرِيل فإنه كان بِعَمَامَةٍ صَفْرَاءَ على مثالِ عَمَامَةِ الزُّبَيْرِ بن العوّام «١»، وروي أنّ النبيّ ﷺ قَالَ للمسلمينَ يَوْمَ بَدْرٍ: «سُوِّمُوا فَإنَّ المَلاَئِكَةَ قد سوّمت» «٢» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-252>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٢٦ الى ١٢٩]</span>\nوَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١٢٦) لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ (١٢٧) لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ (١٢٨) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢٩)\nوقوله سبحانه: وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ: الضميرُ في جَعَلَهُ اللَّهُ: عائدٌ على الإنزال والإمداد، ومعنى الآية: وما كان هذا الإمداد إلا لتستبشروا بهِ، وتطمئنَّ به قلوبكم، وترون حِفَايَةَ اللَّه بكم، وإلا فالكثرةُ لا تُغْنِي شيئًا إلاَّ أنْ ينصر اللَّه، واللاَّمُ في قوله: لِيَقْطَعَ متعلِّقة بقوله: وَمَا النَّصْرُ، ويحتمل أنْ تكون متعلِّقة ب جَعَلَهُ فيكون قَطْع الطَّرف إشارةً إلى مَنْ قتل ببَدْرٍ على قول ابن إسحاق وغيره، أو إلى «٣» من قتل بأحد على ما قال السُّدِّيُّ «٤»، وقتل من المشركين ببَدْرٍ سبعون، وقُتِلَ منهم يوم أحد اثنان وعِشْرُونَ رجُلًا، والطرف الفريق.\nوقوله سبحانه: أَوْ يَكْبِتَهُمْ: معناه يُخْزِيَهُمْ والكَبْتُ: الصرع لليَدَيْن.\nوقال ص: الكَبْت: الهزيمة، وقيل: الصَّرْع لليدين اهـ.\n_________\n(١) الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى. أبو عبد الله القرشي. الأسدي. حواري الرسول ﷺ وابن عمته، أمه صفية بنت عبد المطلب. أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى، وهو صحابي مشهور، وفضائله كثيرة لا يتسع المقام للكلام عنها. قتل بعد منصرفه يوم الجمل في جمادى الأولى سنة (٣٦)، وله ست أو سبع وستون سنة.\nينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (٢/ ٢٤٩)، و«تجريد أسماء الصحابة» (١/ ١٨٨)، و«الإصابة» (٣/ ٥)، و«الاستيعاب» (٢/ ٥١٠)، و«التاريخ الكبير» (٣/ ٤٠٩)، و«حلية الأولياء» (١/ ٨٠٩)، و«الكاشف» (١/ ٣٢٠)، و«الرياض المستطابة» (٧٤)، و«المصباح المضيء» (١/ ١١٤)، و«الرياض النضرة» (٢/ ٣٥١)، و«البداية والنهاية» (٧/ ٤٤٩)، و«بقي بن مخلد» (٨٤) و«الأنساب» (١/ ٢١٦)، و«صفة الصفوة» (١/ ٣٤٢)، و«سير أعلام النبلا» (١/ ٤١) .\n(٢) أخرجه سعيد بن منصور (٢/ ٣٦٠) رقم (٢٨٦١) عن عمير بن إسحاق عن النبيّ ﷺ مرسلا.\n(٣) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٥٠٥) .\n(٤) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٤٣٠) برقم (٧٧٩٩)، وذكره الماوردي في «تفسيره» (١/ ٤٢٢)، وابن عطية في «تفسيره» (١/ ٥٠٥) .","vol":"2","page":103},{"text":"وقوله تعالى: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ... الآية: رُويَ في سبب هذه الآية أنَّه لما هزم أصحابه ﷺ، وشُجَّ وَجْهُهُ، وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ، جَعَلَ يَمْسَحُ وَجْهَهُ، وَيَقُولُ: «كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ فَعَلُوا هَذَا بِنَبِيِّهِمْ»، وفي بعض طُرُق الحَدِيثِ: «كَيْفَ بِقَوْمٍ فَعَلُوا هَذَا بِنَبِيِّهِمْ، وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إلَى اللَّه»، فَنَزَلَتِ الآيةُ، فقيلِ لَهُ: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ، أي: عواقب الأمور بيد اللَّه، فامض أنْتَ لشأْنِكَ، ودُمْ على الدعاء إلى ربِّك. قلت: وقد فعل ذلك ﷺ ممتثلًا أَمْرَ ربِّه، قال عِيَاض: رُوِيَ أنَّ النبيّ ﷺ لَمَّا كُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ، وَشُجَّ وَجْهُهُ يَوْمَ أُحُدٍ، شَقَّ ذَلِكَ على أَصْحَابِهِ، وَقَالُوا: لَوْ دَعَوْتَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: «إنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا، وَلَكِنِّي بُعِثْتُ دَاعِيًا، وَرَحْمَةً، اللَّهُمَّ اهد قَوْمِي، فإنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ» «١»، ورُوِيَ عن عُمَر (﵁) أنَّهُ قَالَ فِي بَعْضِ كلامه: بِأَبِي وَأُمِّي أنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَقَدْ دَعَا نُوحٌ على قَوْمِهِ، فَقَالَ: رَبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ [نوح: ٢٦] الآية وَلَوْ دَعَوْتَ عَلَيْنَا، لَهَلَكْنَا مِنْ عِنْدِ آخِرِنَا، فَلَقَدْ وُطِيءَ ظَهْرُكَ، وَأُدْمِيَ وَجْهُكَ، وَكُسِرَتْ رُبَاعِيَتُكَ، فَأَبَيْتَ أَنْ تَقُولَ إلاَّ خَيْرًا، فَقُلْتَ: «اللَّهُمَّ، اغفر لِقَوْمِي فَإنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ» اهـ.\nقال الطبريُّ «٢» وغيره من المفسِّرين: أَوْ يَتُوبَ عطْفٌ على يَكْبِتَهُمْ والمعنى:\nأوْ يَتُوبَ عليهم، فَيَسْلَمُونَ/ أو يُعَذِّبَهم، إنْ تَمَادَوْا على كفرهم فإنهم ظالمون، ثم أكَّد سبحانه معنى قوله: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ بذكْرِ الحُجَّةِ السَّاطعة في ذلك، وهي ملكه الأشياء، فقال سُبْحانه: وَلِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، أي: فله سبحانه أنْ يفعل بحَقِّ ملكه ما يشاء، لا اعتراض علَيْه ولا معقِّب لحُكْمه، وذَكَر سبحانَهُ: أنَّ الغُفْران أو التَّعْذيب، إنما هو بمشيئَتِهِ، وبحَسَب السَّابق في علْمه، ثم رجى سبحانه في آخر ذلك تأنيسا للنّفوس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-253>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٣٠ الى ١٣٢]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافًا مُضاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (١٣١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)\nوقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافًا مُضاعَفَةً ... الآية.\nقال ع «٣»: هذا النهْيُ عن أَكْلِ الربا اعترَضَ أثناء قِصَّة أُحُدٍ، ولا أحفظ سببا في ذلك\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٤/ ٢٠٠٦- ٢٠٠٧)، كتاب «البر والصلة»، باب النهي عن لعن الدواب وغيرها، حديث (٨٧/ ٢٥٩٩) عن أبي هريرة قال: قيل يا رسول الله: ادع على المشركين. قال: «إني لم أبعث لعانا، وإنما بعثت رحمة» .\n(٢) ينظر: «تفسير الطبري» (٣/ ٤٣١) .\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٥٠٦) .","vol":"2","page":104},{"text":"مرويًّا، ومعناه: الرِّبَا الذي كانت العربُ تُضعِّف فيه الدَّيْن، وقد تقدَّم الكلامُ على ذلك في «سورة البقرة» .\nوقوله تعالى: أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ، أي: أنهم المقصودُ، والمراد الأوَّل، وقد يدخُلُها سواهم من العُصَاة، هذا مذْهَبُ أهل العلْمِ في هذه الآية، وحكَى الماوَرْدِيُّ «١» وغيره، عن قوم أنهم ذهبوا إلى أن أَكَلَة الرِّبا، إنما توعَّدهم اللَّهُ بنارِ الكَفَرة، لا بنار العُصَاة.\nوقوله سبحانه: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ، قال محمَّد بْنُ إسحاق:\nهذه الآية من قوله تعالى: وَأَطِيعُوا اللَّهَ هي ابتداءُ المعاتبةِ فِي أمر أُحُدٍ، وانهزام مَنْ فَرَّ، وزوال الرماة عن مراكزهم «٢» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-254>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٣٣ الى ١٣٤]</span>\nوَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)\nوقوله تعالى: سارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ، قرأ نافعٌ، وابنُ عامِرٍ: سارعوا بغَيْر «واوٍ» وكذلك هي في مصاحِفِ أهل المدينة والشام، وقرأ باقي السبعة بالواو، والمُسَارَعَة: المبادرةُ، وهي مفاعلة إذ الناس كأن كلَّ واحِدٍ يُسْرِعُ لِيَصِلَ قبل غيره، فَبَيْنَهُمْ في ذلك مُفَاعَلَةٌ أَلاَ ترى إلى قوله تعالى: اسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ\n[البقرة: ١٤٨]، والمعنى: سارعوا بالطَّاعة، والتقوى، والتقرُّب إلى ربِّكم إلى حالٍ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ فيها، قلْتُ: وحقٌّ على مَنْ فَهِمَ كلامَ ربِّه أنْ يبادر ويُسَارع إلى ما ندبه إلَيْه ربُّه، وألاَّ يتهاوَنَ بترك الفضائِلِ الواردَةِ في الشّرع، قال النوويّ﵀-: اعلم أنه ينبغِي لِمَنْ بلغه شيْءٌ في فضائلِ الأعمال أنْ يعمل به، ولو مَرَّةً ليكون مِنْ أهله، ولا ينبغي أنْ يتركه جملةً، بل يأتي بما تيسَّر منه لقول النبيّ ﷺ في الحديث المتّفق على صحّته: «وإذا\n_________\n(١) علي بن محمد بن حبيب، القاضي أبو الحسن الماوردي، البصري، أحد أئمة أصحاب الوجوه، تفقه على أبي القاسم الصيمري، وسمع من أبي حامد الأسفراييني، قال الخطيب: كان ثقة، من وجوه الفقهاء الشافعيين. وقال الشيرازي: وله مصنفات كثيرة في الفقه والتفسير وأصول الفقه والأدب، وكان حافظا للمذهب.\nومن تصانيفه: «الحاوي» . قال الأسنوي: ولم يصنف مثله، والأحكام السلطانية والتفسير المعروف بالنكت والعيون وغيرها. مات سنة ٤٥٠.\nانظر: «طبقات ابن قاضي شهبة» (١/ ٢٣٠)، و«تاريخ بغداد» (١٢/ ١٠٢)، و«طبقات السبكي» (٣/ ٣٠٣) .\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٤٣٥) برقم (٧٨٢٨) . [.....]","vol":"2","page":105},{"text":"أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فافعلوا مِنْهُ مَا استطعتم» «١» . انتهى من «الحلية» .\nوقوله سبحانه: وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ، أي: كعرض السموات والأرض، قال ابنُ عبَّاس في تفسير الآية: تقرن السمواتُ والأرَضُونَ بعضها إلى بعض كما تبسطُ الثيابُ، فذلك عَرْضُ الجَنَّة ولا يَعْلَمُ طولَهَا إلا اللَّه سبحانه «٢» وفي الحديث الصحيح عن النّبيّ ﷺ: «إنَّ بَيْنَ المِصْرَاعَيْنِ مِنْ أَبْوابِ الجَنَّةِ مَسِيرَةَ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَسَيَأْتِي عَلَيْهَا يَوْمٌ يَزْدَحِمُ النَّاسُ فِيهَا كَمَا تَزْدَحِمُ الإبِلُ، إذَا وَرَدَتْ خُمُصًا ظِمَاءً» «٣» . وفي الصحيح:\n«إنَّ فِي الجَنَّةِ شَجَرَةً يسير الراكب المجد في ظلها مائة عام لا يقطعها» «٤» فهذا كلّه يقوّي\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١٣٠/ ٢٦٤)، كتاب «الاعتصام بالكتاب والسنة»، باب الاقتداء بسنة رسول الله ﷺ، حديث (٧٢٨٨)، ومسلم (٤/ ١٨٣١) كتاب «الفضائل»، باب توقيره ﷺ، حديث (١٣١/ ١٣٣٧)، وأحمد (٢/ ٢٥٨)، والحميدي (٢/ ٤٧٧) رقم (١١٢٥)، وأبو يعلى (١١/ ١٩٥) رقم (٦٣٠٥) كلهم من طريق أبي الزِّنَادِ عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «ذروني ما تركتكم فإنما هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِسُؤَالِهِمْ واختلافهم على أنبيائهم، فما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم» .\nومن طريق أبي الزناد أخرجه البغوي في «شرح السنة» (١/ ١٧٧- بتحقيقنا) .\nوللحديث طرق أخرى عن أبي هريرة: فأخرجه مسلم (٢/ ٩٧٥) كتاب «الحج»، باب فرض الحج مرة في العمر، حديث (٤١٢/ ١٣٣٧)، والنسائي (٥/ ١١٠) كتاب «الحج»، باب وجوب الحج، وأحمد (٢/ ٤٤٧- ٤٤٨، ٤٥٧، ٤٦٧، ٥٠٨)، وابن خزيمة (٤/ ١٢٩) رقم (٢٥٠٨) من طريق محمد بن زياد عن أبي هريرة.\nوأخرجه عبد الرزاق (١١/ ٢٢٠) رقم (٢٠٣٧٤)، ومسلم (٤/ ١٨٣١) كتاب «الفضائل»، باب توقيره ﷺ، (١٣١/ ١٣٣٧)، وأحمد (٢/ ٣١٣)، والبغوي في «شرح السنة» (١/ ١٧٦- بتحقيقنا) من طريق همام بن منبه عن أبي هريرة.\nوأخرجه أحمد (٢/ ٢٤٧، ٤٢٨، ٥١٧)، والحميدي (٢/ ٤٧٧) رقم (١١٢٥)، وابن حبان (٢٠٩٧- الإحسان) من طريق محمد بن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة.\nوأخرجه مسلم (٤/ ١٨٣١) كتاب «الفضائل»، باب توقيره ﷺ، حديث (١٣١/ ١٣٣٧)، والترمذي (٥/ ٤٥- ٤٦) كتاب «العلم»، باب في الانتهاء عما نهى عنه سول الله ﷺ، حديث (٢٦٧٩) من طريق همام بن المنبه عن أبي هريرة.\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٤٣٦) برقم (٧٨٢٩)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ١٢٨)، وعزاه لابن جرير.\n(٣) تقدم تخريجه.\n(٤) أخرجه البخاري (٨/ ٤٩٥) كتاب «التفسير»، باب تفسير سورة الواقعة، حديث (٤٨٨١)، ومسلم (٤/ ٢١٧٥) كتاب «الجنة وصفة نعيمها»، باب أن في الجنة شجرة، حديث (٧/ ٢٨٢٦)، وأحمد (٢/ ٢٥٧، ٤١٨)، والحميدي (٢/ ٤٧٩) رقم (١١٣١)، وابن حبان (٧٤١١- الإحسان)، وأبو نعيم في «صفة الجنة» (٤٠٣)، والبيهقي في «البعث» (٢٦٨)، وابن الجوزي في «مشيخته» (ص ١٨٣) كلهم من طريق-","vol":"2","page":106},{"text":"قولَ ابْنِ عَبَّاسِ، وهو قولُ الجُمْهور: «إنَّ الجنَّة أَكْبرُ من هذه المخلوقاتِ المذْكُورة، وهي ممتدَّة على السَّماء حيْثُ شاء/ اللَّه تعالى، وذلك لا يُنْكَرُ، فإن في حديث النبيِّ ﷺ: «مَا السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُونَ السَّبْعُ فِي الكُرْسِيِّ إلاَّ كَدَرَاهِمَ أُلْقِيَتْ فِي فَلاَةٍ مِنَ الأَرْضِ، وَمَا الكُرْسِيُّ فِي العَرْشِ إلاَّ كَحَلْقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ أُلْقِيَتْ فِي فَلاَةٍ مِنَ الأَرْضِ» «١» .\nقال ع «٢»: فهذه مخلوقاتٌ أعظم بكثير جدًّا من السمواتِ والأرضِ، وقدرةُ اللَّه أعْظَمُ مِنْ ذلك كلِّه، قلتُ: قال الفَخْر: «٣» وفي الآية وجْه ثانٍ أنَّ الجنَّة التي عرضُها مثْلُ عَرْضِ السمواتِ والأرضِ، إنما تكونُ للرَّجُل الواحدِ لأن الإنسان يَرْغَبُ فيما يكون مِلْكًا له، فلا بُدَّ أَنْ تصير الجَنَّة المملوكة لكلِّ أحد مقْدَارُها هكذا. اهـ.\nوقُدْرَةُ اللَّه تعالى أوسع، وفَضْلُه أعظم، وفي «صحيح مسلم»، والترمذيِّ، مِنْ حديث المُغَيرة بْنِ شُعْبَة «٤» (﵁): «في سُؤَال موسى رَبَّهُ عَنْ أدنى أَهْلِ الجنّة\n_________\n- أبي الزِّنَادِ عن الأعرج عن أبي هريرة مرفوعا.\nوأخرجه البخاري (٦/ ٣٦٨) كتاب «بدء الخلق»، باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة، حديث (٣٢٥٢)، وأحمد (٢/ ٤٨٢) من طريق فليح بن سليمان عن هلال بن علي عن عبد الرّحمن بن أبي عمرة عن أبي هريرة به.\nوأخرجه مسلم (٤/ ٢١٧٥) كتاب «الجنة وصفة نعيمها»، باب أن في الجنة شجرة، حديث (٦/ ٢٨٢٦)، والترمذي (٤/ ٥٧٩) كتاب «صفة الجنة»، باب ما جاء في صفة شجر الجنة، حديث (٢٥٢٣)، وأحمد (٢/ ٤٥٢)، والطبري في «تفسيره» (٢٧/ ١٨٣)، وابن أبي داود في «البعث» (٦٧)، وأبو نعيم في «صفة الجنة» (٤٠١) . من طريق الليث بن سعد عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة به.\nوأخرجه ابن ماجة (٢/ ١٤٤٨) كتاب «الزهد»، باب صفة الجنة، حديث (٤٣٣٥)، وأحمد (٢/ ٤٣٨)، والدارمي (٢/ ٣٣٨) من طريق محمَّد بنِ عَمْرٍو عن أَبي سَلَمَةَ عن أبي هريرة.\nوأخرجه الطيالسي (٢/ ٢٤٢- منحة) رقم (٢٨٣٣)، وأحمد (٢/ ٤٥٥، ٤٦٢)، والدارمي (٢/ ٣٣٨) كتاب «الرقاق»، باب في أشجار الجنة، والطبري (٢٧/ ١٨٣) من طريق شعبة عن أبي الضحاك عن أبي هريرة به.\n(١) تقدم تخريجه.\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٥٠٨) .\n(٣) ينظر: «الفخر الرازي» (٩/ ٦) .\n(٤) المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود بن معتب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن قيس.. أبو عبد الله. معروف ب «مغيرة الرأي» .\nقال ابن الأثير: أسلم عام الخندق، وشهد «الحديبية»، وله في صلحها كلام مع عروة بن مسعود..\nوكان موصوفا بالدهاء، قال الشعبي: دهاة العرب أربعة: معاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، وزياد. فأما معاوية فللأناة والحلم، وأما عمرو فللمعضلات. وأما المغيرة فللمبادهة، وأما زياد فللصغير والكبير. توفي ب «الكوفة» سنة (٥٠ هـ) . -","vol":"2","page":107},{"text":"مَنْزِلَةً، وَأَنَّهُ رَجُلٌ يَأْتِي بَعْدَ مَا يَدْخُلُ أَهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، فَيُقَالُ لَهُ: أترضى أَنْ يَكُونَ لَكَ مَا كَانَ لِمَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ الدُّنْيَا؟ فَيَقُولُ: رَضِيتُ، أَيْ رَبِّ، فَيُقَالُ لَهُ: لَكَ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ، وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ، فَقَالَ فِي الخَامِسَةِ: رَضِيتُ، أيْ رَبِّ، فَيُقَالُ لَهُ: لَكَ ذَلِكَ، وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ، فَيَقُولُ: رَضِيتُ، أَيْ رَبِّ، فَيُقَالُ لَهُ: فَإنَّ لَكَ مَعَ هَذَا مَا اشتهت نَفْسُكَ، وَلَذَّتْ عَيْنُكَ» «١»، قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.\nوفي البخاريِّ من طريقِ ابْنِ مسعودٍ (﵁): «إنَّ آخِرَ أَهْلِ الجَنَّةِ دُخُولًا الجَنَّة، وَآخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنَ النَّارِ رَجُلٌ يَخْرُجُ حَبْوًا، فَيَقُولُ لَهُ رَبُّهُ: ادخل الجَنَّةَ، فَيَقُولُ: رَبِّ، الجَنَّةُ ملأى، فَيَقُولُ لَهُ: إنَّ لَكَ مِثْلَ الدُّنْيَا عَشْرَ مَرَّاتٍ» «٢» . اهـ.\nوفي «جامع التِّرمذيِّ»، عن ابنِ عُمَرَ (﵄)، قال: قال رسول الله ﷺ:\n«إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى جنانه وأزواجه ونعيمه وخدمه وسرره مسيرة ألف سنة، وأكرمهم على الله من ينظر إلى وَجْهِهِ غُدْوَةً وَعَشِيَّةً ...» «٣» الحديثَ، قال أبو عيسى، وقد روي هذا الحديث من غير وَجْهٍ، مرفوعًا وموقوفًا، وفي الصَّحيحِ ما معناه:\n«إذَا دَخَلَ أَهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، تبقى فِيهَا فَضْلَةٌ، فَيُنْشِيءُ اللَّهُ لَهَا خَلْقًا»، أَوْ كما قال. اهـ.\nقال ع «٤»: وخص العرض بالذِّكْر لأنه يدلُّ متى ما ذُكِرَ علَى الطُّولِ، والطُّولُ إذا ذكر لا يدُلُّ على قَدْر العَرْض، بل قد يكونُ الطَّويلُ يَسِيرَ العَرْضِ كالخَيْطِ ونحوه.\nثم وصف تعالى المتَّقِينَ الذين أعدَّتّ لهم الجنَّةُ بقوله: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ\n_________\n- ينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (٥/ ٢٤٧)، و«الإصابة» (٦/ ١٣١)، و«الثقات» (٣/ ٣٨٢)، و«الاستبصار» (٩٧)، و«الأعلام» (٧/ ٢٧٧)، و«الاستيعاب» (٤/ ١٤٤٥)، و«الكاشف» (٣/ ١٦٨)، و«تجريد أسماء الصحابة» (٢/ ٩١)، و«العقد الثمين» (٧/ ٢٥٥)، و«الجرح والتعديل» (٨/ ٢٢٤)، و«التاريخ الكبير» (٧/ ٣١٦)، و«تاريخ جرجان» (٢٩٥) .\n(١) أخرجه مسلم (١/ ٥٨١، ٥٨٢- الأبي)، كتاب «الإيمان»، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها، حديث (٣١٢/ ١٨٩)، والترمذي (٥/ ٣٤٧) كتاب «تفسير القرآن»، باب «ومن سورة السجدة»، حديث (٣١٩٨) .\nوقال الترمذي: حسن صحيح.\n(٢) أخرجه البخاري (١٣/ ٤٨٢)، كتاب «التوحيد»، باب كلام الرب (﷿) يوم القيامة مع الأنبياء، حديث (٧٥١١) .\n(٣) أخرجه الترمذي (٤/ ٦٨٨)، كتاب «صفة الجنة»، باب (١٧)، حديث (٢٥٥٣) من حديث ابن عمر.\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٥٠٩) . [.....]","vol":"2","page":108},{"text":"، وهما اليُسْر والعُسْر، قاله ابن عَبَّاس «١» . إذ الأغلَبُ أنَّ مع اليُسْر النَّشَاطَ، وسرورَ النفْسِ، ومع العُسْر الكراهيَةَ، وضُرَّ النفس، وكَظْمُ الغَيْظ: ردُّه في الجَوْفِ، إذا كاد أنْ يخرج من كثرته، ومنعه: كظْمٌ له، والكِظَامُ: السَّيْر الذي يشدُّ به فَمُّ الزِّقِّ، والغَيْظُ:\nأصْلُ الغضَبِ، وكثيرًا ما يتلازمَانِ ولذلك فسَّر بعض الناس الغَيْظَ بالغَضَب، وليس تحريرُ الأمر كذلك، بل الغيظُ حالٌ للنفس، لا تظهر على الجوارح، والغضبُ حالٌ لها تظهر في الجوارحِ وفِعْلٍ مَّا ولا بدَّ ولهذا جاز إسناد الغَضَب إلى اللَّه سبحانه إذ هو عبارة عن أفعاله في المغْضُوب علَيْهم، ولا يسند إلَيْه تعالى الغَيْظُ.\nووردَتْ في كظْمِ الغيظ، ومِلْكِ النفْسِ عند الغضب أحاديثُ، وذلك من أعظم العباداتِ، وجهادِ النفسِ، ففي حديثِ أبِي هريرة (﵁) أنّ النبيّ ﷺ/ قَالَ:\n«مَنْ كَظَمَ غَيْظًا، وَهُوَ يَقْدِرُ على إنْفَاذِهِ، مَلأَهُ اللَّهُ أَمْنًا وإيمَانًا»، إلى غير ذلك من الأحاديثَ، قُلْتُ: وروى أبو داوُدَ، والترمذيُّ عن معاذِ بْنِ أَنَس «٢» (﵁) أنّ النبيّ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَظَمَ غَيْظًا، وَهُوَ يَقْدِرُ على أَنْ يُنْفِذَهُ، دَعَاهُ اللَّهُ على رُءُوسِ الخَلاَئِقِ يَوْمَ القِيَامَةِ، حتى يُخَيِّرَهُ فِي أَيِّ الحُورِ شَاءَ» «٣»، قَالَ أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ. اهـ.\nوفي روايةٍ أخرى لأبي داود: «مَلأهُ اللَّهُ أَمْنًا وإيمَانًا، وَمَنْ تَرَكَ لُبْسَ ثَوْبِ جمال،\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٤٣٧) برقم (٧٨٣٧)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٥٠٩)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ١٢٨)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم.\n(٢) هو: معاذ بن أنس، الجهني، حليف الأنصار.\nقال أبو سعيد بن يونس: صحابي كان ب «مصر» و«الشام»، روى عن النبيّ ﷺ أحاديث. وله رواية عن أبي الدرداء وكعب الأحبار. روى عنه ابنه سهل بن معاذ وحده. وذكر أبو أحمد العسكري ما يدل على أنه بقي إلى خلافة عبد الملك بن مروان.\nينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (٥/ ١٩٣)، والإصابة» (٦/ ١٠٦)، و«الثقات» (٣/ ٣٧٠)، و«الاستيعاب» (٣/ ١٤٠٢)، و«تجريد أسماء الصحابة» (٢/ ٨٠)، و«بقي بن مخلد» (٩٣)، و«الكاشف» (٣/ ١٥٣)، و«الجرح والتعديل» (٨/ ٢٤٥)، و«تهذيب الكمال» (٣/ ١٣٣٨)، و«تهذيب التهذيب» (١٠/ ١٨٦) .\n(٣) أخرجه أبو داود (٢/ ٦٦٢)، كتاب «الأدب»، باب من كظم غيظا، حديث (٤٧٧٧)، والترمذي (٤/ ٦٥٦) كتاب «صفة القيامة»، باب (٤٨)، حديث (٢٤٩٣)، وابن ماجة (٢/ ١٤٠٠) كتاب «الزهد»، باب الحلم، حديث (٤١٨٦)، وأحمد (٣/ ٤٤٠)، والبيهقي (٨/ ١٦١) كتاب قتال أهل البغي. كلهم من طريق سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه مرفوعا.\nوقال الترمذي: حديث حسن.","vol":"2","page":109},{"text":"وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ، - قَالَ بِشْرٌ: أَحْسِبُهُ قَالَ: تَوَاضُعًا-، كَسَاهُ اللَّهُ حُلَّةَ الكَرَامَةِ» «١»، وحدَّث الحافظُ أَبو الفَضْلِ محمَّد بنُ طَاهِرٍ المَقْدِسِيُّ «٢» بسنده، عن النبيّ ﷺ، قال: «من كفّ غضبه، كَفَّ اللَّهُ عَنْهُ عَذَابَهُ، وَمَنْ خَزَنَ لِسَانَهُ، سَتَرَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنِ اعتذر إلَى اللَّهِ قَبِلَ اللَّهُ عُذْرَهُ» «٣» . اهـ من «صفوة التَّصوُّف» .\nوالعَفْوُ عَنِ النَّاسِ: من أجلِّ ضروبِ فعْلِ الخَيْرِ، ثم قال سبحانه: وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ، فعم أنواع البرِّ، وظَاهر الآية أنَّها مدْحٌ بفعل المندوب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-255>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٣٥ الى ١٣٦]</span>\nوَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (١٣٦)\nوقوله سبحانه: وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ ... الآية:\nذكر سبحانه في هذه الآيةِ صِنْفًا هو دُون الصِّنف الأول، فألحقهم بهم برَحْمته ومَنِّه، وهم التَّوَّابون، وروي في سَبَب نُزُول هاتَيْن الآيتَيْن أن الصحابَةَ (﵃)، قَالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، كَانَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ أَكْرَمَ عَلَى اللَّهِ مِنَّا حِينَ كَانَ المُذْنِبُ مِنْهُمْ يُصْبِحْ، وَعُقُوبَتُهُ مَكْتُوبَةٌ على بَابِ دَارِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ تَوْسِعَةً وَرَحْمَةً، وَعِوَضًا مِنْ ذَلِكَ الفِعْلِ بِبَنِي إسْرَائِيلَ» «٤» .\nورُوِيَ أَنَّ إبليسَ بكى، حين نزَلَتْ هذه الآيةُ، والفاحشةُ لفظٌ يعمُّ جميع المعاصِي، وقد كثر استعماله في الزِّنا حتى فسر السُّدِّيُّ الفاحشَةَ هنا بالزِّنَا «٥»، وقال قومٌ: الفاحشة\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (٢/ ٦٦٣)، كتاب «الأدب»، باب من كظم غيظا، حديث (٤٧٧٨) من طريق سويد بن وهب عن رجل من أبناء أصحاب النبيّ ﷺ عن أبيه عن رسول الله ﷺ به.\n(٢) محمد بن طاهر بن علي بن أحمد المقدسي الشيباني، ابن القيسراني، أبو الفضل: رحالة مؤخر، من حفاظ الحديث، كان مولده ب «بيت المقدس» سنة ٤٤٨ هـ ووفاته ب «بغداد» ٥٠٧ هـ، له كتب كثيرة، منها: «تاريخ أهل الشام، ومعرفة الأئمة منهم والأعلام»، و«معجم البلاد»، و«صفوة التصوف» .\nينظر: «الأعلام» (٦/ ١٧١)، و«وفيات الأعيان» (١/ ٤٨٦)، و«ميزان الاعتدال» (٣/ ٧٥)، و«لسان الميزان» (٥/ ٢٠٧) .\n(٣) ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٨/ ٧٣)، وقال رواه الطبراني في «الأوسط»، وفيه عبد السلام بن هلال، وهو ضعيف.\n(٤) ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ١٣٧)، وعزاه لابن المنذر عن ابن مسعود.\n(٥) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٤٣٩) برقم (٧٨٤٦)، وذكره ابن عطية (١/ ٥١٠)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ١٣٧)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم.","vol":"2","page":110},{"text":"هنا: إشارةٌ إلى الكبائِرِ، وظُلْمُ النَّفْس: إشارةٌ إلى الصَّغائر، واستغفروا: معناه: طلبوا الغُفْران.\nقال النوويُّ: وَرُوِّينَا في سنن ابْنِ ماجة بإسنادٍ جيدٍ، عن عبد اللَّه بْنُ بُسْرٍ «١» (بضم الباء)، قال: قال رسول الله ﷺ: «طوبى لِمَنْ وَجَدَ فِي صَحِيفَتِهِ استغفارا كَثِيرًا» «٢» انتهى من «الحلية» .\nوذَكَرُوا اللَّهَ: معناه: بالخَوْفِ من عقابِهِ، والحَيَاءِ منه إذ هو المُنْعِمُ المتطَوِّل، ثم اعترض أثناء الكلام قوله تعالى: وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ اعتراضا موقِّفًا للنفْس، داعيًا إلى اللَّه مرجِّيًا في عفوه، إذا رجع إلَيْه، وجاء اسم «اللَّهِ» مرفوعًا بعد الاستثناء، والكلامُ موجَبٌ حملًا على المعنى إذ هو بمعنى، ومَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلا اللَّه، وعن عليِّ بْنِ أبي طالبٍ (﵁)، قَالَ: حدَّثني أبو بكر ﵁، وصَدَقَ أبو بكر، قال: سمعت رسول الله ﷺ يَقُولُ: «مَا مِنْ رَجُلٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا، ثُمَّ يَقُومُ، فَيَتَطَهَّرُ، ثُمَّ يُصَلِّي، ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ إلاَّ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ، ثُمَّ قرأَ هذه الآيةَ: وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ ... إلى آخر الآية» رواه أبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن\n_________\n(١) عبد الله بن بسر. أبو صفوان. وقيل: أبو بسر. المازني. الحمصي. قال ابن الأثير في «الأسد»: صلى القبلتين. وضع النبيّ ﷺ يده على رأسه ودعا له. صحب النبيّ ﷺ هو وأبوه وأمه وأخوه عطية وأخته الصماء. وروى عنه الشاميون، منهم: خالد بن معدان، ويزيد بن خمير، وسليم بن عامر، وراشد بن سعد، وغيرهم. وهو آخر من مات ب «الشام» من الصحابة. توفي سنة (٨٨) وله (٩٤ سنة)، وقيل:\nمات ب «حمص» سنة (٩٦) وله (١٠٠ سنة) .\nينظر: «أسد الغابة» (٣/ ١٨٦)، و«الإصابة» (٤/ ٤٠)، و«الثقات» (٣/ ٢٣٢)، و«الاستيعاب» (٣/ ٨٧٤)، و«تجريد أسماء الصحابة» (١/ ٣٠٠)، و«الأعلام» (٤/ ٧٤)، و«الرياض المستطابة» (٢٠٥)، و«التاريخ الكبير» (٣/ ١٤)، و«الصغير» (٢/ ٧٦)، و«التاريخ» لابن معين (٢/ ٤٥)، و«الطبقات الكبرى» (٧/ ٤٦٣) .\n(٢) أخرجه ابن ماجه (٢/ ١٢٥٦)، كتاب «الأدب»، باب الاستغفار، حديث (٣٨١٨)، والنسائي في «الكبرى» (٦/ ١١٨)، كتاب «عمل اليوم والليلة»، باب ثواب ذلك، حديث (١٠٢٨٩)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (١/ ٤٤٠) رقم (٦٤٧) من طريق محمد بن عبد الرّحمن عن عبد الله بن بسر مرفوعا.\nقال البوصيري في «الزوائد» (٣/ ١٩٦): هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات. اهـ.\nوللحديث شاهد من حديث عائشة: أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (١٠/ ٣٩٥)، والخطيب في «تاريخ بغداد» (٩/ ١١)، والبيهقي في «الشعب» (١/ ٤٤٠) رقم (٦٤٦) من طريق منصور بن صفية عن أمه عن عائشة، أن رسول الله ﷺ نهى عن سب الأموات، وقال: «طوبى لمن وجد في صحيفته استغفارا كثيرا» .","vol":"2","page":111},{"text":"ماجه، وابن حبان في «صحيحه»، وقال الترمذيُّ، واللفظ له: حديثٌ حَسَن «١» انتهى من «السلاح» .\nوقوله سبحانه: وَلَمْ يُصِرُّوا: الإصْرَارُ: هو المُقَامُ على الذّنب، واعتقاد العودة\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (١/ ٤٧٦- ٤٧٧)، كتاب «الصلاة»، باب في الاستغفار، حديث (١٥٢١)، والترمذي (٥/ ٢٢٨) كتاب «التفسير»، باب سورة آل عمران، حديث (٣٠٠٦)، وابن ماجة (١/ ٤٤٦) كتاب «الصلاة»، باب ما جاء في أن الصلاة كفارة، حديث (١٣٩٥)، وأحمد (١/ ٢، ١٠)، والحميدي (١، ٤)، والمروزي في «مسند أبي بكر» رقم (٩، ١٠، ١١)، وأبو يعلى (١/ ١١) رقم (١)، وابن حبان (٢/ ٣٨٩، ٣٩٠- الإحسان) رقم (٦٢٣) كلهم من طريق عثمان بن المغيرة عن علي بن ربيعة عن أسماء بن الحكم الفزاري عن علي بن أبي طالب عن أبي بكر الصديق به. وأخرجه أحمد (١/ ٨- ٩) من طريق شعبة عن عثمان بن المغيرة عن علي بن ربيعة عن أسماء أو ابن أسماء به.\nوقال الترمذي: هذا حديث قد رواه شعبة وغير واحد عن عثمان بن المغيرة فرفعوه، ورواه مسعر وسفيان عن عثمان بن المغيرة فلم يرفعاه، وقد رواه بعضهم عن مسعر فأوقفه ورفعه بعضهم، ورواه سفيان الثوري عن عثمان بن المغيرة، فأوقفه، ولا نعرف لأسماء بن الحكم حديثا إلا هذا. اهـ.\nوالحديث صححه ابن حبان.\nوكذلك الدارقطني فقد تكلم على هذا الحديث في «العلل» (١/ ١٧٦- ١٨٠) فقال: رواه عثمان بن المغيرة، ويكنى أبا المغيرة، وهو عثمان بن أبي زرعة، وهو عثمان الأعشى. رواه عن علي بن ربيعة الوالبي عن أسماء بن الحكم الفزاري عن علي بن أبي طالب.\nحدث به عنه كذلك مسعر بن كدان وسفيان الثوري، وشعبة، وأبو عوانة، وشريك، وقيس، وإسرائيل، والحسن بن عمارة، فاتفقوا في إسناده إلا أن شعبة من بينهم شك في أسماء بن الحكم، فقال: عن أسماء أو أبي أسماء أو ابن أسماء، وخالفهم علي بن عابس، فرواه عن عثمان بن المغيرة عن أبي صادق عن ربيعة بن ناجد عن علي، ووهم فيه قال ذلك عنه عبد الله بن وهب.\nوخالفه عبيد الله بن يوسف الجبيري، فرواه عن علي بن عابس عن عثمان عن رجل عن علي.\nوروى هذا الحديث أبو إسحاق السبيعي، واختلف عنه، فرواه عبد الوهاب بن الضحاك العرضي عن إسماعيل بن عياش عن أبان بن أبي عياش عن أبي إسحاق الهمداني قال: سمعت علي بن أبي طالب عن أبي بكر.\nوخالفه عبد الوهاب بن نجدة عن إسماعيل فقال فيه: عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي عن أبي بكر.\nوخالفهم موسى بن محمد بن عطاء، رواه عن إسماعيل بن عياش عن شعبة عن أبي إسحاق عن علي عن أبي بكر، لم يذكر بينهما أحدا، وموسى هذا متروك الحديث، مقدسي يعرف بأبي طاهر المقدسي، ورواه داود بن مهران الدباغ عن عمر بن يزيد قاضي المدائن عن أبي إسحاق عن عبد خير عن علي عن أبي بكر، وخالفه الفرج بن اليمان، رواه عمر بن يزيد عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة عن علي عن أبي بكر.\nوروى هذا الحديث أبو المثنى سليمان بن يزيد، واختلف عنه، فحدث به عبد الله بن حمزة الزبيري عن عبد الله بن نافع الصائغ عن أبي المثنى عن المغيرة بن علي عن علي عن أبي بكر، ووهم فيه-","vol":"2","page":112},{"text":"إليه، وقوله: وَهُمْ يَعْلَمُونَ، قال السُّدِّيُّ: معناه: وهم يعلَمُونَ أنهم/ قد أَذْنَبُوا «١»، وقال ابنُ إسحاق: معناه: وهم يعلمون بمَا حَرَّمْتُ عليهم «٢»، وقيل: وهم يعلَمُونَ أنَّ بابِ التوبة مفتوحٌ، وقيل: وهم يعلمون أنِّي أعاقب عَلَى الإصرار، ثم شَرَّك سبحانه الطَّائفَتَيْنِ المذكورتَيْن في قوله: أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ ... الآية.\nقال ص: قوله: وَنِعْمَ المخصوصُ بالمدحِ محذوفٌ، أي المغفرة والجنّة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-256>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٣٧ الى ١٤٣]</span>\nقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١٣٧) هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٨) وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ (١٤١)\nأَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢) وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (١٤٣)\nوقوله سبحانه: قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ ... الآية: الخطابُ للمؤمنين، والمعنى: لا يذهب بكُمْ أنْ ظَهَرَ الكُفَّار المكذِّبون عليكم بِأُحُدٍ، فإن العاقبة للمتَّقين، وقديمًا ما أدال اللَّه المُكَذِّبين على المؤمنين، ولكن انظروا كيْفَ هلَك المكذِّبون بَعْدَ ذلك، فكذلك تكُونُ عاقبةُ هؤلاءِ، وقال النَّقَّاش: الخِطَابُ ب قَدْ خَلَتْ للكُفَّار.\nقال ع «٣»: وذلك قَلِقٌ، وخَلَتْ: معناه: مضَتْ، والسُّنَن: الطرائِقُ.\nوقال ابنُ زَيْد: سُنَنَ: معناه: أمثال «٤»، وهذا تفسيرٌ لا يخُصُّ اللفظة، وقوله:\nفَانْظُروا هو عند الجمهورِ مِنْ نظر العين، وقال قوم: هو بالفكر.\n_________\n- وإنما رواه أبو المثنى عن المقبري، واختلف عن المقبري فيه، فقال مسلم بن عمرو الحذاء: عن ابن نافع عن ابن المثنى سليمان بن يزيد عن سعيد المقبري عن أبي هريرة عن علي عن أبي بكر.\nوأحسنها إسنادا وأصحها ما رواه الثوري ومسعر ومن تابعهما عن عثمان بن المغيرة.\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٤٤٢) برقم (٧٨٦٣)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٥١١)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ١٣٩)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم.\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٤٤٣) برقم (٧٨٦٤)، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٥١١) . [.....]\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٥١١) .\n(٤) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٤٤٤) برقم (٧٨٧١)، وذكره ابن عطية (١/ ٥١٢) .","vol":"2","page":113},{"text":"وقوله تعالى: هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ، يريد به القُرآن قاله الحَسَن وغيره «١»، وقال جماعة: الإشارة ب «هذا» إلى قوله تعالى: قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ.\nوقال الفَخْر «٢»: يعني بقوله: هذا بَيانٌ ما تقدَّم من أمره سبحانه، ونَهْيِهِ، ووعدِهِ، ووعيدِهِ، وذكرِهِ لأنواع البيِّنات والآيات. انتهى.\nثم نهى سبحانه المؤمنين عن الوَهَنِ، وهو الضَّعْف، وأنَّسهم بأنهم الأعلَوْنَ أصْحَابُ العاقبة، ومِنْ كَرَمِ الخُلُقِ ألاَّ يَهِنَ الإنسانُ في حربه، إذا كان مُحِقًّا، وإنما يحسن اللِّين في السّلم والرضى، ومنه قوله ﷺ: «المُؤْمِنُ هَيِّنٌ لَيِّنٌ» «٣»، وقوله سبحانه: وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إخبار بعُلُوِّ كلمة الإسلام، هذا قول الجمهور، وهو ظاهر اللفظ.\nقال ص: وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ: في موضِعِ نصبٍ على الحال.\nوقوله سبحانه: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ: المقصدُ هزُّ النفوسِ، وإقامتها، ويترتَّب من ذلك الطَّعْنُ على من نجم في ذلك اليَوْم نِفَاقُهُ أو اضطرب يقينه، أي: لا يتحصَّل الوعد إلاَّ بالإيمان، فالزموه، ثم قال تعالى تسليةً للمؤمنين: إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ، والأُسْوَةُ مسلاة للبَشَر ومنه قول الخَنْسَاء: [الوافر]\nوَلَوْلاَ كَثْرَةُ البَاكِينَ حَوْلِي ... على إخْوَانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي\nوَمَا يَبْكُونَ مِثْلَ أَخِي وَلَكِن ... أُعَزِّي النَّفْسَ عَنْهُ بِالتَّأَسِّي «٤»\nوالقَرْح: القَتْل والجِرَاحْ قاله مجاهدٌ وغيره «٥» .\nوقوله تعالى: وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ، أخبر سبحانه على جهة التسلية أنَّ\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٤٤٤)، وذكره الماوردي في «تفسيره» (١/ ٤٢٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ١٣٩)، وعزاه لابن جرير.\n(٢) ينظر: «الفخر الرازي» (٩/ ١١) .\n(٣) أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» (٦/ ٢٧٢) رقم (٨١٢٧) من طريق يزيد بن عياض عن صفوان بن سليم عن الأعرج عن أبي هريرة مرفوعا.\nوقال البيهقي: تفرد به يزيد بن عياض، وليس بالقوي، وروي من وجه آخر صحيح مرسلا.\nثم أخرجه عن مكحول برقم (٨١٢٨) مرسلا بلفظ «المؤمنون هينون لينون كالجمل الأنف إن قيد انقاد، وإن أنيخ استناخ على صخرة» .\n(٤) ينظر: «ديوان الخنساء» (٦٢) .\n(٥) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٤٤٨)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ١٤٠)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد.","vol":"2","page":114},{"text":"الأيام على قديم الدهر وغابِرِه أيضًا إنما جعلَهَا دُولًا بيْنَ البَشَر، أي: فلا تُنْكِرُوا أنْ يدَالَ عليكم الكفَّار.\nوقوله تعالى «١»: وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا، تقديره: وليَعْلَم اللَّهُ الذين آمنوا فعل ذلك، والمعنى: ليظهر في الوجود إيمانُ الذين قَدْ علم اللَّه أزلًا أنهم يؤمنون وإلاَّ فقد علمهم في الأزَلِ، وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ: معناه أهْل فَوْز في سَبِيلِهِ، حسْبما وَرَدَ في فضائلِ الشهداءِ، وذَهَب كثيرٌ من العلماء إلى التَّعْبير عن إدَالَةِ المؤمنين بالنَّصْر، وعن إدالة الكفّار بالإدالة، وروي عن النبيّ ﷺ في ذلك حديثٌ «أنَّهُمْ يُدَالُونَ كَمَا تُنْصَرُونَ» والتمحيصُ: التنقيةُ، قال الخليل: التَّمْحِيصُ: التخليص من العَيْب، فتمحيصُ المؤمنينَ/ هو تنقيتُهم منَ الذُّنُوب، والمَحَقُ: الإذهاب شيْئًا فشيْئًا ومنه: مَحَاقُ القَمَر، وقوله سبحانه: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ... الآية: حَسِبْتُم: معناه: ظَنَنْتُم، وهذه الآيةُ وما بعدها عَتْبٌ وتقريعٌ لطوائفَ مِنَ المؤمنين الَّذينَ وقَعَتْ منهم الهَنَوَاتُ المشْهورة في يَوْمِ أُحُدٍ، ثم خاطب اللَّه سبحانَهُ المؤمنين بقوله: وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ، والسبب في ذلك أنّ النبيّ ﷺ خَرَجَ في غزوةِ بَدْرٍ، يريدُ عِيرَ قُرَيْشٍ مبادرًا، فلم يوعب النَّاس معه إذ كان الظنُّ أنه لا يلقى حَرْبًا، فلَمَّا قضَى اللَّه ببَدْرٍ ما قضى، وفاز حاضِرُوها بالمَنْزِلة الرَّفيعةِ، كان المتخلِّفون من المؤمنين عنْها يتمنَّوْن حُضُور قتالِ الكُفَّار ليكونَ منْهُمْ في ذلك غَنَاء يُلْحِقُهُمْ عِنْدَ ربِّهم ونبيِّهم بمنزلةِ أهْل بَدْر، فلمَّا جاء أمْر أُحُدٍ، لم يَصْدُقْ كُلُّ المؤمنين، فعاتبهم اللَّه بهذه الآية، وألزمهم تمنِّيَ المَوْتِ من حيثُ تَمَنَّوْا أسبابه، وهو لقاءُ العَدُوِّ ومُضَارَبَتُهم، وإلاَّ فنَفْسُ قَتْل المُشْرِك للمُسْلِم لا يجُوزُ أنْ يتمنى من حيث هو قَتْلٌ، وإنما تتمنى لواحقه من الشهادةِ والتّنعيم، قُلْتُ:\nوفي كلام ع «٢»: بعضُ إجمالٍ، وقد ترجم البخاريُّ تَمَنِّيَ الشهادةِ، ثم أسند عن أبي هريرة، قال: سمعت النّبيّ ﷺ يَقُولُ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْلاَ أَنَّ رِجَالًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لاَ تَطِيبُ أَنْفُسُهُمْ أنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّي، وَلاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ، مَا تَخَلَّفْتُ عَنْ سَرِيَّةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوَدِدتُّ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ أَحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ، ثُمَّ أَحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ، ثُمَّ أَحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ» وخرَّجه أيضًا مسلمٌ «٣»، وخرَّج البخاريُّ ومسلمٌ مِنْ حديث\n_________\n(١) في أ: سبحانه.\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٥١٥) .\n(٣) أخرجه البخاري (٦/ ١٤٤)، كتاب «الجهاد»، باب الجعائل والحملان في السبيل، حديث (٢٩٧٢) -","vol":"2","page":115},{"text":"أنس، عن النبيّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَمُوتُ، لَهُ عِنْدَ اللَّهِ (﷿) خَيْرٌ، يَسُرُّهُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى الدُّنْيَا، وأَنَّ الدُّنْيَا لَهُ وَمَا فِيهَا، إلاَّ الشَّهِيدَ، لِمَا يرى مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ، فَإنَّهُ يَسُرُّهُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى الدُّنْيَا، فَيُقْتَلُ عَشْرَ مَرَّاتٍ لِمَا يرى مِنَ الكَرَامَةِ» . اهـ «١» .\nفقد تبيَّن لك تمنِّي القَتْلِ في سبيل اللَّه بهذه النُّصُوصِ لما فيه من الكرامة.\nوصَوَابُ كلام ع «٢»: أنْ يقول: وإِنما يتمنَّى القتلُ للواحقه من الشَّهادةِ والتنْعِيمِ.\nوقوله سبحانه: فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ، يريد: رأيتم أسبابه، وقوله: وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ:\nتأكيدٌ للرؤية، وإخراجِها من الاشتراك الذي بين رؤية القلب ورؤية العين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-257>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٤٤ الى ١٤٦]</span>\nوَما مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤) وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ كِتابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (١٤٥) وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦)\nوقوله تعالى: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ... الآية: هذا استمرار في عتبهم، وإقامةُ الحُجَّة علَيْهم: المعنى أنَّ محمدًا﵇- رسُولٌ كسائرِ الرُّسُلِ قد بَلَّغ كما بلَّغوا، ولزمكم أيُّها المؤمنُونَ العَمَلُ بمُضَمَّن الرسالة، وليسَتْ حياته وبَقَاؤه بَيْنَ أظهركم شَرْطًا في ذلك لأنه يَمُوتُ كما مَاتَتِ الرُّسُل قبله، ثم توعَّد سبحانه المُنْقَلِبَ على عَقِبَيْهِ بقوله: فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا لأن المعنى: فإنما يضرُّ نفسه، وإياها يوبق، ثم وعد الشاكِرِينَ، وهم الذين صدَقُوا، وصَبَرُوا، ومَضَوْا في دينهم، ووفّوا لله\n_________\n-، ومسلم (١٤٩٥- ١٤٩٦) كتاب «الإمارة» باب فضل الجهاد والخروج في سبيل الله، حديث (٣- ١/ ١٨٧٦)، ومالك في «الموطأ» (٢/ ٤٦٥) كتاب «الجهاد»، باب الترغيب في الجهاد، حديث (٤) .\n(١) أخرجه البخاري (٦/ ١٨)، كتاب «الجهاد»، باب الحور العين وصفتهن، حديث (٢٧٩٥)، ومسلم (٣/ ١٤٩٨) كتاب «الإمارة»، باب فضل الشهادة، حديث (١٠٩/ ١٨٧٧)، والترمذي (٤/ ١٥١)، كتاب «فضائل الجهاد»، باب ما جاء في ثواب الشهداء، حديث (١٦٤٣)، من طريق حميد عن أنس به.\nوأخرجه البخاري (٦/ ٣٩) كتاب «الجهاد» باب تمني الجهاد، حديث (٢٨١٧)، ومسلم (٣/ ١٤٩٨)، كتاب «الإمارة»، باب فضل الشهادة، حديث (١٠٩/ ١٨٧٧) من طريق قتادة عن أنس به.\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٥١٥) .","vol":"2","page":116},{"text":"بعدهم كسعدِ بْنِ الرَّبيع «١»، ووصيته يومئذٍ للأنصار، وأَنَسِ بْنِ النَّضرِ «٢»، وغيرهما، ثم يَدْخُلُ في الآية الشاكرون إلى يوم القيامةِ، وقال عليٌّ (﵁) في تفسير هذه الآية «٣»: الشاكِرُونَ الثَّابِتُونَ على دِينِهِمْ أبو بَكْر، وأصحابه، وكان يقولُ: أبُو بَكْرٍ/ أَمِيرُ الشَّاكِرِينَ إشارة منه إلى صَدْعِ أبي بَكْر بهذه الآيةِ يوم موت النّبيّ ﷺ، وثبوتِهِ في ذلك المَوْطِن، وثبوتِهِ في أمْرِ الرِّدَّة، وسائرِ المواطنِ التي ظَهَرَ فيها شُكْرُهُ، وشُكْرُ الناس بسببه، ثم أخبر ﷿ عن النفوسِ أنها إنما تَمُوتُ بَأجَلٍ مَكْتُوبٍ محتومٍ عند اللَّه تعالى، أي:\nفالجُبْنُ والخَوَرُ لا يزيدُ في الأجَلِ، والشَّجَاعَةُ والإقدامُ لا ينقصُ منه، وفي هذه الآية تقويةٌ للنفوس في الجهادِ، وفيها ردٌّ على المعتزلة في قَوْلِهِمْ بِالأَجَلَيْنِ.\nوقوله سبحانه: وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها ... الآية، أي: نؤت من شئْنا منها ما قُدِّرَ له يبيِّن ذلك قوله تعالى: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها مَا نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ [الإسراء: ١٨]، وقرينةُ الكلامِ تقتضي أنه لا يؤتى شيْئًا من الآخرة لأنَّ مَنْ كانَتْ نيَّته من عمله مقصورةً على طَلَب الدُّنْيا، فلا نَصِيبَ له في الآخرة، والأعمال بالنيَّات، وقرينةُ الكلامِ مِنْ قوله: وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها لا تمنع أنْ يؤتى نصيبًا من الدنيا، قال ابنُ فُورَكَ في قوله تعالى: وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ: إشارة إلى أنه ينعِّمهم بِنعَمِ الدُّنْيا، لا أنهم يقصرون عَلَى الآخرة «٤» .\nثم ضَرَب سبحانه المثل للمؤمنينَ بمَنْ سَلَف مِنْ صالح الأمم الذين لم يَثْنِهِمْ عن دينهم قَتْلُ الكُفَّار لأنبيائِهِمْ، فقال: وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ ... الآية: وفي «كَأَيِّنْ» لغاتٌ، فهذه اللغة أصلها «٥» لأنها كافُ التشبيه دخلت على «أيّ»، و«كأيّن» في\n_________\n(١) سعد بن الربيع بن عمرو بن أبي زهير بن مالك بن امرئ القيس بن مالك الأغرّ بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج، الأنصاريّ، الخزرجيّ، أحد نقباء الأنصار. ينظر: «الإصابة» (٣/ ٤٩) . [.....]\n(٢) أنس بن النضر بن ضمضم الأنصاري، الخزرجي، عمّ أنس بن مالك خادم النبيّ ﷺ. ينظر: «الإصابة» (١/ ٢٨١) .\n(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٤٥٥) برقم (٧٩٣٧)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٥١٦)، والسيوطي بنحوه في «الدر المنثور» (٢/ ١٤٥)، وعزاه لابن جرير.\n(٤) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٥١٨) .\n(٥) هذه اللفظة قيل: مركبة من كاف التشبيه ومن «أيّ»، وحدث فيها بعد التركيب معنى التكثير المفهوم من «كم» الخبرية، ومثلها في التركيب وإفهام التكثير: «كذا» في قولهم: «له عندي كذا كذا درهما» والأصل:\nكاف التشبيه و«ذا» الذي هو اسم إشارة، فلمّا ركّبا حدث فيهما معنى التكثير، وكم الخبرية و«كأيّن» و«كذا» كلّها بمعنى واحد، وقد عهدنا في التركيب إحداث معنى آخر ألا ترى أنّ «لولا» حدث لها معنى جديد. «وكأيّن» من حقّها على هذا أن يوقف عليها بغير نون لأنّ التنوين يحذف وقفا، إلا أنّ-","vol":"2","page":117},{"text":"هذه الآية في موضِعِ رَفْعٍ بالابتداء، وهي بمنزلة «كَمْ»، وبمعناها تعطى في الأغلب التكثيرَ، وقرأ نافعٌ، وابنُ كثيرٍ، وأبو عمرو: «قُتِلَ» مَبْنيًا لما لم يسمَّ فاعله، وقرأ «١» الباقُونَ «قَاتَلَ»، فقوله: «قُتِلَ»، قال فيه جماعةٌ من المفسِّرين، منهم الطَّبريُّ «٢»: إنه مستند إلى ضميرِ «نَبِيٍّ»، والمعنى عندهم أنَّ النبيَّ قُتِلَ، ونحا إليه ابنُ عَبَّاس، وإذا كان هذا، ف «رِبِّيُّونَ» مرتفعٌ بالظرف بلا خلاف، وهو متعلِّق بمحذوفٍ، وليس متعلِّقًا ب «قُتِلَ»، وقال الحَسَن بْنُ أبي الحَسَن وجماعة: إنَّ «قُتِلَ» إنما هو مستندٌ إلى قوله: «رِبِّيُّون»، وهم المقتولُونَ «٣»، قال الحَسَن، وابنُ جُبَيْر: لم يقتل نبيٌّ في حَرْبٍ «٤» قطُّ.\nقال ع «٥»: فعلى هذا القول يتعلَّق قوله: «مَعَهُ» ب «قُتِلَ» ورجح الطبريّ «٦» القول الأوّل بدلالة نازلة النبيّ ﷺ، وذلك أنَّ المؤمنين إنما تخاذلوا يَوْم أحد، لما قِيلَ: قُتِلَ مُحَمَّد، فضرب المَثَل بنَبِيٍّ قُتِلَ، وترجيحُ الطبريِّ حسن ويؤيِّد ذلك ما تقدَّم من قوله:\nأَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ [آل عمران: ١٤٤] وحجة من قَرَأَ «قَاتَلَ»: أنها أعمُّ في المدح لأنه يدخل فيها مَنْ قتل، ومن بقي.\n_________\n- الصحابة كتبتها: «كأيّن» بثبوت النون، فمن ثمّ وقف عليها جمهور القراء بالنون اتباعا لرسم المصحف.\nووقف أبو عمرو وسورة بن مبارك- عن الكسائي- عليها: «كأي» من غير نون على القياس. واعتلّ الفارسي لوقف النون بأشياء طوّل بها، منها: أنّ الكلمة لمّا ركّبت خرجت عن نظائرها، فجعل التنوين كأنه حرف أصلي من بنية الكلمة. وفيها لغات خمس:\nأحدها: «كأيّن» وهي الأصل.\nوالثانية: «كائن» بزنة «كاعن» .\nاللغة الثالثة: «كأين» بياء خفيفة بعد الهمزة على مثال: كعين.\nاللغة الرابعة: «كيئن» بياء ساكنة بعدها همزة مكسورة.\nواللغة الخامسة: «كئن» على مثال كع، ونقلها الداني قراءة عن ابن محيصن.\nينظر: «الدر المصون» (٢/ ٢٢٤- ٢٢٥- ٢٢٦) .\n(١) وحجة من قرأ «قتل»: أن ذلك نزل معاتبة لمن أدبر عن القتال يوم أحد، إذ صاح صائحهم: قتل محمد ﷺ، فلما تراجعوا كان اعتذارهم أن قالوا: سمعنا «قتل محمد»، فنزلت.\nانظر: «البحر المحيط» (٢/ ٥١٦)، و«الدر المصون» (٢/ ١٣٣) .\n(٢) ينظر: «تفسير الطبري» (٣/ ٤٦٠) .\n(٣) ذكره ابن عطية (١/ ٥٢٠) .\n(٤) ذكره الماوردي في «النكت والعيون» (١/ ٤٢٨) عن الحسن، وذكره (أيضا) البغوي في «تفسيره» (١/ ٣٦٠)، وابن عطية (١/ ٥٢٠) .\n(٥) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٥٢٠) .\n(٦) ينظر: «تفسير الطبري» (٣/ ٤٦١) .","vol":"2","page":118},{"text":"قال ع «١»: ويحسُنُ عندي على هذه القراءةِ استناد الفعْلِ إلى الربِّيِّين، وقوله:\nرِبِّيُّونَ، قال ابن عباس وغيره: معناه: جموعٌ كثيرةٌ، وهو الرِّبَّة «٢» (بكسر الراء)، وهي الجماعة الكثيرة، وروي عنِ ابن عَبَّاس والحسنِ بْنِ أبي الحَسَن وغيرهما: إنهم قالوا:\nربِّيونَ: معناه: علماء «٣» ويقوِّي هذا القولَ قراءةُ مَنْ قرأَ: رِبِّيُّونَ «٤» (بفتح الراء)، منسوبون إلى الرَّبِّ إما لأنهم مطيعُونَ له، أوْ مِنْ حيث إنهم علماء بما شَرَع.\nوقوله سبحانه: وَمَا اسْتَكانُوا، ذهبتْ طائفةٌ من النحاة «٥» إلى أنَّه من السُّكُون، وذهَبَتْ طائفة إلى أنه مأخوذٌ مِنْ: «كَانَ، يَكُونُ»، وأصلُهُ: استكونوا، والمعنى: أنهم لم يَضْعُفوا، ولا كانوا/ قريبًا من ذلكَ، قلْتُ: واعلم (رحمك اللَّه) أنَّ أصْلَ الوَهَنِ والضَّعْفِ عن الجِهَادِ، ومكافحةِ العَدُوِّ هو حُبُّ الدنيا، وكراهيةُ بَذْلِ النفوس لله، وبذل مهجها للقتل\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٥٢٠) .\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٤٦٢) برقم (٧٩٦٠)، وذكره البغوي في «تفسيره» (١/ ٣٦٠)، والسيوطي في «الدر المنثور» (١/ ١٤٧)، وعزاه للعوفي.\n(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٤٦٢) برقم (٧٩٦٣)، وذكره الماوردي في «تفسيره» (١/ ٤٢٨)، وابن عطية (١/ ٥٢١) . [.....]\n(٤) ورواها قتادة عن ابن عباس.\nينظر: «شواذ ابن خالويه» (ص ٢٩)، و«المحتسب» (١/ ١٧٣)، و«المحرر الوجيز» (١/ ٥٢٠)، و«البحر المحيط» (٣/ ٨٠)، و«الدر المصون» (٢/ ٢٢٩)، و«القرطبي» (٤/ ١٤٨) .\n(٥) فيه ثلاثة أقوال:\nأحدها: أنه استفعل من الكون والكون: الذّلّ، وأصله: استكون، فنقلت حركة الواو على الكاف، ثم قلبت الواو ألفا. وقال الأزهريّ وأبو عليّ: «هو من قول العرب: «بات فلان بكينة سوء» على وزن «جفنة» أي: «بحالة سوء» فألفه على هذا من ياء، والأصل: استكين، ففعل بالياء ما فعل بأختها.\nالثاني: قال الفراء: «وزنه افتعل من السكون، وإنما أشبعت الفتحة فتولد منها ألف» .\nوردّ على الفراء بأنّ هذه الألف ثابتة في جميع تصاريف الكلمة نحو: استكان يستكين فهو مستكين ومستكان إليه استكانة، وبأنّ الإشباع لا يكون إلا في ضرورة. وكلاهما لا يلزمه: أمّا الإشباع، فواقع في القراءات السبع كما سيمرّ بك، وأمّا ثبوت الألف في تصاريف الكلمة، فلا يدلّ أيضا لأنّ الزائد قد يلزم ألا ترى أنّ الميم في تمندل وتمدرع زائدة، ومع ذلك هي ثابتة في جميع تصاريف الكلمة قالوا:\nتمندل يتمندل تمندل تمندلا فهو متمندل ومتمندل به، وكذا تمدرع، وهما من النّدل والدّرع. وعبارة أبي البقاء أحسن في الردّ فإنه قال: «لأنّ الكلمة في جميع تصاريفها ثبتت عينها، والإشباع لا يكون على هذا الحدّ» .\nولم يذكر متعلّق الاستكانة والضعف فلم يقل «فما ضعفوا عن كذا، وما استكانوا لكذا» للعلم به أو للاقتصار على الفعلين نحو: كُلُوا وَاشْرَبُوا ليعمّ ما يصلح لهما.\nينظر: «الدر المصون» (٢/ ٢٢٩- ٢٣٠) .","vol":"2","page":119},{"text":"في سَبيلِ اللَّهِ ألا ترى إلى حال الصَّحابة (﵃)، وقلَّتِهِمْ في صَدْرِ الإسلامِ، وكيف فتح اللَّه بهم البلاد، ودان لدِينِهِمُ العباد، لما بَذَلُوا للَّه أنفسَهُمْ في الجهاد، وحالِنا اليَوْمَ، كما ترى عددُ أهْل الإسلام كثيرٌ، ونكايتهم في الكُفَّار نَزْرٌ يسيرٌ، وقد روى أبو دَاوُدَ في «سننه» عن ثوبان، قال: قال رسول الله ﷺ: «يُوشِكُ الأُمَمُ أَنْ تتداعى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ إلى قَصْعَتِهَا، فَقَالَ قَائِلٌ: ومِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: بَلْ أَنْتُمْ كَثِيرٌ، ولَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزِعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ المَهَابَةَ مِنْكُمْ وَلَيَقْذِفَنَّ فِي قُلُوبِكُمُ الوَهَنَ، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الوَهَنُ؟ قَالَ: حُبُّ الدُّنْيَا، وَكَرَاهِيَةُ المَوْتِ» «١» . اهـ، فانظر (رحمك اللَّه)، فهل هذا الزمانُ إلا زماننا بعَيْنه، وتأمَّل حال ملوكنا، إنما هِمَّتهم جمْعُ المالِ مِنْ حرامٍ وحلالٍ، وإعراضُهم عَنْ أمْر الجهاد، فإنا للَّه وإنا إليه راجعُونَ على مصاب الإسلام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-258>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٤٧ الى ١٤٨]</span>\nوَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (١٤٧) فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٤٨)\nوقوله تعالى: وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا ... الآية: هذه الآيةُ في ذكْر الرِّبِّيِّين، أي: هذا كان قولَهُم، لا ما قاله بعضُكم، يا أصْحَاب محمَّد: لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنا هاهُنا [آل عمران: ١٥٤]، إلى غير ذلك ممَّا اقتضته تلْكَ الحَالُ مِن الأقوال، قُلْتُ: وهذه المقالَةُ ترجِّح القولَ الثانِيَ في تفْسير الرِّبِّيِّينَ إذ هذه المقالةُ إنما تَصْدُرُ من علماء عارفينَ باللَّه.\nقال ع «٢»: واستغفار هؤلاءِ القَوْمِ الممْدُوحِينَ فِي هذا المَوْطِنِ يَنْحُو إلى أنهم رَأَوْا أَنَّ ما نزل مِنْ مصائبِ الدُّنْيا إنما هو بِذُنُوبٍ من البَشَرِ كما نزلَتْ قصَّة أُحُدٍ بعصيان من عصى، وقولهم: ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا: عبارتان عن معنًى قريبٍ بعضُهُ من بعضٍ جاء للتأكيد، ولتعمَّ مناحي الذنوبِ وكذلكَ فسَّره ابنُ عبَّاس وغيره «٣»، وقال الضَّحَّاك: الذنوبُ عامُّ، والإسرافُ في الأمر، أريدَ به الكبائرُ خاصَّة، فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (٢/ ٥١٤)، كتاب «الملاحم»، باب في تداعي الأمم على أهل الإسلام، حديث (٤٢٩٧) من طريق أبي عبد السلام عن ثوبان به.\nوأخرجه أحمد (٥/ ٢٧٨)، وأبو نعيم في «الحلية» (١/ ١٨٢) من طريق أبي أسماء الرحبي عن ثوبان به.\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٥٢٢) .\n(٣) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٥٢٢) .","vol":"2","page":120},{"text":"بأن أظهرهم على عدُوِّهم، وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ: الجَنَّة بلا «١» خلاف.\nقال الفَخْر «٢»: ولا شَكَّ أنَّ ثوابَ الآخِرَةِ هي الجَنَّة، وذلك غَيْرُ حاصلٍ في الحالِ، فيكون المرادُ أنَّه سبحانه، لَمَّا حكم لهم بحصولها في الآخرة، قام حُكْمُهُ لهُمْ بذلك مَقَامَ الحُصُول في الحالِ، ومحمل قوله: فَآتاهُمُ أنه سيؤتيهم.\nوقيل: ولا يمتنع أنْ تكون هذه الآية خاصَّةً بالشهداء، وأنه تعالى في حال نزول هذه الآية، كان قد آتاهم حسن ثواب الآخرة. انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-259>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٤٩ الى ١٥٢]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ (١٤٩) بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (١٥٠) سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِما أَشْرَكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وَمَأْواهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (١٥١) وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (١٥٢)\nوقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا، يعني: المنافقين الذين خَيَّبوا المسلمين، وقالوا في أمر أُحُد: لو كان محمَّد نبيًّا، لم ينهزم.\nوقوله سبحانه: بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ هذا تثبيتٌ لهم، وقوله سبحانه: سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ سبب هذه الآيةِ أنه لما ارتحَلَ أبُو سُفْيان بالكفَّار، رجع النبيُّ ﷺ إلى المدينةِ، فتجهَّز، واتبع المشركِينَ، وكان مَعْبَدُ بْنُ أبي مَعْبَدٍ الخُزَاعِيُّ «٣» قد جاء إلى النبيّ ﷺ فَقَالَ لَهُ: وَاللَّهِ يَا مُحَمَّدُ، لَقَدْ سَاءَنَا مَا أَصَابَكَ، وَكَانَتْ خُزَاعَةُ تَمِيلُ إلَى النَّبِيِّ ﷺ/، ثُمَّ رَكِبَ مَعْبَدٌ حتى لَحِقَ بِأَبِي سُفْيَانَ، فَلَمَّا رأى أَبُو سُفْيَانَ مَعْبَدًا، قَالَ: مَا وَرَاءَكَ، يَا مَعْبَدُ؟ قَالَ مُحَمَّدٌ فِي أصْحَابِهِ يَطْلُبُكُمْ فِي جَمْعٍ لَمْ أَرَ مِثْلَهُ، يَتَحَرَّقُونَ عَلَيْكُمْ قَدِ اجتمع مَعَهُ مَنْ كَانَ تَخَلَّفَ عَنْهُ، ونَدِمُوا على مَا صَنَعُوا، قَالَ: وَيْلَك! مَا تَقُولُ؟ قَالَ: وَاللَّهِ، مَا أَرَاكَ أَنْ ترحل حتّى ترى نواصي الخيل، قال: فو الله، لقد\n_________\n(١) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٥٢٢) .\n(٢) ينظر: «الفخر الرازي» (٩/ ٢٤) .\n(٣) معبد بن أبي معبد الخزاعي. ذكره ابن منده، وذكر سيف في «الفتوح»، والطبري من طريق ابن المثنى بن حارثة لما توجه خالد بن الوليد إلى الشام قاسمه العساكر فكان معبد بن أبي معبد ممن بقي مع المثنى بن حارثة من الصحابة. ينظر: «الإصابة» (٦/ ١٣٣) .","vol":"2","page":121},{"text":"أَجْمَعْنَا الكَرَّةَ إلَيْهِمْ، قَالَ: فَإنِّي أَنْهَاكَ عَنْ ذلك، وو الله، لَقَدْ حَمَلَنِي مَا رَأَيْتُ على أَنْ قُلْتُ فِيهِمْ شِعْرًا، قَالَ: وَمَا قُلْتَ؟ قَالَ: قُلْتُ «١»: [البسيط]\nكَادَتْ تَهُدُّ مِنَ الأَصْوَاتِ رَاحِلَتِي ... إذْ سَالَتِ الأَرْضُ بِالجُرْدِ الأَبَابِيلِ «٢»\nتَرْدِي بِأُسْدٍ كِرَامٍ لاَ تَنَابِلَةٍ ... عِنْدَ اللِّقَاءِ وَلاَ مِيلٍ مَعَازِيلِ «٣»\nفَظَلْتُ عَدْوًا أَظُنُّ الأَرْضَ مَائِلَة ... لَمَّا سَمَوْا بِرَئيسٍ غَيْرِ مَخْذُولِ «٤»\nإلى آخر الشِّعْر، فألقى اللَّه الرُّعْبَ في قلوبِ الكفَّارِ، وقالَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّة «٥»: لاَ تَرْجِعُوا فإني أرى أنه سيكُونُ للقَوْمِ قِتَالٌ غَيْرُ الذي كَانَ، فنَزَلَتِ الآيةُ في هذا الإلقاء، وهي بَعْدُ متناولَةٌ كلَّ كافرٍ قال الفَخْر «٦»: لأنه لا أحد يخالفُ دِينَ الإسلام، إلا وَفِي قلبه خَوْفٌ من الرُّعْب، إما عند الحَرْب، وإما عند المُحَاجَّة. انتهى.\nوقوله سبحانه: بِما أَشْرَكُوا، هذه باءُ السَّبَبِ، والسُّلْطَانُ: الحُجَّة والبُرْهَان.\nقال ص: قوله: وَبِئْسَ، المخصوصُ بالذَّمِّ محذوفٌ، أي: النار [انتهى] .\n_________\n(١) ينظر: «السيرة» لابن هشام (٣/ ١٠٣) . وبعده:\nفقلت: ويل ابن حرب من لقائكم ... إذا تغطمطت البطحاء بالجيل\nإني نذير لأهل البسل ضاحية ... لكل ذي إربة منهم ومعقول\nمن جيش أحمد لاوخش تنابلة ... وليس يوصف ما أنذرت بالقيل\n(٢) تهد: تسقط لهول ما رأت من أصوات الجيش وكثرته. والجرد: الخيل العتاق. والأبابيل: الجماعات.\n(٣) تردى: تسرع. والتنابلة: القصار. والميل: جمع أميل، وهو الذي لا رمح أولا ترمى معه وقيل: هو الذي لا يثبت على السرج. والمعازيل: الذين لا سلاح معهم.\n(٤) العدو: المشي السريع. وسموا: علوا وارتفعوا.\n(٥) صفوان بن أمية بن خلف بن وهب بن حذافة بن جدح. أبو وهب، وقيل: أبو أمية القرشي، الجمحي. روى عنه ابنه عبد الله، وعبد الله بن الحارث، وعامر بن مالك، وطاوس. قتل أبوه يوم بدر كافرا. وهرب هو يوم فتح «مكة» ثم عاد إليها بعد أن أخذ أمانا من النبيّ، وأعار النبيّ سلاحا يوم حنين، وحضرها مشركا، ثم أسلم، وحسن إسلامه، وكان من المؤلفة قلوبهم، وكان من أشراف قريش في الجاهلية وأحد المطعمين.\nينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (٣/ ٢٣)، و«الإصابة» (٣/ ٢٤٦)، و«الثقات» (٣/ ١٩١)، و«نقعة الصديان» (٣٠٠)، و«الاستيعاب» (٢/ ٧١٨)، و«الاستبصار» (٩٣، ١١٥)، و«تجريد أسماء الصحابة» (١/ ٢٦٦)، و«الطبقات الكبرى» (٥/ ٤٤٩)، و«سير النبلاء» (٢/ ٥٦٢)، و«المعرفة والتاريخ» (١/ ٣٠٩)، و«التاريخ الكبير» (٤/ ٣٠٤)، و«الجرح والتعديل» (٤/ ١٨٤٦)، و«الثقات» (٣/ ١٩١)، و«الكاشف» (٢/ ٢٩)، و«العبر» (١/ ٥٠)، و«الأعلام» (٣/ ٢٠٥)، و«تهذيب الكمال» (٢/ ٦٠٨)، و«تهذيب التهذيب» (٤/ ٤٢٤)، و«تقريب التهذيب» (١/ ٣٦٧) .\n(٦) ينظر: «الفخر الرازي» (٩/ ٢٧) . [.....]\n.","vol":"2","page":122},{"text":"وقوله سبحانه: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ، جاء الخطَابُ لجميعِ المؤمنينَ، وإن كانَتِ الأمور التي عاتبهم سبحانه علَيْها، لم يقَعْ فيها جميعُهم ولذلك وجوهٌ من الفصاحةِ، منْها: وعْظ الجميع، وزجْرُه إذ مَنْ لم يفعلْ مُعَدٌّ أنْ يفعل إن لم يزجر، ومنها: السَّتْر والإبقاء على من فعل، وكان النبيّ ﷺ قد وَعَدَ المؤمِنِينَ النَّصْرَ يَومَئِذٍ على خبر اللَّه إنْ صَبَرُوا وجَدُّوا، فصَدَقَهُم اللَّه وعْدَه وذلك أنّ النبيّ ﷺ صَافَّ المشركين يومئذ، ورتَّب الرماة، على ما قَدْ ذكَرْناه قَبْلَ هذا، واشتعلت نارُ الحَرْب، وأبلى حمزةُ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وأَبُو دُجَانَةَ «١»، وعليٌّ، وعَاصِمُ بْنُ أَبِي الأَقْلَحِ «٢»، وغيرُهم، وانهزم المشركُونَ، وقُتِلَ منهم اثنان وعشْرُونَ رجُلًا، فهذا معنى قوله ﷿: إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ، والحَسُّ: القتل الذَّريعُ، يقال: حَسَّهُمْ إذا استأصلهم قتْلًا، وحَسَّ البَرْدُ النَّباتَ.\nوقوله سبحانه: حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ، يحتملُ أنْ تكونَ «حتى» غايةً كأنه قال: إلى أنْ فشلتم، والأظهر الأقوى أنَّ «إذا» على بابها تحتاجُ إلى الجوابِ، ومَذْهَبُ الخَلِيلِ، وسِيبَوَيْهِ، وفُرْسَانِ الصِّنَاعة أنَّ الجوابَ محذوفٌ يدلُّ عليه المعنى، تقديرُهُ: انهزمتم، ونحوه، والفَشَل: استشعار العَجْزِ، وترْكُ الجِدِّ، والتَّنَازُعُ هو الَّذي وقَعَ بَيْنَ الرماةِ، وَعَصَيْتُمْ: عبارةٌ عن ذَهَابِ مَنْ ذَهَبَ مِنَ الرماة، وتأمَّل (رحمك اللَّه) ما يوجبه الركُونُ إلى الدنيا، وما يَنْشَأُ عنها من الضَّرَرِ، وإذا كان مَثَلُ هؤلاءِ السَّادة على رِفْعَتِهِمْ وعظيمِ منزلتهم، حَصَلَ لهم بسببها مَا حَصَلَ مِنَ الفَشَل والهزيمةِ، فكيف بأمثالنا، وقد حذَّرَ الله ﷿ ونبيُّه﵇- من الدُّنْيا وآفاتها بما لا يخفى على ذي لُبٍّ، وقد ذكرنا في هذا «المُخْتَصَرِ» جملةً كافيةً لمَنْ وفَّقه اللَّه، وشَرَح صدْره، وقد خرَّج البَغَوِيُّ في «المسند المنتخب» له، عن النبيّ ﷺ/ أَنَّهُ قَالَ: «لاَ تُفْتَحُ الدُّنْيَا على أَحَدٍ إلاَّ أَلْقَتْ بَيْنَهُمُ العَدَاوَةَ وَالبَغْضَاءَ إلى يَوْمِ القيامة» «٣» . انتهى من «الكوكب الدري» .\n_________\n(١) أبو دجانة الأنصاري: اسمه سماك بن خرشة، وقيل: ابن أوس بن خرشة، متفق على شهوده بدرا.\nوقال علي: إنه استشهد باليمامة، وأسند ابن إسحاق من طريق يزيد بن السكن أنّ رسول الله ﷺ لما التحم القتال ذبّ عنه مصعب بن عمير (يعني يوم أحد)، حتى قتل، وأبو دجانة سماك بن خرشة حتى كثرت فيه الجراحة. وقيل: إنه ممن شارك في قتل مسيلمة. ينظر: «الإصابة» (٧/ ٩٩- ١٠٠) .\n(٢) عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح، واسم أبي الأقلح: قيس بن عصمة بن النّعمان بن مالك بن أميّة بن صبيعة بن زيد بن مالك بن عمرو بن عوف، الأنصاريّ، جدّ عاصم بن عمرو بن الخطاب لأمّه، من السّابقين الأولين من الأنصار. ينظر: «الإصابة» (٣/ ٤٦٠) .\n(٣) أخرجه أحمد (١/ ١٦)، والبزار (٣٦٠٩- كشف) من حديث عمر بن الخطاب مرفوعا.\nوقال المنذري في «الترغيب» (٤/ ٨٣)، رواه أحمد بإسناد حسن، والبزار، وأبو يعلى.\nوقال الهيثمي في «المجمع» (١٠/ ٢٣٦): رواه أحمد، والبزار، وأبو يعلى في «الكبير»، وإسناده حسن.","vol":"2","page":123},{"text":"وقال﵇- للأنْصَارِ لما تعرَّضوا له إذْ سمعوا بقُدُوم أبي عُبَيْدةِ بمالِ البَحْرَيْنِ:\n«أبشروا وأمّلوا ما يسرّكم، فو الله، مَا الفَقْرَ أخشى عَلَيْكُم! وَلَكِنِّي أخشى أَنْ تُبْسَطَ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ كَمَا بُسِطَتْ على مَنْ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، فَتُهْلِكَكُم كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ»، أخرجه البخاريُّ ومسلمٌ والترمذيُّ، واللفظ له، وقال: هذا حديثٌ صحيحٌ «١» . انتهى.\nواعلم (رحمك اللَّه) أنَّ تيسير أسْبَابِ الدُّنْيا مع إعراضك عن أمر آخرتك، ليس ذلك من علاماتِ الفَلاَحِ وقد روى ابنُ المُبَارك في «رقائقه»، قال: أخبرنا ابْنُ لَهِيعَةَ «٢»، قال:\nحدَّثني سعيدُ بنُ أَبِي سَعِيدٍ «٣» أنَّ رجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ لِي أَنْ أَعْلَمَ كَيْفَ أَنَا؟\nقَالَ: «إذَا رَأَيْتَ كُلَّمَا طَلَبْتَ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ الآخِرَةِ، وابتغيته، يُسِّرَ لَكَ، وَإذَا أَرَدتَّ شَيْئًا مِنَ الدُّنْيَا، وابتغيته، عُسِّرَ عَلَيْكَ، فَأَنْتَ على حَالٍ حَسَنَةٍ، وَإذَا رَأَيْتَ كُلَّمَا طَلَبْتَ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ الآخِرَةِ، وابتغيته، عُسِّرَ عَلَيْكَ، وَإذَا أَرَدتَّ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا، وابتغيته، يُسِّرَ لَكَ، فَأَنْتَ على حَالٍ قَبِيحَةٍ» «٤» . انتهى، فتأمَّله راشدًا، وقولَه: مِنْ بَعْدِ مَا أَراكُمْ مَّا تُحِبُّونَ، يعني:\nهزيمةَ المشركين، قال الزُّبَيْر «٥»: واللَّه، لَقَدْ رأيتُنِي أنْظُرُ إلى خَدَمِ هنْدِ بنت عتبة «٦»،\n_________\n(١) تقدم تخريجه.\n(٢) عبد الله بن لهيعة بن عقبة الحضرمي الغافقي، أبو عبد الرّحمن المصري، قاضيها وعالمها. عن عطاء، والأعرج، وعكرمة، وخلق. وعنه شعبة، وعمرو بن الحارث، والليث، وابن وهب، وخلق.\nقال أحمد: احترقت كتبه وهو صحيح الكتاب. قال مسلم: تركه وكيع ويحيى القطان وابن مهدي. قال يحيى بن بكير: مات سنة ١٧٤ هـ.\nينظر: «خلاصة تهذيب الكمال» (٢/ ٩٢)، و«تهذيب الكمال» (٢/ ٧٢٧)، و«الكاشف» (٢/ ١٢٢)، و«ميزان الاعتدال» (٢/ ٤٧٥، ٤٨٣)، و«طبقات ابن سعد» (٧/ ٢٠٤) .\n(٣) سعيد بن أبي سعيد المقبري، أبو سعيد المدني، أرسل عن أم سلمة، وعن أبيه، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وأنس، وخلق. وعنه عمرو بن شعيب، وأيوب بن موسى، وعبيد الله بن عمر، والليث، وهو أثبت الناس فيه، قال ابن خراش: ثقة جليل، قال الواقدي: اختلط قبل موته بثلاث سنين. قال ابن سعد: مات سنة ثلاث وعشرين، وقال أبو عبيد: سنة خمس وعشرين ومائة.\nينظر: «تهذيب الكمال» (١/ ٤٩٠)، و«الثقات» (٤/ ٢٧٨)، و«الخلاصة» (١/ ٣٨٠)، و«لسان الميزان» (٧/ ٢٢٩) .\n(٤) أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (ص ٢٩) رقم (٨٨) ووقع في «الزهد»: «شعيب بن أبي سعيد» .\n(٥) أخرجه الطبري (٣/ ٤٧٠) برقم (٨٠٠٨)، وذكره ابن عطية (١/ ٥٢٥) .\n(٦) هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف القرشيّة، والدة معاوية بن أبي سفيان، شهدت أحدا، وفعلت ما فعلت بحمزة، ثم كانت تؤلّب على المسلمين إلى أن جاء الله بالفتح فأسلم زوجها ثم أسلمت هي يوم الفتح وقصّتهما (في قولها عند بيعة النساء: وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ فقالت: وهل تزني الحرّة؟) ينظر: «الإصابة» (٨/ ٣٤٦) .","vol":"2","page":124},{"text":"وصواحِبِهَا مشَمِّراتٍ هَوَارِبَ، ما دُونَ أخْذِهِنَّ قليلٌ، ولا كثيرٌ إذ مالَتِ الرماةُ إلى العَسْكَر حين كَشَفْنَا القَوْمَ عَنه، يريدون النَّهْبَ، وخَلَّوْا ظهورَنَا للخَيْلِ، فَأُوتِينَا مِنْ أَدْبَارنا، وصَرَخَ صَارِخٌ أَلاَ إنَّ محمَّدًا قد قُتِلَ، وانكفأ علينا القومُ.\nوقوله سبحانه: مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا، يعني بهم الذين حَرَصُوا على الغنيمة، وكان المالُ همَّهم قاله ابنُ عَبَّاسٍ «١»، وسائرُ المفسِّرين، وقال عبدُ اللَّهِ بْنُ مسْعود: ما كنتُ أرى أنّ أحدا من أصحاب النبيّ ﷺ يريدُ الدنيا حتى نَزَلَ فينا يَوْمَ أُحُدٍ: مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا» .\nوقوله سبحانه: وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ إخبارٌ عن ثبوتِ مَنْ ثَبَتَ من الرُّماة، مع عبد اللَّه بن جُبَيْر امتثالا للأمْر حتى قُتِلُوا، ويدخلُ في هذا أنَسُ بْنُ النَّضْر، وكلُّ من جَدَّ ولم يضطرب من المؤمنين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-260>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٥٣ الى ١٥٥]</span>\nإِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا ما أَصابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٥٣) ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاسًا يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (١٥٤) إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٥٥)\nوقوله تعالى: إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ العامل في إذ قوله: «عفا»، وقراءة «٣» الجمهور «تصعدون» (بضم التاء، وكسر العين) من: أصْعَدَ، ومعناه: ذَهَبَ في الأَرْضِ، والصعيدُ: وجهُ الأرض، ف «أَصْعَدَ»: معناه: دَخَلَ في الصَّعيد كما أنّ «أصبح»:\nدخل في الصّباح.\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٤٧٢) برقم (٨٠٢٣) بنحوه، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٥٢٥)، والسيوطي في «الدر المنثور» بنحوه (٢/ ١٥٢)، وعزاه لابن جرير.\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٤٧٢) برقم (٨٠٢٣)، وذكره البغوي في «تفسيره» (١/ ٣٦٢)، وابن عطية (١/ ٥٢٥)، والسيوطي في «تفسيره» (٢/ ١٥٢) .\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٥٢٥)، و«البحر المحيط» (٣/ ٨٩)، و«الدر المصون» (٢/ ٢٣٣) .","vol":"2","page":125},{"text":"وقوله سبحانه: وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ مبالغةٌ في صفةِ الانهزامِ، وقرأ حُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ «١»: «على أُحُدٍ» (بضم الألف والحاء)، يريد الجَبَلَ، والمعنيّ بذلك نبيّ الله ﷺ لأنه كان على الجَبَلِ، والقراءةُ الشهيرةُ أقوى لأنّ النبيّ ﷺ لم يكُنْ علَى الجَبَلِ إلاَّ بعد ما فَرَّ الناسُ، وهذه الحالُ مِنْ إصعادهم إنَّما كانتْ، وهو يدعوهم، ورُوِيَ أنَّه كان يُنَادِي ﷺ:\n«إلَيَّ، عِبَادَ اللَّهِ»، والناسُ يفرُّون، وفي قوله تعالى: فِي أُخْراكُمْ: مدح له ﷺ فإن ذلك هو موقِفُ الأبطالِ في أعْقَابِ النَّاس ومنه قولُ الزُّبِيْرِ بْنِ باطا «٢»: ما فَعَل مقدِّمتُنا إذَا حَمَلْنا، وحَامِيَتُنَا إذَا فَرَرْنَا وكذلك كان ﷺ أشْجَعَ الناسِ ومنه قولُ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ «٣» /: كِنَّا إذا احمر البَأْسُ، اتقيناه برَسُولِ الله ﷺ.\nوقوله تعالى: فَأَثابَكُمْ: معناه: جازاكُمْ على صنيعكم، واختلف في معنى قوله تعالى: غَمًّا بِغَمٍّ، فقال قوم: المعنى: أثابكم غَمًّا بسبب الغمِّ الذي أدخلتموه على رسول الله ﷺ وسائرِ المسلمينَ بفَشَلكم، وتَنَازُعِكم، وعِصْيَانكم. قال قتادة، ومجاهد:\nالغَمُّ الأول: أنْ سَمِعُوا أَلاَ إنَّ محمّدا قد قتل، والثاني: القتل والجراح «٤» .\nوقوله تعالى: لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى مَا فاتَكُمْ، أي: من الغنيمة، ولا ما أصابكم، أي: من القَتْل والجِرَاحِ، وذُلِّ الانهزام، واللامُ من قوله: «لكَيْ لاَ» متعلِّقة ب «أثَابَكُمْ»، المعنى: لتعلموا أنَّ ما وقَعَ بكُمْ إنما هو بجنايَتِكُمْ، فأنتم آذيتم أنفسكم، وعادةُ البَشَر أنَّ جانِيَ الذنْبِ يَصْبِرُ للعقوبة، وأكْثَرُ قَلَقِ المعاقَبِ وحُزْنِهِ، إنما هو مع ظَنِّه البراءةَ بنَفْسه، ثم ذكر سبحانه أمْرَ النُّعَاس الذي أَمَّنَ به المؤمنِينَ، فغشي أهْل الإخلاص، قُلْتُ: وفي صحيح البخاريِّ»، عن أنسٍ أنَّ أبَا طَلْحَةَ قَالَ: غَشِينَا النُّعَاسُ، ونَحْنُ فِي مَصَافِّنَا يَوْمَ أحد، قال:\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٥٢٦)، و«البحر المحيط» (٣/ ٩٠)، و«الدر المصون» (١/ ٢٣٤) .\n(٢) قال السهيلي: «هو الزبير، بفتح الزاي وكسر الباء، جد الزبير بن عبد الرّحمن المذكور في «الموطأ» في كتاب النكاح. واختلف في الزبير بن عبد الرّحمن فقيل: الزبير، بفتح الزاي وكسر الباء، كما سمي جده، وقيل: الزبير» . [.....]\n(٣) سلمة بن عمرو بن الأكوع، واسم الأكوع سنان بن عبد الله. وقيل: اسم أبيه وهب، وقيل غير ذلك.\nأول مشاهده «الحديبية»، وكان من الشجعان، ويسبق الفرس عدوا، وبايع النبيّ ﷺ عند الشّجرة على الموت.\nينظر: «طبقات ابن سعد» (٤/ ٣٠٥)، و«الإصابة» (٣/ ١٢٧)، و«أسد الغابة» (ت ٢١٧٩)، و«طبقات خليفة» (٦٨٩)، و«الخلاصة» (١٢٦)، و«تهذيب الأسماء واللغات» (١/ ١/ ٢٢٩)، و«تهذيب التهذيب» (٤/ ١٥٠) .\n(٤) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٤٧٩) برقم (٨٠٥٩)، (٨٠٦١)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٥٢٦) .","vol":"2","page":126},{"text":"فَجَعَلَ سَيْفِي يَسْقُطُ مِنْ يَدِي وآخُذُهُ، وَيَسْقُطُ وَآخُذُهُ «١»، ونحْوه عن الزُّبَيْر «٢»، وابنِ مسْعود «٣»، «والواوُ» في قوله: وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ، واو الحال، ذَهَب أكثر المفسِّرين إلى أنَّ اللفظة من الهَمِّ الذي هو بمعنَى الغَمِّ والحُزْن.\nوقوله سبحانه: يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ: معناه: يظنُّون أنَّ دين الإسلام ليس بحقٍّ، وأنَّ أمر محمّد ﷺ يضمحلُّ.\nقلْتُ: وقد وردَتْ أحاديثُ صِحَاحٌ في الترغيبِ في حُسْن الظَّنِّ باللَّه ﷿، ففي «صحيح مسلم»، وغيره، عن النبيّ ﷺ حاكِيًا عن اللَّه ﷿ يقولُ سبْحَانه: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي ...» «٤» الحديثَ، وقال ابْنُ مَسْعود: واللَّه الَّذِي لاَ إله غيره، لا يُحْسِنُ أحَدٌ الظنَّ باللَّه ﷿ إلا أعطاه اللَّهُ ظنَّه، وذلك أنَّ الخَيْر بيده، وخرَّج أبو بَكْرِ بْنُ الخَطِيب بسنده، عن أنس أنّ النبيّ ﷺ قَالَ: «مِنْ حُسْنِ عِبَادَةِ المَرْءِ حُسْنُ ظَنِّهِ» «٥» اهـ. وقوله:\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٧/ ٤٢٢)، كتاب «المغازي»، باب: ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ، حديث (٤٠٦٨)، (٨/ ٧٦) كتاب «التفسير»، باب أَمَنَةً نُعاسًا، حديث (٤٥٦٢)، والترمذي (٥/ ٢٢٩- ٢٣٠) كتاب «التفسير»، باب ومن سورة آل عمران، حديث (٣٠٠٨)، وأحمد (٤/ ٢٩)، وابن حبان (٧١٨٠)، والطبري في «تفسيره» (٣/ ٤٨٤) رقم (٨٠٧٥، ٨٠٧٦)، والطبراني في «الكبير» (٥/ ٩٥- ٩٦) رقم (٤٦٩٩، ٤٧٠٠)، والبيهقي في «دلائل النبوة» . (٣/ ٢٧٣- ٢٧٤) كلهم من طريق قتادة عن أنس به.\nوقال الترمذي: حسن صحيح.\nوأخرجه الترمذي (٥/ ٢٢٩)، كتاب «التفسير»، باب ومن سورة آل عمران، حديث (٣٠٠٧)، وابن سعد في «الطبقات» (٣/ ٥٠٥)، وابن أبي شيبة (١٤/ ٤٠٦- ٤٠٧)، والطبري في «تفسيره» (٣/ ٤٨٣- ٤٨٤) رقم (٨٠٧٤)، والحاكم (٢/ ٢٩٧)، والبيهقي في «الدلائل» (٣/ ٢٧٢)، وأبو نعيم في «الدلائل» ص (٣٦٧) كلهم من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس به.\nوقال الترمذي: حديث حسن صحيح.\nوأخرجه ابن سعد (٣/ ٥٠٥)، والطبري في «تفسيره» (٣/ ٤٨٣) رقم (٨٠٧٣) من طريق حميد عن أنس.\nوالحديث ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ١٥٥)، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، وابن مردويه.\nوللحديث شاهد من حديث الزبير بن العوام: أخرجه الترمذي (٥/ ٢٢٩) كتاب «التفسير»، باب ومن سورة آل عمران، حديث (٣٠٠٧) من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن الزبير به بنحو حديث أنس.\n(٢) ينظر الحديث السابق.\n(٣) ينظر الحديث السابق.\n(٤) تقدم تخريجه.\n(٥) تقدم تخريجه.","vol":"2","page":127},{"text":"ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ: ذهب الجمهورُ إلى أنَّ المراد مدَّة الجاهليَّة القديمَة قَبْل الإسلام، وهذا كقوله سبحانه: حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ [الفتح: ٢٦] وتَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ [الأحزاب: ٣٣] وذهب بعضُ المفسِّرين إلى أنَّ المراد في هذه الآيةِ ظَنُّ الفِرْقَةِ الجاهليَّة، وهم أبو سُفْيَانَ ومن معه، قال قتادة وابن جريج: قيل لعبد الله بن أُبَيٍّ ابن سَلُولَ: قُتِلَ بَنُو الخَزْرَجِ، فَقَالَ: وهلْ لنا من الأمْرِ من شَيْء، يريدُ أنَّ الرأْيَ ليس لنا، ولو كان لَنَا منْهُ شيْءٌ، لسمع مَنْ رأينا، فلم يَخْرُجْ، فلم يُقْتَلْ أحدٌ منا.\nوقوله «١» سبحانه: قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ اعتراضٌ أثناء الكلامِ فصيحٌ، ومضمَّنه الردُّ عليهم، وقوله سبحانه: يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ ... الآية: أخبر تعالى عنهم على الجُمْلة دُونَ تَعْيين، وهذه كانَتْ سُنَّتَهُ في المنافقينَ، لا إله إلا هو.\nوقوله سبحانه: يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنا هاهُنا هي مقالةٌ سُمِعَتْ من مُعَتِّبِ بْنِ قُشَيْرٍ المغموصِ «٢» عليه بالنِّفَاق، وباقي الآية بيِّن.\nوقوله تعالى: وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ: اللام في «ليبتلي» متعلِّقة بفعلٍ متأخِّرٍ، تقديره: وليبتليَ وليمحِّصَ فعْلَ هذه الأمور الواقعة، والابتلاءُ هنا/ الاختبار.\nوقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ قال عُمَرُ (﵁): المرادُ بهذه الآية جميعُ مَنْ تولى ذلك اليَوْمَ عن العدُوِّ «٣» .\nوقيل: نزلَتْ في الذين فرّوا إلى المدينة.\n_________\n(١) ذكره ابن عطية في تفسيره (١/ ٥٢٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ١٥٦)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر عن ابن جريج.\n(٢) معتّب بن قشير بن مليل بن زيد بن العطاف بن ضبيعة بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن الأوس، الأنصاريّ، الأوسيّ.\nذكروه فيمن شهد العقبة. وقيل: إنه كان منافقا، وإنه الذي قال يَوْمَ أحُدٍ: لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا [آل عمران: ١٥٤] وقيل: إنه تاب.\nوقد ذكره ابن إسحاق فيمن شهد بدرا.\nينظر: «الإصابة» (٦/ ١٣٧)، و«أسد الغابة» ت (٥٠١٧)، و«الاستيعاب» ت (٢٤٨٥)، و«المؤتلف والمختلف» (٢١٩) .\n(٣) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٥٢٩)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ١٥٧)، وعزاه لابن جرير عن كليب عنه به.","vol":"2","page":128},{"text":"قال ابنُ زَيْد: فلا أدْري، هل عُفِيَ عن هذه الطائفةِ خاصَّة، أمْ عن المؤمنين جميعًا «١» .\nوقوله تعالى: إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا: ظاهره عند جمهور المفسِّرين: أنه كانَتْ لهم ذنوبٌ عاقبهم اللَّه علَيْها بتَمْكين الشيطان من استزلالهم بوسوسَتِهِ وتخويفِهِ، والفَرَارُ مِنَ الزَّحْفِ «٢» من الكبائر بإجماعٍ فيما عَلِمْتُ، وقَدْ عده ﷺ في السّبع الموبقات «٣» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-261>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٥٦ الى ١٥٨]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١٥٦) وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (١٥٧) وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (١٥٨)\nوقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ ...\nالآية: نَهَى اللَّه المؤمنِينَ أنْ يكونوا مثل الكفَّار المنافقين في هذا المعتقَدِ الفاسِدِ الذي هو أنَّ من سافر في تجارةٍ ونحوها، ومَنْ قَاتَلَ فَقُتِلَ، لو قعد في بَيْته لعاش، ولم يَمُتْ في ذلك الوَقْتِ الذي عَرَّض فيه نَفْسه للسَّفَر أو للقِتَال، وهذا هو مُعْتَقَدُ المعتزلة في القَوْل بالأَجَلَيْنِ، أو نحو منه، وصرّح بهذا المقالة عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِيٍّ المُنَافِقُ، وأصحابه قاله مجاهد\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (١/ ٥٣٠) .\n(٢) قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [الأنفال:\n١٥- ١٦] في هذه الآية ينهى الله المؤمنين عن الفرار من الكفار إذا التقوا بهم في القتال، وحكمة ذلك أن الفرار كبير المفسدة وخيم العاقبة لأن الفارّ يكون كالحجر يسقط من البناء.، فيتداعى ويختل نظامه لهذا عدّ الشارع الحكيم الفرار من الزحف من أكبر الجنايات، وقد توعد الله المقاتلين الذين يولون العدوّ ظهورهم، فقال: وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ ... الآية.\nوفي الفرار من العدو عار يجعل الحياة بغيضة عند النفوس الأبيّة، قال يزيد بن المهلّب: «والله إني لأكره الحياة بعد الهزيمة» .\nوقال بعض العلماء: إن هذا النهي خاصّ بوقعة بدر. وبه قال نافع والحسن وقتادة، ويزيد بن أبي حبيب، والضحاك، ونسب إلى أبي حنيفة كما حكاه القرطبي.\nوقال الجمهور (وهو المروي عن ابن عبّاس): إن تحريم الفرار من الصف عند الزحف باق إلى يوم القيامة في كلّ قتال يلتقي فيه المسلمون والكفار.\n(٣) تقدم تخريجه.","vol":"2","page":129},{"text":"وغيره «١»، والضَّرْبُ في الأرض: السيرُ في التِّجَارة، وغُزًّى: جمعُ غازٍ.\nوقوله تعالى: لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ الإشارةُ ب «ذَلِكَ» إلى هذا المعتقد الَّذى جعله اللَّه حَسْرةً لهم لأن الذي يتيقن أنَّ كل قَتْل ومَوْت، إنما هو بأجَلٍ سابقٍ يجدُ برد اليأسِ والتسليمِ للَّه سبحانه على قلبه، والذي يَعْتَقِدُ أنَّ حميمه لو قعد في بَيْته، لم يَمْتُ، يتحسَّر ويتلهَّف وعلى هذا التأويل، مَشَى المتأوِّلونَ، وهو أظهرُ مَا في الآية، والتحسُّرُ: التلهُّفُ على الشيء، والغَمُّ به.\nوقوله سبحانه: وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ توكيدٌ للنهيْ في قوله: لاَ تَكُونُوا ووعيدٌ لمن خالفه، ووَعْدٌ لمن امتثله.\nوقوله سبحانه: وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ اللامُ في وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ هي المؤذنةُ بمَجِيءِ القَسَمِ، واللامُ في قوله: لَمَغْفِرَةٌ هي المتلقِّية للقَسَمِ، والتقديرُ: واللَّهِ، لمغفرةٌ وترتَّب المَوْتُ قبل القَتْل في قوله تعالى: مَا ماتُوا وَما قُتِلُوا مراعاةً لترتُّب الضَّرْب في الأرض والغَزْو، وقدَّم القَتْل هنا لأنَّه الأشرف الأهمُّ، ثم قدَّم المَوْتَ في قوله تعالى: وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لأنها آية وعظٍ بالآخرةِ والحَشْرِ، وآيةُ تزهيدٍ في الدنْيَا والحَيَاةِ، وفي الآيةِ تحقيرٌ لأمر الدنيا، وحضٌّ على طَلَبِ الشهادةِ، والمعنى: إذا كان الحَشْر لا بُدَّ في كِلاَ الأمْرَيْن، فالمضيُّ إليه في حالِ شهادةٍ أولى وعَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ «٢»، أنَّ النبيّ ﷺ قَالَ: «مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ بِصدْقٍ، بَلَّغَهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ، وَإنْ مَاتَ على فِرَاشِهِ»، رواه الجماعةُ إلاَّ البخاريَّ «٣»، وعن أنَسٍ قال: قال رسول الله ﷺ:\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (١/ ٥٣٠)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ١٥٨)، وعزاه للفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد. [.....]\n(٢) سهل بن حنيف بن واهب بن العكيم بن ثعلبة. قيل: أبو الوليد، وأبو ثابت، وأبو سعيد، وقيل: أبو سعد. أو أبو عبد الله. الأوسي. الأنصاري. بدري شهد المشاهد كلها مع رسول الله، وثبت يوم أحد، وكان يرمي بالنبل عن رسول الله. وصحب علي بن أبي طالب، واستخلفه عليّ على «المدينة» حين سار إلى «البصرة»، وشهد معه «صفين»، وولاه بلاد فارس. روى عنه ابناه أبو أمامة، وعبد الملك. وروى عنه عبيد بن السياق، وأبو وائل، وعبد الرّحمن بن أبي ليلى. مات ب «الكوفة» سنة (٣٨ هـ) .\nوينظر: «أسد الغابة» (٢/ ٤٧٠)، و«الإصابة» (٣/ ١٣٩)، و«الثقات» (٣/ ١٦٩)، و«تجريد أسماء الصحابة» (١/ ٢٤٣)، و«الاستيعاب» (٢/ ٦٦٢)، و«بقي بن مخلد» (٧٨، ٩٠٣) .\n(٣) أخرجه مسلم (٣/ ١٥١٧)، كتاب «الإمارة»، باب استحباب طلب الشهادة في سبيل الله تعالى، حديث (١٥٧/ ١٩٠٩)، وأبو داود (١/ ٤٧٦)، كتاب «الصلاة»، باب في الاستغفار، حديث (١٥٢٠)، والترمذي (٤/ ١٨٣)، كتاب «فضائل الجهاد»، باب ما جاء فيمن سأل الشهادة، حديث (١٦٥٣)، -","vol":"2","page":130},{"text":"«مَنْ طَلَبَ الشَّهَادَةَ صَادِقًا، أُعْطِيِهَا، وَلَوْ لَمْ تُصْبْهُ» «١»، انفرد به مُسْلم. انتهى من «سلاح المؤمن» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-262>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٥٩ الى ١٦٠]</span>\nفَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩) إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٦٠)\nوقوله سبحانه: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ: معناه: فبرحمةٍ، قال القُشَيْريُّ في «التحبير»: واعلَمْ أنَّ اللَّه سبحانه يحبُّ من عباده مَنْ يرحم خَلْقه، ولا يرحم العبد إلاَّ إذا ﵀ سبحانَهُ، قال اللَّه تعالى لنبيِّه﵇-: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ.\nانتهى.\nقال ع «٢»: ومعنى هذه الآيةِ التقريعُ لكلِّ مَنْ أخلَّ يومَ أُحُدٍ بمَرْكزه، أي: كانوا يستحقُّون الملام منْكَ، ولكنْ برحمةٍ منه سُبْحَانه/ لِنْتَ لهم، وجَعَلَكَ على خُلُقٍ عظيمٍ، وبعَثَكَ لتتميمِ محاسنِ الأخلاق، ولو كُنْتَ فظًّا غليظَ القَلْب، لانفضوا مِنْ حولك، وتفرَّقوا عَنْكَ، والفَظُّ: الجافي في منطقه ومقاطعه، وفي صفته ﷺ في الكُتُب المُنزَّلة: «لَيْسَ بِفَظٍّ ولا غَلِيظٍ وَلاَ صَخَّابٍ فِي الأَسْوَاقِ» «٣»، والفَظَاظة: الجَفْوة في المعاشرة قولًا وفعلًا، وغِلَظُ القَلْب: عبارةٌ عن تجهُّمِ الوجْهِ، وقلَّةِ الانفعالِ في الرغَائِبِ، وقلَّةِ الإشفاقِ والرَّحْمةِ، والانفضاضُ: افتراق الجموع.\nوقوله تعالى: فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ ... الآية: أمر سبحانه نبيَّه﵇- بهذه الأوامر التي هِيَ بتدريجٍ بليغٍ، فأمره أنْ يعفو عَنْهم فيما له عليهم من حقّ، ثمّ\n_________\n- والنسائي (٦/ ٣٦- ٣٧) كتاب «الجهاد»، باب مسألة الشهادة، وابن ماجة (٢/ ٩٣٥) كتاب «الجهاد»، باب القتال في سبيل الله ﷾، حديث (٢٧٩٧)، والدارمي (٢/ ٢٠٥) كتاب «الجهاد»، باب فيمن سأل الله الشهادة، وابن حبان (٣١٩٢)، والبيهقي (٩/ ١٦٩- ١٧٠) كتاب «السير»، باب تمني الشهادة ومسألتها، والطبراني في «الكبير» (٦/ ٧٢) رقم (٥٥٥٠) كلهم من طريق عبد الرّحمن بن شريح عن سهل بن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن أبيه عن جده مرفوعا.\nوقال الترمذي: حديث حسنٌ غريبٌ، لا نعرفه إِلا من حديث عبد الرّحمن بن شريح.\n(١) أخرجه مسلم (٣/ ١٥١٧)، كتاب «الإمارة»، باب استحباب طلب الشهادة في سبيل الله تعالى، حديث (١٥٦/ ١٩٠٨) من حديث أنس بن مالك.\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٥٣٣) .\n(٣) تقدم.","vol":"2","page":131},{"text":"يستغفر لهم فيما للَّه علَيْهم مِنْ تَبِعَةٍ، فإذا صاروا في هذه الدَّرَجَة، كانوا أهلًا للاستشارة.\nقال ع «١»: ومَنْ لا يستشيرُ أهل العِلْمِ والدِّين، فعَزْلُه واجبٌ، هذا ممَّا لا خلافَ فيه، وقد وردَتْ أحاديثُ كثيرةٌ في الاستشارة، ومُشَاورته﵇- إنما هي في أمور الحَرْب والبُعُوث ونحوه من أشخاصِ النَّوَازِلِ، فأما في حلالٍ، أو حرامٍ، أو حَدٍّ، فتلك قوانينُ شَرْعٍ، ما فرَّطنا في الكتابِ مِنْ شيء، والشورى مبنيَّة على اختلافِ «٢» الآراءِ، والمُسْتَشِيرُ ينظر في ذَلِكَ الخلافِ، ويتخيَّر، فإذا أرشده اللَّه إلى ما شاء منْهُ، عزم علَيْه، وأنفذه متوكِّلًا على اللَّه إذ هو غايةُ الاجتهادِ المَطْلُوب منه، وبهذا أمر اللَّه تعالى نبيَّه في هذه الآيةِ، وصِفَةُ المُسْتشارِ في الأحكامِ أنْ يكونَ عالمًا ديِّنًا، وقلَّما يكونُ ذلك إلاَّ في عاقلٍ، فقَدْ قال الحَسَنُ ابْنُ أبِي الحَسَنِ: ما كَمَلَ دِينُ امرئ لَمْ يَكْمَلْ عَقْلُهُ «٣» .\nقال ع «٤»: والتوكُّل على اللَّه ﷾ مِنْ فروض الإيمانِ وفصولِهِ، ولكنَّه مقترنٌ بالجِدِّ في الطاعاتِ، والتَّشْميرِ والحَزَامَةِ بغايةِ الجُهْدِ، وليس الإلقاء باليدِ وما أشبهه\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٥٣٤) .\n(٢) الشورى: مصدر بمعنى التشاور، يقال: تشاور القوم إذا اجتمعوا على الأمر ليستشير كل واحد منهم صاحبه، ويستخرج ما عنده من رأي، من قولهم: شرت الدابة: إذا عرضتها على مشتريها ليبلوها وينظر ما عندها، وبالعرض يعلم خيرها وشرها، فكذلك بالتشاور يعلم خير الأمور وشرها.\nوالشورى دعامة الحكومة الإسلامية، وعليها مدار انتظامها وحسن سلوكها وسعادتها، فأعدل الحكومات هي الحكومة الشورية، لذلك عنى الله (﷾) بأمرها حتى قرر أصولها، في كثير من آيات الذكر الحكيم، وأمر بها رسوله المعصوم، قال تعالى: وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ [الشورى: ٣٨]، فامتدحهم بأن أمرهم شورى بينهم وقرنوه بأصل الإيمان، وهو الاستجابة إلى الله، وبأقوى أركانه وهو الصلاة، وفي هذا تنويه بشأنها، وإعلاء من أمرها، وتنبيه على أنها من أصول الإسلام ودعائمه.\nوقال تعالى لنبيه ﷺ: فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ [آل عمران: ١٥٩] .\nروي عن الحسن البصري أنه قال في تفسير هذه الآية: «قد علم الله أنه ما به إليهم من حاجة، ولكن أراد أن يستنّ به من بعده» .\nوقال البيضاوي في تفسيرها: عاملهم معاملة العفو والصفح فيما يختص بك، واطلب المغفرة لهم، واستظهر برأيهم، وشاورهم في أمر الحرب وفي كل ما تصح فيه المشاورة لتطييب نفوسهم ولتمهيد سنة المشاورة لأمتك.\nينظر: «الخلافة» لشيخنا عبد الفتاح الجوهري.\n(٣) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٥٣٤) .\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٥٣٤) .","vol":"2","page":132},{"text":"بتوكُّل، وإنما هو كما قال﵇-: «قَيِّدْهَا وَتَوَكَّلْ» .\nوقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ هذه غايةٌ في الرِّفْعة، وشَرَفِ المنزلةِ، وقد جاءت آثار صحيحةٌ في فَضْل التوكُّلِ وعظيمِ منزلةِ المتوكِّلين، ففي «صحيح مُسْلِمٍ» عن عمران بن حصين أنّ النبيّ ﷺ قال: «يَدْخُلُ الجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ، قَالُوا: مَنْ هُمْ، يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: هُمُ الَّذِينَ لاَ يَرْقُونَ، وَلاَ يَستَرْقُونَ، وَلاَ يَتَطَيَّرُونَ، وعلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ»، «١» وخَرَّج أبو عيسَى التِّرمذيُّ، عن أبي أُمَامَةَ، قَالَ: سمعتُ النبيَّ ﷺ يَقُولُ: «وَعَدَنِي رَبِّي أَنْ يُدْخِل الجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعِينَ أَلْفًا لاَ حِسَابَ عَلَيْهِمْ، وَلاَ عَذَابَ، مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سَبْعُونَ أَلْفًا وَثَلاَثُ حَثَيَاتٍ مِنْ حَثَيَاتِ رَبِّي»، وخرَّجه ابن ماجة أيضًا «٢»، وخرَّج أبو بَكْرٍ البَزَّارُ، وأبو عَبْدِ اللَّهِ التِّرمذيُّ الحكيمُ، عنْ عبد الرحمنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصديقِ (﵁)، قَالَ: قال النّبيّ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَعْطَانِي سَبْعِينَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَهَلاَّ استزدته قَالَ: قَدِ استزدته، فَأَعْطَانِي مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ السَّبْعِينَ الأَلْفَ سَبْعِينَ أَلْفًا، فقالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَهَلاَّ استزدته، فَقَالَ: قَدِ استزدته، فَأَعْطَانِي هَكَذَا، وفَتَحَ أَبُو وَهْبٍ يَدَيْهِ، قَالَ أَبُو وَهْبٍ: قَالَ هِشَامٌ:\nهَذَا مِنَ اللَّهِ لاَ يدرى، مَا عَدَدُهُ» «٣»، وخرَّج أبو نُعَيْمٍ، عن أنس، عن النبيّ ﷺ قَالَ: «وَعَدَنِي رَبِّي أَنْ يُدْخِلَ الجَنَّة/ مِنْ أُمَّتِي مِائَةَ أَلْفٍ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، زِدْنَا، قَالَ: وَهَكَذَا، وَأَشَارَ سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ بِيَدِهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، زِدْنَا، فَقَالَ عُمَرُ: إنَّ اللَّهَ ﷿ قَادِرٌ أَنْ يُدْخِلَ النَّاسَ الجَنَّةَ بحفنة واحدة، فقال النّبيّ ﷺ: «صدق عمر» «٤» . اهـ من\n_________\n(١) أخرجه مسلم (١/ ١٩٨)، كتاب «الإيمان»، باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب، حديث (٢١٨/ ٣٧١)، وأحمد (٤/ ٤٣٦، ٤٤١)، والبغوي في «شرح السنة» (٧/ ٣٢٧- بتحقيقنا) .\n(٢) أخرجه الترمذي (٤/ ٦٢٦)، كتاب «صفة القيامة»، باب (١٢)، حديث (٢٤٣٧)، وابن ماجة (٢/ ١٤٣٣) كتاب «الزهد»، باب صفة أمة محمد ﷺ، حديث (٤٢٨٦)، وأحمد (٥/ ٢٦٨) .\n(٣) أخرجه البزار كما في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٤١٣- ٤١٤)، وقال الهيثمي: رواه أحمد، والبزار، والطبراني بنحوه، وفي أسانيدهم القاسم بن مهران عن موسى بن عبيد، وموسى بن عبيد هذا هو مولى خالد بن عبد الله بن أسيد، ذكره ابن حبان في «الثقات» . والقاسم بن مهران ذكره الذهبي في «الميزان»، وأنه لم يرو عنه إلا سليم بن عمرو النخعي، وليس كذلك، فقد روى عنه هذا الحديث هشام بن حسان، وباقي رجال إسناده محتج بهم في الصحيح.\n(٤) أخرجه أحمد (٣/ ١٩٣)، وأبو نعيم في «الحلية» (٢/ ٣٤٤- ٣٤٥) من طريق أبي هلال عن قتادة عن أنس مرفوعا.\nوقال أبو نعيم: غريب من حديث قتادة عن أنس (﵁)، تفرد به أبو هلال، واسمه محمد بن سليم الراسبي، ثقة بصري. [.....]","vol":"2","page":133},{"text":"«التذكرة» «١»، وما وقَعَ من ذكْرِ الحَثْيَةِ والحَفْنَةِ لَيْسَ هو على ظاهره، فاللَّه سبحانه منزَّه عن صفَاتِ الأجْسَامِ.\nوقوله تعالى: وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ أيْ: يترككم، والخذل الترك، والضميرُ في: مِنْ بَعْدِهِ يعودُ على اسمِ اللَّهِ، ويحتملُ على الخذل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-263>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٦١ الى ١٦٣]</span>\nوَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١٦١) أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦٢) هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (١٦٣)\nوقوله تعالى: وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ، قرأ ابنُ كَثِيرٍ «٢»، وأبو عَمْرٍو، وعاصم: «أَنْ يَغُلَّ» بفتح الياء، وضم الغين، وقرأ باقي السبعة: «أَنْ يُغَلَّ» بضم الياء، وفتح الغين، واللفظةُ بمعنى الخِيَانة في خَفَاءِ، تقولُ العربُ: أَغَلَّ الرَّجُلُ يُغِلُّ إغْلاَلًا، إذا خان، واختلفَ عَلَى القراءة الأولى، فقال ابنُ عَبَّاسٍ وغيره: نزلَتْ بسبب قَطِيفَةٍ حَمْرَاءَ فُقِدَتْ من المغانمِ يَوْمَ بَدْرٍ، فقال بعضُ النَّاس: لعلَّ رسُولَ الله ﷺ أَخَذَهَا «٣»، فقيلَ: كانت هذه المَقَالَةُ مِنْ مؤمِنٍ لم يَظُنَّ في ذلك حَرَجًا.\nوقيل: كانَتْ من منافِقين، وقد رُوِيَ أن المفقود إنما كَانَ سَيْفًا، قال النَّقَّاش: ويقال:\nإنما نزلَتْ لأن الرماة قالوا يوم أُحُدٍ: الغنيمةَ الغنيمةَ، فإنا نخشى أن يقول النبيّ ﷺ: مَنْ أَخَذ شيئًا، فهو له «٤»، وقال ابْنُ إسحاق: الآية إنما أنزلَتْ، إعلامًا بأنَّ النبيَّ ﷺ لم يكتم شيئًا مما أُمِرَ بتبليغه «٥» .\nوأمَّا على القراءة الثانيةِ، فمعناها عند الجمهور، أي: ليس لأحدٍ أنْ يغل النبيَّ، أيْ:\nيخونه في الغنيمة لأنَّ المعاصِيَ تَعْظُمُ بحَضْرته لتعيين توقيره.\n_________\n(١) ينظر: «التذكرة» (٢/ ٥٠٤) .\n(٢) ينظر: «السبعة» (٢١٨)، و«الحجة» (٣/ ٩٤)، و«حجة القراءات» (١٧٩، ١٨٠)، و«إعراب القراءات» (١/ ١٢٢)، و«العنوان» (٨١)، و«شرح شعلة» (٣٢٥)، و«إتحاف» (١/ ٤٩٣)، و«معاني القراءات» (١/ ٢٧٩) .\n(٣) أخرجه الترمذي (٥/ ٢٣٠) كتاب «التفسير» باب ومن سورة آل عمران حديث (٣٠٠٩) وقال الترمذي:\nهذا حديث حسن غريب.\n(٤) ذكره ابن عطية (١/ ٥٣٥) .\n(٥) ذكره ابن عطية (١/ ٥٣٥) .","vol":"2","page":134},{"text":"قال ابن العربي «١» في «أحكامه»: وهذا القول هو الصحيحُ، وذلك أنَّ قومًا غَلُّوا من الغنائمِ، أو هَمُّوا، فأنزل اللَّه تعالَى الآية، فنهاهُمُ اللَّه عن ذلك، رواه الترمذيُّ. انتهى.\nوقوله تعالى: وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ ... الآية: وعيدٌ لِمَنْ يغل من الغنيمة، أو في زكاته بالفَضِيحَة يَوْمَ القيامة على رءوس الأَشهاد، قال القرطبيُّ في «تذكرته» «٢»: قال علماؤنا (﵏) في قوله تعالى: وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ: إنّ ذلك على الحقيقة كما بيّنه ﷺ، أي: يأتي به حاملًا له على ظهره ورقبته، معذَّبًا بحمله وثِقَلِهِ، ومروَّعًا بصوته، وموبَّخًا بإظهار خيانته. انتهى. وفي الحديث عنه ﷺ أنَّهُ قَالَ: «أَدُّوا الْخَائِطَ وَالمَخِيطَ فَإنَّ الغُلُولَ عَارٌ ونَارٌ وشَنَارٌ على أَهْلِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ» «٣» رواه مالكٌ في «الموطَّأ»، قال أبو عُمَرَ في «التمهيد»: الشَّنَار: لَفْظَةٌ جامعةٌ لمعنَى العَارِ وَالنَّارِ، ومعناها الشَّيْن، والنَّار يريد أن الغلول شَيْنٌ وعارٌ ومنْقَصَة في الدُّنْيا، وعذابٌ في الآخرة. انتهى، وفي الباب أحاديثُ صحيحةٌ في الغُلُولِ، وفي مَنْعِ الزكاة.\nوقوله سبحانه: أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ، أي: الطاعة الكفيلة بِرضْوَان اللَّه.\nقال ص: «أَفَمَنْ»: استفهام، معناه: النَّفْيُ، أي: ليس مَنِ اتبع مَا يَئُولُ به إلى رِضَا اللَّه تعالى عَنْه فباء برضَاه، كَمَنْ لم يَتَّبِعْ ذلك فباء بسَخَطه. انتهى.\nوقوله سبحانه: هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ قال ابنُ إسحاق وغيره: المراد بذلك الجَمْعَانِ المذكورانِ أهل الرِّضْوان، وأصحاب السَّخَط «٤»، / أيْ: لكلِّ صِنْفٍ منهم تَبَايُنٌ في نفسه في منازل الجنة، وفي أطباق النَّار أيضًا، وقال مجاهدٌ والسُّدِّيُّ ما ظاهره: أن المراد بقوله: «هم»، إنما هو لمتبعي الرضْوان «٥»، أي: لهم درجاتٌ كريمةٌ عند ربهم، وفي الكلامِ حذفٌ، تقديره: هُمْ ذَوْو دَرَجَاتٍ، والدرجاتُ: المنازلُ بعضها أعلى من بعض في المَسَافة، أو في التكرمة، أو في العذاب، وباقي الآية وعد ووعيد.\n_________\n(١) ينظر: «الأحكام» لابن العربي (١/ ٣٠١) .\n(٢) ينظر: «التذكرة» للقرطبي (١/ ٣٩٩) .\n(٣) أخرجه مالك (٢/ ٤٥٧- ٤٥٨)، كتاب «الجهاد»، باب ما جاء في الغلول، حديث (٢٢) عن عبد الرّحمن بن سعيد عن عمرو بن شعيب مرسلا.\nوأخرجه أبو داود (٢/ ٧٠) (٢٦٩٤)، والنسائي (٦/ ٢٦٢- ٢٦٣)، وأحمد (٢/ ١٨٤)، والبيهقي (٦/ ٣٣٦- ٣٣٧) من طريق عمرو بن شُعَيْب عن أبيه عن جَدِّه موصولا.\n(٤) ذكره ابن عطية (١/ ٥٣٦) .\n(٥) ذكره ابن عطية (١/ ٥٣٧) .","vol":"2","page":135},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-264>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٦٤ الى ١٦٥]</span>\nلَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (١٦٤) أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هذا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٦٥)\nوقوله تعالى: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ ...\nالآية: اللام في «لقد»: لام القسم، و«منّ» في هذه الآية: معناه: تطوَّل وتفضَّل سبحانه، وقد يقال: «مَنَّ» بمعنى كَدَّرَ مَعْرُوفَهُ بالذِّكْرِ، فهي لفظةٌ مشتركة، وقوله: مِنْ أَنْفُسِهِمْ، أي: في الجنْسِ، واللسانِ، والمُجَاورةِ، فكونه مِنَ الجنْسِ يوجبُ الأنْسَ به، وكونُه بِلِسانِهِمْ يوجِبُ حُسْنَ التفهيم، وكونُه جَارًا ورَبِيًّا يوجِبُ التصديقَ والطُّمأنينة إذ قد خَبَرُوه وعَرَفُوا صِدْقَه وأمانته، ثم وقَف اللَّه سبْحانه المؤمنين عَلَى الخَطَإ في قَلَقِهِمْ للمُصِيبة الَّتي نزلَتْ بهم، وإعراضهم عمَّا نزل بالكفّار، فقال: أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ\n، أي: يوم أُحُدٍ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها، أيْ: يوم بَدْر إذ قتل من الكُفَّار سبعون، وأسر سَبْعُون، هذا تفْسِيرُ ابنِ عَبَّاس «١»، والجمهورِ.\nوقال الزَّجَّاج «٢»: وَاحِدُ المِثْلَيْن: هو قتْلُ السبعينَ يَوْمَ بَدْر، والثاني: هو قتل اثنين وعشرين يَوْمَ أحد، ولا مَدْخَل للأسرى لأنهم قد فدوا.\nوأَنَّى: معناها: كَيْفَ، وَمِنْ أَيْنَ، قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ، أي: حين خالفتم النبيّ ﷺ في الرأْيِ حينَ رأى أنْ يقيمَ بالمَدينة، ويترك الكُفَّار بَشَّر مَحْبِسٍ، فأبيتم إلا الخُرُوجِ، وهذا هو تأويلُ الجمهور، وقالَتْ طائفة: هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ: إشارةٌ إلى عصيانِ الرُّمَاة، وتسبيبهم الهَزيمة عَلَى المؤمنين، وقال عليٌّ والحَسَن: بل ذلك لِمَا قَبِلُوا الفِدَاءَ يَوْمَ بدر «٣» وذلك أنَّ اللَّه سبحانه أخبرهم على لسانِ نبيِّه بَيْنَ قَتْل الأسرى أو يأخذوا الفِدَاءَ على أنْ يُقْتَلَ منْهم عدَّة الأسرى، فاختاروا أَخْذَ الفدَاءِ، ورَضُوا بالشَّهَادةِ، فقُتِلَ منهم يوْمَ أحدٍ سَبْعُونَ، قلْتُ: وهذا الحديثُ رواه الترمذيُّ عنْ عليٍّ (﵁)، عن النبيِّ ﷺ قَالَ أحمدُ بْنُ نَصْرٍ الدَّاوُودِيُّ: وعَنِ الضَّحَّاك: أَنَّى هذا، أي: بأيّ ذنب هذا؟\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٣/ ٥٠٨) برقم (٨١٨٥)، وذكره ابن عطية (١/ ٥٣٨)، والسيوطي (٢/ ١٦٦)، وعزاه لابن أبي حاتم.\n(٢) ينظر: «معاني القرآن» (١/ ٤٨٨) .\n(٣) أخرجه الطبري (٣/ ٥٠٩) برقم (٨١٩٠) عن علي، وذكره ابن عطية (١/ ٥٣٨)، والسيوطي (٢/ ١٦٦)، وعزاه لابن أبي حاتم عن الحسن، ولابن أبي شيبة، والترمذي وحسنه، وابن مردويه عن علي.","vol":"2","page":136},{"text":"قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ «١»: قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ عقوبةً لمعصيتكم لنبيِّكم﵇-.\nانتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-265>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٦٦ الى ١٦٧]</span>\nوَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لاتَّبَعْناكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ (١٦٧)\nوقوله سبحانه: وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ، يعني: يوم أُحُد.\nوقوله سبحانه: وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ، أيْ: ليعلم اللَّه المؤمن مِنَ المُنَافق، والإشارة بقوله سبحانه: نافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ: هي إلى عَبْد اللَّه بن أبَيٍّ وأصحابه، حين انخزل بنَحْو ثُلُث النَّاسِ، فمشى في إثرهم عبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَزَامٍ أبُو جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فقَالَ لهم: اتقوا اللَّهَ، ولا تَتْرُكُوا نبيَّكم، وقاتلوا في سَبيلِ اللَّهِ، أو ادفعوا، ونحْوَ هذا من القولِ، فقال له ابْنُ أُبَيٍّ: ما أرى أَنْ يكُونَ قِتَالًا، ولو علمْنا أنْ يكُونَ قتَالٌ، لكنا معكم، فلما يَئِسَ منهم عبْدُ اللَّهِ، قال: اذهبوا أَعْدَاءَ اللَّهِ، فَسَيْغُنِي اللَّهُ رَسُولَهُ عَنْكُمْ، ومضى مع النبيّ ﷺ فاستشهد.\nوقوله تعالى: أَوِ ادْفَعُوا، قال ابنُ جُرَيْجٍ وغيره: معناه: كَثِّروا السوادَ، وإنْ لم تقاتِلُوا/، فيندفع القَوْم لكثرتِكُمْ «٢»، وذهب بعضُ المفسِّرين إلى أنَّ قولَ عبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: «أو ادفعوا»: استدعاء للقتَالِ حميَّةً إذ ليسوا بأهْلٍ للقتال في سبيل اللَّه، والمعنى:\nقاتلوا في سبيل اللَّه، أو قاتلوا دفاعًا عن الحَوْزَة ألا ترى أنَّ قُزْمَانَ قَالَ في ذلك اليَوْمِ:\nواللَّهِ، ما قاتلْتُ إلاَّ على أحساب قَوْمِي، وقَوْلِ الأنصاريِّ يومئذ لَمَّا أرسلَتْ قُرَيْشٌ الظَّهْرَ في الزُّروع: أترعى زُرُوعَ بَنِي قيلة، ولمّا نضارب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-266>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٦٨ الى ١٧٢]</span>\nالَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٦٨) وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتًا بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (١٧١) الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢)\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (١/ ٥٣٨)، والسيوطي (٢/ ١٦٦)، وعزاه لابن المنذر. [.....]\n(٢) ذكره الماوردي في «تفسيره» (١/ ٤٣٥)، وابن عطية (١/ ٥٣٩) .","vol":"2","page":137},{"text":"وقوله تعالى: الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا مَا قُتِلُوا، الَّذِينَ بدل من الَّذِينَ المتقدِّم، لِإِخْوانِهِمْ، أي: لأجْلِ إخوانهم، أوْ في شأنِ إخوانهم المقتولِينَ، ويحتمل أنْ يريد: لإخوانهم الأحياءِ مِنَ المُنَافِقِينَ، ويكون الضميرُ في «أَطَاعُونَا» للمقتولين، وقَعَدُوا: جملةٌ في موضِعِ الحالِ، معترضةٌ أثْنَاءَ الكلامِ، وقولهم: لَوْ أَطاعُونا، يريدون: في ألاَّ يخرُجُوا، وباقِي الآيةِ بَيِّن.\nثم أخْبَرَ سبحانه عن الشهداءِ أنهم في الجنَّة أحياءٌ يرزقون، وعن النبيّ ﷺ أنَّه قال: «إنَّ اللَّهَ يَطَّلِعُ عَلَى الشُّهَدَاءِ، فَيَقُولُ: يَا عِبَادِي، مَا تَشْتَهُونَ، فَأَزِيدَكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: يَا رَبَّنَا، لاَ فَوْقَ مَا أَعْطَيْتَنَا، هَذِهِ الجَنَّةُ نَأْكُلُ مِنْهَا حَيْثُ نَشَاءُ، لَكِنَّا نُرِيدُ أَنْ تَرُدَّنَا إلَى الدُّنْيَا، فَنُقَاتِلَ فِي سَبِيلِكَ، فَنُقْتَلُ مَرَّةً أخرى، فَيَقُولُ سُبْحَانَهُ: قَدْ سَبَقَ أَنَّكُمْ لاَ تُرَدُّونَ» «١»، والأحاديثُ في فَضْل الشُّهَداء كثيرةٌ.\nقال الفَخْر «٢»: والرواياتُ في هذا البابِ كأنَّها بلَغَتْ حدَّ التواتر، ثم قَالَ: قال بعْضُ المفسِّرين: أرواحُ الشُّهَدَاءِ أحياءٌ، وهي تركَعُ وتَسْجُدُ تَحْتَ العَرْشِ إلى يَوْمِ القِيامةِ. انتهى.\nوالعقيدةُ أنَّ الأرواحَ كلَّها أحياء، لا فرق بَيْن الشهداءِ وغيرهم في ذلك إلاَّ ما خَصَّص اللَّه به الشُّهداءَ مِنْ زيادَةِ المَزِيَّة والحياةِ الَّتِي ليْسَتْ بمكيَّفة، وفي «صحيح مسْلِمٍ»، عن مَسْرُوقٍ قال، سَأَلْنَا ابْنَ مَسْعُودٍ عن هذه الآية: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتًا بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، فقال: أَمَّا أَنَا، فَقَدْ سَأَلْتُ عَنْ ذلك، فقال، يعني النبيّ ﷺ:\n«أَرْوَاحُهُمْ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ، لَهَا قَنَادِيلُ مُعَلَّقةٌ بِالعَرْشِ، تَسْرَحُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ، ثُمَّ تَأْوِي إلى تِلْكَ القَنَادِيلِ ...» «٣» الحديثَ إلى آخره اهـ.\nومن الآثار الصحيحةِ الدالَّة على فَضْلِ الشُّهداءِ ما رواه مالكٌ في «الموطَّإ» أنه بلَغَهُ أنَّ عمرو بْنَ الجَمُوحِ «٤»، وعبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو الأنصارِيَّيْنِ ثُمَّ السُّلَمِيَّيْنِ كَانَا قد حفر السّيل\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٣/ ١٥٠٢)، كتاب «الإمارة»، باب بيان أن أرواح الشهداء في الجنة، حديث (١٢١/ ١٨٨٧) .\n(٢) ينظر: «الفخر الرازي» (٩/ ٧٣) .\n(٣) تقدم تخريجه.\n(٤) عمرو بن الجموح بن زيد بن حرام بن كعب بن غنم بن سلمة الأنصاري، السلمي.\nمن سادات الأنصار، واستشهد بأحد.\nقال ابن إسحاق في «المغازي»: كان عمرو بن الجموح سيدا من سادات بني سلمة، وشريفا من أشرافهم وكان قد اتخذ في داره صنما من خشب يعظّمه، فلما أسلم فتيان بني سلمة منهم ابنه معاذ، -","vol":"2","page":138},{"text":"قبرهما، وكان قَبْرُهما ممَّا يَلِي السَّيْلَ، وكانا في قَبْرٍ واحدٍ، وهما مِمَّن استشهد يَوْمَ أُحُدٍ، فحفر عنهما ليغيَّرَا مِنْ مَكَانِهِمَا، فَوُجِدَا لم يُغَيَّرا، كأنما ماتا بالأمْسِ، وكان أحدُهُما قَدْ جُرِحَ فَوَضَعَ يَدَهُ على جُرْحِهِ، فَدُفِنَ، وهو كذلك، فَأُمِيطَتْ يده عَنْ جُرْحِهِ، ثم أرْسِلَتْ، فَرَجَعَتْ، كما كانَتْ، وكان بَيْنَ أُحُدٍ، وبَيْنَ يَوْمَ حُفِرَ عَنْهُمَا سِتٌّ وأربعون سنَةً، قال أبو عمر في «التمهيد»: حديثُ مالكٍ هذا يتَّصلُ من وجوهٍ صحاحٍ بمعنى واحدٍ متقاربٍ، وعبد اللَّه بن عمرو هذا هو والدُ جابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ، وعَمْرُو بْنُ الجَمُوحِ هو ابنُ عَمِّه، ثم أسند أبو عمر، عن جابرِ بنِ عبْدِ اللَّهِ، قال: لما أراد معاويةُ أنْ يُجْرِيَ العَيْنَ بأُحُدٍ، نُودِيَ بالمدينةِ: مَنْ كان له/ قتيلٌ، فليأت قتيله، قال جابرٌ: فأتيناهم، فأخرجْنَاهم رطَابًا يَتَثَنَّوْنَ، فأصابَتِ المِسْحَاةُ أُصْبُعَ رَجُلٍ مِنْهُمْ، فانفطرت دَمًا، قال أبو سعيدٍ الخُدْرِيُّ: «لاَ يُنْكِرُ بَعْدَ هَذَا مُنْكَرٌ أَبدًا» وفي رواية: «فاستخرجهم- يعني: معاويةَ-، بعد سِتٍّ وأربعين سنَةً لَيِّنَةً أجسادُهم، تتثنى أطرافهم»، قال أبو عمر: الذي أصابَتِ المِسْحَاةُ أصبُعَهُ هو حمزةُ (﵁) .\nثم أسند عَنْ جابِرٍ قال: رأَيْتُ الشهداءَ يَخْرجُونَ على رِقَابِ الرجَالِ كأنهم رجَالٌ نُوَّمٌ حتى إذا أَصَابَتِ المِسْحَاةُ قَدَمَ حمزةَ (﵁): «فانثعبت دَمًا» انتهى.\nوقوله سبحانه: وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ ... الآية: معناه: يُسَرُّونَ، ويَفْرَحُونَ، وذهَبَ قتادة وغيره إلى أنَّ استبشارهم هو أنهم يقولُونَ: إخواننا الذين تركْنَاهم خَلْفَنَا في الدنيا يُقَاتِلُونَ في سَبيل اللَّه مع نبيِّهم، فيستشهدُونَ، فينالُونَ مِنَ الكرامَةِ مِثْلَ ما نِلْنَا نَحْنُ، فيسرُّون لهم بذلك إذْ يحصُلُونَ لا خَوْفٌ عليهم ولا هُمْ يَحْزَنُونَ «١»، وذهب فريقٌ من العلماءِ إلى أَنَّ الإشارة في قوله: بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا، إلى جميع المؤمنين الَّذِينَ لم يلحقوا بهم في فَضْل الشهادة وذَلك لِمَا عايَنُوا من ثوابِ اللَّهِ، فهم فرحون لأنفسهم بما\n_________\n- ومعاذ بن جبل، كانوا يدخلون على صنم عمرو فيطرحونه في بعض حفر بني سلمة، فيغدو عمرو فيجده منكبّا لوجهه في العذرة، فيأخذه ويغسله ويطيّبه، ويقول: لو أعلم من صنع هذا بك لأخزيّنه، ففعلوا ذلك مرارا، ثم جاء بسيفه فعلّقه عليه، وقال: إن كان فيك خير فامتنع، فلما أمسى أخذوا كلبا ميتا فربطوه في عنقه، وأخذوا السيف، فأصبح فوجده كذلك، فأبصر رشده وأسلم، وقال في ذلك أبياتا منها:\nتالله لو كنت إلها لم تكن ... أنت وكلب وسط بئر في قرن\nينظر: «أسد الغابة» ت (٣٨٩١)، و«الاستيعاب» ت (١٩٢٥)، و«الإصابة» (٤/ ٥٠٦)، و«سير أعلام النبلاء» (١/ ٢٥٢١١) .\n(١) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٥٤١) .","vol":"2","page":139},{"text":"آتاهم اللَّه مِنْ فضله، ومُسْتَبْشِرُون للمؤمنين أنَّهم لا خَوْفٌ عليهم ولا هم يَحْزَنُونَ ثم أكَّد سبحانه استبشارهم بقوله: يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ، ثم بيَّن سبحانه بقوله: وَفَضْلٍ، أنَّ إدخالَهُ إياهم الجَنَّةَ هو بفَضْل مِنْه، لا بعملِ أَحَدٍ، وأمَّا النعمة في الجَنَّة، والدَّرجاتُ، فقد أخبر أنَّها على قَدْر الأعمال.\nقُلْتُ: وخرَّج أبو عبد اللَّهِ الحُسَيْنُ بْنُ الحَسَنِ بْنِ حَرْبٍ «١» صَاحِبُ ابن المبارَكِ في «رقائقه»، بسنده، عن عبد اللَّه بن عمرو بن العَاصِي «أنَّ الشُّهداءَ فِي قِبابٍ مِنْ حَرِيرٍ فِي رِياضٍ خُضْرٍ، عِنْدَهُمْ حُوتٌ وَثَوْرٌ، يَظَلُّ الحُوتُ يُسَبِّحُ فِى أَنْهَارِ الجَنَّةِ يَأْكُلُ مِنْ كُلِّ رائِحَةٍ فِي أَنْهَارِ الجَنَّةِ، فَإذَا أمسى وَكَزَهُ الثَّوْرُ بقَرْنِهِ، فَيُذْكِيهِ، فَيَأْكُلُونَ لَحْمَهُ، يَجِدُونَ فِي لَحْمِهِ طَعْمَ كُلِّ رَائِحَةٍ، وَيَبِيتُ الثَّوْرُ فِي أَفْنَاءِ الجَنَّةِ، فَإذَا أَصْبَحَ، غَدَا عَلَيْهِ الحُوتُ، فَوَكَزَهُ بِذَنَبِهِ، فَيُذْكِيهِ، فَيَأْكُلُونَ، فَيَجِدُونَ فِي لَحْمِهِ طَعْمَ كُلِّ رَائِحَةٍ فِي الجَنَّةِ، ثُمَّ يَعُودُونَ، وَيَنْظُرُونَ إلى مَنَازِلِهِمْ مِنَ الجَنَّةِ، وَيَدْعُونَ اللَّهَ ﷿ أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ ...» الحديثَ. انتهى.\nمختصرًا، وقد ذكره صاحب «التذكرة» مطوَّلًا.\nوقرأ الكِسَائِيُّ: «وَإنَّ اللَّهَ» بكسر «٢» الهمزة على استئناف الإخبار، وقرأ باقي السبعة بالفتْحِ على أنَّ ذلك داخلٌ فيما يُسْتبشر به، وقوله: الَّذِينَ اسْتَجابُوا يحتملُ أنْ يكون صفَةً للمؤمنين على قراءة مَنْ كَسَر الألف من «إنَّ»، والأظهر أنَّ الذين ابتداءٌ، وخبره في قوله: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ ... الآية، والمستجيبُونَ للَّه والرسولِ: هم الذين خرَجُوا مع النبيّ ﷺ إلى حمراء الأسد في طلب قريش.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-267>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٧٣ الى ١٧٤]</span>\nالَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيمانًا وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (١٧٤)\nوقوله سبحانه: الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ ... الآية:\n«الذين»: صفةٌ للمحسنين، وهذا القولُ هو الذي قاله الركْبُ من عبد القيس لرسول الله ﷺ\n_________\n(١) الحسين بن الحسن بن حرب السلمي، أبو عبد الله المروزي، ثم المكي. عن ابن المبارك، وهشيم، وابن عيينة، ويزيد بن زريع، وخلق. وعنه الترمذي وابن ماجة.\nينظر: «الخلاصة» (١/ ٢٢٤) .\n(٢) ينظر: «السبعة» (٢١٩)، و«الحجة» (٣/ ٩٨)، و«حجة القراءات» (١٨٢)، و«إعراب القراءات» (١/ ١٢٢)، و«العنوان» (٨١)، و«شرح الطيبة» (٤/ ١٧٨)، و«شرح شعلة» (٣٢٦)، و«إتحاف» (١/ ٤٩٤)، و«معاني القراءات» (١/ ٢٨٠) .","vol":"2","page":140},{"text":"وأصحابه حِينَ حَمَّلَهُمْ أبُو سُفْيَانَ ذلكَ، «فالنَّاسُ» الأوَّلُ هُمُ الرَّكْبُ، و«النَّاسُ» الثَّانِي عَسْكَر قُرَيْش هذا قول/ الجمهورِ، وهو الصوابُ، وقولُ مَنْ قال: إن الآية نزلَتْ في خروجِ النبيّ ﷺ إلى بدر الصّغرى لميعاد أبي سفيان، وإِنَّ النَّاسَ هنا هو نُعيْمُ بْنُ مسعودٍ- قولٌ ضعيفٌ، وعن ابنِ عَبَّاسٍ أنه قال: «حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ» قَالَهَا إبْرَاهِيمُ﵇-، حين ألقى في النّار، وقالها محمّد ﷺ حِينَ قَالُوا: إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيمانًا وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، رواه مسلم. والبخاريّ «١» .\nانتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-268>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٧٥ الى ١٧٨]</span>\nإِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥) وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٧٦) إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٧٧) وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (١٧٨)\nوقوله سبحانه: إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ ... الآية: إشارة إلى جميع ما جرى من أخبار الرَّكْب عن رسالة أبِي سُفْيَان، ومِنْ جَزَعِ مَنْ جَزِعَ من الخَبَر.\nوقرأ الجمهورُ «٢»: «يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ»، قالَ قوم: معناه: يخوِّف المنافقينَ، ومَنْ في قلبه مرضٌ، وحكى أبو الفَتْحِ بْنُ جِنِّي «٣»، عن ابن عَبَّاس أنه قرأ «يُخَوِّفُكُمْ أَوْلِيَاءَهُ»، فهذه قراءةٌ ظهر فيها المفعولانِ، وهي مفسِّرة لقراءة الجَمَاعة، وفي قراءة أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ:\n«يُخَوِّفُكُمْ بِأَوْلِيَائِهِ»، وفِي كتاب «القَصْد إلى اللَّه تعالى» للمحاسِبِيِّ «٤»، قال: وكلما عَظُمَتْ هيبةُ اللَّه ﷿ في صدورِ الأولياء، لم يهابوا معه غيره حياءً منه ﷿ أن يخافوا معه سواه. انتهى.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٨/ ٧٧) كتاب «التفسير»، باب الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ، حديث (٤٥٦٣) عن ابن عباس.\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٥٤٤)، و«البحر المحيط» (٣/ ١٢٥)، و«الدر المصون» (٢/ ٢٦٣) .\n(٣) ينظر: «المحتسب» (١/ ١٧٧) .\n(٤) الحارث بن أسد، أبو عبد الله المحاسبي، قال ابن الصلاح: ذكره أبو منصور التميمي في الطبقة الأولى من الشافعية فيمن صحب الشافعي. قال ابن قاضي شهبة: أحد مشايخ الصوفية.\nتوفي سنة ٢٤٣ هـ.\nينظر: «طبقات ابن قاضي شهبة» (١/ ٥٩)، و«طبقات الفقهاء» للعبادي (ص ٢٧)، و«ميزان الاعتدال» (١/ ١٩٩) .","vol":"2","page":141},{"text":"وقوله سبحانه: وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ، والمسارعة في الكُفْر: هي المبادرة إلى أقواله وأفعاله، والجِدُّ في ذلك، وسَلَّى اللَّه تعالى نبيَّه﵇- بهذه الآية عنْ حالِ المنافقين والمجاهِرِين إذ كلُّهم مسارعٌ، وقوله تعالى: إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا: خبرٌ في ضِمْنِهِ وعيدٌ لهم، أي: وإنما يضرُّون أنفسهم، والحَظُّ: إذا أطلق، فإنما يستعملُ في الخير، وقوله سبحانه: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ: نُمْلِي: معناه: نُمْهِلُ ونَمُدُّ في العمر، والمعنى: لا تَحْسَبَنَّ إملاءنا للذين كَفَرُوا خَيْرًا لهم، فالآيةُ ردٌّ على الكفَّار في قولهم: إنَّ كوننا مموَّلِينَ أصحّة دليل على رضا الله بحالتنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-269>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٧٩ الى ١٨٠]</span>\nما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٩) وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٨٠)\nوقوله تعالى: مَّا كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ، أيْ: ليدع المؤمنين مختلطين بالمنافقين، مُشْكِلًا أمرَهُم حتى يميز بعْضَهُم مِنْ بعض بما يظهره مِنْ هؤلاء وهؤلاء في «أُحُدٍ» من الأفعال والأقوال، هذا تفسيرُ مجاهد وغيره «١» .\nوقوله: وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ، أي: في أمر أُحُدٍ، وما كان من الهزيمة وأيضًا: فما كان اللَّه ليطلعكم على المنافقين تصريحًا وتسميةً لهم، ولكنْ بقرائنِ أفعالهم وأقوالهم.\nقال الفَخْر «٢»: وذلك أنَّ سنة اللَّه جاريةٌ بأنَّه لا يُطْلِعُ عوامَّ الناس على غَيْبِهِ، أي: لا سبيلَ لكم إلى معرفة ذلك الإمتياز إلاَّ بامتحانات كما تقدَّم، فأمَّا معرفةُ ذلك على سبيلِ الإطلاعِ مِنَ الغَيْبِ، فهو من خواصِّ الأنبياء، فلهذا قال تعالى: وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ. انتهى.\nوقال الزَّجَّاج «٣» وغيره: رُوِيَ أنَّ بعض الكُفَّار قال: لِمَ لا يكون جميعنا أنبياء،\n_________\n(١) ذكره الماوردي في «تفسيره» (١/ ٤٣٩) بنحوه، وذكره أيضا ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٥٤٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ١٨٤)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد. [.....]\n(٢) ينظر: «مفاتيح الغيب» لفخر الدين الرازي (٩/ ٩٠) .\n(٣) ينظر: «معاني القرآن وإعرابه» للزجاج (١/ ٤٩٢) .","vol":"2","page":142},{"text":"فنزلت هذه الآية، ويَجْتَبِي: معناه: يَخْتَارُ ويصْطَفِي، وقوله سبحانه: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ الآية: قال السُّدِّيُّ وجماعةٌ من المتأوِّلين: الآية نزلَتْ في البُخْل بالمال، والإنفاقِ في سبيل اللَّه، وأداء الزكاة المفْرُوضَة، وَنحْو ذلك، قال: ومعنى: سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ هو الذي ورد/ في الحديثِ، عن النبيّ ﷺ أنه قال: «مَا مِنْ ذِي رَحِمٍ يَأْتِي ذَا رَحِمِهِ، فَيَسْأَلَهُ مِنْ فَضْلٍ عِنْدَهُ، فَيَبْخَلُ عَلَيْهِ إلاَّ أُخْرِجَ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ شُجَاعٌ مِنَ النَّارِ يَتَلَمَّظُ حتى يُطَوَّقَه» «١»، قُلْتُ: وفي البخاريّ وغيره، عنه ﷺ قَالَ:\n«مَنْ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا، فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ مُثِّلَ لَهُ شُجَاعًا أَقْرَعَ لَهُ زَبِيبَتَانِ يُطَوَّقُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ يَأْخُذُ بلَهْزَمَتَيْهِ، يَعْنِي: شِدْقَيهِ، يَقُولُ: أَنَا مَالُكَ، أَنَا كَنْزُكَ، ثُمَّ تَلاَ هذه الآيةَ: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ... «٢» الأية.\nقلْتُ: واعلم أنه قد وردَتْ آثار صحيحةٌ بتعذيبِ العُصَاة بنَوْعٍ مَا عَصَوْا به كحديث:\n«مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ، فَهُوَ يَجَأُ نَفْسَهُ بِحَدِيدَتِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، وَالَّذِي قَتَلَ نَفْسَهُ بِالسُّمِّ، فَهُوَ يَتَحَسَّاهُ في نار جهنّم» «٣»، ونحو ذلك.\n_________\n(١) أخرجه الطبراني في «الكبير» (٢/ ٣٢٢) رقم (٢٣٤٣) من حديث جرير بن عبد الله.\nوذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٨/ ١٥٧)، وقال: رواه الطبراني في «الأوسط» و«الكبير»، وإسناده جيد.\nوله شاهد من حديث حجير بن بيان: ذكره الحافظ في «المطالب العالية» (٣/ ٣١٤) رقم (٣٥٦٨)، وعزاه لأبي بكر بن أبي شيبة.\n(٢) أخرجه البخاري (٣/ ٣١٥)، كتاب «الزكاة»، باب إثم مانع الزكاة، حديث (١٤٠٣) من حديث أبي هريرة.\n(٣) أخرجه البخاري (١٠/ ٢٥٨)، كتاب «الطب»، باب شرب السم والدواء..، حديث (٥٧٧٨)، ومسلم (١/ ١٠٣) كتاب «الإيمان»، باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه، حديث (١٠٩/ ١٧٥)، وأبو داود (٢/ ٤٠٠) كتاب «الطب»، باب في الأدوية المكروهة، حديث (٣٨٧٢)، والترمذي (٤/ ٣٨٦) كتاب «الطب»، باب ما جاء فيمن قتل نفسه بسم أو غيره، حديث (٢٠٤٣، ٢٠٤٤)، والنسائي (٤/ ٦٦- ٦٧) كتاب «الجنائز»، باب ترك الصلاة على من قتل نفسه، وابن ماجة (٢/ ١١٤٥)، كتاب «الطب»، باب النهي عن الدواء الخبيث، حديث (٣٤٦٠)، وأحمد (٢/ ٢٥٤، ٤٧٨)، والدارمي (٢/ ١٩٢) كتاب «الديات»، باب التشديد على من قتل نفسه، وابن حبان (٥٩٨٦- الإحسان)، وابن منده في «الإيمان» (٦٢٧، ٦٢٨، ٦٢٩)، والبيهقي (٨/ ٢٣- ٢٤) كتاب «الجنايات»، باب التغليظ على من قتل نفسه، كلهم من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة به.\nوقال الترمذي: هذا حديث صحيح.\nوذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٢٩١- ٢٩٢) وقال: رواه أحمد والطبراني باختصار، ورجال أحمد رجال الصحيح، غير عبد الله بن جنادة، وهو ثقة.\nحديث سلمان: -","vol":"2","page":143},{"text":"قال الغَزَّالِيُّ في «الجَوَاهِرِ»: واعلم أنَّ المعانِيَ في عالم الآخرة تستتبعُ الصُّور، ولا تَتْبَعُها، فيتمثَّل كلُّ شيء بصورة تُوَازِي معناه، فيُحْشَرُ المتكبِّرون في صُوَرِ الذَّرِّ يَطَؤُهُمْ مَنْ أَقْبَل وأَدْبَر، والمتواضِعُون أعزَّاء. انتهى، وهو كلام صحيحٌ يشهد له صحيحُ الآثارِ ويؤيِّده النظَرُ والإعتبار، اللَّهم، وفِّقنا لما تحبُّه وترضاه.\nقال ابنُ العَرَبِيِّ «١» في «أحكامه»: قال عُلَماؤنا: البُخْل: مَنْعُ الواجبِ، والشُّحُّ: منع المستحَبِّ، والصحيحُ المختارُ أنَّ هذه الآيةَ في الزكاة الواجبَة لأنَّ هذا وعيدٌ لمانعيها، والوعيدُ إذا اقترن بالفعْلِ المأمورِ به، أو المنهيِّ عنه، اقتضى الوجوبَ أو التحريمَ. انتهى.\nوتعميمها في جميع أنْواع الواجب أحسن.\nوقوله سبحانه: وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ خطابٌ على ما يفهمه البشر، دَالٌّ على فناء الجميعِ، وأنه لا يبقى مَالِكٌ إلّا الله سبحانه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-270>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٨١ الى ١٨٢]</span>\nلَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ سَنَكْتُبُ ما قالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (١٨١) ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (١٨٢)\nوقوله سبحانه: لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ ...\nالآية: نزلَتْ بسبب فِنْحَاصٍ اليَهُودِيِّ وأشباهه كَحُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ وغيره، لمَّا نزلَتْ: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا [الحديد: ١١]، قالوا: يستقرضُنا ربُّنا، إنما يَسْتَقْرِضُ الفَقِيرُ الغَنِيَّ، وهذا مِنْ تحريف اليهودِ للتأويل علَى نحو ما صَنَعُوا في تَوْرَاتِهِمْ.\nوقوله تعالى: قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا: دالٌّ على أنَّهم جماعةٌ.\nوقوله تعالى: سَنَكْتُبُ ما قالُوا ... الآية: وعيدٌ لهم، أي: سنُحْصِي عليهم قولَهُمْ، ويتصلُ ذلك بفعل آبائهم مِنْ قَتْل الأنبياءِ بغَيْر حَقٍّ.\nوقوله سبحانه: أَنَّ اللَّهَ أي: وبأنَّ الله ليس بظلّام للعبيد.\n_________\n- أخرجه الحاكم (٣/ ٦٠٤) والطبراني في «الكبير» (٦١٨٣) كلاهما من طريق سعيد بن محمد الوراق عن موسى الجهني عن زيد بن وهب عن سلمان به وصححه الحاكم.\nوتعقبه الذهبي فقال: الوراق تركه الدارقطني وغيره. وقال الهيثمي في «المجمع» (١٠/ ٢٩٢): رواه الطبراني وفيه سعيد بن محمد الوراق، وهو متروك.\n(١) ينظر: «أحكام القرآن» (١/ ٣٠٣) .","vol":"2","page":144},{"text":"قال ص: قيل: المراد هنا نفْيُ القليلِ والكثيرِ مِنَ الظُّلْم كقول طَرَفَةَ «١»: [الطويل] .\nوَلَسْتُ بِحَلاَّلِ التِّلاَعِ مَخَافَةً ... وَلَكِنْ متى يَسْتَرْفِدِ القَوْمُ أَرْفِدِ «٢»\nولا يريدُ: أنه قدْ يحلُّ التلاعَ قليلًا.\nوزاد أبو البقاءِ وجْهًا آخر، وهو أنْ يكون على النَّسَبِ، أي: لا ينسب سبحانه إلى ظُلْمٍ، فيكون من باب بَزَّاز وعَطَّار. انتهى، قلتُ: وهذا القولُ أحْسَنُ ما قيل هنا، فمعنى وما ربُّكَ بظَلاَّم، أي: بذي ظلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-271>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٨٣ الى ١٨٤]</span>\nالَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٨٣) فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جاؤُ بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ (١٨٤)\nوقوله سبحانه: الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا ... الآية: هذه المقالَةُ قالَتْها أحْبَارُ اليهودِ مدافعةً لأمر النبيّ ﷺ، والمعنى: إنَّك لم تأْتِنَا بقُرْبان تأكله النار، فنَحْنُ قد عُهِدَ إلَيْنا ألاَّ نُؤْمِنَ لك.\n_________\n(١) طرفة بن العبد بن سفيان بن سعد، البكري، الوائلي، أبو عمرو: شاعر جاهلي من الطبقة الأولى. ولد في بادية «البحرين»، وتنقل في بقاع «نجد» . واتصل بالملك عمرو بن هند، فجعله في ندمائه، ثم أمر بقتله لأبيات بلغ الملك فيها أن طرفة هجاه بها. وأشهر شعره معلقته. ومطلعها:\n«لخولة أطلال ببرقة ثهمد» .\nوقد شرحها كثيرون من العلماء. كان غير فاحش القول في شعره خاصة في الهجاء. توفي سنة ٦٠ قبل الهجرة.\nانظر: «التبريزي» (٤/ ٨)، و«جمهرة أشعار العرب» (٣٢، ٨٣)، و«الأعلام» (٣/ ٢٢٥) .\n(٢) وهذا البيت من معلقة طرفة. وقد عابه المرزباني في كتاب «الموشح» وقال: المصراع الثاني غير مشاكل للأول.\nينظر: «ديوانه» (ص ٢٩) و«خزانة الأدب» (٩/ ٦٦، ٦٧، ٤٧١) و«الكتاب» (٣/ ٧٨) وبلا نسبة في «شرح شذور الذهب» (ص ٤٣٥) و«مغني اللبيب» (٢/ ٦٠٦) .\nوالحلّال: مبالغة الحالّ، من الحلول، وهو النّزول. والأحسن أن يكون «فعّال» للنّسبة، أي لست بذي حلول. و(التّلاع): جمع تلعة، وهو مجرى الماء من رءوس الجبال إلى الأودية. قال ابن الأنباريّ:\nوالتّلعة من الأضداد، تكون ما ارتفع، وما انخفض. والمراد هنا الثاني، وهو سيل ماء عظيم. و(أرفد) بكسر الفاء لأنه مضارع رفده رفدا من باب ضرب، أي أعطاه أو أعانه. والرّفد بالكسر اسم منه. وأرفده بالألف مثله. وترافدوا: تعاونوا. واسترفدته: طلبت رفده. قال الزوزني: المعنى: إنّي لست ممّن يستتر في التّلاع مخافة الضّيف أو غدر الأعداء إيّاي، ولكن أظهر وأعين القوم إذا استعانوا بي، إمّا في قرى الضيف، وإمّا في قتال الأعداء.","vol":"2","page":145},{"text":"وقوله تعالى: قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ مِنْ أمْر القُرْبان، والمعنى: أنَّ هذا منكم تعلُّل/ وتعنُّت، ولو أتيتُكُمْ بقُرْبَان، لتعلَّلتم بغَيْرِ ذلك، ثم أَنَّسَ سبحانه نبيَّه بالأُسْوة والقُدْوة فيمن تقدَّم من الأنبياء.\nقال الفَخْر «١»: والمرادُ بِالْبَيِّناتِ المعجزاتُ. انتهى.\nوَالزُّبُرِ: الكتابُ المكتوبُ، قال الزَّجَّاج «٢»: زَبَرْتُ: كَتَبْتُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-272>[سورة آل عمران (٣): آية ١٨٥]</span>\nكُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ مَتاعُ الْغُرُورِ (١٨٥)\nوقوله سبحانه: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ... الآية: وعظ فيه تسلية للنبيّ ﷺ، ولأمته عن أمْرِ الدُّنْيا وأهلِها، ووَعْدٌ بالفلاحِ في الآخرةِ فبالفكْرة في المَوْت يَهُونُ أمر الكُفَّار وتكذيبُهم، وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ، أي: على الكمالِ، ولا محَالَة أنَّ يوم القيامةِ تَقَعُ فيه توفية الأجور، وتوفية العقوبات، وزُحْزِحَ: معناه: أبعد، والمَكَانُ الزَّحْزَاحُ:\nالبعيدُ، وفازَ: معناه: نجا من خطره وخوفه، والْغُرُورِ: الخَدْعُ، والتَّرْجِيَةُ بالباطل والحياةِ الدنيا، وكُلُّ ما فيها من الأموالِ هي متاعٌ قليلٌ يخدَعُ المرء، ويمنِّيه الأباطيلَ وعلى هذا فسَّر الآيةَ جمهور المفسّرين، وقال النبيّ ﷺ: «لَمَوْضِعُ سَوْطٍ فِي الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»، ثم تَلاَ هذه الآيةَ، قُلْتُ: وأسند أبو بَكْر بْنُ الخَطِيبِ، عن النبيِّ ﷺ قَالَ:\n«مَا سَكَنَ حُبُّ الدُّنْيَا قَلْبَ عَبْدٍ قَطُّ إلاَّ التاط «٣» مِنْهَا بِخِصَالٍ ثَلاَثٍ: أَمَلٌ لاَ يَبْلُغُ مُنْتَهَاهُ، وَفَقْرٌ لاَ يُدْرِكُ غِنَاهُ، وشغل لا ينفكّ عناه» «٤» . انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-273>[سورة آل عمران (٣): آية ١٨٦]</span>\nلَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٨٦)\nوقوله تعالى: لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ... الآية: خطاب للنبيّ ﷺ، وأمته، والمعنى: لتختبرنَّ ولتمتحننَّ في أموالكم بالمَصَائب والأرزاء، وبالإنفاق في سبيل الله،\n_________\n(١) ينظر: «مفاتيح الغيب» للإمام فخر الدين الرازي (٩/ ١٠١) .\n(٢) ينظر: «معاني القرآن وإعرابه» للزجاج (١/ ٤٩٥) .\n(٣) يعني لصق بقلبه، ويقال للشيء، إذا لم يوافق صاحبه: ما يلتاط، ولا يلتاط هذا الأمر بصفرى، أي: لا يلزق بقلبي، وهو يفتعل من اللوط.\nينظر: «لسان العرب» (٤٠٩٩) .\n(٤) أخرجه الخطيب في «تاريخ بغداد» (٣/ ٣٣٦) .","vol":"2","page":146},{"text":"وفي سَائِرِ تَكَاليفِ الشَّرْع، والابتلاء في الأنفس بالمَوْتِ، والأمراضِ وفَقْدِ الأحبَّة، قال الفَخْر «١»: قال الواحديُّ «٢»: اللام في لَتُبْلَوُنَّ: لامُ قسمٍ. انتهى.\nوقوله: وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ ... الآية: قال عِكْرِمَةُ وغَيْره: السبَبُ في نزولها أقوالُ فِنْحَاص «٣»، وقال الزُّهْريُّ «٤» وغيره: نزلَتْ بسبب كَعْب بن الأشْرفِ حتى بعث إلَيْه رسُولُ اللَّه ﷺ مَنْ قتله، والأذَى: اسمٌ جامعٌ في معنى الضَّرَر، وهو هنا يشملُ أقوالهم فيما يَخُصُّ النبيّ ﷺ، وأصحابه مِنْ سبٍّ، وأقوالهم في جِهَة اللَّه سبحانه، وأنبيائه، وندَبَ سبحانه إلى الصبْرِ والتقوى، وأخبر أنه مِنْ عَزْم الأمور، أي: مِنْ أشدِّها وأحسنها، والعَزْمُ: إمضاءُ الأَمْر المُرَوَّى المُنَقَّح، وليس ركوب الرأي دون رويّة عزما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-274>[سورة آل عمران (٣): آية ١٨٧]</span>\nوَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ (١٨٧)\nوقوله سبحانه: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ ... الآية: توبيخ لمعاصري النبيّ ﷺ، ثم هو مع ذلك خَبَرٌ عامٌّ لهم ولغيرهم، قال جمهورٌ من العلماء:\nالآية عامَّةٌ في كلِّ من علَّمه اللَّه عِلْمًا، وعلماءُ هذه الأمَّة داخلُونَ في هذا الميثاقِ، وقد قال ﷺ: «مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ، فَكَتَمَهُ، أَلْجَمَهُ اللَّهُ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ» «٥»، والضميرُ في: لَتُبَيِّنُنَّهُ، وَلا تَكْتُمُونَهُ: عائدٌ على الْكِتابَ، والنَّبْذُ: الطَّرْح، وأظهر الأقوال في هذه الآيةِ أنَّها نزلَتْ في اليهودِ، وهم المعْنِيُّون، ثم كلِّ كاتمٍ من هذه الأمَّة يأخذ بحظِّه من هذه المَذَمَّةِ.\n_________\n(١) ينظر: «مفاتيح الغيب» للرازي (٩/ ١٠٣) . [.....]\n(٢) علي بن أحمد بن محمد، أبو الحسن الواحدي، كان فقيها إماما في النحو واللغة وغيرهما، وأما التفسير فهو إمام عصره فيه، أخذ التفسير عن أبي إسحاق الثعلبي، واللغة عن أبي الفضل العروضي صاحب أبي منصور الأزهري والنحو عن أبي الحسن القهندزي. صنف الوسيط، والبسيط والوجيز، ومنه أخذ الغزالي هذه الأسماء، وله «أسباب النزول»، وغير ذلك. مات سنة ٤٦٨.\nينظر: «طبقات ابن قاضي شهبة» (١/ ٢٥٦)، و«الأعلام» (٥/ ٥٩)، و«وفيات الأعيان» (٢/ ٤٦٤) .\n(٣) أخرجه الطبري (٣/ ٥٤١) برقم (٨٣١٦)، وذكره ابن عطية (١/ ٥٥٠) .\n(٤) أخرجه الطبري (٣/ ٥٤٢) برقم (٨٣١٧)، وعبد الرزاق في «تفسيره» (١/ ١٤٢)، وذكره ابن عطية (١/ ٥٥١)، والسيوطي في «الدر» (٢/ ١٨٩)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم.\n(٥) تقدم تخريجه.","vol":"2","page":147},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-275>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٨٨ الى ١٩٠]</span>\nلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٨٨) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٨٩) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ (١٩٠)\nوقوله سبحانه: لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا ... الآية: ذهبتْ جماعة إلى أن الآية في المنافقين، وقالت جماعة كبيرة: إنما نزلَتْ في أهْل الكتاب أحبارِ/ اليهودِ، قال سعيدُ بن جُبَيْر «١»: الآية في اليهود، فَرِحُوا بما أعطَى اللَّه آل إبراهيم من النبوَّة والكتابِ، فهم يقولونَ: نحن على طريقهم، ويحبُّون أن يُحْمَدُوا بذلك، وهم ليسوا على طريقهم «٢»، وقراءةُ سعيدِ «٣» بنِ جُبَيْر: «بما أُوتُوا» بمعنى «أُعْطُوا» (بضم الهمزة والطاء) وعلى قراءته يَستقيمُ المعنَى الذي قال، والمفازةُ مَفْعَلَةٌ من فَازَ يَفُوزُ، إذا نَجَا، وباقي الآية بيِّن.\nثم دلَّ سبحانه على مواضِع النظرِ والعبرةِ، فقالَ: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ، أي: تَعَاقُب الليل والنَّهار إذ جعلهما سبحانه خِلْفِةً، ويدخل تحت اختلافهما قِصَرُ أحدِهِمَا وطولُ الآخَرِ، وبالعكْسِ، واختلافُهُما بالنُّور والظَّلام، والآياتُ: العلاماتُ الدالَّة على وحدانيَّتِهِ، وعظيمِ قُدْرته سُبْحانه.\nقال الفَخْر «٤»: واعلم أنَّ المقصود من هذا الكتَابِ الكريمِ جَذْبُ القلوبِ والأرْوَاحِ عن الإشتغالِ بالخَلْقِ والإستغراقِ في معرفة الحقِّ، فلمَّا طال الكلامُ في تَقْرير الأحكامِ، والجوابِ عن شُبُهَاتِ المُبْطِلِين، عاد إلى إثارة القُلُوب بِذِكْرِ ما يدلُّ على التوحيدِ والكِبْرِيَاءِ والجَلاَل، وذِكْرِ الأدعية، فختم بهذه الآياتِ بنَحْو ما في «سورة البقرة» . انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-276>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٩١ الى ١٩٢]</span>\nالَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وَقُعُودًا وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ (١٩١) رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (١٩٢)\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٣/ ٥٤٦) برقم (٨٣٣٦)، وذكره ابن عطية (١/ ٥٥٢)، والسيوطي في «الدر» (٢/ ١٩١)، وعزاه لابن جرير.\n(٢) أخرجه الطبري (٣/ ٥٤٦) برقم (٨٣٣٧)، وذكره ابن عطية (١/ ٥٥٢)، وذكره السيوطي في «الدر» (٢/ ١٩٢)، وعزاه لابن جرير.\n(٣) وقرأ بها علي فيما روي عنه.\nينظر: «الكشاف» (١/ ٤٥١)، و«مختصر الشواذ» (٣٠)، و«المحرر الوجيز» (١/ ٥٥٢) .\n(٤) ينظر: «مفاتيح الغيب» للرازي (٩/ ١٠٩) .","vol":"2","page":148},{"text":"وقوله سبحانه: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وَقُعُودًا: الّذين: في موضع خفض صفة لِأُولِي الْأَلْبابِ، وهذا وصف ظاهره استعمالُ التحميدِ والتَّهْليلِ والتَّكْبير ونَحْوه مِنْ ذكر اللَّه، وأنْ يحضر القلب اللسان وذلك من أعْظَمِ وجوه العبادَاتِ، والأحاديثُ الصحيحةُ في ذلك كثيرةٌ، وابنُ آدم متنقِّلٌ في هذه الثلاثِ الهيئاتِ، لا يَخْلُو في غالب أمْرِه مِنْها فكأنها تحصرُ زمنه، وكذلك جَرَّتْ عائشةُ (﵂) إلى حصر الزَّمَن في قَوْلها:\n«كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُ اللَّهَ على كُلِّ أَحْيَانِهِ» .\nقلت: خرَّجه أبو داود «١»، فدخَلَ في ذلك كونه على الخَلاَءِ وغيره.\nوذهَبَ جماعةٌ إلى أنَّ قوله تعالى: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إنما هو عبارةٌ عن الصَّلاة، أي: لا يضيِّعونها، ففي حال العُذْر يصلُّونها قعودًا، وعلى جُنُوبهم، ثم عَطَف على هذه العبادةِ التي هِيَ ذكُرْ اللَّه باللسان، أو الصَّلاة فرضها وندبها بعبادة أخرى عظيمةٍ، وهي الفِكْرَةُ في قُدْرة اللَّه تعالى ومخلوقاتِهِ، والعِبَرُ التي بَثَّ. [المتقارب]\nوَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ ... تَدُلُّ على أَنَّهُ وَاحِدُ «٢»\nقال الغَزَّالِيُّ: ونهايةُ ثمرة الدِّين في الدُّنيا تَحْصيلُ معرفة اللَّه، وتحصيلُ الأُنُس بذكْرِ اللَّهِ تعالى، والأنسُ يَحْصُلُ بدوامِ الذِّكْر، والمعرفَةُ تحصُلُ بدوامِ الفِكْرِ. انتهى من «الإحياء» .\nومَرَّ النبيُّ ﷺ على قومٍ يتفكَّرون في اللَّه، فَقَالَ: «تَفَكَّرُوا فِي الخَلْقِ، وَلاَ تَتَفَكَّرُوا فِي الخَالِقِ فَإنَّكُمْ لاَ تَقْدُرُونَ قَدْرَهُ» «٣» .\nقال ع «٤»: وهذا هو قَصْدُ الآية في قوله: وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ.\n_________\n(١) تقدم تخريجه.\n(٢) وقبله:\nولله في كل تحريكة ... وفي كل تسكينة شاهد\nالبيت لأبي العتاهية في ديوانه (١٢٢)، و«المحتسب» (١/ ١٥٣) .\n(٣) أخرجه أبو القاسم الأصبهاني في «الترغيب والترهيب» (١/ ١٧٤)، وأبو الشيخ في «العظمة» (١/ ٢١٦) رقم (٥) عن ابن عباس مرفوعا.\nوذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ١١٠)، وعزاه إلى ابن أبي الدنيا في كتاب «التفكر»، والأصبهاني في «الترغيب والترهيب» .\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٥٥٥) .","vol":"2","page":149},{"text":"وقال بعض العلماء: المتفكِّر في ذاتِ اللَّهِ كَالنَّاظر في عَيْنِ الشمْسِ لأنه سبحانه لَيْسَ كمثله شيء، وإنما التفكُّر وانبساط الذِّهْن في المخلوقاتِ، وفي أحوالِ الآخِرَةِ، قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لاَ عِبَادَةَ كَتَفَكُّرٍ» «١» وقال ابن عبَّاس، وأبو الدَّرْدَاء: فكْرَةُ ساعَةٍ خيُرٌ من قيامِ لَيْلَةٍ «٢»، وقال سَرِيٌّ السَّقطِيُّ «٣»: فكرةُ ساعةٍ خَيْرٌ من عبادة سَنَةٍ، ما هو إلاَّ أنْ تحلَّ أطناب خَيْمَتِكَ، فَتَجْعَلها في الآخِرَةِ «٤»، وقال الحَسَنُ بْنُ أَبي الحَسَن: الفكْرةُ مِرآةُ المُؤْمنِ/، ينظر فيها إلى حسنَاتهِ وسيِّئاته «٥»، وأخذ أبو سليمان الدَّارانِيُّ «٦» قَدَح الماء ليتوضَّأ لصلاة الليلِ، وعنده ضيْفٌ، فرآه لما أدخَلَ أصبعه في أُذُنِ القَدَح، أقام كذلك مفكِّرًا حتى طلع الفَجْر، فقال له: ما هذا يَا أبا سليمان؟ فَقَالَ: إني لما طَرَحْتُ أصبعي في أُذُنِ القَدَحِ، تذكَّرت قول اللَّه سُبْحَانه: إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ [غافر: ٧١]،\n_________\n(١) أخرجه الطبراني في «الكبير» (٣/ ٦٦- ٦٨) رقم (٢٦٨٨) من طريق أبي رجاء الحبطي محمد بن عبد الله: ثنا شعبة عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي بن أبي طالب.\nوذكره الهيثمي في «المجمع» (١٠/ ٢٨٣)، وقال: رواه الطبراني، وفيه أبو رجاء الحبطي، واسمه محمد بن عبد الله، وهو كذاب.\n(٢) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (١/ ٥٠٩)، والبيهقي في «الشعب» (١/ ١١٨) كلاهما عن أبي الدرداء. كما أخرجه أبو الشيخ في «العظمة» (١/ ٢٩٧- ٢٩٨) برقم (٤٢)، وذكره الديلمي في «مسند الفردوس» (٢/ ١١٠) برقم (٢٢١٦) عن ابن عباس، وفي طريق ابن عباس «ليث بن أبي سليم» وهو ضعيف. والأثر ذكره السيوطي في «الدر» (٢/ ١٩٥)، وعزاه لأبي الشيخ في «العظيمة» . [.....]\n(٣) سري بن المغلس السقطي، أبو الحسن: من كبار المتصوفة. بغدادي المولد والوفاة. وهو أول من تكلم في «بغداد» بلسان التوحيد وأحوال الصوفية، وكان إمام البغداديين وشيخهم في وقته. وهو خال الجنيد، وأستاذه. قال الجنيد: ما رأيت أعبد من السريّ، أتت عليه ثمان وتسعون سنة ما رؤي مضطجعا إلا في علة الموت. من كلامه: «من عجز عن أدب نفسه كان عن أدب غيره أعجز» توفي سنة ٢٥٣.\nينظر: «الأعلام» (٣/ ٨٢)، و«الوفيات» (١/ ٢٠٠)، و«صفة الصفوة» (٢/ ٢٠٩) .\n(٤) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٥٥٥) .\n(٥) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٥٥٥) .\n(٦) عبد الرّحمن بن سليمان بن أبي الجون العنسيّ الدمشقيّ، محدّث رحّال.\nروى عن: ليث، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وابن أبي خالد، والأعمش، وعمرو بن شراحيل الدّاراني.\nوعنه: إسماعيل بن عيّاش من أقرانه، ومحمد بن عائذ، وأبو توبة الحلبي، وصفوان بن صالح، وهشام بن عمّار، وجماعة.\nوثّقه دحيم وقال أبو حاتم: لا يحتج به. توفي سنة نيف وتسعين ومائة.\nينظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» (٥/ ٢٨٩) .، و«ميزان الاعتدال» (٢/ ٥٦٧)، و«سير أعلام النبلاء» (١٠/ ١٨٦)، و«تهذيب التهذيب» (٦/ ١٨٨- ١٨٩) .","vol":"2","page":150},{"text":"فتفكَّرت في حالِي، وكيف أتلَقَّى الغُلَّ، إنْ طُرِحَ في عُنُقِي يوم القيامة، فما زلْتُ في ذلك حتى أُصْبِحَ.\nقال ع «١»: وهذه نهايةُ الخَوْف، وخَيْرُ الأمور أوساطها، وليس علماء الأمَّة الذين هم الحُجَّة على هذا المنهاج، وقراءةُ علْمِ كتابِ اللَّه ومَعَانِي سُنَّة رسُوله لِمَنْ يفهم ويرجى نَفْعُه أفضَلُ من هذا، لكنْ يَحْسُنُ ألاَّ تخلُوَ البلاد مِنْ مثل هذا.\nقال ع «٢»: وحدثني أبي (﵀)، عَنْ بعضِ علماءِ المَشْرق، قال: كنتُ بائتًا في مسجد الإقدامُ ب «مَصْرَ» فصلَّيْتُ العَتَمَةَ، فرأَيْتُ رجلًا قد اضطجع في كساءٍ له، حتى أصبح، وصلَّينا نَحْنُ تلك اللَّيْلَة، وسَهِرْنَا، فلَمَّا أُقِيمَتْ صلاةُ الصُّبْح، قام ذلك الرجُلُ، فاستقبل القبْلَةَ، وصلى مع النَّاس، فاستعظمت جرأته في الصلاة بغير وضوء، فلَمَّا فرغَتِ الصلاةُ، خرَجَ، فتبعْتُهُ لأعظَهُ، فلَمَّا دنوْتُ منه، سَمِعْتُهُ، وهو ينشد: [المنسوح]\nمُنْسَجِنُ الْجِسْمِ غَائِبٌ حَاضِر ... مُنْتَبِهُ القَلْبِ صَامِتٌ ذَاكِرْ\nمُنْبَسِطٌ فِي الغُيُوبِ مُنْقَبُض ... كَذَاكَ مَنْ كَانَ عَارِفًا ناكِرْ\nيَبِيتُ فِي لَيْلِهِ أَخَا فِكَر ... فَهْوَ مَدَى اللَّيْلِ نَائِمٌ سَاهِرْ\nقال: فعلمتُ أنه مِمَّن يعبدُ اللَّهَ بالفِكْرة، فانصرفت «٣» عنه.\nقال الفَخْر «٤»: ودلَّتِ الآية على أنَّ أعلى مراتب الصِّدِّيقين التفكُّر. انتهى.\nوفي «العتبية»: قال مالكٌ: قيلَ لأمِّ الدَّرْداء: ما كان أَكْثَر شأن أبي الدَّرْداء؟ قَالَتْ:\nكان أَكْثَرُ شَأْنِهِ التفكُّرَ. قال مالكٌ: وهو مِنَ الأعمال، وهو اليَقِينُ قال اللَّه ﷿:\nوَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، قال ابنُ رُشْدٍ: والتفكُّر مِنَ الأعمال كما قاله مالك (﵀)، وهو مِنْ أشرف الأعمال لأنه مِنْ أعمال القُلُوب التي هي أشْرَفُ الجوارحِ أَلاَ ترى أنه لا يُثَابُ أحدٌ على عملٍ مِنْ أعمال الجَوَارح مِنْ سائر الطَّاعات، إلاَّ مع مشارَكَةِ القُلُوبِ لها بإخلاص النِّيَّة للَّه (﷿) في فعلها. انتهى من «البيان والتحصيل» .\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٥٥٥) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٥٥٥) .\n(٣) وهذا الفعل غير مشروع لأنه يخالف الكتاب والسنة لأن التفكر الذي يجعل العبد يعبد الله (﷿) على غير نهجه، فباطل وغير مأجور عليه العبد.\n(٤) ينظر: «تفسير الرازي» (١/ ١٢٢) .","vol":"2","page":151},{"text":"قال ابنُ بَطَّال «١»: إن الإنسان إذا كَمُل إيمانه، وكَثُر تفكُّره، كان الغالِبُ علَيْه الإشفاقَ والخَوْف. انتهى.\nقال ابنُ عطاءِ اللَّهِ: الفِكْرَةُ سَيْر القَلْب في ميادين الاعتبار، والفَكْرَةِ سِرَاجُ القَلْب، فإذا ذَهَبَتْ، فلا إضاءة له.\nقُلْتُ: قال بعض المحقِّقين: وذلك أن الإنسان إذا تفكَّر، عَلِم، وإذا عَلِمَ، عَمِلَ.\nقال ابنُ عَبَّاد «٢»: قال الإمام أبو القاسم القُشَيْريُّ (﵀): التفكُّر نعتُ كلِّ طالب، وثمرتُهُ الوصولُ بشرط العِلْمِ، ثم فِكْرُ الزاهدين: في فناءِ الدنيا، وقلَّةِ وفائها لطلاَّبها فيزدادُونَ بالفِكْرِ زهْدًا، وفِكْرُ العابدين: في جَميلِ الثوابِ، فيزدادُونَ نَشَاطًا ورغبةً فيه، وفِكْرُ العارفين: في الآلاء والنعماء فيزدادُونَ محبَّةً للحَقِّ سبحانه. انتهى.\nوقوله تعالى: رَبَّنا مَا خَلَقْتَ هَذا باطِلًا، أي: يقولُونَ: يا ربَّنا على النداء، ما خلَقْتَ هذا باطلًا، يريد: لغير غايةٍ منصوبةٍ، بل خلقْتَهُ، وخلَقْتَ البشر لينظروا فيه فيوحِّدوك، ويعبدوك فَمَنْ فعل ذلك نَعَّمْتَهُ، ومَنْ ضَلَّ عن ذلك عَذَّبته، وقولهم:\nسُبْحانَكَ، أي: تنزيهًا لك عمَّا/ يقول المُبْطِلُون، وقولهم: رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ، أي: فلا تفعلْ ذلك بِنَا، والخِزْيُ: الفضيحةُ المُخْجِلَةُ الهادِمَة لقَدْرِ المرء.\nقال أنَسُ بنُ مالكٍ، والحَسَنُ بنُ أبي الحَسَن، وابنُ جُرَيْج، وغيرهم: هذه إشارة إلى من يَخْلُدُ في النَّار، وأمَّا مَنْ يخرج منها بالشفاعةِ والأَمان، فليس بمُخْزًى، أي: وما أصابه\n_________\n(١) شارح «صحيح» البخاري، العلامة أبو الحسن عليّ بن خلف بن بطال البكريّ، القرطبي، ثم البلنسي، ويعرف ب «ابن اللّجّام» .\nأخذ عن: أبي عمر الطّلمنكي، وابن عفيف، وأبي المطرّف القنازعي، ويونس بن مغيث.\nقال ابن بشكوال: كان من أهل العلم والمعرفة، عني بالحديث العناية التامة شرح «الصحيح» في عدة أسفار، رواه الناس عنه، واستقضي بحصن «لورقة» . توفي في صفر سنة تسع وأربعين وأربعمائة.\nتنظر ترجمته في: «ترتيب المدارك» (٤/ ٨٢٧)، و«الديباج المذهب» (٣/ ١٠٥- ١٠٦)، و«شجرة النور الذكية» (١/ ١١٥)، و«سير أعلام النبلاء» (١٨/ ٤٧) .\n(٢) محمد بن إبراهيم بن عبد الله بن مالك بن إبراهيم بن محمد بن مالك بن إبراهيم بن يحيى بن عباد النفزي، الحميري، الرندي، أبو عبد الله، المعروف ب «ابن عباد»: متصوف باحث. من أهل «رندة» بالأندلس. تنقل بين «فاس» و«تلمسان» و«مراكش» و«سلا» و«طنجة»، واستقر خطيبا للقرويين ب «فاس» . وتوفي بها. له كتب، منها «الرسائل الكبرى» في التوحيد والتصوف ومتشابه الآيات، و«غيث المواهب العلية بشرح الحكم العطائية»، و«كفاية المحتاج» و«الرسائل الصغرى» .\nينظر: «الأعلام» (٥/ ٢٩٩) .","vol":"2","page":152},{"text":"من عذابِهَا، إنما هو تمحيصٌ لذنوبه «١» .\nوقوله سبحانه: وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ: هو من قول الدّاعين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-277>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٩٣ الى ١٩٤]</span>\nرَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ (١٩٣) رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعادَ (١٩٤)\nوقوله سبحانه: رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلْإِيمانِ ... الآية: حكايةٌ عن أولي الألباب، قال أبو الدرداء «٢»: يرحم اللَّه المؤمنينَ ما زالُوا يقولُونَ: رَبَّنَا رَبَّنَا، حتَّى استجيب لهم، قال ابن جريج «٣» وغيره: المنادي محمّد ﷺ، وقال محمَّد بنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: المنادِي كتابُ الله «٤»، وليس كلّهم رأى النبيّ ﷺ، وسمعه، وقولهم: مَا وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ، معناه: على أَلْسِنَةِ رُسُلِكَ، وقولهم: وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعادَ: إشارةٌ إلى قولِه تعالى: يَوْمَ لاَ يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ [التحريم: ٨] فهذا وعده تعالى، وهو دالٌّ على أنَّ الخِزْيَ إنما هو مع الخلود.\nقال ص: قال أبو البقاء: الميعاد مصدر بمعنى الوعد. انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-278>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٩٥ الى ١٩٨]</span>\nفَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ثَوابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ (١٩٥) لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ (١٩٦) مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ (١٩٧) لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ (١٩٨)\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٣/ ٥٥٢) برقم (٨٣٥٦- ٨٣٥٩) عن أنس، وابن المسيب، والحسن، وابن جريج بألفاظ متقاربة، وأخرجه عبد الرزاق في «تفسيره» (١/ ١٤٢) عن ابن المسيب بلفظ: «هذه خاصة لمن لا يخرج منها»، وذكره البغوي في «معالم التنزيل» (١/ ٣٨٦)، وابن عطية في «المحرر الوجيز» (١/ ٥٥٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ١٩٦) عن أنس، وابن المسيب، وابن جريج، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم، وعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر.\n(٢) ذكره ابن عطية الأندلسي في «تفسيره» «المحرر الوجيز» (١/ ٥٥٦) .\n(٣) أخرجه الطبري (٣/ ٥٣) برقم (٨٣٦٣- ٨٣٦٤)، عن ابن جريج وابن زيد، وذكره الماوردي في «تفسيره» (١/ ٤٤٣)، والبغوي في «التفسير» (١/ ٣٨٦) عن ابن مسعود وابن عباس ﵄، وذكره ابن عطية (١/ ٥٥٦)، والسيوطي في «الدر» (٢/ ١٩٦)، عن ابن جريج وابن زيد، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٤) أخرجه الطبري (٣/ ٥٥٣) برقم (٨٣٦١)، (٨٣٦٢)، وذكره الماوردي في «تفسيره» (١/ ٤٤٢)، والبغوي في «تفسيره» (١/ ٣٨٦)، وابن عطية (١/ ٥٥٦) .، والسيوطي في «الدر» (٢/ ١٩٦)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والخطيب في «المتفق والمفترق» . [.....]","vol":"2","page":153},{"text":"وقوله سبحانه: فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى ... الآية: استجاب بمعنى أَجَابَ، رُوِيَ أنَّ أُمَّ سَلَمَةَ (﵂) قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى الرِّجَالَ فِي الْهِجْرَةِ، وَلَمْ يَذْكُرِ النِّسَاءَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، فَنَزَلَتِ «١» الآيةُ. وهِيَ آية وعدٍ مِنَ اللَّه، أي: هذا فعلُهُ سبحانه مع الذي يَتَّصِفُونَ بما ذكر، قال الفَخْر «٢»: رُوِيَ عن جعفرٍ الصادِقِ أنه قال: مَنْ حَزَبَهُ أمْرٌ فقال خَمْسَ مَرَّاتٍ: ربَّنا- أنجاه اللَّه ممَّا يخاف، وأعطاه ما أراد، وقرأ هذه الآية قَالَ: لأنَّ اللَّه تعالى حكى عنهم أنهم قالوا: رَبَّنَا خَمْسَ مرَّاتٍ، ثم أخبر أنه استجاب لَهُم. انتهى.\nوقوله تعالى: بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ، يعني: في الأجْرِ، وتقبُّلِ الأعمالِ، أي: أنَّ الرجَالَ والنساء في ذلك على حدٍّ واحدٍ، قال الفَخْر «٣»: قوله سبحانه: بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ، أي: شِبْهُ بَعْضٍ، أو مثلُ بعضٍ، والمعنى: أنه لا تفاوُتَ في الثواب بَيْن الذَّكَر والأنثى إذا استَوَوْا في الطَاعة وهذا يدُلُّ على أن الفَضْل في باب الدِّين، إنما هو بالأعمال، لا بِسِرِّ صفاتِ العامِلِينَ لأن كونهم ذكرًا أو أنثى، أوْ مِنْ نَسَبٍ خسيسٍ أو شريفٍ- لا تأثير له في هذا الباب. انتهى.\nوبَيَّن سبحانه حَالَ المهاجِرِينَ، ثم الآيةُ بَعْدُ تنسحبُ على كلِّ مَنْ أُوذِيَ في اللَّه، وهاجر أيضًا إلى اللَّه إلى يوم القيامة.\nوقوله سبحانه: وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ: عبارةٌ فيها إلزامُ الذَّنْب للكفَّار، واللامُ في قوله: لَأُكَفِّرَنَّ: لامُ القَسَمِ، وثَوابًا: مصدرٌ موكِّد، وباقي الآية بيِّن.\nوقوله سبحانه: لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ ... الآية: نُزِّلَتْ: لاَ يَغُرَّنَّكَ في هذه الآيةِ مَنْزِلَةَ: «لا تَظُنَّ» أنَّ حال الكُفَّار حسنةٌ، والخطاب للنبيّ ﷺ، والمراد أمَّته، والتقلُّب: التصرُّف في التجاراتِ، والأرباحِ، والحروب، وسائر الآمال\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٣/ ٥٥٥)، وذكره البغوي في «تفسيره» «معالم التنزيل» (١/ ٣٨٦- ٣٨٧) .\n(٢) ينظر: «تفسير الرازي» (٩/ ١٢) .\n(٣) ينظر: «تفسير الرازي» (٩/ ١٢٣) .\n.","vol":"2","page":154},{"text":"وقوله: نُزُلًا: معناه تَكْرِمَةً.\nوقوله تعالى: وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ يحتملُ أن يريد: خَيْرٌ مِمَّا هؤلاءِ فيه، من التقلُّب والتنعُّم، ويحتمل أنْ يريد: خَيْرٌ ممَّا هم فيه في الدّنيا، وفي الحديث عنه ﷺ:\n«الدُّنْيَا سِجْنُ المُؤْمِنِ/، وَجَنَّةُ الكَافِرِ» «١» قال القاضِي ابْنُ الطَّيِّب: هذا بالإضافة إلى ما يصير إلَيْه كلُّ واحد منْهما في الآخرةِ، وقيل: المعنى أنها سِجْنُ المؤمن لأنها موضعُ تَعَبِهِ في الطاعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-279>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٩٩ الى ٢٠٠]</span>\nوَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (١٩٩) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)\nوقوله تعالى: وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ، قال جابر بن عبد اللَّه وغيره: هذه الآيةُ نَزَلَتْ بسبب أَصْحَمَةَ النَّجَاشِيِّ سُلْطَانِ الحبشة، آمن باللَّه، وبمحمَّد﵇-، وأصحمة «٢»: تفسيره بالعربيّة:\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٤/ ٢٢٧٢)، كتاب «الزهد»، باب (١/ ٢٩٥٦)، والترمذي (٤/ ٤٨٦) كتاب «الزهد»، باب ما جاء أن الدنيا سجن المؤمن، حديث (٢٣٢٤)، وابن ماجة (٢/ ١٣٧٨)، كتاب «الزهد»، باب مثل الدنيا، حديث (٤١١٣)، وأحمد (٢/ ٣٢٣، ٣٨٩، ٤٨٥)، وفي «الزهد» (ص ٣٧)، وابن حبان (٦٨٧، ٦٨٨)، وأبو نعيم في «الحلية» (٦/ ٣٥٠)، وابن أبي عاصم في «الزهد» (١٤٢)، والبغوي في «شرح السنة» (٧/ ٣٢٥- بتحقيقنا) كلهم من طريق العَلاءِ بْنِ عَبْدِ الرحمن عن أبِيهِ عن أبي هريرة.\nوقال الترمذي: حديث حسن صحيح.\nوللحديث شواهد من حديث ابن عمر، وعبد الله بن عمرو، وسلمان:\nحديث ابن عمر:\nأخرجه البزار (٣٦٥٤- كشف)، وأبو نعيم في «أخبار أصبهان» (٢/ ٣٤٠)، وابن أبي عاصم في «الزهد» رقم (١٤٣)، والبيهقي في «الزهد الكبير» (٤٤٩، ٤٥٨)، والخطيب في «تاريخ بغداد» (٦/ ٤٠١) عن ابن عمر: والحديث ذكره الهيثمي في «المجمع» (١٠/ ٢٩٢) وقال: رواه البزار بسندين أحدهما ضعيف، والآخر فيه جماعة لم أعرفهم.\nحديث عبد الله بن عمرو:\nأخرجه أحمد (٥/ ٦٨)، وابن أبي عاصم في «الزهد» رقم (١٤٤)، وأبو نعيم في «الحلية» (٨/ ١٧٧، ١٨٥)، وابن المبارك في «الزهد» (٥٩٨)، والحاكم (٤/ ٣١٥)، والبغوي في «شرح السنة» (٧/ ٣٢٦- بتحقيقنا) .\n(٢) أخرجه الطبري (٣/ ٥٥٩) برقم (٨٣٧٦)، وعبد الرزاق في «تفسيره» (١/ ١٤٤) عن قتادة، وذكره الماوردي في «تفسيره» (١/ ٤٤٤)، والبغوي في «تفسيره» (١/ ٣٨٨) عن ابن عباس، وجابر، وأنس، وقتادة، وذكره ابن عطية (١/ ٥٥٩)، وذكره السيوطي في «الدر» (٢/ ٢٠٠) عن جابر وغيره.","vol":"2","page":155},{"text":"عَطِيَّة قاله سفيان وغيره، وقال قومٌ: نزلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلاَمٍ «١»، وقال ابنُ زَيْدٍ ومجاهدٌ: نَزَلَتْ في جميعِ مَنْ آمَنَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَاب «٢» .\nوقوله سبحانه: لاَ يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا: مدحٌ لهم، وذَمٌّ لسائر كفَّار أهل الكتاب لتبديلهم وإيثارهم مكاسبَ الدُّنْيا على آخرتهم، وعلى آياتِ اللَّهِ سُبْحانه، ثم خَتَمَ اللَّه سُبْحانه السُّورة بهذه الوَصَاةِ التي جَمَعَتِ الظُّهورَ في الدنيا علَى الأعداء، والفَوْزَ بنعيمِ الآخرةِ، فحضَّ سبحانه على الصبْرِ على الطاعات، وعنِ الشهواتِ، وأَمَرَ بالمصابرةِ، فقيل: معناه مصابرةُ الأعداء قاله زيدُ بْنُ أسلم «٣»، وقيل: معناه مصابَرَةَ وعْدِ اللَّهِ فِي النَّصْر قاله محمدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ «٤»، أي: لا تسأَمُوا وانتظروا الفرج، وقد قال ﷺ:\n«انتظار الفَرَجِ بِالصَّبْرِ عِبَادَةٌ» «٥» .\nقال الفَخْر «٦»: والمصابرةُ عبارةٌ عن تحمُّل المكارِهِ الواقعة بَيْن الإنسان، وبَيْن الغَيْر.\nانتهى.\nوقوله: وَرابِطُوا: معناه عند الجُمْهُور: رَابِطُوا أعداءكم الخَيْلَ، أي: ارتبطوها كما يرتبطها أعداؤكم، قلْتُ: وروى مسلمٌ في «صحيحه»، عن سلمان، قال: سمعت النّبيّ ﷺ يَقُولُ: «رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، وإنْ مَاتَ جرى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ، وأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، وَأَمِنَ الفَتَّان» «٧»، وخَرَّجَ الترمذيُّ، عن فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ، عن النّبيّ ﷺ قَالَ: «كُلُّ مَيِّتٍ يُخْتَمُ على عَمَلِهِ إلاَّ الَّذِي مَاتَ مُرَابِطًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فإنَّهُ يَنْمُو عَمَلُهُ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَيَأْمَنُ مِنْ فِتْنَةِ القَبْرِ»، قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسن\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٣/ ٥٦٠) برقم (٨٣٨٢) عن ابن جريج، وذكره البغوي في «تفسيره» (١/ ٣٨٨) عن ابن جريج، والماوردي في «تفسيره» (١/ ٤٤٥)، وابن عطية (١/ ٥٥٩) .\n(٢) أخرجه الطبري (٣/ ٥٦٠) برقم (٨٣٨٤)، وذكره البغوي في «تفسيره» (١/ ٣٨٨)، والماوردي (١/ ٤٤٥)، وابن عطية (١/ ٥٥٩) .\n(٣) ذكره ابن عطية (١/ ٥٥٩) .\n(٤) ينظر المصدر السابق.\n(٥) أخرجه القضاعي في «مسند الشهاب» رقم (٤٤، ٤٥) من حديث ابن عمرو ابن عباس.\n(٦) ينظر: «مفاتيح الغيب» للرازي (٩/ ١٢٦) .\n(٧) أخرجه مسلم (٣/ ١٥٢٠) كتاب «الإمارة» باب فضل الرباط في سبيل الله ﷿، حديث (١٦٣/ ١٩١٣) من حديث سلمان.","vol":"2","page":156},{"text":"صحيحٌ «١»، وخرَّجه أبو داود بمعناه، وقال: «ويُؤْمَنُ مِنْ فَتَّانِي القَبْرِ» «٢»، وخرَّجه ابنُ ماجة بإسناد صحيح، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ، قَالَ: «مَنْ مَاتَ مُرَابِطًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَجْرَى اللَّهُ عَلَيْهِ أَجْرَ عَمَلِهِ الصَّالِحِ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُ، وأجرى عَلَيْهِ رِزْقَهُ، وَأَمِنَ الفَتَّانَ، وَيَبْعَثُهُ اللَّهُ آمنًا مِنَ الفَزَعَ» «٣»، وروى مسلم والبخاريّ، عن النبيّ ﷺ أنه قال: «رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا، ومَا فِيهَا» «٤» . انتهى.\nوجاء في فَضْل الرباطِ أحاديثُ كثيرةٌ يطُولُ ذكْرها.\nقال صاحبُ «التَّذْكرة»: وروى أبيُّ بن كَعْب، عن النبيّ ﷺ قَالَ: «لَرِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِنْ وراء عورة المسلمين محتسبا من غير شهر رمضان- أعظم أجرا من عبادة مائة سنة صِيَامِهَا، وقِيَامِهَا، وَرِبَاطُ يَوْمٍ فِي رَمَضَانَ أَفْضَلُ عند الله وأعظم أجرا»، أراه قال:\n«من عِبَادَةِ أَلْفَيْ سَنَةٍ، صِيَامِهَا، وقِيَامِهَا ...» «٥» الحديثَ ذكره القرطبيُّ مسندًا. انتهى.\nوالرباط: هو الملازمةُ في سَبيلِ اللَّهِ أصلها مِنْ رَبَطَ الخَيْلَ، ثم سُمِّيَ كلُّ ملازمٍ لثَغْرٍ من ثُغُور الإسلام/ مرابطًا، فارسًا كان أو راجلًا، واللفظةُ مأخوذةٌ من الرَّبْط، قلْتُ:\nقال الشيخُ زيْنُ الدينِ العِرَاقِيُّ في «اختصاره لغريب القرآن» لأبي حَيَّان: معنى: رابطوا:\n_________\n(١) أخرجه الترمذي (٤/ ١٦٥)، كتاب «فضائل الجهاد»، باب ما جاء في فضل من مات مرابطا، حديث (١٦٢١)، وأبو داود (٢/ ١٢)، كتاب «الجهاد»، باب في فضل الرباط، حديث (٢٥٠٠)، وأحمد (٦/ ٢٠، ٢٢)، وسعيد بن منصور (٢/ ١٩٤) رقم (٢٤١٤)، وابن حبان (١٦٢٤- موارد)، والطحاوي في «مشكل الآثار» (٣/ ١٠٢)، والحاكم (٢/ ٧٢)، والطبراني في «الكبير» (١٨/ ٣١١) رقم (٨٠٢) كلهم من طريق أبي هانىء الخولاني عن عمرو بن مالك عن فضالة بن عبيد به.\nوقال الترمذي: حَسَنٌ صَحِيحٌ.\nوقال الحاكمُ: صحيحٌ على شرطِ مسلم، ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وصححه ابن حبان.\n(٢) ينظر الحديث السابق. [.....]\n(٣) أخرجه ابن ماجة (٢/ ٩٢٤)، كتاب «الجهاد»، باب فضل الرباط في سبيل الله، حديث (٢٧٦٧) .\nوقال البوصيري في «الزوائد» (٢/ ٣٩١)، هذا إسناد صحيح رجاله ثقات.\n(٤) تقدم تخريجه.\n(٥) أخرجه ابن ماجة (٢/ ٩٢٤- ٩٢٥) كتاب «الجهاد»، باب فضل الرباط في سبيل الله، حديث (٢٧٦٨) .\nقال المنذري في «الترغيب» (٢/ ٢٠٣): وآثار الوضع ظاهرة عليه. ولا عجب فراويه عمر بن صبح الخراساني.\nوقال البوصيري في «الزوائد» (٢/ ٣٩٢- ٣٩٣): هذا إسناد ضعيف لضعف محمد بن يعلى وشيخه عمر بن صبح، ومكحول لم يدرك أبي بن كعب، ومع ذلك فهو مدلس.","vol":"2","page":157},{"text":"دُومُوا واثبتوا، ومتى ذكَرْتُ العِرَاقِيَّ، فمرادِي هذا الشيخُ. انتهى.\nوروى ابنُ المبارك في «رقائقه»، أنَّ هذه الآيةَ: اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا، إنما نزلَتْ في انتظار الصَّلاةِ خَلْفَ الصلاة قاله أبو سَلَمَةَ بْنُ عبدِ الرحمنِ، قال: ولم يكُنْ يومئذٍ عَدُوٌّ يرابَطُ فيه «١» . انتهى.\nوقوله سبحانه: لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ: ترجٍّ في حقِّ البَشَر، والحمد لله حقّ حمده.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٣/ ٥٦٢) برقم (٨٣٩٤)، والحاكم في مستدركه (٢/ ٣٠١) وصححه، ووافقه الذهبي، وذكره البغوي في «تفسيره» (١/ ٣٨٩)، وابن عطية (١/ ٥٦٠)، والسيوطي في «الدر» (٢/ ٢٠١)، وعزاه لابن مردويه.","vol":"2","page":158},{"text":"بسم الله الرّحمن الرّحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-280>تفسير سورة النّساء مدنيّة</span>\nإلّا آية واحدة نزلت بمكّة عام الفتح، وهي: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها ... [النساء: ٥٨] الآية: وفي البخاريُّ: عَن عائشَة (﵂) أنَّها قالت:\nما نزلت سورة النّساء إلّا وأنا عند رسول الله ﷺ، تعني: قد بنى بها «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-281>[سورة النساء (٤): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nيا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيرًا وَنِساءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)\nقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ ... الآية: في الآية تنبيهٌ على الصانع، وعلى افتتاحِ الوجودِ، وفيها حضٌّ على التواصل لحرمةِ هذا النَّسَب، والمرادُ بالنَّفْس آدم ﷺ، وقال: واحِدَةٍ على تأنيث لفظ النّفس، وزَوْجَها، يعني: حَوَّاء، قال ابن عَبَّاس وغيره: خَلَق اللَّه آدم وَحِشًا في الجنة وحده، ثم نام، فانتزع اللَّهُ إحدى أضلاعه القصيرى مِنْ شِمَاله «٢»، وقيل: مِنْ يمينه، فَخَلَقَ منها حَوَّاء، ويعضد هذا- الحديث الصحيح في قوله ﷺ: «إنَّ المَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ أَعْوَجَ ...» الحديث «٣»، وَبَثَّ: معناه: نَشَرَ كقوله تعالى: كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ [القارعة: ٤] أي: المنتشر، وفي تكرير الأمر بالتقوى\n_________\n(١) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (٢/ ٣)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٢٠٥)، وعزاه للبخاري.\n(٢) ذكره ابن عطية (٢/ ٤) .\n(٣) أخرجه البخاري (٦/ ٤١٨) في أحاديث الأنبياء: باب خلق آدم وذريته (٣٣٣١)، و(٩/ ١٦٠) في النكاح: باب المداراة مع النساء (٥١٨٤)، وباب الوصاة بالنساء (٥١٨٦)، ومسلم (٢/ ١٠٩٠- ١٠٩١) في الرضاع، باب الوصية بالنساء (١٤٦٨)، والترمذي (٣/ ٤٩٣- ٤٩٤) في الطلاق: باب ما جاء في مداراة النساء (١١٨٨)، وأحمد (٢/ ٤٢٨، ٤٤٩، ٤٩٧)، والدارمي (٢/ ١٤٨) في النكاح: باب مداراة الرجل أهله، من طرق عن أبي هريرة رفعه- واللفظ لمسلم-: «أن المرأة خلقت من ضلع، لن تستقيم لك على طريقة، فإن استمتعت بها استمتعت بها وبها عوج، وإن ذهبت تقيمها كسرتها، وكسرها طلاقها» .\nوقال الترمذي: حسن صحيح، وإسناده جيد.\nويشهد له حديث سمرة رواه أحمد (٥/ ٨)، وحديث أبي ذر عند أحمد (٥/ ١٥٠- ١٥١)، والدارمي (٢/ ١٤٧- ١٤٨) وحديث عائشة رواه أحمد (٦/ ٢٧٩) .","vol":"2","page":159},{"text":"تأكيد لنفوس المأمورين، وتَسائَلُونَ: معْنَاه: تتعاطَفُون به، فيقول أحدكم: أسألكَ باللَّه، وقوله: وَالْأَرْحامَ، أي: واتقوا الأرحَامَ، وقرأ حمزةُ «والأَرْحَامِ» (بالخفض) عطفًا على الضميرِ كقولهم: أسألك باللَّه وبالرَّحِمِ قاله مجاهد وغيره.\nقال ع «١»: وهذه القراءةُ عند نحاة البَصْرة لا تَجُوز لأنه لا يجوزُ عندهم أنْ يعطف ظَاهِرٌ على مضمرٍ مخفوضٍ إلا في ضرورة الشِّعْرِ كقوله: [البسيط]\n................ ... فاذهب فَمَا بِكَ وَالأَيَّامِ مِنْ عَجَبِ «٢»\nلأن الضميرَ المخفوضَ لا ينفصلُ فهو كحرف من الكلمة، ولا يعطف على حرفٍ، واستسهلَ بعضُ النحاة هذه القراءة. انتهى كلام ع.\nقال ص: والصحيحُ جوازُ العَطْف على الضميرِ المجرورِ من غير إعادة الجَارِّ كمذهب الكوفيِّين، ولا تُرَدُّ القراءة المتواترةُ بمثل مذهب البصريّين «٣»، قال: وقد أمعنّا\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٤) .\n(٢) عجز بيت، وصدره:\nفاليوم قربت تهجونا وتشتمنا ... ............... ...........\nوهو بلا نسبة في «الإنصاف» (ص ٤٦٤) و«خزانة الأدب» (٥/ ١٢٣- ١٢٦ ١٢٨، ١٢٩، ١٣١) و«شرح الأشموني» (٢/ ٤٣٠) و«الدرر» (٢/ ٨١) (٦/ ١٥١) و«شرح أبيات سيبويه» (٢/ ٢٠٧) و«شرح ابن عقيل» (ص ٥٠٣) و«شرح عمدة الحافظ» (ص ٦٦٢) و«شرح المفصّل» (٣/ ٧٨، ٧٩) و«الكتاب» (٢/ ٣٩٢) و«اللمع في العربية» (ص ١٨٥) و«المقاصد النحوية» (٤/ ١٦٣) و«المقرب» (١/ ٢٣٤) و«همع الهوامع» (٢/ ١٣٩) .\n(٣) اختلف النحاة في العطف على الضمير المجرور على ثلاثة مذاهب:\nأحدها: وهو مذهب الجمهور من البصريين-: وجوب إعادة الجار إلا في ضرورة.\nالثاني: أنه يجوز ذلك في السّعة مطلقا، وهو مذهب الكوفيين، وتبعهم أبو الحسن ويونس والشلوبيون.\nوالثالث: التفصيل، وهو إن أكّد الضمير جاز العطف من غير إعادة الخافض نحو: «مررت بك نفسك وزيد»، وإلا فلا يجوز إلا ضرورة، وهو قول الجرميّ. والذي ينبغي أنه يجوز مطلقا لكثرة السماع الوارد به، وضعف دليل المانعين واعتضاده بالقياس.\nأما السّماع: ففي النثر كقولهم: «ما فيها غيره وفرسه» بجرّ «فرسه» عطفا على الهاء في «غيره» . وقوله:\nتَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ في قراءة جماعة كثيرة، منهم حمزة. وفي النظم وهو كثير جدا، فمنه قول العباس بن مرداس: [الوافر]\nأكرّ على الكتيبة لا أبالي ... أفيها كان حتفي أم سواها\nوأمّا القياس فلأنه تابع من التوابع الخمسة، فكما يؤكّد الضمير المجرور ويبدل منه فكذلك يعطف عليه.\nوينظر: «الدر المصون» (١/ ٥٢٩- ٥٣١)، و«البحر المحيط» (٢/ ١٥٥) .","vol":"2","page":160},{"text":"الكلام عليه في قوله تعالى: وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ [البقرة: ٢١٧] انتهى، وهو حسنٌ، ونحوه للإمام الفَخْر «١» .\nوفي قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا: ضرْبٌ من الوعيدِ، قال المُحَاسِبِيُّ:\nسألتُ أبا جَعْفَرٍ محمدَ بْنَ موسى، فقلْتُ: أجمل حالاتِ العارفين ما هِيَ؟ فقال: إن الحال التي تَجْمَعُ لك الحالاتِ المَحْمُودةَ كلَّها في حالةٍ واحدةٍ هي المراقبةُ، فَألْزِمْ نفْسَكَ، وقَلْبَكَ دَوَامَ العِلْمِ بنَظَرِ اللَّه إليك في حركَتِك، وسكونِكِ، وجميعِ أحوالِكِ/ فإنَّك بعَيْنِ اللَّهِ (﷿) في جميعِ تقلُّباتك، وإنَّك في قبضته حيث كُنْتَ، وإنَّ عين اللَّه على قلبك، ونَاظِرٌ إلى سِرِّك وعلانيتِكَ، فهذه الصفةُ، يا فتى، بحْرٌ ليس له شطٌّ، بَحْر تجري منْه السواقِي والأنهارُ، وتسيرُ فيه السُّفُن إلى معادِنِ الغنيمةِ. انتهى من كتاب «القصد إلى الله سبحانه» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-282>[سورة النساء (٤): الآيات ٢ الى ٣]</span>\nوَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كانَ حُوبًا كَبِيرًا (٢) وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ذلِكَ أَدْنى أَلاَّ تَعُولُوا (٣)\nوقوله سبحانه: وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ ... الآية: قال ابنُ زَيْدٍ: هذه مخاطبةٌ لِمَنْ كانَتْ عادتُهُ من العَرَب ألاَّ يَرِثَ الصَّغيرُ من الأولاد «٢»، وقالتْ طائفة: هذه مخاطبةٌ للأوصياءِ.\nقال ابنُ العَرَبِيِّ «٣»: وذلك عند الابتلاء والإرشاد. انتهى.\nوقوله: وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ، قال ابن المسيِّب وغيره: هو ما كان يفعله بعضهم من إبدال الشاة السَّمينة مِنْ مال اليتيم بالهَزِيلة مِنْ ماله، والدِّرْهَمِ الطَّيِّبِ بالزِّائِفِ، وقيل «٤»: المراد: لا تأكلوا أموالهم خبيثًا، وتَدَعُوا أموالكم طيبًا، وقيل غيرُ هذا.\nوالطَّيِّب هنا: الحلالُ، والخبيث: الحرام.\n_________\n(١) ينظر: «تفسير الرازي» (٩/ ١٢٩) .\n(٢) أخرجه الطبري (٣/ ٥٧١) برقم (٨٤٤٦)، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (٢/ ٥)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٢٠٨)، وعزاه لابن جرير عن ابن زيد.\n(٣) ينظر: «أحكام القرآن» (١/ ٣٠٨) .\n(٤) أخرجه الطبري (٣/ ٥٧١) برقم (٨٤٤١)، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (٢/ ٥) والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٢٠٨)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. [.....]","vol":"2","page":161},{"text":"وقوله: إِلى أَمْوالِكُمْ: التقدير: ولا تُضِيفُوا أموالهم إلى أموالكم في الأكْل، والضميرُ في «إنَّهُ»: عائدٌ على الأَكْلِ، والحُوبُ: الإثم قاله ابن عباس وغيره «١» وتَحَوَّبَ الرَّجُلُ، إذا ألْقى الحُوبَ عن نَفْسه، وكذلك تَحَنَّثَ وَتَأَثَّمَ وَتَحَرَّجَ فَإن هذه الأربعة بخلافِ «تَفَعَّلَ» كلِّه لأنَّ «تَفَعَّلَ» معناه: الدُّخُول في الشَّيْء ك «تَعَبَّد»، و«تَكَسَّبَ»، وما أشبهه ويلحق بهذه الأربعةِ «تَفَكَّهُونَ» في قوله تعالى: لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ [الواقعة: ٦٥] أي: تطرّحون الفاكهة عَنْ أنفسكم.\nوقوله تعالى: كَبِيرًا: نصٌّ على أنَّ أكل مال اليتيم مِنَ الكَبَائر.\nوقوله تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى ... الآية: قال أبو عبيدة: خفتم هاهنا بمعنى أيْقَنْتُمْ.\nقال ع «٢»: وما قاله غيرُ صحيحٍ، ولا يكون الخَوْفُ بمعنى اليَقِينِ بوجْهٍ، وإنما هو من أَفْعَالِ التوقُّع، إلاَّ أنه قد يَمِيلُ فيه الظنُّ إلى إحدى الجِهَتَيْنِ قُلْتُ: وكذا رَدَّ الدَّاوُودِيُّ على أبي عْبَيْدة، ولفظه: وعن أبي عُبَيْدة: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا: مجازه:\nأيْقَنْتُمْ «٣»، قال أبو جعفر «٤»: بل هو على ظاهر الكلمة. انتهى.\nوتُقْسِطُوا: معناه: تَعْدِلُوا يقال: أَقْسَطَ الرَّجُلُ إذا عَدَلَ، وقَسَطَ إذا جَار قالتْ عائشةُ (﵂): نزَلَتْ هذه الآيةُ في أولياء اليتامَى الَّذِينَ يُعْجِبُهم جمالُ وليَّاتهم، فيريدُونَ أنْ يبخَسُوهُنَّ في المَهْر لمكانِ وَلاَيَتِهِمْ عَلَيْهِنَّ، فقيل لهم: اقسطوا في مهورِهِنَّ، فمَنْ خَافَ ألاَّ يُقْسطَ، فليتزوَّج ما طَابَ له مِنَ الأجنبيَّات اللَّوَاتِي يُكَايِسْنَ «٥» في حقوقِهِنَّ، وقاله ربيعة.\nقال الحسَنُ وغيره: ما طابَ: معناه «٦» ما حلّ.\n_________\n(١) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (٢/ ٦) .\n(٢) ذكره ابن عطية (٢/ ٦) .\n(٣) ذكره ابن عطية (٢/ ٦) .\n(٤) ينظر: الطبري (٣/ ٥٧٩) .\n(٥) الكيس: الخفّة والتّوقّد، والكيّس: العاقل، ويقال: كايست فلانا فكسته أكيسه كيسا: أي غلبته بالكيس، وكنت أكيس منه.\nينظر: «لسان العرب» (٣٩٦٦، ٣٩٦٧) .\n(٦) أخرجه الطبري (٣/ ٥٧٧) برقم (٨٤٧٩)، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (٢/ ٧)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٢١٠)، وعزاه لابن جرير.","vol":"2","page":162},{"text":"وقيلَ: «ما» ظرفيةٌ، أي: ما دُمْتُم تستحسنُون النِّكَاحَ، وضُعِّفَ قُلْتُ: وفي تضعيفه نَظَرٌ، فتأمَّله.\nقال الإمام الفَخْر: وفي تفسير «١» مَا طابَ بِما حَلَّ- نَظَرٌ وذلك أنَّ قوله تعالى:\nفَانْكِحُوا: أمْرُ إباحةٍ، فلو كان المرادُ بقوله: مَا طابَ لَكُمْ، أي: ما حَلَّ لكم- لتنزَّلت الآية منزلةَ ما يُقَالُ: أبَحْنَا لكم نِكَاحَ مَنْ يكون نكاحُها مباحًا لكم، وذلك يُخْرِجُ الآيةَ عن الفائدةِ، ويصيِّرها مُجْمَلَةً لا محالةَ، أما إذا حَمَلْنا «طَابَ» على استطابةِ النَّفْسِ، ومَيْلِ القلبِ، كانَتِ الآيةُ عامَّة دخَلَها التخْصيصُ، وقد ثَبَتَ في أصول الفقْهِ أنه إذا وقع التعارُضُ بَيْن الإجمال/ والتَّخْصِيص، كان رَفْع الإجمال أولى لأنَّ العامَّ المخصَّص حُجَّةٌ في غَيْر محلِّ التخصيص «٢»، والمُجْمَلُ لا يكونُ حجّة أصلا. انتهى، وهو حسن،\nو\n_________\n(١) ينظر: «مفاتيح الغيب» (١٠/ ١٤١) .\n(٢) اقتضت حكمة الله أن تكون التكاليف المشروعة في كتابه وسنة رسوله ﷺ موضوعة على طريقة العموم وكثيرا ما تكون كذلك في البعض، وعلى طريقة الخصوص في البعض الآخر..\nغير أن أغلب ما احتواه القرآن من عام وما اشتملت عليه السنة منه قد تطرق إليه التخصيص، فأخرجه عن عمومه وشموله لجميع الأفراد.. وحكم العام قبل التخصيص دال على أفراده قطعا عند البعض، وظنّا عند آخرين ... ودليل التخصيص تارة يكون عقلا، وتارة يكون كلاما، وتارة لا يكون عقلا ولا كلاما، كالحس، والزيادة، والنقصان، فإن كان المخصص هو العقل، كان العام قطعيا في الباقي إذ ليس فيه ما يورث الشبهة لأن ما يقتضي العقل إخراجه فهو مخرج وغيره باق على ما كان إذ هو في حكم الاستثناء لكنه حذف اعتمادا على العقل، فمثلا ليس في قوله الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ [المائدة: ٦] ونظائر ذلك- شبهة في دلالته مع خروج الصبي والمجنون بالعقل، وإلا لما أجمعوا على كفر من جحد العمل بمقتضى الخطابات الواردة بالفرائض من مثل ما معنا، وليس لقائل أن يقول: من الجائز أن تكون قطعيتها بواسطة الإجماع لأنا نقول: هذه الخطابات قطعية قبل أن يتحقق الإجماع.\nهكذا أطلق صدر الشريعة في «توضيحه»، ولم يفصل بين ما إذا كان المخرج بالعقل معلوما أو مجهولا إذ العقل قد يقتضي إخراج بعض معلوم، وقد يقتضي إخراج بعض مجهول، بأن يكون الحكم مما يمتنع على الكل دون البعض مثل: «الرجال في الدار» .\nوقد نبه صاحب «التلويح» وغيره على أن المخرج به إن كان مجهولا فهو لا يصلح حجة حتى يتبين المراد منه لأن جهالة المخرج أورثت جهالة في الباقي..\nولا شك أن القول بالقطعية إنما يكون على مذهب من يرى قطعية العام قبل التخصيص، أما من يرى ظنيته فظاهر أنه يكون ظنيا بعده كما كان قبله لأن الاحتمال الذي كان من أجله الحكم بالظنية عندهم باق بعد التخصيص بالعقل، فالحق أن إطلاق القول بالقطعية ليس على ما ينبغي، اللهم إلا إن كان الإطلاق بناء على مذهبه.\nوإن كان المخصص غير العقل والكلام فالظاهر أنه لا يبقى قطعيا لاختلاف العادات وخفاء الزيادة والنقصان وعدم إطلاع الحس على تفاصيل الأشياء، اللهم إلا أن يعلم القدر المخصوص قطعا. -","vol":"2","page":163},{"text":"مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ: موضعها من الإعراب نَصْبٌ على البدل من «مَا طَابَ»، وهي نكراتٌ لا تنصرف لأنها معدولة وصفة.\n_________\n- وإن كان المخصص كلاما وكان مبهما كما لو قال: «أحسن إلى الناس» ثم يقول عقيب ذلك: «لا تحسن إلى بعضهم»، وكما لو قال: «اقتلوا المشركين إلا بعضهم»، فقد نقل الآمدي في «الإحكام» اتفاق الكل على أنه لا يبقى حجة على معنى أن يتوقف في الاحتجاج به حتى يجيء البيان لأنه قد صار مجملا، وقد جرى على هذا النحو من حكاية الاتفاق العضد حيث قال: قد اختلف في العام المخصص بمبين هل هو حجة فيما بقي أم لا، أما المخصص بمجمل نحو هذا العام مخصوص أو لم يرد به كل ما يتناوله، فليس حجة بالاتفاق. وحكى في «إرشاد الفحول» أن ممن نقل الإجماع على هذا جماعة، منهم:\nالقاضي أبو بكر، وابن السمعاني، والأصفهاني..\nوفي حكاية الاتفاق في هذا المقام نظر، ففي «المسلّم» وقال الجمهور: العام المخصوص بمبهم ليس حجة خلافا لفخر الإسلام. قال شارحه: «والإمام شمس الأئمة، والقاضي الإمام أبي زيد، وأكثر معتبري مشايخنا في المستقل بل لا مخصص عندهم إلا هو، فإنه عندهم حجة ظنية، وقيل: إذا كان المخصص مستقلا مبهما يسقط المبهم، ويبقى العام كما كان، وإليه مال أبو المعين من الحنفية.\nوعبارة «كشف الأسرار» على «البزدوي»: والصحيح من المذهب أن العام يبقى حجة بعد الخصوص، معلوما كان المخصص أو مجهولا، إلا أن فيه ضرب شبهة.\nثم حكى أن القاضي الإمام أبا زيد ذكر في «التقويم» أن الذي ثبت عنده من مذهب السلف أنه يبقى على عمومه بعد التخصيص.\nوفي «أصول الجصاص»: «والذي عندي من مذهب أصحابنا في هذا المعنى أن تخصيص العموم لا يمنع الاستدلال به فيما عدا المخصوص، وعليه يدل أصولهم واحتجاجهم للمسائل» .\nونقل صاحب «إرشاد الفحول» عن الزركشي في «البحر» أن ما نقلوه من الاتفاق، فليس بصحيح.\nوقال المحلّي بعد حكاية الخلاف في المعين: وما اقتضاه كلام الآمدي وغيره من الاتفاق على أنه في المبهم غير حجة مدفوع بنقل ابن برهان وغيره الخلاف فيه.\nوالذي تطمئن النفس إليه بصدد حكاية الاتفاق على عدم الحجية إن خص بمبهم وأقوال من نقلنا عنهم الخلاف في الحجية أن حكاية الاتفاق على عدم حجيته فيما كان غير مستقل، يرشح ذلك تمثيل الأسنوي بعد أن ذكر ما قاله الآمدي وغيره من الاتفاق على عدم الحجية بقوله تعالى: أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ [المائدة: ١] فإن المخصص فيه مبهم غير مستقل، ولذلك قال البدخشي: العام إن خص بغير مستقل من اللفظ مبهم نحو: «اقتلوا المشركين إلا بعضهم»، فليس بحجة وفاقا، لأن المجموع كلام واحد لكون الغير المستقل بمنزلة وصف قائم بالأول، فتسري جهالته إليه، فيتوقف على البيان. اهـ.\nفخص موضع الوفاق بالمخصص المبهم غير المستقل..\nأما المستقل فمما تقدم نعلم أن للأصوليين فيه أقوالا ثلاثة:\nالأول: عدم الحجية مطلقا، وإليه ذهب الجمهور ...\nالثاني: حجية ظنية، وإليه ذهب فخر الإسلام، وشمس الأئمة، والقاضي الإمام أبو زيد.\nالثالث: سقوط المبهم كأن لم يكن وبقاء العام كما كان من كونه حجة قطعية كما هو عند الحنفية، أو ظنية كما هو عند الشافعية، وإليه مال أبو المعين من الحنفية. -","vol":"2","page":164},{"text":"وقوله: فَواحِدَةً، أي: فانكحوا واحدةً أو ما ملَكَتْ أيْمَانُكُم، يريد به الإماءَ، والمعنى: إنْ خَافَ ألاَّ يَعْدِلَ في عِشْرةٍ واحدةٍ، فما ملكت يمينه، وأسند المِلْكَ إلى اليمين إذ هي صفةُ مَدْحٍ، واليمينُ مخصوصةٌ بالمحاسِنِ أَلاَ ترى أنّها المنفقة كما قال\n_________\n- ونذكر آراءهم في المخصص المبين وهي كما جاءت في كتبهم من تقدم منهم ومن تأخر ستة أقوال:\nالأول: فمن ذاهب إلى أنه حجة في الباقي، وهم الجمهور، غير أن الذين يرون قطعية العام قبل التخصيص يرون ظنيته هنا به.\nالثاني: ومن ذاهب إلى أنه ليس بحجة مطلقا فيما بقي، وإليه ذهب أبو ثور في رواية، وفي أخرى أنه ليس بحجة إلا في أخص الخصوص، وهو رأي الكرخي والجرجاني وعيسى بن أبان، كذا في «التحرير» . وفي «أصول الجصاص»: كان شيخنا أبو الحسن الكرخي يقول في العام إذا ثبت خصوصه:\nسقط الاستدلال باللفظ، وصار حكمه موقوفا على دلالة أخرى من غيره، فيصير بمنزلة اللفظ المجمل المفتقر إلى البيان. وكان يفرق بين الاستثناء المتصل باللفظ وبين الدلالة من غير اللفظ إذا أوجب التخصيص، فيقول: إن الاستثناء غير مانع من بقاء حكم اللفظ فيما عدا المستثنى لأن الاستثناء لا يجعل اللفظ مجازا ولا يزيله عن حقيقته. ودلالة التخصيص من غير جهة اللفظ تجعل اللفظ مجازا وتزيله عن حقيقته لأن الحقيقة هي العموم، وكان يقول: هذا مذهب، ولا يمكنني أن أعزيه إلى أصحابي. وكان محمد بن شجاع يذهب هذا المذهب، وقد ذكره في بعض كتبه. اهـ.\nثالثا: ومنهم من ذهب إلى أن العام إن كان منبئا عن الباقي ودالا عليه بسرعة، كلفظ «المشركين» في قوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ [التوبة: ٥] إذا خص بأهل الذمة، كان حجة لأن المراد من «المشركين» بعد تخصيصه بأهل الذمة ظاهر ينتقل الذهن بسرعة إلى أن المراد منه حينئذ المربيون. وأما إذا كان لا يدل عليه بسرعة لا يكون حجة لتوقفه على البيان، وذلك كلفظ «السارق» في قوله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما [المائدة: ٣٨] فإنه بعد تخصيصه بذي الشبهة لا يعلم المراد منه لأنه يحتمل سرقة نصاب وغيره، من حرز أم لا، فيحتاج إلى بيان الشارع، فلا ينتقل الذهن إلى سارق نصاب من حرز قبل بيان الشارع. وإلى هذا الرأي ذهب أبو عبد الله البصري تلميذ الكرخي.\nرابعا: وقال القاضي عبد الجبار: إن كان العام قبل التخصيص ظاهرا لا يتوقف على البيان ولا يحتاج إليه، فهو حجة كما في قوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ فإنه بين في أفراده قبل إخراج أهل الذمة. وإن كان يتوقف على البيان ويحتاج إليه، فليس بحجة كما في قوله تعالى: أَقِيمُوا الصَّلاةَ [النساء: ٧٧] فإنه لا يدري المراد منه قبل بيان الشارع بقوله وفعله، بل هو مفتقر إلى البيان قبل إخراج الحائض، ولذلك بينه رسول الله ﷺ بفعله فقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» . وهذا المذهب قريب من سابقه.\nخامسا: ومن الناس من ذهب إلى أنه حجة في أقل الجمع، وهو اثنان أو ثلاثة- على الخلاف- ولا يكون حجة فيما زاد على ذلك. قال في «إرشاد الفحول»: حكى هذا المذهب القاضي أبو بكر وابن القشيري، وقال: إنه تحكم. وقال الصفي الهندي: لعله قول من لا يجوز تخصيص التثنية، وحكى الغزالي في «المستصفى» أن فريقا من القدرية ذهبوا إلى هذا المذهب.\nسادسا: وذهب البلخي (وهو ممن يرى أن الدليل المتصل كالشرط والصفة تخصيص) إلى أن العام إن خص بمتصل فهو حجة نحو: «اقتلوا المشركين إلا أهل الذمة»، وإن خص بمنفصل لم يكن حجة.\nوإذا ما علمنا أن البلخي يرى المتصل تخصيصا، وأن الكرخي لا يراه- يظهر لنا الفرق بين ما ذهب إليه-","vol":"2","page":165},{"text":"- ﵇-: «حتى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ» «١»، وهي المعاهِدَةُ المُبَايِعَة.\nقال ابن العَرَبِيِّ «٢»: قال علماؤُنَا: وفي الآيةِ دليلٌ على أنَّ مِلْكَ اليمينِ لا حَقَّ له في الوَطْءِ والقَسْمِ «٣» لأنَّ المعنى: فَإنْ خفتم ألاَّ تعدِلُوا في القَسْم، فواحدةٌ، أو ما مَلَكَتْ أيمانكم، فجعل سبحانه مِلْكَ اليمينِ كلَّه بمنزلةِ الوَاحِدَة، فانتفى بذلك أنْ يكون للأَمَةِ حَقٌّ في وَطْءٍ أوْ قَسْم. انتهى من «الأحكام» .\nوقوله: ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا، أدنى: معناه: أقرب ألاَّ تعولُوا، أيْ: ألاَّ تميلوا، قاله ابن عباس وغيره «٤»، وقالَتْ فرقة: معناه: أدنى ألاَّ يكثر عِيَالُكُمْ «٥»، وقَدَحَ في هذا الزَّجَّاج وغيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-283>[سورة النساء (٤): الآيات ٤ الى ٥]</span>\nوَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤) وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٥)\nوقوله تعالى: وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً ... الآية: قال ابن عَبَّاس وغيره: الآيةُ خطابٌ للأزواج «٦» وقال أبو صَالِحٍ: هي خطابٌ لأوليَاءِ النِّسَاءِ لأنَّ عادَةَ بَعْض العرب\n_________\n- البلخي وما ذهب إليه الكرخي، ويكون للتفصيل وجه عند البلخي، ولا وجه له عند الكرخي، وعليه فما في «التقرير والتحبير» شرح «التحرير» من أن قول البلخي هو بعينه قول الكرخي غير وجيه، اللهم إلا باعتبار المآل والنتيجة إذ على المذهبين المنفصل يجعل العام غير حجة في الباقي، والمتصل يجعله حجة وإن سماه البلخي تخصيصا دون الثاني.\nينظر: «العام» لشيخنا محمد حسن ص ٢١٧ وما بعدها.\n(١) تقدم تخريجه، وهو حديث: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ في ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظل إلا ظله» .\n(٢) ينظر: «أحكام القرآن» (١/ ٣١٤) .\n(٣) القسم والنشوز:\nالقسم: بفتح القاف مع سكون السين بمعنى العدل بين الزوجات في المبيت، وهو المراد هنا، ومع فتح السين: اليمين، وبكسر القاف مع سكون السين بمعنى: الحظ، والنصيب، ومع فتح السين: جمع قسمة، وقد تطلق على النصيب أيضا. [.....]\n(٤) أخرجه الطبري (٣/ ٥٨٢) برقم (٨٥٠٢)، (٨٥٠٣) .\nوذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (٢/ ٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٢١١)، وعزاه لسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة في «المصنف»، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس.\n(٥) أخرجه الطبري (٣/ ٥٨٣) برقم (٨٥٠٧) عن ابن زيد، وذكره البغوي (١/ ٣٩٢) عن الشافعي.\nوذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (٢/ ٨) عن زيد بن أسلم، وابن زيد، والشافعي.\nوذكره أيضا السيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٢١١)، وعزاه لابن جرير عن ابن زيد.\n(٦) ذكره ابن عطية الأندلسي في «المحرر الوجيز» (٢/ ٨) .","vol":"2","page":166},{"text":"كانَتْ أنْ يأكل وليُّ المرأة مَهْرها، فرفَعَ اللَّه ذلكَ بالإسْلام «١»، وقيل: إن الآية في المتشاغِرِينَ «٢» الذين يتزوَّجون امرأةً بأخرى، فُأمِرُوا أنْ يضربوا المهور.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٣/ ٥٨٣) برقم (٨٥١٢)، وذكره البغوي (١/ ٣٩٢)، وابن عطية في «المحرر الوجيز» (٢/ ٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٢١٢)، وعزاه لسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٢) الشّغار في اللغة: الرفع، من قولهم: شغر البلد عن السلطان، إذا خلا عنه لخلوه عن الصداق، أو لخلوه عن بعض الشرائط. وقيل: مأخوذ من قولهم: شغر الكلب برجله، إذا رفعها ليبول، كأن كلّا من الوليين يقول للآخر: لا تدفع رجل ابنتي حتى أرفع رجل ابنتك. وفي التشبيه بهذه الهيئة القبيحة تقبيح للشغار وتغليظ على فاعله.\nوأما معناه شرعا، فهو أن يزوج الرجل موليته على أن يزوجه الآخر موليته ليس عنهما صداق. وقد قال عياض عن بعض العلماء: كان الشغار من نكاح الجاهلية يقول: شاغرني وليتي بوليتك، أي عاوضني جماعا بجماع.\nوقسم علماء المالكية الشغار إلى ثلاثة أقسام:\nالأول: صريح الشغار، وهو أن يقول الرجل لصاحبه: زوجني ابنتك مثلا على أن أزوجك ابنتي مثلا من غير صداق.\nالثاني: وجه الشغار، وهو أن يقول له زوجني ابنتك بمائة على أن أزوجك ابنتي بمائة.\nالثالث: المركب منهما، وهو أن يقول له: زوجني ابنتك بلا شيء على أن أزوجك ابنتي بمائة، فالصريح هو الخالي من الصداق من الجانبين، والوجه هو المسمى فيه الصداق من الجانبين، والمركب هو المسمى فيه لواحدة دون الثانية.\nويحرم الإقدام عليه بجميع أنواعه، لقوله ﷺ: «لا شغار في الإسلام» .\nولما كان المالكية قد قسموا الشغار إلى الأقسام الثلاثة المتقدمة نبين الحكم عندهم في هذه الأقسام: أما صريح الشغار فقالوا: يفسخ مطلقا قبل الدخول وبعده، ولو ولدت الأولاد، ولا شيء للمرأة قبل الدخول، ولها بعده صداق المثل، وأما وجه الشغار، فقالوا: يفسخ قبل الدخول، ولا شيء فيه للمرأة، ويثبت بعده بالأكثر من المسمى وصداق المثل. وأما المركب منهما، فيفسخ قبل الدخول في كل، ولا شيء فيه للمرأة، ويثبت نكاح المسمى لها بعد الدخول بالأكثر من المسمى وصداق المثل، ويفسخ نكاح من لم يسم لها، ولها صداق المثل.\nوقد اختلف الفقهاء في نكاح الشغار هل هو صحيح أو فاسد وحصر الخلاف في مسألتين:\nالمسألة الأولى: إذا لم يسميا صداقا لواحدة منهما، بل يجعلان بضع كل صداقا للأخرى، وهو المسمى بصريح الشغار. وقد اختلف الفقهاء في صحة هذا النكاح وفساده.\nفذهب المالكية والحنابلة والظاهرية والشافعية إلى القول بفساد النكاح في هذه الحالة، إلا أن الشافعية كما يفهم مما جاء في كتبهم يقولون: إن محل فساد النكاح في هذه الحالة إذا جعل بضع كل واحدة منهما صداقا للأخرى. وأما إذا لم يجعل بضع كل منهما صداقا للأخرى، فالأصح عندهم الصحة للنكاحين.\nوذهب الحنفية إلى القول بصحة النكاح، وأنه يجب لكل واحدة منهما مهر مثلها، وحكي هذا عن عطاء، وعمرو بن دينار، ومكحول، والزهري، والثوري.\nاستدل الحنفية ومن معهم بما يأتي: قالوا: لما جعلا بضع كل منهما صداقا للأخرى، فقد سميا ما لا-","vol":"2","page":167},{"text":"..\n_________\n- يصلح صداقا، والنكاح لا تبطله الشروط الفاسدة، وإذا كان الأمر كذلك صح النكاح، ووجب مهر المثل، كما لو سميا خمرا أو خنزيرا، فيكون حاصل هذا الدليل أن فساده من جهة المهر، وفساد المهر لا يوجب فساد العقد.\nويرد هذا الدليل بأن الفساد هنا ليس من جهة المهر بل فساده من جهة أن أوقفه على شرط فاسد يوجب فساد العقد إذ فيه التشريك في البضع لأن كل واحد منهما جعل بضع موليته موردا للنكاح وصداقا للأخرى، فأشبه تزويجها من رجلين، وهو باطل، فكذلك ما هنا، على أن هذا معقول في مقابلة النص، وهو باطل.\nواستدل المالكية ومن معهم بالسنة والمعقول: أما السنة، فأولا ما روي عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة (﵁) قال: «نهى رسول الله ﷺ عن الشغار» ووجه الدلالة من هذا الحديث: أن الرسول ﷺ نهى عن الشغار، والنهي يدل على فساد المنهي عنه فوجب أن يكون الشغار فاسدا. وهذا الذي روي عن أبي هريرة روي مثله أيضا صحيحا مسندا عن ابن عمر فقد روي عنه أنه قال: إن رسول الله ﷺ نهى عن الشغار. متفق عليه. وروي أيضا من طريق جابر وأنس.\nثانيا: ما روي أن النبيّ ﷺ قال: «لا شغار في الإسلام» ووجه الدلالة من هذا الحديث: أن النبيّ ﷺ قال: «لا شغار في الإسلام» وهذا يحتمل أمرين نفي وجود الشغار في الإسلام، ونفي صحته، ولا شك أن وجوده في الإسلام دافع فتعين حمل الكلام على نفي الصحة.\nوأما المعقول، فقد قالوا فيه: إن كان واحد منهما جعل بضع موليته موردا للنكاح وصداقا للأخرى، وذلك يوجب فساد العقد كما لو زوج موليته من رجلين.\nوقد قيل للمالكية ومن معهم في الأحاديث ما يأتي: أولا: إن النهي عن نكاح الشغار، ونكاح الشغار هو النكاح الخالي عن العوض، وما هنا نكاح بعوض وهو مهر المثل فلا يكون شغارا. وترد هذه المناقشة بأن القول بأن هذا نكاح بعوض وهو من المثل غير مستقيم فإن مهر المثل إنما أوجبتموه أنتم لتصحيح مذهبكم، وذلك أن الواقع في العقد إنما هو جعل بضع كل منهما في مقابلة بضع الأخرى.\nوثانيا: أن النهي يحمل على الكراهة. ويرد هذا بأن الأصل في النهي أن يكون للتحريم، ولا يحمل على الكراهة إلا لدليل، ولا دليل هنا، لا سيما أن الشغار كان من أنكحة الجاهلية، فرفعه الإسلام، ولذلك قال الرسول ﷺ: «لا شغار في الإسلام» . وأما تفرقة الشافعية بين ما إذا جعل بضع كل منهما صداقا للأخرى وبين ما إذا لم يجعل بضع كل منهما صداقا للأخرى حيث حكموا بالفساد في الصورة الأولى دون الثانية، فتفرقة غير ظاهرة فإن نفي الصداق معناه جعل بضع كل منهما صداقا للأخرى، ولو لم يصرحا بذلك.\nالمسألة الثانية: إذا سميا لكل واحدة منهما صداقا، وهو المسمى ب «وجه الشغار»، أو سميا لواحدة منهما دون الأخرى، وهو «المركب منهما» .\nاختلف الفقهاء في صحة النكاح وفساده في هذه الحالة أيضا: فذهب المالكية والظاهرية إلى القول بالفساد في هذه الحالة أيضا، وهو الصحيح من مذهب الشافعية، قال ابن شهاب الدين الرملي: ولو سميا أو أحدهما مالا مع جعل البضع صداقا كأن قال: وبضع كل وألف صداق الأخرى بطل في الأصح لبقاء معنى التشريك، والثاني: يصح لأنه ليس على صورة تفسير الشغار ولأنه لم يخل عن المهر. -","vol":"2","page":168},{"text":"..\n_________\n- وذهب الحنابلة إلى التفصيل، فقالوا: إذا سميا صداقا لكل واحدة صح النكاح، ولهم في المهر روايتان، فقيل: تفسد التسمية، ويجب مهر المثل لأن كل واحد منهما لم يرض بالمسمى إلا بشرط أن يزوج وليته صاحبه، فينقص المهر لهذا الشرط، وهو باطل، فإذا احتجنا إلى ضمان النقص صار المسمى مجهولا فبطل. وعند بطلان المسمى يرجع إلى مهر المثل. والرواية الثانية: أنه يجب المسمى لأنه ذكر قدرا معلوما يصح أن يكون مهرا، فصح.\nوأما إن سميا صداقا لواحدة دون الأخرى، فقيل: يفسد النكاح فيهما، وقيل: يفسد في التي لم يسمّ لها صداق، ويصح في التي سمى لها مهر.\nاستدل الحنابلة ومن وافقهم على القول بصحة النكاح إذا سميا لكل واحدة منهما مهرا- بما روي عن ابن عمر- (﵄) أن رسول الله ﷺ «نهى عن الشغار» والشغار أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه ابنته، ليس بينهما صداق.\nووجه الدلالة من هذا: أنهم قالوا: إن الشغار المنهي عنه هو أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه ابنته ليس بينهما صداق. وأما إذا وجد فيه صداق كما هنا، فليس هو من الشغار المنهي عنه، وإذا لم يكن كذلك فيكون صحيحا.\nويرد هذا الدليل بأن تفسير الشغار الواقع في الحديث ليس هو من كلام الرسول ﷺ، وإنما هو من قول مالك وصل بالمتن المرفوع. وقيل: هو من قول نافع، فقد روى الإسماعيلي من حديث محرز بن عون ومعن بن عيسى عن مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ «نهى عن الشغار» - قال محرز: قال مالك: والشغار هو أن يزوج الرجل ابنته إلى آخره. وقال في صحيح مسلم من غير طريق مالك أن تفسير الشغار من قول نافع. وإذا ثبت أن تفسير الشغار ليس من قول النبيّ ﷺ، فلا يكون فيه حجة. وأما المالكية ومن وافقهم، فقد استدلوا بما روي عن الأعرج أن العباس بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب أنكح ابنته عبد الرّحمن بن الحكم بن أبي العاص بن أمية، وأنكحه عبد الرّحمن ابنته، وكانا جعلا صداقا، فكتب معاوية إلى مروان يأمره أن يفرق بينهما، وقال معاوية في كتابه: هذا الشغار الذي نهى عنه رسول الله ﷺ.\nووجه الدلالة من هذا: أن معاوية أمر بفسخ هذا النكاح مع أنه سمي فيه الصداق لكل واحدة منهما، وكان ذلك بمحضر من الصحابة، ولم يعرف له منهم مخالف فدل ذلك على فساده، وإلا لما أمر معاوية بفسخه، ولما أقر عليه.\nفإن قال قائل: إن هذا اجتهاد من معاوية، وعدم إنكار من حضر من الصحابة لا يدل على الرضى والموافقة فإن السكوت في المسائل الاجتهادية لا يكون دليلا على الرضى. يجاب عن هذا بأن معاوية قال في كتابه: إن هذا هو الشغار الذي نهى عنه رسول الله ﷺ. فقد نسبه إلى الرسول لا إلى اجتهاده، وعلى ذلك يحمل سكوت من حضر من الصحابة على موافقتهم له بأن هذا من الشغار الذي نهى عنه الرسول ﷺ. وأما وجه قول الحنابلة فيما إذا سميا لإحداهما مهرا دون الأخرى على رواية أن النكاح يفسد فيهما. فقد قالوا: إنه فسد في إحداهما، فوجب أن يفسد في الأخرى لأن نكاح كل واحدة منهما متوقف على نكاح الأخرى.\nوأما على رواية فساد نكاح التي لم يسم لها مهر دون الأخرى، فذلك لأن نكاح التي لم يسم لها خلا من المهر، بخلاف نكاح الأخرى فيفسد. وأما الثانية، فيصح نكاحها لأن فيه تسمية وشرطا، فأشبه ما لو-","vol":"2","page":169},{"text":"قال ع «١»: والآية تتناوَلُ هذه التأويلاتِ الثَّلاثَ، ونِحْلَةَ، أي: عطيَّة منْكم لهُنَّ، وقيل: نِحْلَة: معناه: شِرْعَة مأخوذٌ من النِّحَل، وقيل: التقديرُ: نِحْلَةً مِنَ اللَّه لَهُنَّ قال ابنُ العَرَبِيِّ: وذلك أنَّ النحلة في اللُّغة: العطيَّةُ عنْ غَيْرِ عِوَضٍ. انتهى.\nوقوله: فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا ... الآية: الخطابُ حَسْبَما تقدَّم مِنَ الاختلاف، والمعنى: إنْ وَهَبْنَ غيْرَ مكرَهَاتٍ، طيِّبةً نفوسُهنَّ، والضميرُ في «مِنهُ» يعود علَى الصَّدَاقِ قاله عكرمةُ وغيره «٢»، «ومَنْ»: تتضمَّن الجنس هاهنا ولذلك يجوزُ أنْ تهب المَهْر كلَّه.\nوقوله تعالى: هَنِيئًا مَرِيئًا: قال اللغويُّون: الطعامُ الهَنِيءُ هو السَّائِغُ المستحسَنُ الحميدُ المَغَّبةِ: وكذلك المريءُ.\nوقوله سبحانه: وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ، قال أبو موسَى الأشعريُّ وغيره:\nنَزَلَتْ في كلِّ مَنِ اقتضى الصِّفَة الَّتي شرط اللَّهُ مِنَ السَّفَهِ، كان من كان «٣»، وقولُه:\nأَمْوالَكُمُ، يريد: أموالَ المخاطَبِينَ قاله أبو مُوسَى الأشعريُّ، وابنُ عبَّاس، والحَسَنُ، وغيرهم «٤»، وقال ابنُ جُبَيْر: يريدُ أموالَ السُّفَهاء، وأضافها إلى المخاطَبِينَ، إذ هى كأموالهم، وقِيامًا جمع قِيمَة «٥» .\nوقوله تعالى: وَارْزُقُوهُمْ فِيها ... الآية: قيل: معناه: فيمن تلزم الرّجل نفقته،\n_________\n- سمى لكل واحدة منهما.\nويرد هذا بأن الأولى فساد نكاحهما معا لتوقف نكاح كل على نكاح الأخرى، كما هو القول الأول.\nوالنظر في الأدلة ومناقشاتها يقضي بترجيح مذهب من قال بفساد نكاح الشغار مطلقا، سواء أذكر في كل ذلك صداق لكل واحدة منهما أو لإحداهما دون الأخرى أو لم يذكر في شيء من ذلك صداق. وذلك لأن الجميع يصدق عليه شغار، وقد نهى النبيّ ﷺ عن الشغار، خصوصا أن الشغار كان من أنكحة الجاهلية، فجاء الإسلام بهديه.\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٨) .\n(٢) أخرجه الطبري (٣/ ٥٨٤) برقم (٨٥١٤) بلفظ «المهر» . وذكره ابن عطية (٢/ ٩)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٢١٢)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر.\n(٣) وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (٢/ ٩) .\n(٤) أخرجه الطبري (٣/ ٥٨٨- ٥٩١)، برقم (٨٥٥٧)، (٨٥٦٢) عن ابن عباس، وبرقم (٨٥٤٦) عن أبي موسى الأشعري، وبرقم (٨٥٤٣) عن الحسن. وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (٢/ ٩)\n(٥) أخرجه الطبري (٣/ ٥٩٠) برقم (٨٥٥٩)، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (٢/ ٩)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٢١٤)، وعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم.","vol":"2","page":170},{"text":"وقيل: في المحجورين من أموالهم، ومَعْرُوفًا: قيل: معناه: ادعوا لهم، وقيل:\nمعناه: عِدُوهُمْ وَعْدًا حَسَنًا، أي: إنْ رَشَدتُّمْ، دَفَعْنا لكُمْ أموالكم، ومعنى اللفظة: كُلُّ كلام تعرفه النفُوسُ، وتأنس إليه، ويقتضيه الشّرع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-284>[سورة النساء (٤): الآيات ٦ الى ٧]</span>\nوَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافًا وَبِدارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٦) لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (٧)\nوقوله: وَابْتَلُوا الْيَتامى ... الآية: الابتلاء: الاختبار، وبَلَغُوا النِّكاحَ: معناه:\nبَلَغُوا مَبْلَغَ الرجَالِ بِحُلُمٍ أوْ حَيْضٍ، / أوْ غَيْرِ ذلك، ومعناه: جَرِّبوا عقولهم، وقرائحهم، وتصرّفهم، وآنَسْتُمْ: معناه: عَلِمْتُمْ، وشَعَرْتُمْ، وخَبَرْتُمْ، ومالكٌ (﵀) يرى الشّرطين البلوغ «١» ...\n_________\n(١) البلوغ طور من أطوار الحياة، به يستعد الشخص لأداء وظيفته النوعية وهي التناسل، وقريب من هذا قول المارزي: هي قوة تحدث للشخص تنقله من حال الطفولة إلى غيرها. وللبلوغ علامات يعرف بها، بعضها خاص بالإناث، والبعض الآخر يشترك فيه الإناث والذكور، فالقسم الأول: الحمل، والحيض.\nوالقسم الثاني: ثلاثة أنواع:\nالأول: خروج المني منهما في اليقظة أو النوم، ويدل لذلك قول النبيّ ﷺ: «رفع القلم عن ثلاث عن النّائم حتّى يستيقظ، وعن المجنون حتّى يفيق، وعن الصّبيّ حتّى يحتلم» وقول النبيّ ﷺ لمعاذ: «خذ من كلّ حالم دينارا»، وقول الله تعالى: وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [النور: ٥٩] الآية.\nالثاني: نبات شعر العانة على فرج الذكر والأنثى. وخالف في ذلك أبو حنيفة (﵁) فلم يره علامة للبلوغ مستندا إلى أن شعر العانة شعر نبت على الجسم كغيره من الشعور، فلا يصلح علامة على البلوغ كغيره.\nأمّا الجمهور، فإنه استند إلى ما ورد من أن النبيّ ﷺ لما حكم سعد بن معاذ في بني قريظة، وحكم سعد بأن تقتل مقاتلهم وتسبى ذراريهم، أمر ﵊ بأن يكشف عن مؤتزرهم، فمن أنبت فهو من المقاتلة، ومن لم ينبت فهو من الذراري، وفي ذلك يقول عطية القرظي: عرضت على رسول الله ﷺ يوم قريظة، فشكوا فيّ، فأمر النبيّ (﵇) أن ينظر هل أنبت بعد، فنظروا إليّ فلم يجدوني أنبت بعد، فألحقوني بالذرية.\nفأنت ترى أن الرسول (﵊) جعل الإنبات فارقا بين المقاتلة والذرية، فكان علامة على البلوغ إذ لا يقتل إلّا من بلغ. وكذلك ثبت أن عمر (﵁) كتب إلى بعض عمّاله ألّا تأخذ الجزية إلا ممن جرت عليه المواسي. ويعني بذلك من نبتت عانته فدل ذلك على أن نبات شعر العانة علامة على البلوغ لأن الجزية لا تؤخذ إلّا ممن بلغ. وأيضا فقد ورد أن غلاما من الأنصار شبب بامرأة-[.....]","vol":"2","page":171},{"text":"والرُّشد «١» المختَبَرَ «٢»، وحينئذٍ يدفع المال.\nقال ع»\n: والبلوغُ لم تَسُقْهُ الآيةُ سِيَاقَ الشَّرْط، ولكنَّها حالةُ الغالِبِ على بني آدم أنْ تَلْتَئِمَ عقولُهم فيها، فهو الوقْتُ الذي لا يُعْتَبَرُ شَرْط الرُّشْد إلاَّ فيه، فقال: إذا بلغ ذلك الوقْتَ، فلينظُرْ إلى الشرط، وهو الرُّشْد حينئذٍ وفصاحةُ الكلامِ تدُلُّ على ذلك لأنَّ التوقيتَ بالبلوغِ جاء ب «إذَا»، والمشروطُ جاء ب «إنْ» التي هي قاعدةُ حروفِ الشرطِ، «وإذا» ليستْ بحَرْفِ شرطٍ إلاَّ في ضرورة «٤» الشِّعْر، قال ابنُ عَبَّاس: الرُّشْد في العقلِ\n_________\n- في شعره، فرفع أمره إلى عمر بن الخطاب، فلما كشف عن مؤتزره لم يجده أنبت فقال: «لو أنبت الشعر لحددتك» . فكل ذلك يفيد أن نبات شعر العامة علامة من علامات البلوغ. وأمّا ما قاله أبو حنيفة، فغير ظاهر فإن شعر العانة قد امتاز عن غيره من الشعور بأنه لا ينبت إلا عند البلوغ، أما غيره، فقد يتقدم البلوغ كشعر الجسد، وقد يتأخر عنه كشعر اللحية والشارب.\nينظر: «نظام الحجر» لشيخنا: سليمان رمضان عثمان.\n(١) أمّا الرشد، فقال كثير من العلماء: إنه الصلاح في المال وحسن التصرف فيه وتثميره وتنميته.\nوذهب الشافعي وجماعة إلى أن المراد به الصلاح في المال والدين.\nأما طرق معرفته، فتختلف باختلاف أحوال المختبر نفسه، فهي في الذكور الذين يخالطون الناس في الأسواق وغيرها، تختلف عنها في الإناث اللاتي لا يخالطن الناس في الأسواق. والأمر في معرفة الرشد ليس من السهولة بالدرجة التي تظن، فالذين يخالطون الناس في الأسواق يختبرون بدخول الأسواق ومخالطة من فيها حتى يشاهدون ما يجري بين الناس من بيع أو شراء، فينكرون على المغبون، ويغبطون الرابح، وبذلك تحصل لهم الخبرة، ويثبت لهم الرشد.\nوالذين لا يختلطون بالناس في الأسواق ممّن يسمّون بالطبقة العليا يدفع إليهم نفقة قليل من الزمن ليرى كيف ينفقونها ويتصرفون فيها، فإن أحسنوا النظر في تصرفها، فقد استبان رشدهم، وثبت استقامة نظرهم، وإلا فهم على السفه وعدم الرشد.\nأمّا الإناث فيختبرن بدفع قليل من المال لشراء ما يلزم للبيت من حاجيات الطهي وما إلى ذلك من كل ما يختص به النساء، عادة، فإن تبين من صنيعهن حسن التصرف واستقامة النظر، فقد تحقق رشدهن.\nينظر: «نظام الحجر» لشيخنا سليمان رمضان عثمان.\n(٢) لم يختلف العلماء في أن الصبي إذا بلغ رشيدا زال الحجر عنه، ووجب دفع ماله إليه، وإنما اختلفوا في وقت اختباره ومعرفة متى يحسن التصرف.\nفقال أبو حنيفة والشافعي وأحمد في إحدى الروايتين عنه: إن الاختبار قبل البلوغ والمعنى: وبعد التمييز.\nوذهب مالك إلى أن الاختبار بعد البلوغ.\nينظر: «نظام الحجر» لشيخنا سليمان رمضان عثمان.\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ١٠) .\n(٤) ظاهر عبارة بعضهم أنّ «إذا» ليست بشرطية، قال: «وإذا ليست بشرطية لحصول ما بعدها، وأجاز سيبويه أن يجازى بها في الشعر، وقال: «فعلوا ذلك مضطرين»، وإنما جوزي بها لأنها تحتاج إلى جواب، -","vol":"2","page":172},{"text":"وتدبيرِ المَالِ لا غَيْرُ «١» وهو قولُ ابنِ القَاسِمِ في مَذْهَبنا.\nوقال الحَسَنُ، وقَتَادة: الرُّشْد في العَقْلِ والدينِ «٢» وهو روايةٌ أيضًا عن مالك.\nوقوله تعالى: وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافًا وَبِدارًا أَنْ يَكْبَرُوا: نهي منه سبحانَه للأوصياء عَنْ أَكْل أموالِ اليتامى بغَيْر الواجبِ المُبَاح لهم، والإسْرَافُ: الإفراط في الفَعْل، والسَّرَف:\nالخَطَأُ في مواضع الإنفاق، وبِدَارًا: معناه: مُبَادَرَةً كِبَرِّهم، أيْ أنَّ الوصِيَّ يستغنمُ مالَ مَحْجُورِهِ، وأَنْ يَكْبَرُوا: نَصْبٌ ب «بِدَار»، ويجوز أنْ يكونَ التقديرُ مخافةَ أنْ يَكْبَرُوا.\nوقوله تعالى: وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ، يقال: عَفَّ الرجُلُ عَنِ الشَّيْء، واستعف، إلا أَمْسَكَ، فَأُمِرَ الغنيُّ بالإمساك عَنْ مالِ اليتيمِ وأبَاحَ اللَّه للوصيِّ الفقيرِ أنْ يأكُلَ مِنْ مالِ يتيمه بالمَعْروف.\nواختلف العلماءُ في حَدِّ المعروف، فقال ابنُ عَبَّاس وغيره: إنما يأكل الوصيُّ بالمعروف إذا شَرِبَ مِنَ اللَّبَنَ، وأَكَلَ مِنَ التَّمْر بما يهنأ الجَرْبَاء، ويلطُّ الحَوْض، ويُجِدُّ التمْر، وما أشبهه «٣»، قُلْتُ: يقال للقَطِرَانِ: الهَنا في لغة العرب كذا رأيته مَنْصُوصًا عليه.\n_________\n- وبأنه يليها الفعل ظاهرا أو مضمرا، واحتجّ الخليل على عدم شرطيّتها بحصول ما بعدها ألا ترى أنك تقول: «أجيئك إذا احمرّ البسر»، ولا تقول: «إن احمرّ» .\nقال الشيخ: «وكلامه يدل على أنها تكون ظرفا مجردا ليس فيها معنى الشرط، وهو مخالف للنحويين فإنهم كالمجمعين على أنها ظرف فيها معنى الشرط غالبا، وإن وجد في عبارة بعضهم ما ينفي كونها أداة شرط، فإنما يعني أنها لا يجزم بها لا أنها لا تكون شرطا» . وقدّر بعضهم مضافا قال: «تقديره: بلغوا حدّ النكاح أو وقته، والظاهر أنه لا يحتاج إليه إذ المعنى: صلحوا للنكاح. والفاء في قوله: فَإِنْ آنَسْتُمْ جواب «إذا»، وفي قوله: فَادْفَعُوا جواب «إن» .\nينظر: «الدر المصون» (٢/ ٣١٢) .\n(١) أخرجه الطبري (٣/ ٥٩٤) برقم (٨٥٨٥)، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (٢/ ١١)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٢١٤)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي. وذكره في (٢/ ٢١٥)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٢) أخرجه الطبري (٣/ ٥٩٤) برقم (٨٥٨٣) عن قتادة، وبرقم (٨٥٨٤) عن الحسن.\nوذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (٢/ ١١)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٢١٥)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي عن الحسن.\n(٣) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (٢/ ١١)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٢١٦)، وعزاه إلى عبد بن حميد، والبيهقي من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس. وفي (٢/ ١١)، وعزاه لمالك، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والنحاس في «ناسخه» عن القاسم بن محمد عن ابن عباس.","vol":"2","page":173},{"text":"وقوله تعالى: فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ: أمْرٌ من اللَّه تعالى بالتحرُّز والحَزْم، وهذا هو الأَصْل في الإشهاد في المَدْفُوعات كلِّها إذا كان حَبَسَهَا أوَّلًا معروفًا.\nقال ع «١»: والأظهر أنَّ حَسِيبًا هنا: معناه: حَاسِبًا أعمالكم، ومجازيًا بها، ففِي هذا وعيدٌ لكلِّ جاحدِ حَقٍّ.\nوقوله سبحانه: لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ ... الآية: قال قتادة وغَيْره: سبَبُ نزولِ هذه الآيةِ أنَّ العرب كَانَ منْها مَنْ لا يُوَرِّثُ النساءَ، ويقولونَ: لا يَرِثُ إلاَّ مَنْ طَاعَنَ بالرُّمْحِ، وقَاتَلَ بالسَّيْف «٢» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-285>[سورة النساء (٤): آية ٨]</span>\nوَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٨)\nوقوله تعالى: وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى ... الآية: اختلف فِيمَنْ خُوطِبَ بهذه الآية، فقيل: الخطابُ للوارِثِينَ، وقيل: للمحتَضَرِينَ والمعنى: إذا حضَرَكُم المَوْتُ، أيَّها المؤمنون، وقَسَمْتم أموالكم بالوصيَّة، وحَضَرَكُمْ مَنْ لا يرثُ مِنْ ذوي القرابةِ، واليتامى، فارزقوهم منه قاله ابن عبَّاس وغيره «٣» .\nواختلف، هَلْ هِيَ منسوخةٌ بآية المواريثِ، أو هِيَ مُحْكَمَةٌ؟ وعلى أنَّها مُحْكَمَةٌ، فهل الأمر على الوُجُوب، فيعطى لهم ما خَفَّ، أو على النَّدْب؟ خلافٌ.\nوالضميرُ في قوله: فَارْزُقُوهُمْ، وفي قوله: لَهُمْ: عائدٌ على الأصنافِ الثلاثةِ، والقولُ المعروفُ: كلُّ ما يتأَنَّس بِهِ مِنْ دعاءٍ، أو عدة، أو غير ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-286>[سورة النساء (٤): آية ٩]</span>\nوَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافًا خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٩)\nوقوله تعالى: وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ... الآية: اختلف، من المراد\n_________\n(١) ينظر: «المحرر» (٢/ ١٢) .\n(٢) أخرجه الطبري (٣/ ٦٠٤) برقم (٨٦٥٧)، وذكره البغوي في «معالم التنزيل» (١/ ٣٩٦)، وابن عطية في «المحرر الوجيز» (٢/ ١٢) .\n(٣) أخرجه الطبري (٣/ ٦٠٨) برقم (٨٦٨٩)، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (٢/ ١٣)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٢١٩)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم، والنحاس في «ناسخه» عن ابن عباس.","vol":"2","page":174},{"text":"في هذه الآيةِ؟ فقال ابنُ عَبَّاس وغيره: المرادُ: مَنْ حَضَر ميتًا حين يوصِّي، فيقول له: قَدِّم لنفسكَ، وأعْطِ لفلانٍ وفلانٍ، ويؤذِي الورثَةَ بذلك «١»، فكأنَّ الآية تَقُولُ لهم: كَمَا كُنْتُمْ تَخْشَوْنَ على ورثَتِكُمْ وذرِّيَّتكم بَعْدَكُم، فكذلك فاخشوا على ورثة غَيْرِكُمْ/، ولا تَحْمِلُوه على تبذيرِ مالِهِ، وتَرْكِهِمْ عالَةً، وقال مقسَم وحضرميٌّ: نزلَتْ في عكسِ ذلك، وهو أنْ يقول للمُحْتَضَرِ: أمْسِكْ على ورثَتِكَ، وأَبْقِ لِوَلَدِكَ، ويَنْهَاهُ عَنِ الوصيَّة، فيضرّ بذلك ذوي القربى، واليتامى، والمساكينَ، وكلَّ من يستحقُّ أن يوصى له «٢» فقيل لهم: كما كُنْتُمْ تَخْشَوْنَ على ذرِّيتكم، وتُسِرُّون بأنْ يحسن إلَيْهم فكذلك فَسَدِّدوا القَوْلَ في جهة اليتامى والمساكين.\nقال ع «٣»: والقولانِ لاَ يَطَّرِدَانِ في كلِّ الناس، بل الناسُ صِنْفَانِ يصلُح لأحدهما القَوْلُ الواحدُ، وللآخَرِ القولُ الثَّاني وذلك أنَّ الرجل، إذا ترك ورثةً أغنياء، حَسُنَ أنْ يُنُدَبَ إلى الوصية، ويُحْمَلَ على أنْ يقدِّم لنفسه، وإذا ترك ورثةً ضعفاء مقلِّين، حَسُن أنُ يُنْدَبَ إلَى التَّرْكِ لهم، والاحتياطِ فإنَّ أجْره في قَصْد ذلك كأجره في المَسَاكينِ، فالمراعى إنما هو الضَّعْفُ، فيجب أنْ يُمَالَ معه.\nوقال ابنُ عَبَّاس أيضًا: المرادُ بالآية: ولاة الأيْتَامِ «٤»، فالمعنى: أحسنوا إلَيْهم، وسدِّدوا القول لهم، واتقوا اللَّه في أكْل أموالهم كما تخافُونَ على ذُرِّيَّتِكُمْ أَنْ يُفْعَلَ بهم خِلافُ ذلك.\nوقالَتْ فرقةٌ: بل المرادُ جميعُ الناسِ، فالمعنى: أمرهم بالتقوى في الأيْتَامِ، وَأَوْلاَد النَّاسِ، والتَّسْديد لهم في القَوْل، وإن لم يكُونُوا في حُجُورهم كما يريدُ كُلَّ أحدٍ أنْ يَفْعَلَ بولده بَعْده، والسديدُ: معناه: المصيب للحقّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-287>[سورة النساء (٤): آية ١٠]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْمًا إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٣/ ٦١١) برقم (٨٧٠٩)، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (٢/ ١٣)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٢١٩)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في «سننه» عن ابن عباس.\n(٢) أخرجه الطبري (٣/ ٦١٣) برقم (٨٧١٨)، (٨٧١٩) عن مقسم، وبرقم (٨٧٢٠) عن حضرمي. وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (٢/ ١٣) عنهما. [.....]\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ١٣) .\n(٤) أخرجه الطبري (٣/ ٦١٤) برقم (٨٧٢١)، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (٢/ ١٤) .","vol":"2","page":175},{"text":"وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْمًا ... الآية: أكْثَرُ النَّاس أنَّ الآية نزلَتْ في الأوصياء الذين يأكُلُون ما لم يُبَحْ لهم مِنْ أموال اليتامى، وهي تتناوَلُ كُلَّ آكل، وإنْ لم يكُنْ وصيًّا، وورد في هذا الوعيدِ أحاديثُ منها: حديثُ أبِي سَعِيدٍ الخدريّ، قال:\nحدّثنا النّبيّ ﷺ، عَنْ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ، قَالَ: «رَأَيْتُ قَوْمًا لَهُمْ مَشَافِرُ كَمَشَافِرِ الإبِلِ، وَقَدْ وُكِّلَ بِهِمْ مَنْ يَأْخُذُ بِمَشَافِرِهِمْ، ثُمَّ يَجْعَلُ فِي أَفْوَاهِهِمْ صَخْرًا مِنْ نَارٍ تَخْرُجُ مِنْ أَسَافِلِهِمْ، قُلْتُ:\nيَا جِبْرِيلُ، مَنْ هَؤُلاَءِ؟ قَالَ: هُمُ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليتامى ظُلْمًا» «١» .\nقُلْتُ: تأمَّل (رحمك اللَّه) صَدْرَ هذه السورةِ معظمه إنَّما هو في شأن الأجوفَيْنِ البَطْنِ والفَرْجِ مع اللسان، وهما المُهْلِكَانِ، وأعْظَمُ الجوارحِ آفةً وجنايةً على الإنسان، وقد رُوِّينَا عن مالكٍ في «الموطأ»، عن النبيّ ﷺ، أنَّهُ قَالَ: «مَنْ وَقَاهُ اللَّهُ شَرَّ اثنين، وَلَجَ الجَنَّةَ: مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ، مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ، مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ» «٢» .\nقَالَ أبو عمر بن عبد البر في «التمهيد»: ومعلوم أنه أراد ﷺ ما بَيْن لَحْيَيْهِ: اللسان، وما بَيْنَ رجلَيْه: الفَرْج، واللَّه أعلم.\nولهذا أردَفَ مالكٌ حديثه هذا بحَدِيثِهِ عَنْ زيْد بنِ أَسْلَمَ، عن أبيه أنَّ عمر بن الخطَّاب دَخَلَ على أبِي بَكْرٍ (﵁)، وهو يَجْبِذُ لِسَانَهُ، فَقَالَ له عُمَر: مَهْ، غَفَرَ اللَّه لَكَ، فَقَالَ أبو بَكْرٍ: إن هذا أوْرَدَنِي المَوَارِدَ «٣»، قال أبو عمر: وفي اللسان آثار كثيرةٌ، ثم قال أبو عُمَر: وعَنْ أبي هُرَيْرة: إنَّ أكْثَرَ ما يُدْخِلُ النَّاسَ النَّارَ الأجْوَفَانِ: البَطْن، والفَرْج، ثم أسند أبو عُمَر عن سهل بن سعد، عن النبيّ ﷺ قَالَ: «مَنْ يَتَكَفَّلُ لِي بِمَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ، وأَضمَنْ لَهُ الجَنَّة» «٤»، ومن طريق جابر نحوه. انتهى.\nوالصّلى: هو التسخُّن بقُرْب النَّار أو بمباشرتها، والمُحْتَرِقُ الذي يذهبه الحرق ليس\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٦١٥) برقم (٨٧٢٥)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٢٢١)، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.\n(٢) أخرجه مالك في «الموطأ» (٢/ ٩٨٧- ٩٨٨) كتاب «الكلام»، باب ما جاء فيما يخاف من اللسان، حديث (١١) من حديث عطاء بن يسار مرسلا.\n(٣) أخرجه مالك المصدر السابق (١٢) .\nوأخرجه هناد بن السري في «الزهد» (٢/ ٥٣١) برقم (١٠٩٣)، ووكيع في «الزهد» برقم (٢٨٧) .\n(٤) أخرجه البخاري (١١/ ٣١٤)، كتاب «الرقاق»، باب حفظ اللسان، حديث (٦٤٧٤)، والترمذي (٤/ ٥٢٤) كتاب «الزهد»، باب ما جاء في حفظ اللسان، حديث (٢٤٠٨)، وأحمد (٥/ ٣٣٣)، والبغوي في «شرح السنة» (٧/ ٣٣٦- بتحقيقنا) .","vol":"2","page":176},{"text":"بصَالٍ/ إلاَّ في بدء أمره، وأهْلُ جهنَّم لا تُذْهِبُهم النَّار، فهم فيها صَالُونَ (أعاذنا اللَّه منها بجُودِهِ وكَرَمِهِ)، والسعير: الجَمْر المُشْتَعِلُ. وهذه آية من آياتِ الوَعيد، والَّذي يعتقدُه أهل السُّنَّة أنَّ ذلك نافذٌ على بعض العُصَاة لَئِلاَّ يقع الخَبَر بخلافِ مخبره، ساقط بالمشيئة عن بعضهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-288>[سورة النساء (٤): آية ١١]</span>\nيُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١)\nوقوله تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ ... الآية: تتضمَّن الفرضَ والوُجُوبَ، قيل: نَزَلَتْ بسبب بنَاتِ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ.\nوقيل: بسبب جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّه.\nوقوله: لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ أي: حظ مثل حظ الأنثيين.\nوقوله: فَوْقَ اثْنَتَيْنِ، معناه: اثنتين فَمَا فَوْقَهما تَقْتَضِي ذلكَ قُوَّةُ الكلامِ، وأما الوقوفُ مع اللفظ، فيسقطُ معه النصُّ على الاثنتين، ويثبت الثُّلُثَانِ لهما بالإجماع، ولم يحفظْ فيه خلاف إلاَّ ما رُوِيَ عن ابْن عَبَّاس أنه يرى لهما النِّصْفَ، ويثبت لهما أيضًا ذلك بالقياسِ على الأختين «١» وبحديث التّرمذيّ «أنّ رسول الله ﷺ قضى للابنتين بالثّلثين» «٢» .\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٢/ ١٥) .\n(٢) أخرجه أحمد (٣/ ٣٥٢)، وأبو داود (٣/ ٣١٦) كتاب «الفرائض»، باب ميراث الصلب، حديث (٢٨٩٢)، والترمذي (٤/ ٤١٤) كتاب «الفرائض»، باب ميراث البنات، حديث (٢٠٩٢)، وابن ماجة (٢/ ٩٠٨) كتاب «الفرائض»، باب فرائض الصلب، حديث (٢٧٢٠)، وابن سعد (٣/ ٢/ ٧٨)، والحاكم (٤/ ٣٣٣- ٣٣٤) كتاب «الفرائض»، باب إذا تحدثتم فتحدثوا بالفرائض. والبيهقي (٦/ ٢١٦) كتاب «الفرائض»، باب توريث ذوي الأرحام، كلهم من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر قال:\nجاءت امرأة سعد بن الربيع بابنتيها من سعد إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله!! هاتان ابنتا سعد بن الربيع قتل أبوهما معك يوم أحد شهيدا، وإن عمهما أخذ مالهما فلا يدع لهما مالا، ولا تنكحان إلا ولهما مال. قال: «يقضي الله في ذلك» . فنزلت آية الميراث، فبعث رسول الله ﷺ إلى عمهما فقال: «أعط ابنتي سعد الثلثين، وأعط أمهما الثمن، وما بقي فهو لك» .\nقال الحاكم: صحيح الإسناد. ووافقه الذهبي. -","vol":"2","page":177},{"text":"وقوله سبحانه: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ: المعنى: ولاَ وَلَدُ وَلَدٍ، ذكَرًا كان أو أنثى، فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ، أي: وللأبِ الثُّلُثَانِ.\nوقوله تعالى: فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ، أي: كانوا أشقَّاء أو للأب أو للأم، والإجماعُ على أنهم لا يأخُذُونَ السُّدُسَ الذي يحجبون الأمَّ عنه وكذا أجْمَعُوا على أنَّ أخَوَيْنِ فصاعدًا يحجُبُون «١» الأمَّ عنه إلاَّ ما رُوِيَ عنِ ابْنِ عَبَّاس مِنْ أنَّ الأخوَيْنِ في\n_________\n- وقال الترمذي: حسن صحيح.\nوالحديث ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٢٢٢)، وعزاه إلى ابن سعد، وابن أبي شيبة، وأحمد، وأبي داود، والترمذي، وابن ماجة، ومسدد، والطيالسي، وابن أبي عمر، وابن منيع، وابن أبي أسامة، وأبي يعلى، وابن أبي حاتم، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي عن جابر.\n(١) هو لغة: المنع، وشرعا: منع شخص معين عن ميراثه إما كله أو بعضه بوجود شخص آخر.\nوالمراد بقولنا «عن ميراثه»: أن يقوم به سبب الإرث كالقرابة، فيمنع عنه. وقولنا: «إما كله أو بعضه»، (أو) فيه للتنويع لا للشك. فالأول حجب الحرمات، والثاني حجب النقصان.\nولهذا المبحث شأن عظيم في الفرائض، فمن لم يعرف الحجب لا يعد عالما بالفرائض، ويحرم عليه أن يفتي فيها.\nوهو في حد ذاته قسمان:\nأ: حجب بالأوصاف، وهي الموانع السابقة التي هي الرق والقتل ... إلخ.\nب: حجب بالأشخاص، وهو المراد من عبارة الفرضيين عند إطلاقهم لفظ الحجب. وهذا على نوعين:\n١- حجب حرمان ٢- حجب نقصان والورثة في الحجب على ثلاثة أصناف:\nالأول: أن يكون كل من الحاجب والمحجوب عصبة. وفي هذه الحالة قد يكون الحجب حجب حرمان كما إذا كانا في جهة واحدة، ولكن أحدهما أقرب درجة من الآخر، فإن الأقرب يحجب الأبعد. وقد يكون حجب نقصان كالعصبتين المتساويتين في القرب كالابنين مثلا فإن كل واحد منهما يحجب عن ميراث الكل إلى البعض بوجود الآخر.\nالثاني: إذا كانا من أهل السهام، وفي هذه الحالة أيضا يكون حجب حرمان ونقصان، فالأول: كما إذا اجتمع أولاد الأم مع البنات وبنات الابن. والثاني: كالأم مع البنات والأخوات. والأخت لأب مع الشقيقة. الثالث: إذا كان أحدهما عاصيا والآخر ذا فرض: ولا يخلو الحال من أن يكون الحاجب ذا سهم والمحجوب عصبة، فيحجب العصبة حينئذ حجب نقصان بذي السهم، كالبنت مع الابن، والأخت مع الأخ فإنه لو لم تكن الأنثى لصار جميع المال للذكر، وبوجود الأنثى انتقص نصيبه.\nأو يكون الحاجب عصبة والمحجوب ذا سهم. وفي هذه الحالة قد يكون الحجب حجب نقصان، كما إذا ترك الميت أختين شقيقتين وأختين لأم وأم، فالمسألة في الأصل في سننه، وتعول بسدسها إلى سبعة، ويكون للأختين الثلثان: «أربعة» من سبعة، فلو ترك معهما أخا شقيقا لكان لهما معه ثلاثة من ستة.\nوقد يكون حجب حرمان كبنت الابن مع الابن أو كأخ شقيق مع الأخت لأب.\nانظر: «المواريث» لشيخنا وهبة إبراهيم.","vol":"2","page":178},{"text":"حُكْمِ الواحد «١» .\nوقدَّم الوصيةَ في اللفظ اهتماما بها، وندبًا إليها إذ هي أقلُّ لزومًا من الدَّيْن وأيضًا: قدَّمها لأنَّ الشرع قد حضَّ عليها فلا بُدَّ منها، والدَّيْنُ قد يكُونُ وقَدْ لا يكُونُ وأيضًا: قدَّمها إذْ هي حظُّ مساكينَ وضِعَافٍ، وأخَّر الدَّيْن لأنه حقُّ غريمٍ يَطْلُبه بقوَّة، وله فيه مقالٌ، وأجمعَ العلماءُ على أنَّ الدَّيْن مقدَّم على «٢» الوصيَّة، والإجماعُ على أنه لا يوصى بأكْثَرَ مِنَ الثلث، واستحب كثيرٌ منهم أَلاَّ يبلغ الثلث.\nوقوله تعالى: آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ رفْعٌ بالابتداء، والخَبَرُ مضمرٌ، تقديره: هم المَقْسُوم عليهم، أو هم المُعْطُونَ، وهذا عَرْضٌ للحكمة في ذلك، وتأنيسٌ للعرب الَّذين كانُوا يورِّثون على غير هذه الصِّفَة.\nقال ابن زَيْد: لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا، يعني: في الدنيا والآخرة «٣»، قال الفَخْر «٤»: وفي الآية إشارةٌ إلى الانقيادِ إلى الشَّرْعَ، وتَرْكِ ما يميل إليه الطّبع. انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-289>[سورة النساء (٤): الآيات ١٢ الى ١٤]</span>\nوَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (١٢) تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نارًا خالِدًا فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ (١٤)\n_________\n(١) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (٢/ ١٧)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٢٢٣)، وعزاه لابن جرير، والحاكم، وصححه، والبيهقي في «سننه» .\n(٢) من الحقوق التي تثبت على العبد الديون المرسلة في الذمة، فتقدم على الوصية، وسميت مرسلة لأنها أرسلت، أي أطلقت عن تعلقها بعين التركة. ويجب تقديم دين الله على دين الآدمي إذا مات ولم يؤدهما ثم ضاقت التركة عنهما لقوله ﷺ: «دين الله أحق بالقضاء» .\nأما قبل الموت، فإن كان محجورا عليه قدم دين الآدمي جزما، ولو اجتمع عليه ديون لله (تعالى) قدمت الزكاة إن كان النصاب موجودا، وإلا فتستوي الحقوق. وإنما قدمت الديون المرسلة في الذمة على الوصية، لأن تلك الديون حق واجب على الميت، فقضاؤه مقدم، والوصية تبرع فلذا أخرت.\nينظر: «المواريث» لشيخنا وهبة إبراهيم.\n(٣) أخرجه الطبري (٣/ ٦٢٤) برقم (٨٧٤٦)، وذكره البغوي (١/ ٤٠٣)، وابن عطية (٢/ ١٨) .\n(٤) ينظر: «مفاتيح الغيب» (٩/ ١٧٧) . [.....]","vol":"2","page":179},{"text":"وقوله تعالى: وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ ... الآية: الولَدُ هنا في هذه الآية، وفي التي بعدها: هُمْ بَنُو الصُّلْب، وبَنُو ذُكُورِهِمْ، وإن سَفَلُوا، والكَلاَلَةُ: خُلُوُّ المَيِّتِ عَنِ الوَالِدِ والوَلَدِ هذا هو الصحيحُ.\nوقوله تعالى: وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ ... الآية: الإجماع على الأُخُوَّة في هذه الآيةِ للأمِّ، وأما حُكْم سائر الإِخوة سواهم، فهو المذكور في آخر السورة.\nوقرأ «١» سعدُ بْنُ أبي وَقَّاص «٢»: «وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ لأُمِّهِ»، والأنثى والذَّكَر في هذه النَّازلة سواءٌ، بإجماع.\nوقوله سبحانه: غَيْرَ مُضَارٍّ، قال ابن عبَّاس: «الضِّرَارُ في الوصية من الكبائر» ورواه «٣» عن النبيّ ﷺ، وروى أبو هريرة أنّ رسول الله ﷺ قَالَ: «مَنْ ضَارَّ فِي وَصِيَّتِهِ، أَلْقَاهُ اللَّهُ تعالى في واد في جهنّم» «٤» .\n_________\n(١) ينظر: «الكشاف» (١/ ٤٨٦)، و«المحرر الوجيز» (١/ ١٩)، و«البحر المحيط» (٣/ ١٩٨)، و«الدر المصون» (٢/ ٣٢٦)، وفيه: «من أم» .\n(٢) هو: سعد بن مالك (واسم مالك: أبي وقاص) بن أهيب (وقيل: وهيب) بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب. أبو إسحاق. القرشي. الزهري. أحد العشرة المبشرين بالجنة وآخرهم موتا. وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله، وهو أول من كوف ب «الكوفة»، روى عن النبيّ كثيرا، روى عنه بنوه: إبراهيم، وعامر، ومصعب، وعمر، ومحمد، وعائشة. وروى عنه من الصحابة: عائشة، وابن عباس، وابن عمر، وجابر بن سمرة. وروى عنه من كبار التابعين: سعيد بن المسيب، وأبو سعيد الهندي، وقيس بن أبي حازم، وعلقمة، والأحنف، وغيرهم. وهو صحابي مشهور كتب في سيرته مؤلفات كثيرة. توفي سنة (٥٥)، وقيل: سنة (٥٨)، وقيل: (٥١)، وقيل: (٥٧) .\nينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (٢/ ٣٦٦)، و«الإصابة» (٣/ ٨٣)، و«بقي بن مخلد» (١٦)، و«صيانة مسلم» (٢٤٠)، و«التبصرة والتذكرة» (٣/ ٢٠٦)، و«الزهد الكبير» (١١٣)، و«التعديل والتجريح» (١٣٠٠)، و«الزهد» لوكيع (٩٨)، و«الأنساب» (١/ ٣٥)، و«تفسير الطبري» (٨/ ٨٧٧٢)، و«تقريب التهذيب» (١/ ٢٩٠)، و«تهذيب التهذيب» (٣/ ٤٨٣)، و«تاريخ بغداد» (١/ ١٤٤) .\n(٣) أخرجه الطبري (٣/ ٦٣٠) برقم (٨٧٨٤)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٢٢٧)، وعزاه للنسائي، وعبد بن حميد، وابن أبي شيبة في «المصنف»، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي.\n(٤) لم نقف عليه بهذا اللفظ.","vol":"2","page":180},{"text":"قال ع «١»: ووجوه المُضَارَّةِ كثيرةٌ مِنْ ذلك: أنْ يُقِرَّ بحَقٍّ ليس عليه، أو يُوصِيَ بأكْثَرَ من ثلثه، أو لوارِثِهِ.\nقال ص: غَيْرَ مُضَارٍّ: منصوبٌ على الحالِ: أي: غَيْرَ مُضَارٍّ ورثَتَهُ. انتهى.\nقلت: وتقدير أبي «٢» حَيَّان: «وَرَثَتَهُ» يأباه فصاحَةُ ألفاظِ الآية إذ مقتضاها العمُوم، فلو قال: «غَيْرَ مُضَارٍّ وَرَثَةً، أو غَيْرَهم»، لكان أحْسَنَ، لكن الغالبَ مُضَارَّة الورثة، فلهذا قَدَّرهم/.\nوقوله تعالى: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ... الآية: «تِلْكَ»: إشارةٌ إلى القِسْمة المتقدِّمة في المواريث، وباقي الآية بيّن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-290>[سورة النساء (٤): الآيات ١٥ الى ١٦]</span>\nوَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥) وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّابًا رَحِيمًا (١٦)\nوقوله تعالى: وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ ... الآية: الفَاحِشَةُ في هذا الموضِعِ: الزِّنَا، وقوله: مِنْ نِسائِكُمْ، إضافةٌ في معناها الإسلام، وجعل اللَّه الشهادة علَى الزِّنَا خاصَّة لا تَتِمُّ إلا بأربعةِ شُهَدَاءَ، تَغْلِيظًا على المُدَّعي، وسَتْرًا على العبادِ.\nقلت: ومن هذا المعنى اشتراط رُؤْية كَذَا في كَذَا كَالمِرْوَدِ في المُكْحُلَة.\nقال ع «٣»: وكانَتْ أولُ عقوبة الزُّنَاةِ الإمْسَاكَ في البُيُوت، ثم نُسِخَ ذلك بالأذَى الَّذي بَعْده، ثم نُسِخَ ذلك بآية النُّور وبالرَّجْمِ في الثَّيِّب قاله عبادة بنُ الصَّامت وغيره «٤»، وعن عِمْرَانَ بْنِ حصين أنه قال: كنّا عند النّبيّ ﷺ، فَنَزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ، ثُمَّ أَقْلَعَ عَنْهُ، وَوَجْهُهُ مُحْمَرٌّ، فَقَالَ: «قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا البِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ»، خرَّجه مُسْلِم «٥»، وهو خَبَرٌ آحادٌ، ثم ورد في الخَبَر المتواتِرِ أنّ\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٢٠) .\n(٢) ينظر: «البحر المحيط» (٣/ ١٩٨) .\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٢١) .\n(٤) وسيأتي حديثه وحديث عمران بن حصين.\n(٥) أخرجه مسلم (٣/ ١٣١٦)، كتاب «الحدود»، باب حد الزنى، حديث (١٢/ ١٦٩٠)، وأبو داود (٤/ ٥٦٩- ٥٧٠) كتاب «الحدود»، باب في الرجم، حديث (٤٤١٥)، والترمذي (٤/ ٤١) كتاب «الحدود»، باب الرجم على الثيب، حديث (١٤٣٤)، والدارمي (٢/ ١٨١)، كتاب «الحدود»، باب في-","vol":"2","page":181},{"text":"رسول الله ﷺ رَجَمَ، وَلَمْ يَجْلِدْ «١»، فَمَنْ قال: إن السُّنَّة المتواترة تنسخ ...\n_________\n- تفسير قول الله تعالى: أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا، وأحمد (٥/ ٣١٣، ٣١٧، ٣١٨، ٣٢٠- ٣٢١)، وابن أبي شيبة (١٠/ ٨)، وأبو داود الطيالسي (١/ ٢٩٨- منحة) رقم (١٥١٤)، وابن الجارود في «المنتقى» (٨١٠)، والطبري في «تفسيره» (٤/ ١٩٨)، وابن حبان (٤٤٠٨، ٤٤٠٩، ٤٤١٠، ٤٤٢٦- الإحسان)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٣/ ١٣٤)، وفي «مشكل الآثار» (١/ ٩٢)، والبيهقي (٨/ ٢١٠) كتاب «الحدود»، باب جلد الزانيين ورجم الثيب، وابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (١/ ١١٣) من طرق عن الحسن عن حطان بن عبد الله الرقاشي عن عبادة بن الصامت به.\nوالحديث أخرجه الشافعي (٢/ ٧٧) كتاب «الحدود»، باب الزنا، حديث (٢٥٢)، والطيالسي (١/ ٢٩٨- منحة) رقم (١٥١٤)، وعبد الله بن أحمد في «زوائد المسند» (٥/ ٣٢٧)، والبغوي في «شرح السنة» (٥/ ٤٥٧- بتحقيقنا) من طريق الحسن عن عبادة بن الصامت دون ذكر حطان بن عبد الله.\nقلت: ولعل ذلك من تدليسات الحسن. فأسقط حطان بن عبد الله، ورواه عن عبادة دون واسطة.\nتنبيه: وهذا الحديث أخرجه ابن ماجة (٢/ ٨٥٢) كتاب «الحدود»، باب حد الزنا، حديث (٢٥٥٠) من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن يونس بن جبير عن حطان بن عبد الله عن عبادة بن الصامت.\nقال الحافظ المزي في «تحفة الأشراف» (٤/ ٢٤٧): هذا وهم والله أعلم- فإن المحفوظ بهذا الإسناد حديث حطان. اهـ.\nوقد روى هذا الحديث الفضل بن دلهم عن الحسن عن قبيصة بن حريث عن سلمة بن المحبق عن النبيّ ﷺ قال: «خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا....» الحديث.\nأخرجه أحمد (٣/ ٤٧٦) .\nقال ابن أبي حاتم في «العلل» (١/ ٤٥٦) رقم (١٣٧٠): سألت أبي عن حديث رواه الفضل بن دلهم عن الحسن عن قبيصة بن حريث عن سلمة بن المحبق عن النبيّ ﷺ: «خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا..» الحديث، قال أبي: هذا خطأ، إنما رواه الحسن عن حطان عن عبادة بن الصامت عن النبيّ ﷺ اهـ.\nومن هذا الطريق ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٦/ ٢٦٧)، وقال: رواه أحمد، وفيه الفضل بن دلهم، وهو ثقة ولكنه أخطأ في هذا الحديث.\n(١) تواتر عن النبيّ ﷺ أنه رجم ماعزا والغامدية، ورجم يهوديين.\nوإليك تخريج هذه الأحاديث:\nحديث رجم ماعز:\nورد حديث رجم ماعز عن جماعة من أصحاب النبيّ ﷺ، وهم: ابن عباس، وجابر، وأبو هريرة، وبريدة، وجابر بن سمرة، وأبو سعيد الخدري، ونعيم بن هزال، وأبو بكر الصديق، وأبو ذر، ورجل من الصحابة، وسهل بن سعد، وأبو برزة، وسعيد بن المسيب مرسلا، والشعبي أيضا مرسلا.\n١- حديث عبد الله بن عباس:\nأخرجه مسلم (٣/ ١٣٢٠) كتاب «الحدود»، باب من اعترف على نفسه بالزنى، حديث (١٩/ ١٦٩٣)، وأبو داود (٤/ ٥٧٩) كتاب «الحدود»، باب رجم ماعز بن مالك، حديث (٤٤٢٥)، والترمذي (٤/ ٣٥) كتاب «الحدود»، باب التلقين في الحد، حديث (١٤٢٧)، والنسائي في «الكبرى» (٤/ ٢٧٩) كتاب «الرجم»، باب الاعتراف بالزنا أربع مرات، حديث (٧١٧١، ٧١٧٢، ٧١٧٣)، وأحمد (١/ ٢٤٥، -","vol":"2","page":182},{"text":"_________\n- ٣١٤، ٣٢٨)، وعبد الرزاق (٧/ ٣٢٤) رقم (١٣٣٤٤)، وأبو داود الطيالسي (١/ ٢٩٩- منحة) رقم (١٥٢٠)، وأبو يعلى (٤/ ٤٥٣) رقم (٢٥٨٠)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٣/ ١٤٢) باب الاعتراف بالزنى الذي يجب به الحد ما هو، كلهم من طريق سماك عن عكرمة عن ابن عباس أن النبيّ ﷺ قال لماعز بن مالك: «أحق ما بلغني عنك»؟ قال: وما بلغك عني؟ قال: «بلغني أنك وقعت بجارية آل فلان»، قال: نعم. قال: فشهد أربع شهادات، ثم أمر به، فرجم» .\nوللحديث طريق آخر عن ابن عباس:\nأخرجه البخاري (١٢/ ١٣٨) كتاب «الحدود»، باب هل يقول الإمام للمقر لعلك لمست أو غمزت؟، حديث (٣٨٢٤)، وأبو داود (٤/ ٥٨) كتاب «الحدود»، باب رجم ماعز بن مالك، حديث (٤٤٢٧)، والنسائي في «الكبرى» (٤/ ٢٧٨- ٢٧٩) كتاب «الرجم»، باب مسألة المعترف بالزنا عن كيفيته، حديث (٧١٦٩)، وأحمد (١/ ٢٣٨، ٢٧٠)، والدارقطني (٣/ ١٢١) كتاب «الحدود والديات»، حديث (١٣١، ١٣٢)، والبيهقي (٨/ ٢٢٦) كتاب «الحدود»، باب من قال: لا يقام عليه الحد حتى يعترف أربع مرات، وابن حزم في «المحلى» (١١/ ١٧٩)، والبغوي في «شرح السنة» (٥/ ٤٦٧- بتحقيقنا)، والطبراني في «الكبير» (١١/ ٣٣٨) رقم (١١٩٣٦)، كلهم من طريق جرير بن حازم عن يعلى بن حكيم عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما أتى ماعز بن مالك النبيّ ﷺ قال له: «لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت»؟ قال:\nلا يا رسول الله قال: «أنكتها؟» - لا يكني- قال: فعند ذلك أمر برجمه.\nوأخرجه أبو داود (٤/ ٥٧٨) كتاب «الحدود»، باب رجم ماعز بن مالك، حديث (٤٤٢١)، والنسائي في «الكبرى» (٤/ ٢٧٩) كتاب «الرجم»، باب مسألة المعترف بالزنا عن كيفيته، حديث (٧١٧٠) كلاهما من طريق خالد الحذاء عن عكرمة عن ابن عباس أن ماعز بن مالك أتى النبيّ ﷺ فقال: إنه زنى، فأعرض عنه، فأعاد عليه مرارا، فأعرض عنه، فسأل قومه: «أمجنون هو؟» قالوا: ليس به بأس قال:\n«أفعلت بها»؟ قال: نعم فأمر به أن يرجم، فانطلق به فرجم ولم يصل عليه. وأخرجه أحمد (١/ ٢٨٩، ٣٢٥)، والنسائي في «الكبرى» (٤/ ٢٧٨) كتاب «الرجم»، باب مسألة المعترف بالزنا عن كيفيته، حديث (٧١٦٨)، والدارقطني (٣/ ١٢٢) كتاب «الحدود والديات»، حديث (١٣٣) كلهم من طريق عبد الله بن المبارك عن معمر عن يحيى بن أبي كثير عن عكرمة عن ابن عباس أن الأسلمي أتى رسول الله ﷺ فاعترف بالزنا فقال: «لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت» . واللفظ للنسائي في «الكبرى» .\n(٢) حديث جابر:\nأخرجه البخاري (١٢/ ١٢٩) كتاب «الحدود»، باب الرجم بالمصلى، حديث (٦٨٢٠)، ومسلم (٣/ ١٣١٨) كتاب «الحدود»، باب من اعترف على نفسه بالزنى، حديث (١٦/ ١٦٩١)، وأبو داود (٤/ ٥٨٠) كتاب «الحدود»، باب رجم ماعز بن مالك، حديث (٤٤٣٠)، والترمذي (٤/ ٢٨) كتاب «الحدود»، باب ما جاء في درء الحد عن المعترف إذا رجع، حديث (١٤٢٩)، والنسائي (٤/ ٦٢- ٦٣) كتاب «الجنائز»، باب ترك الصلاة على المرجوم، وأحمد (٣/ ٣٢٣)، وابن الجارود رقم (٨١٣)، والدارقطني (٣/ ١٢٧- ١٢٨) كتاب «الحدود والديات»، حديث (١٤٦) كلهم من طريق عبد الرزاق في «المصنف» (٧/ ٣٢٠)، رقم (١٣٣٣٧) عن معمر عن الزهري عن أبي سلمة عن جابر أن رجلا من أسلم جاء إلى النبيّ ﷺ فاعترف عنده بالزنى، ثم اعترف فأعرض عنه، ثم اعترف فأعرض عنه حتى شهد على نفسه أربع مرات، فقال النبيّ ﷺ: «أبك جنون؟» قال: لا، قال: «أحصنت؟» قال: نعم قال: فأمر-","vol":"2","page":183},{"text":"..\n_________\n- به النبيّ ﷺ فرجم بالمصلى، فلما أذلقته الحجارة فر، فأدرك فرجم حتى مات، فقال له النبيّ ﷺ:\nخيرا، ولم يصل عليه.\nوقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.\nأما البخاري فقال في روايته: «وصلّى عليه»، وقد رواه من طريق محمود بن غيلان عن عبد الرزاق به.\nقال الحافظ في «الفتح»: (١٢/ ١٣٣): قوله: «وصلّى عليه» هكذا وقع هنا عن محمود بن غيلان عن عبد الرزاق، وخالفه محمد بن يحيى الذهلي وجماعة عن عبد الرزاق، فقالوا في آخره: «ولم يصل عليه» قال المنذري في حاشية السنن: رواه ثمانية أنفس عن عبد الرزاق، فلم يذكروا قوله: «وصلّى عليه» قلت: قد أخرجه أحمد في مسنده عن عبد الرزاق، ومسلم عن إسحاق بن راهويه، وأبو داود عن محمد بن المتوكل العسقلاني، وابن حبان من طريقه: زاد أبو داود والحسن بن علي الخلال والترمذي عن الحسن بن علي المذكور، والنسائي وابن الجارود عن محمد بن يحيى الذهلي، زاد النسائي ومحمد بن رافع ونوح بن حبيب والإسماعيلي، والدارقطني من طريق أحمد بن منصور الرمادي زاد الإسماعيلي: ومحمد بن عبد الملك بن زنجويه، وأخرجه أبو عوانة عن الدبري ومحمد بن سهل الصغاني، فهؤلاء أكثر من عشرة أنفس خالفوا محمودا، منهم من سكت عن هذه الزيادة، ومنهم من صرح بنفيها. اهـ.\nقلت: وعليه، فزيادة «وصلّى عليه» زيادة شاذة، تفرد بها محمود بن غيلان، وخالف فيها الثقات.\nوقد رواه ابن جريج عن الزهري عن أبي سلمة عن جابر، أن رجلا من «أسلم» أتى النبيّ ﷺ فحدثه أنه زنى، فشهد على نفسه أنه زنى أربعا، فأمر برجمه، وكان قد أحصن.\nأخرجه الدارمي (٢/ ١٧٦) كتاب «الحدود»، باب الاعتراف بالزنا من طريق أبي عاصم عن ابن جريج به.\nوللحديث طريق آخر عن جابر:\nأخرجه أبو داود (٤/ ٥٧٧) كتاب «الحدود»، باب رجم ماعز بن مالك، حديث (٤٤٢٠) من طريق محمد بن إسحاق قال: ذكرت لعاصم بن عمر بن قتادة قصة ماعز بن مالك، فقال لي: حدثني حسن بن محمد بن علي بن أبي طالب قال: حدثني ذلك من قول رسول الله ﷺ: «فهلّا تركتموه» من شئتم من رجال أسلم ممن لا أتهم قال: ولم أعرف هذا الحديث. قال: فجئت جابر بن عبد الله، فقلت: إن رجالا من أسلم يحدثون أن رسول الله ﷺ قال لهم حين ذكروا له جزع ماعز من الحجارة حين أصابته: «ألا تركتموه» وما أعرف الحديث، قال: يا ابن أخي، أنا أعلم الناس بهذا الحديث، كنت فيمن رجم الرجل، إنا لما خرجنا به، فرجمناه، فوجد مس الحجارة صرخ بنا: يا قوم ردوني إلى رسول الله ﷺ، فإن قومي قتلوني وغروني من نفسي، وأخبروني أن رسول الله ﷺ غير قاتلي، فلم ننزع عنه حتى قتلناه، فلما رجعنا إلى رسول الله ﷺ وأخبرناه قال: «فهلا تركتموه وجئتموني به؟» ليستثبت رسول الله ﷺ منه، فأما لترك حدّ، فلا. قال: فعرفت وجه الحديث.\n٣- حديث أبي هريرة: أخرجه البخاري (١٢/ ١٣٦) كتاب «الحدود»، باب سؤال الإمام المقر هل أحصنت؟ حديث (٦٨٢٥)، ومسلم (٣/ ١٣١٨) كتاب «الحدود»، باب من اعترف على نفسه بالزنا، حديث (١٦/ ١٦٩١)، وأحمد (٢/ ٤٥٣)، والبيهقي (٨/ ٢١٩) كتاب «الحدود»، باب من أجاز أن لا يحضر الإمام، والبغوي في «شرح السنة» (٥/ ٤٦٥، ٤٦٦- بتحقيقنا) كلهم من طريق الزهري عن-","vol":"2","page":184},{"text":"..\n_________\n- سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرّحمن، أن أبا هريرة، قال: أتى رسول الله ﷺ رجل من الناس وهو في المسجد، فناداه: يا رسول الله إني زنيت، فأعرض عنه النبيّ ﷺ فتنحى لشق وجهه الذي أعرض قبله، فقال: يا رسول الله إني زنيت، فأعرض عنه، فجاء لشق وجه النبيّ ﷺ الذي أعرض عنه، فلما شهد على نفسه أربع شهادات، دعاه النبيّ ﷺ فقال: «أبك جنون؟» قال: لا يا رسول الله، فقال:\n«أحصنت؟» قال: نعم يا رسول الله، قال: «اذهبوا، فارجموه» .\nوللحديث طريق آخر عن أبي هريرة:\nأخرجه الترمذي (٤/ ٢٧) كتاب «الحدود»، باب ما جاء في درء الحد عن المعترف إذا رجع، حديث (١٤٢٨)، وابن ماجة (٢/ ٨٥٤) كتاب «الحدود»، باب الرجم، حديث (٢٥٥٤)، وأحمد (٢/ ٢٨٦- ٢٨٧، ٤٥٠)، وابن الجارود في «المنتقى» رقم (٨١٩)، وابن حبان (٢٤٢٢- الإحسان)، والحاكم (٤/ ٣٣٦)، والبغوي في «شرح السنة» (٥/ ٤٦٥- بتحقيقنا) كلهم من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: جاء ماعز بن مالك الأسلمي إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إني زنيت، فأعرض عنه، ثم جاءه من شقه الأيمن، فقال: يا رسول الله إني قد زنيت، فأعرض عنه، ثم جاءه من شقه الأيسر، فقال: يا رسول الله إني قد زنيت، فأعرض عنه، ثم جاءه فقال: إني قد زنيت، قال ذلك أربع مرات، فقال رسول الله ﷺ: «انطلقوا به، فارجموه» فانطلقوا به، فلما مسته الحجارة أدبر يشتد، فلقيه رجل في يده لحي جمل فضربه به فصرعه، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ، قال: «فهلا تركتموه» .\nوقال الترمذي: حديث حسن، وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة.\nوقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. ووافقه الذهبي.\nوصححه ابن حبان.\nوقال البغوي عقبه: هذا حديث متفق على صحته. وهو وهم، فهو متفق على صحته من حديث أبي هريرة، ولكن ليس من هذا الطريق.\nوللحديث طريق ثالث عن أبي هريرة:\nأخرجه أبو داود (٤/ ٥٧٩) كتاب «الحدود»، باب رجم ماعز بن مالك، حديث (٤٤٢٩)، والنسائي في «الكبرى» (٤/ ٢٧٦- ٢٧٧) كتاب «الرجم»، باب استقصاء الإمام على المعترف عنده بالزنا، حديث (٧١٦٤)، وأبو يعلى (١٠/ ٥٢٤- ٥٢٥) رقم (٦١٤٠) كلهم من طريق ابن جريج: أخبرني أبو الزبير عن ابن عم لأبي هريرة عن أبي هريرة، أن ماعز بن مالك جاء إلى النبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله، إني قد زنيت، فأعرض عنه حتى قالها أربعا، فلما كان في الخامسة قال: «زنيت؟» قال: نعم، قال: «وتدري ما الزنى؟» قال: نعم، أتيت منها حراما ما يأتي الرجل من امرأته حلالا، قال: «ما تريد إلى هذا القول؟» قال: أريد أن تطهرني قال: فقال رسول الله ﷺ: «أدخلت ذلك منك في ذلك منها كما يغيب الميل في المكحلة والعصا في الشيء؟» قال: نعم يا رسول الله. قال: فأمر برجمه، فرجم، فسمع النبيّ ﷺ رجلين يقول أحدهما لصاحبه: ألم تر إلى هذا ستر الله عليه فلم تدعه نفسه حتى رجم رجم الكلب.\nفسار النبيّ ﷺ شيئا، ثم مر بجيفة حمار فقال: «أين فلان وفلان؟ انزلا فكلا جيفة هذا الحمار» .. قالا:\nغفر الله لك يا رسول الله، وهل يؤكل هذا؟ قال: «فما نلتما من أخيكما آنفا أشد أكلا منه، والذي نفسي بيده إنه الآن في أنهار الجنة يتقمص فيها» . -[.....]","vol":"2","page":185},{"text":"..\n_________\n- وهذا إسناد ضعيف لجهالة ابن عم أبي هريرة.\nلكن أخرجه عبد الرزاق (٧/ ٣٢٢) رقم (١٣٣٤٠) عن ابن جريج: أخبرني أبو الزبير عن عبد الرّحمن بن الصامت عن أبي هريرة به. ومن طريق عبد الرزاق أخرجه أبو داود (٤/ ٥٧٩) كتاب «الحدود»، باب رجم ماعز بن مالك، حديث (٤٤٢٨)، والنسائي في «الكبرى» (٤/ ٢٧٧) كتاب «الرجم»، باب ذكر استقصاء الإمام علي المعترف عنده بالزنا، حديث (٧١٦٥)، وابن الجارود رقم (٨١٤)، وابن حبان (١٥١٣- موارد)، والدارقطني (٣/ ١٩٦- ١٩٧) كتاب «الحدود والديات»، حديث (٣٣٩)، والبيهقي (٨/ ٢٢٧) كتاب «الحدود»، باب من قال: لا يقام عليه الحد حتى يعترف أربع مرات. وقد أخرجه ابن حبان (١٥١٤- موارد) من طريق زيد بن أبي أنيسة عن أبي الزبير به.\nوأخرجه النسائي في «الكبرى» (٤/ ٢٧٧) كتاب «الرجم»، حديث (٧١٦٦) من طريق حماد بن سلمة عن أبي الزبير.\nوصححه ابن حبان.\nوقال النسائي: عبد الرّحمن بن الهضهاض ليس بمشهور.\nقلت: ذكره ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (٥/ ٢٩٧)، والبخاري في «تاريخه الكبير» (٥/ ٣٦١)، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا. وذكره ابن حبان في «الثقات» .\n٤- حديث بريدة:\nأخرجه مسلم (٣/ ١٣٢١) كتاب «الحدود»، باب من اعترف على نفسه بالزنى، حديث (٢٢/ ١٦٩٥)، وأبو داود (٤/ ٥٨١) كتاب «الحدود»، باب رجم ماعز بن مالك، والنسائي في «الكبرى» (٤/ ٢٧٦) كتاب «الرجم»، باب كيف الاعتراف بالزنا، حديث (٧١٦٣)، وأحمد (٥/ ٣٤٧- ٣٤٨)، والدارقطني (٣/ ٩١- ٩٢) كتاب «الحدود والديات»، حديث (٣٩)، والبغوي في «شرح السنة» (٥/ ٤٦٨، ٤٦٩- بتحقيقنا) كلهم من طريق غيلان بن جامع عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال: جاء ماعز بن مالك إلى النبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله! طهرني، فقال: «ويحك! ارجع فاستغفر الله، وتب إليه» قال: فرجع غير بعيد ثم جاء فقال: يا رسول الله طهرني، فقال النبيّ مثل ذلك. حتى إذا كانت الرابعة قال له رسول الله ﷺ: «فيم أطهرك؟» فقال: من الزنى. فسأل رسول الله ﷺ «أبه جنون؟» فأخبر أنه ليس بمجنون. فقال: «أشرب خمرا؟» فقام رجل فاستنكهه، فلم يجد منه ريح خمر. قال: فقال رسول الله ﷺ: «أزنيت؟» فقال: نعم. فأمر به فرجم. فكان الناس فيه فرقتين: قائل يقول: لقد هلك.\nلقد أحاطت به خطيئته، وقائل يقول: ما توبة أفضل من توبة ماعز أنه جاء إلى النبيّ ﷺ فوضع يده في يده، ثم قال: اقتلني بالحجارة، قال: فلبثوا بذلك يومين أو ثلاثة، ثم جاء رسول الله ﷺ وهم جلوس، فسلم ثم جلس، فقال: «استغفروا لماعز بن مالك»، قال: فقالوا: غفر الله لماعز بن مالك، قال: فقال رسول الله ﷺ «لقد تاب توبة لو قسمت بين أمة لوسعتهم»، قال: ثم جاءته امرأة من غامد من الأزد، فقالت: يا رسول الله! طهرني. فقال: «ويحك! ارجعي فاستغفري الله، وتوبي إليه»، فقالت: أراك تريد أن ترددني كما رددت ماعز بن مالك. قال: «وما ذاك؟»، قالت: إنها حبلى من الزنى. فقال: «آنت» قالت: نعم. فقال لها: «حتى تضعي ما في بطنك» . قال: فكفلها رجل من الأنصار حتى وضعت. قال:\nفأتى النبيّ ﷺ فقال: قد وضعت الغامدية. فقال: «إذا لا نرجمها وندع ولدها صغيرا ليس له من يرضعه» -","vol":"2","page":186},{"text":"..\n_________\n- فقام رجل من الأنصار، فقال: إلي رضاعه يا نبي الله! قال: فرجمها.\nقال الدارقطني: (حديث صحيح) .\nوقال النسائي: (هذا صالح الإسناد) .\n٥- حديث جابر بن سمرة:\nأخرجه مسلم (٣/ ١٣١٨- ١٣١٩) كتاب «الحدود»، باب من اعترف على نفسه بالزنى، حديث (١٧/ ١٦٩٢)، وأبو داود (٤/ ٥٧٨) كتاب «الحدود»، باب رجم ماعز بن مالك، حديث (٤٤٢٢)، والدارمي (٢/ ١٧٦- ١٧٧) كتاب «الحدود» باب الاعتراف بالزنا، وأحمد (٥/ ٩١، ٩٩، ١٠٢، ١٠٣)، وعبد الرزاق (٧/ ٣٢٤) رقم (١٣٣٤٣)، وأبو داود الطيالسي (١/ ٢٩٩- منحة) رقم (١٥٢٢)، وأبو يعلى (١٣/ ٤٤٣- ٤٤٤) رقم (٧٤٤٦)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٣/ ١٤٢) كتاب «الحدود»، باب الاعتراف بالزنى، والبيهقي (٨/ ٢٢٦) كتاب «الحدود»، باب من قال: لا يقام عليه الحد حتى يعترف أربع مرات، من طرق عن سماك بن حرب عن جابر بن سمرة قال: رأيت ماعز بن مالك حين جيء به إلى النبيّ ﷺ حاسرا ما عليه رداء، فشهد على نفسه أربع مرات أنه قد زنى فقال رسول الله ﷺ: «فلعلك؟» قال: لا والله إنه قد زنى الآخر، قال: فرجمه ثم خطب، فقال: «ألا كلما نفروا في سبيل الله خلف أحدهم له نبيب كنبيب التيس يمنح إحداهن الكثبة، أما إن أمكنني الله من أحد منهم لأنكلن عنهن» .\nوللحديث طريق آخر:\nأخرجه البزار (٢/ ٢١٨، ٢١٩- كشف) رقم (١٥٥٦) حدثنا صفوان بن المغلس، ثنا بكر بن خداش، ثنا حرب بن خالد بن جابر بن سمرة عن أبيه عن جده قال: جاء ماعز إلى النبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله إني قد زنيت، فأعرض بوجهه، ثم جاءه من قبل وجهه، فأعرض عنه، فجاءه الثالثة، فأعرض عنه، ثم جاءه الرابعة، فلما قال له ذلك، قال رسول الله ﷺ لأصحابه: «قوموا إلى صاحبكم، فإن كان صحيحا فارجموه» فسئل عنه فوجد صحيحا، فرجم، فلما أصابته الحجارة حاضرهم، وتلقاه رجل من أصحاب النبيّ ﷺ بلحي جمل، فضربه به فقتله، فقال أصحاب رسول الله ﷺ: إلى النار. فقال رسول الله ﷺ:\n«كلا إنه قد تاب توبة لو تابها أمة من الأمم تقبل منهم» .\nقال الهيثمي في «الكشف»: له حديث في الصحيح بغير هذا السياق.\nوذكره هو في «المجمع» (٦/ ٢٧٠- ٢٧١)، وقال: قلت: لسمرة حديث في الصحيح بغير سياقه، رواه البزار عن شيخه صفوان بن المغلس ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات.\n٦- حديث أبي سعيد:\nأخرجه مسلم (٣/ ١٣٢٠- ١٣٢١) كتاب «الحدود»، باب فيمن اعترف على نفسه بالزنى، حديث (٢٠/ ١٦٩٤)، وأبو داود (٤/ ٥٨١) كتاب «الحدود»، باب رجم ماعز بن مالك، حديث (٤٤٣١)، وأحمد (٣/ ٢- ٣) كلهم من طريق أبي نضرة عن أبي سعيد أن رجلا من «أسلم» يقال له: ماعز بن مالك أتى رسول الله ﷺ فقال: إني أصبت فاحشة فأقمه عليّ، فرده النبيّ ﷺ مرارا، قال: ثم سأل قومه؟ فقالوا:\nما نعلم به بأسا إلا أنه أصاب شيئا يرى أنه لا يخرجه منه إلا أن يقام فيه الحد، قال: فرجع إلى النبيّ ﷺ فأمرنا أن نرجمه قال: فانطلقنا به إلى «بقيع الغرقد» قال: فما أوثقناه ولا حفرنا له، قال: فرميناه بالعظم، والمدر، والخزف، قال: فاشتد، واشتددنا خلفه حتى أتى عرض الحرة فانتصب لنا، فرميناه بجلاميد-","vol":"2","page":187},{"text":"..\n_________\n- الحرة (يعني الحجارة) حتى سكت، ثم قام رسول الله ﷺ خطيبا من العشي فقال: «أو كلما انطلقنا غزاة في سبيل الله تخلف رجل في عيالنا له نبيب كنبيب التيس، عليّ أن لا أوتى برجل فعل ذلك إلا نكلت به» قال: فما استغفر له، ولا سبه.\n٧- حديث نعيم بن هزال:\nأخرجه ابن أبي شيبة (١٠/ ٧١) كتاب «الحدود»، باب الزاني كم مرة يرد، حديث (٨٨١٦)، وأحمد (٥/ ٢١٦- ٢١٧)، وأبو داود (٤/ ٥٧٣) كتاب «الحدود»، باب رجم ماعز بن مالك، حديث (٤٤١٩)، والنسائي في «الكبرى» (٤/ ٢٩٠- ٢٩١) كتاب «الرجم»، باب إذا اعترف بالزنا ثم رجع، حديث (٧٢٠٥)، والطبراني في «الكبير» (٢٢/ ٢٠١- ٢٠٢) رقم (٥٣٠، ٥٣١)، والحاكم (٤/ ٣٦٣) كتاب «الحدود»، باب الحفر عند الرجم، والبيهقي (٨/ ٢٢٨) كتاب «الحدود»، باب المعترف بالزنا يرجع عن إقراره، وابن حزم في «المحلى» (١١/ ١٧٧) كلهم من طريق يزيد بن نعيم بن هزال عن أبيه قال: كان ماعز بن مالك يتيما في حجر أبي، فأصاب جارية من الحي، فقال له أبي: ائت رسول الله ﷺ فأخبره بما صنعت، لعله يستغفر لك، وإنما يريد بذلك رجاء أن يكون له مخرجا، فأتاه فقال: يا رسول الله إني زنيت، فأقم عليّ كتاب الله، فأعرض عنه، فعاد فقال: يا رسول الله إني زنيت، فأقم عليّ كتاب الله.\nحتى قالها أربع مرات. قال ﷺ: إنك قد قلتها أربع مرات، فيمن؟ قال: بفلانة، قال: هل ضاجعتها؟\nقال: نعم، قال: هل باشرتها؟ قال: نعم، قال: هل جامعتها؟ قال: نعم قال: فأمر به أن يرجم، فأخرج به إلى «الحرة»، فلما رجم فوجد مس الحجارة جزع، فخرج يشتد، فلقيه عبد الله بن أنيس وقد عجز أصحابه، فنزع له بوظيف بعير فرماه به فقتله، ثم أتى النبيّ ﷺ فذكر ذلك، فقال: «هلا تركتموه لعله أن يتوب فيتوب الله عليه» .\nوقال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. والحديث أعله ابن حزم بالإرسال.\nقال العلائي في «جامع التحصيل» (ص ٢٩٢): نعيم بن هزال الأسلمي مختلف في صحبته، أخرج له أبو داود والنسائي عن النبيّ ﷺ، وقد روى عنه عن أبيه عن النبيّ ﷺ. قال ابن عبد البر: هو أولى بالصواب، ولا صحبة لنعيم، وإنما الصحبة لأبيه. قلت: والحديث فيه اختلاف كثير. اهـ.\n٨- حديث أبي بكر الصديق:\nأخرجه أحمد (١/ ٨)، وأبو يعلى (١/ ٤٢، ٤٣) رقم (٤٠، ٤١)، والبزار (٢/ ٢١٧- كشف) رقم (١٥٥٤) من طريق جابر الجعفي عن عامر الشعبي عن عبد الرّحمن بن أبزى عن أبي بكر الصديق قال:\nكنت عند النبيّ ﷺ فأتاه ماعز بن مالك، فاعترف بالزنى، فرده، ثم عاد الثانية، فرده، ثم عاد الثالثة، فرده، فقلت: إن عدت الرابعة رجمك، فعاد الرابعة، فأمر النبيّ ﷺ بحبسه، ثم أرسل فسأل عنه.\nقالوا: لا نعلم إلا خيرا، فأمر برجمه.\nوذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٦/ ٢٦٩)، وقال: رواه أحمد، وأبو يعلى، والبزار، ولفظه: أن النبيّ ﷺ رد ماعزا أربع مرات، ثم أمر برجمه. والطبراني في «الأوسط» إلا أنه قال: ثلاث مرات. وفي أسانيدهم كلها جابر بن يزيد الجعفي، وهو ضعيف.\n٩- حديث أبي ذر:\nأخرجه أحمد (٥/ ١٧٩)، والبزار (٢/ ٢١٧، ٢١٨- كشف) رقم (١٥٥٥) كلاهما من طريق-","vol":"2","page":188},{"text":"..\n_________\n- الحجاج بن أرطأة عن عبد الله بن المغيرة عن عبد الله بن المقدم عن نسعة بن شداد عن أبي ذر قال:\nكنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فأتاه رجل فقال: إن الآخر زنى، فأعرض عنه ثلاث مرات، ثم ربّع، فأمرنا فحفرنا له حفيرة ليست بالطويلة، فرجم، فارتحل رسول الله ﷺ كئيبا حزينا، فسرنا حتى نزلنا منزلا، فسري عن رسول الله ﷺ فقال: «يا أبا ذر ألم تر إلى صاحبكم قد غفر له وأدخل الجنة» . قال البزار: لا نعلم أحدا رواه بهذا اللفظ إلا أبو ذر، وعبد الملك معروف، وعبد الله بن المقدام ونسعة لا نعلمهما ذكرا إلا في هذا الحديث. والحديث ذكره الهيثمي في «المجمع» (٦/ ٢٦٩) وقال: رواه أحمد والبزار، وفيه الحجاج بن أرطأة، وهو مدلس.\n١٠- حديث رجل من الصحابة:\nأخرجه النسائي في «الكبرى» (٤/ ٢٨٩) كتاب «الرجم»، باب كيف يفعل بالرجل، وذكر اختلاف الناقلين للخبر في ذلك، حديث (٧٢٠١) من طريق سلمة بن كهيل. قال: حدثني أبو مالك عن رجل من أصحاب النبيّ ﷺ قال: جاء ماعز بن مالك إلى النبيّ ﷺ أربع مرات، كل ذلك يرده، ويقول: «أخبرت أحدا غيري»، ثم أمر برجمه، فذهبوا به إلى مكان يبلغ صدره إلى حائط، فذهب يثب فرماه رجل............» الحديث.\n١١- حديث سهل بن سعد:\nذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٦/ ٢٧١) عنه قال: شهدت ماعزا حين أمر رسول الله ﷺ برجمه، فاتبعه الناس يرجمونه، حتى لقيه عمر بالجبانة، فضربه بلحي جمل فقتله.\nوقال الهيثمي: رواه الطبراني، وفيه أبو بكر بن أبي سبرة، وهو كذاب.\n١٢- حديث أبي برزة الأسلمي:\nأخرجه ابن أبي شيبة (١٠/ ٧٨) كتاب «الحدود»، باب في الزاني كم مرة يرد، حديث (٨٨٣١)، وأحمد (٤/ ٤٢٣)، وأبو يعلى (١٣/ ٤٢٦) رقم (٧٤٣١) من طريق مساور بن عبيد قال: حدثني أبو برزة قال:\nرجم رسول الله ﷺ رجلا منا يقال له ماعز بن مالك.\nوالحديث ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٦/ ٢٦٨)، وقال: رواه الطبراني، ورجاله ثقات.\n١٣- مرسل سعيد بن المسيب:\nأخرجه النسائي في «الكبرى» (٤/ ٢٨١) كتاب «الرجم»، باب اختلاف الزهري وسعيد بن المسيب في هذا الحديث، من طريق مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أن رجلا من «أسلم» جاء إلى أبي بكر الصديق فقال له: إن الآخر قد زنى، فقال له أبو بكر: هل ذكرت ذلك لأحد غيري؟ قال: لا، قال: فاستتر بستر الله فإن الله يقبل التوبة عن عباده، فأتى عمر فقال له مثل ما قاله لأبي بكر فقال له عمر ما قال له أبو بكر، فأتى رسول الله ﷺ فقال: إن الآخر قد زنى، قال سعيد: فأعرض عنه رسول الله ﷺ ثلاث مرات، كل ذلك يعرض عنه حتى إذا أكثر عليه بعث إلى أهله فقال: «أيشتكي؟ أبه جنة؟» فقالوا: والله إنه لصحيح، فقال رسول الله ﷺ: «أبكر أم ثيب؟» قال: بل ثيب، فأمر به رسول الله ﷺ، فرجم.\n١٤- مرسل الشعبي:\nأخرجه ابن أبي شيبة (٥/ ٥٣٨) كتاب «الحدود»، باب في الزاني كم مرة يرد، حديث (٢٨٧٧) من طريق جرير عن مغيرة عن الشعبي قال: شهد ماعز على نفسه أربع مرات أنه قد زنى، فأمر به رسول الله ﷺ أن-","vol":"2","page":189},{"text":"القُرآن «١»، جعَلَ رَجْمَ الرسول دُونَ جَلْدٍ ناسخًا لجَلْدِ الثيِّب، وهذا الذي عليه الأَمَّة أنَّ السُّنَّة المتواترة تَنْسَخُ القُرآن إذ هما جميعًا وحْيٌ من اللَّه سبحانَهُ، ويوجِبَانِ جميعًا العِلْم والعَمَل.\nويتَّجه عندي في هذه النَّازلة بعَيْنها أنْ يُقَالَ: إن الناسِخَ لِحُكْمِ الجَلْد هو القرآن المتَّفَقُ على رَفْعِ لفظه، وبقاءِ حُكْمه في قوله تعالى: «الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ فارجموهما أَلْبَتَّةَ»، وهذا نصٌّ في الرجم، وقد قَرَّره عمر على المِنْبر بمَحْضَر الصَّحابة، والحديثُ بكماله في مُسْلم، والسُّنَّةُ هي المبيِّنة، ولفظُ «البخاريِّ»: «أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا الرَّجْمُ لِلثَّيِّب، وَالجَلْدُ لِلْبِكْرِ» «٢» . انتهى.\nوقوله تعالى: وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ ... الآية: قال مجاهدٌ وغيره: الآيةُ الأولى في النساء عمومًا، وهذه في الرِّجال، فعقوبةُ النِّساء الحَبْسُ، وعقوبةُ الرِّجَالِ الأذى «٣»، وهذا قولٌ يقتضيه اللَّفْظ، ويستوفي نصُّ الكلام أصنافَ الزُّنَاة عامَّة ويؤيِّده مِنْ جهة اللفظ قولُه في الأولى: مِنْ نِسائِكُمْ، وقوله في الثانية: مِنْكُمْ، وأجمع العلماءُ على أنَّ هاتين الآيتين منُسْوخَتَانِ كما تقدّم.\n_________\n- يرجم. وقصة ماعز في الزنا ورجمه قد عدها الحافظ السيوطي متواترة، فذكرها في كتابه «الأزهار المتناثرة في الأحاديث المتواترة» (ص ٥٩) رقم (٨٢)، وعزاها إلى الشيخين عن جابر بن عبد الله وابن عباس ومسلم عن بريدة وجابر بن سمرة وأبي سعيد، وأبي داود عن اللجلاج ونعيم بن هزال وأبي هريرة، والنسائي عن رجل من الصحابة ومن مرسل ابن المسيب، وأحمد عن أبي بكر الصديق وأبي ذر، وابن أبي شيبة في «المصنف» عن نصر والد عثمان، ومن مرسل عطاء بن يسار والشعبي، وأبي مرة في سننه عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف.\n(١) ينظر: «البحر المحيط» للزركشي (٤/ ١٠٩)، و«البرهان لإمام الحرمين» (٢/ ١٣٠٧)، و«سلاسل الذهب» للزركشي (٣٠٢)، و«الإحكام في أصول الأحكام» للآمدي (٣/ ١٣٩)، و«نهاية السول» للأسنوي (٢/ ٥٧٨)، و«منهاج العقول» للبدخشي (٢/ ٢٥٢)، و«غاية الوصول» للشيخ زكريا الأنصاري (٨٨)، و«التحصيل من المحصول» للأرموي (٢/ ٢٣)، و«المنخول» للغزالي (٢٩٢)، و«والمستصفى له» (١/ ١٢٤)، و«الآيات البينات» لابن قاسم العبادي (٣/ ١٣٩)، و«حاشية العطار على جمع الجوامع» (٢/ ١١١)، و«المعتمد» لأبي الحسين (١/ ٣٩٢)، و«إحكام الفصول في أحكام الأصول» للباجي (٤١٨)، و«الإحكام في أصول الأحكام» لابن حزم (٤/ ٥٠٥)، و«التحرير» لابن الهمام (٣٨٨)، و«شرح التلويح على التوضيح» لسعد الدين مسعود ابن عمر التفتازاني (٢/ ٣٦)، و«ميزان الأصول» للسمرقندي (٢/ ١٠٠٦)، و«التقرير والتحبير» لابن أمير الحاج (٣/ ٦٠) .\n(٢) تقدم تخريجه.\n(٣) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (٢/ ٢٢) .","vol":"2","page":190},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-291>[سورة النساء (٤): الآيات ١٧ الى ١٨]</span>\nإِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابًا أَلِيمًا (١٨)\nوقوله تعالى: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ... الآية.\nقال ص: التوبةُ: مبتدأٌ على حذفِ مضافٍ، أي: قَبُولُ التوبةِ. انتهى.\nقال ع «١»: «إنَّمَا»: حاصرةٌ، وهو مَقْصد المتكلِّم بها أبدًا، فقد تصادِفُ من المعنى ما يقتضي العَقْلُ فيه الحَصْر كقوله تعالى: إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ [النساء: ١٧١]، وقد لا تصادف ذلك كقوله: «إنَّمَا الشُّجَاعُ عَنْتَرَةُ»، وهي في هذه الآية حاصرةٌ إذ ليستِ التوبةُ إلا لهذا الصِّنْف المذكور، وتصحُّ التوبة، وإن نَقَضَها التائِبُ في ثانِي حَالٍ بمعاودَةِ الذنْبِ، فإنَّ التوبة الأولى طاعةٌ قد انقضت وصحَّت، وهو محتاجٌ بعد مواقعة الذَّنْب إلى توبةٍ أخرى مستأنَفَةٍ، وتصحُّ أيضًا التوبةُ من ذَنْب مع الإقامة على غيره من غير نَوْعِهِ، خلافًا للمُعْتَزِلَة «٢» في قولهم: لا يكُونُ تائبًا مَنْ أقام على ذَنْب.\nوقوله تعالى: عَلَى اللَّهِ، أي: على فَضْلِ اللَّه ورحْمتِهِ لعبادِهِ، وهذا نحو قوله ﷺ: «مَا حَقُّ العِبَادِ عَلَى اللَّهِ»، إنما معناه: ما حقُّهم على فَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ، والعقيدةُ أنَّه لا يجبُ على اللَّه/ تعالى شيْءٌ عقلًا، والسُّوءَ في هذه الآية: يعمُّ الكُفْرَ والمعاصِيَ، وقوله تعالى: بِجَهالَةٍ: معناه: بسفاهةٍ، وقلَّةِ تحصيلِ أدى إلى المعصية، وليس المعنى أنْ تكونَ الجَهَالَةُ بِأنَّ ذلِك الفِعْلَ معصيةٌ لأنَّ المتعمِّد للذُّنوبِ كان يخرج من التّوبة، وهذا\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٢١) .\n(٢) كان للحسن البصري تلميذ يتلقى عليه، فلما سمعه يقرر أن مرتكب الكبيرة مذنب عاص إن لم يتب، فأمره لربه إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه عقابا لا خلود معه في النار، وأن أفعال العباد الاختيارية مخلوقة لله تعالى. عند ذلك خالف أستاذه في هاتين المسألتين، واعتزل مجلس أستاذه إلى مجلس آخر يقرر في المسألة الأولى أنه ليس بمؤمن ولا بكافر، بل هو واسطة بينهما، فلا هو بمؤمن لأن الإيمان عقيدة وعمل، ولا بكافر، ويقرر في الثانية أن العبد يخلق أفعال نفسه الاختيارية بإقدار من الله تعالى، عند ذلك قال الحسن: اعتزلنا واصل، فسموا «معتزلة» لذلك، ثم كثر أتباع واصل، وصار لهم مذهب معروف في مسائل كثيرة، منها: وجوب ثواب المطيع وعقاب العاصي، ومنها نفي الصفات القديمة، ومنها مسألة الحسن والقبح العقليين، ومسألة الصلاح والأصلح.\nينظر: «مذكرة الشيخ»، صالح موسى شرف.","vol":"2","page":191},{"text":"فاسدٌ إجماعًا، وما ذكرتُهُ في الجَهَالة قاله أصحاب النبيّ ﷺ ذَكَرَ ذلك عَنْهم أبو العَالِيَةِ «١»، وقال قتادةُ: اجتمع أصحاب النبيّ ﷺ على أنَّ كلَّ مَعْصِيَةٍ، فَهِيَ بِجَهَالَةٍ، عَمْدًا كانَتْ أو جهلًا «٢» وقال به ابنُ عَبَّاس، ومجاهد، والسُّدِّيُّ، وروي عن مجاهدٍ والضَّحَّاك أنهما قالا: الجَهَالَةُ هنا العَمْد «٣»، وقال عِكْرِمَةُ: أمور الدنيا كلُّها جهالة «٤» .\nقال ع «٥»: يريد الخاصَّة بها الخارِجَةَ عَنْ طاعة اللَّه سبحانه، وهذا المعنى عندي جَارٍ مع قوله تعالى: إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ [الحديد: ٢٠] .\nواختلف المتأوِّلون في قوله تعالى: مِنْ قَرِيبٍ.\nفقال ابن عبَّاس والسُّدِّيُّ: معنى ذلك: قَبْلَ المَرَضِ والموتِ «٦»، وقال الجمهورُ:\nمعنى ذلك قَبْلَ المعايَنَةِ للملائِكَةِ والسَّوْق، وأن يُغْلَبَ المَرْءُ على نفسه، وروى أبو قِلاَبَةَ «٧» أنَّ اللَّه تعالى لَمَّا خَلَقَ آدم فَرَآهُ إبْلِيسُ أَجْوَفَ، ثُمَّ جرى لَهُ مَا جرى، ولُعِنَ وَأُنْظِرَ، قَالَ: وَعِزَّتِكَ، لاَ بَرِحْتُ مِنْ قَلْبِهِ، مَا دَامَ فِيهِ الرُّوحُ، فقَالَ اللَّه تعالى: «وَعِزَّتِي لاَ أَحْجُبُ عَنْهُ التَّوْبَةَ مَا دَام فِيهِ الرُّوحُ» «٨» .\nقال ع «٩»: فابنُ عبَّاس (﵁) ذكَرَ أحسن أوقات التوبة، والجمهور حدّوا\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٣/ ٦٤٠) برقم (٨٨٣٣)، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (٢/ ٢٤)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٢٣١)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر.\n(٢) أخرجه الطبري (٣/ ٦٤٠) برقم (٨٨٣٤)، وذكره البغوي (١/ ٤٠٧)، وابن عطية في «المحرر الوجيز» (٢/ ٢٤)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٢٣٢)، وعزاه لعبد الرزاق، وابن جرير.\n(٣) أخرجه الطبري (٣/ ٦٤١) برقم (٨٨٤١)، (٨٨٤٢) عن مجاهد وبرقم (٨٨٤٣) عن الضحاك، وذكره البغوي (١/ ٤٠٧) عن مجاهد. وابن عطية (٢/ ٢٤) عنهما.\n(٤) أخرجه الطبري (٣/ ٦٤١) برقم (٨٨٤٤)، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (٢/ ٢٤) . [.....]\n(٥) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٢٤) .\n(٦) أخرجه الطبري (٣/ ٦٤٢) برقم (٨٨٤٥) عن السدي، وبرقم (٨٨٤٦) عن ابن عباس. وذكره البغوي (١/ ٤٠٧) عن السدي، وابن عطية في «المحرر الوجيز» (٢/ ٢٤) عنهما.\n(٧) عبد الله بن زيد بن عمرو بن عامر الجرمي، أبو قلابة البصري، أحد الأئمة، نزل «الشام» عن عائشة في «مسلم» و«النسائي» . وعن عمر مرسلا، وحذيفة، وابن عباس، وأبي هريرة، ومعاوية وخلق. وعنه مولاه أبو رجاء، وقتادة، وأيّوب، وخالد الحذّاء، وعاصم الأحول وخلق. قال أيوب: أبو قلابة من الفقهاء ذوي الألباب. قال ابن سعد: ثقة كثير الحديث. قال خليفة: مات بالشام سنة أربع ومائة، وقيل:\nسنة ست، وقيل: سنة سبع.\nينظر: «الخلاصة» (٢/ ٥٨) .\n(٨) أخرجه الطبري (٣/ ٦٤٣) برقم (٨٨٥٤)، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (٢/ ٢٤) .\n(٩) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٢٥) .","vol":"2","page":192},{"text":"آخر وقتها «١»، وروى بَشِيرُ بْنُ كَعْب، والحَسَنُ أن النبيّ ﷺ قَالَ: «إنَّ اللَّهَ تعالى يَقْبَلُ تَوْبَةَ العَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ، وَيُغْلَبْ على عَقْلِهِ» «٢» .\nقال ع «٣»: لأنَّ الرجاءَ فيه باقٍ، ويصحُّ منه النَّدَمِ والعَزْم على التركِ، وقوله تعالى: مِنْ قَرِيبٍ، إنما معناه: مِنْ قريبٍ إلى وقْت الذَّنْبِ، ومُدَّةُ الحياةِ كلِّها قريبٌ، والمبادرةُ في الصِّحَّة أفضلُ، قلت: بل المبادرة واجبَةٌ.\nوقوله تعالى: وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا، أي: بمَنْ يتوبُ، ويُيَسِّره هو سبحانه للتَّوْبَة حَكِيمًا: فيما ينفذه من ذلكَ، وفي تَأْخِيرِ من يُؤَخِّر حتى يَهْلِكَ، ثم نفى بقوله تعالى:\nوَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ ... الآية: أنْ يدخُلَ في حُكْم التائبين مَنْ حضره موتُهُ، وصار في حَيِّز اليأس كما كان فرعونُ حِينَ صار في غَمْرة المَاءِ، والغَرَقِ، فلم ينفعْهُ ما أظهره من الإيمان وبهذا قال ابنُ عَبَّاس وجماعةُ المفسِّرين «٤» .\nقال ع «٥»: والعقيدةُ عندي في هذه الآيات: أن مَنْ تاب مِنْ قريبٍ، فله حُكْمُ التائب، فَيَغْلِبُ الظَّنُّ عليه أنه ينعَّم ولا يعذَّب هذا مذهبُ أبي المَعَالِي وغيره.\nوقال غيرهم: بل هو مغفُورٌ له قطعًا لإخبار اللَّه تعالى بذلك، وأبو المَعَالِي يجعل تلْكَ الأخبار ظَوَاهِرَ مشروطةً بالمَشِيئَةِ، ومَنْ لَم يَتُبْ حتى حضره المَوْت، فليس في حُكْم التائبين، فإنْ كان كافرًا، فهو يخلَّد، وإن كان مؤمنًا، فهو عاصٍ في المشيئة، لكنْ يَغْلِبُ الخَوْفُ عليه، ويَقْوَى الظنُّ في تعذيبه، ويُقْطَعُ من جهة السمْع أنَّ مِنْ هذه الصَّنِيفَةِ مَنْ يَغْفِرُ اللَّه تعالى لَهُ تفضُّلًا منه لا يعذِّبه.\nوأَعْلَمَ اللَّه تعالى أيضًا أنَّ الذين يموتُونَ، وهم كفَّار فلا مُستعْتَبَ لهم، ولا توبةَ في الآخِرَةِ.\nوقوله تعالى: أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابًا أَلِيمًا: إنْ كانتِ الإشارة إلى الذين يموتُونَ، وهم كفَّار، فقَطْ، فالعذَابُ عذَابُ خلودٍ مؤبَّد، وإنْ كانَتِ الإشارة إليهم وإلى مَنْ ينفذ علَيْه الوعيدُ مِمَّنْ لا يتُوبُ إلاَّ مع حضورِ المَوْت/، فهو في جهة هؤلاء عذاب لا خلود معه،\n_________\n(١) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (٢/ ٢٥) .\n(٢) تقدم تخريجه.\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٢٥) .\n(٤) أخرجه الطبري (٣/ ٦٤٥) برقم (٨٨٦٣) .\n(٥) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٢٥) .","vol":"2","page":193},{"text":"وأَعْتَدْنا معناه: يسّرناه وأحضرناه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-292>[سورة النساء (٤): الآيات ١٩ الى ٢١]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (١٩) وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقًا غَلِيظًا (٢١)\nقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا ... الآية: قال ابن عَبَّاس: كانوا في الجاهليَّة، إذا مات الرجُلُ كانَ أولياؤه أحَقَّ بامرأته من أهلها، إن شاءوا تزوّجها أحدهم، وإن شاءوا زوّجوها من غيرهم، وإن شاءوا مَنَعُوهَا الزَّوَاج، فنزلَتِ الآيةُ في ذلِكَ «١» .\nوقال بعضُ المتأوِّلين: معنى الآية: لا يحلُّ لكم عَضْل النساءِ اللواتِي أنْتُم أولياء لهنَّ، وإمساكُهُنَّ دون تزويجٍ حتى يَمُتْنَ، فتورَثُ أموالُهُنَّ.\nقال ع «٢»: فعلى هذا القولِ: فالموروث مالُهَا، لا هِيَ وروي نَحْوَ هذا عن ابْنِ عَبَّاس «٣» .\nوقوله تعالى: وَلا تَعْضُلُوهُنَّ ... الآية: قال ابنُ عبَّاس وغيره: هي أيضًا في أولئك الأولياء الذين كَانُوا يَرِثُون المرأةَ، لأنهم كانوا يتزوَّجونها إذا كانَتْ جميلةً، ويمسِكُونها حتى تموتَ إذا كانت دميمةً «٤» وقال نحوَهُ الحَسَن، وعِكْرِمَة، وقال ابنُ عبَّاس أيضًا: هي في الأزواج في الرَّجُل يُمْسِكُ المرأَةَ، ويسيءُ عِشْرتها حتى تَفْتَدِيَ منه فذلك لا يحلُّ له «٥»، وقَالَ مثلَهُ قتادةَ «٦»، وهو أقوى الأقوال ودليل ذلك: قوله:\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٣/ ٦٤٧) برقم (٨٨٧٠)، وذكره البغوي (١/ ٤٠٨)، وابن عطية في «المحرر الوجيز» (٢/ ٢٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٢٣٤) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٢٦) .\n(٣) أخرجه الطبري (٣/ ٦٤٧) برقم (٨٨٧٤)، وذكره البغوي (١/ ٤٠٨)، وابن عطية في «المحرر الوجيز» (٢/ ٢٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٢٣٤)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم.\n(٤) أخرجه الطبري (٣/ ٦٤٩) برقم (٨٨٨٣)، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (٢/ ٢٧)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٢٣٤)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم. [.....]\n(٥) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (٢/ ٢٧) .\n(٦) أخرجه الطبري (٣/ ٦٥٠) برقم (٨٨٨٦)، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (٢/ ٢٧) .","vol":"2","page":194},{"text":"إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ، وإذا أتَتْ بفاحشةٍ، فليس للوليِّ حَبْسُهَا حتَّى يذهب بمالِهَا إجماعًا من الأُمَّة، وإنما ذلك للزَّوْج على ما سنبيِّنه الآن (إن شاء اللَّه)، وكذلك قوله:\nعاشِرُوهُنَّ ... إلى آخر الآية، يظهر منه تقويةُ ما ذكرته.\nواختلِفَ في معنى «الفَاحِشَةِ» هنا، فقال الحسَنُ بنُ أبي الحَسَن: هو الزِّنَا «١»، قال أبو قِلاَبَةَ: إذا زنَتِ امرأة الرجُلِ، فلا بأس أنْ يُضارَّها، ويَشُقَّ عليها حتى تَفْتَدِيَ منْه، وقال السُّدِّيُّ: إذا فعلْنَ ذلك، فَخُذُوا مهورَهُنَّ «٢» .\nقلْتُ: وحديثُ المتلاعنَيْن يضعِّف هذا القول لقوله ﷺ: «فَذَاكَ بِمَا استحللت مِنْ فَرْجِهَا ...» الحديث «٣» .\nوقال ابنُ عبَّاس وغيره: الفاحشةُ في هذه الآية: البُغْضُ والنُّشُوز فإذا نَشَزَتْ، حلَّ له أنْ يأخذ مالَهَا «٤» .\nقال ع «٥»: وهو مذهبُ مالكٍ.\nوقال قوم: الفاحشةُ: البَذَاء باللِّسان، وسوءُ العِشْرة قولًا وفعلًا، وهذا في معنَى النُّشُوز.\nقال ع «٦»: والزنا أصعَبُ علَى الزَّوْج من النُّشُوز والأذى، وكُلُّ ذلك فاحشةٌ تُحِلُّ أَخْذَ المالِ.\nوقوله تعالى: وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ: أمرٌ يعمُّ الأزواجَ والأولياءَ، ولكنَّ المتلبِّس في الأغلب بهذا الأمر الأزواجُ، والعِشْرَةُ: المخالطةُ والممازجة.\nوقوله تعالى: فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا،\n_________\n(١) ذكره البغوي في «معالم التنزيل» (١/ ٤٠٩)، وابن عطية في «المحرر الوجيز» (٢/ ٢٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٢٣٦)، وعزاه لابن جرير.\n(٢) أخرجه الطبري (٣/ ٦٥٢) برقم (٨٨٩٨)، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (٢/ ٢٨) .\n(٣) سيأتي تخريج أحاديث اللعان في محلها، وهي في سورة «النور» .\n(٤) أخرجه الطبري (٣/ ٦٥٢) برقم (٨٩٠٠)، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (٢/ ٢٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٢٣٥)، وعزاه لابن جرير عن ابن عباس.\n(٥) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٢٨) .\n(٦) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٢٨) .","vol":"2","page":195},{"text":"قال السُّدِّيُّ: الخيرُ الكثيرُ في المرأة الولَدُ «١»، وقال نحوَهُ ابْنُ عَباس» .\nقال ع «٣»: ومِنْ فصاحة القرآن العمومُ الذي في لفظَةِ «شَيْء» لأنه يطَّرد هذا النَّظَرُ في كلِّ ما يكرهه المرءُ ممَّا يجمُلُ الصبْرُ عليه، ويحسُنُ، إذ عاقبةُ الصَّبْرِ إلى خيرٍ، إذا أريد به وَجْهُ اللَّهِ.\nوقوله تعالى: وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ ... الآية: لما مضى في الآية المتقدِّمة حُكْمُ الفِرَاقِ الذي سبَبَهُ المرأةُ، وأنَّ للزوج أخْذَ المالِ منْها، عَقَّبَ ذلك بِذكْرِ الفِراقِ الذي سبَبَه الزَّوْجُ، والمَنْع من أخْذ مالها مع ذلك.\nوقال بعضُ النَّاس: يؤخَذُ من الآية جوازُ المُغَالاة بالمُهُور، وقال قوم: لا تُعْطِي الآيةُ ذلك لأن التمثيل إنما جاء على جهة المبالغةِ «٤» .\nوالبُهْتان: مصدر في موضعِ الحالِ، ومعناه: مُبْهتًا، ثم وعظ تعالى عباده، وأَفْضى: معناه: بَاشَرَ، وقال مجاهدٌ وغيره: الإفْضَاءُ في هذه الآية: الجماعُ «٥»، قال ابنُ عَبَّاس: ولكنَّ اللَّه كريمٌ يَكْنِي «٦» .\nواختلف في المراد بالميثاقِ الغَليظِ.\nفقال الحسن وغيره: / هو قوله تعالى: فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ «٧» [البقرة: ٢٢٩] وقال مجاهدٌ، وابنُ زَيْدٍ: الميثاقُ الغليظُ: عُقْدةُ النِّكاحِ «٨»، وقول الرّجل:\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٣/ ٦٥٥) برقم (٨٩١١)، وذكره البغوي في «معالم التنزيل» (١/ ٤٠٩)، وابن عطية في «المحرر الوجيز» (٢/ ٢٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٢٣٦)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم.\n(٢) أخرجه الطبري (٣/ ٦٥٥) برقم (٨٩١٢)، وذكره ابن عطية (٢/ ٢٨) .\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٢٨) .\n(٤) ومن أقبح العادات أن يطلب والد العروس من الزوج ما يعجز عن دفعه، فيضطر إلى بيع ما يملك أو الاستدانة من غيره، فيبتدىء صفحة حياته الجديدة بالهم والشقاء المستمر، وهذا من دواعي إحجام بعض الشباب عن الزواج، وفي الحديث الشريف «أقلهن صداقا أكثرهن بركة» .\nينظر: «أحكام الصداق» لشيخنا محمد جوهر.\n(٥) أخرجه الطبري (٣/ ٦٥٦) برقم (٨٩١٨)، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (٢/ ٣٠) .\n(٦) أخرجه الطبري (٣/ ٦٥٦) برقم (٨٩١٥)، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (٢/ ٣٠)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٢٣٨)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. [.....]\n(٧) أخرجه الطبري (٣/ ٦٥٧) برقم (٨٩٢٧)، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (٢/ ٣٠) .\n(٨) أخرجه الطبري (٣/ ٦٥٨) برقم (٨٩٢٨- ٨٩٣٢) عن مجاهد، وبرقم (٨٩٣٣) عن زيد. وذكره ابن-","vol":"2","page":196},{"text":"نَكَحْتُ، ومَلَكْتُ النِّكاحَ، ونحوه، فهذه التي بها تستحلُّ الفرُوج.\nوقال عكرمة، والرَّبيع: الميثاقُ الغليظُ يفسّره قول النبيّ ﷺ: «استوصوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا فَإنَّهُنَّ عَوَانٌ عِنْدَكُمْ، أَخَذْتُمُوهُنَّ بأمانة الله، واستحللتم فروجهنّ بكلمة الله» «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-293>[سورة النساء (٤): آية ٢٢]</span>\nوَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلاَّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتًا وَساءَ سَبِيلًا (٢٢)\nقوله تعالى: وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ: سبب الآيةِ ما اعتادته بعضُ قبائلِ العَرَبِ أنْ يَخْلُفَ ابنُ الرَّجُلِ على امرأةِ أَبِيهِ، وقد كان في العَرَب من تَزَوَّجَ ابنته، وهو حَاجِبُ بْنُ زُرارة «٢» .\nواختلف في مقتضى ألفاظ الآية.\nفقالَتْ فرقةٌ: قوله: مَا نَكَحَ، يريد: النساءَ، أي: لا تنكحوا النساءَ اللواتي نكَحَ آباؤكم، وقوله: إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ، معناه: ولكنْ ما قَدْ سَلَفَ، فَدَعُوهُ، وقال بعضهم:\nالمعنى: لكنْ ما قد سَلَفَ، فهو مَعْفُوٌّ عنكم لِمَنْ كان واقَعَهُ، فكأنه قال: ولا تفعلوا، حَاشَا ما قد سَلَفَ، وقالتْ فرقة: معناه: لا تَنْكِحُوا كَمَا نَكَح آباؤكم مِنْ عقودهم الفاسدةِ إلاَّ ما قَدْ سَلَفَ منْكم من تلك العقود الفاسدة، فمباح لكم إلا قامة علَيْه في الإسلامِ، إذا كان ممَّا يقرِّر الإسلامُ عَلَيْه، وقيل: إلا ما قد سَلَفَ، فهو معفوٌّ عنكم، وقال ابن زَيْدٍ: معنى الآية:\nالنهي عن أن يطأ الرجُلُ امرأةً وطئها الأبُ، إلاَّ ما سَلَفَ من الآباءِ في الجاهليَّة مِنَ الزِّنا بالنساءِ، لا على وجه المُنَاكَحَةِ، فذلك جائزٌ لكُمْ لأنَّ ذلك الزنَا كَانَ فاحشةً، والمَقْتُ:\nالبُغْض والاحتقار، بسبب رذيلة يفعلها الممقُوتُ، وَساءَ سَبِيلًا: أي: بئْسَ الطريقُ والمنهجُ لِمَنْ يسلكه إذ عاقبته إلى عذاب اللَّه.\nقال ص: «سَاءَ» للمبالغةِ فِي الذمِّ ك «بِئْسَ»، وسَبِيلًا: تفسيرُهُ، والمخصوص\n_________\n- عطية في «المحرر الوجيز» (٢/ ٣٠)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٢٣٨)، وعزاه لابن أبي شيبة عن مجاهد.\n(١) تقدم تخريجه.\n(٢) حاجب بن زرارة بن عدس، الدارمي التميمي، من سادات العرب في الجاهلية. كان رئيس تميم في عدة مواطن. وهو الذي رهن قوسه عند كسرى على مال عظيم ووفى به. وحضر يوم شعب جبلة (من أيام العرب المعروفة) قبل ١٩ أو ١٧ سنة من مولد النبيّ ﷺ، وأدرك الإسلام وأسلم. وبعثه النبيّ ﷺ على صدقات بني تميم، فلم يلبث أن مات نحو ٣ هـ. تنظر ترجمته في: «الأعلام» (٢/ ١٥٣) .","vol":"2","page":197},{"text":"بالذمِّ محذوفٌ، أي: سبيلُ هذا النكاحِ كقوله تعالى: بِئْسَ الشَّرابُ [الكهف: ٢٩]، أي:\nذلِكَ الماءُ انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-294>[سورة النساء (٤): آية ٢٣]</span>\nحُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلاَّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٣)\nوقوله سبحانه: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ ... الآية: حُكْمٌ حرَّم اللَّه به سبعًا من النَّسَب، وسِتًّا من بَيْنِ رضاعٍ وصهْرٍ، وأَلْحَقَتِ السنةُ المتواترةُ سابِعَةً، وهي الجَمْعُ بَيْنَ المرأةِ وعَمَّتها «١»، ومضى عليه الإجماع، وروي عن ابْنِ عَبَّاس أنه قال: حرّم من النّسب\n_________\n(١) وقد اختلف العلماء في الجمع بين المرأة وعمتها، أو خالتها: فذهب الأئمة الأربعة، وجمهور العلماء إلى القول بحرمة الجمع بينهما، وعلى ذلك فمن كان تحته امرأة وعقد على عمتها أو خالتها كان النكاح فاسدا يجب فسخه مطلقا. وذهبت الرافضة، والخوارج، وبعض الشيعة، وعثمان البتي إلى القول بجواز الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، وعليه فمن كان عنده امرأة، ثم عقد على عمتها أو خالتها كان النكاح صحيحا.\nاستدل الخوارج والروافض بقوله تعالى: وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ [النساء: ٢٤] . ووجه الدلالة من الآية الكريمة، أنهم قالوا: إن الله (﷾) لم يذكر في التحريم بالجمع إلا الجمع بين الأختين، ثم قال: وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ فدخلت المرأة وعمتها أو خالتها فيما أحل الله، وإذا حلت المرأة على عمتها أو خالتها، فيكون نكاحها عليها صحيحا.\nيقال لهم في هذا الدليل: إن قولكم بأن قوله تعالى: وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ عام يشمل المرأة على عمتها أو خالتها غير صحيح لأن العموم في الآية مخصص بالأحاديث الصحيحة المشهورة التي تلقتها الأمة بالقبول.\nوأما الجمهور فقد استدلوا بالسّنّة والمعقول:\nأما السنة: فأولا ما روي عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «لا يجمع بين المرأة وعمّتها ولا بين المرأة وخالتها» ووجه الدلالة من هذا الحديث: أن الرسول ﷺ نهى عن الجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها بقوله: «لا يجمع بين المرأة وعمّتها» الحديث، وهو خبر لفظا نهي معنى، فيكون الجمع بينهما حراما، وحيث حرم الجمع، فلو نكحهما معا بطل نكاحهما، وإن نكحهما مرتبا بطل نكاح الثانية لأن الجمع حصل بها.\nثانيا: ما روي أن النبيّ ﷺ قال: «لا تنكح المرأة على عمّتها ولا على خالتها ولا على بنت أخيها، ولا على بنت أختها»، وفي بعض الروايات: «لا الصّغرى على الكبرى، ولا الكبرى على الصّغرى»، فهذه الأحاديث بلغت حد الشهرة، وتلقتها الأمة بالقبول، وهي من الأخبار الموجبة للعلم والعمل فوجب استعمال حكمها مع الآية فيكون قوله تعالى: وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ مستعملا فيما عدا الأختين-","vol":"2","page":198},{"text":"سَبْعٌ، ومن الصِّهْرَ سَبْعٌ، وتلا هذه الآية «١»، وقال عمرو بن سالم مِثْلَ ذلك، وجعل السابعةَ قولَهُ تعالى: وَالْمُحْصَناتُ «٢» [النساء: ٢٤] .\nوقوله تعالى: وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ، أي: سواءٌ دَخَلَ بالبنْتِ، أو لم يَدْخُلْ، فبالعَقْدِ علَى البنْتِ حُرِّمَتِ الأُمُّ هذا الذي عليه الجمهورُ «٣» .\nوقوله تعالى: وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ ذَكَرَ الأغلَبَ من هذه الأمور إذ هذه\n_________\n- وعدا من بين النبيّ ﷺ تحريم الجمع بينهن، ولما كانت الأحاديث لا يعلم تاريخ ورودها، وجب أن تحمل على المقارنة، فتكون مخصصة لعموم الآية، ويكون الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها حراما.\nوأما المعقول، فقد قالوا: إن الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها يفضي إلى القطيعة، والقرابة المحرمة للنكاح، إنما كانت محرمة لإفضائها إلى القطيعة، فيكون حراما لأن المفضي إلى الحرام حرام.\nوحيث بطل دليل المخالفين، وثبتت أدلة الجمهور ترجح لنا مذهبهم، وهو حرمة نكاح المرأة على عمتها أو خالتها، وأنه إذا وقع فالنكاح فاسد واجب الفسخ.\n(١) أخرجه الطبري (٣/ ٦٦٢) برقم (٨٩٤٥: ٨٩٥٠)، وذكره ابن عطية (٢/ ٣١)، وابن كثير (١/ ٤٦٩)، والسيوطي (٢/ ٢٤٠- ٢٤١) .\n(٢) أخرجه الطبري (٣/ ٦٦٢) برقم (٨٩٥١)، وذكره ابن عطية (٢/ ٣١) .\n(٣) ذهب الأئمة الأربعة إلى القول بعدم اشتراط الدخول بالبنت في تحريم الأم، وهو مذهب جمهور الصحابة، وأكثر أهل العلم عليه، حتى كان من قواعدهم المشهورة قولهم: «العقد على البنات يحرم الأمّهات» وعلى ذلك يحرم على الرجل أن يتزوج بأم من عقد عليها، ولم يدخل بها، وإذا حصل، وتزوج بها كان النكاح باطلا يجب فسخه.\nوذهب داود الظاهري وبشر المريس والزبير ومجاهد إلى القول بأنه لا يحرم على الرجل أن يتزوج بأم من عقد عليها ولم يدخل بها لأن العقد على البنت عندهم لا يحرم الأم حتى يصحبه دخول. وعلى هذا لو عقد على أم من عقد عليها ولم يدخل بها يكون النكاح صحيحا.\nاستدل داود الظاهري ومن معه بقوله تعالى: وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ [النساء: ٢٣] ووجه الدلالة من هذه الآية: أنهم قالوا: إن الله (سبحانه) ذكر أمهات النساء، وعطف عليها الربائب، ثم أعقبهما بذكر الشرط، وهو الدخول فينصرف الشرط إليهما. ومما يؤيد أن الشرط راجع إليهما جميعا أنه روي عن علي بن أبي طالب ذلك، وقالوا أيضا: يصح أن يكون الموصول، وهو قوله تعالى: اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ صفة للجملتين، فيتقيدا بالدخول، ويصير معنى الآية هكذا: وأمّهات نسائكم اللّاتي دخلتم بهنّ وربائبكم اللّاتي في حجوركم من نسائكم اللّاتي دخلتم بهنّ، يقال للظاهرية ومن معهم في الآية: إن محل رجوع الشرط المذكور في آخر كلمات الآية معطوف بعضها على بعض للجميع إذا كان مصرحا به، وأما الصفة المذكورة في آخر الكلام فتصرف إلى ما يليها فقط فإنك إذا قلت مثلا: جاءني محمد وخالد العالم، فإن صفة العلم تقتصر على خالد فقط، وقوله تعالى:\nاللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ وصف بالدخول، فيقتصر على ما يليه فقط، وأما رواية أن علي بن أبي طالب قال ذلك فإنه رواها عنه خلاس بن عمر الهجري، وقد ضعفها العلماء. قال القرطبي: وحديث خلاس عن-","vol":"2","page":199},{"text":"حالةُ الرَّبِيبَةِ في الأكْثَر، وهي محرَّمة، وإن لم تكُنْ في الحِجْرِ، ويقالُ: حِجْرٌ (بكسر الحاء، وفَتْحِها)، وهو مقدَّم ثَوْبِ الإنسان وما بَيْنَ يديه منه، ثم استعملت اللفظةُ في الحفظ والسّتر.\nوقوله: اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ، قال ابن عبَّاس وغيره: الدخُولُ هنا الجماع «١»،\n_________\n- علي لا تقوم به حجة، ولا تصح روايته عند أهل العلم بالحديث، والصحيح عنه مثل قول الجماعة والقول بأن الموصول يصح أن يكون صفة للجملتين باطل لأنه لو كان وصفا لهما للزم أن يكون وصفا لمعمولي عاملين مختلفين لأن العامل في «أمهات نسائكم» الإضافة، وفي «نسائكم» حرف الجر، وهو «من»، فلو كان الدخول صفة لهما لأدى إلى اختلاف العامل في الصفة، واختلاف العامل على معمول واحد باطل، كالعطف على معمولي عاملين مختلفين، فتعين أنه ليس صفة عائدة إليهما، بل يجب أن يكون صفة لواحد منهما، وما يليه أولا، على أن الاحتياط في الفروج يقضي أن يجعل شرطا في الربيبة فقط.\nوأما الجمهور فقد استدلوا بالكتابة، والسنة والمعقول:\nأما الكتاب، فقول الله تعالى: وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ ووجه الدلالة من الآية: أنهم قالوا: إن الله (﷾) ذكر تحريم أمهات النّساء مطلقا من غير قيد بالدخول، فتحرم أمهات النّساء ولو لم يدخل بهن، ومما يؤيد إطلاق الآية الكريمة ما روي عن عبد الله بن عباس (﵄) أنه قال في هذه الآية:\n«المرأة مبهمة، فأبهموا ما أبهم الله» أي أطلقوا ما أطلقه الله، وعمموا حكمها في كل حال، ولا تفصلوا بين المدخول بها وبين غيرها. وأيضا فإن المعقود عليها يصدق عليها أنها من نسائه، فتدخل في قوله تعالى: وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ.\nوأما السنة، فأولا: ما روي عن عبد الله بن عمر (﵄) عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إذا نكح الرجل امرأة ثم طلقها قبل أن يدخل بها، فله أن يتزوج ابنتها، وليس له أن يتزوج الأم» .\nوثانيا: ما روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبيّ ﷺ قال: «إذا نكح الرّجل المرأة، فلا يحلّ له أن يتزوّج أمّها، دخل بالبنت أو لم يدخل، وإن تزوّج الأمّ فلم يدخل بها ثمّ طلّقها، فإن شاء تزوّج البنت» أخرجاه في الصحيحين.\nفهذه الأحاديث صريحة في عدم حل أم الزوجة مطلقا، دخل بها، أو لم يدخل.\nوأما المعقول، فإنهم قالوا: إن هذا النكاح يفضي إلى قطيعة الرحم لأنه إذا طلق البنت، وتزوج أمها حملها ذلك على الضغينة التي هي سبب لقطيعة الرحم، وكل ما يفضي إلى قطيعة الرحم تحرمه الشريعة الإسلامية، لذلك نجدها تحرم الجمع بين المرأة وأختها، وبين المرأة وبنتها خوفا من قطيعة الرحم، وهذا المعنى يستوي فيه ما إذا دخل بالبنت، وما إذا لم يدخل بها بخلاف الأم حيث قلنا: لا تحرم بنتها بمجرد العقد عليها لأن إباحة نكاح البنت بعد العقد على أمها لا يفضي إلى القطيعة المحرمة، وذلك لما هو معروف عن الأم من الشفقة على بنتها، فهي تؤثرها على نفسها بخلاف البنت، فإنها لا تؤثر أمها على نفسها.\nيتبين لنا من بيان الأدلة ومن مناقشة أدلة المخالفين للجمهور رجحان مذهب الجمهور، لقوة أدلتهم، وسلامتها من الطعن، وعدم قوة معارضة غيرها لها.\n(١) أخرجه الطبري (٣/ ٦٦٤) برقم (٨٩٥٩) بنحوه، وذكره ابن عطية (٢/ ٣٢)، وابن كثير (١/ ٤٧١) بنحوه، والسيوطي (٢/ ٢٤٣)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في «سننه» عن ابن عباس.","vol":"2","page":200},{"text":"وجمهورُ العلماءِ يقُولُون: إنَّ جميعَ أنواعِ التلذُّذ بالأُمِّ يُحَرِّمُ الإبنةَ كما يحرِّمها الجماعُ، والحلائلُ: جمع حليلة لأنها تحلّ مع الزَّوْج حيث حَلَّ، فهي فَعِيلَةٌ بمعنى فَاعِلَةٍ، وذهب الزَّجَّاج «١» وقومٌ إلى أنَّها مِنْ لفظة «الحَلاَلِ»، فهي حليلةٌ بمعنى مُحَلَّلَةٍ.\nوقوله تعالى: الَّذِينَ/ مِنْ أَصْلابِكُمْ يخرُج مَنْ كانَتِ العربُ تتبنَّاه مِمَّنْ ليس للصُّلْب، وحُرِّمَتْ حليلةُ الابن مِنَ الرَّضَاعِ، وإنْ لم يكُنْ للصُّلْب بالإِجماع المستند إلى قوله ﷺ: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» «٢» .\nوقوله تعالى: وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ: لفظٌ يعمُّ الجمْعَ بنكاحٍ وبملك يمين، وأجمعتِ الأمَّة على مَنْع جَمْعِهِمَا بنكاحٍ، ولا خلافَ في جواز جمعهما بالملك «٣»،\n_________\n(١) ينظر: «معاني القرآن» للزجاج (٢/ ٣٥) .\n(٢) أخرجه مالك (٢/ ٦٠١) كتاب «الرضاع»، باب رضاعة الصغير، حديث (١)، والبخاري (٥/ ٣٠٠) كتاب «الشهادات»، باب الشهادة على الأنساب والرضاع المستفيض، حديث (٢٦٤٤)، ومسلم (٢/ ١٠٦٨) كتاب «الرضاع»، باب يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة، حديث (٢/ ١٤٤٤)، والنسائي (٦/ ١٠٢- ١٠٣) كتاب «النكاح»، باب لبن الفحل، والدارمي (٢/ ١٥٥- ١٥٦) كتاب «النكاح»، باب ما يحرم من الرضاع. وعبد الرزاق (٧/ ٤٧٦) رقم (١٣٩٥٢)، وأحمد (٦/ ١٧٨)، وابن الجارود (٦٨٧)، وأبو يعلى (٧/ ٣٣٨) رقم (٤٣٧٤)، والبيهقي (٧/ ١٥٩) كتاب «النكاح»، باب ما يرحم من نكاح القرابة والرضاع ... كلهم من طريق عبد الله بن أبي بكر عن عمرة بنت عبد الرّحمن عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: «يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة» وله لفظ آخر مطولا.\nوللحديث طريق آخر عن عائشة:\nأخرجه مالك (٢/ ٦٠٧) كتاب «الرضاع»، باب جامع ما جاء في الرضاعة، حديث (١٥)، والشافعي (٢/ ١٩- ٢٠) كتاب «النكاح»، باب ما جاء في الرضاع، حديث (٥٩)، وعبد الرزاق (٧/ ٤٧٧) رقم (١٣٩٥٤)، وأحمد (٦/ ٤٤، ٥١)، وأبو داود (٢/ ٥٤٥- ٥٤٦) كتاب «النكاح»، باب يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب، حديث (٢٠٥٥)، والترمذي (٣/ ٤٥٣) كتاب «الرضاع»، باب ما جاء يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، حديث (١١٤٧)، وابن ماجة (١/ ٦٢٣) كتاب «النكاح»، باب يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، حديث (١٩٣٧) . والنسائي (٦/ ٩٩)، والدارمي (٢/ ١٥٦) كتاب «النكاح»، باب ما يحرم من الرضاع. وسعيد بن منصور (١/ ٢٧٣) رقم (٩٥٣)، وابن حبان (٤٢٠٩- الإحسان)، ومحمد بن نصر المروزي في «السنة» (ص ٨٦) رقم (٣٠٤)، والبيهقي (٧/ ١٥٩) كتاب «النكاح»، باب ما يحرم من نكاح القرابة والرضاع. والخطيب في «تاريخ بغداد» (٦/ ٣٣٣) من طرق عن عروة عن عائشة مرفوعا بلفظ: «يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة» .\nوقال الترمذي: حسن صحيح. [.....]\n(٣) أجمع المسلمون على أنه يحرم على الرجل أن يجمع بين الأختين بعقد نكاح، فمن كان عنده امرأة ثم عقد على أختها، فالعقد فاسد باتفاق المسلمين، وذلك لقوله ﷾: وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ وهذا نص واضح لإفادة التحريم حيث إنه معطوف على أُمَّهاتُكُمْ والعطف يقتضي-","vol":"2","page":201},{"text":"ومذْهَبُ مالكٍ أنَّ له أنْ يَطَأَ أَيَّتَهُمَا شَاءَ، والكَفُّ عن الأخرى موكولٌ إلى أمانَتِهِ، فإن أراد وطْءَ الأخرى، فيلزمه أنْ يحرِّم فَرْجَ الأولى بعتْقٍ، أو كتابةٍ، أو غَيْرِ ذلك وثبت عن النبيّ ﷺ: «أنه نهى أنْ يُجْمَعَ بَيْنَ المَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَبَيْنَ المَرْأَةِ وَخَالَتِهَا» «١»، وأجمعت الأُمَّة على ذلك.\n_________\n- الشركة ولأن الجمع بينهما يفضي إلى قطيعة الرحم، وهي حرام، والمفضي إلى الحرام حرام، كما اتفقوا على أنه لو عقد عليهما معا في عقد واحد كان النكاح فاسدا، وكذلك إذا عقد عليهما، ولم تعلم السابقة منهما بطل نكاحهما إذ ليس تخصيص إحداهما بالبطلان في هذه الحالة بأولى من الأخرى.\n(١) هذا الحديث تواتر عن رسول الله ﷺ ورواه عنه جماعة من أصحابه رضوان الله عليهم، وهم: أبو هريرة، وجابر بن عبد الله، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وابن عباس، وأبو سعيد الخدري، وأبو موسى الأشعري، وأنس بن مالك، وأبو الدرداء، وسمرة بن جندب، وعتاب بن أسيد، وعائشة، وسعد بن أبي وقاص.\nوإليك تخريج أحاديثهم:\nحديث أبي هريرة:\nوله طرق كثيرة عنه، وقد رواه عنه جماعة من أصحابه، وهم: عامر الشعبي، والأعرج، وأبو سلمة بن عبد الرّحمن، وقبيصة بن ذؤيب، وابن سيرين، وعراك بن مالك، وعروة بن الزبير، وعبيد الله بن عبد الله، وعبد الملك بن يسار، وإبراهيم، وسعيد بن المسيب، وأبو العالية.\nطريق الشعبي:\nعلقه البخاري (٩/ ١٦٠) كتاب «النكاح»، باب لا تنكح المرأة على عمتها، حديث (٥١٠٨)، ووصله أبو داود (٢/ ٥٥٣) كتاب «النكاح»، باب ما يكره أن يجمع بينهن من النساء، حديث (٢٠٦٥)، والترمذي (٣/ ٤٣٣) كتاب «النكاح»، باب ما جاء لا تنكح المرأة على عمتها ولا خالتها، حديث (١١٢٦)، والنسائي (٦/ ٩٨) كتاب «النكاح»، باب تحريم الجمع بين المرأة وخالتها. والدارمي (٢/ ١٣٦) كتاب «النكاح»، باب الحال التي يجوز للرجل أن يخطب فيها. وأحمد (٢/ ٤٢٦)، وعبد الرزاق (٦/ ٢٦٢) رقم (١٠٧٥٨)، وابن أبي شيبة (٤/ ٢٤٦)، وسعيد بن منصور (١/ ٢٠٨) رقم (٦٥٢)، وابن الجارود رقم (٦٨٥)، ومحمد بن نصر المروزي في «السنة» (ص ٧٨- ٧٩) رقم (٢٧٣)، وأبو يعلى (١١/ ٥١٦- ٥١٧) رقم (٦٦٤١)، والسهمي في «تاريخ جرجان» (ص ٣٩٢)، والبيهقي (٧/ ١٦٦) كتاب «النكاح»، باب ما جاء في الجمع بين المرأة وعمتها وبينها وبين خالتها. كلهم من طريق داود بن أبي هند عن الشعبي عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ نهى أن تنكح المرأة على عمتها أو على خالتها.\nوقال الترمذي: حديث حسن صحيح.\nوأخرجه الطبراني في «الصغير» (١/ ٢٢٥- ٢٢٦) من طريق ابن بزيع عن سليم مولى الشعبي عن الشعبي عن أبي هريرة مرفوعا به.\nطريق الأعرج:\nأخرجه مالك (٢/ ٥٣٢) كتاب «النكاح»، باب ما لا يجمع بينه من النساء، حديث (٢٠)، والبخاري (٩/ ١٦٠) كتاب «النكاح»، باب لا تنكح المرأة على عمتها، حديث (٥١٠٩)، ومسلم (٢/ ١٠٢٨) كتاب-","vol":"2","page":202},{"text":"وقوله تعالى: إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ: استثناء منقطعٌ، معناه: لكنْ ما قد سَلَفَ من ذلك، ووقع وأزالَهُ الإِسلام، فإن اللَّه تعالى يغفره، والإسلام يجبّه.\n_________\n- «النكاح»، باب تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، حديث (٣٣/ ١٤٠٨)، والشافعي في «مسنده» (٢/ ١٨) كتاب «النكاح»، باب الترغيب في التزوج (٥٠)، والنسائي (٦/ ٩٦) كتاب «النكاح»، باب الجمع بين المرأة وعمتها، والدارمي (٢/ ١٣٦) كتاب «النكاح»، باب الحال التي يجوز للرجل أن يخطب فيها. وأحمد (٢/ ٤٦٥)، وسعيد بن منصور (١/ ٢٠٩) رقم (٦٥٤)، ومحمد بن نصر في «السنة» (ص ٧٨) رقم (٢٧٠، ٢٧١)، والبيهقي (٧/ ١٦٥) كتاب «النكاح»، باب ما جاء في الجمع بين المرأة وعمتها وبينها وبين خالتها.\nطريق أبي سلمة:\nأخرجه مسلم (٢/ ١٠٢٩) كتاب «النكاح»، باب تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها في النكاح، حديث (٣٧/ ١٤٠٨)، والنسائي (٦/ ٩٧) كتاب «النكاح»، باب الجمع بين المرأة وعمتها، وسعيد بن منصور (١/ ٢٠٨) رقم (٦٥٠)، وأحمد (٢/ ٢٢٩، ٤٢٣)، وعبد الرزاق (٦/ ٢٦١) رقم (١٠٧٥٥)، ومحمد بن نصر المروزي في «السنة» (ص ٧٨) رقم (٢٦٩) .\nطريق قبيصة بن ذؤيب:\nأخرجه البخاري (٩/ ١٦٠) كتاب «النكاح»، باب لا تنكح المرأة على عمتها (٥١١٠)، ومسلم (٢/ ١٠٢٨) كتاب «النكاح»، باب تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها في النكاح، حديث (٣٥/ ١٤٠٨)، وأبو داود (٢/ ٥٥٤) كتاب «النكاح»، باب ما يكره أن يجمع بينهن من النساء، حديث (٢٠٦٦)، والنسائي (٦/ ٩٦- ٩٧) كتاب «النكاح»، باب الجمع بين المرأة وعمتها.\nوأحمد (٢/ ٤٠١، ٤٥٢، ٥١٨)، ومحمد بن نصر المروزي في «السنة» (ص ٧٨) برقم (٢٧٢)، والبيهقي (٧/ ١٦٥) كتاب «النكاح»، باب ما جاء في الجمع بين المرأة وعمتها وبينها وبين خالتها.\nطريق ابن سيرين:\nأخرجه مسلم (٢/ ١٠٢٩) كتاب «النكاح»، باب تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، حديث (٣٨/ ١٤٠٨)، والترمذي (٣/ ٤٣٣) كتاب «النكاح»، باب ما جاء لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها (١١٢٥)، والنسائي (٦/ ٩٨) كتاب «النكاح»، باب تحريم الجمع بين المرأة وعمتها. وابن ماجة (١/ ٦٢١) كتاب «النكاح»، باب لا تنكح المرأة على عمتها، حديث (١٩٢٩)، وأحمد (١/ ٤٧٤)، وعبد الرزاق (٦/ ٢٦١) رقم (١٠٧٥٣)، والطبراني في «المعجم الصغير» (١/ ٨٨)، وابن عدي في «الكامل» (١/ ٤١٦)، وأبو نعيم في «الحلية» (٦/ ٣٠٧)، والبيهقي (٧/ ١٦٥) كتاب «النكاح»، باب الجمع بين المرأة وعمتها.\nوقال الترمذي: حديث حسن صحيح.\nطريق عراك بن مالك:\nأخرجه مسلم (٢/ ١٠٢٨) كتاب «النكاح»، باب تحريم الجمع بين المرأة وعمتها، حديث (٣٤/ ١٤٠٨)، والنسائي (٦/ ٩٧) كتاب «النكاح»، باب الجمع بين المرأة وعمتها. والبيهقي (٧/ ١٦٥) كتاب «النكاح»، باب الجمع بين المرأة وعمتها.\nوأخرجه النسائي (٦/ ٩٧) كتاب «النكاح»، باب الجمع بين المرأة وعمتها من طريق عراك بن مالك والأعرج معا عن أبي هريرة مرفوعا به. -","vol":"2","page":203},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-295>[سورة النساء (٤): الآيات ٢٤ الى ٢٥]</span>\nوَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلاَّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٢٤) وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥)\n_________\n- طريق عروة بن الزبير وعبيد الله بن عبد الله:\nأخرجه ابن نصر في «السنة» (ص ٧٨) رقم (٢٧٢) من طريق عقيل عن الزهري عنهما عن أبي هريرة عن النبيّ ﷺ: أنه نهى أن تنكح المرأة على عمتها أو على خالتها.\nطريق عبد الملك بن يسار: أخرجه النسائي (٦/ ١٧) كتاب «النكاح»، باب الجمع بين المرأة وعمتها، ومحمد بن نصر المروزي في «السنة» (ص ٧٩) رقم (٢٧٨) من طريق بكير بن عبد الله الأشج عن سليمان بن يسار عن عبد الملك بن يسار عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: «لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها» .\nطريق إبراهيم:\nأخرجه سعيد بن منصور (١/ ٢٠٨) رقم (٦٥٣) ثنا هشيم أنا المغيرة عن إبراهيم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها، ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتكتفي ما صحفتها وللتزوج فإنما لها ما كتب لها» .\nطريق سعيد بن المسيب وأبي العالية:\nذكره ابن أبي حاتم في «العلل» (١/ ٤١٩- ٤٢٠) رقم (١٢٦٣) قال: سمعت أبي يقول: حدثنا هارون بن محمد بن بكار عن أبيه عن سعيد بن بشير عن قتادة عن سعيد بن المسيب وأبي العالية عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ نهى أن يتزوج الرجل [المرأة] على عمتها أو على خالتها. قال أبي: يروي هذا الحديث ابن أبي عروبة عن قتادة عن أبي العالية وسعيد بن المسيب، عن النبيّ ﷺ مرسلا. قالا:\nبلغنا أن النبيّ ﷺ قال: «لا ينكح» وهو أشبه، وابن أبي عروبة أحفظ. اهـ.\nوطريق ابن أبي عروبة أخرجه العقيلي في «الضعفاء» (٤/ ٣٧) وقال: المراسيل في هذا الحديث أولى.\nوقد اختلف على قتادة في هذا الحديث: فأخرجه العقيلي (٤/ ٣٧) من طريق أبي عاصم ثنا همام عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تنكح المرأة على عمتها وعلى خالتها» .\nقال العقيلي: وقد قيل: عن أبي عاصم عن همام عن قتادة عن سعيد عن النبيّ ﷺ مرسل اهـ.\nوقد خالفه محمد بن بلال: أخرجه العقيلي (٤/ ٣٧)، والبزار (٢/ ١٦٥- كشف) من طريقه: ثنا هشام عن قتادة عن الحسن عن سمرة قال: نهى رسول الله ﷺ أن تنكح المرأة على عمتها وعلى خالتها.\nقال البزار: لا نعلمه عن سمرة إلا من هذا الوجه، ولا نعلم رواه عن همام إلا محمد بن بلال ويعلى بن-","vol":"2","page":204},{"text":"وقوله تعالى: وَالْمُحْصَناتُ عطْفًا على المُحَرَّمَاتِ، قيل: والتحصّن التمنّع، ومنه\n_________\n- عباد، ومحمد أثبت من يعلى.\nوذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٤/ ٢٦٦) وقال: رواه البزار، والطبراني في «الكبير» و«الأوسط»، ورجال البزار ثقات.\nحديث جابر:\nأخرجه البخاري (٩/ ١٦٠) كتاب «النكاح»، باب لا تنكح المرأة على عمتها، حديث (٥١٠٨)، والنسائي (٦/ ٩٨) كتاب «النكاح»، باب تحريم الجمع بين المرأة وخالتها، وأحمد (٣/ ٣٣٨)، والطيالسي (١/ ٣٠٨- منحة) رقم (١٥٦٧)، وعبد الرزاق (٦/ ٢٦٢) رقم (١٠٧٥٩)، ومحمد بن نصر المروزي في «السنة» (ص ٧٩) رقم (٢٧٣)، وأبو يعلى في «مسنده» (٣/ ٤٠٨) رقم (١٨٩٠)، وابن عدي في «الكامل» (٢/ ٦٦٠)، والبيهقي (٧/ ١٦٦) كتاب «النكاح»، باب الجمع بين المرأة وعمتها. من طريق عاصم بن سليمان عن الشعبي عن جابر قال: نهى رسول الله ﷺ أن تنكح المرأة على عمتها أو على خالتها.\nوقد خالفه داود بن أبي هند، فرواه عن الشعبي عن أبي هريرة- وقد مر تخريجه-.\nقال البيهقي: الحافظ يرون رواية عاصم خطأ. وقد رده الحافظ ابن حجر في «الفتح» (٩/ ٦٠)، فقال:\nوهذا الاختلاف لم يقدح عند البخاري لأن الشعبي أشهر بجابر منه بأبي هريرة. وللحديث طرق أخرى عن جابر بشرط الصحيح أخرجها النسائي من طريق ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر، والحديث محفوظ أيضا من أوجه عن أبي هريرة، فلكل من الطريقين ما يعضده. اهـ.\nوقد تابع أبو الزبير الشعبي على هذا الحديث: أخرجه النسائي (٦/ ٩٨) كتاب «النكاح»، باب تحريم الجمع بين المرأة وخالتها، وابن جميع في «معجم الشيوخ» (ص ١١٨- ١١٩) رقم (٦٩) و(ص ٢٥٢- ٢٥٣) رقم (٢١٢) من طريقين عن أبي الزبير عن جابر به.\nحديث علي بن أبي طالب:\nأخرجه أحمد (١/ ٧٧- ٧٨)، وأبو يعلى (١/ ٢٩٧) رقم (٣٦٠)، ومحمد بن نصر المروزي في «السنة» (ص ٨٠) رقم (٢٨٣)، والبزار (٢/ ١٦٤- كشف) رقم (١٤٣٤) من طريق ابن لهيعة: ثنا عبد الله بن هبيرة عن عبد الله بن زرير عن علي بن أبي طالب، أن النبيّ ﷺ نهى أن تنكح المرأة على عمتها أو على خالتها.\nقال البزار: لا نعلمه عن علي إلا بهذا الإسناد.\nوالحديث ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٤/ ٢٦٦)، وقال: رواه أحمد، وأبو يعلى، والبزار، وفيه ابن لهيعة، وحديثه حسن، وبقية رجاله ثقات.\nحديث عبد الله بن مسعود:\nأخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» (١٠/ رقم ٩٨٠١)، والبزار (٢/ ١٦٥- كشف) رقم (١٤٣٥) من طريق المنهال بن خليفة عن خالد بن سلمة عن عمرو بن الحارث عن زينب امرأة عبد الله عن ابن مسعود مرفوعا بلفظ: «لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها، ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتكفىء ما في صحفتها» .\nقال البزار: لا نعلمه عن عبد الله عن النبيّ ﷺ إلا بهذا الإسناد. -","vol":"2","page":205},{"text":"الحِصْن، وحصنت المرأة: امتنعت بوجه مِنْ وُجُوه الاِمتناعِ، وأَحْصَنَتْ نَفْسَهَا، وأَحْصَنَهَا غيْرُها، والإحْصَانُ تستعمله العَرَبُ في أربعةِ أشياءَ، وعلى ذلك تصرَّفَتِ اللفظة في كتاب\n_________\n- وقال الهيثمي في «المجمع» (٤/ ٢٦٦): رواه الطبراني في «الكبير»، وإسناده منقطع بين المنهال بن خليفة وعمرو بن الحارث بن أبي ضرار، ورجالهما ثقات اهـ. وهذا الكلام فيه نظر فإن المنهال لم يروه هنا عن عمرو بن الحارث، إنما رواه عن خالد بن سلمة عن عمرو بن الحارث.\nحديث عبد الله بن عمرو:\nأخرجه أحمد (٢/ ١٧٩، ١٨٢، ١٨٩، ٢٠٧) عن محمد بن جعفر عن حسين المعلم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها» . قال الهيثمي في «المجمع» (٤/ ٢٦٦): ورجاله ثقات.\nوأخرجه محمد بن نصر المروزي في «السنة» (ص ٨٠) رقم (٢٨٠) من طريق الحسين بن ذكوان، وابن عدي في «الكامل» (٥/ ٣٢٨) من طريق الحكم، كلاهما عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.\nوللحديث طريق آخر عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ استند إلى بيت، فوعظ الناس وذكرهم.\nقال: «لا يصلي أحد بعد العصر حتى الليل، ولا بعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي رحم مسيرة ثلاث، ولا يعقد من امرأة على عمتها ولا على خالتها» .\nقال الهيثمي في «المجمع» (٤/ ٢٦٦): رواه أحمد، والطبراني في «الأوسط» ... ورجال الجميع ثقات، إلا أن إسناد الطبراني الأول فيه محمد بن أبي ليلى، وهو ضعيف.\nحديث عبد الله بن عمر:\nأخرجه البزار (٢/ ١٦٥- كشف) رقم (١٤٣٦)، ومحمد بن نصر المروزي في «السنة» (ص ٨٠) رقم (٢٨٤) من طريق كثير بن هشام عن جعفر بن برقان عن الزهري عن سالم عن أبيه أن النبيّ ﷺ نهى أن يجمع بين المرأة وعمتها وخالتها.\nقال البزار: لا نعلم رواه عن الزهري هكذا إلا جعفر، ولا عنه إلا كثير.\nوقال الهيثمي في «المجمع» (٤٠/ ٢٦٦): ورواه الطبراني في «الأوسط»، والبزار ...، ورجالهما رجال الصحيح.\nوقد أعل هذا الحديث أبو حاتم فقال ابنه في «العلل» (١/ ٤٠٢- ٤٠٣) رقم (١٢٠٥): سألت أبي عن حديث رواه كثير بن هشام عن جعفر بن برقان عن الزهري عن سالم عن أبيه عن النبيّ ﷺ أنه نهى أن يجلس الرجل على مائدة يشرب عليها الخمر، وأن تنكح المرأة على عمتها. قال أبي: هذان الحديثان خطأ يرويه عن جعفر عن رجل عن الزهري هكذا، وليس هذا من صحيح حديث الزهري، أما حديث «نهى أن تنكح المرأة على عمتها وعلى خالتها» فإن عقيلا رواه عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله وقبيصة بن ذؤيب عن أبي هريرة عن النبيّ ﷺ، وهو أشبه. وأما قصة المائدة، فهو مفتعل، ليس من حديث الثقات.\nوللحديث طريق آخر عن ابن عمر:\nأخرجه أبو يعلى في «معجم شيوخه» (ص ٢٨١) رقم (٢٤٨) من طريق موسى بن عبيدة عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: نهى رسول الله ﷺ أن تنكح المرأة على عمتها أو على خالتها.\nوموسى بن عبيدة الربذي: قال البخاري: منكر الحديث. (الضعفاء- ٣٤٥) .\nوقال النسائي: ضعيف. (الضعفاء والمتروكين- ٥٨١)، وكذلك ضعفه الدارقطني، فذكره في «الضعفاء» -","vol":"2","page":206},{"text":"اللَّهِ ﷿: فتستعملُهُ في الزَّوَاجِ لأنَّ مِلْكَ الزَّوْجِ منعة وحفظ، وتستعمله في الحرِّيَّة\n_________\n- (٥١٧)، وقال: لا يتابع على حديثه.\nوقال الترمذي في «السنن» (٣٠٣٩): موسى بن عبيدة يضعف في الحديث ضعفه يحيى بن سعيد وأحمد بن حنبل.\nوقال البزار (١٨٢٣- كشف): لم يكن حافظا للحديث لتشاغله بالعبادة فيما نرى اهـ.\nفالحديث بهذا الإسناد ضعيف.\nحديث ابن عباس:\nأخرجه أحمد (١/ ٣٧٢)، وأبو داود (٢/ ٥٤٤) كتاب «النكاح»، باب ما يكره أن يجمع من النساء، حديث (٢٠٦٧)، والترمذي (٣/ ٤٣٢) كتاب «النكاح»، باب لا تنكح المرأة على عمتها. ومحمد بن نصر المروزي (ص ٨٠) رقم (٢٨٤)، وابن حبان (١٢٧٥- موارد) من طريق عكرمة عن ابن عباس عن النبيّ ﷺ أنه كره أن يجمع بين العمة والخالة وبين الخالتين والعمتين.\nواللفظ لأبي داود، وزاد ابن حبان قال: «إنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم» .\nوقال الترمذي: حسن صحيح. وصححه ابن حبان.\nحديث أبي سعيد الخدري:\nأخرجه أحمد (٣/ ٦٧)، وابن ماجة (١/ ٦٢١) كتاب «النكاح»، باب لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها، حديث (١٩٣٠)، ومحمد بن نصر المروزي في «السنة» (ص ٧٩) رقم (٢٧٧) من طريق محمد بن إسحاق حدثني يعقوب بن عبد الله بن عتبة عن سليمان بن يسار عن أبي سعيد قال: سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن نكاحين: أن يجمع الرجل بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها.\nقال الحافظ البوصيري في «الزوائد» (٢/ ١٠٠): هذا إسناد ضعيف لتدليس ابن إسحاق، وقد عنعنه. اهـ.\nقلت: وكلام البوصيري فيه نظر لأن ابن إسحاق صرح بالتحديث عند المروزي في «السنة»، فالسند حسن.\nوللحديث طريق آخر:\nفأخرجه أبو محمد البخاري في «مسند أبي حنيفة» كما في «جامع المسانيد» للخوارزمي (٢/ ١٠٣) بسنده عن أبي حنيفة عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري عن النبيّ ﷺ أنه قال: «لا تتزوج المرأة على عمتها ولا على خالتها» . ومن هذا الوجه أخرجه الطبراني في «الأوسط» كما في «مجمع الزوائد» (٤/ ١٦٦) .\nوقال الهيثمي: رواه الطبراني في «الأوسط»، وفيه عطية، وهو ضعيف. وقد وثق، وفيه ضعيف آخر لا يذكر.\nحديث أبي موسى الأشعري:\nأخرجه ابن ماجة (١/ ٦٢١) كتاب «النكاح»، باب لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها، حديث (١٩٣١): حدثنا جبارة بن المغلس، ثنا أبو بكر النهشلي، حدثني أبو بكر بن أبي موسى عن أبيه قال:\nقال رسول الله ﷺ: «لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها» .\nقال البوصيري في «الزوائد» (٢/ ١٠٠) هذا إسناد فيه جبارة بن المغلس وهو ضعيف.\nمن طريق جبارة بن المغلس أخرجه أيضا أبو يعلى في «مسنده» (١٣/ ١٩٣) رقم (٧٢٢٥)، وفي «معجم-","vol":"2","page":207},{"text":"لأنَّ الإماء كان عُرْفُهُنَّ في الجاهليَّة الزِّنَا، والحُرَّةُ بخلافِ ذلك ألا ترى إلى قول هند:\n_________\n- شيوخه» (ص ١٦٨) رقم (١٢٤) .\nحديث أبي الدرداء:\nذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٤/ ٢٦٧) عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها» .\nوقال الهيثمي: رواه الطبراني، وفيه راويان لم يسميا.\nحديث سمرة بن جندب:\nتقدم تخريجه أثناء حديث أبي هريرة، فليراجع.\nحديث عتاب بن أسيد:\nأخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» (١٧/ رقم ٤٢٦) من طريق عبد العزيز بن محمد عن موسى بن عبيدة الربذي عن أيوب بن خالد عن عتاب بن أسيد عن النبيّ ﷺ قال: «لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها» .\nقال الهيثمي في «المجمع» (٤/ ٢٦٣- ٢٦٤): رواه الطبراني، وفيه موسى بن عبيدة الربذي هو ضعيف.\nواختلف على موسى في هذا الحديث: فأخرجه أبو يعلى في «معجم شيوخه» (ص ٢٨١) رقم (٢٤٨)، وابن عدي في «الكامل» (٦/ ٣٣٥) من طريق عبد الرّحيم بن سليمان عن موسى بن عبيدة الربذي عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: نهى رسول الله ﷺ أن تنكح المرأة على عمتها أو على خالتها.\nوزاد ابن عدي: ونهى عن الشغار، والشغار أن تنكح المرأة بالمرأة ليس لهما صداق.\nحديث عائشة:\nأخرجه أبو يعلى (٨/ ١٩٧- ١٩٨) رقم (٤٧٥٧)، ومحمد بن نصر المروزي في «السنة» (ص ٨٠) رقم (٢٨٢) من طريق عبيد الله بن عبد الرّحمن بن موهب قال: سمعت مالك بن محمد بن عبد الرّحمن قال: سمعت عمرة بنت عبد الرّحمن عن عائشة قالت: وجد في قائم سيف رسول الله ﷺ كتابان في أحدهما: «ولا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها» .\nولفظ أبي يعلى مطولا.\nوذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٦/ ٢٩٥) وقال: رواه أبو يعلى، ورجاله رجال الصحيح غير مالك بن أبي الرجال، وقد وثقه ابن حبان، ولم يضعفه أحد.\nوذكره أيضا ابن حجر في «المطالب العالية» (١٤٨٦)، وعزاه لأبي يعلى.\nحديث سعد بن أبي وقاص:\nأخرجه ابن عدي في «الكامل» (٣/ ٢١) من طريق مؤمل بن إسماعيل: ثنا الثوري عن خالد بن سلمة المخزومي عن سعيد بن المسيب عن سعد قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها» .\nقال ابن عدي: كذا قال لنا فيه ابن صاعد: عن سعيد بن المسيب، وقال غيره: عن محمد بن ميمون عن عيسى بن طلحة عن سعد، هكذا رواه عن ابن ميمون إبراهيم بن موسى التوزي.\nوحدثناه أحمد بن محمد بن سعيد عن عبد الله بن أبي سعد الوراق عن ابن ميمون كذلك، وهذا الحديث عن عيسى بن طلحة عن سعد أشبه من سعيد بن المسيب عن سعد لأنه قد روي عن عيسى بن-","vol":"2","page":208},{"text":"«وهَلْ تَزْنِي الحُرَّةُ»، وتستعمله في الإسلام لأنه حافظٌ، وتستعمله في العِفَّة «١» لأنها إذا ارتبط بها إنسانٌ، وظهرَتْ على شَخْصٍ مَّا، وتخلَّق بها، فهي مَنَعَةٌ وحفْظٌ.\nوحيثما وقعتِ اللفظة في القرآن، فلا تجدُها تخرُجُ عن هذه المعانِي، لكنَّها قد تقوى فيها بعضُ هذه المعانِي دُونَ بَعْض كما سيأتي بيانُهُ في مكانه (إن شاء اللَّه) .\nفقوله سبحانه في هذه الآية: وَالْمُحْصَناتُ قال فيه ابنُ عَبَّاس وغيره: هنَّ ذواتُ الأزواجِ، محرَّماتٌ إلاَّ ما ملكَتِ اليمينُ بِالسَّبْيِ «٢»، ورُوِيَ عن ابنِ شِهَابٍ أنه سُئِلَ عن هذه الآية: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ، فقال: نرى أنه حَرَّم في هذه الآية ذَوَاتِ الأزواجِ، والعَفَائِفَ مِنْ حَرَائِرَ ومملوكاتٍ، ولم يحلَّ شيءٌ من ذلك إلاَّ بنكاحٍ، أو شراءٍ، أو تملُّك «٣»، وهذا قولٌ حَسَنٌ عَمَّم لفظَ الإحصانِ، ولَفْظَ ملكِ اليمين، وذلك راجعٌ إلى أنَّ اللَّه حَرَّم الزنا، قال عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ وغيره: قوله سبحانه: كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ: إشارةٌ إلى ما ثبت من القرآن من قوله سبحانه: مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ «٤» [النساء: ٣] وفي هذا بعد،\n_________\n- طلحة عن سعد موقوفا ومرسلا اهـ. وقد خولف مؤمل في هذا الحديث خالفه عبد الرزاق وأبو عامر، فروياه عن الثوري عن خالد بن سلمة المخزومي عن عيسى بن طلحة قال: نهى رسول الله ﷺ أن تنكح المرأة على قرابتها مخافة القطيعة.\nأخرجه عبد الرزاق (٦/ ٢٦٣) رقم (١٠٧٦٧)، وأبو داود في «المراسيل» (ص ١٨٢) رقم (٢٠٨) .\n(١) قال صاحب «لسان العرب»:\nالعفة: الكف عما لا يحل ويجمل: عف عن المحارم والأطماع الدّنيّة يعف عفة، وعفّا، وعفافا، وعفافة، فهو عفيف. وعفّ أي: كف، وتعفف، واستعفف وأعفه الله، وفي التنزيل: وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحًا [النور: ٣٣] فسّره ثعلب فقال: ليضبط نفسه بمثل الصوم، وفي الحديث: «من يستعفف يعفّه الله» أي: من طلب العفة وتكلفها أعطاه الله إياها.\nوقيل: الاستعفاف: الصبر، والنزاهة عن الشيء ومنه الحديث: «اللهمّ إنّي أسألك العفّة والغنى إلخ ...» .\nوعرف علماء الأخلاق فضيلة العفة بتعاريف متعددة مختلفة أهمها ما يأتي:\nأولا: عرفها حجة الإسلام الغزالي فقال: هي تأدب قوة الشهوة بتأديب العقل والشّرع.\nثانيا: عرفها محيي الدين بن العربي: بأنها ضبط النّفس عن الشهوات وقسرها على الاكتفاء بما يقيم الجسد، ويحفظ صحته. والّذي ألاحظه على هذين التعريفين قصر العفة على شهوات البدن فقط، مع أنها تتناول ملاذ الروح أيضا.\n(٢) أخرجه الطبري (٤/ ٣) برقم (٨٩٦٢) بنحوه، وذكره ابن عطية (٢/ ٣٤- ٣٥)، والسيوطي (٢/ ٢٤٦- ٢٤٧) بنحوه.\n(٣) أخرجه الطبري (٤/ ٨) برقم (٩٠١٢)، وذكره ابن عطية (٢/ ٣٥)، والسيوطي (٢/ ٢٤٨) بنحوه، وعزاه لابن جرير عن ابن شهاب.\n(٤) أخرجه الطبري (٤/ ١١) برقم (٩٠١٨)، (٩٠١٩) بنحوه، وذكره ابن عطية (٢/ ٣٦)، وابن كثير-[.....]","vol":"2","page":209},{"text":"والأظْهَرُ أنَّ قوله: كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إنما هو إشارة إلى التحريم الحاجِزِ بَيْنَ الناسِ، وبَيْنَ ما كانَتِ الجاهليةُ تفعله.\nقال الفَخْر «١»: وكِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ: مصْدَرٌ من غير لفظ الفَعْلِ، قال الزَّجَّاج:\nويجوزُ أَنْ يكونَ مَنْصُوبًا على جهة الأَمْرِ، ويكون عَلَيْكُمْ خبرًا له، فيكون المعنَى:\nالزموا كتابَ اللَّهِ. انتهى.\nوفي «التمهيد» لأبي عُمَرَ بْنِ عَبْدِ البَرِّ: كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ: أي: حكمه فيكُمْ وقضاؤُه عليكم. انتهى.\nوقوله سبحانه: وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَراءَ ذلِكُمْ، قال عطاء وغيره: المعنى: وأُحِلَّ لكم ما وراء مَنْ حُرِّم «٢»، قلْتُ: أي: على ما علم تفصيله من الشريعة.\nقال ع «٣»: وأَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ: لفظ يجمع/ التزوّج والشراء، ومُحْصِنِينَ: معناه: متعفِّفين، أي: تُحْصِنُونَ أنفسكم بذلك، غَيْرَ مُسافِحِينَ، أي:\nغَيْرَ زُنَاةٍ، والسِّفَاحُ: الزنا.\nوقوله سبحانه: فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ، قال ابن عَبَّاس وغيره:\nالمعنى: فإذا استمتعتم بالزوْجَة، ووَقَعَ الوطْء، ولو مرَّةً، فقد وجَب إعطاء الأجْرِ، وهو المهر «٤» كلُّه، وقال ابنُ عَبَّاس أيضًا وغيره: إن الآية نزلَتْ في نكاح «٥» ...\n_________\n- (١/ ٤٧٤) بنحوه، والسيوطي (٢/ ٢٤٩) بنحوه، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(١) ينظر: «تفسير الرازي» (١٠/ ٣٥) .\n(٢) أخرجه الطبري (٤/ ١٢) برقم (٩٠٢٤)، وذكره ابن عطية (٢/ ٣٦)، وابن كثير (١/ ٤٧٤)، والسيوطي (٢/ ٢٤٩)، وعزاه لابن جرير عن عطاء.\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٣٦) .\n(٤) أخرجه الطبري (٤/ ١٣) برقم (٩٠٢٩)، وذكره ابن عطية (٢/ ٣٦)، والسيوطي (٢/ ٢٥٠) بنحوه، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والنحاس في «ناسخه» عن ابن عباس.\n(٥) أصل المتعة في اللغة: الانتفاع، يقال: تمتعت بكذا، واستمتعت بمعنى، والاسم المتعة. قال الجوهري: ومنه: متعة النكاح، ومتعة الطلاق، ومتعة الحج لأنه انتفاع، والمراد بالمتعة هنا أن يتزوج الرجل المرأة مدة من الزمن، سواء أكانت المدة معلومة مثل أن يقول: زوجتك ابنتي مثلا شهرا. أو مجهولة، مثل أن يقول: زوجتك ابنتي إلى قدوم زيد الغائب، فإذا انقضت المدة، فقد بطل حكم النكاح، وإنما سمى النكاح لأجل بذلك لانتفاعها بما يعطيها، وانتفاعه بقضاء شهوته، فكان الغرض منها مجرد التمتع دون التوالد وغيره من أغراض النكاح. -","vol":"2","page":210},{"text":"..\n_________\n- وقد كانت المتعة منتشرة عند العرب في الجاهلية، فكان الرجل يتزوج المرأة مدة ثم يتركها من غير أن يرى العرب في ذلك غضاضة، فلما جاء الإسلام أقرهم على ذلك في أول الأمر، ولم نعلم أن النبيّ ﷺ نهى عن المتعة إلا في غزوة خيبر في السنة السابعة من الهجرة فقد روي عن علي (﵁) أن رسول الله ﷺ: «نهى عن متعة النّساء يوم خيبر، وعن أكل لحوم الحمر الإنسيّة» واستمر الأمر على ذلك، حتى فتح «مكة» حيث ثبت أن النبيّ ﷺ أباحها ثلاثة أيام، وفي بعض الروايات أنه أباحها يوم «أوطاس»، ولكن الحقيقة أن ذلك كان في يوم الفتح، ومن قال: يوم «أوطاس»، فذلك لاتصالها بها، ثم حرمها رسول الله ﷺ بعد ذلك إلى يوم القيامة.\nفيعلم من هذا أن المتعة كانت مباحة قبل خيبر، ثم حرمت في خيبر، ثم أبيحت يوم الفتح، ثم حرمت بعد ذلك إلى يوم القيامة، فتكون المتعة مما تناولها التحريم والإباحة مرتين..\nوقد نشأ من هذا الاختلاف في المتعة بين الصحابة، فمنهم من يرى أن إباحة المتعة قبل خيبر كانت للضرورة وللحاجة، ثم لما ارتفعت الحاجة في خيبر نهى عنها رسول الله ﷺ، ثم لما تجددت الحاجة عام الفتح أذن فيها، ولما ارتفعت الحاجة نهى عنها، وعليه فتكون المتعة مباحة عند الحاجة، وبهذا كان يقول ابن عباس (﵄) إلا أنه رجع عنه كما سيأتي بيانه.\nومنهم من يرى أن نهي النبيّ ﷺ عن المتعة يوم خيبر كان نسخا لها، ثم رفع النسخ في يوم الفتح ثلاثة أيام، ثم نسخت بعد ذلك إلى يوم القيامة، وإلى هذا ذهب جمهور الصحابة.\nوقد اختلف الفقهاء بعد ذلك في المتعة هل هي محرمة، فتكون من الأنكحة الفاسدة، أو مباحة، فتكون من الأنكحة الصحيحة.\nفذهب الجمهور إلى القول بتحريمها، وأنها من الأنكحة الفاسدة التي تفسخ مطلقا قبل الدخول وبعده، وهو مذهب الأئمة الأربعة.\nوذهب الإمامية من الشيعة إلى القول بإباحة نكاح المتعة إلى يوم القيامة، بل منهم من تغالى في ذلك وقال: إنها قربة، وعليه فالخلاف في المتعة بين الجمهور والإمامية. ولما لم أجد كتابا من كتب الإمامية أثق به لأستطيع استيفاء الكلام على مذهبهم في المتعة رأيت أن أكتفي بما قاله شرف الدين الصنعاني، وهو من علماء الشيعة فإنه بعد أن ذكر الحديث عن علي قال ما نصه: «والحديث يدل على تحريم نكاح المتعة للنهي عنه، وهو النكاح المؤقت إلى أمد مجهول أو معلوم، وغايته إلى خمسة وأربعين يوما، ويرتفع النكاح بانقضاء الوقت المذكور في المنقطعة الحيض، والحائض بحيضتين، والمتوفى عنها بأربعة أشهر وعشر، ولا يثبت لها مهر ولا نفقة، ولا توارث، ولا عدة إلا الاستبراء بما ذكر، ولا نسب يثبت به إلا أن يشترط، وتحرم المصاهرة بسببه» . هكذا ذكره في بعض كتب الإمامية وإنا أذكر دليل الإمامية والرد عليه:\nاستدل الإمامية على القول بإباحة المتعة بالكتاب، والأثر، والمعقول، والإجماع.\nأما الكتاب، فقول الله تعالى: فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ [النساء: ٢٤] فإنهم حملوا الاستمتاع في الآية على المتعة، وقالوا: المراد بقوله تعالى: فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ أجر المتعة، ومما يؤيد أن الآية في المتعة قراءة أبي وابن عباس: «فما استمتعتم به منهنّ إلى أجل»، فهي صريحة في المتعة.\nوأما الأثر: فأولا: بما روي أن ابن عباس كان يفتي بالمتعة، ووجه الدلالة من هذا أنهم قالوا: لو لم تكن-","vol":"2","page":211},{"text":"..\n_________\n- المتعة مباحة لما أفتى بها ابن عباس إذ لا يليق بمثله أن يفتي بها مع أنها محرمة.\nوثانيا: بما روي عن جابر (﵁) قال: تمتعنا على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وصدر من خلافة عمر، ثم نهانا عمر.\nووجه الدلالة من هذا: أن جابرا (﵁) أخبر أنهم استمتعوا في زمن النبيّ ﷺ وفي خلافة أبي بكر، وفي صدر من خلافة عمر، وهذا يدل على أن المتعة مباحة، وإنما نهى عنها عمر من باب السياسة الشرعية.\nوأما المعقول: فقد قالوا: إنها منفعة خالية من جهات القبح، ولا نعلم فيها ضررا عاجلا، ولا آجلا، وكل ما هذا شأنه فهو مباح، فالمتعة مباحة.\nوأما الإجماع: فإنهم قالوا: أجمع أهل البيت على إباحتها.\nوتناقش هذه الأدلة التي تمسك بها الإمامية بما يأتي:\nأما الآية، فيقال لهم فيها: إنها بمعزل عن الدلالة لكم إذ هي محمولة على النكاح الدائم، وما يجب للمرأة من المهر كاملا إذ استمتع بها الزوج، ويؤيد هذا أنها وردت في سياق الكلام على النكاح بالعقد المعروف بعد الكلام على أجناس يحرم التزوج بها. وتسمية المهر أجرا لا يدل على أنه أجر المتعة، فقد سمي المهر أجرا في غير هذا الموضع كقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ [الأحزاب: ٥٠] أي: مهورهن، وكقوله تعالى: فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ أي: مهورهن، وأما قراءة أبيّ وابن عباس، فهي شاذة، والقراءة الشاذة لا تعارض القطعي، وهي الآية الدالة على التحريم، وهي قوله تعالى: إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ مع أن الدليلين إن تساويا في القوة وتعارضا في الحل والحرمة قدم دليل الحرمة منهما، ويقال لهم فيما روي عن ابن عباس أنه ثبت رجوعه عنه، وقد كان يفتي بها أولا لأنه فهم من نهي النبيّ ﷺ عنها يوم خيبر، ثم إباحتها يوم الفتح، ثم نهيه عنها بعد ذلك- أن الإباحة كانت للضرورة، والنهي عند ارتفاعها يؤيد ذلك ما روي عن شعبة عن أبي جمرة قال: سمعت ابن عباس سئل عن متعة النساء، فرخص فيها، فقال له مولى له: إنما ذلك في الحال الشديد، وفي النساء قلة، فقال ابن عباس: نعم فإنه يعلم من هذا أن ابن عباس كان يتأول في إباحة نكاح المتعة لمضطر إليه، ثم توقف بعد ذلك لما ثبت له النسخ.\nومما يؤيد رجوع ابن عباس ما أخرجه الترمذي، أن ابن عباس قال: إنما كانت المتعة في أول الإسلام، كان الرجل يقدم البلدة ليس له بها معرفة، فيتزوج المرأة بقدر ما يرى أنه يقيم، فتحفظ له متاعه، وتصلح له شأنه، حتى نزلت: إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ [المؤمنون: ٦] و[المعارج: ٣٠] فقال ابن عباس: فكل فرج سواهما حرام.\nوقد روى رجوعه أيضا البيهقي وأبو عوانة في صحيحه، وروي عنه أنه قال عند موته: «اللهمّ إنّي أتوب إليك من قولي في المتعة والصرف، وعليه فلا يصح الاحتجاج بفتوى ابن عباس، وقد رجع عنها» .\nويقال لهم في أثر جابر: إن قوله: «تمتعنا إلخ ...» يحمل على أن من تمتع لم يبلغه النسخ، حتى نهى عنها عمر، أو يكون جابر (﵁) قال ذلك لفعلهم في زمن رسول الله ﷺ، ثم لم يبلغه النسخ، حتى نهى عنها عمر، فاعتقد أن الناس باقون على ذلك لعدم الناقل عنده، والقول بأن عمر هو الذي نهى عنها، وأن ذلك من قبيل السياسة الشرعية غير مسلم فإن عمر إنما قصد الإخبار عن تحريم النبيّ ﷺ ونهيه عنها، إذ لا يجوز أن ينهى عما كان النبيّ ﷺ أباحه وبقي على إباحته. ومما يؤيد أن نهيه-","vol":"2","page":212},{"text":"..\n_________\n- عنها ليس من قبيل السياسة الشرعية، بل إنه نهى عنها لما علم نهي النبيّ ﷺ ما روي من طريق سالم بن عبد الله عن أبيه عن عمر قال: صعد عمر المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «ما بال رجال ينكحون هذه المتعة وقد نهى رسول الله ﷺ عنها، لا أوتى بأحد نكحها إلّا رجمته» .\nويقال لهم في المعقول: لا نسلم أنها منفعة خالية من جهات القبح، ولا ضرر فيها في الآجل ولا في العاجل، بل الضرر متحقق فيها فإن فيها امتهان المرأة، وضياع الأنساب فإنه مما لا شك فيه أن المرأة التي تنصب نفسها ليستمتع بها كل من يريد تصبح محتقرة في أعين الناس، وأيضا فهو معقول في مقابلة النص، وهو باطل.\nويقال لهم في الإجماع: أولا: إن إجماع أهل البيت (على فرض إجماعهم) ليس بحجة، فما بالك والإجماع لم يصح عنهم؟! فهذا زيد بن علي، وهو من أعلمهم يوافق الجمهور، ثم إن الإمام عليا (﵁) وهو رأس الأئمة عندهم يقول بتحريمها، فقد روي من طريق جويرية عن مالك بن أنس عن الزهري أن عبد الله بن محمد بن علي بن أبي طالب، والحسن بن محمد حدثاه عن أبيهما أنه سمع علي بن أبي طالب يقول لابن عباس: إنك رجل تائه- أي: مائل- إن رسول الله ﷺ نهى عن المتعة.\nوأما الجمهور، فقد استدلوا على تحريم نكاح المتعة بالكتاب، والسنة، والمعقول، والإجماع: أما الكتاب: فقول الله تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ [المؤمنون: ٥- ٦] و[المعارج: ٢٩- ٣٠] ووجه الدلالة من هذه الآية الكريمة: أنها أفادت أن الوطء لا يحله إلا في الزوجة والمملوكة وامرأة المتعة لا شك أنها ليست مملوكة ولا زوجة. أما أنها ليست مملوكة، فواضح. وأما أنها ليست زوجة، فلأنها لو كانت زوجة لحصل التوارث بينهما لقوله (تعالى): وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ [النساء: ١٢] الآية. وبالاتفاق لا توارث بينهما.\nوثانيا: لثبت النسب، بقوله ﷺ: «الولد للفراش، وللعاهر الحجر» وبالاتفاق لا يثبت النسب. وثالثا:\nلوجبت العدة عليها لقوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ [البقرة: ٢٣٤ و٢٤٠] الآية.\nوأما السنة: فأولا: ما روى مالك عن ابن شهاب عن عبد الله والحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب (﵁) عن أبيهما عن علي بن أبي طالب أن رسول الله ﷺ «نهى عن متعة النساء يوم خيبر، وعن لحوم الحمر الإنسية» ووجه الدلالة من الحديث: أن النبيّ ﷺ نهى عن المتعة، والنهي يدل على فساد المنهي عنه، فيكون نكاح المتعة فاسدا. والحديث يدل على نسخ ما تقدم من إباحتها.\nثانيا: ما روي عن سبرة الجهني أنه غزا مع النبيّ ﷺ فتح مكة، قال: فأقمنا بها خمسة عشر، فأذن لنا رسول الله ﷺ في متعة النساء، وذكر الحديث إلى أن قال: فلم أخرج منها حتى حرمها رسول الله ﷺ.\nوفي رواية أنه كان مع النبيّ ﷺ فقال: «يا أيها الناس إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء فليخلي سبيله، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا» رواه أحمد ومسلم ووجه الدلالة من الحديث أنه يدل برواياته على تحريم نكاح المتعة، وقد جاء في الرواية الثانية التصريح بتحريمها إلى يوم القيامة، فيكون ذلك نسخا لإباحتها، وإذا ثبت ذلك فهي من الأنكحة الفاسدة.\nوأما المعقول: فقد قالوا: إن النكاح لم يشرع لقضاء الشهوة، بل شرع لأغراض ومقاصد يتوسل به إليها.\nواقتضاء الشهوة بالمتعة لا يقع وسيلة إلى المقاصد التي من أجلها شرع النكاح، فلا يكون مشروعا. -","vol":"2","page":213},{"text":"..\n_________\n- وأما الإجماع: فقد قالوا: إن الأمة امتنعت عن العمل بالمتعة مع ظهور الحاجة إلى ذلك، وما ذلك إلا لعلمهم بنسخها.\nوقد نوقشت أدلة الجمهور بما يأتي:\nأما حديث علي، فقد قيل لهم فيه: إنه وقع فيه كلام، حتى زعم ابن عبد البر أن ذكر النهي بيوم خيبر غلط. وقال السهيلي: ويتصل بهذا الحديث تنبيه على إشكال لأن فيه النهي عن نكاح المتعة يوم خيبر، وهذا شيء لا يعرفه أهل السير ورواة الآثار. والذي يظهر أنه وقع تقديم وتأخير في لفظ الزهري. وقد أشار ابن القيم إلى تقرير هذا التقديم والتأخير فقال: وأما نكاح المتعة، فثبت عنه أنه أحلها عام الفتح، وثبت عنه أنه نهى عنها عام الفتح، واختلف هل نهى عنها يوم خيبر على قولين، والصحيح أن النهي إنما كان عام الفتح، وأن النهي يوم خيبر إنما كان عن الحمر الأهلية وإنما قال علي لابن عباس: إن رسول الله ﷺ نهى يوم خيبر عن متعة النساء، ونهى عن الحمر الأهلية محتجا عليه في المسألتين، فظن بعض الرواة أن التقييد بيوم خيبر راجع إلى الفعلين، فرواه بالمعنى، ثم أفرد بعضهم أحد الفعلين، وقيده بيوم خيبر.\nوترد هذه المناقشة بأن أصحاب الزهري قد اتفقوا على أن نهي النبيّ ﷺ عن المتعة يوم خيبر، وهم حفاظ ثقات، وزيادة الحافظ الثقة تقبل. ولهذا قال عياض تحريمها يوم خيبر صحيح لا شك فيه، والقول بأنه وقع في لفظ الزهري تقديم وتأخير يخالفه ظاهر الحديث فإن ظاهره أن عام خيبر ظرف لتحريم نكاح المتعة.\nومما يؤيد هذا الظاهر حديث ابن عمر الذي أخرجه البيهقي بإسناد قوي أن رجلا سأل عبد الله بن عمر عن المتعة، فقال: حرام، قال: فإن فلانا يقول فيها، فقال: والله لقد علم أن رسول الله ﷺ حرمها يوم خيبر، وما كنا مسافحين.\nوالذي يظهر أن القائلين بأن النهي يوم خيبر إنما كان عن لحوم الحمر الأهلية يحاولون بذلك استبعاد أن تكون المتعة قد نسخت مرتين لأنه ثبت النهي عنها يوم الفتح، ومعلوم أن يوم الفتح بعد خيبر، إذ أن خيبر في السنة السابعة من الهجرة، وغزوة الفتح في السنة الثامنة فيلزم من ذلك نسخها مرتين.\nونحن نرى أن لا داعي لهذه المحاولة ما دام الحديث ظاهرا في أن يوم خيبر ظرف لتحريم نكاح المتعة، ولا مانع من نسخها مرتين، ولها نظير في الشريعة الإسلامية، وهو مسألة القبلة فقد نسخت مرتين، وذلك أن النبيّ ﷺ كان يصلي بمكة إلى الكعبة، ثم أمر بالصلاة إلى بيت المقدس بعد الهجرة تأليفا لليهود، وامتحانا للمسلمين الذين اتبعوه بمكة، ثم حول إلى الكعبة ثانيا. وقيل لهم في حديث سبرة الجهني: أن القول بأن النبيّ ﷺ حرمها إلى يوم القيامة معارض بما روي عنه أن النبيّ ﷺ نهى عن المتعة في حجة الوداع كما عند أبي داود.\nوترد هذه المناقشة بأن هذا اختلف فيه عن سبرة، والرواية عنه بأنها في الفتح أصح لأنهم في فتح مكة شكوا للنبي ﷺ العزوبة، فرخص لهم فيها مدة ثم نسخها، وعلى تسليم صحة النهي عنها في حجة الوداع، فنقول: إن النبيّ ﷺ أعاد النهي في حجة الوداع ليسمعه من لم يكن سمعه قبل، فأكد ذلك حتى لا تبقى شبهة لأحد يدعي تحليلها.\nويقال لهم في الإجماع: إنه غير مسلم فقد ثبت الجواز عن ابن عباس كما ثبت عن جماعة من التابعين. -","vol":"2","page":214},{"text":"المُتْعة «١»، قال ابنُ المُسَيَّب: ثم نُسِختْ «٢» .\nقال ع «٣»: وقد كانَتِ المتعةُ في صَدْرِ الإسلامِ، ثم نهى عنها النبيّ ﷺ.\nوقوله تعالى: وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ، أي: مِنْ حَطٍّ أو تأخيرٍ بعد استقرار الفَريضَةِ، ومَنْ قال بأنَّ الآية المتقدِّمة في المُتْعَة، قال: الإشارةُ بهذه إلى أنَّ ما تراضَيَا علَيْه من زيادةٍ في مُدَّة المتعة، وزيادة في الأجر جائز.\n_________\n- ويجاب عن هذا بأن ابن عباس صح عنه أنه رجع عن القول بحل المتعة، كما قدمنا فانعقد الإجماع على تحريمها. وأما خلاف بعض التابعين فإنه إن صح عنهم لم يضر بعد تقرر التحريم قبل حدوثهم.\nيتبين لنا من بيان الأدلة ومناقشاتها رجحان مذهب الجمهور من أن المتعة حرام، وهي من الأنكحة الفاسدة لقوة أدلتهم، وأنه لا عبرة بمخالفة الإمامية لما تبين من بطلان ما تمسكوا به من الأدلة.\nهذا وقد نسب بعض العلماء القول بصحة نكاح المتعة إلى إمام دار الهجرة (﵁) قال صاحب «الهداية» من الحنفية: «ونكاح المتعة باطل، وهو أن يقول لامرأة: أتمتع بك كذا مدة بكذا من المال» وقال مالك (﵀): «هو جائز» .\nوهذه النسبة باطلة فإن الإمام مالكا (﵁) لم يقل بإباحة نكاح المتعة، ولا قال به أحد المالكية فإنهم جميعا اتفقوا على تحريم نكاح المتعة.\nولأجل مخالفة هذه النسبة لمذهب المالكية نجد بعض علماء الحنفية أنكرها على صاحب «الهداية» . قال ابن نجيم في «البحر الرائق»: وما في «الهداية» من نسبته إلى مالك، فغلط كما ذكره الشارحون.\nوالموجود في كتب المالكية إنما هو فيمن نكح نكاحا مطلقا، ونيته ألا يمكث معها إلا مدة نواها، فقالوا: إن ذلك جائز، وليس هو بنكاح متعة ولو علمت المرأة بنيته. وهذا لم ينفرد به المالكية بل قال به الجمهور، إلا ما روي عن الأوزاعي فقد قال: هذا نكاح متعة، ولا خير فيه. وقد قال الإمام مالك:\nليس هذا من الجميل، ولا من أخلاق الناس.\nفإن قيل: ما الفرق بين هذا النكاح الذي نوى فيه الرجل الإقامة معها مدة نواها، وبين نكاح المتعة الذي قالت به الإمامية وقلتم ببطلانه؟؟ نقول: الفرق بينهما واضح، وهو أن نكاح المتعة الذي قلنا ببطلانه، والذي قالت به الإمامية دخلا فيه على تحديده بمدة معينة أو غير معينة. وأيضا فهو نكاح لا تترتب عليه أحكام النكاح من التوارث ولحوق النسب ووجوب العدة بخلاف هذا، فإنه وإن نوى الإقامة معها مدة إلا أنهما لم يدخلا على ذلك، وهو نكاح تترتب عليه آثاره، ففرق بينهما، غاية الأمر أنه نوى الإقامة معها مدة نواها، وهذا لا يضر لأن الرجل بيده الطلاق، فله أن يطلق في أي وقت شاء.\nينظر: «الروض النضير شرح مجموع الفقه الكبير» (٤/ ٢٢)، و«زاد المعاد» (٤/ ٨)، و«الهداية» (٢/ ٣٨٤) .\n(١) أخرجه الطبري (٤/ ١٤) برقم (٩٠٣٧) بنحوه، وذكره البغوي (١/ ٤١٤)، وابن عطية (٢/ ٣٦)، والسيوطي (٢/ ٢٥٠) بنحوه، وعزاه لابن أبي حاتم عن ابن عباس.\n(٢) ذكره ابن عطية (٢/ ٣٦)، والسيوطي (٢/ ٢٥١) بنحوه، وعزاه لأبي داود في «ناسخه»، وابن المنذر، والنحاس، والبيهقي.\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٣٧) . [.....]","vol":"2","page":215},{"text":"وقوله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا ... الآية: قال ابنُ عَبَّاس وغيره:\nالطَّوْل هنا: السَّعَة في المالِ «١» وقاله مالِكٌ في «المُدَوَّنة»، فعلى هذا التأويلِ لا يصحُّ للحُرِّ أنْ يتزوَّج الأَمَةَ إلاَّ باجتماع شرطَيْنِ: عَدَمِ السَّعَةِ في المالِ، وخَوْفِ العَنَتِ، وهذا هو نصُّ مالك في «المدوَّنة» .\nقال مالك في «المُدَوَّنة»: «ولَيْسَتِ الحُرَّة تحته بِطَوْل، إنْ خَشِيَ العَنَتَ»، وقال في «كتاب محمَّد» ما يقتضِي أنَّ الحُرَّة بمثابة الطَّوْل.\nقال الشيخُ أبو الحَسَن اللَّخْمِيُّ: وهو ظاهرُ القرآن، ونحوه عنِ ابْنِ حَبيبٍ «٢» .\nوقال أبو حنيفة: وجودُ الحُرَّة تحته لا يَجُوزُ معه نكاحُ الأَمَةِ وقاله «٣» الطَّبَرِيُّ، وتقولُ: طَالَ الرَّجُلُ طَوْلًا (بفتح الطاء) إذا تفضَّل، ووَجَدَ، واتسع، وطُولًا (بضمها): في ضِدِّ القصر، والْمُحْصَناتُ في هذا الموضع: الحرائرُ- والفتاةُ، وإن كَانَتْ في اللغة واقعةً على الشَّابَّة، أَيَّةً كانَتْ، فعرفها في الإماء، وفتى كذلك، والْمُؤْمِناتِ في هذا الموضع: صفةٌ مشترطةٌ عند مالك، وجمهور أصحابه، فلا يجوزُ نكاحُ أمةٍ كافرةٍ «٤»\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٤/ ١٧) برقم (٩٠٥٢) بنحوه، وذكره ابن عطية (٢/ ٣٧)، والسيوطي (٢/ ٢٥٣) بنحوه، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٢) ذكره ابن عطية (٢/ ٣٧) .\n(٣) ينظر: «تفسير الطبري» (٤/ ١٨) .\n(٤) اختلف الفقهاء في ذلك، فذهب إلى جوازه مع كونه خلاف الأولى الحنفية وأحمد في رواية، وهو المنقول في «العتبية» و«الواضحة» من سماع ابن القاسم عن مالك.\nوذهب الشافعية والحنابلة في ظاهر مذهبهم، والمالكية في المشهور عندهم إلى القول بعدم جواز التزوج مطلقا.\nاستدل المانعون بالكتاب:\nأولا: قوله تعالى: وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ [البقرة: ٢٢١] وجه الدلالة: أن الآية دلت على تحريم المشركات. والكتابية مشركة، فيحرم نكاحها حرة كانت أو أمة لاندراجها تحت العموم، لا أن الله (تعالى) خص الحرائر بالحل بقوله: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ [المائدة: ٥] إذ المراد بالمحصنات الحرائر، فبقيت الإماء على أصل المنع وعدم الحل كالوثنيات والمجوسيات.\nونوقش بأن المستدل منع فيما تقدم أن تكون الكتابية مشركة، ونفى إرادة الكتابية من لفظ «المشركات» في قوله تعالى: وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ، وكيف يصح هذا وقد خصهن العرف باسم آخر ولم يطلق عليهم اسم الشرك؟! يؤيده خصوصية كل منهما باللفظ، والعطف في أسلوب القرآن، فإن الأخير يقتضي المغايرة.\nولو سلمنا اندراجهن تحت عموم المشركات وإرادتهن من اللفظ، فقد خرجن بالاتفاق على تخصيص هذا العموم بحل الحرائر من الكتابيات بآية وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ، فلم تبق الآية على-","vol":"2","page":216},{"text":"عندهم قُلْتُ: والعلَّة في مَنْعِ نكاحِ الأَمَةِ ما يئول إليه الحال من استرقاق الولد.\n_________\n- عمومها فلا يحتج بها. ثم ما تقدم على القول بتفسير المحصنات بالحرائر. أما إن فسرت بالعفائف (كما جرى عليه الحنفية استنادا إلى أن الإحصان في كلام العرب عبارة عن المنع، وهو يحصل بالحرية والإسلام) . فاسم العفائف متناول للحرائر والإماء، فيكنّ في الحكم سواء. وحيث وقع الاتفاق على حل الحرائر، فالإماء كذلك لعدم الفصل في الدليل المبيح.\nوثانيا من الكتاب: قوله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ [النساء: ٢٥] دلت الآية على أن حل المتزوج بالإماء مشروط بشرطين هما إيمانهن وعدم قدرة المتزوج بهن على طول الحرة، فإذا انتفى الإيمان منهن (وهو أحد الشرطين) بأن كن كتابيات انتفى الحكم، وهو الحل، فيحرم نكاحهن بناء على أن الحكم متى علق بشرط أو أضيف إلى مسمى بوصف خاص، أوجب نفي الحكم عند عدم الشرط أو الوصف، فكان انتفاء الشرطين أو أحدهما وهو الإيمان مفيدا لتحريم الإماء.\nونوقش بأن هذه الآية غاية ما تفيد وجود الحكم عند وجود الشرط، أما نفي الحكم عند نفي الشرط، فلم تتعرض له الآية، فلا دلالة فيها على التحريم إذ اللفظ لا يدل على خلاف الموضوع له.\nوغاية درجات الوصف إذا كان مؤثرا أن يكون علة، ولا تأثير للعلة في نفي الحكمة لأن عدم العلة لا يصلح أن يكون علة لعدم الحكم لكون العدمي لا يكون علة لحكم عدمي ولا وجودي، وعلى ذلك فالآية أفادت حل الإماء المؤمنات عند الشرط لا تحريم الكتابيات.\nولو سلمنا للمستدل حجية المفهوم، فمقتضى مفهوم الآية عدم الإباحة الثابتة عند وجود القيد المبيح، وعدم الإباحة أعم من ثبوت الكراهة أو الحرمة لأنه لا دلالة للأعم على أخص بخصوصه. وعليه يجوز ثبوت الكراهة أو الحرمة على السواء لا ثبوت الحرمة بعينها، لكن لما كانت الكراهة أقل تعينت، وإليها مالت الحنفية. وصرح بذلك صاحب «البدائع» منهم.\nفإن قال قائل: إن الوصف بالإيمان يدل على الحرمة عند عدمه، فتحرم الأمة الكتابية لعدم تحقق وصف الإيمان فيها. ولهذا نظير معتبر متفق عليه وارد في القرآن الكريم هو قوله تعالى في كفارة القتل:\nفَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ [النساء: ٩٢] فقد وقع الاتفاق على عدم إجراء الرقبة الكافرة في هذه الكفارة لكونها مقيدة بالإيمان، فكأنهم اعتبروا الوصف الوارد في الآية.\nأجيب بأن تحرير الرقبة في كفارة القتل لم يشرع إلا مقيدة بالإيمان، بخلاف النكاح فقد شرح مطلقا ومقيدا.\nواستدل المانعون بالمعقول من وجهين:\nالوجه الأول: أن نكاح الإماء في الأصل ثبت ضرورة وما ثبت بالضرورة يقتصر على قدرها الوارد به النص. وقد ورد النص بحل الحرائر والإماء المؤمنات لكون الضرورة مرتفعة بهما، فلا تحل الإماء الكتابيات لعدم ورود النص بذلك.\nأما أن نكاح الإماء ثابت ضرورة، فلما فيه من تعريض الولد للرق الذي هو موت حكما، فكان كالإهلاك حسّا إذ به يخرج الشخص عن أن يكون منتفعا به في حق نفسه ملحقا بالعجماوات في البيع والشراء، وهلاك الجزء من غير ضرورة لا يجوز.\nوالوجه الثاني: هو أن التزوج بالإماء الكتابيات يؤدي إلى تعريض ولد الحر المسلم لرق الكافر لأن الولد ينشأ رقيقا برق أمه، فإذا كانت الأم مملوكة لكافر وتزوجها حر مسلم نشأ الولد رقيقا برق أمه، -","vol":"2","page":217},{"text":"وقوله تعالى: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ، ومعناه: واللَّهُ أعلمُ ببَوَاطِنِ الأمور، ولكم ظواهرُها، فإذا كانَتِ الفتاةُ ظاهِرُها الإيمانُ، فنكاحها صحيح، وفي اللفظ\n_________\n- مسلما بإسلام أبيه، مملوكا لكافر هو سيد أمه. ولا شك أن هذا التعريض محظور شرعا، فيحظر ما أفضى إليه، وهو التزوج بالأمة الكتابية إذ أن ما يفضي إلى المحظور يكون محظورا.\nونوقش المعقول بوجهيه: بأن على تسليم كون نكاح الإماء فيه تعريض الولد للرق لا يفضي إلى التحريم بل يفيد الكراهة إذ لو كان محرما لما أجاز الشارع للعبد أن يتزوج بأمتين مع وجود العلة المذكورة في نكاحه، كما أن تحصيل الولد رقيقا مسلما أولى من عدم تحصيله أصلا لأن فيه تكثير المقرين بالوحدانية الأمر الذي هو المقصود الأصلي من النكاح. أما كون الولد حرا بعد كونه مسلما، فهو كمال يرجع إلى أمر دنيوي. وفي إمكان المتزوج بالأمة الكتابية عدم تحصيل الولد أصلا بنكاح من لا تلد فلا يتحقق المانع، فلا تحرم. أما كون النكاح فيه تعريض ولد الحر المسلم لرق الكافر، فهذا غير مطرد، ومؤثر في بعض الحالات دون بعض، وغاية ما يفيد الكراهة لا الحرمة.\nوهناك معقول ثالث: استدل به المانعون هو أن الأمة الكتابية جمعت بين نقصين مؤثرين في منع النكاح هما الكفر والرق، فيحرم نكاحها كالحرة المجوسية، حرمت لاجتماع نقصي الكفر وعدم الكتاب فيها.\nونوقش: بأن المانع من نكاح الحرة المجوسية هو تغليظ كفرها بعدم الانتماء إلى نبي أو كتاب منزل، فأشبهت المشركة، ولا كذلك الأمة الكتابية فظهر الفرق بينهما.\nواستدل المجيزون بالكتاب والمعقول: أولا: الكتاب، وهو قوله تعالى: فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ [النساء: ٣] الآية، وقوله: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ، وقوله:\nوَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ [المائدة: ٥] .\nوجه الدلالة: أن العمومات التي اشتملت عليها هذه الآيات أفادت حل النكاح بالنساء مطلقا من غير تقييد بحرائر أو إماء بإيمان أو غير إيمان. ذلك لأن الآية أفادت حل النساء المستطابة مطلقا من غير تقيد بحرية أو غيرها. والآية الثانية أفادت حل المملوكات، وهو بإطلاقه شامل للكتابيات وغيرها.\nوالآية الثالثة إنّما يتم الاستدلال بها على المطلوب إذا فسّرت المحصنات بالعفائف لأن العفيفة كما تكون حرة تكون أمة. دل عليه استثناؤها من المحصنات في قوله: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ [النساء: ٢٤]، فكان لفظ «المحصنات» متناولا للإماء كما هو متناول للحرائر.\nونوقش: بأن هذه العمومات المستدل بها مراد بها الحرائر دون الإماء، شهد بذلك سياق الآيات ففي سياق قوله: فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ وقوله تعالى: وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً [النساء: ٤] والمملوكة سيدها هو المتولي قبض مهرها، فكان هذا دليلا على خصوصية الحرائر بالآية لأنهن اللائي يقبضن مهورهن.\nوكذا قوله: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ [النساء: ٣] سيق لبيان عدم اشتراط العدل في نكاح المملوكات دون الحرائر.\nأما قوله: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ فلا دلالة فيها على حل نكاح الإماء لأن الإحصان اسم مشترك يتناول معان مختلفة، وليس بعام حتى يجري على مقتضى لفظه، فكان مجملا موقوفا على البيان معناه. ووقوع الاتفاق على أن حل الحرائر من الكتابيات مستفاد من الآية مشعر بورود بيان يفيد ذلك. أما الإماء، فعدم البيان في حقهن مبق لهن على أصل المنع والتحريم.\nوأجيب: بأن دعوى سوق العمومات في الحرائر دون الإماء لا تمنع دلالة العمومات على حل الإماء-","vol":"2","page":218},{"text":"أيضًا: تنبيهٌ على أنهُ ربَّما كان إيمانُ أَمَةٍ أَفْضَلَ مِنْ إيمانِ بعضِ الحرائرِ، فلا تَعْجَبُوا بمعْنَى الحُرِّيَّة، والمَقْصِدُ بهذا الكلامِ أنَّ الناس سواءٌ، بَنُو الحرائرِ، وبَنُو الإمَاءِ، أكرمهم عنْدَ اللَّهِ أتقاهُمْ، وفي هذا توطئَةٌ لنفوسِ العَرَبِ التي كانَتْ تَسْتَهْجِنُ ولَدَ الأَمَةِ.\nوقوله تعالى: فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ، معناه: بولايةِ أربابِهِنَّ المالكين، وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ، أي: مُهُورَهُنَّ، بِالْمَعْرُوفِ: معناه: بالشَّرْع والسُّنَّة، ومُحْصَناتٍ:\nالظاهرُ أنه بمعنى عفيفاتٍ.\nقال ص: مُحْصَنَاتٍ: منصوبٌ على الحَالِ، والظَّاهِرُ أنَّ العَامِلَ وآتُوهُنَّ، ويجوزُ أَنْ يَكُونَ العامِلُ: فانكحوهن مُحْصَنَاتٍ، أي: عفائفَ. انتهى.\nوالمسافِحَاتُ: الزوانِي المتبذِّلاتُ اللَّوَاتِي هُنَّ سُوقٌ للزِّنا، ومتَّخِذَاتُ الأخدانِ هنَّ المُسْتَتِرَاتُ اللواتِي يصحبن واحدًا واحدًا، ويَزْنينَ خفيةً، وهذان كانا نَوْعَيْن في زنا الجاهليَّة قاله ابنُ عبَّاس وغيره «١» .\n_________\n- الكتابيات إذ ليس هناك ما يمنع ثبوت حكم بسياق اللفظ وآخر بإشارته.\nوما استندوا إليه من الاتفاق على حل الحرائر لا ينهض حجة لهم لأن التحريم لا يثبت إلا بنص، فما لم يرد يكون حكم العموم جاريا على أفراده، وهاهنا كذلك، فتكون العمومات متناولة للحرائر والإماء على أن الراجح إرادة العفائف من المحصنات لا غيرها في هذا المقام، كما روي هذا عن جماعة من السلف.\nوأيده كون العفة من معاني الإحصان، وورود القرآن الكريم بذلك، وما عدا هذا المعنى من معاني الإحصان فغير مراد لعدم قيام الدليل، وحيث كانت العفة هي المرادة وهي صادقة على الحرائر والإماء، وجب اعتبار عموم العفة في تناولها للحرائر والإماء، فوجب القول بحل الإماء الكتابيات لأنها من أفراد العام في الآية.\nواستدلوا ثانيا بالمعقول، وهو قياس الأمة الكتابية على الأمة المسلمة بجامع جواز وطء كل منهما بملك اليمين، فحيث جاز نكاح الأمة المسلمة اتفاقا، جاز كذلك نكاح الأمة الكتابية.\nونوقش: بأن وطء الإماء بملك اليمين أقل شأنا من وطئهن بملك النكاح. وثبوت الحكم في الأدنى غير مستلزم ثبوته في الأعلى، ولذا كانت الأمة المسلمة يجوز وطؤها بملك اليمين، وعند وجود حرة تحت الزوج يمتنع، ولو كانت حرة لا أمة لجاز النكاح.\nوأجيب: بأن ما استظهر به من منع نكاح الأمة المسلمة عند وجود حرة، لا يصلح علة في جميع الأحوال، بل هو علة لجواز الأمة منفردة غير مجموعة إلى غيرها، ومن هنا كانت الأمة المسلمة يجوز وطؤها بملك اليمين، ويجوز نكاحها منفردة، وحين تكون تحت الزوج حرة يمتنع نكاحها من جهة أخرى هي جمعها مع حرة.\nينظر: «أثر الاختلاف في الأحكام» لشيخنا بدران أبو العينين.\n(١) أخرجه الطبري (٤/ ٢٢) برقم (٩٠٧٦) بنحوه، وذكره ابن عطية (٢/ ٣٩)، والسيوطي (٢/ ٢٥٤)، وعزاه لابن جرير عن ابن عباس.","vol":"2","page":219},{"text":"وقوله تعالى: فَإِذا أُحْصِنَّ ... الآية، أي: تزوَّجْن، قال الزُّهْرِيُّ وغيره:\nفالمتزوِّجة محدودةٌ بالقرآن، والمُسْلِمَةُ غير المتزوِّجة محدودةٌ بالحديث، وفي مسلمٍ والبخاريُّ، «أنه قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الأَمَةُ إذَا زَنَتْ، ولَمْ تُحْصَنْ»، فأوْجَبَ/ علَيْها الحدَّ» والفاحشة «١»، هنا الزّنا.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٤/ ٣٦٩) كتاب «البيوع»، باب بيع العبد الزاني، حديث (٢١٥٣)، ومسلم (٣/ ١٣٢٩) كتاب «الحدود»، باب رجم اليهود أهل الذمة في الزنى، حديث (٣٣/ ١٧٠٤)، ومالك (٢/ ٨٢٦) كتاب «الحدود»، باب جامع ما جاء في الزنا، حديث (١٤)، وأبو داود (٢/ ٥٥٦) كتاب «الحدود»، باب في الأمة تزني ولم تحصن، حديث (٤٤٦٩)، وابن ماجة (٢/ ٨٥٧) كتاب «الحدود»، باب إقامة الحدود على الإماء، حديث (٢٥٦٥)، والدارمي (٢/ ١٨١) كتاب «الحدود»، باب في المماليك يقيم عليهم سادتهم الحدود دون السلطان، وأحمد (٤/ ١١٦، ١١٧)، والشافعي في «الأم» (٦/ ١٣٥)، وأبو داود الطيالسي (١/ ٣٠٠- منحة) رقم (١٥٢٨)، والحميدي (٢/ ٣٥٥) رقم (٨١٢)، وعبد الرزاق (٧/ ٣٩٣) رقم (١٣٥٩٨)، وابن أبي شيبة (٩/ ٥١٣)، وابن الجارود في «المنتقى» رقم (٨٢١)، وابن حبان (٤٤٢٧- الإحسان)، والطبراني في «الكبير» (٥/ ٢٣٨) رقم (٥٢٠١، ٥٢٠٢، ٥٢٠٣، ٥٢٠٤، ٥٢٠٥، ٥٢٠٦، ٥٢٠٧)، والدارقطني (٣/ ١٦٢) كتاب «الحدود والديات»، حديث (٢٣٦)، والبيهقي (٨/ ٢٤٢) كتاب «الحدود»، باب ما جاء في حد المماليك، كلهم من طريق عبيد الله بن عبد الله عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني أن رسول الله ﷺ سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن، فقال: «إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فبيعوها ولو بضفير» قال ابن شهاب: لا أدري أبعد الثالثة أو الرابعة.\nوالحديث أخرجه أبو داود الطيالسي (١/ ٣٠٠- منحة) رقم (١٥٢٧) من طريق زمعة عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن زيد بن خالد الجهني- وحده- قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها، فإن عادت فليجلدها، فإن عادت فليجلدها، فإن عادت فليبعها ولو بضفير من شعر» . وقد روي هذا الحديث عن أبي هريرة وحده، وسيأتي تخريجه مع ماله من الشواهد:\nأخرجه البخاري (٤/ ٤٣٢) كتاب «البيوع»، باب بيع العبد الزاني، حديث (٢١٥٢)، ومسلم (٣/ ١٣٢٨) كتاب «الحدود»، باب رجم اليهود أهل الذمة في الزنى، حديث (٣٠/ ١٧٠٣)، وأحمد (٢/ ٤٩٤)، وأبو داود (٢/ ٥٦٦) كتاب «الحدود»، باب في الأمة تزني ولم تحصن، حديث (٤٤٧٠)، والحميدي (٢/ ٤٦٣) رقم (١٠٨٢)، والشافعي (٢/ ٧٩) كتاب «الحدود»، باب الزنا، حديث (٢٥٦)، وعبد الرزاق (٧/ ٣٩٢) رقم (١٣٥٩٧، ١٣٥٩٩)، وأبو يعلى (١١/ ٤١٩) رقم (٦٥٤١)، والدارقطني (٣/ ١٦٠- ١٦١) كتاب «الحدود والديات»، حديث (٢٣٦)، والبيهقي (٨/ ٢٤٢) كتاب «الحدود»، باب ما جاء في حد المماليك، والبغوي في «شرح السنة» (٥/ ٤٧١- بتحقيقنا) من طريق سعيد بن أبي سعيد المقبري- قال بعضهم: عن أبيه- عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا زنت الأمة فتبين زناها، فليجلدها ولا يثرب، ثم إن زنت، فليجلدها ولا يثرب، ثم إن زنت الثالثة، فليبعها ولو بحبل من شعر» . قلت: وقع في هذا الإسناد اختلاف فقد رواه الليث عن سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة، وقد وافقه على ذلك محمد بن إسحاق. ورواه بعضهم عن سعيد عن أبي هريرة دون ذكر أبيه، كإسماعيل وعبيد الله بن عمر وأيوب بن موسى ومحمد بن عجلان وعبد الرّحمن بن إسحاق، ووقع-","vol":"2","page":220},{"text":"قال ص: وجوابُ: «إذَا»: «فإنْ أتَيْنَ»، وجوابه. انتهى.\n_________\n- في رواية عبد الرّحمن تصريح سعيد بسماعه عن أبي هريرة فقال: سمعت أبا هريرة قال الحافظ في «الفتح» (١٢/ ١٧٢): ووافق الليث على زيادة قوله: «عن أبيه» محمد بن إسحاق، أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي، ووافق إسماعيل [ابن أمية] على حذفه عبيد الله بن عمر العمري عندهم، وأيوب بن موسى عند مسلم والنسائي، ومحمد بن عجلان وعبد الرّحمن بن إسحاق عند النسائي، ووقع في رواية عبد الرّحمن المذكور عن سعيد سمعت أبا هريرة ... اهـ.\nوللحديث طرق أخرى عن أبي هريرة: أخرجه الترمذي (٤/ ٣٧) كتاب «الحدود»، باب ما جاء في إقامة الحد على الإماء، حديث (١٤٤٠)، والنسائي في «الكبرى» (٤/ ٢٩٩) كتاب «الرجم»، باب إقامة الرجل الحد على وليدته إذا زنت كلاهما من طريق أبي خالد الأحمر عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها ثلاثا بكتاب الله، فإن عادت فليبعها ولو بحبل من شعر» .\nقال الترمذي: حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح. اهـ.\nوقد رواه أبو بكر بن أبي شيبة عن أبي خالد عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي صالح عن أبي هريرة به.\nأخرجه النسائي في «الكبرى» (٤/ ٢٩٩) كتاب «الرجم»، باب إقامة الرجل الحد على وليدته إذا زنت، حديث (٧٢٤٢) .\nوأخرجه ابن عدي في «الكامل» (٣/ ٣٥٨) من طريق سعد بن سعيد عن سفيان عن الأعمش عن حبيب عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا زنت الأمة فاجلدوها، فإن عادت فاجلدوها، فإن عادت فاجلدوها، فإن عادت فبيعوها ولو بضفير» .\nقال ابن عدي: ذكر الأعمش غير محفوظ، إنما هو عن الثوري عن حبيب نفسه، وهذه الأحاديث التي ذكرتها لسعد بن سعيد عن الثوري وعن غيره مما ينفرد فيها سعد عنهم، وقد صحب سعد الثوري بجرجان في بلده، روى عنه غرائب، وسأله عن مسائل كثيرة، فتلك المسائل معروفة عنه، ولسعد غير ما ذكرت من الأحاديث غرائب وأفراد غريبة تروى عنهم، وكان رجلا صالحا، ولم تؤت أحاديثه التي لم يتابع عليها من تعمّد منه فيها أو ضعف في نفسه ورواياته إلا لغفلة كانت تدخل عليه، وهكذا الصالحين، ولم أر للمتقدمين فيه كلاما، لأنهم كانوا غافلين عنه، وهو من أهل بلدنا، ونحن أعرف به. اهـ.\nوسعد ذكره الذهبي في «المغني في الضعفاء» (١/ ٢٥٤) رقم (٢٣٤٣) وقال: سعد بن سعيد الساعدي عن الثوري، وهاه أبو نعيم. اهـ.\nقلت: وقد خالفه عبد الرّحمن بن مهدي، فرواه عن الثوري عن حبيب عن أبي صالح عن أبي هريرة، ولم يذكر فيه الأعمش.\nأخرجه النسائي (٤/ ٢٩٩- الكبرى) كتاب «الرجم»، باب إقامة الرجل الحد على وليدته إذا زنت، حديث (٧٢٤١) عن محمد بن بشار- بندار- عن عبد الرّحمن بن مهدي به.\nوينظر: «تحفة الأشراف» (٩/ ٣٤٢) .\nوللحديث شواهد عن عائشة، وابن عمر، وعبد الله بن زيد. ١- حديث عائشة:\nأخرجه ابن ماجة (٢/ ٨٥٧) كتاب «الحدود»، باب إقامة الحدود على الإماء، حديث (٢٥٦٦)، -","vol":"2","page":221},{"text":"والْمُحْصَناتِ في هذه الآية: الحَرَائِرُ إذ هي الصفَةُ المَشْرُوطة في الحدِّ الكامِلِ، والرَّجْمُ لا يتنصَّف، فلم يُرَدْ في الآية بإجماع، والعَنَتُ في اللغة: المَشَقَّة.\nقال ابنُ عباسٍ وغيره: والمَقْصِدُ به هنا الزنا «١» .\n_________\n- والنسائي في «الكبرى» (٤/ ٣٠٣) كتاب «الرجم»، باب إقامة الرجل الحد على وليدته إذا زنت، حديث (٧٢٦٤) كلاهما من طريق يزيد بن أبي حبيب عن عمار بن أبي فروة أن محمد بن مسلم حدثه أن عروة حدثة أن عمرة بنت عبد الرّحمن حدثته أن عائشة حدثتها أن رسول الله ﷺ قال: «إذا زنت الأمة فاجلدوها، فإن زنت فاجلدوها، فإن زنت فاجلدوها ثم بيعوها ولو بضفير» .\nوقد رواه عروة وعمروة عن عائشة: أخرجه النسائي في «الكبرى» (٤/ ٣٠٣) كتاب «الرجم»، باب إقامة الرجل الحد على وليدته إذا زنت، حديث (٧٢٦٥)، وابن عدي في «الكامل» (٥/ ٧٤) كلاهما من طريق الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن عمار بن أبي فروة أن محمد بن مسلم حدثه أن عروة وعمرة حدثاه أن عائشة حدثتهما أن رسول الله ﷺ قال:.. فذكره.\nوأخرجه العقيلي في «الضعفاء» (٣/ ٣٢٤) من طريق الليث عن حبيب عن عمار بن أبي فروة، أن محمد بن مسلم حدثه أن عمرة بنت عبد الرّحمن حدثته أن عائشة حدثتها أن رسول الله ﷺ قال:.. فذكر الحديث.\nقلت: وهذا كله من ضعف عمار بن أبي فروة فمرة يرويه عن محمد عن عروة عن عمرة عن عائشة ومرة يرويه عن محمد عن عروة وعمرة عن عائشة، ومرة يرويه عن محمد عن عمرة عن عائشة.\nوالحديث ذكره البوصيري في «الزوائد» (٢/ ٣١٠)، وقال: هذا إسناد ضعيف عمارة- كذا قال، والصواب عمار- ابن أبي فروة قال البخاري: لا يتابع على حديثه. وذكره العقيلي وابن الجارود في «الضعفاء»، وذكره ابن حبان في «الثقات» فما أجاد اهـ.\n٢- حديث ابن عمر:\nذكره ابن أبي حاتم في «العلل» (١/ ٤٥٥) رقم (١٣٦٦) فقال: سألت أبي عن حديث رواه مسلم بن خالد عن إسماعيل بن أمية عن نافع عن ابن عمر عن النبيّ ﷺ قال: «إذا زنت أمة أحدكم فاجلدوها ...» الحديث قال أبي: هذا خطأ إنما هو ما رواه بشر بن المفضل عن إسماعيل بن أمية عن المقبري عن أبي هريرة. اهـ.\n٣- حديث عبد الله بن زيد:\nأخرجه النسائي في «الكبرى» (٤/ ٢٩٨) كتاب «الرجم»، باب حد الزاني البكر، حديث (٧٢٣٨) من طريق أبي أويس عن عبد الله بن أبي بكر عن عباد بن تميم عن عمه (وكان شهد بدرا) أن رسول الله ﷺ قال: «إذا زنت الأمة فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم بيعوها ولن بضفير» .\nقال النسائي: أبو أويس ضعيف، وإسماعيل ابنه أضعف منه.\nقلت: وعم عباد بن تميم هو عبد الله بن زيد كما في «تحفة الأشراف» (٤/ ٣٤٠) للحافظ المزي.\nوفي «التحفة» قول النسائي: أبو أويس ليس بالقوي.\n(١) أخرجه الطبري (٤/ ٢٧) برقم (٩١١٣)، (٩١١٤)، وذكره ابن عطية (٢/ ٣٩)، والسيوطي (٢/ ٢٥٥)، وعزاه لابن جرير عن ابن عباس.","vol":"2","page":222},{"text":"وقوله تعالى: وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ يعني: عَنْ نكاحِ الإماء قاله ابنُ عَبَّاس وغيره «١»: وهذا نَدْبٌ إلى التَّرْك وعِلَّتُهُ مَا يؤَدِّي إلَيْه نكاحُ الإِماءِ مِن استرقاق الوَلَدِ ومِهْنَتِهنَّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-296>[سورة النساء (٤): الآيات ٢٦ الى ٢٨]</span>\nيُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفًا (٢٨)\nوقوله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ ... الآية: التقديرُ عندَ سيبَوَيْهِ: يريد اللَّهُ لأنْ يُبَيِّنَ لَكُمْ، ويَهْدِيَكُمْ، بمعنى: يُرْشِدَكُمْ، والسُّنَنُ: الطُّرُقُ، ووجوهُ الأمورِ، وأَنحاؤُها، والَّذِينَ مِنْ قبلنا: هم المؤمِنُونَ مِنْ كُلِّ شريعةٍ.\nوقوله سبحانه: وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ... الآية: مَقْصِدُ هذه الآيةِ الإخبارُ عن إرَادَة الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ، فقُدِّمَتْ إرادةُ اللَّه تعالى تَوْطِئَةً مُظْهِرة لفسَادِ إرادة مُتَّبِعِي الشهواتِ، واختلف المتأوِّلون في تَعْيينِ مُتَّبِعِي الشَّهَوَات، فقال مجاهدٌ: هم الزناةُ «٢»، وقال السُّدِّيُّ: هم اليهودُ والنصارى «٣»، وقالَتْ فرقة: هم اليهودُ خاصَّة لأنَّهم أرادوا أنْ يتبعهم المُسْلِمُونَ في نِكَاحِ الأَخَوَاتِ مِنَ الأب، وقال ابنُ زَيْد: ذلك على العمومِ في هؤلاءِ، وفي كُلِّ متَّبعِ شهوةٍ «٤» ورجَّحه الطبريُّ «٥» .\nوقوله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ ... الآية: أي: لَمَّا علمنا ضَعْفَكُمْ عَنِ الصَّبْر عن النِّساء، خَفَّفنا عَنْكم بإباحة الإماء، قاله مجاهدٌ وغَيْره «٦»، وهو ظاهرُ مقصودِ الآيةِ، ثم بَعْدَ هذا المَقْصِدِ تَخْرُجُ الآية مَخْرَجَ التفضُّلِ لأنها تتناوَلُ كُلَّ ما خفَّفه اللَّه سبحانَهُ عَنْ عباده، وجعله الدِّينَ يُسْرًا، ويقع الإخبار عن ضَعْف الإنسان عامّا حسبما هو\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٤/ ٢٩) برقم (٩١٢٩)، وذكره ابن عطية (٢/ ٣٩) .\n(٢) أخرجه الطبري (٤/ ٣١) برقم (٩١٣٠- ٩١٣١- ٩١٣٢- ٩١٣٣) بنحوه، وذكره البغوي (١/ ٤١٧)، وابن عطية (٢/ ٤٠)، والسيوطي (٢/ ٢٥٧)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. [.....]\n(٣) أخرجه الطبري (٤/ ٣١) برقم (٩١٣٤)، وذكره البغوي (١/ ٤١٧)، وابن عطية (٢/ ٤٠)، والسيوطي (٢/ ٢٥٧)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم.\n(٤) أخرجه الطبري (٤/ ٣١) برقم (٩١٣٥) بنحوه، وذكره ابن عطية (٢/ ٤٠) .\n(٥) ينظر: «تفسير الطبري» (٤/ ٣٩) .\n(٦) أخرجه الطبري (٤/ ٣٢) برقم (٩١٣٦)، وذكره ابن عطية (٢/ ٤٠)، وابن كثير (١/ ٤٧٩)، والسيوطي (٢/ ٢٥٧) بنحوه، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد.","vol":"2","page":223},{"text":"في نَفْسه ضعيفٌ يستَمِيلُهُ هواه في الأغْلَب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-297>[سورة النساء (٤): الآيات ٢٩ الى ٣١]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩) وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْوانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نارًا وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠) إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)\nوقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً ... الآية: الاستثناء منقطعٌ، المعنى: لكنْ إنْ كانَتْ تجارةً، فكُلُوها، وأخْرَجَ البخاريُّ عن النبيّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا، أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَهَا يُرِيدُ إتْلاَفَهَا، أَتْلَفَهُ اللَّه» «١» . انتهى.\nوقوله تعالى: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيمًا، أجمع المتأوِّلون على أنَّ المقصودَ بهذه الآية النهْيُ عن أنْ يقتُلَ بعْضُ الناسِ بَعْضًا، ثم لفظها يتناوَلُ أنْ يقتل الرجُلُ نَفْسَهُ بقَصْدٍ منه للقتل، أو بأنْ يحملها على غَرَرٍ، رُبَّمَا ماتَ مِنْهُ، فهذا كلُّه يتناوله النَّهْيُ، وقد احتج عمرو بن العاصي بهذه الآيةِ حين امتنع مِنَ الاغتسال بالمَاءِ الباردِ خَوْفًا على نفسه منه، فقرّر رسول الله ﷺ احتجاجه «٢» .\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٥/ ٥٣، ٥٤)، كتاب «الاستقراض»، باب من أخذ أموال الناس يريد أداءها وإتلافها، حديث (٢٣٨٧)، وابن ماجة (٢/ ٨٠٦)، كتاب «الصدقات»، باب التشديد في الدين، حديث (٢٤١١)، وأحمد (٢/ ٣٦١، ٤١٧)، والبيهقي (٥/ ٣٥٤)، والبغوي في «شرح السنة» (٤/ ٣٥١ بتحقيقنا)، كلهم من حديث أبي هريرة.\n(٢) أخرجه البخاري (١/ ٤٥٤)، كتاب «التيمم»، باب إذا خاف الجنب على نفسه المرض، تعليقا في أول الباب، وأحمد (٤/ ٢٠٣)، وأبو داود (١/ ٣٣٨)، كتاب «الطهارة»، باب إذا خاف الجنب البرد أيتيمم، الحديث (٣٣٤)، والدارقطني (١/ ١٧٨)، كتاب «الطهارة»، باب التيمم، الحديث، والحاكم (١/ ١٧٧)، كتاب «الطهارة»، والبيهقي (١/ ٢٢٥)، كتاب «الطهارة»، باب التيمم في السفر إذا خاف الموت، فأما أحمد فمن طريق ابن لهيعة، وأما الباقون، فمن طريق جرير بن حازم، عن يحيى بن أيوب، كلاهما عن يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن عبد الرّحمن بن جبير، عن عمرو بن العاص قال: «احتملت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل، فأشفقت أن أغتسل فأهلك، فتيممت ثم صليت بأصحابي الصبح، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فقال: «يا عمرو.. صليت بأصحابك وأنت جنب؟! فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال، وقلت: إني سمعت الله تعالى يقول: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيمًا [النساء: ٢٩] فضحك رسول الله ﷺ ولم يقل شيئا» .\nورواه أبو داود (٣٣٥)، والدارقطني (١/ ١٧٨)، كتاب «الطهارة»، باب التيمم (١٣)، الحاكم (١/ ١٧٧)، والبيهقي (١/ ٢٢٥) من طريق عمرو بن الحارث، عن يزيد بن أبي حبيب عن عمران بن أبي أنس عن عبد الرّحمن بن جبير عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص أن عمرو بن العاص كان على-","vol":"2","page":224},{"text":"وقوله تعالى: وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْوانًا وَظُلْمًا ... الآية: اختلف في المُشَارِ إلَيْه ب «ذَلِكَ» .\nفقال عطاء: «ذَلِكَ» عائدٌ على القَتْل لأنه أقربْ مَذْكُور، وقالتْ فرقةٌ: «ذلك» عائدٌ على أَكْلِ المالِ بالباطِلِ، وقَتْلِ النَّفْسِ، وقالَتْ فرقةٌ: «ذَلِكَ»: عائدٌ على كُلِّ ما نُهِيَ عَنْه مِنْ أوَّل السورةِ، وقال الطبريُّ «١»: «ذَلِكَ» عائدٌ على ما نُهِيَ عنه مِنْ آخر وعيدٍ، وذلك قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا [النساء: ١٩] لأنَّ كلَّ ما نهي عنه قبله إلى أول السُّورة، قُرِنَ به وعيدٌ.\nقال ابنُ العَرَبيِّ «٢» في «أحكامه»: والقول الأول أصحُّ، وما عداه محتملٌ. انتهى.\nوالعدوانُ: تَجَاوُزُ الحَدِّ.\nقال ص: عُدْوانًا وَظُلْمًا: مصدرانِ في مَوْضِعِ الحال، / أي: متعدّين وظالِمِينَ، أبو البقاء: أو مفعولٌ من أجله. انتهى.\nواختلف العلماءُ في «٣» الكبائِرِ.\nفقال ابنُ عبَّاس وغيره: الكبائرُ: كلُّ ما وَرَدَ علَيْه وعيدٌ بنارٍ، أو عذابٍ، أو لَعْنَةٍ، أو\n_________\n- سرية ... فذكر الحديث.\nوفيه: «فغسل مغابنه وتوضأ وضوءه للصلاة، ثم صلّى بهم»، وليس فيه ذكر التيمم.\nوقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، والذي عندي أنهما عللاه بحديث جرير بن حازم عن يحيى بن أيوب، عن يزيد بن أبي حبيب. اهـ.\nوللحديث شاهد من حديث ابن عباس: أخرجه الطبراني في «الكبير» (١١/ ٢٣٤) رقم (١١٥٩٣) من طريق يوسف بن خالد السمتي: ثنا زياد بن سعد عن عكرمة عن ابن عباس أن عمرو بن العاص صلّى بالناس وهو جنب، فلما قدموا على رسول الله ﷺ ذكروا ذلك له، فدعاه رسول الله ﷺ فسأله عن ذلك فقال: يا رسول الله خشيت أن يقتلني البرد، وقد قال الله ﷿: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيمًا فسكت عنه رسول الله ﷺ.\nوالحديث ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ٢٦٧)، وقال: رواه الطبراني في «الكبير»، وفيه يوسف بن خالد السمتي، وهو كذاب.\n(١) ينظر: «تفسير الطبري» (٤/ ٣٩) .\n(٢) ينظر: «أحكام القرآن» (١/ ٤١١) .\n(٣) ينظر الكلام على الكبائر في: «البحر المحيط» للزركشي (٤/ ٢٧٩)، و«منهاج العقول» للبدخشي (٢/ ٣٤٤)، و«غاية الوصول» للشيخ زكريا الأنصاري (١٠٠)، و«حاشية البناني» (٢/ ١٥٢)، و«الآيات البينات» لابن قاسم العبادي (٣/ ٤٩)، و«حاشية العطار على جمع الجوامع» (٢/ ١٧٥)، و«أعلام الموقعين» لابن القيم (٤/ ٣٠٥)، و«تيسير التحرير» لأمير بادشاه (٣/ ٤٥) .","vol":"2","page":225},{"text":"ما أشبه ذلك «١» .\nوقال ابن عبَّاس أيضًا: كلُّ ما نَهَى اللَّه عنه، فَهُوَ كَبِيرٌ «٢»، وعلَى هذا القول أئمَّة الكلامِ القاضِي، وأبو المَعَالِي، وغَيْرُهما قالوا: وإِنما قيل: صغيرةٌ بالإِضافة إِلَى أكبر منها، وإِلاَّ فهي في نفسها كبيرةٌ منْ حيْثُ المَعْصِيُّ بالجميع واحدٌ، واختلف العلماءُ في هذه المسألة، فجماعةٌ من الفقهاءِ والمحدِّثين يَرَوْنَ أنَّ باجتنابِ الكبَائرِ تُكَفَّر الصغائرُ قطْعًا، وأما الأصوليُّون، فقَالُوا: مَحْمَلُ ذلك علَى غَلَبة الظَّنَّ، وقُوَّةِ الرجاءِ، لا علَى القَطْع، ومَحْمَلُ الكبائرِ عند الأصوليِّين في هذه الآيةِ أجناسُ الكُفْر، والآيةُ التي قَيَّدت الحُكْمَِ، فتردُّ إِلَيْها هذه المُطْلَقات كلُّها: قوله تعالَى: وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [النساء: ٤٨ و١١٦] .\nوكَرِيمًا: يقتضي كَرَمَ الفضيلةِ، ونَفْيَ العيوب كما تقول: ثَوْبٌ كريمٌ، وهذه آية رجاء، ورَوى أبو حاتم الْبُسْتِيُّ في «المُسْنَدِ الصَّحِيح» له، عن أبي هريرةَ وأَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أنَّ رسُولَ الله ﷺ جَلَسَ علَى المِنْبَرِ، ثُمَّ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِه»، ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، ثم سَكَتَ، فَأَكَبَّ كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا يَبْكِي حَزِينًا لِيَمِينِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ قَالَ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يُؤَدِّي الصَّلَوَاتِ الخَمْسَ، وَيَصُومُ رَمَضَانَ، وَيَجْتَنِبُ الكَبَائِرَ السَّبْعَ، إِلاَّ فُتِحَتْ لَهُ ثَمانِيَةُ أَبْوَابِ مِنَ الجَنَّةِ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى إِنَّها لَتُصَفِّقُ، ثُمَّ تَلاَ: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ ... «٣» الآية» . انتهى من «التذكرة» للقرطبيِّ، ونحوُهُ ما رواه مُسْلِمٌ، عن أبي هريرةَ، قَالَ: قال النبيُّ ﷺ: «الصَّلَوَاتُ الخَمْسُ، وَالجُمُعَةَ إِلَى الجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ، إِذَا اجْتُنِبَتِ الكَبَائِرُ» «٤» قال القرطبيُّ «٥»: وعلَى هذا جماعةُ أهل التأويل، وجماعةُ الفقهاءِ، وهو الصحيحُ أنَّ الصغائر تُكَفَّرُ باجتنابِ الكبائرِ قَطْعًا بِوَعْدِ اللَّهِ الصِّدْق، وقولِهِ الحَقِّ سبحانه، وأما الكَبَائِرُ، فلا تكفِّرها إِلا التوبةُ منْهَا. انتهى.\nقلْتُ: وفي «صحيح مُسْلِمٍ»، عن أبي هريرة (﵁) أنَّ رسول الله ﷺ\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٤/ ٤٤) برقم (٩٢١٣)، وذكره ابن عطية (٢/ ٤٣- ٤٤)، وابن كثير (١/ ٤٨٦)، والسيوطي (٢/ ٢٦١)، وعزاه لابن جرير عن ابن عباس.\n(٢) أخرجه الطبري (٤/ ٤٣) برقم (٩٢٠٢)، وذكره ابن عطية (٢/ ٤٤)، وابن كثير (١/ ٤٨٦)، والسيوطي (٢/ ٢٦١)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، والبيهقي في «الشعب» .\n(٣) أخرجه النسائي (٥/ ٨)، كتاب «الزكاة»، باب وجوب الزكاة، والبخاري في «التاريخ الكبير» (٤/ ٣١٦)، وابن خزيمة (٣١٥)، وابن حبان (١٧٤٨)، والبيهقي (١٠/ ١٨٧) كلهم من طريق سعيد بن أبي هلال عن نعيم المجمر عن صهيب مولى العتواريين عن أبي هريرة مرفوعا.\n(٤) تقدم تخريجه. [.....]\n(٥) ينظر: «تفسير القرطبي» (٥/ ١٠٤) .","vol":"2","page":226},{"text":"قَالَ: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ، والسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزّحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات» . انتهى «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-298>[سورة النساء (٤): الآيات ٣٢ الى ٣٣]</span>\nوَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٣٢) وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (٣٣)\nوقوله تعالى: وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ ... الآية: سَبَبُ الآيةِ أنَّ النِّسَاءَ قُلْنَ: لَيْتَنَا اسْتَوَيْنَا مَعَ الرِّجالِ في المِيرَاثِ، وشَارَكْنَاهُمْ في الغَزْوِ، ورُوِيَ أنَّ أمَّ سَلَمَةَ قَالَتْ ذَلِكَ، أو نحوه «٢»، وقال الرِّجَالُ: لَيْتَ لَنَا فِي الآخِرَةِ حَظًّا زَائِدًا عَلَى النِّسَاءِ كَمَا لَنَا عَلَيْهِنَّ فِي الدُّنْيَا، فنزلَتِ الآية.\nقال ع «٣»: لأنَّ في تَمَنِّيهم هذا تحكُّمًا على الشِّريعة وتطرُّقًا إِلى الدَّفْع في صَدْر حَكْم اللَّه تعالَى، فهذا نَهْيٌ عن كُلِّ تَمَنٍّ بخلاف حُكْم شرعيٍّ، وأما التمنِّي في الأعمال الصَّالحة، فذلك هو الحَسَن، وقد قال ﷺ: «وَدِدتُّ أنَ أُقْتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ أحياء، ثُمَّ أُقْتَلُ، ثُمَّ أَحْيَا ...» الحديث «٤» . وفي غير موضع ولقوله تعالى: وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ\n[النساء: ٣٢] . قال القُشَيْرِيُّ: سمعْتُ الشيخ أبا عَلِيٍّ يقولُ: مِنْ علاَمَاتِ المَعْرفة أَلاَّ تسأل حوائجَكَ، قَلَّتْ أَوَ كَثُرَتْ إِلاَّ مِنَ اللَّهِ تعالَى مِثْلُ موسَى اشتاق إِلَى الرُّؤْية، فقال: رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ [الأعراف: ١٤٣]، واحتاج مرَّةً إِلى رغيفٍ، فقال: رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ [القصص: ٢٤]\n_________\n(١) تقدم تخريجه.\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٣٠٠) والثوري في «تفسيره» (ص ٢٤١- ٢٤٢) كلاهما من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد عن أم سلمة به.\nوأخرجه أحمد (٦/ ٣٠١) والطبراني في «الكبير» (٢٣/ ٢٩٨) رقم (٦٦٥) من طريق عبد الله بن رافع عن أم سلمة وأخرجه أحمد (٦/ ٣٠٥) والنسائي في «الكبرى» (٦/ ٤٣١) كتاب «التفسير»، باب قوله تعالى: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ حديث (١١٤٠٥) والطبراني في «الكبير» (٢٣/ ٢٩٤) رقم (٦٥٠) من طريق عثمان بن حكيم ثنا عبد الرّحمن بن شيبة عن أم سلمة به والحديث ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٣٧٩) وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن مردويه والفريابي وابن سعد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٤٤- ٤٥) .\n(٤) تقدم تخريجه.","vol":"2","page":227},{"text":"انتهى من «التحبير» .\nوقوله تعالى: لِلرِّجالِ نَصِيبٌ ... الآية: قالَتْ فرقة: معناه: من الأجْر، والحسناتِ، فكأنه قِيلَ للنَّاس: لا تَتَمَنَّوْا في أمرٍ مخالف لما حكم اللَّه بِهِ لاختيارٍ تَرَوْنَهُ أَنْتُمْ، فإِن اللَّه تعالَى قَدْ جَعَلَ لكلِّ أحدٍ نصيبًا من الأجْر والفَضْلِ بحَسَب اكتسابِهِ فيما شَرَعَ لَهُ، وهذا قولٌ حَسَن، وفي تعليقه سبحانه النَّصِيبَ بالاِكتسابِ حَضٌّ علَى العَمَل، وتنبيهٌ على كَسْب الخير.\nوقوله سبحانه: وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ، قال ابنُ جُبَيْر وغيره: هذا في فَضْل العباداتِ، والدِّينِ، لا في فضل الدنيا «١»، وقال الجُمْهُور: ذلك على العمومِ، وهو الذي يقتضيه اللفظ، فقوله: وَسْئَلُوا اللَّهَ يقتضي مفْعولًا ثانيًا، تقديره: واسألوا اللَّهَ الجَنَّة أو كثيرًا من فضله.\nوقوله تعالى: وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ ... أي: ولكلِّ أحدٍ، قال ابنُ عَبَّاس وغيرهِ:\nالمَوَالِي هنا العَصَبَةُ والوَرَثَةُ، والمعنَى: ولكلِّ أحدٍ جعلْنا موالِيَ يَرِثُونَ ممَّا تَرَكَ الوالدان والأقربُونَ.\nوقوله تعالى: وَالَّذِينَ رفْعٌ بالاِبتداءِ، والخَبَرُ في قوله: فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ.\nواختُلِفَ من المراد ب «الَّذِينَ» .\nفقال الحسن وابنُ عبَّاس وابنُ جُبَيْر وغيرهم: هم الأحْلاَفُ، فإِنَّ العرب كانَتْ تتوارَثُ بالحِلْفِ، ثم نُسِخَتْ بآيَات الأنْفَالِ: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ «٢» [الأنفال: ٧٥] .\nوقال ابنُ عباس أيضًا: هم الذين كَانَ رسول الله ﷺ آخَى بينهم، كانوا يتوارَثُونَ بهذه الآيةِ حتى نُسِخَ ذلك بما تقدَّم «٣» .\nوقال ابنُ المسيَّب: هم الذين كانوا يتبنّون «٤» .\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٤/ ٥١) برقم (٩٢٥٤)، وذكره البغوي (١/ ٤٢١)، بنحوه، وابن عطية (٢/ ٤٥)، والسيوطي (٢/ ٢٦٧)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير.\n(٢) أخرجه الطبري (٤/ ٥٤) برقم (٩٢٦٧- ٩٢٦٩- ٩٢٦٨)، وذكره ابن عطية (٢/ ٤٦)، وابن كثير (١/ ٤٨٩)، والسيوطي (٢/ ٢٦٨) بنحوه.\n(٣) أخرجه البخاري (٤٥٨٠) .\n(٤) أخرجه الطبري (٤/ ٥٧) برقم (٩٢٨٩)، وذكره ابن عطية (٢/ ٤٦) .","vol":"2","page":228},{"text":"قال ع «١»: ولفظةُ المُعَاقَدَةِ والأَيْمَانِ ترجِّح أنَّ المراد الأحلاف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-299>[سورة النساء (٤): آية ٣٤]</span>\nالرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ وَاللاَّتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (٣٤)\nوقوله: الرِّجالُ قَوَّامُونَ بناء مبالَغَةٍ، وهو من القِيَامِ على الشيْءِ والاِستبدادِ بالنَّظَر فيه، وحِفْظِهِ، فقيامُ الرِّجَال «٢» على النساء هو علَى هذا الحدِّ، وتعليلُ ذلك بالفضيلة والنَّفَقةِ يقتضي أنَّ للرجالِ علَيْهِنَّ استيلاءً، قال ابنُ عَبَّاس: الرِّجَالُ أمراء على النِّسَاءِ.\nقال ابنُ العَرَبِّيِّ «٣» في «أحكامه»: وللرِّجَالِ عليهنَّ درجةٌ لفَضْلِ القَوَّامِيَّة، فعلَيْه أنْ يَبْذُلَ المَهْرَ والنَّفَقَةَ، وَحُسْنَ العِشْرة، وَيَحْجُبَهَا ويأمُرَهَا بطَاعَةِ اللَّه تعالَى، ويُنْهِيَ إِلَيْهَا شَعَائِرَ الإِسلامِ مِنْ صلاةٍ، وصيامٍ وما وَجَب عَلَى المُسْلمين، وعلَيْها الحِفْظُ لمالِهِ، والإِحسانُ إِلَى أهْلِهِ، والاِلتزامُ لأَمْرِهِ في الحجبة وغيرها إِلاَّ بإِذنه، وقَبُولُ قولِهِ في الطَّاعات. انتهى.\nو«ما» مصدريةٌ في الموضِعَيْنِ، والصَّلاَحُ في قوله: فَالصَّالِحاتُ هو الصلاح في الدّين، وقانِتاتٌ: معناه: مطيعاتٌ لأزواجِهِنَّ، أو لِلَّهِ في أزواجِهِنَّ، حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ: معناه: لكلِّ ما غاب عَنْ عَلْم زَوْجِها ممَّا اسْتُرْعِيَتْهُ، وروى أبو هريرة، أنّ رسول الله ﷺ قَالَ: «خَيْرُ النِّسَاءِ امْرَأَةٌ، إِذَا نَظَرْتَ إِلَيْهَا سَرَّتْكَ، وَإِذَا أَمَرْتَهَا أَطَاعَتْكَ، وَإِذَا غِبْتَ عَنْهَا حَفِظَتْكَ فِي مَالِكَ وَنَفْسِهَا»، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ الله ﷺ هذه الآية «٤» .\nوقوله: بِما حَفِظَ اللَّهُ: «ما»: مصدريةٌ، تقديره: بِحِفْظِ اللَّه، ويصحُّ أنْ تكون بمعنى «الَّذِي» ويكون العائدُ في «حَفِظَ» ضميرَ نَصْبِ، أي: بالذي حَفِظَهُ اللَّهُ، ويكون المعنَى: إِمَّا حِفْظُ اللَّهِ ورعايَتُه الَّتي لا يَتِمُّ أمْرٌ دونها، وإِما أوامره ونَوَاهيه للنساء، فكأنها حِفْظُهُ، بمعنى أنَّ النساء يَحْفَظْنَ بإِزاء ذلك وبقدره.\nوقوله تعالى: وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ ... الآية: النُّشُوزُ: أنْ تتعوَّج المرأة، ويرتفع خلقها/، وتستعلي على زوجها «٥» .\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٤٦) .\n(٢) في أ: الرجل.\n(٣) ينظر: «أحكام القرآن» (١/ ٤١٦) .\n(٤) أخرجه أبو داود الطيالسي (٢٣٢٥) من حديث أبي هريرة بهذا اللفظ.\n(٥) أخرجه الطبري (٤/ ٦٠) برقم (٩٣٠١)، وذكره ابن عطية (٢/ ٤٧)، وابن كثير (١/ ٤٩١)، والسيوطي (٢/ ٢٧١)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم. عن ابن عباس. [.....]","vol":"2","page":229},{"text":"وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ: قال ابن عبَّاس: يضاجِعُها، ويولِّيها ظَهْرَهُ، ولا يجامِعُهَا «١»، وقال مجاهدٌ: جنبوا مُضاجَعَتَهُنَّ «٢»، وقال ابنُ جُبَيْر: هي هِجْرة الكلام، أيْ:\nلا تكلِّموهُنَّ، وأعرضوا عَنْهُنَّ «٣»، فيقدَّر حذفٌ، تقديره: واهجروهُنَّ في سبب المَضَاجِعِ، حتَّى يُرَاجِعْنَهَا.\nم: قوله: فِي الْمَضاجِعِ، ذكر «٤» أبو البقاءِ فيه وجْهَيْن «٥»:\nالأول: أنَّ «في» علَى بابها مِنَ الظرفية، أي: اهجروهنَّ في مواضِعِ الاِضطجاعِ، أي:\nاتركوا مضاجَعَتَهُنَّ دون تَرْك مكالمتهن.\nالثاني: أنَّها بمعنى السَّبَب، أي: اهجروهنَّ بِسَبَبِ المَضَاجِعِ كما تقول: في هذه الجنايةِ عُقُوبَةٌ. انتهى، وكونُها للظرفيَّة أظهرُ، واللَّه أعلم.\nوالضَّربُ في هذه الآية: هو ضَرْبُ الأدب غَيْرُ المُبَرِّح، وهو الذي لا يَكْسِرُ عَظْمًا، ولا يَشِينُ جارحة، وقال النبيّ ﷺ: «اضْرِبُوا النِّسَاءَ إِذا عَصَيْنَكُمْ فِي مَعْرُوفٍ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ» قال عطاء: قُلْتُ عَبَّاسٍ: مَا الضَّرْبُ غَيْرُ المُبَرِّحِ؟ قَالَ: بِالشِّرَاكِ وَنَحْوِه «٦» .\nقال ابن العربي «٧» في «أحكامه»: قوله ﷿: وَاضْرِبُوهُنَّ ثبت عن النبيّ ﷺ أنَّهُ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَلاَّ يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَلاَّ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي المَضَاجِع، وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، فَإِن انْتَهَيْنَ، فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ، وَكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوفِ» «٨» . وفي هذا دليلٌ علَى أنَّ الناشز لا نَفَقَةَ لها ولا كسوة، وأنّ الفاحشة هي\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٤/ ٦٦) برقم (٩٣٤٩)، (٩٣٥٣)، وذكره البغوي (١/ ٤٢٣) بنحوه، وابن عطية (٢/ ٤٨)، وابن كثير (١/ ٤٩٢)، والسيوطي (٢/ ٢٧٧)، وعزاه لابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس.\n(٢) أخرجه الطبري (٤/ ٦٧) برقم (٩٣٥٩) بنحوه، وذكره ابن عطية (٢/ ٤٨)، وابن كثير (١/ ٤٩٢)، والسيوطي (٢/ ٢٧٧) بنحوه، وعزاه لابن أبي شيبة.\n(٣) ذكره ابن عطية (٢/ ٤٨) .\n(٤) في أ: قال.\n(٥) في أ: تقدير.\n(٦) أخرجه الطبري (٤/ ٧١) رقم (٩٣٨٧- ٩٣٨٨)، وذكره ابن عطية (٢/ ٤٨)، والسيوطي (٢/ ٢٧٨)، وعزاه لابن جرير عن عطاء قال: قلت لابن عباس.\n(٧) ينظر: «أحكام القرآن» (١/ ٤٢٠) .\n(٨) أخرجه الترمذي (٣/ ٦٧) في الرضاع: باب ما جاء في حق المرأة على زوجها (١١٦٣)، وابن ماجة (١/ ٥٩٤) في النكاح، باب حق المرأة على الزوج (١٨٥١)، والنسائي في «الكبرى» (٥/ ٣٧٢) في عشرة-","vol":"2","page":230},{"text":"البَذَاءُ ليس الزِّنَا كما قال العلماء، ففسَّر النبيّ ﷺ الضرْبَ، وبَيَّن أنه لا يكونُ مُبَرِّحًا، أي: لا يَظْهَر له أثَرٌ على البدن. انتهى.\nقال ع «١»: وهذه العظةُ والهَجْر والضَّرْب مراتبُ، إِنْ وقعتِ الطاعةُ عنْدَ إِحداها، لم يتعدَّ إلى سائرها، وتَبْغُوا: معناه: تطلبوا، وسَبِيلًا: أي: إِلى الأذَى، وهو التعنيتُ والتعسُّف بقَوْلٍ أو فعلٍ، وهذا نهْيٌ عن ظُلْمِهِنَّ، وحَسُنَ هنا الاِتصافُ بالعلوِّ والكِبْر، أي: قَدْرُهُ سبحانه فَوْقَ كُلِّ قدْرٍ، ويده بالقُدْرة فَوْق كلِّ يدٍ فلا يستعلي أحدٌ بالظُّلْم على امرأتِهِ، فاللَّه تعالَى بالمرصاد، وينظر إِلَى هذا حديثُ أبي مسعودٍ، قَالَ: كُنْتُ أَضْرِبُ غُلاَمِي، فَسَمِعْتُ قَائِلًا يَقُولُ: اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ، اعْلَمْ أَبَا مسعود، فصرفت وجهي، فإذا رسول الله ﷺ يَقُولُ: «اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ أنَّ اللَّهَ أَقْدَرُ عليك منك على هذا العبد ...»\nالحديث «٢» .\n_________\n- النساء، باب كيف الضرب (٩١٦٩/ ١) من طريق الحسين بن علي عن زائدة عن شبيب بن غرقدة البارقي عن سليمان بن عمرو بن الأحوص حدثني أبي أن رسول الله ﷺ قال: «استوصوا بالنساء خيرا، فإنما هن عوان عندكم ليس تملكون منهن شيئا غير ذلك، إلا أن يأتين بفاحشة مبينة. فإن أطعنكم، فلا تبغوا عليهن سبيلا، إلا أن لكم من نسائكم حقا، ولنسائكم عليكم حقا، فأما حقكم على نسائكم، فلا يوطئن فرشكم من تكرهون، ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون، ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن»، وهذا لفظ النسائي.\nقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.\nويشهد له حديث حكيم بن معاوية عن أبيه أن رجلا سأل رسول الله ﷺ: ما حق المرأة على الزوج؟\nقال: «يطعمها إذا طعم، ويكسوها إذا اكتسى، ولا يضرب الوجه، ولا يقبح ولا يهجر إلا في البيت» .\nرواه أبو داود (٢/ ٢٤٤) في النكاح: باب في حق المرأة على زوجها (٢١٤٢)، وابن ماجة (١/ ٥٩٣- ٥٩٤) في النكاح: باب حق المرأة على الزوج (١٨٥٠)، والنسائي في التفسير (١/ ٣٨١) (١٢٤)، وأحمد (٤/ ٤٤٦، ٤٤٧)، (٥/ ٣، ٥)، والطبراني في «الكبير» (١٩/ ٩٩٩- ١٠٠٢، ١٠٣٤، ١٠٣٨، ١٠٣٩)، وابن حبان (١٢٨٦- موارد)، والحاكم (٢/ ١٨٧- ١٨٨)، والبيهقي (٧/ ٢٩٥، ٣٠٥، ٤٦٦- ٤٦٧) والبغوي في «شرح السنة» (٥/ ١١٩) برقم (٢٣٢٣) .\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٤٨) .\n(٢) أخرجه مسلم (٣/ ١٢٨٠- ١٢٨١)، كتاب «الأيمان»، باب صحبة المماليك، وكفارة من لطم عبده، حديث (٣٤/ ١٦٥٩)، وأبو داود (٢/ ٧٦٢)، كتاب «الأدب»، باب في حق المملوك، حديث (٥١٥٩)، والترمذي (٤/ ٣٣٥) كتاب «البر والصلة»، باب النهي عن ضرب الخدم وشتمهم، حديث (١٩٤٨)، وأحمد (٤/ ١٢٠، ٥/ ٢٧٣، ٢٧٤)، وعبد الرزاق (١٧٩٥٩)، والبيهقي (٨/ ١٠)، والطبراني في «الكبير» (١٧/ ٢٤٥) رقم (٦٨٤) .\nوقال الترمذي: حديث حسن صحيح.","vol":"2","page":231},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-300>[سورة النساء (٤): آية ٣٥]</span>\nوَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِها إِنْ يُرِيدا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (٣٥)\nوقوله تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا ... الآية: اختلف من المأمور بالبَعْثَةِ. فقيل: الحُكَّام «١»، وقيل: المُخَاطَب الزَّوْجَانِ، وإِليهما تقديمُ الحَكَمَيْنِ، وهذا في مَذْهب مالك، والأول لربيعةَ وغيره، ولا يُبْعَثُ الحَكَمَانِ إِلاَّ مع شدَّة الخوْفِ والشِّقَاقِ، ومذهبُ مالك وجمهورِ العُلَمَاءِ: أنَّ الحَكَمَيْن يَنْظُران في كلِّ شيء، ويحملان على الظَّالم، ويُمْضِيَان ما رَأَياه مِنْ بقاء أو فراقٍ، وهو قولُ عليَّ بنِ أبي طالب في «المدوَّنة» وغيرها «٢» .\nوقوله: إِنْ يُرِيدا إِصْلاحًا، قال مجاهد وغيره: المرادُ الحَكَمَانِ، أي: إِذا نَصَحَا وقَصَدَا الخَيْرَ، بُورِكَ في وَسَاطتهما «٣»، وقالتْ فرقةٌ: المرادُ الزَّوْجَان، والأول أظهرُ، وكذلك الضميرُ في بَيْنِهِما، يحتمل الأمرين، والأظهر أنه للزّوجين، والاتصاف بعليم خبير: يناسب ما ذكر من إرادة الإصلاح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-301>[سورة النساء (٤): الآيات ٣٦ الى ٣٧]</span>\nوَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا فَخُورًا (٣٦) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا (٣٧)\nوقوله تعالى: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا ... العبادة/:\nالتذلُّل بالطَّاعة، وإِحسانًا، مصدرٌ، والعاملُ فيه فِعلٌ، تقديره: وأحْسِنُوا بالوالدين إِحسانًا، وَبِذِي القُرْبَى: هو القريبُ النَّسَبِ مِنْ قِبَلِ الأبِ والأُمِّ، قال ابنُ عبَّاس وغيره: والجَارُ ذو القربَى: هو القريبُ النَّسَبِ، والجَارُ الجُنُبِ: هو الجَارُ الأجنبيُّ «٤»، وقالَتْ فرقة: الجَارُ ذو\n_________\n(١) في أ: الحاكم.\n(٢) أخرجه الطبري (٤/ ٧٤) برقم (٩٤٠٨- ٩٤٠٩)، وذكره البغوي (١/ ٤٢٤) بنحوه، وابن عطية (٢/ ٤٩)، والسيوطي (٢/ ٢٧٩)، وعزاه للشافعي في «الأم»، وعبد الرزاق في «المصنف»، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في «سننه»، عن عبيدة السلماني.\n(٣) أخرجه الطبري (٤/ ٧٩) برقم (٩٤٣١)، وذكره ابن عطية (٢/ ٤٩)، والسيوطي (٢/ ٢٨٠)، وعزاه لعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد. [.....]\n(٤) أخرجه الطبري (٤/ ٨٠- ٨٢) برقم (٩٤٣٨: ٩٤٤٩)، وذكره ابن عطية (٢/ ٥٠)، وابن كثير (١/ ٤٩٤)، والسيوطي (٢/ ٢٨٢) بنحوه، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في «شعب الإيمان» من طرق، عن ابن عباس.","vol":"2","page":232},{"text":"القربَى: هو الجارِ القريبُ المَسْكنِ منْكَ، والجار الجُنُب هو البعيدُ المَسْكن منْكَ، والمُجَاورة مراتِبُ بعضُها أَلْصَقُ من بعض أدناها الزَّوْجَة.\nقال ابنُ عباس وغيره: الصَّاحِبُ بالجَنْبِ: هو الرفيقُ في السَّفَر «١» .\nوقالَ عليُّ بنْ أبي طَالِبِ، وابنُ مَسْعود، وابنُ أبي لَيْلَى وغيرهم: هو الزوجَةُ «٢»، وقال ابنُ زَيْدٍ: هو الرجلُ يعتريكَ ويُلِمُّ بك لتنفعه «٣»، وأسند الطبريُّ «أنَّ رسولَ الله ﷺ كَانَ مَعَهُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وهُمَا عَلَى راحلتين، فدخل رسول الله ﷺ غَيْضَةً «٤»، فَقَطَعَ قَضِيبَيْنِ، أَحَدُهَمَا مُعْوَجٌّ، وخَرَجَ فَأَعْطَى صَاحِبَهُ القَوِيمَ، وَحَبَسَ هُوَ المُعْوَجَّ، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: كُنْتَ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَحَقَّ بِهَذَا، فَقَالَ لَهُ: «يَا فُلاَنُ، إِنَّ كُلَّ صَاحِبٍ يَصْحَبُ الآخَرَ، فَإِنَّهُ مَسْئُولٌ عَنْ صَحَابَتِهِ، وَلَوْ سَاعَةً مِنْ نَهِارٍ» «٥»، قلْتُ: وأسند الحافظ محمَّد بن طاهر المقدسيّ، عن النبيّ ﷺ قَالَ: «خَيْرُ الأَصْحَابِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِصَاحِبِهِ، وَخَيْرُ الجِيرَانِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِجَارِهِ» «٦» . انتهى من «صفوة التصوُّف» .\nوفي الحديثِ الصحيح، عنِ ابن عمر، قال: قال النّبيّ ﷺ: «مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ»، أخرجه البخاريُّ، وأخرجه أيضًا من طريق عائشة (﵂) «٧» انتهى.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٤/ ٨٣) برقم (٩٤٥٨)، وذكره ابن عطية (٢/ ٥١)، وابن كثير (١/ ٤٩٥)، والسيوطي (٢/ ٢٨٤)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في «الشعب» عن ابن عباس.\n(٢) ذكره ابن عطية (٢/ ٥١) .\n(٣) أخرجه الطبري (٤/ ٨٥) برقم (٩٤٨٢)، وذكره البغوي (١/ ٤٢٥)، وابن عطية (٢/ ٥١) .\n(٤) الغيضة: هي الشجر الملتف. ينظر: «النهاية» (٣/ ٤٠٢) .\n(٥) أخرجه الطبري في تفسيره (٤/ ٨٥) برقم (٩٤٨٣) .\n(٦) أخرجه الترمذي (٤/ ٣٣٣)، كتاب «البر والصلة»، باب ما جاء في حق الجوار، حديث (١٩٤٤)، وابن حبان (٢٠٥١- موارد)، وابن خزيمة (٢٥٣٩)، وأحمد (٢/ ١٦٧- ١٦٨)، والحاكم (١/ ٤٤٣)، والدارمي (٢/ ٢١٥) من حديث عبد الله بن عمرو.\n(٧) ورد ذلك من حديث عائشة، وابن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأبي هريرة، وأبي أمامة، وأنس بن مالك، وزيد بن ثابت، وحديث جابر بن عبد الله، ومحمد بن مسلمة، ورجل من الأنصار:\nفأما حديث عائشة، فأخرجه البخاري (١٠/ ٤٥٥) في الأدب: باب الوصاة بالجار (٦٠١٤)، وفي «الأدب المفرد» (٩٩)، ومسلم (٤/ ٢٠٢٥) في البر والصلة: باب الوصية بالجار، والإحسان إليه (١٤٠- ٢٦٢٤) . وأبو داود (٢/ ٧٦٠) في الأدب: باب في حق الجوار (٥١٥١)، والترمذي (٤/ ٢٩٣) في البر والصلة: باب ما جاء في حق الجوار (١٩٤٢)، وابن ماجة (٢/ ١٢١١) في الأدب: باب حق الجوار (٣٦٧٣)، والطحاوي في «مشكل الآثار» (٤/ ٢٦- ٢٧)، وأحمد (٦/ ٥٢، ٢٣٨)، والخرائطي-","vol":"2","page":233},{"text":"وابنُ السَّبِيلِ: المسافرُ، وسُمِّيَ ابْنُهُ للزومه له، وما ملكت أيمانكم: هم العبيد الأرقّاء.\n_________\n- في «مكارم الأخلاق» (ص ٣٦)، والبيهقي (٧/ ٢٧) من طرق عن عمرة عنها به.\nوقال الترمذي: حديث حسن صحيح.\nوأخرجه مسلم من طريق هشام بن عروة عن أبيه عنها.\nوأخرجه أحمد (٦/ ٩١، ١٢٥، ١٨٧)، وأبو يعلى (٤٥٩٠)، وأبو نعيم في «الحلية» (٣/ ٣٠٧)، والخرائطي في «مكارم الأخلاق» (ص ٣٦)، والخطيب في «التاريخ» (٤/ ١٨٧) من طريق زبيد عن مجاهد عنها.\nوأما حديث ابن عمر، فأخرجه البخاري (٦٠١٥)، ومسلم (١٤١/ ٢٦٢٥)، وأحمد (٢/ ٨٥)، والطبراني في «الكبير» (١٢/ ٣٦٠) (١٣٣٤٠، ٣٣٤٣)، والخرائطي (ص ٣٧)، والبيهقي (٧/ ٢٧)، والبغوي في «شرح السنة» (٦/ ٤٧٠) برقم (٣٣٨١) من طريق عمر بن محمد عن أبيه عنه مرفوعا. وكذا رواه البخاري في «الأدب المفرد» (١٠٢) .\nوأما حديث عبد الله بن عمرو بن العاص فأخرجه أبو داود (٥١٥٢)، والترمذي (١٩٤٣)، والبخاري في «الأدب المفرد» (١٠٣)، وأحمد (٢/ ١٦٠)، والحميدي (٢/ ٢٧٠- ٢٧١) برقم (٥٩٣)، والخرائطي (ص ٣٧)، وأبو نعيم في «الحلية» (٣/ ٣٠٦) من طريق مجاهد عنه به.\nوعند الحميدي «عن مجاهد بن جبر عن محرر بن قيس بن السائب أن عبد الله بن عمرو ...» .\nوقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وقد روي هذا الحديث عن مجاهد عن عائشة وأبي هريرة عن النبيّ ﷺ أيضا.\nوأما حديث أبي هريرة، فأخرجه ابن ماجة (٣٦٧٤)، وأحمد (٢/ ٣٠٥، ٤٤٥)، وأبو نعيم في «الحلية» (٣/ ٣٠٦) من طريق يونس بن أبي إسحاق عن مجاهد عنه به.\nوقال البوصيري في «الزوائد» (٢/ ١٦٤): هذا إسناد صحيح رجاله ثقات.\nورواه أحمد: (٢/ ٢٥٩، ٥١٤)، وابن حبان (٢٠٥٢- موارد)، وابن أبي شيبة (٨/ ٥٤٦- ٥٤٧) برقم (٥٤٧٢)، والبزار (٢/ ٣٨١) برقم (١٨٩٨)، وابن عدي (٣/ ٩٤٩)، والبغوي في «شرح السنة» (٦/ ٤٧٠) برقم (٣٣٨٢) من طريق شعبة عن داود بن فراهيج عنه به.\nوقال الهيثمي في «المجمع» (٨/ ١٥٩): رواه البزار، وفيه داود بن فراهيج، وهو ثقة، وفيه ضعف، وبقية رجاله ثقات.\nوأما حديث أبي أمامة، فأخرجه أحمد (٥/ ٢٦٧)، والخرائطي (٣٧) عن بقية بن الوليد حدثنا محمد بن زياد سمعت أبا أمامة يقول: سمعت رسول الله ﷺ يوصي بالجار حتى ظننت أنه سيورثه. وكذا رواه الطبراني في «الكبير» (٨/ ١٣٠) برقم (٧٥٢٣) .\nوقال الهيثمي في «المجمع» (٨/ ١٦٨)، رواه الطبراني، وإسناده جيد.\nوأخرجه الطبراني (٧٦٣٠) من طريق يحيى بن أبي كثير عن شداد أبي عمار عن أبي أمامة به، ولفظه لفظ حديث عائشة.\nوقال الهيثمي (٨/ ١٦٧): رواه أحمد والطبراني بنحوه، وصرح بقية بالتحديث، فهو حديث حسن.\nوأما حديث أنس فأخرجه الخرائطي مطولا (ص ٣٦) عن الربيع بن صبيح عن يزيد الرقاشي عنه. -","vol":"2","page":234},{"text":"قال ابنُ العَرَبِيّ «١» في «أحكامه»: وقد أمر اللَّه سبحانه بالرِّفْقِ بهم، والإِحسانِ إِلَيْهم وفي «الصحيح» عن النبيّ ﷺ أنَّهُ قَالَ: «إِخْوَانُكُمْ مَلَّكَكُمُ اللَّهُ رِقَابَهُمْ، فَأَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ، وَاكْسُوهُمْ مِمَّا تَلْبَسُونَ، وَلاَ تُكَلِّفُوهُمْ مِنَ العَمَلِ مَا لاَ يُطِيقُونَ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ، فأعينوهم»»\n. انتهى.\n_________\n- وأخرجه البزار (١٨٩٩- كشف الأستار) عن محمد بن ثابت عن أبيه عن أنس. وقال الهيثمي (٨/ ١٦٨): فيه محمد بن ثابت بن أسلم، وهو ضعيف. وأما حديث زيد بن ثابت فرواه الطبراني في «الكبير» (٥/ ١٥١) (٤٩١٤)، وفي «الأوسط» (٢٥٤- مجمع البحرين) من طريق عمرو بن أبي عمرو عن المطلب بن عبد الله بن حنطب عن زيد بن ثابت به مرفوعا.\nوقال الهيثمي: فيه المطلب بن عبد الله بن حنطب، وهو ثقة، وفيه ضعف. وبقية رجاله رجال الصحيح.\nوأما حديث جابر، فأخرجه البزار (١٨٩٧) عن زياد بن عبد الله: ثنا الفضل بن مبشر عن جابر بنحوه.\nوقال الهيثمي: فيه الفضل بن مبشر، وثقه ابن حبان، وضعفه غيره، وبقية رجاله ثقات. وأما حديث محمد بن مسلمة: فأخرجه الطبراني في «الكبير» (١٩/ ٢٣٤- ٢٣٥)، والبيهقي في «الدلائل» (٧/ ٧٧) من طريق محمد بن المثنى قال: حدثنا عباد بن موسى، قال: حدثنا يونس عن الحسن عن محمد بن سلمة به مطولا.\nوقال الهيثمي: فيه عباد بن موسى السعدي. وقد ذكر ابن أبي حاتم عباس بن مؤنس، وروى عنه اثنان، فإن كان هذا ابن مؤنس، فرجاله ثقات، وإلا فلم أعرفه.\nوأما حديث الأنصاري، فأخرجه أحمد (٥/ ٣٢، ٣٦٥)، والطحاوي (٤/ ٢٧)، والخرائطي (ص ٣٥- ٣٦) من طريق هشام عن حفصة بنت سيرين عن أبي العالية عنه.\n(١) ينظر: «أحكام القرآن» (١/ ٤٣١) .\n(٢) أخرجه البخاري (١/ ١٠٦) في الأيمان: باب المعاصي من أمر الجاهلية (٣٠)، و(٥/ ٢٠٦) في العتق:\nباب قول النبيّ ﷺ: «العبيد إخوانكم، فأطعموهم مما تأكلون»، (٢٥٤٥)، و(١٠/ ٤٨٠) في الأدب:\nباب ما ينهى عن السباب واللعن (٦٠٥٠) .\nومسلم (٣/ ١٢٨٢- ١٢٨٣) في الأيمان: باب إطعام المملوك مما يأكل، وإلباسه مما يلبس (٣٨- ٤٠/ ١٦٦١)، وأبو داود (٢/ ٧٦١) في الأدب: باب في حق المملوك (٥١٥٨)، والترمذي (٤/ ٢٩٤- ٢٩٥) في البر والصلة: باب ما جاء في الإحسان إلى الخدم (١٩٤٥)، وابن ماجة (٢/ ١٢١٦- ١٢١٧) في الأدب: باب الإحسان إلى المماليك (٣٦٩٠)، وأحمد (٥/ ١٥٨)، والبخاري في «الأدب المفرد» (١٨٧)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٤/ ٣٥٦)، والبيهقي (٨/ ٧) من طريق المعرور بن سويد قال: مررنا بأبي ذر بالربذة وعليه برد، وعلى غلامه مثله، فقلنا: يا أبا ذر لو جمعت بينهما كانت حلة.\nفقال: إنه كان بيني وبين رجل من إخواني كلام، وكانت أمه أعجمية، فعيرته بأمه، فشكاني إلى النبيّ ﷺ، فلقيت النبيّ ﷺ فقال: يا أبا ذر إنك امرؤ فيك جاهلية. قلت: يا رسول الله. من سب الرجال سبوا أباه وأمه. قال: يا أبا ذر إنك امرؤ فيك جاهلية، هم إخوانكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فأطعموهم مما تأكلون، وألبسوهم مما تلبسون، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم» .\nوقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. -","vol":"2","page":235},{"text":"ونفَى سبحانه محبَّته عَمَّنْ صفته الخُيَلاءُ والفَخْر، وذلك ضَرْبٌ من التوعُّد، يقال:\nخَالَ الرَّجُلُ يَخُولُ خَوْلًا، إِذا تكبَّر وأُعْجِبَ بنفسه، وخَصَّ سبحانه هاتين الصفتين هنا إذا مقتضاهما العُجْبُ والزَّهْو، وذلك هو الحَامِلُ عَلَى الإِخلال بالأصْنَافِ الذين تَقدَّم أَمْرُ اللَّه بالإِحسان إِلَيْهم.\nوقوله تعالى: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ ... الآية: قالتْ فرقةٌ:\n«الذين» في موضعِ نَصْبٍ بدلٍ مِنْ «مَنْ» في قوله: مَنْ كانَ مُخْتالًا، ومعناه على هذا:\nيبخَلُونَ بأموالهم، ويأمرون الناس، يَعْنِي: إِخوانَهُمْ ومَنْ هو مَظِنَّة طاعتهم بالبُخْل بالأموال أَنْ تُنْفَقَ في شَيْءٍ من وُجُوه الإِحسان إِلى مَنْ ذَكَر، وَيَكْتُمُونَ مَآ آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ، يعني: مِنَ الرِّزْقِ والمالِ، فالآيةُ، إِذَنْ، في المؤمنين، أي: وأما الكافِرُونَ فأعدَّ لهم عذابًا مُهِينًا، وروي أنَّ الآية نزلَتْ في أحبارِ اليَهُود بالمدينةِ إذ كتموا أمر النبيّ ﷺ، وبخلوا به، والتوعّد بالعذاب المهين لهم، وأَعْتَدْنا: معناه يَسَّرْنَا وأحْضَرْنَا، والعَتِيدُ: الحَاضِرُ، والمُهِينُ: الذي يَقْتَرِنُ به خِزْيٌ وذُلٌّ، وهو أنْكَى وأشدّ على المعذّب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-302>[سورة النساء (٤): الآيات ٣٨ الى ٣٩]</span>\nوَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِينًا فَساءَ قَرِينًا (٣٨) وَماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا (٣٩)\nوقوله تعالى: وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ ... الآية: «الَّذِينَ» في موضعِ رَفْعٍ على القطع، والخبرُ محذوفٌ، وتقديره، بعد «اليوم الآخر»: مُعَذَّبُونَ.\n_________\n- ويشهد له حديث أبي اليسر، رواه مسلم (٤/ ٢٣٠١- ٢٣٠٣) في الزهد: باب حديث جابر الطويل وقصة أبي اليسر (٧٤- ٣٠٠٦، ٣٠٠٧)، والبخاري في «الأدب المفرد» (١٨١)، والطبراني في «الكبير» (١٩/ ١٦٨- ١٦٩) برقم (٣٧٩)، والطحاوي (٤/ ٣٥٦)، وابن أبي شيبة (٧/ ١١) من طريق حاتم بن إسماعيل: ثنا يعقوب بن مجاهد عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت عنه.\nكما يشهد له حديث جابر، رواه البخاري في «الأدب المفرد» (١٨٢)، (١٩٢) من طريق مروان بن معاوية: ثنا الفضل بن مبشر قال: سمعت جابر بن عبد الله قال: كان النبيّ ﷺ يوصي بالمملوكين خيرا، ويقول: «أطعموهم مما تأكلون، وألبسوهم من لبوسكم، ولا تعذبوا خلق الله» .\nويشهد له أيضا حديث يزيد بن جارية، رواه أحمد (٤/ ٣٥- ٣٦)، والبخاري في «التاريخ الكبير» (٥/ ٣٦٤) عن سفيان عن عاصم (يعني ابن عبيد الله) عن عبد الرّحمن بن يزيد عن أبيه.\nوقال الهيثمي في المجمع (٤/ ٢٣٧): رواه أحمد والطبراني عن يزيد بن جارية، وفيه عاصم بن عبيد الله، وهو ضعيف. ويشهد له حديث رجل من أصحاب النبيّ ﷺ، رواه البخاري في «الأدب المفرد» (١٨٤)، وأحمد (٥/ ٥٨) .","vol":"2","page":236},{"text":"والصحيحُ الذي علَيْهِ الجمهورُ أنَّ هذه الآيةَ في المُنَافِقِينَ/، والقَرِينُ: فَعِيلٌ بمعنى فَاعِلٍ من المُقَارنة، وهي الملاَزَمَةُ والاِصْطحَاب، والإِنسان كلُّه يقارنُه الشَّيْطان لَكِنَّ الموفَّقَ عاصٍ له.\nوقوله تعالى: وَماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ... الآية: التقديرُ: وأيُّ شيء عَلَيْهم، لو آمنوا، وفي هذا الكلام تفجُّع مَّا عليهم، واستدعاءٌ جميلٌ يقتضي حَيْطَةً وإِشفاقًا، وَكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا: إِخبارٌ يتضمَّن وعيدًا، وينبِّه علَى سُوء تواطُئِهِمْ، أي: لا ينفعهم كَتْمٌ مع عِلْمِ الله بهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-303>[سورة النساء (٤): آية ٤٠]</span>\nإِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)\nوقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ ... الآية: مِثْقَال: مِفْعَال من الثّقل، والذَّرَّة: الصغيرةُ الحَمْرَاءُ مِنَ النَّمْلِ، ورُوِيَ عنِ ابْنِ عبَّاس أنه قال: الذَّرَّة: رأسُ النملةِ «١»، وقرأ ابنُ عَبَّاس: «مِثْقَالَ نَمْلَةٍ» قال قتادةُ عن نَفْسه «٢»، ورواه عَنْ بعض العلماء:\nلأَنْ تَفْضُلَ حَسَنَاتِي علَى سَيِّئاتِي بِمِثْقَالِ ذَرَّةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيا جميعًا.\nوقوله سبحانه: وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً: التقديرُ: وإِنْ تك زِنَةُ الذَّرَّةِ، وفي «صحيح مُسْلم» وغيره، مِنْ حديثِ أبي سعيدٍ، عن النبيّ ﷺ قَالَ: «ثُمَّ يُضْرَبُ الْجِسْرُ عَلَى جَهَنَّم، وَتَحِلُّ الشّفاعة، ويقولون: اللَّهُمَّ، سَلِّمْ سَلِّمْ»، وفيه: «فَيَمُرُّ المُؤْمِنُونَ كَطَرْفِ العَيْنِ، وَكَالْبَرْقِ، وَكَالرِّيحِ، وكَالطَّيْرِ، وَكَأَجَاوِيدِ الخَيْلِ، وَالرِّكَابِ، فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ، وَمخْدُوشَّ «٣» مُرْسَلٌ، وَمَكْدُوسٌ «٤» فِي نَارِ جَهَنَّمَ حَتَّى إِذَا خَلُصَ المُؤْمِنُونَ مَنَ النَّارِ، فو الّذي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا مِنْ أَحَدٍ مِنْكُمْ بِأَشَدَّ مُنَاشَدَةً لِلَّهِ فِي اسْتِيفَاءِ الحَقِّ مِنَ المُؤْمِنِينَ لِلَّهِ يَوْمَ القِيَامَةِ لإِخْوَانِهِمْ الَّذِينَ فِي النَّارِ، يَقُولُونَ: رَبَّنَا، كَانُوا يَصُومُونَ مَعَنَا، وَيُصَلُّونَ، وَيَحُجَّونَ، فَيُقَالَ لَهُمْ:\nأَخْرِجُوا مَنْ عَرَفْتُمْ، فَتُحَرَّمُ صُوَرُهُمْ عَلَى النَّارِ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقًَا كَثِيرًا، قَدْ أَخَذَتِ النَّارُ إِلَى نِصْفِ سَاقَيْهِ، وَإِلَى رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا، مَا بَقِيَ فِيهَا أَحَدٌ مِمَّنْ أَمَرْتَنَا بهِ، فَيَقُولُ:\nارْجِعُوا، فَمَنْ وَجَدتُّمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ دِينَارٍ مِنْ خَيْرٍ، فَأَخْرِجُوهُ، فَيُخْرِجُونَ خلقا كثيرا، ثمّ\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٤/ ٩١) برقم (٩٥٠٦)، وذكره ابن عطية (٢/ ٥٣)، والسيوطي (٢/ ٢٩٠) بلفظ «نملة»، وعزاه لابن المنذر. [.....]\n(٢) أخرجه الطبري (٤/ ٩١) برقم (٩٥٠٤)، (٩٥٠٥)، وذكره السيوطي (٢/ ٢٩٠)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير.\n(٣) خدش الجلد: قشره بعود أو نحوه. ينظر: «النهاية» (٢/ ١٤) .\n(٤) أي: مدفوع. وتكدّس الإنسان إذا دفع من ورائه فسقط. ينظر: «النهاية» (٤/ ١٥٥) .","vol":"2","page":237},{"text":"يَقُولُونَ: رَبَّنَا، لَمْ نَذَرْ فِيهَا أَحَدًا مِمَّنْ أَمَرْتَنَا بِهِ، ثُمَّ يَقُولُ ارْجِعُوا، فَمَنْ وَجَدتُّمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ نِصْفِ دِينَارٍ مِنْ خَيْرٍ، فَأَخْرِجُوهُ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا، ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا، لَمْ نَذَرْ فِيهَا أَحَدًا مِمَّنْ أَمَرْتَنَا، ثُمَّ يقول: ارجعوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ، فَأَخْرِجُوهُ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا، ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا، لَمْ نَذَرْ فِيهَا خَيْرًا»، وكان أبو سعيدٍ الخدريُّ يَقُولُ: إِن لم تصدِّقوني في هذا الحديث، فاقرءوا إِن شئْتُمْ: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا، فيقول اللَّه ﷿:\n«شَفَعَتِ المَلاَئِكَةُ، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة من النار، فيخرج مِنْهَا قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ ...» الحديثَ. انتهى.\nولفظُ البخاريِّ: «فَمَا أَنْتُمْ بِأَشَدَّ لِي مُنَاشَدَةً فِي الحَقِّ قَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ يَوْمَئِذٍ لِلْجَبَّارِ، إِذَا رَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ نَجُوا فِي إِخْوَانِهِم ...» «١» الحديثَ.\nوقرأ نافع وابنُ كَثيرٍ: «حَسَنَةٌ» «٢» (بالرفع) على تمام «كَانَ»، التقدير: وإِنْ تُوجَدْ حَسَنَةٌ، ويُضَاعِفْهَا: جوابُ الشرطِ، وقرأ «٣» ابن كَثِيرٍ: «يُضَعِّفْهَا»، وهو بناء تكثيرٍ يقتضِي أكْثَرَ مِنْ مرَّتين إِلَى أقصَى ما تريدُ مِنَ العدد، قال بعضُ المتأوِّلين: هذه الآيةُ خُصَّ بها المهاجِرُون لأن اللَّه تعالَى أعلَمَ في كتابه أنَّ الحَسَنَةَ لكُلِّ مؤُمِنٍ مضاعَفَةً عَشْرَ مرارٍ، وأَعْلَمَ في هذه الآيةِ أنها مُضَاعَفَةٌ مرارًا كثيرةً حَسْبما رَوَى أبو هُرَيْرة من أنّها تضاعف ألفي ألف مرّة «٤»، وروى غيره: أَلْفَ أَلْفِ مَرَّةٍ «٥»، وقال بعضُهم: بَلْ وعد بذلك جَمِيعَ المؤمنينَ.\nقال ع «٦»: والآيةُ تعمُّ المؤمنين والكافرين، فأمَّا المؤمنُونَ، فَيُجَازونَ في الآخِرَةِ على مثاقِيلِ الذَّرِّ، فما زاد، وأمَّا الكافِرُونَ، فما يَفْعَلُونه مِن خَيْر، فإِنه تقع عليه المكافأة بنعم\n_________\n(١) تقدم تخريجه.\n(٢) ينظر: «الحجة» (٣/ ١٦٠)، و«حجة القراءات» (٢٠٣)، و«إعراب القراءات» (١٣٣)، و«العنوان» (٨٤)، و«شرح الطيبة» (٤/ ٢٠٦)، و«شرح شعلة» (٣٣٩)، و«إتحاف» (١/ ٥١١)، و«البحر المحيط» (٣/ ٢٥٧)، و«الدر المصون» (٢/ ٣٦٢)، و«معاني القراءات» (١/ ٣٠٨) .\n(٣) ينظر: «السبعة» (٢٣٣)، و«حجة القراءات» (٢٠٣)، و«الحجة» (٣/ ١٦١)، و«العنوان» (٨٤)، و«إعراب القراءات» (١/ ١٣٤)، و«إتحاف» (١/ ٥١٢) .\n(٤) ذكره ابن عطية (٢/ ٥٤)، وابن كثير (١/ ٤٩٨)، والسيوطي (٢/ ٢٩١)، وعزاه لابن أبي شيبة عن أبي عثمان قال: بلغني عن أبي هريرة.. فذكره.\n(٥) ذكره ابن عطية (٢/ ٥٤) .\n(٦) انظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٥٤) .","vol":"2","page":238},{"text":"الدنيا/، ويأتُونَ يَوْمَ القيامةِ، ولا حَسَنَةَ لَهُمْ، قلْتُ: وقد ذكرنا في هذا المُخْتَصَر من أحاديثِ الرَّجَاء، وأحاديثِ الشَّفَاعَةِ جملةً صالحةً لا تُوجَدُ مجتمعةً في غَيْره على نَحْوِ ما هِيَ فيه، عَسَى اللَّهُ أَنْ ينفَعَ به النّاظر فيه، ومن أعظم أحاديثِ الرَّجَاءِ ما ذَكَره عياضٌ في «الشِّفَا» قال:\nومن حديث أنس: سمعت النبيّ ﷺ يَقُولُ: «لأَشْفَعَنَّ يَوْمَ القِيَامَةِ لأَكْثَرَ مِمَّا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرٍ وَحَجَرٍ» «١» . انتهى.\nوهذا الحديثُ أخرجه النِّسائِيُّ، ولفظه: «إِنِّي لأَشْفَعُ يَوْمَ القِيَامَةِ لأَكْثَرَ مِمَّا عَلَى الأَرْضِ مِنْ شَجَرٍ وَحَجَرٍ ...» الحديث. انتهى من «الكوكب الدّرّيّ» .\nومِنْ لَدُنْهُ: معناه: مِنْ عنده، والأَجْرُ العظيمُ: الجَنَّة قاله ابنُ مَسْعود «٢» وغيره، وإِذا مَنَّ اللَّه سبحانه بتفضُّله علَى عَبْده، بَلَغَ به الغايَةَ، اللهمّ منّ علينا بخير الدّارين بفضلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-304>[سورة النساء (٤): الآيات ٤١ الى ٤٢]</span>\nفَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيدًا (٤١) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (٤٢)\nوقوله جلَّت قدرته: فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيدًا ... الآيةَ: لما تقدَّم في التي قَبْلَها الإِعلامُ بتَحْقيق الأحكام يوم القيامة، حَسُنَ بعد ذلك التَّنْبِيهُ على الحالَةِ الَّتي يُحْضَرُ ذلك فيها، ويُجَاءُ فيها بالشُّهَدَاءِ على الأُمَمِ، ومعنى الآيةِ: أنَّ اللَّه سبحانه يأتي بالأنبياءِ شُهَدَاءَ عَلَى أُمَمِهِمْ بالتَّصْديق والتَّكْذيب، ومعنى الأُمَّة في هذه الآية: جميعُ مَنْ بُعِثَ إِلَيْه مَنْ آمَنَ منهم، ومَنْ كَفَر، وكذَلِكَ قال المتأوِّلون: إن الإشارة ب «هؤلاء» إلى كفّار قريش وغيرهم، وروي أنّ رسول الله ﷺ كَانَ إِذَا قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ، فَاضَتْ عَيْنَاهُ، وكذلك ذَرِفَتْ عَيْنَاهُ﵇- حِينَ قَرَأَهَا عليه ابْنُ مَسْعُودٍ حَسْبَما هو مذكورٌ في الحديثِ الصَّحِيح، وفي «صحيحِ البخاريِّ»، عن عُقْبَةَ بنِ عامر، قال:\nصلّى رسول الله ﷺ عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ صَلاَتَهُ عَلَى المَيِّتِ بَعد ثمان سنين، كالمُوَدِّع للأحياء والأموات ثم طلع المنبر، فقال: إنِّي بَيْنَ أَيْدِيِكُمْ فَرَطٌ، وأَنا عَلَيْكُمْ شَهِيدٌ، وإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الحَوْضُ وإِنَّي لأَنْظُرُ إِلَيْهِ مِنْ مَقَامِي هذا، وإِنِّي لست أخشى عليكم أن تشركوا، ولكني أخشى عليكُمُ الدنيا أن تنافسوها، قال: فكانت آخر نظرة نظرتها الى رسول الله ﷺ. «٣»\n_________\n(١) ينظر: «مناهل الصفا في تخريج أحاديث الشفا» (٣٥) .\n(٢) أخرجه الطبري (٤/ ٩٤) برقم (٩٥١٤)، وذكره ابن عطية (٢/ ٥٤)، والسيوطي (٢/ ٢٩٠- ٢٩١)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن مسعود.\n(٣) حديث عقبة بن عامر: -","vol":"2","page":239},{"text":"وقوله تعالى: لَوْ تُسَوَّى قالت فرقة معناه: تنشق الأرض، فيحصلون فيها، ثم تتسوَّى هي في نفسها عليهم وبهم، وقالت فرقة: معناه لو تستوي هي معهم في أن يكونوا ترابا كالبهائم.\nوقوله تعالى: وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا: معناه، عند طائفة: أن الكفار، لما يرونه من الهول وشِدَّة المخاوف، يودون لو تسوى بهم الأرض، فلا ينالهم ذلك الخوف، ثم استأنف الكلام، فأخبر أنهم لا يكتمون الله حديثا، لنطق جوارحهم بذلك كله، حين يقول بعضهم وَاللَّهِ رَبِّنا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ [الأنعام: ٢٣] فيقول الله سبحانه: «كذبتم» ثم تنطق جوارحهم، فلا تكتم حديثا، وهذا قول ابن عباس «١» .\nوقالت طائفة: الكلام كله متصل وودّهم ألا يكتموا الله حديثا إنما هو ندم على كذبهم حين قالوا: وَاللَّهِ رَبِّنا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ [الأنعام: ٢٣] والرسول في هذه الآية الجنس، شرِّف بالذكر، وهو مفرد دلَّ على الجمع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-305>[سورة النساء (٤): آية ٤٣]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلاَّ عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُورًا (٤٣)\nوقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ ... الآية: نزَلَتْ قبل تحريم الخَمْر، وجمهورُ المفسِّرين على أن المراد سُكْر الخَمْر إلاَّ الضَّحَّاك، فإنه قال: المُرَادُ سُكْر النَّوْمِ، وهذا قولٌ ضعيفٌ، والمرادُ ب «الصَّلاة» هنا/ الصلاةُ المعروفةُ.\nوقالَتْ طائفةٌ: الصلاة هنا المرادُ بها موضع الصلاة، والصلاة معا.\n_________\n- أخرجه البخاري (٣/ ٢٠٩)، كتاب «الجنائز»، باب الصلاة على الشهيد، الحديث (١٣٤٤)، ومسلم (٤/ ١٧٩٦)، كتاب «الفضائل»، باب إثبات حوض نبينا، الحديث (٣١)، وأبو داود (٣/ ٥٥١)، كتاب «الجنائز»، باب الميت يصلى على قبره بعد حين، الحديث (٣٢٢٣)، والنسائي (٤/ ٦١- ٦٢)، كتاب «الجنائز»، باب الصلاة على الشهداء، والدارقطني (٢/ ٧٨)، كتاب «الجنائز»، باب الصلاة على القبر، في صلاته ﷺ على شهداء أحد بعد ثمان سنين.\n(١) أخرجه الطبري (٤/ ٩٦- ٩٧) برقم (٩٥٢٢: ٩٥٢٤)، وذكره البغوي (١/ ٤٣٠) بنحوه، وابن عطية (٢/ ٥٥)، وابن كثير (١/ ٤٩٩)، والسيوطي (٢/ ٢٩٢- ٢٩٣) . [.....]","vol":"2","page":240},{"text":"قال ابنُ العربيِّ في «الأحكام» «١»: ورُوِيَ في سبب نزولِ هذه الآيةِ عن عَلِيٍّ (﵁) أنه قَالَ: صَنَعَ لنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ طَعَامًا، فَدَعَانَا، وسَقَانَا مِنَ الخَمْرِ- يَعْنِي: وَذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِهَا- قَالَ: فَأَخَذَتِ الخَمْرُ مِنَّا، وَحَضَرَتِ الصَّلاَةُ، فَقَدَّمُونِي، فَقَرَأْتُ: قُلْ يا أيّها الكافرون لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَنَحْنُ نَّعْبُدُ ما تعبدون، قال: فأنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ ...\nالآية: خرَّجه الترمذيُّ وصحَّحه. انتهى «٢» .\nوقوله: وَلا جُنُبًا إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ، قال عليُّ بن أبي طالب (﵁) وغيره: عَابِرُ السَّبِيلِ: المُسَافِرُ «٣» .\nوقال ابنُ مسعودٍ وغيره: عابر السَّبيل هنا: الخَاطِرُ في المَسْجِد، وعَابِرُ سَبِيلٍ هو مِنَ العبور، أي: الخطور والجَوَازُ «٤»، والمريضُ المذكورُ في الآية هو الحَضَرِيُّ، وأصل الغائِطِ ما انخفض مِنَ الأرض، ثم كَثُر استعماله في قضاء الحَاجَةِ.\nواللَّمْسُ في اللغةِ لَفْظٌ يقعُ لِلَّمْسِ الَّذي هو الجِمَاعُ، ولِلَّمْسِ الذي هو جَسُّ اليدِ والقُبْلَةُ ونَحْوُهُ، واختلف في موقِعِهَا هنا، فمالكٌ (﵀) يقولُ: اللفظةُ هنا تقتضِي الوَجْهَيْنِ، فالملامِسُ بالجِمَاعِ يتيمَّم، والملامِسُ باليد يتيمَّم، ومعنى قوله سبحانه:\nفَتَيَمَّمُوا: اقصدوا، والصَّعِيدُ «٥» في اللغة: وَجْه الأرضِ قاله الخليل وغيره، واختلف\n_________\n(١) ينظر: «أحكام القرآن» (١/ ٤٣٣) .\n(٢) أخرجه الطبري (٤/ ٩٨) برقم (٩٥٢٧)، وذكره ابن عطية (٢/ ٥٦)، وابن كثير (١/ ٥٠٠)، والسيوطي (٢/ ٢٩٣- ٢٩٤)، وعزاه لعبد بن حميد، وأبي داود، والترمذي وحسنه، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والنحاس، والحاكم وصححه.\n(٣) أخرجه الطبري (٤/ ١٠٠) برقم (٩٥٤٢)، وذكره البغوي (١/ ٤٣١)، وابن عطية (٢/ ٥٧)، وابن كثير (١/ ٥٠١)، والسيوطي (٢/ ٢٩٤- ٢٩٥) وعزاه للفريابي، وابن أبي شيبة في «المصنف»، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في «سننه» عن علي.\n(٤) ذكره البغوي (١/ ٤٣١)، وابن عطية (٢/ ٥٧)، والسيوطي (٢/ ٢٩٥)، وعزاه لابن جرير عن ابن مسعود.\n(٥) قال في «لسان العرب»: الصعيد المرتفع من الأرض.. وقيل: الأرض المرتفعة من الأرض المنخفضة- وقيل: ما لم يخالطه رمل، ولا سبخة- وقيل: وجه الأرض لقوله تعالى: فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا [الكهف: ٤٠] أي: أرضا ملساء لا نبات بها.\nوقال جرير:\nإذا تيم ثوت بصعيد أرض ... بكت من حيث لؤمهم الصعيد\nوقيل: الصعيد الأرض، وقيل: الأرض الطيبة، وقيل: هو كل تراب طيب- «وفي التنزيل: فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا [المائدة: ٦]» وقال «الفرّاء» في قوله: صَعِيدًا جُرُزًا [الكهف: ٨]: الصعيد التراب-","vol":"2","page":241},{"text":"الفُقَهاءُ فيه من أجْلِ تقييدِ الآيةِ إياه بالطَّيِّبِ.\nفقالتْ طائفة: يتيمَّم بوَجْه الأرْض، ترابًا كان أو رَمْلًا أو حجارةً أو مَعْدِنًا أو سَبِخَةً، وجعلَتِ الطِّيب بمعنى الطَّاهر، وهذا هو مذهَبُ مالكٍ «١»، وقالتْ طائفة منهم: الطِّيب\n_________\n- وقال غيره: هي الأرض المستوية.\nوقال «الشافعي»: لا يقع اسم الصّعيد إلّا على تراب له غبار- فأما البطحاء الغليظة والرقيقة، والكثيب الغليظ- فلا يقع عليه اسم الصعيد، وإن خالطه تراب، أو صعيد، أو مدر يكون له غبار- كان الذي خالطه الصعيد ولا يتيمم.. بالنورة، ولا بالزّرنيخ، وكل هذا حجارة.\nوقال «أبو إسحق»: الصعيد: وجه الأرض قال: وعلى الإنسان أن يضرب بيديه وجه الأرض، ولا يبالي أكان في الموضع تراب، أو لم يكن لأن الصعيد ليس هو التراب إنما هو وجه الأرض، ترابا كان أو غيره.\nقال: ولو أن أرضا كانت كلها صخرا، لا تراب عليه، ثم ضرب المتيمم يده على ذلك الصخر لكان ذلك طهورا، إذا مسح به وجهه قال تعالى: فَتُصْبِحَ صَعِيدًا [الكهف: ٤٠] لأنه نهاية ما يصعد إليه من باطن الأرض.\nقال «الأزهري»: هذا الذي قاله «أبو إسحق» أحسبه مذهب مالك ...\nقال «الليث»: يقال للحديقة إذا خربت، وذهب شجرها: قد صارت صعيدا، أي أرضا مستوية لا شجر فيها قال «ابن الأعرابي»: الصعيد الأرض بعينها، والصعيد الطريق سمي بالصعيد من التراب، والجمع من كل ذلك صعدان.\nقال «حميد بن ثور»:\nوتيه تشابه صعداته ... ويفنى به الماء إلا السمل\nوصعد كذلك- وصعدات جمع الجمع. وفي حديث علي ... (رضوان الله عليه) - إياكم والقعود بالصعدات، إلا من أدى حقها، وهي الطرق، وهي جمع صعد وصعد.. جمع صعيد كطريق وطرق وطرقات، مأخوذ من الصعيد، وهو التراب، وقيل: جمع صعدة كظلمة وهي فناء باب الدار، وممر الناس بين يديه، ومنه الحديث: «ولخرجتم إلى الصّعدات تجأرون إلى الله تعالى»، والصعيد الطريق يكون واسعا وضيقا، والصعيد الموضع العريض الواسع، والصعيد القبر. اهـ. ينظر «التيمم» لشيخنا جاد الرب.\n(١) أجمع المسلمون على جواز التيمم بتراب الحرث الطيب واختلفوا في جوازه بما عدا التراب من أجزاء الأرض المتولد عنها كالحجارة.\nفذهب «الشّافعيّ» إلى أنه لا يجوز التيمّم إلّا بالتراب الخالص ... وذهب مالك وأصحابه إلى أنّه يجوز التيمم بكل ما صعد على.. وجه الأرض من أجزائها من الحصباء والرمل والتراب في المشهور عنه، وزاد «أبو حنيفة» فقال: وبكل ما يتولد من الأرض مثل: الحجارة والنّون والزّرنيخ والجص والطّين والرّخام. ومنهم من شرط أن يكون التراب على وجه الأرض.\nوقال «الحنابلة»: لا يجوز التيمم إلا بتراب طاهر ذي غبار يعلق باليد، كقول «الشّافعيّ» وبه قال «إسحاق» و«أبو يوسف» و«داود» . وقال أحمد: يتيمم بغبار الثوب واللبد، ونقل عن «مالك» في بعض رواياته جواز التيمم على الحشيش والثلج. وقال ابن حزم من الظاهرية: لا يجوز التيمم إلّا.. بالأرض، -","vol":"2","page":242},{"text":"بمعنى المُنْبِتِ كما قال تعالى: وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ [الأعراف: ٥٨]، فالصعيد عندهم هو الترابُ، وهذه الطائفةُ لا تُجِيزُ التيمُّم بغيره، فمكانُ الإجماع أنْ يتيمَّم في تُرَابٍ منبت طاهر غير منقول، ولا مغصوب، وترتيبُ القرآن الوجْهُ قبل اليدَيْنِ، وبه قال الجمهور، وفي «المدوَّنة» أنَّ التيمُّم ضربتانِ «١»، وجمهورُ العلماء أنَّه ينتهِي في مَسْح اليدَيْن إلى المرافق «٢» .\n_________\n- ثم الأرض تنقسم إلى قسمين: تراب، وغير تراب، فأما التراب فالتيمم به جائز كان في موضعه من الأرض أو منزوعا مجهولا في إناء أو ثوب أو على يد إنسان أو حيوان، أو كان في بناء لبن، أو طابية، أو غير ذلك وأما ما عدا التراب من الحصى والحصباء والرخام والرمل والكحل والزرنيخ والجير والجص والذهب والتوتيا والكبريت والملح وغير ذلك، فإن كان شي من هذه المعادن في الأرض غير مزال عنها إلى شيء آخر، فالتيمم بكل ذلك جائز- وإن كان شيء من ذلك مزالا إلى إناء أو ثوب أو نحو ذلك لم يجز التيمم بشيء منه ولا يجوز التيمم بالآجر فإن رض حتى يقع عليه اسم التراب جاز التيمم؟ وكذلك الطين لا يجوز التيمم به، فإن جف حتى يسمى ترابا جاز التيمم به، ولا يجوز التيمم بملح انعقد من الماء كان في موضعه أو لم يكن ولا بثلج ولا بورق ولا يحشيش ولا بخشب ولا بغير ذلك، ممّا يحول بين المتيمم وبين الأرض.\nينظر: «التيمم» لشيخنا جاد الرب.\n(١) والأصح عند الشافعي: وجوب ضربتين، وإن أمكن مسح الوجه واليدين بضربة واحدة بأن يأخذ خرقة كبيرة، ويضرب بها التراب، ثم يمسح ببعضها وجهه، وبباقيها يديه.\nوإنما كان الأصح وجوب ضربتين لخبر أبي داود، والحاكم: «التيمم ضربتان ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين» .\nينظر: «التيمم» لجاد الرب.\n(٢) اختلفوا في القدر الواجب مسحه في اليدين على ثلاثة مذاهب:\nالأول: أن الحد الواجب في ذلك هو الحد الواجب بعينه في الوضوء، وهو أن يمسحهما إلى المرفقين.. وبه قال الشافعي في «الجديد»، ومنصوصات «القديم» وقال به من الأصحاب: ابن عمر، وجابر، ومن التابعين: سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، والحسن، وابن سيرين، ومن الفقهاء الليث بن سعد، وسفيان الثوري، وأبو حنيفة وصاحباه.\nوالثاني: أن الفرض هو مسح الكف فقط، وبه قال أهل الظاهر، وأهل الحديث. وبه قال مالك أيضا مع استحباب المسح إلى المرفقين، وبه قال من الصحابة ابن مسعود، وابن عباس، ومن التابعين عكرمة، ومكحول، ومن الفقهاء: الأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، ورواه أبو ثور عن الشافعي في القديم. وحكاه الزعفراني على أن الشافعي في القديم كان يجعله موقوفا على صحة حديث عمار، ومنصوصه في القديم خلاف هذا.\nالثالث: أن الفرض المسح إلى المناكب، وهو مروي عن الزهري.\nولأن الله تعالى أوجب طهارة الأعضاء الأربعة في الوضوء في أول الآية، ثم أسقط منها عضوين في التيمم في آخر الآية، فبقي العضوان في التيمم على ما ذكر في الوضوء، إذ لو اختلفا حدا في التيمم لبينه.\nينظر: «التيمم» لشيخنا جاد الرب.","vol":"2","page":243},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-306>[سورة النساء (٤): الآيات ٤٤ الى ٤٦]</span>\nأَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (٤٤) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ وَكَفى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفى بِاللَّهِ نَصِيرًا (٤٥) مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنا لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلًا (٤٦)\nوقوله سبحانه: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ ...\nالآية: أَلَمْ تَرَ: مِنْ رؤية القَلْب، وهي عِلْمٌ بالشيء، والمراد ب «الّذين»: اليهود قاله قتادة وغيره «١»، ثم اللفظ يتناوَلُ معهم النصارى، وقال ابن عبَّاس: نزلَتْ في رِفَاعَةَ بْنِ زَيْدِ بنِ التَّابُوتِ اليهوديِّ «٢»، والكتابُ: التوراةُ والإنجيلُ، ويَشْتَرُونَ: عبارةٌ عن إيثارهم الكفْرَ، وتركِهِمُ الإيمانَ، وقالتْ فرقة: أراد الَّذِينَ كانوا يُعْطُون أموالهم للأحبارِ على إقامةِ شَرْعِهِمْ، فهو شراءٌ حقيقةً، وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ معناه: أنْ تَكْفُروا.\nوقوله سبحانه: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ خبرٌ في ضمنه التحذيرُ منهم، وَكَفى بِاللَّهِ وَلِيًّا، أيْ: اكتفوا باللَّه وليًّا.\nوقوله سبحانه: مِنَ الَّذِينَ هادُوا، قال بعضُ المتأوِّلين: «مِنْ» راجعةٌ على «الَّذِينَ» الأولى، وقالتْ فرقة: «مِنْ» متعلِّقة ب «نَصِيرًا»، والمعنى: ينصُرُكم من الذين هَادُوا، فعلى هذين التأويلَيْن لا يُوقَفُ في قوله: «نَصِيرًا»، وقالتْ فرقة: هي ابتداء كلامٍ، وفيه إضمارٌ، تقديره: قَوْمٌ يحرِّفون، وهذا مذهبُ أبي عَلِيٍّ، وعلى هذا التأويلِ يُوقَفُ في «نَصِيرًا»، وقول سيبَوَيْهِ أصْوَبُ/ لأنَّ إضمار الموصولِ ثقيلٌ، وإضمار الموصوفِ أسهلُ، وتحريفهم للكلامِ على وجْهَيْنِ، إما بتغييرِ اللفظِ، وقد فَعَلُوا ذلك في الأقَلِّ، وإمَّا بتغيير التَّأْويلِ، وقد فَعَلُوا ذلك في الأكْثَرِ، وإليه ذهب الطَّبَرِيُّ «٣»، وهذا كلُّه في التوراة على قولِ الجُمْهورِ، وقالتْ طائفة: هو كَلِمُ القرآن، وقال مكّيّ: هو كلام النبيّ ﷺ، فالتَّحْرِيفُ على هذا في التأويلِ.\nوقوله تعالى عنهم: سَمِعْنا وَعَصَيْنا عبارةٌ عَنْ عُتُوِّهم في كفرهم وطغيانهم فيه، وغَيْرَ مُسْمَعٍ: يتخرّج فيه معنيان:\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٤/ ١١٩) برقم (٩٦٩٢)، وذكره ابن عطية (٢/ ٦١) .\n(٢) أخرجه الطبري (٤/ ١١٩) برقم (٩٦٩٤)، وذكره البغوي (١/ ٤٣٧)، وابن عطية (٢/ ٦١)، والسيوطي (٢/ ٣٠٠)، وعزاه لابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في «الدلائل» .\n(٣) ينظر: «تفسير الطبري» (٤/ ١٢٠) .","vol":"2","page":244},{"text":"أحدُهُما: غير مأمور وغير صاغر كأنهم قالوا: غَيْرَ أَنْ تُسَمَّعَ مأمورًا بذلك.\nوالآخر: على جهة الدعاءِ، أي: لاَ سَمِعْتَ كما تَقُولُ: امض غَيْرَ مُصِيبٍ، ونحو ذلك، فكانَتِ اليهودُ إذا خاطبت النبيّ ﷺ ب غَيْرَ مُسْمَعٍ، أَرادَتْ في الباطِنِ الدعاءَ علَيْه، وأَرَتْ ظاهرًا أنها تريدُ تعظيمَهُ، قال ابنُ عبَّاس وغيره نحوه «١»، وكذلكَ كَانُوا يُرِيدُونَ منه في أَنْفُسِهِمْ معنَى الرُّعُونَة، وحكى مَكِّيٌّ معنى رِعَايَةِ الماشِيَةِ، ويُظْهِرُونَ منه مَعْنَى المُرَاعَاةِ، فهذا معنى لَيِّ اللسانِ، وقال الحسنُ ومُجَاهد: غَيْرَ مُسْمَعٍ، أي: غير مقبول منك «٢»، ولَيًّا: أصله «لويا»، وطَعْنًا فِي الدِّينِ: أيْ: توهينًا له وإظهارًا للإستخفافِ به.\nقال ع: وهذا اللَّيُّ باللسانِ إلى خلافِ مَا في القَلْبِ موجُودٌ حتَّى الآن فِي بَنِي إسرائيل، ويُحْفِظُ منه في عَصْرنا أمثلة إلاَّ أنه لا يَلِيقُ ذِكْرُهَا بهذا الكتَابِ.\nوقوله تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ ... الآية: المعنى: ولو أنهم آمنوا وسمعوا وأطاعوا، وأَقْوَمَ: معناه: أعدل وأصوب، وقَلِيلًا: نعْتٌ إما لإِيمانٍ، وإما لِنَفَرٍ، أوْ قَوْمٍ، والمعنى مختلف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-307>[سورة النساء (٤): الآيات ٤٧ الى ٥٠]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٤٧) إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٤٩) انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا (٥٠)\nوقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ ...\nالآية: هذا خطابٌ لليهودِ والنصارى، ولِما مَعَكُمْ: مِنْ شَرْعٍ ومِلَّةٍ، لا لما معهم من مُبَدَّلٍ، ومُغَيَّرٍ، والطامس: الداثر المغيَّر الأعلامِ، قالتْ طائفة: طَمْسُ الوجوهِ هنا هو خُلُوُّ الحَوَاسِّ منها، وزوالُ الخِلْقَةِ، وقال ابنُ عَبَّاس وغيره: طَمْسُ الوجُوه: أن تزال العينان\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٤/ ١٢١) برقم (٩٧٠٣)، وذكره ابن عطية (٢/ ٦٢)، وابن كثير (١/ ٥٠٧)، والسيوطي (٢/ ٣٠٠)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني عن ابن عباس. [.....]\n(٢) ذكره الطبري (٤/ ١٢٢) برقم (٩٧٠٤، ٩٧٠٥) عن مجاهد، وبرقم (٩٧٠٦) عن الحسن، وابن عطية (٢/ ٦٢)، وابن كثير (١/ ٥٠٧)، والسيوطي (٢/ ٣٠٠) عن مجاهد وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد.","vol":"2","page":245},{"text":"خاصَّة منها، وتُرَدّ العينان في القفا، فيكون ذلك رَدًّا على الأدْبَارِ، ويَمْشِي القهقرى «١»، وقال مالكٌ (﵀): كان أول إسلام كَعْبِ الأَحْبَارِ أنَّه مَرَّ برَجُلٍ من الليل، وهو يقرأ هذه الآية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا ... الآية، فوضَعَ كَفَّيْهِ على وَجْهه، وَرَجَعَ القهقرى إلى بيته، فأسْلَمَ مكَانَهُ، وقال: «واللَّهِ، لَقَدْ خِفْتُ أَلاَّ أَبْلُغَ بَيْتِي، حتى يُطْمَسَ وجهي» «٢»، وأصْحَابُ السَّبْتِ: هم الذين اعتدوا في السَّبْت في الصَّيْد حَسْبَمَا تقدَّم، قال قتادةُ وغيره: وأمر الله في هذه الآية واحدُ الأمور دالٌّ على جِنْسها لا واحدُ الأوامر، فهي عبارةٌ عن المخْلُوقَاتِ كالعَذَابِ، واللَّعْنَة هنا، أو ما اقتضاه كُلُّ موضِعٍ ممَّا يختصُّ به «٣» .\nوقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ ...\nالآية: هذه الآيةُ هي الحاكِمَةُ ببَيَانِ ما تَعَارَضَ مِنْ آيات الوعْدِ والوعيدِ، وتلخيصُ الكلامِ فيها أنْ يُقَالَ: النَّاسُ أربعةُ أصْنَافٍ: كَافِرٌ مات على كُفْره، فهذا مُخَلَّد في النَّار بإجمَاع، ومُؤْمِنٌ مُحْسِنٌ لَمْ يُذْنِبْ قطُّ، وماتَ على ذلك، فهذا في الجنة مَحْتُومٌ علَيْه حَسَبَ الخَبَرِ من اللَّه تعالى، بإجماع، وتَائِبٌ مَاتَ على توبتِهِ، فهو عنْدَ أَهْلِ السُّنَّة وجمهورِ فُقَهَاء الأُمَّة لاَحِقٌ بالمُؤْمِنِ المُحْسِنِ، إلاَّ أنَّ قانُونَ المتكلِّمين أنَّه في المَشيئَةِ، ومُذْنِبٌ مَاتَ قَبْلَ تَوْبَتِهِ، فهذا هو موضعُ الخلاَفِ، فقالَت المُرْجِئَةُ: هو في الجنَّة بإيمانه، ولا تَضُرُّه سيئاته، وجعلوا آيات الوعيدِ كلَّها في الكُفَّار، وآياتِ الوَعْد عامَّةً في المؤْمنين تَقِيِّهِمْ وعَاصِيهِمْ، وقالتِ المعتزِلةُ: إذا كان صاحبَ كبيرةٍ، فهو في النَّار، ولا بُدَّ، وقالتِ الخوارجُ «٤»: إذا كان صاحِبَ كَبيرة، أو صغيرةٍ، فهو في النَّار مخلَّد، ولا إيمان له لأنهم يَرَوْنَ كل الذنُوبِ كبائرَ، وجعلوا آيات الوَعْدِ كلَّها في المؤمِنِ الذي لم يَعْصِ قَطُّ، والمؤمِنِ التائِبِ، وقال أهْلُ السُّنَّة: هو في المشيئة، وهذه الآيةُ هي الحاكِمَةُ، وهي النصُّ في مَوْضِعِ النِّزاعِ، وذلك\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٤/ ١٢٤) برقم (٩٧١٨)، وذكره ابن عطية (٢/ ٦٣)، والسيوطي (٢/ ٣٠١)، وعزاه لابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس.\n(٢) أخرجه الطبري (٤/ ١٢٧) برقم (٩٧٣٠)، وذكره البغوي (١/ ٤٣٩)، وابن عطية (٢/ ٦٣)، وابن كثير (١/ ٥٠٨)، والسيوطي (٢/ ٣٠١) وعزاه لابن جرير عن عيسى بن المغيرة.\n(٣) ذكره ابن عطية (٢/ ٦٣- ٦٤) .\n(٤) الفرقة الثالثة: الخوارج وهم سبع فرق: المحكمية بضم الميم وكسر الكاف المشدّدة، والنهيشية، والأزارمة، والنجدات، والأصفرية بالفاء. والأباضية، وافترق الأباضية فرقا أربعا: الحفصية، اليزيدية، الحارثية، والقائلون بأنّ إتيان المأمور به طاعة وإن لم يقصد به وجه الله. والسابعة من الخوارج العجاردة وهم عشر فرق: الميمونية الحمزية، الشعيبية، الحازمية، الحليفية، الأطرافية، المعلومية، المجهولية، الصلنية، الشعالية. وتفرق الشعالية فرقا أربعا: الأخنسية، المعبدية، الشيبانية، المكرمية.\nينظر: «نشر الطوالع» (٣٨٩- ٣٩٠) .","vol":"2","page":246},{"text":"أنَّ قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ فصْلٌ مجمعٌ عليه، وقوله: وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ فَصْلٌ قاطع للمعتزلة، رادٌّ على قولهم ردًّا لا محيدَ لهم عنه، ولو وقَفْنَا في هذا الموضع مِنَ الكلامِ، لَصَحَّ قولُ «١» المرجئَةِ، فجاء قوله: لِمَنْ يَشاءُ، ردًّا عليهم مبينًا أنَّ غفران مَا دُونَ الشِّرْك إنما هو لِقَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ بخلاف ما زَعَمُوه مِنْ أنه مغفورٌ لكلِّ مؤمنٍ، ولما حتم سبحانه على أنه لا يغفرُ الشِّرك، ذكر قُبْحَ موقعه، وقَدْرِهِ في الذُّنُوبِ، والفِرْيَةُ:\nأشدُّ مراتبِ الكَذِبِ قُبْحًا، وهو الإختلاقُ.\nوقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ ... الآية:\nلا خِلاَفَ بين المتأوِّلين أنَّ المراد بالآية اليهودُ، وإنما اختلفوا في المعنَى الَّذي به زَكَّوْا أنفسهم.\nفقال الحسن، وقتادة: ذلك قولُهُمْ: نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [المائدة: ١٨]، وقولهم: لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُودًا [البقرة: ١١١] إلى غير ذلك من غُرُورِهِم «٢» .\nقال ع «٣»: فتقتضي هذه الآيةُ الغَضَّ مِنَ المُزَكِّي لنفسه بلِسَانِهِ، والإعلامَ بأنَّ الزَّاكِيَ المزكى مَنْ حَسُنَتْ أفعاله، وزَكَّاه اللَّه ﷿، قال ابْنُ عَبَّاس وغيره: الفَتِيلُ:\nالخَيْطُ الذي في شَقِّ نواة التَّمْرة «٤»، وذلك راجعٌ إلى الكناية عن تَحْقير الشَّيْء وتصغيرِهِ، وأنَّ اللَّه لا يظلمه، ولاَ شَيْءَ دونه في الصِّغَر، فكيف بما فَوْقَهُ.\nوقوله تعالى: انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ... الآية: يبيِّن أنَّ تزكيتهم\n_________\n(١) المرجئة: اسم فرقة من كبار الفرق الإسلامية لقبوا به لأنهم يرجئون العمل عن النية، أي: يؤخرونه في الرتبة عنها وعن الاعتقاد، من أرجأه أي: أخره، ومنه أَرْجِهْ وَأَخاهُ [الأعراف: ١١١] أي: أمهله وأخره أو لأنهم يقولون: لا يضر مع الإيمان معصية، ولا ينفع مع الكفر طاعة، فهم يعطون الرجاء، وعلى هذا ينبغي أن لا يهمز لفظ المرجئة وفرقهم خمس: اليونسية، والعبيدية، والغسّانية، والثوبانية، والثومنية، كذا في شرح المواقف، وتحقيق كل في موضعه.\nينظر: «كشاف اصطلاحات الفنون» (٣/ ٣) .\n(٢) أخرجه الطبري (٤/ ١٢٩) برقم (٩٧٣٨- ٩٧٣٩)، وذكره البغوي (١/ ٤٤٠)، وابن عطية (٢/ ٦٥)، وابن كثير (١/ ٥١١)، والسيوطي (٢/ ٣٠٤) عن الحسن، وعزاه لعبد الرزاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن الحسن.\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٦٥) .\n(٤) أخرجه الطبري (٤/ ١٣٢) برقم (٩٧٥٧)، وذكره ابن عطية (٢/ ٦٦)، وابن كثير (١/ ٥١٢)، والسيوطي (٢/ ٣٠٥) وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم.","vol":"2","page":247},{"text":"أنفسَهُمْ كانَتْ بالباطلِ، والكَذِبِ ويُقَوِّي أنَّ التزكية كانَتْ بقولهم: نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ أنَّ الافتراء أعظم في هذه المقالة، وكَيْفَ يَصِحُّ أنْ تكونَ في موضِع رَفْعٍ بالاِبتداءِ، والخبر في قوله يَفْتَرُونَ وكَفى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا خبرٌ في ضِمْنه تعجُّب وتعجيبٌ مِنْ أمْرهم.\nقال ص: وَكَفى بِهِ عائدٌ على الاِفتراءِ، وقيل: على الكذب. انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-308>[سورة النساء (٤): الآيات ٥١ الى ٥٢]</span>\nأَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١) أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (٥٢)\nوقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ ... الآية: أجْمَعَ المتأوِّلون أنَّ المراد بها طائفةٌ من اليهود، والقَصَصُ يبيِّن ذلك، ومجموعُ ما ذكره المفسّرون في تفسيره الجِبْتِ والطَّاغُوتِ يقتضي أنَّهُ كُلُّ مَا عُبِدَ وأُطِيعَ مِنْ دُونِ اللَّهِ تعالى.\nوقوله تعالى: وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ... الآية: سببها أنَّ قريشًا قالَتْ لِكَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ، حين وَرَدَ مكَّة: أنْتَ سَيِّدُنَا، وَسيِّدُ قَوْمِكَ، إنَّا قومٌ نَنْحَرُ الكَوْمَاءَ «١»، وَنَقْرِي الضَّيْفَ، وَنَصِلُ الرَّحِمَ، وَنَسْقِي الحَجِيجَ، وَنَعْبُدُ آلِهَتَنَا الَّتِي وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا، وهَذَا مُحَمَّدٌ قَدْ قَطَعَ الرَّحِمَ، فَمَنْ أهدى نَحْنُ أوْ هُوَ؟ فَقَالَ كَعْبٌ: أَنْتُمْ أهدى مِنْهُ، وَأَقْوَمُ دِينًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيةُ، قاله ابنُ عبَّاسٍ «٢»، فالضمير في «يَقُولُونَ» / عائد على كعْبٍ، وعلى الجماعةِ الَّتي معه من اليهودِ المُحَرِّضين على قتال النبيّ ﷺ و«الّذين كَفَرُوا» في هذه الآيةِ هم كفَّار قريشٍ، والإشارة ب «هؤلاء» إليهم والَّذِين آمنوا هم النبيّ ﷺ وأمته، وقالتْ فرقة:\nبل المرادُ حُيَيُّ بنُ أَخْطَبَ وأتباعه، وهم المقصودُ من أول الآيات.\nقال ص: «لِلَّذِينَ»: اللامُ للتبليغِ متعلِّقة ب «يقولون» . انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-309>[سورة النساء (٤): الآيات ٥٣ الى ٥٥]</span>\nأَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (٥٣) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (٥٤) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (٥٥)\n_________\n(١) ناقة كوماء: عظيمة السّنام طويلته. ينظر: «لسان العرب» (٣٩٥٨) .\n(٢) أخرجه الطبري (٤/ ١٣٦- ١٣٧) برقم (٩٧٩١)، وذكره ابن عطية (٢/ ٦٦- ٦٧)، وابن كثير (١/ ٥١٣) .","vol":"2","page":248},{"text":"وقوله تعالى: أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ ... الآية: عُرْفُ «أَمْ» أنْ تُعْطَفَ بعد استفهامٍ متقدِّم كقولك: أَقَامَ زَيْدٌ أَمْ عَمْرٌو؟ فَإذا وردَتْ، ولم يتقدَّمها استفهامٌ كما هي هنا، فمذهب سيبَوَيْهِ أنَّها مضمَّنةٌ معنى الإضراب عن الكلامِ الأوَّلِ، والقَطْع منه، وهي متضمِّنة مع ذلك مَعْنَى الاِستفهام، فهي بمعنى «بَلْ» مع همزةِ استفهامٍ كقول العربِ: «إنها لإِبِلٌ أَمْ شَاءٌ»، التقدير عند سيبويه: إنَّهَا لإِبِلٌ بَلْ أَهِيَ شَاءٌ؟ وَكَذَلك هذا الموضعُ: بَلْ أَلهُمْ نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ، فإذا عرفْتَ هذا، فالمعنى على الأرجَحِ الذي هو مذْهَبُ سيبَوَيْهِ والحُذَّاقِ: أنَّ هذا استفهامٌ على معنى الإِنكار، أي: ألهم مُلْكٌ فإذن لَوْ كان، لَبَخِلُوا به، والنَّقِيرُ: هي النُّكْتَةُ التي في ظَهْر النَّوَاة من التَّمْر هذا قول الجمهور، وهَذَا كنايةٌ عن الغايَةِ في الحَقَارة والقِلَّة، وتُكْتَبُ «إذَنْ» بالنُّون وبالألِفِ، فالنُّونُ هو الأصْلُ ك «عَنْ»، وَ«مِنْ»، وجاز كتبها بالألِفِ لصحَّة الوقوفِ عليها، فأشبهَتْ نونَ التَّنْوينِ، ولا يصحُّ الوقوف على عَنْ ومِنْ.\nوقوله تعالى: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ ... الآية: «أمْ» هذه على بابها من العطْفِ بعد الاِستفهام.\nوقال ص: أَمْ يَحْسُدُونَ: «أَمْ» أيضًا منقطعةٌ تتقدَّر ب «بَلْ» و«الهمزة» .\nانتهى. قلت: والظاهر ما قاله ع «١» واختلف في المراد ب «الناس» هنا.\nفقال ابن عبّاس وغيره: هو النبيّ ﷺ، والفَضْلُ: النبوَّة فقط «٢»، والمعنى: فَلِمَ يخصُّونه بالحَسَد، ولا يَحْسُدُونَ آل إبراهيم في جميعِ مَا آتيناهم مِنْ هذا وغيره مِنَ المُلْك، وقال قتادة: «النَّاسُ» هنا: العَرَبُ، حَسَدَتْها بَنُو إسرائيل في أن كان النبيّ ﷺ منْها، والفَضْلُ على هذا التأويل هو محمَّد ﷺ «٣»، قَالَ أبو عُمَرَ بْنُ عبدِ البَرِّ: وقد ذَمَّ اللَّه قومًا على حَسَدهم، فقال: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ، ثم حدَّث بسنده، عن عمرو بن مَيْمُونٍ، قَالَ: لما رَفَع اللَّه موسى نَجِيًّا، رأى رجُلًا متعلِّقًا بالعَرْش، فقال: يا رَبِّ، مَنْ هَذَا، فقالَ: هذا عَبْدٌ مِنْ عِبَادِي، صَالِحٌ، إن شئت أخبرتك بعمله،\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٦٨) .\n(٢) ذكره البغوي (١/ ٤٤٢)، وابن عطية (٢/ ٦٨) .\n(٣) أخرجه الطبري (٤/ ١٤١) برقم (٩٨٢٥)، وذكره البغوي (١/ ٤٤٢)، وابن عطية (٢/ ٦٨)، والسيوطي (٢/ ٣٠٩) وعزاه لابن جرير. [.....]","vol":"2","page":249},{"text":"فقال: يا رَبِّ، أخبِرْنِي، فقال: كَانَ لاَ يَحْسُدُ النَّاسَ على ما آتاهم اللَّه مِنْ فَضْله، ثم حدَّث أبو عمر بسنده، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ: «إنَّ الحَسَدَ يَأْكُلُ الحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الحَطَبَ» «١» وذكر عبد الرزَّاق، عن مَعْمَرٍ، عن إسماعيل بْنِ أُمَّيَةَ «٢»، قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ثَلاَثٌ لاَ يَسْلَمُ مِنْهُنَّ أَحَدٌ: الطِّيَرَةُ، والظَّنُّ، وَالحَسَد! قِيلَ: فَمَا المَخْرَجُ مِنْهُنَّ، يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: إذَا تَطَيَّرْتَ فَلاَ تَرْجِعْ، وَإذَا ظَنَنْتَ فَلاَ تُحَقِّقْ، وَإذَا حَسَدتَّ فَلاَ تَبْغِ» «٣» انتهى من «التمهيد» .\nوقوله تعالى: فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ اختلف في الضمير مِنْ «به» .\nفقال الجمهور: هو عائدٌ علَى القرآن الذي في قوله تعالى: آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا [النساء: ٤٧] فأعلم اللَّه سبحانه أنَّ منهم مَنْ آمَنَ كما أُمِرَ فلذلك/ ارتفَعَ الوعيدُ بالطَّمْسِ، ولم يَقَعْ، وصَدَّ قومٌ ثبَتَ الوعيدُ عليهم في الآخرة بقوله سبحانه: وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا.\nوقيل: هو عائدٌ على إبراهيم﵇-.\nوقيل: هو عائدٌ على الفَضْلِ الذي آتاه اللَّه النبيَّ﵇-، والعربَ على ما تقدَّم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-310>[سورة النساء (٤): الآيات ٥٦ الى ٥٧]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نارًا كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُودًا غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (٥٦) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًاّ ظَلِيلًا (٥٧)\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجة (٢/ ١٤٠٨) كتاب «الزهد»، باب الحسد، حديث (٤٢١٠)، وأبو يعلى (٦/ ٣٣٠) رقم (٣٦٥٦) من طريق عيسى بن ميسرة عن أبي الزناد عن أنس به.\nوقال البوصيري في «الزوائد» (٣/ ٢٩٨): هذا إسناد فيه عيسى بن أبي عيسى، وهو ضعيف.\nوللحديث شاهد من حديث أبي هريرة، أخرجه أبو داود (٢/ ٦٩٣)، كتاب «الأدب»، باب في الحسد، حديث (٤٩٠٣) عنه بلفظ: «إياكم والحسد، فإن الحَسَدَ يَأْكُلُ الحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الحَطَبَ» .\n(٢) إسماعيل بن أميّة بن عمرو بن سعيد بن العاص الأموي المكي: أحد العلماء والأشراف عن أبيه، وأيوب بن خالد، وسعيد المقبري، وعنه معمر، والسّفيانان، وروح بن القاسم. قال ابن المديني: له نحو سبعين حديثا، وثقه أبو حاتم، قال ابن معين: مات سنة أربع وأربعين ومائة.\nينظر: «الخلاصة» (١/ ٨٤) (٤٨٠) .\n(٣) ذكره ابن عبد البر في «التمهيد» (٦/ ١٢٥) .","vol":"2","page":250},{"text":"وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا ... الآية: لما تقدَّم في الآية وصْفُ المَرَدَةِ مِنْ بني إسرائيل وذِكْرُ أفعالهم وذُنُوبِهِمْ، جاءَتْ هذه الآيةُ بالوَعيدِ النَّصِّ لهم بلفظٍ جَلِيٍّ عَامٍّ لهم ولغيرهم مِمَّنْ فَعَلَ فِعْلَهم من الكفرة، واختلف في معنى تَبْدِيل الجُلُودِ.\nفقالت فرقةٌ: تُبَدَّلُ عليهم جُلُودٌ أغْيَارٌ إذْ نفوسُهم هي المعذَّبة، والجلودُ لا تَأْلَمُ في ذَاتِها، وقالتْ فرقة: تبديلُ الجُلُودِ هو إعادَةُ ذلك الجِلْدِ بعينِهِ الذي كان في الدُّنيا، وإنما سَمَّاه تبديلًا لأنَّ أوصافه تتغيَّر، قال الحَسَنُ بْنُ أبي الحَسَن: تُبَدَّلُ علَيْهم في اليومِ سَبْعِينَ أَلْفَ مَرَّةٍ (عافَانا اللَّه مِنْ عذابِهِ برَحْمَتِهِ) «١» .\nولما ذكر سبحانه وعيدَ الكُفَّار، عَقَّبَ بوَعْد المُؤْمنين بالجَنَّة على الإيمان والأعمال الصّالحة، وظَلِيلًا: معناه عند بعضهم: يَقِي الحَرَّ والبَرْدَ، ويصحُّ أنْ يريدَ أنه ظِلٌّ لا يستحيلُ ولا يتنقَّلُ، وصح وصفه بظَلِيلٍ لامتداده، فقد قال ﷺ: «إنَّ فِي الجَنَّةِ شَجَرَةٌ يَسِيرُ الرَّاكِبُ الجَوَادُ المُضَمَّرُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ سَنَةٍ مَا يَقْطَعُهَا» «٢»، وَرَأَيْتُ لِبَعْضِهِمْ مَا نَصُّهُ وذكر الطبريُّ في كتابه، قال: لما خَلَق اللَّهُ ﷿ الجنَّةَ، قالَ لَهَا: امتدي، فقَالَتْ: يا ربِّ، كم، وإلى كم؟ فقال لها: امتدي مائة ألف سنة، فامتدت، ثم قال لها: امتدي، فقالت: يا رب: كم، وإلى كم؟ فقال لها: امتدي مائة ألف سنة، فامتدت، ثم قال لها:\nامتدي، فقالت: يا رب: كم، وإلى كَمْ؟ فَقَالَ لَهَا: امتدي مِقْدَار رَحْمَتِي، فامتدت، فَهِيَ تَمْتَدُّ أَبَدَ الآبِدِينَ، فَلَيْسَ لِلجَنَّةِ طَرَفٌ كَمَا أنَّهُ لَيْسَ لِرَحْمَةِ اللَّهِ طَرَفٌ. انتهى، فهذا لا يُعْلَمُ إلا من جهة السَّمْع، فهو ممَّا اطلع عليه الطبريُّ، وهو إمامٌ حافظٌ محدِّثٌ ثقةٌ قاله الخطيبُ أحمدُ بن عليّ بن ثابت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-311>[سورة النساء (٤): آية ٥٨]</span>\nإِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)\nوقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها ... الآية: قال ابن\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٤/ ١٤٥) برقم (٩٨٤٢)، وذكره البغوي (١/ ٤٤٣)، وابن عطية (٢/ ٦٩)، وابن كثير (١/ ٥١٤)، والسيوطي (٢/ ٣١١)، وعزاه لابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٢) أخرجه البخاري (٦/ ٣٦٨)، كتاب «بدء الخلق»، باب ما جاء في صفة الجنة، حديث (٣٢٥١)، ومسلم (٤/ ٢١٧٥)، كتاب «الجنة»، باب أن في الجنة شجرة، حديث (٨/ ٢٨٢٧) .","vol":"2","page":251},{"text":"جريج وغيره «١»: الآية خطاب للنبيّ ﷺ في أمر مِفْتَاحِ الكَعْبَةِ حين أخذه من عُثْمَانَ بْنِ طَلْحة «٢»، ومن ابن عَمِّه شَيْبَة، فطلبه العَبَّاس بْنُ عَبْدِ المطَّلب «٣» لِيُضِيفَ السَّدَانَةَ إلى السّقاية، فدخل النبيّ ﷺ الكعبةَ، وكَسَرَ ما كَانَ فيها من الأوثانِ، وأخْرَجَ مَقَامَ إبراهيمَ، وَنَزَلَ عليه جِبْرِيلُ بهذه الآية، قال عمر بنُ الخَطَّاب: فخرج النبيُّ ﷺ، وهو يقرأُ هذه الآيةَ، وما كُنْتُ سَمْعْتُهَا قَبْلُ مِنْهُ، فَدَعَا عُثْمَانَ وشَيْبَةَ، فَقَالَ لَهُمَا: خُذَاهَا خَالِدَةً تَالِدَةً، لاَ يَنْزِعُهَا مِنْكُمْ إلاَّ ظَالِمٌ «٤»، ثم الآيةُ بَعْدُ تتناوَلُ الوُلاَةَ فِيمَا لَدَيْهم مِنَ الأماناتِ في قِسْمة الأموال، وَردِّ الظُّلاَمَاتِ، وعَدْلِ الحكوماتِ، وتتناول مَنْ دونهم مِنَ النّاس في حفظ\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٤/ ١٤٨) برقم (٩٨٥١)، وذكره ابن عطية (٢/ ٧٠)، والسيوطي (٢/ ٣١٢)، وعزاه لابن المنذر عن ابن جريج.\n(٢) عثمان بن طلحة بن أبي طلحة: (عبد الله) بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي بن كلاب بن مرة، القرشي، العبدري، حاجب البيت، قال ابن الأثير: قتل أبوه طلحة، وعمه عثمان بن أبي طلحة جميعا يوم أحد كافرين، قتل حمزة عثمان، وقتل علي طلحة مبارزة، وقتل يوم أحد منهم أيضا: مسافع، والجلاس، والحارث، وكلاب بنو طلحة كلهم إخوة عثمان بن طلحة قتلوا كفارا..\nوهاجر عثمان بن طلحة إلى رسول الله ﷺ في هدنة الحديبية، مع خالد بن الوليد، فلقيا عمرو بن العاص قد أتى من عند النجاشي يريد الهجرة، فاصطحبوه حتى قدموا على رسول الله ﷺ بالمدينة، فقال رسول الله ﷺ حين رآهم: «ألقت إليكم مكة أفلاذ كبدها»، وأقام مع النبي بالمدينة، وشهد معه فتح مكة، ودفع إليه مفتاح الكعبة يوم الفتح، وإلى ابن عمه شيبة بن عثمان وقال: «خذوها خالدة تالدة ولا ينزعها منكم إلا ظالم» توفّي بمكة سنة (٤٢)، وقيل: استشهد ب «أجنادين» . ينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (٣/ ٥٧٨)، «الإصابة» (٤/ ٢٢٠)، «الثقات» (٣/ ٢٦٠)، «الاستيعاب» (٣- ٤/ ١٠٣٤)، «تجريد أسماء الصحابة» (١/ ٣٧٣)، «سير أعلام النبلاء» (٣/ ١٠)، «التاريخ الكبير» (٦/ ٢١١) .\n(٣) العبّاس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشيّ الهاشميّ، عمّ رسول الله ﷺ، أبو الفضل.\nولد قبل رسول الله ﷺ بسنتين، وضاع وهو صغير، فنذرت أمه إن وجدته أن تكسو البيت الحرير، فوجدته فكست البيت الحرير، فهي أوّل من كساه ذلك، وكان إليه في الجاهليّة السّقاية والعمارة، وحضر بيعة العقبة مع الأنصار قبل أن يسلم، وشهد بدرا مع المشركين مكرها فأسر فافتدى نفسه، وافتدى ابن أخيه عقيل بن أبي طالب، ورجع إلى مكّة، فيقال: إنه أسلم، وكتم قومه ذلك، وصار يكتب إلى النّبي ﷺ بالأخبار، ثم هاجر قبل الفتح بقليل، وشهد الفتح، وثبت يوم حنين وقال النبيّ ﷺ: «من آذى العبّاس فقد آذاني فإنّما عمّ الرّجل صنو أبيه»، أخرجه الترمذيّ في قصّة.\nوقد حدّث عن النّبيّ ﷺ بأحاديث، روى عنه أولاده، وعامر بن سعد، والأحنف بن قيس، وعبد الله بن الحارث، وغيرهم. ومات بالمدينة في رجب أو رمضان سنة اثنتين وثلاثين، وكان طويلا جميلا أبيض.\nينظر ترجمته في: «الإصابة» (٣/ ٥١١، ٥١٢) برقم (٤٥٢٥) .\n(٤) أخرجه الطبري (٤/ ١٤٨) برقم (٩٨٥١)، وذكره ابن عطية (٢/ ٧٠)، وابن كثير (١/ ٥١٦)، والسيوطي (٢/ ٣١٢)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر عن ابن جريج.","vol":"2","page":252},{"text":"الودائِعِ، والتحرُّز في الشهاداتِ، وغيرِ ذلك كالرجُلِ يُحَكَّمُ في نازلةٍ مَّا ونحوه، والصَّلاةُ والزكاةُ والصِّيامُ وسائرُ العباداتِ أماناتٌ للَّه تعالى، قال ابنُ العَرَبَيِّ/ في «أحكامه»: هذه الآيةُ في أداء الأمَانَةِ، والحكْم بين الناس- عامَّة في الوُلاَة والخَلْق لأنَّ كُلَّ مسلمٍ عَالِمٌ، بل كلّ مسلم حاكم، ووال، قال النبيّ ﷺ: «المُقْسِطُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ على مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ، وَهُمُ الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي أنْفُسِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا» «١» وقال ﷺ: «كلّكم راع وكلّكم مسئول عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ، وهو مسئول عَنْهُمْ، وَالعَبْدُ رَاعٍ فِي مَالٍ سَيِّدِهِ، وَهُوَ مسئول عنه، وكلّكم راع، وكلّكم مسئول عَنْ رَعِيَّتِهِ» «٢»، فهذه الأحاديثُ الصحيحةُ تدلُّ على ما قلناه. انتهى.\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٣/ ١٤٥٨) في الإمارة: باب فضيلة الإمام العادل (١٨/ ١٨٢٧)، والنسائي (٨/ ٢٢١- ٢٢٢) في آداب القضاة: باب فضل الحاكم العادل في حكمه، وأحمد (٢/ ١٦٠)، والحميدي (٢/ ٢٦٨- ٢٦٩) برقم (٥٨٨)، وابن حبان (١٥٣٨) موارد، والبيهقي (١٠/ ٨٧- ٨٨)، والخطيب في «التاريخ» (٥/ ٣٦٧)، وابن أبي شيبة (١٣/ ١٢٧)، والبغوي في «شرح السنة» (٥/ ٣١٢) برقم (٢٤٦٤) من طريق سفيان عن عمرو بن دينار عن عمرو بن أوس، عن عبد الله بن عمرو بن العاص به مرفوعا.\nوعند مسلم، والنسائي، وابن حبان، والخطيب، والبغوي: «سفيان بن عيينة» .\nوأخرجه عبد الرزاق (١١/ ٣٢٥) برقم (٢٠٦٦٤)، وأحمد (٢/ ١٥٩، ٢٠٣)، والحاكم (٤/ ٨٨- ٨٩) من طريق معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن عبد الله بن عمرو بن العاص.\nوقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، وقد أخرجاه جميعا، وسكت عنه الذهبي.\nقلت: لم يخرجه سوى مسلم كما تقدم في التخريج.\n(٢) أخرجه البخاري (٥/ ٨٤) كتاب «الاستقراض»، باب العبد راع في مال سيده، حديث (٢٤٠٩)، (٥/ ٢١١) كتاب «العتق»، باب كراهية التطاول على الرقيق، حديث (٢٥٥٤)، (٥/ ٢١٥) كتاب «العتق»، باب العبد راع في مال سيده، حديث (٢٥٥٨)، (٥/ ٤٤٤) كتاب «الوصايا»، باب تأويل قوله تعالى:\nمِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ، حديث (٢٧٥١)، (٩/ ١٦٣) كتاب «النكاح»، باب قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نارًا، حديث (٥١٨٨)، (٩/ ٢١٠) كتاب «النكاح»، باب المرأة راعية في بيت زوجها، حديث (٥٢٠٠)، (١٣/ ١١٩) كتاب «الأحكام»، باب قول الله تعالى: أَطِيعُوا اللَّهَ ...، حديث (٧١٣٨)، ومسلم (٣/ ١٤٥٩) كتاب «الإمارة»، باب فضيلة الإمام، حديث (٢٠/ ١٨٢٩)، وأبو داود (٢/ ١٤٥) كتاب «الخراج»، باب ما يلزم الإمام من حق الرعية، حديث (٢٩٢٨)، والترمذي (١٧٠٥)، وأحمد (٢/ ٥، ٥٤- ٥٥، ١١١، ١٢١)، وابن الجارود في «المنتقى» برقم (١٠٩٤)، وأبو عبيد في كتاب «الأموال» (ص ١٠، ١١) رقم (٣، ٤)، وعبد الرزاق (١١/ ٣١٩) برقم (٢٠٦٥٠)، وأبو يعلى (١٠/ ١٩٩) برقم (٥٨٣١)، وابن حبان (٤٤٧٢، ٤٤٧٤)، والبيهقي (٧١/ ٢٩١)، والبغوي في «شرح السنة» (٥/ ٣١١- بتحقيقنا)، والقضاعي في «مسند الشهاب» برقم (٢٠٩) كلهم من حديث ابن عمر.\nوللحديث شواهد من حديث أنس، وعائشة، وأبي لبابة بن عبد المنذر. حديث أنس: قال: قال رسول الله ﷺ: «كلكم راع وكل مسؤول عن رعيته، فالأمير راع على الناس ومسؤول عن رعيته، والرجل راع-","vol":"2","page":253},{"text":"ونِعِمَّا: أصله: «نَعْمَ مَا» سُكِّنت الميمُ الأولى، وأدغمتْ في الثانية، وحُرِّكَتِ العينُ لإلتقاء الساكنَيْنِ، وخُصَّتْ بالكَسْر إتباعًا للنُّون، و«ما» المردوفةُ على «نِعْمَ» إنما هي مهيِّئة لاِتصالِ الفعْلِ بها، ومع أنها موطّئة، فهي بمعنى «الذي» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-312>[سورة النساء (٤): آية ٥٩]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)\nوقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ... الآية: لَمَّا تُقُدِّمَ إلى الولاةِ في الآية المتقدِّمة، تُقُدِّمَ في هذه إلى الرعيَّة، فأَمَرَ بطاعتِهِ ﷿، وهي امتثال أوامره ونواهيه، وطاعةِ رسولِهِ، وطاعَةِ الأمراءِ على قول الجمهور، وهو قولُ ابْنِ عبَّاس وغيره «١»، فالأَمْرُ على هذا التأويلِ هو ضدُّ النَّهْيِ ومنْهُ لفظة «الأَمِيرِ»، وقال جابرٌ وجماعةٌ: «أُولُو الأَمْرِ»: أهل القرآن والعِلْمِ.\nقال عطاءٌ: طاعةُ الرَّسُولِ هي اتباع سُنَّته، يعني: بعد موته «٢»، ولفظ ابْنِ العَرَبِيِّ في «أحكامه» «٣» قال: قوله تعالى: وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فيها قولان:\n_________\n- على أهل بيته ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية لزوجها ومسؤولة عن بيتها وولدها، والمملوك راع على مولاه ومسؤول عن ماله، وكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ...»\nذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٥/ ٢١٠)، وقال: رواه الطبراني في «الصغير» و«الأوسط»، وأحد إسنادي «الأوسط» رجاله رجال الصحيح.\nحديث عائشة: ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٥/ ٢١٠)، وقال: رواه الطبراني في «الأوسط» وفيه أرطأة بن الأشعث وهو ضعيف جدا.\nوللحديث طريق آخر.\nأخرجه الخطيب في «تاريخ بغداد» (٥/ ٢٧٦) من طريق النضر بن شميل عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة عن النبيّ ﷺ قال: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» .\nحديث أبي لبابة بن عبد المنذر:\nنهى رسول الله ﷺ عن قتل الحيات التي في البيوت، وقال: «كلكم راع ومسؤول عن رعيته، والرجل راع على أهله ومسؤول عنهم، وامرأة الرجل راعية على بيت زوجها وهي مسؤولة عنهم، وعبد الرجل راع على مال سيده وهو مسؤول عنه، ألا كلكم راع وكلكم مسؤول ...» .\nقال الهيثمي في «المجمع» (٥/ ٢١٠): لأبي لبابة في الصحيح النهي عن قتل الحيات فقط، رواه الطبراني في «الأوسط» و«الكبير»، ورجال الكبير رجال الصحيح.\n(١) ذكره ابن عطية (٢/ ٧٠) .\n(٢) أخرجه الطبري (٤/ ١٥٠) برقم (٩٨٥٧- ٩٨٥٨)، وذكره ابن عطية (٢/ ٧١)، والسيوطي (٢/ ٣١٤)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم. [.....]\n(٣) ينظر: «أحكام القرآن» (١/ ٤٥١) .","vol":"2","page":254},{"text":"الأوَّل: قال ميمونُ بْنُ مِهْرَانَ: هم أصحاب السَّرَايَا، وروى في ذلك حديثًا، وهو اختيار البُخَاريِّ، وروي عن ابْنِ عباس أنَّها نزلَتْ في عبد اللَّه بْنِ حُذَافَة «١»، إذْ بعثه النبيّ ﷺ في سرِيَّة «٢» .\nوالثاني: هم العلماءُ، وبه قال أكثر التابِعِينَ، واختاره مالكٌ «٣» والطبريُّ.\nوالصحيحُ عِنْدِي: أنهم الأمراء والعلماء، أمَّا الأمراء فَلأنَّ الأمْرَ منهم، والحُكْمَ إلَيْهم، وأمَّا العلماء فَلأنَّ سؤالهم متعيِّن على الخَلْق، وجوابهم لازمٌ، وامتثال فَتْوَاهم واجبٌ، ويدخُلُ فيه تَأَمُّر الزَّوْج على الزَّوْجَةِ لأنَّه حاكِمٌ عليها. انتهى.\nوقوله تعالى: فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ ... الآية: معنى التنَازُعِ أنَّ كلَّ واحدٍ ينتزعُ حُجَّة الآخَرِ ويُذْهِبُهَا، والرَّدُّ إلى اللَّه هو النَّظَرُ في كتابِهِ العزيزِ، والرّدّ إلى الرسول هو سؤاله ﷺ في حياتِهِ، والنَّظَرُ في سُنَّته بعد وفاته، هذا قولُ مجاهد وغيرِهِ «٤»، وهو الصحيحُ.\nوقوله سبحانه: إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ... الآية: فيه بعض وعيد، وتَأْوِيلًا:\nمعناه: مآلًا في قول جماعة، وقال قتادةُ وغيره: المعنى: أحْسَنُ عاقبةً «٥»، وقالتْ فرقة:\nالمعنى أن اللَّه ورسولَهُ أحْسَنُ نَظَرًا وتأوُّلًا منكم، إذا انفردتم بتأوّلكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-313>[سورة النساء (٤): الآيات ٦٠ الى ٦٣]</span>\nأَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا (٦٠) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١) فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنا إِلاَّ إِحْسانًا وَتَوْفِيقًا (٦٢) أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (٦٣)\n_________\n(١) عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم القرشي السهمي: أبو حذافة أو أبو حذيفة، وأمه تميمة بنت حرثان، من بني الحارث بن عبد مناة من السابقين الأولين.\nيقال: شهد بدرا، ولم يذكره موسى بن عقبة ولا ابن إسحاق ولا غيرهما من أصحاب المغازي. وقال ابن يونس: شهد فتح مصر.\nينظر: «الإصابة» (٤/ ٥٠- ٥٣)، «أسد الغابة» ت (٢٨٩١)، «الاستيعاب» ت (١٥٢٦)، «الثقات» (٣/ ٢٦) .\n(٢) تقدم.\n(٣) ينظر «تفسير الطبري» (٤/ ١٥٣) .\n(٤) أخرجه الطبري (٤/ ١٥٤) برقم (٩٨٨٤- ٩٨٨٥- ٩٨٨٦)، وذكره ابن عطية (٢/ ٧١)، وابن كثير (١/ ٥١٨)، والسيوطي (٢/ ٣١٨)، وعزاه لسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٥) أخرجه الطبري (٤/ ١٥٥) برقم (٩٨٩٣)، وذكره ابن عطية (٢/ ٧١)، والسيوطي (٢/ ٣١٨)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر عن قتادة.","vol":"2","page":255},{"text":"وقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ ... الآية: تقولُ العربُ: زَعَمَ فُلاَنٌ كَذَا في الأَمْرِ الذي يَضْعُفُ فيه التحقيقُ، وغايةُ دَرَجَةِ الزَّعْم إذا قَوِيَ:\nأنْ يكون مظْنُونًا، وإذا قال سِيبَوَيْه: زَعَمَ الخَلِيلُ، فإنما يستعملُها فيما انفرد الخَلِيلُ به وكَأَنَّ أقوى رُتَبِ «زَعَمَ» أنْ تبقى معها عُهْدة الخَبَر على المُخْبِرِ.\nقال عامرٌ الشَّعبيُّ: / نزلَتِ الآيةُ في منافِقٍ اسمه بِشْرٌ، خاصَمَ رجلًا من اليهودِ، فدعاه اليهوديُّ إلى المُسْلِمِينَ لعلمه أنهم لاَ يَرْتَشُونَ، وكان المنافِقُ يدعو اليهودِيَّ إلى اليهودِ لعلمه أنَّهم يرتَشُونَ، فاتفقا بَعْدَ ذلك على أنْ أَتَيَا كَاهِنًا كَانَ بالمدينةِ، فَرَضِيَاهُ، فنزَلَتْ هذه الآيةُ فيهما، وفي صِنْفَيْهِمَا «١»، فالذينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنوا بما أنزل على محمَّد﵇- هم المنافِقُونَ، والذين يَزْعُمُونَ أنهم آمنوا بما أُنْزِلَ من قبله هم اليهودُ، وكلٌّ قد أُمِرَ في كتابه بالكُفْر بالطَّاغوت، والطَّاغُوتُ هُنَا الكَاهِنُ المذْكُور، فهذا تأنيبٌ للصِّنْفَيْنِ.\nوقال ابنُ عبَّاس: الطَّاغُوتُ هنا هو كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ، وهو الذي تراضَيَا به «٢»، وقيل غير هذا.\nوقوله: رَأَيْتَ، هي رؤْيَةُ عَيْنٍ لمن صَدَّ من المنافقين مجاهَرَةً وتصريحًا، وهي رؤيةُ قَلْبٍ لِمَنْ صَدَّ منهم مكْرًا وتخابُثًا ومُسَارَقَةَ حتى لاَ يُعْلَمَ ذلك مِنْه إلا بالقرائِنِ الصَّادِرَةِ عنه.\nوقوله تعالى: فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ، قالت فرقة: هي في المنافقينَ الَّذين احتكموا حَسْبَمَا تقدَّم، فالمعنى: فكَيْفَ بهم إذا عاقَبَهُمُ اللَّه بهذه الذُّنوب بنِقْمَةٍ منه، ثم حَلَفُوا، إنْ أردْنَا بالإحتكامِ إلى الطَّاغُوتِ إلاَّ توفيقَ الحُكْمِ وتقريبه.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٤/ ١٥٥- ١٥٦) برقم (٩٨٩٦- ٩٨٩٨)، وذكره البغوي (١/ ٤٤٦)، وابن عطية (٢/ ٧٢)، والسيوطي (٢/ ٣١٩)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر.\n(٢) أخرجه الطبري (٤/ ١٥٧) برقم (٩٩٠٢)، وذكره ابن عطية (٢/ ٧٢)، والسيوطي (٢/ ٣٢٠)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم من طريق العوفي.","vol":"2","page":256},{"text":"وقوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ: تكذيبٌ لهم وتوعُّد، أي:\nفهو سبحانَهُ مجازيهم، فأَعْرِضْ عنهم، وعظْهم بالتَّخْوِيفِ مِنْ عذابِ اللَّه وغيره من المَوَاعظ.\nوقوله سبحانه: وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ.\nقال ص: أي: قل لهم خاليًا بِهِمْ لأنَّ النُّصْح، إذا كان في السِّرِّ، كان أَنْجَحَ، أو: قُلْ لهم في حال أنفُسِهِمُ النَّجِسَةِ المنطويةِ على النِّفاق قولًا يَبْلُغُ منهم الزَّجْر عن العَوْد إلى ما فَعَلوا. انتهى.\nواختلف في «القَوْلِ البَلِيغِ»، فقيل: هو الزجْرُ والردْعُ والكَفُّ بالبَلاَغَةِ من القَوْل، وقيل: هو التوعُّد بالقَتْل، إن استداموا حالة النِّفَاق قاله الحسن «١»، وهذا أبْلَغُ ما يكون في نُفُوسهم، والبَلاَغَةُ مأخوذةٌ من بلوغ المراد بالقول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-314>[سورة النساء (٤): آية ٦٤]</span>\nوَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (٦٤)\nوقوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ: تنبيهٌ على جلالة الرُّسُل، أي: فأنْتَ، يا محمَّد، منهم تَجِبُ طاعَتُكَ، وتتعيّن إجابة الدعوة إليك، وبِإِذْنِ اللَّهِ:\nمعناه: بأمر الله، وظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ: أيْ: بالمعصيةِ، والنِّفَاق، وعن العتبيِّ، قال: كنت جالسا عند قبر النبيّ ﷺ، فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ: السَّلاَمُ عَلَيْكَ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، سَمِعْتُ اللَّهَ تعالى يَقُولُ: وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا، وقَدْ جِئْتُكَ مُسْتَعْفِيًا مِنْ ذُنُوبِي، مُسْتَغْفِرًا إلى رَبِّي، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ: [البسيط]\nيَا خَيْرَ مَنْ دُفِنَتْ بِالْقَاعِ أَعْظُمُهُ ... فَطَابَ مِنْ طِيبِهِنَّ القَاعُ وَالأَكَمُ\nنَفْسي الفِدَاءُ لِقَبْرٍ أَنْتَ سَاكِنُهُ ... فِيهِ العَفَافُ، وَفِيهِ الجُودُ وَالكَرَمُ\nقال: ثُمَّ انصرف، فَحَمَلَتْنِي عَيْنَايَ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي النَّوْمِ، فَقَالَ لِي: «يَا عُتْبِيُّ:\nالحق الأَعْرَابِيَّ، فَبَشِّرْهُ أنَّ اللَّهَ تعالى قَدْ غَفَرَ لَهُ» . انتهى من «حلية النوويِّ»، و«سُنَنِ الصَّالحين» للباجيِّ، وفيه: مُسْتَغْفِرًا مِنْ ذُنُوبِي، مستشفعًا بك إلى ربّي.\n_________\n(١) ذكره البغوي (١/ ٤٤٨)، وابن عطية (٢/ ٧٣) .","vol":"2","page":257},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-315>[سورة النساء (٤): الآيات ٦٥ الى ٦٨]</span>\nفَلا وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥) وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) وَإِذًا لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطًا مُسْتَقِيمًا (٦٨)\nوقوله تعالى: فَلا وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ... الآية:\nقال الطبريُّ «١»: قوله: «فَلاَ»: رَدٌّ على ما تقدَّم، تقديره: فلَيْسَ الأَمْرُ كما يَزْعُمُونَ/ أنهم آمنوا بما أُنْزِلَ إلَيْكِ، ثم استأنف القَسَمَ، وقال غيره: إنما قَدَّم «لا» على القَسَم اهتماما بالنهْي، وإظهارًا لقوته، قال ابنُ عطاءِ اللَّه في «التنوير»: وفي قوله سبحانه: فَلا وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ: دلالةٌ على أنَّ الإيمان الحقيقيَّ لا يحصُلُ إلا لمن حَكَّمَ اللَّهَ ورسولَهُ على نَفْسه، قولًا وفعلًا، وأَخْذًا وتَرْكًا، وحُبًّا وبُغْضًا فتبيَّن لك من هذا أنه لا تَحْصُلُ لك حقيقةُ الإيمان بالله إلّا بأمرين: الامتثال لأمره، والاستسلام لقهره سبحانه. انتهى.\nوشَجَرَ: معناه اختلط والتف مِنْ أمورهم، وهو مِنَ الشَّجَرِ، شبه بالتفاف الأغصان، والحَرَجُ: الضِّيقُ والتكلُّف والمشقَّة، قال مجاهد: حَرَجًا: شَكًّا «٢» .\nوقوله: تَسْلِيمًا. مصدرٌ مؤكِّدٌ مُنْبِىءٌ عن التحقيقِ في التَّسْليمِ لأنَّ العرب إنَّما تردفُ الفعْلَ بالمصَدرِ، إذا أرادَتْ أنَّ الفعْلَ وقَعَ حقيقةً كما قال تعالى: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا [النساء: ١٦٤] قال مجاهد وغيره: المرادُ بهذه الآية مَنْ تقدَّم ذكره ممَّن أراد التحاكُمَ إلى الطاغُوتِ، وفيهِمْ نَزَلَتْ «٣»، ورجَّح «٤» الطبريُّ هذا لأنه أشبه بنَسَقِ الآية، وقالَتْ طائفة: نزَلَتْ في رَجُلٍ خَاصَمَ الزُّبَيْر بْنَ العَوَّام في السَّقْيِ بماءِ «٥» الحَرَّةِ كما هو مذكورٌ في البخاريِّ وغيره، وأنَّ الزُّبَيْر قالَ: فَمَا أَحْسِبُ أنَّ هذه الآيةَ نزلت إلّا في ذلك.\nوكَتَبْنا: معناه: فَرَضْنَا، أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ: معناه: يَقْتُلُ بعضكم بعضا، وقد\n_________\n(١) ينظر: «تفسير الطبري» (٤/ ١٦٠) .\n(٢) أخرجه الطبري (٤/ ١٦١) برقم (٩٩١٣- ٩٩١٤)، وذكره البغوي (١/ ٤٤٩)، وابن عطية (٢/ ٧٤)، والسيوطي (٢/ ٣٤٣)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٣) أخرجه الطبري (٤/ ١٦٢) برقم (٩٩٢٠)، وذكره ابن عطية (٢/ ٧٥) .\n(٤) ينظر: «تفسير الطبري» (٤/ ١٦٢) .\n(٥) حديث شراج الحرة، حديث مشهور تقدم تخريجه. [.....]","vol":"2","page":258},{"text":"تقدَّم نظيره في «البقرة»، وسببُ الآية، على ما حُكيَ: أنَّ اليهود قالوا لَمَّا لم يرض المنافق بحكم النبيّ ﷺ: مَا رأَيْنَا أَسْخَفَ مِنْ هؤلاءِ يُؤْمنونَ بمحمَّد، ثم لا يرضَوْنَ بحُكْمه، ونحنُ قَدْ أمرنا بقَتْلٍ أَنْفُسِنا، ففَعَلْنا، وبَلَغَ القَتْلُ فينا سَبْعِينَ أَلْفًا، فقَالَ ثابتُ بْنُ قَيْسٍ: لَوْ كُتِبَ ذلك علَيْنا، لَفَعَلْنَاه، فنزلَتِ الآية مُعْلِمَةً بحالِ أولئكَ المُنَافِقِينَ، وأنه لو كُتِبَ ذلك علَى الأمَّة، لم يَفْعَلُوهُ، وما كان يَفْعَلُه إلا قليلٌ مؤمنُونَ محقِّقون كَثَابِتٍ، قُلْتُ: وفي «العتبية»، عن مالكٍ، عن أبي بَكْر (﵁) نحْوُ مقالَةِ ثابِتِ بْنِ قيسٍ، قال ابْنُ رُشْدٍ: ولا شَكَّ أنَّ أبا بَكْرٍ مِنَ القليلِ الذي استثنى اللَّهُ تعالى في الآية، فلا أحد أحقُّ بهذه الصِّفَة منه. انتهى.\nقال ص: إِلَّا قَلِيلٌ: الجمهورُ بالرفْعِ، على البَدَلِ من واو «فَعَلُوهُ» عند البصريِّين «١» . انتهى.\nوَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ: لو أنَّ هؤلاءِ المنافِقِينَ اتعظوا وأَنَابُوا، لكان خيرا لهم وتَثْبِيتًا، معناه: يقينًا وتصديقًا، ونحو هذا، أيْ: يثبِّتهم اللَّه.\nثُمَّ ذكر تعالى ما كانَ يَمُنِّ به علَيْهم من تفضُّله بالأجر، ووَصْفُهُ إياه بالعَظِيمِ مقتضٍ مَّا لا يُحْصِيه بَشَرٌ من النعيمِ المقيمِ، والصِّرَاطُ المستقيمُ: الإيمانُ المؤدِّي إلى الجنَّة، والمقصودُ تعديدُ ما كان يُنْعِمُ به عليهم سبحانه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-316>[سورة النساء (٤): الآيات ٦٩ الى ٧٠]</span>\nوَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠)\nوقوله (جَلَّت عَظَمَتُهُ): وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ... الآية: لما ذَكَر اللَّه سبحانه الأمر الذي لَوْ فَعَلُوه، لأَنعم علَيْهم، ذَكَر بعد ذلك ثَوَابَ مَنْ يفعله، وهذه الآيةُ تفسِّر قوله تعالى: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ، وقالتْ طائفة: إنما نزلَتْ هذه الآية لَمَّا قال عبد الله بن زيد الأنصاريّ\n_________\n(١) وقرأ ابن عامر وجماعة: «إلا قليلا» نصبا وفيه وجهان:\nأشهرهما: أنه نصب على الاستثناء، وإن كان الاختيار الرفع لأن المعنى موجود معه كما هو موجود مع النصب، ويزيد عليه بموافقة اللفظ.\nوالثاني: أنه صفة لمصدر محذوف تقديره: «إلا فعلا قليلا»، قاله الزمخشري، وفيه نظر إذ الظاهر: أنّ «منهم» صفة ل «قليلا»، ومتى حمل القليل على غير الأشخاص يقلق هذا التركيب إذ لا فائدة حينئذ في ذكر «منهم» .\nينظر: «حجة القراءات» (٢٠٦، ٢٠٧)، «الدر المصون» (٢/ ٣٨٤) .","vol":"2","page":259},{"text":"- الذي أُرِيَ الأَذَانَ-: يا رَسُولَ اللَّهِ، إذا مِتَّ، وَمِتْنَا، كُنْتَ في عِلِّيِّينَ، فَلاَ نَرَاكَ، ولا نَجْتَمِعُ بِكَ، وذكَر حُزْنَهُ على ذلك، فنزلَتْ هذه الآية «١» .\nقال ع «٢»: ومعنى أنهم مَعَهُمْ: في دارٍ واحدةٍ، ومُتَنَعَّمٍ واحدٍ، وكلُّ مَنْ فيها قَدْ رُزِقَ الرِّضَا بحالِهِ، وذهب عنه أنْ يعتقد أنه/ مفضُولٌ، وإن كنا نَحْنُ قد عَلِمْنَا من الشريعةِ أنَّ أهل الجَنَّة تختلفُ مراتبهم على قَدْر أعمالهم، وعلى قَدْر فَضْل اللَّه على مَنْ يشاء، والصِّدِّيقُ: فِعِّيلٌ مِنَ الصِّدْقِ، وقيل: من الصَّدَقَةِ، وروي عن النبيّ ﷺ: «الصِّدِّيقُونَ المُتَصَدِّقُونَ» . ولفظ الشهداءِ في هذه الآية: يَعُمُّ أنواعَ الشهداءِ.\nقال ص: وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقًا فيه معنى التعجُّب كأنَّه قال: وَمَا أَحْسَنَ أولئِكَ رفيقًا، وقد قدَّمنا في كلام ابْنِ الحَاجِّ ما يدلُّ على أنَّ التعجُّب لازمٌ ل «فَعُلَ» المستعْمَلِ للمدحِ والذمِّ، على كلِّ حالٍ، سواءٌ استعملت استعمال نِعْمَ أو لا. انتهى.\nوقوله تعالى: ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ: الإشارةُ ب «ذَلِكَ» إلى كون المُطِيعِينَ مع المنعم عليهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-317>[سورة النساء (٤): الآيات ٧١ الى ٧٣]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا (٧١) وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا (٧٢) وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧٣)\nوقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ ... الآية: هذا خطابٌ للمُخْلِصِينَ من أمّة نبيّنا محمّد ﷺ، وأمْر لهم بجهادِ الكفَّارِ، والخُرُوجِ فِي سَبيلِ الله، وحماية الإسلام، وخُذُوا حِذْرَكُمْ: أي: احزموا واستعدّوا بأنواع الاستعداد، وانْفِرُوا:\nمعناه: اخرجوا، وثُباتٍ: معناه جماعاتٍ متفرِّقات، وهي السَّرَايَا، والثُّبَةُ: حُكِيَ أنها فوق العشرة، وجَمِيعًا: معناه: الجيش الكثير مع النبيّ ﷺ هكذا قال ابنُ عبَّاس وغيره «٣» .\nوقوله تعالى: وَإِنَّ مِنْكُمْ إيجابٌ، والخطابُ لجماعةِ المؤمنين، والمراد ب «من»:\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٤/ ١٦٦) برقم (٩٩٢٩)، وذكره ابن عطية (٢/ ٧٦)، وابن كثير (١/ ٥٢٢)، والسيوطي (٢/ ٣٢٥)، وعزاه لابن جرير عن سعيد بن جبير.\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٧٦) .\n(٣) أخرجه الطبري (٤/ ١٦٨) برقم (٩٩٣٤)، وذكره ابن عطية (٢/ ٧٧)، وابن كثير (١/ ٥٢٤)، والسيوطي (٢/ ٣٢٦)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طريق عن ابن عباس.","vol":"2","page":260},{"text":"المنافقُونَ، وعبَّر عنهم ب مِنْكُمْ إذ في الظاهر في عِدَادِ المُؤْمنين، واللامُ الدَّاخلةُ على «مَنْ»: لامُ التأكيدِ، والداخلةُ على: «يُبَطِّئَنَّ»: لامُ القَسَم عند الجمهور، وتقديره: وإنَّ منكم لَمَنْ، وَاللَّهِ، لَيُبَطِّئَنَّ، ويِبَطِّئَنَّ: معناه: يبطِّىءُ غَيْرَهُ، أيْ: يثبِّطهُ،. ويحمِلُه على التخلُّف عن مغازِي رَسُولِ الله ﷺ، ومُصِيبَةٌ يعني: مِنْ قتالٍ، واستشهادٍ، وإنما هي مصيبةٌ بحَسَب اعتقاد المنافقين ونَظَرِهِمُ الفاسِدِ، وإنَّما الشهادةُ في الحقيقَةِ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّه سبحانه لحسن مآلها، وشَهِيدًا: معناه: مُشَاهِدًا.\nوقوله تعالى: وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ، أي: ظَفِرْتم وغَنِمْتم، نَدِمَ المنافقُ، وقال: يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا متمنِّيًا شيئًا قد كان عَاهَدَ أنْ يفعله، ثم غَدَرَ في عَهْدِهِ.\nوقوله تعالى: كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ: التفاتةٌ بليغةٌ، واعتراض بَيْنَ القائلِ والمَقُولِ بِلفظ يُظْهِرُ زيادةً في قُبْحِ فعلهم، وقال الزّجّاج «١»: قوله: «كأن لم يكن بينكم وبينه مودة» مؤخَّر، وإنما موضعه: «فإنْ أصابَتْكُمْ مصيبةٌ» .\nقال ع «٢»: وهذا ضعيفٌ لأنه يُفْسِدُ فصاحةَ الكَلاَم.\nقال ص: وقوله: فَأَفُوزَ بالنصب: هو جواب التمنّي. انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-318>[سورة النساء (٤): الآيات ٧٤ الى ٧٦]</span>\nفَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (٧٤) وَما لَكُمْ لاَ تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا (٧٥) الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفًا (٧٦)\nوقوله تعالى: فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ ... الآية:\nهذا أمر من اللَّه سبحانه للمؤمنين بالجهادِ، ويَشْرُونَ هنا: معناه: يَبِيعُونَ، ثم وصف سبحانه ثوابَ المقاتِلِينَ، والأجْرُ العظيمُ: الجَنَّة.\nوقوله تعالى: وَما لَكُمْ لاَ تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ... الآية: «ما»: استفهامٌ، وَالْمُسْتَضْعَفِينَ: عطْفٌ على اسمِ اللَّهِ ﷿، أي: وفي سبيل المستضعفين\n_________\n(١) ينظر: «معاني القرآن» (٢/ ٧٦) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٧٧) .","vol":"2","page":261},{"text":"لإستنقاذِهِمْ، ويعني ب «المستضْعَفِينَ»: مَنْ كان بمكَّة تحت إذلال كفرة قريش، وفيهم كان ﷺ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ أَنْجِ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينِ» «١»، وَالْوِلْدانِ: عبارة عن الصبيان، والْقَرْيَةِ هنا: مَكَّةٌ بإجماعٍ، والآيةُ تتناوَلُ/ المؤمنين والأسرى في حواضِرِ الشِّرْك إلى يوم القيامة.\nقال ابنُ العربيِّ «٢» في «أحكامه»: قال علماؤُنَا (﵏): أوجَبَ اللَّهُ تعالى في هذه الآيةِ القِتَالَ لإستنقاذ الأسرى مِنْ يَدِ العدُوِّ، وقد روى الأئمّة أنّ النبيّ ﷺ قَالَ:\n«أَطْعِمُوا الجَائِعَ، وَعُودُوا المَرِيضَ، وَفُكُّوا العَانِيَ» «٣» . يعني: الأسيرَ، قال مالكٌ (﵀): علَى النَّاسِ أَنْ يَفُكُّوا الأسرى بجميعِ أموالِهِمْ وكذلك قالُوا: عليهمْ أنْ يُوَاسُوهُمْ.\nانتهى.\nوقوله تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ... الآية: هذه الآيةُ تقتضِي تقْويَةَ قُلُوبِ المؤمِنِينَ وتَحريضَهُمْ، وقَرِينَةُ ذِكْرِ الشيطانِ بَعْدُ تدُلُّ على أَنَّ المرادَ بالطَّاغُوتِ هنا الشيطانُ، وإعلامُهُ تعالى بضَعْفِ كيدِ الشيطانِ فيه تقويةٌ لقلوب المؤمنِينَ، وتجرِئَةٌ لهم على مُقَارَعَةِ الكيدِ الضعيفِ فإنَّ العزم والحَزْم الذي يكون على حقائق الإيمان يكسره ويهدّه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-319>[سورة النساء (٤): الآيات ٧٧ الى ٧٨]</span>\nأَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧٧) أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨)\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٢/ ٥٧٢)، كتاب «الاستسقاء»، باب دعاء النبيّ ﷺ: «اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف»، حديث (١٠٠٦)، ومسلم (١/ ٤٤٦- ٤٤٧)، كتاب «المساجد»، باب استحباب القنوت، حديث (٢٧٥/ ٢٩٥) من حديث أبي هريرة.\n(٢) ينظر: «أحكام القرآن» (١/ ٤٥٩) .\n(٣) أخرجه البخاري (٦/ ١٩٣) في الجهاد: باب فكاك الأسير (٣٠٤٦)، و(٩/ ١٤٩) في النكاح: باب حق إجابة الوليمة والدعوة (٥١٧٤)، و(٩/ ٤٢٧) في الأطعمة: باب قول الله تعالى: كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ (٥٣٧٣)، (١٠/ ١١٧) في المرضى: باب وجوب عيادة المريض (٥٦٤٩)، و(١٣/ ١٧٤) في الأحكام: باب إجابة الحاكم الدعوة (٧١٧٣)، وأبو داود (٢/ ٢٠٤) في الجنائز: باب الدعاء للمريض بالشفاء عند العيادة (٣١٠٥)، وأحمد (٤/ ٣٩٤، ٤٠٦)، وأبو داود الطيالسي (١/ ٥٢) برقم (٢١٣٦)، والدارمي (٢/ ٢٢٣)، والبيهقي (٣/ ٣٧٩)، (١٠/ ٣)، والبغوي في «شرح السنة» (٣/ ١٧٣) برقم (١٤٠١) عن منصور عن أبي وائل عن أبي موسى الأشعري مرفوعا به.","vol":"2","page":262},{"text":"وقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ ... الآية:\nاختلف المتأوِّلون، فِيمَن المرادُ بقوله: الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ.\nفقال ابنُ عَبَّاس وغيره: كان جماعةٌ من المؤمنين قد أَنِفُوا من الذُّلِّ بمَكَّةَ قَبْلَ الهجرة، وسألوا رسول الله ﷺ أَنْ يُبِيحَ لَهُمْ مقاتَلَةَ المُشْركين، فأمرهم عَنِ اللَّهِ تعالى بكَفِّ الأيْدِي، فلَمَّا كتب عليهم القتالُ بالمدينةِ، شَقَّ ذلك على بعضهم، ولَحِقَهُمْ ما يلْحَقُ البَشَر من الخَوَرِ والكَعِّ عَنْ مقَارَعَةِ العدُوِّ، فنزلَتِ الآية فيهم.\nوقال ابنُ عباس أيضًا ومجاهدٌ: إنما الآيةُ حكايةٌ عنْ حالِ اليَهُود أنهم فعلوا ذلكَ مَعَ نبيِّهم في وَقْتِهِ «١»، فمعنى الحكايةِ عنهم تقبيحُ فِعْلِهِمْ، ونَهْيُ المؤمنين عَنْ فِعْلِ مثله.\nوقيل: المرادُ المنافقُونَ.\nو«أَوْ»: تقدَّم شرحُها في «سورة البقرة» في قوله تعالى: أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً [البقرة: ٧٤] لأنَّ الموضعَيْنِ سواءٌ.\nوقولهم: لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ: رَدٌّ في صَدْر أوامرِ اللَّهِ سبحانه، وقلَّةُ استسلام له، والأَجَلُ القريبُ: يعنُونَ به موتَهُمْ على فُرُشِهِمْ هكذا قال المفسِّرون.\nقال ع «٢»: وهذا يحسُنُ إذا كانتِ الآيةُ في اليَهُودِ أو في المنافِقِينَ، وأما إذا كانت في طَائِفَةٍ من الصحابةِ، فإنما طَلَبُوا التأخُّر إلى وَقْتِ ظُهُورِ الإسلامِ، وكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ، ويُحَسِّنُ القولَ بأنها في المنافِقِينَ اطراد ذِكْرِهِمْ فيما يأتِي بَعْدُ من الآيات.\nوقوله سبحانه: قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ ... الآية: المعنى: قل، يا محمَّد، لهؤلاءِ:\nمتاعُ الدنيا، أي: الاِستمتاعُ بالحياةِ فيها الَّذي حَرَصْتُم علَيْهِ قليلٌ، وباقي الآيةِ بيِّن.\nوهذا إخبارٌ منه سبحانه يتضمَّن تحقيرَ الدُّنْيا، قلْتُ: ولِمَا عَلِمَ اللَّهُ في الدنيا مِنَ الآفات، حمى منها أولياءه، ففِي الترمذيِّ عن قتادة بن النُّعْمَان، عن النبيّ ﷺ أنّه قال:\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٤/ ١٧٣) برقم (٩٩٥٧)، وذكره ابن عطية (٢/ ٧٩)، وابن كثير (١/ ٥٢٦)، والسيوطي (٢/ ٣٢٨)، وعزاه للنسائي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، والبيهقي في «سننه» من طريق عكرمة عن ابن عباس.\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٨٠) .","vol":"2","page":263},{"text":"«إذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا، حَمَاهُ الدُّنْيَا كَمَا يَظَلُّ أَحَدُكُمْ يَحْمِي سَقِيمَهُ المَاءَ» «١»، قال أبو عيسى: وفي البابِ عَنْ صُهَيبٍ، وأُمِّ المُنْذِرِ، وهذا حديثٌ حسنٌ، وفي الترمذيِّ عن ابن مسعود قال: «نام النّبيّ ﷺ على حَصِيرٍ، فَقَامَ وَقَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِهِ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوِ اتخذنا لَكَ فراشا؟! فقال: مالي وما للدّنيا، وما أَنَا فِي الدُّنْيَا إلاَّ كَرَاكِبٍ استظل تَحْتَ شَجَرَةٍ، ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا» «٢»، وفي الباب عن ابنِ عُمَر، وابن عبَّاس، قال أبو عيسى: هذا حديثٌ/ حسنٌ صحيحٌ. انتهى.\nوقوله سبحانه: فِي بُرُوجٍ الأكثرُ والأصحُّ الذي علَيْه الجمهورُ: أنه أراد ب «البُرُوج»: الحُصُونَ التي في الأرْضِ المبنيَّة لأنها غايةُ البَشَر في التحصُّن والمَنَعة، فمَثَّل اللَّه لهم بها، قال قتادة: المعنى: في قصورٍ محصَّنة»\nوقاله ابنُ جُرَيْجٍ «٤» والجُمْهُور، وبَرَّجَ: معناه: ظَهَر ومنه تبرُّج المرأة، ومُشَيَّدَةٍ: قال الزَّجَّاج «٥» وغيره: معناه:\nمرفُوعَة مطوَّلة ومنه أَشَادَ الرَّجُلُ ذِكْرَ الرَّجُل إذا رفَعَهُ، وقالتْ طائفةٌ: مُشَيَّدَةٍ: معناه:\nمحسَّنة بالشِّيدِ، وهو الجَصُّ، وروى النسائيَّ عن أبي هُرَيْرَة أنَّ النبيَّ ﷺ قَالَ: «أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ»، يعني: الموتَ، وخرَّجه ابنُ ماجة والترمذيُّ «٦»، وخرَّجه أبو نُعَيْمٍ\n_________\n(١) أخرجه الترمذي (٤/ ٣٨١)، كتاب «الطب»، باب ما جاء في الحمية، حديث (٢٠٣٦)، والحاكم (٤/ ٢٠٧، ٣٠٩)، وابن حبان (٢٤٧٤- موارد) من حديث قتادة بن النعمان مرفوعا.\nوقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.\n(٢) أخرجه الترمذي (٤/ ٥٨٨- ٥٨٩)، كتاب «الزهد» باب (٤٤) رقم (٢٣٧٧)، وابن ماجة (٢/ ١٣٧٦)، كتاب «الزهد»، باب مثل الدنيا، حديث (٤١٠٩)، وأحمد (١/ ٤٤١)، والطيالسي (٢/ ١٢٠- منحة) رقم (٢٤٣٠)، والحاكم (١/ ٣١٠)، وأبو نعيم في «الحلية» (٢/ ١٠٢) كلهم من طريق علقمة عن ابن مسعود به، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وصححه الحاكم.\n(٣) أخرجه الطبري (٤/ ١٧٥) برقم (٩٩٦٣)، وذكره البغوي (١/ ٤٥٤)، وابن عطية (٢/ ٨٠)، والسيوطي (٢/ ٣٢٩)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن قتادة. [.....]\n(٤) أخرجه الطبري (٤/ ١٧٥) برقم (٩٩٦٥)، وذكره ابن عطية (٢/ ٨٠) .\n(٥) ينظر: «معاني القرآن» (٢/ ٧٩) .\n(٦) أخرجه الترمذي (٤/ ٤٧٩)، كتاب «الزهد»، باب ما جاء في ذكر الموت، حديث (٢٣٠٧)، والنسائي (٤/ ٤) كتاب «الجنائز»، باب كثرة ذكر الموت، وابن ماجة (٢/ ١٤٢٢) كتاب «الزهد»، باب ذكر الموت والاستعداد له، حديث (٤٢٥٨)، وأحمد (٢/ ٢٩٢- ٢٩٣)، وابن أبي شيبة (١٣/ ٢٢٦)، رقم (١٦١٧٤)، والحاكم (٤/ ٣٢١)، وابن حبان (٢٥٥٩- موارد)، ونعيم بن حماد في «زوائد الزهد» .\nرقم (١٤٦)، والخطيب (٩/ ٤٧٠)، والقضاعي في «مسند الشهاب» (١/ ٣٩١) رقم (٦٦٩) كلهم من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعا.\nوقال الترمذي: حديث حسن غريب، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. -","vol":"2","page":264},{"text":"الحافظُ بإسناده من حديثِ مالكِ بْنِ أنس، عن يَحْيَى بْنِ سعيدٍ، عَنِ ابنِ المُسَيَّب، عن عمر بن الخطّاب، عن النبيّ ﷺ بمثله «١»، وروى ابنُ ماجة بسَنَده، عنِ ابن عُمَرَ أنَّهُ قَالَ:\nكُنْتُ جَالِسًا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ المُؤْمِنِينَ أَفْضَلُ؟ قَالَ: أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا، قَالَ: فَأَيُّ المُؤْمِنِينَ أَكْيَسُ؟ قَالَ: أَكْثَرُهُمْ لِلْمَوْتِ ذِكْرًا، وَأَحْسَنُهُمْ لِمَا بَعْدَهُ استعدادا أُولَئِكَ الأَكْيَاسُ»، وأخرجه مالك أيضًا «٢» . انتهى من «التذكرة» «٣» .\nوقوله تعالى: وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ ... الآية: الضميرُ في تُصِبْهُمْ عائدٌ على الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وهذا يدلُّ على أنَّهم المنافقون لأن المؤمنين لا تليقُ بهم هذه المقالةُ ولأنَّ اليهودَ لم يكُونوا للنبيِّ ﷺ تَحْتَ أمْرٍ، فتصيبهم بِسَبَبِهِ أَسْوَاءٌ، والمعنى:\nإنْ تُصِبْ هؤلاءِ المنافقين حَسَنَةٌ من غنيمةٍ أو غيرِ ذلك، رَأَوْا أنَّ ذلك بالاتفاقِ مِنْ صُنْع اللَّه، لا ببَرَكَةِ اتباعك والإيمانِ بِكَ، وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ أي: هزيمةٌ، أو شدَّةُ جُوعٍ، أو غيرُ ذلكَ، قالوا: هذه بسَبَبِكَ.\nوقوله: قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ: إعلامٌ من اللَّه سبحانه أنَّ الخيْرَ والشرَّ، والحسنَةَ والسيِّئة خَلْقٌ له، ومِنْ عنده، لا رَبَّ غيره، ولا خَالِقَ ولا مُخْتَرِعَ سواه، والمعنى: قل، يا محمّد، لهؤلاء.\n_________\n- وللحديث شاهد من حديث أنس بن مالك.\nأخرجه البزار (٤/ ٢٤٠) رقم (٣٦٢٣)، والطبراني في «الأوسط»، وأبو نعيم (٩/ ٢٥٢)، والخطيب في تاريخه (١٢/ ٧٢- ٧٣) كلهم من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس به.\nوذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٣١١) وقال: رواه البزار، والطبراني باختصار عنه، وإسنادهما حسن. اهـ.\nوأخرجه القضاعي في «مسند الشهاب» (٦٧١) من حديث ابن عمر.\nوأخرجه أبو نعيم في «الحلية» (٦/ ٣٥٥) من طريق جعفر بن محمد بن الحسين الزهري، ثنا عبد الملك بن يزيد ثنا مالكِ بْنِ أنس عن يَحْيَى بْنِ سعيدٍ عن عمر مرفوعا، وقال أبو نعيم: غريب من حديث مالك تفرد به جعفر عن عبد الملك. اهـ.\n(١) ينظر: الحديث السابق.\n(٢) أخرجه ابن ماجة (٢/ ١٤٢٣)، كتاب «الزهد»، باب ذكر الموت والاستعداد له، حديث (٤٢٥٩) من طريق فروة بن قيس عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر به، قال البوصيري في «الزوائد» (٣/ ٣١٠):\nهذا إسناد ضعيف، فروة بن قيس مجهول، وكذا الراوي عنه وخبره باطل، قاله الذهبي في «طبقات التهذيب» .\n(٣) ينظر: «التذكرة» للقرطبي (١/ ٢٠) .","vol":"2","page":265},{"text":"ثُمَّ وبَّخهم سبحانه بالاستفهامِ عن عِلَّةِ جهلهم، وقلَّةِ فهمهم، وتحصِيلِهِمْ لما يُخْبَرُونَ به من الحقائِقِ، والْفِقْهُ في اللغةِ: الفَهْمُ، وفي الشَّرْعِ: الفهمُ في أمورِ الدِّين، ثم غَلَبَ علَيْهِ الاستعمال في علم المسائل الأحكاميّة «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-320>[سورة النساء (٤): الآيات ٧٩ الى ٨١]</span>\nما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٧٩) مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (٨٠) وَيَقُولُونَ طاعَةٌ فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٨١)\nوقوله تعالى: مَّا أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ... الآية: خطاب للنبيّ ﷺ، وغيرُهُ داخلٌ في المعنى، ومعنى الآية عند ابنِ عَبَّاس وغيره: على القَطْع، واستئناف الأخبارِ مِنَ اللَّه ﷿ بأنَّ الحسَنَةَ منْه، ومن فضله، وبأنّ السيئة من الإنسان بإذنابه، وهي من\n_________\n(١) يطلق الفقه لغة على أقوال ثلاثة:\nالفهم مطلقا سواء كان المفهوم دقيقا أم غيره، وسواء غرضا لمتكلم أم غيره. والدليل على ذلك على لسان قوم شعيب: ما نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ [هود: ٩١]، وقوله في شأن الكفار: فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا [النساء: ٧٨]، وقوله: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [الإسراء: ٤٤] .\nفهذه الآيات تفيد أنّ الفقه هو الفهم مطلقا.\nثانيا: قيل: هو الفهم للأشياء الدقيقة فقط، فلا يصح أن نقول: فقهت أن السماء فوقنا وأن الأرض تحتنا.\nوهذا القول مردود بما سبق من آيات، وبما قاله أئمة اللغة من أن الفقه هو الفهم مطلقا.\nثالثا: هو فهم غرض المتكلم من كلامه، فلا يسمى لغة فهم الطير فقها، ورد هذا القول بما رد به الثاني.\nواصطلاحا: هو العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية.\nوقال السيوطي نقلا عن بعض أصحاب الشافعي: الفقه: معرفة النظائر، وقال بعض أصحاب الشافعية أيضا: الفقه: فرق وجمع. وقال الغزالي: الفقه: عبارة عن العلم والفهم في أصل الوضع، ولكن صار بعرف العلماء عبارة عن العلم بالأحكام الشرعية الثابتة لأفعال المكلفين خاصة.\nوقال محمد نظام الدين محمد اللكنوي في «فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت»: الفقه: حكمة فرعية شرعية، وعرفوه بأنه: العلم بالأحكام الشرعية عن أدلتها التفصيلية.\nوعرفه الزركشي: بمعرفة الحوادث نصا واستنباطا.\nوعرفه أبو حنيفة: بمعرفة النفس مالها وما عليها.\nينظر: «لسان العرب» (٥/ ٣٤٥٠)، «ترتيب القاموس» (٣/ ٥١٣)، «المصباح المنير» (٢/ ٦٥٦)، «الأشباه والنظائر» (٦)، والقائل الشيخ قطب الدين السنباطي، «المنثور» (١/ ٦٦)، «المستصفى» (١/ ٤)، «التلويح على التوضيح» (١/ ٥) .","vol":"2","page":266},{"text":"اللَّه تعالى بخَلْقِهِ واختراعه، لا خالِقَ سواه سبحانه، لا شريكَ لَهُ، وفي مُصْحَفِ «١» ابنِ مَسْعودٍ: «فَمِنْ نَفْسِكَ، وَأَنَا قَضَيْتُهَا عَلَيْكَ»، وقرأ بها ابنُ عَبَّاس «٢»، وفي رواية: «وَأَنَا قَدَّرْتُهَا عَلَيْكَ» ويعْضُدُ هذا التأويلَ أحاديث عن النبيِّ ﷺ معناها: أنَّ ما يُصِيبُ ابْنَ آدَمَ من المصائِبِ، فإنما هو عقوبةُ ذنوبه «٣»، قال أبو جعفر أحمَدُ بْنُ نَصْرٍ الدَّاوُودِيُّ: قوله تعالى:\nوَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ: خطابٌ للنبيّ ﷺ، والمرادُ غيره. انتهى.\nوفي قوله سبحانه: / وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا، ثم تلاه بقوله: وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا: توعُّدٌ للكُفَّار، وتهديدٌ تقتضيه قُوَّة الكلامِ لأن المعنى: شهيدًا على مَنْ كذَّبه.\nوقوله تعالى: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ، فالمعنى: أنَّ الرسول﵇- إنما يأمر وينهى بيانا وتبليغا عن الله، وتَوَلَّى: معناه: أعرض، وحَفِيظًا: يحتملُ معنَيَيْنِ: أي: لِتَحْفَظَهُمْ حتى لا يقَعُوا في الكُفْر والمعاصِي ونحوه، أو لتَحْفَظَ مساوِيَهُمْ وتَحْسِبَها عليهم، وهذه الآيةُ تقتضِي الإعراضَ عَمَّنْ «٤» تولى، والتَّرْكَ له، وهي قَبْلَ نزولِ القِتَالِ، وإنما كانت توطئة ورفقا من الله ﷿ حتى يستحكم أمرُ الإسلام.\nوقوله تعالى: وَيَقُولُونَ طاعَةٌ ... الآية: نزلَتْ في المنافقينَ باتفاق المفسِّرين، المعنى: يقولُونَ لك، يا محمَّد: أَمْرُنَا طاعةٌ، فإذا خرجوا مِنْ عِنْدِكَ، اجتمعوا ليلًا، وقالوا غير ما أظهروا لك، وبَيَّتَ: معناه: فَعَلَ لَيْلًا، وهو مأخوذٌ مِنْ بَاتَ أوْ مِنَ البَيْتِ لأنه مُلْتَزَمٌ باللَّيْل.\nوقوله: تَقُولُ: يحتملُ أنْ يكون معناه: تَقُولُ أنْتَ، ويحتملُ تَقُولُ هِيَ لَكَ، والأمْرُ بالإعراض إنَّما هو عِنْدَ معاقبتهم ومجازاتِهِمْ، وأما استمرار عِظَتِهِمْ ودَعْوتِهِم، فلازمٌ، ثم أمر سبحانه بالتوكُّل عليه، والتمسُّك بعُرْوته الوثقى ثقةً بإنجاز وعده في النّصر،\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٨٢)، و«البحر المحيط» (٣/ ٣١٣) .\n(٢) ورويت عن ابن مسعود، وأبي ينظر السابق.\n(٣) أخرجه البخاري (١٠/ ١٠٣)، كتاب «المرضى»، باب ما جاء في كفارة المرض، حديث (٥٦٤١، ٥٦٤٢)، ومسلم (٤/ ١٩٩٢)، كتاب «البر والصلة»، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه، حديث (٥٢/ ٢٥٧٣) عن أبي هريرة وأبي سعيد بلفظ: «ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا غم، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه» .\n(٤) في أ: عمن.","vol":"2","page":267},{"text":"والوَكِيلُ: القائمُ بالأمورِ المُصْلِحُ لما يُخَافُ مِنْ فسادها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-321>[سورة النساء (٤): الآيات ٨٢ الى ٨٤]</span>\nأَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا (٨٢) وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلاَّ قَلِيلًا (٨٣) فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا (٨٤)\nوقوله تعالى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ... الآية: المعنى: أَفلا يتدبَّر هؤلاءِ المنافقُونَ كَلاَمَ اللَّه تعالى، فتظهر لهم براهِينُهُ، وتلُوح لهم أدلَّته، قُلْتُ: اعلم (رحمك اللَّه تعالى) أنَّ تدبُّر القرآن كفيلٌ لصاحبه بكُلِّ خير، وأما الهَذْرَمَة «١» والعَجَلَةُ، فتأثيرُها في القَلْب ضعيفٌ قال النوويُّ (﵀): وقد كَرِهَ جماعةٌ من المتقدِّمين الخَتْمَ فِي يومٍ وليلةٍ ويدلُّ عليه ما رُوِّينَاهُ بالأسانيدِ الصَّحيحة في سُنَن أبي دَاوُد، والتِّرمذيِّ، والنَّسَائِيِّ وغيرها، عن عبد اللَّه بْنِ عَمْرِو بْنَ العَاصِي، قال: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «لاَ يَفْقَهُ مَنْ قَرَأَ القُرْآنَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلاَثٍ» «٢» . انتهى.\nقال ع «٣»: والتدبُّر هو النظر في أعقابِ الأُمُور وتأويلاتِ الأشياءِ، هذا كلّه يقتضيه قوله سبحانه: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ، وهذا أمرٌ بالنَّظَرِ والاستدلال، ثم عَرَّف تعالى بِمَوْقِعِ الحُجَّة، أي: لو كان مِنْ كلامِ البَشَر، لَدَخَلَهُ مَا فِي البَشَرَ من القُصُور، وظهر فيه التناقُضُ والتنافِي الَّذي لا يُمْكِنُ جَمْعُه إذ ذلك موجودٌ في كلامِ البَشَرِ، والقرآنُ منزَّه عنه إذ هو كلامُ المحيطِ بِكُلِّ شيء سبحانه.\nقال ع «٤»: فإن عرضَتْ لأحدٍ شبهةٌ، وظنَّ اختلافا في شَيْءٍ مِنْ كتابِ اللَّه، فالواجبُ أنْ يتَّهم نَظَرَهُ ويسأَلَ مَنْ هو أعلَمُ منه.\nوقوله تعالى: وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ ... الآية: قال جُمْهور المفسِّرين: إن الآيةَ من المنافِقِينَ حَسْبما تقدَّم، والمعنى: أنَّ المنافقين كانوا يتشوَّفون إلى\n_________\n(١) الهذرمة: كثرة الكلام، وهذرم الرجل في كلامه هذرمة إذا خلّط فيه، ويقال للتخليط: الهذرمة، ويقال:\nهو السرعة في القراءة والكلام والمشي. ينظر: «لسان العرب» (٤٦٤٤) .\n(٢) تقدّم تخريجه. [.....]\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٨٣) .\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٨٣) .","vol":"2","page":268},{"text":"سماع ما يسيء النبيّ ﷺ، فإذا طَرَأَتْ لهم شبهةُ أَمْنٍ للمسلمينَ، أو فَتْحٍ عليهم، حَقَّرُوهَا وصَغَّروا شأنَها، وأذاعوا ذلك التحْقيرَ والتَّصْغِيرَ، وإذا طرأت لهم شُبْهَةُ خوفٍ للمسلمين أو مصيبة، عظّموها، وأذاعوا ذلك، وأَذاعُوا بِهِ: معناه: أَفْشَوْهُ، وهو فِعْلٌ يتعدى بحرفِ الجَرِّ وبنفسه أحيانًا.\nوقالت فرقة: الآية نزلَتْ في المنافقين، وفِيمَنْ ضَعُفَ جَلَدُه، وقَلَّتْ تجْرِبَتُهُ مِنَ المؤمنين/ وفي الصحيحِ مِنْ حديثِ عُمَرَ بْنِ الخطَّاب (﵁) أنه جَاءَ، وَقَوْمٌ فِي المَسْجِدِ، يَقُولُونَ: طَلَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نِسَاءَهُ، ثُمَّ قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَطَلَّقْتَ نِسَاءَكَ؟ فَقَالَ: لاَ، قَالَ عُمَرُ: فَقُمْتُ على بَابِ المَسْجِدِ، فَقُلْتُ: أَلاَ إنَّ رَسُولَ الله ﷺ لَمْ يُطَلِّقْ نِسَاءَهُ، فأنزَلَ اللَّه تعالى هذه الآيةَ «١» .\nوَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ ... الآية قال: وَأَنَا الَّذِي استنبطته.\nوقوله تعالى: وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ ... الآية: المعنى: لو أمسكوا عن الخَوْض واستقصوا الأمرِ مِنْ قِبَلِ الرسولِ، وأولِي الأمْر، وهم الأَمَرَاءُ والعُلَمَاءُ، لَعَلِمَهُ طُلاَّبُهُ مِنْ أُولِي الأمْرِ، والبَحَثَةِ عنه، وهم مستنْبِطُوهُ كَمَا يُسْتَنْبَطُ الماءُ، وهو استخراجه مِنَ الأرْضِ.\nوقوله سبحانه: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ... الآية: خِطَابٌ لجميعِ المؤمنينَ باتفاقٍ من المتأوِّلين، وقوله: إِلَّا قَلِيلًا هو مستثنى في قول جماعةٍ من قوله:\nلَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلًا، وقال ابن عَبَّاس، وابن زَيْدٍ: ذلك مستثنًى من قوله: «أَذَاعُوا بِهِ إلاَّ قليلًا»، ورجَّحه «٢» الطبريُّ «٣»، وقال قتادة: هو مستثنًى من قوله: «يستنبطُونَهُ إلا قليلًا» «٤» .\nت: قال الدَّاوُوديُّ: قال أبو عُبَيْدة: وإنما كَرِهَ العلماءُ أن يجعلوا الاستثناء من\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٢/ ١١٠٥- ١١٠٨)، كتاب «الطلاق»، باب في الإيلاء، واعتزال النساء، وتخييرهن، حديث (٣٠/ ١٤٧٩) .\nوذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٣٣٣)، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، وابن أبي حاتم.\n(٢) أخرجه الطبري (٤/ ١٨٦) برقم (١٠٠١٧- ١٠٠١٨)، وذكره ابن عطية (٢/ ٨٤)، والسيوطي (٢/ ٣٣٤) .\n(٣) ينظر: «تفسير الطبري» (٤/ ١٨٦) .\n(٤) أخرجه الطبري (٤/ ١٨٥- ١٨٦) برقم (١٠٠١٤- ١٠٠١٥)، وذكره ابن عطية (٢/ ٨٤)، والسيوطي (٢/ ٣٣٤)، وعزاه لعبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.","vol":"2","page":269},{"text":"قوله: لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلًا لأنَّه لا وَجْهَ له فإنَّه لولا فَضْلُ اللَّهِ ورحْمَتُهُ، لاتبعوا الشيْطَانَ كلُّهم. انتهى، وهو حَسَنٌ، وأما قوله: «لا وَجْهَ له»، ففيه نظَرٌ، فقد وجَّهه العلماءُ بما لا نُطِيلُ بذكْره.\nوقوله تعالى: فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ... الآية: هذا أمر في ظاهر اللّفظ للنبيّ ﷺ وَحْده، لكن لم نَجِدْ قَطُّ في خَبَرٍ، أنّ القتال فرض على النبيّ ﷺ، دون الأُمَّة مُدَّةً مَّا، والمعنى، واللَّه أعلَمُ أنه خطاب للنبيّ ﷺ في اللفظِ، وهو مثالُ مَا يُقَالُ لكلِّ واحدٍ في خاصَّة نَفْسه، أي: أنْتَ، يا محمَّد، وكلُّ واحدٍ من أمَّتك القولُ لَهُ: فقاتِلْ في سبيلِ اللَّه، لا تُكَلَّف إلاَّ نَفْسَكَ، ولهذا ينبغي لكلِّ مُؤْمِنٍ أَنْ يستَشْعِرَ أنْ يُجَاهِدَ، ولو وحْدَه ومِنْ ذلك قولُ النبيّ ﷺ: «وَاللَّهِ، لأُقَاتِلَنَّكُمْ حتى تَنْفَرِدَ سَالِفَتِي «١»» «٢»، وقولُ أبِي بَكْرٍ (﵁) وَقْتَ الرِّدَّةِ: «وَلَوْ خَالَفَتْنِي يَمِينِي، لَجَاهَدتُّهَا بِشِمَالِي»، وعسى إذا وردَتْ من اللَّه تعالى، فقال عكرمة وغيره: هي واجِبَةٌ بفَضْلِ اللَّه ووَعْده الجميلِ «٣»، قلْتُ: أيْ: واقعٌ مَّا وعَدَ به سبحانه، والتنكيلُ: الأخْذُ بأنواع العذاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-322>[سورة النساء (٤): الآيات ٨٥ الى ٨٧]</span>\nمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (٨٥) وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (٨٦) اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (٨٧)\nوقوله سبحانه: مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً ... الآية: قال مجاهدٌ وغيره: هي في شَفَاعَاتِ النَّاس بينهم في حوائجهم، فَمَنْ يشفعْ لينفَع، فلَهُ نصيبٌ، ومَنْ يشفعْ ليضُرَّ، فله «٤» كِفْلٌ، والكِفْلُ: النَّصيبُ، ويستعمل في الخَيْرِ وفي الشَّرِّ، وفي كتاب اللَّه تعالى:\nيُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ [الحديد: ٢٨]، وروى أبو داود، عن أبي أُمَامَةَ، عن النبيّ ﷺ\n_________\n(١) السالفة: صفحة العنق، وهما سالفتان من جانبيه، وكنى بانفرادها عن الموت لأنها لا تنفرد عما يليها إلا بالموت. وقيل: أراد حتى يفرّق بين رأسي وجسدي. ينظر: «النهاية» (٢/ ٣٩٠) .\n(٢) أخرجه البخاري (٥/ ٣٨٨- ٣٩٢)، كتاب «الشروط»، باب الشروط في الجهاد، حديث (٢٧٣١)، (٢٧٣٢)، وأحمد (٤/ ٣٢٩) من حديث المسور بن مخرمة، ومروان بن الحكم.\n(٣) ذكره ابن عطية (٢/ ٨٦) .\n(٤) أخرجه الطبري (٤/ ١٨٨) برقم (١٠٠٢١)، وذكره البغوي (١/ ٤٥٧)، وابن عطية (٢/ ٨٦)، وابن كثير (١/ ٥٣١)، والسيوطي (٢/ ٣٣٥)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد.","vol":"2","page":270},{"text":"أنَّهُ قَالَ: «مَنْ شَفَعَ لأحَدٍ شَفَاعَةً، فأهدى لَهُ هَدِيَّةً عَلَيْهَا، فَقَبِلَهَا، فَقَدْ أتى بَابًا عظيما من أبواب الرّبا» «١» . انتهى.\nومُقِيتًا: معناه: قديرًا ومنه قولُ الزُّبَيْر بْنِ عبدِ المُطَّلِبِ: [الوافر]\nوَذِي ضِغْنٍ كَفَفْتُ النَّفْسَ عَنْه ... وَكُنْتُ على إسَاءَتِهِ مُقِيتَا «٢»\nأيْ: قديرًا.\nوقيل: مُقِيتًا: معناه شهيدًا، وقيل: حفيظًا.\nوذهب مقاتلٌ إلى أنه الذي يَقُوتُ كلَّ حيوان، قال الداوديّ: قال الكلبيُّ المَقِيتُ هو المُقْدِرُ بلُغَة قُرَيْشٍ. انتهى.\nوقوله سبحانه: وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ ... الآية: قالتْ فرقةٌ: معنى الآية: تخييرُ الرَّادِّ فإذا قال البادئ: «السَّلاَمُ عَلَيْكَ»، فللرادِّ أنْ يقولَ: «وَعَلَيْكَ السَّلاَمُ» فقطْ، وهذا هو الرَّدُّ، وله أنْ يقولَ: «وعَلَيْكَ السَّلاَمُ، وَرَحْمَةُ اللَّهِ»، وهذا هو التحيَّة بأحْسَنَ، ورُوِيَ عن ابن عُمَرَ وغيره انتهاء السَّلام إلى البَرَكة، وقالَتْ فرقةٌ: المعنى: إذا حُيِّيتم بتحيةٍ، فإن نَقَص المسلِّمُ مِنَ النهاية، فحَيُّوا بأحْسَنَ منها، وإن انتهى، فردُّوها، كذلك قال عطاءٌ، والآيةُ في المؤمنين خاصَّةً، ومَنْ سَلَّم من غيرهم، فيقالُ لَهُ: «عَلَيْكَ» كما»\nفي الحديث «٤»، وفي\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (٢/ ٣١٤)، كتاب «البيوع»، باب في الهدية لقضاء الحاجة، حديث (٣٥٤١) من طريق خالد بن أبي عمران عن القاسم عن أبي أمامة به.\n(٢) البيت من شواهد «البحر المحيط» (٣/ ٣١٦)، و«الدر المصون» (٢/ ٤٠٥)، و«الكشاف» (١/ ٥٤٣) .\nوالضغن: الحقد. والإقاتة: الاقتدار، وروى الصاغاني: أقيت، وروى بعده:\nيبيت الليل مرتفقا ثقيلا ... على فرش الفتاة وما أبيت\nوطن إليّ منه مؤذيات ... كما تؤذي الجذامير البروت\n(٣) أخرجه الطبري (٤/ ١٩١) برقم (١٠٠٤٠)، وذكره ابن عطية (٢/ ٨٧)، والسيوطي (٢/ ٣٣٧)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر.\n(٤) قال الخطابي في «معالم السنن» (٤/ ١٥٤): هكذا يرويه عامة المحدثين وعليكم «بالواو»، وكان سفيان بن عيينة يرويه: «عليكم» بحذف الواو، وهو الصواب وذلك أنه إذا حذف الواو صار قولهم الذي قالوه بعينه مردودا عليهم، وبإدخال الواو يقع الاشتراك معهم، والدخول فيما قالوه لأن الواو حرف العطف والجمع بين الشيئين.\nوقال الحافظ: «الفتح» (١١/ ٤٨): قال النووي: الصواب أن حذف الواو وإثباتها ثابتان جائزان وبإثباتها أجود، ولا مفسدة فيه، وعليه أكثر الروايات، وفي معناها وجهان:\nأحدهما: أنهم قالوا: عليكم الموت، فقال: وعليكم أيضا، أي: نحن وأنتم فيه سواء كلنا نموت. -[.....]","vol":"2","page":271},{"text":"أبي داود، والترمذيّ، أنّ النبيّ ﷺ قَالَ: «أَوْلَى النَّاسِ بِاللَّهِ مَنْ بَدَأَ بالسَّلاَمِ» «١» . انتهى.\nوأكثرُ أهل العلْمِ على أنَّ الابتداءَ بالسَّلاَمِ سُنَّةٌ مؤكَّدة، وَرَدُّه «٢» فريضةٌ لأنه حقٌّ من الحقوقِ قاله الحسن وغيره، قال «٣» النوويُّ: وروينا في كتاب ابن السني، عن أنس، عن النبيّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ عَبْدَيْنِ مُتَحَابَّيْنِ فِي اللَّهِ ﷿ يَسْتَقْبِلُ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فَيُصَافِحُهُ، فَيُصَلِّيَانِ على النّبيّ ﷺ إلاَّ لَمْ يَتَفَرَّقَا حتى تُغْفَرَ ذُنُوبُهُمَا، مَا تقدّم منها وما تأخّر» «٤»، وروّينا\n_________\n- والثاني: أن الواو للاستئناف لا للعطف والتشريك، والتقدير: وعليكم ما تستحقونه من الذم.\nوقال البيضاوي: في العطف شيء مقدر، والتقدير: وأقول عليكم ما تريدون بنا أو ما تستحقون، وليس هو عطفا على «عليكم» في كلامهم، وقال القرطبي: قيل: الواو للاستئناف، وقيل: زائدة، وأولى الأجوبة أنا نجاب عليهم ولا يجابون علينا.\nوحكى ابن دقيق العيد عن ابن رشد تفصيلا يجمع الروايتين: إثبات الواو، وحذفها فقال: من تحقق أنه قال: السام أو السلام بكسر السين فليرد عليه بحذف الواو، ومن لم يتحقق منه فليرد بإثبات الواو، فيجتمع من مجموع كلام العلماء في ذلك ستة أقوال. وقال النووي تبعا لعياض: من فسر السام بالموت فلا يبعد ثبوت الواو، ومن فسرها بالسامة فإسقاطها هو الوجه. قلت: بل الرواية بإثبات الواو ثابتة وهي ترجح التفسير بالموت، وهو أولى من تغليط الثقة.\n(١) أخرجه أبو داود (٢/ ٧٧٢)، كتاب «الأدب»، باب في فضل من بدأ بالسلام، حديث (٥١٩٧)، والترمذي (٥/ ٥٦)، كتاب «الاستئذان»، باب ما جاء في فضل الذي يبدأ بالسلام، حديث (٢٦٩٤)، وأحمد (٥/ ٢٤٥، ٢٦١، ٢٦٤، ٢٦٩) من حديث أبي أمامة.\n(٢) ابتداء السلام سنة عين من الواحد، ولو صبيا ولو على من ظن أنه لا يرد، ومن الجماعة سنة كفاية ورده فرض عين على الواحد عند إقباله وانصرافه، وكذا لو علمه واحد فقط من الجماعة ولو كان المسلم صبيا مميزا، وفرض كفاية إن كان على جماعة اثنين فأكثر مسلمين مكلفين وسكارى لهم نوع تمييز عالمين به ولو نساء، ولم يتحلل به من صلاة، وإن كرهت صيغته، ولو أسقط المسلم حقه لم يسقط لأن الحق لله تعالى، ولو ردوا كلهم ولو مرتبا أثيبوا ثواب الفرض، كالمصلين على جنازة، وشرطه إسماع واتصال كاتصال الإيجاب بالقبول.\nواعلم أن ابتداء السلام أفضل من رده، وهذا من المسائل التي استثنيت من كون الفرض أفضل من التطوع، ومنها إبراء المعسر أفضل من انتظاره لكن رد ذلك العلامة ابن حجر في: «التحفة» بأن سبب الفضل في هذين: اشتمال المندوب على مصلحة الواجب، وزيادة إذ بالإبراء زال الانتظار، وبالابتداء حصل أمن أكثر مما في الجواب، أي: ففضله عليه من حيث اشتماله على مصلحة الواجب لا من ذاته، ولا من حيث كونه مندوبا، وقد وقفت للعلامة ابن علان في ذلك على هذين البيتين:\nالفرض أفضل من نفل وإن كثرا ... فيما عدا صور أخذها حوت دررا\nبدء السلام أذان والطهارة من ... قبيل وقت مع الإبرار لمن عسرا\nينظر: «سبعة كتب مفيدة» ص (١٤١، ١٤٤) .\n(٣) ذكره ابن عطية (٢/ ٨٧)، وابن كثير (١/ ٥٣٢)، والسيوطي (٢/ ٣٣٨)، وعزاه للبخاري في «الأدب المفرد»، وابن المنذر عن ابن عباس.\n(٤) أخرجه ابن السني في «عمل اليوم والليلة» رقم (١٩٣) .","vol":"2","page":272},{"text":"فيه عَنْ أَنسٍ أيضًا، قال: «مَا أَخَذَ رسول الله ﷺ بِيَدِ رَجُلٍ، فَفَارَقَهُ حتى قَالَ: اللَّهُمَّ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ» «١» وَروِّينَا فيه، عَنِ البَرَاءِ بن عازِبٍ، قال: قال رسول الله ﷺ: «إنَّ المُسْلِمِيْنَ إذَا التقيا، فَتَصَافَحَا، وتَكَاشَرَا بِوُدٍّ وَنَصِيحَةٍ، تَنَاثَرَتْ خَطَايَاهُمَا بَيْنَهُمَا»، وفي رواية: «إذَا التقى المُسْلِمَانِ، فَتَصَافَحَا، وَحَمِدَا اللَّهَ تعالى، واستغفرا- غفر الله ﷿ لهما» «٢» . انتهى.\nوحَسِيبًا: معناه حَفِيظًا، وهو فَعِيلٌ من الحِسَاب.\nوقوله سبحانه: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ ... الآية: لما تقدَّم الإنذارُ والتحذيرُ الذي تضمَّنه قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا، تلاه الإعلامُ بصفَةِ الربوبيَّة، وحالِ الوحدانيَّة والإعلامِ بالحَشْرِ والبَعْثِ مِنَ القبور للثَّواب والعقابِ إعلامًا بقَسَمٍ، تقديره: وَحَقِّهِ وَعَظَمَتِهِ لَيَجْمَعَنَّكُمْ، والجَمعُ بمعنى الحَشْر.\nوقوله سبحانه: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا: المعنى: لا أحَدَ أصْدَقُ من الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-323>[سورة النساء (٤): الآيات ٨٨ الى ٩٠]</span>\nفَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (٨٨) وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا (٨٩) إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (٩٠)\nوقوله تعالى: فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ ... الآية: واختلف في هؤُلاَءِ المنافِقِينَ.\nفقال ابنُ عَبَّاس: هم قومٌ كانوا بمَكَّة أظهروا الإيمانَ لأصحاب النبيّ ﷺ في كُتُبٍ بَعَثُوا بِهَا إلى المدينةِ، ثم خَرَجُوا مسافِرِينَ إلى الشَّام، وأعطَتْهم قريشٌ بِضَاعَاتٍ، وقالوا لهم: أنتم لا تَخَافُونَ أصْحَاب محمَّد لأنّكم تخدعونهم بإظهار الإيمان، فاتّصل خبرهم\n_________\n(١) أخرجه ابن السني رقم (٢٠٣) .\n(٢) أخرجه أبو داود (٢/ ٧٧٥)، كتاب «الأدب»، باب في المصافحة، حديث (٥٢١١، ٥٢١٢)، وابن السني في «عمل اليوم والليلة»، حديث (١٩٢، ١٩٤) من حديث البراء.","vol":"2","page":273},{"text":"بالمدينَةِ، فاختلف المؤمنُونَ فيهم «١»، فقالَتْ فرقةٌ: نَخْرُجُ إلَيْهم فإنهم منافقونَ، وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ هُمْ مُؤْمِنُونَ، لاَ سَبِيلَ لَنَا إلَيْهِمْ، فنزلَتِ الآية، وعن مجاهدٍ نحوه «٢» .\nقال ع «٣»: ويَعْضُدُهُ ما في آخر الآيةِ مِنْ قوله تعالى: حَتَّى يُهاجِرُوا، وقال زيدُ بنُ ثابتٍ: نزلَتْ في عبد اللَّه بْنِ أُبيٍّ وأصحابِهِ المنافِقِينَ الذين رجعوا عن النبيّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ، وهو في «صحيحِ البخاريِّ» مسندًا «٤»، قال ابن العربي في «أحكامه» «٥»، وهذا القول هو اختيار البخاريِّ والترمذيِّ. انتهى.\nقال ع «٦»: وعلى هذا، فقولُه سبحانَهُ: حَتَّى يُهاجِرُوا المرادُ هَجْرُ ما نَهَى اللَّهُ عنه كما قال﵇-: «والمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ ما نَهَى الله عنه» «٧»، وفِئَتَيْنِ:\nمعناه: فرقتين، / وأَرْكَسَهُمْ: معناه: أرجعَهُمْ في كُفْرِهِمْ وضَلاَلِهِمْ، والرِّكْس:\nالرَّجيع ومنه قوله ﷺ في الرَّوْثَةِ: «إنَّهَا رِكْسٌ» «٨»، وحكى النضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ والكِسَائِيُّ:\nرَكَسَ وأَرْكَسَ بمعنًى واحدٍ، أي: أرجَعَهم، ومَنْ قال مِنَ المتأوِّلين: أَهْلَكَهم، أو أضلَّهم، فإنَّما هو بالمعنى، وباقي الآية بَيِّنٌ.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٤/ ١٩٥) برقم (١٠٠٦٠)، وذكره ابن عطية (٢/ ٨٨)، وابن كثير (١/ ٥٣٢- ٥٣٣)، والسيوطي (٢/ ٣٤٠)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس.\n(٢) أخرجه الطبري (٤/ ١٩٤- ١٩٥) برقم (١٠٠٥٨- ١٠٠٥٩)، وذكره البغوي (١/ ٤٥٩)، وابن عطية (٢/ ٨٨)، وابن كثير (١/ ٥٣٣)، السيوطي (٢/ ٣٤٠- ٣٤١)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٨٨) .\n(٤) أخرجه البخاري (٨/ ١٠٤- ١٠٥)، كتاب «التفسير»، باب فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ، حديث (٤٥٨٩) من حديث زيد بن ثابت.\n(٥) ينظر: «أحكام القرآن» لابن العربي (١/ ٤٦٩) .\n(٦) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٨٨) .\n(٧) أخرجه البخاري (١/ ٦٩)، كتاب «الإيمان»، باب المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، حديث (١٠) وفي (١١/ ٣٢٣) كتاب «الرقاق»، باب الانتهاء عن المعاصي، حديث (٦٤٨٤)، ومسلم (١/ ٦٥) كتاب «الإيمان»، باب بيان تفاضل الإسلام وأي أموره أفضل، حديث (٦٤/ ٤٠) من حديث عبد الله بن عمرو. [.....]\n(٨) أخرجه البخاري (١/ ٣٠٨)، كتاب «الطهارة»، باب لا يستنجي بروث، حديث (١٥٦)، والنسائي (١/ ٣٩- ٤٠) كتاب «الطهارة»، باب الرخصة في الاستطابة بحجر، وابن ماجة (١/ ١١٤)، كتاب «الطهارة»، باب الاستنجاء بالحجارة، حديث (٣١٤)، وأحمد (١/ ٤١٨)، وأبو يعلى (٩/ ٦٣) برقم (٥١٢٧)، وابن المنذر في «الأوسط» (٢٩٦)، والبيهقي (٢/ ٤١٣) من حديث ابن مسعود.","vol":"2","page":274},{"text":"قال ص: أَرْكَسَهُمْ، أي: رَدَّهم في الكُفْر.\nوقال ابنُ العَرَبِيِّ في «أحكامه»: أَخْبَرَ اللَّه تعالى أنه رَدَّ المنافِقِينَ إلى الكُفْر، وهو الإركَاسُ، وهو عبارةٌ عن الرجُوعِ إلى الحالَةِ المكروهَةِ كما قال في الرَّوْثَةِ: «إنَّهَا رِكْسٌ»، أيْ: رجَعَتْ إلى حالةٍ مكروهةٍ، فنَهَى اللَّه سبحانَهُ الصحابَةَ أنْ يتعلَّقوا فيهم بظَاهِرِ الإِيمان إذ كان باطنهم الكُفْرَ، وأمرهم بقَتْلهم، حَيْثُ وجَدُوهُم. انتهى.\nوقولُهُ تعالى: إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ ... الآية.\nقال ص: إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ: استثناءٌ متَّصِلٌ من مَفْعولِ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ. انتهى.\nقال ع «١»: هذه الآيةُ مِنْ آياتِ المُوَادَعَةِ في أول الإسلام، ثم نُسِخَتْ بما في سورة «بَرَاءَةَ» فالآيةُ تقتضي أنَّ مَنْ وصَلَ من المشركِينَ الذين لا عهد بينهم، وبين النبيّ ﷺ إلى هؤلاءِ أهْلِ العهدِ، فدخَلَ في عِدَادِهِمْ، وفَعَلَ فِعْلَهم من المُوَادَعَةِ، فلا سَبِيلَ عليه.\nوقوله تعالى: أَوْ جاؤُكُمْ: عطْفٌ على يَصِلُونَ، ويحتملُ أنْ يكون على قوله: بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ، والمعنى في العَطْفَينِ مختلفٌ، وهذا أيضًا حُكْمٌ قبل أنْ يستحكم أمْرُ الإسلام، فكان المشرك، إذا اعتزل القتَالَ، وجاء إلى دارِ الإِسلامِ مُسَالمًا كارهًا لقتالِ قَوْمِهِ مع المسلِمِينَ، ولقِتَالِ المُسْلمين مع قومه، لا سَبِيلَ عليه، وهذه نُسِخَتْ أيضًا بما في «براءة»، ومعنى حَصِرَتْ: ضاقَتْ، وحَرِجَتْ ومنه: الحَصَرُ في القَوْل، وهو ضِيقُ الكَلاَم علَى المتكلّم، وحَصِرَتْ: في موضعِ نصبٍ على الحال، واللاَّمُ في قوله: لَسَلَّطَهُمْ جوابٌ «لو»، والمعنى: ولو شاء اللَّه، لَسَلَّطَ هؤلاءِ الَّذين هُمْ بهذه الصِّفَة من المُسَالَمَة والمُتَارَكَة عليكم، فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ، أي: إذا وقَعَ هذا، فلَمْ يقاتِلُوكم، فلا سَبِيلَ لكم عليهم، وهذا كلُّه، والذي في سورة «الممتحنة»: لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ ...\n[الممتحنة: ٨] الآية: منسوخ قاله قتادة وغيره «٢» .\nوالسَّلَمَ: الصّلح.\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٩٠) .\n(٢) ذكره ابن عطية (٢/ ٩١) .","vol":"2","page":275},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-324>[سورة النساء (٤): آية ٩١]</span>\nسَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطانًا مُبِينًا (٩١)\nوقوله تعالى: سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ ... الآية: لما وصَفَ اللَّه سبحانه المحقِّقين في المْتَارَكَة وإلقاءِ السَّلَم، نَبَّهَ على طائفةٍ مخادِعَةٍ كانوا يريدُونَ الإقامَةَ في مَوَاضِعِهِمْ مع أهليهم، يقُولُونَ لهم: نَحْنُ معكم وعلى دينَكُمْ، ويقولُونَ أيضًا للمسلمين: نَحْنُ معَكُمْ، وعلى دينكم خَبْثَةً منهم وخَديعَةً، وقوله: إِلَى الْفِتْنَةِ:\nمعناه: إلى الاِختبارِ، حُكِيَ أنهم كانُوا يَرْجِعُون إلى قومهم، فيقالُ لأحدِهِمْ: قل: رَبِّيَ الخُنْفُسَاءُ، رَبِّيَ العودُ، رَبِّيَ العَقْرَبُ، ونحوه، فيقولُهَا، ومعنى: أُرْكِسُوا: أيْ: رَجَعوا رَجْعَ ضلالةٍ، أي: أُهْلِكُوا في الإختبار بما واقَعُوهُ من الكُفْر، وهذه الآيةُ حَضٌّ على قتل هؤلاءِ المخادعين إذا لم يرجعوا عن حالهم، وثَقِفْتُمُوهُمْ: مأخوذٌ من الثِّقَافِ، أي:\nظَفرتُمْ بهم، مَغْلوبينَ متمكَّنًا منْهم، والسُّلطانُ: الحُجَّة، قال عكرمةُ: حيثما وقع السلطانُ في كتابِ اللَّهِ ﷿، فهو الحجّة «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-325>[سورة النساء (٤): آية ٩٢]</span>\nوَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٩٢)\nوقوله تعالى: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً ... الآية: قال جمهورُ المفسِّرين: معنى الآية: وما كان في إذْنِ اللَّه، وفي أمره للمؤمن أن يَقْتُلَ مؤمنًا بوَجْهٍ، ثم استثنَى استثناء/ منقطعًا ليس من الأول، وهو الذي تكُونُ فيه «إلاَّ» بمعنى «لَكِنْ»، والتقديرُ: لَكِنِ الخطأُ قدْ يَقَعُ، ويتَّجِهُ في معنى الآيةِ وَجْهٌ آخر، وهو أنْ تقدَّر «كَانَ» بمعنى «استقر»، و«وُجِدَ» كأنه قال: وما وُجِدَ، ولا تقرَّر، ولا سَاغَ لمؤْمِنٍ أنْ يقتُلَ مؤمنًا إلا خطأً إذ هو مغلوبٌ فيه، فيجيءُ الإستثناءُ على هذا متَّصلًا، وتتضمَّن الآية على هذا إعْظَامَ العَمْد، وبَشَاعَةَ شأنه.\nوقوله تعالى: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً ... الآية: حقيقةُ الخَطَإ ألاَّ يقصده بالقَتْلِ، ووجوهُ الخَطَإ كثيرةٌ لا تحصى، يربطها عدم القصد.\n_________\n(١) أخرجه الطبري في تفسيره (٤/ ٢٠٤) (١٠٠٩٢)، وابن عطية (٢/ ٩٢) .","vol":"2","page":276},{"text":"قال ابنُ عَبَّاس وغيره: الرَّقَبَةُ المؤمنةُ: هي الكَبِيرَةُ الَّتي قَدْ صَلَّتْ وعَقَلَتِ الإيمان «١»، وقالَتْ جماعة، منهم مالكُ بْنُ أنَسٍ: يجزىءُ كُلُّ مَنْ يُحْكَم له بحُكْم الإسلام في الصلاة عليه، إنْ مات «٢»، قال مالك: ومَنْ صلى وصَامَ أحَبُّ إلَيَّ، ولا يجزىءُ ذو العَيْب الكثير كأقطع اليَدَيْنِ، أو الرجْلَيْن، أو الأعمى إجماعًا فيما علمت، ومُسَلَّمَةٌ: معناه: مؤَدَّاة مدفوعةٌ، وهي على العاقلةِ فيما جاوز ثلث الدية، وإِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا: يريدُ: أولياءَ القَتِيلِ، وقوله: فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ ... الآية: أيْ: وإنْ كان هذا المقتولُ خطأً مؤمنًا قَدْ آمَنَ، وبَقِيَ في قَوْمِهِ، وهم كَفَرَةٌ عدُوٌّ لكم، فلا ديةَ فيه، وإنما كفَّارته تحريرُ الرَّقَبة قاله ابنُ عَبَّاس «٣» وغيره، وسقَطَتِ الديةُ عندهم لوجهين:\nأحدهما: أنَّ أولياء المقتولِ كُفَّار، فلا يصحُّ دفع الديةِ إلَيْهم.\nوالآخر: قلَّة حُرْمَة هذا المقتولِ، فلا دِيَةَ فيه.\nواحتجّوا بقوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا [الأنفال: ٧٢] .\nوقالت فرقةٌ: بل الوجْهُ في سقوط الدِّية أنَّ الأولياء كُفَّار فقطْ، وسواءٌ قُتِلَ بين أظْهُر المسلمين، أو بَيْن قومه الكُفَّار لأنه لا يصحُّ دفعها إلى الكفَّار.\nقال ع «٤»: وقائِلُ المقالة الأولى يقول: إن قُتِلَ المؤمنُ في بَلَدِ المسلمينَ، وقومُهُ حَرْبٌ، ففيه الديةُ لبَيْتِ المالِ والكَفَّارة.\nوقوله تعالى: وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ ... الآية: قال ابنُ عَبَّاس وغيره: المقتولُ من أهل العَهْدِ خطأً لا نُبَالِي، كانَ مؤْمنًا أو كافرًا، على عهد قومِهِ فيه الدّية والتّحرير «٥» .\n_________\n(١) أخرجه الطبري في تفسيره (٤/ ٢٠٧) (١٠١٠٨)، والماوردي في «تفسيره» (١/ ٥١٨)، وابن عطية (٢/ ٩٣)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٣٤٥)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس.\n(٢) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (٢/ ٩٣) .\n(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٤/ ٢٠٩) (١٠١١٤)، والماوردي في «تفسيره» (١/ ٥١٨)، وابن عطية (٢/ ٩٣)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٣٤٧)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر من طريق علي عن ابن عباس.\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٩٣) .\n(٥) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٤/ ٢١٠) (١٠١٢٢)، وابن عطية (٢/ ٩٤)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٣٤٨)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي من طريق عكرمة.","vol":"2","page":277},{"text":"وقوله: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ ... الآية، أي: فَمَنْ لم يَجِدِ الرقَبَةَ ولا اتسع ماله لشرائها، فيجزيه صيامُ شَهُرَيْنِ متتابعةِ الأيَّامِ، لا يتخلّلها «١» فطر، وتَوْبَةً: نصْبٌ على المَصْدر، ومعناه: رجُوعًا بكُمْ إلى التّيسير والتّسهيل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-326>[سورة النساء (٤): آية ٩٣]</span>\nوَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذابًا عَظِيمًا (٩٣)\n_________\n(١) دلت الآية الكريمة على أن المكفر إذا لم يجد الرقبة المؤمنة، أو وجدها، ولكن عجز عن تحصيلها، فالواجب عليه حينئذ صيام شهرين متتابعين لقوله تعالى: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ [النساء: ٩٢]، واشتراط التتابع في الصوم هاهنا، قدر متّفق عليه بين العلماء. ما يقطع التتابع:\nبعد اتفاقهم على اشتراط التتابع في هذه الكفارة اختلفوا فيما بينهم، فيما يقطع به هذا التتابع، وسنبين ذلك بعد إن شاء الله.\nلا خلاف بين العلماء في أن من أفطر لغير عذر أثناء الشهرين، فقد انقطع تتابعه للصوم، ووجب عليه أن يستأنف الشهرين، ويلغي ما صامه.\nولا خلاف بينهم أيضا في أنّ التتابع لا ينقطع بالحيض متى باشرت المرأة الصوم عقب الطهر، ولم يفصل ذلك بفاصل لأن الحيض لا يمكن التحرز منه في أثناء الشهرين. إلا إذا أخرت الصوم إلى سن اليأس.\nوفي تأخيره إلى هذا الوقت خطر، وغرر لأنها ربما تموت قبل ذلك.\nواختلفوا في أمور منها:\nأولا: إذا تخلل صوم الكفارة شهر رمضان، فهل صوم رمضان يقطع التتابع، أو لا يقطعه، فيبني على ما صامه من الكفارة.\nفمذهب الشافعية، والحنفية، والظاهرية: أن التتابع ينقطع بذلك، وعليه أن يستأنف لأنه قد ترك التتابع لغير عذر إذ كان في استطاعته أن يصوم شهرين ليس بينهما رمضان خصوصا وأن الكفارة لم تجب على الفور، ولا يصح أن ينوي برمضان الكفارة لأن الزمن متعين لغيرها، والمتعين لا يقبل غيره.\nومذهب الحنابلة: أن التتابع لا ينقطع بذلك علم بأن رمضان يتخلل صوم الكفارة، أم لم يعلم بذلك لأنه زمن منع الشرع من صومه عن الكفارة، فلا يقطع التتابع كزمن الحيض، والنفاس.\nوهذا ما لم ينو برمضان صوم الكفارة، وإلا انقطع التتابع، ولا يجزيه عن رمضان، ولا عن الكفارة.\nأمّا أنه لا يجزيه عن الكفارة، فلأن الزمن متعين لغيرها، ولا يقبل غير ما عين له.\nوأما أنه لم يجزه عن رمضان فلأنه لم ينوه، وإنما نوى غيره، والنبيّ ﷺ يقول: «إنّما الأعمال بالنّيّات، وإنّما لكلّ امرئ ما نوى ...»\nومذهب المالكية: إن جهل تخلل رمضان لصوم الكفارة لم ينقطع التتابع بذلك لعذره بالجهل، وإن علم بذلك انقطع تتابعه لأنه كان في وسعه أن يؤخر الصوم إلى زمن لا يعترضه رمضان، والكفارة ليست واجبة على الفور، حتى يعذر بذلك، ولا يجزيه صوم رمضان عن الكفارة سواء نوى الكفارة وحدها، أو أشركها مع رمضان لأن الزمن متعين لغيرها.\nينظر: «الكفارات» لشيخنا حسن علي حسانين.","vol":"2","page":278},{"text":"وقوله تعالى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ ... ألاية: المتعمِّد في لغة العربِ: القاصِدُ إلى الشيءِ، والجمهورُ أنَّ المتعمِّد كُلُّ مَنْ قَتَلَ، كان القَتْلُ بحديدةٍ أو غيرها، وهذا هو «١» الصحيحُ، ورأْيُ الشافعيِّ وغيره أنَّ القتْلَ بغير الحديدِ المشْحُوذِ هو شِبْهُ العَمْد، ورأَوْا فيه تغليظَ الدِّيَة، ومالكٌ لا يرى شِبْهَ العمدِ، ولا يقُولُ به، وإنما القَتْل عنده ما ذَكَرَه اللَّه تعالى عَمْدًا أو خطأً لا غَيْرُ.\nوقوله تعالى: فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ، تقديره عنْد أهْلِ السُّنَّة: فجزاؤُه، إنْ جَازَاهُ بذلك، أي: هو أهْلٌ لذلك، ومستحِقُّه لعظيم ذنبه.\nقال ع «٢»: ومَنْ أقِيمَ علَيْه الحَدُّ، وقُتِلَ قَوَدًا، فهو غَيْرُ مْتَّبَعٍ في الآخرةِ، والوعيدُ غيرُ نافذٍ علَيْه إجماعًا، وللحديثِ الصحيحِ، عن عُبَادة بن الصامت أنَّهُ: «مَنْ عُوقِبَ فِي الدُّنْيَا، فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ» «٣»، ومعنى الخُلُودِ هنا: مدَّةٌ طويلةٌ، إن جازاه اللَّهُ ويدلُّ على ذلك\n_________\n(١) لغة: قال ابن فارس في معجم مقاييس اللغة (٥/ ٥٦): القاف والتاء واللام أصل صحيح يدل على إذلال وإماتة، والقتل مصدر يقال: قتله يقتله قتلا. وقتله إذا أماته، بضرب أو حجر أو سمّ أو علة.\nورجل قتيل: مقتول، والجمع: قتلاء وقتلى وقتالى.\nالعمد في اللغة: القصد يقال: عمدت إلى الشيء قصدته، وتعمدته: قصدت إليه أيضا، والعمد ضدّ الخطأ.\nعرفه الشّافعية بأنه: ما حصل بقصد الفعل العدوان، وعين الشخص بما يقتل غالبا وعرفه «أبو حنيفة» بأنه: ما تعمد فيه ضرب المقتول بسلاح، أو ما أجرى مجرى السلاح.\nوعرفه الصّاحبان بأنه: ما تعمّد فيه ضرب المقتول بما لا تطيق النّفس احتماله.\nوعرفه «ابن عرفة» فقال: العمد ما قصد به إتلاف النفس بآلة تقتل غالبا، ولو بمثقل، أو بإصابة المقتل كعصر الأنثيين، وشدة الضّغط والخنق. وزاد ابن القصار أو يطبق عليه بيتا، أو يمنعه الغذاء حتى يموت جوعا.\nوعرفه الحنابلة فقالوا: العمد أن يقتل قصدا بما يغلب على الظّن موته به، عالما بكونه آدميا معصوما.\nينظر: «مغني المحتاج» (٤/ ٣)، «شرح الدر المختار على ابن عابدين» (٥/ ٣٥١)، «شرح حدود ابن عرفة» ص (٤٧٣)، «كشاف القناع» (٣/ ٣٣٣) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٦٤) .\n(٣) أخرجه البخاري (١/ ٨١)، كتاب «الإيمان»، باب علامة الإيمان حب الأنصار، حديث (٨١)، وفي (٧/ ٢٦٠) كتاب «مناقب الأنصار»، باب وفود الأنصار، حديث (٣٨٩٢، ٣٨٩٣)، وفي (٧/ ٣٦٥)، كتاب «المغازي»، باب (١٢)، حديث (٣٩٩٩)، وفي (٨/ ٥٠٦): كتاب «التفسير» باب إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ، حديث (٤٨٩٤)، وفي (١٢/ ٨٥) كتاب «الحدود»، باب الحدود كفارة، حديث (٦٧٨٤)، وفي (١٢/ ١٩٩) كتاب «الديات»، باب قول الله تعالى: وَمَنْ أَحْياها ...، حديث (٦٨٧٣)، وفي (١٣/ ٧) كتاب «الفتن»، باب قول النبيّ ﷺ: «سترون بعدي أمورا»، حديث (٧٠٥٥)، وفي (١٣/ ٢١٦) كتاب «الأحكام»، باب يبايع الإمام الناس، حديث (٧١٩٩)، وفي (١٣/ ٢١٦)، باب-","vol":"2","page":279},{"text":"سقُوطُ لَفْظِ التأبيدِ.\nقال ع «١»: والجمهورُ على قبولِ توبته، ورُوِيَ عن بعض العلماء أنهم/ كانُوا يَقْصِدُونَ الإغلاظَ، والتَّخْوِيفَ أحيانًا، فيُطْلِقُونَ ألاَّ تُقْبَلَ توبته منهم ابن شِهَابٍ، وابْنُ عَبَّاسٍ «٢»، فكان ابْنُ شِهَابٍ، إذا سأله مَنْ يفهم مِنْهُ أنَّهُ قَدْ قَتَلَ، قال له: تَوْبَتُكَ مَقْبُولَةٌ، وإذا سأله مَنْ لم يفعلْ، قال: لاَ تَوْبَةَ لِلْقَاتِلِ، وعن ابنِ عَبَّاس نحوه، قال الدَّاوُوديُّ وعن أبي هُرَيْرة أنَّ النبيَّ ﷺ قَالَ: «وَاللَّهِ، لَلدُّنْيَا وَمَا فِيهَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ قَتْلِ نَفْسٍ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَمَنْ أَعَانَ على قَتْلِ مُسْلِمٍ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ، لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ يَلْقَاهُ مَكْتُوبٌ على جَبْهَتِهِ: آيِسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ» «٣»، وعن معاويةَ، أنَّهُ سَمِعَ النبيّ ﷺ يَقُولُ: «كُلُّ ذَنْبٍ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَغْفِرَهُ إلاَّ مَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا، أَوْ مَاتَ كَافِرًا» «٤»، وعن أبي هريرة أنه سُئِلَ عَنْ قَاتِلِ المُؤْمِنِ، هَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: لاَ، وَاللَّهِ الَّذِي لاَ إلَهَ إلاَّ هُوَ، لاَ يَدْخُلُ الجَنَّة حتى يَلِجَ الجَمَلُ فِي سَمِّ الخيَاطِ، قَالَ: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ أَشْرَكُوا فِي دَمِ مُؤْمِنٍ إلاَّ كَبَّهُمُ الله جميعا في النّار» . انتهى.\n_________\n- بيعة النساء، حديث (٧٢١٣)، وفي (١٣/ ٤٥٥)، كتاب «التوحيد»، باب المشيئة والإرادة، حديث (٧٤٦٨)، ومسلم (٣/ ١٣٣) كتاب «الحدود»، باب الحدود كفارة لأهلها، حديث (٤١/ ١٧٠٩)، والترمذي (٤/ ٤٥)، كتاب «الحدود»، باب ما جاء أن الحدود كفارة لأهلها، حديث (١٤٣٩)، والنسائي (٧/ ١٤١- ١٤٢) كتاب «البيعة»، باب البيعة على الجهاد، حديث (٤١٦١) وفي (٨/ ١٠٨- ١٠٩) كتاب «الإيمان»، باب البيعة على الإسلام، حديث (٥٠٠٢)، وأحمد (٥/ ٣١٤، ٣٢٠)، والحميدي (٣٨٧)، والدارقطني (٣/ ٢١٥) كتاب «الحدود والديات»، والبيهقي (٨/ ١٨) كتاب «الجنايات»، باب قتل الولدان، كلهم من حديث عبادة بن الصامت.\nوقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح. [.....]\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٩٥) .\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٤/ ٢٢٠) برقم (١٠١٩٢)، والماوردي في «تفسيره» (١/ ٥٢٠)، والبغوي في «تفسيره» (١/ ٤٦٤) .\n(٣) أخرجه ابن ماجة (٢/ ٨٧٤)، كتاب «الديات»، باب التغليظ في قتل المسلم، حديث (٢٦٢٠) .\nوقال البوصيري: في إسناده يزيد بن أبي زياد بالغوا في تضعيفه.\n(٤) أخرجه أحمد (٤/ ٩٩)، والنسائي (٧/ ٨١) كتاب «تحريم الدم»، وأبو نعيم (٦/ ٩٩) من حديث معاوية، وله شاهد من حديث أبي الدرداء.\nأخرجه أبو داود (٤٢٧٠)، وابن حبان (٥١- موارد)، والحاكم (٤/ ٣٥١) .\nوقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.","vol":"2","page":280},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-327>[سورة النساء (٤): آية ٩٤]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٩٤)\nوقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا ... الآية: تقُولُ:\nضَرَبْتُ في الأرضِ إذا سرْتَ لتجارةٍ أو غَزْوٍ، أو غيره، مقترنةً ب «في»، وضربْتُ الأرْضَ، دون «فِي» إذا قصَدتَّ قضاء الحاجَةِ.\nوقال ص: ضربتم، أي: سافرتم.\nقال ع «١»: وسببُ هذه الآية أنَّ سريَّةً مِنْ سرايا رسول الله ﷺ لقيَتْ رجُلًا له جَمَلٌ، ومُتَيَّعٌ «٢»، وقيلَ: غُنَيْمَةٌ، فسلَّم على القَوْمِ، وقال: لاَ إلَهَ إلاَّ اللَّهُ، مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، فَحَمَلَ علَيْهِ أحدُهُمْ، فَقَتَلَهُ، واختلف في تَعْيين القَاتِلِ والمَقْتُولِ في هذه النازلة، والذي عليه الأكثر، وهو في سِيَر ابْنِ إسحَاقَ، وفي مُصنَّفِ أبي دَاوُد وغيرهما أنَّ القاتِلَ مُحَلِّمُ بْنُ جَثَّامَةَ «٣»، والمقتولَ عَامِرُ بن الأَضْبطِ «٤»، ولا خلافَ أنَّ الذي لَفَظَتْهُ الأرْضُ، حِينَ مات، هو مُحَلِّمُ بْنُ جَثَّامَة «٥»، وقرأ جمهورُ السَّبْعة: «فَتَبَيَّنُوا»، وقرأ «٦» حمزة والكسائيُّ: «فَتَثَبَّتُوا» (بالثاء المثلَّثة) في الموضعَيْن هنا، وفي «الحجرات»، وقرأ «٧» نافع\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٩٦) .\n(٢) التّبعة: اسم لأدنى ما تجب فيه الزكاة من الحيوان، وكأنها الجملة التي للسعادة عليها سبيل، من تاع يتيع:\nإذا ذهب إليه.\nينظر: «النهاية» (١/ ٢٠٢) .\n(٣) محلّم بن جثّامة الليثي: أخو الصعب بن جثّامة.\nقال ابن عبد البرّ: يقال: إنه الذي قتل عامر بن الأضبط، وقيل: إن محلما غير الذي قتل، وإنه نزل حمص ومات بها أيام ابن الزبير، ويقال: إنه الذي مات في حياة رسول الله ﷺ ودفن فلفظته الأرض مرة بعد أخرى.\n(٤) عامر بن الأضبط الأشجعيّ.\nذكره ابن شاهين وغيره، وساق قصّة تدلّ على أنه قتل حين أسلم قبل أن يلقى النبيّ ﷺ.\n(٥) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٤/ ٢٢٤) برقم (١٠٢١٦)، وابن عطية في «تفسيره» (٢/ ٩٦) .\n(٦) وقراءة الأخوين مقصودها: أن التثبت خلاف الإقدام، والمراد التأني، فيكون التثبت أشد اختصاصا بهذا الموضع، يعضده قوله تعالى: وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا [النساء: ٦٦]، ومما يقويه قولهم: تثبت في أمرك، ولا يكاد يقال في هذا المعنى: تبين.\nوحجة الباقين أن التبين ليس وراءه شيء، وقد يكون أشد من التثبت.\nينظر: «السبعة» (٢٣٦)، و«الحجة» (٣/ ١٧٣)، و«حجة القراءات» (٢٠٩)، و«العنوان» (٨٥)، و«إعراب القراءات» (١/ ١٣٦)، و«شرح شعلة» (٣٤٢)، و«شرح الطيبة» (٤/ ٢١١)، وإتحاف» (١/ ٥١٨)، و«معاني القراءات» (١/ ٣١٥) .\n(٧) وقرأها ابن عامر وحمزة. -","vol":"2","page":281},{"text":"وغيره: «السَّلَمَ»، ومعناه: الاِستسلام، أي: ألقى بيده، واستسلَم لكُمْ، وأظهر دعوتكَم، وقرأ باقي السبعة: «السَّلاَمَ» (بالألف)، يريد: سلاَمَ ذلك المَقْتُولِ على السَّريَّة لأن سلامَهُ بتحيَّة الإسلام مُؤْذِنٌ بطاعَتِهِ، وانقياده، وفي بَعْضِ طرق عاصم: «السِّلْمَ» - بكسر السين المشدَّدة، وسكونِ اللامِ-، وهو الصُّلْح، والمعنَى المرادُ بهذه الثلاثةِ مُتَقَارِبٌ، وقرىء:\n«لَسْتَ مُؤْمَنًا» «١» - بفتح الميم- أي: لَسْنَا نُؤَمِّنُكَ.\nوقوله تعالى: فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ: عِدَةٌ منه سبحانه بما يأْتِي به مِنْ فَضْله من الحلال دون ارتكاب محْظُورٍ، أي: فلا تتهافَتُوا.\nواختلف في قوله: كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ.\nفقال ابنُ جُبَيْرٍ: معناه: كذلكَ كُنْتُمْ مستخْفِينَ مِنْ قومكم بإسلامِكُمْ، فَمَنَّ اللَّه عليكم بإعزازِ دينِكم، وإظهارِ شَرِيعتكم، فَهُمُ الآنَ كذلك كلُّ واحدٍ منهم خَائِفٌ مِنْ قومه، متربِّصٌ أَنْ يَصِلَ إلَيْكم، فلم يصْلُحْ إذا وَصَل أنْ تَقْتُلُوه حتى تتبيَّنوا أَمْرَهُ «٢»، وقال ابنُ زَيْدٍ:\nالمعنى: كَذَلِكَ كُنْتُمْ كَفَرةً، فَمنَّ اللَّهُ علَيْكُمْ بِأنْ أسلَمْتُمْ، فلا تُنْكِرُوا أَنْ يكُونَ هو كافرًا، ثم يسلم لِحِينه «٣»، ثم وَكَّد ﵎ الوصيَّةَ بالتبيُّن، وأعلم أنَّه خبيرٌ بما يعمَلُه العبادُ، وذلك منه خَبَرٌ يتضمَّن تحذيرًا منه سبحانه، أي: فاحفظوا أنْفُسَكم، وجَنِّبوا الزَّلَل المُوبِقَ لكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-328>[سورة النساء (٤): الآيات ٩٥ الى ٩٦]</span>\nلاَّ يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًاّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) دَرَجاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٩٦)\n_________\n- ينظر: «السبعة» (٢٣٦)، و«الحجة» (٣/ ١٧٥، ١٧٦)، و«حجة القراءات» (٢٠٩)، و«العنوان» (٨٥)، و«إعراب القراءات» (١/ ١٣٦، ١٣٧)، و«شرح شعلة» (٣٤٣)، و«شرح الطيبة» (٤/ ٢١٣)، و«إتحاف» (١/ ٥١٨)، و«معاني القراءات» (١/ ٣١٥- ٣١٦) .\n(١) وقرأ بها محمد بن علي، وابن مسعود، وابن عباس.\nينظر: «الشواذ» ص (٣٤)، و«الكشاف» (١/ ٥٥٢)، ونسبها ابن عطية في المحرر (٢/ ٩٦) إلى أبي جعفر بن القعقاع، وأبي حمزة، واليماني، وزاد أبو حيان في «البحر» (٣/ ٣٤٢) نسبتها إلى عكرمة، وأبي العالية، ويحيى بن يعمر.\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٤/ ٢٢٨) وابن عطية في «تفسيره» (٢/ ٩٧)، والبغوي في «تفسيره» (٢/ ٤٦٧)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٣٥٩) وعزاه لعبد بن حميد عن قتادة. [.....]\n(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٤/ ٢٢٨) (١٠٢٣٥) بنحوه، وذكره ابن عطية (٢/ ٩٧) .","vol":"2","page":282},{"text":"وقوله تعالى: لاَّ يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ ... الآية: في قوله تعالى: لاَ يَسْتَوِي إبهامٌ على السَّامعِ/، وهو أبْلَغُ من تحديدِ المَنْزِلَةِ التي بَيْنَ المجاهد والقاعِدِ، فالمتأمِّل يَمْشِي مع فِكْرته، ولا يَزَالُ يتخيَّل الدرَجَاتِ بينهما، والقاعدُونَ عبارةٌ عن المتخلِّفين.\nقلْتُ: وخرج أبو بكر بن الخطيب بسنده، عن عليِّ بْنِ أبي طالب (﵁) قال: قال رسول الله ﷺ: «إنَّ فِي الجَنَّةِ شَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ أَعْلاَهَا الحُلَلُ، ومِنْ أَسْفَلِهَا خَيْلٌ بُلْقٌ مِنْ ذَهَبٍ مُسَرَّجَةٌ مُلْجَمَةٌ بالدُّرِّ واليَاقُوت، لاَ تَرُوثُ، وَلاَ تَبُولُ، ذَوَاتُ أَجْنِحَةٍ، فَيَجْلِسُ عَلَيْهَا أَوْلِيَاءُ اللَّهِ فتطِيرُ بِهِمْ حَيْثُ شَاءُوا، فَيَقُولُ الَّذِينَ أَسْفَلَ مِنْهُمْ: يأهْلَ الجَنَّة، ناصِفُونا، يا ربِّ، ما بَلَّغَ هؤلاءِ هذه الكرامَةَ؟! فَيَقُولُ اللَّه تعالى: إنهم كانُوا يَصُومُونَ، وكُنْتُمْ تُفْطِرُونَ، وَكَانُوا يقُومُونَ باللَّيْلِ وَكُنْتُمْ تَنَامُونَ، وَكَانُوا يُنْفِقُونَ، وَكُنْتُمْ تَبْخَلُونَ، وَكَانُوا يُجَاهِدُونَ العَدُوَّ وَكُنْتُمْ تَجْبُنُونَ» «١» . انتهى.\nوقرأ ابن كثيرٍ وأبو عمرو «٢» وحمزة: «غَيْرُ» - بالرفع- صفةً للقاعدين، وقرأ نافعٌ وغيره: «غَيْر» - بالنصب- استثناء من القاعدينَ، ورُوِيَ من غيرِ مَا طَرِيقٍ أنَّ الآية نزلَتْ:\n«لاَ يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ وَالمُجَاهِدُونَ»، فجاء ابنُ أمِّ مكتومٍ، حين سمعها، فقال:\nيَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ مِنْ رُخْصَةٍ، فَإنِّي ضَرِيرُ البَصَرِ، فَنَزَلَتْ عِنْدَ ذلك غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ «٣»، ...\n_________\n(١) أخرجه الخطيب في «تاريخ بغداد» (١/ ٢٦٦- ٢٦٧) من طريق سعد بن طريف عن زيد بن علي عن أبيه عن علي بن أبي طالب مرفوعا.\nومن طريق الخطيب أخرجه ابن الجوزي في «الموضوعات» (٣/ ٢٥٥) .\nوقال: هذا حديث موضوع على رسول الله ﷺ إحداهن: إرساله، فإن علي بن الحسين لم يدرك علي بن أبي طالب، والثانية: محمد بن مروان وهو السدي الكبير، قال ابن نمير: وهو كذاب، وقال أبو حاتم الرازي: متروك الحديث، وقال ابن حبان: لا يحل كتب حديثه إلا اعتبارا. والثالثة: أظهر، وهو سعد بن طريف وهو المتهم به، قال يحيى: ليس بشيء، وقال النسائي والدارقطني: متروك، وقال ابن حبان: كان يضع الحديث على الفور.\n(٢) ينظر: «السبعة» (٢٣٧)، و«الحجة» (٣/ ١٧٩)، وفيه ذكر رواية عن ابن كثير أنه قرأ بالنصب.\nوينظر: «حجة القراءات» (٢١٠)، و«إعراب القراءات» (١/ ١٣٧)، و«العنوان» (٨٥)، و«معاني القراءات» (١/ ٣١٥- ٣١٦) .\n(٣) أخرجه البخاري (٦/ ٥٣) كتاب «الجهاد»، باب قول الله ﷿: لاَّ يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ ...، حديث (٢٨٣١)، (٨/ ١٠٨) كتاب «التفسير»، باب لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، حديث (٤٥٩٣)، (٤٥٩٤)، (٨/ ٦٣٨- ٦٣٩) كتاب «فضائل القرآن»، باب كاتب-","vol":"2","page":283},{"text":"..\n_________\n- النبيّ ﷺ، حديث (٤٩٩٠)، ومسلم (٣/ ١٥٠٨) كتاب «الإمارة»، باب سقوط فرض الجهاد عن المعذورين، حديث (١٤١/ ١٨٩٨)، والترمذي (٥/ ٢٢٥) كتاب «التفسير»، باب سورة النساء، حديث (٣٠٣١)، والنسائي (٦/ ١٠) كتاب «الجهاد»، باب فضل المجاهدين على القاعدين، وأحمد (٤/ ٢٨٢، ٢٨٤، ٢٩٠)، والطيالسي (٢/ ١٧- منحة) برقم (١٩٤٣)، والطبري في «تفسيره» (٥/ ٢٢٩)، وأبو يعلى (٣/ ٢٦٩) برقم (١٧٢٥)، والواحدي في «أسباب النزول»، (ص ١٣١)، والبيهقي (٩/ ٢٣)، باب من اعتذر بالضعف والزمانة، كلهم من طريق أبي إسحاق عن البراء بن عازب به.\nوقال الترمذي: حديث حسن صحيح.\nوالحديث: ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٣٦١)، وزاد نسبته إلى ابن سعد، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن الأنباري في «المصاحف»، والبغوي في مجمعه.\nتنبيه: فات الإمام السيوطي في هذا الحديث أن يعزوه إلى مسلم وهو في صحيحه كما تقدم في أثناء التخريج.\nوللحديث شواهد من حديث سهل بن سعد، وزيد بن ثابت، وابن عباس، وزيد بن أرقم، والفلتان بن عاصم.\nحديث سهل بن سعد:\nأخرجه البخاري (٨/ ١٠٨) كتاب «التفسير»، باب (لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله)، حديث (٤٥٩٢)، والترمذي (٥/ ٢٢٦) كتاب «التفسير»، باب سورة النساء، حديث (٣٠٣٣)، والنسائي (٦/ ٩) كتاب «الجهاد»، باب فضل المجاهدين على القاعدين، حديث (٣٠٩٩)، والبغوي في «شرح السنة» (٧/ ٨٧- بتحقيقنا) كلهم من طريق الزهري عن سهل بن سعد أنه رأى مروان بن الحكم في المسجد، فأقبلت حتى جلست إلى جنبه، فأخبرنا: أن زيد بن ثابت أخبره أن رسول الله ﷺ أملى عليه: (لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله)، فجاءه ابن أم مكتوم وهو يملها علي قال: يا رسول الله، والله لو أستطيع الجهاد لجاهدت- وكان أعمى- فأنزل الله على رسوله ﷺ وفخذه على فخذي، فثقلت علي حتى خفت أن ترض فخذي، ثم سري عنه، فأنزل الله: غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ.\nوقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح هكذا روى غير واحد عن الزهري عن سهل بن سعد نحو هذا، وروى معمر عن الزهري هذا الحديث عن قبيصة بن ذؤيب عن زيد بن ثابت، وفي هذا الحديث رواية رجل من أصحاب النبيّ ﷺ عن رجل من التابعين، رواه سهل بن سعد عن مروان بن الحكم، ومروان لم يسمع من النبيّ ﷺ. اهـ.\nحديث زيد بن ثابت:\nأخرجه أبو داود (٢/ ١٤- ١٥) كتاب «الجهاد»، باب في الرخصة في القعود من العذر، حديث (٢٥٠٧)، وأحمد (٥/ ١٩٠- ١٩١)، والحاكم (٢/ ٨١- ٨٢)، والطبراني في «الكبير» (٥/ ١٣٢) برقم (٤٨٥١) كلهم من طريق أبي الزناد عن خارجة بن زيد بن ثابت عن زيد بن ثابت قال: كنت إلى جنب رسول الله ﷺ فغشيته السكينة، فوقعت فخذ رسول الله ﷺ على فخذي، فما وجدت شيئا أثقل من فخذ رسول الله ﷺ ثم سري عنه، فقال: اكتب فكتبت في كتف: (لا يستوي القاعدون من المؤمنين-","vol":"2","page":284},{"text":"قَالَ الفَلَتَانُ بْنُ عَاصِمٍ «١» (﵁): كنّا قعودا عند النّبيّ ﷺ، فأنزل علَيْه، وكان إذَا أُوحِيَ إلَيْهِ، دَامَ بَصَرُهُ مَفْتُوحَةً عَيْنَاهُ، وفَرَّغَ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ لِمَا يَأْتِيهِ مِنَ اللَّهِ، وَكُنَّا نَعْرِفُ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ، قَالَ: فَلَمَّا فَرَغَ، قَالَ لِلْكَاتِبِ: اكتب: «لاَ يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ وَالمُجَاهِدُونَ ...» إلَى آخر الآية، قال: فقام الأعمى، فقَاَل: يا رسُولَ اللَّهِ، مَا ذَنْبُنَا؟ قَالَ:\nفأنزلَ اللَّهُ على رسولِهِ، فقلْنا للأعمى: إنه يَنْزِلُ عليه، قال: فَخَافَ أنْ ينزلَ فيه شيْءٌ، فبقيَ قائمًا مكانَهُ، يقولُ: أَتُوبُ إلى رسُولِ اللَّهِ، حتّى فرغ رسول الله ﷺ، فقال للكاتب:\n_________\n- والمجاهدون في سبيل الله) إلى آخر الآية، فقام ابن أم مكتوم- وكان رجلا أعمى- لما سمع فضيلة المجاهدين فقال: يا رسول الله، فكيف بمن لا يستطيع الجهاد من المؤمنين؟ فلما قضى كلامه غشيت رسول الله ﷺ السكينة، فوقعت فخذه على فخذي، ووجدت من ثقلها في المرة الثانية كما وجدت في المرة الأولى، ثم سري عن رسول الله ﷺ، فقال: اقرأ يا زيد، فقرأت: لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فقال رسول الله ﷺ: غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ الآية كلها.\nقاله زيد: فأنزلها الله وحدها فألحقتها، والذي نفسي بيده لكأني أنظر إلى ملحقها عند صدع في كتف.\nوقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، والحديث ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٣٦١)، وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور، وابن سعد، وابن المنذر، وابن الأنباري.\nحديث ابن عباس:\nأخرجه الترمذي (٥/ ٢٢٥) كتاب «التفسير»، باب سورة النساء، حديث (٣٠٣٢)، والبيهقي (٩/ ٤٧) كتاب «السير»، باب النفير وما يستدل به على أن الجهاد فرض على الكفاية، كلاهما من طريق ابن جريج عن عبد الكريم عن مقسم عن ابن عباس أنه قال: لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ عن بدر والخارجون إلى بدر، لما نزلت غزوة بدر قال عبد الله بن جحش، وابن أم مكتوم: إنا أعميان يا رسول الله فهل لنا رخصة؟ فنزلت: (لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر، وفضل الله المجاهدين على القاعدين درجة) فهؤلاء القاعدون غير أولي الضرر.\nوقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه من حديث ابن عباس.\nحديث زيد بن أرقم:\nأخرجه الطبراني في «الكبير» (٥/ ١٩٠) برقم (٥٠٥٣) من طريق أبي إسحاق عن زيد بن أرقم قال: لما نزلت: (لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله) جاء ابن أم مكتوم فقال: يا رسول الله، أما لي رخصة؟ قال: لا، قال ابن أم مكتوم: اللهم إني ضرير فرخص لي فأنزل الله غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ فأمر رسول الله ﷺ بكتابتها.\nوقال الهيثمي في «المجمع» (٧/ ١٢): ورجاله ثقات.\n(١) الفلتان: بفتحتين، ومثناة فوقانية، ابن عاصم الجرمي، خال كليب. يعدّ في الكوفيين. قال البخاريّ:\nقال عاصم بن كليب: له صحبة، وكذا قال ابن السّكن، وابن أبي حاتم، وابن حبان- له صحبة، وقال البغوي: سكن المدينة. وقال ابن حبان: عداده في الكوفيين.\nوقال أبو عمر: يقال المنقري، والجرمي أصح. ينظر: «الإصابة» (٥/ ٢٨٨- ٢٨٩) .","vol":"2","page":285},{"text":"اكتب: غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ «١»، وأهْلُ الضررِ: هم أهل الأعذار، إذ قد أضرَّت بهم حتى منعتهم الجهَادَ قاله ابنُ عَبَّاس وغيره «٢» .\nوقوله تعالى: بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ، هي الغايةُ في كمالِ الجهَاد، قال ابن جُرَيْجٍ:\nالفَضْلُ بدرجةٍ هو على القَاعِدِينَ مِنْ أهْل العذر.\nقال ع «٣»: لأنهم مع المؤمنين بنيَّاتهم كما هو مذكورٌ في الحديثِ الصَّحيحِ.\nقال ابنُ جُرَيجٍ: والتفضيلُ بالأجْر العظيمِ والدرجاتِ هُوَ على القَاعِدِينَ مِنْ غير عذر «٤»، والْحُسْنى: الجنةُ التي وَعَدَهَا اللَّهُ المؤمِنِينَ وكذلك قال السُّدِّيُّ وغيره «٥» .\nوقال ابنُ مُحَيْرِيزٍ «٦»: الدرجاتُ: هي درجاتٌ في الجنَّةِ سَبْعُونَ ما بَيْنَ الدرجَتَيْنِ حُضْرُ الجَوَادِ المُضَمَّرِ سَبْعِينَ سَنَةً «٧»، قُلْتُ: وفي «صحيح البُخاريِّ»، عن أبي هريرةَ، عن رسُولِ الله ﷺ أنه قَالَ: «إنَّ فِي الجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنّة» «٨» . انتهى.\n_________\n(١) حديث الفلتان بن عاصم: أخرجه أبو يعلى (٣/ ١٥٦- ١٥٧) برقم (١٥٨٣)، وابن حبان (١٧٣٣- موارد)، والطبراني في «الكبير» (١٨/ ٣٣٤) برقم (٨٥٦)، والبزار (٣/ ٤٥- كشف) برقم (٢٢٠٣) كلهم من طريق عبد الواحد بن زياد ثنا عاصم بن كليب حدثني أبي عن الفلتان بن عاصم به.\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٤/ ٢٣١) برقم (١٠٢٤٨) وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٢/ ٩٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٣٦٢)، وعزاه لابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس.\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٩٨) .\n(٤) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٤/ ٢٣٣) برقم (١٠٢٦٠)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٢/ ٩٨) .\n(٥) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٤/ ٢٣٣) برقم (١٠٢٥٩)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٢/ ٩٨) .\n(٦) عبد الله بن محيريز بضم أوله وفتح المهملة بعدها تحتانية ساكنة ثم مهملة مكسورة ثم تحتانية ثم معجمة، الجمحي أبو محيريز المكي نزيل الشام، عن أبي محذورة، وعبادة بن الصامت، وعنه عبد الملك بن أبي محذورة، ومكحول الزّهري، وثقه العجلي. قال الأوزاعي: من كان مقتديا فليقتد بمثل ابن محيريز، قال خليفة: مات في خلافة عمر بن عبد العزيز. وقال ضمرة: في خلافة الوليد بن عبد الملك.\nينظر: «الخلاصة» (٢/ ٩٨)، «تهذيب الكمال» (٢/ ٧٣٩)، «تهذيب التهذيب» (٦/ ٢٢)، «الكاشف» (٢/ ١٢٨) .\n(٧) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٤/ ٢٣٣) برقم (١٠٢٦٣)، وذكره ابن عطية (٢/ ٩٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٣٦٤)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن محيرز بلفظ: قال: الدرجات سبعون درجة، ما بين الدرجتين عدو الجواد المضمر سبعون سنة. [.....]\n(٨) تقدم تخريجه.","vol":"2","page":286},{"text":"وقال ابن زَيْدٍ: الدرجاتُ في الآيةِ هي السّبع المذكورة في «بَرَاءَةَ» في قوله تعالى:\nذلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ ... [التوبة: ١٢٠] الآية «١» .\nقال ع «٢»: ودرجاتُ الجهادِ، لَوْ حُصِرَتْ، أكْثَرُ من هذه، لكنْ يَجْمَعُها بذْلُ النفْسِ، والاعتمال بالبَدَنِ والمالِ في أنْ تكُونَ كَلمةُ اللَّهِ هي العُلْيَا، ولا شَكَّ أنَّ بحَسَب/ مراتِبِ الأعمال ودرجاتِهَا تكُونُ مراتِبُ الجَنَّة ودرجاتُها، فالأقوالُ كلُّها متقاربة، وباقي الآية وعد كريم وتأنيس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-329>[سورة النساء (٤): الآيات ٩٧ الى ١٠٠]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩) وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٠)\nوقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ ... الآية:\nالمرادُ بهذه الآيةِ إلى قوله: مَصِيرًا جماعةٌ من أهل مكَّة كانوا قد أسلموا، فَلَمَّا هاجَرَ النبيِّ ﷺ أقَامُوا مَعَ قَوْمِهِمْ، وفُتِنَ منهم جماعةٌ، فافتتنوا، فلما كَانَ أَمْرُ بَدْرٍ، خَرَجَ منهم قومٌ مع الكُفَّار، فقُتِلُوا ببَدْرٍ، فنزلَتِ الآية فيهم.\nقال ع «٣»: والذي يَجْرِي مع الأصولِ أنَّ مَنْ ماتَ مِنْ هؤلاء مرتدًّا، فهو كافرٌ، ومأواه جهنَّم على جهة الخلودِ المؤبدِ، وهذا هو ظاهرُ أمْرِ هؤلاءِ، وإنْ فَرَضْنا فيهم مَنْ مَاتَ مؤمنًا، وأُكْرِهَ عَلَى الخُرُوجِ، أوْ ماتَ بمكَّة، فإنما هو عاصٍ في ترك الهِجْرة، مأواه جهنَّم على جهة العِصْيَانِ دُونَ خُلُودٍ.\nوقوله تعالى: تَوَفَّاهُمُ: يحتملُ أن يكون فعلًا ماضيًا، ويحتملُ أنْ يكون مستقْبَلًا على معنى: «تَتَوَفَّاهُمْ» فحذِفَتْ إحدى التاءَيْنَ وتكون في العبارة إشارة إلى ما يأتي مِنْ هذا المعنى في المستقبل بعد نزول الآية، وظالِمِي أَنْفُسِهِمْ: نصب على الحال، أي:\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٤/ ٢٣٣) برقم (١٠٢٦٢)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٢/ ٩٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٣٦٤)، وعزاه لابن جرير عن ابن وهب قال: سألت زيد، وذكر الأثر.\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٩٨) .\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٩٩) .","vol":"2","page":287},{"text":"ظالميها بترك الهجرة، وتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ: معناه: تقبِضُ أرواحَهُمْ، قال الزَّجَّاج «١»، وحُذِفَتِ النونُ مِنْ ظَالِمِينَ تخفيفًا كقوله: بالِغَ الْكَعْبَةِ [المائدة: ٩٥]، وقولُ الملائكة:\nفِيمَ كُنْتُمْ: تقريرٌ وتوبيخٌ، وقولُ هؤلاء: كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ: اعتذار غيرُ صحيحٍ إذ كانوا يستطيعُونَ الحِيَلَ، ويَهْتَدُونَ السُّبُلَ، ثم وقَفَتْهُم الملائكةُ على ذَنْبهم بقولهم: أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً، والأرْضُ الأولى: هي أرْضُ مكَّة خاصَّة، وأرْضُ اللَّهِ هي الأرضُ بالإطلاق، والمراد: فتهاجِرُوا فيها إلى مواضعِ الأَمْنِ، وهذه المقاوَلَةُ إنما هِيَ بعد توفي الملائكَةِ لأرواحِ هؤلاءِ، وهي دالَّة على أنهم ماتوا مُسْلِمِينَ وإلاَّ فلو ماتوا كافِرِينَ، لم يُقَلْ لهم شيءٌ مِنْ هذا، ثم استثنى سبحانه مَنْ كان استضعافه حقيقةً مِنْ زَمْنَى الرجالِ، وضَعَفَةِ النساءِ، والولدانِ، قال ابنُ عَبَّاس: «كُنْتُ أَنَا وَأُمِّي مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ» «٢»، والحِيلَةُ: لفظٌ عامٌّ لأنواع أسبَاب التخلُّص، والسَّبِيلُ: سبيلُ المدينةِ فيما قاله مجاهد وغيره «٣»، والصوابُ: أنه عامٌّ في جميع السُّبُل، ثم رَجَّى اللَّه تعالى هؤلاءِ بالعَفْو عنهم، والمُرَاغِمُ: المُتَحَوَّلُ والمَذْهَب قاله ابن عبَّاس وغيره «٤»، وقال مجاهدٌ: المُرَاغَمُ المتزحْزَحُ عمَّا يُكْرَه «٥»، وقال ابن زيْدٍ: المُرَاغَمُ: المُهَاجَرُ «٦»، وقال السُّدِّيُّ: المُرَاغَمُ: المبتغى للمعيشة «٧» .\nقال ع «٨»: وهذا كله تَفْسيرٌ بالمعنى، وأما الخاصُّ بِاللفظة، فإن المُرَاغَمَ هو موضِعُ المراغَمَةِ، فلو هاجر أَحَدٌ من هؤلاءِ المَحْبُوسِين بمكَّةَ، لأرْغَمَ أنُوفَ قريشٍ بحصوله في مَنَعَةٍ منهم، فتلكَ المَنَعَةُ هي مَوْضِعُ المراغَمَةِ، قال ابنُ عَبَّاس وغيره: السّعة هنا هي السّعة في\n_________\n(١) ينظر: «معاني القرآن» (٢/ ٩٤) .\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٤/ ٢٣٥) برقم (١٠٢٦٤)، وذكره ابن عطية (٢/ ١٠٠)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٣٦٧)، وعزاه للطبراني.\n(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٤/ ٢٣٩) برقم (١٠٢٨٤)، وذكره البغوي في «تفسيره» (١/ ٤٧٠)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٣٦٨)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد.\n(٤) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (٢/ ١٠٠) .\n(٥) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٢/ ٢٤٢) برقم (١٠٣٠٧)، وذكره ابن عطية (٢/ ١٠١)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٣٦٨)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٦) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٤/ ٢٤٣) برقم (١٠٣٠٩)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٢/ ١٠١) .\n(٧) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٤/ ٢٤٢) برقم (١٠٣٠٨)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٢/ ١٠١)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٣٦٨)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم.\n(٨) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ١٠١) .","vol":"2","page":288},{"text":"الرِّزْقِ «١»، وقال مالك: السَّعة: سَعَةُ البلاد «٢» .\nقال ع «٣»: وهذا هو المُشَبِهُ للفصاحة أنْ يريد سعة الأرْضِ وبذلك تكونُ السَّعَةُ في الرِّزْق، واتساع الصَّدْرِ، وغيرُ ذلك من وجوه الفَرَجِ، وهذا المعنى ظاهرٌ من قوله تعالى: أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً.\nقال مالكُ بْنُ أَنَسٍ (﵀): الآية تُعْطِي أنَّ كلَّ مسلمٍ ينبغي لَهُ أنْ يَخْرُجُ من البلادِ الَّتي تُغَيَّرُ فيها/ السُّنَنُ، ويُعْمَلُ فيها بغَيْر الحَقِّ «٤» .\nوقوله تعالى: وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ ...\nالآية حُكْمُ هذه الآية باقٍ في الجهَادِ، والمَشْيِ إلى الصلاةِ، والحَجِّ، ونحوِهِ، قلْتُ: وفي البابِ حديثٌ عن أبي أُمَامَةَ، وسيأتِي عند قوله تعالى: فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ [النور: ٦١] .\nقال ع «٥»: والآية نزلَتْ بسبب رَجُلٍ من كِنَانَةَ، وقيلَ: من خُزَاعَةَ، اسمه ضَمْرَةُ في قولِ الأكْثَرِ لما سمع قَوْلَ اللَّه تعالَى: الَّذِينَ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا قال: إنِّي لَذُو مَالٍ وَعَبِيدٍ، وَكَانَ مَرِيضًا، فَقَالَ: أَخْرِجُونِي إلَى المَدِينَةِ، فَأُخْرِجَ فِي سَرِيرٍ، فَأَدْرَكَهُ المَوْتُ بِالتَّنْعِيمِ، فَنَزَلَتِ الآيةُ بسببه.\nقال ع «٦»: ومِنْ هذه الآية رأى بعضُ العلماء أنَّ مَنْ مات من المسلمين، وقد خَرَجَ غازيًا، فله سَهْمُهُ من الغنيمة، قَاسُوا ذلك علَى الأجْرِ، وَوَقَعَ: عبارةٌ عن الثُّبُوتِ، وكذلك هِيَ «وَجَبَ» لأنَّ الوقوعَ والوُجُوبَ نُزُولٌ في الأجْرَامِ بقوَّة، فشبه لازم المعانِي بذلك، وباقي الآية بيّن.\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٤/ ٢٤٣) برقم (١٠٣١٠) وذكره الماوردي في «تفسيره» (١/ ٥٢٢)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٣٦٨)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس.\n(٢) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (٢/ ١٠١)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٣٦٨)، وعزاه لابن القاسم بلفظ: «قال: سئل مالك عن قول الله وَسَعَةً؟! قال: سعة البلاء. [.....]\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ١٠١) .\n(٤) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (٢/ ١٠١) .\n(٥) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ١٠١) .\n(٦) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ١٠٢) .","vol":"2","page":289},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-330>[سورة النساء (٤): آية ١٠١]</span>\nوَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١)\nوقوله تعالى: وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ ... الآية: ضَرَبْتُمْ: معناه: سافَرْتم، قال مالك، والشافعيُّ، وأحمدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وابنُ رَاهَوَيْهِ: تُقْصَرُ الصلاةُ في أربعةِ بُرُدٍ، وهي ثمانيةٌ وأربعون ميلًا وحُجَّتهم أحاديثُ رُوِيَتْ في ذلك، عن ابن عمر، وابن عباس «١» .\nوقال الحسنُ والزُّهْريُّ: تُقْصَرُ في مسيرةِ يَوْمَيْنِ «٢»، وروي هذا أيضًا عن مالكٍ «٣»، وروي عنه: تُقْصَر في مسافة يوم ولَيلة، وهذه الأقوالُ الثلاثةُ تتقارَبُ في المعنى.\nوالجمهورُ على جواز القَصْر في السَّفَر المباحِ.\nوقال عطاءٌ: لا تُقْصَر إلا في سفر طاعةٍ، وسبيلِ خيرٍ، والجمهور: أنَّه لا قَصْرَ في سفُر معصيةٍ، والجمهور أنه لا يَقْصُر المسافرُ حتى يَخْرُجَ من بُيُوت القرية، وحينئذٍ هو ضاربٌ في الأرْضِ، وهو قولُ مالك وجماعةِ المَذْهَب، وإلى ذلك في الرجوع، وقد ثبت أنّ النبيّ ﷺ: «صَلَّى الظُّهْرَ بِالمَدِينَةِ أَرْبَعًا، وَالعَصْرَ بِذِي الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ»، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا ثُلُثُ يَوْمٍ، «٤» ويظهر مِنْ قوله تعالى: فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا أنَّ القَصْر مباحٌ أو مخيَّر فيه، وقد رَوَى ابنُ وهْبٍ، عن مالكٍ، أنَّ المسافِرَ مخيَّر فيه «٥» وقاله الأَبْهَرِيُّ وعليه حُذَّاق المذْهَب، وقال مالكٌ في «المبسوط»: القَصْرُ سُنَّةٌ «٦» وهذا هو الذي عليه\n_________\n(١) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (٢/ ١٠٣) .\n(٢) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (٢/ ١٠٣) .\n(٣) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (٢/ ١٠٣) .\n(٤) حديث أنس:\nأخرجه البخاري (٣/ ٤٠٧) كتاب «الحج»، باب من بات بذي الحليفة حتى أصبح، حديث (١٥٤٦)، ومسلم (١/ ٤٨٠)، كتاب «صلاة المسافرين وقصرها»، باب صلاة المسافرين وقصرها، حديث (١١/ ٦٩٠)، مختصرا، من رواية ابن المنكدر، عنه، قال: «صلى النبيّ ﷺ بالمدينة أربعا، وبذي الحليفة ركعتين، ثم بات حتى أصبح بذي الحليفة، فلما ركب راحلته واستوت به أهلّ» .\nوأخرجه أبو داود (٢/ ٣٧٥)، كتاب «المناسك» (الحج)، باب في وقت الإحرام، حديث (١٧٧٣)، والترمذي (٢/ ٤٣١)، كتاب «الصلاة»، أبواب السفر، باب ما جاء في التقصير في السفر، حديث (٥٤٦)، والبيهقي (٥/ ٣٨)، كتاب «الحج»، باب من قال: يهل إذا انبعثت به راحلته.\n(٥) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (٢/ ١٠٣) .\n(٦) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (٢/ ١٠٣) .","vol":"2","page":290},{"text":"جمهورُ المَذْهب وعليه جوابُ «المدوَّنة» بالإعادة في الوَقْت لِمَنْ أتَمَّ في سفرِه.\nوقال ابنُ سُحْنُون وغيره: القَصْرُ فَرْضٌ.\nوقوله تعالى: إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ... الآية، وفي حديثِ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّة، قال: قُلْتُ لعُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ: إنَّ اللَّه تعالى يقُولُ: إِنْ خِفْتُمْ وقَدْ أَمِنَ النَّاسُ، فقالَ: عَجِبْتُ مِمَّا عجبت منه، فسألت رسول الله ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ «صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ، فاقبلوا صَدَقَتَهُ» «١» .\nويَفْتِنَكُمْ: معناه يمتحنَكُمْ بالحَمْلِ عليكم، وإشغال نفوسكم، وذلك أنّ النبيّ ﷺ لَمَّا صلَّى الظُّهْر بأصحابه، قال المُشْرِكُونَ: قد أَمْكَنَكُمْ محمَّد وأصحابه مِنْ ظُهورِهِمْ، هَلاَّ شَددتُّمْ عَلَيْهم، فقال قائلٌ منهم: أنَّ لَهُمْ أخرى فِي أَثَرِهَا، فأنزل اللَّهُ تعالى بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ:\nإِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا/ إلى آخر صلاة الخوف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-331>[سورة النساء (٤): آية ١٠٢]</span>\nوَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا (١٠٢)\nوقوله تعالى: وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ ... الآية: قال جمهورُ الأُمَّة:\nالآية خطَابٌ للنبيِّ ﷺ، وهو يتناول الأمراء بعده إلى يوم القيامة، وكذلك جمهورُ العلماء على أنَّ صلاة الخَوْف تصلى في الحَضَر، إذا نزَلَ الخَوْف، قال الطبريُّ «٢»: فَأَقَمْتَ لَهُمُ: معناه: حُدُودَهَا وهَيئَتَهَا.\nوقوله تعالى: فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ: أمر بالانقسام، أي: وسائرهم وِجَاه العَدُوِّ، ومعظم الرواياتِ والأحاديثِ على أنَّ صلاةَ الخَوْف إنما نزلَتِ الرخْصَةُ فيها في غَزْوة ذاتِ الرِّقَاعِ، واختلف من المأمورُ بأخْذ الأسلحَةِ هنا؟ فقيل: الطائفة المصلِّية، وقيل:\nبل الحارسة.\n_________\n(١) أخرجه الطبري عن ابن جريج (٤/ ١٤٨) برقم (٩٨٥١)، وذكره السيوطي في «الدر» (٢/ ٣١٢)، وزاد نسبته إلى ابن المنذر.\nوفيه زيادة: وقال عمر بن الخطاب: لما خرج رسول الله ﷺ وهو يتلو هذه الآية: فداه أبي وأمي، ما سمعته يتلوها قبل ذلك.\n(٢) ينظر: الطبري (٤/ ٢٥١) .","vol":"2","page":291},{"text":"قال ع «١»: ولفظ الآية يتناوَلُ الكلَّ، ولكن سِلاَحُ المصلِّين ما خَفَّ، قُلْتُ:\nومن المعلوم أنه إذا كانَتِ الطائفةُ المصلِّيةُ هي المأمورَةَ بِأخْذِ السِّلاحِ، فالحارسَةُ من باب أحرى.\nواختلفت الآثار في هيئة صلاة النبيّ ﷺ بأصحابه صلاةَ الخَوْف وبِحَسَبِ ذلك، اختلف الفقَهَاء، فروى يزيدُ بْنُ رُومَانَ «٢»، عن صالح «٣» بنِ خَوَّاتٍ، عن سهلِ بْنِ أبي «٤» حَثْمَةَ أنَّهُ صلّى مع رسول الله ﷺ صَلاَةَ الخَوْفِ يَوْمَ ذَاتِ الرِّقَاعَ، فَصُفَّتْ طَائِفَةٌ مَعَهُ، وَطَائِفَةٌ وجَاهَ العَدُوِّ، وجَاءَتِ الطَّائِفَةُ الأخرى، فَصَلَّى بِهِمُ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ مِنْ صَلاَتِهِ، ثُمَّ ثَبَتَ جَالِسًا، وأتَمُّوا لأنْفُسِهِمْ، ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ «٥»، وروى القاسمُ بْنُ محمَّدٍ، عن صالحِ بن\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ١٠٥) .\n(٢) يزيد بن رومان مولى آل الزبير أبو روح المدني. عن ابن الزّبير وعروة وعنه جرير بن حازم وابن إسحاق ونافع القارئ وطائفة. قال ابن سعد: كان عالما ثقة كثير الحديث. توفي سنة ثلاثين ومائة.\nينظر: «الخلاصة» (٣/ ١٦٩)، «تهذيب الكمال» (٣/ ١٥٣٢)، «تهذيب التهذيب» (١١/ ٣٢٥) (٦٢٥)، «الكاشف» (٣/ ٢٧٧)، «الثقات» (١٥٨١) . [.....]\n(٣) صالح بن خوّات بفتح المعجمة: ابن جبير بن النّعمان الأنصاري المدني. عن أبيه وعنه ابنه خوّات والقاسم بن محمد. وثقه النسائي.\nينظر: (١/ ٤٥٩)، «تهذيب الكمال» (٢/ ٥٩٥)، «تهذيب التهذيب» (٤/ ٣٨٧)، «الكاشف» (٢/ ١٩)، «الثقات» (٤/ ٣٧٢) .\n(٤) هو: سهل بن أبي حثمة بن ساعدة بن عامر بن عدي بن مجدعة بن حارث بن الحرث بن عمرو بن مالك بن الأوس اختلف في اسم أبيه فقيل: عبد الله، وقيل: عبيد الله. الأوسي الأنصاري، أمه: أم الربعي بنت سالم بن عدي بن مجدعة، ولد سنة ثلاث من الهجرة، حدث عن النبيّ بأحاديث وحدث عن زيد بن ثابت، ومحمد بن سلمة، روى عنه ابنه محمد، وابن أخيه محمد بن سليمان بن أبي حثمة، وبشر بن يسار، وصالح بن خوّات بن جبير، ونافع بن جبير، وعروة وغيرهم. قال الواقدي: قبض النبيّ وهو ابن ثماني سنين، ولكنه حفظ عنه. توفي أول أيام معاوية.\nتنظر ترجمته في: «أسد الغابة» (٢/ ٤٦٨)، «الإصابة» (٣/ ١٣٨)، «الثقات» (٣/ ١٦٩)، «الاستيعاب» (١/ ٦٦١)، «الاستبصار» (٢٤٥)، «بقي بن مخلد» (١٠٨)، «تجريد أسماء الصحابة» (١/ ٢٤٣)، «الرياض المستطابة» (١١٠)، «الطبقات الكبرى» (٥/ ٣٠٤)، «التاريخ الكبير» (٤/ ٩٧)، «التحفة اللطيفة» (٢٠٠)، «الوافي بالوفيات» (١٦/ ٨)، «إسعاف المبطأ» (١٩٤)، «التعديل والتجريح» (١٣٣٩) .\n(٥) أخرجه البخاري (٧/ ٤٢١)، كتاب «المغازي»، باب غزوة ذات الرقاع، الحديث (٤١٢٩)، ومسلم (١/ ٥٧٥)، كتاب «صلاة المسافرين»، باب صلاة الخوف، الحديث (٣١٠/ ٨٤٢)، ومالك (١/ ١٨٣)، كتاب «الخوف»، باب صلاة الخوف، الحديث (١)، وأحمد (٣/ ٤٤٨)، وأبو داود (٢/ ٣٠)، كتاب «الصلاة»، باب إذا صلّى ركعة وثبت قائمة، الحديث (١٢٣٨)، والنسائي (٣/ ١٧١)، كتاب «الخوف»، باب صلاة الخوف، وابن الجارود (ص ٩٠)، كتاب «الصلاة»، باب في صلاة الخوف، الحديث-","vol":"2","page":292},{"text":"خَوَّاتٍ، عن سَهْلٍ هذا الحديثَ بعينه، إلا أنّه روي أنّ النبيّ ﷺ حِينَ صَلَّى بالطائفةِ الأخيرةِ ركْعَةً، سلَّم، ثم قضَتْ بعد سَلاَمِهِ، وبحديثِ «١» القاسمِ بنِ محمَّد، أخَذَ مالكٌ، وإليه رجَعَ بَعْدَ أنْ كان أولًا يميلُ إلى روايةِ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ، وروى عبْدُ الرزَّاق عن مجاهدٍ، قال: لَمْ يصلّ النبيّ ﷺ صلاَةَ الخَوْفِ إلاَّ مرَّتَيْنِ: مرَّةً بذاتِ الرِّقَاعِ مِنْ أرض بني سُلَيْمٍ، ومرةً بعُسْفَانَ، والمشركُونَ بِضُجْنَانَ بينهم وبَيْنَ القِبْلَةِ «٢» .\nقال ع «٣»: وظاهرُ اختلاف الرّوايات عن النبيّ ﷺ يقتضي أنَّه صلى صلاةَ الخَوْف في غير هَذيْن الموطِنَيْنِ، وقد ذكر ابنُ عبَّاس أنه كَانَ في غَزْوة ذِي قَرَدٍ صلاةَ خَوْفٍ «٤» .\nوقوله تعالى: فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ ... الآية: المعنى: فإذا سَجَدوا مَعكَ الركعةَ الأولى، فلْيَنْصَرِفُوا هذا على بعض الهيئات المرويَّة، وقيل: المعنى: فإذا\n_________\n- (٢٣٥)، والدارقطني (٢/ ٦٠)، كتاب «العيدين»، باب صلاة الخوف، الحديث (١١)، والبيهقي (٣/ ٢٥٣)، كلهم من طريق مالك، عن يزيدُ بْنُ رُومَانَ، عن صالح بنِ خَوَّاتٍ به.\nوالحديث في «الموطأ» (١/ ١٨٣) كتاب «صلاة الخوف»، باب صلاة الخوف، حديث (١) .\nومن طريقه أيضا أخرجه البغوي في «شرح السنة» (٢/ ٥٩٢- بتحقيقنا) .\n(١) أخرجه مالك (١/ ١٨٣) كتاب «صلاة الخوف»، باب صلاة الخوف، الحديث (٢)، عن يحيى بن سعيد، عن القاسمُ بْنُ محمَّدٍ، عن صالحِ بْنِ خَوَّاتٍ: أن سهل بن أبي حثمة حدثه: أن صلاة الخوف أن يقوم الإمام ومعه طائفة من أصحابه، وطائفة مواجهة العدو، فيركع الإمام ركعة ويسجد بالذين معه، ثم يقوم. فإذا استوى قائما ثبت وأتموا لأنفسهم الركعة الثانية، ثم يسلمون وينصرفون والإمام، فيكونون وجاه العدو، ثم يقبل الآخرون الذين لم يصلوا فيكبرون وراء الإمام فيركع بهم الركعة، ويسجد ثم يسلم فيقومون فيركعون لأنفسهم الركعة الباقية، ثم يسلمون.\nوأخرجه مرفوعا: البخاري (٧/ ٤٢٢)، كتاب «المغازي»، باب غزوة ذات الرقاع، الحديث (٤١٣١)، ومسلم (١/ ٥٧٥)، كتاب «المسافرين»، باب صلاة الخوف، الحديث (٣٠٩/ ٨٤١)، وأبو داود (٢/ ٣٠)، كتاب «الصلاة»، باب يقوم صف مع الإمام، وصف وجاه العدو، الحديث (١٢٣٧)، والترمذي (٢/ ٤٠)، كتاب «السفر»، باب صلاة الخوف، الحديث (٥٦٢)، والنسائي (٣/ ١٧٨)، كتاب «الخوف» باب صلاة الخوف، وابن ماجة (١/ ٤٠٠)، كتاب «إقامة الصلاة»، باب صلاة الخوف، الحديث (١٢٥٩)، وأحمد (٣/ ٤٤٨)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (١/ ٣٢٣)، كتاب «الصلاة»، باب صلاة الخوف، والبيهقي (٣/ ٢٥٣)، كتاب «صلاة الخوف»، باب كيفية صلاة الخوف، كلهم من طريق عبد الرّحمن بن القاسم عن أبيه، عن صالح بن خوّات، عن سهل بن أبي حثمة مرفوعا.\n(٢) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (٢/ ١٠٥) .\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ١٠٦) .\n(٤) ابن عطية في «تفسيره» (٢/ ١٠٦) .","vol":"2","page":293},{"text":"سَجَدوا ركْعةَ القضاءِ، وهذا على رواية ابنِ أبي حَثْمَةَ، والضميرُ في قوله: فَلْيَكُونُوا، يحتملُ أنْ يكون لِلَّذِينَ سَجَدُوا، ويحتمل أن يكون للطائفةِ القائِمَةِ أولًا بإزاء العَدُوِّ، ويجيء الكلامُ وَصَاةً في حال الحَذَرِ والحَرْب.\nوقوله تعالى: وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ ... الآية: إخبارٌ عن مُعْتَقَدِ القومِ، وتحذيرٌ من الغَفْلةِ لَئِلاَّ ينالَ العَدُوُّ أمَلَهُ، وأسْلِحَةٌ: جمعُ سلاحٍ، وفي قوله تعالى: مَيْلَةً واحِدَةً: مبالغةُ، أي: مستأصِلَةً لا يُحْتَاجُ معها إلى ثانية.\nوقوله تعالى: وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ ... الآية: ترخيصٌ.\nقال ابنُ عَبَّاس: نزلَتْ بسبب عبد الرحمن بْنِ عَوْفٍ، كان مريضًا، فوضع سلاحَهُ، فعنَّفه بعْضُ النَّاس «١» .\nقال ع «٢»: كأنهم تَلَقَّوُا الأمر بأخْذ السِّلاحِ على الوُجُوبِ، فرخَّص اللَّه تعالى في هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ، وينقاسُ عليهما كُلُّ عذرٍ، ثم قوى سبحانه/ نُفُوسَ المؤمنِينَ بقوله:\nإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-332>[سورة النساء (٤): آية ١٠٣]</span>\nفَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيامًا وَقُعُودًا وَعَلى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا (١٠٣)\nوقوله تعالى: فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيامًا وَقُعُودًا ... الآية: ذهب جمهورُ العلماءِ إلى أنَّ هذا الذِّكْر المأمورَ بِهِ، إنما هو إثْرَ صلاةِ الخَوْفِ على حَدِّ ما أُمِرُوا عند قضاءِ المَنَاسِكِ بذكْرِ اللَّه، فهو ذِكْرٌ باللسانِ، والطُّمَأْنينةُ في الآية: سكونُ النُّفُوسِ من الخَوْف، وقال بعضُ المتأوِّلين: المعنى: فإذا رجعتُمْ مِنْ سفركم إلى الحَضَرِ، فأقيموها تامَّةً أربعًا.\nوقوله تعالى: كِتابًا مَوْقُوتًا: معناه: منجَّمًا في أوقاتٍ، هذا ظاهرُ اللفظ، ورُوِيَ عن ابْنِ عباس أنَّ المعنى: فَرْضًا مفْروضًا «٣»، فهما لفظانِ بمعنى واحد كرّر مبالغة.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٨/ ١١٣) كتاب «التفسير»، باب وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً حديث (٤٥٩٩) والنسائي في «تفسيره» (١٤١) والحاكم (٢/ ٣٠٨) والبيهقي (٣/ ٢٥٥) . وزاد السيوطي نسبته في «الدر» (٢/ ٢١٤) إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ١٠٧) .\n(٣) ابن عطية (٢/ ١٠٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٣٨٠)، وعزاه لابن أبي حاتم.","vol":"2","page":294},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-333>[سورة النساء (٤): آية ١٠٤]</span>\nوَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٠٤)\nوقوله تعالى: وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ: أي: لا تَلِينُوا وتَضْعُفوا يُقَالُ: حَبْلٌ وَاهِنٌ، أيْ: ضعيفٌ ومنه: «وَهَنَ العَظْمُ» وابتغاءُ القَوْمِ: طَلَبُهم، وهذا تشجيعٌ لنفوسِ المُؤْمنين، وتحقيرٌ لأمْر الكَفَرة، ثم تأَكَّد التشجيعُ بقوله: وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ، وهذا برهانٌ بَيِّنٌ، ينبغي بحَسَبِهِ أنْ تقوى نفوسُ المؤمنين، وباقي الآية بيّن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-334>[سورة النساء (٤): آية ١٠٥]</span>\nإِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥)\nوقوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ ...\nالآية: في هذه الآية تشريف للنبيّ ﷺ، وتفويضٌ إليه، وتقويمٌ أيضًا على الجادَّة في الحُكْم، وتأنيبٌ مَّا على قبولِ ما رُفِعَ إلَيْه في أمْر بَنِي أُبيْرِقٍ بِسُرْعَةٍ.\nوقولُهُ تعالى: بِما أَراكَ اللَّهُ: معناه: على قوانينِ الشَّرْعِ إمَّا بوَحْيٍ ونَصٍّ أو نَظَرٍ جارٍ على سَنَنِ الوحْي، وقد تضمَّنَ اللَّه تعالى لأنبيائه العِصْمَةَ.\nوقوله تعالى: وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا، قال الهَرَوِيُّ: خَصِيمًا: أيْ:\nمُخَاصِمًا، ولا دَافِعًا. انتهى.\nقال ع «١»: سببها، باتفاق من المتأولين: أمْرُ بني أُبَيْرِقٍ، وكانوا إخْوَةً: بِشْرٌ، وبَشِيرٌ، وَمُبَشِّر، وطُعَيْمَةُ، وكان بَشِيرٌ رجلًا منافقًا يهجو أصحاب النبيّ ﷺ، وينحل الشِّعْر لغيره، فكان المسلمونَ يَقُولُونَ: واللَّهِ، ما هو إلاَّ شِعْرُ الخَبِيثِ، فقال شعرًا يتنصَّل فيه فَمِنْهُ قوله: [الطويل]\nأَفِي كُلِّ مَا قَالَ الرِّجَالُ قَصِيدَة ... نُحِلْتُ، وَقَالُوا: ابن الأُبَيْرِقِ قَالَهَا\nقال قتادةُ بنُ النُّعْمَانِ: وكان بَنُو أُبَيْرِقٍ أهْلَ فَاقَةٍ، فابتاع عَمِّي رِفَاعَةُ بن زيد «٢» حملا\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ١٠٨) .\n(٢) رفاعة بن زيد: ابن عامر بن سواد بن كعب، وهو ظفر بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن أوس الأنصاريّ الظفريّ، عم قتادة بن النّعمان.\nروى الترمذي والطّبريّ، من طريق عاصم بن عمر بن قتادة، عن أبيه، عن جدّه قتادة بن النّعمان، قال:\nكان أهل بيت منّا يقال لهم بنو أبيرق، فابتاع عمّي رفاعة بن زيد جملا من الدرمك، فجعله في مشربة له، فعدا عليه من تحت الليل، فذكر الحديث بطوله في نزول قوله تعالى: وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا [النساء: ١٠٥] وفي آخره قال قتادة: فأتيت عمي بسلاحه، وكان قد عشا في الجاهلية، وكنت أظنّ-","vol":"2","page":295},{"text":"مِنْ دَرْمَكِ الشِّامِ، فجعله في مَشْرُبَةٍ له، وفي المَشْرُبَةِ دِرْعَانِ له، وسَيْفَانِ، فَعُدِيَ على المَشْرُبَةِ من اللَّيْلِ، فلما أصْبَحَ، أتانِي عَمِّي رفاعة، فقال: يا ابن أَخِي، أتعلَمُ أنه قَدْ عُدِيَ علَيْنا في لَيْلَتِنَا هذه، فَنُقِبَتْ مَشْرُبَتُنَا، وذُهِبَ بطَعَامِنَا، وسِلاَحِنا، قال: فتحسَّسْنا في الدَّار، وسألنا، فَقِيلَ لنا: قد رأَيْنَا بَنِي أُبَيْرِقٍ استوقدوا نَارًا في هذه الليلةِ، ولاَ نُرَاهُ إلاَّ على بعض طعامِكُمْ، قال: وقد كان بَنُو أُبَيْرِقٍ قالُوا، ونَحْنُ نَسْأَلُ: وَاللَّهِ، مَا نرى صَاحِبَكُمْ إلاَّ لَبِيدَ بْنَ سَهْلٍ «١»، رَجلٌ مِنَّا لَهُ صَلاَحٌ وإسْلاَمٌ، فَسَمِعَ ذَلِكَ لَبِيدٌ، فاخترط سَيْفَهُ، ثُمَّ أتى بَنِي أُبَيْرِقٍ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَيُخَالِطَنَّكُمْ هَذَا السَّيْفُ، أَوْ لَتُبَيِّنُنَّ هَذِهِ السَّرِقَةَ، فَقَالُوا: إلَيْكَ عنّا، أيّها الرّجل، فو الله، مَا أَنْتَ بِصَاحِبِهَا، فَسَأَلْنَا فِي الدَّارِ حتى لَمْ نَشُكَّ أَنَّهُمْ أَصْحَابُهَا، فَقَالَ لِي عَمِّي:\nيا ابن أخي، لو أتيت رسول الله ﷺ، فأخبرته بهذه القصّة، فأتيته ﷺ، فَقَصَصْتُهَا عَلَيْهِ، فَقَالَ: انظر فِي ذَلِكَ، فَلَمَّا سَمِعَ بِذَلِكَ بَنُو أُبَيْرِقٍ، أَتَوْا رَجُلًا مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ: أُسَيْرُ بْنُ عُرْوَةَ «٢»، فكلَّموه في ذلكَ، واجتمع إلَيْهِ ناسٌ مِنْ أَهْلِ الدارِ، فأتوا رسول الله ﷺ/ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ قَتَادَةَ بْنَ النُّعْمَانِ وَعَمَّهُ رِفَاعَةَ عَمَدَا إلى أَهْلِ بَيْتٍ مِنَّا أَهْلِ إسْلاَمٍ وَصَلاَحٍ يَرْمِيَانِهِمْ بِالسَّرِقَةِ على غَيْرِ بَيِّنَةٍ، قال قَتَادةُ: فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَكَلَّمْتُهُ، فَقَالَ:\nعَمَدتَّ إلى أَهْلِ بَيْتٍ، ذُكِرَ مِنْهُمْ إسْلاَمٌ وَصَلاَحٌ، فَرَمَيْتَهُمْ بِالسَّرِقَةِ مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ، قال:\nفَرَجَعْتُ، وَقَدْ وَدِدتُّ أَنْ أَخْرُجَ عَنْ بَعْضِ مَالِي، وَلَمْ أُكَلِّمْهُ، فَأَتَيْتُ عَمِّي، فَقَالَ: مَا صَنَعْتَ، فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَ رَسُولُ الله ﷺ فَقَالَ: اللَّهُ المُسْتَعَانُ، فَلَمْ نَلْبَثْ أَنْ نَزَلَ القُرآن:\nإِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ ... الآيات، قال: فالخائنون: بنو أبيرق، والبريء المرميّ\n_________\n- إسلامه مدخولا، قال: فلما أتيته به قال: يا بن أخي، هو في سبيل الله، فعرفت أنّ إسلامه كان صحيحا.\nقال التّرمذيّ: غريب تفرد محمد بن سلمة بوصله، ورواه غيره مرسلا، ورواه الواقديّ من طرق عن محمود بن لبيد، فذكر القصة مطولة فزاد ونقص.\nينظر: «الإصابة» (٢/ ٤٠٧)، «تبصير المنتبه» (٣/ ٨٥١)، «الجرح والتعديل» (٣/ ٢٢٣٣)، «الأعلمي» (١٨/ ٢٦٣)، «أسد الغابة» ت (١٦٨٨)، «الاستيعاب» ت (٧٧٧) . [.....]\n(١) لبيد بن سهل بن الحارث بن عروة بن رزاح بن ظفر الأنصاري. وقال ابن عبد البرّ: لا أدري هو من أنفسهم أو حليف لهم. انتهى.\nوقد نسبه ابن الكلبيّ إلى القبيلة كما ترى، لكن قال العدوي: إنه وهم من ابن الكلبي وإنما هو أبو لبيد بن سهل- رجل من بني الحارث بن مازن بن سعد العشيرة من حلفاء الأنصار.\nينظر: «أسد الغابة» ت (٤٥٢٨)، «الإصابة» (٥/ ٥٠٤)، «الاستيعاب» ت (٢٢٦١) .\n(٢) أسير بن عروة بن سواد بن الهيثم بن ظفر الأنصاري الظّفري. قال ابن القداح: شهد أحدا والمشاهد بعدها، واستشهد بنهاوند.\nينظر: «الإصابة» (١/ ٢٣٧)، «الثقات» (٣/ ١٥)، «أسد الغابة» ت (٦٧٧)، «الاستيعاب» ت (٦٣) .","vol":"2","page":296},{"text":"لَبِيدُ بْنُ سَهْلٍ، والطائفةُ التي هَمَّتْ أُسَيْرٌ وأصحابُهُ «١» .\nقال ع «٢»: قال قتادة وغَيْرُ واحدٍ: هذه القصَّة ونحوها إنما كان صاحبُها طُعْمَةَ بْنَ أُبَيْرِقٍ، ويقال فيه: طُعَيْمَةُ.\nقال ع «٣»: وطُعْمَةُ بْنُ أُبَيْرِق صرَّح بعد ذلك بالاِرتدادِ، وهَرَبَ إلى مكَّة، فرُوِيَ أنه نَقَبَ حائطَ بَيْتٍ ليسرقه، فانهدم الحائطُ عليه، فقَتَلَه، ويروى أنه اتبع قومًا من العرب، فسرقهم، فقتلوه «٤» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-335>[سورة النساء (٤): آية ١٠٦]</span>\nوَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦)\nوقوله تعالى: وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ، ذهب «٥» الطبريُّ إلى أنَّ المعنَى: استغفر مِنْ ذَنْبِكَ في خِصَامِكَ للنَّاس.\nقال ع «٦»: وهذا ليس بذَنْبٍ لأنَّ النبيّ ﷺ إنما دَافَعَ عن الظاهرِ، وهو يعتقدُ براءتهم، والمعنى: واستغفر للمؤْمنينَ مِنْ أمَّتك، والمتخاصِمِينَ بالباطل، لا أنْ تكون ذا جدالٍ عنهم، وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ جَلَسَ فِي مَجْلِسٍ، فَكثُرَ فِيهِ لَغَطُهُ، فَقَالَ قَبْلَ أَنْ يَقُوَم مِنْ مَجْلِسِهِ ذَلِكَ: «سُبْحَانَكَ، اللَّهُمَّ، وَبِحَمْدِكَ، لاَ إلَهَ إلاَّ أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ، وَأَتُوبُ إلَيْكَ، إلاَّ غُفِرَ لَهُ مَا كَانَ فِي مَجْلِسِهِ ذَلِكَ»، رواه أبو داود والتِّرمذيُّ والنسائِيُّ والحاكمُ وابنُ حِبَّانَ في «صحيحيهما»، وقال الترمذيُّ، واللفظ له: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ «٧»، ورواه النسائيُّ والحاكمُ أيضًا مِنْ طُرُق عن عائشة ...\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٤/ ٢٦٥) برقم (١٠٤١٦)، ذكره البغوي في «تفسيره» (١/ ٤٧٧)، وابن عطية في «تفسيره» (٢/ ١٠٩)، والسيوطي في «الدر» (٢/ ٣٨٥) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ١٠٩) .\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ١٠٩) .\n(٤) ذكره ابن عطية (٢/ ١٠٩) .\n(٥) ينظر الطبري (٢/ ٢٦٥) .\n(٦) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ١١٠) .\n(٧) أخرجه الترمذي (٥/ ٤٩٤)، كتاب «الدعوات»، باب ما يقول إذا قام من المجلس، حديث (٣٤٣٣)، والنسائي في «الكبرى» (٦/ ١٠٥- ١٠٦) كتاب «عمل اليوم والليلة»، باب ما يقول إذا جلس في مجلس كثر فيه لغطه، حديث (١٠٢٣٠)، والحاكم (١/ ٥٣٦- ٥٣٧)، وابن حبان (٢٣٦٦- موارد)، والبغوي في «شرح السنة» (٣/ ١٢٩- بتحقيقنا)، كلهم من طريق سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة به، وقال الترمذي: حسن صحيح غريب من هذا الوجه لا نعرفه من حديث سهيل إلا من هذا الوجه.\nوصححه الحاكم، ووافقه الذهبي. -","vol":"2","page":297},{"text":"وغيرها «١» . انتهى من «السلاح» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-336>[سورة النساء (٤): آية ١٠٧]</span>\nوَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (١٠٧)\nوقوله تعالى: وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ\n، لفظ عامٌّ يندرج تحته أصحابُ النازلةِ، ويتقرَّر به توبيخُهُمْ، وفي قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّانًا أَثِيمًا\n: رفْقٌ وإبقاءٌ فإن الخَوَّان هو الذي تتكرَّر منه الخيانَةُ كَطُعَيْمَةَ بْنِ الأُبَيْرِقِ، والأَثِيمُ هو الذي يَقْصِدُها، فيخرج من هذا التشديدِ السَّاقط مرةً واحدةً، ونحو ذلك، واختيان الأَنْفُسِ هو بما يَعُودُ عليها من الإثْمِ والعقوبةِ في الدنيا والآخرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-337>[سورة النساء (٤): آية ١٠٨]</span>\nيَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ وَكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (١٠٨)\nوقوله تعالى: يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ ...\nالآية: الضميرُ في «يستخفون» للصِّنْفِ المرتكبِ للمعاصِي، ويندرجُ في طَيِّ هذا العموم أهْلُ الخيانةِ في النازلة المذكورةِ، وأهْلُ التعصُّب لهم، والتّدبير في خدع النبيّ ﷺ والتلبيسِ عليه، ويحتملُ أَنْ يكونَ الضميرُ لأَهْلِ هذه النازلةِ، ويدْخُلُ في معنى هذا التوبيخِ كلُّ من يفعل نَحْوَ فعلهم، قال صاحبُ «الكَلِمِ الفَارِقِيَّة، والحِكمِ الحقيقيَّة»: النفوسُ المرتكبةُ للمحارِمِ المحتقبَةُ للمآثِمِ، والمَظَالِمِ شبيهةٌ بالأراقم، تملأ أفواهَهَا سُمًّا، وتقصدُ مَنْ تقذفُهُ عَلَيْه عدوانًا وظلمًا، تجمعُ في ضمائرها سُمُومَ شُرُورِهَا وضَرَرها، وتحتالُ/ لإلقائها على الغافَلَينَ عَنْ مكائدهَا وخُدَعِهَا. انتهى.\nومعنى: وَهُوَ مَعَهُمْ\n، بالإحَاطَةِ والعِلْمِ والقُدْرَةِ، ويُبَيِّتُونَ\n: يدبِّرون لَيْلًا، ويحتمل أنْ تكون اللفظة مأخوذةً من البَيْت، أي: يستَتِرُونَ في تَدْبِيرِهمْ بالجُدُرَاتِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-338>[سورة النساء (٤): الآيات ١٠٩ الى ١١١]</span>\nها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فَمَنْ يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (١٠٩) وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠) وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١١)\n_________\n- وصححه أيضا ابن حبان.\nوللحديث شاهد من حديث عائشة، أخرجه النسائي في «الكبرى» (٦/ ١٠٦) كتاب «عمل اليوم والليلة»، باب ما يقول إذا جلس في مجلس كثر فيه لغطه، حديث (١٠٢٣١) .\n(١) ينظر الحديث السابق.","vol":"2","page":298},{"text":"وقوله تعالى: ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ\n: خطابٌ للقوم الذين يَتَعَصَّبون لأَهْلِ الرَّيْبِ والمعاصِي، ويندرجُ في طَيِّ هذا العمومِ أهْلُ النازلةِ، وهو الأظهرُ عنْدِي بحُكْم التأكيدِ بهؤلاءِ، وهِيَ إشارةٌ إلى حاضِرِينَ، ومِن «مصابيح البَغَوِّي» عن أبي داود، عن النبيّ ﷺ قَالَ: «مَنْ حَالَتْ شَفَاعَتُهُ دُونَ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ، فَقَدْ ضَادَّ اللَّهَ، وَمَنْ خَاصَمَ فِي بَاطِلٍ، وَهُوَ يَعْلَمُهُ لَمْ يَزَلْ فِي سَخَطِ اللَّهِ، حتى يَنْزِعَ، وَمَنْ قَالَ فِي مُؤْمِنٍ مَا لَيْسَ فِيهِ، أَسْكَنَهُ اللَّهُ رَدْغَةَ الخَبَالِ حتى يَخْرُجَ مِمَّا قَالَ» «١»، ويروى: «مَنْ أَعَانَ على خُصُومَةٍ لاَ يَدْرِي أَحَقٌّ أَمْ بَاطِلٌ، فَهُوَ فِي سَخَطِ اللَّهِ حتى يَنْزِعَ» . انتهى.\nوقوله تعالى: فَمَنْ يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ...\nالآية: وعيدٌ محْضٌ، ولمَّا تمكَّن هذا الوعيدُ، وقَضَتِ العقولُ بأنْ لا مجادِلَ للَّهِ سبحانَهُ، ولا وَكِيلَ يقُومُ بأمْر العُصَاة عنده، عَقَّبَ ذلك بهذا الرَّجَاء العظيمِ، والمَهَلِ المنفسحِ، فقال: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ...\nالآية، وباقي الآية بيّن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-339>[سورة النساء (٤): الآيات ١١٢ الى ١١٣]</span>\nوَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (١١٢) وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَما يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١١٣)\nوقوله تعالى: وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا\n، ذهب بعضُ النَّاسِ إلى أنهما لفظانِ بمعنًى، كُرِّرَ لإختلافِ اللفْظِ، وقال الطَّبَرِيُّ «٢»: إنما فَرَقَ بين الخطيئَةِ والإثْم لأنَّ الخطيئة تكُونُ عَنْ عَمْدٍ، وعن غير عَمْدٍ، والإثمُ لا يكُونُ إلا عَنْ عمد، وهذه الآية لفظها عامٌّ، ويندرجُ تحْتَ ذلك العمومِ أهْلُ النازلةِ المَذْكُورة، وبَرِيءُ النَّازِلَةِ، وهو لَبِيدٌ، كما تقدَّم، أيْ: ويتناولُ عمومُ الآية كلَّ بريءٍ.\nوقوله: فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتانًا\n: تشبيهٌ، إذ الذنوبُ ثِقْلٌ ووِزْرٌ، فهي كالمحمولات، وبُهْتانًا\n: معناه: كَذِبًا، ثم وقَفَ اللَّه تعالى نبيَّه على مقدارِ عِصْمَتِهِ له، وأنها بفَضْل منه\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (٢/ ٣٢٩)، كتاب «الأقضية»، باب فيمن يعين على خصومة من غير أن يعلم أمرها، حديث (٣٥٩٧)، وأحمد (٢/ ٧٠)، والحاكم (٢/ ٢٧) كلهم من طريق عمارة بن غزية عن يحيى بن راشد عن عبد الله بن عمر مرفوعا.\nوقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.\n(٢) ينظر الطبري (٤/ ٢٧٤) .","vol":"2","page":299},{"text":"سُبْحَانه ورَحْمَتِهِ.\nوقوله تعالى: لَهَمَّتْ\n: معناه: لَجَعَلَتْهُ همَّها وشُغُلَها، حتى تنفذه وهذا يدلُّ على أنَّ الألفاظ عامَّة في غير أهْل النَّازلة، وإلاَّ فأهْلُ التعصُّب لبني أُبَيْرِقٍ قد وقَع هَمُّهم وثَبَت، ثم أخبر تعالى أنهم لا يضلُّون إلاَّ أنفسهم، وما يَضُرُّونَكَ مِنْ شيء، قُلْتُ: ثم ذكر سبحانه ما أنعم بِهِ على نبيه مِنْ إنزالِ الكتابِ، والحِكْمَةِ، وتعليمِهِ ما لم يكُنْ يعلم، قال ابنُ العربيِّ في رحلته: اعلم أنَّ علومَ القُرآنِ ثلاثةُ أقْسَامٍ: تَوْحِيدٌ، وتَذْكِيرٌ، وأَحْكَامٌ، وعلْم التذكيرِ هو معظم القُرآن، فإنه مشتملٌ علَى الوَعْد والوَعِيدِ، والخَوْف والرجاء، والقُرَبِ وما يرتبط بها، ويدْعو إليها ويكُونُ عنها، وذلك معنًى تَتَّسِعُ أبوابه، وتمتدُّ أطنابه. انتهى، وباقِي الآيةِ وعْدٌ كريمٌ لنبيِّهِ﵇-، وتقريرٌ نعمه لدَيْه سبحانه، لا إله غيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-340>[سورة النساء (٤): آية ١١٤]</span>\nلاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)\nوقوله تعالى: لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ... الآية: الضَّمِيرُ في نَجْواهُمْ: عائدٌ على النَّاس أجمع، وجاءَتْ هذه الآياتُ عامَّةَ التناولِ، وفي عمومهَا يندرجُ أصحابُ النَّازلة، وهذا من الفَصَاحة والإيجازِ المُضَمَّنِ الماضِي والغابر في عبارةٍ واحدةٍ، قال النوويُّ/ ورُوِّينا في كتابَيِ «الترمذيِّ» و«ابن ماجة»، عن أمِّ حَبِيبَة «١» (﵂)، عنِ النبيِّ ﷺ قَال: «كُلَّ كَلامِ ابْنِ آدَمَ عَلَيْهِ لاَ لَهُ إلاَّ أَمْرًا بِمَعْرُوفٍ، أوْ نَهْيًا عَنْ منكر، أو ذكرا لله تعالى» «٢» . انتهى.\n_________\n(١) هي: رملة بنت أبي سفيان (صخر) بن حرب بن أمية بن عبد شمس.. أم حبيبة أم المؤمنين ﵂ القرشية الأموية. أمها: صفية بنت أبي العاص عمة عثمان بن عفان. ميلادها: ولدت قبل البعثة بسبعة عشر عاما.\nقال ابن الأثير في «الأسد»: كانت من السابقين إلى الإسلام، وهاجرت إلى الحبشة مع زوجها عبيد الله (بن جحش) فولدت هناك حبيبة فتنصر عبيد الله ومات بالحبشة نصرانيا، وبقيت أم حبيبة مسلمة بأرض الحبشة، فأرسل رسول الله ﷺ يخطبها إلى النجاشي..\nقال ابن إسحاق: تزوجها رسول الله ﷺ بعد زينب بنت خزيمة الهلالية.\nتوفيت رحمها الله سنة (٤٤) .\nتنظر ترجمتها في: «أسد الغابة» (٧/ ١١٤، ٣١٥)، «الإصابة» (٨/ ٨٤، ٢٢٢)، «الثقات» (٣/ ١٣١)، «بقي بن مخلد» (٥٢)، «تجريد أسماء الصحابة» (٢/ ٢٦٨)، «تقريب التهذيب» (٢/ ٦٢٠)، «تهذيب التهذيب» (١٢/ ٤١٩)، «تهذيب الكمال» (٣/ ١٦٨٣)، «أعلام النساء» (١/ ٣٩٧)، «الكاشف» (٣/ ٤٧١) . [.....]\n(٢) أخرجه الترمذي (٤/ ٦٠٨)، كتاب «الزهد»، باب (٦٢)، حديث (٢٤١٢)، وابن ماجه (٢/ ١٣١٥)، -","vol":"2","page":300},{"text":"والنَّجْوَى: المسارَّة، وقد تسمى بها الجماعةُ كما يقال: قَوْمٌ عَدْلٌ، وليستِ النجوى بمَقْصُورةٍ على الهَمْسِ في الأُذُنِ، والمعروفُ لفظ يعمُّ الصدَقَةَ والإصلاحَ وغيرهما، ولكنْ خُصَّا بالذِّكْر اهتمامًا إذ هما عظيمَا الغَنَاءِ في مَصَالحِ العبادِ، ثم وعد تعالى بالأجر العظيم على فعل هذه الخيرات بنيّة وقصد لرضا الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-341>[سورة النساء (٤): الآيات ١١٥ الى ١١٦]</span>\nوَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيرًا (١١٥) إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا (١١٦)\nوقوله تعالى: وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ ... الآية: لفْظٌ عامٌّ نزَلَ بسببِ طُعْمَة بْنِ أُبَيْرِقٍ لأنه ارتدَّ وسار إلى مكَّة، فاندرجَ الإنحاءُ علَيْهِ فِي طَيِّ هذا العمومِ المتناوِلِ لمَنِ اتصف بهذه الصفاتِ إلى يوم القيامة.\nوقوله: نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى: وعيدٌ بأنْ يترك مع فاسِدِ اختيارِهِ في تودُّد الطاغوتِ، ثم أوجَبَ تعالى أنه لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ، وقد مضى تفسير مثل هذه الآية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-342>[سورة النساء (٤): الآيات ١١٧ الى ١١٩]</span>\nإِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ إِناثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطانًا مَرِيدًا (١١٧) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (١١٨) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرانًا مُبِينًا (١١٩)\nوقوله تعالى: إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِناثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطانًا مَرِيدًا ... الآية:\nالضميرُ في يَدْعُونَ: عائدٌ على مَنْ ذكر في قوله: وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ [النساء: ١١٥]، و«إنْ»: نافيةٌ بمعنى «ما»، ويدعون: عبارةٌ مغنيةٌ موجزةٌ في معنى: يعبدون ويتخذُونَ آلهة، قُلْتُ: وفي «البخاريِّ» إِلَّا إِناثًا: يعني المَوَاتَ حَجَرًا ومدَرًا، وما أشبهه. انتهى، وفي مُصْحَف «١» عائشَةَ: «إلاَّ أوثَانًا» ونحوه عن ابنِ عَبَّاس «٢»، والمرادُ بالشّيطان هنا\n_________\n- كتاب «الفتن»، باب كف اللسان في الفتنة، حديث (٣٩٧٤) كلاهما من طريق محمد بن يزيد بن خنيس قال: سمعت سعيد بن حسان المخزومي قال: حدثتني أم صالح عن صفية بنت شيبة عن أم حبيبة به.\nوقال الترمذيّ: هذا حديث حسنٌ غريبٌ لا نعرفه إِلا من حديث محمد بن يزيد بن خنيس.\n(١) ينظر: «الشواذ» ص (٣٥)، و«الكشاف» (١/ ٥٦٦)، و«المحرر الوجيز» (٢/ ١١٣)، و«البحر المحيط» (٣/ ٣٦٧)، و«الدر المصون» (٢/ ٤٢٧) .\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٤/ ٢٧٩) برقم (١٠٤٤٧)، وذكره البغوي في «تفسيره» (١/ ٤٨١)، وابن عطية في «تفسيره» (٢/ ١١٣) .","vol":"2","page":301},{"text":"إبليسُ قاله الجمهور، وهو الصوابُ لأنَّ سائر المقالة به تليق، ومَرِيدًا: معناه:\nمتمرِّدًا عاتيًا صليبًا في غوايته، وأصْلُ اللعْنِ: الإبعادُ، والمفروضُ: معناه: في هذا الموضعِ المُنْحَاز، وهو مأخوذٌ من الفرضِ، وهو الحَزُّ في العود وغيره.\nقال ع «١»: ويحتملُ أنْ يريد واجبًا إن اتَّخَذَهُ، وبَعْثُ النَّارِ هو نَصِيبُ إبْلِيسَ.\nوقوله: وَلَأُضِلَّنَّهُمْ ... الآية: معنى أُضِلَّنَّهُمْ: أصرفُهُمْ عن طريقِ الهدى، وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ لأسوِّلَنَّ لهم، وأَمَانِيُّهُ لا تنحصرُ في نَوْعٍ واحدٍ، والبَتْكَ: القَطْع.\nوقوله: وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ اختلف المتأوِّلون في معنى تَغْيير خَلْق اللَّه، ومِلاَكُ تفسير هذه الآية أنَّ كلَّ تغييرٍ ضَارٍّ، فهو داخلٌ في الآية، وكلّ تغييرٍ نافعٍ فهو مباحٌ، وفي «مختصر الطبريِّ»: فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ، قال ابنُ عبَّاس: خَلْقَ اللَّهِ: دِينَ اللَّهِ، وعن إبراهيم، ومجاهدٍ، والحسن، وقتادَةَ، والضَّحَّاك، والسُّدِّيِّ، وابْنِ زَيْدٍ مثله «٢»، وفسَّر ابن زيد: لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ [الروم: ٣٠]، أيْ: لِدِينِ اللَّهِ، واختارَ الطبريُّ «٣» هذا القوْلَ واستدلِّ له بقوله تعالى: ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ [الروم: ٣٠] وأَجاز أنْ يدخل في الآية كلُّ ما نَهَى اللَّه عَنْهُ مِنْ معاصيه، والتَّرْكِ لطاعته. انتهى، وهو حَسَنٌ.\nقال ع «٤»: واللامَاتُ كلُّها للقَسَمِ.\nقال ص: وَلَأُضِلَّنَّهُمْ، مفعوله محذوفٌ، أي: عن الهدى وكذا:\nوَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ، أي: الباطلَ وكذا وَلَآمُرَنَّهُمْ، أي: بالبَتْكِ، فَلَيُبَتِّكُنَّ وكذا:\nوَلَآمُرَنَّهُمْ، أي: بالتغيير، فَلَيُغَيِّرُنَّ كُلَّ ما أوجده اللَّه للطَّاعَةِ فيستعينُونَ به في المَعْصِيَةِ.\nانتهى.\nولما ذكر اللَّه سبحانه/ عُتُوَّ الشيطانِ، وما توعَّد بهِ منْ بَثِّ مَكْرِهِ، حَذَّر ﵎ عبادَهُ بأن شرط لمن يتّخذه وليّا جزاء الخسران.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-343>[سورة النساء (٤): الآيات ١٢٠ الى ١٢٢]</span>\nيَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاَّ غُرُورًا (١٢٠) أُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصًا (١٢١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (١٢٢)\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ١١٤) .\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٤/ ٢٨٣) برقم (١٠٤٦٨)، (١٠٤٧٠، ١٠٤٧٧، ١٠٤٨٠، ١٠٤٨١)، وذكره الماوردي في «تفسيره» (١/ ٥٣٠)، وابن عطية في «تفسيره» (٢/ ١١٤)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٣٩٦)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٣) ينظر الطبري (٤/ ٢٨٥) .\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ١١٤) .","vol":"2","page":302},{"text":"وقوله تعالى: يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ، أي: يعدُهُم بأباطِيلهِ من المالِ، والجاهِ، وأنْ لا بَعْثَ، ولاَ عِقَابَ، ونَحْوِ ذلك لكلِّ أحدٍ مَّا يليقُ بحاله، ويمنِّيهم كذلك، ثم ابتدأ سبحانه الخَبَرَ عن حقيقةِ ذَلِكَ بقوله: وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُورًا ثم أخْبَرَ سبحانه بمَصِيرِ المتَّخِذِينَ الشَّيْطَان وَليًّا، وتوعَّدهم بأنَّ مأُوَاهُمْ جهنَّم، لا يدافعونها بحيلة، ولا يتروّغون، ومَحِيصًا: مِنْ حَاصَ إذَا رَاغَ ونَفَرَ ومنه قولُ الشَّاعر: [الطويل]\nوَلَمْ نَدْرِ إنْ حِصْنَا مِنَ المَوْتِ حَيْصَة ... كَمِ الْعُمْرُ بَاقٍ والمدى مُتَطَاوِلُ «١»\nومنْه الحديثُ: «فَحَاصُوا حَيْصَةَ حُمُرِ الوَحْشِ»، ولما ذكر سبحانه ما تقدَّم من الوعيد، واقتضى ذلك التحذيرَ، عقَّبَ ذلك ﷿ بالترغيبِ في ذِكْره حالةَ المُؤْمنين، وأعْلَمَ بصحَّة وعده، ثم قرَّر ذلك بالتَّوْقِيفِ علَيْه في قوله: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا، والقيلُ والقَوْلُ واحد، ونصبه على التمييز.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-344>[سورة النساء (٤): آية ١٢٣]</span>\nلَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا (١٢٣)\nوقوله تعالى: لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ ... الاية: الأَمَانِيُّ: جمع أُمْنِيَّة، وهي ما يتشهَّاهُ المَرْءُ، ويُطَمِّعُ نفسه فيه، قال ابنُ عبّاس وغيره: الخطاب لأمة النبيّ ﷺ «٢» وفي «مختصرِ الطبريِّ»، عن مسروقٍ وغيره، قال: احتجَّ المسلمونَ وأهْلُ الكتابِ، فقال المسلمون: نَحْنُ أهدى، وقال أهْلُ الكتابِ: نَحْنُ أهدى، فأنزل اللَّه هذه الآية «٣»، وعن مجاهدٍ: قالتِ العربُ: لَنْ نُبْعَثَ، ولَنْ نُعَذَّبَ، وقالتِ اليهودُ والنصارى:\n_________\n(١) البيت لجعفر بن علية الحارثي وقبله:\nفقلنا لهم تلكم إذا بعد كرّة ... تغادر صرعى نوؤها متخاذل\nينظر: «ديوان الحماسة» (١/ ٨)، وينظر: «البحر المحيط» (٣/ ٣٦٤)، و«الدر المصون» (٢/ ٤٢٨) .\nوإن حصنا أي: إن عدلنا وانحرفنا عن الموت، يقول: لم ندر إن حدنا عن القتال الذي فيه الموت، وعدلنا عنه، كم يكون بقاؤنا؟! فلم نحيد ونرتكب العار؟! ولعلنا إن تركنا القتال لم نعش إلا قليلا.\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٤/ ٢٨٨) برقم (١٠٥٠١)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٢/ ١١٦) .\n(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٤/ ٢٨٧) برقم (١٠٤٩٧)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٢/ ١١٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٣٩٨)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مسروق.","vol":"2","page":303},{"text":"لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُودًا أَوْ نَصارى «١» [البقرة: ١١١]، وقالوا: لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً [البقرة: ٨٠]، قال الطبريُّ «٢»: وقول مجاهدٍ أولى بالصواب، وذلك أنَّ المسلمين لم يَجْرِ لأمانيِّهم ذِكْرٌ فيما مضى من الآيِ، وإنما جرى ذكْرُ أمانيِّ نصيبِ الشَّيْطَانِ. انتهى.\nوعليه عَوَّل ص: في سبب نزولِ الآية، أعني: على تأويل مجاهد.\nوقوله تعالى: مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ.\nقال جمهورُ النَّاس: لفظ الآية عَامٌّ، فالكافر والمؤمنُ مُجَازًى، فأما مجازاة الكافر، فالنّار، وأما مجازاة المؤمِنِ، فبِنَكَبَاتِ الدُّنْيَا فَمَنْ بقي له سُوءٌ إلى الآخرة، فهو في المشيئة يغفر اللَّه لمن يشاء، ويجازي من يشاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-345>[سورة النساء (٤): الآيات ١٢٤ الى ١٢٥]</span>\nوَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (١٢٤) وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥)\nوقوله تعالى: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ، دخلَتْ «من» للتبعيض إذا الصالحاتُ على الكمالِ ممَّا لا يطيقُهُ البَشَر ففِي هذا رفْقٌ بالعبادِ، لكنْ في هذا البَعْضِ الفرائضُ، وما أمْكَنَ من المندوبِ إلَيْهِ، ثم قَيَّد الأمر بالإيمان إذ لا ينفعُ عمَلٌ دونه، والنَّقِيرُ: النُّكْتَةُ التي في ظَهْر النَّواة ومنه تَنْبُتُ، وعن ابن عبَّاس: ما تَنْقُرُهُ بأصبعِكَ «٣» .\nثم أخبر تعالى إخبارًا موقفًا على أنه لا أحسن دينًا مِمَّن أسلم وجْهَهُ للَّه، أي: أخلَص مَقْصِدَهُ وتَوَجُّهَهُ، وأحْسَنَ في أعماله، واتبع الحنيفيَّةَ ملَّةَ إبراهيمَ إمامِ العالَمِ، وقُدْوَةِ الأديانِ، ثم ذكَر سبحانه تشريفَهُ لنبيِّه إبراهيم﵇- باتخاذه خليلًا، وسمَّاه خليلًا إذ كان خُلُوصه، وعبادتُه، واجتهاده على الغايةِ الَّتي يجري إلَيْها المحبُّ المبالغ، وذهب قوم إلى أنهُ سُمِّي خليلًا من «الخَلَّة» - بفتح الخاء-، أي: لأنه أنزل خَلَّته وفاقته باللَّه تعالى، وكذلك شَرَّف اللَّه نبيَّنا محمدًا ﷺ/ بالخَلَّة كما هو مصرَّح به في الحديثِ الصحيح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-346>[سورة النساء (٤): آية ١٢٦]</span>\nوَلِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (١٢٦)\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٤/ ٢٨٩) برقم (١٠٥٠٧)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٢/ ١١٦) .\n(٢) ينظر الطبري (٤/ ٢٩٠) .\n(٣) ذكره ابن عطية في «تفسيره» . [.....]","vol":"2","page":304},{"text":"وقوله تعالى: وَلِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ... الآية: ذكر سبحانه سَعَة ملكه وإحاطته بكل شيء، عَقِبَ ذكْر الدِّين، وتبيينِ الجادَّة منه ترغيبًا في طاعته والانقطاع إليه سبحانه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-347>[سورة النساء (٤): آية ١٢٧]</span>\nوَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ اللاَّتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيمًا (١٢٧)\nوقوله تعالى: وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ ... الآية: معنى قوله:\nيُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ: أي: يبيِّن لكم حكم ما سألتم عنه.\nقال «١» ع: تحتملُ «ما» أنْ تكونَ في موضع رفعٍ عطفًا على اسمِ اللَّهِ ﷿، أي: ويفتيكم ما يتلى عليكم في الكتابِ، يعني: القُرآن، والإشارة بهذا إلى ما تقدَّم من الآية في أمْر النِّساء، وهو قوله تعالى في صدر السورة: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا مَا طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ ... [النساء: ٣] الآية، قالت عائشةُ: نزلت هذه الآية أوَّلًا، ثم سأل ناس بعدها رسول الله ﷺ عَنْ أَمْر النساءِ، فنزلَتْ، وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ ... الآية.\nوقوله تعالى: فِي يَتامَى النِّساءِ اللَّاتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ: معناه: النهْيُ عما كانَتِ العربُ تفْعَلُه من ضَمِّ اليتيمة الجميلةِ بدُونِ ما تستحقُّه من المَهْر، ومِنْ عَضْلِ الدميمةِ الغنيَّة حتى تموتَ، فيرثها العاضلُ، والذي كَتَبَ اللَّه لهنَّ هو توفيةُ ما تستحقُّه مِنْ مَهْرٍ.\nوقوله تعالى: وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ، أي: إنْ كانت الجاريةُ غنيَّةً جميلةً، فالرغبةُ في نكاحِهَا، وإن كانَتْ بالعَكْس، فالرغبة عَنْ نكاحها.\nوقوله تعالى: وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ عَطْفٌ على «يتامى النساء»، والَّذي يتلى في المستَضْعَفِينَ مِنَ الولدان هو قولُهُ تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ ... [النساء: ١١] الآية وذلك أن العرب كانَتْ لا تورِّثُ الصَّبِيَّةَ، ولا الصبيَّ الصغيرَ، ففرضَ اللَّه تعالى لكلِّ واحدٍ حقَّه.\nوقوله تعالى: وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ: عطْفٌ أيضًا على ما تقدَّم، والذي تُلِيَ في هذا المعنى هو قوله تعالى: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ ... [النساء: ٢] الآية،\n_________\n(١) ينظر «المحرر الوجيز» (٢/ ١١٨) .","vol":"2","page":305},{"text":"إلى غَيْر ذلك ممَّا ذُكِرَ في مال اليتيم، والقسط: العدل، وباقي الآية بيّن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-348>[سورة النساء (٤): آية ١٢٨]</span>\nوَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزًا أَوْ إِعْراضًا فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٢٨)\nوقوله تعالى: وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزًا ... الآية: هذه الآيةُ حُكْمٌ من اللَّه تعالى في أمْرِ المرأةِ الَّتِي تكُونُ ذاتَ سِنٍّ ونَحْو ذلك ممَّا يرغَبُ زوجُها عَنْها، فيعرض عليها الفُرْقَة أو الصَّبْر على الأَثَرة، فتُرِيدُ هي بَقَاءَ العِصْمة، فهذه التي أَبَاحَ اللَّه بينهما الصُّلْحَ ورَفَعَ الجُنَاحَ فيه.\nواختلف في سَبَبِ نزولِ الآية، فقال ابنُ عبَّاس وجماعةٌ: نزلَتْ في النبيِّ﵇- وسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ «١» وفي المصنَّفات: أن سَوْدَةَ لما كَبِرَتْ، وَهَبَتْ يومها لعائشة «٢»، وقال ابنُ المُسَيَّب وغيره: نزلت بسبب رافع بن خديج «٣» ...\n_________\n(١) هي: سودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس بن عبد ودّ بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي، أم المؤمنين. القرشية. العامرية ﵂.\nقال ابن الأثير: تزوجها النبيّ ﷺ بمكة بعد وفاة خديجة قبل عائشة. قاله عقيل عن الزهري.. وقال عبد الله بن محمد بن عقيل: تزوجها بعد عائشة توفيت آخر خلافة عمر سنة (٥٤) .\nتنظر ترجمتها في: «أسد الغابة» (٧/ ١٥٧)، «الإصابة» (٨/ ١١٧)، «الثقات» (٣/ ١٨٣)، «تجريد أسماء الصحابة» (٢/ ٢٨٠)، «تقريب التهذيب» (٢/ ٦٠١)، «تهذيب التهذيب» (١٢/ ٤٢٦)، «تهذيب الكمال» (٣/ ١٦٨٦)، «أعلام النساء» (٢/ ٢٦٧)، «السمط الثمين» (١١٧)، «الدر المنثور» (٢٥٢)، «الاستيعاب» (٤/ ١٨٦٧)، «الكاشف» (٣/ ٤٧٣) .\n(٢) أخرجه الترمذي (٥/ ٢٤٩)، كتاب «التفسير»، باب سورة النساء، حديث (٣٠٤٠)، وأبو داود الطيالسي (١٩٤٤)، والطبري في «تفسيره» (١٠٦٠٨)، والبيهقي (٧/ ٢٩٧) كتاب «القسم والنشوز»، باب ما جاء في قول الله ﷿: وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزًا..، والطبراني في «الكبير» (١١/ ٢٨٤) رقم (١١٧٤٦)، كلهم من طريق سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس قال: خشيت سودة أن يطلقها رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، لا تطلقني واجعل يومي لعائشة، ففعل ونزلت هذه الآية:\nوَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزًا ...، قال ابن عباس: فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز.\nوقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.\nوالحديث ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٤١٠)، وزاد نسبته إلى ابن المنذر.\nوللحديث شواهد أخرى عن عائشة.\n(٣) هو: رافع بن خديج بن عدي بن يزيد بن جشم بن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس ... أبو عبد الله. أبو خديج. الأنصاري. الأوسي. الحارثي أمه: حليمة بنت مسعود بن سنان. عرض نفسه يوم بدر على النبيّ ﷺ فرده لصغره، ثم أجازه يوم أحد فشهد أحد وأصيب بها، ثم الخندق وأكثر المشاهد، وشهد صفين مع علي، واستوطن المدينة، وكان عريف قومه-","vol":"2","page":306},{"text":"وامرأتِهِ خَوْلَةَ «١»، وقال مجاهدٌ: نزلَتْ بسبب أبي السَّنَابِلِ «٢» وامرأتِهِ «٣»، ولفظُ ابنِ العربيِّ في «أحكامه» «٤»: قوله تعالى: وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزًا أَوْ إِعْراضًا ... الآية:\nقالَتْ عائشةُ (رضي اللَّه تعالى عنها): هِيَ المرأَةُ تكُونُ عند الرجُلِ ليس بمستكْثِرٍ منها يريدُ أنْ يفارقَهَا، فتقولُ لَهُ: أجعلُكَ مِنْ شأنِي في حِلٍّ، فنزلَتِ الآية، قال الفقيهُ أبو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ: فرضوانُ اللَّه علَى الصِّدِّيقة المُطَهَّرة، لَقَدْ وفَّتْ بما حَمَّلها ربُّها من العَهْد في قوله تعالى: وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ [الأحزاب: ٣٤] انتهى.\nوقوله تعالى: وَالصُّلْحُ خَيْرٌ لفظٌ عامٌّ مطلقٌ يقتضي أنَّ الصُّلّحَ الحقيقيَّ الذي تسكن إلَيْه النفوسُ، ويزولُ به الخلافُ خَيْرٌ على الإطلاق، ويندرج تحْتَ هذا العموم أنَّ صُلْحَ الزوجَيْن/ على ما ذكرنا- خيرٌ من الفُرْقَة.\nوقوله تعالى: وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ معذرةٌ عن عَبِيدِهِ تعالى، أي: لا بُدَّ للإنسان بحُكْم خلقته وجِبِلَّتهِ من أنْ يشحَّ على إرادته حتى يَحْمِلَ صاحبه على بعض ما يكره، وخصَّص المفسِّرون هذه اللفظة هنا.\n_________\n- إلى أن مات بها. وصلّى عليه ابن عمر. توفي سنة (٧٤) وله (٨٦ سنة) .\nتنظر ترجمته في: «أسد الغابة» (٢/ ١٩٠)، «الإصابة» (٢/ ١٨٦)، «الثقات» (٣/ ١٢١)، «تجريد أسماء الصحابة» (١/ ١٧٣)، «الاستيعاب» (٢/ ٤٧٩)، «العبر» (١/ ٨٣)، «الاستبصار» (٢٤٠)، «عنوان النجابة» (٨٠)، «الكاشف» (١/ ٣٠)، «التحفة اللطيفة» (٢/ ٥٠)، «الرياض المستطابة» (٦٩) .\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٢/ ٣٠٧) برقم (١٠٦٠٥)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٢/ ١١٩)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٤١١)، وعزاه للشافعي، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، والبيهقي عن سعيد بن المسيب.\n(٢) أبو السنابل بن بعكك: بموحدة ثم مهملة ثم كافين، بوزن جعفر، ابن الحارث بن عميلة، بفتح أوله، ابن السباق، ابن عبد الدار القرشي العبدري، واسمه صبّة، بموحدة، وقيل: بنون.\nقال البغويّ: سكن الكوفة، وقال البخاري: لا أعلم أنه عاش بعد النبيّ ﷺ.\nروى عن النبيّ ﷺ: روى عنه الأسود بن يزيد النخعي، وزفر بن أوس بن الحدثان النصري.\nوقال ابن سعد وغيره: أقام بمكة حتى مات، وهو من مسلمة الفتح، وأخرج حديثه التّرمذيّ، والنّسائيّ، وابن ماجة، كلّهم من رواية منصور، عن إبراهيم، عن الأسود عنه في قصة سبيعة.\nينظر: «الإصابة» (٧/ ١٦١)، «الكنى والأسماء» (٣٢١١)، «تفسير الطبري» (٩/ ١٠٦٠١)، «تهذيب التهذيب» (١٢/ ١٢١)، «تقريب التهذيب» (٢/ ٤٣١) .\n(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٤/ ٣٠٨) برقم (١٠٦٠٦)، وذكره ابن عطية (٢/ ١١٩)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٤١٢)، وعزاه لابن جرير.\n(٤) ينظر: «أحكام القرآن» (١/ ٥٠٣) .","vol":"2","page":307},{"text":"فقال ابنُ جُبَيْر: هو شُحُّ المرأة بالنفقة مِنْ زوجها، وبقَسْمه لها أيامَها «١» .\nوقال ابن زَيْد: الشحُّ هنا منه وَمِنْها قال ع «٢»: وهذا حسنٌ.\nوالشُّحُّ: الضبط على المعتَقَدَاتِ، وفي الهمم، والأموالِ، ونحو ذلك، فما أفرط منه، ففيه بعض المذمَّة، وهو الذي قال تعالى فيه: وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ [الحشر: ٩]، وما صار إلى حيِّزِ مَنْعِ الحقوقِ الشرعيَّة، أو الَّتي تقتضِيَها المروءةُ، فهو البُخْل، وهي رذيلةٌ، لكنها قد تكُونُ في المؤمِنِ ومنه الحديثُ: «قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيَكُونُ المُؤْمِنُ بَخِيلًا؟\nقَالَ: نَعَمْ»، وأما الشُّحُّ، ففي كلِّ أحد، وينبغي ألاَّ يفرط إلاَّ على الدِّين ويدلُّك على أنَّ الشُّحَّ في كلِّ أحد قولُهُ تعالى: وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ، وقوله: وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ [الحشر: ٩]، فقد أثبَتَ أنَّ لكل نفسٍ شُحًّا، وقول النبيِّ﵇-: «وَأَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ» «٣»، وهذا لم يُرِدْ به واحدًا بعينه، وليس يجمُلُ أنْ يقال هنا:\nأنْ تَصَدَّقَ، وَأَنتَ صحيحٌ بخيلٌ.\nوقوله تعالى: وَإِنْ تُحْسِنُوا: ندْبٌ إلى الإحسان في تحسين العِشْرة، والصَّبْرِ على خُلُقِ الزوجة، وَتَتَّقُوا: معناه: تتقوا اللَّه في وصيَّته بهنَّ إذ هنّ عوان عندكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-349>[سورة النساء (٤): آية ١٢٩]</span>\nوَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٢٩)\nوقوله تعالى: وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا ... الآية: معناه: العدل التامّ على\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٤/ ٣١٠) برقم (١٠٦٢٤)، وذكره ابن عطية (٢/ ١٢٠) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ١٢٠) .\n(٣) أخرجه البخاري (٣/ ٣٣٤) في الزكاة: باب فضل صدقة الشحيح (١٤١٩)، و(٥/ ٤٣٩- ٥٤٠) في الوصايا: باب الصدقة عند الموت (٢٧٤٨)، ومسلم (٢/ ٧١٦) في الزكاة: باب بيان أن أفضل الصدقة صدقة الصحيح الشحيح (٩٢- ٩٣/ ١٠٣٢)، وأبو داود (٢/ ١٢٦) في الوصايا: باب ما جاء في كراهية الإضرار في الوصية (٢٨٦٥)، والنسائي (٥/ ٦٨) في الزكاة: باب أي الصدقة أفضل، و(٦/ ٢٣٧) في الوصايا: باب الكراهية في تأخير الوصية، وابن ماجة (٢/ ٩٠٣) في الوصايا: باب النهي عن الإمساك في الحياة والتبذير عند الموت (٢٧٠٦)، والبخاري في «الأدب المفرد» برقم (٧٨٦)، وأحمد (٢/ ٢٣١، ٤١٥، ٤٤٧)، وابن خزيمة (٤/ ١٠٣)، برقم (٢٤٥٤)، والبيهقي (٤/ ١٩٠)، والبغوي (٣/ ٤٢٣) برقم (١٦٦٥) من طريق عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله، أي الصدقة أفضل؟ ... فذكره.","vol":"2","page":308},{"text":"الإطلاق، والمستوِي في الأفعالِ، والأقوالِ، والمحبَّة، والجِمَاعِ، وغير ذلك، «وكان ﷺ يَقْسِمُ بَيْنَ نِسَائِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ، هَذَا فِعْلِي فِيمَا أَمْلِكُ، فَلاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا تَمْلِكُ، وَلاَ أَمْلِكُ» «١» .\nفوصف اللَّه سبحانه حالة البَشَر أنهم بحُكْم الخِلْقَةِ لا يملكُونَ مَيْلَ قلوبهم إلى بعضِ الأزواج، دون بعضٍ، ثم نهى سبحانه عن المَيْل كلَّ الميل، وهو أنْ يفعل فعلًا يقصِدُه من التفضيل، وهو يقدر ألاَّ يفعله، فهذا هو كلُّ المَيْل، وإن كان في أمر حقير.\nوقوله سبحانه: فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ، أي: لا هي أيّم، ولا ذات زوج، وجاء في التي قبل: وَإِنْ تُحْسِنُوا، وفي هذه: وَإِنْ تُصْلِحُوا لأن الأولى في مندوب إليه، وفي هذه في لازم إذ يلزمه العدل فيما يملك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-350>[سورة النساء (٤): آية ١٣٠]</span>\nوَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًاّ مِنْ سَعَتِهِ وَكانَ اللَّهُ واسِعًا حَكِيمًا (١٣٠)\nوقوله تعالى: وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ ... الآية: إنْ شَحَّ كلُّ واحدٍ من الزوجَيْن، فلم يتصالحا، لكنهما تفرَّقا بطلاقٍ، فإن اللَّه تعالى يغنِي كلَّ واحدٍ منهما عن صاحبه بفَضْلِهِ، ولطائِفِ صُنْعه في المالِ، والعِشْرة، والسَّعَة، وجَوْدِ المراداتِ، والتمكُّن منها، والواسعُ: معناه: الذي عنده خزائن كلّ شيء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-351>[سورة النساء (٤): الآيات ١٣١ الى ١٣٣]</span>\nوَلِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا (١٣١) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا (١٣٢) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكانَ اللَّهُ عَلى ذلِكَ قَدِيرًا (١٣٣)\nوقوله سبحانه: وَلِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ: تنبيهٌ على موضع الرجاءِ لهذَيْن المفترقَيْن، ثم جاء بعد ذلك قوله: وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ تنبيهًا على استغنائه عن العباد، ومقدّمة للخبر بكونه غنيّا حميد، ثم جاء بعد\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (١/ ٦٤٨) في النكاح: باب في القسم بين النساء (٢١٣٤)، والترمذي (٣/ ٤٤٦) في النكاح: باب ما جاء في التسوية بين الضرائر (١١٤٠)، وابن ماجة (١/ ٦٣٤) في النكاح: باب القسمة بين النساء (١٩٧١)، والنسائي في «عشرة النساء» (٧/ ٦٣- ٦٤): باب ميل الرجل إلى بعض نسائه دون بعض، وأحمد (٦/ ١٤٤)، وابن أبي شيبة (٤/ ٣٨٦- ٣٨٧)، وابن حبان (١٣٠٥- موارد)، والحاكم (٢/ ١٨٧)، والبيهقي (٧/ ٢٩٨)، والدارمي (٢/ ١٤٤) من حديث عائشة، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي.","vol":"2","page":309},{"text":"ذلك قوله: وَلِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا مقدِّمة للوعيد، فهذه وجوهُ تَكْرَارِ هذا الخبرِ الواحدِ ثلاثَ مرَّاتٍ متقاربةٍ.\nت: وفي تمشيته هذه عندي نَظَرٌ، والأحْسَنُ بقاءُ الكلامِ على نَسَقِهِ فقوله (﵀): «تَنْبِيه على مَوْضِعِ الرَّجَاءِ لهذين المفترقَيْن» - حَسَنٌ، وإنما الذي فيه قَلَقٌ ما بعده من توجيهه.\nوقوله تعالى: وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ ... الآية: لفظٌ عامٌّ لكل مَنْ أوتيَ كتابًا، فإنَّ وصيَّته سبحانه لعباده لم تَزَلْ منذُ أوجَدَهُمْ.\nت: قال الأستاذ أبو بَكْرٍ الطَّرْطُوشِيُّ «١» في «سِرَاجِ المُلُوكِ» /: ولما ضَرَبَ ابْنُ مُلْجِمٍ «٢» عليًّا (﵁)، أُدْخِلَ منزلَهُ، فاعترته غشيةٌ، ثم أفاقَ، فدعا أولاده\n_________\n(١) هو محمد بن الوليد بن محمد بن خلف القرشي. الفهري. الأندلسي، أبو بكر الطرطوشي ولد سنة ٤٥١ هـ ١٠٥٩ م وتوفي سنة ٥٢٠ هـ ١١٢٦ م، ويقال له: ابن أبي رندقة: أديب، من فقهاء المالكية، الحافظ. من أهل طرطوشة بشرقي الأندلس. تفقه ببلاده، ورحل إلى المشرق سنة ٤٧٦ فحج وزار العراق ومصر وفلسطين ولبنان، وأقام مدة في الشام، وسكن الإسكندرية، فتولى التدريس واستمر فيها إلى أن توفي. وكان زاهدا لم يتشبث من الدنيا بشيء. من كتبه: «سراج الملوك- ط» و«التعليقة» في الخلافيات، وكتاب كبير عارض به إحياء علوم الدين للغزالي، و«بر الوالدين» و«الفتن» و«الحوادث والبدع» و«مختصر تفسير الثعلبي- خ» و«المجالس- خ» في الرباط.\nينظر: «الأعلام» (٧/ ١٣٣- ١٣٤)، و«وفيات الأعيان» (١/ ٤٧٩) . [.....]\n(٢) هو عبد الرّحمن بن ملجم المرادي التدؤلي الحميري توفي سنة ٤٠ هـ ٦٦٠ م: فاتك ثائر، من أشداء الفرسان. أدرك الجاهلية، وهاجر في خلافة عمر، وقرأ على معاذ بن جبل فكان من القراء وأهل الفقه والعبادة، ثم شهد فتح مصر وسكنها فكان فيها فارس بني تدؤل، وكان من شيعة علي بن أبي طالب وشهد معه صفين. ثم خرج عليه فاتفق مع «البرك» و«عمرو بن بكر» على قتل عليّ، ومعاوية، وعمرو بن العاص، في ليلة واحدة (١٧ رمضان) وتعهد البرك بقتل معاوية، وعمرو بن بكر بقتل عمرو بن العاص، وتعهد ابن ملجم بقتل علي، فقصد الكوفة واستعان برجل يدعى شبيبا الأشجعي، فلما كانت ليلة ١٧ رمضان كمنا خلف الباب الذي يخرج منه عليّ لصلاة الفجر، فلما خرج، ضربه شبيب فأخطأه، فضربه ابن ملجم فأصاب مقدم رأسه، فنهض من في المسجد، فحمل عليهم بسيفه فأفرجوا له، وتلقاه المغيرة بن نوفل بقطيفة رمى بها عليه وحمله وضرب به الأرض وقعد على صدره.\nوفر شبيب. وتوفي عليّ من أثر الجرح. وفي آخر اليوم الثالث لوفاته أحضر ابن ملجم بين يدي الحسن فقال له: والله لأضربنك ضربة تؤديك إلى النار. فقال ابن ملجم: لو علمت أن هذا في يديك ما اتخذت إلها غيرك! ثم قطعوا يديه ورجليه، وهو لا ينفك عن ذكر الله. فلما عمدوا إلى لسانه شق ذلك عليه، وقال: وددت أن لا يزال في بذكر الله رطبا. فأجهزوا عليه، وذلك في الكوفة. وقيل: أحرق بعد قتله.\nينظر: «الأعلام» (٣/ ٣٣٩) .","vol":"2","page":310},{"text":"الحَسَنَ، والحُسَيْنَ، ومحمَّدًا، فقال: أوصيكُمْ بتقْوَى اللَّهِ فِي الغَيْبِ والشهادةِ، وكلمةِ الحقِّ في الرضَا والغَضَب، والقَصْدِ في الغنى والفَقْر، والعَدْلِ عَلَى الصديقِ والعَدُوِّ، والعملِ في النشاطِ والكَسَل، والرضا عن اللَّه في الشدَّة والرخَاءِ يا بَنِيَّ، ما شَرٌّ بعْدَهُ الجَنَّةُ بِشَرٍّ، وَلاَ خَيْرٌ بَعْدَهُ النَّارُ بِخَيْرٍ، وكلُّ نَعِيمٍ دُونَ الجَنَّةِ حَقِيرٌ، وَكُلُّ بَلاَءٍ دُونَ النَّارِ عافيةٌ، مَنْ أَبْصَرَ عَيْبَ نفسِهِ شُغِلَ عَنْ عَيْبِ غيره، ومَنْ رَضِيَ بقَسْم اللَّهِ لم يَحْزَنْ على ما فاته، ومَنْ سَلَّ سيْفَ بَغْيٍ قُتِلَ به، ومَنْ حَفَر لأخيهِ بِئْرًا وقَعَ فيها، ومَنْ هَتَكَ حجابَ أخِيهِ، كَشَفَ اللَّهُ عوراتِ بَنِيهِ، ومَنْ نَسِيَ خطيئته، استعظم خَطِيئَةَ غَيْره، ومَنِ استغنى بعقله زَلَّ، وَمَنْ تكبَّر على الناس ذَلَّ، ومَنْ أُعْجِبَ برأْيه ضَلَّ. ومَنْ جالَسَ العلماء وُقِّرَ، ومَنْ خَالَطَ الأَنْذَالَ احتقر، ومَنْ دَخَل مَدَاخلَ السُّوء اتهم، ومَنْ مَزَحَ استخف بِهِ، ومَنْ أكْثَرَ مِنْ شيءٍ عُرِفَ به، ومَنْ كثُر كلامه كَثُرَ خَطَؤُهُ، ومن كثر خَطَؤُهُ قل حياؤه، ومن قَلَّ حياؤه قَلَّ ورعُهُ، ومَنْ قَلَّ وَرَعُهُ ماتَ قلبه، ومَنْ مات قلبه دخَلَ النار، يَا بَنِيَّ، الأدَبُ خَيْرُ ميراثٍ، وحُسْنُ الخُلُقِ خَيْرُ قَرِينٍ، يا بَنِيَّ، العافيةُ عَشَرَةُ أجزاءٍ: تسْعَةٌ منها في الصَّمْتِ إلاَّ عَنْ ذكر اللَّهِ، وواحدٌ في ترك مُجَالَسَةِ السُّفَهاء، يَا بَنِيَّ، زِينَةُ الفَقْر الصَّبْرُ، وزِينَةُ الغِنَى الشُّكْرُ، يا بَنِيَّ، لا شَرَفَ أعَزُّ من الإسلام، وَلاَ كَرَمَ أعَزُّ من التقوى، يا بَنِيَّ، الحِرْصُ مفتاحُ البَغْيِ، ومطيَّةُ النَّصَبِ، طوبى لمن أخْلَصَ للَّه عَمَلَهُ وعِلْمَهُ، وحُبَّهُ وَبُغْضَهُ، وأَخْذَهُ وتَرْكَهُ، وكَلاَمَهُ وَصَمْتَهُ، وقَوْلَهُ وفِعْلَهُ. انتهى.\nوالوكيلُ: القائمُ بالأمورِ، المُنَفِّذُ فيها ما رآه، وقوله: أَيُّهَا النَّاسُ: مخاطبةٌ للحاضرين مِنَ العَرَب، وتوقيفٌ للسامعين لتَحْضُرَ أذهانهم، وقوله: بِآخَرِينَ يريدُ مِنْ نوعكم، وتحتملُ الآيةُ أنْ تكُونَ وعيدًا لجميعِ بَنِي آدم، ويكون الآخرونَ مِنْ غيرِ نَوْعِهِمْ كالملائكَةِ، وقولُ الطبريِّ «١»: «هذا الوعيدُ والتوبيخُ للشافِعِينَ والمُخَاصِمِينَ في قصَّة بَنِي أُبَيْرِقٍ» - بعيدٌ، واللفظ إنما يَظْهَرُ حُسْنُ رَصْفِهِ بعمومه وانسحابه على العَالَمِ جملةٌ، أو العالم الحاضر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-352>[سورة النساء (٤): الآيات ١٣٤ الى ١٣٥]</span>\nمَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (١٣٤) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٣٥)\n_________\n(١) ينظر الطبري (٤/ ٣١٨) .","vol":"2","page":311},{"text":"وقوله تعالى: مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ ... الآية:\nأيْ: من كان لا مُرَادَ له إلاَّ في ثوابِ الدنيا، ولا يعتقدُ أنَّ ثَمَّ سواه، فليس كما ظَنَّ، بل عند اللَّه سبحانه ثوابُ الدارَيْنِ، فَمَنْ قَصَدَ الآخرة، أعطاه اللَّه مِنْ ثواب الدنيا، وأعطاه قَصْدَهُ، ومَنْ قَصَدَ الدنيا فقَطْ، أعطاه من الدنيا ما قَدَّرَ له، وكان له في الآخرة العَذَابُ، واللَّه تعالى سميعٌ للأقوال، بصيرٌ بالأعمال والنيَّات، وفي الحديث الصّحيح، عن النبيّ ﷺ أنّه قال: «إنّما الأعمال بالنّيّات، وإنّما لامرىء ما نوى ...» «١» الحديث، قال\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١/ ٩) كتاب «بدء الوحي»، باب كيف كان بدء الوحي، حديث (١)، (٥/ ١٩٠) كتاب «العتق»، باب الخطأ والنسيان، حديث (٢٥٢٩)، (٧/ ٢٦٧) كتاب «مناقب الأنصار»، باب هجرة النبيّ ﷺ وأصحابه إلى المدينة، حديث (٣٨٩٨)، (٩/ ١٧) كتاب «النكاح»، باب من هاجر أو عمل خيرا لتزوج امرأة فله ما نوى، حديث (٥٠٧٠)، (١١/ ٥٨٠) كتاب «الأيمان والنذور»، باب النية في الأيمان، حديث (٦٦٨٩)، (١٢/ ٣٤٢- ٤٣٤) كتاب «الحيل»، باب من ترك الحيل، حديث (٦٩٥٣)، ومسلم (٣/ ١٥١٥) كتاب «الإمارة»، باب قوله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات»، حديث (١٥٥/ ١٩٠٧)، وأبو داود (٢/ ٦٥١)، كتاب «الطلاق»، باب فيما عنى به الطلاق والنيات، حديث (٢٢٠١)، والنسائي (١/ ٥٨- ٥٩) كتاب «الطهارة»، باب النية في الوضوء، والترمذي (٤/ ١٧٩) كتاب «فضائل الجهاد»، باب ما جاء فيمن يقاتل رياء، حديث (١٦٤٧)، وابن ماجة (٢/ ١٤١٣) كتاب «الزهد»، باب النية، حديث (٤٢٢٧)، وأحمد (١/ ٢٥، ٤٣)، والحميدي (١/ ١٦- ١٧) برقم (٢٨)، وأبو داود الطيالسي (٢/ ٢٧- منحة) رقم (١٩٩٧)، وابن خزيمة (١/ ٧٣- ٧٤) برقم (١٤٢)، وابن حبان (٣٨٨، ٣٨٩- الإحسان)، وابن الجارود في «المنتقى» رقم (٦٤)، وابن المبارك في «الزهد» (ص ٦٢، ٦٣)، وابن أبي عاصم في «الزهد» (ص ١٠١) برقم (٢٠٦)، وهناد بن السري في «الزهد» (٢/ ٤٤٠) برقم (٨٧١)، ووكيع في «الزهد» رقم (٣٥١)، وابن المنذر في «الأوسط» (١/ ٣٦٩)، وابن أبي حاتم في «مقدمة الجرح والتعديل» (ص ٢١٣)، والدارقطني (١/ ٥٠- ٥١) كتاب «الطهارة»، باب النية، حديث (١)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٣/ ٩٦) كتاب «الطلاق»، باب طلاق المكره، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (٨/ ٤٢)، وفي «تاريخ أصبهان» (٢/ ١١٥، ٢٢٧)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (١/ ٤٠٣- تهذيب)، والقضاعي في «مسند الشهاب» (١، ٢، ١١٧٢، ١١٧٣)، وابن حزم في «المحلى» (١/ ٧٣)، والبيهقي (١/ ٤١) كتاب «الطهارة»، باب النية في الطهارة، وفي «معرفة السنن والآثار» (١/ ١٥٢)، و«شعب الإيمان» (٥/ ٣٣٦) رقم (٦٨٣٧)، و«الاعتقاد» رقم (٢٥٤)، وفي «الزهد الكبير» (ص ١٣٢) رقم (٢٤١)، وفي «الآداب» رقم (١١٣٨)، والخطيب في «تاريخ بغداد» (٤/ ٢٢٤، ٦/ ١٥٣، ٩/ ٣٤٥- ٣٤٦)، والقاضي عياض في «الإلماع» (ص ٥٤- ٥٥)، باب ما يلزم من إخلاص النية في طلب الحديث وانتقاد ما يؤخذ عنه، وابن جميع في «معجم شيوخه» (ص ١١٧) رقم (٦٦)، والبغوي في «شرح السنة» (١/ ٥٤- بتحقيقنا)، والرافعي في «تاريخ قزوين» (٤/ ٧٧)، والنووي في «الأذكار» (ص ٣٣)، والذهبي في «تذكرة الحفاظ» (٢/ ٧٧٤)، والحافظ ابن حجر في «تخريج أحاديث المختصر» (٢/ ٢٤٢، ٢٤٣) . كلهم من طريق يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن علقمة بن وقاص، عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات، وإن لكل-","vol":"2","page":312},{"text":"النوويُّ: بلَغَنَا عنِ ابْنِ عبَّاسٍ أنه قَالَ: «إنَّمَا يُحْفَظُ الرَّجُلُ على قَدْرِ نِيَّتِهِ»، وقال غيره:\nإنما يُعْطَى الناسُ على قَدْر نيَّاتهم. انتهى.\n_________\n- امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه» .\nقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. اهـ.\nوقال أبو نعيم: هذا الحديث من صحاح الأحاديث وعيونها. اهـ.\nوقال ابن عساكر: هذا حديث صحيح من حديث أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب، وثابت من حديث علقمة بن وقاص الليثي لم يروه عنه غير أبي عبد الله محمد بن إبراهيم التيمي، واشتهر عنه برواية أبي سعد يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري المدني القاضي، وهو ممن انفرد به كل واحد من هؤلاء عن صاحبه، ورواه عن يحيى العدد الكثير والجم الغفير. اهـ.\nقال الحافظ في «التلخيص» (١/ ٥٥): وقال الحافظ أبو سعيد محمد بن علي الخشاب: رواه عن يحيى بن سعيد نحو من مائتين وخمسين إنسانا، وقال الحافظ أبو موسى: سمعت عبد الجليل بن أحمد في المذاكرة يقول: قال أبو إسماعيل الهروي عبد الله بن محمد الأنصاري: كتبت هذا الحديث عن سبعمائة نفر من أصحاب يحيى بن سعيد قلت- أي الحافظ-: تتبّعته من الكتب والأجزاء حتى مررت على أكثر من ثلاثة آلاف جزء، فما استطعت أن أكمل له سبعين طريقا، وقال البزار، والخطابي، وأبو علي بن السكن، ومحمد بن عتاب، وابن الجوزي، وغيرهم: إنه لا يصح عن النبيّ ﷺ إلا عن عمر بن الخطاب ... اهـ.\nقلنا: وقد روى هذا الحديث غير يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم، أخرجه ابن عدي في «الكامل» (٣/ ١٣٦) من طريق الربيع بن زياد أبو عمرو الضبي، عن محمد بن عمرو، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن علقمة بن وقاص، عن عمر بن الخطاب، عن النبيّ ﷺ قال: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه» .\nقال ابن عدي: وهذا الأصل فيه يحيى بن سعيد الأنصاري، عن محمد بن إبراهيم، وقد رواه عن يحيى أئمة الناس، وأما عن محمد بن عمرو، عن محمد بن إبراهيم لم يروه عنه غير الربيع بن زياد، وقد روى الربيع بن زياد عن غير محمد بن عمرو من أهل المدينة بأحاديث لا يتابع عليها اهـ.\nوفي الباب عن جماعة من الصحابة وهم: أبو سعيد الخدري، وأنس بن مالك، وعلي بن أبي طالب، وأبو هريرة، وهزال بن يزيد الأسلمي.\n١- حديث أبي سعيد الخدري:\nأخرجه الخليلي في «الإرشاد» (١/ ٢٣٣)، والدارقطني في «غرائب مالك»، والحاكم في «تاريخ نيسابور»، كما في «تخريج أحاديث المختصر» لابن حجر (٢/ ٢٤٧- ٢٤٨)، وأبو نعيم في «الحلية» (٦/ ٣٤٢)، والقضاعي في «مسند الشهاب» (١٧٧٣)، كلهم من طريق عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد، ثنا مالك بن أنس عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه» قال الخليلي: وعبد المجيد قد أخطأ في هذا الحديث الذي يرويه عن مالك في الحديث الذي يرويه مالك، والخلق عن يحيى بن سعيد الأنصاري وهو غير محفوظ-","vol":"2","page":313},{"text":"ثم خاطَبَ سبحانه المؤمِنِينَ بقوله: كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ، وهو العدل، ومعنى شُهَداءَ لِلَّهِ، أيْ: لذاتِهِ، ولوجْهِهِ، ولمرضَاتِهِ سبحانه، وقولُهُ: وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ:\n_________\n- من حديث زيد بن أسلم بوجه. اهـ.\nوقال الدارقطني: تفرد به عبد المجيد عن مالك اهـ.\nوقال أبو نعيم: غريب من حديث مالك عن زيد تفرد به عبد المجيد، ومشهوره وصحيحه ما في الموطأ مالك، عن يحيى بن سعيد اهـ.\nوقد حكم ببطلان هذا الطريق أبو حاتم الرازي فقال ولده في «العلل» (١/ ١٣١) رقم (٣٦٢) ...\nسئل أبي عن حديث رواه نوح بن حبيب، عن عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد، عن مالك بن أنس، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري، عن النبيّ ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات ...» قال أبي: هذا حديث باطل لا أصل له، إنما هو مالك، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن علقمة بن وقاص، عن عمر عن النبيّ ﷺ اهـ.\nوقد أخرجه الحافظ ابن حجر في «تخرج المختصر» (٢/ ٢٤٧) من طريق عبد المجيد بن عبد العزيز، عن مالك عن زيد ... به.\nوقال: هذا حديث غريب من هذا الوجه.\nوقال أيضا: وعبد المجيد وثقه أحمد، وابن معين، والنسائي، وتكلم فيه أبو حاتم، والدارقطني، وقيل: إن هذا مما أخطأ فيه على مالك، والمحفوظ عن مالك عن يحيى بن سعيد بالسند المعروف المتقدم اهـ.\nقلت: وقد حاول بعضهم إلصاق الخطأ بنوح بن حبيب الراوي، عن عبد المجيد كالبزار مثلا.\nفقال الزيلعي في «نصب الراية» (١/ ٣٠٢) . وقال- يعني البزار-: في مسند الخدري حديث روي عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، عن النبيّ ﷺ قال: «الأعمال بالنية» أخطأ فيه نوح بن حبيب ولم يتابع عليه وليس له أصل عن أبي سعيد اهـ.\nقلت: وفي كلام البزار نظر، أما إن الحديث ليس له أصل عن أبي سعيد فهذا صواب، أما إلصاق الخطأ بنوح بن حبيب ودعواه أنه تفرد به ولم يتابع عليه فهنا الخطأ.\nفقد توبع نوح بن حبيب على هذا الحديث، تابعه اثنان وهما: إبراهيم بن محمد بن مروان بن هشام عند الدارقطني في «غرائب مالك»، وعلي بن الحسن الذهلي عند الحاكم في «تاريخ نيسابور» .\nينظر: «تخريج المختصر» لابن حجر (٢/ ٢٤٧- ٢٤٨) .\nومنه نعلم أن نوحا لم يتفرد به، بل تابعه اثنان، وأن الذي تفرد به هو عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد، وهو الذي أخطأ في الحديث.\n٢- حديث أنس بن مالك:\nأخرجه ابن عساكر في أماليه كما في «تخريج المختصر» لابن حجر (٢/ ٢٤٦) .\nوقال الحافظ: وفي سنده ضعف.\nوقال الحافظ العراقي في «طرح التثريب» (٢/ ٤): رواه ابن عساكر من رواية يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم، عن أنس بن مالك، وقال: هذا حديث غريب جدا، والمحفوظ حديث عمر.\n٣- حديث أبي هريرة: -","vol":"2","page":314},{"text":"متعلِّق ب شُهَداءَ، هذا هو الظاهرُ الذي فَسَّر عليه الناس، وأنَّ هذه الشهادة المذكورةَ هي في الحُقُوق، ويحتملُ أنْ يكُونَ المعنى: شهداء للَّه بالوحْدَانيَّة، ويتعلَّق قوله: وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ، ب قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ/، والتأويل الأولُ أبْيَنُ، وشهادةُ المَرْءِ على نفسه هو إقراره بالحقائِقِ.\nقال ص: وقوله تعالى: إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا: ضميرُ «يَكُنْ» عائدٌ إلى المشهودِ علَيْه، والضميرُ في «بِهِمَا» عائد على جِنْسَيِ الغَنِيِّ والفقيرِ. انتهى.\nقال ع «١»: وقوله: أَوْلى بِهِما: أيْ: هو أنظر لهما، وروى الطبريُّ «٢» أنَّ هذه الآيةَ هي بِسَبَبِ نازلةِ بَنِي أُبَيْرِقٍ، وقيامِ مَنْ قَامَ فيها بغَيْر القسْطِ.\nوقوله تعالى: فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى: نهْيٌ بيِّنٌ، واتباعُ الهوى مُرْدٍ مهلكٌ.\nوقوله تعالى: أَنْ تَعْدِلُوا يحتملُ أنْ يكون معناه: مَخَافَةَ أنْ تَعْدِلُوا، ويكون العَدْلُ هنا بمعنَى العُدُولِ عن الحقِّ، ويحتملُ أنْ يكون معناه: مَحَبَّة أنْ تعدلوا، ويكون العدل\n_________\n- قال العراقي في «طرح التثريب» (٢/ ٤): رواه الرشيد العطار في بعض تخاريجه وهو وهم أيضا.\nوقال ابن حجر في «تخريج أحاديث المختصر» (٢/ ٢٤٦): أخرجه الرشيد العطار في فوائده بسند ضعيف.\n٤- حديث علي بن أبي طالب:\nقال الحافظ العراقي في «طرح التثريب» (٢/ ٤): رواه محمد بن ياسر الجياني في نسخة من طريق أهل البيت إسنادها ضعيف.\nوقال الحافظ ابن حجر في «تخريج أحاديث المختصر» (٢/ ٢٤٦): أخرجه أبو علي بن الأشعث وهو واه جدا.\n٥- حديث هزال بن يزيد الأسلمي:\nأخرجه الحاكم في «تاريخ نيسابور»، كما في «تخريج أحاديث المختصر» (٢/ ٢٤٨) في ترجمة أبي بكر محمد بن أحمد بن بالويه، من طريق محمد بن يونس، عن روح بن عبادة، عن شعبة، عن محمد بن المنكدر، عن ابن هزال عن أبيه، عن النبيّ ﷺ ... فذكره. قال الحاكم: ذكرته لأبي علي الحافظ فأنكره جدا، وقال لي: قل لأبي بكر لا يحدث به بعد هذا. اهـ.\nقال الحافظ: محمد بن يونس شيخه هو الكديمي وهو معروف بالضعف، والمحفوظ بالسند المذكور قصة ماعز فلعله دخل عليه حديث في حديث، وهزال هو ابن يزيد الأسلمي وهو صحابي معروف، واسم ابنه نعيم وهو مختلف في صحبته اهـ.\nقلت: مما سبق تبين أن حديث «إنما الأعمال بالنيات» لم يصح إلا من حديث عمر.\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ١٢٣) .\n(٢) ينظر: الطبري (٤/ ٣٢٠) .","vol":"2","page":315},{"text":"بمعنى القَسْطِ.\nوقوله تعالى: وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا ... الآية: قال ابن عبَّاس: هي في الخَصْمَيْن يجلسَانِ بَيْن يَدَيِ القاضِي، فيكون لَيُّ القاضي وإعراضُهُ لأحدهما عَلَى الآخر «١»، وقال ابنُ زَيْد وغيره: هي في الشُّهُود يَلْوِي الشهادَةَ بلسانِهِ، أو يعرض عن أدائها «٢» .\nقال ع «٣»: ولفظ الآية يعمُّ القضاءَ والشَّهادة، والتوسُّطَ بيْنَ النَّاسِ، وكلّ إنسان مأخوذٌ بأنْ يعدل، والخُصُوم مطلُوبُونَ بعَدْلٍ مَّا في القضاة، فتأمَّله، وقد تقدّم تفسير اللّيّ، وباقي الآية وعيد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-353>[سورة النساء (٤): آية ١٣٦]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا (١٣٦)\nوقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ... الآية: اختُلِفَ من المخاطَبِ بهذه الآية:\nفقيل: الخطابُ للمؤمنين، ومضمَّنُ هذا الأمرِ الثبوتُ والدوامُ، وقالتْ فرقةٌ:\nالخطابُ لأَهل الكتابَيْن، ورجّحه الطبريّ، وقيل: الخطاب للمنافقين، أي: يا أيها الَّذين آمنوا في الظَّاهِرِ، لِيكُنْ إيمانكم حقيقةً.\nوقوله سبحانه: وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ ... إلى آخر الآية: وعيدٌ، وخبر مضمَّنه تحذيرُ المؤمنين مِنْ حالة الكفر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-354>[سورة النساء (٤): آية ١٣٧]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا (١٣٧)\nوقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ... الآية: قال مجاهدٌ، وابنُ زَيْدٍ: الآيةُ في المنافِقِينَ، فَإنَّ مِنْهُمْ مَنْ كان يؤمنُ، ثم يكْفُر، ثم يُؤْمن، ثم يَكْفُر، ثم ازداد كُفْرًا بأنْ تَمَّ على نفاقِهِ حتى مات.\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٤/ ٣٢٢)، برقم (١٠٦٨٨)، وذكره ابن عطية (٢/ ١٢٣)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٤١٣)، وعزاه لابن أبي شيبة، وأحمد في «الزهد»، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي نعيم في «الحلية» .\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٤/ ٣٢٣) برقم (١٠٦٩٦)، وذكره ابن عطية (٢/ ١٢٣) .\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ١٢٣) .","vol":"2","page":316},{"text":"قال ع «١»: وهذا هو التأويلُ الراجحُ، وتأمَّل قولَهُ تعالى: لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ فإنها عبارةٌ تقتضي أنَّ هؤلاءِ محتومٌ علَيْهم مِنْ أوَّلِ أمرهم ولذلك تردَّدوا، ولَيْسَتْ هذه العبارةُ مِثْلَ أن يقول: لاَ يَغْفِرُ الله لَهُمْ، بل هي أشَدُّ، فتأمَّل الفَرْقَ بيْنَ العبارَتَيْنِ فإنه من دقيقِ غَرَائِبِ الفَصَاحَةِ الَّتي في كتاب الله سبحانه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-355>[سورة النساء (٤): الآيات ١٣٨ الى ١٣٩]</span>\nبَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذابًا أَلِيمًا (١٣٨) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (١٣٩)\nوقوله تعالى: بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذابًا أَلِيمًا ... الآية: في هذه الآيةِ دليلٌ مَّا على أنَّ التي قبلها إنما هي في المُنَافِقِينَ، ثم نصَّ سبحانه مِنْ صفاتِ المنافِقِينَ على أشدِّها ضررًا، وهي موالاتُهُم الكافِرِينَ، واطراحهم المُؤْمنينَ، ونبَّه على فسادِ ذلكَ ليدعه مَنْ عسى أنْ يَقَعَ في نَوْعٍ منه مِنَ المُؤْمنين غَفْلَةٌ، أوْ جهالةً، أوْ مسامحةً ثم وَقَفَهُمْ سبحانه على جهة التوبيخَ، فقال: أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ والإستكثار، أي: ليس الأمرُ كذلك فإن العزَّة للَّه جميعًا يؤتيها مَنْ يشاء، وقد وَعَدَ بها المؤمنينَ، وجعل العاقبة للمتَّقين، والعزَّةُ أصلُها الشِّدَّة والقُوَّة ومنه: وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ [ص: ٢٣] أي: غلبني بشدّته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-356>[سورة النساء (٤): آية ١٤٠]</span>\nوَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (١٤٠)\nوقوله سبحانه: وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ ... الآية: مخاطبةٌ لجميعِ مَنْ أظهر الإيمان من محقِّقٍ ومنافقٍ لأنه إذا أظهر الإيمان، فقَدْ لزمه امتثال أوامر كتاب اللَّه تعالى، والإشارةُ بهذه الآية إلى قوله تعالى: وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ [الأنعام: ٦٨] إلى نحوِ/ هذا من الآيات، والكتابُ في هذا الموضعِ القرآنُ، وفي الآيةِ دليلٌ قويٌّ على وجوبِ تجنُّبِ أهْلِ البِدَعِ والمعاصِي، وأَلاَّ يجالَسُوا، وقد قيل: [الطويل]\nعَنِ المَرْءِ لاَ تَسْأَلْ وَسَلْ عَنْ قَرِينِهِ ... فَكُلُّ قَرِينٍ بِالمُقَارَنِ مُقْتَدِ «٢»\nوهذه المماثلةُ لَيْسَتْ في جميع الصفاتِ، ثم توعَّد سبحانه المنافِقِينَ والكافرين بجمعهم في جَهَنَّم، فتأكَّد بذلك النهْيُ عن مجالستهم وخلطتهم.\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ١٢٤) .\n(٢) ينظر البيت في «العزلة» للخطابي ص (٦٩) وينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ١٢٦) .","vol":"2","page":317},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-357>[سورة النساء (٤): الآيات ١٤١ الى ١٤٣]</span>\nالَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١) إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلًا (١٤٢) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لاَ إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (١٤٣)\nوقوله تعالى: الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ ... الآية: هذه صفة المنافقين، ويَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ: معناه: ينتظِرُونَ دَوْرَ الدوائرِ عليكم، فإن كان فَتْحٌ للمؤْمِنِينَ، ادعوا فيه النصيبَ بحُكْمِ ما يظهرونه من الإيمان، وإن كان للكافِرِينَ نَيْلٌ من المؤمنين، ادعوا فيه النَّصِيبَ بحُكْمِ ما يبطنونه من موالاةِ الكُفَّار، وهذا حالُ المنافقين، ونَسْتَحْوِذْ: معناه: نَغْلِبُ على أمرِكِم ونَحُوطُكُمْ ومنه: اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ [المجادلة: ١٩]، معناه: غَلَبَ على أمرهم، ثم سلى سبحانه المؤمنينَ، وأنَّسهم بما وَعَدَهُم به في قوله: فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ، أيْ: وبينهم، وينصفُكُم من جميعهم، وبقوله تعالى: وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا، أيْ: يوم القيامة قاله عليٌّ (﵁) «١» وعليه جميعُ أهْل التَّأوِيلِ، والسَّبيلُ هنا: الحُجَّة والغَلَبَةُ. قلت: إِلاَّ ابنَ العَرَبِيِّ «٢» لم يرتَض هذا التأويلَ، قال: وإنما معنى الآية أحَدُ ثلاثةِ وُجُوهٍ:\nالأول: لن يجعل اللَّه للكافِرِينَ عَلَى المؤمنينَ سَبيلًا يَمْحُو به دَوْلَةَ المؤمنين، ويستبيحُ بَيْضَتَهُمْ.\nالثاني: لَنْ يجعل اللَّه للكافِرِينَ عَلَى المُؤْمنين سبيلًا إلاَّ أنْ يتواصَوْا بالباطِلِ، ولا يَتَنَاهَوْا عن المُنْكَر، ويتباعدوا عن التَّوْبَةِ، فيكونُ تسليطُ العَدُوِّ مِنْ قِبَلِهِمْ، وهذا نَفِيسٌ جِدًّا.\nالثالث: لن يجعلَ اللَّه للكافرينَ عَلَى المؤمنينَ سبيلًا بالشَّرْع، فإن وُجِدَ ذلك، فبخلاف الشرْعِ، ونَزَعَ بهذا علماؤُنا بالإحْتجاجِ على أنَّ الكافر لا يَمْلِكُ العَبْدَ المُسْلِمَ.\nانتهى «٣» .\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٤/ ٣٣١) برقم (١٠٧٢٠)، وذكره ابن عطية (٢/ ١٢٦) . [.....]\n(٢) ينظر: «أحكام القرآن» (١/ ٥١٠) .\n(٣) قد اختلف الفقهاء في حكم هذه المسألة، فذهب الشافعية، والحنابلة، والمالكية في إحدى الروايتين عن أشهب إلى القول بعدم صحة شراء الكافر له ... وذهب الحنفية، وابن القاسم من المالكية إلى القول بصحته. قالت الحنفية: ويجبر المشتري على بيعه وإزالة ملكه عنه. -","vol":"2","page":318},{"text":"ومخادعَةُ المنافقين: هي لأولياءِ اللَّهِ، ففِي الكلامِ حَذْفُ مضَافٍ إذْ لا يقصد أحَدٌ من البشر مخادَعَةَ اللَّهِ سبحانه.\nوقوله تعالى: وَهُوَ خادِعُهُمْ\n: عبارةٌ عن عقوبَتِهِمْ، سمَّاها باسم الذَّنْب، وقال ابن\n_________\n- احتج الحنفية: بعمومات الكتاب والسنة الواردة في حل البيع من غير فصل بين مسلم وكافر. وحيث حل الشراء للمسلم يحل للكافر بمقتضى العموم.\nوأجيب: بأن تلك العمومات مخصصة في حق الكافر بقوله تعالى: وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا [النساء: ١٤١]، واحتجوا أيضا بأن شراء الكافر للعبد المسلم عقد صدر من أهله في محله لأن الكافر أهل للتصرف والعبد مال متقوم، ولهذا صح للمسلم بيعه وشراؤه، وإذا كان العقد كذلك كان صحيحا. أما دليل أن الكافر أهل للتصرف فهو ثبوت الملك له على العبد المسلم وميراثه له وبقاء ملكه عليه حينما يسلم، وأما دليل جبر المشتري على البيع بعد صحة الشراء، فهو احتمال أن يفعل الكافر بالمسلم فعلا لا يحل له نظرا للعداوة الدينية التي بينهما.\nونوقش هذا الدليل: بأن استدلالكم على صحة البيع بصحة الإرث غير مسلم من وجهين:\nأحدهما: أن انتقال الملك في الإرث قهري لئلا يبقى الشيء بلا مالك، ولا كذلك البيع، فإنه اختياري، إن لم يصح بقي على ملك صاحبه الأصلي.\nالثاني: أن الإرث يفيد استدامة ملك والبيع ابتداءه، والاستدامة أخف من الابتداء، حتى صح إرث المسلم للخبر لكونه استدامة لا شراؤه ابتداء، فظهر الفرق بينهما فلا يقاس أحدهما على الآخر.\nحجة الجمهور: احتجوا أولا: بأن في تصحيح مثل هذا البيع طريقا لإثبات السبيل من الكافر على المسلم إذ به يتمكن من إذلاله بالاستخدام وهو محظور شرعا فيمتنع ما أدى إليه.\nونوقش: بكون السبيل غير حاصل بالجبر على بيعه بعد تصحيحه، وأجيب: بنفي تصحيحه مع الجبر لعدم الفائدة فكان المنع ابتداء أولى.\nواحتجوا ثانيا: بأن المقصود من الشراء هو استدامة الملك من المشتري على العين المشتراة وعدم خروجها من ملكه إلا برضاه، ثم في تصحيح الشراء من الكافر للعبد المسلم، مع جبره بعد ذلك على البيع إخلال بمقاصد النكاح. وعدم ترتب آثاره عليه فكان خليقا بالفساد دون الصحة، ولهذا حظر عقد الزواج من المشركة للمسلم لعدم ترتب آثار النكاح عليه، والبيع مثله.\nونوقش: بأن مثل هذا الشراء لم يخل عن الفائدة لو قلنا بتصحيحه مع الجبر إذ قد ظهرت بتمامه سلطة المالك على البيع وجاز له بيعه وانتقال ملكيته إليه، وتصحيح عتقه إن أراد، ومسألة الإذلال ممنوعة مع الجبر على البيع.\nوأجيب: بأن تلك السلطة الحاصلة من مثل هذا الشراء كعدمها لقيام أمر الجبر مسلطا عليه. ولا شك أن الإذلال متحقق بمجرد انتقال ملكية العبد إلى الكافر لأنه حينئذ متمكن من استخدامه إن كان عبدا، واستفراشها إن كانت أمة.\nهذه أدلة الفريقين بالنظر فيها نجد: أن مذهب الجمهور هو الراجح في المسألة إذ لا معنى للتصحيح مع الجبر على البيع، فكان المنع ابتداء أولى.\nينظر: «أثر الاختلاف في الأحكام» لشيخنا/ بدران أبو العينين، «المغني» لابن قدامة (٤/ ٤١)، «بدائع الصنائع» (٥/ ١٤٢)، «المبسوط» (٣/ ١٢٠) .","vol":"2","page":319},{"text":"جْرَيْج، والحَسَن، والسُّدِّيُّ، وغيرهم من المفسِّرين: إنَّ هذا الخَدْعَ هو أنَّ اللَّه تعالى يُعْطِي لهذه الأُمَّة يوم القيامةِ نُورًا لكلِّ إنسانٍ مؤمن، أو منافقٍ، فيفرح المنافِقُونَ، ويظُنُّون أنهم قد نَجَوْا، فإذا جاءوا إلى الصِّراطِ، طُفِىءَ نورُ كلِّ منافقٍ، ونهَضَ المؤمنُونَ «١»، فَذَلكَ قولُ المنافِقِينَ: انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ [الحديد: ١٣]، فذلك هو الخَدْع الذي يَجْرِي عَلَى المنافِقِينَ، ثم ذكر سبحانه كَسَلَهُمْ في الصلاةِ، وتلْكَ حالُ كُلِّ مَنْ يعمل كارهًا غيْرَ معتقِدٍ فيه الصَّواب، بل تقيَّةً أو مصانَعَةً.\nقال ابنُ العَرَبِيِّ «٢» في «أحكامه»: قوله تعالى: وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا\n، روى الأئمَّة مالكٌ وغيره، عن أنس أنّ النبيّ ﷺ قَالَ: «تِلْكَ صَلاَةُ المُنَافِقِينَ، تِلْكَ صَلاَةُ المُنَافِقِينَ، تِلْكَ صَلاَةُ المُنَافِقِينَ، يَجْلِسُ أَحَدُهُمْ حتى إذَا اصفرت الشَّمْسُ، وَكَانَتْ بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ، قَامَ يَنْقُرُ أَرْبَعًا لاَ يَذْكُرُ اللَّهَ فِيهَا إلاَّ قَلِيلًا» «٣» قال ابن «٤» العربيِّ: وقد بيَّن تعالى/ صلاةَ المؤمنين بقوله: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ [المؤمنون: ١، ٢] ومن خَشَعَ خَضَعَ، واستمر، ولم ينقُرْ صلاتَهُ، ولم يستعْجِلْ. انتهى.\nومُذَبْذَبِينَ: معناه: مُضْطَرِبِينَ لا يَثْبُتُونَ على حالٍ، والتَّذَبْذُب: الاِضطرابُ، فهؤلاءِ المنافقُونَ متردِّدون بَيْنَ الكفَّار والمؤمنين، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء كما قال ﷺ: «مَثَلُ المُنَافِقِ كَمَثَلِ الشَّاةِ العَائِرةِ «٥» بَيْنَ الغَنَمَيْنِ» «٦»، والإشارة بذلك إلى حالتي الكفر والإيمان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-358>[سورة النساء (٤): الآيات ١٤٤ الى ١٤٧]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطانًا مُبِينًا (١٤٤) إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (١٤٦) ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكانَ اللَّهُ شاكِرًا عَلِيمًا (١٤٧)\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٤/ ٣٣٢) برقم (١٠٧٢٦)، (١٠٧٢٧)، (١٠٧٢٨)، وذكره ابن عطية (٢/ ١٢٧)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٤١٧)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر عن الحسن.\n(٢) ينظر: «أحكام القرآن» (١/ ٥١١) .\n(٣) أخرجه مسلم (١/ ٤٣٤)، كتاب «المساجد»، باب استحباب التكبير بالعصر (١٩٥/ ٦٢٢)، ومالك (١/ ٢٢٠)، كتاب «القرآن»، باب النهي عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر (٤٦) .\n(٤) ينظر: «أحكام القرآن» (١/ ٥١٢) .\n(٥) أي: المترددة بين قطيعين لا تدري أيهما تتبع.\nينظر: «النهاية» (٣/ ٣٢٨) .\n(٦) أخرجه مسلم (٤/ ٢١٤٦) كتاب «صفات المنافقين»، باب (٥٠)، حديث (١٧/ ٢٧٨٤)، والنسائي (٨/ ١٢٤) كتاب «الإيمان»، باب مثل المنافق، حديث (٥٠٣٧)، وأحمد (٢/ ٣٢)، والخطيب (١٤/ ٢٦٨) من حديث ابن عمر.","vol":"2","page":320},{"text":"وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ...\nالآية: خطابه سبْحَانه للمؤُمنينَ يَدْخُلُ فيه بحُكْمِ الظاهرِ المنافقُونَ المظهرُونَ للإيمان، ففِي اللفْظِ رفْقٌ بهم، وهم المرادُ بقوله سبحانه: أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطانًا مُبِينًا لأنَّ هذا التوقيفَ إنما هو لِمَنْ أَلَمَّ بشيء مِنَ الفعل المؤَدِّي إلى هذه الحالِ، والمؤمنون المُخْلِصُونَ ما أَلَمّوا قَطُّ بَشْيءٍ مِنْ ذلك، ويُقَوِّي هذا المَنْزَعَ قولُهُ تعالى: مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ، أي: والمؤمنُونَ العارِفُونَ المُخْلِصُون غُيَّبٌ عن هذه الموالاة، وهذا لا يقال للمؤمنين المخلصين، بل المعنى: يا أيها الذين أظهروا الإيمان، والتزموا لَوَازمه، والسُّلْطَانُ:\nالحُجَّة.\nثم أخبر تعالى عن المنافقين أنهم في الدَّرْك الأسفلِ مِنْ نارِ جهنَّم وذلك لأنهم أسرى غَوَائِلَ من الكُفَّار، وأشَدُّ تَمَكُّنًا مِنْ أَذَى المُسْلمين قُلْتُ: وأيضًا لأنهم شاهَدُوا مِنْ معجزات النبيّ ﷺ، وما جَعَلَ اللَّه على يدَيْه مِنَ الخوارِقِ ما لَمْ يُشَاهِدْ غيرهم من الكفار، فكانَتِ الحجَّةُ علَيْهم أعْظَمَ، وكان كُفْرهم محْضَ عنادٍ، ورُوِيَ عن أبي هريرة، وابنِ مسعودٍ، وغيرهما أنَّهُمْ قالوا: المنافقُونَ في الدَّرْك الأسفل من النار، في تَوَابِيتَ من النَّارِ تُقْفَلُ «١» عليهم، ثم استثنى ﷿ التائِبِينَ مِنَ المنافقين، ومِنْ شروط التائِبِ أنْ يُصْلِحَ في قَوْلِهِ وفِعْلِهِ، ويعتصمَ باللَّه، أيْ: يجعلَهُ مَنَعَتَهُ، وملْجَأَه، ويُخْلِصَ دينَهُ للَّه تعالى، وإلاَّ فليس بتائِب، وقوله: فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ، أي: في رحمة اللَّه سبحانه، وفي منازلِ الجَنَّة، ثم وَعَدَ سبحانه المُؤْمِنينَ الأجْرَ العظيمَ، وهو التخليدُ في الجَنَّة.\nوقال ص: فَأُولئِكَ: خبره مُضْمَر، والتقدير: فأولئك مؤمِنُونَ مع المؤمنين قاله أبو البَقَاء. انتهى.\nثم قال سبحانه للمنافقين: مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ ... الآية: أيْ: أَيُّ منفعةٍ له سبحانه في ذلك أوْ حاجَةٍ؟! قال أبو عَبْدِ اللَّهِ اللَّخْمِيُّ: زعم الطبريُّ «٢» أنَّ قوله تعالى: مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ: خطابٌ للمنافقين، ولا يكادُ يقُومُ له على ذلك دليل يقطع\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٤/ ٣٣٦) برقم (١٠٧٤٦، ١٠٧٤٧، ١٠٧٤٨) وذكره البغوي (١/ ٤٩٣) .\n(٢) ينظر: الطبري (٤/ ٣٣٨) .","vol":"2","page":321},{"text":"به، وليس في ذِكْرِ المنافقينَ قَبْلَهُ ما يقتَضِي أنْ يُحْمَلَ عليهم خاصَّةً، مع احتمال الآية للعُمُومِ، فقطْعُهُ بأنَّ الآية في المنافِقِينَ حُكْمٌ لا يقُومُ به دليلٌ. انتهى، وهو حَسَنٌ إذ حمل الآية على العُمُومِ أحْسَنُ.\nوالعَجَب من ع: كيف تَبِعَ الطبريُّ في هذا التَّخْصيصِ، ويظهر- واللَّه أعلم- أنهما عَوَّلا في تخصيص الآية على قوله تعالى: وَآمَنْتُمْ، وهو محتملٌ أن يحمل في حَقِّ المنافقين على ظاهره، وفي حقِّ المؤمنين على معنى: «دُمْتُمْ على إيمانكم»، واللَّه أعلم.\nوالشُّكْرُ على الحقيقة لا يَكُونُ إلاَّ مقترنًا بالإيمان، لكنه ذكر الإيمان تأكيدًا وتنبيهًا على/ جلالة موقعه، ثم وَعَدَ سبحانه بقوله: وَكانَ اللَّهُ شاكِرًا عَلِيمًا: أيْ يتقبَّل أقلَّ شيء مِنَ العَمَل، وينَمِّيه فذلك شُكْرٌ منه سبحانه لعباده، والشَّكُورُ من البهائمِ: الَّذي يأكل قليلًا، ويظهر به بَدَنُه، والعَرَبُ تقول في مثل: «أَشْكَرُ مِنْ بَرْوقَةٍ» لأنها يُقَالُ: تخضَرُّ وتتنضَّر بِظِلِّ السَّحاب دُونَ مَطَرٍ، وفي قوله: عَلِيمًا: تحذيرٌ ونَدْبٌ إلى الإخلاص.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-359>[سورة النساء (٤): الآيات ١٤٨ الى ١٤٩]</span>\nلاَّ يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا (١٤٨) إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (١٤٩)\nوقوله تعالى: لاَّ يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ ... الآية: قراءة الجمهور «١» بضَمِّ الظاء، وقرىء «٢» شاذًا بفتحها، واختلف على قراءة الجمهورِ، فقالَتْ فرقةٌ: المعنى: لا يحبُّ اللَّه أنْ يَجْهَرَ أحدٌ بالسوء من القَوْل إلا مَنْ ظُلِم، فلا يُكْرَهُ له الجَهْرُ به، ثم اختلفتْ هذه الفرقةُ في كيفيَّةِ الجَهْر بالسُّوء، وما هو المباحُ منه، فقال ابنُ عَبَّاس وغيره: لا بأسَ لِمَنْ ظلم أن ينتصر من ظلمه بمثْلِ ظُلْمِهِ، ويَجْهَرَ له بالسُّوء من القَوْل، أي: بما يوازي الظَّلاَمَةَ «٣»، وقال مجاهد وغيره: نزلَتْ في الضَّيْفِ المُحَوَّلِ رَحْلُه، فإنَّه رُخِّصَ له أنْ يجهر بالسُّوءِ من القول للذي لم يُكْرِمْهُ، يريد: بقَدْر الظلمِ، والظُّلاَمةِ «٤»،\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ١٢٩)، و«البحر المحيط» (٣/ ٣٩٨)، و«الدر المصون» (٢/ ٤٥١) .\n(٢) وهي قراءة ابن أبي إسحاق، وزيد بن أسلم، والضحاك بن مزاحم، وابن عباس، وابن جبير، وعطاء بن السائب، وعبد الأعلى بن عبد الله بن مسلم بن يسار، ومسلم بن يسار وغيرهم.\nينظر: السابق، والمحتسب (١/ ٢٠٣) .\n(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» بتحقيق الشيخ شاكر (٩/ ٣٤٤) برقم (١٠٧٤٩)، وذكره ابن عطية (٢/ ١٢٩)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٤٢٠)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس. [.....]\n(٤) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٤/ ٣٤١) برقم (١٠٧٦٣، ١٠٧٦٥)، وذكره ابن عطية (٢/ ١٢٩)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٤٢٠)، وعزاه للفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير عن مجاهد.","vol":"2","page":322},{"text":"وفي «صحيحِ البخاريِّ»، عن أبي هريرةَ، قال: قال النبي ﷺ: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليكرم ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ، فَلا يُؤْذِي جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ، فَلْيَقُلْ خَيْرًا أوْ لِيَصْمُتْ» «١» . انتهى.\n«وسميعٌ عليمٌ»: صفتان لائِقَتَان بالجَهْر بالسوء، وبالظلم أيضًا، فإنه يعلمه ويجازي علَيْه، ولما ذكر سبحانه عَذْر المَظْلُوم في أنْ يجهر بالسوء لظالمه، أَتْبَعَ ذَلك عَرْضَ إبداء الخير، وإخفائه، والعَفْوِ عن السُّوء، ثم وَعَدَ عَلَيْه سبحانه بقوله: فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا وعْدًا خفيًّا تقتضيه البلاغَةُ، ورغَّب سبحانه في العَفْو إذ ذكر أنها صفتُهُ مع القدرةَ على الإنتقام.\nقال ع «٢»: فَفِي هذه الألفاظِ اليسيرَةِ مَعَانٍ كثيرةً لمن تأمَّلها، قال الدَّاوُوديُّ:\nوعن ابنِ عُمَر أنه قال: لا يحب اللَّه سبحانه أنْ يدعو أحَدٌ على أحدٍ إلاَّ أنْ يُظْلَمَ، فقد رخَّص له في ذلك. انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-360>[سورة النساء (٤): الآيات ١٥٠ الى ١٥٢]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا (١٥١) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٥٢)\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١٠/ ٥٤٨)، كتاب «الأدب»، باب إكرام الضيف وخدمته، حديث (٦١٣٦)، ومسلم (١/ ٦٨) كتاب «الإيمان»، باب الحث على إكرام الضيف، حديث (٧٥/ ٧٤)، وابن ماجة (٢/ ١٣١٣) كتاب «الفتن»، باب كف اللسان في الفتنة، حديث (٣٩٧١) من طريق أبي حصين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعا.\nوأخرجه البخاري (١١/ ٣١٤)، كتاب «الرقاق»، باب حفظ اللسان، حديث (٦٤٧٥)، ومسلم (١/ ٦٨)، كتاب «الإيمان»، باب الحث على إكرام الجار، حديث (٤٧)، وأبو داود (٢/ ٧٦٠- ٧٦١) كتاب «الأدب»، باب في حق الجوار، حديث (٥٤: ٥)، والترمذي (٤/ ٥٦٩)، كتاب «صفة القيامة»، باب إكرام الضيف، حديث (٢٥٠٠)، وأحمد (٢/ ٢٦٧)، والبغوي في «شرح السنة» (٧/ ٣٣٦- بتحقيقنا) كلهم من طريق الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرّحمن، عن أبي هريرة مرفوعا.\nوأخرجه البخاري (٩/ ١٦١)، كتاب «النكاح»، باب الوصاة بالنساء، حديث (٥١٨٥)، ومسلم (٢/ ١٠٩١)، كتاب «الرضاع»، باب الوصية بالنساء، حديث (٦٠/ ١٤٦٨)، والبيهقي (٧/ ٢٩٥)، كتاب «القسم والنشوز»، باب حق المرأة على الرجل، وأبو يعلى (١١/ ٨٥- ٨٦) رقم (٦٢١٨) من طريق أبي حازم عن أبي هريرة.\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ١٣٠) .","vol":"2","page":323},{"text":"وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ... إلى آخر الآية: نزل في اليهود والنصارى، وقد تقدَّم بيانُ هذه المعاني.\nوقوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ... الآية: لما ذَكَر سبحانَهُ أنَّ المفرِّقين بَيْنَ الرسُلِ هم الكافرونَ حقًّا، عَقَّبَ ذلك بذكْرِ المؤمنين باللَّه ورسُلِهِ جميعًا، وهم المؤمنون بمحمّد ﷺ ليصرِّح بوَعْد هؤلاء كما صرَّح بوعيدٍ أولئِكَ، فبيّن الفرق بين المنزلتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-361>[سورة النساء (٤): الآيات ١٥٣ الى ١٥٤]</span>\nيَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ وَآتَيْنا مُوسى سُلْطانًا مُبِينًا (١٥٣) وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ وَقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا وَقُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقًا غَلِيظًا (١٥٤)\nوقوله تعالى: يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ ... الآية: قال قتادة سَأَلَتِ اليهودُ النبيَّ ﷺ أنْ يأتيهم بكتابٍ مِنْ عند اللَّه خاصٍّ لليهود، يأمرهم فيه بالايمان بمحمّد ﷺ «١» ونحوه عن ابْنِ جُرَيْجٍ «٢»، وزاد: «إلى فلان، وإلى فلانٍ أَنَّكَ رسُولُ اللَّهِ»، ثم قال سبحانه على جهة التسلية لنبيّه ﷺ: فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ، وفي الكلامِ محذوفٌ يدلُّ عليه المذكورُ، تقديره: فلا تُبَالِ، يا محمد، مِنْ سؤالِهِمْ وتَشَطُّطهم فإنها عادتهم، وجمهورُ المتأوِّلين على أنَّ جَهْرَةً معمولٌ ل أَرِنَا، أيْ:\nحتى نراه جهارًا، أي: عيانًا، وأهلُ السُّنَّة معتقدون أنَّ هؤلاءِ لم يسألوا مُحَالًا عَقْلًا، لكنَّه محالٌ من جهة الشَّرْع إذ قد أخبر تعالى على ألسنَةِ/ أنبيائه أنَّهُ لاَ يرى سبحانه في هذه الدنيا، والرؤْيَةُ في الآخِرَةِ ثَابِتَةٌ عن النبيِّ ﷺ بالخَبَرِ المُتَواتِرِ، وهي جائزةٌ عقْلًا من غير تحديدٍ، ولا تكييفَ ولا تحيُّز كما هو تعالى معلومٌ لا كالمعلومات كذلك هو مرئيٌّ، لا كالمرئيَّات سبحانه هذه حُجَّة أهل السنة، وقولُهم، وقد تقدَّم قصص القَوْم في «البقرة»، وظلمهم: هو تعنُّتهم وسؤَالُهم ما لَيْسَ لهم أنْ يسألوه.\nوقوله تعالى: ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ: «ثُمَّ»: للترتيب في الأخبار، لا في نَفْس الأمرِ، التقديرُ ثم قَدْ كان مِنْ أمْرِهِمْ أَن اتَّخذُوا العِجْلَ، وذلك أنَّ اتخاذَ العِجْلِ كان عند أمر\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٤/ ٣٤٦) برقم (١٠٧٧٥)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٤٢٢)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر.\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٤/ ٣٤٦) برقم (١٠٧٧٦)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٢/ ١٣١) .","vol":"2","page":324},{"text":"المُضِيِّ إلى المناجاةِ، ولم يكن الَّذِينَ صُعِقُوا مِمَّنِ اتخذ العِجْلَ، لكنَّ الذين اتَّخذوه كانوا قَدْ جاءتهم البيِّنَاتُ.\nوقوله سبحانه: فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ، يعني: بما امتحنهم به من القَتْل لأنْفُسِهِمْ، ثم وقع العَفْوُ عن الباقِينَ منهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-362>[سورة النساء (٤): الآيات ١٥٥ الى ١٥٧]</span>\nفَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلًا (١٥٥) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا (١٥٦) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّباعَ الظَّنِّ وَما قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧)\nوقوله سبحانه: فَبِما نَقْضِهِمْ: «ما» زائدةٌ مؤكِّدة، التقدير: فبنقضهم، فالآيةُ مخْبِرةٌ عن أشياء واقَعُوها هي ضِدُّ ما أُمِرُوا به، وحذْفُ جوابِ هذا الكلامِ بليغٌ مُبْهَمٌ متروكٌ مع ذِهْن السامع، تقديره: لَعَنَّاهُمْ ونحوه، ثم قال سبحانه: وَبِكُفْرِهِمْ: أي: بعيسى، وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا، هو رمْيُهم إياها بالزِّنَا بعد رُؤْيتهم الآية في كلامِ عيسى في المهد وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ... الآية: هذه الآيةُ والَّتِي قبلها عدَّدَ اللَّه تعالى فيهما أقوالَ بَنِي إسرائيل، وأفعالَهُمْ على اختلافِ الأزمان، وتعاقُبِ القرون فاجتمع مِنْ ذلك توبيخُ خلفهم المعاصرين لنبيّنا محمّد ﷺ، فهذه الطائفةُ التي قالَتْ: إنا قَتَلْنَا المسيحَ- غَيْرُ الذين نقضوا الميثاقَ في الطُّور، وغَيْرُ الذين اتَّخَذُوا العجْلَ، وقولُ بني إسرائيل إنَّمَا هُوَ إلى قوله: عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ.\nوقوله تعالى: رَسُولَ اللَّهِ، إنما هو إخبارٌ من اللَّه تعالى بصفةٍ لعيسى، وهي الرسالةُ، على جهة إظهار ذَنْب هؤلاء المُقِرِّين بالقَتْل، ولزمهم الذنْبُ، وهم لم يقتلوا عيسى لأنهم صَلَبُوا ذلك الشخْصَ على أنه عيسى، وعلى أنَّ عيسى كَذَّابٌ ليس برَسُولِ اللَّه، فلزمهم الذنْبُ مِنْ حيث اعتقدوا أنَّ قتلهم وَقَعَ في عيسى.\nقال ص: وعِيسَى: بدل أو عطف بيان من الْمَسِيحَ، ورَسُولَ اللَّهِ كذلك، ويجوزُ أنْ يكون صفةً ل عِيسَى، وأنْ يكون نصبًا على إضمار أعني.\nقُلْتُ: وهذا الأخير أحسنها مِنْ جهة المعنى. انتهى.\nثم أخبر سبحانه أنَّ بني إسرائيل ما قَتَلُوا عيسى، وما صَلَبوه، ولكنْ شُبِّه لَهُمْ، واختلفتِ الرُّوَاةُ في هذه القصَّة، والذي لا يُشَكُّ فيه أنَّ عيسى﵇- كان يَسِيحُ في الأَرْضِ ويدعو إلى اللَّه، وكانَتْ بنو إسرائيل تَطْلُبُه، ومَلِكُهُمْ في ذلك الزَّمَانِ يجعَلُ عليه","vol":"2","page":325},{"text":"الجَعَائِلَ، وكان عيسى قد انضوى إليه الحواريُّون يَسِيرُونَ معه حيثُ سار، فلَمَّا كان في بعض الأوقات، شُعِرَ بأمْر عيسى، فَرُوِيَ أنَّ رجلًا من اليهود جُعِلَ له جُعْلٌ، فما زال يَنْقُرُ عنه حتى دلَّ على مكانه، فلما أحَسَّ عيسى وأصحابُهُ بتلاحُقِ الطَّالبين بهم، دخلوا بَيْتًا بمرأى مِنْ بني إسرائيل، فرُوِيَ أنهم عَدُّوهم ثلاثةَ عَشَرَ، ورُوِيَ: ثمانيةَ عَشَرَ، وحُصِرُوا لَيْلًا، فرُوِيَ أنَّ عيسى فرق الحواريِّين عن نَفْسه تلك الليلةَ، ووجَّههم إلى الآفاقِ، وبقي هُوَ ورجُلٌ معه، فَرُفِعَ عيسى، وأُلْقِيَ شَبْهُهُ على الرجُلِ، فَصُلِبَ ذلك الرجُلُ، ورُوِيَ أنَّ الشَّبَهَ أُلْقِيَ على اليهوديِّ الذي دَلَّ عليه، فَصُلِبَ/، وروي أنَّ عيسى﵇- لما أُحِيطَ بهم، قال لأصْحَابِهِ: أَيُّكُمْ يلقى عَلَيْه شَبَهِي، فَيُقْتَلُ، ويُخَلِّصُ هؤلاءِ، وهو رَفِيقي في الجَنَّةِ، فقَالَ سِرْجِسُ: أَنَا، فألقي عليه شبه عيسى، وروي أنَّ شَبَهَ عيسى أُلْقِيَ علَى الجَمَاعَةِ كلِّها، فلما أخرجهم بَنُو إسرائيل، نقصوا واحدًا مِنَ العِدَّة، فأخذوا واحدًا مِمَّنْ عليه الشَّبَهُ حَسَب هذه الرواياتِ التي ذكَرْناها، فَصَلَبُوه، ورُوِيَ أنَّ المَلِكَ والمتناوِلِينَ لَمْ يَخْفَ عليهم أَمْرُ رَفْعِ عيسى، لِمَا رأَوْه مِنْ نقصانِ العدَّة، واختلاط الأمْرِ.\nوقوله تعالى: وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ... الآية: يعني اختلافَ المحاولين لأخْذه لأنهم حين فقدوا واحدًا من العدد، وتُحُدِّثَ برَفْع عيسَى، اضطربوا، واختلفوا، لكنْ أجمعوا على صَلْبِ واحدٍ مِنْ غير ثقَةٍ، ولا يقينٍ، أنه هو.\nوقولُه تعالى: وَما قَتَلُوهُ يَقِينًا، قال ابن عَبَّاس «١» وجماعةٌ: المعنى: وما صَحَّ ظنُّهم عندهم، ولا تحقَّقوه يقينًا، فالضميرُ في «قتلوه» عندهم عائدٌ على الظَّنِّ كما تقُولُ:\nما قَتَلْتُ هذا الأمْرِ عَلْمًا، قلْتُ: وعبارةُ السُّدِّيِّ: «وما قَتَلُوا أمره يقينًا أنَّ الرجُلَ هو عيسَى» «٢» . انتهى من «مختصر الطَّبَرِيِّ»، وقال قومٌ: الضميرُ عائدٌ على عيسى، أخبر سبحانه أنهم ما قَتَلُوهُ في الحقيقةِ جملةً واحدةً، لا يقينًا ولا شكًّا، لكنْ لما حصَلَتْ في ذلك الدعوى، صَارَ قتله عنْدَهم مشْكُوكًا فيه، وقال قوم مِنْ أهل اللسانِ: الكلامُ تامٌّ في قوله: وَما قَتَلُوهُ، ويَقِينًا: مصدرٌ مؤكِّد للنفْي في قوله: وَما قَتَلُوهُ، المعنى:\nنخبرُكُمْ يقينًا، أو نقصُّ عليكم يقينًا، أو أَيْقَنُوا بذلك يَقينًا.\nوقال ص: بعد كلام: والظاهرُ أنَّ الضمير في قَتَلُوهُ عائدٌ إلى عيسى لتتّحد الضمائر، ويَقِينًا: منصوبٌ في موضعِ الحالِ من فَاعِلِ قَتَلُوهُ: أي: مستيقنين أنه\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٢/ ١٣٤) .\n(٢) ذكره ابن عطية (٢/ ١٣٤) .","vol":"2","page":326},{"text":"عيسى، أو نعت لمصدرٍ محذوفٍ، أي: قتلًا يقينا. انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-363>[سورة النساء (٤): آية ١٥٨]</span>\nبَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨)\nوقوله تعالى: بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ: يعني: إلى سمائِهِ وكرامتِهِ، وعيسى﵇- في السَّماءِ على ما تضمَّنه حديثُ الإِسراء في ذِكْرِ ابني الخالةِ عيسى ويحيى، ذكره البخاريُّ في حديث «١» المعراج، وذكره غيره، وهو هنالك مُقِيمٌ حتى يُنزله اللَّه تعالى لِقَتْلِ الدَّجَّال، وليملأَ الأرْضَ عَدْلًا وَيَحْيَا فيها أربعين سَنَةً، ثم يموت، كما يموت البشر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-364>[سورة النساء (٤): آية ١٥٩]</span>\nوَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩)\nوقوله تعالى: وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ: اختُلِفَ في معنى الآيةِ:\nفقال ابن عباس «٢» وغيره: الضميرُ في مَوْتِهِ راجعٌ إلى عيسى، والمعنى: أنه لا يبقى مِنْ أهْل الكتابِ أحَدٌ، إذا نَزَلَ عيسى إلى الأرْضِ، إلاَّ يؤمنُ بعيسى كما يؤمنُ سائرُ البَشَرِ، وترجِعُ الأدْيَانُ كلُّها واحدًا، يعني: يرجعون على دين نبيّنا محمّد ﷺ إذْ عيسى واحدٌ من أمته وعلى شريعته، وأئمَّتنا منَّا كما ورد في الحديثِ الصَّحِيح.\nوقال مجاهدٌ وابنُ عباسٍ أيضًا وغيرهما: الضميرُ في بِهِ لعيسى، وفي مَوْتِهِ للكتابيِّ، لَكن عند المعاينة للمَوْتِ فهو إيمانٌ لا ينفعه «٣»، وقال عكرمةُ: الضَّميرُ في بِهِ لنبيِّنا محمَّد ﷺ وقَبْلَ مَوْتِهِ للكتابيِّ «٤» قال: وليس يخرج يهوديٌّ ولا نصرانيّ من الدنيا حتّى يؤمن بمحمّد ﷺ، ولو غَرِقَ أو سَقَطَ علَيْه جِدَارٌ، فإنه يؤمنُ في ذلك الوقْتِ، وفي مُصْحَفِ أبيِّ بْنِ كَعْب: «قَبْلَ مَوْتِهِمْ»، ففي هذه القراءة تَقْوِيَةٌ لعود الضمير على الكتابيِّ «٥» .\nقال ص: وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ ... الآية: «إنْ»: هنا نافية، والمخبر عنه\n_________\n(١) سيأتي تخريجه مفصلا في سورة الإسراء.\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٤/ ٣٥٦) برقم (١٠٧٩٩)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٢/ ١٣٤)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ١٥٩) .\n(٣) ذكره ابن عطية (٢/ ١٣٤) .\n(٤) ذكره ابن عطية (٢/ ١٣٤) .\n(٥) ذكره ابن عطية (٢/ ١٣٤) .","vol":"2","page":327},{"text":"محذوفٌ قامَتْ صفته مَقَامَهُ، أي: وما أحدٌ من أهل الكتاب كما حذف في قوله تعالى:\nوَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها [مريم: ٧١]، وقوله تعالى: وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ [الصافات: ١٦٤] أي: وما أحدٌ منا، وما أحدٌ منكم، قال الشيخُ أبو حَيَّانِ «١»: لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ:\nجوابُ قَسَمٍ محذوفٍ، والقَسَم وجوابُهُ هو الخَبَرُ، وكذلك أيضا إِلَّا لَهُ مَقامٌ وإِلَّا وارِدُها، هما الخَبَرُ، قال الزَّجَّاج: وحَذْف «أَحَدٍ» مطلوبٌ في كلِّ نفْيٍ يدخله الإستثناءُ نحْوُ: مَا قَامَ إلاَّ زَيْدٌ، أيْ: ما قام أحد إلّا زيد. انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-365>[سورة النساء (٤): الآيات ١٦٠ الى ١٦٢]</span>\nفَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذابًا أَلِيمًا (١٦١) لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا (١٦٢)\nوقوله تعالى: فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ ... الآية:\nفَبِظُلْمٍ: معطوفٌ على قوله سبحانه: فَبِما نَقْضِهِمْ [النساء: ١٥٥]، والطيِّباتُ هنا: هي الشُّحُوم، وبعْضُ الذبائحِ، والطَّيْرُ والحُوت، وغَيْرُ ذلك، وقرأ ابن عباسٍ «٢»: «طَيِّبَاتٍ كَانَتْ أُحِلَّتْ لَهُمْ» .\nوَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا: يحتملُ أن يريدَ صدَّهم في ذاتِهِمْ، ويحتملُ أن يريد صدّهم غيرهم، وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا، هو الدرهمُ بالدرهَمَيْنِ إلى أَجَلٍ، ونحو ذلك ممَّا هو مَفْسَدَة، وقد نُهُوا عنه، ثم استثنى سبحانه الراسِخِينَ في العِلْمِ منهم كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلاَمٍ، ومُخَيْرِيقٍ، ومَنْ جرى مَجْراهم.\nواختلف الناسُ في قوله سبحانه: وَالْمُقِيمِينَ، وكيف خالَفَ إعرابُهَا إعرابَ ما تقدَّم وما تأخَّر.\nفقال بعضُ نحاة البَصْرة والكُوفة: إنما هذا مِنْ قَطْع النُّعُوت، إذا كَثُرَتْ على النصْبِ ب «أعْنِي» والرفعُ بعد ذلك ب «هُمْ» وقال قومٌ: وَالْمُقِيمِينَ: عطْفٌ على «ما» في قوله:\nوَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ، والمعنى: ويؤمنون بالمقيمينَ الصَّلاَة، وهُمُ الملائكةُ، أو مَنْ تقدَّم من الأنبياء، وقال قومٌ: وَالْمُقِيمِينَ: عطْفٌ على الضمير في مِنْهُمْ، وقال آخَرُونَ: بل على الكاف في قوله: مِنْ قَبْلِكَ.\n_________\n(١) ينظر: «البحر المحيط» (٣/ ٤٠٦) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ١٣٥)، و«البحر المحيط» (٣/ ٤١١)، و«الدر المصون» (٢/ ٤٦١) . [.....]","vol":"2","page":328},{"text":"وزاد ص: وَالْمُقِيمِينَ منصوبٌ على المَدْحَ، قال: وقرأ جماعة: «والمقيمون» «١» انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-366>[سورة النساء (٤): الآيات ١٦٣ الى ١٦٤]</span>\nإِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا (١٦٣) وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا (١٦٤)\nوقوله تعالى: إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ ... الآية:\nسبَبُ نزولها قولُ بَعْض أحبار يَهُودَ: مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ ... [الأنعام: ٩١] فأنزل اللَّه سبحانه الآية تَكْذيبًا لهم.\nقال ع «٢»: إسماعيلُ هو الذبيح في قول المحقِّقين، والوَحْيُ: إلقاءُ المعنى في خفاءٍ، وعُرْفُهُ في الأنبياء بوَسَاطة جبريلَ﵇-، وكلَّم اللَّه سبحانه موسى بكلامٍ دون تكْييفٍ، ولا تحديدٍ، ولا حرفٍ، ولا صوتٍ، والذي عليه الراسخُونَ في العِلْمِ أنَّ الكلام هو المعنَى القَائِمُ في النَّفْسِ، ويخلق اللَّه لموسى إدراكًا من جهةِ السَّمْعِ يتحصَّل به الكلامُ، وكما أنَّ اللَّه تعالى موجودٌ لا كالموجودَاتِ، معلومٌ لا كالمعلُومَاتِ فكذلك كلامه لا كالكلام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-367>[سورة النساء (٤): آية ١٦٥]</span>\nرُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٦٥)\nوقوله سبحانه: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ ... الآية: رُسُلًا: بدلٌ من الأول، وأراد سبحانه أن يقطع بالرُّسُل احتجاجَ مَنْ يقول: لو بُعِثَ إلَيَّ رسول، لآمَنْتُ، واللَّه سبحانه «عزيزٌ» لا يغالبُهُ شيْء، ولا حُجَّة لأحدٍ عليه، حَكِيمٌ في أفعالِهِ، فقطع الحجّة بالرسل حكمة منه سبحانه.\n_________\n(١) وممن قرأ بها: عبد الله، ومالك بن دينار، والجحدري، وعيسى الثقفي.\nينظر: «المحتسب» (١/ ٢٠٤)، و«الكشاف» (١/ ٥٩٠)، و«المحرر الوجيز» (٢/ ١٣٥)، وزاد نسبتها إلى الأعمش، وسعيد بن جبير، ورواية يونس وهارون عن أبي عمرو، وينظر: «البحر المحيط» (٣/ ٤١١)، و«الدر المصون» (٢/ ٤٦١) .\n(٢) ينظر: «تفسير ابن عطية» (٢/ ١٣٦) .","vol":"2","page":329},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-368>[سورة النساء (٤): الآيات ١٦٦ الى ١٦٩]</span>\nلكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا (١٦٦) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا (١٦٧) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (١٦٩)\nوقوله تعالى: لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ ... الآية: سببُهَا قولُ اليَهُود: مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام: ٩١] .\nوقال ص: «لكن»: استدراكٌ، ولا يُبتدأُ بها، فيتعيَّن تقديرُ جملةٍ قبلها يبيِّنها سببُ النزول، وهو أنه لَمَّا نزل: إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ [النساء: ١٦٣]، قالوا: ما نشهَدُ لك بهذا فَنَزَلَ: لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ. انتهى.\nوقوله تعالى: أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ، هذه الآيةُ مِنْ أقوى متعلَّقات أهْل السنَّة في إثبات عِلْمِ اللَّه ﷿ خلافًا للمعتزلةِ في أنهم يقولُونَ: عَالِمٌ بِلاَ عِلْمٍ، والمعنى عند أهْل السُّنَّة:\nأنزله، وهو يَعْلَمُ/ إنزالَهُ ونُزُولَهُ.\nوقوله سبحانه: وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ: تقويةٌ لأمر نبيّنا محمّد ﷺ، وردٌّ على اليهود.\nوقوله تعالى: وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا، تقديره: وكفَى اللَّهُ شهيدًا، لكنه دخلَتِ الباءُ لتدُلَّ على أنَّ المراد اكتفوا باللَّهِ، وباقي الآية بيّن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-369>[سورة النساء (٤): الآيات ١٧٠ الى ١٧٣]</span>\nيا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧٠) يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا (١٧١) لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (١٧٢) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذابًا أَلِيمًا وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا (١٧٣)\nوقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ ... الآية: خطابٌ لجميعَ النَّاسِ، وهي دعاءٌ إلى الشرْعِ، ولو كانَتْ في أمر من أوامر الأحكام، ونَحْوِ هذا، لكانتُ: «يا أيها الذين آمنوا»، والرسول في الآية: نبيّنا محمد ﷺ، ثم قال سبحانه: وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، وهذا خبرٌ بالاستغناء، وإنَّ ضَرَر الكُفْر إنما هو","vol":"2","page":330},{"text":"نازلٌ بهم، ثم خاطَبَ سبحانه أهْلَ الكتابِ مِنَ النصارى، وهو أنْ يَدَعُوا الغُلُوَّ، وهو تجاوُزُ الحَدِّ.\nوقوله: فِي دِينِكُمْ: معناه: في دِينِ اللَّهِ الَّذي أنْتُمْ مطلوبُونَ به بأنْ تُوحِّدوا اللَّه، ولا تَقُولوا على اللَّه إلا الحقَّ، ولَيْسَتِ الإشارةُ إلى دينهم المُضَلِّل، وعن عُبَادَةَ بْنِ الصامِتِ (﵁)، عنِ النبيّ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إلَهَ إلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عيسى عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلى مَرْيَمَ، وَرُوحٌ مِنْهُ، وَأَنَّ الجَنَّةَ حَقٌّ، وَالنَّارَ حَقٌّ- أَدْخَلَهُ اللَّهُ الجَنَّةَ على مَا كَانَ مِنَ عَمَلٍ» «١» رواه مسلم، والبخاريُّ والنسائيُّ، وفي مسلمٍ: «أَدْخَلَهُ اللَّهُ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ شَاءَ» .\nانتهى.\nوقوله تعالى: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أي: الذين مِنْ جملتهم: عيسى، ومحمَّد﵉-.\nوقوله تعالى: إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ: «إنَّمَا» في هذه الآية: حاصرة، وسُبْحانَهُ: معناه: تنزيهًا له، وتعظيمًا، والاستنكاف إبَاءَةٌ بأَنَفَة.\nقال ع «٢»: وقوله سبحانه: لَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ\n: زيادةٌ في الحُجَّة، وتقريبٌ مِنَ الأذهان، أي: وهؤلاءِ الذين هُمْ في أعلى درجاتِ المَخْلُوقين لاَ يَسْتَنْكِفُونَ عن ذلك، فكيفَ بسواهُمْ، وفي هذه الآيةِ دليلٌ على تفضيل الملائكة على الأنبياء.\nوقوله سبحانه: سَيَحْشُرُهُمْ\n: عبارةُ وعيدٍ.\nقال ع «٣»: وهذا الاِستنكافُ إنما يكونُ من الكُفَّار عن اتباع الأنبياءِ، وما جرى مجراه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-370>[سورة النساء (٤): آية ١٧٤]</span>\nيا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (١٧٤)\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٦/ ٥٤٦) كتاب «أحاديث الأنبياء»، باب قوله: يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ، حديث (٣٤٣٥)، ومسلم (١/ ٥٧)، كتاب «الإيمان»، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعا، حديث (٤٦/ ٢٨)، وأحمد (٥/ ٣١٣)، والنسائي في «الكبرى» (٦/ ٢٧٧- ٢٧٨)، كتاب «عمل اليوم والليلة»، باب ما يقول عند الموت، حديث (١٠٩٦٩)، والبغوي في «شرح السنة» .. (١/\n١١٥- بتحقيقنا) كلهم من طريق جنادة بن أبي أمية عن عبادة بن الصامت به.\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ١٤٠) .\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ١٤٠) .","vol":"2","page":331},{"text":"وقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ ... الآية: إشارة إلى نبيّنا محمّد ﷺ، والبرهانُ: الحجة النَّيِّرة الواضحةُ الَّتي تُعْطِي اليقينَ التَّامَّ، والنُّورُ المُبِينُ: يعني القُرآن لأنَّ فيه بيانَ كُلِّ شيء، وفي «صحيح مسلم»، عن زيدٍ بْنِ أرقَمَ، قال: قَامَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللَّهَ تعالى، وأثنى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، أَلاَ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَنِي رَسُولُ رَبِّي، فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثِقْلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللَّهِ فِيهِ الهدى وَالنُّورُ، فَخُذُوا بِكِتَابِ اللَّه، واستمسكوا»، فَحَثَّ على كِتَاب اللَّهِ، وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُم اللَّهَ ثَلاَثًا فِي أَهْلِ بَيْتِي ...» «١» الحديث، وفي روايةٍ: «كِتَابُ اللَّهِ فيهِ الهدى والنُّورُ مَنِ استمسك بِهِ، وَأَخَذَ بِهِ، كَانَ عَلَى الهدى، وَمَنْ أَخْطَأَهُ، ضَلَّ»، وفي رواية: «أَلاَ وَإنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ ثِقْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ، وَهُوَ حَبْلُ اللَّهِ، مَنِ اتبعه كَانَ عَلَى الهدى، وَمَنْ تَرَكَهُ كَانَ على ضَلاَلَةٍ» . انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-371>[سورة النساء (٤): آية ١٧٥]</span>\nفَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطًا مُسْتَقِيمًا (١٧٥)\nوقوله سبحانه: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ/ وَاعْتَصَمُوا بِهِ: أي: اعتصموا باللَّهِ، ويحتمل: اعتصموا بالقُرآن كما قال﵇-: «القُرْآنُ حَبْلُ اللَّهِ المَتِينُ مَنْ تَمَسَّكَ بِهِ عُصِمَ» «٢»، والرحمة والفضل: الجنّة ونعيمها، ويَهْدِيهِمْ: معناه: إلى الفضل، وهذه هدايةُ طريقِ الجِنَانِ كما قال تعالى: سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ ... [محمد: ٥] الآية لأنَّ هداية الإرشادِ قَدْ تقدَّمت، وتحصَّلت حينَ آمنوا باللَّه واعتصموا بكتابِهِ، فيهدِيهِمْ هنا بمعنى: يُعَرِّفهم، وباقي الآية بيّن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-372>[سورة النساء (٤): آية ١٧٦]</span>\nيَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالًا وَنِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦)\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٤/ ١٨٧٣)، كتاب «فضائل الصحابة»، باب فضل علي بن أبي طالب، حديث (٣٦/ ٢٤٠٨)، وأحمد (٤/ ٣٦٦- ٣٦٧)، والدارمي (٢/ ٤٣١- ٤٣٢)، كتاب «فضائل القرآن»، باب فضل من قرأ القرآن، والطحاوي في «مشكل الآثار» (٤/ ٣٦٨)، وابن أبي عاصم في «السنة» رقم (١٥٥٠، ١٥٥١)، والطبراني في «الكبير» رقم (٥٠٢٦)، والبغوي في «شرح السنة» (٧/ ٢٠٥- بتحقيقنا) .\n(٢) تقدم في أول التفسير.","vol":"2","page":332},{"text":"وقوله تعالى: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ، قد تقدَّم القولُ في تفسير «الكَلاَلَةِ» في صَدْر السورةِ، وكان أمر الكَلاَلَةِ عنْدَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّاب (﵁) مُشْكِلًا، واللَّه أعلم، ما الذي أَشْكَلَ عَلَيْهِ مِنْهَا، وقول النّبيّ ﷺ لَهُ: «تَكْفِيكَ مِنْهَا آيَةُ الصَّيْفِ» «١» الَّتِي نَزَلَتْ فِي آخرِ سُورة «النساء» بيانٌ فيه كفايةٌ، قال كثيرٌ من الصحابة: هذه الآية هي من آخر ما نَزَلَ.\nوقوله سبحانه: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا: التقدير: لئلاَّ تضِلُّوا، وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، سبحانه، وصلَّى اللَّه على نبيِّنا محمَّدٍ، وعلى آلِهِ وصَحْبِهِ، وسلَّم تسليما.\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٣/ ١٢٣٦)، كتاب «الفرائض»، باب ميراث الكلالة (٩/ ١٦١٧)، بلفظ: ألا تكفيك آية الصيف التي في أواخر سورة النساء، وأخرجه أبو داود (٣/ ١٢٠)، كتاب «الفرائض»، باب من كان ليس له ولد وله أخوات (٢٨٨٩)، بلفظ: تجزيك آية الصيف.","vol":"2","page":333},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-373>تفسير سورة المائدة</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ هذه السّورة مدنيّة بإجماع\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-374>[سورة المائدة (٥): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلاَّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ (١)\nقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ... الآية عامَّة في الوفاءِ بالعقودِ، وهي الرّبوط في القول، كان ذلك في تعاهُدٍ على بِرٍّ أوْ في عُقْدَةِ نِكاحٍ، أوْ بَيْعٍ، أو غيره، فمعنى الآيةِ أمْرُ جميعِ المؤمنينَ بالوَفَاءِ على عَقْدٍ جارٍ على رَسْم الشريعةِ، وفَسَّر بعض الناسِ لفْظَ «العقود» بالعُهُودِ، وقال ابنُ شِهَابٍ: قرأْتُ كتاب رسول الله ﷺ الذي كَتَبَ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ «١» حِينَ بَعَثهُ إلى نَجْرَانَ، وفِي صَدْرِهِ: «هَذَا بَيَانٌ مِنَ الله ورسوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ، فكتب الآياتِ إلى قوله: إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ «٢»\n_________\n(١) هو: عمرو بن حزم بن زيد بن لوذان بن عمرو بن عبد عوف بن غنم بن مالك بن النجار. أبو الضحاك. الأنصاري. الخزرجي ثم النجاري. أمه من بني ساعدة.\nقال ابن حجر في «الإصابة»: شهد الخندق وما بعدها، واستعمله النبيّ على نجران، روى عنه كتابا كتبه له فيه الفرائض والزكاة والديات وغير ذلك، أخرجه أبو داود، والنسائي، وابن حبان، روى عنه ابنه محمد وجماعة، توفي بالمدينة سنة (٥١) وقيل (٥٤): أنه توفي بالمدينة في خلافة عمر بن الخطاب.\nتنظر ترجمته في: «أسد الغابة» (٤/ ٢١٤)، «الإصابة» (٤/ ٢٩٣)، «الثقات» (٣/ ٢٦٧)، «الاستيعاب» (٣/ ١١٧٢)، «تجريد أسماء الصحابة» (١/ ٤٠٤)، «بقي بن مخلد» (٢٩٧)، «الاستبصار» (٧٣)، «الجرح والتعديل» (٦/ ٢٢٤)، «التاريخ الكبير» (٦/ ٣٠٥)، «تقريب التهذيب» (٢/ ٦٨)، «تهذيب التهذيب» (٢/ ٦٨)، «تهذيب الكمال» (٢/ ١٠٢٩)، «التحفة اللطيفة» (٣/ ٢٩٥)، «عنوان النجابة» (١٣٨)، «الكاشف» (٣٢٦)، «الأعلام» (٥/ ٧٦)، «الطبقات الكبرى» (١/ ٢٦٧)، «التاريخ لابن معين» (٢/ ١٥٣)، «بقي بن مخلد» (٢٩٧)، «العبر» (٥٨)، «معجم الثقات» (٣١٤) .\n(٢) أخرجه النسائي (٨/ ٥٧)، كتاب «القسامة»، باب ذكر حديث عمرو بن حزم في العقول واختلاف الناقلين له، حديث (٤٨٥٣)، والدارمي (١/ ٣٨١) - كتاب الزكاة»، باب في زكاة الغنم، وأبو داود في «المراسيل» رقم (٢٥٨، ٢٥٩)، والحاكم (١/ ٣٩٥- ٣٩٧)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٢/ ٣٤)، والبيهقي (٤/ ٨٩) كتاب «الزكاة»، باب كيف فرض الصدقة، وابن عبد البر في «التمهيد» (٧/ ٣٣٩- ٣٤١)، وابن حبان (٧٩٣- موارد)، وابن حزم في «المحلى» (١٠/ ٤١١) كلهم من طريق-","vol":"2","page":334},{"text":"[المائدة: ٤] .\nقال ع «١»: وأصوبُ ما يقال في هذه الآية: أنْ تعمَّم ألفاظها بغايةِ مَا تَتَنَاوَلُ، فيعمَّم لفظ المؤمنينَ في مُؤْمِنِي أهْلِ الكتابِ، وفي كُلِّ مظهر للإيمانِ، وإنْ لم يبطنه، وفي المؤمنين حقيقة، ويعمّم العُقُودِ في كلِّ ربطٍ بقَوْلٍ موافِقٍ للحق والشَّرْع.\nوقوله تعالى: أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ اختلف في معنى بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ.\nفقال قتادة وغيره: هي الأنعامُ كلُّها.\nع «٢»: كأنه قال: أُحِلَّتْ لكم الأنعامُ. وقال الطبريُّ «٣»: قال قومٌ: بهيمةُ الأنعامِ: وحْشُهَا، وهذا قولٌ حَسَنٌ وذلك أنَّ الأنعامَ هي الثمانيةُ الأزواجِ، وانضاف إلَيْهَا مِنْ سائر الحَيَوان ما يُقَالُ له: أنعامٌ بمجموعِهِ معها، والبهيمة في كلامِ العربِ: ما أبهم من جهة نقص النّطق والفهم.\n_________\n- سليمان بن داود، حدثني الزهري، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده.\nوصححه ابن حبان، والحاكم، ووافقه الذهبي.\nوقال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على «المحلى» (١/ ٨٢): وهو إسناد صحيح، وأخرجه مالك (٢/ ٨٤٩) كتاب «العقول»، باب ذكر العقول، حديث (١)، والشافعي في «الأم» (٨/ ٥٧١)، والنسائي (٨/ ٦٠) كتاب القسامة، والبيهقي (٨/ ٧٣، ٨٢) كلهم من طريق عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه «أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم في العقول: «أن في النفس مائة من الإبل، وفي الأنف إذا أوعى جدعا مائة من الإبل، وفي المأمومة ثلث الدية، وفي الجائفة مثلها، وفي العين خمسون، وفي الرجل الواحدة خمسون، وفي كل إصبع مما هنالك عشر من الإبل، وفي السن خمس، وفي الموضحة خمس» .\nوأخرجه عبد الرزاق مختصرا (٩/ ٣١٦) رقم (١٧٣٥٨) من طريق معمر، عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه، عن جده. ومن طريق عبد الرزاق أخرجه الدارمي (١/ ٣٨١)، وابن خزيمة (٤/ ١٩) رقم (٢٢٦٩)، والدارقطني (٣/ ٢١٠) رقم (٣٧٩)، وتابع معمرا ابن إسحاق.\nأخرجه البيهقي في «دلائل النبوة» (٥/ ٤١٣- ٤١٥) .\nوأخرجه النسائي (٨/ ٥٩) كتاب «القسامة»، من طريق ابن وهب، ثنا يونس بن يزيد، عن الزهري قال:\nقرأت كتاب رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم، وكان الكتاب عند أبي بكر بن حزم.\nوأخرجه الدارقطني (٣/ ٢٠٩) رقم (٣٧٧) من طريق محمد بن عمارة، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال: كان في كتاب عمرو بن حزم ... فذكره.\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ١٤٤) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ١٤٤) .\n(٣) ينظر: الطبري (٤/ ٣٨٩) . [.....]","vol":"2","page":335},{"text":"وقوله: إِلَّا مَا يُتْلى عَلَيْكُمْ: استثناءُ ما تُلِيَ في قوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ... [المائدة: ٣] الآية: «وما» في موضعِ نَصْبٍ على أصْل الاستثناءِ.\nوقوله سبحانه: غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ ... نُصِبَ «غير» على الحال من الكافِ والميمِ في قوله: أُحِلَّتْ لَكُمْ، وهو استثناءٌ بعد استثناءٍ.\nقال ص: وهذا هو قولُ الجمهورِ، واعترض بأنَّه يلزم منه تقييدُ الحِلِّيَّةِ بِحَالَةِ كَوْنهم غِيْرَ محلِّين الصَّيْدَ، وهم حُرُمٌ، والْحِلِّيَّةُ ثابتةٌ مطلقًا.\nقال ص: والجوابُ عندي عَنْ هذا أنَّ المفهوم هنا مَتْرُوكٌ لدليلٍ خَارجيٍّ، وكثيرٌ في القرآن وغيره من المَفْهُومَاتِ المتروكَةِ لِمُعارِضٍ، ثم ذكر ما نقله أبو حَيَّان/ من الوُجُوه التي لم يَرْتَضِهَا.\nم: وما فيها من التكلُّف، ثم قال: ولا شَكَّ أنَّ ما ذكره الجمهورُ مِنْ أنَّ «غَيْر»:\nحالٌ، وإنْ لزم عنه الترك بالمفهومِ، فهو أولى من تَخْرِيجٍ تَنْبُو عنه الفُهُوم. انتهى.\nوقوله سبحانه: إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ: تقويةٌ لهذه الأحكامِ الشرعيَّة المخالِفَةِ لِمعهود أحكامِ الجاهليَّة، أي: فأنت أيها السَّامِعُ لِنَسْخِ تلك التي عَهِدتَّ، تَنَبَّهْ، فإنَّ اللَّه الذي هو مَالِكُ الكُلِّ يحكُمُ ما يريدُ لا مُعقِّب لحُكْمه سُبْحانه.\nقال ع «١»: وهذه الآيةُ مما تَلُوحُ فصاحتها، وكَثْرَةُ معانِيهَا على قلَّة ألفاظها لكلِّ ذِي بَصَر بالكلامِ، ولِمَنْ عنده أدنى إبْصَارٍ، وقد حَكَى النَّقَّاش أنَّ أَصْحَابَ الكِنْدِيِّ «٢» قالوا للكنديِّ: أيُّهَا الحكيمُ، اعمل لنا مثْلَ هذا القرآن، فقال: نعم، أعْمَلُ لكم مِثْل بعضِهِ، فاحتجب أيامًا كثيرةً، ثم خَرَج، فقال: واللَّهِ، ما أَقْدِرُ عليه، ولا يطيقُ هذا أحدٌ إني فتحْتُ المُصْحَفَ، فخرجَتْ سورةُ المَائِدَةِ، فنَظَرْتُ، فإذا هو قد أمر بالوفاء، ونهى عن\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ١٤٥) .\n(٢) يعقوب بن إسحاق بن الصباح الكندي، أبو يوسف: فيلسوف العرب والإسلام في عصره، وأحد أبناء الملوك من كندة. نشأ في البصرة. وانتقل إلى بغداد، فتعلم واشتهر بالطب والفلسفة والموسيقى والهندسة والفلك. وألف وترجم وشرح كتبا كثيرة. يزيد عددها على ثلاثمائة. ولقي في حياته ما يلقاه أمثاله من فلاسفة الأمم، فوشي به إلى المتوكل العباسي، فضرب وأخذت كتبه، ثم ردت إليه. وأصاب عند المأمون والمعتصم منزلة عظيمة وإكراما. قال ابن جلجل: «ولم يكن في الإسلام غيره احتذى في تواليفه حذو أرسطاطاليس» .\nتنظر ترجمته في: «الأعلام» (٨/ ١٩٥) (١٧٦٩)، «طبقات الأطباء» (١/ ٢٠٦- ٢١٤)، «لسان الميزان» (٦/ ٣٠٥) .","vol":"2","page":336},{"text":"النُّكْثِ، وحلَّل تحليلًا عامًّا، ثم استثنى استثناء بعد استثناء، ثم أخبر عن قُدْرته وحِكْمته في سَطْرَيْنِ، ولا يستطيعُ أحدٌ أنْ يأتِيَ بهذا إلّا في أجلاد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-375>[سورة المائدة (٥): آية ٢]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوانًا وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٢)\nوقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ: خطابٌ للمؤمنين حقًّا ألاَّ يتعدَّوْا حدودَ اللَّهِ فِي أمْرٍ من الأمُور، قال عطاء بنُ أبي رَبَاحٍ: شعائرُ اللَّه جمِيعُ ما أَمَرَ به سبحانَهُ، أوْ نهى عنه «١»، وهذا قولٌ راجحٌ، فالشعائِرُ: جَمْعُ شَعِيرَةٍ، أيْ: قد أَشْعَرَ اللَّه أنَّها حَدُّهُ وطاعَتُهُ، فهي بمعنى مَعَالِمِ اللَّهِ.\nوقوله تعالى: وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ: أي: لا تحلُّوه بقتالٍ ولا غَارَةٍ، والأظْهَرُ أنَّ الشهر الحرام أُرِيدَ به رَجَبٌ ليشتدَّ أمره، وهو شَهْرٌ كان تحريمُهُ مختصًّا بقريشٍ، وكانَتْ تعظِّمه، ويُحتملُ أنه أريد به الجنْسُ في جميع الأشهر الحُرُمِ.\nوقوله سبحانه: وَلَا الْهَدْيَ: أي: لا يستحلُّ وَلاَ يُغَارُ عليه، ثم ذَكَر المُقَلَّدَ مِنْهُ تأكيدًا ومبالغةً في التنبيه علَى الحُرْمَة في التَّقْليد، هذا معنى كلامِ ابْنِ «٢» عبَّاس.\nوقال الجمهورُ: الهَدْيُ عامٌّ في أنواع ما يهدى قُرْبَةً، والقَلاَئِدُ: ما كانَ النَّاس يتقلَّدونه من لِحَاءِ السَّمُرِ وغيره أَمَنَةً لهم.\nوقال ص: وَلَا الْقَلائِدَ: أي: ولا ذَوَاتِ القلائدِ، وقيل: بل المرادُ القلائدُ نَفْسُها مبالغةً في النهْيِ عن التعرُّض للهدْيِ. انتهى.\nوقوله تعالى: وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ: أيْ: قاصِدِينَهُ مِنَ الكفَّار المعنى: لا تحلُّوهم، فَتْغيِرُونَ عليهم، وهذا منسوخٌ ب «آية السَّيْف» بقوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التوبة: ٥] فكلُّ ما في هذه الآية ممّا يتصوّر في مسلم حاجّ، فهو\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٤/ ٣٩٢) برقم (١٠٩٤١)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٢/ ١٢٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٤٥٠)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر.\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٤/ ٣٩٥) برقم (١٠٩٥١)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٤٤٩)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم.","vol":"2","page":337},{"text":"مُحْكَمٌ، وكلُّ ما كان منها في الكُفَّار، فهو منُسُوخٌ.\nوقوله سبحانه: يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوانًا، قال فيه جمهور المفسِّرين:\nمعناه: يبتغونَ الفَضْلَ من الأرباحِ في التِّجَارة، ويبتغُونَ مَعَ ذلك رِضْوَانَهُ في ظَنِّهم وطَمَعهم، وهذه الآيةُ نزلَتْ عام الفَتْحِ، وفيها استئلافٌ مِنَ اللَّهِ سبحانه للعَرَبِ، ولُطْفٌ بهم لِتَنْبسطَ النفوسُ بتداخُلِ النَّاس، ويَرِدُونَ المَوْسِمَ، فيسمَعُونَ القرآن، ويدخل الإيمانُ في قلوبهم، وتَقُوم عليهم الحُجَّة كالذي كان، ثُمَّ نَسَخَ اللَّه ذلك كلَّه بعد عَامٍ في سَنَةِ تِسْعٍ إذْ حَجَّ أبو بَكْرٍ (﵁)، ونودِيَ في الناسِ بسورة «بَرَاءَةَ» .\nوقوله تعالى: وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا: مجيءُ/ إباحة الصَّيْد عَقِبَ التشْدِيدِ فيهِ حَسَنٌ في فَصَاحة القَوْل.\nوقوله سبحانه: فَاصْطادُوا: أمرٌ، ومعناه الإباحةُ بإجماع.\nوقوله تعالى: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ: معناه: لا يُكْسِبَنَّكم، وجَرِمَ الرجُلُ: معناه: كَسَبَ، وقال ابن عبَّاس: معناه: لا يَحْمِلَنَّكم «١»، والمعنى: متقارِبٌ، والتفسيرُ الذي يخُصُّ اللفظةَ هو معنى الكَسْبِ.\nوقوله تعالى: شَنَآنُ قَوْمٍ: الشَّنَآنُ: هو البُغْض، فأما مَنْ قرأ شَنَآنُ- بفتح النون-، فالأظهرُ فيه أنه مصدَرٌ كأنَّه قَالَ: لا يُكْسِبَنَّكم بُغْضُ قومٍ مِنْ أجْل أَنْ صَدُّوكم عدوانًا عليهم وظلمًا لهم، وهذه الآيةُ نزلَتْ عام الفَتْحِ سَنَة ثمانٍ، حين أراد المسْلمونَ أنْ يَسْتَطِيلوا على قريشٍ، وألفافِهَا المتظَاهِرِينَ على صدّ رسول الله ﷺ، وأصْحَابِهِ عَامَ الحُدَيْبِيَةِ، وذلك سنَةَ سِتٍّ من الهجرةِ، فحصَلَتْ بذلك بِغْضَةٌ في قلوب المؤمنين، وحيكة للكُفَّار، فنُهِيَ المؤمنُونَ عَنْ مكافأتهم، وإذْ للَّه فيهمْ إرادةُ خَيْرٍ، وفي علمِهِ أنَّ منهم مَنْ يُؤْمِنُ كالذي كان.\nوقرأ أبو عمرو «٢»، وابن كَثِيرٍ: «إنْ صَدُّوكُمْ»، ومعناه: إنْ وقع مثل ذلك في\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٤/ ٤٠٢) برقم (١٠٩٩٣)، وذكره البغوي في «تفسيره» (٢/ ٨)، وابن عطية في «تفسيره» (٢/ ١٤٨) .\n(٢) وحجتهما: أن الآية نزلت قبل فعلهم وصدهم، قال اليزيدي: معناه: لا يحملنكم بغض قوم أن تعتدوا إن صدوكم.\nينظر: «السبعة» (٢٤٢)، و«الحجة» (٣/ ٢١٢)، و«حجة القراءات» (٢٢٠)، والعنوان، «إعراب القراءات» (١/ ١٤٢)، و«شرح شعلة» (٣٤٧)، و«شرح الطيبة» (٢٢٥)، و«إتحاف» (١/ ٥٢٩)، و«معاني القراءات» (١/ ٣٢٥) .","vol":"2","page":338},{"text":"المُسْتقبل، وقراءةُ الجمهور أمْكَنُ.\nثم أمر سبحانه الجَمِيعَ بالتعاوُنِ عَلَى البِرِّ والتقوى، قال قوم: هما لَفْظَانِ بمعنًى، وفي هذا تَسَامُحٌ، والعُرْفُ في دلالةِ هَذَيْنِ أنَّ البِرَّ يَتَنَاوَلُ الواجبَ والمَنْدُوبَ، والتقوى:\nرعايةُ الوَاجِبِ، فإنْ جعل أحدهما بَدَلَ الآخَرِ، فبتجوُّز.\nقُلْتُ: قال أحمدُ بْنُ نصر الداوديّ: قال ابنُ عباس: البِرُّ ما أُمِرْتَ به، والتقوى ما نُهِيتَ عنه «١» . انتهى، وقد ذكرنا في غَيْرِ هذا الموضعِ أنَّ لفظ التقوى يُطْلَقُ على معانٍ، وقد بيَّناها في آخر «سُورة النُّور»، وفي الحديثِ الصحيحِ: «وَاللَّهُ فِي عَوْنِ العَبْدِ مَا كَانَ العَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ» «٢»، قال ابنُ الفَاكهانِيِّ، عنْد شرحه لهذا الحديث: وقد رُوِّينَا في بعضِ الأَحاديثِ: «مَنْ سعى فِي حَاجَةِ أَخِيهِ المُسْلِمِ، قُضِيَتْ لَهُ أَوْ لَمْ تُقْضَ- غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، وَكُتِبَ لَهُ بَرَاءَتَانِ: بَرَاءَةٌ مِنَ النَّارِ، وَبَرَاءَةٌ مِنَ النِّفَاقِ» «٣»، انتهى مِن «شَرْح الأربعين» حديثًا.\nثم نهى تعالى عن التعاوُنِ عَلَى الإثْمِ والعُدْوَانِ، ثم أمر بالتقوى، وتوعّد توعّدا\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٤/ ٤٠٦) .\n(٢) أخرجه مسلم (٤/ ٢٠٧٤)، كتاب «الذكر والدعاء»، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن، حديث (٣٨/ ٢٦٩٩)، والترمذي (٤/ ٢٦) كتاب «الحدود»، باب ما جاء في الستر على المسلم، حديث (١٤٢٥)، (٤/ ٢٨٧- ٢٨٨) كتاب البر والصلة»، باب ما جاء في السترة على المسلم، حديث (١٩٣٠)، وأبو داود (٢/ ٧٠٤) كتاب «الأدب»، باب في المعونة للمسلم، حديث (٤٩٤٦)، وابن ماجة (١/ ٨٢) المقدمة: باب فضل العلماء والحث على طلب العلم، حديث (٢٢٥)، وأحمد (٢/ ٢٠٢)، وأبو نعيم في «الحلية» (٨/ ١١٩)، والبغوي في «شرح السنة» (١/ ٢٢١- بتحقيقنا) كلهم من طريق الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعا.\nقال النووي في «شرح مسلم» (٩/ ٢٨) .\nومعنى (نفس الكربة): أزالها.\nوفيه: فضل قضاء حوائج المسلمين، ونفعهم بما تيسر من علم أو مال أو معاونة أو إشارة بمصلحة أو نصيحة وغير ذلك، وفضل الستر على المسلمين، وقد سبق تفصيله، وفضل إنظار المعسر، وفضل المشي في طلب العلم، ويلزم من ذلك الاشتغال بالعلم الشرعي، بشرط أن يقصد به وجه الله تعالى، وإن كان هذا شرطا في كل عبادة، لكن عادة العلماء يقيدون هذه المسألة به لكونه قد يتساهل فيه بعض الناس، ويغفل عنه بعض المبتدئين ونحوهم.\n(٣) ذكره ابن عراق في «تنزيه الشريعة» (٢/ ١٤٣)، وعزاه للمنذري في «جزء غفران الذنوب» من حديث ابن عباس وقال: فيه أحمد بن بكار المصيصي، قال الحافظ في «اللسان»: عندي أنه أحمد بن بكر البالسي خبطوا في نسبه، والحديث موضوع.","vol":"2","page":339},{"text":"مجملًا، قال النوويُّ: وعَنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ «١»: «أنّه أتى النبيّ ﷺ، فقَالَ: جِئْتَ تَسْأَلُ عَنِ البِرِّ والإِثْمِ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ: استفت قَلْبَكَ البِرُّ: مَا اطمأنت إلَيْهِ النَّفْسُ، واطمأن إلَيْهِ القَلْبُ، والإثْمُ: مَا حَاكَ فِي النَّفْسِ، وَتَردَّدَ فِي الصَّدْرِ، وَإنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ» «٢» حديثٌ حَسَنٌ رَوَيْنَاه في مسنَدِ أحمَدَ، يعني: ابْنَ حَنْبَلٍ، والدَّارِمِي وغيرهما، وفي «صحيح مسلم»، عن النَّوَّاس بْنِ سَمْعَان، عن النبيّ ﷺ قَالَ: «البِرُّ حُسْنُ الخُلُقَ، والإثْمُ مَا حَاكَ فِي نَفْسِكَ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ» «٣» . انتهى.\n_________\n(١) وابصة بن معبد بن مالك بن عبيد. وقيل: وابصة بن معبد بن عتبة بن الحارث. أبو سالم. الأسدي.\nقال ابن الأثير: له صحبة، سكن الكوفة ثم تحول إلى الرقة فأقام بها إلى أن مات بها. روى عن النبيّ ﷺ أحاديث. روى عنه ابناه عمرو، وسالم، والشعبي، وزياد بن أبي الجعد وغيرهم ... وتوفي وابصة بالرقّة، وقبره عند منارة المسجد الجامع بالرافقة.\nتنظر ترجمته في: «أسد الغابة» (٥/ ٤٢٧)، «الإصابة» (٦/ ٣٠٩)، الثقات» (٣/ ٤٣١)، «تجريد أسماء الصحابة» (٢/ ١٢٥)، «الاستيعاب» (٤/ ١٥٦٣)، «بقي بن مخلد» (١٧٩)، «تقريب التهذيب» (٢/ ٣٢٨)، «تهذيب التهذيب» (١١/ ١٠٠)، «تهذيب الكمال» (٣/ ١٤٥٧)، «الكاشف» (٣/ ٢٣٢)، «الجرح والتعديل» (٩/ ٤٧)، «الطبقات الكبرى» (١/ ٢٩٢٨)، «التاريخ الكبير» (٨/ ١٨٧)، «حلية الأولياء» (٢/ ٢٣)، «البداية والنهاية» (٥/ ٨٨) .\n(٢) أخرجه أحمد (٤/ ٢٢٨)، والدارمي (٢/ ٢٤٥- ٢٤٦) كتاب «البيوع»، باب دع ما يربك إلى ما لا يريبك»، والطبراني في «الكبير» (٢٢/ ١٤٧- ١٤٨) رقم (٤٠٢) من حديث وابصة.\n(٣) أخرجه مسلم (٤/ ١٩٨١)، كتاب «البر والصلة»، باب تفسير البر والإثم، حديث (١٤/ ٢٥٥٣)، والبخاري في «الأدب المفرد» رقم (٢٩٥)، والترمذي (٤/ ٥٩٧)، كتاب «الزهد»، باب ما جاء في البر والإثم، حديث (٢٣٨٩)، وأحمد (٤/ ١٨٢)، وابن حبان (٢٣٩٧)، والبيهقي (١٠/ ١٩٢)، وفي «شعب الإيمان»، (٥/ ٤٥٧) رقم (٧٢٧٢)، والبغوي في «شرح السنة» (٦/ ٤٧٤- بتحقيقنا) كلهم من طريق معاوية بن صالح، عن عبد الرّحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، عن النواس بن سمعان به.\nوقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.\nوأخرجه أحمد (٤/ ١٨٢)، والدارمي (٢/ ٣٢٢)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٥/ ٤٥٧) رقم (٧٢٧٣) من طريق صفوان بن عمرو، عن يحيى بن جابر القاضي، عن النواس بن سمعان به.\nوللحديث شاهد من حديث أبي ثعلبة الخشني: أخرجه أحمد (٤/ ١٩٤)، وأبو نعيم في «الحلية» (٢/ ٣٠)، والطبراني في «الكبير» (٢٢/ ٢١٩) عنه مرفوعا بلفظ: «البر ما سكنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما لم تسكن إليه النفس ويطمئن إليه القلب» .","vol":"2","page":340},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-376>[سورة المائدة (٥): آية ٣]</span>\nحُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَما أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ ما ذَكَّيْتُمْ وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣)\nوقوله تعالَى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ ... الآية: تعديدٌ لما يتلى على الأمَّة ممَّا استثنَي من بهيمة الأَنْعَامِ، وَالدَّمُ: معناه: المَسْفُوح، وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ: مقتض لشخمه بإجماع، وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ: قد تقدّم، وَالْمُنْخَنِقَةُ: معناه: التي تموت حنقا، وَالْمَوْقُوذَةُ: التي ترمى أو تُضْرَبُ بِعَصًا، وشبهها، وَالْمُتَرَدِّيَةُ: هي التي تتردى مِنْ عُلْوٍ إلى سُفْلٍ، فتموتُ، وَالنَّطِيحَةُ: فَعِيلَةٌ بمعنى مَفْعُولَةٍ، وَما أَكَلَ السَّبُعُ: يريد كُلَّ ما افترسَهُ ذو نَابٍ، وأظْفَارٍ من الحَيَوان، وكانَتِ العربُ تأكل هذه المذْكُورات، ولم تَعْتَقِدْ ميتةً إلا ما مَاتَ بالوَجَعِ ونحو ذلك.\nواختلف العلماءُ في قوله تعالى: إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ، فقال ابنُ عباس، وجمهورُ العلماء: الاستثناءُ من هذه المذْكُوراتِ، فما أُدْرِكَ مِنْهَا يَطْرِفُ بِعَيْنٍ أو يُحَرِّكُ ذَنَبًا «١»، وبالجُمْلة/: ما يتحقَّق أنه لم تَفِضْ نفسه، بل له حياةٌ، فإنه يذكى على سُنَّة الذَّكَاة، ويُؤْكَلُ، وما فَاضَتْ نفسه، فهو الميتَةُ، وقال مالكٌ مرَّةً بهذا القَوْلِ، وقال أيضًا، وهو المشهور عنه، وعن أصحابه مِنْ أهْل المدينة: إنَّ قوله تعالى: إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ: معناه: مِنْ هذه المذْكُورات في وَقْتٍ تَصِحُّ فيه ذَكاتُها، وهو ما لم تنفذ مقاتِلها، ويتحقَّق أنها لا تَعِيشُ، ومتى صارَتْ في هذا الحَدِّ، فهي في حُكْمِ المَيْتَة، فالاستثناءُ عند مالك مُتَّصِلٌ كقول الجمهور، لكنه يُخَالِفُ في الحَالِ التي يَصِحُّ فيها ذَكاةُ هذه المذكورات واحتج لمالِكٍ بأنَّ هذه المذكوراتِ لو كَانَتْ لا تحرم إلاَّ بموتها، لكان ذكْرُ المَيْتَة أولًا يُغْنِي عنها، ومِنْ حُجَّة المخالِفِ أنْ قَالَ: إنما ذُكِرَتْ بسبب أنَّ العرب كانَتْ تعتقدُ أنَّ هذه الحوادِثَ كالذَّكَاة، فلو لم يُذْكَرْ لها غَيْرُ الميتةِ، لظَنَّتْ أنها ميتةُ الوَجَعِ حَسْبما كانَتْ عليه، والذَّكَاةُ في كلام العرب: الذَّبْح.\nوقوله سبحانه: وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ: عطفٌ على المحرَّمات المذْكُورة، والنُّصُب: حجارةٌ تُنْصَبُ، يذبحون علَيْها، قال ابنُ جُرَيْجٍ: وليسَتِ النُّصُب بأصنامٍ فإن الصَّنَمُ يُصوَّر ويُنْقَشُ، وهذه حجارةٌ تُنْصَبُ، وكَانَتِ العربُ تَعْبُدُها «٢»، قال ابنُ زَيْدٍ: مَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ: شيْءٌ واحدٌ «٣» «٤» .\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٤/ ٤١١) برقم (١١٠٣٦)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٢/ ١٥١) .\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٤/ ٤١٤) برقم (١١٠٥٢)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٢/ ١٥٢) . [.....]\n(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٤/ ٤١٥) برقم (١١٠٦١)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٢/ ١٥٢) .\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ١٥٣) .","vol":"2","page":341},{"text":"قال ع: ما ذُبِحَ على النصبِ جُزْءٌ مِمَّا أهِلَّ به لغير اللَّه، لكنْ خُصَّ بالذِّكْر بعد جنْسِهِ لشهرة أمْرِه.\nوقوله سبحانه: وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ: حرَّم سبحانه طَلَبَ القِسْمِ، وهو النَّصِيبِ، أوِ القَسْمِ- بفتح القاف-، وهو المصدَرُ بالأزلامِ، وهي سهَامٌ، قال صاحبُ «سلاح المؤمن»: والاستقسامُ: هُوَ الضَّرْب بها لإخراجِ مَا قُسِمَ لهم، وتَمْيِيزِهِ بزَعْمهم.\nانتهى، وأزْلاَمُ العَرَبِ على أنواعٍ منْها الثلاثةُ الَّتي كان يتَّخِذُها كلُّ إنسانٍ لنفسه على أحدها «افعل»، وعلى الآخر «لاَ تَفْعَلْ»، وثالثٌ مهملٌ لا شيْءَ عليه، فيجعلها في خريطَةٍ معه، فإذا أراد فِعْلَ شيءٍ أدخَلَ يده، وهي متشابهَةٌ فأخْرَجَ أحدها، وَأْتَمَرَ له، وانتهى بحسب ما يَخْرُجُ له، وإنْ خرج القِدْحُ الذي لا شَيْءَ فيه، أعاد الضَّرْبَ.\nوقوله سبحانه: ذلِكُمْ فِسْقٌ: إشارةٌ إلى الاِستقسامِ بالأزلام.\nوقوله تعالى: الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ: معناه عند ابن عباس وغيره:\nمِنْ أنّ تَرْجِعُوا إلى دينهم «١»، وظاهر أمر النبيّ ﷺ، وأمْرِ أصحابِهِ، وظهور الدِّين يقتضي أنَّ يَأْسَ الكُفَّارِ عنِ الرجوعِ إلى دينهم قد كَانَ وَقَعَ مُنْذُ زمانٍ، وإنما هذا اليأسُ عندي من اضمحلال أَمْرِ الإسلام، وفَسَادِ جمعه لأن هذا أمْرٌ كان يترجَّاه مَنْ بَقِيَ من الكفَّار ألا ترى إلى قول أخِي صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ «٢» في يَوْمِ هَوَازِنَ حتى انكشف المُسْلمون، وظنَّها هزيمةً: «أَلاَ بَطَلَ السِّحْرُ اليَوْمَ»، إلى غير هذا مِنَ الأَمثلَة، وهذِهِ الآيةُ في قول الجمهورِ عُمَرَ بْنِ الخطابِ «٣» وغيره: نَزَلَتْ في عَشِيَّةِ يَوْمِ عَرَفَةَ يَوْمَ الجمعةِ، وفي ذلك اليَوْمِ امحى أمْرُ الشِّرْكِ مِنْ مَشَاعِرِ الحَجِّ، ولم يحضُرْ من المشركين المَوْسِمَ بَشَرٌ، فيحتملُ قوله تعالى:\nالْيَوْمَ: أنْ تكون إشارةً إلى اليومِ بعينه، ويحتملُ أنْ تكون إشارةً إلى الزَّمَنِ والوَقْت، أيْ: هذا الأوانُ يَئِسَ الكفَّار من دينكم.\nوقوله: الَّذِينَ كَفَرُوا/: يعمُّ سائر الكفَّار من العرب وغيرهم وهذا يقوِّي أنَّ اليأْس إنما هو مِنَ انحلال أمْرِ الإسلام، وأمر سبحانه بخَشْيَته الَّتي هِيَ رأس كلّ عبادة كما قال ﷺ: «ومفتاح كلّ خير» .\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٤/ ٤١٨) برقم (١١٠٧٩)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٤٥٤)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس.\n(٢) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (٢/ ٤٤٢) .\n(٣) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (٢/ ٤٤٢) .","vol":"2","page":342},{"text":"وقوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ: تحتملُ الإشارةَ ب «اليَوْم» ما قد ذكرناه، حَكَى الطبريُّ «١» أنَّ النبيَّ﵇- لَمْ يَعِشْ بعد نزول هذه الآية إلاَّ إحدى وثمانِين ليلة، والظاهر أنه عاش ﷺ أكثر بأيامٍ يسيرةٍ، قُلْتُ: وفي سماعِ ابنِ القاسِمِ، قال مالك:\nبلَغَنِي أنَّ رسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ في اليومِ الذي تُوُفِّيَ فِيهِ، وَقَفَ على بابه، فقال: «إنِّي لاَ أُحِلُّ إلاَّ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، وَلاَ أُحَرِّمُ إلاَّ مَا حَرَّمَ اللَّهُ في كِتَابِهِ، يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ، ويَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ، اعملا لِمَا عِنْدَ اللَّهِ فَإنِّي لاَ أُغْنِي عَنْكُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا»، قال ابن رُشْدٍ: هذا حديثٌ يدلُّ على صحَّته قولُ اللَّهِ ﷿: مَّا فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام: ٣٨]، وقال تعالى: تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ [النحل: ٨٩]، فالمعنى في ذلك: أنَّ الله ﷿ نَصَّ على بعض الأحكامِ، وأجْمَلَ القَوْلَ في بعضها، وأحَالَ علَى الأدلَّة في سائِرِها بقوله: وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ [النساء: ٨٣] فبيَّن النبيّ ﷺ ما أجمله اللَّه في كتابه كما أمره حيثُ يقول: لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل: ٤٤]، فما أحلّ ﷺ، أو حرَّم، ولم يوجَدْ في القُرآن نَصًّا، فهو مما بيَّن مِنْ مُجْمَلِ القُرآن، أو علمه بما نُصِبَ من الأدلَّة فيه، فهذا معنى الحديث، والله أعلم، فما ينطق ﷺ عَنِ الهوى إنْ هو إلاَّ وحْيٌ يوحَى. انتهى من «البيان والتحصيل» .\nوفي «الصحيح» «أنَّ عمرَ بْنَ الخطَّابِ، قال لَهُ يَهُودِيٌّ: آيَةٌ في كتابكم تقرءونها، لو علَيْنا نزلَتْ، لاتَّخَذْنَا ذَلِكَ اليَوْمَ عيدًا، فقال له عُمَرُ: أيُّ آيَة هِيَ؟ فَقَالَ: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ، فقالَ له عُمَرُ: قَدْ عَلِمْنَا ذَلِكَ اليَوْمَ نَزَلَتْ على رَسُولِ الله ﷺ، وهو واقف بعرفة يوم الجمعة» «٢» .\n_________\n(١) ينظر: الطبري (٤/ ٤١٨) .\n(٢) أخرجه البخاري (١/ ١٢٩) كتاب «الإيمان»، باب زيادة الإيمان ونقصانه، حديث (٤٥)، وفي (٧/ ٧١٢) كتاب «المغازي»، باب حجة الوداع، حديث (٤٤٠٧)، وفي (٨/ ١١٩) كتاب «التفسير»، باب الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ، حديث (٤٦٠٦)، وفي (١٣/ ٢٥٩) كتاب «الاعتصام»: حديث (٧٢٦٨)، ومسلم (٤/ ٢٣١٢- ٢٣١٣) كتاب «التفسير»، حديث (٣- ٥/ ٣٠١٧)، والترمذي (٥/ ٢٥٠) كتاب «التفسير»، باب سورة المائدة، حديث (٣٠٤٣)، والنسائي (٥/ ٢٥١) كتاب «الحج»، باب ما ذكر في يوم عرفة، و(٨/ ١١٤) كتاب «الإيمان»، باب زيادة الإيمان، وأحمد (١/ ٢٨)، والحميدي (٣١)، وعبد بن حميد في «المنتخب من المسند» (ص- ٤٠) رقم (٣٠)، والطبري في «تفسيره» (٤/ ٤٢١) رقم (١١٠٩٨)، وابن حبان (١٨٥)، والآجري في «الشريعة» (ص ١٠٥)، والبيهقي (٥/ ١١٨) كتاب «الحج»، كلهم من طريق قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن عمر بن الخطاب به.\nوقال الترمذي: حديث حسن صحيح.\nوالحديث: ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٤٥٦)، وزاد نسبته إلى ابن المنذر.","vol":"2","page":343},{"text":"قال ع «١»: فَفِي ذلك اليَوْم عِيدَانِ للإسلامِ، إلى يومِ القِيامةِ، وإتمامُ النعمة هو في ظُهُور الإسلام، ونُورِ العقائدِ، وكمالِ الدِّينِ، وسعةِ الأحوالِ، وغيرِ ذلكَ ممَّا اشتملت عليه هذه المِلَّةُ الحنيفيَّة إلى دخولِ الجَنَّة، والخلودِ في رَحْمَةِ اللَّه سبحانه، جَعَلَنَا اللَّهُ مِمَّنْ شَمِلَتْهُ هذه النعمة.\nوقوله سبحانه: وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا: يحتملُ الرِضَا في هذا الموضعِ أنْ يكون بمعنى الإرادةِ، ويحتملُ أنْ يكونَ صفةَ فِعْلٍ عبارةً عَنْ إظهارِ اللَّهِ إياه لأنَّ الرضَا من الصفاتِ المتردِّدة بَيْنَ صفاتِ الذَّاتِ وصفاتِ الأفعال، واللَّه تعالى قد أراد لنا الإسلامَ، وَرَضِيَهُ لنا، وَثَمَّ أشياء يريدُ اللَّه وقوعها ولا يَرْضَاها.\nوقوله سبحانه: فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ، يعني: مَنْ دَعَتْهُ ضرورةٌ إلى أكل الميتة، وسائر تلك المحرّمات، وسئل ﷺ، متى تَحِلُّ الميتَةُ للنَّاسِ؟ فَقَالَ: «إذَا لَمْ يَصْطَبِحُوا، وَلَمْ يَغْتَبِقُوا «٢»، وَلَمْ يَحْتَفِئُوا «٣» بَقْلًا «٤»» . والمخمَصَةُ: المجاعَةُ التي تخمص فيها البُطُونُ، أي:\nتَضْمُرُ.\nوقوله سبحانه: غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ هو بمعنى: غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ [البقرة: ١٧٣] وقد تقدَّم تفسيره.\nقال ص: متجانف: أي: مائلٌ منحرفٌ. انتهى، وقد تقدّم في «البقرة» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-377>[سورة المائدة (٥): آية ٤]</span>\nيَسْئَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (٤)\nوقول تعالى: يَسْئَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ: سببُ نزولها أنَّ النبيَّ ﷺ/ لمّا أمر بقتل\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ١٥٤) .\n(٢) تفتعلوا من الغبوق، وهو شرب آخر النهار مقابل الصّبوح.\nينظر: «النهاية» (٣/ ٣٤١) .\n(٣) قال أبو عبيد: هو من الحفأ، مهموز مقصور، وهو أصل البرديّ الأبيض الرطب منه، وقد يؤكل. يقول:\nما لم تقتلعوا هذا بعينه فتأكلوه. ينظر: «النهاية» (١/ ٤١١) .\n(٤) أخرجه أحمد (٥/ ٢١٨)، والحاكم (٤/ ١٢٥)، والبيهقي (٩/ ٣٥٦) من طريق حسان بن عطية، عن أبي واقد الليثي به.\nوقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين. ولم يخرجاه.\nوقال الذهبي: فيه انقطاع.","vol":"2","page":344},{"text":"الكلابِ. سأله عاصمُ بنُ عَدِيٍّ وغيره، مَاذَا يَحِلُّ لَنَا مِنْ هَذِهِ الكِلابِ» «١» .\nقال ع «٢»: وظاهر الآية أنَّ سائلًا سأل عمَّا يحلُّ للنَّاسِ من المَطَاعِمِ لأنَّ قوله تعالى: قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ ليس بجوابٍ عمَّا يحِلُّ للناسِ اتخاذه من الكلاَبِ إلاَّ أنْ يكون مِنْ باب إجَابَةِ السائلِ بأكثر ممَّا سأَلَ عنه، وهو موجود كثيرا من النبيّ ﷺ، والطَّيِّبُ:\nالحَلاَل.\nوقوله سبحانه: وَما عَلَّمْتُمْ: أي: وصَيْدُ ما علَّمتم، قال الضَّحَّاك وغيره: وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ: هي الكلاَبُ خاصَّةٌ.\nقال العِرَاقِيُّ في مُكَلِّبِينَ: أصحاب أَكْلُبٍ لها مُعَلِّمين. انتهى، وأعلى مراتِبِ التَّعْلِيمِ، أنْ يُشْلى الحَيَوانُ فَيَنْشَلِي، ويدعى فَيُجِيب، ويُزْجَر بَعْد ظَفَرِهِ بالصَّيْد، فينزجر، وجوارِحُ: جمع جَارِحٍ، أي: كاسب، يقال: جَرَحَ فلانٌ، واجترح إذا اكتسب ومنه قوله تعالى: وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ [الأنعام: ٦٠]، أي: ما كَسَبْتُمْ مِنْ حسنةٍ وسيئةٍ.\nقال ع «٣»: وقرأ «٤» جمهورُ النَّاس: وَما عَلَّمْتُمْ- بفتح العين واللام-، وقرأ ابن عبّاس ومحمّد ابن «٥» الحنفيَّة: «عُلِّمْتُمْ» - بضم العين وكسر اللام-: أي: من أمرِ الجوارحِ، والصَّيْدِ بِها، وقرأ جمهورُ النَّاس: «مُكَلِّبِينَ» - بفتح الكاف وشَدِّ اللام-، والمُكَلِّبُ: معلّم الكلاب، ومضرّيها، ويقال لِمَنْ يعلِّم غَيْرَ كَلْبٍ: مُكَلِّب لأنه يَرُدُّ ذلك الحيوان كالكَلْبِ.\nوقوله سبحانه: تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ: أيْ: تعلمونَهُنَّ الحِيلَةَ في الاصطياد، والتأتّي لتحصيل الحيوان، وهذا جزء مما علّمه الله الإنسان، ف «مِنْ»: للتبعيض.\nوقوله تعالى: فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ: يحتملُ: ممَّا أمسكْنَ، فلم يأكلْنَ منه شيئًا، ويحتملُ: ممَّا أمسكْن، وإن أكلْنَ منه، وبحَسَبِ هذا الاحتمالِ اختلف العلماءُ في جواز أكْلِ الصيد، إذا أكل منه الجارحُ.\nوقوله سبحانه: وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ: أمر بالتسمية عند الإرسال، وذهب مالك\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٤/ ٢٤٨) برقم (١١١٣٨)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٢/ ١٥٤)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٤٥٨)، وعزاه لابن جرير عن عكرمة.\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ١٥٦) .\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ١٥٧) . [.....]\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ١٥٧) .\n(٥) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ١٥٧)، و«البحر المحيط» (٣/ ٤٤٥)، و«الدر المصون» (٢/ ٤٨٩) .","vol":"2","page":345},{"text":"وجمهورُ العلماء أنَّ التسمية واجبةٌ، مع الذِّكر، ساقطةٌ مع النِّسْيَان، فمن تركَهَا عامدًا، فقد أفْسَدَ الذبيحةَ والصَّيدَ، ومن تَرَكها ناسيًا، سمى عند الأكْلِ، وكانَتِ الذبيحةُ جائزةً، وفِقْهُ الصيْدِ والذبْحِ في معنى التسميةِ- واحدٌ.\nثم أمر سبحانه بالتقوى على الجُمْلة، والإشارة إلى ما تضمَّنته هذه الآياتُ مِنَ الأوامِرِ والنواهِي، وفي قوله: إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ: وعيدٌ وتحذيرٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-378>[سورة المائدة (٥): آية ٥]</span>\nالْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (٥)\nوقوله سبحانه: الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ: إشارةٌ إلى الزَّمَنِ والأوانِ، والخِطَابُ للمؤمِنِينَ.\nوقوله سبحانه: وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ: الطعامُ في هذه الآيةِ:\nالذَّبَائِحُ كذا قال أهل التفسير.\nواختلفوا في لَفْظَةِ طَعامُ.\nفقال الجمهورُ: هي الذبيحةُ كلُّها، وقالتْ جماعة: إنما أحل لنا طعامهم من الذبيحةِ، أي: الحلال لهم منها لا ما لا يَحِلُّ لهم كَالطَّرِيفِ، وَالشُّحُومِ المحْضَةِ.\nواختلف في لَفْظة أُوتُوا الْكِتابَ.\nفقالتْ طائفة: إنما أحل لنا ذبائح الصُّرَحَاءِ منهم، لا مَنْ كان دخيلًا في هذَيْن الدِّينَيْنِ، وقال جمهورُ الأمَّة ابنُ عَبَّاس، والحسنُ، ومالكٌ، وغيرهم: إنَّ ذبيحةَ كُلِّ نصرانيٍّ حلالٌ، كان مِنْ بني تَغْلِبَ أو غيرهم «١»، وكذلك اليهودُ، وتأوَّلوا قوْلَ اللَّهِ تعالى:\nوَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ [المائدة: ٥١] .\nوقولُهُ سُبْحَانه: وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ: أي: ذبائحكم، فهذه رُخْصَة للمسلمين، لا لأهْلِ الكتابِ، لَمَّا كان الأمْرُ يقتضي أنَّ شيئًا قد تشرَّعنا فيه بالتَّذْكِيَةِ ينبغي لنا أنْ نَحْمِيَهُ منهم، رخَّص اللَّه تعالى لنا في ذلك دفعًا للمشقَّة بحَسَب التجاوُرِ.\nوقوله سبحانه: وَالْمُحْصَناتُ: عطْفٌ على الطَّعَام المُحَلَّل، ذهب جماعة منهم\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٤/ ٤٤١) برقم (١١٢٣١) عن ابن عباس، (١١٢٣٢) عن الحسن، وذكره ابن عطية (٢/ ١٥٩)، وابن كثير في «تفسيره» (٢/ ١٨) .","vol":"2","page":346},{"text":"مالكٌ إلى أنَّ المحصنات في هذه الآيةِ الحرائر «١»، فمنعوا نِكَاحَ الأَمَةِ الكتابيَّة، / وذهب جماعةٌ إلى أنهنَّ العَفَائِفُ، فأجازوا نكاحَ الأَمَةِ الكتابيَّة، والأجورُ في الآية: المُهُورُ، وانتزع بعضُ العلماءِ من لفظ: آتَيْتُمُوهُنَّ أنَّه لا ينبغِي أنْ يدخل زَوْجٌ بزوجته إلاَّ بَعْدَ أنْ يَبْذُلَ من المَهْر ما يستحلّها به، ومُحْصِنِينَ: معناه: متزوِّجين على السُّنَّة.\nوقوله سبحانه: وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ: أي: بالأمور التي يَجِبُ الإيمان بها، وباقي الآية بيّن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-379>[سورة المائدة (٥): آية ٦]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦)\nوقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ... الآية:\nقال ابن العَرَبِيِّ: في «أحكامه» «٢»: لا خِلاَفَ بَيْن العلماءِ أنَّ هذه الآيةَ مَدَنِيَّةٌ كما أنه لا خِلاَفَ أنَّ الوضوء «٣» كانَ مَعْقُولًا قَبْلَ نزولها غَيْرَ مَتْلُوٍّ ولذلك قال علماؤُنا: إنَّ الوُضُوءَ كان بمكَّة سُنَّةً، ومعناه: كان مفْعولًا بالسُّنَّة، وقوله: إِذا قُمْتُمْ: معناه: إذا أردتّم القيام\n_________\n(١) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (٢/ ١٥٩) .\n(٢) ينظر: «أحكام القرآن» (٢/ ٥٥٨) .\n(٣) والوضوء بضم الواو: الفعل، وبفتحها: الماء المتوضّأ به، هذا هو المشهور، وحكي الفتح في الفعل، والضّمّ في الماء، وهو في اللغة: عبارة عن النّظافة والحسن والنّقاوة.\nينظر: «لسان العرب» (٦/ ٤٨٥٤، ٤٨٥٥)، «تهذيب اللغة» (١٢/ ٩٩)، «ترتيب القاموس المحيط» (٤/ ٦٢٢) .\nواصطلاحا:\nعرفه الحنفية بأنه: الغسل والمسح في أعضاء مخصوصة.\nوعرّفه الشّافعيّة: استعمال الماء في أعضاء مخصوصة مفتتحا بنيّة.\nوعرفه المالكية بأنه: إزالة النّجس، أو هو رفع مانع الصلاة.\nوعرفه الحنابلة بأنه: استعمال الماء الطّهور في الأعضاء المخصوصة، على صفة مفتتحة بالنيّة.\nينظر: «الاختيار» (١/ ٧)، «مغني المحتاج» (١/ ٤٧)، «الخرشي» (١/ ٢٠)، «المبدع» (١/ ١١٣) .\nولمّا كان العبد مكلّفا بالصّلاة التي هي ركن من أركان الدين، والصلاة مناجاة بين العبد وربه، ومن أجل ذلك يكون اللّائق بحال من يخاطب ربّه، ويناجيه أن يكون متطهرا من الأدران والأوزار.\nوقد ورد في كثير من الأحاديث أن الذّنوب تنزل عن صاحبها مع كل قطرة من قطرات الوضوء، لذلك شرع الوضوء قبل الصلاة. -","vol":"2","page":347},{"text":"إلى الصلاة. انتهى.\nقال زيدُ بْنُ أَسْلَمَ والسُّدِّيُّ: معنى الآية: إذا قمتُمْ من المضاجِعِ، يعني النَّوْمَ «١»، والقصْدُ بهذا التأويلِ أنْ يعمَّ الأحداث بالذِّكْر، وفي الآية على هذا التأويلِ تقديمٌ وتأْخيرٌ، تقديره: يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة من النومِ، أو جاء أَحدٌ منكم من الغائِطِ، أو لامَسْتُمُ النِّساء، يعني: الملامسة الصغرى فاغسلوا، وهنا تمَّتْ أحكامُ الحَدَثِ الأَصْغَرِ، ثم قال: وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا، فهذا حُكْم نوعٍ آخر، ثم قال للنوعين جميعًا: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ ... فَلَمْ تَجِدُوا مَاء فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا، وقال بهذا التأويل محمَّد بْنُ مَسْلمة «٢» مِنْ أصحاب مالكٍ وغيره «٣» .\nوقال جمهورُ أهْلِ العِلْمِ: معنى الآيةِ: إذا قمتم إلى الصلاةِ مُحْدِثِينَ، وليس في الآيةِ على هذا تقديمٌ ولا تأْخيرٌ، بل ترتَّب في الآية حُكْمُ واجِدِ المَاءِ إلى قوله: فَاطَّهَّرُوا، ودخلَتِ الملامسةُ الصغرى في قولنا: «مُحْدِثِينَ»، ثم ذكَرَ بعد ذلك بقوله: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى ... إلى آخر الآية حُكْمَ عادمِ الماءِ مِنَ النوعَيْنِ جميعًا، وكانت الملامسةُ هي الجماعَ.\nوقال ص: إِذا قُمْتُمْ أي: إذا أردتُّم، وعبَّر بالقيامِ عن إرادَتِهِ لأنه مُسَبَّبٌ عنها. انتهى.\nومِنْ أحسن الأحادِيثِ وأصحِّها في فَضْل الطهارةِ والصَّلاة: ما رواه مالكٌ في «الموطَّإ»، عن العَلاءِ بْنِ عَبْدِ الرحمن «٤»، عن أبِيهِ، عن أبي هريرة أنّ رسول الله ﷺ\n_________\n- وقد فرض الوضوء ليلة الإسراء مع الصلاة، قبل الهجرة، وكان الوضوء أوّل الأمر واجبا لكل صلاة، ثم نسخ ذلك يوم غزوة «الخندق»، وصار واجبا من الحدث. الباجوري (١/ ٢٠) .\n(١) أخرجه الطبري في تفسيره (٤/ ٤٥٢) برقم (١١٣٢٢) عن زيد بن أسلم، (١١٣٢٤) عن السدي، وذكره ابن عطية (٢/ ١٦٠) .\n(٢) هو محمد بن مسلمة بن هشام بن إسماعيل أبو هشام، وهشام هذا هو أمير المدينة الذي نسب إليه مد هشام، كان ابن مسلمة من الطبقة الوسطى من أهل المدينة، وكان أفقه فقهاء المدينة من أصحاب مالك فكان ثقة مأمون حجة، جمع العلم والورع، روى عن مالك وتفقه عنده، توفي سنة ست ومائتين هجرية.\nينظر: الديباج المذهب ص ٢٢٧.\n(٣) ينظر: ابن عطية (٢/ ١٦١) .\n(٤) العلاء بن عبد الرّحمن بن يعقوب الجهني مولى الحرقة المدني، أحد الأعلام. عن أبيه وأنس وعكرمة.\nوعنه ابن جريج وابن إسحاق ومالك وخلق. وثقة أحمد. وقال يحيى بن معين: ليس بذاك. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال أبو حاتم: صالح أنكر من حديثه أشياء. قال الواقدي: توفي في خلافة المنصور. ينظر: الخلاصة (٢/ ٣١٢) .","vol":"2","page":348},{"text":"قَالَ: «أَلاَ أُخْبِرَكُمْ بِمَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الخَطَايَا، وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ: إسْبَاغُ الوُضُوءِ عِنْدَ المَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الخُطَا إلَى المَسَاجِدِ، وانتظار الصَّلاَةِ بَعْدَ الصَّلاَةِ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ» «١» .\nقال أبو عمر في «التمهيد»: هذا الحديثُ مِنْ أَحْسَنِ ما رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ في فضائِلِ الأعمالِ.\nقال صاحبُ «كتاب العَيْنِ»: الرِّبَاطُ: ملازمةُ الثُّغُور، قال: والرِّبَاطُ مواظبةُ الصلاةِ أَيضًا انتهى.\nوالغُسْلُ، في اللغة «٢»: إيجادُ المَاء في المَغْسُول، مع إمرار شَيْء علَيْه كاليَدِ، والوجه\n_________\n(١) أخرجه مسلم (١/ ٢١٩) في الطهارة: باب فضل إسباغ الوضوء على المكاره (٤١/ ٢٥١)، والترمذي (١/ ٧٢- ٧٣) في أبواب الطهارة: باب ما جاء في إسباغ الوضوء (٥١)، والنسائي (١/ ٨٩) في الطهارة: باب الفضل في إسباغ الوضوء، وابن ماجة (١/ ١٤٨) في الطهارة: باب ما جاء في إسباغ الوضوء (٤٢٨)، وأحمد (٢/ ٢٧٧، ٣٠٣)، وأبو عوانة في «المسند» (١/ ٢٣١)، وأبو يعلى (٦٥٠٣)، وابن خزيمة (١/ ٦) برقم (٥)، ومالك (١/ ١٦١) في قصر الصلاة في السفر (٥٥)، والبغوي في «شرح السنة» (١/ ٢٥١) برقم (١٤٦) من حديث أبي هريرة، وقال الترمذي: حسن صحيح.\nوفي الباب عن أبي سعيد الخدري رواه ابن ماجة في المصدر السابق (٤٢٧)، وفي المساجد: باب المشي إلى الصلاة (٧٧٦)، وأحمد (٣/ ١٦)، والدارمي (١/ ١٧٧، ١٧٨) في الوضوء: باب ما جاء في إسباغ الوضوء، وابن خزيمة برقم (١٧٧، ٣٥٧)، وابن حبان (٣٩٤)، والحاكم في «المستدرك» (١/ ١٩١- ١٩٢)، وأبو يعلى (١٣٥٥)، وعبد بن حميد في مسنده (٩٨٤) .\nوقال الهيثمي في «المجمع» (٢/ ٩٥- ٩٦): رواه أحمد بطوله، وأبو يعلى أيضا ... وفيه عبد الله بن محمد بن عقيل، وفي الاحتجاج به خلاف، وقد وثقه غير واحد. وفي الباب أيضا عن جابر رواه البزار (١/ ٢٢٣) برقم (٤٤٩، ٤٥٠)، وابن حبان (١٦١- موارد) .\nوقال الهيثمي في «المجمع» (٢/ ٤٠): رواه البزار ... وإسناد الأول فيه شرحبيل بن سعد، وهو ضعيف عند الجمهور. وذكره ابن حبان في «الثقات»، وأخرج له في «صحيحه» هذا الحديث، وإسناد الثاني فيه يوسف بن ميمون الصباغ، ضعفه جماعة، ووثقه ابن حبان، وأبو أحمد بن عدي، وقال البزار: صالح الحديث.\n(٢) قال الجوهريّ: غسلت الشيء غسلا بالفتح، والاسم الغسل بالضم: ويقال: غسل: كعسر وعسر. قال الإمام أبو عبد الله بن مالك في «مثلثه»: والغسل، يعني بالضم: الاغتسال، والماء الذي يغتسل به.\nوقال القاضي عياض: الغسل بالفتح: الماء.\nوالغسل: الإسالة، والغسالة: ما غسلت به الشيء، والغسول: الماء الذي يغتسل به، وكذلك المغتسل، والمغتسل أيضا: الذي يغتسل فيه. والغسل بالكسر: ما يغسل به الرّأس من خطميّ وغيره، ومنه الغسلين، وهو ما انغسل من لحوم أهل النّار ودمائهم. -","vol":"2","page":349},{"text":"ما وَاجَهَ النَّاظر وقابله، والنَّاس كلُّهم على أنَّ داخل العينَيْنِ لا يلْزَمُ غسله إلا ما رُوِيَ عنِ ابْنِ عُمَرَ أنه كان يَنْضَحُ «١» الماءَ في عَيْنَيْهِ «٢» . واليَدُ لغةً تَقَعُ على العُضْوِ من المَنْكِبِ إلَى أطرافِ الأصابِعِ، وحَدَّ اللَّه سبحانه مَوضِعَ الغُسْلِ منه بقوله: إِلَى الْمَرافِقِ.\nواختلف العلماءُ، هل تدخُلُ المرافِقُ في الغُسْلِ أم لاَ، وتحريرُ العبارةِ في هذا المعنى: أنْ يقَالُ: إذا كان مَا بَعْد إلى لَيْسَ مما قَبْلَهَا، فالحَدُّ أولُ المذكورِ بعدها، وإذا كان ما بَعْدَها مِنْ جملة ما قَبْلَهَا/، فالاحتياطُ يُعْطِي أنَّ الحدَّ آخر المذكور بَعْدَها ولذلك يترجَّح دخولُ المرفَقَيْنِ في الغُسْل، والروايتان عن مالكٍ، قال ابنُ العَرَبِيِّ في «أحكامه» «٣»، وقد رَوَى الدارقطنيُّ وغيره عن جابرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أنَّ النبيَّ ﷺ، لَمَّا تَوَضَّأَ أَدَارَ المَاءَ على مِرْفَقَيْهِ «٤» . انتهى.\n_________\n- وفي «المغرب»: غسل الشيء: إزالة الوسخ ونحوه عنه، بإجراء الماء عليه. والغسل بالضّم: اسم من الاغتسال، وهو غسل تمام الجسد، واسم للماء الذي يغتسل به أيضا.\nينظر: «الصّحاح» (٥/ ١٧٨١)، «تهذيب اللغة» (٨/ ٣٥، ٣٦)، «لسان العرب» (٥/ ٣٢٥٦، ٣٢٥٧) .\nواصطلاحا:\nعرفه الحنفيّة بأنه: غسل البدن.\nوعند الشافعية: سيلان الماء على جميع البدن.\nوعند المالكية: إيصال الماء لجميع الجسد بنيّة استباحة الصّلاة مع الدّلك.\nوعند الحنابلة: استعمال ماء طهور في جميع بدنه، على وجه مخصوص.\nينظر: «الدرر» (١/ ١٧)، «الحرشي» (١/ ١٦١)، «كشاف القناع» (١/ ١٣٩) . [.....]\n(١) أصل النضح: الرّشح، وهو هنا الرش، يعني كان يغسل باطن عينيه بالماء.\nينظر: «النهاية» (٥/ ٧٠)، و«لسان العرب» (٤٤٥٠) .\n(٢) ذكره ابن عطية (٢/ ١٦١) .\n(٣) ينظر: «أحكام القرآن» (٢/ ٥٦٧) .\n(٤) أخرجه الدارقطني (١/ ٨٣) كتاب «الطهارة»، باب وضوء رسول الله ﷺ، حديث (١٥)، والبيهقي (١/ ٥٦) كتاب «الطهارة»، كلاهما من طريق عباد بن يعقوب، عن القاسم بن محمد بن عبد الله بن عقيل، عن جده عن جابر به.\nقال الدارقطني: ابن عقيل ليس بقوي.\nوقال الزيلعي في «تخريج الكشاف» (١/ ٣٨٣) .\nوهو حديث ضعيف، فعباد بن يعقوب: هو الرواجني، متكلم فيه، روى عنه البخاري مقرونا بآخر، وقال ابن حبان فيه: رافضي داعية، يروي المناكير عن المشاهير، فاستحق الترك. انتهى.\nوعبد الله بن محمد بن عقيل أيضا فيه مقال، وكذلك ابن ابنه القاسم بن محمد بن عبد الله بن عقيل، قال فيه ابن معين: ليس بشيء، وذكر ابن أبي حاتم عن أبيه قال: كان متروك الحديث، وذكر عن أبي زرعة أنه قال: أحاديثه منكرة، وهو ضعيف الحديث أيضا، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: يروي عن-","vol":"2","page":350},{"text":"واختلفَ في رَدِّ اليدَيْنِ في مَسْح الرَّأْسِ، هل هو فرضٌ أوْ سُنَّة، بعد الإجماع على أنَّ المَسْحَةَ الأولى فَرْضٌ، فالجمهورُ على أنَّه سُنَّة.\nوقيل: هو فرضٌ، والإجماع على استحسَانِ مَسْحِ الرأس باليَدَيْنِ جمِيعًا، وعلى الإجزاء بواحدةٍ، واختُلِفَ فِيمَنْ مَسَحَ بأُصْبُعٍ واحدةٍ، والمشهورُ الإجزاءُ ويترجَّح عدم الإجزاءِ لأنه خروجٌ عن سُنَّة المَسْح، وكأنه لَعِبٌ إلاَّ أَنْ يكونَ ذلك عن ضَرَرِ مرضٍ ونحوه، فينبغي ألاَّ يُخْتَلَفَ في الإجزاء.\nوالبَاءُ في قوله تعالى: بِرُؤُسِكُمْ مؤكّدة زائدة عند من يرى عموم الرأس، والمعنى، عنده: وامسحوا رءوسكم، وهي للإلصاق المحض عند مَنْ يرى إجزاء بعض الرأْسِ كأنَّ المعنى: أوجدوا مسحا برءوسكم، فمَنْ مَسَح، ولو شعرةً فقد فَعَلَ ذلك.\nت: قال ابنُ العَرَبِيِّ في «أحكامه» «١»: وقد ثبت عن النبيّ ﷺ في صِفَةِ مَسْحِ الرأسِ «أَنه أَقْبَلَ بِيَدِهِ، وَأَدْبَرَ، بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ، ثُمَّ ذَهَبَ بِهِمَا إلى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا إلَى المَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ» «٢»، وفي البخاريِّ: «فَأَدْبَرَ بِهِمَا، وَأَقْبَلَ»، وهما صحيحان متوافقان،\n_________\n- جده عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر. وروى عنه إسحاق بن محمد العزرمي. انتهى. ذكره في أتباع التابعين من كتابه.\nورواه البيهقي أيضا من حديث سويد بن سعيد، عن القاسم بن محمد العقيلي، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر، أما القاسم وجدّه فتقدما، وأما سويد بن سعيد فهو، وإن أخرج له مسلم، فقد قال ابن معين: هو حلال الدم، وقال ابن المديني: ليس بشيء، وقال النسائي: ليس بشيء، وقال أبو حاتم: صدوق إلا أنه كثير التدليس، وقيل: إنه عمي في آخر عمره، فربما لقن ما ليس في حديثه، فمن سمع منه وهو بصير فحديثه عنه حسن، وسكت عنه البيهقي هنا، وقال في باب: من قال لا يقرأ:\nتغير بآخره، فكثر الخطأ في روايته. انتهى.\nوالعجب من البيهقي كيف سكت عن القاسم هنا، وقد قال في باب: لا يطهر بالمستعمل: لم يكن بالحافظ، وأهل العلم مختلفون في الاحتجاج برواياته.\n(١) ينظر: «أحكام القرآن» (٢/ ٥٧٥) .\n(٢) أخرجه مالك في «الموطأ» (١/ ١٨)، كتاب «الطهارة»، باب العمل في الوضوء، الحديث (١)، وعبد الرزاق في المصنف (١/ ٦)، كتاب «الطهارة»، باب المسح بالرأس، الحديث (٥)، وأحمد (٤/ ٣٨)، والبخاري (١/ ٢٨٩)، كتاب «الوضوء»، باب مسح الرأس، الحديث (١٨٥)، ومسلم (١/ ٢١٠- ٢١١)، كتاب «الطهارة»، باب في وضوء النبيّ ﷺ، الحديث (١٨) وأبو داود (١/ ٨٦- ٨٧)، كتاب «الطهارة»، باب صفة وضوء النبيّ ﷺ، الحديث (١٨)، والترمذي (١/ ٤٧)، كتاب «الطهارة»، باب ما جاء في مسح الرأس، الحديث (٣٢)، والنسائي (١/ ٧٢)، كتاب «الطهارة»، باب صفة مسح الرأس، وابن ماجة (١/ ١٤٩- ١٥٠)، كتاب «الطهارة»، باب ما جاء في مسح الرأس، الحديث (٤٣٤)، وابن الجارود في «المنتقى» (ص ٣٥)، باب صفة وضوء رسول الله ﷺ، والحميدي-","vol":"2","page":351},{"text":"وهي مسألةٌ من «أصول الفقْهِ» في تسمية الفعْلِ بابتدائه أو بغايته. انتهى.\nوقرأ حمزة «١» وغيره: «وَأَرْجُلِكُمْ» - بالخفض-، وقرأ نافع وغيره بالنَّصْب، والعاملُ:\n«اغسلوا»، ومن قرأ بالخفْضِ، جعل العامِلَ أقْرَبَ العامِلَيْنِ، وجمهورُ الأَمَّة من الصحابة والتابعِينَ على أنَّ الفَرْضَ في الرجْلَيْن الغَسْلُ، وأنَّ المَسْح «٢» لا يجزىءُ، وفي الصحيح:\n«وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ «٣» من النّار» إذ «٤» رأى ﷺ أعقابَهُمْ تلُوحُ، قال ابن العربِيِّ في «القَبَس»:\n_________\n- (١/ ٢٠٢)، وابن خزيمة (١/ ٨٠، ٨٧، ٨٨)، وابن حبان (٢/ ٢٩٦، ٢٩٧- الإحسان)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (١/ ٣٠)، والبيهقي (١/ ٥٩) كتاب «الطهارة»، باب الاختيار في استيعاب الرأس بالمسح والبغوي في «شرح السنة» (١/ ٣١٦- بتحقيقنا) عن عبد الله بن زيد.\nوله شاهد من حديث معاوية، أخرجه أبو داود (١/ ٨٩)، كتاب «الطهارة»، باب صفة وضوء النبيّ ﷺ، الحديث (١٢٤)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (١/ ٣٠)، كتاب «الطهارة»، باب فرض مسح الرأس في الوضوء.\nوشاهد آخر عن المقدام أخرجه أبو داود (١/ ٨٨) كتاب «الطهارة»، باب صفة وضوء النبيّ ﷺ، الحديث (١٢٢)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (١/ ٣٢)، باب حكم الأذنين في وضوء الصلاة.\n(١) ينظر: «السبعة» (٢٤٢- ٢٤٣)، و«الحجة» (٣/ ٢١٤)، و«حجة القراءات» (٢٢١)، و«العنوان» (٨٧)، و«إعراب القراءات» (١/ ١٤٣)، و«شرح شعلة» (٣٤٨)، و«شرح الطيبة» (٤/ ٢٢٦)، و«إتحاف» (١/ ٥٣٠)، و«معاني القراءات» (١/ ٣٢٦) .\n(٢) أجمع المسلمون على وجوب غسل الرجلين، ولم يخالف في ذلك من يعتد به في الإجماع- كما صرح بذلك الشيخ أبو حامد وغيره- وعليه الأئمة الأربعة، وجمهور الفقهاء. وتنحصر أقوال المخالفين في ثلاثة أقوال: الأول: أن الواجب مسحهما وبه قالت الإمامية من الشيعة. الثاني: أن المتوضئ يميز بين غسلهما ومسحهما، وعليه الحسن البصري وحكاه الخطابي عن الجبائي المعتزلي. الثالث: أن الواجب غسلهما ومسحهما جميعا، وعليه بعض أهل الظاهر كداود. والصواب هو مذهب الأئمة الأربعة، والجمهور.\nينظر: «المسح على الخفين» لشيخنا/ محمد سيد أحمد.\n(٣) الأعقاب: جمع عقب. وهو مؤخر القدم. ينظر: «لسان العرب» (٣٠٢٢) .\n(٤) ورد هذا الحديث عن جماعة من الصحابة، وهم أبو هريرة، وعبد الله بن عمرو، وعائشة، وجابر، وعبد الله بن الحرث بن جزء الزبيدي، ومعيقيب، وأبو ذر، وخالد بن الوليد، وشر حبيل بن حسنة، وعمرو بن العاص، ويزيد بن أبي سفيان، وأبو أمامة، وأخوه.\n١- حديث أبي هريرة:\nأخرجه البخاري (١/ ١٤٣) كتاب «الوضوء»، باب غسل الأعقاب، حديث (١٦٥)، ومسلم (١/ ٢١٤) كتاب «الطهارة»، باب وجوب غسل الرجلين، حديث (٢٨/ ٢٤٢) وعبد الرزاق (١/ ٢١) رقم (٦٢) والنسائي (١/ ٧٧) كتاب «الطهارة»، باب إيجاب غسل الرجلين. والدارمي (١/ ١٧٩) كتاب «الطهارة»، باب ويل للأعقاب من النار. وأحمد (٢/ ٢٢٨، ٢٨٤، ٤٠٦، ٤٠٩، ٤٦٧، ٤٨٢) وابن الجارود في «المنتقى» رقم (٧٨، ٧٩)، وأبو عبيد في «كتاب الطهور» (ص ٧٥) والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (١/ ٣٨) كتاب «الطهارة»، وابن المنذر في «الأوسط» (١/ ٤٠٦)، وأبو عوانة (١/ ٢٥١- ٢٥٢) -","vol":"2","page":352},{"text":"..\n_________\n- والبيهقي (١/ ٦٩) كتاب «الطهارة»، باب الدليل على أن فرض الرجلين الغسل كلهم من طريق محمد بن زياد، عن أبي هريرة قال: أسبغوا الوضوء، فإن أبا القاسم قال: «ويل للأعقاب من النار» .\nوأخرجه مسلم (١/ ٢١٤) كتاب «الطهارة»، باب وجوب غسل الرجلين، حديث (٣٠/ ٢٤٢)، والترمذي (١/ ٥٨) كتاب «الطهارة»، باب ما جاء في ويل للأعقاب من النار، حديث (٤١) وابن ماجة (١/ ١٥٤) كتاب «الطهارة»، باب غسل العراقيب حديث (٤٥٣) وابن خزيمة (١/ ٨٤) رقم (١٦٢) كلهم من طريق سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة به.\nوللحديث عن أبي هريرة ألفاظ منها: ويل للعقب من النار وويل للعراقيب من النار.\nوقال الترمذي: حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح.\n٢- حديث عبد الله بن عمرو:\nأخرجه البخاري (١/ ١٧٣) كتاب «العلم»، باب من رفع صوته بالعلم، حديث (٦٠)، (١/ ٢٢٨) كتاب «العلم»، باب من أعاد الحديث ثلاثا ليفهم حديث (٩٦) ومسلم (١/ ٢١٤) كتاب «الطهارة»، باب وجوب غسل الرجلين حديث (٢٧/ ٢٤١)، وأبو داود (١/ ٧٢) كتاب «الطهارة»، باب في إسباغ الوضوء، حديث (٩٧) والنسائي (١/ ٧٨) كتاب «الطهارة» باب إيجاب غسل الرجلين، وابن ماجة (١/ ١٥٤) كتاب «الطهارة» باب غسل العراقيب، حديث (٤٥٠) وأحمد (٢/ ١٩٣، ٢٠٥، ٢١١) وابن خزيمة (١/ ٨٣- ٨٤) رقم (١٦١) والبغوي في «شرح السنة» (١/ ٣١٣- بتحقيقنا) عن عبد الله بن عمرو قال: تخلف عنا النبيّ ﷺ في سفرة سافرناها فأدركنا وقد أرهقتنا الصلاة ونحن نتوضأ، فجعلنا نمسح على أرجلنا، فنادى بأعلى صوته: «ويل للأعقاب من النار» مرتين أو ثلاثا. لفظ البخاري.\n٣- حديث عائشة. وله طرق:\nفأخرجه ابن ماجة (١/ ١٥٤) كتاب «الطهارة»، باب غسل العراقيب حديث (٤٥٢)، وأحمد (٦/ ١٩١- ١٩٢)، وابن أبي شيبة (١/ ٢٦) وعبد الرزاق (١/ ٢٣) رقم (٦٩)، والحميدي (١/ ٨٧) رقم (١٦١) وأبو عوانة (١/ ٢٥١) والترمذي في «العلل الكبير» (ص ٣٥) رقم (٢٢) وابن المنذر في «الأوسط» (١/ ٤٠٦) وأبو عبيد في «كتاب الطهور» (ص ٣٧٦) وأبو يعلى (٧/ ٤٠٠) رقم (٤٤٢٦) وابن حبان (١٠٥٤- الإحسان) والشافعي (١/ ٣٣) كتاب «الطهارة»، باب في صفة الوضوء، حديث (٨٢) والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (١/ ٣٨) كتاب «الطهارة»، والبيهقي في «معرفة السنن والآثار» (١/ ١٦٧) رقم (٧٠) كلهم من طريق سعيد بن أبي سعيد عن أبي سلمة قال: توضأ عبد الرّحمن عند عائشة فقالت: يا عبد الرّحمن أسبغ الوضوء، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ويل للأعقاب من النار» .\nومن هذا الوجه صححه ابن حبان.\nوقال البيهقي: قال أحمد: رواه عكرمة بن عمار، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن سالم مولى المهري، عن عائشة، وهو من ذلك الوجه مخرج في كتاب مسلم.\nوقال الترمذي في «العلل»: سألت محمدا عن هذا الحديث فقال: حديث أبي سلمة عن عائشة حديث حسن. اهـ.\nفحديث عائشة من هذا الطريق حسنه البخاري، وصححه ابن حبان. والطريق الذي أشار إليه أحمد.\nأخرجه مسلم (١/ ٢١٣) كتاب «الطهارة»، باب وجوب غسل الرجلين حديث (٢٥/ ٢٤٠)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (١/ ٣٨) كتاب «الطهارة»، وأبو عبيد في «كتاب الطهور» (ص ٣٨٢)، والبيهقي-","vol":"2","page":353},{"text":"..\n_________\n- (١/ ٢٣٠) من طريق عكرمة بن عمار، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة عن سالم مولى المهري، عن عائشة بمثل الطريق الأول، وقد خولف عكرمة بن عمار في هذا الحديث.\nخالفه الأوزاعي، وحرب بن شداد، وأبو معاوية النحوي، وعلي بن المبارك، وحسين المعلم، فرووه عن يحيى بن أبي كثير، عن سالم مولى المهري عن عائشة دون ذكر أبي سلمة، فانفرد عكرمة بن عمار بزيادة أبي سلمة في الإسناد.\nوكما هو معروف، فإن رواية عكرمة بن عمار عن يحيى مضطربة قال أحمد: عكرمة مضطرب الحديث عن يحيى بن أبي كثير.\nوقال ابن المديني: أحاديث عكرمة عن يحيى بن أبي كثير مناكير ليست بذاك كان يحيى بن سعيد يضعفها.\nوقال البخاري: مضطرب في حديث يحيى بن أبي كثير.\nوقال أبو داود: ثقة وفي حديثه عن يحيى بن أبي كثير فيه اضطراب.\nوقال النسائي: ليس به بأس إلا في حديث يحيى بن أبي كثير.\nينظر: «التهذيب» (٧/ ٢٢) .\nوقال الحافظ في «التقريب» (٢/ ٣٠): صدوق يغلط، وفي حديثه عن يحيى بن أبي كثير اضطراب. اهـ.\nومخالفة الأوزاعي عند أبي عبيد في «كتاب الطهور» (ص ٣٧٧)، وأبو عوانة (١/ ٢٣٠) .\nوابن أبي حاتم في «العلل» (١/ ٥٧) رقم (١٤٨) .\nومخالفة حرب بن شداد عن الطحاوي في «شرح معاني الآثار» (١/ ٣٨) ومخالفة أبي معاوية النحوي عند أبي عبيد في «كتاب الطهور» (ص ٣٨٢)، وابن أبي حاتم في «العلل» (١/ ٥٧- ٥٨) رقم (١٤٨) .\nومخالفة علي بن المبارك عند أبي عوانة (١/ ٢٣٠) .\nومخالفة حسين المعلم عند ابن أبي حاتم في «العلل» (١/ ٥٧) رقم (١٤٨) .\nفهؤلاء الخمسة الثقات خالفوا عكرمة بن عمار، فلم يذكروا أبا سلمة في الإسناد.\nوقد رجح أبو زرعة رواية الأوزاعي، وحسين المعلم، كما في «العلل» لابن أبي حاتم (١/ ٥٧- ٥٨) رقم (١٤٨) .\nومما يدل على أن عكرمة بن عمار وهم في هذه الرواية أن جماعة تابعوا يحيى بن أبي كثير، فرووا الحديث عن سالم، عن عائشة، ولم يذكروا أبا سلمة.\nفأخرجه مسلم (١/ ٢١٤) كتاب «الطهارة»، باب وجوب غسل الرجلين، حديث (٢٥/ ٢٤٠)، وأبو عوانة (١/ ٢٣٠) والبيهقي (١/ ٦٩) كتاب «الطهارة»، باب الدليل على أن فرض الرجلين الغسل، من طريق مخرمة بن بكير عن أبيه عن سالم مولى شداد قال: دخلت على عائشة زوج النبيّ ﷺ يوم توفي سعد بن أبي وقاص، فدخل عبد الرّحمن بن أبي بكر، فتوضأ عندها فقالت: يا عبد الرّحمن أسبغ الوضوء، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ويل للأعقاب من النار» .\nوأخرجه مسلم (١/ ٢١٤) كتاب «الطهارة»، باب وجوب غسل الرجلين، حديث (٢٥/ ٢٤٠) من طريق نعيم بن عبد الله المجمر، عن سالم، عن عائشة وأخرجه مسلم (١/ ٢١٤) كتاب «الطهارة»، باب-[.....]","vol":"2","page":354},{"text":"..\n_________\n- وجوب غسل الرجلين، حديث (٢٥/ ٢٤٠) من طريق محمد بن عبد الرّحمن، عن سالم، عن عائشة وأخرجه الطحاوي في «شرح معاني الآثار» (١/ ٣٨) من طريق أبي الأسود يتيم عروة عن سالم عن عائشة.\nوللحديث طريق آخر عن عائشة.\nأخرجه ابن ماجة (١/ ١٥٤) كتاب «الطهارة»، باب غسل العراقيب حديث (٤٥١)، وأبو عوانة (١/ ٢٥٢)، والدارقطني (١/ ٩٥) كتاب «الطهارة»، من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة.\n٤- حديث جابر بن عبد الله:\nأخرجه ابن ماجه (١/ ١٥٥) كتاب «الطهارة»، باب غسل العراقيب، حديث (٤٥٤) وابن أبي شيبة (١/ ٢٦)، وأحمد (٣/ ٣٦٩، ٣٩٣)، وأبو داود الطيالسي (١/ ٥٣- منحة) رقم (١٧٨)، وأبو يعلى (٤/ ٥٢) رقم (٢٠٦٥) وفي «معجم شيوخه» (ص ٧٠) رقم (١٥) وأبو عبيد في «كتاب الطهور» (ص ٣٨٢، ٣٨٣)، والبخاري في «التاريخ الكبير» (٣/ ٥١٠) وابن المنذر في «الأوسط» (١/ ٤٠٦)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (١/ ٣٨) من طريق الأحوص، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن أبي كريب عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ويل للعراقيب من النار» .\nقال البوصيري في «الزوائد» (١/ ١٨٢)، هذا إسناد رجاله ثقات. اهـ. وللحديث طريق آخر عن جابر.\nأخرجه الطبراني في «الصغير» (٢/ ٧) من طريق الوليد بن القاسم، عن الأعمش، عن أبي سفيان عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: «ويل للعراقيب من النار» .\nوقال الطبراني: لم يروه عن الأعمش إلا الوليد تفرد به حماد.\n٥- حديث عبد الله بن الحارث بن جزء.\nأخرجه أحمد (٤/ ١٩١)، والحاكم (١/ ١٦٢) كتاب «الطهارة» وابن خزيمة (١/ ٨٤) رقم (١٦٣)، والدارقطني (١/ ٩٥) كتاب «الطهارة» باب وجوب غسل القدمين والعقبين رقم (١) وأبو عبيد في «كتاب الطهور» (ص ٣٧٥- ٣٧٦) والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (١/ ٣٨) كتاب «الطهارة»، والبيهقي (١/ ٧٠) كتاب «الطهارة»، باب الدليل على أن فرض الرجلين الغسل وفي «معرفة السنن والآثار» (١/ ١٦٩) رقم (٧٢) كلهم من طريق حيوة بن شريح، عن عقبة بن مسلم التجيبي، عن عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار» وقال الحاكم: صحيح، ولم يخرجا ذكر بطون الأقدام، ووافقه الذهبي، وصححه ابن خزيمة.\nوقال الحافظ الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ٢٤٥)، رواه أحمد، والطبراني في «الكبير» ... ورجال أحمد والطبراني ثقات.\n٦- حديث معيقيب:\nأخرجه أحمد (٥/ ٤٢٥) والطبراني في «الكبير» (٢٠/ ٣٥٠) رقم (٨٢٢) من طريق أيوب بن عتبة، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن معيقيب قال: قال رسول الله ﷺ: «ويل للأعقاب من النار» .\nوعلقه الترمذي في «العلل الكبير» (ص ٣٥) عن أيوب بن عتبة به وقال الترمذي: سألت محمدا عن هذا الحديث، فقال: حديث أبي سلمة عن معيقيب: ليس بشيء كان أيوب لا يعرف صحيح حديثه من سقيمه، فلا أحدث عنه، وضعف أيوب بن عتبة جدا. اهـ. -","vol":"2","page":355},{"text":"..\n_________\n- والحديث ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ٢٤٥) وقال: رواه أحمد والطبراني في الكبير وفيه أيوب بن عتبة، والأكثر على تضعيفه اهـ.\nوأيوب بن عتبة ضعفه أحمد وابن معين، وابن المديني، والجوزجاني، ومسلم، والبخاري، والعجلي، وأبو حاتم وغيرهم، كما في «التهذيب» (١/ ٤٠٨- ٤٠٩) .\nوقال الذهبي في «المغني» (١/ ٩٧)، ضعفوه، لكثرة مناكيره.\nوقال الحافظ في «التقريب» (١/ ٩٠)، ضعيف.\n٧- حديث أبي ذر الغفاري:\nأخرجه عبد الرزاق (١/ ٢٢) رقم (٦٤) من طريق ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن رجل، عن أبي ذر قال: أشرف علينا رسول الله ﷺ ونحن نتوضأ، فقال: «ويل للأعقاب من النار» فطفقنا نغسلها غسلا، وندلكها دلكا.\nوزاد نسبته السيوطي في «الأزهار المتناثرة» (ص ٢٦) إلى سعيد بن منصور.\n٨- حديث خالد بن الوليد وشرحبيل، وعمرو بن العاص، ويزيد بن أبي سفيان:\nأخرجه ابن ماجة (١/ ١٥٥) «كتاب الطهارة»، باب غسل العراقيب، حديث (٤٥٥) من طريق أبي صالح الأشعري، حدثني أبو عبد الله الأشعري، عن خالد بن الوليد، ويزيد بن أبي سفيان، وشرحبيل بن حسنة، وعمرو بن العاص كل هؤلاء سمعوا رسول الله ﷺ يقول: «أتموا الوضوء ويل للأعقاب من النار» .\nوالحديث قال البخاري كما في «علل الترمذي الكبير» (ص ٣٥): وحديث أبي عبد الله الأشعري «ويل للأعقاب من النار» حديث حسن اهـ. وصححه ابن خزيمة (٦٦٥) .\nوقال البوصيري في الزوائد (١/ ١٨٢)، هذا إسناد حسن، ما علمت في رجاله ضعفاء اهـ.\n٩- حديث أبي أمامة وأخيه:\nأخرجه الطبراني في «الكبير» (٨/ ٣٤٧) رقم (٨١٠٩) من طريق علي بن مسهر، عن ليث بن أبي سليم، عن عبد الرّحمن بن سابط، عن أبي أمامة وأخيه قالا: أبصر رسول الله ﷺ قوما يتوضئون، فقال:\n«ويل للأعقاب من النار» .\nوأخرجه الطبراني (٨/ ٣٤٧- ٣٤٨) رقم (٨١١٠، ٨١١١، ٨١١٢، ٨١١٤، ٨١١٥) من طرق عن ليث عن عبد الرّحمن بن سابط، عن أبي أمامة- وحده- به.\nوأخرجه الدارقطني (١/ ١٠٨) كتاب «الطهارة»، باب ما روي في فضل الوضوء حديث (٤) والطبراني (٨/ ٣٤٨- ٣٤٩) رقم (٨١١٦) من طريق عبد الواحد بن زياد عن ليث، عن عبد الرّحمن بن سابط، عن أبي أمامة، أو عن أخي أبي أمامة ... فذكره.\nوقال الهيثمي في «المجمع» (١/ ٢٤٥)، رواه الطبراني في «الكبير» من طرق ففي بعضها عن أبي أمامة وأخيه، وفي بعضها عن أبي أمامة فقط، وفي بعضها عن أخيه فقط ... ومدار طرقه كلها عن ليث بن أبي سليم وقد اختلط. اهـ.\nوحديث «ويل للأعقاب من النار» صرح السيوطي بتواتره في «الأزهار المتناثرة» (ص ٢٦) رقم (١٦) وتبعه الشيخ أبو الفيض الكناني (ص ٦٨، ٦٩) وقال: وممن صرح بأنه متواتر الشيخ عبد الرءوف المناوي في «شرح الجامع الصغير»، وشارح كتاب «مسلم الثبوت» في الأصول اهـ.","vol":"2","page":356},{"text":"ومَنْ قرأ «وَأَرْجُلِكُمْ» - بالخَفْض-، فإنه أراد المَسْح على الخُفَّيْن «١» وهو أحد التأويلاتِ في الآية. انتهى، وهذا هو الذي صحَّحه في «أحْكَامِهِ» .\nوالكلامُ في قوله: إِلَى الْكَعْبَيْنِ كما تقدَّم في قوله: إِلَى الْمَرافِقِ، وفي «صحيح مسلم» وغيره عن عُقْبَة بْنِ عامر، عن النبيِّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يتوضَّأُ، فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ، ثِمَّ يَقُومُ، فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ مُقْبِلًا عَلَيْهِمَا بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ، إلاَّ وَجَبَتْ لَهُ الجَنَّة»، فَقُلْتُ: مَا أَجْوَدُ هذِهِ؟ فَقَالَ عُمَرُ: الَّتِي قَبْلَهَا أَجْوَدُ، قَالَ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُسْبِغُ الوُضُوءَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إلَهَ إلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أنّ محمّدا عبده\n_________\n(١) المسح في اللغة إمرار اليد على الشيء تقول: مسحت الشيء بالماء مسحا إذا أمررت اليد عليه، والمسح على الخفين شرعا إصابة البلة للخف الشرعي على وجه مخصوص، فقولنا: «إصابة» يشمل ما لو كانت بيده بأن أمرّ يده وهي مبتلّة على الخف، أو قطر الماء عليه منها، أو وضعها عليه من غير إمرار، وهي مبتلة، أو غيرها كأن أصاب المطر الخفّ فابتلّ مع نية لابسه المسح بذلك.\nوقولنا: «للخف الشرعي» يخرج إصابتها لغيره، سواء كان ذلك الغير خفّا غير شرعي، أو لم يكن خفّا.\nوقولنا: «على وجه مخصوص» إشارة إلى الكيفية والشروط والمدة، وإلى النية، ولو حكما بأن يقصد بمسحه رفع حدث الرجلين بدلا عن غسلهما، فخرج ما لم يكن كذلك.\nوالخف لغة مجمع فرس البعير «والفرس للبعير كالحافر للفرس» وقد يكون للنعام، سوّوا بينهما للتّشابه، وجمعه: أخفاف كقفل وأقفال، والخف أيضا واحد الخفاف التي تلبس، وجمعه: خفاف ككتاب للفرق بينه وبين ما للبعير، وفي «اللسان» أنه يجمع على خفاف وأخفاف أيضا، ويقال: تخفّف الرجل إذا لبس الخفّ في رجليه. وخفّ الإنسان ما أصاب الأرض من باطن قدميه، والخف أيضا القطعة الغليظة من الأرض.\nوشرعا: السّاتر للقدمين إلى الكعبين من كل رجل من جلد ونحوه، والمستوفي للشروط. هذا وعبر النووي بالخف وعبر شيخ الإسلام بالخفين وقال: هو أولى من تعبيره بالخف، لأنه يوهم جواز المسح على خف رجل، وغسل الأخرى، وليس كذلك، فكان الأولى أن يعبر بالخفين، ويمكن أن يوجه تعبيره بالخف بأن «أل» فيه للجنس، فيشمل ما لو كان له رجل واحدة لفقد الأخرى، وما لو كان له رجلان فأكثر، وكانت كلها أصلية، أو كان بعضها زائدا، أو اشتبه بالأصلي، أو سامت به، فيلبس كلّا منها خفّا، ويمسح على الجميع.\nوأما إذا لم يشتبه، ولم يسامت، فالعبرة بالأصلي دون الزائد، فيلبس الأول خفّا دون الثاني، إلا أن توقّف لبس الأصلي على الزائد، فيلبسه أيضا. أو أنها للعهد الشرعي، أي الخف المعهود شرعا وهو الاثنان. قال علي الشبراملي: وهذا الجواب أولى من الأول لأنه لا يدفع الإيهام لأن الجنس كما يتحقق في ضمن الكل، كذلك يتحقق في ضمن واحدة منهما. أما تعبير شيخ الإسلام بالخفين فإنه يرد عليه أيضا أنه لا يشمل الخف الواحد فيما لو فقدت إحدى رجليه، إلا أن يقال: إنه نظر للغالب وقال القليوبي: ويطلق الخفّ على الفردتين، وعلى إحداهما. فعلى هذا استوت العبارتان.\nينظر: «المغرب» (٢/ ٢٦٦)، و«لسان العرب» (٦/ ٤١٩٦)، وينظر: «بدائع الصنائع» (١/ ٩٩)، و«المدونة» (١/ ٤١)، و«الأم» (١/ ٢٩)، و«المغني» (١/ ٢٦٨)، و«المحلى» (١/ ٩٢) .","vol":"2","page":357},{"text":"وَرَسُولُهُ إلاَّ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ، يَدْخُلُ مِنْ أيِّهَا شَاءَ»، وأخرجه الترمذيُّ من حديثِ أَبِي إدْرِيسَ الخَوْلاَنِيِّ، عن عمر، زاد في آخره: «اللَّهُمَّ، اجعلني مِنَ التَّوَّابِينَ، واجعلني مِنَ المُتَطَهِّرِينَ» «١» . انتهى مختصرًا.\nواختلَفَ اللغويُّونَ في الْكَعْبَيْنِ.\nوالجمهورُ على أنهما العَظْمَانِ الناتِئَانِ في جنبتي «٢» الرجل.\n_________\n(١) أخرجه مسلم كتاب «الطهارة»، باب الذكر المستحب عقب الوضوء، حديث (٢٣٤)، وأحمد (١/ ١٩، ٤/ ١٤٥- ١٤٦، ١٥٣) وأبو داود (١/ ٢٩) كتاب «الطهارة»، باب ما يقول الرجل إذا توضأ حديث (١٦٩، ١٧٠)، والنسائي (١/ ٩٢- ٩٣) كتاب «الطهارة»، باب القول بعد الفراغ من الوضوء، والدارمي (١/ ١٨٢) كتاب «الطهارة»، باب القول بعد الوضوء، وأبو يعلى (١/ ١٦٢) رقم (١٨٠) .\n(٢) والكعبان هما: العظمان الناتئان، من جانبي القدمين، عند مفصل الساق والقدم. هذا مذهب الشافعية، وبه قال الجمهور من المفسرين، وأهل الحديث، وأهل اللغة، والفقهاء.\nوقال محمد: الكعب: هو موضع الشّراك على ظهر القدم وحكى هذا عن أبي يوسف، وبه قالت الإمامية من الشيعة، وقيل عنهم: قالوا: في كل رجل كعب واحدة «وهي عظم مستقر في وسط القدم» .\nوقال الفخر الرازي: إن الكعب عند الشيعة: عبارة عن عظم مستدير، موضوع تحت عظم الساق، حيث يكون مفصل الساق والقدم.\nودليلنا عليهم: الكتاب، والسنة، والإجماع، واللغة، والاشتقاق: أما الكتاب: فقوله تعالى:\nوَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ [المائدة: ٦] وهذا يقتضي أن يكون في كل رجل كعبان، وهو لا يكون إلا على مذهبنا، فلو كان في كل رجل كعب واحدة- كما قالوا- لقال: «إلى الكعاب» كما قال: إِلَى الْمَرافِقِ [المائدة: ٦] .\nوأمّا السّنة: أولا: ما رواه مسلم، عن عثمان- رضي الله تعالى عنه- في صفة وضوء رسول الله ﷺ قال: «فغسل رجله اليمنى إلى الكعبين ثمّ اليسرى كذلك» .\nثانيا: ما رواه أبو داود، والبيهقي، وغيرهما بأسانيد جيدة، عن النعمان بن بشير﵁- أن النبيّ ﷺ أقبل علينا بوجهه، وقال: «أقيموا صفوفكم» فلقد رأيت الرّجل منّا يلصق كعبه بكعب صاحبه، ومنكبه بمنكبه»، وموضع الدلالة منه: قوله: «يلصق كعبه بكعب صاحبه» وهذا لا يكون إلا في الكعب الذي قلنا.\nثالثا: ما روي: أن النبيّ ﷺ قال لجابر بن سليم ﵁: «ارفع إزارك إلى نصف الساق، فإن أبيت فإلى الكعبين»، فدل على أن الكعبين أسفل الساق، لا ما قالوا من ظاهر القدم.\nوأما الإجماع: فما قال الشافعي في «الأم»: «ولم أسمع مخالفا في أن الكعبين اللذين ذكر الله ﷿:\nفي الوضوء الكعبان الناتئان، وهما مجمع مفصل الساق والقدم.\nوأما اللغة: فقال الماورديّ: حكي عن قريش كلهم، ولا يختلف لسانهم- أن الكعب: اسم للناتىء بين الساق والقدم، قال: وهم أولى بأن يعتبر لسانهم في الأحكام من أهل «اليمن» لأن القرآن نزل بلغتهم.\nوأما الاشتقاق: فهو أن الكعب: اسم لما استدار وعلا، وهو مشتق من التكعب، وهو النتوء مع الاستدارة ولذلك قالوا: كعب ثدي الجارية، إذا استدار وعلا، ويقال: جارية كاعب، إذا أنهد ثديها-","vol":"2","page":358},{"text":"وألفاظُ الآيةِ تقتضِي المُوَالاَةَ بَيْن الأعضاء، قال مالك: هو فرضٌ مع الذِّكْر، ساقِطٌ مع النِّسْيان، وروى الدَّارَقُطْنِيُّ في سُنَنِهِ: «مَنْ تَوَضَّأَ، فَذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ على وُضُوئِهِ، كَانَ طُهُورًا لِجَسَدِهِ، وَمَنْ تَوَضَّأَ، وَلَمْ يَذْكُرِ اسم اللَّهِ على وُضُوئِهِ كَانَ طُهُورًا لأعْضَائِهِ» «١» .\nانتهى من «الكوكب الدري» .\nوكذلك تتضمَّن ألفاظ الآيةِ الترتيبَ، وفَاطَّهَّرُوا أمر لواجد الماء عند الجمهور،\n_________\n- (أي: استدار وعلا)، ومنه سميت الكعبة كعبة لاستدارتها، وهذه صفة الكعب الذي قلناه لا الذي قالوه.\nفإن قيل: البهائم لها في كل رجل كعب واحد، فكذلك الآدمي، قلنا: خلقة الآدمي خلاف خلقة البهيمة لأن كعب البهيمة فوق ساقها، وكعب الآدمي في أسفله، فلا يلزم اتفاقهما، فليس لهؤلاء المخالفين حجة تذكر. وإذا علم أن الكعبين ما ذكر، نقول: لا خلاف عندنا في أنه يجب إدخال الكعبين مع القدمين في الغسل، فهما من محل الفرض وبه قال الجمهور، وخالف فيه زفر، وأبو بكر ابن داود، وقالا: لا يجب غسل الكعبين.\nودليلنا: أولا: قوله تعالى: وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ [المائدة: ٦]، تقريره: أن «إلى» إن كانت بمعنى «مع» كما في قوله تعالى: وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ [البقرة: ١٤]، أي: مع شياطينهم، وكقوله تعالى: مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ [آل عمران: ٥٢] أي: مع الله، فدخول الكعبين في محل الفرض ظاهر، وإن كانت حدّا وغاية، فقد قال المبرد: إن الحد إذا كان من جنس المحدود، دخل في جملته، وإن كان من غير جنسه لم يدخل، ألا تراهم يقولون: بعتك الثوب من الطرف إلى الطرف، فيدخل الطرفان في المبيع لأنهما من جنسه، وما معنا الحد فيه من جنس المحدود، فيكون الكعبان داخلين في محل الفرصة وأيضا الإجماع، والاحتياط، وعدم إمكان بيان فاصل بين الكعبين والقدم- قرائن على دخولهما.\nوثانيا: ما رواه مسلم عن أبي هريرة﵁- أنه توضأ، فغسل يديه حتى أشرع في العضدين، وغسل رجليه حتى أشرع في الساقين، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ، فثبت غسله ﷺ للكعبين، وفعله بيان للوضوء المأمور، ولم ينقل تركه ذلك.\nواحتجوا أولا: بأن «إلى» لانتهاء الغاية، وما يجعل غاية يكون خارجا، ولذلك لم يدخل إمساك الليل في جملة الصيام في قوله تعالى: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ [البقرة: ١٨٧] فلم يدخل غسل الكعبين في جملة الغسل.\nقلنا أولا: إنما لم يدخل إمساك الليل في جملة الصيام لأنه ليس من جنس النهار، بخلاف ما معنا، وثانيا: قيام القرينة على خروج الليل، وهي عدم وجوب الوصال في الصوم.\nواحتجوا ثانيا: بأن خروج الكعبين متيقن، ودخولهما مشكوك فيه، فيقدم اليقين على الشك.\nقلنا أولا: لا نسلم أن الشك موجود، فإنه قد رفع بالإجماع على وجوب غسل الكعبين، ولو سلم فالاحتياط أولى.\nينظر: «المسح على الخفين» لشيخنا/ محمد سيد أحمد.\n(١) أخرجه الدارقطني (١/ ٧٤)، كتاب «الطهارة»، باب التسمية على الوضوء.","vol":"2","page":359},{"text":"وقال عمرُ بْنُ الخطَّاب وغيره: لا يتيمَّمِ الجُنُبُ ألبتَّة، بل يدع/ الصلاةَ حتى يجد الماء «١» .\nوقوله سبحانه: مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ ... الآية: الإرادة صفَةُ ذاتٍ، وجاء الفعْلُ مستقبلًا مراعاةً للحوادِثِ التي تَظْهَرُ عن الإرادة، والحَرَجُ: الضِّيق، والحرجة: الشَّجرُ الملْتَفُّ المتضايقُ، ويَجْرِي مع معنى هذه الآية قولُ النبيّ ﷺ: «دِينُ اللَّهِ يُسْرٌ»، وقوله﵇-: «بُعِثْتُ بِالحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ» «٢»، وجاء لَفْظُ الآية على العُمُومِ، والشَّيْءُ المذكُورُ بقُرْبٍ هو أمر التيمُّمِ، والرُّخْصَة فيه، وزوالُ الحَرَجِ في تحمُّل الماءِ أبدًا ولذلك قال أُسَيْدٌ: «مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ» «٣» .\nوقوله سبحانه: وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ ... الآية: إعلامٌ بما لا يوازى بشكر من عظيم تفضّله ﵎، ولَعَلَّكُمْ: ترَجٍّ في حقِّ البَشَرِ، وفي الحديثِ الصحيحِ عن أبِي مالك الأشعريِّ «٤»، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملأن، أو تملأ مَا بَيْنَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ، وَالصَّلاَةُ نورٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ، وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ، والقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ، كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو، فَبَائِعٌ نَفْسَهُ، فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا»، رواه مُسْلِم، والترمذيُّ، وفي روايةٍ له: «التَّسْبِيحُ نِصْفُ الْمِيزَانِ، وَالحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلأهُ، وَالتَّكْبِيرُ يَمْلأ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ، وَالصَّوْمُ نِصْفُ الصَّبْرِ»، وزاد في رواية أخرى: «وَلاَ إلَهَ إلاَّ اللَّهُ لَيْسَ لَهَا دُونَ اللَّهِ حجاب حتّى تخلص إليه» «٥» . انتهى.\n_________\n(١) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (٢/ ١٦٥) .\n(٢) تقدم تخريجه.\n(٣) ذكره ابن عطية (٢/ ١٦٥) .\n(٤) كعب بن مالك، وقيل: كعب بن عاصم قال ابن حجر في الإصابة: قال سعيد البردعي: سمعت أبا بكر بن أبي شيبة يقول: أبو مالك الأشعري اسمه: عمرو.\nتنظر ترجمته في: «الاستيعاب» (٤/ ١٤٤٥)، «تلقيح فهوم أهل الأثر» (٣٦٧)، «الكاشف» (٣/ ٣٧٣)، «الإصابة» (٧/ ١٦٨)، «تهذيب التهذيب» (١٢/ ٢١٨)، «الكنى والأسماء» (١/ ٥٢، ١٨٨)، «تقريب التهذيب» (٢/ ٤٦٨)، «تهذيب الكمال» (٣/ ١٦٤٣)، «تجريد أسماء الصحابة» (٢/ ١٩٩)، «أسد الغابة» (٦/ ٢٧٢) .\n(٥) أخرجه مسلم (١/ ٢٠٣) كتاب «الطهارة»، باب فضل الوضوء، حديث (١/ ٢٢٣)، والنسائي (٥/ ٥) كتاب «الزكاة»، باب وجوب الزكاة، وابن ماجة (١/ ١٠٢- ١٠٣) كتاب «الطهارة»، باب الوضوء شطر الإيمان، حديث (٢٨٠) والدارمي (١/ ١٦٧) كتاب «الصلاة»، باب ما جاء في الطهور، وأبو عوانة (١/ ٢٢٣)، وابن أبي شيبة (١/ ٦) والطبراني في «الكبير» (٣/ ٣٢٢) رقم (٣٤٢٣، ٣٤٢٤) والبيهقي (١/ ٤٢) كتاب «الطهارة»، والبغوي في «شرح السنة» (١/ ٢٥٠، ٢٥١- بتحقيقنا) عن أبِي مالك الأشعريِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، ولا إله إلا الله والله أكبر-","vol":"2","page":360},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-380>[سورة المائدة (٥): الآيات ٧ الى ١٠]</span>\nوَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٧) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (٨) وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٩) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (١٠)\nوقوله تعالى: وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ ... الاية: خطابٌ للمؤمنين، ونِعْمَةُ اللَّهِ: اسْمُ جنْسٍ، يجمع الإسلامَ، وحُسْنَ الحالِ، وحُسْنَ المَآلِ، والميثاقُ: هو ما وقع للنبيّ ﷺ في بَيْعَةِ العَقَبَةِ، وَبَيْعَةِ الرِّضْوان، وكلُّ موطِنٍ قال الناسُ فيه: «سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا»، هذا قولُ ابنِ عبَّاس «١» وجماعةٍ من المفسِّرين.\nوقال مجاهدٌ: المرادُ: الميثاقُ المأخوذُ على النَّسَمِ حين استخرجوا مِنْ ظَهْر آدم﵇-.\nوالأوَّل أرجَحُ وألْيَقُ بنَمَطِ الكلامِ، وباقي «٢» الآية بيِّن متكرِّر، قال أبو عمر بن عبد البر في كتابه «بهجة المجالس»: روي عن النبيّ ﷺ أنه قال: «من وعده الله على عمل ثوابا، فهو منجز له ما وعده، ومن أوعده على عمل عقابا، فإن شاء عذبه، وإن شاء غفر له» «٣»، وعن ابن عباس مثله. انتهى\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-381>[سورة المائدة (٥): آية ١١]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١)\nوقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ ... الآية:\n_________\n- يملآن ما بين السماء وَالأرْضِ، وَالصَّلاَةُ نورٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ، وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ، والقرآن حجة لك أو عليك، وكل الناس يغدو فبعتقها أو موبقها» .\n(١) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (٢/ ١٦٥) . [.....]\n(٢) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (٢/ ١٦٥)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٤٦٩)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد.\n(٣) أخرجه أبو يعلى (٦/ ٦٦) رقم (٣٣١٦) من حديث أنس، وذكره الهيثمي في «المجمع» (١٠/ ٢١٤) وقال: رواه أبو يعلى، والطبراني في «الأوسط»، وفيه سهيل بن أبي حزم، وقد وثق على ضعفه، وبقية رجاله رجال الصحيح.\nوالحديث ذكره المتقي الهندي في «كنز العمال» (١٠٤١٦)، وعزاه إلى أبي يعلى، والخرائطي في «مكارم الأخلاق»، والبيهقي في «البعث»، وابن عساكر، عن أنس.","vol":"2","page":361},{"text":"خطاب للنبيّ ﷺ، وأمته، والجمهورُ أنَّ سبب هذه الآية أنَّ النبيّ ﷺ، لمَّا استعان بيَهُودَ في ديةِ الرَّجُلَيْنِ اللذَيْن قَتَلَهُما عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ، وصاحِبُه، قالوا: نَعَمْ، يَا أَبَا القَاسِمِ، انزل حتى نَصْنَعَ لَكَ طَعَامًَا، وَنَنْظُرَ فِي مَعُونَتِكَ، فَنَزَلَ رَسُولُ الله ﷺ فِي ظِلِّ جِدَارٍ وَكَانَ مَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعَلِيٌّ، فَتَآمَرَتْ يَهُودُ فِي قَتْلِهِ، وَقَالُوا: مَنْ رَجْلٌ يَظْهَرُ عَلَى الحَائِطِ، فَيَصُبُّ عَلَيْهِ حجرا يشدخه، فجاء جبريل، فأخبر النّبيّ ﷺ الخبر، فقام ﷺ مِنَ المَكَانِ، وَتَوَجَّهَ إلَى المَدِينَةِ، ونزلَتِ الآيةُ في ذلِكَ ويترجَّح هذا القولُ بما يأتِي بَعْدُ من الآياتِ في وَصْفِ غَدْر يهودَ، ونقضهم المواثيق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-382>[سورة المائدة (٥): الآيات ١٢ الى ١٣]</span>\nوَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (١٢) فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣)\nوقوله سبحانه: وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا: هذه الآيةُ المتضمِّنة للخَبَرِ عن نَقْضِهِمْ مواثيقَ اللَّه تعالى- تُقَوِّي أنَّ الآية المتقدِّمة في كَفِّ الأَيْدِي، إنَّما كانَتْ في/ أمر بني النَّضِيرِ، والإجماعُ على أنَّ النقيب كَبِيرُ القَوْمِ، القائمُ بأمورهم، قال قتادة وغيره: هؤلاءِ النُّقَبَاءُ قوْمٌ كبارٌ مِنْ كُلِّ سبْطٍ، تكَفَّل بكلِّ واحدٍ سِبْطُهُ، بأنْ يؤمنوا ويلتزموا التقوى «١» .\nقال ع «٢»: ونحو هذا كانَتِ النقباءُ ليلَةَ بَيْعَةِ العَقَبَةِ، مع النبيّ ﷺ، والضميرُ في مَعَكُمْ، لبني إسرائيل، أيْ: معكم بنَصْري، وحِيَاطَتِي، وتأييدي، واللام في قوله:\nلَئِنْ: هي المُؤْذِنَةُ بمجيء القَسَمِ، ولامُ القَسمِ هي قوله: لَأُكَفِّرَنَّ والدليل على أنَّ هذه اللام إنما هي مؤذنةٌ: أنَّهَا قد يستغنى عنها أحيانًا، ويتمُّ الكلامُ دونها، ولو كانَتْ لاَمَ قَسَمٍ، لم يترتَّب ذلك، وإقامةُ الصلاةِ: توفيةُ شروطها، والزكاةُ هنا: شَيْءٌ من المالِ كان مفروضًا عليهم فيما قال بعضُ المفسِّرين، وَعَزَّرْتُمُوهُمْ: معناه: وقّرتموهم، وعظّمتموهم،\n_________\n(١) ذكره ابن عطية في «تفسيره»، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٤٧٢) وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن قتادة بنحوه.\n(٢) ينظر ابن عطية في «المحرر الوجيز» (٢/ ١٦٨) .","vol":"2","page":362},{"text":"ونَصَرْتُموهم، وقرأ عاصمٌ «١» الجَحْدَرِيُّ: «وَعَزَرْتُمُوهُمْ» - خفيفة الزاي- حيثُ وقع، وقرأ في «سورة الفتحِ»: «وتَعْزُرُوهُ» - بفتح التاء، وسكونِ العينِ، وضمِّ الزاي-، وسَواءُ السَّبِيلِ:\nوَسَطُه، وسائرُ ما في الآية بَيِّن، واللَّه المستعان.\nوقوله تعالى: فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً ... الاية: أيْ:\nفبنقضِهِمْ، والقَسْوَةُ: غَلِظ القَلْب، ونُبُوُّهُ عن الرِّقَّة والمَوْعِظَة، وصَلاَبَتُهُ حتى لا ينفعلَ لخَيْرٍ.\nوقوله تعالى: وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ: نصٌّ على سوءِ فِعْلِهِمْ بأنفسهم، أي: قد كان لهم حظٌّ عظيمٌ فيما ذُكِّروا به، فَنَسُوه، وتركُوه، ثم أخبر تعالى نبيَّه﵇- أنه لا يَزَالُ في مستأْنَفِ الزَّمان يطَّلع على خائِنَةٍ منهم، وغائلةٍ، وأمورٍ فاسدةٍ.\nقالت فرقة: خَائِنَة: مصدرٌ، والمعنى: على خِيَانَةٍ، وقال آخرون: معناه: على فرْقَةٍ خائِنَةٍ، فهي اسمُ فاعلٍ صفةٌ لمؤنَّث.\nوقوله تعالى: فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ: منسوخٌ بما في «براءة»، وباقي الآية بيِّن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-383>[سورة المائدة (٥): آية ١٤]</span>\nوَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ (١٤)\nوقوله تعالى: وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى: «مِنْ»: متعلِّقة ب أَخَذْنا، التقديرُ:\nوأخذْنَا مِنَ الذين قالُوا: إنَّا نصارى ميثاقَهُمْ، ويحتملُ أنْ تكون معطوفةً على خائِنَةٍ مِنْهُمْ، والأولُ أرجَحُ، وعلَّق قولهم: «نصارى» بقولهم ودعواهم مِنْ حيث هو اسمٌ شرعيٌّ يقتضي نَصْرَ دينِ اللَّه، وسَمَّوْا به أنفُسَهُمْ دُون استحقاق.\nوقوله سبحانه: فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ: أي: أثبتْنَاها بيْنَهم وألْصَقْنَاها، والإغْرَاءُ:\nمأخوذ من الغِرَاءِ الذي يُلْصَقُ به، وقال البُخَارِيُّ: الإغراءُ: التسليط. انتهى.\nوالضمير في بَيْنَهُمُ يحتملُ أنْ يعود على اليَهُودِ، والنصارى لأنَّ العداوةَ بَيْنهم موجودةٌ مستمرَّةٌ، ويحتملُ أن يعود على النصارى فقطْ لأنها أُمَّة متقاتِلَةٌ بينها الفِتَنُ إلى يَوْم القيامة، ثم توعَّدهم بعذابِ الآخرة إذْ صُنْعهم كُفْرٌ يوجب الخُلُود في النار.\n_________\n(١) ورويت عن عمر بن الخطاب كما في الشواذ (ص ٣٨)، وينظر: «المحتسب» (١/ ٢٠٨)، و«المحرر الوجيز» (٢/ ١٦٨)، و«البحر المحيط» (٣/ ٤٦٠)، و«الدر المصون» (٢/ ٥٠٠) .","vol":"2","page":363},{"text":"واعلَمْ (رحمك اللَّه) أنه قَدْ جاءَتْ آثارٌ صحيحةٌ في ذَمِّ الشحناءِ والتباغُضِ والهِجْرَانِ لغَيْر موجِبٍ شرعيٍّ، ففي «صحيح مُسْلِمٍ»، عن أبي هريرة أنّ رسول الله ﷺ قال: «تُفْتَحُ أَبْوَابُ الجَنَّةِ يَوْمَ الاِثْنَيْنَ وَيَوْمَ الخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لاَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا إلاَّ رَجُلًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيه شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: انظروا هَذَيْنِ حتى يَصْطَلِحَا، انظروا هَذَيْنِ حتى يَصْطَلِحَا»، وفي روايةٍ: «تُعْرَضُ الأَعْمَالُ فِي كُلِّ خَمِيسٍ واثنين، فَيَغْفِرُ اللَّهُ فِي ذلك اليوم/ لكلّ امرئ لاَ يُشْرِكُ باللَّهِ شَيْئًا ...» الحديث «١» . انتهى.\nوروى ابن المبارك في «رقائقه» بسنده، عن النبي ﷺ، قال: «لاَ يَحِلُّ لامْرِىءٍ مُسْلِمٍ أَنْ يُهَاجِرَ مُسْلِمًا فَوْقَ ثَلاَثِ لَيَالٍ، فَإنَّهُمَا نَاكِبَانِ عَنِ الْحَقِّ مَا دَامَا على صِرَامِهِمَا، فَأَوَّلُهُمَا فَيْئًا يَكُونُ سَبْقُهُ بِالفَيْءِ كَفَّارَةً لَهُ، وَإنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَقْبَلْ، وَرَدَّ عَلَيْهِ سَلاَمَهُ، رَدَّتْ عَلَيْهِ المَلاَئِكَةُ، وَرَدَّتْ عَلَى الآخَرِ الشَّيَاطِينُ، وإذَا مَاتَا على صِرَامِهِمَا، لَمْ يَدْخُلاَ الجَنَّةَ»، أُرَاهُ قَالَ: أَبَدًا «٢» . انتهى، وسنده جيِّد، ونصَّه قال ابن المبارك: أخبرنا شعبةُ عَنْ يزيدَ الرِّشْكِ «٣»، عن مُعَاذَةَ العَدَوِيَّةِ «٤»، قَالَتْ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ عامر «٥» يقول: سمعت\n_________\n(١) أخرجه مالك في «الموطأ» (٢/ ٩٠٨- ٩٠٩)، كتاب «حسن الخلق»، باب ما جاء في المهاجرة، حديث (١٧) ومسلم (٤/ ١٩٨٦) كتاب «البر والصلة»، باب النهي عن الشحناء والتهاجر، حديث (٣٥/ ٢٥٦٥) من حديث أبي هريرة.\n(٢) أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (ص ٢٧١) رقم (٧٨٤) والبخاري في «الأدب المفرد» (٤٠٢)، وأحمد (٤/ ٢٠)، وابن حبان (٥٦٦٤) من طريق يزيد الرشك، عن معاذة العدوية، عن هشام بن عامر به.\nوذكره الهيثمي في «المجمع» (٨/ ٦٩) وقال: رواه أحمد، وأبو يعلى، ورجال أحمد رجال الصحيح.\n(٣) يزيد بن أبي يزيد الضّبعي بضم المعجمة مولاهم أبو الأزهر البصري الذارع القسّام الرّشك بكسر المهملة وإسكان المعجمة. عن: مطرّف بن الشّخّير. وعنه: شعبة، ومعمر. وثقه أبو حاتم. قال ابن منجويه:\nمات سنة ثلاثين ومائة. له في (البخاري) فرد حديث.\nينظر: «الخلاصة» (٣/ ١٧٩) .\n(٤) معاذة بنت عبد الله العدويّة أم الصّهباء البصرية العابدة، عن علي وعائشة، وعنها أبو قلابة ويزيد الرّشك وأيوب وعاصم الأحول وطائفة، قال ابن معين: ثقة حجة، قال الذهبي: بلغني أنها كانت تحيي الليل، وتقول: عجبت لعين تنام وقد علمت طول الرقاد في القبور، قال ابن الجوزي: توفيت سنة ثلاث وثمانين.\nينظر: «الخلاصة» (٣/ ٣٩٣)، «تهذيب الكمال» (٣/ ١٦٩٨)، «الكاشف» (٣/ ٤٨١)، «أعلام النساء» (٥/ ٦٠)، «سير الأعلام» (٤/ ٥٠٨) .\n(٥) هشام بن عامر بن أمية بن الحسحاس بمهملات ابن مالك. عن عامر بن غنم بن عدي بن النّجّار الأنصاري النّجّاري، صحابي نزل البصرة، له أحاديث، انفرد له مسلم بحديث. وعنه ابنه سعد ومعاذة العدوية. -","vol":"2","page":364},{"text":"النبيّ ﷺ، فذكر الحديثَ.\nوقوله: «لَمْ يدخُلاَ الجَنَّةَ»: ليس على ظاهره، أيْ: لم يدخُلاَ الجَنَّة أبدًا حتى يقتصَّ لبعضهم من بعض، أو يقع العفو، أو تحلَّ الشفاعة حَسْبما هو معلومٌ في صحيح الآثار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-384>[سورة المائدة (٥): الآيات ١٥ الى ١٧]</span>\nيا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧)\nوقوله سبحانه: يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ ... الآية: أهْلُ الكتابِ: لفظٌ يعمُّ اليهودَ والنصارى، ولكنْ نوازل الإخفاء كالرَّجْم وغيره، إنما حُفِظَتْ لليهود لأنهم كانوا مجاوري رسول الله ﷺ في مهاجره، وفي إعلامه ﷺ بِخَفِيِّ ما في كُتُبِهِمْ، وهو أُمِّيٌّ لاَ يَكْتُبُ، ولا يَصْحَبُ القُرَّاءَ- دليلٌ على صحَّة نبوَّته لو ألهمهم اللَّه للخَيْر، وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ: أي: لم يفْضَحْهم فيه إبقاءً عليهم، والضمير في يَعْفُوا للنبيّ ﷺ.\nوقوله تعالى: قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ: هو محمّد ﷺ، وكِتابٌ مُبِينٌ: هو القُرآن، ويحتملُ أنْ يريدَ موسى﵇-، والتوراةُ: أي: لو اتبعتموها حقَّ الاِتِّباع، والأوَّل هو ظاهر الآية، وهو أظهر، وسُبُلَ السَّلامِ: أي: طُرُقَ السلامةِ والنَّجَاةِ، ويحتملُ أنْ يكون «السَّلاَم» هنا اسما من أسماءِ اللَّه ﷿، فالمعنى: طرق الله، والظُّلُماتِ: الكفر، والنُّورِ: الإيمان، وباقي الآية بيِّن متكرِّر.\nوقوله سبحانه: قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ: أيْ: لا مَالِكَ، ولا رادَّ لإرادةِ اللَّه تعالى في المسيحِ، ولا في غَيْرِهِ.\nوقوله سبحانه: يَخْلُقُ مَا يَشاءُ: إشارةٌ إلى خلقه المسيحَ في رَحِمِ مَرْيَمَ من غير\n_________\n- ينظر: «الخلاصة» (٣/ ١١٤)، «الكاشف» (٣/ ٢٢٢)، «تهذيب الكمال» (٣/ ١٤٤٠)، «تهذيب التهذيب» (١١/ ٤٢) .","vol":"2","page":365},{"text":"والد، بل اختراعًا كآدم﵇-.\nوقوله تعالى: وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ: عُمُومٌ معناه الخُصُوصُ فيما عدا الذَّات، والصفاتِ، والمحالاتِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-385>[سورة المائدة (٥): آية ١٨]</span>\nوَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٨)\nوقوله سبحانه: وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ... الآية:\nالبُنُوَّة في قولهم هذا: بنوةُ الحَنَانِ والرأفة، لأنهم ذكروا أن اللَّه سبحانه أوحى إلى إسرائيل أن أول أولادك بكري فضلّوا بذلك، وقالوا: نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ، ولو صح ما رَوَوْا، لكان معناه: بِكْرًا في التشريف أو النبوَّة، ونحوه، وكانت هذه المقالة منهم عند ما دعاهم النبيُّ﵇- إلى الإيمان به، وخوفِهِم العذابَ، فقالوا: نحن لا نخافُ ما تقول لأنا أبناء اللَّه وأحبَّاؤه ذكر ذلك ابن عباس «١»، وقد كانوا قالوا للنبيّ ﷺ في غير ما موطنٍ: نحن نَدْخل النار، فنقيم فيها أربعين يومًا، فردَّ اللَّه عليهم قولهم، فقال لنبيه﵇-: قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ/ بِذُنُوبِكُمْ: أي: لو كانتْ منزلتكم منه فوق منازِلِ البَشَر، لَمَا عذَّبكم، وأنتم قد أقررتم أنه يعذِّبكم، ثم ترك الكلامَ الأوَّل، وأضرب عنه غَيْرَ مفسدٍ له، ودخل في غيره، فقال: بَلْ أنتم بشَرٌ كسائر الناسِ، والخلقُ أكرمُهم عند اللَّه أتقاهم، يهدي من يشاء للإيمان، فيغفرُ له ويُورِّطُ من يشاء في الكُفْر، فيعذِّبه، وله ملك السموات والأرض وما بينهما، فله بحق المُلْك أنْ يفعل ما يشاء، ولا معقِّب لحُكْمه، وإليه مصير العباد بالحشر والمعاد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-386>[سورة المائدة (٥): آية ١٩]</span>\nيا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٩)\nوقوله تعالى: يا أَهْلَ الْكِتابِ: يعني: اليهودَ والنصارى: قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا:\nمحمد﵇-.\nوقوله: عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ: أي: على انقطاعٍ من مجيئهم مدَّةً ما، والفترة:\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٤/ ٥٠٥) (١١٦١٦)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٢/ ١٧٢)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٤٧٦)، وعزاه لابن إسحق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في «الدلائل» عن ابن عباس.","vol":"2","page":366},{"text":"سُكونٌ بعد حَرَكَةٍ في الأجرام، ويستعار ذلك للمعانِي، وقد قال﵇-: «لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَةٌ، ولِكُلِّ شِرَةٍ فَتْرَةٌ»، وفي الصحيح أنَّ الفترة التي كانت بين نبيّنا محمّد ﷺ، وبين عيسى سِتُّمائةِ سَنَةٍ، وهذه الآية نزلَتْ بسبب قولِ اليهود: مَا أَنْزَلَ اللَّهُ على بَشَرٍ بَعد موسى مِنْ شَيْءٍ قاله ابن عَبَّاس «١» .\nوقوله: أَنْ تَقُولُوا: معناه: حِذَارًا أنْ تقولوا يوم القيامة: مَا جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ، وقامتِ الحُجَّة عليكم، وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فهو الهادي والمضلّ لا ربّ غيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-387>[سورة المائدة (٥): الآيات ٢٠ الى ٢٢]</span>\nوَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعالَمِينَ (٢٠) يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ (٢١) قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ (٢٢)\nوقوله سبحانه: وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ ... الآية: المعنى: واذكُرْ لهم، يا محمَّد على جهة إعلامهم بغيب كتبهم ليتحقَّقوا نبوَّتك، ثمَ عَدَّدَ عيُونَ تلك النِّعم، فقال: إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ: أي: حاطةٌ، ومنقذون من النار، وشَرَفٌ في الدنيا والآخرة، وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا، أي: فيكم ملوكًا لأن المُلْك شَرَفٌ في الدنيا، وحَاطَةٌ في نوائبها، وَآتاكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعالَمِينَ، قال مجاهد: هو المَنُّ والسلوى، والحَجَر، والغَمَام «٢»، وقال غيره: كثرة الأنبياء وعلى هذا القول: فالعالَمُونَ على العموم، وعلى القول بأن المؤتى هو آيات موسى، فالعَالَمُونَ عالَمُ زمانهم لأنَّ ما أوتي النبيّ ﷺ من آيات الله أكثر من ذلك، والْمُقَدَّسَةَ معناه:\nالمطهَّرة، قال ابن عباس: هي الطُّور وما حوله «٣»، وقال قتادة: هي الشام «٤»، ...\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٤/ ٥٠٧) (١١٦١٩)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٢/ ١٧٣)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٤٧٦) وعزاه لابن إسحق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في «الدلائل» عن ابن عباس.\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٤/ ٥١١) (١١٦٤٢)، وذكره البغوي في «تفسيره» (٢/ ٢٤)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٤٧٨) وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن مجاهد. [.....]\n(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٤/ ٥١١) (١١٦٤٩)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٢/ ١٧٤) .\n(٤) . أخرجه الطبري في «تفسيره» (٤/ ٥١٣) (١١٦٥٠)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٤٧٨)، وعزاه لعبد الرزاق، وعبد بن حميد عن قتادة.","vol":"2","page":367},{"text":"قال «١» الطبريُّ: ولا يختلف أنَّها بيْنَ الفُرَاتِ وعريشِ مِصْرَ.\nقال ع «٢»: وتظاهرت الرواياتُ أنَّ «دِمَشْقَ» هي قاعدةُ الجَبَّارِينَ، ثم حذَّرهم موسى الارتداد على الأدبار، وذلك هو الرجوعُ القهقرى، والخاسرُ: الذي قد نقص حظُّه، ثم ذكر ﷿ أنهم تعنّتوا ونكصوا، فقالوا: إِنَّ فِيها قَوْمًا جَبَّارِينَ، والجَبَّار: من الجَبْر كأنه لِقُدْرته وغَشْمه وبَطْشه يَجْبُرُ الناس على إرادته، والنَّخْلَةُ الجُبَارَةُ: العاليةُ التي لا تُنَالُ بيدٍ، وكان من خبر الجَبَّارين أنهم كانوا أهلَ قوَّة، فلما بعث موسى الإثْنَيْ عَشَرَ نقيبًا مُطَّلِعِينَ من أمر الجبَّارين، وأحوالهم، رأَوْا لهم قوةٌ وبطْشًا وتخيَّلوا أن لا طاقة لهم بهم، فتعاقدوا بينهم على أنْ يُخْفُوا ذلك مِنْ بني إسرائيل، وأنْ يعلموا به موسى ليرى فيه أمر ربه، فلما انصرفوا إلى بني إسرائيل، خان منهم عَشَرة، فعرَّفوا قراباتِهِمْ، ومَنْ وثِقُوا به، ففشا الخَبَر حتى اعوجّ أمر بني إسرائيل، وقالوا: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا [المائدة: ٢٤]، ولم يفِ مِنَ النُّقَبَاء إلا يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، وَكَالِبُ بْنُ يوفتّا/، ويقال فيه: «كالوث» (بثاء مثلّثة) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-388>[سورة المائدة (٥): الآيات ٢٣ الى ٢٦]</span>\nقالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣) قالُوا يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَدًا ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ (٢٤) قالَ رَبِّ إِنِّي لآ أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (٢٥) قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (٢٦)\nوقوله تعالى: قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أي: يخافُونَ اللَّه سبحانَهُ قال أكْثر المفسِّرين: الرجُلاَن يُوشَعُ بنُ نُونٍ، وهو ابنُ أخْتِ موسى، وكَالِبُ بْنُ يُوفَتَّا، أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا بالإيمان الصحيحِ، ورَبْطِ الجَأْشِ، والثبوتِ، وقولهم: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا ... الآية: عبارةٌ تقتضي كفرًا، وقيل: المعنى: فاذهب أنْتَ وربك يعينُكَ، وأنَّ الكلام معصية لا كُفْر، وذكر ابن إسحاق وغيره أنَّ النبيّ ﷺ كلَّم النَّاسَ يَوْمَ بَدْرٍ، وَقَالَ لَهُمْ: «أَشِيرُوا عَلَيَّ، أَيُّهَا النَّاسُ، فَقَالَ لَهُ المِقْدَادُ بْنُ الأَسْوَدِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَسْنَا نَقُولُ كَمَا قَالَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ، وَلَكِنْ نَقُولُ: اذهب أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاَ إنَّا مَعَكُمَا مُقَاتِلُونَ «٣»، ثُمَّ تَكَلَّمَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ بنَحْوِ هذا المعنى»، ولما\n_________\n(١) ينظر: «تفسير الطبري» (٤/ ٥١٣) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ١٧٤) .\n(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٤/ ٥٢١) (١١٦٨٥)، وذكره البغوي في «تفسيره» (٢/ ٢٥)، وابن عطية في «تفسيره» (٢/ ١٧٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٤٨٠)، وعزاه لأحمد عن طارق بن شهاب.","vol":"2","page":368},{"text":"سَمِعَ موسى﵇- قولهم، ورأى عصيانهم، تبرَّأ إلى اللَّه منهم، وقال داعيًا عليهم: رَبِّ إِنِّي لآ أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي، يعني: هارونَ.\nوقوله: فَافْرُقْ بَيْنَنا: دعاء حرجٍ، والمعنى: فافرق بيننا وبينهم حتى لا نشقى بفسقهم، قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أي: قال اللَّه، وحرَّم اللَّه تعالى على بني إسرائيل دخولَ تلك المدينة أربعين سنةً يتيهونَ في الأرض، أي: في أرض تلك النازلة، وهو فَحْص التيه وهو على ما يحكى: طولُ ثلاثين ميلًا «١»، في عَرْضِ ستَّةِ فراسِخَ، ويروى أنه لم يدخلِ المدينةَ أحد من ذلك الجِيلِ إلاَّ يُوشَعَ، وكَالُوث، وروي أنَّ يُوشَعَ نُبِّىءَ بعد كمالِ الأربعين سنَةً، وخرَجَ ببني إسرائيل من التيه، وقاتل الجَبَّارين، وفتح المدينةَ، وفي تلك الحَرْب، وقفَتْ له الشمسُ ساعةً، حتى استمرَّ هزم الجبَّارين، والتيه: الذَّهَاب في الأرض إلى غير مقصِدٍ معلوم.\nوقوله تعالى: فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ معناه: فلا تحزَنْ، والخطابُ بهذه الآية لموسى﵇-، قال ابنُ عباس: ندم موسى على دعائه على قومه، وحزن عليهم، فقال الله له: فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ «٢» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-389>[سورة المائدة (٥): الآيات ٢٧ الى ٣٠]</span>\nوَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْبانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ (٢٨) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ (٢٩) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ (٣٠)\nوقوله تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْبانًا ... الآية: اتل:\nمعناه: اسرد وأَسْمِعْهم إياه، وهذه مِنْ علوم الكتب الأُوَلِ، فهي مِنْ دلائل نبوَّة نبيِّنا محمَّد ﷺ إذْ هي من غامِضِ كتب بني إسرائيل. قال الفَخْر «٣»: وفي الآية قولان:\nأحدهما: اتل على الناس.\nوالثاني: اتل على أهْلِ الكتابِ. انتهى.\n_________\n(١) الميل من الأرض: قدر منتهى مد البصر، وهو ثلث الفرسخ. وهو مقياس للطول قدّر قديما بأربعة آلاف ذراع، وحديثا بستين وسبعمائة وألف ياردة. ينظر: «لسان العرب» (٤٣١١)، و«المعجم الوسيط» (٩٠١) .\n(٢) أخرجه الطبري بنحوه في «تفسيره» (٤/ ٥٢٦) (١١٧٠٥)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٢/ ١٧٧) .\n(٣) ينظر: «مفاتيح الغيب» (١١/ ١٦٠) .","vol":"2","page":369},{"text":"وابْنَيْ آدَمَ: هما لصلبه، وهما هَابِيلُ وقَابِيلُ، روت جماعة من المفسِّرين منهم ابن مسعود أنَّ سبب هذا التقريبِ أنَّ حوَّاء كانت تَلِدُ في كلِّ بطْن ذكرًا وأنثى، وكان الذَّكَر يتزوَّج أنثَى البطْن الآخر، ولا تحلُّ له أخته توءمته، فولدَتْ مع قابيلَ أختًا جميلةً، ومع هابيلَ أختًا ليست كذلك، فلمَّا أراد آدم أن يزوِّجها من هَابِيلَ، قال قابيل: أنا أحَقُّ بأختي، فأمره آدم، فلم يأتمر، فاتفقوا على التَّقْريب، فتُقُبِّل قربانُ هابيلَ، ووجب أنْ يأخذ أخت قابيلَ فحينئذٍ: قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ «١»، وقولُ هابيلَ: إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ: كلامٌ، قبله محذوفٌ، تقديره: ولِمَ تقتلُنِي، وليس لي ذنُبٌ في قبول اللَّه قربانِي، وإنما يتقبَّل اللَّه من المتَّقين؟! وإجماع أهل السُّنَّة في معنى هذه الألفاظ: أنها اتقاء الشِّرْكِ، فمن اتقاه، وهو موحِّد، فأعماله التي تَصْدُقُ فيها نيتُه مقبولةٌ، وأما المتَّقِي للشرْكِ وللمعاصِي، فله الدرجةُ العليا من القَبُول/ والخَتْم بالرحمة، عُلمَ ذلك بإخبار اللَّه تعالى لا أنَّ ذلك يَجِبُ على اللَّه تعالى عقْلًا.\nقلتُ:\nقال ع: في معنى هذه الألفاظ (يعني حيث وقعت في الشرع)، وأما في هذه الآية، فليس باتقاء شرك على ما سيأتي، وقولُ هابيلَ: مَا أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ ...\nالآية: قال عبد اللَّه بن عمر، وجمهورُ النَّاس: كان هابيلُ أشَدَّ قوةً من قابيلَ، ولكنَّه تحرَّج «٢»، وهذا هو الأظهر.\nقال ع «٣»: ومن هنا يقوى أن قابيل إنما هو عاصٍ، لا كافر لأنه لو كان كافرًا، لم يكن للتحرّج هنا وجه، وتَبُوءَ: معناه: تمضِي متحمِّلًا، وقوله: بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ:\nقيل: معناه: بإثم قَتْلي وسائرِ آثامك، وقيل: المعنى: بإثمي الذي يختصُّ بي فيما فَرَط لي، وهذا تأويل يعضده قول النبيّ ﷺ: «يؤتى بِالظَّالِمِ وَالمَظْلُومِ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيُؤْخَذُ مِنْ حَسَنَاتِ الظَّالِمِ، فَتُزَادُ فِي حَسَنَاتِ المَظْلُومِ حتى يَنْتَصِفَ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ، أُخِذَ من سيّئات المظلوم، فتطرح عليه» «٤» .\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٤/ ٥٢٩) (١١٧١٨)، وذكره البغوي في «تفسيره» (٢/ ٢٨)، وابن عطية (٢/ ١٧٩) والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٤٨١) وعزاه لابن جرير، عن ابن مسعود، عن ناس من الصحابة.\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٤/ ٥٣٢) (١١٧٣٠)، وذكره البغوي في «تفسيره» (٢/ ٢٩)، وابن عطية (٢/ ١٧٩)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٤٨٤) وعزاه لابن جرير.\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ١٧٩) .\n(٤) تقدم تخريجه.","vol":"2","page":370},{"text":"وقوله: وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ يحتملُ: أن يكون مِنْ قول هابيلَ لأخيه، ويحتمل:\nأن يكون إخبارًا من اللَّه تعالى لمحمَّد﵇-، قال الفَخْر: وقوله تعالى:\nفَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ قال المفسرون: معناه: سَهَّلَتْ له نفسه قَتْل أخيه. انتهى.\nوقوله سبحانه: فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ: أصْبَحَ: عبارةٌ عن جميعِ أوقاتِهِ، وهذا مَهْيَعُ كلامِ العرب ومنه: [المنسرح] أَصْبَحْتُ لاَ أَحْمِلُ السِّلاَح ... البَيْتَ «١» وقول سعد: فَأَصْبَحَتْ بَنُو أَسَدٍ تُعَزِّرُنِي «٢»، إلى غير ذلك مِن استعمال العرب، ومِنْ خسرانِ قابيلَ ما صحَّ، وثبَتَ عن النبيِّ ﷺ أنه قَالَ: «مَا قُتِلَتْ نَفْسٌ ظُلْمًا إلاَّ كَانَ عَلَى ابن آدَمَ الأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْهَا» «٣» وذلك لأنه أول من سنّ القتل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-390>[سورة المائدة (٥): الآيات ٣١ الى ٣٢]</span>\nفَبَعَثَ اللَّهُ غُرابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قالَ يا وَيْلَتى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (٣١) مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (٣٢)\nوقوله تعالى: فَبَعَثَ اللَّهُ غُرابًا ... الآية: قيل: أصبح في ثاني يومٍ قتله يطلب إخفاء أَمْرِ قتله، فلم يَدْرِ ما يصنعُ به، فبعث اللَّه غرابًا حيًّا إلى غرابٍ ميتٍ، فجعل يبحث\n_________\n(١) صدر بيت للربيع بن ضبع الفزاري وعجزه: [المنسرح]\n............... ... ... أملك رأس البعير إن نفرا\nينظر: «المعجم» (١/ ٣٢١)، «النوادر» (١٥٩)، «أمالي المرتضى» (١/ ٢٥٥)، و«حماسة البحتري» ص (٢٠١)، و«خزانة الأدب» (٧/ ٣٨٤) و«شرح التصريح» (٢/ ٣٦) و«الكتاب» (١/ ٨٩) و«لسان العرب» (١٣/ ٢٥٩) (ضمن) و«المقاصد النحوية» (٣/ ٣٩٨) وبلا نسبة في «الدر على النحاة» ص (١١٤) و«شرح المفصل» (٧/ ١٠٥) و«المحتسب» (٢/ ٩٩)، «الدر المصون» (٢/ ١٧٨) .\n(٢) ذكره ابن عطية (٢/ ١٨٠) . [.....]\n(٣) أخرجه البخاري (٦/ ٤١٩)، كتاب «أحاديث الأنبياء» (٣٣٣٥) وفي (١٢/ ١٩٨) كتاب «الديات»، باب قول الله تعالى: وَمَنْ أَحْياها ... حديث (٦٨٦٧)، وفي (١٣/ ٣١٤) كتاب «الاعتصام»، باب إثم من دعا إلى ضلالة، حديث (٧٣٢١) ومسلم (٣/ ١٣٠٣- ١٣٠٤)، كتاب «القسامة»، باب بيان إثم من سن القتل، حديث (٢٧/ ١٦٧٧) من حديث ابن مسعود.","vol":"2","page":371},{"text":"في الأرض، ويُلْقِي الترابَ على الغُرَاب الميِّت، وظاهرُ الآية أنَّ هابيلَ هو أول مَيِّتٍ من بني آدم، ولذلك جَهِلَ سُنَّة المواراةِ وكذلك حكى الطبريُّ، عن ابن إسحاقَ، عن بعض أَهْلِ العِلْمِ بما في الكُتُب الأَوَلِ، والسَّوْءَةُ: العورةُ، ويحتمل أن يراد الحالة التي تَسُوء النَّاظر، ثم إن قابيلَ وارى أخَاه، ونَدِمَ على ما كان منه مِنْ معصية في قَتْله، حيث لا ينفعه الندم.\nواختلف العلماء في قابيلَ، هل هو مِنَ الكُفَّار أو من العُصَاة، والظاهر أنه من العُصَاة، قال الفَخْر: ولم «١» ينتفعْ قابيلُ بندمه لأن نَدَمَهُ كان لأسبابٍ منها: سَخَط أبويه وإخوته، وعدمُ انتفاعه بقتله، وَنَحْوُ ذلك، ولما كان ندمه لهذه الأسبابِ لا لأجْلِ الخَوْف من اللَّه تعالى، فلا جَرَمَ لم ينفعْهُ هذا الندَمُ.\nوقوله تعالى: مِنْ أَجْلِ ذلِكَ هو إِشارة إلى ما تضمَّنته هذه القصَّة من أنواع المفاسِدِ الحاصلة بسبب القَتْل الحرامِ، لا أنه إشارة إلى قصة قابيلَ وهابيلَ. انتهى.\nوقوله سبحانه: مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ ... الآية: جمهورُ النَّاس على أن قوله: مِنْ أَجْلِ ذلِكَ: متعلِّق بقوله: كَتَبْنا أي: من أجل هذه النازلة، ومِنْ جَرَّاها كتبنا، وقالَ قومٌ: بل هو متعلِّق بقوله: مِنَ النَّادِمِينَ أي: ندم من أجل ما وقع، والوقْفُ على هذا، على ذلِكَ، والناس على أن الوَقْف مِنَ النَّادِمِينَ، ويقال: فعلْتُ ذلك مِنْ أَجْلِكَ- بفتح الهمزة- ومِنْ إجْلِكَ- بكسرها-.\nوقوله سبحانه: بِغَيْرِ نَفْسٍ أي: بغير أن تَقْتُلَ نفْسٌ نفْسًا، والفسادُ/ في الأرض:\nيجمع الزنا، والارتداد، والحِرَابة.\nوقوله سبحانه: فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا روي عن ابن عباس أنه قال: المعنى:\nمَنْ قتل نفسًا واحدةً، وانتهك حرمتها، فهو مِثْلُ مَنْ قتل الناس جميعاٌ، ومَنْ ترك قتْلَ نفسٍ واحدةٍ، وصان حرمتها مخافَتِي، واستحياها، فهو كَمَنْ أحيا الناسَ جميعًا «٢»، قال الحسنُ وابْنُ زيدٍ: وَمَنْ أَحْياها أي: عفا عمَّن وَجَبَ له قتلُهُ بعد القدرة «٣»، وقيل غير هذا.\nثم أخبر تعالى عن بني إسرائيل أنهم جاءتهم الرسُلُ بالبيِّنات في هذا وفي سواه،\n_________\n(١) ينظر: «مفاتيح الغيب» (١١/ ٣٢) .\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٤/ ٥٤١) (١١٧٧٥)، وذكره ابن عطية (٢/ ١٨٢)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٤٩٠) بنحوه، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن المنذر عن ابن عباس.\n(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٤/ ٥٤٤) برقم (١١٧٩٢) عن ابن زيد، (١١٧٩٣) عن الحسن، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٢/ ١٨٢) .","vol":"2","page":372},{"text":"ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ في كلّ عصر يسرفون، ويتجاوزون الحدود.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-391>[سورة المائدة (٥): الآيات ٣٣ الى ٣٤]</span>\nإِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)\nوقوله سبحانه: إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ... الآية: روى أنس بن مالك وغيره: «أن الآية نزلَتْ في قومٍ مِنْ عُكْلٍ وعُرَيْنَةَ قَدِمُوا عَلَى النبيِّ ﷺ، فَأَسْلَمُوا، ثم إنهم مَرِضُوا، واستوخموا المدينَةَ، فَأَمَرَهُمُ النّبيّ ﷺ أنْ يَكُونُوا فِي لقَاح الصَّدَقَةِ، وَقَالَ:\n«اشربوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا»، فخرَجُوا فِيهَا، فَلَمَّا صَحُّوا، قتلوا الرّاعي، واستاقوا الإبل، فبلغ النّبيّ ﷺ خَبَرُهُمْ، فَبَعَثَ الطَّلَبَ فِي آثَارِهِمْ، فَأُخِذُوا، قَالَ جميع الرّواة: فقطع رسول الله ﷺ أيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ مِنْ خِلاَفٍ، وَسَمَرَ أَعْيُنَهُمْ «١»، - ويروى: وَسَمَلَ «٢» - وَتَرَكَهُمْ فِي جَانِبِ الْحَرَّةِ، يَسْتَسْقُونَ، فَلاَ يُسْقَوْنَ»، فقيل: إن هذه الآية ناسخةٌ لفعْله ﷺ بالعُرَنِيِّينَ، ووقَف الأمْر على هذه الحدودِ.\nوقال جماعةٌ: إنها غير ناسخةٍ لذلك الفعْل لأن العرنيين مرتدّون، لا سيّما، وفي\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١/ ٤٠٠) في الوضوء: باب أبوال الإبل (٢٣٣) و(٣/ ٤٢٨) في الزكاة، باب استعمال إبل الصدقة وألبانها لأبناء السبيل (١٥٠١)، و(٦/ ١٧٧) في الجهاد والسير، باب إذا حرق المشرك المسلم هل يحرق؟ (٣٠١٨)، (٧/ ٥٢٤) في المغازي، باب قصة عكل وعرينة (٤١٩٢، ٤١٩٣)، (٨/ ١٢٣) في التفسير، باب إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسادًا أَنْ يُقَتَّلُوا ... (٤٦١٠)، و(١٠/ ١٤٩) في الطب، باب الدواء بأبوال الإبل (٥٦٨٦)، وباب من خرج من أرض لا تلايمه (٥٧٢٧)، و(١٢/ ١١١) في الحدود، باب المحاربين من أهل الكفر والردة (٦٨٠٢)، وباب لم يسق المرتدون المحاربون حتى ماتوا (٦٨٠٤) وباب سحر النبيّ ﷺ أعين المحاربين (٦٨٠٥)، وفي الديات، باب القسامة (٦٨٩٩)، ومسلم (٣/ ١٢٩٦- ١٢٩٨) في القسامة، باب حكم المحاربين والمرتدين (١٤٠٩/ ١٦٧١)، وأبو داود (٢/ ٥٣٤) في الحدود، باب ما جاء في المحاربة (٤٣٦٤- ٤٣٦٨)، والنسائي (١/ ١٥٨) في الطهارة، باب بول ما يؤكل لحمه، و(٧/ ٩٣- ١٠٠) في تحريم الدم. باب قول الله تعالى: إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ ...، باب اختلاف الناقلين لخبر حميد عن أنس بن مالك فيه. باب ذكر اختلاف طلحة بن مصرف ومعاوية بن صالح على يحيى بن سعيد في هذا الحديث، وأحمد (٣/ ١٦٣، ١٧٠، ١٩٨، ٢٣٣) .\n(٢) أي: فقأها بحديدة محماة أو غيرها، وقيل: هو فقؤها بالشوك.\nينظر: «النهاية» (٢/ ٤٠٣) .","vol":"2","page":373},{"text":"بعض الطُّرُق أنهم سَمَلُوا أَعْيُنَ الرِّعَاءِ، وقالوا: هذه الآيةُ هي في المحارِبِ المُؤْمِنِ.\nقال مالك: المُحَارِبُ عندنا: مَنْ حَمَلَ على الناس السلاحَ فِي مِصْرٍ أو بَرِّيَّةٍ، فكابرهم عن أنفسهم وأموالهم، دون نَائِرَةٍ «١»، ولا دَخلٍ، ولا عداوةٍ وبهذا القولِ قال جماعةٌ من أهل العِلْمِ، قالوا: والإمامُ مخيَّرٌ فيه بأن يعاقبه بما رأى مِنْ هذه العقوبات، فأما قَتْلُ المحارِبِ، فبالسَّيْف ضربةً للعنُق، وأما صَلْبه، فبعد القتْلِ عند جماعة، وقال جماعة:\nبل يُصْلَبُ حيًّا، ويُقْتلُ بالطعن على الخَشَبة، وروي هذا عن مالك، وهو الأظهر من الآيةِ، وهو الأنكى في النكال، وأما القَطْع، فاليد اليمنى من الرُّسْغ والرِّجْل الشِّمال من المَفْصِلِ.\nوقوله سبحانه: أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ: الظاهر: أن الأرض في هذه الآية هي أرضُ النازلة، وقد جنب الناس قديمًا الأرض التي أصابُوا فيها الذُّنُوب ومنه حديثُ الذي نَاءَ بصَدْره نحو الأرْضِ المقدَّسة، وينبغي للإمام، إنْ كان هذا المحارِبُ المنفيُّ مخُوفَ الجانِبِ، يظنُّ به أن يعود إلى حِرابةٍ وإفسادٍ- أنْ يسجنه في البلد الذي يغرب إلَيْهِ، وإنْ كان غير مخُوفِ الجانبِ، ترك مسرَّحًا، وهذا هو صريحُ مذهب مالك.\nوقوله تعالى: ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا ... الآية: إشارة إلى هذه الحدود التي تُوقَعُ بهم، فيحتمل الخزي لمن عوقب، وعذاب الآخرة لمن سَلِمَ في الدنيا، وبالجملة فهم في المشيئة.\nوقوله سبحانه: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا ... الآية: استثنى ﷿ التائِبَ قبل أنْ يُقْدَرَ عليه، وأخبر سبحانه بِسُقُوطِ حقوقِهِ عنْه بقوله: فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، والعلماءُ على أن الآية في المؤمنين، ويؤخذ المحارِب بحقوقِ/ الناسِ، وإن تاب هذا هو الصحيح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-392>[سورة المائدة (٥): الآيات ٣٥ الى ٣٧]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٣٦) يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ (٣٧)\nوقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ... الآية: هذه الآية\n_________\n(١) النائرة: الحقد والعداوة. والدّخل: ما داخل الإنسان من فساد في عقل أو جسم.\nينظر: «لسان العرب» (١٣٤٢)، (٤٥٩٣) .","vol":"2","page":374},{"text":"وعْظٌ من اللَّه تعالى بعقب ذكر العقوبات النازلة بالمحاربين، وهذا من أبلغ الوعْظ لأنه يرد على النفوس، وهي خائفةٌ وجِلَةٌ وَابْتَغُوا: معناه: اطلبوا، والْوَسِيلَةَ: القربة، وأما الوسيلة المطلوبة لنبيّنا محمّد ﷺ، فهي أيضًا من هذا لأن الدعاء له بالوسيلةِ والفضيلةِ إنما هو أنْ يُؤْتَاهُما في الدنيا، ويتَّصف بهما، ويكونُ ثمرةُ ذلك في الآخرةِ التشفيعَ في المَقَامِ المحمودِ، قلْتُ: وفي كلامه هذا ما لا يخفى، وقد فسر النبيّ ﷺ الوسيلةَ التي كان يَرْجُوها من ربه، «وأَنَّهَا دَرَجَةٌ فِي الجَنَّةِ لاَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ إلاَّ لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ ...» «١» الحديث، وخص سبحانه الجهادَ بالذكْر، وإن كان داخلًا في معنى الوسيلة تشريفًا له إذ هو قاعدةُ الإسلام.\nوقوله تعالى: يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ: إخبار بأنهم يتمنَّوْنَ هذا، وقال الحسنُ بْنُ أبي الحسن: إذا فَارَتْ بهم النارُ، قَرُبُوا من حاشيتها، فحينئِذٍ يريدونَ الخُرُوجَ، ويطمعون به «٢»، وتأوَّل هو وغيره الآية على هذا قلْتُ: ويؤيِّده ما خرّجه البخاريّ في رؤية النبيّ ﷺ «حَيْثُ أَتَاهُ آتيَانِ، فَأَخَذَا بِيَدِهِ»، وفيه: «فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ الَّذِي فِي النَّهْرِ، فَإذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ، رمى الرجل بِحَجَرٍ فِي فِيهِ»، وفيه أيضًا: «فَانْطَلَقْنَا إلى ثُقْبٍ مِثْلِ التَّنُّورِ أَعْلاَهُ ضَيِّقٌ وَأَسْفَلُهُ وَاسِعٌ تَتَوَقَّدُ تَحْتَهُ نَارٌ، فَإذَا اقترب، ارتفعوا، فَإذَا خَمَدَتْ، رَجَعُوا فِيهَا، وَفِيهَا رِجَالٌ وَنِسَاءٌ عُرَاةٌ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ فَقَالاَ: انطلق ...» «٣» الحديث، وأخبر سبحانه عن هؤلاءِ الكفَّار أنهم ليسوا بخارجين من النار، بل عذابهم فيها مقيم مؤبّد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-393>[سورة المائدة (٥): الآيات ٣٨ الى ٤٠]</span>\nوَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨) فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٠)\nوقوله سبحانه: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما ... الآيةَ: قلت «٤»:\nالمسروق: مال أو غيره.\n_________\n(١) تقدم تخريجه.\n(٢) ذكره ابن عطية (٢/ ١٨٧) .\n(٣) هو حديث المعراج الطويل، وسيأتي تخريجه في موضعه.\n(٤) السرقة: بفتح السين، وكسر الراء، ويجوز إسكان الرّاء، مع فتح السين، وكسرها يقال: سرق بفتح الراء، يسرق بكسرها سرقا، وسرقة، فهو سارق، والشيء مسروق، وصاحبه مسروق منه، فهي لغة:\nأخذ الشيء من الغير خفية، أي شيء كان.\nواصطلاحا:","vol":"2","page":375},{"text":"فشرط المال: أنْ يكون نصابًا، بعد خروجه، مملوكًا لغير السارقِ، ملكًا محترمًا، تامًّا، لا شُبهة «١» له فيه، مُحْرَزًا، مُخْرَجًا منه إلى ما ليس ...\n_________\n- عرفها الشافعية: بأنها أخذ المال خفية ظلما، من غير حرز مثله بشروط.\nوعرفها المالكية: بأنها أخذ مكلّف حرّا لا يعقل لصغره، أو مالا محترما لغيره نصابا، أخرجه من حرزه، بقصد واحد خفية لا شبهة له فيه.\nوعرفها الحنفية: بأنها أخذ مكلف عاقل بالغ خفية قدر عشرة دراهم.\nوعرفها الحنابلة: بأنها أخذ مال محترم لغيره، وإخراجه من حرز مثله.\nينظر: «الصحاح» (٤/ ١٤٩٦)، «المغرب» (١/ ٣٩٣)، «المصباح» (١/ ٤١٩)، «تهذيب الأسماء» للنووي (٢/ ١٤٨)، «درر الحكام» (٢/ ٧٧)، «ابن عابدين» (٤/ ٨٢)، «مغني المحتاج» (٤/ ١٥٨)، «المغني» لابن قدامة (٩/ ١٠٤)، «كشاف القناع» (٦/ ١٢٩)، «الخرشي على المختصر» (٨/ ٩١) .\n(١) وإلى ذلك ذهب جماهير الفقهاء فلا يقطع الوالد مثلا من سرقته مال ولده.\nوخالفهم الظاهرية، وأبو ثور، وابن المنذر فقالوا: يقطع السارق مطلقا: كانت له شبهة في مال المسروق منه أو لا.\nاستدل جمهور الفقهاء:\nأوّلا: بما رواه الترمذي عن عائشة﵂- قالت: قال رسول الله ﷺ: «ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإن كان له مخرج فخلّوا سبيله فإنّ الإمام إن يخطىء في العفو خير من أن يخطىء في العقوبة» .\nوثانيا: بما روي من مسند أبي حنيفة للمارتي من طريق مقسم عن ابن عباس: أن النبيّ ﷺ قال: «ادرءوا الحدود بالشّبهات» .\nوثالثا: بما رواه ابن ماجة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «ادفعوا الحدود ما وجدتم مدفعا» فهذه الأحاديث صريحة في وجوب درء الحدود بالشبهات. والقطع حد فلا يجب مع وجودها.\nواستدل الظاهرية ومن وافقهم: بعموم قوله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما [المائدة: ٣٨] .\nفإنه تعالى أوجب القطع من غير تفريق بين من له شبهة في مال المسروق منه، ومن لا شبهة له فيه.\nوأجيب عنه بأن عموم الآية مخصوص بالأحاديث التي ذكرناها أدلة لجماهير الفقهاء.\nهذا، والحق ما ذهب إليه جمهور الفقهاء فإن القطع عقوبة شديدة فيجب ألا تقام حتى يكون السبب تاما، والاعتداء ظاهرا. ومع وجود شبهة للسارق في مال المسروق منه لا يتحقق ما ذكر، فالقطع حينئذ لا يناسب الجريمة. فوجوبه ظلم حاشا أن يوجد في أحكام الشريعة الإسلامية وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [فصلت: ٤٦] .\nلذلك أوجبت الشريعة درء الحدود بالشبهات، ومنعت من إقامتها حتى تتحقق المناسبة بين الجرم، والعقوبة.\nغير أن جماهير الفقهاء اختلفوا فيما يعتبر شبهة دارئة للحد، وما لا يعتبر كذلك تبعا لاختلافهم في اعتبار قوة الشبه. وعدم اعتبارها، وانبنى على ذلك اختلافهم في فروع كثيرة من هذا الباب فمثلا: المالكية لا يوجبون القطع في سرقة الأصول من الفروع، ويوجبونه في سرقة الفروع من الأصول نظرا لقوة الشبهة في الأولى دون الثانية. -","vol":"2","page":376},{"text":"بحرز «١» له، استسرارا.\n_________\n- والأئمة الثلاثة لا يفرقون بينهما في عدم القطع نظرا لتحقق الشبهة في كل منهما. وإن لم تكن قوية في البعض وأوسع المذاهب في هذا مذهب الحنفية. حتى إنهم لا يقطعون في سرقة ذوي الأرحام بعضهم من بعض مع أن الشبهة هنا ضعيفة.\nينظر: «حد السرقة» لشيخنا إبراهيم الشهاوي. [.....]\n(١) الحرز في اللغة: الموضع الحصين. ومنه: حديث الدعاء: «اللهمّ اجعلنا في حرز حارز»:\nوفي اصطلاح الفقهاء: هو الموضع الذي يحفظ فيه المال عادة، بحيث لا يعد صاحبه مضيعا له بوضعه فيه كالدور والحوانيت والخيم. وهو يختلف باختلاف الأزمان والبلدان، ويتفاوت بتفاوت الأموال، وقوة السلطان وضعفه، وعدله وجوره ولهذا ترك الشارع بيانه، ولم ينص على تحديده كما لم ينص على بيان القبض، والفرقة في البيع، وأشباه ذلك مما يختلف باختلاف العرف، ولو كان له حد معين لما ترك الشارع بيانه.\nهذا وقد ذهب جماهير الفقهاء إلى أن أخذ المسروق من حرزه شرط في وجوب القطع، فلا يقطع السارق إلا إذا أخذ المسروق من حرزه.\nوذهب أهل الظاهر، والخوارج، وجماعة من أهل الحديث إلى عدم اشتراطه، فيجب عندهم قطع السارق مطلقا أخذ المسروق من حرزه أو لا.\nاستدل الجمهور بالمنقول، والمعقول:\nأما المنقول: فما رواه مالك في «الموطأ» عن عبد الله بن عبد الرّحمن بن حسين المكي أن رسول الله ﷺ قال: «لا قطع من ثمر معلّق ولا في حريسة الجبل، فإذا آواه المراح أو الجرين، فالقطع فيما بلغ ثمن المجنّ» .\nووجه الدلالة: أن النبيّ ﷺ قد أثبت القطع في الثمر إذا سرق من جرينه، وفي الحريسة إذا أخذت من مراحها، ونفاه في سرقتهما قبل ذلك، فعلم أن المراح حرز للحريسة، والجرين حرز للثمر، وأن أخذهما من غير حرزهما لا قطع فيه وذلك يقضي باعتبار الأخذ من الحرز شرطا لوجوب القطع فيهما. وحيث لا فرق بين مال ومال، كان الأخذ من الحرز شرطا لوجوب القطع في سرقة كل مال.\nوأما المعقول: فإن الله- تعالى- قد جعل الأموال مهيأة للانتفاع بها، فكانت موضع أطماع الناس، وموطن رغباتهم، واقتضت حكمته جل شأنه اختصاص الناس بالملك لأن ترك الأشياء مباحة للكل يجعل النفوس في جشع دائم، وحرص شديد لما جبلت عليه من الأثرة، وحب الذات، فيكون ذلك مثار الفتن، وسبب النزاع المستمر.\nوإذا كانت رغبة النفوس في المال قوية وشغفها به أمر مطبوعة عليه، ووجد الاختصاص في الملكية، كان لا بد من شيء يحفظ المال على من اختص به. لذلك وجد النهي والزجر عن أخذ مال الغير بدون رضاه ليرتدع بذلك أصحاب المروءة، والديانة كما وجه الأمر للمالك بحفظ ماله حتى لا يكون طعمة لذوي الأطماع الخبيثة، والنفوس الدنيئة، الذين لا تؤثر فيهم الموعظة، ولا تفيدهم النصيحة حتى يروا العذاب رأي العين.\nفإذا قام المالك بما طلب منه، ولم يفرط في صون المال من ناحيته. ثم اقتحم الغير عليه مأمنه، وهتك ما به الصون، كان من الحكمة أن يعاقب بالقطع لارتكابه تلك الجريمة بعد توجيه النهي إليه، وزجره بالعقاب الأخروي. -","vol":"2","page":377},{"text":"فالنصاب: ربعُ دينارٍ أو ثلاثةُ دراهم، أو ما يساوي ثلاثة «١» دراهم، وقوله:\n_________\n- وإذا لم يقم المالك بما طلب منه، وقصر في الصون انتفى القطع لعدم تمام الجريمة بتفريطه.\nواستدل الظاهرية ومن وافقهم بعموم قوله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما [المائدة: ٣٨] .\nفإن الله- تعالى- قد رتب وجوب القطع على السرقة، فكانت هي العلة، فمتى تحققت السرقة وجب القطع مطلقا أخذ المسروق من حرزه أو لا.\nوأجيب عنه: أن عموم الآية مخصوص بالسنة التي دلت على اعتبار الأخذ من الحرز شرطا في وجوب القطع.\nهذا والحق ما ذهب إليه الجمهور من القول بأن الأخذ من الحرز شرط في وجوب القطع لقوة دليله، وضعف دليل مخالفه، حتى قال ابن المنذر: إن اعتبار أخذ المسروق من حرزه شرطا لوجوب القطع يكاد يكون أمرا مجمعا عليه.\nوأحقيته من جهة النظر ظاهرة، فإن الأموال غير المحرزة شبيهة بالأموال الضائعة، فالاعتداء عليها ناقص، فلا يتناسب مع القطع.\nأما الأموال المحرزة، فالاعتداء عليها كامل بمسارقة عين المالك وهتك الحرز، وإخراجها منه.\nفالتناسب ظاهر بينهما.\nينظر: «حد السرقة» لشيخنا إبراهيم الشبهاوي.\n(١) يرى جمهور الفقهاء أن السارق لا يقطع إلا إذا سرق نصابا.\nويرى أهل الظاهر، والخوارج، وطائفة من المتكلمين أنه يقطع في القليل والكثير، وليس هناك نصاب محدود لوجوب القطع في السرقة.\nوعلم أن جمهور الفقهاء قد اتفقوا على اعتبار النصاب شرطا لوجوب القطع. ومع اتفاقهم على هذا قد اختلفوا اختلافا كثيرا في مقداره الذي لا يقطع السارق من أقل منه، ويقطع فيه وفيما زاد عليه.\nفيرى الشافعي وأصحابه أنه ربع دينار، أو ما قيمة ربع دينار سواء أكان قيمة ثلاثة دراهم، أم أكثر، أم أقل منها. فلا قطع عندهم في أقل من ربع دينار- ولو كان قيمة ثلاثة دراهم. كما لا قطع في ثلاثة دراهم، إلا إذا كانت قيمتها ربع دينار.\nويرى مالك، وأصحابه في المشهور عنهم أنه ربع دينار، أو ثلاثة دراهم، أو ما قيمته ثلاثة دراهم.\nفيقطع السارق عندهم في ربع دينار، وإن لم تكن قيمته ثلاثة دراهم، ويقطع في ثلاثة دراهم وإن لم تكن قيمة ربع دينار. ويقطع في غير النقدين من العروض بما قيمته ثلاثة دراهم، وإن لم تكن قيمة ربع دينار.\nويرى أحمد، وأصحابه في المشهور عنهم أنه ربع دينار، أو ثلاثة دراهم، أو ما قيمة تساوي أحدهما.\nفيقطع السارق في ربع دينار، وإن لم يساو ثلاثة دراهم، ويقطع في ثلاثة دراهم، وإن لم تساو ربع دينار، ويقطع في سرقة غير النقدين بما قيمته ربع دينار، أو ثلاثة دراهم.\nويرى أبو حنيفة، وأصحابه في المشهور عنهم أنه عشرة دراهم أو ما قيمته عشرة دراهم.\nفلا قطع عندهم في أقل من عشرة دراهم، ولو كانت قيمة ربع دينار كما لا قطع في غير الفضية من الذهب، أو العروض بما قيمته أقل من عشرة دراهم، ولو كانت قيمته تساوي ربع دينار. استدل الشافعي، وأصحابه أولا: بما رواه أحمد، ومسلم، والنّسائي، وابن ماجة عن عائشة﵂- قالت: قال رسول الله ﷺ: «لا تقطع يد السّارق إلّا في ربع دينار فصاعدا» . -","vol":"2","page":378},{"text":"..\n_________\n- ووجه الدلالة من الحديث: أن النبيّ ﷺ أثبت القطع في ربع دينار، ونفاه عما دون ذلك لأن الحديث قضية محصورة بالنفي، وإلا فتنحل إلى قضيتين: إحداهما موجبة، وهي: تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدا، سواء أكان قيمة ثلاثة دراهم، أم أقل أم أكثر. وثانيتهما: سالبة، وهي لا تقطع يد السارق في أقل من ربع دينار، سواء أكان ذلك الأقل قيمته ثلاثة دراهم، أم أقل أم أكثر.\nفالقضية الأولى تثبت القطع في ربع دينار، وإن لم يكن قيمة عشرة دراهم، وفي ذلك رد على أبي حنيفة وأصحابه.\nوالثانية تقتضي نفي القطع في أقل من ربع دينار، ولو كان قيمة ثلاثة دراهم، وفي ذلك رد على مالك، وأحمد، وأصحابهما.\nوالحديث بجملته يدل على أن الذهب هو الأصل الذي يصار إليه في معرفة قيمة المسروق، فإنه تحديد من الشارع بالقول لا يجوز العدول عنه، وقوم ما عداه به، ولو كان المسروق فضة.\nوثانيا: بما رواه النسائي عن عائشة﵂- قالت: قال رسول الله ﷺ: «لا تقطع يد السّارق فيما دون ثمن المجنّ» قيل لعائشة: ما ثمن المجنّ؟ قالت: ربع دينار. فإن النبيّ ﷺ قد نفى القطع فيما ثمنه دون ربع دينار وأثبته فيما ثمنه ربع دينار بنفيه القطع فيما دون ثمن المجن إذ كان ثمن المجن ربع دينار ببيان السيدة عائشة ﵂.\nوالحديث صريح في أن العروض إنما تقوم بالذهب من غير نظر إلى الفضة أصلا لأن البيان من السيدة عائشة في حكم المرفوع، فهو تحديد من الشارع بالنص لا يجوز العدول عنه.\nوأجيب عنه من قبل أبي حنيفة، وأصحابه: بأن التقويم أمر ظني تخميني، فيجوز أن تكون قيمة المجن عند عائشة﵂- ربع دينار، وتكون عند غيرها أكثر، فالاعتماد على قول عائشة يقتضي ثبوت القطع مع وجود شبهة.\nورد هذا الجواب: بأن السيدة عائشة﵂- لم تكن لتخبر بما يدل على مقدار ما يقطع فيه، إلا عن تحقيق لعظم أمر القطع..\nواستدل مالك، وأحمد وأصحابهما، بما رواه مسلم عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ: «قطع في مجنّ قيمته ثلاثة دراهم» ووجه الدلالة: أن النبيّ ﷺ قد قطع فيما قيمته ثلاثة دراهم، ولم يستفسر عن كون هذه الثلاثة تساوي ربع دينار، أو تقل عنه. وذلك يقضي باعتبار القطع في ثلاثة دراهم، وإن لم تساو ربع دينار، وبذلك يخص مفهوم حديث عائشة﵂- ويكون مفهومه: حينئذ لا تقطع يد السارق في أقل من ربع دينار، إلا إذا ساوى ثلاثة دراهم فتقطع.\nوالحديث صريح في أن العروض تقوم بالدراهم من غير نظر إلى الذهب أصلا. وأجب عنه من قبل الشافعي، وأصحابه: بأن النبيّ ﷺ إنما ترك الاستفسار، لأن طرف الدينار في عهده ﷺ: كان اثني عشر درهما، فمعلوم أن ثلاثة دراهم تساوي ربع دينار، وذلك لا يقتضي أن الدراهم الثلاثة معتبرة في القطع، وفي التقويم حتى ولو تغير صرف الدينار، فإنها قضية عين لا عموم لها.\nواستدل أبو حنيفة وأصحابه، أولا: بما رواه أحمد، والدارقطني عن الحجاج بن أرطاة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا قطع إلّا في عشرة دراهم» .\nووجه الدلالة: أن النبيّ ﷺ نفى القطع في أقل من عشرة دراهم، سواء أكان ذلك الأقل يساوي ربع دينار، أم يزيد أم يقل عنه، وفي ذلك رد على الأئمة الثلاثة، وأصحابهم وأثبته في عشرة دراهم، وذلك-","vol":"2","page":379},{"text":"أَيْدِيَهُما يعني: أَيْمانَ النوعَيْن «١»، والنَّكَال: العذابُ، والنِّكْل: القيد.\n_________\n- يقتضي أن العشرة الدراهم هي المعتبرة في القطع.\nوأجيب عنه: بأن الحديث لا يصلح للاستدلال، فإن الحجاج بن أرطاة مدلس، ولم يسمع هذا الحديث من عمرو بن شعيب.\nوثانيا: بما رواه ابن أبي شيبة في مصنفه عن محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تقطع يد السّارق فيما دون ثمن المجنّ»: قال عبد الله: وكان ثمن المجنّ عشرة دراهم.\nووجه الدلالة: أن النبيّ ﷺ نفى القطع فيما ثمنه دون عشرة دراهم بنفيه القطع فيما دون ثمن المجن وأثبته في عشرة دراهم إذ كان ثمن المجن عشرة دراهم كما قال عبد الله.\nوالحديث صريح في أن العروض تقوم بالدراهم من غير ملاحظة كون الذهب أصلا إذ قوم المجن بها وهو عرض، وأجيب عنه: بأنه لا يصلح للاستدلال لأن في إسناده محمد بن إسحاق وقد عنعن، ولا يحتج بمثله إذا جاء بالحديث معنعنا، وبذلك لا يصلح لمعارضة حديث عائشة في تقدير ثمن المجن بربع دينار، وحديث ابن عمر في تقديره بثلاثة دراهم، ولو سلمت صلاحيته للمعارضة تعين طرحه هو، ومعارضة من الروايات الواردة في تقدير ثمن المجن لعدم ما يدفع به التعارض، ووجب العمل بما تفيده رواية عائشة من إثبات القطع في ربع دينار، وهو دون عشرة دراهم.\nينظر: «حد السرقة» لشيخنا إبراهيم الشهاوي، «نيل الأوطار» (٧/ ١٠٥)، «المغني» لابن قدامه (١٠/ ٢٤٣) .\n(١) اختلف الفقهاء في محل القطع من السارق: فذهب الحنفية، والحنابلة إلى أنه اليد اليمنى، والرجل اليسرى وذهب المالكية، والشافعية: إلى أنه اليدان والرجلان، وذهب داود، وربيعة: إلى أنه اليدان فقط.\nوذهب عطاء إلى أنه اليد اليمنى خاصة.\nاستدل الحنفية، والحنابلة بأدلة: منها ما يخص اليد اليمنى، ومنها ما يعم اليد اليمنى، والرجل اليسرى.\nأما ما يخص اليد اليمنى: فقوله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما [المائدة: ٣٨] .\nووجه الدلالة: أن المراد بأيديهما: أيمانهما لقراءة عبد الله بن مسعود: فاقطعوا أيمانهما، وهي خبر مشهور مقيد لإطلاق الآية، فالذي يقطع من السارق والسارقة بنص الآية اليد اليمنى، فاليد اليسرى خارجة من إطلاق الآية بهذه القراءة، ولم يثبت في السنة من طريق صحيح تعلق القطع بها في السرقة، فعلم من ذلك أنها ليست محلا للقطع.\nوأما ما يعم اليد اليمنى، والرجل اليسرى: فأولا: ما رواه الدارقطني عن علي بن أبي طالب﵁- قال: إذا سرق السارق قطعت يده اليمنى، فإن عاد قطعت رجله اليسرى، فإن عاد ضمنته السجن حتى يحدث خيرا، إني لأستحي من الله أن أدعه ليس له يد يأكل بها، ويستنجي بها، ورجل يمشي عليها.\nوثانيا: ما رواه ابن أبي شيبة أن نجدة كتب إلى ابن عباس يسأله عن السارق، فكتب إليه بمثل قول علي.\nوثالثا: ما رواه ابن أبي شيبة أن عمر﵁- قال: «إذا سرق فاقطعوا يده، ثم إن عاد فاقطعوا رجله، ولا تقطعوا يده الأخرى، وذروه يأكل بها ويستنجي بها» .\nورابعا: ما رواه ابن أبي شيبة أن عمر﵁- استشار الصحابة في سارق، فأجمعوا على مثل-","vol":"2","page":380},{"text":"وقوله سبحانه: فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ ... الآية:\n_________\n- قول علي.\nفهذه الآثار جميعها صريحة في أن ما يقطع من السارق إنما هو اليد اليمنى، والرجل اليسرى، ثم إن عاد إلى السرقة بعد قطعهما، أودع السجن حتى يظهر صلاح حاله.\nواستدل المالكية، والشافعية بأدلة: منها ما يخص اليدين، ومنها ما يعم اليدين والرجلين.\nأما ما يخص اليدين: فأولا: قوله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما [المائدة: ٣٨] فإن اسم السيد يطلق على اليد اليسرى، كما يطلق على اليد اليمنى ... وقد أمر الله- تعالى- بقطع يدي كل من السارق والسارقة، فظاهر النص قطعهما معا لولا قيام الإجماع على عدم قطعهما معا في سرقة واحدة، وعلى عدم الابتداء باليسرى.\nوأجيب عنه بأن نص الآية لا يتناول اليد اليسرى لتقييده باليمنى من قراءة عبد الله بن مسعود﵁-.\nوثانيا: ما رواه مالك في «الموطأ» عن عبد الرّحمن بن القاسم، عن أبيه أن رجلا من اليمن أقطع اليد والرجل قدم فنزل على أبي بكر الصديق، فشكا إليه أن عامل اليمن ظلمه، فكان يصلي من الليل، فيقول أبو بكر﵁- وأبيك ما ليلك بليل سارق ثم إنهم غدوا عند أسماء بنت عيمس امرأة أبي بكر الصديق﵁- فجعل الرجل يطوف معهم، ويقول: اللهم عليك بمن بيت أهل هذا البيت الصالح، فوجدوا الحلي عند صائغ زعم أن الأقطع جاء به، فاعترف الأقطع، أو شهد عليه، فأمر به أبو بكر فقطعت يده اليسرى. وقال أبو بكر: لدعاؤه على نفسه أشد عليه من سرقته فهذا أشد صريح في أن اليد اليسرى محل للقطع، وإلا لما صح لأبي بكر قطعها.\nوأجيب عنه: بأن سارق حلي أسماء لم يكن أقطع اليد، والرجل، بل كان أقطع اليد اليمنى فقط، فقد قال محمد بن الحسن في «موطئه»: قال الزهري: ويروى عن عائشة قالت: إنما كان الذي سرق حلي أسماء أقطع اليد اليمنى، فقطع أبو بكر رجله اليسرى، قال: وكان ابن شهاب أعلم بهذا الحديث من غيره.\nوأما ما يعم اليدين، والرجلين: فما رواه الدارقطني من طريق الواقدي، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ قال: «إذا سرق السّارق فاقطعوا يده، فإن عاد فاقطعوا رجله، فإن عاد فاقطعوا يده، فإن عاد فاقطعوا رجله» فهذا الحديث صريح في أن القطع يتعلق بجميع أطراف السارق.\nوأجيب عنه: بأنه لا يصلح للاحتجاج، فإن في طريقه الواقدي، وفيه مقال، وقد روي هذا المعنى من طرق كثيرة لم تسلم من الطعن. فقد قال الطحاوي: تتبعنا هذه الآثار، فلم نجد بشيء منها أصلا ومما يدل على عدم صلاحيته للحجبة عدم استدلال الصحابة به حينما استشارهم علي﵁- في سارق أقطع اليد والرجل، فلم يقطعه، وجلده جلدا شديدا، ودعوى الجهل به بعيدة، فإن مثل هذا لا يخفى على الصحابة- رضوان الله عليهم- فعدم احتجاجهم به ليس إلا لضعفه، أو نسخه، فإن الحدود كان فيها تغليظ في الابتداء، ألا ترى أن النبيّ ﷺ قطع أيدي العرنيين، وسمل أعينهم، ثمّ نسخ ذلك.\nواستدل داود، ومن وافقه بقوله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما [المائدة: ٣٨] .\nووجه الدلالة: أن الله- تعالى- قد نص على قطع اليدين، ولم ينص على قطع الرجلين، فلو كان قطع الرجلين مطلوبا لأمر به- تعالى- والسنة لم يرد فيها من طريق صحيح ما يفيد قطعهما في السرقة، والذي ورد في السنة صحيحا جميعه يتعلق بقطع اليد، فقد قال﵊-: «لو سرقت فاطمة بنت-","vol":"2","page":381},{"text":"جمهورُ العلماءِ على أَنَّ توبة السارق لا تُسْقِطُ عنه القَطْعَ، وقال الشافعيُّ: إذا تاب السارق قبل أنْ يتلبَّس الحُكَّام بأخْذه، فتوبته تَدْفَعُ عنه حُكْمَ القطع قياسًا على توبة المُحَارِبِ.\nوقوله سبحانه: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ أي: فلا معقِّب لحكمه سبحانه، ولا معتَرِضَ عليه، يفعلُ ما يَشَاء لا إله إلا هو.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-394>[سورة المائدة (٥): الآيات ٤١ الى ٤٣]</span>\nيا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (٤١) سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٤٢) وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٣)\n_________\n- محمّد لقطع محمّد يدها» . وقال ﷺ: «لا تقطع اليد إلّا في ربع دينار فصاعدا» وأمثال ذلك كثير كله متعلق بقطع اليد، ولم يرد الرجل فيها ذكر، وفي ذلك دليل صحيح على أن القطع إنما يتعلق باليدين دون الرجلين وأجيب عنه من قبل الحنفية، والحنابلة بأنه لا دلالة في الآية على أن اليد اليسرى محل للقطع، فإن المراد من قوله تعالى: فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما أيمانهما. لقراءة عبد الله بن مسعود: «فاقطعوا أيمانهما» وقطع الرجل اليسرى قد ثبت بالسنة الصحيحة، وإجماع الصحابة على ذلك مما يقطع بصحة السنة الواردة بقطع الرجل اليسرى بعد قطع اليد اليمنى.\nواستدل عطاء بقوله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما [المائدة: ٣٨] .\nفإن المراد من قوله: «أيديهما» أيمانهما لقراءة عبد الله: «فاقطعوا أيمانهما»، فإنها مقيدة لإطلاق الآية، فاليد اليسرى ليست مرادة، ولم يثبت في السنة من طريق صحيح قطع غيرها من الأطراف، فوجب الاقتصار عليها.\nوأجيب عنه: بأن السنة الصحيحة قد أثبتت قطع الرجل اليسرى في السرقة، وقام الإجماع على ذلك.\nهذا والراجح ما ذهب إليه الحنفية والحنابلة، من أن محل القطع إنما هو اليد اليمنى، والرجل اليسرى، لقوة أدلته، أو لأن القطع إنما شرع للزجر لا للإتلاف، وفي استيفاء الأطراف الأربعة بالقطع إتلاف، أو شبهة إتلاف، وشبهة الإتلاف منزل منزلة الإتلاف فيما يدرأ بالشبهات، والزجر يتحقق بالقطع مرتين، فإن إزالة عضوين من الجسم لهما قيمتهما في البطش، والمشي لأبلغ عظة وأقوى زاجرا لمن خبثت نفسه، ومال به هواه.\nينظر: «حد السرقة» لشيخنا إبراهيم الشهاوي.","vol":"2","page":382},{"text":"وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ ... الآية: تسليةٌ لنبيِّه﵇- وتقويةٌ لنفسه بسبب ما كان يلقى من طوائف المنافقين واليهود، والمعنى: قد وعَدْناك النصْرَ والظهورَ عليهم، فلا يحزنْكَ ما يقعُ منهم، ومعنى المسارعة في الكُفْرِ: البِدَارُ إلى نَصْره، والسعْيُ في كيد الإسلام، وإطفاءِ نوره، قال مجاهدٌ وغيره:\nقوله تعالى: مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ يراد به المنافقون «١» /.\nوقوله: سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ: يراد به اليهودُ، ويحتمل أن يراد به اليهود مع المنافقين لأن جميعهم يَسْمَعُ الكذبَ، بعضَهُم مِنْ بعض، ويقبلونه ولذلك جاءَتْ عبارة سَمَاعهم في صيغَةِ المبالغة إذِ المرادُ أنهم يُقْبِلُونَ ويستزيدون من ذلك.\nوقوله سبحانه: سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ: يحتمل أنْ يريد: يَسْمَعُون منهم، وذكر الطبريُّ «٢» عن جابر أن المراد بالقوم الآخرينَ يَهُودُ فَدَكَ «٣»، وقيل: يهود خَيْبَر، ويحتمل أنْ يكون معنى سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ بمعنى: جواسيسَ مُسْتَرِقِينَ الكلامَ لينقلوه لقوم آخرينَ، وهذا مما يمكن أن يتصف به المنافقُونَ ويهودُ المدينة، قلْتُ: وهذا هو الذي نَصَّ عليه ابنُ إسحاق في السِّيَرِ «٤» .\nقال ع «٥»: وقيل لسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ: هل جرى للجاسُوسِ ذكْرٌ في كتاب اللَّه ﷿؟ فقال: نعم، وتلا هذه الآية: سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ.\nوقوله سبحانه: يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ: هذه صفةُ اليهود في معنى ما حرَّفوه من التوراةِ، وفيما يحرِّفونه من الأقوال عند كذبهم مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ، أي: من بعد أن وضع مواضعه، وقصدت به وجهه القويمة، يقولون إن أوتيتم هذا، فخذوه، روي أنَّ يهود فَدَك قالوا ليهودِ المدينةِ: استفتوا محمَّدًا، فإن أفتاكم بما نَحْنُ عليه من الجَلْد والتَّجْبِيَةِ، فخذوه، وإن أفتاكم بالرَّجْم، فاحذروا الرجْمَ قاله الشعبيُّ وغيره «٦» وقيل غير هذا من وقائعهم، فالإشارة ب هذا إلى التحميمِ والجَلْدِ في الزنا، على قولٍ، ثم قال\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٤/ ٥٧٤) برقم (١١٩٣١)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٢/ ١٩١) .\n(٢) ينظر: «الطبري» (٤/ ٥٧٥) .\n(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٤/ ٥٧٤) برقم (١١٩٣٣)، وذكره ابن عطية (٢/ ١٩٢) .\n(٤) ذكره ابن عطية، (٢/ ١٩٢) .\n(٥) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ١٩٢) .\n(٦) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٤/ ٥٧٧) برقم (١١٩٤٠) . [.....]","vol":"2","page":383},{"text":"تعالى لنبيِّه﵇- على جهة قَطْع الرجاء منهم: وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ أي: محنَتَهُ بالكفر، فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، ثم أخبر تعالى عنهم أنهم الذين سَبَقَ لهم في علْمه ألاَّ يطهِّر قلوبَهُم، وأنْ يكونوا مُدَنَّسِينَ بالكُفْر، لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ بالذِّلَّة والمَسْكَنة الَّتي ضُرِبَتْ عليهم في أقطار الأرْضِ، وفي كلِّ أُمَّة.\nقال ص: سَمَّاعُونَ، أي: هم سمَّاعون، ومثله أكَّالون. انتهى.\nوقوله سبحانه: أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ: فعَّالون بناءُ مبالغة، أي: يتكرَّر أَكْلُهم، ويَكْثُر، والسُّحْت: كل ما لا يَحِلُّ كسبه من المال.\nوقوله تعالى: فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ: تخييرٌ للنبيِّ ﷺ، ولحكَّامِ أُمَّتِهِ بعده، وقال ابنُ عباس وغيره: هذا التخْييرُ منسوخٌ بقوله سبحانه: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ «١» [المائدة: ٤٩]، وقال كثيرٌ من العلماء: هي مُحْكَمَة، وهذا هو الأظهر إن شاء اللَّه، وفِقْهُ هذه الآية أنَّ الأَمَّة مُجْمِعَة فيما علمتُ على أنَّ حاكم المسلمين يحْكُمُ بيْنَ أهْل الذمَّة في تظالمهم، وأمَّا نوازل الأحْكَام التي لا تَظَالُمَ فيها، فالحاكمُ مخيَّر، وإذا رضي به الخَصْمان، فلا بد من رضا أساقِفَتِهِمْ أو أحبارهم قاله ابن القاسِمِ في «العتبية»، قلت: وعبارة الداوديُّ قال مالك: ولا يَحْكُمُ بينهم، إذا اختار الحكم إلا في المظالم، فيحكم بينهم بما أنزل اللَّه، ولا يحكم فيهم في الزنا إلا أنْ يعلنوه، فيعاقَبُونَ بسبب إعلانه، ثم يردُّون إلى أساقفتهم، قال مالك: وإنما رجم النبيّ ﷺ اليهودِيَّيْنِ قبل أنْ تكون لهم ذمَّة. انتهى.\nوقال ابنُ العربيِّ في «أحكامه»: إنما أَنْفَذَ النبيّ ﷺ الحُكْمَ بينهم ليحقِّق تحريفَهُم، وتبديلَهم، وكَذِبَهم، وكَتْمَهم ما في التوراة، / ومنه صفته ﷺ فيها، والرجْمُ على زناتهم، وعنه أخبر اللَّه تعالى بقوله: يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ [المائدة: ١٥] فيكون ذلك من آياته الباهرةِ، وحُجَجِهِ البيِّنة، وبراهينِهِ القاطعةِ الدَّامغة للأَمَّة المُخْزية اليهودية. انتهى.\nوقوله تعالى: وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا: أمَّنَ اللَّه سبحانَهُ نبيَّه من ضررهم، إذا أعْرَضَ عنهم، وحقَّر في ذلك شأنهم، وَإِنْ حَكَمْتَ، أي: اخترت الحكْمَ في نازلةٍ مَّا، فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ، أيْ: بالعدل، ثم قال سبحانه:\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٢/ ١٩٤)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٥٠٣)، وعزاه لابن أبي حاتم، والنحاس في «ناسخه»، والطبراني، والحاكم، وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في «سننه» عن ابن عباس.","vol":"2","page":384},{"text":"وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ المعنى: وكيفَ يحكِّمونك بنيَّةٍ صادقةٍ، وهم قد خالفوا حُكْمَ التوراة التي يصدِّقون بها، وتولَّوْا عن حُكْمِ اللَّه فيها فأنْتَ الذي لا يؤمِنُونَ بك- أحرى بأن يخالفوا حُكْمَك، وهذا بيِّن أنهم لا يحكِّمونه﵇- إلا رغبةً في ميله إلى أهوائهم.\nوقوله سبحانه: مِنْ بَعْدِ ذلِكَ، أي: مِنْ بعد كونِ حكمِ اللَّه في التوراة في الرجْمِ وما أشبهه.\nوقوله تعالى: وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ يعني: بالتوراة وبموسى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-395>[سورة المائدة (٥): آية ٤٤]</span>\nإِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ (٤٤)\nوقوله سبحانه: إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً، أي: إرشاد في المعتقَدِ والشرائعِ، والنورُ: ما يستضاء به من أوامرها ونواهيها، والنَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا: هم مَن بُعِثَ من لدنْ موسَى بنِ عمرانَ إلى مدة نبيِّنا محمَّد﵇-، وأسلموا: معناه أخْلَصُوا وجوهَهُم ومقاصِدَهم للَّه سبحانه، وقوله: لِلَّذِينَ هادُوا: متعلِّق ب يَحْكُمُ أي:\nيَحْكُمُونَ بمقتضَى التوراةِ لبني إسرائيل وعليهم، وَالرَّبَّانِيُّونَ: عطف على النبيِّين، أي:\nويحكم بها الرَّبَّانِيُّون، وهم العلماءُ، وقد تقدَّم تفسير الرَّبَّانِيِّ، والأحْبَارُ أيضًا: العلماءُ، واحدُهم: حِبْرٌ- بكسر الحاء، وفتحها-، وكثُر استعمال الفَتْح فرقًا بينه وبين «الحِبْرِ» الذي يُكْتَبُ به، وإنما اللفظ عامٌّ في كلِّ حَبْرٍ مستقيمٍ فيما مضى من الزمان قبل مبعَثِ نبيِّنا محمد﵇-.\nوقوله سبحانه: بِمَا اسْتُحْفِظُوا، أي: بسبب استحفاظ اللَّه تعالى إياهم أمر التَّوْراة، وأخْذِهِ العهدَ علَيْهم في العملِ والقَوْلِ بها، وعرَّفهم ما فيها، فصَارُوا شُهَداء عليه، وهؤلاء ضيَّعوا لَمَّا استحفظوا حتى تبدَّلتِ التوراةُ، والقُرآنُ بخلافِ هذا لقوله تعالى: وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [الحجر: ٩] .\nوقوله تعالى: فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ: حكايةٌ لما قيل لعلماء بني إسرائيل.\nوقوله: وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا: نَهْيٌ عن جميع المكاسِبِ الخبيثةِ بالعلْمِ والتحيُّلِ للدنيا بالدِّين، وهذا المعنى بعينه يتناوَلُ علماء هذه الأمة وحُكَّامَها، ويحتملُ أنْ يكون قوله: فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ ... إلى آخر الآية- خطابًا لأمَّة نبينا محمد﵇-.","vol":"2","page":385},{"text":"واختلف العلماء في المراد بقوله: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ.\nفقالتْ جماعة: المرادُ: اليهودُ بالكافرين والظَّالمين والفاسِقِينَ وروي في هذا حديث عن النبيّ ﷺ مِنْ طريق البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قال الفَخْر «١»: وتمسَّكت الخوارجُ بهذه الآية في التكْفِير بالذَّنْب، وأجيبَ بأنَّ الآية نزلَتْ في اليهود، فتكون مختصَّة بهم، قال الفَخْر:\nوهَذا «٢» ضعيفٌ لأن الاعتبار بعمومِ اللفظِ، لا بخصوصِ السبَبِ/.\nقلْتُ: وهذه مسألةُ خلافٍ في العامِّ الوارِدِ على سببٍ، هَلْ يبقى على عمومه، أو يُقْصرُ على سببه «٣»؟ انتهى.\nوقالتْ جماعة عظيمةٌ من أهل العلمِ: الآيةُ متناولة كلَّ مَنْ لم يحكُمْ بما أنزل اللَّه، ولكنَّها في أمراء هذه الأمَّة- كُفْرُ معصية لا يخرجهم عن الإيمان «٤»، وهذا تأويل حسن،\n_________\n(١) ينظر: «مفاتيح الغيب» (١٢/ ٦) .\n(٢) ينظر: «مفاتيح الغيب» (١٢/ ٦) .\n(٣) ينظر: «تفعيل مذاهب علماء الأصول في البحر المحيط» (٣/ ٢١٢) .\n(٤) قد ورد في القرآن آيات يؤخذ منها حكم ترك العلم بما أنزله الله تعالى من الأحكام. ومن تلك الآيات قوله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ [المائدة: ٤٤] . وقوله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [المائدة: ٤٥] . وقوله: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ [المائدة: ٤٧] . وقوله: فَلا وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء: ٦٥] .\nففي الآيات الأول وصف الله- تعالى- من لم يحكم بما أنزله بالكفر، والظلم والفسق، وفي الآية الأخيرة أقسم أنه لا يوجد الإيمان إلا إذا حكم الرسول في الشجار، ولم يوجد في النفوس حرج من حكمه، وسلم له كل التسليم. وذلك لأن الرسول لا يحكم إلا بما يشرعه الله له. فمن لم يرض بحكمه، فهو غير راض بشرعه، تعالى، وذلك يقتضي عدم الإيمان. ثم إن الكفر، والظلم والفسق التي وصف الله تعالى بما من لم يحكم بما أنزله واردة في تلك الآيات بمعناها اللغوي. وهي في اللغة تصدق على كل معصية، سواء كانت كفرا أو غيره، فمن فعل معصية دون الكفر صدق عليه لغة أنه كافر، وظالم، وفاسق. وكذلك من كفر بالله تعالى يصدق عليه في اللغة أنه كافر وظالم وفاسق. وعلى هذا فهذه الآيات محتملة لأن يراد منها الكفر الاصطلاحي وهو الخروج من الملة، ولأن يراد منها ما دون ذلك من المعاصي. ولهذا اختلفت أقوال المفسرين فيها فمنهم: من حمل الكفر وغيره فيها على الاصطلاحي وقال: إنها خاصة بأهل الكتاب. ومنهم من قال: المراد من هذه الأوصاف ما دون الكفر الاصطلاحي من المعاصي الكبيرة، ومن هؤلاء ابن عباس، وعلي بن الحسين فقد نقل عنهما أنهما قالا فيها: كفر ليس ككفر الشرك، وظلم ليس كظلم الشرك، وفسق ليس كفسق الشرك. والمراد: أن عدم الحكم بما أنزل الله، وتركه إلى غيره ليس كفرا بمعنى الخروج من الدين، ولكنه من أكبر الذنوب. -","vol":"2","page":386},{"text":"وقيل لحذيفة بْنِ اليَمَان: أنزلت هذه الآية في بني إسرائيل، فقال: نِعْمَ الإخْوَةُ لَكُمْ بنو\n_________\n- والمختار في ذلك التفصيل وهو أن من ترك ذلك استقباحا لحكمه تعالى، أو استهزاء به، أو ترجيحا لغيره عليه فهو كافر بمعنى أنه خارج من الدين. ومن تركه لغلبة الهوى عليه، أو لعلة أخرى غير الاستقباح والاستهزاء، والترجيح للغير فقد فعل ذنبا كبيرا لكنه دون الكفر. وكذلك يفصل في مفهوم الآية الأخيرة بأن يحمل النفي الوارد فيها على نفي أصل الإيمان إذا كان ترك تحكيم الرسول استقباحا أو استهزاء بشرعه، وعلى نفي كمال الإيمان إذا كان تركه لعلة أخرى غير ذلك لا توجب الكفر، وهذا التفصيل في مفهوم الآيات إنما أخذه العلماء من قواعد الدين التي تفيد ذلك.\nومن هنا يعلم حكم العمل بالقوانين الوضعية، وهو أن من عمل بها مستقبحا لحكمه تعالى أو مستهزئا به فهو كافر بمعنى أنه خارج من الدين، ومن عمل بها لعلة أخرى كغلبة الهوى، أو جهل أن الشريعة الإسلامية يوجد بها من القوانين ما يصلح لأن يتحاكم إليه، فقد ارتكب إثما عظيما، لكنه دون الكفر.\nوإذا علم هذا فعلى من تقع المسئولية والإثم في ترك حكمه تعالى؟ والجواب: أن الإثم في ذلك يقع على جميع الأمة لأن القيام بتنفيذ أحكامه- تعالى- من فروض الكفايات التي إن لم يقم بها البعض يأثم الجميع، غير أن الإثم في ذلك يتفاوت بالنسبة لأقدار أفراد الأمة. فأصحاب الرأي والنفوذ الذين يمكنهم أن يطالبوا ويسعوا للعمل بحكمه تعالى إثمهم في ترك ذلك أعظم من أثم عامة الأمة الذين ليس لهم من الرأي والنفوذ مثلهم.\nوليس الإثم خاصا بالقاضي الذي يحكم بهذه القوانين بل الإثم متعلق بكل الأمة كما قلنا. نعم إن القاضي يختص بإثم خاص غير الإثم الذي يشارك فيه الأمة، وهو إثم المساعدة على تنفيذ غير حكمه تعالى، فكان الواجب عليه، حيث لم يستطع الحكم بما أنزل الله تعالى ألّا يحكم بغيره. وقد يكون العمل بهذه القوانين لا إثم فيه لا على الأمة، ولا على القاضي، وذلك إذا غلبت أمة مسلمة على أمرها، ولم يكن لها من الأمر شيء، وأجبرتها الدولة الغالبة على العمل بهذه القوانين الوضعية، بحيث لم تستطع العمل بقانون دينها، ففي هذه الحالة لا إثم على الأمة، ولا على القاضي إذا كان لا يمكن التنحي عن الحكم بهذه القوانين بل قد يثاب على حكمه بها إذا كانت مصلحة أمته في قيامه هو بالحكم دون غيره لأنه في مثل هذه الحالة لا تكون دار هذه الأمة المغلوبة دار إسلام بل دار حرب، ودار الحرب يجوز فيها التعامل بالعقود الفاسدة في المعاملات والحدود، ونحوها لأن أغلبها موكول لاجتهاد الحاكم أما العبادات وما في معناها كالطلاق والنكاح فلا يجوز العمل فيها بغير حكمه تعالى بأي حال من الأحوال. ثم إذا نظرنا للواقع عندنا في ديارنا المصرية نجد أن الدافع للعمل بهذه القوانين لم يكن استقباح حكمه تعالى، أو تفضيل غيره عليه حتى يكون كفرا بمعنى الخروج من الدين وإنما الدافع إليه هو عدم العلم بما في التشريع الإسلامي من المزايا التي تجعله صالحا لمسايرة أحوال المجتمع، وأن يستنبط منه ما يفوق هذه التنظيمات في إقامة العدل، وإصلاح النظام. يدلك على هذا أن الدولة العلية عند ما أدخلت هذه القوانين في محاكمها كانت تقصد من ذلك تحقيق مصلحة الأمة، بدليل ما جاء في مرسوم العمل بهذه التنظيمات الذي أصدره السلطان عبد المجيد من أن الأخذ بها لا ينافي الدين لأنه يحث على الإصلاح والنظام، واستصدر فتوى من شيخ الإسلام حينئذ هناك بأن ذلك لا ينافي الإسلام، ثم تبعتها مصر في العمل بتلك التنظيمات على ذلك القصد، ثم أدخلت فيها قوانين أوربا الحديثة على اعتبار أنها نوع من ذلك الإصلاح.\nفالدافع الحقيقي هو حب الإصلاح، والميل إلى تقليد أوربا في أنظمة حكمها، لا كراهية أحكام الدين، -","vol":"2","page":387},{"text":"إسْرَائِيلَ، إنْ كَانَتْ لَكُمْ كُلُّ حُلْوَةٍ، وَلَهُمْ كلّ مرّة، لتسلكنّ طريقهم قذّ الشّراك «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-396>[سورة المائدة (٥): آية ٤٥]</span>\nوَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)\nوقوله تعالى: وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ... الآية، أي: وكتبنا على بني إسرائيل في التوراة، ومعنى هذه الآية: الخَبَرُ بأن اللَّه تعالى كتَبَ فرضًا على بني إسرائيل أنه مَنْ قَتَل نفسًا، فيجب في ذلك أخْذُ نفسه، ثم هذه الأعضاءُ المذكورةُ كذلك، ثم استمر هذا الحكم في هذه الأُمَّة بما علم من شرع النبيّ ﷺ، قال ابن عباس: «ورخَّص اللَّه لهذه الأُمَّة، ووسَّع لها بالدِّيَة، ولم يجعلْ لبني إسرائيل ديةً فيما نَزَّل على موسى «٢»، والجمهور أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ: عمومٌ يراد به الخصوصُ في المتماثلين كما ورد في الحديث، عن النبيِّ ﷺ: «لاَ يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ» «٣»، وكذلك قوله سبحانه: وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ: عموم\n_________\n- ولولا تقاعس العلماء عن الجد في استنباط أنظمة من التشريع الإسلامي تساير هذه الأنظمة في سهولتها وترتيبها ما لجأت الحكومات الإسلامية إلى العمل بهذه القوانين. ويدلك على هذا أن الخديوي إسماعيل باشا كان قد طلب من العلماء أن يستنبطوا له من الشرع الإسلامي قوانين مرتبة كترتيب قوانين أوربا لتكون قانونا للمحاكم المصرية: فاختلفوا وتكاسلوا فما وسعه إلا العمل بهذه القوانين. هكذا رأيت في بعض الكتب.\nوعلى هذا، فالعمل بهذه القوانين في بلادنا ليس كفرا لما تبين لك من الدافع إليه- اللهم إلا إذا كان بعض الحكام والقضاة يستقبح حكمه تعالى أو يستهزىء به- فإن من يفعل ذلك منهم يكون كافرا- وإنما العمل بها من الذنوب الكبيرة التي هي دون الكفر، وليس العمل بهذه القوانين إجباريا من الدولة الإنجليزية المحتلة لبلادنا لأن الأخذ بهذه التنظيمات كان من أيام تبعيتها للدولة العلية. والإنجليز بما عرف عنهم من عدم التعرض للشؤون الداخلية في البلاد التي يحكمونها لا يعارضون إذا أرادت الأمة العمل بقانون دينها فلا يقال: إنا مرغمون على العمل بها فلا إثم علينا، فإذا أرادوا الخروج من الإثم فما عليهم إلا المبادرة بتأليف لجنة تقتبس من التشريع الإسلامي قانونا منظما كهذه القوانين، وما أيسر ذلك وأقربه، ثم إحلاله عند إتمامه محل هذه القوانين بالمحاكم. إنهم إن بادروا بذلك خرجوا من الإثم وأرضوا عنهم خالقهم وأمتهم، وكفلوا لأنفسهم السعادة في الدنيا والآخرة، ونسأله تعالى التوفيق.\nينظر: «قضاء الإسلام» لشيخنا علي سيد أحمد.\n(١) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (٢/ ١٩٦) .\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٤/ ٥٩٩) (١٢٠٧٢)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٢/ ١٩٧) .\n(٣) أخرجه أبو داود (٤/ ٦٧٠)، كتاب «الديات»، باب إيقاد المسلم بالكافر، حديث (٤٥٣١)، والترمذي (٤/ ٢٥) كتاب «الديات»، باب دية الكافر، حديث (١٤١٣) وابن ماجة (٢/ ٨٨٧) كتاب «الديات»، باب لا يقتل مسلم بكافر، حديث (٢٦٥٩) وأحمد (٢/ ١٩٤) والبيهقي (٨/ ٢٩- ٣٠) كتاب «الجنايات»، باب لا قصاص باختلاف الدينين كلهم من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده به.\nوقال الترمذي: حديث حسن.","vol":"2","page":388},{"text":"يراد به الخصوصُ فيما لا يخافُ منها على النفْسِ، وكُتُبُ الفقْهِ محَلُّ استيعابِ الكلامِ على هذه المعانيِ.\nقال ص: وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ، أيْ: ذاتُ قصاصٍ. انتهى.\nوقوله سبحانه: فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، المعنى: أنَّ من تصدَّق بجُرْحه أو دمِ وليه، وعفا، فإنَّ ذلك العَفْوَ كفَّارة لذنوبه يعظم اللَّه أجره بذلك، قال ابن عمر وغيره «١»، وفي معناه حديثٌ مرويٌّ عن النبيّ ﷺ، قلت: وهو قوله ﷺ: «مَا مِنْ رَجُلٍ يُصَابُ بِشَيْءٍ فِي جَسَدِهِ فَتَصَدَّقَ بِهِ إلاَّ رَفَعَهُ اللَّهُ بِهِ دَرَجَةً، وَحَطَّ عَنْهُ بِهِ خَطِيئَةً»، رواه الترمذيُّ «٢» . انتهى.\nوقيل: المعنى: فذلك العفو كفَّارة للجارحِ عن ذلك الذنْبِ كما أن القِصَاص كفَّارة، فكذلك العفو كفَّارة وأما أجر العافي، فعلى اللَّه تعالى قاله ابن عبَّاس وغيره «٣» .\nوقيل: المعنى: إذَا جنى جانٍ، فجُهِلَ، وخَفِيَ أمره، فتصدَّق هذا الجاني بأن اعترفَ بذلك، ومكَّنَ من نفسه فذلك الفعل كفّارة لذنبه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-397>[سورة المائدة (٥): الآيات ٤٦ الى ٥٠]</span>\nوَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٤٦) وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٤٧) وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجًا وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨) وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٤/ ٦٠٠) وعزاه لعبد الله بن عمر، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٢/ ١٩٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» بنحوه (٢/ ٥١١)، وعزاه للديلمي عن ابن عمر.\n(٢) أخرجه الترمذي (٤/ ١٤- ١٥)، كتاب «الديات»، باب ما جاء في العفو، حديث (١٣٩٣)، وابن ماجة (٢/ ٨٩٨) كتاب «الديات»، باب العفو في القصاص، حديث (٢٦٩٣) كلاهما من طريق يونس بن أبي إسحاق، عن أبي السفر، عن أبي الدرداء به.\nوقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، ولا أعرف لأبي السفر سماعا من أبي الدرداء، وأبو السفر اسمه: سعيد بن أحمد ويقال: ابن محمد الثوري.\n(٣) أخرجه الطبري (٤/ ٦٠١، ٦٠٢) برقم (١٢٠٩١، ١٢١٠٣)، وذكره ابن عطية (٢/ ١٩٨)، والسيوطي (٢/ ٥١١) وعزاه للفريابي، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ عن ابن عباس.","vol":"2","page":389},{"text":"وقوله سبحانه: وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ... الآية: الضمير في آثارِهِمْ للنبيِّين.\nوقوله: وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ: خُصَّ المتقون بالذِّكْر لأنهم المقصودُ به في عِلْمِ اللَّه وإنْ كان الجميعُ يدعى إلى توحيدِ اللَّه، ويوعَظُ، ولكنَّ ذلك على غَيْرِ المتَّقين عَمًى وحَيْرةٌ.\nوقرأ حمزة «١» وحده: «وَلِيَحْكُمَ» - بكسرِ اللامِ، وفتحِ الميمِ- على «لام كَيْ»، ونصبِ الفعلِ بها، والمعنى: وآتيناه الإِنجيل ليتضمَّن الهدى والنور والتصديق، ولِيَحْكُمَ أهله بما أنزل اللَّه فيه، وقرأ باقي السبْعَةِ: «وَلْيَحْكُمْ» - بسكون لامِ الأمرِ، وجزمِ الفعلِ-، ومعنى أمره لهم بالحكم: أي: هكذا يجبُ عليهم.\nقُلْتُ: وإذْ من لازم حكمهم بما أنزلَ اللَّه فيه اتباعهم لنبيِّنا محمد﵇- والإيمانُ به كما يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيلِ، قال الفَخْر «٢»: قيل: المرادُ:\nولْيحكُمْ أهل الإنجيل بما أنزل اللَّه فيه من الدلائلِ الدالَّة على نبوَّة محمّد ﷺ قيل:\nوالمرادُ بالفاسقين: مَنْ لم يَمْتَثِلْ من النصارَى. انتهى، وحَسُن عَقِبَ ذلك التوقيفُ على وعيدِ/ مَنْ خالف ما أنزل اللَّه.\nوقوله سبحانه: وَمُهَيْمِنًا، أي: جعل اللَّه القُرآن مهيمنًا على الكُتُب، يشهد بما فيها من الحقائقِ، وعلى ما نسبه المحرِّفون إليها، فيصحِّح الحقائق، ويُبْطِلُ التحريفَ، وهذا هو معنى مُهَيْمِنًا، أي: شاهدٌ، ومصدِّقٌ، ومؤتَمَنٌ، وأمينٌ حسَبَ اختلافِ عبارة المفسِّرين في اللفظة، وقال المبرِّد: «مهَيْمِن»: أصله «مؤيمن» بني من «أمين» أبدلت\n_________\n(١) وحجة الباقين في تسكين الميم: أن الله- سبحانه- أمرهم بالعمل بما في الإنجيل، كما أمر نبينا ﷺ في الآية التي بعدها بالعمل بما أنزل الله إليه في الكتاب بقوله: فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ.\nينظر: «السبعة» (٢٤٤)، و«الحجة» (٣/ ٢٢٧)، و«حجة القراءات» (٢٢٧)، و«العنوان» (٨٧)، و«شرح شعلة» (٣٥١)، و«شرح الطيبة» (٤/ ٢٣٠)، و«إتحاف» (١/ ٥٣٦)، و«معاني القراءات» (١/ ٣٢٢) . [.....]\n(٢) ينظر: «مفاتيح الغيب» (١٢/ ١٠) .","vol":"2","page":390},{"text":"همزتُهُ هاءً كما قالوا: أَرَقْتُ المَاءَ، وَهَرَقْتُهُ واستحسنه الزَّجَّاج.\nوقوله سبحانه: فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ: المعنى عند الجمهور: إن اخترت أنْ تحكم، فاحكم بينهم بما أنْزَلَ اللَّه، وليسَتْ هذه الآيةُ بناسخةٍ لقوله: أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ [المائدة: ٤٢] .\nثم حذَّر اللَّه تعالى نبيَّه﵇- من اتباع أهوائهم.\nوقوله تعالى: لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجًا، أي: لكلِّ أمة قاله الجمهور، وهذا عندهم في الأحكامِ، وأما في المعتَقَدَاتِ، فالدِّين واحدٌ لجميع العالَمِ، ويحتملُ أنْ يكون المرادُ الأنبياءَ، لا سيَّما وقد تقدَّم ذكرهم، وذكر ما أُنْزِلَ عليهم، وتجيء الآيةُ، معَ هذا الاحتمال تنبيهًا لنبيِّنا محمَّد﵇-، أيْ: فاحفظ شرعتك ومنهاجَكَ لئلاَ تستزلَّك اليهودُ، أو غيرُهم في شيء منْه، وأكثرُ المتأوِّلين على أن الشِّرْعَة والمِنْهَاجَ بمعنًى واحدٍ، وهي الطريقُ، وقال ابن عباس وغيره: شِرْعَةً وَمِنْهاجًا: سبيلًا وسُنَّة «١»، ثم أخبر سبحانه أنه لَوْ شاء، لَجَعَل النَّاس أُمَّةً واحدةً، ولكنه لم يشأْ لأنه أراد اختبارهم وابتلاءهم فيما آتاهم مِنَ الكُتُب والشرائع كذا قال ابنُ جُرَيْج «٢» وغيره.\nثم أمر سبحانه باستباق الخيراتِ في امتثال الأوامر، وخَتَمَ سبحانه بالموعظةِ والتَّذْكير بالمعادِ، فقال: إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا، والمعنى: فالبِدَار البِدَارَ.\nوقوله سبحانه: فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ، معناه: في الثَّوَاب والعقَاب، فتُخْبَرُونَ به إخبار إيقاعٍ، وهذه الآية بارعةُ الفَصَاحة، جَمَعتِ المعانِيَ الكثيرةَ في الألفاظِ اليسيرة، وكُلُّ كتابِ اللَّه كذلك، إلاَّ أنَّا بقصورِ أفهامنا يَبِينُ لنا في بَعْضٍ أكثرُ ممَّا يبينُ لنا في بعض.\nوقوله تعالى: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ ... الآية: الهوى مقصورٌ يجمعُ على أهْوَاء، والهَوَاء ممدودٌ يُجْمع على أَهْوِيَةٍ، ثم حذَّر تعالى نبيَّه﵇- من اليهودِ أنْ يفتنوه بأنْ يَصْرِفُوه عن شيء ممَّا أنزل الله عليه من الأحكام\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٤/ ٦١١) (١٢١٤٣)، وذكره البغوي في «تفسيره» (٢/ ٤٣)، وابن عطية في «تفسيره» (٢/ ٢٠١)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٥١٣)، وعزاه لعبد بن حميد، وسعيد بن منصور، والفريابي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، وابن مردويه، من طرق عن ابن عباس.\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٤/ ٦١٢) برقم (١٢١٥٤) .","vol":"2","page":391},{"text":"لأنهم كانوا يريدون أن يخدعوا النبيّ ﷺ، فقالوا له مرارًا: احكم لنا في نازلةِ كَذَا بكَذَا، ونَتَّبِعَكَ على دينك.\nوقوله سبحانه: فَإِنْ تَوَلَّوْا، قبله محذوفٌ، تقديره: فإِنْ حكَّموك واستقاموا، فَنِعِمَّا ذلك، وَإِن تَوَلَّوْا، فَاعْلَمْ ... الآية، وخصَّص سبحانه إصابتهم ببَعْض الذنوبِ دون كلِّها لأن هذا الوعيد إنما هو في الدنيا، وذنُوبُهم نوعانِ: نوعٌ يخصُّهم، ونوعٌ يتعدى إلى النبيّ ﷺ، والمؤمنين، وبه توعَّدهم اللَّه في الدنيا، وإنما يعذَّبون بالكُلِّ في الآخرة.\nوقال الفَخْر «١»: وجوزُوا ببَعْض الذنوبِ في الدنيا، لأنَّ مجازَاتهُمْ بالبَعْض- كافٍ في إهلاكهم وتدميرِهِمْ. انتهى.\nوقوله سبحانه: فَاعْلَمْ ... الآية: وعد للنبيّ ﷺ، وقد أنجزه بقصَّة بني قَيْنُقَاعٍ، وقصَّةِ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، وإجلاءِ عُمَرَ أهْلَ خيبَرٍ وفَدَك وغيرهم.\nوقوله تعالى: وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ/ لَفاسِقُونَ: إشارة إليهم، ويندرجُ في عمومِ الآية غَيْرُهُمْ.\nوقوله تعالى: أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ: إشارة إلى الكُهَّان الذين كانُوا يأخْذُون الحُلْوَان «٢»، ويحكُمُون بحَسَب الشهوات، وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا، أي: لا أحد أحسنُ منه حكمًا ﵎.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-398>[سورة المائدة (٥): الآيات ٥١ الى ٥٣]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ (٥٢) وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خاسِرِينَ (٥٣)\nوقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ: نهى اللَّه سبحانه المؤمنين بهذه الآية عَن اتخاذِ اليهودِ والنصارى أولياءَ في النُّصْرة والخُلْطة المؤدِّية إلى الامتزاج والمعاضَدَة، وحُكْمُ هذه الآيةِ باقٍ، وكلُّ من أكثر مخالطة هذين الصّنفين، فله\n_________\n(١) ينظر: «مفاتيح الغيب» (١٢/ ١٤) .\n(٢) حلوان الكاهن: هو ما يعطاه من الأجر والرشوة على كهانته.\nينظر: «النهاية» (١/ ٤٣٥) (حلن) .","vol":"2","page":392},{"text":"حَظُّه من هذا المَقْت الذي تضمَّنه قوله تعالى: فَإِنَّهُ مِنْهُمْ، وسببُ نزولِ هذه الآيةِ أنَّه لَمَّا انقضت بدْرٌ وشَجَر أمر بني قينقاع، أراد النبيّ ﷺ قَتْلهم، فقام دُونَهم عبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابن سَلُولَ مخاصِمًا، وقال: يا محمَّد، أَحْسِنْ في مَوَالِيَّ، فَإنِّي امرؤ أَخَافَ الدوائِرَ، فقال النبيّ ﷺ: قَدْ وهبتُهُمْ لك «١»، ونزلَتِ الآية في ذلك. وقوله ﷿: بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ: جملةٌ مقطوعة من النَّهْيِ.\nوقوله تعالى: وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ: إنحاء على عبد اللَّه بْنِ أُبَيٍّ، وعلى كلِّ من اتصف بهذه الصفة.\nوقوله سبحانه: فَتَرَى الَّذِينَ: المعنى: فترى يا محمد، الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ إشارةً إلى عبد اللَّه بْنِ أُبَيٍّ ومَنْ تبعه من المنافقين على مذهبه في حماية بني قَيْنُقَاعٍ.\nوقوله تعالى: يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ: لفظٌ محفوظٌ عن عبد اللَّه بْنِ أُبَيٍّ ومن تبعه من المنافقين، ودَائِرَةٌ: معناه نَازِلَةٌ من الزمان، وإنما كان ابن أبيٍّ يظهر أنه يستَبْقِيهم لِنُصْرة النبيِّ﵇-، وأنه الرأْيُ، وكان يبطنُ خلافَ ذلك.\nوقوله سبحانه: فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ، وهو ظهور نبيه﵇-، وعلوّ كلمته، وتمكينُهُ مِنْ بني قَيْنُقَاعٍ وقريظَةَ والنَّضِيرِ، وفَتْحُ مكَّة، أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ يُهْلِكُ بِهِ أعداءَ الشرع، وهو أيضًا فتْحٌ لا يقع فيه للبَشَر سبَبٌ.\nوقرأ ابن الزُّبَيْر «٢»: «فَيُصْبِحَ الفُسَّاقُ على مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادمين» .\nوقوله تعالى: وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ، قرأ «٣» نافعٌ وغيره: «يَقُولُ» - بغير واو-، وقرأ حمزة وغيره: «وَيَقُولُ»، وقرأ أبو عمرو وحْده:\n«وَيَقُولَ» - بالواو، ونصبِ اللامِ- فذَهَبَ كثيرٌ من المفسِّرين إلى أنَّ هذا القولَ مِنَ المؤمنين إنما هو إذا جاء الفتْحُ، وحصَلَتْ ندامةُ المنافقين، وفَضَحهم الله تعالى، فحينئذ:\n_________\n(١) أخرجه الطبري بنحوه في «تفسيره» (٤/ ٦١٥) (١٢١٦٢)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٢/ ٢٠٣)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٥١٥) وعزاه لابن أبي شيبة، وابن جرير عن عطية بن سعد.\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٢٠٥)، و«البحر المحيط» (٣/ ٥٢٠) .\n(٣) ينظر: «السبعة» (٢٤٥) . و«الحجة» (٣/ ٢٢٩)، و«حجة القراءات» (٢٢٩)، و«العنوان» (٨٨)، و«شرح الطيبة» (٤/ ٢٣٠)، و«شرح شعلة» (٣٥١)، وإتحاف» (١/ ٣٧)، و«معاني القراءات» (١/ ٣٣٣) .","vol":"2","page":393},{"text":"يقول المؤمنون: أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا ... الآية.\nوتحتمل الآيةُ أنْ تكون حكايةً لقولِ المؤمنين في وقْتِ قولِ الذين في قلوبهم مرضٌ:\nنَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ: إذ فُهِمَ منهم أنَّ تمسُّكهم باليهودِ إنما هو إرصاد لِلَّهِ ولرسولِهِ، فمَقَتَهم النبيُّ﵇- والمؤمنون، وترك لهم النبيُّ﵇- بني قَيْنُقَاعٍ رغْبةً في المصلحة والأُلْفة، وأما قراءة أَبي عَمْرٍو: «وَيَقُولَ» - بالنصب-، فلا يتجه معها أَنْ يكون قولَ المؤمنين إلاَّ عند الفَتْح، وظُهورِ ندامة المنافقينَ، وفَضيحَتِهِمْ.\nوقوله تعالى: جَهْدَ أَيْمانِهِمْ: نصْبُ «جَهْدَ» على المصدر المؤكِّد، والمعنى:\nأهؤلاء هم المُقْسِمُون باجتهاد منهم في الأيمانِ إنهم لَمَعَكُمْ، قد ظهر الآنَ منهم مِنْ موالاة اليهودِ، وخَذْلِ الشريعةِ- ما يُكَذِّبُ أيمانهم.\nوقوله: حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ: يحتملُ أنْ يكون/ إخبارًا من اللَّه سبحانه، ويحتملُ أنْ يكون مِنْ قول المؤمنين، ويحتمل أنْ يكون قوله: حَبِطَتْ دعاءً، أي: بطلت أعمالهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-399>[سورة المائدة (٥): الآيات ٥٤ الى ٥٩]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤) إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ (٥٥) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ (٥٦) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِياءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٥٧) وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُوًا وَلَعِبًا ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ (٥٨)\nقُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ (٥٩)\nوقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ ... الآية: خطابٌ للمؤمنين إلى يوم القيامة، ومعنى الآية أَنَّ اللَّه ﷿ وعَدَ هذه الأمة أنَّ من ارتدَّ منها، فإنه يجيءُ سبحانه بقومٍ ينصُرُونَ الدِّين، ويُغْنُونَ عن المرتدِّين.\nقال الفَخْر «١»: وقدَّم اللَّه تعالى محبَّته لهم على محبَّتهم له إذ لولا حُبُّه لهم، لما وفَّقهم أنْ صاروا محبِّين له. انتهى، وفي كتاب «القصد إلى اللَّه سبحانه» للمُحَاسِبِيِّ، قُلْتُ للشيخ: فَهَلْ يَلْحَقُ المحبِّينَ للَّه ﷿ خَوْفٌ؟ قال: نَعَمِ، الخَوْفُ لازمٌ لهم كما لزمهم الإيمَانُ لا يزولُ إلاَّ بزَوَاله، وهذا هو خَوْفُ عذابِ التَّقْصيرِ في بدايتهم حتى إذا صاروا\n_________\n(١) ينظر: «مفاتيح الغيب» (١٢/ ٢١) .","vol":"2","page":394},{"text":"إلى خَوْفِ الفَوْت، صاروا إلى الخوف الذي يكُونُ في أعلى حالٍ، فكان الخوف الأوَّلُ يطرقهم خطراتٍ، وصارِ خوْفُ الفَوْتِ وطنات، قلْتُ: فما الحالَةُ التي تَكْشِفُ عن قلوبهم شَدِيدَ الخَوْف والحُزْن؟ قال: الرجاءُ بحُسْن الظَّنِّ لمعرفتهم بسعة فَضْل اللَّه ﷿، وأَمَلُهُمْ منه أنْ يظفروا بمرادهم، إذا وَرَدُوا عليه، ولولا حُسْن ظنِّهم بربِّهم، لَتَقطَّعت أنفسهم حسراتٍ، وماتوا كَمَدًا، قلْتُ: أيُّ شيءٍ أكثَرُ شُغْلِهِمْ، وما الغالبُ على قلوبِهِمْ في جميعِ أحوالهم؟ قال: كثرةُ الذِّكْر لمحبوبهم على طريق الدوامِ والاستقامةِ، لا يَمَلُّونَ، ولا يَفْتُرُون، وقد أجمع الحكماءُ أنَّ من أحَبَّ شيئًا، أكْثَرَ مِنْ ذكره، ثم قال: قال ذُو النُّونِ: مَا أُولِعَ أحَدٌ بذكْرِ اللَّه إلا أفاد منْهُ حُبَّ اللَّهِ تعالَى. انتهى.\nوفي الآية إنحاءٌ على المنافِقِينَ، وعلى من ارتد في مدة النبيِّ ﷺ.\nقال الفَخْر «١»: وهذه الآيةُ إخبارٌ بغَيْبٍ، وقد وقع الخَبَر على وَفْقِهِ فيكون معجزًا، وقد ارتدَّتِ العربُ وغيرهم أيام أبِي بَكْر، فنَصَر اللَّه الدِّين، وأتى بخَيْرٍ منهم. انتهى.\nوقوله سبحانه: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، معناه: متذلِّلين مِنْ قِبَلِ أنفسهم، غَيْرَ متكبِّرين، وهذا كقوله ﷿: أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ [الفتح: ٢٩] وكقوله﵇-: «المُؤْمِنُ هَيِّنٌ لَيِّنٌ»، وفي قراءة «٢» ابن مسعودٍ: «أَذِلَّةٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ غُلَظَاءَ عَلَى الكَافِرِينَ» .\nوقوله تعالى: وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ: إشارةٌ إلى الرَّدِّ على المنافقين في أَنَّهم يعتَذِرُونَ بممالأَة الأحْلاَفِ والمعارِفِ مِنَ الكفَّار، ويراعُونَ أمرهم، قُلْتُ: وخرَّج أبو بكرِ بْنُ الخطيبِ بسنده على أبي ذِر، قال: «أَوْصَانِي النبيّ ﷺ بِسَبْعٍ: أوْصَانِي أَنْ أَنْظُرَ إلى مَنْ هُوَ دُونِي وَلاَ أَنْظُرَ إلى مَنْ هُوَ فَوْقِي- يعني: فِي شَأْنِ الدُّنْيَا-، وأوْصَانِي بِحُبِّ المَسَاكِينِ وَالدُّنُوِّ مِنْهُمْ، وَأَوْصَانِي أَنْ أَقُولَ الحَقَّ وَإنْ كَانَ مُرًّا، وَأَوْصَانِي أَنْ أَصِلَ رَحِمِي وَإنْ أَدْبَرَتْ، وَأَوْصَانِي أَلاَّ أَخَافَ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لاَئِمٍ، وَأَوْصَانِي ألاَّ أَسْأَلَ النَّاسَ شَيْئًا، وَأَوْصَانِي أَنْ أسْتَكْثِرَ مِنْ: لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إلاَّ بِاللَّهِ» «٣» . انتهى.\nوقوله سبحانه: ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ: الإشارةُ ب «ذلك» إلى كون القومِ يحبّون الله\n_________\n(١) ينظر: «مفاتيح الغيب» (١٢/ ٢٠) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٢٠٨)، و«البحر المحيط» (٣/ ٥٢٤)، و«الدر المصون» (٢/ ٥٤٩) .\n(٣) أخرجه أحمد (٥/ ١٧٣) وذكره الهيثمي في «المجمع» (٣/ ٩٦) وقال: ورجاله ثقات إلا أن الشعبي لم أجد له سماعا من أبي ذر.","vol":"2","page":395},{"text":"﷿ ويحبّهم، وواسع: ذو سَعَةٍ فيما يملكُ ويُعْطِي وينعم به سبحانه.\nوقوله تعالى: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ... الآية: «إنما» في هذه الآية حاصرةٌ، وقرأ ابن مسعود «١»: «إنَّمَا/ مَوْلاَكُمُ اللَّهُ»، والزكاةُ هنا: لفظٌ عامٌّ للزكاةِ المفروضةِ، والتطوُّعِ بالصدَقَةِ، ولكلِّ أفعالِ البِرِّ، إذ هي مُنَمِّيَةٌ للحسنات، مطَهِّرة للمَرْءِ مِنْ دَنَسِ السيِّئات، ثم وصفهم سبحانه بتَكْثير الركُوعِ، وخُصَّ بالذكْر لكونه مِنْ أعظم أركان الصلاة، وهي هيئَةُ تواضعٍ، فعبَّر عن جميعِ الصلاَةِ كما قال سبحانه: وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ [الحج: ٢٦] هذا هو الصحيحُ.، وهو تأويل الجمهورِ، ولكن اتفق مع ذلك أنَّ عليَّ بْنَ أبي طالِبٍ (﵁) أعطى خاتَمَهُ، وهو راكعٌ «٢» .\nقال السُّدِّيُّ: وإن اتفَقَ ذلك لعليٍّ، فالآية عامَّة في جميعِ المؤمنين «٣» .\nثم أخبر تعالى: أنَّ مَنْ يتولَّى اللَّه ورسولَهُ والمؤمنين، فإنه غالبٌ كُلَّ مَنْ ناوأه، وجاءَتِ العبارةُ عامَّة في أنَّ حِزْبَ اللَّه هم الغالِبُون، ثم نهى سبحانه المؤمنينَ عنِ اتخاذ الَّذينَ اتخذوا دينَنَا هُزُوًا ولعبًا، وقد ثبت استهزاء الكُفَّار في قوله سبحانه: إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ [الحجر: ٩٥] وثبت استهزاء أهْل الكتاب في لفظ هذه الآية، وثبت استهزاءُ المُنَافِقِينَ في قولهم لشياطينهم: إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ [البقرة: ١٤] .\nثم أمر سبحانه بتَقْواه، ونبَّه النفوسَ بقوله: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ.\nوقوله سبحانه: وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُوًا وَلَعِبًا ... الآية: إنحاءٌ على اليَهُودِ، وتبيينٌ لسوء فعلهم.\nوقوله: وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ: معنى المحاورةِ: هَلْ تَنْقِمُونَ منا إلا مجموعَ هذه الحالِ مِنْ أنا مؤمنون، وأنتم فاسقون كما تقول لمن تخاصمه: هل تَنْقِمُ مني إلاَّ أَنْ صَدَقْتُ أَنَا، وَكَذَبْتَ أَنْتَ، وقال بعضُ المتأوِّلين: وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ: معطوفٌ علَى ما كأَنَّه قال: إِلاَّ أَنْ آمنَّا باللَّهِ وبكُتُبِهِ، وبأنَّ أكثركم فاسقُونَ، وهذا مستقيم المعنى، وقال:\n_________\n(١) ينظر: «الشواذ» ص (٣٩)، و«الكشاف» (١/ ٦٤٨)، و«المحرر الوجيز» (٢/ ٢٠٨)، و«البحر المحيط» (٣/ ٥٢٥)، و«الدر المصون» (٢/ ٥٥١) .\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٤/ ٦٢٨) (١٢٢١٥)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٢/ ٢٠٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٥٢٠)، وعزاه لابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، وابن عساكر عن سلمة بن كهيل. [.....]\n(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٤/ ٦٢٨) (١٢٢١٥)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٢/ ٢٠٨) .","vol":"2","page":396},{"text":"أَكْثَرَكُمْ، من حيث إنَّ فيهم مَنْ آمن كابن سلام وغيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-400>[سورة المائدة (٥): الآيات ٦٠ الى ٦٣]</span>\nقُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولئِكَ شَرٌّ مَكانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ (٦٠) وَإِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ (٦١) وَتَرى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٦٢) لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ (٦٣)\nوقوله سبحانه: قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً، يعني: مرجعًا عند اللَّه يوم القيامة ومنه: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ [البقرة: ١٢٥]، ومشى المفسِّرون في هذه الآية على أنَّ الذين أُمِرَ﵇- أنْ يقول لهم: هَلْ أُنَبِّئُكُمْ هم اليهودُ والكُفَّار المتَّخِذُون دينَنَا هُزُوًا ولعبًا قال ذلك «١» الطبريُّ «٢»، وتُوبِعَ عليه، ولم يُسْنِدْ في ذلك إلى متقدِّم شيئًا، والآيةُ تحتملُ أنْ يكون القول للمؤمنين، أي: قُلْ يا محمَّد، للمؤمنين: هَلْ أنبئكم بِشَرٍّ مِنْ حال هؤُلاء الفاسِقِينَ في وَقْتِ المَرْجِعَ إلى اللَّهِ أولئك أسلافهم الَّذين لعنهم اللَّه، وغَضِبَ عليهم.\nوقوله سبحانه: وَجَعَلَ، هِيَ بمعنى «صَيَّرَ»، وقد تقدَّم قصص مَسْخِهِمْ قِرَدَةً في «البقرة»، وعَبَدَ الطَّاغُوتَ: تقديره: ومَنْ عبَدَ الطاغوتَ، وقرأ حمزةُ وحده «٣» «وعَبُدَ الطَّاغُوتِ» - بفتحِ العين، وضمِّ الباءِ، وكسرِ التاء مِنَ الطاغوت- وذلك أنَّ «عَبُدَ» لفظُ مبالغةٍ كقَدُسَ.\nقال الفَخْر: قيل: الطاغوتُ هنا: العِجْلُ، وقيل: الطاغوتُ أحبارهم، وكلُّ من أطاع أحدًا في معصية اللَّهِ فقد عبده. انتهى.\nومَكانًا: يحتمل أن يريد في الآخرةِ، فالمكان على وجْهه، أي: المحلّ إذْ محلُّهم جهنَّم، ويحتملُ أنْ يريد في الدنيا، فهي استعارةٌ للمكانةِ، والحالة.\nوقوله سبحانه: وَإِذا جاؤُكُمْ يعني: اليهودَ، وخاصَّة المنافقين منهم قاله ابن\n_________\n(١) ينظر: «الطبري» (٤/ ٦٣٢) .\n(٢) ذكره الطبري في «تفسيره»، (٤/ ٦٣٢)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٢/ ٢١١) .\n(٣) ينظر: «السبعة» (٢٤٦)، و«الحجة» (٣/ ٢٣٦)، و«إعراب القراءات» (١/ ١٤٧)، و«العنوان» (٨٨)، و«حجة القراءات» (٢٣١)، و«شرح شعلة» (٣٥٣)، و«شرح الطيبة» (٤/ ٢٣٣)، و«إتحاف» (١/ ٥٣٩)، و«معاني القراءات» (١/ ٣٣٥) .","vol":"2","page":397},{"text":"عباس «١» وغيره.\nوقوله: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ: أي: من الكُفْر، والرؤيةُ هنا تَحْتملُ أن تكون قلبية، وأن تكون بصريّة، وفِي الْإِثْمِ، أي: موجباتِ الإثمِ، واللامُ في:\nلَبِئْسَ: لام قَسَم.\nوقوله تعالى: لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ: تحضيضٌ في ضمنه توبيخٌ لهم، قال الفَخْر «٢»: والمعنى: هَلاَّ ينهاهم. انتهى.\nقال الطبريُّ «٣»: كان العلماءُ يقُولُون: ما في القرآن آيةٌ هي أشَدُّ توبيخًا للعلماءِ من هذه الآية، ولا أخْوَفُ عليهم منْها.\nوقال الضحَّاك بنُ مُزَاحِمٍ: ما في القُرآنِ آيةٌ أخْوَفُ عندي منها «٤» إنَّا لا ننهى وقال نحو هذا ابنُ عَبَّاس «٥» .\nوقوله سبحانه: عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ: ظاهره أنَّ الإثم هنا يرادُ به الكُفْر، ويحتمل أن يراد سَائِرُ أقوالهم المُنْكَرَة في النبيّ ﷺ والمؤمنين، وقرأ «٦» ابن عباس: «بِئْسَ مَا كَانُوا يصنعون» بغير لام قسم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-401>[سورة المائدة (٥): آية ٦٤]</span>\nوَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَّا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ كُلَّما أَوْقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسادًا وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٦٤)\nوقوله ﷾: وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ ... إلى قوله: لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ: هذه الآيةُ تعديدُ كبيرةٍ في أقوالهم وكُفْرهم، أي: فَمَنْ يقول هذه العظيمة، فلا\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٤/ ٦٣٧)، وابن عطية (٢/ ٢١٤) .\n(٢) ينظر: «مفاتيح الغيب» (١٢/ ٣٤) .\n(٣) ينظر: «تفسير الطبري» (٤/ ٦٣٧) .\n(٤) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٤/ ٦٣٨) (١٢٢٤٣)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٢/ ٢١٤)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٥٢٤)، وعزاه لابن المبارك في الزهد، وعبد بن حميد وابن جرير، وابن المنذر عن الضحاك بن مزاحم.\n(٥) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٤/ ٦٣٨) (١٢٢٤٣)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٢/ ٢١٤)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٥٢٤) وعزاه لابن جرير، وأبي الشيخ عن ابن عباس.\n(٦) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٢١٤)، و«البحر المحيط» (٣/ ٥٣٢)، و«الدر المصون» (٢/ ٥٦٥) .","vol":"2","page":398},{"text":"يُسْتنكَرُ نفاقُهُ وسعْيُهُ في رَدِّ أمر اللَّه تعالى.\nقال ابن عباس وجماعة: معنى قولهم: التبخيلُ وذلك أنهم لحقَتْهم سَنَةٌ وجَهْدٌ، فقالوا هذه المقالة، يعْنُونَ بها أنَّ اللَّه بَخِلَ عليهم بالرِّزْقِ والتوسعَةِ، تعالَى اللَّه عن قَوْلِهِمْ «١»، وهذا المعنى يشبه ما في قوله تعالى: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ [الإسراء: ٢٩] فإن المراد: لا تَبْخَلْ ومنه قول النبيِّ ﷺ: «مَثَلُ البَخِيلِ وَالمُتَصَدِّقِ ...»\nالحديثَ، وذكر الطبري والنَّقَّاش أن هذه الآية نزلَتْ في فِنْحَاص اليَهُودِيِّ، وأنه قالها «٢» .\nوقوله سبحانه: غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ: خبرٌ يحتملُ في الدنيا، ويحتمل في الآخرة، فإن كان خبرًا عن الدنيا، فالمعنى: غُلَّت أيديهم عن الخَيْرِ والإنفاقِ في وجوه البِرِّ ونحوه، وإذا كان خبرًا عن الآخرة، فالمعنى: غُلَّتْ في النار، قلْتُ: ويَحْتَمِلُ الأمْرَيْنِ معًا.\nوقوله تعالى: بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ: العقيدةُ في هذا المعنى: نَفْيُ التشبيه عن اللَّه سبحانه، وأنه ليس بِجِسْمٍ، ولا له جارِحَةٌ، ولا يُشَبَّهُ، ولا يُكَيَّفُ، ولا يَتحيَّز، ولا تَحُلُّهُ الحوادثُ، تعالى عما يقول المبطلون عُلُوًّا كبيرًا، قال ابن عبَّاس في هذه الآية: يَداهُ:\nنعمتاه «٣»، ثم اختلفت عبارة النَّاس في تَعْيِين «٤» النعمتَيْن:\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» بنحوه (٤/ ٦٤٠) برقم (١٢٢٤٦)، وابن عطية (٢/ ٢١٤) .\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٤/ ٦٤٠) برقم (١٢٢٥١) عن عكرمة.\n(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٤/ ٦٤٠)، ولم يعزه لأحد وذكره ابن عطية (٢/ ٢١٥) .\n(٤) أقول وبالله التوفيق: وإنما يجب أن يسلك في هذا المقام مذهب السلف الصالح: مالك والأوزاعي، والثوري، والليث بن سعد، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وغيرهم، من أئمة المسلمين قديما وحديثا، وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف، ولا تشبيه ولا تعطيل. والظاهر المتبادر إلى أذهان المشبهين منفي عن الله، فإن الله لا يشبهه شيء من خلقه، ولَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: ١١] بل الأمر كما قال الأئمة منهم نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري:\nمن شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه، فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه، فيمن أثبت لله- تعالى- ما وردت به الآيات الصريحة، والأخبار الصحيحة، على الوجه الذي يليق بجلال الله تعالى- ونفى عن الله تعالى النقائص فقد سلك سبيل الهدى فالاستواء على العرش صفة لله تعالى يجب الإيمان بها بلا كيف، ويكل العلم فيه إلى الله﷿- وسأل رجل مالك بن أنس عن قوله: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى [طه: ٥] كيف استوى؟ فأطرق رأسه مليا، وعلاه الرحضاء، ثم قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، وما أظنك إلا ضالا.، ثم أمر به فأخرج.\nينظر: «البغوي» (٢/ ١٦٥) . [.....]","vol":"2","page":399},{"text":"فقيل: نعمةُ الدنيا، ونعمةُ الآخرةِ، وقيل: النعمة الظاهرة، والنعمة الباطنةُ، والظاهر أن قوله سبحانه: بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ عبارةٌ عن إنعامه على الجملة، وعبَّر عنها باليدَيْن جريًا على طريقة العرب في قولهم: فُلاَنٌ يُنْفِقُ بِكِلْتَا يَدَيْهِ ومنه قول الأعشى: [الطويل]\nيَدَاكَ يَدَا مَجْدٍ فَكَفٌّ مُفِيدَة ... وَكَفٌّ إذَا مَا ضُنَّ بِالمَالِ تُنْفِقُ «١»\nويؤيِّد أن اليدَيْن هنا بمعنى الإنعامِ- قرينةُ الإنفاق، ثم قال تعالى لنبيِّه﵇-: وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ، يعني: اليهودَ مَّا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيانًا وَكُفْرًا، ثم قال سبحانه: وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ، العداوة: أخصُّ من البغضاء لأن كلَّ عدوٍّ، فهو يُبْغضُ، وقد يُبْغضُ مَنْ ليس بعدُوٍّ، والبغضاء: قد لا تتجاوَزُ النفوسَ، وقد ألقى اللَّه سبحانه الأمرَيْن على بني إسرائيل.\nقال الفَخْر «٢»: وقد أوقع اللَّه بَيْنَ فِرَقِهِمْ الخصومةَ الشَّديدة، وانتهى أمرهم إلى أنْ يُكَفِّرَ بعضهم بعضًا، وفي قوله: وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ ... الآية: قولان:\nأحدهما: أن المراد ما بَيْن اليهودِ والنصارى من العداوةِ لأنه جرى ذكْرُهُمْ في قوله:\nلاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ [المائدة: ٥١]، وهذا/ قول الحسنِ ومُجَاهد «٣» .\nوالثاني: ما وقع من العداوة بين فِرَقِ اليهود، فإنَّ بعضهم جبريَّةٌ وبعضهم قَدَرية، وبعضهم مُوَحِّدة، وبعضهم مُشَبِّهة، وكذلك بَيْن فرقِ النصارى كالمَلْكَانِيَّة، والنُّسْطُورِيَّة، واليَعْقُوبيَّة «٤» . انتهى.\n_________\n(١) البيت في ديوانه (٢٢٥)، و«الدر المصون» (٢/ ٥٦٦)، و«البحر المحيط» (٣/ ٥٣٥) .\n(٢) ينظر: «مفاتيح الغيب» (١٢/ ٣٨) .\n(٣) أخرجه الطبري (٤/ ٦٤٢) برقم (١٢٢٥٤) عن مجاهد.\n(٤) ونقل عن طوائف النصارى القول بالاتحاد، وعن بعضهم القول بالحلول، وعن بعضهم القول بأن عيسى ابن الله، وعن بعض طوائف اليهود القول بأن عزيرا ابن الله. واختلف النقل عن النصارى في معنى الاتحاد. فقيل: معناه أن الكلمة وهي صفة العلم ظهرت في عيسى وصارت معه هيكلا. وقيل: معناه المخارجة بمعنى أن تكون من الكلمة وعيسى شيء ثالث- وأما القول بالحلول فمعناه على رأي بعض فرقهم: أن الكلمة وهي صفة العلم حلت في المسيح، وعلى رأي البعض الآخر: أن ذات الله حلت في المسيح. ولما كان كلامهم في الحلول والاتحاد مضطربا وغير منضبط على وجه صحيح، فنذكر الصور العقلية التي تتأتى في الاتحاد والحلول فنقول: إما أن يقولوا باتحاد ذات الله بالمسيح، أو حلول ذاته فيه، أو حلول صفته فيه، وكل ذلك إما ببدن عيسى أو بنفسه وإما ألّا يقولوا بشيء من ذلك. وحينئذ فإما أن يقولوا: أعطاه الله قدرة على الخلق والإيجاد أولا. ولكن خصه الله بالمميزات، وسماه ابنا تشريفا كما سمى إبراهيم خليلا، فهذه ثمانية احتمالات كلها باطلة للأدلة التي أحالت حلول الله واتحاده، والسابع-","vol":"2","page":400},{"text":"وقوله سبحانه: كُلَّما أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ: استعارة بليغة، قال\n_________\n- باطل لما ثبت أنه لا مؤثر في الوجود إلا الله، وبقي احتمال اتحاد الكلمة بذات المسيح، وهو باطل أيضا لأن الكلمة المراد منها عندهم صفة العلم والاتحاد بجميع معانيه وأفراده مستحيل على الله بالأدلة السابقة والشبهة التي أوقعت النصارى في هذه الكلمات هي ما جاء في الإنجيل في عدة مواضع من ذكر الله بلفظ الأب، وذكر عيسى بلفظ الابن، وذكر الاتحاد والحلول تصريحا أو تلويحا، فمن ذلك ما جاء في إنجيل (يوحنا) في الصحاح الرابع عشر (يا فيلسوف من يراني ويعاينني، فقد رأى الأب، فكيف بقول: أنت أرنا الأب، ولا تؤمن أني بأبي وأبي بي واقع واقع، وأن الكلام الذي أتكلم به ليس من قبل نفسي، بل من قبل أبي الحال في، وهو الذي يعمل هذه الأعمال التي أعمل آمن وصدق أني بأبي وأبي بي) هذا لفظ الإنجيل المنقول إلى العربية المتداول عندهم، فأخذ بعضهم الاتحاد من قوله: (من يراني ويعاينني فقد رأى الأب) وأخذ بعضهم الحلول من قوله: (أبي الحال في)، وأخذ النبوة من التصريح بلفظ الأب مرة بعد أخرى، وهذا لا يصلح دليلا لوجهين:\nالوجه الأول: توافرت الأدلة على حصول التغيير والتبديل في الإنجيل، فاحتمل أن يكون ذلك المذكور في إنجيل يوحنا مما حصل فيه التغيير والتبديل، فلا يصلح حينئذ أن يكون دليلا، فلا يصح به الاستدلال.\nالثاني: أن نتنزل ونقول: لا تغيير ولا تبديل في ذلك المنقول، لكن دلالته على مدعاهم ليست يقينية لجواز أن يكون المراد من الاتحاد الذي فهمه بعضهم من الجملة الأولى الاتحاد في بيان طريق الحق، وإظهار كلمة الصدق كما يقال: أنا وفلان واحد في هذا القول، ولجواز أن يكون المراد من الحلول المصرح به في بعض الجمل حلول آثار صنع الله من إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، ولجواز أن يكون المراد من الأب المبدئ، فإن القدماء كانوا يطلقون الأب على المبدئ فمضى قوله: أبي مبدئي وموجدي وسمى عيسى ابنا تشريفا له كما سمى إبراهيم خليلا.\nوأيضا فمن كان متوجها لشيء ومقيما عليه يقال له: ابنه كما يقال: أبناء الدنيا، وأبناء السبيل، فجاز أن يكون تسمية عيسى بالابن لتوجهه، في أكثر الأحوال إلى الحق، واستغراقه أغلب الأوقات في جناب القدس، ومما يؤكد ذلك أنه جاء في الصحاح السابع عشر من إنجيل يوحنا حيث دعا عيسى للحواريين ما لفظه: «وكما أنت يا أبي بي وأنا بك، فليكونوا هم أيضا نفسا واحدا يؤمن أهل العلم، بأنك أنت أرسلتني، وأنا قد استودعتهم بالمجد الذي مجدتني به، ودفعته إليهم ليكونوا على الإيمان، كما أنا وأنت أيضا واحد، وكما أنت حال فيّ كذلك أنا فيهم ليكون كمالهم واحدا» هذا لفظ الإنجيل، وقد تبين منه معنى الاتحاد والحلول على وجه مغاير لما فهموه، وجاء في الصحاح التاسع عشر ما لفظه: «إني صاعد إلى أبيكم وإلهي وإلهكم» وهذا يدل بواسطة العطف على أن المراد من الأب الإله، وعلى أنه مساو لهم في معنى النبوة والعبودية، فهذه النصوص تدحض حجتهم، وتلزمهم إذا أرادوا الحق بالرجوع إلى ما قضت به الأدلة العقلية المتقدمة من استحالة الاتحاد والحلول والنبوة.\nأما بعض اليهود الذين قالوا: أن عذيرا ابن الله، فقد أشار الله- تعالى- إليه بقوله: وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ [التوبة: ٣٠] نسب الله ذلك القول إلى اليهود، مع أنه قول لطائفة منهم، جريا على عادة العرب في إيقاع اسم الجماعة على الواحد والسبب الذي دعا هذه الطائفة إلى القول بأن عزيرا ابن الله أن اليهود تركوا العمل بما في التوراة، وعملوا بغير الحق فعاقبهم الله تعالى بأن أنساهم التوراة، ونسخها من صدورهم، فتضرع عزير إلى الله، وابتهل إليه، فعاد حفظ التوراة إلى قلبه فأنذر قومه به، فلما جربوه-","vol":"2","page":401},{"text":"مجاهد: معنى الآيةِ: كلَّما أوقدوا نارًا لحَرْبِ النبيّ ﷺ، أطفأها اللَّه «١»، فالآيةُ بشارةٌ لنبيِّنا محمد﵇- وللمؤمنين، وباقي الآية بيّن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-402>[سورة المائدة (٥): الآيات ٦٥ الى ٦٦]</span>\nوَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْناهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٦٥) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ (٦٦)\nوقوله تعالى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا ... الآية: هذه الآية تحتملُ أنْ يراد بها معاصرو النبيّ ﷺ، وتحتملُ أنْ يراد بها الأسلافُ، والمعاصِرُونَ.\nوقوله سبحانه: وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ، أي: أظهروا أحْكَامها، فهي كإقامةِ السُّوق، وإقامةِ الصَّلاةِ.\nوقوله سبحانه: وَالْإِنْجِيلَ: يقتضي دخُولَ النصارى في لفظُ أهْلِ الكتابِ في هذه الآية، قلْتُ: وقال مكِّيٌّ: معنى: أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ: أيْ: عملوا بما فيهما، وأقروا بصفة النبيّ ﷺ وبنبوَّته. انتهى من «الهداية» .\nوقوله: وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ: معناه: مِنْ وحْيٍ وسُنَنٍ على ألْسِنَةِ الأنبياء﵈-، واختُلِفَ في معنى: مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ، فقال ابن عباس وغيره: المعنى: لأعطتهم السماءُ مطَرها، والأرض نباتَهَا بفَضْلِ اللَّه تعالى «٢»، وقال الطبريُّ «٣» وغيره: إن الكلام استعارة ومبالغةٌ في التوسِعَةِ كما يقالِ: فُلاَنٌ قد عمَّهُ الخَيْرُ مِنْ قَرْنِهِ إلى قَدَمِهِ.\nوقوله سبحانه: مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ: معناه: معتدِلَةٌ، والقَصْد والاقتصاد: الاعتدال والرفْقُ والتوسُّط الحَسَن في الأقوال والأفعال، قال ابنُ زَيْد: وهؤلاءِ هُمْ أهْل طاعَةِ اللَّه من\n_________\n- وجدوه صادقا فيه، فقالوا: ما تيسر لهذا العزير دون سواه إلا لأنه ابن الله، وهذه شبهة واهية لا يصح الاستناد إليها لأن إجابة المطلب مرتبطة بالقبول والقرب من الله، والخضوع لأوامره، واجتناب نواهيه لا بالنبوة كما يزعمون.\nينظر: «الدرر السنية في تنزيه الحضرة الإلهية» لشيخنا أحمد المستكاوي.\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٤/ ٦٤٤) برقم (١٢٢٥٩)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٢/ ٢١٦) .\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٤/ ٦٤٥) برقم (١٢٢٦١)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٥٢٧)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس.\n(٣) ينظر: الطبري (٤/ ٦٤٥) .","vol":"2","page":402},{"text":"أهْل الكتاب «١» .\nقال ع «٢»: وهذا هو الراجِحُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-403>[سورة المائدة (٥): الآيات ٦٧ الى ٦٨]</span>\nيا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (٦٧) قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَّا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيانًا وَكُفْرًا فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٦٨)\nوقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ... الآية: هذه الآية أمْرٌ مِنَ اللَّه تعالى لنبيِّه﵇- بالتبليغِ على الاستيفاء والكمالِ لأنه قد كان بلّغ ﷺ، وإنما أُمِرَ في هذه الآيةِ بِأَلاَّ يتوقَّفَ عن شَيْء مخافةَ أحَدٍ وذلك أنَّ رسالته﵇- تضمَّنت الطَّعْنَ على أنواع الكَفَرة، وبيان فساد حالهم، فكان يلقى منهم ﷺ عَنَتًا، وربَّما خافهم أحيانًا قبل نزول هذه الآية، فقال الله تعالى له: بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ، أيْ:\nكاملًا، وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ، قالتْ عائشةُ أمُّ المؤمنين (﵂): «مَنْ زَعَمَ أنَّ محمدًا كَتَمَ شيئًا مِنَ الوَحْيِ، فقد أَعْظَم الفريةَ، والله تعالى يقول: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ... الآية»، وقال عبدُ اللَّهِ بنُ شَقِيقٍ: كان رسول الله ﷺ يتعقبه أصحابُهُ يحْرُسُونه، فلما نزلَتْ: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ، خرَجَ، فقَالَ: «يَا أَيُّها النَّاسُ، الحقوا بِمَلاَحِقِكُمْ فَإنَّ اللَّهَ قَدْ عَصَمَنِي» «٣»، قلْتُ: وخرَّج الترمذيُّ هذا الحديثَ أيضًا من طريق عائشة «٤»، وكما وجَبَ عليه التبليغُ﵇-، وجب على علماءِ أمته، وقد قال﵇-: «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَة» «٥»، وعن زيدِ بنِ ثابتٍ (﵁) قَالَ: سَمِعْتُ\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٤/ ٦٤٦) برقم (١٢٢٧١)، وابن عطية في «تفسيره» (٢/ ٢١٧) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٤٧٥) .\n(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٤/ ٦٤٧) رقم (١٢٢٧٧) عن عبد الله بن شقيق.\nوذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٥٣٠)، وزاد نسبته إلى ابن مردويه.\n(٤) أخرجه الترمذي (٥/ ٢٥١) كتاب «التفسير»، باب سورة المائدة رقم (٣٠٤٦)، والحاكم (٢/ ٣١٣)، والطبري (٤/ ٦٤٧) رقم (١٢٢٧٩) من طريق سعيد الجريري، عن عبد الله بن شقيق، عن عائشة به.\nوقال الترمذي: هذا حديث غريب وروى بعضهم هذا الحديث عن الجريري، عن عبد الله بن شقيق قال: كان النبيّ ﷺ يحرس، ولم يذكروا فيه عائشة.\nوقال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٥٢٩) وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، وأبي نعيم، والبيهقي كلاهما في «الدلائل» .\n(٥) أخرجه البخاري (٦/ ٥٧٢) كتاب «أحاديث الأنبياء»، باب ما ذكر عن بني إسرائيل، حديث (٣٤٦١)، -[.....]","vol":"2","page":403},{"text":"رسول الله ﷺ يَقُولُ: «نَضَّرَ اللَّهُ امرأ سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا، فَحَفِظَهُ حتى يُبَلِّغَهُ فَرُبَّ حَامِلٍ فِقْهٍ إلى مَنْ لَيْسَ بِفَقِيةٍ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إلى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ»، رواه أبو داودَ، واللفظ له، والترمذيُّ والنسائِيُّ وابنُ ماجه، وابن حِبَّانَ في «صحيحِهِ»، وقال التِّرمذيُّ/: هذا حديثٌ حسنٌ، ورواه مِنْ حديث ابن مسعود، وقال: حسن صحيح «١» . انتهى من «السلاح» .\n_________\n- والترمذي (٥/ ٣٩) كتاب «العلم»، باب ما جاء في الحديث عن بني إسرائيل، حديث (٢٦٦٩) وقال:\nحسن صحيح.\n(١) ورد من حديث ابن مسعود، وزيد بن ثابت، وجبير بن مطعم.\nفأما حديث ابن مسعود أخرجه الترمذي (٥/ ٣٣) في العلم، باب ما جاء في الحث على تبليغ السماع (٢٦٥٧، ٢٦٥٨)، وابن ماجة (١/ ٨٥) في المقدمة، باب من بلغ علما (٢٣٢) والحميدي في «مسنده» (٨٨)، وأحمد (١/ ٤٣٧)، والشافعي في «مسنده» (١/ ١٦)، وأبو يعلى (٥٢٢٦، ٥٢٩٦)، وابن حبان (٧٤، ٧٥، ٧٦) موارد، والرامهرمزي في «المحدث الفاصل» برقم (٦، ٧، ٨)، وابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (١٨٨، ١٨٩، ١٩٠، ١٩١)، وأبو نعيم في «الحلية» (٧/ ٣٣١) . والخطيب في «الكفاية» ص (١٧٣)، وفي «شرف أصحاب الحديث» ص (١٨، ١٩)، والبيهقي في «معرفة السنن والآثار» (١/ ١٥- ١٦، ٤٣)، وفي «الدلائل» (٦/ ٥٤٠) والقضاعي في «مسند الشهاب» (١٤١٩، ١٤٢٠)، وابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (٢/ ٩، ١٠) وأبو الشيخ في «الأمثال» (٢٠٤)، وأبو نعيم في «تاريخ أصبهان» (٢/ ٩٠)، والحاكم في «معرفة علوم الحديث» ص (٣٢٢) من طرق عنه.\nوقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.\nوأما حديث زيد بن ثابت أخرجه أبو داود (٢/ ٣٤٦) في العلم، باب فضل نشر العلم (٣٦٦٠)، والترمذي (٢٦٥٦) وابن ماجة (٢٣٠)، وأحمد (٥/ ١٨٣) وابن حبان (٧٢- ٧٣) موارد، والدارمي (١/ ٧٥)، والطحاوي في «مشكل الآثار» (٢/ ٢٣٢)، وابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (١٨٤، ١٨٥، ١٨٦، ١٨٧)، وابن أبي عاصم في «السنة» (٩٤)، وابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (٢/ ١١)، والرامهرمزي (٤٢٣) والخطيب في «شرف أصحاب الحديث» (ص ١٧، ١٨) والخطيب في «الفقيه والمتفقه» (٢/ ٧١) .\nوقال الترمذي: حديث حسن.\nوأما حديث جبير بن مطعم فأخرجه ابن ماجة (٢٣١)، وأحمد (٤/ ٨٠، ٨٢) والدارمي (١/ ٧٤- ٧٥) والطبراني في «الكبير» (١٥٤١)، وأبو يعلى في مسنده (٧٤١٣) والقضاعي في «مسند الشهاب» (١٤٢١) والطحاوي في «المشكل» (٢/ ٢٣٢) وابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (٢/ ١٠)، وابن حبان في «المجروحين» (١/ ٤- ٥)، وابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (١٩٥)، والحاكم في «المستدرك» (١/ ٨٧) من طرق عن محمد بن إسحاق عن الزهري عن محمد بن جبير عن أبيه.\nوأخرجه ابن ماجة (٢٣١)، والطبراني في «الكبير» (١٥٤٢)، والطحاوي في «المشكل» (٢/ ٢٣٢) من طريق ابن إسحاق، عن عبد السلام بن أبي الجنوب، عن الزهري، عن محمد بن جبير به.\nوقال البوصيري في «الزوائد» (١/ ٩٩): هذا إسناد ضعيف لضعف عبد السلام..\nوأخرجه الطبراني (١٥٤٣) وابن أبي حاتم (١/ ١٠) من طريق ابن إسحاق، عن عمرو بن أبي عمرو، عن محمد بن جبير، عن أبيه به. -","vol":"2","page":404},{"text":"وقال محمد بن كَعْبٍ القُرَظِيُّ: نزِلَتْ هذه الآيةُ بسبب الأعرابيِّ الذي اخترط سيْفَ النبيِّ ﷺ ليقتُلَهُ به «١» .\nقال ابنُ العربيِّ: قوله تعالى: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ: معناه: يَجْعَلْ بينَكَ وبينهم حجابًا يمنع من وصُولِ مكروههم إلَيْك كَعِصَامِ الْقِرْبَةِ الذي يَمْنَعُ سَيَلاَنَ الماءِ منها، ولعلمائنا في الآية تأويلاتٌ.\nأصحها: أنَّ العصمة عامَّة في كلِّ مكروهٍ، وأنَّ الآية نزلَتْ بعد أن شجّ وجهه، وكسرت رباعيته ﷺ «٢» .\nوقيل: إنه أراد مِنَ القتل خاصَّة، والأول أصحّ، وقد كان ﷺ أُوتِيَ بَعْضَ هذه العَصْمَةِ بمكَّة في قوله تعالى: إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ [الحجر: ٩٥] ثم كمُلَتْ له العصْمَةُ بالمدينةِ، فعُصِمَ من النَّاس كلِّهم. انتهى من كتابه في تفسير أفعال اللَّه الواقعة في القرآن.\nثم أمر تعالى نبيَّه﵇- أنْ يقولَ لأهْل الكتابِ الحاضِرِينَ معه: لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ، أيْ: على شيءٍ مستقيمٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ، وفي إقامتهما الإيمانُ بنبيِّنا محمَّد﵇-، قلْتُ: وهذه الآية عنْدِي مِنْ أَخْوَفِ آية في القرآنِ كما أشار إلى ذلك سفيانُ، فتأمَّلها حقَّ التأمُّل.\nوقوله سبحانه: وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ... الآية: يعني به القرآن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-404>[سورة المائدة (٥): الآيات ٦٩ الى ٧٠]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصارى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٩) لَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَأَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ (٧٠)\n_________\n- وأخرجه أبو يعلى في «مسنده» (٧٤١٤)، والحاكم (١/ ٨٧- ٨٨) من طريق ابن إسحاق عن عمرو بن أبي عمرو عن عبد الرّحمن بن الحويرث عن محمد بن جبير به.\nوتابعه عليه إسماعيل بن جعفر، عن عمرو به، وأخرجه الدارمي في «سننه» (١/ ٧٤) .\nوأخرجه الطبراني (١٥٤٤)، والحاكم (١/ ٨٧) من طريق نعيم بن حماد قال: ثنا إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كيسان، عن الزهري، عن محمد بن جبير. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٤/ ٦٤٨) (١٢٢٨١)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٢/ ٢١٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٥٣٠)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير عن محمد بن كعب القرظي.\n(٢) أخرجه مسلم (٣/ ١٤١٧)، كتاب «الجهاد والسير»، باب غزوة أحد (١٠٤- ١٧٩١) .","vol":"2","page":405},{"text":"وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصارى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ: الذين آمنوا: لفظٌ عامٌّ لكلِّ مؤمنٍ من مِلَّةِ نبيّنا محمّد ﷺ ومِنْ غَيْرها من المِلَلِ، فكأنَّ ألفاظ الآية حُصِرَ بها الناسُ كلُّهم، وبُيِّنَتِ الطوائفُ على اختلافها، وهذا هو تأويلُ الجمهور، وقد مَضَى الكلامُ في «سورة البقرة»، فراجعْهُ هناك، وقرأ الجمهورُ: «وَالصَّابِئُونَ»، وقرىء خارجَ السبعة «١»:\n«والصَّابِئِينَ»، وهي بيِّنة الإعراب، وأما على قراءة الجمهورِ، فاختلف في إعرابها، ومَذْهَبُ سبيَوَيْهِ، والخَلِيلِ، ونُحَاةِ البَصْرة: أنه من المقدَّم الذي معناه التأْخِيرُ، كأنَّه قال: إنَّ الذين آمنوا والذين هَادُوا، مَنْ آمَنَ باللَّه واليومِ الآخِرِ وعَمِلَ صالحًا، فلا خَوْفٌ عليهم ولا هم يحزنُونَ، والصَّابِئُونَ والنصارى كذلك.\nقال ص: ووجه ثانٍ أنَّ خبر «إنَّ» محذوفٌ، أي: إنَّ الذين آمنوا لهم أجرهم، وخبر «الصّابئين»: مَنْ آمَنَ وما بعده، قال ابنُ عُصْفُورٍ وهو حَسَنٌ جدًّا إذ ليس فيه أكثر من حَذْفِ خبرِ «إنَّ» للفهم، وهو جائزٌ في فصيحِ الكلامِ. انتهى.\nقلتُ: قال ابْنُ مالكٍ: وهو أسهلُ من التقديمِ والتأخيرِ، وقيل: إن الصابِئين في موضِعِ نَصْبٍ، ولكنه جاء على لغة بَلْحَارِثِ الذين يَجْعَلُونَ التثنيةَ بالأَلِفِ على كل حال، والجَمْعَ بالواو على كُلِّ حال قاله أبو البقاء، وقيل غير هذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-405>[سورة المائدة (٥): الآيات ٧١ الى ٧٥]</span>\nوَحَسِبُوا أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (٧١) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْواهُ النَّارُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (٧٢) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٣) أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤) مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥)\n_________\n(١) وهي قراءة عثمان، وأبي بن كعب، وعائشة، وسعيد بن جبير، والجحدري، كما في «المحتسب» (١/ ٢١٧) .\nوينظر: «الكشاف» (١/ ٦٦٢)، و«المحرر الوجيز» (١/ ٢١٩)، و«البحر المحيط» (٣/ ٥٤١)، و«الدر المصون» (٢/ ٥٧٦) .","vol":"2","page":406},{"text":"وقوله سبحانه: وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ: المعنى في هذه الآيةِ: وظَنَّ هؤلاءِ الكفرةُ باللَّه، والعصاةُ مِنْ بني إسرائيل ألاَّ يكونَ مِنَ اللَّه ابتلاءٌ لهُمْ وأخذ في الدنيا، فلَجُّوا في شهواتهم، وعَمُوا فيها، إذْ لم يُبْصِرُوا الحقّ، وهذا كقوله ﷺ: «حُبُّكَ الشَّيْءَ يُعْمِي وَيُصِمُّ» «١» .\nوقوله سبحانه: ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، قالتْ جماعة من المفسِّرين: هذه التوبةُ هِيَ رَدُّهم إلى بَيْتِ المَقْدِس بعد الإخراج الأول، ورَدُّ مُلْكِهِمْ وحَالِهِم، ثم عَمُوا وصَمُّوا بعد ذلك حتى أُخْرِجُوا الخرجةَ الثانيةَ، ولم ينجبرُوا أبدًا، ومعنى: تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أي:\nرجَعَ بهم إلى الطاعةِ والحقِّ، ومِنْ فصاحة القُرآن: / استناد هذا الفعْلِ الشريفِ إلى اللَّه تعالى، واستناد العمى وَالصَّمَمَ اللَّذَيْن هما عبارةٌ عن الضَّلال إليهم، ثم أخبر تعالى إخبارًا مؤكَّدًا بلام القَسَمِ عن كُفْر القائلين: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وهذا قولُ اليَعْقُوبِيَّةِ من النصارى، ثم أخبر تعالى عن قول المسيحِ لهم، فقال: وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ... الآية، فضَلُّوا هم، وكفروا بسَبَب ما رأَوْا على يديه من الآيات.\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (٢/ ٧٥٥) كتاب «الأدب»، باب في الهوى حديث (٥١٣٠)، وأحمد (٥/ ١٩٤، ٦/ ٤٥٠) والبخاري في «التاريخ الكبير» (٢/ ١/ ١٧٢)، والدولابي في «الكنى» (١/ ١٠١) وابن عدي في «الكامل» (٢/ ٤٧٢) والفسوي في «المعرفة والتاريخ» (٢/ ٣٢٨) وابن الجوزي في «ذم الهوى» (ص ٢٠)، والقضاعي في «مسند الشهاب» (٢١٩) كلهم من طريق أبي بكر بن أبي مريم، عن خالد بن محمد الثقفي، عن بلال بن أبي الدرداء، عن أبيه مرفوعا وهذا إسناد ضعيف لاختلاط ابن أبي مريم.\nوأخرجه أحمد (٥/ ١٩٤) عن أبي اليمان، عن أبي مريم به، إلا أنه رواه موقوفا.\nقال السخاوي في «المقاصد الحسنة» (ص ١٨١- ١٨٢) .\nوقد بالغ الصغاني فحكم عليه بالوضع، وكذا تعقبه العراقي، وقال: إن ابن أبي مريم لم يتهمه أحد بكذب، إنما سرق له حلي فأنكر عقله، وقد ضعفه غير واحد، ويكفينا سكوت أبي داود عليه، فليس بموضوع، بل ولا شديد الضعف، فهو حسن انتهى، وفي الباب مما لم يثبت عن معاوية، قال العسكري: أراد النبيّ ﷺ أن من الحب ما يعميك عن طريق الرشد ويصمك عن استماع الحق، وأن الرجل إذا غلب الحب على قلبه ولم يكن له رادع من عقل أو دين أصمه حبه عن العدل، وأعماه عن الرشد، وكذا قال بعض الشعراء.\nوعين أخي الرضى عن ذاك تعمى وقال آخر:\nفعين الرضى عن كل عيب كليلة ... ولكن عين السخط تبدي المساويا\nوعن ثعلب قال: تعمى العين عن النظر إلى مساويه، وتصم الأذن عن استماع العذل فيه وأنشأ يقول:\nوكذبت طرفي فيك والطرف صادق ... وأسمعت أذني فيك ما ليس تسمع\nوقيل تعمى وتصم عن الآخرة، وفائدته النهي عن حب ما لا ينبغي الإغراق في حبه.","vol":"2","page":407},{"text":"وقوله تعالى: وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ، يحتملُ أن يكون من قول عيسى﵇- لبني إسرائيل، ويحتمل أنْ يكون إخبارًا من اللَّه سبحانه لنبيِّه محمد﵇-.\nوقوله تعالى: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ ...\nالآية: إخبارٌ مؤكِّد كالذي قبله، عن هذه الطائفة النَّاطقة بالتثليث، وهم فِرَقٌ، منهم النُّسْطُورِيَّة وغيرهم، ولا معنى لذكْر أقوالهم في كُتُب التَّفْسِير.\nوقوله سبحانه: ثالِثُ ثَلاثَةٍ: لا يَجوزُ فيه إلاَّ الإضافةُ، وخفض «ثلاثة» لأن المعنى أحدُ ثلاثةٍ، فإنْ قلت: زَيْدٌ ثَالِثُ اثنين، أَوْ رَابِعُ ثَلاَثَةٍ، جاز لك أنْ تضيفَ كما تقدَّم، وجاز ألاَّ تضيفَ، وتَنْصِب «ثَلاَثة» على معنى: زَيْدٌ يربِّع ثلاثةً.\nوقوله سبحانه: وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ ... الآية: خَبَرٌ صادِعٌ بالحَقِّ، وهو سبحانه الخالِقُ المُبْدِعُ المتَّصِفُ بالصفات العُلاَ، سبحانه وتعالى عَمَّا يقول الظالمون علوًّا كبيرًا، ثم توعَّدهم، إنْ لم ينتهوا عما يقولُونَ، ثم رَفَق جلَّ وعلا بهم بتحضيضه إيَّاهم على التوبة، وطَلَبِ المَغْفرة، ثم وصَفَ نفسه سبحانه بالغُفْرَانِ والرَّحْمة استجلابا للتائِبِينَ وتَأْنيسًا لهم ليكونوا على ثِقَةٍ من الانتفاعِ بتوبتهم.\nقال ص: لَيَمَسَّنَّ: اللامُ فيه جوابُ قَسَمٍ محذوفٍ قبل أداة الشرطِ. انتهى.\nوقوله تعالى: وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ: بناءُ مبالغةٍ مِنَ الصِّدْقِ، ويحتملُ من التَّصْديق وبه سُمِّيَ أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ (﵁) وهذه الصفةُ لمريم تدفع قولَ مَنْ قال: إنها نَبِيَّةٌ.\nوقوله سبحانه: كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعامَ: تنبيهٌ على نقص البشريَّة، وعلى حالٍ مِنَ الاحتياجِ إلى الغذاء تنتفي معها الألوهيّة، ويُؤْفَكُونَ: معناه: يصرفون ومنه قوله ﷿: يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ [الذاريات: ٩]، والأرْضُ المأْفُوكَةُ الَّتِي صُرِفَتْ عن أن ينالها المَطَرُ، والمَطَرُ في الحقيقةِ هو المَصْرُوفُ، ولكنْ قيل: أرضٌ مأفوكة لما كانت مأفوكا عنها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-406>[سورة المائدة (٥): الآيات ٧٦ الى ٧٧]</span>\nقُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٧٦) قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ (٧٧)\nوقوله تعالى: قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ","vol":"2","page":408},{"text":"السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ...\nالآية: الضَّرُّ- بفتح الضاد-: المصدَرُ، وبضمها الاسم، وهو عدم الخير، والسَّمِيعُ لأقوالهم والْعَلِيمُ بنيَّاتهم، والغُلُوُّ: تجاوُزُ الحدِّ من غَلاَ السَّهْمُ إذا تجاوَزَ الغَرَضَ المقصُودَ، وتلك المسافَةُ هي غَلْوَتُهُ، وهذه المخاطَبَةُ هي للنصارَى الذي غَلَوْا في عيسى، والقوم الذين نُهِيَ النصارى عن اتباع أهوائهم هو بَنُو إسرائيل، ووَصَف تعالى اليهودَ بأنهم ضَلُّوا قديمًا، وأضلوا كثيرًا من أتباعهم، ثم أكَّد الأمر بتَكْرار قوله تعالى: وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-407>[سورة المائدة (٥): الآيات ٧٨ الى ٨١]</span>\nلُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩) تَرى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ (٨٠) وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِياءَ وَلكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فاسِقُونَ (٨١)\nوقوله تعالى: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ ... الآية: قال ابنُ عباس (﵁): لُعِنُوا بكلِّ لسانٍ لُعِنُوا في التوراةِ، وفي الزَّبُورِ، والإنجيلِ، والفُرْقَانِ «١» .\nوقوله سبحانه: كانُوا لاَ يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ ... الآية: ذَمَّ اللَّه سبحانه هذه الفِرْقَةَ الملْعُونَةَ بأنهم كانوا لا يَتَنَاهَوْن عن منكرٍ فعلوه، أي: أنهم كانوا يتجاهرون بالمعاصي، / وإن نهى منهم ناه، لم يمتنعْ عن مواصلةِ العاصِي، ومؤاكلتِهِ، وخُلْطَتِهِ ورَوَى ابن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ: «إنَّ الرَّجُلَ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ كَانَ، إذَا رأى أَخَاهُ على ذَنْبٍ، نَهَاهُ عَنْهُ تَعْذِيرًا، فَإذَا كَانَ مِنَ الغَدِ، لَم يَمْنَعْهُ مَا رأى مِنْهُ أَنْ يَكُونَ أَكِيلَهُ أَوْ خَلِيطَهُ، فَلَمَّا رَأَى اللَّهُ تعالى ذَلِكَ مِنْهُمْ، ضَرَبَ بِقُلُوبِ بَعْضِهِمْ على بَعْضٍ، وَلَعَنَهُمْ على لِسَانِ نَبِيِّهِمْ دَاوُدَ وعيسى»، قال ابنُ مسعود: وكانَ رسول الله ﷺ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ، وَقَالَ: «لاَ، وَاللَّهِ حتى تَأْخُذُوا على يَدِ الظَّالِمِ، فَتَأطُرُوهُ عَلَى الحَقِّ أَطْرًا» «٢»،\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٤/ ٦٥٦) (١٢٣٠٣)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٢/ ٢٢٣) .\n(٢) أخرجه الترمذي (٥/ ٢٥٢) كتاب «التفسير»، باب سورة المائدة، حديث (٣٠٤٧) وأبو داود (٢/ ٥٢٤- ٥٢٥) كتاب «الملاحم»، باب الأمر والنهي، حديث (٤٣٣٦) وابن ماجة (٢/ ١٣٢٨) كتاب «الفتن»، باب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، حديث (٤٠٠٦) من طريق علي بن بذيمة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود به.\nوقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وقد روي هذا الحديث، عن محمد بن مسلم بن أبي الوضاح، عن علي بن بذيمة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله، عن النبيّ ﷺ وبعضهم يقول عن أبي عبيدة، عن النبيّ ﷺ مرسلا.","vol":"2","page":409},{"text":"والإجماعُ على أن النهْيَ عن المنْكَرِ- واجبٌ لمن أطاقه، ونهى بمعروفِ، أي: برفْقٍ، وقَوْلٍ معروفٍ، وأمْنِ الضرر عليه، وعلى المؤمنين، فإن تعذَّر على أحَدٍ النَّهْيُ لشيءٍ من هذه الوجوه، ففَرْضٌ عليه الإنكارُ بقلبه، وألاَّ يخالِطَ ذا المُنْكَرِ، وقال حُذَّاق أهْل العِلْم:\nلَيْسَ مِنْ شروط الناهِي أنْ يكون سليمًا من المَعْصية، بل ينهَى العُصَاةُ بعضُهم بعضًا.\nوقوله سبحانه: لَبِئْسَ مَا كانُوا يَفْعَلُونَ: اللامُ لامُ قسَمٍ، وروى أبو داود عن أبي سعيدٍ الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ: «أَفْضَلُ الجِهَادِ كَلِمَةُ حَقٍّ»، أو قَالَ: «كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ أوْ أَمِيرٍ جَائِرٍ» «١» . انتهى.\nوقوله تعالى لنبيِّه محمَّد﵇-: تَرى كَثِيرًا يحتمل أن تكون رؤيةَ عَيْن فلا يريد إلاَّ معاصريه، ويحتمل أنْ تكونَ رُؤْيَة قَلْب وعلى هذا، فيحتمل أن يريد المعاصرين له، ويحتمل أن يريد أسلافهم، والَّذِينَ كَفَرُوا: عبدة الأوْثَان.\nوقوله سبحانه: لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ ... الآية، أي: قدَّمته للآخرة، واجترحته، ثم فسَّر ذلك قولُه تعالى: أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ف أَنْ سَخِطَ: في موضع رَفْعٍ بدَلٍ من ما، ويحتمل أن يكون التقدير: هو أنْ سَخِطَ اللَّه عليهم.\nوقوله تعالى: وَالنَّبِيِّ إنْ كان المرادُ الأَسْلاَفَ، فالنبيُّ: داودُ وعيسى، وإنْ كان المرادُ معاصري نبيّنا محمّد ﷺ، فالمراد ب «النبيّ» هو ﷺ.\nوذهب بعضُ المفسِّرين إلى أنَّ قوله سبحانه: تَرى كَثِيرًا مِنْهُمْ كلامٌ منقطعٌ من ذكر بني إسرائيل، وأنه يعني به المنافقين ونحوه لمجاهد «٢» .\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (٢/ ٥٢٧- ٥٢٨)، كتاب «الملاحم»، باب الأمر والنهي، حديث (٤٣٤٤)، وابن ماجة (٢/ ١٣٢٩) كتاب «الفتن»، باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حديث (٤٠١١) من طريق عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري به.\nوأخرجه الحميدي (٧٥٢)، والحاكم (٤/ ٥٠٥- ٥٠٦) من طريق علي بن زيد بن جدعان، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري به.\nوقال الحاكم: تفرد به ابن جدعان، ولم يحتج به الشيخان وقال الذهبي في «التلخيص»: هو صالح الحديث.\n(٢) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (٢/ ٢٢٥) .","vol":"2","page":410},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-408>[سورة المائدة (٥): الآيات ٨٢ الى ٨٦]</span>\nلَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وَما لَنا لاَ نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤) فَأَثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ (٨٥) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (٨٦)\nوقوله تعالى: لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ...\nالآية: اللامُ في قوله: لَتَجِدَنَّ: لام ابتداءٍ، وقال الزَّجَّاج «١»: هي لامُ قَسَمٍ، وهذا خبر مُطْلَقٌ منسحبٌ على الزمان كلِّه، وهكذا هو الأمر حتَّى الآن، وذلك أن اليهودَ مَرَنُوا على تكذيبِ الأنبياء وقَتْلِهِمْ، ومَرَدُوا على استشعار اللعْنَةِ، وضَرْبِ الذِّلَّة والمَسْكنة، فهم قد لَجَّتْ عداوتهم، وكَثُر حَسَدهم، فهم أشدُّ الناسِ عداوةً للمؤمنين وكذلك المشركون عبدةُ الأوثانِ والنِّيران، وأما النصارى، فإنهم يعظمون من أهْلِ الإسلام مَنِ استشعروا مِنه صِحَّة دِينٍ، ويستهينُونَ مَنْ فهموا منه الفِسْقَ، فهم إنْ حاربوا، فإنما حَرْبهم أَنَفَةٌ، لا أنَّ شرعهم يأخذهم بذلك، وإذا سالموا، فَسِلْمُهم صافٍ، واليهودُ (لعنهم اللَّه) ليسوا على شيء من هذه الخِلالِ، بل شأنهم الخُبْث، واللَّيُّ بالألسنة، والمَكْر، والغَدْر، ولم يصفِ اللَّه تعالَى النصارى بأنهم أهْلُ وُدٍّ، وإنما وصفهم بأنهم أقرَبُ من اليهود والمشركين، وفي قوله سبحانه: الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى: إشارةٌ إلى معاصري نبيِّنا محمد ﷺ/ من النصارى بأنهم ليسوا على حقيقيَّة النصرانيَّة، وإنما هو قولٌ منهم، وزَعْم.\nوقوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبانًا ... الآية: معناه: ذلك بأن منهم أهْلَ خشْيَةٍ وانقطاع إلى اللَّه تعالى، وعبادةٍ، وإنْ لم يكونوا على هُدًى، فهم يَميلُونَ إلى أهل العبادةِ والخَشْيَةِ، وليس عند اليهود ولا كان قَطُّ- أهْلُ دياراتٍ وصوامِعَ وانقطاعٍ عن الدنيا، بل هم معظِّمون لها، متطاولُون في البنيان، وأمورِ الدنيا حتى كأنهم لا يؤمنون بالآخرة فلذلك لا يرى فيهم زاهد، قال الفَخْر «٢»: القُسُّ والْقِسِّيسُ: اسمُ رئيس النصارى، والجمْعُ: قِسِّيسُونَ، وقال قُطْرُب: القُسُّ والقِسِّيس: العَالِمُ بلغة الرُّوم، وهذا مما وقع الوِفَاقُ فيه بَيْن اللغتَيْنِ. انتهى.\nووصف اللَّه سبحانه النصارى، بأنهم لا يستكبرون، وهذا موجودٌ فيهم حتى الآن، واليهوديُّ متى وجد عِزًّا، طغى وتكبَّر، ثم مدحهم سبحانه، فقال: وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ\n_________\n(١) ينظر: «معاني القرآن» للزجاج (٢/ ١٩٩) .\n(٢) ينظر: «مفاتيح الغيب» (١٢/ ٥٦) .","vol":"2","page":411},{"text":"إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ ... الآية: قال النوويُّ: ينبغي للقارىء أن يكون شأنُهُ الخشوعَ والتدبُّر والخضوعَ فهذا هو المقصود المطلوبُ، وبه تنشرح الصدورُ، وتستنيرُ القُلُوب، ودلائلُه أكْثَرُ من أنْ تُحْصَر، وأشهرُ من أنْ تُذْكَر، وقد بات جماعةٌ من السَّلَف يتلو الواحدُ منهم آيةً واحدةً، ليلةً كاملةً، أو معظمَ ليلةٍ يتدَبَّرها، وصُعِقَ جماعاتٌ منهم عند سماع القرآن، وقراءتِهِ، وماتَ جماعاتٌ منهم، ويستحب البكاءُ والتباكِي لِمَنْ لا يقدر على البكاء فإن البكاء عند القراءة صفةُ العارفين، وشعارُ عُبَّادِ اللَّه الصَّالحين، قال اللَّه ﷿: وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا [الإسراء: ١٠٩] وقد وردَتْ آثار كثيرة في ذلك. انتهى من «الحلية» للنوويِّ.\nوذكر ابن عباس وابن جُبَيْر ومجاهد أنَّ هذه الآية نزلَتْ بسبب وَفْدٍ بعثهم النجاشيّ إلى رسول الله ﷺ ليروه ويعرفوا حاله، فقرأ النبيّ ﷺ عليهم القُرآن، فَبَكَوْا وآمَنُوا، ورَجعُوا إلى النجاشيِّ، فآمن، ولم يَزَلْ مؤمنًا حتى ماتَ، فصلى عليه النبيّ ﷺ «١»، وروي أنَّ نَعْشَ النجاشيِّ كُشِفَ للنبيِّ﵇- فكان يراه مِنْ موضعه بالمدينةِ وجاء الخَبَرُ بعد مدة أنَّ النجاشيَّ دُفِنَ في اليوم الذي صلّى فيه النبيّ ﷺ عليه، قال أبو صالح: كانوا سبعةً وستين رجلًا «٢»، وقال ابن جُبَيْرٍ: كانوا سبعين، عليهم ثيابُ الصُّوف، وكُلُّهم صاحبُ صَوْمَعَة اختارهم النجاشيُّ «٣» .\nوصَدْرُ الآية في قُرْب المودَّة عامٌّ فيهم، ولا يتوجَّه أنْ يكون صَدْر الآية خاصًّا فيمن آمن، وإنما وقع التخصيص مِنْ قوله تعالى: وَإِذا سَمِعُوا، وجاء الضمير عامّا إذا قد تُحْمَدُ الجماعةُ بفعْلِ واحدٍ منهم، وفي هذا استدعاء للنصارى، ولُطْفٌ من اللَّه بهم ليؤمنوا.\nقال ص: مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ: «مِن» الأولى لابتداءِ الغاية.\nقال أبو البقاء: ومعناها: مِنْ أجْل الذي عَرَفُوا، و«من» الثانية لبيان «ما» الموصولة.\nانتهى.\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٥/ ٣) برقم (١٢٣١٩) عن مجاهد، (١٢٣١٨) عن سعيد بن جبير، (١٢٣٢٠) عن ابن عباس، وذكره ابن عطية (٢/ ٢٢٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٥٣٧)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، وابن مردويه، عن سعيد بن جبير، وعزاه أيضا لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، عن مجاهد. [.....]\n(٢) أخرجه الطبري (٥/ ٥) برقم (١٢٣٢٦)، وذكره ابن عطية (٢/ ٢٢٦) .\n(٣) أخرجه الطبري (٥/ ٦) برقم (١٢٣٢٨)، وذكره ابن عطية (٢/ ٢٢٦)، والسيوطي (٢/ ٥٣٧) وعزاه لعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.","vol":"2","page":412},{"text":"قال العراقيُّ: تَفِيضُ، أي: تسيل منها العَبْرَةُ، وفي الحديثِ: «اقرءوا القُرْآنَ، وابكوا، فَإنْ لَمْ تَبْكُوا، فَتَبَاكَوْا»، خرَّجه البزِّار «١» . انتهى من «الكوكب الدري»، وفيه عن البزَّار أيضًا أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «مَنْ خَرَجَ مِنْ عَيْنَيْهِ مِثْلُ جَنَاحِ ذُبَابٍ دُمُوعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، لَمْ يَدْخُلِ النَّارَ حتى يَعُودَ اللَّبَنُ فِي ضَرْعِهِ» . انتهى.\nوقولهم: مَعَ الشَّاهِدِينَ، يعني: نبيّنا محمّدا ﷺ، وأمته قاله ابن عباس «٢» وغيره، وقال «٣» الطبريُّ: لو قال قائلٌ: معنى ذلك: «مع الشاهِدينَ بتَوْحيدك من جميع العَالَمِ»، لكان صوابًا، وهو كلامٌ صحيحٌ وكأن ابنَ عَبَّاس خصَّص أمة محمد لقول اللَّه سبحانه: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ... [البقرة: ١٤٣] الآية، وقولهم: وَما لَنا لاَ نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ: توقيفٌ لأنفسهم أو مُحَاجَّةٌ لِمَنْ عارضهم من الكفار، والقومُ الصالِحُون: محمَّد ﷺ، وأصحابه قاله ابن زيد وغيره «٤» من المفسِّرين، ثم ذكر تعالى ما أثابهم به مِنَ النعيم على إيمانهم وإحسانهم، ثم ذكر سبحانه حال الكافرين المكذّبين، وأنهم قرناء الجحيم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-409>[سورة المائدة (٥): الآيات ٨٧ الى ٨٩]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٨٨) لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩)\nوقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ ... الآية: قال ابن عباس وغيره «٥» نزلَتْ بسبب جماعة من أصحاب النبيّ ﷺ بلغَتْ منهم المواعظ، وخوفُ اللَّه تعالى إلى أنْ حرَّم بعضهم النساء، وبعضُهم النوْمَ بالليلِ، والطِّيبَ، وهَمَّ بعضهم بالاختصاءِ، فبلَغَ ذلك النبيَّ ﷺ، فقال: «أَمَّا أنَا فَأَقُومُ وَأَنَامُ، وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ، وآتي\n_________\n(١) تقدم «تفسيره» في أول التفسير.\n(٢) أخرجه الطبري (٥/ ٧) برقم (١٢٣٣٦)، وذكره ابن عطية (٢/ ٢٢٧) .\n(٣) ينظر: الطبري (٥/ ٨) .\n(٤) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٢/ ٨) (١٢٣٣٩)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٢/ ٢٢٦) .\n(٥) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٥/ ١١) (١٢٣٥١)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٢/ ٢٢٨)، و«صحيفة علي بن أبي طلحة عن ابن عباس» (ص ١٨٦/ ٣٣٤)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٥٤٤) وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن ابن عباس.","vol":"2","page":413},{"text":"النِّسَاءَ، وَأَنَالُ الطِّيبَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي، فَلَيْسَ مِنِّي»، قال الطبريُّ: كان فيما يتلى:\n«مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِكَ، فَلَيْسَ مِنْ أُمَّتِكَ، وَقَدْ ضَلَّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ»، والطيباتُ في هذه الآية: المستلَذَّات بدليل إضافتها إلى ما أحلَّ اللَّه وبقرينة ما ذُكِرَ من سبب الآية.\nوقوله سبحانه: وَلا تَعْتَدُوا، قال عكرمة وغيره: معناه: في تحريم ما أحلَّ اللَّه «١»، وقال الحسنُ بنُ أبي الحَسَنِ: المعنى: ولا تعتدُوا، فَتُحِلُّوا ما حرَّم اللَّه «٢»، فالنهْيَان على هذا تضمَّنا الطرفَيْن كأنه قال: لا تشدِّدوا فتحرِّموا حلالًا، ولا تترخَّصوا فتحلُّوا حرامًا، قلتُ: وروى مالكٌ في «الموطإ»، عن أبي النَّضْر، قال: قال رسول الله ﷺ، لَمَّا ماتَ عثمانُ بْنُ مظعونٍ، ومُرَّ بجَنَازَتِهِ: «ذَهَبْتَ، وَلَمْ تَلْتَبِسْ مِنْهَا بِشَيْءٍ» «٣» .\nقال أبو عمر في «التمهيد»: هذا الحديثُ في «الموطإ» مقطوعٌ، وقد رُوِّينَاه متصلًا مُسْنَدًا من وجه صالحٍ حسن، ثم أسند أبو عمر عن عائشةَ، قالَتْ: «لمَّا ماتَ عُثْمَانُ بنُ مظعونٍ، كشف النبيّ ﷺ الثَّوْبَ عن وجْهِهِ، وَقَبَّلَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وبكى بُكَاءً طويلًا، فلما رُفِعَ عَلَى السَّرِيرِ، قَالَ: طوبى لَكَ يَا عُثْمَان! لَمْ تَلْبَسْكَ الدُّنْيَا وَلَمْ تَلْبَسْهَا» «٤» .\nقال أبو عمر: كان عثمانُ بنُ مظعونٍ أحد الفُضَلاء العُبَّاد الزاهدين في الدنيا من أصحاب رسول الله ﷺ المتبتِّلين منهم، وقد كان هو وعليُّ بن أبي طالب هَمَّا أنْ يترهَّبا ويَتْرُكَا النساء، ويُقْبِلا على العبادة، ويحرِّما طيِّباتِ الطعامِ على أنفسهما، فنزلت: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ ... الآية. ونقل هذا مَعْمَرٌ وغيره عن قتادة «٥» . انتهى.\nوقوله سبحانه: وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ: معناه: شدَّدتم، وعَقْدُ اليمينِ كَعَقْدِ الحبل والعهد قال الحطيئة: [البسيط]\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٥/ ١٣) (١٢٣٥٦)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٢/ ٢٢٨) .\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٥/ ١٣) (١٢٣٥٨)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٢/ ٢٢٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٥٤٧) وعزاه لعبد بن حميد، عن الحسن.\n(٣) أخرجه مالك في «الموطأ» (١/ ٢٤٢) كتاب «الجنائز»، باب جامع الجنائز، حديث (٥٤) .\n(٤) أخرجه أبو داود (٣/ ٣٠١) كتاب «الجنائز»، باب في تقبيل الميت، حديث (٣١٦٣) والترمذي (٣/ ٣١٤- ٣١٥) كتاب «الجنائز»، باب ما جاء في تقبيل الميت، حديث (٩٨٩) من حديث عائشة.\nوقال الترمذي: حسن صحيح.\n(٥) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٥/ ١٠) (١٢٣٤٦) .","vol":"2","page":414},{"text":"قَوْمٌ إذَا عَقَدُوا عَقْدًا لِجَارِهِمُ ... شَدُّوا الْعِنَاجَ وَشَدُّوا فَوْقَهُ الْكَرَبَا «١»\nقال «٢» الفَخْر: وأما وجه المناسبة بَيْنَ هذه الآية والَّتي قبلها، فهو ما تقدَّم مِنْ أنَّ قومًا من الصحابة (﵃) حَرَّموا على أنفسهم المطاعِمَ والمَلاَذَّ، وحلفوا على ذلك، فلمَّا نهاهم/ اللَّه تعالى عن ذلك، قالوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فكيف نصنع بأَيْمَانِنَا؟ فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية. انتهى.\nوقوله سبحانه: فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ، أي: إشباعهم مرةً واحدةً، وحكم هؤلاءِ ألاَّ يتكرَّر واحدٌ منهم في كفَّارة «٣» يمينٍ واحدةً.\nواختلفَ في معنى قوله سبحانه: مِنْ أَوْسَطِ، فرأى مالك وجماعةٌ معه هذا التوسُّط في القَدْر، ورأى ذلك جماعةٌ في الصِّنْف، والوَجْهُ أن يُعَمَّ بلفظ «الوسَطِ» القَدْرُ والصِّنْفُ، فرأى مالكٌ أنْ يُطْعَمَ المسكينُ ب «المدينة» مدّا بمدّ النبيّ ﷺ، وذلك رطل\n_________\n(١) البيت للحطيئة ص (١٥)، واللسان (عنج) .\nوعقد الحبل والعهد يعقده عقدا، وأعقدت العسل والدواء أعقدهما إعقادا والعناج: حبل يشدّ أسفل الدلو إذا كانت ثقيلة، ثم يشد إلى العراقيّ، فإذا انقطعت الأوذام، فانقلبت، أمسكها العناج، يقال: قد عنجت الدلو أعنجها، واسم الحبل: العناج. والكرب: عقد الرشاء الذي يشدّ على العراقي، يقال:\nأكربت الدلو أكربها إكرابا، والعراقي: العودان المصلبان اللذان تشدّ إليهما الأوذام، فأراد أنهم إذا عقدوا لجارهم عقدا أحكموه.\n(٢) ينظر: «مفاتيح الغيب» (١٢/ ٦١) . [.....]\n(٣) لا نعلم خلافا بين العلماء في أن المكفر بالإطعام يخرج عن عهد الكفارة بإطعام عشرة مساكين لكل مسكين ما وجب له.\nكما لا نعلم خلاف بينهم أيضا في أنه لا يخرج عن عهدة الكفارة بدفعه ما وجب عليه من الطعام لمسكين واحد في يوم واحد دفعة واحدة لأن ذلك لا يسمى إطعام عشرة مساكين لا حقيقة ولا حكما. فهو مخالف لظاهر الآية. وليس في السنة ما يؤيده.\nوإنما الخلاف بينهم في دفع ما وجب عليه من الطعام لمسكين واحد في عشرة أيام، أو في يوم واحد على دفعات متفرقة على سبيل التمليك.\nفجمهور العلماء، ومنهم الأئمة: مالك، والشافعي، وأحمد في المشهور من مذهبه ذهبوا إلى أن ذلك لا يجوز، ولا يخرج به المكفر عن العهدة، ولا بد من إعطاء تسعة مساكين آخرين لكل واحد منهم ما وجب له، فعدد العشرة عندهم معتبر.\nومنهم من ذهب إلى أن ذلك جائز، ومسقط للعهدة، وهو الإمام أبو حنيفة وأصحابه، والإمام أحمد في رواية، غير أن الحنفية يجيزون دفعها لمسكين واحد في أيام متعددة من غير خلاف بينهم، وأمّا دفعها له في يوم واحد على دفعات على سبيل التمليك، فذلك محل خلاف بينهم.\nينظر: «الكفارات» لشيخنا حسن علي حسن الكاشف.","vol":"2","page":415},{"text":"وثُلُثٌ، وهذا لضيقِ المعيشة بالمدينة، ورأى في غيرها أنْ يتوسَّع، ورأى من يقول: إنَّ التوسُّط إنما هو في الصِّنْف أنْ يكون الرجُلُ المكفِّر يتجنب أدنى ما يأكل الناس في البلد، وينحطُّ عن الأعلى، ويكفِّرُ بالوَسَط من ذلك، ومذهب «المدونة» أنْ يراعي المكفِّر عيش البلد، وتأويلُ العلماء في الحانث في اليمين باللَّه: أنه مخيَّر في الإطعام، أو الكُسْوة، أو العِتْق، والعلماءُ على أنَّ العتق أفضلُ ذلك، ثم الكسوة، ثم الإطعام، وبدأ اللَّه تعالى عباده بالأيسر، فالأيسر، قال الفَخْر «١»: وبدأ سبحانه بالإطعام لأنه أعمُّ وجودًا، والمقصودُ منه التنبيهُ على أنه سبحانه يُرَاعِي التخفيفَ، والتسهيلَ في التكاليفِ، وثانيها: أنَّ الإطعام أفضلُ، قلتُ: وهذا هو مشهورُ مذهب مالكٍ. انتهى، ويجزىء عند مالكٍ من الكُسْوَة في الكفارة ما يجزىء في الصّلاة «٢» .\n_________\n(١) ينظر: «مفاتيح الغيب» (١٢/ ٦٤- ٦٥) .\n(٢) النوع الثاني من الأنواع المخيّر فيها في كفارة اليمين، هي كسوة عشرة مساكين، وهو ما يشير إليه قوله تعالى: فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ [المائدة: ٨٩] .\nاتفقت كلمة الفقهاء على أن المكفر إذا أعطى لكل مسكين من العشرة ثوبين فأكثر، كفاه ذلك، وسقطت عنه الكفارة.\nولكنهم اختلفوا في أقل ما يعطاه المسكين الواحد: فذهب الشافعي﵁-، وجمهور أهل الظاهر: إلى أن أقل ما يعطاه المسكين الواحد هو ما يطلق عليه اسم الكسوة، كالمنديل، أو العمامة، أو الإزار، ولا يشترط أن يكون صالحا للمعطى، بل جائز أن يعطى ما يصلح للكبير للصغير، وما للرجل للمرأة وبالعكس، كما لا يشترط أن يكون جديدا.\nوذهب الإمام مالك، وأصحابه إلى أن المجزئ من ذلك ثوب تصح فيه الصّلاة، فإن كان المسكين رجلا وجب أن يعطى ثوبا يستر جميع البدن، وإن كان امرأة وجب أن تعطى ثوبا تستر به جميع بدنها، وخمارا تغطي به رأسها، وفي ذلك يقول مالك في الموطأ: «أحسن ما سمعت في الذي يكفر عن يمينه بالكسوة أنه إن كسا الرجال كساهم ثوبا ثوبا، وإن كسا النساء كساهم ثوبين ثوبين درعا وخمارا وذلك أدنى ما يجزىء كلّا في صلاته» وليس بلازم أن يكون الثوب، أو ما معه جديدا، بل يكفي أن يكون صالحا للبس كما أنه ليس بلازم أن يكون المسكين كبيرا، بل الصغير والكبير في الكسوة سواء.\nوذهب أبو حنيفة، وأبو يوسف إلى أن المجزئ من ذلك هو ما يستر البدن، ويسمى به الشخص مكتسيا، وذلك كالقميص، أو الإزار السابخ، أو القباء، أو الكساء أو الملحفة، وخالفهما الإمام محمّد حيث قال: يجزىء من ذلك ثوب تصح فيه الصلاة للرجل والمرأة، فيجوز عنده السراويل للرجل لأنه يسمى لابسا شرعا، ولا يجزىء عندهما لأن لابسه لا يسمى مكتسيا عرفا.\nوذهب الإمام أحمد إلى أن المجزئ من ذلك ثوب يصح للرجل أن يصلّي فيه، وللمرأة درع وخمار، وقال: لا يجزىء إزار وحده أو سروال.\nينظر: «الكفارات» لشيخنا حسن علي حسن الكاشف.","vol":"2","page":416},{"text":"وقوله سبحانه: أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ، أيْ: مؤمنة قاله مالك «١» وجماعةٌ لأن هذا المطْلَق راجعٌ إلى المقيدِ في عِتْقِ الرقبة في قَتْل الخطإ.\nوقوله سبحانه: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ: معناه: لم يجدْ في ملكه أحد هذه الثلاث\n_________\n(١) ذهب الجمهور، ومنهم مالك، والشافعي، وأحمد في مشهور مذهبه، والأوزاعي: إلى أن عتق الرقبة الكافرة في كفارة اليمين لا يجزىء، ولا تسقط الكفارة به.\nوذهب الإمام أبو حنيفة، وأصحابه، والثوري، وعطاء، وأبو ثور إلى أن ذلك مجزىء، ومسقط للكفارة، وهو رواية عن الإمام أحمد.\nاحتج الجمهور بما رواه مسلم، والنّسائيّ عن معاوية بن الحكم قال: «كانت لي جارية فأتيت النبيّ ﷺ فقلت: عليّ رقبة. أفأعتقها؟ فقال لها رسول الله ﷺ: أين الله؟ فقالت في السّماء فقال: من أنا؟\nفقالت: أنت رسول الله. فقال ﷺ: أعتقها، فإنّها مؤمنة» .\nووجه الدلالة: أن النبيّ ﷺ أخّر الجواب عن السائل، حتى علم ما عليه تلك الرقبة من الإيمان أو الكفر، فلما تأكد له إيمانها، أجابه ﷺ بأن يعتقها، وقال له: «فإنّها مؤمنة» . فلو لم يكن وصف الإيمان له دخل في إجزاء العتق، لما كان لهذا التأخير فائدة، ومثل ذلك يجلّ عنه مقام الرسول ﷺ.\nوأيضا فإنه ﵊ علّق عتقها على الإيمان، وتعليق ذلك يدل على أن الإيمان علّة الإجزاء لأن تعلّق الحكم بالمشتق مؤذن بأن مبدأ الاشتقاق علة فيه.\nوقالوا: إن الرقبة في الآية، وإن كانت مطلقة غير مقيدة بوصف الإيمان، إلا أن هذا الحديث يصلح أن يكون مقيدا لها، فيكون المقصود من الرقبة فيها: هي الرقبة المؤمنة أو يقال: إن كفارة اليمين قد اتحد الحكم فيها مع كفارة القتل، ففي كل وجب عتق رقبة، واختلف سببهما إذ كفارة اليمين سببها اليمين، وكفارة القتل سببها القتل، والمطلق والمقيد متى اتحد حكمهما حمل المطلق على المقيد، وإن اختلف سببهما متى وجدت علّة جامعة بينهما، فتكون الرقبة في كفارة اليمين محمولة على الرقبة في كفارة القتل، فتقيد بالإيمان، كما قيدت به في كفارة القتل لأن العلة التي تجمعهما: هي حرمة السبب.\nواحتج الإمام أبو حنيفة، ومن معه بأن الآية غير مقيدة، فهي شاملة للرقبة المؤمنة، وللرقبة الكافرة، والمطلق يجب بقاؤه على إطلاقه، حتى يرد من الشرع ما يقيده، ولم يرد ما يقيد الرقبة بالإيمان هاهنا، فكانت باقية على إطلاقها، فعتق الكافرة مجزىء كعتق المسلمة، وليس حمل المطلق على المقيد عند اتحاد الحكم مع اختلاف السبب أمرا متفقا عليه، بل نحن لا نقول به، وبالنظر في وجهة كل نجد أن مذهب الجمهور هو الراجح، لأن الحديث المتقدم مقيد للآية، فلم تبق على إطلاقها ولأن الكفارة عبادة يتقرب بها إلى الله ﷿، فوجب أن تكون خاصة بأهل عبادته من المؤمنين كمال الزكاة، وذبائح النّسك.\nنعم، إن الإسلام دين الرحمة العامة، والصدقة فيه حتى على الكفار غير المحاربين مستحبة، ولكن فرقا بين الصدقة المطلقة، وبين العبادات المحددة المقيدة، فتكفير الذنب إنما يرجى بما في العتق من إعانة العتيق على طاعته تعالى، حتى من قال بإجزاء الكافرة لا يمكنه أن ينكر أن الاحتياط في إبراء الذمة إنما هو بإعتاق الرقبة المؤمنة، فتقديم المجمع عليه المتيقن إجزاؤه أولى بالاعتبار من المظنون المختلف فيه.\nينظر: «الكفارات» لشيخنا حسن علي حسن الكاشف.","vol":"2","page":417},{"text":"المذكورة. واختلفَ العلماءُ في حدِّ هذا العادِمِ، ومتى يصحُّ له «١» الصيام فقال الشافعيُّ ومالكٌ وجماعة من العلماء: إذا كان المكفِّر لا يملك إلاَّ قوته، وقُوتَ عياله، يَوْمَهُ وليلته، فله أنْ يصوم، فإن كان عنده زائدٌ على ذلك مَا يُطْعِم عشرةَ مساكينَ، لزمه الإطعام، قال «٢» الطبريُّ: وقال آخرون: جائز لِمَنْ لم يكُنْ له فضْلٌ على رأس ماله الذي يتصرَّف به في معايشه أنْ يصوم، وقرأ أبيُّ بن كعبٍ، وابن مسعود: «ثلاثة أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ»، وقال بذلك جماعة.\nوقال مالك وغيره: إن تابع، فحَسَنٌ، وإن فرق، أجزأ، وقوله: إِذا حَلَفْتُمْ، معناه: وأردتم الحِنْثَ، أو وقعتم فيه.\n_________\n(١) من خصال كفارة اليمين هي صيام ثلاثة أيّام، والعلماء متفقون على أن تلك الخصلة لا ينتقل إليها المكفر إلا بعد العجز عن الخصال السابقة لقوله تعالى: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ [المائدة: ٨٩] .\nولكنهم مختلفون في شيء آخر وراء هذا، وهو: هل يجب التتابع في صوم تلك الأيام الثلاثة بحيث لا يتخللها فطر أو لا يجب ذلك فيه خلاف.\nذهبت الشافعية في الراجح من مذهبهم، والمالكية، والظاهرية، وأحمد في رواية عنه: إلى عدم اشتراط التتابع محتجين بأنه صوم نزل به القرآن غير مقيد بالتتابع، فجاز متفرقا ومتتابعا لأنّه لم يوجد من السنة دليل ثابت يصح أن يقيد به هذا الإطلاق، فالتقييد بالتتابع تقييد بلا دليل.\nوذهبت الحنفية، وأحمد في مشهور مذهبه، والثّوريّ وأبو عبيد: إلى اشتراط التتابع محتجين بقراءة أبيّ، وابن مسعود «فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيّام متتابعات» قائلين: إن ثبت القرآن بهذا كان حجة ووجب حمل المطلق على المقيد لأن القرآن يفسّر بعضه بعضا، وإن لم تثبت القرآنية بهذا، فلا يخرج ذلك عن أن يكون رواية عن رسول الله ﷺ سمعها ابن مسعود، وأبي معه، فلها حكم الحديث المرفوع، وهو حجة، فيقيد به مطلق الكتاب، وأيّا ما كان، فالتتابع ثابت بهذا، فلا يصح التفريق في الصّيام ونحن إذا نظرنا إلى وجهة كل نجد أن القول بالتتابع هو الراجح، لأن القائلين بعدم التتابع قد حملوا المطلق في تحرير الرقبة على المقيد فيها في كفارة القتل، حتى أوجبوا اعتبار وصف الإيمان في الرقبة مع أن السبب فيهما مختلف، وليس لهم مستند في ذلك إلا أن كلّا من الكفارتين تجمعهما علة واحدة هي: حرمة السبب، وهذه العلة بذاتها موجودة في الصوم في كفارة اليمين، وقراءة أبيّ، وابن مسعود: «فصيام ثلاثة أيّام متتابعات» . فهذه القراءة، وإن لم تثبت قرآنية هذا اللفظ لأن القرآن لا يثبت بالآحاد إلّا أنها رواية عن صحابي سمعها من الرسول ﷺ، فلا ينبغي أن يتقوّل عليه ما لم يقله لأنه يعرف حقّ المعرفة معنى قوله ﵊: «من كذب عليّ متعمّدا، فليتبوّأ مقعده من النّار» فتكون مقيدة للآية.\nفقول من قال: إن الآية مطلقة، ولم يرد ما يقيدها لا يقبل بعد البيان السابق، وخصوصا إذا أمكن حمل المطلق هاهنا على المقيد في كفارة القتل، أو الظهار، ولا مانع منه.\nينظر: «الكفارات» لشيخنا حسن علي حسانين الكاشف، «الخطيب على المنهاج» (٤/ ٣٢٨)، «الشرح الكبير» (٢/ ١١٨)، «المغني» (١١/ ٢٧٣)، «فتح القدير» (٤/ ١٨) .\n(٢) ينظر: «تفسير الطبري» (٥/ ٣٠) .","vol":"2","page":418},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-410>[سورة المائدة (٥): الآيات ٩٠ الى ٩٢]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٩٢)\nوقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ ... الآية:\nقال ع «١»: وفي معنى الأزلام: الزَّجْرُ بالطيرِ، وأخْذُ الفألِ في الكتب ونحوه ممَّا يصنعه الناسُ، وأخبر سبحانه أنَّ هذه الأشياء رجْسٌ، قال ابن عباس في هذه الآية: رِجْسٌ:\nسَخَطَ «٢»، وقال ابن زَيْدٍ: الرجْسُ «٣» الشرُّ.\nقال ع «٤»: الرِّجْس: كلُّ مكروهٍ ذميمٍ، وقد يقال للعذابِ والرجْزِ: العذابُ لا غَيْر، والرِّكْس: العَذِرَةُ لا غَيْر، والرِّجْسُ يقال للأمرين.\nوقوله سبحانه: فَاجْتَنِبُوهُ: أمر باجتنابه، فحرمت الخمر بظاهر القرآن، ونصِّ الأحاديث، وإجماع الأمة، وأمْرُ الخمر إنما كان بتدريجٍ ونوازلَ كثيرةٍ كقصَّة حمزة، حين جَبَّ الأسْنِمَة، وقولِهِ: وهل أنتم إلا عبيدُ أبِي، ثم أعلم سبحانه عباده أنَّ الشيطان إنَّمَا يريد أنْ تقع العداوةُ بسَبَبِ الخَمْر، وما يعتري عليها بَيْنَ المؤمنينِ، وبسبب المَيْسر إذ كانوا يتقَامَرُونَ عَلَى الأموال حتى رُبَّما بَقِيَ المقمور فقيرًا، فَتَحْدُثُ من ذلك ضغائِنُ وعداواتٌ، فإن لم يصلِ الأمر إلى حَدِّ العداوة، كانَتْ بغضاء، ولا تحسُنُ عاقبة قومٍ متباغضين، ولذلك قال ﷺ: «وَلاَ تَبَاغَضُوا وَلاَ تَحَاسَدُوا وَلاَ تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إخْوَانًا» «٥»، وباجتماع النفوس والكلمة يحمى الدين، ويجاهَدُ العدوُّ، والبغضاءُ تنقضُ عُرَى الدِّين، وتهدم عمادَ الحمايةِ، وكذلك أيضًا يريدُ الشيطانُ أنْ يصدَّ المؤمنين عَنْ ذكْر اللَّه، وعنِ الصلاة، ويشغلهم عنها باتباع الشهواتِ، والخمرُ والميسرُ والقمَارُ كلُّه مِنْ أعظم الآفات في ذلك، وفي قوله سبحانه: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ: وعيدٌ زائد على معنى: «انتهوا» .\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٢٣٣) .\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٥/ ٣٣) (١٢٥٤)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٢/ ٢٣٢)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٥٦٦) وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم، من طريق علي، عن ابن عباس.\n(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٥/ ٣٣) (١٢٥١٥)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٢/ ٢٣٣) .\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٢٣٣) .\n(٥) تقدم تخريجه.","vol":"2","page":419},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-411>[سورة المائدة (٥): الآيات ٩٣ الى ٩٤]</span>\nلَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ (٩٤)\nوقوله سبحانه: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا ...\nالآية: قال ابن عباس وغيره: لما نزل تحريمُ الخَمْر، قال قومٌ من الصحابة: يا رسول اللَّه، كَيْفَ بِمَنْ مات مِنَّا، وهو يشربها، ويأكل المَيْسِرَ، ونحو هذا من القَوْل، فنزلَتْ هذه الآية «١»، وهذا نظيرُ سؤالِهِمْ عَمَّن مات على القبلة الأولى، والجُنَاحُ: الإثم والحَرَج، والتَّكرار في قوله سبحانه: «اتَّقوا» يقتضي في كلِّ واحدة زيادةً على التي قبلها، وفي ذلك مبالغةٌ في هذه الصِّفَات لهم، وليسَتِ الآيةُ وقفًا على مَنْ عمل الصالحاتِ كلَّها، واتقى كلَّ التقوى، بل هي لكلِّ مؤمن، وإن كان عاصيًا أحيانًا إذا كان قد عَمِلَ من هذه الخصالِ المَمْدُوحة ما استحق به أنْ يوصف بأنه مؤمنٌ عامل للصالحات متَّقٍ في غالبِ أمره، محسنٌ، فليس على هذا الصِّنْف جُنَاحٌ فيما طعم ممَّا لم يُحَرَّم عليه، وطَعِمُوا: معناه:\nذَاقُوا فصَاعدًا في رُتَب الأكل والشُّرب، وقد يستعار للنوم وغيره، وحقيقتُهُ في حاسَّة الذّوق.\nوقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ، أي: ليختبرنَّكم ليرى طاعتكم مِنْ معصيتكم، وقوله: «بشيءٍ» يقتضي تبعيضًا، و«مِنْ»: يحتمل أنْ تكون للتبعيض، ويحتمل أنْ تكون لبيانِ الجِنْس كقوله تعالى: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ [الحج: ٣٠] .\nوقوله تعالى: لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ: معناه: ليستمرَّ علمه تعالى عليه، وهو موجودٌ إذ قد علم تعالى ذلك في الأزل، وبِالْغَيْبِ: قال الطبريُّ «٢»: معناه: في الدنيا حيثُ لا يَرَى العبْدُ ربَّه، فهو غائبٌ عنه، والظاهر أنَّ المعنى: بالغَيْب من الناس، أي: في الخَلْوة ممَّن خاف اللَّه. انتهى، قلتُ: وقول الطبريِّ أظهر، ثم توعَّد تعالى من اعتدى بعد النهْيِ بالعذابِ الأليم، وهو عذابُ الآخرة.\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٥/ ٣٨) (١٢٥٢٩)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٢/ ٢٣٤)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٥٦٧)، وعزاه لابن مردويه، من طريق العوفي، عن ابن عباس.\n(٢) ينظر: «تفسير الطبري» (٥/ ٤١) .","vol":"2","page":420},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-412>[سورة المائدة (٥): الآيات ٩٥ الى ٩٨]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِيامًا لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ (٩٥) أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩٦) جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِيامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٩٧) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨)\nوقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ... الآية: الصَّيْد:\nمصدرٌ عومِلَ معاملةَ الأسماء، فأوقع على الحَيَوانِ المَصِيدِ، ولفظُ الصيد هنا عامٌّ، ومعناه الخصوصُ فيما عدا ما استثني، وفي الصحيح عن النبيّ ﷺ: «خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الحِلِّ وَالحَرَمِ: الغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالفَأْرَةُ، وَالعَقْرَبُ، وَالْكَلْبُ العَقُورُ» «١»، وأجمع النَّاس على إباحة قتل الحَيَّة، وبَسْطُ هذا في كتب الفقه، وحُرُمٌ: جمع حرامٍ، وهو الذي يدخُلُ في الحَرَم، أو في الإحرام، واختلف في قوله: مُتَعَمِّدًا، فقال مجاهد وغيره:\nمعناه: متعمِّدًا لقتله، ناسيًا لإحرامه «٢»، فهذا يُكَفِّرُ، وأما إنْ كان ذاكرًا لإحرامه، فهو أعظم\n_________\n(١) ورد هذا الحديث عن ابن عمر، وعائشة، وحفصة، وأبي سعيد الخدري، وابن عباس، وأبي رافع، وأبي هريرة.\nأما حديث ابن عمر فله طرق.\nفأخرجه مسلم (٢/ ٨٥٨) كتاب «الحج»، باب ما يندب للمحرم وغيره قتله من الدواب في الحل والحرم، حديث (٧٣/ ١٢٠٠) وأبو داود (٢/ ٤٢٤) كتاب «المناسك»، باب ما يقتل المحرم من الدواب، حديث (١٨٤٦)، والنسائي (٥/ ١٩٠٠) كتاب «الحج»، باب قتل الغراب، وأحمد (٢/ ٨) وابن الجارود رقم (٤٤٠) والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٢/ ١٦٥) والبيهقي (٥/ ٢٠٩) كتاب «الحج»، باب ما للمحرم قتله من دواب البر في الحلّ والحرم، والحميدي (٢/ ٢٧٩) رقم (٦١٩) والخطيب في «تاريخ بغداد» (٤/ ٢٩٢- ٢٩٣) وأبو يعلى (٩/ ٣١١) رقم (٥٤٢٨) من طريق الزهري عن سالم، عن أبيه مرفوعا.\nوأخرجه مالك (١/ ٣٥٦) كتاب «الحج»، باب ما يقتل المحرم من الدواب حديث (٨٨) والشافعي في «المسند» (١/ ٣١٩) كتاب «الحج»، باب فيما يباح للمحرم ... (٧٣٥) والبخاري (٦/ ٣٥٥) كتاب «بدء الخلق»، باب إذا وقع الذباب في شراب أحدكم ... (٣٣١٥) ومسلم (٢/ ٨٥٨) كتاب «الحج»، باب ما يندب للمحرم وغيره قتله من الدواب في الحل والحرم، حديث (٧٦/ ١١٩٩) والنسائي (٥/ ١٨٧- ١٨٨) كتاب «الحج»، باب ما يقتل المحرم من الدواب. [.....]\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٥/ ٤١) برقم (١٢٥٥١)، وابن عطية في «تفسيره» (٢/ ٢٣٧) .","vol":"2","page":421},{"text":"مِنْ أن يكفِّر، وقد حَلَّ ولا رخْصَة له.\nوقال جماعة من أهْل العلْمِ، منهم ابن عباس ومالكٌ والزُّهْرِيُّ وغيرهم: المتعمِّد:\nالقاصد للقتلِ، الذَّاكرُ لإِحرامه «١»، فهو يكفِّر، وكذلك الناسِي والقاتلُ خطأً يكفِّران، وقرأ نافع «٢» وغيره: «فَجَزَاءُ مِثْلِ»، - بإضافة الجزاء إلى «مثل» -، وقرأ حمزة وغيره: «فَجَزَاءُ» - بالرفع-، «مِثْلُ» - بالرفع أيضًا-، واختلفَ في هذه المماثلة، كيف تكُون، فذهب الجمهور إلى أنَّ الحَكَمين ينظران إلى مِثْلِ الحيوان المَقْتُول في الخِلْقَة، وعظم المرأى، فيجعلانِ ذلك من النَّعَم جزاءه/، وذهب الشَّعْبيُّ وغيره إلى أن المماثلة إنما هي في القيمة يُقَوَّم الصيدُ المقتول، ثم يشتري بقيمته نِدٌّ من النَّعَم، ورد الطبريُّ «٣» وغيره هذا القولَ، والنَّعَم: لفظ يقع علَى الإبل والبَقَر والغَنَم، إذا اجتمعت هذه الأصنافُ، فإن انفرد كلُّ صِنْفٍ لم يُقَلْ «نَعَم» إلا للإبل وحْدها، وقَصَرَ القرآنُ هذه النازَلَة على حَكَمين عدْلَيْن عالِمَيْن بحُكْم النازلة، وبالتقدير فيها، وعلى هذا جمهورُ الناس.\nقال ابنُ وهْب في «العتبية»: من السنة أن يُخَيِّرَ الحَكَمان مَنْ أصاب الصيد كما خَيَّره اللَّه تعالى في أنْ يخرج هَدْيًا بالغَ الكَعْبة، أو كفارةً طعامَ مساكينَ، أو عَدْلَ ذلك صيامًا، فإن اختار الهَدْيَ، حَكَما عليه بما يريانِهِ نَظيرًا لما أصاب ما بينهما وبَيْن أن يكون عَدْلَ ذلك شاةً لأنها أدنَى الهَدْيِ، فما لم يبلُغْ شاةً، حَكَمَا فيه بالطعامِ، ثم خُيِّر في أنْ يطعمه أو يصوم مَكَانَ كُلِّ مُدٍّ يومًا، وكذلك قال مالكٌ في «المدوَّنة»: إذا أراد المصيبُ أنْ يطعم أو يصوم، فَإنْ كان لِمَا أصاب نظيرٌ من النَّعَم، فإنه يقوَّمُ صيدُهُ طعامًا، لاَ دَرَاهِمَ، قال: وإن قوَّماه دراهمَ، واشتري بها طعامٌ، لَرَجَوْتُ أنْ يكون واسعًا، والأول أصْوَبُ، فإنْ شاء، أطعمه، وإلا صام مَكَانَ كلِّ مُدٍّ يومًا، وإن زاد ذلك على شهرين، أو ثلاثة، وقال يحيى بن عمر من أصحابنا: إنما يقالُ: كَمْ مِنْ رجلٍ يَشْبَعُ من هذا الصيدِ، فيعرف العددَ، ثم يقال: كَمْ من الطعامِ يُشْبِعُ هذا العَدَدَ؟ فإن شاء، أخرج ذلك الطعام، وإن شاء، صام عدد أمداده، وهذا قولٌ حسنٌ احتاط فيه لأنه قد تكونُ قيمةُ الصيدِ مِنَ الطعامِ قليلةً، فبهذا النَّظَر يكثر الإطعام.\n_________\n(١) ابن عطية في «تفسيره» (٢/ ٢٢٧) .\n(٢) ينظر: «الحجة» (٣/ ٢٥٤)، و«حجة القراءات» (٢٣٥)، و«إعراب القراءات» (١/ ١٤٩)، و«العنوان» (٨٨)، و«شرح الطيبة» (٤/ ٢٣٥)، و«شرح شعلة» (٣٥٤)، و«إتحاف» (١/ ٥٤٢)، و«معاني القراءات» (٢/ ٣٣٨) .\n(٣) ينظر: «تفسير الطبري» (٥/ ٤٨) .","vol":"2","page":422},{"text":"وقوله تعالى: هَدْيًا بالِغَ الْكَعْبَةِ ذكرت «الكعبة» لأنها أم الحَرَم، والحَرَمُ كلُّه مَنْحَرٌ لهذا الهَدْيِ ولا بد أن يجمع في هذا الهَدْي بَيْن الحِلِّ والحَرَمِ حتى يكون بالِغَ الكعبة، فالهَدْيُ لا ينحر إلا في الحَرَمِ.\nواختلفَ في الطَّعَام، فقال جماعةٌ: الإطعام والصَّوْمِ حيث شاء المكفِّر من البلاد، وقال عطاء بن أبي رباح وغيره: الهَدْيُ والإطعام بمكَّة «١»، والصوم حيث شِئْتَ.\nوقوله سبحانه: لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ: الذوق هنا مستعارٌ، والوبالُ: سوءُ العاقبةِ، والمرعَى الوَبِيلُ هو الذي يتأذى به بَعْد أكله، وعبَّر ب أَمْرِهِ عن جميع حاله مِنْ قتلٍ وتكْفيرٍ، وحكمٍ علَيْه، ومُضِيِّ مالِهِ، أو تعبِهِ بالصَّوْمِ، واختلف في معنى قوله سبحانه:\nعَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ ... الآية: فقال عطاءُ بن أبي رباح، وجماعة: معناه: عفا اللَّه عما سَلَفَ في جاهليَّتكم مِنْ قتلكم الصيد في الحرمة «٢»، ومَنْ عاد الآنَ فِي الإسلام، فإن كان مستحلًاّ، فينتقم اللَّه منه في الآخرة، ويكفَّرُ في ظاهر الحُكْم، وإن كان عاصيًا، فالنقْمَةُ هي في إلزامُ الكَفَّارة فقَطْ، قالوا: وكلَّما عاد المُحْرِمُ، فهو يكفِّر.\nقال ع «٣»: ويخاف المتورِّعون أنْ تبقى النِّقْمة مع التكفير، وهذا هو قول الفقهاء مالكٍ ونظرائه، وأصحابِهِ (﵏)، وقال ابن عباس وغيره: أما المتعمِّد، فإنه يكفِّر أول مرَّةٍ، وعفا اللَّه عن ذَنْبه، فإن اجترأ، وعاد ثانيًا، فلا يُحْكَم عليه، ويقال له: ينتقم اللَّه منْكَ «٤» كما قال اللَّه تعالى.\nوقوله سبحانه: وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ: تنبيهٌ على صفتين تقتضيان خَوْفَ من له بصيرةٌ، ومن خاف، ازدجر، ومن هذا المعنى قولُ النبيِّ ﷺ: «من خاف أدلج «٥»، ومن\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٢/ ٢٤٠) .\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٥/ ٥٩) (١٢٦٤٠)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٢/ ٢٤٠)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٥٨٤)، وعزاه لابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وأبي الشيخ عن عطاء.\n(٣) ذكره ابن عطية (٢/ ٢٤٠) .\n(٤) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٥/ ٦١) (١٢٦٥٥)، والبغوي في «تفسيره» (٢/ ٦٥)، وابن عطية (٢/ ٢٤٠)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٥٨٤)، وعزاه لعبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، من طريق عكرمة عن ابن عباس.\n(٥) يقال: أدلج- بالتخفيف-: إذا سار من أول الليل.\nينظر: «النهاية» (٢/ ١٢٩) .","vol":"2","page":423},{"text":"أَدْلَجَ بَلَغَ المَنْزِلَ» «١»، قلت: والصيد لِلَّهْوِ مكروه، وروى أبو داود في سُنَنه، عن ابنِ عبّاس، عن النبيّ ﷺ أنه قال: «مَنْ سَكَنَ البَادِيَةَ جَفَا، وَمَنِ اتبع الصَّيْدَ غَفَلَ، وَمَنْ أتَى السُّلْطَانَ، افتتن» «٢» . انتهى.\nوقوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعًا لَكُمْ ... الآية: البَحْر: الماء الكثيرُ، مِلْحًا كان أو عَذْبًا، وكلُّ نهر كبير: بحرٌ، وطعامه: هو كل ما قَذَفَ به، وما طَفَا عليه قاله جماعة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم وهو مذهب مالك.\nومَتاعًا: نصبٌ على المَصْدر، والمعنى: مَتَّعَكُمْ به متاعًا تنتفعون به، وتأتدمون، ولَكُمْ: يريد حاضري البحر ومدنه، ولِلسَّيَّارَةِ: المسافرينَ، واختلف في مقتضى قوله سبحانه: وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا، فتلقاه بعضهم على العُمُوم من جميع جهاته فقالوا: إنَّ المُحْرِمَ لا يحلُّ له أنْ يصيد، ولا أنْ يأمر من يَصِيد، ولا أن يأكل صيدًا صِيدَ من أجله، ولا مِنْ غير أجله، وأنَّ لَحْم الصيد بأيِّ وجه كان حرامٌ على المُحْرِمِ، وكان عمر بنُ الخطَّاب (﵁) لاَ يرى بأسًا للمُحْرِمِ أنْ يأكل ما صَادَهُ حلالٌ لنفسه، أو لحلالِ مثله «٣»، وقال بمثل قولِ عمر- عثمانُ بنُ عفَّان والزُّبَيْر بنُ العَوَّام وهو الصحيح «٤» لأن النبيّ ﷺ أَكَلَ مِنَ الحِمَارِ الَّذِي صَادَهُ أبو قَتَادَةَ، وهو حلال، والنبيّ﵇- محرم «٥» .\n_________\n(١) أخرجه الترمذي (٤/ ٥٤٦) كتاب «صفة القيامة»، باب من خاف أدلج، حديث (٢٤٥٠) والحاكم (٤/ ٣٠٧- ٣٠٨) من طريق هاشم بن القاسم، عن أبي عقيل الثقفي، عن يزيد بن سنان، عن بكير بن فيروز، عن أبي هريرة به.\nوقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث أبي النضر هاشم بن القاسم.\nوقال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.\n(٢) أخرجه أبو داود (٢/ ١٢٤) كتاب «الصيد»، باب في اتباع الصيد، حديث (٢٨٥٩)، والترمذي (٤/ ٥٢٣)، كتاب «الفتن»، حديث (٢٢٥٦) والنسائي (٧/ ١٩٥- ١٩٦) كتاب «الفرع والعتيرة»، باب اتباع الصيد، وأحمد (١/ ٣٥٧) وابن أبي شيبة (١٢/ ٣٣٦) وأبو نعيم في «الحلية» (٤/ ٧٢) والبيهقي (١٠/ ١٠١)، والطبراني في «الكبير» (١١/ ٥٦- ٥٧) رقم (١١٠٣٠) كلهم من طريق سفيان الثوري عن أبي موسى اليماني، عن وهب بن منبه، عن ابن عباس مرفوعا.\nوقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث ابن عباس لا نعرفه إلا من حديث الثوري.\n(٣) أخرجه الطبري بنحوه في «تفسيره» (٥/ ٦٤) (١٢٦٧١) وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٢/ ٢٤٢) .\n(٤) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (٢/ ٢٤٢) .\n(٥) أخرجه البخاري (٦/ ٩٨)، كتاب «الجهاد»، باب ما قيل في الرماح، حديث (٢٩١٤)، ومسلم (٢/ ٨٥٢)، كتاب «الحج»، باب تحريم الصيد للمحرم، حديث (٥٧/ ١١٩٦)، وأبو داود (٢/ ٤٢٨، -[.....]","vol":"2","page":424},{"text":"ثم ذكَّر سبحانه بأمر الحَشْر والقيامةِ، مبالغةً في التحذير ولما بان في هذه الآيات تعظيمُ الحَرَمِ والحُرْمة بالإحرام من أجْل الكعبة، وأنَّها بيْتُ اللَّه تعالى، وعنصر هذه الفَضَائلَ ذَكَرَ سبحانه في قوله: جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ تنبيهًا سَنَّهُ في الناس، وهداهم إلَيْهِ، وحَمَلَ عليه الجاهليَّة الجهلاَءَ من التزامهم أنَّ الكعبة قِوَامٌ، والهَدْي قِوَامٌ، والقلائد قِوَام، أي: أمر يقوم للناس بالتَّأمين، ووَضْعِ الحربِ أوزارها، وأعلَمَ تعالى أنَّ التزامَ النَّاس لذلك هو ممّا شرعه وارتضاه، وجَعَلَ، في هذه الآيةِ: بمعنى «صَيَّر»، والكَعْبَة بيْتُ مكة، وسمي كعبةً لتربيعه، قال أهْل اللُّغَة: كلُّ بَيْتٍ مربَّع، فهو مكعَّب، وكَعْبة، وذهب بعض المتأوِّلين إلى أنَّ معنى قوله تعالى: قِيامًا لِلنَّاسِ، أي: موضع وُجُوب قيامٍ بالمناسك والتعبُّدات، وضَبْطِ النفوسِ في الشهر الحرام، ومع الهَدْيِ والقلائدِ، قال مَكِّيٌّ:\nمعنى قِيامًا لِلنَّاسِ، أي: جعلها بمنزلة الرئيس الَّذي يقُومُ به أمر أتباعه، فهي تحجزهم عَنْ ظُلْم بعضهم بعضًا، وكذلك الهَدْيُ والقلائد جُعِلَ ذلك أيضًا قيامًا للناس فكان الرجُلُ إذا دَخَل الحَرَمِ أَمِنَ مِنْ عدوه، وإذا ساق الهَدْي كذلك، لم يعرض لَهُ، وكان الرجُلُ إذا أراد الحجَّ، تقلَّد بقلادة مِنْ شعر، وإذا رجع تقلَّد بقلادة من لِحَاءِ شَجَر الحَرَمِ، فلا يعرض له، ولا يؤذى حتى يَصِلَ إلى أَهله، قال ابنُ زيد: كان الناسُ كلُّهم فيهم ملوكٌ تدفع بعضُهُم عن بعض، ولم يكُنْ في العرب ملوكٌ تدفع عن بعضهم ظُلْمَ بعضٍ، فجعل اللَّه لهم البَيْتَ الحرامَ قيامًا يدفَعُ بعضَهُمْ عن بعض. انتهى من «الهداية» .\nوالشهرُ هنا: اسمُ جنسٍ، والمراد الأشهر الثلاثةُ بإجماع من العرب، وشَهْرُ مُضَرَ، وهو رَجَبٌ، وأما الهَدْيُ، فكان أمانًا لمن يسوقه لأنه يعلم أنه في عبادةٍ لم يأت لحَرْبٍ، وأما القلائد، فكذلك كان الرجُلُ إذا خَرَج يريدُ الحَجِّ/، تقلَّد مِنْ لحاء السَّمُرِ أو غيره\n_________\n- ٤٢٩)، كتاب «المناسك» (الحج)، باب لحم الصيد للمحرم، حديث (١٨٥٢)، والترمذي (٣/ ٢٠٤، ٢٠٥)، كتاب «الحج»، باب ما جاء في أكل الصيد للمحرم، حديث (٨٤٧)، والنسائي (٥/ ١٨٢)، كتاب «الحج»، باب ما يجوز للمحرم أكله من الصيد، وابن ماجة (٢/ ١٠٣٣)، كتاب «المناسك»، باب الرخصة في ذلك إذا لم يصد له، حديث (٣٠٩٣)، ومالك (١/ ٣٥٠)، كتاب «الحج»، باب ما يجوز للمحرم أكله من الصيد، حديث (٧٦)، وأحمد (٥/ ٣٠٢) . والدارمي (٢/ ٣٨) كتاب «المناسك»، باب في أكل لحم الصيد للمحرم إذا لم يصد هو، والشافعي (١/ ٣٢١) كتاب «الحج»، باب فيما يباح للمحرم وما يحرم (٨٣٧)، والحميدي (١/ ٢٠٤) رقم (٤٢٤) وعبد الرزاق (٨٣٣٧، ٨٣٣٨)، وابن خزيمة (٤/ ١٧٦) رقم (٢٦٣٥) وابن الجارود (٤٣٥) والدارقطني (٢/ ٢٩١) والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٢/ ١٧٣- ١٧٤) والبيهقي (٥/ ١٨٩) والبغوي في «شرح السنة» (٤/ ١٥٧- بتحقيقنا) من طرق عن أبي قتادة به.\nوقال الترمذي: حديث حسن صحيح.","vol":"2","page":425},{"text":"شيئًا، فكان ذلك أمانًا له، وكذلك إذا انصرفوا، تقلَّدوا من شجر الحَرَمِ، وقوله ذلِكَ:\nإشارةٌ إلى أنَّ جعل اللَّه هذه الأمور قيامًا.\nوقوله سبحانه: بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ: عامٌّ عمومًا تامًّا في الجزئيَّات ودَقائِقِ الموجودات، والقولُ بغير هذا إلحاد في الدّين وكفر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-413>[سورة المائدة (٥): الآيات ٩٩ الى ١٠٠]</span>\nما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ (٩٩) قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠٠)\nوقوله سبحانه: مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ ... الآية: إخبارٌ للمؤمنين مضمَّنه الوعيدِ، إنِ انحرفوا، ولم يمتثلُوا ما بلغ الرسُولُ إليهم، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ، قلت: قال الشيخُ أبو مَدْيَن (﵁): الحَقُّ تعالى مطَّلع على السرائر والظواهرِ في كلِّ نَفَسٍ وحالٍ، فأيُّما قلْبٍ رآه مؤثرًا له، حَفِظَهُ من الطوارق والمِحَنِ ومضلاَّت الفِتَن، وقال (﵀): ما عرف الحَقَّ مَنْ لم يُؤْثره، وما أطاعه مَنْ لم يَشْكُرْه.\nانتهى.\nوقوله تعالى: قُلْ لاَّ يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ ... ألاية: لفظ عامٌّ في جميع الأمور، فيتصوَّر في المكاسِب، وعدد النَّاس، والمعارفِ مِنَ العلوم ونحوِهَا، فالخبيثُ مِنْ هذا كلِّه لا يُفْلِحُ ولا يُنْجِبُ، ولا تحسُنُ له عاقبةٌ، والطَّيِّبُ وإنْ قَلَّ: نافعٌ جميل العاقبة، ويَنْظُرُ إلى هذه الآيةِ قوله تعالى: وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا [الأعراف: ٥٨]، والخبث: هو الفساد الباطنُ في الأشياء حتى يظن بها الصَّلاح، وهي بخلافِ ذلك. وقوله سبحانه: فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ: تنبيهٌ على لزوم الطَّيِّب في المعتقَدِ والعملِ، وخُصَّ أولو الألباب بالذِّكْر لأنهم المتقدِّمون في مَيْز هذه الأمور، والذين لا ينبغي لهم إهمالها مع ألبابهم وإدراكهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-414>[سورة المائدة (٥): الآيات ١٠١ الى ١٠٢]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْها وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١) قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ (١٠٢)\nوقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ... الآية:\nاختلف الرواةُ في سببها، والظاهرُ مِنَ الروايات أن رسول الله ﷺ أَلَحّت علَيْه الأعراب والجُهَّال بأنواع من السؤالاتِ، حَسْبَما هو معلومٌ في الروايات، فزَجَرهم اللَّه تعالى عَنْ ذلك بهذه الآيةِ، وأشْيَاء: اسمٌ لجَمْعِ شيْءٍ، قال ابنُ عباس: معنى الآية: لا تسأَلُوا عن","vol":"2","page":426},{"text":"أشياء في ضِمْن الأنباء عنْها مساءَةٌ لكم «١» إما بتكليفٍ شرعيٍّ يلزمكم، وإما بخَبَر يسوءُكم، ولكن إذا نزل القرآن بشيء، وابتدأكم ربُّكم بأمر، فحينئذٍ إنْ سألتم عن تَفْصيله وبَيَانِهِ بيّن لكم، وأبدي، ويحتمل قوله: وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ أنْ يكون في معنى الوعيدِ كأنه قال: لا تسألوا، وإن سألتم، لَقِيتُمْ غِبَّ ذلك وصعوبته، قال النوويُّ: وعن أبي ثعلبة الخشنيّ، قال: قال رسول الله ﷺ: «إنَّ اللَّهَ ﷿ فَرَضَ فَرَائِضَ فَلاَ تُضَيِّعُوهَا، وَحَدَّ حُدُودًا فَلاَ تَعْتَدُوهَا، وَحَرَّمَ أَشْيَاءَ فَلاَ تَنْتَهِكُوهَا، وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ رَحْمَةً بِكُمْ، لاَ عَنْ نِسْيَانٍ فَلاَ تَبْحَثُوا عَنْهَا»، ورُوِّينَاه في «سنن الدارقطنيِّ» «٢» .\nانتهى، وفي «صحيح البخاريِّ»، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ، قَالَ: «دَعُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، إنَّما هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِسُؤَالِهِمْ واختلافهم على أَنْبِيَائِهِمْ، فَإذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ، فاجتنبوه، وَإذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ، فأتوا منه ما استطعتم» «٣» . انتهى.\n_________\n(١) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (٢/ ٢٤٦) .\n(٢) أخرجه الدارقطني (٤/ ١٨٤) كتاب «الرضاع»، حديث (٤٢) والحاكم (٤/ ١١٥) والبيهقي (١٠/ ١٣) كتاب «الضحايا»، باب ما لم يذكر تحريمه، وأبو نعيم في «الحلية» (٩/ ١٧) والخطيب في «الفقيه والمتفقه» (٢/ ٩) كلهم من طريق داود بن أبي هند، عن مكحول، عن أبي ثعلبة الخشني به.\nوذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ١٧٤) وقال: رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح.\nوذكره أيضا الحافظ ابن حجر في «المطالب العالية» (٣/ ٧٢) رقم (٢٩٠٩)، وعزاه لمسدد، وقال:\nرجاله ثقات، إلا أنه منقطع.\nوللحديث شاهد من حديث أبي الدرداء.\nأخرجه الدارقطني (٤/ ٢٩٨) باب الصيد والذبائح والأطعمة، حديث (١٠٤) من طريق نهشل الخراساني عن الضحاك بن مزاحم، عن طاوس، عن أبي الدرداء، وقال أبو الطيب آبادي في «التعليق المغني» (٤/ ٢٩٧): نهشل الخراساني. قال إسحاق بن راهويه: كان كذابا، وقال أبو حاتم والنسائي: متروك. وقال يحيى، والدارقطني: ضعيف.\nويبدو أن للحديث طريقا آخر، فقد ذكره الهيثمي في «المجمع» (١/ ١٧٤) وقال: رواه الطبراني في «الأوسط» و«الصغير»، وفيه أصرم بن حوشب، وهو متروك، ونسب إلى الوضع.\n(٣) أخرجه البخاري (١٣٠/ ٢٦٤) كتاب «الاعتصام بالكتاب والسنة»، باب الاقتداء بسنة رسول الله ﷺ حديث (٧٢٨٨) ومسلم (٤/ ١٨٣١) كتاب «الفضائل»، باب توقيره ﷺ، حديث (١٣١/ ١٣٣٧)، وأحمد (٢/ ٢٥٨) والحميدي (٢/ ٤٧٧) رقم (١١٢٥) وأبو يعلى (١١/ ١٩٥) رقم (٦٣٠٥) كلهم من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم» .\nومن طريق أبي الزناد أخرجه البغوي في «شرح السنة» (١/ ١٧٧- بتحقيقنا) وللحديث طرق أخرى عن أبي هريرة.\nفأخرجه مسلم (٢/ ٩٧٥) كتاب «الحج»، باب فرض الحج مرة في العمر حديث (٤١٢/ ١٣٣٧) -","vol":"2","page":427},{"text":"وعَفَا اللَّهُ عَنْها: معناه: تركَها، ولم يُعَرِّفْ بها، قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ...\nالآية: قال الطبريُّ «١»: كقومِ صالحٍ في سؤالهم الناقة وكبني إسرائيل في سؤالهم المائدةَ، أي: وكطلب الأممِ قديمًا التعمُّقَ في الدِّين من أنبيائها، ثم لم تف بما كلّفت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-415>[سورة المائدة (٥): الآيات ١٠٣ الى ١٠٤]</span>\nمَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (١٠٣) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ (١٠٤)\nوقوله سبحانه: مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ ... الآية:\nأي: لم يجعلْ سبحانه شيئًا مِنْ ذلك، ولا سَنَّهُ لعباده، المعنى: ولكن الكُفَّار فعلوا ذلك/ كعَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ وغيره مِنْ رؤسائهم يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ بقولهم: هذه قربةٌ إلى اللَّهِ، وَأَكْثَرُهُمْ، يعني: الأتْبَاعَ لاَ يَعْقِلُونَ، بل يتّبعون هذه الأمور تقليدا، وجَعَلَ في هذه الآية: لا يتَّجه أنْ تكون بمعنى «خَلَقَ»، ولا بمعنى «صَيَّرَ»، وإنما هي بمعنى: «مَا سَنَّ ولا شَرَعَ» .\nقال ص: مَّا جَعَلَ: ذَهَبَ ابن عطيةَ والزمخشريُّ «٢» إلى أنها بمعنى: «شرع»،\n_________\n- والنسائي (٥/ ١١٠) كتاب «الحج»، باب وجوب الحج، وأحمد (٢/ ٤٤٧- ٤٤٨، ٤٥٧، ٤٦٧، ٥٠٨) وابن خزيمة رقم (٢٥٠٨) من طريق محمد بن زياد، عن أبي هريرة. وأخرجه عبد الرزاق (١١/ ٢٢٠) رقم (٢٠٣٧٤) ومسلم (٤/ ١٨٣١) كتاب «الفضائل»، باب توقيره ﷺ (١٣١/ ١٣٣٧) وأحمد (٢/ ٣١٣) والبغوي في «شرح السنة» (١/ ١٧٦- بتحقيقنا) من طريق همام بن منبه، عن أبي هريرة.\nوأخرجه أحمد (٢/ ٢٤٧، ٤٢٨، ٥١٧)، والحميدي (٢/ ٤٧٧) رقم (١١٢٥) وابن حبان (٢٠٩٧- الإحسان) من طريق محمد بن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة.\nوأخرجه مسلم (٤/ ١٨٣١) كتاب «الفضائل»، باب توقيره ﷺ حديث (١٣١/ ١٣٣٧)، والترمذي (٥/ ٤٥- ٤٦) كتاب «العلم»، باب في الانتهاء عما نهى عنه رسول الله ﷺ حديث (٢٦٧٩) من طريق همام بن المنبه، عن أبي هريرة به.\n(١) ينظر: الطبري (٥/ ٨٦، ٨٧) .\n(٢) محمود بن عمر بن محمد بن أحمد الخوارزمي، الزمخشري، جار الله أبو القاسم ولد سنة (٤٦٧ هـ) في زمخشر (من قرى خوارزم)، من أئمة العلم بالدين والتفسير واللغة والآداب، سافر إلى مكة، فجاور بها زمنا، فلقب بجار الله. أشهر كتبه: «الكشاف» و«أساس البلاغة» و«المفصل» ومن كتبه:\n«المقامات» و«مقدمة الأدب» و«نوابغ الكلم» و«ربيع الأبرار» . توفي بالجرجانية بخوارزم سنة (٥٣٨ هـ) .\nينظر: «وفيات الأعيان» (٢/ ٨١)، «لسان الميزان» (٦/ ٤)، «الجواهر المضيئة» (٢/ ١٦٠)، «آداب اللغة» (٣/ ٤٦)، «الأعلام» (٧/ ١٧٨) .","vol":"2","page":428},{"text":"قال ابن «١» عطيَّة: ولا تكونُ بمعنى «خلق»، لأن اللَّه تعالى خَلَقَ هذه الأشياء كلَّها، ولا بمعنى «صيَّر» لعدم المفعولِ الثاني، قال أبو حيَّان «٢»: ولم يذكر النحويُّون لها هذا، وقد جاء حَذْفُ أحد مفعولَيْ «ظَنَّ» وأخواتِها قليلًا، فتحمل هذه على حَذْفِ المفعولِ الثانيِ، أي: ما صَيَّر اللَّه بحيرةً ولا سائبةً ولا وصيلةً ولا حاميًا- مشروعًا، وهو أولى من إثبات معنًى لم يُسْمَعْ فيها، وذكر أبو البقاء أنها هنا بمعنى «سَمَّى» انتهى.\nقُلْتُ: وحاصل كلامِ أبي حيَّان أنه شهادةٌ على نفْيٍ، وعلى تقدير صحَّته، فيحمل كلام ابن عطيَّة على أنه تفسيرُ معنًى، لا تفسير إعرابٍ.\nوبحيرة: فعليةٌ بمعنى مَفْعُولة، وبَحَرَ: شَقَّ، كانوا إذا نُتِجَتِ النَّاقَةُ عَشَرَةَ بُطُونٍ، شَقُّوا أذنها بِنِصْفَيْن طُولًا، فهي مَبْحُورة، وتُرِكَتْ ترعى، وتَرِدُ الماء، ولا ينتفعُ بشيء منْها، ويحرَّمُ لحْمُها إذا ماتَتْ على النساء، ويُحلَّلُ للرِّجَال وذلك كلُّه ضلالٌ، والسائبة: هي الناقة تسيَّب للآلهة، والناقةُ أيضًا إذا تابَعَتْ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ إناثًا ليس فيهِنَّ ذكَرٌ، سُيِّبَتْ، وكانت السوائبُ أيضًا في العرب كالقُرْبة عند المرَضِ يُبْرَأُ منه، والقُدُوم من السفرِ، وإذا نزل بأحدهم أمْرٌ يُشْكَرُ اللَّه تعالى عليه، تقرَّب بأنْ يسيِّب ناقةً، فلا ينتفعُ منها بِلَبَنٍ، ولا ظَهْر، ولا غَيْره، يَروْنَ ذلك كعِتْقَ بني آدمَ ذكَره «٣» السُّدِّيُّ وغيره، وكانَتِ العربُ تعتقدُ أنَّ مَنْ عَرَضَ لهذه النوقِ، فأخذها أو انتفع منْهَا بشيْءٍ، فإنه تلحقه عُقُوبةٌ مِنَ اللَّه، والوصيلةُ: قال أكثر النَّاس: إن الوصيلَةَ في الغَنَمِ، قالوا إذا وَلَدتِ الشاة ثلاثةَ بُطونٍ، أو خمسةً، فإن كان آخرها جَدْيًا، ذبحوه لِبَيْت الآلهة، وإن كان عَنَاقًا، استحيوها، وإن كان جَدْيٌ وعَنَاقٌ، استحيوهما، وقالوا: هذه العَنَاقُ وَصَلَتْ أخاهَا، فمنعتْهُ مِنْ أنْ يُذْبَحَ، وعلى أن الوَصِيلة في الغَنَم، جاءت الرِّوايات عن أكثر الناس، وروي عَنِ ابن المسيَّب أن الوصيلة مِنَ الإبل، وأما الحامِي فإنه الفَحْل من الإبل، إذا ضَرَبَ في الإبل عشر سنين «٤»، وقيل: إذا وُلِدَ من صُلْبه عَشْرٌ، وقيل: إذا وُلِدَ مِن وَلَدِ ولده، قالوا: حمى ظهره، فسيَّبوه، لا يركب، ولا يسخَّر في شيء، وعبارةُ الفَخْر «٥»: وقيل: الحامِي: الفَحْلُ إذا رَكِبَ وَلَدُ وَلَدِهِ. انتهى، قلتُ: والذي في «البخاريِّ»: والحامِ: فحلُ الإبلِ يضرب الضّراب المعدود، وإذا قضى\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٢٤٧) .\n(٢) ينظر: «البحر المحيط» (٤/ ٣٨) .\n(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٥/ ٩١) (١٢٨٤٣) .\n(٤) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٥/ ٩١) (١٢٨٤٤)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٢/ ٢٤٨) .\n(٥) ينظر: «مفاتيح الغيب» (١٢/ ٩١) .","vol":"2","page":429},{"text":"ضِرَابه، وَدَعُوهُ للطَّواغيتِ، وأعْفَوْه من الحمل، فلم يُحْمَلْ شيءٌ عليه، وسمَّوْه الحامِيَ.\nانتهى.\nوقوله سبحانه: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ، يعني: لهؤلاءِ الكفار المستنِّينَ بهذه الأشياء:\nتَعالَوْا إِلى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ، يعني: القرآن الذي فيه التحريمُ الصحيحُ، قالُوا حَسْبُنا، معناه: كفانا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-416>[سورة المائدة (٥): آية ١٠٥]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥)\nوقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ...\nالآية: قال أبو ثعلبة الخُشَنِيُّ: سَأَلتُ رسول الله ﷺ عَنْ هذه الآيةِ، فَقَالَ: «ائتمروا بِالمَعْرُوفِ وانهوا عَنِ المُنْكَرِ، فَإذَا رَأَيْتَ دُنْيَا مُؤْثَرَةً، وَشُحًّا مُطَاعًا، وإعْجَابَ كُلِّ ذِيَ رَأْيٍ بِرَأْيِهِ، فَعَلَيْكَ بِخُوَيْصَّةِ نَفْسِكَ، / وذَرْ عَوَامَّهُمْ فَإنَّ وَرَاءَكِمُ أَيَّامًا أَجْرُ العَامِلِ فِيهَا كَأَجْرِ خَمْسِينَ مِنْكُمْ» «١»، وَهَذَا التَّأْوِيلُ الَّذِي لاَ نَظَرَ لأحَدٍ مَعهُ لأنَّهُ مُسْتَوْفٍ لِلصَّلاَحِ صادرٌ عن النبيِّ﵇-، وجملةُ ما عليه أهْلُ العِلْمِ في هذا أنَّ الأمر بالمعروفِ متعيِّن، متى رُجِيَ القبولُ، أو رُجِيَ ردُّ الظالم، ولو بعنف ما لم يَخَفِ الآمرُ ضررًا يلحقه في خاصَّته، أو فتنةً يُدْخِلُها على المُسْلمين إما بشَقِّ عَصَا، وإما بضَرَرٍ يلحق طائفةً من الناس، فإذا خيف هذا، ف عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ: محكَمٌ واجبٌ أنْ يوقَفَ عنده.\nوقوله سبحانه: إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، هذا تذكيرٌ بالحَشْر وما بعده، وذلك مُسَلٍّ عن أمور الدنيا، مكروهِهَا ومحبوبِها، رُوِيَ عن بعض الصالحين أنه قال: ما مِنْ يَوْمٍ إلاَّ ويجيءُ الشيطانُ، فيقول: ما تأكلُ، وما تلبسُ، وأين تَسْكُنُ، فأقول له: آكُلُ المَوْتَ، وألبس الكفن، وأسكن القبر.\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (٢/ ٥٢٦) في الملاحم، باب الأمر والنهي (٤٣٤١) والترمذي (٥/ ٢٤٠) في التفسير:\nباب «من سورة المائدة» (٣٠٥٨) وابن ماجة (٢/ ١٣٣٠- ١٣٣١) في الفتن، باب قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ (٤٠١٤)، وأبو نعيم في «الحلية» (٢/ ٣٠) والطبري (٥/ ٩٧) برقم (١٢٨٦٦- ١٢٨٦٧)، والحاكم (٤/ ٣٢٢) وابن حبان (١٨٥٠- موارد) . والبيهقي في السنن (١٠/ ٩١- ٩٢)، والبغوي في «شرح السنة» (٧/ ٣٥٨) (٤٠٥١) عن عتبة بن أبي حكيم، حدثني عمرو بن جارية اللخمي، حدثنا أبو أمية الشعباني به.\nوقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي.","vol":"2","page":430},{"text":"قال ع «١»: فَمَنْ فكَّر في مرجعه إلى اللَّه سبحانه، فهذا حاله، قلْتُ: وخرَّج البغويُّ في «المسند المنتخب»، عن النبيّ ﷺ أنَّهُ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّكُمْ تَعْمَلُونَ أَعْمَالًا تَعْزُبُ عَنْكُمْ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَتُوشِكُ العوازب أن تئوب إلى أَهْلِهَا، فَمَسْرُورٌ بِهَا، وَمَكْظُومٌ» «٢» . انتهى من «الكوكب الدري»، والله المستعان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-417>[سورة المائدة (٥): الآيات ١٠٦ الى ١٠٨]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ (١٠٦) فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما وَمَا اعْتَدَيْنا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٧) ذلِكَ أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (١٠٨)\nوقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ... الآيةَ، إلى قوله: يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ [المائدة: ١٠٩]: قال مكِّيٌّ: هذه الآياتُ عند أهْل المعانِي مِنْ أشكل ما في القرآن إعرابًا، ومعنًى، وحُكْمًا.\nقال ع «٣»: وهذا كلام من لم يقع له الثَّلَجُ في تفسيرها وذلك بيِّن من كتابه، وباللَّه نستعين.\nلا نَعْلَمُ خلافًا أن سبب هذه الآيةِ أنّ تميما الدّاريّ «٤» ...\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٢٥٠) . [.....]\n(٢) أخرجه الطبراني في «الكبير» (٢/ ٩٤) رقم (١٤١٦) من طريق يحيى بن عبد الحميد الحماني، ثنا جعفر بن سليمان، عن أبي عبد الله الشامي، عن عائذ الله أبي إدريس، عن ثوبان مرفوعا.\nوذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٢٣٤) وقال: رواه الطبراني في «الكبير»، وفيه يحيى بن عبد الحميد الحماني، وهو ضعيف.\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٢٥٠) .\n(٤) هو: تميم بن أوس بن حارثة (خارجة) ابن سود (سواد) ابن جذيمة بن دراع بن عدي بن الدار ... أبو رقية. الداري. قال ابن حجر في الإصابة: مشهور في الصحابة، وكان نصرانيا، وقدم المدينة فأسلم، وذكر للنبي ﷺ قصة الجساسة والدجال، فحدث النبيّ ﷺ عنه بذلك على المنبر، وعد ذلك من مناقبه.\nقال ابن السكن: أسلم سنة تسع هو وأخوه نعيم ولهما صحبة.\nوقال ابن إسحاق: قدم المدينة، وغزا مع النبيّ ﷺ.\nوقال أبو نعيم: كان راهب أهل عصره وعابد أهل فلسطين، وهو أول من أسرج السراج في المسجد. -","vol":"2","page":431},{"text":"وعَدِيَّ بْن بَدَّاء «١»، وكانا نصرانيَّيْنِ، سافرا إلى المدينةِ، يريدانِ الشامَ لتجارتهما، وقَدِمَ المدينة أيضًا ابْنُ أَبِي مَارِية مولى عَمْرِو بنِ العاصِي، يريد الشامَ تاجِرًا، قال الفخْر «٢»: وكان مُسْلمًا، فخرَجُوا رفاقة، فمرض ابنُ أبي مارية في الطريقِ، وأوصى إلى تميمٍ وعديٍّ أنْ يؤدِّيَا رَحْلَهُ إلى أوليائه من بني سَهْم «٣»، وروى ابْنُ عباس عن تميمٍ الداريِّ أنه قال: بَرِىءَ النَّاسُ من هذه الآيةِ غيري وغَيْرَ عَدِيِّ بْنِ بَدَّاء، وذكر القصَّة «٤»، إلا أنه قال: وكان معه جَامُ فِضَّةٍ، يريد به المُلْكَ، فأخذتُهُ أَنَا وعديٌّ، فبْعنَاه بألفٍ، وقَسَّمنا ثمنه، فلما أسلَمْتُ بعد قُدُومِ رسُولِ اللَّه ﷺ المدينةَ، تَأَثَّمْتُ من ذلك، فأتيْتُ أهْلَهُ، فأخبرتهم الخبر، وأدَّيْتُ خمسمائة، فوثَبُوا إلى عَدِيٍّ فأتوا به رسول الله ﷺ، وحلَفَ عمْرُو بن العاصِي، ورجُلٌ آخر معه، ونُزِعَتْ من عَدِيٍّ خَمْسُمِائَةٍ «٥» .\nقال ع «٦»: واختلفتِ ألفاظ هذه القصَّة، وما ذكرتُهُ هو عمود الأمْر، ولم تصحَّ لعديٍّ صُحْبة فيما عَلِمْتُ، ولا ثبت إسلامه، وقد صنَّفه في الصحابة بعض المتأخّرين، ولا وجه\n_________\n- رواه الطبراني من حديث أبي هريرة، وأول من قص وذلك في عهد عمر. رواه ابن إسحاق بن راهويه، وانتقل إلى الشام بعد مقتل عثمان.\nتنظر ترجمته في: «أسد الغابة» (١/ ٢٥٦)، «الإصابة» (١/ ١٩١)، «الثقات» (٣/ ٣٩)، «الجرح والتعديل» (٢/ ٤٤٠)، «تقريب التهذيب» (١/ ١١٣)، «سير أعلام النبلاء» (٢/ ٤٤٢)، «جمهرة أنساب العرب» (٤٥٤)، (٤٢٢)، «المتفردات والوحدان» (٦٢)، «مشاهير علماء الأمصار» (٥٢) .\n(١) عدي بن بدّاء: بتشديد الدال قبلها موحدة مفتوحة.\nقال ابن حبان: له صحبة، وأخرجه ابن منده، فأنكر عليه ذلك أبو نعيم، وقال: لا يعرف له إسلام.\nقال ابن عطيّة: لا يصح لعدي عندي صحبة، وقد وضعه بعضهم في الصحابة، ولا وجه لذكره عندي فيهم، وقوّى ذلك ابن الأثير بأن السياق عند ابن إسحاق: فأمرهم رسول الله ﷺ أن يستحلفوا عديّا بما يعظم على أهل دينه.\nوالذي عندي أن بداء، بفتح الموحدة وتشديد الدال مقصور، وقيل: ممدود. ورأيته بخط الخطيب في سياق القصة عن تفسير مقاتل عديّ بن بندا، بنون بين الموحدة والدال.\nينظر ترجمته في: «الإصابة» (٤/ ٣٨٧)، «الثقات» (٣/ ٣١٨)، «تجريد أسماء الصحابة» (١/ ٣٧٦)، «أسد الغابة» ت (٣٦٠٥) .\n(٢) ينظر: «مفاتيح الغيب» (١٢/ ٩٥) .\n(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٥/ ١١٥) (١٢٩٧٠)، وذكره البغوي في «تفسيره» (٢/ ٧٤)، وابن عطية في «تفسيره» (٢/ ٢٥٠) .\n(٤) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (٢/ ٢٥٠) .\n(٥) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (٢/ ٢٥١) .\n(٦) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٢٥١) .","vol":"2","page":432},{"text":"عندي لذكْره في الصَّحابة.\nوأما معنى الآية مِنْ أولها إلى آخرها، فهو أن اللَّه سبحانه أخبر المؤمنين أنَّ حكمه في الشهادةِ عَلَى المُوصِي، إذا حضره الموتُ: أنْ تكونَ شهادة عَدْلَيْنِ، فإن كان في سَفَرٍ، وهو الضَّرْب في الأرض، ولم يكن معه من المؤمنين أحدٌ، فليُشْهِدْ شاهدَيْنِ ممن حَضَرَهُ مِنْ أهْل الكُفْر، فإذا قدما، وأَدَّيا الشهادةَ على وصيَّته، حَلَفَا بعد الصَّلاة أنهما ما كَذَبَا، ولا بَدَّلاَ، وأنَّ ما شهدْنَا به حقٌّ ما كتمنا فيه/ شهادةَ اللَّه، وحُكِمَ بشهادتهما، فإن عُثِرَ بعد ذلك على أنهما كَذَبَا، أو خَانَا، أو نَحْوِ هذا ممَّا هو إثْم، حَلَفَ رُجلانِ مِنْ أولياء المُوصِي في السفر، وغُرِّمَ الشاهدانِ ما ظَهَرَ علَيْهما، هذا معنى الآيةِ على مذهب أبي موسَى الأشعريِّ، وابن عبَّاس، وسعيدِ بْنِ المسيَّب، ويحيى بن يَعْمَرَ، وابنِ جُبَيْر، وأبي مِجْلَزٍ، وإبراهيم، وشُرَيْحٍ، وعَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ، وابن سِيرِينَ، ومجاهدٍ وغَيْرِهم «١»، قالوا: ومعنى قوله:\nمِنْكُمْ، أي: مِنَ المؤمنين، ومعنى: مِنْ غَيْرِكُمْ، أي: من الكافرين.\nقال بعضهم: وذلك أن الآية نزلَتْ، ولا مؤمن إلا بالمدينة، وكانوا يسافرون في التِّجارة مع أنواع الكَفَرة، واختلفتْ هذه الجماعةُ المذْكُورة، فمذهبُ أبي مُوسَى الأشعريِّ وغيره أن الآية مُحْكَمَةٌ، ومذهب جماعة منهم أنها منسوخةٌ بقوله:\nوَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ [الطلاق: ٢] وبما عليه إجماعُ جمهور النَّاس أن شهادة الكُفَّار لا تجوزُ.\nقال ع «٢»: ولنرجع الآنَ إلى الإعراب، ولنقصِدِ القَوْل المفيد لأن الناس خلطوا في تفسيره هذه الآية تخليطًا شديدًا، وذِكْرُ ذلك والرَّدُّ عليه يطولُ، وفي تَبْيِينِ الحَقِّ الذي تتلَقَّاه الأذهانُ بالقَبُول مَقْنَعٌ، واللَّه المستعان.\nفقوله تعالى: شَهادَةُ بَيْنِكُمْ، هي الشهادةُ «٣» التي تُحْفَظُ لتؤدى، ورفعها بالابتداء،\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٢/ ٢٥١) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٢٥٢) .\n(٣) الشهادات: جمع شهادة: وتجمع باعتبار أنواعها. وإن كانت في الأصل مصدرا. تعريف الشهادة:\nللشهادة في اللغة معان: منها: الإخبار بالشيء خبرا قاطعا. تقول: شهد فلان على كذا، أي أخبر به خبرا قاطعا. ومنها: الحضور. تقول: شهد المجلس أي حضره قال تعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة: ١٨٥] وقال ﵊: «الغنيمة لمن شهد الرفعة» أي حضرها. ومنها:\nالاطلاع على الشيء، ومعاينته، تقول: شهدت كذا. أي اطلعت عليه وعاينته. ومنها: إدراك الشيء.\nتقول: شهدت الجمعة. أي أدركتها، ومنها: الحلف: تقول أشهد بالله لقد كان كذا. أي: أحلف. -","vol":"2","page":433},{"text":"والخَبَرُ في قوله: اثْنانِ، وقوله تعالى: إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ: إذا قارب الحضُورَ، والعاملُ في «إذا» المصدرُ الذي هو «شهادة»، وهذا على أنْ تجعل «إذا» بمنزلة «حِينَ»، لا تحتاج إلى جوابٍ، ولك أن تجعل «إذا» في هذه الآية المحتاجةَ إلى الجوابِ، لكن استغني عن جوابها بما تقدَّم في قوله: شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إذ المعنى: إذا حَضَر أحدَكُمُ المَوْتُ، فينبغي أن يُشْهِدَ، وقوله: حِينَ الْوَصِيَّةِ: ظرْفُ زمانٍ، والعاملُ فيه حَضَرَ، وإنْ شِئْتَ، جعلته بَدَلًا مِنْ «إذا»، وقوله: ذَوا عَدْلٍ: صفة لقوله: اثْنانِ، ومِنْكُمْ: صفةٌ أيضًا بعد صفةٍ، وقوله: مِنْ غَيْرِكُمْ: صفة ل آخَرانِ وقوله:\nتَحْبِسُونَهُما: صفة ل آخَرانِ أيضًا، واعترض بَيْن الموصوفِ والصفةِ بقوله: إِنْ أَنْتُمْ، إلى الْمَوْتُ، وأفاد الاِعتراضُ أنَّ العدول إلى آخرَيْنِ من غَيْر الملَّة، إنما يكونُ مع ضَرُورة السَّفَر، وحلولِ الموتِ فيه، واستغني عن جواب «إنْ» لِمَا تقدَّم من قوله: أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ، وقال جمهورٌ مِن العلماء: الصلاةُ هنا صلاةُ العَصْر، وقال ابنُ عباس:\nإنما هي صلاة الذِّمِّيِّين «١»، وأما العصر، فلا حُرْمَة لها عنْدَهما، والفاءُ في قوله:\nفَيُقْسِمانِ: عاطفةٌ جملةً على جملةٍ لأن المعنى تَمَّ في قوله: مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ، وقوله: إِنِ ارْتَبْتُمْ شرطٌ لا يتَّجه تحليفُ الشاهدَيْن إلا به، والضميرُ في قول الحالِفَيْن:\nلاَ نَشْتَرِي بِهِ: عائدٌ على القَسَمِ، أو على اسم اللَّهِ، وقوله: لاَ نَشْتَرِي جوابٌ يقتضيه قوله: فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ لأن «أقسم» ونحوه يتلقى بما تتلقى به الإيْمَانُ، وقوله:\nثَمَنًا، أي: ذا ثَمَنٍ، وخُصَّ ذو القربى بالذِّكْر لأن العرب أمْيَلُ النَّاس إلى قراباتهم، واستسهالهم في جنب نفعهم ما لا يُسْتَسْهَل، وقوله: وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ، أضاف الشهادةَ إلَيْه تعالى مِنْ حيث هو الآمِرُ بإقامتها، الناهِي عن كتمانها، وروي عن الشِّعْبِيِّ وغيره: «شَهَادَةً» - بالتنوين-، «اللَّه» - بقطع الألف دون مَدٍّ وخفضِ الهاءِ-، وقال أيضًا:\n_________\n- ومنها: العلم، قال تعالى: وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [المجادلة: ٦] أي عليم. والفعل من باب علم.\nوقد تسكن هاؤه فتقول: شهد فلان شهادة، وجمع الشاهد، شهد وشهود وأشهاد، والمشاهدة المعاينة.\nعرفها الشافعية بأنها: إخبار صادق بلفظ الشهادة لإثبات حق لغيره على غيره، في مجلس القضاء، ولو بلا دعوى.\nعرفها المالكية بأنها: إخبار حاكم عن علم ليقضي بمقتضاه.\nعرفها الحنفية بأنها: إخبار بحق للغير على آخر.\nينظر: «مغني المحتاج» (٤/ ٤٢٦)، «أدب القضاء» لابن أبي الدم (١/ ١٧٥)، «نهاية المحتاج» (٨/ ٢٧٧)، «حاشية الدسوقي» (٤/ ١٦٤)، «الدرر» (٢/ ٢٧٠)، «الفتاوى الهندية» (٣/ ٤٥٠) . [.....]\n(١) أخرجه الطبري بنحوه (٥/ ١١١) برقم (١٢٩٥٨)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٢/ ٢٥٣) .","vol":"2","page":434},{"text":"يقف على الهاء مِن: «شهادة» بالسكون، ثم يقطع الألفَ المكتوبَةِ منْ غير مَدٍّ كما تقدَّم، ورُوِيَ عنه كان يقرأ: / «آللَّهِ» - بمد ألفِ الإستفهامِ في الوجْهَيْن-، أعني: بسكون الهاء من «شهادة»، وتحريكها منوَّنةً منصوبةً، ورُوِيَتْ هذه التي هي تَنْوينُ «شهادة»، ومدُّ ألف الاستفهام بَعْدُ عن عَلِيِّ بن أبي طالب، قال أبو الفَتْح: إنما تُسَكَّن هاء «شهادة» في الوقْف عليها.\nوقوله سبحانه: فَإِنْ عُثِرَ: استعارة لما يوقع على علمه بعد خفائه، واسْتَحَقَّا إِثْمًا: معناه: استوجباه مِنَ اللَّه، وكانا أهْلًا له لأنهما ظَلَمَا وخَانَا.\nوقوله تعالى: فَآخَرانِ، أي: إذا عُثِرَ على خيانتهما، فَالأَوْلَيَانِ باليمينِ وإقامةِ القضية: آخرَانِ من القَوْم الذين هُمْ ولاة المَيِّت، واستَحَقَّ عليهم حظُّهم، أو نصيبهم، أو مالهم، أو مَا شِئْتَ من هذه التقديراتِ، وقرأ نافعٌ «١» وغيره: «استحق» - مضمومةَ التاءِ-، «والأَوْلَيَانِ» على تثنية الأولى، ورُوِيَ عنِ ابنِ كَثِيرٍ: «استحق» - بفتح التاء- وكذلك روى حَفْصٌ عن عاصم.\nوفي قوله: اسْتَحَقَّ: استعارة لأنه وَجْه لهذا الاستحقاق إلاَّ الغلبة على الحالِ بحُكْمِ انفرادِ هذا المَيِّت وعَدَمه لقرابَتِه أو لأهل دِينه، فاستحق هنا كما تقول لظالمٍ يظلمُكَ:\n«هذا قَدِ استحق علَيَّ مالِي أوْ مَنْزِلِي بظلمه»، فتشبهه بالمستَحِقِّ حقيقةً إذْ تصوَّر تصوُّره، وتملَّك تملُّكه وهكذا هي «استحقَّ» في الآية على كلِّ حال، وإنْ أسندتَّ إلى النصيب ونحوه.\nوقرأ حمزة «٢» وعاصمٌ في رواية أبي بَكْر: «استحق» - بضم التاء-، «الأَوَّلِينَ»: على جَمْعِ أوَّل ومعناها: من القومِ الذين استحق عليهم أمْرُهُمْ إذْ غُلِبُوا علَيْه، ثم وصَفَهم بأنَّهم أوَّلُون، أي: في الذِّكْر في هذه الآية، وذلك في قوله: اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ، ثم بعد ذلك قال: أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ، وقوله: فَيُقْسِمانِ، يعني: الآخَرَيْنِ اللذَيْنِ يقُومانِ مَقَامَ شاهِدَيِ الزُّورِ، وقولُهما: لَشَهادَتُنا أي: لَمَا أَخْبَرْنَا نَحْنُ به، وذَكَرْنَاهُ مِنْ نَصِّ القصَّة- أحقُّ مما ذَكَراه أوَّلًا وحرَّفاه، وَمَا اعْتَدَيْنا في قولنا هذا، وقولهما:\n_________\n(١) ينظر: «السبعة» (٢٤٨، ٢٤٩)، و«الحجة» (٣/ ٢٦٠- ٢٦١)، و«حجة القراآت» (٢٣٨)، و«العنوان» (٨٨)، و«إعراب القراآت» (١/ ١٤٩- ١٥٠)، و«شرح شعلة» (٣٥٥)، و«شرح الطيبة» (٤/ ٢٣٧)، و«إتحاف» (١/ ٥٤٣)، و«معاني القراآت» (١/ ٣٤١) .\n(٢) ينظر السابق.","vol":"2","page":435},{"text":"إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ: تَبَرٍّ في صيغة الاِستعظامِ والاِستقباحِ للظُّلْمِ.\nوقوله تعالى: ذلِكَ أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ ... الآية: الإشارة ب «ذلك» هي إلى جميع مَا حَدَّ قَبْلُ مِنْ حَبْسِ الشاهدَيْن من بعد الصلاة لليمينِ، ثم إنْ عثر على جَوْرهما، رُدَّتِ اليمينُ، وغَرِمَا، فذلك كلُّه أقربُ إلى اعتدال هذا الصِّنْف فيما عسى أنْ ينزل من النوازلِ لأنهم يخافُونَ الفضيحة، وردَّ اليمين هذا قولُ ابنِ عبَّاس «١»، وجُمِعَ الضميرُ في يَأْتُوا ويَخافُوا إذ المرادُ صِنْفٌ ونوعٌ من الناسِ، والمعنى: ذلك الحُكْم كلُّه أقربُ إلى أنْ يأتوا، وأقربُ إلى أنْ يخافوا، وباقي الآية بيِّن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-418>[سورة المائدة (٥): الآيات ١٠٩ الى ١١١]</span>\nيَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (١٠٩) إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (١١٠) وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ (١١١)\nوقوله تعالى: يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ ذهب قومٌ إلى أن العاملَ في يَوْمَ: ما تقدَّم مِنْ قوله تعالى: لاَّ يَهْدِي، وذلك ضعيفٌ، ورصْفُ الآيةِ وبراعَتُها إنما هو أنْ يكونَ هذا الكلامُ مستأنَفًا، والعاملُ مقدَّر، إما «اذكر»، أو: «تَذَكَّرُوا»، أو «احذروا»، ونحو هذا ممَّا حَسُنَ اختصاره لعِلْم السامعِ به، والإشارة بهذا اليوم إلى يومِ القيامةِ، وخُصَّ الرسلُ بالذكْر لأنهم قادةُ الخَلْق، وهم المكلَّمون أوَّلًا، وماذا أُجِبْتُمْ: معناه: ماذا أجابَتْكُمْ الأُمَمُ، وهذا السؤالُ للرُّسُل إنما هو لتقُومَ الحجة على الأممِ، واختلف الناسُ في معنى قولهم﵈-: لاَ عِلْمَ لَنا: قال الطبريُّ «٢»: ذُهِلُوا عن الجوابِ، لهولِ المَطْلَع وقاله الحسنُ «٣»، وعن مجاهدٍ أنه قال: يَفْزَعُون، فيقولُون: لا علْمَ لنا، وضعَّف «٤» بعضُ النَّاس هذا المنْزَع بقوله تعالى: / لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ\n_________\n(١) أخرجه الطبري بنحوه (٥/ ١٢٣) (١٢٩٨٣)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٢/ ٢٥٦) .\n(٢) ينظر الطبري (٥/ ١٢٥) .\n(٣) أخرجه الطبري بنحوه (٥/ ١٢٦) برقم (١٢٩٩١) .\n(٤) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٥/ ١٢٦) برقم (١٢٩٩٢)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٢/ ٢٥٦)، -","vol":"2","page":436},{"text":"[الأنبياء: ١٠٣]، وقال ابنُ عبَّاس: معنى الآية: لاَ عِلْمَ لنا إلا ما علَّمتنا أنْتَ أعلم به منَّا، وقولُ «١» ابنِ عباس حَسَن، وهو أصوبُ هذه المناحِي لأنه يتخرَّج على التسليم للَّه تعالى، وردِّ الأمر إلَيْه إذ هو العالِمُ بجميعِ ذلك على التَّفْصيل والكمالِ، فرأَوُا التسليمَ والخضوعَ لعلْمه المحيطِ سبحانه، قال مكِّيٌّ: قال ابنُ عباس: المعنى: لا علم لنا إلاَّ عِلمٌ أنت أعلَمُ به «٢» منَّا، وهو اختيار «٣» الطبريِّ، وقيل: لما كان السؤالُ عامًّا يقتضي بعمومه سؤالَهُم عَنْ سِرِّ الأمم وعلانِيَتِها، رَدُّوا الأمر إلَيْهِ إذ ليس عندهم إلاَّ علْمُ الظاهر قال مكِّيٌّ: وهذا القولُ أحبُّ الأقوالِ إلَيَّ، قال: ومعنى مسألة اللَّه الرُسلَ عمَّا أَجِيبُوا، إنما هو لمعنَى التوبيخِ لمَنْ أرسلوا إليه كما قال تعالى: وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ [التكوير: ٨]، انتهى من «الهداية» .\nوقوله تعالى: إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ ... الآية: قالَ هنا بمعنى يَقُولُ لأن ظاهر هذا القولِ أنه في القيامة تقدمة لقوله سبحانه: أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ [المائدة: ١١٦] .\nوقوله سبحانه: وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى، أي: من قبورهم، وكفُّ بني إسرائيل عنه﵇- هو رَفْعُهُ حِينَ أحاطوا به في الَبيْتِ مع الحواريِّين، وكذلك مَنْعُه منْهم قَبْل ذلك إلى تلك النازلةِ الأخيرةِ، فهناك ظَهَر عِظَمُ الكَفِّ.\nوقوله سبحانه: وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ، هو مِنْ جملة تعديدِ النّعم على عيسى﵇-: وأَوْحَيْتُ في هذا الموضع: إما أن يكون وحْيَ إلهامٍ أَو وحْيَ أمْرٍ، وبالجملةِ فهو إلقاءُ معنًى في خفاءٍ، أوْصَلَهُ سبحانه إلى نفوسهم، كيف شاء، والرسولُ في هذه الآية: عيسى، وقولُ الحواريِّين: وَاشْهَدْ: يحتملُ أن يكون مخاطبةً منهم للَّه سبحانه، ويحتملُ أنْ يكون لعيسى.\n_________\n- والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٦٠٦) وعزاه للفريابي، وعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ عن مجاهد.\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٥/ ١٢٦) برقم (١٢٩٩٤)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٢/ ٢٥٧) والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٦٠٧)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طريق علي، عن ابن عباس.\n(٢) ينظر السابق.\n(٣) ينظر: الطبري (٥/ ١٢٦) .","vol":"2","page":437},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-419>[سورة المائدة (٥): الآيات ١١٢ الى ١١٣]</span>\nإِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢) قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ (١١٣)\nوقوله سبحانه: إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ ... الآية: اعتراضٌ أثناء وَصْفِ حالِ قول اللَّه لعيسى يوم القيامة، مضمّن الاعتراض إخبار نبيّنا محمّد ﷺ، وأمته بنازلةِ الحواريِّين في المائدة، إذ هي مثالٌ نافعٌ لكلِّ أُمَّة مع نبيِّها تقتدِي بمحاسِنِهِ، وتزدجرُ عمَّا ينفُر منه مِنْ طلب الآياتِ ونحوه، وقرأ الجمهورُ: «هَلْ يَسْتَطِيعُ ربُّك» - بالياءِ ورَفْعِ الباءِ- من «رَبُّكَ»، والمعنى: هلْ يفعلُ ربُّك هذا، وهلْ تَقَعُ منه إجابةٌ إليه، ولم يكُنْ منهم هذا شَكًّا في قدرة اللَّه سبحَانَهُ إذ هم أعرفُ باللَّه مِنْ أنْ يشكُّوا في قُدْرته، وقرأ الكسائيُّ «١»: «هلْ تسْتَطِيعُ رَبَّكَ» - بالتاء ونصبِ الباءِ مِنْ «رَبَّكَ» -، والمعنى: هل تَسْتطيعُ سؤَالَ ربِّك، وأدغم اللام في التاء، أعني الكسائيَّ، وقال قومٌ: قال الحواريُّون هذه المقالةَ فِي صَدْر الأمر قبل عِلْمهم بأنه يُبْرِىءُ الأكمه والأبْرَصَ، ويُحْيِي الموتى، ويظهر من قوله﵇-: اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ: إنكارٌ لقولهم، واقتراحهم الآياتِ، والتعرُّضِ لسَخطِ اللَّه بها، وقلَّةِ طُمَأْنينتهم إلى ما قد ظهر، ولمَّا خاطبهم﵇- بهذه المخاطَبَة، صرَّحوا بمقاصدهم الَّتي حملَتْهم على طَلَب المائدةِ، فقالوا: نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها فنَشْرُفَ في العالَم، وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا، أي: تسكُنَ فِكرُنَا في أمرك بالمعايَنَةِ لأَمْرٍ نازلٍ من السماء بأعيننا، وَنَعْلَمَ علْمَ الضرورةِ والمشاهدةِ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا فلا تَعْرِضُنا الشُّبَهُ التي تَعْرِضُ في عِلْم الاستدلالِ وهذا يؤيِّد أنَّ مقالتهم كانَتْ في مبدأ أَمْرهم، ثم استمروا على إيمانهم، وصَبَرُوا، وهَلَكَ مَنْ كَفَر، وقولهم: وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ، أي: من الشاهدينَ بهذه النازلةِ، النَّاقلين لها إلى غيرنا الدَّاعين إلى هذا الشَّرْع/ بسببها، ورُوِيَ أن الذي نَحَا بهم هذا المنحى مِنَ الاقتراح هو أنَّ عيسى قال لهم مرَّةً: «هَلْ لَكُمْ فِي صِيَامِ ثَلاَثِينَ يَوْمًا لِلَّهِ سُبْحَانَهُ، ثُمَّ إنْ سَأَلْتُمُوهُ حَاجَةً، قَضَاهَا»، فَلَمَّا صَامُوهَا، قَالُوا: يا معلِّم الخَيْر، إنَّ حقَّ مَنْ عمل عملًا أنْ يُطْعَمَ، فَهَلْ يستطيعُ ربُّكَ، فأرادوا أن تكون المائدة عيد ذلك الصّوم.\n_________\n(١) والمعنى على هذه القراءة: هل تقدر يا عيسى أن تسل ربك، فإنهم كانوا مؤمنين، وكانت عائشة تقول:\nكان القوم أعلم بالله من أن يقولوا: هل يستطيع ربك، إنما قالوا: هل تستطيع ربك.\nينظر: «السبعة» (٢٤٩)، و«الحجة» (٣/ ٢٧٣)، و«حجة القراءات» (٢٤٠- ٢٤١)، و«العنوان» (٨٨)، و«إعراب القراءات» (١/ ١٥٠)، و«شرح الطيبة» (٤/ ٢٣٩)، و«شرح الشعلة» (٣٥٦)، و«إتحاف» (١/ ٥٤٥)، و«معاني القراءات» (١/ ٣٤٣) .","vol":"2","page":438},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-420>[سورة المائدة (٥): الآيات ١١٤ الى ١١٥]</span>\nقالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيدًا لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١٤) قالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعالَمِينَ (١١٥)\nوقوله سبحانه: قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ ...\nالآية، أي: أجابهم عيسى﵇- إلى ما سألوا، فيروى أنه لَبِسَ جُبَّة شَعْرٍ، ورداءَ شَعْرٍ، وقام يصلِّي، ويبْكِي، والعيدُ: المجتمعُ، وقوله: لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا، رُوِيَ عن ابن «١» عَبَّاس أن المعنى: يكون مجتمعًا لجميعنا أوّلِنا وآخرنا، قال: فأكل من المائدة حِينَ وُضِعَتْ أولُ النَّاس كما أكل آخرهم، وَآيَةً مِنْكَ، أيْ: وعلامةً على صِدْقي، فأجاب اللَّه تعالى دعوةَ عيسى﵇-، وقال: إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ، ثم شَرَطَ عليهم سبحانه شرْطَهُ المتعارَفَ في الأمم أنه مَنْ كَفَر بعد آية الاقتراح، عُذِّب أشدَّ عذابٍ، والجمهور أنَّ المائدة نزلَتْ كما أخبر اللَّه سبحانه، واختلفوا في كيفيَّة ذلك، فقال أبو عبد الرحمن السُّلَمي: نزلَتِ المائدةُ خُبْزًا وسَمَكًا، وقال عطية: المائدةُ سمكَةٌ فيها طَعْمُ كُلِّ طعامٍ، وقال ابنُ عبَّاس: نزل خُوَانٌ عليه خْبُزٍ وسَمَكٌ يأكلون منه أينما نَزَلُوا، إذا شاءوا «٢»، وقال عمَّار بن ياسر: سألوا عيسى مائدةً يكون عليها طعامٌ لا ينفَذُ، فقيل لهم: إنها مقيمةٌ لكم ما لم تُخَبِّئُوا، أو تخونُوا، فإن فعلتم، عُذِّبتم، قال: فما مضى يومٌ حتى خَبَّئُوا، وخانوا، يعني: بني إسرائيل، فمُسِخُوا قردةً وخنازيرَ «٣»، وقال ميسرة: كانَتِ المائدة، إذا وُضِعت لبني إسرائيل، اختلفت عليهم الأيدِي بكلِّ طعامٍ إلا اللحم «٤»، وأكثَرَ الناسُ في قصص المائدةِ ممّا رأيت اختصاره لعدم سنده.\n_________\n(١) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (٢/ ٢٦١) .\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٥/ ١٣٣) برقم (١٣٠١٠) وابن عطية في «تفسيره» (٢/ ٢٦١)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٦١٣)، وعزاه لابن جرير، وابن الأنباري في كتاب «الأضداد» من طريق عكرمة، عن ابن عباس. [.....]\n(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٥/ ١٣٤) برقم (١٣٠١٦)، وذكره ابن عطية (٢/ ٢٦١)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٦١٢)، وعزاه للترمذي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن الأنباري في كتاب «الأضداد»، وأبي الشيخ، وابن مردويه عن عمار.\n(٤) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٥/ ١٣٥) برقم (١٣٠٢٢)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٢/ ٢٦١) .","vol":"2","page":439},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-421>[سورة المائدة (٥): الآيات ١١٦ الى ١١٨]</span>\nوَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالَ سُبْحانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (١١٦) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)\nوقوله سبحانه: وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ ... الآية: اختلف المفسِّرون في وَقْت وقوعِ هذا القَوْل، فقال السدي وغيره: لما رفَع اللَّه عيسى إلى السماء، قالَتِ النصارى ما قالَتْ، وزعموا أن عيسى أمرهم بذلك، فسأله تعالى عَنْ قولهم، فقال: سُبْحانَكَ ... «١» الآية، ويجيء على هذا قولُهُ:\nوَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ، أي: في التوبة مِنَ الكُفْر لأن هذا قاله، وهم أحياء في الدنيا، وقال ابن عباس، وجمهورُ النَّاس: هذا القولُ مِنَ اللَّه إنما هو يَوْمَ القيامة يقوله اللَّه له على رءوس الخلائقِ، فَيَرَى الكفَّار تبرِّيَهُ منهم، ويعلَمُون أنّ ما كانوا فيه باطل، فقال «٢» على هذا التأويلِ بمعنى: «يَقُولُ» ونُزِّل الماضِي موضِعَ المستقبلِ لدلالته على كون الأمر وثبوته، وقولُه آخِرًا: وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ: معناه: إن عذَّبَتْ العالَمَ كلَّه، فبحقِّك، فهم عبادُكَ تصنعُ بحَقِّ المُلْكِ ما شِئْت لا اعتراض علَيْك، وإن غفَرْتَ وسبَقَ ذلك في عِلْمك فلأنك أهْلٌ لذلك لا معقِّب لحكمك، ولا مُنَازَعَ لك، فيقولُ عيسى هذا على جهة التسليمِ والتعزِّي عنهم، مع علمه بأنهم كَفَرةٌ قد حُتِمَ عليهم العذابُ، وهذا القولُ عنْدِي أَرجَحُ ويتقوَّى بما يأتي بعدُ، وهو قوله سبحانه: هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ [المائدة: ١١٩] .\nوقوله: سُبْحانَكَ، أي: تنزيهًا لك عَنْ أن يقال هذا، ويُنْطَقَ به مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ، أي: ما يكون/ لبَشَرٍ مُحْدَثٍ أنْ يَدَّعِيَ الألوهية، ثم قال: إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ لأنك أحطت بكلِّ شيء علمًا، وأحصيتَ كلَّ شيء عددًا، فوفَّق اللَّه عيسى لهذه الحُجَّة البالغةِ، وقوله: تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي، خصَّ النفْسَ بالذكْرِ لأنها مَظِنَّةُ الكَتْم والانطواء على المعلومات.\nوالمعنى: أن اللَّه- سبحانه- يعلم ما في نَفْسِ عيسى، ويعلم كل أَمْرِهِ مما عسى ألا يكون في نفسه.\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٥/ ١٣٧) برقم (١٣٠٣١)، وذكره ابن عطية (٢/ ٢٦٢)، والسيوطي (٢/ ٦١٥)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم عن السدي.\n(٢) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (٢/ ٢٦٢) .","vol":"2","page":440},{"text":"وقوله: وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ: معناه: ولا أعلم ما عندك من المعلومات، وما أحَطْتَ به، وذكْر «النفْس» هنا مقابلةٌ لَفْظِيَّةٌ، وفي اللسان العربي يقتضيها الإيجَازُ وهذا ينظر من طَرْفٍ خَفِيٍّ إلى قوله تعالى: وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ [آل عمران: ٥٤] واللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ [البقرة: ١٥] فتسمية العُقُوبَةِ باسم الذَّنْبِ إنما قاد إليها طَلَبُ المُقَابَلَةِ اللفظية، إذ هي من فَصِيحِ الكلام، وبَارِعِ العبارة.\nثم أقر عيسى﵇- للَّه تعالى بأنه- سبحانه- عَلاَّمُ الغيوب، أي: ولا عِلْمَ لي أنا بغيب.\nوقوله: فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي: أي: قبضتني بالرَّفْعِ، والتصيير في السّماء، والرَّقِيبَ:\nالحافظ المراعي.\nوقوله: فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ: أي: في قدرتك، الْحَكِيمُ في أفعالك.\nوالمعنى: إن يكن لك في النَّاسِ مُعَذَّبُونَ، فهم عبادك، وإن يكن مغفور لهم، فَعزَّتُكَ وحكمتك تَقْتَضِي هذا كله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-422>[سورة المائدة (٥): الآيات ١١٩ الى ١٢٠]</span>\nقالَ اللَّهُ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١٩) لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما فِيهِنَّ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠)\nقالَ اللَّهُ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ فدخل تحت هذه العِبَارَةِ كل مؤمن باللَّه- سبحانه-، وكُلُّ ما كان أتقى، فهو أَدْخَلُ في العبارة، وجاءت هذه العبارة مُشِيرَةً إلى عيسى﵇- في حاله، وصدْقه فيحصل له بذلك في المَوْقِفِ شَرَفٌ عظيم، وإن كان اللفظ يعمه وسواه.\nثم ذكر- تعالى- ما أعدَّهُ لهم برحمته، وطوله، جعلنا اللَّه منهم بمَنِّهِ، وسَعَةِ جُودِهِ، لا رَبّ غيره، ولا مرجو في الدَّارَيْنِ سواه، وباقي الآية بَيِّنٌ. جعل اللَّه ما كتبناه من هذه الأحرف نورًا يسعى بين أيدينا بمَنِّهِ. والحمد للَّه كما هو أهْلُهُ، وصلى اللَّه على سيدنا محمد وعلى آله وسلّم.","vol":"2","page":441},{"text":"بسم الله الرّحمن الرّحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-423>تفسير سورة الأنعام</span>\nقال ابن عبّاس: نزلت سورة الأنعام، وحولها سبعون ألف ملك، لهم زجل يجأرون بالتسبيح «١» .\nقلت: وعن جابر بن عبد الله، قال: لما نزلت سورة الأنعام، سبّح رسول الله ﷺ وقال: «لقد شيّع هذه السّورة من الملائكة ما سدّ الأفق» . رواه الحاكم في «المستدْرك عَلَى الصَّحِيحَيْنِ» . وقال: صحيحٌ على شرط مسلم «٢» . انتهى من «السلاح» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-424>[سورة الأنعام (٦): الآيات ١ الى ٢]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (٢)\nقوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ.\nقال علي بن عبد الرحمن اليفرني في شرحه ل «البرهانية»: قال الإمام الفَخْرُ «٣»: لفظ الحمد مُعَرَّفًا لا يقال إلا في حقّ الله ﷿ لأنه يدلُّ على التعظيم، ولا يجوز أن يقال: الحمد لِزَيْدٍ. قاله سيبويه.\nوذكر ابن العَرَبِيِّ في «القانون» عن أنس أن النبيِ ﷺ قال: «ما مِنْ شَيْءٍ أَحَبَّ إلى اللَّهِ مِنَ الحَمْدَ، وأَبْلَغُ الحَمْدِ الحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كلّ حال» «٤» .\n_________\n(١) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (٢/ ٢٦٥)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٣)، وعزاه لأبي عبيد، وابن الضريس، وابن المنذر، والطبراني، وابن مردويه عن ابن عباس.\n(٢) أخرجه الحاكم (٢/ ٣١٤- ٣١٥)، وعنه البيهقي في «شعب الإيمان» (٢/ ٤٧٠) رقم (٢٤٣١) من طريق جعفر بن عون، ثنا إسماعيل بن عبد الرّحمن، ثنا محمد بن المنكدر، عن جابر مرفوعا وقال الحاكم:\nصحيح على شرط مسلم، فإن إسماعيل هذا هو السدي وتعقبه الذهبي فقال: ولم يدرك جعفر السدي، وأظن هذا موضوعا.\nوالحديث ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٣)، وزاد نسبته إلى الإسماعيلي في «معجمه» .\n(٣) ينظر: «مفاتيح الغيب» (١٢/ ١١٨، ١١٩) .\n(٤) أخرجه أبو يعلى (٧/ ٢٤٧- ٢٤٨) برقم (٤٢٥٦) عن أنس بن مالك به. -","vol":"2","page":442},{"text":"قال ابن العربي: وفي بعض الآثار: «ما من نِعْمَةٍ عَظْمَتْ إلا والحمد للَّه أعْظَمُ منها» «١» . انتهى.\nقال ع «٢»: وجَعَلَ هاهنا بمعنى: «خلق»، ولا يجوز غَيْرُ ذلك.\nقال قتادة، والسُّدِّيُّ وجمهور من المفسرين: الظلمات الليل، والنور النهار.\nوقالت فرقة: الظُّلمات الكُفْرُ، والنور الإيمان.\nقال/ ع «٣»: وهذا على جهة التَّشْبِيهِ صحيح، وعلى ما يفهمه عُبَّادُ الأوثان غير جيد لأنه إخراج لَفْظ بين في اللغة عن ظاهره الحقيقي إلى بَاطِنٍ لغير ضَرُورَةٍ، وهذا هو طريق اللُّغْزِ الذي بَرِىءَ القُرْآنُ منه، والنور أيضًا هنا لِلْجِنْسِ.\nوقوله تعالى: ثُمَّ دالة على قُبْحِ فعل الذين كَفَرُوا لأن المعنى: أن خلقه السَّمَوَاتِ والأَرْض، وغيرها الموجبة لحمده، وتوحيده قد تقرر، وآياته قد سَطَعَتْ، وإنعامه بِذَلِكَ على العباد قد تَبَيَّنَ، فكان الواجب عليهم إخْلاَصَ التوحيد له، ثم هم بعد هذا كله بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ أي: يُسَوّون، ويمثلون، وعدل الشيء قرينه ومثيله.\nوالَّذِينَ كَفَرُوا في هذا المَوْضِعِ كل من عَبَدَ شَيْئًا سوى اللَّه إلا أن السَّابِقَ من حال النبيّ ﷺ أن الإشَارَةَ إلى عَبَدَةِ الأوثان من العرب لمجاورتهم له، ولفظ الآية أيضًا يشير إلى المَانَوِيَّةِ العابدين للنور، القائلين: إن الخَيْرَ من فِعْلِ النور، والشر من فِعْلِ الظلام.\nوقوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ فالمعنى: خَلَقَ آدم من طِينٍ.\nوقوله سبحانه: ثُمَّ قَضى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ اختلف في هذين الأَجَلَيْنِ، فقال الحسن بن أبي الحَسَنِ وغيره: أَجَلًا أَجَلُ الإنسان من لَدُنْ وِلاَدَتِهِ إلى موته،\n_________\n- وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٨/ ٢٢) وقال: رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح.\nوذكره الحافظ في «المطالب العالية» (٣/ ٣٥) رقم (٢٨١٢) وعزاه إلى أبي بكر، وأحمد بن منيع، والحارث، وأبي يعلى.\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٥/ ١٤٣) برقم (١٣٠٤٣) عن السدي، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٢/ ٢٦٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٦)، وعزاه لابن جرير.\n(٢) ينظر: «المحرر» (٢/ ٢٦٥) .\n(٣) ينظر: «المحرر» (٢/ ٢٦٦) .","vol":"2","page":443},{"text":"والأجل المسمى عنده من وَقْت موته إلى حَشْره، ووصفه ب مُسَمًّى عِنْدَهُ لأنه استأثر- سبحانه- بعِلْمِ وَقْتِ القيامة. وقال ابن عباس: أَجَلًا الدنيا، وَأَجَلٌ مُسَمًّى الآخرة «١» .\nوقيل غير هذا.\nوتَمْتَرُونَ معناه: تشكون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-425>[سورة الأنعام (٦): الآيات ٣ الى ٦]</span>\nوَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ (٣) وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (٤) فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٥) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْرارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (٦)\nوقوله سبحانه: وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ قاعدة الكلام في هذه الآية: أن حُلُولَ اللَّه في الأمَاكِنِ مُسْتَحِيلٌ- تعالى- أن يَحْوِيَهُ مكان، كما تَقَدَّسَ أن يَحُدَّهُ زمان، بل كان قبل أن خَلَقَ المكان والزمان، وهو الآن على ما عليه كان.\nوإذا تَقَرَّرَ هذا، فقالت فرقة من العلماء: تَأْوِيلُ ذلك على تقدير صِفَةٍ محذوفة من اللفظ ثَابِتَةٍ في المعنى، كأنه قال: وهو اللَّه المَعْبُودُ في السموات، وفي الأرض. وعبر بعضهم بأن قدر: وهو اللَّه المدبر للأمر في السموات والأرض.\nوقال الزَّجَّاجُ: فِي متعلقة بما تَضَمَّنَهُ اسْمُ اللَّه من المعاني، كما يقال: أمير المؤمنين الخليفة في المَشْرِقِ والمغرب.\nقال ع «٢»: وهذا عِنْدِي أَفْضَلُ الأقوال، وأكثرها إحرازًا لِفَصَاحَةِ اللفظ، وجزالة المعنى.\nوإيضاحه: أنه أراد أن يَدُلَّ على خلقه، وآثار قدرته، وإحاطته، واستيلائه، ونحو هذه الصفات، فجمع هذه كلها في قَوْلِهِ: وَهُوَ اللَّهُ أي: الذي له هذه كلها في السموات، وفي الأرض، كأنه قال: وهو اللَّه الخَالِقُ، الرازق، المحيي، المحيط في السموات وفي\n_________\n(١) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (٢/ ٢٦٧)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٧)، وعزاه للفريابي، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، والحاكم، وصححه عن ابن عباس.\n(٢) ينظر: «المحرر» (٢/ ٢٧١) . [.....]","vol":"2","page":444},{"text":"الأرض، كما تقول: زيد السلطان في المَشْرِقِ والمغرب و«الشام» و«العراق»، فلو قصدت ذَاتَ زَيْد لَقُلْتَ مُحَالًا، وإذا كان مَقْصِدُ قولك الآمِرَ، النَّاهِيَ، الناقض، المُبْرِمَ، الذي يعزل ويُوَلِّي في المشرق والمغرب، فأقمت السلطان مقام هذه، كان فصيحًا صحيحًا، فكذلك في الآية أقام لَفْظَةَ اللَّهُ مقام تلك الصِّفَاتِ المذكورة.\nوقالت فرقة: وَهُوَ اللَّهُ ابتداء وخَبَرٌ، تم الكَلاَمُ عنده، ثم استأنف، وتعلق قوله:\nفِي السَّماواتِ بمفعول يَعْلَمُ، كأنه قال: وهو اللَّه يَعْلَم سِرَّكُمْ وجهركم في السموات، وفي الأرض.\nوقوله تعالى: يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ خبر في ضمنه تحذير وزجر، وتَكْسِبُونَ لفظ/ عام لجميع الاعْتِقَادَاتِ، والأقوال، والأفعال.\nوقوله سبحانه: وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ تضمنت هذه الآية مَذَمَّةَ هؤلاء الذين يَعْدِلُونَ باللَّه سواه، بأنهم يُعْرِضُونَ عن كل آية، وكذبوا بالحق، وهو محمد﵇- وما جاء به.\nقال ص: مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ «من» الأولى زَائِدَةٌ للاستغراق، وما بعدها فاعل بقوله: تَأْتِيهِمْ.\nو«من» الثانية للتبعيض انتهى.\nوقوله تعالى: فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ مَا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ هذا وَعِيدٌ لهم شديد، وهذه العُقُوبَاتُ التي تُوُعِّدُوا بها تعمُّ عُقُوبَاتِ الدنيا كَبَدْرٍ وغيرها، وعقوبات الآخرة.\nوقوله سبحانه: أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ هذا حَضٌّ على العِبْرَةِ، والرؤية هنا رُؤْيَةُ القلب، والقَرْنُ: الأمة المقترنة في مُدَّةٍ من الزمن.\nواختلف في مدة القَرْنِ «١» كم هي؟\nفالأكثر على أنها مائة سنة.\nوقيل غير هذا.\n_________\n(١) ينظر هذا الاختلاف في «لسان العرب» (٣٦٠٩) (قرن) .","vol":"2","page":445},{"text":"وقيل: القَرْنُ الزمن نَفْسُهُ، وهو على حَذْفِ مضاف، تقديره: من أَهْلِ قرن. قال عياض في «الإكمال»: واختلف في لَفْظِ القَرْنِ، وذكر الحربي «١» فيه الاخْتِلاَفَ من عَشْرِ سنين إلى مائة وعشرين، ثم قال يعني الحربي: وليس منه شيء وَاضِحٌ، وأرى القرن كُلّ أمة هَلَكَتْ، فلم يَبْقَ منها أحد. انتهى.\nوالضمير في مَكَّنَّاهُمْ عائد على القَرْنِ، والمخاطبة في لَكُمْ هي للمؤمنين، ولجميع المُعَاصِرِينَ لهم من سائر الناس، والسَّماءَ هنا المطر، ومِدْرارًا بناء تكثير، ومعناه: يدرُّ عليهم بِحَسَبِ المنفعة.\nوقوله سبحانه: وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ.\nأَنْشَأْنا: اخترعنا، وخلقنا، ويظهر من الآية أن القَرْنَ إنما هو وَفَاةُ الأَشْيَاخِ، ثم وِلاَدَةُ الأطفال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-426>[سورة الأنعام (٦): الآيات ٧ الى ٩]</span>\nوَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ (٨) وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ (٩)\nوقوله تعالى: وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا فِي قِرْطاسٍ الآية.\nلمْا أَخْبَرَ عنهم- سبحانه- بأنهم كذبوا بكل ما جَاءَهُمْ من آية أَتْبَعَ ذلك بإخْبَارٍ فيه مُبَالغة، والمعنى: ولو نزلنا بِمَرْأًى منهم عليك كتابًا أي: كلامًا مَكْتُوبًا في قِرْطَاسٍ، أي:\nفي صحيفة.\nفَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ يريد: أنهم بالغوا في مَيْزِهِ وتقليبه ليرتفع كل ارْتِيَابٍ لعاندوا فيه، وتابعوا كُفْرَهُمْ وقالوا: هذا سحر مبين.\nوقوله سبحانه: وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ أي: يصدّق محمدًا في نبوءته، ثم ردّ\n_________\n(١) إبراهيم بن إسحاق بن بشير بن عبد الله البغدادي الحربي، أبو إسحاق، من أعلام المحدثين. أصله من مرو، واشتهر وتوفي ببغداد، ونسبته إلى محلة فيها. كان حافظا للحديث عارفا بالفقه بصيرا بالأحكام، قيما بالأدب، زاهدا، أرسل إليه المعتضد ألف دينار فردها. تفقه على الإمام أحمد، وصنف كتبا كثيرة منها «غريب الحديث» و«سجود القرآن» و«الهدايا والسنة فيها» و«الحمام وآدابه» و«دلائل النبوة» وكان عنده اثنا عشر ألف جزء، في اللغة وغريب الحديث، كتبها بخطه.\nينظر: «الأعلام» (١/ ٣٢)، «تذكرة الحفاظ» (٢/ ١٤٧)، و«إرشاد الأريب» (١/ ٣٧)، و«صفوة الصفوة» (٢/ ٢٢٨) .","vol":"2","page":446},{"text":"اللَّه عليهم بقوله: وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ قال ابن عَبَّاسٍ وغيره: في الكلام حَذْفٌ «١»، تقديره: ولو أنزلنا مَلَكًا، فكذبوه لَقُضِيَ الأمر بعَذَابِهِمْ، ولم يُنْظَرُوا حسبما سَلَفَ في كل أمة اقْتَرَحَتْ بآية، وكذبت بعد أن أُظْهِرَتْ إليها.\nوقالت فرقة: لَقُضِيَ الْأَمْرُ أي: لَمَاتُوا من هَوْلِ رؤية المَلَكِ في صورته، ويؤيد هذا التَّأْوِيلَ ما بعده من قوله: وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا فإن أَهْلَ التأويل مُجْمِعُونَ أن ذلك لأنهم لم يكونوا يُطِيقُونَ رؤية المَلَكِ في صورته، فإذ قد تَقَعَّدَ أنهم لا يطيقون رُؤْيَةَ المَلَكِ في صورته، فالأولى في قوله: لَقُضِيَ الْأَمْرُ أي: لماتوا لِهَوْلِ رؤيته، ثُمَّ لاَ يُنْظَرُونَ، أي: لا يُؤَخَّرُونَ.\nومما يؤيد هذا المعنى الحَدِيثُ الوَارِدُ عن الرجلين اللذين صَعَدَا على الجَبَلِ يوم بَدْرٍ ليريا ما يَكُونُ في حَرْبِ النبيّ ﷺ للمشركين، فَسَمِعَا حِسَّ الملائكة، وقَائِلًا يقول في السحاب: أَقْدِمْ حَيْزُومُ، فانكشف قِنَاعُ قَلْبِ أحدهما، فمات لِهَوْلِ ذلك، فكيف برؤية مَلَكٍ في خِلْقَتِهِ.\nوَلَلَبَسْنا أي: لفعلنا لهم/ في ذَلِكَ فِعلًا مُلْبَسًا يطرق لهم إلى أن يَلْبَسوا به، وذلك لا يحسن.\nقلت: وفي البخاري «٢»: وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ: لشبهنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-427>[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٠ الى ١٢]</span>\nوَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (١٠) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١١) قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (١٢)\nوقوله سبحانه: وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ الآية تسلية للنبي ﷺ بالأُسْوَةِ في الرسل، وتقوية لنفسه على مُحَاجَّةِ المشركين، وإخبار يَتَضَمَّنُ وعيد مُكَذِّبِيهِ، والمستهزئين به.\nوفَحاقَ معناه: نزل، وأحاط، وهي مَخْصُوصَةٌ في الشر يقال: حَاقَ يَحِيقُ حَيْقًا.\nوقوله سبحانه: قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ حَضٌّ على الاعتبار بآثارَ من مضى ممن\n_________\n(١) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (٢/ ٢٧٠) .\n(٢) ينظر: صحيح البخاري (٨/ ١٣٦) كتاب «التفسير»، باب سورة الأنعام.","vol":"2","page":447},{"text":"فَعَلَ مِثْلَ فعلهم.\nوقوله سبحانه: قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ.\nقال بعض أَهْلِ التَّأوِيلِ: تَقْدِيرُ الكلام: قُلْ لِمَنْ مَا فِي السموات والأرض، فإذا تحيروا فلم يُجِيبُوا قل للَّه.\nوالصحيح من التَّأويل أن اللَّه﷿- أمر نبيه﵇- أن يَقْطَعَهُمْ بهذه الحُجَّةِ، والبرهان القطعي الذي لا مُدَافَعَةَ فيه عندهم، ولا عند أَحَدٍ ليعتقدَ هذا المعتقد الذي بينه وبينهم، ثم يَتَرَكَّب احْتِجَاجُهُ عليه، فكأن النبيّ ﷺ قال لهم: يا أيها الكافرون العَادِلُونَ بربهم لمن ما في السموات والأَرْضِ، ثم سَبَقَهُمْ فقال: للَّه أي لا مُدَافَعَةَ في هذا عندكم، ولا عند أحد.\nثم ابتدأ يخبر عن اللَّه تعالى: كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ معناه: قضاها وأَنْفَذَهَا.\nوفي هذا المعنى أحاديث صَحِيحَةٌ ففي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ» عن النبيّ ﷺ «جَعَلَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ مَائَةً جُزْءٍ، فأمسك عنده تِسْعَةً وَتِسْعِينَ وَأنْزَلَ في الأَرْضِ جُزْءًا وَاحِدًا، فمن ذَلِكَ الجُزْءِ يَتَرَاحَمُ الخَلاَئِقُ حتى تَرْفَعُ الدَّابَّةُ حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا خَشْيَةَ أن تُصِيبَهُ» «١» .\nولمسلم في طَرِيقٍ آخرُ: «كُلُّ رَحْمَةٍ مِنْهَا طبَاقُ مَا بَيْنِ السَّمَاءِ والأَرْضِ، فإذا كان يَوْمُ القِيَامَةِ أَكْمَلَهَا بهذه الرَّحْمة» «٢» .\nوخرج مسلم، والبخاري، وغيرهما عنه ﷺ قال: «لما خَلَقَ اللَّه الخَلْقَ كَتَبَ في كِتَابٍ، فهو عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ: إن رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي» «٣» .\nوفي طريق: «سَبَقَتْ غَضَبِي» إلى غير ذلك من الأحاديث. انتهى.\nقال ع «٤»: فما أشقى مَنْ لم تَسَعْهُ هذه الرَّحَمَاتُ. تغمّدنا الله بفضل منه.\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٤/ ٢١٠٨) كتاب «التوبة»، باب في سعة رحمة الله تعالى، وأنها سبقت غضبه، حديث (١٧/ ٢٧٥٢) والبخاري (١٠/ ٤٤٦) كتاب «الأدب»، باب جعل الله الرحمة في مائة جزء، حديث (٦٠٠٠) وفي «الأدب المفرد» (١٠٠)، والدارمي (٢/ ٣٢١)، والمروزي في «زوائد الزهد» لابن المبارك (١٠٣٩)، وابن حبان (٦١٤٨) كلهم من طريق الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة به.\n(٢) أخرجه مسلم (٤/ ٢١٠٩) كتاب «التوبة» باب في سعة رحمة الله- تعالى- وأنها سبقت غضبه، حديث (٢١/ ٢٧٥٣) من حديث سلمان.\n(٣) تقدم تخريجه.\n(٤) ينظر: «المحرر» (٢/ ٢٧١) .","vol":"2","page":448},{"text":"ويتضمن هذا الإخبار عن اللَّه- سبحانه- بأنه كتب الرَّحْمَةَ لتأنيس الكفار، ونفي يَأْسهم من رَحْمَةِ اللَّه إذا أَنَابُوا.\nواللام في قوله: لَيَجْمَعَنَّكُمْ لام قَسَم، والكلام مستأنف، وهذا أظهر الأَقْوَالِ «١» وأصحها.\nوقوله سبحانه: الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ.\nالَّذِينَ رفع بالابتداء، وخبره: فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-428>[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٣ الى ١٦]</span>\nوَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣) قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٤) قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (١٦)\nوقوله تعالى: وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ الآية.\nوَلَهُ عطف على قوله: لِلَّهِ، وسَكَنَ هي من السُّكْنَى، ونحوه أي: ما ثَبَتَ وتَقَرَّرَ. قاله السدي «٢»، وغيره.\nوقالت فرقَةٌ: هو من السُّكُونِ، وهو ضعيف.\nوقوله تعالى: قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الآية.\nقال الطبري «٣» وغيره: أُمِرَ﵇- أن يَقُولَ هذه المَقَالَةَ لِلْكَفَرَةِ الذين دعوه إلى عبادة أوثانهم، فَتَجِيءُ الآية على هذا جَوَابًا لكلامهم.\nقال ع «٤»: وهذا يَحْتَاجُ إلى سَنَدٍ، والفصيح أنه لما قَرَّرَ معهم أن اللَّه- تعالى- له ما في السَّمَوَاتِ والأرض، وله ما سَكَنَ في اللَّيْلِ والنهار، أُمِرَ أن يقول لهم على جِهَةِ التَّوْبِيخِ والتوقيف: أغَيْرَ اللَّه الذي هذه أَفْعالُهُ أتخذ وليًّا، بمعنى: أن هذا خَطَأٌ بَيِّنٌ/ ممن يفعله.\nوالولي لفظ عام لمَعْبُودٍ وغير ذلك.\n_________\n(١) ينظر: «الدر المصون» (٣/ ١٧) .\n(٢) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (٢/ ٢٧٢) .\n(٣) ينظر الطبري (٥/ ١٥٨) .\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٢٧٣) .","vol":"2","page":449},{"text":"ثم أخذ في صفات اللَّه- تعالى- فقال: فاطِرِ بخفض الراء نعت لله ﷿.\nقال ص: فاطِرِ الجمهور «١» بالجَرِّ، وَوَجَّهَهُ ابن عَطِيَّةَ «٢»، وغيره على أنه نَعْتٌ لِلَّهِ.\nوأبو البقاء على أنه بَدَلٌ، وكأنه رأى الفَصْلَ بين البَدَلِ والمبدل أَسْهَلَ لأن البَدَلَ في المشهور على نِيَّةِ تَكْرَارِ العامل. انتهى.\nو«فطر» معناه: ابتدع، وخلق، وأنشأ، وفطر أيضًا في اللُّغَةِ: شَقَّ، ومنه هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ [الملك: ٣] أي: من شقوق.\nويُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ المقصود به: يَرْزُقُ ولا يُرْزَقُ.\nوقوله: قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ ... إلى عَظِيمٍ.\nقال المفسرون: المعنى أول من أَسْلَمَ من هذه الأمة، وبهذه الشَّرِيعَةِ، ولفظة عَصَيْتُ عامة في أنواع المَعَاصِي، ولكنها هاهنا إنما تُشِيرُ إلى الشِّرْكِ المَنْهِيِّ عنه. واليوم العَظِيمُ هو يَوْمُ القيامة.\nوقرأ نَافِعٌ «٣» وغيره «من يُصْرَف عنه» مسندًا إلى المفعول، وهو الضمير العائد على العَذَابِ.\nوقرأ حمزة وغيره «مَنْ يَصْرِف» بإسناد الفَعْلِ إلى الضمير العائد إلى «ربي»، ويعمل في ضَمِيرِ العَذَابِ المذكور، ولكنه محذوف.\nوقوله: وَذلِكَ إشارة إلى صَرْفِ العذاب، وحُصُولِ الرحمة، والْفَوْزُ النّجاة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-429>[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٧ الى ١٩]</span>\nوَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧) وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١٨) قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى قُلْ لا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (١٩)\n_________\n(١) ينظر: «البحر المحيط» (٤/ ٩٠) و«الدر المصون» (٣/ ٢٠) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٢٧٣) . [.....]\n(٣) ينظر: «الدر المصون» (٣/ ٢٢)، و«حجة القراءات» (٢٤٣)، و«الكشاف» (٢/ ١٠)، و«النشر» (٢/ ٢٥٧)، و«البحر المحيط» (٤/ ٩١)، و«السبعة» (٢٥٤)، و«التبيان» (١/ ٤٨٤) (٤٨٥)، و«الزجاج» (٢/ ٢٥٦)، و«المشكل» (٢/ ٢٤٧)، و«معاني القراءات» (١/ ٣٤٦)، و«الحجة» (٣/ ٢٨٥)، و«العنوان» (٩٠)، و«شرح الطيبة» (٤/ ٢٤٢)، و«إعراب القراءات» (١/ ١٥٢) .","vol":"2","page":450},{"text":"وقوله تعالى: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ.\nيَمْسَسْكَ: معناه يُصِبْكَ، ويَنَلْكَ، والضُّرُّ بضم الضاد: سوء الحَالِ في الجِسْمِ وغيره، وبفتحها ضِدُّ النَّفْعِ، ومعنى الآية: الإخْبَارُ أن الأَشْيَاءَ كلها بِيَدِ اللَّه إن ضَرَّ فلا كَاشِفَ لضره غَيْرُه، وإن أصَابَ بِخَيْرٍ، فكذلك أيضًا.\nوعن ابن عَبَّاسٍ قال: كنت خلف النبيّ ﷺ يومًا فقال: «يا غُلاَمُ إنِّي أُعَلِّمَكَ كَلِمَاتٍ:\nاحْفَظِ اللَّهِ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، وَإذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّه، وإذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، واعْلَم أنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ، لم يَنْفَعُوكَ إلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّه لَكَ، وإن اجْتَمَعُوا عَلَى أن يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لم يَضُرُّوكَ إلاَّ بِشَيْءٍ قد كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رفعت الأَقْلاَمُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ» . رويناه في الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح «١» .\nوفي رواية غير الترمذي زيادة: «احْفَظِ اللَّه تَجِدْهُ أمَامَكَ، تَعَرَّفْ إلى اللَّهِ في الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ، واعْلَمْ أن ما أَخْطَأَكَ لم يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَمَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ ...» وفي آخره: «واعلم أن النَّصْرَ مع الصَّبْرِ، وأنّ الفَرَجَ مع الكَرْبِ، وأن مع العُسْرِ يُسْرًا» «٢» .\nقال النووي: هذا حديث عَظِيمُ الموقع. انتهى من «الحِلْيَة» .\nوقرأت فرقة: «وَأَوْحَى إلَيَّ هذا القُرآن» على بناء الفعل للفاعل، ونصب «القرآن»، وفي «أوحى» ضمير يَعُودُ على اللَّه تعالى.\nوقوله: لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ معناه على قول الجمهور: بلاغ القرآن، أي:\nلأنْذِرَكُمْ وأُنْذِرَ مَنْ بَلَغَهُ، ففي «بلغ» ضمير محذوف لأنه في صلة «من» فحُذِفَ لطول الكلام.\n_________\n(١) أخرجه الترمذي (٤/ ٦٦٧) كتاب «صفة القيامة»، باب (٥٩)، حديث (٢٥١٦) وأحمد (١/ ٣٠٧) .\nوقال الترمذي: حديث حسن صحيح.\n(٢) أخرجه عبد بن حميد في «المنتخب» (ص ٢١٤) رقم (٦٣٦) من طريق المثنى بن الصباح، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس به.\nوالمثنى بن الصباح ضعيف.","vol":"2","page":451},{"text":"وقالت فرقة: ومن بلغ الحُلُمَ.\nوروي في معنى التأويل الأَوَّلِ أَحَادِيثُ. وظاهر الآية أنها في عَبَدَةِ الأصنام.\nوذكر الطبري «١» أنه قد وَرَدَ من وَجْهٍ لم تثبت صحته أنها في قَوْمٍ من اليهود، قالوا:\nيا محمد ما تَعْلَمُ مع اللَّه إلهًا غيره، فقال لهم: «لا إلهَ إلاَّ اللَّهُ وبِذَلِكَ أُمِرْتُ» فنزلت الآية.\nواللَّه أعلم.\nوأمر اللَّه- سبحانه- نَبِيَّهُ﵇- أن يعلن بالتَّبَرِّي من شهادة الكفرة، والإعلان بالتوحيد لله﷿- والتبرِّي من إشراكهم.\nقال الغزالي في «الإحياء» . وينبغي للتَّالِي أن يقدر أنه المقصود بكل خِطَابٍ في القرآن، فإن سمع أمرًا أو نَهْيًا قَدَّرَ المَنْهِيُّ، والمأمور، وكذا إن سَمِعَ وَعْدًا أو وعيدًا، وكذا ما يَقِفُ عليه من القَصَصِ/، فالمقصود به الاعْتِبَارُ. قال تعالى: وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ [هود: ١٢٠] .\nوقال تعالى: هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران: ١٣٨] .\nوقال: وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ.\nقال محمد بن كَعْبٍ القُرظي: من بلغه القرآن فكأنما كَلَّمَهُ الله ﷿ «٢» انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-430>[سورة الأنعام (٦): الآيات ٢٠ الى ٢٢]</span>\nالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢١) وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٢٢)\nوقوله سبحانه: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ.\nقال قتادة، وغيره: يعرفون محمدًا﵇- «٣» .\nوقوله: الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ الآية روي أن كل عَبْدٍ له مَنْزِلٌ في الجَنَّةِ، ومنزل في النار، فالمؤمنون يَنْزِلُونَ مَنَازِلَ أهل الكُفْرِ في الجَنَّةِ، والكافرون يَنْزِلُونَ مَنَازِلَ أهل الجنّة\n_________\n(١) ينظر الطبري (٥/ ١٦٣) .\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٥/ ١٦٢) (١٣١٢٧) بلفظ: «من بلغه القرآن، فقد أبلغه محمد ﷺ»، وذكره البغوي (٢/ ٨٨) بلفظ: «من بلغه القرآن، فكأنما رأى محمدا ﷺ، وسمع منه» .\n(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٥/ ١٦٢) برقم (١٣١٣٣)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٢/ ٢٧٦) .","vol":"2","page":452},{"text":"في النار، فهنا هي الخِسَارَةُ البَيِّنَةُ، والربح للآخرين. وباقي الآية بَيِّنٌ.\nوقوله سبحانه: وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ المعنى: واذكر يوم نحشرهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-431>[سورة الأنعام (٦): الآيات ٢٣ الى ٢٦]</span>\nثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤) وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُوا بِها حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٥) وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ (٢٦)\nوقوله تعالى: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ.\nالفِتْنَةُ في كلام العرب لفظة مشتركة، تقال بمعنى حُبِّ الشيء، والإعجاب به، وتقال بمعنى الاخْتِبَارِ. ومن قال: إن أَصْلَ الفتنة الاخْتِبَارُ من: فَتَنْتُ الذَّهَبَ في النَّارِ، ثم يُسْتَعَارُ بعد ذلك في غَيْرِ ذلك، فقد أَخْطَأَ لأن الاسْمَ لا يُحْكَمُ عليه بمعنى الاسْتِعَارَةِ حتى يقطع عليه باسْتِحَالَةِ حَقِيقَتِهِ في المَوْضِع الذي استعير له، كقول ذي الرّمّةِ: [الطويل] وَلَفَّ الثُّرَيَّا فِي مُلاَءَتِهِ الفَجْرُ «١» ونحوه، والفتنة لا يَسْتَحِيلُ أن تكون حَقِيقَةً في كل مَوْضِعٍ قيلت عليه، وباقي الآية مضى تَفْسِيرُهُ عند قوله سُبْحَانَهُ: وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا [النساء: ٤٢] فانظره هناك.\nقال ع «٢»: وعبر قَتَادَةُ عن الفِتْنَةِ هنا بأن قال: معذرتهم «٣» .\nوقال الضَّحَّاك»\n: كلامهم.\nوقيل غير هذا مما هو في ضِمْنِ ما ذكرناه.\nوقوله سبحانه: انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ هذا خِطَابٌ للنبي ﷺ والنظر نَظَرُ القَلْبِ، وقال: كَذَبُوا في أَمْرِ لم يَقَعْ إذ هي حِكَايَةٌ عن يوم القيامة، فلا إشكال في\n_________\n(١) ينظر: «المحرر» (٢/ ٢٧٨) .\n(٢) ينظر: «المحرر» (٢/ ٢٧٩) .\n(٣) أخرجه الطبري (٥/ ١٦٦) برقم (١٣١٤١)، وذكره ابن عطية (٢/ ٢٧٩) والسيوطي (٣/ ١٤)، وعزاه لعبد بن حميد عن قتادة.\n(٤) أخرجه الطبري (٥/ ١٦٦) برقم (١٣١٤٠)، وذكره ابن عطية (٢/ ٢٧٩) .","vol":"2","page":453},{"text":"اسْتِعْمَالِ المَاضِي فيها موضع المستقبل، ويفيدنا استعمال الماضي تَحْقِيقًا في الفعل، وإثْبَاتًا له، وهذا مَهْيَعٌ في اللُّغَةَ.\nوَضَلَّ عَنْهُمْ معناه: ذَهَبَ افْتِرَاؤُهُمْ في الدنيا، وكَذِبُهُمْ على اللَّه.\nوقوله سبحانه: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً الآية.\n«أكِنَّة» جمع: كنان، وهو الغِطَاءُ أَنْ يَفْقَهُوهُ أي: يفهموه، والوَقْرُ الثقل.\nوقوله سبحانه: وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُوا بِها. الرؤية هنا رُؤْيَةُ العَيْنِ، يريد كانشقاق القَمَرِ وشبهه.\nوقولهم: إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ إشارة إلى القرآن، والأَسَاطِيرُ جمع أَسْطَار، كأقوال وأقاويل، وأسطار جمع سَطْر أوْ سَطَر. وقيل: أَسَاطِير جمع إسْطَارَة، وهي التُّرَّهَاتُ.\nوقيل: جمع أسطورة كأعجوبة، وأضحوكة. وقيل: هو اسم جمع، لا واحد له من لفظه كعَبَادِيدَ وشَمَاطِيطَ «١»، والمعنى: إخبار الأولين وقصصهم وأحاديثهم التي تُسَطَّرُ، وتحكى، ولا تُحَقَّقُ كالتواريخ، وإنما شَبَّهَهَا الكفار بأحاديث النَّضْرِ بن الحَارِثِ، وعبد اللَّه بن أبي أُمَيَّة، عن رستم ونحوه، ومُجَادَلَة الكفار كانت مُرَادّتهم نُورَ اللَّهِ بأقوالهم المُبْطَلَةِ.\nوَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ قال/ قتادة وغيره: المعنى: يَنْهَوْنَ عن القرآن «٢» .\nوقال ابن عباس وغيره: ينهون عن النبيّ ﷺ والمعنى: ينهون غَيْرَهُمْ، ويبعدون هم بأنفسهم «٣»، والنَّأْيُ البعد.\n_________\n(١) العباديد: الخيل المتفرقة في ذهابها ومجيئها، ولا واحد له، ولا يقع إلا في جماعة. ولا يقال للواحد:\nعبديد.\nوكذلك الشماطيط. قال الفراء: العباديد والشماطيط لا يفرد له واحد. ينظر: «لسان العرب» (٢٣٢٧، ٢٧٨٠) .\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٥/ ١٧١) برقم (١٣١٦٨)، وذكره البغوي في «تفسيره» (٢/ ٩١)، وابن عطية (٢/ ٢٨٠)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ١٦)، وعزاه لعبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ عن قتادة.\n(٣) أخرجه الطبري (٥/ ١٧١) برقم (١٣١٦٣) بنحوه، وذكره ابن عطية (٢/ ٢٨٠)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ١٥)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه.","vol":"2","page":454},{"text":"قال ص: وَإِنْ يُهْلِكُونَ: إن نافية بمعنى «ما»، وأَنْفُسَهُمْ مفعول ب يُهْلِكُونَ انتهى. وَما يَشْعُرُونَ معناه: ما يَعْلَمُونَ عِلْمَ حسٍّ، ونَفْيُ الشعور مذمَّةٌ بالغة إذ البهائم تشعر وتحسّ، فإذا قلت: فلان لا يَشْعُرُ، فقد نَفَيْتَ عنه العِلْمَ النفي العام الذي يقتضي أنه لا يَعْلَمُ ولا المحسوسات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-432>[سورة الأنعام (٦): الآيات ٢٧ الى ٢٨]</span>\nوَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) بَلْ بَدا لَهُمْ مَّا كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (٢٨)\nوقوله جَلَّتْ عظمته: وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ الآية: المخاطبة فيه للنبي ﷺ وجواب «لو» محذوف، تقديره في آخر الآية: لرأيت هولا عظيما ونحوه.\nووُقِفُوا معناه: حسُّوا، ويحتمل قوله: وُقِفُوا عَلَى النَّارِ بمعنى «دخلوها» .\nقاله الطَّبَرِيُّ «١» .\nويحتمل أن يكون أشرفوا عليها، وعاينوها.\nوقولهم: يا لَيْتَنا نُرَدُّ معناه إلى الدنيا.\nوقوله سبحانه: بَلْ بَدا لَهُمْ مَّا كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ الآية: يَتَضَمَّنُ أنهم كانوا يُخْفُونَ أمورًا في الدنيا، فظهرت لهم يوم القِيَامَةِ، أو ظهر وَبَالُ ذلك وعاقبته، فحذف المُضَاف، وأقيم المضَافُ إليه مقامه.\nوقيل: إن الكُفَّارَ كانوا إذَا وعظهم النبيّ ﷺ خافوا، وأَخْفَوْا ذلك الخوف لَئلا يشعر بهم أتباعهم، فظهر لهم ذَلِكَ يوم القيامة.\nويصح أن يكون مَقْصِدُ الآية الإخْبَارَ عن هَوْلِ ما لقوه، فعبِّر عن ذلك بأنهم ظَهَرَتْ لهم مَسْتُورَاتهم في الدنيا من مَعَاصٍ وغيرها، فكيف الظَّنُّ بما كانوا يعلنونه من كُفْرٍ ونحوه.\nوينظر إلى هذا التأويل قوله تعالى في تَعْظِيمِ شَأْنِ يوم القيامة: يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ [الطارق: ٩] . وقوله سبحانه: وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا إخبار عن أَمْرٍ لا يكون كَيْفَ كان يُوجَدُ، وهذا النوع مما اسْتَأْثَرَ اللَّه- تعالى- بعِلْمِهِ، فإن أعلم بشيء منه علم، وإلا لم يُتَكَلَّمْ فيه.\nقال الفخر «٢»: قال الوَاحِدِيُّ: هذه الآية من الأدلة الظاهرة على فَسَادِ قول المعتزلة\n_________\n(١) ينظر: الطبري (٥/ ١٧٣) بلفظ: حبسوا. [.....]\n(٢) ينظر: «مفاتيح الغيب» (١٢/ ١٦٠) .","vol":"2","page":455},{"text":"لأن اللَّه- تعالى- حكى عن هؤلاء أنهم لو رُدُّوا لَعَادُوا لما نُهُوا عنه، وما ذاك إلا للقضاء السابق فيهم. انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-433>[سورة الأنعام (٦): الآيات ٢٩ الى ٣١]</span>\nوَقالُوا إِنْ هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٢٩) وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ قالَ أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٠) قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قالُوا يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ (٣١)\nوقوله تعالى: وَقالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ هذا على تأويل الجمهور ابتداء كَلاَمٍ، وإخبار عنهم بهذه المَقَالَةِ، و«إن» نافية، ومعنى الآية عنهم التكذيب بالحَشْرِ والعَوْدَة إلى اللَّه.\nوقوله سبحانه: أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ الإشَارَةُ بهذا إلى البَعْثِ الذي كذبوا به/ في الدنيا، وقولهم: بَلى وَرَبِّنا أَيْمَانٌ، ولكنه حِينَ لا يَنْفَعُ.\nوقوله: فَذُوقُوا استعارة بليغة، والمعنى باشروه مباشرة الذائق، وبَغْتَةً معناه:\nفجأة، تقول: بَغَتَنِي الأمر أي: فجأني، ومنه قول الشاعر: [الطويل]\nوَلَكِنَّهُمْ بَانُوا وَلَمْ أَخْشَ بَغْتَةً ... وَأَفْظَعُ شَيْءٍ حِينَ يَفْجَأُكَ البَغْتُ «١»\nونصبها على المَصْدَرِ في موضع الحال.\nوقولهم: يا حَسْرَتَنا عَلى مَا فَرَّطْنا فِيها نداء الحَسَرَةِ على تعظيم الأمر، وتشنيعه.\nوفَرَّطْنا معناه: قَصَّرْنَا، والضمير في قوله: فِيها عائد على السَّاعَةِ أي: في التَّقْدِمَةِ لها. قاله الحسن «٢» .\nويحتمل أن يَعُودَ الضمير على الدنيا، إذ المعنى يَقْتَضِيهَا، ومجيء الظرفية أمكن.\nقلت: قال عَبد الحق في «العَاقِبَةِ»: لا يَعْرِفُ مِقْدَارَ الحياة إلا الموتى لأنهم قد ظَهَرَتْ لهم الأمور، وانكشفت لهم الحَقَائِقُ، وتَبَدَّتْ لهم المَنَازِلُ، وعلموا مِقْدَارَ الأعمال الصَّالِحَةِ، ولما اسْتَبَانَ لهم ذلك، وعلموا مِقْدَارَ ما ضيعوا، وقيمة ما فيه فَرَّطُوا، نَدِمُوا وَأَسِفُوا، وودُّوا أنهم إلى الدنيا رَجَعُوا، فالذي عمل صالحًا ودَّ أن لو رجع إلى الدنيا ليزداد\n_________\n(١) البيت ليزيد بن ضبة. اللسان (بغت) .\n(٢) ذكره ابن عطية (٢/ ٢٨٤) .","vol":"2","page":456},{"text":"من عَمَلِهِ الصالح، ويكثر من تَجْرِهِ الرابح، والمُقَصِّرُ يَوَدُّ أنه لو رُدَّ ليستدرك ما فيه فَرَّطَ، وقد قال عليه السَّلاَمُ: «ما مِنْ أَحَدٍ يَمُوتُ إلاَّ نَدِمَ» قَالُوا: وَمَا ندامته يا رسول الله؟ قال:\n«إن كان محسنا ندم ألا يكون ازداد، وإن كان مُسِيئًا نَدِمَ ألا يَكُونَ نَزَعَ» خرجه الترمذي «١» .\nانتهى.\nوقوله تعالى: وَهُمْ يَحْمِلُونَ الواو واو الحَالِ، والأَوْزَارُ جمع وِزْر بكسر الواو، وهو الثّقْلُ من الذنوب، والوِزْرُ هنا تَجَوُّز وتَشْبِيهٌ بثقل الأَحْمَالِ. ومن قال: إنه من الوَزَرِ، وهو الجَبَلُ الذي يُلْجَأُ إلَيْهِ، فهو قول غير بَيِّنِ.\nوقال الطبري «٢» وغيره: هذا على جهة الحَقِيقَةِ، وَرَوَوْا في ذلك خَبَرًا: أنَّ المُؤْمِنَ يَلْقَاهُ عمله في أَحْسَنِ صُورَةً وأَفْوَحِهَا فَيُسَلِّمُ عليه وَيَقُولُ طَالَ مَا رَكِبْتُكَ في الدُّنْيَا وَأَجْهَدْتُكَ، فَارْكَبْنِي اليَوْمَ. قال: فَيَحْمِلُهُ تِمْثَالُ العَمَلِ. وإن الكَافِرَ يَلْقَاهُ عَمَلَهُ في أَقْبَحِ صُورَةً وأَنْتَنِهَا فَيَشْتِمُهُ، ويقول: أنا عَمَلُكَ الخَبِيثُ طَالَ مَا رَكِبْتَنِي فِي الدُّنْيَا بِشَهَوَاتِكَ فَأَنا أرْكَبُك اليَوْمَ، قال: فيحمل تِمْثَالَ عَمَلِهِ الخَبِيثَ وَأَوْزَارَهُ على ظَهْرِهِ.\nقلت: والأحاديث الصحيحة في معنى ما ذَكَرَهُ الطبري كثيرةٌ كأحاديث مَانِعِي الزكاة، وغيرها.\nقال مكي: وروى المَقْبُرِيُّ عن أبي هريرة في حديث يرفعه، قال: «إذا كان يَوْمُ القِيَامَةِ بَعَثَ اللَّه مع كل امرئ مُؤْمِنٍ عَمَلَهُ، وبَعَثَ مع الكافر عَمَلَهُ فلا يرى المُؤْمِنُ شَيْئًا يروعه، ولا شَيْئًا يُفْزِعُهُ ويخافه إلاَّ قَالَ له عَمَلُهُ: أَبْشِرْ بالَّذِي يَسُرُّكَ فَإنَّكَ لَسْتَ بِالَّذِي يُرَادُ بهذا. ولا يرى الكَافِر شَيْئًا يُفْزِعُهُ ويروعه ويَخَافُهُ إلا قال له عَمَلُهُ: أبْشِرْ يَا عَدُوَّ اللَّهِ بالذي يسوءك، فو الله إنك لأنت الذي تراد بهذا» . انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-434>[سورة الأنعام (٦): الآيات ٣٢ الى ٣٣]</span>\nوَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٣٢) قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣)\n_________\n(١) أخرجه الترمذي (٤/ ٦٠٣- ٦٠٤) كتاب «الزهد» باب (٥٨)، حديث (٢٤٠٣) وابن المبارك في «الزهد» (ص ١١) رقم (٣٣)، وأبو نعيم في «الحلية» (٨/ ١٧٨) والبيهقي في «الزهد» (ص ٢٧٩) رقم (٧١٦) كلهم من طريق يحيى بن عبيد الله قال: سمعت أبي يقول: سمعت أبا هريرة يقول: فذكر الحديث.\nوقال الترمذي: هذا حديث إنما نعرفه من هذا الوجه، ويحيى بن عبيد الله تكلم فيه شعبة، وهو يحيى بن عبيد الله بن موهب مدني اهـ.\nوقال أبو نعيم: غريب من حديث يحيى.\n(٢) ينظر: الطبري (٥/ ١٧٨) .","vol":"2","page":457},{"text":"وقوله سبحانه: وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ الآية. هذا ابتداء خَبَرٍ عن حَالِ الدنيا، والمعنى: أنها إذ كانت فَانِيَةٌ لا طائل لها أشبهت اللَّعِبَ، واللهو الذي لا طَائِلَ له إذا تقضى. وهذه الآية تتضمن الرَّدَّ على قولهم: إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا [الأنعام: ٢٩] وهو المقصود بها.\nقال عبد الحق في «العاقبة»: اعلم- رحمك الله- أن حُبَّ الدُّنْيَا هو سَبَبُ طُولِ الأَمَلِ، والإكْبَابُ عليها يَمْنَعُ من الفِكْرَةِ في الخروج عنها، والجهل بغَوَائِلِهَا يحمل على الإرادة لها، والازدياد منها لأن من أَحَبَّ شَيْئًا أحَبَّ/ الكَوْنَ معه، والازدياد منه، ومن كان مَشْغُوفًا بالدنيا مُحِبًّا لها قد خَدَعَتْهُ بزُخْرُفِهَا وَأَمَالَتْهُ برَوْنَقِهَا كيف يحبُّ مفارقتها، أو يحب مُزَايَلَتَهَا، هذا أمر لم تَجْرِ العادة به، ولا حُدِّثْنَا عنه، بَلْ نجد مَنْ كَانَ على هذه الصفة أَعْمَى عَنْ طريق الخَيْرِ، أصم عن دَاعِي الرشد، أَفِنَ الرأي، سَيِّىءَ النظر، ضَعِيفَ الإيمان، لم تترك له الدُّنْيَا ما يَسْمَعُ به، ولا ما يرى، إنما دِينُهُ وشغله وحديثه دُنْيَاهُ، لها ينظر، ولها يَسْمَعُ، قد ملأت عينه وقلبه، ثم قال: واعلم أن أَهْلَ القُبُورِ إنما يَنْدَمُونَ على ما يتركون، ويفرحون بما يُقَدِّمُونَ، فما عليه أهل القُبُورِ يندمون، أَهْلُ الدنيا عليه يَقْتَتِلُون. انتهى.\nوقوله سبحانه: قَدْ نَعْلَمُ ... الآية: نَعْلَمُ إذا كانت من اللَّه- تعالى- تَتَضَمَّنُ استمرار العَلْمِ وقِدَمَهُ، فهي تعمُّ الماضي، والحال، والاستقبال.\nقلت: ونحو هذا لأبي «١» حَيَّانَ قال: وعبر هنا بالمُضَارِعِ لأنَّ المُرَادَ الاتصاف بالعلم، واستمراره، ولم يلحظ فيه الزمان، كقولهم: فلان يعطي ويمنع. انتهى.\nوقرأ نافع «٢» وحده «لَيُحْزِنُكَ» من أَحْزَنَ.\nوقرأ الباقون: «لَيَحْزُنْكَ» من حَزَنْتُ الرجلَ.\nوقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم، وحمزة «لا يكذّبونك» «٣» - بتشديد\n_________\n(١) ينظر: «البحر المحيط» (٤/ ١١٥) .\n(٢) ينظر: «حجة القراءات» ص (٢٤١)، «السبعة» ص (٢٥٧)، «النشر» (٢/ ٢٥٧)، «التبيان» (١/ ٤٩٠)، «المشكل» (١/ ٢٥١)، «المصاحف» لابن أبي داود ص (٤٥)، «البحر المحيط» (٤/ ١١٤)، «الدر المصون» (٣/ ٤٦)، و«الحجة» (٣/ ٣٠٤)، و«العنوان» (٩٠) .\n(٣) ينظر: «الدر المصون» (٣/ ٤٨)، «البحر المحيط» (٤/ ١١٦)، «حجة القراءات» ص (٢٤٧)، «الكشاف» (٢/ ١٨)، «النشر» (٢/ ٢٥٧- ٢٥٨)، «إتحاف فضلاء البشر» (٢/ ١٠)، و«السبعة» -","vol":"2","page":458},{"text":"الذال، وفتح الكاف- وقرأها ابن عباس، ورَدَّهَا على قارئ قرأ عليه «يُكذبونك» بضم الياء، وقال: إنهم كانوا يسمونه الأَمِينَ.\nوقرأ نافع والكسائي- بسكون الكاف، وتخفيف الذال-، وهما قراءتان مشهورتان صحيحتان، وهما بمعنى واحد، فمعنى: لا يكذبونك، أي: لا يعتقدون كذبك، وإنهم يعلمون صِدْقَكَ، ولكنهم يَجْحَدُونَ عنَادًا وظُلْمًا، وهذا تأويل قتادة والسُّدي وغيرهما «١» .\nوحكي عن طائفة من الكُفَّارِ أنها كانت تَقُولُ: إنا لنعلم أن محمدًا صادق، ولكن إذا آمنَّا به فضلنا بنو هاشم بالنبوءة، فنحن لا نُؤْمِنُ به أَبَدًا. رويت هذه المَقَالَةِ عن أَبِي جَهْلٍ «٢»، ومن جرى مجراه.\nوأسْنَدَ الطَّبَريُّ «٣»: «أن جِبْريلَ وجد النبي ﷺ حَزِينًا فسأله، فقال: كذبني هؤلاء، فقَال: إنهم لا يكذبونك بل يعلمون أَنَّكَ صَادِقٌ ولكن الظالمين بآيات اللَّه يَجْحَدُونَ» وجَحْدُ العِنَادِ جائز الوقوع بمقتضى النظر، وظواهر القرآن تعطيه، ويَجْحَدُونَ: حِقِيقِتُهُ في كلام العرب الإنْكارُ بعد معرفة، وهو ضد الإقرار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-435>[سورة الأنعام (٦): الآيات ٣٤ الى ٣٦]</span>\nوَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤) وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ (٣٥) إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٣٦)\n_________\n- (٢٥٧)، و«الحجة» (٣/ ٣٠٢)، و«إعراب القراءات» (١/ ١٥٥)، و«العنوان» (٩٠)، و«شرح الطيبة» (٤/ ٢٤٨)، و«شرح شعلة» (٣٦٠) .\n(١) أخرجه الطبري (٥/ ١٨١) رقم (١٣١٩٥، ١٣١٩٦)، بنحوه، وذكره البغوي (٢/ ٩٣، ٩٤) عن السدي، وذكره ابن عطية (٢/ ٢٨٦)، وذكره ابن كثير (٢/ ١٢٩، ١٣٠) بنحوه، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ١٨) وعزاه لعبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة، ولابن أبي حاتم، عن الحسن بنحوه.\n(٢) عمرو بن هشام بن المغيرة المخزومي القرشي: أشد الناس عداوة للنبي ﷺ، وأحد سادات قريش، وأبطالها ودهاتها في الجاهلية، كان يقال له: أبو الحكم، كان عنيدا عنيفا، حتى كانت وقعة بدر الكبرى، فشهدها مع المشركين فكان من قتلاها سنة ٢ هـ.\nينظر: «الكامل» (٢/ ١٢٧)، و«فتح الباري» (٧/ ٢٩٣- ٢٩٦)، «عيون الأخبار» (١/ ٢٣٠)، «السيرة الحلبية» (٢/ ٣٣)، «دائرة المعارف الإسلامية» (١/ ٣٢٢)، «إمتاع الأسماع» (١/ ١٨)، «الأعلام» (٥/ ٨٧) .\n(٣) أخرجه الطبري (٥/ ١٨٢) رقم (١٣٢٠٢، ١٣٢٠٣) بنحوه، وذكره ابن عطية (٢/ ٢٨٧) بنحوه، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ١٩)، وعزاه لابن جرير عن الضحاك، ولابن جرير، وابن المنذر عن ابن جريج بنحوه.","vol":"2","page":459},{"text":"وقوله سبحانه: وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا الآية.\nقال ابن جُرَيْجٍ، والضحاك: عزى اللَّه بهذه الآية نَبِيَّهُ﵇- «١» ثم قَوَّى سبحانه رَجَاء نَبِيِّهِ فيما وَعَدَهُ من النصر، بقوله: وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ، أي: لاَ رَادَّ لأَمْرِهِ، وكلماته السابقة بما يكون، فكأن المعنى: فاصبر كما صَبَرُوا، وانتظر ما يأتي، وَثِقْ بهذا الإخبار، فإنه لا مُبَدِّلَ له.\nوقوله تعالى: وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ ... الآية فيها إلزام الحجة للنبي ﷺ وتقسيم الأحوال عليه حتى يبين أنْ لاَ وَجْهَ إلا الصَّبر، والمعنى: إن كنت تعظم تكذيبهم، وكفرهم على نَفْسِكَ، وتلتزم الحُزْنَ، فإن كنت تقدر على دخول سرب في أعمال الأرض، أو على ارْتِقَاءِ سُلَّمٍ في السماء، فافعل، أي: ولست بِقَادِرٍ على شيء من هذا، ولا بُدَّ لك من التزام الصَّبْرِ، واحتمال المشقة، وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ في أن تَأْسَفَ وتحزن على أَمْرٍ أراده اللَّه، وأمضاه. وروى الدّارقطنيّ في «سننه» / عن النبيّ ﷺ أنَّهُ قال: «إذا أَصَابَ أَحَدَكُمْ هَمٌّ أوْ حُزْنٌ فليقل سَبْعَ مَرَّاتٍ: اللَّه اللَّه رَبِّي لاَ أُشْرِكُ بِه شَيْئًا» «٢» انتهى من «الكوكب الدّري» .\nوفَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ أي: بعلامة.\nوقال مَكّي، والمَهْدوي: الخِطَابُ بقوله: فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ للنبي ﷺ والمُرَادُ أمته، وهذا ضَعِيفٌ لا يقتضيه اللفظ. قلت وما قاله ع: فيه عندي نَظَرٌ لأن هذا شَأْنُ التأويل إخراج اللَّفْظِ عن ظاهره لموجب، عَلَى أن أَبَا محمد مَكِّيًّا﵀- نَقَلَ هذا القول عن غيره نَقْلًا، ولفظه: فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ أي: ممن لا يعلم أن اللَّه لو شَاءَ لَجَمَعَ على الهُدَى جميع خَلْقِهِ.\nوقيل: معنى الخطاب لأمّة النبيّ ﷺ، والمعنى: فلا تكونوا من الجاهلين، ومثله في القرآن كثير. انتهى من «الهِدَايَةِ» .\nوقوله سبحانه: إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ هذا من النَّمَطِ المتقدّم في التسلية،\n_________\n(١) ينظر: الطبري (٥/ ١٧٨) .\n(٢) ذكره الهندي في «كنز العمال» (٢/ ١١٧) رقم (٣٤١٠)، وعزاه للطبراني في «الأوسط» . [.....]","vol":"2","page":460},{"text":"أي: لا تحفل بمن أعرض، فإنما يَسْتَجِيبُ لداعي الإيمان الذين يَفْهَمُونَ الآيات، ويتلقون البَرَاهِينَ بالقَبُولِ، فعبر عن ذلك كله ب يَسْمَعُونَ إذ هو طريق العلم، وهذه لفظة تستعملها الصُّوفِيَّةُ﵃- إذا بلغت المَوْعِظَةُ من أحد مبلغًا شافيًا، قالوا:\nسمع.\nثم قال تعالى: وَالْمَوْتى يُرِيدُ الكفار أي: هم بمَثَابَةِ الموتى، فعبر عنهم بِضِدِّ ما عبر عن المؤمنين، وبالصفة التي تُشْبِهُ حالهم في العمى عن نور اللَّه، والصَّمَمِ عن وَعْيِ كلماته. قاله مجاهد، والحسن، وقتادة «١» .\nويَبْعَثُهُمُ اللَّهُ يحتمل معنيين: قال الحسن: معناه يبعثهم بأن يُؤْمنوا حين يوفقهم «٢»، وقراءة الحسن «ثم إليه تُرْجَعُون» بالتاء من فوق «٣»، فَتَنَاسَبَت الآية.\nوقال مجاهد، وقتادة: وَالْمَوْتى يريد الكفار يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ، أي: يَحْشرهم يوم القيامة، ثُمَّ إِلَيْهِ، أي: إلى سطوته، وعقابه يُرْجَعُونَ «٤» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-436>[سورة الأنعام (٦): الآيات ٣٧ الى ٣٨]</span>\nوَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٣٧) وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨)\nوقوله سبحانه: وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ «لَوْلاَ» تحضيض بمعنى «هلاَ»، ومعنى الآية: هلا نزل على محمد بَيَانٌ واضح كَمَلَكٍ يَشْهَدُ له، أو كَنْزٍ، أو غير ذلك من تَشَطُّطهِم المَحْفُوظِ في هذا، ثم أُمِرَ﵇- بالرَّدِّ عليهم بأن اللَّه﷿- قَادِرٌ على ذلك، ولكن أكثرهم لا يَعْلَمُونَ أنها لو نَزَلَتْ، ولم يؤمنوا لَعُوجِلُوا بالعَذَابِ، ويحتمل وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ أنه- سبحانه- إنما جعل الإِنْذَارَ في آيات معرضة للنظر، والتأمّل ليهتدي قوم ويضلّ آخرون.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٥/ ١٨٥) رقم (١٣٢٠٩، ١٣٢١١، ١٣٢١٢) وذكره ابن عطية (٢/ ٢٨٩) وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ١٩) وعزاه لابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ عن الحسن، ولعبد بن حميد، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، عن مجاهد بنحوه.\n(٢) ذكره ابن عطية (٢/ ٢٨٩) .\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٢٨٩) .\n(٤) ذكره ابن عطية (٢/ ٢٨٩) .","vol":"2","page":461},{"text":"وقوله سبحانه: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ المعنى: في هذه الآية التَّنْبِيهُ على آيات اللَّه المَوْجُودَةِ في أنواع مَخْلُوقَاتِهِ المَنْصُوبَةِ لمن فَكَّرَ واعتبر كالدواب والطير، ويدخل في هَذَيْنِ جَمِيعُ الحَيَوَانِ، وهي أمم أي: جَمَاعَاتٌ مماثلة للناس في الخَلْقِ، والرزق، والحَيَاةِ، والمَوْتِ، والحَشْرِ.\nويحتمل أن يريد بالمُمَاثَلَةِ في كونها أممًا لا غير، إلا أن الفَائِدَةَ في هذه الآية بأن تكون المُمَاثَلَةُ في أَوْصَافٍ غير كونها أممًا.\nقال الطبري «١»، وغيره: والمُمَاثَلَةُ في أنها يُهْتَبَلُ بأعمالها، وتحاسب، ويقتصّ لبعضها من بَعْضٍ، على ما روي في الأحَادِيثِ أي: فإذا كان هذا يُفْعَلْ بالبهائم، فأنتم أَحْرَى إذ أنتم مُكَلَّفُونَ عُقَلاَء.\nوروى أبو ذَرٍّ: أنه انتطحت عنزان بحضرة النبيّ ﷺ فقال: «أَتَعْلَمُونَ فِيمَا انْتَطَحَتَا»؟ / قِلْنَا: لا، قال: فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَسَيَقْضِي بَيْنَهُمَا» «٢» .\nوقال مَكّي: المُمَاثَلَةُ في أنها تَعْرِفُ اللَّه، وتعبده.\nوقوله: بِجَناحَيْهِ تأكيد، وبيان، وإزالة للاستعارة المُتَعَاهَدَةِ في هذه اللفظة إذ يقال: طائر السَّعْدِ، والنَّحْسِ. وقال تعالى: أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ([الإسراء: ١٣]، ويقال: طار لفلان طائر كذا، أي: سهمه في المقتسمات، فقوله تعالى: بِجَناحَيْهِ إخراج للطائر عن هذا كله.\nوقوله سبحانه: مَّا فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ التفريط: التقصير في الشَّيْءِ مع القُدْرَةِ على تَرْكِ التقصير.\nقال أبو حيان «٣»: أصل فَرَّطْنَا يَتَعَدَّى ب «في» ثم يضمن معنى أغفلنا، فيتعدى إلى مَفْعُولٍ به، وهو هنا كذلك، فيكون مِنْ شَيْءٍ في موضع المفعول به. انتهى.\nوالْكِتابِ: القرآن وهو الذي يقتضيه نَظَامُ المعنى في هَذِهِ الآيَاتِ.\nوقيل: اللوح المحفوظ، ومِنْ شَيْءٍ على هذا القول عَامٌّ في جَمِيعِ الأشياء، وعلى\n_________\n(١) ينظر الطبري (٥/ ١٨٦) .\n(٢) أخرجه أحمد (٥/ ١٧٢)، والطيالسي (٤٨٠) من حديث أبي ذر.\nوذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٣٥٥)، وقال: وفيه راو لم يسم.\n(٣) ينظر: «البحر المحيط» (٤/ ١٢٦) .","vol":"2","page":462},{"text":"القول بأنه القرآن خاصّ.\nويُحْشَرُونَ قالت فرقة من العلماء: حَشْرُ البهائم بَعْثُهَا، واحتجوا بالأَحَادِيثِ المضمنة أن اللَّه- تعالى- يَقْتَصُّ لِلْجَمَّاءِ من القَرْنَاءِ، ومن قال: إنما هي كِنَايَةٌ عن العَدْلِ، وليست بحقيقة، فهو قول مردود ينحو إلى القول بالرّموز ونحوها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-437>[سورة الأنعام (٦): الآيات ٣٩ الى ٤١]</span>\nوَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٩) قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٠) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ (٤١)\nوقوله سبحانه: وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَبُكْمٌ ... الآية كأنه قال: وما من دَابَّةٍ، ولا طائر، ولا شَيْءٍ، إلاَّ وفيه آية منصوبة دالة على وَحْدَانِيَّةِ اللَّه- تعالى- ولكن الذين كَذَّبُوا بآياتنا صُمّ وبكم لا يتلقون ذلك، ولا يَقْبَلُونَهُ، وظاهر الآية أنها تعمُّ كل مُكَذِّبٍ.\nوقال النقاش: نزلت في بني عَبْدِ الدَّارِ.\nقال ع «١»: ثم تَنْسَحِبُ على سواهم.\nوقوله: فِي الظُّلُماتِ يَنُوبُ عن عمي، وفي الظلمات أَهْوَل عبارة، وأفصح، وأوقع في النَّفْسِ.\nقال أبو حَيَّانَ «٢»: فِي الظُّلُماتِ خبر مبتدإ مَحْذُوفٍ، أي: هم في الظلمات، أو صفة ل بُكْمٌ أي: كائنون في الظلمات، أو حال من الضمير المقدر في الخبر، أي:\nضالون في الظلمات. انتهى.\nوقوله سبحانه: قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ ابتداء احْتِجَاجٍ على الكفار الجاعلين للَّه شركاء، والمعنى: أرأيتم إذا خِفْتُمْ عَذَابَ اللَّه، أو خفتم هَلاَكًا، أو خفتم السَّاعَةَ، أتدعون أَصْنَامَكُمْ وتَلْجَئُون إليها في كَشْفِ ذلك إن كنتم صادقين في قولكم: إنها آلهة، بل إنما تدعون اللَّه الخَالِقَ الرازق، فيكشف ما خِفْتُمُوه، إن شاء، وتنسون أصنامكم، أي: تتركونهم، فعبر عن التَّرْكِ بأعظم وجوهه الذي هو مَعَ التَّرْكِ ذهول، وإغفال، فكيف يجعل إلهًا من هذه حاله في الشدائد والأزمات.\n_________\n(١) ينظر: «المحرر» (٢/ ٢٩٠) .\n(٢) ينظر: «البحر المحيط» (٤/ ١٢٧) .","vol":"2","page":463},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-438>[سورة الأنعام (٦): الآيات ٤٢ الى ٤٥]</span>\nوَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (٤٢) فَلَوْلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٤٣) فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٥)\nوقوله سبحانه: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْناهُمْ في الكلام حَذْفٌ، تقديره: فكذبوا فأخذناهم؟ أي: تابعناهم بالبَأْسَاءِ الآية، والبأساء المَصَائِبُ في الأموال، والضراء في الأَبْدَانِ. هذا قول الأكثر.\nوقيل: قد يُوضَعُ كل واحد بَدَلَ الآخر، والتضرُّعُ التذلل، والاستكانة، ومعنى الآية توعد الكفار، وضرب المثل لهم، وفَلَوْ لا تحضيض، وهي التي تلي الفِعْلَ بمعنى:\n«هلا» وهذا على جِهَةِ المعاتبة لِمُذْنِبٍ غائب، وإظهار سوء فعله مع تَحَسُّرِ ما عليه.\nقلت: أي: مع تَحَسُّرٍ ما، باعتبار حالة البَشَرِ.\nوقوله سبحانه: فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ ... الآية عبر عن الترك بالنّسيان، وفَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ أي: من النِّعَمِ الدنيوية بعد الذي أَصَابَهُمْ من البَأْسَاءِ والضراء، وفَرِحُوا معناه: بطروا، / وأعجِبوا، وظنوا أن ذَلِكَ لا يَبيدُ، وأنه دَالٌّ على رضا اللَّه عنهم، وهو اسْتِدْرَاجٌ من اللَّه تعالى.\nوقد رُوِيَ عن بعض العلماء: رحم اللَّه عبدًا تَدَبَّر هذه الآية حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً.\nوروى عقبة بن عامر أن النبيّ ﷺ قال: إذا رأيت اللَّه- تعالى- يعطي العِبَادَ ما يشاءون على مَعَاصيهم، فذلك اسْتِدْرَاجٌ ثم تلا: فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ ... الآية «١» كلها، وأَخَذْناهُمْ في هذا المَوْضِعِ معناه: استأصلناهم بَغْتَةً أي: فجأة، والمبلس الحَزِينُ الباهت اليَائِسُ من الخَيْرِ الذي لا يَحِيرُ جَوَابًا لشدة ما نَزَلَ به من سوء الحال.\nوقوله تعالى: فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ ... الآية.\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٤/ ١٤٥)، والدولابي في «الكنى» (١/ ١١١)، والطبري (٥/ ١٩٤) رقم (١٣٢٤٤)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٤/ ١٢٨) رقم (٤٥٤٠)، والطبراني في «الكبير» (١٧/ ٣٣٠- ٣٣١) رقم (٩١٣)، وابن أبي الدنيا في كتاب «الشكر» (ص ٩) من حديث عقبة بن عامر والحديث ذكره العراقي في «تخريج الإحياء» (٤/ ١١٥) وقال: رواه أحمد، والطبراني، والبيهقي في «الشعب» بسند حسن.","vol":"2","page":464},{"text":"الدَّابر: آخر القوم الذي يَأتي من خَلْفِهِم، وهذه كناية عن استئصال شأفتهم، ومَحْوِ آثارهم، كأنهم وَرَدُوا العَذَابَ حتى ورد آخرهم الذي دَبَرَهُمْ، وحَسُنَ الحمد عَقِبَ هذه الآية لِجَمَالِ الأفعال المتقدمة في أن أرسل- سبحانه- الرسل، ولطف في الأَخْذِ بالبَأْسَاءِ والضَّرَّاءِ ليتضرع إليه، فيرحم، وينعم، وقطع في آخر الأمر دابر الظَّلَمَة، وذلك حَسَنٌ في نفسه، ونعمة على المؤمنين، فحسن الحَمْدُ عقب هذه الأفعال، وبحمده سبحانه ينبغي أن يُخْتَمَ كل فعل، وكل مَقَالٍ، إذ هو المحمود على كُلِّ حال لا رب غيره، ولا خير إلا خيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-439>[سورة الأنعام (٦): الآيات ٤٦ الى ٤٩]</span>\nقُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (٤٦) قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (٤٧) وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٤٨) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ الْعَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (٤٩)\nوقوله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ ... الآية أَخَذَ معناه أَذْهَبَ، والضمير في بِهِ عائد على المأخوذ، ويَصْدِفُونَ معناه: يعرضون، وينفرون، ومنه قول الشاعر: [البسيط]\nإذَا ذَكَرْنَ حَدِيثًا قُلْنَ أَحْسَنَهُ ... وَهُنَّ عَنْ كُلِّ سُوءٍ يُتَّقَى صُدُفُ «١»\nوقوله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً ... الآية وعيد وتهديد.\nقال ع «٢»: أَرَأَيْتُمْ عند سيبويه: تَتَنَزَّلُ منزلةَ «أخبروني» ولذلك لا تَحْتَاجُ إلى مفعولين.\nوقوله: بَغْتَةً: معناه: لم يتقدّم عندكم منه علم، وجَهْرَةً، معناه: تبدو لكم مَخَايلُهُ ومَبَاديه، ثم يتوالى حتّى ينزل.\n_________\n(١) البيت لعدي بن الرقاع، وهو في «تفسير الطبري» (١١/ ٣٦٦)، «البحر» (٤/ ١١٧) و«الدر المصون» (٣/ ٦٦) .\nوصدف: جمع: صدوف، كصبر في جمع صبور. وقيل: معنى صدف: مال، مأخوذ من الصدف في البعير، وهو أن يميل خفه من اليد إلى الرجل من الجانب الوحشيّ. والصّدف: جمع صدفة، وهي المحارة التي تكون فيها الدّرّة، قال: [البسيط]\nوزادها عجبا أن رحت في سمل ... وما درت درّ أنّ الدّرّ في الصّدف\nوالصّدف والصّدف- بفتح الصاد والدال وضمهما، وضم الصاد وسكون الدال- ناحية الجبل المرتفع.\n(٢) ينظر: «المحرر» (٢/ ٢٩٣) .","vol":"2","page":465},{"text":"قال الحَسَنُ بْنُ أبي الحَسَنِ: بَغْتَةً لَيْلًا، وجَهْرَةً»\n: نهارا.\nوقال مجاهد: بَغْتَةً فجاءة آمنين. وجَهْرَةً: وهم ينظرون «٢» .\nقال أبو حَيَّان «٣»: هَلْ يُهْلَكُ؟ «هل» حَرْفُ استفهام، معناه هنا النَّفْيُ، أي: ما يهلك ولذلك دخَلَتْ «إلاَّ» على ما بعدها. انتهى.\nوقوله سبحانه: وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ، أي: إلاَّ ليبشِّروا بإنعامنا وَرَحْمَتِنَا مَنْ آمن، ومُنْذِرِينَ بعذابنا وعِقَابنا مَنْ كَذَّب وكَفَر، قال أبو حَيَّان: مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ:\nحالٌ فيها معنَى العِلِّيَّة، أي: أرسلناهم للتبشير والإنذار. انتهى.\nثم وَعَدَ سبحانَهُ مَنْ سلَكَ طريقَ البِشَارة، فآمَنَ وأصْلَح في امتثال الطاعةِ، وأوعد الآخرين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-440>[سورة الأنعام (٦): الآيات ٥٠ الى ٥٣]</span>\nقُلْ لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ ما يُوحى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ (٥٠) وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٥١) وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢) وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣)\nوقوله تعالى: قُلْ لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ ... الآية: هذا مِنَ الرَّدِّ على القائلين: لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ [الأنعام: ٣٧] والطَّالِبِينَ أنْ ينزَّل ملَكٌ، أو تكونَ له جَنَّةٌ أو كَنْزٌ، ونَحْوُ هَذَا، والمعنى: إنما أنا بشر، وإنما أَتَّبِعُ ما يوحى إليَّ، وهو القرآنُ وسَائِرُ ما يأتيه مِنَ اللَّه سبحانه، أي: وفي ذلك عِبَرٌ وآياتٌ لمن تأمَّل.\nوقوله سبحانه: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ، أي: هل يستوي المؤمِنُ المُفَكِّرُ في الآياتِ، معِ الكافِرِ المُعْرِضِ عَنِ النَّظَر أفلا تتفكَّرون، وجاء الأمر بالفِكْرة في عبارة العرض والتّحضيض/.\n_________\n(١) ذكره البغوي (٢/ ٩٨)، وذكره ابن عطية (٢/ ٢٩٣) .\n(٢) أخرجه الطبري (٥/ ١٩٦) برقم (١٣٢٥٣)، وذكره ابن عطية (٢/ ٢٩٣)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٢٤)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ عن مجاهد بنحوه. [.....]\n(٣) ينظر: «البحر المحيط» (٤/ ١٢٦) .","vol":"2","page":466},{"text":"وقوله تعالى: وَأَنْذِرْ بِهِ، أي: وأنذر بالقرآن الذين هُمْ مَظِنَّةُ الإيمان، وأهْلٌ للاِنتفاعِ، والضميرُ في بِهِ عائدٌ على ما يوحى.\nوقوله سبحانه: لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ: إخبارٌ من اللَّه سبحانه عَنْ صفة الحالِ يَوْمَ الحَشْرِ، قال الفَخْر «١»: قوله: لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ: قال ابن عَبَّاس: معناه:\nوأنذرهم لكَيْ يخافوا في الدنيا، وينتهوا عن الكُفْر والمعاصِي. انتهى.\nوقوله سبحانه: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ: المرادُ ب الَّذِينَ ضَعَفَةَ المُؤْمنين في ذلك الوَقْت في أمور الدُّنْيا كَبَلاَلٍ. وصُهَيْبٍ، وعَمَّارٍ، وَخَبَّابٍ «٢»، وصُبَيْحٍ، وذي الشِّمَالَيْنِ والمِقْدَادِ، ونحوِهِمْ، وسببُ الآية أنَّ بعض أشراف الكفّار قالوا للنبيّ ﷺ: نَحْنُ لِشَرَفِنَا وأقْدَارِنَا لاَ يُمْكِنُنَا أنْ نختلطَ بهؤلاءِ، فلو طَرَدْتَّهم، لأتَّبَعْنَاكَ، وَرَدَ في ذلك حديثٌ عن ابْنِ مسعود، وظاهر الأمر أنهم أرادوا بذلك الخديعة، فنزلت الآية، ويَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ: قال الحَسَنُ بنُ أبي الحَسَن «٣»: المراد به صلاةُ مكَّة الَّتي كانَتْ مرَّتين في اليومِ بُكْرةً وعَشِيًّا، وقيل: قوله: بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ: عبارةٌ عن استمرار الفعْلِ، وأنَّ الزمان معمورٌ به، والمرادُ على هذا التأويل، قيل: الصلواتُ الخَمْس قاله ابنُ عَبَّاس وغيره «٤»، وقيل: الدُّعاء، وذِكْرُ اللَّه، واللفظةُ على وجهها، وقيل: القُرآنُ وتعلُّمه قاله أبو جعفر «٥»، وقيل: العبادة قاله الضّحّاك «٦» .\n_________\n(١) ينظر: «مفاتيح الغيب» (١٢/ ١٩٣) .\n(٢) (خبّاب) بن الأرت: - بتشديد المثناة- بن جندلة بن سعد بن خزيمة بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم التميمي، ويقال: الخزاعي، أبو عبد الله.\nسبي في الجاهليّة، فبيع بمكّة، فكان مولى أم أنمار الخزاعية، وقيل غير ذلك. ثم حالف بني زهرة، وكان من السّابقين الأوّلين.\nوقال ابن سعد: بيع بمكّة، ثم حالف بني زهرة. وأسلم قديما وكان من المستضعفين، روى الباوردي أنه أسلم سادس ستة، وهو أول من أظهر إسلامه، وعذّب عذابا شديدا لأجل ذلك.\nينظر: «الإصابة» (٢/ ٢٢١)، «طبقات ابن سعد» (٣/ ١٦٤)، «تهذيب الكمال» (٣٧٣)، «تهذيب التهذيب» (٣/ ١٣٣) .\n(٣) ذكره ابن عطية (٢/ ٢٩٥) .\n(٤) أخرجه الطبري (٥/ ٢٠١) برقم (١٣٢٦٩) بنحوه، وذكره ابن عطية (٢/ ٢٩٥)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٢٦)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس بنحوه.\n(٥) ينظر الطبري (٥/ ٢٠٤) .\n(٦) أخرجه الطبري (٥/ ٢٠٣) رقم (١٣٢٩١) بنحوه، وذكره ابن عطية (٢/ ٢٩٥) .","vol":"2","page":467},{"text":"وقوله تعالى: يُرِيدُونَ وَجْهَهُ قلتُ: قال الغَزَّالِيُّ في «الجَوَاهر»: النيةُ والعَمَلُ بهما تمامُ العبادةِ، فالنِّيَّة أحد جُزْأيِ العبَادةِ، لكنها خير الجزأَيْن، ومعنى النيَّة إرادةُ وَجْه اللَّه سبحانه بالعَمَلِ، قال اللَّه تعالى: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ، ومعنى إخلاصها تصفيةُ الباعِثِ عن الشوائِبِ، ثم قال الغَزَّالِيُّ: وإذا عرفْتَ فَضْل النية، وأنَّها تحلُّ حَدَقَةَ المقْصود، فاجتهد أنْ تستكثر مِنَ النِّيَّة في جميع أعمالِكَ حتى تنوي بعملٍ واحدٍ نيَّاتٍ كثيرة، ولو صَدَقَتْ رغبتُكَ، لَهُدِيتَ لطريقِ رشدك. انتهى.\nوقوله سبحانه: مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ، قال الحَسَنُ والجمهورُ: أيْ: مِنْ حسابِ عملهم، والمعنى: أنك لم تُكَلَّفْ شيئًا غيْرَ دعائهم «١»، وقوله: فَتَطْرُدَهُمْ: هو جوابُ النفْيِ في قوله: مَا عَلَيْكَ، وقوله: فَتَكُونَ: جوابُ النهْيِ في قوله: وَلا تَطْرُدِ.\nوفَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ، أي: ابتلينا، ولِيَقُولُوا: معناه: ليصيرَ بحُكْم القَدَرِ أمرُهُمْ إلى أن يقولُوا على جهة الاِستخْفَافِ والهُزْء: أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا، فاللامُ في لِيَقُولُوا: لامُ الصَّيْرورة.\nوقوله سبحانه: أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ، أي: يا أيّها المستخفُّون، ليس الأمر أمر استخفاف، فاللَّه أعلَمُ بمن يشكر نعمه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-441>[سورة الأنعام (٦): الآيات ٥٤ الى ٥٧]</span>\nوَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٤) وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (٥٥) قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لاَّ أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (٥٦) قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ (٥٧)\nوقوله سبحانه: وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ... الآية: قال جمهور المفسِّرين: هؤلاءِ هم الذينَ نَهَى اللَّهُ عَنْ طردهم، وشَفَعَ ذلك بِأنْ أَمَرَ سبحانه أنْ يسلِّم النبيُّ﵇- عليهم، ويُؤْنِسَهُمْ، قال خَبَّابُ بْنُ الأَرَتَّ: لما نزلَتْ: وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا ... الآية، فكنّا نأتي النبيّ ﷺ، فيقولُ لنا: سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ، ونقعُدُ معه، فإذا أراد أنْ يقوم، قَامَ، وتركَنا، فأنزل اللَّه تعالى: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٢/ ٢٩٦) .","vol":"2","page":468},{"text":"يَدْعُونَ رَبَّهُمْ ... «١» [الكهف: ٢٨] الآية، فكان يَقْعُدُ معنا، فإذا بَلَغَ الوقْتَ الذي يقوم فيه، قمنا وتركناه، حتّى يقوم، وسَلامٌ عَلَيْكُمْ: ابتداءٌ، والتقديرُ: سَلاَمٌ ثابتٌ أو واجبٌ عليكم، والمعنَى: أمَنَةً لكُمْ مِنْ عذاب اللَّه في الدنيا والآخرة، ولفظه لفظُ الخَبَر، وهو في معنى الدُّعَاء، قال الفَخْر «٢» قوله تعالى: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ: النّفس هاهنا:\nبمعنى الذَّات، والحقيقةِ، لا بمعنى الجِسْمِ، واللَّهُ تعالى مقدَّس عنه. انتهى.\nقلتُ: قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ في كتاب «تفسير الأَفْعَال الواقعة في القُرآن»: قوله تعالى:\nكَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ، قال علماؤنا: كَتَبَ: معناه أَوْجَبَ، وعندي أنه كتب حقيقة، قال النبيّ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ خَلَقَ القَلَمَ، فَقَالَ لَهُ: اكتب، فَكَتَبَ مَا يَكُونُ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ» «٣» . انتهى.\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٢/ ٢٩٦) .\n(٢) ينظر: «مفاتيح الغيب» (١٣/ ٤) .\n(٣) ورد ذلك في حديث عبادة بن الصامت، وابن عباس، وابن عمر، وأبي هريرة.\nفأما حديث عبادة فرواه أبو داود (٢/ ٦٣٧- ٦٣٨) في السنة، باب في القدر (٤٧٠٠)، والترمذي (٤/ ٣٩٨) في القدر، باب (١٧) (٢١٥٥) وأحمد (٥/ ٣١٧)، والبخاري في «التاريخ» (٦/ ٩٢)، وابن أبي عاصم في «السنة» (١٠٢- ١٠٥)، والبيهقي في «السنن» (١٠/ ٢٠٤)، من طرق عنه به مرفوعا، وكذا رواه الطبري (١٢/ ١٧٧) (٣٤٥٤٣، ٣٤٥٤٨) .\nوقال الترمذي: هذا حديث غريب من هذا الوجه.\nوأما حديث ابن عباس فروي مرفوعا أو موقوفا.\nفأما المرفوع فرواه أبو يعلى (٢٣٢٩)، والبيهقي في «السنن» (٩/ ٣)، وفي «الأسماء والصفات» ص (٣٧٨) من طريق عبد الله بن المبارك قال: «أخبرنا رباح بن زيد، عن عمرو بن حبيب، عن القاسم بن أبي بزة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مرفوعا» . إن أول شيء خلقه الله القلم، وأمره فكتب كل شيء.\nوكذا رواه الطبري (٣٤٥٤٤) .\nوأخرجه الطبراني في «الكبير» (١١/ ٤٣٣) (١٢٢٢٧) عن مؤمل بن إسماعيل، ثنا حماد بن زيد، عن عطاء بن السائب عن أبي الضحى مسلم بن صبيح، عن ابن عباس مرفوعا «إن أول ما خلق الله تعالى القلم والحوت قال: ما أكتب؟ قال: كل شيء كان إلى يوم القيامة» ثم قرأ ن وَالْقَلَمِ [القلم: ١] فالنون: الحوت. والقلم: القلم.\nوقال الطبراني: لم يرفعه عن حماد بن زيد إلا مؤمل بن إسماعيل.\nوقال في «المجمع» (٧/ ١٣١) ومؤمل ثقة كثير الخطأ، وقد وثقه ابن معين وغيره، وضعفه البخاري، وبقية رجاله ثقات.\nوأما الموقوف فرواه الطبري (٣٤٥٢٨، ٣٤٥٣٠، ٣٤٥٣١) وابن منده في «التوحيد» (١/ ٩٤، ١٩٢) برقم (١٥، ٦٥)، وأبو الشيخ في «العظمة» (٨٩٧)، والحاكم في «المستدرك» (٢/ ٤٩٨)، والبيهقي في-","vol":"2","page":469},{"text":"وقرأ عاصمٌ «١»، وابنُ عَامِرٍ أنَّهُ- بفَتْحِ الهَمْزةِ في الأولى- والثانيةِ «فأنَّهُ»: الأولى بدلٌ من الرَّحْمَةَ، و«أنّه» الثانية: خبر ابتداء مضمر، تقديره: فأمره أنّه عفور رحيمٌ، هذا مذْهَبُ سيبَوَيْه، وقرأ ابنُ كَثِيرٍ، وأبو عَمْرٍو، وحمزة، والكسائي «إنَّهُ» - بكسر الهمزة في الأولى والثانية-، وقرأ نافعٌ بفَتْح الأولى وكَسْر الثانية، والجهالةُ في هذا الموضِعِ: تعمُّ التي تُضَادُّ العِلْمَ، والتي تُشَبَّه بها وذلك أنَّ المتعمِّد لفعْلِ الشيء الذي قَدْ نُهِيَ عنه تسمى معصيته تِلْكَ جِهَالَةً، قال مجاهدٌ: مِنَ الجهالةِ ألاَّ يعلم حَلاَلًا مِنْ حرامٍ «٢»، ومن جهالته أنْ يركِّب الأمر.\nقُلْتُ: أيْ: يتعمَّده، ومن الجهالة الَّتي لا تُضَادُّ العلم قوله ﷺ في استعاذته: «أَوْ أَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ» «٣» ومنها قولُ الشَّاعر: [الوافر]\nأَلاَ لاَ يَجْهَلَنْ أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا\n«٤»\n_________\n- «الأسماء والصفات» ص (٤٨١) من طرق عن الأعمش، عن أبي ظبيان عنه قال: أول ما خلق الله ﷿ القلم، فقال له: اكتب، فقال: يا رب، ما أكتب؟ قال: اكتب القدر، فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة.....\nوصححه الحاكم ووافقه الذهبي.\nوله طرق أخرى عند الطبري (٣٤٥٣٨)، والحاكم (٢/ ٤٥٣- ٤٥٤) وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي.\nوذكره السيوطي في «الدر» (٦/ ٣٨٧) وزاد نسبته لعبد الرزاق، والفريابي، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن مردويه، وابن أبي حاتم، والخطيب في «تاريخه»، والضياء في «المختارة» .\nوأما حديث ابن عمر فرواه ابن أبي عاصم (١٠٦)، والآجري في «الشريعة» (ص ١٧٥) عن بقية، حدثني أرطاة بن المنذر، عن مجاهد بن جبير عنه مرفوعا به.\nوأما حديث أبي هريرة فرواه الحكيم الترمذي كما في «الدر المنثور» (٦/ ٣٨٨) .\n(١) ينظر: «الدر المصون» (٣/ ٦٨)، «البحر المحيط» (٤/ ١٣٩)، «حجة القراءات» ص (٢٥١)، «النشر» (٢/ ٢٥٨)، «إتحاف فضلاء البشر» (٢/ ١٢- ١٣)، و«إعراب القراءات» (١/ ١٥٧)، و«شرح شعلة» (٣٦٢، ٣٦٣)، و«العنوان» (٩١)، و«شرح الطيبة» (٤/ ٢٥٣) .\n(٢) أخرجه الطبري (٥/ ٢٠٧) رقم (١٣٢٩٧) بنحوه، وذكره البغوي (٢/ ١٠٠) بنحوه، وذكره ابن عطية (٢/ ٢٩٧) . [.....]\n(٣) تقدم تخريجه.\n(٤) البيت لعمرو بن كلثوم بن مالك بن عتاب من بني تغلب أبو الأسود، وهو من معلقته المشهورة.\nومعناه: نهلكه ونعاقبه بما هو أعظم من جهله، فنسب الجهل إلى نفسه، وهو يريد الإهلاك والمعاقبة ليزدوج اللفظتان، فتكون الثانية على مثل لفظة الأولى، وهي تخالفها في المعنى لأن ذلك أخف عن اللسان وأحضر من اختلافهما.\nينظر: «شرح القصائد العشر» للتبريزي (٢٨٨)، وينظر «البحر المحيط» (١/ ١٨٦)، و«الدر المصون» (١/ ١٢٦) .","vol":"2","page":470},{"text":"قال الفخْر «١»: قال الحَسَنُ: كُلُّ مَنْ عَمِلَ معصيةً، فهو جاهلٌ، فقيل: المعنى أنه جاهلٌ بمقدارِ ما فاتَهُ منَ الثَّواب، وما استحقه من العقابِ، قلْتُ: وأيضًا فهو جاهلٌ بقَدْر مَنْ عصاه. انتهى.\nوالإشارةُ بقوله تعالى: وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ، إلى ما تقدَّم من النهْيِ عن طَرْدِ المؤمنين، وبَيَانِ فَسَادِ مَنْزَعِ العارضين لذلك، وتفضيل الآياتِ: تبيينُها وشَرْحُها وإظهارُها، قلْتُ: ومما يناسِبُ هذا المَحَلَّ ذِكْرُ شيء ممَّا ورد في فَضْلِ المُصَافَحَة، وقد أسند أبُو عُمَر في «التمهيد»، عن عبد الرحْمَنِ بْنِ الأسود «٢»، عن أَبِيهِ وعلقمة أنهما قَالاَ: «مَنْ تَمَامِ التَّحِيَّةِ المُصَافَحَةُ»، وروى مالكٌ في «الموطإ»، عن عطاءٍ الخراسانيّ، قال: قال رسول الله ﷺ: «تَصَافَحُوا يَذْهَبُ الغِلُّ، وَتَهَادَوْا تَحَابُّوا، وَتَذْهَب «٣» الشَّحْنَاءُ»، قال أبو عمر في «التمهيد»: هذا الحديث يتَّصلُ مِنْ وجوه شتى حِسَانٍ كلُّها، ثم أسند أبو عُمَر من طريقِ أبي دَاوُد وغَيْره، عن البَرَاءِ، قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَلْتَقِيَانِ، فَيَتَصَافَحَانِ إلاَّ غُفِرَ لهما قبل أن يتفرّقا» «٤»، ثم أسند أبو عُمَرَ عن البَرَاء بنِ عازب، قال:\n«لقيت رسول الله ﷺ، فَأَخَذَ بِيَدِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنْ كُنْتُ لأحْسِبُ أَنَّ المُصَافَحَةَ لِلْعَجَمِ فَقَالَ: نَحْنُ أَحَقُّ بِالمُصَافَحَةِ مِنْهُمْ مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَلْتَقِيَانِ، فَيَأْخُذُ أَحَدُهُمَا بِيَدِ صَاحِبِهِ مَوَدَّةً بَيْنَهُمَا، ونَصِيحَةً، إلاَّ أُلْقِيَتْ ذُنُوبُهُمَا بَيْنَهُمَا» «٥»، وأسند أبو عُمَرَ عن عمر بْنِ الخَطَّابِ، قال: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «إذَا التقى المُسْلِمَانِ، فَتَصَافَحَا، أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيهِمَا مِائَةَ رَحْمَةٍ تِسْعُونَ مِنْهَا لِلَّذِي بَدَأَ بِالمُصَافَحَةِ، وَعَشَرَةٌ لِلَّذِي صُوفِحَ، وَكَانَ أَحَبَّهُمَا إلَى اللَّهِ أحسنهما بشرا بصاحبه» «٦» . انتهى.\n_________\n(١) ينظر: «مفاتيح الغيب» (١٣/ ٥) .\n(٢) عبد الرّحمن بن الأسود بن يزيد النّخعي أبو حفص الفقيه. عن أبيه وعائشة. وعنه: الأعمش، وأبو إسحاق الشّيباني. وثقه ابن معين. حج ثمانين حجة، واعتمر ثمانين عمرة. مات سنة ثمان وتسعين.\nينظر: «الخلاصة» (٢/ ١٢٥) .\n(٣) أخرجه مالك في «الموطأ» (٢/ ٩٠٨) كتاب «حسن الخلق»، باب ما جاء في المهاجرة، حديث (١٦) عن عطاء مرسلا.\n(٤) تقدم تخريجه.\n(٥) ذكره الهندي في «كنز العمال» (٩/ ١٣٤- ١٣٥) رقم (٢٥٣٦٨)، وعزاه للروياني، وابن أبي الدنيا في كتاب «الإخوان»، والضياء المقدسي في «المختارة» .\n(٦) ذكره الهندي في «كنز العمال» (٩/ ١١٤) رقم (٢٥٢٤٥)، وعزاه للحكيم الترمذي، وأبي الشيخ عن عمر.","vol":"2","page":471},{"text":"وقد ذكرنا/ طَرَفًا مِنْ آدَابِ المُصَافحة فِي غَيْرِ هذا الموضعِ، فَقِفْ عليه، واعمل به، تَرْشَدْ، فإنَّ العلْم إنما يرادُ للعَمَل، وباللَّه التوفيق.\nوخُصَّ سبيلُ المُجْرمينَ بالذِّكْر لأنهم الذين آثَرُوا ما تقدَّم من الأقوال، وهو أهَمُّ في هذا الموضِعِ لأنها آياتُ رَدٍّ علَيْهم.\nوأيضًا: فتَبْيِينُ سَبِيلِهِمْ يتضمَّن بيانَ سَبِيلِ المُؤْمنين، وتَأوَّلَ ابنُ زَيْد أنَّ قوله:\nالْمُجْرِمِينَ مَعْنِيٌّ به الآمِرُونَ بطَرْد الضَّعَفَةِ «١» .\nوقوله سبحانه: قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لاَّ أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ ... الآية: أَمَرَ اللَّهُ سبحانه نَبيَّه﵇- أنْ يجاهرهم بالتبرّي ممّا هم فيه، وتَدْعُونَ: معناه تعبدون، ويْحْتَمَلُ أنْ يريدَ: تَدْعُونَ في أموركُمْ، وذلك مِنْ معنى العبَادةِ، واعتقادهم الأصنامَ آلهة.\nوقوله تعالى: قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي: المعنى: قل إني على أمْر بيِّن، وَكَذَّبْتُمْ بِهِ، الضمير في «بِهِ» عائدٌ على «بَيِّن»، أو علَى الرَّبِّ، وقيل: على القُرآن، وهو جليٌّ، وقال بعضُ المفسِّرين: الضميرُ في «به» الثانِي عائدٌ على «مَا»، والمُرَادُ بها الآياتُ المقْتَرَحَةُ على ما قال بعض المفسِّرين، وقيل: المرادُ به العذابُ، وهو يترجَّح من وجْهَيْن:\nأحدهما: مِنْ جهة المعنى وذلك أنَّ قوله: وَكَذَّبْتُمْ بِهِ يتضمَّن أنَّكم واقعتم مَا تَسْتَوْجِبُون به العَذَابَ إلاَّ أنه ليس عنْدِي.\nوالآخَرُ: مِنْ جهة لَفْظِ الاستعجالِ الذي لَمْ يأت في القُرآن إلاَّ للعذابِ.\nوأما اقتراحهم للآيَاتِ، فَلمْ يكُنْ باستعجال.\nوقوله: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ، أي: القضاء والإنفاذ، ويَقُصُّ الْحَقَّ، أيْ: يخبر به والمعنى: يقُصُّ القَصَص الحَقَّ، وقرأ حمزةُ «٢» والكِسَائيُّ وغيرهما: «يَقْضِي الحَقَّ»، أي: ينفذه.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٥/ ٢٠٧) رقم (١٣٣٠٢) بنحوه، وذكره ابن عطية (٢/ ٢٩٨)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٢٧)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن زيد بنحوه.\n(٢) ينظر: «الدر المصون» (٣/ ٧٧)، «البحر المحيط» (٤/ ١٤٥)، «حجة القراءات» ص (٢٥٤)، «النشر» (٢/ ٢٥٨)، «إتحاف فضلاء البشر» (٢/ ١٤)، «الكشاف» (٢/ ٣٠)، و«الحجة» (٣/ ٣١٨)، و«السبعة» (٢٥٩)، و«إعراب القراءات» (١/ ١٥٩)، و«معاني القراءات» (١/ ٣٥٩)، و«شرح الطيبة» (٤/ ٢٥٤)، و«شرح شعلة» (٣٦٣)، و«العنوان» (٩١) .","vol":"2","page":472},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-442>[سورة الأنعام (٦): الآيات ٥٨ الى ٥٩]</span>\nقُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ (٥٨) وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُها إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٥٩)\nوقوله سبحانه: قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ:\nالمعنى: لو كان عندي الآياتُ المُقْتَرَحةُ، أو العذابُ علَى التأويل الآخر، لقُضِيَ الأمر، أي: لَوَقَع الانفصال، وتَمَّ النزاعُ لظهور الآية المُقْتَرَحَةِ، أو لِنزولِ العذابِ بحسب التأْويلَيْنِ، وقِيلَ: المعنى: لَقَامَتِ القيامةُ، وقوله: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ: يتضمَّن الوعيدَ والتَّهْديدَ.\nوقوله تعالى: وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ: مفَاتِحُ: جَمْعُ مَفْتَحٍ، وهذه استعارة عبارةً عن التوصُّل إلى الغيوب كما يَتوصَّل في الشاهِدِ بالمِفْتَاحِ إلى المُغَيَّب، ولو كان جَمْعَ «مِفْتَاحٍ»، لقال: مَفَاتِيح، ويظهرُ أيضًا أنَّ «مَفَاتِح» جمْعُ «مَفْتَح» - بفتح الميم-، أي: مواضِعِ تَفْتَحُ عن المغيَّبات ويؤيِّد هذا قَوْلُ السُّدِّيِّ وغيره: مَفاتِحُ الْغَيْبِ: خزائِنُ الغَيْب، فأما مِفْتَح «١» - بالكسر-، فهو بمعنى مِفْتَاح، قال الزَّهْرَاوِيُّ:\nوَمِفْتَحٌ أفصحُ، وقال ابنُ عَبَّاسٍ وغيره: الإشارةُ بِمَفَاتِحِ الغَيْبِ هي إلى الخَمْسة في آخر لُقْمَان: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ... «٢» [لقمان: ٣٤] الآية، قلت: وفي «صحيحِ البخاريِّ»، عن سالمِ بنِ عبد اللَّهِ «٣»، عَنْ أبيه أنَّ رسُولَ الله ﷺ قالَ: «مَفَاتِحُ الغَيْبِ خَمْسٌ لاَ يَعْلَمُهُنَّ إلاَّ اللَّهُ: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٥/ ٢١٠) برقم (١٣٣٠٨)، وذكره ابن عطية (٢/ ٢٩٩) وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٢٨)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم عن السدي.\n(٢) أخرجه الطبري (٥/ ٢١٠، ٢١١) برقم (١٣٣١٠)، وذكره ابن عطية (٢/ ٢٩٩) . وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٢٨)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، عن ابن عباس.\n(٣) سالم بن عبد الله بن عمر العدوي المدني الفقيه أحد السبعة وقيل: السابع أبو سليمان بن عبد الرّحمن. وقيل: أبو بكر بن عبد الرّحمن بن الحارث، قاله أبو الزناد. عن أبيه، وأبي هريرة، ورافع بن خديج، وعائشة. وعنه: ابنه أبو بكر، وعبيد الله بن عمر، وحنظلة بن أبي سفيان. قال ابن إسحاق: أصح الأسانيد كلها الزهري، عن سالم، عن أبيه. وقال مالك: كان يلبس الثوب بدرهمين.\nوعن نافع: كان ابن عمر يقبّل سالما، ويقول: شيخ يقبل شيخا. وقال البخاري: لم يسمع من عائشة.\nمات سنة ست ومائة على الأصح.\nينظر: «تهذيب الكمال» (١/ ٤٦٠)، «تهذيب التهذيب» (٣/ ٤٣٦)، «الكاشف» (٣/ ٣٤٤)، «الثقات» (٤/ ٣٠٥)، «سير الأعلام» (٤/ ٤٥٧) .","vol":"2","page":473},{"text":"وَما تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [لقمان: ٣٤]» انتهى «١» .\nوقوله سبحانه: مِنْ وَرَقَةٍ، أي: من وَرَقِ النَّبَاتِ، وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ، يريدُ: في أشدِّ حالِ التَّغَيُّبِ، وحكى بعضُ النَّاسِ عن جَعْفَرِ بنِ محمَّد قولًا: / أنَّ الورقَةَ يُرَادُ بها السِّقْطُ مِنْ أولادِ بني آدم، والحَبَّة: يرادُ بها الذي لَيْسَ بِسِقْطٍ، والرَّطْب يرادُ به الحَيُّ، واليابسُ يراد به المَيِّت، وهذا قولٌ جارٍ على طريقةِ الرُّمُوز، ولا يصحُّ عن جعفر بن محمَّد، ولا ينبغي أن يُلْتَفَتَ إلَيْه «٢» .\nوقوله تعالى: إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ، قيل: يعني كتابًا على الحقيقةِ، ووجْهُ الفائدة فيه امتحان ما يكتبه الحَفَظَةُ، وذلك أنَّه رُوِيَ أنَّ الحَفَظَةَ يرفَعُونَ مَا كَتَبُوهُ، ويُعَارِضُونَهُ بهذا الكِتَابِ المُشَارِ إلَيْه ليتحقَّقوا صِحَّة ما كتبوه، وقيل: المراد بقوله: إِلَّا فِي كِتابٍ: عِلْمِ اللَّهِ ﷿ المحيطِ بكلِّ شيءٍ.\nقال الفَخْرُ «٣»: وهذا هو الأصْوَبُ، ويجوزُ أنْ يقالَ: ذَكر تعالى ما ذَكَر مِنَ الوَرَقَةِ وَالحَبَّة تنبيهًا للمكلَّفين على أمر الحساب. انتهى.\nقال مَكِّيٌّ: قالَ عبْدُ اللَّه بْنُ الحارِثِ: ما في الأرْض شَجَرٌ، ولا مَغْرَزُ إبرةٍ إلاَّ علَيْها مَلَكٌ، موكَّل، يأتي اللَّه بعلْمها بيَبَسِها إذا يَبِسَتْ، ورُطُوبَتِها إذا رَطِبَتْ «٤» .\nوقيل: المعنى في كَتْبِها أنه لتعظيمِ الأمرِ، ومعناه: اعلموا أنَّ هذا الذي لَيْسَ فيه ثوابٌ ولا عقابٌ- مكتوبٌ فكيف ما فِيهِ ثوابٌ أو عقاب. انتهى من «الهداية» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-443>[سورة الأنعام (٦): الآيات ٦٠ الى ٦٤]</span>\nوَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٦٠) وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ (٦١) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ (٦٢) قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجانا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٣) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٦٤)\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٨/ ١٤١) كتاب «التفسير»، باب وعنده مفاتيح الغيب، حديث (٤٦٢٧)، والطيالسي (٢/ ٢٢- منحة) رقم (١٩٦٦)، وأبو يعلى (٩/ ٣٤٥) رقم (٥٤٥٦) كلهم من طريق الزهري، عن سالم، عن أبيه به.\nوأخرجه البخاري (٢/ ٦٠٩) كتاب «الاستسقاء»، باب لا يدري متى يجيء المطر إلا الله، حديث (١٠٣٩) وأحمد (٢/ ٢٤، ٥٢، ٥٨)، من طريق عبد الله بن دينار، عن ابن عمر به. [.....]\n(٢) ذكره ابن عطية (٢/ ٣٠٠) .\n(٣) ينظر: «مفاتيح الغيب» (١٣/ ١٠) .\n(٤) أخرجه الطبري (٥/ ٢١١) برقم (١٣٣١١)، وذكره ابن كثير (٢/ ١٣٧) .","vol":"2","page":474},{"text":"وقوله سبحانه: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ، يعني به: النّوم، ويَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ، أي: مَا كَسَبْتم بالنَّهار، ويحتمل أنْ يكون جَرَحْتُمْ هنا من الجرح كأن الذنْبَ جرح في الدِّين، والعربُ تقولُ:\n............ ... وَجُرْحُ اللّسان كجرح اليد «١»\nويَبْعَثُكُمْ: يريد به الإيقاظَ، والضميرُ في فِيهِ عائدٌ على النهار قاله مجاهد وغيره «٢»، ويحتملُ أنْ يعود الضمير على التوفِّي، أي: يوقظُكُم في التوفِّي، أي: في خلالِهِ وتضاعِيفِهِ قاله عبد الله بن «٣» كثير.\nولِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى: المراد به آجالُ بني آدمَ، ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ يريدُ:\nبالبَعْثِ والنشورِ، ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ، أي: يُعْلِمُكُمْ إعلامَ توقيفٍ، ومحاسبةٍ، ففي هذه الآية إيضاحُ الآياتِ المنصوبةِ للنَّظَر، وفيها ضَرْبُ مثالٍ للبعْثِ من القبور لأن هذا أيضًا إماتةٌ وبعْثٌ على نَحوٍ مَّا.\nوقوله سبحانه: وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ: القاهرُ إنْ أُخِذَ صِفَةَ فِعْلٍ، أي: مظهر القَهْر بالصواعقِ والرياحِ والعذابِ، فيصحُّ أنْ تجعل فَوْقَ ظرفيةً للجهةِ لأن هذه الأشياء إنما تعاهَدَها العبادُ مِنْ فوقهم، وإنْ أُخِذَ الْقاهِرُ صفَةَ ذَاتٍ، بمعنى القُدْرة والاستيلاء، ف فَوْقَ: لا يجوزُ أنْ تكون للجهةِ، وإنما هي لعلُوِّ القَدْر والشِّأن على حد ما تقولُ: اليَاقُوتُ فَوْقَ الحديد، والأحرار فوق العبيد، ويُرْسِلُ عَلَيْكُمْ: معناه: يبثّهم فيكم، وحَفَظَةً: جمع حَافِظٍ، والمراد بذلكَ الملائكةُ الموكَّلون بكَتْبِ الأعمال، ورُوِيَ أنهم الملائكةُ الَّذين قالَ فيهِمُ النبيّ ﷺ: «يتعاقب فيكم ملائكة باللّيل وملائكة\n_________\n(١) عجز بيت لامرىء القيس وصدره: [المتقارب]\nولو عن نثا غيره جاءني ... ............... ..............\nينظر: «ديوانه» (١٨٥)، «الخصائص» (١/ ٢١)، «الدر المصون» (١/ ٢٦٥) .\n(٢) أخرجه الطبري (٥/ ٢١٣) برقم (١٣٣١٨)، وذكره ابن عطية (٢/ ٣٠٠)، وذكره ابن كثير (٢/ ١٣٨) وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٣٠) وعزاه لعبد بن حميد، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ عن مجاهد بنحوه.\n(٣) ذكره ابن عطية (٢/ ٣٠٠)، وذكره ابن كثير (٢/ ١٣٨) بنحوه.","vol":"2","page":475},{"text":"بِالنَّهَارِ» «١» وقال السُّدِّيُّ وقتادة «٢»، وقال بعْض المفسِّرين: حَفَظَةً يَحفظُونَ الإنسانَ مِنْ كلِّ شيءٍ حتى يأتي أجله، والأول أظهر.\nوقرأ «٣» حمزةُ وحْده: «تَوَفَّاهُ» .\nوقوله تعالى: رُسُلُنا: يريد به على ما ذكر ابنُ عباس، وجميعُ أهل التأويل:\nملائكةً مقترنينَ بمَلَكِ المَوْت، يعاونونه ويَأْتَمِرُونَ له «٤»، ثُمَّ رُدُّوا، أي: العبادُ، إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ، وقوله: الْحَقِّ: نعْتٌ ل مَوْلاهُمُ، ومعناه: الذي لَيْسَ/ بباطلٍ، ولا مَجَاز، أَلا لَهُ الْحُكْمُ: كلامٌ مضمَّنه التنبيهُ، وهَزُّ النفوسِ، وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ:\nقيل لِعَليٍّ (﵁): كَيْفَ يُحَاسِبُ اللَّهُ العِبَادَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ؟! قَالَ: كَمَا يَرْزُقُهُمْ فِي الدُّنْيَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ» «٥» .\nوقوله تعالى: قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ...\nالآية: هذا تَمَادٍ في توبيخِ العادِلِينَ باللَّه الأوثانَ، وتركِهِمْ عبادَةَ الرَّحْمَنِ الذي يُنْجِي من الهَلَكَاتِ، ويُلْجَأُ إليه في الشّدائد، ودفع الملمّات، وظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ: يريدُ بها شدائِدَهُما، فهو لفظٌ عامٌّ يستغرقُ ما كان مِنَ الشدائدِ بظلمةٍ حقيقيةٍ، وما كان بغَيْر ظلمةٍ، والعَرَبُ تقول: عَامٌ أَسْوَدُ، ويَوْمٌ مُظْلِمٌ، ويَوْمٌ ذو كواكِبَ، يريدُونَ به الشِّدَّة، قال قتادة وغيره: المعنى: مِنْ كَرْبِ البَرِّ والبَحْرِ، وتَدْعُونَهُ: في موضعِ الحالِ، والتَّضَرُّعُ: صفَةٌ باديةٌ على الإنسانِ، وخُفْيَة: معناه: الاختفاء «٦»، وقرأ عاصمٌ «٧» في رواية أبي بكر: «وخفية»\n_________\n(١) تقدم تخريجه.\n(٢) أخرجه الطبري (٥/ ٢١٤) رقم (١٣٣٢٦، ١٣٣٢٧) بنحوه، وذكره ابن عطية (٢/ ٣٠١)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٣٠) وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ عن السدي بنحوه، وكذلك عزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ عن قتادة بنحوه.\n(٣) ينظر: «السبعة» (٢٥٩)، و«الحجة» (٣/ ٣٢١)، و«معاني القراءات» (١/ ٣٦١)، و«شرح شعلة» (٣٦٣)، و«العنوان» (٩١)، و«حجة القراءات» (٢٥٤) .\n(٤) أخرجه الطبري (٥/ ٢١٥) برقم (١٣٣٣٢، ١٣٣٣٣، ١٣٣٣٨)، وذكره ابن عطية (٢/ ٣٠١)، وذكره ابن كثير (٢/ ١٣٨) بنحوه، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٣٠)، وعزاه لابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ عن ابن عباس.\n(٥) ذكره ابن عطية (٢/ ٣٠١) .\n(٦) أخرجه الطبري (٥/ ٢١٦) برقم (١٣٣٤٦) بنحوه، وذكره ابن عطية (٢/ ٣٠٢) وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٣١)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ عن قتادة.\n(٧) ينظر: «الحجة» (٣/ ٣١٦)، و«إعراب القراءات» (١/ ١٥٩)، و«حجة القراءات» (٢٥٥)، و«معاني-","vol":"2","page":476},{"text":"- بكسر الخاء-، وقرأ الأعمشُ: «وخِيفَةً» من الخَوْف «١» .\nوقوله سبحانه: قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها ... الآية: سبق في المُجَادَلة إلى الجَوَابِ إذْ لا محيدَ عنْه، وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ: لفظٌ عامٌّ أيضًا، ليتَّضِحَ العُمُومُ الذي في «الظلماتِ»، ثُمَّ أَنْتُمْ، أي: ثم بَعْدَ معرفتكم بهذا كلِّه، وتحقّقكم له، أنتم تشركون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-444>[سورة الأنعام (٦): الآيات ٦٥ الى ٦٧]</span>\nقُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (٦٥) وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (٦٦) لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٦٧)\nوقوله تعالى: قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ ... الآية: هذا إخبارٌ يتضمَّن الوعيدَ، والأظهرُ مِنْ نَسَقِ الآياتِ: أنَّ هذا الخطابَ للكفَّار الذين تَقَدَّم ذكرهم، وهو مَذْهَبُ الطبريِّ «٢» .\nوقال أُبَيُّ بنُ كَعْبٍ، وجماعة: هو للمؤمِنِينَ، وهم «٣» المرادُ.\nوهذا الاختلافُ إنما هو بحَسَبِ ما يَظْهَرُ منْ أنَّ الآية تتناوَلُ معانِيهَا المشركِينَ والمؤمنينَ وفي «البخاريِّ» وغيره مِنْ حَدِيثِ جابر وغيره: «أنّ النبيّ ﷺ، لما نزلَتِ الآيةُ:\nقُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذابًا مِنْ فَوْقِكُمْ، قَالَ: أَعُوذُ بِوَجْهِكَ، فلما نزلَتْ:\nأَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ، قَالَ: أَعُوذُ بِوَجْهِكَ، فلما نزلَتْ: أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ قال: هذه أهونُ أو أيَسر» «٤» فاحتج بهذا الحديثِ من قال: إنّها\n_________\n- القراءات» (١/ ٣٦٢)، و«العنوان» (٩١)، و«شرح الطيبة» (٤/ ٢٥٨)، و«شرح شعلة» (٣٦٤) . [.....]\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٣٠٢)، و«البحر المحيط» (٤/ ١٥٤)، و«الدر المصون» (٣/ ٨٤) .\n(٢) ينظر الطبري (٥/ ٢٢٣) .\n(٣) أخرجه الطبري (٥/ ٢١٣) برقم (١٣٣٨٤) بنحوه، وذكره ابن عطية (٢/ ٣٠٢)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٣٢) وعزاه لابن أبي شيبة، وأحمد، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، وابن مردويه، وأبي نعيم من طريق أبي العالية، عن أبي بن كعب بنحوه.\n(٤) أخرجه البخاري (١٣/ ٣٠٩) كتاب «الاعتصام»، باب قول الله تعالى: أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا، حديث (٧٣١٣) والترمذي (٥/ ٢٦١) كتاب «التفسير»، باب ومن سورة الأنعام، حديث (٣٠٦٧)، وأحمد (٣/ ٣٠٩) والحميدي (١٢٥٩)، وأبو يعلى (٣/ ٣٦٢) رقم (١٨٢٩) من طريق سفيان، عن عمرو بن دينار، عن جابر مرفوعا.\nوقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.\nوأخرجه البخاري (٨/ ١٤٢) كتاب «التفسير»، باب قوله تعالى: قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذابًا مِنْ فَوْقِكُمْ، حديث (٤٦٢٨) من طريق حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن جابر.","vol":"2","page":477},{"text":"نَزَلَتْ فِي المؤمنينَ، قال الطَّبريُّ «١» وغيره: مُمْتَنِعٌ أن يكون النبيّ ﷺ تعوَّذ لأمَّته مِنْ هذه الأشياءِ الَّتي توعَّد بها الكُفَّار، وهَوَّنَ الثالثةَ لأنَّها بالمعنى هي التي دعا فيها، فمنع حسب حديثِ «المُوطَّإ» وغيره، ومِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ: لفظٌ عامٌّ للمنطبقِينَ علَىَ الإنسان، وقال السُّدِّيُّ، عن أبي مالِكٍ: مِنْ فَوْقِكُمْ: الرَّجْم، أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ\n: الخَسْف «٢» وقاله سعيدُ بن جُبَيْر ومجاهد «٣» .\nوقوله سبحانه: أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا: معناه: يخلِّطكم فِرَقًا، والبأْسُ: القَتْل، وما أشبهه من المَكَارِهِ، وفي قوله تعالى: انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ: استرجاعٌ لهم، وإنْ كان لفظها لَفْظَ تعجيب للنبيّ ﷺ فمضمَّنها أنَّ هذه الآياتِ والدلائلَ إنما هي لاستصرافهم عن طريقِ غَيِّهم، والفِقْهُ: الفَهْمُ.\nوقوله تعالى: وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ، الضمير في بِهِ عائدٌ على القُرآن الذي فيه جاءَ تصريفُ الآياتِ قاله السُّدِّيُّ «٤»، وهذا هو الظاهرُ، ويحتملُ أنْ يعود الضميرُ على الوَعِيدِ الذي تضمَّنَتْه الآيةُ، ونحا إليه الطبريُّ «٥»، وقوله: قُلْ لَسْتُ/ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ: معناه: لسْتُ بمدفوعٍ إلى أخْذكم بالإيمان والهدى، وهذا كان قَبْلَ نزول آياتِ الجهادِ والأمْرِ بالقتالِ، ثم نُسِخَ.\nوقوله سبحانه: لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ: أيْ: غايةٌ يعرف عندها صدقه من كذبه، وسَوْفَ تَعْلَمُونَ: تهديد محض ووعيد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-445>[سورة الأنعام (٦): الآيات ٦٨ الى ٦٩]</span>\nوَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٦٨) وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلكِنْ ذِكْرى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٦٩)\nوقوله تعالى: وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ\n_________\n(١) ينظر الطبري (٥/ ٢٢٣) .\n(٢) أخرجه الطبري (٥/ ٢١٧) برقم (١٣٣٤٧) بنحوه، (١٣٣٥٠) بنحوه وذكره ابن عطية (٢/ ٣٠٣) .\n(٣) أخرجه الطبري (٥/ ٢١٧) برقم (١٣٣٤٨)، (١٣٣٤٩) بنحوه وذكره ابن عطية (٢/ ٣٠٣)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٣٢) وعزاه لابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد بنحوه.\n(٤) أخرجه الطبري (٥/ ٢٢٤) رقم (١٣٣٨٥) بنحوه، وذكره ابن عطية (٢/ ٣٠٣)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٣٧)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ عن السدي بنحوه.\n(٥) ينظر الطبري (٥/ ٢٢٤) .","vol":"2","page":478},{"text":": هذا خطاب للنبيّ ﷺ، والمؤمنون داخلُونَ في الخطاب معه، هذا هو الصحيحُ لأنَّ علَّة النهْي، وهي سماعُ الخَوْض في آياتِ اللَّه، تَشْمَلُهُمْ وإيَّاه، فأُمِرَ النبيُّ ﷺ هو والمؤمنون أنْ ينابذُوا الكُفَّار بالقيام عنهم، إذا استهزءوا وخاضوا ليتأدَّبوا بذلك، ويدَعُوا الخَوْضَ والاستهزاءَ، قلْتُ: ويدلُّ على دخولِ المؤمنينَ مع النبيّ ﷺ في الخطابِ- قولُهُ تعالى: وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ [النساء: ١٤٠] . انتهى.\nوالخَوْضُ: أصله في الماءِ، ثم يستعملُ بعدُ في غمرات الأشياء التي هي مجاهلُ تشبيهًا بغَمَرَات الماء.\nوَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ: «إما»: شرط، وتلزمها النونُ الثقيلة في الأغلب، وقرأ ابن عامر «١» وحده: «يُنَسِّيَنَّكَ» - بتشديدِ السينِ، وفتحِ النونِ-، والمعنى واحدٌ إلا أن التشديد أكثر مبالغةً، والذِّكْرى والذِّكْر واحدٌ في المعنى، ووصْفُهم ب الظَّالِمِينَ متمكِّن لأنهم وضعوا الشيء في غير موضعه، وفَأَعْرِضْ في هذه الآية: بمعنى المفارقة على حقيقة الإعراض، وأكملِ وجوهه ويدُلُّ على ذلك: فَلا تَقْعُدْ.\nوقوله سبحانه: وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ، وروي أنه لما نزلَتْ: فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ [النساء: ١٤٠] قال المؤمنون: إذا كنا لا نقْرَبُ المشركين، ولا نسمع أقوالهم، فلا يمكننا طَوَافٌ ولا قضاءُ عبادةٍ في الحرمِ، فنزلَتْ لذلك: وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ ... الآية.\nقال ع «٢»: فالإباحة في هذا هي في القَدْر الذي يحتاجُ إلَيْه من التصرُّف بَيْن المشركين في عبادةٍ ونحوها، وقيل: إن هذه الآية الأخيرةَ ليْسَتْ إباحة بوجه، وإنما معناها: لا تَقْعُدوا معهم، ولا تَقْرَبوهم حتى تسمعوا استهزاءهم وخوضهم، وليس نهيكم عن القعود لأنَّ عليكم شيئًا من حسابهم، وإنما هو ذكرى لكم، ويحتملُ المعنى: ولكنْ ذكرى لعلَّهم إذا جانبتموهم، يتقون بالإمساكِ عن الاستهزاءِ، ويحتمل المعنى: ولكن\n_________\n(١) وحجته ما جاء في البخاري: «ما لأحدهم يقول: نسيت آية كيت وكيت، بل هو نسّي» .\nينظر: «حجة القراءات» (٢٥٦)، و«السبعة» (٢٦٠)، و«الحجة» (٣/ ٣٢٤)، و«إعراب القراءات» (١/ ١٦٠)، و«معاني القراءات» (١/ ٣٦٣)، و«العنوان» (٩١)، و«شرح الطيبة» (٤/ ٢٥٩)، و«شرح شعلة» (٣٦٤) .\n(٢) ينظر: «المحرر» (٢/ ٣٠٤) .","vol":"2","page":479},{"text":"ذكِّروهم ذكرى، وينبغي للمؤمن أنْ يمتثل حكم هذه الآية مع المُلْحِدِين، وأهْلِ الجدلِ والخَوْضِ فيه، وحكى الطبريُّ «١»، عن أبي جعفر أنه قال: «لاَ تُجَالِسُوا أَهْلَ الخُصُومَاتِ فإنَّهُمْ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِ «٢» اللَّهِ»، وفي الحديث، عنه ﷺ: «أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ المِرَاءَ وَإنْ كَانَ مُحِقًّا، وَبِبَيْتٍ فِي وَسَطِ الجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الكَذِبَ وإنْ كَانَ مَازِحًا، وبِبَيْتٍ فِي أَعْلَى الجَنَّةِ لِمَنْ حَسَّنَ خُلُقه»، خَرَّجه أبو داود «٣» . انتهى من «الكوكب الدري»، وقد ذكرنا هذا الحديثَ من غير طريقِ أبي داود بلفظ أوضَحَ من هذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-446>[سورة الأنعام (٦): الآيات ٧٠ الى ٧٣]</span>\nوَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْها أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠) قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ لَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (٧١) وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٢) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (٧٣)\nوقوله سبحانه: وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا: هذا أمر بالمتاركة، وكان ذلك بحَسَب قلَّة المسلمين يومَئِذٍ، قال قتادة: ثم نُسِخَ ذلك، وما جرى مجراه بالقتَالِ «٤»، وقال مجاهد: الآيةُ إنما هي للتهديدِ والوعيدِ، فهي كقوله تعالى: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا «٥» [المدثر: ١١]، وليس فيها نَسْخٌ لأنها متضمنة خبرًا، وهو التهديدُ، وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا، أيْ: خدعتهم من الغُرُور، وهو الأطماعُ بما لا يتحصَّل فاغتروا بنعم/ الله\n_________\n(١) ينظر الطبري (٥/ ٢٢٥) .\n(٢) أخرجه الطبري (٥/ ٢٢٦) برقم (١٣٣٩٥)، وذكره ابن عطية (٢/ ٣٠٥)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٣٨)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وأبي نعيم في «الحلية» عن أبي جعفر.\n(٣) أخرجه أبو داود (٢/ ٦٦٨) كتاب «الأدب» باب في حسن الخلق، حديث (٤٨٠٠) من حديث أبي أمامة مرفوعا. [.....]\n(٤) أخرجه الطبري (٥/ ٢٢٨) برقم (١٣٤٠٧، ١٣٤٠٨) بنحوه، ذكره ابن عطية (٢/ ٣٠٥)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٣٩)، وعزاه لعبد بن حميد، وأبي داود، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والنحاس عن قتادة بنحوه.\n(٥) أخرجه الطبري (٥/ ٢٢٨) برقم (١٣٤٠٥) بنحوه، وذكره ابن عطية (٢/ ٣٠٥)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٣٩)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ عن مجاهد بنحوه.","vol":"2","page":480},{"text":"وإمهاله، وطَمَعُهُمْ ذلك فيما لم يتحصَّل من رحمته، واعلم أنَّ أعقلَ العقلاء مؤمنٌ مقبِلٌ على آخرته قد جَعَلَ الموْتَ نُصْبَ عينيه، ولم يغترَّ بزخارف الدنيا كما اغتر بها الحمقى، بل جعل همَّهُ واحدًا هَمَّ المعادِ وما هو صائرٌ إليه وقد روى البَزَّار في مسنده، عن النبيّ ﷺ أنَّهُ قَالَ: «مَنْ جَعَلَ الهُمُومَ هَمًّا وَاحِدًا هَمَّ المَعَادِ، كَفَاهُ اللَّهُ هَمَّ الدُّنْيَا، وَمَنْ تَشَعَّبَتْ بِهِ الهُمُومُ هُمُومُ الدُّنْيَا، لَمْ يُبَالِ اللَّهُ تعالى فِي أَيِّ أَوْدِيَتِهَا هَلَكَ» «١» . انتهى من «الكوكب الدريِّ» .\nوقوله سبحانه: وَذَكِّرْ بِهِ: أي بالقرآن، وقيل: الضمير في بِهِ عائد على الدّين، وأَنْ تُبْسَلَ في موضع المفعولِ له، أي: لَئِلاَّ تُبْسَلَ، ومعناه: تُسْلَمَ قاله الحسن وعكرمة «٢» وقال قتادةُ: تُحْبَسَ وتُرْهَنْ «٣»، وقال ابن عبَّاس: تُفْضَح «٤»، وقال ابن زيد «٥»: تجزى، وهذه كلُّها متقاربةُ المعنى ومنه قول الشّنفرى «٦»: [الطويل]\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه (١/ ٩٥) المقدمة، باب الانتفاع بالعلم والعمل به، حديث (٢٥٧) والعقيلي في «الضعفاء» (٤/ ٣٠٩- ٣١٠) وأبو نعيم في «الحلية» (٢/ ١٠٥) من طريق نهشل بن سعيد، عن الضحاك، عن الأسود، عن ابن مسعود به.\nوقال أبو نعيم: غريب من حديث الأسود لم يرفعه إلا الضحاك، ولا عنه إلا نهشل.\nوقال البوصيري: إسناده ضعيف، فيه نهشل بن سعيد قيل: إنه يروي المناكير. وقيل: بل الموضوعات.\nوللحديث شاهد من حديث ابن عمر.\nأخرجه الحاكم (٢/ ٤٤٣) وقال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.\n(٢) أخرجه الطبري (٥/ ٢٢٨) برقم (١٣٤٠٩، ١٣٤١٠)، وذكره البغوي (٢/ ١٠٦) عن عكرمة، وذكره ابن عطية (٢/ ٣٠٥) وذكره ابن كثير (٢/ ١٤٤) عن الحسن، وعكرمة.\n(٣) أخرجه الطبري (٥/ ٢٢٩) برقم (١٣٤١٥، ١٣٤١٦) بنحوه، وذكره البغوي (٢/ ١٠٦)، وذكره ابن عطية (٢/ ٣٠٥)، وذكره ابن كثير (٢/ ١٤٤) وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٤٠)، وعزاه لعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة.\n(٤) أخرجه الطبري (٥/ ٢٢٩) رقم (١٣٤١٨)، وذكره ابن عطية (٢/ ٣٠٥)، وذكره ابن كثير (٢/ ١٤٤)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٣٩) وعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس.\n(٥) أخرجه الطبري (٥/ ٢٢٩) برقم (١٣٤١٧) بنحوه، وذكره البغوي (٢/ ١٠٦)، وذكره ابن عطية (٢/ ٣٠٥)، وذكره ابن كثير (٢/ ١٤٤) وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٤٠)، وعزاه لابن أبي حاتم عن ابن زيد بنحوه.\n(٦) عمرو بن مالك الأزدي، من قحطان شاعر جاهلي، يماني، من فحول الطبقة الثانية. كان من فتاك العرب وعدّائيهم. وهو أحد الخلعاء الذين تبرأت منهم عشائرهم. قتله بنو سلامان. وهو صاحب «لامية العرب» التي مطلعها: [الطويل]\n«أقيموا بني أمي صدور مطيكم ... فإني إلى قوم سواكم لأميل» -","vol":"2","page":481},{"text":"هُنَالِكَ لاَ أَرْجُو حَيَاةً تَسُرُّنِي ... سَمِيرَ اللَّيَالِي مُبْسَلًا بِالْجَرَائِرِ «١»\nوباقي الآية بيِّن.\nوَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ، أي: وإن تعط كلَّ فدية، وإنْ عظُمت، فتجعلها عِدْلًا لها، لا يُقْبَل منها، وقال أبو عُبَيْدة: وَإِنْ «٢» تَعْدِلْ، هو من العَدْلِ المضادِّ للجور وردَّه الطبريُّ «٣» بالإجماع على أنَّ توبة الكافر مقبولةً.\nقال ع «٤»: ولا يلزم هذا الردُّ، لأنَّ الأمر إنما هو يوم القيامة، ولا تقبلُ فيه توبة، ولا عملٌ. قلْتُ: وأجلى من هذا أنْ يحمل كلامُ أبي عُبَيْدة على معنى أنَّه لا يقبلُ منها عدلُها لاختلال شَرْطه، وهو الإيمان، وأُبْسِلُوا: معناه: أُسْلِمُوا بما اجترحوه من الكُفْر، والحميمُ: الماءُ الحارُّ ومنه: الحَمَّام، والحَمَّة.\nوقوله سبحانه: قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا، المعنى: قل في احتجاجك: أنطيع رأيكم في أنْ ندعو من دون اللَّه، والدعاءُ: يعم العبادة وغيرها لأن مَنْ جعل شيئًا موضعَ دعائه، فإياه يَعْبُدُ، وعليه يتوكّل، وما لاَ يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا: يعني:\nالأصنام، وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا: تشبيهٌ بمَشْيِ القهقرى، وهي المِشْية الدنيَّة فاستعمل المَثَل بها فيمَنْ رجَعَ مِنْ خيرٍ إلى شَرٍّ.\nوقوله سبحانه: كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ في الكلام حذفٌ، تقديره: ردًّا كَرَدِّ الذي، واسْتَهْوَتْهُ: بمعنى: استدعت هواه وأمالته، وهَدانَا: بمعنى: أرشَدَنَا، فسياقُ هذا المثل كأنه قال: أيَصْلُحُ أن نكون بعد الهدى نعبد الأصنام فيكون ذلك منَّا ارتدادا على العَقِبِ فنكون كَرَجُلٍ على طريق واضحٍ، فاستهوته عنه الشياطينُ، فخرج عنه إلى دعوتهم، فبقي حائرا.\n_________\n- شرحها الزمخشري في «أعجب العجب» .\nينظر: «الأعلام» (٥/ ٨٥)، «الأغاني» (٢١/ ١٣٤- ١٤٣)، «المقتطف» (٦/ ١٨٦)، «خزانة الأدب» (٢/ ١٦- ١٨) .\n(١) البيت في ديوانه (٣٦)، و«المغتالين» لابن حبيب (٨٧٣)، و«الحماسة» (٢٤٢)، «العقد الفريد» (١/ ٥٣)، «محاضرات الراغب» (١٢٨٧)، وابن أبي الحديد (٢/ ٢٩٤)، وفي «الحيوان» (٦/ ١٥٣) لتأبط شرّا، وفي «المرتضى» (٣/ ١٥٨)،\n(٢) ذكره ابن عطية (٢/ ٣٠٦) .\n(٣) ينظر الطبري (٥/ ٢٣٠) .\n(٤) ينظر: «المحرر» (٢/ ٣٠٦) .","vol":"2","page":482},{"text":"وقوله: لَهُ أَصْحابٌ: يريد: له أصحابٌ على الطريق الذي خَرَجَ منه، فيشبَّه بالأصحاب على هذا المؤمنون الذين يَدْعُونَ مَن ارتد إلى الرجوع إلى الهدى، وهذا تأويلُ مجاهد وابن عباس «١»، وائْتِنا: من الإتيان، بمعنى المجيء، وقول من قال: إن المراد بالذي في هذه الآية: عبدُ الرحمنِ بْنُ أبي بَكْرٍ: وبالأصحاب: أبواه- قول ضعيفٌ يردُّه قول عائشة في الصحيحِ: «مَا نَزَلَ فِينَا مِنَ القُرآنِ شَيْءٌ إلاَّ بَرَاءَتِي»، قلتُ: تريد وقصَّة الغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ [التوبة: ٤٠]، وقوله: وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ ...\n[النور: ٢٢] إذ نزلَتْ في شأن أبي بكر، وشأن مِسْطَحٍ «٢» .\nقال ع «٣»: حدثني أبي (﵁) قال: سمعْتُ الفقيه الإمام أبا عبد اللَّه المعروفَ بالنحْويِّ المجاوِرِ بمكَّة، يقول: مَنْ نازع أحدًا من المُلْحِدِينَ، فإنما ينبغي أن يردَّ عليه بالقرآن والحديث فيكونُ كَمَنْ يدعو إلى الهدى بقوله: ائْتِنا، ومَنْ ينازعهم بالجَدَل، ويحلِّق عليهم به، فكأنه بَعُدَ من الطريق الواضح أكْثَرَ، ليردَّ هذا الزائغَ/، فهو يخافُ علَيْه أنْ يضلَّ.\nقال ع «٤»: وهذال انتزاعٌ حسنٌ جدًّا، وباقي الآية بيِّن.\nوقوله سبحانه: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ، أي: لم يخلقْها باطلًا لغير معنًى، بل لمعانٍ مفيدةٍ، وحقائقَ بيِّنة.\nوقوله سبحانه: وَيَوْمَ يَقُولُ «يوم»: نصب على الظرْفِ، وتقديرُ الكلامِ: واذكر الخَلْق والإعادة يَوْمَ، وتحتمل الآية مع هذا أنْ يكون معناها، واذكر الإعادة يَوْمَ يقولُ اللَّه للأجساد: كوني معادةً.\nوقوله تعالى: يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ، الجمهورُ أنَّ الصُّورَ هو القَرْن الذي قال فيه\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٥/ ٢٣٣) برقم (١٣٤٣١) بنحوه عن مجاهد، وذكره ابن عطية (٢/ ٣٠٧) . [.....]\n(٢) مسطح بن أثاثة: بن عباد بن المطلب بن عبد مناف بن قصيّ المطلبيّ. كان اسمه عوفا، وأما مسطح فهو لقبه وأمه بنت خالة أبي بكر، أسلمت، وأسلم أبوها قديما وكان أبو بكر يمونه لقرابته منه، ومات مسطح سنة أربع وثلاثين في خلافة عثمان ويقال: عاش إلى خلافة عليّ، وشهد معه صفّين، ومات في تلك السّنة سنة سبع وثلاثين.\nينظر: «الإصابة» (٦/ ٧٤)، «طبقات ابن سعد» (٣/ ١/ ٣٦)، «أسد الغابة» (ت ٤٨٧٢)، «الاستيعاب» (ت ٢٥٧٩)، «حلية الأولياء» (٢/ ٢٠)، «تهذيب الأسماء واللغات» (٢/ ٨٩)، «العبر» (١/ ٣٥) .\n(٣) ينظر: «المحرر» (٢/ ٣٠٧) .\n(٤) ينظر: «المحرر» (٢/ ٣٠٨) .","vol":"2","page":483},{"text":"النبيّ ﷺ: «إنَّهُ يُنْفَخُ فِيهِ لِلصَّعْقِ ثُمَّ لِلْبَعْثِ» «١»، وباقي الآية بيّن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-447>[سورة الأنعام (٦): الآيات ٧٤ الى ٧٥]</span>\nوَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنامًا آلِهَةً إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٧٤) وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥)\nوقوله تعالى: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنامًا آلِهَةً إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ، قال الطبري «٢»: نبه الله نبيّنا محمدا ﷺ على الاقتداء بإبراهيم في محاجّته قومه إذا كانوا أهل أصنام، وكان قوم النبيّ ﷺ أهل أصنام، وقوله: أَصْنامًا آلِهَةً:\nمفعولانِ، وذُكِرَ أن آزر أبا إبراهيِمَ﵇- كَانَ نَجَّارًا محسنًا، ومهنْدِسًا، وكان نُمْرُود يتعلَّق بالهندسةِ والنجُومِ، فحَظِيَ عنده آزر لذلك، وكان على خُطَّةِ عملِ الأَصنامِ تُعْمَلُ بأمره وتَدْبيره، ويَطْبَع هو في الصنمِ بخَتْمٍ معلومٍ عنده وحينئذٍ يُعْبَدُ ذلك الصنمُ، فلما نشأ إبراهيمُ ابنه على الصفة التي تأتي بعْدُ، كان أبوه يكلِّفه ببيعها، فكان إبراهيم ينادِي عليها: مَنْ يَشْتَري ما يضرُّه ولا ينفعه، ويستخفُّ بها، ويجعلها في الماءِ منكوسةً، ويقول لها: اشربي، فلما اشتهر أمْرُه بذلك، وأخذ في الدعاءِ إلى اللَّه ﷿، قال لأبيه هذه المقالة، وأَراكَ في هذا الموضعِ: يشترك فيها القلبُ والبصرُ، ومُبِينٍ: بمعنى:\nظاهر واضح.\nوقوله سبحانه: وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ: الآيةُ المتقدِّمةُ تقْضِي بهدايةِ إبْرَاهيم﵇-، والإشارةُ ب «ذلك» هي إلى تلك الهداية، أي: وكما هدَيْنَاه إلى الدعاء إلى الله وإنكار الكفر، أريناه ملكوت، ونُرِي: لفظها: الاستقبال، ومعناها: المضيُّ، وهذه الرؤْية قيل: هي رؤية البَصَر، ورُوِيَ في ذلك أنَّ اللَّه ﷿ فرج لإِبراهيم﵇- السمواتِ والأرْضَ حتى رأَى ببَصَره الملكوتَ الأعلى، والملكوتَ الأسفلَ وهذا هو قولُ مجاهدٍ «٣» قال: تفرّجت له السموات والأرضون، فرأى\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٨/ ١١٦) كتاب «التفسير»، باب قوله تعالى: إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ حديث (٤٦٠٤)، ومسلم (٤/ ١٨٤٣) كتاب «الفضائل»، باب من فضائل موسى ﵇، حديث (١٥٩/ ٢٣٧٣) من حديث أبي هريرة.\n(٢) ينظر: الطبري (٥/ ٢٣٨) .\n(٣) أخرجه الطبري (٥/ ٢٤٢) برقم (١٣٤٥٤) بنحوه، وذكره ابن عطية (٢/ ٣١١) وذكره ابن كثير (٢/ ١٥٠) بنحوه، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٤٤) وعزاه لآدم بن أبي إياس، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، والبيهقي عن مجاهد بنحوه.","vol":"2","page":484},{"text":"مكانه في الجنَّة، وبه قال سعيدُ بنُ جُبَيْر، وسلمانُ الفارسيُّ «١»، وقيل: هي رؤيةَ بَصرٍ في ظاهر الملكوت، وقع له معها من الاعتبارِ ورؤيةِ القَلْب: ما لم يقعْ لأحد من أهل زمنه الذين بُعِثَ إليهم قاله ابن عباس «٢» وغيره، وقيل: هي رؤية قَلْب، رأى بها ملكوتَ السمواتِ والأرضِ بفكرته ونظره، ومَلَكُوتَ: بناءُ مبالغةٍ، وهو بمعنى المُلْك، والعربُ تقول: لفلانٍ مَلَكُوتُ اليَمَنِ، أي: مُلْكُه، واللام في: لِيَكُونَ: متعلِّقة بفعلٍ مؤخَّر، تقديره: وليكونَ من الموقنين، أَرَيْنَاهُ، والمُوقُنِ: العالِمُ بالشيء علمًا لا يمكنُ أنْ يطرأ له فيه شك، وروي عن ابنِ عبَّاس في تفسير: وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ قال: جلى له الأمورَ سرَّها وعلانيتَها، فلم يَخْفَ عليه شيْءٌ من أعمال الخلائق «٣»، فلما جعل يلْعَنُ أصحابَ الذنوبِ، قال اللَّه له: إنَّكَ لاَ تَسْتَطِيعُ هذا، فَرَدَّه لا يرى أعمالهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-448>[سورة الأنعام (٦): الآيات ٧٦ الى ٧٩]</span>\nفَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغًا قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩)\nوقوله سبحانه: فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا قالَ هذا رَبِّي ... الآية: جَنَّ اللَّيْلُ: ستَرَ وغطى بظلامه، ذهب ابن عباس/ وناسٌ كثيرون إلى أنَّ هذه القصة وقعَتْ في حال صباه وقبل البلوغ والتكليفِ «٤»، ويحتملُ أنْ تكون وقعتْ له بعد بلوغه وكونه مكلَّفًا، وحكى الطبريُّ هذا عَنْ فرقةٍ، وقالتْ: إنه استفهم قومَهُ على جهة التوقيفِ والتوبيخِ، أي:\nهذا ربِّي، وحكي أن النمرودَ جَبَّارَ ذلك الزمان رأى له منجِّموه أنَّ مولودًا يُولَدُ في سَنَةِ كذا في عمله يكون خَرَابُ المُلْك على يديه، فجعل يَتَتَبَّعُ الحبالى، ويوكِّل بهن حُرَّاسًا، فمن وضَعَتْ أنثى، تُركَتْ، ومَنْ وضعتْ ذكَرًا، حمل إلى المَلِك فذَبَحه، وأن أمَّ إبراهيمَ حَمَلَتْ، وكانَتْ شابَّة قويةً، فسَتَرَتْ حملها، فلما قربت ولادتُها، بعثَتْ أبا إبراهيم إلى\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٥/ ٢٤٢) رقم (١٣٤٥٥، ١٣٤٥٦) بنحوه، وذكره البغوي (٢/ ١٠٨) بنحوه، وذكره ابن عطية (٢/ ٣١١)، وذكره ابن كثير (٢/ ١٥٠) بنحوه، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٤٥)، وعزاه لسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن المنذر، وأبي الشيخ عن سلمان.\n(٢) أخرجه الطبري (٥/ ٢٤١) رقم (١٣٤٤٥) بنحوه، وذكره البغوي (٢/ ١٠٨) بنحوه، وذكره ابن عطية (٢/ ٣١١)، وذكره ابن كثير (٢/ ١٥٠) .\n(٣) أخرجه الطبري (٥/ ٢٤٣) رقم (١٣٤٦٤)، وذكره ابن عطية (٢/ ٣١٢)، وذكره ابن كثير (٢/ ١٥٠) .\n(٤) أخرجه الطبري (٥/ ٢٤٥) رقم (١٣٤٦٨) بنحوه عن ابن عباس، وذكره ابن كثير (٢/ ١٥١) بنحوه.","vol":"2","page":485},{"text":"سَفَر، وتحيَّلت لمضيِّه إليه، ثم خرجَتْ هي إلى غارٍ، فولدَتْ فيه إبراهيم، وتركته في الغار، وكانَتْ تتفقَّده فوجدَتْه يتغذى بأنْ يمصَّ أصابعه، فيخرج له منها عسلٌ وسَمْنٌ ونحو هذا، وحُكِيَ: بل كان يغذِّيه مَلَكٌ، وحُكِيَ: بل كانَتْ أمه تأتيه بألبان النِّساء التي ذُبِحَ أبناؤهن، واللَّه أعلم، أيُّ ذلك كان، فشبَّ إبراهيم أضعافَ ما يشب غيره، والمَلِكُ في خلالِ ذلك يحسُّ بولادته، ويشدِّد في طلبه، فمكَثَ في الغار عَشَرَةَ أعوامٍ، وقيل: خمسَ عَشْرة سنةً، وأنه نظر أول ما عَقَل من الغارِ، فرأى الكواكِبَ، وجرَتْ قصة الآية، واللَّه أعلم «١» .\nفإن قلنا بأنه وقعَتْ له القصّة في الغار في حال الصّبوة، وعدمِ التكليفِ على ما ذهب إليه بعض المفسّرين، ويحتمله اللفظ، فذلك ينفسم على وجْهين: إما أنْ يجعل قوله:\nهذا رَبِّي تصميمًا واعتقادا، وهذا باطلٌ لأن التصميم على الكُفْر لم يقع من الأنبياء- صلوات اللَّه عليهم-، وإما أنْ نجعله تعريضًا للنظر والاستدلال كأنه قال: أَهَذَا المُنِيرُ البهيُّ ربِّي إن عضّدت ذلك الدلائل.\nوإنا قلنا إن القصَّة وقَعَتْ له في حال كِبَرِهِ، وهو مكلَّف، فلا يجوز أنْ يقولَ هذا مصمِّمًا ولا مُعَرِّضًا للنظر لأنها رتبة جهلٍ أو شكٍّ، وهو﵇- منزَّه معصوم من ذلك كلِّه فلم يبق إلاَّ أنْ يقولها على جهة التَّقْرير لقومه والتوبيخ لهم، وإقامةِ الحُجَّة عليهم في عبادة الأصنام كأنه قال: أَهَذَا المُنِيرُ ربِّي، وهو يريد: على زعمكم كما قال تعالى:\nأَيْنَ شُرَكائِيَ [النحل: ٢٧]، أي: على زعمكم، ثم عَرَضَ إبراهيم عليهم مِنْ حَرَكَة الكوكب وأفولِهِ أَمارةَ الحدوث، وأنه لا يصلحُ أن يكون ربًّا، ثم في آخر أعظم منه وأحرى كذلك، ثم في الشَّمْس كذلك فكأنه يقول: فإذا بان في هذه المُنِيرَاتِ الرفيعةِ أنها لا تصلح للربوبيَّة، فأصنامكم التي هي خشبٌ وحجارةٌ أحرى أنْ يبين ذلك فيها ويَعْضُدُ عندي هذا التأويلَ قولُهُ: إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ، قلت: وإلى ترجيحِ هذا أشار عِيَاضٌ في «الشفا» قال: وذهب معظمُ الحُذَّاق من العلماء والمفسرين إلى أن إبراهيم إنما قال ذلك مبكِّتًا لقومه، ومستدلًاّ عليهم.\nقال ع «٢»: ومَثَّلَ لهم بهذه الأمور لأنهم كانوا أصْحَابَ علْمِ نجومٍ ونظرٍ في الأفلاك، وهذا الأمر كلُّه إنما وقع في ليلةٍ واحدةٍ، رأى الكوكب، وهو الزّهرة في قول\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٢/ ٣١٢) .\n(٢) ينظر: «المحرر» (٢/ ٣١٣) .","vol":"2","page":486},{"text":"قتادة «١»، وقال السُّدِّيُّ: هو المشتري جانحًا إلى الغروب «٢»، فلما أَفَلَ بزغ القمر، وهو أول طلوعه، فَسَرَى الليل أجْمَعُ، فلما بزغَتِ الشمسُ، زال ضوء القمرِ قبلها لانتشار الصباحِ، وخَفِيَ نوره، ودنا أيضًا مِنْ مغربه، فسمى ذلك أفولًا لقربه من الأُفُولِ التامِّ على تجوُّز في التسمية، وهذا الترتيبُ يستقيمُ في الليلة الخامسةَ عَشَرَ من الشَّهْر إلى ليلة عشْرين، وليس يترتَّب في ليلةٍ واحدة كما/ أجمع أهل التفسير، إلاَّ في هذه الليالي، وبذلك يصحُّ التجوُّز في أفول القمر، «وأَفَلَ» في كلام العرب: معناه: غاب، وقيل: معناه، ذَهَبَ، وهذا خلافٌ في العبارة فقَطْ، والبزوغُ في هذه الأنوارِ: أوَّلُ الطلوع، وما في كَوْنِ هذا الترتيب في ليلةٍ من التجوُّز في أفول القمر لأنَّ أفوله لو قدَّرناه مَغِيبَهُ، لكان ذلك بَعْد بزوغ الشمسِ، وجميع ما قلناه يعطيه الاعتبار، ويَهْدِيَنِي: يرشدْنِي وهذا اللفظ يؤيِّد قول من قال: إن القصة في حالِ الصِّغَر، والقومُ الضالُّون هنا عبدةُ المخلوقاتِ كالأصنام وغيرها، ولما أفَلَتِ الشمسُ، لم يبقَ شيءٌ يمثِّل لهم به، فظهرَتْ حُجَّته، وقَوِيَ بذلك على منابذتهم والتبرِّي من إشراكهم، وقوله: إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ: يؤيِّد قول من قال: إن القصة في حال الكبر والتكليف، ووَجَّهْتُ وَجْهِيَ، أي: أقبلْتُ بقَصْدي وعبادتِي وتوحيدِي وإيمانِي للذي فطر السموات والأرض، أي: اخترعها وحَنِيفًا: أي مستقيمًا، والحَنَف: المَيْل فكأنه مال عن كلّ جهة إلى القوام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-449>[سورة الأنعام (٦): الآيات ٨٠ الى ٨٢]</span>\nوَحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أَتُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدانِ وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ (٨٠) وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨١) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)\nوقوله تعالى: وَحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أَتُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ، أي: أتراجعوني في الحجَّة في توحيد اللَّه، وَقَدْ هَدانِ، أي: قد أرشدني إلى معرفتِهِ وتوحيده، وَلا أَخافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ، الضميرُ في بِهِ يعودُ على اللَّهِ والمعنى: ولا أخافُ الأصنامُ التي تشركونَهَا باللَّه في الربوبيَّة، ويحتمل أنْ يعود على «ما»، والتقديرُ: ما تشركون بسَبَبِهِ، وقوله: إِلَّا أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئًا: استثناء ليس من الأوّل، وشَيْئًا: منصوب\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٢/ ٣١٣)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٤٦) وعزاه لعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ عن قتادة بنحوه.\n(٢) ذكره ابن عطية (٢/ ٣١٣)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٤٦) وعزاه لابن أبي حاتم، عن السدي بنحوه. [.....]","vol":"2","page":487},{"text":"ب يَشاءَ، ولما كانتْ قوة الكلامِ أنه لا يخَافُ ضررًا، استثنى مشيئةَ ربِّه تعالى في أن يريده بضرّ، وعِلْمًا: نصبٌ على التمييز، وهو مصدرٌ بمعنى الفاعل كما تقول العرب: تَصَبَّبَ زَيْدٌ عَرَقًا، المعنى: تصبَّبَ عَرَقُ زَيْدٍ فكذلك المعنى هنا وِسَعِ علْمُ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ، أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ: توقيفٌ وتنبيه وإظهار لموضعِ التقصيرِ منهم، وقوله: وَكَيْفَ أَخافُ مَا أَشْرَكْتُمْ ... الآيةَ إلى تَعْلَمُونَ، هي كلُّها من قول إبراهيم﵇- لقومه، وهي حجته القاطعة لهم، والمعنى: وكيف أخاف أصنامًا لا خَطْب لها، إذ نبذتُها، ولا تخافُونَ أنتم اللَّهَ ﷿، وقد أشركتم به في الربوبيَّة مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطانًا والسلطانُ: الحُجَّة، ثم استفهم على جهة التقرير: فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ، مني ومنكم أَحَقُّ بِالْأَمْنِ، قال أبو حَيَّان «١»: وَكَيْفَ: استفهام، معناه التعجّب والإنكار. انتهى.\nوقوله سبحانه: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ ... الآية، قال ابنُ إسحاق، وابنُ زيدٍ، وغيرهما: هذا قولٌ مِنَ اللَّهِ ﷿ ابتداء حُكْمٍ فَصْلٍ عامٍّ لِوَقْتِ مُحاجَّة إبراهيم وغيره، ولكلِّ مؤمن «٢» تقدَّم أو تأَخَّر.\nقال ع «٣»: هذا هو البيِّن الفصيحُ الذي يرتبطُ به معنى الآية، ويحسُنُ رصْفها، وهو خبرٌ من اللَّه ﷿، ويَلْبِسُوا: معناه: يَخْلِطُوا، والظُّلْم في هذا الموضع:\nالشِّرْك تظاهرت بذلك الأحاديثُ الصحيحةُ، وفي قراءة «٤» مجاهدٍ: «وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمَانَهُمْ بِشِرْكٍ» وَهُمْ مُهْتَدُونَ، أي: راشدون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-450>[سورة الأنعام (٦): الآيات ٨٣ الى ٨٦]</span>\nوَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨٣) وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًاّ هَدَيْنا وَنُوحًا هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥) وَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكلًاّ فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ (٨٦)\nوقوله تعالى: وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ: «تلك»: إشارةٌ إلى هذه الحجَّة المتقدِّمة.\nوقوله سبحانه: نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ، «الدرجات»: أصلها في الأجسام، ثم\n_________\n(١) ينظر: «البحر المحيط» (٤/ ١٧٥) .\n(٢) أخرجه الطبري (٥/ ٢٥٠) رقم (١٣٤٧٧، ١٣٤٧٨) بنحوه وذكره ابن عطية (٢/ ٣١٦) .\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٣١٦) .\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٣١٥)، و«البحر المحيط» (٤/ ١٧٥- ١٧٦) .","vol":"2","page":488},{"text":"تستعملُ في المراتِبِ والمنازل المعنويَّة.\nوقوله سبحانه: وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ ... الآية: وَوَهَبْنا: عطْفٌ على «آتينا» وإسحاق ابنُهُ من سارَّة، ويعقوبُ هو ابْنُ إسحاقَ، وقوله: وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ: المعنى:\nوهَدَيْنَا من ذرِّيته، والضمير في ذُرِّيَّتِهِ، قال الزَّجَّاج «١»: جائزٌ أنْ يعود على إبراهيم، ويعترض هذا بذكْرِ لوطٍ﵇- إذ ليس هو مِنْ ذرِّيَّة إبراهيم، بل هو ابْنُ أخيه، وقيلَ: ابنُ أختِهِ، ويتخرَّج ذلك عند مَنْ يرى الخالَ أبًا، وقيل: يعود الضميرُ على نوح، وهذا هو الجيّد، ونصب/ داوُدَ: يحتملُ أنْ يكون ب وَهَبْنا، ويحتمل أنْ يكون ب هَدَيْنا، وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ: وعدٌ من اللَّه ﷿ لمن أحْسَنَ في عبادته، وترغيبٌ في الإحسان، وفي هذه الآية أنَّ عيسى﵇- مِنْ ذرِّية نوحٍ أو إبراهيم بحَسَب الاختلاف في عَوْد الضمير من ذُرِّيَّتِهِ، وهو ابنُ ابنة وبهذا يستدلُّ في الأحباس على أنَّ ولد البنْتِ من الذِّرِّيَّة، ويُونُسُ هو ابن متى، وَكلًّا فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ: معناه:\nعالمي زمانهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-451>[سورة الأنعام (٦): الآيات ٨٧ الى ٩٠]</span>\nوَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ وَاجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٨٧) ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٨٨) أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ (٨٩) أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرى لِلْعالَمِينَ (٩٠)\nوقوله سبحانه: وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ: المعنى: وهدَيْنا من آبائهم وذرياتهم وإخوانهم جماعاتٍ، ف «مِنْ» للتبعيض، والمراد: مَنْ آمن منهم، نبيّا كان أو غير نبيّ، واجْتَبَيْناهُمْ، أي: تخيَّرناهم وهَدَيْنَاهم، أيْ: أرشدْناهم إلى الإيمان، والفوز برضا اللَّه ﷿، والذرية: الأبناءُ، ويطلَقُ على جميعِ البَشَر ذرِّيَّة لأنهم أبناء.\nوقوله تعالى: ذلِكَ هُدَى اللَّهِ ... الآية: ذلِكَ: إشارة إلى النعمة في قوله:\nوَاجْتَبَيْناهُمْ وأُولئِكَ: إشارة إلى مَنْ تقدَّم ذكره، والكتابُ يراد به الصُّحُفُ والتوراةُ والإنجيل والزَّبُور.\nوقوله سبحانه: فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ: إشارة إلى كُفَّار قريشٍ، وإلى كلِّ كافر في ذلك العَصْر قاله ابن عباس وغيره «٢»، وقوله: فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ:\n_________\n(١) ينظر: «معاني القرآن» للزجاج (٢/ ٢٦٩) .\n(٢) أخرجه الطبري (٥/ ٢٦٠) رقم (١٣٥٣٠)، وذكره البغوي (٢/ ١٤)، وذكره ابن عطية (٢/ ٣١٨)، -","vol":"2","page":489},{"text":"هم مؤمنو أهْل المدينة قاله ابن عباس وغيره «١»، والآية على هذا التأويلِ، وإن كان القصْدُ بنزولها هذَيْن الصِّنْفَيْن، فهي تعم الكَفَرة والمؤمنين إلى يوم القيامة، وقال الحسن وغيره:\nالمراد ب «القَوْم»: مَنْ تَقَدَّم ذكْره من الأنبياء والمؤمنين «٢»، وقال أبو رجاء: المرادُ:\nالملائكةُ «٣» .\nقلتُ: ويحتمل أنْ يكون المراد الجميعَ.\nوقوله سبحانه: أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ، والظاهر في الإشارة ب أُولئِكَ إلى المذكورين قبلُ من الأنبياء ومَنْ معهم من المؤمنين المهدِّيين، ومعنى الاقتداء: اتباع الأثر في القول والفعل والسّيرة، وإنما يصحّ اقتداؤه ﷺ بجميعهم في العقودِ، والإيمان، والتوحيدِ الذي ليْسَ بينهم فيه اختلاف، وأما أعمالُ الشرائع فمختلفةٌ، وقد قال ﷿: لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجًا [المائدة: ٤٨]، واعلم أنّ النبيّ ﷺ هو وغيره مخاطَبٌ بشَرْع مَنْ قبله في العقود والإيمانِ والتوحيدِ «٤» لأنا نجد شرعنا ينبىء أنّ الكفار الذين كانوا قبل النبيّ ﷺ كَأَبَوَيْهِ وغيرهما في النَّار، ولا يُدْخِلُ اللَّهُ تعالى أحدًا النار إلا بتَرْك ما كُلِّفَ، وذلك في قوله سبحانه: وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء: ١٥]، وغير ذلك، وقاعدةُ المتكلِّمين: أن العقل لا يوجِبُ ولا يكلِّف، وإنما يوجب «٥» الشرْعُ، فالوجه في هذا أنْ يقال: إنَّ آدم﵇- فَمَنْ بعده، دعا إلى توحيد اللَّه (﷿) دعاءً عامًّا، واستمر ذلك على العالَمِ، فواجبٌ على الآدميّ أن\n_________\n- وذكره ابن كثير (٢/ ١٥٥) بنحوه. وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٥٢)، وعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس بنحوه.\n(١) أخرجه الطبري (٥/ ٢٠٦) رقم (١٣٥٣٠)، وذكره البغوي (٢/ ١١٤)، وذكره ابن عطية (٢/ ٣١٦)، وذكره ابن كثير (٢/ ١٥٥) بنحوه وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٥٢)، وعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس بنحوه.\n(٢) ذكره ابن عطية (٢/ ٣١٨) .\n(٣) أخرجه الطبري (٥/ ٢٦٠) رقم (١٣٥٣١)، وذكره البغوي (٢/ ١١٤) وذكره ابن عطية (٢/ ٣١٨)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٥٢)، وعزاه لابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، عن أبي رجاء بنحوه.\n(٤) ينظر: «أحكام الآمدي» (٤/ ١٢١)، «غاية الوصول» للشيخ زكريا الأنصاري (١٣٩)، «التحصيل من المحصول» للأرموي (١/ ٤٤٢)، «حاشية البناني» (٢/ ٣٥٢)، «الآيات البينات» لابن قاسم العبادي (٤/ ١٩١)، «حاشية العطار على جمع الجوامع» (٢/ ٣٩٣)، «المعتمد» لأبي الحسين (٢/ ٣٣٦)، «التحرير» لابن الهمام» (٣٥٩)، «تيسير التحرير» لأمير بادشاه (٣/ ١٢٩) .\n(٥) تقدم الكلام على الحسن والقبح.","vol":"2","page":490},{"text":"يبحث عن الشرْعِ الآمِرِ بتوحيدِ اللَّهِ تعالى، وينظر في الأَدلَّة المنصوبة على ذلك بحسب إيجاب الشرعِ النَّظَرَ فيها، ويؤمنَ، ولا يَعْبُدَ غير اللَّه، فمَنْ فَرَضْناه لم يجدْ سبيلًا إلى العلْمِ بشرعٍ آمِرٍ بتوحيد اللَّهِ، وهو مع ذلك لم يَكْفُرْ، ولا عَبَدَ صنمًا، بل تخلى، فأولئك أَهْلُ الفَتراتِ الذين أَطْلَقَ عليهم أهل العلْمِ أنهم في الجَنَّة، وهم بمنزلةِ الأطفالِ والمجانينِ، ومَنْ قَصَّرَ في النظر والبَحْث، فعبد صنمًا أو غيره، وكَفَرَ، فهو تاركٌ للواجب عليه، مستوجِبٌ للعقاب بالنَّار، فالنبيُّ ﷺ قَبْلَ مبعثِهِ ومَنْ كان معه مِنَ النَّاس وقَبْلَه- مخاطَبُونَ على أَلْسِنَةِ الأنبياء قَبْلُ بالتوحيد، وغيرُ مخاطبين بفُرُوعِ «١» شرائعهم إذ هي مختلفةٌ، وإذ لم يدعهم إليها نبيٌّ قال/ الفَخْر «٢»: واحتجَّ العلماءُ بهذه الآية على أن محمدًا ﷺ أَفْضَلُ من جميع الأنبياءِ﵈- وتقريره: أنا بيَّنَّا أنَّ خصال الكمالِ وصفاتِ الشَّرَفِ كانَتْ مفرَّقة فيهم، ثم إنه تعالى، لمَّا ذكر الكل، أمر محمدا ﷺ أنْ يجمع من خصال الطاعة والعبوديَّة والأخلاقِ الحميدة كُلَّ الصفاتِ التي كانَتْ مفرَّقة فيهم بأجمعهم، ولمَّا أمره اللَّه تعالى بذلك، امتنع أنْ يقال: إنه قصَّر في تحصيلها فثبت أنه حَصَّلها، ومتى كان الأمر كذلك، ثبت أنه اجتمع فيه مِنْ خصال الخَيْر ما كان فيهم مفرَّقًا بأسرهم، ومتى كان الأمر كذلك، وجب أنْ يقال: إنه أفضلهم بكلِّيَّتهم واللَّه أعلم. انتهى.\nوقرأ حمزة «٣» والكسائيُّ: «فَبِهُدَاهُمُ اقتد» - بحذف الهاءِ في الوَصْل، وإثباتها في الوَقْف-، وهذا هو القياسُ شبيهة بألفِ الوَصْل في أنها تُقْطَعُ في الابتداء، وتَسْقُط في الوصل.\nوقوله سبحانه: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا، أي: قل لهؤلاء الكفرة المعاندين: لا أسألكم على دعائي إياكم بالقُرآن إلى عبادة اللَّه تعالى- أُجْرَةً إن هو إلا موعظة وذكرى\n_________\n(١) ينظر: «البحر المحيط» للزركشي (٣/ ٣٦)، «التمهيد» للأسنوي ص (٣٦٤)، و«نهاية السول» له (١/ ٣٥٩)، «زوائد الأصول» (ص ١٧٩)، «منهاج العقول» للبدخشي (١/ ٢٠٣)، «التحصيل من المحصول» للأرموي (١/ ٣٢١)، «المنخول للغزالي» ص (٣١)، «الإبهاج» لابن السبكي (١/ ١٧٧)، «الآيات البينات» لابن قاسم العبادي (١/ ٢٨٥)، «تخريج الفروع على الأصول» للزنجاني (ص ٩٨)، «كشف الأسرار» للنفسي (١/ ١٣٧)، «شرح التلويح على التوضيح» لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني (١/ ٢١٣)، «نسمات الأسحار» لابن عابدين (ص ٦٠)، «ميزان الأصول» للسمرقندي (١/ ٣٠٤)، «البرهان في أصول الفقه» (١/ ١٠٧)، «أصول الفقه» لمحمد أبي النور زهير (١/ ١٨٤) .\n(٢) ينظر: «تفسير الرازي» (١٣/ ٥٨) . [.....]\n(٣) وحجة الباقين بإثبات الهاء في الوصل أنها مثبتة في المصحف، فكرهوا إسقاط حرف من المصاحف.\nينظر: «حجة القراءات» (٢٦٠)، و«السبعة» (٢٦٢)، و«الحجة» (٣/ ٣٥٠، ٣٥١)، و«إعراب القراءات» (١/ ١٦٤)، و«العنوان» (٩١)، و«إتحاف» (٢/ ٢١) .","vol":"2","page":491},{"text":"ودعاء لجميع العالمين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-452>[سورة الأنعام (٦): الآيات ٩١ الى ٩٢]</span>\nوَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُورًا وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (٩١) وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ (٩٢)\nوقوله سبحانه: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ... الآية: قال ابن عباس: هذه الآية نزلت في بني إسرائيل «١»، قال النَّقَّاش: وهي آية مدنية، وقيل: المراد رجُلٌ مخصوص منهم، يقال له مالك بن الصّيف قاله ابن جُبَيْر «٢»، وقيل: فنْحَاص قاله السُّدِّيُّ «٣»، وقَدَرُوا: هو من توفيَةِ القَدْرِ والمنزلةِ، وتعليلُه بقولهم: مَا أَنْزَلَ اللَّهُ: يقضي بأنهم جَهِلُوا، ولم يعرفوا الله حقّ معرفته إذا أحالوا عليه بعثةَ الرُّسُل، قال الفَخْر «٤»: قال ابن عباس: مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ، أيْ: ما عظَّموا اللَّه حقَّ تعظيمه «٥»، وقال الأخفشُ:\nما عَرَفُوه حقَّ معرفته، وقال أبو العالية: ما وصفوه حقَّ قُدْرته وعَظَمته، وهذه المعانِي كلُّها صحيحةٌ. انتهى، وروي أنَّ مالك بن الصَّيْفِ كان سَمِينًا، فجاء يخاصم النبيَّ ﷺ بزعمه، فقال له رسول الله ﷺ: «أَنْشُدُكَ اللَّه، أَلَسْتَ تَقْرَأُ فِيمَا أُنْزِلَ على موسى: إنَّ اللَّهَ يَبْغَضُ الْحِبْرَ السَّمِينَ» «٦»، فَغَضِبَ، وقال: «واللَّهِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ على بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ»، قال الفَخْر «٧»:\nوهذه الآية تدلُّ على أن النكرة في سياقِ النفْي «٨» تعمُّ، ولو لم تفد العمومَ، لما كان قوله\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٥/ ٢٦٣) رقم (١٣٥٤٤) بنحوه، وذكره البغوي (٢/ ١١٤)، وذكره ابن عطية (٢/ ٣٢٠)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٥٣) وعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، وابن مردويه، عن ابن عباس بنحوه.\n(٢) أخرجه الطبري (٥/ ٣٦٢) برقم (١٣٥٣٩) بنحوه، وذكره البغوي (٢/ ١١٤)، وذكره ابن عطية (٢/ ٣٢٠)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٥٤)، وعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير.\n(٣) أخرجه الطبري (٥/ ٣٦٣) برقم (١٣٥٤١)، وذكره البغوي (٢/ ١١٤)، وذكره ابن عطية (٢/ ٣٢٠)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٥٣، ٥٤)، وعزاه لابن أبي حاتم، وأبي الشيخ عن السدي.\n(٤) ينظر: «تفسير الرازي» (١٣/ ٦٠) .\n(٥) أخرجه الطبري (٥/ ٢٦٤) برقم (١٣٥٤٥) بنحوه.\n(٦) ذكره الزيلعي في «تخريج أحاديث الكشاف» (١/ ٤٤٢- ٤٤٣) رقم (٤٥٠)، وعزاه للطبري، والواحدي في «أسباب النزول» .\n(٧) ينظر: «تفسير الرازي» (١٣/ ٦٣) .\n(٨) «البحر المحيط» (٣/ ١١٠- ١٢٢)، «تقريب الوصول إلى علم الأصول» (ص ٧٥)، «نهاية السول» -","vol":"2","page":492},{"text":"تعالى: قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُورًا- إبطالًا لقولهم ونقْضًا عليهم.\nانتهى.\nوقوله تعالى: قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ، يعني: التوراة، وقَراطِيسَ: جمع قِرْطَاس، أي: بطائق وأوراقًا، وتوبيخهم بالإبداء والإخفاء هو على إخفائهم أمر محمّد ﷺ وجَميعَ ما عليهم فيه حُجَّة.\nوقوله سبحانه: وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ، يحتمل وجهين:\nأحدهما: أنْ يقصد به الامتنانَ عليهم، وعلى آبائهم.\nوالوجه الثاني: أنْ يكون المقصود ذمَّهم، أي: وعلِّمتم أنتم وآباؤكم ما لم تعلموه، فما انتفعتم به لإعراضكم وضلالكم.\nثم أمره سبحانه بالمبادرة إلى موضع الحُجَّة، أي: قل اللَّه هو الذي أنْزَلَ الكتابَ على موسى، ثم أمره سبحانَهُ بتَرْك مَنْ كَفَر، وأعرض، وهذه آية منسوخةٌ بآية القتالِ إن تُؤُوِّلَتْ موادعةً، ويحتمل ألاَّ يدخلها نسْخٌ إذا جُعِلَتْ تتضمَّن تهديدًا ووعيدًا مجرَّدًا من موادعة.\nوقوله سبحانه: وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ: «هذا»: إشارة إلى القرآن، وقوله:\nمُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ، يعني: التوراةَ والإنجيل لأن ما تقدّم، فهو بين يدي ما تأخّر، وأُمَّ الْقُرى: مكَّة، ثم ابتدأ ﵎ بمَدْحِ قومٍ وصفهم، وأخبر عنهم أنهم يؤمنون بالآخرةِ والبَعْثِ والنشورِ، ويؤمنون بالقُرآن، ويصدِّقون بحقيقتِهِ، ثم قوى ﷿ مدحهم بأنهم يحافظون على صَلاَتهم التي هي قاعدةُ العباداتِ، وأمُّ الطاعاتِ، وإذا انضافت الصلاةُ إلى ضميرٍ، لم تكتب/ إلا بالألِفِ، ولا تكتبُ في المُصْحَف بواوٍ إلا إذا لم تُضَفْ إلى ضمير.\nوقد جاءت آثار صحيحةٌ في ثواب مَنْ حافظ على صلاته، وفي فَضْل المشْيِ إليها ففي «سنن أبي داود»، عن بُرَيْدة، عن النبيِّ ﷺ قال: «بشّر المشّائين في الظّلم إلى\n_________\n- (٢/ ٣٢٩)، «الحاصل من المحصول» (١/ ٥١٠)، «التمهيد» للأسنوي ص (٣١٨- ٣٢٤)، «البدخشي على المنهاج» (٣/ ٨٤)، «الإبهاج في شرح المنهاج» (٢/ ١٠٦)، «الأحكام» (٢/ ١٩٠)، «ميزان الأصول» (ص ٤٠٢)، «البرهان» (١/ ٣٣٧- ٣٣٩)، «تنقيح الفصول» (ص ١٨١)، «شرح الكوكب المنير» (٣/ ١٣٦- ١٣٧) «نشر البنود» (١/ ٢١٠)، «شرح المنهاج» للأصفهاني (١/ ٣٥٤)، «التحرير» (ص ٧٠)، «كشف الأسرار» (١/ ١٨٥- ١٨٦) .","vol":"2","page":493},{"text":"المَسَاجِدِ بِالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ القِيَامَةِ» «١»، وروى أبو داود أيضًا بسنده، عن سعيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، قال: حضر رجلًا من الأنصار المَوْتُ، فقال: إني محدِّثكم حديثًا ما أحدثكموه إلا احتسابا، سمعت رسول الله ﷺ يَقُولُ: إذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ، فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ، ثُمَّ خَرَجَ إلَى الصَّلاَةِ، لَمْ يَرْفَعْ قَدَمَهُ اليمنى إلاَّ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ حَسَنَةً، وَلَمْ يَضَعْ قَدَمَهُ اليسرى إلاَّ حَطَّ اللَّهُ عَنْهُ سَيِّئَةً، فَلْيَقْرُبْ أَوْ لِيُبْعِدْ، فَإنْ أَتَى المَسْجِدِ، فصلى فِي جَمَاعَةٍ، غُفِرَ لَهُ، فَإنْ أَتَى المَسْجِدَ، وَقَدْ صَلَّوْا بَعْضًا، وَبَقِيَ بَعْضٌ، صلى مَا أَدْرَكَ وَأَتَمَّ مَا بَقِيَ- كَانَ كَذَلِكَ فَإنْ أَتَى المَسْجِدَ، وَقَدْ صَلَّوْا، فَأَتَمَّ الصَّلاَةَ، كَانَ كَذَلِكَ» «٢»، وأخرج أبو داودَ، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ رَاحَ فَوَجَدَ النَّاسَ قَدْ صَلَّوْا، أَعْطَاهُ اللَّهُ ﷿ مِثْلَ أَجْرِ مَنْ صَلاَّهَا أَوْ حَضَرَهَا، لاَ ينقص ذلك من أجورهم» «٣» انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-453>[سورة الأنعام (٦): آية ٩٣]</span>\nوَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (٩٣)\nوقوله سبحانه: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (١/ ٢٠٩) كتاب «الصلاة»، باب ما جاء في المشي إلى الصلاة في الظلم، حديث (٥٦١)، والترمذي (١/ ٤٣٥) كتاب «الصلاة»، باب ما جاء في فضل العشاء والفجر في جماعة، حديث (٢٢٣) والبغوي في «شرح السنة» (٢/ ١١٨- بتحقيقنا) والقضاعي في «مسند الشهاب» رقم (٧٥٢) من حديث بريدة.\nوأخرجه ابن ماجة (١/ ٢٥٦) كتاب «المساجد»، باب المشي إلى الصلاة، حديث (٧٨٠) والحاكم (١/ ٢١٢) وابن خزيمة (١٤٩٨، ١٤٩٩)، والطبراني في «الكبير» (٥٨٠٠) من حديث سهل بن سعد الساعدي.\nوقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.\nوأخرجه ابن ماجه (١/ ٢٥٦- ٢٥٧) كتاب «المساجد»، باب المشي إلى الصلاة، حديث (٧٨١) والحاكم (١/ ٢١٢) والقضاعي في «مسند الشهاب» (٧٥١) من حديث أنس. وقال البوصيري في «الزوائد» (١/ ٢٧٦): هذا إسناد ضعيف سليمان بن داود قال فيه العقيلي: لا يتابع على حديثه.\nوأخرجه أبو يعلى (٢/ ٣٦١) رقم (١١١٣) من حديث أبي سعيد الخدري.\nوقال الهيثمي في «المجمع» (٢/ ٣٣): رواه أبو يعلى، وفيه عبد الحكم بن عبد الله، وهو ضعيف.\n(٢) أخرجه أبو داود (١/ ٢٠٩- ٢١٠) كتاب «الصلاة»، باب ما جاء في الهدى في المشي إلى الصلاة، حديث (٥٦٣) وهذا الحديث لم يخرجه أحد من أصحاب الكتاب الستة سوى أبي داود.\n(٣) أخرجه أبو داود (١/ ٢١٠) كتاب «الصلاة»، باب فيمن خرج يريد الصلاة، فسبق إليها، حديث (٥٦٤) .","vol":"2","page":494},{"text":"شَيْءٌ وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ، هذه ألفاظٌ عامَّة، فكل مَنْ واقَعَ شيئًا مما يدخُلُ تحت هذه الألفاظ، فهو داخلٌ في الظُّلْم الذي قد عَظَّمه اللَّه تعالى، وقال قتادةُ «١» وغيره:\nالمرادُ بهذه الآياتِ مُسَيْلِمَةُ «٢»، والأسودُ العَنْسِيُّ «٣» .\nقال عكرمة «٤»: أوَّلها في مُسَيْلِمَة، والآخر في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ «٥»، وقيل:\nنزلَتْ في النَّضْرِ بنِ الحارِثِ، وبالجملة فالآيةُ تتناولُ مَنْ تعرَّض شيئًا من معانيها إلى يوم القيامةِ كَطُلَيْحَةَ الأَسَدِيِّ «٦»، والمُخْتَارِ بن أبي عبيد وسواهما.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٥/ ٢٦٩) رقم (١٣٥٦١، ١٣٥٦٢، ١٣٥٦٣) بنحوه، وذكره البغوي (٢/ ١١٥)، وذكره ابن عطية (٢/ ٣٢٢)، وذكره ابن كثير (٢/ ١٥٧) بنحوه، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٥٦)، وعزاه لأبي الشيخ عن قتادة. [.....]\n(٢) أبو ثمامة مسيلمة بن ثمامة بن كبير بن حبيب الحنفي الوائلي. متنبىء، من المعمرين، ولد ونشأ ب «اليمامة» بوادي حنيفة، في نجد، تلقب في الجاهلية ب «الرّحمن»، وعرف ب «رحمان اليمامة»، وقد أكثر مسيلمة من وضع أسجاع يضاهي بها القرآن، وكان مسيلمة ضئيل الجسم، قالوا في وصفه: «كان رويجلا، أصيغر، أخينس»، ويقال: كان اسمه: «مسلمة»، وصغره المسلمون تحقيرا له. قتل سنة (١٢ هـ) في معركة قادها خالد بن الوليد- في عهد أبي بكر الصديق- للقضاء على فتنته.\nينظر: «سيرة ابن هشام» (٣/ ٧٤)، و«الروض الأنف» (٢/ ٣٤٠)، و«الكامل» لابن الأثير (٢/ ١٣٧) .\n(٣) عيهلة بن كعب بن عوف العنسي المذحجي، ذو الخمار: متنبىء مشعوذ، من أهل اليمن. كان بطاشا جبارا. أسلم لما أسلمت اليمن، وارتد في أيام النبيّ ﷺ فكان أول مرتد في الإسلام. وادعى النبوة، وأرى قومه أعاجيب استهواهم بها، فاتبعته مذحج. وتغلّب على نجران وصنعاء، واتسع سلطانه حتى غلب على ما بين مفازة حضر موت إلى الطائف إلى البحرين والأحساء إلى عدن. وجاءت كتب رسول الله ﷺ إلى من بقي على الإسلام في اليمن، بالتحريض على قتله، فاغتاله أحدهم وكان مقتله قبل وفاة النبيّ ﷺ بشهر واحد. وقال البلاذري: سمى نفسه «رحمان اليمن» كما تسمى مسيلمة «رحمان اليمامة» .\nينظر: «الأعلام» (٥/ ١١١)، «جمهرة الأنساب» (٣٨١) .\n(٤) أخرجه الطبري (٥/ ٢٦٨) رقم (١٣٥٥٩) بنحوه، وذكره ابن عطية (٢/ ٣٢٢) وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٥٦)، وعزاه لأبي الشيخ عن عكرمة.\n(٥) عبد الله بن سعد بن أبي سرح القرشي العامري، فاتح إفريقية، أسلم قبل الفتح، وهو من أهل «مكة»، كان من كتاب الوحي، وكان على ميمنة عمرو بن العاص حين افتتح مصر. وكان واليا على «مصر» .\nواعتزل الحرب التي دارت بين علي ومعاوية. مات ب «عسقلان» وهو قائم يصلي، وأخباره كثيرة.\nينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (٣/ ١٧٣)، و«البداية والنهاية» (٧/ ٢٥٠)، و«الروض الأنف» (٢/ ٢٧٤)، و«الأعلام» (٤/ ٨٨- ٨٩) .\n(٦) طليحة بن خويلد الأسدي، يقال له: «طليحة الكذاب» لأنه ادعى النبوة، وله صيت في الشجاعة، وقد كان مسلما ثم ارتد في حياة النبيّ ﷺ.\nينظر ترجمته في: «تهذيب ابن عساكر» (٧/ ٨٩)، و«الأعلام» (٣/ ٢٣٠) .","vol":"2","page":495},{"text":"وقوله تعالى: وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ ... الآية: جوابُ «لو» محذوفٌ، تقديره: «لرأيت عجبا أو هولا، ونحو هذا، وحذف هذا الجواب أبلغ في نفس السامع، والظَّالِمُونَ لفظٌ عامٌّ في أنواعِ الظلمِ الذي هو كُفْر، و«الغَمَرَاتُ»: جمع غَمْرةٍ، وهي المُصِيبة المُذْهِلة، وهي مشبَّهة بغمرة الماء، والملائكة، يريد: ملائكة قبض الرّوح، وباسِطُوا أَيْدِيهِمْ: كنايةٌ عن مدِّها بالمكروهِ، وهذا المكروهُ هو لا مَحَالة أوائلُ العذابِ، وأماراته، قال ابنُ عبَّاس: يَضْرِبُون وجوههم وأدبارهم، وقوله: أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ: حكايةٌ لما تقولُه الملائكة «١»، والتقدير: يقولون لهم: أخرجوا أنْفُسَكم، وذلك على جهةِ الإهانة، وإدْخَال الرعْبِ عليهم، ويحتملُ: أخرجوا أنفسكُمْ مِنْ هذه المصائبِ والمحنِ، إنْ كان ما زعمتموه حقًّا في الدنيا، وفي ذلك توبيخٌ وتوقيفٌ على سالف فعلهم القبيحِ، قلت: والتأويل الأولُ هو الصحيحُ، وقد أسند أبو عمر في «التمهيد»، عن ابن وَضَّاحٍ، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بْنُ أبي شَيْبة، ثم ذَكَر سنده، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ قَالَ: «المَيِّتُ تَحْضُرُهُ المَلاَئِكَةُ، فَإذَا كَانَ الرَّجُلُ الصَّالِحُ، قَالَتِ: اخرجي، أيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةِ كَانَتْ فِي الجَسَدِ الطَّيِّبِ، اخرجي حَمِيدَةً، وَأَبْشِرِي بِرَوْحٍ وَرَيْحَانٍ، وَرَبٍّ غَيْرِ غَضْبَانٍ، قَالَ: فَلاَ تَزَالُ يُقَالُ لَهَا ذَلِكَ حَتَّى تَخْرُجَ، ثُمَّ يُعْرَجُ بِهَا إلَى السَّمَاءِ، فَيُفْتَحُ لَهَا، فَيُقَالُ: مَنْ هَذَا؟ فَيَقُولُون: فُلاَنٌ، فَيُقَالُ: مَرْحَبًا بِالنَّفْسِ الطَّيِّبَةِ، كَانَتْ فِي الجَسَدِ الطَّيِّبِ، ادخلي حَمِيدَةً، وَأَبْشِرِي بِرَوْحٍ وَرَيْحَانٍ.، وَرَبٍّ غَيْرِ غَضْبَان، فَلاَ تَزَالُ يُقَالُ لَهَا ذَلِكَ حتى يَنْتَهِيَ بِهَا إلَى السَّمَاءِ، يَعْنِي: السَّابِعَةَ، وَإذَا كَانَ الرُّجُلُ السُّوءُ، وَحَضَرَتْهُ المَلاَئِكَةُ عِنْدَ مَوْتِهِ، قالَتِ/: اخرجي، أيَّتُهَا النَّفْسُ الخَبِيثَةُ، كَانَتْ فِي الجَسَدِ الخَبِيثِ، اخرجي ذَمِيمَةً، وَأَبْشِرِي بِحَمِيمٍ وَغَسَّاقٍ، وآخَرَ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٍ، فَلاَ تَزَالُ يُقَالُ لَهَا ذَلِكَ حتى تخرج ...»\nوذكر الحديث «٢» . انتهى، والْهُونِ: الهَوَان.\nوقوله تعالى: بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ... الآية: لفظ عامٌّ لأنواع الكفر، ولكنه يظهر منه الإنحاءُ على مَنْ قرب ذكره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-454>[سورة الأنعام (٦): آية ٩٤]</span>\nوَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٩٤)\n_________\n(١) ذكر ابن عطية (٢/ ٣٢٣) بنحوه.\n(٢) أخرجه ابن ماجه (٢/ ١٤٢٣- ١٤٢٤) كتاب «الزهد»، باب ذكر الموت والاستعداد له، حديث (٤٢٦٢) من حديث أبي هريرة.\nوقال البوصيري في «الزوائد» (٣/ ٣١٠- ٣١١): هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات.","vol":"2","page":496},{"text":"وقوله سبحانه: وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ... الآية: هذه حكايةٌ عما يقالُ لهم بعد قَبْض أرواحهم، واعلم أيها الأخُ أنَّ هذه الآية الكريمةَ ونَحْوَها من الآيِ، وإن كان مساقها في الكُفَّار، فللمؤمن الموقِنِ فيها مُعْتَبَرٌ ومزدَجَر، وقد قيل: إن القبر بحْرُ النداماتِ، وقد روى ابن المبارك في «رقائقه» بسنده، عن أبي هريرة، قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ: «ما من أحد يموت إلا ندم»، قالوا: وما ندامته، يا رسول الله؟ قال: «إن كان محسنا، ندم ألا يكون ازداد، وإن كَانَ مُسِيئًا، نَدِمَ أَلاَّ يَكُونَ نَزَعَ» «١» . انتهى.\nوكَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ: تشبيهًا بالاِنفراد الأول في وقت الخلقة، وخَوَّلْناكُمْ، معناه: أعطيناكم، ووَراءَ ظُهُورِكُمْ: إشارة إلى الدنيا لأنهم يتركون ذلك موجودًا.\nوقوله سبحانه: وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ: توقيفٌ على الخطإ في عبادة الأصنام، واعتقادهم أنها تشفع وتُقَرِّب إلى اللَّه زلفى، قال «٢» أبو حَيَّان: وَما نَرى: لفظه لفظُ المستقبلِ، وهو حكاية حال. انتهى.\nوقرأ نافع «٣» والكسائي: «بَيْنَكُمْ» - بالنصب- على أنه ظرْفٌ، والتقدير: لقد تقطَّع الاِتصال والاِرتباطُ بينكم، ونحْوُ هذا، وهذا وجهٌ واضحٌ وعليه فسَّره الناس مجاهد وغيره «٤»، وقرأ باقي السَّبْعة: «بَيْنُكُمْ» - بالرفع-، وقرأ ابن مسعود «٥» وغيره: «لقد تقطّع ما بينكم»، وضَلَّ، معناه: تلف وذهب، وما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ، يريد: دعواهم أنها تشفَعُ، وأنها تشاركُ اللَّه في الألوهيَّة، تعالى اللَّه عن قولهم.\n_________\n(١) تقدم تخريجه.\n(٢) ينظر: «البحر المحيط» (٤/ ١٩٠) .\n(٣) وهي حفص عن عاصم، واستدلوا بقراءة ابن مسعود الآتية: «لقد تقطع ما بينكم» .\nينظر: «السبعة» (٢٦٣)، و«الحجة» (٣/ ٣٥٧)، و«إعراب القراءات» (١/ ١٦٤)، و«معاني القراءات» للأزهري (١/ ٣٧١)، و«حجة القراءات» (٢٦١)، و«العنوان» (٩٢)، و«شرح الطيبة» (٤/ ٢٦٤)، و«إتحاف» (٢/ ٢٢) .\n(٤) أخرجه الطبري (٥/ ٢٧٤) رقم (١٣٥٧٨، ١٣٥٧٩) بنحوه، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٦٠)، وعزاه لابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ عن مجاهد بنحوه.\n(٥) ينظر: «الشواذ» (ص ٤٤)، و«الكشاف» (٢/ ٤٧)، و«المحرر الوجيز» (٢/ ٣٢٥) وزاد نسبتها إلى مجاهد والأعمش، وينظر: «البحر المحيط» (٤/ ١٨٦)، و«الدر المصون» (٣/ ١٢٨)، و«التخريجات النحوية والصرفية لقراءة الأعمش» (ص ٣٦٥) .","vol":"2","page":497},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-455>[سورة الأنعام (٦): الآيات ٩٥ الى ٩٧]</span>\nإِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٩٥) فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبانًا ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٩٦) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٩٧)\nوقوله سبحانه: إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى، هذا ابتداءُ تنبيهٍ على العبرة والنظَرِ، ويتصلُ المعنى بما قبله لأن المقصد أنَّ اللَّه فالقُ الحبِّ والنوى لا هذه الأصنامُ، قال قتادة وغيره: هذه إشارة إلى فعل اللَّه سبحانه في أنّ يشُقَّ جميع الحَبِّ عن جميع النباتِ الذي يكُونُ منه، ويشُقُّ النوى عن جميع الأشجار الكائِنَة مِنه «١» .\nوقوله: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ ... الآية: قال ابن عباس وغيره: الإشارة إلى إخراج الإنسان الحيِّ من النطفة الميِّتة، وإخراج النطفة الميِّتة من الإنسان الحيِّ «٢»، وكذلك سائرُ الحيوان من الطَّير وغيره، وهذا القول أرجح ما قيل هنا.\nوقوله سبحانه: ذلِكُمُ اللَّهُ ابتداء وخبَرٌ متضمِّن التنبيه، فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ، أي:\nتصرفون وتصدّون، وفالِقُ الْإِصْباحِ، أي: شاقّه ومظهره، والفلق: الصبح، وحُسْبانًا: جمع حسابٍ، أي: يجريان بحسَابٍ، هذا قول ابنِ عباس «٣» وغيره، وقال مجاهد «٤» في «صحيح البخاريِّ»: المرادُ بحُسْبَان كحسبان الرحى، وهو الدَّوْلاَب والعُودُ الذي عليه دَوَرانه.\nوقوله سبحانه: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ... الآية: هذه المخاطبةُ تعمُّ المؤمنين والكافرين، والحُجَّةُ بها على الكافرين قائمةٌ، والعبرة بها للمؤمنين متمكّنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-456>[سورة الأنعام (٦): الآيات ٩٨ الى ٩٩]</span>\nوَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (٩٨) وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٩٩)\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٥/ ٢٧٥) رقم (١٣٥٨٦)، بنحوه، وذكره البغوي (٢/ ١١٧) بنحوه، وذكره ابن عطية (٢/ ٣٢٥)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٦١)، وعزاه لعبد الرزاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ عن قتادة بنحوه.\n(٢) أخرجه الطبري (٥/ ٢٧٧) برقم (١٣٥٩٨) بنحوه، وذكره ابن عطية (٢/ ٣٢٥) . [.....]\n(٣) أخرجه الطبري (٥/ ٢٧٩) رقم (١٣٦٠٩، ١٣٦١٠) بنحوه وذكره ابن عطية (٢/ ٣٢٦)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٦٢)، وعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس بنحوه.\n(٤) ذكره ابن عطية (٢/ ٣٢٦) .","vol":"2","page":498},{"text":"وقوله سبحانه: وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ، يريد: آدم﵇-، فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ، اختلف المتأوِّلون في معنى هذا الاستقرارِ والاِستيداعِ.\nفقال الجمهور: مستقَرٌّ في الرحِمِ، ومستودَعٌ في ظهور الآباءِ حتى يَقْضِيَ/ اللَّه بخروجهم، قال ابنُ عَوْن: مشَيْتُ إلى منزل إبراهيمَ النَّخَعيِّ وهو مريضٌ، فقالوا: قد تُوُفِّيَ، فأخبرني بعضهم أنَّ عبد الرحمن بْنَ الأسود سأله عن: فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ، فقال:\nمستقرٌّ في الرحِمِ، ومستودع في الصُّلْبِ «١»، وقال ابن عباس: المستقرُّ: الأرض، والمستودَعُ: عند الرحمن «٢»، وقال ابن جُبَيْر: المستودَعُ: في الصلب، والمستقَرُّ في الآخرة «٣»، قال الفَخْر: والمنقول عن ابن عباس في أكثر الرواياتِ أن المستقرَّ هو الأرحام، والمستودَعُ الأصلاب «٤»، ثم قرأ: وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ مَا نَشاءُ [الحج: ٥] ومما يدلُّ على قوة هذا القولِ أنَّ النطفة لا تبقى في صُلْب الأب زمانًا طويلًا، والجنينُ في رَحِمِ الأم يبقى زمانًا طويلًا، ولما كان المُكْث في الرحمِ أكثر مما في صُلْب الأب، كان حمل الاستقرارِ على المُكْث في الرحمِ أولَى. انتهى.\nقال ع «٥»: والذي يقتضيه النظر أنَّ ابن آدم هو مستودَعٌ في ظهر أبيه، وليس بمستقِرٍّ فيه استقرارا مطلقًا لأنه يتنقَّل لا محالة، ثم ينتقلُ إلى الرحِمِ، ثم ينتقل إلى الدنيا، ثم ينتقلُ إلى القبر، ثم ينتقلُ إلى المَحْشَر، ثم ينتقلُ إلى الجَنَّة أو النار، فيستقرُّ في أحدهما استقرارا مطلقًا، وليس فيها مستودَعٌ لأنه لا نُقْلَة له بَعْدُ، وهو في كلِّ رتبة متوسِّطة بين هذين الطرفَيْن مُسْتَقِرٌّ بالإضافة إلى التي قبلها، ومستودَعٌ بالإضافة إلى التي بعدها لأن لفظ الوديعةِ يقتضي فيها نُقْلة، ولا بُدَّ.\nوقوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ،\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٥/ ٢٨٥) برقم (١٣٦٥٤) بنحوه، وذكره ابن عطية (٢/ ٣٢٧) .\n(٢) أخرجه الطبري (٥/ ٢٨٢) برقم (١٣٦٢٧)، وذكره ابن عطية (٢/ ٣٢٧) .\n(٣) أخرجه الطبري (٥/ ٢٨٣) برقم (١٣٦٣٠)، وذكره ابن عطية (٢/ ٣٢٧) .\n(٤) أخرجه الطبري (٥/ ٢٨٣، ٢٨٤) رقم (١٣٦٣٨، ١٣٦٣٩)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٦٦)، وعزاه لسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، والحاكم عن ابن عباس بنحوه.\n(٥) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٣٢٧) .","vol":"2","page":499},{"text":"السَّماءِ في هذا الموضع: السحابُ، وكلُّ ما أظلَّك فَهُو سماءٌ، وقوله: نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ، قيل: معناه: ممَّا ينبتُ، وقال الطبريُّ «١»: المراد ب كُلِّ شَيْءٍ: كلُّ ما ينمو مِنْ جميع الحيوان والنباتِ والمعادِنِ، وغير ذلك لأن ذلك كله يتعذى وينمو بنزولِ الماء من السماءِ، والضمير في مِنْهُ يعود على النباتِ، وفي الثاني يعود على الخضر، وخَضِرًا: بمعنى: أَخْضَر ومنه قوله﵇-: «الدُّنْيَا خَضِرَةً حُلْوَةٌ» «٢»، بمعنى: خضراء وكأن خَضِرًا إنما يأتي أبدًا لمعنى النَّضَارة، وليس لِلَّوْن فيه مدخلٌ، وأخضر إنما تمكُّنه في اللون، وهو في النّضارة تجوّز، وحَبًّا مُتَراكِبًا: يعم جميع السنابلِ وما شاكَلَها كالصَّنَوْبر، والرُّمَّان، وغيرِ ذلك.\nوقوله: وَمِنَ النَّخْلِ، تقديره: ونُخْرِجُ مِنَ النخلِ والطَّلْعِ أولَ ما يخرج من النّخل، في أكمامه، وقِنْوانٌ: جمع قِنْو، وهو العِذْق- بكسر العين-، وهي الكِبَاسَةُ، والعُرْجُونُ: عوده الذي فيه ينتظمُ التمر، ودانِيَةٌ: معناه: قريبةٌ من التناول قاله ابن عباس «٣» وغيره.\nوقرأ الجمهور: «وجَنَّاتٍ» - بالنصب- عطفًا على قوله: «نَبَاتَ»، وروي عن «٤» عاصم: «وجَنَّاتٌ» - بالرفع- على تقدير: ولكُمْ جناتٌ أو نحو هذا، وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ- بالنصب إجماعًا- عطفًا على قوله: «حبّا»، ومُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ، قال قتادة: معناه يتشابه في الوَرَقِ ويتبايَنُ في الثَّمَرِ «٥»، وقال الطبريُّ «٦»: جائز أن يتشابه في الثَّمَر ويتبايَنُ في الطَّعْم، ويحتمل أن يريد يتشابه في الطَّعْمِ ويتباين في المنظر، وهذه الأحوال موجودة\n_________\n(١) ينظر: «تفسير الطبري» (٥/ ٢٨٧) .\n(٢) تقدم تخريجه.\n(٣) أخرجه الطبري (٥/ ٢٨٨) برقم (١٣٦٦٦)، وذكره ابن عطية (٢/ ٢٢٨)، وابن كثير (٢/ ١٥٩)، والسيوطي (٣/ ٦٧)، وعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٤) ينظر: «حجة القراءات» (٢٦٤)، و«المحرر الوجيز» (٢/ ٣٢٨)، وزاد نسبتها إلى محمد بن أبي ليلى، والأعمش.\nوينظر: «البحر المحيط» (٤/ ١٩٣)، و«الدر المصون» (٢/ ١٤٠)، و«التخريجات النحوية» (ص ٢٠٠) .\n(٥) أخرجه الطبري (٥/ ٢٨٩) برقم (١٣٦٧٤)، وذكره البغوي (٢/ ١١٨)، وابن عطية (٢/ ٢٢٨)، وابن كثير (٢/ ١٥٩)، والسيوطي (٣/ ٦٧) وعزاه لعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ عن قتادة.\n(٦) ينظر: «تفسير الطبري» (٥/ ٢٨٩) .","vol":"2","page":500},{"text":"بالاعتبار في أنواع الثمرات.\nوقوله سبحانه: انْظُرُوا، وهو نظرُ بَصَرٍ تتركَّب عليه فكرةُ قَلْبٍ، «والثمر» في اللغة: جَنَى الشجر وما يطلع، وإن سمي الشجر: ثمارًا، فبتجوُّز، وقرأ جمهور «١» الناس:\nوَيَنْعِهِ- بفتح الياء-، وهو مصدر يَنَعَ يَيْنَعُ إذا نَضِجَ، وبالنُّضْج فسره ابن «٢» عباس، وقد يستعمل «يَنَعَ» بمعنى استقل واخضر ناضرًا، قال الفخر «٣»: وقدَّم سبحانه الزَّرع لأنه غذاء، والثِّمار فواكهٌ وإنما قدَّم النخل على الفواكِهِ لأن التمر يجرِي مجرى الغذاءِ/ بالنسبة إلى العرب. انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-457>[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٠٠ الى ١٠٢]</span>\nوَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَصِفُونَ (١٠٠) بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١) ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)\nوقوله سبحانه: وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ: جَعَلُوا: بمعنى صيّروا، والْجِنَّ: مفعول، وشُرَكاءَ مفعولٌ ثانٍ.\nقال ص: وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ: جَعَلُوا: بمعنى: صَيَّروا، والجمهورُ على نَصْب «الجنِّ»، فقال ابن عطيَّة «٤» وغيره: هو مفعولٌ أول ل جَعَلُوا، وشُرَكاءَ الثاني، وجوَّزوا فيه أن يكون بدلًا من شُرَكاءَ، ولِلَّهِ في موضع المفعول الثاني، وشُرَكاءَ الأول، وردَّه أبو حَيَّان «٥» بأن البدل حينئذ لا يَصحُّ أن يحل محلَّ المبدل منه إذ لو قلْتَ: وجعلوا للَّه الجنَّ، لم يصحَّ، وشرط البدل أنْ يكون على نيَّة تكرار العامل على الأشهر، أو معمولًا للعاملِ، في المُبْدَلِ منه على قول، وهذا لا يصحُّ كما ذكرنا، قلْتُ: وفيه نظر. انتهى، قلتُ: وما قاله الشيخُ أبو حَيَّان عندي ظاهرٌ، وفي نظر الصَّفَاقُسِيِّ نَظَرٌ، وهذه الآية مشيرة إلى العادِلِينَ باللَّه تعالى، والقائلين: إن الجنَّ تعلم الغيْبَ، العابدين للجنِّ، وكانت طوائفُ من العرب تفعَلُ ذلك، وتستجير بجِنِّ الوادِي\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٣٢٨)، و«البحر المحيط» (٤/ ١٩٥)، و«الدر المصون» (٢/ ١٤٣) . [.....]\n(٢) أخرجه الطبري (٥/ ٢٩٠) برقم (١٣٦٧٧، ١٣٦٧٨)، وذكره ابن عطية (٢/ ٣٢٨)، وابن كثير (٢/ ١٥٩)، والسيوطي (٣/ ٦٧)، وعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ عن ابن عباس.\n(٣) ينظر: «الرازي» (١٣/ ٨٩) .\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٣٢٩) .\n(٥) ينظر: «البحر المحيط» (٤/ ١٩٦) .","vol":"2","page":501},{"text":"في أسفارها ونحوِ هذا، وأما الذين خَرَقُوا البنين، فاليهود في ذكر عزيز، والنصارى في ذكر المسيحِ، وأما ذاكرو البناتِ، فالعربُ الذين قالوا: الملائكةُ بناتُ اللَّهِ، تعالى اللَّه عن قولهم فكأنَّ الضمير في جَعَلُوا وخَرَقُوا لجميع الكفَّار إذ فَعَلَ بعضُهم هذا، وبعضُهم هذا، وبنحو هذا فسَّر السُّدِّيُّ وابن «١» زَيْد، وقرأ الجمهورُ «٢»: «وَخلَقَهُمْ» - بفتح اللام- على معنى: وهو خلقهم، وفي مصحف ابنِ «٣» مسعود: «وَهُوَ خَلَقَهُمْ»، والضمير في خَلَقَهُمْ يَحْتَمِلُ العودَةَ على الجاعلين، ويحتملُها على المجْعُولِينَ، وقرأ السبعة «٤» سوى نافعٍ: «وَخَرَقُوا» - بتخفيف الراء- بمعنى اختلقوا وافتروا، وقرأ نافع: «وَخَرَّقُوا» - بتشديد الراء- على المبالغة، وقوله: بِغَيْرِ عِلْمٍ نصٌّ على قُبْح تقحُّم المجهلة، وافتراء الباطل على عمى، وسُبْحانَهُ: معناه: تنزَّه عن وصفهم الفاسدِ المستحيلِ عليه ﵎، وبَدِيعُ: بمعنى: مبدع، وأَنَّى: بمعنى: كيف، وأين، فهي استفهام في معنى التوقيفِ والتقريرِ، وهذه الآيةُ ردٌّ على الكفار بقياس الغائِبِ على الشاهد.\nوقوله سبحانه: وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ لفظٌ عامٌّ لكلِّ ما يجوز أن يدخل تحته، ولا يجوز أن تدخل تحته صفاتُ اللَّهِ تعالى، وكلامُهُ، فليس هو عمومًا مخصَّصًا على ما ذهب إليه قوم لأن العموم المخصَّص هو أن يتناول العموم شيئًا، ثم يخرجه التخصيصُ، وهذا لم يتناولْ قطُّ هذه التي ذكرناها، وإنما هذا بمنزلة قَوْلِ الإنسان: قَتَلْتُ كُلَّ فَارِسٍ، وأَفْحَمْتُ كُلَّ خَصْمٍ، فلم يدخلِ القائلُ قطُّ في هذا العمومِ الظاهرِ من لفظه، وأما قوله:\nوَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ فهو عمومٌ على الإطلاق لأنه سبحانه يعلم كلَّ شيء، لا ربَّ غيره، وباقي الآية بيّن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-458>[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٠٣ الى ١٠٧]</span>\nلا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣) قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (١٠٤) وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١٠٥) اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (١٠٦) وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (١٠٧)\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٥/ ٢٩٢) برقم (١٣٦٩١) عن السدي، و(١٣٦٩٢) عن ابن رشد، وذكره ابن عطية (٢/ ٣٢٩)، وابن كثير (٢/ ١٦٠) عن السدي، والسيوطي (٣/ ٦٨)، وعزاه لابن أبي حاتم عن السدي.\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٣٢٩) .\n(٣) ينظر السابق.\n(٤) ومعنى القراءة بالتشديد أي: مرة بعد مرة، قال الزمخشري: وقرىء: وخرّقوا بالتشديد للتكثير لقوله:\nبَنِينَ وَبَناتٍ.\nينظر: «الكشاف» (٢/ ٥٣)، و«السبعة» (٢٦٤)، و«الحجة» (٣/ ٣٧٢)، و«إعراب القراءات» (١/ ١٦٦)، و«معاني القراءات» (١/ ٣٧٦)، و«العنوان» (٩٢)، و«شرح الطيبة» (٤/ ٢٦٦)، و«شرح شعلة» (٣٧١)، و«إتحاف» (٢/ ٢٥) .","vol":"2","page":502},{"text":"وقوله سبحانه: لاَّ تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ، أجمع أهلُ السنَّة على أن اللَّه ﷿ يرى يوم القيامة، يَرَاهُ المؤمنون، والوَجْه أنْ يبيَّن جواز ذلك عقلًا، ثم يستند إلى ورود السمعِ بوقوعِ ذلك الجائِزِ، واختصار تبْيِينِ ذلك: أنْ يعتبر بعلمنا باللَّه﷿- فمن حيثُ جاز أنْ نعلمه لا في مكانٍ، ولا متحيِّزًا، ولا مُقَابَلًا، ولم يتعلَّق علمنا بأكثر من الوجودِ، جاز أن نراه غير مقابلٍ، ولا محاذًى، ولا مكيَّفًا، ولا محدَّدًا، وكان الإمام أبو عبد اللَّه النحويُّ يقولُ: مسألةُ العِلْمِ حَلَقَتْ لِحَى المُعْتَزِلة، ثم ورد الشرْعُ بذلك/ كقوله ﷿: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ [القيامة: ٢٢، ٢٣]، وتعدية النَّظَر ب «إلى» إنما هو في كلام العربِ لمعنى الرؤية لا لمعنى الانتظار على ما ذهب إليه المعتزلة ومنه قول النبيِّ ﷺ فيما صحَّ عنه، وتواتر، وكثر نقله: «إنَّكُمْ تَرَوْنَ رَبَّكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ كَمَا تَرَوْنَ القَمَرَ لَيْلَةَ البَدْرِ» «١»، ونحوه من الأحاديث الصحيحةِ علَى اختلاف ألفاظها، واستمحل «٢» المعتزلةُ الرؤيةَ بآراءٍ مجرَّدةٍ، وتمسَّكوا بقوله تعالى: لاَّ تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وانفصال أهل السنَّة عن تمسُّكهم بأن الآية مخصُوصَةٌ في الدنيا «٣»، ورؤية الآخرة ثابتةٌ بأخبارها وأيضًا فإنا نَفْرُقُ بين معنى الإدراك، ومعنى الرؤية، ونقول: إنه ﷿ تراه الأبصار، ولا تدركه وذلك أن الإدراك يتضمَّن الإحاطة بالشيء، والوصولَ إلى أعماقِهِ وحَوْزِهِ من جميع جهاتِهِ، وذلك كلُّه محالٌ في أوصافِ اللَّه ﷿، والرؤيةُ لا تفتقرُ إلى أنْ يحيطَ الرائي بالمرئيِّ، ويبلغ غايته، وعلى هذا التأويل يترتَّب العَكْس في قوله: وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ، ويحسن معناه، ونحو هذا رُوِيَ عن ابن عباسٍ وقتادة وعطيَّة العَوْفِيِّ «٤» أنهم فرقوا بين الرؤية والإدراك، واللَّطِيفُ: المتلطّف في خلقه واختراعه،\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٨/ ٤٦٢- ٤٦٣) كتاب «التفسير»، باب وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ، حديث (٤٨٥١)، ومسلم (١/ ٤٣٩- ٤٤٠) كتاب «المساجد»، باب فضل صلاة الصبح والعصر والمحافظة عليهما، حديث (٢١١، ٢١٢/ ٦٣٣) من حديث جرير.\n(٢) يعني: استبعد. ينظر: «لسان العرب» (٤١٤٧، ٤١٤٨)، و«المعجم الوسيط» (٨٦٣) .\n(٣) تقدم الكلام على الرؤية مفصلا.\n(٤) أخرجه الطبري (٥/ ٢٩٤) برقم (١٣٦٩٨) عن ابن عباس (١٣٦٩٩) عن قتادة (١٣٧٠٠) عن عطية العوفي، وذكره البغوي (٢/ ١٢٠) عن ابن عباس، وابن عطية (٢/ ٣٣٠)، وابن كثير (٢/ ١٦١، ١٦٢)، والسيوطي (٣/ ٦٩)، وعزاه لابن جرير عن ابن عباس، وعزاه لعبد بن حميد، وأبي الشيخ عن قتادة، وعزاه لابن أبي حاتم عن السدي، وعطية هذا هو عطية بن سعد بن جنادة العوفي الجدلي أبو الحسن-","vol":"2","page":503},{"text":"والبَصَائِرُ: جمع بَصِيرة، فكأنه قال: قد جاءكم في القرآن والآياتِ طرائقُ إبصار الحقِّ، والبصيرةُ للقَلْبِ مستعارةٌ من إبصارِ العَيْن، والبصيرةُ أيضًا هي المعتقد.\nوقوله سبحانه: فَمَنْ أَبْصَرَ، ومَنْ عَمِيَ: عبارةٌ مستعارةٌ فيمن اهتدى، ومَنْ ضَلَّ، وقوله: وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ- كان في أول الأمر وقَبْلَ ظهور الإسلام، ثم بعد ذلك كان ﷺ حفيظًا على العَالَمِ، آخذًا لهم بالإسلام أو السيفِ.\nوقوله سبحانه: وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ أي: نردِّدها ونوضِّحها، وقرأ الجمهور «١»: «وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ» - بكسر اللام- على أنها لامُ كَيْ، وهي على هذا لامُ الصيرورة، أي: لَمَّا صار أمرهم إلى ذلك، وقرأ نافع وغيره: «دَرَسْتَ»، أي: يا محمد دَرَسْتَ في الكتبِ القديمةِ ما تجيئُنا به، وقرأ ابن كثير وغيره: «دَارَسْتَ»، أي: دارَسْتَ غيرك وناظرته، وقرأ ابن عامر: «دَرَسَتْ» - بإسناد الفعل إلى الآيات- كأنهم أشاروا إلى أنها تردَّدت على أسماعهم حتى بَلِيَتْ في نفوسهم، وامحت، واللام في قوله:\nلِيَقُولُوا، وفي قوله: وَلِنُبَيِّنَهُ: متعلِّقانِ بفعلِ متأخِّر، وتقديره: «صَرَّفْنَاهَا»، وذهب بعض الكوفيِّين إلى أنَّ «لا»: مضمرةٌ بعد «أَنِ» المقدَّرةِ في قوله: وَلِيَقُولُوا، فتقدير الكلام عندهم: وَلأنْ لاَ يَقُولُوا دَرَسْتَ كما أضمروها في قوله: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا [النساء: ١٧٦] .\nقال ع «٢»: وهذا قَلِقٌ، ولا يجيز البصريُّون إضمار «لا» في موضعٍ من المواضعِ.\nقلت: ولكنه حسن جدًّا من جهة المعنى إذ لا يعلمون أنه دَرَسَ أو دارس أحدا ﷺ، فتأمَّله.\nوقوله سبحانه: اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ... الآية: هذه الآية فيها موادعة، وهي منسوخة.\n_________\n- الكوفي، عن: أبي هريرة، وأبي سعيد، وابن عباس، وعنه: ابناه عمر، والحسن.\nينظر: «الخلاصة» (٢/ ٢٣٣) .\n(١) ينظر: «السبعة» (٢٦٤)، و«الحجة للقراء السبعة» (٣/ ٣٧٢)، و«إعراب القراءات» (١/ ١٦٦)، و«معاني القراءات» (١/ ٣٧٦)، و«شرح الطيبة» (٤/ ٢٦٦)، و«شرح شعلة» (٣٧٢)، و«حجة القراءات» (٢٦٤)، و«العنوان» (٩٢)، و«إتحاف فضلاء البشر» (٢/ ٢٥) . [.....]\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٣٣١) .","vol":"2","page":504},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-459>[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٠٨ الى ١١٠]</span>\nوَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٠٨) وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ (١٠٩) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠)\nوقوله تعالى: وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ... الآية: مخاطبة للمؤمنين والنبيّ ﷺ قال ابن عباس: سببها أن كفَّار قريشٍ قالوا لأبي طَالِبٍ: إما أنْ ينتهِيَ محمَّد وأصحابه عن سَبِّ آلهتنا والغَضِّ منها، وإما أنْ نَسُبَّ إلهه ونَهْجُوه «١»، فنزلَتِ الآية، وحكْمُها على كلِّ حال باقٍ في الأمة/، فلا يحلُّ لمسلمٍ أنْ يتعرَّض إلى ما يؤدِّي إلى سبّ الإسلام أو النبيّ ﷺ، أو اللَّه ﷿، وعبَّر عن الأصنامِ بالذين، وهي لا تَعْقِلُ، وذلك على معتقدِ الكَفَرة فيها، وفي هذه الآية ضَرْبٌ من الموادعة، وعَدْوًا: مصدر من الاعتداء، وبِغَيْرِ عِلْمٍ: بيانٌ لمعنى الاعتداءِ.\nوقوله تعالى: كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ: إشارة إلى ما زَيَّنَ لهؤلاء من التمسُّك بأصنامهم، وتَزْيينُ اللَّه عَمَلَ الأممِ هو ما يخلقه سبحانه في النُّفُوس من المحبَّة للخَيْر والشَّرِّ، وتزيينُ الشيطان هو ما يَقْذِفُه في النفُوسِ من الوسوسة وخَطَراتِ السُّوء، وقوله:\nثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ ... الآية: تتضمَّن وعدًا جميلًا للمحسنين، ووعيدًا ثقيلًا للمسيئين.\nوقوله سبحانه: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها: اللام في قوله: لَئِنْ لامُ توطئة للقَسَمِ، وأما المُتَلَقِّيَةُ للقَسَمِ فهي قوله: لَيُؤْمِنُنَّ بِها، وآيَةٌ: يريد: علامة، وحُكِيَ أنَّ الكفار لمَّا نزلَتْ: إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ [الشعراء: ٤]، أقسموا حينئذٍ أنها إنْ نزلَتْ، آمنوا، فنزلَتْ هذه الآيةُ، وحُكِيَ أنهم اقترحُوا أنْ يعود الصفا ذَهَبًا، وأقسموا على ذلك، فقام النبيّ ﷺ يَدْعُو في ذلك، فجاءه جِبْريلُ، فقال له: إنْ شئْتَ أصْبَحَ ذَهَبًا، فإن لم يؤمنُوا، هَلَكُوا عَنْ آخرهم معاجلَةً كما فعل بالأمم المُقْتَرِحَةِ، وإن شئْتَ، أُخِّرُوا حتى يتوبَ تائبهم، فقال﵊-: بل حتّى يتوب تائبهم «٢»، ونزلت الآية.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٥/ ٣٠٤) برقم (١٣٧٤٢)، وذكره البغوي (٢/ ١٢١)، وابن عطية (٢/ ٣٣٢)، وابن كثير (٢/ ١٦٤)، والسيوطي (٣/ ٧١) وعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس.\n(٢) أخرجه الطبري (٥/ ٣٠٦) عن محمد بن كعب القرظي به.\nوذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٧٢)، وعزاه لابن جرير.","vol":"2","page":505},{"text":"قال ابنُ العربيِّ: قوله: جَهْدَ أَيْمانِهِمْ، يعني: غاية أيمانهم التي بلغها علمهم، وانتهت إليها قدرتهم. انتهى من «الأحكام» .\nثم قال تعالى: قل لهم، يا محمَّد على جهة الردِّ والتخطئةِ: إنما الآياتُ عند اللَّه وليْسَتْ عندي، فَتُقْتَرَحَ علَيَّ، ثم قال: وَما يُشْعِرُكُمْ، قال مجاهدٌ: وابن زيد:\nالمخاطَبُ بهذا الكفَّار «١»، وقال الفَرَّاء وغيره: المخاطَبُ بهذا المؤمنون، وَما يُشْعِرُكُمْ:\nمعناه: وما يُعْلِمُكم وما يُدْرِيكم، وقرأ ابن كثير «٢» وغيره: «إنَّهَا» - بكسر الألف-، على القطعِ، واستئناف الأخبار، فمن قرأ «تُؤْمِنُونَ» «٣» - بالتاء-، وهي قراءة ابن عامر وحمزة استقامت له المخاطبةُ، أولًا وآخرًا، للكفَّار، ومن قرأ بالياء، وهي قراءةُ نافعٍ. وغيره، فيحتمل أنْ يخاطب، أولًا وآخرًا، المؤمنين، ويحتمل أن يخاطب بقوله: وَما يُشْعِرُكُمْ الكفَّار، ثم يستأنف الإخبار عنهم للمؤمنين، وقرأ نافعٌ وغيره: «أَنَّهَا» - بفتح الألف-، فقيل: إنَّ «لا» زائدةٌ في قوله: لاَ يُؤْمِنُونَ كما زيدَتْ في قوله تعالى: وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ [الأنبياء: ٩٥]، ودعا إلى التزامِ هذا حفْظُ المعنى، لأنها لو لم تكُنْ زائدةً، لعاد الكلام عذرًا للكفَّار، وفَسَدَ المراد بالآية، وضَعَّف الزَّجَّاج وغيره زيادةَ «لا»، ومنهم مَنْ جعل أَنَّها بمعنى لَعَلَّها، وحكاه سيبَوَيْهِ عن الخليلِ، وهذا التأويل لا يحتاجُ معه إلى تقديرِ زيادةٍ، «لا»، وحكى الكسائيُّ: أنه كذلك في مُصْحف أُبَيٍّ «وَمَا أَدْرَاكُمْ لَعَلَّهَا إذَا جَاءَتْ»، ورجَّح أبو عليٍّ أنْ تكون «لا» زائدةً، وبسط شواهده في ذلك.\nوقوله سبحانه: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ، فالمعنى على ما قالت فرقة: ونقلِّب أفئدتهم وأبصارهم في النَّار، وفي لهبها في الآخرة، لمَّا لم يُؤْمِنُوا في الدنيا، ثم استأنف على هذا: ونَذَرُهُمْ في الدنيا في طغيانهم يعمهون، وقالتْ فرقة: إنما المراد بالتقْلِيبِ التّحويل عن الحقّ والهدى والتّرك في\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٥/ ٣٠٦) برقم (١٣٧٤٨) عن مجاهد، وذكره ابن عطية (٢/ ٣٣٣)، والسيوطي (٣/ ٧٢) وعزاه لابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ عن مجاهد.\n(٢) ينظر: «السبعة» (٢٦٥)، و«الحجة» (٣/ ٣٧٥)، و«إعراب القراءات» (١/ ١٦٧)، و«معاني القراءات» (١/ ٣٧٨)، و«حجة القراءات» (٢٦٥)، و«شرح الطيبة» (٤/ ٢٦٨)، و«العنوان» (٩٢)، و«شرح شعلة» (٣٧٢)، و«إتحاف» (٢/ ٢٦) .\n(٣) ينظر: «السبعة» (٢٦٥)، و«الحجة» (٣/ ٣٨٢)، و«إعراب القراءات» (١/ ١٦٧)، و«معاني القراءات» (١/ ٣٧٩)، و«حجة القراءات» (٢٦٧)، و«العنوان» (٩٢)، و«شرح الطيبة» (٤/ ٢٦٨)، و«شرح شعلة» (٣٧٣)، و«إتحاف» (٢/ ٢٦) .","vol":"2","page":506},{"text":"الضلالةِ والكُفْر، ومعنى الآية: أن هؤلاء الذين أقسموا أنَّهم يؤمنُون إنْ جاءت آية- نحْنُ نقلِّب أفئدتهم وأبصارهم أنْ لو جاءت فلا يؤمنون بها كما لم يؤمنوا أولَ مرَّة بما دُعُوا إلَيْه من عبادة اللَّه تعالى، فأخبر اللَّه ﷿ على هذا التأويل بصورة فعله بهم، وقالتْ فرقة: قوله: كَما في هذه الآية: إنما هي بمعنى المجازاة، أي: لما لم يؤمنوا أولَ مرَّة، نجازيهم، بأنْ نقلِّب أفئدتهم عن الهدى، ونطبع على قلوبهم، فكأنه قال: ونحْنُ نقلِّب أفئدتهم وأبصارهم، جَزَاءً لِمَا لم يؤمنوا أول مرة بما دُعُوا إلَيْه من الشرع، والضميرُ في بِهِ يحتمل أنْ يعود على اللَّه ﷿، أو على القرآن، أو على النبيّ ﷺ وَنَذَرُهُمْ: معناه: نتركُهم، والطغيانُ: التخبُّط في الشرِّ، والإفراط فيما يتناوله المرء، ويَعْمَهُونَ: معناه: يتردّدون في حيرتهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-460>[سورة الأنعام (٦): الآيات ١١١ الى ١١٢]</span>\nوَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (١١١) وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ (١١٢)\nوقوله سبحانه: وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى ... الآية: أخبر سبحانه أنه لو أتى بجميع ما اقترحوه مِنْ إنزال ملائكةٍ وإحياءِ سلفهم حَسْبما اقترحه بعضُهم أنْ يُحْشَرَ قُصَيٌّ وغيره، فيخبر بصدْقِ محمَّد﵇-، أو يحشر عليهم كلُّ شيء قُبُلًا- ما آمنوا إلا بالمشيئةِ واللُّطْفِ الذي يخلقه ويَخْتَرِعُه سبحانه في نفْسِ مَنْ يشاء، لا ربَّ غيره.\nوقرأ نافع «١» وغيره: «قبلًا»، ومعناه مواجهةً ومعاينةً قاله ابن عباس «٢» وغيره، ونصبه علَى الحالِ، وقال المبرِّد: معناه: ناحيةً كما تقول: لِي قِبَلَ فلانٍ دَيْنٌ.\nقال ع «٣»: فنصبه على هذا: هو على الظرفِ، وقرأ حمزة «٤» وغيره: «قبلا» - بضمّ\n_________\n(١) ينظر: «السبعة» (٢٦٥- ٢٦٦)، و«الحجة» (٣/ ٣٨٣- ٣٨٧)، و«إعراب القراءات» (١/ ١٦٧)، و«معاني القراءات» (١/ ٣٨٠)، و«حجة القراءات» (٢٦٧)، و«شرح الطيبة» (٤/ ٢٦٩)، و«العنوان» (٩٢)، و«شرح شعلة» (٣٧٤)، و«إتحاف» (٢/ ٢٧) .\n(٢) أخرجه الطبري (٥/ ٣١٢) برقم (١٣٧٦١)، وذكره ابن عطية (٢/ ٣٣٥)، وابن كثير (٢/ ١٦٥)، والسيوطي (٣/ ٧٣)، وعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس.\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٣٣٥) .\n(٤) ينظر مصادر القراءات السابق.","vol":"2","page":507},{"text":"القافِ والباءِ-، واختلف في معناه، فقال بعضهم: هو بمعنى «قِبَل» بكسر القافِ، أي:\nمواجهةً كما تقول: قُبُل ودُبُر.\nوقال الزَّجَّاج والفَرَّاء: هو جَمْعُ قَبِيلٍ، وهو الكفيل، أي وحشرنا عليهم كلّ شيء كفلاء بصدق محمّد ﷺ، وقال مجاهد وغيره: هو جمع قَبِيلٍ، أي: صنفًا صنفًا، ونوعًا نوعًا «١»، والنصب في هذا كلّه على الحالة، وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ، أي: يجهلون في اعتقادهم أن الآية تقتَضِي إيمانهم، ولا بُدَّ، فيقتضي اللفظ أنَّ الأقلَّ لا يجهل، فكان فيهم من يعتقد أنَّ الآية لو جاءت لم يُؤْمِنْ إلا مَنْ شاء اللَّه منه ذلك، قُلْتُ: وقال مكِّيٌّ: وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ، أي: في مخالَفَتِكَ، وهم يعلمون أنَّك نبيٌّ صادقٌ فيما جئتهم به، وروي أنّ النبيّ ﷺ كَانَ يُدَاعِبُ أَبَا سُفْيَانَ بَعْدَ الفَتْحِ بِمِخْصَرَةٍ فِي يَدِهِ، وَيَطْعُنُ بِهَا أَبَا سُفْيَانَ، فَإذَا أحرقته، قال: نحّ عنّي مخصرتك، فو الله، لَوْ أَسْلَمْتُ إلَيْكَ هَذَا الأَمْرَ، مَا اختلف عليك فيه اثنان. فقال له النّبيّ ﷺ: «أَسْأَلُكَ بِالَّذِي أَسْلَمْتَ لَهُ، قِتَالُكَ إيَّايَ عَنْ أَيِّ شَيْءٍ كَانَ؟ فَقَالَ لَهُ أَبُو/ سُفْيَانَ: تَظُنُّ أَنِّي كُنْتُ أُقَاتِلُكَ تَكْذِيبًا مِنِّي لَكَ، وَاللَّهِ، مَا شَكَكْتُ فِي صَدْقِكَ قَطُّ، وَمَا كُنْتُ أُقَاتِلُكَ إلاَّ حَسَدًا مِنِّي لَكَ، فَالحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَزَعَ ذَلِكَ مِنْ قَلْبِي، فَكَانَ النّبيّ ﷺ يَشْتَهِي ذَلِكَ مِنْهُ، وَيَتَبَسَّمُ» . انتهى من «الهداية» .\nوقوله سبحانه: وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ ... الآيةَ: تتضمَّن تسلية النبيِّ ﷺ وعَرْضَ القُدْوة عليه، أي: هذا الذي امتحنت به، يا محمَّد، مِن الأعداء قد امتحن به غَيْرُك من الأنبياء ليبتليَ اللَّه أُولِي العزم منهم، وشَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ:\nيريد: المتمردين من النوعين، ويُوحِي: معناه: يلقيه في اختفاء، فهو كالمناجاةِ والسِّرَارِ، وزُخْرُفَ الْقَوْلِ: محسَّنه ومُزَيَّنه بالأباطيل قاله عكرمة ومجاهد «٢»، والزخرفة أكثر ما تستعملُ في الشرِّ والباطل، وغُرُورًا: مصدرٌ، ومعناه يغرُّون به المضلَّلين، والضمير في فَعَلُوهُ عائدٌ على اعتقادهم العداوةَ، ويحتملُ على «الوحْيِ» الذي تضمَّنه يُوحِي.\nوقوله سبحانه: فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ: لفظٌ يتضمَّن الأمر بالموادعة، وهو منسوخ\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٥/ ٣١٢، ٣١٣) برقم (١٣٧٦٤، ١٣٧٦٥)، وذكره ابن عطية (٢/ ٣٣٥)، وابن كثير (٢/ ١٦٥)، والسيوطي (٣/ ٧٣) وعزاه لأبي الشيخ عن مجاهد.\n(٢) أخرجه الطبري (٥/ ٣١٥، ٣١٦) برقم (١٣٧٧٨) عن عكرمة، وبرقم (١٣٧٨٠، ١٣٧٨١) عن مجاهد، وذكره ابن عطية (٢/ ٣٣٦)، والسيوطي (٣/ ٧٤)، وعزاه للفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وأبي نصر السجزي في «الإبانة»، وأبي الشيخ عن مجاهد.","vol":"2","page":508},{"text":"قال قتادة: كُلُّ «ذَرْ» في كتاب اللَّه- منسوخ بالقتال «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-461>[سورة الأنعام (٦): الآيات ١١٣ الى ١١٥]</span>\nوَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ (١١٣) أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١١٤) وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)\nوقوله سبحانه: وَلِتَصْغى: معناه: لِتَمِيلَ، قال «٢» الفَخْر: والضميرُ في قوله:\nوَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ- يعود على زُخْرفِ القولِ، وكذلك في قوله: وَلِيَرْضَوْهُ والاقترافُ: معناه الاكتساب.\nوقال الزجّاج: ولِيَقْتَرِفُوا، أي: يختلقوا ويَكْذِبوا، والأول أفصحُ. انتهى.\nوالقُرَّاء على كسر اللامِ في الثلاثةِ الأفعالِ على أنها لام كي معطوفة على غرورا وحَكَمًا أبلغُ من حاكِمٍ إذ هي صيغةٌ للعَدْلِ من الحكام، والحاكم جَارٍ على الفعل، فقَدْ يقال للجائر، ومُفَصَّلًا: معناه: مزالُ الإشكال، والكتاب أولًا هو القرآن، وثانيًا اسم جنسٍ للتوراةِ والإنجيلِ والزبورِ والصُّحُفِ.\nوقوله تعالى: فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ: تثبيتٌ ومبالغةٌ وطَعْنٌ على الممترين.\nقلتُ: وقد تقدَّم التنبيه على أنه ﷺ مَعْصُومٌ، وأنَّ الخطاب له، والمراد غيره ممَّنْ يمكن منه الشّكّ.\nوقوله سبحانه: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا ... الآية: تَمَّتْ في هذا الموضع: بمعنى: استمرت وصحَّتْ في الأزل صدقًا وعدلًا، وليس بتمامٍ مِنْ نقصٍ، ومثله ما وقَع في كتب «السِّيرة» مِنْ قولهم: وتَمَّ حَمْزَةُ على إسْلاَمِهِ، في الحديثِ مع أبي جهل، والكلمات: ما أنزل على عباده، ولا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ: معناه: في معانيها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-462>[سورة الأنعام (٦): الآيات ١١٦ الى ١١٨]</span>\nوَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ (١١٦) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١١٧) فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ (١١٨)\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٢/ ٣٣٦) .\n(٢) ينظر: «تفسير الرازي» (١٣/ ١٢٩) . [.....]","vol":"2","page":509},{"text":"وقوله سبحانه: وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ ... الآية: المعنى: فامض، يا محمَّد لما أُمِرْتَ به، وبلِّغ ما أُرْسِلْتَ به، فإنك إنْ تطع أكثر من في الأرض يضلُّوك، قال ابنُ عباس «١»: الأرض هنا: الدنيا، وحُكِي أنَّ سبب هذه الآية أنَّ المشركين جادلوا النبيّ ﷺ في أمر الذبائحِ، وقالوا: أتأكُلُ ما تقتُلُ، وتترُكُ ما قَتَلَ اللَّه، فنزلَتِ الآية، ثم وصفهم تعالى بأنهم إنما يقتدون بظنونهم ويتَّبعون تخرُّصهم، والخَرْصُ: الحَرْز والظنُّ، وهذه الآية/ خبر في ضمْنه وعيدٌ للضالِّين، ووعدٌ للمهتدين، وقوله سبحانه: فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ ... الآية: القصْد بهذه الآية النهْيُ عما ذبح للنُّصُب وغيرها، وعن الميتة وأنواعها، ولا قصد في الآية إلى ما نَسِيَ المؤمن فيه التسميَة أو تعمّدها بالترك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-463>[سورة الأنعام (٦): الآيات ١١٩ الى ١٢١]</span>\nوَما لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (١١٩) وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ (١٢٠) وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)\nوقوله سبحانه: وَما لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا ... الآية: «ما»: استفهام يتضمَّن التقريرَ، وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ، أي: فصَّل الحرامَ من الحلالِ، وانتزعه بالبيانِ، و«ما» في قوله: إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ، يريد بها: مِنْ جميع ما حَرَّم كالميتة وغيرها، وهي في موضع نَصْب بالاستثناء، والاستثناءُ منقطعٌ.\nوقوله سبحانه: وَإِنَّ كَثِيرًا يريد الكفرة المحادِّين المجادلين، ثم توعَّدهم سبحانه بقوله: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ.\nوقوله جلَّت عظمته: وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ- نهْيٌ عامٌّ، والظاهرُ والباطنُ:\nيستوفيان جميع المعاصي، وقال قوم: الظاهر: الأعمالُ، والباطنُ: المعتَقَد، وهذا أيضًا حسن لأنه عامٌّ، وروى ابن المبارك في «رقائقه» بسنده، عن أبي أُمَامة، قال: سأل رجل النبيّ ﷺ: مَا الإثْمُ؟ قَالَ: «مَا حَكَّ فِي صَدْرِكَ، فَدَعْهُ» «٢»، وروى ابن المبارك أيضًا بسنده أنَّ رجلًا قال: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا يَحِلُّ لِي مِمَّا يَحْرُمُ عَلَيَّ؟ فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٢/ ٣٣٨) .\n(٢) أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (ص ٢٨٤) رقم (٨٢٥) .","vol":"2","page":510},{"text":"فَرَدَّ عَلَيْهِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ فِي كُلِّ ذَلِكَ يَسْكُتُ رَسُولُ اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيْنَ السَّائِلُ» فَقَالَ: أَنَا ذَا، يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «مَا أَنْكَرَ قَلْبُكَ، فَدَعْهُ» «١» . انتهى، وقد ذكرنا معناه مِنْ طرُقٍ في غير هذا الموضعِ، فأغنى عن إعادته.\nثم توعَّد تعالى كَسَبَةَ الإثمِ بالمجازاةِ على ما اكتسبوه من ذلك، والاقتراف:\nالاكتساب.\nوقوله سبحانه: وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ... الآية:\nمقصد الآية النهْيُ عن الميتة إذ هي جواب لقول المشركين: تَتْرُكُونَ ما قَتَلَ اللَّهُ، ومع ذلك، فلفظها يعمُّ ما تُرِكَتِ التسميةُ عليه من ذبائِحِ الإسلام «٢»، وبهذا العمومِ تعلَّق ابن عمر وابنُ سيرينَ والشَّعْبِيُّ وغيرهم فقالوا: ما تُرِكَتِ التسميةُ علَيْه، لم يؤكَلْ، عمدا كان أو نسيانا «٣»، وجمهورُ العلماء على أنه يؤكل إن كان تركُها نسيانًا بخلاف العَمْدِ، وقيل:\nيؤكل، سواءٌ تركَتْ عمدًا أو نسيانًا، إلا أنْ يكون مستخِفًّا.\nوقوله تعالى: وَإِنَّ الشَّياطِينَ ... الآية: قال عكرمة: هم مردة الإنس من مجوس\n_________\n(١) أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (ص ٢٨٣- ٢٨٤) رقم (٨٢٤) .\n(٢) أجمع الفقهاء على مشروعية التسمية عند الذبح، وعند الإرسال: والرمي إلى الصيد.\nولكنهم اختلفوا في كونها شرطا في حل الأكل: فذهب الشافعي وأصحابه إلى أنها سنة، فلو تركها عمدا أو سهوا، حل الصيد والذبيحة.\nوهي رواية عن «مالك»، و«أحمد» .\nوروي ذلك عن ابن عباس، وأبي هريرة، وعطاء، وسعيد بن المسيب والحسن، وجابر بن زيد، وعكرمة، وأبي عياض، وأبي رافع، وطاوس، وإبراهيم النخعي، وعبد الرّحمن بن أبي ليلى، وقتادة.\nوذهب أبو حنيفة- رحمه الله تعالى- إلى أن التسمية شرط للإباحة مع الذكر دون النسيان، فإن تركها عمدا، فالذبيحة ميتة.\nوهو مذهب جماهير العلماء، والصحيح من مذهب مالك﵁-، والمشهور عن أحمد في الذبيحة.\nوقال أهل الظاهر: إن تركها عمدا، أو سهوا لم يحل.\nوهو الصحيح عن أحمد في الصيد.\nوروي عن ابن سيرين، وعبد الله بن عياش، وعبد الله بن عمر، ونافع، وعبد الله بن يزيد الخطمي، والشعبي، وأبي ثور.\nينظر: «الزكاة»، لشيخنا عبد الله حمزة.\n(٣) أخرجه الطبري (٥/ ٣٢٩) عن ابن سيرين برقم (١٣٨٣٢)، وذكره البغوي (٢/ ١٢٧)، وابن عطية (٢/ ٣٤٠)، وابن كثير (٢/ ١٦٩) والسيوطي (٣/ ٨٠)، وعزاه لعبد بن حميد، عن محمد بن سيرين.","vol":"2","page":511},{"text":"فَارِس «١»، وذلك أنهم كانوا يوالُونَ قُرَيْشًا على عداوة النبيّ ﷺ: لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ من قريش لِيُجادِلُوكُمْ بقولهم: تأكلون ما قَتَلْتُمْ ولا تأكلون ما قَتَلَ اللَّه فذلك من مخاطبتهمْ هو الوحْيُ، والأولياء هم قريشٌ، وقال ابن زَيْد وعبد اللَّه بن كثير: بل الشياطينِ الجِنُّ، واللفظة على وجْهها، وأولياؤهم: كَفَرة قريش، ووحْيُهم بالوسوسة، وعلى ألسنة الكُهَّان.\nثم نهى سبحانه عن طاعتهم بلفظ يتضمَّن الوعيدَ وعرض أصعب مثالٍ في أن يشبه المؤمن بالمُشْرك، قال ابن العربيِّ «٢»: قوله تعالى: وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ، سمَّى اللَّه تعالى ما يقع في القلوبِ من الإلهام وحيًا/، وهذا مما يطلقه شيوخُ المتصوِّفة، وينكره جُهَّال المتوسِّمين بالعلْمِ، ولم يعلموا أن الوحْيَ على ثمانيةِ أقسامٍ، وأن إطلاقه في جميعها جائزٌ في دِينِ اللَّه. انتهى من «أحكام القرآن» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-464>[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٢٢ الى ١٢٤]</span>\nأَوَمَنْ كانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢) وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها وَما يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنْفُسِهِمْ وَما يَشْعُرُونَ (١٢٣) وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ (١٢٤)\nوقوله سبحانه: أَوَمَنْ كانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْناهُ، لما تقدَّم ذكْر المؤمنين، وذكْر الكافرين، مثَّل سبحانه في الطائفتين بأنْ شَبَّه الذين آمنوا بَعْد كفرهم بأمواتٍ أُحْيُوا، هذا معنى قول ابن عباس «٣» ومجاهد وغيرهما، وشَبَّه الكافرين وحَيْرَةَ جهلهم بقَوْمٍ في ظلمات يتردَّدون فيها، ولا يمكنهم الخروجُ منها ليبيِّن ﷿ الفرق بيْنَ الطائفتَيْن، والبَوْن «٤» بين المنزلتين، ونُورًا أمكن ما يعني به الإيمان، قيل: ويحتمل أن يراد به النُّور الذي يُؤْتَاهُ المؤمن يوم القيامة، وجَعَلْنا في هذه الآية: بمعنى صيّرنا، فهي تتعدّى إلى\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٢/ ٣٤٠) .\n(٢) ينظر: «أحكام القرآن» (٢/ ٧٤٧) .\n(٣) أخرجه الطبري (٥/ ٣٣٢) برقم (١٣٨٤٣، ١٣٨٤٤، ١٣٨٤٥) عن مجاهد وبرقم (١٣٨٤٦، ١٣٨٤٧) عن ابن عباس، وبرقم (١٣٨٤٩) عن السدي، وبرقم (١٣٨٥٠) عن ابن زيد، وذكره ابن عطية (٢/ ٣٤١)، والسيوطي (٣/ ٨١) وعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ عن ابن عباس، وعزاه لعبد بن حميد، وابن المنذر، وأبي الشيخ عن مجاهد.\n(٤) البون والبون: مسافة ما بين الشيئين. ينظر: «لسان العرب» (٣٩١) .","vol":"2","page":512},{"text":"مفعولَيْن، الأول: مُجْرِمِيها، والثاني: أَكابِرَ، وفي الكلام على هذا: تقديمٌ وتأخير، وتقديره: وكذلك جعلنا في كلِّ قريةٍ مجرميها أَكَابِرَ، وقدَّم الأهمَّ إذ لعلَّة كِبْرهم أجرموا، ويصح أن يكون المفعولُ الأول: «أكابر»، و«مجرميها» «١» مضافٌ، والمفعولُ الثاني: في قوله: فِي كُلِّ قَرْيَةٍ، ولِيَمْكُرُوا: نصب بلامِ الصيرورةِ والأكابر: جمع أكْبَر كما الأفاضلُ جمع أفْضَل، قال الفَخْر «٢»: وإنما جعل المجرمين أكابر لأنهم لأجل\n_________\n(١) اختلف في تقديرهما، والصحيح: أن يكون «في كلّ قرية» مفعولا ثانيا قدم على الأول، والأول «أكابر» مضافا ل «مجرميها» .\nوالثاني: أن يكون «في كلّ قرية» مفعولا ثانيا أيضا مقدما، و«أكابر» هو الأول، و«مجرميها» بدل من «أكابر» ذكر ذلك أبو البقاء.\nالثالث: أن يكون «أكابر» مفعولا ثانيا قدم، و«مجرميها» مفعول أول آخر، والتقدير: جعلنا في كل قرية مجرميها أكابر- فيتعلق الجار بنفس الفعل قبله، ذكر ذلك ابن عطية.\nقال الشيخ: «وما أجازاه- يعني أبا البقاء وابن عطية- خطأ وذهول عن قاعدة نحوية، وهو أن «أفعل» التفضيل إذا كان ب «من» ملفوظا بها أو مقدرة، أو مضافة إلى نكرة كانت مفردة مذكرة على كل حال، سواء كانت لمذكر أم مؤنث مفرد أو مثنى أم مجموع. وإذا ثنيت أو جمعت أو أنثت، طابقت ما هي له، ولزمها أحد أمرين: إمّا الألف واللام، وإمّا الإضافة لمعرفة. وإذا تقرر ذلك، فالقول بكون «مجرميها» بدلا، وبكونه مفعولا أول، و«أكابر» مفعول ثان خطأ، لاستلزام أن يبقى «أكابر» مجموعا، وليست فيه ألف ولام، ولا هي مضافة لمعرفة. قال: وقد تنبه الكرماني إلى هذه القاعدة فقال: «أضاف «أكابر» إلى «مجرميها» لأن «أفعل» لا يجمع إلّا مع الألف واللام، أو مع الإضافة» . قال الشيخ: وكان ينبغي أن يقيد بالإضافة إلى معرفة. قلت: أما هذه القاعدة فمسلمة ولكن قد ذكر مكي ما ذكر ابن عطية سواء، وما أظنه أخذ إلّا منه، وكذلك الواحدي أيضا، ومنع أن يجوز إضافة «أكابر» إلى «مجرميها» . قال الواحدي﵀-: «والآية على التقديم والتأخير، تقديره: جعلنا مجرميها أكابر، ولا يجوز أن يكون «الأكابر» مضافة، لأنه لا يتم المعنى، ويحتاج إلى إضمار المفعول الثاني للجعل، لأنك إذا قلت:\nجعلت زيدا، وسكت، لم يفد الكلام حتّى تقول: رئيسا أو ذليلا أو ما أشبه ذلك، ولأنك إذا أضفت «الأكابر» فقد أضفت النعت إلى المنعوت، وذلك لا يجوز عند البصريين» . قلت: هذان الوجهان اللذان ردّ بهما الواحدي ليسا بشيء. أما الأول فلا نسلم أنا نضمر المفعول الثاني، وأنه يصير الكلام غير مفيد، وما أورده من الأمثلة فليس مطابقا، لأنا نقول: إنّ المفعول الثاني هنا مذكور مصرح، وهو الجار والمجرور السابق. وأما الثاني فلا نسلم أنه من باب إضافة الصفة لموصوفها، لأن المجرمين: أكابر، وأصاغر، فأضاف للبيان، لا لقصد الوصف.\nالرابع: أن المفعول الثاني محذوف. قالوا: وتقديره: جعلنا في كلّ قرية أكابر مجرميها فسّاقا ليمكروا.\nوهذا ليس بشيء لأنه لا يحذف شيء، إلا الدليل، والدليل على ما ذكروه غير واضح. وقال ابن عطية:\nويقال: أكابرة، كما يقال: أحمر وأحامرة.\nينظر: «الدر المصون» (٣/ ١٧١- ١٧٢) .\n(٢) ينظر: «تفسير الرازي» (١٣/ ١٤٣) .","vol":"2","page":513},{"text":"رياستهم أقْدَرُ على الغَدْرِ والمَكْرِ ورُكُوبِ الباطلِ من غيرهم ولأن كثرة المال والجاه يَحْمِلاَنِ الإنسان على المبالغةِ في حِفْظهما وذلك الحِفْظُ لا يتمُّ إلا بجميع الأخلاق الذميمةِ كالغَدْر والمَكْر والكَذِب والغِيبة والنَّميمة والأَيْمَان الكاذبة ولو لم يكن للمالِ والجاهِ سوى أنَّ اللَّه تعالى حَكَم بأنه إنما وصفَ بهذه الأوصافِ الذميمةِ مَنْ كان له مالٌ وجاه، لكفى ذلك دليلًا على خَسَاسة المالِ والجَاهِ. انتهى، وما ذكره من المال والجاه هو الأغلَبُ.\nوَما يَشْعُرُونَ، أي: ما يعلمون.\nوقوله سبحانه: وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ، أي: علامةٌ ودليلٌ على صحَّة الشرع، تشطَّطوا، وقالوا: لَنْ نؤمن حتَّى يُفْلَقَ لنا البَحْرُ، ويحيى لنا الموتى، ونحْوَ ذلك، فردَّ اللَّه تعالى عليهم بقوله: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ فيمن اصطفاه، وانتخبه، لا فيمن كَفَرَ، وجعل يتشطَّط على اللَّه سبحانه، قال الفَخْر «١»: قال المفسِّرون: قال الوليدُ بْنُ المُغِيرَةِ «٢»:\nلو كانتِ النبوَّة حقًّا، لكنْتُ أولى بها، قال الضَّحَّاك: أراد كلُّ واحد من هؤلاء الكفرة أنْ يُخَصَّ بالوحْيِ والرسالةِ كما أخبر عنهم سبحانه: بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً [المدثر: ٥٢] انتهى.\nثم توعَّد سبحانه بأن هؤلاء المجرمين الأكابر في الدنيا سيصيبهم عند اللَّه صَغَارٌ وذلَّة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-465>[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٢٥ الى ١٢٩]</span>\nفَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (١٢٥) وَهذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦) لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٧) وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا قالَ النَّارُ مَثْواكُمْ خالِدِينَ فِيها إِلاَّ مَا شاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٢٨) وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٢٩)\n_________\n(١) ينظر: «تفسير الرازي» (١٣/ ١٤٣) .\n(٢) الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، أبو عبد شمس: من قضاة العرب في الجاهلية، ومن زعماء قريش، ومن زنادقتها. يقال له «العدل» لأنه كان عدل قريش كلها: كانت قريش تكسو «البيت» جميعها، والوليد يكسوه وحده. وكان ممن حرم الخمر في الجاهلية، وضرب ابنه هشاما على شربها. وأدرك الإسلام، وهو شيخ هرم، فعاداه وقاوم دعوته. قال ابن الأثير: وهو الذي جمع قريشا، وقال: «إن الناس يأتونكم أيام الحج، فيسألونكم عن محمد، فتختلف أقوالكم فيه، فيقول هذا: كاهن:\nويقول هذا: شاعر، ويقول هذا: مجنون وليس يشبه واحدا مما يقولون، ولكن أصلح ما قيل فيه:\n«ساحر» لأنه يفرق بين المرء وأخيه، والزوج وزوجته!» وهلك بعد الهجرة بثلاثة أشهر، ودفن بالحجون. وهو والد سيف الله خالد بن الوليد.\nينظر: «الأعلام» (٨/ ١٢٢)، «الكامل» لابن الأثير (٢/ ٢٦)، «اليعقوبي» (١/ ٢١٥) .","vol":"2","page":514},{"text":"وقوله سبحانه: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ ... الآية: مَنْ:\nشرط، ويَشْرَحْ جوابُ الشرط.\nوالآيةُ نصٌّ في أن اللَّه تعالى يريدُ هدى المؤمن، وضلالَ الكافر، وهذا عند جميعِ أهْل السنَّة بالإرادةِ القديمةِ التي هي صفةُ ذاته ﵎، والهدى هنا: هو خَلْق الإيمان في القَلْبِ، وشَرْحُ الصدرِ: هو تسهيلُ الإيمان، وتحبيبُه، وإعدادُ القَلْبِ لقبولِهِ وتحصيلِهِ، والصَّدْر: عبارةٌ عن القلب، وفي يَشْرَحْ ضمير يعود على اسم اللَّهِ ﷿/ يَعْضُدُهُ اللفظ والمعنى، ولا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ، والقولُ بأنه عائدٌ على «المَهْدِيِّ» - قولٌ يتركَّب عليه مذهب القَدَريَّة في خَلْق الأعمال، ويجبُ أن يُعتقد ضَعْفُهُ، والحَذَرُ منه، ورُوِيَ عن النبيِّ ﷺ «أنه لَمَّا نزلَتْ هذه الآية، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يُشْرَحُ الصَّدْرُ؟ قَالَ: إذَا نَزَلَ النُّورُ فِي القَلْبِ، انشرح لَهُ الصَّدْرُ، وانفسح، قَالُوا: وَهَلْ لِذَلِكَ عَلاَمَةٌ، يَا رَسُولَ اللَّهِ؟\nقَالَ: نَعَمِ، الإنَابَةُ إلَى دَارِ الخُلُودِ، وَالتَّجَافِي عَنْ دَارِ الغُرُورِ، والاسْتِعْدَادُ لِلْمَوْتِ، قَبْلَ المَوْتِ»، والقول «١» في قوله: وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ كالقول في قوله: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ، وقرأ حمزة وغيره: «حَرَجًا» - بفتح الراء-، وروي أن عمر بن الخطاب (﵁) قرأها يومًا بفتح الراء، فقرأها له بعضُ الصَّحابة بكَسْر الراء، فقال: ابغوني رجُلًا من كِنَانَةَ، وليكنْ رَاعيًا، وليكُنْ من بني مدلج، فلما جاء، قال له: يَا فتى، مَا الحَرِجَةُ عنْدَكُمْ؟ قال الشَّجَرَةُ تكُونُ بَيْن الأشجار لا تَصِلُ إليها راعيَةٌ ولا وَحْشِيَّة، قال عمر: كذلِكَ قَلْبُ المنافق لا يَصِلُ إليه شَيْءٌ من الخير «٢» .\nوقوله سبحانه: كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ، أي: كأنَّ هذا الضّيّق الصّدر متى حاول\n_________\n(١) ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٨٣) عن ابن مسعود. وعزاه إلى ابن أبي شيبة، وابن أبي الدنيا، وابن جرير، وأبي الشيخ، وابن مردويه، والحاكم، والبيهقي في «الشعب» وعزاه إلى عبد بن حميد، عن الفضيل بنحوه. [.....]\n(٢) أخرجه الطبري (٥/ ٣٣٧) برقم (١٣٨٦٥)، وذكره البغوي (٢/ ١٢٩) وابن عطية (٢/ ٣٤٣)، وابن كثير (٢/ ١٧٥)، والسيوطي (٣/ ٨٤) وعزاه لعبد بن حميد، وابن المنذر، وأبي الشيخ عن أبي الصلت الثقفي، عن عمر بن الخطاب.","vol":"2","page":515},{"text":"الإيمان أو فكَّر فيه، يجد صعوبته عليه، والعياذُ باللَّه، كصعوبةِ الصُّعود في السماء، قاله ابن جريج وغيره «١»، وفِي السَّماءِ، يريد: مِنْ سفل إلى علوٍ، وتحتمل الآية أنْ يكون التشبيهُ بالصاعدِ في عَقَبَةٍ كَئُود كأنه يَصْعَدُ بها في الهواء، ويَصْعَدُ: معناه: يعلو، ويَصَّعَّدُ:\nمعناه: يتكلَّف من ذلك ما يشقُّ عليه.\nوقوله: كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ، أي: وكما كان الهدى كله من اللَّه، والضلال بإرادته تعالى ومشيئته كذلك يجعل اللَّه الرجْسَ، قال أهل اللغة: الرجْسُ يأتي بمعنى العَذَابِ، ويأتي بمعنى النَّجَس.\nوقوله تعالى: وَهذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا ... الآية: هذا إشارة إلى القرآن والشرْعِ الذي جاء به نبيُّنا محمّد ﷺ قاله ابن عباس، وفَصَّلْنَا، معناه: بيَّنا وأوضحنا «٢» .\nوقوله سبحانه: لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ، أي: للمؤمنين، والضمير في قوله: لَهُمْ دارُ السَّلامِ عائد عليهم، والسَّلام: يتجه أن يكون اسما من أسماء اللَّه ﷿، ويتجه أن يكون مصدرًا بمعنى السلامة.\nوقوله تعالى: عِنْدَ رَبِّهِمْ يريد في الآخرة بعد الحشر، ووليّهم، أي: وليّ الإنعام عليهم، وبِما كانُوا يَعْمَلُونَ، أي: بسَبَبِ ما كانوا يُقَدِّمون من الخير، ويفعلون من الطاعة والبر.\nوقوله سبحانه: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ، والمعنى: واذكر يَوْمَ، وفي الكلامِ حذفٌ، تقديره: نقول: يا معشر الجنِّ، وقوله: قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ: معناه: أفرطتم، ومِنَ الْإِنْسِ: يريد: في إضلالهم وأغوائهم قاله ابن عباس وغيره «٣»، وقال الكُفَّار من الإنْس، وهم أولياء الجنِّ الموبَّخين على جهة الاعتذار عن الجنِّ: رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ، أي: انتفع وذلك كاستعاذتهم بالجنِّ إذ كان العربيُّ إذا نزل واديًا، ينادي: يا رَبَّ الوادِي، إنِّي أستجيرُ بك في هذه الليلة، ثم يرى سلامته إنما هي بحفْظِ جَنِّيِّ ذلك الوادِي، ونحو ذلك، وبلوغ الأجل المؤجّل: هو\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٥/ ٣٤٠) برقم (١٣٨٧٨، ١٣٨٧٩)، وذكره ابن عطية (٢/ ٣٤٣)، وابن كثير (٢/ ١٧٥)، والسيوطي (٣/ ٨٤)، وعزاه لأبي الشيخ عن ابن جريج.\n(٢) أخرجه الطبري (٥/ ٤٤٢) برقم (١٣٨٨٦)، وذكره ابن عطية (٢/ ٣٤٤) .\n(٣) أخرجه الطبري (٥/ ٤٤٢) برقم (١٣٨٨٨)، وذكره ابن عطية (٢/ ٣٤٥)، والسيوطي (٣/ ٨٥)، وعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ عن ابن عباس.","vol":"2","page":516},{"text":"الموتُ، وقيل: هو الحشر.\nوقوله تعالى: قالَ النَّارُ مَثْواكُمْ ... الآية: إخبارٌ من اللَّه تعالى/ عما يقولُ لهم يوم القيامة إثْرَ كلامهم المتقدّم، ومَثْواكُمْ، أي: موضع ثوائكم كَمُقَامِكُمُ الذي هو مَوْضِعُ الإقامة قاله الزَّجَّاج، والاستثناءُ في قوله: إِلَّا مَا شاءَ اللَّهُ قالتْ فرقة: «مَا» بمعنى «مَنْ»، فالمراد: إلا مَنْ شاء اللَّه مِمَّنْ آمن في الدنيا بعد، إن كان مِنْ هؤلاء الكَفَرة، وقال الطبريُّ «١»: إن المستثنى هي المُدَّة التي بَيْنَ حشرهم إلى دخولهم النار، وقال الطبريُّ «٢»، عن ابن عباس: إنه كان يتأوَّل في هذا الاستثناء أنه مبلغ حالِ هؤلاء في علْمِ اللَّه «٣»، ثم أسند إليه أنه قال: إن هذه الآية آية لا ينبغي لأحَدٍ أنْ يحكم على اللَّه في خَلْقه لا يُنْزِلُهم جنَّةً ولا نارًا.\nقال ع «٤»: والإجماع على التخليد الأبديِّ في الكُفَّار، ولا يصحُّ هذا عن ابن عباس (﵁) .\nقال ص: إِلَّا مَا شاءَ اللَّهُ: قيل: استثناء منقطعٌ، أي: لكِنْ ما شاء اللَّه مِنَ العذابِ الزائِدِ على النَّار، وقيل: متصلٌ، واختلفوا في تقديره، فقيل: هو استثناء مِنَ الأشخاصِ، وهم مَنْ آمن في الدنيا، ورُدَّ بأنه يختلف زمان المستثنى والمستثنى منه، فيكون منقطعًا لا متصلًا لأنَّ مِنْ شرط المتصل اتحاد زمانَيِ المُخْرَجِ والمُخْرَجِ منه. انتهى، وقيل غير هذا.\nوقوله سبحانه: وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا، قال قتادة «٥»: معناه: نجعل بعضهم وليَّ بعض في الكفر والظلم، وقال أيضًا: المعنى نجعلُ بعضهم يَلِي بعضًا في دخول النار، وقال ابن زيد: معناه: نسلِّط بعض الظالمين على بعض، ونجعلهم أولياء النقمة «٦» منهم.\n_________\n(١) ينظر: «تفسير الطبري» (٥/ ٣٤٣) .\n(٢) ينظر: «تفسير الطبري» (٥/ ٣٤٣) .\n(٣) أخرجه الطبري (٥/ ٣٤٣) برقم (١٣٨٩٥)، وذكره البغوي (٢/ ١٣١)، وابن عطية (٢/ ٣٤٥)، وابن كثير (٢/ ١٧٦)، والسيوطي (٣/ ٨٥)، وعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ عن ابن عباس.\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٣٤٦) .\n(٥) أخرجه الطبري (٥/ ٣٤٤) برقم (١٣٨٩٦)، وذكره البغوي (٢/ ١٣١)، وابن عطية (٢/ ٣٤٦)، وابن كثير (٢/ ١٧٦)، والسيوطي (٣/ ٨٥) وعزاه لعبد الرزاق، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ عن قتادة.\n(٦) أخرجه الطبري (٥/ ٣٤٤) برقم (١٣٨٩٨)، وذكره ابن عطية (٢/ ٣٤٦)، وابن كثير (٢/ ١٧٦)، والسيوطي (٣/ ٨٥)، وعزاه لابن أبي حاتم، وأبي الشيخ عن ابن زيد.","vol":"2","page":517},{"text":"قال ع «١»: وقد حفظ هذا في استعمال الصحابة والتابعين كقول ابن الزُّبَيْر: أَلاَ إنَّ فم الذّبّان قتل لطيم الشّيطان «٢» وكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِما كانُوا يَكْسِبُونَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-466>[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٣٠ الى ١٣٢]</span>\nيا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ (١٣٠) ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها غافِلُونَ (١٣١) وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٣٢)\nوقوله تعالى: امَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ ...\nالآية: هذا الكلامُ داخلٌ في القول يَوْمَ الحشر.\nقال الفَخْر «٣»: قال أهل اللغة: المَعْشَر: كلُّ جماعةٍ أَمْرهم واحدٌ، وتَحْصُلُ بينهم معاشرةٌ ومخالطةٌ، فالمَعْشَر: المُعَاشِر. انتهى، ونْكُمْ\n: يعني: مِنَ الإنس قاله ابن جُرَيْج «٤» وغيره، وقال ابن عباس: من الطائفَتَيْنِ «٥»، ولكنْ رسلُ الجنّ هم رسل رسل الإنس، وهم النّذر، وقُصُّونَ\n: من القصص، وقولهم: هِدْنا\n: إقرار منهم بالكفر.\nوقوله سبحانه: غَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا\n: التفاتة فصيحةٌ تضمَّنت أنَّ كفرهم كان بأذَمِّ الوجوه لهم، وهو الاغترار الذي لا يواقعه عاقل، ويحتمل رَّتْهُمُ\nأن يكون بمعنى:\nأشبعتهم وأطعمتهم بحَلْوَائها كما يقال: غَرَّ الطَّائِرُ فَرْخَهُ.\nوقوله سبحانه: شَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ\n: الجمع بيْنَ هذه الآية وبَيْن الآي التي تقتضي إنكار المشركين الإشْرَاكَ هو إمَّا بأنها طوائفُ، وإما بأنها طائفةٌ واحدةٌ في مواطنَ شتى.\nوقوله: ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، أي: ذلك الأمر، والْقُرى: المدن، والمراد: أهل\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٣٤٦) .\n(٢) ذكره ابن عطية (٢/ ٣٤٦) .\n(٣) ينظر: «تفسير الرازي» (١٣/ ١٥٩) .\n(٤) أخرجه الطبري (٥/ ٣٤٥) برقم (١٣٩٠٠) نحوه، وذكره ابن عطية (٢/ ٣٤٦) نحوه، وابن كثير (٢/ ١٧٧)، والسيوطي (٣/ ٨٦) وعزاه لابن المنذر عن ابن جريج بنحوه، وعزاه أيضا لعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد. [.....]\n(٥) أخرجه الطبري (٥/ ٣٤٥) برقم (١٣٩٠٠)، وذكره ابن عطية (٢/ ٣٤٦)، وابن كثير (٢/ ١٧٧) بنحوه.","vol":"2","page":518},{"text":"القرى، وبِظُلْمٍ: يحتمل معنيين:\nأحدهما: أنه لم يكُنْ سبحانه لِيُهْلِكَهم دون نِذَارة، فيكون ظُلْمًا لهم، واللَّه تعالى ليس بظلاَّم للعبيد.\nوالآخر: أنَّ اللَّه ﷿ لم يُهْلِكْهم بظلمٍ واقعٍ منهم دون أنْ ينذرهم، وهذا هو البيِّن القويُّ، وذكر الطبري (﵀) التأويلين.\nوقوله سبحانه: وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ... الآية: إخبارٌ من اللَّه سبحانه أنَّ المؤمنين في الآخرة على درجاتٍ من التفاضُل بحَسَب أعمالهم، وتفضُّل المولى سبحانه عليهم، ولكنْ كلٌّ راضٍ بما أعطِيَ غايةَ الرضا، / والمشركون أيضًا على دركاتٍ من العذابِ، قلتُ: وظاهر الآية أن الجنَّ يثابون وينالُونَ الدَّرَجَاتِ والدَّرَكَاتِ، وقد ترجم البخاريُّ على ذلك، فقال: ذِكْر الجنِّ وثَوَابِهِم وعقابِهِم لقوله تعالى: امَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ ...\nالآية، إلى قوله: وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ، قال الداوديّ: قال الضحاكُ: مِنَ الجنِّ مَنْ يدخل الجنَّة، ويأكل ويشرب «١» . انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-467>[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٣٣ الى ١٣٥]</span>\nوَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ (١٣٣) إِنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (١٣٤) قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (١٣٥)\nوقوله سبحانه: وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَّا يَشاءُ الآيةُ متضمِّنةٌ وعيدًا وتحذيرًا من بطْشِ اللَّه ﷿ في التعجيل بذلك، وإمَّا مع المُهْلَة ومرورِ الجَدِيدَيْن فذلك عادته سبحانه في الخَلْق بإذهاب خَلْقِ واستخلاف آخرين.\nوقوله سبحانه: إِنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ، هو من الوعيدِ بقرينة: وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ، أي: وما أنتم بناجين هَرَبًا فتعجزوا طالبكم، ثم أمرَ سبحانَه نبيَّه﵇- أنْ يتوعدَّهم بقوله: اعْمَلُوا، أي: فسترون عاقبةَ عملكم الفاسدِ، وصيغةُ «افعل» هنا: هي بمعنى الوعيد والتهديد، وعَلى مَكانَتِكُمْ: معناه: على حالكم وطريقتكم، وعاقِبَةُ الدَّارِ، أي: مآل الآخرة، ويحتمل مآل الدنيا بالنصر والظهور، ففي الآية إعلام بغيب.\n_________\n(١) ذكره السيوطي (٣/ ٨٧)، وعزاه لابن المنذر، وأبي الشيخ في «العظمة» عن الضحاك.","vol":"2","page":519},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-468>[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٣٦ الى ١٣٨]</span>\nوَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيبًا فَقالُوا هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَما كانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ (١٣٦) وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ (١٣٧) وَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لاَّ يَطْعَمُها إِلاَّ مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وَأَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِراءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ (١٣٨)\nوقوله: وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ، يعني: مشركي العربِ الذين تقدَّم الردُّ عليهم من أول السورة، وذَرَأَ: معناه: خلَق وأنشأَ وبَثَّ، وسبَبُ نزول هذه الآية أنَّ العرب كانَتْ تجعل من غَلاَّتها وزُرُوعها وثمارها وأنعامها جُزْءًا تسميِّه للَّه، وَجْزْءًا تسميه لأصنامها، وكانت عادتها التحفِّي والاهتبال بنَصيبِ الأصنام أكْثَرَ منها بنصيب اللَّهِ إذ كانوا يعتقدون أن الأصنام بها فَقْر، وليس ذلك باللَّه سبحانه، فكانوا إذا جمعوا الزَّرْعَ، فهبَّت الريحُ، فحملَتْ مِنَ الذي للَّه إلى الذي لشركائِهِمْ، أقروه، وإذا حملَتْ من الذي لشركائِهِمْ إلى الذي للَّه، ردُّوه، وإذا لم يُصِيبُوا في نصيبِ شركائهم شيئًا، قالوا: لا بُدَّ للآلهة مِنْ نفقةٍ، فيجعلون نصيب اللَّه تعالى في ذلك قال هذا المعنى ابن عباس ومجاهدٌ والسديُّ وغيرهم «١» أنهم كانوا يفعلُونَ هذا ونحوه من الفعْلِ وكذلك في الأنعامِ كانوا إذا أصابتهم السَّنَةُ، أكلوا نصيبَ اللَّه، وتحامَوْا نصيبَ شركائهم.\nوقوله سبحانه: وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ، الكثير هنا يرادُ به مَنْ كان يَئِدُ «٢» مِنْ مشركي العرب، والشركاء هاهنا: الشياطين الآمِرُونَ بذلك، المزيِّنون له، والحاملون عليه أيضًا من بني آدم، ومقصد الآية الذمُّ للوأد والإنحاء على فعلته، ولِيُرْدُوهُمْ: معناه: ليهلكوهم من الرّدى، ولِيَلْبِسُوا: معناه: ليخلّطوا.\nوقوله سبحانه: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ يقتضي أن لا شيء إلا بمشيئة اللَّه\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٥/ ٣٥٠) برقم (١٣٩٠٢) عن ابن عباس، وبرقم (١٣٩٠٥) عن مجاهد، وبرقم (١٣٩٠٩) عن السدي، وذكره ابن عطية (٢/ ٣٤٩)، وابن كثير (٢/ ١٧٩) عن ابن عباس، والسيوطي (٣/ ٨٩) وعزاه لابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس، وعزاه أيضا لابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ عن مجاهد.\n(٢) وأد البنات، أي: قتلهن، قال المفسرون: كان الرجل في الجاهلية إذا ولدت له بنت، دفنها حين تضعها والدتها حية مخافة العار والحاجة.\nينظر: «لسان العرب» (٤٧٤٥) .","vol":"2","page":520},{"text":"﷿، وفيها ردٌّ على من قال بأن المرء يَخْلُقُ أفعاله، وقوله: فَذَرْهُمْ: وعيدٌ محضٌ.\nوقوله سبحانه: وَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لاَّ يَطْعَمُها إِلَّا مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها الآيةُ تتضمَّن ما شرعوه لأنفسهم والتزموه على جهة القربة كذبًا منهم على الله سبحانه، وحِجْرٌ: معناه: التحجيرُ، وهو المنعُ والتحريمُ، وَأَنْعامٌ لاَّ يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا: قال جماعةٌ من المفسِّرين: إنَّهم كانت لهم سُنَّة في أنعامٍ مَّا ألاَّ يُحَجُّ عليها، فكانَتْ تُرْكَبُ في كلِّ وجه إلا في الحَجِّ، وقالت فرقة: بل ذلك في الذبائحِ، جعلوا لآلهتهم نصيبًا منها لا يذكرون الله على ذبحها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-469>[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٣٩ الى ١٤٠]</span>\nوَقالُوا مَا فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٣٩) قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِراءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (١٤٠)\nوقوله سبحانه: وَقالُوا مَا فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا ... الآية: كان/ مِنْ مذاهبهم الفاسدةِ في بَعْض الأنعامِ أنْ يحرِّموا ما وَلَدَتْ على نسائهم، ويخصِّصونه لذُكُورهم، ف أَزْواجِنا: يراد به جماعةُ النساءِ التي هِيَ معدَّة أن تكون أزواجًا قاله مجاهد «١»، وقوله: وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً، يعني: أنه كان من سُنَّتهم أنَّ ما خرج من الأجنَّة ميتًا مِنْ تلك الأنعام الموقوفة، فهو حلالٌ للرجال والنساء جميعًا، وكذلك ما مات مِنَ الأنعامِ الموقوفةِ نَفْسِها، ثم أعقب تعالى بوعيدهم على ما وصفوا أنه من القربات.\nوقوله سبحانه: قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ... الآية: تتضمَّن التشنيع بسوء فعلهم، والتَّعْجيبَ مِنْ سوء حالهم فيما ذَكَر، قال عكرمة: وكان الوَأْدُ في رَبِيعَةَ وفِي مُضَرَ «٢» .\nقال ع «٣»: وكان جمهورُ العرب لا يفعله، ثم إنَّ فاعليه كان منهم مَنْ يفعله\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٥/ ٣٥٨) برقم (١٣٩٤٤)، وذكره البغوي (٢/ ١٣٤)، وابن عطية (٢/ ٣٥٢)، والسيوطي (٣/ ٩٠)، وعزاه لابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ عن مجاهد.\n(٢) أخرجه الطبري (٥/ ٣٦٠) برقم (١٣٩٥٣)، وذكره البغوي (٢/ ١٣٤)، وابن عطية (٢/ ٣٥٢)، والسيوطي (٣/ ٩١)، وعزاه لابن المنذر، وأبي الشيخ عن عكرمة.\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٣٥٢) .","vol":"2","page":521},{"text":"خَوْفَ العَيْلَة والافتقار، وكان منهم من يفعله غيرة مخافة السّباء، وقَدْ ضَلُّوا: إخبارٌ عنهم بالحَيْرة، وَما كانُوا: يريد في هذه الفَعْلَةِ، ويحتمل أن يريدَ: وما كانوا قبل ضلالهم بهذه الفَعْلة مهتدين، ولكنَّهم زادوا بهذه الفعلة ضلالا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-470>[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٤١ الى ١٤٢]</span>\nوَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشابِهًا وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (١٤١) وَمِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٤٢)\nوقوله سبحانه: وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ ... الآية: تنبيهٌ على مواضع الاِعتبار، وأَنْشَأَ: معناه: خلق واخترع، ومَعْرُوشاتٍ، قال ابنُ عَبَّاس: ذلك في ثَمَر العِنَبِ، مِنْها: ما عرش وسمك، ومنها: ما لم يعرش «١»، ومُتَشابِهًا: يريد: في المنظر، وغَيْرَ مُتَشابِهٍ: في الطعم قاله ابن جُرَيْج وغيره «٢»، وقوله: كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ: نصٌّ في الإباحة، وقوله سبحانه: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ:\nقال ابن عباس وجماعة: هي في الزكاة المفْرُوضة «٣» .\nقال ع «٤»: وهذا القولُ مُعْتَرَضٌ بأن السورة مكِّيَّةٌ وبأنَّه لا زكاة فيما ذُكِرَ من الرُّمَّانِ، وما في معناه، وحكى الزجَّاج أنَّ هذه الآية قيل فيها: إنها نزلَتْ بالمدينة، وقال مجاهدٌ وغيره: بل قوله: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ: نَدْبٌ إلى إعطاء حقوقٍ مِنَ المال غَيْر الزكاة «٥»، والسُّنَّة أن يُعْطِيَ الرجُلُ من زرعه عند الحصَادِ، وعِنْدَ الذَّرْوِ، وعنْدَ تكديسه في البَيْدَرِ «٦»، فإذا صفى وكال، أخرج من ذلك الزكاة.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٥/ ٣٦١) برقم (١٣٩٦١)، وذكره البغوي (٢/ ١٣٥)، وابن عطية (٢/ ٣٥٣)، وابن كثير (٢/ ١٨١)، والسيوطي (٣/ ٩٢)، وعزاه لأبي الشيخ عن ابن عباس.\n(٢) أخرجه الطبري (٥/ ٣٦٢) برقم (١٣٩٦٢)، وابن عطية (٢/ ٣٥٣)، وابن كثير (٢/ ١٨١)، والسيوطي (٣/ ٩٢)، وعزاه لابن المنذر، وأبي الشيخ، عن ابن جريج.\n(٣) أخرجه الطبري (٥/ ٣٦٣) برقم (١٣٩٧٤)، وذكره البغوي (٢/ ١٣٥)، وابن عطية (٢/ ٣٥٣)، وابن كثير (٢/ ١٨١)، والسيوطي (٣/ ٩٤)، وعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس.\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٣٥٣) .\n(٥) أخرجه الطبري (٥/ ٣٦٥) برقم (١٣٩٩٦)، وذكره البغوي (٢/ ١٣٥)، وابن عطية (٢/ ٣٥٣)، وابن كثير (٢/ ١٨١)، والسيوطي (٣/ ٩٢) وعزاه لسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ والبيهقي عن مجاهد.\n(٦) البيدر: الأندر (شامية) وأندر القمح الكدس منه خاصة. وفي المعجم الوسيط: البيدر: الجرن، والقمح-","vol":"2","page":522},{"text":"وقالتْ طائفة: هذا حكم صدَقَاتِ المسلمين حتى نزلَت الزكاةُ المفروضةُ، فنسخَتْها.\nقال ع «١»: والنسخ غَيْرُ مترتِّب في هذه الآية، ولا تَعَارُضَ بينها وبيْن آية الزكاة، بل تَنْبَنِي هذه على النَّدْبِ، وتلك على الفرض.\nوقوله سبحانه: وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ النهْيُ عن الإسراف: إما للناس عن التمنُّع عن أدائها لأن ذلك إسراف من الفعْلِ، وإما للولاة عن التشطُّط على الناسِ والإذاءة لهم، وكلٌّ قد قيلَ به في تأويل الآية.\nوقوله سبحانه: وَمِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا حَمُولَةً: عطْفٌ على جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ. التقدير: وأنشأنا من الأنعامِ حمولةً، والحَمُولَةُ: ما تحمل الأثقال مِنَ الإبل والبقر عنْدَ مَنْ عادته أنْ يحمل عليها، والفَرْش: ما لا يحمل ثقلًا كالغنم وصِغَار البَقَر والإبل، وهذا هو المرويُّ عن ابْنِ مسعود وابن عباس والحَسَن «٢» وغيرهم، ولا مَدْخَل في الآية لغَيْر الأنعام، وقوله: كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ: نصُّ إباحةٍ، وإزالةُ مَا سَنَّه الكفرة من البَحِيرَة والسَّائبة وغير ذلك، ثم تابع النهْيَ عن تلك السُّنَن/ الآفكة بقوله سبحانه: وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ، وهي جمع خُطْوَة، أي: لا تَمْشُوا في طريقه، قُلْتُ: ولفظ البخاريِّ: خُطُواتِ من الخَطْو، والمعنى: آثاره. انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-471>[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٤٣ الى ١٤٥]</span>\nثَمانِيَةَ أَزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٤٣) وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهذا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٤٤) قُلْ لآ أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤٥)\n_________\n- ونحوه بعد دياسه وتقويمه.\nينظر: «لسان العرب» (٢٢٩، ٤٣٨٢)، و«المعجم الوسيط» (٧٨) . [.....]\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٣٥٣) .\n(٢) أخرجه الطبري (٥/ ٣٧٢، ٣٧٣) برقم (١٤٠٥٠، ١٤٠٥٥، ١٤٠٥٦، ١٤٠٥٧) عن ابن مسعود، (١٤٠٥١، ١٤٠٦٠، ١٤٠٦١) عن ابن عباس، و(١٤٠٥٨، ١٤٠٥٩، ١٤٠٦٧) عن الحسن، وغيرهم منهم (١٤٠٥٢، ١٤٠٥٣، ١٤٠٥٤) عن مجاهد، و(١٤٠٦٣، ١٤٠٦٤) عن قتادة، وذكره ابن عطية (٢/ ٣٥٤)، وابن كثير (٢/ ١٨٢)، والسيوطي (٣/ ٩٤) وعزاه للفريابي، وعبد بن حميد، وأبي عبيد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، والطبراني، والحاكم، وصححه عن ابن مسعود.","vol":"2","page":523},{"text":"وقوله سبحانه: ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ، واختلف في نَصْبِها فقيل: على البدل من «مَا» في قوله: كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ، وقيل: على الحال، وقيل: على البدل من قوله: حَمُولَةً وَفَرْشًا، وهذا أصوب الأقوال، وأجراها على «١» معنى الآيةِ، والزَّوْج: الذكر، والزَّوْج الأنثى، فكل واحدٍ منهما زَوْجُ صاحبِهِ، وهي أربعة أنواعٍ فتجيء ثمانية أزواجٍ، والضَّأْن:\nجمع ضَائِنَة وضَائِن.\nوقوله سبحانه: قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ، هذا تقسيمٌ على الكفَّار حتى يتبيَّن كذبهم على اللَّه، أي: لا بد أن يكون حَرَّم الذكَرَيْن فيلزمكم تحريمُ جميعِ الذُّكور، أو الأنثيين فيلزمكم تحريمُ جميع الإناث، أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ، فيلزمكم تحريمُ الجميعِ، وأنتم لم تلتزموا شيئًا يوجبه هذا التقسيمُ، وفي هذه السؤالاتِ تقريعٌ وتوبيخٌ، ثم أتْبَعَ تقريعَهُم بقوله: نَبِّئُونِي، أي: أخبروني بِعِلْمٍ، أي: من جهة نبوَّة أو كتابٍ من كتب الله إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ، وإِنْ شرطٌ، وجوابه في نَبِّئُونِي.\nوقوله سبحانه: وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ ... الآية:\nالقولُ في هذه الآية في المعنى وترتيبِ التقسيمِ كما تقدَّم، فكأنه قال: أنتم الذين تدَّعون أن اللَّه حرم خصائصَ مِنْ هذه الأنعام لا يَخْلُو تحريمه مِنْ أن يكون في الذَّكَرَيْن أو في الأُنْثَيَيْن، أو فيما اشتملت عليه أرحامُ الأنثيين، لكنه لم يُحَرِّم لا هذا ولا هذا ولا هذا فلم يَبْقَ إلا أنه لم يَقَعْ تحريمٌ، قال الفَخْر «٢»: والصحيحُ عندي أن هذه الآية لم ترد على سبيل الاستدلال على بطلان قولهم، بل هي استفهام على سبيل الإنكار، وحاصلُ الكلام: أنكم لا تعترفُون بنبوَّة أحد من الأنبياء، فكيف تثبتون هذه الأحكام المختلفة. انتهى.\nوقوله سبحانه: أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهذا: استفهامٌ على سبيل التوبيخ، وشُهَداءَ: جمعُ شهيدٍ، وباقي الآية بيِّن.\nوقوله تعالى: قُلْ لآ أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً ... الآية: هذه الآيةُ نزلَتْ بمكَّة، ولم يكن في الشريعة في ذلك الوقْتِ شيء محرّم\n_________\n(١) في أ: علي.\n(٢) ينظر: «تفسير الرازي» (١٣/ ١٧٨) .","vol":"2","page":524},{"text":"غير هذه الأشياء، ثم نزلَت، سورة المائدة بالمدينة، وزيدَ في المحرَّمات كالخمر، وكأكل كل ذي نابٍ من السباعِ ممَّا وردَتْ به السُّنَّة.\nقال ع «١»: ولفظة التحريمِ، إذا وردَتْ على لسان رسول الله ﷺ، فإنَّها صالحةٌ أن تنتهي بالشيء المذكور غَايَةَ المنْعِ والحظرِ، وصالحةٌ بحسب اللغة أنْ تقف دون الغاية في حَيِّز الكراهية ونحوها، فما اقترنت به قرينةُ التسليمِ من الصحابة المتأوِّلينِ، وأجمع عليه الكلُّ منهم، ولم تَضْطَرِبْ فيه ألفاظ الأحاديث، وأمضاه الناسُ- وجب بالشَّرْعِ أنْ يكون تحريمه قَدْ وصَل الغايةَ من الحَظْر والمَنْع، ولحق بالخنزير والميتة، وهذه صفة تحريم الخمر، وما اقترنت به قرينةُ اضطراب ألفاظ الحديثِ، واختلف الأمة فيه، مع علمهم بالأحاديث كقوله﵇-: «كُلُّ ذِي نَابٍ مِنَ السّباع حرام» «٢»، وقد روي عنه\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٣٥٦) .\n(٢) أخرجه البخاري (٩/ ٦٥٧) كتاب «الذبائح والصيد»، باب أكل كل ذي ناب من السباع.\nحديث (٥٥٣٠)، ومسلم (٣/ ١٥٣٣) كتاب «الصيد والذبائح»، باب تحريم أكل كل ذي ناب من السباع، حديث (١٣، ١٤/ ١٩٣٢) ومالك (٢/ ٤٩٦) رقم (١٣) والطيالسي ص (١٣٦)، حديث (١٠١٦)، وأحمد (٤/ ١٩٣) والدارمي (٢/ ٨٤- ٨٥) كتاب «الأضاحي»، باب ما لا يؤكل من السباع وأبو داود (٤/ ١٥٩) كتاب «الأطعمة»، باب النهي عن أكل السباع حديث (٣٨٠٢)، والترمذي (٤/ ٧٣)، كتاب «الأطعمة»، باب ما جاء في كراهية كل ناب، حديث (١٤٧٧)، والنسائي (٧/ ٢٠٠- ٢٠١) وابن ماجة (٢/ ١٠٧٧) كتاب «الصيد»، باب أكل ذي ناب من السباع، حديث (٣٢٣٢) .\nوابن الجارود (٨٨٩) والشافعي (٢/ ١٧٢- ١٧٣) كتاب «الصيد والذبائح»، رقم (٦٠٤، ٦٠٥) والحميدي (٢/ ٣٨٦) رقم (٨٧٥)، وابن حبان (٥٢٥٥- الإحسان) والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٤/ ١٩٠) وأبو نعيم في «الحلية» (٩/ ٢٨) والبيهقي (٩/ ٣٣١) والبغوي في «شرح السنة» (٦/ ٣١- بتحقيقنا) من طريق أبي إدريس الخولاني، عن أبي ثعلبة به.\nوقال الترمذي: حديث مشهور من حديث أبي ثعلبة حسن صحيح.\nوأما حديث أبي هريرة:\nأخرجه مسلم (٣/ ١٥٣٤) كتاب «الصيد والذبائح»، باب تحريم أكل كل ذي ناب من السباع، حديث (١٦/ ١٩٣٤)، ومالك (٢/ ٤٩٦) كتاب «الصيد»، باب تحريم أكل كل ذي ناب من السباع، حديث (١٤) والشافعي (٢/ ١٧٢) كتاب «الصيد والذبائح»، حديث (٦٠٣) وأحمد (٢/ ٢٣٦)، والترمذي (٤/ ٧٤) كتاب «الأطعمة»، باب ما جاء في كراهية كل ذي ناب وذي مخلب، حديث (١٤٧٩) والنسائي (٧/ ٢٠٠) كتاب «الصيد والذبائح»، باب تحريم أكل السباع، وابن ماجة (٢/ ١٠٧٧) كتاب «الصيد»، باب أكل كل ذي ناب من السباع، حديث (٣٢٣٣) والبيهقي (٩/ ٣١٥) كتاب «الضحايا» باب ما يحرم من جهة ما لا تأكل العرب. بلفظ أكل كل ذي ناب من السباع حرام، أما حديث جابر بن عبد الله قال:\n«حرم رسول الله ﷺ يوم خيبر الحمر الإنسية، ولحوم البغال، وكل ذي ناب من السباع، وذي مخلب من الطير» . -","vol":"2","page":525},{"text":"«نهى رسول الله ﷺ عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ» «١»، ثم اختلفتِ الصحابة ومَنْ بعدهم في تحريمِ ذلك، فجاز لهذه الوجوه لِمَنْ ينظر أَنْ يحمل لفظ التحريم على المَنْع الذي هو على الكراهية ونحوها، وما اقترنت به/ قرينةُ التأويل كتحريمه﵇-\n_________\n- أخرجه أحمد (٣/ ٣٢٣)، والترمذي (٤/ ٧٣) كتاب «الأطعمة» باب ما جاء في كراهية كل ذي ناب وذي مخلب.\nحديث (١٤٧٨)، والبزار، والطبراني في «الأوسط» كما في «مجمع الزوائد» (٥/ ٤٧) .\nوقال الترمذي: حسن غريب.\nأما حديث خالد بن الوليد قال: «غزوت مع رسول الله ﷺ خيبر، فأتت اليهود، فشكوا أن الناس قد أسرعوا إلى حظائرهم، فقال رسول الله ﷺ: «ألا لا تحل أموال المعاهدين إلا بحقها، وحرام عليكم حمر الأهلية وخيلها وبغالها وكل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير» .\nأخرجه أحمد (٤/ ٨٩، ٩٠) وأبو داود (٤/ ١٦٠- ١٦١) كتاب «الأطعمة»، باب النهي عن أكل السباع، حديث (٣٨٠٦) والنسائي (٧/ ٢٠٢) كتاب «الصيد والذبائح»، باب تحريم أكل لحوم الخيل، والدارقطني (٤/ ٢٨٧) باب الصيد والذبائح والأطعمة، حديث (٦٠، ٦١، ٦٣)، والبيهقي (٩/ ٣٢٨) كتاب «الضحايا»، باب بيان ضعف الحديث الذي روي في النهي عن لحوم الخيل.\nوقال النسائي في الحديث (يشبه أن يكون صحيحا، ولكنه منسوخ بإباحة الخيل بعد ذلك) .\nأما حديث المقدام بن معد يكرب عن النبيّ ﷺ قال: «لا يحل ذو ناب من السباع، ولا الحمار الأهلي، ولا اللقطة، من مال معاهد» .\nأخرجه أحمد (٤/ ١٣١)، وأبو داود (٤/ ١٦٠) كتاب «الأطعمة» باب النهي عن أكل السباع، حديث (٣٨٠٤) والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٤/ ٢٠٩) كتاب «الصيد والذبائح»، باب أكل لحوم الحمر الأهلية، والدارقطني (٤/ ٢٨٧)، باب الصيد والذبائح، حديث (٥٩) والبيهقي (٩/ ٣٣٢) كتاب «الضحايا»، باب ما جاء في أكل لحوم الحمر الأهلية.\n(١) أخرجه مسلم (٣/ ١٥٤٣) كتاب «الصيد والذبائح»، باب تحريم أكل كل ذي ناب، حديث (١٦/ ١٩٣٤) وأبو داود (٢/ ٣٨٣) كتاب «الأطعمة»، باب النهي عن أكل السباع، حديث (٣٨٠٣) والدارمي (٢/ ٨٥) كتاب «الأضاحي»، باب ما لا يؤكل من السباع وأحمد (١/ ٢٤٤، ٢٨٩، ٣٠٢، ٣٧٣)، وابن الجارود (٨٩٢) وابن حبان (٥٢٥٦- الإحسان)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٤/ ١٩٠) والبيهقي (٩/ ٣١٥) كتاب «الضحايا»، باب ما يحرم من جهة ما لا تأكل العرب، وأبو نعيم في «الحلية» (٤/ ٩٥) والبغوي في «شرح السنة» (٦/ ٣٢- بتحقيقنا) . من طريق أبي بشر- والحكم عند بعضهم- عن ميمون بن مهران عن ابن عباس به.\nوقد رواه ميمون بن مهران، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أخرجه أبو داود (٢/ ٣٨٣) كتاب «الأطعمة»، باب النهي عن أكل السباع، حديث (٣٨٠٥) والنسائي (٧/ ٢٠٦) كتاب «الصيد والذبائح»، باب إباحة أكل لحوم الدجاج، وابن ماجة (٢/ ١٠٧٧) كتاب «الصيد»، باب أكل كل ذي ناب من السباع حديث (٣٢٣٤) والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٤/ ١٩٠) وأحمد (١/ ٣٣٩) والبيهقي (٩/ ٣١٥) كتاب «الضحايا»، باب ما يحرم من جهة ما لا تأكل العرب، وابن الجارود (٨٩٣) من طريق علي بن الحكم، عن ميمون بن مهران، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس.","vol":"2","page":526},{"text":"لُحُومَ الحُمُرِ الأنْسِيَّةِ «١»، فتأول بعض الصحابة الحاضِرِينَ ذلك لأنها لم تخمَّس، وتأوَّل بعضهم أن ذلك لئَلاَّ تفنى حمولةُ النَّاس، وتأول بعضهم التحريمَ المَحْضَ، وثبت في الأمة الاختلافُ في لَحْمها، فجائز لِمَنْ ينظر من العلماءِ أنْ يحمل لفظ التحريمِ بحسب اجتهاده وقياسه على كراهية أو نحوها، وباقي الآية بيّن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-472>[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٤٦ الى ١٥٠]</span>\nوَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلاَّ ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصادِقُونَ (١٤٦) فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١٤٧) سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ (١٤٨) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩) قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هذا فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١٥٠)\nوقوله سبحانه: وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ... الآية: هذا خبر مِنَ اللَّهِ سبحانه يتضمَّن تكذيبَ اليَهُودِ في قولهم: «إن اللَّه لم يحرِّم علينا شيئًا، وإنما حرمنا على أنفسنا ما حَرَّمه إسرائيل على نفسه»، وكُلَّ ذِي ظُفُرٍ: يراد به الإبلُ، والنَّعَام، والإوَزُّ ونحوه من الحيوانِ الذي هو غير مُنْفَرِجِ الأصابع، وله ظُفُر، وأخبرنا سبحانه في هذه الآية بتحريمِ الشحومِ عليهم، وهي الثُّرُوب وشَحْمُ الكلى، ومَا كان شحمًا خالصًا خارجًا عن الاستثناء الذي في الآية، واختلف في تحريم ذلك على المسلمين من ذبائحهم، فعن مالكٍ: كراهيةُ شحومهم من غير تحريمٍ.\nوقوله تعالى: إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُما، يريد: ما اختلط باللحْمِ في الظَّهْرِ والأجنابِ ونحوه، قال السُّدِّيُّ وأبو صالح: الأَلْيَاتُ ممَّا حملَتْ ظهورهما «٢»، والحَوَايَا: ما تحوى في البَطْن، واستدار، وهي المَصَارِينُ والحُشْوة ونحوها، وقال ابن عباس وغيره:\nهي المَبَاعِر «٣»، وقوله: أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ، يريد: في سائر الشخص.\n_________\n(١) في أ: الأهلية.\n(٢) أخرجه الطبري (٥/ ٣٨٤) برقم (١٤١١٢) عن السدي، و(١٤١١٣) عن أبي صالح، وذكره ابن عطية (٢/ ٣٥٨)، والسيوطي (٣/ ١٠١) وعزاه لابن أبي حاتم، وأبي الشيخ عن أبي صالح.\n(٣) أخرجه الطبري (٥/ ٣٨٤) برقم (١٤١١٤، ١٤١٢٤) عن ابن عباس، وبرقم (١٤١١٥، ١٤١١٦، ١٤١١٧) عن مجاهد، وبرقم (١٤١٢٠، ١٤١٢١) عن قتادة (١٤١١٩)، (١٤١٢٠) عن سعيد بن-","vol":"2","page":527},{"text":"وقوله سبحانه: ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ يقتضي أنَّ هذا التحريم إنما كان عقوبةً لهم على بغيهم، واستعصائهم على أنبيائهم.\nوقوله سبحانه: وَإِنَّا لَصادِقُونَ: إخبار يتضمَّن التعريضَ بكَذِبهم في قولهم: ما حرَّم اللَّهُ علينا شيئًا.\nوقوله سبحانه: فَإِنْ كَذَّبُوكَ: أي: فيما أخبرْتَ به أنَّ اللَّه حرَّمه عليهم، فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ أي في إمهاله إذ لم يعاجلْكم بالعقوبةِ، مع شدَّة جُرْمِكم، ولكنْ لا تغترُّوا بسعة رحمته فإن له بَأْسًا لا يُرَدُّ عن القوم المجْرِمِين، إما في الدنيا وإما في الآخرة، وهذه الآية وما جانَسَها من آياتِ مكَّة مرتفعٌ حكْمُها بآية القتالِ، ثم أخبر سبحانه نبيَّه﵇- بأن المشركين سيحتجُّون لتصويبِ ما هُمْ عليه من شركهم وتديُّنهم:\nبتحريمِ تلك الأشياءِ بإمهال اللَّه تعالى لهم، وتقريرِهِ حالهم، وأنه لو شاء غَيْرَ ذلك، لما تَرَكَهم على تلْك الحال، ولا حُجَّة لهم فيما ذكَروه لأنه سبحانه شاء إشراكهم وأقدرهم على الاكتساب، ويلزمهم على احتجاجهم أنْ تكون كلُّ طريقةٍ وكلُّ نحلةٍ صوابًا، إذْ كلها لو شاء اللَّه لَمْ تكُنْ، وفي الكلامِ حذفٌ يدلُّ عليه تناسُقُ الكلامِ كأنه قال: سيقول المشركون كذا وكذا، وليس في ذلك حُجَّة لهم، ولا شَيْء يقتضي تكذيبَكَ، ولكن، كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ بنحو هذه الشبهة مِنْ ظَنِّهم أنَّ ترك اللَّه لهم دليلٌ على رضاه بحالهم، وفي قوله تعالى: حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا: وعيدٌ بيِّن.\nوقوله سبحانه: قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ. أي: مِنْ قِبَلِ اللَّه، قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ، يريد البالغةَ غاية المَقْصِدِ في الأمر الذي يحتجُّ له، ثم أعلم سبحانه أنَّه لو شاء، لهدى العالم بأسره، وهَلُمَّ: معناها: هَاتِ وهي حينئذ متعدِّية، وقد تكون بمعنى:\n«أَقْبِلْ» فلا تتعدى، وبعضُ العرب يجعلها اسم فعْلٍ ك «رُوَيْدَكَ»، وبعضهم يجعلها فِعْلًا، ومعنى الآية: قل هاتوا شهداءكم الذين يشهدون أن اللَّه حرَّم ما زعمتم تحريمَهُ، فَإِنْ شَهِدُوا، أي: فإن افترى لهم أحدٌ أو زَوَّرَ شهادةً أو خبرًا عن نبوَّة ونَحوَ ذلك، فجَنِّبْ أنْتَ ذلك، ولا تَشْهد معهم، قلْتُ: وهذه الآية/ والتي بعدها مِنْ نوعَ ما تقدّم من أن الخطاب له ﷺ، والمراد غيره ممَّن يمكن ذلك منه، وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ، أي: يجعلون لَهُ أندادًا يسوُّونهم به، تعالى الله عن قولهم.\n_________\n- جبير، (١٤١٢٥) عن السدي، وذكره ابن عطية (٢/ ٣٥٨)، والسيوطي (٣/ ١٠٠) وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في «سننه» عن ابن عباس.","vol":"2","page":528},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-473>[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٥١ الى ١٥٣]</span>\nقُلْ تَعالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١) وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَها وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١٥٢) وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)\nوقوله سبحانه: قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا: هذا أمر من اللَّه ﷿ لنبيِّه﵇- أنْ يدعو جميع الخَلْق إلى سماع تلاوة ما حَرَّم اللَّه بشَرْع الإسلام المبعوثِ به إلى الأسود والأحمر، وما نصبَتْ بقوله: أَتْلُ، وهي بمعنى «الَّذِي»، و«أنْ»، في قوله: أَلَّا تُشْرِكُوا في موضع رفع، التقدير: الأمر أنْ، أو ذَاكَ أنْ، وقال كعب الأحبار: هذه الآية هي مفتتحُ التوراة: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ ...» إلى آخر الآيات «١»، وقال ابن عباس: هذه الآيات هي المحْكَمَات المذْكُورة في آل عمران، اجتمعت عليها شرائعُ الخَلْقِ، ولم تنسخ قطُّ في «٢» ملة، وقد قيل: إنها العَشْر الكلمات المنزَّلة على موسى، والإملاق: الفَقْر وعدَمُ المال قاله ابن عباس وغيره، قال القُشَيْريُّ: خوفُ الفقر قرينةُ الكفر، وحُسْنُ الثقةِ بالرَّبِّ سبحانه نتيجةُ الأَيمان. انتهى من «التحبير» .\nوقوله سبحانه: وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ\n، قال مجاهد: بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ\n: التجارة فيه «٣»، والأَشُدُّ هنا: الحَزْمُ والنظرُ في الأمور وحُسْنُ التصرُّف فيها، وليس هذا بالأَشُدِّ المقرونِ بالأربعين، بل هذا يكون مع صِغَر السِّنِّ في ناسٍ كثيرٍ.\nوقوله سبحانه: وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ\n: أمر بالاعتدال.\nوقوله سبحانه: لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَها\n: يقتضي أن هذه الأوامر إنما هِيَ فيما يقع تحت قدرة البشر من التحفّظ والتحرّز.\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٢/ ٣٦١)، والسيوطي (٣/ ١٠٣)، وعزاه لابن أبي شيبة، وابن الضريس، وابن المنذر عن كعب.\n(٢) ذكره ابن عطية (٢/ ٣٦١) . [.....]\n(٣) أخرجه الطبري (٥/ ٣٩٣) برقم (١٤١٥٢)، وذكره البغوي (٢/ ١٤١)، وابن عطية (٢/ ٣٦٢) .","vol":"2","page":529},{"text":"وقوله تعالى: وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا\n: يتضمَّن الشهاداتِ والأحكامَ والتوسُّطَ بيْنَ الناسِ وغيْرَ ذلك، أي: ولو كان ميل الحقِّ على قراباتكم.\nوقوله سبحانه: وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ: الإشارة ب هذا هي إلى الشرعِ الذي جَاءَ به نبيّنا محمّد ﷺ، وقال الطبريُّ «١»: الإشارة هي إلى هذه الوصايا التي تقدَّمت مِنْ قوله: قُلْ تَعالَوْا، وقال ابن مسعود: إن اللَّه سبحانه جَعَلَ طريقه صراطا مستقيما طرفه محمّد ﷺ وشرعه، ونهايتُه الجنَّة، وتتشعَّب منه طُرُقٌ، فمن سَلَك الجادَّة نجا، ومن خَرَج إلى تلْكَ الطرُقِ أفْضَتْ به إلى النَّار «٢»، وقال أيضًا: خطّ لنا رسول الله ﷺ يَوْمًا خطًّا، فَقَالَ: «هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ» ثُمَّ خَطَّ عَنْ يَمِينِ ذَلِكَ وَعَنْ شِمَالِهِ خُطُوطًا، فَقَالَ: «هَذِهِ سُبُلٌ على كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إلَيْهَا»، ثم قرأ هذه «٣» الآية.\nقال ع «٤»: وهذه الآية تعمُّ أهل الأهواء والبِدَع والشُّذُوذ في الفُرُوع وغير ذلك من أهل التعمُّق في الجَدَلِ، والخَوْضِ في الكلامِ، هذه كلّها عرضة للزّلل، ومظنّة لسوء المعتقد، ولَعَلَّكُمْ ترجٍّ بحسبنا، ومن حيث كانَتِ المحرَّمات الأوَلُ لا يقع فيها عاقلٌ قد نظر بعَقْله، جَاءَتِ العبارةُ: لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ، والمحرَّمات الأُخَرُ شهواتٌ، وقد يقع فيها من العقلاءِ مَنْ لم يتذكَّر، وركوبُ الجادَّة الكاملة يتضمَّن فعل الفضائلِ، وتلك درجة التقوى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-474>[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٥٤ الى ١٥٧]</span>\nثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَمامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (١٥٤) وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥) أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ (١٥٦) أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْها سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ الْعَذابِ بِما كانُوا يَصْدِفُونَ (١٥٧)\n_________\n(١) ينظر الطبري (٥/ ٣٩٦) .\n(٢) أخرجه الطبري (٥/ ٣٩٧) برقم (١٤١٧٥)، وذكره البغوي (٢/ ١٤١) نحوه، وابن عطية (٢/ ٣٦٤)، وابن كثير (٢/ ١٩٠) نحوه، والسيوطي (٣/ ١٠٦)، وعزاه لعبد الرزاق، وابن جرير، وابن مردويه عن ابن مسعود.\n(٣) أخرجه أحمد (١/ ٤٣٥، ٤٦٥)، والنسائي في «التفسير» (١/ ٤٨٥) رقم (١٩٤)، والطيالسي (٢٤٤) والطبري (٨/ ٦٥)، وابن أبي عاصم في «السنة» (١٧)، والبزار (٢٢١٠- كشف)، والدارمي (١/ ٦٧- ٦٨)، وابن حبان (١٧٤١- موارد)، والحاكم (٢/ ٣١٨)، وأبو نعيم في «الحلية» (٦/ ٢٦٣) عن ابن مسعود مرفوعا.\nوذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ١٠٦) وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، وابن مردويه.\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٣٦٤) .","vol":"2","page":530},{"text":"وقوله سبحانه: ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَمامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ، ثُمَّ في هذه الآية: إنما مُهْلَتها في ترتيب القول الذي أمر به نبيّنا محمد ﷺ كأنه قال: ثم ممَّا قضَيْناه أنَّا آتينا موسَى الكتاب ويدعو إلى ذلك أن موسى﵇-/ متقدِّم بالزمانِ على نبيِّنا محمد ﷺ وتلاوته ما حرّم الله، والْكِتابَ: التوراة، وتَمامًا: مصدر، وقوله:\nعَلَى الَّذِي أَحْسَنَ: مختلفٌ في معناه، فقالت فرقة: الَّذِي بمعنى الّذين وأَحْسَنَ: فعلٌ ماضٍ صلَةُ «الذين»، وكأن الكلام: وآتينا موسَى الكتابَ تفضُّلًا على المحسنين من أهْل ملَّته، وإتمامًا للنعمة عليهم، وهذا تأويل مجاهد «١» ويؤيِّده ما في مصحف ابْنِ «٢» مسعود: «تَمَامًا عَلَى الَّذِينَ أحْسَنُوا»، وقالت فرقة: المعنى: تمامًا على ما أحْسَنَ هو مِنْ عبادة ربِّه، يعني: موسى﵇- وهذا تأويل الربيع وقتادة «٣»، وقالت فرقة: المعنى: تمامًا على الذي أحسن اللَّه فيه إلى عبادة من النبوُّات وسائر النعم وبِلِقاءِ رَبِّهِمْ، أي: بالبعث.\nوقوله سبحانه: وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ، هذا إشارة إلى القرآن، ومُبارَكٌ: وصف بما فيه من التوسُّعات وأنواعِ الخَيْرات، ومعناه:\nمُنَمًّى خيره مُكثَّر، والبركةُ: الزيادةُ والنموُّ، فَاتَّبِعُوهُ: دعاء إلى الدِّين، وَاتَّقُوا: أمر بالتقوَى العامَّة في جميع الأشياء بقرينةِ قوله: لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ، و«أنْ» في قوله: أَنْ تَقُولُوا في موضعِ نصبٍ، والعاملُ فيه: أَنْزَلْناهُ، والتقدير: وهذا كتاب أنزلناه كراهيةَ أنْ تقولوا، والطائفتان: اليهودُ والنصارى بإجماع المتأوِّلين، والدِّرَاسَة: القراءةُ والتعلُّم بها، ومعنى الآية: إزالة الحجة مِنْ أيدي قُرَيْشٍ وسائرِ العربِ، ولما تقرَّر أن البينة قد جاءَتْهم، والحجَّةَ قد قامَتْ عليهم- حَسُنَ بعد ذلك أنْ يقع التقريرُ بقوله سبحانه: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْها، أي: حاد عنها، وزاغ، وأعرض، وسَنَجْزِي الَّذِينَ: وعيد.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٥/ ٣٩٨) برقم (١٤١٧٦، ١٤١٧٧)، وذكره ابن عطية (٢/ ٣٦٤)، وابن كثير (٢/ ١٩٢)، والسيوطي (٣/ ١٠٦)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن المنذر، وأبي الشيخ عن مجاهد.\n(٢) ينظر: «الشواذ» (ص ٤٧)، و«الكشاف» (٢/ ٨٠)، و«المحرر الوجيز» (٢/ ٣٦٤) .\n(٣) أخرجه الطبري (٥/ ٣٩٩) برقم (١٤١٧٨) عن الربيع، وبرقم (١٤١٧٩، ١٤١٨٠)، عن قتادة، وذكره ابن عطية (٢/ ٣٦٤)، والسيوطي (٣/ ١٠٦)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ عن قتادة.","vol":"2","page":531},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-475>[سورة الأنعام (٦): آية ١٥٨]</span>\nهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٥٨)\nوقوله سبحانه: هَلْ يَنْظُرُونَ، أي: ينتظرُونَ، يعني: العرب المتقدّم الآن ذكرهم، والْمَلائِكَةُ هنا: هم ملائكة المَوْت الذين يصحبون «١» عزرائيل المخْصُوصَ بقَبْض الأرواح، قاله مجاهد وقتادة وابنُ جْرَيْج «٢» .\nوقوله تعالى: أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ، قال الطبريُّ «٣»: لموقف الحساب يَوْمَ القيامة، وأسند ذلك إلى قتادة وجماعةٍ من المتأوِّلين «٤»، وقال الزَّجَّاج «٥»: إن المراد: «أو يأتي عذاب ربك» .\nقال ع «٦»: وعلى كلِّ تأويل فإنما هو بحذفِ مضافٍ، تقديره: أمر ربك، أو بَطْش رَبِّك، أو حسابُ ربك، وإلا فالإتيانُ المفهومُ من اللغة مستحيلٌ على اللَّه تعالى ألا ترى أن اللَّه ﷿ يقول: فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا [الحشر: ٢] فهذا إتيان قد وقع، وهو على المجازِ، وحذفِ المضافِ.\nقال الفَخْر «٧»: والجواب المعتمَدُ عليه هنا أنَّ هذا حكايةُ مذهب الكفَّار، واعتقادِهِم، فلا يفتقر إلى تأويله، وأجمعوا على أن المراد بهذه الآيات علاماتُ القيامةِ. انتهى.\nقلتُ: وما ذكره الفَخْر من أن هذا حكايةُ مذهب الكفار هي دعوى تفتقر إلى دليلٍ.\nوقوله سبحانه: أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ، قال مجاهد وغيره هي إشارة إلى طلوع\n_________\n(١) ولا يصح تسميته ملك الموت بهذا حيث لم يرد عندنا أثر صحيح بذلك.\n(٢) أخرجه الطبري (٥/ ٤٠٤، ٤٠٥) برقم (١٤٢٠٠) عن مجاهد، وبرقم (١٤٢٠١، ١٤٢٠٢) عن قتادة، و(١٤٢٠٥)، عن ابن جريج، وذكره ابن عطية (٢/ ٣٦٦)، والسيوطي (٣/ ١٠٨) وعزاه لعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة، ولعبد بن حميد عن مجاهد.\n(٣) ينظر: «تفسير الطبري» (٥/ ٤٠٤) .\n(٤) أخرجه الطبري (٥/ ٤٠٤، ٤٠٥) برقم (١٤٢٠١، ١٤٢٠٢) عن قتادة، و(١٤٢٠٠) عن مجاهد، و(١٤٢٠٥) عن ابن جريج، وذكره ابن عطية (٢/ ٣٦٦)، والسيوطي (٣/ ١٠٨) وعزاه لعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة.\n(٥) ينظر: «معاني القرآن» (٢/ ٣٠٧) .\n(٦) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٣٦٦) . [.....]\n(٧) ينظر: «تفسير الرازي» (١٤/ ١٥٩) .","vol":"2","page":532},{"text":"الشمْسِ من مغربها بدليلِ الَّتي بعدها.\nقال ع «١»: ويصحُّ أن يريد سبحانه بقوله: أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ جميعَ ما يُقْطَعُ بوقوعه من أشراط الساعة، ثم خصَّص سبحانه بعد ذلك بقوله: يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ الآيةَ التي ترتفع التوبةُ معها، وقد بيَّنت الأحاديثُ الصِّحاح في البخاريِّ ومسلمٍ أنها طلوع الشمس مِنْ مغربها، ومقْصِدُ الآية تهديدُ الكفَّار بأحوالٍ لا يخلُونَ منها، وقوله: أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْرًا يريد: جميعَ أعمال البرِّ، وهذا الفَصْل هو للعُصَاة من المؤمنين كما أن قوله: لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ هو للكافرين، / فالآية المشارُ إليها تقطع توبة الصّنفين، قال الداوديّ: قوله تعالى: أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْرًا، يريد أن النفس المؤمنة التي ارتكبت الكبائر لا تُقْبَلُ منها التوبة يومئذ، وتكونُ في مشيئة اللَّه تعالى كأن لم تَتُبْ، وعن عائشة (﵂): إذا خرجَتْ أول الآيات، طُرِحَتِ الأقلامُ، وحُبِسَتِ الحَفَظَةُ، وشَهِدَتِ الأجساد على الأعمال. انتهى.\nوقوله سبحانه: قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ: لفظ يتضمّن الوعيد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-476>[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٥٩ الى ١٦١]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ (١٥٩) مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلاَّ مِثْلَها وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١٦٠) قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١)\nوقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ، قال ابن عباس وغيره: المراد ب «الذين» اليهود والنصارى «٢»، أي: فَرَّقوا دين إبراهيم، ووَصَفَهم ب «الشِّيَعِ» إذ كل طائفة منهم لها فرق واختلافات، ففي الآية حضٌّ للمؤمنين على الائتلاف وتركِ الاختلافِ، وقال أبو الأحْوَص وأم سلمة زوجُ النبيّ ﷺ: الآية في أهْل البدع والأهواء والفتنِ، ومَنْ جرى مجراهم من أمة نبيّنا محمد ﷺ «٣»، أي: فرّقوا دين\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٣٦٧) .\n(٢) أخرجه الطبري (٥/ ٤١٣، ٤١٤) برقم (١٤٢٦٦) عن ابن عباس، و(١٤٢٦٣، ١٤٢٦٤) عن قتادة، (١٤٢٦٧) عن الضحاك.، وذكره البغوي (٢/ ١٤٥)، وابن عطية (٢/ ٣٦٧)، وابن كثير (٢/ ١٩٦) عن مجاهد، وقتادة، والضحاك، والسدي، والسيوطي (٣/ ١١٧) وعزاه للنحاس في «ناسخه» عن ابن عباس.\n(٣) أخرجه الطبري (٥/ ٤١٥) برقم (١٤٢٧٣) عن أبي الأحوص، و(١٤٢٧٥) عن أم سلمة، وذكره ابن عطية (٢/ ٣٦٧)، والسيوطي (٣/ ١١٨)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ عن أبي الأحوص، وعزاه لابن منيع في «مسنده»، وأبي الشيخ عن أم سلمة.","vol":"2","page":533},{"text":"الإسلام، وقرأ حمزة «١» والكسائيُّ: «فارَقُوا»، ومعناه: تركوا.\nوقوله تعالى: لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ: أي: لا تشفع لهم، ولا لهم بك تعلُّق، وهذا على الإطلاق في الكفَّار، وعلى جهة المبالغة في العُصَاة.\nوقوله سبحانه: إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ... الآية: وعيدٌ محضٌ، وقال السدي: هذه آية لم يؤمر فيها بقتالٍ، فهي منسوخة بالقتال «٢» .\nقال ع «٣»: الآية خبر لا يدخله نسخٌ، ولكنها تضمَّنت بالمعنى أمرًا بموادعةٍ، فيشبه أنْ يقال: إن النسخ وقع في ذلك المعنَى الذي قد تقرَّر نسخه في آيات أخرى.\nوقوله سبحانه: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها ... الآية: قال ابن مسعود وغيره: بِالْحَسَنَةِ هنا: «لا إله إلا الله»، وبِالسَّيِّئَةِ: الكفر «٤» .\nقال ع «٥»: وهذه هي الغاية من الطرفَيْنِ، وقالت فرقة: ذلك لفظٌ عامٌّ في جميع الحسناتِ والسيئاتِ، وهذا هو الظاهر، وتقديرُ الآية: مَنْ جاء بالحسنة، فله ثوابُ عَشْرِ أمثالها، وقرأ «٦» يعقوبُ وغيره: «فَلَهُ عَشْرٌ» - بالتنوين- «أَمْثَالُهَا» - بالرفع-.\nوقوله تعالى: قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ ...\nالآية: في غاية الوضوح والبيان، وقِيَمًا: نعت للدّين، ومعناه: مستقيما، ومِلَّةَ:\nبدل من الدّين.\n_________\n(١) وحجة الباقين قوله بعد: وَكانُوا شِيَعًا أي: صاروا أحزابا وفرقا.\nينظر: «السبعة» (٢٧٤)، و«الحجة» (٣/ ٤٣٧، ٤٣٨)، و«إعراب القراءات» (١/ ٧٣)، و«معاني القراءات» (١/ ٣٩٦)، و«حجة القراءات» (٢٧٨)، و«العنوان» (٩٣)، و«شرح الطيبة» (٤/ ٢٨٨)، و«شرح شعلة» (٣٨٥)، و«إتحاف» (٢/ ٣٩) .\n(٢) أخرجه الطبري (٥/ ٤١٤) برقم (١٤٢٧٢)، وذكره ابن عطية (٢/ ٣٦٨) .\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٣٦٨) .\n(٤) أخرجه الطبري (٥/ ٤١٦) برقم (١٤٢٧٨)، وذكره ابن عطية (٢/ ٣٦٨)، وابن كثير (٢/ ١٩٧)، والسيوطي (٣/ ١١٨)، وعزاه لابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي نعيم في «الحلية» عن ابن مسعود.\n(٥) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٣٦٨) .\n(٦) ينظر: «إتحاف فضلاء البشر» (٢/ ٣٩)، و«المحرر الوجيز» (٢/ ٣٦٨)، وزاد نسبتها إلى الحسن، وسعيد بن جبير، وعيسى بن عمر، والأعمش.\nوينظر: «البحر المحيط» (٤/ ٢٦١)، و«الدر المصون» (٣/ ٢٢٧)، و«شرح الطيبة» (٤/ ٢٨٨) .","vol":"2","page":534},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-477>[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٦٢ الى ١٦٥]</span>\nقُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٦٢) لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣) قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (١٦٤) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٥)\nوقوله سبحانه: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي ... الآية: أمر من اللَّه ﷿ لنبيِّه﵇- أنْ يعلن بأنَّ مقصده في صلاته، وطاعتِهِ من ذبيحة وغيرها، وتصرفَهُ مدَّةَ حياتِهِ، وحالهُ من إخلاصٍ وإيمانٍ عند مماته- إنما هو للَّه ﷿، وإرادةِ وجهه، وطَلَبِ رضاه، وفي إعلان النبيّ ﷺ بهذه المقالة ما يلزمُ المؤمنين التأسِّي به حتى يلتزموا في جميع أعمالهم قَصْدَ وجه اللَّه ﷿، ويحتمل أن يريد بهذه المقالة أنَّ صلاته ونسكه وحياته ومماته «١» بِيَدِ اللَّه ﷿، واللَّه يصرفه في جميع ذلك كَيْفَ شاء سبحانه، ويكون قوله: وَبِذلِكَ أُمِرْتُ على هذا التأويل- راجعًا إلى قوله: لاَ شَرِيكَ لَهُ فقطْ، أو راجعًا إلى القول وعلى التأويل الأول، يرجع إلى جميع ما ذُكِرَ من صلاة وغيرها، وقالتْ فرقة: النُّسُكُ في هذه الآية: الذبائح.\nقال ع «٢»: ويُحَسِّن تخصيصَ الذبيحة بالذِّكْر في هذه الآية أنها نازلةٌ قد تقدَّم ذكرها، والجَدَل فيها في السُّورة، وقالتْ فرقة: النسك في هذه الآية: جميع أعمال الطاعاتِ مِنْ قولك: نَسَكَ فُلاَنٌ، فَهُوَ نَاسِكٌ إذا تعبَّد، وقرأ السبعة سوى نافع:\n«وَمَحْيَايَ» - بفتح الياء-، وقرأ نافع «٣» وحده: «وَمَحْيَايْ» - بسكون/ الياء-، قال أبو حَيَّان «٤»: وفيه جمع بين ساكنَيْنِ، وسوَّغ ذلك ما في الألفِ من المَدِّ القائمِ مَقَام الحركَة.\nانتهى، وقوله: وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ، أي: من هذه الأمة.\nوقوله سبحانه: قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ... الآية: حكى\n_________\n(١) في أ: ومونة.\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٣٦٩) .\n(٣) ينظر: «السبعة» (٢٧٤)، و«الحجة» (٣/ ٤٤٠)، و«إعراب القراءات» (١/ ١٧٤)، و«معاني القراءات» (١/ ٣٩٨)، و«العنوان» (٩٤)، و«شرح الطيبة» (٤/ ٢٨٩)، و«شرح شعلة» (٣٨٦)، و«حجة القراءات» (٢٧٩)، و«إتحاف» (٢/ ٤٠) .\n(٤) ينظر: «البحر المحيط» (٤/ ٢٦٢) . [.....]","vol":"2","page":535},{"text":"النَّقَّاش أنه روي أنَّ الكُفَّار قالوا للنبيِّ ﷺ: ارجع يا محمَّد إلى ديننا، واعبد آلهتنا، واترك ما أنت عليه، ونحن نتكفَّل لك بكلِّ تباعة تتوقَّعها في دُنْيَاك وآخرتك، فنزلَتْ هذه الآية «١»، وهي استفهام يقتضي التوبيخَ لهم، وأَبْغِي: معناه أَطْلُبْ فكأنه قال: أفَيَحْسُنُ عندكم أن أَطْلُبَ إلهًا غير اللَّه الذي هو رَبُّ كلِّ شيء، وما ذكَرْتُم من كَفَالَتِكُمْ باطلٌ ليس الأمرُ كما تظُنُّون، فلا تَكْسِبُ كلُّ نفس من الشَّرِّ والإثم إلا عليها وحْدها، وَلا تَزِرُ، أي: تحملُ وازِرَةٌ، أي: حاملةٌ حمل أخرى وثقلها، و«الوِزْر»: أصله الثقل، ثم استعمل في الإثم تجوُّزًا واستعارة، ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ: تهديد ووعيد، وقوله: فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ، أي: في أمري في قول بعضكم: هو سَاحِرٌ، وبعضكم: هو شاعرٌ، إلى غير ذلك قاله بعض المتأوِّلين، وهذا التأويلُ يَحْسُنُ في هذا الموضع، وإن كان اللفظ يعمُّ جميع أنواع الاختلافاتِ بَيْن الأديان والملل والمذاهب وغير ذلك، وخَلائِفَ:\nجمع خَلِيفَةِ، أي: يخلف بعضُكم بعضًا لأن مَنْ أتى خليفةٌ لِمَنْ مضى، وهذا يتصوَّر في جميع الأممِ وسائرِ أصنافِ الناسِ، ولكنه يحسن في أمة نبيّنا محمد ﷺ أن يسمى أهلها بجملتهم خلائِف للأمم، وليس لهم من يخلفهم إذ هم آخر الأمم، وعليهم تقومُ الساعة، وروى الحَسَنُ بْنُ أبي الحسن أنّ النبيّ ﷺ قال: «تُوفونَ سَبْعِينَ أُمَّةً أَنْتُمْ خَيْرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللَّهِ ﷿»، ويروى: «أَنْتُمْ آخِرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللَّهِ» .\nوقوله: وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ: لفظٌ عامٌّ في المالِ، والقوةِ، والجاهِ، وجودةِ النفُوسِ والأذهانِ، وغير ذلك، وكل ذلك إنما هو ليختبر اللَّه سبحانه الخلْقَ، فيَرَى المحْسِنَ من المُسيء، ولما أخبر اللَّه ﷿ بهذا، ففسح للنَّاس مَيْدَانَ العَمَل، وحضَّهم سبحانه على الاستباقِ إلى الخيراتِ، توعَّد ووَعَد تخويفًا منه وترجيةً، فقال: إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ إما بأخَذَاته في الدنيا، وإما بعقاب الآخرة، وحَسُنَ أنْ يوصف عقابُ الآخرة ب «سريع» لما كان متحقّقًا مضمون الإتيانِ والوقوعِ، وكلُّ آت قريبٌ، وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ: ترجيةٌ لمن أذنب وأراد التوبة، وهذا في كتاب اللَّه كثيرٌ، وهو اقتران الوعيد بالوعدِ لطفًا من اللَّه سبحانه بعبادِهِ، اللَّهم اجعلنا مِمَّنْ شملته رحْمَتُكَ وغُفْرانُكَ، بجُودِكَ وإحسانِكَ، ومِنْ كلام الشيخ الولي العارف أبي الحسن الشاذلي (﵀) قَالَ: من أراد ألاَّ يضره ذنْبٌ، فليقل: ربِّ أعوذ بك من عذابِكَ يَوْمَ تبعث عبادَكَ، وأعوذ بك مِنْ عاجل العذابِ، ومِنْ سوء الحسابِ، فإنك لسريعُ الحِسَاب، وإنك لغفور رحيم، ربّ إني ظلمت\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٢/ ٣٧٠) .","vol":"2","page":536},{"text":"نفسي ظُلْمًا كثيرًا، فاغفر لي وتُبْ عليَّ لا إله إلا أنت، سبحانك، إني كنت من الظالمين.\nانتهى، نسأل اللَّه أنْ ينفع به ناظِرَهُ وأنْ يجعله لنا ذخرًا ونورًا يسعى بين أيدينا يوم لقائه، والحمدُ للَّه الَّذي بنعمته تتمُّ الصالحاتُ، وصلى اللَّه على سيدنا محمّد وآله وصحبه وسلّم تسلما/.\nانتهى هذا الجزء مصحّحا بالمقابلة على خط مؤلفه شكر الله سعيه، وقدّس سرّه ويليه الجزء الثالث وأوله سورة الأعراف ولله الحمد والمنة","vol":"2","page":537},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-478>[الجزء الثالث]</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-479>تفسير سورة الأعراف</span>\nمكّيّة، كلها. قاله الضحاك «١»، وغيره.\nوقال مقاتل: هي مكّيّة، إلا قوله سبحانه: «وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ» إلى قوله: «مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ» فإن هذه الآيات مدنية «٢» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-480>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١ الى ٣]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالمص (١) كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ (٣)\nقوله جَلَّتْ عظمتُهُ: المص كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ تقدم القول في تَفْسِيرِ الحروف المقطعة في أوائل السور، والحَرَجُ:\nالضيقُ ومنه: الحَرِجَةُ الشجر الملتف الذي قد تَضَايَقَ، والحرج هاهنا يعم الشَّك، والخوف، والهم، وكلَ ما يَضِيقُ الصدر، والضمير في «منه» عائد على الكتاب، أي:\nبسبب من أسبابه.\nوقوله سبحانه: فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ اعتراض في أثناء الكلام، ولذلك قال بعض الناس: إن فيه تَقْدِيمًا وتأخيرًا.\nوقوله: وَذِكْرى معناه تَذْكرة وإِرشاد.\nوقوله سبحانه: اتَّبِعُوا مَآ أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ أَمْرٌ يعمُّ جَمِيعَ الناس، وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ، أي: من دون ربَكُمُ أَوْلِياءَ يريد: كل مَنْ عُبِدَ، واتبعَ من دون اللَّه، وقَلِيلًا: نعت لمصدر نصب بفعل مُضْمَر.\nوقال مكي: هو منصوب بالفِعْلِ الذي بَعْدَهُ، و«ما» «٣» في قوله: ما تَذَكَّرُونَ مصدرية.\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٢/ ٣٧٢) .\n(٢) ذكره ابن عطية (٢/ ٣٧٢) .\n(٣) ذكره ابن عطية (٢/ ٣٧٣) .","vol":"3","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-481>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٤ الى ٥]</span>\nوَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتًا أَوْ هُمْ قائِلُونَ (٤) فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلاَّ أَنْ قالُوا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (٥)\nوقوله سبحانه: وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتًا أَوْ هُمْ قائِلُونَ قالت فرقة: المراد وكم من أَهْلِ قرية.\nوقالت فرقة: اللفظ يَتَضَمَّنُ هَلاَكَ القرية وأهلها، وهو أعظم العُقُوبَةِ، و«الفاء» في قوله سُبْحَانَهُ: فَجاءَها بَأْسُنا لترتيب القَوْلِ فقط.\nوقيل: المعنى أَهْلَكْنَاهَا بالخذلان، وعدم التوفيق، فجاءها بَأْسُنَا بعد ذَلِكَ وبَياتًا، نصب على المصدر في موضع الحال، وقائِلُونَ من القائلة، وإنما خَصَّ وَقْتَيِ الدَّعَةِ «١» والسكون لأن مجيء العَذَابِ فيهما أَفْظَعُ وأَهْوَلُ لما فيه من البَغْتَةِ والفَجْأَةِ.\nقال أبو «٢» حيان: أو للتفصيل، أي: جاء بعضهم بَأْسُنَا لَيْلًا، وبعضهم نهارا «٣» انتهى.\nوقوله ﷿: فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلَّا أَنْ قالُوا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ هذه الآية يَتَبَيَّنُ منها أن المراد في الآية قبلها أهل القُرَى، والدعوى «٤» في كلام العَرَبِ تأتي لمعنين:\nأحدهما: الدعاء، ومنه قوله ﷿: فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ [الأنبياء: ١٥] .\nوالثاني: الادِّعاءُ، وهذه الآية تَحْتَمِلُ المعنيين، ثم استثنى سُبْحَانَهُ من غير الأول كأنه قال: لم يكن منهم دُعَاءٌ أو ادِّعَاءٌ إِلاَّ الإقرار «٥»، والاعتراف، أي: هذا كان بدل الدعاء،\n_________\n(١) الدّعة: الخفض من العيش والراحة، والهاء عوض من الواو.\nينظر: «لسان العرب» (٤٧٩٥) (ودع) .\n(٢) ينظر «البحر المحيط» (٤/ ٢٦٩) .\n(٣) ذكره ابن عطية (٢/ ٣٧٤) بنحوه.\n(٤) هي قول مقبول يقصد به الإنسان إيجاب حق له على غيره، سواء كان ذلك حال المنازعة أو لا، وتقول العرب: ادعى كذا ادعاء: زعم أن له حقّا أو باطلا، والاسم منه الدعوى، والجمع: دعاوى بالفتح، ودعاو بالكسر، وهو الراجح عند سيبويه عند الإضافة إلى الضمير، وغلب الكسر في دعوى النسب، والفتح في المأدبة، واسم المدعي يتناول في العرف من لا حجة له، ولا يتناول من له حجة، ولذا يقال لمسيلمة الكذاب: مدعي النبوة، ولا يقال ذلك بالنسبة للنبي ﷺ لأن نبوته ثبتت بالمعجزة، فالمطالب بحقه قبل قيام حجته يسمى مدعيا، وبعدها يسمى محقّا.\nينظر: «الدعوى» لشيخنا: عبد الحميد سليمان الدسوقي.\n(٥) الإقرار لغة: إفعال، من قرّ- الشيء: إذا ثبت- يقر، من باب ضرب وعلم وثبت وسكن، وأقره في مكانه: أثبته-","vol":"3","page":6},{"text":"والادعاء، واعترافهم.\nوقولهم: إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ هو في المُدَّةِ التي ما بين ظُهُورِ العَذَابِ إلى إتيانه على أنفسهم، وفي ذلك مُهْلَةٌ بحسب نَوْعِ العذاب تَتَّسِعُ لهذه المَقَالَةِ، وغيرها.\nوروى ابن مسعود، عن النبي ﷺ أنه قال: «ما هَلَكَ قَوْمٌ حتى يعذروا من أنفسهم» «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-482>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٦ الى ٧]</span>\nفَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَما كُنَّا غائِبِينَ (٧)\nوقوله سبحانه: فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ ... الآية وعيد مِنَ اللَّه ﷿ لجميع العالم أخبر سبحانه أنه يسأل الأمم أجمع عما بلغ إليهم عنه وعن جميع أعمالهم، ويسأل النَّبيين عما بَلَّغُوا، وهذا هو سُؤَالُ التقرير، فإن اللَّه سبحانه قد أَحَاطَ علمًا بكل ذلك قبل السؤال، فأما الأَنْبِيَاءُ والمؤمنون، فيعقبهم جوابهم رحمة وكرامة،\n_________\n- بعد أن كان مزلزلا، وأقرّ له بحقّه: أذعن واعترف، إذا فالإقرار إثبات لما كان متزلزلا بين الإقرار والجحود.\nينظر: «الصحاح» (٢/ ٧٨٨)، «لسان العرب» (٥/ ٣٥٨٢)، «أنيس الفقهاء» ص: (٢٤٣) .\nواصطلاحا:\nعرفه الشّافعية بأنه: إخبار بحقّ على المقر.\nوعرفه المالكية بأنه: خبر يوجب حكم صدقه على قائله فقط بلفظه، أو لفظ نائبه.\nوعرفه الحنفية بأنه: إخبار بحق لآخر، لا إثبات له عليه.\nوعرفه الحنابلة بأنه: إظهار مكلّف مختار ما عليه بلفظ أو كتابة، أو إشارة أخرس، أو على موكله، أو موليه، أو مورثه بما يمكن صدقه.\nينظر: «حاشية الباجوري» (٢/ ٢)، «الخرشي» (٦/ ٨٦- ٨٧)، «الدرر» (٢/ ٣٥٧)، «منتهى الإرادات» (٢/ ٦٨٤) .\nومحاسن الإقرار كثيرة منها ما يأتي.\n(أ) إسقاط واجب النّاس عن ذمّته، وقطع ألسنتهم عن مذمّته.\n(ب) إيصال الحقّ إلى صاحبه، وتبليغ المكسوب إلى كاسبه، فكان فيه إنفاع صاحب الحقّ، وإرضاء خالق الخلق.\n(ج) إحماد النّاس المقرّ بصدق القول، ووصفهم إيّاه بوفاء العهد، وإنالة النول.\n(د) حسن المعاملة بينه وبين غيره.\n(١) أخرجه الطبري (٥/ ٤٢٩) برقم: (١٤٣٢٨)، وذكره ابن عطية (٢/ ٣٧٤)، وابن كثير (٢/ ٢٠١) ط:\n«دار إحياء الكتب العربية»، والسيوطي (٢/ ١٢٦) .","vol":"3","page":7},{"text":"وأما الكفار، ومن نفذ عليه الوَعِيد من العُصَاةِ، فيعقبهم جوابهم عَذَابًا وتوبيخًا.\nت: وروى أبو عمر بن عبد البر «١» في كتاب «فَضْلِ العلمِ» بِسَنَدِهِ عن مَالِك أنه قال: بلغني أن العلماء يُسْأَلُونَ يوم القيامة كما تُسْأَلُ الأنبياء يعني عن تَبْلِيغ العِلمِ/ انتهى.\nوخرج أبو نُعَيْم الحافظ من حديث الأَعْمَشِ، عن النبي ﷺ: «ما من عَبْدٍ يخطو خطوةً إِلا يُسْأَلُ عنها ما أَرَادَ بها» «٢» .\nوقد ذكرنا حَدِيثَ مسلم عن أبي برزة في غير هذا المَوْضِعِ. وخرج الطبراني بسنده عن ابن عُمَرَ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «إذا كان يَوْمُ القِيَامَةِ دَعَا اللَّه بِعَبْدٍ من عِبَادِهِ، فيوقفه بين يَدَيْهِ، فيسأله عن جَاهِهِ، كما يسأله عن عَمَلِهِ» «٣» . انتهى.\nوروى مالك عن يحيى بن سَعِيدٍ، قال: بلغني أن أَوَّلَ ما ينظر فيه من عَمَلِ الْمَرْءِ، الصلاة، فإن قُبِلَتْ منه نُظِرَ في ما بقي من عمله، وإن لم تقبل منه لم يُنْظَرْ في شَيْءٍ من عمله.\nوروى أبو داود، والترمذي، والنَّسائي، وابن ماجه معنى هذا الحديث مرفوعًا عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «أول ما يُحاسَبُ به النَّاسُ يوم القِيَامَةِ من أعمالهم الصَّلاَةُ» قال: يقول رَبُّنَا ﷿ للملائكة انْظُرُوا في صَلاَةِ عَبْدِي أتمَّهَا أم نَقَصَها، فإن كانت تَامَّةً كتبت تَامَّةً، وإن كان انتُقِصَ منها شيءٌ، قال الله: انظروا هل لعبدي من تَطَوُّعٍ؟ فإن كان له تَطَوَّع قال: أتموا لعبدي فَرِيضَتَهُ من تَطَوُّعِهِ، ثم تؤخذ الأعمال «٤» على ذلك. انتهى.\nواللفظ لأبي داود.\nوقال النسائي: ثم سائر الأعمال تجري على ذلك انتهى من «التذكرة»» .\nوقوله سبحانه: فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ أي: فَلنسْرِدَنَّ عليهم أعمالهم قِصَّةً قصة، بِعِلْمٍ أي: بحقيقة ويقين وَما كُنَّا غائِبِينَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-483>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٨ الى ١٠]</span>\nوَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ (٩) وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ (١٠)\n_________\n(١) ينظر: «جامع بيان العلم وفضله» (١/ ٤٩٣) .\n(٢) أخرجه أبو نعيم في «حلية الأولياء» (٨/ ٢١٢)، عن الأعمش مرسلا.\n(٣) ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٣٤٩)، وقال: رواه الطبراني في «الصغير»، وفيه يوسف بن يونس أخو أبي مسلم الأفطس، وهو ضعيف جدا. [.....]\n(٤) تقدم تخريجه.\n(٥) ينظر: «التذكرة» (١/ ٣٧٩) .","vol":"3","page":8},{"text":"وقوله ﷿: وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ التقدير: والوزن الحق ثابت، أو ظاهر يومئذٍ، أي يوم القيامة.\nقال جمهور الأمّة: إنّ الله ﷿ أراد أن يبين لعباده أن الحِسَابَ والنظر يوم القِيَامَةِ هو في غَايَةِ التحرير، ونهاية العَدْلِ بأَمْرٍ قد عرفوه في الدُّنْيَا، وعهدته أفهامهم، فميزان القِيَامَةِ له عمود وَكِفَّتَانِ على هيئة مَوَازِينِ الدنيا، جَمَع لفظ «المَوَازِين» إذ في الميزان مَوْزُونَاتٌ كثيرة، فكأنه أراد التَّنْبِيه عليها.\nقال الفخر «١»: والأظْهَرُ إثبات مَوَازِينَ في يوم القيامة لا ميزان واحدِ، لظواهر الآيات، وحمل الموازين على الموزونات، أو على الميزان الواحد يوجبان العُدُولَ عن ظَاهِرِ اللفظ، وذلك إنما يُصَارُ إليه عند تَعَذُّرِ حَمْلِ الكلام على ظَاهِرِهِ، ولا مانع هاهنا منه، فوجب إِجْرَاءُ اللفظ على حقيقته، فكما لم يمتنع إثبات مِيزانٍ له كِفَّتان، فكذلك لا يمتنع إِثْبَاتُ موازين بهذه الصِّفَةِ، وما الموجب لتَرْكِهِ، والمصير إلى التأويل. انتهى. قال أبو حَيَّان «٢»: موازينه جُمِعَ باعتبار المَوْزُونَاتِ «٣»، وهذا على مذهب الجمهور في أن الميزَانَ واحد.\nوقال الحسن: لكل واحدِ ميزَانٌ «٤»، فالجمع إذن حَقِيقَةٌ انتهى.\nوالآيات هُنَا البَرَاهِينُ والأوامر والنواهي.\nوقوله سبحانه: وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ ... الآية خطاب لجميع الناس، والمعايش: بكسر الياء دون هَمْزٍ جمع معيشة، وهي لفظة تعمُّ جَمِيعَ المأكول الذي يُعَاشُ به، والتحرف الذي يُؤَدِّي إليه، وقَلِيلًا نصب ب تَشْكُرُونَ ويحتمل أن تكون مَّا مع الفعل بتأويل المصدر، وقَلِيلًا نعت لِمَصْدَرٍ محذوف، تقديره: شكرًا قليلًا شكركم، أو شكرا قليلا تشكرون.\n_________\n(١) ينظر: «تفسير الرازي» (١٤/ ٢٣) .\n(٢) ينظر: «البحر المحيط» (٤/ ٢٧١) .\n(٣) ذكره ابن عطية (٢/ ٣٧٦) بنحوه.\n(٤) ذكره ابن عطية (٢/ ٣٧٦) بنحوه.","vol":"3","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-484>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١١ الى ١٨]</span>\nوَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (١١) قالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢) قالَ فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (١٣) قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤) قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (١٥)\nقالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ (١٧) قالَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُمًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (١٨)\nوقوله سبحانه: وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ... الآية: هذه الآية مَعْنَاهَا التَّنْبِيهُ على مواضع العِبْرَةِ، والتعجيب من غريب الصنعة، وإسداء النعمة.\nواختلف العلماء في تَرْتِيبِ هذه الآية لأن ظاهرها/ يَقْتَضِي أن الخَلْقَ والتصوير لبني آدم قَبْلَ القَوْلِ للملائكة أَن يَسْجُدُوا، وقد صححت الشريعة أن الأَمْرَ لم يَكُنْ كذلك، فقالت فرقة: المُرَادُ بقوله سبحانه: وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ آدم، وإن كان الخِطَابُ لبنيه.\nوقال مجاهد: المعنى: ولقد خَلَقْنَاكم، ثم صورناكم في صُلْبِ آدم، وفي وقت استخراج ذريّة آدم من ظَهْرِهِ أمثال الذّر في صورة البَشَرِ «١»، ويترتب في هَذَيْنِ القولين أن تكون «ثم» على بابها في الترتيب، والمُهْلَةِ.\nوقال ابن عباس، والربيع بن أنس: أما «خلقناكم» فآدم، وأما «صورناكم» فذرّيته في بُطُونِ الأمهات «٢» .\nوقال قتادة، وغيره: بل ذلك كله في بُطُونِ الأمهات من خَلْقٍ، وتصوير «٣»، وثُمَّ لترتيب الأخبار بهذه الجمل لا لترتيب الجُمَلِ في أنفسها.\nوقوله سبحانه: فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ قالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ قالَ فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ تقدم الكلام على قصص الآية في «سورة البقرة» .\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٥/ ٤٣٧) برقم: (١٤٣٥٦) بلفظ: «في صلب آدم»، وذكره ابن عطية (٢/ ٣٧٨)، وذكر نحوه البغوي (٢/ ١٥٠) بلا نسبة.\n(٢) أخرجه الطبري (٥/ ٤٣٦)، برقم: (١٤٤٣- ١٤٤٤)، وذكره ابن عطية (٢/ ٣٧٨)، وذكره ابن كثير (٢/ ٢٠٣) بنحوه، والسيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ١٣٤) .\n(٣) ذكره ابن عطية (٢/ ٣٧٨) .","vol":"3","page":10},{"text":"«وما» في قوله: مَا مَنَعَكَ استفهام على جِهَةِ التوبيخ والتقريع، و«لا» في قوله:\nأَلَّا تَسْجُدَ قيل: هي زائدة، والمعنى: ما مَنَعَكَ أن تَسْجُدَ، وكذلك قال أبو حَيَّان «١»:\nإنها زائدة «٢»، كهي في قوله تعالى: لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ [الحديد: ٢٩] .\nقال: ويدلُّ على زيادتها سُقُوطها في قوله تعالى: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ [ص: ٧٥] في «ص» انتهى. وجواب إبليس اللعين ليس بمُطابق لما سئل عنه، لكن [لما] جاء بِكَلاَمٍ يتضمن الجَوَابَ والحجة، فكأنه قال: منعني فَضْلِي عليه، إذ أنا خير منه، وظن إبليس أن النار أَفْضَلُ من الطين، وليس كذلك بل هما في دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ من حيث إنهما جَمَادٌ مخلوق، ولما ظن إبليس أن صُعُودَ النار، وَخِفَّتَهَا يقتضي فَضْلًا على سُكُونِ الطين وبلادته، قَاسَ أن ما خُلِقَ منها أَفْضَلُ مما خُلِقَ من الطين، فأخطأ قياسه، وذهب عليه أن الروح الذي نُفِخَ في آدم ليس من الطِّين.\nوقال الطبري «٣»: ذهب عليه ما في النَّارِ من الطَّيْشِ، والخِفَّةِ، والاضطراب، وفي الطين من الوَقَارِ، والأَنَاةِ والحِلْمِ، والتثبت وروي عن الحسن، وابن سيرين أنهما قالا: أول مَنْ قَاسَ إبليس، وما عبدت الشمس والقمر إلا بالقِيَاس «٤»، وهذا القَوْلُ منهما ليس هو بإنكار للقياس «٥» . وإنما خرّج كلاهما نَهْيًا عما كان في زمانهما من مَقَايِيسِ الخوارج\n_________\n(١) ينظر: «البحر المحيط» (٤/ ٢٧٣) .\n(٢) ذكره ابن عطية (٢/ ٣٧٨)، ولم يعزه لأحد.\n(٣) ينظر: «تفسير الطبري» (٥/ ٤٤٠) .\n(٤) أخرجه الطبري (٥/ ٤٤١)، برقم: (١٤٣٦٠)، وبرقم: (١٤٣٦١)، بلفظ: «قاس إبليس، وهو أول من قاس»، وذكره ابن عطية (٣/ ٣٧٩)، والبغوي (٢/ ١٥٠)، وذكره ابن كثير (٢/ ٢٠٣)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ١٣٤) عن الحسن نحوه.\n(٥) ينظر: الكلام على القياس في:\n«البرهان» لإمام الحرمين (٢/ ٧٤٣)، «البحر المحيط» للزركشي (٥/ ٥)، «الإحكام في أصول الأحكام للآمدي» (٣/ ١٦٧)، «سلاسل الذهب» للزركشي ص: (٣٦٤)، «التمهيد» للأسنوي ص: (٤٦٣)، «نهاية السول» له (٤/ ٢)، «زوائد الأصول» له ص: (٣٧٤)، «منهاج العقول» للبدخشي (٣/ ٣)، «غاية الوصول» للشيخ زكريا الأنصاري ص: (٢١١)، «التحصيل من المحصول» للأرموي (٢/ ١٥٥)، «المنخول» للغزالي ص: (٣٢٣)، «المستصفى» له (٢/ ٢٢٨)، «حاشية البناني» (٢/ ٢٠٢)، «الإبهاج» لابن السبكي (٣/ ٣)، «الآيات البينات» لابن قاسم العبادي (٤/ ٢)، «حاشية العطار على جمع الجوامع» (٢/ ٢٣٩)، «المعتمد» لأبي الحسين (٢/ ١٩٥)، «إحكام الفصول من أحكام الأصول» للباجي ص:\n(٥٢٨)، «الإحكام في أصول الأحكام» لابن حزم (٧/ ٣٦٨)، (٨/ ٤٨٧)، «أعلام الموقعين» لابن القيم (١/ ١٠١)، «التحرير» لابن الهمام ص: (٤١٥)، «تيسير التحرير» لأمير باد شاه (٣/ ٢٦٣) «التقرير والتحبير» لابن أمير الحاج (٣/ ١١٧) . [.....]","vol":"3","page":11},{"text":"وغيرهم، فأرادا حمل الناس على الجَادَّةِ.\nوقوله سبحانه: فَاهْبِطْ مِنْها الآية: يظهر منه أنه أهبط أولًا، وأخرج من الجَنَّةِ، وصار في السماء لأن الأخبار تَظَاَهَرَتْ أنه أغوى آدم وحواء من خارج الجَنَّة، ثم أُمِرَ آخرًا بالهُبُوطِ من السماء مع آدم، وحواء، والحية. وقوله: إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ حكم عليه بضدِّ معصيته التي عصى بها، وهي الكبرياء، فعوقب بالحمل عليه، بخلاف شهوته، وأمله والصَّغَارُ: الذل قاله السدي.\nومعنى: أَنْظِرْنِي أخِّرْنِي «١» فَأَعْطَاهُ اللَّه النَّظِرَةَ إلى النفخة الأولى. قاله/ أكثر الناس «٢» وهو الأصح والأشهر في الشَّرْع.\nوقوله: فَبِما يريد به القَسَمَ، كقوله في الآية الأخرى: فَبِعِزَّتِكَ [ص: ٨٢] وأَغْوَيْتَنِي قال الجمهور: معناه: أضللتني من الغيِّ، وعلى هذا المعنى قال محمد بن كَعْبٍ القرظي: قاتل اللَّه القدرية لإِبْلِيسُ أعلم باللَّه منهم، يُرِيدُ في أنه علم أن اللَّه يَهْدِي وَيضل «٣» .\nوقوله: لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ المعنى: لاعترضنَّ لهم في طَريق شرعك، وعبادتك، ومنهج النجاة، فَلأَصُدَّنهم عنه.\nومنه قوله ﵇: «إن الشيطان قَعَدَ لابن آدَمَ بأطرُقِهِ «٤» نَهَاهُ عن الإِسْلاَمِ، وقال: تَتْرُكُ دِينَ آبائك، فَعَصَاهُ فأسلم، فنهاه عن الهِجْرَةِ فقال: تَدَعُ أَهْلَكَ وَبَلَدَك، فعصاه فهاجر، فنهاه عن الجِهَاد، فقال: تُقْتَلُ وتترك وَلَدَكَ، فَعَصَاهُ فجاهد فله الجَنَّة «٥» ...»\nالحديث.\nوقوله سبحانه: ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا\n_________\n(١) وذكره ابن عطية (٢/ ٣٧٩)، والبغوي (٢/ ١٥١) .\n(٢) أخرجه الطبري (٥/ ٤٤٢)، برقم: (١٤٣٦٥) نحوه، وذكره ابن عطية (٢/ ٣٧٩)، والبغوي (٢/ ١٥١) .\n(٣) أخرجه الطبري (٥/ ٤٤٤)، برقم: (١٤٣٦٨)، وذكره ابن عطية (٢/ ٣٨٠) .\n(٤) هي جمع طريق على التأنيث لأن الطريق تذكر وتؤنث، فجمعه على التذكير: أطرقة: كرغيف وأرغفة، وعلى التأنيث: أطرق، كيمين وأيمن.\nينظر: «النهاية» (٣/ ١٣٣) .\n(٥) أخرجه ابن أبي شيبة (٥/ ٢٩٣)، والنسائي (٦/ ٢١- ٢٢)، كتاب «الجهاد»، باب: ما لمن أسلم وهاجر وجاهد، وابن حبان (١٦٠١- موارد)، والطبراني في «الكبير» (٧/ ١٣٨)، من حديث سبرة بن أبي الفاكه.","vol":"3","page":12},{"text":"تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ قالَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُمًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ مقصد الآية أن إبليس أَخْبَرَ عن نفسه أنه يأتي إِضْلاَلَ بني آدم من كُلِّ جهة، فعبر عن ذلك بأَلْفَاظٍ تقتضي الإِحَاطَةَ بهم، وفي اللفظ تَجَوُّزٌ، وهذا قَوْلُ جَمَاعَةٍ من المفسرين.\nقال الفخر «١»: وقوله: لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ أي: على صِرَاطِكَ. أجمع النحاة على تقدير «على» في هذا الموضع. انتهى.\nوقوله: وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ أخبر اللعين أن سَعَايَتَهُ تفعل ذلك ظَنًّا منه، وتوسُّمًا في خِلْقَةِ آدم حين رأى خِلْقَتَهُ من أشياء مختلفة، فعلم أنه سَتَكُونُ لهم شِيَمٌ تقتضي طَاعَتَهُ، كالغِلِّ، والحَسَدِ، والشهوات، ونحو ذلك.\nقال ابن عباس، وقتادة: إلا أن إبليس لم يَقُلْ: إنه يأتي بني آدم من فَوْقِهِمْ، ولا جعل اللَّه له سبيلًا إلى أن يَحُولَ بينهم وبين رحمة اللَّه وعفوه ومَنِّهِ، وما ظنه إبليس صدقه اللَّه ﷿ «٢» .\nومنه قوله سبحانه: وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [سبأ: ٢٠] فجعل أكثر العالم كفرة، ويبيّنه قوله ﷺ في الصَّحيح: «يَقُولُ اللَّه ﷿: يا آدَمُ أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ، فيقول: يا رَبِّ وَمَا بَعْثُ النَّارِ، فيقول: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعمَائةً وتِسْعَةً وتَسْعِينَ إلى النَّارِ، وواحدًا إلى الجَنَّةَ» «٣» .\nونحوه مما يخصُّ أمة نبينا محمد ﷺ: «ما أنتم في الأمم إلا كالشَّعرة البَيْضَاءِ في الثور الأسود» «٤» وشاكِرِينَ معناه: مُؤْمنين لأن ابن آدم لا يَشْكُرُ نعمة اللَّه إلا بأن يُؤمن. قاله ابن عباس وغيره «٥» .\nوقوله سبحانه: اخْرُجْ مِنْها أي: من الجنة مَذْؤُمًا أي مَعِيبًا مَدْحُورًا أي:\nمقصيًّا مبعدًا.\nلَمَنْ تَبِعَكَ بفتح اللام هي لام قسم.\n_________\n(١) ينظر: «تفسير الرازي» (١٤/ ٣٢) .\n(٢) ينظر: «تفسير الرازي» (١٤/ ٣٢) .\n(٣) تقدم تخريجه.\n(٤) تقدم تخريجه.\n(٥) ذكره ابن عطية (٢/ ٣٨١) .","vol":"3","page":13},{"text":"وقال أبو حيان «١»: الظاهر أنها المُوَطِّئة لِلْقَسَمِ «٢»، و«من» شرطية في موضع رَفَعٍ بالابتداء، وحذف جواب الشرط لدلالة جَوَابِ القَسَم عليه، ويجوز أن تكون لام ابتداء، و«من» موصولة في مَوْضَعِ رَفْعٍ بالابتداء، والقَسَمُ المحذوف، وجوابه، وهو «لأملأن» في موضع خبرها. انتهى.\nوقال الفخر «٣»: وقيل/: مَذْؤُمًا، أي: محقورًا فالمَذْؤومُ المحتقر. قاله الليث.\nوقال ابن الأنباري «٤»: المذءوم المذموم.\nوقال الفَرّاءُ: أَذْأَمْتُهُ إِذا عَيَّبْتُهُ. انتهى.\nوباقي الآية بَيِّنٌ. اللهم إنا نَعُوذُ بك من جَهْدِ البَلاَءِ، وسوء القَضَاءِ، ودَرك الشَّقَاء، وشماتة الأعداء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-485>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٩ الى ٢١]</span>\nوَيا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٩) فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما مَا وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ (٢٠) وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١)\nوقوله جل وعلا: وَيا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ إذا أُمِرَ الإنسان بِشَيْءٍ، وهو متلبس به، فإنما المقصد من ذلك أن يستمر على حاله، ويتمادى في هَيْئَتِهِ.\nوقوله سبحانه لآدم: اسْكُنْ هو من هذا البَابِ، وقد تَقَدَّمَ الكلام في «سورة البقرة» على «الشَّجَرَةِ» وتعيينها، وقوله سبحانه: «هذه» قال (م): الأَصْلُ هَذِي، وَالهَاءُ بَدَلٌ من الياء، ولذلك كسرت الذال، إذ ليس في كلامهم هاء تأنيث قبلها كسرة انتهى.\n_________\n(١) ينظر: «البحر المحيط» (٤/ ٢٧٨) .\n(٢) ذكره ابن عطية (٢/ ٣٨٢) .\n(٣) ينظر: «تفسير الرازي» (١٤/ ٣٧) .\n(٤) عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله الأنصاري، كمال الدين الأنباري، ولد في ٥١٣ هـ، من علماء اللغة والأدب وتاريخ الرجال، كان زاهدا عفيفا، لا يقبل من أحد شيئا، له مصنفات منها: «نزهة الألباء في طبقات الأدباء»، «لمعة الأدلة»، «الميزان»، توفي في ٥٧٧ هـ.\nينظر: «الفوات» (١/ ٢٦٢)، «بغية الوعاة» (٣٠١)، «الوفيات» (١/ ٢٧٩)، «أدب اللغة» (٣/ ٤١)، «الأعلام» (٣/ ٣٢٧) . [.....]","vol":"3","page":14},{"text":"وقوله ﷿: فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما مَا وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما الوَسْوَسَةُ الحديث في إخفاء همسًا وإسْرَارًا من الصوت، والوسواس صَوْتُ الحُلِيِّ، فشبه الهمس به، وسمى إِلْقَاءُ الشيطان في نَفْسِ ابن آدم وَسْوَسَةً، إذ هي أَبْلَغُ الإسرار وأخفاه.\nهذا في حال الشيطان معنا الآن، وأما مع آدم، فممكن أن تكون وَسْوَسَة بمُحَاوَرَةٍ خفية، أو بإلقاء في نَفْسٍ، واللام في «ليبدي» هي في قول الأكثرين لام الصَّيْرُورَةِ والعاقبة، ويمكن أن تكون لام «كي» على بابها «١» .\nوما وُورِيَ معناه ما ستر من قولك: وارى يُوَارِي إذا ستر، والسَّوْأَةُ الفَرْجُ والدُّبر، ويشبه أن يسمى بذلك لأن منظره يسوء.\nوقالت طائفة: إن هذه العِبَارَةَ إنما قصد بها أنها كُشِفَتْ لهما مَعَائِبهما، وما يسوءهما، ولم يقصد بها العورة، وهذا القَوْلُ محتمل، إلا أن ذِكْرَ خَصْفِ الوَرَقِ يَرُدُّهُ إلا أن يُقَدَّرَ الضمير في عَلَيْهِما عائد على بدنيهما فيصحّ.\nوقوله سبحانه: وَقالَ مَا نَهاكُما ... الآية، هذا القول المَحْكِيُّ عن إبليس يدخله من التأويل ما دَخَلَ الوَسْوَسَةَ، فممكن أن يقول هذا مخاطبةً وحِوَارًا، وممكن أن يقولها إلْقَاءً في النفس، ووحيا.\nوإِلَّا أَنْ تقديره عند سيبويه والبصريين: إلا كراهِيَة أن، وتقديره عند الكوفيين: «٢» «إلا أن لا» على إضمار «لا»، ويرجح قَوْلُ البصريين أن إضمار الأسماء أَحْسَنُ من إِضْمَارِ الحروف.\nوقرأ جمهور الناس «مَلَكَيْنِ» بفتح اللام.\nوقرأ ابن عباس: «مَلِكَيْنِ «٣»» بكسرها، ويؤيده قوله: وَمُلْكٍ لا يَبْلى [طه: ١٢٠]\n_________\n(١) في هذه اللام قولان:\nأظهرهما أنها لام العلة على أصلها، لأن قصد الشيطان ذلك. وقال بعضهم: اللام للصيرورة والعاقبة، وذلك أن الشيطان لم يكن يعلم أنهما يعاقبان بهذه العقوبة الخاصة، فالمعنى: أن أمرهما آيل إلى ذلك.\nوالجواب أنه يجوز أن يعلم ذلك بطريق من الطرق.\nينظر: «الدر المصون» (٣/ ٢٤٧) .\n(٢) وقول البصريين أولى: لأن إضمار الاسم أحسن من إضمار الحرف.\n(٣) وقرأ بها يحيى بن أبي كثير، والضحاك، والحسن بن علي، والزهري، وابن حكيم.\nينظر: «الشواذ» ص: (٤٨) و«البحر المحيط» (٤/ ٢٨٠)، و«الدر المصون» (٣/ ٢٤٨) .","vol":"3","page":15},{"text":"وقال بعض الناس: يؤخذ من هذه الألفاظ أن الملائكة أَفْضَلُ من البَشَرِ، وهي مسألة اختلف النَّاسُ فيها، وتمسَّكَ كل فريق بِظَوَاهِرَ من الشريعة، والفضل بِيَدِ اللَّه يؤتيه من يشاء.\nوقاسَمَهُما أي: حلف لهما باللَّه، وهي مُفَاعلة، إذ قبول المحلوف له اليمين كالقسم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-486>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٢٢ الى ٢٥]</span>\nفَدَلاَّهُما بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَناداهُما رَبُّهُما أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٢) قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (٢٣) قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (٢٤) قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُونَ (٢٥)\nوقوله ﷿: فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ قال: ع»\n: يشبه عندي أن تكون هذه اسْتعَارَةً من الرَّجُلِ يدلي آخر من هُوَّةٍ بحبل قد أَرمَ أو سَبَبٍ ضعيف يغترُّ به، فإذا تَدَلَّى به، وتوركَ عليه، انقطع به، وهلك، فيشبه الذي يغرُّ بالكلام حتى يصدقه، فيقع في مصيبة بالذي يُدْلي من هوة بِسَبَبٍ ضعيف.\nوقوله سبحانه: بَدَتْ قيل: تمزقت عنهما ثياب الجنة وملابسها، وتطايرت تبرّيا منهما، ويَخْصِفانِ معناه: يلصقانها، والمخصف الأشفى «٢» وضم الورق بعضه إِلَى بَعْضٍ أشبه بالخَرَزِ منه بالخياطة.\nقال البخاري: يَخْصِفَانِ يؤلفان الوَرَقَ بعضه إلى بعض/ انتهى. وهو معنى ما تقدم.\nوروى أبيٌّ عن النبي ﷺ أن آدم ﵇ كان يَمْشي في الجنة كأنه النخلة السَّحُوقُ «٣» فلما أَكَلَ من الشجرة وَبَدَتْ له حاله فَرَّ على وَجْهِهِ، فأخذت شجرة بِشَعَرِ رَأْسِهِ، فقال لها: «أرسليني» فقالت: ما أنا بمرسلتك، فناداه ربه جَلَّ وَعَلاَ أَمِنِّي تفرُّ يا آدم؟\nفقال: لا يَا رَبّ، ولكن أَسْتَحْيِيكَ، فقال: أما كان لك فيما مَنَحْتُكَ من الجنة مندوحة عما حرمت عليك. قال: بلى يا رب، ولكن وَعِزَّتَكَ مَا ظَنَنْتُ أن أحدًا يَحْلِفُ بك كاذبا، قال:\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٣٨٥) .\n(٢) الإشفى: فعلى، وهو أداة للإسكاف، والجمع: أشافي.\nينظر: «لسان العرب» (٨٥) (أشف) .\n(٣) أي: الطويلة التي بعد ثمرها على المجتني. ينظر: «النهاية» (٢/ ٣٤٧) .","vol":"3","page":16},{"text":"فبعزَّتي لأهبطنك إِلى الأَرْضِ، ثم لا تنال العَيْشَ إلا كدًّا «١» .\nوقوله: عَنْ تِلْكُمَا بِحَسَبِ اللفظ أنه إنما أشار إلى شَجَرَةٍ مخصوصة، وَأَقُلْ لَكُما: إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ إشارة إلى الآية التي في «طه» في قوله: فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى [طه: ١١٧] وهذا هو العَهْد الذي نَسِيَهُ آدم على مَذْهَبِ من جعل النسيان على بابه، وقولهما: رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا اعتراف من آدَمَ وحواء ﵉ وطَلَبٌ للتوبة، والستر، والتغمُّد بالرحمة، فطلب آدم هذا، فأجيب، وطلب إبليس النَّظِرَةَ، ولم يطلب التَّوْبَة، فوكل إلى سوء رأيه.\nقال الضحاك وغيره: هذه الآية هي الكَلِمَاتُ التي تلقى آدم من ربّه، وقوله ﷿:\nقالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ المُخَاطَبَةُ بقوله: اهْبِطُوا.\nقال: أبو صَالِحٍ، والسدي، والطبري، وغيرهم: هي لآدم، وحوّاء، وإبليس، والحية.\nوقالت فرقة: هي مخاطبة لآدم وذريته، وإبليس وذريته.\nقال ع «٢»: وهذا ضَعِيفٌ لعدمهم في ذلك الوَقْت.\nت: وما ضعفه ﵀ صَحَّحَهُ في «سورة البقرة»، فتأمله هناك، وعداوة الحية معروفة.\nروى قتادة عن النبي ﷺ: «ما سالمناهنّ منذ حاربناهنّ» «٣» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-487>[سورة الأعراف (٧): آية ٢٦]</span>\nيا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٢٦)\nوقوله سبحانه: يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكُمْ الآية خطاب لجميع الأمم وقت النبي ﷺ والسَّبَب والمراد: قريش، ومَنْ كان مِنَ العَرَبِ يتعرّى في طوافه بالبيت.\n_________\n(١) تقدم تخريجه في أوائل سورة البقرة.\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٣٨٧) .\n(٣) ورد هذا الحديث مسندا من حديث أبي هريرة، وابن عباس.\nحديث أبي هريرة: أخرجه أبو داود (٢/ ٧٨٥)، كتاب «الأدب»، باب: في قتل الحيات، حديث (٥٢٤٨)، وأحمد (٢/ ٢٣٢، ٢٤٧، ٥٢٠)، وابن حبان (١٠٧٩- موارد)، وابن ماجه (٣٢٢٤)، والدارمي (٢/ ٨٨- ٨٩)، والبيهقي (٩/ ٣١٧) . أما حديث ابن عباس: أخرجه أبو داود (٢/ ٧٨٥): كتاب «الأدب»، باب:\nفي قتل الحيات، حديث (٥٢٥٠)، وعبد الرزاق (١٠/ ٤٣٤) برقم: (١٩٦١٧) .","vol":"3","page":17},{"text":"قال مجاهد: ففيهم نَزَلَتْ هذه الأربع آيات «١» .\nوقوله: أَنْزَلْنا يحتمل التَّدْرِيجَ أَي: لما أنزل المَطَر، فكان عنه جميع ما يلبس، ويحتمل أن يريد ب أَنْزَلْنا خلقنا، كقوله: وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ [الزمر: ٦]، وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ [الحديد: ٢٥] ولِباسًا عام في جميع ما يلبس، ويُوارِي: يستر.\nوقرأ الجمهور: «وريشًا»، وقرأ عاصم، وأبو عمرو «ورياشًا» وهما عِبَارَتَانِ عن سَعَةِ الرزق، ورفاهة العَيْشِ، وَجَوْدَةِ الملبس والتمتع.\nوقال البخاري: قال ابن عباس: وريشًا: المال انتهى «٢» .\nوقرأ نافع «٣»، وغيره: «ولباسَ» بالنصب.\nوقرأ حمزة، وغيره بالرفع. وقوله: ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ إشارة إلى جَمِيعِ ما أنزل اللَّه من اللِّبَاسِ والرِّيشِ. وحكى النَّقَّاشُ: أن الإِشَارَةَ إِلى لِبَاسِ التَّقوى أي: هو في العبد آية أي: علامة وأمارة من اللَّه تعالى أنه قد رَضِيَ عنه، ورحمه.\nوقال ابن عَبَّاسٍ: لباس التقوى هو السَّمْتُ الحَسَنُ «٤» في الوَجْهِ. وقاله عثمان بن عفان على المنبر.\nوقال ابن عَبَّاسٍ أيضًا: هو العَمَلُ الصالحَ «٥» .\nوقال عُرْوَةُ بن الزبير: هو خَشْيَةُ اللَّه «٦» وقيل: هو لباس الصوف، وكل ما فيه تواضع لله ﷿.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٥/ ٤٥٥) برقم: (١٤٤٢٥)، وذكره ابن عطية (٢/ ٣٨٨) .\n(٢) أخرجه البخاري معلقا بصيغة الجزم (٦/ ٤١٦): كتاب «أحاديث الأنبياء»، باب: «خلق آدم وذريته»، وقال ابن حجر: «هو قول ابن عباس، ووصله ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عنه»، والطبري (٥/ ٤٥٧) برقم: (١٤٤٣٣)، وذكره ابن عطية (٢/ ٣٨٩)، والبغوي (٢/ ١٥٤)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ١٤١)، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.\n(٣) وقرأ بها ابن عامر والكسائي. عطفوا على الريش، والمعنى: وأنزلنا عليكم لباس التقوى.\nينظر: «السبعة» (٢٨٠)، و«الحجة» (٤/ ١٢)، و«حجة القراءات» (٢٨٠)، و«إعراب القراءات» (١/ ١٧٨)، و«العنوان» (٩٥)، «شرح الطيبة» (٤/ ٢٩٣)، «شرح شعلة» (٣٨٧)، «إتحاف» (١/ ٤٦)، «معاني القراءات» (١/ ٤٠٣) .\n(٤) أخرجه الطبري (٥٠/ ٤٥٨) برقم: (١٤٤٤٩)، وذكره ابن عطية (٢/ ٣٨٩)، والسيوطي (٣/ ١٤٢) .\n(٥) أخرجه الطبري (٥/ ٤٥٨) برقم: (١٤٤٤٩) وذكره ابن عطية (٢/ ٣٨٩)، والبغوي (٢/ ١٥٥) . [.....]\n(٦) أخرجه الطبري (٥/ ٤٥٩) برقم: (١٤٤٥٢)، وذكره ابن كثير (٢/ ٢٠٧) .","vol":"3","page":18},{"text":"وقال الحَسَنُ «١»: هو الوَرَعُ.\nوقال معبد الجهني: هو «٢» الحَيَاءُ.\nوقال ابن عَبَّاسٍ أيضًا: لِبَاسُ التقوى العفة «٣» .\nقال ع «٤» وهذه كلها مثل، وهي من لباس التقوى، ولَعَلَّهُمْ ترجّ بحسبهم، ومبلغهم من المعرفة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-488>[سورة الأعراف (٧): آية ٢٧]</span>\nيا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (٢٧)\nوقوله ﷿: يا بَنِي آدَمَ/ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ الآية: خطاب لجميع العالم، والمقصود بها في ذلك الوَقْتِ مَنْ كان يطوف من العَرَبِ بالبيتِ عُرْيَانًا.\nقيل: كانت العَرَبُ تَطُوفُ عُرَاةً إِلا الحُمْس «٥»، وهم قريش، ومن وَالاَهَا، وهذا هو الصحيح، ثم نودي ب «مكة» في سنة تسع: لا يحجّ بعد العام مُشْرِكٌ، ولا يطوف بالبيت عريان «٦» والفتنة في هذه الآية الاسْتِهْوَاءُ، والغَلَبَةُ على النفس، وأضاف الإِخْرَاجَ في هذه الآية إلى إبليس تجوُّزًا لما كان هو السَّبَب في ذلك.\nقال أبو حيان «٧»: كَما أَخْرَجَ «كما» في موضع نَصْبٍ، أي: فتنة مثل فتنة إِخْرَاجِ أبويكم انتهى.\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٢/ ٣٨٩) وزاد فيه: «والسمت والحسن في الدنيا» .\n(٢) أخرجه الطبري (٥/ ٤٥٨) برقم: (١٤٤٤٦)، وذكره ابن عطية (٢/ ٣٨٩)، والسيوطي (٣/ ١٤٢) .\n(٣) ذكره ابن عطية (٢/ ٣٨٩) .\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٣٨٩) .\n(٥) الحمس: جمع الأحمس، وهم قريش ومن ولدت قريش، وكنانة وجديلة قيس، سمّوا حمسا لأنهم تحمسوا في دينهم، أي: تشددوا. والحماسة: الشجاعة.\nينظر: «النهاية (١/ ٤٤٠) .\n(٦) أخرجه البخاري (٣/ ٤٨٣): كتاب «الحج»، باب: لا يطوف بالبيت عريان، الحديث (١٦٢٢)، ومسلم (٢/ ٩٨٢): كتاب «الحج»، باب: لا يحج البيت مشرك، الحديث (٤٣٥/ ١٣٤٧) واللفظ له، من حديث أبي هريرة قال: «بعثني أبو بكر الصديق ﵁ في الحجّة التي أمّره عليها رسول الله ﷺ، قبل حجة الوداع في رهط يؤذنون في الناس يوم النحر: لا يحجّ بعد العام مُشْرِكٌ، ولا يطوف بالبيت عريان» .\n(٧) ينظر: «البحر المحيط» (٤/ ٢٨٤) .","vol":"3","page":19},{"text":"وقوله سبحانه: إِنَّهُ يَراكُمْ ... الآية زيادة في التحذير، وإعلام بأن الله ﷿ قد مَكَّنَ إبليس من بَني آدَمَ في هذا القدر، وبحسب ذلك يَجِبُ أن يكون التّحرّز بطاعة الله ﷿ وقَبِيلُ الشيطانُ يُرِيدُ نوعه، وصنفه، وذريته، والشيطان مَوْجُودٌ، وهو جسم.\nقال النووي «١»: وروينا في كتاب ابن السّني عن أَنَسٍ قال: قال رسول الله ﷺ:\n«ستر ما بين أَعْيُنِ الجِنِّ وَعَوْرَاتِ بَنِي آدَمَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ المُسْلِمُ إِذَا أَراد أن يطرح ثِيَابَهُ:\nبسم اللَّه الذي لا إله إِلاَّ هُوَ» «٢» انتهى.\nوعن علي ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ستر ما بين الجنِّ وعَوْرَاتِ بني آدَمَ إِذا دَخَلُوا الكُنُفَ أَن يقولوا: بسم اللَّه» .\nرواه الترمذي، وقال: إسناده ليس بالقَوِيِّ «٣» .\nقال النووي: قال العلماء من المحدثين والفقهاء وغيرهم: يجوز ويُسْتَحَبُّ العَمَلُ في الفَضَائِلِ، والترغيب، والترهيب بالحديث الضعيف ما لم يكن موضوعًا وأما الأحكام كالحَلاَلِ، والحرام، والبيع، والنكاح، والطلاق، وغير ذلك فلا يُعْمَلُ فيها إلا بالحديث الصحيح «٤»، أو الحسن «٥» إلا أن يكون في احْتِيَاطٍ في شيء من ذلك، كما إذا ورد حديث\n_________\n(١) ينظر: «الأذكار» ص: (٥١) .\n(٢) أخرجه ابن السني في «عمل اليوم والليلة» برقم: (٢٧٤) من حديث أنس مرفوعا به.\n(٣) أخرجه الترمذي (٢/ ٥٠٣- ٥٠٤): كتاب «الصلاة»، باب: ما ذكر من التسمية عند دخول الخلاء، حديث (٦٠٦)، وابن ماجه (١/ ١٠٩): كتاب «الطهارة»، باب: ما يقول الرجل إذا دخل الخلاء، حديث (٢٩٧) من حديث علي، وقال الترمذي: إسناده ليس بالقوي.\n(٤) الصحيح: في اللغة فعيل بمعنى فاعل من الصحة، وهي ذهاب المرض والبراءة من كل عيب.\nوفي اصطلاح المحدثين يختلف عند المتقدمين وعند المتأخرين.\nأما عند المتقدمين فقال الخطابي: الصحيح: ما اتصل سنده وعدلت نقلته.\nوأما الصحيح لذاته عند المتأخرين، فقال ابن الصلاح: هو الحديث المسند الذي يتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط إلى منتهاه، ولا يكون شاذا ولا معللا.\nوالصحيح لغيره: هو الحديث الذي لم يكن صحيحا لذاته وارتقى إلى درجة الصحيح بجابر يجبر القصور فيه، وذلك هو الحديث الحسن لذاته إذا جبر بجابر بأن تقوى بمتابع أو شاهد مساو أو راجح أو بأكثر من طريق إن كان أدنى. وعليه فنقول إنه:\nهو ما اتصل سنده بنقل عدل قلّ ضبطه عن الدرجة العليا للضبط وتوبع بطريق آخر مساو أو راجح أو بأكثر من طريق إن كان أدنى وكان غير شاذ ولا معل.\nينظر: «غيث المستغيث» ص: (٣٢، ٣٣، ٣٥) .\n(٥) الحسن: في اللغة الجمال، والحسن الجميل.","vol":"3","page":20},{"text":"ضعيف بكَرَاهِةِ بعض البيوع، أو الأنكحة، فإن المستحبَّ أن يتنزَّه عنه، ولكن لا يَجِبُ انتهى.\nونحوه لأبي عمر بن عبد البر في كتاب «فضل العلم»: ثم أخبر ﷿ أنه صَيَّرَ الشياطين أولياء، أي: صحابة، ومتداخلين للكفرة الذين لا إيمان لهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-489>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٢٨ الى ٣٠]</span>\nوَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٢٨) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقًا هَدى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٠)\nوقوله: وإذا فَعَلُوا وما بعده دَاخِلٌ في صفة الذين لا يؤمنون، والفاحشة في هذه الآية، وإن كان اللفظ عَامًّا هي كَشْفُ العَوْرَةِ عند الطَّوَافِ، فقد روي عن الزهري أنه قال:\nإن في ذلك نزلت هذه الآية. وقاله ابن عبّاس ومجاهد «١» .\nوقوله ﷿: قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ تضمن معنى اقسطوا، ولذلك عطف عليه قوله: وَأَقِيمُوا حملًا على المعنى، والقِسْطُ العَدْلُ واختلف في قوله سبحانه: وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ فقال مجاهد، والسدي: أراد إلى الكعبة «٢»، والمقصد على هذا\n_________\nوفي الاصطلاح: لهم فيه عبارات كثيرة لعدم ضبط الأقدمين له حتى قال البلقيني: الحسن لما توسط بين الصحيح والضعيف عند الناظر كان شيئا ينقدح في نفس الحافظ. وقد تقصر عبارته عنه كما قيل في الاستحسان، فلهذا صعب تعريفه لكن استقر الرأي أخيرا على أنه:\nهو الحديث الذي اتصل سنده بنقل العدل الضابط الذي قصر به حفظه وإتقانه عن درجة رجال الصحيح غير شاذ ولا معل.\nوالحسن لغيره: هو الحديث الذي يكون في أصله غير حسن، ثم يرتقي بالجابر حتى يكون في درجة الحسن، وذلك أن الحديث إذا فقد أحد الشروط الخمسة المعتبرة في الصحيح لذاته والحسن لذاته ينزل إلى درجة الضعيف، لكن الضعيف منه ما يقبل الجبر، ومنه ما لا يقبل الجبر بحال، فتوقفت معرفة الحسن لغيره على معرفة ما يقبل الجبر من الضعيف- ويسمى عندهم ما يعتبر به أي حديث يكتب للاعتبار به في المتابعات والشواهد- ومعرفة ما لا يقبل الجبر منه- ويسمى عندهم ما لا يعتبر به.\nينظر: «الغيث المستغيث» ص: (٣٤، ٣٥) . [.....]\n(١) أخرجه الطبري (٥/ ٤٦٣) برقم: (١٤٤٦٧- ١٤٤٦٨- ١٤٤٦٩- ١٤٤٧٣- ١٤٤٧٤)، وابن عطية (٢/ ٣٩١)، والبغوي (٢/ ١٥٥)، وابن كثير (٢/ ٢٠٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ١٤٣) .\n(٢) أخرجه الطبري (٥/ ٤٦٤) برقم: (١٤٤٧٨) وبرقم: (١٤٤٧٩)، وذكره ابن عطية (٢/ ٣٩١)، والبغوي (٢/ ١٥٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ١٤٣)، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.","vol":"3","page":21},{"text":"شَرْعُ القبلة والتزامها.\nوقيل: أراد الأمر بإحضار النية لله في كُلِّ صَلاَةٍ، والقصد نحوه، كما تقول: وَجَّهْتُ وَجْهِي لله قاله الربيع «١» .\nوقيل: المراد إبَاحَةُ الصلاة في كُلِّ موضع من الأرض، أي: حيث ما كنتم فهو مَسْجِدٌ لكم تلزمكم عند الصَّلاَةِ إقامة وجوهكم فيه لله ﷿. وقوله سبحانه: كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ قال ابن عَبِّاسٍ، وقتادة، ومجاهد: المعنى: كما أوجدكم، واخترعكم، كذلك يعيدكم بعد الموتِ «٢» والوقف على هذا التأويل تعودون و«فريقًا» نصب ب «هدى» والثاني منصوب بِفِعْلٍ تقديره: وعذب فريقًا.\nوقال جابر بن عبد اللَّه/ وغيره: وروي معناه عن النبي ﷺ أن المُرَادَ الإعلام بأن مَنْ سَبَقَتْ له من اللَّه الحُسْنَى، وكتب سعيدًا كان في الآخِرَةِ سَعِيدًا، ومن كتب عليه أنه من أَهْلِ الشَّقَاءِ، كان في الآخرة شَقِيًّا، ولا يتبدَّل من الأمور التي أحكمها وَدَبَّرَهَا، وأنفذها شيء، فالوقف في هذا التأويل في قوله: تَعُودُونَ غير حسن وفَرِيقًا على هذا التأويل نصب على الحال، والثاني عطف على الأول.\nوَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ معناه: يظنُّونَ.\nقال الطبري «٣»: وهذه الآية دَلِيلٌ على خَطَإ من زَعَمَ أن اللَّه لا يعذب أحدًا على معصية ركبها، أو ضلالة اعتقدها، إلا أن يأتيها على علم منه بموضع الصواب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-490>[سورة الأعراف (٧): آية ٣١]</span>\nيا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١)\nوقوله سبحانه: يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ الآية: هذا خطاب عَامٌ لجميع العالم كما تقدم، وأمروا بهذه الأَشْيَاءِ بسبب عصيان حاضري ذلك الوقت من مُشْرِكِي العَرَبِ فيها، والزينة الثياب الساترة. قاله مجاهد وغيره «٤» . وعِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٥/ ٤٦٥) برقم: (١٤٤٨٢) بنحوه، وذكره ابن عطية (٢/ ٣٩١)، وابن كثير (٢/ ٢٠٨) بنحوه.\n(٢) أخرجه الطبري (٥/ ٩٦٧) برقم: (١٤٥٠٢)، وذكره ابن عطية (٢/ ٣٩٢)، والبغوي (٢/ ١٥٦) .\n(٣) ينظر: «تفسير الطبري» (٥/ ٤٦٩) .\n(٤) أخرجه الطبري (٥/ ٤٧٠) برقم: (١٤٥٢٠- ١٤٥٢١) بنحوه، وذكره ابن عطية (٢/ ٣٩٢)، والبغوي (٢/ ١٥٧)، وابن كثير (٢/ ٢١٠)، والسيوطي (٣/ ١٤٥) بنحوه.","vol":"3","page":22},{"text":"أي: عند كل مَوْضِعِ سُجُودٍ، فهي إشارة إلى الصلوات، وستر العورة فيها.\nت: ومن المستحسن هنا ذكر شيء مما جاء في اللِّبَاسِ، فمن أحسن الأحاديث في ذلك، وأصحها ما رواه مالِكٌ في «الموطأ» عن أبي سعيد الخدري، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنَّ أُزْرَةَ المُؤْمِنِ إِلى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ لا جُنَاحَ عليه فيما بينه وبَيْنَ الكَعْبَيْنِ، ما أَسْفَلَ من ذَلِكَ ففي النَّارِ» قال ذلك ثلاث مرات: «لاَ يَنْظُرُ اللَّه ﷿ إِلَى مَنْ جَرَّ إزَارَهُ بَطَرًا» «١» .\nوحَدَّثَ أَبو عمر في «التمهيد» بسنده عن ابن عمر قال: فيما قال رسول الله ﷺ في الإزَارِ فهو في القَمِيصِ يعني ما تَحْتَ الكَعْبَيْنِ من القَمِيصِ في النار «٢»، كما قال في الإزَارِ، وقد روى أبو خيثمة زهير بن مُعَاوِيةَ «٣» قال: سمعت أَبا إِسْحَاقَ السبيعي يقول: أدركتهم وقمصهم إلى نِصْفِ الساق أو قريب من ذلك، وكُمُّ أحدهم لا يُجَاوِزُ يَدَهُ انتهى. وروى أبو داود عن أسماء بنت يَزِيدَ قالت: كانت يَدُ كُمِّ قميص رسول الله ﷺ إلى الرّسْغ «٤»، وأما أحبُّ اللِّبَاسِ فما رواه أبو داود عن أم سلمة قالت: كان أحبّ الثياب إلى رسول\n_________\n(١) أخرجه مالك (٢/ ٩١٤- ٩١٥): كتاب «اللباس»، باب: ما جاء في إسبال الرجل ثوبه، حديث (١٢)، وأبو داود (٢/ ٤٥٧) كتاب «اللباس»، باب: في قدر موضع الإزار، حديث (٤٠٩٣)، وابن ماجه (٢/ ١١٨٣): كتاب «اللباس»، باب: موضع الإزار أين هو؟، حديث (٣٥٧٣) من طريق العَلاءِ بْنِ عَبْدِ الرحمن، عن أبِيهِ، عن أبي سعيد الخدري به.\n(٢) روي هذا المعنى أيضا من حديث أبي هريرة بلفظ: «ما أسفل الكعبين من الإزار فهو في النار» .\nأخرجه البخاري (١٠/ ٢٦٨)، في كتاب «اللباس»، باب: «ما أسفل من الكعبين فهو في النار» (٥٧٨٧)، والنسائي في «المجتبى» (٨/ ٢٠٧)، في كتاب: «الزينة»، وابن ماجه (٣٥٧٣)، وأحمد في «المسند» (٢/ ٤٦١)، (٥/ ٩)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (٨/ ٢٠٤) .\n(٣) زهير بن معاوية بن حديج بضم المهملة الأولى مصغرا، وآخره جيم ابن الرّجيل بجيم مصغرا ابن زهير بن خيثمة الجعفي أبو خيثمة الكوفي أحد الحفاظ والأعلام. عن سماك بن حرب والأسود بن قيس، وزياد بن علاقة، وأبي الزّبير، وخلق، وعنه القطّان، وابن مهدي، وأبو نعيم، والأسود بن عامر، وعمر بن خالد، وخلق.\nقال شعيب بن حرب: زهير أحفظ من عشرين مثل شعبة.\nوقال أحمد: زهير ثبت سمع من أبي إسحاق بآخره.\nقال الخطيب: حدث عنه ابن جريج، وعبد الغفار الحراني، وبين وفاتيهما بضع وستون سنة، توفي سنة ثلاث وسبعين ومائة، ومولده سنة مائة.\nينظر: «الخلاصة» (١/ ٣٤٠)، «تهذيب الكمال» (١/ ٤٣٦)، «تهذيب التهذيب» (٣/ ٣٥١)، «الكاشف» (١/ ٣٢٧)، «الثقات» (٦/ ٣٣٧) .\n(٤) أخرجه أبو داود (٢/ ٤٤١): كتاب «اللباس»، باب: ما جاء في القميص، حديث (٤٠٢٧) .","vol":"3","page":23},{"text":"الله ﷺ القميص «١» . انتهى.\nوجاء في المُسْبِلِ وَعيدٌ شديد وعنه ﷺ أنه قال لرجل أَسْبَلَ إزاره: «إن هذا كان يصلي وهو مُسْبِلٌ إزَارَهُ وإِن اللَّه لا يَقْبَلُ صَلاَةَ رَجُلٍ مسبل إزاره» رواه أبو داود «٢» . انتهى.\nوقوله سبحانه: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا إباحة لما التزموه من تَحْرِيمِ اللحم، والودك «٣» في أيام المواسم. قاله ابن زَيْدٍ وغيره، ويدخل في ذلك «٤» البَحِيرَةُ والسائبة، ونحو ذلك نصّ على ذلك قَتَادَةُ.\nوقوله سبحانه: وَلا تُسْرِفُوا معناه: لا تفرطوا. قال أهل التأويل: يريد تُسْرِفُوا بأن تحرموا ما لم يحرّم الله ﷿ واللفظةَ تَقْتَضِي النهي عن السَّرَفِ مُطْلَقًا، ومن تَلَبَّسَ بفعلٍ مباح، فإن مشى فيه على القَصْدِ، وأوسط الأمور، فحسن، وإن أفْرَطَ جعل أيضا من المسرفين.\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (٢/ ٤٤٠) كتاب «اللباس»، باب: ما جاء في القميص، حديث (٤٠٢٥، ٤٠٢٦)، والترمذي (٤/ ٢٣٧- ٢٣٨) كتاب «اللباس»، باب: ما جاء في القميص، حديث (١٧٦٢)، وفي «الشمائل» رقم: (٥٥)، وابن ماجه (٢/ ١١٨٣) كتاب «اللباس»، باب: لبس القميص، حديث (٣٥٧٥)، وأحمد (٦/ ٣١٧)، وعبد بن حميد في «المنتخب من المسند» برقم: (١٥٤٠)، وأبو يعلى (١٢/ ٤٤٥) رقم (٧٠١٤)، وأبو الشيخ في «أخلاق النبي» ص: (١٠٠)، والطبراني في «الكبير» (٢٣/ ٤٢١) برقم: (١٠١٨)، والحاكم (٤/ ١٩٢)، والبيهقي (٢/ ٢٣٩)، والبغوي في «شرح السنة» (٦/ ١٤٦- بتحقيقنا) . كلهم من طريق عبد المؤمن بن خالد عن عبد الله بن بريدة، عن أم سلمة به.\nوقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، إنما نعرفه من حديث عبد المؤمن بن خالد، تفرد به وهو مروزي، وروى بعضهم هذا الحديث عن أبي تميلة عن عبد المؤمن بن خالد، عن عبد الله بن بريدة، عن أمه، عن أم سلمة.\n(٢) أخرجه أبو داود (١/ ٢٢٨) كتاب «الصلاة»، باب: الإسبال في الصلاة، حديث (٦٣٨)، وفي (٢/ ٤٥٥) كتاب «اللباس»، باب: ما جاء في إسبال الإزار، حديث (٤٠٨٦)، والبيهقي (٢/ ٢٤١) كتاب «الصلاة»، من حديث أبي هريرة، وهذا الحديث لم يخرجه سوى أبي داود من أصحاب الكتب الستة.\n(٣) الودك: دسم اللحم، ودهنه الذي يستخرج منه.\nينظر: «النهاية» (٥/ ١٦٩) .\n(٤) البحيرة: أنهم كانوا إذا ولدت إبلهم سقيا (يعني ولد الناقة) بحروا أذنه: أي شقوها، وقالوا: اللهم إن عاش ففتيّ وإن مات فذكي، فإذا مات أكلوه وسموه البحيرة، وقيل: البحيرة: هي بنت السائبة، كانوا إذا تابعت الناقة بين عشر إناث لم يركب ظهرها ولم يجز وبرها، ولم يشرب لبنها إلا ولدها أو ضيف، وتركوها مسيّبة لسبيلها وسموها السائبة، فما ولدت بعد ذلك من أنثى شقوا أذنها، وخلوا سبيلها، وحرم منها ما حرم من أمها، وسموها البحيرة.\nينظر: «النهاية» (١/ ١٠٠) . [.....]","vol":"3","page":24},{"text":"وقال ابن عَبَّاس في هذه الآية: أحلَّ اللَّه الأكل والشرب ما لم يكن سَرَفًا أو مخيلة «١» .\nقال ابن العربي «٢»: قوله تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا الإِسْرَافُ تَعَدِّي الحد، فنهاهم سبحانه عن تعدي الحَلاَل إلى الحرام.\nوقيل: لا يزيد على قَدْرِ الحاجة، وقد اختلف فيه على قولين فقيل/ حرام.\nوقيل: مكروه، وهو الأصح.\nفإن قدر الشبع يختلف باختلاف البُلْدَانِ، والأَزْمَانِ، والإِنسان، والطعمان. انتهى من «أحكام القرآن» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-491>[سورة الأعراف (٧): آية ٣٢]</span>\nقُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢)\nوقوله سبحانه: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ أي: قل لهم على جِهَةِ التوبيخ. وَزِينَةُ اللَّه هي ما حَسَّنته الشَّرِيعَةُ، وقررته، وزِينَةُ الدنيا كل ما اقتضته الشَّهْوَةُ، وطلب العلو في الأرض كالمَالِ والبنين.\nوالطَّيِّباتِ قال الجمهور: يريد المُحَلّلات.\nوقال الشافعي وغيره: هي المُسْتَلَذَّاتُ أي: من الحلال، وإنما قاد الشَّافعي إلى هذا تحريمه المستقذرات كالوَزَغِ «٣» ونحوهَا، فإنه يقول: هي من الخَبَائِث.\nت: وقال مكي: المعنى قل مَنْ حَرَّمَ زينة اللَّه، أي: اللِّبَاس الذي يزين الإنسان بأَن يستر عَوْرَتهُ، ومن حرم الطيبات من الرزق المُبَاحَةِ.\nوقيل عنى بذلك ما كَانَتِ الجَاهِلِيَّةُ تحرمه من السوائب والبَحَائِر. انتهى.\nوقوله سبحانه: قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ قال ابن\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير (٥/ ٤٧٢) برقم: (١٤٥٣٥)، وذكره ابن عطية (٢/ ٣٩٣)، وابن كثير (٢/ ٢١٠)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ١٤٦) .\n(٢) ينظر: «الأحكام» (٢/ ٧٨١) .\n(٣) الوزغ: دويبة، وهي سوام أبرص.\nينظر: «اللسان» (٤٨٢٦) .","vol":"3","page":25},{"text":"جُبَيْرٍ: المعنى: قل هي للذين آمَنُوا في الحَيَاةِ الدنيا يَنْتَفِعُونَ بها في الدُّنْيَا، ولا يتبعهم إثمها يوم القِيَامَةِ «١» .\nوقال ابن عباس، والضحاك، والحسن، وقتادة، وغيرهم: المعنى هو أن يخبر ﷺ أن هذه الطَّيبات المَوْجُودَاتِ هي في الحياة الدنيا للذين آمنوا، وإن كانت أيْضًا لغيرهم معهم، وهي يوم القيامة خالصة لهم، أي: لا يشركهم أحد في استعمالها في الآخرة «٢» .\nوقرأ نافع «٣» وحده «خالصةٌ» بالرفع، والباقون بالنَّصْب.\nوقوله سبحانه: كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ أي: كما فَصَّلنا هذه الأشياء المتقدمة الذِّكر نُفَصِّلُ الْآياتِ أي: نبين الأمَارَاتِ، والعَلاَمَاتِ، والهِدَايَاتِ لقوم لهم علم ينتفعون به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-492>[سورة الأعراف (٧): آية ٣٣]</span>\nقُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (٣٣)\nوقوله ﷿: قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ ... الآية:\nلما تقدم إنكار ما حرمه الكُفَّار بآرائهم أتبعه بذِكْرِ ما حرم الله ﷿.\nوالفَوَاحِشُ في اللغة ما فَحُشَ وشنع، وأصله من القُبْحِ في النظر، وهي هنا إنما هي إشارة إلى ما نص الشرع على تحريمه، فكل ما حرمه الشَّرْعُ، فهو فاحش، والإثم لفظ عام في جَمِيعِ الأفعال والأقوال التي يَتَعَلَّقُ بمرتكبها إثم. هذا قول الجمهور.\nوقال بعض الناس: هي الخَمْرُ وهذا قول مردود لأن هذه السورة مَكيّة، وإنما حرمت الخَمْرُ ب «المدينة» بعد أُحد وَالْبَغْيَ التعدي، وتجاوز الحد.\nوَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ من أنه حرم البَحِيرَةَ والسائبة ونحوه.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٥/ ٤٧٥) برقم: (١٤٥٥٦)، وابن عطية (٢/ ٣٩٣) .\n(٢) أخرجه الطبري (٥/ ٤٧٣- ٤٧٤- ٤٧٥) برقم: (١٤٥٤٦- ١٤٥٥٥)، وذكر البغوي (٢/ ١٥٧) بنحوه، والسيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ١٥٠) .\n(٣) والتقدير على قراءة الرفع أي: هي خالصة للذين آمنوا.\nينظر: «السبعة» (٢٨٠) و«الحجة» (٤/ ١٣)، و«حجة القراءات» (٢٨١)، و«العنوان» (٩٥) و«إعراب القراءات» (١/ ١٨٠)، و«شرح الطيبة» (٤/ ٢٩٤)، و«شرح شعلة» (٣٨٨)، و«إتحاف فضلاء البشر» (٢/ ٤٧) و«معاني القراءات» (١/ ٤٠٤) .","vol":"3","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-493>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٣٤ الى ٣٦]</span>\nوَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (٣٤) يا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٥) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٣٦)\nوقوله سبحانه: وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ المعنى: ولكل أمة أجل مُؤَقَّت لمجيء العَذَابِ إذا كفروا، وخالفوا أَمْرَ ربهم، فأنتم أيتها الأمة كذلك. قاله الطبري «١» وغيره.\nوقوله: ساعَةً لفظ عين به الجزء القليل من الزمان، والمراد جميع أجزائه، والمعنى: لا يستأخرون سَاعَة، ولا أقل منها، ولا أكثر.\nوقوله ﷿: يا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولئِكَ/ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ الخِطَابُ في هذه الآية لجميع العالم، و«إن» هي الشرطية دخلت عليها «ما» مؤكدة، وكان هذا الخطاب لجميع الأُمم قَدِيمِها وحَدِيثِهَا هو متمكن لهم، ومتحصِّل منه لحاضري نبينا محمد ﷺ أن هذا حُكْمُ اللَّه في العالم منذ أنشأه، ويَأْتِيَنَّكُمْ مستقبل وُضِعَ موضع ماضٍ ليفهم أن الإتيان بَاقٍ وَقْتَ الخطاب، لِتَقْوَى الإشارة بصحّة النبوءة إلى نبينا محمد ﷺ وهذا على مُرَاعَاةِ وَقْتِ نزول الآية.\nوأسند الطَّبَري إلى أبي سَيَّارٍ السُّلمي قال: «إن الله سبحانه خاطب آدم وذريته، فقال:\nيا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ ... الآية: قال: ثم نظر سبحانه إلى الرّسل، فقال:\nيا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحًا إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ ... [المؤمنون: ٥١، ٥٢]» الحديث «٢» .\nقال ع «٣»: ولا مَحَالَةَ أن هذه المُخَاطَبَة في الأزل.\nوقيل: المراد بالرسل نبينا محمد ﷺ ذَكَرَهُ النقاش ويَقُصُّونَ أي: يسردون، ويوردون، «والآيات» لَفْظٌ جامع لآيات الكُتُب المنزلة، وللعلامات التي تقترن بالأنبياء، ونفي الخوف والحزن يعم جَمِيعَ أنواع مكاره النفس وأنكادها.\n_________\n(١) ينظر: «تفسير الطبري» (٥/ ٤٧٦) .\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٥/ ٤٧٧) برقم: (١٤٥٦٠) من حديث أبي سيار السلمي، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ١٥٣) وعزاه لابن جرير.\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٣٩٦) .","vol":"3","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-494>[سورة الأعراف (٧): آية ٣٧]</span>\nفَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قالُوا أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ (٣٧)\nقوله سبحانه: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ ... الآية: هذه الآية وَعِيدٌ واستفهام على جهة التقرير، أي: لا أحد أظلم منه، والكتاب هو اللوح المَحْفُوظُ في قول الحَسَنِ وغيره.\nوقيل: ما تكتبه الحَفَظَةُ، ونصيبهم من ذلك هو الكُفْرُ وَالمَعَاصي. قاله مجاهد، وغيره.\nوقيل: هو القرآن، وحَظُّهم فيه سَوَادُ الوجوه يوم القيامة.\nوقال الربيع بن أنس، وغيره: المعنى بالنصيب مَا سَبَقَ لهم في أُم الكتاب من رِزْق، وعمر، وخير، وشر في الدنيا، ورجحه «١» الطبري.\nواحتج له بقوله تعالى بعد ذلك: حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا أي: عند انقضاء ذلك، فكان معنى الآية على هذا التأويل: أولئك يتمتعون، ويتصرَّفُونَ في الدنيا بِقَدْرِ ما كتب لهم حتى إِذا جاءتهم رُسُلنا لموتهم وهذا تأويل جَمَاعَةٍ، وعلى هذا يترتّبُ ترجيحُ الطبري.\nوقالت فرقة: رُسُلُنا يريد بهم مَلاَئِكَةَ العَذَابِ يوم القيامة، ويَتَوَفَّوْنَهُمْ معناه عندهم يستوفونهم عَدَدًا في السوق إلى جهنم.\nوقوله سبحانه حكايةً عن الرسل أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ استفهام تقرير، وتوبيخ، وتوقيف على خِزْيٍ، وتَدْعُونَ معناه: تعبدون، وتؤمِّلُون.\nوقولهم: ضَلُّوا عَنَّا معناه: هلكوا، وتلفوا، وفقدوا.\nثم ابتدأ الخبر عن المشركين بقوله سبحانه: وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-495>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٣٨ الى ٣٩]</span>\nقالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها جَمِيعًا قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ (٣٨) وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٣٩)\n_________\n(١) ينظر: «تفسير الطبري» (٥/ ٤٨١) .","vol":"3","page":28},{"text":"قوله سبحانه: قالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ هذه حكاية ما يَقُولُ اللَّه سبحانه لهم يَوْمَ القيامة، بواسطة ملائكة العَذَابِ، نسأل اللَّه العافية. وعبر عن يقول ب «قال» لتحقُّق وقوع ذلك، وصدق القصة، وهذا كثير، وخَلَتْ حكاية عن حَالِ الدنيا، أي: ادخلوا في النَّار في جملة الأمم السابقة لكم في الدنيا الكافرة.\nت: وكذا قدره «١» أبو حَيَّانَ في جملة «أمم»، قال: وقيل: «في» بمعنى «مع» أي: مع أمم، وتقدم له في «البقرة» أن «في» تجيء للمُصَاحَبَةِ، كقوله تعالى: ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ انتهى.\nوقدم ذِكْرَ الجن لأنهم أَعْرَقُ/ في الكفر، وإبليس أَصْلُ الضلال والإغواء، وهذه الآية نص في أن كفرة الجنِّ في النار، والذي يقتضيه النظر أن مُؤمنيهم في الجَنَّةِ لأنهم عُقَلاَءُ، مُكَلَّفُونَ، مبعوث إليهم، آمنوا وصدقوا، وقد بَوَّب البخاري ﵀ بابًا في ذِكْرِ الجن، وثوابهم، وعقابهم.\nوذكر عبد الجليل: أن مؤمني الجن يكونون تُرَابًا كالبهائم، وذكر في ذلك حديثًا مجهولًا، وما أَراه يصحُّ. واللَّه أعلم. والإِخْوَةُ في هذه الآية إِخْوَةُ الملة.\nقال ص: في «النار» متعلق ب «خَلَتْ»، أو بمحذوف، وهو صفة ل «أمم» أي:\nفي أمم سابقة، في الزمان كائنة، من الجن والإنس كائنة في النار، ويحتمل أن يتعلق ب «ادخلوا» على أن «في» الأولى بمعنى «مع»، والثانية للظرفية، وإذا اختلف مَدْلُول الحرفين، جاز تعلقهما بمحلّ واحد. انتهى.\nوادَّارَكُوا معناه: تلاحقوا، أصله: تداركوا أدغم، فجلبت ألف الوَصْل.\nوقال البخاري: ادَّارَكُوا اجتمعوا. انتهى. وقوله سبحانه: قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ معناه: قالت الأمم الأخيرة التي وجدت ضلالات متقررة، وسننًا كاذبةً مستعملة للأولى التي شرعت ذلك، وافترت على اللَّه، وسَلَكَتْ سبيل الضَّلال ابتداءً رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا، أي: طرقوا لنا طُرُقَ الضلال، قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ أي: عذاب مشدَّد على الأول والآخر وَلكِنْ لاَّ تَعْلَمُونَ أي المقادير، وصور التضعيف.\n_________\n(١) ينظر: «البحر المحيط» (٤/ ٢٩٧) .","vol":"3","page":29},{"text":"قوله سبحانه: وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ أي: قد اسْتَوَتْ حالنا وحالكم فَذُوقُوا الْعَذابَ باجْتَرَامِكُمْ، وهو من كلام الأمة المتقدمة للمتأخّرة.\nوقيل: قوله: فَذُوقُوا هو من كلام الله ﷿ لجميعهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-496>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٤٠ الى ٤٢]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (٤٠) لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ وَكَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٤١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَها أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٤٢)\nوقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ الآية، هذه الآية عامة في جميع الكَفَرَةِ قديمهم وحديثهم.\nقرأ نافع «١» وغيره: «تُفَتَّح» بتشديد التاء الثانية، وقرأ أبو عمرو: «تُفْتَح» بالتاء أيضًا وسكون الفاء، وتخفيف الثانية، وقرأ حمزة «يفتح» بالياء من أسفل، وتخفيف التاء، ومعنى الآية: لا يرتفع لهم عَمَلٌ، ولا روح، ولا دعاء، فهي عامة في نفي ما يوجب للمؤمنين.\nقاله ابن عباس، وغيره.\nثم نفى سبحانه عنهم دُخُولَ الجنة، وعلق كونه بِكَوْنٍ محال، وهو أن يدخل الجمل في ثُقْبِ الإبرة حيث يدخل الخَيْطُ، والجمل كما عهد، والسَّمّ كما عهد، وقرأ جمهور «٢» المسلمين «الجمل» واحد الجمال، وقرأ ابن عباس وغيره «٣» «الجُمّل» بضم الجيم وتشديد الميم، وهو حَبْلُ السفينة «٤» والسّمّ: الثقب من الإبرة وغيرها، وكَذلِكَ أي: وعلى هذه\n_________\n(١) والتشديد أي: مرة بعد مرة. وحجة هؤلاء قوله تعالى: مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ [ص: ٥٠] .\nينظر: «السبعة» (٢٨٠)، و«الحجة» (٤/ ١٨)، و«حجة القراءات» (٢٨٢)، و«إعراب القراءات» (١/ ١٨٠)، و«العنوان» (٩٥)، و«شرح الطيبة» (٤/ ٢٩٤)، و«شرح شعلة» (٣٨٨)، و«إتحاف فضلاء البشر» (٢/ ٤٨)، و«معاني القراءات» (١/ ٤٠٥) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٤٠٠)، و«البحر المحيط» (٤/ ٣٠٠)، و«الدر المصون» (٣/ ٢٦٩) .\n(٣) وقرأ بها سعيد بن جبير، ومجاهد، والشعبي، وأبي العلاء بن الشّخير، ورويت عن أبي رجاء.\nينظر: «الشواذ» (٤٨)، و«المحتسب» (١/ ٢٤٩)، و«الكشاف» (٢/ ١٠٣)، و«المحرر الوجيز» (٢/ ٤٠٠)، وزاد نسبتها إلى عكرمة، وينظر: «البحر المحيط» (٤/ ٣٠٠)، وزاد في نسبتها إلى ابن يعمر، وأبي مجلز، وأبي رزين، وابن محيصن، وأبان عن عاصم، وينظر: «الدر المصون» (٣/ ٢٧٠) . [.....]\n(٤) أخرجه الطبري (٥/ ٤٨٧)، وابن كثير (٢/ ٢١٤)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ١٥٧) .","vol":"3","page":30},{"text":"الصفة، وبمثل هذا الحتم، وغيره نجزي الكفرة وأهل الجَرَائِمِ على اللَّه.\nلَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ أي: فراش، ومسكن، ومضجع يتمهَّدُونه، وهي لهم غَوَاشٍ جمع غاشية، وهي ما يَغْشَى الإنسان أي: يغطيه، ويستره من جهة فَوْق.\nوقوله سبحانه: لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَها أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ هذه آية وعد مخبرةٌ أن جميع المؤمنين هم أصْحَابُ الجنة، ولهم الخُلْدُ فيها، ثم اعترض فيها القَوْل بعقب الصِّفَةِ التي شرطها في المؤمنين باعتراض يُخَفِّفُ الشرط، ويرجى في رحمة اللَّه، ويعلم أن دينه يُسْر، وهذه الآية نصٌّ في أن الشريعة لا يَتَقَرَّرُ من تكاليفها شَيْءٌ لا يُطَاقُ، وقد/ تقدم ذلك في «سورة البقرة» .\n«والوُسْعُ» معناه: الطاقة، وهو القدر الذي يتّسع له البشر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-497>[سورة الأعراف (٧): آية ٤٣]</span>\nوَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)\nوقوله سبحانه: وَنَزَعْنا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ هذا إخبار من الله ﷿ أنه ينقي قُلُوبَ ساكني الجنة من الغِلِّ، والحِقْدِ، وذلك أن صاحب الغل مُعَذَّبٌ به، ولا عذاب في الجَنَّةِ.\nوورد في الحديث: «الغلُّ على بَابِ الجنة كَمَبَارِكِ الإِبِلِ قد نَزَعَهُ اللَّه من قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ» «١» .\nوالغل: الحِقْدُ والإِحنة الخَفِيَّةُ في النفس. وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا الإِشارة ب «هذا» يتجه أن تكون إلى الإيمان، والأعمال الصالحات المؤدية إلى الجنة، ويحتمل أن تكون إلى الجنة نَفْسِهَا، أي: أرشدنا إلى طرقها.\nوقرأ ابن عامر «٢» وَحْدَهُ: «ما كنا لنهتدي» بسقوط الواو، وكذلك هي في مَصَاحِف أهل «الشام»، ووجهها أن الكَلاَمَ مُتَّصِلٌ، مرتبط بما قبله.\nولما رأوا تصديق ما جاءت به الأنبياء عن اللَّه سبحانه، وعاينوا إنجاز المواعيد قالوا:\n_________\n(١) ينظر: «تفسير القرطبي» (٧/ ٢٠٨) .\n(٢) ينظر: «شرح طيبة النشر» (٤/ ٢٩٥)، و«شرح شعلة» (٣٨٩)، و«العنوان» (٩٥)، و«معاني القراءات» (١/ ٤٠٧)، و«إتحاف» (٢/ ٤٩) .","vol":"3","page":31},{"text":"لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أي: قيل لهم بِصِيَاحٍ، وهذا النداء من قِبَلِ اللَّه، «وأن» مفسرة لمعنى النداء، بمعنى: أي.\nوقوله: بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ لا على طَرِيق وجوب ذلك على اللَّه تعالى لكن بقرينة رحمته، وتغمده، والأعمال أمارة من اللَّه سبحانه وطريق إلى قوة الرَّجَاء، ودخولُ الجَنَّة إنما هو بِمُجَرَّدِ رحمته، والقَسْمُ فيها على قدر الأعمال. «وأورثتم» مشيرة إلى الأقسام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-498>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٤٤ الى ٤٦]</span>\nوَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (٤٤) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ (٤٥) وَبَيْنَهُما حِجابٌ وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًاّ بِسِيماهُمْ وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ (٤٦)\nوقوله سبحانه: وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا مَا وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا ... الآية.\nهذا النداء من أهل الجنة لأهل النار تَقْرِيعٌ، وتوبيخ، وزيادة في الكَرْبِ، وهو بأن يشرفوا عليهم، ويخلق الإدراك في الأسماع والإبصار.\nوقوله سبحانه: فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أي: أعلم معلم، والظالمون هنا هم الكافرون.\nت: حكي عن غير وَاحِدٍ أن طاوس دخل على هشام بن عبد الملِكِ «١» فقال له: اتّق الله، واحْذَرْ يوم الأذان، فقال: وما يوم الأذان؟ فقال قوله تعالى: فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ فصعق هشام، فقال طاوس: هذا ذُلُّ الوَصْفِ، فكيف ذل المُعَايَنَةِ انتهى.\nوَيَبْغُونَها عِوَجًا أي: يطلبونها، أو يطلبون لها، والضمير في يَبْغُونَها عائد على السَّبيل.\n_________\n(١) هشام بن عبد الملك بن مروان: من ملوك الدولة الأموية في الشام. ولد في دمشق وبويع فيها بعد وفاة أخيه يزيد سنة ١٠٥ هـ، خرج عليه زيد بن علي بن الحسين سنة ١٢٠ هـ بأربعة عشر ألفا من أهل الكوفة، فوجه إليه من قتله وفلّ جمعه، نشبت في أيامه حرب هائلة مع خاقان الترك في ما وراء النهر، كان حسن السياسة، يقظا في أمره، يباشر الأعمال بنفسه. ولد سنة ٧١ هـ، وتوفي في سنة ١٢٥ هـ.\nانظر: «ابن الأثير» (٥/ ٩٦) «الطبري» (٨/ ٢٨٣)، «اليعقوبي» (٣/ ٥٧)، «ابن خلدون» (٣/ ٨٠)، «الأعلام» (٨/ ٨٦) .","vol":"3","page":32},{"text":"وقوله سبحانه: وَبَيْنَهُما حِجابٌ وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ.\nوَبَيْنَهُما: أي: بين الجنة والنار، ويحتمل بين الجَمْعَيْنِ، والحِجَابُ هو السور الذي ذكره الله ﷿ في قوله: فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ [الحديد: ١٣] .\nقال ابن عباس، وقال مجاهد: الأعراف حجاب بين الجنة والنار «١» .\nوقال ابن عباس أيضًا: هو تَلٌّ بين الجنة والنار» .\nوذكر الزّهراويّ حديثا أن رسول الله ﷺ قال: «إن أُحُدًا جَبَلٌ يحبنا ونحبُّه، وإِنَّه يَوْمَ القِيَامَةِ يمثلُ بينَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، يَحْتَبِسُ عَلَيْهِ أَقْوَامٌ، يعرفون كُلًاّ بِسِيماهُمْ، هُمْ إِن شَاءَ اللَّه من أَهْلِ الجَنَّةِ» «٣» .\nوالأعراف جمع عرف، وهو المرتفع من الأرض، ومنه عُرْفُ الفرس، وعرف الديك لعلوِّهُمَا.\nوقال بعض الناس: سُمِّيَ الأعراف أَعرافًا لأن أصحابه يعرفون الناس.\nقال ع «٤»: وهذه عُجْمَةٌ، وإنما المراد على أعراف ذلك الحِجَاب، أي أعاليه.\nوقوله: رِجالٌ قال الجمهور: إنهم رِجَالٌ من البَشَرِ، ثم اختلفوا في تعيينهم، فقال شرحبيل بن سَعْدٍ: هم المستشهدون في سَبِيلِ اللَّه الذين خَرَجُوا عُصَاةً لآبائِهِم «٥» .\nوذكر الطَّبَرِيُّ في ذلك/ حَدِيثًا عن النبي ﷺ وأنه تعادل عُقُوقُهم، واستشهادهم «٦» .\nوقال ابن عباس، وغيره: هم قوم اسْتَوَتْ حَسَنَاتُهُمْ وسيئاتهم «٧»، ووقع في «مسند\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٥/ ٤٩٨) برقم: (١٤٦٨٧)، (١٤٦٨٨) وبرقم: (١٤٦٨٦)، وذكره ابن عطية (٢/ ٤٠٤)، وابن كثير (٢/ ٢١٦)، وذكره السيوطي (٣/ ١٦٠)، (٣/ ١٦١) .\n(٢) أخرجه الطبري (٥/ ٤٩٨) برقم: (١٤٦٨٥)، وذكره ابن عطية (٢/ ٤٠٤)، وابن كثير (٢/ ٢١٦)، والسيوطي (٣/ ١٦١) .\n(٣) الحديث بهذا اللفظ لم أجده أما قوله ﷺ: «أحد جبل يحبنا ونحبه» فثابت من قول النبي ﷺ.\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٤٠٤) .\n(٥) أخرجه الطبري (٥/ ٥٠١) برقم: (١٤٧١١)، وابن عطية (٢/ ٤٠٤)، والبغوي (٢/ ١٦٢) بنحوه.\n(٦) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٥/ ٥٠١) برقم: (١٤٧١٣) والحديث ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ١٦٣)، وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وأحمد بن منيع، والحارث بن أبي أسامة، وابن أبي حاتم، وابن الأنباري في كتاب «الأضداد»، والخرائطي في «مساوئ الأخلاق»، وأبي الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي في «البعث» .\n(٧) أخرجه الطبري (٥/ ٥٠٠) برقم: (١٤٧٠٠- ١٤٧٠٥- ١٤٧٠٦)، وذكره ابن عطية (٢/ ٤٠٤)، والبغوي (٢/ ١٦٢)، وابن كثير (٢/ ٢١٦)، والسيوطي (٣/ ١٦٣) .","vol":"3","page":33},{"text":"خيثمة «١» بن سليمان» في آخر الجزء الخامس عشر عن جَابِرِ بن عَبْدِ اللَّه قال: قال رسول اللَّه ﷺ: «تُوضَعُ المَوَازِينُ يوم القيامة، فتوزن الحَسَنَاتُ والسَّيِّئَاتُ، فَمَنْ رَجَحَتْ حَسَنَاتُهُ على سيئاته مِثْقَالَ صُؤَابَةٍ دخل الجَنَّةَ، ومن رَجَحَتْ سيئاته على حَسَنَاتِهِ مِثْقَالَ صُؤَابَةٍ دخل النار. قيل: يا رَسُولَ اللَّه فمن استوت حَسَنَاتُهُ وسيئاته؟ قال: أولئك أصحاب الأَعْرَافِ لم يَدْخُلوها وهم يَطْمَعُون» «٢» .\nوقيل غير هذا من التَّأويلات.\nقال ع «٣»: واللازم من الآية أن على أعراف ذلك السُّور، أو على مواضع مرتفعة عن الفَرِيقَيْنِ حيث شاء اللَّه تعالى رِجَالًا مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ يتأخر دخولهم، ويقع لهم ما وصف من الاعتبار.\nويَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ، أي: بِعَلاَمَاتِهِمْ من بياض الوجوه، وحُسْنِهَا في أهل الجنة، وسَوَادِهَا وقبحها في أهل النَّارِ إلى غير ذلك في حَيِّزِ هؤلاء، وحيز هؤلاء.\nوقوله: لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ المراد به: أهل الأعراف فقط، وهو تأويل ابن مَسْعُودٍ، والسدي، وقتادة، والحسن «٤» وقال: واللَّه ما جعل اللَّه ذلك الطَّمَعَ في قلوبهم إلا لخير أَرَادَهُ بهم.\nقال ع «٥»: وهذا هو الأظهر الأليق مما قيل في هذه الآية، ولا نَظَرَ لأَحَدٍ مع قول النبي ﷺ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-499>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٤٧ الى ٤٩]</span>\nوَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ قالُوا رَبَّنا لاَ تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٧) وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ قالُوا ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (٤٨) أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لاَ يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٤٩)\n_________\n(١) الإمام الثّقة المعمّر، محدّث الشّام، أبو الحسن، خيثمة بن سليمان بن حيدرة بن سليمان، القرشي، الشّامي، الأطرابلسي، مصنّف «فضائل الصّحابة» .\nكان رحّالا جوّالا صاحب حديث. وثّقه الخطيب، وقال: ثقة ثقة.\nينظر: «سير أعلام النبلاء» (١٥/ ٤١٢- ٤١٣)، «العبر» (٢/ ٢٦٢)، «النجوم الزاهرة» (٣/ ٣١٢) .\n(٢) ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ١٦٢)، وعزاه إلى ابن عساكر، وأبي الشيخ، وابن مردويه.\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٤٠٤) . [.....]\n(٤) ذكره ابن عطية (٢/ ٤٠٥) .\n(٥) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٤٠٥) .","vol":"3","page":34},{"text":"وقوله سبحانه: وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ أي: أبصار أصحاب الأعراف، فهم يسلمون على أصحاب الجنة، وإذا نظروا إلى النار، وأهلها، قالوا: رَبَّنا لاَ تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ قاله ابن عباس «١»، وجماعة من العلماء.\nوقوله سبحانه: وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ يريد من أهل النار.\nمَا أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ «ما» استفهام بمعنى التَقْرِيرِ، والتوبيخ، و«ما» الثانية مصدرية، و«جمعكم» لفظ يعم المال والأَجْنَادَ والخَوَلَ.\nوقوله سبحانه: أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لاَ يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أهل الأعراف هم القائلون: «أهؤلاء» إشارة إلى أهل الجنة، والذين خوطبوا هم أهل النار، والمعنى: أهؤلاء الضُّعَفَاء في الدنيا الذين حَلَفْتُمْ أن اللَّه لا يعبؤبهم، قيل لهم: ادخلوا الجنة.\nوقال النقاش: اقسم أهْلُ النَّارِ أن أصحاب الأعراف داخلون النَّارَ «٢» معهم، فنادتهم المَلاَئِكَةُ: أهؤلاء، ثم نادت أصحاب الأَعْرَافِ: ادخلوا الجنة.\nوقرأ عكرمة «٣»: «دخلوا الجَنَّة» على الإخبار بفعل ماض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-500>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٥٠ الى ٥٣]</span>\nوَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ (٥٠) الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (٥١) وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٥٣)\nوقوله سبحانه: وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ ...\nالآية: لفظة النداء تتضمن أن أهل النار وَقَعَ لهم علم بأن أهل الجنّة يسمعون نداءهم،\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٥/ ٥٠٥) برقم: (١٤٧٤٣) بلفظ: «إن أصحاب الأعراف إذا نظروا إلى أهل النار وعرفوهم قالوا: رَبَّنا لاَ تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، وذكره ابن عطية (٢/ ٤٠٥) بمثله، وابن كثير (٢/ ٢١٨) بنحوه.\n(٢) ذكره ابن عطية (٢/ ٤٠٦)، والبغوي (٢/ ١٦٣) بنحوه، والسيوطي (٣/ ١٦٦) بنحوه، وعزاه للربيع.\n(٣) ينظر: «الشواذ» (٤٩)، و«الكشاف» (٢/ ١٠٧)، و«المحتسب» (١/ ٢٤٩)، و«المحرر الوجيز» (٢/ ٤٠٦)، و«البحر المحيط» (٤/ ٣٠٦)، و«الدر المصون» (٣/ ٢٧٦) .","vol":"3","page":35},{"text":"وجائز أن يكون ذلك، وهم يرونهم بإِدراك يجعله اللَّه لهم عَلَى بُعْدِ السُّفْلِ من العلو، وجائز أن يكون ذلك، وبينهم السُّورُ والحجاب المتقدم الذِّكْر.\nوروي أن ذلك النداء هو عند اطِّلاَع أهل الجنة عليهم.\nوقوله سبحانه: أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ إشارة إِلى الطعام. قاله السدي «١» .\nفيقول لهم أهل الجنة: إن اللَّه حَرَّمَ طعام الجَنَّةِ وشَرَابَهَا على الكافرين، وإجابة أهل الجنة بهذا الحُكْمِ هو عن أَمْرِ اللَّه تعالى.\nومعنى قوله تعالى: الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا أي بالإِعْرَاضِ والاستهزاء. بِمَنْ يدعوهم إلى الإسلام.\nوَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا أي: خدعتهم بزخرفها، واعتقادهم أنها الغَايَةُ القصوى.\nوقوله: فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ هو من إخبار اللَّه ﷿ عما يَفْعَلُ بهم والنسيان هنا بمعنى التَّرْكِ، أي: نتركهم في العذاب، كما تركوا النَّظَر/ للقاء هذا اليوم. قاله ابن عباس «٢» وجماعة.\n«وما كانوا» عطف على «ما» من قوله: «كما نسوا»، ويحتمل أن تقدر «ما» الثانية زائدة، ويكون قوله: و«كانوا» عَطْفًا على قوله: «نسوا» .\nوقوله سبحانه: وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ الضمير في جِئْناهُمْ لمن تَقَدَّم ذكره، و«الكتاب» اسم جنس، واللام في «لقد» لام قَسَم.\nوقال يحيى بن سلام: بل الكلام تَمَّ في يَجْحَدُونَ، وهذا الضمير لمكذبي نبينا محمّد ﷺ «٣» وهو ابتداء كلام آخر، والمراد بالكتاب القرآن، وعَلى عِلْمٍ معناه: على بَصِيرَةٍ.\nوقوله سبحانه: هَلْ يَنْظُرُونَ أي ينتظرون إِلَّا تَأْوِيلَهُ، أي مآله وعاقبته يوم القيامة. قاله ابن عباس «٤» وغيره.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٥/ ٥٠٩) برقم: (١٤٧٥٧)، وذكره ابن عطية (٢/ ٤٠٦)، وابن كثير (٢/ ٢١٩)، والسيوطي (٣/ ١٦٦)، وعزاه للسدي.\n(٢) أخرجه الطبري (٥/ ٥١٠) برقم: (١٤٧٦٦- ١٤٧٦٧) بنحوه، وذكره ابن عطية (٢/ ٤٠٧)، وابن كثير (٢/ ٢١٩) .\n(٣) ذكره ابن عطية (٢/ ٤٠٧) .\n(٤) أخرجه الطبري (٥/ ٥١٢) برقم: (١٤٧٧٥)، وذكره ابن عطية (٢/ ٤٠٨)، وابن كثير (٢/ ٢٢٠)، والسيوطي (٣/ ١٦٨)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم.","vol":"3","page":36},{"text":"وقال السدي: مآله في الدنيا وقعة بَدْرٍ وغيرها، ويوم القيامة «١» أيضًا، ثم أخبر تعالى أن مآل حال هذا الدين يوم يأتي يَقَعُ معه نَدَمُهُمْ، ويقولون تأسُّفًا على ما فاتهم من الإيمان:\nلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ، فالتأويل على هذا من آل يؤول، وَنَسُوهُ يحتمل أن يكون بمعنى الترك، وباقي الآية بَيِّنٌ.\nت: وهذا التقرير يرجّح تأويل ابن سلام المتقدم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-501>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٥٤ الى ٥٥]</span>\nإِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٥٤) ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥)\nوقوله سبحانه: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ... الآية خطاب عام يقتضي التوحيد، والحجة عليه بدلائله، وجاء في التفسير والأحاديث أن اللَّه سبحانه ابتدأ الخَلْقَ يوم الأَحدِ، وكملت المَخْلُوقَاتُ يوم الجمعة، وهذا كله والساعة اليَسِيرَةُ في قُدْرَةِ اللَّه سبحانه سواء.\nقال م: فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ «ستة» أصلها سِدْسَة، فأبدلوا من السِّين تاء، ثم أدغموا الدال في التاء، وتصغيره سديس وسديسة. انتهى.\nوقوله سبحانه: ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ معناه عند أبي المعالي وغيره من حُذَّاق المتكلمين: الملك، والسلطان «٢»، وخصّ العرش بالذِّكْرِ تشريفًا له إذ هو أَعْظَمُ المخلوقات.\nوقوله سبحانه: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ «ألا»: استفتاح كلام. وأخذ المفسرون «الخَلْق» بمعنى المخلوقات، أي: هي كلها مِلْكُهُ، واختراعه، وأخذوا الأمر مَصْدَرًا من أمر يأمر.\nقال ع «٣»: ويحتمل أن تؤخذ لفظة «الخَلْقِ» على المصدر من: خلق يخلق خَلْقًا، أي: له هذه الصفة إذ هو المُوجِدُ للأشياء بعد العَدَمِ، ويؤخذ الأمر على أنه واحد\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٥/ ٥١٢) برقم: (١٤٧٧٣)، وذكره ابن عطية (٢/ ٤٠٨)، والبغوي (٢/ ١٦٤) بلفظ:\n«عاقبته»، والسيوطي (٣/ ١٦٨)، وعزاه لابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.\n(٢) ذكره ابن عطية (٢/ ٤٠٨) .\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٤٠٩) .","vol":"3","page":37},{"text":"الأمورِ، فيكون بمنزلة قوله: وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ [هود: ١٢٣] وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ [البقرة: ٢١٠] .\nوكيف ما تَأَوَّلَتِ الآية، فالجميع للَّه سبحانه.\nوتَبارَكَ معناه: عظم، وتعالى، وكثرت بركاته، ولا يوصف بها إلا الله سبحانه.\nوتَبارَكَ لا يَتَصَرَّفُ في كلام العرب، فلا يقال منه: يتبارك، والْعالَمِينَ جمع عالم.\nقوله ﷿: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ هذا أمر بالدعاء، وتعبد به، ثم قرن سبحانه بالأَمْرِ به صفات تحسن معه. وقوله: تَضَرُّعًا معناه بخشوع، واستكانة، والتضرع لفظة تَقْتَضِي الجَهْرَ، لأن التضرع إنما يكون بإشَارَاتِ جوارح وهيئات أعضاء تقترن بالطلب، وخُفْيَةً يريد في النفس خاصة، وقد أثنى اللَّه سبحانه على ذلك في قوله سبحانه: إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا [مريم: ٣]، ونحو هذا قول النبي ﷺ: «خَيْرُ الذِّكْرِ الخَفِيُّ» «١» والشريعة مقررة أن السر فيما لم يفرض من أعمال البر أعظم أَجْرًا من الجَهْرِ.\nت: ونحو هذا لابن العربي لما تكلَّمَ على هذه الآية، قال: الأَصْلُ في الأعمال الفرضية الجَهْرُ، والأصل في الأعمال النَّفْلية السِّرُّ، وذلك لما يتطرق إلى النفل من الرِّيَاءِ، والتَّظَاهُر بذلك في الدنيا، والتفاخر على الأصحاب بالأعمال، وقلوب الخَلْقِ جُبِلَتْ بالمَيْلِ إلى أهل الطاعة. انتهى/ من «الأحكام» .\nوقوله سبحانه: إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ يريد في الدعاء، وإن كان اللفظ عامًّا، والاعتداء في الدعاء على وجوه منها: الجَهْرُ الكثير، والصياح، وفي «الصحيح» عنه ﷺ:\n«أيها النَّاسُ ارْبَعُوا على أَنفُسِكُمْ إِنَّكُمْ لاَ تدعون أصمّ ولا غائبا» «٢» .\n_________\n(١) أخرجه أحمد (١/ ١٨٧)، وفي «الزهد» ص: (١٠)، وعبد بن حميد في «المنتخب من المسند» ص:\n(٧٦) برقم: (١٣٧)، وأبو يعلى (٢/ ٨١- ٨٢) برقم: (٧٣١)، وابن حبان (٢٣٢٣- موارد)، من طريق محمد بن عبد الرحمن بن أبي لبيبة عن سعد بن أبي وقاص به.\nوذكره الهيثمي في «المجمع» (١٠/ ٨٤) وقال: رواه أحمد وأبو يعلى، وفيه محمد بن عبد الرحمن بن لبيبة، وقد وثقه ابن حبان، وقال: روى عن سعد بن أبي وقاص. قلت: وضعفه ابن معين، وبقية رجالهما رجال الصحيح.\n(٢) أخرجه البخاري (٧/ ٥٣٧) كتاب «المغازي»، باب: غزوة خيبر، حديث (٤٢٠٥)، وفي (١١/ ١٩١) كتاب «الدعوات»، باب: الدعاء إذا علا عقبه، حديث (٦٣٨٤)، وفي (١١/ ٢١٧) كتاب «الدعوات»، [.....]","vol":"3","page":38},{"text":"ومنها: أن يدعو في مُحَالٍ، ونحو هذا من التشطّط وروي عن النبي ﷺ أنه قالُّ:\n«سَيَكُونُ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ في الدُّعَاءِ، وحَسْبُ المرء أن يَقُولَ: اللَّهُمَّ إني أَسْأَلُكَ الجَنَّةَ وَمَا قَرَّب إِلَيْهَا من قَوْلٍ، أو عَمَلٍ، وأَعُوذُ بك من النَّارِ، وما قَرَّبَ إلَيْهَا مِنْ قَوْلِ، أو عَمَلٍ» «١» .\nوقال البخاري: إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ أي: في الدعاء وغيره. انتهى.\nت: قال الخطابي: وليس معنى الاعتداء الإكثار، فقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: «إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُلِحِّينَ في الدّعاءِ» «٢»، وقال: «إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَكْثرْ، فإنما هُوَ يَسْأَلُ رَبَّهُ» «٣» . انتهى.\nوروى أبو داودَ في «سُنَنَهِ» عن عبد اللَّه بن مُغَفَّل، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «سَيَكُونُ في هَذِهِ الأُمَّةِ قوم يَعْتَدُونَ في الطّهر والدّعاء» «٤» انتهى.\n_________\n- باب: قَوْلَ لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ باللَّهِ، حديث (٦٤٠٩)، وفي (١٣/ ٣٨٤) كتاب «التوحيد»، باب:\nوَكانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا، حديث (٧٣٨٦)، ومسلم (٤/ ٢٠٧٦) كتاب «الذكر والدعاء»، باب:\nاستحباب خفض الصوت بالذكر، حديث (٤٤- ٤٥/ ٢٧٠٤)، وأبو داود (١/ ٤٧٨) كتاب الصلاة، باب في الاستغفار، حديث (١٥٢٦)، و(١٥٢٧)، و(١٥٢٨)، والترمذي (٥/ ٤٥٧)، كتاب «الدعوات» باب: (٣)، حديث (٣٣٧٤)، وابن ماجه (٢/ ١٢٥٦) كتاب «الأدب» باب: ما جاء في لا حول ولا قوة إلا بالله، حديث (٣٨٢٤)، وأحمد (٤/ ٤٠٢، ٤٠٣، ٤٠٧، ٤١٧، ٤١٨، ٤١٩)، وأبو يعلى (١٣/ ٢٤١) برقم: (٧٢٥٢)، وابن حبان (٧٩٢)، وابن السني في «عمل اليوم والليلة» برقم: (٥٢١) كلهم من طريق أبي عثمان النهدي عن أبي موسى الأشعري به.\nوقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.\n(١) أخرجه أحمد (١/ ١٧٢، ١٨٢)، وأبو داود (١/ ٤٦٦- ٤٦٧) كتاب «الصلاة» باب: الدعاء، حديث (١٤٨٠)، والطبراني في «الدعاء» (٥٥)، وابن أبي شيبة (١٠/ ٢٨٨)، وأبو يعلى (١٠/ ٧١) برقم:\n(٧١٥) من حديث سعد بن أبي وقاص.\n(٢) أخرجه العقيلي في «الضعفاء» (٤/ ٤٥٢) من طريق يوسف بن السفر عن الأوزاعي، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة مرفوعا.\nوأسند العقيلي عن البخاري قوله في يوسف بن السفر: منكر الحديث، والحديث موضوع آفته يوسف هذا.\n(٣) أخرجه البخاري (١١/ ١٤٤) كتاب «الدعوات» باب: ليعزم المسألة فإنه لا مكره له، حديث (٦٣٣٨) ومسلم (٤/ ٢٠٦٣) كتاب «الذكر والدعاء» باب: العزم، حديث (٩/ ٢٦٧٩)، وأحمد (٢/ ٤٨٦) وأبو داود (١/ ٤٦٧) كتاب «الصلاة»، باب: الدعاء، حديث (١٤٨٣) من حديث أبي هريرة.\n(٤) أخرجه أبو داود (١/ ٧٢) كتاب «الطهارة» باب: الإسراف في الماء، حديث (٩٦)، وابن ماجه (٢/ ١٢٧١) كتاب «الدعاء» باب: كراهية الاعتداء في الدعاء، حديث (٣٨٦٤)، وأحمد (٤/ ٨٧) (٥/ ٥٥)، وابن أبي شيبة (١٠/ ٢٨٨)، والحاكم (١/ ١٦٢)، وابن حبان (٦٧٦٤)، والطبراني في «الدعاء» (٥٩) -","vol":"3","page":39},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-502>[سورة الأعراف (٧): آية ٥٦]</span>\nوَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)\nوقوله سبحانه: وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ ... الآية ألفاظها عامة تتضمن كل فَسَادٍ قَلّ أو كثر بعد صَلاَحٍ قل أو كثر، والقَصْدُ بالنهي هو [على] العموم، وتخصيص شيء دون شَيْءٍ، في هذا تحكم إلا أن يُقَالَ على جهة المثال.\nوقوله سبحانه: وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا أمر بأن يكون الإنسان في حالة تقرب، وتحرز، وتأميل لله ﷿ حتى يَكُونَ الخَوْفُ والرجاء كالجَنَاحَيْنِ للطير يَحْمِلاَنِهِ في طريق استقامة، وإن انفرد أحدهما هَلَكَ الإنسان.\nوقد قال كثير من العلماء: ينبغي أن يَغْلِبَ الخَوْفُ الرَّجَاءَ طُولَ الحياة، فإذا جاء المَوْتُ غلب الرَّجَاءُ.\nوقد رأى كثير من العلماء أن يكون الخَوْفُ أغلب على المَرْءِ بكثير، وهذا كله طَرِيقُ احتياط، ومنه تَمَنَّى الحسن البصري أَن يَكون الرَّجُل الذي هو آخِرُ مَنْ يدخل «١» الجَنَّةَ، وتمنى سَالِمٌ مولى أبي حذيفة أن يكون من أَصْحَابِ الأَعْرَافِ «٢» .\nثم آنسَ سبحانه بقوله: إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-503>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٥٧ الى ٥٨]</span>\nوَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحابًا ثِقالًا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧) وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (٥٨)\nوقوله سبحانه: وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحابًا ثِقالًا ... الآية: هذه آية اعتبار، واستدلال. وقرأ عاصم «٣» «الرياح» بالجمع، «بشرا»\n_________\n- كلهم من طريق حماد بن سلمة، عن سعيد الجريري، عن أبي دغامة، عن عبد الله بن مغفل به.\nوأخرجه أحمد (٤/ ٨٦) من طريق حماد بن سلمة، عن يزيد الرقاشي، عن أبي دغامة، عن ابن المغفل به.\n(١) ذكره ابن عطية (٢/ ٤١١) .\n(٢) ذكره ابن عطية (٢/ ٤١١) .\n(٣) ينظر: «السبعة» (٢٨٣)، و«الحجة» (٤/ ٣١، ٣٢)، و«حجة القراءات» (٢٨٥)، و«إعراب القراءات» (١/ ١٨٦)، و«شرح شعلة» (٣٩١)، و«شرح الطيبة» (٤/ ٢٩٩)، و«العنوان» (٩٦)، و«إتحاف» (٢/ ٥٣)، و«معانى القراءات» (١/ ٤٠٨، ٤٠٩) .","vol":"3","page":40},{"text":"بالباء المضمومة والشين الساكنة، وروي عنه «بُشُرًا» بضم الباء والشين، ومن جمع الريح في هذه الآية، فهو أسعد وذلك أن الرِّيَاحَ حيث وَقَعَتْ في القرآن فهي مقترنة بالرحمة، كقوله: وَمِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ [الروم: ٤٦] وأكثر ذِكْرِ الريح مفردة إنما هو بقرينة عَذَابٍ، كقوله سبحانه: وَفِي عادٍ إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ [الذاريات: ٤١] وقد تقدم إيضاح هذا في «سورة البقرة» .\nومن قرأ في هذه الآية «الريح» بالإفراد، فإنما يريد به اسْمَ الجِنْسِ، وأيضًا فتقييدها ب «بشرًا» يزيل الاشتراك.\nوالإِرْسَالُ في الريح هو بمعنى الإجراءِ، والإطلاق، وبُشْرًَا، أي: تَبْشُرُ السحابَ، وأما «بُشُرًا» بضم الباء والشين، فجمع بَشِير، كنذير ونذور، والرحمة في هذه الآية المطر، وبَيْنَ يَدَيْ، أي: أمام رحمته وقدامها، وأَقَلَّتْ معناه: رفعته من الأرض، واستقلّت به، وثِقالًا معناه من الماء، والعَرَبُ تَصِفُ السحاب بالثّقَلِ، والرِّيحُ تَسُوقُ السحاب من ورائه فهو سوق حقيقة، والضمير في سُقْناهُ عائد على السحاب، ووصف البلد بالمَوْتِ استعارة بسبب شعثه وجدوبته.\nوالضمير في قوله فَأَنْزَلْنا بِهِ يحتمل أن يَعُودَ على السحاب، أي منه، ويحتمل أن يعود على البلد، ويحتمل أن يعود على الريح.\nوقوله ﵎: كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى يحتمل مقصدين:\nأحدهما: أن يراد كهذه/ القُدْرَةِ العظيمة هي القدرة على إِحْيَاءِ الموتى، وهذا مثال لها.\nالثاني: أن يراد أن هكذا نَصْنَعُ بالأموات من نزول المَطَرِ عليهم، حتى يحيوا به، حَسَبَ ما وردت به الآثار، فيكون الكَلاَمُ خبرًا لا مثالًا.\nوقوله سبحانه: وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ ... آية مُتَمِّمَةٌ للمعنى الأول في الآية قبلها، معرفة بِعَادَةِ اللَّه سبحانه في إنبات الأرضين، فمن أراد أن يجعلها مِثَالًا لقلب المؤمن، وقلب الكافر، كما هو محكي عن ابن عَبَّاسٍ، ومجاهد، وقتادة، والسدي «١»، فذلك مترتب، لكن أَلْفَاظَ الآية لا تقتضي أن المَثَل قصد به ذلك، والطيب: هو الجَيِّدُ التُّرَابِ الكريمُ الأَرْضِ وخص بإذن ربه مَدْحًا وتشريفًا، وهذا كما تقول لمن تغضّ منه: أنت\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٥/ ٥١٩) برقم: (١٤٧٩٤)، وذكره ابن عطية (٢/ ٤١٤)، وذكره ابن كثير (٢/ ٢٢٢) .","vol":"3","page":41},{"text":"كما شَاءَ اللَّه، فهي عبارة تعطي مُبَالَغَةً في مَدْحٍ أو ذم. والخبيث هو السّبَاخُ ونحوها من رَدِيء الأرض.\nوالنَّكدُ العَسِيرُ القليل. كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ أي هكذا نبين الأمور، ويَشْكُرُونَ معناه: يؤمنون ويثنون بآلاء الله سبحانه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-504>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٥٩ الى ٦٤]</span>\nلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٥٩) قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٦٠) قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٦١) أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٦٢) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٦٣)\nفَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا عَمِينَ (٦٤)\nقوله ﷿: لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ.\nقال الطبري «١»: أقسم اللَّه تعالى أنه أرسل «٢» نوحًا، وكذا قال أبو حيان «٣»: «لقد» اللام جواب قسم محذوف. انتهى.\nو«غَيْرُهُ» بالرفع بَدَلٌ من قوله: مِنْ إِلهٍ لأنه في موضع رَفْعٍ، ويجوز أن يكون نَعْتًا على الموضع لأن التقدير ما لكم إله غيره، والمَلأُ الجماعة من الأشراف.\nقيل: إنهم مأخوذون من أنهم يملئون النَّفْسَ والعَيْنَ، ويحتمل من أنه إذا تمالؤوا على أَمْر تمّ.\nوقولهم: إِنَّا لَنَراكَ يحتمل من رُؤْيَةِ البصر، ويحتمل من رؤية القَلْبِ، وهو أظهر.\nوفِي ضَلالٍ أي في تَلَفٍ وجهالة بما تسلك.\nوقوله لهم جواب عن هذا:\n_________\n(١) ينظر: الطبري في «تفسيره» (٥/ ٥٢٠) .\n(٢) ذكره ابن عطية (٢/ ٤١٤) .\n(٣) ينظر: «البحر المحيط» (٤/ ٣٢٣) .","vol":"3","page":42},{"text":"لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ مبالغة في حُسْنِ الأدب، والإعراض عن الجَفَاءِ منهم، وتناول رفيق، وسعة صدر حسب ما تقتضيه خلق النبوة.\nوقوله: وَلكِنِّي رَسُولٌ تعرض لمن يريد النظر، والبَحْثَ، والتأمل في المعجزة.\nوقوله ﵇: وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ لفظ مُضَمَّنُهُ الوَعِيد، لا سيما وهم لم يسمعوا قطّ بأمة عذبت.\nوقوله: أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا عَمِينَ.\nالاستفهام هنا على جِهَةِ التقرير والتوبيخ، وقوله: عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ قيل: «على» بمعنى «مع» .\nوقيل: هو على حَذْفِ مضاف، تقديره: على لسان رجل، ويحتمل أن يكون معناه منزَّل على رَجُلٍ منكم إذ كل ما يأتي من اللَّه سبحانه فله حكم النزول، ولَعَلَّكُمْ تَرَجٍّ بحسب حال نوح ومعتقده.\nوقوله سبحانه: فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ ... الآية.\nوفي التفسير: إن الذين كانوا مع نوح في السفينة أربعون رَجُلًا.\nوقيل: ثمانون رجلًا وثمانون امرأة وقيل: عشرة وقيل: ثمانية. قاله قتادة.\nوقيل: سبعة. واللَّه أعلم.\nوفي كثير من كتب الحديث التِّرْمذِيِّ وغيره أن جَمِيعَ الخَلْقِ الآن من ذُرِّيَّةِ نوح ﵇ وقوله: عَمِينَ جمع عَمٍ، ويريد عَمِيَّ البَصَائر، وأتى في حديث الشفاعة وغيره أن نُوحًا أَوَّلُ الرسل «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-505>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٦٥ الى ٧٠]</span>\nوَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُودًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٦٥) قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٦٦) قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٦٧) أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ (٦٨) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٦٩)\nقالُوا أَجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧٠)\n_________\n(١) تقدم تخريجه. [.....]","vol":"3","page":43},{"text":"وقوله سبحانه: وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُودًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ عاد اسم الحَيِّ، وهم عَرَبٌ فيما يذكر، و«أخاهم» نصب ب «أرسلنا» وهو معطوف على نوح، وهذه أيضًا نذارة من هود ﵇.\nوقوله: أَفَلا تَتَّقُونَ استعطاف إلى التقوى، والإيمان.\nوقوله: أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ قالُوا أَجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ.\nقوله: وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ أي في الخِلْقَةِ، والبَسْطَةُ الكمال في الطول والعَرْضِ.\nوقيل: زادكم على أهل عصركم.\nوقال الطبري: زادكم على قَوْمِ نوح. وقاله قتادة «١» .\nقال ع «٢»: واللفظ يقتضي أن الزيادة على جَمِيع العَالم، وهو الذي يقتضيه ما يذكر عنهم.\nوروي أن طُولَ الرجل منهم كان مائة ذِرَاعٍ، وطول أقصرهم ستّون ونحوها. والآلاء جمع «إلًى» على مثل «معًى»، وهي النعمة والمنة.\nقال الطبري: وعاد هؤلاء فيما حدث ابن إِسْحاقَ من ولد عاد بن إرم بن عوض بن سَام بن نوح، وكانت مَسَاكنهم «الشّحر» من أرض «اليمن» وما وَالى «حَضْرَمَوْتَ» إلى «عمان» «٣» .\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٢/ ٤١٧) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٤١٨) .\n(٣) أخرجه الطبري (٥/ ٥٢٤) برقم: (١٤٨٠٩)، وذكره ابن عطية (٢/ ٤١٨) .","vol":"3","page":44},{"text":"قال السدي: وكانوا بالأَحْقَافِ، وهي الرمال، وكانت بلادهم أَخْصَبَ بلاد، فردها اللَّه صحارى «١» .\nوقال علي بن أبي طالب ﵁: إن قبر هُودٍ ﵇ هنالك في كَثِيبٍ أحمر تُخَالطه مدرة ذات أَراكٍ وسِدْر، وكانوا قد فشوا في جميع الأَرْض، وملكوا كثيرًا بِقُوَّتِهِمْ وعَدَدِهِمْ، وظَلَمُوا النَّاسَ وَكَانُوا ثَلاَثَةَ عَشَرَ قَبِيلَةً، وكانوا أَصْحَابَ أَوثان، فبعث اللَّه إليهم هُودًا من أفضلهم وأوسطهم نَسَبًا، فدعاهم إِلى تَوْحِيدِ اللَّه سبحانه وإلى تَرْكِ «٢» الظُّلْمِ.\nقال ابن إسحاق: ولم يأمرهم فيما يذكر بِغَيْرِ «٣» ذلك، فكذبوه وعتوا، واستمروا على ذلك إلى أن أراد اللَّه إنفاذ أمره أمْسَكَ عنهم المَطَرَ ثلاث سنين، فشقوا بذلك، وكان الناس في ذلك الزمان إذا دهمهم أمر، فزعوا إلى المسجد الحرام ب «مكَّة» فدعوا اللَّه فيه تَعْظِيمًا له مؤمنهم وكافرهم، وأهل «مكة» يومئذٍ العَمَالِيقُ، وسيدهم رجل يسمى معاوية بن بَكْرٍ، فاجتمعت عاد على أن تجهز منهم وَفدًا إلى «مكة» يَسْتَسْقُونَ اللَّه لهم، فبعثوا قيل بن عنز، ولقيم بن هزال، وعتيل بن ضد بن عاد الأكبر، ومرثد بن سعد، وكان هذا مؤمنًا يكتم إيمانه، وجلهمة بن الخيبري في سَبْعِينَ رَجُلًا من قومهم، فلما قدموا «مكة» نَزَلُوا على معاوية بن بكر، وهو بظاهر «مكة» خارج الحَرَمِ، فأنزلهم، وأقاموا عنده شَهْرًا يشربون الخَمْرَ، وتغنيهم الجَرَادَتَانِ قَيْنَتَا معاوية، ولما رأى معاوية إقامتهم، وقد بعثهم عَادٌ لِلْغَوْثِ أشفق على عَادٍ، وكان ابن أختهم أمه: كلهدة ابنة الخيبري أخت جلهمة، وقال: هَلَكَ أخوالي، وشق عليه أن يأمر أَضْيَافَهُ بالانصراف عنه، فشكا ذلك إلى قَيْنَتَيْهِ، فقالتا: اصنع شِعْرًا نغني به، عسى أَن نُنَبِّهَهُمْ، فقال: [الوافر]\nأَلاَ يَا قَيْلُ وَيْحَكَ قُمْ فَهَيْنِمْ ... لَعَلَّ اللَّهَ يُصْبِحُنَا غَمَامَا\nفَيَسْقِي أَرْضَ عَادٍ إنَّ عَادًا ... قَدَ امسوا لاَ يُبَينُونَ الكَلاَمَا\nمِنَ العَطَشِ الشَّدِيدِ فَلَيْسَ نَرْجُو ... بِهِ الشَّيْخَ الكَبِيرَ وَلاَ الغُلاَمَا\nوَقَدْ كَانَتْ نِسَاؤُهُمُ بِخَيْر ... فَقَدْ أَمْسَتْ/ نِسَاؤُهُمُ عيامى\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٥/ ٥٢٤) برقم: (١٤٨١٠)، وذكره ابن عطية (٢/ ٤١٨)، والسيوطي (٣/ ١٧٨)، وعزاه لابن أبي حاتم.\n(٢) ذكره ابن عطية (٢/ ٤١٨)، وابن كثير (٢/ ٢٢٤) بنحوه.\n(٣) أخرجه الطبري (٥/ ٥٢٤) برقم: (١٤٨١٢)، وذكره ابن عطية (٢/ ٤١٨)، والسيوطي (٣/ ١٧٨)، وعزاه لإسحاق بن بشر، وابن عساكر.","vol":"3","page":45},{"text":"وَإِن الوُحْشَ تَأْتِيهِمْ جَهَارًا ... وَلاَ تخشى لِعَادِيٍّ سِهَامَا\nوَأَنْتُمْ هَاهُنَا فِيمَا اشْتَهَيْتُم ... نَهَارَكُمُ وَلَيْلَكُمُ التَّمَامَا\nفَقُبِّحَ وَفْدُكُمْ مِنْ وَفْدِ قَوْمِ ... وَلاَ لُقُّوا التَّحِيَّةَ وَالسَّلاَمَا «١»\nفغنت به الجَرَادَتَانِ، فلما سمعه القَوْمُ قال بعضهم: يا قوم إنما بعثكم قومكم لما حَلَّ بهم، فادخلوا هذا الحَرَمَ، وادعوا لَعَلَّ اللَّه يغيثهم فخرجوا لذلك، فقال لهم مرثد بن سعد: إنكم واللَّه ما تسقون بدعائكم، ولكنكم إن أطعتم نبيكم وآمنتم سقيتم، وأظهر إيمانه يومئذٍ، فَخَالَفَهُ الوَفْدُ، وقالوا لمعاوية بن بكر وأبيه بكر: احْبِسَا عنا مرثدًا، ولا يدخل معنا الحَرَم، فإنه قد اتبع هُودًا، ومَضَوْا إلى الحرم، فاستسقى قيل بن عنز، وقال: يا إلاهنا إن كان هود صادقًا، فاسقنا، فإنا قد هلكنا، فأنشأ اللَّه تعالى سحائب ثَلاَثًا بيضاء وحمراء وسوداء، ثم نادى مُنَادٍ من السماء: يَا قَيْلُ اختر لنفسك ولقومك من هذه السحائب ما شِئْتَ، فقال قيل: قد اخترت السَّوداء فإنها أكثرهن مَاءً، فنودي:\nقد اخترت رَمَادًا رَمْددًا ... لاَ تُبْقُي مِنْ عَادٍ أَحَدَا\nلا وَالِدًا وَلاَ وَلَدًا ... إِلاَّ جَعَلْتُهُمْ هَمَدَا\nوساق اللَّه السَّحَابَةَ السوداء التي اختارها قيل إلى عاد حتى خرجت عليهم من وَادٍ لهم يقال له: المُغِيثُ، فلما رأوها، قالوا هذا عَارِضٌ ممطرنا، حتى عرفت أنها ريح امرأة منهم يقال لها: مهدر، فصاحت وصعقت، فلما أفاقت قيل لها: ما رأيت؟ قالت: ريحًا فيها كَشُهبِ النار، أمامها رجال يَقُودُونَهَا، فسخرها اللَّه عليهم سَبْعَ ليال، وثمانية أيام حُسْومًا، والحُسُوم: الدائمة، فلم تَدَعْ من عَادٍ أحدًا إلا هلك، فاعتزل هود، ومن معه من المُؤْمنين في حَظِيرَةٍ ما يصيبه من رِيحٍ إلا ما يلتد به.\nقال ع «٢»: وهذا قصص وقع في «تفسير الطبري» مطولًا، وفيه اختلاف، فاقتضبت عيون ذلك بحسب الإيجاز، وفي خبرهم: أن الريح كانت تَدْمَغُهُمْ بالحِجَارَةِ، وترفع الظَّعِينَةَ عليها المرأة حتى تلقيها في البحر.\nوفي خبرهم: أن أقوياءهم كان أحدهم يسدّ بنفسه مَهَبَّ الريح حتى تَغْلبَهُ فتلقيه في البَحْر، فيقوم آخر مكانه حتى هَلَكَ الجَمِيعُ. وقال زيد بن أسلم: بلغني أن ضبعا ربّت\n_________\n(١) الأبيات في «الكامل» (١/ ٨٦)، و«تاريخ الطبري» (١/ ٢٢٠)، و«المحرر الوجيز» (٢/ ٤١٨) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٤١٩) .","vol":"3","page":46},{"text":"أولادها في حِجَاجِ عَيْنِ رَجُلٍ منهم. وفي خبرهم: أن اللَّه سبحانه لما أهلكهم بَعَثَ طيرًا، فنقلت جِيفَهُمْ حتى طرحتها في البَحْرِ، فذلك قوله سبحانه: فَأَصْبَحُوا لاَ يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ [الأحقاف: ٢٥] وفي بعض ما رُويَ من شأنهم أن الريح لم تُبْعَثْ قط إلا بِمِكْيَالٍ إلا يومئذٍ، فإنها عَتَتْ على الخَزَنَةِ، فغلبتهم، فذلك قوله سبحانه: فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ [الحاقة: ٦] وروي أن هودًا لما هلكت عاد نزل بمن آمَنَ معه إلى «مكة» فكانوا بها حتى مَاتُوا، فاللَّه أعلم أي ذلك كَانَ.\nوقولهم: أَجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ ... الآية: ظاهر قولهم وحده أنهم أنكروا أن يتركوا أصنامهم، ويفردون العبادة للَّه مع إقرارهم بالإله الخَالِقِ المُبْدِعِ، وهذا هو الأظهر فيهم، وفي عباد الأوثان كلهم، ولا يجحد ربوبية اللَّه تعالى من الكَفَرَةِ إلا مَنْ أفرطت غباوته.\nوقولهم: فَأْتِنا بِما تَعِدُنا: تصميم على التكذيب، واستعجال للعقوبة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-506>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٧١ الى ٧٢]</span>\nقالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ مَّا نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٧١) فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ (٧٢)\nوقوله سبحانه: قالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ مَّا نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا ... الآية: أعلمهم بأن القَضَاءَ قد نَفذ، وحَلَّ عليهم الرجس، وهو السخط والعذاب.\n/ وقوله: أَتُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أي: في مسمّيات سميتموها آلهة، وَقَطَعْنا دابِرَ استعارة تُسْتَعْمَلُ فيمن يُسْتأصَل بالهلاك، والدابر: الذي يَدْبُرُ القوم، ويأتي خَلْفَهُمُ، فإذا انتهى القطع والاستئصال إلى ذلك، فلم يبق أحد.\nوقوله: كَذَّبُوا بِآياتِنا دالّ على المعجزة، وإن لم تتعين.\nت: ومن مُعْجِزَاتِهِ قوله: فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ [هود: ٥٥] على ما سيأتي إن شاء الله في موضعه.","vol":"3","page":47},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-507>[سورة الأعراف (٧): آية ٧٣]</span>\nوَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٣)\nوقوله سبحانه: وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ قرأ الجمهور: «وإلى ثَمُودَ» بغير صَرْفٍ «١» على إرادة القبيلة، وقرأ يحيى بن وثَّاب «٢» والأعمشُ: «وإلى ثَمُودٍ» بالصرف على إرادة الحيِّ والقراءتان فصيحتان، مستعملتان، وقد قال تعالى: أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ [هود: ٦٨]، وأَخاهُمْ عطْفٌ على «نوح»، والمعنى: وأرسلنا إِلى ثمود أخاهم، وهي أخوَّة نسب، وهم قومٌ عربٌ، فَهُودٌ وَصَالِحٌ عربيَّان، وكذلك إِسماعيل وشُعَيْب كذا قال الناس، وفي أمر إِسماعيل نَظَرٌ.\nت: النظرُ الذي أشار إليه لا يخفى عليك وذلك أن إِسماعيل والدهُ إبراهيم ﵇ أَعْجميٌّ، وتعلَّم إسماعيل العربيةَ من العرب الَّذين نَزَلُوا عليه بمكَّة حَسَب ما ذكره أهْل السيرة فهذا وجْهُ النظر الذي أشار إليه، وفي نظره ﵀ نَظَرٌ يمنعني مِنَ البَحْث معه ما أنا له قاصدٌ من الإيجاز والاختصار، دون البَسْط والانتشار، نَعَمْ خَرَّج أبو بكر الآجُرِّيُّ من حديث أَبي ذر ﵁ عن النبيّ ﷺ قَالَ: «وأَرْبَعَةٌ من العَرَبِ:\nهُودٌ، وَشُعَيْبٌ، وَصالحٌ وَنَبيُّكَ، يَا أَبَا ذَرًّ» انتهى، ولم يذكر إِسماعيل، فهذا الحَديثُ قد يَعْضُدُ ما قاله ع: وصالحٌ ﵇ هو صالحُ بنُ عُبَيْدِ بن عَابِرِ بنْ إِرَمَ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ كذا ذكر «٣» مكِّيٌّ.\nقال وهْبٌ «٤»: بعثه اللَّه حين راهق الحُلُمَ، ولمَّا هلك قومُهُ، ارتحل بمَنْ معه إِلى مكَّة، فأقاموا بها حتى ماتوا فقُبُورُهُمْ بَيْنَ دار الندوة والحِجْر، أي: كما ارتحلَ هودٌ بمَنْ معه إِلى مكَّة صلوات اللَّه وسلامه عليهم أجمعين.\n_________\n(١) ينظر: «الكشاف» (٢/ ١٢٠)، و«المحرر الوجيز» (٢/ ٤٢٠)، و«البحر المحيط» (٤/ ٣٣٠)، و«الدر المصون» (٣/ ٢٩٢) .\n(٢) ينظر: «الشواذ» ص: (٥٠)، و«المحرر الوجيز» (٢/ ٤٢٠)، و«البحر المحيط» (٤/ ٣٣٠)، و«الدر المصون» (٣/ ٢٩٢)، و«التخريجات النحويّة» (١٥٤) .\n(٣) ذكره ابن عطية (٢/ ٤٢١) .\n(٤) ذكره ابن عطية: (٢/ ٤٢١)، وابن كثير (٢/ ٢٣٠) بنحوه، والسيوطي (٣/ ١٨٥) بنحوه، وعزاه لوهب.","vol":"3","page":48},{"text":"وقوله: قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ أي: آيةٌ أو حجة أو موعظة بيِّنة من ربكم، قال بعض الناس: إِن صالحًا جاء بالناقة من تلقاء نَفْسه.\nوقال الجمهور: بل كانَتْ مقْتَرَحَةً، وهذا أليقُ بما ورد في الآثارِ من أمرهم، رُوِيَ أنَّ قومه طَلَبُوا منْهُ آية تضْطَرُّهم إِلى الإِيمان، وقالوا: يا صالح، إن كنْتَ صادقًا، فادع لنا ربَّكَ يُخْرِجْ لنا من هذه الهَضْبَةِ، وفي بعضِ الروايات مِنْ هذه الصَّخْرَةِ- لِصَخَّرةٍ بالحِجْر- نَاقَةً عُشَراءَ، فَدَعَا اللَّهَ، فتمخَّضت تلك الهَضْبةُ، وانشقت عن ناقةٍ عظيمة، وروي أنها كانَتْ حاملًا، فولدَتْ سَقَبَها المشهور.\nورُوِيَ أنه خرج معها فَصِيلُها من الصخْرة.\nوقيل لها: ناقَةُ اللَّهِ تشريفًا لها، وتخصيصًا، وهي إِضافةُ خَلْقٍ إلى خالقِ، وجعل اللَّه لها شِرْبًا يومًا، ولهم شِرْب يومٍ، وكانت آية في شُرْبها وحَلْبها.\nقال المفسِّرون: كانت خلقًا عظيمًا تأتي إِلى الماء بين جبلين، فيزحمانها من العَظْم، وقاسَمَتْ ثمود في الماء يومًا بيومٍ، فكانت الناقةُ تَرِدُ يومها، فتستوفي ماءَ بئْرهم شُرْبًا، ويحلبونها ما شَاؤوا من لَبَنٍ، ثُم تمكُثُ يومًا، وترد بعد ذلك غِبًّا، فاستمر ذلك ما شاء اللَّه حتى ملَّتها ثمود، وقالوا: مَا نَصْنَعُ باللَّبَنِ الماءُ أَحبُّ إِلينا منه، وكان سببُ المَلَلِ فيما روي: أنها كانَتْ تصيفُ في بطن الوادِي، وادي الحجر/ وَتَشْتُو في ظاهره، فكانت مواشيهم تفرُّ منها، فتمالؤوا على مَلَلِ الناقةِ، وَرُوِيَ أن صالحًا أوحى اللَّه إِلَيْهِ أَنَّ قومك سَيَعْقُرونَ الناقة، وينزلُ بهم العذابَ عند ذلك، فأخبرهم بذلك، فقالوا: عِيَاذًا بِاللَّهِ أنْ نفعل ذلك، فقال: إِنْ لم تفعلوا أنْتُمْ أوْشَكَ أنْ يولَدَ فيكم مَنْ يفعله، وقال لهم صفةَ عَاقِرِها:\nأَحْمرُ، أشْقَرُ، أَزْرَقُ، فَوُلِدَ قُدَارٌ على الصفة المذكورة، فكان الذي عَقَرها بالسيف، وقيل:\nبالسهم في ضَرْعها، وهَرَب فَصِيلها عند ذلك حتَّى صَعِدَ على جبلٍ يقال له القَارة، فَرَغَا ثلاثًا، فقال: يا صَالحُ، هذا ميعادُ ثلاثةِ أيامٍ للعذابِ، وأمرهم قبل رُغَاءِ الفَصِيل أنْ يطلبوه عسى أنْ يصلوا إِلَيْهِ، فيندفع عنهم العذابُ به، فرامُوا الصعودَ إِلَيْهِ في الجبل فارتفع الجبلُ في السماء حتى ما تناله الطيرُ وحينئذٍ رغا الفصيلُ، وروي أنَّ صالحًا ﵇ قال لهم، حين رغا الفَصيلُ: سَتَصْفَرُّ وجوهُكم في اليوم الأولَ، وتحمرُّ في الثاني، وتسودُّ في الثالث، فلمَّا ظهرت العلامَاتُ التي قال لهم، أيْقَنُوا بالهلاك، واستعدوا، ولَطَّخُوا أبدانهم بالمُرِّ، وحفروا القبورَ، وتحنَّطوا وتكفَّنوا في الأنطاع، فأَخذتْهم الصيحةُ، وخرج صالحٌ ومَنْ آمن معه حتى نَزَلَ رَمْلَةَ فلسطينَ، وقد أكثر الناسُ في هذا القصص، وهذا القَدْر","vol":"3","page":49},{"text":"كافٍ، وَمِنْ أراد استيفاء هذا القصص، فليطالِعِ الطبريَّ «١» .\nقال ع «٢»: وبلادُ ثَمُود هِيَ بَيْنَ الشامِ والمدينة، وهي التي مَرَّ بها رسولُ الله ﷺ مع المسلمين في غَزْوَةِ تَبُوك «٣» فقال: «لاَ تَدْخُلُوا مَسَاكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ إِلاَّ أَنَّ تَكُونُوا بَاكينَ أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَهُمْ، ثُمَّ اعتجر «٤» بِعمامَةٍ»، وَأَسْرَعَ السَّيْرَ، حتى جَازَ الوادي ﷺ.\nت: ولفظُ البخاريِّ: ثُمَّ قَنَّعَ رَأْسَهُ، وَأَسْرَعَ السّير ... الحديث «٥» .\n_________\n(١) ينظر: الطبري في «تفسيره» (٥/ ٥٣٠، ٥٣١) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٤٢٢) . [.....]\n(٣) «غزوة تبوك»: في شهر رجب من السنة التاسعة للهجرة- لما رجع رسول الله ﷺ من حصار الطائف إلى المدينة بلغه أن هرقل ملك الروم ومن عنده من متنصرة العرب قد حشدوا له جمعا كثيرا يريدون غزوة في عقر داره، فأراد أن يلاقيهم على حدود بلادهم قبل أن يغشوه على غرة، فسار بجيشه حتى وصل تبوك، وكانت الروم قد بلغها أمر هذا الجيش وقوته، فآثرت الانسحاب بجيشها، لتتحصن في داخل بلاد الشام، فرأى النبي ﷺ أن من الحكمة ألا يتبعهم داخل بلادهم، فلم يتبعهم. وهناك جاءه يوحنا بن رؤبة، فصالحه على الجزية كما صالحه أهل «جرباء» وأهل «أذرح» من بلاد الشام، وأرسل رسول الله ﷺ خالد بن الوليد إلى أكيدر بن عبد الملك صاحب «دومة الجندل»، فأتى به خالد أسيرا بعد أن قتل أخاه، فحقن رسول الله ﷺ دمه، وصالحه على الجزية وأخلى سبيله. وأقام بضع عشرة ليلة لم يقدم عليه الروم ولا العرب المتنصرة فعاد إلى المدينة.\nولما بلغ ملك الروم ما فعله يوحنا أمر بقتله، وصلبه عند قريته. لم يكن من المعقول بعد ذلك أن يتهاون المسلمون فيما أصابهم من قتل رسولهم وأبطالهم ومعاهدهم الذي آمنوه على نفسه وماله بأخذ الجزية، وإعطاء العهد، كما أنه لم يكن معقولا أن الروم بعد أن رأوا حضور المسلمين للقصاص يكفون عن مناجزتهم والإيقاع بهم أينما وجدوا لذلك سبيلا.\nلهذا عاد النبي ﷺ في آخر حياته إلى تجهيز جيش آخر تحت إمرة أسامة بن زيد، ولكن لم يكد يتم أمره حتى قبض الرسول صلوات الله عليه، وانتقل إلى الرفيق الأعلى، وتولى أمر المسلمين بعده صاحبه أبو بكر، فارتأى ﵁ أن الحزم في إنفاذ هذا الجيش حتى لا يطمع في الإسلام أعداؤه، ويتألب عليه خصومه، وتوالت بعد ذلك حروب الروم حتى فتح المسلمون بلادهم في عهد أبي بكر وعمر ﵄ بعد نضال عنيف، وحروب كثيرة.\n(٤) الاعتجار بالعمامة: هو أن يلفها على رأسه، ويردّ طرفها على وجهه، ولا يعمل منها شيئا تحت ذقنه.\nينظر: «النهاية» (٣/ ١٨٥) .\n(٥) أخرجه البخاري (٧/ ٧٣١) كتاب «المغازي» باب: نزول النبي ﷺ الحجر، حديث (٤٤١٩)، ومسلم (٤/ ٢٢٨٦) كتاب «الزهد والرقائق» باب: لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم، حديث (٣٩/ ٢٩٨٠)، وأبو يعلى (٩/ ٤٢٥) رقم (٥٥٧٥) كلهم من طريق الزهري عن سالم، عن أبيه. وأخرجه البخاري (٧/ ٧٣١) كتاب «المغازي» باب: نزول النبي ﷺ الحجر، حديث (٤٤٢٠)، ومسلم (٤/ ٢٢٨٥) كتاب «الزهد والرقائق» باب: لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم، حديث (٣٨/ ٢٩٨٠)، -","vol":"3","page":50},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-508>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٧٤ الى ٧٩]</span>\nوَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٧٤) قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٧٥) قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (٧٦) فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقالُوا يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧٧) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (٧٨)\nفَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ (٧٩)\nوقوله سبحانه: وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ ...\nالآية: بَوَّأَكُمْ: معناه مكَّنكم، وهي مستعملة في المكانِ وظروفِهِ، و«القُصُور»: جمع قَصْر، وهي الديارُ التي قصرت على بقاع من الأرض مخصوصةٍ بخلاف بُيُوت العمود، وقُصِرَتْ على الناس قصرًا تامًّا، و«النحْتُ»: النَّجْرُ والقَشْر في الشيء الصُّلْب كالحَجَر والعُودِ، ونَحْوه، وكانوا ينحتون الجبالَ لطولِ أعمارِهِمْ، وَ(تَعْثَوْا) معناه تُفْسِدُوا.\nقال أبو حيان «١»: ومُفْسِدِينَ: حال موكّدة. انتهى.\nوالَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا هم الأشرافُ والعظماء الكَفَرة، و«الَّذِينَ استضعفوا»: هم العامة والأَغْفَالُ في الدنيا، وهم أتْبَاعُ الرُّسُلِ، وقولهم: أَتَعْلَمُونَ: استفهام على معنى الاستهزاء والاستخفاف، فأجاب المؤمنون بالتصديق والصَّرامة في دين اللَّه، فحملت الأنفةُ الأشرافَ عَلى مناقَضَةِ المؤمنين في مَقَالَتهم، واستمروا على كُفْرِهم.\nوقوله سبحانه: فَعَقَرُوا النَّاقَةَ يقتضي بتشريكهم أجمعين في الضمير أن عقر الناقة كان على تَمَالُؤٍ منهمْ واتفاقٍ، وكذلك رُوِيَ أنَّ قُدَارًا لم يعقرها حتّى كان يستشير، وعَتَوْا: معناه: خَشُنُوا وصَلُبُوا، ولم يذعنوا للأمر والشرعِ، وصمَّموا على تكذيبه، واستعجلوا النِّقْمة بقولهم: ائْتِنا بِما تَعِدُنا، فحلّ بهم العذاب، والرَّجْفَةُ: ما تؤثِّره الصيحةُ أو الطَّامَّة التي يُرْجَفُ بها الإِنسانُ، وهو أن يتحرَّك ويضْطَرِب/، ويرتَعِدَ ومنه:\n«فرجع بها رسول الله ﷺ يَرْجُفُ فُؤَادُهُ» وروي أنَّ صيحة ثَمُود كان فيهَا مِنْ كلِّ صوتٍ مهولٍ، وكانت مُفْرَطة شقّت قلوبهم، فجثموا على صدورهم، والجاثم اللّاطئ «٢» بالأرض\n_________\n- وأحمد (٢/ ٩، ٥٨)، والحميدي (٢/ ٢٩٠) برقم: (٦٥٣) كلهم من طريق عبد الله بن دينار، عن ابن عمر.\n(١) ينظر: «البحر المحيط» (٤/ ٣٣٢) .\n(٢) لطأت بالأرض ولطئت أي: لزقت.\nينظر: «اللسان» (٤٠٣٨) (لطا) .","vol":"3","page":51},{"text":"على صَدْره، ف جاثِمِينَ: معناه: باركين قَدْ صُعِقَ بهم، وهو تشبيه بجُثُوم الطير، وجُثُوم الرماد، وقال بعض المفسرين: معناه: حميمًا محترقين كالرماد الجاثم، وذهب صاحبُ هذا القول إلى أن الصيحة اقترن بها صواعقُ مُحْرِقَةٌ، وروي أن الصيحةَ أصابَتْ كلَّ مَنْ كان منهم في شَرْق الأرض وغَرْبِهَا إِلاَّ رَجُلًا كان في الحَرَم، فمنعه الحرمُ ثُمَّ هَلَكَ بَعْدَ خروجه من الحَرَم ففي «مُصَنَّف أبي داود»، قيل: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ ذَلِكَ الرَّجُلُ؟ قال: أبو رغال «١»، وذكره الطبريّ أيضا عن النبيّ ﷺ، وهذا الخبر يردُّ ما في السير من أَنَّ أَبا رُغَالٍ هو دليلُ الفِيل، وقوله: فَتَوَلَّى عَنْهُمْ، أي: تولَّى عنهم وقت عَقْر الناقة، وذلك قبل نزول العذاب وكذلك رُوِيَ أنه ﵇ خَرَجَ مِنْ بين أظهرهم قبل نزول العذاب، وهو الذي تقتضيه مخاطبته لهم، ويحتمل أن يكون خطابُهُ لهم وهُمْ موتى على جهة التفجُّع عليهم، وذكر حالهم أو غير ذلك كما خاطب النبيّ ﷺ أهْل قليب بَدْر. قال الطبريُّ وقيل: إنه لم تَهْلِكْ أُمَّة، ونبيُّها «٢» معها، ورُوِيَ أنه ارتحلَ بمَنْ معه حتَّى جاء مكَّة، فأقام بها حتى مات، ولفظ التولِّي يقتضي اليأْس مِنْ خَيْرهم، واليقينَ في إِهلاكهم، وقوله:\nوَلكِنْ لاَّ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ: عبارةٌ عن تغليبهم الشهواتَ عَلَى الرأْي السديد إذ كلامُ الناصح صَعْبٌ مُضادٌّ لشهوة الذي يُنصحُ، ولذلك تقول العرب: أمر مبكياتك لا أمر مضحكاتك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-509>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٨٠ الى ٨٤]</span>\nوَلُوطًا إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ (٨٠) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (٨١) وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٨٢) فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (٨٣) وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٨٤)\nوقوله سبحانه: وَلُوطًا إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ.\nلوطٌ عليه ﵇ بعثه اللَّه سبحانه إِلى أُمَّة تسّمى «سدوم» وروي أنه ابن أخي\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (٢/ ١٩٨) كتاب «الإمارة» باب: نبش القبور العادية يكون فيها المال، حديث (٣٠٨٨)، والبيهقي (٤/ ١٥٦)، وفي «الدلائل» (٧/ ٢٩٧) من حديث عبد الله بن عمرو.\n(٢) ذكره الطبري (٥/ ٥٣٩)، وابن عطية (٢/ ٤٢٤)، وابن كثير (٢/ ٢٣٠)، والسيوطي بنحوه (٣/ ١٨٥) .","vol":"3","page":52},{"text":"إِبراهيمَ ﵇ ونَصْبُه: إما ب «أرسلنا» المتقدِّم في الأنبياء، وإما بفعل محذوف، تقديره: واذكر لوطا، والْفاحِشَةَ: إتيان الذكور في الأَدْبَارِ، ورُوِيَ أنه لم تكُنْ هذه المعصيةُ في أُمَّة قبلهم، وحُكْم هذه الفاحشة عند مالك وغيره: الرجْمُ، أُحْصِنَ أم لم يُحْصن «١»، وحرَّقُ أبو بكر الصديقُ ﵁ رجلا عمل عَمِلَ قومِ لوط «٢»، وقرأ نافع وغيره: «أَنَّكُمْ» على الخبر كأنه فَسَّر الفاحشة، والإِسرافُ: الزيادةُ الفاسدةُ، ولم تكُنْ مراجعةُ قومه باحتجاج منهم، ولا بمدافعة عقليَّة، وإِنما كانَتْ بكُفْر وخِذْلان، ويَتَطَهَّرُونَ: معناه: يتنزَّهون عن حالنا وعادَتِنا.\nقال قتادة: عَابُوهم بِغَيْرِ عَيْبٍ، وذمُّوهم بغير ذَمٍّ «٣» واستثنى اللَّه سبحانه امرأة لوطٍ ﵇ من الناجينَ، وأخبر أنها هَلَكَتْ، والغابِرُ: هو الباقي هذا هو المشهور في اللغة، وقد يجيء الغَابِرُ بمعنى الماضِي، وكذلك حَكَى أهل اللغةُ «غَبَرَ» بمعنى بَقِيَ، وبمعنى «مضى»، وقوله: وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا ... الآية، أي: بحجارةٍ، ورُوِيَ أنَّ اللَّه تعالى بعث جبريل، فاقتلعها بجناحِهِ، وهي ستُّ مدن.\n/ وقيل خمسٌ، وقيل: أربع، فرفعها حتَّى سمع أَهْلُ السماء الدنيا صُرَاخَ الدِّيَكَة، وَنُبَاحَ الكِلاَبِ، ثم عكَسَها، وَرَدَّ أعلاها أَسْفَلَهَا، وأرسلها إِلى الأرض، وتبعتهم الحِجَارَةُ مع هذا، فأهلكَتْ مَنْ كان منهم، مَنْ كان في سَفَر، أو خارجًا من البقع المرفوعةِ، وقالت امرأة لوط، حين سمعت الوجبة: وا قوماه، والتفتت، فأصابتها صخرة فقتلتها.\n_________\n(١) حكم الإمام مالك في اللواطة بالرجم، وهو مذهب الشعبي، والزهري، ومالك، وأحمد، وإسحاق، والشافعي، في قول له، وذهب جمع أنه يحرق بالنار منهم: أبو بكر، وعبد الله بن الزبير، وهشام بن عبد الله.\nوذهب سعيد بن المسيب، وعطاء بن أبي رباح، والحسن والثوري، والأوزاعي، والإمام يحيى، والشافعي في قول له أنه كالزنا.\nوذهب أبو حنيفة، والشافعي في قول له، والمرتضى، والمؤيد بالله إلى أنه يعزر اللوطي فقط.\nولم يشترط ما اشترطه في الرجم في الزنا من الإحصان والإسلام والحرية، واختلفوا في الفاعل المكره، فقيل: يرجم على المشهور من أن الانتشار اختيار. وقيل: لا يرجم لأن الإكراه شبهة تدرأ الحد، أما المفعول المكره فينبغي ألّا يرجم قولا واحدا إذا كان المرتكب لهذه الجريمة ممن لم يبلغوا الحلم، وقد كان مميزا فعقابه التأديب بما يراه الإمام زاجرا.\n(٢) ذكره ابن عطية (٢/ ٤٢٥) .\n(٣) أخرجه الطبري (٥/ ٥٤١) برقم: (١٤٨٤٩)، وذكره ابن عطية (٢/ ٤٢٥)، وابن كثير (٢/ ٢٣٠)، والسيوطي (٣/ ١٨٦)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وأبي الشيخ.","vol":"3","page":53},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-510>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٨٥ الى ٩٣]</span>\nوَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْبًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨٥) وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَها عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (٨٦) وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (٨٧) قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا قالَ أَوَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ (٨٨) قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ (٨٩)\nوَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخاسِرُونَ (٩٠) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (٩١) الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ (٩٢) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ (٩٣)\nوقوله سبحانه: وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْبًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها ... الآية: قيل في مَدْيَنَ إِنه اسم بلد وقُطْرٍ، وقيل: اسم قبيلةٍ، وقيل: هم مِنْ ولد مَدْيَنَ بْنِ إِبراهيمَ الخليلِ، وهذا بعيدٌ، ورُوِي أَنَّ لوطًا هو جَدُّ شعيبٍ لأُمِّه.\nوقال مكِّيّ: كان زوج بنت لوط، وأَخاهُمْ: منصوبٌ ب «أرسلنا» في أول القصص، و«البيِّنة»: إشارة إِلى معجزته، وَلا تَبْخَسُوا معناه ولا تظلموا ومنْه قولهم:\nتَحْسَبُهَا حَمْقَاءَ، وَهِيَ بَاخِسٌ، أي: ظالمة خادعة، وقال في «سورة هود»: البَخْس:\nالنَّقْصَ.\nت: ويحتمل واللَّه أعلم أنَّ البَخْسَ هو ما اعتاده النَّاسُ من ذَمِّ السِّلَع ليتوصَّلوا بذلك إلى رُخَصها، فتأمَّله، واللَّه أعلم بما أراد سبحانه.\nقال أبو حَيانَ: ولا تَبْخَسُوا: متعدٍّ إلى مفعولين، تقول: بَخَسْتُ زَيْدًا حَقَّهُ، أي:\nنقصته إياه. انتهى.\nوأَشْياءَهُمْ: يريد أمتعتهم وأموالهم، وَلا تُفْسِدُوا: لفظٌ عامٌّ في دقيق الفساد وجليله وكذلك الإصلاح عامٌّ، ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ، أيْ: عند اللَّه إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ،","vol":"3","page":54},{"text":"أي: بشرط الإِيمان والتوحيد، وإِلا فلا ينفع عَمَلٌ دون إِيمانٍ، وَلاَ تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ ... الآية: قال السديُّ: هذا نهيٌ عن العَشَّارين والمتغلِّبين ونحوه مِنْ أخْذ أموال الناس بالباطِل «١»، و«الصِّرَاطُ»: الطريقُ، وذلك أنهم كانوا يكثرون من هذا لأنه من قبيل بَخْسهم ونَقْصهم الكيلَ والوزْنَ، وقال أبو هريرة ﵁: هو نهْيٌ عن السَّلْبِ وقطْع الطرقِ «٢»، وكان ذلك مِنْ فعلهم، وروي في ذلك حديث عن النبيّ ﷺ، وما تقدَّم من الآية يؤيِّد هذين القولَيْنِ، وقال ابنْ عَبَّاس وغيره: قوله: وَلا تَقْعُدُوا نهيٌّ لهم عمَّا كانوا يفعلونه مِنْ رَدِّ الناس عَنْ شُعَيْب «٣» وذلك أنهم كانوا يَقْعُدونَ على الطُّرُقات المفضية إلى شُعَيبٍ، فيتوعَّدون مَنْ أَراد المجيءَ إِلْيه، ويصُدُّونه، وما بعد هذا مِنَ الألفاظ يشبه هذا مِنَ القول، والضميرُ في «به» يحتمل أن يعود على اسم اللَّه، وأنْ يعود على شُعَيْب في قول مَنْ رأى القعودَ على الطُّرُق للرَّدِّ عن شعيب، قال الداوديّ: وعن مجاهد تَبْغُونَها عِوَجًا:\nيلتمسون «٤» لها الزيْغَ. انتهى.\nثم عدَّد عليهم نِعَمَ اللَّه تعالَى، وأنه كَثَّرهم بعد قلَّةِ عددٍ.\nوقيل: أغناهم بعد فَقْر، ثم حذرهم ومثَّل لهم بمن امتحن من الأممِ، وقوله: وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا ... الاية: قوله:\nفَاصْبِرُوا تهديدٌ للطائفة الكافرة، وقولهم: أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا معناه: أو لتَصِيرُنّ، و«عَادَ» في كلام العرب على/ وجهين:\nأحدُهُمَا: عَادَ الشَّيْءُ إِلى حالٍ قد كان فيها قبل ذلك، وهي على هذا الوجه لا تتعدى، فإِن عُدِّيَتْ، فبحرف ومنه قول الشاعر: [الطويل]\nأَلاَ لَيْتَ أَيَّامَ الشَّبَابَ جَدِيدُ ... وعمرا تولّى يا بثين يعود «٥»\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٥/ ٥٤٤) برقم: (١٤٨٦٠)، وذكره ابن عطية (٢/ ٤٢٦) بمثله، والبغوي (٢/ ١٨٠)، وابن كثير (٢/ ٢٣١)، والسيوطي (٣/ ١٩٠)، وعزاه لابن جرير وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.\n(٢) أخرجه الطبري (٥/ ٥٤٤) برقم: (١٤٨٦١)، وذكره ابن عطية (٢/ ٤٢٦) .\n(٣) أخرجه الطبري (٥/ ٥٤٤) برقم: (١٤٨٥٦) بنحوه، وذكره ابن عطية (٢/ ٤٢٧)، وابن كثير (٢/ ٢٣١) والسيوطي (٣/ ١٩٠)، وعزاه لابن جرير وابن أبي حاتم. [.....]\n(٤) أخرجه الطبري (٥/ ٥٤٥) برقم: (١٤٨٦٢) .\n(٥) روي البيت هكذا:\nألا ليت أيّام الصّفاء جديد ... وعهدا تولّى يا بثين يعود\nوهو لجميل بثينة في «ديوانه» ص: (٦١)، و«الأغاني» (٢/ ٣٥٠)، و«أمالى القالي» (١/ ٢٧٢، ٢/-","vol":"3","page":55},{"text":"ومنْه قوله تعالى: وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ [الأنعام: ٢٨] .\nوالوجه الثاني: أنْ تكون بمعنى «صَارَ»، وعاملةً عملَهَا، ولا تتضمَّن أن الحال قد كانَتْ متقدِّمة ومنه قول الشاعر: [البسيط]\nتِلْكَ المَكَارِمُ لاَ قَعْبَانِ مِنْ لَبَنٍ ... شِيبًا بِمَاءٍ فَعَادَا بَعْدُ أَبْوَالاَ «١»\nومنه قول الآخر:\nوَعَادَ رَأْسِي كالثَّغامَةِ ... «٢»\nومنه قوله تعالى: حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ [يس: ٣٩]، عَلى أن هذه محتملةٌ بقوله في الآية: أَوْ لَتَعُودُنَّ، وشعيبٌ ﵇ لَمْ يَكُ قطُّ كافرًا، فيقتضي أنها بمعنى «صار»، وأما في جهة المؤمنين به بَعْدَ كُفْرهم، فيترتَّب المعنى الآخر، ويخُرُج عنه شعيبٌ، وقوله: أَوَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ توقيفٌ منه لهم على شِنْعَة المعصيةِ، وطَلَبٌ أن يقروا بألسنتهم بإِكراهِ المُؤْمنين على الإِخراج ظُلْمًا وغشمًا.\nقال ص: قَدِ افْتَرَيْنا: هو بمعنى المستقبل لأنه سَدَّ مسد جواب الشرط، وهو: إِنْ عُدْنا أو هو جوابه، على قول. انتهى.\nوقوله: إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا يحتملُ أن يريد إلاَّ أنْ يسبق علينا في ذلك مِنَ اللَّه سابقُ سُوء، وينفذ منه قضاءٌ لا يُرَدُّ.\nقال ع «٣»: والمُؤمنون هم المجوزون لذلك، وأما شُعَيْبٌ، فقد عصمته النبوَّة، وهذا أظهر ممَّا يحتملُ القول، ويحتمل أنْ يريد استثناء ما يمكن أن يتعبَّد اللَّهُ به المؤمنين ممَّا يفعله الكُفَّارُ من القربات.\n_________\n٢٩٩) و«الحماسة البصرية» (٢/ ١٠٥) و«خزانة الأدب» (١٠/ ٤٥٠) و«شرح عمدة الحافظ» ص:\n(٥٠٥)، و«مجالس ثعلب» ص: (٥٩٧، ٥٩٨) .\n(١) روي البيت هكذا:\nهذي المفاخر لاَ قَعْبَانِ مِنْ لَبَنٍ شِيبًا بِمَاءٍ فَعَادَا بعد أبوالا هو لأبي الصلت الثقفي والد أميّة في «الشعر والشعراء» ص: (٤٦٩)، و«العقد الفريد» (٢/ ٢٣) ولأميّة بن أبي الصلت في «ديوانه» ص: (٥٢)، وللنابغة الجعدي في «ديوانه» ص: (١١٢)، وللثقفي في «شرح المفصّل» (٨/ ١٠٤) .\n(٢) وهو من شواهد «المحرر الوجيز» (٢/ ٤٢٩) . ويروى في «اللسان»: [ثغم] برواية: وصار رأس الشيخ كثغامة وعليه يكون من بحر الرجز، وفي «القاموس»: والرأس صار كالثغامة بياضا.\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٤٢٨) .","vol":"3","page":56},{"text":"وقيل: إِنَّ هذا الاستثناء إِنما هو تَسَنُّنٌ وَتَأَدُّبٌ، وقوله: وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا:\nمعناه: وَسِعَ عِلْمُ رَبنا كلَّ شيء كما تقول: تَصَبَّبَ زَيْدٌ عَرَقًا أَيْ: تصبَّب عَرَقُ زيدٍ، وَوَسِعَ بمعنى «أحاط»، وقوله: افْتَحْ معناه: احكم، وقوله: عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا:\nاستسلام للَّه سبحانه، وتمسُّكٌ بلطفه وذلك يؤيِّد التأويل الأول في قوله: إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا. وقوله سبحانه: وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا ...\nالآية: أي: قال الملأ لتباعهم ومقلّديهم، والرَّجْفَةُ: الزلزلةُ الشديدةُ التي يَنَالُ الإِنسانَ معها اهتزاز وارتعاد واضطراب، فيحتملُ أنَّ فرقةً من قومٍ شُعَيْب هلكَتْ بالرجفة، وفرقةً بالظُّلَّة، ويحتمل أن الظُّلَّة والرَّجْفَة كانتا في حِينٍ واحدٍ.\nت: والرجفةُ هي الصَّيْحة يَرْجُفُ بسببها الفؤاد وكذلك هو مصرَّح بها في قصَّة قوم شُعَيْب في قوله سبحانه: وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ ... الآية [هود: ٩٤]، وقوله سبحانه: كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الضميرْ في قوله «فيها» عائدٌ على دارِهِمْ، وَيَغْنُوا:\nمعناه: يقيمونَ بنَعْمَة وخَفْضِ عيش، وهذا اللفظ فيه قوَّةُ الإِخبار عن هلاكهم، ونزولِ النقمةِ بهم، والتنبيه عَلَى العبرة والاتعاظ بهم، ونحوُ هذا قولُ الشاعر: [الطويل]\nكَأَنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الحَجُونِ إِلَى الصَّفَا ... أَنِيسٌ وَلَمْ يَسْمُرْ بِمَكَّةَ سَامِرُ «١»\nقال ع «٢»: فَغَنيتُ في المكان، إنما يقالُ في الإِقامة التي هي مقترنة بتنعّم وعيش مرضيّ، وقوله: يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ: كلامٌ يقتضي حزنًا وإِشفاقًا لَمَّا رأى هلاكَ قومه إِذْ كان أمله فيهم غَيْرَ ذلك، ولمَّا وجد في نفسه ذلك،\n_________\n(١) وهو لعمرو بن الحارث بن مضاض أو للحارث الجرهمي في «لسان العرب» (١٣/ ١٠٩) (جحن) وبلا نسبة في «شرح قطر الندى» ص: (١٥٩) .\nواستشهد بقوله: «كأن لم يكن» حيث خفّف «كأن» فحذف اسمها، وأتى بخبرها جملة فعليّة. وذكر ياقوت في «معجم البلدان» (٢/ ٢٦٠) (الحجون)، ونسبه إلى مضّاض بن عمرو الجرهمي يتشوّق مكة لما أجلتهم عنها خزاعة:\nكَأَنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الحَجُونِ إِلَى الصَّفَا ... أنيس، ولم يسمر بمكة سامر\nبلى! نحن كنا أهلها، فأبادنا ... صروف الليالي والجدود العواثر\nفأخرجنا منها المليك بقدرة، ... كذلك، يا للناس، تجري المقادر\nفصرنا أحاديثا وكنا بغبطة، ... كذلك عضّتنا السنون الغوابر\nوبدّلنا كعب بها دار غربة، ... بها الذئب يعوي والعدوّ المكاشر\nفسحّت دموع العين تجري لبلدة، ... بها حرم أمن وفيها المشاعر\nينظر: «المعجم» (١/ ٣٧٥) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٤٣٠) .","vol":"3","page":57},{"text":"طَلَب أنْ يثير في نفسه سَبَبَ التسلِّي عنهم، فجعل يعدِّد معاصيهم وإِعراضهم، ثم قال لنفسه لمّا نظر وفكّر: فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ، ونحو هذا قوله ﷺ لأَهْل قليب بَدْرٍ، وأسى معناه: أحزن.\n/ قال مَكِّيٌّ: وسار شعيبٌ بمن معه حتَّى سكن مكّة إلى أن ماتوا بها «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-511>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٩٤ الى ٩٦]</span>\nوَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (٩٤) ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٩٥) وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)\nوقوله سبحانه: وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ أخبر سبحانه أنَّه ما بعث نبيًّا في قرية، وهي المدينةُ إِلاَّ أخذ أهلها المكذِّبين له بِالْبَأْساءِ وهي المصائبُ في المال، وعوارضُ الزَّمَن وَالضَّرَّاءِ وهي المصائبُ في البدن كالأمراض ونحوها، لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ أي: ينقادون إلى الإِيمان، وهكذا قولهم:\nالحُمَّى أَضْرَعَتْنِي لَكَ، ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ، وهي البأساءُ والضرَّاءُ الْحَسَنَةَ، وهي السرَّاء والنِّعمة حَتَّى عَفَوْا: معناه: حتى كَثُرُوا، يقال: عَفَا النباتُ والرِّيشُ إِذا كَثُر نباته ومنه قوله ﷺ: «أحْفُوا الشَّوَارِبَ، وَأعْفُوا اللحى» «٢» ولما بدَّل اللَّه حالهم بالخَيْر لُطْفًا بهم فَنَمْوا، رأوا أن إِصابة الضَّرَّاء والسَّرَّاء إنما هي بالاتِفاق، وليستْ بقَصْد كما يخبر به النبيُّ، واعتقدوا أنَّ ما أصابهم مِنْ ذلك إِنما هو كالاتفاق الذي كان لآبائهم، فجعلوه\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٢/ ٤٣١) .\n(٢) أخرجه مالك (٢/ ٩٤٧) كتاب «الشعر» باب: السنة في الشعر، حديث (١)، والبخاري (١٠/ ٣٥١) كتاب «اللباس» باب إعفاء اللحى، حديث (٥٨٩٣)، ومسلم (١/ ٢٢٢) كتاب «الطهارة» باب: خصال الفطرة، حديث (٥٢، ٥٣/ ٢٥٩)، وأبو داود (٢/ ٤٨٣) كتاب «الترجل»، باب: في أخذ الشارب، حديث (٤١٩٨)، والترمذي (٥/ ٩٥) كتاب «الأدب» باب: ما جاء في إعفاء اللحية، حديث (٢٧٦٣، ٢٧٦٤)، والنسائي (١/ ١٦) كتاب «الطهارة» باب: إحفاء الشارب وإعفاء اللحى، حديث (١٥)، وفي (٨/ ١٨١- ١٨٢) كتاب «الزينة» باب: إحفاء الشوارب وإعفاء اللحية، حديث (٥٢٢٦)، وأبو عوانة (١/ ١٨٩)، وابن أبي شيبة (٨/ ٣٧٦)، وابن المنذر في «الأوسط» (١/ ٢٣٩)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٤/ ٢٣٠)، والبيهقي (١/ ١٥١) كتاب «الطهارة» وفي «الآداب» برقم: (٨٣٠)، والخطيب في «تاريخ بغداد» (٦/ ٢٤٧)، وفي «الجامع لأخلاق الراوي» (١/ ٣٧٥) برقم: (٨٦٣)، والبغوي في «شرح السنة» (٦/ ٢١٩ بتحقيقنا) من طرق عن نافع، عن ابن عمر به.\nوقال الترمذي: حديث حسن صحيح.","vol":"3","page":58},{"text":"مثالًا، أي: قد أصاب هذا آباءنا، فلا ينبغي لنا أنْ نُنْكَره، ثم أخبر سبحانه أنه أخذ هذه الطوائفَ الَّتي هذا معتَقَدُها، وقوله: بَغْتَةً أي: فجأَةً وأخْذَةَ أَسَفٍ، وبَطْشًا للشقاء السابق لهم في قديم علمه سبحانه.\nوقوله تعالى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ، أي: مِنْ بركاتِ المطرِ والنباتِ، وتسخير الرياحِ والشمْسِ والقمر في مصالح العبادِ وهذا بحَسَب ما يدركُه نَظَر البشر، وللَّه سبحانه خُدَّامٌ غير ذلك لا يحصى عددهم، وما في علم الله أكثر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-512>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٩٧ الى ١٠٠]</span>\nأَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتًا وَهُمْ نائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ (٩٩) أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (١٠٠)\nوقوله سبحانه: أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتًا وَهُمْ نائِمُونَ ... الآية تتضمَّن وعيدًا للكافرين المعاصرين لنبيّنا محمد ﷺ، لأنه لما أخبر عما فعل في الأمم الخالية، قال: وهل يأْمَنُ هؤلاء أنْ ينزلَ بهم مثلُ ما نَزَلَ بأولئك، وهذا استفهام على جهة التوقيف، والبأس: العذاب، ومَكْرَ اللَّهِ هي إضافة مخلوقٍ إلى خالقٍ، والمراد فِعْلٌ يعاقب به مَكَرة الكَفَرةِ، والعربُ تسمِّي العقوبةَ باسْمِ الذنْب.\nوقوله سبحانه: أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها ... الآية: هذه ألِفُ تقريرٍ دَخَلَتْ على واو العطف، و«يَهْدي»: معناه: يبيَّن، فيحتملُ أنْ يكون المبيِّن اللَّه سبحانه، ويحتملُ أنْ يكون المبيِّن قولَهُ: أَنْ لَوْ نَشاءُ، أي عِلْمُهُمْ بذلك، وقال ابنُ عباس، ومجاهد، وابن زيد: يهْدِي: معناه: يتبيَّن، وهذه أيضًا آيةُ وعيد، أي: أَلَمْ يظهر لوارثي الأرض بَعْد أولئك الذين تقدَّم ذكرهم، وما حَلَّ بهم- أنا نَقْدِرُ لو شئنًا أصبناهم بذنوبهم كما فعلنا بمن تقدَّم، وفي العبارة وعْظٌ بحالِ مَنْ سلف من المهلكين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-513>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٠١ الى ١٠٨]</span>\nتِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ (١٠١) وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ (١٠٢) ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَظَلَمُوا بِها فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٠٣) وَقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٠٤) حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ (١٠٥)\nقالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٠٦) فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ (١٠٧) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ (١٠٨)","vol":"3","page":59},{"text":"وقوله سبحانه: تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ «تلك» ابتداءٌ، و«القرى» قال قوم: هو نعْتٌ، والخبر «نَقْصُّ»، وعندي: أن «أهل القرَى» هِي خَبَر الابتداءِ، وفي ذلك معنى التعظيمِ لها، ولِمُهْلِكِها وهذا كما قيل في قوله تعالى: ذلِكَ الْكِتابُ [البقرة: ٢] وكما قال ﵇: «أُولَئِكَ الملأ» وكقول ابن أبي الصلت:\n[البسيط]\nتِلْكَ المَكَارِمُ............. ... ............... .... «١»\nوهذا كثير.\nثم ابتدأ سبحانهُ الخبر عن جميعهم بقوله: وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ، هذا الكلامُ يحتملُ وجوهًا من التأويل:\nأحدها: / أنْ يريد أنَّ الرسول جاء لكلِّ فريقٍ منهم، فكذَّبوه لأول أمره، ثم استبانت حجته، وظهَرتِ الآياتُ الدالَّة على صدقه، مع استمرار دعوته.، فلَجُّوا هم في كفرهم، ولم يؤمنوا بما سَبَقَ به تكذيبُهم.\nوالثاني: من الوجوه: أنْ يريد: فما كان آخرهم في الزّمنِ لِيُؤْمِنَ بما كَذَّب به أوَّلهم في الزمَنِ، بل مشى بعضهم على سَنَن بعضٍ في الكُفْرِ أشار إِلى هذا التأويلِ النَّقَّاش «٢» .\nوالثالث: أنَّ هؤلاء لَوْ رُدَّوا من الآخرة إلى الدنيا، لم يكُنْ منهم إِيمانٌ قاله مجاهد «٣»، وقرنه بقوله: وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ [الأنعام: ٢٨] .\nوالرابع: أنه يحتمل: فما كانوا ليُؤْمنوا بما سَبَق في عِلم اللَّه سبحانه أنهم مكذّبون به وذكر هذا التأويل المفسّرون.\n_________\n(١) تقدم قريبا.\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٤٣٧)، و«البحر المحيط» (٤/ ٣٥٩) و«الدر المصون» (٣/ ٣١٧) .\n(٣) أخرجه الطبري (٦/ ١٣) برقم: (١٤٩١٢)، وذكره ابن عطية (٢/ ٤٣٤)، والبغوي (٢/ ١٨٤)، وابن كثير (٢/ ٢٣٥)، والسيوطي (٣/ ١٩٤)، وعزاه لابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.","vol":"3","page":60},{"text":"وقوله سبحانَه: وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ ... الآية: أخبر سبحانه أنه لم يجدْ لأكثرهم ثبوتًا على العَهْد الذي أخذه سبحانه على ذريِّة آدم وقْتَ استخراجهم من ظهره قاله أبو العالية «١» عن أبيِّ بنْ كَعْب، ويحتمل أن يكون المعنى: وما وجدنا لأكثرهم التزامَ عَهْدٍ، وقبولَ وصاةٍ ممَّا جاءتهم به الرسُلُ عن اللَّه، ولا شَكَروا نعم اللَّه ﷿.\nقال ص: لِأَكْثَرِهِمْ: يحتمل أن يعود على «النَّاس» أو على أَهْلَ الْقُرى أو «الأُمم الماضية» . انتهى.\nوقوله سبحانه: ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ فَظَلَمُوا بِها ...\nالآيات في هذه الآية: عامٌّ في التسْع وغيرِهَا، والضميرُ في «مِنْ بعدهم» عائدٌ على الأنبياءِ المتقدِّم ذكْرُهم، وعلى أممِهِمْ.\nوقوله سبحانه: فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ: فيه وعيدٌ، وتحذيرٌ للكَفَرة المعاصرين لنبيِّنا محمد ﷺ، وقوله سبحانه: وَقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ، قرأ نافعٌ «٢» وحده: «عَلَيَّ» بإِضافة «على» إِليه، وقرأ الباقون: «على» بسكون الياء.\nقال الفارسيُّ: معنى هذه القراءة أنَّ «عَلَى» وضعتْ موضع الباء كأنه قال: حقيقٌ بأن لا أقولَ على اللَّه إِلاَّ الحَقَّ، وقال قوم: «حقيقٌ» صفةٌ ل «رَسُولٌ»، تم عندها الكلامُ، و«عَليَّ»: خبرٌ مقدّمٌ و«أَلاَّ أقول»: ابتداءٌ، وإِعراب «أَنْ»، على قراءة مَنْ سكَّن الياء خفْضٌ، وعلى قراءة من فتحها مشدَّدةً: رَفْعٌ، وفي قراءة عبد اللَّه: «حَقيقٌ أَنْ لا أَقُول»، وهذه المخاطَبَةُ- إِذا تأَمَّلْتَ- غايةٌ في التلطُّف، ونهايةٌ في القول الليِّن الذي أُمِرَ به ﵇، وقوله: قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ قالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ «البينة» هنا إشارةٌ إلى جميع آياته، وهي على المُعْجزة منْها أدلُّ، وهذا من موسى ﵇ عَرْضُ نبوَّته، ومنْ فرعون استدعاءُ خَرْق العادة الدالِّ على الصدْقِ، وظاهرُ هذه الآية وغيرها أنَّ موسى ﵇ لم تَنْبَنِ شريعته إِلا على بني إسرائيل فقَطْ، ولَمْ يَدْعُ فرعونَ وقومه إِلا إِلى إِرسال بني إِسرائيل، وذكره: لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى [طه: ٤٤] .\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٦/ ١٤) برقم: (١٤٩١٥)، وذكره ابن عطية (٢/ ٤٣٤)، وابن كثير (٢/ ٢٣٥)، والسيوطي (٣/ ١٩٥)، وعزاه لابن أبي حاتم، ولابن جرير. [.....]\n(٢) ينظر: «الحجة» (٤/ ٥٦)، و«السبعة» (٢٨٧)، و«حجة القراآت» (٢٨٩) و«إعراب القراآت» (١/ ١٩٦)، و«العنوان» (٩٦)، و«شرح شعلة» (٣٩٣)، و«شرح الطيبة» (٤/ ٣٠٣)، و«إتحاف فضلاء البشر» (٢/ ٥٥)، و«معاني القراآت» (١/ ٤١٤) .","vol":"3","page":61},{"text":"وقوله: فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ، روي أن موسى قَلِقَ به، وبمجاورته فرعون، فقال لأعوانِهِ: خذوه، فألقى موسَى العصا، فصارَتْ ثعبانًا، وهمَّت بفرعون، فَهَرَبَ منْها.\nوقَالَ السّديُّ: إِنه أَحَدَث، وقال: يا موسى كُفَّهُ عني «١»، فَكفَّه، وقال نحوه سعيدُ بنُ «٢» جبير، ويقال: إن الثعبان وضع أسفل لَحْيَيْهِ في الأرض وأعلاهما في أعلى شرفات القصر. والثعبان: الحَيَّة الذَّكَر/ وهو أهولُ وأجَرأُ قاله الضحاك «٣»، وقال قتادة:\nصارَتْ حَيَّةً أشْعَرَ ذَكَرًا «٤»، وقال ابن عباس: غرزَتْ ذَنَبها في الأرض، ورفَعَتْ صدْرَها إِلى فرعون، وقوله: مُبِينٌ معناه: لا تَخْييلَ فيه، بل هو بَيِّن إنه ثعبانٌ حقيقة، وَنَزَعَ يَدَهُ: معناه: مِنْ جيبه، أو من كُمِّه حسب الخلافِ في ذلك.\nوقوله: فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ، قال مجاهد: كاللبن أَو أَشَدَّ بياضًا «٥»، وروي أنها كانت تظهر منيرةً شفَّافةً كالشَّمْس تأْتَلِقُ، وكان موسى ﵇ آدَمَ أَحْمَرَ إِلى السوادِ، ثم كان يَرُدُّ يده، فترجع إِلى لون بَدَنِهِ.\nقال ع «٦»: فهاتان الآيتان عرضهما ﵇ للمعارَضَة، ودعا إلى اللَّه بهما، وخَرَق العادة بهما.\nت: وظاهر الآية كما قال، وليس في الآية ما يَدُلُّ على أنه أراد بإلقاء العصا الانتصار والتخويفَ كما يعطيه ما تقدَّم ذكْرُهُ من القصص.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-514>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٠٩ الى ١١٦]</span>\nقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ (١٠٩) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَماذا تَأْمُرُونَ (١١٠) قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (١١١) يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ (١١٢) وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ (١١٣)\nقالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (١١٤) قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (١١٥) قالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦)\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٦/ ١٦) برقم: (١٤٩١٩)، وذكره ابن عطية (٢/ ٤٣٦)، والبغوي (٢/ ١٨٥)، وابن كثير (٢/ ٢٣٦)، والسيوطي (٣/ ١٩٧)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم.\n(٢) أخرجه الطبري (٦/ ١٦) برقم: (١٤٩٢١)، وذكره ابن عطية (٢/ ٤٣٦) .\n(٣) أخرجه الطبري (٦/ ١٦) برقم: (١٤٩٢٥)، وذكره ابن عطية (٢/ ٤٣٦)، وابن كثير (٢/ ٢٣٦) .\n(٤) أخرجه الطبري (٦/ ١٥) برقم: (١٤٩١٧) بلفظ: «تحولت حية عظيمة»، وذكره ابن عطية (٢/ ٤٣٦)، والسيوطي (٣/ ١٩٧) نحوه، وعزاه لعبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.\n(٥) أخرجه الطبري (٦/ ١٧) برقم: (١٤٩٢٨) بلفظ: «نزع يده من جيبه بيضاء من غير برص»، وذكره ابن عطية (٢/ ٤٣٦)، وابن كثير (٢/ ٢٣٦) بنحوه.\n(٦) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٤٣٦) .","vol":"3","page":62},{"text":"وقوله ﷿: قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَماذا تَأْمُرُونَ لا محالةَ أنهم خافوا أمْرَ موسى، وجالَتْ ظنونهم كُلَّ مجالٍ، وقوله: فَماذا تَأْمُرُونَ الظاهرُ أنه من كلام المَلإ بعضِهِمْ لبعض، وقيل: إنه من كلام فرعونَ لهم، وَرَوى كَرْدم عَنْ نافعٍ: تَأْمُرُونَ «١» بكسر النون وكذلك في «الشعراء» [الشعراء: ٣٥] .\nو«ما»: استفهامُ، و«ذَا»: بمعنى الَّذي، فهما ابتداءٌ وخبرٌ، وفي «تأمرون»: ضميرٌ عائدٌ على الذي، تقديرُهُ: تَأْمُرونَ به، ويجوز أنْ تجعل «مَاذَا» بمنزلةِ اسم واحدٍ في موضع نصب ب «تأمرون» ولا يضمر فيه على هذا، وقوله: قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ أشار المَلأُ على فرعونَ بأن يؤخِّر موسى وهارون، وَيَدَعَ النظر في أمرهما، وَيَجْمَعَ السحرةَ، وحكَى النَّقَّاش أنه لم يكن يجالسُ فرعونَ وَلَدُ غِيَّةٍ، وإنما كانوا أشرافًا ولذلك أشاروا بالإِرجاء، ولم يشيروا بالقَتْل، وقالوا: إنْ قتلته، دخلَتْ على الناسِ شُبْهَةٌ، ولكنِ اغلبه بالحجة «٢» .\nوقوله سبحانه: وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ: «الأَجر» هنا: الأجْرَةُ.\nواختلف الناسُ في عدد السَّحَرة على أقوالٍ كثيرةٍ ليس لها سَنَدٌ يوقَفُ عنده «٣»، والحاصلُ من ذلك أنهم جَمْعٌ عظيم، وقوله تعالى: قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ قالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ، وخيَّر السحرةُ موسى في أن يتقدَّم في الإِلقاء أو يتأخَّر، وهذا فعْلُ المُدِلِّ الواثقِ بِنَفْسِهِ، والظاهرُ أنَّ التقدُّم في التخْييلاتِ وَالمَخَارِيقِ أنْجَحُ لأنَّ بديهتها تمضِي بالنفُوس، فليظهر اللَّه أمر نبوَّة موسَى، قوى نفسه ويقينه، وِوَثقَ بالحَقِّ، فأعطاهم التقدُّم، فَنَشَطُوا وَسُرُّوا حتَّى أظهر الله الحق،\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٢/ ٤٣٧) .\n(٢) ذكره ابن عطية (٢/ ٤٣٨) .\n(٣) انظر كيف كان المؤلف عليه رحمة الله يتحرى الدقة في النقل واهتمامه بالسند انطلاقا منه بأن السند من الدين!!.","vol":"3","page":63},{"text":"وأَبطَلَ سعيهم، وقوله سبحانه: سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ: نصٌّ في أن لهم فِعْلًا ما زائدًا على ما يُحْدِثُونه من التزْوِيقِ، وَاسْتَرْهَبُوهُمْ بمعنى: أرهبوهم، أي: فزَّعوهم، ووصف اللَّه سبحانه سِحْرَهُمْ ب «العَظِيم»، ومعنى ذلك مِنْ كثرته، ورُوِي أنهم جَلَبُوا ثَلاَثِمَائَةٍ وَسِتِّينَ بعيرًا موقُورَةً بالْحِبَالِ، والعِصِيِّ، فلما أَلْقَوْهَا، تحرَّكت، ومَلأَت الوادِيَ، يركَبُ بعضُها بعضًا فاستهول النَّاس ذلك، واسترْهَبَهم، قال الزَّجَّاج: قيل: إنهم جعلوا فيهم الزِّئْبَقَ، فكانَتْ لا تستقرّ «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-515>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١١٧ الى ١١٩]</span>\nوَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ (١١٧) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١١٨) فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ (١١٩)\nوقوله سبحانه: وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ:\nوروي أن موسى ﵇ لَمَّا كان يَوْمُ الجمعِ، خَرَجَ متَّكِئًا عى عصاه، ويُدُه في يَدِ أخيه، وقد صُفَّ له السحرةُ في عَدَدٍ عظيم/، حَسْبما ذُكِر، فلما أَلْقَوْا واسترهَبُوا، أَوحَي اللَّه إِليه أَنْ أَلْقِ، فألقى عصاه فإِذا هي ثعبانٌ مبينٌ، فعَظُم حتَّى كان كالجَبَل.\nوروي أن السحرة، لَمَّا أَلْقَوْا، وألقى موسَى، جعلوا يَرْقَوْنَ، وجَعَلَتْ حبالُهم تَعْظُمْ وجعلَتْ عصا موسى تَعْظُمُ حتى سدَّت الأُفُقَ، وابتلعت الكُلَّ، ورُوِي أن الثعبانَ استوفى تلك الحِبَالَ والعِصيَّ أَكْلًا، وأعْدَمها اللَّه ﷿، ومَدَّ موسى يده إِلى فمه، فعاد عصا كما كان، فعلم السَّحَرَةُ حينئذٍ أنَّ ذلك ليس من عند البَشَر، فَخَرُّوا سُجَّدًا مؤمنين باللَّه ورسوله، وتَلْقَفُ معناه: تبتلع وتَزْدَرِد، وقرأ ابن جبير «٢»: «تَلْقُم» بالميم.\nوقوله سبحانه: فَوَقَعَ الْحَقُّ ... الآية: أيْ: نَزلَ ووُجِد، وقال أبو حيان «٣»:\nفوقع، أي: فظهر، و«الحَقُّ»: يريدُ به سطوعَ البرهانِ، وظهور الإعجاز، وما كانُوا يَعْمَلُونَ لفظٌ يعمُّ سحْرَ السحرة، وسعْيَ فرعونَ، وشيعتِهِ، والضميرُ في قوله: فَغُلِبُوا:\nعائدٌ على جميعهم أيضًا، وفي قوله: وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ، إِنْ قَدَّرَنا انقلاب الجمع قبل إِيمان السحرة، فهم في الضمير، وإِن قدَّرناه بعد إِيمانهم، فليسوا في الضمير، ولا لحقهم صَغَارٌ لأنهم آمنوا واستشهدوا ﵃.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-516>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٢٠ الى ١٢٧]</span>\nوَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ (١٢٠) قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسى وَهارُونَ (١٢٢) قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (١٢٣) لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (١٢٤)\nقالُوا إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ (١٢٥) وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ (١٢٦) وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قالَ سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ (١٢٧)\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٢/ ٤٣٩) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٤٣٩)، وقال أبو عبيد: ويقال: لفق ولقم ولهم بمعنى واحد.\n(٣) ينظر: «البحر المحيط» (٤/ ٣٦٤) .","vol":"3","page":64},{"text":"وقوله سبحانه: وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ رَبِّ مُوسى وَهارُونَ قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ، لما رأَى السحرة من عظيم القدرة ما تيقّنوا به نبوَّة موسى، آمنوا بقلوبهم، وانضاف إِلى ذلك الاستهوال والاستعظام والفَزَعُ مِنْ قدرة اللَّه ﷿، فخرُّوا للَّه سبحانه مُتَطَارِحِينَ قائلين بألسِنَتِهِمْ: آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ رَبِّ مُوسى وَهارُونَ.\nقال ع «١»: وهارونُ أخو موسى أسَنُّ منه بثلاثِ سِنِينَ، وقولُ فرعون: آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ: دليلٌ عَلى وَهَنِهِ، وضَعْف أمره لأنه إِنما جعل ذَنْبَهُمْ عَدَمَ إِذنه، والضمير في «به» يحتمل أن يعود على اسم اللَّه سبحانه، ويحتملُ أنْ يعود على موسى ﵇، وعنَّفهم فرعونُ على الإِيمان قبل إِذْنِهِ، ثم ألزمهم أنَّ هذا كان عن اتفاق منهم، وروي في ذلك عن ابن عباس، وابن مسعود، أن موسى اجتمع مع رَئِيس السَّحَرة، واسْمُهُ شَمْعُونُ، فقال له موسى: أَرَأَيْتَ إِنْ غَلَبْتُكُمْ أتؤمنُونَ بي، فقالَ: نَعَمْ، فَعَلِمَ بذلك فرعونُ فلهذا قال: إِن هذا لمكْرٌ مكَرْتُمُوه في المدينة، ثم توعَّدهم «٢» .\nوقوله سبحانه: قالُوا إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا.. الآية: هذا استسلامٌ مِنْ مؤمني السَّحرة، واتكالٌ على اللَّه سبحانه، وثقةٌ بما عنده، وقرأ الجمهور «٣»: «تنْقِمُ» - بكسر القاف-، ومعناه: وما تَعُدّ علينا ذنبًا تؤاخذُنا به إِلاَّ أنْ آمنا، قال ابنُ عبَّاس وغيره فيهم: أَصْبَحُوا سَحَرَةً، وَأَمْسَوْا شُهَدَاءَ «٤»، قال ابن عباسٍ:\nلما آمنت السحرةُ اتبع موسى سِتُّمِائَةِ أَلْفٍ من بني إِسرائيل «٥»، وقولُ ملإِ فرعونَ:\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٤٤٠) . [.....]\n(٢) أخرجه الطبري (٦/ ٢٤) برقم: (١٤٩٦٣)، وذكره ابن عطية (٢/ ٤٤٠)، وابن كثير (٢/ ٢٣٨) .\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٤٤١)، و«البحر المحيط» (٤/ ٣٦٦) .\n(٤) أخرجه الطبري (٦/ ٢٥) برقم: (١٤٩٦٥)، وذكره ابن كثير (٢/ ٢٣٨) .\n(٥) ذكره ابن عطية (٢/ ٤٤١)، والبغوي (٢/ ١٩٠) .","vol":"3","page":65},{"text":"أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ ... الآية: مقالةٌ تتضمَّن إِغراء فرعون وتحريضَهُ، وقولُهم: وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ، رُويَ أن فرعون كان في زمنه للناس آلهةٌ مِنْ بقرٍ، وأصنامٍ، وغير ذلك، وكان فرعونُ قَدْ شَرَع ذلك، وَجَعل نَفْسَه الإله الأَعلَى فقوله على هذا أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى [النازعات: ٢٤] إنما يريدُ: بالنَّسْبة إِلى تلك المعبودات.\nوقيل: إِن فرعون كان يعبد حَجَرًا يعلِّقه في صَدْره. كأنه/ ياقوتَةٌ أو نحوها، وعن الحسنِ نحوه، وقوله: سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ، المعنى: سنستمرُّ عَلى ما كنا عليه مِنْ تعذيبهم، وقوله: وَإِنَّا فَوْقَهُمْ، يريد: في المنزلة، والتمكّن من الدنيا، وقاهِرُونَ: يقتضي تحقير أمرهم، أي: هم أقلُّ من أن يُهتمَّ بهم. قلت: وهذا من عَدُوِّ الله تجلُّدٌ، وإِلاَّ فقد قال فيما أخبر الله سبحانه به عنه: إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ وَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ [الشعراء: ٥٤، ٥٥، ٥٦] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-517>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٢٨ الى ١٣٢]</span>\nقالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (١٢٨) قالُوا أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا قالَ عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٢٩) وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٣٠) فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٣١) وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (١٣٢)\nوقوله سبحانه: قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا ... الآية: لما قال فرعونُ سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ، وتوعدهم، قال موسى لبني إسرائيل، يثبتهم، ويعدهم عن اللَّه تعالى: اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ، والأرض هنا: أرضُ الدنيا، وهو الأظهرُ.\nوقيل: المراد هنا أرضُ الجَنَّة، وأما في الثانية، فأرض الدنيا لا غير، والصَّبْرُ في هذه الآية: يعمُّ الانتظارَ الذي هو عبادةٌ، والصَّبْرَ في المناجزاتِ، والبأْسَ، وقولهم: أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا، يعنون به الذَّبْحَ الذي كان في المُدَّة التي كانَ فِرْعَون يتخوَّف فيها أنْ يولَدَ المولودُ الذي يُخَرِّبُ ملكه، وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنا، يعنون به وعيدَ فِرْعَونَ، وسائِرَ ما كان خلالَ تلك المدَّة، من الإخافة لهم.\nوقال ابنُ عباس «١» والسدّيُّ «٢»: إنما قالت بنو إسرائيل هذه المقالة، حين اتّبعهم\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٦/ ٢٩) برقم: (١٤٩٨٤)، وذكره ابن عطية (٢/ ٤٤٢) .\n(٢) أخرجه الطبري (٦/ ٢٩) برقم: (١٤٩٨٣) بنحوه، وذكره ابن عطية (٢/ ٤٤٢) .","vol":"3","page":66},{"text":"فرعون، واضْطَرَّهم إِلى البحر.\nقال ع «١»: وبالجملة فهو كلامٌ يجري مع المعهودِ مِنْ بني إِسرائيل مِن اضطرابهم على أنبيائهم، وقلَّةِ يقينهم، واستعطاف موسى لهم بقوله: عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ، ووعده لهم بالاستخلاف في الأرض، يدُلَّ على أنه يستدعي نفوسًا نافرةً ويقوِّي هذا الظنَّ في جهة بني إِسرائيل سلوكُهم هذا السبيلَ في غَيْر مَا قصَّةٍ، وقوله:\nفَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ تنبيهٌ وحضٌّ على الاستقامة، ولقد استخلفوا في مِصْرَ في زمن دَاوُدَ وسليمانَ، وقد فتحوا بَيْتَ المَقْدِسِ مع يُوشَعَ.\nوقوله سبحانه: وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ، أي: بالجُدُوب والقُحُوطِ، وهذه سِيرَةُ اللَّه في الأممِ، وقوله: وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ، أي: حتى رُوِيَ أن النخلة مِنْ نخلهم لا تَحْمَلُ إِلا ثمرةً واحدةً، وقال نحوه رجاءُ بْنُ حَيْوَة «٢» وفعل اللَّه تعالى بهم هذا لينيبوا ويَزْدَجِرُوا عَمَّا هم عليه من الكُفْرِ إِذ أحوالُ الشدَّة ترقُّ معها القلوبُ، وترغبُ فيما عند اللَّه سبحانه.\nوقوله ﷿: فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ ... الآية: كان القَصْدُ في إِصابتهم بِالقَحْط والنقْصِ في الثمراتِ أن ينيبوا ويرجعوا، فإذا هم قد ضَلُّوا، وجعلوها تشاؤمًا بموسى، فكانوا إِذَا اتفق لهم اتفاق حسنٌ في غَلاَّت ونحوها، قالوا: هذه لنا، وبسببنا، وإذا نالهم ضُرٌّ، قالوا: هذا بسبب موسى وشُؤْمِهِ قاله مجاهد «٣» وغيره، وقرأ الجمهور «٤» «يَطَّيَّرُوا» - بالياء وشدِّ الطاء والياءِ الأخيرة-، وقرأ طلحةُ بنُ مُصَرِّفٍ «٥» وغيره: «تَطِيرُوا» - بالتاء وتخفيف الطاء-، وقرأ «٦» مجاهدٌ: «تَشَاءَمُوا بمُوسَى» - بالتاء من فوق- وبلفظ الشؤم.\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٤٤٢) .\n(٢) أخرجه الطبري (٦/ ٢٩- ٣٠) برقم: (١٤٩٨٨)، وذكره ابن عطية (٢/ ٤٤٣)، وابن كثير (٢/ ٢٣٩)، والسيوطي (٣/ ٢٠٢)، وعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.\n(٣) أخرجه الطبري (٦/ ٣٠) برقم: (١٤٩٩٢)، وذكره ابن عطية (٢/ ٤٤٣)، والسيوطي (٣/ ٢٠٢)، وعزاه لابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٤٤٣)، و«البحر المحيط» (٤/ ٣٧٠)، و«الدر المصون» (٣/ ٣٢٧) .\n(٥) وهي قراءة عيسى بن عمر.\nينظر: «الشواذ» (٥٠)، و«المحرر الوجيز» (٢/ ٤٤٣)، و«البحر المحيط» (٤/ ٣٧٠)، و«الدر المصون» (٣/ ٣٢٧) .\n(٦) قال أبو حيان: فينبغي أن يحمل ذلك على التفسير لا على أنه قرآن لمخالفته سواد المصحف.\nينظر «البحر المحيط» (٤/ ٣٧٠)، و«المحرر الوجيز» (٢/ ٤٤٣) .","vol":"3","page":67},{"text":"وقوله سبحانه: أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ معناه: حظُّهم ونصيبهم قاله ابن عباس «١»، وهو مأخوذ من زَجْر الطَّيْرِ فسُمِّيَ ما عند اللَّه من القدر للإِنسان طائرًا لما كان الإِنسان يعتقدُ أنَّ كل ما يصيبه إِنما هو بحَسَب ما يراه في الطَّائِرِ، فهي لفظةٌ مستعارةٌ، ومهما أصلها عنْدَ الخليل مَامَا/، فأبدلت الألف الأولى هاء، وقال سيبوَيْهِ: هي «مَهْ مَا» خُلِطَتَا، وهي حَرْفٌ واحدٌ لمعنًى واحدٍ.\nوقال غيره: معناها: «مَهُ»، أي: كُفَّ، و«ما»: جزاءٌ، ذكره الزَّجَّاجُ، وهذه الآيةُ تتضمَّن طغيانهم، وعتوهم، وقَطْعَهم على أنفسهم بالكُفْر البحت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-518>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٣٣ الى ١٣٧]</span>\nفَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (١٣٣) وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ (١٣٤) فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ (١٣٥) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ (١٣٦) وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ (١٣٧)\nوقوله سبحانه: فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ ... الآية: الطُّوفانُ: مصْدَر مِنْ قولكّ:\nطَافَ يَطُوفُ، فهو عامٌ في كلِّ شيء يطُوفُ إِلاَّ أن استعمال العَرَب له كثيرٌ في الماءِ والمَطَر الشديد، قال ابن عبَّاس وغيره: الطُّوفَان في هذه الآية: هو المطر الشديدُ، أصابهم وتوالى عليهم حتَّى هدَّم بيوتَهُمْ وضيَّق عليهم «٢»، وقيل: طَمَّ فَيْضُ النِّيلِ عليهم، ورُوي في كيفيَّته قصصٌ كثيرةٌ، وقالتْ عائشة ﵂، عن النّبيّ ﷺ: «إِنَّ الطُّوفان المراد في هذه الآية هو الموت» «٣» .\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٦/ ٣١) برقم: (١٤٩٩٥) بلفظ: «مصائبهم عند الله»، برقم: (١٤٩٩٦) بلفظ: «الأمر من قبل الله»، وذكره ابن عطية (٢/ ٤٤٣)، والبغوي (٢/ ١٩٠) بنحوه، وابن كثير (٢/ ٢٣٩) بلفظ:\n«أي من قبل الله»، والسيوطي (٣/ ٢٠٢)، وعزاه لابن جرير، عن ابن عباس بلفظ: «مصائبهم»، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر.\n(٢) أخرجه الطبري (٦/ ٣١) برقم: (١٤٩٩٨)، (٦/ ٣٦) برقم: (١٥٠٢٨) بنحوه، وذكره ابن عطية (٢/ ٤٤٤)، وابن كثير (٢/ ٢٤٠) بنحوه، والسيوطي (٣/ ٢٠٣) بسندين، الأول: لأبي الشيخ، والثاني:\nلابن أبي حاتم وأبي الشيخ. [.....]\n(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٦/ ٣٢) برقم: (١٥٠٠٥)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٢٠٣)، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، وابن مردويه.","vol":"3","page":68},{"text":"قُلْتُ: ولو صحَّ هذا النقلُ، لم يبق مجملا وروي أن الله ﷿ لما والى عليهم المطر، غَرِقَتْ أرضهم، وامتنعوا من الزراعة قالوا: يا موسى ادع لنا ربك في كَشْف هذا الغَرَقِ، ونحن نؤمنُ، فدعا، فكَشَفَه اللَّه عنْهم، فأنبتتِ الأرضُ إنباتًا حسنًا، فنكَثُوا، وقالوا: ما نودُّ أنَّا لم نمطر، وما هذا إِلا إِحسانٌ مِنَ اللَّه إِلينا، فبعث اللَّه علَيْهم حينئذٍ الجَرَادَ، فأكل جميعَ ما أنبتَتِ الأرض، فروى ابنُ وَهْبٍ، عن مالكٍ أنه أكل حتى أبوابَهم، وأكل الحديدَ والمساميرَ، وضيَّق عليهم غايةَ التضْييق، وترك اللَّهُ مِنْ نباتهم ما يَقُومُ به الرَّمق «١»، فقالوا لموسى: ادع لنا ربَّك في كشف الجراد، ونحن نؤمن، فدعا اللَّه فكَشَفه «٢»، ورجعوا إِلى كفرهم، فبعث اللَّه عليه القُمَّل، وهي الدبى صغارُ الجَرَادِ، الذي يثب ولا يطير قاله ابن عباس «٣» وغيره، وقرأ الحسن: «القَمْل» «٤» - بفتح القاف، وسكون الميم- فهي على هذا القَمْلُ المعروفُ، وروي أن موسى مشى بعصاه إِلى كثيب أَهِيلٍ «٥»، فضربَهُ، فانتشر كُلُّه قُمَّلًا في مِصْر، ثم إِنهم قالوا: ادع في كَشْفِ هذا، فدعا فرَجَعُوا إلى طُغْيَانهم، وكُفرهم، فبعَثَ اللَّه عَلَيْهم الضَّفَادَع، فكانَتْ تدخلُ في فَرُشِهِمْ، وبَيْن ثيابهم، وإِذا هَمَّ الرجُلُ أن يتكلَّم، وَثَبَ ضفْدَعٌ في فَمِهِ.\nقال ابن جُبَيْر: كان الرجُلُ يجلسُ إلى ذقنه في الضفادع «٦» .\nوقال ابنُ عبَّاس: لما أُرْسِلَتِ الضفادِعُ عليهم، وكانَتْ بَرِّيَّةً، سمعتْ وأطاعت، فَجعلتْ تقذفُ أنفسها في القُدُور، وهي تغلي، فأثابها اللَّه بحُسْن طاعتها بَرْدَ «٧» الماء، فقالوا: يا موسى، ادع في كَشْف هذا فدعا، فكشفَ، فرجَعُوا إِلى كُفْرهم، فبعث اللَّه عليهم الدَّم، فرجع ماؤهم الذي يستقونه، ويَحْصُلُ عندهم دمًا، فرويَ أنه كان يستقي\n_________\n(١) الرّمق: بقية الحياة. وفي «الصحاح»: بقية الروح. وقيل: هو آخر النّفس.\nينظر: «لسان العرب» (١٧٣٢) .\n(٢) ذكره ابن عطية (٢/ ٤٤٤) .\n(٣) أخرجه الطبري (٦/ ٣٧) برقم: (١٥٠٣٠) بنحوه، وذكره ابن عطية (٢/ ٤٤٤)، والبغوي (٢/ ١٩٢) بلفظ: «القمل: السوس الذي يخرج من الحنطة»، والسيوطي (٣/ ٢٠٦) بلفظ: «القمل: الدبا» .\n(٤) ينظر: «الشواذ» (٥٠)، و«المحتسب» (١/ ٢٥٧)، و«الكشاف» (٢/ ١٤٨)، و«المحرر الوجيز» (٢/ ٤٤٤)، و«البحر المحيط» (٤/ ٣٧٣)، و«الدر المصون» (٣/ ٣٣٠) .\n(٥) أي: منهال لا يثبت.\nينظر: «لسان العرب» (٤٧٣٩) .\n(٦) أخرجه الطبري (٦/ ٣٤- ٣٥) برقم: (١٥٠٢٣)، وذكره ابن عطية (٢/ ٤٤٤) .\n(٧) أخرجه الطبري (٦/ ٣٧) برقم: (١٥٠٣١)، وذكره ابن عطية (٢/ ٤٤٤)، والبغوي (٢/ ١٩٢)، والسيوطي (٣/ ٢٠٦)، وعزاه لابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.","vol":"3","page":69},{"text":"القبْطِيُّ والإسرائيليُّ بإِناء واحدٍ، فإِذا خرج الماء، كان الذي يلي القِبْطِيَّ دمًا، والذي يلي الإِسرائيليَّ ماءً إِلى نحو هذا، وشبهه، من العذاب بالدَّمِ المنقلبِ عن الماء، هذا قول جماعة من المتأوِّلين.\nوقال زيدُ بن أسْلَمَ: إِنما سلط عليهم الرُّعَاف «١»، فهذا معنى قوله: وَالدَّمَ، وقوله: آياتٍ مُفَصَّلاتٍ التفصيل: أصله في الأجرام: إِزالة الاتصال، فهو تفريقُ شيئَيْن، فإِذا استعمل في المعاني، فيراد به أنه فُرِقَ بينها، وأُزِيلَ اشتباكها وإِشكالها، فيجيء من ذلك بيانها.\nوقالتْ فرقةٌ: مُفَصَّلاتٍ يراد بها: مفرَّقات في الزمَن.\nقال الفخر: قال المفسِّرون: كان العذابُ يبقى عليهم من السَّبْت إِلى السَّبْت، وبَيْنَ العذابِ والعذابِ شَهْرٌ، وهذا معنى قوله: آياتٍ مُفَصَّلاتٍ، على هذا التأويل، أي:\nفصلَ بين بعضها وبَعْضٍ بزمانٍ تمتحنُ فيه أحوالهم، ويُنْظَرُ أيقبلون الحُجَّة والدليلَ، أم يستمرُّون على الخلاف والتقليد. انتهى.\nوقوله ﷿: وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ/ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ ... الآية: «الرّجز»: العذابُ، والظاهر من الآية أنَّ المراد بالرجْزِ هنا العذابُ المتقدِّم الذكْر من الطُّوفان والجراد وغيره.\nوقال قوم: [إن] الرجْزَ هنا طاعون أنزله اللَّه بهم، واللَّه أعلم، وهذا يحتاجُ إلى سندٍ، وقولهم: بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لفظ يعمُّ جميع الوسائل بَيْنَ اللَّه وبَيْنَ موسى من طاعةٍ من موسى ونعمةٍ من اللَّه ﵎، ويحتمل أنْ يكون ذلك منهم على جهَةِ القَسَمِ على موسَى، وقولُهم: لَئِنْ كَشَفْتَ أي: بدعائك، لَنُؤْمِنَنَّ وَلَنُرْسِلَنَّ قسمٌ وجوابُه، وهذا عهدٌ من فرعونَ وَمَلَئِهِ، وروي أنه لما انكشف العذابُ، قال فرعون لموسى: اذهب ببني إسرائيل حيْثُ شِئْتَ، فخالفه بعْضُ مَلَئِهِ، فرجع ونكث، و«إذا» هنا للمفاجأة، والأَجَلُ: يراد به غايةُ كُلِّ واحد منهم بما يخصُّه من الهلاكِ والموتِ كما تقول: أخَّرْتُ كذا إِلى وقْتٍ، وأنْتَ لا تريد وقْتًا بعينه، فاللفظ متضمِّن توعُّدًا مَّا، وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ أي: غافلين عما تضمَّنته الآيات من النجاة والهدى.\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٢/ ٤٤٤)، وابن كثير (٢/ ٢٤٢)، والسيوطي (٣/ ٢٠٦)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم.","vol":"3","page":70},{"text":"وقوله تعالى: وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا ...\nالآية: الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ كناية عن بني إسرائيل، ومَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا.\nقال الحسنُ وغيره: هي الشامُ «١» . وقالتْ فرقة: يريد الأرضَ كلَّها وهذا يتَّجه إِمَّا على المَجازِ لأنه ملَّكهم بلادًا كثيرة، وإِما على الحقيقة في أَنَّه ملك ذرِّيَّتهم، وهمْ سليمانُ بنُ دَاوُدٌ، ويترجَّح التأويل الأَول بوَصْف الأرض بأنها التي بَارَكَ فيها سبحانه.\nوقوله سبحانه: وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى، أي: ما سبق لهم في علمه وكلامِهِ في الأزلِ من النَّجَاة من عدوِّهم، والظهور عليه قاله مجاهد «٢»، ويَعْرِشُونَ قال ابن عباس «٣» ومجاهد «٤»: معناه: يبنون.\nقال ع «٥»: رأيتُ للحسنِ البصريِّ ﵀ أنَّه احتجَّ بقوله سبحانه: وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ ... إلى آخر الآية على أنه ينبغي أَلاَّ يخرج عن ملوك السُّوء، وإِنما ينبغي أنْ يُصْبَر عليهم فإِن اللَّه سبحانه «٦» يدمِّرهم، ورأَيْتُ لغيره أنه إذا قابل الناس البلاء بمثله، وَكَّلَهُمُ اللَّهُ إلَيْه، وإِذا قابلوه بالصبر، وانتظارِ الفَرَجِ، أتى اللَّه بالفَرَج، ورُوِي هذا أيضا عن الحسن «٧» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-519>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٣٨ الى ١٤١]</span>\nوَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهًا كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨) إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٩) قالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (١٤٠) وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (١٤١)\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٦/ ٤٣- ٤٤) برقم: (١٥٠٥٣)، وذكره ابن عطية (٢/ ٤٤٦)، وابن كثير (٢/ ٢٤٢)، والسيوطي (٣/ ٢٠٨)، وعزاه لعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، وابن عساكر.\n(٢) أخرجه الطبري (٦/ ٤٤) برقم: (١٥٠٥٨) بنحوه، وذكره ابن عطية (٢/ ٤٤٦)، وابن كثير (٢/ ٢٤٢)، والسيوطي (٣/ ٢١٢)، وعزاه لابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.\n(٣) أخرجه الطبري (٦/ ٤٥) برقم: (١٥٠٦٠)، وذكره ابن عطية (٢/ ٤٤٧)، وابن كثير (٢/ ٤٤٢)، والسيوطي (٣/ ٢١٢)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم.\n(٤) أخرجه الطبري (٦/ ٤٥) برقم: (١٥٠٦١)، وذكره ابن عطية (٢/ ٤٤٧)، والبغوي (٢/ ١٩٤)، وابن كثير (٢/ ٢٤٢)، والسيوطي (٣/ ٢١٢)، وعزاه لابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.\n(٥) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٤٤٧) . [.....]\n(٦) ذكره ابن عطية (٢/ ٤٤٧)، والسيوطي (٣/ ٢١٢)، وعزاه لابن سعد، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.\n(٧) ذكره ابن عطية (٢/ ٤٤٧) .","vol":"3","page":71},{"text":"وقوله سبحانه: وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ: أي: بَحْرَ القُلْزُم، فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ، قيل: هم الكَنْعَانِيُّونَ.\nوقيل: هم مِنْ لَخْم وجُذام، والقَوْمُ فى كلام العرب: هم الرجَالُ خاصَّة يَعْكُفُونَ، العُكُوفُ: الملازمة عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ، قيل كانت بقرًا.\nوقال ابن جُرَيْج: كانت تماثيلَ بقرٍ من حجارةٍ وعيدانٍ ونحوها، وذلك كان أوَّل فتنةِ العِجْل، وقولهُم: اجْعَلْ لَنا إِلهًا كَما لَهُمْ آلِهَةٌ، يظهر منه استحسانهم لمَا رَأَوْه من تلك الآلهة بجهلهم فأرادوا أنْ يكون ذلك في شَرْع موسى، وفي جملة ما يُتقرَّبُ به إِلى اللَّه، وإِلاَّ فبعيدٌ أن يقولوا لموسَى: اجعل لنا صنمًا نُفْرِدُهُ بالعبادة، ونَكْفُر بربِّك وعلى هذا الذي قلت يقع التشابه الذي نصّه النبيّ ﷺ في قَوْلِ أَبي واقِدٍ اللِّيْثِّي اجعل لَنَا، يَا رَسُولَ اللَّه، ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذات أنواط «١»، فأنكره النبيّ ﷺ وَقَالَ: «اللَّهُ أَكْبَر! قُلْتُمْ واللَّهَ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ اجْعَلْ لَنا إِلهًا كَما لَهُمْ آلِهَةٌ: لَتَّتبعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ ...»\nالحديث «٢»، ولم يقصد أبو واقدٍ بمقالته فسادًا، وقال بعضُ الناسَ كان ذلك من بني إسرائيل كفرًا، ولفظةً «الإله» تقتضي ذلك، وهذا محتملٌ، وما ذكرتُهُ أولًا أصحُّ، واللَّه أعلم.\nقلتُ: وقولهم: هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى [طه: ٨٨]، وجواب موسى هنا يقوِّي الاحتمال الثاني، نعم: الَّذي يجب أن يعتقد أنَّ مِثْلَ هذه المقالاتِ إنما صدرت من\n_________\n(١) هي اسم شجرة بعينها كانت للمشركين ينوطون بها سلاحهم، أي: يعلقونه بها، ويعكفون حولها، فسألوه أن يجعل لهم مثلها، فنهاهم عن ذلك. وأنواط: جمع نوط، وهو مصدر سمي به المنوط.\nينظر: «النهاية» (٥/ ١٢٨) .\n(٢) أخرجه الترمذي (٤/ ٤٧٥) كتاب «الفتن» باب: ما جاء لتركبن سنن من كان قبلكم، حديث (٢١٨٠)، وأحمد (٥/ ٢١٨)، والنسائي في التفسير (١/ ٤٩٩- ٥٠٠)، والحميدي (٨٤٨)، والطيالسي (١٣٤٦)، وعبد الرزاق (٢٠٧٦٣)، وأبو يعلى (٣/ ٣٠) برقم: (١٤٤١)، وابن حبان (١٨٣٥- موارد)، وابن أبي عاصم في «السنة» (٧٦)، والطبراني (٣٢٩٠، ٣٢٩٤) كلهم من طريق سنان بن أبي سنان، عن أبي واقد الليثي به.\nوقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٢١٣)، وزاد نسبته إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، وابن مردويه.","vol":"3","page":72},{"text":"أشرارهم وقريبي العَهْد بالكُفْر، قال الشيخُ الحافظُ أبو القاسِمِ عَبْدُ الرحمن بْنُ عبْدِ اللَّهِ الخَثْعَمِيُّ ثم السُّهَيْليُّ ذكر النَّقَّاش في قوله تعالى: فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ أنهم كانوا مِنْ لَخْمٍ، وكانو يعبُدُون أصنامًا على صور البقر، وأنَّ السامِريَّ كان أصله منهم، ولذلك نزع إِلى عبادة العجْلِ. انتهى، واللَّه أعلم، وهذا هو معنى ما تقدَّم من كلام ع «١»، وقوله: إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ، أي: مُهْلَكٌ، مُدَمَّر، رديء العاقبة، والتّبار: الهلاك، وإناء مُتَبَّرٌ، أي: مكسورٌ، وكسارته تِبْرٌ ومنه: تِبْرُ الذَّهَبِ لأنه كسارة، وقوله: مَّا هُمْ فِيهِ يعمّ جميع أحوالهم وباطِلٌ: معناه: فاسد ذاهب مضحملّ، وأَبْغِيكُمْ معناه: أطلبُ.\nثم عدَّد عليهم سبحانه في هذه الآية النِّعَمَ التي يجبُ من أجلها أَلاَّ يكفروا به، ولا يَرْغَبُوا في عبادة غيره، فقال: وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ ... الآية، ويَسُومُونَكُمْ معنا: يحمِّلُونكم، ويكلِّفونكم، ومساوَمَةُ البيع تنظر إِلى هذا فإِنْ كلَّ واحد من المتساوِمَيْن يكلِّف صاحبه إِرادَتُه، ثم فَسَّرَ سوء العذاب بقوله: يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ ... الآية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-520>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٤٢ الى ١٤٥]</span>\nوَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (١٤٢) وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقًا فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣) قالَ يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٤٤) وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ (١٤٥)\nوقوله سبحانه: وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ ... الآية: قال ابن عباس وغيره: الثلاثون ليلة هي شهر ذي القعدة، وأن العشر هي عَشْرُ ذي «٢» الحِجَّة، وروي أن الثلاثين إِنما وعد بأن يصومَهَا، وأَنَّ مدة المناجاة هِيَ العَشْر، وحيث ورد أنَّ المواعدة أربعُونَ ليلةً، فذلك إِخبار بجملة الأمْر، وهو في هذه الآية إِخبار بتفصيله، والمعنى في قوله: وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ: أنه خلق لَهُ إِدراكًا سَمِعَ به الكلام القائم بالذات القديم\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٤٤٨) .\n(٢) أخرجه الطبري (٦/ ٤٨) برقم: (١٥٠٧٦)، وذكره ابن عطية (٢/ ٤٤٩)، وابن كثير (٢/ ٢٤٣)، والسيوطي (٣/ ٢١٤)، وعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.","vol":"3","page":73},{"text":"الذي هو صفةُ ذاتٍ، وكلامُ اللَّه سبحانه لا يشبه كلامَ المخلوقين «١»، وليسَ في جهة مِنَ الجهاتِ، وكما هو موجودٌ لا كالموجودات، ومعلومٌ لا كالمعلومات كذلك كلامه لا يُشْبِهُ الكلامَ الذي فيه علاماتُ الحدوثِ، وجَوابُ «لَمَّا» في قوله: قالَ، والمعنى أنَّه لمَّا كلَّمه اللَّه ﷿، وخصَّه بهذه المرتبة، طَمَحَتْ همته إِلى رُتْبة الرؤْية، وتشوَّق إِلى ذلك، فسأل ربّه الرؤية، ورؤية الله ﷿ عند أهل السنة جائزةٌ عقْلًا لأنه من حيثُ هو موجودٌ تصحُّ رؤيته قالوا: لأن الرؤية للشَّيْءِ لا تتعلَّق بصفةٍ مِنْ صفاته أَكْثَرَ من الوُجُود، فموسى ﵇ لم يسأَلْ ربَّه محالًا، وإِنما سأله جائزًا، وقوله سبحانه: لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ ... الآية: ليس بجواب مَنْ سأل محَالًا، و«لَنْ» تنفي الفَعْلَ المستقبَلَ، ولو بقينا مع هذا النفي بمجرده، لقضينا أنه لا يراه موسى أبدًا، ولا في الآخرةِ، لكنْ ورد من جهة أخرى بالحديثِ المتواتر أنَّ أهل الإِيمانَ يَرَوْنَ اللَّه يوم القيامة، فموسى ﵇ أحرَى برؤيته، قُلْتُ: وأيضًا قال تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ [القيامة: ٢٢، ٢٣]، فهو نصّ في الرؤية بيّنه ﷺ ففي «الترمذيُّ» عن ابن عُمَرَ، قال: قَالَ رسولُ الله ﷺ «إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى جنانه وأزواجه ونعيمه وخدمه وسرره مسيرة ألف سنة، وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشيّة»، ثم\n_________\n(١) لا خلاف لأرباب الملل جميعا في كون الباري تعالى متكلما، وإنما الخلاف في معنى كلامه، وهل هو قديم أو حادث، وقد قام الدليل السمعي على إثبات الكلام لله تعالى، وهو ما نقل تواترا عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من أنه تعالى أمر بكذا، ونهى عن كذا، وأخبر بكذا. وكل هذا من أقسام الكلام، وليس في إثبات الكلام للواجب تعالى بما نقل تواترا عن الأنبياء دور لأن ظهور المعجزة كاف في الدلالة على صدقهم في دعواهم النبوّة، وليس تصديقه تعالى لهم كلاما حتى يجيء الدور، بل تصديقه لهم بإظهار المعجزة على صدق دعواهم، سواء كانت المعجزة من جنس الكلام من حيث كونه معجزا، كالقرآن أو كانت شيئا آخر.\nوالأشاعرة يقولون: كلام الواجب وصف له، ووصف القديم قديم. ويريدون من «الكلام» المعنى النفسي.\nفكلامه تعالى صفة أزلية قائمة بذاته تعالى منافية للسكوت والآفة كما في الخرس والطفولية، ليست من جنس الأصوات والحروف، هو بها أمر ناه. وتلك الصفة واحدة في ذاتها وإن اختلفت العبارات الدالة عليها كما إذا ذكر الله تعالى بألسنة مختلفة.\nوخالفت الفرق جميعها الأشاعرة فيما ذكر، فقد اتفقوا على نفي كونه صفة نفسية. حيث قالوا: هو اللفظ المنتظم من الحروف المسموعة الدالة على المعاني المقصودة. وافترقت هذه الطوائف إلى ثلاثة فرق، وزعموا أنه لا معنى للكلام إلا المنتظم من الحروف المسموعة الدالة على المعاني المقصودة، وأن الكلام النفسي غير معقول.\nينظر: «تحقيق صفة الكلام» لشيخنا حافظ محمد مهدي.","vol":"3","page":74},{"text":"قرأ رسول الله ﷺ: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ [القيامة: ٢٢، ٢٣] «١»، قال أبو عيسى: وقد روي هذا الحديث مِنْ غير وجه مرفوعًا، وموقوفًا. انتهى.\nقال مجاهد وغيره: إن الله ﷿ قال له: يا موسى، لن تراني، ولكنّ سأتجلَّى للجَبَل، وهو أقوى منك، وأَشَدُّ فإِن استقر وأطاقَ الصبْرَ لهيبتي، فسَتُمْكِنُكَ أَنْتَ رؤيتي «٢» .\nقال ع «٣»: فعلى هذا إِنما جعل اللَّه الجَبَل مثالًا، قلتُ: وقول ع «٤»: ولو بَقِينَا مع هذا النفي بمجرده، لقضينا أنه لا يراه موسَى أبدًا ولا في الآخرة، قولٌ مرجوحٌ لم يتفطَّن له ﵀، والحقُّ الذي لا شَكَّ فيه أَنَّ «لن» لا تقتضي النفي المؤبّد «٥» .\n_________\n(١) أخرجه الترمذي (٥/ ٤٣١) كتاب «التفسير» باب: «ومن سورة القيامة»، حديث (٣٣٣٠)، والطبري في «تفسيره» (١٢/ ٣٤٤) برقم: (٣٥٦٦٦) كلاهما من طريق إسرائيل عن ثوير عن عبد الله بن عمر به.\nوقال الترمذي: هذا حديث غريب، وقد رواه غير واحد عن إسرائيل مثل هذا مرفوعا، ورواه عبد الملك بن أبجر، عن ثوير، عن ابن عمر من قوله، ولم يرفعه. اهـ.\nقلت: بل رواه عبد الملك بن أبجر، عن ثوير، عن ابن عمر مرفوعا.\nأخرجه الحاكم (٢/ ٥٠٩) من طريق عبد الملك به وقال: تابعه إسرائيل بن يونس، عن ثوير، عن ابن عمر.\nوقال أيضا: وثوير بن أبي فاختة، وإن لم يخرجاه، فلم ينقم عليه غير التشيع.\nوتعقبه الذهبي فقال: بل هو واهي الحديث. والحديث ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٤٧٠)، وعزاه إلى ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، والآجري في «الشريعة»، والدارقطني في «الرؤية»، وابن مردويه، واللالكائي في «السنة» .\n(٢) أخرجه الطبري (٦/ ٥٤) برقم: (١٥١٠٠) بنحوه، وذكره ابن عطية (٢/ ٤٥٠)، والسيوطي (٣/ ٢٢١)، وعزاه لعبد بن حميد.\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٤٥٠) .\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٤٥٠) .\n(٥) لن: لا يلزم من نفيها التأبيد، وإن كان بعضهم فهم ذلك، حتّى إن ابن عطية قال: فلو بقينا على هذا النفي بمجرده لتضمن أن موسى لا يراه أبدا، ولا في الآخرة، لكن ورد من جهة أخرى الحديث المتواتر أن أهل الجنة يرونه، قلت: وعلى تقدير أنّ «لن» ليست مقتضية للتأبيد، فكلام ابن عطية وغيره ممن يقول: إنّ نفي المستقبل بعدها يعمّ جميع الأزمنة المستقبلة صحيح، لكن لمدرك آخر، وهو أن الفعل نكرة، والنكرة في سياق النفي تعمّ، وللبحث فيه مجال. والاستدراك في قوله: وَلكِنِ انْظُرْ واضح.\nوقال الزمخشري: فإن قلت: كيف اتصل الاستدراك في قوله: وَلكِنِ انْظُرْ؟ قلت: اتصل به على معنى أن النظر إليّ محال فلا تطلبه، ولكن اطلب نظرا آخر، وهو أن تنظر إلى الجبل. وهذا على رأيه من أن الرؤية محال مطلقا في الدنيا والآخرة.\nينظر: «الدر المصون» (٣/ ٣٣٨- ٣٣٩) .","vol":"3","page":75},{"text":"قال بدْرُ الدين أبو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مالِكٍ/ في شرح التَّسْهِيلِ: «وَلَنْ» كغيرها من حروفِ النفي في جواز كون استقبال المنفيِّ بها منقَطعًا عنْدَ حَدٍّ وغَيْرَ منقطعٍ، وذكر الزمخشريُّ في «أُنْمُوذجِهِ» أَنَّ «لَنْ» لتأبيدِ النفْي، وحاملُهُ على ذلك اعتقادُهُ أنَّ اللَّه تعالى لا يُرَى، وهو اعتقادٌ باطلٌ لصحَّةَ ثبوتِ الرؤية عن رسول الله ﷺ واستدل على عدم اختصاصها بالتأبيد بمجيء استقبال المنْفِيِّ بها مُغَيًّا إِلى غايةٍ ينتهي بانتهائها، كما في قوله تعالى: قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى [طه: ٩١]، وهو واضح. انتهى، ونحوه لابْنِ هشامٍ، ولفظه: ولا تفيدُ «لَنْ» توكيدَ المنفيِّ خلافًا للزمخشريِّ في «كشافه»، ولا تأْبِيدَهُ، خلافًا له في «أنموذجه»، وكلاهما دعوى بلا دليلٍ قيل: ولو كانَتْ للتأبيدِ، لم يقيد منفيُّها ب «اليوْم» في فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا [مريم: ٢٦] ولكان ذكْرُهُ «الأَبَدَ» في وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا [البقرة: ٩٥] تَكْرارًا، والأصل عدمه. انتهى من «المغني» .\nوقوله سبحانه: فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ: التجلِّي: هو الظهورُ منْ غير تشبيهٍ ولا تكييفٍ، وقوله: جَعَلَهُ دَكًّا، المعنى: جعله أرضًا دكًّا، يقال: ناقةٌ دَكَّاء، أَيْ: لا سنامَ لها، وَخَرَّ مُوسى صَعِقًا، أي: مغشيًّا عليه، قاله جماعة من المفسِّرين.\nقال ص: وَخَرَّ معناه سقَطَ، وقوله: سُبْحانَكَ، أي: تنزيهًا لك كذا فسَّره النبيّ ﷺ، وقوله: تُبْتُ إِلَيْكَ، معناه: منْ أن أسألك الرُّؤْية في الدنيا، وأنْتَ لا تبيحها فيها.\nقال ع «١»: ويحتمل عنْدي أنه لفظ قاله ﵇ لشدَّة هَوْل المَطْلَعَ، ولم يعن التَّوْبَة مِنْ شيء معيَّن، ولكنَّه لفظٌ لائقٌ بذلك المقامِ، والذي يتحرَّز منه أَهْلُ السنة أنْ تكون تَوْبَةً من سؤال المُحَال كما زعَمَتِ المعتزلةُ، وقوله: وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ، أي:\nمِنْ قومه قاله ابن عباس «٢» وغيره، أَو مِنْ أَهْلِ زمانه إِنْ كان الكُفْر قد طَبَّق الأرض، أو أولُ المؤمنين بأنك لا ترى في الدنيا قاله أبو العالية «٣» .\nوقوله سبحانه: فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ فيه تأديبٌ، وتقنيعٌ، وحملٌ على جادَّة السلامة، ومثالٌ لكلِّ أحدٍ في حاله، فإِن جميع النّعم من عند الله سبحانه بمقدار،\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٤٥٢) .\n(٢) أخرجه الطبري (٦/ ٥٦) برقم: (١٥١١٠)، وبرقم: (١٥١١١) وذكره ابن عطية (٢/ ٤٥٢)، وابن كثير (٢/ ٢٤٥)، والسيوطي (٣/ ٢٢٢)، وعزاه لابن جرير، وابن مردويه، والحاكم وصححه. [.....]\n(٣) ذكره ابن عطية (٢/ ٤٥٢)، وابن كثير (٢/ ٢٤٥)، والسيوطي (٣/ ٢٢٣)، وعزاه لعبد بن حميد، وأبي الشيخ.","vol":"3","page":76},{"text":"وكُلُّ الأمور بِمَرْأًى منه ومَسْمَعٍ، وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، أي: مِنْ كل شيءٍ يَنْفَعُ في معنى الشرْع، وقوله: وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ مثُلُه، وقوله: بِقُوَّةٍ، أي: بجدٍّ وصبرٍ عليها قاله ابن عباس «١»، وقوله: بِأَحْسَنِها يحتملُ معنيين.\nأحدهما: التفضيلُ كما إِذا عرض مثلًا مباحانِ كالعفو والقِصَاصِ، فيأخذون بالأحْسنِ منهما.\nوالمعنى الثاني: يأخذون بَحَسن وَصْفِ الشريعة بجملتها كما تقول: اللَّه أَكْبَرُ، دون مقايسة.\nوقوله سبحانه: سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ، الرؤية هنا: رؤيةُ عَيْن هذا هو الأظهر إِلا أن المعنى يتضمَّن الوعد للمؤمنين، والوعِيدَ للفاسقين، ودارٌ الفاسقين: قيل: هي مِصْرُ، والمراد آل فرعون، وقيل: الشام، والمراد العَمَالِقَةُ وقيل: جَهَنَّم، والمرادُ الكَفَرَةُ بموسى، وقيل غير هذا ممَّا يفتقرُ إِلى صحة إِسناد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-521>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٤٦ الى ١٤٧]</span>\nسَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُوا بِها وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ (١٤٦) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٤٧)\nوقوله تعالى: سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ ... الآية: المعنى:\nسأَمْنَعُ وأصُدُّ، قال سفيان بن عُيَيْنَة: الآياتُ هنا كلُّ كتابٍ منزّل «٢» .\nقال ع «٣»: والمعنى عن فَهْمِها وتصدِيقها، وقال ابن جُرَيْج: الآياتُ: العلامات المنصوبة الدالَّة على الوحدانية، والمعنى: عن النظر فيها، والتفكُّر والاستدلال بها، واللفظُ يعمُّ الوجْهَيْن «٤» /، والمتكبِّرون في الأرض بغير الحَقِّ: هم الكُفَّار، قُلْتُ: ويدخل في هذا\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٦/ ٥٨) برقم: (١٥١٢٢)، وذكره ابن عطية (٢/ ٤٥٢)، والسيوطي (٣/ ٢٣٣)، وعزاه لابن جرير.\n(٢) أخرجه الطبري (٦/ ٦٠) برقم: (١٥١٣٢) بنحوه، وذكره ابن عطية (٢/ ٤٥٤)، والبغوي (٢/ ٢٠٠) بنحوه، وابن كثير (٢/ ٢٤٧)، والسيوطي (٣/ ٢٣٤)، وعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٤٥٤) .\n(٤) أخرجه الطبري (٦/ ٦١) برقم: (١٥١٣٣) بنحوه، وذكره ابن عطية (٢/ ٤٥٤)، والبغوي (٢/ ٢٠٠)، والسيوطي (٣/ ٢٣٤)، وعزاه لابن المنذر، وأبي الشيخ.","vol":"3","page":77},{"text":"المعنى مَنْ تشبَّهَ بهم من عُصَاة المؤمنين، والمعنى في هذه الآية: سأجْعَلُ الصَّرْف عن الآيات عقوبةً للمتكبِّرين على تكبُّرهم، وقوله: وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُوا بِها حَتْمٌ من اللَّه على الطائفةِ التي قَدَّر عليهم أَلاَّ يؤمنوا، وقوله: ذلِكَ: إِشارة إِلى الصَّرْف المتقدِّم.\nوقوله سبحانه: وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ ... الآية: هذه الآية مؤكَّدة للتي قبلها، وفيها تهديد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-522>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٤٨ الى ١٥١]</span>\nوَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكانُوا ظالِمِينَ (١٤٨) وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (١٤٩) وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفًا قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْواحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١٥٠) قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (١٥١)\nوقوله سبحانه: وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ:\nالخُوَارُ: صَوْتُ البقر، وقرأَتْ فرقة: «لَهُ جُؤَارٌ» - بالجيم-، أيْ: صِيَاحٌ، ثم بيَّن سبحانه سُوءَ فِطَرهم، وقرَّر فساد اعتقادهم بقوله: أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ ... الآية: وقوله:\nوَكانُوا ظالِمِينَ: إِخبارٌ عن جميع أحوالهم ماضيًا، وحالًا، ومستقبلًا، وقد مَرَّ في «البقرة» قصَّة العِجْلِ فأغنى عن إِعادته.\nقال أبو عُبَيْدة: يقال لمن نَدِمَ على أمْرٍ، وعَجَز عنه: سُقِطَ في يَدِهِ، وقولُ بني إِسرائيل: لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا، إِنما كان بَعْدَ رجوعِ موسى، وتَغَيُّرِهِ عليهم، ورؤيتِهِمْ أنهم قد خَرَجُوا من الدِّين، ووقعوا في الكُفْر.\nوقوله سبحانه: وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفًا، يريد: رجَعَ من المُنَاجَاة، والأَسَفُ: قد يكون بمعنى الغَضَبِ الشديدِ، وأكثرُ ما يكونُ بمعنى الحُزْن، والمعنيانِ مترتبان هنا.\nوعبارةُ ص: غَضْبانَ: صفةُ مبالغةٍ، والغَضَبُ غليان القلب بسبب ما يؤلم وأَسِفًا: مِنْ أَسِفَ، فهو أَسِفٌ، كَفَرِقَ فهو فَرِقٌ، يدل على ثبوت الوصف، ولو ذُهِبَ به مَذْهَبُ الزمان، لقيل: آسِف على وزن فَاعِل، والأَسَفُ: الحزنُ. انتهى.\nوقوله تعالى: أَعَجِلْتُمْ، معناه: أسابقتم قضاء رَبِّكُم، واستعجلتم إِتْيَانِي قبل الوقت الذي قدر به، قال سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عباس: كان سببُ إِلقائه الأَلْوَاحَ- غضبه على","vol":"3","page":78},{"text":"قومه في عبادتهم العِجْل، وَغَضَبَهُ على أخيه في إِهمال أَمرهم «١» .\nقال ابن عباس: لمَّا ألقاها، تكسَّرت، فَرُفِعَ أكثَرُها الذي فيه تفصيلُ كلِّ شيء، وبقي الذي في نُسْخَتِهِ الهدى والرحمة، وهو الذي أخذ «٢» بعد ذلك، قال ابن عبَّاس: كانت الألواح مِنْ زُمُرُّدِ، وقيل: من ياقوتٍ، وقيل: من زَبَرْجَدٍ، وقيل: من خشبٍ، واللَّه أعلم «٣» .\nوقوله: ابْنَ أُمَّ استعطافٌ برحمِ الأمِّ إذ هو ألْصَقُ القراباتِ، وقوله: كادُوا، معناه: قاربوا، ولم يَفْعَلُوا، وقوله: وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، يريد: عَبَدَةَ العجْلِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-523>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٥٢ الى ١٥٥]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (١٥٢) وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٥٣) وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ وَفِي نُسْخَتِها هُدىً وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (١٥٤) وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ (١٥٥)\nوقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، وقد وقع ذلك النَّيْلُ بهم في عَهْدِ موسى ﵇، فالغضبُ والذِّلَّة هو أمرهم بقَتْل أنفسهم، وقال بعض المفسِّرين: الذِّلَّة: الجِزْيَة، ووَجْه هذا القول أن الغضب والذِّلَّة بقيتْ في عَقِبِ هؤلاء، وقال ابن جُرَيْج: الإِشارةُ إلى من مات من عَبَدة العجْل قبل التوبة بقَتْل الأنْفُس، وإِلى مَنْ فَرَّ، فلم يكُنْ حاضرًا وقت القَتْلِ «٤»، والغَضَبُ من اللَّه ﷿، إِن أخذ بمعنى الإِرادة، فهو صفةُ ذات، وإِن أُخِذ بمعنى العقوبةِ وإِحلالِ النِّقْمة، فهو صفةُ فِعْلٍ، وقوله: وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ، المرادُ أَولًا أولئك الَّذين افتَرْوا عَلَى الله سبحانه\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٦/ ٦٥) برقم: (١٥١٣٨)، وذكره ابن عطية (٢/ ٤٥٧) .\n(٢) أخرجه الطبري (٦/ ٦٧) برقم: (١٥١٤٧) بنحوه، وذكره ابن عطية (٢/ ٤٥٧)، والسيوطي (٣/ ٢٣٥)، وعزاه لأبي الشيخ.\n(٣) أخرجه الطبري (٦/ ٦٧) برقم: (١٥١٤٧) بنحوه، وذكره ابن عطية (٢/ ٤٥٢)، والبغوي (٢/ ١٩٩)، والسيوطي (٣/ ٢٢٥)، وعزاه لابن أبي حاتم.\n(٤) أخرجه الطبري (٦/ ٧٠- ٧١) برقم: (١٥١٥٧)، وذكره ابن عطية (٢/ ٤٥٨) .","vol":"3","page":79},{"text":"في عبَادة العِجْل، وتكونُ قوَّة اللفظ تَعُمُّ كُلَّ مفترٍ إلى يوم القيامة، وقد قال سفيان «١» بن عُيَيْنَة وأبو قِلاَبة «٢» وغيرهما/: كلُّ صاحب بدعة أو فِرْيَة، ذليلٌ واستدلوا بالآية.\nوقوله سبحانه: وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ... الآية تضمَّنت وعدًا بأن اللَّه سبحانه يغفرُ للتائبين وقرأ معاوية بنُ قُرَّة «٣» «وَلَمَّا سَكَنَ عَنْ مُوسَى الغَضَبُ» .\nقال أبو حَيَّان «٤»: واللام في لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ مُقَوِّية لوصولِ الفعْلِ، وهو يَرْهَبُونَ إلى مفعوله المتقدِّم.\nوقال الكوفيُّون: زائدةٌ «٥» .\nوقال الأخفشُ: لام المفعول له، أي: لأجْلِ ربِّهم. انتهى.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٦/ ٧٢) برقم: (١٥١٦١)، وذكره ابن عطية (٢/ ٤٥٨)، والبغوي (٢/ ٢٠٢)، وابن كثير (٢/ ٢٤٨)، والسيوطي (٣/ ٢٣٦) .\n(٢) أخرجه الطبري (٦/ ٧١) برقم: (١٥١٥٩)، وذكره ابن عطية (٢/ ٤٥٨)، والبغوي (٢/ ٢٠٢)، وابن كثير (٢/ ٢٤٨) بنحوه، والسيوطي (٣/ ٢٣٦)، وعزاه لعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.\n(٣) معاوية بن قرّة بن إياس المزني أبو إياس البصري. عن علي مرسلا، وابن عباس، وابن عمر. وعنه قتادة وشعبة وأبو عوانة وخلق، وثقه ابن معين وأبو حاتم.\nقال خليفة: مات سنة ثلاثة عشرة ومائة، ومولده يوم الجمل. ينظر: «الخلاصة» (٣/ ٤١- ٤٢)، «التقريب»: (٢/ ٢٦١)، «الثقات» (٥/ ٤١٢) .\n(٤) ينظر: «البحر المحيط» (٤/ ٣٩٦) .\n(٥) وفي اللام أقوال:\nأحدها أن اللام مقوية للفعل، لأنه لما تقدم معموله ضعف فقوي باللام، كقوله: إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ اللام تكون مقوية حيث كان العامل مؤخرا، أو فرعا، نحو: فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ، ولا تزاد في غير هذين إلا ضرورة عند بعضهم، كقوله:\nفلمّا أن توافقنا قليلا ... أنخنا للكلاكل فارتمينا\nأو في قليل من الكلام عند آخرين، كقوله تعالى: رَدِفَ لَكُمْ.\nوالثاني: أن اللام لام العلة، وعلى هذا فمفعول «يرهبون» محذوف، تقديره: يرهبون عقابه لأجله، وهذا مذهب الأخفش.\nالثالث: أنها متعلقة بمصدر محذوف، تقديره: الذين هم رهبتهم لربهم، وهو قول المبرد، وهذا غير جار على قواعد البصريين، لأنه يلزم منه حذف المصدر، وإبقاء معموله، وهو ممتنع إلا في شعر.\nوأيضا فهو تقديره مخرج للكلام عن وجه فصاحته.\nالرابع: أنها متعلقة بفعل مقدر أيضا، تقديره: يخشعون لربهم، ذكره أبو البقاء، وهو أولى مما قبله.\nينظر: «الدر المصون» (٣/ ٣٥٠) . [.....]","vol":"3","page":80},{"text":"قلْتُ: قال ابنُ هِشَامٍ في «المُغْني» ولام التقْويَةِ هي المَزِيدَةُ لتقويةٍ عاملٍ ضَعُفَ إِما لتأخير نحو: لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ، وإِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ [يوسف: ٤٣] أو لكَوْنِهِ فرعًا في العمل نحو: مُصَدِّقًا لِما مَعَهُمْ [البقرة: ٩١] فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ [البروج:\n١٦]، وقد اجتمع التأخيرُ والفرعيةُ في: وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ [الأنبياء: ٧٨] . انتهى.\nوقوله: وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ ... الآية: قال الفَخْرُ»\n: قال جماعة النحوِّيين:\nمعناه: واختار موسى مِنْ قومه، فحذف «مِنْ»، يقال: اخترت مِنَ الرجالِ زيْدًا، واخترْتُ الرجالَ زَيْدًا. انتهى.\nقال ع «٢»: معنى هذه الآية أَن موسى ﵇ اختار مِنْ قومه هذه العِدَّة لَيَذْهَبَ بهم إِلى مَوْضِعِ عبادةٍ وابتهالٍ ودعاءٍ، فيكون منه ومنهم اعتذار إِلى اللَّه سبحانه مِنْ خطإِ بني إِسرائيل في عبادةِ العِجْلِ، وقد تقدَّم في «سورة البقرة» [البقرة: ٥١] قصصهم، قالتْ فرقة من العلماء: إِنَّ موسى ﵇ لمَّا أعلمه اللَّه سبحانه بعبادة بني إِسرائيل العِجْلَ، وبصفته، قالَ موسى: أيْ ربِّ، ومَنْ اختاره؟ قَالَ: أنا، قال موسى: فأنْتَ، يا ربِّ، أضْلَلْتهُمْ، إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ أيْ: إِنَّ الأمور بيدك تفْعلُ ما تريد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-524>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٥٦ الى ١٥٧]</span>\nوَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ (١٥٦) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)\nوقوله سبحانه: وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً ... الآية: اكْتُبْ: معناه:\nأَثْبتْ واقض، والكَتْب: مستعمل في كلّ ما يخلّد، وحَسَنَةً: لفظ عامٌّ في كل ما يحسن في الدنيا من عاقبة وطاعة للَّه سبحانه، وغَيْرِ ذلك، وحَسَنَةُ الآخرةِ: الجَنَّة، لا حَسَنَةَ دونها، ولا مرمى وراءها، وهُدْنا- بضم الهاء-: معناه: تُبْنَا.\nوقوله سبحانه: قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ، يحتمل أن يريد ب «العذاب»\n_________\n(١) ينظر: «تفسير الرازي» (١٥/ ١٥) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٤٥٩) .","vol":"3","page":81},{"text":"الرجفةَ التي نزلَتْ بالقوم، ثم أخبر سبحانه عن رحمته، ويحتملُ وهو الأظهر: أن الكلام قصد به الخَبَرُ عن عذابه، وعن رحمته، وتصريف ذلك في خليقته كما يشاء سبحانه، ويندرجُ في عمومِ العذابِ أصحابُ الرجفة، وقرأ الحسنُ بنُ أبي الحسن، وطَاوُسٌ، وعَمْرُو «١» بن فائدٍ: «مَنْ أَسَاءَ» «٢» من الإِساءة، ولا تعلُّق فيه للمعتزلة، وأطنب القُرَّاء في التحفُّظ من هذه القراءَةِ، وَحَمَلَهُمْ على ذلك شُحُّهم «٣» على الدِّين.\nوقوله سبحانه: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ، قال بعض العلماء: هو عمومٌ في الرحمة، وخصوصٌ في قوله: كُلَّ شَيْءٍ، والمراد: مَنْ قد سبق في عِلْم اللَّه أن يرحمهم، وقوله سبحانه: فَسَأَكْتُبُها، أي: أقدِّرها وأقضيها.\nوقال نَوْفٌ البِكَالِيُّ «٤»: إِن موسى ﵇ قال: يا رَبِّ، جعلْتَ وِفَادَتِي لأمَّة محمَّد ﵇، وقوله: وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ: الظاهر: أنها الزكاةُ المختصَّة بالمالِ، وروي عن ابن عباس أن المعنى: يؤتون الأعمالَ التي يزكُّون بها أنفسهم «٥» .\nوقوله سبحانه: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ ... الآية: هذه ألفاظٌ أخرجَت\n_________\n(١) عمرو بن فائد، أبو علي الأسواري التميمي: معتزلي قدري، من القراء القصاص، من أهل البصرة، كان منقطعا إلى أميرها محمد بن سليمان، أخذ عن عمرو بن عبيد، وله معه مناظرات، وكان متروك الحديث، ليس بثقة، ولا يكتب حديثه، وقيل: له «تفسير» كبير.\nقال ابن حجر: مات بعد المائتين بيسير.\nينظر: ترجمته في «الأعلام» (٥/ ٨٣) (٥٤٠) .\n(٢) وقد حسنها أبو الفتح على مذهبه من الاعتزال.\nينظر: «المحتسب» (١/ ٢٦١)، و«الشواذ» (٥١)، و«الكشاف» (٢/ ١٦٥) و«المحرر الوجيز» (٢/ ٤٦١)، و«البحر المحيط» (٤/ ٤٠٠)، وزاد أبو حيان نسبتها إلى زيد بن علي، ثم قال: وقال أبو عمرو الداني: لا تصح هذه القراءة عن الحسن وطاوس، وعمرو بن فائد رجل سوء، وقرأ بها سفيان بن عيينة مرة واستحسنها، فقام إليه عبد الرحمن المقرئ وصاح به، وأسمعه، فقال سفيان: لم أدر، ولم أفطن لما يقول أهل البدع.\nينظر: «الدر المصون» (٣/ ٣٥٣) .\n(٣) الشّحّ في الأصل هو: البخل، وتشاحوا في الأمر وعليه: شح بعضهم على بعض، وتبادروا إليه حذر فوته، وكان المعنى هنا مأخوذ من الحرص على المحافظة على أساس الدين.\nينظر: «لسان العرب» (٢٢٠٥) .\n(٤) نوف بن فضالة الحميري البكالي: إمام أهل دمشق في عصره، من رجال الحديث، ورد ذكره في «الصحيحين» وكان راويا للقصص، وهو ابن زوجة كعب الأحبار، ذكره البخاري في فصل: من مات ما بين التسعين إلى المائة.\nينظر: ترجمته في «الأعلام» (٨/ ٥٤) (٥١١) .\n(٥) أخرجه الطبري (٦/ ٨٢) برقم: (١٥٢٢٤) بنحوه، وذكره ابن عطية (٢/ ٤٦١) .","vol":"3","page":82},{"text":"اليهودَ والنصارى مِنَ الاشتراك الذي يظهر في قوله: فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ، وخلُصَتْ هذه العِدَةُ لأمة محمّد/ ﷺ، قاله ابن عباس «١» وغيره. قلْتُ: وهذه الآيةُ الكريمة مُعْلِمَةٌ بشَرَف هذه الأمَّة على العُمُوم في كلِّ مَنْ آمَنَ باللَّه تعالى، وأقرَّ برسالة النبيّ ﷺ ثم هم يتفاوتون بعدُ في الشرف بحَسَب تفاوتهم في حقيقة الاتباعية للنبيّ ﷺ، قال الغَزَّالِيُّ ﵀ في «الإِحياء»: وإِنما أمّته ﷺ مَنِ اتبعه، وما اتبعه إِلاَّ مَنْ أعرض عن الدنيا، وأَقْبَلَ على الآخرةِ، فإِنه ﵇ ما دَعَا إِلاَّ إِلى اللَّهِ، واليَوْمِ الآخِرِ، وما صَرَفَ إِلاَّ عن الدنيا والحظوظِ العاجلةِ، فبقدْرِ ما تُعْرِضُ عن الدنيا، وتُقْبِلُ على الآخرة، تسلك سبيله الذي سلكه ﷺ، وبقَدْرِ ما سَلَكْتَ سبيله، فقد اتبعته، وبقَدْر ما اتبعتَهُ، صِرْتَ من أمته، وبقَدْرِ ما أَقبلْتَ على الدنيا، عَدَلْتَ عن سبيله، ورغبْتَ عَنْ متابعته، والتحقت بالذين قال اللَّه تعالى فيهم: فَأَمَّا مَنْ طَغى وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى [النازعات: ٣٧، ٣٨، ٣٩] . انتهى، فإن أردتّ اتباع النبيّ ﷺ على الحقيقة، واقتفاء أثره، فابحث عن سيرته وخُلُقه في كتب الحديث والتفسير.\nقال ابنُ القَطَّان في تصنيفه الذي صنَّفه في «الآيات والمعجزات»: والقول الوجيز في زُهْدِهِ وعبادتِهِ وَتَوَاضُعِهِ وسائر حلاه ومعاليه ﷺ: أنه مَلَكَ مِنْ أقْصَى اليمن إلى صحراء عمان إِلى أقصى الحجاز، ثم تُوُفِّيَ ﵇، وعليه دَيْنٌ، ودِرْعُهِ مَرْهونةٌ في طَعَام لأهله، ولم يتركْ دينارًا ولا درهمًا، ولا شَيَّد قَصْرًا، ولا غَرَس نَخْلًا، ولا شَقَّقَ نَهْرًا، وكان يأكل على الأرْضِ ويجلسُ على الأرض، ويَلْبَسُ العَبَاءة، ويجالسُ المَساكين، ويَمْشِي في الأسواق، ويتوسَّد يَدُه، ويلعقُ أصابعه، ويُرقِّع ثوبه، ويَخْصِفُ نَعْلَه، ويُصْلِح خُصَّه، ويمهنُ لأهله، ولا يأكل متْكِئًا، ويقول: «أَنَا عَبْدٌ آكُلُ كَمَا يَأْكُلُ العَبْد»، ويقتصُّ من نفْسه، ولا يرى ضاحكًا مِلْء فِيهِ ولو دُعِيَ إِلى ذراعٍ، لأجاب، ولو أُهْدِيَ إِليه كُرَاعٌ لَقِبل، لا يأكلُ وحده، ولا يَضْرِبُ عبده، ولا يمنعُ رفْده ولا ضَرَبَ قطُّ بيدِهِ إِلاَّ في سَبِيل اللَّه، وقام للَّه حتَّى تَوَرَّمَتْ قدماه، فقيل له: أتَفْعَلُ هذا وقد غَفَرَ اللَّه لك مَا تَقدَّم من ذنبك وما تأخَّرَ؟ فقال: «أفَلاَ أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا»، وكان يُسْمَعُ لجوفه أزير كأزيز المِرْجَلِ «٢» من البكاءِ إِذا قام بالليل ﷺ وعلى آله وأتباعه صلاةً دائمةً إلى يوم القيامة. انتهى.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٦/ ٨٣) برقم: (١٥٢٢٥)، وبرقم: (١٥٢٢٦) بنحوه، وذكره ابن عطية (٢/ ٤٦٢)، والسيوطي (٣/ ٢٤١)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٢) المرجل: القدر من الحجارة والنّحاس. مذكر.\nينظر: «لسان العرب» (١٦٠١) .","vol":"3","page":83},{"text":"وقال «١» الفَخْر: قوله تعالى: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ ... الآية: قال بعضهم:\nالإِشارة بذلك إِلى مَنْ تقدَّم ذكْرُه من بني إِسرائيل، والمعنى: يتبعونه باعتقاد نبوَّته من حيث وَجَدُوا صفتَهُ في التوراة، وسيجدونه مكتوبًا في الإِنجيل.\nوقال بعضهم: بل المرادُ مَنْ لحق مِنْ بني إِسرائيل أيام النبيّ ﷺ، فبيَّن تعالى أن هؤلاء اللاحقين لا تكتب لهم رحمةُ الآخرة إِلاّ إذا اتبعوا النبيَّ الأُميُّ.\nقال الفخْر «٢»: وهذا القول أقربُ. انتهى. وقوله: يَجِدُونَهُ، أي: يجدون صفة نبيِّنا محمد ﷺ ونعته ففي «البخاريِّ» وغيره، عن عبد اللَّه بن عمرو أنَّ في التوراة مِنْ صفة النبيّ ﷺ «يا أيّها النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا/ وَنَذِيرًا وَحِرْزًا لِلأُمِيِّيِّن، أنْتَ عَبْدِي وَرَسُولي، سَمَّيْتُكَ المُتَوَكِّلَ، لَيْسَ بِفَظٍّ، وَلاَ غَلِيظٍ، وَلاَ سخَّاب «٣» في الأَسْوَاق، وَلاَ يَجْزي بالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَصْفَحُ، وَلَنْ أَقْبِضَهُ حتى أُقِيمَ بِهِ المِلَّةَ العَوْجَاء بأنْ يَقُولُوا: لاَ إله إِلاَّ اللَّهُ، فَنُقِيمُ بِهِ قُلُوبًا غُلْفًا، وأَذَانًا صُمًّا، وَأَعْيُنًا عُمْيًا»، وفي «البخاريِّ»:\n«فَيَفْتَحُ بِهِ عُيُونًَا عُمْيًا، وآذانًا صُمًّا، وقُلُوبًا غُلْفًا «٤»»، ونصَّ كعب الأحبار نحو هذه الألفاظ إِلاَّ أنه قال: «قُلُوبًا غُلُوفًا، وآذنًا صُمُومًا» .\nوقوله سبحانه: يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ... الآية: يحتملُ أن يكون ابتداء كلامٍ وُصِفَ به النبيّ ﷺ، ويحتملُ أن يكون متعلِّقًا ب «يجدونه» في موضع الحال على تجوُّزٍ، أي:\nيجدونه في التوراةِ آمرًا بشرط وجوده، والمعروف: ما عُرِفَ بالشرع، وكلُّ معروف من جهة المروءة، فهو معروف بالشرع، فقد قال ﷺ: «بعثت لأتمّم محاسن الأخلاق» «٥» والْمُنْكَرِ: مقابله، والطَّيِّباتِ عند مالك: هي المحلّلات، والْخَبائِثَ هي المحرَّمات، وكذلك قال ابن عباس، والإِصْرُ الثّقل «٦»، وبه فسّر هنا قتادة «٧» وغيره،\n_________\n(١) ينظر: «تفسير الرازي» (١٥/ ٢٠) .\n(٢) ينظر: «تفسير الرازي» (١٥/ ٢٠) .\n(٣) السّخب والصّخب: الصياح.\nينظر: «النهاية» (٢/ ٣٤٩) .\n(٤) تقدم تخريجه.\n(٥) تقدم تخريجه. [.....]\n(٦) أخرجه الطبري (٦/ ٨٥- ٨٦) برقم: (١٥٢٤١) بلفظ: «عهدهم»، وبرقم: (١٥٢٤٧) بنحوه، وذكره ابن عطية (٢/ ٤٦٣)، والبغوي (٢/ ٢٠٦)، والسيوطي (٣/ ٢٤٨) .\n(٧) أخرجه الطبري (٦/ ٨٦) برقم: (١٥٢٤٨) بنحوه، وذكره ابن عطية (٢/ ٤٦٣٠)، والبغوي (٢/ ٢٠٦)، والسيوطي بنحوه (٣/ ٢٤٨)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وأبي الشيخ.","vol":"3","page":84},{"text":"والإِصْر أيضًا: العَهْد، وبه فسر ابنُ عباس وغيره «١»، وقد جَمَعَتْ هذه الآيةُ المعنيين فإِن بني إِسرائيل قد كان أخذ عليهم العَهْدُ بأن يقوموا بأعمال ثقال، فَوَضَعَ عنهم نبيُّنا محمّد ﷺ، وقال ابن جُبيْر: الإِصْر: شدَّة العبادة «٢»، وقرأ ابن عامر «٣»: «آصارَهُمْ» بالجمع فمَنْ وحَّد «الإصر» فإنما هو اسمُ جنْس عِنده، يراد به الجمعُ، وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ عبارةٌ مستعارَةٌ أيضًا لتلك الأثقال، كَقَطْعِ الجِلْدِ من أثر البَوْلِ، وأن لا ديةَ، ولا بدَّ من قَتْل القاتل، إلى غير ذلك، هذا قول جمهور المفسِّرين، وقالَ ابن زَيْدٍ: إنما المراد هنا ب الْأَغْلالَ قولُ اللَّه ﷿ في اليهود: غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ [المائدة: ٦٤]، فمنْ آمن بنبينا محمّد ﷺ، زالَتْ عنه الدعوةُ، وتغليلها «٤»، ومعنى عَزَّرُوهُ: أي: وقَّروه، فالتعْزيرُ والنصْرُ: مشاهدةٌ خاصَّة للصحابة، واتباع النور: يشترك فيه معهم المؤمنون إلى يوم القيامة، والنُّورُ: كنايةٌ عن جُمْلة الشرع، وشَبَّه الشرعَ والهدى بالنور، إِذ القلوبُ تستضيء به كما يستضيء البصر بالنّور.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-525>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٥٨ الى ١٦٠]</span>\nقُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨) وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩) وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١٦٠)\nوقوله سبحانه: قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا هذا أمر من الله\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٦/ ٨٥) برقم: (١٥٢٤١)، وذكره ابن عطية (٢/ ٤٦٣)، والسيوطي (٣/ ٢٤٨)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم وأبي الشيخ.\n(٢) ذكره ابن عطية (٢/ ٤٦٣)، والسيوطي (٣/ ٢٤٨)، وعزاه لابن أبي حاتم.\n(٣) وحجته أنه لم يختلف في جمع «الأغلال»، وهي نسق على الإصر، وحجة الباقين قوله تعالى: رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْرًا [البقرة: ٢٨٦]، وقوله سبحانه: وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي [آل عمران: ٨١] .\nينظر: «السبعة» (٢٩٥)، و«الحجة» (٤/ ٩٣)، و«إعراب القراءات» (١/ ٢١٠)، و«حجة القراءات» (٢٩٨)، و«إتحاف» (٢/ ٦٥)، و«معاني القراءات» (١/ ٤٢٥)، و«شرح شعلة» (٣٩٧- ٣٩٨)، و«شرح الطيبة» (٤/ ٣١) و«العنوان» (٩٨) .\n(٤) ذكره ابن عطية (٢/ ٤٦٤) .","vol":"3","page":85},{"text":"سبحانه لنبيِّه بإشهار الدعوة العامَّة، وهذه من خصائصه ﷺ من بين سائر الرسل فإنه ﷺ بُعِثَ إِلى الناس كافَّة، وإِلى الجنِّ، وكلُّ نبيٍّ إِنما بعث إِلى فرقة دون العُمُوم.\nوقوله سبحانه: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ... الآية: حَضٌّ على اتباع نبينا محمّد ﷺ، وقوله: الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ، أيْ: يصدق باللَّه وكلماته، والكلماتُ هنا: الآياتُ المنزلة مِنْ عند الله كالتوراة والإنجيل، وقوله: وَاتَّبِعُوهُ لفظ عامٌّ يدخل تحته جميعُ إلزامات الشريعة، جعلنا اللَّه مِنْ متَّبعيه على ما يلزم بمنِّه ورحمته.\nقُلْتُ: فإِن أردتَّ الفوْزَ أيُّها الأخ، فعليك باتباع النبيّ ﷺ وتعظيمِ شريعته، وتعظيم جَمِيعِ أسبابه.\nقال عِيَاضٌ: ومن إعظامه ﷺ وإِكبارهِ إِعظام جميع أَسبابه وإِكْرَامُ مشاهده وأَمْكِنَتِهِ، ومعاهِدِهِ، وما لَمَسَهُ ﵇ أَوْ عُرِفَ به، حُدِّثْتُ أن أبا الفَضْل الجوهري، لمَّا وَرَدَ المدينةَ زائرًا، وقَرُبَ من بيوتها، ترجَّل، ومشى باكيًا منشدًا: [الطويل]\nوَلَمَّا رَأَيْنَا رَسْمَ مَنْ لَمْ يَدَعْ لَنَا ... فُؤَادًا لِعِرْفَانِ/ الرُّسُومَ «١» وَلاَ لُبَّا «٢»\nنَزَلْنَا عَنِ الأَكْوَارِ «٣» نَمْشِي كَرَامَةً ... لِمَنْ بَانَ عَنْهُ أَنْ نَلُمَّ بِهِ رَكْبَا\nوحُكِيَ عن بعض المريدين أنه لما أشْرَفَ على مدينة الرسول ﵇، أنشأ يقُولُ: [الكامل]\nرُفِعَ الحِجَابُ «٤» لَنَا فَلاَحَ لِنَاظِرِي ... قَمَرٌ تَقَطَّعُ دُونَهُ الأَوْهَامُ «٥»\nوَإِذَا المَطِيُّ «٦» بِنَا بَلَغْنَ محمّدا ... فظهورهنّ «٧» على الرّجال حرام\n_________\n(١) الرسم: آثار الديار الدارسة، والمراد آثاره ﷺ في معاهده ومساكنه، والفؤاد: القلب، والعرفان:\nالمعرفة، واللّب: العقل.\n(٢) الأبيات للمتنبي (١/ ٥٦)، ينظر: الأبيات في «الشفا» ص: (٦٢١) .\n(٣) الأكوار: جمع كور، وهو للإبل بمنزلة السرج للفرس، بان: بعد، نلمّ: نأتيه لزيارته، والإلمام: الإتيان قليلا.\n(٤) المراد برفع الحجاب في الشعر: رفع ستائر أبواب الملوك والعظام، وهو هنا، بمعنى انقضاء المسافة، والقرب من المدينة، والقمر: الممدوح، وتقطع: تضمحل.\n(٥) الأبيات لأبي نواس في مدح محمد الأمين. ينظر: «ديوانه» ص: (٤٠٨)، وتنظر الأبيات في: «الشفا» (٦٢٢) .\n(٦) المطيّ: جمع مطية: ناقة تمتطى وتركب، ولاح: بدا وظهر، دونه: قريبا منه.\n(٧) فظهورهن على الرجال حرام، أي: إذا أوصلتهم لمقاصدهم، كانت لها حرمة تقتضي رعايتها وراحتها،","vol":"3","page":86},{"text":"قرّبننا من خير من وطئ الحَصَى «١» ... فَلَهَا عَلَيْنَا حُرْمَةٌ وَذِمَامُ\nوحُكِيَ عن بعض المشايِخِ أنه حجَّ ماشيًا، فقيل له في ذلك، فقال: العَبْدُ الآبِقُ يأتي إلى بيت مولاه راكبًا؟ لو قَدْرَتُ أَنْ أَمْشِيَ على رأسِي، ما مَشَيْتُ على قدَمي.\nقال عياضَ: وجديرٌ لمواطَنَ عُمِرَتْ بالوحْيِ، والتنزيل وتردَّد فيها جبريلُ وميكائيل، وعَرَجَتْ منها الملائكةُ والرُّوح وضجَّتْ عرصاتها «٢» بالتقديس والتسبيح، واشتملَتْ تربتها على جَسَد سَيِّد البَشَر وانتشر عنْهَا مِنْ دِينِ اللَّه وسنة رسُوله ما انتشر، مدارسُ وآيات ومَسَاجِدُ وصَلَوَات ومَشَاهِدُ الفَضَائِلِ والخَيْرَات ومعاهدُ البراهين والمُعْجِزَات- أنْ تعظَّم عَرَصَاتها وتُتَنَسَّمَ نفحاتها وتُقَبَّلَ ربُوعُها وجدراتُها: [الكامل]\nيَا دَارَ خَيْر المُرْسَلِينَ ومَنْ بِه ... هَدْيُ الأَنَامُ» وَخُصَّ بِالآيَاتِ «٤»\nعِنْدِي لأَجْلِكَ لَوْعَةٌ «٥» وَصَبَابَةٌ ... وَتَشَوُّقٌ مُتَوَقِّدُ الجَمَرَاتِ\nالأبيات. انتهى من «الشفا» .\nوقوله سبحانه: وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ، أي: يرشدُونَ أنفسهم، وهذا الكلامُ يحتملُ أنْ يريد به وصْفَ المؤمنين منهم، على عهد موسى، وما والاَهُ مِنَ الزمَنِ، فأخبر سبحانه، أنه كان في بني إسرائيل على عتوِّهم وخلافِهِمْ مِنَ اهتدى واتقى وعَدَلَ، ويحتمل أنْ يريد الجماعةَ التي آمَنَتْ بنبيّنا محمد ﷺ من بني إسرائيل، على جهة الاستجلاب لإيمان جميعهم، وقوله: أَسْباطًا: بَدلٌ من اثْنَتَيْ، والتمييزُ الذي بَيْنَ العَدَدَ محذوفٌ تقديره: اثنتي عَشْرَةَ فرقةً أو قِطْعَةً أسباطًا.\nوقوله سبحانه: وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ\n_________\nفلا يركبها بعد ذلك رجل، ولا يوضع على ظهرها شيء، بل تترك سارحة منعمة في مرعاها. [.....]\n(١) روي البيت في «الشفا» «.... من وطىء الثرى» . وخير من وطىء الثرى: النبي، فهو خير الناس، والحرمة: الحق الذي يلزم احترامه، والذمام: ما يلزم احترامه، أو جمع ذمة، وهي العهد، وما يجب الوفاء به.\n(٢) العرصة: كل بقعة بين الدور واسعة ليس فيها بناء.\nينظر: «لسان العرب» (٢٨٨٣) .\n(٣) الأنام: الخلق، خصّ بالآيات: القرآن، أو جميع المعجزات.\n(٤) الشعر للقاضي عياض، ينظر الأبيات في: «الشفا» (٦٢٣)، و«نسيم الرياض» (٣/ ٤٨٨)، وقال القاري:\n(٢/ ١٠٢): قال الحلبي: الذي يظهر أن هنا الشعر من قول عياض ﵀.\n(٥) اللوعة: شدة الحب وحرقته، والصبابة: رقة الشوق.","vol":"3","page":87},{"text":"فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ ... الآية:\nفَانْبَجَسَتْ: بمعنى انفجرت، وقد تقدَّم الكلامُ على هذه المعاني في «البقرة» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-526>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٦١ الى ١٦٢]</span>\nوَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (١٦١) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ (١٦٢)\nوقوله سبحانه: وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ: القَرْيَةُ هي بيْتُ المقدس.\nوقيل: أريحا، و«بدّل»: معناه غيّر اللّفظ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-527>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٦٣ الى ١٦٦]</span>\nوَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣) وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذابًا شَدِيدًا قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤) فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ (١٦٦)\nوقوله سبحانه: وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ ... الآية: قال بعضُ المتأوِّلين: إِن اليهود المعاصرين للنبيّ ﷺ قَالُوا: إِنَّ بني إِسرائيل لم يَكُنْ فيهم عصْيانٌ، ولا معاندةٌ لمَا أُمرُوا به، فنزلَتْ هذه الآيةُ موبِّخة لهم، فسؤالهم إِنَّما هو على جهة التوبيخِ، والقريةُ هنا: أَيْلَةُ، قاله «١» ابن عباس وغيره، وقيل: مَدْيَن، و«حاضِرة البَحْر»، أي: البحر فيها حاضرٌ، ويحتملُ أنْ يريد معنى «الحاضرة» على جهة التعظيم لها، أي:\nهي الحاضرة في مدن البحر، ويَعْدُونَ: معناه: يخالفون الشرع من عدا يعدو، وشُرَّعًا، أي: مقبلة إِليهم مُصْطَفَّة، كما تقولُ: شُرِعَتِ الرماحُ إِذا مُدَّتْ مصطَفَّة، وعبارةُ البخاري/ شُرَّعًا أيْ: شوارِعَ انتهى.\nوالعامل في قوله: وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ قولُهُ: لاَ تَأْتِيهِمْ، وهو ظرفٌ مقدّم،\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٦/ ٩١) برقم: (١٥٢٦٣)، وذكره ابن عطية (٢/ ٤٦٧)، والبغوي (٢/ ٢٠٨)، وابن كثير (٢/ ٢٥٧)، والسيوطي (٣/ ٢٥١)، وعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.","vol":"3","page":88},{"text":"ومعنى قوله كَذلِكَ الإشارةُ إلى أمر الحُوت، وفِتنَتِهِمْ به، هذا على من وَقَفَ على تَأْتِيهِمْ، ومن وقف على كَذلِكَ، فالإشارة إِلى كثرة الحيتانِ شُرَّعًا، أي: فما أتى منها يوم لا يسبتون، فهو قليل، ونَبْلُوهُمْ، أي: نمتحنهم بِفِسْقهم وعِصْيانهم، وقد تقدَّم في «البقرة» قصصهم.\nوقوله سبحانه: وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذابًا شَدِيدًا.\nقال جمهور المفسِّرين: إن بني إِسرائيل افترقت ثلاثَ فرقٍ: فرقةٌ عصَتْ، وفرقةٌ نهَتْ، وجاهَرَتْ وتكلَّمَت واعتزلت، وفرقةٌ اعتزلت، ولم تَعْصِ ولم تَنْهِ، وأن هذه الفرقة لما رأتْ مجاهرة الناهية، وطُغيانَ العاصيةِ وعَتُوَّهَا، قالَتْ للناهية: لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا، يريدونّ: العاصيةَ اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ، فقالت الناهية: موعظتنا معذرة إِلى اللَّه، أي: إِقامة عُذْر، ومعنى مُهْلِكُهُمْ، أيُّ: في الدنيا، أَوْ مُعَذِّبُهُمْ، [أي]: في الآخرةِ، والضمير في قوله: نَسُوا للمَنْهِيين، وهو تَرْكٌ سُمِّيَ نِسيانًا مبالغةً، و«ما» في قوله: مَا ذُكِّرُوا بِهِ بمعنى الَّذي، والسُّوءِ: لفظ عامٌّ في جميع المعاصي إِلاَّ أنَّ الذي يختصُّ هنا بحَسَب قصص الآيةِ هو صيد الحوت، والَّذِينَ ظَلَمُوا: هم العاصُونَ، وقوله: بِعَذابٍ بَئِيسٍ معناه: مؤلمٌ موجِعٌ شديدٌ، واختلف في الفرقة التي لم تعص ولم تنه، فقيل: نجت مع الناجين، وقيل: هلَكَتْ مع العاصين.\nوقوله: بِما كانُوا يَفْسُقُونَ، أي: لأجل ذلك، وعقوبةً عليه، والعُتُوُّ الاستعصاء وقلَّة الطواعية.\nوقوله سبحانه: قُلْنا لَهُمْ كُونُوا، يحتمل أن يكون قولًا بلفظ مِنْ مَلَك أسْمَعَهم فكَانَ أذْهَبَ في الإِعراب والهَوْلِ والإِصغارِ، ويحتمل أن يكون عبَارةً عن القدرة المكوّنة لهم قردة، وخاسِئِينَ: معناه مبعَدِين ف «خاسئين» خبر بعد خبرٍ، فهذا اختيار أبي الفَتْح، وضعَّف الصفَة، فرُوِيَ أنَّ الشباب منهم مُسِخُوا قردةً، والرجالَ الكبارَ مسخوا خنازير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-528>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٦٧ الى ١٦٨]</span>\nوَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٧) وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٦٨)\nوقوله سبحانه: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ معنى هذه الآية: وإِذْ علم اللَّه لَيَبْعَثَنَّ، وتقتضي قوَّة الكلام أنَّ ذلك العلْمَ منه","vol":"3","page":89},{"text":"سبحانه مقترِنٌ بإنفاذٍ وإمِضاء كما تقول في أمر عَزَمْتَ عليه: عَلِمَ اللَّهُ لأَفْعَلَنَّ.\nوقال الطبريُّ «١» وغيره: تَأَذَّنَ معناهُّ: أعْلَمَ، وقال مجاهد: تَأَذَّنَ معناه: أَمَرَ «٢» وقالت فرقة: معنى تَأَذَّنَ: تَأَلَّى، والضمير في عَلَيْهِمْ، لبني إِسرائيل، وقوله: مَنْ يَسُومُهُمْ قال ابن عباس: هي إشارةٌ إلى محمّد ﷺ وأُمَّتِهِ، يسومُونَ اليهودَ سُوءَ العذاب «٣» .\nقال ع «٤»: والصحيح أنَّ هذا حالهم في كل قُطْر، ومع كلّ ملّة، ويَسُومُهُمْ:\nمعناه: يكلّفهم ويحمّلهم، وسُوءَ الْعَذابِ: الظاهر منه: أنه الجِزْيَةُ، والإذلالُ، وقد حتم اللَّه علَيْهم هذا، وحَطَّ مُلْكَهم، فليس في الأرض رايَةٌ ليهوديٍّ، ثم حَسُنَ في آخر الآية التنبيهُ على سرعة العِقَاب، والتخويفُ لجميعِ الناسِ، ثم رجى سبحانه بقوله: وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ لطفًا منه بعباده جلَّ وعَلا، وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ، معناه: فرَّقناهم في الأرض.\nقال الطبريُّ «٥» عن جماعة من المفسِّرين: ليس في الأرض بقعةً إِلاَّ وفيها مَعْشَرٌ من اليهودِ، والظاهر في المُشَارَ إِليهم بهذه الآية أنهم الذين بعد سُلَيْمَانَ وَقْتَ زوالِ مُلْكهم، والظاهر أنهم قبل مُدَّة عيسى ﵇ لأنهم لم يكُنْ فيهم صالحٌ/ بعد كُفْرهم بعيسى ﷺ وبَلَوْناهُمْ، معناه: امتحناهم بِالْحَسَناتِ، أي: بالصِّحَّة والرخاءِ، ونحو هذا ممَّا هو بَحَسَب رأي ابْن آدم ونظره، والسَّيِّئاتِ: مقابلات هذه، لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ إلى الطاعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-529>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٦٩ الى ١٧٠]</span>\nفَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُوا ما فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٦٩) وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (١٧٠)\n_________\n(١) ينظر: «تفسير الطبري» (٦/ ١٠٢) .\n(٢) أخرجه الطبري (٦/ ١٠٢) برقم: (١٥٣٠٨- ١٥٣٠٩)، وذكره ابن عطية (٢/ ٤٧١)، والبغوي (٢/ ٢٠٩)، وابن كثير (٢/ ٢٥٩)، والسيوطي (٣/ ٢٥٥)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن المنذر، وأبي الشيخ.\n(٣) أخرجه الطبري (٦/ ١٠٢) برقم: (١٥٣١٠)، وذكره ابن عطية (٢/ ٤٧١)، وابن كثير (٢/ ٢٥٩) .\n(٤) ينظر: «تفسير المحرر الوجيز» (٢/ ٤٧١) .\n(٥) ينظر: «تفسير الطبري» (٦/ ١٠٤) .","vol":"3","page":90},{"text":"وقوله سبحانه: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ ... الآية: خَلَفَ معناه:\nحَدَثَ خَلْفَهم وبعدهم، وخَلْفٌ- بإِسكان اللام- يستعمل في الأشهر: في الذَّمِّ.\nوقوله سبحانه: يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى إشارةٌ إلى الرّشا والمكاسب الخبيثة، والعَرَضُ: ما يَعْرِضُ وَيعنُّ، ولا يثبُتُ، والأَدنَى: إِشارةٌ إِلَى عيشِ الدنيا، وقولهم:\nسَيُغْفَرُ لَنا ذمٌّ لهم باغترارهم، وقولهِمْ سَيُغْفَرُ لَنا، مع علمهم بما في كتاب اللَّهِ، مِنَ الوعيد على المعاصي، وإِصرارِهِم، وأنَّهم بحالٍ إِذا أمكنَتْهم ثانيةً ارتكبوها، فهؤلاء عَجَزَةٌ كما قال النبيّ ﷺ: «والعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا، وتمنى عَلَى اللَّهِ» «١»، فهؤلاءِ قطعوا بالمغفرة وهم مُصِرُّون، وإِنما يقول: سَيُغْفَرُ لَنا مَنْ أقلع ونَدِمَ.\nوقوله سبحانه: أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ ... الآية: تشديدٌ في لزوم قول الحقِّ على اللَّه في الشَّرْع والأحكام، وقوله: وَدَرَسُوا مَا فِيهِ معطوفٌ على قوله: أَلَمْ يُؤْخَذْ لأنه بمعنى المُضِيِّ، والتقديرُ: أَلَيْسَ قد أُخِذَ عليهم ميثاقُ الكتابِ، ودَرَسُوا ما فيه، وبهذَيْنِ الفعْلَيْنِ تقومُ الحجَّة عليهم في قولهم الباطَل، وقرأ أبو عبد «٢» الرحمن السُّلَمِيُّ: «وادارسوا مَا فِيه» .\nثم وعظ وذكَّر ﵎ بقوله: وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ، وقرأ أبو عمرو: «أفلا يعقلون» - بالياء «٣» من أسفل-.\n_________\n(١) أخرجه الترمذي (٤/ ٦٣٨) كتاب «صفة القيامة» باب: (٢٥)، حديث (٢٤٥٩)، وابن ماجه (٢/ ١٤٢٣) كتاب «الزهد» باب: ذكر الموت والاستعداد له، حديث (٧١٤٣)، وأحمد (٤/ ١٢٤)، والحاكم (١/ ٥٧)، وابن المبارك في «الزهد» ص: (٥٦) برقم: (١٧١)، والبيهقي (٣/ ٣٦٩) كتاب «الجنائز» باب:\nما ينبغي لكل مسلم أن يستعمله من قصر الأمل، وفي «شعب الإيمان» (٧/ ٣٥٠) برقم: (١٠٥٤٦)، والطبراني في «الكبير» (٧/ ٣٤١) برقم: (٧١٤٣)، وأبو نعيم في «الحلية» (١/ ٢٦٧)، والخطيب في «تاريخ بغداد» (١٢/ ٥٠)، والقضاعي في «مسند الشهاب» برقم: (١٨٥)، كلهم من طريق أبي بكر بن أبي مريم، عن ضمرة بن حبيب، عن شداد بن أوس مرفوعا.\nوقال الترمذي: حديثٌ حَسَن. وقال الحاكمُ: صحيحٌ على شرط البخاري ولم يخرجاه. وتعقبه الذهبي فقال: لا والله، أبو بكر واه.\n(٢) وهي قراءة علي بن أبي طالب كما في «الشواذ» ص: (٥٢) .\nوينظر: «المحتسب» (١/ ٢٦٧)، و«المحرر الوجيز» (٢/ ٤٧٣)، و«البحر المحيط» (٤/ ٤١٥)، و«الدر المصون» (٣/ ٣٦٧) .\n(٣) وقرأ بها حمزة والكسائي، وابن كثير.\nينظر: «حجة القراءات» (٣٠١)، و«المحرر الوجيز» (٢/ ٤٧٣)، و«البحر المحيط» (٤/ ٤١٥)، و«الدر المصون» (٣/ ٣٦٧) . [.....]","vol":"3","page":91},{"text":"وقوله سبحانه: وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ عطْفٌ على قوله: لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ، وقرأ عاصمٌ وحْده في رواية أبي بَكْرٍ «يُمْسِكُونَ» «١» - بسكون الميم، وتخفيف السين-، وقرأ الأعمش «٢»: «والّذين استمسكوا» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-530>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٧١ الى ١٧٤]</span>\nوَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧١) وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (١٧٣) وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٧٤)\nوقوله ﷿: وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ، نَتَقْنَا: معناه: اقتلعنا ورفَعْنا، وقد تقدَّم قصص الآية في «البقرة»، وقوله سبحانه: وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ، أي:\nتدبَّروه واحفظوا أوامره ونواهيه، فما وَفَّوْا.\nوقوله سبحانه: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا ... الآية، قوله: مِنْ ظُهُورِهِمْ قال النُّحاة: هو بدلُ اشتمال من قوله: مِنْ بَنِي آدَمَ، وتواترتِ الأحاديثُ في تفسير هذه الآية عن النبيّ ﷺ مِنْ طُرُقٍ: «أن اللَّه ﷿ استخرج مِنْ ظَهْرِ آدَمَ ﵇ نَسَمَ بنيه، ففي بعض الروايات كالذَّرِّ، وفي بعضها: كالخَرْدَلِ» .\nوقال محمد بن كَعْب: إِنها الأرواحُ «٣» جُعلَتْ لها مِثَالاَتٌ، وروي عن عبد اللَّه بن عمر، عن النبي ﷺ أنه قَالَ: «أُخِذُوا مِنْ ظَهْرِ آدَمَ كَمَا يؤخذ بالمشط من الرّأس «٤»،\n_________\n(١) وقراءة أبي بكر من الإمساك، أي: يأخذون بما فيه من حلال وحرام. وحجته قوله تعالى: فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ [المائدة: ٤]، وقوله: أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ [الأحزاب: ٣٧] ولم يقل: مسّك.\nينظر: «السبعة» (٢٩٧)، و«الحجة» (٤/ ١٠٢- ١٠٣)، و«إعراب القراءات» (١/ ٢١٤)، و«حجة القراءات» (٣٠١)، و«شرح الطيبة» (٤/ ٣١٤)، و«العنوان» (٩٨)، و«معاني القراءات» (١/ ٤٢٨)، و«شرح شعلة» (٣٩٨) .\n(٢) وقرأ بها عبد الله، كما في «الكشاف» (٢/ ١٧٥)، وينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٤٧٣)، و«البحر المحيط» (٤/ ٤١٦)، و«الدر المصون» (٣/ ٣٦٨) .\n(٣) أخرجه الطبري (٦/ ١١٦) برقم: (١٥٣٨٧)، والسيوطي (٣/ ٢٥٩) .\n(٤) ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٢٥٩)، وعزاه إلى ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، واللالكائي في «السنة» .","vol":"3","page":92},{"text":"وَجَعَلَ اللَّهُ لَهُمْ عَقُولًا كَنَمْلَةِ سُلَيْمَانَ، وَأَخَذَ عَلَيْهِمُ العَهْدَ بِأَنَّهُ رَبُّهُمْ، وَأَنْ لاَ إله غَيْرُهُ، فَأَقَرُّوا بِذَلِكَ، والتزموه وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّهْ سَيَبْعَثُ الرُّسْلَ إِلَيْهِمْ مُذَكِّرَةً وداعيةً، فشهد بعضُهم على بعض، وشهد اللَّه عليهم وملائكته» «١» قال الضحَّاك بنُ مُزَاحِمٍ: من مات صَغيرًا، فهو على العَهْدِ الأول، ومَنْ بَلَغَ، فقد أخذه العهدُ الثَّاني، يعني الذِي في هذه الحياة المعقولة الآنَ.\nوقوله/ شَهِدْنا يحتملُ أن يكون مِنْ قَوْلَ بَعْضِ النَّسمِ لبعضٍ، فلا يَحْسِنُ الوقْفُ على قوله: بَلى، ويحتمل أن يكون قوله: شَهِدْنا من قول الملائكة، فيحسن الوقْفُ على قوله: بَلى.\nقال السديُّ: المعنى: قال اللَّه وملائكته «٢»: شَهِدْنَا ورواه عبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، عن النبيّ ﷺ.\nوقوله سبحانه: أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ ... الآية: المعنى:\nلِئَلاَّ تقولُوا، أَوْ مخافَةَ أنْ تقولوا، والمعنى في هذه الآية: أنَّ الكَفَرَة لو لم يؤخذ عليهم عَهْدٌ، ولا جاءَهُمْ رسولٌ مذكِّر بما تضمَّنه العَهْد من توحيد اللَّه وعبادته، لكانَتْ لهم حُجَّتَان:\nإحداهما: أنّ يقُولُوا كُنَّا عن هذا غافلين.\nوالأخرى: كنا تباعًا لأسلافنا، فكَيْفَ نَهْلِكُ، والذنْبُ إنما هو لِمَنْ طَرَّق لنا وأضلَّنا، فوقَعَ شهادَةُ بعضهم على بعضُ، وشهادةُ الملائكة عليهم، لتنقطع لهم هذه الحجة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-531>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٧٥ الى ١٧٧]</span>\nوَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦) ساءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ (١٧٧)\nوقوله سبحانه: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٦/ ١١١- ١١٢) برقم: (١٥٣٦٣)، وذكره ابن عطية (٢/ ٤٧٥)، وابن كثير (٢/ ٢٦٢)، والسيوطي (٣/ ٢٦١- ٢٦٢)، وعزاه لابن جرير.\n(٢) أخرجه الطبري (٦/ ١١٦) برقم: (١٥٣٨٤)، وذكره ابن عطية (٢/ ٤٧٦)، والبغوي (٢/ ٢١٢) .","vol":"3","page":93},{"text":"قال ابن عباس: هو رجُلٌ من الكَنْعَانِيِّينَ الجَبَّارِين، اسمه بَلْعَمُ بْنُ باعُوراء «١»، وقيل:\nبَلْعَامُ بْنُ باعِر.\nوقيل: غير هذا، وكان في جملة الجَبَّارِين الذي غَزَاهُمْ موسى ﵇، فَلَما قَرُبَ منهم موسى، لجؤوا إِلى بَلْعَام، وكانَ صالِحًا مستجابَ الدَّعْوة، وقيل: كان عنْدَهُ علْم مِنْ صُحُف إِبراهيم ونحوها.\nوقيل: كان يعلم اسم اللَّه الأَعظمَ، قاله ابنُ عبَّاس «٢» أيضًا، وهذا الخلافُ هو في المراد بقوله: آتَيْناهُ آياتِنا، فقال له قومُه: ادع اللَّه على موسى وعَسْكَره، فقالَ لَهُمْ:\nوَكَيْفَ أدعو عَلَى نَبِيٍّ مُرْسَلٍ، فما زالوا به حتى فَتَنُوهُ، فخَرَجَ حتى أشْرَفَ عَلَى جَبَلٍ يرى منه عَسْكَرَ موسى، وكان قد قال لِقَوْمِهِ: لا أفعَلُ حتى أستأْمِرَ رَبِّي، فَفَعَلَ، فنُهِيَ عن ذلك، فقال لهم: قد نُهِيتُ، فما زالوا به حتَّى قال: سأَسْتَأْمِرُ ثانيةً، ففعل، فسكَتَ عنه، فأخبرهم، فقالوا له: إِن اللَّه لَمْ يَدَعْ نَهْيَكَ إِلا وقدْ أَراد ذلك، فخَرَجَ، فلما أشْرَفَ على العَسْكَر، جَعَلَ يدْعُو على موسَى، فتحوَّل لسانُهُ بالدعاءِ لموسى، والدعاءِ على قومه، فقالوا له: ما تقولُ؟ فقال: إِني لا أمْلِكُ هذا، وعَلِمَ أنه قد أخطأ، فَرُوِيَ أنه قد خرج لِسَانُه على صدره، فقال لقومه: إِني قَدْ هَلَكْتُ، ولكِنْ لَمْ يَبْقَ لكم إِلا الحِيلَة، فأخرجوا النِّسَاء على عَسْكَرِ موسى عَلَى جهة التَّجْرِ وغيره، ومُرُوهُنَّ أَلا تَمْتَنِع امرأة مِنْ رجل، فإِنهم إِذا زَنَوْا هلَكُوا، ففعلُوا، فخرج النِّسَاء، فزنى بهِنَّ رجالٌ [مَنْ] بني إِسرائيل، وجاء فِنْحَاصُ بْنُ العِيزَارِ بْنِ هَارُونَ، فانتظم بُرمْحه امرأة ورجُلًا من بني إِسرائيل، ورفعهما على الرَمْحِ، فوقع في بني إِسرائيل الطاعونُ، فمات منهم في ساعةٍ [واحدةٍ] سبْعُونَ ألْفًا، ثم ذَكَرَ المعتمِرُ عن أبيه: أنَّ موسى ﵇ قَتَلَ بعد ذلك الرَّجُلَ المُنْسَلِخَ مِنْ آيات اللَّه.\nقال المَهْدَوِيُّ: رُوِيَ أنه دعا على مُوَسَى أَلاَّ يَدْخُلَ مدينةَ الجَبَّارين فأجيب، ودعا عليه موسى أَنْ ينسى اسم اللَّهِ الأعْظَمَ فأجيبَ، وفي هذه القصَّة رواياتٌ كثيرةً تحتاجُ إِلى صحّة إسناد، وفَانْسَلَخَ: عبارةٌ عن البراءةِ منها، والإنفصال والْبُعْدِ، كالمُنْسَلِخ من الثياب والجلد، وفَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ، أيْ: صيَّره تابِعًا كذا قال الطبريُّ: إما لضلالة رسمها له، وإما لنفسه، ومِنَ الْغاوِينَ، أي: مِنَ الضالين، وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها، قال ابن\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٦/ ١١٩) برقم: (١٥٣٩٨، ١٥٤٠١) بنحوه، وذكره ابن عطية (٢/ ٤٧٦)، والبغوي (٢/ ٢١٣) بنحوه، وابن كثير (٢/ ٢٦٤)، والسيوطي (٣/ ٢٦٦)، وعزاه لابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٢) أخرجه الطبري (٦/ ١٢١) برقم: (١٥٤٢٣)، وذكره ابن عطية (٢/ ٤٧٧)، والبغوي (٢/ ٢١٥) .","vol":"3","page":94},{"text":"عباس وجماعة: معنى «لرفعناه» لشرَّفنا/ ذكْرَه، ورفَعْنَا منزلته لدينا بهذه الآيات «١» الَّتي آتيناه، ولكنه أخلد إِلى الأرْضِ، أي: تقاعَسَ إلى الحضيض الأسفَلِ الأخسِّ من شهوات الدنيا ولذَّاتها وذلك أنَّ الأرض وما ارتكن فيها: هي الدنيا وكلُّ ما عليها فانٍ، ومَنْ أخلد إِلى الفاني، فقد حرم حظَّ الآخرة الباقية.\nت: قال الهَرَوِيُّ: قوله: أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ: معناه: سكَنَ إِلى لَذَّاتها، واتبع هواه، يقال: أخلد إِلى كَذَا، أي: رَكَنَ إِليه واطمأَنَّ به. انتهى.\nقال عَبْدُ الحَقِّ الإِشْبِيليُّ ﵀ في «العاقبة»: واعلم رحمك اللَّه أَنَّ لسوء الخاتمة أعاذنا اللَّه منْها أسبابًا، ولها طرقٌ وأبوابٌ، أعظمها: الإِكبابُ على الدنيا، والإِعراضُ عن الآخرة، وقد سَمِعْتَ بقصَّة بَلْعَام بْنِ بَاعُورَاءَ، وما كان آتاه اللَّه تعالى من آياته وأطلعه عليه من بيِّناته وما أراه من عجائب مَلَكُوته، أخْلَدَ إِلى الأرض، واتبع هواه فسَلَبَه اللَّه سبحانه جَمِيعَ ما كان أَعطاه وتَرَكَه مع مَنِ استماله وأغواه. انتهى.\nوقوله: فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ، شُبِّه به في أنه كان ضالًاّ قبل أن يُؤتى الآياتِ، ثم أُوتِيَها، فكان أيضًا ضالًاّ لَم تنفَعْه، فهو كالكَلْب في أنَّه لا يفارِقُ اللَّهَثَ في كلِّ حال هذا قول الجمهور.\nوقال السدِّيُّ وغيره: إِنَّ هذا الرجل عُوقِبَ في الدنيا، فإِنه كان يَلْهَثُ كما يَلْهَثُ الكَلْبُ، فشُبِّه به صورةً «٢» وهيئةً، وذكر الطبريُّ، عن ابن عباس أنَّ معنى: إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ: إنْ تَطْرَدهُ «٣» .\nوقوله: ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا، أي: هذا المَثَلُ، يا محمد، مثَلُ هؤلاء الذين كانوا ضالِّين قَبْلَ أن تأتيهم بالهدى والرِّسالة، ثم جئتهم بها، فَبَقُوا على ضلالتهم، ولم ينتفِعُوا بذلك، فَمَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الكَلْبِ.\nوقوله: فَاقْصُصِ الْقَصَصَ، أي: اسرد عليهم ما يعلمون أنَّه من الغيوب الَّتي لا يعلمها إِلا أهْل الكتب الماضية ولَسْتَ منهم لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ في ذلك فيؤمنوا.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٦/ ١٢٥) برقم: (١٥٤٣٦)، وذكره ابن عطية (٢/ ٤٧٨)، والبغوي (٢/ ٢١٥- ٢١٦) بنحوه، والسيوطي (٣/ ٢٦٧) بنحوه، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.\n(٢) أخرجه الطبري (٦/ ١٢٨) برقم: (١٥٤٥٢) بنحوه، وذكره ابن عطية (٢/ ٤٧٨) .\n(٣) أخرجه الطبري (٦/ ١٢٧) برقم: (١٥٤٤٩) بنحوه، وذكره ابن عطية (٢/ ٤٧٨) .","vol":"3","page":95},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-532>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٧٨ الى ١٨٠]</span>\nمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٧٨) وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ (١٧٩) وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)\nوقوله سبحانه: مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ، القول فيه: أن ذلك كلَّه من عند اللَّه: الهدايةُ منه وبخَلْقه واختراعه وكذلك الإِضلال، وفي الآيةِ تعجيبٌ مِنْ حال المذْكُورين.\nوقوله سبحانه: وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، هذا خبرٌ من اللَّه تعالى أنه خَلَق لسكنى جهنم والاحتراق فيها كثيرا، وفي ضِمْنه وعيدٌ للكفَّار، «وذرأ»: معناه:\nخَلَق وأوْجَدَ، مع بَثٍّ ونَشْرٍ.\nوقوله سبحانه: لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ... الآيةَ: لما كانَتْ هذه الطائفةُ الكافرةُ المُعْرِضَةُ عن النَّظَر في آيات اللَّه، لم ينفعْهم النظَرُ بالقَلْب، ولا بالعَيْن، ولا ما سَمِعُوه من الآيات والمواعظ، استوجبوا الوصْفَ بأنهم لا يفقهون، ولا يُبْصرون، ولا يَسْمعون، والفِقْه: الفَهْم، أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ في أنَّ الأنعام لا تَفْقَهُ الأشياء، ولا تعقلُ المقاييسِ، ثم حَكَم سبحانه عَلَيْهم بأنهم أضَلُّ لأن الأنعام تلك هِيَ بِنْيَتُها وخِلْقَتُها، وهؤلاءِ مُعَدُّونَ للفَهْم والنظر، ثم بَيَّنَ سبحانه بقوله: أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ الطريق الذي به صاروا أضَلَّ من الأنعام، وهو الغَفْلة والتقصير.\nقال الفَخْر «١»: أمَّا قوله تعالى: أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ، فتقريره: أن الإِنسان وسائر الحيوانات مُتشَاركةٌ في قُوَى الطَّبيعة الغَاذِيَةِ، والنامية، والمُوَلِّدةِ، ومتشاركَةٌ أيضًا في منافع الحواسِّ الخَمْسِ الباطنةِ والظاهرةِ، وفي أحوالِ التخيُّل، والتفكُّر، والتذكُّر، وإِنما حَصَل الامتياز بيْنَ الإِنسان، وسائِرِ الحيواناتِ في القوَّة العقليَّة والفكْريَّة التي تهديه إِلى معرفة الحقِّ، فلما أعرضَ الكُفَّار عن أحْوالِ العَقْلِ والفكْرِ، ومعرفةِ الحقِّ، كانوا كالأنعام، بل هم أضلُّ لأن الحيواناتِ لا قدرةَ لها على تحْصيلِ هذهِ الفضائل، وقد قال حَكِيمُ الشّعراء: [البسيط]\n_________\n(١) ينظر: «تفسير الرازي» (١٦/ ٥٣) .","vol":"3","page":96},{"text":"الرُّوحُ مِنْ عِنْدَ رَبِّ العَرْشِ مَبْدَؤُه ... وَتُرْبَةُ الأَرْضِ أَصْلُ الجِسْمِ والبَدَنِ\nقَدْ أَلَّفَ المَلِكُ الجَبَّارُ بَيْنَهُمَا ... لِيَصْلُحَا لِقَبُولِ الأَمْرِ والْمِحَنِ\nفَالرُّوحُ فِي غُرْبةٍ وَالجِسْمُ في وَطَن ... فَلْتَعْرِفَنَّ ذِمَامَ النَّازِحِ الوَطنِ\nانتهى.\nوقوله سبحانه: وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها ... الآية: السببُ في هذه الآية على ما روي، أن أبَا جهلٍ سمع بعض أصحاب النبيّ ﷺ يقرأ، فيذكُر اللَّه تعالَى في قراءته، وَمَرَّةَ يَذْكُر الرحمن، ونَحْوَ ذلك، فقال: محمَّدٌ يَزعم أنَّ إلإله واحِدٌ، وهو إِنما يعبدُ آلهةً كثيرةً، فنزلَتْ هذه الآية، ومِنْ أسماء اللَّه تعالى ما ورد في القُرآن، ومنها ما ورد في الحديث وتواتَرَ، وهذا هو الذي ينبغي أَنْ يُعْتَمدَ عليه.\nوقوله سبحانه: وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ، قال ابن زيد: معناه:\nاتركوهم «١»، فالآية على هذا منسوخةٌ، وقيل: معناه: الوعيدُ كقوله سبحانه: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا [المدثر: ١١] وذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا [الحجر: ٣] يقال: أَلْحَد وَلَحَدَ بمعنى جَارَ، ومَالَ، وانحرف، و«ألْحَدَ»: أشهرُ ومنه لَحْدُ القَبْرِ، ومعنى الإِلحاد في أسماء اللَّه ﷿: أنْ يسمُّوا اللاَّتَ نظيرَ اسم اللَّه تعالى قاله ابن عباس «٢»، والعُزَّى نظيرَ العزيزِ قاله مجاهد «٣»، ويسمُّون اللَّه أبًا، ويسمُّون أوثانهم أرْبابًا.\nوقوله سبحانه: سَيُجْزَوْنَ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ: وعيد محض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-533>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٨١ الى ١٨٣]</span>\nوَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٨١) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣)\nوقوله سبحانه: وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ، الآية تتضمَّن الإِخبار عن قَوْمٍ أهْلِ إِيمانٍ واستقامةٍ وهدايةٍ، وظاهُرها، يقتضي كُلَّ مُؤْمِنٍ كان مِنْ لَدُنْ آدم ﵇ إِلى قيام الساعة، ورُوِيَ عن كثيرٍ من المفسِّرين: أنها في أمَّة نبيِّنا محمَّد ﷺ، وروي في ذلك حديث أنّ النبي ﷺ\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٦/ ١٣٣) برقم: (١٥٤٦٨) بنحوه، وذكره ابن عطية (٢/ ٤٨١) .\n(٢) أخرجه الطبري (٦/ ١٣٢) برقم: (١٥٤٦٤) بنحوه، وذكره ابن عطية (٢/ ٤٨١)، والبغوي (٢/ ٢١٨)، وابن كثير (٢/ ٢٦٩) بنحوه، والسيوطي (٣/ ٢٧١)، وعزاه لابن أبي حاتم. [.....]\n(٣) أخرجه الطبري (٦/ ١٣٢) برقم: (١٥٤٦٥)، وذكره ابن عطية (٢/ ٤٨١)، والبغوي (٢/ ٢١٨)، وابن كثير (٢/ ٢٦٩) .","vol":"3","page":97},{"text":"قَالَ: «هَذِهِ الآيَةُ لَكُمْ» .\nوقوله سبحانه: وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا الآية وعيد، والإِشارة إِلى الكُفَّار، وسَنَسْتَدْرِجُهُمْ معناه: سنُسوقهم شيئًا بعد شَيْءٍ ودرجةً بعد درجةٍ بالنِّعم عليهم والإِمهال لهم حتى يغترُّوا ويظنُّوا أنهم لا ينالُهم عقابٌ، وقوله: مِنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ، أيْ: من حيث لا يَعْلَمُون أنه استدراج لهم، وهذه عقوبةٌ لهم مِنَ اللَّه سبحانه عَلَى التَّكْذِيبِ لِمَا حَتمَ عليهم بالعذاب، أملَى لهم ليزدادوا إثمًا.\nوقوله: وَأُمْلِي: معناه: أُؤخِّرُ ملاَوَةً من الدهر، أي: مدّة ومَتِينٌ: معناه:\nقويّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-534>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٨٤ الى ١٨٦]</span>\nأَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ (١٨٤) أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (١٨٥) مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٨٦)\nوقوله سبحانه: أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ/ ... الآية: تقريرٌ يقارنه توبيخ للكفّار، والوقف على قوله: أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا، ثم ابتدأ القولَ بنَفْي ما ذكروه، فقال: مَا بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ أي: بمحمَّد ﷺ، ويحتملُ أنْ يكون المعنى: أو لم يتفكَّروا أنه ما بصاحبهم مِنْ جِنَّةٍ، ويظهر مِنْ رصف الآية أنها باعثةٌ لهم على الفِكْرة في أمره ﷺ وأنه ليس به جنَّةٌ كما أحالهم بعد هذه الآية على النَّظَرْ.\nوقال الفَخْر «١»: قوله تعالى: أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا أمر بالفِكْرِ والتأمُّل والتدُّبر، وفي اللفظ محذوفٌ، والتقدير: أو لم يتفكروا فيعلَمُوا مَا بِصَاحِبهمْ منْ جِنَّة، والجِنَّة: حالَةٌ مِنَ الجُنُون، كَالجِلْسَةِ، ودخولُ «مِنْ» في قوله: مِنْ جِنَّةٍ ينفي أنواع الجنون. انتهى.\nوقوله سبحانه: أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ... الاية: النَّظَرُ هنا بالقَلْب عِبْرَة وفكرًا، ومَلَكُوتِ: بناءُ عظمةٍ ومبالغةٍ.\nوقوله: وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ: لفظٌ يعمُّ جميع ما ينظر فيه، ويستدلُّ به من الصنعة الدالَّة على الصانع، ومِنْ نَفْس الإِنسان وحواسَّه ومواضِعِ رزْقه، والشَّيْءُ: واقعٌ على الموجودات، وَأَنْ عَسى: عطْفٌ على قوله: فِي مَلَكُوتِ، والمعنى: توقيفُهُمْ علَى أنْ لم يَقَعْ لهم نَظَرٌ في شيء من هذا، ولا في أنهم قَرُبَتْ آجالُهُمْ، فماتوا ففات أو ان\n_________\n(١) ينظر: «تفسير الرازي» (١٥/ ٦٢) .","vol":"3","page":98},{"text":"التدَارُكِ، ووجَبَ عليهم المحذورُ، ثم وقفهم «بِأَيِّ حديثٍ» أو أمْرٍ يقعُ إيمانُهم وتَصْدِيقُهم إِذا لم يقع بأمْرٍ فيه نجاتُهم، ودخولُهم الجَنَّةَ ونحو هذا المعنى قولُ الشاعر: [الطويل]\n............... ...... ... وَعنْ أَيّ نَفْسٍ دُونَ نَفْسِي أُقَاتِلُ «١»\nوالضمير في بَعْدَهُ يراد به القُرْآن.\nوقيل: المراد به النبيّ ﷺ وقصَّتُهُ وأمْرُهُ أجْمَعَ، وقيل: هو عائد على الأجَلِ، أي:\nبعد الأجل، إِذ لا عَمَلَ بعد الموت.\nوقوله سبحانه: مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ ... الآية: هذا شرطٌ وجوابٌ، مضمَّنه اليأْسُ منهم، والمَقْتُ لهم لأن المراد أَنَّ هذا قد نزل بهم، والطغيان: الإفراطُ في الشيء، وكأنه مستعملٌ في غير الصَّلاح، والعمه: الحيرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-535>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٨٧ الى ١٨٨]</span>\nيَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (١٨٧) قُلْ لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلاَّ ما شاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨)\nوقوله سبحانك: يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ، قال قتادة: السائِلُونَ: هم قريش «٢» .\nوقال ابن عباس: هم أحبار اليهود «٣» .\nت: وفي «السِّيرَة» لابنِ هشامٍ: أَن السائلين من أحبار اليهود: حَمَلُ بْنُ أبي قُشَيْرٍ، وَسَمَوْءلُ بْنُ زَيْدٍ. انتهى.\nوالساعة: القيامة مُوِّتَ كُلّ من كان حَيًّا حينئذٍ، وبعث الجميع، وأَيَّانَ: معناه مَتَى، وهي مبنيَّةٌ على الفتْحِ، قال الشاعر: [الرجز]\n_________\n(١) البيت من شواهد «المحرر الوجيز» (٢/ ٤٨٣) .\n(٢) أخرجه الطبري (٦/ ١٣٦) برقم: (١٥٤٧٣) بنحوه، وذكره ابن عطية (٢/ ٤٨٤)، والبغوي (٢/ ٢١٩) بنحوه، والسيوطي (٣/ ٢٧٤)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير.\n(٣) أخرجه الطبري (٦/ ١٣٦) برقم: (١٥٤٧٤) بنحوه، وذكره ابن عطية (٢/ ٤٨٤)، والسيوطي (٣/ ٢٧٤)، وعزاه لابن إسحاق، وابن جرير، وأبي الشيخ.","vol":"3","page":99},{"text":"أَيَّانَ تَقْضِيَ حَاجَتِي أَيَّانَا ... أَمَا ترى لِفعْلِهَا أبانا «١»\nومُرْساها معناه: مُثْبَتُها ومُنْتَهَاها مأخوذٌ من: أرسى يُرْسِي، ف «مُرْسَاهَا»: رَفْعٌ بالابتداء، والخبرُ «أَيَّانَ»، وعبارة البخاريّ: أَيَّانَ مُرْساها: متى خروجها. انتهى، ويُجَلِّيها: معناه يظهرها.\nوقوله سبحانه: ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، قيل: معناه: ثَقُلَ أنْ تُعْلَم ويُوقَفَ عَلى حقيقةٍ وَقْتها، وقال الحسنُ بن أبي الحَسَن: معناه: ثَقُلَتْ هيئتها والفزعُ عَلَى/ أَهْل السموات «٢» والأرض، لاَ تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً، أي: فجأةً.\nوقوله سبحانه: يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها، قالَ ابن عبَّاس وغيره: المعنى يسألونك كأنكَ حَفِيٌّ، أي: مُتْحَفٌ ومُهْتَبِلٌ «٣» بهم، وهذا ينحُو إلى ما قالَتْ قريشٌ: يا محمَّدُ، إِنا قرابَتُكَ، فأخبرْنا بوَقْت السَّاعة.\nوقال ابن زَيْد وغيره: معناه: كأنك حفيٌّ في المسألة عَنْها، والاشتغالِ بها، حتى حصَّلَتْ علمها «٤» .\nوقرأ ابن عبَّاس «٥» فيما ذكر أبو حاتم: «كأَنَّكَ حَفِيٌّ بِهَا» .\nوقوله سبحانه: وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ قال الطَّبريُّ: معناه: لا يعلمُونَ أنَّ هذا الأَمْرَ لا يعلمه إِلا اللَّهُ، بل يظنُّ أكثرهم أنه ممَّا يعلمه البَشَرُ.\nوقوله سبحانه: قُلْ لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلَّا مَا شاءَ اللَّهُ ... الآية: هذا أمر بأنْ يبالِغَ في الاستسلام، ويتجَّردَ من المشاركةِ في قُدْرة اللَّه، وغَيْبِه، وأنَّ يصفَ نفسه لهؤلاءِ السائلين بأنه لا يملكُ من منافع نفسه ومضارِّها إِلا مَا سَنَّى اللَّه وشاء ويسّر، وهذا\n_________\n(١) البيت في «تهذيب الأزهري» (١٥/ ٦٥٣) [أي]، و«الدر المصون» (٣/ ٣٧٩) .\n(٢) أخرجه الطبري (٦/ ١٣٧- ١٣٨) برقم: (١٥٤٨٥) بنحوه، وذكره ابن عطية (٢/ ٤٨٤)، والبغوي (٢/ ٢١٩- ٢٢٠) .\n(٣) أخرجه الطبري (٦/ ١٣٩) برقم: (١٥٤٩١) بنحوه، وذكره ابن عطية (٢/ ٤٨٤)، وابن كثير (٢/ ٢٧١)، والسيوطي (٣/ ٢٧٥)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه.\n(٤) أخرجه الطبري (٦/ ١٤٠) برقم: (١٥٥٠٣) بنحوه، وذكره ابن عطية (٢/ ٤٨٤)، وابن كثير (٢/ ٢٧١) .\n(٥) وقرأ بها ابن مسعود كما في «الشواذ» ص: (٥٣) .\nوينظر: «المحتسب» (١/ ٢٦٩)، و«الكشاف» (٢/ ١٨٥) و«المحرر الوجيز» (٢/ ٤٨٤- ٤٨٥)، و«البحر المحيط» (٤/ ٤٣٣)، و«الدر المصون» (٣/ ٣٨١) .","vol":"3","page":100},{"text":"الاستثناءُ منقطعٌ، وأخبر أنه لو كان يَعْلَمُ الغَيْبَ، لعمل بحَسَب ما يأتي، واستعد لكلِّ شيءٍ استعداد مَنْ يعلم قَدْرَ ما يَسْتَعِدُّ له، وهذا لفظٌ عامٌّ في كل شيء.\nوقوله: وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ يحتمل وجْهين، وبكليهما قيل.\nأحدهما: أن «ما» معطوفةٌ على قوله: لَاسْتَكْثَرْتُ أي: وَلَمَا مسني السوءُ.\nوالثاني: أن يكون الكلامُ مقطوعًا تَمَّ في قوله: لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وابتدأ يخبرُ بنَفْي السوءِ عنه، وهو الجُنُون الذي رَمَوْهُ به.\nقال مؤرِّجٌ السَّدُوسيُّ «١»: السُّوءُ الجنون بلغة هُذَيْلٍ.\nت: وأما على التأويل الأول، فلا يريد ب «السوء» الجنونَ، ويترجَّح الثاني بنحو قوله سبحانه: مَا بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ ... [سبأ: ٤٦] الآية، ولِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ: يحتملُ معنيين:\nأحدهما: أنْ يريد: لقومٍ يُطْلَبُ منهم الإِيمانُ، وهؤلاء الناسُ أجمع.\nوالثاني: أن يخبر أنه نذير، ويتمُّ الكلام، ثم يبتدىء يخبر أنه بشيرٌ للمؤمنين به، ففي هذا وعد لمن حصل إيمانه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-536>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٨٩ الى ١٩٣]</span>\nهُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩) فَلَمَّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠) أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١) وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٢) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لاَ يَتَّبِعُوكُمْ سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ (١٩٣)\nوقوله: جلّت عظمته: وهُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ... الآية.\nقال جمهورُ المفسِّرين: المراد بالنَّفْسِ الواحدة: آدم ﵇، وبقوله: وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها حَوَّاء، وقولُه: مِنْها هو ما تقدَّمَ ذكْره مِنْ أنَّ آدمَ نام، فاستخرجت قصرى أضلاعِهِ، وخُلِقَتْ منها حوّاء.\n_________\n(١) مؤرج بن عمرو بن الحارث، من بني سدوس بن شيبان، أبو فيد: عالم بالعربية والأنساب، من أعيان أصحاب الخليل بن أحمد، من أهل «البصرة» . كان له اتصال بالمأمون العباسي، ورحل معه إلى خراسان، فسكن مدة، ب «مرو»، وانتقل إلى «نيسابور» . من كتبه «جماهير القبائل» و«حذف من نسب قريش»، و«غريب القرآن» وكتاب «الأمثال» و«المعاني» وله شعر جيد.\nينظر: ترجمته في «الأعلام» (٧/ ٣١٨) (٢٥٦٩) .","vol":"3","page":101},{"text":"وقوله: لِيَسْكُنَ إِلَيْها، أي: ليأنسَ، ويطمئنَّ، وكان هذا كلُّه في الجنة.\nثم ابتدأ بحالةٍ أخرَى، وهي في الدنيا بعد هبوطهما، فقال: فَلَمَّا تَغَشَّاها، أي:\nغَشِيَها، وهي كناية عن الجماع، والحمل الخفيف: هو المنيُّ الذي تحمله المرأة في رَحِمِهَا.\nوقوله: فَمَرَّتْ بِهِ أي: استمرت به، وقرأَ ابنُ عبَّاس: «فاستمرت بِهِ»، وقرأ ابن «١» مسعود: «فاستمرت بِحَمْلِهَا» وقرأ عبد اللَّه بن عمرو بن «٢» العاص: «فَمَارَتْ بِهِ»، أي جاءَتْ به، وذهَبَتْ، وتصرَّفَت كما تقولُ: مَارَتِ الرِّيحُ مَوْرًا، وأَثْقَلَتْ: دخلَتْ في الثِّقل، كما تقول: أصْبَحَ وأمْسَى، والضمير في قوله دَعَوَا، على هذا التأويل: عائدٌ على آدم وحوَّاء، وروي في قصص ذلك/ أن الشيطانَ أشار عَلَى حواء، أن تُسَمِّيَ هذا المولودَ «عَبْدَ الحَارث»، وهو اسْمُ إبليسَ، وقال لها: إِن لم تفعلي قَتَلْتُهُ، فزعموا أنهما أطاعاه حرْصًا علَى حياة المولود، فهذا هو الشِّرك الذي جَعَلاَ لِلَّهِ، في التسمية فَقَطْ.\nوقال الطبريُّ والسديُّ «٣» في قوله: فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ كلامٌ منفصلٌ من خَبَرِ آدم وحَوَّاء، يراد به مشركُو العرب «٤» .\nت: وينزه آدم وحواء عن طاعتهما لإبليس، ولم أقِفْ بَعْدُ على صحَّة ما رُوِيَ في هذه القِصَصِ، ولو صَحَّ، لوجب تأويله، نَعَمْ روى الترمذيُّ عن سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ «٥»، عن النبيّ ﷺ قَالَ: لَمَّا حَمَلَتْ حَوَّاءُ، طَافَ بِهَا إبْلِيسُ، وكانَ لا يَعيشُ لَهَا وَلَدٌ، فَقَالَ لَهَا: سَمِّيهِ عَبْدَ الحَارِثِ، فَسَمَّتْهُ عَبْدَ الحَارِثِ، فَعَاشَ ذلك، وكان ذلك من\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٤٨٦)، و«البحر المحيط» (٤/ ٤٣٧) .\n(٢) قال أبو الفتح: والمعنى واحد.\nينظر: «المحتسب» (١/ ٢٧٠)، و«المحرر الوجيز» (٢/ ٤٨٦)، و«البحر المحيط» (٤/ ٤٣٧)، وزاد نسبتها إلى الجحدري، وينظر: «الدر المصون» (٣/ ٣٨٢) . وقد نسبها ابن خالويه في «مختصره» ص:\n(٥٣) إلى ابن أبي عمار.\n(٣) ينظر: «تفسير الطبري» (٦/ ١٤٦) . [.....]\n(٤) أخرجه الطبري (٦/ ١٤٨) برقم: (١٥٥٤٢) بنحوه، وذكره ابن عطية (٢/ ٤٨٧)، والسيوطي (٣/ ٢٧٩)، وعزاه لعبد الرزاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن المنذر، وأبي الشيخ.\n(٥) هو: سمرة بن جندب بن هلال بن حريج بن مرة بن حرب بن عمرو بن جابر أبو سليمان الفزاري، سكن «البصرة»، قدمت به أمه المدينة بعد موت أبيه، فتزوجها رجل من الأنصار اسمه: مري بن سنان بن ثعلبة، وكان في حجره إلى أن صار غلاما، وكان رسول الله ﷺ يعرض غلمان الأنصار كل سنة، فمرّ به غلام فأجازه في البعث، وعرض عليه سمرة بعده فرده، فقال سمرة: لقد أجزت هذا ورددتني، ولو صارعته لصرعته قال: فدونكه فصارعه، فصرعه سمرة، فأجازه من البعث. قيل: أجازه يوم أحد، والله أعلم ...","vol":"3","page":102},{"text":"وَحْيِ الشَّيْطَان، وأَمْرِهِ، قال الترمذيُّ: هذا حديثٌ حسنٌ «١» غريبٌ، انفرد به عُمَرُ بنُ إبراهيم «٢»، عن قَتَادَةَ، وعمرُ شَيْخٌ بصريٌّ. انتهى.\nوهذا الحديثُ ليس فيه أنهما أطاعاه، وعلى كلِّ حالٍ: الواجبُ التوقُّفْ، والتنزيهُ لِمَنْ اجتباه اللَّه، وحُسْنُ التأويل ما أمكن، وقد قال ابنُ العربيِّ في توهينِ هذا القَوْل وتزييفِهِ:\nوهذا القولُ ونحوه مذكُورٌ في ضعيف الحديثِ في الترمذيِّ وغيره، وفي الإِسرائيليات التي لَيْسَ لها ثباتٌ، ولا يعوِّل عليها مَنْ له قَلْبٌ، فإِنَّ آدم وحواء- وإِن كانا غرَّهما باللَّهِ الغرور- فلا يلدغ المؤمن من جحر مرّتين، وما كانا بعْدَ ذلك لِيقْبَلاَ له نُصْحًا، ولا يسمعا له قَوْلًا، والقولْ الأشبه بالحَقِّ: أن المراد بهذا جنْسُ الآدميين. انتهى من «الأحكام» .\nقال «٣» ع: وقوله صالِحًا: قال الحَسَن: معناه: غُلاَمًا «٤»، وقال ابن عباس وهو الأظهر: بَشَرًا سَوِّيًا «٥» سليمًا.\nوقال قومٌ: إنما الغَرَضُ من هذه الآية تعديدُ النعمة في الأزواج، وفي تسهيل النَّسْل والولادةِ، ثم ذكر سُوءَ فعْلِ المشركينَ المُوجبِ للعقابِ، فقال مخاطبًا لجميع الناس: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها يريد: آدم وحواء، أي: واستمرّت\n_________\n- توفي قيل: سنة ٥٨ هـ، وقيل: ٥٩ هـ ب «البصرة» .\nينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (٢/ ٤٥٤)، «الإصابة» (٣/ ١٣٠)، «الثقات» (٣/ ١٧٤)، «الاستيعاب» (٢/ ٦٥٣)، «الإكمال» (٢/ ٦٧)، «الأعلام» (٣/ ١٣٩)، «العبر» (١/ ٦٥)، «الكاشف» (١/ ٤٠٣)، «بقي بن مخلد» (٣٥)، «الرياض المستطابة» (١٠٧)، «التاريخ الكبير» (٤/ ١٧٦)، «تجريد أسماء الصحابة» (١/ ٢٣٩)، «التاريخ الصغير» (١/ ١٠٦- ١٠٧)، «الوافي بالوفيات» (١٥/ ٦١١)، «تاريخ جرجان» (٢٣٩)، «التحفة اللطيفة» (١٩٣)، «الطبقات الكبرى» (٩/ ٨٩)، «سير أعلام النبلاء» (٣/ ١٨٣) .\n(١) أخرجه الترمذي (٥/ ٢٦٧- ٢٦٨) كتاب «التفسير» باب: «ومن سورة الأعراف»، حديث (٣٠٧٧)، من طريق عمر بن إبراهيم، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة به.\nوقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه مرفوعا إلّا من حديث عمر بن إبراهيم، عن قتادة، ورواه بعضهم عن عبد الصمد ولم يرفعه عمر بن إبراهيم شيخ بصري.\n(٢) عمر بن إبراهيم العبدي أبو حفص البصري، صاحب الهروي بفتح الهاء. عن قتادة، وعنه ابنه الخليل وعبّاد بن العوّام، وثقه ابن معين في رواية الدارمي، وقال ابن عدي: حديثه عن قتادة مضطرب.\nينظر ترجمته في: «الخلاصة» (٢/ ٢٦٥) (٥١٢٢) .\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٤٨٦) .\n(٤) أخرجه الطبري (٦/ ١٤٣) برقم: (١٥٥١٧)، وذكره ابن عطية (٢/ ٤٨٦)، وابن كثير (٢/ ٢٧٤)، والسيوطي (٣/ ٢٧٨)، وعزاه لعبد الرزاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٥) ذكره ابن عطية (٢/ ٤٨٦)، وابن كثير (٢/ ٢٧٤) .","vol":"3","page":103},{"text":"حالُكم واحدًا واحدًا كذلك، فهذه نعمةٌ يختصُّ كلُّ واحد بجزء منْها، ثم جاء قوله: فَلَمَّا تَغَشَّاها ... إلى آخر الآية، وصفًا لحالِ الناس واحدًا واحدًا، أي: هكذا يفعلون، فإِذا آتاهم اللَّه ولدًا صالحًا سليمًا كما أرادوه، صرفوه عن الفِطْرة إِلى الشرك، فهذا فِعْلُ المشركين.\nقال ابنُ العَرَبِيِّ في «أحكامه» وهذا القول هو الأشبه بالحقِّ وأقربُ للصدق، وهو ظاهر الآية، وعمومها الذي يشملُ جميعَ متناولاتها، ويسلم فيها الأنبياءُ عن النّقصِ الذي لا يليقُ بجهَّال البَشَرُ، فكيف بسادَاتِهِمْ، وأنبيائهم؟! انتهى، وهو كلامٌ حسنٌ وباللَّه التوفيق.\nوقرأ نافعٌ «١»، وعاصم في رواية أبي بَكْر: «شركًا» - بكسر الشين، وسكون الراء- على المصدر، وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائيُّ، وحفصٌ عن عاصم:\n«شُرَكَاء» على الجمع، وهي بينة على هذا التأويل الأخير، وقلقةٌ على قول من قال: إن الآية الأولى في آدم وحواء، وفي مُصْحَف أَبيٍّ بن «٢» كَعْب: «فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا أَشْرَكَا فِيهِ» .\nوقوله: أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئًا ... الآية: ذهب بعضُ من قال بالقول الأول إلى أنَّ هذه الآية في آدم وحواء على ما تقدَّم، وفيه قَلقٌ وتعسُّفٌ من التأويل/ في المعنى وإِنما تنسق هذه الآياتُ، ويَرُوقُ نَظْمها، ويتناصَرُ معناها على التأويل الأخير، فإِنهم قالوا:\nإن الآية في مُشْركي الكُفَّار الذي يُشْركُون الأصنام في العبادة، وإِياها يراد في قوله: مَا لاَ يَخْلُقُ، وعبَّر عن الأصنام ب هُمْ كأنها تَعْقِلُ على اعتقاد الكُفَّار فيها وبحسب أسمائها، ويُخْلَقُونَ: معناه: يُنْحَتُونَ ويُصْنَعُونَ، يعني: الأصنام، ويحتملُ أن يكونَ المعنى، وهؤلاء المشركُونَ يُخْلَقُونَ أي: فكان حقُّهم أن يعبدوا خالِقَهُمْ، لا مَنْ لا يخلق شيئًا، وقرأ أبو عبد الرحمن: «عَمَّا تُشْرِكُونَ» «٣» بالتاء مِنْ فوقُ «أَتُشْركُونَ» .\nوقوله سبحانه: وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لاَ يَتَّبِعُوكُمْ سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ، من قال: إن الآياتِ في آدم ﵇، قال: هذه مخاطبة مستأنفة\n_________\n(١) ينظر: «السبعة» (٢٩٩)، و«الحجة» (٤/ ١١١)، و«إعراب القراءات» (٢/ ٢١٦)، و«حجّة القراءات» (٣٠٤)، و«إتحاف فضلاء البشر» (٢/ ٧١)، و«العنوان» (٩٨) و«شرح الطيبة» (٤/ ٣١٨)، و«شرح شعلة» (٤٠)، و«معاني القراءات» (١/ ٤٣١) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٤٨٧)، و«البحر المحيط» (٤/ ٤٣٨) .\n(٣) ينظر: «الشواذ» ص: (٥٣)، و«المحرر الوجيز» (٢/ ٤٨٨)، و«البحر المحيط» (٤/ ٤٣٨)، و«الدر المصون» (٣/ ٣٨٣) .","vol":"3","page":104},{"text":"للنبيّ ﷺ، وأمته في أمر الكفّار المعاصرين للنبي ﷺ ومَنْ قال بالقولِ الآخَر، قال: إِن هذه مخاطبةٌ للمؤمنين والكُفَّار على قراءة مَنْ قرأ: «أَيُشْرِكُونَ» - بالياء من تَحت-، وللكفَّار فقطْ على قراءة مَنْ قرأ بالتاء من فوق على جهة التوقيفِ، أيْ: هذا حالُ الأصنام معكم إن دعوتموهم، لم يجيبوكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-537>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٩٤ الى ١٩٨]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٩٤) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ (١٩٥) إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (١٩٦) وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٧) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (١٩٨)\nوقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ... الآية مخاطبةٌ للكفَّار في تحقير شأْن أصنامهم، وقوله: فَادْعُوهُمْ أي: فاختبروا، فإن لم يستجيبوا، فهم كما وصفنا.\nوقوله سبحانه: أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها ... الآية. الغرض من هذه الآية أَلَهُمْ حواس الحَيِّ وأوصافه، فإِذا قالوا: «لا»، حكموا بأنها جماداتٌ من غير شكٍّ، لا خَيْرَ عندها.\nقال الزّهْراوِيُّ: المعنى: أنتم أفضلُ منهم بهذه الجوارح النافعة فكيف تعبدونهم، ثُمَّ أمرَ سبحانَه نبيَّه ﵇ أنْ يعجزهم بقوله: قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ، أي:\nاستنجدوهم واستنفروهم إِلى إِضْرَارِي وكَيْدي، ولا تؤخِّروني، المَعْنَى: فإِن كانوا آلهةً، فسيظهر فعلكم، وَلَمَّا أحالهم على الاستنجاد بآلهتهم في ضَرَره، وأراهم أنَّ اللَّه سبحانه هو القَادِرُ عَلَى كُلِّ شيء لاَ تلك، عقَّب ذلك بالإِستناد إِلى اللَّه سبحانه، والتوكُّلِ عليه، والإِعلام بأنه وليُّه وناصره، فقال: إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ.\nوقوله: وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ إِنما تكرَّر القولُ في هذا، وترَّددت الآياتُ فيه لأن أمر الأصنام وتعظيمها كان متمكِّنًا من نفوس العرب في ذلك الزَمانِ، ومستوليًا علَى عقولها، فأوعب القولَ في ذلك لُطْفًا منه سبحانه بهم.\nوقوله: وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لاَ يَسْمَعُوا ... الآية: قالت فرقة: هذا خطاب","vol":"3","page":105},{"text":"للنبيّ ﷺ، وأمته في أمر الكُفَّار، والهاءُ والميمُ في قوله: «تدعوهم» للكفَّار، ووصفهم بأنهم لا يَسْمَعُونَ، ولا يبصرون إِذ لم يتحصَّل لهم عن النَّظَر والاستماع فائدةٌ قاله مجاهدٌ «١» والسدِّي «٢» .\nوقال الطبريُّ «٣»: المرادُ بالضمير المذكور: الأصنامُ، ووصْفُهم بالنظر كنايةً عن المحاذاة والمقابلة ولِمَا فيها من تخييلِ النَّظَر كما تقول: دَارُ فُلاَنٍ تَنْظُر إلى دار فلان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-538>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٩٩ الى ٢٠٠]</span>\nخُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ (١٩٩) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠)\nوقوله سبحانه: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ ... الآية: وصيَّةٌ من اللَّه سبحانه لنبيِّه ﵇ تعمُّ جميع أمته، وأَخْذٌ بجميع/ مكَارِم الأخلاقِ.\nقال الجمهور: معنى: خُذِ الْعَفْوَ اقبل من الناس في أخلاقهم وأقوالهم ومعاشرتهم ما أتى عَفْوًا، دون تكلُّف، فالعَفْوُ هنا: الفَضْل والصفو، قال مكِّيٌّ قوله تعالى: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ ... الآية.\nقال بعض أهْل المعاني، في هذه الآية بيان قول النبيّ ﷺ: «أُوتِيتُ جَوَامِعَ الكَلَمِ» «٤» فهذه الآية قد جَمَعَتْ معاني كثيرةً، وفوائدَ عظيمةً، وجمعتْ كلَّ خُلُقٍ حَسَن لأَنَّ في أخذ العَفْوِ صلَةُ القاطعينِ، والصفْحَ عن الظالِمينَ، وإِعطاءَ المانعين، وفي الأَمر بالمعروف تَقْوَى اللَّه وطاعته، وصِلة الرحِمِ، وصَوْن الجوارحِ عن المحرِّمات، وسمَّي هذا ونحوه عُرْفًا لأن كلَّ نَفْس تعرفه، وتركَنُ إِليه، وفي الإِعراض عن الجاهلين: الصبرُ، والحِلْم، وتنزيهُ النفْس عن مخاطبةِ السفيه، ومنازعةِ اللَّجوج، وغيرُ ذلك من الأفعال المرضية. انتهى من «الهداية» .\nوقوله: وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ: معناه: بكلِّ ما عرفَتْه النفوسُ ممَّا لا تردُّه الشريعة ومِنْ ذلك: «أَنْ تُعْطِيَ مَنْ حَرَمَكَ، وتَصِلَ مَنْ قَطَعَكَ، وتَعْفُوَ عَمَّنَ ظلمك ...» الحديث «٥»،\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٦/ ١٥١) برقم: (١٥٥٤٥) بنحوه، وذكره ابن عطية (٢/ ٤٩٠)، وابن كثير (٢/ ٢٧٧) طرفا منه، والسيوطي (٣/ ٢٨٠)، وعزاه لابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.\n(٢) أخرجه الطبري (٦/ ١٥١) برقم: (١٥٥٤٤) بنحوه، وذكره ابن عطية (٢/ ٤٩٠)، وابن كثير (٢/ ٢٧٧) بنحوه، والسيوطي (٣/ ٢٨٠)، وعزاه لابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.\n(٣) ينظر: «تفسير الطبري» (٦/ ١٥١) . [.....]\n(٤) تقدم تخريجه.\n(٥) تقدم تخريجه.","vol":"3","page":106},{"text":"فالعرف بمعنى المعروف.\nوقوله ﷿: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ، هذه الآية وصِيَّة من الله سبحانه لنبيّه ﷺ تعمُّ أمته رجُلًا رجلًا، والنَّزْغ: حركةٌ فيها فسادٌ قلَّما تستعملُ إِلا في فَعْلِ الشيطان لأن حركته مسرِعَةٌ مفسدة ومنه قولُ النبيِّ ﷺ: «لاَ يُشِرْ أَحَدُكُمْ عَلَى أخِيهِ بالسِّلاَح لاَ يَنْزَغِ الشَّيْطَانُ في يَدِهِ»، فالمعنى في هذه الآية: فإِمَّا تَلُمَّنَّ بك لَمَّةٌ من الشيطان، فاستعذ باللَّه، وعبارة البخاريِّ: يَنْزَغَنَّكَ: يستَخِفَنَّكَ. انتهى.\nوَنَزْغُ الشيطان عامٌّ في الغَضَبِ، وتحسينِ المعاصِي، واكتساب الغوائل، وغير ذلك وفي «جامع الترمذيِّ» عن النبي ﷺ قالَ: «إِن لِلْمَلَكِ لَمَّةً، وللشَّيْطَانِ لَمَّةً ...» «١»\nالحديث.\nقال ع «٢»: عن هاتين اللَّمّتَيْنِ: هي الخواطِرُ من الخير والشر، فالآخِذُ بالواجبِ يلقى لَمَّةَ المَلَك بالامتثال والاستدامة، وَلَمَّةَ الشيطانِ بالرفْضِ والاستعاذة، واستعاذ: معناه:\nطَلَب أَنْ يُعَاذَ، وعَاذَ: معناه: لاذ، وانضوى، واستجار.\nقال الفَخْر «٣»: قال ابنُ زيد: لما نَزَل قوله تعالى: وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ قال النبيّ ﷺ: «كَيْفَ يَا رَبِّ، والغَضَبُ؟ فَنَزَل قولُه: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ» «٤»، وقوله: إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ يدلُّ علَى أن الاستعاذة لا تفيدُ إِلاَّ إِذا حضر في القَلْبِ العِلْمُ بمعنى الاستعاذة، فكأنه تعالَى قال: اذكر لَفْظَ الاستعاذة بلسانك فإن سميعٌ، واستحضر معاني الاستعاذة بِعَقْلِكَ وقَلْبِك فإِني عَليمٌ بما في ضَمِيركَ، وفي الحقيقة: القوْلُ اللسانيُّ دون المعارفِ العقليَّة، عديمُ الفائدة والأثر. انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-539>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٢٠١ الى ٢٠٢]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١) وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ (٢٠٢)\nوقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا ... الآية خرَجَتْ مَخْرَجَ المدح للمتقين، والتقوى هاهنا عامَّة في اتقاء/ الشِّرْك والمعاصِي، وقرأ ابن\n_________\n(١) تقدم تخريجه.\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٤٩١) .\n(٣) ينظر: «تفسير الرازي» (١٥/ ٧٩) .\n(٤) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٦/ ١٥٥) برقم: (١٥٥٦٤) .","vol":"3","page":107},{"text":"كثير «١» وغيره: «طَيْفٌ» .\nقال أبو عليٍّ الطائفُ كالخاطر، والطّيف كالخطرة، وقوله: تَذَكَّرُوا: إشارة إِلى الاستعاذة المأمور بها، وإِلى ما للَّه ﷿ من الأوامر والنواهي في النازلة التي يقع تعرُّض الشيطانِ فيها، وقرأ ابنُ الزُّبَيْر «٢»: «مِن الشَّيْطَان تَأَمَّلُوا فإِذَا هُمْ»، وفي مُصْحَفِ «٣» أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ «إِذَا طَافَ مِنَ الشَّيْطَانِ طَائِفٌ تَأَمَّلُوا»، وقوله: مُبْصِرُونَ: من البصيرة، أي: فإِذا هم قد تبيَّنوا الحقَّ، ومالوا إليه، والضميرُ في إِخْوانُهُمْ، عائدٌ على الشياطين، وفي يَمُدُّونَهُمْ عائدٌ على الكُفَّار، وهم المرادُ ب «الإِخوان»، هذا قول الجمهور.\nقال ع «٤»: وقرأ جميعُ السبعة «٥» غير نافع: يَمُدُّونَهُمْ من مَدَدتُّ، وقرأ نافعٌ:\n«يَمِدُّونَهُمْ»، من أَمْدَدتْ.\nقال الجمهور: هما بمعنًى واحدٍ، إلا أن المستعمَلَ في المحبوب «أَمَدَّ»، والمستعملَ في المكروه «مَدَّ»، فقراءة الجماعةِ جارِيَةٌ على المنهَاج المستعمل، وقراءةُ نافع هي مقيَّدة بقوله: فِي الغَيِّ كما يجوز أَنّ تقيِّد البِشَارَةَ، فتقول: بَشَّرْتُهُ بشرٍّ وَمَدُّ الشياطينِ للكَفَرَةَ، أيْ: ومَنْ نَحا نحوهم: هو بالتزيين لهم، والإِغواءِ المتتابعِ، وقوله: ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ من أَقْصَرَ، والضميرُ عائدٌ على الجميع، أي: هؤلاء لا يقصرون عن الإغواء، وهؤلاء لا يُقْصِرُونَ في الطاعة للشياطين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-540>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٢٠٣ الى ٢٠٤]</span>\nوَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٠٣) وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)\nوقوله سبحانه: وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها، سببها فيما رُوِيَ أن الوَحْيَ\n_________\n(١) ينظر: «السبعة» (٣٠١)، و«الحجة» (٤/ ١٢٠)، و«حجة القراءات» (٣٠٥) و«إعراب القراءات» (١/ ٢١٧)، و«إتحاف» (٢/ ٧٣)، و«العنوان» (٩٩)، و«معاني القراءات» (١/ ٤٣٣)، و«شرح الطيبة» (٤/ ٣٢١)، و«شرح شعلة» (٤٠٣) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٤٩٢)، و«البحر المحيط» (٤/ ٤٤٦) .\n(٣) ينظر: مصادر القراءة السابقة.\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٤٩٣) .\n(٥) ينظر: «السبعة» (٣٠١)، و«الحجة» (٤/ ١٢٢)، و«إعراب القراءات» (١/ ٢١٩)، و«حجة القراءات» (٣٠٦)، و«إتحاف» (٢/ ٧٣)، و«معاني القراءات» (١/ ٤٣٤)، و«شرح الطيبة» (٤/ ٣٢١)، و«شرح شعلة» (٤٠٣)، و«العنوان» (٩٩) .","vol":"3","page":108},{"text":"كان يتأخَّر أحيانًا، فكان الكُفَّار يقولون: هَلاَّ اجتبيتها، أي: اخترتها، فأمره اللَّه ﷿ أنْ يجيب بالتسْلِيمِ للَّه، وأَنَّ الأمر في الوحْي إِليه ينزِّله متى شاء، ثم أشار بقوله: هذا بَصائِرُ إلى القرآن، أي: علاماتُ هُدًى، وأنوارٌ تستضيء القلوبُ به.\nوقوله سبحانه: وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ، ذكر الطبريّ وغيره أن أصحاب النبيّ ﷺ كانوا بمكَّةَ يتكلَّمون في المكتوبةِ بحوائجهم، فنزلتِ الآية أمْرًا لهم بالاستماع والإنصات في الصَّلاة، وأما قولُ من قال: إِنها في الخُطْبة، فضعيفٌ، لأن الآية مكِّيَّة، والخُطْبَة لم تُكنْ إِلا بعد الهِجْرة، وألفاظ الآية على الجملة تتضمَّن تعظيم القُرْآن وتوقيرَهُ، وذلك واجبٌ في كل حالة، والإِنصاتُ: السكوتُ.\nقال الزجَّاج: ويجوز أن يكون: فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا، أي: اعملوا بما فيه، ولا تجاوزوه.\nقالَ ابنُ العربيِّ في «أحكامه»: رَوَى الترمذيُّ، وأبو داود، عن عُبَادَة بْنِ الصَّامِتِ، قال: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلاَةَ الصُّبْحِ، فَثَقُلَتْ عَلَيْهِ القِرَاءَةُ، فَلَمَّا انصرف، قال: «إنّي لأراكم تقرءون وَرَاءَ إمامكم، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أيْ وَاللَّهِ، فَقَالَ: لاَ تَفْعَلُوا إِلاَّ بِأُمِّ القُرْآنِ فإِنَّه لاَ صَلاَةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا» «١» وقد رَوَى الناسُ في قراءة المأمومين خَلْفَ الإِمام بفاتحةِ الكِتَاب أحاديثَ كثيرةً، وأعظمهم في ذلك اهتبالا الدارقطنيُّ، وقد جمع البخاريُّ في ذلك جزءًا «٢»، وكان رَأْيُهُ قراءةَ الفَاتحَةِ خلْفَ الإِمامِ في الصلاة الجهريَّة، وهي إِحدى روايات مالكٍ، وهو اختيارُ الشافعيِّ. انتهى، وقد تقدَّم أول الكتاب ما اختاره ابن العربيّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-541>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٢٠٥ الى ٢٠٦]</span>\nوَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ (٢٠٥) إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (٢٠٦)\nوقوله سبحانه: وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ ... الآية: مخاطبة للنبيّ ﷺ/، وتعمُّ جميعَ أمته، وهو أمر من اللَّه تعالَى بذكْره وتسبيحِهِ وتقديسِهِ، والثناءِ عليه بمحامدِهِ، والجمهورُ على أن الذِّكْر لا يكون في النفْسِ، ولا يراعَى إِلا بحركه اللسَانِ، ويُدلُّ على ذلك من هذه الآية قوله: وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ، وهذه مرتبةُ السرِّ، والمخافتة.\nوقال الفَخْر «٣»: المراد بقوله تعالى: وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ، كونه عارفا بمعاني\n_________\n(١) تقدم.\n(٢) أسماه القراءة خلف الإمام.\n(٣) ينظر: «تفسير الرازي» (١٥/ ٨٦) . [.....]","vol":"3","page":109},{"text":"الأذكار التي يقولها بلسانه، مستحضرًا لصفاتِ الجلالِ والعظمة، وذلك أن الذكْرَ باللِّسَان، إِذَا كان عاريًا عن الذكْر بالقلْب، كان عدِيمَ الفائدة، ألاَ تَرَى أن الفقهاء أجمَعُوا على أنَّ الرجُلَ، إِذا قال: بِعْتُ واشتريت مع أنَّه لاَ يَعْرفُ معانِي هذه الألفاظ، ولا يفهم منها شيئًا، فإِنه لا ينعقد البَيْعُ والشراءُ، فكذلك هنا، قال المتكلِّمون: وهذه الآية تدُلُّ على إثبات كلامِ النفْس.\nوقوله تعالى: وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ، يدُلُّ على أن الذكْرَ القلبيَّ يجبُ أن يكون دائمًا، وألاَّ يغفُلَ الإنسان لحظةً عن استحضار جلالِ اللَّهِ وكبريائِهِ بقَدْر الطاقةِ البشريَّة، وتحقيقُ القول في هذا أنَّ بَيْنَ الرُّوحِ والبدنِ عَلاَقةً عجيبةً لأَن كلَّ أثر يحصُلُ في البدَنَ يصْعَدُ منه نتائجُ إِلى الرّوحِ أَلاَ تَرَى أنَّ الإِنسان إِذا تخيَّل الشيء الحامِضَ، ضَرَسَ منه، وإِذا تخيل حالَةً مكروهةً، أو غَضِبَ، سَخِنَ بدنه. انتهى. وتَضَرُّعًا: معناه: تذُّلَلًا وخُضُوعًا، البخاريُّ: وَخِيفَةً، أي: خوفًا انتهى.\nوقوله: بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ: معناه: دَأَبًا، وفي كلِّ يوم، وفي أطرافِ النهارِ، وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ تنبيهٌ منه ﷿، ولما قال سبحانه: وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ: جَعَل بعد ذلك مثالًا من اجتهاد الملائِكَةِ لِيَبْعَثَ على الجِدِّ في طاعة اللَّهِ سبحانه.\nت: قال صاحبُ «الكلم الفارقية»: غفلةُ ساعةٍ عَنْ ربِّك مَكْدَرَة لمرآةِ قَلْبِكَ فكَيْفَ بِغَفْلَة جميعِ عُمْرك. انتهى.\nقال ابن عطاء اللَّهِ ﵀: لا تتركُ الذِّكْر، لِعَدَمِ حُضُورك مع اللَّه فيه لأن غفلتك عن وُجودِ ذكْرِهِ أشدَّ مِنْ غفلتك في وجودِ ذكْرِهِ فعسى أن يرفعك مِنْ ذكْرٍ مع وجود غفلة، إِلى ذكْرٍ مع وجودِ يَقَظَةٍ، ومن ذِكْرٍ مع وجود يقظةٍ إِلى ذكْرٍ مع وجودِ حُضُورٍ، ومِنْ ذكْرٍ مع وجود حضور، إِلى ذكْرٍ مع وجود غيبة عمَّا سوى المذْكُور، وما ذلك على اللَّه بعزيز. انتهى، قال ابن العربي في «أحكامه»: قوله تعالى: وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ: أي:\nفيما أُمِرْتَ به، وكُلِّفْتَه، وهذا خطابٌ له ﵇، والمراد به جميعُ أمته. انتهى.\nوقوله: الَّذِينَ، يريد به الملائكةَ.\nوقوله: عِنْدَ، إِنما يريد به المنزلةَ، والتشريف، والقُرْبَ في المكانة، لا في المكان، فَهُمْ بذلك عنده، ثم وصف سبحانه حَالَهُمْ مِنْ تواضعهم، وإِدمانهم العبادة، والتَسبيحَ والسُّجودَ»، وفي الحديث: «أَطَّتِ السَّمَاءُ، وَحُقَّ لَها أَنْ تَئِطَّ مَا فِيهَا مَوْضِعُ شِبْرٍ","vol":"3","page":110},{"text":"إِلاَّ وَفِيهِ مَلَكٌ قَائِمٌ، أَوْ رَاكعٌ، أَوْ سَاجِدٌ» «١» وهذا موضع سجدة.\n/ قال عَبْدُ الرحمن بْنُ محمَّدٍ عفا اللَّه عنه: كَمُلَ ما انتخبناه في تفسير السورة، والحمد لله على ما به أنعم، وصلَّى اللَّه على سيّدنا محمّد وآله وسلّم تسليما كثيرا.\n_________\n(١) أخرجه الترمذي (٤/ ٥٥٦) كتاب «الزهد» باب: في قول النبي ﷺ: «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا»، حديث (٢٣١٢)، وابن ماجه (٢/ ١٤٠٢) كتاب «الزهد» باب: الحسن والبكاء، حديث (٤١٩٠)، والحاكم (٢/ ٥١٠) من طريق مجاهد، عن مورق العجلي عن ابن ذر به.\nوقال الترمذي: حديث حسن غريب.\nوقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وسكت عنه الذهبي.","vol":"3","page":111},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-542>تفسير سورة الأنفال</span>\nمدنيّة كلّها قال مجاهد: إلّا آية واحدة، وهي قوله: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا ... الآية:\nولا خلاف أن هذه السورة نزلت في شأن بدر، وأمر غنائمه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-543>[سورة الأنفال (٨): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١)\nقوله ﷿: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ ... الآية، النَّفَلُ والنَّافلة، في كلام العرب:\nالزِّيَادَةُ على الواجب، والأكثرُ في هذه الآيةِ أنَّ السؤال إِنما هو عَنْ حُكْمِ الأَنفال، وقالَتْ فرقةٌ: إنما سألوه الأَنْفَالَ نفْسَها محتجِّين بقراءة سعد بن أبي وقَّاص وغيره: «يَسْئَلُونَكَ الأَنْفَالَ» «١» وعن أبي أمامة الباهليِّ، قال: سَأَلْتُ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ عَنِ الأَنْفَال، فَقَالَ: فِينَا- أَهْلَ بَدْر- نَزَلَتْ، حِينَ اختلفنا، وَسَاءَتْ أَخْلاَقُنَا «٢»، فَنَزَعَهُ اللَّهُ مِنْ أَيْدِيَنَا، وَجَعَلَهُ إلى رسوله ﷺ وقَسَمَهُ ﵇- بَيْنَ المُسْلِمينَ عَلَى بَوَاءٍ- يريد: على سَوَاءٍ- فكان في ذَلِكَ تَقْوَى اللَّه وطَاعَةُ رسوله، وصلاحُ ذات البين.\nقال ع «٣»: ويجيء مِنْ مجموع الآثار المذكُورة هنا أن نفوسَ أهْلَ بدر تنافَرَتْ، ووقع فيها ما يَقَعُ في نفوس البَشَرَ مِنْ إِرادة الأثرة، لا سيَّمَا مَنْ أَبْلَى، فأنزل اللَّه ﷿ الآيةَ، فَرضِيَ المسلمون، وسَلَّموا، فأصْلَح ذات بينهم، وردّ عليهم غنائمهم.\n_________\n(١) وقرأ بها ابن مسعود، وعلي بن الحسين، وأبو جعفر محمد بن علي، وزيد بن علي، وجعفر بن محمد، وطلحة بن مصرف.\nينظر: «الشواذ» ص: (٥٤)، و«المحتسب» (١/ ٢٧٢)، و«الكشاف» (٢/ ١٩٥) و«المحرر الوجيز» (٢/ ٤٩٦)، وزاد نسبتها إلى عكرمة، والضحاك، وعطاء. وينظر: «البحر المحيط» (٤/ ٤٥٣)، و«الدر المصون» (٣/ ٣٩٢) .\n(٢) ذكره ابن عطية (٢/ ٤٩٧) .\n(٣) ينظر «المحرر الوجيز» (٢/ ٤٩٧) .","vol":"3","page":112},{"text":"قال بعضُ أهل التأويل عكرمة، ومجاهد: كان هذا الحُكْمُ من اللَّه سبحانه لِرَفْعِ الشَّغَبِ ثم نُسِخَ بقوله: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ ... [الأنفال: ٤١] الآية. وهذا أولَى الأقوال وأصحُّها.\nوقوله سبحانه: وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ: تصريحٌ بأنه شَجَرَ بينهم اخْتِلاَفٌ، ومالت النفوس إلى التّشاحّ، وذاتَ في هذا المَوْضِعِ يُرَادُ بها نَفْسُ الشيء وحقيقته، والذي يُفْهَمُ من بَيْنِكُمْ هو معنى يعم جَمِيعَ الوُصَلِ، والالْتِحَامَات، والمَوَدَّات، وذات ذلك هو المَأْمُور بإِصلاحها، أي: نفسه وعينه، وباقي الآية بيّن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-544>[سورة الأنفال (٨): الآيات ٢ الى ٤]</span>\nإِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيمانًا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)\nوقوله سبحانه: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ... الآية، إِنَّمَا لفظ لا تُفَارِقُهُ المُبَالَغَةُ والتأكيد حيث وقع، ويصلح مع ذلك لِلْحَصْرِ، بحسب القرينة، فقوله هنا: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ ظاهرها أنَّها للمبالغة والتأكيد فقط، أي الكاملون.\nقال الشَّيْخُ أبو عَبْدُ اللَّه محمد بن محمد بن أحمد الأَنْصَارِيّ الساحلي المالقي في كتابه الذي ألَّفَهُ في «السلوك»: واعلم أن الإنْسَانَ مطلوب بطَهَارَة نفسه، وتزكيتها، وطُرُقُ التزكية وإن كَثُرَتْ، فطريق الذِّكْرِ أسرع نفعًا، وأقرب مَرَامًا، وعليه دَرَجَ أكثر مشائخ التربية، ثم قال: والذِّكْرُ ضد النسيان، والمطلوب منه عِمَارَةُ الباطن باللَّهِ تعالى في كل زمان، ومع كل حال لأن الذِّكْرَ يَدُلُّ على المذكور لا محالة، فذكره ديدنا يوجب المَحَبَّةَ له، والمعرفة به، والذكر وإن اختلف ألفاظه ومعانيه، فلكل معنًى [من] معانيه اختصاص بنوعٍ من التَّحْلِيَةِ والتخلية، والتزكية، ثم قال: والذِّكْرُ على/ قسمين: ذكر العامة، وذِكْرُ الخاصة. أما ذِكْرُ العامة، وهو ذِكْرُ الأجور، فهو أن يذكر العَبْدُ مَوْلاَهُ بما شاء من ذِكْرِهِ لا يقصد غير الأجور والثواب، وأما ذكر الخَاصَّة، فهو ذِكْرُ الحضور، وهو أن يذكر العَبْدُ مَوْلاَهُ بأذكار مَعْلُومَةٍ، على صفة مَخْصُوصَةٍ لِينال بذلك المَعْرِفَةَ باللَّهِ سبحانه بطهارة نَفْسِهِ من كل خُلُقٍ ذَمِيمٍ، وتحليتها بكل خُلُق كريم. انتهى.\nووَجِلَتْ: معناه: فَزِعَتْ، وَرَقَّتْ، وخافت، وبهذه المعاني فسرتها العلماء.\nوتُلِيَتْ معناه: سُرِدَتْ، وقرئت، والآيات هنا: القرآن المَتْلُوُّ.\nومن كلام صاحب «الكلم الفارقية»: إن تَيَقَّظْتَ يقظة قلبية، وانْتَبَهْتَ انتباهة حقيقية لم تر في وَقْتِكَ سَعَةً لغير ذِكْرِ ربك، واستشعار عظمته، ومهابته، والإِقبال على طاعته، ما في","vol":"3","page":113},{"text":"وَقْتِ العاقل فَضْلَةٌ في غير ما خُلِقَ له من عبادة خالقه، والاهتمام بمَصَالِحِ آخرته، والاستعداد لمَعَادِهِ، أعرف العبيد بجلالِ مَوْلاَهُ أَخْلاَهُمْ عما سواه، وأكثرهم لَهَجًا بذكره، وتعظيمًا لأمره، وأحسنهم تَأَمُّلًا لآثار صنعته، وبدائع حِكْمته، وأشدهم شَوْقًا إلى لقائه، ومشاهدته انتهى.\nوزيادة الإيمان على وجوه كلها خَارِجٌ، عن نَفْسِ التصديق: منها أن المؤمن إذا كان لم يسمع حكما من أحكام الله ﷿ في القرآن، فنزل على النبي ﷺ فسمعه، فآمن به، زاد إيمانًا إلى سائر ما قد آمن به إذ لكل حُكْم تَصْدِيقٌ خاص، وهذا يَتَرتَّبُ فيمن بَلَغَهُ ما لم يكن عنده من الشرع إلى يوم القِيَامَةِ، وترتب زيادة الإِيمان بزيادة الدَّلاَئِلِ، ولهذا قال مالك: الإِيمان يَزِيدُ ولا ينقص، ويترتب بِزِيَادَةِ الأعمال البَرَّةِ على قول من يَرَى أنَّ لَفْظَةَ الإيمان واقعة على التَّصْدِيقِ والطاعات، وهؤلاء يقولون: يزيد وينقص.\nوقوله سبحانه: وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ عبارة جامعة لِمَصَالِحِ الدنيا والآخرة إذا اعتبرت، وعمل بحسبها في أن يَمْتَثِلَ الإنسان ما أمر به، ويبلغ في ذلك أقصى جهده دون عجز، وينتظر بعد ما وعد به من نَصْرٍ، أو رزق، أو غيره، وهذه أَوْصَافٌ جَمِيلَةٌ وَصَفَ اللَّه بها فُضَلاَءَ المؤمنين، فجعلها غاية للأُمَّةِ يَسْتَبِقُ إِليها الأَفَاضِلُ، ثم أَتْبَعَ ذلك وَعْدَهُمْ وَوَسْمَهُمْ بإِقامة الصلاة، ومدحهم بها حضّا على ذلك.\nوقوله: وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ. قال جَمَاعَةٌ من المفسرين: هي الزَّكَاةُ وإِنما حملهم على ذلك اقْترَانُ الكلام بإِقَامَةِ الصَّلاَةِ، وإِلا فهو لفظ عام في الزكاة، ونوافل الخَيْرِ، وَصِلاَتِ المستحقين، ولفظ ابنَ عَبَّاسٍ في هذا المعنى محتمل.\nوقوله سبحانه: لَهُمْ دَرَجاتٌ ظَاهِرُهُ، وهو قَوْلُ الجمهور أن المراد مَرَاتِبُ الجنة، ومنازلها، ودرجاتها على قَدْرِ أعمالهم، وَرِزْقٌ كَرِيمٌ يريد مَآكِلَ الجنة، ومشاربها، وكَرِيمٌ صفة تقتضي رَفْعَ المَذَامِّ، كقوله: ثوب كَرِيمٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-545>[سورة الأنفال (٨): الآيات ٥ الى ٦]</span>\nكَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ (٥) يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٦)\nوقوله سبحانه: كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ ... الآية: اختلف في معنى هذه الآية، فقال الفَرَّاءَ: التقدير امْضِ لأمرك/ في الغَنَائِمِ، وإن كرهوا كما أخرجك رَبُّكَ.\nقال ع «١»: وتحرير هذا المعنى عندي أن يقال: هذه الكاف شبّهت هذه القصّة\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٥٠٢) .","vol":"3","page":114},{"text":"التي هي إِخْرَاجُهُ من بيته بالقِصَّةِ المتقدمة التي هي سؤالهم عن الأَنْفَال، كأنهم سألوا عن النَّفَلِ، وتشاجروا، فأَخرج اللَّه ذلك عنهم، فكانت فيه الخِيَرَةُ، كما كَرِهُوا في هذه القصة انبعاث النبي ﷺ فأخرجه اللَّه من بَيْتِهِ، فكانت في ذلك الخِيَرَةُ، وعلى هذا التأويل يُمْكِنُ أن يكون قوله: يُجادِلُونَكَ كلامًا مُسْتَأْنَفًا يراد به الكفار، أي: يجادلونك في شريعة الإسلام من بَعْد ما تَبَيَّنَ الحَقُّ فيها، كأنما يساقون إلى المَوْتِ في الدُّعَاءِ إلى الإيمان، وهذا الذي ذكرت من أن يُجادِلُونَكَ في الكُفَّار منصوص.\nوقال مجاهد وغيره: المعنى في الآية: كما أخرجك ربك من بَيْتِكَ على كَرَاهِيَةٍ من فريق منهم، كذلك يُجَادِلُونَكَ في قتال كفار «مكة»، ويوَدُّونَ غير ذَاتِ الشَّوْكَة من بعد ما تَبَيَّنَ لهم أنك إنما تفعل ما أمرت به لا ما يُريدُون «١» هم، وقائل هذه المَقَالَةِ يقول: إن المجادلين هم المؤمنون، وقائل المقالة الأولى يقول: إن المُجَادِلِينَ هم المشركون، وهذان القولان يتم بهما المَعْنَى، ويحسن رَصْفُ اللفظ.\nوقيل غير هذا.\nوقوله: مِنْ بَيْتِكَ يريد من «المدينة» «يثرب» قاله الجمهور.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-546>[سورة الأنفال (٨): الآيات ٧ الى ١٠]</span>\nوَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ (٧) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨) إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠)\nوقوله سبحانه: وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ ... الآية: في هذه الآية قَصَصٌ حَسَنٌ، محل استيعابه «كتاب سيرة رسول اللَّه ﷺ» لابن هشام، واختصاره: أن رسول الله ﷺ لما بلغه، وقيل: أوحي إليه أن أبا سُفْيَانَ بن حَرْبٍ، قد أَقبل من «الشام» بالعِيرِ التي فيها تجارة قُرَيْشٍ وأموالها قال لأصحابه: إن عِيرَ قريش قد عَنّتْ لكم، فاخرجوا إليها، لعل اللَّه أن يَنْفُلَكُمُوها. قال: فانبعث معه من خَفَّ، وثَقُلَ قوم، وكرهوا الخروج، وأسرع رسول الله ﷺ لا يَلْوِي على من تَعَذَّرَ، ولا ينظر من غاب ظهره، فسار في ثلاث\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٦/ ١٨٠- ١٨١) برقم: (١٥٧١٤) بنحوه، وذكره ابن عطية (٢/ ٥٠٢)، وابن كثير (٢/ ٢٨٧) بنحوه، والسيوطي (٣/ ٣٠٠)، وعزاه لابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.","vol":"3","page":115},{"text":"مائة وثلاثة عشر، أو نحو ذلك من أصحابه بين مُهَاجِرِيٍّ وأَنْصَارِيٍّ، وقد ظَنَّ الناس بأجمعهم أن رسول الله ﷺ لا يلقى حَرْبًا، فلم يكثر اسْتِعْدَادُهُمْ، وكان أبو سُفْيَانَ في خلال ذلك يَسْتَقْصِي، ويحذر، فلما بلغه خروج رسول الله ﷺ بعث ضَمْضَمَ بْنَ عَمْروٍ الغفاري إلى «مكة» يَسْتَنْفِرُ أهلها، ففعل ضمضم، فخرج أهل «مكة» في ألف رَجُل، أو نحو ذلك، فلما بلغ رسول الله ﷺ خروجهم أوحى اللَّه إِليه وَحْيًا غير مَتْلُو يعده إحدى الطّائفتين، فعرّف رسول الله ﷺ أصحابه بذلك، فَسرُّوا، وَوَدُّوا أن تكون لهم العِيرُ التي لا قِتَالَ معها، فلما علم أبو سفيان بقرب رسول الله ﷺ منه أخذ طَرِيقَ الساحل، وأبعد وفات، ولم يبق إلا لقاء أهل «مكة»، وأشار بعض الكُفَّارِ على بَعْضِ بالانصراف، وقالوا:\nهذه عِيرُنَا قد نَجَتْ، فلننصرف/ فحرش «١» أبو جهل وَلَجَّ، حتى كانَ أَمْرُ الواقعة. وقال بعضٍ المؤمنين: نحن لم نخرج لِقِتَالٍ، ولم نَسْتَعِدَّ له، فجمع رسول الله ﷺ أَصْحَابَهُ، وهو بِوَادٍ يسمى «دَقران» وقال: أشيروا علي أيها النَّاسُ، فقام أبو بَكْرٍ، فتكلم، وأحسن، وحَرَّضَ الناس على لقاء العدو، فأعاد رسول الله ﷺ الاسْتِشَارَةَ، فَقَامَ عمر بِمِثْلِ ذلك، فأعاد رسول الله ﷺ الاسْتِشَارَةَ، فتكلم المِقْدَادُ بْنُ الأسود الكندي «٢»، فقال: لا نقول لك يَا رَسُولَ اللَّه كما قالت بَنُو إِسرائيل: اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاَ إِنا هَاهُنَا قَاعِدُونَ، ولكن نَقُولُ: إِنا معكما مقاتلون، واللَّه لو أردت بنا برك الغماد يعني مدينة «الحبشة» لَقَاتَلْنَا معك من دُونِهَا، فسر رسول الله ﷺ بكلامه، ودعا له بخير، ثم قال: أشيروا علي أيها النَّاسُ، فكلمه سعد بنُ مُعَاذٍ، وقيل: سعد بن عبادة، ويحتمل هما معًا فقال: يا رسول اللَّه، كأنك إيانا تُريدُ معشر الأنصار، فقال النبي ﷺ: أجل، فقال: إنا قد آمَنَّا بك، واتبعناك،\n_________\n(١) التحريش: الإغراء بين القوم.\nينظر: «لسان العرب» (٨٣٤) .\n(٢) هو: المقداد بن عمرو (الأسود الكندي) بن ثعلبة بن مالك بن ربيعة بن عامر بن مطرود بن عمرو بن سعد ... أبو الأسود البهراوي.\nالشهرة: المقداد بن الأسود الكندي، قال ابن حجر: أسلم قديما وتزوج ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب ابنة عم النبي، وهاجر الهجرتين، وشهد بدرا والمشاهد بعدها، وكان فارسا يوم بدر حتى أنه لم يثبت أنه كان فيها على فرس غيره، وروى المقداد عن النبي أحاديث كثيرة، توفي سنة ٣٣ في خلافة عثمان وله ٧٠ سنة.\nينظر: «الثقات» (٣/ ٣٧١)، «أسد الغابة» (٥/ ٢٥١)، «التاريخ الصغير» (١/ ٨٣)، «معجم الثقات» (١٢٣)، «الاستبصار» (١٤٥، ٢٠٨)، «تقريب التهذيب» (٢/ ٢٧٢)، «المنمق» (٤٥٣، ٥١٣، ٥١٤)، «تراجم الأحبار» (٣/ ٣٥١، ٣٧٠)، «الإصابة» (٦/ ١٣٣)، «الأعلام» (٧/ ٢٨٢)، «أصحاب بدر» (٨٥)، «تجريد أسماء الصحابة» (٢/ ٩٢)، «الجرح والتعديل» (٨/ ٤٢٦)، «الطبقات» (١٦/ ١٢٠) .","vol":"3","page":116},{"text":"وبايعناك، فامض لأمر الله، فو الله لو خُضْتَ بنا هذا البَحْرَ لَخُضْنَاهُ معك، فقال النبي ﷺ:\n«امضوا على بَرَكَةِ اللَّه، فكأني أنظر إلى مَصَارِعِ القوم» فالتقوا وكانت وقعة بدر.\nت: وفي «صحيح البخاري» من حَدِيثِ عائشة، في خروج أبي بكر من «مكة» فلقيه ابن الدّغنة عند برك الغمَادِ «١» الحديث، وليست بمدينة «الحبشة» من غير شَكٍّ. فاللَّه أعلم، ولعلهما موضعان. انتهى.\nوالشَّوْكَةِ عبارة عن السِّلاَحِ والحِدَّةِ.\nوقوله سبحانه: وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ المعنى:\nويريد اللَّه أن يُظْهِرَ الإِسلام، ويعلي دعوة الشَّرْعِ بكلماته التي سَبَقَتْ في الأَزَلِ، والدابر الذي يدبر القَوْمَ، أي يأتي آخرهم، وإِذا قطع فقد أتى على آخرهم بشَرْطِ أَن يبدأ الإهلاك من أولهم، وهي عبارة في كل من أتى الهَلاَكُ عليه.\nوقوله سبحانه: لِيُحِقَّ الْحَقَّ أي: ليظهر الحق الذي هو دين الإسلام، ويُبْطِلَ الْباطِلَ، أي: الكفر، وتَسْتَغِيثُونَ معناه: تطلبون الغوث، ومُمِدُّكُمْ أي: مكثركم، ومقويكم من: أمددت، ومُرْدِفِينَ معناه: متبعين.\nوقرأ سائر السبعة «٢» غير نافع: «مردفين» - بكسر الدال-، ونافع بفتحها، وروي عن ابن عَبَّاسٍ: خَلْفَ كل مَلَكٍ مَلَكٌ «٣»، وهذا معنى التتابع، يقال: رَدِفَ وأَرْدَفَ إِذا اتبع، وجاء بعد الشَّيْءِ، ويحتمل أن يُرَادُ مُرْدِفِينَ للمؤمنين، ويحتمل أن يُرَادَ مردفين بعضهم بَعْضًَا، وأنشد الطبري «٤» شَاهِدًا على أن أرْدَفَ بمعنى جاء تَابِعًا قَوْلَ الشاعر: [الوافر]\nإِذَا الجَوْزَاءُ أَرْدَفَتِ الثُّرَيَّا ... ظَنَنْتُ بِآلِ فَاطِمَةَ الظُّنُونَا «٥»\nوالثرَيَّا تطلع قبل الجوزاء.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٤/ ٥٥٥- ٥٥٦) كتاب «الكفالة» باب: جوار أبي بكر في عهد النبي ﷺ وعقده، حديث (٢٢٩٧) .\n(٢) ورويت عن أبي عمرو كما في «الكشاف» (٢/ ١- ٢)، و«المحرر الوجيز» (٢/ ٥٠٤)، و«البحر المحيط» (٤/ ٤٦٠)، و«الدر المصون» (٣/ ٣٩٨) .\n(٣) أخرجه الطبري (٦/ ١٨٩) برقم: (١٥٧٥٨)، وذكره ابن عطية (٢/ ٥٠٤)، وابن كثير (٢/ ٢٩٠)، والسيوطي (٣/ ٣١٠)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وأبي الشيخ.\n(٤) ينظر: «تفسير الطبري» (٦/ ١٩٠) .\n(٥) البيت لخزيمة بن مالك. ينظر: «تفسير الطبري» (٦/ ١٩٠)، وينظر: «اللسان» (ردف)، و«الدر المصون» (٣/ ٤٠٠) .","vol":"3","page":117},{"text":"وروي في «الصحيح»: الأشهر أن المَلاَئِكَةَ قاتلت يَوْمَ بَدْرٍ.\nواختلف في غيره قال ابن إسحاق: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّه بن أبي بكر أنه حُدِّثَ عن ابن عباس، أنه قال: حدثني رَجُلٌ من بني غِفَارٍ، قال: أقبلت أنا وابن عَمٍّ لي حتى صَعَدْنَا في جَبَل يُشْرِفُ بنا على بَدْرٍ، ونحن مشركان ننتظر الوَقْعَةَ على من تكون، فَنَنْتَهِبُ مع من يَنْتَهِبُ. قال: فبينما نحن في الجَبَلِ، إذ دنت منا سَحَابَةٌ، فسمعنا فيها حَمْحَمَةَ الخَيْلِ، / فسمعت قائلًا يقول: أقدمَ حَيْزُوْم، فأما ابن عمي، فانكشف قِنَاعُ قَلْبِهِ، فمات مكانه، وأما أنا فَكِدْتُ أَهْلَكُ، ثم تَمَاسَكْتُ «١» .\nقال ابن إسحاق: وحدثني عَبْدُ اللَّه بن أبي بَكْرٍ عن بعض بني سَاعِدَةَ عن أبي سعيد مالك بن رَبِيعَةَ، وكان شهد بَدْرًا، قال بعد أن ذهب بَصَرُهُ: لو كنت اليوم ببدر، ومعى بَصَرِي لأريتكم الشِّعْبَ الذي خَرَجَتْ منه المَلاَئِكَةُ لا أَشَكُّ ولا أَتَمَارَى. انتهى من «سيرة ابن هِشَامٍ» .\nوقوله سبحانه: وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ الضمير في «جعله» عائد على الوَعْدِ، وهذا عندي أَمْكَنُ الأقوال من جهة المَعْنَى.\nوقيل: عائد على المَدَدِ، والإِمداد.\nوقيل: عائد على الإرداف.\nوقيل: عائد على الأَلْف، وقوله: وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ توقيف على أن الأَمْرَ كُلَّهُ للَّه وأن تَكَسُّبَ المَرْءِ لا يغني، إذا لم يساعده القَدَرُ، وإن كان مَطْلُوبًا بالجدّ، كما ظاهر رسول الله ﷺ بين در عين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-547>[سورة الأنفال (٨): الآيات ١١ الى ١٣]</span>\nإِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ (١١) إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ (١٢) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (١٣)\nوقوله سبحانه: إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ. القصد تعديد نعمه سبحانه على\n_________\n(١) أخرجه ابن إسحاق في «السيرة» (٢/ ٢٩٦) ومن طريقه الطبري في «تاريخه» (٢/ ٤٥٣)، وذكره ابن كثير في «البداية والنهاية» (٣/ ٢٧٩- ٢٨٠) . [.....]","vol":"3","page":118},{"text":"المؤمنين في يوم بَدْرٍ، والتقدير: اذكروا إذ فعلنا بكم كذا، وإذ فعلنا كذا، والعامل في «إذ» «اذكروا» وقرأ نافع: «يُغْشِيكُم» - بضم «١» الياء، وسكون الغين- وقرأ حمزة وغيره:\nيُغَشِّيكُمُ- بفتح الغين وَشَدِّ الشين المكسورة، وقرأ ابن كثير وغيره: «يَغْشَاكم» - بفتح الياء وألف بعد الشين- «النُّعَاسُ» بالرفع، ومعنى يُغَشِّيكُمُ: يغطيكم، والنُّعَاسُ أَخَفُّ النوم، وهو الذي يصيب الإِنْسَانَ، وهو واقف أو مَاشٍ، وينص على ذلك قَصَصُ هذه الآية أنهم إنما كان بهم خَفْقٌ بالرُّؤُوس، وقوله: أَمَنَةً مصدر من أَمِنَ يَأْمَنُ أَمْنًَا وأَمَنَةً وأَمَانًا، والهاء فيه لتأنيث المصدر، كما هي في المَسَاءَةِ والحَمَاقَةِ والمَشَقَّةِ.\nوروي عن ابن مَسْعُودٍ أنه قال: النُّعَاسُ عند حضور القِتَالِ عَلاَمَةُ أمن، وهو من اللَّه، وهو في الصَّلاَةِ من الشيطان «٢» .\nقال ع «٣»: وهذا إنما طريقه الوَحْيُ، فهو لا مَحَالَةَ يسنده وقوله سبحانه:\nوَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ. وذلك أن قَوْمًا من المؤمنين لحقتهم جَنَابَاتٌ في سفرهم، وعدموا المَاءَ قَرِيبَ بَدْرٍ، فصلوا كذلك، فَوَسْوَسَ الشيطان في نفوس بعضهم مع تخويفه لهم من كثرة العَدُوِّ وقلتهم، وأيضًا فكانت بينهم وبين مَاءِ بَدْرٍ مَسَافَةٌ، من رمل دَهْسٍ «٤» تَسُوخُ «٥» فيها الأَرْجُلُ، فكانوا يتوقعون أن يسبقهم الكُفَّارُ إلى ماء بدر، فأنزل اللَّه تلك المَطَرَةَ فَسَالَتِ الأودية، فاغتسلوا، وطهرهم اللَّه تعالى فذهب رِجْزُ الشيطان، وَتَدَمَّثَ «٦» الطريق، وتَلَبَّدَتْ «٧» تلك الرِّمَالُ، فسهل اللَّه عليهم السير، وأمكنهم الإسراع\n_________\n(١) ينظر: «السبعة» (٣٠٤)، «الحجة» (٤/ ١٢٥)، «إتحاف فضلاء البشر» (٢/ ٧٧)، «حجة القراءات» (٣٠٨)، «إعراب القراءات» (١/ ٢٢٢)، «النشر» (٢/ ٢٧٦)، و«شرح الطيبة» (٤/ ٣٢٤)، و«شرح شعلة» (٤٠٥)، و«معاني القراءات» (١/ ٤٣٧) .\n(٢) أخرجه الطبري (٦/ ١٩٢) برقم: (١٥٧٧١- ١٥٧٧٢- ١٥٧٧٣)، وذكره ابن عطية (٢/ ٥٠٦)، والبغوي (٢/ ٢٣٤)، وابن كثير (٢/ ٢٩١) .\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٥٠٦) .\n(٤) رمل أدهس بيّن الدّهس، والدّهاس من الرمل: ما كان كذلك لا ينبت شجرا، وتغيب فيه القوائم ...\nوقيل: ما سهل ولان من الأرض، ولم يبلغ أن يكون رملا.\nينظر: «لسان العرب» (١٤٤١)، و«النهاية» (٢/ ١٤٥) .\n(٥) أي: غاصت في الأرض. ينظر: «اللسان» (٢١٤١) .\n(٦) الدّمث: السهول من الأرض، الواحدة دمثة، وهو أيضا المكان اللين ذو رمل، ودمّث الشيء: إذا مرسه حتى يلين.\nينظر: «لسان العرب» (١٤١٨- ١٤١٩) .\n(٧) أي: صارت قوية لا تسوخ فيها الأرجل.\nينظر: «لسان العرب» (٣٩٨٤) .","vol":"3","page":119},{"text":"حتى سبقوا إلى ماءَ بَدْرٍ، وأصاب المشركين من ذلك المَطَرَ ما صَعَّبَ عليهم طريقهم، فسر المؤمنون، وتبينوا من فِعْلِ اللَّه بهم ذلك قَصْدَ المعونة لهم، فطابت نفوسهم، واجتمعت، وتَشَجَّعَتْ، فذلك الرَّبْطُ على قلوبهم، وتثبيت أقدامهم على الرملة اللَّيِّنَةِ.\nوالضمير في «به» على هذا الاحتمال عَائِدٌ على الماء، ويحتمل عَوْدُهُ على رَبْطِ القلوب، ويكون تثبيت/ الأقدام عِبَارَةً عن النصر والمعونة في مَوْطِنِ الحَرْبِ، ونزول الماء كان في الزمن قبل تَغْشِيَةِ النعاس، ولم يترتب كذلك في الآية، إذ القَصْدُ فيها تَعْدِيدُ النعم فقط.\nوقوله سبحانه: فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا وتثبيتهم يكون بقتالهم، وبحضورهم، وبأقوالهم المُؤْنِسَةِ، ويحتمل أن يكون التَّثْبِيتُ بما يلقيه المَلَكُ في القلب بِلَمَّتِهِ من تَوَهُّمِ الظَّفَرِ، واحتقار الكفار، وبخواطر تشجعه.\nقال ع «١»: ويقوي هذا التأويل مطابقة قوله تعالى: سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ وعلى هذا التأويل يجيء قوله: سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ مخاطبة للملائكة، ويحتمل أن يكون مخاطبة للمؤمنين. وقوله سبحانه: فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ قال عكرمة: هي على بابها، وأراد الرؤوس «٢»، وهذا أنبل الأقوال.\nقال ع»\n: ويحتمل عندي أن يريد وَصْفَ أبْلَغِ ضربات العنق وأحكمها، وهي الضربة التي تكون فَوْقَ عَظْمِ العنق دون عَظْمِ الرأس في المفصل، كما وصف دريد بن الصِّمَّة «٤»، فيجيء على هذا فوق الأَعْنَاقِ متمكنًا.\nوالبَنَان: قالت فرقة: هي المَفَاصِلُ حيث كانت من الأعضاء.\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٥٠٨) .\n(٢) أخرجه الطبري (٦/ ١٩٧) برقم: (١٥٨٠٠) نحوه، وذكره ابن عطية (٢/ ٥٠٨)، والبغوي (٢/ ٢٣٥)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٣١٣) .\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٥٠٨) .\n(٤) دريد بن الصمة الجشمي البكري، من هوازن: شجاع، من الأبطال، الشعراء، المعمرين في الجاهلية، كان سيد بني جشم وفارسهم وقائدهم، وغزا نحو مائة غزوة لم يهزم في واحدة منها، وعاش حتى سقط حاجباه عن عينيه، وأدرك الإسلام، ولم يسلم، فقتل على دين الجاهلية «يوم حنين»، وكانت هوازن خرجت لقتال المسلمين فاستصحبته معها تيمنا به، وهو أعمى، فلما انهزمت جموعها أدركه ربيعة بن رفيع السلميّ فقتله، له أخبار كثيرة، والصمة لقب أبيه معاوية بن الحارث.\nينظر ترجمته في: «الأعلام» (٢/ ٣٣٩) (٤١٦٤) .","vol":"3","page":120},{"text":"وقال فرقة: البنان الأصابع، وهذا هو الصحيح لأنه إذا قطع البنان لم ينتفع صَاحِبُهُ بشيء من أعضائه واستأسر.\nواقُّوا\n: معناه خالفوا ونَابَذُوا، وقطعوا، وهو مأخوذ من الشَّقِّ، وهو القَطْعُ والفَصْلُ بين شيئين، وعبر المفسرون عن قوله: اقُّوا\nأي: صاروا في شق غير شقه.\nقال ع «١»: وهذا وإن كان معناه صَحِيحًا، فتحرير الاشتقاق إنما هو ما ذكرناه، وقوله: إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ\nجَوَابٌ للشرط، تضمن وَعِيدًا وتهديدا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-548>[سورة الأنفال (٨): الآيات ١٤ الى ١٦]</span>\nذلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ (١٤) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦)\nوقوله سبحانه: ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ المُخَاطَبَةُ للكفار، أي ذلكم الضَّرْبُ والقَتْلُ، وما أوقع اللَّه بهم يوم بَدْرٍ، فكأنه قال: الأمر ذلكم فذوقوه، وكذا قرره سيبويه.\nوقال بعضهم: يحتمل أن يكون «ذلكم» في موضع نَصْبٍ، كقوله: زيدًا فاضربه، وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا ... الآية: زَحْفًا يراد به متقابلي الصفوف والأشخاص، أي: يزحف بعضهم إِلى بعض، وأصل الزحف الاندفاع على الأَلْيَةِ، ثم سمي كل مَاشٍ إلى آخر في الحرب رُوَيْدًا زاحفًا، إذ في مشيته من التَّمَاهُلِ والتَّبَاطُؤِ ما في مشي الزاحف، وفي هذا المعنى شواهد من كلام العرب، ونهى اللَّه سبحانه في هذه الآية عن تَوَلِّي الأَدْبَارِ، وهذا مقيد بالشَّريطَةَ المنصوصة في مثلي المؤمنين، والفرار هنالك كَبِيرَةٌ موبقة بظاهر القرآن، والحديث، وإجماع الأكثر من الأمة.\nوقوله: وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ ... الآية. قال جمهور الأمة: الإشارة ب يَوْمَئِذٍ إلى يوم اللقاء الذي يتضمنه قوله: إِذا لَقِيتُمُ وحكم الآية باقٍ إِلى يوم القيامة، بشرط الضعف الذي بَيَّنَهُ اللَّه سبحانه.\nت: قال ابن رشد: وهذا ما لم يبلغ عَدَدُ/ المسلمين اثني عشر أَلْفًا، فإِن بلغ حرم الفرار، وإن زاد المشركون على الضعف للحديث «لن تغلب اثنا عشر ألفًا من قِلَّةٍ»، فإن أكثر أهل العِلْمِ خَصَّصُوا بهذا الحديث عموم الآية.\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٥٠٩) .","vol":"3","page":121},{"text":"وعن مالك مثله. انتهى.\nوفهم ع «١»: الحديث على التَّعَجُّبِ، ذكره عند قوله: وَيَوْمَ حُنَيْنٍ [التوبة:\n٢٥]، وما قاله ابنُ رشْدٍ هو الصواب. والله أعلم.\nومُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ يراد به الذي يَرَى: أن فعله ذلك أنْكَى للعدو، ونصبه على الحال، وكذلك نصب مُتَحَيِّزًا، وأما الاسْتِثْنَاءُ، فهو من المولين الذين تضمنهم «من» .\nوالفِئَةُ هنا الجَمَاعَةُ الحاضرة للحرب، هذا قول الجمهور.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-549>[سورة الأنفال (٨): الآيات ١٧ الى ١٩]</span>\nفَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٧) ذلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ (١٨) إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (١٩)\nوقوله سبحانه: فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى هذه الألفاظ تَرِدُ على من يزعم أن أَفْعَالَ العباد خَلْقٌ لهم، ومذهب أهل السنة أنها خلق للرب سبحانه كسْبٌ للعبد روي أن النبي ﷺ أخذ يومئذٍ ثلاث قَبَضَاتٍ من حَصًى وتُرَابٍ، فرمى بها في وجوه القوم، فانهزموا عند آخر رمْيَةِ، ويروى أنه قال يوم بدر: «شَاهَتِ الوُجُوهُ» «٢» وهذه الفعلة أيضًا كانت يوم «حنين» بلا خلاف.\nولِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ أي: ليصيبهم ببلاء حَسَنٍ، وظاهر وصفه بالحسن يقتضي أنه أراد الغنيمة، والظفر، والعزة.\nإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لاستغاثتكم، عَلِيمٌ بوجوه الحكمة في جميع أفعاله لا إله إلا هو.\nوقوله سبحانه: ذلِكُمْ إشارة إلى ما تقدم من قَتْلِ اللَّه لهم، ورميه إياهم، وموضع ذلِكُمْ من الإعراب رفع.\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٥١٠) .\n(٢) أخرجه أحمد (١/ ٣٠٣، ٣٦٨)، والحاكم (٣/ ١٥٧)، وابن حبان (٦٥٠٢)، والبيهقي في «دلائل النبوة» (٦/ ٢٤٠) من طريق ابن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس به. وصححه الحاكم وابن حبان.\nوذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٨/ ٢٢٨)، وقال: رواه أحمد بإسنادين، ورجال أحدهما: رجال الصحيح. [.....]","vol":"3","page":122},{"text":"قال سيبويه: التقدير: الأمر ذلكم، ومُوهِنُ معناه مضعف مبطل.\nوقوله سبحانه: إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ ... الآية: قال أكثر المتأولين:\nهذه الآية مخاطبة لكفار «مكة» روي أن قريشًا لما عَزَمُوا على الخروج إلى حِمَايَةِ العِيرِ، تعلقوا بأستار الكعبة، واستفتحوا، وروي أن أبا جَهْلٍ قال صبيحة يوم بدر: اللهم انصر أَحَبَّ الفئتين إليك، وأظهر خَيْرَ الدِّينَيْنِ عندك، اللهم أَقْطَعُنَا للرحم فَأَحْنِهِ الغَدَاةَ، ونحو هذا فقال اللَّه لهم: إن تطلبوا الفَتْحَ فقد جاءكم، أي: كما ترونه عليكم لاَ لَكُمْ، وفي هذا توبيخ لهم، وإن تنتهوا عن كفركم وغيكم فهو خَيْرٌ لكم، وإن تعودوا للاستفتاح نَعُدْ بمثل وَقْعَةِ بدر، وباقي الآية بيّن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-550>[سورة الأنفال (٨): الآيات ٢٠ الى ٢٣]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (٢٠) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (٢١) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (٢٢) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)\nوقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ... الآية: قيل: إنها نزلت بسبب اختلافهم في النَّفْل، ومجادلتهم في الحق، وكراهيتهم خروج النبي ﷺ، وتَوَلَّوْا أصله: تتولوا.\nوقوله: أَنْتُمْ تَسْمَعُونَ يريد دُعَاءه لكم بالقرآن والمواعظ.\nوقوله: كَالَّذِينَ قالُوا يريد الكفار إما من قريش لقولهم: سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا [الأنفال: ٣١]، وأما الكفار على الإطلاق.\nوقوله سبحانه: إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ مَقْصِدُ الآية بيان أن هذه/ الصنيفة العاتية من الكُفَّارِ هي شَرُّ النَّاسِ عند اللَّه سبحانه وأنها في أخَسِّ المَنَازِلِ لديه، وعبر بالدواب ليتأكد ذمهم، وقوله: الصُّمُّ الْبُكْمُ عبارة عما في قلوبهم، وعدم انشراح صدورهم، وإدراك عقولهم.\nوقوله: وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ أي سماع هدى، وَتَفَهُّمٍ، وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ أي: ولو فهمهم لَتَوَلَّوْا بحكم القضاء السابق فيهم، ولأعرضوا عما تبين لهم من الهدى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-551>[سورة الأنفال (٨): الآيات ٢٤ الى ٢٦]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤) وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٢٥) وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٢٦)","vol":"3","page":123},{"text":"وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ ... الآية: اسْتَجِيبُوا بمعنى: أجيبوا وقوله: لِما يُحْيِيكُمْ قال مجاهد والجمهور: المعنى للطاعة «١»، وما يتضمنه القرآن، وهذا إحياء مستعار لأنه من مَوْتِ الكفر والجهل، والطَّاعَةُ تؤدي إلى الحَيَاةِ الدائمة في الآخرة.\nوقوله سبحانه: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ يحتمل وجوهًا:\nمنها: أنه لما أمرهم سبحانه بالاستجابة في الطاعة، حضَّهم على المبادرة والاستعجال، وأعلمهم أنَّه يحولُ بين المرء وقَلْبه بالموت والقَبْض، أي: فبادروا الطاعات، ويلتئم مع هذا التأويلِ قوله: وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ، أي: فبادروا الطاعات، وتزوَّدوها ليوم الحَشْر.\nومنها: أن يقصد إِعلامهم أن قُدْرة اللَّه وعلْمه وإِحاطته حائلةٌ بين المرء وقلبه، فكأن هذا المعنَى يحضُّ على المراقبة والخَوْفِ للَّه المُطلَّع على الضمائر حُكِيَ هذا التأويلُ عن قتادة «٢» ويحتملُ أن يريد تخويفهم إِنْ لم يمتثلوا الطَّاعات، ويستجيبوا للَّه وللرَّسول أَنْ يَحُلَّ بهم ما حل بالكفَّار الذين أرادهم بقوله: وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ [الأنفال: ٢٣] لأن حَتْمهُ عليهم بأنهم لو سَمِعُوا لم ينتفعوا يقتضِي أنه كان قد حال بينهم وبَيْنَ قلوبهم.\nومنها: أنْ يكون المعنَى ترجيةً لهم بأنَّ اللَّه يبدِّل الخوف الذي في قلوبهم مِنْ كثرة الَعدُوِّ، فيجعله جراءةً وقوةً، وبضدِّ ذلك للكفَّار، أي: فإِن اللَّه تعالَى هو مقلِّب القلوب كما كان قسم النبيّ ﷺ، وقيل غير هذا.\nقال مكِّيٌّ، وقال الطبريُّ «٣»: هذا خبر من الله ﷿ أنه أَمْلَكُ بقلوبِ العباد منهم لها، وأنه يحولُ بينهم وبينها إِذا شاء حتى لا يُدْرِك الإِنسان شيئًا من إِيمان ولا كُفْر، ولا يعي شيئًا، ولا يفهم شيئًا إِلا بإذنه ومشيئته سبحانه، وقد كان النبيّ ﷺ كثيرا ما يقول في\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٢/ ٥١٤) .\n(٢) أخرجه الطبري (٦/ ٢١٥) برقم: (١٥٩١٦) بنحوه.\n(٣) ينظر: «الطبري» (٦/ ٢١٥) .","vol":"3","page":124},{"text":"دعائه: «يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ، ثَبِّتْ قَلْبِي علَى دِينِكَ» «١» انتهى من «الهداية» .\nوروى مالكُ بن أنس والنسائي، أن رسول الله ﷺ دَعَا أُبَيَّ بْنُ كَعْب وهو في الصَّلاَة، فَلَمْ يُجِبْهُ، وأَسْرَعَ في بَقِيَّةِ صَلاَتِهِ، فَلَمَّا فرغ جاء، فقال له النّبيّ ﷺ: ألم يقل الله ﷿: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ؟ قال أُبَيٌّ: لاَ جَرَمَ، يا رَسُولَ اللَّهِ، لاَ تَدْعُونِي أَبَدًَا إِلاَّ أَجَبْتُكَ ...» «٢» الحديث بطوله، واختلاف ألفاظه، وفي «البخاريِّ ومسلم» أن ذلك/ وقع مع أبي سَعِيدِ بن المعلى «٣»، وروي أنه وقع نحوه مع حُذَيْفَة بن اليَمَانِ «٤» في غزوة الخَنْدَق.\nوقوله: ﷿: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً في الآية تأويلاتٌ، أسبقها إِلى النفْسِ، أن اللَّه سبحانه حذَّر جميع المؤمنين من فتنة إِن أصابَتْ لم تخصَّ الظلمة فقطْ، بل تصيبُ الكُلَّ من ظالمٍ وبريءٍ، وهذا تأويلُ الزُّبَيْر بن العَوَّام، والحسنِ البَصْرِيِّ «٥»، وكذلك تأويل ابن عباس فإنه قال: أمر اللَّه المؤمنين في هذه الآية ألاَّ يقروا المنكر بين أظهرهم، فيعمّهم العذاب «٦» وخَاصَّةً: نعت لمصدرٍ محذوف، تقديره إِصابةً خاصةً، فهي نصب على الحال، وقرأ علي «٧» بن أبي طالب ﵁ وغيره: «لتُصِيبَنَّ» - باللام- على جواب قسم، والمعنَى على هذا: وعيدٌ للظلمة فقط.\nوقوله سبحانه: وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ ... الآية: هذه الآية تتضمَّنِ تعديد نِعَم اللَّه على المؤمنين، و«إذ»: ظرفٌ لمعمول، «واذكروا»: تقديره: واذكروا حالكم الكائنة، أو\n_________\n(١) تقدم تخريجه.\n(٢) تقدم تخريجه في سورة «الفاتحة» .\n(٣) تقدم تخريجه.\n(٤) تقدم تخريجه في سورة «الفاتحة» .\n(٥) أخرجه الطبري (٦/ ٢١٦- ٢١٧) برقم: (١٥٩١٧) وبرقم: (١٥٩١٨- ١٥٩١٩- ١٥٩٢٠)، وذكره ابن عطية (٢/ ٥١٥)، وذكر نحوه البغوي (٢/ ٢٤١)، وابن كثير (٢/ ٢٩٩) بنحوه أيضا، والسيوطي (٣/ ٣٢١) .\n(٦) أخرجه الطبري (٦/ ٢١٧) برقم: (١٥٩٢٣)، وذكره ابن عطية (٢/ ٥١٥)، والبغوي (٢/ ٢٤١)، وابن كثير (٢/ ٢٩٩)، والسيوطي (٣/ ٣٢٢) .\n(٧) وقرأ بها ابن مسعود، وزيد بن ثابت، وأبو العالية، وأبو جعفر محمد بن علي، والربيع بن أنس، وابن جمّار.\nينظر: «الشواذ» ص: (٥٤)، و«المحتسب» (١/ ٢٧٧)، و«الكشاف» (٢/ ٢١٢) و«المحرر الوجيز» (٢/ ٥١٦)، و«البحر المحيط» (٤/ ٤٧٨)، و«الدر المصون» (٣/ ٤١٢) .","vol":"3","page":125},{"text":"الثابتَةَ إذْ أنتم قليل، ولا يجوزُ أنْ تكون «إذْ» ظرفًا للذِّكْر.\nوإِنما يعمل الذِّكْرُ في «إذْ» لو قدَّرناها مفعولة، واختلف في الحال المشار إِليها بهذه الآية.\nفقَالَتْ فرقَةٌ وهي الأكثر: هي حالُ المؤمنين بمكَّة في وقْتِ بداءةِ الإسلام، والنَّاس الذين يُخَافُ تخطُّفُهم كُفَّار مكَّة، والمأْوَى: المدينةُ، والتأييدُ بالنَّصْر: وَقْعَةُ بَدْرٍ وما انجر معها في وقتها، والطيبات: الغنائم وسائر ما فتح الله عليهم به، وقالتْ فرقة: الحال المشارُ إليها هي حالهم في غزوة بَدْرٍ، والناس الذين يُخَافُ تخطُّفهم، على هذا: عسكر مكَّة وسائر القبائل المجاورة، فإن النبيّ ﷺ كان يتخوَّف من بعضهم، والمأوى على هذا، والتأييد بالنصر: هو الإِمداد بالملائكَةِ والتغليبُ على العدو، والطّيّبات: الغنيمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-552>[سورة الأنفال (٨): الآيات ٢٧ الى ٢٩]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧) وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٨) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)\nوقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ هذا خطابٌ لجميع المؤمنين إِلى يوم القيامة، وهو يجمع أنواع الخياناتِ كلَّها قليلَهَا وكثيرَهَا، والخيانةُ:\nالتنقُّص للشيءِ باختفاء، وهي مستعْمَلَةٌ في أنْ يفعل الإِنسان خلاف ما يَنْبَغِي مِنْ حفظ أمْرٍ مَّا، مالًا كان أو سرًّا أو غير ذلك، والخيانة للَّه ﷿: هي في تنقّص أوامره في سِرٍّ.\nوقوله: وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ.\nقال الطبريُّ «١»: يحتمل أن يكون داخلًا في النهيْ كأنه قال: لا تخونوا اللَّه والرسولَ، ولا تخونوا أماناتِكُمْ، ويحتمل أن يكون المعنَى: لا تخونوا اللَّه والرسول فذلك خيانةٌ لأماناتكم.\nوقوله: فِتْنَةٌ\n، يريد: محنةً واختبارا وامتحانا ليرى كَيْفَ العملُ في جميع ذلك.\nوقوله: وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ\n، يريد: فوز الآخرة، فلا تَدَعُوا حظَّكم منه للحيطة على أموالكم وأبنائكم فإِن المذخور للآخرة أعظم أجرا.\nقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ ... الآية: وعْدٌ للمؤمنين بشرط\n_________\n(١) ينظر: «الطبري» (٦/ ٢٢١) .","vol":"3","page":126},{"text":"التقوى والطاعة لله سبحانه، ويَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقانًا: معناه: فرْقًا بين حقِّكم، وباطل مَنْ ينازعكم بالنصْر والتأييد، وعبَّر قتادة، وبعضُ المفسّرين عن «الفرقان» هاهنا بالنجاةِ «١»، وقال مجاهدٌ والسُّدِّيُّ: معناه: مَخْرَجًا «٢»، ونحو هذا مما يعمه ما ذكَرْناه، وقد يوجَدُ للعرب استعمال «الفرقان»، كما ذكر المفسِّرون وعلى ذلك شواهد منها قول الشاعر:\n[الطويل]\nوَكَيْفَ أُرَجِّي الخُلْدَ والمَوْتُ طَالِبِي ... وَمَاليَ مِنْ كَأْسِ المَنيِّةِ فُرْقَانُ «٣»\nت: قال ابن رُشْد: وأَحْسَنُ ما قيلَ في هذا المعنى قوله تعالى: يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقانًا أي: فصلا بين الحق والباطل حتى يعرفوا ذلك بقلوبهم، ويهتدوا إليه. انتهى من «البيان» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-553>[سورة الأنفال (٨): الآيات ٣٠ الى ٣١]</span>\nوَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (٣٠) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٣١)\nوقوله سبحانه: وَإِذْ يَمْكُرُ/ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا ... الآية: تذكيرٌ بحال مكَّة وضيقها مع الكفرة، وجميل صُنْع اللَّه تعالى في جميع ذلك، والمَكْرُ: المخاتلة والتداهي تقول:\nفلانٌ يَمْكُرُ بفلان إِذا كان يستدرجه، وهذا المكر الذي ذكر اللَّه تعالى في هذه الآية هو بإِجماع من المفسِّرين: إِشارةٌ إِلى اجتماع قُرَيْش في «دار النَّدْوَةِ» بمحْضَر إِبْليسَ في صورة شيخٍ نَجْدِيٍّ على ما نصَّ ابن إِسحاق في «سِيَرِهِ» الحديثَ بطوله، وهو الذي كان خُرُوجُ رسول الله ﷺ بسببه، ولا خلاف أن ذلك كان بَعْدَ مَوْت أبي طالب، ففي القصَّة: أن أبا جهْلٍ قال: الرأْيُ أنْ نأخذ من كل بطنٍ في قريشٍ فَتًى قويًّا جَلْديًا، فيجتمعون ثم يأخُذ كُلُّ واحد منهم سيفًا، ويأتون محمدًا في مَضْجَعه، فيضربونه ضَرْبةَ رجُلٍ واحدٍ، فلا تَقْدِرُ بَنُو هاشِمٍ على قِتالِ قُرَيْشَ بأسرها، فيأخذون العَقْلَ، ونستريحُ منه، فقال النَّجْدِيُّ: صدق الفَتَى هذا الرأيُ: لاَ رَأْيَ غيره، فافترقوا عَلَى ذلك، فأخبر اللَّه تعالَى بذلك نبيّه ﷺ، وأذن له في الخُرُوجِ إِلى المدينة، فخرج رسول الله ﷺ من ليلته، وقال لعليّ بن أبي\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٦/ ٢٢٤) برقم: (١٥٩٦٣)، وذكره ابن عطية (٢/ ٥١٨)، والبغوي عن عكرمة (٢/ ٢٤٣)، وابن كثير (٢/ ٣٠١)، والسيوطي (٣/ ٣٢٤) .\n(٢) أخرجه الطبري (٢٢٣) برقم: (١٥٩٠، ١٥٩٥٨)، وذكره ابن عطية (٢/ ٥١٨) .\n(٣) ينظر البيت في: «البحر المحيط» (٤/ ٤٨١)، و«الدر المصون» (٤١٤)، و«القرطبي» (٧/ ٣٩٦) . [.....]","vol":"3","page":127},{"text":"طالب: «التف في بُرْدِيَ الحَضْرَمِيِّ، واضطجع فِي مَضْجَعِي فَإِنَّهُ لاَ يَضُرُّكَ شَيْء، فَفَعَل»، فجاءَ فتْيَانُ قُرَيْشٍ، فجعلوا يرصُدُون الشخْصَ، وينتظرون قيامه، فيثورون به، فلما قام رَأَوْا عَلِيًّا، فقالوا له: أيْنَ صَاحِبُكَ؟ فقال: لا أدْرِي، وفي «السّير» أن رسول الله ﷺ خَرَجَ عَلَيْهِم، وهُمْ في طريقه، فطَمَسَ اللَّه أعينهم عَنْه، وجعل عَلَى رأس كلِّ واحد منهم ترابًا، ومضَى لوجهه، فجاءهم رجُلٌ، فقال: مَا تَنْتَظِرُونَ؟ قَالُوا: محمَّدًا، قال: إِنِّي رأَيْتُهُ الآن جائيًا من ناحيتكم، وهو لا مَحَالَة، وضَعَ الترابَ علَى رؤوسكم، فَمَدّ كلُّ واحدٍ يده إِلى رَأْسِهِ، فإِذا عليه الترابُ، وجاؤوا إلى مضجع رسول الله ﷺ فَوَجدوا عَلِيًّا، فركبوا وراءه حينئذٍ كُلَّ صَعْبٍ وذَلُولٍ، وهو بالغارِ، ومعنى: لِيُثْبِتُوكَ: لِيَسْجُنُوكَ قاله عطاء وغيره «١» وقال ابنُ عَبَّاس وغيره: ليُوثِقُوكَ «٢» .\nوقوله سبحانه: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا، يعني: القرآن، قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا، وقولهم: إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ، أي: قَصَصُهُمُ المَكْتُوبةُ المسْطُورة، وأساطيرُ: جمع «أسطورة»، ويحتمل جمع: «أَسْطَار»، وتواترتِ الرواياتُ عن ابنِ جُرَيْج وغيره: أن قائل هذه المقالة هو النضر بن الحارِثِ وذلك أنه كان كَثِيرَ السَّفَرِ إِلى فَارسَ والحِيرَة، فكان قد سَمِعَ من قصص الرهبان وأخبار رُسْتُم وإسْفِنْديَار، فلما «٣» سمع القرآن، ورأى فيه أخبار الأنبياء والأمم، قال: لو شئت لقلْتُ مثْلَ هذا، وكان النضْرُ من مردة قريش النائلين من النبيّ ﷺ، ونزلَتْ فيه آيات كثيرة من كتاب اللَّه ﷿، وأمْكَنَ اللَّه منْهُ يَوْمَ بدر، وقتله رسول الله ﷺ صَبْرًا بالصَّفْرَاء مُنْصَرَفَهُ من بَدْرٍ في موضعٍ يقال له «الأَثيل»، وكان أَسَرَهُ المِقْدادُ، فلما أمر رسول الله ﷺ بضرب عُنْقِهِ، قال المقداد:\nأَسِيرِي، يا رَسُولَ الله! فقال/ رسول الله ﷺ: «إِنَّهُ كَانَ يَقُولُ في كِتَابِ اللَّهِ مَا قَدْ عَلِمْتُمْ»، ثُمَّ أَعَادَ الأَمْرَ بِقَتْلِهِ، فَأَعَادَ المقداد مقالته، فقال رسول الله ﷺ: «اللَّهُمَّ، أَغْنِ المِقْدَادَ مِنْ فَضْلِكَ»، فَقَالَ المِقْدَادُ: هذا الّذي أردت، فضربت عنق النّضر «٤» .\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٦/ ٢٢٥) برقم: (١٥٩٧٥)، وذكره ابن عطية (٢/ ٥١٩)، والبغوي (٢/ ٢٤٤)، وابن كثير (٢/ ٣٠٢) نحوه.\n(٢) أخرجه الطبري (٦/ ٢٢٥) برقم: (١٥٩٧١)، وذكره ابن عطية (٢/ ٥١٩)، والبغوي (٢/ ٢٤٤)، وابن كثير (٢/ ٢٠٣)، والسيوطي (٣/ ٣٢٦) .\n(٣) أخرجه الطبري (٦/ ٢٢٩) برقم: (١٥٩٩١)، وذكره ابن عطية (٢/ ٥٢٠)، والبغوي (٢/ ٢٤٥)، وابن كثير (٢/ ٣٠٤)، والسيوطي (٣/ ٣٢٧) .\n(٤) أخرجه أبو داود في «المراسيل» (ص ٢٤٨- ٢٤٩) برقم: (٣٣٧) عن سعيد بن جبير مرسلا.","vol":"3","page":128},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-554>[سورة الأنفال (٨): الآيات ٣٢ الى ٣٤]</span>\nوَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٣٢) وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣) وَما لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٣٤)\nوقوله ﷿: وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ ... الآية: رُوِيَ عن مجاهدٍ وغيره: أن قائل هذه المقالة هو النَّضْرُ بْنُ الحَارثِ المذكورُ، وفيه نزلَتْ هذه الآية «١» .\nقال ع «٢»: وترتَّب أن يقول النَّضْرُ مقالَةً، وينسبها القُرآن إِلى جميعهم لأن النضر كان فيهم موسُومًا بالنُّبْل والفَهْم، مسكونًا إِلى قوله، فكان إِذا قال قولًا قاله منهم كثيرٌ، واتبعوه عليه حَسَب ما يفعله الناسُ أبدًا بعلمائهم وفقهائهم.\nت: وخرَّج البخاريُّ بسنده، عن أنسِ بنِ مالكٍ، قال: قَالَ أَبو جَهْلٍ: اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عندكْ، فأمطر علينا حجارةً من السماء أو ائتنا بعذاب أليم، فنزلَتْ:\nوَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ، إِلى: عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ «٣» اه، والمشار إِليه ب هذا هو القرآن وشَرْعُ محمّد ﷺ، والذي حملهم على هذه المقالة هو الحَسَدُ، فعَمِيَتْ بصائرهم عن الهدَى، وصَمَّموا على أنَّ هذا ليس بحقٍّ، نعوذ باللَّه من جَهْدِ البلاءِ، وسُوء القضاء، وحكى ابن فُورَكَ: أن هذه المقالة خرجَتْ منهم مَخْرَجَ العنادِ، وهذا بعيدٌ في التأويل، ولا يقولُ هذا على جهة العناد عاقلٌ، وقراءةُ الناسِ إِنما هي بنَصْب «٤» «الحق» على أنه خَبَرَ «كان»، ويكون «هو» فصلا، فهو حينئذٍ اسم، و«أمْطِرْ» إِنما تستَعْملُ غالبًا في المكروه، و«مَطَرَ» في الرحمة قاله أبو عُبَيْدة «٥» .\nوقوله سبحانه: وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ... الآية: قالَتْ فرقة: نزلَتْ هذه الآية كلُّها بمكَّة، وقالت فرقة: نزلَتْ كلُّها بعد وقعة بَدْرٍ حكاية عما مضى.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٦/ ٢٣٠- ٢٣١) برقم: (١٥٩٩٥، ١٥٩٩٩)، وذكره ابن عطية (٢/ ٥٢٠) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٥٢٠) .\n(٣) أخرجه البخاري (٨/ ١٦٠) كتاب «التفسير» باب: وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ، وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ برقم: (٤٦٤٩) .\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٥٢١)، و«البحر المحيط» (٤/ ٤٨٢)، و«الدر المصون» (٣/ ٤١٤) .\n(٥) ذكره ابن عطية (٢/ ٥٢١) .","vol":"3","page":129},{"text":"وقال ابْنُ أَبْزَى «١»: نَزَلَ قوله: وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ، وَأَنْتَ فِيهِمْ بمكَّة إِثر قولهم: أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ، ونزل قوله: وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ، عند خروج النبيّ ﷺ من مكَّة في طريقه إِلى المدينة، وقد بقي بمكَّة مؤمنون يستغفرون، ونَزَلَ قوله: وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ ... إلى آخر الآية، بعد بَدْر عند ظهور العَذَاب عليهم.\nت: وهذا التأويل بَيِّن، وعليه اعتمد عِيَاضٌ في «الشِّفَا» قال: وفي الآية تأويلٌ آخر، ثم ذكَرَ حديث التِّرْمِذيِّ، عن أبي موسَى الأشعريِّ، قال: قال النبيّ ﷺ: «أَنْزَلَ اللَّهُ تعالى عَلَيَّ أَمَانَيْنِ لأُمَّتي: وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ، وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ، فَإِذَا مَضَيْتُ، تَرَكْتُ فِيهِمْ الاستغفار» . انتهى.\nقال ع «٢»: وأجمعَ المتأوِّلون عَلى أن معنى قوله: وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ أن اللَّه ﷿ لم يعذِّب قطُّ أُمةً ونبيُّها بَيْنَ أظهرها، أي: فما كان اللَّه ليعذِّب هذه الأمة، وأنْتَ فيهم، بل كرامَتُكَ لديه أعظَمُ.\nوقوله ﷿: وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ تُوعُّد بعذاب الدنيا، والضمير في قوله:\nأَوْلِياءَهُ: عائدٌ على اللَّه سبحانه، أو على المسجدِ الحرامِ، كلُّ ذلك جيِّد، ورُوِيَ الأخير عن الحسن «٣» .\nوقال الطبريُّ «٤»: عن الحسنِ بْنِ أَبي الحسنِ أن قوله سبحانه: وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ ناسخ لقوله: وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ.\nقال ع «٥»: وفيه نظر لأنه خبر لا يدخله نسخ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-555>[سورة الأنفال (٨): الآيات ٣٥ الى ٣٦]</span>\nوَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (٣٦)\n_________\n(١) عبد الرحمن بن أبزى الخزاعي مولى نافع بن عبد الحارث، روى اثني عشر حديثا، وعن أبي بكر، وأبي، وعن عمار.\nقال البخاري: له صحبة، وقال ابن أبي داود: تابعي.\nينظر: «تهذيب الكمال» (٢/ ٧٧٢)، «تهذيب التهذيب» (٦/ ١٣٢)، «خلاصة تهذيب الكمال» (٢/ ١٢٣)، «الكاشف» (٢/ ١٥٤)، «الجرح والتعديل» (٥/ ٢٠٠٩) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٥٢١) .\n(٣) ذكره ابن عطية (٢/ ٥٢٢) .\n(٤) ينظر: «الطبري» (٦/ ٢٣٢) .\n(٥) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٥٢٣) . [.....]","vol":"3","page":130},{"text":"وقوله سبحانه: وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ/ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً المُكَاء: الصَّفير قاله ابن عباس «١» والجمهورُ، والتصدية: عبَّر عنها أكْثَرُ النَّاس بأنها التصفيقُ، وذهب أكثر المفسِّرين إِلى أَن المُكَاء والتَّصْدية إِنَّما أحدثهما الكُفَّار عند مبعث النبيّ ﷺ لِتَقْطَعَ عليه وعلى المؤمنين قراءَتَهم وصلاتَهم، وتخلطَ عليهم، فلما نفى اللَّه تعالى وِلاَيتهم للبَيْت، أمْكَنَ أن يعترض منهم معترضٌ بأنْ يقول: وكيف لا نَكُونُ أولياءه، ونحن نَسْكُنُهُ، ونصلِّي عنده فقطع سبحانه هذا الاعتراض بأنْ قال: وما كان صلاتهم عند البيت إِلا المكاءً والتَّصْدية.\nقال ع «٢»: والذي مَرَّ بي من أمر العرب في غير ما دِيوَان أنَّ المكاء والتصدية كانا مِنْ فعل العرب قديمًا قبل الإِسلام علَى جهة التقرُّب به والتشرُّع وعلَى هذا يستقيم تغييرُهُم وتنقُّصهم بأَن شرعهم وصلاتهم لم تَكُنْ رهبةً ولا رغبةً، وإِنما كانَتْ مكاءً وتصديةً من نوع اللعب، ولكنَّهم كانوا يتزيّدون فيهما وقت النبيّ ﷺ ليشغلوه هو وأمته عن القراءة والصَّلاة.\nوقوله سبحانه: فَذُوقُوا الْعَذابَ ... الاية: إِشارةٌ إِلى عذابهم ببَدْرٍ بالسيف قاله الحسن وغيره «٣» فيلزم أن هذه الآية الآخِرَةَ نزلَتْ بعد بَدْرٍ، ولا بدَّ.\nقال ع «٤»: والأشبه أنَّ الكلَّ نزل بعد بَدْرٍ حكايةً عما مضَى.\nوقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ... الآية:\nلما قُتِلَ من قُتِلَ ببدر، اجتمع أبناؤهم وقراباتهم، فقالوا لِمَنْ خَلُصَ ماله في العِيرِ: إِن محمَّدًا قد نال منَّا ما تَرَوْنَ، ولكنْ أعينونا بهذا المال الذي كان سَبَبَ الوَقعَةِ، فلعلَّنا أنْ ننال منه ثأرًا، يريدون نفقته في غَزْوَةَ أَحُدٍ.\nوقوله سبحانه: فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ، الحسرة: التلهّف\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٦/ ٢٣٨) برقم: (١٦٠٣٧- ١٦٠٣٨)، وذكره ابن عطية (٢/ ٥٢٣)، والبغوي (٢/ ٢٤٧)، وابن كثير (٢/ ٣٠٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٣٣٢)، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، وابن مردويه والضياء.\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٥٢٤) .\n(٣) ذكره ابن عطية (٢/ ٥٢٥) .\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٥٢٥) .","vol":"3","page":131},{"text":"على فائتٍ، وهذا من أخبار القرآن بالغيوب قبل أن تكون، فكان كما أخبر، ثم أخبر سبحانه عن الكافرين، وأنهم يُجْمَعُونَ إِلى جهنّم، والحشر: الجمع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-556>[سورة الأنفال (٨): الآيات ٣٧ الى ٤٠]</span>\nلِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٣٧) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (٣٨) وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣٩) وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٤٠)\nوقوله سبحانه: لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ، وقرأ حمزة والكسائيُّ «١»: «لِيُمَيِّزَ اللَّهُ» - بضم الياءِ، وفتحِ الميم، وشدِّ الياء-، قال ابن عباس وغيره: المعنيُّ ب الْخَبِيثَ:\nالكفَّارُ، وب الطَّيِّبِ المؤمنون «٢»، وقال ابْنُ سَلاَّم والزَّجَّاج: الْخَبِيثَ: ما أنفقه المشركون في الصَّدِّ عن سبيل اللَّه، والطَّيِّبِ: هو ما أنفقه المؤمنون في سبيل اللَّهِ «٣» .\nقال ع «٤»: روي عن رسول الله ﷺ: أَنَّ اللَّه سبحانه يُخْرِجُ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنَ الأَمْوَالِ مَا كَانَ صَدَقَةً أَوْ قُرْبَةً، ثُمَّ يأْمُرُ بِسَائِرِ ذَلِكَ، فيلقى فِي النَّارِ: وعلى التأويلين: فقوله سبحانه: وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا إِنما هي عبارةٌ عن جَمْع ذلك، وضَمه، وتأليف أشتاته، وتكاثُفِه بالاجتماع، ويَرْكُمُهُ في كلام العرب: يُكَثِّفه ومنه سَحابٌ مَرْكُومٌ [الطور: ٤٤] وعبارة البخاريِّ: فيركمه: فَيَجْمَعه. انتهى.\nوقوله سبحانه: إِنْ يَنْتَهُوا، يعني: عن الكفر، يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ لأن الإِسلام يجبّ ما قبله، وإِنْ يَعُودُوا، يريدُ بِهِ: إِلى القِتَالِ، ولا يصحُّ أن يُتَأَوَّل: وإن يعودوا إِلى الكُفْرِ لأنهم لم ينفصلوا عنه.\nوقوله: فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ/ الْأَوَّلِينَ: عبارةٌ تجمَعُ الوعيدَ والتهديدَ والتمثيلَ بمَنْ هَلَكَ من الأمم في سالف الدَّهْرِ بعذاب اللَّه حين صدَّ في وَجْهِ نبيِّه بمَنْ هلك في يَوْمِ بَدْرٍ بسيف الإسلام.\nوقوله سبحانه: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ قال ابن عباس، وابن عمر،\n_________\n(١) ينظر: «السبعة» (٣٠٦)، و«الحجة» (٤/ ١٥٢)، و«إعراب القراءات» (١/ ٢٢٩)، و«إتحاف» (٢/ ٧٩) .\n(٢) ذكره ابن عطية (٢/ ٥٢٦) .\n(٣) ذكره ابن عطية (٢/ ٥٢٦) .\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٥٢٦) .","vol":"3","page":132},{"text":"وغيرهما: الفِتْنَةُ: الشِّرْكُ «١» .\nقال ع «٢»: وهذا هو الظاهر، ويفسّر هذه الآية قوله ﷺ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لاَ إله إلّا الله ...» «٣» الحديث.\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٦/ ٢٤٥) برقم: (١٦٠٩٠)، وبرقم: (١٦٠٩٢) عن قتادة، وبرقم:\n(١٦٠٩٣) عن السدي، وذكره ابن عطية (٢/ ٥٢٧) عن ابن عباس وغيره، وابن كثير (٢/ ٣٠٩) .\n(٢) ينظر «المحرر الوجيز» (٢/ ٥٢٨) .\n(٣) هذا الحديث متواتر، رواه جماعة من أصحاب النبي ﷺ وهم: أبو هريرة وابن عمر، وجابر، وأنس بن مالك، وأبو بكر، وعمر، وجرير، وسهل بن سعد، وأبو بكرة، وأبو مالك الأشجعي، وعياض الأنصاري، والنعمان بن بشير، وسمرة بن جندب، ومعاذ، وأوس بن أوس، ورجل من بلقين، وابن عباس. حديث أبي هريرة:\nأخرجه البخاري (٣/ ٢٦٢) كتاب «الزكاة» باب: وجوب الزكاة، حديث (١٣٩٩)، ومسلم (١/ ٥٢) كتاب «الإيمان» باب: الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلّا الله، وأبو داود (٣/ ١٠١)، كتاب «الزكاة» باب: على ما يقاتل المشركون، حديث (٢٦٤٠)، والترمذي (٤/ ١١٧)، كتاب «الإيمان» باب:\nما جاء أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، حديث (٢٧٣٣)، والنسائي (٥/ ١٤)، كتاب «الزكاة» باب: مانع الزكاة، وابن ماجه (٢/ ١٢٩٥) كتاب «الفتن» باب: الكف عمن قال: لا إله إلا الله، حديث (٣٩٢٧)، والشافعي (١/ ١٣) باب: الإيمان والإسلام، وعبد الرزاق (٦/ ٦٧) كتاب «أهل الكتاب» باب: أقاتلهم حتى يقولوا: لا إله إلا الله، حديث (١٠٠٢٢)، وأحمد (٢/ ٣٤٥)، وابن الجارود ص: (٣٤٣) باب: في ما أمر رسول الله ﷺ بالدعاء إلى توحيد الله ﷿ والقتال عليها، حديث (١٠٣٢)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٣/ ٢١٣) كتاب «السير» باب: ما يكون الرجل به مسلما، وابن سعد في «الطبقات»، والدارقطني (١/ ٢٣١- ٢٣٢)، كتاب «الصلاة» باب:\nتحريم دمائهم وأموالهم إذا شهدوا بالشهادتين، حديث (٢)، والحاكم (١/ ٣٨٧) كتاب «الزكاة»، وأبو نعيم في «الحلية» (٣/ ٣٠٦)، وابن حبان (١٧٤) من طرق عن أبي هريرة.\nأما حديث ابن عمر:\nأخرجه البخاري (١/ ٢٢) كتاب «الإيمان» باب: فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم، حديث (٢٥) . ومسلم (١/ ٥٣) كتاب «الإيمان» باب: الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله ... (٣٦/ ٢٢)، والدارقطني (١/ ٢٣٢)، والبيهقي (٣/ ٩٢) .\nحديث جابر:\nأخرجه مسلم (١/ ٥٣) كتاب «الإيمان» باب: الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، محمد رسول الله ... (٣٥/ ٢٢)، وابن ماجه (٢/ ١٢٩٥) كتاب «الفتن» باب: الكف عن من قال: لا إله إلا الله (٣٩٢٨)، والترمذي (٥/ ٤٠٩) كتاب «التفسير» باب: تفسير سورة الغاشية (٣٣٣٨)، وأحمد (٣/ ٢٩٥)، وأبو حنيفة في «مسنده» (٦)، وأبو يعلى (٤/ ١٩٠) برقم: (٢٢٨٢) من طرق عنه.\nوقال الترمذي: حسن صحيح.\n- حديث أنس:\nأخرجه البخاري (١/ ٥٩٤) كتاب «الصلاة» باب: فضل استقبال القبلة، حديث (٣٩٢)، وأحمد (٣/ ١٩٩، ٢٢٤)، وأبو داود (٢/ ٥٠- ٥١) كتاب «الجهاد» باب: على ما يقاتل المشركون، حديث","vol":"3","page":133},{"text":"وقال ابن إِسحاق: معناها: حتَّى لا يفتن أحَدٌ عن دينهِ كما كانت قريشٌ تَفْعَلُ بمكّة بمن أسلم.\n_________\n(٢٦٤١) والترمذي (٥/ ٤) كتاب «الإيمان» باب: ما جاء في قول النبي ﷺ: أمرت بقتالهم ...\n(٢٦٠٨)، والدارقطني (١/ ٢٣٢) كتاب «الصلاة» باب: تحريم دمائهم وأموالهم إذا تشهدوا بالشهادتين (٢)، وأحمد (٣/ ١٩٩)، وأبو نعيم في «الحلية» (٨/ ١٧٣)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٣/ ٢١٥)، والبيهقي (٣/ ٩٢)، والخطيب (١٠/ ٤٦٤)، والبغوي في «شرح السنة» (١/ ٩٦- بتحقيقنا)، من طريق حميد الطويل، عن أنس. وقال الترمذي: حسن صحيح غريب.\nحديث أبي بكر وعمر:\nويرويه عنهما أنس بن مالك قال: قال عمر لأبي بكر في الردة: ألم يقل رسول الله ﷺ: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإن قالوها عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله.\nقال أبو بكر: إنما قال رسول الله ﷺ: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة ...\nأخرجه النسائي (٧/ ٧٦- ٧٧)، وأبو يعلى (١/ ٦٩) رقم: (٦٨)، وابن خزيمة (٤/ ٧) رقم: (٢٤٤٧)، والحاكم (١/ ٣٦٨) من طريق عمران القطان، عن معمر، عن الزهري، عن أنس به.\nوذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ٣٠)، وقال: رواه البزار وقال: لا أعلمه يروي عن أنس، عن أبي بكر إلا من هذا الوجه وأحسب أن عمران أخطأ في إسناده.\nوقال الترمذي بعد الحديث (٢٦١٠): وقد روى عمران القطان هذا الحديث عن معمر، عن الزهري، عن أنس بن مالك، عن أبي بكر وهو حديث خطأ.\nوقد حكم عليه بالخطأ أيضا الإمام أبو زرعة الرازي فقال ابن أبي حاتم في «العلل» (٢/ ١٥٩) رقم:\n(١٩٧٠): سئل أبو زرعة عن حديث رواه عمرو بن عاصم، عن عمران القطان، عن معمر، عن الزهري، عن أنس ... فذكر الحديث.\nقال أبو زرعة: هذا وهم إنما هو الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبي هريرة.\nأما الحاكم فله مع هذا الحديث شأن آخر فقال بعد إخراجه: صحيح الإسناد غير أن الشيخين لم يخرجا عمران القطان وليس لهما حجة في تركه فإنه مستقيم الحديث، ووافقه الذهبي.\nوعمران روى له البخاري تعليقا والأربعة، وقال الحافظ في «التقريب» (٢/ ٨٣): صدوق يهم.\nحديث جرير: أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» (٢/ ٣٤٧) رقم: (٢٢٧٦)، وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ٢٩)، وقال: رواه الطبراني في «الكبير» وفي إسناده إبراهيم بن عيينة وقد ضعفه الأكثرون، قال ابن معين: كان مسلما صدوقا. اه.\nوقال النسائي: ليس بالقوي.\nوقال أبو حاتم: أتى بمناكير.\nينظر «المغني» (١/ ٢١) .\nحديث سهل بن سعد: أخرجه الطبراني في «الكبير» (٦/ ١٣٢) رقم: (٥٧٤٦)، وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ٣٠) وقال: رواه الطبراني وفي إسناده مصعب بن ثابت، وثقه ابن حبان والأكثر على تضعيفه اه. ضعفه أحمد، وابن معين، وأبو حاتم، وقال الحافظ: لين الحديث.","vol":"3","page":134},{"text":"وقوله: وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ، أيْ: لا يُشْرَكَ معه صَنَمٌ، ولا وَثَنٌ، ولا يُعْبَدَ غيره\n_________\nينظر «المغني» (٢/ ٦٦٠)، و«التقريب» (٢/ ٢٥١) .\nحديث أبي بكرة: ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ٣٠) وقال: رواه الطبراني في «الكبير والأوسط» وفيه عبد الله بن عيسى الخزاز وهو ضعيف لا يحتج به اه، وذكره الذهبي في «المغني» (١/ ٣٥٠) وقال: عبد الله بن عيسى أبو خلف الخزاز، عن يونس بن عبيد ضعفوه.\nحديث أبي مالك الأشجعي: أخرجه الطبراني في «الكبير» (٨/ ٣٨٢) رقم: (٨١٩١)، وذكره الهيثمي في «المجمع» (١/ ٣٠) وقال: رواه الطبراني في «الكبير» ورجاله موثقون.\nحديث عياض الأنصاري: أخرجه البزار (١/ ١٠- كشف) رقم: (٤) من طريق عبد الرحمن القرشي عن عياض مرفوعا: بلفظ: إن لا إله إلا الله كلمة على الله كريمة، لها عند الله مكان، وهي كلمة من قالها صادقا أدخله الله بها الجنة، ومن قالها كاذبا حقنت دمه وأحرزت ماله ولقي الله غدا فحاسبه.\nقال البزار: ولا نعلم أسند عياض إلا هذا.\nوذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ٣١) وقال: رواه البزار، ورجاله موثقون إن كان تابعه عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود.\nحديث النعمان بن بشير: أخرجه البزار (١/ ١٥- كشف) رقم: (١٥) من طريق أسود بن عامر، ثنا إسرائيل، عن سماك، عن النعمان بن بشير به.\nوقال البزار: وهذا أخطأ فيه أسود. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ٣١): رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح.\nحديث سمرة بن جندب: ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ٣٠) وقال: رواه الطبراني في «الأوسط»، وفيه مبارك بن فضالة واختلف في الاحتجاج به.\nحديث معاذ بن جبل: أخرجه ابن ماجه (١/ ٢٨): المقدمة: باب في الإيمان، حديث (٧٢)، والدارقطني (١/ ٢٣٣) كتاب «الصلاة»: باب تحريم دمائهم وأموالهم ... من طريق شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ به.\nقال الحافظ البوصيري في «الزوائد» (١/ ٥٦) هذا إسناد حسن. اه.\nوفيه شهر بن حوشب وقد اختلف في الاحتجاج به.\nحديث أوس بن أوس: أخرجه الدارمي (٢/ ٢١٨) كتاب «السير» باب: في القتال على قول النبي ﷺ:\nأمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، وابن ماجه (٣٩٢٩)، وأحمد (٤/ ٨)، وعزاه السيوطي في «الأزهار المتناثرة» ص: (٢٠) رقم: (٤) إلى ابن أبي شيبة.\nحديث الرجل من بلقين: أخرجه أبو يعلى (١٣/ ١٣١- ١٣٢)، والبيهقي (٦/ ٣٣٦)، وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ٥٣- ٥٤)، وقال: رواه أبو يعلى وإسناده صحيح.\nوذكره الحافظ ابن حجر في «المطالب العالية» (٢/ ١٨٥) رقم: (٢٠١٠)، وعزاه إلى أحمد بن منيع، وذكره برقم: (٢٠١١)، وعزاه إلى أبي يعلى.\nحديث ابن عباس: ذكره الهيثمي في «المجمع» (١/ ٣٠)، وقال: رواه الطبراني، ورجاله موثقون إلا أن فيه إسحاق بن يزيد الخطابي، ولم أعرفه. وهذا الحديث قد صرح الحافظ السيوطي بتواتره فأورده في «الأزهار المتناثرة في الأحاديث المتواترة» ص: (١٩- ٢٠) رقم: (٤) وعزاه إلى الشيخين عن ابن عمر وأبي هريرة ومسلم عن جابر وابن أبي شيبة في «المصنف» عن أبي بكر الصديق، وعمر وأوس وجرير","vol":"3","page":135},{"text":"سبحانه، ثم قال تعالَى: فَإِنِ انْتَهَوْا، عن الكفر، فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ بِعَمَلِهم، مُجَازٍ عليه، عنده ثوابه، وجميلُ المقارضة عليه.\nوقوله سبحانه: وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ:\nمعادلٌ لقوله: فَإِنِ انْتَهَوْا، المعنى: وإِن تولَّوا، ولم ينتهوا، فاعلموا أن اللَّه تعالَى ينصُرُكُمْ عليهم، وهذا وعد محض بالنصر والظّفر، والْمَوْلى هاهنا الموالى والمُعِينُ، والمَوْلَى في اللغة على معانٍ، هذا هو الذي يليقُ بهذا الموضعِ منها، والمَوْلَىَ: الذي هو السيِّد المقترنُ بالعَبْدِ يعمّ المؤمنين والمشركين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-557>[سورة الأنفال (٨): الآيات ٤١ الى ٤٤]</span>\nوَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤١) إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ وَلكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (٤٢) إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٤٣) وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤٤)\nوقوله ﷿: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ... الآية: الغنيمةُ في اللغة: ما يناله الرجل بسعي ومنه قوله ﷺ: «الصّيام في الشّتاء هي الغنيمة الباردة» «١»،\n_________\nالبجلي، والطبراني، عن أنس وسمرة بن جندب وسهل بن سعد وابن عباس، وأبي بكرة، وأبي مالك الأشجعي، والبزار عن عياض الأنصاري والنعمان بن بشير. [.....]\n(١) أخرجه الترمذي (٣/ ١٥٣) كتاب «الصوم»، باب: ما جاء في الصوم في الشتاء، حديث (٧٩٧)، وأحمد (٤/ ٣٣٥)، وابن أبي شيبة (٣/ ١٠٠)، وأبو الشيخ في «الأمثال» (٢٢٣)، والبيهقي (٤/ ٢٩٦- ٢٩٧) كتاب «الصيام»، باب ما ورد في صوم الشتاء، والقضاعي في «مسند الشهاب» (٢٣١) كلهم من طريق نمير بن عريب، عن عامر بن مسعود مرفوعا.\nوقال الترمذي: هذا حديث مرسل، عامر بن مسعود لم يدرك النبي ﷺ.\nوقال البيهقي: هذا مرسل.\nقال ابن أبي حاتم في «المراسيل» ص: (١٦٠): قال أبو زرعة: عامر بن مسعود من التابعين.\nوقال الترمذي في «العلل الكبير» ص (١٢٧) رقم: (٢١٨): سألت محمدا عن حديث أبي إسحاق، عن نمير بن عريب، عن عامر بن مسعود، عن النبي ﷺ قال: «الغنيمة الباردة الصوم في الشتاء» .\nفقال: هو حديث مرسل، وعامر بن مسعود لا صحبة له، ولا سماع من النبي ﷺ اه.","vol":"3","page":136},{"text":"وقوله: مِنْ شَيْءٍ: ظاهرة العمومُ، ومعناه الخصوصُ، فأَمَّا النَّاضُّ «١» والمتاعُ والأطفال والنساء وما لا يؤكل [لحمه] من الحيوان ويَصِحُّ تملُّكه، فالإِمام يأخذ خُمْسُهُ، ويَقْسِمُ الباقي في الجيش، وأما الأرضُ، فقال فيها مالكٌ: يقسمها الإِمام إِن رأى ذلك صوابا كما فعل النبيّ ﷺ بِخَيْبَرَ، أَوْ لاَ يَقْسِمُها، بل يتركها لنوائب المسلمينَ إن أداه اجتهاده إلى ذلك كما فعل عُمَرُ بنُ الخطَّاب ﵁ بِأَرْضِ مِصْرِ وبسَوَادِ الكَوفة، وأمَّا الرجالُ، ومَنْ شارف البُلُوغ من الصِّبْيان، فالإِمام عند مالك وجمهور العلماء، مُخَيَّرٌ فيهم علَى خمسة أوجه «٢»:\n_________\nوقال يعقوب بن سفيان في «المعرفة والتاريخ» (٣/ ١٢٧): ليس لعامر صحبة.\nوقد جزم بعدم صحبته أيضا أبو داود، وابن حبان، والبغوي، وابن السكن. ينظر: «الإصابة» (٣/ ٤٨٩) بتحقيقنا اهـ.\nلكن لهذا الحديث شاهد من حديث أنس: أخرجه الطبراني في «الصغير» (١/ ٢٥٤)، وابن عدي في «الكامل» (٣/ ١٢١٠)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٣/ ٤١٦) رقم: (٣٩٤٣) من طريق الوليد بن مسلم، ثنا سعيد بن بشير، عن قتادة، عن أنس مرفوعا.\nوقال الطبراني: لم يروه عن قتادة إلّا سعيد، تفرد به الوليد. وقال ابن عدي: لا يرويه عن قتادة غير سعيد، وعن سعيد غير الوليد. والحديث ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٣/ ٢٠٣) وقال: رواه الطبراني في «الصغير»، وفيه سعيد بن بشير، وهو ثقة لكنه اختلط اه.\nوللحديث شاهد آخر من حديث جابر: أخرجه ابن عدي في «الكامل» (٣/ ١٠٧٥)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٣/ ٤١٦) رقم: (٣٩٤٢) من طريق عبد الوهاب بن الضحاك: نا الوليد بن مسلم، عن زهير بن محمد، عن ابن المنكدر، عن جابر مرفوعا.\nوعبد الوهاب بن الضحاك: قال الحافظ في «التقريب» (١/ ٥٢٨): متروك كذبه أبو حاتم.\n(١) النّاضّ: أهل الحجاز يسمّون الدّراهم والدّنانير: النّاضّ والنّضّ. قال أبو عبيد: إنّما يسمّونها ناضّا: إذا تحوّل عينا بعد أن كان متاعا لأنّه يقال: ما نضّ بيدي منه شيء، وخذ ما نضّ لك من دين، أي: تيسّر وهو يستنضّ حقّه من فلان، أي: يستنجزه، ويأخذ منه الشّيء بعد الشّيء. مأخوذ من نضاضة الماء وهي: بقيّته، وكذلك النّضيضة، وجمعها: نضائض. ذكره الأزهري.\nينظر: «النظم» (١/ ١٥٤) .\n(٢) الأسرى: إما أن يكونوا من الرجال العقلاء البالغين، أو يكونوا من النساء، والصبيان، ومن في حكمهم، فإذا كانوا من هؤلاء فالمشهور عند عامّة الفقهاء أنهم يصيرون أرقاء بنفس الأسر، ولا يجوز قتلهم اتفاقا، لأن النبي ﷺ نهى عن قتل النساء والصبيان في حديث متفق عليه. أما إذا كانوا من الرجال البالغين العقلاء، فالإمام مخير فيهم بين خصال بعضها متفق عليه، وبعضها مختلف فيه، وهي كما يأتي:\n«القتل»: ثبت عند فقهاء الأمصار أنه يجوز للإمام قتل المحارب الكافر بعد أسره، والاستيلاء عليه، وحكي عن الحسن البصري وعطاء، وسعيد بن جبير، والضحاك، وابن عمر كراهته.\n«المنّ»: ويكون بتخلية سبيل الأسرى من غير عوض، وقال به الشافعية والمالكية في المشهور عنهم والحنابلة، وذهب الحنفية إلى عدم جوازه.","vol":"3","page":137},{"text":"منها: القتل، وهو مستَحْسَنٌ في أهْل الشجاعة والنِّكَاية.\nومنها: الفداءُ، وهو مستحسنٌ في ذي المَنْصب الذي ليس بشُجَاع ولا يُخَاف منه رأْي ومَكِيدَة لانتفاع المسلمين بالمَال الذي يؤخَذُ منه.\nومنها: المَنُّ، وهو مستحْسَنٌ فيمن يرجى أنْ يحنو على أَسْرَى المسلمين، ونحو ذلك من القرائن.\nومنها: الاسترقاق.\nومنها: ضَرْبُ الجزية، والتَّرْكُ، في الذِّمَّة.\nوأما الطعام، والغَنَمْ، ونَحْوَها ممَّا يؤكل، فهو مباحٌ في بلد العدو أكله، وما فَضَل منه كان في المَغْنَم.\nومحلُّ استيعاب فُرُوعِ هذا الفَصْل كُتُب الفقه.\nوقوله سبحانه: وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا، أي: من النصر والظهور الذي أنزله الله\n_________\n«الفداء»: ذهب جمهور الفقهاء ومعهم أبو يوسف، ومحمد من علماء الحنفية إلى جواز الفداء بالأسرى، وجاء ذلك رواية عن أبي حنيفة، وجاءت عنه رواية أخرى بمنعه.\nوأمّا الفداء بالمال فالجمهور على جوازه، والمشهور من مذهب الحنفية عدم الجواز، وقد جاء في «السير الكبير» أنه لا بأس به إذا كان بالمسلمين حاجة إليه.\n«الاسترقاق»: اتفق الفقهاء على أن الأسير إذا كان مرتدا لا يجوز ضرب الرق عليه، فلا بد أن يسلم أو يقتل لأنه كفر بربه بعد ما هدي إلى الإسلام.\nواختلفوا في غيره من الأسرى، فذهب المالكية، والشافعية والحنابلة إلى جواز استرقاقهم لا فرق بين عربي منهم أو عجمي، وذهب الحنفية إلى عدم جواز استرقاق المشركين من العرب. وإذا قلنا: إن الإمام مخير في الأسرى، فليس معناه أن يجعل التصرف فيهم تبعا لعاطفته وميل هواه، وإنما معناه أن يتحرى فيهم ما تقتضيه مصلحة المسلمين ثم ينفذها، فإذا كان الأسير شديد الدهاء، كثير التأليب على المسلمين والكيد لهم، ولا يؤمن مكره، أو تكرر نقضه لعهدهم قتله الإمام كفاية لشره وقطعا لدابره.\nويظهر ذلك للإمام من اطّلاع على أحواله أو علمه بأخباره، وإذا ظهر له أن الأسير مأمون الجانب، ويتألف بإطلاقه طائفة عظيمة على الإسلام، أو يتوسم أن تطلق عشيرته ما عندها من أسرى الحرب منّ عليه، وكذلك إذا كان الأسير من ذوي العلل والعاهات، أو الضعفاء والزمنى الذين لا يرجى منهم منفعة للمسلمين، أو كان للأسير قيمة، وترجح عند الإمام الحاجة إلى المال لمصالح المسلمين جعل نظير كل رقبة يطلقها مقدارا من المال يختلف بحسب مكانة الأسير في قومه، وإن رأى أن في استرقاقه عزة ومهابة للمسلمين اختار من بينهم من يضرب الرق عليه، وهكذا.","vol":"3","page":138},{"text":"سبحانه يَوْمَ بَدْر، ويحتمل أن تكون الإِشارة إِلى قرآن/ نزَلَ يوْمَ بدر، أو في قصَّة يوم بَدْر، ويوم الفُرْقَان: معناه: يَوْمُ الفَرْقِ بين الحقِّ والباطل بإِعزاز الإِسلام وإِذلالِ الشرك، والجَمْعَانِ: يريد: جَمْعَ المسلمين وَجَمْعَ الكُفَّار، وهو يوم بَدْر، ولا خلاف في ذلك.\nوقوله سبحانه: وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، يَعْضُدُ أَنَّ قوله: وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا، يراد به النصْرُ والظَّفْر، أي: الآيات والعظائم مِنْ غلبة القليلِ للكثيرِ، وذلك بقدرة اللَّه ﷿ الذي هو عَلَى كلِّ شيء قدير.\nوقوله سبحانه: إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، العُدْوَة: شفيرُ الوادِي، وحَرْفُهُ الذي يتعذَّرُ المَشْيُ فيه بمنزلة رَجَا البئْر لأنها عَدَتْ ما في الوادِي من ماء ونحوه أن يتجاوز الوادِيَ، أي: منعته ومنه قول الشاعر: [الوافر]\nعَدَتْنِي عَنْ زِيَارَتِكِ العَوَادِي ... وَحَالَتْ دُونَهَا حَرْبٌ زَبُون «١»\nوقرأ ابنُ كَثِير «٢»، وأبو عمرو: بِالْعُدْوَةِ- بِكَسْرِ العين-، وقوله: الدُّنْيا، والْقُصْوى، إِنَّما هو بالإِضافة إِلى المدينة، وبين المدينة ووادِي بَدْر موضعُ الوقعة مَرْحَلتان، والدُّنْيَا: من الدُّنُوِّ، والقصوى: منِ القُصُوِّ، وهو البُعْد، وَالرَّكْبُ، بإِجماعٍ من المفسِّرين: عِيرُ أبي سفيان، وقوله: أَسْفَلَ، في موضع خَفْض، تقديره: في مكان أَسْفَلَ كَذَا.\nقال سِيبَوَيْهِ: وكان الرَّكْبُ، ومُدَبِّر أمره أبو سفيانَ بْنُ حَرْب، قد نَكَبَ عن بدر حين نذر بالنبيّ ﷺ، وأخَذَ سيْفَ البَحْرِ، فهو أَسْفَلُ بالإِضافة إِلى أَعلى الوَادِي.\nوقوله سبحانه: وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ، المَقْصدُ من الآية: تَبْيينُ نعمة اللَّه سُبْحانه في شأنِ قِصَّة بَدْر، وتيسيره سُبْحانه ما يَسَّر من ذلك، والمَعنَى: لو تواعدتم، لاختلفتم في الميعادِ بَسَببِ العوارِضِ التي تَعْرضُ للناس، إِلاَّ مع تيسير اللَّه الذي تَممَّ ذلك، وهذا كما تقولُ لصاحبك في أمْر سَنَاهُ اللَّه تعالى دونَ تَعَبٍ كثير: لَوْ بَنَيْنَا عَلَى هَذَا، وسَعَيْنَا فِيهِ، لَمْ يَتِمَّ هَكَذَا، وَلكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كانَ مَفْعُولًا، أي: لينفِّذَ ويُظْهِر أمرًا قد قدَّره في الأزل مفعولًا لكم بشرط وجودكم في وَقْتِ وجودِكُمْ، وهذا كلُّه معلومٌ عنده ﷿\n_________\n(١) ينظر «الدر المنثور» (٣/ ٤٢١) .\n(٢) ينظر: «السبعة» (٣٠٦)، و«الحجة» (٤/ ١٢٨)، و«حجة القراءات» ص: (٣١٠- ٣١١)، و«إعراب القراءات» (١/ ٢٢٤)، و«إتحاف» (٢/ ٧٩)، و«معاني القراءات» (١/ ٤٤٠)، و«شرح الطيبة» (٤/ ٣٢٧)، و«شرح شعلة» (٤٠٦) .","vol":"3","page":139},{"text":"لم يتجدَّد له به علْمٌ، وقوله ﷿: لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ، قال الطبريُّ «١»: المَعنى: ليُقْتَلَ من قُتِلَ من كفَّار قريش وغيرهم ببيانٍ مِنَ اللَّه وإِعذارٍ بالرسالة، ويَحْيَا أيضًا ويعيشَ مَنْ عاش عن بيانٍ منْه أيضًا وإِعذار لا حجة لأحد عليه سبحانه.\nت: قال أبو عمر بن عبد البر في كتاب «فضل العلم» في قوله ﷿:\nلِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ ... الآية: البيِّنة: ما بان به الحقُّ. انتهى.\nوقال ابنُ إِسْحَاق وغيره: معنى «لِيَهْلِكَ»، أيْ: لِيَكْفُرَ، و«يَحْيَا» أي: ليؤمنَ فالحياةُ والهلاكُ على هذا التأويل: مستعارتان.\nوقوله سبحانه: إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ/ قَلِيلًا ... الآية: وتظاهرتِ الرواياتُ أن هذه الآية نزلَتْ في رُؤْيَا رآها رسول الله ﷺ رأى فيها عَدَدَ الكُفَّار قليلًا، فأَخبر بذلك أصحابه، فقَوِيَتْ نفوسُهم، وحَرِصُوا على اللقاء قاله مجاهد وغيره، والظاهر أنه رآهم ﷺ في نومه قليلًا قَدْرُهُم وبأْسُهم، ويحتمل أنه رآهم قليلًا عدَدُهم، فكان تأويلُ رؤياه انهزامهم، والفشل: الخور عن الأمر، ولَتَنازَعْتُمْ، أي: لتخالَفْتم في الأمر، يريد: في اللقاءِ والحرب. وسَلَّمَ: لفظ يعمُّ كلَّ متخوَّف.\nوقوله سبحانه: وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ ... الآية، وهذه الرؤية هي في اليقظة بإِجماع، وهي الرؤية التي كانَتْ حين التقوا، ووقعتِ العَيْنُ على العين، والمعنَى: أن اللَّه تعالَى لَمَا أراده من إِنفاذ قضاءه في نُصْرة الإِسلام وإِظهار دِينِهِ، قَلَّلَ كُلَّ طائفةٍ في عُيُونِ الأخرَى، فوقع الخَلَلُ في التخمينِ والحَزْرِ الذي يستعمله الناسُ في هذا لتَجْسُرَ كلُّ طائفة على الأخرَى، وتتسبَّب أسبابُ الحَرْب، والأمر المفعولُ المذكورُ في الآيتين هو القصَّة بأجمعها.\nوقوله: وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ: تنبيهٌ علَى أن الحَوْلَ بأجمعه للَّه، وأنّ كلّ أمّر، فله وإليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-558>[سورة الأنفال (٨): الآيات ٤٥ الى ٤٧]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَرًا وَرِئاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٤٧)\n_________\n(١) ينظر: «تفسير الطبري» (٦/ ٢٥٨) .","vol":"3","page":140},{"text":"وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا ... الآية: هذا أَمْرٌ من اللَّه سبحانه بما فيه داعيةُ النَّصْر، وسبَبُ العزِّ، وهي وصيَّة منه سبحانه بِحَسَبِ التقْييد الذي في آية الضَّعْفِ، والفِئَةُ الجماعة، أصلها: «فِئَوَة»، وهي مِنْ: «فأَوْتُ»، أي: جمعتُ، ثم أمر سبحانه بإِكثار ذكْره هناك إِذ هو عصمةُ المستنجد، وَوَزَرُ المستعين.\nقال قتادة: افترض اللَّه ذِكْرَهُ عند اشغل ما يكونُ عنْدَ الضرِّاب والسُّيوف.\nقال ع «١»: وهذا ذِكْرٌ خفيٌّ لأن رَفْعَ الصَّوْت في موطن القتَال رديءٌ مكروهٌ إِذا كان ألغاطًا، فأما إِن كان من الجميعِ عند الحَمْلة، فَحَسَنٌ فَاتٌّ في عَضُد العَدُوِّ قال قيسُ بْنُ عُبَادٍ «٢»: كان أصحاب النبيّ ﷺ يكرهُونَ الصَّوْت عند ثلاثٍ عند قراءة القُرآن، وعند الجنازة، وعند القتال «٣»، وقال النبيّ ﷺ: «اطلبوا إِجَابَةَ الدُّعَاءِ عِنْدَ القِتَالِ، وإِقَامَةِ الصَّلاَةِ، ونُزُولِ الغَيْثِ» «٤» وكان ابن عباس يُكْرَه التلثُّم عنْدَ القتالِ «٥» .\nقال النَّوويُّ: وسُئِلَ الشيخُ أبو عَمْرِو بْنُ الصَّلاَحِ «٦»، عن القَدْرِ الذي يصيرُ به المرء\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٥٣٦) .\n(٢) قيس بن عباد، القيسي الضّبعي أبو عبد الله البصري مخضرم، عن عمر وعلي وعمّار، وعنه ابنه عبد الله والحسن البصري، وابن سيرين مات بعد الثمانين.\nينظر ترجمته في: «الخلاصة» (٢/ ٣٥٧) (٥٨٨٦) .\n(٣) ذكره ابن عطية (٢/ ٥٣٦) .\n(٤) ذكره الهندي في «كنز العمال» (٢/ ١٠٢) رقم: (٣٣٣٩)، وعزاه للشافعي، والبيهقي في «المعرفة» عن مكحول مرسلا.\n(٥) ذكره ابن عطية (٢/ ٥٣٥) .\n(٦) عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان بن موسى بن أبي نصر، الإمام العلامة مفتي الإسلام، تقي الدين، أبو عمرو بن الإمام البارع صلاح الدين أبي القاسم، النصري- بالنون والصاد المهملة، نسبة إلى جده أبي نصر- الكردي، الشهرزوري الأصل، الموصلي المربا، الدمشقي الدار والوفاة، ولد سنة سبع وسبعين- بتقديم السين فيهما- وخمسمائة بشهرزور، وتفقه على والده، ثم نقله إلى الموصل فاشتغل بها مدة وبرع في المذهب.\nينظر ترجمته في «الأعلام» (٤/ ٣٦٩) و«طبقات الشافعية» للسبكي (٥/ ١٣٧) و«وفيات الأعيان» (٢/ ٤٠٨) و«البداية والنهاية» (١٣/ ١٦٨) و«طبقات الشافعية» لابن هداية ص: (٨٤) و«النجوم الزاهرة» (٦/ ٣٥٤) و«شذرات الذهب» (٥/ ٢٢١) و«مفتاح السعادة» (١/ ٣٩٧)، (٢/ ٢١٤) و«مرآة الزمان» (٨/ ٥٠٢) و«مرآة الجنان» (٤/ ١٠٨) . [.....]","vol":"3","page":141},{"text":"من الذَّاكرين اللَّهَ كثيرًا، فقال: إِذا واظب على الأَذْكَارِ المأثورة المُثْبَتَةِ صباحًا ومساءً، وفي الأوقاتِ والأحوال المختلفة ليلًا ونهارًا- وهي مبيَّنةٌ في كتب «عمل اليوم والليلة» - كان من الذاكرين اللَّه كثيرًا واللَّه سبحانه أعلم. انتهى من «الحلية» .\nت: وأَحْسَنُ من هذا جوابُهُ ﷺ حَيْثُ قَالَ: «سَبَقَ المُفْرِّدُون! قَالُوا: «وَمَا المُفَرِّدُونَ، يَا رَسُولَ اللَّه؟ قَالَ: الذَّاكِرُونَ اللَّهَ كَثِيرًا والذَّاكِرَاتُ»، رواه مسلمٌ/، والترمذيُّ، وعنده: «قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّه، وَمَا المُفَرِّدُونَ؟ قَالَ: المُسْتَهْتِرُونَ فِي ذِكْرِ اللَّهِ يَضَعُ عَنْهُمُ الذِّكْرُ أَثْقَالَهُمْ، فَيَأْتُونَ يوم القيامة خفافا» «١»، قال صاحب «سلاح المؤمن»: المستَهْتِرُونَ في ذكْر اللَّهِ، - هو بفتح التاءَيْنِ المثنّاتين- يعني: الذين أُولِعُوا به يقال: استهتر فُلانٌ بكَذَا، أي: أَولِعَ به، واللَّه أعلم. انتهى.\nفقَد بيَّن ﷺ هنا صفةَ الذاكرين اللَّه كثيرًا، وقد نقلنا في غير هذا المَحَلِّ بيانَ صفةَ الذاكرين اللَّه كثيرًا، بنحو هذا مِنْ طريق ابن المبارك، وإِذا كان العبد مُسْتَهْتِرًا بِذِكْرِ مولاه، أَنِسَ به، وأَحبَّه، وأحبَّ لقاءه فلم يبال بلقاءِ العَدُوِّ، وإِن هي إِلا إِحدى الحسنيين: إِما النصْرُ وهو الأغلب لمن هذه صفته، أو الشهادة وذلك مناه، ومطلبه. انتهى.\nوتُفْلِحُونَ: تنالون بغيتكم، وتنالون آمالكم، والجمهور علَى أن الرِّيحَ هنا مستعارةٌ.\nقال مجاهد: الرِّيح: النصْرُ والقوة، وذهب ريح أصحاب محمّد ﷺ حينَ نازعُوه يَوْمَ أحد «٢»، وقوله سبحانه: وَاصْبِرُوا ... إلى آخر الآية: تتميمٌ في الوصية وِعدَةٌ مُؤْنِسَة، وقوله سبحانه: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ ... الآية: الإشارة إِلى كفار قريش، والبَطَر: الأَشَر وغَمْطُ النِّعْمة، ورُوِيَ أن أبا سفيان، لمَّا أحرز عِيَره، بعث إِلى قريش، وقال: إِن اللَّه قد سَلَّم عِيركُمْ، فارجعوا، فأتَى رأْي الجماعةِ علَى ذلك، وخالَفَ أبو جَهْل، وقال: واللَّهِ، لاَ نَفْعَلُ حَتَّى نَأْتيَ بَدْرًا- وكانَتْ بَدْرٌ سُوقًا من أسواقِ العَرَبِ لها يومُ موسمٍ- فننحَرُ عليها الإِبلَ، ونَشْرَب الخمر، وتَعْزِفُ علينا القِيَانُ، وتسمع بنا العربُ، ويَهَابُنا النَّاسُ، فهذا معنى قوله تعالى: وَرِئاءَ النَّاسِ.\n_________\n(١) تقدم تخريجه.\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٦/ ٣٦١) برقم: (١٦١٧٨- ١٦١٧٩) بنحوه، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٢/ ٥٣٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٣٤٣)، وعزاه إلى الفريابي، وابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.","vol":"3","page":142},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-559>[سورة الأنفال (٨): آية ٤٨]</span>\nوَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لاَ غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ (٤٨)\nوقوله سبحانه: وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لاَ غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ، الضمير في لَهُمُ عائد على الكفّار، والشَّيْطانُ: إبليس نفْسُه، والذي عليه الجمهورُ، وتظاهرَتْ به الرواياتُ أن إبْلِيسَ جاء كُفَّار قريشٍ، ففي «السِّيَر» لابن هشامٍ: أنه جاءهم بمكَّة، وفي غيرها: أنَّه جاءهم، وهُمْ في طريقهم إِلى بَدْرٍ، وقد لحقهم خَوْفٌ من بني بَكْر وكِنَانَةَ لحروبٍ كانَتْ بينهم، فجاءهم إِبليس في صورة سُرَاقَةَ بْنِ مالِكِ بْنِ جُعْشُم، وهو سيِّد مِنْ ساداتهم، فقال لهم: إِنِّي جارٌ لَكُمْ، ولن تخافوا من قومي، وهم لكُمْ أعوانٌ على مَقْصِدِكم، ولَنْ يغلبكم أحدٌ، فروي أنه لما التقى الجمعانِ، كانَتُ يده في يدِ الحَارِثِ بن هشام، فلما رأَى الملائكَةَ، نَكَصَ، فقال له الحارثُ: أَتَفِرُّ يا سُرَاقَةُ؟! فلم يَلْو عَليه، ويروى أَنه قال له ما تضمَّنته الآيةُ، وروي أن عُمَيْرَ بْنَ وهبٍ، أو الحارثِ بْنَ هشامٍ قال له: أَيْنَ يا سُرَاقُ؟ فلم يَلْوِ مِثْلَ عَدُوِّ اللَّه، فذهبَ، ووقعتِ/ الهزيمة، فتحدَّثوا أنَّ سُرَاقَةَ فَرَّ بالنَّاسِ، فبلغ ذلك سُرَاقَةَ بْنَ مالك، فأتى مكَّة، فقال لهم: واللَّه، ما عَلِمْتُ بشيء منْ أمركم حتى بَلَغَتْني هزيمَتُكُمْ، ولا رأْيْتُكُم، ولا كُنْتُ معكم.\nت: قال ابنُ إسحاق: ذكر لي أنهم كانوا يرونه في كلِّ مَنْزِلٍ في صُورَة سُرَاقَة لا يُنْكِرُونه حتَّى إِذا كان يَوْمُ بَدْر، والتقى الجمعان، نكَصَ عدوُّ اللَّه على عَقِبَيْه، فأوردهم ثُمَّ أَسلمهم. انتهى من «السيرة» لابن هشام.\nوقوله: إِنِّي جارٌ لَكُمْ أي: أنتم في ذمَّتي وحِمَائي، و«تراءت»: تفاعلَتْ من الرؤية، أي: رأى هؤلاءِ هؤلاءِ.\nقوله: نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ، أي: رَجَعَ من حيث جاء، وأصْل النُّكُوص في اللغة:\nالرجوعُ القَهْقَرَى.\nوقوله: إِنِّي أَرى مَا لاَ تَرَوْنَ، يريد: الملائكةَ، وهو الخبيثُ، إِنما شرط أَنْ لاَ غَالِبَ لهم من الناس، فلما رأَى الملائكة، وخَرْقَ العادةِ، خَافَ وَفَرَّ.\nوقوله: إِنِّي أَخافُ اللَّهَ، قال الزَّجَّاج وغيره: خافَ ممَّا رأَى مِنَ الأمر، وهَوْلِهِ أنَّه يومُهُ الذي أُنْظِرَ إِليه ويقوِّي هذا أَنه رأَى خَرْقَ العادةِ، ونزولَ الملائكةِ للحَرْب.","vol":"3","page":143},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-560>[سورة الأنفال (٨): الآيات ٤٩ الى ٥١]</span>\nإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٩) وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (٥٠) ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (٥١)\nوقوله سبحانه: إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ... الآية: قال المفسرون: إِن هؤلاء الموصوفين بالنِّفاق، إِنما هُمْ من أهْل عَسْكر الكُفَّار ممَّن كان الإِسلام دَاخِلَ قلوبهم، خَرَجُوا مع المُشْركين إِلَى بَدْرٍ، منهم مكرَهٌ وغيرُ مُكْرَهٍ، فلما أشرفوا على المسلمينَ، ورأَوْا قلَّتهم، ارتابوا، وقالُوا مشيرين إِلى المسلمين: غَرَّ هؤلاءِ دينُهُمْ.\nقال ع «١»: ولم يُذْكَرْ أحدٌ ممَّن شهد بدرًا بنفاقٍ إِلا ما ظَهَرَ بعْدَ ذلك من مُعَتِّب ابن قُشَيْرٍ فإِنه القائل يَوْمَ أحُدٍ: لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنا هاهُنا [آل عمران:\n١٥٤] وقد يحتمل أنْ يكون منافقو المدينة، لما وَصَلَهم خروجُ قريشٍ في قوَّة عظيمةٍ، قالوا هذه المقالةَ، ثم أخبر اللَّه سبحانه بأنَّ مَنْ توكَّل عليه، وفوَّض أمره إليه، فإِن عزَّته سبحانه وحِكْمته كفيلةٌ بنَصْره، وقوله سبحانه: وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ ... الآية: هذه الآيةُ تتضمَّن التعجيبَ ممَّا حلَّ بالكُفَّار يوم بَدْر قاله مجاهدٌ وغيره، وفي ذلك وعيدٌ لمن بَقِيَ منهم، وقوله: وأَدْبارَهُمْ، قال جُلُّ المفسِّرين:\nيريد أَسْتَاهَهْم، ولكنَّ اللَّه كريمٌ كَنَّى «٢»، وقال ابن عبَّاس، والحسن: أراد ظهورَهُمْ وما أَدْبَرَ منهم «٣» وباقي الآية بيِّن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-561>[سورة الأنفال (٨): الآيات ٥٢ الى ٥٤]</span>\nكَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ (٥٢) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٥٣) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ (٥٤)\nوقوله سبحانه: كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ... الآية: الدَّأْبُ: العادةُ في كلام العربِ، وهو مأخوذٌ من دَأَبَ عَلَى العمل، إِذا لازمه.\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٥٣٩) .\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٦/ ٢٦٧) برقم: (١٦٢١٥- ١٦٢١٦- ١٦٢١٧) برقم: (١٦٢١٨) عن سعيد بن جبير، وذكره ابن عطية (٢/ ٥٤٠)، وعزاه إلى جمهور المفسرين، والبغوي في «تفسيره» (٢/ ٢٥٦) عن سعيد بن جبير ومجاهد برقم: (٥٠)، وابن كثير (٢/ ٣١٩)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٣٤٦)، وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور، وأبي الشيخ، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٣) ذكره ابن عطية (٢/ ٥٤٠) .","vol":"3","page":144},{"text":"وقوله سبحانه: ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ... الآية: معنى هذه الآية إِخبارٌ من اللَّه سبحانه، إِذا أنعم على قومٍ نعمةً، فإِنه بلُطْفه ورحمته لا يبدأُ بتغييرها وتنْكِيدها، حتى يجيءَ ذلك منْهم بأنْ يغيِّروا حالهم الَّتي تُرَادُ، أو تَحْسُنُ منهم، فإِذا فعلوا ذلك، غيَّر اللَّه نعمته عنْدَهم بِنِقْمته منْهم، ومثالُ هذه نِعْمَةُ اللَّه عَلَى قُرَيْشٍ بنبيّنا محمّد ﷺ، فكَفَروا به، فغيَّر اللَّه تلك النعمة، بأنْ نقلها إِلى غيرهم من الأنصار، وأَحَلَّ بهم عقوبَتَهُ.\nوقوله تعالى: كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ/ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ، هذا التكريرُ هو لمعنًى ليس للأول إذ الأول دَأْبٌ في أنْ هَلَكُوا لما كَفَرُوا، وهذا الثَّاني دأْبٌ في أَنَّهُ لم يغيِّرْ نعمتهم حتَّى غيروا ما بأنْفُسِهِم، والإِشارة بقوله:\nوَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، إِلى قومِ شعيبٍ وصالحٍ وهود ونوح وغيرهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-562>[سورة الأنفال (٨): الآيات ٥٥ الى ٥٩]</span>\nإِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ (٥٥) الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ (٥٦) فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٥٧) وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ (٥٨) وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ (٥٩)\nوقوله سبحانه: إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ، أجمع المتأوِّلون أن الآية نزلَتْ في بني قُرَيْظَةَ، وهي بَعْدُ تَعُمُّ كلَّ مَنِ اتصف بهذه الصفة إِلى يوم القيامة، وقوله:\nفِي كُلِّ مَرَّةٍ: يقتضي أن الغَدْرَ قد تكرَّر منهم.\nوحديثُ قُرَيْظَةَ هو أنهم عاهدوا النبيّ ﷺ على ألاَّ يحاربوه، ولا يعينوا عَلَيْه عدوًّا من غيرهم، فلمَّا اجتمعت الأحزاب على النبيِّ ﷺ بالمدينةِ، غَلَبَ على ظنِّ بني قريظة أَنَّ النبيّ ﷺ مغلوبٌ ومستأصَلٌ، وخَدَعَ حُيَيُّ بنُ أَخْطَبَ النَّضْرِيُّ كَعْبَ بْنَ أَسَدٍ القُرَظِيَّ صاحبَ عَقْد بني قريظة، وعهْدِهِم، فغدروا ووالوْا قريشًا، وأمدُّوهم بالسِّلاح والأَدْرَاعِ، فلما انجلت تلك الحالُ عن النبي ﷺ، أمره اللَّه تعالَى بالخروج إِليهم وحَرْبِهم، فاستنزلوا، وضُرِبَتْ أعناقهم بحُكْم سَعْدٍ، واستيعاب قصَّتهم في «السِّير» وإِنما اقتضبت منها ما يخُصُّ تفسير الآية.\nوقوله سبحانه: فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ ... الآية: معنى تَثْقَفَنَّهُمْ تأسرهم، وتحصِّلهم في ثِقَافِكَ، أو تَلْقَاهم بحالٍ تقدرُ عليهم فيها، وتغلبهم، ومعنى: فَشَرِّدْ أي:","vol":"3","page":145},{"text":"طَرِّدْ، وأبْعِدْ، وخَوِّف. والشريدُ: المبعد عن وطَنٍ ونحوه، ومعنى الآية: فإِن أَسَرْتَ هؤلاءِ الناقضين في حربك لهم، فافعل بهم من النقمة ما يكُونُ تشريدًا لمن يأتي خلْفَهم في مثْلِ طريقتهم، وعبارةُ البخاريِّ: «فَشَرَّدْ» فَرَّقَ. انتهى.\nوالضمير في لَعَلَّهُمْ عائدٌ على الفرقة المشرَّدة، وقال ابن عباس: المعنى: نكِّل بهم مَنْ خلفهم «١» .\nوقالَتْ فرقة: معناه: سَمِّعْ بهم، والمعنَى متقارب، ومعنى: خَلْفَهُمْ أي: بعدهم، ويَذَّكَّرُونَ، أيْ: يتعظون.\nوقوله سبحانه: وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً ... الآية: قال أكثر المفسِّرين: إِن الآية في بني قُرَيْظة، والذي يظهر من ألفاظ الآية أنَّ أَمْرَ بني قريظة قد انقضى عند قوله: فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ، ثم ابتدأ ﵎ في هذه الآية بما يَصْنَعُهُ في المستقبل، مع مَنْ يخافُ منه خيانةً إِلى آخر الدهر، وبَنُو قريظة لم يَكُونوا في حَدِّ مَنْ تُخَافُ خيانته، وقوله: فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ، أي: أَلْقِ إِليهم عَهْدهم، وقوله: عَلى سَواءٍ، قيل: معناه: حتى يكونَ الأمْرُ في بيانِهِ والْعِلْمِ به، على سواءٍ منْكَ ومنهم فتكُونُونَ في استشعار الحَرْب سواءً، وذَكَرَ الفَرَّاء أن المعنَى: فانبذ إليهم على اعتدال وسواءٍ من الأمر، أي: بَيِّنْ لهم على قَدْر ما ظهر منهم، لا تُفَرِّطْ، ولا تَفْجَأْ بحربٍ، بل افعل بهم مِثْلَ ما فعلوا بك، يعني: موازنةً ومقايسةً، وقرأ نافع وغيره: «وَلاَ تَحْسَبَنَّ» - بالتاء- مخاطبةً للنبيِّ ﷺ، وسَبَقُوا: معناه: فَاتُوا بأنفسهم وأنْجَوْهَا، إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ أي: لا يُفْلِتُونَ، ولا يُعْجِزُونَ طالبهم، ورُوِيَ أن الآية نزلَتْ فيمن أَفْلَتَ من الكفَّار في بَدْرٍ وغيره فالمعنى: لا تظنَّهم نَاجِينَ، بل هم مُدْرَكُون، وقرأ حمزة وغيره: «ولا يحسبنّ» - بالياء من تحت، وبفتح السين «٢» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-563>[سورة الأنفال (٨): آية ٦٠]</span>\nوَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (٦٠)\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٦/ ٢٧١) برقم: (١٦٢٢٧- ١٦٢٢٨)، وذكره ابن عطية (٢/ ٥٤٢)، والبغوي (٢/ ٢٥٧) بنحوه، وابن كثير (٢/ ٣٢٠)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٣٤٧) .\n(٢) وقرأ بها ابن عامر وحفص عن عاصم.\nينظر: «السبعة» ص: (٣٠٧)، «الحجة» (٤/ ١٥٤- ١٥٥)، «حجة القراءات» (٣١٢)، «إعراب القراءات» (١/ ٢٣٠)، و«إتحاف» (٢/ ٨١- ٨٢)، و«معاني القراءات» (١/ ٤٤١)، و«شرح الطيبة» (٤/ ٣٢٩)، و«العنوان» (١٠١) .","vol":"3","page":146},{"text":"وقوله سبحانه: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا/ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ... الآية: المخاطبةُ في هذه الآية لجميع المؤمنين، وفي «صحيحِ مُسْلِمْ»: «أَلاَ إِنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلاَ إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي» «١» ولما كانت الخيلُ هي أصْل الحرب، وأَوزَارَهَا، والتي عُقِدَ الخيرُ في نواصيها «٢»، خَصَّها اللَّه تعالى بالذكْرِ، تشريفًا لها، ولما كانت السهامُ من أنجع ما يتعاطى\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٣/ ١٥٢٢) كتاب «الإمارة»، باب: فضل الرمي والحث عليه، حديث (١٦٧/ ١٩١٧)، وأبو داود (٢/ ١٧) كتاب «الجهاد» باب: في الرمي، حديث (٢٥١٤)، وابن ماجه (٢/ ٩٤٠)، كتاب «الجهاد»، باب: الرمي في سبيل الله، حديث (٢٨١٣)، وأحمد (٤/ ١٥٧)، وأبو يعلى (٣/ ٢٨٣) رقم: (١٧٤٣)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٤/ ٤٤) رقم: (٤٢٩٩)، كلهم من طريق عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن أبي علي ثمامة بن شفي، عن عقبة بن عامر به.\nوأخرجه الدارمي (٢/ ٢٠٤)، كتاب «الجهاد»، باب: في فضل الرمي والأمر به، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٤/ ٤٤) رقم: (٤٢٩٨)، كلاهما من طريق سعيد بن أبي أيوب: ثنا يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير مرثد بن عبد الله، عن عقبة به.\nوأخرجه الترمذي (٥/ ٢٧٠- ٢٧١) كتاب «التفسير» باب: «ومن سورة الأنفال»، حديث (٣٠٨٣) من طريق صالح بن كيسان، عن رجل لم يسمه، عن عقبة بن عامر.\nوالحديث ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٣٤٨)، وزاد نسبته إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، وابن مردويه، وأبي يعقوب إسحاق بن إبراهيم القراب في كتاب «فضل الرمي» .\n(٢) ورد عن جماعة من الصحابة: منهم: عروة البارقي، وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك، وأبو هريرة، وجرير بن عبد الله، وأبو كبشة، وابن مسعود، وجابر:\nأما حديث عروة البارقي، فأخرجه البخاري (٦/ ٦٤) في «الجهاد والسير» باب الخير معقود في نواصيها الخيل (٢٨٥٠)، و(٦/ ٦٦) باب: الجهاد ماض مع البر والفاجر (٢٨٥٢) و(٦/ ٢٥٣) في فرض الخمس (٣١١٩)، (٦/ ٧٣١) في المناقب (٣٦٤٣)، ومسلم (٣/ ١٤٩٣) في «الإمارة» باب: الخيل في نواصيها الخير إلى يوم القيامة (٩٨، ٩٩، ٨٧٣)، والنسائي (٦/ ٢٢٢) في «الجهاد» باب: فتل ناصية الفرس، وابن ماجه (٢/ ٩٢٣) في «الجهاد» باب: ارتباط الخيل في سبيل الله (٢٧٨٦)، وأحمد (٤/ ٣٧٥- ٣٧٦)، وأبو يعلى (٦٨٢٨)، والحميدي في «مسنده» (٢/ ٢٧٢- ٢٧٣) برقم: (٨٤١- ٨٤٢)، والدارمي (٢/ ٢١١- ٢١٢) في «الجهاد» باب: فضل الخيل في سبيل الله، وسعيد بن منصور في «سننه» (٢/ ١٩٨) في «الجهاد» باب: الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة (٢٤٢٦)، والطيالسي في «الجهاد» (١/ ٢٤١) برقم: (١١٨٤- ١١٨٥) والطبراني (١٧/ ١٥٥) برقم (٣٩٦- ٤٠٠)، والبيهقي (٦/ ١١٢) في «القراض»: باب المضارب يخالف بما فيه زيادة لصاحبه، و(٦/ ٣٢٩) في قسم «الفيء» باب:\nالإسهام للفرس دون غيره من الدواب، و(٩/ ٥٢) في «السير» باب: تفضيل الخيل و(١٠/ ١٥) في كتاب «السبق والرمي» باب: ارتباط الخيل عدة في سبيل الله ﷿، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (١/ ٢٧٤- ٢٧٥)، وأبو نعيم في «الحلية» (٨/ ١٢٧)، والبغوي في «شرح السنة» بتحقيقنا (٥/ ٥٣٠) في «السير والجهاد» باب: اتخاذ الخيل للجهاد (٢٦٣٩) من طرق عنه به.\nوأما حديث ابن عمر، فأخرجه البخاري (٦/ ٦٤) في «الجهاد والسير» باب: الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة (٢٨٤٩)، و(٦/ ٧٣١) في «المناقب» (٣٦٤٤) ومسلم (٣/ ١٤٩٢- ١٤٩٣) في","vol":"3","page":147},{"text":"في الحرب وأَنْكَاه في العدو وأَقْربه تناولًا للأرواح، خصّها ﷺ بالذكر والتنبيه عليها.\n_________\n«الإمارة» باب: الخيل في نواصيها الخير إلى يوم القيامة (٩٦/ ١٨٧١)، والنسائي (٦/ ٢٢١- ٢٢٢) في الخيل: باب فتل ناصية الفرس، وابن ماجه (٢/ ٩٢٣)، في «الجهاد» باب: ارتباط الخيل في سبيل الله (٢٧٨٧)، ومالك (٢/ ٤٦٧) في «الجهاد» باب: ما جاء في الخيل والمسابقة (٤٤)، وأحمد (١/ ١٠١) و(٢/ ٤٩، ٥٧)، والطيالسي في «الجهاد» (١/ ٢٤٢) برقم: (١١٨٦)، والطحاوي (٣/ ٢٧٣- ٢٧٤)، وأبو يعلى (٢٦٤٢)، والبيهقي (٦/ ٣٢٩) في «الفيء» باب: الإسهام للفرس دون غيره من الدواب، والخطيب في «التاريخ» (١٢/ ٣٩٤)، والبغوي في «شرح السنة» بتحقيقنا (٥/ ٥٣٠) برقم: (٢٦٣٨) من طريق نافع عن ابن عمر رفعه بنحوه.\nوأما حديث أنس، فأخرجه البخاري (٦/ ٦٤) في «الجهاد» باب: الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة (٢٨٥١)، (٦/ ٧٣١) في «المناقب» (٣٦٤٥)، ومسلم (٣/ ١٤٩٤) في «الإمارة» باب: الخيل في نواصيها الخير إلى يوم القيامة (١٠٠/ ١٨٧٤)، والنسائي (٦/ ٢٢١) في «الخيل» باب: بركة الخيل، وأحمد (٣/ ١٢٧، ٧٧١)، وسعيد بن منصور (٢/ ١٩٩) في «الجهاد» باب: الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة (٢٤٢٧)، وأبو يعلى في «مسنده» (٤١٧٣، ٤١٧٧)، والبغوي في «شرح السنة» (٥/ ٥٢٩) برقم: (٢٦٣٧) بتحقيقنا من طريق شعبة عن أبي التياح قال: سمعت أنس بن مالك يحدث عن النبي ﷺ قال: «البركة في نواصي الخيل» .\nوأما حديث أبي هريرة، فأخرجه مسلم (٢/ ٦٨٢) في «الزكاة»، باب: إثم مانع الزكاة (٢٤- ٩٨٧)، والترمذي في «الجهاد» باب: ماء جاء في فضل من ارتبط فرسا في سبيل الله (١٦٣٦)، وابن ماجه (٢/ ٩٢٣) في «الجهاد» باب: ارتباط الخيل في سبيل الله (٢٧٨٨)، وأحمد (٢/ ١٠١، ٢٦٢، ٣٨٣)، وابن خزيمة (٤/ ١٠، ٣١) (٢٢٥٢، ٢٢٥٣، ٢٢٩١)، وأبو يعلى (٢٦٤٠- ٢٦٤١)، وأبو نعيم في «الحلية» (٨/ ٢٦١)، والخطيب في «التاريخ» (٥/ ١٩٦)، والبيهقي (٤/ ٨١) في الزكاة، باب ما ورد في الوعيد فيمن كنز مال زكاة ولم يؤد زكاته، من طرق عن أبي هريرة.\nوأما حديث جرير، فأخرجه مسلم (٣/ ١٤٩٣) في «الإمارة» باب: الخيل في نواصيها الخير إلى يوم القيامة (٩٧/ ١٩٧٢)، والنسائي (٦/ ٢٢١) في الخيل، باب: فتل ناصية الفرس، وأحمد (٤/ ٣٦١)، والطحاوي (٣/ ٢٧٤)، والبغوي في «شرح السنة» بتحقيقنا (٥/ ٥٣٠) برقم: (٢٦٤٠) من طريق يونس بن عبيد، عن عمرو بن سعيد، عن أبي زرعة، عن جرير بن عبد الله قال: رأيت رسول الله ﷺ يلوي ناصية فرس بإصبعه وهو يقول: «الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة: الأجر والغنيمة» .\nوأما حديث أبي كبشة، فأخرجه الطبراني (٢٢/ ٣٣٩) برقم: (٨٤٩)، وابن حبان (١٦٣٥) - موارد، والطحاوي (٢/ ٢٧٤)، والحاكم (٢/ ٩١) من طريق ابن وهب: حدثني معاوية بن صالح، حدثني نعيم بن زيادة، أنه سمع أبا كبشة صاحب النبي ﷺ: يقول: الخيل معقود في نواصيها الخير، وأهلها معانون عليها، والمنفق عليها كالباسط يده بالصدقة.\nوقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه بهذه الزيادة، ووافقه الذهبي. وقال الهيثمي في «المجمع» (٥/ ٢٦٢) رجاله ثقات.\nوأما حديث ابن مسعود فهو عند أبي يعلى (٥٣٩٦)، قال: حدثنا داود بن رشيد، حدثنا بقية بن الوليد، عن علي بن علي حدثني يونس، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن مسعود قال: جاءه","vol":"3","page":148},{"text":"ت: وفي «صحيح مسلم»، عن النبيّ ﷺ قَالَ: «مَنْ تَعَلَّمَ الرَّمْيَ، وَتَرَكَهُ، فَلَيْسَ مِنَّا، أَو قَدْ عَصَى» «١»، وفي «سنن أبي داودَ، والترمذيِّ، والنسائيِّ»، عن عُقْبة بن عامر، قال: سمعت رسول الله ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ لَيُدْخلُ بالسَّهْم الوَاحِدِ ثَلاَثَةَ أَنُفُسٍ الجَنَّة صَانِعَهُ يَحْتَسِبُ في صَنْعَتِهِ الخَيْرَ، وَالرَّامِيَ بِهِ، وَمُنْبِلَهُ، فارموا واركبوا، وأَنْ تَرْمُوا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَن تَرْكَبُوا، كُلُّ شَيْءٍ يَلْهُو بِهِ الرَّجُلُ، بَاطِلٌ إِلاَّ رَمْيَهَ بَقْوسِهِ، وَتَأْدِيبَهُ فَرَسَهُ، وَمُلاَعَبَتَهُ امرأته» «٢» . انتهى.\nورباطُ الخيل: مصدَرٌ مِنْ رَبَط، ولا يكثُرُ رَبْطُها إِلاَّ وهي كثيرة، ويجوز أن يكون\n_________\nرجل فقال: أسمعت رسول الله ﷺ يقول في الخيل شيئا؟ قال: نعم، سمعت رسول الله ﷺ يقول:\n«الخيل معقود ...» فذكره مطولا.\nوذكره الهيثمي في «المجمع» (٥/ ٢٨٠) وقال: رواه أبو يعلى. وفيه بقية بن الوليد، وهو مدلس. وبقية رجاله ثقات.\nوأما حديث جابر، فأخرجه أحمد (٣/ ٣٥٢) من طريق إبراهيم بن إسحاق، وعلي بن إسحاق، حدثنا ابن المبارك، عن عتبة بن أبي حكيم، حدثني حصين بن حرملة، عن أبي مصبح، عن جابر به.\nوأخرجه أبو يعلى في «معجم شيوخه» (١٩٥) من طريق يحيى بن سعيد الأموي، عن مجالد، عن الشعبي، عن جابر، عن النبي ﷺ مرفوعا.\nوأخرجه ابن عدي في «الكامل» (٧/ ٢٥٥٧) من طريق الحسن بن سفيان، حدثنا محمد بن الصباح، حدثنا علي بن ثابت عن الوازع، عن أبي سلمة، عن جابر.\nوذكره الهيثمي في «المجمع» (٥/ ٢٦١) وقال: رواه أحمد، والطبراني في «الأوسط» باختصار، ورجال أحمد ثقات.\nوقال الحافظ في «الفتح» (٦/ ٦٧): روى حديث «الخيل معقود في نواصيها الخير» جمع من الصحابة غير من تقدم ذكره، وهم: ابن عمر، وعروة، وأنس، وجرير، وممن لم يتقدم سلمة بن نفيل (٦/ ٢١٤)، وأبو هريرة عند النسائي، وعتبة بن عبد عند أبي داود (٢٥٤٢)، وجابر، وأسماء بنت يزيد (٦/ ٤٥٥)، وأبو ذر (٥/ ١٨١) عند أحمد، وابن مسعود عند أبي يعلى، وأبو كبشة عند أبي عوانة، وابن حبان في «صحيحيهما»، وحذيفة عند البزار، وأبو أمامة، وعريب: - (وهو بفتح المهملة وكسر الراء بعدها تحتانية ساكنة ثم موحدة) - المليكي، والنعمان بين بشير وسهل بن الحنظلية عند الطبراني.\nوعن علي، عند ابن أبي عاصم في «الجهاد» ...\n(١) أخرجه مسلم (٣/ ١٥٢٢- ١٥٢٣) كتاب «الإمارة» باب: فضل الرمي والحث عليه وذم من علمه ثم نسيه، حديث (١٦٩/ ١٩١٩)، وابن ماجه (٢/ ٩٤٠- ٩٤١) كتاب «الجهاد» باب: الرمي في سبيل الله، حديث (٢٨١٤) من حديث عقبة بن عامر.\n(٢) أخرجه أبو داود (٢/ ١٦- ١٧) كتاب «الجهاد» باب: في الرمي، حديث (٢٥١٣)، والترمذي (٤/ ١٧٤) كتاب «فضائل الجهاد» باب: ما جاء في فضل الرمي في سبيل الله، حديث (١٦٣٧)، والنسائي (٦/ ٢٢٢- ٢٢٣) كتاب «الخيل» باب: تأديب الرجل فرسه، حديث (٣٥٧)، والحاكم (٢/ ٩٥)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٤/ ٤٤- ٤٥) رقم: (٤٣٠١) من حديث عقبة بن عامر.","vol":"3","page":149},{"text":"مصدرًا من رَابَطَ، وإِذا رَبَطَ كلُّ واحد من المؤمنين فرسًا لأجل صاحبه، فقد حَصَلَ بينهم رباطٌ، وذلك الذي حضَّ عليه في الآية، وقد قال ﵇: «مَنْ ارتبط فَرَسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَهُوَ كَالبَاسِطِ يَدَهُ بِالصَّدَقَةِ لاَ يَقْبِضُهَا» «١»، والأحاديث في هذا المعنى كثيرةٌ.\nت: وقد ذكرنا بعْضَ ما وردَ في فَضْلِ الرباط في آخر «آل عمران» قال صاحبُ «التذكرة» «٢»: وعن عثمانَ بْنِ عَفَّانَ، قال: سمعت رسول الله ﷺ يَقُولُ: «مَنْ رَابَطَ لَيْلَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ، كَانَتْ لَهُ كَأَلْفِ لَيْلَةٍ صِيَامِهَا وَقِيَامِهِا» «٣»، وعن أبي بن كعب، قال: قال النبيّ ﷺ: «لرباط يوم في سبيل الله من وراء عورة المسلمين محتسبا من غير شهر رمضان- أعظم أجرا من عبادة مائة سنة صيامها وَقِيَامِهَا، وَرِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِنْ وَرَاءِ عَوْرَةِ المُسْلِمينَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَان- أَفْضَلُ عند الله وأعظم أجرا- أراه قال: من عِبَادَةِ أَلْفِيْ سَنَةٍ صِيَامِهَا وَقِيَامِهَا- فَإِنْ رَدَّهُ اللَّهُ إِلَى أَهْلِهِ سالِمًا، لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ سَيِّئَةٌ أَلْفَ سَنَةٍ، ويُكْتَبُ لَهُ مِنَ الحَسَنَاتِ، وَيَجْرِي لَهُ أَجْرُ الرِّبَاطِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ» «٤»، قال القرطبيُّ»\nفي «تذكرته»: فدلَّ هذا الحديثُ على أن رباط يومٍ في رمضانَ يحصِّل له هذا الثوابَ الدائمَ، وإِنْ لم يَمُتْ مرابطًا. خرَّج هذا الحديث، والذي قبله ابنُ ماجه. انتهى من «التذكرة» .\nوتُرْهِبُونَ: معناه: تخوّفون وتفزّعون، والرهبة: الخوف: وقوله:\n_________\n(١) ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ١٩٦) وعزاه لابن سعد. [.....]\n(٢) ينظر: «التذكرة» (١/ ٢٠٩) .\n(٣) أخرجه ابن ماجه (٢/ ٩٢٤) كتاب «الجهاد» باب: فضل الرباط في سبيل الله، حديث (٢٧٦٦) من طريق عبد الرحمن بن زَيْد بن أسْلَمُ، عن أبيه، عن مصعب بن ثابت، عن عبد الله بن الزبير، عن عثمان بن عفان به.\nوقال البوصيري في «الزوائد» (٢/ ٣٩٠): هذا إسناد ضعيف عبد الرحمن بن زيد ضعفه أحمد وابن معين وابن المديني والنسائي.\nوقال الحاكم: روى عن أبيه أحاديث موضوعة. وقال ابن عبد البر: أجمعوا على ضعفه.\nقال المنذري في «الترغيب» (٢/ ٢٠٣): وآثار الوضع ظاهرة عليه اه.\nوقال البوصيري في «الزوائد» (٢/ ٣٩٢- ٣٩٣): هذا إسناد ضعيف، لضعف محمد بن يعلى وشيخه عمر بن صبيح، ومكحول لم يدرك أبي بن كعب، ومع ذلك فهو مدلس.\n(٤) أخرجه ابن ماجه (٢/ ٩٢٤- ٩٢٥) كتاب «الجهاد» باب: فضل الرباط في سبيل الله، حديث (٢٧٦٨) من طريق محمد بن يعلى السلمي، ثنا عمر بن صبيح، عن عبد الرحمن بن عمرو، عن مكحول، عن أبي بن كعب مرفوعا.\n(٥) ينظر: «التذكرة» (١/ ٢٠٩) .","vol":"3","page":150},{"text":"وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ، فيه أقوال: قيل: هم المنافِقُونَ، وقيل: فَارس، وقيل: غير هذا.\nقال ع «١»: ويحسُنُ أن يقدَّر قوله: لاَ تَعْلَمُونَهُمُ، بمعنى: لا تَعْلَمُونهم فَازِعِينَ رَاهِبينَ.\nوقال ص: لا تعلمُونَهُمْ بمعنى: لا تَعْرِفُونهم، فيتعدَّى لواحدٍ، ومَنْ عدَّاه إِلى اثنين، قدَّره: محاربين، واستُبْعِدَ لعدم تقدُّم ذكره، فهو ممنوعٌ عند بعضهم، وعزيز جدّا عند بعضهم انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-564>[سورة الأنفال (٨): الآيات ٦١ الى ٦٣]</span>\nوَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦١) وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٣)\nوقوله سبحانه: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها جَنَحَ الرَّجُلُ إِلى الأمْرِ إِذا مال إِليه، وعاد الضميرُ في «لها» مؤنَّثًا إِذ «السَّلْم» بمعنى المسالمة والهُدْنَة، وذهب جماعةٌ من المفسِّرين إِلى أَن هذه الآية منسوخةٌ، والضمير في «جَنَحُوا» هو للذين نُبِذَ إِليهم على سواءٍ.\nوقوله سبحانه: وَإِنْ يُرِيدُوا/ أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ ... الآية: الضمير في قوله: «وإِن يريدوا» عائدٌ على الكفَّار الذين قال فيهم: وَإِنْ جَنَحُوا، أي: وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ، بأنْ يُظْهِروا السَّلْم، ويُبْطِنُوا الغَدْر والخيانة، فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ، أي:\nكافيك ومعطيك نصره، وأَيَّدَكَ: معناه: قوَّاك وَبِالْمُؤْمِنِينَ، يريد الأنصارَ، بذلك تظاهَرَتْ أقوالُ المفسَّرين.\nوقوله: وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ... الآية: إشارة إلى العداوة التي كانَتْ بين الأوْسِ والخَزْرَجِ.\nقال ع «٢»: ولو ذَهَبَ ذاهبٌ إِلى عمومِ المؤمنين في المهاجرين والأنصارِ، وجعل التأليف ما كَانَ بيْنَ جميعهم من التحابِّ، لساغ ذلك، وقال ابنُ مَسْعُود: نزلَتْ هذه الآية في المتحابِّين في الله «٣» .\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٥٤٧) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٥٤٨) .\n(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٦/ ٢٨١) برقم: (١٦٢٧٥)، وابن كثير (٢/ ٣٢٣)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٣٦١)، وزاد نسبته إلى ابن المبارك، وابن أبي شيبة، وابن أبي الدنيا في كتاب «الإخوان»، والنسائي، والبزار، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، والحاكم، وصححه.","vol":"3","page":151},{"text":"وقال مجاهد: إِذا تَرَاءَى المتحابَّانِ في اللَّه، وتصَافَحَا، تَحَاتَّتْ خطاياهما، فقال له عَبْدَةُ بنُ أبي لُبَابَةَ «١»: إِن هذا لَيَسِيرٌ، فقال له: لا تَقُلْ ذلك، فإِن اللَّه تعالَى يَقُولُ: لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ، قال عَبْدَةُ: فعرفْتُ أنه أفْقَهُ مني «٢» .\nقال ع «٣»: وهذا كلُّه تمثيلٌ حَسَنٌ بالآية، لا أنَّ الآية نزلَتْ في ذلك، وقد رَوَى سهْلُ بن سعد، عن النبيّ ﷺ أنه قَالَ: «المؤمن مَألَفَةٌ لاَ خَيْرَ فِيمَنْ لاَ يَأْلَفُ وَلاَ يُؤلَفُ» «٤» .\nقال ع «٥»: والتشابه سَبَبُ الأُلْفَة، فمَنْ كان من أهْل الخَيْر، أَلِفَ أشباهَهُ وأَلِفُوهُ.\nت: وفي «صحيح البخاريِّ»: «الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، فما تَعَارَفَ مِنْهَا ائتلف، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اختلف» «٦» . انتهى، وروى مالكٌ في «الموطإ»، عن أبي هريرة قال: قَالَ\n_________\n(١) عبدة بن أبي لبابة الأسدي الغاضري بمعجمتين مولاهم أبو القاسم البزّاز الكوفي الفقيه نزيل دمشق. عن عمر في مسلم مرسلا وابن عمر وعبد الله بن عمرو وجماعة، وعنه حبيب بن أبي ثابت والأعمش وابن جريج والسفيانان، وثقه أبو حاتم.\nقال الأوزاعي: لم يقدم علينا أفضل منه.\nقال ابن عيينة: جالسته سنة ثلاث وعشرين ومائة.\nينظر: «الخلاصة» (٢/ ١٨٩)، «طبقات خليفة» (١٦٠)، «التاريخ الكبير» (٦/ ١١٤)، و«تهذيب التهذيب» (٦/ ٤٦١) .\n(٢) أخرجه الطبري (٦/ ٢٨٠) برقم: (١٦٢٧٤)، وذكره ابن عطية (٢/ ٥٤٨)، وابن كثير (٢/ ٣٢٣) .\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٥٤٨) .\n(٤) أخرجه أحمد (٥/ ٣٣٥)، والطبراني في «الكبير» (٦/ ١٣١) رقم: (٥٧٤٤)، والخطيب (١١/ ٣٧٦) من طريق مصعب بن ثابت، عن أبي حازم عن سهل بن سعد الساعدي به.\nوذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٨/ ٩٠) وقال: رواه أحمد والطبراني، وفيه مصعب بن ثابت، وثقه ابن حبان وغيره، وضعفه ابن معين وغيره، وبقية رجاله ثقات اه.\nوذكره أيضا في (١٠/ ٢٧٦) وقال: وإسناده جيد.\n(٥) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٥٤٩) .\n(٦) أخرجه مسلم (٤/ ٢٠٣١) في البر والصلة، باب: الأرواح جنود مجنّدة، (١٥٩/ ٢٦٣٨)، وأحمد (٢/ ٢٩٥، ٥٢٧)، والخطيب في «التاريخ» (٣/ ٣٢٩) (٤/ ٣٥٢) من طريق سهل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة به. وكذا أخرجه البخاري في «الأدب المفرد» (٩٠٨) .\nوأخرجه أبو داود (٢/ ٦٧٥) في «الأدب» باب: من يؤمر أن يجالس (٤٨٣٤)، وأحمد (٢/ ٥٣٩) من طريق جعفر بن يرقان، عن يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة به.\nوأخرجه البغوي في «شرح السنة» (٦/ ٤٦٠) برقم: (٣٣٦٥) بتحقيقنا من طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.\nويشهد له حديث عائشة، رواه البخاري في «الأدب المفرد» (٩٠٦- ٩٠٧)، وأبو يعلى (٤٣٨١)،","vol":"3","page":152},{"text":"رسول الله ﷺ: «إِنَّ اللَّه ﵎ يَقُولُ يَوْمَ القِيَامَةِ: أَيْنَ المُتَحَابُّونَ لَجَلاَلي؟ اليَوْمَ أُظِلُّهُمْ في ظِلِّي يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلِّي» «١» .\nقال أبو عمر بن عبد البَرِّ في «التمهيد»: ورُوينا عن ابن مسعود، عن النبيّ ﷺ أَنه قال: «يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ، أَتَدْرِي، أَيُّ عُرَى الإِيمَانِ أَوْثَقُ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: الوِلاَيَةُ في اللَّهِ: الحُبُّ والبُغْضُ فِيهِ» «٢»، ورواه البراءُ بنُ عَازِبٍ، عن النبيّ ﷺ أيضًا «٣»، وعن عبد اللَّهِ في قوله تعالى: لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ، قال: نزلَتْ في المتحابِّين في اللَّه «٤» قال أبو عمر: وأما قوله: الَيْومَ أُظلُّهُمْ فِي ظِلِّي، فإِنه أراد- واللَّه أعلم- في ظلِّ عرشه، وقد يكونُ الظِّلُّ كنايةً عن الرحْمةِ كما قال: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ [المرسلات: ٤١]، يعني: بذلك مَا هُمْ فيه مِنَ الرحمة والنعيم. انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-565>[سورة الأنفال (٨): الآيات ٦٤ الى ٦٦]</span>\nيا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (٦٥) الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٦٦)\n_________\nوالقضاعي في «مسند الشهاب» (٢٧٤) عن يحيى بن سعيد، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة مرفوعا به.\nوعلقه البخاري (٦/ ٤٢٦) في أحاديث الأنبياء، باب: الأرواح جنود مجنّدة (٣٣٣٦) . بهذا الإسناد، وقال الهيثمي في «المجمع» (٨/ ٩١): رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح.\nويشهد له حديث علي رواه أبو نعيم في «الحلية» (٤/ ١١٠- ١١١) عن الأعمش، عن أبي وائل عنه وقال: غريب من حديث الأعمش لم نكتبه إلا بهذا الإسناد.\nوأخرجه العقيلي (١/ ١٣٥) من طريق سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه عنه به.\nوقال العقيلي: هذا الحديث يعرف من حديث إسرائيل عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي موقوف، كما يشهد له حديث سلمان. أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (١/ ١٩٨)، وينظر: «مجمع الزوائد» (٨/ ٩١) وحديث ابن عباس رواه السهمي في «تاريخ جرجان» ص: (٢٤٤)، وحديث ابن مسعود رواه الطبراني في «الكبير» (١٠/ ٢٨٣) برقم: (١٠٥٥٧) وفيه عن عبد الله بن مسعود أو غيره. [.....]\n(١) أخرجه مالك (٢/ ٩٥٢) كتاب «الشعر» باب: ما جاء في المتحابين في الله، حديث (١٣)، ومسلم (٤/ ١٩٨٨) كتاب «البر والصلة» باب: فضل الحب في الله، حديث (٣٧/ ٢٥٦٦) وأحمد (٢/ ٢٣٧، ٥٣٥)، والطيالسي (٢٣٣٥)، والدارمي (٢/ ٣١٢)، وابن حبان (٢/ ٣٣٤) رقم: (٥٧٤) من حديث أبي هريرة.\n(٢) أخرجه الطيالسي (٣٧٨)، والحاكم (٢/ ٤٨٠) من طريق الصعق بن حزن، عن عقيل الجعد، عن أبي إسحاق، عن سويد بن غفلة، عن ابن مسعود به.\nوقال الحاكم: صحيح الإسناد.\nوتعقبه الذهبي فقال: ليس بصحيح، فإن الصعق وإن كان موثقا فإن شيخه منكر الحديث. قاله البخاري.\n(٣) أخرجه أحمد (٤/ ٢٨٦) من حديث البراء بن عازب.\n(٤) تقدم.","vol":"3","page":153},{"text":"وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، قال النَّقَّاش:\nنزلَتْ هذه الآية بالبَيْداء «١» في غزوة بَدْر، وحُكِيَ عن ابنِ عبَّاس: أنها نزلَتْ في الأوس والخزرج.\nوقيل: إِنها نزلَتْ حين أسلم عمر وكمَلَ المسلمون أَربَعِينَ. قاله ابن عمر، وأنس فهي على هذا مكِّيَّة: و«حسبك» في كلام العرب، وشرعك: بمعنى كافِيكَ ويَكْفِيك، والمحسب: الكافي، قالت فرقة: معنى الآية: يَكْفِيكَ اللَّهِ، ويكفيكَ مَنِ اتبعك، ف «مَنْ» في موضع رفع.\nوقال الشَّعْبِيُّ وابن زَيْد: معنى الآية: حَسْبُكَ اللَّهُ وحَسْبُ مَنِ اتبعك من المؤمنين، ف «مَنْ» في موضع نَصْب عطفًا على موضع الكاف لأن موضعها نَصْبٌ على المعنى ب «يكفيك» التي سدَّتْ «حَسْبُكَ» مسدَّها.\nقال ص: ورد بأنَّ الكاف لَيْسَ موضعها نصْب لأن إضافة حسب إليها إضافة صحيحة انتهى.\nوقوله سبحانه: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ ... الآية: حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ، أي: حُثَّهم وحُضَّهم، وقوله سبحانه: إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ ... إلى آخر الآية، لفظُ خبرٍ، مضمَّنه وعدٌ بشرط لأن قوله: إِنْ يَكُنْ/ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ، بمنزلة أنْ يقال: إِنْ يَصْبِرْ منكم عشرون يغلبوا، وفي ضمنه الأمر بالصَّبر، قال الفخر: وحَسُنَ هذا التكليفُ لما كان مسبوقًا بقوله: حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فلمَّا وعد اللَّه المؤمنين بالكِفَايَة والنصرِ، كان هذا التكليفُ سَهْلًا لأن مَنْ تكلَّف اللَّه بنصره، فإِن أَهْلَ العَالَمِ لاَ يقدرون على إذاءته انتهى، وتظاهرت الرواياتُ عن ابن عبَّاس وغيره من الصحابة بأنَّ ثبوت الواحدِ للعَشَرةِ، كان فرضًا على المؤمنين، ثم لمَّا شَقَّ ذلك عليهم، حطّ الله\n_________\n(١) البيداء: اسم الأرض بين مكة، والمدينة، وهي إلى مكة أقرب، تعدّ من الشرف أمام ذي الحليفة.\nينظر: «مراصد الاطلاع» (١/ ٢٣٩) .","vol":"3","page":154},{"text":"الفَرْضَ إِلى ثبوتِ الواحِدِ للاثنَيْنِ، وهذا هو نَسْخُ الأَثْقَلِ بالأَخَفِّ «١»، وقوله: لاَّ يَفْقَهُونَ: معناه: لا يفهمون مراشِدَهم، ولا مَقْصِدَ قتالهم، لا يريدون به إِلا الغلبةَ الدنيويَّة، فهم يخافُونَ المَوْت إِذا صُبَر لهم، ومَنْ يقاتلْ ليَغْلِبَ، أَو يُسْتشهد، فيصير إِلى الجنة، أثبَتُ قدمًا لا محالة.\nوقوله: وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ: لفظُ خبرٍ في ضمنه وعْدٌ وحضٌّ على الصبر، ويُلْحَظُ منه وعيدٌ لمن لم يَصْبِرْ بأنه يغلب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-566>[سورة الأنفال (٨): الآيات ٦٧ الى ٦٩]</span>\nمَا كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٦٨) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٩)\nوقوله سبحانه: مَا كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى ... الآية: قال ع «٢»: هذه آية تتضمَّن عندي معاتَبةً مِنَ اللَّه ﷿ لأصحاب نبيِّه ﵇ والمعنى: ما كان ينبغي لكُمْ أَنْ تفعلوا هذا الفعْلَ الذي أوْجَبَ أن يكون للنبيِّ أَسْرَى قبل الإِثخان ولذلك استمرَّ الخطابُ لهم ب تُرِيدُونَ والنبيُّ ﷺ لم يأمر باستبقاء الرِّجَالِ وقْتَ الحَرْبِ، ولا أراد ﷺ قَطُّ عَرَضَ الدنيا، وإِنما فعله جمهورُ مُبَاشِرِي الحرب، وجاء ذكر النبيّ ﷺ في الآية مشيرًا إِلى دخوله ﵇ في العَتْبِ حين لم يَنْهَ عن ذلك حين رآه من العَرِيشِ، وأنْكَره سعْدُ بْنُ معاذ، ولكنّه ﷺ شَغَلَهُ بَغْتُ الأمر، وظهورُ النصر عن النهْي ومَرَّ كثيرٌ من المفسِّرين على أنَّ هذا التوبيخَ إنما كان بسبب إشارة مَنْ أشار على النبيّ ﷺ بأخذ الفدْيَةِ، حين استشارهم في شأن الأَسرَى، والتأويل الأول أَحْسَنُ، والإِثخانُ: هو المبالغةُ في القَتْل والجراحةِ، ثم أمر مخاطبة أصحاب النبيِّ ﷺ، فقال: تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا، أي: مالها الذي يعز وَيَعْرِضُ، والمراد: ما أُخِذَ من الأسرى من الأموال، وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ، أيْ: عمل الآخرة، وذكَر الطبريُّ وغيره أن رسُولَ اللَّهِ ﷺ قال للنّاس: «إن\n_________\n(١) اتفق الأصوليون على جواز نسخ الحكم بأخف أو مساو. واختلفوا في جوازه بأثقل. فالجمهور ذهب إلى جوازه عقلا ووقوعه شرعا ومنع ذلك طائفة منهم الإمام الشافعي ﵁ مفترقين إلى فرقتين. فرقة منعت جوازه عقلا ووقوعه شرعا، وفرقة منعت وقوعه شرعا فقط.\nينظر: «المعتمد» (١/ ٤١٦) «المحصول» (٧٦٦) (١/ ٣/ ٤٨٠) «المستصفى» (١/ ١٢٠) «التبصرة»» (٢٥٨)، «شرح الكوكب» (٣/ ٥٥٠) «العدة» (٣/ ٧٨٥) «الإحكام للآمدي» (٣/ ١٢٦) «ميزان الأصول» (٢/ ١٠٠٠) «كشف الأسرار» (٣/ ١٨٧) «التلويح» (٢/ ٣٦) «فتح الغفار» (٢/ ١٣٤) «إرشاد الفحول» (١٨٨) «الإبهاج» (٢/ ٢٣٨) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٢/ ٥٥١) .","vol":"3","page":155},{"text":"شِئْتُمْ، أَخَذْتُمْ فِدَاءَ الأسرى، وَيُقْتَلُ مِنْكُمْ في الحَرْبِ سَبْعُونَ على عَدَدِهِمْ، وإِنْ شِئْتُمْ، قُتِلُوا وَسَلِمْتُمْ، فَقَالُوا: نَأْخُذُ المَالَ، وَيُسْتَشْهَدُ مِنَّا» «١»، وذكر عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ «٢» بسنده أَنَّ جبريلَ نَزَلَ على النبيّ ﷺ بتخْيِيرِ النَّاسِ هكذا وعَلَى هذا، فالأمر في هذا التخيير مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، فإِنه إِعلامٌ بغيب، وإِذا خُيِّروا ﵃، فكيف يقع التوبيخُ بعدُ بقوله تعالى:\nلَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ فهذا يدُّلك على صحَّة ما قدَّمناه، أنَّ العتب لهم إِنما هو على استبقاءِ الرجالِ وقْتَ الهزيمةِ رغبةً في أخْذ المال، وهو الذي أقولُ به، وذكر المفسِّرون أيضًا في هذه الآيات تحليلَ/ المَغَانِمِ، ولا أَقولُ ذلك لأن تحليل المغانم قد تقدَّم قبْل بَدْرٍ في السَّرِيَّة التي قُتِلَ فيها ابْنُ الحَضْرَمِيِّ، وإِنما المُبْتَدَعُ في بَدْرٍ استبقاء الرِّجَال لأجل المال، والذي مَنَّ اللَّه به فيها: إِلحاق فدية الكافر بالمغانمِ التي تقدَّم تحليلها، وقوله سبحانه: لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ ... الآية: قال ابن عبَّاس، وأبو هريرة، والحَسَن، وغيرهم: الكِتَابُ: هو ما كان اللَّه قَضَاهُ في الأَزَلِ مِنْ إِحلالِ الغنائمِ والفداءِ لهذه الأمة، وقال مجاهد وغيره: الكتابُ السابق: مغفرةُ اللَّهِ لأهْلِ بدر، وقيل:\nالكتاب السابقُ: هو ألاَّ يعذب اللَّه أحدًا بذَنْبٍ إِلا بعد النَّهْيِ عنه، حكاه «٣» الطبريُّ.\nقال ابنُ العربيِّ في «أحكام القُرآن»: وهذه الأقوالُ كلُّها صحيحةٌ ممكنَةٌ، لكن أقواها ما سبق مِنْ إِحلال الغنيمة، وقد كانوا غَنِمُوا أوَّلَ غنيمة في الإسلام حين أرسل النبيّ ﷺ عَبْدَ اللَّه بْنَ جَحْش «٤» . انتهى، ورُوِيَ أن النبيّ ﷺ قَالَ: «لَوْ نَزَلَ في هَذَا الأَمْرِ عَذَابٌ، لَنَجَا مِنْهُ عُمَرُ بْنُ الخَطَّاب» «٥»، وفي حديث آخر: «وسَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ» وذلك أن رأيهما كان\n_________\n(١) ذكره الطبري في «تفسيره» (٦/ ٢٩٢) .\n(٢) عبد بن حميد بن نصر الكشّي أبو محمد الحافظ مؤلف «المسند والتفسير» عن علي بن عاصم، ومحمد بن بشر العبدي، وعبد الرزاق، والنضر بن شميل، وخلائق، وعنه مسلم، والترمذي وخلق.\nقال البخاري وقال عبد الحميد: أنبأنا عثمان بن عمر فذكر حديثا، قيل: عبد الحميد هو عبد بن حميد، قلت: روى الحديث مسلم، عن عبد بن حميد.\nقال ابن حبان: مات سنة تسع وأربعين ومائتين. قاله في «الخلاصة» (٢/ ١٨٨) .\n(٣) ينظر: «تفسير الطبري» (٦/ ٢٨٨- ٢٨٩- ٢٩٠) .\n(٤) عبد الله بن جحش الأسدي بن رياب- براء تحتانية وآخره موحدة- ابن يعمر الأسدي: حليف بني عبد شمس، أحد السابقين.\nقال ابن حبان: له صحبة، وقال ابن إسحاق: هاجر إلى الحبشة، وشهد بدرا، ودفن هو وحمزة في قبر واحد، وكان له يوم قتل نيف وأربعون سنة. ينظر: «الإصابة» (٤/ ٣١، ٣٣)، «أسد الغابة» (٢٨٥٨) بتحقيقنا، «الثقات» (٣/ ٢٣٧)، «صفوة الصفوة» (١/ ٣٨٥)، «حلية الأولياء» (١/ ١٠٨- ١٠٩) .\n(٥) ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٢٠٣)، وعزاه إلى ابن المنذر، وأبي الشيخ، وابن مردويه.","vol":"3","page":156},{"text":"أنْ تُقْتَلَ الأَسْرَى، وقوله سبحانه: فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ ... الآية: نصٌّ عَلَى إِباحة المال الذي أُخِذَ من الأسْرَى، وإِلحاقٌ له بالغنيمة التي كان تقدّم تحليها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-567>[سورة الأنفال (٨): الآيات ٧٠ الى ٧١]</span>\nيا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٠) وَإِنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٧١)\nوقوله سبحانه: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ، روي أنّ الأسرى ببدر أعلموا رسول الله ﷺ أنَّ لهم مَيْلًا إِلى الإِسلام، وأنهم إِنْ رجعوا إِلى قومهم، سَعَوْا في جلبهم إِلى الإِسلام، قال ابن عَبَّاس: الأَسْرَى في هذه الآية: عبّاس وأصحابه «١»، قالوا للنبيّ ﷺ: آمنا بما جئْتَ به، ونشهد إِنك لَرَسُولُ اللَّه، ولَنَنْصَحَنَّ لك علَى قومنا، فنزلَتْ هذه الآيةُ، ومعنى الكلام: إِن كان هذا عَنْ جِدٍّ منكم، وَعَلِمَ اللَّهُ مِنْ أَنفسكم الخَيْرَ والإِسلام، فإِنه سيجبر عليكم أَفْضَلَ مما أَعطيتم فديةً، ويغفرْ لكم جميعَ ما اجترمتموه، وروي أنَّ العبَّاس بن عبد المطَّلب ﵁ قال: فيَّ وفي أصْحَابِي نَزَلَتْ هذه الآية، وقال حين أعطاه رسول الله ﷺ مِنْ مالِ البَحْرَيْنِ ما قَدِّرَ أنْ يقول: هذا خَيْرٌ ممَّا أُخِذَ مِنِّي، وأنا بَعْدُ أَرجُو أنْ يَغْفِرَ اللَّهِ «٢» لِي، وروي عنه أنه قال: ما أَوَدُّ أَنَّ هذه الآية لَمْ تَنْزِلْ «٣»، ولي الدنيا بأجمعها وذلك أن اللَّه تعالى قد أتاني خَيْرًا مما أُخِذَ مني، وأنا أرجو أَنْ يَغْفِرَ لي، وقوله:\nفَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ أي: بالكُفْر، فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ أي: بأن جعلهم أسْرَى، وَاللَّهُ عَلِيمٌ فيما يبطنونه، حَكِيمٌ فيما يجازيهم به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-568>[سورة الأنفال (٨): آية ٧٢]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٧٢)\nوقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٦/ ٢٩٢) برقم: (١٦٣٤٠)، وذكره ابن عطية (٢/ ٥٥٤)، والبغوي (٢/ ٢٦٣) ولم يعزه لأحد، والسيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٣٦٩)، وزاد نسبته لأبي نعيم في «الدلائل» .\n(٢) أخرجه ابن جرير (٦/ ٢٩٢) برقم: (١٦٣٣٨) نحوه، وذكره ابن عطية (٢/ ٥٥٥)، والبغوي (٢/ ٢٦٣) نحوه، والسيوطي (٣/ ٣٧٠) بنحوه، وزاد نسبته إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في «الدلائل»، وابن عساكر. [.....]\n(٣) ذكره ابن عطية (٢/ ٥٥٥) .","vol":"3","page":157},{"text":"وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ، مَقْصِدُ هذه الآية وما بعدها: تبيينُ منازل المهاجرين والأنصار، والمؤمنين الذين لم يُهَاجِرُوا، وذكر المهاجرين بَعْد الحديبية، فقدَّم أوَّلًا ذِكْرَ المهاجرين، وهُمْ أصل الإِسلام، وتأمَّل تقديمَ عُمَرَ لهم في الاستشارةِ، وَهَاجَرَ:\nمعناه/: هَجَرَ أهله وقرابته، وهَجَرُوهُ، وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا: هم الأنصارُ، فحكَمَ سبحانه على هاتَيْنِ الطائفتين بأن بَعْضَهُم أولياءُ بَعْضٍ، فقال كثيرٌ من المفسِّرين: هذه الموالاةُ: هي المؤازرة، والمعاونة، واتصال الأيدي، وعليه فَسَّر الطبريُّ الآية، وهذا الذي قالوه لازم من دلالة لفظ الآية، وقال ابن عبَّاسٍ وغيره: هذه الموالاةُ هي في المواريث «١» وذلك أن النبيّ ﷺ آخَى بين المهاجرين والأنصار، فكان المهاجريُّ إذا ماتَ، ولم يكُنْ له بالمدينةِ وليٌّ مهاجريٌّ، ورثه أخوه الأنْصَارِيُّ، وكان المسلم الذي لم يُهَاجِرْ لا ولايَةَ بينه، وبَيْنَ قريبه المهاجريِّ، ولا يرثه، ثم نُسِخَ ذلك بقوله سبحانه: وَأُولُوا الْأَرْحامِ ... الآية [الأنفال: ٧٥] وعلى التأويلين، ففي الآية حضٌّ على الهجرة، قال أبو عُبَيْدَة: الوِلاَيَةُ- بالكسر- من وَليتُ الأَمْرَ إِليه، فهي في السلطان، وبالفَتْحِ هي من المَوْلَى يقال: مَوْلَى بَيِّنَ الوَلاَيَةِ- بفتح الواو-.\nوقوله سبحانه: وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ، يعني: إِن استدعى هؤلاء- المؤمنون الذين لم يُهَاجِروا نَصْرَكُمْ- فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فلا تنصروهم عليهم لأنّ ذلك غدر ونقض للميثاق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-569>[سورة الأنفال (٨): الآيات ٧٣ الى ٧٥]</span>\nوَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ (٧٣) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤) وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧٥)\nوقوله سبحانه: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وذلك يجمع الموارثَةَ والمعاوَنَةَ والنُّصْرة، وهذه العبارةُ تحريضٌ وإِقامةٌ لنفوس المؤمنين كما تقولُ لمن تريدُ تحريضَهُ: عَدُوُّكَ مُجْتَهِدٌ أي: فاجتهد أَنْتَ، وحكى الطبريُّ في تفسير هذه الآية «٢»، عن\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٦/ ٢٩٤) برقم: (١٦٣٤٥)، وابن عطية (٢/ ٥٥٥)، والبغوي في «تفسيره» (٢/ ٤٦٤)، وابن كثير (٢/ ٣٢٨) نحوه، والسيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٣٧١) نحوه، وزاد نسبته إلى ابن مردويه.\n(٢) ينظر: «تفسير الطبري» (٦/ ٢٩٧) .","vol":"3","page":158},{"text":"قتادة أنه قال: أبَى اللَّهُ أَن يقبل إِيمانَ مَنْ آمن ولم يُهَاجرْ، وذلك في صدر الإسلام، وفيهم قال النبيّ ﷺ «أَنَا بَرِيءٌ مِنْ مُسْلِمٍ أَقَامَ بَيْنَ المُشْرِكِينَ لاَ تَتَرَاءَى نَارُهُمَا»»\nالحديثَ على اختلاف ألفاظه، وقول قتادة، إِنما هو فيمن كان يُقيمُ متربِّصًا يقول: مَنْ غَلَبَ، كُنْتُ معه وكذلِكَ ذُكِرَ في كتاب «٢» «الطَّبريِّ»، وغيره، والضميرُ في قوله: إِلَّا تَفْعَلُوهُ، قيل:\nهو عائدٌ على المُؤازرة والمعاونة، ويحتملُ على الميثاق المذكور، ويحتملُ على النَّصْر للمسلمين المستَنْصِرِينَ، ويحتمل على الموارثَة والتزامها، ويجوز أَن يعود مجملًا على جميعِ ما ذُكِرَ، والفتْنَةُ: المِحْنَة بالحَرْب وما انجر معها من الغارَاتِ، والجلاءِ، والأسر، والفسادُ الكَبيرُ: ظُهُورُ الشِّرْك.\nوقوله سبحانه: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا، تضمَّنت الآيةُ تخصيصَ المهاجرين والأنصار، وتشريفَهم بهذا الوَصْف العظيمِ.\nت: وهي مع ذلك عند التأمُّل يلوح منها تأويل قتادَةَ المتقدِّم، فتأمَّله، والرزْقُ الكريمُ: هو طعام الجنَّة كذا ذكر الطبريُّ وغيره «٣» .\nقال ابنُ العربيِّ في «أحكامه» «٤»: وإِذا كان الإِيمان في القَلْب حقًّا، ظهر ذلك في\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (٢/ ٥٢) كتاب «الجهاد» باب: النهي عن قتل من اعتصم بالسجود، حديث (٢٦٤٥)، والترمذي (٤/ ١٣٢- ١٣٣) كتاب «السير» باب: ما جاء في كراهية المقام بين أظهر المشركين، حديث (١٦٠٤)، والطبراني في «الكبير» (٢/ ٣٠٣) رقم: (٢٢٦٤)، والبيهقي (٨/ ١٣١) كتاب «القسامة» باب: ما جاء في وجوب الكفارة في أنواع قتل الخطأ، من طريق أبي معاوية، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير به. وقد أعله أبو داود بالإرسال فقال: رواه هشيم ومعمر وخالد الواسطي وجماعة لم يذكروا جريرا.\nوقد أخرجه مرسلا الترمذي (٤/ ١٣٣) كتاب «السير» باب: ما جاء في كراهية المقام بين أظهر المشركين، حديث (١٦٠٥)، والنسائي (٨/ ٣٦) كتاب «القسامة» باب: القود بغير حديدة، والبيهقي (٨/ ١٣٠) كتاب «القسامة»، كلهم من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم مرسلا.\nوقال الترمذي: وهذا أصحّ وأكثر أصحاب إسماعيل، عن قيس بن أبي حازم أن رسول الله ﷺ بعث سرية ولم يذكروا فيه عن جرير، ورواه حماد بن سلمة، عن الحجاج بن أرطاة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس عن جرير مثل حديث أبي معاوية. قال: وسمعت محمدا يقول: الصحيح حديث قيس عن النبي ﷺ اه.\n(٢) ينظر: «تفسير الطبري» (٦/ ٢٩٨) .\n(٣) ينظر: «تفسير الطبري» (٦/ ٢٩٩) .\n(٤) ينظر: «أحكام القرآن» لابن العربي (٢/ ٨٨٩) .","vol":"3","page":159},{"text":"استقامة الأعمال بامتثال الأمر واجتناب المَنْهِيِّ عنه، وإِذا كان مجازًا، قَصَّرت الجوارحُ في الأعمال إذ لم تبلغ قوَّتُهُ إليها. انتهى.\nوَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ: قوله: «من بعد»، يريدُ به مِنْ بَعْدِ الحُدَيْبِيَةِ وذلك أن الهجرة مِنْ بعدِ ذلك كانَتْ أقلَّ رتبةً من الهجرة قبل ذلك، وكان يقال لها الهِجْرَةُ الثانية، وَجاهَدُوا مَعَكُمْ: لفظٌ يقتضي/ أنهم تَبَعٌ لا صَدْرٌ.\nوقوله سبحانه: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ، قالَ مَنْ تقدَّم ذكره: هذه في المواريثِ، وهي ناسخةٌ للحُكْم المتقدِّم ذكْرُهُ.\nوقالتْ فرقة، منها مالك: إن الآية لَيْسَتْ في المواريث، وهذا فَرارٌ من توريثِ الخَالِ والعَمَّة ونحو ذلك.\nوقالَتْ فرقة: هي في المواريث، إِلا أنها نُسِخَتْ بآية المواريث المبيّنة، وقوله: فِي كِتابِ اللَّهِ: معناه: القرآن، أي: ذلك مُثْبَتٌ في كتاب اللَّه.\nوقيل: في اللَّوْحِ المحفوظِ.\nكَمَلَ تفسيرُ السُّورة، والحَمْدُ للَّهِ، وصلَّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما.","vol":"3","page":160},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-570>تفسير سورة التوبة</span>\nوهي مدنية إلا آيتين قوله سبحانه: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ ... [التوبة: ١٢٨] إلى آخرها وتسمّى «سورة التّوبة» قاله حذيفة وغيره، وتسمّى «الفاضحة» قاله ابن عباس، وقال: ما زال ينزل: ومنهم، ومنهم حتّى ظنّ أنه لا يبقى أحد، وهي من آخر ما أنزل على النبي ﷺ. قال عليّ ﵁ لابن عبّاس: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أمان وبشارة، وبراءة نزلت بالسّيف ونبذ العهود فلذلك لم تبدأ بالأمان «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-571>[سورة التوبة (٩): الآيات ١ الى ٢]</span>\nبَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ (٢)\nقوله ﷿: بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، التقدير:\nهذه الآيات براءَةٌ، ويصحُّ أن يرتفع «براءَةٌ» بالابتداء، والخَبَرُ في قوله: إِلَى الَّذِينَ.\nوبَراءَةٌ معناه: تَخَلَّصٌ وتَبَرٍّ من العهود التي بَيْنَكم، وبَيْنَ الكفَّار البادئين بالنَّقْض.\nقال ابن العَرَبِّي في «أحكامه» «٢»: تقول: بَرَأْتُ مِنَ الشَّيْءِ أَبْرَأُ بَرَاءَةً، فأنا مِنْه بَرِيءٌ إِذا أنزلْتَهُ عن نَفْسكَ، وقطَعْتَ سبَبَ ما بينك وبَيْنه. انتهى.\nومعنى السياحة في الأرض: الذَّهَاب فيها مسرحين آمنين كالسَّيْح من الماء، وهو الجاري المنبسطُ قال الضَّحَّاك، وغيره من العلماء: كان من العرب مَنْ لا عَهْدَ بينه وبَيْن النبيِّ ﷺ جملةً، وكان منهم مَنْ بينه وبينهم عهدٌ، وتحُسسَ منهم نَقْضٌ، وكان منهم مَنْ بينه وبينهم عهدٌ ولم ينقضوا، فقوله: فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ هو أَجَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهِ\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٣/ ٣)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٣٧٧)، وزاد نسبته إلى أبي الشيخ، وابن مردويه.\n(٢) ينظر: «أحكام القرآن» لابن العربي (٢/ ٨٩٣) .","vol":"3","page":161},{"text":"لِمَنْ كان بينه وبينهم عهد، وتحسَّس منهم نقْضَهُ، وأول هذا الأجَلِ يومُ الأذان، وَآخره انقضاء العَشْر الأُوَل مِنْ رَبيعٍ الآخِرِ، وقوله سبحانه: فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ [التوبة: ٥] حُكْمٌ مباينٌ للأوَّل، حَكَمَ به في المشركين الذي لا عَهْدَ لهم ألبتة، فجاء أَجَلُ تأمينهم خمسين يومًا، أوَّلها يومُ الأذانِ، وآخرها انقضاء المُحَرَّم.\nوقوله: إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ، يريد به الذين لَهُمْ عهدٌ، ولم ينقضوا، ولا تُحُسِّسِ منهم نَقْضٌ، وهم فيما روي بَنُو ضَمْرَةَ من كِنَانَة، كان بَقِيَ مِنْ عهدهم يوم الأذان تسعة أشهر.\nوقوله ﷿: وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ، أي: لا تفلتون الله، ولا تعجزونه هربا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-572>[سورة التوبة (٩): الآيات ٣ الى ٤]</span>\nوَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٣) إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٤)\nوقوله: وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ... الآية: أي: إعلام، ويَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ قال عمر وغيره: هو يَوْمُ عَرَفَة «١»، وقال أبو هريرة وجماعة: هو يوم النَّحْر «٢»، وتظاهرتِ الرواياتُ/ أن عليًّا أَذَّنَ بهذه الآياتِ يَوْمَ عَرَفَةَ إِثْرَ خُطْبة أبي بَكْر، ثم رأَى أَنه لم يعمَّ الناس بالاستماع، فتتبَّعهم بالأذانِ بها يوم النَّحْر «٣»، وفي ذلك اليَوْمِ بَعثَ أبو بَكْرٍ مَنْ يعينه في الأذَانِ بها كَأَبِي هُرَيْرَة «٤» وغيره، وتتَّبعوا بها أيضًا أسْوَاقَ العَرَب، كَذِي المَجَازِ وغيره وهذا هو سبب الخلاف، فقالتْ طائفةٌ: يَوْمُ الحَجِّ الأَكْبَر: عرفَةُ حيث وقع أَوَّلُ الأذان.\nوقالتْ أُخْرَى: هو يومُ النَّحْرِ حيث وقع إِكمال الأذَان.\nوقال سفيان بن عُيَيْنَة: المراد باليَوْمِ أيامُ الحجِّ كلُّها كما تقول: يَوْمُ صفِّينَ، ويوم\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٦/ ٣١٠) رقم: (١٦٤٠٠)، وذكره ابن عطية (٣/ ٥)، والبغوي (٢/ ٢٨٦) رقم:\n(٣) .\n(٢) ذكره ابن عطية (٣/ ٥) .\n(٣) أخرجه الطبري (٦/ ٣٠٤) رقم: (١٦٣٧٦)، وذكره ابن عطية (٣/ ٥) .\n(٤) أخرجه الطبري (٦/ ٣٠٥- ٣٠٦) برقم: (١٦٣٨٣- ١٦٣٨٤) نحوه، وذكره ابن عطية (٣/ ٥) .","vol":"3","page":162},{"text":"الجَمَلِ ويتجه أن يوصَفُ ب «الأَكبر» علَى جهة المدحِ، لا بالإِضافة إِلَى أصْغِرَ معيَّنٍ، بل يكون المعنى: الأكبر مِنْ سائر الأيام، فتأمَّله.\nواختصار ما تحتاجُ إِلَيْهِ هذه الآيةُ على ما ذكَرَ مجاهد وغيره مِنْ صورة تلك الحال:\nأنّ رسول الله ﷺ افتتح مكَّة سنةَ ثمانٍ، فاستعمل عليها عَتَّابَ بْنَ أَسِيدٍ، وقضى أَمْرَ حُنَيْنٍ والطائِفِ، وانصرف إِلى المدينة، فأقام بها حتَّى خرج إِلى تَبُوكَ، ثم انصرفَ مِنْ تَبُوكَ في رَمَضَانَ سَنَةَ تسْعٍ، فأَراد الحَجَّ، ثم نظر في أَنَّ المشرِكِينِ يَحُجُّون في تلْكَ السَّنَة، ويَطُوفون عُرَاةً، فقال: لا أريدُ أنْ أَرَى ذلك، فأمر أبابكر على الحَجِّ بالناس، وأنفَذَهُ، ثم أَتْبَعَهُ عليَّ بن أبي طالب ﵁ علَى ناقتِهِ العَضْبَاءِ، وأمره أنْ يؤذِّن في النَّاس بأربعين آيةً:\nصَدْرُ سورةِ «بَرَاءَة»، وقيل: ثَلاَثِينَ، وقيل: عشرين، وفي بعض الروايات: عَشْر آيات، وفي بعضها: تسع آيات، وأمره أن يُؤْذِنَ الناسَ بأربعةِ أشياء، وهي: أَلاَّ يحجَّ بعد العام مُشْرِكٌ، ولا يدخُلَ الجَنَّة إِلا نَفْسٌ مؤمنةٌ، وفي بعض الروايات: ولا يَدْخُلَ الجَنَّةَ كَافرٌ، ولا يَطُوفَ بالبَيْتِ عُرْيَانٌ، ومَنْ كان له عنْدَ رَسُولِ اللَّهِ عهْدٌ، فهو إِلى مدَّته، وفي بعض الروايات: ومَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّه عَهْدٌ، فأجله أربعةُ أَشهُرٍ يسيحُ فيها، فإِذا انقضت، فإِن اللَّه بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ وَرَسُولَهِ.\nقال ع «١»: وأقول: إنهم كانوا ينادُونَ بهذا كلِّه، فأربعةُ أشهر للذين لهم عَهْدٌ وتُحُسِّسَ منهم نقضُهُ، والإِبقاء إِلى المدَّة لمن لم يخبر منه نقضٌ، وذكر الطبريُّ أن العرب قالت يومئذٍ: نَحْنُ نَبرأُ مِنْ عهدك، ثم لام بعضُهُمْ بعضًا، وقالوا: ما تَصْنَعُونَ، وقد أسلَمَتْ قريشٌ؟ فأسلموا كلُّهم، ولم يَسِحْ أحد.\nقال ع «٢»: وحينئذٍ دخل الناس في دين اللَّه أفواجًا.\nوقوله سبحانه: أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ أي: ورسولُهُ بريءٌ منهم.\nوقوله: فَإِنْ تُبْتُمْ، أي: عن الكُفْر.\nوقوله سبحانه: إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ، هذا هو الاستثناءُ الذي تقدَّم ذكْره، وقرأ عكرمة وغيره: «ينقضوكم» «٣» - بالضاد المعجمة-، ويُظاهِرُوا: معناه: يعاونوا،\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٦) . [.....]\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٦) .\n(٣) ذكره ابن عطية (٣/ ٧) .","vol":"3","page":163},{"text":"والظَّهيرُ: المُعِينُ.\nوقوله: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ: تنبيهٌ على أنَّ الوفاء بالعَهْد من التقوَى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-573>[سورة التوبة (٩): الآيات ٥ الى ٧]</span>\nفَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥) وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ (٦) كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧)\nوقوله سبحانه: فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ: الانسلاخ: خروجُ الشيء عن الشيء المتلبِّس به كانسلاخ الشاة عن الجِلْدِ، فشبه انصرام الأشهر بذلك.\nوقوله سبحانه: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ... الآية: قال ابن زَيْد: هذه الآية، وقوله سبحانه: فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً [محمد: ٤]: هما مُحْكَمَتان أي: ليستْ إِحداهما بناسخةٍ للأخرى.\nقال ع «١»: هذا هو الصواب.\nوقوله: وَخُذُوهُمْ معناه: الأسْر.\nوقوله: كُلَّ مَرْصَدٍ: معناه: مواضع الغرَّة حيث يرصدون ونصب «كُلَّ» على الظرف أو بإسقاط الخافض، التقدير: في كلّ مرصد.\nوقوله: فَإِنْ تابُوا، أي: عن الكُفْر.\nوقوله سبحانه: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ، أي: جَلَبَ منك عهدًا وجوارًا/ يأمن به، حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ، يعني القُرْآن، والمعنى: يفهم أحكامه، قال الحسن: وهذه آية محكمة وذلك سُنَّة إِلى يوم القيامة «٢» .\nوقوله سبحانه: إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ... الآية: قال ابنُ إسحاق: هي قبائلُ بني بَكْر كانوا دخلوا وقْتَ الحديبية في العهد، فأُمِرَ المسلمون بإِتمام العَهْدِ لمن لم يكُنْ نَقَضَ منهم.\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٨) .\n(٢) ذكره ابن عطية (٣/ ٥) .","vol":"3","page":164},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-574>[سورة التوبة (٩): الآيات ٨ الى ١١]</span>\nكَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًاّ وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ (٨) اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٩) لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًاّ وَلا ذِمَّةً وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (١٠) فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١١)\nوقوله سبحانه: كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ ... الآية: في الكلام حذْفٌ، تقديره:\nكيف يكون لهم عهد ونحوه، وفي «كيف» هنا تأكيدٌ لِلاستبعادِ الذي في الأولى، ولا يَرْقُبُوا معناه: لا يُرَاعُوا، ولا يَحْفَظُوا، وقرأ الجمهور «١»: إِلًّا، وهو اللَّه ﷿ قاله مجاهد، وأبو مِجْلِزٍ، وهو اسمه بالسُّرْيانية «٢»، وعُرِّب، ويجوز أن يراد به العَهْدُ، والعَرَبُ تقول للعهد والحِلْف والجِوَارِ ونحوِ هذه المعاني: «إِلًاّ»، والذّمة أيضا: بمعنى الحلف والجوار ونحوه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-575>[سورة التوبة (٩): الآيات ١٢ الى ١٣]</span>\nوَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (١٢) أَلا تُقاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣)\nوقوله سبحانه: وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ ... الآية، ويليق هنا ذكْرُ شيء مِنْ حُكْمٍ طعن الذميِّ في الدِّين، والمشهورُ من مذْهَب مالِكٍ: أنه إِذا فعل شيئًا من ذلك مِثْلُ تكذيبِ الشريعة، وسبّ النبيّ ﷺ قُتِلَ.\nوقوله سبحانه: فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ، أي: رؤوسهم وأعيانهم الذين يقودُونَ الناس إِليه، وأصوبُ ما يقال في هذه الآية: أنه لا يُعْنَى بها معيَّنٌ وإِنما وَقَعَ الأمر بقتال أئمة الناكثين للعهود من الكَفَرةِ إِلَى يوم القيامة، واقتضت حالُ كفَّار العرب ومحارِبي النبيِّ ﷺ أَن تكون الإِشارة إِليهم أَولًا، ثم كُلُّ مَنْ دَفَعَ في صدر الشريعة إِلى يوم القيامة فهو بمنزلتهم.\nوقرأ الجمهور «٣»: «لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ» (جَمْع يمين)، أي: لا أيمان لهم يُوفَى بها وتُبَرُّ، وهذا المعنَى يشبه الآيةَ، وقرأ ابن عامر وحده من السبعة: «لا إيمان لهم»، وهذا يحتمل وجهين:\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ١٠) .\n(٢) ذكره ابن عطية (٣/ ١٠) .\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ١٢)، و«البحر المحيط» (٥/ ١٧) .","vol":"3","page":165},{"text":"أحدهما: لا تصديقَ لهم، قال أبو عَليٍّ: وهذا غَيْرُ قويٍّ لأنه تكريرٌ، وذلك أنه وَصَفَ أَئمَّة الكُفْرِ بأنهم لا إِيمان لهم، والوجْه في كَسْر الألفِ أَنَّه مصْدَرٌ من آمَنْتُهُ إِيمانًا ومنه قوله تعالى: وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ [قريش: ٤] فالمعنى: أنهم لاَ يُؤَمَّنُونَ كما يُؤَمَّنُ أَهْلُ الذمَّة الكتابيُّون إِذ المشركون ليس لهم إِلا الإِسلام أو السَّيْفَ، قال أبو حاتمْ: فَسَّر الحَسَنُ قراءته: لا إِسلام لهم.\nقال ع «١»: والتكريرُ الذي فَرَّ أبو عَلِيٍّ منه متَّجِهٌ، لأنه بيانُ المهمِّ الذي يوجبُ قتلهم.\nوقوله ﷿: أَلا تُقاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ ... الآية «ألا»: عَرْضٌ وتحضيضٌ، قال الحسن: والمراد بِإِخْراجِ الرَّسُولِ: إخراجُه من المدينة، وهذا مستقيمٌ كغزوة أُحُدٍ والأحزاب «٢» .\nوقال السديُّ: المرادُ مِنْ مَكَّة «٣» .\nوقوله سبحانه: وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ، قيل: يراد أفعالهم بمكَّة بالنبيِّ ﷺ، وبالمؤمنين.\nوقال مجاهدٌ: يراد به ما بَدَأَتْ به قريشٌ مِنْ معونة بني بَكْر حلفائِهِمْ، على خزاعة حلفاء النبيّ ﷺ، فكان هذا بَدْءَ النقْض «٤» .\nوقال الطبريُّ «٥»: يعني فعْلَهم يَوْمَ بدر.\nقال الفَخْر «٦»: قال ابن إِسحاق والسُّدِّيُّ والكَلَبِيُّ: نزلَتْ هذه الآية في كفَّار مَكَّة نكثوا أيمانهم بعد عَهْدِ الحديبية، وأعانوا بني بَكْر عَلَى خُزَاعة «٧» . انتهى.\nوقوله سبحانه: أَتَخْشَوْنَهُمْ: استفهام على معنى التقرير والتوبيخ، فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، أي: كاملي الإيمان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-576>[سورة التوبة (٩): الآيات ١٤ الى ١٥]</span>\nقاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٥)\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ١٢) .\n(٢) ذكره ابن عطية (٣/ ١٣) .\n(٣) ذكره ابن عطية (٣/ ١٣) .\n(٤) ذكره ابن عطية (٣/ ١٣) .\n(٥) ينظر: «تفسير الطبري» (٦/ ٣٣١) .\n(٦) ينظر: «تفسير الرازي» (١٥/ ١٨٧) .\n(٧) أخرجه الطبري (٦/ ٣٣١) برقم: (١٦٥٥٣)، وذكره ابن عطية (٣/ ١٣) بنحوه. [.....]","vol":"3","page":166},{"text":"وقوله سبحانه: قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ، قرّرت الآياتُ قبلها أفعالَ الكَفَرة، ثم حضَّ على القتال مقترنًا بذنوبهم لتنبعث الحميَّة مع ذلك، ثم جزم الأمْرَ بقتالِهِمْ في هذه الآيةَ مقترنًا بوَعْدٍ وكِيدٍ يتضمَّن النصْرَ عَلَيْهِم، والظَّفَرَ بهم.\nوقوله سبحانه: يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ، معناه: بالقتل والأسر، ووَ يُخْزِهِمْ، معناه: يذلَّهم علَى ذنوبهم، يقال: خَزِيَ الرجُلُ يَخْزَى خَزْيًا، إِذا ذَلَّ من حيثُ وَقَعَ في عَارٍ، وأَخْزَاهُ غيره، وخزي يخزي خزاية/ إذا استحى، وأما قوله تعالى: وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، فيحتمل أنْ يريد جماعةَ المؤمنين، لأن كلَّ ما يهدُّ من الكُفْرِ هو شفاءٌ مِنْ هَمِّ صدور المؤمنين، ويحتمل أنْ يريد تخصيصَ قومٍ من المؤمنين، وروي أنهم خُزَاعَةْ قاله مجاهدٌ والسُّدِّيُّ «١»، ووجْه تخصيصهم أنهم الذين نُقِضَ فيهم العهدُ، ونالتهم الحربُ، وكان يومئذٍ في خُزَاعَةَ مؤمنون كثير ويقتضي ذلك قول الخزاعيّ المستنصر بالنبيّ ﷺ: [الرجز] ثُمَّتَ أَسْلَمْنَا فَلَمْ نَنْزِعْ يَدَا وفي آخر الرجز:\nوقتّلونا ركّعا وسجّدا «٢»\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٦/ ٣٣٢) برقم: (١٦٥٥٤- ١٦٥٥٧- ١٦٥٥٨- ١٦٥٥٩)، وذكره ابن عطية (٣/ ١٣)، والبغوي (٢/ ٢٧٣) رقم: (١٤)، وابن كثير (٢/ ٣٣٩)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٣٨٩)، وزاد نسبته إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.\n(٢) والأبيات:\nيا ربّ إنّي ناشد محمّدا ... حلف أبينا وأبيه الأتلدا\nكنت لنا أبا وكنّا ولدا ... ثمّت أسلمنا ولم ننزع يدا\nفانصر هداك الله نصرا عبدا ... وادع عباد الله يأتوا مددا\nفيهم رسول الله قد تجرّدا ... أبيض مثل الشّمس ينمو صعدا\nإن سيم خسفا وجهه تربّدا ... في فيلق كالبحر يجري مزبدا\nإن قريشا أخلفوك الموعدا ... ونقضوا ميثاقك المؤكّدا\nوزعموا أن لست تدعو أحدا ... وهم أذلّ وأقلّ عددا\nهم بيّتونا بالحطيم هجّدا ... وقتلونا ركّعا وسجّدا\nذكر السيوطي في هذه الأبيات (٣/ ٢١٥) نقلا عن ابن إسحاق والبيهقي في «الدلائل»، وانظر القرطبي (٨/ ٤٣)، و«روح المعاني» (١٠/ ٤٤)، و«البحر المحيط» (٥/ ٧)، والواحدي في «الوسيط» (٢/ ٤٨١- ٤٨٢)، وذكره الهيثمي في «المجمع» (٤/ ١٦١)، وعزاه لأبي يعلى، وينظر: «الاستيعاب» لابن عبد البر (٣/ ١١٧٥) .","vol":"3","page":167},{"text":"وقرأ جمهور الناس: و«يَتُوبُ» «١» - بالرفع-، على القطْع مما قبله، والمعنَى أن الآية استأنفت الخبر بأنه قد يَتُوبُ على بعض هؤلاء الكَفَرة الذين أَمَرَ بقتالهم.\nوعبارةُ ص: و«يَتُوب»، الجمهورُ بالرّفْعِ على الاستئناف، وليس بداخلٍ في جوابِ الأمر لأن توبته سبحانه على مَنْ يشاء لَيْسَتْ جزاءً على قتال الكُفَّار. انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-577>[سورة التوبة (٩): الآيات ١٦ الى ١٨]</span>\nأَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٦) مَا كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ (١٧) إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨)\nوقوله ﷿: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ ...\nالآية: خطابٌ للمؤمنين كقوله: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ ... الآية [آل عمران:\n١٤٢] ومعنى الآية: أظننتم أن تتركوا دون اختبار وامتحانٍ، والمراد بقوله: وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ، أي: لم يعلم اللَّه ذلك موْجُودًا كما عَلِمَهُ أَزلًا بشرط الوجود، وليس يَحْدُثُ له علم ﵎ عن ذلك، ووَلِيجَةً: معناه: بِطَانَة ودَخِيلة، وهو مأخوذ من الوُلُوج، فالمعنى: أَمْرًا باطنًا مما يُنْكَر، وفي الآيةِ طَعْنٌ على المنافقين الذين اتخذوا الوَلاَئِجَ، قال الفَخْر «٢»: قال أبو عُبَيْدَة: كلّ شيءٍ أدخلْتَه في شيءٍ ليس منه، فهو وَلِيجةٌ، وأصله من الوُلُوج، قال الواحديُّ يقال: هو وَلِيجَةٌ، للواحدِ والجمع. انتهى.\nوقوله سبحانه: مَا كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ، إِلى قوله: إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ ... الآية، لفظ هذه الآية الخَبَرُ، وفي ضمنها أمر المُؤمنين بِعَمارة المساجد، وروي أبو سعيدٍ الخدريّ أن النبيّ ﷺ قَالَ: «إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّجُلَ يَعْتَادُ المَسَاجِدَ، فاشهدوا له بالإيمان» «٣» .\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ١٤)، و«البحر المحيط» (٥/ ١٩)، و«الدر المصون» (٣/ ٤٥٢) .\n(٢) ينظر: «تفسير الرازي» (١٦/ ٦) .\n(٣) أخرجه الترمذي (٥/ ١٢) كتاب «الإيمان» باب: ما جاء في حرمة الصلاة، حديث (٢٦١٧)، وفي (٥/ ٢٧٧) كتاب «التفسير» باب: «ومن سورة التوبة»، حديث (٣٠٩٣)، وابن ماجه (١/ ٢٦٣) كتاب «المساجد» باب: لزوم المساجد وانتظار الصلاة، حديث: (٨٠٢)، وأحمد (٣/ ٦٨)، والدارمي (١/ ٢٧٨) كتاب «الصلاة» باب: المحافظة على الصلوات، وابن خزيمة (٢/ ٣٧٩) رقم: (١٥٠٢)، وابن حبان (١٧٢١)، والحاكم (٢/ ٣٣٢)، والبيهقي (٣/ ٦٦) كتاب «الصلاة» باب: فضل المساجد،","vol":"3","page":168},{"text":"ت: زاد ابن الخَطِيبِ في روايته: «فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ. انتهى من ترجمة محمَّد بنِ عبدِ اللَّهِ، وفي الحديثِ عنه ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ ضَمِنَ لِمَنْ كَانَتْ المَسَاجِدُ بَيْتَهُ الأَمْنَ، والأَمَانَ، وَالجَوَازَ عَلَى الصِّرَاطِ يَوْمَ القِيَامَةِ» خَرَّجه عليُّ بن عبد العزيز البَغَوِّيُّ في «المُسْنَد المُنْتَخَب» له، وروى البغويُّ أيضا في هذا «المسند»، عن النبيّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا أَوْطَنَ الرَّجُلُ المَسَاجِدَ بِالصَّلاَةِ، وَالذِّكْرِ، تَبَشْبَش اللَّهُ لَهُ كَمَا يَتَبَشْبَشُ أَهْلُ الغَائِبِ لِغَائِبِهمْ إِذَا قَدِمَ عَلَيْهِمْ» . انتهى من «الكَوْكَب الدُّرِّيِّ»، قيل: ومعنى «يَتَبَشْبَشُ»: أي يفرح به.\nوقوله سبحانه: وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ، يريد: خشيةَ التعظيمِ والعبادةِ، وهذه مرتبةُ العَدْل من الناس، ولا محالة أَنَّ الإِنسان يخشَى غيره، ويخشَى المحاذيرَ الدنيويَّة، وينبغي أن يخشَى في ذلك كلّه قضاء الله وتصريفه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-578>[سورة التوبة (٩): الآيات ١٩ الى ٢٢]</span>\nأَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٩) الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ (٢٠) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١) خالِدِينَ فِيها أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٢)\nوقوله سبحانه: أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ ... الآية: سِقايَةَ الْحاجِّ: كانَتْ في بني هَاشِمٍ، وكان العبَّاس يتولاَّها، قال الحسن: ولما نزلَتْ هذه الآيةُ، قال العبَّاس: ما أَراني إلاَّ أتركُ السقاية، فقال النبيّ ﷺ: «أُقِيمُوا عَلَيْهَا فَهِيَ خَيْرٌ لَكُمْ» «١» وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ: قيلَ: هي حِفْظه ممَّن يظلم فيه، أو يقول هُجْرًا، وكان ذلك إِلى العبَّاس، وقيل:\nهي السّدَانَة «٢» وَخِدْمَةِ البَيْت خَاصَّة، وكان ذلك في بني عَبْد الدَّار، وكان يتولاَّها عثمانُ بنُ طَلْحَة، وابنُ عمه شَيْبَةُ، وأقرَّها النبيّ ﷺ لهما ثَانِيَ يَوْمِ الفتحِ، وقال: «خُذَاهَا خَالِدَةً تالدة\n_________\nوأبو نعيم في «الحلية» (٨/ ٣٢٧) كلهم من طريق عمرو بن الحارث، عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري به.\nوقال الترمذي: حديث غريب حسن. وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم والذهبي. وأخرجه أحمد (٣/ ٧٦)، وعبد بن حميد في «المنتخب» ص: (٢٨٩) رقم: (٩٢٣)، عن الحسن بن موسى، ثنا ابن لهيعة عن دراج به.\nوالحديث ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٣٩١)، وزاد نسبته إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، وابن مردويه.\n(١) ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٣٩٦)، وعزاه لأبي الشيخ عن الحسن.\n(٢) سدانة الكعبة: خدمتها، وتولي أمرها، وفتح بابها وإغلاقه. ينظر: «النهاية» (٢/ ٣٥٥) .","vol":"3","page":169},{"text":"لاَ يُنَازِعُكُمُوهَا إِلاَّ ظَالِمٌ» .\nواختلف الناس في سبب نزولِ هذه الآية، فقال مجاهدٌ: أُمرُوا بالهجرة، فقال العبَّاس: أنا أسقي الحاجَّ، وقال عثمانُ بن طلحة: أنا حاجبُ الكَعْبَة، وقال محمدُ بنُ كَعْب: إِن العبَّاس وعليًّا وعثمان بن طلحة تَفَاخَرُوا فنزلَتِ الآية، وقيل غير هذا.\n/ وقوله سبحانه: الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ ... الآية: لما حكم سبحانه في الآية المتقدِّمة بأن الصِّنفين لا يستوون، بيَّن ذلك في هذه الآية الأخيرة، وأوضحه، فعدَّد الإِيمان والهجرة والجهاد بالمال والنفْس، وحَكَم عَلَى أنَّ أهل هذه الخصالِ أَعظمُ درجةً عند اللَّه مِنْ جميع الخَلْقِ، ثم حَكَمَ لهم بالفَوْزِ بِرَحْمَتِهِ ورضْوانه، والفَوْزُ: بلوغُ البُغْيَةْ، إمَّا في نيل رَغِيبَة، أو نجاةٍ من هَلَكَة، ويَنْظُرُ إِلى معنَى هذه الآية الحديثُ: «دَعُوا لي أَصْحَابِي فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا، مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلاَ نِصِيفَهُ» «١» ولأن أصحاب هذه الخِصَال علَى سيوفهم انبنى الإِسلام، وتمهَّد الشرْعُ.\nوقوله سبحانه: يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ، هذا وعْدٌ كريمٌ مِنْ ربٍّ رحيمٍ، وفي الحديث الصحيح: «إِذَا استقر أَهْلُ الجَنَّةِ في الجَنَّة، يَقُولُ اللَّهُ ﷿ لَهُمْ:\nهَلْ رَضِيتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: وَكَيْفَ لا نرضى، يا ربنا؟ فيقول: إني سأعطيكم أَفْضَلَ مِنْ ذَلِك! رِضْوَانِي أَرْضَى عَلَيْكُمْ فَلاَ أسخط عليكم أبدا ...» «٢» الحديث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-579>[سورة التوبة (٩): الآيات ٢٣ الى ٢٤]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَإِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٣) قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٢٤)\n_________\n(١) ورد ذلك من حديث أبي سعيد، وأبي هريرة، وأنس بن مالك:\nفأمّا حديث أبي سعيد، فرواه البخاري (٢٥١٧) في «فضائل الصحابة» باب: قول النبي ﷺ: «لو كنت متخذا خليلا» (٣٦٧٣)، ومسلم (٤/ ١٩٦٧) في «فضائل الصحابة» باب: تحريم سب الصحابة (٢٢٢/ ٢٥٤١)، وأبو داود (٢/ ٦٢٦) في «السنة» باب: في النهي عن سب أصحاب رسول الله ﷺ (٤٦٥٨)، والترمذي (٥/ ٦٥٣) في المناقب (٣٨٦١)، وأحمد (٣/ ١١، ٥٤، ٦٣)، وابن أبي عاصم في «السنة» (٢/ ٤٧٨- ٤٧٩) (٩٩٠- ٩٩١)، والبيهقي (١٠/ ٢٠٩) والخطيب في «التاريخ» (٧/ ١٤٤) عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد مرفوعا. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.\nوأما حديث أبي هريرة، فرواه مسلم (٢٢١- ٢٥٤٠)، وابن ماجه (١/ ٥٧) في «المقدمة» باب: فضل أهل بدر (١٦١) عن الأعمش، عن أبي صالح عنه مرفوعا به.\nوأما حديث أنس فرواه أحمد (٣/ ٢٦٦) .\n(٢) تقدم تخريجه.","vol":"3","page":170},{"text":"وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَإِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمانِ، ظاهر هذه المخاطبة: أنها لجميع المؤمنين كافَّة، وهي باقيةُ الحُكْمِ إلى يوم القيامة، وروتْ فرقة أنها نزلَتْ في الحَضِّ على الهجرة، ورفضِ بلادِ الكفر.\nوقوله سبحانه: قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ ...\nالآية: هذه الآيةُ تقوِّي مذهب مَنْ رأى أن هذه الآية والَّتي قبلها إنما مقصودُهُما الحَضِّ على الهجْرة، وفي ضمْن قوله: فَتَرَبَّصُوا: وعيدٌ بيِّن.\nوقوله: بِأَمْرِهِ، قال الحَسَنُ: الإشارة إلى عذابٍ أو عقوبةٍ من الله تعالى «١» .\nوقال مجاهدٌ: الإِشارة إِلى فتح مكَّة «٢»، وذكر الأَبناء في هذه الآية دون التي قَبْلَها، لما جلبتْ ذِكرهم المَحَبَّة، والأبناء: صَدْرٌ في المحبة وليسوا كذلك، في أن تتبع آراؤهم كما في الآية المتقدمة، واقترفتموها: معناه: اكتسبتموها، ومساكِنُ: جَمْعُ مَسْكَنٍ- بفتح الكاف:، مَفْعَلٌ من السُّكْنَى، وما كان من هذا معتلَّ الفاءِ، فإِنما يأتي على مَفْعِلٍ (بكسر العين) كموعد وموطن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-580>[سورة التوبة (٩): الآيات ٢٥ الى ٢٧]</span>\nلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْها وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ (٢٦) ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٧)\nوقوله سبحانه: لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ، هذه مخاطبةٌ لجميع المؤمنين يعدِّد الله تعالى نِعَمَهُ عليهم، والمواطِنُ المُشَارُ إلَيْها بَدْرٌ والخَنْدَق والنَّضير وقُرَيْظة وخَيْبَر وغيرها، وحُنَيْنٌ وادٍ بين مكَّة والطائِف.\nوقوله: إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ، روي أن النبيّ ﷺ قال حين رأى جملته اثني عشر\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٣/ ١٨) .\n(٢) أخرجه الطبري (٦/ ٣٣٩) برقم: (١٦٥٨٤)، وذكره ابن عطية (٣/ ١٨)، والبغوي (٢/ ٢٧٧)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٤٠٣)، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.","vol":"3","page":171},{"text":"أَلْفًا: «لَنْ تُغْلَبَ الْيَوْمَ مِنْ قِلَّةٍ» «١»، وروي أَنَّ رجلًا من أصحابه قالها فأَراد الله تعالى إظهار العجز فظهر حين فَرَّ الناسُ.\nت: العجب جائزٌ في حقِّ غير النبيِّ ﷺ، وهو معصوم منه ﷺ، والصوابُ في فَهْمِ الحديث، أَنه خَرَجَ مَخْرَجَ الإِخبار، لا على وجه العُجْب وعلى هذا فَهِمُه ابنُ رُشْدٍ وغيره، وأَنه إِذا بلغَ عَدَدُ المسلمين اثني عشر ألفًا حُرِمَ الفِرَارُ، وإن زاد عددُ المُشْرِكين على الضِّعْف وعليه عَوَّلَ في الفتوى، وقوله تعالى: وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ، معناه: بِرُحْبها كأنه قال: عَلَى ما هي عليه في نَفْسها رَحْبةً واسعة، لشدّة الحال وصعوبتها ف «ما»: مصدرية.\nوقوله سبحانه: ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ، أي: فرارا عن النبيّ ﷺ واختصار هذه القصّة: أنّ رسول الله ﷺ لمّا فتح مكّة، وكان في عشرة آلاف منْ أصحابه، وانضاف إِليهم ألفانِ من الطُّلَقَاءِ، فصار في اثني عشر ألفا، سمع بذلك كفَّار العرب، فشَقَّ عليهمِ، فجمعتْ له هوازنُ وألفافها، وعليهم مَالِكُ بن عوفٍ النصريُّ، وثقيفٌ، وعليهم عبْد يَالِيلَ بْنُ عَمْرُو/ وانضاف إِليهم أَخلاطٌ مِنَ الناس حتى كانوا ثلاثين ألفا، فخرج إليهم رسول الله ﷺ حين اجتمعوا بحُنَيْنٍ، فلما تصافَّ الناسُ، حمل المشركون من مَحَانِي الوادِي، وانهزم المُسْلِمون، قال قتادة: وكان يقال: إِن الطلقاء مِنْ أَهْل مكَّةَ فرُّوا، وقصدوا إِلقَاءَ الهَزيمة في المُسْلمين «٢»، وكان رسول الله ﷺ عَلَى بغلته البَيْضَاء قد اكَتَنَفَهُ العَبَّاس عمُّه، وابنُ عَمِّه أبو سفيانَ بْنُ الحارثِ بنِ عبد المُطَّلبِ، وبَيْنَ يدَيْهِ أَيْمَنُ بْنُ أُمِّ أيمن، وثمّ قتل ﵀ والنبيّ ﷺ يقولُ:\nأَنَا النَّبيُّ لاَ كَذِبْ ... أَنا ابن عبد المطّلب\nفلما رأى نبيّ الله ﷺ شدَّةَ الحالِ، نَزَلَ عن بَغْلَتِهِ إِلى الأرض قاله البَرَاءُ بنُ عازب «٣»، واستنصر اللَّه ﷿، فأَخَذَ قبضةً مِنْ ترابٍ وحصًى، فرمَى بها في وُجُوه الكُفَّار، وقال: «شَاهَت الوُجُوه»، ونادى رسول الله ﷺ بالأنصارِ، وأمَرَ العبَّاسَ أنْ ينادِيَ:\n«أَيْنَ أَصْحَابُ الشَّجَرَةِ؟ أَيْنَ أَصْحَابُ سُورَةِ البَقَرةِ؟» فَرَجَعَ النّاسُ عَنَقًا واحدًا للحَرْبِ، وتصافحوا بالسُّيوفِ والطَّعْنِ والضرب، وهناك قال ﵇: «الآنَ حَمِيَ الوَطِيسُ» «٤»\n_________\n(١) ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٤٠٤)، وعزاه للبيهقي في «دلائل النبوة» .\n(٢) أخرجه الطبري (٦/ ٣٤٠) برقم: (١٦٥٨٨) نحوه، وذكره ابن عطية (٢/ ١٩) . [.....]\n(٣) أخرجه الطبري (٦/ ٣٤٣) برقم: (١٦٥٩٥) وذكره ابن عطية (٣/ ١٩) .\n(٤) تقدم في: سورة الأنفال.","vol":"3","page":172},{"text":"وهزم اللَّهُ المشركين، وأَعْلَى كلمةَ الإِسلام إِلى يَوْمِ الدينِ، قال يَعْلَى بن عطاءٍ: فحدَّثني أبناءُ المنهزمين عَنْ آبائهم، قالوا: لم يَبْقَ منَّا أحَدٌ إِلا دخَلَ عينيه مِنْ ذلك التُّرَابِ واستيعابُ هذه القصة في كتب «السِّيَر» .\nومُدْبِرِينَ: نصب على الحال المؤكِّدة كقوله: وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا [البقرة:\n٩١]، والمؤكِّدة هي التي يدلُّ ما قبلها عليها كدلالة التولِّي على الإِدبار.\nوقوله سبحانه: ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ ... الآية: السكينةُ: النَّصْر الذي سَكَنَتْ إِليه ومعه النفُوسُ، والجنودُ: الملائكةُ، والرُّعْبُ قال أبو حاجز يزيدُ بنُ عامرٍ: كان في أجوافنا مثلُ ضَرْبَةِ الحَجَرِ في الطَّسْتِ من الرُّعْبِ، وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا، أيْ: بالقتل والأسْرِ، وروَى أبو داود، عن سهل بن الحَنْظَلِيَّة «١» أنهم سَارُوا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ، فأَطْنَبُوا السَّيْرَ حَتَّى كَانَ عشِيَّةً، فحضرت الصّلاة مع رسول الله ﷺ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَارِسٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي انطلقت بَيْنَ أَيْدِيكُمْ حتى طَلَعْتُ جَبَلَ كَذَا وَكَذَا، فَإِذَا أَنا بِهَوَازِنَ عَلَى بَكْرَةِ أَبِيهِم بظُعُنِهِمْ وَنَعَمِهِمْ، وشِيَاهِهِمْ، اجتمعوا إِلَى حُنَيْنٍ، فتبسّم رسول الله ﷺ، وقال: «تلك غنيمة المسلين غَدًا، إِنْ شَاءَ اللَّهُ ...» الحديثَ. انتهى «٢»، فكانوا كذلك غنيمة بحمد الله، كما أخبر ﷺ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-581>[سورة التوبة (٩): الآيات ٢٨ الى ٢٩]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٨) قاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ (٢٩)\n_________\n(١) هو: سهل بن الربيع بن عمرو بن عدي بن زيد، الأوسي، الأنصاري.\nقال ابن الأثير في «الأسد»: كان ممن بايع تحت الشجرة، وكان فاضلا معتزلا عن الناس، كثير الصلاة والذكر، كان لا يزال يصلي مهما هو في المسجد، فإذا انصرف لا يزال ذاكرا، روى عن النبي ﷺ، وروى عنه أبو كبشة.\nينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (٢/ ٤٦٩)، «الإصابة» (٣/ ١٣٨)، «الثقات» (٣/ ١٧٠)، «نقعة الصديان» (١٩٢)، «تجريد أسماء الصحابة» (١/ ٢٤٣)، «الاستيعاب» (٢/ ٦٦٢)، «بقي بن مخلد» (٣٩١)، «تقريب التهذيب» (١/ ٣٣٦)، «تهذيب التهذيب» (٤/ ٢٥١)، «تهذيب الكمال» (١/ ٥٥٤)، «الجرح والتعديل» (٤/ ت ٨٤١)، «التاريخ الكبير»، (٤/ ٩٨)، «الطبقات الكبرى» (٨/ ٣٢٨) .\n(٢) أخرجه أبو داود (٢/ ١٢- ١٣) كتاب «الجهاد» باب: في فضل الحرس في سبيل الله ﷿، حديث (٢٥٠١)، والحاكم (٢/ ٨٣- ٨٤)، والبيهقي في «دلائل النبوة» (٥/ ١٢٥- ١٢٦)، والطبراني في «الكبير» (٦/ ٩٦)، رقم: (٥٦١٩) من حديث سهل بن الحنظلية.","vol":"3","page":173},{"text":"وقوله ﷿: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ، قال ابن عباس وغيره:\nمعنى الشِّرْكَ هو الذي نَجَّسهم كنجاسة الخَمْر «١»، ونصَّ اللَّه سبحانه في هذه الآية على المُشْرِكِينَ، وعلى المَسْجِد الحرام، فقاسَ مالكٌ ﵀ وغيره جَميعَ الكُفَّار من أهْلِ الكتاب وغيرهم على المشركين، وقَاسَ سائرَ المساجِدِ على المَسْجِدِ الحرامِ، وَمَنَعَ مِنْ دخولِ الجميعِ في جميعِ المساجدِ، وقوَّةُ قوله سبحانه: فَلا يَقْرَبُوا يقتضي أمْرَ المسلمين بمَنْعهم.\nوقوله: بَعْدَ عامِهِمْ هذا، يريد: بعد عامِ تِسْعٍ من الهجرة، وهو عَامُ حَجَّ أبو بَكْرٍ بالنَّاس.\nوقوله سبحانه: وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً، أي: فقْرًا، فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ، وكان المسلمون، لَمَّا مُنِعَ المشركون من المَوْسِم، وهم كانوا يجلبون الأطعمةَ والتجاراتِ، قَذَفَ الشيطان في نفوسهم الخَوْفَ من الفَقْر، وقالوا: مِنْ أيْنَ نعيش؟ فوعَدَهم اللَّه سبحانه بأنْ يغنيهم مِنْ فَضْله، فكان الأمر كما وعد اللَّه سبحانه، فأسلَمَتِ العربُ، فتمادَى حجُّهم وتَجْرُهم، وأغنى اللَّه من فضله بالجهادِ والظهورِ على الأُمَمِ.\nوقوله سبحانه: قاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ/ ... الآية: هذه الآيةُ تضمَّنت قتالَ أهْلَ الكتاب، قال مجاهد: وعند نزول هذه الآية أخذ رسول الله ﷺ في غَزْوَ الرُّومِ، ومشَى نحو تَبُوكَ، ونفَى سبحانه عن أَهل الكتاب الإِيمان باللَّه واليوم الآخر حيث تركوا شَرْعَ الإِسلام وأَيضًا فكانَتِ اعتقاداتهم غيْرَ مستقيمةٍ، لأنهم تشعّبوا، وقالوا عُزَيْرٌ ابن اللَّهِ، واللَّهُ ثالِثُ ثلاثةٍ، وغَيْرَ ذلك ولهم أيضًا في البعث آراءٌ فاسدةٌ كشراءِ منازِلِ الجنَّة من الرُّهْبَانِ إِلى غير ذلك من الهَذَيان، وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ، أي: لا يطيعون، ولا يمتثلون ومنْه قولُ عائشة: «مَا عَقَلْتُ أَبَوَيَّ إِلاَّ وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ»، والدِّينُ هنا: الشريعةُ، قال ابن القاسِمِ وأشْهَبُ وسَحْنُون: وتؤخذ الجزيةُ منْ مجوس العربِ والأمم كلِّها، وأما عَبَدة الأَوثان والنِّيران وغيرِ ذلك، فجمهور العلماء على قبولِ الجزيةِ منهم، وهو قولُ مالكٍ في «المدوَّنة» .\nوقال الشافعيُّ وأبو ثور: لا تؤخذ الجزيةُ إِلا مِنَ اليهودِ والنصارَى والمجوسِ فقطْ، وأما قَدْرها في مذْهَب مالك وغيره، فأربعةُ دنَانِير عَلَى أهْلِ الذَّهَبِ، وأربعون درْهمًا عَلَى أَهْل الفضَّة، وهذا في العَنْوة، وأما الصُّلْح، فهو ما صالحوا عَلَيْه، قليلٌ أو كثيرٌ.\nوقوله: عَنْ يَدٍ يحتمل وجوها:\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٦/ ٣٤٥) بنحوه، وذكره ابن عطية (٢/ ٢٠) .","vol":"3","page":174},{"text":"منها: أنْ يريد عن قُوَّة منكم عليهم، وقَهْرٍ، واليدُ في كلام العرب: القُوَّة.\nومنها: أَنْ يريد سَوْقَ الذِّميِّ لها بِيَدِهِ، لا أنْ يبعثها معَ رَسُولٍ ليكون في ذلك إِذلالٌ لهم.\nومنها: أنْ يريد نَقْدَهَا ناجزًا، تقول: بِعْتُهُ يَدًا بِيَدٍ، أي: لا يؤخِّروا بها.\nومنها: أنْ يريد عن استسلام، يقال: ألقى فلان بيده، إذا عجز واستسلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-582>[سورة التوبة (٩): الآيات ٣٠ الى ٣٣]</span>\nوَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠) اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَما أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلهًا واحِدًا لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١) يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (٣٢) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)\nوقوله سبحانه: وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ: الذي كثر في كُتُب أهْل العلم أنَّ فرقةً من اليهود قالَتْ هذه المقالة وروي أنه قالها نَفَرٌ يسير منهم فِنحْاص وغيره، قال النَّقَّاش: ولم يبق الآن يهودي يقولها، بل انقرضوا.\nقال ع «١»: فإِذا قالها ولو واحدٌ من رُؤسَائهم، توجَّهت شنعة المقالة علَى جماعتهم، وحكَى الطبريُّ وغيره أن بني إِسرائيل أصابتهم فتن وجلاء، وقيل: مَرَض، وأذهب اللَّه عنهم التَّوْراة في ذلك، ونَسُوها، وكان علماؤهم قد دَفَنُوها أول ما أحسُّوا بذلك البلاء، فلما طالَتْ المدة، فُقِدَت التوراة جملةً، فحفَّظها اللَّهُ عُزَيْرًا كرامةً منه له، فقال لبني إِسرائيل: إِن اللَّهَ قد حفَّظني التوراةَ، فجعلوا يَدْرُسُونها من عنْده، ثم إِن التوراة المدْفُونَة وجدت، فإذا هي مساوية لما كان عزيز يدرِّس، فضَلُّوا عند ذلك، وقالوا: إِن هذا لم يتهيّأ لعزيز إِلاَ وهو ابن اللَّه، نعوذُ باللَّه من الضَّلال.\nوقوله: بِأَفْواهِهِمْ، أي: بمجرَّد الدعوَى من غير حجّة ولا برهان، ويُضاهِؤُنَ، قراءةُ الجماعة «٢»، ومعناه: يحاكُون ويماثلون، والإشارة بقوله: الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ:\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٢٣) .\n(٢) وقرأ عاصم وحده من «السبعة» «يضاهئون»، وكذلك طلحة بن مصرف. وهي من «ضاهأ» بمعنى «ضاهى»، وهي لغة ثقيف. ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٢٥)، و«العنوان في القراءات السبع» (١٠٢)، و«الحجة» (٤/ ١٨٦)، و«السبعة» (٣١٤)، و«معاني القراءات» (١/ ٤٥١) .","vol":"3","page":175},{"text":"إِما لمشركي العرب إِذ قالوا: الملائكة بناتُ اللَّهِ قاله الضَّحَّاك، وإِما لأممٍ سالفةٍ قبلها، وإِما للصَّدْر الأول من كَفَرة اليهودِ والنَصَارَى، ويكون يُضاهِؤُنَ لمعاصري النبيّ ﷺ، وإن كان الضمير في يُضاهِؤُنَ للنصارَى فقطْ، كانت الإِشارة ب الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ إلى اليهود وعلى هذا فسَّر الطبريُّ، وحكاه غيره عن قتادة «١» .\nوقوله: قاتَلَهُمُ اللَّهُ: دعاءٌ عليهم عامٌّ لأنواع الشَّر، وعن ابن عباس أن المعنَى:\nلعنهم اللَّه «٢» . قال الداوديّ: وعن ابن عباس قاتلهم اللَّه: لعنهم اللَّه، وكلُّ شيء في القُرآن: قَتَلَ، فهو لَعْن. انتهى. وأَنَّى يُؤْفَكُونَ، أَي: يُصْرَفُون عن الخَيْر.\nوقوله سبحانه: اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ ... الآية: هذه الآية يفسِّرها ما حكاه الطَّبريُّ «٣» أن عدي بن حاتم قال: «جئت رسول الله ﷺ، وفي عُنُقي صَلِيبُ ذَهَب، فَقَالَ: يَا عَدِيُّ/ اطرح هَذَا الصَّلِيبَ مِنْ عُنُقِكَ، فَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ: اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وكَيْفَ ذَلِكَ، وَنَحْنُ لَمْ نَعْبُدْهُمْ؟ فَقَالَ: أَلَيْسَ تَسْتَحِلُّونَ مَا أَحَلُّوا وَتُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمُوا؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَذَلِكَ «٤»» .\nومعنى: سُبْحانَهُ تنزيها له، ونُورَ اللَّهِ في هذه الآية: هُدَاه الصادرُ عن القرآن والشَّرْع.\nوقوله: بِأَفْواهِهِمْ عبارةٌ عن قلَّةِ حيلتهم وضَعْفها.\nوقوله: بِالْهُدى: يعم القرآن وجميعَ الشَّرْع.\nوقوله: لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، وقد فعل ذلك سبحانه، فالضمير في لِيُظْهِرَهُ:\nعائدٌ على الدِّين، وقيل: على الرسول، وهذا وإِنْ كان صحيحًا، فالتأويل الأول أبْرَعُ منه، وأَلْيَقُ بنظام الآية.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٦/ ٣٥٢) برقم: (١٦٦٣٩) نحوه، وذكره ابن عطية (٣/ ٢٥)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٤١٥)، وزاد نسبته إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.\n(٢) أخرجه الطبري (٦/ ٣٥٣) برقم: (١٦٦٤٣)، وذكره ابن عطية (٣/ ٢٥)، وابن كثير (٢/ ٣٤٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٤١٥)، وزاد نسبته إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.\n(٣) ينظر: «تفسير الطبري» (٦/ ٣٥٤) .\n(٤) أخرجه الترمذي (٥/ ٢٧٨) كتاب «التفسير» باب: «ومن سورة التوبة»، حديث (٣٠٩٥) من طريق عبد السلام بن حرب، عن غطيف بن أعين، عن مصعب بن سعد، عن عدي بن حاتم به.\nوقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد السلام بن حرب، وغطيف بن أعين ليس بمعروف في الحديث.","vol":"3","page":176},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-583>[سورة التوبة (٩): الآيات ٣٤ الى ٣٥]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (٣٥)\nوقوله ﷿: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ، المراد بهذه الآية: بيانُ نقائصِ المذكورين، ونَهْيُ المؤمنين عن تلك النقائصِ مترتِّب ضِمْنَ ذلك، واللام في لَيَأْكُلُونَ: لامُ التوكيدِ، وصورةُ هذا الأكْلِ هي بأنهم يأخذونَ من أموال أتباعهم ضرائِبَ وفُرُوضًا باسم الكنائسِ والبِيَعِ وغَيْرِ ذلك ممَّا يوهمونهم أنَّ النفقة فيه مِنَ الشَّرْعَ والتَقرُّب إِلى اللَّهَ، وهم خلاَلَ ذلك يحتجنون تلك الأموالَ، كالذي ذكره سلمان في كتاب «السير»، عن الراهِبِ الذي استخرج كَنْزَهُ.\nوقوله سبحانه: وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، أي: عن شريعة الإِسلام والإيمان بنبيِّنا محمَّد ﷺ.\nوقوله سبحانه: وَالَّذِينَ ابتداءٌ، وخبره فَبَشِّرْهُمْ والذي يظهر من ألفاظ الآية:\nأنه لما ذَكَر نَقْصَ الأحبار والرهبانِ الآكلين للمَالِ بالباطل، ذَكَرَ بعد ذلك بقَوْلٍ عامٍّ نَقْصَ الكانزين المانعين حقَّ المال، وقرأ طلحةُ بْنُ مُصَرِّف: «الَّذِينَ يَكْنِزُونَ» «١» بغير واو، وعلى هذه القراءة يجري قولُ معاوِيَةَ: أنَّ الآية في أهْل الكتَاب، وخالفه أبو ذَرٍّ، فقال: بل هِيَ فينا.\nويَكْنِزُونَ: معناه: يجمعون ويحفظون في الأَوعية، وليس مِنْ شرط الكَنْز:\nالدفْنُ، والتوعُّد في الكنز، إِنما وقع عَلَى منع الحقوق منه، وعلى هذا كثيرٌ من العلماء، وقال عليٌّ ﵁: أربعةُ آلاف دِرْهَمٍ فما دُونَهَا نفقةٌ، وما زاد علَيْهَا فهو كَنْز، وإِن أَدَّيْتُ زَكَاتَهُ.\nوقال أبو ذَرٍّ وجماعةٌ معه: ما فَضَلَ مِنْ مالِ الرَّجُل على حاجةِ نَفْسِه، فهو كَنْز، وهذان القولان يقتضيان أنَّ الذمَّ في حبس المال، لا في منع زكاته فقطْ.\nت: وحدَّث أبو بَكْرِ بْنُ الخَطِيبِ بسنده، عن عليِّ بن أبي طالب، وابنِ عمر، عن النبيّ ﷺ أنَّهُ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ فَرَضَ للفُقَرَاءِ في أموال الأغنياء قدر ما يسعهم، فإن\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٢٧)، و«البحر المحيط» (٥/ ٣٨)، و«الدر المصون» (٣/ ٤٦٠) .","vol":"3","page":177},{"text":"مَنَعُوهُمْ حَتَّى يَجُوعُوا وَيَعْرَوْا وَيَجْهَدُوا، حَاسَبَهُمُ اللَّهُ حِسَابًا شَدِيدًا، وعَذَّبَهُمْ عَذَابًا نُكْرًا» انتهى «١» .\nوقوله سبحانه: فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ ... الآية: قال ابنُ مَسْعود: واللَّه، لاَ يَمَسُّ دينارٌ دينارًا، بل يُمَدُّ الجلدُ حتى يكوَى بكلِّ دينار، وبكلِّ درهم «٢» قال الفخر «٣»: قال أبو بكر الوَرَّاقُ: وخُصَّتْ هذه المواضعُ بالذكْرِ لأن صاحِب المال، إِذا رأى الفقيرَ، قَبَضَ جبينه، وإِذا جلَس إِلى جَنْبه، تباعد عَنْه، وولاَّه ظَهْره. انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-584>[سورة التوبة (٩): آية ٣٦]</span>\nإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (٣٦)\nوقوله سبحانه: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتابِ اللَّهِ، هذه الآيةُ والتي بعدها تتضمَّن ما كانت العربُ عليه في جاهليَّتها من تحريم شُهُورِ الحلِّ، وتحليلِ شهورِ الحُرْمَةَ، وإِذا نصَّ ما كانت العرب تفعله، تبيَّن معنى الآيات، فالذي تظاهرَتْ به الرواياتُ، ويتخلَّص من مجموع ما ذَكَره النَّاسُ: أن العرب كانَتْ لا عَيْشَ لأكْثَرها إِلا من الغارات وإِعمالِ سِلاَحِها، فكانوا إِذا توالَتْ عليهم حُرْمَةُ الأشهر الحُرُمِ، صَعُبَ عليهم، وأَمْلقوا «٤» / وكان بنو فُقَيْمٍ من كِنانة أهْلَ دينٍ في العرب، وتَمَسُّكٍ بشرعِ إبراهيمَ ﵇، فانتدب منهم القلمس، وهو حُذَيْفَةُ بْنُ عَبْدِ فُقَيْمٍ، فنَسِيَ الشهورَ للعربِ، ثم خَلَفَهُ عَلَى ذلك بنوه، وذكر الطبريُّ وغيره أن الأمر كان في عدوانٍ قبل بني مالكِ بن كنانةً، وكانتْ صورة فعلهم: أن العرب كانَتْ إِذا فرغَتْ من حَجِّها، جاء إِليه مَنْ شاء منهم مجتمعين، فقالوا: أَنْسَانَا شَهْرًا، أيْ: أخّرْ عنا حرمةَ المُحَرَّم، فاجعلها في صَفَرٍ، فيحلُّ لهم المُحَرَّمَ، فيغيرون فيه، ثم يلتزمُونَ حُرْمَةَ صَفَرٍ ليوافقوا عدَّة الأشهرِ الحُرُمِ الأربعة قال مجاهد: ويسمُّون ذلك الصَّفَرَ المُحرَّم، ثم يسمعون ربيعًا الأوَّل صفرًا وربيعًا الآخِرَ ربيعًا الأَوَّل، وهكذا في سائِرِ الشهورِ، وتجيء السنةُ مِنْ ثلاثة عشر شهرا أولها: المحرّم\n_________\n(١) أخرجه الخطيب في «تاريخه» (٥/ ٣٠٨) عن علي وذكره الهندي في «كنز العمال» (١٥٨٢٣) وقال: وفيه محمد بن سعيد البورقي، كذاب يضع.\n(٢) أخرجه الطبري (٦/ ٣٦٣، ٣٦٤) برقم: (١٦٦٩٧- ١٦٦٩٨) نحوه، وابن عطية (٣/ ٢٩)، والبغوي (٢/ ٢٨٩) نحوه، وابن كثير (٢/ ٣٥٢) نحوه. [.....]\n(٣) ينظر: «تفسير الرازي» (١٦/ ٣٩) .\n(٤) يعني: افتقروا، وضربهم الإملاق، وهو الافتقار. ينظر: «لسان العرب» (٥/ ٤٢٦) .","vol":"3","page":178},{"text":"المُحَلَّل، ثم المحرَّم الذي هو في الحقيقة صَفَرٌ «١»، وفي هذا قال اللَّهُ ﷿: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا، أيْ: ليستْ ثلاثةَ عَشَرَ، ثم كانَتْ حِجَّةُ أبي بَكْرٍ في ذي القَعْدة حقيقةً، وهم يسمُّونه ذَا الحِجَّة، ثم حَجَّ رسُولُ الله ﷺ سَنَةَ عَشْرٍ في ذي الحِجَّة حقيقةً، فذلك قوله ﵇: «إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ استدار كَهَيْئتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السموات وَالأَرْضِ السَّنَةُ اثنا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ: ذُو القَعْدَةِ، وذُو الحِجَّة، والمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَان» «٢» .\nوقوله في كِتابِ اللَّهِ، أَيْ: فيما كتبه، وأثبته في اللَّوْحِ المحفوظ، أو غيرِهِ، فهي صفةُ فِعْلٍ مثل خَلْقِهِ وَرِزْقِهِ، وليستْ بمعنى قضاءه وتقديره لأن تلكَ هي قَبْلَ خلْق السموات والأرض.\nوقوله سبحانه: مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ: نصٌّ على تفضيلِ هذه الأربعة وتشريفها، قال قتادة: «اصطفى اللَّه مِنَ الملائكةِ والبَشَرِ رُسُلًا، ومِنَ الشَهور المُحَرَّمَ ورمَضَانَ، ومِنَ البُقَعِ المساجَدِ، ومِنَ الأيام الجمعةَ، ومِنَ الليالِي ليلةَ القَدْرِ، ومِنَ الكلام ذِكْرُهُ، فينبغي أَنْ يعظَّم ما عَظَّمُ اللَّه» «٣» .\nوقوله سبحانه: ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ، قالتْ فرقة: معناه: الحسابُ المُسْتَقيم، وقال ابن عباس، فيما حكى المَهْدَوِيُّ: معناه: القضاء المستقيم.\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٣/ ٣٠) .\n(٢) أخرجه البخاري (٦/ ٣٣٨) في بدء الخلق، باب: ما جاء في سبع أرضين (٣١٩٧)، و(٧/ ٧١١) في «المغازي» باب: حجة الوداع (٤٤٠٦)، و(٨/ ١٧٥) في «التفسير» باب: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا (٤٦٦٢)، و(١٠/ ١٠) في الأضاحي باب: من قال: الأضحى يوم النحر (٥٥٥٠)، و(١٣/ ٤٣٣) في التوحيد، باب: قول الله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ، (٧٤٤٧)، ومسلم (٣/ ١٣٠٥)، في القسامة باب: تغليظ تحريم الدماء والأعراض والأموال (٢٩/ ١٦٧٩)، وأبو داود (١/ ٥٩٩) في: المناسك، باب: الأشهر الحرم (١٩٤٨)، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن ابن أبي بكرة به.\nوأخرجه أبو داود برقم: (١٩٤٧)، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أبي بكرة به، بدون ذكر ابن أبي بكرة، وقال أبو داود: وسماه ابن عون فقال: عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبي بكرة في هذا الحديث.\nويشهد له حديث أبي هريرة عند البزار (١١٤٢) - «كشف الأستار»، عن شعث بن سوّار، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة رفعه.\nوقال الهيثمي في «المجمع» (٣/ ٢٧١) فيه أشعث بن سوار، وهو ضعيف، وقد وثق.\n(٣) ذكره ابن عطية (٣/ ٣١) .","vol":"3","page":179},{"text":"قال ع «١»: والأصوب عندي أنْ يكون الدِّينُ هاهنا عَلَى أشهر وجوهه، أي:\nذلك الشَّرْعُ والطَّاعة.\nوقوله: فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ، أي: في الاثني عَشَرَ شَهْرًا، أي: لا تظلموا أنفسكم بالمعاصي في الزمان كلِّه، وقال قتادة: المرادُ الأربعةُ الأشْهُرِ، وخُصِّصتْ تشريفًا لها.\nقال سعيدُ بن المسيّب: كان النبيّ ﷺ يحرِّم القتَالَ في الأشْهُرِ الحُرُم بما أنزل اللَّه في ذلك حتَّى نزلَتْ «براءة» .\nوقوله تعالى: وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ، معناه: فيهنَّ فأحْرَى في غيرهن، وقوله:\nكَافَّةً، معناه: جميعا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-585>[سورة التوبة (٩): الآيات ٣٧ الى ٣٩]</span>\nإِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عامًا لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (٣٧) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ (٣٨) إِلاَّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)\nوقوله سبحانه: إِنَّمَا النَّسِيءُ، يعني: فِعْلُ العرب في تأخيرهم الحُرْمَةَ، زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، أي: جارٍ مع كفرهم باللَّهِ، وخلافِهِمْ للحقِّ، فالكفر متكثِّر بهذا الفِعْلِ الذي هو باطلٌ في نفْسهِ وممَّا وُجِدَ في أشعارهم قَوْلُ جِذْلٍ الطَّعَانِ: [الوافر]\nوَقَدْ عَلِمَتْ مَعَدٌّ أَنَّ قَوْمِي ... كِرَامُ النَّاسِ إِنَّ لَهُمْ كِرَامَا\nأَلَسْنَا النَّاسِئِينَ عَلَى مَعَدٍّ ... شُهُورَ الحِلِّ نَجْعَلُهَا حَرَامَا «٢»\nوقوله سبحانه: يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا، معناه: عامًا من الأعوام، وليس يريد أنَّ تلك كانَتْ مداولة.\nوقوله سبحانه: لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، معناه: ليوافقُوا، والمواطَأَةُ: الموافقة.\nوقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٣١) .\n(٢) الشعر لعمير بن قيس، ينظر: «أما لي القالي» (١/ ٤)، «التهذيب»، و«اللسان» (نسا)، و«الدر المصون» (٣/ ٤٦٣) .","vol":"3","page":180},{"text":"، هذه الآيةُ بلا خلافٍ أنها نزلَتْ عتابًا على تخلّف من تخلّف عن النبيّ ﷺ في غزوة تَبُوكَ، وكانَتْ سنةَ تسْعٍ من الهجرةِ بعد/ الفَتْح بعامٍ، غزا فيها الرُّوم في عِشْرينَ ألْفًا بين راكبٍ وراجلٍ، والنَّفْر: هو التنقُّل بسرعة من مكانٍ إلى مكانٍ، وقوله: «أثاقلتم» أصله تَثَاقَلْتُمْ، وكذلك قرأ الأعمش «١» وهو نحو قوله: أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ [الأعراف:\n١٧٦] وقوله: أَرَضِيتُمْ تقريرٌ، والمعنى: أرضيتمْ نَزْرَ الدنيا، على خطير الآخرةِ، وحَظِّها الأَسْعَد.\nقَالَ ابنُ هِشامٍ ف «مِنْ» من قوله: مِنَ الْآخِرَةِ للبدل. انتهى. ثم أخبر سبحانه، أنَّ الدنيا بالإِضافة إِلى الآخرة قليلٌ نَزْرٌ، فتعطي قُوةُ الكلام التعجُّبَ مِنْ ضلالِ مَنْ يرضَى النزْرَ الفانِيَ بَدَل الكثير الباقي.\nت: وفي «صحيح مُسْلم» و«الترمذي»، عن النبيّ ﷺ قَالَ: «مَا الدُّنْيَا في الآخرة إِلاَّ مَثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ إِصْبَعَهُ في اليَمِّ، فَلْيَنْظُرْ بِمَاذَا تَرْجعٌ» . قال أبو عيسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. انتهى «٢» .\nوقوله سبحانه: إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ: شرطٌ وجوابٌ، ولفظُ «العذاب» عامٌّ يدخل تحته أنواعُ عذابِ الدنيا والآخرة.\nوقوله: وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ: تَوعُّدٌ بأن يبدل لرسوله ﵇ قومًا لا يقعدون عند استنفاره إِياهم، والضميرُ في قوله: وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا عائدٌ على اللَّه ﷿، ويحتمل أن يعود على النبيّ ﷺ هو أليق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-586>[سورة التوبة (٩): الآيات ٤٠ الى ٤١]</span>\nإِلاَّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠) انْفِرُوا خِفافًا وَثِقالًا وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤١)\n_________\n(١) ينظر: «الشواذ» ص: (٥٧)، و«الكشاف» (٢/ ٢٧١)، و«المحرر الوجيز» (٣/ ٣٤) و«البحر المحيط» (٥/ ٤٣)، و«الدر المصون» (٣/ ٤٦٤)، و«التخريجات النحوية» (٣٥٦) .\n(٢) أخرجه مسلم (٤/ ٢١٩٣) كتاب «الجنة» باب: فناء الدنيا، حديث (٥٥/ ٢٨٥٨)، والترمذي (٤/ ٤٨٦) كتاب «الزهد» باب: هوان الدنيا، حديث (٢٣٢٣)، وابن ماجه (٢/ ١٣٧٦) كتاب «الزهد» باب: مثل الدنيا، حديث (٤١٠٨)، وأحمد (٤/ ٢٢٨، ٢٣٠)، وابن حبان (٤٣٣٠)، والحاكم (٤/ ٣١٩) من طريق قيس بن أبي حازم، عن المستورد بن شداد به.","vol":"3","page":181},{"text":"وقوله سبحانه: إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ هذا أيضًا شرطٌ وجوابٌ، ومعنى الآية:\nإِنكم إِن تركتم نَصْره، فاللَّه متكفِّل به إِذ قد نصره في موضع القلَّة والانفراد وكثرةِ العدو، ولَنْ يترك نَصْرَهُ الآن.\nوقوله: إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا، أسند الإخراج إِليهم تذنيبًا لهم، ولما كان مَقْصِدُ أبي سفيان بن الحارثِ الفَخْرَ في قوله: من طردت كل مطرد، لم يقرّه النبيّ ﷺ عَلَى ما عُلِمَ في كتب «السِّيرَةِ»، والإِشارةُ إلى خروج النبيّ ﷺ مِنْ مكَّة إلى المدينة، وفي صحبته أبو بكر، واختصار القصّة أنّ رسول الله ﷺ كان ينتظر إِذْنَ اللَّه سبحانه في الهِجْرة من مكَّة، وكان أبو بَكْر حينَ تَرَكَ ذمَّة ابنِ الدِّغِنَّةِ قد أراد الخروجَ، فقال له النبيّ ﷺ:\n«اصبر، لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُسَهِّلَ الصُّحْبَةَ» فَلَمَّا أَذِنَ اللَّه لنبيِّه في الخروج، تجهَّز مِنْ دار أبي بَكْر، وخَرَجَا، فبقيا في الغار الذي في جَبَلِ ثَوْرٍ في غَرْبِيِّ مَكَّة ثلاثَ ليالٍ، وخرج المشركُونَ في إِثرهِمْ حتى انتهوا إِلى الغار، فَطَمَسَ اللَّهُ عَلَيْهِم الأَثَرَ، وقال أبو بكر للنبيّ ﷺ: لَوْ نَظَر أَحَدُهُمْ إِلى قدمه، لرآنَا، فَقَالَ له النبيّ ﷺ: «مَا ظَنُّكَ باثنين اللَّهُ ثَالِثُهُمَا» «١» هكذا في الحديث الصحيحِ، ويروَى أن العنكبوتَ نَسَجَتْ على باب الغَار.\nويُرْوَى أن الحمامة عشَّشَتْ عند باب الغارِ، وكان يروحُ عليهما باللَّبَنِ عامرُ بْنُ فُهَيْرَةَ «٢» .\nوقوله: ثانِيَ اثْنَيْنِ، معناه: أحد اثنين، وقوله: إِنَّ اللَّهَ مَعَنا، يريد: بالنصر والنجاة واللُّطْف.\nوقوله سبحانه: وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا، قيل: يريد: لا إله إِلا اللَّه، وقيل: الشرع بأسره.\n_________\n(١) تقدم تخريجه في: سورة آل عمران.\n(٢) عامر بن فهيرة التيميّ، مولى أبي بكر الصّديق، أحد السّابقين، وكان ممن يعذّب في الله.\nله ذكر في «الصّحيح»، حديثه في الهجرة عن عائشة قالت: خرج معهم عامر بن فهيرة، وعنها: لما قدمنا المدينة اشتكى أصحاب النبيّ ﷺ، منهم: أبو بكر، وبلال، وعامر بن فهيرة ... الحديث.\nوفيه: وكان عامر بن فهيرة إذا أصابته الحمى يقول: [الرجز]\nإنّي وجدت الموت قبل ذوقه ... إنّ الجبان حتفه من فوقه\nكلّ امرئ مجاهد بطوقه ... كالثّور يحمي جلده بروقه\nوقال ابن إسحاق في «المغازي» عن عائشة: كان عامر بن فهيرة مولّدا من الأزد، وكان للطفيل بن عبد الله بن سخيرة، فاشتراه أبو بكر منه فأعتقه، وكان حسن الإسلام.\nينظر ترجمته في: «الإصابة» (٣/ ٤٨٢)، (٤٤٣٣) .","vol":"3","page":182},{"text":"وقوله سبحانه: انْفِرُوا خِفافًا وَثِقالًا معنى الخِفَّة والثّقل هاهنا: مستعار لمن يمكنه السفَرُ بسهولة، ومن يمكنه بصُعُوبة، وأما من لا يمكنه، كالعُمْيِ ونحوهم، فخارجٌ عن هذا.\nوقال أبو طلحة «١»: ما سمع اللَّه عذر أحد، وخرج إِلى الشامِ، فجاهد حتَّى ماتَ.\nوقال أبو أيُّوب: ما أَجدني أبدًا إِلا خفيفًا أو ثقيلًا «٢» .\nوقوله سبحانه: ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ: تنبيهٌ وهزّ للنفوس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-587>[سورة التوبة (٩): الآيات ٤٢ الى ٤٥]</span>\nلَوْ كانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قاصِدًا لاتَّبَعُوكَ وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (٤٢) عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ (٤٣) لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (٤٤) إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (٤٥)\nوقوله سبحانه: لَوْ كانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ، هذه الآية في المنافقين المتخلِّفين في غزوة تَبُوكَ، وكَشْفِ ضمائرهم، وأما الآيات التي قبلها، / فعامَّة فيهم وفي غيرهم، والمعنى: لو كان هذا الغزوَ لِعَرَضٍ، أي: لمال وغنيمةٍ تنالُ قريبًا بسَفرٍ قاصدٍ يسيرٍ، لبادروا لا لوجه اللَّه، وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وهي المسافةُ الطويلة.\nوقوله: وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ، يريد: المنافقينَ، وهذا إِخبار بغيب.\nوقوله ﷿: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ، هذه الآيةُ هي في صِنْفٍ مُبَالِغٍ في النفاق، استأذنوا دون اعتذار، منهم: الجَدُّ بْنُ قَيْسٍ وَرِفَاعَةُ بْنُ التأبوت وَمنِ اتبعهم قال مجاهدٌ: وذلك أَنَّ بعضهم قال: نَسْتَأْذنه، فإِن أَذِنَ في القعودِ قعدنا «٣»، وَإِلاَّ قعدنا، وقَدَّم له العفو قبل العتاب: إكراما له ﷺ، وقالت فرقة: بل قوله سبحانه عَفَا اللَّهُ عَنْكَ:\nاستفتاح كلامٍ كما تقولُ: أصْلَحَكَ اللَّهُ، وأَعَزَّكَ اللَّهُ، ولم يكنْ منه ﵇ ذَنْبٌ يعفَى عنه لأن صورة الاستنفار وقَبُول الأعذار مصروفة إلى اجتهاده.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٦/ ٣٧٦) برقم: (١٦٧٥١)، وذكره ابن عطية (٣/ ٣٧) .\n(٢) ذكره ابن عطية (٣/ ٣٧) .\n(٣) أخرجه الطبري (٦/ ٣٨١) برقم: (١٦٧٧٨)، وذكره ابن عطية (٣/ ٣٨)، والبغوي في «تفسيره» (٣/ ٤٤١)، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. [.....]","vol":"3","page":183},{"text":"وقوله: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا، يريد: في استئذانك، وأنك لو لم تأذن لهم، خرجوا معك.\nوقوله: وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ، أي: بمخالفتكَ، لَوْ لم تأذن لأنهم عَزَمُوا على العِصْيَان، أذنتَ لهم أو لم تأذن، وقال الطبريُّ: معناه: حتى تعلم الصَّادقين في أَنَّ لهم عُذْرًا، والكاذبين، في أن لا عُذْرَ لهم، والأول أصْوبُ، واللَّه أعلم، وأمَّا قوله سبحانه:\nفي سورة النور: فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ ... [النور: ٦٢] الآية، ففي غزوة الخندَقِ نزلت: وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ، أي: شكّت ويَتَرَدَّدُونَ، أي: يتحيَّرون إِذ كانوا تخطر لهم صِحَّة أمر النبيّ ﷺ أحيانًا، وأنه غير صحيحٍ أحيانًا، فهم مذبذبُونَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-588>[سورة التوبة (٩): الآيات ٤٦ الى ٤٩]</span>\nوَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ (٤٦) لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَّا زادُوكُمْ إِلاَّ خَبالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٤٧) لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كارِهُونَ (٤٨) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ (٤٩)\nوقوله سبحانه: وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً، أيْ: لو أرادوا الخروجَ بنيَّاتهم، لنظروا في ذلك واستعدوا له.\nوقوله: وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ.\nص: ولكِنْ: أصلها أَن تقع بَيْنَ نقيضَيْن أَو ضِدَّيْنِ، أَوْ خَلافَيْن، على خلاف فيه. انتهى. وانْبِعاثَهُمْ: نفوذَهُمْ لهَذِهِ الغزوة، والتثبيطُ: التَّكْسِيلُ وكَسْر العزم.\nوقوله سبحانه: وَقِيلَ اقْعُدُوا، يحتمل أنْ يكون حكايةً عن اللَّه، أي: قال اللَّه في سابق قضائِهِ: اقعدوا مع القاعدين، ويحتملُ أنْ يكون حكايةً عنهم، أي: كانَتْ هَذِهِ مقالَةَ بَعْضِهِمْ لبعضٍ، ويحتملُ أنْ يكون عبارةً عن إذن النبيّ ﷺ لهم في القعود، أيْ: لما كره اللَّه خروجهم، يَسَّر أَنْ قلْتَ لهم: اقعدوا مع القاعدين، والقعودُ هنا: عبارةٌ عن التخلُّفِ، وكراهيةُ اللَّهِ انبعاثهم: رِفْقٌ بالمؤمنين.\nوقوله سبحانه: لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَّا زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا الخبالُ: الفسادُ في الأشياء المؤتَلِفة كالمودات، وبَعْضِ الأجرامِ، لَأَوْضَعُوا معناه: لأسرعوا السّير،","vol":"3","page":184},{"text":"وخِلالَكُمْ معناه: فيما بينكم.\nقال ص: خِلالَكُمْ جمع خَلَلٍ، وهو الفُرْجَة بين الشيئين، وانتصب على الظّرف ب لَأَوْضَعُوا، ويَبْغُونَكُمُ: حالٌ، أي: باغين. انتهى. والإِيضاع: سُرْعَةُ السير، ووقَعْتُ لَأَوْضَعُوا بألف بَعْدَ «لا» في المصحف، وكذلك وقعتْ في قوله: أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ [النمل: ٢١] يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ، أي: يطلبون لكم الفتْنَة، وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ، قال مجاهد وغيره: معناه: جواسيسُ يسمعون الأخبار، ويَنْقُلُونها إِليهم «١»، وقال الجمهور: معناه: وفيكم مُطِيعُونَ سامعون لهم.\nوقوله سبحانه: لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ، في هذه الآية تحقيرٌ لشأنهم، ومعنَى قوله: مِنْ قَبْلُ: ما كان من حالهم في أُحُدٍ وغيرها، ومعنى قوله: وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ: دبَّروها ظهرًا لبطْنٍ، وسعوا بكُلِّ حيلةٍ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي، نزلَتْ في الجَدِّ بْنِ قيس، وأسند الطبريّ أنّ رسول الله ﷺ/ قالَ: «اغْزُوا تَبُوكَ، تَغْنَمُوا بَنَاتِ الأصْفَرِ» فقال الجَدُّ: ائذن لَنَا وَلاَ تَفْتِنَّا «٢» بالنِّسَاءِ، وقال ابن عبَّاس: إِن الجَدَّ قال:\nولكنِّي أُعِينُكَ بِمَالِي «٣» .\nوقوله سبحانه: أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا، أي: في الذي أظهروا الفرار منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-589>[سورة التوبة (٩): الآيات ٥٠ الى ٥٢]</span>\nإِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ (٥٠) قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنا هُوَ مَوْلانا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١) قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ (٥٢)\nوقوله سبحانه: إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ ... الآية: الحسنَةُ هنا بحسب الغَزْوَة: هي الغنيمةُ والظفرُ، والمصيبةُ: الهزيمة والخيبةُ، واللفظ عامٌّ بعد ذلك في كلِّ محبوب ومكروه، ومعنى قوله: قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا مِنْ قَبْلُ، أَيْ: قد أخذنا بالحَزْمِ في تخلّفنا\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٦/ ٣٨٤) برقم: (١٦٧٩٢- ١٦٧٩٣) نحوه، وذكره ابن عطية (٣/ ٤١)، والبغوي في «تفسيره» (٢/ ٢٩٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٤٤٣)، وزاد نسبته إلى ابن أبي المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.\n(٢) ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٤٤٣)، وعزاه إلى ابن المنذر، والطبراني، وابن مردويه، وأبي نعيم في «المعرفة» .\n(٣) ذكره ابن عطية (٣/ ٤٢) .","vol":"3","page":185},{"text":"وَنَظَرْنَا لأنفسنا، ثم أمر تعالَى نبيَّه، فقال: قل لهم يا محمَّد: لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنا، وهو إِما ظفرًا وسرورًا عاجلًا، وإما أن نستشهد فَنَدْخُلَ الجنة، وباقي الآية بيِّن.\nوقوله سبحانه: قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ، أي: قل للمنافقين، والْحُسْنَيَيْنِ: الظَّفَرُ، والشَّهادة.\nوقوله: أَوْ بِأَيْدِينا، يريد: القَتْلَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-590>[سورة التوبة (٩): الآيات ٥٣ الى ٥٤]</span>\nقُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فاسِقِينَ (٥٣) وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسالى وَلا يُنْفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كارِهُونَ (٥٤)\nوقوله سبحانه: قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا الآية: سَبَبُها أَنَّ الجَدَّ بْنَ قَيْسٍ حين قال: ائذن لي ولا تفتنِّي، قال: إِني أعينك بمالي «١»، فنزلَتْ هذه الآية فيه، وهي عامَّة بعده.\nوقوله ﷿: وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ.\nوفي «صحيح مسلم» عن النبيِّ ﷺ أنه قال: «إِنَّ ثَوَابَ الكَافِرِ عَلَى أَفْعَالِهِ البَرَّةِ هُوَ في الطُّعْمَةِ يَطْعَمُهَا» «٢» وَنَحْوَ ذلك، وهذا مَقْنَعٌ لا يحتاج معه إِلى نَظَرٍ، وأما أَنْ ينتفع بها في الآخرة فلا، وكُسالى: جمع كسلان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-591>[سورة التوبة (٩): الآيات ٥٥ الى ٥٧]</span>\nفَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ (٥٥) وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَما هُمْ مِنْكُمْ وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (٥٦) لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغاراتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (٥٧)\nوقوله سبحانه: فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ... الآية: حقَّر في الآية شأْنَ المنافقين، وعلَّل إِعطاء اللَّه لهم الأَمْوَالَ والأولاد بإِرادته تعذيبهم بها في الحياةِ الدنيا، وفي الآخرة.\nقال ابنُ زَيْد وغيره: تعذيبُهم بها في الدُّنْيَا هو بمصائبها ورزايَاهَا، هِيَ لهم عذابٌ إذ لا يُؤْجَرُونَ عليها، ومِنْ ذلك قَهْرُ الشَّرعِ لهم على أداء الزكاةِ والحقوقِ والواجبات.\n_________\n(١) تقدم تخريجه.\n(٢) تقدم.","vol":"3","page":186},{"text":"قال الفَخْرُ «١»: أمَّا كون كثرة الأموال والأولادِ سَبَبًا للعذاب في الدنيَا، فحاصَلٌ من وجوه: مِنْهَا: أن كلَّما كان حُبُّ الإِنسان للشيء أَشَدَّ وأقوَى، كان حزنُهُ وتألُّم قلبِهِ علَى فراقه أعظَمَ وأصعَبَ، ثم عند الموتِ يَعْظُمُ حزنه، وتشتدُّ حسرته، لمفارقته المحبوبَ، فالمشغوفُ بحبِّ المال والولدِ لا يزالُ في تَعَبٍ، فيحتاج في اكتساب الأموالِ وتحصيلها إِلى تعبٍ شديدٍ ومشقَّة عظيمةٍ، ثم عند حصولِهَا يحتاجُ إِلى متاعِبَ أَشدَّ وأصعَبَ في حفظها وصونِها لأن حفظ المَالِ بَعْد حصوله أصْعَبُ من اكتسابه، ثم إِنه لا ينتفع، إِلاَّ بالقليلِ مِنْ تلك الأموال، فالتعبُ كثيرٌ، والنفعُ قليلٌ، ثم قالَ: واعلم أنَّ الدنْيَا حلوةٌ خَضِرةٌ، والحواسُّ الخمسُ مائلةٌ إِليها، فإِذا كَثُرت وتوالَتْ استغرقت فيها، وانصرف الإِنسان بكلِّيته إِليها، فيصير ذلك سببًا لحرمانه من ذكْرِ اللَّهِ، ثم إِنه يحْصُلُ في قلبه نَوْعُ قسوةٍ وقوةٍ وقهْرٍ، وكلَّما كان المال والجاهُ أَكثر، كَانَتْ تلك القسوةُ أَقوَى، وإِلى ذلك الإِشارةُ بقوله تعالى:\nإِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى [العلق: ٦، ٧] فظهر أن كثرة الأموال والأولاد سَبَبٌ قويٌّ في زوال حُبِّ اللَّه تعالى وحبِّ الآخرة مِنَ القَلْبِ، وفي حصول الدنْيَا وشهواتِهَا في القَلْبِ، وعنْدَ الموت: كأَنَّ الإِنسان ينتقلُ من البستان إلى السِّجْن، ومِنْ مجالسة الأقرباءِ والأحبَّة إِلَى موضعِ الغُرْبَة والكُرْبة، فيعظُمُ تألمُّه، ويقوَى حزنه، ثم عند الحَشْر: حَلاَلُهَا حسابٌ، وحرامُها عِقَابٌ، فثبت أن كثرة الأمْوَالِ والأولادِ سَبَبٌ لحصولِ العَذَاب في الدُّنْيا والآخرة. انتهى.\nثم أخبر سبحانه أنهم ليسوا مِنَ المؤمنين، / وإِنما هم يَفزَعُونَ مِنْهم، والفَرَقُ:\nالخوف.\nوقوله سبحانه: لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً: الملجأ مِنْ لَجَأَ يَلْجَأُ، إِذا أَوَى واعتصم، وقرأ الجمهور: «أَوْ مَغَارَاتٍ» - بفتح الميم «٢» -، وهي الغيران في أعراض الجبالِ، أَوْ مُدَّخَلًا، معناه: السَّرَبُ والنَّفَقُ في الأرض، وهو تفسير ابن عبَّاس «٣» في هذه الألفاظ، وقرأ جمهور الناس: «يَجْمَحُونَ»: ومعناه يسرعون.\n_________\n(١) ينظر: «تفسير الرازي» (١٦/ ٧٥) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٤٦)، و«البحر المحيط» (٥/ ٥٦)، و«الدر المصون» (٣/ ٤٧٤) .\n(٣) أخرجه الطبري (٦/ ٣٩٢) برقم: (١٦٨٢٣- ١٦٨٢٤)، وابن عطية (٣/ ٤٦)، وذكره ابن كثير (٢/ ٣٦٣)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٤٤٧)، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.","vol":"3","page":187},{"text":"قال الفَخْر «١»: قوله: وَهُمْ يَجْمَحُونَ أي: يسرعون إِسراعًا لا يرد وجوههم شَيْء، ومِنْ هذا يقال: جمح الفَرَسُ، وفَرَسٌ جَمُوحٌ، وهو الذي إِذا حَمَلَ، لم يردّه اللجام، انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-592>[سورة التوبة (٩): الآيات ٥٨ الى ٥٩]</span>\nوَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ (٥٨) وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ راغِبُونَ (٥٩)\nوقوله ﷿: وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ ... الآية: أَيْ: ومن المنافقين مَنْ يلمزك، أيْ: يعيبُكَ ويأخذ منك في الغَيْبة ومنه قولُ الشاعر: [البسيط]\nإِذَا لَقِيتُكَ تُبْدِي لِي مُكَاشَرَة ... وَإِنْ أَغِيبُ فَأَنْتَ الهَامِزُ اللُّمَزَهْ «٢»\nومنه قوله سبحانه: وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ [الهمزة: ١] وقوله سبحانه: وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ... الآية: المعنى: لو أن هؤلاء المنافقين رَضُوا قِسْمَةَ اللَّهِ الرزْقَ لهم، وما أعطاهم على يدِ رَسُولِهِ، وأقرُّوا بالرغْبَةِ إِلى اللَّهِ، لكان خَيْرًا لهم، وحُذِفَ الجوابُ، لدلالة ظاهر الكَلاَمِ عليه، وذلك مِنْ فصيحَ الكلامِ وإيجازه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-593>[سورة التوبة (٩): آية ٦٠]</span>\nإِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠)\nوقوله سبحانه: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ ... الآية: إِنَّمَا في هذه الآيةِ حاصرةٌ تقتضي وقوفَ الصَدقاتِ على الثمانيةِ الأصناف، وإِنما أُخْتُلِفَ في صُورَة القِسْمَةِ، ومَذْهَب مالكٍ وغيره أَنَّ ذَلِكَ عَلى قَدْر الاجتهاد، وبحسب الحاجة، وأما الفقيرُ والمِسْكين، فقال ابن عبَّاس والحسن ومجاهدٌ والزُّهْرِيُّ وابن زَيْد وغيرهم: المَسَاكِينُ: الذين يَسْعَوْنَ وَيَسْأَلُونَ، والفقراء: الذين يتصَاوَنُون «٣»، وهذا القولُ أحسنُ ما قيل في هذا، وتحريره أن الفقيرَ هو الذي لا مَالَ له إِلا أنه لم يذلَّ نفسه، ولا يذلُّ وجهه وذلك إِما لتعفُّفٍ مفرط،\n_________\n(١) ينظر: «تفسير الرازي» (١٦/ ٧٧) .\n(٢) البيت لزياد الأعجمي، ينظر: «الكشاف» (٤/ ٧٩٥)، «البحر المحيط» (٨/ ٥٠٩)، و«القرطبي» (٢٠/ ١٢٤)، و«الدر المصون» (٦/ ٥٦٨)، و«فتح القدير» (٥/ ٤٩٤) .\n(٣) أخرجه الطبري في تفسيره (٦/ ٣٩٥) برقم: (١٦٨٣٤- ١٦٨٣٩) نحوه، وذكره ابن عطية (٣/ ٤٨)، والبغوي في «تفسيره» (٢/ ٣٠٢)، والسيوطي (٣/ ٤٤٩)، عن ابن عباس نحوه، وزاد نسبته إلى ابن المنذر والنحاس (٣/ ٤٥٠) عن الزهري بنحوه، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة.","vol":"3","page":188},{"text":"وإِما لِبُلغَةٍ تكون له، كالحَلُوبة وما أشبهها، والمسكينُ هو الذي يقترن بفقره تذلُّل وخضوعٌ وسؤالٌ، فهذه هي المَسْكَنَة ويقوِّي هذا أن اللَّه سبحانه قد وَصَف بني إِسرائيل بالمَسْكَنة، وقَرَنها بالذِّلَّة مع غناهم، وإِذا تأمَّلت ما قلناه، بَانَ أنهما صِنْفان موجُودَان في المسلمين.\nت: وقد أكْثر الناس في الفَرْق بين الفَقِير والمِسْكِين، وأوْلَى ما يعوَّل عليه ما ثبت في ذلك عن النبيّ ﷺ، وقد رَوَى مالكٌ، عن أبي الزِّنَادِ «١» عن الأعرج «٢» عن أبي هريرة أن النبيّ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ المِسْكِينُ بِهَذَا الطَّوَّافِ الَّذِي تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ، وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ، إِنَّمَا المِسْكِينُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ غِنًى يُغْنِيهِ، وَلاَ يُفْطَنُ لَهُ فَيُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ، وَلاَ يَقُومُ فَيَسْأَلَ النَّاسَ» «٣»، انتهى. وأوَّل أبو عمر في «التمهيد» هذا الحديثَ، فقال: كأنه أراد- واللَّه أعلم- ليس المسكينُ على تمامِ المَسْكَنة، وعلى الحقيقة، إِلا الذي لا يسأل النّاس.\nانتهى.\n_________\n(١) عبد الله بن ذكوان الأموي، مولاهم، أبو الزّناد المدني، يكنى: أبا عبد الرحمن، كان أحد الأئمة، عن أنس، وابن عمر، وعمر بن أبي سلمة مرسلا. قال البخاري: أصح الأسانيد أبو الزناد عن الأعرج، عن أبي هريرة. قال الواقدي: مات فجأة سنة ثلاثين ومائة. قال الحافظ شمس الدين الذهبي: ولي بعض أمور بني أمية فتكلم فيه لأجل ذلك، وهو ثقة حجة لا يعلق به جرح.\nينظر: «الخلاصة» (٢/ ٥٣)، «تهذيب الكمال» (٢/ ٦٧٩)، «تهذيب التهذيب» (٥/ ٢٠٣) و«تقريب التهذيب» (١/ ٤١٣)، «الكاشف» (٢/ ٨٤)، «الثقات» (٧/ ٦) .\n(٢) عبد الرحمن بن هرمز الهاشمي، مولاهم، أبو داود المدني الأعرج، القارئ عن أبي هريرة، ومعاوية، وأبي سعيد، وعنه الزهري، وأبو الزّبير، وأبو الزّناد، وخلق، وثقه جماعة.\nقال أبو عبيد: توفي سنة سبع عشرة ومائة بالإسكندرية. ينظر ترجمته في: «الخلاصة» (٢/ ٥٣- ٥٤) (٣٤٨٠) .\n(٣) ورد ذلك من حديث أبي هريرة، وابن مسعود: فأما حديث أبي هريرة، فأخرجه البخاري (٣/ ٣٩٨) في «الزكاة» باب: قول الله تعالى: لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافًا (١٤٧٦، ١٤٧٩)، و(٨/ ٥٠) في «التفسير» باب: لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافًا (٤٥٣٩)، ومسلم (٢/ ٧١٩- ٧٢٠) في «الزكاة»، باب:\nالمسكين الذي لا يجد غنى، ولا يفطن له، فيتصدق عليه (١٠١- ١٠٢- ١٠٣٩)، وأبو داود (١/ ٥١٣) في «الزكاة» باب: من يعطى من الصدقة وحد الغنى (١٦٣١- ١٦٣٢)، والنسائي (٥/ ٨٦) في «الزكاة» باب: تفسير المسكين، ومالك (٩٢٣١٢) في صفة النبي ﷺ باب: ما جاء في المساكين (٧)، وأحمد (٢/ ٢٦٠، ٣١٦، ٣٩٣، ٣٩٥، ٤٥٧، ٤٦٩)، والدارمي (١/ ٣٧٩) في «الزكاة»، باب: المسكين الذي يتصدق عليه، وأبو يعلى (٦٣٣٧)، والحميدي (١٠٥٩)، والبيهقي (٧/ ١١) من طرق عنه.\nوأما حديث ابن مسعود، فأخرجه أحمد (١/ ٣٨٤، ٤٤٦)، وأبو نعيم في «الحلية» (٧/ ١٠٨)، وأبو يعلى (٥١١٨) عن إبراهيم بن مسلم الهجري عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود مرفوعا به.\nقال الهيثمي (٣/ ٩٥): رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح. [.....]","vol":"3","page":189},{"text":"وأَمَّا العاملون: فهم جُبَاتها يستنيبهم الإِمامُ في السعْي على الناس، وجَمْعِ صَدَقَاتهم، قال الجُمْهور: لَهُمْ قَدْر تعبهم ومؤنتهم، وأما الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، فكانوا مُسْلِمين وكافرينَ مستَتِرِينَ مُظْهرين للإِسلام حتى وثَّقه الاستئلاف في أكثرهم، واستئلافهم إِنما كان لِتُجْلَبَ إلى الإِسلام مَنْفَعة، أو تُدْفَعَ عنه مَضَرَّة، والصحيحُ بَقَاءُ حكمهم إِن احتيج إِليهم، وأَما الرِّقابِ، فمذْهَبُ مالك وغيره هو ابتداء عِتْق مؤْمِن، وأما الغَارِمُ: فهو الرجُلُ يرْكَبه دَيْن في غير مَعْصِيَة ولا سَفَه، كذا قال العلماء، وأما فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فهو الغازِي، وإِن كانَ مَلِيًّا ببَلَده، وأمَّا ابْنِ السَّبِيلِ، فهو المسافِرُ، وإِن كان غنيًّا ببلده، وسمي المُسَافِرِ ابْنَ السبيلِ لملازمته السبيلِ.\nومَنِ ادعى الفقْر صُدِّق إِلاَّ لريبة فيكلَّف حينئذٍ/ البيِّنة، وأمَّا إِن ادعى أنه غارمٌ أو ابن السبيل أو غازٍ، ونحو ذلك مما لا يُعْلَم إِلا منه، فلا يعطَى إِلا ببينة، وأهلُ بلد الصَّدقة أَحقُّ بها إِلا أن تَفْضُل فضلةٌ، فتنقل إِلى غيرهم.\nقال ابنُ حَبِيب: وينبغي للإِمام أن يأمِر السُّعَاة بتَفْريقها في المواضِعِ التي جُبِيَتْ فيها، ولا يحمل منها شيْءٌ إِلى الإِمام، وفي الحديثِ: «تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ، فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» «١» .\nوقوله سبحانه: فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ: أي: موجبةً محدودةً.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-594>[سورة التوبة (٩): الآيات ٦١ الى ٦٢]</span>\nوَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٦١) يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ (٦٢)\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٣/ ٢٦١) كتاب «الزكاة» باب: وجوب الزكاة، حديث (١٣٩٥)، ومسلم (١/ ٥٠) كتاب «الإيمان» باب: الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام، حديث (٢٩/ ١٩)، وأبو داود (٢/ ٢٤٢، ٢٤٣) كتاب «الزكاة» باب: في زكاة السائمة، حديث (١٥٨٤)، والترمذي (٢/ ٦٩) كتاب «الزكاة» باب: ما جاء في كراهية أخذ خيار المال في الصدقة، حديث (٦٢١)، والنسائي (٢/ ٥) كتاب «الزكاة» باب: وجوب الزكاة، وابن ماجه (١/ ٥٦٨)، كتاب «الزكاة» باب: فرض الزكاة، حديث (١٨٧٣)، وأحمد (١/ ٢٣٣)، من حديث ابن عباس: أن رسول الله ﷺ لما بعث معاذا إلى اليمن، قال: «إنك تأتي قوما من أهل الكتاب، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوك لذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دَعْوَةَ المَظْلُومِ، فَإنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حجاب» .","vol":"3","page":190},{"text":"وقوله سبحانه: وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ: أي: ومن المنافقين، ويُؤْذُونَ: لفظ يعمّ أنواع إذاءتهم له ﷺ، وخص بعد ذلك مِنْ قولهم: هُوَ أُذُنٌ، وروي أن قائل هذه المقالة نَبْتَلُ بْنُ الحارثِ، وكان من مَرَدَةِ المنافقين، وفيه قال ﷺ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى الشَّيْطَانِ، فَلْيَنْظُرْ إِلَى نَبْتَلِ بْنِ الحَارِثِ» «١»، وكان ثائر الرأس، منتفشَ الشَّعْر، أحمر العينَيْن، أسْفَع الخدَّيْن، مشوَّهًا.\nقال الحسن البصريُّ ومجاهد: قولهم: هُوَ أُذُنٌ: أي: يسمع معاذيرنا ويقبلها «٢»، أي: فنحن لا نُبَالِي من الوقوع فيه، وهذا تنقُّص بقلَّة الحزم، وقال ابن عبَّاس وغيره: إِنهم أرادوا بقولهم: هُوَ أُذُنٌ: أي: يسمع كلَّ ما ينقَلُ إِليهِ عنا، ويصغَي إِليه «٣» ويقبله، فهذا تَشَكٍّ منه ﵇، ومعنى أُذُنٌ: سماع، وهذا من باب تسمية الشيْء بالشيء، إِذا كان منْهُ بسبب كما يقال للرؤية: عيْن وكما يقال للمسنَّة من الإِبل التي قد بَزَلَ نابها:\nنَاب.\nوقيل: معنى الكلامِ: ذو أُذُنٍ، أَي: ذو سماع، وقيل: إِنه مشتقٌّ من قولهم: أَذِنَ إِلَى شَيْءٍ إِذا استمع ومنه قول الشاعر: [البسيط]\nصُمٌّ إِذَا سَمِعُوا خَيْرًا ذُكِرْتُ بِه ... وَإِنْ ذُكِرْتُ بِسُوءٍ عِنْدَهُمْ أَذِنُوا\nوقرأ نافع: «أذن» - بسكون الذال فيهما-، وقرأ الباقون «٤» بضمِّها فيهما، وكلُّهم قرأ بالإِضافة إِلى «خير» إِلا ما رُوِيَ عن عاصمٍ، وقرأ الحسن «٥» وغيره: «قُلْ أُذُنٌ خَيْرٌ» - بتنوين\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ١١٦) بسنده عن ابن إسحاق، فذكره بلاغا. وأخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم كما في «الدر المنثور» (٣/ ٢٥٣)، عن ابن عباس موصولا.\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٦/ ٤٠٦) برقم: (١٦٩١٧- ١٦٩١٨- ١٦٩١٩) نحوه، وذكره ابن عطية (٣/ ٥٢)، وابن كثير (٢/ ٣٦٦) نحوه، والسيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٤٥٤)، وزاد نسبته إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن أبي شيبة.\n(٣) أخرجه الطبري (٦/ ٤٠٥- ٤٠٦) برقم: (١٦٩١٦)، وذكره ابن عطية (٣/ ٥٢)، وابن كثير (٢/ ٣٦٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٤٥٤)، وزاد نسبته إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه.\n(٤) وكأن نافعا استثقل ثلاث ضمات فسكّن.\nينظر: «السبعة» (٣١٥)، «الحجة للقراء السبعة» (٤/ ١٩٨، ٢٠٣)، «حجة القراءات» ص: (٣١٩)، «إعراب القراءات» (١/ ٢٥٠)، «إتحاف» (٢/ ٩٤)، و«العنوان» (١٠٢)، و«شرح شعلة» (٤١٢) .\n(٥) وقرأ بها عاصم في رواية الأعشى عن أبي بكر عنه. والمعنى حينئذ: «قل يا محمد فمن يستمع منكم ويكون قريبا منكم قابلا للعذر خير لكم» .","vol":"3","page":191},{"text":"«أُذن»، ورفع «خير» -، وهذا جار على تأويله المتقدِّم، والمعنى: من يقبل معاذيركم خيرٌ لكم، ورُوِيَتْ هذه القراءة عن عاصمٍ، ومعنى «أذن خيرٍ» على الإِضافة: أي سَمَاعُ خيرٍ وحقٍّ، ويُؤْمِنُ بِاللَّهِ: معناه: يصدِّق باللَّه، وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ: قيل: معناه: ويصدِّق المؤمنين، واللام زائدة، وقيل: يقال: آمَنْتُ لك، بمعنى: صدَّقتك ومنه: وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا [يوسف: ١٧] .\nقال ع «١»: وعندي أن هذه التي معها اللامُ في ضِمْنها بَاءٌ، فالمعنَى: ويصدِّق للمؤمنين بما يخبرونه به، وكذلك قوله: وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا بِمَا نَقُوله.\nت: ولما كانَتْ أخبار المنافقين تصلُ إِلى النبيّ ﷺ تارةً بإِخبار اللَّه له، وتارةً بإِخبار المؤمنين، وهم عدولٌ، ناسب اتصال قوله سبحانه: يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ بما قبله، ويكون التصديقُ هنا خاصًّا بهذه القضيَّة، وإِن كان ظاهر اللفظ عامّا إذ من المعلوم أنه ﷺ لم يَزَلْ مصدِّقًا باللَّه، وقرأ جميع السبعة إِلاَّ حمزة و«رَحْمَةٌ» - بالرفع- عطفًا على «أُذُن»، وقرأ حمزة وحْده: و«رَحْمَةٍ» - بالخفض- عطفًا على «خَيْرٍ»، وخصَّص الرحمة للذين آمنوا إِذ هم الذين فازوا ونَجْوا بالرسول ﵇، يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ: يعني: المنافقين.\nوقوله: وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ: التقدير عند سيبَوَيْهِ: واللَّه أحقُّ أَن يرضوه، ورسوله أحَقُّ أن يرضُوه، فحذف الخَبَر من الجملة الأولَى، لدلالة الثانية عليه.\nوقيل: الضمير في «يرضوه» عائدٌ على المذكور كما قال رُؤْبَةُ: [الرجز]\nفِيهَا خُطُوطٌ مِنْ سَوَادٍ وَبَلَقْ ... كَأَنَّهُ فِي الجلد توليع البهق «٢»\nأي: كأنّ المذكور.\n_________\nينظر: مصادر القراءة السابقة، و«معاني القراءات» (١/ ٤٥٧)، و«المحرر الوجيز» (٣/ ٥٣)، و«البحر المحيط» (٥/ ٦٤)، وزاد نسبتها إلى مجاهد، وزيد بن علي، وهي في «الدر المصون» (٣/ ٤٧٧) .\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٥٣) .\n(٢) ينظر: «ديوانه» ص: (١٠٤) و«أساس البلاغة» ص: (٥٠٩) (ولع) و«الأشباه والنظائر» (٥/ ٦٣)، و«تخليص الشواهد» ص: (٥٣) و«خزانة الأدب» (١/ ٨٨)، و«شرح شواهد المغني» (٢/ ٧٦٤)، و«لسان العرب» (٨/ ٤١١) (ولع)، (١٠/ ٢٩) (بهق)، و«المحتسب» (٢/ ١٥٤)، و«مغني اللبيب» (٢/ ٦٧٨) وبلا نسبة في «شرح شواهد المغني» (٢/ ٩٥٥) .","vol":"3","page":192},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-595>[سورة التوبة (٩): الآيات ٦٣ الى ٦٤]</span>\nأَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدًا فِيها ذلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ (٦٣) يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِؤُا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ (٦٤)\nوقوله: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ... الآية: يُحادِدِ: معناه:\nيخالفُ ويشاقُّ.\nوقوله سبحانه: يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ:\nيَحْذَرُ: خبرٌ عن حال قلوبهم.\nوقال الزَّجَّاج «١» وغيره: «يحذر»: الأمْرُ، وإِن كان لفظه لفْظَ الخبر كأنه قال:\n«ليحذر» .\nوقوله سبحانه: قُلِ اسْتَهْزِؤُا: لفظه لفظُ الأمر، / ومعناه التهديدُ، ثم أخبر سبحانه أنَّه مخرجٌ لهم ما يحذَرُونه إِلى حِينِ الوجودُ، وقد فعل ذلك ﵎ في «سورة بَرَاءَةَ»، فهي تُسمَّى «الفَاضِحَةَ» لأنها فضحت المنافقين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-596>[سورة التوبة (٩): الآيات ٦٥ الى ٦٦]</span>\nوَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ (٦٥) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طائِفَةً بِأَنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ (٦٦)\nوقوله سبحانه: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ... الآية: نَزلَتْ على ما ذكر جماعةٌ من المفسِّرين في وديعةَ بْنِ ثابِتٍ وذلك أنه مع قَوْمٍ من المنافقين كانوا يَسِيرُونَ في غزوة تَبُوكَ، فقال بعضهم: هذا يريدُ أن يَفْتَحَ قُصُور الشام، ويأخذ حصون بني الأصْفَرِ، هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ! فوقَفهم رسُولُ اللَّه ﷺ على ذلك، وقال لهم: قلتم كذا وكذا، فقالوا: إِنما كنا نخُوضُ وَنَلْعَب، وذكر الطبريُّ «٢» عن عبد اللَّه بن عمر أنه قَالَ: رَأَيْتُ قائل هذه المقالة «وديعةَ» متعلِّقًا بحقب ناقة رسول الله ﷺ يماشيها، والحجارةُ تَنْكُبُه، وهو يقول: إِنما كنا نخوض ونلعب، والنبيّ ﷺ يقوله: أَبِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ، ثم حكم سبحانه عَلَيْهم بالكُفْر، فقال لهم: لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ «٣» الآية.\n_________\n(١) ينظر «معاني القرآن» (٢/ ٤٥٩) .\n(٢) ينظر: «تفسير الطبري» (٦/ ٤٠٩) .\n(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٦/ ٤٠٩) برقم: (١٦٩٢٨)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٤٥٥)، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، وابن مردويه.","vol":"3","page":193},{"text":"وقوله سبحانه: إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ، يريد فيما ذكره المفسِّرون، رجلًا واحدًا، قيل: اسمه مَخْشِيُّ بْنُ حِمْيَر، قاله ابنُ إِسحاق، وذكر جميعهم أنَّه استشهد باليَمَامَةِ، وقد كان تَابَ، وتسمَّى عبد الرحمن، فدعا اللَّه أنْ يَسْتَشْهِدَ، ويُجْهَلَ أمره، فكان كذلك، ولم يوجَدْ جَسَده، وكان مَخْشِيٌّ مع المنافقين الذين قالوا: إِنما كنا نخوضُ وَنَلْعَبُ، فقيل: كان منافقًا، ثم تاب توبةً صحيحةً، وقيل: كان مسلمًا مُخْلِصًا إِلا أنه سمع المنافقينَ، فَضَحِكَ لهم، ولم يُنْكِرْ عليهم، فعفا اللَّه عنْه في كلا الوجْهَيْن، ثم أوجب العذاب لباقي المنافقين الّذين قالوا ما تقدّم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-597>[سورة التوبة (٩): الآيات ٦٧ الى ٦٨]</span>\nالْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٦٧) وَعَدَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْكُفَّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ (٦٨)\nوقوله سبحانه: الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ: يريد: في الحُكْم والمَنْزلة في الكُفْر، ولمَّا تقدَّم قبلُ: وَما هُمْ مِنْكُمْ [التوبة: ٥٦] حَسُن هذه الإخبار، ويَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ: أي: عن الصدقة، وفعْلِ الخير، نَسُوا اللَّهَ: أَيْ: تركوه حِينَ تَرَكُوا اتباع نَبيِّه وشَرْعِهِ، فَنَسِيَهُمْ: أي: فتركَهم حين لم يَهْدِهِمْ، والكُفَّار في الآية:\nالمُعْلِنُونَ، وقوله: هِيَ حَسْبُهُمْ: أي: كافيتهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-598>[سورة التوبة (٩): الآيات ٦٩ الى ٧٢]</span>\nكَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوالًا وَأَوْلادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٦٩) أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْراهِيمَ وَأَصْحابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٧٠) وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١) وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)\nوقوله تعالى: كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ: أي: أنتم، أيها المنافقُونَ، كالذين مِنْ قبلكم كانوا أشدَّ منكم قوةً، فَعَصَوْا فأهلكوا، فأنتم أولَى بالإِهلاك لمعصيتكم وضَعْفِكم، والخَلاَقُ: الحَظُّ من القَدْرِ والدينِ وجميعِ حال المَرْءِ، فخلاقُ المَرْء: الشيء الذي هُوَ به خليقٌ، والمعنى: عَجَّلوا حَظَّهم في دنياهم، وتركوا الآخرة، فاتبعتموه أنتم،","vol":"3","page":194},{"text":"أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ: المعنى: وأنتم أيضًا كذلك، ويحتمل أنْ يريد ب أُولئِكَ: المنافقين.\nوقوله سبحانه: أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ ... الآية:\nالمعنى ألم يأتِ هؤلاءِ المنافقين خَبَرُ الأُمم السالفة التي عَصَتِ اللَّه بتكْذيب رسله، فأهلكها، وقَوْمِ إِبْراهِيمَ: نُمْرُود وأصحابه وأَتْبَاعَ دَوْلَته، وَأَصْحابِ مَدْيَنَ قومُ شُعَيْب، وَالْمُؤْتَفِكاتِ: أهلُ القرى الأربعةِ أو السَّبْعة التي بعث إِليهم لوطٌ ﵇، ومعنى الْمُؤْتَفِكاتِ: المنصرفَاتُ والمنْقَلِبَاتُ أُفِكَتْ فَأْتَفَكَتْ لأنها جعل عاليها سافلها، ولفظ البخاريّ: الْمُؤْتَفِكاتِ: ائتفكت: انقلبت بهم الأرضُ. انتهى.\nوالضمير في أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ: عائدٌ على هذه الأمم المذكورة، ثم عقَّب سبحانه بذكْر المؤمنين، وما مَنَّ به علَيْهِمْ مِنْ حُسْن الأعمال ترغيبًا وتنشيطًا لمبادرة ما به أَمَرَ لطفًا منه بعباده سبحانه، لا ربَّ غيْرُهُ، ولا خَيْر إِلا خيره.\nوقوله سبحانه: وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ: قال ابن عباس: هي الصلوات الخمس «١» .\nقال ع «٢»: وبحسب هذا تكون الزَّكَاةُ هي المفروضةُ، والمَدْحُ عندي بالنوافلُ أبلغُ إِذ من يقيم النوافِلَ أحْرَى بإِقامة/ الفَرْض، والسين في قوله: سَيَرْحَمُهُمُ: مُدْخِلَةٌ في الوَعْدِ مُهْلَةً لتكون النفوسُ تنعم برجائه سبحانه، وفَضْلُه سبحانه زعيمٌ بالإِنجاز، وذكَر الطبريُّ «٣» في قوله تعالى: وَمَساكِنَ طَيِّبَةً، عن الحسن أنَّه سأل عنها عِمْرَانَ بنَ حُصَيْن وأبا هريرة، فقالا: على الخَبِيرِ سَقَطَت! سَأَلْنَا عَنْهَا رسول الله ﷺ فَقَالَ: «قَصْرٌ فِي الجَنَّةِ مِنَ اللُّؤْلُؤِ، فِيهِ سَبْعُونَ دَارًا مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاء، في كُلِّ دار سبعون بيتا من زمرّدة خَضْرَاءَ، فِي كُلِّ بَيْتٍ سَبْعُونَ سَرِيرًا» «٤» ونحو هذا مما يشبه هذه الألفاظ، ويقرب منها، فاختصرتها طَلَبَ الإِيجاز.\nت: وتمام الحديث من «الإِحياءِ»، وكتاب الآجُرِّيِّ المعروف ب «كتاب النصيحة»، عن الحسن عن عمرانَ بن حُصَيْن وأبي هريرة، قالا: «على كُلِّ سَرِيرٍ سَبْعُونَ فِرَاشًا مِنْ كُلِّ لَوْنٍ، عَلَى كُلِّ فِرَاشٍ زَوْجَةٌ مِنَ الحُورِ العِينِ، وفِي كُلِّ بَيْتٍ سَبْعُونَ مائدة،\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٦/ ٤١٥) برقم: (١٩٦٥٤)، وذكره ابن عطية (٣/ ٥٨) .\n(٢) ينظر «المحرر الوجيز» (٣/ ٥٨) . [.....]\n(٣) ينظر: «تفسير الطبري» (٦/ ٤١٦) .\n(٤) ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٤٦١)، وعزاه لابن أبي حاتم، وابن مردويه.","vol":"3","page":195},{"text":"عَلَى كُلِّ مَائِدَةٍ سَبْعُونَ لَوْنًا مِنَ الطَّعَامِ، فِي كُلِّ بَيْتٍ سَبْعُونَ وَصِيفَةً، وَيُعْطَى المُؤْمِنُ فِي كُلِّ غَدَاةٍ مِنَ القُوَّةِ مَا يَأَتِي عَلَى ذَلِكَ أَجْمَعَ» «١»، وأما قوله سبحانه: وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ، ففي الحديث الصحيح أَنَّ اللَّه ﷿ يَقُولُ لِعِبَادِهِ إِذَا استقروا فِي الجَنَّةِ: «هَلْ رَضِيتُمْ؟! فَيَقُولُونَ: وَكَيْفَ لاَ نرضى، يا ربنا؟ فيقول: إني سأعطيكم أفضل مِنْ هَذَا كُلِّهِ، رِضْوَانِي، أَرْضَى عَنْكُمْ فَلاَ أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ أَبَدا ...» «٢» الحديث، وقوله: أَكْبَرُ: يريد: أَكْبَرُ من جميعِ ما تقدَّم، ومعنى الآيةِ والحديث مُتَّفِقٌ، وقال الحسن بن أبي الحسن: وصل إِلى قلوبهم برضْوَانِ اللَّهِ مِن اللَّذَّة والسُّرور ما هو أَلَذُّ عندهم وأقرُّ لأَعينهم من كل شيء أصابُوه من لَذَّة الجَنَّة، قال الإِمام «٣» الفَخْر: وإِنما كان الرضوان أَكْبَرَ لأَنه عند العارفين نَعِيمٌ رُوحَانِيٌّ، وهو أشرفُ من النعيم الجِسْمَانيِّ. انتهى. انظره في أوائل «آل عمران» .\nقال ع «٤»: ويظهر أن يكون قوله تعالى: وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ إِشارةً إِلى منازل المقرَّبين الشاربين مِنْ تسنيمٍ، والذين يَرَوْنَ كما يُرَى النَّجْمُ الغَابِرُ في الأُفُق، وجميعُ من في الجنة رَاضٍ، والمنازل مختلفةٌ، وفضل الله متّسع، والْفَوْزُ: النجاةُ والخَلاَصُ، ومن أُدْخِلَ الجنة فقد فاز، والمقرَّبونَ هم في الفوز العظيم، والعبارةُ عندي ب «سرور وكمالٍ» أجوَدُ من العبارة عنها ب «لذة»، واللَّذَّة أيضًا مستعملة في هذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-599>[سورة التوبة (٩): الآيات ٧٣ الى ٧٤]</span>\nيا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٣) يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا وَما نَقَمُوا إِلاَّ أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (٧٤)\nوقوله سبحانه: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ: أي: بالسيف والْمُنافِقِينَ، أي:\nباللسان والتعنيفِ والاكفهرار في الوجْه، وبإِقامة الحدود عليهم.\nقال الحَسَن: وأكثر ما كَانَتِ الحدودُ يومئذٍ تصيبُ المنافقين، ومذْهَبُ الطبريِّ أَنَّ رسول الله ﷺ كان يعرفهم ويسترهم، وأما قوله: وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ، فلفظةٌ عامَّة في الأفعال والأقوال، ومعنى الغِلَظِ: خشن الجانب، فهو ضدّ قوله تعالى:\n_________\n(١) تقدم تخريجه.\n(٢) تقدم تخريجه.\n(٣) ينظر: «تفسير الرازي» (١٦/ ١٠٦) .\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٥٩) .","vol":"3","page":196},{"text":"وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الشعراء: ٢١٥]، وقولُهُ ﷿: يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قالُوا ... الآية، نزلَتْ في الجُلاَسِ بْنِ سُوَيْدٍ، وقوله: لَئِنْ كَانَ مَا يَقُولُ محمَّد حقًّا، لَنَحْنُ شر مِنَ الحُمُر، فسمعها منه رَبِيبُهُ أو رجل آخر، فأخبر النبيّ ﷺ، فجاء الجُلاسُ، فَحَلَفَ باللَّه مَا قالَ هذه الكلمة، فنزلَتِ الآية، فكلمة الكُفْر: هي مقالته هذه لأن مضمنها قَوِيٌّ في التكذيب، قال مجاهد: وقوله: وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا: يعني: أنَّ الجُلاَس قد كان هَمَّ بقَتْل صاحبه الذي أخبر النبيّ ﷺ، وقال قتادة: نزلَتْ في عبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبيٍّ ابن سَلُولَ، وقوله في غزوة المُرَيْسِيعِ: مَا مَثَلُنَا وَمَثَلُهُمْ إِلاَّ كَمَا قَالَ الأَوَّلُ: سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ، ولَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَ\n[المنافقون: ٨]، فبلغ ذلك النبيّ ﷺ، فوقفه، فَحَلفَ أَنَّه لم يقُلْ ذلك، فنزلَتِ الآية مكذِّبة له.\nت: وزاد ابن العربيِّ في «أحكامه» «١» قولًا ثالثًا أنَّ الآية نزلَتْ في جماعة المنافقين قاله الحسن، وهو الصحيحُ/ لعموم القول ووجود المعنَى فيه، وفيهم، انتهى.\nوحدَّث أبو بَكْرٍ بْنُ الخَطِيبِ بسنده، قال: سُئِلَ سفيانُ بنُ عُيَيْنَةَ عن الهَمِّ: أيؤاخَذُ به صاحِبُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، إِذَا كَانَ عَزْمًا أَلَمْ تَسْمَعْ إِلَى قوله تعالى: وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا ... الآية، إِلى قوله: فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ، فجعل عليهم فيه التَّوْبَةِ، قال سفيانُ: الهَمُّ يسوِّد القلْبَ انتهى.\nقال ع «٢»: وعلى تأويل قتادة، فالإِشارة ب كَلِمَةَ الْكُفْرِ إِلى تمثيل ابنِ أُبَيٍّ «سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ» «٣» .\nقال قتادة: والإِشارة ب هَمُّوا إِلى قوله: لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ «٤» [المنافقون:\n٨] .\nوقال الحَسَنُ: هُمَّ المنافِقُونَ من إِظهار الشرك ومكابرة النبيّ ﷺ بما لم ينالوا «٥»، وقال تعالَى: بَعْدَ إِسْلامِهِمْ، ولم يقل: «بعد إِيمانهم» لأن ذلك لم يتجاوزْ ألسنتهم.\nوقوله سبحانه: وَما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ ... الآية: كأَنَّ الكلامَ، وما نقموا إِلا ما حقُّه أنْ يُشْكَرَ، وذُكِرَ رسولُ اللَّه في إِغنائهم منْ حَيْثُ كَثُرَتْ أموالهم من الغنائم،\n_________\n(١) ينظر: «الأحكام» (٢/ ٩٧٩) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٦٠) .\n(٣، ٤) أخرجه الطبري (٦/ ٤٢٢) برقم (١٦٩٨٩)، وذكره ابن عطية (٣/ ٦٠)، وابن كثير (٢/ ٣٧١) .\n(٥) ذكره ابن عطية (٣/ ٦٠) .","vol":"3","page":197},{"text":"ورسول الله ﷺ سَبَبٌ في ذلك، وعلى هذا الحَدِّ قال ﵇ للأنصارِ في غَزْوَةِ حُنَيْنٍ: «كُنْتُمْ عَالَةً، فَأَغْنَاكُمُ اللَّهُ»، قال العراقيُّ: نَقَمُوا: أي: أنْكَرُوا.\nوقال ص: إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ: إِنْ وصلْتَها: مفعولُ نَقَمُوا: أي: ما كرهوا إِلا إِغْنَاء اللَّه إِياهم، وقيل: هو مفعولٌ من أجله، والمفعولُ به محذوفٌ، أي: ما كرهوا الإِيمانَ إِلاَّ للإِغناء. انتهى.\nثم فتح لهم سبحانَهُ بابَ التَّوْبةِ رفقًا بهم ولطفًا، فروي أن الجُلاَسَ تَابَ من النفاقِ، وقال: إِن اللَّه قَدْ تَرَكَ لي بَابَ التَّوْبَة، فاعترف وأخلص، وحسنت توبته «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-600>[سورة التوبة (٩): الآيات ٧٥ الى ٧٩]</span>\nوَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ (٧٧) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (٧٨) الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٩)\nوقوله سبحانه: وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ ... الآية: هذه الآية نزلَتْ في ثَعْلَبَةَ بْنِ حاطب الأنصاريِّ «٢»، قال الحسن: وفي معتّب بن قشير معه،\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٦/ ٤٢٤) برقم: (١٦٩٩٩)، وذكره ابن عطية (٣/ ٦١)، والبغوي (٢/ ٣١١) .\n(٢) جاءت في «الإصابة» ترجمة ثعلبة بن حاطب أو ابن أبي حاطب الأنصاري بعد ترجمة ثعلبة بن حاطب بن عمرو وقال في ثعلبة بن حاطب أو ابن حاطب الأنصاري: ذكره ابن إسحاق فيمن بنى مسجد الضرار، وروى الباوردي وابن السكن وابن شاهين وغيرهم في ترجمة الذي قبله من طريق معان بن رفاعة، عن عليّ بن زيد، عن القاسم، عن أبي أمامة- أن ثعلبة بن حاطب الأنصاري قال: يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالا، فقال النبيّ ﷺ: «قَلِيلٌ تُؤَدِّي شُكْرَهُ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ لاَ تطيقه ...» . فذكر الحديث بطوله في دعاء النبي ﷺ له وكثرة ماله ومنعه الصدقة ونزول قوله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ....\nوفيه أن النبي ﷺ مات ولم يقبض منه الصدقة، ولا أبو بكر، ولا عمر، وأنه مات في خلافة عثمان.\nقال ابن حجر: وفي كون صاحب هذه القصة- إن صحّ الخبر ولا أظنه يصحّ- وهو البدري المذكور قبله- نظر، وقد تأكدت المغايرة بينهما، يقول ابن الكلبي: إن البدري استشهد بأحد، ويقوي ذلك أيضا أن ابن مردويه روى في تفسيره من طريق عطية عن ابن عبّاس في الآية المذكورة. قال: وذلك أن رجلا يقال له ثعلبة بن أبي حاطب من الأنصار أتى مجلسا فأشهدهم فقال: لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ [التوبة: ٧٥] الآية فذكر القصّة بطولها، فقال: إنه ثعلبة بن أبي حاطب، والبدريّ اتفقوا على أنه ثعلبة بن حاطب وقد ثبت أنه ﷺ قال: «لا يدخل النّار أحد شهد بدرا والحديبيّة» .\nوحكى عن ربّه أنه قال لأهل بدر: «اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» فمن يكون بهذه المثابة كيف يعقبه الله نفاقا في قلبه، وينزل فيه ما نزل؟ فالظاهر أنه غيره، والله أعلم.","vol":"3","page":198},{"text":"واختصار ما ذكره الطبريُّ «١» وغيره مِنْ أمره: أنه جاء إلى النبيّ ﷺ فقال: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادع اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَ لِي مَالًا، فَإِنِّي لَوْ كُنْتُ ذَا مَالٍ، لَقَضَيْتُ حُقُوقَهُ، وَفَعَلْتُ فِيهِ الخَيْرَ، فَرَادَهُ النّبيّ ﷺ وَقَالَ: «قَلِيلٌ تُؤَدِّي شُكْرَهُ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ لا تطيقه» فعاود، فقال له النّبيّ ﷺ: «أَلاَ تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِثْلَ رَسُولِ اللَّهِ، وَلَوْ دَعَوْتُ اللَّه أَنْ يُسَيِّرَ الجِبَالَ مَعِي ذَهَبًا، لَسَارَتْ» فَأَعَادَ عَلَيْهِ حَتَّى دَعَا لَهُ النّبيّ ﷺ بِذَلِكَ، فاتخذ غَنَمًا، فَنَمَتْ كَمَا يَنْمُو الدُّودُ حتى ضاقَتْ به المدينةُ، فتنحَّى عنها، وكَثُرت غنمه، حتَّى كان لا يُصَلِّي إِلا الجُمُعَةَ، ثم كَثُرَتْ حتى تَنَحَّى بعيدًا، فترك الصَّلاَة، وَنَجَمَ نِفَاقه، وَنَزَلَ خلال ذلك فَرْضُ الزكاةِ، فبعث النبيّ ﷺ مُصَدِّقِينَ بكتابه في أخْذ زكاة الغَنَمِ، فلما بلغوا ثَعْلَبَةَ، وقرأ الكِتَابَ، قالَ: هَذِهِ أُخْتُ الجِزْيَةِ، ثم قال لهم: دَعُونِي حَى أَرَى رأيي، فلما أتوا رسول الله ﷺ، وأَخْبَروه، قال:\n«وَيْح ثَعْلَبَة» ثَلاَثًا، ونزلَتْ الآية فيه، فحضر القصَّةَ قريبٌ لثعلبة، فخرج إِليه، فقال: أَدْرِكْ أَمرك، فقد نَزَلَ فيك كذا وكذا، فخرج ثعلبة حتى أتى رسول اللَّه ﷺ، فَرَغِبَ أَنْ يؤدِّي زكاتَهُ، فأعرض عنه رسُولُ الله ﷺ، وقال: «إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَلاَّ آخُذَ زَكَاتَكَ»، فبقي كذلك حتّى توفّي رسول الله ﷺ، ثم وَرَدَ ثَعلبةُ على أبي بَكْر، ثم على عمر، ثم على عثمان، يرغَبُ إِلى كلِّ واحد منهم أنْ يأخذ منه الزكاةَ، فكلّهم ردّ ذلك وأباه اقتداء بالنبيّ ﷺ، فبقي ثعلبةُ كذلك حتى هَلَكَ في مدَّة عثمان «٢» .\nوفي قوله تعالى: فَأَعْقَبَهُمْ: نصٌّ في العقوبة على الذَّنْب بما هو أشدُّ منه.\nوقوله: إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ: يقتضي موافاتَهُمْ على النّفاق، قال ابن العربيّ: في ضمير\n_________\nينظر في: «أسد الغابة» (٥/ ٤٨)، «الإصابة» (٦/ ٣٣)، «تهذيب مستمر الأوهام» (ب ١٤٤)، «الاستيعاب» (٣/ ١٣٥٨)، «الجرح والتعديل» (٨/ ٢١٥)، «تجريد أسماء الصحابة» (٢/ ٦٨)، «الطبقات الكبرى» (٥/ ٥٣٠)، (٦/ ٢٩)، «الأنساب» (٣/ ١٠٨) .\n(١) ينظر: «تفسير الطبري» (٦/ ٤٢٥) . [.....]\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٦/ ٤٢٥- ٤٢٦) رقم (١٧٠٠٢) والواحدي في «الوسيط» (٢/ ٥١٣) بتحقيقنا، وفي «أسباب النزول» ص: (١٩١- ١٩٢) من طريق معان بن رفاعة، عن علي بن يزيد، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبي أمامة الباهلي به.\nوذكره الهيثمي في «المجمع» (٧/ ٣٤)، وعزاه للطبراني. وقال: وفيه علي بن يزيد الألهاني، وهو ضعيف وقال العراقي في «تخريج الإحياء» (٣/ ١٣٥) سنده ضعيف، والحديث ضعفه الحافظ في «تخريج الكشاف» (٧٧) وقال: إسناده ضعيف جدا.\nوالحديث ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٤٦٧)، وعزاه إلى الحسن بن سفيان وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ والعسكري في «الأمثال»، والطبراني وابن منده والباوردي وأبو نعيم في «معرفة الصحابة» وابن مردويه، والبيهقي في «الدلائل» وابن عساكر.","vol":"3","page":199},{"text":"يَلْقَوْنَهُ قولان:\nأحدهما: أنه عائدٌ على اللَّه/ تعالى.\nوالثاني: أنه عائدٌ على النفاقِ مجازًا على تقدير الجَزَاءِ كأنه قال: فأعقبهم نفاقًا في قلوبهم إِلى يَوْمِ يلقون جَزَاءَهُ. انتهى من «الأحكام» .\nويَلْمِزُونَ: معناه: ينالون بألسنتهم، وأكثر الروايات في سَبَبِ نزول الآية أَنَّ عبد الرحمن بْنِ عَوْفٍ تصدَّق بأربعة آلاف، وأمْسَكَ مثلها.\nوقيل: هو عمر بنُ الخطَّاب تصدَّق بِنِصْفِ مالِهِ، وقيل: عاصمُ بْنُ عَدِيٍّ «١» تصدَّق بمائَةِ وَسْقٍ «٢»، فقال المنافقون: ما هذا إِلا رياء، فنزلَتِ الآية في هذا كلِّه، وأما المتصدِّق بقليل، فهو أبو عقيل تصدَّق بصاعٍ من تمرٍ، فقال بعضهم: إِن اللَّه غنيٌّ عن صاعِ أبي عقيل، وخرَّجه البخاريُّ «٣»، وقيل: إِن الذي لُمِزَ في القليلِ هو أبو خَيْثَمَةَ قاله كعب بن مالك «٤» .\nفَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ: معناه: يستهزئون ويستخفُّونْ وروى مسلم عن جرير بن\n_________\n(١) هو: عاصم بن عدي بن الجد بن العجلان بن حارثة بن ضبيعة بن حرام بن جعل بن عمرو بن ودم بن ذبيان، أبو عبد الله، قال ابن الأثير:\nشهد بدرا وأحدا والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ، وقيل: لم يشهد بدرا بنفسه لأن رسول الله ﷺ رده من الروحاء واستخلفه على العالية من المدينة، قاله محمد بن إسحاق وابن شهاب وضرب له رسول الله ﷺ بسهمه وأجره. توفي سنة ٤٥ وله ١١٥ سنة.\nينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (٣/ ١١٤)، «الإصابة» (٤/ ٥)، «الثقات» (٣/ ٢٨٦)، «تجريد أسماء الصحابة» (١/ ٢٨٢)، «الاستيعاب» (٢/ ٧٨١)، «الاستبصار» (٢٩٨)، «بقي بن مخلد» (٢٥٦)، «الجرح والتعديل» (٦/ ٣٤٥)، «أصحاب بدر» (١٥٨)، «تهذيب التهذيب» (٥/ ٤٩)، «تهذيب الكمال» (٢/ ٦٣٦)، «الأعلام» (٣/ ٢٤٨)، «التحفة اللطيفة» (٢/ ٢٧٠)، «شذرات الذهب» (١/ ٥٤) .\n(٢) الوسق: ستون صاعا وهو ثلاثمائة وعشرون رطلا عند أهل الحجاز، وأربعمائة وثلاثون رطلا عند أهل العراق على اختلافهم في مقدار الصاع والمد.\nينظر: «لسان العرب» (٤٨٣٦) .\n(٣) ورد هذا في حديث أخرجه البخاري (٨/ ١٨١) كتاب «التفسير» باب: «الذين يلمزون المطوعين في الصدقات» برقم: (٤٦٦٨- ٤٦٦٩) عن ابن مسعود ﵁، وعن ابن عباس أخرجه الطبري (٦/ ٤٣٠) برقم: (١٧٠١٨) نحوه، وذكره ابن عطية (٣/ ٦٣)، وابن كثير في «تفسيره» (٢/ ٣٧٥)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٤٧٠)، وزاد نسبته إلى ابن مردويه، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٤) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٦/ ٤٣٢) برقم: (١٧٠٣١)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٣/ ٦٣)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٤٧٠) .","vol":"3","page":200},{"text":"عبد اللَّهِ، قال: كُنْتُ عند رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في صدر النهار، قال: فجاءَه قَوْمٌ حُفَاةٌ عُرَاةٌ مُجْتَابِي النِّمَارِ متقلِّدي السُّيُوف، عَامَّتِهِم مِنْ مُضَرَ، بلِ كلُّهم مِنْ مُضَرَ، فتمعَّر وَجْهُ رسول الله ﷺ لما رأى بهم من الفاقة، فدخل ثُمَّ خرج، فأمر بلالًا، فأَذَّن وأقَام، فصلَّى ثم خطب، فقال: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ... إِلى آخر الآية: إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء: ١] والآية التي في سورة الحشر: واتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ [الحشر: ١٨] تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِنْ دِينَارِهِ، مِنْ دِرْهَمِهِ، مِنْ ثَوْبِهِ، مِنْ صَاعِ بُرِّه، مِنْ صَاعِ تَمْره حَتَّى قَالَ: وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ بِصُرَّةٍ كَادَتْ كَفُّهُ تَعْجَزُ عَنْهَا، بَلْ قَدْ عَجَزَتْ، قَالَ: ثُمَّ تتابَعَ النَّاسُ، حَتَّى رأَيْتُ كُومَيْنِ مِنْ طَعَامٍ وَثِيَابٍ حتّى رأيت وجه رسول الله ﷺ يتهلّل كأنّه مذهبة، فقال رسول الله ﷺ: «مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلاَمِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الإِسْلاَمِ سُنَّةً سَيِّئَةً، كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ» «١» . انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-601>[سورة التوبة (٩): الآيات ٨٠ الى ٨١]</span>\nاسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٨٠) فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ (٨١)\nوقوله سبحانه: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ: المعنى: أَنَّ اللَّه خَيَّر نبيَّه في هذا، فكأنه قال له: إِن شئْتَ فاستغفر لهم، وإِن شئت لا تستغفر، ثم أعلمه أنَّه لا يغفِرُ لهم، وإِن استغفر سبعين مرَّةً، وهذا هو الصحيحُ في تأويل الآية، لقول النبيّ ﷺ لعمر: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ خَيَّرَنِي فاخترت، وَلَوْ عَلِمْتُ أَنِّي إِذَا زِدتُ عَلَى السَّبْعِينَ يُغْفَرُ لَهُمْ لَزِدْتُ ...» «٢»\nالحديث، وظاهرُ لفْظِ الحديثِ رفْضُ إلزام دليل الخطاب، وظاهر صلاته ﷺ عَلَى ابن أُبَيٍّ أَنَّ كُفْره لم يكنْ يقينًا عنده، ومحالٌ أَنْ يُصلِّيَ على كافرٍ، ولكنه راعى ظواهره من الإقرار\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٢/ ٧٠٤- ٧٠٥) كتاب «الزكاة» باب: الحث على الصدقة ولو بشق تمرة أو كلمة طيبة، وأنها حجاب من النار، حديث (٦٩/ ١٠١٧)، والنسائي (٥/ ٧٥) كتاب «الزكاة» باب: التحريض على الصدقة، حديث (٢٥٥٤) من حديث جرير.\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٦/ ٤٣٥) برقم: (١٧٠٤٥) عن ابن عباس.\nوأخرجه عن مجاهد أيضا (٦/ ٤٣٤) برقم: (١٧٠٤٠، ١٧٠٤٣) بنحو حديث ابن عباس.\nوذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٤٧٢) وعزاه إلى ابن جرير وابن أبي شيبة وابن المنذر.","vol":"3","page":201},{"text":"ووَكَلَ سريرته إِلى اللَّه ﷿، وعلَى هذا كان سَتْرُ المنافقين، وإِذا ترتَّب كما قلنا التخييرُ في هذه الآيةِ، صَحَّ أَنَّ ذلك التخييرَ هو الَّذِي نُسِخَ بقوله تعالى في «سورة المنافقين: [٦]»:\nسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ.\nت: والظاهر أن الآيتين بمعنًى، فلا نَسْخ، فتأمَّله، ولولا الإِطالة لأَوْضَحْت ذلك.\nقال ع «١»: وأما تمثيله بالسبعين دُونَ غيرها من الأعدادِ، فلأَنه عددٌ كثيرًا مَّا يجيءُ غايةً ومقنعًا في الكَثْرة.\nوقوله: ذلِكَ إِشارة إِلى امتناع الغُفْرَانِ.\nوقوله ﷿: فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ ... الآية: هذه آية تتضمَّن وصف حالِهِمْ، على جهة التوبيخ، وفي ضمنها وعيدٌ، وقوله: الْمُخَلَّفُونَ: لفظٌ يقتضي تحقيرَهُم، وأنهم الذين أبعدهم اللَّه مِنْ رضاه/ و«مقْعَد»: بمعنى القُعُود، و«خِلاَف»: معناه: «بَعْدَ» ومنه قولُ الشاعر: [الطويل]\nفَقُلْ للَّذِي يَبْغِي خِلاَفَ الَّذِي مَضَى ... تَأَهَّبْ لأُخْرَى مِثْلِهَا فَكَأَنْ قَد\nيريد: بعد الذي مَضَى.\nوقال الطبريُّ «٢»: هو مصدرُ: خَالَفَ يُخَالِفُ، وقولهم: لاَ تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ: كان هذا القول منهم لأن غزوة تبوك كَانَتْ في شدّة الحرّ وطيب الثمار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-602>[سورة التوبة (٩): الآيات ٨٢ الى ٨٤]</span>\nفَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢) فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ (٨٣) وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ (٨٤)\nوقوله سبحانه: فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا إِشارة إِلى مدة العُمر في الدنيا.\nوقوله: وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا إِشارةٌ إِلى تأبيدِ الخلودِ في النَّارِ، فجاء بلَفْظ الأمر، ومعناه الخبر عن حالهم، وتقديرُ الكلام: لِيَبْكُوا كثيرًا إِذ هم معذَّبون، جزاءً بما كانوا يكسبون،\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٦٤) .\n(٢) ينظر: «تفسير الطبري» (٦/ ٤٣٥) .","vol":"3","page":202},{"text":"وخرَّج ابن ماجه بسنده، عن يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ «١»، عن أنس، قال: قال النّبيّ ﷺ: «يُرْسَلُ البُكَاءُ عَلَى أَهْلِ النَّارِ، فَيَبْكُونَ حَتَّى تَنْقَطِعَ الدُّمُوعُ، ثُمَّ يَبْكُونَ الدَّمَ حَتَّى تَصِيرَ في وُجُوهِهِمْ كَهَيْئَةِ الأُخْدُودِ لَوْ أُرْسِلَتْ فِيهَا السُّفُنُ لَجَرَتْ» «٢»، وخرَّجه ابن المبارك أيضًا عن أنس، قال: سمعت النبيّ ﷺ يقول: «يا أيّها النَّاسُ، ابكوا فَإِنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَبَاكَوْا، فَإِنَّ أَهْلَ النَّارِ تَسِيلُ دُمُوعُهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ، كَأَنَّهَا جَدَاوِلُ حَتَّى تَنْقَطِعَ الدُّمُوعَ، فَتَسِيلُ الدِّمَاءُ، فَتُقَرِّحُ العُيُونَ، فَلَوْ أَنَّ سُفُنًا أُجْرِيَتْ فِيهَا، لَجَرَتْ» «٣»، انتهى من «التذكرة» .\nوقوله سبحانه: فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ ... الآية: يشبه أنْ تكون هذه الطائفةُ قد حُتِمَ عليها بالموافاة على النفاق، وعيّنوا للنبي ﷺ.\nوقوله: وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ: نصٌّ في موافاتهم على ذلك وممَّا يؤيِّد هذا ما روي أنّ النبي ﷺ عَيَّنهم لحذيفةَ بْنِ اليمانِ، وكان الصحابة إِذا رأَوْا حذَيفةَ تأخَّر عن الصَّلاة على جنازة، تأَخَّرُوا هم عنها، وروِي عَنْ حذيفة أَنه قَالَ يَوْمًا: بَقِيَ من المنافقين كَذَا وَكَذَا «٤» .\nوقوله: أَوَّلَ هو بالإِضافة إِلى وَقْت الاستئذان، و«الخالفون»: جَمْعُ مَنْ تخلَّف من نساءٍ، وصبيان، وأهْل عذر، وتظاهرت الرواياتُ أنه ﷺ صلَّى على عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابن سَلُول، وأَنَّ قوله: وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ نزلَتْ بعد ذلك، وقد خرَّج ذلك البخاريُّ من رواية عمر بن الخَطَّاب. انتهى. «٥» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-603>[سورة التوبة (٩): الآيات ٨٥ الى ٨٩]</span>\nوَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ (٨٥) وَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ الْقاعِدِينَ (٨٦) رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ (٨٧) لكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨٨) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٨٩)\n_________\n(١) يزيد بن أبان الرّقاشي أبو عمرو البصري الزاهد، عن أبيه، وأنس، وعنه الأعمش، وأبو الزّناد من أقرانه، تكلم فيه شعبة.\nوقال الفلّاس: ليس بالقوي، وضعفه ابن معين وله أخبار في المواعظ والخوف والبكاء. ينظر ترجمته في «الخلاصة» (٣/ ١٦٦) (٨٠٩٣) .\n(٢) أخرجه ابن ماجه (٢/ ١٤٤٦) كتاب «الزهد» باب: صفة النار، حديث (٤٣٢٤) .\nوقال البوصيري في «الزوائد» (٣/ ٣٢٣) هذا إسناد فيه يزيد بن أبان الرقاشي، وهو ضعيف.\n(٣) أخرجه أبو يعلى (٧/ ١٦٢) برقم: (٤١٣٤) من طريق يزيد عن أنس به.\nوذكره الهيثمي في «المجمع» (١٠/ ٣٩٤) وقال: روى ابن ماجه بعضه، رواه أبو يعلى، وأضعف من فيه يزيد الرقاشي وقد وثق على ضعفه.\n(٤) ذكره ابن عطية (٣/ ٦٦) .\n(٥) تقدم تخريجه. [.....]","vol":"3","page":203},{"text":"وقوله سبحانه: وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ: تقدم تفسير مثل هذه الآية، والطَّوْلُ في هذه الآية المالُ قاله ابن عباس وغيره «١»، والإِشارة بهذه الآيةِ إِلى الجَدِّ بْنِ قَيْسٍ ونظرائِهِ، و«القاعدون»: الزَّمْنَى وأهْلُ العُذْر في الجُمْلَة، والْخَوالِفِ: النساءُ جَمْعُ خالفةٍ هذا قول جمهور المفسِّرين.\nوقال أبو جعفر النَّحَّاس: يقال للرجُلِ الذي لا خَيْرَ فيه: خَالِفَةٌ، فهذا جمعه بحَسَبِ اللفظ، والمراد أخسَّةُ الناسِ وأخلافهم ونحوه عن النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ، وقالت فرقة:\nالخوالفُ: جمعُ خَالِفٍ كفَارِسٍ وَفَوَارِس.\nوَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ: أي: لا يفهمون، والْخَيْراتُ: جمع خَيْرَة، وهو المستحْسَنُ من كلِّ شيء.\nوقوله سبحانه: أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ: أَعَدَّ: معناه يَسَّر وَهَيَّأ، وباقي الآية بيّن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-604>[سورة التوبة (٩): الآيات ٩٠ الى ٩٢]</span>\nوَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٩٠) لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١) وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ (٩٢)\nوقوله سبحانه: وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ ... الآية: قال ابن عبَّاس وغيره:\nهؤلاء كانوا مؤمنين، وكانَتْ أَعذارُهُم صادقة «٢»، وأصل اللفظة: «المُعْتَذِرُونَ»، فقلبت التاءُ ذالًا وأدغمتْ، وقال قتادة، وفرقةٌ معه: بل الذين جاؤوا كفرةٌ «٣»، وقولُهُمْ وعُذْرهم كَذِبٌ.\nقال ص: والمعنى: تكلَّفوا العُذْر، ولا عذر لهم، وكَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ،\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٦/ ٤٤١) برقم: (١٧٠٧٦)، (١٧٠٧٧) نحوه، وذكره ابن عطية (٣/ ٦٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٤٧٦)، وزاد نسبته إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه.\n(٢) ذكره ابن عطية (٣/ ٦٩)، والبغوي (٢/ ٣١٨)، وابن كثير (٢/ ٣٨١) نحوه، والسيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٤٧٧)، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.\n(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٦/ ٤٤٤) برقم: (١٧٠٨٩- ١٧٠٩٠)، وذكره ابن عطية (٣/ ٧٠)، وابن كثير (٢/ ٣٨١) نحوه.","vol":"3","page":204},{"text":"أي: في إيمانهم. انتهى.\nوقوله: سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ ... الآية/ قوله: مِنْهُمْ يؤيِّد أن المعذِّرين كانوا مؤمنين، فتأمَّله، قال ابنُ إِسحاق: المعذِّرون: نَفَرٌ من بني غِفَارٍ وهذا يقتضي أنهم مؤمنون.\nوقوله جلَّت عظمته: لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى ... الآية: يقولُ:\nليس على أهل الأعذار مِنْ ضَعْف بدنٍ أو مرضٍ أو عدمِ نفقةٍ إِثمٌ والحَرَجُ: الإِثم.\nوقوله: إِذا نَصَحُوا: يريد: بنيَّاتهم وأقوالهم سرًّا وجهرًا، مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ: أي: من لائمةٍ تناطُ بِهِمْ، ثم أكَّد الرجاءَ بقوله سبحانه: وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، وقرأ ابنُ عبَّاس «١»: «وَاللَّهُ لأَهْلِ الإِسَاءَة غَفُورٌ رَحِيم»، وهذا على جهة التفسيرِ أشبهُ منه على جهةِ التلاوة لخلافه المصحف، واختلف في من المرادُ بقوله: الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ: فقالتْ فرقة: نَزلَتْ في بَنِي مُقَرِّنٍ: ستَّة إِخوة، وليس في الصحابة ستَّة إِخوة غيرهم، وقيل: كانوا سبعةً.\nوقيل: نزلَتْ في عائِذِ بْنِ عمرو المُزَنيِّ قاله قتادة «٢»، وقيل: في عَبْدِ اللَّهِ بنِ مَعْقِلٍ المزَنِّي «٣» . قاله ابن عباس «٤» .\nوقوله ﷿: وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ هذه الآيةُ نزلَتْ في البَكَّائين، واختلف في تعيينهم، فقيل: في أبي موسَى الأشعريِّ وَرَهْطِهِ، وقيل: في بني مُقَرِّنٍ وعلى هذا جمهور المفسِّرين، وقيل: نزلَتْ في سبعة نَفَرٍ من بطونٍ شتَّى، فهم\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٧٠)، و«البحر المحيط» (٥/ ٨٨) .\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٦/ ٤٤٥) برقم: (١٧٠٩٣)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٤٧٨)، وزاد نسبته إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.\n(٣) عبد الله بن معقل بن مقرن، أبو الوليد المزني، قال ابن حجر في «الإصابة»:\nذكره ابن فتحون في «ذيل الاستيعاب» ولم يذكر مستندا لذكره في الصحابة، وقد قال ابن قتيبة: ليست له صحبة ولا إدراك، وذكره في التابعين ابن سعد، والعجلي، والبخاري، وابن حبان وغيرهم، وله رواية عند أبي داود في «المراسيل»، وقال بعده: ابن معقل لم يدرك النبي ﷺ.\nقال العجلي: تابعي ثقة من خيار التابعين. توفي سنة ٨٨ تقريبا.\nينظر ترجمته في «الإصابة» (٥/ ١٤٤)، «الثقات» (٥/ ٣٥)، «بقي بن مخلد» (٦٤٤)، «الجرح والتعديل» (٥/ ١٦٩)، «تقريب التهذيب» (١/ ٤٥٣)، «سير أعلام النبلاء» (٤/ ٢٠٦) .\n(٤) أخرجه الطبري (٦/ ٤٤٥) برقم: (١٧٠٩٤)، وذكره ابن عطية (٣/ ٧٠) .","vol":"3","page":205},{"text":"البكّاءون، وقال مجاهد: البكّاءون هم بنو مُقَرِّن من مُزَيْنة «١»، ومعنى قوله: لِتَحْمِلَهُمْ:\nأيْ: عَلَى ظَهْر يُرْكَبُ، ويُحْمَل عليه الأثاثُ.\nت: وقصة أبي موسَى الأشعريِّ ورَهْطِهِ مذكورةٌ في الصَّحيح، قال ابنُ العربيِّ في «أحكامه» «٢»: القول بأن الآية نزلَتْ في أبي موسى وأصحابه هو الصحيح، انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-605>[سورة التوبة (٩): الآيات ٩٣ الى ٩٤]</span>\nإِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِياءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٩٣) يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٤)\nوقوله سبحانه: إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِياءُ ... الآية: هذه الآيةُ نزلَتْ في المنافقين المتقدِّم ذكْرُهُمْ: عبدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، والجَدُّ بْنُ قَيْسٍ، وَمُعَتِّبٌ، وغيرهم.\nوقوله: إِذا رَجَعْتُمْ: يريد: مِنْ غزوةَ تَبُوكَ، ومعنَى: لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ: لن نصدِّقكم، والإِشارة بقوله: قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ إِلى قوله: مَّا زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ [التوبة: ٤٧]، ونحوه من الآيات.\nوقوله سبحانه: وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ: توعُّد، والمعنى: فيقع الجزاءُ عليه، قال الأستاذ أبو بَكْرٍ الطُّرْطُوشِيُّ: اعمل للدنيا بقَدْر مُقَامِكَ فيها، واعمل للآخرة بقَدْر بقائك فيها، واستحيي مِنَ اللَّه تعالى بقَدْرِ قُرْبه منْكَ، وأَطِعْهُ بقَدْر حَاجَتِكَ إِليه، وخَفْهُ بقَدْر قُدْرته عليك، واعصه بِقَدْر صَبْرَكَ على النَّار. انتهى من «سراج الملوك» .\nوقوله: ثُمَّ تُرَدُّونَ: يريد البَعْثَ من القبور.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-606>[سورة التوبة (٩): الآيات ٩٥ الى ٩٧]</span>\nسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (٩٦) الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفاقًا وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٩٧)\nوقوله ﷿: سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ ... الآية: قيل: إن هذه\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٦/ ٤٤٦) برقم: (١٧٠٩٥، ١٧٠٩٨)، وذكره ابن عطية (٣/ ٧١)، وابن كثير (٢/ ٣٨١) .\n(٢) ينظر: «الأحكام» (٢/ ٩٩٣) .","vol":"3","page":206},{"text":"الآية من أول ما نَزَلَ في شأن المنافقين في غزوة تَبُوكَ.\nوقوله: إِنَّهُمْ رِجْسٌ: أي: نَتَنٌ وقَذَر، وناهِيكَ بهذا الوَصْف مَحَطَّةً دنيويةً، ثم عطف بمحَطَّةِ الآخِرَةِ، فقال: وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ، أي: مسكنهم.\nوقوله: فَإِنْ تَرْضَوْا ... إِلى آخر الآية: شَرْطٌ يتضمَّن النهْيَ عن الرضا عنهم، وحُكْم هذه الآية يستمرُّ في كل مغموص عليه ببدْعَةٍ ونحوها.\nوقوله سبحانه: الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفاقًا: هذه الآيةُ نزلَتْ في منافقين كانوا في البوادِي، ولا محالة أنَّ خوفهم هناك كان أقلَّ من خوف منافِقِي المدينة، فألسنتهم لذلك مطلقة، ونفاقهم أنجم، وأَجْدَرُ: معناه أحْرَى.\nوقال ص: معناه/ أحقُّ، والحُدُودُ هنا: السّنن والأحكام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-607>[سورة التوبة (٩): آية ٩٨]</span>\nوَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٩٨)\nوقوله سبحانه: وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا ... الآية نصٌّ في المنافقين منهم، و«الدوائر»: المصائبُ، ويحتمل أن تشتقَّ من دَوَرَانِ الزمانِ، والمعنَى:\nينتظر بكم ما تأتي به الأيام، وتدُورُ به، ثم قال على جهة الدعاء: عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ، وكلُّ ما كان بلفظ دعاء من جهة اللَّه ﷿، فَإنَّما هو بمعنى إيجاب الشيء لأَنَّ اللَّه لا يَدْعُو على مخلوقاته، وهي في قبضته ومن هذا وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ [الهمزة: ١]، وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ [المطففين: ١]، فهي كلُّها أحكام تامَّة تضمَّنها خبره تعالى.\nت: وهذه قاعدةٌ جيِّدة، وما وقع له ﵀ مما ظاهره مخالفٌ لهذه القاعدة، وجب تأويله بما ذَكَرَه هنا، وقد وقَع له ذلك بعد هذا في قوله: صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ [التوبة: ١٢٧]، قال: يحتملُ أنْ يكون دعاءً عليهم، ويحتملُ أنْ يكون خبرًا، أي: استوجبوا ذلك، وقد أوضَحَ ذلك عند قوله تعالى: قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ [البروج: ٤]، فانظره هناك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-608>[سورة التوبة (٩): الآيات ٩٩ الى ١٠٠]</span>\nوَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَواتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٩) وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)\nوقوله سبحانه: وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ قال قتادة: هذه ثنية اللَّه تعالى من","vol":"3","page":207},{"text":"الأعراب، وروي أنَّ هذه الآيةَ نزلَتْ في بني مُقَرِّن وقاله مجاهد «١» وَيَتَّخِذُ في الآيتين بمعنَى: يَجْعَلُهُ قَصْدَهُ، والمعنى: ينوي بنفقته ما ذكره الله عنهم، وصَلَواتِ الرَّسُولِ:\nدعاؤه، ففي دعائه خَيْرُ الدنيا والآخرة، والضَّمير في قوله: إِنَّها: يحتملُ عودُهُ على النفَقَةِ، ويحتمل عوده على الصَّلوات، وباقي الآية بَيِّن.\nوقوله سبحانه: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ ... الآية: قال أبو موسى الأشعريُّ وغيره: السابقون الأولون مَنْ صلى القبلتين «٢»، وقال عطاء: هم مَنْ شهد بدرًا «٣» .\nوقال الشَّعْبيُّ: من أدرك بَيْعَة الرِّضْوان «٤»، وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ: يريد: سائر الصحابة، ويدخل في هذا اللفظِ: التابِعُونَ وسائرُ الأمة، لكن بشريطة الإِحسان، وقرأ عمر بن الخطَّاب وجماعة: و«الأَنْصَارُ» «٥» - بالرفع- عطفًا على «والسابقون»، وقرأ ابن كثير: «مِنْ تَحْتِهَا الأنهار»، وقرأ الباقون «٦»: «تحتها»، بإسقاط «من» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-609>[سورة التوبة (٩): آية ١٠١]</span>\nوَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ (١٠١)\nوقوله سبحانه: وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ: الإِشارة ب «مَنْ حولكم» إِلى جُهَيْنة، ومُزَيْنة، وأَسْلَم، وغِفَار، وعُصَيَّة، ولِحيان، وغيرهم مِنَ القبائل المجاورة للمدينة، فأخبر اللَّه سبحانه عن منافقيهم، وتقدير الآية: ومن أهْل المدينة قومٌ أو منافقُون، هذا أحسن ما حمل اللفظ، ومَرَدُوا: قال أبو عبيدة معناه:\n_________\n(١) تقدم.\n(٢) أخرجه الطبري (٦/ ٤٥٤) برقم: (١٧١٢٣)، وذكره ابن عطية (٣/ ٧٥)، والبغوي (٢/ ٣٢١) برقم:\n(١٠٠)، وذكره ابن كثير (٢/ ٣٨٣)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٤٨٣) وزاد نسبته إلى أبي الشيخ، وابن أبي حاتم، وأبو نعيم في «المعرفة» .\n(٣) ذكره ابن عطية (٣/ ٤٥٣) برقم: (١٧١١٦، ١٧١١٨، ١٧١٢٠، ١٧١٢١)، وذكر ابن عطية (٣/ ٧٥)، والبغوي (٢/ ٣٢١) برقم: (١٠٠) .\n(٤) أخرجه الطبري (٦/ ٤٥٣) برقم: (١٧١١٦)، ١٧١١٨، ١٧١٢٠، ١٧١٢١)، وذكره ابن عطية (٣/ ٧٥)، والبغوي (٢/ ٣٢١) برقم: (١٠٠)، وابن كثير (٢/ ٣٨٣)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٤٨٤)، وزاد نسبته الى ابن أبي شيبة وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، وأبي الشيخ.\n(٥) وقرأ بها الحسن وقتادة، وسلام بن سليمان الطويل، وسعيد بن أسعد، ويعقوب بن طلحة، وعيسى الكوفي.\nينظر: «الشواذ» (٥٩)، و«المحتسب» (١/ ٣٠٠)، و«الكشاف» (٢/ ٣٠٤)، و«المحرر الوجيز» (٣/ ٧٥)، و«البحر المحيط» (٥/ ٩٦)، و«الدر المصون» (٣/ ٤٩٧) . [.....]\n(٦) وهي كذلك في مصاحف أهل مكة خاصة.\nينظر: «معاني القراءات» (١/ ٤٦٣)، و«حجة القراءات» (٣٢٢)، و«العنوان» (١٠٣)، و«شرح الطيبة» (٤/ ٣٤٠)، و«شرح شعلة» (٤١٤)، و«إتحاف» (٢/ ٩٧) .","vol":"3","page":208},{"text":"مَرَنُوا عَلَيْه، ولَجُّوا فيه «١»، وقيل غير هذا ممَّا هو قريبٌ منه.\nوقال ابن زَيْد: قاموا عليه، لَمْ يَتُوبوا كما تاب الآخَرُون، والظاهر مِنَ اللفظة أنَّ التمرُّد في الشيء أو المُرُود عليه إِنما هو اللَّجَاج والاشتهار به، والعتوُّ على الزاجر، ورُكُوبُ الرأسِ في ذلك، وهو مستعملٌ في الشر لا في الخَيْر ومنه: شَيْطَانٌ مَرِيدٌ وَمَارِدٌ، وقال ابن العربيّ في «أحكامه» «٢»: مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ: أي: استمروا عليه، وتحقَّقوا به.\nانتهى، ذكَره بعد قوله تعالى: الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا [التوبة: ١٠٧] .\nثم نفى ﷿ عِلْمَ نبيِّه لهم على التعْيين.\nوقوله سبحانه: سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ: لفظ الآية يقتضي ثَلاَثَ مواطِنَ مِنَ العَذَابِ، ولا خلافَ بين المتأوِّلين أن العذاب العظيم الذي يُرَدُّون إِليه هو عذابُ الآخرةِ، وأكثرُ النَّاس أن العذاب المتوسِّط/ هو عذاب «٣» القبْر، واختُلِفَ في عذاب المَرَّة الأولَى: فقال ابنُ عبَّاس: عذابهم بإِقامة حدود الشَّرْع عليهم، مع كراهيتهم فيه «٤» .\nوقال إسحاق: عذابُهم: هو هَمُّهم بظهورِ الإِسْلاَمِ، وَعُلُوِّ كَلِمَتِهِ «٥» . وقال ابْنُ عباسٍ أيضًا- وهو الأشهر عنه-: عذابُهم هو فَضِيحَتُهُمْ وَوَصْمُهُمْ بالنِّفَاقِ «٦» . وقيل غير هذا.\nوقوله ﷿:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-610>[سورة التوبة (٩): آية ١٠٢]</span>\nوَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٠٢)\nوَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ الآية. قال ابْنُ عَبَّاسٍ، وأبو عثمان: هذه الآية في\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٣/ ٧٥) .\n(٢) ينظر: «الأحكام» (٢/ ١٠١٢) .\n(٣) استدل على عذاب القبر من القرآن بقوله تعالى: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ عطف عذاب يوم القيامة على عرض النار صباحا ومساء، فعلم أنه غيره، وما هو إلا عذاب القبر، لأن الآية وردت في حق الموتى، والأحاديث الصحيحة الدالة على عذاب القبر أكثر من أن تحصى بحيث تواتر القدر المشترك بينها في إثباته.\nينظر: «نشر الطوالع» (٣٧١) .\n(٤) ذكره ابن عطية (٣/ ٧٦) .\n(٥) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٦/ ٤٥٨) برقم: (١٧١٥٠)، وذكره ابن عطية (٣/ ٧٦) .\n(٦) ذكره ابن عطية (٣/ ٧٦) .","vol":"3","page":209},{"text":"الأَعْرَابِ، وهي عامَّة في الأُمة إلى يَوْمِ القِيَامَةِ «١» . قال أبو عثمان: ما في القرآن آيةٌ أرجى عندي لهذه الأمة منْها «٢» . وقال مجاهد: بَلْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أبي لُبَابَةَ الأنصاريِّ خاصَّةً في شأنه مع بني قُرَيْظَةَ لَمَّا أَشَارَ لَهُمْ إلى حَلْقِهِ، ثُمَّ نَدِمَ وَرَبَطَ نفسه في ساريَةٍ من سَوَارِي المَسْجِد «٣»، وقالتْ فرقة عظيمةٌ: بل نزلَتْ هذه الآيةُ في شَأن المخلَّفين عن غزوة تَبُوك.\nت: وخَرَّجَ «البخاريُّ» بسنده عن سَمُرة بن جندب قال: قال رسول الله ﷺ:\n«أَتَاني اللَّيْلَةَ آتِيَانِ، فابتعثاني فانتهينا إلى مَدِينَةٍ مَبْنِيَّةٍ بِلَبِنٍ ذَهَبٍ ولَبِنٍ فِضَّةٍ، فَتَلَقَّانَا رِجَالٌ شَطْرٌ مِنْ خَلْقِهِمْ كَأَحْسَن مَا أَنْتَ رَاءٍ. وَشَطْرٌ كَأَقْبَح مَا أَنْتَ رَاءٍ، قَالاَ لَهُمْ: اذهبوا فَقَعُوا فِي ذَلِكَ النَّهْرِ، فَوَقَعُوا فِيهِ، ثُم رَجَعُوا إِلَيْنَا قَدْ ذَهَبَ ذَلِكَ السُّوءُ عَنْهُمْ، فَصَارُوا في أَحْسَن صُورَةٍ، قَالاَ لِي: هَذِهِ جَنَّةُ عَدْنٍ، وَهَذَاكَ مَنْزِلُكَ، قَالاَ: أَمَّا القَوْمُ الَّذِينَ كَانُوا شَطْرٌ مِنْهُمْ حَسَنٌ وَشَطْرٌ مِنْهُمْ قَبِيحٌ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا، فتجاوز الله عنهم» . انتهى «٤» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-611>[سورة التوبة (٩): الآيات ١٠٣ الى ١٠٤]</span>\nخُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٠٤)\nوقوله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً ... الآية: رُوي أن الجماعة التائبة لَمَّا تِيبَ عليهَا، قالوا: يا رسُولَ اللَّه إِنَّا نُرِيدُ أن نتصدَّق بأموالنا زيادةً في تَوْبَتِنا، فقال لهم ﷺ: «إِنِّي لاَ أَعْرِضُ لأَمْوَالِكُمْ إِلاَّ بَأَمْرٍ مِنَ اللَّهِ» «٥»، فَتَرَكَهُمْ حَتَّى نَزَلَتْ هذه الآية، فَهُمُ المراد بها، فروي أنه ﷺ أخذ ثلث أموالِهِمْ، مراعاةً لقوله تعالى: مِنْ أَمْوالِهِمْ،\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٦/ ٤٦٢) برقم: (١٧١٦٥) بنحوه، وذكره ابن عطية (٣/ ٧٧) .\n(٢) أخرجه الطبري (٦/ ٤٦٢) برقم: (١٧١٦٦)، وذكره ابن عطية (٣/ ٧٧) .\n(٣) أخرجه الطبري (٦/ ٤٦١) برقم: (١٧١٥٦، ١٧١٥٧، ١٧١٥٩)، وذكره ابن عطية (٣/ ٧٧)، وابن كثير (٢/ ٣٨٥)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٤٨٨)، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي.\n(٤) أخرجه البخاري (٨/ ١٩٢) كتاب «التفسير» باب: وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ، حديث (٤٦٧٤)، ومسلم (٤/ ١٧٨١) كتاب «الرؤيا» باب: رؤيا النبي ﷺ، حديث (٢٣/ ٢٢٧٥)، والترمذي (٤/ ٥٤٣) كتاب «الرؤيا» باب: ما جاء في رؤيا النبي ﷺ الميزان والدلو، حديث (٢٢٩٤)، وأحمد (٥/ ٨، ٩، ١٤)، وابن حبان (٢/ ٤٢٧، ٤٣١) برقم: (٦٥٥)، والطبراني في «الكبير» (٦٩٨٦، ٦٩٨٧، ٦٩٨٨، ٦٩٨٩)، والبيهقي (٢/ ١٨٧- ١٨٨)، والبغوي في «شرح السنة» (٤/ ٢٣٧ بتحقيقنا) كلهم من طريق أبي رجاء العطاردي عن سمرة بن جندب به. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.\n(٥) ينظر: حديث توبة كعب بن مالك، وأصحابه، وقد تقدم تخريجه.","vol":"3","page":210},{"text":"فهذا هو الذي تظاهَرَتْ به أقوال المتأوِّلين، وقالتْ جماعة من الفقهاء: المرادُ بهذهِ الآية الزكَاةُ المفروضَةُ، وقوله تعالى: تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها: أحسن ما يحتمل أنْ تكون هذه الأفعالُ مسندة إلى ضمير النبيّ ﷺ.\nوقوله سبحانه: وَصَلِّ عَلَيْهِمْ: معناه: ادع لهم، فإِن في دعائك لهم سكونًا لأنفسهم وطمأنينة ووقارًا، فهي عبارةٌ عن صلاح المعتَقَد، والضميرُ في قولِهِ: أَلَمْ يَعْلَمُوا قال ابنُ زَيْدٍ: يُرادُ به الذين لم يتوبوا من المتخلِّفين «١»، ويحتملُ أنْ يُرَادِ به الذين تابوا، وقوله: وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ قال الزَّجَّاج «٢»: معناه: ويقبل الصدقات «٣»، وقد جاءَتْ أحاديثُ صحاحٌ في معنى الآية منها حديثُ أبي هريرة: «إِنَّ الصَّدَقَةَ قَدْ تَكُونُ قَدْرَ اللُّقْمَةِ يَأْخُذُهَا اللَّهُ بِيَمِينِهِ، فَيُرَبِّيهَا لأَحَدِكُمْ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلْوَهُ أَوْ فَصِيلَهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الجَبَلِ» «٤»، ونحو هذا من الأحاديث التي هي عبارةٌ عن القبول والتحفِّي بصدقة العبد.\nوقوله: عَنْ عِبادِهِ: هي بمعنى «من» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-612>[سورة التوبة (٩): الآيات ١٠٥ الى ١١٠]</span>\nوَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥) وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠٦) وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصادًا لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلاَّ الْحُسْنى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١٠٧) لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (١٠٨) أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠٩)\nلا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١١٠)\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٦/ ٤٦٦) برقم: (١٧١٧٧)، وذكره ابن عطية (٣/ ٧٩) .\n(٢) ينظر: «معاني القرآن» للزجاج (٢/ ٤٦٧) . [.....]\n(٣) ذكره ابن عطية (٣/ ٧٩) .\n(٤) أخرجه البخاري (٣/ ٣٢٦) كتاب «الزكاة» باب: الصدقة من كسب طيب، حديث (١٤١٠)، ومسلم (٢/ ٧٠٢) كتاب «الزكاة» باب: قبول الصدقة من الكسب الطيب، حديث (٦٣، ٦٤/ ١٠١٤)، والترمذي (٣/ ٤٠- ٤١) كتاب «الزكاة» باب: ما جاء في فضل الصدقة، حديث (٦٦١- ٦٦٢)، والنسائي (٥/ ٥٧) كتاب «الزكاة» باب: الصدقة من غلول، وابن ماجه (١/ ٥٩٠) كتاب «الزكاة» باب:\nفضل الصدقة، حديث (١٨٤٢)، وأحمد (٢/ ٣٣١، ٣٨٢، ٤١٨، ٤١٩، ٤٣١)، والدارمي (١/ ٣٩٥) كتاب «الزكاة» باب: فضل الصدقة، وابن خزيمة (٤/ ٩٣) برقم: (٢٤٢٦)، وابن حبان (٣٣١٨) من حديث أبي هريرة مرفوعا، وللحديث شاهد من حديث عائشة.\nأخرجه أحمد (٦/ ٢٥١)، وابن حبان (٨١٩- «موارد»)، والبزار (١/ ٤٤١- «كشف»)، حديث (٩٣١) .\nوالهيثمي في «المجمع» (٣/ ١١٥) وقال: رواه البزار، ورجاله ثقات.","vol":"3","page":211},{"text":"وقوله سبحانه: وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ ... الآية: هذه الآية صيغتُها صيغةُ أمْرٍ مضمَّنها الوعيدُ.\nوقال الطبري «١»: المراد بها الذين اعتذروا من المتخلِّفين وتابوا.\nقال ع «٢»: والظاهر أن المراد بها الذين اعتَذَروا، ولم يتوبوا وهم المتوعَّدون، وهم الذين في ضمير أَلَمْ يَعْلَمُوا، ومعنى: فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ، أي: موجودًا معرَّضًا للجزاء عليه بخَيْرٍ أو بِشَرٍّ.\nوقال ابنُ العرَبِيِّ «٣» في «أحكامه»: قوله سبحانه: وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ هذه الآية نزلَتْ بعد ذكر المؤمنين، ومعناها: الأمر، أي: اعملوا بما يُرْضِي اللَّه سبحانه، وأمَّا الآية المتقدِّمة، وهي قوله تعالى: قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ [التوبة: ٩٤] فإنها نزلت بعد ذكْر المنافقين، ومعناها: التهديد وذلك لأن/ النفاق موضِعُ ترهيبٍ، والإيمانُ موضعُ ترغيبٍ، فقوبل أهْلُ كلِّ محلٍّ من الخطاب بما يليقُ بهم. انتهى.\nوقوله سبحانه: وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ: عَطْفٌ على قوله أولًا: وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا: ومعنى الإِرجاء: التأخير، والمراد بهذه الآية فيما قال ابنُ عباس وجماعةٌ: الثلاثةُ الذين خُلِّفوا، وهم كَعْبُ بْنُ مالكٍ، وصاحباه «٤» على ما سيأتي إن شاء اللَّه، وقيل: إِنما نَزلَتْ في غيرهم من المنافقين الذين كانوا مُعَرَّضين للتوبة مع بنائهم مَسْجِدَ الضِّرارِ، وعَلَى هذا: يكون الَّذِينَ اتَّخَذُوا بإسقاط واو العطف بدلًا من آخَرُونَ، أو خبر مبتدأ، تقديره: هم الذين، وقرأ عاصم «٥» وعوامُّ القُرَّاء، والنَّاسُ في كل قطر إلّا ب «المدينة»:\n_________\n(١) ينظر: «الطبري» (٦/ ٤٦٧) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٨٠) .\n(٣) ينظر: «أحكام القرآن» (٢/ ٩٩٦) .\n(٤) سيأتي إن شاء الله تعالى.\n(٥) وكذلك هي في مصاحف أهل الشام.\nينظر: «معاني القراءات» (١/ ٤٦٤)، و«إعراب القراءات» (١/ ٢٥٦)، و«العنوان» (١٠٣)، و«شرح الطيبة» (٤/ ٣٤١)، و«شرح شعلة» (٤١٥)، و«إتحاف» (٢/ ٩٨) .","vol":"3","page":212},{"text":"وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا، وقرأ أهلُ المدينة، نافع وغيرُهُ الَّذِينَ اتخذوا- بإسقاط الواو- على أنه مبتدأ، والخبر: لاَ يَزالُ بُنْيانُهُمُ وأما الجماعة المرادة ب الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا، فهم منافقو بني غنم بن عوف، وبني سالم بن عوف، وأسند الطبريُّ «١»، عن ابن إِسحاق، عن الزُّهْرِيِّ وغيره، أنه قال: أقبل النبيّ ﷺ من غزوة تَبُوكَ، حتى نَزَلَ بذي أَوَانَ- بلدٌ بينه وبين المدينةِ ساعةٌ من نهار- وكان أصحاب مسجد الضّرار، قد أتوه ﷺ وهو يتجهَّز إِلى تبوكِ، فقالوا: يا رسُولَ اللَّهِ إنا قد بَنَيْنَا مسَجِدًا لِذِي العِلَّة والحاجة واللَّيْلَة المَطِيرة، وإِنا نُحِبُّ أَن تأتينا فتصلِّي لنا فيه، فقال: «إِنِّي على جَنَاحِ سَفَرٍ، وَحَالِ شُغْلٍ، وَلَوْ قَدِمْنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَتَيْنَاكُمْ، فَصَلَّيْنَا لَكُمْ فِيهِ»، فَلَمَّا قَفَلَ، وَنَزَلَ بِذِي أوَان، نَزَلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ في شأن مسجد الضّرار، فدعا رسول الله ﷺ مَالِكَ بْنَ الدُّخْشُنِ وَمَعْنَ بْنَ عَدِيٍّ، أو أخاهُ عاصِمَ بْنَ عَدِيٍّ، فَقالَ: «انطلقا إِلَى هَذَا المَسْجِدِ الظَّالِمِ أَهْلُهُ، فاهدماه، وَحَرِّقَاهُ» فانطلقا مُسْرِعَيْنِ فَفَعَلاَ وَحَرَقَاهُ «٢»، وذكَرَ النَّقَّاشُ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ بعث لِهَدْمِهِ وتحريقه عَمَّار بن ياسر وَوَحْشِيًّا مَوْلَى المُطْعم بن عَدِيِّ، وكان بَانُوهُ اثني عَشَرَ رَجُلًا، منهم ثَعْلَبَةُ بْنُ حَاطِبٍ، ومُعْتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ، ونَبْتَلُ بْنُ الحَارِثِ وغيرهم، وروي أنه لما بنى ﷺ مَسْجدًا في بني عمرو بن عوف وقْتَ الهِجْرَة، وهو مَسْجِدُ «قُبَاءٍ» وتشرَّفَ القومُ بذلك، حَسَدَهم حينئذٍ رجالٌ من بني عَمِّهم من بني غنم بن عوف، وبني سالم بن عَوْفٍ، وكان فيهم نفاقٌ، وكان موضعُ مَسْجِدِ «قُبَاءٍ» مربطًا لحمارِ امرأة من الأنصار، اسمها: لَيَّةُ، فكان المنافقُونَ يقولُونَ: واللَّه لا نَصْبِرُ على الصَّلاة في مَرْبَطِ حمارِ لَيَّةَ، ونحو هذا من الأقوال، وكان أبو عامرٍ المعروفُ بِالرَّاهِبِ منهم، وهو أبو حنظلة غسيلِ الملائكةِ، وكان سيِّدًا من نظراء عبدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابن سَلُولَ، فلما جاء اللَّهُ بالإِسلام، نافق، ولم يَزَلْ مجاهرًا بذلك، فسمَّاه رسولُ الله ﷺ الفاسِق، ثم خرج في جماعة من المنافقينَ، فحزّب على النبيّ ﷺ الأحزاب، فلما ردَّهم اللَّه بغَيْظهم، أقام أبو عامر ب «مكة» مظهرًا لعداوته، فلما فتح اللَّه «مكة»، هَرَبَ إِلى «الطائف»، فلما أسلم أهْلُ الطائف، خرج هاربًا إِلى الشام، يريد قيصر مستنصرا به على رسول الله ﷺ، وكتب إلى المنافقين من قومه أَن ابنوا مسجدًا، مقاومةً لمسجد «قُبَاء»، وتحقيرًا له، فإِني سآتي بِجَيْشٍ من الرومِ، أُخْرِجُ به محمَّدًا، وأصحابه من «المدينة»، فبَنُوهُ وقالوا: سيأتي أبو عامرٍ ويصلي فيه، فذلك قوله: وَإِرْصادًا لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يعني: أبا عامر، وَقَوْلَهُمْ: سيأتي أبو عامر، وقوله: ضِرارًا أي: داعيةً للتضارر من/ جماعتين.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٦/ ٤٦٩) برقم: (١٧٢٠٠)، وذكره ابن عطية (٣/ ٨١) .\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٦/ ٤٦٩- ٤٧٠) برقم: (١٧٢٠٠) من طريق ابن إسحاق به.","vol":"3","page":213},{"text":"وقوله: تَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ: يريدُ: تفريقًا بين الجماعة التي كانَتْ تصلِّي في مسجد «قباء»، فإن مَنْ جاور مَسْجدهم كانوا يَصْرِفُونه إليه، وذلك داعيةٌ إلى صرفه عن الإِيمان، وقيل: أراد بقوله: بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ جماعة مسجد رسول الله ﷺ، وروي: أنَّ مسجد الضِّرار، لَمَّا هدم وأُحرِق، اتخذ مزبَلَةً ترمى فيه الأقذار والقِمَامَات، وروي: أن النبيّ ﷺ لما نزلَتْ: لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا كَانَ لا يمرُّ بالطريق التي هو فيها.\nوقوله: لَمَسْجِدٌ: قيل: إن اللام لام قسمٍ، وقيل: هي لام ابتداء، كما تقول:\nلَزَيدٌ أَحْسَنُ النَّاسِ فِعْلًا وهي مقتضية تأكيدًا، وذهب ابن عباس وفرقةٌ من الصحابة والتَّابعين إلى أنَّ المراد ب «مسجد أسس على التقوى»: مسجد «قباء» «١» وروي عن ابن عمر وأبي سعيد وزيد بن ثابت أنه مسجد النبيّ ﷺ «٢» ويليق القولُ الأول بالقصَّة إِلاَّ أن القولَ الثاني مرويّ عن النبيّ ﷺ ولا نَظَرَ مع الحديثِ، قال ابنُ العَرَبي «٣» في «أحكامِه»: وقَدْ رَوَى ابْنُ وهْبٍ وأشهبُ، عن مالكٍ أن المراد ب «مسجد أُسس على التقوى»: مسجد النبيّ ﷺ حيث قال اللَّه ﵎: وَتَرَكُوكَ قائِمًا [الجمعة: ١١] وكذلك روى عنه ابن القاسم، وقد روى الترمذيُّ عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، قال: تمارى رَجُلاَن في المَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التقوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ، فَقَالَ رَجُلٌ: هُوَ مَسْجِدُ «قُبَاء»، وَقَالَ الآخَرُ: هُوَ مَسْجِدُ رَسُولِ الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: «هُوَ مَسْجِدِي هَذَا» . قَالَ أبو عيسى: هذا حديثٌ صحيحٌ، وخرَّجه مسلم «٤» انتهى.\nومعنى: أَنْ تَقُومَ فِيهِ: أي: بصلاتك وعبادتك.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٦/ ٤٧٤) برقم: (١٧٢٢٦- ١٧٢٢٧)، وذكره ابن عطية (٣/ ٨٢) .\n(٢) أخرجه الطبري (٦/ ٤٧٣) برقم: (١٧٢١٦- ١٧٢١٧)، وذكره ابن عطية (٣/ ٨٢)، والبغوي: (٢/ ٣٢٧) .\n(٣) ينظر: «أحكام القرآن» (٢/ ١٠١٤) .\n(٤) أخرجه مسلم (٢/ ١٠١٥) كتاب «الحج» باب: بيان أن المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد النبي ﷺ بالمدينة، حديث (٥١٤/ ١٣٩٨)، والترمذي (٢/ ١٤٤- ١٤٥) كتاب «الصلاة» باب: ما جاء في المسجد الذي أسس على التقوى، حديث (٣٢٣)، وفي (٥/ ٢٨٠) كتاب «التفسير» باب: ومن سورة التوبة، حديث (٣٠٩٩)، وأحمد (٣/ ٨، ٢٣، ٢٤، ٩١)، وابن أبي شيبة (٢/ ٣٧٢- ٢٧٣)، وأبو يعلى (٢/ ٢٧٢- ٣٧٣) برقم: (٩٨٥)، وابن حبان (١٦٠٦)، والحاكم (٢/ ٣٣٤)، والبيهقي في «دلائل النبوة» (٢/ ٥٤٤- ٥٤٥) من طرق عن أبي سعيد الخدري به.\nوذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٢٧٧)، وزاد نسبته إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن خزيمة، وأبي الشيخ، وابن مردويه.","vol":"3","page":214},{"text":"وقوله: فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا اختلف في الضمير أيضًا، هل يعودُ على مسجدِ النبيّ ﷺ أو على مسجد «قُبَاءَ»؟ روي أن النبيَّ ﷺ قَالَ: «يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، إِنِّي رَأَيْتُ اللَّهُ أَثْنَى عَلَيْكُمْ بالطُّهُورِ، فَمَاذَا تَفْعَلُونَ؟» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا رَأَيْنَا جِيرَانَنَا مِنَ اليَهُودِ يَتَطَهَّرُونَ بِالمَاءِ يُرِيدُونَ الاستنجاء، فَفَعَلْنَا نَحْنُ ذَلِكَ، فَلَمَّا جَاءَ الإِسْلاَمُ، لَمْ نَدَعْهُ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «فَلاَ تَدَعُوهُ إِذَنْ» «١» .\nوالبنيانُ الذي أُسِّس على شفا جُرُفٍ: هو مسجدُ الضِّرار بإِجماع، و«الشّفا»:\nالحاشية والشّفير، وهارٍ: معناه مُتهدِّمٌ بالٍ، وهو من: هَارَ يَهُورُ «٢» البخاريُّ: هَارَ هَائِرٌ تَهَوَّرَتِ البِئْرُ، إِذا تهدَّمت وانهارت مثله. انتهى.\nوتأسيسُ البناء علَى تقوى إِنما هو بحُسْن النية فيه وقَصْدِ وجه اللَّه تعالى، وإِظهارِ شرعه كما صنع في مسجد النبيّ ﷺ، وفي مسجدِ «قُبَاء»، والتأسيسُ على شفا جُرُفٍ هَارٍ إِنما هو بفسَاد النيَّة وقصدِ الرياءِ، والتفريقِ بَيْنَ المؤمنين، فهذه تشبيهاتٌ صحيحةٌ بارعةٌ.\nوقوله سبحانه: فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ: الظاهر منه أَنَّه خارجٌ مَخْرَجَ المَثَلِ، وقيل: بل ذلك حقيقة، وأن ذلك المَسْجِدَ بعينه انهار في نَارِ جَهَنَّم قاله قتادةُ وابْنُ جُرَيْج «٣»، وروي عن جابِرِ بنِ عبدِ اللَّهِ وغيره أنه قال: رَأَيْتُ الدُّخَانَ يَخْرُجُ منه على عهد رسول الله ﷺ «٤»، وروي في بَعْضِ الكُتُبِ أنَّ رَسُول اللَّه ﷺ رَآهُ حين انهار بَلَغَ الأَرض السابعة، فَفَزِعَ لذلك ﷺ، وروي أنهم لم يُصلُّوا فيه أكْثَرَ من ثلاثةِ/ أيامٍ، وهذا كلُّه بإِسناد لَيِّنٍ، واللَّه أعلم، وأسند الطبريُّ عن خلفِ بْنِ ياسِين، أنه قَالَ: رَأَيْتُ مسْجِدَ المنافقينَ الذي ذَكَرَه اللَّه في القرآن، فَرَأَيْتُ فيه مكانًا يخرجُ منه الدُّخَان «٥» وذلك في زَمَن أبي جَعْفَرٍ المنصورِ، وروي شبيه بهذا أو نحوه عَن ابن جريج «٦»: أسنده الطبري.\n_________\n(١) تقدم تخريجه. [.....]\n(٢) ينظر: «صحيح البخاري» (٨/ ١٦٤) كتاب «التفسير» باب: سورة التوبة.\n(٣) أخرجه الطبري في تفسيره (٦/ ٤٧٩) برقم: (١٧٢٦٠- ١٧٢٦١)، وذكره ابن عطية (٣/ ٨٥)، والبغوي (٣/ ٣٢٨)، وابن كثير (٢/ ٣٩١)، و«الدر المنثور» للسيوطي (٣/ ٤٩٩)، وزاد نسبته إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس بنحوه.\n(٤) أخرجه الطبري (٦/ ٤٧٩) برقم: (١٧٢٦٢)، وذكره ابن عطية (٣/ ٨٥)، والبغوي (٢/ ٣٢٨)، وابن كثير (٢/ ٣٩١)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٤٩٩)، وزاد نسبته إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه.\n(٥) ذكره ابن عطية (٣/ ٨٦) .\n(٦) أخرجه الطبري (٦/ ٤٧٩) برقم: (١٧٢٦١) .","vol":"3","page":215},{"text":"قال ابن العربيِّ في «أحكامه» «١» وفي قوله تعالَى: فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ، مع قوله: فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ [القارعة: ٩] إِشَارَةٌ إِلَى أَن النار تَحْتُ كما أن الجَنَّةَ فَوْقُ. انتهى.\nوالرِّيبة: الشَّكُّ، وقد يسمى ريبةً فسادُ المعتقدِ، ومعنى الرِّيبةِ، في هذه الآية: أمرٌ يعمُّ الغيظَ والحَنَقَ، ويعمُّ اعتقاد صَوَابِ فعْلهم ونحو هذا ممَّا يُؤدِّي كلُّه إِلى الارتياب في الإِسلامِ، فمقصدُ الكلام: لا يَزَالُ هذا البنيانُ الذي هُدِّم لهم، يُبْقِي في قلوبهم حَزَازَةً وأَثَرَ سُوءٍ، وبالشكِّ فسَّر ابن عباس الريبةَ هنا «٢» .\nوبالجملة إِن الريبة هنا تعمُّ معانيَ كثيرةً يأخذ كلُّ منافق منها بحَسَب قَدْره من النِّفاق.\nوقوله: «أَلا أَنْ تُقطَّع قلوبهم» - بضم التاء- يعني: بالموت، قاله ابن عباس وغيره «٣» وفي مُصْحَف «٤» أُبَيٍّ: «حَتَّى المَمَاتِ»، وفيه: «حتّى تقطّع» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-613>[سورة التوبة (٩): الآيات ١١١ الى ١١٢]</span>\nإِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١١) التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٢)\nوقوله ﷿: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ... الآية: هذه الآيةُ نزلَتْ في البَيْعة الثالثة، وهي بيعةُ العَقَبة الكُبْرَى، وهي التي أَنَافَ فيها رجالُ الأنصار على السبعين وذلك أنهم اجتمعوا مع النبيّ ﷺ عند العقبة، فقالوا: اشترط لك، وَلَرَبِّكَ، والمتكلِّمُ بذلك عبدُ اللَّه بْنُ رَوَاحَة «٥» فاشترط نبيُّ الله\n_________\n(١) ينظر: «أحكام القرآن» (٢/ ١٠١٨) .\n(٢) أخرجه الطبري (٦/ ٤٨٠) برقم: (١٧٢٦٥)، وذكره ابن عطية (٣/ ٨٦)، والبغوي في «تفسيره» (٢/ ٣٢٩)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٥٠٠)، وزاد نسبته إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في «دلائل النبوة» .\n(٣) أخرجه الطبري (٦/ ٤٨٠) برقم: (١٧٢٦٥)، وذكره ابن عطية (٣/ ٨٦)، وابن كثير (٢/ ٣٩١)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٥٠٠)، وزاد نسبته إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في «دلائل النبوة» .\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٨٦)، و«البحر المحيط» (٥/ ١٠٥) .\n(٥) هو: عبد الله بن رواحة بن ثعلبة بن امرئ القيس بن عمرو بن امرئ القيس الأكبر بن مالك الأغر ... أبو محمد الأنصاري، الخزرجي.\nكان ممن شهد العقبة، وكان نقيب بني الحارث بن الخزرج، وشهد بدرا، وأحدا، والخندق،","vol":"3","page":216},{"text":"حمايته ممَّا يحمُونَ منه أنفسهم، واشترط لربِّهِ التزام الشريعةِ، وقِتَالَ الأَحمَرِ والأَسْوَدِ في الدَّفْع عن الحَوْزَة، فقالوا: مَا لَنَا عَلَى ذَلِكَ، يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟ فَقَالَ: الجَنَّةُ، فَقَالُوا: نَعَمْ، رَبحَ البَيْعُ، لاَ تَقِيلُ وَلاَ تُقَالُ، وفي بعض الرواياتِ: «وَلاَ نَسْتَقِيلُ» فنزلَتِ الآية في ذلك.\nوهكذا نقله ابن العربيِّ في «أحكامه» «١»، عن عبد اللَّه بن رَوَاحَة، ثم ذكر من طريق الشعبيِّ، عن أبي أمامة أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ نحو كلام ابنِ رَوَاحَةَ.\nقال ابن العربيِّ «٢»: وهذا وإن كان سنده مقطوعًا، فإن معناه ثابتٌ مِنْ طرق. انتهى.\nثم الآية بَعْدَ ذلك عامَّة في كلِّ من جَاهَدَ في سبيلِ اللَّهِ مِنْ أمة نبيِّنا محمد ﷺ إلى يوم القيامة، قال بعضُ العلماء: مَا مِنْ مُسْلِم إلا وللَّه في عُنُقِهِ هذه البَيْعَةُ، وفى بِهَا أو لم يَفِ، وفي الحديث: «إِنَّ فَوْقَ كُلِّ بِرٍّ بِرًّا حَتَّى يَبْذُلَ العَبْدُ دَمَهُ، فَإِذَا فَعَلَ، فَلاَ بِرَّ فَوْقَ ذَلِكَ» . وأسند الطبريُّ عن كثير من أهْلِ العِلْم أنهم قالوا: ثَامَنَ اللَّه تَعَالَى في هذه الآية عِبَادَهُ، فَأَغْلَى لهم وقاله ابن عباس وغيره «٣»، وهذا تأويلُ الجمهور.\nوقال ابن عُيَيْنَة: معنى الآية: اشترى منهم أنفسهم ألاَّ يُعْمِلُوهَا إلا في طاعته، وأموالَهُمْ أَلاَّ يُنْفِقُوها إِلاَّ في سبيله، فالآية علَى هذا: أعمُّ من القَتْلِ في سبيل اللَّه.\nوقوله: يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ على تأويل ابْنِ عُيَيْنة: مقطوعٌ، ومستأنفٌ، وأما على تأويل الجمهور مِنْ أَنَّ الشراء والبَيْع إِنما هو مع المجاهدين، فهو في موضع الحال.\nوقوله سبحانه: وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ: قال المفسِّرون:\nيظهر من قوله: فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ أن كلَّ أُمَّة أُمِرَتْ بالجهاد، ووُعِدَتْ عليه.\nقال ع «٤»: ويحتملُ أَنَّ ميعاد أمّة نبينا محمد ﷺ، تقدَّم ذكره في هذهِ الكُتُب، واللَّه أعلم.\n_________\nوالحديبية، وخيبر، وعمرة القضاء، والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ إلا الفتح وما بعده، فإنه كان قد قتل قبله، وهو أحد الأمراء في غزوة مؤتة.\nينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (٣/ ٢٣٤)، «الإصابة» (٤/ ٦٦)، «الثقات» (٣/ ٢٢١)، «تجريد أسماء الصحابة» (١/ ٣١٠)، «الاستبصار» (٥٣، ٥٦)، «الاستيعاب» (٣/ ٢٩٨)، «بقي بن مخلد» (٨٨٥)، «تقريب التهذيب» (١/ ٤١٥)، «تهذيب التهذيب» (٥/ ٢١٢)، «تهذيب الكمال» (٢/ ٦٨١) .\n(١) ينظر: «أحكام القرآن» (٢/ ١٠١٨) .\n(٢) ينظر: «أحكام القرآن» (٢/ ١٠١٩) .\n(٣) أخرجه الطبري (٦/ ٤٨٢) برقم: (١٧٢٨١) نحوه، وذكره ابن عطية (٣/ ٨٧) . [.....]\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٨٧) .","vol":"3","page":217},{"text":"قال ص: وقوله: فَاسْتَبْشِرُوا: ليس للطلب، بل بمعنى: أَبْشِرُوا كاستوقد، قال أبو عُمَرَ بْنُ عبد البر في كتابه المسمى ب «بهجة المجالس»: وروي عن النبيّ ﷺ أنه قال: «من وعده الله على عمل ثوابا، فهو منجز له ما وعده، ومن أوعده على عمل عقابا، فإن شاء عذبه وإن شاء غفر له» «١» . وعن ابن عباس مثله. انتهى. وباقي الآية بَيِّن.\nقال الفَخْر: واعلم أَنَّ هذه الآية مشتملةٌ على أنواع من التأكيدات:\nفأولها: قوله سبحانه: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ، فكون المشتَرِي هو اللَّه المقدَّس عن الكَذِبِ والحِيلَة مِنْ أَدَلِّ الدلائل على تأكيد هذا العَهْد.\nوالثاني: أنه عبر عن إِيصال هذا الثواب بالبَيْعِ والشراءِ، وذلك حَقٌّ مُؤَكَد.\nوثالثها: قوله: وَعْدًا، ووعد اللَّه حقٌّ.\nورابعها: قوله: عَلَيْهِ، وكلمةُ «عَلى» للوجوب.\nوخامسها: قوله: حَقًّا، وهو تأكيد للتحقيق.\nوسادسها: قوله: فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ، وذلك يجري مَجْرَى إِشهاد جميع الكُتُب الإِلهية، وجمِيعِ الأَنبياء والمُرْسلين عَلى هذه المبايعة.\nوسابعها: قوله: وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ، وهو غايةُ التأكيد.\nوثامنها: قوله: فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ، وهو أيضًا مبالغةٌ في التأكيد.\nوتاسعها: قوله: وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ.\nوعاشرها: قوله: الْعَظِيمُ.\nفثبت اشتمال هذه الآية على هذه الوجوهِ العَشَرةِ في التأكيدِ والتقريرِ والتحقيق.\nانتهى.\nوقوله ﷿: التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ، إلى قوله: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ، هذه الأوصافُ هي مِنْ صفات المؤمنين الذين ذكر اللَّه أنَّه اشترى منهم أنفُسَهُمْ وأموالهم، ومعنى الآية، على ما تقتضيه أقوالُ العلماء والشَّرْعُ: أنها أوصافُ الكَمَلَةِ من المؤمنين، ذكرها سبحانه، لِيَسْتَبِقَ إِليها أهْلُ التوحيد حتى يكُونوا في أعْلَى رتبةٍ، والآية الأولى مستقلّة\n_________\n(١) تقدم تخريجه من حديث عبادة بن الصامت.","vol":"3","page":218},{"text":"بنفسها، يقع تَحْتَ تلك المبايعة كلُّ موحِّد قاتَلَ في سبيل اللَّهِ، لتكونَ كلمة اللَّه هي العليا، وإِنْ لم يتَّصفْ بهذه الصفات التي في هذه الآية الثانية أو بأكثرها، وقالَتْ فرقةٌ: بل هذه الصفاتُ جاءت علَى جهة الشَّرْط، والآيتان مرتبطتان، فلا يَدْخُلُ في المبايعة إِلا المؤْمِنُونَ الذين هُمْ عَلى هذه الأوصاف، وهذا تحريجٌ وتضييقٌ، والأول أصوبُ، واللَّه أعلم.\nوالشهادة ماحيةٌ لكلِّ ذنب إلا لمظالِمِ العِبَادِ، وقد روي أن اللَّه ﷿ يحمل على الشَّهِيدِ مَظَالِمَ العبادِ، ويجازِيهِمْ عنه، ختم الله لنا بالحسنى.\nوالسَّائِحُونَ: معناه: الصائمون، وروي عن عائشة، أَنها قالَتْ: سِيَاحَةُ هَذِهِ الأُمَّةِ الصِّيَام «١» أسنده الطبريُّ «٢»، وروي أنه من كلام النبيّ ﷺ «٣» .\nقَالَ الفَخْر: ولما كان أصل السياحة الاستمرار على الذَّهاب في الأرض، سُمِّي الصائم سائحًا لاستمراره على فِعْل الطاعة وترك المَنْهِيِّ عنه مِنْ المفطِّرات.\nقال الفَخْر «٤»: عندي فيه وجْهٌ آخر، وهو أن الإِنسان إذا امتنع مِنَ الأَكل والشُّرب والوِقاع، وسَدَّ عَلَى نفسه بَابَ الشهواتِ، انفتحت له أبوابُ الحكمةُ وتجَلَّتْ له أنوار عالم الجلال ولذلك قال ﷺ: «مَنْ أَخْلَصَ للَّهِ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا، ظَهَرَتْ يَنَابِيعُ الحِكْمَةِ مِنْ قَلْبِهِ عَلَى لِسَانِهِ «٥» فَيَصير من السائحين في عالَمِ جلالِ اللَّه المنتقلينِ مِنْ مقام إلى مقام، ومن\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٦/ ٤٨٦) برقم: (١٧٣٢٧)، وذكره ابن عطية (٣/ ٨٩) .\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٦/ ٤٨٤) برقم: (١٧٣٠٠- ١٧٣٠١) .\n(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٦/ ٤٨٤) برقم: (١٧٣٠٠) عن عبيد بن عمير قال: سئل النبي ﷺ عن السائحين؟ فقال: هم الصائمون. وأخرجه برقم: (١٧٣٠١) عن أبي هارون قال: قال لي رسول الله ﷺ: السائحون هم: الصائمون.\n(٤) ينظر: «مفاتيح الغيب» (١٦/ ١٦١) .\n(٥) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (٥/ ١٨٩) من طريق محمد بن إسماعيل، ثنا أبو خالد يزيد الواسطي أنبأنا الحجاج عن مكحول عن أبي أيوب الأنصاري مرفوعا.\nوقال أبو نعيم: كذا رواه يزيد الواسطي متصلا، ورواه أبو معاوية عن الحجاج فأرسله.\nومن طريق أبي نعيم أخرجه ابن الجوزي في «الموضوعات» (٣/ ١٤٤) .\nوقال: هذا حديث لا يصحّ عن رسول الله ﷺ ففيه يزيد الواسطي وهو يزيد بن عبد الرحمن.\nقال ابن حبان: كان كثير الخطأ، فاحش الوهم، خالف الثقات في الروايات لا يجوز الاحتجاج به، وحجاج مجروح، ومحمد بن إسماعيل مجهول، ولا يصحّ لقاء مكحول لأبي أيوب، وقد ذكر محمد بن سعد أن العلماء قدحوا في رواية مكحول وقالوا: هو ضعيف في الحديث اه.\nوالحديث قد روي عن مكحول مرسلا كما أشار إلى ذلك الحافظ أبو نعيم.","vol":"3","page":219},{"text":"درجةٍ إلى درجةٍ» . انتهى.\nقال ع «١»: وقال بعضُ النَّاس، وهو في كتاب النَّقَّاش: السَّائِحُونَ: هم الجائلون بأفكارهم في قُدْرة اللَّه ومَلَكُوتهُ وهذا قولٌ حَسَن، وهو من أفضل العباداتِ، والرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ: هم المصلُّون الصَّلوات كذا قال أهل العلم، ولكن لا يختلف في أنَّ من يكثر النَّوافلَ هو أَدْخَلُ في الاسم، وأَعْرَقُ في الاتصاف.\nوقوله: وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ لفظٌ عامٌّ تحته/ التزام الشريعة.\nت: قال البخاريُّ: قال ابن عباس: الحدود: الطاعة «٢» .\nقال ابن العربيُّ «٣» في «أحكامه»، وقوله: وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ خَاتمةُ البيان، وعمومُ الاشتمال لكلِّ أمْر ونهْي. انتهى.\n_________\nوالمرسل أخرجه هنّاد بن السري في «الزهد» برقم: (٦٧٨)، وابن أبي شيبة (١٣/ ٢٣١)، وأبو نعيم في «الحلية» (٥/ ١٨٩) من طريق الحجاج عن مكحول مرسلا.\nوسنده ضعيف لضعف الحجاج مع إرساله. وللحديث شواهد من حديث أبي موسى وابن عباس.\nحديث أبي موسى: أخرجه ابن عدي في «الكامل» (٥/ ١٩٤٥)، ومن طريقه ابن الجوزي في «الموضوعات» (٣/ ١٤٤) من طريق عبد الملك بن مهران الرفاعي، حدثنا معن بن عبد الرحمن، عن الحسن، عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ: «من زهد في الدنيا أربعين يوما وأخلص فيها لله أخرج الله على لسانه ينابيع الحكمة من قلبه» . وقال ابن عدي: هو منكر، وعبد الملك مجهول وأقره ابن الجوزي في «الموضوعات» .\nحديث ابن عباس: أخرجه القضاعي في «مسند الشهاب» (٤٦٦)، ومن طريقه ابن الجوزي في «الموضوعات» (٣/ ١٤٤- ١٤٥) من طريق سوار بن مصعب، عن ثابت، عن مقسم، عن ابن عباس مرفوعا بلفظ: «من أخلص لله تعالى أربعين صباحا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه» .\nوقال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصحّ عن رسول الله ﷺ، قال أحمد ويحيى والنسائي: سوار بن مصعب متروك الحديث، وقال يحيى: ليس بثقة ولا يكتب حديثه. وقال أيضا: وقد عمل جماعة من المتصوفة، والمتزهدين على هذا الحديث الذي لا يثبت، وانفردوا في بيت الخلوة أربعين يوما، وامتنعوا عن أكل الخبز، وكان بعضهم يأكل الفواكه، ويتناول الأشياء التي تتضاعف قيمتها على قيمة الخبز، ثم يخرج بعد الأربعين فيهذي ويتخيل إليه أنه يتكلم بالحكمة، ولو كان الحديث صحيحا فإن الإخلاص يتعلق بقصد القلب لا بفعل البدن فلله درّ العلم اه.\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٨٩) .\n(٢) أخرجه البخاري (٦/ ٥) كتاب «الجهاد والسّير» باب: فضل الجهاد والسّير عن ابن عباس موقوفا. وقال الحافظ في «الفتح» (٦/ ٦): وصله ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عنه، قلت: وعلي بن أبي طلحة لم يدرك ابن عباس، وفي ذلك رد على من يجزم أن تعليقات البخاري المجزومة كلها صحيحة.\n(٣) ينظر: «أحكام القرآن» (٢/ ١٠٢٠) .","vol":"3","page":220},{"text":"وقوله سبحانه: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ: قِيل: هو لفظ عامّ، أمر ﷺ أَنْ يبشِّر أمته جميعًا بالخير من اللَّه، وقيل: بل هذه الألفاظ خاصَّة لمن لم يَغْزُ، أي: لما تقدَّم في الآية وعْدُ المجاهدين وفضلهم، أمر ﷺ، أنْ يبشِّر سائر المؤمنين ممَّن لم يَغْزُ بأنَّ الإيمان مُخَلِّص من النَّار، والحمد للَّه رب العالمين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-614>[سورة التوبة (٩): الآيات ١١٣ الى ١١٦]</span>\nمَا كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (١١٣) وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (١١٤) وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١٥) إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (١١٦)\nوقوله سبحانه: مَا كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ... الآية:\nجمهورُ المفسِّرين أنَّ هذه الآية نزلَتْ في شَأْن أبي طالب، وذلك أن رسول الله ﷺ دَخَلَ عَلَيْهِ حين احتضر، فَوَعَظَهُ، وقَالَ: «أَيْ عَمِّ قُلْ لاَ إلَهَ إِلاَّ اللَّهُ كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ»، وَكَانَ بالحَضْرة أَبو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللَّه بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ، فَقالا لَهُ: يَا أَبَا طَالِبٍ أَترغَبُ عن ملَّة عَبْدِ المطَّلِبِ؟ فَقالَ أبو طَالِبٍ: يَا مُحَمَّدُ، وَاللَّهِ، لَوْلاَ أَنِّي أَخَافُ أَنْ يُعَيَّرَ بِهَا وَلَدِي مِنْ بَعْدِي، لأَقْرَرْتُ بِهَا عَيْنَكَ، ثُمَّ قَالَ: هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وَمَاتَ عَلَى ذَلِكَ إذ لم يسمع منه ﷺ ما قال العبَّاس، فنزلَتْ إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ [القصص: ٥٦] فقال رسول الله ﷺ: «وَاللَّهِ، لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ»، فَكَانَ يستغفر له حَتَّى نَزَلَتْ هذه الآية «١»، فترك نبيُّ اللَّه الاستغفار لأَبي طالب، وروي أنَّ المؤمنين لما رأَوْا نبيَّ اللَّه يستغفرُ لأبي طالب، جعلوا يَسْتَغْفِرُونَ لموتاهم، فلذلك دَخَلُوا في النّهي، والآية على هذا ناسخة\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٣/ ٢٦٣) كتاب «الجنائز» باب: إذا قال المشرك عند الموت: لا إله إلّا الله، حديث (١٣٦٠)، وفي (٧/ ٢٣٢) كتاب «مناقب الأنصار» باب: قصة أبي طالب، حديث (٣٨٨٤)، وفي (٨/ ١٩٢) كتاب «التفسير» باب: مَا كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ، حديث (٤٦٧٥) وفي (٨/ ٣٦٥) كتاب «التفسير» باب: إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ، حديث (٤٧٧٢) وفي (١١/ ٥٧٥) كتاب «الأيمان والنذور»، حديث (٦٦٨١)، ومسلم (١/ ٢٤٤- ٢٤٥) - شرح النووي، كتاب «الإيمان» باب: الدليل على صحة إسلام من حضره الموت، حديث (٣٩/ ٢٤)، والنسائي (٤/ ٩٠- ٩١) كتاب «الجنائز» باب: النهي عن الاستغفار للمشركين، حديث (٢٠٣٥)، وأحمد (٥/ ٤٣٣)، والطبري (٦/ ٤٨٨) رقم: (١٧٣٣٩)، والبيهقي في «دلائل النبوة» (٢/ ٣٤٢- ٣٤٣) كلهم من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب، عن أبيه به، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٥٠٥) وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ، وابن مردويه.","vol":"3","page":221},{"text":"لفعله ﷺ إِذ أفعاله في حُكْم الشرعِ المستقِرِّ، وقال ابن عبَّاس وقتادة «١» وغيرهما: إِنما نزلَتِ الآية بسببِ جماعةٍ من المؤمنين قالوا: نَسْتَغْفِرُ لموتانا كما استغفر إِبراهيمُ ﵇، فنزلَتِ الآية في ذلك، وقوله سبحانه: وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ ...\nالآية: المعنى: لا حجَّة أَيُّها المؤمنون في استغفار إِبراهيم ﵇، فإِن ذلك لم يكُنْ إِلا عن موعدةٍ، واختلف في ذلك، فقيلَ: عن مَوْعِدَةٍ من إِبراهيم، وذلك قوله: سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا [مريم: ٤٧] وقيل: عن موعِدَةٍ من أبيه له في أنَّهُ سيؤمن، فَقَوِيَ طمعه، فحمله ذلك على الاستغفار له حتى نُهِيَ عنه، ومَوْعِدَة مِنَ الوَعْدِ، وأما تبيُّنه أنه عَدُوٌّ للَّه، قيل: ذلك بموت آزر على الكُفْر، وقيل: ذلك بأنه نُهِيَ عنه، وهو حيٌّ، وقوله سبحانه: إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ ثَنَاءٌ مِنَ اللَّه تعالَى على إِبراهيم، و«الأَوَّاهُ» معناهُ الخَائِفُ الذي يُكْثِرُ التَّأَوُّهَ مِنْ خَوفِ اللَّهِ ﷿، والتَّأَوُّهُ: التوجُّع الذي يَكْثُرُ حَتَّى ينطق الإِنسان معه ب «أَوَّهْ» ومن هذا المعنَى قولُ المُثَقِّب العَبْدِي: [الوافر]\nإِذَا مَا قُمْتُ أَرْحُلُهَا بِلَيْلٍ ... تَأَوَّهُ أَهَّةَ الرَّجُلِ الحَزِينِ «٢»\nويروى: آهَة.\nوروي أن إبراهيم ﵇ كان يُسْمَعُ وَجِيبُ قَلْبِهِ «٣» من الخشية، كما تُسْمَعُ أَجنحة النُّسُور، وللمفسِّرين في «الأَوَّاه» عباراتٌ كلُّها ترجعُ إِلى ما ذكرتُه.\nت: روى ابن المبارك في «رقائقه»، قال: أخبرنا عبدُ الحميدِ بْنُ بَهْرَام، قال:\nحدَّثنا شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ، قَالَ: حَدَّثَني عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّاد، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الأَوَّاهُ؟ قالَ: «الأَوَّاهُ الخَاشِعُ الدَّعَّاءُ المُتَضَرِّعُ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ» «٤» انتهى.\nوحَلِيمٌ مَعناه: صابرٌ، محتملٌ، عظيمُ العَقْل، والحِلْمُ: العقل. وقوله سبحانَهُ:\nوَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ ... الآية: معناه التأنيسُ للمؤمنين، وقيل: إن\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» عن قتادة، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٥٠٦)، وعزاه أيضا لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٩١) . [.....]\n(٣) وجب القلب يجب: وجبا ووجيبا ووجوبا، ووجبانا: خفق واضطرب.\nينظر: «لسان العرب» (٤٧٦٧) .\n(٤) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٦/ ٤٩٨) برقم: (١٧٤٣١) من حديث عبد الله بن شداد، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٥٠٩)، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، وابن مردويه.","vol":"3","page":222},{"text":"بعضهم خَافَ عَلَى نَفْسِه مِنَ الاستغفار للمشْركين، فنزلت الآيةُ مُؤْنسة، أيْ: ما كان اللَّه بَعْدَ/ أَنْ هدَى إِلى الإِسْلاَمِ، وأنقذ مِنَ النار لِيُحْبِطَ ذلك، ويضلَّ أهله لمواقعتهم ذَنْبًا لم يتقدَّم من اللَّه عنه نَهْيٌ، فأما إِذا بيَّن لهم ما يتَّقون من الأمورِ، ويتجنَّبون من الأشياء، فحينئذٍ مَنْ واقع شيئًا من ذلك بعد النَّهْيِ، استوجب العقوبة، وباقي الآية بيّن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-615>[سورة التوبة (٩): الآيات ١١٧ الى ١١٨]</span>\nلَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨)\nوقوله سبحانه: لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ ... الآية: التوبةُ مِنَ اللَّه تعالَى هو رُجُوعه بعبده مِنْ حالة إِلى أَرفَعَ منها، فقد تكونُ في الأكثَرِ رُجُوعًا من حالة طاعةٍ إِلى أَكْمَلَ منها، وهذه توبته سبحانه في هذه الآيةِ عَلَى نبيِّه ﵇، وأما توبته على المهاجرين والأنصار، فمعرَّضةً لأنْ تكونَ مِنْ تقصير إلى طاعة وجِدٍّ في الغزو ونُصْرَةِ الدِّين، وأما توبته على الفريق الذي كاد يزيغ، فَرُجُوعٌ من حالة محطوطةٍ إلى حال غفران ورضًا وقال الشيخ أبو الحَسَن الشَّاذِلِيُّ ﵀: في هذه الآية ذَكَر اللَّه سبحانه تَوْبَةَ مَنْ لَمْ يُذْنِبْ لَئِلاَ يستوحِشَ مَنْ أذنب لأنه ذكر النبيّ ﷺ والمهاجرين والأنصار ولم يذنبوا، ثم قال: وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا، فذكر مَنْ لم يُذْنِبْ لِيُؤْنَسَ من قد أذنب، انتهى من «لطائف المنن» .\nوساعَةِ الْعُسْرَةِ يريد: وقْت العسرة، والعُسْرة الشِّدَّةُ، وضيقُ الحَالِ، والعُدْمُ، وهذا هو جيشُ العُسْرة الذي قال فيه ﷺ: «مَنْ جَهَّزَ جَيْشَ الْعُسْرَةِ، فَلَهُ الجنة» «١»، فجهزه عثمانُ بْنُ عفَّان ﵁ بألْفِ جَمَلٍ، وألْف دينارٍ، وجاء أيضًا رجلٌ من الأنصار بِسَبْعِمَائَةِ وَسْقٍ مِنْ تَمْر، وهذه غزوةُ تبوكَ.\nت: وعن ابن عَبَّاس أنَّه قيل لِعُمَرَ بْنِ الخَطَّاب: حدِّثنا عن شأنِ سَاعَةِ العُسْرَة، فقال عمر: خَرَجْنَا إلى تبوكَ في قَيْظٍ شديدٍ، فنزلْنا منزلًا أصابنا فيه عَطَشٌ، حتى ظَنَنَّا أَنَّ رقابنا سَتَنْقَطِعُ حتى إنَّ الرجُلَ لَيَنْحَرُ بعيره، فَيَعْصِرُ فَرْثَهُ «٢» فيشربه، ثم يجعل ما بقي\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٥/ ٤٧٧) كتاب «الوصايا» باب: إذا وقف أرضا أو بئرا، حديث (٢٧٧٨) عن عثمان بن عفان به، وأخرجه معلقا (٧/ ٦٥) كتاب «فضائل الصحابة» باب: مناقب عثمان بن عفان.\n(٢) الفرث: السّرجين ما دام في الكرش.\nينظر: «لسان العرب» ص: (٣٣٦٩) .","vol":"3","page":223},{"text":"عَلَى كَبِدِهِ، فقال أبو بكر: يا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّه قد عَوَّدَكَ في الدعاءِ خيرًا، فادع اللَّهَ، فَقَالَ: «أَتُحِبُّ ذلكَ؟» قَالَ: نَعَمْ، فَرَفَعَ يَدَيْهِ، فلم يَرْجِعْهما حتَّى مالَتِ السماء، فَأَظلَّتْ، ثم سَكَبَتْ فملؤوا ما معهم، ثم ذهبْنا ننظر، فلم نجدْها جاوَزَتِ العَسْكَر، رواه الحاكم في «مستدركه على الصحيحين»، وقال: صحيحٌ على شرط الشَّيْخَيْن، يعني: مسلمًا والبخاريَّ «١» انتهى في «السلاح»، ووصل النبيّ ﷺ في غزوة تَبُوكَ إِلى أوائلِ بلد العَدُوِّ فصالحه أَهْلُ أذرح وأَيْلَةَ وغيرهما على الجِزْية ونحوها، وانصرف، والزيغ المذْكُور هو ما هَمَّت به طائفةٌ من الانصراف لِمَا لَقُوا من المشقَّة والعُسْرة. قاله الحسن «٢» .\nوقيل: زيغها إِنما كان بظُنُونٍ لها ساءَتْ في معنى عزم النبيّ ﷺ على تلك الغزوة، لما رأته من شدَّة الحال وقوَّة العدوِّ والمقصود، ثم أخبر ﷿ أنه تاب أيضًا على هذا الفريقِ، وراجَعَ به، وأنس بإِعلامه للأمَّة بأنه رؤوفٌ رحيمٌ، والثلاثة الذين خُلِّفوا هم كعْبُ بن مالِكٍ وهلال بن أمية الوَاقفيُّ ومُرَارَةُ بنُ الرَّبيع العامريُّ، وقد خرَّج حديثهم بكماله البخاريُّ ومسلم «٣»، وهو في السِّير فلذلك اختصرنا سَوْقَهُ، وهم الذين تقدَّم فيهم:\nوَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ [التوبة: ١٠٦]، ومعنى خُلِّفُوا أُخِّروا، وتُرِكَ النظرُ في أمرهم، قال كَعْب: وليس بتخلُّفنا عَنِ الغَزْوِ، وهو بَيِّنٌ من لفظ الآية.\nوقوله: وَظَنُّوا أَنْ لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ، ظَنُّوا هنا بمعنى: أيقنوا، قال\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٦/ ٥٠٢) برقم: (١٧٤٤٣) والبزار (٢/ ٣٥٤- ٣٥٥- كشف)، والحاكم (١/ ١٥٩)، وابن حبان (١٣٨٣)، والبيهقي في «دلائل النبوة» (٥/ ٢٣١) من حديث عمر بن الخطاب، وقال البزار: لا نعلمه عن النبي ﷺ إلا بهذا الإسناد عن عمر بهذا اللفظ. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وصححه ابن حبان. والحديث ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٦/ ١٩٨) وقال: رواه البزار والطبراني في «الأوسط» ورجال البزار ثقات.\n(٢) ذكره ابن عطية (٣/ ٩٣) .\n(٣) أخرجه البخاري (٧/ ٧١٧، ٧١٩) كتاب «المغازي» باب: حديث كعب بن مالك، حديث (٤٤١٨)، ومسلم (٤/ ٢١٢٠، ٢١٢٨) كتاب «التوبة» باب: حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه، حديث (٥٣/ ٢٧٦٩)، والترمذي (٥/ ٢٨١- ٢٨٢) كتاب «التفسير» باب: ومن سورة التوبة، حديث (٣١٠٢)، وابن حبان (٣٣٧٠) والبيهقي في «دلائل النبوة» (٥/ ٢٧٣، ٢٧٩) من طريق الزهري عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، عن عبد الله بن كعب بن مالك، عن كعب بن مالك به مطولا.\nوقد أخرجه جزءا من هذا الحديث البخاري برقم: (٢٧٥٧، ٢٩٤٧، ٢٩٤٨، ٢٩٤٩، ٢٩٥٠، ٣٠٨٨، ٣٥٥٦، ٣٨٨٩، ٣٩٥١، ٤٦٧٣، ٤٦٧٦، ٤٦٧٧، ٤٦٧٨، ٦٢٥٥، ٦٦٩٠، ٧٢٢٥)، وأيضا أبو داود (٣٣٢٠)، والنسائي (٢/ ٥٣- ٥٤)، وابن ماجه (١٣٩٣)، وأحمد (٦/ ٣٩٠)، وابن أبي شيبة (١٤/ ٥٣٩) كلهم من طريق الزهري بهذا الإسناد مختصرا.","vol":"3","page":224},{"text":"الشيخُ ابْنُ أبي جَمْرة ﵀: قال بعضُ أهْل التوفيق: إِذا نزلَتْ بي نازلةٌ مَا مِنْ أي نوع كانَتْ، فَأُلْهِمْتُ فيها اللَّجَأَ، فلا أبالي بها، / واللَّجَأُ على وجوه منها: الاشتغال بالذِّكْرِ والتعبُّدِ وتفويض الأمر له ﷿، لقوله تعالى على لسان نبيه: «مَنْ شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْأَلتي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائلين» «١»، ومنها: الصَّدَقة، ومنها: الدعاء، فكيفَ بالمَجْمُوع. انتهى.\nوقوله سبحانه: ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا لما كان هذا القولُ في تعديد النعم، بدأ في ترتيبه بالجهَة الَّتي هي عن الله ﷿ ليكون ذلك مِنْها على تلقِّي النعمة مِنْ عنده لا رَبَّ غيره، ولو كان هذا القولُ في تعديد ذَنْبٍ، لكان الابتداء بالجهة التي هي على المذنب، كما قال ﷿: فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [الصف: ٥] ليكون ذلك أشدَّ تقريرًا للذنْب عليهم، وهذا مِنْ فصاحة القُرآن وبديعِ نظمِهِ ومُعْجِزِ اتساقه.\nوبيانُ هذه الآيةِ ومواقعِ ألفاظها إِنما يَكْمُلُ مع مطالعة حديثِ الثلاثة الذين خُلِّفوا في الكُتُب المذكورة، فَانظره، وإِنما عَظُم ذنبهم، واستحقوا عليه ذلك، لأن الشرع يطلبهم مِنَ الجِدِّ فيه بحَسَب منازلهم منه، وتقدُّمهم فيه إِذ هم أُسْوة وحُجَّة للمنافقين، والطاعنين، إِذ كان كعْبٌ من أهْل العقبة، وصاحباه من أهْل بدر، وفي هذا ما يقتضي أَنَّ الرجُلَ العَالِمَ والمُقْتَدَى به أَقلُّ عذرًا في السقوطِ مِنْ سواه، وكَتَب الأوزاعيُّ ﵀ إلى أبي جَعْفَرِ المنصورِ في آخر رسالةٍ: واعلم أَنَّ قرابتك من رسول الله ﷺ لَنْ تَزِيدَ حَقَّ اللَّهِ عَلَيْكَ إِلاَّ عَظِمًا، ولا طاعَتَهُ إِلا وجُوبًا، ولا النَّاسَ فيما خالف ذلك منك إلّا إنكارا، والسلام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-616>[سورة التوبة (٩): الآيات ١١٩ الى ١٢١]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩) مَا كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١٢٠) وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وادِيًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٢١)\nوقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ هذا الأمر بالكوْن مع الصَّادقين حَسَنٌ بعد قصَّة الثلاثة حين نَفَعَهم الصِّدْق، وذَهَبَ بهم عن منازل المنافقين،\n_________\n(١) تقدم تخريجه في أوائل التفسير.","vol":"3","page":225},{"text":"وكان ابنُ مسعودٍ يتأوَّل الآية في صِدْق الحديث «١»، وإِليه نحا كَعْبُ بنُ مالك.\nوقوله سبحانه: مَا كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ... الآية هذه الآية معاتبةٌ للمؤمنين من أهل يَثْرِبَ وقبائل العرب المُجَاورة لها، على التخلُّف عن النبيّ ﷺ في غزوةٍ، وقُوَّةُ الكلام تعطي الأمر بِصُحْبَتِهِ أَيْنَ ما توجَّه غازيًا وبَذْلِ النفوس دونه، و«المخُمَصَة» مَفْعَلَةٌ من خُمُوص البَطْنِ، وهو ضُمُوره واستعير ذلك لحالة الجُوع، إِذ الخُمُوص ملازمٌ له، ومن ذلك قولُ الأَعْشَى: [الطويل]\nتَبِيتُونَ في المَشْتى مِلاَءً بُطُونُكُمْ ... وَجَارَاتُكُمْ غَرْثَى «٢» يَبِتْنَ خَمَائِصَا «٣»\nوقوله: وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا: لفظٌ عامٌّ لقليلِ ما يصنعه المؤمنون بالكَفَرةِ- من أخْذ مالٍ، أو إِيراد هوانٍ- وكثيره ونَيْلًا: مصدر نَالَ يَنَالُ وفي الحديث: «مَا ازداد قومٌ مِنْ أَهْلِيهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بُعْدًا إِلاَّ ازدادوا مِنَ اللَّهِ قُرْبًا» .\nت: وروى أَبو داود في «سننه»، عن أبي مالكٍ الأشعريّ، قال: سمعت رسول الله ﷺ يَقُولُ: «مَنْ فَصَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَمَاتَ، أَوْ قُتِلَ، فَهُوَ شَهِيدٌ، أَوْ وَقَصَهُ فَرَسُهُ أَوْ بَعِيرُهُ أَوْ لَدَغَتْهُ هَامَّةٌ، أَوْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ بِأَيِّ حَتْفٍ شَاءَ اللَّهُ فَإِنَّهُ شَهِيدٌ، وإِنَّ لَهُ الْجَنَّةَ»، انتهى «٤» .\nقال ابنُ العربي «٥» في «أحكامه»: قَوْلُه ﷿: وَلا يَقْطَعُونَ وادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ: يعني إِلاَّ كُتِبَ لهم ثوابُهُ، وكذلك قال في المجاهد: «إِنَّ أَرْوَاثَ دَوَابِّهِ وأَبْوَالَهَا حَسَنَاتٌ له» وَكَذَلِكَ أَعطَى سبحانه لأَهْل العُذْر من الأجر ما أعطى للقويّ العامل بفضله،\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٦/ ٥٠٩- ٥١٠) برقم: (١٧٤٧٠- ١٧٤٧١)، وذكره ابن عطية (٣/ ٩٥)، والبغوي (٢/ ٣٣٧) نحوه، وابن كثير (٢/ ٣٩٩) نحوه.\n(٢) جمع غرثى وغرثانة، والغرث: أيسر الجوع.\nينظر: «لسان العرب» (٣٢٣١) .\n(٣) البيت للأعشى ينظر: «ديوانه» (١٤٩)، «الدر المصون» (٢/ ٨٧) .\n(٤) أخرجه أبو داود (٢/ ١٢) كتاب «الجهاد» باب: فيمن مات غازيا، حديث (٢٤٩٩)، والحاكم (٢/ ٧٨)، والبيهقي (٩/ ١٦٦) كتاب «السير» باب: فضل من مات في سبيل الله، والطبراني في «الكبير» (٣/ ٣٢٠) رقم: (٣٤١٨) كلهم من طريق ابن ثوبان، عن أبيه، عن مكحول، عن عبد الرحمن بن غنم، عن أبي مالك الأشعري به.\nوقال الحاكم: صحيحٌ على شرط مسلمٍ ولم يخرِّجاه، وتعقبه الذهبي فقال: ابن ثوبان: لم يحتج به مسلم وليس بذاك، وعبد الرحمن بن غنم لم يدركه مكحول فيما أظن.\n(٥) ينظر: «أحكام القرآن» (٢/ ١٠٢٩) .","vol":"3","page":226},{"text":"ففي الصحيح، بأن النبيّ ﷺ قال في هذه الغزوة بعينها: «إِنَّ بِالمَدِينَةِ قَوْمًا مَا سَلَكْتُمْ وَادِيًا وَلاَ قَطَعْتُمْ شِعْبًا إلّا وهم معكم حبسهم العذر» «١» انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-617>[سورة التوبة (٩): آية ١٢٢]</span>\nوَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)\nوقوله سبحانه: وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً ... الآية: قالتْ فرقة: إِن المؤمنين الذين/ كانوا بالبادية سكَّانًا ومبعوثين لتعليم الشَّرْع، لما سمعوا قولَ اللَّهَ ﷿: مَا كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ ... الآية [التوبة: ١٢٠]، أهمّهم ذلك، فنفروا إلى النبيّ ﷺ خشية أنْ يكونُوا عُصَاةً في التخلُّف عن الغَزْوِ، فنزلَتْ هذه الآية في نَفْرِهِمْ ذلك.\nوقالتْ فرقة: سَبَبُ هذه الآية أن المنافقين، لما نزلَتِ الآيات في المتخلِّفين، قالوا:\nهَلَكَ أَهْلُ البوادِي، فنزلَتْ هذه الآية مقيمةً لعُذْرِ أهل البوادي.\nقال ع «٢»: فيجيء قوله: مَا كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ:\nعمومٌ في اللفظ، والمراد به في المَعنَى الجمهورُ والأكْثَرُ، وتجيءُ هذه الآية مبيِّنة لذلك.\nوقالتْ فرقةٌ: هذه الآية ناسِخَةٌ لكُلِّ ما ورد من إِلزام الكافَّة النَّفير والقِتَال، وقال ابنُ عبَّاس ما معناه: أَنَّ هذه الآية مختصَّة بالبعوثِ والسَّرايا «٣» والآية المتقدِّمة ثابتةُ الحُكْم مع خروج رسول الله ﷺ في الغَزْو، وقَالَتْ فرقةٌ: يشبه أنْ يكون التفقّه في الغزو وفي\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٣/ ١٥١٨) كتاب «الإمارة» باب: ثواب من حبسه عن الغزو مرض أو عذر، حديث (١٥٩/ ١٩١١)، وابن ماجه (٢/ ٩٢٣) كتاب «الجهاد»، باب: من حبسه العذر عن الجهاد حديث (٢٧٦٥)، وأحمد (٣/ ٣٠٠) وأبو يعلى (٤/ ١٩٣) رقم (٢٢٩١) كلهم من طريق الأعمش عن أبي سفيان، عن جابر مرفوعا.\nوله شاهد من حديث أنس بن مالك. أخرجه البخاري (٧/ ٧٣٢) كتاب «المغازي» باب: نزول النبي ﷺ الحجر، حديث (٤٤٢٣)، ومسلم (٣/ ١٥١٨) كتاب «الإمارة» باب: ثواب من حبسه عن الغزو مرض، حديث (٥٩/ ١٩١١)، وأحمد (٣/ ١٠٣)، وابن ماجه (٢/ ٩٢٣)، كتاب «الجهاد»، باب: من حبسه العذر عن الجهاد حديث (٢٧٦٤)، وأبو يعلى (٦/ ٤٥٠- ٤٥١) رقم: (٣٨٣٩)، والبغوي في «شرح السنة» (٥/ ٥٢٤- بتحقيقنا) . [.....]\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٩٦) .\n(٣) أخرجه الطبري (٦/ ٥١٤) برقم: (١٧٤٨٥) نحوه، وذكره ابن عطية (٣/ ٩٦- ٩٧)، والبغوي في «تفسيره» (٢/ ٣٣٩) نحوه، والسيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٥٢١) نحوه، وزاد نسبته إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في «المدخل» .","vol":"3","page":227},{"text":"السرايا، لِمَا يَرَوْنَ من نُصْرَةِ اللَّه لدينِهِ، وإِظهارِهِ العَدَد القليلَ من المؤمنين على الكثير من الكافرين، وعِلْمِهم بذلك صحَّة دِينِ الإِسلام ومكانَتِهِ.\nع «١»: والجمهور على أن التفقُّه إِنما هو بمشاهدة رسول الله ﷺ وصُحْبَته، وقيل غير هذا.\nت: وَصحَّ عنه ﷺ، أنه قَالَ: «لاَ هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحَ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وإذا استنفرتم فانفروا» «٢»، وقد استنفر رسول الله ﷺ الناس في غزوة تَبُوكَ، وأعلن بها حَسَبَ\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٩٧) .\n(٢) ورد ذلك من حديث ابن عباس، وعائشة، ومجاشع بن مسعود، وصفوان بن أمية، ويعلى بن أمية التيمي، وقول ابن عمر، وقول عمر، وحديث أبي سعيد الخدري.\nفأما حديث ابن عباس: فأخرجه البخاري (٦/ ٤٥) في «الجهاد» باب: وجوب النفير (٢٨٢٥)، (٦/ ٢١٩) باب: لا هجرة بعد الفتح (٣٠٧٧)، ومسلم (٣/ ١٤٨٧) في «الإمارة» باب: المبايعة بعد فتح مكة على الإسلام، والجهاد، والخير، وبيان معنى: لا هجرة بعد الفتح (٨٥/ ١٣٥٣)، وأبو داود (٢/ ٦) في «الجهاد» باب: في الهجرة، هل انقطعت؟ (٢٤٨٠)، والنسائي (٧/ ١٤٦) في «البيعة» باب: الاختلاف في انقطاع الهجرة، والترمذي (١٥٩٠)، وأحمد (١/ ٢٦٦، ٣١٥، ٣١٦، ٣٤٤)، وعبد الرزاق (٥/ ٣٠٩) برقم: (٩٧١٣)، والدارمي (٢/ ٢٣٩) في «السير» باب: لا هجرة بعد الفتح، وابن حبان (٧/ ٤٨٤٥)، والطبراني في «الكبير» (١١/ ٣٠- ٣١) برقم: (١٠٩٤٤)، وابن الجارود في «المنتقى» (١٠٣٠)، والبيهقي (٥/ ١٩٥)، (٩/ ١٦)، وفي «دلائل النبوة» (٥/ ١٠٨)، والبغوي في «شرح السنة» بتحقيقنا (٤/ ١٧٩) برقم: (١٩٩٦)، و(٥/ ٥٢٠) برقم: (٢٦٣٠) من طريق منصور، عن مجاهد، عن طاووس، عن ابن عباس مرفوعا به.\nوتابعه إبراهيم بن يزيد، عن عمرو بن دينار، عن طاووس، أخرجه الطبراني (١١/ ١٨) برقم:\n(١٠٨٩٨) .\nوأخرجه الطبراني (١٠/ ٤١٣) برقم: (١٠٨٤٤) عن شيبان، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن ابن عباس.\nوقال الترمذي: حديث حسن صحيح.\nوأما حديث عائشة: فأخرجه البخاري (٦/ ٢٢٠) في «الجهاد» باب: لا هجرة بعد الفتح (٣٠٨٠)، (٧/ ٢٦٧) في «مناقب الأنصار» باب: هجرة النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة (٣٩٠٠)، وفي (٧/ ٦٢٠) في «المغازي» باب: (٥٣) برقم: (٤٣١٢)، ومسلم (٣/ ١٤٨٨) في «الإمارة» باب: المبايعة بعد فتح مكة على الإسلام، والجهاد، والخير ... (٨٦- ١٨٦٤)، وأبو يعلى (٤٩٥٢)، واللفظ لمسلم، ولأبي يعلى من طريق عطاء، عن عائشة قالت: سئل رسول الله ﷺ عن الهجرة؟ فقال: «لا هجرة بعد الفتح ...»\nالحديث، وفي لفظ البخاري عن عطاء قال: زرت عائشة مع عبيد بن عمير فسألتها عن الهجرة؟ فقالت:\n«لا هجرة اليوم، كان المؤمن يفر أحدهم بدينه إلى الله وإلى رسوله مخافة أن يفتن عليه، فأما اليوم فقد أظهر الله الإسلام، فالمؤمن يعبد ربه حيث شاء، ولكن جهاد ونية» . وهكذا أخرجه البيهقي (٩/ ١٧) .\nوأما حديث مجاشع بن مسعود فأخرجه البخاري (٦/ ١٣٧) في «الجهاد» باب: البيعة في الحرب ألا","vol":"3","page":228},{"text":"ما هو مصرَّح به في حديث كَعْب بن مالِكٍ في «الصِّحَاح»، فكان العَتَبُ متوجِّهًا على من\n_________\nيفروا ... (٢٩٦٢، ٢٩٦٣)، و(٦/ ٢١٩) باب: لا هجرة بعد الفتح (٣٠٧٨- ٣٠٧٩)، و(٧/ ٦١٩) في «المغازي» باب: (٥٣) (٤٣٠٥- ٤٣٠٨)، ومسلم (٣/ ١٤٨٧) في «الإمارة» باب: المبايعة بعد فتح مكة على الإسلام، والجهاد والخير، (٨٣- ٨٤/ ١٨٦٣)، وأحمد (٣/ ٤٦٨- ٤٦٩)، و(٥/ ٧١)، والحاكم (٣/ ٣١٦)، والطحاوي في «مشكل الآثار» (٣/ ٢٥٢)، والبيهقي (٩/ ١٦)، وفي «الدلائل» (٥/ ١٠٩) من طريق أبي عثمان النهدي: حدثني مجاشع قال: أتيت النبي ﷺ بأخي بعد الفتح، فقلت: يا رسول الله، جئتك بأخي لتبايعه على الهجرة، قال: «ذهب أهل الهجرة بما فيها»، فقلت: على أي شيء تبايعه؟\nقال: «أبايعه على الإسلام، والإيمان، والجهاد»، فلقيت معبدا بعد- وكان أكبرهما- فسألته، فقال:\nصدق مجاشع..\nوأما حديث صفوان بن أمية: فأخرجه النسائي (٧/ ١٤٥) في «البيعة» باب: الاختلاف في انقطاع الهجرة، وأحمد (٣/ ٤٠١) عن وهيب بن خالد، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن صفوان بن أمية قال: قلت: يا رسول الله، إنهم يقولون إن الجنة لا يدخلها إلا مهاجر، قال: «لا هجرة بعد فتح مكة، ولكن جهاد ونية، فإذا استنفرتم فانفروا» .\nوأخرجه أحمد (٣/ ٤٠١)، (٦/ ٤٦٥) عن الزهري، عن صفوان بن عبد الله بن صفوان، عن أبيه أن صفوان بن أمية بن خلف قيل له: هلك من لم يهاجر، قال: فقلت: لا أصل إلى أهلي حتى آتي رسول الله ﷺ، فركبت راحلتي، فأتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله زعموا أنه هلك من لم يهاجر، قال: «كلا أبا وهب، فارجع إلى أباطح مكة» .\nوأما حديث يعلى بن أمية: فأخرجه النسائي (٧/ ١٤١) في «البيعة» باب: البيعة على الجهاد، (٧/ ١٤٥) في ذكر الاختلاف في انقطاع الهجرة، وأحمد (٤/ ٣٢٣- ٣٢٤)، والطبراني في «الكبير» (٢٢/ ٢٥٧) رقم: (٦٦٤- ٦٦٥)، والبيهقي (٩/ ١٦) من طريق ابن شهاب، عن عمرو بن عبد الرحمن بن أمية أن أباه أخبره أن يعلى قال: جئت إلى رسول الله ﷺ بأبي يوم الفتح، فقلت: يا رسول الله: بايع أبي على الهجرة، قال رسول الله ﷺ: «أبايعه على الجهاد، وقد انقطعت الهجرة» .\nوأما حديث أبي سعيد الخدري: فأخرجه أحمد (٣/ ٢٢) (٥/ ١٨٧)، والطيالسي (٦٠١، ٩٦٧، ٢٢٠٥)، والبيهقي في «دلائل النبوة» (٥/ ١٠٩) عن أبي البختري الطائي، عن أبي سعيد الخدري قال: لما نزلت هذه السورة: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ ... قرأها رسول الله ﷺ حتى ختمها وقال: «الناس حيز، وأنا وأصحابي حيز»، وقال: «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية»، فحدثت به مروان بن الحكم وكان على المدينة، فقال له مروان: كذبت، وعنده رافع بن خديج وزيد بن ثابت، وهما قاعدان معه على السرير، فقال أبو سعيد: لو شاء هذان لحدثاك، ولكن هذا يخاف أن تنزعه من عرافة قومه، وهذا يخشى أن تنزعه عن الصدقة، فسكتا، فرفع مروان عليه الدرة ليضربه، فلما رأيا ذلك، قالا: صدق.\nأما قول ابن عمر: فأخرجه البخاري (٧/ ٢٦٧) في «مناقب الأنصار» باب: هجرة النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة (٣٨٩٩)، و(٧/ ٦٢٠) في «المغازي» باب: (٥٣)، و(٤٣٠٩، ٤٣١١) من طريق عطاء، عن ابن عمر كان يقول: لا هجرة بعد الفتح.\nوفي لفظ آخر: قلت لابن عمر ﵄: إني أريد أن أهاجر إلى الشام، قال: لا هجرة، ولكن جهاد، فانطلق فاعرض نفسك، فإن وجدت شيئا وإلا رجعت.\nوأما قول عمر: فأخرجه النسائي (٧/ ١٤٦) في «البيعة» باب: الاختلاف في انقطاع الهجرة، وأبو يعلى","vol":"3","page":229},{"text":"تأخَّر عنه بعد العِلْمِ، فيظهر واللَّه أعلم، أنَّ الآية الأولَى باقٍ حكمها كما قال ابن عباس، وتكون الثانية ليستْ في معنى الغَزْو، بل في شأن التفقُّه في الدِّين على الإِطلاق «١» وهذا هو الذي يُفْهَمُ من استدلالهم بالآية علَى فَضْلِ العلْم، وقد قالت فرقة: إِن هذه الآية لَيْسَتْ في معنى الغَزْو، وإِنما سببها قبائلٌ مِنَ العرب أصابتهم مجاعةٌ، فنفزوا إلى المدينة لِمَعْنَى المعاشِ، فكادوا يُفْسِدونها، وكان أكثرهم غَيْرَ صحيحِ الإِيمانِ، وإِنما أَضْرَعَه الجُوع، فنزلَتِ الآية في ذلك، والإِنذارُ في الآية عامٌّ للكفر والمعاصي، والحذرِ منها أيضًا كذلك قال ابن المبارك في «رقائقه» أخبرنا موسَى بْنُ عُبَيْدَة، عن محمد بن كَعْب القُرَظِيِّ، قال:\nإِذا أراد اللَّه ﵎ بِعَبْدٍ خيرًا، جعل فيه ثلاثَ خصالٍ: فقْهًا في الدِّينِ، وزَهَادةً في الدنيا، وبَصَّرَهُ بعيوبه «٢» . انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-618>[سورة التوبة (٩): الآيات ١٢٣ الى ١٢٧]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٢٣) وَإِذا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيمانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيمانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ (١٢٥) أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦) وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ (١٢٧)\nوقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ قيل: إِنَّ هذه الآية نزَلَتْ قبل الأمر بقتال الكُفَّار كافَّة، فهي من التدريجِ الذي كان في أوَّل الإِسلام.\nقال ع «٣»: وهذا ضعيفٌ فإِن هذه السورة من آخر ما نَزَلَ.\nوقالتْ فرقة: معنى الآية أنَّ اللَّه ﵎ أمر فيها المؤمنين أنْ يقاتل كُلُّ فريقٍ منهم الجنْسَ الذي يليه من الكَفَرة.\nوقوله سبحانه: وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً: أي: خشونةً وبأسًا، ثم وعَدَ سبحانه في آخر الآية وحَضَّ على التقوَى التي هي مِلاَكُ الدِّينِ والدنيا، وبها يُلْقَى العَدُوُّ، وقد قال\n_________\nفي «مسنده» (١٨٦)، عن شعبة، عن يحيى بن هانىء، عن نعيم بن دجاجة قال: سمعت عمر يقول: لا هجرة بعد وفاة رسول الله ﷺ.\n(١) أخرجه الطبري (٦/ ٥١٤) برقم: (١٧٤٨٨)، وابن كثير (٢/ ٤٠١)، والبغوي في «تفسيره» (٢/ ٥٢٢) .\n(٢) أخرجه ابن المبارك في «الزهد» ص: (٩٥- ٩٦) رقم: (٢٨٢) ومن طريقه أبي نعيم في «حلية الأولياء» (٣/ ٢١٣) .\n(٣) ينظر: «المحرر» (٣/ ٩٧) .","vol":"3","page":230},{"text":"بعضُ الصحابة: إِنما تُقَاتِلُونَ النَّاس بأَعمالكم، وَوَعَد سبحانه أنه مع المتَّقِينَ، وَمَنْ كان اللَّه مَعِهُ، فَلَنْ يُغْلَبَ.\nوقوله تعالى: وَإِذا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيمانًا ...\nالآية: هذه الآية نزلَتْ في شأن المنافقين، وقولهم: أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيمانًا يحتمل أنْ يكون لمنافقينَ مِثْلِهِمْ، أو لقومٍ من قراباتهم علَى جهة الاستخفاف والتحقير لشأن السُّورة، ثم ابتدأ ﷿ الردَّ عليهم بقوله: فَأَمَّا/ الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيمانًا وذلك أنه إذا نزلَتْ سورةٌ، حَدَثَ للمؤمنين بها تصديقٌ خاصٌّ، لم يكنْ قبلُ، فتصديقهم بما تضمَّنته السورةُ مِنْ أخبار وأمرٍ ونَهْيٍ أمرٌ زائد على الذي كان عِنْدهم قبلُ، وهذا وجْهٌ من زيادة الإِيمان.\nووجه آخر أنَّ السورة ربَّما تضمَّنت دليلًا أو تنبيهًا على دليل، فيكون المؤمن قد عَرَفَ اللَّه بعدَّة أدلَّة، فإِذا نزلت السورةُ، زادَتْ في أدلَّته، وَوَجْهٌ آخر من وجوه الزيادة أنَّ الإِنسان ربَّما عرضه شكٌ يسيرٌ، أو لاحَتْ له شبهة مشغِّبة، فإِذا نزلَتِ السورة، ارتَفَعَتْ تلك الشبهة، وقَوِيَ إِيمانه وارتقى اعتقاده عن معارَضَة الشبهات، والَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ:\nهم المنافقون، و«الرجْسُ» في اللغة: يجيء بمعنى القَذَرِ، ويجيء بمعنى العذاب، وحالُ هؤلاء المنافقين هي قَذَرٌ، وهي عذابٌ عاجلٌ، كفيلٌ بآجِلٍ، وإِذا تَجدَّد كفْرُهم بسورةٍ، فقد زاد كُفْرهم، فذلك زيادةُ رجْسٍ إِلى رِجْسهم.\nوقوله سبحانه: أَوَلا يَرَوْنَ يعني: المنافقين، وقرأ حَمزة: «أَوَلاَ تَرَوْنَ» - بالتاء من فوق- على معنى: أو لا تَرَوْنَ أيُّها المؤمنون أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ، أي: يُخْتَبرُونَ، وقرأ مجاهدٌ: «مَرْضَةً أَوْ مَرْضَتَيْنِ»، والذي يظهر مما قبل الآية، ومما بعدها أَنَّ الفتنة والاختبار إِنما هي بكَشْفِ اللَّه أَسرارهم وإِفشائه عقائدهم إِذ يعلمون أنَّ ذلك مِنْ عند اللَّه، وبهذا تقومُ الحُجَّة عليهم، وأما الاختبار بالمَرَضِ فهو في المؤمنين.\nوقوله سبحانه: وَإِذا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ: المعنى: وإِذا ما أنزلَتْ سورةٌ فيها فضيحةُ أسرار المنافقين، نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ: أي: هلْ معكم مَنْ يَنْقُلُ عَنْكم، هَلْ يراكم من أحدٍ حين تدبِّرون أموركم، ثُمَّ انْصَرَفُوا عَنْ طريق الاهتداء وذلك أنهم وقْتَ كشْف أسرارهم والإِعلام بمغيِّبات أمورهم، يقع لهم لا مَحَالة تَعَجُّب وتوقُّف ونَظَر، فلو أريد بهم خَيْرٌ، لكان ذلك الوَقْتُ مَظِنَّةَ الاهتداء، وقد تقدَّم بيانُ قوله: صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ.","vol":"3","page":231},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-619>[سورة التوبة (٩): الآيات ١٢٨ الى ١٢٩]</span>\nلَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٢٨) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (١٢٩)\nوقوله ﷿: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ ... الآية مخاطبةٌ للعرب في قول الجمهور، وهذا على جهة تعديدِ النعمة عَلَيْهِمْ إِذْ جاءَهم بلسانِهِمْ، وبما يفهمونه منَ الأَغراض والفصاحةِ، وشُرِّفوا به غَابِرَ الدهْرِ.\nوقوله: مِنْ أَنْفُسِكُمْ: يقتضي مدْحًا لنسبه ﷺ، وأنه من صميمِ العَرَبِ، وشَرَفِها، وقرأ عبد اللَّه بن قُسَيْطٍ المَكِّيُّ: «مِنْ أَنْفَسِكُمْ» - بفتح الفاء- من النّفاسة، ورويت عن النبيّ ﷺ، وقوله: مَا عَنِتُّمْ: معناه عَنَتُكُمْ ف «ما» مصدريةٌ، والعَنَت: المشقَّة، وهي هنا لفظةٌ عامَّة، أي: عزيز عليه مَا شَقَّ عليكم: مِنْ قتلٍ وإِسارٍ وامتحان بحسب الحَقِّ واعتقادكم أيضًا معه، حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ أي: على إيمانكم وهداكم.\nوقوله: بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ أي: مبالغٌ في الشفقة عليهم، قال أبو عبيدة: الرّأفة أرقّ الرحمة.\nثم خاطب سبحانه نبيَّه بقوله: فَإِنْ تَوَلَّوْا، أي: أعرضوا، فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ: هذه الآية من آخر مَا نَزَلَ، وصلى اللَّه علَى سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إلاَّ باللَّهِ العَلِيِّ العظيم.","vol":"3","page":232},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-620>تفسير سورة يونس</span>\n/ بعضها نزل بمكة، وبعضها بالمدينة\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-621>[سورة يونس (١٠): الآيات ١ الى ٢]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ (١) أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ (٢)\nقوله ﷿: الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ المراد ب الْكِتابِ: القرآن، والْحَكِيمِ: بمعنى مُحْكَم، ويمكن أنْ يكون: «حكيم» بمعنى ذي حكمة، فهو على النّسب.\nوقوله ﷿: أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا ... الآية: قال ابن عباس وغيره: سبب هذه الآية استبعاد قُرَيْش أَنْ يبعث اللَّه بشرًا رسولًا «١»، والقَدَمُ هنا مَا قُدِّم، واختلف في المراد بها هاهنا، فقال ابنُ عبَّاس ومجاهد والضحاك وغيرهم: هي الأعمال الصَّالحات من العبادات «٢» . وقال الحسن بن أبي الحسن وقتادة: هي شفاعة محمّد ﷺ «٣»، وقال ابن عباس أيضًا وغيره: هي السعادةُ السَّابقة لهم في اللَّوْح المحفوظ «٤»، وهذا أليق الأقوال\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٦/ ٥٢٧) برقم: (١٧٥٤٢) وبرقم: (١٧٥٤٣) عن ابن جريج، وذكره ابن عطية (٣/ ١٠٢)، وابن كثير في «تفسيره» (٢/ ٤٠٦) نحوه، والسيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٥٣٥)، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، وابن مردويه.\n(٢) أخرجه الطبري (٦/ ٥٢٧- ٥٢٨) برقم: (١٧٥٤٤، ١٧٥٤٧)، وذكره ابن عطية (٣/ ١٠٣)، والبغوي (٢/ ٣٤٣)، وابن كثير في «تفسيره» (٢/ ٤٠٦) كلهم بنحوه.\n(٣) أخرجه الطبري (٦/ ٥٢٨) برقم: (١٧٥٥٥)، وذكره ابن عطية (٣/ ١٠٣)، وابن كثير في «تفسيره» (٢/ ٤٠٦) بنحوه، والسيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٥٣٦)، وزاد نسبته إلى أبي الشيخ.\n(٤) أخرجه الطبري (٦/ ٥٢٨) برقم: (١٧٥٥٤)، وذكره ابن عطية (٣/ ١٠٣)، والبغوي في «تفسيره» (٢/ ٣٤٣)، وابن كثير في «تفسيره» (٢/ ٤٠٦) بنحوه، والسيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٥٣٥)، وزاد نسبته إل ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.","vol":"3","page":233},{"text":"بالآية ومن هذه اللفظة قَوْلُ حَسَّان ﵁ «١»: [الطويل]\nلَنَا القَدَمُ العُلْيَا إِلَيْكَ وَخَلْفَنَا ... لأَوَّلِنَا في طَاعَةِ اللَّهِ تَابعُ «٢»\nومن هذه اللفظة قوله ﷺ: «حَتَّى يَضَعَ الجَبَّارُ فِيهَا قَدَمَهُ» «٣» أيْ ما قَدَّمَ لها، هذا على أن الجبَّار اسم اللَّه تعالى، و«الصِّدْق» هنا بمعنى الصَّلاح، وقال البخاريُّ: قال زَيْدُ بن أسْلَمَ: قَدَمَ صِدْقٍ محمّد ﷺ «٤» . انتهى.\nوقولهم: إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ: إِنما هو بسبب أَنَّه فَرَّق بذلك كلمتهم، وحَالَ بين القريب وقريبه فأشبه ذلك ما يفعله السّاحر في ظنّهم القاصر فسمّوه ساحرا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-622>[سورة يونس (١٠): الآيات ٣ الى ٤]</span>\nإِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٣) إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (٤)\nوقوله سبحانه: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ...\nالآية: هذا ابتداء دعاءٍ إِلَى عبادة اللَّه ﷿ وتوحيدِهِ، وذَكَرَ بعضُ الناس أَنَّ الحكمة في خَلْقِ اللَّه تعالَى هذه الأشياءَ في مُدَّة محدودةٍ ممتدَّة، وفي القُدْرة أنْ يقول لها: كُنْ فَتَكُون، إِنما هي لِيُعَلِّمَ عباده التُّؤَدة والتماهُلَ في الأمور، قال ع «٥»: وهذا مما لا يُوصَلُ إِلى تعليله، وعلى هذا هي الأجْنَةُ في البُطُون، وخَلْقُ الثمار، وغير ذلك، واللَّه ﷿ قد جَعَلَ لكلِّ شيء قَدْرًا، وهو أعلم بوجه الحكمة في ذلك.\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٣/ ١٠٣) . [.....]\n(٢) البيت في «ديوانه» (٢٤١)، والطبري (١٣/ ٢٠٩)، و«البحر» (٥/ ١٢٤)، و«الدر المصون» (٣/ ٣٦٦)، و«المحرر الوجيز» (٣/ ١٠٣) .\n(٣) أخرجه البخاري (٨/ ٤٦٠) كتاب «التفسير» باب: وتقول: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ، حديث (٤٨٤٨)، ومسلم (٤/ ٢١٨٧) كتاب «الجنة» باب: النار يدخلها الجبارون، حديث (٣٧/ ٢٨٤٨)، والترمذي (٥/ ٣٩٠) كتاب «التفسير» باب: ومن سورة ق، حديث (٣٢٧٢)، وأحمد (٣/ ١٣٤، ١٤١، ٢٣٤)، وأبو يعلى (٥/ ٤٣٨- ٤٣٩)، رقم: (٣١٤٠)، وابن حبان (٢٦٨)، والبيهقي في «الأسماء والصفات» ص:\n(٣٤٩) من حديث أنس.\n(٤) أخرجه البخاري (٨/ ١٩٦) كتاب «التفسير» باب: «سورة يونس»، وذكر معلقا بصيغة الجزم، ووصله ابن جرير من طريق ابن عيينة، عنه بهذا الحديث. كما قال ابن حجر، والطبري (٦/ ٥٢٩) برقم:\n(١٧٥٥٧)، وذكره ابن عطية (٣/ ١٠٣) بنحوه، والسيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٥٣٦) .\n(٥) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ١٠٤) .","vol":"3","page":234},{"text":"وقوله سبحانه: يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يصحُّ أن يريد بالأمر اسم الجنْس من الأمور، ويصحُّ أن يريد الأمر الذي هو مصْدَر أَمر يأْمُرُ، وتدبيره لا إله إلا هو إِنما هو الإِنفاذ لأنه قد أحاط بكلِّ شيء عِلْمًا، قال مجاهدٌ: يُدَبِّرُ الْأَمْرَ: معناه: يَقْضيه وحْده «١» .\nوقوله سبحانه: مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ردٌّ على العرب في اعتقادها أن الأصنام تشفع لها عند اللَّه.\nذلِكُمُ اللَّهُ أي: الذي هذه صفاتُهُ فاعبدوه، ثم قَرَّرهم على هذه الآيات والعبر، فقال: أَفَلا تَذَكَّرُونَ.\nوقوله: إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا ... الاية إِنباءٌ بالبعث.\nوقوله: يَبْدَؤُا الْخَلْقَ يريد: النشأة الأولى، والإِعادةُ: هي البَعْثُ من القبور.\nلِيَجْزِيَ: هي لام كَيْ، والمعنى: أنَّ الإِعادة إِنما هي ليقع الجزاءُ على الأعمال.\nوقوله: بِالْقِسْطِ: أي: بالعدل.\nوقوله: الَّذِينَ كَفَرُوا: ابتداء، والحَمِيمُ الحارُّ المسخَّن، وحميمُ النار فيما ذكر عن النبيّ ﷺ: «إِذَا أَدْنَاهُ الكَافِرُ مِنْ فِيهِ، تَسَاقَطَتْ فَرْوَةُ رَأْسِهِ» «٢» وهو كما وصفه سبحانه:\nيَشْوِي الْوُجُوهَ [الكهف: ٢٩] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-623>[سورة يونس (١٠): الآيات ٥ الى ٩]</span>\nهُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥) إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ (٦) إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَاطْمَأَنُّوا بِها وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ (٧) أُولئِكَ مَأْواهُمُ النَّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٨) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٩)\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٦/ ٥٣٠) برقم: (١٧٥٥٩، ١٧٥٦٢)، وذكره ابن عطية (٣/ ١٠٤)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٥٣٦)، وزاد نسبته إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.\n(٢) أخرجه الترمذي (٤/ ٧٠٦) كتاب «صفة جهنم» باب: ما جاء في صفة شراب أهل النار، حديث (٢٥٨٤)، وفي (٥/ ٤٢٦) كتاب «التفسير» باب: ومن سورة سأل سائل، حديث (٣٣٢٢)، وأحمد (٣/ ٧٠- ٧١)، وأبو يعلى (٢/ ٥٢٠) رقم: (١٣٧٥)، والحاكم (٤/ ٦٠٢) من حديث أبي سعيد الخدري.\nوقال الترمذي: هذا حديث غريب.","vol":"3","page":235},{"text":"وقوله سبحانه: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُورًا ... الآية: هذا استمرارٌ على وَصْف/ آياته سبحانه، والتنْبيه على صنعته الدَّالة علَى وحدانيته، وعظيم قُدْرته.\nوقوله: قَدَّرَهُ مَنازِلَ: يحتمل أنْ يعود الضمير على «القمر» وحده لأنه المراعَى في معرفة عَدَدِ السِّنينَ والحِسَابِ عنْد العرب، ويحتمل أنْ يريدَ الشَّمْسَ والقَمَرَ معًا، لكنه اجتزأ بذكْر أَحدهما كما قال: وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ [التوبة: ٦٢] .\nوقوله: لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ أيْ: رفقًا بكم، ورَفعًا للالتباس في معايشِكُم وغير ذلك مما يُضْطَرُّ فيه إلى معرفة التواريخ.\nوقوله: لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ: إِنما خصهم، لأن نَفْعَ هذا فيهم ظَهَرَ.\nوقوله سبحانه: إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ... الآية: آية اعتبار وتنبيهٍ، والآياتُ: العلامات، وخصَّص القوم المتَّقين تشريفًا لهم إِذ الاعتبار فيهم يقع، ونسبتهم إِلَى هذه الأشياء المَنْظُور فيها أَفْضَلُ مِنْ نسبة مَنْ لم يَهْتَدِ ولا اتقى.\nوقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقاءَنا ... الآية: قال أبو عُبَيْدة «١» وغيره:\nيَرْجُونَ، في هذه الآية: بمعنى يخافُون «٢» واحتجوا ببَيْتِ أَبي ذُؤَيْبٍ: [الطويل]\nإِذَا لَسَعَتْهُ النَّحْلُ لَمْ يَرْجُ لَسْعَهَا ... وَحَالَفَهَا فِي بَيْتِ نُوبٍ عَوَامِلِ «٣»\nوقال ابن سِيدَه والفرّاء: لفظة الرَّجاءِ، إِذا جاءَتْ منفيَّةً، فإِنها تكونُ بمعنى الخَوْفِ، فعَلَى هذا التأويل معنى الآية: إِنَّ الذين لا يخافون لقاءنا، وقال بعض أهل العلم: الرجاءُ، في هذه الآية: على بابه وذلك أن الكافر المكذِّب بالبعث لا يُحْسِنُ ظَنًّا بأنه يَلْقَى اللَّه، ولا له في الآخرة أمَلٌ إِذ لو كان له فيها أَمَلٌ لقارنه لا محالة خَوْفٌ، وهذه الحالُ من الخَوْفِ المقارِنِ هي القائِدَةُ إِلى النجاة.\nقال ع «٤»: والذي أقُولُ به: إنَّ الرجاء في كلِّ موضع هو علَى بابه، وأنَّ بيت\n_________\n(١) ينظر: «مجاز القرآن» لأبي عبيدة (١/ ٢٧٥) .\n(٢) ذكره ابن عطية (٣/ ١٠٦) .\n(٣) البيت لأبي ذؤيب كما ذكر المصنف، ينظر: «ديوان الهذليين» (١/ ١٤٣)، «الكشاف» (٤/ ٤٩٩)، و«الدر المصون» (١/ ٥٣٤) و«جمهرة الشعراء» (٩) .\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ١٠٧) .","vol":"3","page":236},{"text":"الهُذَلِيِّ معناه: لَمْ يَرْجُ فَقَدْ لَسْعِهَا، قال ابن زَيْد: هذه الآية في الكُفَّار «١» .\nوقوله سبحانه: وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا: يريد: كَانَتْ مُنتَهى غرضهم، وقال قتادة في تفسير هذه الآية: إِذا شئْتَ رأَيْت هذا الموصُوفَ صاحِبَ دنيا، لها يغضبُ، ولها يرضَى، ولها يفرح، ولها يهتَمُّ ويحزن، فكأَنَّ قتادةَ صَوَّرها في العصاةِ «٢»، ولا يترتب ذلك إِلا مع تأوُّل الرَّجَاءِ على بابه لأن المؤمِنَ العاصِيَ مستَوْحِشٌ من آخرته، فأما على التأويلِ الأول، فمن لا يخافُ اللَّه، فهو كَافِرٌ.\nوقوله: وَاطْمَأَنُّوا بِها: تكميلٌ في معنى القناعةِ بها، والرفْضِ لغيرها.\nوقوله: وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ: يحتمل أنْ يكون ابتداء إِشارةٍ إِلى فرقةٍ أُخرَى، ثم عقَّب سبحانه بذكْر الفرقة الناجيَةِ، فقال: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ ... الآية، الهدايةُ في هذه الآية تحتملُ وجْهين:\nأحدهما: أن يريد أنَّه يديمهم ويثبِّتهم.\nالثَّانِي: أنْ يريد أنه يرشدُهم إِلى طريق الجِنانِ في الآخرة.\nوقوله: بِإِيمانِهِمْ يحتملُ أَنْ يريد: بسبب إِيمانهم، ويحتمل أن يكونَ الإِيمانُ هو نَفْس الهُدَى، أيْ، يهديهم إِلى طريق الجنة بنور إِيمانهم. قال مجاهد: يكون لهم إِيمانُهم نورًا يمشُونَ به، ويتركَّب هذا التأويل، على ما رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ: «أَنَّ العَبْدَ المُؤْمِنَ، إِذَا قَامَ مِنْ قَبْرِهِ لِلْحَشْرِ تَمَثَّلَ لَهُ رَجُلٌ جَمِيلُ الوَجْهِ طَيِّبُ الرَّائِحَةِ، فَيَقُولُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ فَيَقُودُهُ إِلَى الجَنَّةِ، وبعَكْسِ هذا في الكَافِرِ، ونحو هذا مما أسنده الطبري «٣» وغيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-624>[سورة يونس (١٠): آية ١٠]</span>\nدَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٠)\nوقوله سبحانه: دَعْواهُمْ: أي: دعاؤهم فيها وسُبْحانَكَ اللَّهُمَّ: تَقْدِيسٌ وتسبيحٌ وتنزيهٌ لجلاله سبحانه عن كلِّ ما لا يليق به، وقال علي بن أبي طالب في ذلك: هي كلماتٌ رَضِيَهَا اللَّه تعالى لنفْسه «٤»، وقال طلحة بن عبيد اللَّه/: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّه مَا\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٣/ ١٠٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٥٣٧)، وزاد نسبته إلى أبي الشيخ.\n(٢) ذكره ابن عطية (٣/ ١٠٧) .\n(٣) تقدم تخريجه.\n(٤) أخرجه الطبري (٦/ ٥٣٦) برقم: (١٧٥٨٣)، وذكره ابن عطية (٣/ ١٠٧) . [.....]","vol":"3","page":237},{"text":"مَعْنَى سُبْحَانَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: مَعْنَاهَا: «تَنْزِيهًا للَّهِ مِنَ السُّوءِ»، وَحُكِيَ عن بعض المفسِّرين أَنهم رَوَوْا أَنَّ هذه الكلمةَ إِنَّما يقولها المؤمنُ عِنْدَ ما يشتهي الطَّعَام، فإِنه إِذا رأَى طائِرًا أَو غير ذلك، قال: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ، فنزلتْ تلك الإِرادة بَيْنَ يديه فَوْقَ ما اشتهى. رواه ابنُ جُرَيْج وسفيانُ بن عُيَيْنة، وعبارة الداوديّ عن ابنِ جُرَيْج: «دَعْواهُمْ فيها»: قال: إِذا مَرَّ بهم الطائرُ يَشْتَهُونه، كان دعواهم به سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ، فيأكلون منه ما يَشْتَهُونَ، ثم يطيرُ، وإِذا جاءتهم الملائكةُ بما يَشْتَهُونَ، سَلَّمُوا عَلَيْهم، فذلك قولُهُ: وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ، وإِذا أَكلوا حاجتهم، قالوا: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ، فذلك قوله: وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ.\nوقوله سبحانه: وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ: يريدُ تسليمَ بعضهم على بعض، والتحيَّة:\nمأخوذة مِنْ تَمَنِّي الحياةِ للإِنسان والدُّعاءِ بها، يقالُ: حَيَّاهُ ويُحيِّيه ومنه قَوْلُ زُهَيْرِ بن جنَابٍ: [الكامل]\nمِنْ كُلِّ مَا نَالَ الفَتَى ... قَدْ نِلْتُهُ إِلاَّ التَّحِيَّهْ «١»\nيريد: دعاء الناس للمُلُوكِ بالحياةِ، وقال بعضُ العلماء: وَتَحِيَّتُهُمْ يريد: تسليم اللَّه تعالَى عليهم، والسَّلام: مأخوذً من السَّلامة، وَآخِرُ دَعْواهُمْ: أي: خاتمةُ دعائهِم وكلامِهِمْ في كلِّ موطِنٍ حَمْدُ اللَّه وشُكْرُهُ، عَلَى ما أسبغ عليهم من نعمه، وقال ابن العربيِّ في «أحكامه» «٢» . في تفسير هذه الآية قولان:\nالأول: أَنَّ المَلَكَ يأتيهم بما يشتهون، فيقول: سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ، أي: سَلِمْتُم، فَيَرُدُّون عليه، فإِذا أكلوا، قالوا: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ.\nالثاني: أنَّ معنى «تَحِيَّتُهُمْ»: أي: تحيَّة بعضهم بعضًا، فقد ثبت في الخبر: «أن اللَّه تعالى خلق آدَمَ، ثم قَالَ لَهُ: اذْهَبْ إِلى أُولَئِكَ النَّفَر مِنَ المَلاَئِكَةِ فَسَلِّمْ عَلَيْهِمْ، فَجَاءَهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ: سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ، فَقَالُوا لَهُ: وَعَلَيْكَ السَّلاَمُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ: هَذِهِ تَحِيَّتُكَ، وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتَكَ مِنْ بَعْدِكَ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ» «٣»، وبَيَّنَ في القرآن هاهنا أنها تحيتهم في الجنّة،\n_________\n(١) البيت لزهير بن جناب في «إصلاح المنطق» ص: (٣١٦)، و«الأغاني» (١٨/ ٣٠٧)، و«الشعر والشعراء» (١/ ٣٨٦)، و«لسان العرب» (١١/ ٤٦) (بجل)، (١٤/ ٢١٦) (حيا)، و«المؤتلف والمختلف» ص:\n(١٣٠)، وبلا نسبة في «خزانة الأدب» (٥/ ٢٩٩)، و«شرح التصريح» (١/ ٣٢٦)، و«شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي: ص (١٠٠)، و«لسان العرب» (١٤/ ٢١٧) (حيا) .\n(٢) ينظر: «أحكام القرآن» (٣/ ١٠٥٠) .\n(٣) تقدم تخريجه.","vol":"3","page":238},{"text":"فهي تحيَّة موضوعةٌ من أول الخلقة إلى غير نهاية، وقد رَوَى ابنُ القاسِمُ، عن مالكٍ في قوله تعالى: وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ أي: هذا السَّلام الذي بين أظهركم، وهذا أظهر الأقوال، واللَّه أعلم. انتهى.\nوقرأ الجمهور «١»: «أَنِ الحَمْدُ لِلَّهِ»، وهي عند سَيْبَوَيْهِ «٢» «أن» المخفَّفَةُ من الثقيلة قال أبو الفتح: فهي بمنزلة قول الأعْشَى: [البسيط]:\nفِي فِتْيَةٍ كَسُيُوفِ الهِنْدِ قَدْ عَلِمُوا ... أَنْ هَالِكٌ كُلُّ مَنْ يحفى وينتعل «٣»\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-625>[سورة يونس (١٠): الآيات ١١ الى ١٤]</span>\nوَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١) وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِدًا أَوْ قائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٢) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (١٣) ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٤)\nوقوله سبحانه: وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ ... الآية: هذه الآيةُ نزلَت، في دعاء الرَّجُل على نَفْسه أو ولده، أو ماله، فأخبر سبحانه أنَّه لو فعل مع النَّاس في إِجابته إِلى المَكْروه مثْلَ ما يريدُ فعله معهم في إِجابته إِلى الخَيْر، لأهلكهم، وحُذِفَ بعد ذلك جملة يتضمَّنها الظاهرُ، تقديرها: فلا يفعلْ ذلك، ولكنْ يَذَرُ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقاءَنا ... الآية، وقيل: إِن هذه الآية نزلَتْ في قولهم:\nإِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ [الأنفال: ٣٢]، وقيل:\nنزلت في قولهم: ائْتِنا بِما تَعِدُنا [هود: ٣٢]، وما جرى مجراه، والعَمَهُ: الخبط في ضلال.\nوقوله سبحانه: وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ ... الآية: هذه الآية أيضا\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ١٠٨)، و«البحر المحيط» (٥/ ١٣٢) .\n(٢) ينظر: «الكتاب» (١/ ٤٨٠) .\n(٣) ينظر: «ديوانه» ص: (١٠٩)، و«الأزهية» ص: (٦٤)، و«الإنصاف» ص: (١٩٩)، و«تلخيص الشواهد» ص: (٣٨٢)، و«خزانة الأدب» (٥/ ٤٢٦)، (٨/ ٣٩٠)، (١٠/ ٣٩٣)، (١١/ ٣٥٣- ٣٥٤)، و«الدرر» (٢/ ١٩٤)، و«شرح أبيات سيبويه» (٢/ ٧٦)، و«الكتاب» (٢/ ١٣٧)، (٣/ ٧٤، ١٦٤، ٤٥٤)، و«المحتسب» (١/ ٣٠٨)، و«مغني اللبيب» (١/ ٣١٤)، و«المقاصد النحويّة» (٢/ ٢٨٧)، و«المنصف» (٣/ ١٢٩)، وبلا نسبة في «خزانة الأدب» (١٠/ ٣٩١) و«رصف المباني» ص: (١١٥)، و«شرح المفصل» (٨/ ٧١)، و«المقتضب» (٣/ ٩)، و«همع الهوامع» (١/ ١٤٢) .","vol":"3","page":239},{"text":"عتاب على سوء الخُلُقِ من بعض الناس، ومضمَّنه النهْيُ عن مثل هذا، والأَمرُ بالتسليم إِلى اللَّه والضَّراعة إِليه في كلِّ حال، والعلْمُ بأنَّ الخير والشر منه، لا رَبَّ غيره، وقوله:\nلِجَنْبِهِ، في موضع الحال كأنه قال: مُضْطَجِعًا، والضُّرُّ عامٌ لجميع الأمراض والرزايا.\nوقوله: مَرَّ يقتضي أن نزولها في الكفَّار، ثم هي بعد تتناوَلُ كلَّ من دَخَلَ تحْتَ معناها مِنْ كافرٍ وعاصٍ.\nوقوله سبحانه: وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ/ قَبْلِكُمْ ... الآية: آيةُ وعيد للكفّار، وضرب أمثال لهم، وخَلائِفَ: جمع خليفة.\nوقوله: لِنَنْظُرَ: معناه: لنبيِّن في الوجود ما عَلِمْناه أزلًا، لكنْ جرى القول على طريق الإِيجاز والفصاحةِ والمجازِ، وقال عمر ﵁: إِنَّ اللَّه تعالَى إِنما جَعَلَنَا خلفاءَ لينظر كَيْفَ عَمَلُنَا فَأَرُوا اللَّه حسن أعمالكم في السر والعلانية «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-626>[سورة يونس (١٠): الآيات ١٥ الى ١٨]</span>\nوَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ ما يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٦) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ (١٧) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨)\nوقوله سبحانه: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقاءَنَا يعني:\nبعْضَ كفار قريش: ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ، ثم أمر سبحانه نبيه أَنْ يردَّ عليهم بالحق الواضح، فقال: قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ ولا أعلمكم به، وأَدْراكُمْ بمعنى:\nأعلمكم، تقول: دَرَيْتُ بالأَمْرِ، وأَدْرَيْتُ بِهِ غيري، ثم قال: فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ يعني: الأربعين سنةً قبل بعثته ﵇، أي: فلم تجرِّبوني في كَذِبٍ، ولا تكلَّمتُ في شيءٍ مِنْ هذا أَفَلا تَعْقِلُونَ أنَّ من كان على هذه الصفة لا يصحُّ منه كذب بعد أَنْ ولَّى عمره، وتقاصَرَ أملُهُ، واشتدَّت حِنْكَته وخوفُه لربِّه.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٦/ ٥٣٩) برقم: (١٧٥٩٤)، وذكره ابن عطية (٣/ ١١٠)، والسيوطي (٣/ ٥٤٠)، وعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، عن قتادة.","vol":"3","page":240},{"text":"وقوله: فَمَنْ أَظْلَمُ: استفهام وتقريرٌ، أي: لا أحد أظلم ممَّن افترى على اللَّه كذبًا، أو ممَّن كذَّب بآياته بَعْد بيانها، والضمير في يَعْبُدُونَ لكفَّار قريش، وقولهم:\nهؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ: هذا قول النبلاء منهم، ثم أمر سبحانه نبيَّه أن يقرِّرهم ويوبِّخهم بقوله: أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ، وذكر السموات لأن من العرب من يعبد الملائكَةَ والشِّعْرَى، وبحسب هذا حَسُنَ أن يقول:\nهؤُلاءِ شُفَعاؤُنا، وقيل: ذلك على تجوُّز في الأصنام التي لا تَعْقِلُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-627>[سورة يونس (١٠): الآيات ١٩ الى ٢١]</span>\nوَما كانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٩) وَيَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٢٠) وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ (٢١)\nوقوله سبحانه: وَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا قالت فرقة: المراد آدم كان أُمة وحده، ثم اختلف الناس بعده، وقالت فرقة: المراد آدم وبنوه مِنْ لدن نزوله إلى قتل أحد ابنيه الآخَرَ، ويحتمل أن يريد: كان الناس صِنْفًا واحدًا بالفِطْرة معدًّا للاهتداء، وقد تقدَّم الكلام علَى هذا في قوله سبحانه: كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً [البقرة: ٢١٣] .\nوقوله سبحانه: وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ يريد: قضاءه وتقديره لبني آدم بالآجال المؤقَّتة، ويحتمل أنْ يريد: الكَلِمَةَ في أمر القيامة، وأنَّ العقابَ والثوابَ إِنما يكونُ حينئذٍ.\nوقوله: فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ أي: إِنْ شاء فَعَلَ، وإِن شاء لَمْ يَفْعَلْ.\nوقوله: فَانْتَظِرُوا: وعيدٌ.\nوقوله سبحانه: وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ ... الآية: هذه الآية في الكفَّار، وهي بعْدُ تتناول من العُصَاةِ مَنْ لا يؤدي شكر اللَّه عند زوال المَكْروه عنه، ولا يرتدعُ بذلك عن معاصيه، وذلك في الناس كثيرٌ، والرحمة هنا بعد الضرَّاء كالمطر بعد القَحْط، والأمن بعد الخَوْف ونحو هذا ممَّا لا ينحصر، والمَكْر: الاستهزاء والطَّعْن عليها مِن الكُفَّار واطراح الشكر والخوف من العصاة.\nوقال أبو عليٍّ: أَسْرَعُ من «سَرُعَ» لا من «أَسْرَعَ يُسْرِعُ»، إِذ لو كان من «أَسْرَعَ»، لكان شاذًّا.","vol":"3","page":241},{"text":"قال ع «١» وفي الحديث في نار جهنم: «لَهِيَ أَسْوَدُ مِنَ القَارِ» «٢» وما حفظ للنبيِّ ﷺ، فليس بشَاذٍ. ص: وَرُدَّ بأَنْ «أَسْوَدُ» مِنْ «فَعِلَ» لا من «افعل»: تقولُ: سَوِدَ فَهُوَ أَسْوَدُ، وإِنما امتنع من «سَوِدَ» ونحوِه عِنْد البصريّين لأنه لون. انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-628>[سورة يونس (١٠): الآيات ٢٢ الى ٢٥]</span>\nهُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢) فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٣) إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهارًا فَجَعَلْناها حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢٤) وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥)\nوقوله سبحانه: هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ... الآية: تعديدُ نِعَمٍ منه سبحانه على عباده.\nوقوله سبحانه: دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ: أي: نسوا الأصنام والشركاء، وأفردوا الدعاء للَّه سبحانه، وذكَر الطبريُّ في ذلك، عَنْ بعض العلماء حكايةَ قَوْلِ العَجَمِ:\n«هيا شرا هيا»، ومعناه: يا حيّ يا قيّوم، ويَبْغُونَ: معناه: يُفسدون.\nوقوله: مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا متاع: خبر مبتدأ محذوفٍ، تقديره هو متاع، أو ذلك مَتَاعٌ، ومعنى الآية: إِنما بغيكم وإِفسادكم/ مُضِرٌّ لكم، وهو في حالة الدنيا، ثم تَلْقَوْنَ عقابه في الآخرة، قال سفيان بن عُيَيْنة: إِنما بغيكم علَى أنفسِكُمْ متاع الحياة الدنيا: أي تُعَجَّلُ لكم عقوبته وعلى هذا قالوا: البَغْيُ يَصْرَعُ أهله.\nقال ع «٣»: وقالوا: البَاغِي مصروعٌ: قال تعالى: ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ [الحج: ٦٠]، وقال النبيُّ ﵇: «ما ذَنْبٌ أَسْرَعُ عُقُوبَةً مِنْ بَغْيٍ» .\nوقوله سبحانه: إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا أي: تفاخُرُ الحياة الدنيا وزينتها بالمال\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ١١٢) .\n(٢) أخرجه مالك في «الموطأ» (٢/ ٩٩٤) برقم: (٢) عن أبي هريرة موقوفا.\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ١١٤) .","vol":"3","page":242},{"text":"والبَنِينَ، إِذ مصيرُ ذلك إِلى الفَناءِ كمطرٍ نَزَلَ من السماءِ، فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ، أي: اختلط النباتُ بعْضُهُ ببعض بسَبَبِ الماء، ولفظ البخاريِّ: قال ابن عباس: فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ: فنبت بالماء مِنْ كلِّ لونٍ «١» انتهى. وأَخَذَتِ الْأَرْضُ لَفْظَةٌ كثُرت في مثل هذا، كقوله: خُذُوا زِينَتَكُمْ [الأعراف: ٣١] والزُّخْرُف: التزيينُ بالألوان، وقرأ ابن مسعود «٢» وغيره: «وتَزَيَّنَتْ»، وهذه أصل قراءة الجمهور.\nوقوله: وَظَنَّ أَهْلُها: على بابها، وهذا الكلامُ فيه تشبيهُ جملة أمْرِ الحياة الدنيا بهذه الجملة الموصوفة أحوالها، وحَتَّى غايةٌ، وهي حرفُ ابتداء لدخولها على «إِذا»، ومعناهما متَّصِلٌ إِلى قوله: قادِرُونَ عَلَيْها، ومن بعد ذلك بدأ الجوابُ، والأمْرُ الآتي:\nواحدُ الأمور كالرِّيحِ، والصِّرِّ، والسَّمُومِ، ونحوِ ذلك، وتقسيمُهُ لَيْلًا أَوْ نَهارًا، تنبيهٌ على الخَوْف وارتفاع الأمن في كلّ وقت، وحَصِيدًا، بمعنى محصود، أي: تالفًا مستهلكًا، كَأَنْ لَمْ تَغْنَ: أي: لم تنضر، ولم تنعم، ولم تعمر بغَضَارتها، ومعنى الآية:\nالتحذير من الاغترار بالدنيا إِذ هي معرَّضة للتلف كنبات هذه الأرض وخَصَّ المتفكِّرين بالذكْر تشريفًا للمنزلة وليقَعَ التسابُقُ إِلى هذه الرتبة.\nوَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ ... الآية: نصٌّ أن الدعاء إِلى الشرْع عامٌّ في كل بَشَرٍ، والهداية التي هي الإِرشادُ مختصّة بمن قدّر إيمانه، والسَّلامِ هنا: قيل: هو اسم من أسماء اللَّه تعالى، والمعنَى: يدعو إِلى داره التي هي الجنّة، وقيل: السَّلامِ بمعنى السّلامة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-629>[سورة يونس (١٠): الآيات ٢٦ الى ٣١]</span>\nلِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٦) وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٧) وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ مَّا كُنْتُمْ إِيَّانا تَعْبُدُونَ (٢٨) فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ (٢٩) هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٣٠)\nقُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ (٣١)\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٨/ ١٩٦) كتاب «التفسير» باب: «سورة يونس» وذكره معلقا بصيغة الجزم، ووصله ابن جرير من طريق آخر عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا ...، قال الحافظ: اختلط فنبت بالماء كل لون مما يأكل الناس كالحنطة والشعير وسائر حبوب الأرض، وأخرجه الطبري في «تفسيره» (٦/ ٥٤٦) برقم: (٣/ ١٧٦) .\n(٢) ينظر: «الكشاف» (٢/ ٣٤١)، و«المحرر الوجيز» (٣/ ١١٤)، وزاد نسبتها إلى الأعمش وأبي بن كعب، وينظر: «البحر المحيط» (٥/ ١٤٥)، وزاد نسبتها إلى زيد بن علي، وهي في «الدر المصون» (٤/ ٢١) .","vol":"3","page":243},{"text":"وقوله سبحانه: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ: قال الجمهور: الْحُسْنى:\nالجنةُ، وال زِيادَةٌ: النَّظَر إِلَى وجهِ اللَّه ﷿ وفي «صحيح مسلمٍ» من حديثِ صُهَيْبٍ: «فَيَكْشِفُ الحِجَابَ، فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ ﷿»، وفي رواية: ثُمَّ تَلاَ هَذِهِ الآيَةِ: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ وأخرج هذه الزيادةَ النَّسَائِيُّ عن صُهَيْبٍ، وأَخْرَجَهَا عن صُهَيْبٍ أَيضًا أَبو دَاوُدَ الطَّيَالِسي «١» انتهى من «التذكرة» «٢» .\nوقوله سبحانه: وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ ... الآية. ويَرْهَقُ معناه:\nيَغْشَى مع غلبةٍ وتضييقٍ، وال قَتَرٌ: الغُبَار المُسْوَدُّ.\nوقوله سبحانه: وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها قالت فِرْقَةٌ: التقديرُ لهم جزاءُ سيئةٍ بمثلها، وقالت فرقة: التقديرِ جزاءُ سيِّئة مثلها، والباء زائدةٌ، وتعم السيئاتُ هاهنا الكفر والمعاصي، وال عاصِمٍ: المنجّي والمجير، وأُغْشِيَتْ: كسبت، و«القَطْع»:\nجمع قِطْعة، وقرأ ابن كثيرٍ والكِسَائِيُّ: «قَطْعًا مِنَ اللَّيْلِ» - بسكون الطاء- «٣»، وهو الجُزْء من الليل، والمراد: الجُزْء من سواده، وباقي الآية بيّن.\nومَكانَكُمْ: اسم فعلِ الأَمْرِ، ومعناه: قِفُوا واسكنوا، ت: قال ص:\nوقدِّر ب «اثبتوا» وأما من قدَّره ب «الزموا مكانَكُمْ»، فمردودٌ، لأن «الزموا» متعدّ، ومَكانَكُمْ: لا يتعدَّى، فلا يقدَّر به، وإلا لكان متعديًا، واسم الفعل عَلَى حَسَب الفعلِ إِنْ متعديًا فمتعدٍّ، وإِنْ لازمًا فلازِمٌ، ثم اعتذر بأنه يمكن أن يكون تقديره ب «الزموا» تقديرَ معنًى، لا تقديرَ إِعرابٍ، فلا اعتراض، انتهى.\nقال ع «٤»: فأخبر سبحانَهُ عن حالةٍ تكون لعبدة الأوثان يوم القيامة يؤمرون\n_________\n(١) أخرجه مسلم (١/ ٥٥٤- ٥٥٥) -، كتاب «الإيمان» باب: إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم، حديث (٢٩٧- ٢٩٨/ ١٨١)، والنسائي في «التفسير» (٢٥٤)، وابن ماجه (١٨٧)، والترمذي (٢٥٥٢) .\n(٢) ينظر: «التذكرة» للقرطبي (٢/ ٦٥٣) . [.....]\n(٣) وتحتمل هذه القراءة أن تكون مفردا من الجمع، أو تخفيفا من قطع مثل نطع، ونطع.\nينظر: «الدر المصون» (٤/ ٢٥) .\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ١١٧) .","vol":"3","page":244},{"text":"بالإِقامة في موقف الخِزْيِ مع أصنامهم، ثم يُنْطِقُ اللَّه شركاءهم بالتبريِّ منهم.\nوقوله: فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ: معناه: فرَّقنا في الحُجَّةِ، والمذهب/ روي عن النبيّ ﷺ، أَنَّ الكُفَّار، إِذَا رَأَوا العَذَابَ، وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ، قِيلَ لَهُمُ: اتَّبِعُوا مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ، فَيَقُولُونَ: كُنَّا نَعْبُدُ هَؤُلاَءِ، فَتَقُولُ الأَصْنَامُ: وَاللَّهِ، مَا كُنَّا نَسْمَعُ، وَلاَ نَعْقِلُ، وَمَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تعْبُدُونَ، فَيَقُولُونَ: واللَّهِ، لإِيَّاكُمْ كُنَّا نَعْبُد، فَتَقُولُ الآلِهَةُ: فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ ... «١» الآية، وظاهر الآية أنَّ محاورتهم إِنما هي مَعَ الأصنام دون المَلاَئِكَةِ وَعِيسَى بدليل القوْلِ لهم: مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ، ودون فِرْعَونَ ومَنْ عُبِدَ من الجنِّ بدليل قولهم: إِنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ، و«إنْ» هذه عند سيبَوَيْه «٢» المخَفَّفَةُ من الثقيلة موجبَةٌ، ولزمتها اللام، فرقًا بينها وبين «إِنِ» النافيةِ، وعندَ الفَرَّاء: «إِنْ» نافيةٌ بمعنَى «مَا»، واللامُ بمعنى «إِلاَّ»، وقرأ نافعٌ «٣» وغيره: «تَبْلُوا» - بالباء الموحَّدة- بمعنى:\nتختبر، وقرأ حمزة والكسائي: «تَتْلُوا» - بتاءين- بمعنى تَتْبَعُ وتطلب ما أَسْلَفَتْ من أعمالها ت: قال ص: كقوله: [الرجز]\nإِنَّ المُرِيبَ يَتْبَعُ المُرِيبَا ... كَمَا رَأَيْتَ الذِّيَبِ يَتْلُو الذِّيَبَا «٤»\nأي: يتبعه. انتهى. ويصحُّ أَن يكون بمعنى تَقْرَأُ كُتُبَهَا التي تُدْفَع إِليها.\nوقوله: وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ... الآية: تدبيرُ الأمْرِ عامٌّ في جميع الأشياءِ، وذلك استقامة الأمور كلِّها على إِرادته ﷿، وليس تدبيره سبحانه بفكْرٍ ورويَّةٍ وتغييراتٍ- تعالَى عن ذلك- بل علمه سبحانه محيطٌ كاملٌ دائمٌ.\nفَسَيَقُولُونَ اللَّهُ: أي: لا مَنْدُوحَةَ لهم عن ذلك، ولا تُمْكِنهم المباهَتَةُ بسواه، فإِذا أقرُّوا بذلك، فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ في افترائكم، وجعلكم الأصنام آلهة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-630>[سورة يونس (١٠): الآيات ٣٢ الى ٣٣]</span>\nفَذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢) كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٣٣)\n_________\n(١) ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٥٥٠)، وعزاه إلى ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ عن مجاهد بنحوه.\n(٢) ينظر: «الكتاب» (١/ ٤٨٠) .\n(٣) ينظر: «السبعة» ص: (٣٢٥)، و«الحجة» (٤/ ٢٧١)، «حجة القراءات» ص: (٣٣١)، «إعراب القراءات» (١/ ٢٦٧)، و«إتحاف فضلاء البشر» (٢/ ١٠٨- ١٠٩)، و«معاني القراءات» (٢/ ٤٣)، و«العنوان» (١٠٥)، و«شرح الطيبة» (٤/ ٣٥٠)، و«شرح شعلة» (٤٢١) .\n(٤) البيت من شواهد «البحر» (٥/ ١٥٥)، والقرطبي (٨/ ٣٣٤)، و«الدر المصون» (٤/ ٢٨) .","vol":"3","page":245},{"text":"وقوله: فَذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ ... الآية: يقول: فهذا الذي هذه صفاته ربُّكم الحَقُّ، أي: المستوجِبُ للعبادةِ والألوهيَّة، وإِذا كان كذلك، فتشريكُ غيره ضَلاَلٌ وغيرُ حقٍّ.\nقال ع «١»: وعبارة القُرآن في سوق هذه المَعاني تفُوتُ كلَّ تفسيرٍ براعةً وإِيجازًا ووضوحًا، وحَكَمَتْ هذه الآيةُ بأنه ليس بَيْنَ الحَقِّ والضلال منزلةٌ ثالثةٌ في هذه المسألة التي هي توحيدُ اللَّه تعالَى، وكذلك هو الأمر في نظائرها مِنْ مسائل الأصول التي الحَقُّ فيها في طَرَفٍ واحدٍ لأن الكلام فيها إِنما في تقرير وجودِ ذاتٍ كَيْفَ هِيَ، وذلك بخلافِ مسائِلِ الفُرُوع التي قال اللَّه تعالَى فيها: لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجًا [المائدة: ٤٨] .\nوقوله: فَأَنَّى تُصْرَفُونَ: تقرير كما قال: فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ [التكوير: ٢٦] ثم قال: كَذلِكَ حَقَّتْ أي: كما كانَتْ صفاتُ اللَّه كما وَصَفَ، وعبادته واجبة كما تقرَّر، وانصراف هؤلاء كما قَدَّرَ عليهم، كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ ... الآية، وقرأ أبو عَمْرٍو «٢» وغيره: «كَلِمَةُ» على الإِفراد الذي يُرَادُ به الجَمْع كما يقال للقصيدة «كَلِمَةٌ» فَعَبَّر عن وعيدِ اللَّه تعالى ب «كلمة» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-631>[سورة يونس (١٠): الآيات ٣٤ الى ٣٦]</span>\nقُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٣٤) قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٥) وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ (٣٦)\nوقوله سبحانه: قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ... الآية توقيفٌ على قصور الأصنامِ وعَجْزِها، وتنبيهٌ على قدرة اللَّه ﷿، وتُؤْفَكُونَ: معناه:\nتُصْرَفُونَ وتُحْرَمُونَ، وأرضٌ مَأْفُوكَةٌ إِذا لم يصبها مطر، فهي بمعنى الخيبة.\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ١١٨) .\n(٢) وحجة من جمع أنها والتي بعدها كتبتا في المصاحف بالتاء. وحجة الباقين: إجماع الكل على التوحيد في قوله تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا [الأنعام: ١١٥]، فردوا ما اختلفوا فيه إلى ما أجمعوا عليه.\nينظر: «السبعة» ص: (٣٢٦)، «الحجة» (٤/ ٢٧٢- ٢٧٣)، «حجة القراءات» ص: (٣٣١)، «إعراب القراءات» (١/ ٢٦٧)، «إتحاف» (٢/ ١٠٩)، «العنوان» (١٠٥) .\nوينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ١١٨)، و«البحر المحيط» (٥/ ١٥٦)، و«الدر المصون» (٤/ ٣٠) .","vol":"3","page":246},{"text":"وقوله تعالى: قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ: أي: يبيِّن طرق الصواب، ثم وصف الأصنام بأنها لا تَهْدِي إِلا أنْ تُهْدَى.\nوقوله: إِلَّا أَنْ يُهْدى: فيه تَجوُّز، لأنا نجدها لا تُهْدَى وإِنْ هُدِيَتْ، وقال بعضهم: هي عبارة عن أنها لا تنتقلُ إِلا أنْ تُنْقَلَ، ويحتمل أنْ يكون ما ذَكَرَ اللَّه مِنْ تسبيح الجمادَاتِ هو اهتداؤها، وقرأ نافع وأبو عمرو: «يَهْدِّي» «١» - بسكون الهاء، وتشديد الدَّال-، وقرأ ابن كثير وابنُ عامر: يَهَدِّي- بفتح الياء/ والهاء، وتشديد الدَّال «٢» - وهذه رواية وَرْشٍ عن نافعٍ، وقرأ حمزة والكسائي: «يَهْدِي» - بفتح الياءِ، وسكون الهاء «٣» - ومعنى هذه القراءة: أَمَّنْ لا يَهْدِي أَحدًا إِلا أَن يُهْدى ذلك الأَحْدُ، ووقف القُرَّاء: فَما لَكُمْ، ثم يبدأ: كَيْفَ تَحْكُمُونَ.\nوقوله سبحانه: وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا ... الآية: أخبر اللَّه سبحانه عن فساد طريقتهم، وضَعْفِ نَظَرِهم، وأنه ظَنٌّ، ثم بيَّن منزلة الظنِّ من المعارف، وبعده عن الحقّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-632>[سورة يونس (١٠): الآيات ٣٧ الى ٤٠]</span>\nوَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٣٧) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣٨) بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٣٩) وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ (٤٠)\nوقوله سبحانه: وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ: هذا ردٌّ لقول من يقول: إنّ محمدا يفتري القرآن، والَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ: التوراةُ والإِنجيل، وهم يقطعون أنَّه لم يطالِعْ تلك الكُتُب، ولا هي في بلده، ولا في قومه، وتَفْصِيلَ الْكِتابِ هو تبيينه.\nوقوله: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ ... الاية: «أم» هذه ليست بالمعادلة لهمزة الاستفهام،\n_________\n(١) ينظر: «السبعة» ص: (٣٢٦)، «الحجة» (٤/ ٢٧٤- ٢٧٥)، «حجة القراءات» ص: (٣٣١- ٣٣٢)، «إعراب القراءات» (١/ ٢٦٨)، و«إتحاف» (٢/ ١٠٩)، و«معاني القراءات» (٢/ ٤٤)، و«شرح الطيبة» (٤/ ٣٥١)، و«العنوان» (١٠٥)، «شرح شعلة» (٤٢٢): ينظر السابق.\nوذكره ابن عطية (٣/ ١١٩)، وذكر أنها قراءة شيبة والأعرج، وأبي جعفر.\n(٢) ذكره ابن عطية (٣/ ١١٩) .\n(٣) ذكره ابن عطية (٣/ ١١٩) .","vol":"3","page":247},{"text":"في قوله: أزيْدٌ قام أمْ عمرو؟ ومذهَبُ سِيبَوَيْهِ: أنها بمنزلة «بَلْ» ثم عجَّزهم سبحانه بقوله:\nقُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ ... الآية: والتحدِّي في هذه الآية عند الجُمْهُور وقَعَ بجهتَي الإِعجاز اللَّتَيْنِ في القرآنِ:\nإِحْداهما: النَّظْم والرَّصْف والإِيجازُ وَالجَزَالَة، كلُّ ذلك في التعريف.\nوالأُخرَى: المعاني مِنَ الغَيْبِ لِمَا مَضَى، ولما يُسْتَقْبَلُ.\nوحين تحدَّاهم ب «عَشْرٍ مفترياتٍ» إِنما تحدَّاهم بالنَّظْم وحْده، ثم قال ع «١»:\nهذا قول جماعة المتكلِّمين، ثم اختار أنَّ الإِعجاز في الآيتين إِنما وقع في النَّظْمِ لا في الإِخبارِ بالغُيُوبِ.\nت: والصوابُ ما تَقَدَّم للجمهور، وإليه رَجَعَ في «سورة هود» وأوجُهُ إِعجاز القرآن أَكْثَرُ من هذا وانظر «الشِّفَا» .\nوقوله: مَنِ اسْتَطَعْتُمْ: إِحالةٌ على شركائهم.\nوقوله سبحانه: بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ ... الآية: المعنى: ليس الأمر كما قالوا مِنْ أنه مفترًى، بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ، أي:\nتفسيره، وبيانُهُ، ويحتمل أنْ يريد بما لم يأتهم تأويله، أي: ما يؤول إليه أمره كما هو في قوله: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ [الأعراف: ٥٣] وعَلَى هذا، فالآيةُ تتضمَّن وعيدًا، والَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ: مَنْ سلف من أمم الأنبياء.\nوقوله سبحانه: وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ ... الآية: أيْ: ومِنْ قريشٍ مَنْ يؤمن بهذا الرسُولِ، ولهذا الكلام معنيان:\nقالتْ فرقة: معناه: مِنْ هؤلاء القومِ مَنْ سيؤمن في المستقبل، ومِنْهُم من حَتَمَ اللَّه عَلَيْهِ أنَّه لا يؤمن به أبدًا.\nوقالتْ فرقة: معناه: ومنهم مَنْ يؤمن بهذا الرسُولِ إِلاَّ أنَّه يَكْتُم إِيمانه حفظا لرياسته، أو خوفًا مِنْ قومه، كالفِتْية الذين قُتِلُوا مع الكُفَّار بِبَدْرٍ.\nقال ع «٢»: وفائدة الآية على هذا التأويل: التفريقُ لكلمة الكُفَّار، وإِضعافُ\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ١٢٠) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ١٢٢) .","vol":"3","page":248},{"text":"نفوسهم، وفي قوله: وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ تهديدٌ ووعيد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-633>[سورة يونس (١٠): الآيات ٤١ الى ٤٥]</span>\nوَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٤١) وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ (٤٢) وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ (٤٣) إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٤) وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (٤٥)\nوقوله سبحانه: وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ الآية فيها منابذةٌ ومتارَكَةٌ، قال كثير من المفسِّرين، منهم ابن زيد: هذه الآية منسوخةٌ بالقتال، وباقي الآية بيِّن.\nوقوله سبحانه: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ ... الآية: وعيدٌ بالحشر وخِزْيِهِم فيه، وتعارُفُهُمْ على جهة التلاؤمِ والخزْيِ من بَعْضِهِم لبعضٍ، حيث لا ينفع ذلك.\nوقوله سبحانه: قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ ... إلى آخرها: حُكْمٌ من اللَّه ﷿ على المكذِّبين بالخُسْران، وفي اللفظ إِغلاظٌ، وقيل: إِن هذا الكلام من كلام المحشُورِينَ، عَلى جهة التوبيخ لأنفسهم.\nت: والأول أبين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-634>[سورة يونس (١٠): الآيات ٤٦ الى ٤٧]</span>\nوَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ (٤٦) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٤٧)\nوقوله: وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ ... الآية: «إما» شرطٌ، وجوابه: فَإِلَيْنا، والرؤية في نُرِيَنَّكَ بصريةٌ، ومعنى هذه الآية: الوعيدُ بالرجوعِ إلى اللَّه تعالى، أي: إِنْ أَرَيْنَاكَ عقوبتهم، أو لم نُرِكَهَا، فهم عَلى كلِّ حال راجعُونَ إِلينا إلى الحسَابِ والعذابِ، ثم مع ذلك، فاللَّهُ شَهيدٌ من أوَّل تكليفهم عَلى جميعِ أَعمالهم، وَ«ثُمَّ» لترتيب الأَخبار/ لا لترتيب القصص في أنفسها، و«إِما» هي «إِنْ»، زيدَتْ عليها «ما»، ولأجلها جازَ دخُولُ النون الثقيلة، ولو كانت «إِنْ» وحدها، لم يجز.\nص: واعترض بأنَّ مذهب سيبَوَيْهِ «١» جوازُ دخولها، وإِن لم تَكُنْ «ما» انتهى.\n_________\n(١) ينظر: «الكتاب» (٢/ ١٥٢) . [.....]","vol":"3","page":249},{"text":"وقوله سبحانه: وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ: قال مجاهد وغيره: المعنَى: فإِذا جاء رسولهم يوم القيامة للشَّهادة عليهم، صُيِّرَ قومٌ للجنَّة، وقومٌ للنار، فذلك القضاء بينهم بالقسط «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-635>[سورة يونس (١٠): الآيات ٤٨ الى ٥٣]</span>\nوَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٨) قُلْ لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعًا إِلاَّ مَا شاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (٤٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ بَياتًا أَوْ نَهارًا ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (٥٠) أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (٥١) ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٥٢)\nوَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥٣)\nوقوله سبحانه: وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ قُلْ لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعًا إِلَّا مَا شاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ... الآية:\nالضميرُ في يَقُولُونَ لكفَّار قريش، وسؤالهم عن الوعدِ تحريرٌ منهم- بزعمهم- للحجَّة أي: هذا العذابُ الذي تُوُعِّدْنا به، حَدِّدْ لنا وقته لِنَعْلَمَ الصِّدْق في ذلك من الكَذِب، ثم أمر اللَّه تعالى نَبِيَّهُ أَنْ يقول على جهة الردِّ عليهم: قُلْ لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعًا إِلَّا مَا شاءَ اللَّهُ، ولكن لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ انفرد اللَّه بعلْمِ حدِّه ووقتِهِ، وباقي الآية بَيِّن.\nوقوله: مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ: أي: فمَا تستعجلون منه، وأنتم لا قِبَلَ لكم بِهِ، والضمير في «مِنْهُ» يحتمل أنْ يعود على اللَّه ﷿، ويحتمل أن يعود على العَذَابِ.\nوقوله: أَثُمَّ إِذا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ المعنى: إِذا وقع العذابُ وعاينتموه، آمنتم حينئذٍ، وذلك غَيْر نافعكم، بل جوابُكُمْ: الآن وقَدْ كُنْتُمْ تستعجلونَهُ مكذِّبين به، وَيَسْتَنْبِئُونَكَ:\nمعناه: يستخبرُونَك، وهي عَلَى هذا تتعدَّى إِلى مفعولَيْنِ أَحدُهما: الكافُ، والآخرُ:\nالجملة، وقيل: هي بمعنى يَسْتَعلِمُونَكَ فعلى هذا تحتاجُ إِلَى ثَلاَثةِ مَفَاعِيلَ.\nص: ورُدَّ بأن الاستنباء لا يُحْفَظُ تعديه إِلى ثلاثةٍ، ولاَ اسْتَعْلَمَ الذي هو بِمَعْنَاه.\nانتهى.\nوأَ حَقٌّ هُوَ قيل: الإِشارة إِلى الشرعِ والقُرآن، وقيل: إِلى الوعيدِ وهو أَظْهر.\nوقوله: إِي وَرَبِّي: أي: بمعنى «نَعَمْ»، وهي لفظة تتقدَّم القَسَم، ويجيء بعدها\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٦/ ٥٦٥) برقم: (١٧٦٨١- ١٧٦٨٢) نحوه، وذكره ابن عطية (٣/ ١٢٣)، والبغوي في «تفسيره» (٢/ ٣٥٦) .","vol":"3","page":250},{"text":"حَرْفُ القسم، وقد لا يجيء تقُولُ: إِي وربّي، وإي ربّي، وبِمُعْجِزِينَ: معناه مفلتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-636>[سورة يونس (١٠): الآيات ٥٤ الى ٥٦]</span>\nوَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٥٤) أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَلا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٥٥) هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٥٦)\nوقوله سبحانه: وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ ... الآية، وأَسَرُّوا: لفظة تجيءُ بمعنى «أَخْفَوا»، وهي حينئذٍ من السِّرِّ، وتجيء بمعنى «أظْهَرُوا»، وهي حينئذٍ من أسارِيرِ الوَجْهِ.\nص: قال أبو البقاء: وهو مستأنَفٌ، وهو حكاية ما يكون في الآخرة.\nوقوله تعالى: أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ... الآية، «أَلاَ» استفتاح وتنبيهٌ، وباقي الآية بيّن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-637>[سورة يونس (١٠): الآيات ٥٧ الى ٥٩]</span>\nيا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨) قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرامًا وَحَلالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩)\nوقوله سبحانه: يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ ... الآية: هذه آية خُوطِبَ بها جميعُ العَالَم، وال مَوْعِظَةٌ: القرآن لأن الوعظ إِنما هو بقولٍ يأْمُرُ بالمعروف ويزجُرُ، ويرقِّق القلوب، ويَعِدُ ويُوعِدُ، وهذه صفة «الكتاب العزيز»، وقوله:\nمِنْ رَبِّكُمْ يريد: لم يختلقها محمّد ولا غيره، ولِما فِي الصُّدُورِ: يريد به الجَهْلَ ونحوَهُ، وجَعْلُهُ موعظةً بحَسَب النَّاسِ أَجْمَعَ، وجعْلُه هدىً ورحمةً بحسب المؤمنين فَقَطْ، وهذا تفسيرٌ صحيحُ المعنَى، إِذا تُؤُمِّلَ، بان وجْهُه.\nوقوله سبحانه: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا، قال ابن عباس «١» وغيره: الفضل: الإِسلام، والرحمة: القرآن، وقال أبو سعيد الخُدْرِيُّ: الفَضْل: القرآن، والرحمة: أن جعلهم مِنْ أهله.\nوقال زيْدُ بن أسلم والضّحّاك: الفضل: القرآن، والرحمة: الإسلام.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٦/ ٥٦٩) برقم: (١٧٦٩٥)، وذكره ابن عطية (٣/ ١٢٦)، والسيوطي (٣/ ٥٥٤)، وعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي.","vol":"3","page":251},{"text":"قال ع «١»: ولا وجْه عندي لشيْءٍ من هذا التخْصيصِ إِلاَّ أن يستند شيءٌ منْه إلى النبيّ ﷺ، وإِنما الذي يقتضيه اللفظُ، ويلزم منْه أنَّ الفضْلَ: هو هدايةُ اللَّه تعالى إِلَى دِينِهِ، والتوفيقُ إِلى اتباع شرعه، والرحمةُ هي عفوه وسُكْنَى جنَّته التي جَعَلَها جزاءً على التشرُّع بالإِسلام والإِيمان به، ومعنى/ الآية: قل، يا محمَّد، لجميع النَّاس: بفضلِ اللَّه ورحمته فَلْيَقَعِ الفَرِحُ منكم، لا بأمور الدنيا وما يُجْمَعُ من حُطَامها، فإِن قيل: كيف أمر اللَّه بالفَرَحِ في هذه الآية، وقد وَرَدَ ذمُّه في قوله: لَفَرِحٌ فَخُورٌ [هود: ١٠] وفي قوله: لاَ تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْفَرِحِينَ [القصص: ٧٦] .\nقيل: إِن الفرح إِذا ورد مقيَّدًا في خيرٍ، فليس بمذمومٍ، وكذلك هو في هذه الآية، وإِذا ورد مقيَّدًا في شرٍّ، أو مطلقًا لَحِقَهُ ذمٌّ، إِذ ليس من أفعال الآخرة، بل ينبغي أنْ يغلب على الإِنسان حُزْنُهُ على دينه، وخوفُه لربِّه.\nوقوله: مِمَّا يَجْمَعُونَ: يريد: مالَ الدنيا وحُطَامَها الفانِيَ المردي في الآخرة.\nوقوله سبحانه: قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرامًا وَحَلالًا ... الآية.\nقال ص: أَرَأَيْتُمْ: مضمَّن معنى: أَخْبِروني، و«ما» موصولة.\nقال ع «٢»: هذه المخاطبة لكفَّار العرب الذين جعلوا البحائِرَ والسَّوائب وغَيْرَ ذلك، وقوله: أَنْزَلَ: لفظةً فيها تجوّز.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-638>[سورة يونس (١٠): الآيات ٦٠ الى ٦١]</span>\nوَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ (٦٠) وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٦١)\nوقوله: وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيامَةِ آية وعيدٍ- لمَّا تحقَّقَ عليهم بتقسيمِ الآية التي قبلها أنهم مفترون على اللَّه- عَظَّمَ في هذه الآية جُرْمَ الافتراء، أي: ظَنُّهم في غايَةِ الرداءة بحسب سُوء أفعالهم، ثم ثَنَّى بذكْرِ الفَضْل على النَّاس في الإِمهال لهم مع الافتراء والعصيان إِذ الإِمهال لهم داعيَةٌ إِلى التوبةِ والإِنابةِ، ثم الآية تعمّ\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ١٢٦) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ١٢٧) .","vol":"3","page":252},{"text":"جميعَ فَضْل اللَّه سبحانَهُ، وجميعَ تَقْصير الخَلْقِ.\nوقوله سبحانه: وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ ... الآية: مَقْصِدُ هذه الآية وصْفُ إِحاطة اللَّه ﷿ بكلِّ شيء، لا ربَّ غيره، ومعنى اللفْظِ: وما تكُونُ يا محمَّد، والمرادُ هو وَغَيْرُهُ في شأن من جميع الشؤون، وَما تَتْلُوا مِنْهُ: الضمير عائدٌ على شَأْن أي: فيه وبسببه «مِن قُرْآنٍ»، ويحتمل أنْ يعود الضميرُ على جميع القرآن.\nوقال ص: ضمير «منه» عائد على «شأن» ومِنْ قُرْآنٍ: تفسيرٌ للضمير.\nانتهى. وهو حَسَن، ثم عمَّ سبحانه بقوله: وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ، وفي قوله سبحانه:\nإِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا تحذيرٌ وتنبيهٌ.\nت وهذه الآية عظيمةُ المَوْقِعِ لأَهْل المراقبة تثيرُ من قلوبهم أسرارًا، ويغترفون من بحر فيضها أنوارا، وتُفِيضُونَ معناه: تأخذون وتَنْهَضُون بِجِدٍّ، وَما يَعْزُبُ:\nمعناه: وما يَغِيبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ والكتابُ المُبينُ هو اللوحُ المحفوظُ، ويحتملُ ما كتبته الحفظة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-639>[سورة يونس (١٠): الآيات ٦٢ الى ٦٤]</span>\nأَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤)\nوقوله سبحانه: أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ ... الآيةُ: «ألا» استفتاح وتنبيه، وأَوْلِياءَ اللَّهِ: هم المؤمنون الذينَ وَالوهُ بالطاعةِ والعبادةِ، وهذه الآية يُعْطِي ظاهرُها أَنَّ مَنْ آمَنَ واتقَى اللَّه، فَهُوَ داخلٌ في أولياء اللَّه، وهذا هو الذي تقتضيه الشريعةُ في الوَلِيِّ، وروي عن النبيّ ﷺ أَنَّهُ سُئِلَ، مَنْ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ؟ فَقَالَ: «الَّذِينَ إذا رأيتهم ذكرت الله» «١» .\nقال: ع «٢»: وهذا وصفٌ لازِمٌ للمتَّقِين لأنهم يَخْشَعُونَ ويُخْشِّعُونَ، وروي عنه ﷺ أيضًا أَنَّهُ قَالَ: «أَوْلِيَاءُ اللَّه قَوْمٌ تَحَابُّوا فِي اللَّهِ، وَاجْتَمَعُوا في ذَاتِهِ، لَمْ تَجْمَعْهُمْ قَرَابَةٌ وَلاَ مَالٌ يَتَعَاطَوْنَهُ» . وروى الدارقطنيُّ في «سننه» عن النبيّ ﷺ أنّه قال: «خيار عباد\n_________\n(١) ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٨١) وقال: رواه البزار عن شيخه علي بن حرب الرازي ولم أعرفه، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٥٥٦)، وزاد في نسبته إلى ابن المبارك، والحكيم الترمذي في «نوادر الأصول»، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، وابن مردويه، عن ابن عباس.\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ١٢٨) .","vol":"3","page":253},{"text":"اللَّهِ الَّذِينَ إِذَا رؤُوا، ذُكِرَ اللَّهُ، وَشَرُّ عباد الله المشّاءون بِالنَّمِيمَةِ المُفَرِّقُونَ بَيْنَ الأَحِبَّةِ، البَاغُونَ للْبُرَآءِ العَيْبَ» «١» . انتهى من «الكوكب الدُّرِّيِّ» .\nوقوله: لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ يعني: في الآخرةِ، ويحتملُ في الدنيا لا يخافُونَ أَحدًا من أَهل الدنيا، ولا من أعراضها، ولا يحزنون على ما فاتهم منها، والأولُ أظهر، والعمومُ في ذلك صحيحٌ: لاَ يَخَافُونَ في الآخرة جملةً، ولا في الدنيا الخَوْفَ الدُّنْيَوِيَّ.\nوذكر الطبريُّ عن جماعة/ من العلماء مثْلَ ما في الحديثِ في الأولياء أنهم هُمُ الَّذِينَ إِذَا رَآهُمُ أَحَدٌ، ذَكَرَ اللَّهَ، وروي فيهم حديث «أَنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ هُمْ قَوْمٌ يَتَحَابُّونَ فِي اللَّهِ وَيُجْعَلُ لَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ مَنَابِرُ مِنْ نُورٍ، وَتُنِيرُ وُجُوهُهُمْ، فَهُمْ في عَرَصَاتِ القِيَامَةِ لاَ يَخَافُونَ وَلاَ يَحْزَنُون» «٢» وروى عمر بن الخطاب أنّ رسول الله ﷺ قَالَ: «إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ عِبَادًا مَا هُمْ بِأَنْبِيَاءَ وَلاَ شُهَدَاءَ يَغبُطُهُمُ الأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ لَمَكَانَتِهِمْ مِنَ اللَّهِ، قَالُوا: وَمَنْ هُمُ، يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: قَوْمٌ تَحَابُّوا بِرُوحِ اللَّهَ عَلَى غَيْرِ أَرْحَامٍ، وَلا أَمْوَالٍ ...»\nالحديثَ، ثم قرأَ: أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ «٣» .\nت وقد خرَّج هذا الحديثَ أبو داود والنسائيُّ، قال أبو داود في هذا الحديث:\nفو الله، إِنَّ وجوههم لَنُورٌ، وإِنهم لَعَلَى نُورٍ، ذكره بإِسنادٍ آخر. انتهى.\nورواه أيضًا ابن المبارك في «رقائقه» بسنده، عن أبي مالك الأشعريِّ أنّ النّبيّ ﷺ أقبل على النّاس، فقال: «يا أيّها النَّاسُ اسمعوا واعقلوا، واعلموا أَنَّ لِلَّهِ عِبَادًا لَيْسُوا بَأَنْبِيَاءَ وَلاَ شُهَدَاءَ، يَغْبُطُهُمُ النَّبِيُّونَ وَالشُّهَدَاءُ عَلَى مَجَالِسِهِمْ وَقُرْبِهِمْ مِنَ اللَّهِ ﷿»، فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ: انْعَتْهُمْ لَنَا، يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَقَالَ: هُمْ نَاسٌ مِنْ أَبْنَاءِ النَّاسِ، لَمْ تَصِلْ بَيْنَهُمْ أَرْحَامٌ مُتَقَارِبَةٌ، تَحَابُّوا فِي اللَّهِ، وتَصَافَوْا فيهِ، يَضَعُ اللَّهُ لَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ فَيُجْلِسُهُمْ عَلَيْهَا فَيَجْعَلُ وُجُوهَهُمْ نُورًا وَثِيَابَهُمْ نُورًا، يَفْزَعُ النَّاسُ يَوْمَ القِيَامَةِ، وهم لا يفزعون، وهم\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٤/ ٢٢٧)، وذكره الهيثمي في «المجمع» (٨/ ٩٦)، وقال: رواه أحمد وفيه شهر بن حوشب، وقد وثقه غير واحد وبقية رجال أحمد أسانيده رجال الصحيح.\n(٢) تقدم تخريجه.\n(٣) أخرجه أبو داود (٢/ ٣١٠- ٣١١) كتاب «البيوع» باب: في الرهن، حديث (٣٥٢٧)، وهنّاد بن السري في «الزهد» رقم: (٤٧٥)، والطبري في «تفسيره» (١١/ ٩٢)، وأبو نعيم في «الحلية» (١/ ٥)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٨٩٩٨- ٨٩٩٩)، من حديث عمر بن الخطاب، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٥٥٧)، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم، وابن مردويه.","vol":"3","page":254},{"text":"أولياء الله لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون» . انتهى «١» .\nوقوله تعالى: هُمُ الْبُشْرى ...\nالآية: أَمَّا بشرَى الآخرة، فهي بالجنَّةِ بلا خلاف قولًا واحدًا، وذلك هو الفَضْل الكبير، وأَمَّا بُشْرَى الدنيا، فَتَظاهَرَت الأَحاديث من طرق، عن النبيّ ﷺ أَنَّهَا «الرُّؤْيا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الْمُؤْمِنُ أَوْ تُرَى لَهُ» «٢»، وقال قتادة والضَّحَّاك: البُشْرَى في الدنيا: هِيَ ما يُبَشَّرُ به المؤمنُ عِنْد موته، وهو حَيٌّ عند المعاينة، ويصح أنْ تكون بُشْرَى الدنيا ما في القرآن من الآيات المبشّرات ويقوّى ذلك بقوله: تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ\n، ويؤوّل قوله ﷺ: «هِيَ الرُّؤْيَا» أنه أعطَى مثالًا يعمُّ جميع الناس.\nوقوله سبحانه: تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ\n: يريد: لا خُلْفَ لمواعيده، ولا رَدَّ في أمره، وقد أخذ ذلك ابنُ عُمَرَ علَى نحو غَيْرِ هذا، وجَعَلَ التبديلَ المنفيَّ في الألفاظ، وذلك أنَّه روي أَنَّ الحجاج خَطَبَ، فَقَالَ: أَلاَ إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْر قَدْ بَدَّلَ كِتَابَ اللَّهِ، فقال له\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٥/ ٣٤١- ٣٤٢- ٣٤٣)، وأبو يعلى (١٢/ ٢٣٣- ٢٣٤) رقم: (٦٨٤٢)، والطبري (١١/ ٩٢)، وابن المبارك في «الزهد» ص: (٢٤٨- ٢٤٩) رقم: (٧١٤)، وابن أبي الدنيا في «الإخوان» (٦)، والطبراني في «الكبير» (٣٤٣٣- ٣٤٣٤- ٣٤٣٥) من طريق شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، عن أبي مالك الأشعري به، وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٢٧٩- ٢٨٠) وقال: رواه أحمد، والطبراني، ورجاله وثقوا.\nوذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٥٥٨)، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم، وابن مردويه.\n(٢) أخرجه الترمذي (٤/ ٥٣٤- ٥٣٥) كتاب «الرؤيا» باب: قوله: هُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، حديث (٢٢٧٥)، وابن ماجه (٢/ ١٢٨٣) كتاب «تعبير الرؤيا» باب: الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له، حديث (٣٨٩٨)، والدارمي (٢/ ١٢٣) كتاب «الرؤيا» باب: في قوله تعالى: هُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا\n، وأحمد (٥/ ٣١٥) والطبري في «تفسيره» (٦/ ٥٧٧) رقم: (١٧٧٣٣- ١٧٧٣٤)، والحاكم (٢/ ٣٤٠)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٤/ ١٨٥- ١٨٦) رقم: (٤٧٥٣)، والطيالسي (٢/ ١٩- منحة) رقم: (١٩٥٥)، والخطيب في «شرف أصحاب الحديث» رقم: (٢٣٨) كلهم من طريق يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة، عن عبادة بن الصامت به، وقال الترمذي: حديث حسن.\nوقال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، والحديث ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٥٥٩)، وزاد نسبته إلى الهيثم بن كليب، والحكيم الترمذي، وابن المنذر، والطبراني، وأبي الشيخ، وابن مردويه.\nوأخرجه الترمذي (٤/ ٥٣٤) كتاب «الرؤيا» باب: قوله: هُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، حديث (٢٢٧٣)، وأحمد (٦/ ٤٥٢)، وابن أبي شيبة (١١/ ٥١)، والطبري في «تفسيره» (٦/ ٥٧٧- ٥٧٨) رقم: (١٧٧٣٧)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٤/ ١٨٥) رقم (٤٧٥٢) كلهم من طريق عطاء بن يسار، عن رجل من أهل مصر، عن أبي الدرداء به.\nوذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٥٥٩)، وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، والحكيم الترمذي في «نوادر الأصول»، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، وابن مردويه.","vol":"3","page":255},{"text":"عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: إِنَّكَ لاَ تُطِيقُ ذَلِكَ أَنْتَ، وَلاَ ابن الزُّبَيْرِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ، وقد رُوِيَ هذا النظرُ عن ابن عباس في غيرِ مُقَاوَلَةِ الحَجَّاجِ، ذكره البخاريّ «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-640>[سورة يونس (١٠): الآيات ٦٥ الى ٦٦]</span>\nوَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٥) أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ (٦٦)\nوقوله تعالى: وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ: أي: قولُ قريش، فهذه الآية تسلية للنبيّ ﷺ، ولفظة القول تعمّ جحودهم واستهزاءهم وخِدَاعهم وغَيْرَ ذلك، ثم ابتدأ تعالى، فقال إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا أي: لا يقدرون لَكَ عَلَى شيء، ولا يؤذُونَكَ، إِلاَّ بما شاء اللَّه، ففي الآية وعيدٌ لهم، ثم استفتح بقوله: أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ أي:\nبالمُلْك والإِحاطة.\nوقوله تعالى: وَما يَتَّبِعُ: يصح أنْ تكونَ «ما» استفهاما، ويصحُّ أَنْ تكون نافيةً.\nت: ورجح هذا الثاني.\nوقوله: إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ «إن»: نافية، ويَخْرُصُونَ:\nمعناه: يحدسون ويخمّنون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-641>[سورة يونس (١٠): الآيات ٦٧ الى ٦٩]</span>\nهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٧) قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٦٨) قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ (٦٩)\nوقوله ﷿: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ ... الآية: في هذه الألفاظ إِيجازٌ وإِحالةٌ على ذِهْنِ السَّامع لأن العبرة في أنَّ الليل مُظْلِمٌ يُسكن فيه، والنَّهار مُبْصِر يُتصرَّف فيه، فذكر طرفًا من هذا وطرفًا من الجهة الثانية، ودلَّ المذكوران على المتروكين.\nوقوله: يَسْمَعُونَ/ يريد: يوعون، والضمير في قالُوا لكفّار العرب، ثم الآية\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٣/ ١٢٩) .","vol":"3","page":256},{"text":"بعدُ تعمُّ كلَّ من قال نحو هذا القول كالنّصارى، وسُبْحانَهُ معناه: «تنزيهًا له، وبراءةً من ذلك» فسَّره بهذا النبيّ ﷺ.\nوقوله: إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا «إِنْ» نافيةٌ، والسلطانُ: الحُجَّة، وكذلك معناه حيث تكرَّر في القرآن، ثم وبَّخهم تعالى بقوله: أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ.\nوقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ ... الآية: توعُّد لهم بأنهم لا يظفرون ببُغْيَة، ولا يَبْقَوْن في نعمة، إِذ هذه حالُ مَنْ يصير إِلى العذاب، وإن نعّم في دنياه يسيرا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-642>[سورة يونس (١٠): الآيات ٧٠ الى ٧٢]</span>\nمَتاعٌ فِي الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠) وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ (٧١) فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٧٢)\nوقوله تعالى: مَتاعٌ مرفوعٌ على خبر ابتداء أي: ذلك متاعٌ.\nقال ص: مَتاعٌ جوابُ سؤالٍ مقدَّر، كأنه قيل: كيف لا يُفْلِحون، وهُمْ في الدنيا مفلحون بأنواعِ التلذُّذات؟! فقيل: ذَلِكَ مَتَاعٌ، فهو خبر مبتدإٍ محذوف. انتهى، وهذا الذي قدَّره ص: يُفْهَمُ من كلام ع «١» .\nوقول نوح ﵇: يا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي ... الآية: المَقَامُ:\nوقوف الرجل لكلامٍ أو خُطْبَةٍ أَو نحوه، والمُقَام- بضم الميم-: إِقامته ساكنًا في موضعٍ أو بلدٍ، ولم يقرأ هنا بضَمِّ الميم فيما علمتُ، وتذكيره: وعظُه وزَجْره، وقوله: فَأَجْمِعُوا:\nمن أَجْمَعَ الرَّجُلُ عَلَى الشَّيْءِ، إِذا عزم عليه ومنه الحديثُ: ما لم يجمعْ مكثًا، وأَمْرَكُمْ: يريد به: قُدْرَتكُم وحِيَلكُمْ، ونصب «الشركاء» بفعل مضمر كأنه قال: وادعوا شَركَاءَكُمْ فهو مِنْ باب: [الرجز]\nعَلَفْتُهَا تِبْنًا وَمَاءً بَارِدَا ... حَتَّى شتت همّالة عيناها «٢»\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ١٣١) .\n(٢) ينظر: البيت بلا نسبة في «الأشباه والنظائر» (٢/ ١٠٨)، (٧/ ٢٣٣) و«أمالي المرتضى» (٢/ ٢٥٩)، و«الإنصاف» (٢/ ٦١٢)، و«أوضح المسالك» (٢/ ٢٤٥)، و«الخصائص» (٢/ ٤٣١)، و«الدرر» (٦/ ٧٩)، و«شرح الأشموني» (١/ ٢٢٦)، و«شرح التصريح» (١/ ٣٤٦)، و«شرح ديوان الحماسة للمرزوقي» ص: (١١٤٧)، و«شرح شذور الذهب» ص: (٣١٢)، و«شرح شواهد المغني» (١/ ٥٨)، (٢/ ٩٢٩)، [.....]","vol":"3","page":257},{"text":"وفي مصحفِ أبيٍّ: «فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ، وادعوا شُرَكَاءَكُمْ» قال الفارسيُّ «١»: وقد ينتصب «الشركاء» ب «واو مع» كما قالوا: جَاءَ البَرْدُ وَالطَّيَالِسَةَ «٢» .\nوقوله: ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً: أيْ: ملتبسًا مشكلًا ومنه قوله ﵇ في الهلال: «فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُم» .\nوقوله: ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ: أي: أنفذوا قضاءكُمْ نَحْوِي، ولا تؤخّروني، والنّظرة: التأخير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-643>[سورة يونس (١٠): الآيات ٧٣ الى ٧٥]</span>\nفَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣) ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ (٧٤) ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى وَهارُونَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ بِآياتِنا فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (٧٥)\nوقوله سبحانه: فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ: مضَى شرح هذه المعاني.\nوقوله سبحانه: فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ: مخاطبة للنبيّ ﷺ يشاركُه في معناها جميعُ الخَلْق.\nوقوله سبحانه: ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلى قَوْمِهِمْ: الضمير في مِنْ بَعْدِهِ عائدٌ عَلى نوحٍ ﵇.\nوقوله تعالى: فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى وَهارُونَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ بِآياتِنا فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ: معنى هذه الآية ضرب المثل لحاظري نبِيِّنا محمَّد ﵇ ليعتبروا بمَنْ سلف، والبينات المعجزات، والضمائر في فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا وفي كَذَّبُوا تعود الثلاثةُ على قوم الرسل، وقيل: الضمير في كذَّبوا يعود على «قوم نوح» وقد تقدَّم تفسير نظيرها «في الأعراف» .\n_________\nو«شرح ابن عقيل» ص: (٣٠٥)، و«لسان العرب» (٢/ ٢٨٧) (زجج)، (٣/ ٣٦٧) (قلد)، (٩/ ٢٥٥) (علف)، و«مغني اللبيب» (٢/ ٦٣٢)، و«المقاصد النحويّة» (٣/ ١٠١)، و«همع الهوامع» (٢/ ١٣٠) .\n(١) «الحجة للقراء السبعة» (٤/ ٢٨٩) .\n(٢) الطّيلسان: ضرب من الأكسية.\nينظر: «لسان العرب» (٢٦٨٩) (طلس) .","vol":"3","page":258},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-644>[سورة يونس (١٠): الآيات ٧٦ الى ٨٢]</span>\nفَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ (٧٦) قالَ مُوسى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَكُمْ أَسِحْرٌ هذا وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ (٧٧) قالُوا أَجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ (٧٨) وَقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ (٧٩) فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٨٠)\nفَلَمَّا أَلْقَوْا قالَ مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (٨١) وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨٢)\nوقوله سبحانه: فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ الآية: يريد ب الْحَقُّ آيَتَيِ العَصَا واليد.\nوقوله: أَسِحْرٌ هذا: قالت فرقة: هو حكايةٌ عن موسَى عنهم، ثم أخبرهم موسَى عن اللَّه أَنَّ الساحِرِينَ لا يُفلحون، ثم اختلفوا في معنى قول قَوْمِ فرعونَ، فقال بعضهم:\nقالها منهم كلُّ مستفهِمٍ جاهلٍ بالأمر، فهو يسأل عنه، وهذا ضعيفٌ، وقال بعضهم: بل قالوا ذلك عَلَى معنى التعظيم للسحْرِ الذي رأَوْهُ، وقالت فرقة: ليس ذلك حكايةً عن موسَى عنهم، وإِنما هو من كلام موسَى، وتقدير الكلامِ: أَتقولون للحَقِّ لما جاءكم سِحْرٌ، ثم ابتدأ يوقِّفهم بقوله: أَسِحْرٌ/ هذا على جهة التوبيخ.\nوقولهم: لِتَلْفِتَنا: أي: لتصرفنا وتلوينا وتَرُدَّنا عن دين آبائنا، يقال: لفتَ الرَّجُلُ عُنُقَ الآخَرِ إِذا أَلواه، ومنه قولهم: التفت فَإِنَّهُ افتعل من لفت عنقه إذا ألواه، والْكِبْرِياءُ: مصْدَر من الكِبْرِ، والمراد به في هذا الموضع المُلْك قاله أكثر المتأوِّلين لأنه أعظم تَكَبُّرِ الدنيا، وقرأ أبو عَمْرٍو وحده: «به السّحر» - بهمزة استفهام ممدودةٍ-، وفي قراءة «١» أُبيٍّ: «مَا أَتَيْتُمْ بِهِ سِحْرٌ»، والتعريف هنا في السِّحْرِ أَرْتَبُ لأنه تقدَّم منكَّرًا في قولهم: إِنَّ هذا لَسِحْرٌ، فجاء هنا بلامِ العَهْدِ.\nقال ص: قال الفَّرَّاء: إِنما قال: «السِّحْر» ب «أَلْ»، لأن النكرة إِذا أُعيدَتْ، أُعيدَتْ ب «أَلْ»، وتبعه ابن عطية «٢»، ورُدَّ بأن شرط ما ذكراه اتحاد مدلول النكرةِ المُعَادة كقوله تعالى: كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ [المزمل: ١٥، ١٦] وهنا السِّحْر المنكَّر هو ما أتَى به موسَى، والمعروفُ ما أتَوْا به هُمْ، فاختلف\n_________\n(١) ينظر: «السبعة» ص: (٣٢٨)، «الحجة» (٤/ ٢٨٩- ٢٩٠)، «حجة القراءات» ص: (٣٣٥)، «إعراب القراءات» (١/ ٢٧٢)، و«إتحاف فضلاء البشر» (٢/ ١١٨)، و«شرح شعلة» (٤٢٣)، و«إتحاف» (٢/ ١١٨)، و«العنوان» (١٠٥) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ١٣٥) .","vol":"3","page":259},{"text":"مدلولُهما، والاستفهام هنا: على سبيل التحقِيرِ. انتهى. وهو حَسَن.\nوقوله: إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ: إِيجاب عن عِدَّةٍ من اللَّه تعالى.\nوقوله: إِنَّ اللَّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ: يحتمل أنْ يكون ابتداءَ خَبَرٍ مِنَ اللَّهِ ﷿، ويحتملُ أَنْ يكون من كلام موسَى ﵇، وكذلك قوله: وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ ... الآية، محتملٌ للوجهين، وكون ذلك كلُّه من كلام موسَى أقربُ، وهو الذي ذكر «١» الطبريُّ، وأما قوله: بِكَلِماتِهِ: فمعناه بكلماته السابقةِ الأزليَّة في الوعد بذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-645>[سورة يونس (١٠): الآيات ٨٣ الى ٨٦]</span>\nفَما آمَنَ لِمُوسى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (٨٣) وَقالَ مُوسى يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (٨٤) فَقالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٨٥) وَنَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٨٦)\nوقوله ﷿: فَما آمَنَ لِمُوسى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِمْ اختلف المتأوِّلون في عود الضمير الذي في قَوْمِهِ، فقالتْ فرقة: هو عائدٌ على موسَى، وذلك في أول مبعثه، وَمَلأُ الذُّرِّيَّةِ، هم أشرافُ بني إِسرائيل.\nقال ص: وهذا هو الظاهر، وقالت فرقةٌ: الضميرُ في قَوْمِهِ عائدٌ على فِرْعَوْنَ، وضمير مَلَائِهِمْ عائدٌ على الذريَّة.\nقال ع: ومما يضعِّف عوْدَ الضميرِ علَى موسَى: أَنَّ المعروفَ مِنْ أخبار بني إِسرائيل أنهم كانوا قومًا تقدَّمت فيهم النبوَّاتِ، ولم يُحفَظْ قطُّ أَنَّ طائفة من بَني إِسرائيل كَفَرَتْ به، فدَلَّ على أن الذريَّة مِنْ قوم فِرعون.\nوقوله سبحانه: وَقالَ مُوسى يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا ... الآية:\nهذا ابتداءُ حكايةِ قوْلِ موسَى لجماعةِ بني إِسرائيل مُؤَنِّسًا لهم، ونادبًا إِلى التوكُّل على اللَّه ﷿ الذي بيده النصْرُ قال المُحَاسِبيُّ: قُلْتُ لأبي جعفرٍ محمَّدِ بنِ موسَى: إِنَّ اللَّه ﷿ يقول: وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [المائدة: ٢٣] فما السَّبِيلُ إِلى هذا التوكُّل الذي نَدَبَ اللَّه إِلَيْهِ، وكيف دُخُولُ الناس فيه؟ قال: إِن الناس متفاوِتُون في التوكُّل، وتوكُّلُهم علَى قَدْرِ إِيمانهم وقوَّةِ عُلُومهم، قُلْتُ: فما معنى إِيمانهم؟ قال: تصديقُهُم بمواعيدِ اللَّه ﷿، وثِقَتُهُم بضَمَانِ اللَّه ﵎، قلْتُ: مِنْ أَيْنَ فَضَلَتِ الخاصّة\n_________\n(١) ذكره الطبري (٦/ ٥٩٠) .","vol":"3","page":260},{"text":"منهم على العامَّة، والتوكُّل في عَقْد الإِيمان مع كلِّ من آمن باللَّه ﷿؟ قال: إِنَّ الذي فَضَلَتْ به الخاصَّة على العامَّة دَوَامُ سكونِ القَلْب عن الاضطراب والهُدُوِّ عن الحرَكَة، فعندها، يا فَتَى، استراحوا من عذاب الحِرْصِ، وفُكُّوا مِنْ أُسْرِ الطمع، وأُعْتِقُوا من عُبُودِيَّة الدنيا، وأبنائِها، وحَظُوا بالرَّوْحِ في الدَّارَيْنِ جميعًا، فطوبَى لهم وحُسْنُ مَآب، قلْتُ: فما الذي يولِّدُ هذا؟ قال: حَالَتَانِ:\nدَوَامُ لُزُومِ المعرفة، والاعتماد على اللَّه ﷿، وتَرْكُ الحِيل.\nوالثانية: الممارسَةُ حتى يَأْلَفَهَا إِلْفًا، ويختارها اختيارا، فيصير التوكُّل والهُدُوُّ والسكونُ والرضا والصبْرُ له شعارًا ودثارًا. انتهى من «كتاب القَصْدِ إِلى اللَّه سبحانه» .\nوقولهم: رَبَّنا لاَ تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ: المعنى: لا تُنْزِلْ بنا بلاءً بأيديهم أو بغير ذلك/ مدَّةَ محاربتنا لهم فَيُفْتَنُونَ لذلك، ويعتقدون صلاَحَ دينهم، وفَسَاد ديننا قاله مجاهد وغيره، فهذا الدعاءُ على هذا التأويل يتضمَّن دفْعَ فصلين:\nأحدُهما: القَتْل والبلاء الذي توقَّعه المؤمنون.\nوالآخر: ظُهُورُ الشَّرك باعتقاد أهله أنَّهم أَهْلُ الحَقِّ.\nونحو هذا قوله ﷺ: «بئس الميّت أبو أمامة ليهود وَالمُشْرِكِينَ يَقُولُونَ: لَوْ كَانَ نَبِيًّا لَمْ يَمُتْ صَاحِبُهُ» «١» .\nورَجَّحَ ع «٢» في «سورة الممتحنة: ٥» قولَ ابْنِ عباس: إِن معنى: لاَ تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا: لا تسلِّطهم علينا فيفتنونا انظره هناك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-646>[سورة يونس (١٠): الآيات ٨٧ الى ٩١]</span>\nوَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٨٧) وَقالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالًا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (٨٨) قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فَاسْتَقِيما وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (٨٩) وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١)\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٤/ ١٣٨)، والحاكم (٤/ ٢١٤)، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٢٩٦) .","vol":"3","page":261},{"text":"وقوله سبحانه: وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتًا رُوي: أَن فرعون أَخَافَ بني إِسرائيل، وهدَّم لهم مواضعَ كانوا اتخذوها للصلاة، ونَحْو هذا، فأوحَى اللَّه إِلَى موسَى وهارون، أنْ تَبَّوءا أي: اتخذا وتَخَيَّرا لبني إِسرائيل بمصْر بيوتًا، قال مجاهد: مِصْر في هذه الآية: الإِسْكَنْدَرِيَّة «١»، ومصْرُ ما بين أَسْوَان «٢» والإِسكندرية «٣» .\nوقوله سبحانه: وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً: قيل: معناه: مساجدُ، قاله ابنُ عباس وجماعة «٤»، قالوا: خافوا، فأُمِرُوا بالصَّلاة في بيوتهم، وقيل: معناه مُوجَّهة إِلى القبلة قاله ابن عباس «٥»، ومن هذا حديث عن النبيّ ﷺ، أنه قَالَ: «خَيْرُ بُيُوتِكُمْ مَا استقبل بِهِ القِبْلة» «٦» .\nوقوله: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ: خطابٌ لبني إِسرائيل، وهذا قبل نزول التوراة لأَنها لم تَنْزِلْ إِلا بعد إِجازة البَحْر.\nوقوله: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ: أَمرٌ لموسَى ﵇، وقال الطبريُّ ومكيٌّ: هو أَمرٌ لنبينا محمَّد ﵇، وهذا غير متمكِّن.\nوقوله سبحانه: وَقالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً ... الآية: هذا\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٦/ ٥٩٧) برقم: (١٧٨٢٩) نحوه، وذكره ابن عطية (٣/ ١٣٨)، والبغوي في «تفسيره» (٢/ ٣٦٥)، وابن كثير في «تفسيره» (٢/ ٤٢٨) نحوه، والسيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٥٦٦) وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم، وابن أبي شيبة، وابن المنذر.\n(٢) بالضم، ثم السكون، وواو وألف ونون. ويقال: بغير همزة: مدينة كبيرة، وكورة في آخر الصعيد. وأول بلاد النّوبة، على النيل في شرقيّة، في جبالها مقطع العمد التي بالإسكندرية، ينظر: «مراصد الاطلاع» (١/ ٧٨) .\n(٣) بنى الإسكندر ثلاث عشرة مدينة وسمّاها كلّها باسمه، ثم تغيرت أساميها بعده، والمشهور بهذا الاسم الاسكندرية العظمى في بلاد مصر.\nينظر: «مراصد الاطلاع» (١/ ٧٦) .\n(٤) أخرجه الطبري (٦/ ٥٩٦) برقم: (١٧٨٠٨- ١٧٨٠٩- ١٧٨١٠)، وذكره ابن عطية (٦/ ١٣٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٥٦٦)، وزاد نسبته إلى الفريابي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، وابن مردويه.\n(٥) أخرجه الطبري (٦/ ٥٩٧) برقم: (١٧٨٢٤) نحوه، وذكره ابن عطية (٣/ ١٣٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٥٦٦) بنحوه، وزاد نسبته إلى ابن مردويه.\n(٦) تقدم تخريجه بلفظ: خير مجالسكم ما استقبل به القبلة. [.....]","vol":"3","page":262},{"text":"غضَبٌ من موسَى على القِبْطِ، ودعاءٌ عليهم، لمَّا عَتَوْا وعانَدوا، وقدَّم للدعاءِ تقريرَ نعِم الله عليهم وكفرهم بها، وآتَيْتَ معناه: أَعْطَيْتَ، واللام في لِيُضِلُّوا لام كَيْ، ويحتملُ أن تكون لامَ الصَّيْرورة والعَاقِبَةِ، المعنى: آتيتهم ذَلكَ، فصار أمرهم إِلى كذا، وقرأ حمزة وغيره: «لِيُضِلُّوا» (بضم الياء) على معنى: لِيُضِلُّوا غيرهم.\nوقوله: رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ: هو من طُمُوسِ الأَثْر والعين وَطَمْسُ الوجوه منه، وتكْرير قوله: رَبَّنا استغاثة كما يقول الداعي: يا اللَّه، يا اللَّه، روي أنهم حين دعا موسَى بهذه الدعوة، رَجَعَ سُكَّرُهُمْ حجارةً، ودراهِمُهم ودنانيرهم وحُبُوبُ أطعمتهم، رَجَعَتْ حجارةً قاله قتادة وغيره «١»، وقال مجاهد وغيره: معناه: أهْلِكْها ودَمِّرها «٢» .\nوقوله: وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ: بمعنى: اطبع واختم عليهم بالكفر قاله مجاهدٌ والضَّحَّاك «٣» .\nوقوله: فَلا يُؤْمِنُوا: مذهب الأخفش وغيره: أنَّ الفعل منصوب عطفًا على قوله: لِيُضِلُّوا، وقيل: منصوبٌ في جواب الأمر، وقال الفراء والكسائي: هو مجزومٌ على الدعاء، وجعل رؤية العذاب نهايةً وغايةً وذلك لِعِلْمه من اللَّه أنَّ المؤمن عند رؤية العَذَاب لا ينفعه إِيمانه في ذلك الوَقْت، ولا يُخْرِجُهُ من كُفْره، ثم أجاب اللَّه دعوتهما، قال ابن عباس: العَذَاب هنا: الغَرَقُ «٤»، وروي أن هارون كان يُؤْمِّنُ على دعاء موسَى فلذلك نَسَب الدعوة إليهما قاله محمد بن كَعْب القُرَظِيُّ «٥»، قال البخاري: وَعَدْوًا: من العدوان. انتهى.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٦/ ٦٠٠) برقم: (١٧٨٣٨، ١٧٨٤٠) نحوه، وبرقم: (١٧٨٣٤، ١٧٨٣٥)، عن محمد بن كعب القرظي (١٧٨٣٦) عن أبي العالية بنحوه، وبرقم: (١٧٨٤٠)، عن سفيان، برقم:\n(١٧٨٤١)، عن أبي صالح، نحوه، وذكره ابن عطية (٣/ ١٣٩)، والبغوي في «تفسيره» (٢/ ٣٦٥- ٣٦٦)، عن قتادة، ومحمد بن كعب، وابن عباس نحوه، وابن كثير (٢/ ٤٢٩) نحوه، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٥٦٧) .\n(٢) أخرجه الطبري (٦/ ٦٠٠- ٦٠١) برقم: (١٧٨٤٥- ١٧٨٤٦، ١٧٨٤٧، ١٧٨٤٨)، عن ابن عباس نحوه، وذكره ابن عطية (٣/ ١٣٩)، والبغوي في «تفسيره» (٢/ ٣٦٥)، عن مجاهد نحوه، وابن كثير (٢/ ٤٢٩)، عن ابن عباس، ومجاهد، نحوه، والسيوطي في (٣/ ٥٦٧) .\n(٣) أخرجه الطبري (٦/ ٦٠١) برقم: (١٧٨٥١، ١٧٨٥٤)، وذكره ابن عطية (٣/ ١٣٩) .\n(٤) أخرجه الطبري (٦/ ٦٠١) برقم: (١٧٨٤٩، ١٧٨٥٠) نحوه، وذكره ابن عطية (٣/ ١٣٩) .\n(٥) أخرجه الطبري (٦/ ٦٠٣) برقم: (١٧٨٦٣- ١٧٨٦٤) نحوه، وذكره ابن عطية (٣/ ١٤٠)، وابن كثير (٢/ ٤٢٩) نحوه، والسيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٥٦٧) نحوه.","vol":"3","page":263},{"text":"وقول فرعون: آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ ... الآية: روي عن النبيّ ﷺ «أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ قَالَ: مَا أَبْغَضْتُ أَحَدًا قَطُّ بُغْضِي لِفِرْعَوْنَ، وَلَقَدْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: آمَنْتُ ... الآيَةَ، فَأَخَذْتُ مِنْ حَالِ البَحْرِ، فَمَلأْتُ فَمَهُ مَخَافَةَ أَنْ تَلْحَقُهُ رَحْمَةُ اللَّهِ»، وفي بعض الطرق: «مَخَافَةَ أَنْ يَقُولَ لاَ إله إِلاَّ اللَّهُ، فَتَلْحَقُهُ الرَّحْمَة» «١» .\nقال ع «٢»: فانظر إِلى كلام فرعون، ففيه مَجْهَلَةٌ وَتَلَعْثُمٌ، ولاَ عُذْرَ لأحد فِي جَهْلِ هذا، وإِنما العذر فيما لا سبيلَ/ إِلى علمه، كقول عليٍّ ﵁: أهللت بإهلال كإهلال النّبيّ ﷺ، والحَالُ: الطِّينُ، والآثار بهذا كثيرةٌ مختلفة الألفاظِ، والمعنَى واحدٌ.\nوقوله سبحانه: آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ، وهذا عَلى جهة التوبيخ له، والإِعلان بالنقمةِ منه، وهذا الكلامُ يحتملُ أن يكونَ مِنْ مَلَكٍ مُوَصِّلٍ عن اللَّه، أَو كيف شاء اللَّه، ويحتملُ أَنْ يكون هذا الكلامُ معنَى حاله وصورةَ خِزْيه، وهذه الآيةُ نصٌّ في ردّ توبة المعاين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-647>[سورة يونس (١٠): الآيات ٩٢ الى ٩٣]</span>\nفَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ (٩٢) وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٩٣)\nوقوله سبحانه: فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ ... الآية: يقوِّي أنه صورةُ حاله لأن هذه الألفاظ إِنما يظهر أنها قِيلَتْ بعد غَرَقِهِ، وسببُ هذه المقالة على ما روي: أن بني إِسرائيل بَعُدَ عِنْدَهم غَرَقُ فِرْعَوْنَ وهلاكُه، لِعِظَمِهِ في نفوسهم، وكذّب بعضهم أن يكون فرعون\n_________\n(١) أخرجه الترمذي (٥/ ٢٨٧) كتاب «التفسير» باب: ومن سورة يونس، حديث (٣١٠٧) من طريق علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس به.\nوقال الترمذي: حديث حسن. ومن طريق علي أخرجه الطبري (٦/ ٦٠٥) رقم: (١٧٨٧٥) .\nوأخرجه الترمذي (٥/ ٢٨٧- ٢٨٨) كتاب «التفسير» باب: ومن سورة يونس، حديث (٣١٠٨)، والحاكم (٢/ ٣٤٠)، والطبري (٦/ ٦٠٥) رقم: (١٧٨٧٢- ١٧٨٧٣)، من طريق شعبة، عن عدي بن ثابت وعطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس به.\nوقال الترمذي: حسن صحيح غريب من هذا الوجه، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه إلا أن أكثر أصحاب شعبة أوقفوه على ابن عباس ووافقه الذهبي.\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ١٤١) .","vol":"3","page":264},{"text":"يموتُ، فَنُجِّيَ عَلَى نَجْوَةٍ مِنَ الأَرض، حتى رآه جميعهم ميتًا كأَنه ثَوْرٌ أَحمر، وتحقَّقوا غَرَقَه.\nوالجمهور «١» على تشديدِ نُنَجِّيكَ فقالت فرقة: معناه: من النَّجَاةِ، أي: من غمراتِ البَحْرِ والماءِ، وقال جماعة: معناه: نُلْقِيكَ على نَجْوة من الأرض، وهي: ما ارتفع منها، وقرأ يعقوب «٢» بسكون النونِ وتخفيف الجيم، وقوله: بِبَدَنِكَ قالت فرقة: معناه:\nبشَخْصِكَ، وقالتْ فرقة: معناه: بِدِرْعِكَ، وقرأ الجمهورُ «٣»: «خَلْفَكَ»، أي: من أَتَى بعدك، وقرىء شاذًّا: «لِمَنْ خَلَفَكَ» «٤» - بفتح اللام-، والمعنى: ليجعلك اللَّه آيَةً له في عبادِهِ، وباقي الآية بيِّن.\nوقوله سبحانه: وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ: المعنى: ولقد اخترنا لبني إِسرائيل أَحْسَنَ اختيار، وأحللناهم مِنَ الأماكن أحْسَنَ محلّ، ومُبَوَّأَ صِدْقٍ: أي: يصدُقُ فيه ظنُّ قاصده وساكنه، ويعني بهذه الآية إِحلاَلُهُمْ بلادَ الشَّامِ وبَيْتَ المَقْدِسِ قاله قتادة وابن زَيْد، وقيل: بلاد الشام ومصر، والأول أصحُّ، وقوله سبحانه: فَمَا اخْتَلَفُوا أيْ: في نبوَّة نبينا محمَّد ﵇، وهذا التخصيصُ هو الذي وقع في كُتُب المتأوِّلين كلِّهم، وهو تأويلٌ يحتاج إِلى سند، والتأويل الثاني الذي يحتمله اللفظُ: أنَّ بني إِسرائيل لم يكن لهم اختلاف على موسَى في أول حاله، فلما جاءَهُم العلْمُ والأوامرُ، وغَرَقُ فرعَوْنَ، اختلفوا، فالآية ذامَّة لهم.\nت: فَرَّ ﵀ من التخصيص، فوقع فيه، فلو عمَّم اختلافهم على أنبيائهم موسَى وغيرِهِ، وعلَى نبيِّنا، لكان أَحْسَنَ، وما ذهب إِليه المتأوِّلون من التخصيص أَحْسَنُ لقرينةِ قوله: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ، فالربطُ بين الآيتين واضح، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-648>[سورة يونس (١٠): الآيات ٩٤ الى ٩٧]</span>\nفَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ (٩٤) وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخاسِرِينَ (٩٥) إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (٩٧)\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ١٤٢)، و«البحر المحيط» (٥/ ١٨٩)، و«الدر المصون» (٤/ ٦٧) .\n(٢) ينظر: «إتحاف فضلاء البشر» (٢/ ١٢٠)، و«المحرر الوجيز» (٣/ ١٤٢)، و«البحر المحيط» (٥/ ١٨٩)، و«الدر المصون» (٤/ ٦٧) .\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ١٤٢) .\n(٤) وقرأ بها إسماعيل المكي، كما في «الشواذ» ص: (٦٣) وينظر: «البحر المحيط» (٥/ ١٨٩) .","vol":"3","page":265},{"text":"وقوله ﷿: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ ... الآية: الصوابُ في معنى الآية: أنها مخاطبة للنبيّ ﷺ، والمراد بها سِوَاهُ مِنْ كُلِّ من يمكِنُ أن يشُكَّ أو يعارِض.\nت: ورُوينَا عن أبي داود سُلَيْمَانَ بْنِ الأَشْعَثِ، قال: حدَّثنا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ بن هَارُونَ، قال: حدَّثنا محمَّد بنِ عَمْرٍو، عن أَبي سَلَمَةَ، عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁، عن النبيّ ﷺ، قال: «المِرَاءُ في القُرْآنِ كُفْرٌ» «١»، قال عِيَاض في «الشفا»:\nتأول بمعنى «الشك»، وبمعنى «الجِدَال» . انتهى.\nوالَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ: من أسلم من أهْلِ الكتاب، كابن سَلاَمٍ وغيره، وروي عن النبيِّ ﷺ أنه قال لَمَّا نزَلَتْ هذه الآية: «أَنَا لاَ أَشُكُّ وَلاَ أَسْأَلُ» «٢»، ثم جزم سبحانه الخَبَر بقوله: لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ، واللام في «لَقَدْ» لامُ قَسَم.\nوقوله: مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ يريد به: من أَن بني إِسرائيل لم يختلفوا في أمْره إِلا مِنْ بعد مجيئهِ ﵇ هذا قول أهل التأويل قاطبة.\nقال ع «٣»: وهذا هو الذي يشبه أنْ تُرْجَى إِزالةُ الشَّكِّ فيه مِنْ قبل أهل الكتاب،\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (٢/ ٦١٠) كتاب «السنة» باب: النهي عن الجدال في القرآن، حديث (٤٦٠٣)، وأحمد (٢/ ٢٨٦، ٤٢٤، ٤٧٥، ٥٠٣، ٥٢٨)، وابن حبان (٥٩- موارد)، والحاكم (٢/ ٢٢٣)، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (٨/ ٢١٣)، وفي «أخبار أصبهان» (٢/ ١٢٣) كلهم من طريق محمَّد بنِ عَمْرٍو، عن أَبي سَلَمَةَ، عن أبي هريرة به، وأخرجه أحمد (٢/ ٢٥٨)، وابن أبي شيبة (١٠/ ٥٢٩)، وأبو يعلى (١٠/ ٣٠٣) رقم: (٥٨٩٧)، والخطيب في «تاريخ بغداد» (٤/ ٨١)، من طريق سعد بن إبراهيم، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة به. وأخرجه أحمد (٢/ ٤٧٨، ٤٩٤)، والحاكم (٢/ ٢٢٣) كلاهما من طريق سعد بن إبراهيم، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.\nوأخرجه الطبراني في «الصغير» (١/ ٥٧٤) من طريق شعيب بن أبي حمزة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة به.\nقال ابن أبي حاتم في «العلل» (٢/ ٧٤) رقم: (١٧١٤)، عن أبيه: هذا حديث مضطرب، ليس هو صحيح الإسناد اه.\nوفي الباب عن عمرو بن العاص: أخرجه أحمد (٤/ ٢٠٤- ٢٠٥)، وعن عبد الله بن عمرو: أخرجه الطيالسي (٢/ ٦- منحة) رقم: (١٩٠٢) .\nوعن زيد بن ثابت: أخرجه الطبراني في «الكبير» (٥/ ١٥٢) رقم: (٤٩١٦) .\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٦/ ٦١٠) برقم: (١٧٩٠٧) عن قتادة مرسلا. وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٥٧١)، وزاد نسبته إلى عبد الرزاق.\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ١٤٣) . [.....]","vol":"3","page":266},{"text":"ويحتمل اللفظ أن يريد ب مِمَّا أَنْزَلْنا/ جميعَ الشرع.\nت: وهذا التأويلُ عندي أُبَيْنُ إِذَا لُخِّص، وإِن كان قد استبعده ع «١»:\nويكون المراد ب مِمَّا أَنْزَلْنا: مَا ذكره سبحانه من قصصهم، وذِكْرِ صفته ﵇، وذكْرِ أنبيائهم وصِفَتِهم وسيرهم وسائِرِ أخبارهم الموافِقَةِ لِمَا في كتبهم المنزَّلة على أنبيائهم كالتوراة والإِنجيل والزَّبُور والصُّحُف، وتكون هذه الآية تَنْظُر إِلى قوله سبحانه: مَا كانَ حَدِيثًا يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ... [يوسف: ١١١]، فتأمَّله، واللَّه أعلم.\nوأما قوله: هذا قولُ أهْل التأويل قاطبةً، فليس كذلكَ، وقد تكلَّم صاحب «الشفا» على الآية، فأحْسَنَ، ولفظهُ: واختلف في معنى الآية، فقيلَ: المرادُ: قل يا محمّد للشاكّ:\nفَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ ... الآية، قالوا: وفي السورة نَفْسِهَا ما دلَّ على هذا التأويل، وهو قوله تعالى: قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي ... الآية [يونس: ١٠٤]، ثم قال عياضٌ: وقيل: إِن هذا الشكّ: الذي أمر غير النبيّ ﷺ بسؤالِ الذين يقرؤون الكتاب عنه، إِنما هو في ما قصَّهُ اللَّه تعالى من أخبار الأمم، لا فيما دعا إِلَيْه من التوحيد والشريعة. انتهى.\nوقوله سبحانه: فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ ... الآية: مما خوطب به النبيّ ﷺ، والمراد سواه.\nقال ع «٢»: ولهذا فائِدةٌ ليست في مخاطبة الناس به، وذلك شدَّة التخويفِ لأنه إذا كان رسول الله ﷺ يُحَذَّرُ مِنْ مثل هذا، فغيره من النَّاسِ أَوْلَى أَن يحذَّر ويتقى على نفسه.\nوقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ: أي: حقَّ عليهم في الأزل وخلقهم لعذابه لاَ يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ إِلا في الوقت الذي لا يَنْفَعهم فيه الإِيمان كما صنع فرعون وأشباهه، وذلك وقتُ المُعَايَنَةِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-649>[سورة يونس (١٠): الآيات ٩٨ الى ١٠٠]</span>\nفَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ (٩٨) وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩) وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (١٠٠)\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ١٤٣) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ١٤٣) .","vol":"3","page":267},{"text":"وقوله سبحانه: فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ ... الآية: وفي مصحف أُبيٍّ وابنِ «١» مسعودٍ: «فَهَلاَّ»، والمعنى فيهما واحدٌ، وأصل «لولا» التحضيضُ، أو الدلالةُ علَى مَنْعِ أَمرٍ لوجودِ غيرِهِ، ومعنى الآية: فَهَلاَّ آمَنَ أهْلُ قريةٍ، وهم على مَهَلٍ لم يتلبَّس العذابُ بهم، فيكون الإِيمان نافعًا لهم في هذا الحال، ثم استثنى قومَ يُونُسَ، فهو بحَسَب اللفظ استثناء منقطعٌ، وهو بحسب المعنَى متَّصلٌ لأن تقديره: ما آمن أهْلُ قريةٍ إِلا قَوْمَ يُونُسَ، وروي في قصَّة قوم يونُسَ: أن القوم لَمَّا كَفَروا، أي: تمادَوْا على كفرهم، أوحَى اللَّه تعالى إِليه أَنْ أَنذِرْهم بالعذاب لثالثة، فَفَعَلَ، فقالوا: هو رَجُلٌ لا يَكْذِب، فارقبوه فَإِن أَقام بَيْنَ أَظْهُرِكم، فلا عليكم، وإِن ارتحل عنكم، فهو نزولُ العَذَابِ لا شَكَّ فيه، فلَمَّا كان الليلُ، تزوَّد يُونُسُ، وخَرَجَ عنهم، فأصبحوا فَلَمْ يجدُوهُ، فتابوا ودَعُوا اللَّه، وآمنُوا، ولَبِسُوا المُسُوحَ، وفَرَّقوا بين الأُمَّهات والأولادِ من النَّاسِ والبهائمِ، وكان العذَابُ فيما رُوِيَ عن ابن عباس:\nعلَى ثُلُثَيْ مِيلٍ منهم «٢»، وروي: على مِيلٍ «٣»، وقال ابن جبير «٤»: غشيهمُ العذابُ كما يَغْشَى الثوبُ القَبْرَ، فرفَع اللَّه عنهم العذابَ، فلمَا مضَتِ الثالثة، وعَلِمَ يونُسُ أن العذاب لم يَنْزِلْ بهم، قال: كَيْفَ أنصَرِفُ، وقد وجَدُوني في كَذِبٍ، فذهب مغاضبًا كما ذكر اللَّه سبحانه في غير هذه الآية، وذهب «٥» الطبريُّ إِلى أَنَّ قوم يونُسَ خُصُّوا من بين الأُمَمِ بِأَنْ تِيبَ عليهم مِنْ بَعْد معاينة العذاب، وذكر ذلك عن جماعة من المفسِّرين، وليس كذلك، والمعاينةُ التي لا تَنْفَعُ التوبةُ معها هي تلبُّس العذاب أو الموتِ بشَخْصِ الإِنسانِ، كقصَّة فرعون، وأمَّا قوم يونس فلم يَصِلُوا هذا الحَدِّ.\nت: وما قاله الطبريُّ عندي أبْيَنُ، وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ: يريد: إِلى آجالهم المقدَّرة في الأزل، وروي أن قوم يونس/ كانوا ب «نِينَوَى» من أرض المَوْصِلِ.\nوقوله سبحانه: أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ: المعنى: أفأنت تكره\n_________\n(١) ينظر: «الكشاف» (٢/ ٣٧١)، و«المحرر الوجيز» (٣/ ١٤٣)، و«البحر المحيط» (٥/ ١٩٢)، و«الدر المصون» (٤/ ٦٩) .\n(٢) أخرجه الطبري (٦/ ٦١٣) برقم: (١٧٩١٥)، وذكره ابن عطية (٣/ ١٤٤)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٥٧٣)، وعزاه لأحمد، وابن جرير.\n(٣) ذكره ابن عطية (٣/ ١٤٤) .\n(٤) أخرجه الطبري (٦/ ٦١٣) برقم: (١٧٩١٤)، وذكره ابن عطية (٣/ ١٤٤) والسيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٥٧٣)، وعزاه لأحمد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.\n(٥) ينظر: «تفسير الطبري» (٦/ ٦١٤) بنحوه.","vol":"3","page":268},{"text":"الناس بإِدخالِ الإِيمَانِ في قُلُوبهم، واللَّه ﷿ قد شاء غير ذلك، والرِّجْسَ هنا بمعنى العذاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-650>[سورة يونس (١٠): الآيات ١٠١ الى ١٠٣]</span>\nقُلِ انْظُرُوا ماذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ (١٠١) فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (١٠٢) ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٣)\nوقوله سبحانه: قُلِ انْظُرُوا ماذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ... الآية: هذه الآية أمْر للكفَّار بالاعتبار والنَّظَرِ في المصْنُوعات الدالَّة على الصَّانع من آيات السموات وأفلاكِها وكواكِبِها وسحابِها ونَحْوِ ذلك، والأرْضِ ونباتِهَا ومعادِنِها وغيرِ ذلك، المعنى: انظروا في ذلك بالواجب، فهو يُنْهِيكُمْ إِلى المعرفة باللَّه وبوَحْدَانيته، ثم أخبر سبحانه أنَّ الآيات والنُّذُرَ- وهم الأنبياء- لا تُغْنِي إِلا بمشيئته ف «مَا» على هذا: نافيةٌ، ويجوز أن تكون استفهاما في ضمنه نَفْيُ وقوعِ الغِنَى، وفي الآية على هذا: توبيخٌ لحاضِرِي النبيِّ ﷺ.\nقال ص: والنُّذُرُ: جمع نذيرٍ، إِما مصدرٌ بمعنى الإِنذارات، وإِما بمعنى مُنْذِرٍ. انتهى.\nوقوله سبحانه: فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ ... الآية:\nوعيدٌ إِذَا لَجُّوا في الكُفْرِ، حل بهم العذاب.\nوقوله سبحانه: ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا: أي: عادةُ اللَّه سَلَفَتْ بإِنجاء رسله ومتَّبعيهم عند نزولِ العذاب بالكَفَرَةِ كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ.\nقال ص: أي: مثلَ ذلك الإِنجاء الذي نجينا الرسُلَ ومؤمنيهم نُنْجِي من آمن بك. انتهى، وخط المُصْحف في هذه اللفظة «نُنْجٍ» بجيم مطلقة دون ياء، وكلهم قرأ «نُنجِّ» - مشددة الجيم- إِلا الكسائيَّ وحفصًا عن عاصم فإِنهما قرآ بسكون النون وتخفيف الجيم «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-651>[سورة يونس (١٠): الآيات ١٠٤ الى ١٠٧]</span>\nقُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٤) وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٥) وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦) وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٠٧)\n_________\n(١) ينظر: «السبعة» ص: (٣٣٠)، «الحجة للقراء السبعة» (٤/ ٣٠٥)، «حجة القراءات» ص: (٣٣٧)، و«إعراب القراءات» (١/ ٢٧٥- ٢٧٦)، و«إتحاف فضلاء البشر» (٢/ ١٢٠)، و«شرح شعلة» (٤٢٥)، و«العنوان» (١٠٦) .","vol":"3","page":269},{"text":"وقوله سبحانه: قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي ... الآية، مخاطبةٌ عامَّة للناس أجمعين إِلى يوم القيامة.\nوقوله: وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ ... الآية: الوجْهُ في هذه الآية بمعنى المَنْحَى والمَقْصِد، أي: اجعل طريقك واعتمالك للدِّين والشرْعِ.\nوقوله تعالى: وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ ... الآية، قد تقدَّم أن ما كان من هذا النوع، فالخطاب فيه للنبيّ ﷺ، والمرادُ غيره.\nوقوله سبحانه: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ... الآية: مقصودُ هذه الآية أن الحَوْل والقُوَّة للَّهِ، والضر لفظ جامعٌ لكلِّ ما يكرهه الإِنسان.\nوقوله: وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ لفظ تامّ العموم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-652>[سورة يونس (١٠): الآيات ١٠٨ الى ١٠٩]</span>\nقُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (١٠٨) وَاتَّبِعْ مَا يُوحى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (١٠٩)\nوقوله سبحانه: قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ: هذه مخاطبةٌ لجميع الكفّار ومستمرّة مدى الدهر، والْحَقُّ: هو القرآن والشرْعُ الذي جاء به النبيُّ ﷺ.\nوقوله: وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ: منسوخَةٌ بالقتَالِ.\nوقوله سبحانه: وَاتَّبِعْ مَا يُوحى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ.\nقوله: حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ: وعد للنبيّ ﷺ بأنْ يغلبهم، كما وقع، وهذا الصبرُ منْسُوخٌ أيضًا بالقتالِ، وصلَّى اللَّه على سيدنا ومولاَنَا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما.","vol":"3","page":270},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-653>تفسير سورة هود</span>\nمكية إلا نحو ثلاث آيات قال الداوديّ: وعن أبي بكر الصّدّيق ﵁، قلت: يا رسول الله، لقد أسرع إليك الشّيب؟! قال: «شيّبتني «هود» و«الواقعة» و«المرسلات» و«عمّ يتساءلون» و«إذا الشّمس كوّرت» «١»، وفي رواية عن ابن عباس: «هود وأخواتها» . انتهى «٢» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-654>[سورة هود (١١): الآيات ١ الى ٤]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١) أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (٢) وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتاعًا حَسَنًا إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (٣) إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤)\n_________\n(١) أخرجه الترمذي (٥/ ٤٠٢) كتاب «التفسير» باب: ومن سورة الواقعة، حديث (٣٢٩٧)، والحاكم (٢/ ٣٤٤)، وأبو نعيم في «الحلية» (٤/ ٣٥٠)، كلهم من طريق شيبان، عن أبي إسحاق، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن أبي بكر الصديق به.\nوقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه من حديث ابن عباس إلا من هذا الوجه.\nوذكره من هذا الوجه السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٥٧٧)، وزاد نسبته إلى ابن المنذر، وابن مردويه، والبيهقي في «البعث والنشور» .\nوأخرجه أبو يعلى (١/ ١٠٢- ١٠٣) رقم: (١٠٧- ١٠٨) من طريق أبي الأحوص، عن أبي إسحاق، عن عكرمة، عن أبي بكر به، وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٧/ ٤٠)، وقال: رواه الطبراني في «الأوسط»، ورجاله رجال الصحيح، ورواه أبو يعلى إلا أن عكرمة لم يدرك أبا بكر.\nقال ابن أبي حاتم في «العلل» (٢/ ١١٠) رقم: (١٨٢٦): سئل أبي عن حديث أبي إسحاق عن عكرمة، عن ابن عباس، قال أبو بكر للنبي ﷺ: ما شيبك؟ قال: «شيبتني هود» . والحديث متصل أصحّ، كما رواه شيبان، أو مرسلا كما رواه أبو الأحوص مرسل قال: مرسل أصحّ، قلت لأبي: روى بقية عن أبي الأحوص، عن أبي إسحاق، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن أبي بكر، عن النبي ﷺ؟ فقال: هذا خطأ ليس فيه ابن عباس اه.\nوالحديث ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٥٧٦) من وجه آخر عن أبي بكر، وعزاه إلى ابن المنذر، والطبراني، وأبي الشيخ، وابن مردويه، وابن عساكر من طريق مسروق عن أبي بكر وعزاه أيضا إلى البزار، وابن مردويه، من طريق أنس، عن أبي بكر الصديق ﵁.\n(٢) ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٥٧٧)، وعزاه إلى ابن عساكر من طريق عطاء، عن ابن عباس.","vol":"3","page":271},{"text":"قوله ﷿: الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ أي: أتْقِنَتْ وأجيدَتْ، وبهذه الصفة كان القرآن في الأزَل، ثم فُصِّل بتقطيعه، وتَبْيين أحكامه وأوامره علَى محمَّد نبيه ﵇ في أزمنةٍ مختلفةٍ ف «ثُمَّ» على بابها، / فالإِحْكَامُ صفةٌ ذاتية، والتفصيلُ إِنما هو بحسب من يفصَّل له، والكتابُ بأَجمعه محكَمٌ ومفَصَّل، والإِحْكَام الذي هو ضدُّ النَّسْخ، والتفصيلُ الذي هو خلافُ الإِجمال، إِنما يقالان مع ما ذَكَرناه باشتراك.\nقال ص: ثُمَّ فُصِّلَتْ: «ثُمَّ» لترتيب الأخبار لا لترتيب الوقوع في الزمان، ولَدُنْ بمعنى: «عند» . انتهى.\nقال الداوديّ: وعن الحسن: أُحْكِمَتْ آياتُهُ: قَالَ: أحكمت بالأَمْرِ والنهْي، ثم فُصِّلَتْ بالوعْدِ والوعيدِ، وعنه: فُصِّلَتْ بالثوابِ والعقابِ. انتهى. وقدَّم النذير لأن التَّحذيرَ من النَّار هو الأهمُّ. وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ، أي: اطلبوا مغفرتَهُ وذلك بطلب دُخُولكم في الإِسلام، ثُمَّ تُوبُوا من الكُفْرِ يُمَتِّعْكُمْ مَتاعًا حَسَنًا، ووصف المَتَاع بالحُسْنِ لطيب عيش المؤمن برجائِهِ في ثوابِ ربِّه، وفَرَحِهِ بالتقرُّب إِليه بأَداء مفتَرَضَاته، والسرورِ بمواعيِدِه سُبْحانه، والكافِرُ ليس في شيء مِنْ هذا، وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ، أي:\nكلَّ ذي إِحسان فَضْلَهُ، فيحتملُ أنْ يعود الضميرُ من «فَضْلِهِ» على «ذي فضل» أي:\nثوابَ فَضْلِهِ، ويحتمل أنْ يعود على اللَّه ﷿، أي: يؤتى اللَّه فضله كلَّ ذي فضلٍ وعملٍ صالحٍ من المؤمنين، ونَحْو هذا المعنى ما وعد به سبحانَهُ مِنْ تضعيف الحسنَاتِ، وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ، أي: فقُلْ: إِني أخافُ عليكم عذابَ يوم كبيرٍ، وهو يومُ القيامة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-655>[سورة هود (١١): الآيات ٥ الى ٨]</span>\nأَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٥) وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٦) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٨)\nوقوله سبحانه: أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ ... الآية: قيل: إِن هذه الآية نزلَتْ في الكفَّار الذين كانوا إذا لقيهم النبيّ ﷺ تَطَامَنُوا وَثَنَوْا صُدُورهم كالمتستِّر، ورَدُّوا إِليه ظهورَهُم، وغَشُوا وجوهَهُمْ بثيابهم، تباعدًا منهم، وكراهيةً للقائه، وهم يَظُنُّون أنَّ ذلك يخفَى عليه، أوْ عن اللَّه ﷿، وقيل: هي استعارة للْغِلِّ والحِقْدِ الذي كانوا يَنْطَوُونَ","vol":"3","page":272},{"text":"عليه، فمعنى الآية: أَلاَ إِنهم يُسِرُّون العداوةَ، ويَتَكَتَّمون بها، لِتَخْفى في ظَنِّهِم عن اللَّه وهو سبحانه حينَ تغشِّيهم بثيابهم، وإِبلاغِهِم في التستّر، يعلم ما يسرّون، ويَسْتَغْشُونَ\n: معناه يجعلونها أغشيةً وأغطيةً.\nقال ص: قرأ «١» الجمهور: «يَثْنُونَ» - بفتح الياء- مضارع ثَنَى الشَّيْءَ ثَنْيًا:\nطَوَاهُ. انتهى، وقرأ ابن عبَّاس «٢» وجماعة: «تَثْنَوْنِي صُدُورُهُمْ» - بالرفْعِ- على وزن «تَفْعَوْعِلُ»، وهي تحتملُ المعنيين المتقدِّمين، وحكى الطبريُّ عن ابن عبَّاس على هذه القراءة. أنَّ هذه الآية نزَلَتْ في قومٍ كانوا لا يأتون النساءَ والحَدَثَ إِلاَّ ويستَغْشُونَ ثيابهم كراهيةَ أنْ يُفْضُوا بفروجهم إِلى السماء «٣» .\nوقوله ﷿: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها ... الآية، المرادُ جميعُ الحيوانِ المحتاجِ إِلى رزْقٍ، والمستقر: صُلْب الأبِ، و«المستودَعُ»: بَطْن الأُمِّ، وقيل غير هذا، وقد تقدَّم.\nوقوله: فِي كِتابٍ: إِشارةٌ إِلى اللوح المحفوظ.\nقال ص: لِيَبْلُوَكُمْ اللام متعلِّقة ب «خَلَقَ» وقيل: بفعلٍ محذوفٍ، أي: أَعْلَمَ بذلك لَيَبْلُوَكُمْ، انتهى.\nوَلَئِنْ قُلْتَ: اللام في «لَئِنْ»: مُؤذنةٌ بأَنَّ اللام في لَيَقُولَنَّ لامُ قسم، لا جوابِ شرطٍ، وقولهم: إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ تناقُضٌ منهم لأنهم مقرُّونَ بأن اللَّه خلق السموات والأرض، وهم مع ذلك ينكرون ما هو أيْسَرُ من ذلك، وهو البَعْثُ مِنَ القبورِ، وإِذْ خَلْقُ السموات والأرضِ، أكْبَرُ من خلق الناس.\n_________\n(١) ينظر: «البحر المحيط» (٥/ ٢٠٣) و«الدر المصون» (٤/ ٧٨) .\n(٢) وممن قرأ بها مجاهد، ونصر بن عاصم، ويحيى بن يعمر، وعبد الرحمن بن أبزي، والجحدري، وابن أبي إسحاق، وأبو رزين، وأبو جعفر محمد بن علي، وعلي بن حسين، وزيد بن علي، وجعفر بن محمد، والضحاك، وأبو الأسود الدؤلي.\nينظر: «الشواذ» ص: (٦٤)، و«المحتسب» (١/ ٣١٨)، و«المحرر الوجيز» (٣/ ١٥٠)، و«البحر المحيط» (٥/ ٢٠٣)، و«الدر المصون» (٤/ ٧٨) .\n(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٦/ ٦٢٦) برقم: (١٧٩٦٥) بنحوه، وللحديث طريق آخر عن ابن عباس، وأخرجه البخاري (٨/ ٦٢٦) برقم: (٤٦٨١- ٤٦٨٢)، وذكره ابن عطية (٣/ ١٥١)، والبغوي في «تفسيره» (٢/ ٣٧٤)، وابن كثير في «تفسيره» (٢/ ٤٣٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٥٧٩)، وعزاه إلى ابن أبي شيبة، وابن المنذر، كلهم بنحوه.","vol":"3","page":273},{"text":"وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ، أي: المتوعَّد به إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ، أي مدَّةٍ معدودة لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ، أي: ما هذا الحابسُ لهذا العذاب على جهة التكذيب، وَحاقَ:\nمعناه: حَلَّ وأحاط. البخاريّ: حاق: نزل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-656>[سورة هود (١١): الآيات ٩ الى ١٣]</span>\nوَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ (٩) وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (١٠) إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١١) فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٢) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٣)\nوَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً ... الآية: «الرحمة» هنا: تَعمُّ جميع ما ينتفُعُ به مِنْ مطعوم وملبوس وجاه وغير ذلك، والْإِنْسانَ هنا اسمُ جنْسٍ، والمعنَى: إِن هذا الخُلُقَ في سجيَّة الإِنسان، ثم استثنى منهم الذين ردَّتهم الشرائعُ والإِيمانُ/ إِلى الصبْرِ والعملِ الصالحِ، وكَفُورٌ هنا: مِنْ كُفْر النعمة، وال نَعْماءَ: تَشْمَلُ الصحَّة والمَال، وال ضَرَّاءَ: من الضُّرِّ، وهو أيضًا شاملٌ ولفظة ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي: يقتضي بطَرًا وجهلًا أَنَّ ذلك بإِنعامٍ من اللَّه تعالى، والسَّيِّئاتُ هنا: كلّ ما يسوء في الدنيا، والفرح هنا: مطلق فلذلك ذُمَّ، إِذ الفرحُ انهمال النفْسِ، ولا يأتي الفرحُ في القرآن ممدوحًا إِلا إِذا قيد بأنه في خَيْرٍ.\nوقوله: إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا: استثناء متصلٌ على ما قدَّمنا مِنْ أَنَّ الإِنسان عامٌ يراد به الجنْسُ وهو الصواب، ومَنْ قال: إِنه مخصوصٌ بالكافر قال: هاهنا الاستثناء منقطعٌ، وهو قول ضعيفٌ من جهة المعنَى، لا من جهة اللفظ لأن صفة الكُفْر لا تطلق على جميعِ الناسِ كما تقتضي لفظةُ الإِنسان واستثنى اللَّه تعالى من الماشِينَ على سجيَّة الإِنسان هؤلاءِ الذين حملَتْهم الأديان على الصبْرِ على المكارِهِ، والمثابرةِ على عبادةِ اللَّهِ، وليس شَيْءٌ من ذلك في سجيَّة البَشَر، وإِنما حمل على ذلك خَوْفُ اللَّه وحبُّ الدَّارِ الآخرة، والصبْرُ على العملِ الصالحِ لا يَنْفَعُ إِلاَّ مع هداية وإِيمانٍ، ثم وعد تعالَى أهْلَ هذه الصفة بالمَغْفِرةِ للذُّنُوبِ والتفضُّلِ بالأجرِ والنَّعِيمِ.\nوقوله سبحانه: فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ: سَببُ هذه الآية: أَنَّ كفَّار قريش قالوا: يا محمَّد، لو تركْتَ سبَّ آلهتنا، وتسفيه آبائنا، لَجَالَسْناك واتبعناك، وقالوا له: ائت بِقُرآن غيرِ هذا أو بدِّله، ونحو هذا من","vol":"3","page":274},{"text":"الأقوال، فخاطب اللَّه تعالَى نبيَّه ﵇ على هذه الصورة من المخاطَبَة، ووقَّفَهُ بها توقيفًا رَادًّا علَى أقوالهم ومبطلًا لها، وليس المعنَى أنَّه ﵇ هَمَّ بشيء من ذلك، فَزُجِرَ عنه، فإِنه لم يُرِدْ قطُّ تَرْكَ شيء مما أوحِيَ إِليه، ولا ضَاقَ صدْرُهُ به، وإِنما كان يَضِيقُ صدره بأقوالهم وأفعالهم وبُعْدِهِم عن الإِيمان.\nقال ص، وع «١»: وعبَّر ب ضائِقٌ وإِن كان أقلَّ استعمالا من «ضَيِّقٍ» لمناسبة تارِكٌ ولأن ضائِقٌ وصفٌ عارضٌ بخلاف «ضيق» فإِنه يدل على الثبوت، والصّالح هنا الأول بالنسبة إليه ﷺ، والضمير في «به» عائدٌ على البعْضِ، ويحتمل أن يعود على «ما» وأَنْ يَقُولُوا أي: كراهةَ أنْ يقولوا، أو لئلاَّ يقولوا، ثم آنسه تعالَى بقوله: إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ، أي: هذا القدْرُ هو الذي فُوِّضَ إِليك، واللَّه تعالَى بَعْدَ ذلك هو الوكيلُ الممضي لإِيمان من شاء، وكُفْرِ من شاء أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ: «أم» بمعنى: «بل»، والافتراء أَخصُّ من الكذبِ، ولا يستعملُ إِلا فيما بَهَتَ به المرءُ وكَابَر.\nوقوله سبحانه: قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ تقدَّم تفسير نظيرها، وقال بعضُ الناس: هذه الآية متقدِّمة على التي في يُونُسَ إِذْ لا يصحُّ أَنْ يعجزوا في واحدةٍ، ثم يكلَّفوا عشرًا.\nقال ع «٢»: وقائلُ هذا القولِ لم يَلْحَظْ ما ذكَرْناه مِنَ الفَرْقِ بين التكْليفين، في كمال المماثَلَةِ مرةً كما هو في «سورة يونس»، ووقوفها على النظْمِ مرَّة كما هو هنا، وقوله:\nإِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ: يريد في أنّ القرآن مفترى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-657>[سورة هود (١١): الآيات ١٤ الى ٢١]</span>\nفَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٤) مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٦) أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِمامًا وَرَحْمَةً أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (١٧) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهادُ هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٨)\nالَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (١٩) أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ مَا كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ (٢٠) أُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٢١)\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ١٥٤) . [.....]\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ١٥٥) .","vol":"3","page":275},{"text":"وقوله سبحانه: فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ، لهذه الآية تأويلان:\nأحدهما: أنْ تكون المخاطبةُ من النبيِّ ﷺ للكفَّار، أي: ويكون ضميرُ يَسْتَجِيبُوا على هذا التأويل عائدًا على معبوداتهم.\nوالثاني: أن تكون المخاطبةُ من اللَّه تعالَى للمُؤمنين، ويكون قوله على هذا فَاعْلَمُوا بمعنى: دُومُوا علَى عِلْمِكُم قال مجاهد: قوله تعالى: فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ:\nهو لأصحابِ محمَّد ﵇ «١» .\nوقوله سبحانه: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها ... الآية: قالت قتادةُ وغيره:\nهي في الكَفَرة «٢»، وقال مجاهد: هي في الكفرة وأهْلِ الرياءِ من المؤمنين «٣» .\nوإليه ذهب معاويَةُ، والتأويل الأول أَرْجَحُ بحسب تقدُّمِ ذكْرِ الكفَّار، وقال ابنُ العربيِّ في «أحكامِه»: بل الآية عامَّة في كلِّ من ينوي غيْرَ اللَّهِ بِعَمَلِه، كان معه إيمان أو لم يكُنْ، وفي هذه الآية بيان لقوله ﷺ: «إنّما الأعمال بالنيّات وإنّما لكلّ امرئ مَا نَوَى» «٤»، وذلك أنَّ العبد لا يُعْطَى إِلا عَلَى وَجْهٍ قَصدَهُ، وبحُكْم ما ينعقدُ في ضَمِيرِهِ، وهذا أمرٌ مُتَّفَقٌ عليه.\nوقوله: نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها: قيل: ذلك في صحَّة أبدانهم وإِدرَارِ أرزَاقهم، وقيل: إِن هذه الآية مطْلَقةٌ، وكذلك التي في «حم عسق»: مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ الآية [الشورى: ٢٠] إِلى آخرها، قيَّدتْهما وفسَّرتْهما الآيةُ التي في «سورة سُبْحانَ»، وهي قوله تعالى: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها مَا نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ...\nالآية [الإِسراء: ١٨]، فأخبر سبحانه أَنَّ العبدِ ينوي ويريدُ، واللَّه يحكُمُ ما يريدُ، ثم ذكر ابنُ العربيِّ الحديثَ الصحيحَ في النَّفَرِ الثلاثة الذين كَانَتْ أعمالهم رياءً، وهم رَجُلٌ جمع القرآن، ورجلٌ قُتِلَ في سبيل اللَّه، ورَجُلٌ كثيرُ المالِ، وقولَ اللَّهِ لكلِّ واحدٍ منهم: «مَاذَا عَمِلْتَ؟» ثم قال في آخر الحديث: ثمّ ضرب رسول الله ﷺ ركبتيّ، وقال: يا أبا هريرة،\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٧/ ١٢) برقم: (١٨٠٢٢، ١٨٠٢٤، ١٨٠٢٥)، وذكره ابن عطية (٣/ ١٥٦)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٥٨٣)، وعزاه إلى أبي الشيخ.\n(٢) ذكره ابن عطية (٣/ ١٥٦) .\n(٣) ذكره ابن عطية (٣/ ١٥٦) .\n(٤) تقدم تخريجه.","vol":"3","page":276},{"text":"أُولَئِكَ الثَّلاَثَةُ أَوَّلُ خَلْقِ اللَّهِ تُسَعَّرُ بِهِمُ النَّارُ، ثُمَّ قرأ قوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيها» «١»، أي: في الدنيا وهذا نصٌّ في مراد الآية، واللَّه أعلم. انتهى.\nوحَبِطَ: معناه: بَطَلَ وسَقَط، وهي مستعملةٌ في فَسَاد الأعمال.\nقال ص: قوله: مَا صَنَعُوا: «ما» بمعنى: «الَّذِي»، أو مصدريةٌ، و«فيها»:\nمتعلِّقٌ ب «حَبِطَ»، والضمير في «فيها» عائدً على الآخرة، أي: ظهر حبوطُ ما صَنَعُوا في الآخرة، أَو متعلِّق ب «صَنَعُوا» فيكون عائدًا على الدنيا. انتهى.\nو«الباطل: كُلُّ ما تقتضي ذاتُه أَلاَّ تُنَال به غايةٌ في ثوابٍ ونحوه، وقوله سبحانه:\nأَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ: في الآية تأويلات.\nقال ع «٢»: والراجحُ عندِي مِنَ الأقوال في هذه الآية: أَنْ يكون «أَفَمَن» للمؤمنين، أو لهم وللنبيّ ﷺ معهم، والبينة: القرآن وما تضمّن، والشاهد:\nالإِنجيلُ، يريد: أَو إِعجاز القرآن في قولٍ، والضميرُ في «يتلوه» للبيِّنة، وفي «منه» للربِّ، والضميرُ في «قبله» للبينة أيضًا، وغير هذا مما ذُكِرَ محتملٌ، فإِن قيل: إِذا كان الضمير في «قَبْله» عائدًا على القُرْآنِ، فَلِمَ لَمْ يذْكَر الإِنجيل، وهوَ قبله، وبَيْنَه وبَيْن كتاب موسَى؟، فالجوابُ: أنه خَصَّ التوراة بالذكْرِ لأنه مجمَعٌ عليه، والإِنجيل ليس كذلك لأن اليهود تخالِفُ فيه، فكان الاستشهاد بما تقُومُ به الحجَّةُ على الجميع أولَى، وهذا يجري مَعَ قولِ الجنِّ: إِنَّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى [الأحقاف: ٣٠] والْأَحْزابِ هاهنا يُراد بهم جميعُ الأُمَمِ، وروى سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، عن أبي موسى الأشعريّ، عن النبيّ ﷺ أَنه قَالَ: «مَا مِنْ أَحَدٍ يَسْمَعُ بِي مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ وَلاَ مِنَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى ثُمَّ لاَ يُؤْمِنُ بي إِلاَّ دَخَلَ النَّار» «٣»، قال سعيدٌ: فقلْتُ: أَيْنَ مِصْدَاقُ هَذَا فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ حَتَّى وَجَدتُّهُ فِي هَذِهِ الآيةِ، وكنت إذا سمعت حديثا عن النبيّ ﷺ طَلَبْتُ مِصْدَاقَهُ في كِتَابِ اللَّهِ ﷿ «٤»، وقرأ\n_________\n(١) أخرجه الترمذي (٤/ ٥٩١، ٥٩٣) كتاب «الزهد» باب: ما جاء في الرياء والسمعة، حديث (٢٣٨٢) من حديث أبي هريرة مرفوعا.\nوقال الترمذي: حديث حسن غريب.\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ١٥٧) .\n(٣) تقدم تخريجه.\n(٤) ذكره من هذا الوجه السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٥٨٧)، وعزاه إلى سعيد بن منصور، وابن المنذر، والطبراني، وابن مردويه.","vol":"3","page":277},{"text":"الجمهورُ: «فِي مِرْيَةٍ» «١» - بكسر الميم-، وهو الشكُّ، والضمير في «منه» عائدٌ على كون الكَفَرة موعدُهُم النَّارُ، وسائر الآية بيِّن.\nوقوله تعالى: وَيَقُولُ الْأَشْهادُ: قالت فرقة: يُريدُ الشهداءَ مِنَ الأنبياء والملائكةِ، وقالت فرقة: الأشهادُ: بمعنى المشاهِدِينَ، ويريد جميعَ الخلائق، وفي ذلك إِشادةٌ بهم وتشهيرٌ لخزيهم، وروي في نحو هذا حديثٌ: «أَنَّهُ لاَ يُخْزَى أَحَدٌ يَوْمَ القِيَامَةِ/ إلاَّ وَيَعْلَمُ ذَلِكَ جَمِيعُ مَنْ شَهِدَ المَحْشَرَ»، وباقي الآية بيِّن مِمَّا تقدَّم في غيرها.\nقال ص: وقوله: أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ يحتملُ أنْ يكون داخلًا في مفعولِ القولِ، وإِليه نحا بعضُهم. انتهى.\nوقوله سبحانَهُ: مَا كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ: يَحْتَمِلُ وجوهًا:\nأَحدُها: أَنه وصف سبحانه هؤلاء الكُفَّار بهذه الصفة في الدنيا علَى معنى أَنَّهم لا يسمعون سماعًا ينتفعُونَ به، ولا يبصُرونَ كذلك.\nوالثاني: أنْ يكون وصفهم بذلك مِنْ أجل بغضتهم في النبيّ ﷺ فهم لا يستطيعُونَ أَنْ يحملوا نفُوسَهم على السّمع منه، والنّظر إليه.\nو«ما» في هذين الوجهين: نافيةٌ.\nالثالث: أنْ يكون التقديرُ: يضاعَفُ لهم العذابُ بما كانوا، أيْ: بسبب ما كانوا ف «مَا» مصدريةٌ، وباقي الآية بيّن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-658>[سورة هود (١١): الآيات ٢٢ الى ٢٤]</span>\nلاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٢٢) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٣) مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٢٤)\nوقوله سبحانه: لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ ... الآية: لاَ جَرَمَ تقدم بيانها، وَأَخْبَتُوا: قال قتادة: معناه: خشعوا «٢»، وقيل: معناه أنابوا قاله ابن عباس «٣»،\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ١٥٩) و«البحر المحيط» (٥/ ٢١٢)، و«الدر المصون» (٤/ ٨٦) .\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٧/ ٢٦) برقم: (١٨١١٥)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٣/ ١٦١)، والبغوي في «تفسيره» (٢/ ٣٧٩)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٥٩٠)، وعزاه إلى عبد الرزاق وأبي الشيخ.\n(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٧/ ٢٥) برقم: (١٨١٠٩)، وذكره ابن عطية في تفسيره (٣/ ١٦١)، والبغوي في «تفسيره» (٢/ ٣٧٩)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٥٩٠) .","vol":"3","page":278},{"text":"وقيل: اطمأنوا قاله مجاهد «١» وقيل: خافوا قاله ابن عباس «٢» أيضًا، وهذه أقوالٌ بعضها قريبٌ من بعض.\nوقوله سبحانه: مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ ... الآية، «الفريقان» الكافرون والمؤمنون، شبه الكافِرَ بالأعمَى والأصمِّ، وشبه المؤمنَ بالبصيرِ والسميعِ، فهو تمثيلٌ بمثالين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-659>[سورة هود (١١): الآيات ٢٥ الى ٢٧]</span>\nوَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٥) أَنْ لاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٢٦) فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَراكَ إِلاَّ بَشَرًا مِثْلَنا وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ (٢٧)\nوقوله تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ أَنْ لاَّ تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَراكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنا ... الآية: فيها تمثيلٌ لقريشٍ وكفَّار العرب، وإِعلامٌ بأَن محمَّدًا ﵇ ليس بِبِدْعٍ من الرسل، و«الأراذل» جَمْعُ الجمعِ، فقيل: جمع أَرْذُلٍ، وقيل: جَمْعُ أَرْذَالٍ، وهم سِفْلَة النَّاسِ، ومَنْ لا خَلاَقَ له ولا يبالِي ما يَقُولُ، ولا ما يُقَالُ له، وقرأ الجمهور «٣»:\n«بَادِيَ الرَّأْي» - بياء دون همز- من بَدَا يَبْدُو، فيحتمل أنْ يتعلَّق «بَادِيَ الرَّأْي» ب «نَرَاكَ»، أي: وما نراك بأولِ نَظَرٍ وأقلِّ فكرة، وذلك هو بَادِي الرأيِ إِلاَّ ومتَّبِعُوكَ أراذلُنا، ويحتمل أنْ يتعلق بقوله: اتَّبَعَكَ، أيْ: وما نَرَاكَ اتبعك بَادِيَ الرَّأي إِلا الأراذلُ، ثم يحتملُ علَى هذا قوله: بادِيَ الرَّأْيِ معنيين:\nأحدهما: أَنْ يريدوا: اتبعك في ظاهر أمرهم، وعسَى أنَّ بواطنهم ليستْ معك.\nوالثاني: أن يريدوا: اتبعوك بأول نَظَرٍ، وبالرأْيِ البادِي، دون تثبُّت.\nويحتملُ أنْ يكون قولهم: بادِيَ الرَّأْيِ وصْفًا منهم لنوحٍ، أي: تدَّعِي عظيمًا وأَنْتَ مكشوفُ الرأْي، لا حَصَافَة لك، ونصبُهُ على الحالِ، أو على الصفة ل «بشر» .\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٧/ ٢٥) برقم: (١٨١١٢- ١٨١١٣- ١٨١١٤)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٣/ ١٦١)، والبغوي في «تفسيره» (٢/ ٣٧٩)، والسيوطي (٣/ ٥٩٠)، وعزاه إلى أبي الشيخ.\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٧/ ٢٥) برقم: (١٨١١١)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٣/ ١٦١)، والبغوي في «تفسيره» (٢/ ٣٧٩)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٥٨٩)، وعزاه إلى ابن أبي حاتم، وأبي الشيخ. [.....]\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ١٦٣) و«البحر المحيط» (٥/ ٢١٥)، و«الدر المنثور» (٤/ ٩١) .","vol":"3","page":279},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-660>[سورة هود (١١): الآيات ٢٨ الى ٣٤]</span>\nقالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ (٢٨) وَيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالًا إِنْ أَجرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (٢٩) وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٣٠) وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٣١) قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣٢)\nقالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شاءَ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٣٣) وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٣٤)\nوقوله سبحانه: قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ ... الآية: كأنه قال: أرأيتم إِن هدانِي اللَّهُ وأضلَّكم أَأُجبرُكُمْ على الهدَى، وأنتم له كارِهُونَ، وعبارة نوحٍ ﵇ كانَتْ بلغته دالَّة على المعنى القائِم بنَفْسه، وهو هذا المفهومُ مِنْ هذه العبارة العربيَّة، فبهذا استقام أنْ يقال: قال كذا وكذا إِذ القوم ما أفاد المعنى القائِمَ في النَّفْس، وقوله: عَلى بَيِّنَةٍ أي: على أمْرٍ بيِّن جَلِيٍّ، وقرأ الجمهور:\n«فَعَمِيَتْ» «١» ولذلك وجهان من المعنَى:\nأحدهما: خَفِيَتْ.\nوالثاني: أَنْ يكون المعنَى: فَعُمِّيتُمْ أنتم عنها.\nوقوله: أَنُلْزِمُكُمُوها: يريد: إِلزامَ جبر كالقتال ونحوه، وأما إِلزامُ الإِيجاب، فهو حاصلٌ.\nوقوله: وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا: يقتضي أَنَّ قومه طلبوا طَرْدَ الضعفاءِ الذين بادَرُوا إِلى الإِيمان به نَظِيرَ ما اقترحت قريش، وتَزْدَرِي: أصله: تَزْتَرِي تَفْتَعِلُ مِنْ زَرَى يَزْرِي، ومعنى: تَزْدَرِي: تحتقر، و«الخير» هنا: يظهر فيه أَنَّهُ خيرُ الآخرة، اللَّهم إِلا أَنْ يكونَ ازدراؤهم من جهة الفَقْر، فيكون الخَيْرُ المال وقد قال بعضُ المفسِّرين: حيثُ ما ذَكَرَ الله الخير/ في القرآن، فهو المال.\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ١٦٤)، و«البحر المحيط» (٥/ ٢١٧)، و«الدر المصون» (٤/ ٩٣) .\nوقد قرأ الأخوان، وحفص بالتشديد، هكذا «فعمّيت»، وحجتهم في حرف عبد الله: «فعمّاها عليكم» .\nينظر: «حجة القراءات» (٣٣٨)، و«السبعة» (٣٣٢)، و«الحجة» (٤/ ٣٢٢) و«إعراب القراءات» (١/ ٢٧٩)، و«شرح شعلة» (٤٢٦)، و«العنوان» (١٠٧)، و«إتحاف» (٢/ ١٢٤) .","vol":"3","page":280},{"text":"قال ع «١»: وفي هذا الكلام تحامُلٌ، والذي يشبه أنْ يقال: إِنه حيثُ ما ذُكِرَ الخير، فإِنَّ المَالَ يدْخُل فيه.\nت: وهذا أيضًا غير ملخَّص، والصواب: أَنَّ الخيرَ أَعمُّ من ذلك كلِّه، وانظر قوله تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ [الزلزلة: ٧] فإِنه يشملُ المال وغيرَهُ، ونحْوُه: وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الحج: ٧٧]، وانظر قوله ﵇: «اللَّهُمَّ لاَ خَيْرَ إِلاَّ خَيْرُ الآخِرَةِ» «٢»، وقَوْلُهُ تعالَى: إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا [النور: ٣٣]، فههنا لا مدْخَل للمالِ إِلا علَى تجوُّز، وقد يكون الخير المرادُ به المَالُ فَقَطْ وذلك بحَسَب القرائن، كقوله تعالى: إِنْ تَرَكَ خَيْرًا ... الآية [البقرة: ١٨٠] .\nوقوله: اللَّهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ: تسليمٌ للَّه تعالَى، وقال بعضُ المتأوِّلين: هي ردٌّ على قولهم: اتبعك أراذِلُنا في ظاهر أمرِهم حَسَبَ ما تقدَّمَ في بعض التأويلات، ثم قال: إِنِّي إِذًا لو فعلت ذلك، لَمِنَ الظَّالِمِينَ، وقولهم: قَدْ جادَلْتَنا: معناه: قد طال منْكَ هذا الجِدَالُ، والمرادُ بقولهم: بِما تَعِدُنا العذابَ والهلاكَ، وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ، أي: بمفلتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-661>[سورة هود (١١): الآيات ٣٥ الى ٤٠]</span>\nأَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ (٣٥) وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦) وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٣٧) وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ (٣٨) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ (٣٩)\nحَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ (٤٠)\nوقوله سبحانه: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ ... الآية: قال الطبريُّ «٣» وغيرُه: هذه الآيةُ اعترضت في قِصَّة نوح، وهي في شأن النبيّ ﷺ مع قُرَيْشٍ.\nقال ع «٤»: ولو صحَّ هذا بسندٍ، لوجب الوقوفُ عنده، وإِلا فهو يَحْتملُ أن\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ١٦٦) .\n(٢) أخرجه البخاري (١/ ٦٢٤) كتاب «الصلاة» باب: هل تنبش قبور مشركي الجاهلية، حديث (٤٢٨)، ومسلم (٣/ ١٤٣١) كتاب «الجهاد» باب: غزوة الأحزاب، حديث (١٢٧/ ١٨٠٥) من حديث أنس بن مالك.\n(٣) ينظر: «تفسير الطبري» (٧/ ٣٣) .\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ١٦٧) .","vol":"3","page":281},{"text":"يكون في شأن نوح ﵇، وتَتَّسِقُ الآية، ويكونُ الضمير في «افتراه» عائدًا علي ما توعَّدهم به، أو عَلى جميعِ ما أخبرهم به، و«أم» بمعنى «بل» .\nوقوله سبحانه: وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ ...\nالآية، قيل لنوح هذا بَعْدَ أَنْ طال عليه كُفْر القَرْن بعد القَرْن به، وكان يأتيه الرجُلُ بابنه، فيقول: يا بُنَيَّ، لا تُصَدِّقْ هذا الشيخَ، فهكذا عَهِدَهُ أَبي وَجَدِّي كَذَّابًا مَجْنُونًا، رَوَاهُ عُبَيْدُ بن عُمَير وغيره، فروي أنه لما أوحِيَ إِليه ذَلك، دَعَا، فقَالَ: رَبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّارًا [نوح: ٢٦]، وتَبْتَئِسْ من البُؤْس، ومعناه: لا تَحْزَنْ.\nوقوله: بِأَعْيُنِنا: يمكنُ أَنْ يريد بمرأًى منا، فيكون عبارةً عن الإِدراك والرعاية والحفْظ، ويكونُ جَمَعَ الأَعْيُنِ، للعظمةِ لا للتكثير كما قال عزَّ مِنْ قائل: فَنِعْمَ الْقادِرُونَ [المرسلات: ٢٣]، والعقيدةُ أنه تعالَى منزهُ عن الحواسِّ، والتشبيهِ، والتكييفِ، لا ربَّ غيره، ويحتملُ قوله: بِأَعْيُنِنا أيُّ: بملائكتنا الذين جعلْناهم عيونًا على مواضع حِفْظِكَ وَمَعُونَتِك، فيكون الجَمْعُ على هذا التأويلِ: للتكْثير.\nوقوله: وَوَحْيِنا معناه: وتعليمنا له صُورَةَ العَمَل بالوحْيِ، ورُوِيَ في ذلك: «أَنَّ نوحًا ﵇ لَمَّا جَهِلَ كَيْفِيَّة صُنْعِ السَّفِينَةِ، أَوْحَى اللَّه إِلَيْهِ، أَن اصنعها على مثال جُؤْجُؤِ «١» الطَّائِرِ» إِلى غير ذلك ممَّا علِّمَهُ نوحٌ من عملها. وقوله: وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا ... الآية، قال ابْنُ جُرَيْج في هذه الآية: تقدَّم اللَّه إِلَى نوحٍ أَلاَّ يَشْفَعَ فيهم «٢» .\nوقوله: وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ: التقديرُ: فشَرَعَ يصْنَعُ، فحكيتْ حالُ الاستقبال، والملأ هنا: الجماعة.\nوقوله: سَخِرُوا مِنْهُ ... الآية: السُّخْر: الاستجهال مع استهزاء، وإِنما سخروا منه في أنْ صنعها في بَرِّيَّةٍ.\nوقوله: فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ قال «٣» الطبريُّ: يريد في الآخرة.\nقال ع «٤»: ويحتمل الكلام- وهو الأرجح- أن يريد: إنا نسخر منكم الآن،\n_________\n(١) الجؤجؤ: عظام صدر الطائر. ينظر: «لسان العرب» (٥٢٨) (جأجأ) .\n(٢) أخرجه الطبري (٧/ ٣٥) برقم: (١٨١٤٧) بنحوه، وذكره ابن عطية (٣/ ١٦٩)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٧/ ٥٩٢)، وعزاه إلى أبي الشيخ.\n(٣) ينظر: «تفسير الطبري» (٧/ ٣٥) .\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ١٧٠) .","vol":"3","page":282},{"text":"والعذاب المخزي: هو الغرق، والمقيم: هو عذاب الآخرة، و«الأمر»: وَاحدُ الأمور، ويحتملُ أنْ يكون مصدر «أمَرَ»، فمعناه: أَمْرُنَا للمَاءِ بالفَوَرَانِ، وَفارَ معناه: انبعث بقُوَّة، واختلف النَّاس في التَّنُّور، والذي عليه الأكثَرُ، منهم ابنُ عباس وغيره: أنه هو تَنُّور الخُبْز الذي يُوقَدُ فيه «١»، وقالوا: كانَتْ هذه أمارَةً، جعلها اللَّه لنُوحٍ، أي: إِذا فار التنُّور، فاركب في السفينة.\nوقوله سبحانه: قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ ... الآية، الزَّوْج: يقال في مشهورِ كلامِ العرب: للواحد مما له ازدواجٌ، فيقال: هذا زَوْجُ/ هذا، وهما زَوْجَان، والزوج أيضًا في كلام العرب: النَّوْع، وقوله:\nوَأَهْلَكَ: عطْفٌ علَى ما عَمِلَ فيه احْمِلْ والأهل، هنا: القرابةُ، وبشَرْط مَنْ آمن منهم، خُصِّصُوا تشريفًا، ثم ذكر مَنْ آمَنَ، وليس من الأهْل، واختلف في الذي سبق عليه القوْلُ بالعَذَابِ، فقيل: ابنُهُ يَام، أوْ كنعان، وقيل: امرأته وَالِعَةُ- بالعين المهملة-، وقيل: هو عمومٌ فيمن لم يؤمن مِنْ أهْل نوحٍ، ثم قال سبحانه إِخبارًا عن حالهم: وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-662>[سورة هود (١١): الآيات ٤١ الى ٤٣]</span>\nوَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (٤١) وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ وَكانَ فِي مَعْزِلٍ يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ (٤٢) قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ قالَ لاَ عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (٤٣)\nوقوله تعالى: وَقالَ ارْكَبُوا فِيها: أي: وقال نوحٌ لمن معه: اركبوا فيها، وقوله:\nبِسْمِ اللَّهِ يصحُّ أنْ يكون في موضع الحال في ضمير ارْكَبُوا، أي: اركبوا متبرِّكين باسم اللَّه، أو قائلين: باسم اللَّه، ويجوزُ أن يكون: بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها جملةً ثانيةً من مبتدإٍ وخبرٍ، لا تعلُّق لها بالأولَى كأنه أمرهم أولًا بالركوب، ثم أخبر أن مجراها ومرساها باسم اللَّه. قال الضَّحَّاك: كان نوحٌ إِذا أراد جَرْيَ السفينة، جَرَتْ، وإِذا أَراد وقوفَها، قال: باسم اللَّه، فتقف «٢»، وقرأ الجمهور «٣» بضم الميم من «مجراها ومرساها»\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٧/ ٣٥) برقم: (١٨١٦٩- ١٨١٧٠)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٣/ ١٧٠)، والبغوي في «تفسيره» (٢/ ٣٨٣) .\n(٢) أخرجه الطبري (٧/ ٤٥) برقم: (١٨٢٠١)، وذكره ابن عطية (٣/ ١٧٢)، والبغوي في «تفسيره» (٢/ ٣٨٥) برقم: (٤١) .\n(٣) وحجة من فتح الميم قوله سبحانه بعدها: «وهي تجري بهم في موج كالجبال»، ولم يقل: تجرى.","vol":"3","page":283},{"text":"على معنى إِجرائها وإِرسائها، وقر الأَخَوَان حَمْزَةُ والكِسَائيُّ وحفصٌ بفتح ميمٌ «مَجْريهَا» وكسر الراء، وكلُّهم ضمَّ الميم في «مُرْسَاهَا» .\nت: قوله: «وكسر الراء»: يريد إِمالتها، وفي كلامِهِ تسامُحٌ، ولفظُ البخاريِّ:\nمُجْرَاها: مَسِيرُها، ومُرْسَاها: مَوْقِفُها، وهو مصدرُ: أُجْرَيْتُ وأَرْسَيْتُ. انتهى.\nقال النوويُّ: ورُوِّيَنا في «كتاب ابن السُّنِّيِّ» بسنده، عن النبيِّ ﷺ أنَّهُ قَالَ: «أَمَانٌ لأُمَّتي مِنَ الغَرَقِ، إِذَا رَكِبُوا أَنْ يَقُولُوا: بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ... الآية [الأنعام: ٩١]» «١»، هكذا هو في النُّسَخ: «إِذَا رَكِبُوا»، ولم يقلْ: «في السفينة» انتهى.\nوقوله: وَكانَ فِي مَعْزِلٍ أي: في ناحيةٍ، أي: في بُعْدٍ عن السفينة، أوْ عن الدِّين، واللفظ يعمُّهما.\nوقوله: وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ: يحتمل أنْ يكون نهيًا محضًا مع علمه بأَنَّه كافرٌ، ويحتمل أنْ يكون خَفِيَ عليه كُفْره والأول أبْيَنُ.\nوقوله: لاَ عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ: الظاهر أنّ لا عاصِمَ اسم\n_________\nوحجة الجمهور في الضم إجماع الجميع على ضم الميم في «مرساها»، فردوا ما اختلفوا فيه إلى ما أجمعوا عليه.\nينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ١٧٣)، و«البحر المحيط» (٥/ ٢٢٥)، و«الدر المصون» (٤/ ٩٩)، و«السبعة» (٣٣٣)، و«الحجة» (٤/ ٣٢٩)، و«إعراب القراءات» (١/ ٢٨١)، و«شرح الطيبة» (٤/ ٣٦٣)، و«العنوان» (١٠٧)، و«شرح شعلة» (٤٢٧)، و«إتحاف فضلاء البشر» (٢/ ١٢٥) . [.....]\n(١) أخرجه ابن السني في «عمل اليوم والليلة» (٥٠١) من حديث الحسين بن علي.\nوفي سنده جبارة بن المغلس، ويحيى بن العلاء، ومروان بن سالم، والأول: ضعيف، والثاني والثالث: متهمان بالوضع.\nوأخرجه أبو يعلى (١٢/ ١٥٢) رقم: (٦٧٨١): حدثنا جبارة، ثنا يحيى بن العلاء، عن مروان بن سالم، عن طلحة بن عبيد الله، عن الحسين بن علي به.\nوذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ١٣٥) وقال: رواه أبو يعلى عن شيخه جبارة بن المغلس، وهو ضعيف اه. وذكره الحافظ في «المطالب العالية» (٣/ ٢٣٧) رقم: (٣٣٦٥)، وعزاه لأبي يعلى، وقال:\nفيه ضعف.\nوالحديث ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٦٠٢)، وزاد نسبته إلى الطبراني، وابن عدي، وأبي الشيخ، وابن مردويه.\nوللحديث شاهد من حديث ابن عباس بلفظ حديث الحسين بن علي، ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٦٠٢- ٦٠٣)، وعزاه إلى ابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه.","vol":"3","page":284},{"text":"فاعِلٍ على بابه، وقوله: إِلَّا مَنْ رَحِمَ: يريد: إِلا اللَّهَ الرَّاحِمَ، ف «مَنْ» كنايةٌ عن اللَّه، المعنى: لا عاصِمَ اليَوْم إِلا الذي رحمنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-663>[سورة هود (١١): الآيات ٤٤ الى ٤٨]</span>\nوَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٤) وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ (٤٥) قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ (٤٦) قالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ (٤٧) قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ (٤٨)\nوقوله سبحانه: وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ ... الآية: البَلْع: تجرُّع الشيء وازدراده، والإقلاع عن الشيء: تركه، وغِيضَ معناهُ: نَقَصَ، وأكْثَرُ ما يجيء فيما هو بمعنى الجُفُوف، وقوله: وَقُضِيَ الْأَمْرُ: إِشارة إِلى جميع القصَّة: بعثِ الماء، وإِهلاكِ الأُممِ، وإِنجاءِ أَهْلِ السفينة.\nقال ع «١»: وتظاهرت الرواياتُ وكُتُبُ التفسير بأَنَّ الغرق نَالَ جميعَ أَهْلِ الأَرْضِ، وعَمَّ الماءُ جَمِيعَهَا قاله ابن عباس وغيره، وذلك بَيِّن من أمْرِ نوحٍ بحمل الأزواجِ مِنْ كلِّ الحيوانِ، ولولا خَوْفُ فنائها مِنْ جميعِ الأرضِ، ما كان ذلك، وروي أنَّ نوحًا ﵇ رَكِبَ في السفينةِ مِنْ عَيْنِ الوَرْدَةِ بالشامِ أَوَّلَ يَوْمٍ مِنْ رَجَبٍ، واستوت [السفينة] على الجودِيِّ في ذي الحِجَّة، وأقامَتْ عليه شهرًا، وقيل له: اهْبِطْ في يوم عاشُورَاءَ، فصامه هو ومَنْ معه، وروي أنَّ اللَّه تعالى أَوحى إِلى الجبالِ أَنَّ السفينة تَرْسِي على واحد منها، فتطاوَلَتْ كلُّها، وبقي الجُودِيُّ، وهو جبلٌ بالمَوْصِل في ناحيةِ الجزيرةِ، لم يتطاوَلْ تواضعًا للَّه فاستوت السفينةُ بأمْر اللَّهِ عليه، وقال «٢» الزَّجَّاجُ: الجُودِيُّ: هو بناحية «آمد»، وقال قوم: هو عند باقردي، وأكْثَرَ النَّاسُ في قصص هذه الآية، واللَّه أعلم بما صَحَّ من ذلك.\nوقوله: وَقِيلَ بُعْدًا: يحتمل أنْ يكون من قول اللَّه ﷿ عطفًا على قوله:\nوَقِيلَ الأولِ، ويحتملُ أن يكون من قول نوحٍ والمؤمنين، والأول أظهر.\nوقوله: إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي ... الآية: احتجاج من نوحٍ ﵇ أَنَّ الله أمره\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ١٧٥) .\n(٢) ينظر: «معاني القرآن» للزجاج (٣/ ٥٥) .","vol":"3","page":285},{"text":"بحَمْلِ أهله، وابنه من أهله، فينبغي أن يُحْمَلَ، فأظهر اللَّه له أنَّ المراد مَنْ آمَنَ من الأهْلِ، وهذه الآية تقتضي أن نوحًا ﵇ ظَنَّ أنَّ ابنه مؤمنٌ/.\nوقوله: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ أي: الذين عَمَّهم الوعْد لأنه ليس على دينِك، وإِن كان ابنك بالولادة.\nوقوله: عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ: جعله وصفًا له بالمصدر على جهة المبالغة في وصفه بذلك كما قالت الخَنْسَاءُ تصفُ ناقَةً ذَهَبَ عنْها ولَدُها: [البسيط]\nتَرْتَعُ مَا رَتَعَتْ حَتَّى إِذَا ادكرت ... فَإِنَّمَا هِيَ إِقْبَالٌ وَإِدْبَارُ «١»\nأي: ذاتُ إِقبالٍ وإِدبارٍ ويبيِّن هذا قراءةُ الكسَائِيِّ «إِنَّهُ عَمِلَ غَيْرَ صَالحٍ» فعلًا ماضيًا، ونصب «غير» على المفعول ل «عَمِلَ»، وقولُ من قال: «إِن الولد كان لِغِيَّةٍ» خطأ محضٌ، وهذا قولُ ابنِ عبَّاسٍ «٢» والجمهور قالوا: وأما قوله تعالى: فَخانَتاهُما [التحريم: ١٠] فإِن الواحدة كانَتْ تقول للناس: هو مجنونٌ، والأخرَى كانت تنبِّه على الأضيافِ، وأما خيانة غَيْرُ هذا، فلا ويَعْضُدُه المعنَى، لشرف النبوَّة، وجوَّز المَهْدَوِيُّ أَنْ يعود الضمير في «إِنَّهُ» على السؤال، أي: إِن سؤالك إِيَّايَ ما ليس لَكَ به علْم عملٌ غَيْرُ صالحٍ قاله النَّخَعِيُّ وغيره. انتهى. والأولُ أبينُ وعليه الجمهورُ، وبه صدّر المهدويّ، ومعنى قوله: فَلا تَسْئَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ أي: إِذَا وَعَدتكَ، فاعلم يقينًا أَنه لا خُلْفَ في الوعد، فإِذا رأيتَ ولدك لم يُحْمَلْ، فكان الواجبُ عليك أنْ تقف، وتَعْلَم أَنَّ ذلك بحقٍّ واجبٍ عند اللَّه.\nقال ع «٣»: ولكنَّ نوحًا ﵇ حملته شفقةُ الأُبوَّة وسجيَّة البَشَر على التعرُّض لنفَحَاتِ الرحْمة، وعَلَى هذا القَدْر وقَع عتابُهُ ولذلك جاء بتلطُّف وترفيع في قوله سبحانه: إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ، ويحتمل قوله: فَلا تَسْئَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ أي: لا تطلُبْ منِّي أمرًا لا تعلم المصلحة فيه عِلْمَ يقينٍ، ونحا إِلى هذا أبو عليٍّ\n_________\n(١) ينظر: «ديوانها» ص: (٣٨٣)، و«الأشباه والنظائر» (١/ ١٩٨)، و«خزانة الأدب» (١/ ٤٣١)، (٢/ ٣٤)، و«شرح أبيات سيبويه» (١/ ٢٨٢)، و«الشعر والشعراء» (١/ ٣٥٤) و«الكتاب» (١/ ٣٣٧) و«لسان العرب» (٧/ ٣٠٥) (رهط) (١١/ ٥٣٨) (قبل)، (١٤/ ٤١٠) (سوا)، و«المقتضب» (٤/ ٣٠٥)، و«المنصف» (١/ ١٩٧)، بلا نسبة في «الأشباه والنظائر» (٢/ ٣٨٧)، (٤/ ٦٨) و«شرح الأشموني» (١/ ٢١٣)، و«شرح المفصّل» (١/ ١١٥)، و«المحتسب» (٢/ ٤٣) .\n(٢) ذكره البغوي (٢/ ٣٨٧)، وابن عطية (٣/ ١٧٧) بنحوه.\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ١٧٧- ١٧٨) .","vol":"3","page":286},{"text":"الفارسيُّ، وهذا والأول في المعنَى واحدٌ.\nوقوله: رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ: إِنابة منه ﵇، وتسليمٌ لأمر ربه، والسؤالُ الذي وقع النهْيُ عنه، إِنما هو سؤالُ العَزْمِ الذي معه محاجَّة وطَلِبَةٌ مُلِحَّةٌ فيما قد حُجِبَ وجْهُ الحكمة فيه، وأما السؤال علَى جهة الاسترشاد والتعلُّم، فغير داخل في هذا، ثم قيل له: اهْبِطْ بِسَلامٍ، وذلك عند نزوله من السفينة، والسلام هنا: السلامة والأمن، والبركات الخيرُ والنموُّ في كلِّ الجهات، وهذه العِدَةُ، تعمُّ جميع المؤمنين إِلى يوم القيامة، قاله محمد بن كَعْب القُرَظِيُّ، ثم قطع قَوْلُهُ:\nوَأُمَمٌ عَلَى وجْه الابتداء، وهؤلاء هم الكُفَّار إلى يوم القيامة «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-664>[سورة هود (١١): الآيات ٤٩ الى ٥١]</span>\nتِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (٤٩) وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُودًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ (٥٠) يا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلا تَعْقِلُونَ (٥١)\nوقوله سبحانه: تِلْكَ إِشارة إِلى القصة، وباقي الآية بيّن.\nوقوله ﷿: وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُودًا ... الآية: عَطْفٌ على قوله: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ [هود: ٢٥] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-665>[سورة هود (١١): الآيات ٥٢ الى ٥٩]</span>\nوَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْرارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (٥٢) قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (٥٣) إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ قالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)\nفَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٥٧) وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ (٥٨) وَتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (٥٩)\nوقوله: وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ... الآية: الاستغفار: طَلَبُ المغفرة، فقَدْ يكون ذلك باللسان، وقد يكون بإِنابة القَلْب وطَلَب الاسترشاد.\nوقوله: ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ، أي: بالإِيمان من كُفْركم، والتوبَةُ: عقْدٌ في ترك متوب\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٣/ ١٧٩)، والبغوي في «تفسيره» (٢/ ٣٨٧) برقم: (٤٨) بلا نسبة.","vol":"3","page":287},{"text":"منه، يتقدَّمها علْمٌ بفساد المَتُوب مِنْه، وصلاحٍ ما يَرْجِعُ إِليه، ويقترن بها نَدَمٌ على فَارِطِ المَتُوبِ منه، لا يَنْفَكُّ منه، وهو من شروطها ومِدْرارًا بناءُ تكثير، وهو مِنْ دَرَّ يَدُرُّ، وقد تقدَّمت قصة «عاد» .\nوقوله سبحانه: وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ ظاهره العمومُ في جميع ما يُحْسِنُ اللَّه تعالى فيه إِلى العباد، ويحتملُ أن خصّ القوة بالذكر، إذ كانوا أَقْوَى العَوَالِمِ، فوُعِدُوا بالزيادَةِ فيما بَهَرُوا فيه، ثم نهاهُمْ عن التولِّي عن الحقِّ، وقولهم: عَنْ قَوْلِكَ، أي: لا يكونُ قولُكَ سَبَبَ ترْكِنا، وقال ص: عَنْ قَوْلِكَ: حالٌ من الضمير في «تاركي»، أي: صادِرِينَ عن قولك، وقيل: «عن»: للتعليل، كقولهِ: إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ [التوبة:\n١١٤] وقولهم: إِنْ نَقُولُ ... الآية: معناه: ما نَقُولُ إِلا أَن بعض آلهتنا التي ضَلَّلْتَ عَبَدَتَهَا أَصابَكَ بجُنُونٍ، يقال: / عَرَّ يَعُرُّ، واعترى يَعْتَرِي إِذا أَلمَّ بالشيء.\nوقوله: فَكِيدُونِي جَمِيعًا: أي: أنتم وأصنامكم، ويذكر أن هذه كَانَتْ له ﵇ معجزةً، وذلك أنَّه حرَّض جماعتهم عَلَيْه مع انفراده وقوَّتهم وكُفْرهم، فلم يقدروا على نيله بسوء، وتُنْظِرُونِ: معناه: تؤخِّروني، أيْ: عاجلوني بما قَدَرْتم عليه.\nوقوله: إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ يريد: إِن أفعالَ اللَّه ﷿ في غاية الإحكام، وقوله الصّدق ووعده الحقّ، وعَنِيدٍ: من «عند» إذا عتا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-666>[سورة هود (١١): الآيات ٦٠ الى ٦٦]</span>\nوَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ عادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْدًا لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ (٦٠) وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (٦١) قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا أَتَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٦٢) قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ (٦٣) وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ قَرِيبٌ (٦٤)\nفَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (٦٥) فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا صالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (٦٦)\nوقوله سبحانه: وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً ... الآية: حَكَمَ عليهم سبحانه بهذا لموافاتهم على الكُفْر، ولا يُلْعَنُ معيَّنٌ حُيٌّ: لا مِنْ كافرٍ، ولا من فاسقٍ، ولا من بهيمةٍ،","vol":"3","page":288},{"text":"كلُّ ذلك مكروهٌ بالأحاديث «١» .\nت: وتعبيره بالكراهَةِ، لعلَّه يريد التحريمَ، وَيَوْمَ: ظَرفٌ، ومعناه: إِن اللعنة علَيْهم في الدُّنيا، وفي يوم القيامة، ثم ذكَر العلَّة الموجِبَةَ لذلك، وهي كُفْرهم بربهم، وباقي الآية بيّن.\nوقوله ﷿: وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحًا ... الآية: التقديرُ: وأرسلنا إلى ثمود وأَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ: أي: اخترعكم، وأوْجَدكم، وذلك باختراع آدم ﵇.\nوقال ص: مِنَ الْأَرْضِ: لابتداءِ الغاية باعتبار الأصلِ المتولَّدِ منه النباتُ المتولَّدُ منه الغذاءُ المتولَّدُ منه المَنِيُّ ودَمُ الطَّمْثِ المتولَّدُ عنه الإِنسان. انتهى.\nوقد نقل ع «٢»: في غير هذا الموضع نَحْوَ هذا، ثم أشار إِلى مرجوحيَّته، وأَنَّه داعٍ إِلى القول بالتولُّد، قال ابنُ العَرَبِيِّ في «أحكامه» «٣»: قوله تعالى: وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها:\nأي: خَلَقَكم لعمارتها، ولا يصحُّ أنْ يقال: هو طَلَبٌ من اللَّه لعمارتها كما زعم بعضُ الشَّافعيَّة.\nت: والمفهومُ من الآية أنَّها سيقَتْ مساق الامتنان عليهم. انتهى. وقولهم:\nيا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا، قال جمهور المفسِّرين: معناه: مسوَّدًا نؤمِّل فيك أنْ تكون سيِّدًا سادًّا مسدَّ الأكابِرِ، وقولهم: وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ، معنى: مُرِيبٍ: ملبس متهم، وقوله: أَرَأَيْتُمْ: أي: أتدبرتم، فالرؤية قلبيّة، وآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً، يريد: النبوَّة وما انضاف إِليها.\n_________\n(١) قد ورد في تحريم اللعن عدة أحاديث منها، قول النبي ﷺ: «من لعن مؤمنا فهو كقتله» .\nأخرجه البخاري (١٠/ ٤٧٩) كتاب «الأدب» باب: ما ينهى من السباب واللعن، حديث (٦٠٤٧) .\nومنها حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «لا ينبغي لصدّيق أن يكون لعانا» .\nأخرجه مسلم (٤/ ٢٠٠٥) كتاب «البر والصلة» باب: النهي عن لعن الدواب وغيرها، حديث (٨٤/ ٢٥٩٧)، وأحمد (٢/ ٣٣٧)، والبيهقي (١٠/ ١٩٣)، والبغوي في «شرح السنة» (٦/ ٣١٥- بتحقيقنا) .\nومنها أيضا حديث عبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «ليس المؤمن بالطّعان ولا باللّعان ولا الفاحش ولا البذيء» .\nأخرجه الترمذي (٤/ ٣٠٨) كتاب «البر والصلة» باب: ما جاء في اللعنة، حديث (١٩٧٧)، وأحمد (١/ ٤٠٥)، والبخاري في «الأدب المفرد» (١١٧)، والحاكم (١/ ١٢) وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، وسكت عنه الذهبي.\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ١٨٣) .\n(٣) ينظر: «أحكام القرآن» (٣/ ١٠٥٩) .","vol":"3","page":289},{"text":"وقال ص: قد تقرّر في أَرَأَيْتُمْ أنها بمعنى أخبروني. انتهى.\nوال تَخْسِيرٍ هو من الخسَارَةِ، وليس التخْسِيرُ في هذه الآية إِلا لهم، وفي حَيِّزِهم، وهذا كما تقولُ لمن تُوصِيهِ: أَنا أريدُ بكَ خَيْرًا، وأَنْتَ تريدُ بي شَرًّا.\nوقال ص: غَيْرَ تَخْسِيرٍ: من خَسِرَ، وهو هنا للنسبيَّةِ ك «فَسَّقْتُهُ وَفَجَّرْتُهُ» إِذا نسبتَهُ إِليهما.\nت: ونقل الثعلبيّ عن الحسيْنِ بْنِ الفَضْل، قال: لم يكُنْ صَالِحٌ في خسارةٍ، حين قال: فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ، وإِنما المعنى: ما تزيدُونَني بما تقولُونَ إِلاَّ نسبتي إِياكم للخَسَارة، وهو مِنْ قول العرب: فَسَّقْتُهُ وَفَجَّرْتُهُ إِذا نسبته إِلى الفسوق والْفُجور.\nانتهى. وهو حسنٌ. وباقي الآية بيّن قد تقدّم الكلام في قصصها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-667>[سورة هود (١١): الآيات ٦٧ الى ٧٤]</span>\nوَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ (٦٧) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْدًا لِثَمُودَ (٦٨) وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩) فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠) وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ (٧١)\nقالَتْ يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢) قالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (٧٣) فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ (٧٤)\nوَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ: قال أبو البقاء: في حَذْف التاءِ من «أخذ» ثلاثةُ أَوْجُهٍ:\nأحدها: أنه فَصَلَ بين الفعل والفاعل.\nوالثاني: أن التأنيثَ غير حقيقيٍّ.\nوالثالث: أن الصيْحَة بمعنى الصِّيَاحِ، فحُمِلَ على المعنى، انتهى.\nوقد أشار ع»\n: إِلى الثلاثَة، واختار الأخير.\nوقوله سبحانه: وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى: الرسُلُ: الملائكة، قال المَهْدوِيُّ: بِالْبُشْرى يعني: بالولدِ، وقيل: البشرى بهلاك قوم لوط انتهى.\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ١٨٦) .","vol":"3","page":290},{"text":"قالُوا سَلامًا: أي: سلَّمنا عليك سلامًا، وقرأ حمزة «١» والكسائي: «قَالُوا سَلاَمًا قالَ سِلْمٌ»، فيحتمل أنْ يريد ب «السِّلْمِ» السلامَ، ويحتمل أن يريد ب «السّلم» ضدّ الحرب، وحَنِيذٍ: بمعنى: محنوذ، ومعناه: بعجْلٍ مشويٍّ نَضِجٍ، يقْطُر ماؤه، وهذا القَطْر يفصلُ الحَنيذَ من جملة المشويَّات، وهيئة المحنُوذِ في اللغة: / الذي يُغَطَّى بحجارةٍ أو رَمْلٍ مُحَمًّى أو حائل بينه وبيْن النَّار يغطى به، والمُعَرَّض: من الشِّواء الذي يُصَفَّف على الجَمْر، والمُضَهَّبِ: الشِّوَاءُ الذي بينه وبين النَّار حائلٌ، ويكون الشِّواء عليه، لا مَدْفُونًا به، والتَّحُنِيذُ في تضمير الخَيْل: هو أنْ يغطَّى الفَرَس بِجِلٍّ على جُلٍّ ليتصبّب عرقه، ونَكِرَهُمْ على ما ذكر كثيرٌ من النَّاس، معناه: أَنْكَرهم وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً من أجْل امتناعهم من الأكل إِذ عُرْفُ مَنْ جاء بِشَرٍّ أَلاَّ يأْكل طعامَ المنْزُولِ به، قال ابنُ العربيِّ في «أحكامه» «٢»:\nذهب الليثُ بْنُ سَعْدٍ إلى أنّ الضّيافة واجبة، لقوله ﷺ: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليكرم ضَيْفَهُ، جَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، ومَا وَرَاءَ ذَلِكَ صَدَقَةٌ» «٣»، وفي رواية: «ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ، وَلاَ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يثوي «٤» عنْدَهُ حتَّى يُحْرِجَهُ» «٥» وهذا حديثٌ صحيحٌ، خرَّجه الأئمةِ، واللفظ للترمذيِّ، وذهب علماء الفقْه إِلى: أن الضيافة لا تجبُ، وحملوا الحديثَ على النَّدْب.\nقال ابنُ العربيِّ: والذي أقولُ به أن الضيافَةَ فَرْضٌ على الكفَايَةِ، ومِنَ الناسِ مَنْ قال:\nإِنها واجبةٌ في القُرَى حيثُ لا مَأْوَى ولا طَعَام بخلاف الحواضر لتيسّر ذلك فيها.\n_________\n(١) ينظر: «السبعة» (٣٣٧- ٣٣٨)، و«الحجة» (٤/ ٣٥٩)، و«إعراب القراءات السبع» (١/ ٢٨٨) و«حجة القراءات» (٣٤٦)، و«الإتحاف» (٢/ ١٣٠) و«المحرر الوجيز» (٣/ ١٨٧)، و«البحر المحيط» (٥/ ٢٤٢)، و«الدر المصون» (٤/ ١١٢)، و«العنوان» (١٠٨)، و«شرح شعلة» (٤٣١) .\n(٢) ينظر: «أحكام القرآن» (٣/ ١٠٦١) .\n(٣) ينظر: الحديث الآتي. [.....]\n(٤) الثّواء: طول المقام. ينظر: «لسان العرب» (٥٢٤) .\n(٥) أخرجه البخاري (١٠/ ٤٦٠) كتاب «الأدب» باب: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره (٦٠١٩)، وباب: إكرام الضيف وخدمته إياه بنفسه (٦١٣٥)، و(١١/ ٣١٤) الرقاق باب: حفظ اللسان (٦٤٧٦)، ومسلم (٣/ ١٣٥٣) في اللقطة، باب: الضيافة ونحوها (١٤، ١٦/ ٤٨)، وأبو داود (٢/ ٣٦٩) كتاب «الأطعمة» باب: ما جاء في الضيافة (٣٧٤٨)، والترمذي في «البر والصلة» باب: ما جاء في الضيافة، وغاية الضيافة كم هو؟ (١٩٦٧)، وابن ماجه (٢/ ١٢١٢) في «الأدب» باب: حق الضيف (٣٦٧٥)، وأحمد (٤/ ٣١) (٦/ ٣٨٥)، ومالك (٢/ ٩٢٩) في كتاب «صفة النبي ﷺ» باب: جامع ما جاء في الطعام، والشراب (٢٢)، والبيهقي (٩/ ١٩٧)، والدارمي (٢/ ٩٨)، والحميدي (٢/ ٢٦٢) برقم: (٥٧٦)، والبغوي في شرح السنة (٦/ ١٠٤) برقم: (٢٨٩٦) من طريق سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي شريح العدوي به مرفوعا.\nوقال الترمذي: حديث حسن صحيح.","vol":"3","page":291},{"text":"قال ابنُ العربيِّ: ولا شكَّ أن الضيْفَ كريمٌ، والضِّيافة كرامَةٌ، فإِن كان عديمًا، فهي فريضة انتهى، وأَوْجَسَ معناه: أحس والتوجيس: ما يعتري النفْسَ عنْد الحَذَرِ، وأوائلِ الفَزَعِ.\nوقوله سبحانه: فَضَحِكَتْ قال الجمهور: هو الضَّحِكُ المعروفُ، وذكر الطبري «١» أن إِبراهيم ﵇ لَمَّا قَدَّم العجْل، قالوا له: إِنَّا لا نأكل طعامًا إِلاَّ بثمنٍ، فقال لهم:\nثمنُهُ: أنْ تذْكُروا اللَّه تعالَى عليه في أَوَّله، وتَحْمَدوه في آخره، فقال جبريلُ لأصحابه: بحَقٍّ اتخذ اللَّهُ هَذَا خَلِيلًا، ثم بَشَّر الملائكةُ سَارَّة بإِسحاق، وبأَنَّ إِسحاقَ سَيَلِدُ يعقُوبَ، ويسمَّى ولَدُ الوَلَد وراء، وهو قريبٌ من معنى «وراء» في الظرف، إِذ هو ما يكونُ خَلْف الشيء وبَعْده.\nوقال ص: «وراء» هنا: استعمل غَيْرَ ظرفٍ، لدخولِ «مِنْ» عليه، أي: ومن بعد إسحاق. انتهى.\nوقولها: يا وَيْلَتى: الألفُ بَدَلٌ من ياء الإِضافة، أصلها: يَا وَيْلَتِي، ومعنى:\n«يَا وَيْلَتَا» في هذا الموضع: العبارةُ عَمَّا دَهَمَ النَّفْسَ من العَجَبِ في ولادة عجوز، ومِنْ أَمْرِ اللَّهِ: واحدُ الأمور.\nوقوله سبحانه: رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ: يحتمل أنْ يكون دعاءً، وأنْ يكون خبرًا.\nص: ونصبُ أَهْلَ الْبَيْتِ على النداءِ أو على الاختصاص، أو على المَدْحِ، انتهى. وهذه الآية تعطي أَنَّ زوجة الرجل مِنْ أَهْلِ بيتِهِ.\nت: وهي هُنَا منْ أهْل البيت على كلِّ حال، لأنها من قرابَتِهِ، وابنة عَمِّه، و«الْبَيْتُ»، في هذه الآية، وفي «سورة الأحزاب» بيتُ السكْنَى.\nوقوله: فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى يُجادِلُنا: أي: أخذ يُجادِلُنا «في قوم لوط» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-668>[سورة هود (١١): الآيات ٧٥ الى ٧٦]</span>\nإِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (٧٥) يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (٧٦)\n_________\n(١) ذكره الطبري (٧/ ٧٠- ٧١) بنحوه برقم: (١٨٣٢٨) .","vol":"3","page":292},{"text":"وقوله تعالى: إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ وُصِفَ ﵇ بالحِلْمِ، لأنه لم يغضَبْ قطُّ لنفسه إِلاَّ أَنْ يغضب للَّه، وأمْرُهُ بالإِعراض عن المُجَادلة يقتضي أنها إِنَّما كانَتْ في الكفرة، حرصا على إسلامهم، وأَمْرُ رَبِّكَ واحدُ الأمور، أي: نفذ فيهم قضاؤُهُ سبحانه، وهذه الآية مقتضيةٌ أنَّ الدعاء إِنما هو أنْ يوفِّق اللَّه الداعِيَ إِلى طَلَب المَقْدور، فأما الدُّعاء في طَلَبِ غير المقدورِ، فغير مُجْدٍ ولا نافع.\nت: والكلام في هذه المسألة متَّسعٌ رَحْبٌ، ومن أحسن ما قيل فيها قولُ الغَزَّالِيِّ في «الإِحياء»: فإِنْ قلت: فما فائدة الدعاء، والقضاء لا يرد؟ فالجوابُ: أَنَّ من القضاءِ رَدَّ البلاءِ بالدعاءِ، فالدعاءُ سَبَبٌ لردِّ البلاء، واستجلاب الرحمة كما أن التُّرْسَ سبَبٌ لردِّ السهم، والماء سبَبٌ لخروجِ النباتِ، انتهى. وقد أطال في المسألة، ولولا الإِطالة لأَتَيْتُ بِنُبَذٍ يثلج لها الصِدْرُ، وخرَّجَ الترمذيُّ في «جامعه» عن أبي خزامة، واسمه رفاعة، عن أبيه، قال: سألت رسول الله ﷺ، فقلت: يا رسول/ الله، أرأيت رقى نسترقيها، ودواء نتداوى به، وتقاة نتقيها، هل ترد من قدر الله شيئا؟ قال: «هي من قدر اللَّهُ» «١»، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن، وفي بعض نُسَخِهِ: حسنٌ صحيحٌ، انتهى.\nفليس وراء هذا الكلام من السيِّد المعصوم مرمًى لأَحدٍ، وتأمَّل جواب الفارُوق لأبِي عُبَيْدة، حِينَ هَمَّ بالرجوعِ مِنْ أجْلِ الدخول علَى أرض بها الطاعون، وهي الشام «٢» .\n_________\n(١) أخرجه الترمذي (٤/ ٣٩٩- ٤٠٠) كتاب «الطب» باب: ما جاء في الرقى والأدوية، حديث (٢٠٦٥)، وابن ماجه (٢/ ١١٣٧) كتاب «الطب» باب: ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء، حديث (٣٤٣٧)، كلاهما من طريق الزهري، عن أبي خزامة عن أبيه، به.\nوقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، ولا نعرف لأبي خزامة عن أبيه غير هذا الحديث. وأخرجه الحاكم (٤/ ٤٠٢)، والطبراني في «الكبير» (٣/ ٢١٤- ٢١٥) رقم: (٣٠٩٠) من طريق صالح بن أبي الأخضر، عن الزهري، عن عروة، عن حكيم بن حزام به، وسكت عنه الحاكم والذهبي، وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٥/ ٨٨)، وقال: رواه الطبراني، وفيه صالح بن أبي الأخضر، وهو ضعيف، يعتبر حديثه.\n(٢) هذا القول ورد في حديث صحيح، أخرجه البخاري (١٠/ ١٨٩) كتاب «الطب» باب: «ما يذكر في الطاعون» رقم: (٥٧٢٩) .\nمن حديث ابن عباس ﵄- أن عمر بن الخطاب خرج إلى الشام حتى إذا كان يسرع لقيه أمراء الأجناد، أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه، فأخبروه أن الوباء قد وقع بالشام- قال ابن عباس: فقال عمر: «ادع لي المهاجرين الأولين، فدعاهم فاستشارهم، فأخبرهم أن الوباء قد وقع بالشام، فاختلفوا عليه.\nقال بعضهم: قد خرجت لأمر ولا نرى أن ترجع عنه. -","vol":"3","page":293},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-669>[سورة هود (١١): الآيات ٧٧ الى ٨٣]</span>\nوَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ (٧٧) وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (٧٨) قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ (٧٩) قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠) قالُوا يا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (٨١)\nفَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣)\nوقوله سبحانه: وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا: الرسُل هنا: الملائكة أضيافُ إِبراهيم.\nقال المهدويُّ: والرسُلُ هنا: جبريلُ وميكائيلُ وإِسرافيلُ، ذكره جماعة من المفسِّرين. انتهى، واللَّه أعلم بتعيينهم، فإِن صحَّ في ذلك حديثٌ، صِيَر إِليه، وإِلا فالواجبُ الوقف، وسِيءَ بِهِمْ أي: أصابهُ سُوءٌ، و«الذَّرْع»: مصدرٌ مأخوذٌ من الذِّراع، ولما كان الذراعُ موضعَ قُوَّةِ الإِنسان، قيل في الأمر الذي لا طَاقَةَ له به: ضَاقَ بِهَذَا الأمْرِ ذِرَاعُ فُلاَنٍ، وذَرْعُ فلانٍ، أيْ: حيلته بذراعِهِ، وتوسَّعوا في هذا حتَّى قلبوه، فقالوا: فلانٌ رَحْبُ الذّراع، إذا وصفوه باتساع القدرة، وعَصِيبٌ: بناء اسم فاعل، معناه: يعصب\n_________\n- وقال بعضهم: معك بقية الناس وأصحاب رسول الله ﷺ- ولا نرى أن تقدمهم على هذا الوباء. فقال:\nارتفعوا عني. ثم قال: ادعوا لي الأنصار، فدعوهم له فسلكوا سبيل المهاجرين، واختلفوا كاختلافهم، فقال: ارتفعوا عني.\nثم قال: ادع لي من كان هاهنا من مشيخة قريش من مهاجرة الفتح، فدعوهم فلم يختلف عليه منهم رجلان.\nقالوا: نرى أن نرجع بالناس ولا نقدمهم على هذا الوباء. فنادى عمر في الناس: «إني مصبح على ظهر، فأصبحوا عليه» . قال أبو عبيدة: أفرارا من قدر الله؟ فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عُبَيْدة، نَعَمْ نَفِرُّ من قدر اللَّه إِلى قدر الله، أرأيت لو كان لك إبل فهبطت واديا له عدوتان، إحداهما خصبة، والأخرى جدبة، أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله؟\nقال: فجاء عبد الرحمن بن عوف، وكان غائبا في بعض حاجته، فقال: إن عندي من هذا علما، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها فرارا منه»، قال: فحمد الله ثم انصرف.\nوأخرجه مسلم (٤/ ١٧٤٠) كتاب «السلام» باب: الطاعون والطيرة والكهانة ونحوها (٩٨/ ٢٢١٩)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٧/ ٢١٧- ٢١٨) كتاب «النكاح» باب: ولا يورد ممرض على مصح فقد يجعل الله تعالى بمشيئته مخالطته إياه سببا لمرضه، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٤/ ٣٠٣- ٣٠٤) كتاب «الكراهية» باب: الرجل يكون به الداء هل يجتنب أم لا؟، وعبد الرزاق (١١/ ١٤٧) كتاب «الجامع» باب: الوباء والطاعون، رقم: (٢٠١٥٩) نحوه","vol":"3","page":294},{"text":"النَّاسَ بالشرِّ، فهو من العِصَابة، ثم كَثُر وصفهم لليَوْمِ بعصيبٍ ومنه: [الوافر] وَقَدْ سَلَكُوكَ في يَوْمٍ عَصِيبِ «١» وبالجملة ف «عصيب»: في موضع شديد وصعب الوطأة، ويُهْرَعُونَ معناه:\nيُسْرِعون، وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ: أيْ: كَانت عادتهم إِتيان الفاحشة في الرجال.\nوقوله: هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ: يعني: بالتزويجِ، وقولهم: وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ: إِشارة إِلى الأضيافِ، فلما رأَى لوطٌ استمرارهم في غَيِّهم، قال: على جهة التفجُّع والاستكانة: لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً.\nقال ع «٢»: «لَوْ أنَّ»: جوابها محذوفٌ، أي: لَفَعَلْتُ كذا وكذا، ويروَى أنَّ الملائكةَ وَجَدَتْ عليه حين قال هذه الكلماتِ، وقالوا: إِنَّ رُكْنَكَ لَشَدِيدٌ، وقال النبيّ ﷺ: «يَرْحَمُ اللَّهُ لُوطًا لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ «٣» فَالْعَجَبُ مِنْهُ لما استكان» .\nقال ع «٤»: وإِنما خشي لوطٌ ﵇ أنْ يمهل اللَّهُ أولئك العِصَابَةَ حتى يَعْصُوهُ في الأضيافِ، كما أمهلهم فيما قَبْلَ ذلك، ثم إِن جبريل ﵇ ضَرَبَ القوم بجَنَاحِهِ، فطمس أعينهم، ثم أمروا لوطًا بالسُّرَى، وأعلموه بأنَّ العذاب نازلٌ بالقوم، فقال لهم لوطٌ: فَعَذِّبوهم السَّاعة، فقالوا له: إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ، أي: بهذا أمَرَ اللَّه، ثم آنسُوه في قَلَقِهِ بقولهم: أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ، و«القِطْع»: القطعة من الليل.\nقال ص: إِلَّا امْرَأَتَكَ: ابن كثيرٍ وأبو عمرٍو بالرفع، والباقون بالنَّصْبِ «٥»، فقيل: كلاهما استثناءٌ من أَحَدٌ، وقيل: النصب على الاستثناء من بِأَهْلِكَ انتهى.\n_________\n(١) عجز بيت وصدره:\nوكنت لزاز خصمك أم أعرّد ... .......\nينظر: «مجاز القرآن» (١/ ٢٩٤)، «تفسير الطبري» (١٢/ ٤٧) «الدر المصون» (٤/ ١١٧) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ١٩٥) .\n(٣) تقدم تخريجه وهو حديث: «نحن أحق بالشك من إبراهيم»، الحديث.\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ١٩٥) .\n(٥) ينظر: «الحجة» (٤/ ٣٦٩)، و«إعراب القراءات السبع» (١/ ٢٩٢)، و«حجة القراءات» (٣٤٧)، و«الإتحاف» (٢/ ١٣٣)، و«المحرر الوجيز» (٣/ ١٩٦)، و«البحر المحيط» (٥/ ٢٤٨)، و«الدر المصون» (٤/ ١١٩)، و«السبعة» (٣٣٨)، و«إعراب القراءات» (١/ ٢٩٢)، و«شرح الطيبة» (٤/ ٣٧٠)، و«شرح شعلة» (٤٣١) .","vol":"3","page":295},{"text":"وقوله سبحانه: وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ ذهبت فرقةٌ، منهم ابن عباس إِلى أَن الحجارة التي رُمُوا بها كَانَتْ كالآجُرِّ المطبوخِ «١»، كانَتْ من طينٍ قد تحجَّر، وأَن سِجِّيلًا معناها: ماءٌ وطينٌ، وهذا القول هو الذي عليه الجمهورُ، وقالت فرقة: «من سِجِّيلٍ»: معناه: مِنْ جهنَّم لأنه يقالُ: سِجّيل وسِجِّين، حَفِظَ فيها بَدَلَ النُّون لامًا، وقيل غير هذا ومَنْضُودٍ: معناه: بعضه فوق بعض، متتابع، ومُسَوَّمَةً: أي: مُعْلَمةٌ بعلامة.\nوقوله تعالى: وَما هِيَ: إِشارةٌ إِلى الحِجَارة، والظالمون: قيل: يعني قريشًا، وقيل: يريد عمومَ كلِّ مَن اتصف بالظُّلْمِ، وهذا هو الأصَحُّ، وقيل: يعني بهذا الإِعلامَ بأَنَّ هذه البلادَ قريبةٌ من مكَّة، وما تقدّم أبين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-670>[سورة هود (١١): الآيات ٨٤ الى ٨٥]</span>\nوَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْبًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (٨٤) وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٨٥)\nوقوله ﷿: وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْبًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ ... الآية: قوله: بِخَيْرٍ: قال ابن عباس: معناه: في رُخْصٍ من الأسعار «٢»، وقيل: قوله: بِخَيْرٍ: عامّ في جميع نعم الله تعالى، وتَعْثَوْا: معناهُ تَسْعُوْنَ في فسادٍ، يقال: عَثَا يَعْثُو، وعثى يعثي إذا أفسد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-671>[سورة هود (١١): الآيات ٨٦ الى ٩٤]</span>\nبَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (٨٦) قالُوا يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (٨٧) قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَما تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨) وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صالِحٍ وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (٨٩) وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (٩٠)\nقالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفًا وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ (٩١) قالَ يا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٩٢) وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (٩٣) وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ (٩٤)\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٣/ ١٩٨) .\n(٢) أخرجه الطبري (٧/ ٩٧) برقم: (١٨٤٨١)، وابن عطية (٣/ ١٩٩)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٦٢٦)، وعزاه إلى أبي الشيخ.","vol":"3","page":296},{"text":"وقوله: بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ: قال ابن عباس: معناه: الذي يُبْقِي اللَّه لكُمْ من أموالكم بَعْد توفيتكم/ الكَيْلَ والوَزْن خيرٌ لكم مما تستكثرونَ به على غير وجْهه «١»، وهذا تفسيرٌ يليق بلفظ الآية، وقال مجاهد: معناه: طاعةُ اللَّه «٢»، وهذا لا يعطيه لفْظُ الآية.\nقال ص: وقرأ الحسنُ «٣»: «تَقِيَّةُ اللَّهِ»، أي: تقواه.\nقال ع «٤»: وإِنما المعنى عندي: إِبقاءُ الله عليكم إن أطعتم، وقولهم:\nأَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آباؤُنا: قالت فرقة: أرادوا الصلواتِ المعروفةَ، وروي أن شعيبًا ﵇ كان أكْثَرَ الأنبياءِ صلاةً، وقال الحسنُ: لم يَبْعَث اللَّهُ نبيًّا إِلا فرض عَلَيْه الصَّلاة والزَّكَاة «٥»، وقيل: أرادوا: أدعواتُكَ، وذلك أنَّ من حَصَّل في رتبةٍ مِنْ خيرٍ أَو شَرٍّ، ففي الأكثر تَدْعُوه رتبته إِلى التزيُّد من ذلك النوْعِ، فمعنى هذا: لما كنْتَ مصلِّيًا، تجاوزْتَ إِلى ذمِّ شرعنا وحالِنا، فكأن حاله من الصلاة جَسَّرته علَى ذلك، فقيل: أَمَرَتْه كما قال تعالَى: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت: ٤٥] .\nقال ص، وع «٦»: أَوْ أَنْ نَفْعَلَ: معطوفٌ على مَا يَعْبُدُ، و«أو» للتنويعِ، انتهى. وظاهر حالِهِمُ الذي أشاروا إِليه هو بَخْسُ الكيل والوَزْنِ الذي تقدَّم ذكره، وروي أن الإِشارة إِلى قَرْضِهِمْ الدِّينار والدِّرْهم، وإِجراء ذلك مع الصَّحِيح على جهة التدْلِيسِ قاله محمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيِّ «٧»، وتؤوّل أيضا بمعنى تبديل السّكك التي يقصد بها أكْلُ أموالِ الناس، قال ابنُ العربيِّ «٨»: قال ابن المسيَّب: قطع الدنانير والدَّرَاهم مِنَ الفساد في\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٣/ ١٩٩)، والبغوي في «تفسيره» (٢/ ٣٩٨) . [.....]\n(٢) أخرجه الطبري (٧/ ٩٩) برقم: (١٨٤٩١، ١٨٤٩٦)، وذكره ابن عطية (٣/ ١٩٩)، والبغوي (٢/ ٨٦١) بنحوه، وابن كثير (٢/ ٤٥٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٦٢٦)، وعزاه إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.\n(٣) ينظر: «البحر المحيط» (٥/ ٢٥٣) .\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ١٩٩) .\n(٥) ذكره ابن عطية (٣/ ٢٠٠) .\n(٦) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٢٠٠) .\n(٧) أخرجه الطبري (٧/ ١٠٠) برقم: (١٨٥٠٢- ١٨٥٠٣)، وذكره ابن عطية (٣/ ٢٠١)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٦٢٧)، وعزاه إلى ابن المنذر.\n(٨) ينظر: «أحكام القرآن» (٣/ ١٠٦٤) .","vol":"3","page":297},{"text":"الأرْضِ وكذلك قال زيد بن أسْلَمَ في «١» هذه الآية، وفَسَّرها به، ومثله عن يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ من رواية مالكٍ، قال ابنُ العَرَبِيِّ: وإِذا كان قَطْعُ الدنانير والدَّراهمِ وقَرْضُها من الفسَادِ، عُوقِبَ مَنْ فَعَلَ ذلك، وقَرْضُ الدراهم غَيْرُ كَسْرها فإِن الكسر: فسادُ الوصفُ، والقَرْض: تنقيصٌ للقَدْر، وهو أَشَدُّ من كَسْرها، فهو كالسرقة. انتهى من «الأحكام» مختصرًا، وبعضه بالمعنَى، وقولهم: إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ: قيل: إِنهم قالوه على جهة الحقيقة، أي: أنت حليم رشيدٌ، فلا ينبغي لك أنْ تَنْهَانا عن هذه الأحوالِ، وقيل:\nإِنما قالوا هذا على جهة الاستهزاء.\nوقوله: وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا: أي: سالمًا من الفَسَادِ الذي أدْخَلْتُم في أمْوالكم، وجوابُ الشَّرْط الذي في قوله: إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي محذوفٌ، تقديره:\nأَأَضِلُّ كما ضَلَلْتُمْ، أو أتركُ تبليغَ رِسَالَةِ ربِّي، ونحو هذا.\nوقوله: لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ: معناه: لا يكسبنّكم، وشِقاقِي: معناه: مُشَاقتي، وَعَدَاوَتِي و«أَنْ»: مفعولةٌ ب يَجْرِمَنَّكُمْ.\nقال ص، وع «٢»: وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ: أي: بزمانٍ بعيدٍ، أو بمكانٍ.\nقال ص: وَدُودٌ بناءُ مبالغةٍ مِنْ وَدَّ الشَّيْءَ، إِذا أَحَبَّه، وآثره.\nع «٣»: ومعناه: أن أفعاله سُبْحَانَهُ وَلُطْفه بعباده لَمَّا كَانَتْ في غاية الإِحْسَان إِليهمْ، كانَتْ كَفِعْلِ مَنْ يتودَّد وَيَوَدُّ المصنوعَ له، وقولُهم: مَا نَفْقَهُ: كقولِ قريشٍ:\nقُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ [فصلت: ٥]، والظاهر من قولهم: إِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفًا: أنهم أرادوا ضَعْفَ الانتصار والقُدْرة، وأنَّ رهطه الكَفَرة يُرَاعَوْنَ فيه، والرَّهْط: جماعةُ الرجُلِ، وقولهم: لَرَجَمْناكَ أي: بالحجارة قاله ابن زَيْد، وقيل «٤»: بالسَّبِّ باللسان، وقولهم:\nبِعَزِيزٍ: أي: بذي منعةٍ وعزةٍ، ومنزلةٍ، و«الظِّهْرِيُّ»: الشيءُ الذي يكونُ وراءَ الظهر، وذلك يكون في الكَلاَم على وجهين: إِما بمعنى الاطراح كما تقولُ: جَعَلْتَ كلامِي وَرَاءَ\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٧/ ١٠٠) برقم: (١٨٥٠١)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٦٢٧)، وعزاه إلى ابن المنذر، وأبي الشيخ.\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٢٠١- ٢٠٢) .\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٢٠٢) .\n(٤) أخرجه الطبري (٧/ ١٠٤) برقم: (١٨٥٢٧)، وذكره ابن عطية (٣/ ٢٠٢)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٦٣٠)، وعزاه لأبي الشيخ.","vol":"3","page":298},{"text":"ظَهْرِكَ، ودَبْرَ أُذْنِكَ، وعلى هذا المعنَى حمل الجمهورُ الآية، أي: اتخذتم أمْرَ اللَّه وشَرْعَه وراء ظُهُوركم، أي: غَيْرَ مراعًى، وإِما بأَنْ يستند إِليه ويلجأ كما قال ﵇:\n«وألجأتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ» «١» وعلى هذا المعنَى حمل الآية قَوْمٌ: أي: وأنتم تتَّخذون اللَّه سَنَدَ ظُهُورِكُمْ وعِمَادَ آمالكم.\nوقوله: اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ معناه: على حالاتكم، وفيه تهديدٌ.\nوقوله: سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ: والصحيحُ: أَن الوقْفَ في قوله: إِنِّي عامِلٌ.\nوقوله سبحانه: وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ ... الآية: الصَّيْحَةُ: هي صيحة/ جبريل ﵇.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-672>[سورة هود (١١): الآيات ٩٥ الى ٩٩]</span>\nكَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ (٩٥) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ (٩٦) إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (٩٧) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (٩٨) وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (٩٩)\nوقوله سبحانه: كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها ... الآية: يَغْنَوْا: معناه: يقيمون بِنَعْمَةٍ وخَفْضِ عيشٍ ومنه المَغَانِي، وهي المنازلُ المعمورةِ بالأهْل، وضمير «فيها» عائد على الديار.\nوقوله: بُعْدًا: مصدرٌ دعا به كقولك: سُحْقًا للكافرين، وفارَقَتْ هذه قولَهُمْ:\nسَلامٌ عَلَيْكُمْ [النحل: ٣٢] لأن بُعْدًا إِخبارٌ عن شيء قد وَجَب وتحصَّل، وتلك إِنما هي دعاء مرتجى، ومعنى البُعْد في قراءة: «بَعِدَتْ» - بكسر العين-: الهلاكُ، وهي قراءة الجمهور»\nومنه قول خِرْنِقَ بِنْتِ هَفَّانَ: [الكامل]\nلاَ يَبْعَدَنْ قَوْمِي الَّذِينَ هُمُ ... سُمُّ الْعُدَاةِ وآفَةُ الجُزْرِ «٣»\n_________\n(١) تقدم تخريجه.\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٢٠٤)، و«البحر المحيط» (٥/ ٢٥٧)، و«الدر المصون» (٤/ ١٢٧) .\n(٣) البيت في «ديوانها» ص: (٤٣)، و«الأشباه والنظائر» (٦/ ٢٣١)، و«أمالي المرتضى» (١/ ٢٠٥)، و«الإنصاف» (٢/ ٤٦٨)، و«أوضح المسالك» (٣/ ٣١٤)، «الحماسة البصريّة» (١/ ٢٢٧)، و«خزانة الأدب» (٥/ ٤١- ٤٢، ٤٤)، و«الدر» (٦/ ١٤)، و«سمط اللآلي» ص: (٥٤٨)، و«شرح أبيات سيبويه» (٢/ ١٦)، و«شرح التصريح» (٢/ ١١٦)، و«الكتاب» (١/ ٢٠٢)، (٢/ ٥٧- ٥٨، ٦٤)، -[.....]","vol":"3","page":299},{"text":"ومنه قولُ مالكِ بْنِ الرَّبيعِ: [الطويل]\nيَقُولُونَ لاَ تَبْعَدْ وَهُمْ يَدْفِنُوننِي ... وَأَيْنَ مَكَانُ الْبُعْدِ إِلاَّ مَكَانِيَا «١»\nوأما من قرأ: «بَعُدَتْ»، وهو السُّلَمِيُّ وأبو حَيْوَةَ «٢» فهو من البُعْدِ الذي هو ضدُّ القُرْب، ولا يُدْعَى به إِلا على مبغوضٍ.\nقال ص: وقال ابْنُ الأنباريِّ: من العرب مَنْ يُسَوِّي بين الهلاكِ والبُعْدِ الَّذي هو ضِدُّ القُرْب، فيقولون فيهما: بَعُدَ يَبْعُدُ، وبَعِدَ يَبْعَدُ. انتهى.\nوقوله سبحانه: فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ: أي: وخالفوا أمْرَ موسَى، وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ، أي: بمرشِدٍ إِلى خير.\nوقال ع «٣»: بِرَشِيدٍ: أي: بمصيب في مَذْهَبِهِ يَقْدُمُ قَوْمَهُ: أي: يقدمهم إلى النار، والْوِرْدُ، في هذه الآية: هو ورودُ دُخُولٍ.\nقال ص: والْوِرْدُ: فاعل «بئس»، والْمَوْرُودُ: المخصُوصُ بالذَّمِّ، وفي الأول حذْف، أيْ: مَكانُ الورْد، ليطابق المخصُوصَ بالذَّمِّ.\nوجوَّز ع «٤»: وأبو البقاءِ أنْ يكونُ «المَوْرُود» صفةً لمكان الوِرْدِ، والمخصوص محذوفٌ، أي: بِئسٍ مكانُ الوِرْدِ المورودُ النارُ، و«الوِرْد»: يجوز أنْ يكون مصْدرًا بمعنى الوُرُود، أو بمعنى الوَارِدَة من الإِبل، وقيل: الوِرْد: بمعنى الجَمْعِ للوَارِدِ، والمَوْرُود: صفةٌ لهم، والمخصُوصُ بالذمِّ ضميرٌ محذوف، أي: بئس القوم المَوْرُود بهم هُمْ، انتهى.\nوَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً: يريد: دارَ الدنيا.\nوقوله: بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ أي: بِئسَ العطاءُ المعطَى لهم، وهو العذاب، والرّفد\n_________\nو«لسان العرب» (٥/ ٢١٤) (نضر)، و«المحتسب» (٢/ ١٩٨)، و«المقاصد النحويّة» (٣/ ٦٠٢)، (٤/ ٧٢)، وبلا نسبة في «رصف المباني» ص: (٤١٦)، و«شرح الأشموني» (٢/ ٣٩٩) .\n(١) البيت من الطويل، وهو لمالك بن الريب في «ديوانه» ص: (٤٦)، و«خزانة الأدب» (٢/ ٣٣٨)، (٥/ ٤٦)، و«شرح شواهد المغني» (٢/ ٦٣٠)، و«لسان العرب» (٣/ ٩١) (بعد)، وبلا نسبة في «مغني اللبيب» (١/ ٢٤٧) .\n(٢) ينظر: «مصادر القراءة السابقة»، و«الشواذ» ص: (٦٥)، و«المحتسب» (١/ ٣٢٧)، و«الكشاف» (٢/ ٤٢٥) .\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٢٠٤) .\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٢٠٥) .","vol":"3","page":300},{"text":"في كلام العرب: العطيّة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-673>[سورة هود (١١): الآيات ١٠٠ الى ١٠٦]</span>\nذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ (١٠٠) وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (١٠١) وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (١٠٣) وَما نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (١٠٤)\nيَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦)\nوقوله سبحانه: ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى ... الآية: ذلِكَ: إِشارة إِلى ما تقدَّم من ذكْر العُقُوبات النَّازلة بالأُمَمِ المذكُورة، مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ: أي: منها قائمُ الجُدُرَاتِ، ومتهدِّمٌ دائر، والآيةَ بجملتها متضمِّنة التخويفَ وضَرْبَ المثلِ للحاضرين مِنْ أَهْل مكَّة وغيرهم، وال تَتْبِيبٍ: الخُسْرَانُ ومنه: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ [المسد: ١] .\nوقوله: وَكَذلِكَ: الإِشارةُ إِلى ما ذكر من الأخذات في الأمَم، وهذه اية وعيدٍ يعمُّ قرى المُؤمنين والكافرينَ، فإِنَّ «ظالمة»: أعمُّ من «كافرة»، وقد يمهل اللَّه تعالَى بعْضَ الكَفَرَة، وأما الظَّلَمَةُ، فمعاجَلُون في الغَالِبِ، وقد يُمْلي لَبَعْضِهِمْ، وفي الحديث، من رواية أبي موسَى أن رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ يُمْلِي لِلظَّالِمَ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ، لَمْ يُفْلِتْه»، ثم قرأ: وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ ... الآية «١»، وهذه قراءة الجماعة، وهي تعطي بقاءَ الوَعِيدِ، واستمراره في الزمان إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً: أي: لعبرةً وعلامةَ اهتداءٍ، لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ، ثم عَظَّمَ اللَّه أمْرَ الآخرة، فقالَ: ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ، وهو يومُ الحَشْر، وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ يَشْهَدُهُ الأوَّلون والآخِرُون من الملائِكَةِ، والإِنس، والجنِّ والحيوانِ في قول الجمهور، وَما نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ لا يتقدّم عنه ولا يتأخّر.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٨/ ٢٠٥) كتاب «التفسير» باب: وكذلك أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ القرى وَهِيَ ظالمة، حديث (٤٦٨٦)، ومسلم (٤/ ١٩٩٧- ١٩٩٨) كتاب «البر والصلة» باب: تحريم الظلم، حديث (٦١/ ٢٥٨٣)، والترمذي (٥/ ٢٨٨) كتاب «التفسير» باب: ومن سورة هود، حديث (٣١١٠)، وابن ماجه (٢/ ١٣٣٢) كتاب «الفتن» باب: العقوبات، حديث (٤٠١٨)، والنسائي في «التفسير» رقم: (٢٦٥)، من حديث أبي موسى الأشعري.\nوقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٦٣٢)، وزاد نسبته إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي في «الأسماء والصفات» .","vol":"3","page":301},{"text":"قال ص: والظاهر أنَّ ضمير فاعل: «يأت»: يعودُ على ما عاد عَلَيْه ضَميرُ «نُؤَخِّره»، والناصبُ ل «يَوْم» «لا تَكَلَّمُ»، والمعنى: لا تكَلَّمُ نَفْسٌ يوم يأتي ذلك اليَوْمُ إِلا بإِذنه سبحانه. انتهى.\nوقوله تعالى: فَمِنْهُمْ: عائدٌ على الجمعِ الذي يتضمَّنه قوله: نَفْسٌ، إِذ هو اسمُ جِنْسٍ يراد به الجَمْعُ فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ وهي أصواتُ المكْروبين والمَحْزُونين والمعذَّبين، ونحو ذلك، قال قتادةُ: الزَّفير: أول صَوْتِ الحِمارِ، والشهيقُ: آخره «١»، فصياحُ أهْل النَّار كذلك، وقال أبو العالية: «الزفير»: من الصدر، و«الشهيق»: من الحَلْق «٢»، والظاهر ما قال أبو العالية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-674>[سورة هود (١١): الآيات ١٠٧ الى ١١٢]</span>\nخالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلاَّ ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ (١٠٧) وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلاَّ ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨) فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ ما يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ (١٠٩) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١١٠) وَإِنَّ كُلًاّ لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ إِنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١١)\nفَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢)\nوقوله سبحانه: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ: يُرْوَى عن ابن عباس:\nأَنَّ اللَّه خلق السموات والأرْضَ مِنْ نُورِ العَرْشِ، ثم يردهما إلى هنالك/ في الآخرة «٣»، فلهما ثَمَّ بَقَاءٌ دائمٌ، وقيل: معنى: ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ: العبارة عن التأبيدِ بما تَعْهَدُهُ العرب، وذلك أنَّ من فصيح كلامِهَا، إِذا أرادَتْ أَن تخبر عَنْ تأبيد شيء أنْ تقول: لاَ أَفْعَلُ كَذَا وَكَذَا أَمَدَ الدهْرِ، وما نَاحَ الحَمَامُ، وما دامت السموات والأرْضُ، وقيل غير هذا.\nقال ص: وقيل: المراد سموات الآخرةِ، وأَرْضها يدلُّ عليه قوله: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ [إبراهيم: ٤٨] انتهى. وأما قوله: إِلَّا مَا شاءَ رَبُّكَ:\nفي الاستثناء ثلاثةُ أقوالٍ:\nأحدها: أنه متَّصل، أي: إِلا ما شاء ربُّكَ من إِخراج الموحِّدين وعلَى هذا يكونُ قوله: فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا عامًا في الكَفَرَةِ والعُصَاةِ، ويكون الاستثناء من خالِدِينَ،\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٧/ ١١٤) برقم: (١٨٥٨٢)، وابن عطية (٣/ ٢٠٧) .\n(٢) أخرجه الطبري (٧/ ١١٤) برقم) (١٨٥٨٠، ١٨٥٨١)، وذكره ابن عطية (٣/ ٢٠٧) .\n(٣) ذكره ابن عطية (٣/ ٢٠٨) .","vol":"3","page":302},{"text":"وهذا قولُ قتادة وجماعةٍ «١» .\nالثَّاني: أنَّ هذا الاستثناء ليس بمتَّصل ولا منقطعٍ، وإِنما هو على طريق الاستثناء الذي نَدَبَ إِليه الشَّرْعُ في كلِّ كلام فهو على نحو قوله: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ [الفتح: ٢٧] .\nالثالث: أَنَّ «إِلا» في هذه الآية بمعنى «سوى»، والاستثناء منقطعٌ، وهذا قول الفَرَّاء، فإِنه يقدِّر الاستثناء المنقطع ب «سِوَى» وسيبَوَيْهِ يقدِّره ب «لكن»، أيْ: سوَى ما شاء اللَّه زائدًا على ذلك ويؤيِّد هذا التأويلَ قوله بَعْدُ: عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ، وقيل: سِوَى ما أعد اللَّه لهم من أنواعِ العَذَاب، وأشدُّ من ذلك كلِّه سَخَطُهُ سبحانه عليهم، وقيل: الاستثناء في الآيتين من الكَوْنِ في النار والجنَّة، وهو زمانُ المَوْقِفِ، وقيل: الاستثناء في الآية الأولى:\nمن طُول المُدَّة، وذلك على ما روي أَنَّ جهنم تَخْرَبُ، ويُعْدَمُ أهلُها، وتخفقْ أبوابُهَا، فهم على هذا يَخْلُدون حتَّى يصير أمرهم إِلى هذا.\nقال ع «٢»: وهذا قولٌ محتملٌ، والذي رُوِيَ ونُقِل عن ابن مسعود وغيرهِ أنَّ ما يخلى من النَّار إِنما هو الدَّرْكُ الأَعلى المختصُّ بعصاة المؤمنين «٣»، وهذا الذي يسمَّى جَهَنَّمَ، وسُمِّي الكلُّ به تجوُّزًا.\nت: وهذا هو الصوابُ- إِن شاء اللَّه- وهو تأويل صاحب «العاقبة» أنَّ الذي يَخْرَبُ ما يَخُصُّ عصاةَ المُؤْمِنِين، وتقدَّم الكلام على نظير هذه الآية، وهو قوله في «الأنعام»: خالِدِينَ فِيها إِلَّا مَا شاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ [الأنعام: ١٢٨] .\nقال ع «٤»: والأقوال المترتِّبة في الاستثناء الأوَّلِ مرتبةٌ في الاستثناء الثاني في الذين سعدوا إِلاَّ تأويلَ مَنْ قال: هو استثناء المدة التي تخرَبُ فيها جهنَّم فإِنه لا يترتَّب هنا، وال مَجْذُوذٍ: المقْطُوع، والإِشارة بقوله: مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ إِلى كفَّار العرب، وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ معناه: من العقوبةِ، وقال الداوديُّ عن ابن عباس:\nوَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ: قال: ما قُدِّر لهم من خَيْرٍ وشرٍّ انتهى «٥» .\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٧/ ١١٥) برقم: (١٨٥٨٥- ١٨٥٨٦) نحوه.\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٢٠٨) .\n(٣) ذكره ابن عطية (٣/ ٢٠٨) .\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٢٠٨) .\n(٥) أخرجه الطبري (٧/ ١٢٠) برقم: (١٨٦٠٩)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٦٣٦)، وعزاه إلى عبد الرزاق، وابن أبي حاتم، وابن المنذر، وأبي الشيخ. [.....]","vol":"3","page":303},{"text":"وقوله: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ: أي: اختلف الناسُ عَلَيْه، فلا يَعْظُم عليك، يا محمَّد، أمْرُ مَنْ كذَّبك.\nوقال ص: «فيه»: الظاهرُ عودُهُ على الكتاب، ويجوزُ أنْ يعود على موسَى، وقيل: «في» بمعنى «على»، أي: عليه، انتهى.\nوالكلمة هنا عبارةٌ عن الحُكْم والقضاء لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ: أي: لَفُصِلَ بين المُؤمن والكافر بنعيم هذا وعذاب هذا، ووَصَفَ الشَّك بالريب تقويةً لمعنى الشك، فهذه الآية يحتملُ أنْ يكونَ المراد بها أمة موسَى، ويحتمل أن يراد بها معاصرو النبيّ ﷺ، وأنْ يعمهم اللفظ أحْسَن، ويؤيِّده قوله: وَإِنَّ كُلًّا، وقرأ نافع «١» وابن كثير: «وإِنْ كُلًاّ لَمَا» وقرأ أبو عمرو، والكسائِيُّ بتشديد «إِنَّ»، وقرأ حمزة وحَفْص بتشديد «إِنَّ»، وتشديد «لَمَّا»، فالقراءتان المتقدِّمتان بمعنًى ف «إِنَّ» فيهما على بابها، و«كُلًاّ»، اسمها، وعُرْفُها أنْ تدخل على خبرها لامٌ، وفي الكلام قَسَمٌ تدخُلُ لامه أيضًا على خبر «إِنَّ»، فلما اجتمع لامَانِ، فُصِلَ بينهما ب «ما» هذا قول أبي عليٍّ، والخبر في قوله: لَيُوَفِّيَنَّهُمْ، وهذه الآية وعيدٌ، ومعنى الآية: أنَّ كل الخَلْقِ موفّى في عمله.\nوقوله ﷿: فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ مَعَكَ: أمر النبي ﷺ بالاستقامة، / وهو عليها إِنما هو أمر بالدَّوَام والثبوت، وهو أمر لسائر الأمَّة، وروي أنَّ بعض العلماء رأى النبيّ ﷺ في النوْمِ، فقال: يَا رَسُولَ اللَّه، بَلَغَنَا عَنْكَ أَنَّكَ قُلْتَ: «شَيَّبَتْنِي هُودٌ وَأَخَوَاتُهَا»، فَمَا الَّذِي شَيَّبَكَ مِنْ هُودٍ؟ فَقالَ لَهُ قَوْلُهُ ﷿: فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ «٢» .\nقال ع «٣»: والتأويل المشهور في قوله ﵇: «شَيَّبَتْنِي هُودٌ وَأَخَوَاتُهَا» أَنه إِشارة إِلى ما فيها مما حَلَّ بالأُممِ السالفةِ، فكأَنَّ حَذَرَهُ على هذه مثل ذلك شيّبه ﵇.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-675>[سورة هود (١١): الآيات ١١٣ الى ١١٥]</span>\nوَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ (١١٣) وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤) وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١١٥)\n_________\n(١) ينظر: «السبعة» (٣٣٩)، و«الحجة» (٤/ ٣٨١)، و«إعراب القراءات» (١/ ٢٩٤)، و«شرح الطيبة» (٤/ ٣٧٣)، و«العنوان» (١٠٨)، و«شرح شعلة» (٤٣٢- ٤٣٣)، و«الإتحاف» (٢/ ١٣٥) .\n(٢) تقدم تخريجه في سورة «هود» دون قول: «فاستقم كما أمرت» .\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٢٠٩) .","vol":"3","page":304},{"text":"وقوله تعالى: وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ... الآية: الرُّكُون: السُّكون إِلى الشيْء، والرضا به، قال أبو العالية: الركُونُ: الرِّضَا. قال ابنُ زَيْد: الرُّكُون: الادهان «١» .\nقال ع «٢»: فالركون يقع على قليلِ هذا المعنَى وكثيرِهِ، والنهْيُ هنا يترتَّب من معنى الركُونِ على المَيْلِ إِلَيهم بالشِّرْك معهم إِلى أقلِّ الرُّتَبِ مِنْ ترك التّغيير عليهم مع القدرة، والَّذِينَ ظَلَمُوا هنا: هم الكَفَرَة، ويدخُلُ بالمعنى أَهْلُ المعاصي.\nوقوله سبحانه: وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ ... الآية: لا خلاف أنَّ الصَّلاةَ في هذه الآية يرادُ بها الصلواتُ المفروضةُ، واختلفَ في طرفَيِ النَّهار وزُلَفِ اللَّيْل، فقيل:\nالطَّرَف الأوَّل: الصُّبْح، والثَّاني: الظُّهْر والعَصْر، والزُّلَف: المغرب والعشاء قاله مجاهد وغيره «٣»، وروي عن النبيّ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ فِي المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ: «هُمَا زُلْفَتَا اللَّيْلِ» «٤» وقيل:\nالطَرَفُ الأوَّل: الصبحُ، والثاني: العصر قاله الحسن وقتادة «٥»، والزُّلَف: المغرب والعشاء، وليست الظهر في هذه الآية على هذا القول، بل هي في غيرها.\nقال ع «٦»: والأول أحسن الأقوالِ عِنْدِي، ورجَّح الطبريُّ «٧» القوْلَ بأن الطرفين الصُّبْح والمغرب، وهو قول ابن عبَّاس وغيره، وإِنه لظاهر، إِلا أن عموم الصلوات الخمْسِ بالآية أَولَى، والزّلَف: الساعاتُ القريبُ بعضُها من بَعْضٍ.\nوقوله تعالى: إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ، ذهب جمهورُ المتأوِّلين من صَحَابَةٍ وتابعينَ إِلى أن الحسناتِ يرادُ بها الصَلواتُ الخَمْسُ، وإِلى هذه الآية ذهَبَ عثْمانُ ﵁ في وضوئه على المَقَاعِدِ، وهو تأويلُ مالك، وقال مجاهد: الْحَسَناتِ:\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٧/ ١٢٤) برقم: (١٨٦٢٠)، وذكره ابن عطية (٣/ ٢١٢) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٢١٢) .\n(٣) أخرجه الطبري (٧/ ١٢٤) برقم: (١٨٦٢١- ١٨٦٢٢- ١٨٦٢٣)، عن مجاهد برقم: (١٨٦٢٤)، عن محمد بن كعب القرظي، وبرقم: (١٨٦٢٦)، عن الضحاك، وذكر طرفا منه، وأخرج طرفه الآخر (٧/ ١٢٧) برقم: (١٨٦٤٩- ١٨٦٥٠- ١٨٦٥١)، عن مجاهد وبرقم: (١٨٦٤٦- ١٨٦٤٧- ١٨٦٤٨)، عن الحسن، وذكره ابن عطية (٣/ ٢١٢)، والبغوي (٢/ ٤٠٤)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٦٣٧) .\n(٤) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٧/ ١٢٨) برقم: (١٨٦٥٢) عن الحسن مرسلا، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٦٣٧)، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.\n(٥) أخرجه الطبري (٧/ ١٢٥) برقم: (١٨٦٣٢- ١٨٦٣٣- ١٨٦٣٤- ١٨٦٣٥)، وذكره ابن عطية (٣/ ٢١٢)، والبغوي في «تفسيره» (٢/ ٤٠٤- ٤٠٥)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٦٣٧) بنحوه.\n(٦) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٢١٢) .\n(٧) ينظر: «تفسير الطبري» (٧/ ١٢٤- ١٢٥) .","vol":"3","page":305},{"text":"قول الرجُلِ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ للَّهِ، وَلاَ إله إِلاَّ اللَّهُ، واللَّهُ أَكْبَرُ «١» .\nقال ع «٢»: وهذا كلُّه إِنما هو على جهة المِثَالِ في الحسنات، ومِنْ أجل أنَّ الصلواتِ الخمْسَ هي معظَمُ الأعمال، والذي يظهر أنَّ لفظ الآية عامٌّ في الحسنات، خاصٌّ في السيئات بقوله ﵇: «مَا اجتنبت الكَبَائِرُ»، وروي أنَّ هذه الآية نزلَتْ في رجلٍ من الأنصار، وهو أبو اليُسْرِ بْنُ عَمْرو، وقيل: اسمه عَبَّاد، خَلاَ بامرأةٍ، فقَبَّلها، وتلذَّذ بها فيما دُونَ الجِمَاع، ثم جاء إِلى عُمَر، فشكا إِليه، فقال له: قَدْ سَتَرَ اللَّهُ عَلَيْكَ، فاستر عَلَى نَفْسِكَ، فَقَلِقَ الرجُلُ، فجاء أبا بَكْر، فشكا إِليه، فقال له مثْلَ مقالة عمر، فقلق الرجل، فأتى النبيّ ﷺ، فَصَلَّى معه، ثم أخبره، وقال: اقض فيَّ ما شئت فقال له رسول الله ﷺ:\n«لَعَلَّهَا زَوْجَةُ غَازٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟!» قَالَ: نعم، فوبّخه النّبيّ ﷺ وَقَالَ: «مَا أَدْرِي»، فنزلَتْ هذه الآية، فَدَعَاهُ النبيّ ﷺ، فَتَلاَهَا عَلَيْهِ، فَقَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَهَذَا لَهُ خَاصَّةً؟ فَقَالَ: «بَلْ لِلنَّاسِ عَامَّةً» «٣» .\nقال ابنُ العربيِّ في «أحكامه» «٤»: وهذا الحديثُ صحيحٌ، رواه الأئمةِ كلُّهم، انتهى.\nقال ع «٥»: ورُوِيَ: أن الآية قدْ كَانَتْ نزلت قبل ذلك، واستعملها النبيّ ﷺ في ذلك الرَّجُل، وروي أنَّ عمر قال مَا حُكِيَ عن معاذٍ، وفي الحديث عنه ﷺ أنَّهُ قَالَ:\n«الجُمُعَةُ إِلَى الجُمُعَةِ، وَالصَّلَوَاتُ الخَمْسُ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهَا إِنِ اجتنبت الكبائر» «٦» .\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٧/ ١٣١) برقم: (١٨٦٨)، وذكره ابن عطية (٣/ ٣١٣) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٢١٣) .\n(٣) أخرجه البخاري (٢/ ١٢) كتاب «مواقيت الصلاة» باب: «وأقم الصلاة طرفي النهار»، حديث (٥٢٦)، وفي (٨/ ٢٠٦) كتاب «التفسير» باب: «وأقم الصلاة طرفي النهار»، حديث (٤٦٨٧)، ومسلم (٤/ ٢١١٥، ٢١١٧) وكتاب «التوبة» باب: قوله تعالى: إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ، حديث (٣٩، ٤١/ ٢٧٦٣)، والترمذي (٥/ ٢٩١) كتاب «التفسير» باب: ومن سورة هود، حديث (٣١١٤)، والنسائي في «التفسير» (٢٦٧)، وابن ماجه (١/ ٤٤٧) كتاب «الصلاة» باب: ما جاء في أن الصلاة كفارة، حديث (١٣٩٨)، وفي (٢/ ١٤٢١) كتاب «الزهد» باب: ذكر التوبة، حديث (٤٢٥٤)، وأحمد (١/ ٤٤٥)، وابن خزيمة (٣١٣)، وابن حبان (١٧٢٩- ١٧٣٠)، والطبري في «تفسيره» (١٨٦٧٦)، والبيهقي (٨/ ٢٤١) من طرق عن عبد الله بن مسعود.\n(٤) ينظر: «أحكام القرآن» (٣/ ١٠٧٣) . [.....]\n(٥) أخرجه الطبري (٧/ ١٢٥- ١٢٦) برقم: (١٨٦٣٢- ١٨٦٣٣- ١٨٦٣٤)، وذكره البغوي (٢/ ٤٠٥)، وذكره ابن عطية (٣/ ٢١٢) بنحوه.\n(٦) تقدم تخريجه.","vol":"3","page":306},{"text":"وقوله: ذلِكَ ذِكْرى: إِشارة إِلى الصلوات، أي: هي سببُ الذكْرَى، وهي العظَةُ، ويحتملُ أنْ تكونَ إِشارةً إِلى الإِخبار بأن الحسناتِ يُذْهِبْنَ السيئَاتِ.\n/ ويحتملُ أنْ تكون إِشارةً إِلى جميعِ ما تقدَّم من الأوامر والنواهِي والقَصَص في هذه السّورة، وهو تفسير الطبريّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-676>[سورة هود (١١): الآيات ١١٦ الى ١١٩]</span>\nفَلَوْلا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ وَكانُوا مُجْرِمِينَ (١١٦) وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ (١١٧) وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩)\nفَلَوْلا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ ... الآية، فَلَوْلا: هي التي للتحضيض، لكن، يقترن بها هنا مَعْنَى التفجُّع والتأسُّف الذي ينبغي أنْ يقع من البَشَر عَلَى هذه الأُمَمِ التي لم تهتد، وهذا نحو قوله سبحانه: يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ [يس: ٣٠]، والقرون من قبلنا قومُ نوحٍ وعادٍ وثمود، ومَنْ تقدم ذكْرُهُ.\nوقوله: أُولُوا بَقِيَّةٍ: أي: أولو بقيةٍ مِنْ عقْلٍ وتمييزٍ ودينٍ، يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ وإِنما قيل: بَقِيَّةٍ لأن الشرائِعَ والدوَل ونَحْوَها، قوَّتُها في أولها، ثم لا تزال تَضْعُفُ، فمن ثَبَتَ في وقْتِ الضعْفِ، فهو بقيَّة الصدْرِ الأول.\nوالْفَسادِ فِي الْأَرْضِ: هو الكُفْر وما اقترن به من المعاصي، وهذه الآيةُ فيها تنبيهٌ لهذه الأُمَّةِ وحضٌّ على تغيير المُنْكَر، ثم استثنى ﷿ القوم الذين نَجَّاهم معَ أنبيائهم، وهم قليل بالإضافة إلى جماعاتهم، وقَلِيلًا استثناء مُنْقطعٌ، أيْ: لكن قليلًا ممن أنجينا منهم، نَهَوْا عن الفساد، و«المُتْرَف»: المنعَّم الذي شغلَتْهُ تُرْفَتُهُ عن الحَقِّ حتى هلك وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ منه ﷾ عن ذلك، وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً: أي مؤمنة لا يَقَعُ منهم كُفْر قاله قتادة «١»، ولكنه ﷿ لم يشأْ ذلك، فهم لا يزالُونَ مختلفين في الأديان والآراءِ والمِلَلِ، هذا تأويل الجُمهورِ، إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ، أي: بأن هداه إِلى الإِيمان وقوله تعالى: وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ: قال الحسن: أي:\nوللاختلاف خلقهم «٢» .\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٧/ ١٣٧) برقم: (١٨٧١٢) نحوه، وذكره ابن عطية (٣/ ٢١٥) .\n(٢) أخرجه الطبري (٧/ ١٣٩) برقم: (١٨٧٣٣)، وذكره ابن عطية (٣/ ٢١٥) نحوه، والسيوطي في «الدر المنثور» «٣/ ٦٤٥)، وعزاه إلى ابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.","vol":"3","page":307},{"text":"قال ع «١»: وذلك أن اللَّه تعالى خلق خَلْقًا للسعادة، وخَلْقًا للشقاوةِ، ثم يَسَّر كُلًاّ لما خلق له، وهذا نصٌّ في الحديث الصحيحِ، وجعل بَعْدُ ذلك الاختلاف في الدِّين على الحَقِّ هو أمارةَ الشقاوةِ، وبه علَّق العقابَ، فيصحُّ أَنْ يُحْمَلَ قولُ الحَسَن هنا:\nوللاختلافِ خَلَقُهُمْ، أي: لثمرة الاختلافِ، وما يكونُ عنه مِنْ شقاوةٍ أو سعادةٍ، وقال أشْهَبُ: سألتُ مالكًا عن هذه الآية، فقال: خَلَقَهُمْ ليكونَ فريقٌ في الجنةِ، وفريقٌ في السعيرِ، وقيل غير هذا.\nوقوله تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ أي: نفذ قضاؤه، وحَقَّ أمره، واللام في لَأَمْلَأَنَّ: لام قسم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-677>[سورة هود (١١): الآيات ١٢٠ الى ١٢٣]</span>\nوَكُلًاّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (١٢٠) وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنَّا عامِلُونَ (١٢١) وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٢٢) وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٢٣)\nوقوله سبحانه: وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ، و«كُلًاّ» مفعولٌ مقدَّم ب «نَقُصُّ»، و«ما» بدلٌ من قوله: وَكُلًّا، ونُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ أي: نؤنِّسك فيما تلْقَاه، ونجعل لك الإِسْوَة.\nوَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ قال الحسنُ: هذِهِ إِشارة إِلى دار الدنيا «٢»، وقال ابن عباس: هذِهِ، إِشارة إِلى السورة «٣»، وهو قولُ الجمهور.\nقال ع «٤»: ووجه تخصيص هذه السُّورة بوَصْفها بحقٍّ، والقرآن كلُّه حق أنَّ ذلك يتضمَّن معنى الوعيد للكفَرَة، والتنبيهِ للنَّاظر، أي: جاءك في هذه السورة الحَقُّ الذي أصَابَ الأُمَم الماضيةَ، وهذا كما يقالُ عند الشدائدِ: جَاءَ الحَقُّ، وإِن كان الحَقُّ يأتي في غَيْر الشدائدِ، ثم وصَف سبحانَه أنَّ ما تضمَّنته السورةُ هو موعظةٌ وذكْرَى للمؤمنينَ.\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٢١٥) .\n(٢) أخرجه الطبري (٧/ ١٤٢- ١٤٣) برقم: (١٨٧٥٧، ١٨٧٦١)، وذكره ابن عطية (٣/ ٢١٦)، والبغوي في «تفسيره» (٢/ ٤٠٧)، وابن كثير (٢/ ٤٥٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٦٤٦) .\n(٣) أخرجه الطبري (٧/ ١٤٤) برقم: (١٨٧٧٧)، وذكره ابن عطية (٣/ ٢١٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٦٤٦)، وعزاه إلى عبد الرزاق، والفريابي، وسعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، وابن مردويه.\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٢١٦) .","vol":"3","page":308},{"text":"وقوله سبحانه: وَقُلْ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ ... الآية: آية وعيد.\nوقوله تعالى: وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ... الآية: أية تعظيمٍ وانفراد بما لا حَظَّ لمخلوقِ فيهِ، ثم أمر سبحانه العَبْدَ بِعِبَادَتِهِ، والتوكُّلِ عليه، وفيهما زوالُ هَمِّهِ وصَلاَحُهُ، ووصُولُهُ إِلى رضوان اللَّه تعالى، فقال: فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ، اللَّهم اجعلنا مِمَّن توكَّل عليك، ووفَّقْتَهُ لِعَبَادَتِكَ كما ترضَى، وصلَّى اللَّه على سيِّدنا محمَّد وآله وصحبه وسلَّم تسليمًا، والحمد لله على جزيل ما به أنعم.","vol":"3","page":309},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-678>تفسير سورة يوسف</span>\nهذه السورة مكّيّة، والسبب في نزولها أنّ اليهود أمروا كفّار مكّة أن يسألوا رسول الله ﷺ عن السبب الذي أحلّ بني إسرائيل بمصر، فنزلت السورة.\nوقيل: سبب نزولها تسلية النبيّ ﷺ عمّا/ يفعله به قومه بما فعل إخوة يوسف بيوسف، وسورة يوسف لم يتكرّر من معانيها في القرآن شيء كما تكرّرت قصص الأنبياء، ففيها حجّة على من اعترض بأن الفصاحة تمكّنت بترداد القول، وفي تلك القصص حجّة على من قال في هذه: لو كرّرت، لفترت فصاحتها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-679>[سورة يوسف (١٢): الآيات ١ الى ٣]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (١) إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ (٣)\nوقولهُ ﷿: الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ الْكِتابِ هنا القرآن، ووصفه ب الْمُبِينِ من جهة بيان أحكامه وحَلاَله وحرامِهِ ومَواعِظِهِ وهُدَاهُ ونُوره، ومِنْ جهة بيانِ اللسانِ العربيِّ وجودته، والضمير في أَنْزَلْناهُ: للكتاب، وقُرْآنًا حال، وعَرَبِيًّا:\nصفة له، وقيل: قُرْآنًا: توطئة للحال، وعَرَبِيًّا حالٌ.\nوقوله سبحانه: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ ... الآية: روى ابن مسعودٍ، أنَّ أصحاب النبيّ ﷺ مَلُّوا مَلَّةً، فقالوا: لَوْ قَصَصْتَ علينا، يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَنَزَلَتْ هذه الآيةُ، ثم مَلُّوا ملَّةً أخْرَى، فقالوا: لَوْ حَدَّثْتَنَا، يَا رَسُولَ اللَّه، فنزلَتِ: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا «١» ... الآية [الزمر: ٢٣] والْقَصَصِ: الإخبار بما جَرَى من الأمور.\n_________\n(١) ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٥)، وعزاه لابن جرير عن عون بن عبد الله.","vol":"3","page":310},{"text":"وقوله: بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ: أي: بوحينا إِليك هذا، والْقُرْآنَ: نعت ل «هذا» ويجوز فيه البَدَلُ، والضمير في «قبله»: للقصص العامِّ لما في جميع القرآن منه، ولَمِنَ الْغافِلِينَ، أي: عن معرفة هذا القصص، وعبارةُ المَهْدَوِيِّ: قال قتادة: أي: نقصُّ عليك من الكُتُب الماضيةِ، وأخبارِ الأممِ السالفةِ أحْسَنَ القصص بوحينا إِليك هذا القرآن، وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ عنْ أخبار الأمم، انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-680>[سورة يوسف (١٢): الآيات ٤ الى ٦]</span>\nإِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ (٤) قالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٥) وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦)\nوقوله سبحانه: إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ: قيل: إِنه رأَى كواكِبَ حقيقةً، والشمْسَ والقَمَرَ، فتأوَّلها يعقوبُ إِخْوَتَهُ وأَبَوَيْهِ، وهذا هو قولُ الجمهور، وقيل: الإِخوةُ والأَبُ والخالةُ لأَنَّ أُمَّه كانتْ ميِّتة، وروي أن رُؤْيَا يوسُفَ خَرَجَتْ بَعْدَ أربعينَ سَنَةً، وقيل: بعد ثمانين سنة.\nوقوله: يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا مِنْ هنا ومِنْ فعْل إِخوة يوسُفَ بيوسُفَ: يظهر أنَّهم لم يكُونوا أَنبياءَ في ذلك الوقْتِ، وما وَقَعَ في «كتاب الطَّبريِّ» لابْنِ زَيْد أنهم كانُوا أنبياءَ يردُّه القطْعُ بعصمة الأنبياءِ عن الحَسَدِ الدنيوي، وعن عقوقِ الآباءِ، وتعريض مؤمنٍ للهلاكِ، والتآمرِ في قتله.\nوَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ: أي: يختارُكَ ويصطفيك.\nوَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ قال مجاهد وغيره: هي عبارةُ الرؤيا «١» وقال الحسن: هي عواقِبُ الأمور «٢» وقيل: هي عامَّة لذلك وغيره من المغيَّبات.\nوَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ... الآية: يريد بالنبوَّة وما انضاف إِلَيْها من سائر النِّعَم، ويروَى: أَنَّ يعقُوبَ عَلِمَ هَذا مِنْ دَعْوَة إِسْحَاقَ لَهُ حِينَ تشبَّه ب «عيصو»، وباقي الآية بيّن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-681>[سورة يوسف (١٢): الآيات ٧ الى ١٠]</span>\nلَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ (٧) إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٨) اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صالِحِينَ (٩) قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (١٠)\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٧/ ١٥١) برقم (١٨٨٠٣)، وذكره ابن عطية (٣/ ٢٢٠)، وابن كثير (٣/ ٤٦٩)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٧)، وعزاه إلى ابن أبي شيبة، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.\n(٢) ذكره ابن عطية (٣/ ٢٢٠) .","vol":"3","page":311},{"text":"وقوله سبحانه: لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ إِذ كلُّ أحد ينبغي أنْ يسأل عن مثْلِ هذا القصص، إِذ هي مَقَرُّ العبر والاتعاظ وقولهم: وَأَخُوهُ: يريدون به «يَامينَ»، وهو أصغر من يوسُفَ، ويقال له: «بِنْيَامِينُ» قيلَ: وهو شقيقه، أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا: أي: لصغرهما ومَوْتِ أُمهما، وهذا مِنْ حُبِّ الصغير هي فطرةُ البَشَر، وقولهم:\nوَنَحْنُ عُصْبَةٌ: أي: جماعة تضرُّ وتنفعُ، وتحمِي وتخذل، أي: لنا كَانَتْ تنبغي المحبَّة والمراعاةُ، والعُصْبَة في اللغة: الجماعةُ، وقولهم: لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ، أي: لفي انتلافٍ وخطإٍ في محبَّة يوسُفَ وأخيه، وهذا هو معنى الضَّلال، وإِنما يصغر قَدْرُهُ، ويعظُم بحَسَبِ الشَّيء الذي فيه يَقَعُ الانتلاف، ومُبِينٍ: معناه: ظاهر للمتأمِّل، وقولهم: أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا: أي: بأرضٍ بعيدةٍ ف «أَرْضًا» مفعولٌ ثانٍ بإِسقاط حرف الجرِّ، والضمير في «بعده» عائدٌ على يوسُفَ، أو قتلِه، أو طرحِهِ، وصالِحِينَ: قال مقاتل وغيره: إِنهم أرادوا صلاَحَ الحالِ عنْد أبيهم «١»، والقَائِلُ منهم: «لا تقتلوه» هو: «رُوبِيلُ» أسنُّهم قاله قتادة «٢» وابنُ إِسحاق، وقيل: هو شَمْعُونٌ قاله مجاهد «٣»، وهذا عطْفٌ منه على أخيه لا محالَةَ لما أراد اللَّه من إِنفاذ قضائه، و«الغيابة»: ما غاب عنك، والْجُبِّ البئر التي لم تُطْوَ لأنها جُبَّتْ من الأرض فقَطْ، قال المَهْدَوِيُّ: والجُبُّ في اللغة: البئر المقطوعة التي لم تطو، انتهى. والسيارة: جمعُ سَيَّارٍ، وروي أن جماعةً من الأَعرابِ التقطت يوسف ﵇.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-682>[سورة يوسف (١٢): الآيات ١١ الى ١٥]</span>\nقالُوا يا أَبانا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ (١١) أَرْسِلْهُ مَعَنا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (١٢) قالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ (١٣) قالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخاسِرُونَ (١٤) فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ (١٥)\nوقوله سبحانه: قالُوا يا أَبانا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ ...\nالآية المتقدِّمة تقتضي أن أباهم قد كان عَلِمَ منهم إِرادتهم السُّوءَ في جهة يوسف، وهذه\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٣/ ٢٢٢)\n(٢) أخرجه الطبري (٧/ ١٥٣) برقم: (١٨٨١١)، وبرقم: (١٨٨١٢)، وذكره ابن عطية (٣/ ٢٢٢)، والبغوي (٢/ ٤١٢) .\n(٣) ذكره ابن عطية (٣/ ٢٢٢) . [.....]","vol":"3","page":312},{"text":"الآية تقتضِي أنهم علموا هُمْ منه بعلمه ذلك، وقرأ أبو عامر «١» وابنُ عمرو: «نَرْتَعْ ونَلْعَبْ» - بالنون فيهما وإِسكانِ العينِ والباءِ-، و«نَرْتَع» على هذا: من الرُّتُوعِ، وهي الإِقامة في الخِصْب والمَرعَى في أكْلٍ وشربٍ، وقرأ ابن كثير: «نَرْتَعِ ونَلْعَبْ» - بالنونِ فيهما وكَسْرِ العين وإسكان الباء-، وقد رُوِيَ عنه «ويَلْعَبْ» - بالياء- و«نَرْتَعَ» على هذا: من رِعَاية الإِبَل. وقال مجاهد: من المُرَاعاة، أي: يرعَى بعضُنا بعضًا، ويحرسُه «٢»، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي: «يرتَع وَيَلْعَبْ» بإِسناد ذلك كلِّه إِلى يوسف، وقرأ نافع «يَرْتَعِ وَيَلْعَبْ»، ف «يَرْتَعِ» على هذا: من رعاية الإِبل، قال أبو علي: وقراءة ابنِ كثيرٍ «نَرْتَعَ» - بالنون- و«يَلْعَبْ» - بالياء-: منزعها حَسَنٌ لإِسناد النظر في المال، والرعايةِ إِليهم، واللعب إِلى يوسف لصباه، ولعبُهُمْ هذا داخلٌ في اللعبِ المباحِ والمندوبِ كاللعب بالخيلِ والرمْي وعلَّلوا طلبه والخروجَ به بما يمكنُ أنْ يَستَهوِيَ يوسُفَ لصبَاه مِنَ الرتوعِ واللعِبِ والنَّشَاطِ، وإِنما خافَ يعقُوبُ ﵇ الذئبَ دون سواه، وخصَّصه لأنه كَانَ الحيوانَ العادي المنبثّ في القطر، ولصغر يوسف، وأَجْمَعُوا: معناه: عَزَموا.\nوقوله سبحانه: وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ يحتمل أن يكون الوحْيُ إِلى يوسُفُ حينئذٍ برسولٍ، ويحتملُ أنْ يكون بإِلهامٍ أو بنومٍ، وكلُّ ذلك قد قيل، وقرأ الجمهور «٣»: «لَتُنَبِّئَنَّهُمُ» بالتاء من فوق.\nوقوله: وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ: قال ابن جُرَيْج: معناه: لا يشعُرُونَ وقْتَ التنبئةِ أنَّكَ يوسف «٤»، وقال قتادة: لا يشعرُونَ بوَحْينا إليك «٥» .\n_________\n(١) الصواب فيهما أبو عمرو، وابن عامر، ولعله سبق قلم من المصنف أو الناسخ.\nوقد قرأ بقراءتهما ابن كثير، وحجتهم هي قولهم بعد: إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ، فكأنهم أسندوا جميع ذلك إلى جماعتهم إذا أسندوا الاستباق، فقيل لأبي عمرو: فكيف يلعبون وهم أنبياء الله؟ فقال: إذ ذاك لم يكونوا أنبياء الله.\nينظر: «السبعة» (٣٤٥- ٣٤٦)، و«الحجة» (٤/ ٤٠٢- ٤٠٣)، و«إعراب القراءات» (١/ ٣٠٣)، و«شرح الطيبة» (٤/ ٣٧٧- ٣٧٨)، و«العنوان» (١١٠)، و«إتحاف» (٢/ ١٤١) .\n(٢) أخرجه الطبري (٧/ ١٥٦) برقم: (١٨٨٣٨)، وذكره ابن عطية (٣/ ٢٤٤) .\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٢٢٥)، و«البحر المحيط» (٥/ ٢٢٨)، و«الدر المصون» (٤/ ١٦٢) .\n(٤) أخرجه الطبري (٧/ ١٥٩) برقم: (١٨٨٥٠)، وذكره ابن عطية (٣/ ٢٢٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ١٥) .\n(٥) أخرجه الطبري (٧/ ١٥٨) برقم: (١٨٨٤٨)، وذكره ابن عطية (٣/ ٢٢٦)، وابن كثير في «تفسيره» (٢/ ٤٧١)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ١٤)، وعزاه إلى عبد الرزاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.","vol":"3","page":313},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-683>[سورة يوسف (١٢): الآيات ١٦ الى ١٨]</span>\nوَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ (١٦) قالُوا يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ (١٧) وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ (١٨)\nوقوله: وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ: أي: وقْتَ العشاءِ، وقرأ الحسن:\n«عُشى» «١» على مثال «دُجىً»، جمع «عاشٍ»، ومعنى ذلك: أصابهم عشى من البكاء أو شبه العَشَى، إذ كذلك هي عَيْنُ الباكي لأنه يتعاشَى، ومثَّل شُرَيْحَ امرأة بكَتْ، وهي مبطلة ببكاء هؤلاء وقرأ الآية، ونَسْتَبِقُ: معناه: على الأقدام، وقيل: بالرمْي، أي: ننْتَضِلُ، وهو نوعٌ من المسابقة قاله الزَّجَّاج، وقولهم: وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا: أي بمصَدِّق لنا، وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ، أي: ولو كنا موصوفين بالصِّدْقِ، ويحتمل أنْ يكون قولهم: وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ: بمعنى: وإن كنا صادقِينَ في معتَقَدِنا.\nوقوله سبحانه: وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ: روي أنهم أَخَذُوا سَخْلَةً أَوْ جَدْيًا، فذبحوه، ولَطَّخُوا به قميصَ يُوسُفَ، وقالوا ليعقوب: هذا قميصه، فأخذه وبكَى ثم تأمَّله، فلم يَرَ خِرَقًا، ولا أثر نابٍ فاستدل بذلك على كذبهم، وقال لهم: متى كان الذئْبُ حليمًا يأكُلُ يوسُفَ، ولا يخرق قميصَهُ قصَّ هذا القَصَصَ ابن عباس وغيره «٢»، وأجمعوا على أنه استدل على كذبهم بصحَّة القميصِ، واستند الفقهاءُ إِلى هذا في إِعْمَالِ الأماراتِ في مسائِل كالقَسَامة «٣» بها في قول مالكٍ إِلى غير ذلك. قال الشعبيُّ: كان في القميص ثلاث\n_________\n(١) قال أبو الفتح: وكان قياسه عشاة كماش ومشاة، إلا أنه حذف الهاء تخفيفا وهو يريدها، كقوله:\nأبلغ النعمان عني مألكا ... أنه قد طال حبسي وانتظار\nأراد مألكة، فحذف الهاء.\nينظر: «المحتسب» (١/ ٣٣٥)، و«المحرر الوجيز» (٣/ ٢٢٦)، و«البحر المحيط» (٥/ ٢٨٨)، و«الدر المصون» (٤/ ١٦٢) . وهي من «شواذ ابن خالويه» ص: (٦٧)، «عشاء» بالمد منسوبة للحسن والأعمش.\n(٢) أخرجه الطبري (٧/ ١٦١) برقم: (١٨٨٧١)، ورقم: (١٨٨٦٥- ١٨٨٦٦- ١٨٨٦٧)، وبرقم:\n(١٨٨٦٨)، وذكره ابن عطية (٣/ ٢٢٧)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ١٦)، وعزاه إلى الفريابي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.\n(٣) القسامة: في اللغة مأخوذة من القسم، وهو اليمين، والقسامة الأيمان تقسم على أولياء القتيل إذا ادّعوا الدم، يقال: قتل فلان بالقسامة إذا اجتمعت جماعة من أولياء القتيل، فادّعوا على رجل أنه قتل صاحبهم، ومعهم دليل دون البيّنة فكلفوا خمسين يمينا أن المدعى عليه قتل صاحبهم.\nوفي اصطلاح الفقهاء هي الأيمان المكررة في دعوى القتل.\nذهب جمهور الفقهاء إلى أن القسامة مشروعة، وقد استدلّوا على ذلك بأحاديث منها: ما روي عن سهل بن أبي حثمة قال: انطلق عبد الله بن سهل، ومحيصة بن مسعود إلى «خيبر» وهي يومئذ صلح،","vol":"3","page":314},{"text":"آيات: دلالتُهُ على كذبهم، وشهادَتُهُ في قَدِّه، ورَدُّ بَصَرِ يَعقُوبَ به، ووصف الدَّم بالكَذِبِ الَّذي هو مَصْدَرٌ على/ جهة المبالغةِ، ثم قال لهم يعقوب: بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ، أي:\nرَضيَتْ وجَعَلَتْ سؤلًا ومرادًا أَمْرًا، أي: صنعًا قبيحًا بيوسف «١» .\nوقوله: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ: إِما على حذف المبتدأ، أي: فشأني صبرٌ جميلٌ، وإِما على حَذْفِ الخبر، تقديره: فصبرٌ جميلٌ أَمْثَلُ، وجميل الصّبر: ألّا تقع شكوى إلى البشر، وقال النبيّ ﷺ: «مَنْ بَثَّ، لَمْ يَصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا» «٢» .\nوقوله: وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى مَا تَصِفُونَ: تسليم لأمر الله تعالى، وتوكّل عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-684>[سورة يوسف (١٢): الآيات ١٩ الى ٢٢]</span>\nوَجاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ فَأَدْلى دَلْوَهُ قالَ يا بُشْرى هذا غُلامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ (١٩) وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (٢٠) وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ لامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٢١) وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٢٢)\nوقوله سبحانه: وَجاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ: قيل: إِن السيارة جاءَتْ في اليومِ الثاني من طرحه، و«السيارةُ»: بتاءُ مبالغةٍ للذين يردِّدون السيْرَ في الطُرق.\nقال ص: و«السَّيَّارَة»: جمع سَيَّار، وهو الكثيرُ السَّيْر في الأرض. انتهى.\nو«الوَارد»: هو الذي يأتي الماءَ يستَقي منه لجماعته، وهو يَقَعُ على الواحدِ وعلى الجماعة.\n_________\nفتفرقا، فأتى محيّصة إلى عبد الله بن سهل وهو يتشحّط في دمه قتيلا، فدفنه، ثم قدم «المدينة» فانطلق عبد الرحمن بن سهل ومحيّصة وحويصة ابنا مسعود إلى النبيّ ﷺ فذهب عبد الرحمن يتكلّم فقال ﷺ: «كبر كبر» وهو أحدث القوم، فسكت فتكلما، فقال: «أتحلفون وتستحقّون دم صاحبكم»، فقالوا: كيف نحلف ولم نشهد ولم نر، قال: «فتبرئكم يهود بخمسين يمينا»، فقالوا له: كيف نأخذ بأيمان قوم كفّار، فعقله النبي ﷺ من عنده.\nوفي رواية متفق عليها قال ﷺ: «يقسم خمسون منكم على رجل منهم، فيدفع برمته»، فقالوا: أمر لم نشهده كيف نحلف؟، قال: «فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم»، قالوا: يا رسول الله قوم كفار، الحديث. فقوله ﷺ: «أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم» دليل على مشروعية القسامة، وإلى هذا ذهب جمهور الصحابة والتابعين، والعلماء، من «الحجاز» و«الكوفة» و«الشام»، كما حكى ذلك القاضي عياض، ولم يختلفوا في الجملة، ولكن اختلفوا في التفاصيل.\n(١) أخرجه الطبري (٧/ ١٦١- ١٦٢)، برقم: (١٨٨٧٢- ١٨٨٧٣- ١٨٨٧٤)، وذكره ابن عطية (٣/ ٢٢٧)، وعزاه للشافعي.\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٧/ ٢٨٤) برقم: (١٩٧٣٨)، عن مسلم بن يسار به وذكره السيوطي في","vol":"3","page":315},{"text":"وروي أنَّ مُدْلِيَ الدَّلْو كان يسمَّى مَالِكَ بْنَ دعر، ويروَى أَنَّ هذا الجُبَّ كان بالأُرْدُنِّ على ثلاثةِ فراسِخَ من منزل يَعْقُوبَ، ويقال: أدلَى دلْوَهُ إِذا ألقاه ليستقِيَ الماءَ، وفي الكلام حذفٌ، تقديره: فتعلَّق يوسُفُ بالحَبْل، فلما بصر به المدلي، قال: يا بُشْرى، وروي أنَّ يوسُفَ كان يومئِذٍ ابنَ سَبْعَ سِنينَ ويرجِّح هذا لفظةُ غُلامٌ فإِنها لِمَا بَيْنَ الحولَيْن إِلى البلوغِ، فإِن قيلتْ فيما فَوْقَ ذلك، فعلى استصحاب حالٍ، وتجوُّزٍ، وقرأَ نافعٌ «١» وغيره: «يا بُشْرَايَ» بإِضافةِ البُشْرَى إِلى المتكلِّم، وبفتح الياء على ندائها كأنه يقولُ:\nاحضري، فهذا وَقْتُكِ، وقرأ حمزة والكسائي: «يَا بُشْرى»، ويميلاَنِ ولا يضيفَانِ، وقرأ عاصمٌ كذلك إِلاَّ أَنه يفتح الراءَ ولا يُمِيلُ، واختلف في تأويل هذه القراءة، فقال السدي:\nكان في أصحاب هذا الوارد رَجُلٌ اسمه «بُشْرَى» فناداه، وأعلمه بالغلامِ «٢»، وقيل: هو على نداءِ البُشْرَى كما قدَّمنا.\nوقوله سبحانه: وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً قال مجاهد: وذلك أنَّ الوُرَّاد خَشُوا من تُجَّار الرفْقة، إِنْ قالوا وجدْنَاه أنْ يشاركوهم في الغُلاَمِ الموجُودِ، يعني: أو يمنعوهم من تملُّكه «٣»، إِن كانوا أخيارًا، فأسروا بينهم أنْ يقولُوا: أَبْضَعَهُ مَعَنَا بعْضُ أهْلِ المِصْرِ، و«بِضَاعة»: حالٌ، والبضاعة: القطعةُ من المالِ يُتْجَرُ فيها بغير نصيب من الرّبح مأخوذ من قولهم: «بَضْعَة» أي: قطعة، وقيل: الضمير في «أَسَرُّوه» يعود على إِخوة يوسف.\nوقوله سبحانه: وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ: «شروه» هنا: بمعنى بَاعُوه، قال الداوديُّ: وعن أبي عُبَيْدة: وَشَرَوْهُ أي: باعوه، فإِذا ابتعت أَنْتَ، قُلْتَ: اشتريت\n_________\n«الدر المنثور» (٤/ ٥٩)، وزاد نسبته إلى عبد الرزاق. وله شاهد من حديث ابن عمر، بلفظ: «من كنوز البر إخفاء الصدقة وكتمان المصائب والأمراض ومن بث لم يصبر»، ذكره السيوطي في «الدر المنثور»، وعزاه إلى ابن عدي، والبيهقي في «شعب الإيمان» .\n(١) وقراءة الباقين فيها وجهان: أحدهما: أنهم جعلوه اسم رجل، فيكون دعا إنسانا اسمه بشرى. وحجتهم ما قد روي عن جماعة من المفسرين أنهم قالوا: كان اسمه «بشرى»، فدعاه المستقي باسمه.\nوالثاني: أن يكون أضاف البشرى إلى نفسه، ثم حذف الياء، كما تقول: يا غلام لا تفعل، يكون مفردا بمعنى الإضافة.\nينظر: «حجة القراءات» (٣٥٧)، و«السبعة» (٣٤٨)، و«الحجة» (٤/ ٤١٠)، و«إعراب القراءات» (١/ ٣٠٦)، و«شرح الطيبة» (٤/ ٣٨٠)، و«العنوان» (١١٠)، و«شرح شعلة» (٤٣٧)، و«إتحاف» (٢/ ١٤٣) .\n(٢) أخرجه الطبري (٧/ ١٦٤) برقم: (١٨٨٩١)، وذكره ابن عطية (٣/ ٢٢٩) . [.....]\n(٣) أخرجه الطبري (٧/ ١٦٥- ١٦٦) برقم: (١٨٨٩٩، ١٨٩٠٢)، والبغوي في «تفسيره» (٢/ ٤١٥)، وذكره ابن عطية (٣/ ٢٢٩) .","vol":"3","page":316},{"text":"انتهى، وقال ابن العربيِّ في «أحكامه» «١»: قوله تعالى: وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ: يقال:\nاشتريت بمعنى بِعْتُ، وَشَرَيْتُ بمعنى اشتريت لغة انتهى، وعلى هذا، فلا مانِعَ مِنْ حمل اللفظ على ظاهره، ويكون «شَرَوْهُ» بمعنى: «اشتروه» .\nقال ع «٢»: روي أن إِخوة يُوسُفَ لمَّا علموا أن الوُرَّاد قد أخذوه جاؤوهم، فقالوا: هذا عَبْدٌ قد أَبَقَ منا، ونحنُ نبيعُهُ منكم، فقارَّهم يوسُفُ على هذه المقالة خوفًا منهم، ولينفذ الله أمره، والبخس: مصدر وُصِفَ به الثمن، وهو بمعنى النَّقْصِ.\nوقوله: دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ: عبارةٌ عن قلة الثمن لأنها دراهم، لم تبلغْ أنْ توزَنَ لقلَّتها، وذلك أنهم كانوا لا يزنُونَ ما كان دون الأوقية، وهي أربعون درهمًا.\nوقوله سبحانه: وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ: وصفٌ يترتب في إِخوة يوسف، وفي الوُرَّاد، ولكنَّه في إِخوة يوسف أرتَبُ إِذ حقيقة الزهْدِ في الشيء إِخراجُ حُبِّه من القَلْبِ ورَفْضُهُ من اليدِ، وهذه كانَتْ حالَ إِخوة يوسُفٌ في يوسُفَ، وأمَّا الورَّاد، فإِنَّ تمسُّكَهم به وتَجْرَهُمْ يمانِعُ زُهْدَهم إِلا على تجوُّزٍ، قال ابْن العربيِّ في «أحكامه» «٣»: وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ\n: أي: إِخوته والواردة، أَما إِخوته فلأنَّ مقصودهم زوالُ عَيْنِه، وأما الواردة، فلأنهم خافوا اشتراك أصحابهم معهم. انتهى.\nوقوله سبحانه: وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا:\nروي أنَّ مبتاع يوسُفَ وَرَدَ به مصْرَ البلدِ المعروفِ ولذلك لا ينصرفُ، فَعَرَضَهُ في السُّوقِ، وكان أجْمَلَ الناس، فوقَعَتْ فيه مزايدةٌ/ حتى بلغ ثمنًا عظيمًا، فقيل: وزنه من ذهبٍ، ومن فضةٍ، ومن حريرٍ، فاشتراه العزيزُ، وهو كان حَاجِبَ المَلِكِ وخازِنَة، واسم المَلِك الرَّيَّانُ بْنُ الوَلِيدِ، وقيل: مُصْعَبُ بْنُ الرَّيَّانِ، وهو أحد الفراعِنَةِ، واسمُ العزيزِ المذْكُورِ:\n«قطيفين» قاله ابن عباس، وقيل: «أظفير»، وقيل: «قنطور»، واسم امرأته: «رَاعيل»، قاله ابنُ إِسحاق، وقيل: «زليخا»، قال البخاريّ: ومَثْواهُ: مَقَامُهُ.\nوقوله: أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا أي: نتبنَّاه، وكان فيما يُقَالُ: لا ولد له، ثم قال تعالى:\nوَكَذلِكَ، أي: وكما وصفْنا مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ فعلنا ذلك، والْأَحادِيثِ: الرؤيا في النوْمِ قاله مجاهد، وقيل: أحاديث الأنبياء والأمم، والضمير\n_________\n(١) ينظر: «أحكام القرآن» (٣/ ١٠٧٩) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٢٢٩) .\n(٣) ينظر: «أحكام القرآن» (٣/ ١٠٧٩) .","vol":"3","page":317},{"text":"في «أمره» يحتمل أنْ يعودَ على يوسف قاله الطبري «١»، ويحتملُ أن يعود على اللَّهِ ﷿ قاله ابن جُبَيْر، فيكون إِخبارًا منبِّهًا على قدرة اللَّه ﷿ ليس في شأن يوسُفَ خاصَّة، بل عامًّا في كل أمر، و«الأَشُدَّ»: استكمال القوة وتناهِي بِنْيَةِ الإِنسان، وهما أَشُدَّان: أولهما، البلوغ، والثاني: الذي يستعمله العرب.\nوقوله سبحانه: وآتَيْناهُ حُكْمًا وَعِلْمًا: يحتمل أن يريد بالحُكْم: الحكمة والنبوَّة، وهذا على الأشُدِّ الأعلَى، ويحتملُ أن يريد بالحُكْمِ: السلطانَ في الدنيا وحكمًا بين الناس، وتدخُلُ النبوَّة وتأويلُ الأحاديث وغير ذلك في قوله: وَعِلْمًا، وقال ابن «٢» العربيِّ:\nآتَيْناهُ حُكْمًا وَعِلْمًا: الحُكْم: هو العَمَلُ بالعلْمِ. انتهى.\nوقوله سبحانه: وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ: عبارةٌ فيها وعد للنبيّ ﷺ، أي: فلا يهولَنَّكَ فعل الكَفَرة وعتوّهم عليك، فالله تعالى يصنع للمحسنين أجمل صنع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-685>[سورة يوسف (١٢): الآيات ٢٣ الى ٢٤]</span>\nوَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢٣) وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤)\nوقوله سبحانه: وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ: المراودة: الملاطفةُ في السُّوق إِلى غرض، والَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها هي زُلَيْخَا امرأةُ العزيز، وقوله: عَنْ نَفْسِهِ:\nكنايةٌ عن غرض المواقعة، وظاهرُ هذه النازِلة أنها كانَتْ قبل أنْ ينبَّأ ﵇، وقولها:\nهَيْتَ لَكَ: معناه: الدُّعاء، أيْ: تعالَ وأقْبِلْ عَلَى هَذا الأمْرِ، قال الحَسن: معناها:\nهَلُمَّ، قال البخاريُّ: قال عكرمةُ: هَيْتَ لَكَ بالحُورَانِيَّةِ: هَلُمَّ.\nوقال ابن جُبير: تَعَالَهْ، انتهى.\nوقرأ هشام عن ابن عامرٍ «٣»: «هِئْتُ لَكَ» - بكسر الهاءِ والهمزِ وضمِّ التاء-، ورويت عن أبي عَمْرو، وهذا يحتملُ أنْ يكون من هَاءَ الرجُلُ يَهِيءُ، إِذا حَسُن هيئته، ويحتمل أنْ يكون بمعنى: تَهَيَّأَتُ، ومَعاذَ: نصب على المصدر، ومعنى الكلام: أعوذ باللَّهِ، ثم\n_________\n(١) ينظر: «تفسير الطبري» (٧/ ١٧٤) .\n(٢) ينظر: «أحكام القرآن» (٣/ ١٠٨٢) .\n(٣) ينظر: «السبعة» (٣٤٧)، و«الحجة» (٤/ ٢٣)، و«إعراب القراءات» (١/ ٣٠٧)، و«شرح الطيبة» (٤/ ٣٨٠)، و«العنوان» (١١٠)، و«شرح شعلة» (٤٣٨)، و«إتحاف» (٢/ ١٤٣)، و«حجة القراءات» (٣٥٨) .","vol":"3","page":318},{"text":"قال: إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ، فيحتمل أن يعود الضمير في «إِنه» على اللَّهِ ﷿، ويحتمل أنْ يريد العزيزَ سيِّدَهُ، أي: فلا يصلح لي أنْ أخونه، وقد أكْرَمَ مثواي، وائتمنني، قال مجاهد وغيره: «رَبِّي» معناه سَيِّدي «١» وإِذا حفظ الآدميّ لإِحسانه فهو عمل زَاكٍ، وأحرى أن يحفظ ربه، والضمير في قوله: إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ مرادٌ به الأمر والشأن فقطْ، وحكى بعض المفسِّرين أنَّ يوسُفَ ﵇ لمَّا قال: مَعَاذَ اللَّهِ، ثم دافَعَ الأمْرَ باحتجاج وملاينةٍ، امتحنه اللَّه تعالى بالهَمِّ بما هَمَّ به، ولو قَالَ: لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلا باللَّهِ، ودافَعَ بِعُنْفٍ وتغييرٍ، لم يَهمَّ بشيء من المَكْروه.\nوقوله سبحانه: وَهَمَّ بِها: اختلف في هَمِّ يوسُفُ.\nقال ع «٢»: والذي أقولُ به في هذه الآية: أَنَّ كَوْنَ يوسُفَ ﵇ نبيًّا في وقت هذه النازلة لم يصحَّ، ولا تظاهَرَتْ به روايةٌ، فإِذا كان ذلك، فهو مؤمنٌ قد أوتِيَ حكمًا وعلمًا، ويجوز عَلَيْه الهَمُّ الذي هو إِرادةُ الشيْءِ دون مواقَعَتِهِ، وأنْ يستصحب الخَاطِرَ الرديءَ علَى ما في ذلك من الخطيئة، وإِن فرضْنَاه نبيًّا في ذلك الوقْتِ، فلا يجوز عليه عندي إِلاَّ الهَمُّ الذي هو الخاطرُ، ولا يصحُّ عندي شيْءٌ مما ذكر من حَلِّ تِكَّةٍ، ونحوِ ذلك لأنَّ العِصْمة مع النبوَّة، وللَهمِّ بالشيْءِ مرتبتانِ، فالخاطرُ المجرَّد دون استصحاب يجوزُ عليه، ومع استصحابِ لا يَجُوزُ عليه إِذ الإِجماع منعقدٌ أَنَّ الهمَّ بالمعصية واستصحابَ التلذُّذ بها غير جائزٍ، / ولا داخِلٍ في التجاوُزِ.\nت: قال عياضٌ: والصحيحُ إِن شاء اللَّه تنزيهُهُمْ أيضًا قبل النبوَّة مِنْ كُلِّ عيْبٍ، وعصمتُهُم مِنْ كُلِّ ما يوجبُ الرَّيْب، ثم قال عياضٌ بعد هذا: وأما قولُ اللَّه سبحانه:\nوَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ، فعلى طريق كثيرٍ من الفقَهَاء والمحدِّثين أنَّ همَّ النفْس لا يؤاخذ به، وليس بسيِّئة، لقوله ﵇ عن ربِّه: «إِذَا هَمَّ عَبْدِي بِسَيِّئَةٍ، فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ» «٣» فَلاَ مَعْصِيَةَ في همه إِذَنْ، وأما علَى مذهب المحقِّقين من الفقهاء والمتكلِّمين، فإِن الهمَّ إِذا وُطِّنَتْ عليه النفْسُ سيئةٌ، وأَما ما لم توطَّن عليه النفس مِنْ همومها وخواطرها، فهو المعفوُّ عنه، وهذا هو الحقُّ، فيكون إِن شاء اللَّه هَمُّ يوسُفَ من هذا، ويكونُ قوله: وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي ... الآية [يوسف: ٥٣]: أي:\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٧/ ١٨٠) برقم: (١٩٠١٤- ١٩٠١٥- ١٩٠١٦)، وذكره ابن عطية (٣/ ٢٣٣)، والسيوطي (٤/ ٢٢)، وعزاه لابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٢٣٤) .\n(٣) تقدم تخريجه.","vol":"3","page":319},{"text":"مِن هذا الهَمِّ، أو يكون ذلك مِنْهُ على طريق التواضُع. انتهى.\nواختلف في البُرْهَان الذي رآه يوسُفُ، فقيل: ناداه جبريلُ: يا يوسُفُ، تَكُونُ في ديوانِ الأنبياءِ، وتفعلُ فِعْلَ السفهاءِ، وقيل: رأَى يعقوبَ عَاضًّا علَى إِبهامه، وقيل غير هذا، وقيل: بل كان البرهَانُ فِكْرَتَهُ في عذابِ اللَّهِ وَوَعِيدِهِ على المعصية، والبرهانُ في كلام العرب: الشيء الذي يُعْطِي القطْعِ واليَقِينَ، كان مما يَعلَمُ ضرورةً أو بخبرٍ قطعيٍّ أو بقياسٍ نظريٍّ «وأنْ» في قوله: لَوْلا أَنْ رَأى في موضع رفعٍ، تقديره: لولا رؤيته برهانَ رَبِّه، لَفَعَلَ، وذَهَبَ قومٌ إِلى أَنَّ الكلامَ تَمَّ في قوله: وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ، وأن جواب «لولا» في قوله: وَهَمَّ بِها، وأن المعنى: لولا أنْ رأَى البرهان لَهَمَّ، أي: فلم يهمَّ ﵇، وهذا قولٌ يردُّه لسانُ العربِ، وأقوالُ السلَفِ ت: وقد ساقَ عيَاضٌ هذا القولَ مساق الاحتجاج به متَّصلًا بما نقَلْناه عنْه آنفًا، ولفظه: فكيف، وقَدْ حكَى أبو حاتمٍ عن أبي عُبَيْدة، أن يوسف لم يَهِمَّ، وأنَّ الكلام فيه تقديمٌ وتأخير، أي: ولقد همَّتْ به، ولولا أنْ رأَى برهانَ ربه لَهَمَّ بها، وقد قال اللَّه تعالى عن المرأة: وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ، [يوسف:\n٢٣] وقال تعالى: كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ، وقال: مَعاذَ اللَّهِ ... الآية.\nانتهى. وكذا نقله الداودي ولفظه: وقد قال سعيدُ بْنَ الحَدَّاد: في الكلامِ تقديمٌ وتأخيرٌ، ومعناه: أنه لولا أنْ رأَى برهان ربِّه لَهَمَّ بها، فلمَّا رأى البرهان لم يَهِمَّ، انتهى. قال ابن العربيِّ في «أَحكامه» «١»: وقد أخبر اللَّه سبحانه عن حالِ يوسُفَ من حين بلوغه بأنه آتاه حكمًا وعلمًا، والحُكْم: هو العمل بالعلم، وكلامُ اللَّه صادِقٌ، وخبره صحيحٌ، ووصفه حَقٌّ، فقد عَمِلَ يوسُفُ بما عَلَّمه اللَّه من تحريم الزنا، وتحريم خيانةِ السيِّد في أهْله، فما تعرَّض لامرأةِ العزيز، ولا أناب إِلى المُرَاودة، بل أَدْبَرَ عنها، وَفَّر منها حِكْمَةٌ خُصَّ بها، وعملٌ بما علَّمه اللَّه تعالى، وهذا يطمس وُجُوهَ الجَهَلَةِ مِنَ النَّاس والغَفَلَةِ من العلماءِ في نسْبتهم إِلى الصِّدِّيقِ ما لا يليقُ، وأقلُّ ما اقتحموا مِنْ ذلك هَتْكُ السراويلِ، والهَمُّ بالفَتْكِ فيما رَأَوْهُ من تأويلٍ، وحاشاه من ذلك، فما لهؤلاء المفسِّرين لا يكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا يقولون: فَعَلَ فَعَلَ، واللَّه تعالى إِنما قال هَمَّ بها، قال علماء الصوفيَّة: إِن فائدة قوله تعالى: وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ... [يوسف: ٢٢] أن اللَّه ﷿ أعطاه العلْمَ والحكْمة بأن غلب الشهوة ليكون ذلك سببًا للعصْمَة، انتهى.\nوالكافُ من قوله تعالى: كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ: متعلِّقةٌ بمضمرٍ، تقديره:\nجَرَتْ أفعالنا وأقدارنا كذلك لنصرفَ، ويصحُّ أن تكون الكافُ في موضع رفع بتقدير\n_________\n(١) ينظر: «أحكام القرآن» (٣/ ١٠٨٢) .","vol":"3","page":320},{"text":"عصمَتَنا له كَذَلك، وقرأ ابن كثير وغيره: «المُخْلِصِينَ» - بكسر اللام «١» - في سائر القرآن، ونافع وغيره بفتحها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-686>[سورة يوسف (١٢): الآيات ٢٥ الى ٢٩]</span>\nوَاسْتَبَقَا الْبابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ قالَتْ مَا جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلاَّ أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٢٥) قالَ هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧) فَلَمَّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ (٢٩)\nوقوله تعالى: وَاسْتَبَقَا الْبابَ ... الآية: معناه: سَابَقَ كُلُّ واحدٍ منهما صاحبه إِلى البابِ، هي لتردَّه إِلى نفسها، وهو ليهرُبَ عنها، فقبضَتْ في أعلى قميصِهِ، فتخرَّق القميصُ عند طَوْقِهِ، ونَزَلَ التخريقُ إِلى أسفلِ القميصِ، قال البخاريُّ: وَأَلْفَيا: أي:\nوَجَدَا أَلْفَوْا آباءَهُمْ [الصافات: ٦٩]: وجدوهم. انتهى، و«القَدُّ»: القطْع، وأكثر ما يستعمل فيما كان طُولًا، والقَطُّ: يستعمل فيما كان/ عرضا، وأَلْفَيا: وجَدَا، والسيِّد:\nالزوْج قاله زيد بن ثابتٍ ومجاهدٌ «٢» .\nوقوله سبحانه: قالَتْ مَا جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا ... الآية: قال نَوْفٌ الشاميُّ: كان يوسُفُ ﵇ لم يُبِنْ على كشف القصَّة، فلما بَغَتْ عليه، غَضِبَ، فقال الحقَّ، فأخبر أنها هي راوَدَتْه عَنْ نفسه، فرُوِيَ أن الشاهد كان ابن عَمِّها، قال: انظروا إِلى القميص، وقال ابن عباس: كان رجلًا من خاصَّة الملك «٣» وقاله مجاهد «٤» وغيره، والضمير في «رأَى» هو للعزيز، وهو القائلُ: إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ قال الطبريّ «٥»، وقيل: بل\n_________\n(١) وهي قراءة أبي عمرو وابن عامر، وجعلوها اسم فاعل لقوله تعالى: مُخْلِصًا لَهُ دِينِي [الزمر: ١٤] .\nينظر: «السبعة» (٣٤٨)، و«الحجة» (٤/ ٤٢١)، و«إعراب القراءات» (١/ ٣٠٩)، و«حجة القراءات» (٣٥٨)، و«العنوان» (١١٠)، و«شرح الطيبة» (٤/ ٣٨٢)، و«شرح شعلة» (٤٣٩)، و«إتحاف» (٢/ ١٤٥) .\n(٢) أخرجه الطبري (٧/ ١٩٠) برقم: (١٩١٠٣) وبرقم: (١٩١٠٤)، وذكره ابن عطية (٣/ ٢٣٥)، والسيوطي (٤/ ٢٥) . وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.\n(٣) أخرجه الطبري (٧/ ١٩٢) برقم: (١٩١٢٢)، وذكره ابن عطية (٣/ ٢٣٦)، وابن كثير (٢/ ٤٧٥)، والسيوطي (٤/ ٢٦)، وعزاه للفريابي، وابن جرير، وأبي الشيخ. [.....]\n(٤) أخرجه الطبري (٧/ ١٩٢) برقم: (١٩١٢٥- ١٩١٢٦- ١٩١٢٧)، وذكره البغوي (٢/ ٤٢٢)، وابن عطية (٣/ ٢٣٦)، وابن كثير (٢/ ٤٧٥) .\n(٥) ينظر: «تفسير الطبري» (٧/ ١٩٤) .","vol":"3","page":321},{"text":"الشاهدُ، قال ذلك، ونَزَعَ بهذه الآية مَنْ يرى الحُكْم بالإِمارة من العلماء فإِنها معتمدهم، و«يوسُفُ» في قوله: يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا: منادًى، قال ابن عباس: ناداه الشاهدُ، وهو الرجل الذي كان مع العزيز «١»، وأَعْرِضْ عَنْ هذا: معناه: عن الكلامِ بِهِ، أي:\nاكتمه، ولا تتحدَّث به، ثم رَجَعَ إِليها، فقال: وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ، أي: استغفري زَوْجَكَ وسيِّدَكَ، وقال: مِنَ الْخاطِئِينَ، ولم يقل «من الخاطئات» لأن الخاطئين أعمّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-687>[سورة يوسف (١٢): الآيات ٣٠ الى ٣٤]</span>\nوَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَها حُبًّا إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٣٠) فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ (٣١) قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ (٣٢) قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ (٣٣) فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٤)\nوقوله سبحانه: وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ:\nنِسْوَةٌ: جمع قلَّة، وجمعُ التكثير نساءٌ، ويروَى أنَّ هؤلاء النسوة كُنَّ أربعًا: امرأة خبَّازَة، وامرأة ساقية، وامرأة بَوَّابة، وامرأة سَجَّانة، والعزيزُ: المَلِك، والفَتَى: الغلام، وعُرْفُه في المملوك، ولكنَّه قد قيل في غير المملوك ومنه: إِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ [الكهف: ٦٠]، وأصل الفتى، في اللغة: الشَّابُّ، ولكن لما كان جُلُّ الخَدَمَةِ شبابا، استعير لهم اسم الفتى، وشَغَفَها: معناه بَلَغَ حتَّى صار مِنْ قلبها موضِعَ الشِّغافِ، وهو على أكثر القولِ: غِلاَفٌ من أغشية القَلْبِ.\nوقيل: الشِّغاف: سويداءُ القَلْبِ.\nوقيل: الشِّغَافُ: داءٌ يصلُ إِلى القلب.\nفَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ ليحضُرْن.\nوَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً: أي: أعَدَّتْ ويَسَّرت ما يُتَّكَأُ عليه من فُرُشٍ ووسَائِد وغَيْرِ ذلك، وقرأ ابن عباس «٢» وغيره: «مُتْكًا» - بضم الميم وسكون التاء وتنوين الكاف-،\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٣/ ٢٣٧) .\n(٢) وقرأ بها ابن عمر، والجحدري، وقتادة، والضحاك، والكلبي، وأبان بن تغلب، ورويت عن الأعمش.\nوأما معنى هذه القراءة- كما حكى المصنف-: هو الأترجّ، وقيل: أيضا: هو الزّماورد، وهو طعام من اللحم والبيض.","vol":"3","page":322},{"text":"واختلف في معناها، فقيل: هو الأُتْرُنْجَ «١»، وقيل: هو اسمٌ يعمُّ جميع ما يُقْطَعُ بالسِّكِّين، وقولها: اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ: أمر ليوسف، وأطاعها بحسب المُلْك.\nوقوله: أَكْبَرْنَهُ: معناه: أعظمنْهُ واستهولن جَمَاله، هذا قولُ الجمهور.\nوَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ: أي: كَثَّرْنَ الحَزَّ فيها بالسَّكَاكين، وقرأ أبو عمرو «٢» وحده:\n«حاشَى للَّهِ»، وقرأ سائر السبعة: حاشَ لِلَّهِ، فمعنى «حَاشَ للَّهِ»: أي: حاشَى يوسُفَ لطاعته للَّه، أو لمكانه من اللَّهِ أنْ يرمَى بِمَا رَمَيْتِهِ به، أوْ يدعَى إِلى مثله، لأَنَّ تلْكَ أفعال البشر، وهو لَيْسَ منهم، إِنما هو مَلَكٌ، هكذا رتَّب بعضهم معنَى هذا الكلامِ على القراءَتَيْنِ، وقرأ الحسنُ «٣» وغيره: «مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلِكٌ كَرِيمٌ» - بكسر اللام من «مَلِك» وعلى هذه القراءة، فالكلامُ فصيحٌ: لَمَّا استعظمن حُسْنَ صورته، قُلْنَ ما هذا مما يَصْلُح أنْ يكون عبدًا بشَرًا، إِنْ هذا إِلا مما يَصْلُح أنْ يكون مَلِكًا كريمًا.\nت: وفي «صحيح مسلم» من حديث الإِسراء: «ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ، فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا بِيُوسُفَ ﷺ، وإِذَا هُوَ قَدْ أُعْطِيَ شَطْرَ الحُسْنِ، فَرَحَّبَ بِي، وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ» «٤» انتهى.\nوقولها: فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ: المعنى: فهذا الذي لُمْتُنَّنِي فيه، وقطعتُنَّ أيديَكُنَّ بسببه: هو الذي جَعَلَنِي ضالَّةً في هواه، ثم أقرَّت امرأة العزيزِ للنّسوة بالمراودة،\n_________\nينظر: «المحتسب» (١/ ٣٣٩- ٣٤٠)، و«المحرر الوجيز» (٣/ ٢٣٨)، و«البحر المحيط» (٥/ ٢٠٢)، و«الدر المصون» (٤/ ١٧٤) .\n(١) هو شجر يعلو، ناعم الأغصان والورق والثمر، وثمره كالليمون الكبار، وهو ذهبي اللون، ذكي الرائحة، حامض الماء.\nقال في «اللسان»: الأترجّ: معروف ... والعامة تقول: أترنج، وترنج، والأول كلام الفصحاء.\nينظر: «المعجم الوسيط» (٤)، و«لسان العرب» (٤٢٥) (ترج) .\n(٢) وحجته أنه ليس أحد من العرب يقول: حاشك، ولا حاش لك. وإنما يقال: حاشاك، وحاشا لك.\nوحجة الباقين: أنها هكذا في المصحف.\nينظر: «السبعة» (٣٤٢)، و«الحجة» (٤/ ٤٢٢)، و«إعراب القراءات» (١/ ٣٠٩)، و«شرح الطيبة» (٤/ ٣٨٣)، و«العنوان» (١١٠)، و«شرح شعلة» (٤٣٩)، و«إتحاف فضلاء البشر» (٢/ ١٤٦)، و«حجة القراءات» (٣٥٩) .\n(٣) وهي قراءة أبي الحويرث الحنفي، وعبد الوارث عن أبي عمرو.\nينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٢٤٠)، و«البحر المحيط» (٥/ ٣٠٤)، و«الدر المصون» (٤/ ١٧٩) .\n(٤) سيأتي تخريجه في سورة الإسراء.","vol":"3","page":323},{"text":"واستأمنت إِليهن في ذلك إِذْ عَلِمَتْ أَنهنَّ قد عذرنها.\nوفَاسْتَعْصَمَ معناه طلب العِصْمة، وتمسَّك بها، وعَصَاني، ثم جعلَتْ تتوعَّده، وهو يسمع بقولها.\nوَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ ... إِلى آخر الآية.\nت: واعترض ص: بأنَّ تفسيرُ «استعصم» ب «اعتصم» أولى من جعله للطَّلبِ، إِذ لا يلزم من طلب الشيء حصُولُه. انتهى، واللام في «لَيُسْجَنَنَّ»: لام قَسَمٍ، واللام الأولَى هي المؤذنَةُ بالمجيء بالقَسَمِ، و«الصاغرون»: الأذلاَّء، وقَوْلُ يوسُفَ ﵇: رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ إِلى قوله: مِنَ الْجاهِلِينَ، كلامٌ يتضمَّن التشكِّيَ إِلى اللَّه تعالى من حاله معهن، / وأَصْبُ: مأخوذ من الصَّبْوَة، وهي أفعالُ الصِّبا، ومن ذلك قولُ دُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةِ: [الطويل]\nصَبَا مَا صَبَا حَتَّى عَلاَ الشَّيْبُ رَأْسَه ... فَلَمَّا عَلاَهُ قَالَ لِلْبَاطِلِ ابعد «١»\nقال ص: «أصْبُ» معناه: أَمِلْ، وهو جوابُ الشرطِ، والصَّبابة: إِفراط الشوْقِ.\nانتهى.\nفَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ أي: أجابه إِلى إِرادته، وصَرَفَ عنه كَيْدُهِنَّ في أنْ حال بينه وبين المعصية.\n_________\n(١) البيت في «ديوانه» (٦٩)، و«التعازي والمراثي» (٥/ ٢٢)، و«نور القبس» (٥٣) .\nمعنى: صبا ما صبا: قال المرزوقي (٢/ ٨٢١) قوله: «صبا ما صبا» يجوز أن يكون صبا الأول من الصّبا واللهو، وصبا الثاني من الصّباء بمعنى الفتاء فيكون المعنى:\nتعاطى اللهو والصبا ما دام صبيا، فلما اكتمل وظهر في رأسه الشيب، فاشتعل، نحى الباطل عن نفسه زاهدا فيه، ورجوعا إلى الحق ورغبة فيما يكسبه الأحدوثة الجميلة من أبواب الصلاح، ويجوز أن يكون المعنى: تعاطى الصبا ما تعاطاه إلى أن علاه المشيب فيسقط التجنيس من البيت وهو يحسن به.\nوقال العلوي في الطراز (٢/ ٨٤): «فقوله: صبا ما صبا فيه من الإبهام البالغ ما لو تناهيت في تفسيره فإنك لا تجد له من البيان مثل ما تجده في إبهامه» .\nابعد: قال المرزوقي قوله: (ابعد) (٢/ ٨٢١) قوله (ابعد) من بعد يبعد إذا هلك ولو أراد البعد لقال أبعد بضم العين» .\nوقال في «جمهرة اللغة» (١/ ٢٤٥) (ب ع د) «بعد يبعد بعدا من النأي فإذا أمرت قلت: أبعد، قال دريد:\n«البيت» .\nويشتد إعجاب يونس بن حبيب بالبيت، ويراه أشعر بيت قالته العرب انظر: «نور القبس» (٥٣)، ينظر:\n«ديوان دريد بن الصمة» (٦٩)، تحقيق الدكتور عمر.","vol":"3","page":324},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-688>[سورة يوسف (١٢): آية ٣٥]</span>\nثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (٣٥)\nوقوله سبحانه: ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ: بَدا معناه: ظهر، ولما أبَى يوسُفُ ﵇ من المعصية، وَيَئِسَتْ منه امرأة العزيزِ، طالبته بأَنْ قالتْ لزوجها: إِنَّ هذا الغُلاَمَ العِبْرَانِيَّ قد فَضَحَنِي في النَّاس، وهو يَعْتَذِرُ إِليهم، ويَصِفُ الأَمْرَ بحَسَب اختياره، وأنا محبوسَةٌ محجوبَةٌ، فإِما أَذنْتَ لي، فخرجْتُ إِلى الناس، فاعتذرت وكذَّبته، وإِما حَبَسْتَه كما أنا محبوسةٌ، فحينئذٍ بدا لهم سجنه.\nع «١»: ولَيَسْجُنُنَّهُ: جملة دخلت عليها لام قسم، والْآياتِ: ذكر فيها أهْلُ التفسير أنها قَدُّ القميص، وخَمْشُ الوجهِ، وحَزُّ النساءِ أيديَهُنَّ، وكلامُ الصبيِّ على ما رُوِيَ.\nقال ع «٢»: ومَقْصِدُ الكلامِ إِنما هو أنهم رَأَوْا سَجْنه بعد ظهورِ الآياتِ المُبَرِّئة له مِنَ التهْمة، فهكذا يَبِينُ ظلمهم له والحين في كلام العرب، وفي هذه الآية الوَقْت من الزمان غَير محدودٍ يقع للقليلِ والكثيرِ، وذلك بيّن من موارده في القرآن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-689>[سورة يوسف (١٢): الآيات ٣٦ الى ٣٨]</span>\nوَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ قالَ أَحَدُهُما إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٣٦) قالَ لاَ يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (٣٧) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وَعَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ (٣٨)\nوقوله سبحانه: وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ ... الآية: المعنى: فسجَنُوهُ، فَدَخَلَ معه السجْنَ، غلامانِ سُجِنَا أيضًا، ورُوِيَ أنهما كانا للمَلِكِ الأعظَمِ الوَلِيدِ بْنِ الرَّيَّانِ أحدهما: خَبَّازه، واسمه مجلث، والآخر: ساقيه، واسمه نبو، ورُوِيَ أَنَّ المَلِكَ اتهمهما بأن الخَبَّاز منهما أرادَ سَمَّه، ووافَقَهُ على ذلك السَّاقِي، فسجنهما، قاله السديُّ «٣»، فلما دخل يوسُفُ السجْنَ، استمال الناسَ فيه بحُسْن حديثه وفَضْله ونبله، وكان يُسَلِّي حزينهم، ويعودُ مريضَهُمْ، ويسأل لفقيرِهِمْ، ويندُبُهُمْ إِلى الخيرِ، فأَحبه الفَتَيَانِ، ولزماه، وأحبه صاحِبُ السجْنِ، والقَيِّم عليه، وكان يوسُفُ ﵇ قد قال لأَهْلِ السجْنِ: إني أعبر\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٢٤٢) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٢٤٢- ٢٤٣) .\n(٣) أخرجه الطبري (٧/ ٢١٢) برقم: (١٩٢٧٥)، وذكره ابن عطية (٣/ ٢٤٣)، وابن كثير (٢/ ٤٧٧) .","vol":"3","page":325},{"text":"الرؤيا، وأَجيدُ، فرُوِيَ عن ابن مسعودٍ: أن الفتَيَيْنِ استعملا هاتَيْنِ المنَامَتَيْنِ ليجرِّباه «١» .\nوروي عن مجاهد: أنهما رأيا ذلك حقيقة «٢»، فقال أحدهما: إِني أراني أعصرُ خَمْرًا: قيل فيه: إنه سمّى العنب خمرا، بالمئال، وقيل: هي لغةُ أزدِ عُمَان يسمُّون العِنَبَ خَمْرًا، وفي قراءة أُبيٍّ وابن مسعودٍ: «أَعْصِرُ عِنَبًا» «٣» .\nوقوله: إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ: قال الجمهور: يريدان في العِلْم، وقال الضَّحَّاك وقتادة: المعنى: من المحسنين في جَرْيه مع أهْل السِّجْنِ وإِجماله معهم «٤» .\nوقوله ﷿: قالَ لاَ يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما:\nرُويَ عن السُّدِّيِّ وابن إِسحاق: أن يوسُفَ ﵇ لما عَلِمَ شدَّة تعبيرِ مَنَامَةِ الرائي الخُبْزَ، وأنها تُؤْذِنَ بقتله، ذهب إِلى غير ذلك من الحديثِ عَسَى أَلاَّ يطالباه بالتعْبير، فقال لهما مُعْلِمًا بعظيمِ عِلْمِهِ للتعبيرِ: إِنه لا يجيئُكما طعَامٌ في نومكما تَرَيَانِ أَنكما رُزِقْتُمَاهُ إِلاَّ أعلمتكما بتأويلِ ذلك الطَّعَامِ، أي: بما يَؤُولُ إِلَيْهِ أَمره في اليقظة قَبْلَ أن يظهر ذلك التأويلُ الذي أُعْلِمُكُما به «٥»، فرُوِيَ أنهما قالا: ومِنْ أينَ لَكَ ما تَدَّعيه مِنَ العِلْمِ، وأنْتَ لَسْتَ بِكَاهِنٍ ولا منجِّم؟! فقالَ لهما: ذَلِكَ مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي، ثم نهض يُنْحِي لهما على الكُفْر ويقبِّحه، ويحسِّن الإِيمان باللَّه، فرُوِيَ أنه قصد بذلك وجْهَيْنِ أَحدهما: تنسيَتُهما أمْرَ تعبيرِ ما سألا عنْه إِذ في ذلك النِّذَارةُ بقَتْل أحدهما، والآخر: الطماعيَةُ في إِيمانهما ليأخذ المَقْتُولُ بحظِّه من الإِيمان، وتسلم له آخرته، وقال ابنُ جُرَيْج: أراد يوسُفُ ﵇ لا يأتيكما طعامٌ في/ اليقظة «٦» .\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٧/ ٢١٢) برقم: (١٩٢٧٧)، وذكره البغوي (٢/ ٤٢٥)، وابن عطية (٣/ ٢٤٣)، وابن كثير (٢/ ٤٧٨) . [.....]\n(٢) أخرجه الطبري (٧/ ٢١٢) برقم: (١٩٢٧٩)، وذكره البغوي (٢/ ٤٢٥) .\n(٣) ينظر: «المحتسب» (١/ ٢٤٣)، و«الكشاف» (٢/ ٤٦٨)، و«المحرر الوجيز» (٢/ ٢٤٤)، و«البحر المحيط» (٥/ ٣٠٨)، و«الدر المصون» (٤/ ١٨٣) .\n(٤) أخرجه الطبري (٧/ ٢١٤) برقم: (١٩٢٨٦- ١٩٢٨٧) وبرقم: (١٩٢٨٨)، وذكره البغوي (٢/ ٤٢٥- ٤٢٦)، وابن عطية (٣/ ٢٤٤)، والسيوطي (٤/ ٣٤)، وعزاه لابن جرير، وأبي الشيخ، عن قتادة، وعزاه أيضا لسعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، والبيهقي في «شعب الإيمان» .\n(٥) أخرجه الطبري (٧/ ٢١٥) برقم: (١٩٢٩١- ١٩٢٩٢)، وذكره ابن عطية (٣/ ٢٤٤)، وابن كثير (٢/ ٤٧٨) .\n(٦) أخرجه الطبري (٧/ ٢١٦) برقم: (١٩٢٩٣)، وذكره ابن عطية (٣/ ٢٤٤)، والسيوطي (٤/ ٣٤)، وعزاه لأبي عبيدة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.","vol":"3","page":326},{"text":"قال ع «١»: فعلى هذا إِنما أعلمهم بأنه يعلم مغيَّباتٍ لا تعلُّق لها برؤْيَا، وقصد بذلك أحَدَ الوجهَيْنِ المتقدِّمين، وهذا على ما روي أنه نبىء في السجن فإِخباره كإِخبار عيسَى ﵇.\nوقوله: تَرَكْتُ، مع أنه لم يتشبَّثْ بها جائزٌ صحيحٌ وذلك أنه أخبر عن تجنّبه من أول بالترك، وساق لفظ التَّرْك استجلابا لهما عسَى أن يتركا الترْكَ الحقيقيَّ الذي هو بَعْد الأخْذ في الشيء، والقَوْمُ المتروكُ ملتهم: المَلِكَ وأتباعه.\nوقوله: وَاتَّبَعْتُ ... الآية: تمَادٍ من يوسُفَ ﵇ في دعائهما إِلى الملَّة الحنيفيَّة.\nوقوله: مَا كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ، «مِنْ»: هي الزائدةُ المؤكِّدة التي تكونُ مع الجُحُودِ.\nوقوله: لاَ يَشْكُرُونَ: يريد: الشكْرَ التَّامَّ الذي فيه الإيمان بالله ﷿.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-690>[سورة يوسف (١٢): الآيات ٣٩ الى ٤٢]</span>\nيا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩) ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٤٠) يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ (٤١) وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (٤٢)\nوقوله: يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ: وصْفُه لهما ب صاحِبَيِ السِّجْنِ من حيثُ سُكْنَاه كما قال: أَصْحابُ الْجَنَّةِ وأَصْحابُ النَّارِ ونحو ذلك، ويحتمل أن يريد صُحْبَتَهُما له في السِّجْنِ، كأنه قال: يا صَاحِبَايَ في السجْنِ، وعرْضُه عليهما بطلاَن أمْرِ الأوثان بأنْ وصَفَها بالتفرُّق، ووَصْفُ اللَّه تعالى بالوَحْدة والقَهْر تلطُّفٌ حَسَنٌ، وأخْذٌ بيسيرِ الحُجَّة قبل كثيرها الذي ربَّما نَفَرَتْ منه طباعُ الجَاهِلِ وعانَدَتْه، وهكذا الوجْهُ في محاجَّة الجاهِلِ: أَنْ يؤخَذَ بدَرَجَةٍ يسيرةٍ من الاحتجاج يقبلها، فإِذا قبلها، لزمته عَنْها درجةٌ أخرى فوقها، ثم كذلك أبدًا حتى يصلَ إِلى الحقِّ، وإِن أُخِذَ الجاهلُ بجميعِ المَذْهَبِ الذي يُسَاقُ إِليه دفعةً أباه للحين وعانَدَهُ، ولقد ابتلي بأربابٍ\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٢٤٤) .","vol":"3","page":327},{"text":"متفرِّقين مَنْ يَخْدُم أبناء الدنيا ويؤمِّلهم.\nوقوله: مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً: أي: مسمَّيات، ويحتملُ- وهو الراجحُ المختار- أن يريد: ما تَعْبُدُون من دونه ألوهيَّة، ولا لكُمْ تعلُّق بإله إِلا بحَسَبِ أنْ سمَّيْتُمْ أصنامكم آلهة، فليست عبادتكم لا للَّه إِلا بالاسم فقطْ لا بالحقيقة، وأما الحقيقة: فَهِيَ وسائرُ الحجارة والخَشَب سواءٌ، وإِنما تعلّقت عبادتكم بحسب الاسم الذي وضعتم، فذلك هو معبودكم، ومفعولُ «سميتم» الثاني محذوفٌ، تقديره: آلهة هذا على أن الأسماء يراد بها ذواتُ الأصنام، وأما على المعنى المُخْتارِ من أنَّ عبادتهم إِنما هي لمعانٍ تعطيها الأسماءُ، وليسَتْ موجودةً في الأصنام، فقوله: سَمَّيْتُمُوها بمنزلةِ وضَعْتُمُوهَا، إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ: أي ليس لأصنامكم، والْقَيِّمُ: معناه المستقيم، وأَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ لجهالتهم وكُفْرهم، ثم نادَى: يا صاحِبَيِ السِّجْنِ ثانيةً لتجتمع أنفسهما، لسماعِ الجواب، فروي أنه قال لنبو: أمَّا أنْتَ، فتعودُ إِلى مرتبتك وسقايةِ ربِّك، وقال لمجلث: أما أنْتَ، فتُصْلَب، وذلك كلَّه بعد ثلاثٍ، فروي أنهما قالا له: ما رَأَيْنَا شيئًا، وإِنما تحالمنا لنجرِّبك، وروي أنه لم يَقُلْ ذلك إِلا الذي حدَّثه بالصَّلْبِ، وقيل: كانا رَأَيَا، ثم أنْكَرا، ثم أخبرهما/ يوسُفُ عَنْ غَيْبِ عِلمَهُ من اللَّه تعالى، أَن الأمر قد قُضِيَ ووافَقَ القدر.\nوقوله: وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا ... الآية: الظَّنُّ هنا: بمعنى اليقين لأن ما تقدَّم من قوله: قُضِيَ الْأَمْرُ يلزم ذلك، وقال قتادة: الظنُّ هنا على بابه لأن عبارة الرؤْيا «١» ظنٌّ.\nقال ع «٢»: وقول يوسف ﵇: قُضِيَ الْأَمْرُ: دالٌّ على وحْيٍ، ولا يترتَّب قول قتادة إِلا بأَن يكون معنى قوله: قُضِيَ الْأَمْرُ: أيْ: قُضِيَ كلامِي، وقلْتُ ما عِنْدي، وَتَمَّ، واللَّه أعلم بما يكُونُ بَعْدُ، وفي الآية تأويلٌ آخر: وهو أن يكون «ظَنَّ» مسندًا إِلى الذي قيل له: إِنه يسقي ربه خمرًا لأنه داخَلَه السرور بما بُشِّر به، وغلَبَ على ظنّه ومعتقده أنه ناج.\nوقوله: اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ: يحتمل أن يريد أن يذكره بعلمه ومكانته، ويحتمل: أن يذكره بمظلمته، وما امتحن به بغير حقّ، أو يذكره بجملة ذلك، والضمير في فَأَنْساهُ\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٧/ ٢٢٠) برقم: (١٩٣١٧)، وذكره ابن عطية (٣/ ٢٤٦) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٢٤٦) .","vol":"3","page":328},{"text":"قيل: هو عائد إلى يوسف، أي: نسي في ذلك الوقت أن يشتكي إلى الله، فروي أنّ جبريل جاءه، فعاتبه عن الله ﷿ في ذلك، قيل: أوحي إليه: يا يوسف، اتّخذت من دوني وكيلا، لأطيلنّ سجنك، والله أعلم بصحّته، وقيل: الضمير في فَأَنْساهُ عائد على السّاقي، قاله ابن إسحاق، أي: نسي ذكر يوسف عند ربّه، وهو الملك «١»، والبضع:\nاختلف فيه، والأكثر أنّه من الثلاثة إلى العشرة قاله ابن عباس «٢»: وعلى هذا فقه مذهب مالك في الدعاوي والأيمان، وقال قتادة: البضع: من الثلاثة إلى التسعة «٣»، ويقوي هذا قوله ﷺ لأبي بكر الصّديق في قصة خطره مع قريش في غلبة الرّوم لفارس: «أما علمت أنّ البضع من الثّلاث إلى التّسع «٤» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-691>[سورة يوسف (١٢): الآيات ٤٣ الى ٤٥]</span>\nوَقالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ (٤٣) قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ (٤٤) وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (٤٥)\nوقوله سبحانه: وَقالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ:\nروي أنه قال: رَأَيْتُهَا خَارجةً من نَهْرٍ، وخرجَتْ وراءَها سَبْعٌ عِجاف، فأكلَتْ تلك السِّمان، وحَصَلَتْ في بطونها، ورأى السنابلَ أيضًا كما ذكر، و«ال عِجافٌ: التي بَلَغَتْ غايةَ الهُزَال، ثم قال لحاضريه: يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ، وعبارة الرؤية: مأخوذة منْ عَبْرِ النَّهْرِ، وهو تجاوزه مِنْ شَطٍّ إِلى شَطِّ، فكأنَّ عابر الرؤيا يَنْتَهِي إِلى آخر تأويلها.\nقال ص: وإِنما لم يضفْ «سبع» إِلى عِجَافٍ لأنَّ اسم العدد لا يضاف إِلى الصفة إِلا في الشِّعْرِ، انتهى.\nوقولهُ سبحانه: قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ ... الآية: «الضِّغْثِ» في كلام العرب:\nأقَلُّ من الحُزْمة، وأكثَرُ من القَبْضة من النباتِ والعُشْبِ ونحوه، وربَّما كان ذلك مِنْ جنس\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٧/ ٢٢٢) برقم: (١٩٣٢٩)، وذكره ابن عطية (٣/ ٢٤٧)، والسيوطي (٤/ ٣٧) .\n(٢) أخرجه الطبري (٧/ ٢٢٢) برقم: (١٩٣٣٦)، والسيوطي (٤/ ٣٨) .\n(٣) أخرجه الطبري (٧/ ٢٢٢) برقم: (١٩٣٣٤)، وذكره ابن عطية (٣/ ٢٤٧)، وابن كثير (٢/ ٤٧٩)، والسيوطي (٤/ ٣٨) .\n(٤) أخرجه الترمذي (٥/ ٣٤٢- ٣٤٣) كتاب «التفسير» باب: ومن سورة الروم، حديث (٣١٩١) من طريق الزهري، عن عبيد الله بن عتبة، عن ابن عباس به. وقال الترمذي: هذا حديث غريب من حديث الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس.","vol":"3","page":329},{"text":"واحدٍ، وربما كان من أخْلاَط النباتِ، والمعنى: أنَّ هذا الذي رأَيْتَ أيها الملكُ اختلاط من الأحلامِ بسَبَبِ النوم، ولسنا من أهْلِ العلم بما هو مختلط ورديء، والْأَحْلامِ: جمع حُلْم، وهو ما يخيَّل إِلى الإِنسان في منامه، والأحلام والرؤيا ممَّا أثبتَتْه الشريعةُ، وقال رسول الله ﷺ: «الرُّؤْيَا مِنَ اللَّهِ، وَهِيَ مِنَ المُبَشِّرَةِ وَالحُلْمُ المُحْزِنُ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يَكْرَهُ فَلْيَتْفُلْ عَنْ يَسَارِهِ/ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، وَلْيَقُلْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ مَا رَأَيْتُ، فَإِنَّهَا لاَ تَضُرُّهُ» «١» . وما كان عن حديث النفْسِ في اليقظة، فإِنه لا يلتفت إِليه، ولما سمع الساقي الذي نجا هذه المقالَةَ من المَلِكِ، ومُرَاجَعَةَ أصحابه، تذكَّر يوسُف، وعلْمَهُ بالتأويل، فقال مقالَتَه في هذه الآية، وَادَّكَرَ: أصله: «اذتكر» من الذِّكْرِ، فقلبتِ التاء دالًا، وأدغم الأول في الثاني، وقرأ جمهور الناس «٢»: «بَعْدَ أُمَّةٍ»، وهي المدَّة من الدهر، وقرأ ابن عباس «٣» وجماعة: «بَعْدَ أَمَةٍ»، وهو النسيانُ، وقرأ مجاهد «٤» وشبل: «بَعْدَ أَمْةٍ» - بسكون الميم-، وهو مصْدَرٌ من «أَمِهَ» إِذا نَسِيَ، وبقوله: ادَّكَرَ يقوِّي قول من قال: إِن الضمير في «أنساه» عائدٌ على الساقي، والأمر محتمل، وقرأ الجمهور «٥»: «أنا أنبّئكم»، وقرأ\n_________\n(١) أخرجه مالك في «الموطأ» (٢/ ٩٥٧) كتاب «الرؤيا» باب: ما جاء في الرؤيا، حديث (٢)، والبخاري (٦/ ٣٣٨) كتاب «بدء الخلق» (باب: صفة إبليس وجنوده، حديث (٣٢٩٢)، ومسلم (٤/ ١٧٧٢)، كتاب «الرؤيا»، حديث (٢/ ٢٢٦١)، وأبو داود (٢/ ٧٢٤) كتاب «الأدب» باب: ما جاء في الرؤيا، حديث (٥٠٢١)، والترمذي (٤/ ٥٣٥- ٥٣٦) كتاب «الرؤيا» باب: إذا رأى في المنام ما يكره ما يصنع، حديث (٢٢٧٧)، وابن ماجه (٢/ ١٢٨٦) كتاب «تعبير الرؤيا» باب: من رأى رؤيا يكرهها، حديث (٣٩٠٩)، والنسائي في «عمل اليوم والليلة» (٨٩٧، ٩٠٠- ٩٠١)، وأحمد (٥/ ٣١٠)، وابن أبي شيبة (١١/ ٧٠)، والدارمي (٢/ ١٢٤)، وابن حبان (١٣/ ٤٢٣- ٤٢٤) برقم: (٦٠٥٩)، والبغوي في «شرح السنة» (٦/ ٢٩٤- بتحقيقنا)، كلهم من طريق يحيى بن سعيد، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي قتادة به.\nوقال الترمذي: حديث حسن صحيح.\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٢٤٩) . [.....]\n(٣) وقرأ بها ابن عمر، وعكرمة، ومجاهد، والضحاك، وأبو رجاء، وقتادة، وشبيل بن عزرة الضّبعي، وربيعة بن عمرو، وزيد بن علي.\nينظر: «الشواذ» (٦٨)، و«المحتسب» (٣٤٤٨)، و«البحر المحيط» (٥/ ٣١٣)، و«الدر المصون» (٤/ ١٨٨) .\n(٤) قال الزمخشري: ومن قرأ بسكون الميم فقد خطىء. (يعني: أثم) وقال مثله أبو عبيد كما في «اللسان» (أمه) .\nينظر: «الكشاف» (٢/ ٤٧٦)، و«المحرر الوجيز» (٣/ ٢٤٩)، و«البحر المحيط» (٥/ ٣١٣)، و«الدر المصون» (٤/ ١٨٨) .\n(٥) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٢٤٩) .","vol":"3","page":330},{"text":"الحسن بْنُ أَبي الحسن «١»: «أَنَا آتِيكُمْ»، وكذلك في مُصْحَف أُبيٍّ.\nوقوله: فَأَرْسِلُونِ: استئذان في المضيّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-692>[سورة يوسف (١٢): الآيات ٤٦ الى ٤٩]</span>\nيُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنا فِي سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (٤٦) قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (٤٧) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (٤٨) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (٤٩)\nوقوله: يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنا: المعنى: فجاء الرسُولُ، وهو الساقِي، إِلى يوسُفَ، فقال له: يوسُفُ أيها الصديق، وسمَّاه صِدِّيقًا من حيث كانَ جَرَّب صَدقه في غَيْرِ ما شَيْءٍ، وهو بناء مبالغة مِنَ الصِّدْق، ثم قال له: أَفْتِنا فِي سَبْعِ بَقَراتٍ، أي: فيمَنْ رأَى في المنامِ سَبْعَ بقراتٍ.\nوقوله: لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ، أي: تأويل هذه الرؤيا، فيزولَ هَمُّ المَلِكِ لذلك، وهَمُّ الناس، وقيل: لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ مكانَتَك من العلْمِ، وكُنُهَ فضلك فيكونَ ذلك سببا لتخلّصك ودَأَبًا: معناه: ملازمةً لعادَتِكم في الزِّراعة.\nوقوله: فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ: إِشارة برَأْي نافعٍ بحسب طعامِ مِصْرَ وحِنْطَتِهَا التي لا تبقَى عامين بوجْهٍ إِلا بحيلةِ إِبقائها في السُّنْبُلِ، والمعنَى: اتركوا الزرْعَ في السُّنبُلِ إِلا ما لا غِنَى عنه للأكْلِ فيجتمع الطَّعام هكذا، ويتركَّب ويؤكَل الأَقْدَمُ فالأقدم، وروي أنَّ يوسُفَ ﵇ لَمَّا خَرَجَ وَوَصَفَ هذا الترتيبَ للمَلِكِ، وأعجبه أمره، قال له المَلِكُ: قَدْ أسْنَدتُّ إِليك تولِّيَ هذا الأمْرِ في الأطْعِمَةِ هذه السنينَ المُقْبِلَة، فكان هذا أوَّلَ ما ولي يوسف، وتُحْصِنُونَ معناه: تحرزون وتحزنون قاله ابن عباس «٢»، وهو مأخوذٌ من الحِصْنِ، وهو الحِرْز والمَلْجَأُ ومنه: تحصُّن النساءِ لأنه بمعنى التحرُّز.\nوقوله: يُغاثُ النَّاسُ: جائز أنْ يكون من الغَيث، وهو قول ابن عبَّاس «٣»،\n_________\n(١) وقرأ بها الحجاج، والحسن، ويحيى بن يعمر.\nينظر: «الشواذ» (٦٨)، و«المحرر الوجيز» (٣/ ٢٤٩)، و«الكشاف» (٢/ ٤٧٦)، و«البحر المحيط» (٥/ ٣١٤)، و«الدر المصون» (٤/ ١٨٩) .\n(٢) أخرجه الطبري (٧/ ٢٢٩) برقم: (١٩٣٨١)، وذكره البغوي (٢/ ٤٢٩)، وابن عطية (٣/ ٢٥١)، والسيوطي (٤/ ٤١)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٣) أخرجه الطبري (٧/ ٢٣٠) برقم: (١٩٣٨٧)، وذكره البغوي (٢/ ٤٣٠)، بلا نسبة، وابن عطية (٣/ ٢٥١)، والسيوطي (٤/ ٤١)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم.","vol":"3","page":331},{"text":"وجمهور المفسِّرين، أي: يُمْطَرُون، وجائزٌ أنْ يكون من أغاثهم اللَّهُ: إِذا فَرَّجَ عنهم ومنه الغَوْث، وهو الفَرَجُ، وَفِيهِ يَعْصِرُونَ: قال جمهور المفسِّرين: هي من عَصْر النباتاتِ، كالزيتون، والعَنَبِ، والقَصَبِ، والسِّمْسِمِ، والفِجْلِ، ومِصْرُ بَلَدُ عَصْرٍ لأشياء كثيرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-693>[سورة يوسف (١٢): الآيات ٥٠ الى ٥٣]</span>\nوَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جاءَهُ الرَّسُولُ قالَ ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (٥٠) قالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٥١) ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ (٥٢) وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣)\nوقوله سبحانه: وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جاءَهُ الرَّسُولُ ... الآية: لمَّا رأى المَلِكُ وحاضروه نُبْلَ التَّعْبِير وحُسْنَ الرأْيِ، وتضمَّن الغيب في أمْر العامِ الثامِنِ، مع ما وُصِفَ به من الصِّدْق عَظُمَ يوسُفُ في نَفْس الملك، وقال: ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جاءَهُ الرَّسُولُ قالَ ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ: يعني: الملك، فَسْئَلْهُ مَا بالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ، وقصْدُه ﵇ بيانُ براءته، وتحقُّق منزلته من العِفَّة والخَيْرِ، فرسَمَ القصَّة بطَرَف منها، إِذا وقع النظَرُ عَلَيْه، بان الأمْرُ كله، وَنَكَبَ عن ذِكْرِ امرأة العزيز حُسْنَ عِشْرةٍ ورعايةٍ لذِمَامِ مُلْك العزيز له، وفي «صحيح البخاري»، عن عبد الرحمن/ بن القاسِمِ صاحبِ مَالِكٍ، عن النبيّ ﷺ: «ولَوْ لَبِثْتُ في السِّجْنِ لُبْثَ يُوسُفَ لأَجَبْتُ الدَّاعِي» «١»: المعنى: لو كُنْتَ أنا، لَبَادَرْتُ بالخروج، ثم حاوَلْتُ بيان عُذْرِي بَعْدَ ذلك وذلك أَنَّ هذه القصص والنوازل، إِنما هي معرَّضة ليقتدي النَّاسُ بها إِلى يوم القيامة، فأراد ﷺ حَمْلَ الناسِ على الأحزمِ من الأمورِ وذلك أن التارِكَ لمِثْلِ هذه الفُرْصَة ربَّما نَتَجَ له بسَبَبِ التأخير خلاَفُ مقصوده، وإِن كان يوسف قد أَمِنَ ذلك بِعِلْمِهِ من اللَّه، فغيْرهُ من الناس لا يأمَنُ ذلك، فالحالة التي ذهب النبيّ ﷺ بنفسه إِلَيْها حالَةُ حَزْمٍ ومدحٍ ليقتدى به، وما فعله يوسَفُ ﵇ حالةُ صَبْرٍ وتجلُّد، قال ابنُ العربيِّ في «أحكامه» «٢»: وانظر إِلى عظيمِ حلْمِ يوسُف ﵇ وَوُفُورِ أدبه، كيف قال: ما بالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ، فذكر النساءَ جملةً لتدخُلَ فيهنَّ امرأة العزيزِ مدْخَلَ العمومِ بالتلويحِ دون التصريح. انتهى. وهذه كانت أخلاق نبيّنا محمد ﷺ، لا يقابل أحدًا بمكروهٍ، وإِنما يقول: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَفْعَلُونَ كَذَا»، من غير تعيينٍ، وبالجملة فكلُّ خَصْلة حميدةٍ مذكُورَةٍ في القُرآنَ اتّصف بها الأنبياء والأصفياء، فقد\n_________\n(١) تقدم تخريجه وهو حديث: «نحن أحق بالشك من إبراهيم» .\n(٢) ينظر: «أحكام القرآن» (٣/ ١٠٩١) .","vol":"3","page":332},{"text":"اتصف بها نبيّنا محمّد ﷺ، إِذ كان خلقه القرآن، كما روته عائشةُ في الصحيحِ، وكما ذكر اللَّه سبحانه: أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ [الأنعام: ٩٠] انتهى.\nوقوله: إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ، فيه وعيدٌ، وقوله: مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ: المعنى: فَجَمَعَ المَلِكُ النِّسوة، وامرأة العزيزِ معَهُنَّ، وقال لهنَّ: مَا خَطْبُكُنَّ ... الآية: أي: أيُّ شيء كانَتْ قصَّتَكُن، فجاوب النساءُ بجوابٍ جيدٍ، تظهر منه براءَةُ أَنفُسِهِنَّ، وأعطَيْنَ يوسُفَ بعْضَ براءةٍ، فقلْنَ: حاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ، فلما سمعت امرأة العزيزِ مقالَتَهُنَّ وَحَيْدَتَهُنَّ، حضَرَتْها نيَّةٌ وتحقيقٌ، فقالتِ: الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ، أي: تبيَّنَ الحقُّ بعد خفائِهِ قاله الخليل وغيره، قال البخاريُّ: حَاشَ وحَاشَى: تنزيهٌ واستثناء، وحَصْحَصَ: وَضَح. انتهى.\nثم أقرَّتْ على نفسها بالمراودةِ، والتزمت الذنْبَ، وأبرأَتْ يوسُفَ البراءةَ التامَّة.\nوقوله: ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ إِلى قوله: إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ:\nاختلف فيه أَهْلُ التأويل، هل هو مِنْ قولِ يوسُفَ أَو من قول امرأة العزيز.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-694>[سورة يوسف (١٢): الآيات ٥٤ الى ٥٧]</span>\nوَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ (٥٤) قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥) وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦) وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (٥٧)\nوقوله سبحانه: وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي: المعنى: أن الملك، لَمَّا تَبَيَّنَتْ له براءة يُوسُفُ وتحقَّق في القصَّة أمانته، وفَهِمَ أيضًا صبره وعُلُوَّ همته، عظُمَتْ عنده منزلتُهُ، وتيقَّن حُسْنَ خلاله، فقال: ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي، فلما جاءه وكلَّمه قال:\nإِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ: قال ابنُ العربيِّ في «أحكامه» «١»: قوله: إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ: أي: متمكِّن مما أردتَّ، أمين على ما ائتمنت عليه من شيء أمَّا أمانته فلظهورِ برائته، وأمَّا مكانته، فلثبوت عفَّته: ونَزَاهَتِهِ/ انتهى، وَلَمَّا فهم يوسُفُ ﵇ من المَلِكِ أنَّه عزم على تصريفه والاستعانة بِنَظَرِهِ، قال: اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ، لما في ذلك من مصالح العباد.\nقال ع «٢»: وطِلبَةُ يوسُفَ للعملِ إِنما هي حِسْبَةٌ منه ﵇ في رغبته في أن\n_________\n(١) ينظر: «أحكام القرآن» (٣/ ١٠٩١) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٢٥٥- ٢٥٦) .","vol":"3","page":333},{"text":"يقع العدلُ، وجائزٌ أيضًا للمرء أنْ يُثْنِيَ على نفسه بالحقّ، إذا جهل أمره، والخزائن:\nلفظٌ عامٌّ لجميع ما تختزنه المَمْلَكَة من طعامٍ ومالٍ وغيره.\nوقوله سبحانه: وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ: الإِشارة ب «ذلك» إِلى جميع ما تقدَّم من جميلِ صنعِ اللَّه به، فروي أن العزيز ماتَ في تلك الليالي، وقال ابنُ إِسحاق: بل عَزَلَه المَلِكُ «١»، ثم مات أظفير، فولاه المَلِكُ مكانَهُ، وَزَوَّجَه زوجَتَهُ، فلما دخَلَتْ علَيْه عَرُوسًا، قال لها: أَلَيْسَ هذا خيرًا مما كُنْتِ أردتِّ، فدخَلَ يوسُفُ بها، فَوَجَدَهَا بكْرًا، وولَدَتْ له ولدَيْنِ، ورُوِيَ أيضًا أَنَّ الملك عزَلَ العزيزَ، وولَّى يوسُفَ موضعَهُ، ثم عظُمَ مُلْكُ يوسُفَ وتغلَّب على حالِ المَلِكِ أجمع، قال مجاهدٌ: وأسْلَمَ المَلِكِ آخِرَ أمْره «٢»، ودَرَسَ أمر العزيز، وذهبتْ دنياه، وماتَ، وافتقرت زوجته، وشاخَتْ، فلما كان في بعض الأيامِ، لَقِيَتْ يوسُفَ في طريقٍ، والجنودُ حوله ووراءه، وعلى رأسه بُنُودٌ عليها مكتوبٌ:\nهذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحانَ اللَّهِ وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [يوسف: ١٠٨] فَصَاحَتْ به، وقالَتْ: سُبْحَانَ اللَّهِ مَنْ أَعَزَّ العبيدَ بالطَّاعةَ، وأذَلَّ الأربابَ بالمَعْصِيةِ، فعرفَهَا، وقالَتْ له: تَعَطَّفَ عَلَيَّ وارزقني شيئًا، فدعا لها، وكلَّمها، وأشفَقَ لحالها، ودعا اللَّه تعالى فرَدَّ عليها جمالَهَا، وتزوَّجها، ورُوِيَ في نحو هذا مِنَ القصص ما لا يُوقَفُ على صحَّته، ويطولُ الكلامُ بسَوْقه، وباقي الآية بيِّن واضحٌ للمستبصرين، ونورٌ وشفاءٌ لقلوب العارفين.\nوقوله: «لِيُوسُفَ»: أبو البقاء: اللام زائدةٌ، أي: مَكَّنّا يُوسُفَ، ويجوز ألا تكون زائدة، فالمفعول محذوفٌ، أي: مكنا ليوسف الأمورَ. انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-695>[سورة يوسف (١٢): الآيات ٥٨ الى ٦٧]</span>\nوَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٨) وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ قالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٥٩) فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ (٦٠) قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ وَإِنَّا لَفاعِلُونَ (٦١) وَقالَ لِفِتْيانِهِ اجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ فِي رِحالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها إِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٦٢)\nفَلَمَّا رَجَعُوا إِلى أَبِيهِمْ قالُوا يا أَبانا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (٦٣) قالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٦٤) وَلَمَّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ وَجَدُوا بِضاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قالُوا يا أَبانا ما نَبْغِي هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا وَنَمِيرُ أَهْلَنا وَنَحْفَظُ أَخانا وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (٦٥) قالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاَّ أَنْ يُحاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قالَ اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ (٦٦) وَقالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (٦٧)\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٧/ ٢٤٢) برقم: (١٩٤٦٦)، وذكره البغوي (٢/ ٤٣٣)، وابن عطية (٣/ ٢٥٦)، وابن كثير (٢/ ٤٨٢)، والسيوطي (٤/ ٤٦)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم.\n(٢) أخرجه الطبري (٧/ ٢٤٢) برقم: (١٩٤٦٩)، وذكره البغوي (٢/ ٤٣٣)، وابن عطية (٣/ ٢٥٦)، والسيوطي (٤/ ٤٤)، وعزاه لابن جرير.","vol":"3","page":334},{"text":"وقوله ﷿: وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ، قال السدِّيُّ «١» وغيره: سبب مجيئهم أنَّ المجاعة اتصلت ببلادِهِمْ، وكان النَّاس يمتارُونَ مِنْ عنْد يوسُف، وهو في رتبة العزيز المتقدِّم، وكان لا يعطي الوارد أكثر مِنْ حِملٍ بَعِيرٍ يُسَوِّي بين الناس، فلما ورد إِخوته، عَرَفَهم، ولم يَعْرفُوه لِبُعْدِ العهد وتغيُّر سنِّه، ولم يقعْ لهم بَسَبِب مُلْكه ولسانِهِ القبْطِيِّ ظنٌّ عليه، ورُوِيَ في بعض القصص، أنه لما عرفهم أراد أنْ يخبروه بجميعِ أمرهم، فباحَثَهُمْ بأنْ قال لهم بتَرْجُمَانٍ: «أُظنُّكُمْ جواسِيسَ»، فاحتاجوا حينئذٍ إِلى التعريفِ بأنفسهم، فقالوا: نَحْنُ أبناءُ رجُلٍ صِدِّيقٍ، وكنا اثْنَيْ عَشَرَ ذهب منَّا واحدٌ في البَرِّيَّة، وبقي أصغرنا عنْدَ أبينا، وجئْنَا نَحْن للميرة، وسقنا بعير الباقي منَّا، وكنا عَشَرَةً، ولهم أحدَ عَشَرَ بعيرًا، فقال لهم يوسف: ولِمَ تخلَّفَ أحدكم؟ قالوا: لمحبَّة أبينا فيه، قال:\nفأتوا بهذا الأخِ حتى/ أعلم حقيقة قَوْلِكم، وأرَى لِمَ أحَبُّهُ أبوكم أَكْثَرَ منكم إِن كنتم صادقين، وروي في القصص أنهم وَرَدُوا مصْرَ واستأذنوا على العزيز، وانتسبوا في الاستئذان، فعرفَهُمْ، وأمر بإِنزالهم وأدخَلَهم في ثاني يومٍ على هيئة عظيمةٍ لمُلْكِه، وروي أنه كان متلثِّمًا أبدًا سَتْرًا لجماله، وأنه كان يأخذ الصُّوَاع، فينقره، ويَفْهم منْ طنينه صدْقَ الحديثِ منْ كذبه، فَسُئِلوا عن أخبارهم، فكلَّما صدقوا، قال لهم يوسف: صَدَقْتم، فلما قالوا: وكَانَ لَنَا أخٌ أكله الذِّئب، أطنَّ يوسُفُ الصُّواع، وقال: كَذَبْتم، ثم تغيَّر لهم، وقال:\nأراكُمْ جواسيسَ، وكلَّفهم سَوْقَ الأخ الباقي ليظهر صدْقُهم في ذلك في قصصٍ طويلٍ، جاءت الإِشارة إِليه في القرآن، «والجهاز» ما يحتاج إِليه المسافر من زَادٍ ومتاعٍ.\nوقوله: بِأَخٍ لَكُمْ ص: نَكَّرَهُ، ليريهم أنه لا يعرفُهُ، وفَرْقٌ بين غلامٍ لك، وبين غلامِكَ، ففي الأول أنت جاهلٌ به، وفي الثاني أنْتَ عالمٌ، لأن التعريف به يفيدُ نَوْعَ عهدٍ في الغلامِ بَيْنَكَ وبين المخاطَب، انتهى.\nوقول يوسف: أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ ... الآية: يرغِّبهم في نفسه آخرا\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٧/ ٢٤٣) برقم: (١٩٤٧١)، وذكره ابن عطية (٣/ ٢٥٧- ٢٥٨) .","vol":"3","page":335},{"text":"ويؤنّسهم ويستميلهم، والْمُنْزِلِينَ: يعني: المُضِيفين، ثم توعَّدهم بقوله: فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ، أي: في المستأنف، وروي عن النبيِّ ﷺ أنه قال: «كَانَ يُوسُفُ يُلْقِي حَصَاةً في إِنَاءِ فِضَّةٍ مَخُوصٍ بالذَّهَبِ فَيَطِنُّ، فَيَقُولُ لَهُمْ: إِنَّ هَذَا الإِنَاءَ يُخْبِرُنِي أَنَّ لَكُمْ أَبًا شَيْخًا»، ورُوِيَ أنَّ ذلك الإِناء به كان يَكِيلُ الطعامَ، إِظهارًا لِعزَّته بحسب غَلاَئِهِ، وروي أن يوسُفَ استوفى في تلك السنين أمْوَالَ الناسِ، ثم أملاكَهم، وظاهر كُلِّ ما فعله يوسُفُ معهم أنَّه بوحْيٍ وأمْرٍ، وإِلا فَكَانَ بِرُّ يعقوب يقتضي أن يبادِرَ إِلَيْهِ ويستَدْعيه، لكنَّ اللَّه تَعَالى أَعلمه بما يَصْنَعُ ليكمل أجْرَ يعقوب ومِحْنته، وتتفسَّر الرؤيا الأُولى.\nوقوله: لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها: يريد: لعلَّهم يعرفون لها يدًا وتكرمةً يَرَوْنَ حقَّها فيرغبون في الرجوعِ إِلينا، وأما مَيْزُ البِضَاعة، فلا يُقَالُ فيه: «لَعَلَّ» وقيل: قصد يوسف بِرَدِّ البضاعة أنْ يتحرَّجوا مِنْ أخْذِ الطعامِ بِلا ثَمنٍ، فيرجعوا لدَفْعِ الثمنِ، وهذا ضعيفٌ من وجوهٍ، وسرُورُهُم بالبضَاعةِ، وقولهم: هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا يكشف أنَّ يوسف لم يَقْصِدْ هذا، وإِنما قصد أنْ يستميلهم، ويصلهم، ويُظْهِر أَنَّ ما فعله يوسف من صلتهم وجَبْرهم في تِلْكَ الشِّدَّة كان واجبًا عليه، وقيلَ: عَلِمَ عَدَمَ البضاعةِ والدَّراهمِ عند أبيه فرَدَّ البضاعة إِليهم لئِلاَّ يمنعهم العُدْمُ من الرجوعِ إِليه، وقيل: جعلها توطئةً لجعل السقاية في رَحْلِ أخيه بعد ذلك، ليبيِّن أنه لم يَسْرِقْ لمن يتأمَّل القصَّة، والظاهر منَ القصَّة أنه إِنما أَراد الاستئلاف وصِلَةَ الرحِمِ، وأصْلُ «نَكْتَلْ»: «نَكْتَئِل»، وقولهم: مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ: ظاهره أنهم أشاروا إِلى قوله: فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي، فهو خوفٌ في المستأنفِ، وقيل: أشاروا إِلى بعيرِ يَامِينَ، والأولْ أرجَحُ، ثم تضمَّنوا له حِفْظَه وحَيْطَته، وقول يعقوبَ ﵇:\nهَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ ... الآية: «هَلْ» توقيفٌ وتقريرٌ/ ولم يصرِّح بمنعهم مِنْ حمله لما رأَى في ذلك مِنَ المصلحة، لكنَّه أعلمهم بقلَّة طَمَأْنينَتِهِ إِليهم، ولكنْ ظاهر أمرهم أنهم قد أنابُوا إِلى اللَّه سُبْحانه، وانتقلَتْ حالهم، فلم يَخَفْ على يَامِينَ، كخوفه علَى يوسُفَ، وقرأ نافعٌ وغيره «١»: «خَيْرٌ حِفْظًا»، وقرأ حمزة وغيره: «خَيْرٌ حَافِظًا»، ونصب ذلك في القراءتين على التمييز والمعنى: أنَّ حفظ اللَّه خَيْرٌ من حفْظِكم، فاستسلم يعقوبُ عليه\n_________\n(١) وحجتهم في ذلك قولهم قيل: وَنَحْفَظُ أَخانا، فلما أضافوا إلى أنفسهم، قال يعقوب: فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظًا أي من حفظكم الذي نسبتموه إلى أنفسكم.\nوحجة الباقين: قولهم قبل: وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ، فقال يعقوب رادّا عليهم: فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظًا.\nينظر: «العنوان» (١١١)، و«شرح الطيبة» (٤/ ٣٨٦)، و«شرح شعلة» (٤٤٠)، و«إعراب القراءات» (١/ ٣١٤) . [.....]","vol":"3","page":336},{"text":"السلام للَّهِ، وتوكَّل علَيْه، وقولهم: مَا نَبْغِي: يحتمل أنْ تكون «ما» استفهاما قاله قتادة: ونَبْغِي: من البُغْية، أي: ماذا نَطْلُبُ بَعْدَ هذه التَّكْرِمَة هذا مَالُنَا رُدَّ إِلينا مع مِيرَتِنا، قال الزَّجَّاج «١»: ويحتمل أنْ تكون «ما» نافية، أي: ما بقي لنا ما نَطْلُبُ، ويحتمل أن تكون أيضا نافية، ونَبْغِي من البَغْيِ، أي: ما تَعَدَّيْنا فَكَذَبْنا على هذا المَلِكِ، ولا في وَصْف إِجماله وإِكرامه، هذه البضاعةُ رُدَّت إِلينا، وقرأ أبو حَيْوة «٢»: «ما تَبْغِي» على مخاطبة يعقوبَ، وهي بمعنى ما تُرِيدُ، وما تطلب وقولهم: وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ يريدون بَعِيرَ أخيهم إِذ كان يوسُفُ إِنما حمل لهم عَشَرَةَ أَبْعِرَةٍ، ولم يحملِ الحادِيَ عشر لغيب صاحبه، وقولهم: ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ: قيل: معناه: يسيرٌ على يوسف أنْ يعطيه.\nوقال السدِّيَّ: يَسِيرٌ، أي: سريع لاَ نُحْبَسُ فيه ولا نُمْطَلُ «٣» .\nوقوله تعالى: فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ الآية: أي لمَّا عاهدوه، أشْهَدَ اللَّه بينه وبينهم بقوله: اللَّهُ عَلى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ، و«الوكيلُ»: القيِّم الحافظُ الضَّامن.\nوقوله: إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ: لفظٌ عامٌّ لجميع وجوه الغَلَبة، وانظر أنَّ يعقوبَ ﵇ قد توثَّق في هذه القصَّة، وأشْهَدَ اللَّه تعالى، ووصَّى بنيه، وأخبر بعد ذلك بتوكُّله، فهذا توكُّل مع سبب، وهو توكُّل جميعِ المؤمنين إِلا مَنْ شَذَّ في رَفْض السعْي بالكليَّة، وقَنِعَ بالماء وبَقْلِ البَرِّيَّة، فتلك غايَةُ التوكُّل، وعليها بعضُ الأنبياء ﵈، والشارعُونَ منهم مثبتون سُنَنَ التسبُّب الجائز، قال الشيخ العارف بالله عبد الله بن أبي جَمْرَةَ ﵁: وقد اشتمل القُرْآنَ على أَحكامٍ عديدةٍ، فمنها: التعلُّق باللَّه تعالَى، وتركُ الأسبابِ، ومنها: عمل الأسبابِ في الظاهِرِ، وخُلُوُّ الباطن من التعلُّق بها، وهو أجلُّها وأزكاها لأن ذلك جَمْعٌ بينَ الحكمَةِ وحقيقة التَّوْحيد، وذلك لا يكُونُ إِلا للأفذاذِ الذين مَنَّ اللَّه عليهم بالتوْفِيق ولذلك مَدَحَ اللَّه تعالى يعقوب ﵊ في كتابه، فقال: وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ [يوسف: ٦٨] لأنه عمل الأسباب، واجتهد/ في توفيتها، وهو مقتضَى الحكمةِ، ثم رَدَّ الأمر كلَّه للَّه تعالى، واستسلم إِليه، وهو حقيقةُ التَّوحيد، فقال: وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ... الآية، فأثنى\n_________\n(١) ينظر: «معاني القرآن» (٣/ ١١٨) .\n(٢) وهي قراءة ابن مسعود كما في «الكشاف» (٢/ ٤٨٦)، وينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٢٦٠)، و«البحر المحيط» (٥/ ٣٢١)، و«الدر المصون» (٤/ ١٩٥) .\n(٣) ذكره ابن عطية (٣/ ٢٦١) .","vol":"3","page":337},{"text":"اللَّه تعالَى عَلَيْهِ مِنْ أَجْلِ جمعه بَيْن هاتين الحَالَتَيْنِ العظيمتين.\nوقوله: لاَ تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ: قيل: خَشِيَ عليهم العَيْنَ، لكونهم أحَدَ عَشَر لرجلٍ واحدٍ، وكانوا أهْلَ جمالٍ وبسطة قاله ابن عباس وغيره «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-696>[سورة يوسف (١٢): الآيات ٦٨ الى ٦٩]</span>\nوَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَّا كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٦٨) وَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَخاهُ قالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٦٩)\nوقوله سبحانه: وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ، روي أنه لَمَّا ودَّعوا أباهم، قال لهم: بَلِّغوا مَلِكَ مِصْر سَلاَمِي، وقولُوا له: إِنَّ أَبانا يصلِّي عليك، ويَدْعُو لك، ويَشْكُر صنيعك مَعَنَا، وفي كتاب أبي مَنْصُورٍ المهرانيِّ أنه خاطَبَه بكتابٍ قُرِىءَ على يوسف، فبكَى.\nوقوله سبحانه: مَّا كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها: بمثابة قولهم: لم يكُنْ في ذلك دَفْعُ قَدَرِ اللَّه، بل كان أرَبًا ليعقُوبَ قضاه، فالاستثناء ليس من الأولِ، والحاجةُ هي أنْ يكون طَيِّب النفْس بدخولهم من أبواب متفرِّقة خَوْفَ العين، ونظير هذا الفعْلِ أن النبيّ ﷺ سَدَّ كُوَّةً في قَبْرٍ بِحَجَرٍ، وقال: «إِنَّ هَذَا لاَ يُغْنِي شَيْئًا، ولكِنَّهُ تَطْيِيبٌ لِنَفْسِ الحَيِّ»، ثم أثنى اللَّه ﷿ على يعقوب بأنه لُقِّنَ ما علَّمه اللَّه من هذا المَعْنى، وأن أكثر الناس لَيْسَ كذلك، وقال قتادة: معناه: لَعَامِلٌ بما علَّمناه «٢»، وقال سفيان: من لا يعمل لاَ يَكُونُ عالمًا «٣» .\nقال ع «٤»: وهذا لا يعطيه اللفْظُ، أمَّا أنَّه صحيحٌ في نفسه يرجِّحه المعنى وما تقتضيه منزلةُ يعقُوبَ ﵇.\nوقوله: إِنِّي أَنَا أَخُوكَ قال ابنُ إِسحاق وغيره: أخبره بأنه أخوهُ حقيقةً، واستكتمه، وقال له: لا تبال بكلِّ ما تراه من المَكْروه في تحيّلي في أخذك منهم، وكان\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٧/ ٢٤٩) برقم: (١٩٤٩٦)، وذكره ابن عطية (٣/ ٢٦١)، وابن كثير (٢/ ٤٨٤)، والسيوطي (٤/ ٤٩)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم.\n(٢) أخرجه الطبري (٧/ ٢٥٠) برقم: (١٩٥٠٦)، وذكره ابن عطية (٣/ ٢٦٢)، وابن كثير (٢/ ٢٨٤)، والسيوطي (٤/ ٤٩)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.\n(٣) أخرجه الطبري (٧/ ٢٥٠) برقم: (١٩٥٠٨)، وذكره ابن عطية (٣/ ٢٦٢) .\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٢٦٢) .","vol":"3","page":338},{"text":"يَامِينُ شقيقَ يُوسُفَ.\nوقوله: فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ: يحتمل أنْ يشير إِلى ما عمله الإِخوة، ويحتمل الإِشارة إِلى ما يعمله فتيانُ يُوسُفَ من أمْرِ السقاية، ونحو ذلك، وتَبْتَئِسْ: من البُؤْس، أي: لا تَحْزَنْ، ولا تَهْتَمَّ، وهكذا عبّر المفسّرون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-697>[سورة يوسف (١٢): الآيات ٧٠ الى ٧٢]</span>\nفَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ (٧٠) قالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ماذا تَفْقِدُونَ (٧١) قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (٧٢)\nوقوله سبحانه: فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ: هذا من الكَيْد الذي يَسَّره اللَّه ليوسُفَ ﵇، وذلك أنه كان في دين يَعْقُوبَ أنْ يُسْتَبْعَدَ السارقُ، وكان في دِينِ مِصْرَ أن يُضْرَبَ، ويُضَعَّف عليه الغُرْم، فعلم يوسُفُ أَنَّ إِخوته لثقتهم ببراءة سَاحَتِهِمْ سَيَدْعُونَ في السَّرقة إِلى حكمهم، فتحيَّل لذلك، واستسهل الأَمرَ على ما فيه مِنْ رَمْي أبرياء وإِدخالِ الهَمِّ على يَعْقُوب وعَلَيْهِم لِمَا علم في ذلك من الصَّلاح في الآجِلِ، وبوَحْيِ لا محالة، وإِرادةٍ مِنَ الله محنتهم بذلك، والسِّقايَةَ: الإِناء الذي به يَشْرَبُ المَلِكُ وبه كان يَكِيلُ الطعام للنَّاس هكذا نصَّ جمهور المفسِّرين ابنُ عباس وغيره، وروي أنه كان مِنْ فضَّة «١»، وهذا قولُ الجمهور، وكان هذا الجعل بغَيْرِ عِلْم من «يَامين» / قاله السُّدِّيُّ «٢» وهو الظاهر، «فلما فَصَلَتِ العير» بأوقارها، وخرجَتْ من مصر فيما رُوِيَ أمر بهم فَحُبِسُوا، وأذن مؤذن أيتها العير إِنكم لسارقُونَ، ومخاطبةُ العِير مجازٌ، والمراد أربابها.\nت: قال الهَرَوِيُّ: قوله تعالى: أَيَّتُهَا الْعِيرُ: «العير»: الإِبلُ والحمير التي يحمل عليها الأحمال، وأراد أصحاب العير وهذا كقوله ﷺ: «يا خَيْلَ اللَّهِ، اركبي»\n» أراد: يا أَصْحَابَ خَيْلِ اللَّهِ اركبي، وأنَّث «أَيًّا» لأَنه للعيرِ، وهي جماعة، انتهى. فلما\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٧/ ٢٥٥) برقم: (١٩٥٣٢)، وذكره ابن كثير (٢/ ٤٨٥)، والسيوطي (٤/ ٥٠)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن الأنباري، وأبي الشيخ، وابن منده في «غرائب شعبة»، وابن مردويه، والضياء.\n(٢) أخرجه الطبري (٧/ ٢٥٣) برقم: (١٩٥٢٧)، وذكره البغوي (٢/ ٤٣٨) .\n(٣) قال السخاوي في «المقاصد» ص: (٤٧٣- ٤٧٤): أخرجه أبو الشيخ في الناسخ والمنسوخ من طريق أبي حمزة السكري عن عبد الكريم حدثني سعيد بن جبير عن قصة المحاربين، قال: كان ناس أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: نبايعك على الإسلام، فذكر القصة وفيها فأمر النبي ﷺ فنودي في الناس: يا خيل الله اركبي، فركبوا لا ينتظر فارس فارسا، وللعسكري من حديث عبد الله بن المثنى، عن ثمامة، عن أنس","vol":"3","page":339},{"text":"سمع إِخْوَةُ يوسُفَ هذه المقالة، أقبَلوا عليهم، وساءهم أَنْ يُرْمَوْا بهذه المَثْلَبَة، وقالوا: ماذا تَفْقِدُونَ، ليقع التفْتِيشُ، فتظهر براءتهم، ولم يلوذوا بالإِنكار من أوَّل، بل سألوا إِكمال الدعوَى عسى أنْ يكون فيها ما تبطل به، فلا يَحْتَاج إِلى خصامٍ، قالوا: نفقدُ صُوَاعَ المَلِكِ، وهو المِكْيَالُ، وهو السِّقَايَةُ، قال أبو عُبَيْدة: يؤنَّث الصُّوَاع مِنْ حيْثُ سمي سِقَايَةً، ويذكَّر من حيث هو صَاعٌ.\nت: ولفظ أبي عُبَيْدة الهَرَوِيُّ قال الأَخفش: الصَّاع: يذكَّر ويؤنَّث، قال اللَّه تعالى: ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ فأنَّثَ، وقَالَ: لِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ فذكَّرَ لأنه عنى به الصُّوَاع. انتهى.\nوقوله: وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ: أي: لمن دَلَّ على سارقه، وجَبَرَ الصَّواع، وهذا جُعْل.\nوقوله: وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ: حَمَّالَةٌ، قال مجاهد: «الزَّعيم»: هو المُؤَذِّن الذي قال أيَّتُهَا العِير «١» و«الزعيم»: الضامنُ في كلام العرب.\n_________\nفي حديث ذكره، قال: فنادى منادي رسول الله ﷺ: «يا خيل الله اركبي، ومن حديث يوسف بن عطية، عن ثابت، عن أنس أن النبي ﷺ قال لحارثة بن النعمان؟ كيف أصبحت: الحديث وفيه أنه قال: يا نبي الله ادع الله لي بالشهادة فدعا له قال: فنودي يوما بالخيل: يا خيل الله اركبي، قال: فكان أول فارس ركب وأول فارس استشهد، ولابن عائذ في «المغازي»، عن الوليد بن مسلم، عن سعيد بن بشير، عن قتادة قال: بعث رسول الله ﷺ يومئذ يعني: يوم قريظة يوم الأحزاب مناديا ينادي: يا خيل الله اركبي وعزى السهيلي في غزوة حنين من «الروض» هذه اللفظة «لصحيح مسلم» فيحرر، نعم عند ابن إسحاق ومن طريقه البيهقي في «الدلائل» حدثني عاصم بن عمر بن قتادة وعبد الله بن أبي بكر بن حزم وغيرهما قالوا: لما قدم رسول الله ﷺ إلى بني لحيان، فذكر حديث إغارة بني فزارة على لقاح النبي ﷺ صرخ في المدينة: يا خيل الله اركبوا، وجاءت أحاديث عن علي وخالد بن الوليد، ففي «المستدرك» للحاكم في قصة أويس من حديث أبي نضرة، عن أسير بن جابر، فذكر القصة وقال في آخرها: فنادى علي: يا خيل الله اركبي، وفي الردة للواقدي من رواية عاصم بن عمر، عن محمود بن لبيد أن خالد بن الوليد قال لأصحابه يوم اليمامة: يا خيل الله اركبي، فركبوا وساروا إلى بني حنيفة، وقال أبو داود في «السنن»: باب: النداء عند النفير: يا خيل الله اركبي، وساق في الباب حديث سمرة بن جندب أن النبي ﷺ سمّى خيلنا خيل الله، وللعسكري من حديث موسى بن نفيع الحارثي عن مشيخة من قومه أن النبي ﷺ قال: الأناة في كل شيء خير إلا في ثلاث: إذا صيح في خيل لله فكونوا أول من يشخص.\nوذكر حديثا، قال العسكري قوله: يا خيل الله اركبي، هذا على المجاز والتوسع، أراد: يا فرسان خيل الله اركبي، فاختصر لعلم المخاطب بما أراد.\n(١) أخرجه الطبري (٧/ ٢٥٦) برقم: (١٩٥٥٠- ١٩٥٥١)، وذكره البغوي (٢/ ٤٣٩)، وابن عطية (٣/ ٢٦٤)، والسيوطي (٤/ ٥١)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.","vol":"3","page":340},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-698>[سورة يوسف (١٢): الآيات ٧٣ الى ٧٦]</span>\nقالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَّا جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَما كُنَّا سارِقِينَ (٧٣) قالُوا فَما جَزاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ (٧٤) قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٧٥) فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ مَا كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (٧٦)\nوقوله تعالى: قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَّا جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ: روي أن إِخوة يوسُفَ كانُوا رَدُّوا البِضَاعة المَوْجُودة في الرِّحَال، وتحرَّجوا مِنْ أخْذ الطعام بلا ثَمَنٍ فلذلك قالوا: لَقَدْ عَلِمْتُمْ أي: لقد علمْتُمْ منا التحرِّي، وروي أنهم كانوا قَدِ اشتهروا بِمِصْرَ بصَلاَحٍ وتعفُّفٍ، وكانوا يجعلُونَ الأَكِمَّةَ في أفواه إِبلهم، لَئَلاَّ تنَالَ زروعَ الناسِ فلذلك قالوا: لَقَدْ عَلِمْتُمْ، والتاء في «تَاللَّهِ» بدلٌ من الواو، ولا تدخُلُ التَّاء في القَسَمِ إِلاَّ في هذا الاسم.\nقال ابن العربيِّ في «أحكامه» «١»: قال الطبري «٢»: قوله تعالى: قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ على حذف مضافٍ، تقديره: جزاؤه استعباد أو استرقاق مَنْ وَجَدَ في رَحْله. انتهى.\nوقولهم: كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ: أي: هذه سُنَّتنا ودِينُنا في أهْل السَّرقة أنْ يتملَّك السارق كما تَمَلَّكَ هو الشيءَ المَسْرُوق.\nوقوله سبحانه: فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ ... الآية: بدؤه أيضًا من أوعيتهم تمكينٌ للحِيلَةِ، وإِبعادٌ لظُهُور أنها حيلةٌ، وأضافَ اللَّه سبحانَهُ الكَيْدَ إِلى ضميره لَمَّا خَرَجَ القَدْرُ الذي أباح به ليُوسُفَ أَخْذَ أخِيهِ مَخْرَجَ ما هو في اعتقاد النَّاس كَيْدٌ، وقال السّدّيّ والضّحّاك:\nكِدْنا: معناه: صنعنا «٣»، ودِينِ الْمَلِكِ: فسَّرَه ابن عباس بسُلْطَانِهِ «٤»، وفسَّره قتادة بالقضاءِ والحُكُم «٥»، وهذا متقاربٌ، قال ابن العربيِّ في «أحكامه» «٦»: قوله تعالى:\n_________\n(١) ينظر: «أحكام القرآن» (٣/ ١٠٩٨) .\n(٢) ينظر: «تفسير الطبري» (٧/ ٢٥٨) . [.....]\n(٣) أخرجه الطبري (٧/ ٢٦١) برقم: (١٩٥٧٣)، وبرقم: (١٩٥٧٤)، والبغوي (٢/ ٤٤٠)، وابن عطية (٣/ ٢٦٥)، والسيوطي (٤/ ٥١)، وعزاه لابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٤) أخرجه الطبري (٧/ ٢٦١) برقم: (١٩٥٧٥)، وذكره البغوي (٢/ ٤٤٠)، وابن عطية (٣/ ٢٦٦)، والسيوطي (٤/ ٥١)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.\n(٥) أخرجه الطبري (٧/ ٢٦١) برقم: (١٩٥٧٧- ١٩٥٧٨)، وذكره ابن عطية (٣/ ٢٦٦)، والسيوطي (٤/ ٥٢)، وعزاه لعبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.\n(٦) ينظر: «أحكام القرآن» (٣/ ١٠٩٩) .","vol":"3","page":341},{"text":"كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ مَا كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ، إذ كان المَلِكُ لا يَرَى استرقاق السَّارق، وإِنما كان دِينُهُ أنْ يأخذ المجنيُّ/ عليه من السارق مِثْلَي السَّرقَةِ. إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ: التزام الإِخوة لدين يعقوبَ بالاسترقاق، فَقَضَى عليهم به، انتهى.\nقال ع «١»: والاستثناء في هذه الآيةِ حكايةُ حال التقديرِ، إِلا أنْ يشاء اللَّه مَا وَقَعَ من هذه الحيلةِ، وروَى أبو عمر بْنُ عَبْدِ البَرِّ بسنده، عن مالك، عن زيد بن أسلم أنه قال في قَوْلِهِ ﷿: نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ: قال: بالعلْمِ، انتهى من «كتاب العلم» .\nوقوله سبحانه: وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ، المعنى: أنَّ البَشَرَ في العلْمِ درجاتٌ، فكلُّ عالمٍ فلا بُدَّ مِنْ أعْلَمَ منه، فَإِما من البَشَرِ، وإِما اللَّه ﷿، فهذَا تأويلُ الحَسَن وقتادة وابن عباس «٢» وروي أيضًا عن ابن عبَّاس: إِنما العليمُ اللَّهُ، وهو فوقَ كل «٣» ذي علم.\nقال ابن عطاء في «التنوير»: اعلم أنَّ العلْمَ حيثُ ما تكرَّر في الكتابِ العزيز، أو في السُّنَّة، فإِنما المرادُ به العِلْمُ النافِعُ الذي تقارنُهُ الخشية، وتكتنفه المَخَافة. انتهى.\nقال الشيخ العارفُ أبو القاسم عبْدُ الرحمن بْنُ يوسُفَ اللَّجَائيُّ ﵀: إِذا كَمُلَتْ للعبدِ ثلاَثُ خِصَالٍ، وصَدَقَ فيها، تفجَّرَ العْلْمُ مِنْ قَلْبِهِ على لسانه، وهي الزُّهْد، والإِخلاص، والتقوى، قال: ولا مَطْمَعَ في هذَا العلْمِ المذكور إِلا بَعْدَ معالجة القَلْبِ مِنْ علله التي تشينه، كالكِبْر، والحَسَد، والغَضَبِ، والرياء، والسُّمْعة، والمَحْمَدَة والجاه، والشَّرَف، وعُلُوِّ المنزلة، والطمَعِ، والحِرْصِ، والقَسْوة، والمُدَاهَنة، والحِقْد، والعَدَاوة، وكلِّ ما عَدَدْنَاهُ من العلل، وما لم نَعُدَّهُ راجعٌ إِلى أصل واحدٍ، وهو حبُّ الدنيا، لأنَّ حبها عنه يتفرَّعُ كلُّ شر، وعنه يتشعَّب كلُّ قبيح، فإِذا زالَتْ هذه العِلَلُ ظهر الصِّدْق، والإِخلاص، والتواضُعُ، والحِلْم، والوَرَعِ، والقَنَاعة، والزُّهْد، والصَّبْر، والرِّضا، والأُنْسُ، والمَحَبَّة، والشَّوْق، والتوكُّل، والخَشْية، والحُزْن، وقِصَر الأَمَلِ، وَمِزَاجُ النية بالعمل، فينبُعُ\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٢٦٥- ٢٦٦) .\n(٢) أخرجه الطبري (٧/ ٢٦٣- ٢٦٤) برقم: (١٩٥٩٧- ١٩٥٩٨- ١٩٥٩٩- ١٩٦٠٠) وبرقم: (١٩٥٩٠)، وذكره ابن عطية (٣/ ٢٦٦)، وابن كثير (٢/ ٤٨٦)، والسيوطي (٤/ ٥٣)، وعزاه لابن جرير، وأبي الشيخ.\n(٣) أخرجه الطبري (٧/ ٢٦٣) برقم: (١٩٥٨٧- ١٩٥٨٨)، وذكره ابن عطية (٣/ ٢٦٦)، وابن كثير (٢/ ٤٨٦)، والسيوطي (٤/ ٥٢)، وعزاه للفريابي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، والبيهقي في «الأسماء والصفات» .","vol":"3","page":342},{"text":"العلم، وينتفي الجهل، ويضيء القلب بنور إلا هيّ، ويتلألأ الإِيمان، وتوضح المعرفةُ، ويتَّسِعُ اليقينُ، ويتقوَّى الإِلهام، وتبدو الفراسَاتُ، ويصفى السرُّ، وتتجلَّى الأسرار، وتوجد الفوائدُ. قال ﵀: وليس بَيْنَ العبدِ والترقِّي مِنْ سُفْلٍ إِلى عُلْوٍ إِلاَّ حُبُّ الدنيا فإِن الترقِّي يتعذَّر مِنْ أجْل حبِّها لأنها جاذبة إِلى العالَمِ الظلمانيِّ، وطباعُ النفوس لذلك مائلةٌ، فإِنْ أردتَّ أنْ تقتفي أثَرَ الذاهِبينَ إِلى اللَّه تعالى، فاستخف بدنياك، وانظرها بعَيْن الزَّوال، وأَنْزِلْ نَفْسَكَ عندَ أخْذِ القُوتِ منها منزلَةَ المُضْطَرِّ إِلى الميتة، والسَّلام. انتهى.\nوروي أن المفتِّش كان إِذا فَرَغَ من رَحْلِ رَجُلٍ، فلم يجدْ فيه شيئًا، استغفر اللَّهَ ﷿ مِنْ فعله ذلك، وظاهر كلام قتادة وغيره أنَّ المستغفِرَ هو يُوسُفُ حتى انْتَهَى إِلى رَحْلِ بِنْيَامِينَ، فقال: ما أظَنُّ هذا الفتى رضي بهذا، ولا أخذ شيئًا، فقال له إِخوته: واللَّهِ، لاَ تَبْرَحْ حَتَّى تُفَتِّشَهُ، فهو أطْيَبُ/ لنفسك ونفوسِنَا، فَفَتَّشَ حينئِذٍ، فأخْرَجَ السِّقاية، وروي أنَّ أُخوة يوسُفَ لما رأَوْا ذلك، عَنَّفُوا بِنْيَامِينَ، وقالوا له: كَيْفَ سَرَقْتَ هذه السِّقَايَةَ؟ فقال لهم: واللَّهِ، ما فَعَلْتُ، فَقَالُوا له: فَمَنْ وَضَعَهَا في رَحْلِكَ؟ قالَ: الذي وَضَعَ البِضَاعَةَ في رِحَالِكُمْ، والضمير في قوله: اسْتَخْرَجَها: عائدٌ على السّقاية، ويحتمل على السّرقة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-699>[سورة يوسف (١٢): الآيات ٧٧ الى ٧٩]</span>\nقالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِها لَهُمْ قالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ (٧٧) قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٧٨) قالَ مَعاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلاَّ مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظالِمُونَ (٧٩)\nوقوله سبحانه: قالُوا إِنْ يَسْرِقْ أي: قالوا إِخوةُ يوسُفَ: إِن كان هذا قَدْ سَرَقَ، فغير بِدْعٍ من ابني رَاحِيلَ لأَن أخاه يوسُفَ قد كان سَرَقَ، فهذا من الإِخوة إِنحاءٌ على ابني رَاحِيلَ يُوسُفَ وَيَامِينَ، وهذه الأقوال منهم ﵈ إِنما كَانَتْ بحسب الظاهِرِ، ومُوجِبِ الحُكْم في النازلتين، فلم يَعْنُوا في غِيبَةٍ ليُوسُفَ، وإِنما قصدوا الإِخبار بأمر جَرَى ليزولَ بعضُ المَعرَّة عنهم، ويختصَّ بها هذان الشقيقَان، وأما ما رُوِيَ في سَرِقَةِ يوسُفَ، فالجمهورُ عَلَى أنَّ عمَّته كانَتْ رَبَّتْهُ، فلما شَبَّ، أَراد يعقوبُ أخْذَهُ منها، فَوَلِعَتْ به، وأشفقَتْ من فِرَاقِهِ، فأخَذَتْ مِنْطَقَةَ إِسحاق، وكانت متوارثةً عندهم، فنطَّقته بها مِنْ تَحْتِ ثيابه، ثم صاحَتْ، وقالتْ: إِني قَد فَقَدتُّ المِنْطَقَةَ، ويوسُفُ قد خَرَجَ بها، ففتَّشَتْ، فَوُجِدَتْ عنده، فاسترقته، حَسَبَ ما كان في شَرْعِهم، وبقي عنْدَها حَتَّى ماتَتْ، فصار عِنْدَ أبيه.\nوقوله: فَأَسَرَّها يُوسُفُ: يعني: أسرَّ الحزَّة التي حَدَثَتْ في نفسه من قول الإِخوة.","vol":"3","page":343},{"text":"وقوله: أَنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا ... الآية: الظاهر منه أنه قالها إِفصاحًا كأنه أسَرَّ لهم كراهيةَ مقالتهم، ثم نجَهَهُمْ بقوله: أَنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا: أي: لسوءِ أفعالكم، واللَّه أعلم أنْ كان ما وصفتموه حقًّا، وفي اللفظ إِشارةٌ إِلى تكذيبهم وممَّا يُقَوِّي هذا عِنْدِي أنهم تركُوا الشَّفاعة بأنفسهم، وعدَلُوا إِلى الشفاعة بأبيهم ﵇، وقالتْ فرقة: لم يقُلْ هذا الكلامَ إِلا في نَفْسه، وإِنه تفسيرٌ للذي أسَرَّ في نفسه، فكأَنَّ المراد: قال في نَفْسِهِ: أنتم شرُّ مكانًا، وذكر الطبريُّ هنا قصصًا اختصاره أنَّه لما استخرجت السقايةُ مِنْ رَحْلِ يامين، قال إخوته:\nيا بَنِي رَاحِيلَ، لاَ يَزَالُ البلاءُ يَنَالُنَا مِنْ جِهَتِكُمْ، فقال يَامِينُ: بل بَنُو رَاحِيلَ ينالُهُمُ البلاءُ منكم، ذهبتم بأخِي، فَأَهْلَكْتُمُوهُ، ووضع هذا الصُّواعَ في رَحْلِي الذي وَضَعَ الدراهمَ في رحالِكُمْ، فقالوا: لا تَذْكُر الدراهم، لَئَلاَّ نؤْخَذَ بها، ثم دَخَلُوا على يوسُفَ، فأخذ الصُّواع، فَنَقَرَهُ، فَطَنَّ، فقال: إِنه يخبر أنَّكم ذهبتم بأخٍ لكم، فَبِعْتُمُوهُ، فَسَجَدَ يامين، وقال: أيها العزيزُ، سَلْ صُوَاعَكَ هذا يُخْبِرُكَ بالحقِّ، في قصص يَطولُ آثرنا اختصاره.\nوروي أن رُوبِيلَ غَضِبَ، وقَفَّ شَعْرَه، حتى خرج من ثيابِهِ، فأمر يوسُفُ بنيًّا له، فمسَّه فسكَنَ غضبه، فقال رُوبيلُ: لقد مسَّني أحدٌ من ولد يعقُوبَ، ثم إِنهم تشاوَرُوا في محارَبَةِ يُوسُفَ، وكانوا أَهْلَ قُوَّةٍ، لا/ يُدَانَوْنَ في ذلك، فلما أحَسَّ يوسُفُ بذلك، قام إِلى رُوبِيلَ، فلبَّبه وصَرَعَهُ، فرأَوا من قوّته ما استعظموه، وقالوا: يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ ... الآية، وخاطبوه باسم العزيز، إِذ كان في تِلْكَ الخُطَّةَ بعَزْلِ الأول أو موته، على ما رُوِيَ في ذلك، وقولهم: فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ يحتمل أنْ يكونَ ذلك منْهم مجازًا، ويحتمل أنْ يكون حقيقةً علَى طريقِ الحَمَالَةِ حتى يَصِلَ يَامِينُ إِلى أَبيه، ويعرف يعقوبُ جليَّة الأمر، فمَنَع يوسُفُ من ذلك، وقال: مَعاذَ اللَّهِ ... الآية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-700>[سورة يوسف (١٢): الآيات ٨٠ الى ٨٤]</span>\nفَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (٨٠) ارْجِعُوا إِلى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يا أَبانا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَما شَهِدْنا إِلاَّ بِما عَلِمْنا وَما كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ (٨١) وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها وَإِنَّا لَصادِقُونَ (٨٢) قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٨٣) وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (٨٤)\nوقوله سبحانه: فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ ... الآية: يقال: يَئِسَ واستيأس بمعنًى واحدٍ، قال البخاريُّ: خَلَصُوا نَجِيًّا: اعتزلوا، والجَمْع أَنْجِيَةٌ، وللاثنين والجمع نَجِيٌّ","vol":"3","page":344},{"text":"وأَنْجِيَة انتهى.\nوقال الهَرَوِيُّ: خَلَصُوا نَجِيًّا: أي تميّزوا عن الناس متناجين انتهى.\nوكَبِيرُهُمْ: قال مجاهدٌ هو شَمْعُونُ، كان كبيرهم رَأْيًا وعِلْمًا، وإِن كان رُوبِيلُ أَسنَّهم «١»، وقال قتادة: هو روبيلُ، لأَنه أسنُّهم «٢»، وهذا أظهرُ ورجَّحه الطبريُّ «٣»، وذكرهم أخوهم ميثاقَ أبيهم: لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ [يوسف: ٦٦] .\nوقوله: فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ: قال: ص: «بَرَحَ» التامَّةُ بمعنى ذَهَبَ وظَهَرَ ومنه: برح الخَفَاء، أي: ظهر، والمتوجَّه هنا: معنى «ذهب»، لكنَّه لا ينصب الظرف المكانيَّ المختصَّ إِلا بواسطة، فاحتيج إِلى تضمينه معنى «فارق»، والأرض مفعولٌ به، ولا يجوزُ أنْ تكون «أبرح»: ناقصةٌ انتهى.\nوقوله: ارْجِعُوا إِلى أَبِيكُمْ: الأمر بالرجُوعِ قيلَ: هُوَ مِنْ قولِ كبيرهم، وقيل: من قَوْلِ يوسُفَ، والأول أظهرُ، وذكر الطبرِيُّ أَنَّ يوسُفَ قال لهم: إِذا أتيتم أباكم فاقرؤوا ﵇، وقولوا له: إِنَّ مَلِكَ مِصْرَ يدْعُو لك أَلاَّ تمُوتَ حَتَّى تَرَى ولدك يوسُفَ، ليعلم أَنَّ في أرض مِصْرَ صِدِّيقين مثله، وقرأ الجمهور: «سَرَقَ»، وروي عن الكسائي «٤» وغيره:\n«سُرِقَ» - ببنائه للمفعول-.\nوَما شَهِدْنا إِلَّا بِما عَلِمْنا: أي: باعتبار الظَّاهر، والعِلْمُ في الغَيْبِ إِلى اللَّه، ليْسَ ذلك في حِفْظنا، هذا تأويل ابْن إِسحاق، ثم استشهدوا بالقرية التي كانوا فيهَا، وهي مِصْر قاله ابن عباس «٥»، والمراد أهْلُها، قال البُخَارِيُّ: سَوَّلَتْ: أي: زَيَّنَتْ، وقولُ يعقُوبَ:\nعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا يعنى بيوسُفَ ويَامِينَ ورُوبِيلَ الذي لَمْ يَبْرَحِ الأرض،\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٧/ ٢٦٩) برقم: (١٩٦٢٧)، وذكره البغوي (٢/ ٤٤٢)، وابن عطية (٣/ ٢٦٩)، والسيوطي (٤/ ٥٤- ٥٥)، وعزاه لابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.\n(٢) أخرجه الطبري (٧/ ٢٧٠) برقم: (١٩٦٣٠)، وذكره البغوي (٢/ ٤٤٢)، وابن عطية (٣/ ٢٦٩)، والسيوطي (٤/ ٥٥)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.\n(٣) ينظر: «تفسير الطبري» (٧/ ٢٧٠) برقم: (١٩٦٣٠- ١٩٦٣١) .\n(٤) وقرأ بها أبو ذر وابن عباس، كما في «الشواذ» ص: (٦٩)، وقرأها مبنية للمفعول مشددة الكسائي في رواية ابن أبي شريح عنه، وقرأ بها أحمد بن جبير المكي، والوليد بن حسان، عن يعقوب، وغيرهم.\nينظر: «البحر المحيط» (٥/ ٣٢٩)، و«الدر المصون» (٤/ ٢٠٣) .\n(٥) أخرجه الطبري (٧/ ٢٧٣) برقم: (١٩٦٤٧)، وذكره ابن عطية (٣/ ٢٧١) .","vol":"3","page":345},{"text":"ورجاؤه هذا مِنْ جهاتٍ، منها: حُسْن ظَنِّه باللَّه سبحانه في كلِّ حالٍ، ومنها: رؤيا يوسُفَ المتقدِّمة فإِنه كان ينتظرُها، ومنها: ما أخبروهُ عَنْ مَلِكِ مِصْر أنه يدعو له برؤْية ابنه.\nوقوله سبحانه: وَتَوَلَّى عَنْهُمْ: أي: زال بوجْهه عنْهم مُلْتَجِئًا إِلى اللَّه: وَقالَ: يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ.\nقال الحسن: خُصَّت هذه الأمَّة بالاسترجاع ألا ترى إلى قول يعقوب:\nيا أَسَفى «١» .\nقال ع «٢»: والمراد يا أسفَي، لكنْ هذه لُغَةُ مَنْ يردُّ ياء الإِضافة ألفًا نحو:\nيا غُلاَما، ويَا أَبَتَا، ولا يبعد أَنْ يجتمع الاسترجاع، ويَا أَسْفَى لهذه الأُمَّة، وليعقوب ﵇، وروي أن يعقوبَ ﵇/ حَزِنَ حُزْنَ سبعين ثَكْلَى، وأُعطِيَ أَجْرَ مَائَةِ شهيدٍ، وما ساءَ ظَنَّهُ باللَّه قطُّ، رواه الحسن عن النبيّ ﷺ «٣»، فَهُوَ كَظِيمٌ بمعنى: كاظِمٍ، كما قال: وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ [آل عمران: ١٣٤] ووصف يعقوب بذلك، لأنه لم يَشْكُ إِلى أحَدٍ، وإِنما كان يكْمد في نَفْسه، ويُمْسِك همَّه في صَدْره، فكان يكظمه، أي: يردُّه إِلى قلبه.\nت وهذا ينظر إلى قول النبيّ ﷺ: «القَلْبُ يَحْزَنُ وَالعَيْنُ تَدْمَعُ وَلاَ نَقُولُ إِلاَّ ما يرضي الرّبّ ...» الحديث، ذكر هذا ﷺ عنْدَ مَوْتِ ولده إِبراهيم «٤»، قال ابن المبارِك في «رقائقه»: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادة في قوله تعالى: وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ، قَالَ: كَظم على الحُزْنِ، فلم يقُلْ إِلا خَيْرًا «٥» انتهى، قال ابن العربيِّ في «أحكامه»: وفي الحديث الصحيح عن النبيّ ﷺ، أنَّه قال في ابنه إِبراهيم: «إِنَّ العَيْنَ تَدْمَعُ، وَالَقْلَبَ يَحْزَنُ، وَلاَ نَقُولُ إِلاَّ مَا يُرْضِي الرَّبَّ، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ»، وقال أيضا في الصحيح ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ لاَ يُعَذِّبُ بِدَمْعِ العَيْنِ، وَلاَ بِحُزْنِ القَلْبِ، وَإِنَّمَا يُعَذِّبُ بِهَذَا- وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ- أَوْ يَرْحَمُ» «٦» انتهى. خرَّجه البخاريُّ وغيره.\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٣/ ٢٧٢) بنحوه.\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٢٧٢) . [.....]\n(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٧/ ٢٨١) برقم: (١٩٧٢٥)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٥٨)، وعزاه لابن جرير.\n(٤) تقدم تخريجه.\n(٥) أخرجه الطبري (٧/ ٢٧٦) برقم: (١٩٦٧٧)، وذكره البغوي (٢/ ٤٤٤) نحوه.\n(٦) أخرجه البخاري (٣/ ٢٠٩) كتاب «الجنائز» باب: البكاء عند المريض، حديث (١٣٠٤)، ومسلم (٢/","vol":"3","page":346},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-701>[سورة يوسف (١٢): الآيات ٨٥ الى ٨٨]</span>\nقالُوا تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ (٨٥) قالَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٨٦) يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكافِرُونَ (٨٧) فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (٨٨)\nوقوله تعالى: قالُوا تَاللَّهِ تَفْتَؤُا الآية: المعنى: تالله لا تفتأ فتحذف «لا» في هذا الموضع من القَسمِ لدلالة الكلام عليها فمن ذلك قول امرئ القيس: [الطويل]\nفَقُلْتُ يَمِينَ اللَّهِ أَبْرَحُ قَاعِدًا ... وَلَوْ قَطَعُوا رَأْسِي لَدَيْكِ وَأَوْصَالِي «١»\nومنه قول الآخر: [البسيط] تَاللَّهِ يبقى عَلَى الأَيَّامِ ذُو حيد............... ......... «٢»\n_________\n(٦٣٦) كتاب «الجنائز» باب: البكاء، حديث (١٢/ ٩٢٤)، والبيهقي (٤/ ٦٩) من حديث عبد الله بن عمر به، والحديث أخرجه البغوي في «شرح السنة» (٣/ ٢٨٥- بتحقيقنا)، وقال: هذا حديث متفق على صحته.\n(١) ينظر البيت في: «ديوانه» ص: (٣٢)، و«خزانة الأدب» (٩/ ٢٣٨- ٢٣٩)، (١٠/ ٤٣- ٤٤- ٤٥)، و«الخصائص» (٢/ ٢٨٤)، و«الدر» (٤/ ٢١٢)، و«شرح أبيات سيبويه» (٢/ ٢٢٠)، و«شرح التصريح» (١/ ١٨٥)، و«شرح شواهد المغني» (١/ ٣٤١)، و«شرح المفصّل» (٧/ ١١٠)، (٨/ ٣٧)، (٩/ ١٠٤)، و«الكتاب» (٣/ ٥٠٤)، و«لسان العرب» (١٣/ ٤٦٣) (يمن)، و«اللمع» ص: (٢٥٩)، و«المقاصد النحويّة» (٢/ ١٣)، وبلا نسبة في «أوضح المسالك» (١/ ٢٣٢)، و«خزانة الأدب» (١٠/ ٩٣- ٩٤)، و«شرح الأشموني» (١/ ١١٠)، و«مغني اللبيب» (٢/ ٦٣٧)، و«المقتضب» (٢/ ٣٦٢)، و«همع الهوامع» (٢/ ٣٨) .\n(٢) صدر بيت وعجزه:\n............... .......... بمشمخرّ به الظّيّان والآس وهو لأبي ذؤيب الهذلي في «شرح شواهد الإيضاح» ص: (٥٤٤)، و«شرح شواهد المغني» (٢/ ٥٧٤)، و«لسان العرب» (١٣/ ٢٧٥) (ظين) ولأمية بن أبي عائذ في «الكتاب» (٣/ ٤٩٧)، ولمالك بن خالد الخناعي في «جمهرة اللغة» ص: (٥٧)، و«شرح أبيات سيبويه» (١/ ٤٩٩)، و«شرح أشعار الهذليين» (١/ ٤٣٩)، و«شرح شواهد الإيضاح» ص: (٣٠٤)، و«لسان العرب» (حيد)، (قرنس)، (ظيا)، ولعبد مناة الهذلي في «شرح المفصّل» (٩/ ٩٨) ولأبي ذؤيب أو لمالك في «شرح أشعار الهذليين» (١/ ٢٢٨)، ولأبي ذؤيب أو لمالك أو لأمية في «خزانة الأدب» (١٠/ ٩٥)، ولأبي ذؤيب أو لمالك أو لأمية أو لعبد مناف الهذليّ أو للفضل بن عباس أو لأبي زبيد الطائي في «خزانة الأدب» (٥/ ١٧٦- ١٧٧- ١٧٨)، ولأبي ذؤيب أو لمالك أو لأميّة أو لعبد مناف في «الدرر» (٤/ ١٦٢، ١٦٥)، ولأميّة أو لأبي ذؤيب أو للفضل بن العباس في «شرح المفصّل» (٩/ ٩٩)، وللهذليّ في «جمهرة اللغة» ص: (٢٣٨)، وبلا نسبة","vol":"3","page":347},{"text":"أراد: لا أبْرَحُ، ولاَ يَبْقَى، و«فَتِىءَ»: بمنزلة زَالَ وبَرَحَ في المعنَى والعملِ تقول:\nواللَّهِ، لا فَتِئْتَ قَاعِدًا كما تقول: لاَ زلت ولا برحت، وعبارة الداوديّ: وعن ابن عباس: تَفْتَأُ أي: لا تزالُ تَذْكُرُ يوسُفَ، حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا «١» . انتهى، والحَرَضُ:\nالذي قد نهاه الهَرَمُ أو الحُبُّ أو الحُزْنُ إِلى حالِ فَسادِ الأَعضاء وَالبَدَنِ والحسِّ، يقال:\nرجلٌ حَارِضٌ، أي: ذو همٍّ وحزنٍ ومنه قول الشاعر: [البسيط]\nإِنِّي امرؤ لَجَّ بِي حُبٌّ فَأَحْرَضَنِي ... حَتَّى بَلِيتُ وَحَتَّى شَفَّنِي السَّقَمُ «٢»\nوالحَرِضُ بالجملة الذي فَسَدَ ودنا موته، قال مجاهد: الحَرَضُ: ما دون الموت «٣» وفي حديث النبيّ ﷺ: «مَا مِنْ مُؤْمِنٍ يَمْرَضُ حَتَّى يُحْرِضَهُ المَرَضُ إِلاَّ غُفِرَ لَهُ» «٤» انتهى من «رقائق ابن المبارك» .\nثم أجابهم يعقوبُ ﵇ بقوله: نَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ\n: أي: إِني لست ممَّن يَجْزَعُ ويَضْجَرُ، وإِنما أَشكو إِلى اللَّه، والبَثُّ: ما في صَدْرِ الإِنسان مما هو مُعْتَزِمٌ أَنْ يبثه وينشره.\nوقال أبو عبيدة وغيره: البثّ: أشدّ الحزن «٥» قال الداوديّ عن ابن جُبَيْر، قال: مَنْ بَثَّ، فلم يصبر، ثم قرأ: نَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ\n. انتهى.\nوقوله: وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ ... الآية: «الرَّوْحُ»: الرحمة، ثم جعل اليأْسَ مِنْ رحمة اللَّه وتفريجه مِنْ صفة الكافرين إِذ فيه إِما التكذيبُ بالرُّبوبية، وإما الجهل بصفات الله تعالى، / والبضاعة: القِطْعة من المال يُقْصَدُ بها شراءُ شَيْءٍ، ولزمها عُرْفُ الفقْهِ فيما لا حَظَّ لحاملها من الربْحِ، وال مُزْجاةٍ: معناها: المدفوعَةُ المتحيَّل لها،\n_________\nفي «الأشباه والنظائر» (٦/ ٢٣)، و«الجنى الدانيّ» ص: (٩٨)، و«جواهر الأدب» ص: (٧٢)، و«الدرر» (٤/ ٢١٥)، و«رصف المباني» ص: (١١٨، ١٧١)، و«شرح الأشموني» (٢/ ٢٩٠)، والصاحبي في «فقه اللغة» ص: (١١٤)، و«اللامات» ص: (٨١)، و«مغني اللبيب» (١/ ٢١٤)، و«المقتضب» (٢/ ٣٢٤)، و«همع الهوامع» (٢/ ٣٢، ٣٩) .\n(١) أخرجه الطبري (٧/ ٢٧٧) برقم: (١٩٦٨٦)، وذكره السيوطي (٤/ ٥٩)، وعزاه لابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.\n(٢) البيت للعرجي ينظر: «أمالي ابن الشجري» (١/ ٣٦٩)، و«الطبري» (١٦/ ٢٢٢)، و«مجاز القرآن» (١/ ٣١٧)، و«الصحاح» و«التاج» و«اللسان» (حرض)، «روح المعاني» (٥/ ١٩)، «القرطبي» (٩/ ٢٥٠) .\n(٣) أخرجه الطبري (٧/ ٢٧٨) برقم: (١٩٦٩٠)، وذكره ابن عطية (٣/ ٢٧٣) .\n(٤) أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (١/ ٣٠) .\n(٥) ذكره ابن عطية (٣/ ٢٧٣) .","vol":"3","page":348},{"text":"وبالجملة فمَنْ يسوق شيئًا، ويتلطَّف في تسييره، فقد أزجاه، فإِذا كانَتِ الدراهمُ مدفوعةً نازلةَ القَدْر، تحتاج أنْ يُعْتَذَرَ معها، ويُشْفَعَ لها، فهي مزجاةٌ، فقيل: كان ذلك لأنها كانَتْ زيوفًا، قاله ابن عباس «١» .\nوقيل: كانَتْ بضاعتهم عروضًا، وقولهم: وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا: معناه ما بَيْنَ الدراهم الجيادَ وبَيْنَ هذه المُزْجَاة، قاله السُّدِّيُّ وغيره «٢» وقال الداوديّ عن ابن جريجٍ: وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا: قال: اردد علينا أخانا، انتهى «٣»، وهو حسن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-702>[سورة يوسف (١٢): الآيات ٨٩ الى ٩٢]</span>\nقالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ (٨٩) قالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠) قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ (٩١) قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٩٢)\nوقوله تعالى: هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ، روي أنَّ يوسُف ﵇ لما قال له إخوته: مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ [يوسف: ٨٨]، واستعطفوه رَقَّ ورحمهم، قال ابنُ إِسحاق: وارفض دمعه باكيًا، فَشَرَعَ في كَشْفِ أمره إِليهم، فروي أنه حَسَرَ قناعه، وقال لهم: هَلْ عَلِمْتُمْ ... «٤» الآية، وما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ: أي:\nالتَّفْريق بينَهُما في الصِّغَر وما نالهما بسَبَبِكُم من المِحَن إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ، نسبهم إِمَّا إِلى جَهْلِ المعصيةِ، وإِما إِلى جَهْلِ الشَبَابِ وقلَّةِ الحُنْكَة، فلمَّا خاطبهم هذه المخاطبة، تنبَّهوا، ووقَعَ لهم من الظَّنِّ القويِّ وقرائنِ الحال أنه يوسُفُ فقالوا: أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ مستفهمين، فأجابهم يوسف كاشفًا عن أمره، قالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي وباقي الآية بيِّن.\nوقوله سبحانه: قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ: هذا منهم استنزال ليوسُفَ، وإِقرار بالذنْبِ في ضِمْنه استغفار منه، وآثَرَكَ: لفظ يعمّ جميع التفضيل.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٧/ ٢٨٦) برقم: (١٩٧٤٨) نحوه، وذكره البغوي (٢/ ٤٤٦)، وابن عطية (٣/ ٢٧٥)، وابن كثير (٢/ ٤٨٨)، والسيوطي (٤/ ٦٢)، وعزاه لأبي عبيد، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ. [.....]\n(٢) أخرجه الطبري (٧/ ٢٨٩) برقم: (١٩٧٨٩)، وذكره ابن عطية (٣/ ٢٧٦) .\n(٣) أخرجه الطبري (٧/ ٢٨٩) برقم: (١٩٧٩٣)، وذكره البغوي (٢/ ٤٤٦)، وابن عطية (٣/ ٢٧٦)، والسيوطي (٤/ ٦٣)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وأبي الشيخ.\n(٤) أخرجه الطبري (٧/ ٢٩١) برقم: (١٩٧٩٧)، وذكره البغوي (٢/ ٤٤٦)، وابن عطية (٣/ ٢٧٦) .","vol":"3","page":349},{"text":"وقوله: لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ عفوٌ جميلٌ، وقال عكرمة: أوحى اللَّه إِلى يوسف بِعَفْوِكَ عَنْ إِخوتك، رَفَعْتُ لك ذكْرَك «١»، و«التثريب»: اللوْمُ والعقوبةُ وما جَرَى معهما من سوءِ مُعْتَقَدٍ ونحوه، وعبَّر بعضُ الناس عن التثْرِيب بالتعيير، ووقف بعض القراءة عَلَيْكُمُ، وابتدأ «٢»: الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ووقف أكثرهم: الْيَوْمَ وابتدأ: يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ على جهة الدعاء وهو تأويلُ ابن إِسحاق «٣» والطبريِّ، وهو الصحيحُ الراجح في المعنَى لأن الوقْفَ الآخِرَ فيه حُكْم على مغفرة اللَّه، اللَّهُمَّ إلا أن يكون ذلك بوحي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-703>[سورة يوسف (١٢): الآيات ٩٣ الى ٩٦]</span>\nاذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (٩٣) وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ (٩٤) قالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ (٩٥) فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٩٦)\nوقوله: اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي: قال النَّقَّاش: روي أن هذا القميصَ كَانَ مِنْ ثياب الجَنَّة، كساه اللَّه إِبراهيم، ثم توارَثَهُ «٤» بنوه.\nقال ع «٥»: هذا يحتاجُ إِلى سندٍ والظاهرُ أنه قميصُ يوسُفَ كسائر القُمُصِ، وقولُ يوسف: يَأْتِ بَصِيرًا فيه دليلٌ على أنَّ هذا كلَّه بوحْيٍ وإِعلامٍ مِنَ اللَّه تعالى، وروي أنَّ يعقوب وجد ريحَ يوسُفَ وبَيْنَهُ وبَيْنَ القَميصِ مسيرةُ ثمانيةِ أيامٍ قاله ابن عباس «٦»، وقال: هاجَتْ ريحٌ، فحملَتْ عَرْفَه، وقول يعقوب: إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ:\nمخاطبةٌ لحاضريه، فروي أنهم كانوا حَفَدَتَهُ، وقيل: كانوا بعض بنيه، وقيل: كانوا/ قرابته وتُفَنِّدُونِ معناه: تردُّون رأْيي، وتدْفَعُون في صَدْره، وهذا هو التفنيد لغة، قال مُنْذِرُ بن سَعِيدٍ: يقال: شَيْخٌ مُفَند، أيْ: قد فسد رأيه «٧» والذي يشبه أنَّ تفنيدهم ليعقوبَ إِنما كان لأَنهم كانوا يعتقدون أنَّ هواه قد غَلَبَهُ في جانب يوسف.\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٣/ ٢٧٧) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٢٧٨)، و«البحر المحيط» (٥/ ٣٣٨)، و«الدر المصون» (٤/ ٢١٤) .\n(٣) ينظر: «الطبري» (٧/ ٢٩١) .\n(٤) ذكره ابن عطية (٣/ ٢٧٨) .\n(٥) ينظر: «المحرر» (٣/ ٢٧٨) .\n(٦) أخرجه الطبري (٧/ ٢٩٣) برقم: (١٩٨١٣)، وذكره البغوي (٢/ ٤٤٨)، وابن عطية (٣/ ٢٧٨)، والسيوطي (٤/ ٦٦)، وعزاه لابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.\n(٧) ذكره ابن عطية (٣/ ٢٧٨) .","vol":"3","page":350},{"text":"وقال [ص]: معنى تُفَنِّدُونِ: تسفِّهون، انتهى، وقولهم: إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ: يريدون: لَفِي انتلافك في مَحَبَّة يوسف، وليس بالضَّلال الذي هو في العُرْف ضدُّ الرشادِ لأن ذلك من الجَفَاءِ الذي لا يَسُوغُ لهم مواجَهَتِه به.\nوقوله سبحانه: فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا: روي عن ابنَ عَبَّاسٍ أن البشير كان يَهُوذَا لأنه كان جاء بقميص الدّم «١» وبَصِيرًا: معناه: مُبْصرًا، وروي أنه قال للبشير: على أيِّ دِينٍ تركْتَ يوسُفَ؟ قال: على الإِسلام قال: الحمد لله الآن كملت النعمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-704>[سورة يوسف (١٢): الآيات ٩٧ الى ١٠٠]</span>\nقالُوا يا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ (٩٧) قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٩٨) فَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (٩٩) وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (١٠٠)\nوقوله تعالى: قالُوا يا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا ... الآية: روي أنَّ يوسُفَ ﵇ لما غَفَر لإِخوته، وتحقَّقوا أَنَّ أباهم يغفر لهم، قال بعضُهم لبعض: ما يُغْنِي عنا هذا إِنْ لم يغفر اللَّه لَنَا، فطلبوا حينئذٍ من يعقُوبَ ﵇ أنْ يطلب لهم المغفرَةَ مِنَ اللَّه تعالى، واعترفوا بالخَطَإِ، فقال لهم يعقوب: سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي.\n[ت]: وعن ابن عباس أنَّ النبيّ ﷺ قال لعليٍّ ﵁: «إِذَا كَانَ لَيْلَةَ الجُمُعَةِ، فَإِنِ استطعت أَنْ تَقُومَ في ثُلُثِ اللَّيْلِ الآخِرِ، فَإِنَّها سَاعَةٌ مَشْهُودَةٌ وَالدُّعَاءُ فِيهَا مُسْتَجَابٌ، وقد قال أخي يعقوبُ لبنيه: سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي، يقول: حَتَّى تَأْتِيَ لَيْلَةُ الجُمُعَةِ ...» «٢» وذكر الحديث، رواه الترمذيُّ، وقال: حسنٌ غريبٌ لا نعرفه إِلا من حديث الوليد بن مُسْلم، ورواه الحاكم في «المستدْرك عَلَى الصَّحِيحَيْنِ»، وقال: صحيح\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٣/ ٢٨٠) .\n(٢) أخرجه الترمذي (٥/ ٥٦٣، ٥٦٥) كتاب «الدعوات» باب: دعاء الحفظ، حديث (٣٥٧٠)، والحاكم (١/ ٣١٦) من طريق الوليد بن مسلم، عن ابن جريج، عن عطاء، وعكرمة، عن ابن عباس به.\nوقال الترمذي: هذا حديث حسنٌ غريبٌ لا نعرفه إِلا من حديث الوليد بن مسلم.\nوقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين.\nوقال الذهبي: هذا حديث منكر شاذ، أخاف ألا يكون موضوعا، وقد حيرني والله جودة إسناده.","vol":"3","page":351},{"text":"على شرط الشيخين، يعني البخاريَّ ومسلمًا انتهى من «السلاح» .\nوقوله سبحانه: آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ قال ابنُ إِسحاق، والحسن: أراد بالأبوين: أباه وأمَّه «١»، وقيل: أراد أباه وخالته.\nقال ع «٢»: والأول أظهر بحسب اللفْظِ، إِلا أَنْ يثبت بِسنَدٍ أنَّ أمه قد كانَتْ ماتت.\nوقوله: إِنْ شاءَ اللَّهُ هذا الاستثناءُ هو الذي نَدَبَ القرآن إِليه أَن يقوله الإِنسانُ في جميع ما ينفذه في المستقبل، والْعَرْشِ: سرير الملك، وخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا: أي:\nسجودَ تَحِيَّةٍ، فقيل: كان كالسُّجُود المعهودِ عندنا من وَضْعِ الوجْهِ بالأرض.\nوقيل: بل دون ذلك كالرُّكوعِ البالغ ونحوه ممَّا كان سيرةَ تحيَّاتهم للملوكِ في ذلك الزمَانِ، وأجمع المفسِّرون أنه كان سجُودَ تحيَّة لا سُجُودَ عبادةٍ، وقال الحسنُ: الضمير في «له» للَّه ﷿، ورُدَّ هذا القولُ على الحسن.\nوقوله ﷿: وَقالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا:\nالمعنى: قال يوسُفُ ليعقوبَ، هذا السجودُ الذي كانَ منْكُم هو ما آلَتْ إِليه رؤياي قديمًا في الأحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا والشمْس والقمر، قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا ثم أخذ ﵇ يعدِّد نعم اللَّه عَلَيْه، وقال: وقد أخرجني من السجن، وترك ذكر إِخراجه من الجُبِّ لأنَّ في ذكره تجْدِيدَ فعْلِ/ إِخوته وخِزْيِهِم، وتَحْرِيكَ تِلْكَ الغوائِلِ، وتخبيثَ النفوسِ، ووجْه آخر أنه خَرَجَ مِنَ الجُبِّ إِلى الرِّقِّ، ومن السِّجْنِ إِلى المُلْكِ، فالنعمةَ هنا أَوضَحُ، إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ، أي: من الأمور أنْ يفعله إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ.\nقال ع «٣»: ولا وَجْه في ترك تعريفِ يُوسُفَ أباه بحاله مُنْذُ خَرَجَ من السِّجْنِ إِلى العِزِّ إِلا الوَحْيُ مِنَ اللَّه تعالَى لَمَّا أَراد أَن يمتحن به يَعْقُوب وبنيه، وأراد من صورة جمعهم، لا إله إِلا هو.\nوقال النَّقَّاش: كان ذلك الوحْيُ في الجُبِّ، وهو قوله سبحانه: وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ [يوسف: ١٥]، وهذا محتمل.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٧/ ٣٠٢) برقم: (١٩٨٨٨)، عن ابن إسحاق.\n(٢) ينظر: «المحرر» (٣/ ٢٨١) . [.....]\n(٣) ينظر: «المحرر» (٣/ ٢٨٢- ٢٨٣) .","vol":"3","page":352},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-705>[سورة يوسف (١٢): الآيات ١٠١ الى ١٠٤]</span>\nرَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١) ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (١٠٢) وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (١٠٤)\nوقوله: رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ ... الآية: ذكر كثيرٌ من المفسِّرين أنَّ يوسُفَ ﵇ لما عَدَّد في هذه الآية نِعَمَ اللَّه عنده، تشوَّق إِلى لقاء ربِّه ولقاءِ الجِلَّة وصالحي سَلَفِهِ وغيرهم مِنَ المؤمنين، ورأَى أَن الدنيا قليلةٌ فتمنَّى المَوْت في قوله: تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ.\nوقال ابن عبَّاس: لم يتمنَّ المَوْتَ نبيٌّ غَيْرُ يُوسُفَ «١»، وذكر المهدويُّ تأويلًا آخر، وهو الأقْوَى عندي: أنه ليس في الآية تمنِّي موتٍ، وإِنما تمنى ﵇ الموافَاةَ على الإِسلام لا المَوْتَ، وكذا قال القرطبيُّ «٢» في «التذكرة» أَنَّ معنى الآية: إِذا جاء أَجَلِي، توفَّني مسلمًا، قال: وهذا القول هو المختارُ عنْدَ أهل التأويل، واللَّه أعلم، انتهى، وقوله ﷺ: «لاَ يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ المَوْت لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ» «٣» إِنَّمَا يريد ضَرَر الدنيا كالفَقْر، والمَرَضِ ونحو ذلك، ويبقَى تمنِّي الموت مخافةَ فسادِ الدِّين مباحا، وقد قال ﷺ في بَعْضِ أدعيته: «وَإِذَا أَرَدَتَّ بِالنَّاسِ فِتْنَةً، فاقبضني إِلَيْكَ غَيْرَ مَفْتُونٍ» «٤» .\nوقوله: أَنْتَ وَلِيِّي: أي القائِمُ بأمري، الكفيلُ بنُصْرتي ورَحْمتي.\nوقوله ﷿: ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ: ذلِكَ: إِشارة إِلى ما تقدَّم من قصَّة يوسُفَ، وهذه الآية تعريضٌ لقريشٌ، وتنبيهٌ على آية صدق نبيّنا محمّد ﷺ، وفي\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٧/ ٣٠٨) برقم: (١٩٩٤٢)، وذكره ابن عطية (٣/ ٢٨٣)، وابن كثير (٢/ ٤٩٢)، والسيوطي (٤/ ٧٣)، وعزاه لابن أبي حاتم.\n(٢) ينظر: «التذكرة» للقرطبي (١/ ١٨) .\n(٣) أخرجه البخاري (١٠/ ١٣٢) كتاب «المرض» باب: تمني المريض الموت، حديث (٥٦٧١)، ومسلم (٤/ ٢٠٦٤) كتاب «الدعاء والذكر» باب: كراهة تمني الموت لضر نزل به، حديث (١٠/ ٢٦٨٠)، وأبو داود (٢/ ٢٠٥) كتاب «الجنائز» باب: في كراهية تمني الموت برقم: (٣١٠٨- ٣١٠٩)، والنسائي (٤/ ٤٥٣) كتاب «الجنائز» باب: تمني الموت، والترمذي (٣/ ٢٩٣) كتاب «الجنائز»، باب: ما جاء في النهي عن التمني للموت، حديث (٩٧١)، وابن ماجه (٢/ ١٤٢٥) كتاب «الزهد» باب: ذكر الموت والاستعداد له، حديث (٤٢٦٥)، وأحمد (٣/ ١٠١)، وابن حبان (٩٦٨)، والبيهقي (٣/ ٣٧٧) .\n(٤) هو جزء من حديث طويل أخرجه الترمذي (٥/ ٣٤٢) كتاب «التفسير» باب: ومن سورة ص، حديث (٣٢٣٣)، وأحمد (٤/ ٦٦) .","vol":"3","page":353},{"text":"ضمن ذلك الطعْنُ على مكذِّبيه، والضمير في لَدَيْهِمْ: عائد على إخوة يوسف، وأَجْمَعُوا: معناه: عزموا، و«الأمر»، هنا: هو إِلقاء يوسُفَ في الجُبِّ، وحكى الطبري «١» عن أبي عمران الجَوْنِيِّ أَنه قال: واللَّه ما قَصَّ اللَّه نبأهم ليُعَيِّرَهُمْ إِنهم الأَنبياءُ مِنْ أَهْلَ الجَنَّة، ولكنَّ اللَّه قَصَّ علينا نبأهم لئلاَّ يَقْنَطَ عَبْدُهُ.\nوقوله سبحانه: وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ... الآية خطاب للنبي ﷺ.\nوقوله: وَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ... الآية توبيخٌ للكفَرة، وإِقامةٌ للحُجَّةِ عليهم، ثم ابتدأ الإِخبَارَ عن كتابه العزيز أنه ذكْرٌ وموعظةٌ لجميعِ العالَمِ، نفعنا الله به، ووفّر حظنا منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-706>[سورة يوسف (١٢): الآيات ١٠٥ الى ١٠٧]</span>\nوَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ (١٠٥) وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦) أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غاشِيَةٌ مِنْ عَذابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١٠٧)\nوقوله سبحانه: وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ: يعني ب الْآيَةَ هنا:\nالمخلوقاتُ المنصوبةُ للاعتبار الدالَّة على توحيد خالقها سبحانه، وفي مُصْحَفِ عبد اللَّه «٢»: «يَمْشُونَ/ عَلَيْهَا» .\nوقوله سبحانه: وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ: قال ابنُ عبَّاس: هي في أهْل الكتاب «٣»، وقال مجاهد وغيره: هي في العَرَب «٤»، وقيل: نزلَتْ بسبب قَوْل قُرَيْشٍ في الطَّوَافَ، والتلبيةِ: «لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ إِلاَّ شَرِيكًا هُوَ لَكَ تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ»، وروي أنّ النبيّ ﷺ كَانَ إِذا سَمِعَ أَحدَهُمْ يَقُولُ: لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ، يَقُولُ له: قطْ قطْ، أي: قفْ هنا، ولا تَزِدْ: إِلا شريكًا هو لك، والغاشية: ما يغشى ويغطّي ويغمّ، وبَغْتَةً: أيْ: فجأة، وهذه الآية من قوله: وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ، وإِن كانَتْ في الكفَّار، فإِن العصاة يأخُذُونَ من ألفاظها بحظٍّ ويكون الإِيمانُ حقيقة، والشّرك لغويّا، كالرياء، فقد قال\n_________\n(١) ينظر: «الطبري» (٧/ ٣١٠- ٣١١) .\n(٢) ينظر: «المحتسب» (١/ ٣٥٠)، و«الكشاف» (٢/ ٥٠٨)، و«المحرر الوجيز» (٣/ ٢٨٥)، و«البحر المحيط» (٥/ ٣٤٥) .\n(٣) أخرجه الطبري (٧/ ٣١٣) برقم: (١٩٩٧٠) بلفظ: يعني النصارى، وذكره ابن عطية (٣/ ٢٨٥) .\n(٤) ذكره ابن عطية (٣/ ٢٨٥) .","vol":"3","page":354},{"text":"﵇: «الرّياء الشّرك الأصغر» «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-707>[سورة يوسف (١٢): الآيات ١٠٨ الى ١١١]</span>\nقُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحانَ اللَّهِ وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨) وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٠٩) حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١١٠) لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ مَا كانَ حَدِيثًا يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١١١)\nوقوله سبحانه: قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ ... الآية: إِشارةٌ إِلى دَعْوة الإِسلام والشريعة بأسرها، قال ابن زَيْد: المعنى هذا أمري وسُنَّتي ومِنْهاجي «٢» وال بَصِيرَةٍ: اسم لمعتقد الإِنسان في الأمْر من الحقِّ واليقين.\nوقوله: أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي: يحتمل أنْ يكون «أَنا» تأكيدًا للضمير المستكنّ في «أدعو» و«مَنْ» معطوفٌ عليه وذلك بأنْ تكون الأمَّة كلُّها أُمَرَتْ بالمعروف داعية إِلى اللَّه الكَفَرَةَ والعُصَاة.\nقال ص: ويجوزُ أنْ يكون «أَنا» مبتدأ، و«على بصيرة» خَبرٌ مقدَّم، و«مَنْ» معطوفٌ عليه انتهى، وَسُبْحانَ اللَّهِ تنزيهٌ للَّه، أي: وقل: سبحانَ اللَّهِ متبرِّيًا من الشِّرْك.\nوقوله سبحانه: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ ... الآية: تتضمَّن الردَّ على من استغرب إِرسَالَ الرُّسُل من البشر، والْقُرى: المُدُن. قال الحسن: لم يَبْعَثِ اللَّه رسولًا قطُّ من أهْل البادية «٣» .\nقال ع «٤»: والتَّبَدِّي مَكْرُوه إِلا في الفتْنَة، وحين يُفَرُّ بالدين، ولا يعترضُ هذا بِبُدُوِّ يعقوب لأن ذلك البُدُوَّ لم يكُنْ في أهْل عمودٍ، بل هو بتَقَرٍّ، وفي منازلَ ورَبوع وأيضًا إِنما جعله بُدُوًا بالإِضافة إِلى مصْر كما هي بنات الحواضر بدو بالإضافة إلى\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٥/ ٤٢٨)، والبغوي في «شرح السنة» (٧/ ٣٤٣- بتحقيقنا)، من حديث محمود بن لبيد، والحديث ذكره العراقي في «تخريج الإحياء» (٣/ ٢٩٤)، وعزاه لأحمد، والبيهقي، وقال: ورجاله ثقات.\n(٢) أخرجه الطبري (٧/ ٣١٥) برقم: (١٩٩٨٣)، وذكره ابن عطية (٣/ ٢٨٥)، والسيوطي (٤/ ٧٦)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم.\n(٣) ذكره ابن عطية (٣/ ٢٨٦) .\n(٤) ينظر: «المحرر» (٣/ ٢٨٦) .","vol":"3","page":355},{"text":"الحواضر، ثم أحال سبحانه على الاعتبار في الأمم السالفة، ثم حَضَّ سبحانه على الآخرة، والاستعداد لها بقوله: وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ ... الآية.\nقال ص: وَلَدارُ الْآخِرَةِ: خرَّجه الكوفيُّون على أنَّه من إِضافة الموصُوفِ لصفته، وأصله: «ولَلدَّارُ الآخرة»، والبصريّون على أنه عن حَذْف الموصوف، وإِقامة صفته مُقَامَهُ، وأصله: «ولَدَارُ المُدَّةِ الآخِرَةِ أو النَّشْأَةِ الآخِرَةِ» . انتهى.\nويتضمَّن قوله تعالى: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أن الرسلَ الذين بعثهم اللَّهُ مِنْ أهْل القُرَى، دَعَوْا أممهم، فلم يؤمنوا بهم، حتى نزلَتْ بهم المَثُلاَتُ، فصاروا في حَيِّز مَنْ يُعْتَبَرُ بعاقبته، فلهذا المضمَّن حَسُنَ أَنْ تدخل «حتى» في قوله: حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ.\nوقرأ نافع وابن كثير «١» وأبو عمرو وابن عامر: «وظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِّبُوا» /- بتشديد الذال-، وقرأ الباقون: «كُذِبُوا» - بضم الكاف، وكسْر الذال المخفَّفة، فأما الأولى، فمعناها أنَّ الرسل ظَنُّوا أن أممهم قَدْ كَذَّبتهم، و«الظَّنُّ» هنا: يحتملُ أنْ يكون بمعنى اليَقِينِ، ويحتمل أنْ يكون الظَّنُّ على بابه، ومعنى القراءة الثانية على المشهور من قول ابن عباس وابنِ جُبَيْر: أي: حتَّى إِذا استيأس الرسُلُ من إِيمان قومِهِم «٢»، وظَنَّ المُرْسَلُ إِليهم أَنَّ الرسُلَ قد كَذَبُوهُمْ فيما ادعوه من النبوَّة، أو فيما توعَّدوهم به من العذاب، لما طال الإِمهال، واتصلت العافيةُ، جاءهم نَصْرنا.\nوأسند الطبريُّ «٣» أنَّ مسلم بن يَسَارٍ، قال لسعيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّه، آيةٌ بلغت منّي كلّ مبلغ: «حتّى إذا استيأس الرسل وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ» فهذا هو الموت أَنْ تظنَّ الرسُلُ أنهم قد كُذِبوا- مخفَّفة-، فقال له ابن جُبَيْر: يا أبا عبد الرحمن، إِنما يَئِسَ الرسُلُ مِنْ قومِهِم أنْ يجيبوهم، وظَنَ قومهم أن الرسل قد كذبتهم، فقام مسلم إلى سعيد،\n_________\n(١) ينظر: «السبعة» (٣٥١)، و«الحجة» (٤/ ٤٤١)، و«إعراب القراءات السبعة» (١/ ٣١٧)، و«حجة القراءات» (٣٦٦- ٣٦٧)، و«الإتحاف» (٢/ ١٥٦)، و«المحرر الوجيز» (٣/ ٢٨٧)، و«البحر المحيط» (٥/ ٣٤٧)، و«الدر المصون» (٤/ ٢١٨) .\nوينظر: «معاني القراءات» (٢/ ٥٢)، و«شرح الطيبة» (٤/ ٣٨٨)، و«العنوان» (١١١)، و«شرح شعلة» (٤٤٢) . [.....]\n(٢) أخرجه الطبري (٧/ ٣١٦، ٣١٨) برقم: (١٩٩٨٨) وبرقم: (٢٠٠٠٨)، وذكره ابن عطية (٣/ ٢٨٨)، والسيوطي (٤/ ٧٧)، وعزاه لأبي عبيد، وسعيد بن منصور، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، وابن مردويه.\n(٣) أخرجه الطبري (٧/ ٣١٩) برقم: (٢٠٠١٠) .","vol":"3","page":356},{"text":"فاعتنقه، وقال: فَرَّجْتَ عني، فَرَّجَ اللَّهُ عنك «١» .\nقال ع «٢»: فرضِيَ اللَّهَ عَنْهم، كيف كَانَ خُلُقُهُمْ في العِلْمِ، وقال بهذا التأويل جماعةٌ، وهو الصَّواب، وأما تأويلُ مَنْ قال: إِن المعنى: وظَنُّوا أنهم قد كَذَبَهُمْ مَنْ أخبرهم عن اللَّه، فغير صحيحٍ، ولا يجوزُ هذا على الرسُلِ، وأين العَصْمة والعِلْم.\nت: قال عِيَاضٌ: فإِن قيل: فما معنَى قوله تعالى: حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا على قراءة التخفيف؟ قُلْنَا: المعنى في ذلك ما قَالَتْهُ عائشةُ ﵂ مَعَاذَ اللَّهِ أنْ تَظُنَّ الرُّسُلُ ذَلِكَ بِرَبِّهَا، وَإِنَّمَا مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الرُّسُلَ، لَمَّا استيأسُوا، ظَنُّوا أَنَّ مَنْ وعدهم النصْرَ مِنْ أتباعهم، كَذَبُوهم «٣» وعلى هذا أكثرُ المفسِّرين، وقيل: الضمير في «ظَنُّوا» عائدٌ على الأتباع والأممِ، لا على الأنبياء والرسل وهو قول ابن عباس والنَّخَعِيِّ وابنِ جُبَيْر «٤» وجماعةٍ، وبهذا المعنى قرأ مجاهدٌ: «كَذَبُوا» بالفَتْح، فلا تَشْغَلْ بالك مِنْ شَاذِّ التفسير بسواه ممَّا لا يليقُ بمَنْصِب العلماء، فكَيْفَ بالأنبياء، انتهى من «الشفا» .\nوقوله سبحانه: جاءَهُمْ نَصْرُنا: أي: بتعذيب أممهم الكافرة.\nفَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ: أي: من أتباع الرسلِ.\nوَلا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ: أي: الكافرين، و«البَأْسُ»: العذاب.\nوقوله سبحانه: لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ: أي: في قصص يوسُفَ وإِخوته وسائِرِ الرسلِ الذين ذُكِرُوا على الجملة، ولَمَّا كان ذلك كلُّه في القرآن، قال عنه: ما كانَ حَدِيثًا يُفْتَرى، والَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ التوراةُ والإِنجيلُ، وباقي الآية بيِّن واضحٌ.\nت: كنت في وَقْتٍ أَنْظُرُ في «السيرة» لابْنِ هِشامٍ، وأتأمَّل في خُطْبة النبيِّ ﷺ، وهي أوَّلُ خُطْبة خَطَبَها بالمَدِينَةِ، فإِذا هاتف يقولُ: لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ مَا كانَ حَدِيثًا يُفْتَرى، وقد كانَ حصل في القلب عبرة في أمره ﷺ وأفاضِل أصحابه، ﵃ أجمعين، وسلك بنا مَنَاهِجَهُمُ المَرْضيَّة، والحمد للَّه، وسَلاَمٌ على عباده الذين اصطفى/ وصلَّى اللَّه على سيِّدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما.\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٣/ ٢٨٨)، وابن كثير (٢/ ٤٩٧)، والسيوطي (٤/ ٧٧)، وعزاه لابن جرير، وأبي الشيخ.\n(٢) ينظر: «المحرر» (٣/ ٢٨٨) .\n(٣) ذكره ابن عطية (٣/ ٢٨٨) .\n(٤) ذكره ابن عطية (٣/ ٢٨٨) .","vol":"3","page":357},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-708>تفسير سورة الرعد</span>\nقيل: مكّيّة إلّا بعض آيات، وقيل: مدنية، والظاهر أنّ المدنيّ فيها كثير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-709>[سورة الرعد (١٣): الآيات ١ الى ٢]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالمر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (١) اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (٢)\nقوله ﷿: المر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ: قال ابن عباس: هذه الحروفُ هي مِنْ قوله: «أَنَا اللَّهُ أَعْلَمُ وأرى» «١» .\nوقوله سبحانه: اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ ... الاية: قال جمهور النَّاس: لاَ عَمَدَ للسموات ألبتَّة، وهذا هو الحَق و«العمدُ»: اسم جَمْعٍ.\nقوله سبحانه: ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ: «ثم» هنا: لعطفِ الجُمَلِ، لا للترتيبِ لأن الاستواء على العَرْش قبل رَفْعِ السموات، ففي الصحيح عن النبيّ ﷺ أنه قال: «كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ، ثُمَّ خَلَقَ السموات وَالأَرْضَ» «٢» وقد تقدَّم القول في هذا، وفي معنى الاستواء.\nت: والمعتَقَدُ في هذا: أنه سبحانَهُ مستو على العرشِ على الوَجْهِ الذي قاله، وبالمعنَى الذي أراده استواء منزَّهًا عن المماسَّة والاستقرار والتمكُّن والحلولِ والانتقال، لا\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٣/ ٢٩٠) .\n(٢) أخرجه البخاري (٦/ ٣٣٠- ٣٣١) كتاب «بدء الخلق» باب: ما جاء في قول الله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ، حديث (٣١٩١)، وفي (١٣/ ٤١٤- ٤١٥) كتاب «التوحيد» باب: وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ، حديث (٧٤١٨)، وأحمد (٤/ ٤٢٦، ٤٣١، ٤٣٣، ٤٣٦)، والترمذي مختصرا (٥/ ٧٣٢- ٧٣٣) كتاب «المناقب» باب: مناقب في ثقيف وبني حنيفة، حديث (٣٩٥١)، وابن حبان (١٤/ ١١) برقم: (٦١٤٢)، والدارمي في «الرد على الجهمية» ص: (١٤)، والبيهقي (٩/ ٢- ٣)، وفي «الأسماء والصفات» ص: (٢٣١) كلهم من طريق الأعمش عن جامع بن شداد، عن صفوان بن محرز، عن عمران بن حصين به.","vol":"3","page":358},{"text":"يحملُهُ العَرْش، بل العرشُ وَحَمَلَتُهُ محمُولُون بلُطْفِ قُدْرته، ومَقْهُورون في قَبْضته، كان اللَّه ولا شيءَ معه، كان سبَحَانه قَبْلَ أَنْ يخلق المكان والزمان، وهو الآن على ما عليه كان.\nوقوله سبحانه: وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ: تنبيهٌ على القُدْرة، وفي ضِمْن الشمسِ والقَمَر الكواكِبُ، ولذلك قال: كُلٌّ يَجْرِي أي: كلُّ ما هو في معنى الشَّمْسِ والقَمَرِ، و«الأجلُ المسمَّى»: هو انقضاء الدنيا، وفسادُ هذه البنْيَةِ.\nيُدَبِّرُ الْأَمْرَ: معناه: يُبْرمه وينفذه، وعبَّر بالتدبير، تقريبًا للأفهام، وقال مجاهد:\nيُدَبِّرُ الْأَمْرَ: معناه يقضيه وحده.\nولَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ: أي: توقنون بالبعث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-710>[سورة الرعد (١٣): الآيات ٣ الى ٤]</span>\nوَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وَأَنْهارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٣) وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤)\nوقوله سبحانه: وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ: لما فرغَتْ آيات السماء، ذُكِرَتْ آيات الأرض، وال رَواسِيَ: الجبالُ الثابتة.\nوقوله سبحانه: جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ: «الزَوْجِ» في هذه الآية: الصِّنْف والنَّوْع، وليس بالزوْجِ المعروفِ في المتلازمين الفَرْدَيْن من الحيوان وغيره ومنه قوله سبحانه: سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ ... الآية [يس: ٣٦]، ومنه: وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ [ق: ٧]، وهذه الآية تقتضِي أنَّ كلَّ ثمرةٍ، فموجودٌ منها نوعانِ، فإِن اتفق أنْ يوجد من ثمرةٍ أكْثَرُ من نوعَيْنِ، فغير ضارّ في معنى الآية، وقِطَعٌ: جَمْعُ قِطْعَة، وهي الأجزاء، وقيد منها في هذا المثال ما جَاوَرَ وقَرُبَ بعضه من بعض لأن اختلاف ذلك في الأكْلِ أَغربُ، وقرأ الجمهور «١»: «وَجَنَّاتٌ» - بالرفع- عطفًا على «قِطَعٌ»، وقرأ نافع «٢» وغيره: «وَزَرْعٍ وَنَخِيلٍ صِنْوَانٌ وَغَيْرِ صنوان»\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٢٩٣)، و«البحر المحيط» (٥/ ٣٥٦)، و«الدر المصون» (٤/ ٢٢٥) .\n(٢) ينظر: «الحجة» (٥/ ٥- ٦)، و«إعراب القراءات السبع» (١/ ٣٢٠)، و«حجة القراءات» (٣٦٩)، و«الإتحاف» (٢/ ١٦٠)، و«المحرر الوجيز» (٣/ ٢٩٣)، و«البحر المحيط» (٥/ ٣٥٦)، و«الدر المصون» (٤/ ٢٢٥)، و«شرح الطيبة» (٤/ ٣٩١)، و«العنوان» (١١٣)، و«شرح شعلة» (٤٤٤)، و«معاني القراءات» (٥٥) .","vol":"3","page":359},{"text":"بالخفض في الكل- عطفًا على «أعناب»، وقرأ ابن كثير وغيره: / «وزرعٌ» - بالرفع في الكل- عطفا على «قطع»، وصِنْوانٌ: جمع صنْو، وهو الفرع يكونُ مع الآخَرِ في أصْلٍ واحدٍ، قال البراءُ بْنُ عازبٍ: «الصِّنْوَان»: المجتمع، وغَيْرُ الصِّنوان: المفترق فردًا فردًا «١» وفي «الصحيحِ»: «العَمُّ صِنْوُ الأَبِ»، وإِنما نص على الصِّنْوان في هذه الآية لأنها بمثابة التجاوز في القطع تظهر فيها غرابةُ اختلاف الأَكْلِ، والْأُكُلِ- بضم الهمزة-: اسم ما يؤكل، والأكل المَصْدَر، وحكى الطبري «٢» عن ابن عبَّاس وغيره: قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ:\nأي: واحدة سبخة، وأخرى عَذْبَة، ونحو هذا من القولِ «٣»، وقال قتادة: المعنى: قُرًى مُتَجَاوِرَاتٌ «٤» .\nقال ع «٥»: وهذا وجْهٌ من العبرة، كأنه قال: وفي الأرض قِطَعٌ مختلفاتٌ بتخصيصِ اللَّه لها بمعانٍ فهي تُسْقَى بماءٍ واحدٍ، ولكن تختلف فيما تُخْرِجُه، والذي يظهر من وصفه لها بالتجاوز أنها من تُرْبةٍ واحدةٍ، ونوعٍ واحدٍ، وموضِعُ العِبْرة في هذا أَبْيَنُ، وعلى المَعْنَى الأول قال الحَسَنُ: هذا مَثَلٌ ضربه اللَّه لقلوبِ بَني آدم: الأرضُ واحدةٌ، وينزل عليها ماءٌ واحدٌ من السَّماء، فتخرجُ هذه زهرةً وثمرةً، وتخرجُ هذه سبخةً وملحًا وخبثًا، وكذلك النَّاس خُلِقُوا من آدم، فنزلَتْ عليهم من السماء تذكرةٌ، فَرَقَّتْ قلوبٌ وَخَشَعَتْ، وقَسَتْ قلوبٌ ولَهَتْ.\nقال الحسن: فو الله، ما جالَسَ أحدٌ القُرْآن إِلاَّ قَامَ عَنْه بزيادةٍ أو نقصانٍ، قال اللَّه تعالى: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسارًا «٦» [الإسراء: ٨٢] .\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٧/ ٣٣٤) برقم: (٢٠٠٨٧)، وذكره ابن عطية (٣/ ٢٩٤)، والسيوطي (٤/ ٨٣)، وعزاه للفريابي، وسعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، وابن مردويه.\n(٢) ينظر: «الطبري» (٧/ ٣٣٢) .\n(٣) أخرجه الطبري (٧/ ٣٣٢) برقم: (٢٠٠٧١- ٢٠٠٧٢)، وذكره ابن عطية (٣/ ٢٩٤)، والسيوطي (٤/ ٨٣)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.\n(٤) أخرجه الطبري (٧/ ٣٣٢) برقم: (٢٠٠٧٨)، وذكره ابن عطية (٣/ ٢٩٤)، والسيوطي (٤/ ٨٣)، وعزاه لابن جرير، وأبي الشيخ. [.....]\n(٥) ينظر: «المحرر» (٣/ ٢٩٤) .\n(٦) أخرجه الطبري (٧/ ٣٣٦) برقم: (٢٠١١٣)، وذكره ابن عطية (٣/ ٢٩٥)، والسيوطي (٤/ ٨٤)، وعزاه لابن جرير.","vol":"3","page":360},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-711>[سورة الرعد (١٣): الآيات ٥ الى ٧]</span>\nوَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذا كُنَّا تُرابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٥) وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ (٦) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ (٧)\nوقوله سبحانه: وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذا كُنَّا تُرابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ، المعنى: وإِن تعجبْ، يا محمَّد، مِنْ جهالتهم وإِعراضِهِمْ عَنِ الحَقِّ، فهم أهْلٌ لذلك، وَعَجَبٌ غريبٌ قولُهم: أنعود بعد كوننا ترابًا، خلقًا جديدًا أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ لتصميمهم على الجُحُود وإِنكارهم للبَعْث، وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ: أي: في الآخرة، ويحتملُ أنْ يكون خبرًا عن كونهم مغلَّلين عن الإِيمان كقوله تعالى: إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ [يس: ٨] .\nوقوله سبحانه: وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ ... الآية: تبيينٌ لِخَطَئِهِمْ كطلبهم سقوطَ كِسَفٍ من السماء، وقولِهِمْ: فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ [الأنفال:\n٣٢] ونحو هذا مع نزول ذلك بأناسٍ كثيرٍ، وقرأ الجمهور «١»: الْمَثُلاتُ- بفتح الميم وضم الثاء-، وقرأ مجاهد «٢» «المثلات» - بفتح الميم والثاء- أي: الأخذة الفَذَّة بالعقوبة، ثم رجَّى سبحانه بقوله: وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ، ثم خوَّف بقوله:\nوَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ: قال ابن المسيِّب: لما نَزِلَتْ هذه الآية، قال رسُولُ اللَّه ﷺ:\n«لَوْلاَ عَفْوُ اللَّهِ وَمَغْفِرَتُهُ مَا تَهَنَّأَ أَحَدٌ عَيْشًا، وَلَوْلاَ عِقَابُهُ لاتَّكَلَ كُلَّ أَحَدٍ» «٣»، وقال ابن عبَّاس: ليس في القرآن أَرجَى من هذه الآية «٤»: والْمَثُلاتُ: هي العقوباتُ المنكِّلات التي تجعل الإِنسان مثلًا يُتَمَثَّلُ به ومنه التمثيلُ بالقَتْلى ومنه: المُثْلَةُ بالعبيد.\nويقولون: لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ: هذه من اقتراحاتهم، / والآية هنا يرادُ بها الأشياءُ التي سمَّتها قريشٌ كالمُلْكِ، والكَنْزِ، وغيرِ ذلك، ثم أخبر تعالى بأنه منذر وهاد، قال عكرمةُ، وأبو الضُّحَى: المرادُ ب «الهادي» محمّد ﷺ «٥» ف «هاد» عطف على «منذر»\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٢٩٦)، و«الدر المصون» (٤/ ٢٢٨) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٢٩٦)، و«البحر المحيط» (٥/ ٣٥٩)، وزاد نسبتها إلى الأعمش، وهي في «الدر المصون» (٤/ ٢٢٨) .\n(٣) ذكره العراقي في «تخريج الإحياء» (٤/ ١٤٧)، وعزاه لابن أبي حاتم، والثعلبي.\n(٤) ذكره ابن عطية (٣/ ٢٩٦) .\n(٥) أخرجه الطبري (٧/ ٣٤٢) برقم: (٢٠١٣٩)، وذكره البغوي (٣/ ٨)، وابن عطية (٣/ ٢٩٧) .","vol":"3","page":361},{"text":"كأنه قال: إِنما أَنْتَ مُنْذِرٌ وهادٍ لكلِّ قومٍ، و«هاد» على هذا التأويل: بمعنى داعٍ إِلى طريق الهُدَى، وقال مجاهدٌ وابنُ زَيْد: المعنى: إِنما أَنْتَ منذِرٌ، ولكلِّ أُمَّة سَلَفَتْ هادٍ، أي: نبيٌّ يَدْعُوهم «١»، أي: فليس أمرُكَ يا محمَّد ببدْعٍ، ولا مُنْكَر، وهذا يشبه غرَضَ الآية، وقالَتْ فرقة: «الهَادِي» في هذه الآية: اللَّه ﷿، والألفاظ تَقْلَقُ بهذا المعنَى، ويعرف أنَّ اللَّه تعالَى هو الهادِي من غير هذا المَوْضِعِ، والقولانِ الأولان أرجح ما تؤوّل في الآية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-712>[سورة الرعد (١٣): الآيات ٨ الى ١١]</span>\nاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ (٨) عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ (٩) سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ (١٠) لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ (١١)\nوقوله سبحانه: اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ: هذه الآيات أمثالٌ منبِّهات على قدرة اللَّه تعالَى القاضِيَةِ بتجويزِ البَعْثِ، وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ:\nمعناه: ما تنقُصُ، ثم اختلف المتأوِّلون في صُورَةِ الزِّيادة والنُّقْصَان، وجمهورُ المتأوِّلين على أنَّ غَيْضَ الرحم هو نقْصُ الدمِ على الحَمْل، وقال الضَّحَّاك: غَيْضُ الرَّحِمِ: أنْ تسقط المرأة الوَلَدَ، والزيادة أنْ تضعه لمدَّةٍ كاملةٍ، ونحوُه لقتادة «٢» .\nوقوله: وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ: عامٌّ في كل ما يدخله التقدير، والْغَيْبِ: ما غاب عن الإدراكات، والشَّهادَةِ: ما شُوهِدَ من الأمور.\nوقوله: الْكَبِيرُ: صفةُ تعظيم، والْمُتَعالِ: من العلو.\nوقوله سبحانه: سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ ... الآية: أيْ: لا يخفى على اللَّه شيءٌ، وال سارِبٌ في اللغة: المتصرِّف كيف شاء.\nوقوله سبحانه: لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ:\nالمعنى: جعل اللَّه للعبد معقِّباتٍ يحفظونه في كلِّ حالٍ من كلِّ ما جرى القدر باندفاعه،\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٧/ ٣٤٣) برقم: (٢٠١٤٩، ٢٠١٥٤) وبرقم: (٢٠١٥٦)، وذكره ابن عطية (٣/ ٢٩٧)، وابن كثير (٢/ ٥٠١) .\n(٢) أخرجه الطبري (٧/ ٣٤٧) برقم: (٢٠١٩٤) وبرقم: (٢٠١٨٨) بلفظ مختلف فقال: ما تَغِيضُ الْأَرْحامُ ما تنقص من التسعة (وما تزداد) أي: ما فوق التسعة، وذكره ابن عطية (٣/ ٢٩٨)، وابن كثير (٢/ ٥٠٢)، والسيوطي (٤/ ٨٧- ٨٨)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.","vol":"3","page":362},{"text":"فإِذا جاء المَقْدُور الواقعُ، أسلم المَرْءُ إِليه، وال مُعَقِّباتٌ على هذا التأويل: الحَفَظَةُ على العِبَادِ أَعمالهم، والحَفَظَةُ لهم أيضًا قاله الحسن «١»، وروى فيه عن عثمانَ بْنِ عَفَّان حديثًا عن النبيّ ﷺ، وهذا أقوى التأويلات في الآية، وعبارةُ البخاريِّ: مُعَقِّباتٌ:\nملائكةٌ حَفَظَةٌ يَعْقُبُ الأَوَّلُ منها الآخِرَ. انتهى.\nوقالَتْ فرقةٌ: الضمير في «له» عائدٌ على اسم اللَّه المتقدِّم ذكره، أي: للَّه معقِّبات يحفظون عَبْده، والضمير في قوله: يَدَيْهِ وما بعده من الضمائر عائدٌ على العَبْد، ثم ذكر سبحانه أنه لا يغيِّر هذه الحالة مِنَ الحفْظِ للعبدِ حتَّى يغير العبد ما بنَفْسِهِ، وال مُعَقِّباتٌ: الجماعاتُ التي يَعْقَب بعضُها بعضًا، وهي الملائكة، وينظر هذا إلى قول النبيّ ﷺ: «يَتَعَاقَبُ فِيكُمْ مَلاَئِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلاَئِكَةٌ بالنَّهَارِ ...» «٢» الحديث، وفي قراءة أُبيِّ بْنِ كَعْب: «مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ/ وَرَقِيبٌ مِنْ خَلْفِهِ»، وقرأ ابن «٣» عباس: «وَرُقَبَاءُ مِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ بِأَمْرِ اللَّهِ»، وقوله: يَحْفَظُونَهُ: أي: يحرسونه ويذبُّون عنه، ويحفظونَ أيضًا أعماله، ثم أخبر تعالى أَنه إِذا أَراد بقومٍ سوءًا، فلا مردَّ له، ولا حِفْظَ منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-713>[سورة الرعد (١٣): الآيات ١٢ الى ١٤]</span>\nهُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ (١٢) وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ (١٣) لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلاَّ كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وَما هُوَ بِبالِغِهِ وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ (١٤)\nوقوله سبحانه: هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ ... الآية: قد تقدَّم في أول البَقَرة تفسيرُهُ، والظاهر أنَّ الخوف إِنما هو من صَوَاعِقِ البَرْق، والطَّمَع في الماء الذي يكونُ معه، وهو قول الحسن «٤»، والسَّحابَ: جمع سحابة ولذلك جمع الصفة، والثِّقالَ:\nمعناه: بحملِ الماءِ، قاله قتادة ومجاهد «٥»، والعربُ تصفها بذلك، وروى أبو هريرة أنَّ النبيَّ ﷺ كَانَ إِذَا سَمِعَ الرَّعْدَ، قَالَ: «سُبْحَانَ مَنْ يسبّح الرّعد بحمده» «٦»، وقال ابن أبي\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٣/ ٣٠٠)، والسيوطي (٤/ ٩٠)، وعزاه لابن جرير.\n(٢) تقدم تخريجه.\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٣٠٢)، و«البحر المحيط» (٥/ ٣٦٤) .\n(٤) ذكره ابن عطية (٣/ ٣٠٣) .\n(٥) أخرجه الطبري (٧/ ٣٥٩) برقم: (٢٠٢٥٣) وبرقم: (٢٠٢٥٤، ٢٠٢٥٨)، وذكره ابن عطية (٣/ ٣٠٣)، وابن كثير (٢/ ٥٠٥)، والسيوطي (٤/ ٩٥)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ. [.....]\n(٦) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٧/ ٣٦٠) برقم: (٢٠٢٦٠)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٩٧)،","vol":"3","page":363},{"text":"زكرياء: مَنْ قَالَ إِذا سَمِعَ الرعْدَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وبِحَمْدِهِ، لَمْ تُصِبْهُ صَاعِقَةٌ.\nت: وعن عبد اللَّه بن عُمَرَ، قال: كان رَسُولُ الله ﷺ إِذَا سَمِعَ الرَّعْدَ وَالصَّواعِقَ، قَالَ: «اللَّهُمَّ، لاَ تَقْتُلْنَا بِغَضَبِكَ، وَلاَ تُهْلِكْنَا بِعَذَابِكَ، وَعَافِنَا قَبْلَ ذَلِك» «١»، رواه الترمذيُّ والنسائيُّ والحَاكِمُ في «المستدرك»، ولفظهم واحد انتهى من «السلاح»، قال الداوديّ: وعن ابن عَبَّاس، قال: مَنْ سمع الرعْدَ، فقال: «سُبْحَانَ الذي يُسَبِّح الرعْد بحَمْده، والملائِكَةُ مِنْ خيفته، وهو على كلِّ شيء قدير»، فإِن أصابته صاعقةٌ، فعليَّ ديته، انتهى.\nوقوله سبحانه: وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ ... الآية: قال ابن جُرَيْج: كان سبَبُ نزولها قصَّةَ أَرْبَدَ، وعَامِرِ بن الطّفيل، سألا النبيّ ﷺ أَنْ يجعلَ الأمْرَ بَعْده لعامِرِ بْنِ الطُّفَيْل، ويدخلا في دِينِهِ، فأبَى ﵇ ثم تآمرا في قتل النبيّ ﷺ فَقَالَ عَامِرٌ لأَرْبَدَ: أَنا أَشْغَلُه لَكَ بالحديثِ، واضربه أَنْتَ بالسَّيْف، فجعل عامرٌ يحدِّثه، وأَرْبَدُ لاَ يَصْنَعُ شيئًا، فلما انصرفا، قَالَ له عَامِرٌ: وَاللَّهِ، يَا أَرْبَدُ، لاَ خِفْتُكَ أبدًا، وَلَقَدْ كُنْتُ أخافُكَ قبل هذا، فقال له أَرْبَدُ: واللَّهِ، لَقَدْ أردتُّ إِخراج السَّيْفِ، فَمَا قَدَرْتُ على ذلك، ولَقَدْ كُنْتُ أَراك بَيْنِي وبينه، أفأضربك، فمضيا للحشد على النبيّ ﷺ، فأصابت أربد صاعقة، فقتلته، والْمِحالِ:\nالقوَّة والإِهلاك.\nت: وفي «صحيح البخاري»: الْمِحالِ: العقوبة.\nوقوله ﷿: لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ: الضمير في «له» عائدٌ على اسم اللَّهِ ﷿.\nقال ابنُ عبّاس: ودَعْوَةُ الْحَقِّ: «لا إله إِلا اللَّه» «٢»، يريد: وما كان من الشريعة في معناها.\n_________\nوزاد نسبته إلى ابن مردويه.\n(١) أخرجه الترمذي (٥٠/ ٤٦٩) كتاب «الدعوات» باب: ما يقول إذا سمع الرعد، حديث (٣٤٥٠)، وأحمد (٢/ ١٠٠)، والنسائي في «الكبرى» (٦/ ٢٣٠) كتاب «عمل اليوم والليلة» باب: ما يقول إذا سمع الرعد والصواعق، حديث (١٠٧٦٣- ١٠٧٦٤)، والحاكم (٤/ ٢٨٦)، وابن السني في «عمل اليوم والليلة» برقم: (٢٩٨) من حديث ابن عمر، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٩٧)، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وأبي الشيخ، والخرائطي في «مكارم الأخلاق» .\n(٢) أخرجه الطبري (٧/ ٣٦٣- ٣٦٤) برقم: (٢٠٢٨٠- ٢٠٢٨١)، وذكره البغوي (٣/ ١٢)، وابن عطية (٣/ ٣٠٥)، وابن كثير (٢/ ٥٠٧)، والسيوطي (٤/ ١٠١)، وعزاه لعبد الرزاق، والفريابي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.","vol":"3","page":364},{"text":"وقوله: وَالَّذِينَ: يراد به ما عُبِدَ من دون اللَّه، والضَّمير في يَدْعُونَ لكفَّار قريشٍ وغيرهم، ومعنى الكَلاَمِ: والذين يدعونهم الكفَّارُ في حوائجهم ومنافعهم لا يجيبونهم بِشَيْءٍ إِلاَّ، ثُمَّ مَثَّلَ سبحانه مثالًا لإِجابتهم بالذي يَبْسُطُ كَفَّيْهِ نحو الماء، ويشير إِليه بالإِقبال إِلى فيه، فلا/ يبلغ فَمَهُ أَبدًا، فكذلك إِجابة هؤلاء والانتفاعُ بهم لا يَقَعُ.\nوقوله: هُوَ: يريد به الماءَ، وهو البالغُ، والضمير في بِبالِغِهِ للفم، ويصحُّ أنْ يكون هو يراد به الفم، وهو البالغ أيضا، والضمير في بِبالِغِهِ للماء لأن الفم لا يَبْلُغ الماء أبدًا على تلك الحال، ثم أخبر سبحانه عن دعاءِ الكافرين أنه في انتلاف وضلالٍ لا يفيد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-714>[سورة الرعد (١٣): الآيات ١٥ الى ١٨]</span>\nوَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ (١٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (١٦) أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ (١٧) لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ (١٨)\nوقوله تعالى: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ... الآية: تنبيهٌ على قدرته وعظمته سبحانه، وتسخيرِ الأشياءِ له، والطَّعْنِ على الكفَّار التارِكِينَ للسّجود، ومَنْ:\nتَقَعُ على الملائكةِ عمومًا، و«سُجُودُهُمْ»: طوع، وأما أهْلُ الأرض، فالمؤمنون داخلُونَ في مَنْ، وسجودُهم أيضًا طَوْع، وأما سجودُ الكَفَرة، فهو الكَرْه، وذلك على معنيين، فإِن جعلنا السجُودَ هذه الهيئة المعهودَةَ، فالمراد من الكَفَرَة مَنْ أسلم، خَوْفَ سيفِ الإِسلام كما قاله قتادة «١»، وإِن جعلنا السُّجود الخضُوعَ والتذلُّل، حَسَب ما هو في اللغة، فيدخلُ الكفَّار أجمعون في مَنْ لأنه ليس من كافرٍ إِلا ويلحقه من التذلُّل والاستكانة لقدرة اللَّه تعالى أنواعٌ أكثر من أنْ تحصَى بحسب رَزَايَاهُ، واعتباراته.\nوقوله سبحانه: وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ: إِخبار عن أنّ الظّلال لها سجود لله\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٣/ ٣٠٦)، والسيوطي (٤/ ١٠١)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.","vol":"3","page":365},{"text":"تعالى كقوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ ... الآية [النحل: ٤٨]، وقال مجاهد: ظلُّ الكافر يسجُدُ طوعًا، وهو كاره «١» ورُوِيَ أن الكافر إِذا سَجَد لصنمه، فإِن ظلَّه يسجُدُ للَّهِ حينئذٍ، وباقي الآية بيِّن، ثم مَثَّل الكفَّار والمؤمنين بقوله:\nقُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ، وشبه الكافر بالأعمى، والكُفْرَ بالظلماتِ، وشبه المؤمنَ بالبصيرِ، والإِيمان بالنور.\nوقوله سبحانه: قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ: لفظ عامٌّ يراد به الخصوصُ كما تقدم ذكره في غير هذا الموضع.\nوقوله سبحانه: أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَآءً: يريد به المَطَرَ، فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها:\n«الأودية»: ما بين الجبالِ مِنَ الانخفاض والخَنَادِقِ، وقوله: بِقَدَرِها: يحتمل أنْ يريد بما قُدِّرَ لها من الماءِ، ويحتمل أنْ يريد بقَدْر ما تحمله على قَدْر صغرها وكِبَرها.\nت: وقوله: فَاحْتَمَلَ بمعنى: حمل، كاقتدر وقدر قاله [ص] .\nوالزَّبَدُ ما يحمله السيْلُ من غُثَاء ونحوه، و«الرابِي»: المنتفخ الذي قَدْ ربا، ومنه الرَّبْوَة.\nوقوله سبحانه: وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ: المعنَى:\nومن الأشياء التي توقِدُونَ عليها ابتغاءَ الحُلِيِّ، وهي الذَهَبُ والفضَّة، أو ابتغاء الاستمتاع بها في المرافِقِ، وهي الحديدُ والرَّصَاصُ والنُّحَاسُ ونحوها من الأشياء التي تُوقِدُونَ عليها، فأخبر تعالَى أنَّ من هذه أَيضًا إِذا أحمي علَيْها يكونُ لها زَبَدَ مماثِلٌ للزَّبَد الذي يحملُه السَّيْل، ثم ضرب سبحانه ذلك مثَلًا للحقِّ والباطِلِ، أي: إِن الماء الذي/ تشربه الأرْضُ من السيل، فيقَعُ النفْعُ به هو كالحَقِّ، والزَّبَد الذي يخمد وينفش ويَذْهَب هو كالبَاطِلِ، وكذلك ما يخلص من الذَّهَبَ والفضَّة والحديد ونحوه هو كالحَقِّ، وما يذهَبُ في الدُّخَان هو كالبَاطِلِ.\nوقوله: جُفاءً: مصدر من قولهم: «أَجْفَأَتِ القدْرُ» إِذا غلَتْ حتى خَرَجَ زَبَدُها وذهب.\nوقال ص: جُفاءً: حال، أي: مضمحلًاّ متلاشيا، أبو البقاء: وهمزته منقلبة\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٧/ ٣٦٧) برقم: (٢٠٣٠٢)، وذكره البغوي (٣/ ١٢)، وابن عطية (٣/ ٣٠٦)، والسيوطي (٤/ ١٠٢)، وعزاه لابن أبي حاتم، وأبي الشيخ بنحوه.","vol":"3","page":366},{"text":"عن واوٍ، وقيل: أصل. انتهى.\nوقوله: مَا يَنْفَعُ النَّاسَ: يريد الخالِصَ من الماء ومِنْ تلك الأحجار.\nوقوله سبحانه: لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى: ابتداء كلام، والْحُسْنى:\nالجنة. وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا: هم الكفرة، وسُوءُ الْحِسابِ: هو التقصِّي على المحاسَب، وأَلاَّ يقع في حسابِهِ من التجاوُزِ شَيْءٌ قاله شَهْرُ بن حوشب والنّخعيّ وفرقد السبخيّ وغيرهم «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-715>[سورة الرعد (١٣): الآيات ١٩ الى ٢٥]</span>\nأَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ (١٩) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ (٢٠) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ (٢١) وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (٢٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ (٢٣)\nسَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤) وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٢٥)\nوقوله سبحانه: أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى ...\nالمعنى: أسواءٌ مَنْ هداه اللَّه، فَعَلِمَ صدْقَ نبوَّتك، وآمن بك كمن هو أعمَى البصيرةِ باقٍ على كُفْره روي أنَّ هذه الآية نزلَتْ في حمزةَ بْنِ عَبْدِ المطَّلب، وأَبِي جَهْل، وهي بَعْدَ هذا مثَالٌ في جميع العالم، إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ: «إِنما» في هذه الآية: حاصرة، أي: إِنما يتذكَّر، فيؤمن ويراقب اللَّه مَنْ له لُبٌّ، ثم أخذ في وصفهم، فقال: الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ ... الآية: قال الثعلبيُّ: قال عبد اللَّهِ بنُ المبارَكِ: هذه ثمانِ خِلاَلٍ مسيِّرةٌ إِلى ثمانيةِ أبوابِ الجنةِ «٢»، وقال أبو بَكْرٍ الوَرَّاقُ: هذه ثمانِ جُسُورٍ، فمن أراد القربة مِنَ اللَّه عَبَرَهَا. انتهى. وباقي الآية ألفاظها واضحَة، وأنوارها لِذَوِي البصائر لائحة.\nوَيَدْرَؤُنَ: يدفعون.\nقال الغَزَالِيُّ: لما ذَكَرَ هذه الآيةَ: والذي آثر غُرُورَ الدنيا على نعيمِ الآخرةِ، فليس من\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٧/ ٣٧٣) برقم: (٢٠٣٢٦)، وذكره البغوي (٣/ ١٤)، وابن عطية (٣/ ٣٠٨)، والسيوطي (٤/ ١٠٥)، وعزاه لسعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ولسعيد بن منصور، وابن جرير، وأبي الشيخ.\n(٢) ذكره البغوي (٣/ ١٦) .","vol":"3","page":367},{"text":"ذوي الأَلْبَابِ، ولذلك لا تَنْكَشِفُ له أَسْرارُ الكتاب، انتهى.\nوجَنَّاتُ: بدل من عُقْبَى وتفسير لها، وعَدْنٍ: هي مدينةُ الجَنَّة ووَسَطُها، ومعناها: جنَّات الإِقامة مِنْ عَدَنَ في المَكَانِ، إِذا أقام فيه طويلا، ومنه المعادن، وجَنَّاتُ عَدْنٍ: يقال: هي مَسْكن الأنبياءِ والشُّهَداء والعُلَماء فَقَطْ قاله عبد اللَّه بن عمرو بن العاص «١»، ويروَى أَنَّ لها خَمْسَةَ آلافِ باب، وقوله: وَمَنْ صَلَحَ: أي: عمل صالحًا، وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ: أي: يقولون: سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ، والمعنى: هذا بما صَبَرْتُم، وباقي الآية واضحٌ.\nوقوله سبحانه: وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ ... الآية: هذه صفةُ حالٍ مضادَّةٍ للمتقدّمة- نعوذ بالله من سخطه-.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-716>[سورة الرعد (١٣): الآيات ٢٦ الى ٢٩]</span>\nاللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ مَتاعٌ (٢٦) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ (٢٧) الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)\nوقوله تعالى: اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ ... الآية: لما أخبر عَمَّن تقدَّم وصفه بأنَّ لهم اللعنةَ وسُوءَ الدار، أنْحَى بعد ذلك على أغنيائهم، / وحقَّر شأنهم وشَأْنَ أموالهم، المعنى: إِنَّ هذا كلَّه بمشيئة اللَّه يَهَبُ الكافرَ المال لهلكه بِهِ، ويَقْدِرُ على المؤمِنِ ليُعْظِمَ ذلك أَجْرَهُ وذُخْرَهُ.\nوقوله: وَيَقْدِرُ: من التَّقْدِيرِ المناقِضِ للبَسْط والاتساع.\nوَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ ...\nالآية: رد على مقترحي الآيات من كفَّار قريشٍ كما تقدَّم.\nوقوله سبحانه: الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ: «الذين»: بدلٌ مِنْ «مَنْ» في قوله: مَنْ أَنابَ، وطمأنينة القلوبِ هي الاستكانة والسرورُ بذكْر اللَّه، والسكونُ به، كمالًا به، ورضًا بالثواب عليه، وجودة اليقين، ثم قال سبحانه: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ: أي: لا بالآياتِ المُقْتَرحةِ التي ربّما كفر بعدها فنزل العذاب، و«الذين» الثاني:\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٧/ ٣٧٦) برقم: (٢٠٣٤١)، وذكره ابن عطية (٣/ ٣١٠)، وابن كثير في «تفسيره» (٢/ ١٥٠) .","vol":"3","page":368},{"text":"مبتدأ، وخبره طُوبى لَهُمْ.\nواختلف في معنى طُوبى، فقال ابن عباس: طُوبى: اسمُ الجنَّةِ بالحَبَشِيَّةِ «١»، وقيل: طُوبى: اسم الجنَّة بالهِنْدِيَّة، وقيل: طُوبى: اسم شجرة في الجنَّة، وبهذا تواترتِ الأحاديث قال رسول الله ﷺ: «طُوبَى اسم شَجَرَةٍ في الجَنَّةِ يَسِيرُ الرَّاكِبُ المجد في ظلها مائة عام لا يقطعها ...» «٢» الحديث.\nقال ص: طُوبى: «فُعْلَى» من الطِّيب، والجمهور أنها مفرد مصدر ك «سُقْيَا وبُشْرَى» .\nقال الضَّحَّاك: ومعناها: غِبْطَةً لهم «٣»، قال القُرطُبيُّ «٤»: والصحيحُ أنها شجرةٌ للحديث المرفوع. انتهى.\nت: وروى الشيخُ الحافظ أبو بكْرٍ أحمدُ بنُ عَلِيِّ بنِ ثابتِ بنِ الخَطِيبِ البَغْدَادِيُّ في «تاريخه»، عن شيخه أبي نُعَيْمٍ الأَصبهانيِّ بسنده عن أبي سَعِيدٍ الخدريِّ، عن النبي ﷺ أنَّ رَجُلًا قَالَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، طُوبَى لِمَنْ رَآكَ وَآمَنَ بِك! قَالَ: «طُوبَى لِمَنْ رَآنِي وَآمَنَ بِي، ثُمَّ طُوبَى، ثُم طُوبَى، ثُمَّ طُوبَى لِمَنْ آمَنَ بِي وَلَمْ يَرَنِي»، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ:\nيَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا طُوبَى؟ قَالَ: «شَجَرَةٌ فِي الجَنَّةِ مَسِيرَةَ مِائَةِ سَنَةٍ، ثِيَابُ أَهْلِ الجَنَّةِ تَخْرُجُ مِنْ أَكْمَامِهَا» «٥» . انتهى من ترجمة «أحمد بن الحَسَن» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-717>[سورة الرعد (١٣): الآيات ٣٠ الى ٣٢]</span>\nكَذلِكَ أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتابِ (٣٠) وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ (٣١) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ (٣٢)\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٧/ ٣٨١) برقم: (٢٠٣٧٣)، وذكره البغوي (٣/ ١٨)، وابن عطية (٣/ ٣١٢)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٥١٢) .\n(٢) تقدم تخريجه.\n(٣) أخرجه الطبري (٧/ ٣٨١) برقم: (٢٠٣٦٥)، وابن عطية (٣/ ٣١٢)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٥١٢)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ١١١)، وعزاه لابن جرير، وأبي الشيخ.\n(٤) انظر: «الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي (٩/ ٢٠٨) .\n(٥) تقدم تخريجه. [.....]","vol":"3","page":369},{"text":"وقوله تعالى: «كذلك أَرْسَلْنَاكَ في أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَآ أُمَمٌ»: أي: كما أجرينا عادَتَنا، كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ ... الآية.\nوقوله: وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ: قال قتادة: نزلَتْ في قريش: لما كُتِبَ في الكتاب: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ في قصَّة الحُدَيْبِيَة، فقال قائلهم: نَحْنُ لاَ نَعْرِفُ الرحمن «١» .\nقال ع «٢»: وذلك منهم إِباءةُ اسم فقطْ، وهروبٌ عن هذه العبارة التي لم يَعْرِفُوها إِلا مِنْ قِبَل النبيِّ ﵇، وال مَتابِ: المرجعُ ك «المآب» لأن التوبة هي الرجُوعُ.\nوقوله سبحانه: وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ ... الآية:\nقال ابن عباس وغيره: إِن الكفّار قالوا للنبيّ ﷺ: أزِحْ عَنَّا وَسَيِّرِ جَبَلِيْ مَكَّةَ، فَقَدْ ضَيَّقَا عَلَيْنَا، واجعل لَنَا أَرْضَنَا قِطَعَ غِرَاسَةٍ وَحَرْثٍ، وأوحي لَنَا آبَاءَنَا وَأَجْدَادَنَا، / وَفُلاَنًا وفُلاَنًا، فنزلَتِ الآيةُ في ذلك معلمةً أنهم لا يُؤْمِنُونَ، ولو كان ذلك كله «٣» .\nوقوله تعالى: أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا ... الآية: «يَيْئَس»: معناه: يعلم، وهي لغة هَوَازِنَ، وقرأ علي بن أبي طالب وابن عباس وجماعة: «أَفَلَمْ يَتَبَيَّن»، ثم أخبر سبحانه عن كُفَّار قريشٍ والعرب أنهم لا يزالون تصيبهم قوارع من سرايا النبيّ ﷺ وغزواته، ثم قال: «أَوْ تُحَلُّ أَنْتَ يَا محمَّد قريبًا من دارهم» . [هذا تأويلُ ابنُ عَبَّاس وغيره «٤» .\nوقال الحسنُ بن أبي الحَسَن: المعنى: أو تَحُلُّ القارعةُ قريبًا من دارهم] «٥»، ووَعْدُ اللَّهِ على قول ابن عباس وغيره: هو فَتْحُ مَكَّة، وقال الحسن: الآيةُ عامَّة في الكفّار إلى\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٧/ ٣٨٥) برقم: (٢٠٣٩٦)، وذكره البغوي (٣/ ١٩) بنحوه، وابن عطية (٣/ ٣١٢)، وابن كثير في «تفسيره» (٢/ ٥١٥)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ١١٦)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.\n(٢) ينظر: «المحرر» (٣/ ٣١٢) .\n(٣) أخرجه الطبري (٧/ ٣٨٦) برقم: (٢٠٣٩٩)، وذكره ابن عطية (٥/ ٣١٣)، وابن كثير في «تفسيره» (٢/ ٥١٥) بنحوه، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ١١٦)، وعزاه للطبراني، وأبي الشيخ، وابن مردويه.\n(٤) أخرجه الطبري (٧/ ٣٨٩) برقم: (٢٠٤١٧)، وذكره البغوي (٣/ ٢٠) بنحوه، وابن عطية (٣/ ٣١٣)، وابن كثير في «تفسيره» (٢/ ٥١٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ١١٩)، وعزاه للطيالسي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي في «الدلائل» .\n(٥) أخرجه الطبري (٧/ ٣٩١) برقم: (٢٠٤٣٦)، وذكره ابن عطية (٣/ ٣١٣)، وابن كثير في «تفسيره» (٢/ ٥١٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ١١٩)، وعزاه لابن جرير.","vol":"3","page":370},{"text":"يوم القيامة، وإِنَّ حال الكَفَرة هَكَذَا هي إلى يوم القيامة، ووَعْدُ اللَّهِ: قيامُ الساعة، وال قارِعَةٌ: الرزيَّة التي تقرع قلْبَ صاحبها «١» .\nوقوله سبحانه: وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ ... الآية: تأنيسٌ وتسليةٌ له ﵇، قال البخاري: فَأَمْلَيْتُ: أي: أطلت من المليي والملاوة «٢» ومنه: مَلِيًّا، ويقال للواسِعِ الطويلِ من الأرض: ملى من الأرض. انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-718>[سورة الرعد (١٣): الآيات ٣٣ الى ٣٥]</span>\nأَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٣٣) لَهُمْ عَذابٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ (٣٤) مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكافِرِينَ النَّارُ (٣٥)\nوقوله تعالى: أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ: أي: أهو أحقُّ بالعبادة أم الجمادات.\nوقوله: قُلْ سَمُّوهُمْ: أي: سَمُّوا من له صفات يستحقّ بها الألوهية، ومَكْرُهُمْ: يعم أقوالهم وأفعالهم التي كانَتْ بسبيل مناقَضَةِ الشرع، ولَهُمْ عَذابٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا\n: أي: بالقتل والأسْر والجدوب وغير ذلك، وأَشَقُ\n: من المشقَّة، أي:\nأصعب، والواقي الساتِرُ علَى جهة الحمايَةِ من الوقاية.\nوقوله سبحانه: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها: قد تقدم تفسير نظيره، وقوله: أُكُلُها: معناه: ما يؤكَلُ فيها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-719>[سورة الرعد (١٣): الآيات ٣٦ الى ٣٨]</span>\nوَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُوا وَإِلَيْهِ مَآبِ (٣٦) وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا واقٍ (٣٧) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجًا وَذُرِّيَّةً وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ (٣٨)\nوقوله سبحانه: وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ ... الآية: قال ابن زيد: المراد\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٧/ ٣٩١) برقم: (٢٠٤٣٨) بنحوه، وذكره ابن عطية (٣/ ٣١٣)، وابن كثير في «تفسيره» (٢/ ٥١٦) بنحوه، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ١١٩)، وعزاه لابن جرير.\n(٢) ينظر: «صحيح البخاري» (٨/ ٢٢١)، كتاب «التفسير» باب: سورة الرعد.","vol":"3","page":371},{"text":"بالآية: مَنْ آمَنَ مِنْ أهْل الكتاب كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلاَمٍ «١» وغيره.\nقال ع «٢»: والمعنى مدحهم، وباقي الآية بيّن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-720>[سورة الرعد (١٣): الآيات ٣٩ الى ٤٣]</span>\nيَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ (٣٩) وَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ (٤٠) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ (٤١) وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ (٤٢) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ (٤٣)\nوقوله سبحانه: يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشاءُ وَيُثْبِتُ: المعنى أنَّ اللَّه سبحانه يمحو من الأمور ما يشاء، ويغيِّرها عن أحوالها مما سَبَقَ في علْمه مَحْوُهُ وتغييرُهُ، ويثبتها في الحَالةِ التي يَنْقُلُها إِليها حَسَبَ ما سَبَقَ في علْمه.\nقال ع «٣»: وأصوَبُ ما يفسَّر به أُمُّ الْكِتابِ: أنه كتاب الأمورِ المجزومَةِ التي قدْ سَبَقَ القضاء فيها بمَا هو كائنٌ، وسبق ألاَّ تبدَّل ويبقَى المحْوُ والتثبيت في الأمور التي قد سَبَقَ في القضاء أنْ تبدَّل وتمحَى وتُثْبَتَ قال نحوه قتادة «٤»، وقوله سبحانه: وَإِنْ مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ: «إِن»: شرطٌ دخلَتْ عليها «ما»، وقوله: أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ، «أو» عاطفةٌ، وقوله: فَإِنَّما: جوابُ الشرط، ومعنى الآية: إِنْ نُبَقْكَ يا محمَّد، لترَى بعض الذي نَعِدُهم، أو نتوفينَّك قبل ذلك، فعلى كلا الوجْهَيْن، فإِنما يلزمُكَ البلاغَ فقَطْ، والضمير في قوله: أَوَلَمْ يَرَوْا: عائد على كفَّار قريش كالذي في نَعِدُهُمْ.\nوقوله: نَأْتِي: معناه: بالقُدْرة والأمر. والْأَرْضَ: يريد بها اسم الجنس، وقيل: يريد أرض الكفَّار المذكورين، المعنى: أو لم يروا أنا نأتي أرْضَ هؤلاء بالفَتْح/ عليك، فننقصها بمَا يَدْخُلُ في دِينِكَ من القبائلِ والبلادِ المجاورَة لهم، فما يؤمنهم أنْ نمكِّنك منْهم أيضًا قاله ابن عباس، وهذا على أن الآية مدنيّة «٥»، ومن قال: إن الأرض\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٧/ ٣٩٧) برقم: (٢٠٤٥٨) بنحوه، وذكره ابن عطية (٣/ ٣١٥)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٧/ ١٢١)، وعزاه لابن جرير، وأبي الشيخ.\n(٢) ينظر: «المحرر» (٣/ ٣١٥) .\n(٣) ينظر: «المحرر» (٣/ ٣١٨) .\n(٤) أخرجه الطبري (٧/ ٤٠٤) برقم: (٢٠٥٠٧) بنحوه، وابن عطية (٣/ ٣١٨)، وابن كثير في «تفسيره» (٢/ ٥٢٠) بنحوه، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ١٢٥)، وعزاه لابن جرير.\n(٥) أخرجه الطبري (٧/ ٤٠٦) برقم (٢٠٥١٤) بنحوه، وذكره البغوي (٣/ ٢٤)، وابن عطية (٣/ ٣١٩)، وابن كثير في «تفسيره» (٢/ ٩٢٢)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ١٢٧)، وعزاه لابن جرير.","vol":"3","page":372},{"text":"اسم جنسٍ، جعل انتقاص الأرض بتخريبِ العُمْران الذي يُحِلُّه اللَّه بالكُفَّار، وقيل:\nالانتقاص بمَوْت البشر، ونقص الثمرات والبَرَكَةِ، وقيل: بموتِ العلماءِ والأخيارِ قاله ابن عباس أيضًا «١»، وكلُّ ما ذكر يدخل في لفظ الآية، وجملةُ معنَى هذه الآية: الموعظَةُ وضَرْبُ المثل، وقال أبو عمر بن عَبْدِ البَرِّ في كتاب العلم بسنده عن عطاء بن أبي رَبَاح في معنَى نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها قال: بذَهَابِ فقهائها، وخيار أهلها وعن وكيع «٢» نحوه.\nوقال الحسن: نقصانُهَا: هو بظهور المسلمين على المُشْركين «٣» .\nقال أبو عمر: وقول عطاء في تأويل الآية حَسَنٌ جِدًّا، تلَقَّاه أهل العلْمِ بالقبول، وقولُ الحسن أيضًا حسن. انتهى.\nوقوله سبحانه: فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا: أي: العقوبات التي أحلَّها بهم، وسمَّاها مكرًا على عُرْفِ تسمية العقوبة باسم الذنب، وباقي الآية تحذيرٌ ووعيدٌ.\nوَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا: المعنى: ويكذِّبك يا محمَّد هؤلاءِ الكفرةُ ويقولون: لستَ مرسلًا. قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا: أي: شاهدًا بيني وبينكم، وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ: قال قتادة: يريدُ مَنْ آمَنَ منهم كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلاَمٍ وغيره «٤»، كَمُلَ تفسيرُ السُّورة، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم تسليما.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٧/ ٤٠٦) برقم: (٢٠٥١٩)، (٧/ ٤٠٧) برقم: (٢٠٥٢٣)، وذكره ابن عطية (٣/ ٣١٩)، وابن كثير في «تفسيره» (٢/ ٥٢٢)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ١٢٧)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٢) أخرجه الطبري (٧/ ٤٠٨) برقم: (٢٠٥٣٣)، وذكره البغوي (٣/ ٢٤)، وابن عطية (٣/ ٣١٩)، وابن كثير في «تفسيره» (٢/ ٥٢٢)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ١٢٦) وعزاه لعبد الرزاق، وابن أبي شيبة، ونعيم بن حماد في «الفتن»، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه. [.....]\n(٣) أخرجه الطبري (٧/ ٤٠٦) برقم: (٢٠٥١٧)، وابن كثير في «تفسيره» (٢/ ٥٢٢)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ١٢٦)، وعزاه لعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم.\n(٤) أخرجه الطبري (٧/ ٤١٠) برقم: (٢٠٥٤٢)، وذكره البغوي (٣/ ٢٥) بنحوه، وابن عطية (٣/ ٣٢٠)، وابن كثير في «تفسيره» (٢/ ٥٢١) بنحوه، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ١٢٨)، وعزاه لعبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.","vol":"3","page":373},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-721>تفسير سورة إبراهيم</span>\nهذه السورة مكّيّة إلا آيتين، وهما قوله ﷿: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا ... [إبراهيم: ٢٨] إلى آخر الآيتين، ذكره مكّيّ والنّقّاش.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-722>[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ١ الى ٣]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالر كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١) اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ (٢) الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجًا أُولئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (٣)\nقوله ﷿: الر كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ قال القاضِي ابنُ الطَّيب، وأبو المعالى وغيرهما: إِن الإِنزال لم يتعلَّق بالكلامِ القَدِيمِ الذي هو صفةُ الذاتِ، لكَنْ بالمعاني التي أفْهَمَهَا اللَّهُ تعالَى جِبْرِيلِ ﵇ من الكَلاَم.\nوقوله: لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ: في هذه اللفظة تشريف للنبيّ ﷺ وعَمَّ الناس إِذ هو مبعوثٌ إِلى جميعِ الخَلْق، وقرأ نافعٌ وابن عامرٍ «١»: «اللَّهُ الَّذِي له ما في السموات وما في الأرض» برفع اسم اللَّه على القطْعِ والابتداءِ، وقرأ الباقون بخَفْضِ الهَاء، وَوَيْلٌ: معناه: وشدَّةٌ وبَلاَءٌ، وباقي الآية بيّن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-723>[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ٤ الى ٦]</span>\nوَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٥) وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٦)\n_________\n(١) ينظر: «الحجة» (٥/ ٢٥)، و«إعراب القراءات السبع» (١/ ٣٣٤)، و«حجة القراءات» (٣٧٦)، و«الإتحاف» (٢/ ١٦٦)، و«المحرر الوجيز» (٣/ ٣٢٢)، و«البحر المحيط» (٥/ ٣٩٣)، و«الدر المصون» (٤/ ٢٥٠)، و«السبعة» (٣٦٢)، و«معاني القراءات» (٢/ ٦١)، و«شرح الطيبة» (٤/ ٣٩٦)، و«العنوان» (١١٥)، و«شرح شعلة» (٤٤٩- ٤٥٠) .","vol":"3","page":374},{"text":"وقوله سبحانه: وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ... الآية، هذه الآيةُ طعن وردّ على المستغربين أمر محمّد ﷺ، وباقي الآية بيِّن.\nوقوله سبحانه لموسَى: وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ: أي: عظْهم بالتهديدِ بِنِقَمِ اللَّهِ التي/ أحلَّها بالأمم الكَافرة قَبْلهم، وبالتَّعْديدِ لنعمه علَيْهم، وعَبَّرَ عن النعم وَالنِّقَمِ ب «الأَيَّامِ» إِذ هي في أيامٍ، وفي هذه العبارةِ تعظيمُ هذه الكوائنِ المذكَّر بها، وفي الحديثِ الصحيحِ:\n«بَيْنَمَا مُوسَى فِي قَوْمِهِ يُذَكِّرُهُمْ أيَّامَ اللَّهِ ...» الحديث، في قصة موسَى مع الخَضِرِ.\nقال عياضٌ في «الإِكمال»: «أَيَّامِ الله»: نَعْمَاؤه وبلاؤه، انتهى. وقال الداوديّ: وعن النبيّ ﷺ: «وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ: قال: بِنِعَمِ اللَّهِ» وعن قتادة: لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ: قال: نعْمَ، واللَّهِ، العبدُ إِذا ابتلي صَبَرَ، وإِذا أُعْطِيَ شَكَرَ. انتهى «١» .\nوقال ابنُ العربيِّ في «أَحكامه»: وفي بِأَيَّامِ اللَّهِ قولان: أحدهما: نعمه. والثاني:\nنقمه. انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-724>[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ٧ الى ٩]</span>\nوَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ (٧) وَقالَ مُوسى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (٨) أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللَّهُ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ وَقالُوا إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٩)\nوقوله: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ... الآية: «تأَذَّن»: بمعنى آذَنَ، أي: أعلم.\nقال بعضُ العلماء: الزيادةُ على الشُّكر ليستْ في الدنيا، وإِنما هي مِنْ نعم الآخرةِ، والدنيا أهْوَنُ من ذلك.\nقال ع «٢»: وجائزٌ أن يزيدَ اللَّه المؤمِنَ علَى شُكْره من نعمِ الدنيا والآخرةِ، «والكُفْرِ» هنا: يحتمل أن يكون على بابه، ويحتملُ أنْ يكون كفرَ النِّعَمِ، لا كفر الجحد،\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٧/ ٤١٨) برقم: (٢٠٥٨١)، وذكره ابن كثير في «تفسيره» (٢/ ٥٢٣)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ١٣٢)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٣٢٥) .","vol":"3","page":375},{"text":"وفي الآية ترجيةٌ وتخويفٌ، وحكى الطبريُّ «١» عن سفيان وعن الحسن أنهما قَالاَ: معنى الآية: لَئِنْ شكرتم لأَزيدنكم مِنْ طاعتي.\nقال ع «٢»: وضعَّفه الطبريُّ، وليس كما قال، بل هو قويٌّ حَسَنٌ، فتأمَّلَهُ.\nت: وتضعيفُ الطبريِّ بيِّن من حيثُ التخصيصُ، والأصلُ التعميمُ «٣» .\nوقوله: أَلَمْ يَأْتِكُمْ: هذا أيضًا من التذْكير بأيام اللَّه، وقوله سبحانه: فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ: قيل: معناه: رَدُّوا أيدي أنفسهم في أفواه أنفسهم إِشارةً على الأنبياء بالسُّكوت، وقال الحسن: رَدُّوا أيدي أنفسهم في أفواه الرسُل تسكيتًا لهم، وهذا أشنع في الرّدّ «٤» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-725>[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ١٠ الى ١٤]</span>\nقالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى قالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (١٠) قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١) وَما لَنا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (١٢) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (١٣) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ (١٤)\nوقوله ﷿: قالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ: التقدير: أفي إِلاهية اللَّه شَكٌّ أو:\nأفي وحدانيَّة اللَّهِ شكّ، و«ما» في قوله ما آذَيْتُمُونا مصدريَّة، ويحتملُ أنْ تَكُونَ موصولةً بمعنى «الذي»، قال الداودي: عن أبي عُبَيْدةً لِمَنْ خافَ مَقامِي: مجازه حيثُ أَقيمُهُ بَيْنَ يَدَيَّ للحسابِ انتهى «٥» . قال عبد الحقِّ في «العاقبة» قال الربيع بن خَيْثَمٍ: مَنْ خافَ الوعيدَ، قَرُبَ عليه البعيد، ومَنْ طال أمله، ساء عمله. انتهى، وباقي الآية بيّن.\n_________\n(١) ينظر: «تفسير الطبري» (٧/ ٤٢٠) برقم: (٢٠٥٨٥- ٢٠٥٨٦) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٣٢٥) .\n(٣) أخرجه الطبري (٧/ ٤٢٠) برقم: (٢٠٥٨٧- ٢٠٥٨٨)، وذكره ابن عطية (٣/ ٣٢٥)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ١٣٣)، وعزاه لابن جرير.\n(٤) ذكره البغوي (٣/ ٢٧)، وابن عطية (٣/ ٣٢٦) .\n(٥) ذكره ابن عطية (٣/ ٣٣٠) .","vol":"3","page":376},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-726>[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ١٥ الى ١٦]</span>\nوَاسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (١٥) مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ (١٦)\nوقوله سبحانه: وَاسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ: اسْتَفْتَحُوا: أي: طلبوا الحُكْم، و«الفَتَّاح» الحاكم، والمعنَى: أنَّ الرسل استفتحوا، أيْ: سألوا اللَّه ﵎ إِنفاذَ الحُكْمِ بنصرهم.\nوقيل: بلِ استفتح الكفَّارُ على نحو قولِ قريشٍ: عَجِّلْ لَنا قِطَّنا ... [ص: ١٦] وعلى نحو قول أبي جَهْل يوم بَدْرٍ: اللَّهم، أقطعنا للرَّحِمِ، وأتيانا بمَا لاَ نَعْرِفُ، فاحنه الغَدَاةَ، وهذا قولُ ابنِ زيدٍ «١»، وقرأَتْ فرقةٌ: «واستفتحوا» «٢» - بكسر التاء- على معنى الأمر للرسُلِ، وهي قراءَة ابن عبَّاس ومجاهدٍ وابن مُحَيْصِنٍ: وَخابَ: معناه: خسر ولم ينجح، والجبار: المتعظّم في نفسه، والعنيد: الذي يعاند ولا يناقد.\nوقوله: مِنْ وَرائِهِ: قال الطبري «٣» وغيره: مِنْ أمامه، وعلى ذلك حملوا قوله تعالى: وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ [الكهف: ٧٩]، وليس الأمر كما ذكروا، بل الوَرَاءُ هنا وهنَاكَ على بابه، أي: هو/ ما يأتي بَعْدُ في الزمان، وذلك أن التقدير في هذه الحَوَادِثِ بالأَمَامِ والوراءِ، إِنما هو بالزَّمَانِ، وما تقدَّم فهو أمام، وهو بَيْن اليد كما نقول في التوراة والإِنجيل: إنهما بيْنَ يدَي القرآن، والقرآنُ وراءهم، وعلَى هذا فما تأخَّر في الزمَانِ فهو وراء المتقدِّم، وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ: «الصديد»: القَيْح والدمُ، وهو ما يسيلُ من أجْسَادِ أهْلِ النَّار قاله مجاهد «٤» والضّحّاك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-727>[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ١٧ الى ٢١]</span>\nيَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ (١٧) مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ (١٨) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٩) وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (٢٠) وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقالَ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قالُوا لَوْ هَدانَا اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا مَا لَنا مِنْ مَحِيصٍ (٢١)\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٧/ ٤٢٨) برقم: (٢٠٦٢٦) بنحوه، وذكره ابن عطية (٣/ ٣٣٠)، وابن كثير في «تفسيره» (٢/ ٥٢٦) بنحوه.\n(٢) وقرأ بها ابن عباس، ومجاهد، وابن محيصن.\nقال أبو الفتح: هو معطوف على ما سبق من قوله تعالى: فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ، أي: قال لهم:\nاستفتحوا.\nينظر: «المحتسب» (١/ ٣٦٠)، و«الشواذ» ص: (٧٢)، و«المحرر الوجيز» (٣/ ٣٣٠)، و«البحر المحيط» (٥/ ٤١٠)، و«الدر المصون» (٤/ ٢٥٦) .\n(٣) ينظر: «تفسير الطبري» (٧/ ٤٢٨- ٤٢٩) .\n(٤) أخرجه الطبري (٧/ ٤٢٩) برقم: (٢٠٦٢٧)، وبرقم: (٢٠٦٣١) بنحوه، وذكر ابن عطية (٣/ ٣٣١)، وابن كثير في «تفسيره» (٢/ ٥٢٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ١٣٨)، وعزاه لابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي في «البعث والنشور» . [.....]","vol":"3","page":377},{"text":"وقوله: يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ: عبارةٌ عن صعوبة أمره عليهم، وروي أنَّ الكافر يؤتَى بالشَّرْبة من شراب أهْل النَّار، فيتكَّرهها، فإِذا أدنيَتْ منه، شَوَتْ وجهه، وسقَطَتْ فيها فروة رأسِهِ، فإِذا شربها، قَطَّعت أمعاءه، وهذا الخبر مفرَّق في آيات من كتاب اللَّه ﷿، وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ، أي: مِنْ كل شعرة في بَدَنِهِ قاله إِبراهيمُ التَّيْمِيُّ «١»، وقيل: مِنْ جميع جهاته السِّتِّ، وَما هُوَ بِمَيِّتٍ: لا يراحُ بالموت، وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ قال الفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ: العذابُ الغليظ: حَبْسُ الأنفاسِ في الأجسادِ، وفي الحديث: «تَخْرُجُ عُنُقٌ مِنَ النَّارِ تَكَلَّمُ بِلَسَانٍ طَلِقٍ ذَلِقٍ لَهَا عَيْنَانِ تُبْصِرُ بِهِمَا، وَلَهَا لِسَانٌ تَكَلَّمُ بِهِ، فَتَقُولُ: إِنِّي أُمِرْتُ بِمَنْ جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إلها آخَرَ، وبِكُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ، وبِمَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ، فَتَنْطَلِقُ بِهِمْ قَبْلَ سَائِرِ النَّاسِ بِخَمْسِمِائَةِ عَامٍ، فتنطوي علَيْهم، فتقذفُهُمْ في جهنَّم»، خرَّجه البزَّار «٢»، انتهى من «الكوكب الدري» .\nوقوله: فِي يَوْمٍ عاصِفٍ وصف اليوم بالعُصُوفِ، وهي من صفات الريحِ بالحقيقة لما كانت في اليوم، كقول الشاعر: [الطويل]\n............... .......... ... وَنِمْت وَمَا لَيْلُ المَطِيِّ بِنَائِمِ «٣»\nوباقي الآية بيّن.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٧/ ٤٣٠) برقم (٢٠٦٣٦)، وذكره البغوي (٣/ ٢٩)، وابن عطية (٣/ ٣٣١)، وابن كثير في «تفسيره» (٢/ ٥٢٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ١٣٩) وعزاه لابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٢) أخرجه الترمذي (٤/ ٧٠١) كتاب «صفة جهنم» باب: ما جاء في صفة النار، حديث (٢٥٧٤) بنحوه، وقال الترمذي: حسن غريب صحيح.\n(٣) عجز بيت وصدره:\nلقد لمتنا يا أم عيلان في السرى............... ............\nوالبيت لجرير في «ديوانه» ص: (٩٩٣)، و«خزانة الأدب» (١/ ٤٦٥)، (٨/ ٢٠٢)، و«الكتاب» (١/ ١٦٠)، و«لسان العرب» (٢/ ٤٤٢) (ربح)، وبلا نسبة في «الأشباه والنظائر» (٨/ ٦٠)، و«الإنصاف» (١/ ٢٤٣)، و«تخليص الشواهد» ص: (٤٣٩)، والصاحبي في «فقه اللغة» (٢٢٢)، و«المحتسب» (٢/ ١٨٤)، و«المقتضب» (٣/ ١٠٥)، (٤/ ٣٣١) .","vol":"3","page":378},{"text":"وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا: معناه: صاروا في البِرَازِ، وهي الأرضُ المتَّسِعَة، فَقالَ الضُّعَفاءُ، وهم الأتْبَاعُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا، وهم القادة وأهْلُ الرأْي، وقولهم: سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا مَا لَنا مِنْ مَحِيصٍ: «المحيصُ»: المفرُّ وَالمَلْجَأَ مأخوذٌ منِ حَاصَ يَحيصُ إِذا نفر وفر ومنه في حديث هِرَقْلَ: «فَحَاصُوا حَيْصَةَ حُمُرِ الوَحْشِ إِلى الأَبْوَابِ» وروي عن ابن زيدٍ، وعن محمد بن كَعْب أن أهْلَ النار يقولُونَ: إِنما نال أَهْلُ الجَنَّةِ الرحْمَةَ بالصبر على طاعة اللَّه، فتعالَوْا فَلْنَصْبِرْ، فَيَصْبِرُونَ خَمْسَمِائَةِ سَنَةٍ، فلا ينتفعونَ، فيقولُون: هلمَّ فَلْنَجْزَعْ، فَيَضِجُّونَ ويَصِيحُونَ ويَبْكُونَ خَمْسَمِائَةِ سنة أُخرَى، فحينئذٍ يقولُونَ هذه المقَالَةَ سَواءٌ عَلَيْنا ... الآية، وظاهر الآية أنهم إِنما يقولونها في مَوْقِفِ العرْض وقْتَ البروز بين يدي الله ﷿ «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-728>[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ٢٢ الى ٢٣]</span>\nوَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٢٢) وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ (٢٣)\nوقوله ﷿: وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ: المراد هنا ب «الشَّيْطَان» إِبليسُ الأَقْدَمُ، وروي عن النبيّ ﷺ من طريق عُقْبَة بنِ عَامِرٍ، أَنه قال: يقوم يومَ القيَامَةِ خَطيبَان أَحدهما: إِبليسْ يقوم في الكَفَرة بهذه الأَلْفَاظِ، والثاني: عيسَى ابنُ مَرْيَمَ يقومُ بقوله: مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ ... الآية [المائدة: ١١٧]، وروي في حديث أنَّ إِبليس إِنما يقوم بهذه الألفاظ في النَّار علَى أهلها عند قولهم: مَا لَنا مِنْ مَحِيصٍ [إبراهيم: ٢١] في الآية المتقدِّمة فعلى هذه الرواية، يكون معنى قوله: قُضِيَ الْأَمْرُ، أي: حصل أهْلُ/ النار في النَّار، وأهْلُ الجنة في الجنة، وهو تأويلُ الطبريِّ «٢» .\nوقوله: وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ: أي: من حجة بيّنة، وإِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ استثناء منقطعٌ، ويحتملُ أنْ يريد ب «السُّلْطان» في هذه الآية: الغلبة والقُدْرة والمُلْك، أي: ما اضطررتكم، ولا خوَّفتكم بقُوَّة منِّي، بلْ عرضْتُ عليكم شيئًا فأَتَى رأْيُكُمْ عليه.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٧/ ٤٣٣) برقم: (٢٠٦٤٠)، وبرقم: (٢٠٦٤١)، وذكره البغوي (٣/ ٣٠)، وابن عطية (٣/ ٣٣٣)، وابن كثير في «تفسيره» (٢/ ٥٢٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ١٤٠)، وعزاه لابن جرير.\n(٢) ينظر: «الطبري» (٧/ ٤٣٣) .","vol":"3","page":379},{"text":"وقوله: فَلا تَلُومُونِي: يريد: بزعمه إِذ لا ذَنْبَ لي، وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ، أي:\nفي سوء نَظَركم في اتباعي، وقلَّةِ تثبُّتكم مَّا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ: «المُصْرِخُ»: المغيث، والصَّارِخُ: المستغيث، وأما الصَّريخ، فهو مصدَرٌ بمنزلة البَريح، وقوله: إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ: «ما» مصدريةٌ، وكأنه يقول: إِني الآن كافرٌ بإِشراككم إِيَّايَ مع اللَّه قَبْلَ هذا الوَقْتِ، فهذا تَبَرٍّ منه، وقد قال تعالى: وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ [فاطر: ١٤] .\nوقوله ﷿: وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ: «الإِذن» هنا: عبارةٌ عن القضاء والإمضاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-729>[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ٢٤ الى ٢٦]</span>\nأَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ (٢٦)\nوقوله سبحانه: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً: أَلَمْ تَرَ: بمعنى: ألم تعلَمْ، قال ابنُ عَبَّاس وغيره: الكلمة الطَّيِّبة: هي لا إله إِلا اللَّه «١»، مَثَّلها اللَّه سبحانه بالشَّجَرة الطَّيِّبة، وهي النَّخْلة في قول أكثر المتأوِّلين، فكأنَّ هذه الكلمة أصلها ثابتٌ في قلوبِ المؤمنين، وفَضْلُها وما يَصْدُرُ عنها من الأفعال الزكيَّة وأنواعِ الحسناتِ هو فَرْعُها يَصْعُد إِلى السماء مِنْ قِبَلِ العبدِ، والحِين: القطعةُ من الزمان غيرُ مَحْدُودةٍ كقوله تعالى: وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ [ص: ٨٨]، وقد تقتضي لفظة «الحِينِ» بقرينتها تحديدًا كهذه الآية، و«الكلمةُ الخبيثةُ»: هي كلمة الكفر، وما قاربها مِنْ كلامِ السوءِ في الظلمِ ونحوه، و«الشجرة الخبيثة»: قال أكثر المفسِّرين: هي شجرة الحنظل ورواه أنس عن النبيّ ﷺ «٢» وهذا عندي عَلَى جهة المَثَلِ، «اجتثت»: أي: اقتلعت جثتها بنزع الأصولِ، وبقيَتْ في غاية الوهَنِ والضَّعْفِ، فتقلبها أقلُّ ريحٍ، فالكافر يَرَى أنَّ بيده شيئًا، وهو لا يستقرُّ ولا يُغْنِي عنه كهذه الشجرة الذي يُظَنُّ بها عَلَى بُعْدِ أو للجَهْلِ بها أنها شيءٌ نافع، وهي خبيثة الجني غير باقية.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٧/ ٤٣٧) برقم: (٢٠٦٥٩)، وذكره ابن عطية (٣/ ٣٣٥)، وابن كثير في «تفسيره» (٢/ ٥٣٠)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ١٤٢)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في «الأسماء والصفات» .\n(٢) أخرجه الترمذي (٥/ ٢٩٥) كتاب «التفسير» باب: ومن سورة إبراهيم ﵇، حديث (٣١١٩)، والطبري (١٣/ ٢٠٥)، وأبو يعلى (٧/ ١٨٢- ١٨٣) برقم: (٤١٦٥)، والحاكم (٣/ ٣٥٢)، وابن حبان (٤٦٨) من حديث أنس مرفوعا به، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وصححه ابن حبان.","vol":"3","page":380},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-730>[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ٢٧ الى ٣٠]</span>\nيُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ (٢٧) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ (٢٩) وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (٣٠)\nوقوله سبحانه: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ:\nبِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا: كلمةُ الإِخلاصِ والنجاةِ من النَّار: «لا إله إِلا اللَّه»، والإِقرارُ بالنبوَّة، وهذه الآية تعمُّ العالَمَ مِنْ لدنْ آدم ﵇ إِلى يوم القيامةِ. قال طَاوُسٌ، وقتادة، وجمهور من العلماء: الْحَياةِ الدُّنْيا هي مدَّة حياةِ الإِنسان، وَفِي الْآخِرَةِ وَقْتُ سؤاله في قَبْرِهِ «١»، وقال البَرَاء بنَ عَازِبٍ وجماعة: فِي الْحَياةِ الدُّنْيا: هي وقتُ سؤاله في قبره، ورواه البراء عن النبيّ ﷺ في لفظ متأوَّلٍ، وفي الآخرة: هو يوم القيامة عندَ العَرْض، والأولُ أحسن، ورجَّحه الطبريُّ.\nت «٢»: ولفظ البخاريِّ عن البراءِ بْنِ عازِبٍ/ أنّ رسول الله ﷺ قَالَ: «المُسْلِمُ إِذَا سُئِلَ فِي القَبْرِ، يَشْهَدُ أَنْ لاَ إله إِلاَّ اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ» . انتهى، وحديثُ البَرَاءِ خَرَّجه البخاريُّ ومسلم وأبو داود والنسائيُّ وابنُ ماجه «٣»، قال صاحب «التذكرة» «٤»: وقد رَوَى هذا الحديثَ أبو هريرة وابن مسعود وابنُ عباس وأبو سَعِيدٍ الخدريُّ قال أبو سعيد\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٧/ ٤٥١) برقم: (٢٠٧٧٦) بنحوه، وذكره ابن عطية (٣/ ٣٣٧)، وابن كثير في «تفسيره» (٢/ ٥٣٥)، والسيوطي في «الدر المنثور»، وعزاه لعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٢) أخرجه الطبري (٧/ ٤٤٩) برقم: (٢٠٧٦٣) بنحوه، وذكره البغوي (٣/ ٣٤)، وذكره ابن عطية (٣/ ٣٣٧)، وابن كثير في «تفسيره» (٢/ ٥٣٢)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ١٤٨)، وعزاه لابن أبي شيبة.\n(٣) أخرجه البخاري (٣/ ٢٧٤) كتاب «الجنائز» باب: ما جاء في عذاب القبر، حديث (١٣٦٩)، وفي (٨/ ٢٢٩) كتاب «التفسير» باب: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ، حديث (٤٦٩٩)، ومسلم (٤/ ٢٢٠١) كتاب «الجنة» باب: عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه، حديث (٧٣/ ٢٨٧١)، وأبو داود (٢/ ٦٥١) كتاب «السنة» باب: في المسألة في القبر وعذاب القبر، حديث (٤٧٥٠)، والترمذي (٥/ ٢٩٥- ٢٩٦)، كتاب «التفسير» باب: ومن سورة إبراهيم، حديث (٣١٢٠)، والنسائي (٤/ ١٠١) كتاب «الجنائز» باب: عذاب القبر، حديث (٢٠٥٧)، وابن ماجه (٢/ ١٤٢٧) كتاب «الزهد» باب: ذكر القبر والبلى برقم: (٤٢٦٩)، والطيالسي (٢/ ٢٠- منحة) برقم: (١٩٥٩) . كلهم من طريق سعد بن عبيدة، عن البراء بن عازب به، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ١٤٦)، وزاد نسبته إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه.\n(٤) ينظر: «التذكرة» للقرطبي (١/ ١٦٦) .","vol":"3","page":381},{"text":"الخدريّ: كنّا في جنازة مع النبيّ ﷺ فقال: «يا أيّها النَّاسُ إِنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ تُبْتَلَى في قُبُورِهَا فإِذَا الإِنْسَانُ دُفِنَ وَتَفَرَّقَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ، جَاءَهُ مَلَكٌ بِيَدِهِ مِطْرَاقٌ، فَأَقْعَدَهُ، فَقَالَ: مَا تَقُولُ في هَذَا الرَّجُلِ ...» الحديثَ، وفيه: فَقَالَ بَعْضُ أصحاب النّبيّ ﷺ: مَا أَحَدٌ يَقُومُ عَلَى رَأْسِهِ مَلَكٌ بِيَدِهِ مطراق إلّا هبل، فقال النّبيّ ﷺ: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشاءُ «١» انتهى.\nقال أبو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ البِرِّ: وُروِّينا من طرق أنّ رسول الله ﷺ قَالَ لِعُمَرَ: كَيْفَ بِكَ يَا عُمَرُ، إِذَا جَاءَكَ مُنْكَرٌ وَنَكِيرٌ، إِذَا مُتَّ، وانطلق بِكَ قَوْمُكَ، فَقَاسُوا ثَلاَثَةَ أَذْرُعٍ وشِبْرًا في ذِرَاعٍ وَشِبْرٍ، ثُمَّ غَسَّلُوكَ، وَكَفَّنُوكَ، وَحَنَّطُوكَ، ثُمَّ احتملوك، فَوَضَعُوكَ فِيهِ، ثُمَّ أَهَالُوا عَلَيْكَ التُّرَابَ، فَإِذَا انصرفوا عَنْكَ أَتَاكَ فَتَّانَا الْقَبْرِ: مُنْكَرٌ وَنَكِيرٌ، أَصْواتُهُمَا كَالرَّعْدِ القَاصِفِ، وَأَبْصَارُهُمَا كَالبَرْقِ الخَاطِفِ يَجُرَّانِ شُعُورَهُمَا، مَعَهُمَا مِرْزَبَةٌ، لَوْ اجتمع عَلَيْهَا أَهْلُ الأَرْضِ لَمْ يَقْلِبُوهَا، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِن فَرِقْنَا فَحَقٌّ لَنَا أَنْ نَفْرَقَ أَنُبْعَثُ عَلَى مَا نَحْنُ عَلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ، قَالَ: إِذَنْ أَكْفِيَكَهُمَا»، انتهى «٢»، و«الظالمون» في هذه الآية: الكافرون، وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشاءُ، أي: بحقِّ الملك فلا رادَّ لأَمره، ولا معقِّب لِحُكْمه، وجاءتْ أحاديثٌ صحيحةٌ في مُسَاءلة العبد في قبره، وجماعة السُّنَّة تقولُ: إِنَّ اللَّه سبْحَانه يَخْلُقُ للعَبْدِ في قَبْرِهِ إِدراكاتٍ وتحصيلًا: إِما بحياةٍ كالمتعارفة، وإِما بحضورِ النَّفْس، وإِن لم تتلبَّس بالجَسَدِ كالعُرْف، كلُّ هذا جائزٌ في قُدْرة اللَّه ﵎ غير أنَّ في الأحاديثِ الصَّحيحةِ «أَنَّهُ يَسْمَعُ خَفْقَ النِّعَالِ»، ومنها: أنه يرى الضوء كَأَنَّ الشمْسَ دَنَتْ للغروب، وفيها أنه يُرَاجَعُ، وفيها: «فَيُعَادُ رُوحُهُ إِلَى جَسَدِهِ»، وهذا كلُّه يتضمَّن الحياةَ، فسُبْحَانَ مَنْ له هذه القدرة العظيمة، وقوله سبحانه: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا: المراد ب الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ: كَفَرَةُ قُريشٍ، وقد خرَّجه البخاريُّ وغيره مسندًا عن ابن عباس «٣» انتهى، والتقديرُ: بدَّلوا شُكْرَ نِعْمَةِ اللَّهِ كُفْرًا، ونِعْمَةُ اللَّه تعالى في\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٣/ ٢٣٣)، وابن أبي عاصم في «السنة» (٢/ ٤١٧- ٤١٨) من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعا، وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٣/ ٥١)، وقال: رواه أحمد، والبزار، ورجاله رجال الصحيح، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ١٤٩)، وزاد نسبته إلى ابن أبي الدنيا في ذكر الموت، وابن مردويه، والبيهقي في «عذاب القبر»، وقال السيوطي: سنده صحيح.\n(٢) ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ١٥٣)، وعزاه إلى ابن أبي داود في «البعث»، والحاكم في «التاريخ»، والبيهقي في «عذاب القبر» .\n(٣) أخرجه البخاري (٤٧٠٠)، والطبري (٧/ ٤٥٤) برقم: (٢٠٧٩٦)، وذكره البغوي (٣/ ٣٥)، وابن كثير في «تفسيره» (٢/ ٥٣٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ١٥٦)، وعزاه لعبد الرزاق، وسعيد بن منصور، والبخاري، والنسائي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في «الدلائل» . [.....]","vol":"3","page":382},{"text":"هذه الآية: هو محمّد ﷺ ودِينُهُ، وَأَحَلُّوا/ قَوْمَهُمْ، أي: مَنْ أطاعهم، وكأنَّ الإشارة والتعنيف إنما هو للرؤوس والأعلام، والْبَوارِ: الهلاك، قال عطاءُ بنُ يَسَارٍ: نَزَلَتْ هذه الآيةُ في قَتْلَى «١» بدْر، و«الأنداد»: جمع نِدٍّ، وهو المثيلُ، والمرادُ: الأصنام، واللام في قوله:\nلِيُضِلُّوا- بضم الياء-: لام كَيْ، وبفتحها: لام عاقبة وصيرورة، والقراءتان «٢» سبعيّتان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-731>[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ٣١ الى ٣٤]</span>\nقُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ (٣١) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ (٣٢) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ (٣٣) وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)\nوقوله سبحانه: قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ ... الآية: «العباد»: جمع عبدٍ، وعُرْفُه في التكرمة بخلاف العبيد، و«السر»: صدقة التنفّل، و«العلانية»: المفروضةُ هذا هو مقتضى الأحاديثِ، وفسر ابن عباس هذه الآية بزكَاةِ الأَموالِ مجملًا، وكذلك فسَّر الصلاة بأَنها الخَمْسُ وهذا عندي منه تقريبٌ للمخاطَب «٣» . و«الخلال»: مصدرٌ من «خَالَلَ»، إِذا وادَّ وصافَى ومنه الخُلَّة والخَلِيلَ، والمراد بهذا اليومِ يَوْمُ القيامة.\nوقوله سبحانه: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ: هذه الآيةُ تذكيرٌ بآلائه سُبْحانه، وتنبيهٌ على قدرته التي فيها إِحْسَان إِلى البَشَر لتقوم الحُجَّة عليهم، وقوله: بِأَمْرِهِ: مصدر أَمَرَ يَأْمُرُ، وهذا راجعٌ إِلى الكلام القديم القائم بالذات، ودائِبَيْنِ: معناه: متماديين، ومنه قوله ﷺ لصاحب الجمل\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٧/ ٤٥٥) برقم: (٢٠٨١٣)، وذكره ابن عطية (٣/ ٣٣٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ١٥٧)، وعزاه لابن جرير.\n(٢) وتفصيل هذه القراءة على ما يلي: قرأ أبو كثير وأبو عمرو: «ليضلوا» بفتح الياء، أي: ليصيروا هم ضلّالا.\nوحجتهما: قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ [النحل: ٣٠] .\nوقرأ الباقون: «ليضلوا» بضم الياء، أي: ليضلوا غيرهم، وحجتهم: أن الله سبحانه وصفهم قبل بأنهم ضالون في أنفسهم، فقال: وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدادًا، فكان الحال يقتضي زيادة معنى، وهو: أنهم لم يتوقفوا عن ضلالهم هم، بل عدوه إلى غيرهم.\nينظر: «شرح الطيبة» (٤/ ٣٩٦)، و«العنوان» (١١٥)، و«حجة القراءات» (٣٧٨)، و«إتحاف فضلاء البشر» (٢/ ١٦٩) .\n(٣) أخرجه الطبري (٧/ ٤٥٧) برقم: (٢٠٨٢٣)، وذكره ابن عطية (٣/ ٣٣٩) .","vol":"3","page":383},{"text":"الذي بَكَى وأَجْهَش «١» إِليه: «إِنَّ هَذَا الجمَلَ شَكَا إِلَيَّ أَنَّكَ تُجِيعُهُ وَتُدْئِبَه» «٢»، أي: تديمه في الخِدْمَة والعَمَل، وظاهرُ الآية أنَّ معناه: دائبَيْن في الطلوع والغروبِ وما بينهما من المَنَافِعِ للناسِ التي لا تحصَى كثرةً، وعن ابن عباس أَنَّه قال: معناه: دائِبَيْنِ في طاعة اللَّه «٣»، وقوله سبحانه: وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ المعنى: أنَّ جنس الإِنسان بجملته قد أوتي من كلِّ ما شأنه أنْ يسأل وينتفع به، وقرأ ابن عباس «٤» وغيره: «مِنْ كُلٍّ مَّا سَأَلْتُمُوهُ» - بتنوين كُلٍّ-، وروِيت عن نافع، وقوله تعالى: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوها، أي: لكثرتها وعِظَمها في الحَوَاس والقُوَى، والإِيجادِ بعد العَدَمِ والهدايةِ للإِيمان وغيرِ ذلك، وقال طَلْقُ بْنُ حَبِيبٍ: إِنَّ حقَّ اللَّه تعالى: أَثْقَلُ من أَنْ يَقُومَ به العُبَّادُ، ونِعْمَهُ أَكثر مِنْ أَنْ يحصيها العبَادُ، ولكنْ أصْبِحُوا توَّابين، وأمْسُوا تَوَّابِين.\nت «٥»: وَمِنْ «الكَلِمِ الفارقيَّة»: أيها الحَرِيصُ على نيلِ عَاجِلِ حظِّه ومراده الغافلُ عن الاستعداد لمعاده تنبَّه لعظمة مَنْ وجودُكَ بإِيجادِهِ وبقاؤك بإِرْفاده ودوامك بإِمداده، وأنْتَ طفلٌ في حَجْر لُطْفه ومهد عَطْفه وحضانة حفظه، يغذِّك بلِبَانِ بِرِّهِ ويقلِّبك بأيدي أياديه وفضله وأنتَ غافلٌ عن تعظيم أمره جاهلٌ بما أولاَكَ من لَطِيف سِرِّه وفضَّلك به على كثيرٍ من خَلْقه، واذكر عهد الإِيجاد، ودوام الإِمْدَاد والإِرفاد وحالَتَيِ الإِصْدَار والإِيراد وفاتحة المبدأ وخاتمةَ المَعَاد. انتهى.\nوقوله سبحانه: إِنَّ الْإِنْسانَ: يُريدُ به النوَعَ والجنس، المعنى: توجد فيه هذه\n_________\n(١) الجهش والإجهاش: أن يفزع الإنسان إلى غيره، وهو مع ذلك كأنه يريد البكاء، كالصبي يفزع إلى أمه وأبيه وقد تهيأ للبكاء.\nينظر: «النهاية» (١/ ٣٢٢) و«لسان العرب» (٧١٣) .\n(٢) ذكره السيوطي في «الخصائص الكبرى» (٢/ ٩٥)، وعزاه إلى ابن أبي شيبة، وأبي نعيم، والبيهقي كلاهما في «الدلائل» .\n(٣) أخرجه الطبري (٧/ ٤٥٨) برقم: (٢٠٨٢٦)، وذكره البغوي (٤/ ٣٦)، وابن عطية (٣/ ٣٣٩)، والسيوطي في «الدر المنثور»، وعزاه لابن جرير.\n(٤) وقرأ بها الحسن، وجعفر بن محمد، وسلام بن منذر، والضحاك، ومحمد بن علي، وعمرو بن فائد، ويعقوب، قال أبو الفتح: أما على هذه القراءة فالمفعول ملفوظ به، أي: وآتاكم ما سألتموه أن يؤتيكم منه، وأما قراءة الجماعة ... على الإضافة، فالمفعول محذوف: أي: وآتاكم سؤلكم من كل شيء.\nينظر: «المحتسب» (١/ ٣٦٣)، و«الشواذ» ص: (٧٣)، و«المحرر الوجيز» (٣/ ٣٤٠)، و«البحر المحيط» (٥/ ٤١٦)، و«الدر المصون» (٤/ ٢٧٢) .\n(٥) أخرجه الطبري (٧/ ٤٥٩) برقم: (٢٠٨٣٥)، وذكره ابن عطية (٣/ ٣٤٠)، وابن كثير في «تفسيره» (٢/ ٥٤٠)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ١٥٨)، وعزاه لابن أبي شيبة، وابن جرير، والبيهقي في «الشعب» .","vol":"3","page":384},{"text":"الخِلاَلُ، وهي الظُّلْم والكُفْر، فإِن كانَتْ هذه الخِلاَلُ من جاحِدٍ، فهي بصفةٍ، / وإِن كانَتْ من عاص فهي بصفة أخرى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-732>[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ٣٥ الى ٣٩]</span>\nوَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٦) رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧) رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَما نُعْلِنُ وَما يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ (٣٨) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ (٣٩)\nوقوله سبحانه: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا تقدَّم تفسيره.\nوقوله: وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ: واجْنُبْنِي: معناه: امنعني، يقال:\nجَنَبَهُ كَذَا، وأَجْنَبَهُ إِذا مَنَعَهُ من الأمْر وحَمَاهُ منْه.\nت: وكذا قال ص: و«اجنبني»: معناه: امنعني، أصله من الجَانِبِ، وعبارةُ المَهْدَوِيِّ: أي: اجعلني جانبًا من عبادتها.\nوقال الثعلبيُّ: وَاجْنُبْنِي، أي: بعّدني واجعلني منْها على جانِبٍ بعيدٍ. انتهى، وهذه الألفاظ كلُّها متقاربة المعاني، وأراد إبراهيم ﵇ بَنِيَّ صُلْبه، وأما باقي نَسْله، فمنهم مَنْ عبد الأصنام، وهذا الدعاء من الخليل ﵇ يقتضي إِفراطَ خَوْفه علَى نفسه ومَنْ حصل في رتبته، فكيف يَخَافُ أنْ يعبد صَنَمًا، لكن هذه الآية ينبغي أنْ يُقْتَدَى بها في الخَوْفِ، وطَلَبِ حُسْنِ الخاتمة، والْأَصْنامَ: هي المنحوتةُ على خَلْقَة البَشَر، وما كان منحوتًا على غَيْرِ خلْقَة البَشَرِ، فهي أوثانٌ، قاله الطبريُّ عن مجاهد «١»، ونسب إِلى الأصنام أنها أضَلَّتْ كثيرًا من الناس تجوُّزًا، وحقيقةُ الإِضلال إِنما هي لمخترعها سبحانه، وقيل:\nأراد ب الْأَصْنامَ هنا: الدنانيرُ والدَّرَاهم.\nوقوله: وَمَنْ عَصانِي: ظاهره بالكُفْر لمعادلة قوله: فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي، وإِذا كان ذلك كذلك، فقوله: فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ: معناه: بتوبَتِكَ على الكَفَرَةِ حتى يؤمنوا لا أنَّه أراد أنَّ اللَّه يغفر لكَافِرٍ، وحمله على هذه العبارة ما كَانَ يأخذ نَفْسَهُ به من القَوْلِ الجميلِ، والنّطق الحسن، وجميل الأدب ﷺ، قال قتادة: اسمعوا قول الخليل ﷺ:\nواللَّه ما كانُوا طَعَّانين ولا لَعَّانِينِ، وكذلك قول نبيّ الله عيسى ﵇:\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٧/ ٤٦٠) برقم: (٢٠٨٣٦)، وذكره ابن عطية (٣/ ٣٤١) .","vol":"3","page":385},{"text":"وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ «١» [المائدة: ١١٨]، وأسند الطبريُّ «٢» عن عبد اللَّهِ بْن عمرو حديثا: أن النبيّ ﷺ، تلا هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ، ثم دعا لأمته فبَشَّرَ فيهم «٣»، وكان إِبراهيمُ التَّيْمِيُّ يقول: مَنْ يأمن على نفْسه بَعْدَ خوف إِبراهيمَ الخليل على نفسه من عبادة الأصنام.\nوقوله: ومِنْ ذُرِّيَّتِي: يريد: إِسماعيل ﵇، وذلك أَنَّ سارَّة لمَّا غارَتْ بهاجَرَ بَعْدَ أَنْ ولدَتْ إِسماعيل، تشوَّش قلبُ إِبراهيم مِنْهُما، فروي أنَّه رَكِبَ البُرَاقَ هو وهَاجَر، والطفلُ، فجاء في يَوْمٍ واحدٍ من الشامِ إِلى بَطْنِ مَكَّة، فتركَهُما هناك، ورَكِبَ منصرفًا من يومه ذلك، وكان ذلك كلُّه بوحْيٍ من اللَّه تعالى، فلمَّا ولى، دعا بمضمَّن هذه الآية، وأمَّا كيفيَّة بقاء هَاجَرَ، وما صَنَعَتْ، وسائرُ خَبَر إِسماعيل، ففي كتابِ البخاريِّ وغيره، وفي السير، ذُكِرَ ذلك كلُّه مستَوْعَبًا.\nت: وفي «صحيح البخاري» من حديثه الطويل في قصَّة إِبراهِيمَ مع هَاجَرَ وولدِهَا، لما حَمَلَهُما إِلى مكَّة، قال: ولَيْسَ/ بمكَّة يَومَئِذٍ أَحَدٌ، وليس فيها ماءٌ، فوضعهما هنالِكَ، ووضَعَ عندهما جرابًا فيه تمْر، وسقاءً فيه ماءٌ، ثم قَفَّى إِبراهيم منطلقًا، فتبعْتهُ أمُّ إِسماعيل، فقالَتْ: يا إِبراهيم، أيْنَ تَذْهَبُ، وتَتْرُكُنَا بهذا الوادِي الذي لَيْسَ فيهِ أَنِيسٌ، ولا شَيْء، فقالَتْ له ذلك مِرَارًا، وجَعَلَ لاَ يَلْتَفِتُ إِليها، فقالَتْ لَهُ: آللَّه أمَرَكَ بهذا، قال: نعمْ، قالتْ: إِذَنْ لاَ يُضَيِّعُنَا، ثم رَجَعَتْ، فانطلق إِبراهيمُ حتى إِذا كان عند الثَّنِيَّةِ حَيْثُ لاَ يَرَوْنَهُ، استقبل بوجهه الْبَيْتَ، ثم دعا بهؤلاءِ الدعَواتِ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ، فقال: «رَبِّ إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ، حتى بَلَغَ: يَشْكُرُونَ ...» الحديثَ بطوله «٤» وفي طريق: «قالت: يا إبراهيم إِلى مَنْ تَتْرُكُنَا، قال: إِلى اللَّه ﷿، قَالَتْ:\nرَضِيتُ. انتهى. وفي هذا الحديثِ مِنَ الفوائِدِ لأرباب القلوبِ والمتوكِّلين وأهْلِ الثقة باللَّه سُبْحَانه ما يَطُولُ بنا سرْدُهَا، فإِليك استخراجها، ولما انقطعَتْ هاجَرُ وابنها إِلى اللَّه تعالى، آواهما اللَّه، وأنْبَعَ لهما ماءَ زَمْزَمَ المبارَكَ الذي جَعَله غذاءً، قال ابنُ العربي: وقد قال النبيّ ﷺ: «مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ» «٥» .\nقال ابن العربيِّ: ولقد كُنْتُ مقيمًا بمكَّة سنَةَ سَبْعٍ وثمانين وأربعمائة، وكنت أشرب\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٧/ ٤٦١) برقم: (٢٠٨٤٠)، وذكره ابن عطية (٣/ ٣٤١)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ١٦٠)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٢) ينظر: «الطبري» (٧/ ٤٦١) .\n(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٧/ ٤٦١) برقم: (٢٠٨٤١) .\n(٤) أخرجه البخاري (٦/ ٤٥٦، ٤٥٨) كتاب «أحاديث الأنبياء» باب: يزفون، حديث (٣٣٦٤) .\n(٥) ينظر: «أحكام القرآن» (٣/ ١١٢٤) . [.....]","vol":"3","page":386},{"text":"مَاءَ زَمْزَمَ كثيرًا، وكلَّما شرِبْتُ، نَوَيْتُ بِهِ العِلْمَ والإِيمانَ، ونَسِيتُ أنْ أشربه للعَمَلِ، ففتح لي في العِلْمِ، ويا لَيْتَنِي شربْتُه لهما معًا حتى يُفْتَحَ لي فيهما، ولم يُقَدَّر، فكان صَغْوِي إِلى العلْمِ أَكْثَرَ منه إِلى العمل، انتهى من «الأحكام» .\nو«من» في قوله: ومِنْ ذُرِّيَّتِي للتبعيضِ لأن إِسحاق كان بالشَّام، و«الوادِي»:\nما بين الجبَلَيْن، وليس مِنْ شرطه أَنْ يكون فيه ماءٌ، وجَمْعُه الضميرَ في قوله: لِيُقِيمُوا:\nيدلُّ على أن اللَّه قد أعلمه أنَّ ذلك الطِّفْلَ سَيُعْقِبُ هناك، ويكونُ له نسلٌ، واللام في لِيُقِيمُوا: لامُ كي هذا هو الظاهر، ويصحُّ أَنْ تكون لام الأمر كأنه رَغِبَ إِلى اللَّه سبحانه أَنْ يوفِّقهم لإِقامة الصلاة، و«الأفئدة» القلوبُ جمْع فؤادٍ، سمِّي بذلك، لاتِّقَادِهِ، مأخوذ من «فَأَد»، ومنه: «المُفْتَأَدُ»، وهو مستوقَدُ النَّار حيث يُشْوَى اللحْمُ.\nوقوله: مِنَ النَّاسِ: تبعيضٌ، ومراده المؤمنون، وباقي الآية بيّن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-733>[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ٤٠ الى ٤١]</span>\nرَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ (٤٠) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ (٤١)\nوقوله: رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ: دعاء إِبراهيمُ ﵇ في أمْر كان مثابرًا عليه، متمسكًا به، ومتى دعا الإِنسان في مثْل هذا، فإِنما المَقْصِدُ إِدامةُ ذلك الأمْر، واستمراره، قال السُّهَيْلِيُّ: قوله تعالى: رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي بحرف التبعيض، ولذلك أسلم بَعْضُ ذريته دُونَ بعضٍ، انتهى، وفاقًا لما تقدَّم الآن.\nوقوله: رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ: اختلف في تأويل ذلكَ، فقالَتْ فرقة: كان ذلك قَبْل يأسه من إِيمان أبيه، وتبيُّنه أنه عدُوٌّ للَّه، فأراد أباه وأُمَّه لأنَّها كانت مؤمنة، وقيل: أراد آدم/ ونوحًا ﵉، وقرأ الزُّهْرِيُّ «١» وغيره: «وَلِوَلَدَيَّ» على أنه دعاءٌ لإِسماعيل وإِسحاق، وأنكرها عاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وقال: «إِن في مُصْحَفِ أَبيِّ بنِ كَعْبٍ وَلأَبَوَيَّ» «٢» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-734>[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ٤٢ الى ٤٤]</span>\nوَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ (٤٢) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ (٤٣) وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ (٤٤)\n_________\n(١) وقرأ بها الحسين بن علي، وإبراهيم النخعي، وأبو جعفر محمد بن علي.\nينظر: «المحتسب» (١/ ٣٦٥)، و«الكشاف» (٢/ ٥٦٢)، وفيه الحسن بن علي بدلا من الحسين، وينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٣٤٣)، و«البحر المحيط» (٥/ ٤٢٣)، و«الدر المصون» (٤/ ٢٧٦) .\n(٢) ينظر: «مختصر الشواذ» ص: (٧٣)، و«الكشاف» (٢/ ٥٦٢)، و«المحرر الوجيز» (٣/ ٣٤٣)، و«البحر المحيط» (٥/ ٤٢٣)، و«الدر المصون» (٤/ ٢٧٦) .","vol":"3","page":387},{"text":"وقوله ﷿: وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ ...\nالآية: هذه الآية بجملتها فيها وعيدٌ للظالمين، وتسليةٌ للمظلومين، والخطابُ بقوله:\nتَحْسَبَنَّ للنبيّ ﷺ، وتَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ، معناه: تُحِدُّ النظرَ، لفرط الفَزَعِ ولفرط ذلك يشخص المحتضر، و«المُهْطِع» المسرع في مَشْيه قاله ابنُ جُبَيْر وغيره «١»، وذلك بِذِلَّة واستكانة، كإِسراع الأسير ونحوه، وهذا أرجحُ الأقوال، وقال ابن عباس وغيره: الإِهطاع شدَّة النظر من غير أنْ يَطْرِفَ «٢»، وقال ابنُ زَيْدٍ: «المُهْطِع»: الذي لا يرفع رأسَهُ «٣»، قال أبو عُبَيْدة: قد يكون: الإِهْطَاعُ للوجْهَيْنِ جميعًا: الإِسراع، وإِدَامَةُ النَّظَر «٤»، و«المُقْنِعُ»: هو الذي يَرْفَعُ رأْسَه قدُمًا بوَجْهِهِ نحو الشيْءِ، ومِنْ ذلك قولُ الشاعر: [الوافر]\nيُبَاكِرْنَ الْعِضَاهَ بِمُقْنَعَاتٍ ... نَوَاجِذُهُنَّ كَالْحَدَإِ الوَقِيعِ «٥»\nيصفُ الإِبلَ عند رعْيها أَعاليَ الشَّجَر، وقال الحسن في تفسير هذه الآية: وجوهُ الناسِ يوم القيامَةِ إِلى السماء لا يَنْظُرُ أَحدٌ إِلى أحد «٦»، وذكر المبرِّد فيما حَكَى عنه مكِّيٌّ:\nأن الإِقناع يوجَدُ في كلامِ العَرب بمعنَى: خَفْضِ الرأسِ من الذِّلَّة.\nقال ع «٧»: والأول أشهر.\nوقوله سبحانه: لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ أي: لا يَطْرِفُونَ من الحَذَرِ والجزعِ وشدَّة الحال.\nوقوله: وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ: تشبيه محضٌ، وَجِهَةُ التشبيه يحتملُ أنْ تكون في فراغِ الأَفئدة من الخَيْرِ والرَّجاء والطمعِ في الرحمة، فهي متخرِّقة مُشَبِهَةٌ الهواءَ في تَفرُّغه من الأشياء،\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٣/ ٣٤٤) .\n(٢) أخرجه الطبري (٧/ ٤٦٨) برقم: (٢٠٨٧١)، وذكره ابن عطية (٣/ ٣٤٤)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ١٦٣)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم.\n(٣) أخرجه الطبري (٧/ ٤٦٩) برقم: (٢٠٨٧٩)، وذكره ابن عطية (٣/ ٣٤٤) .\n(٤) ذكره ابن عطية (٣/ ٣٤٤) .\n(٥) البيت للشماخ ينظر: «ديوانه» ص: (٢٢٠)، و«اللسان» [قنع]، و«المخصص» (١/ ١٤٦)، و«التاج» حدأ، نجذ، قنع. والحدأة: بفتح الحاء: الفأس لها رأسان، و«مجاز القرآن» (١/ ٣٤٣)، والطبري (١٣/ ١٤٢) .\n(٦) ذكره البغوي (٣/ ٣٩)، وابن عطية (٣/ ٣٤٤) .\n(٧) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٣٤٤) .","vol":"3","page":388},{"text":"وانخراقه، ويحتمل أنْ تكون في اضطراب أفئدتهم وجيشانها في صُدُورهم، وأنها تذهب وتجيءُ وتبلُغُ علَى ما رُوِيَ حناجرهم، فهي في ذلك كالهَوَاءِ الذي هو أبدًا في اضطراب.\nوقوله سبحانه: وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ: المراد باليَوْمِ: يومُ القيامةِ، ونصبُهُ على أنه مفعولٌ ب «أَنْذِر»، ولا يجوزُ أن يكون ظرفًا، لأن القيامة ليْسَتْ بموطنِ إِنذار، قال الشيخُ العارف بالله عبد الله بن أبي جمرة: يجبُ التصْدِيقُ بكُلِّ ما أخبر اللَّه ورسُولُهُ به، ولا يتعرَّض إِلى الكيفيَّة في كلِّ ما جاء من أمْرِ الساعة وأَحْوَالِ يومِ القيامةِ، فإِنه أمْرٌ لا تسعه العُقُولُ، وطَلَبُ الكيفيَّة فيه ضعْفٌ في الإِيمانِ، وإِنما يجبُ الجَزْم بالتصديقِ بجميعِ مَا أخبر اللَّه بهِ، انتهى.\nقال الغَزَّالِيُّ: فَأَعلمُ العلماءِ وأعْرَفُ الحكماءِ ينكشفُ له عَقِيبَ المَوْت مِنَ العجائبِ والآياتِ ما لَمْ يَخْطُرْ قَطُّ بباله، ولا اختلج به ضميره، فلو لم يكُنْ للعاقلَ هَمٌّ ولا غَمٌّ، إِلا التفكُّر في خَطَر تلك الأحوال، وما الذي ينكشفُ عَنْه الغِطَاء من شقاوةٍ لازمةٍ، أو سعادة دائمةٍ/ لكان ذلك كافيًا في استغراق جميع العُمُر، والعَجَبُ من غَفْلتنا، وهذه العظائِمُ بَيْنَ أيدينا. انتهى من «الإِحياء» .\nوقوله: أَوَلَمْ تَكُونُوا ... الآية: معناه: يقال لهم، وقوله: مَا لَكُمْ مِنْ زَوالٍ: هو المُقْسَمُ عليه، وهذه الآية ناظرةٌ إِلى ما حَكَى اللَّه سبحانه عنهم في قوله:\nوَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ [النحل: ٣٨] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-735>[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ٤٥ الى ٤٧]</span>\nوَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ وَضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثالَ (٤٥) وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ (٤٦) فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقامٍ (٤٧)\nوقوله سبحانه: وَسَكَنْتُمْ ... الآية: المعنَى: بقول اللَّه ﷿: وسكَنْتُم أيها المُعْرِضُون عَنْ آيات اللَّه مِنْ جميعِ العالمِ في مَسَاكِن الذين ظَلَمُوا أنفسهم بالكُفْر من الأمم السَّالفة، فنزلَتْ بهم المثلات، فكان حَقُّكُم الاعتبار والاتعاظ. وقوله: وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ: أي: جزاء مكرهم، وقرأ السبعة سوى الكسائي «١»: «وإن كان مكرهم لتزول»\n_________\n(١) ومعنى قراءة الكسائي حينئذ: وقد كان مكرهم يبلغ في المكيدة إلى إزالة الجبال، غير أن الله ناصر دينه، ومزيل مكر الكفار وماحقه، وحجته قراءة علي وابن مسعود: «وإن كاد مكرهم لتزول»، بالدال، واللام في قراءة الجمهور لام الجحود، والمعنى: ما كان مكرهم ليزول به أمر النبي ﷺ، وأمر دين الإسلام.\nوحجتهم ما روي عن الحسن: «كان مكرهم أوهن وأضعف من أن تزول منه الجبال» .\nينظر: «السبعة» (٣٦٣)، و«الحجة» (٥/ ٣١)، و«معاني القراءات» (٢/ ٦٥)، و«إعراب القراءات» (١/","vol":"3","page":389},{"text":"- بكسر اللام من «لِتَزُولَ» وفتح الأخيرة- وهذا على أن تكون «إِنْ» نافيةً بمعنى «مَا»، ومعنى الآية تحقيرُ مَكْرِهم، وأنه مَا كَانَ لِتَزُولَ منه الشرائعُ والنبوَّاتُ وإِقدارُ اللَّه بها التي هي كالْجِبَالِ في ثبوتها وقوَّتها، هذا تأويلُ الحَسَن وجماعة المفسِّرين «١» وتحتملُ عندي هذه القراءةُ أنْ تكونَ بمعنى تَعْظِيمِ مَكْرهم، أي: وإِن كان شديدًا، وقرأ الكسائيّ: «وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ مِنْهُ الجِبَالُ» - بفتح اللام الأولَى من لَتَزُولُ، وضمِّ الأخيرة-، وهي قراءة ابن عبَّاس «٢» وغيره، ومعنى الآية: تعظيمُ مكرِهِمْ وشدَّتُه، أي: أنه مما يشقى به، ويزيلُ الجبالَ عن مستقرَّاتها، لقوَّته، ولكنَّ اللَّه تعالى أبطله ونَصَرَ أولياءه، وهذا أشَدُّ في العبرة، وقرأ علي وابن مسعود وعمر بن الخطاب وأبيٌّ: «وإِنْ كَادَ مَكْرُهُمْ»، وذكر أبو حاتم أنَّ في قراءة أبيٍّ: «وَلَوْلاَ كَلِمَةُ اللَّهِ لَزَالَ مِنْ مَكْرِهِمُ الجِبَالُ» .\nوقوله سبحان: فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ ... الآية: تثبيت للنبيِّ ﷺ ولغيره من أمَّته، ولم يكُنِ النبيُّ ﵇ ممَّن يَحْسَبَنَّ مثْلَ هذا، ولكنْ خَرجَتِ العبارةُ هكذا، والمراد بما فيها من الزجْرِ غَيْرُهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ: لا يمتنعُ منْه شيء، ذُو انتِقامٍ: من الكفرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-736>[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ٤٨ الى ٥٢]</span>\nيَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ (٤٨) وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ (٤٩) سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ (٥٠) لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (٥١) هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (٥٢)\nوقوله سبحانه: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ ...، الآية: يَوْمَ ظِرفٌ للانتقامِ المذْكُورِ قبله، وروي في تَبْدِيلِ الأرض أَخْبَارٌ منها في الصَّحِيحِ: «يُبَدِّلُ اللَّهُ هَذِهِ الأَرْضَ بأَرْضٍ عَفْرَاءَ بَيْضَاءَ كَأَنَّهَا قرصة نَقي»، وفي الصحيح: «إِنَّ اللَّهَ يُبَدِّلُهَا خُبْزَةً يأكل المؤمن منها من\n_________\n٣٣٦)، و«شرح الطيبة» (٤/ ٤٠٢)، و«العنوان» (١١٥)، و«حجة القراءات» (٣٧٩)، و«شرح شعلة» (٤٥٢)، و«النشر» (٢/ ٣٠٠)، و«الشواذ» (٦٩)، و«إتحاف» (٢/ ١٧١) .\n(١) أخرجه الطبري (٧/ ٤٧٧) برقم: (٢٠٩٣٧)، وذكره البغوي (٣/ ٤٠)، وابن عطية (٣/ ٣٤٦)، وابن كثير في «تفسيره» (٢/ ٥٤٢)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ١٦٥)، وعزاه لابن جرير.\n(٢) نعم، قرأها هكذا ابن عباس، وابن مسعود، وعلي، وعمر، وأبيّ، وأبو إسحاق السبيعي، ولكن بإبدال «كاد» مكان «كان» .\nينظر: «الشواذ» ص: (٧٤)، و«المحتسب» (١/ ٣٦٥)، و«المحرر الوجيز» (٣/ ٣٤٦)، و«البحر المحيط» (٥/ ٤٢٦)، و«الدر المصون» (٤/ ٢٨٠) .","vol":"3","page":390},{"text":"تَحْتِ قَدَمَيْهِ» «١» وروي أنها تبدَّلُ أَرضًا من فِضَّةٍ، وروي أنها أرض كالفضَّة مِنْ بياضها، وروي أنها تبدَّل من نارٍ.\nقال ع «٢»: وسمعتُ من أبي ﵀ أنه روي أنَّ التبديل يَقَعُ في الأرضِ، ولكنْ يبدَّل لكلِّ فريقٍ بما يقتضيه حالُهُ، فالمُؤْمِنُ يكُونُ على خُبْزٍ يأكُلُ منه بحَسَبِ حاجته إِليه، وفريقٌ يكونُ على فضَّة، إِن صحَّ السند بها، وفريقُ الكَفَرَةِ يَكُونُونَ على نارٍ، ونحو هذا ممَّا كله واقِعٌ تحْتَ قدرةِ اللَّهِ ﷿، وأكثر المفسِّرين على أنَّ التبديلَ يكونُ بأرضٍ بَيْضَاءَ عَفْرَاءَ لَمْ يُعْصَ اللَّهُ فيها، ولا سُفِكَ فِيهَا دَمٌ، وَلَيْسَ فِيهَا معلم لأحد، وروي عن النبيّ ﷺ أنه قال: «المؤمنون وقْتَ التبديل في ظلِّ العرش»، وروي عنه أنه قال: «النَّاسُ وقْتَ التبديل/ على الصِّراط»، ورُوِيَ أنه قال: الناسُ حينئذٍ أضْيَافُ اللَّهِ، فلا يُعْجِزُهُم ما لَدَيْهِ» «٣» وفي «صحيح مسلم» من حديث ثَوْبَان في سؤال الحَبْرِ، وقوله: يا مُحَمَّدُ، أَيْنَ يَكُونُ النَّاسُ يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ والسموات؟ فقال ﷺ: «هُمْ فِي الظُلْمَةِ دُونَ الجسر» «٤» الحديثَ بطوله، وخرَّجه مسلمٌ وابنُ مَاجَه جميعًا، قالا: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبَةَ، ثم أسنَدَا عن عائشة، قالت: «سئل النّبيّ ﷺ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ فَأَيْنَ يَكُونُ النَّاسِ؟ قَالَ: عَلَى الصِّرَاطِ» «٥»، وخرَّجه الترمذيُّ من حديث عائشة، قالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١١/ ٣٧٩) كتاب «الرقاق» باب: يقبض الله الأرض يوم القيامة، حديث (٦٥١٩) من حديث أبي سعيد الخدري. [.....]\n(٢) ينظر: «المحرر» (٣/ ٣٤٧) .\n(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٧/ ٤٨٣) برقم: (٢٠٩٧٦)، عن أبي أيوب الأنصاري به، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ١٦٩)، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم، وأبي نعيم في «الدلائل» .\n(٤) أخرجه مسلم (٢/ ٢٣٠- ٢٣١- نووي)، كتاب «الحيض» باب: بيان صفة مني الرجل والمرأة، حديث (٣٤/ ٣١٥)، والبيهقي (١/ ١٦٩) من حديث ثوبان به.\n(٥) أخرجه مسلم (٤/ ٢١٥٠) كتاب «صفات المنافقين» باب: في البعث والنشور، حديث (٢٩/ ٢٧٩)، والترمذي (٥/ ٢٩٦) كتاب «التفسير» باب: ومن سورة إبراهيم، حديث (٣١٢١)، وابن ماجه (٢/ ١٤٣٠) كتاب «الزهد» باب: ذكر البعث، حديث (٤٢٧٩)، وأحمد (٦/ ٣٥، ٢١٨)، والدارمي (٢/ ٣٢٨)، وابن حبان (٣٣١)، والحاكم (٢/ ٣٥٢) من حديث عائشة به، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.\nقلت: وقد وهما في ذلك فقد أخرجه مسلم.\nوقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ١٦٧)، وزاد نسبته إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه.","vol":"3","page":391},{"text":"مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [الزمر: ٦٧]، فَأَيْنَ يَكُونُ المُؤْمِنُونَ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: «عَلَى الصِّرَاطِ يَا عَائِشَةُ» «١»، قال أبو عيسَى: هذا حديثٌ حسن صحيح. انتهى من «التذكرة» «٢» .\nوَتَرَى الْمُجْرِمِينَ: أي الكفّار، ومُقَرَّنِينَ: أي: مربوطين في قَرْنٍ، وهو الحَبْلُ الذي تشدّ به رؤوس الإبل والبقر، والْأَصْفادِ: هي الأغلال، واحِدُها صَفَد، والسَّرابيل:\nالقُمُصُ، وال قَطِرانٍ: هو الذي تهنأ به الإِبل، وللنار فيه اشتعال شديدٌ، فلذلك جعل اللَّهُ قُمُصَ أهْلِ النارِ منه، وقرأ عمر بن الخطاب وعليٌّ وأبو هريرة وابنُ عبَّاس وغيرهم «٣»:\n«مِنْ قِطْرٍ آنٍ»، والقِطْر: القَصْدِير، وقيل: النُّحَاس، وروي عن عمر أنَّه قال: ليس بالقَطِرَانِ، ولكنَّه النُّحَاس يسر بلونه «٤»، و«آن»: صفة، وهو الذائبُ الحارُّ الذي تناهَى حَرُّه قال الحَسَن: قد سُعِّرَتْ عليه جهنَّم منْذُ خُلِقَتْ، فتناهَى حَرُّه «٥» .\nوقوله سبحانه: لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ ... الآية: جاء من لفظة الكَسْب بما يعم المُسِيءَ والمُحْسِنَ لينبِّه على أنَّ المحسن أيضًا يجازَى بإِحسانه خيرًا.\nوقوله سبحانه: هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ ... الآية: إِشارةٌ إِلى القرآن والوعيدِ الذي تضمنَّه، والمعنى: هذا بلاغٌ للناس، وهو لينذروا به وليذَّكَّر أولو الألباب، وصلَّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما.\n_________\n(١) انظر الحديث السابق.\n(٢) ينظر: «التذكرة» (١/ ٢٦٣) .\n(٣) وقرأ بها عكرمة، وعلقمة، وسعيد بن جبير، وابن سيرين، والحسن، وسنان بن سلمة بن المحبّق، وعمرو بن عبيد، والكلبي، وأبو صالح، وعيسى بن عمر الهمداني، وقتادة، والربيع بن أنس، وعمرو بن فائد.\nينظر: «الشواذ» ص: (٧٤)، و«المحتسب» (١/ ٣٦٦)، و«المحرر الوجيز» (٣/ ٣٤٨)، و«البحر المحيط» (٥/ ٤٢٨)، و«الدر المصون» (٤/ ٢٨٣) .\n(٤) ذكره ابن عطية (٣/ ٣٤٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ١٧٠)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٥) أخرجه الطبري (٧/ ٤٨٦) برقم: (٢٠٩٩٣)، وذكره ابن عطية (٣/ ٣٤٨) .","vol":"3","page":392},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-737>تفسير سورة الحجر</span>\nمكية\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-738>[سورة الحجر (١٥): الآيات ١ الى ٢]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (١) رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ (٢)\nقوله ﷿: الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ: قال مجاهد وقتادة:\nالْكِتابِ: في الآية: ما نزل من الكُتُب قَبْل القرآن «١»، ويحتمل أنْ يراد ب الْكِتابِ القرآن: ثم تُعْطَفُ الصفَةُ عليه، و«رُبَّمَا»: للتقليلِ، وقد تجيء شاذَّةً «٢» للتكثير.\nوقال قوم: إِن هذه مِنْ ذلك، وأنكر الزَّجَّاج أنْ تجيءَ «رُبَّ» للتكثيرِ، واختلف المتأوِّلون في الوَقْت الذي يَوَدُّ فيه الكفَّار أنْ يكونوا مسلمين، فقالَتْ فرقة: هو عند معاينة المَوْتِ، حَكَى ذلك الضَّحَّاك «٣»، وقالَتْ فرقة: هو عند معايَنَةِ أهْوَالِ يومِ القيَامَة، وقال ابنُ عبَّاس وغيره: هو عِنْدَ دخولهم النَّار، ومعرفَتِهِم، بدخولِ المؤمنين الجَنَّة «٤»، وروي فيه حديث من طريق أبي موسى.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٧/ ٤٨٨) برقم: (٢١٠٠٤)، وابن عطية (٣/ ٣٤٩)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ١٧١)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٢) رب: فيها قولان، أحدهما: أنها حرف جرّ، وزعم الكوفيون وأبو الحسن وابن الطّراوة أنها اسم، ومعناها التقليل على المشهور. وقيل: تفيد التكثير. وقيل: تفيد التكثير في مواضع الافتخار، وفيها لغات كثيرة أشهرها: «رب» بالضم والتشديد والتخفيف، و«ربّ» بالفتح والتشديد والتخفيف، و«رب» و«رب» بالضم، والفتح مع السكون فيهما، وتتصل تاء التأنيث بكل ذلك. وبالتاء قرأ طلحة بن مصرف، وزيد بن علي «ربّتما» وإذا اتصلت بها التاء جاز فيها الإسكان، والفتح ك «ثمّت»، و«لات» فتكثر الألفاظ، ولها أحكام كثيرة، منها لزوم تصديرها، ومنها تنكير مجرورها.\nينظر: «الدر المصون» (٤/ ٢٨٥) .\n(٣) أخرجه الطبري (٧/ ٤٩١) برقم: (٢١٠٢١) .\n(٤) أخرجه الطبري (٧/ ٤٩١) برقم: (٢١٠٢٥)، وذكره ابن عطية (٣/ ٣٥٠)، وابن كثير في «تفسيره» (٢/ ٥٤٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٢١٧٢)، وعزاه لابن المبارك في «الزهد»، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي في «البعث» .","vol":"3","page":393},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-739>[سورة الحجر (١٥): الآيات ٣ الى ٥]</span>\nذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٣) وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ (٤) ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ (٥)\nوقوله سبحانه: ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا ... الآية: وعيدٌ وتهديدٌ، وما فيه من المهادنة منسوخٌ بآية السيْف، وروى ابنُ المُبارَك في «رقائقه»، قال: أخبرنا الأوزاعيُّ عن عُرْوَةَ بن رُوَيْمٍ، قال: قال رسول الله/ ﷺ: «شِرَارُ أُمَّتِي الَّذِينَ وُلِدُوا في النَّعِيم، وغُذُوا به، هِمَّتُهُمْ أَلْوَانُ الطَّعَامِ، وَأَلْوَانُ الثِّيَابِ، يَتَشَدَّقُونَ بِالْكَلاَمِ» . انتهى «١» .\nوقوله: فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ: وعيدٌ ثانٍ، وحكى الطبريُّ «٢» عن بعض العلماء أنه قال: الأولُ في الدنيا، والثَّاني في الآخرة، فكيف تَطِيبُ حياةٌ بَيْنَ هَذَيْنِ الوعِيدَيْنِ.\nوقوله: وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ: أي: يشغلهم أملهم في الدنيا، والتزيُّد منها.\nقال عبدُ الحَقِّ في «العَاقِبة»: اعلم رحمك اللَّه أنَّ تقصير الأمل مَعَ حُبِّ الدنيا متعذر، وانتظار المَوْتِ مع الإِكباب عَلَيْها غَيْرُ مُتَيَسِّر، ثم قال: واعلم أنَّ كثرة الاشتغال بالدنْيَا والمَيْلَ بالكلِّية إِليها، وَلَذَّةَ أمانيِّها تمنَعُ مرارةَ ذكْرِ المَوْت أَنْ تَرِدَ على القلْب، وأنْ تَلِجَ فيه لأن القَلْبَ إِذا امتلأ بشَيْءٍ، لم يكُنْ لشيءٍ آخر فيه مَدْخَلٌ، فإِذا أَرَادَ صاحبُ هذا القَلْبِ سَمَاعَ الحِكْمَة، والانتفاع بالموعظة، لم يكُنْ لهُ بُدٌّ من تفريقه، لِيَجِدَ الذَكْرُ فيه منزلًا، وتُلْفِيَ الموعظةُ فيه محلًاّ قابلًا، قال ابن السَّماك ﵀: إِن الموتَى لَمْ يبْكُوا من الموت لكنهم بَكَوْا مِنْ حَسْرة الفوت، فَاتَتْهُمْ واللَّهِ، دَارٌ لَمْ يتزوَّدوا منها ودخلوا دارًا لم يتزوَّدوا لها. انتهى. وإِنما حصل لهم الفَوْتُ بسبب استغراقهم في الدنيا، وطولِ الأمل المُلْهِي عن المعادِ، ألهمنا اللَّه رُشْدَنَا بمَنِّه.\nوقوله سبحانه: وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ ... الآية: أي: فلا تستبطئَنَّ هلاكَهُم، فليس مِنْ قريةٍ مُهْلَكَةٍ إِلا بأَجَلٍ، وكتابٍ معلوم محدود.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-740>[سورة الحجر (١٥): الآيات ٦ الى ٩]</span>\nوَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦) لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧) ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَما كانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ (٨) إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (٩)\nوَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ ... الآية: القائلون هذه المقالة هم كفّار قريش، و«لو ما» بمعنى: لولا، فتكون تحضيضًا كما هي في هذه الآية، وفي البخاريّ:\n_________\n(١) أخرجه ابن المبارك في «الزهد» ص: (٢٦٢) رقم: (٧٥٨) . [.....]\n(٢) ينظر: «تفسير الطبري» (٧/ ٤٩٢) .","vol":"3","page":394},{"text":"لَوْ مَا تَأْتِينا: هَلاَّ تأتينا.\nوقوله: إِلَّا بِالْحَقِّ: قال مجاهدٌ: المعنى: بالرسالةِ والعذاب «١»، والظاهرُ أنَّ معناه كما ينبغي ويَحِقُّ من الوحْيِ والمنافعِ التي أراها اللَّه لعباده، لا على اقتراح كافرٍ، ثم ذكَر عادَتَهُ سبحانَهُ في الأُمَمِ من أنَّه لم يأتهم بآيَةِ اقتراح، إِلا ومعها العَذَابُ في إِثِرها إِن لم يُؤْمِنوا، والنَّظِرَة: التأخير.\nوقوله سبحانه: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ: رَدٌّ على المستَخفِّين في قولهم: يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ، وقوله: وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ: قال مجاهدٌ وغيره: الضميرُ في «له» عائدٌ على القرآن «٢»، المعنى: وإِنا له لحافِظُونَ من أن يبدّل أو يغيّر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-741>[سورة الحجر (١٥): الآيات ١٠ الى ١٥]</span>\nوَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ (١٠) وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (١١) كَذلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (١٢) لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤)\nلَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (١٥)\nوقوله سبحانه: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ الآية: تسلية للنبيّ ﷺ:\nأيْ: لا يضقْ صدْرُكَ، يا محمَّد، بما يفعله قومك من الاستهزاء في قولهم: يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ، وغير ذلك، و«الشيعة»: الفرقة التابعة لرأْسٍ مَّا.\nت: قال الفرَّاء فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ إِنَّه من إِضافة الموصوفِ إِلى صفته ك حَقُّ الْيَقِينِ [الواقعة: ٩٥]، و«جَانِبِ الغَرْبِيِّ» [القصص: ٤٤]، وتأوَّله البصريُّون على حذف الموصوفِ، أي: شيع الأمم الأولين. انتهى من ص.\nوقوله سبحانه: كَذلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ: يحتمل أنْ يكون الضَّميرُ في نَسْلُكُهُ يعودُ على الذكْر المحفوظِ المتقدِّم، وهو القرآن، ويكون الضميرُ في «به» عائدًا عليه أيضًا، ويحتمل أن يعود الضميران معًا على الاستهزاء والشرك ونحوه، والباء في «به»: باء السبب، أي: لا يؤمنون بسبب شركهم واستهزائهم، ويحتملُ أنْ يكون الضمير في نَسْلُكُهُ عائدًا على الاستهزاء والشركِ، والضمير في «به» عائدًا على القرآن، والمعنى، في ذلك كلِّه، ينظر بعضه إلى بعض،\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٧/ ٤٩٣) برقم: (٢١٠٢٨)، وذكره ابن عطية (٣/ ٣٥١)، وابن كثير في «تفسيره» (٢/ ٥٤٧)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ١٧٥)، وعزاه لابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٢) ذكره ابن عطية (٣/ ٣٥٢) .","vol":"3","page":395},{"text":"ونَسْلُكُهُ: معناه، ندخله، والْمُجْرِمِينَ هنا: يراد بهم كُفَّار قريش، ومعاصرو النبيِّ ﷺ.\nوقوله: لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ عمومٌ، معناه الخصوصُ فيمن حُتِمَ عليه، وقوله: وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ: أي: على هذه الوتيرَةِ، وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ، أي: على قريشٍ وكفَرَةِ العَصْر، والضميرُ في قوله: فَظَلُّوا عائدٌ عليهم، وهو تأويلِ الحسن، ويَعْرُجُونَ:\nمعناه يَصْعَدُون، ويحتملُ أنْ يعود على الملائكةِ، أي: ولو رأوا الملائكة يَصْعَدُون ويتصرَّفون في بابٍ مفتوحٍ في السماء لما آمنوا، وهذا تأويلُ ابنِ عبَّاسٍ «١»، وقرأ السبْعَةُ سِوَى ابن كثيرٍ: «سُكِّرَتْ» - بضم السِّين وشدِّ الكاف-، وقرأ ابن كثير «٢» بتخفيف الكافِ، تقول العربُ: سَكِرَتِ الرِّيحُ تَسْكَرُ سُكُورًا، إِذا ركَدَتْ، ولم تنفذ لما كانت بسبيله أولًا، وسَكِرَ الرجُلُ من الشَّرابِ، إِذا تغيَّرت حاله وركَدَ، ولم ينفذ لما كان بسبيله أنْ ينفذ فيه، وتقول العرب: سَكَرْتُ البَثْقَ «٣» في مجاري المَاءِ سكرًا إِذا طَمَسْتَهُ وَصَرَفْتَ الماء عنه، فلم يَنْفذ لوجْهه.\nقال ع «٤»: فهذه اللفظةِ «سُكِّرَتْ» - بشدِّ الكافِ- إِن كانَتْ من سُكْرِ الشراب، أوْ من سُكُور الريحِ، فهي فعلٌ عُدِّيَ بالتضعيفِ، وإِن كانَتْ من سكرِ مجاري الماءِ، فتضعيفُها للمبالغة، لا للتعدِّي، لأن المخفَّف من فعله متعدٍّ، ومعنى هذه المقالةِ منهم:\nأي: غُيِّرَتْ أبصارنا عما كانَتْ عليه، فهي لا تنفذ وتعطينا حقائق الأشياء: كما كانت تفعل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-742>[سورة الحجر (١٥): الآيات ١٦ الى ٢١]</span>\nوَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاها لِلنَّاظِرِينَ (١٦) وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ (١٧) إِلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ (١٨) وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (١٩) وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ (٢٠)\nوَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٧/ ٤٩٦) برقم: (٢١٠٤٣)، وذكره ابن عطية (٣/ ٣٥٣)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ١٧٦)، وعزاه لعبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٢) ينظر: «السبعة» (٣٦٦)، و«الحجة» (٥/ ٤٣)، و«إعراب القراءات» (١/ ٣٤٣)، و«معاني القراءات» (٢/ ٦٨)، و«العنوان» (١١٦)، و«شرح الطيبة» (٤/ ٤٠٦)، و«شرح شعلة» (٤٥٣)، و«حجة القراءات» (٣٨١- ٣٨٢)، و«إتحاف» (٢/ ١٧٤) .\n(٣) البثق: موضع انبثاق الماء من نهر ونحوه.\nينظر: «لسان العرب» (٢٠٨)، و«المعجم الوسيط» (٣٨) .\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٣٥٣) .","vol":"3","page":396},{"text":"وقوله سبحانه: وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجًا: «البروج»: المنازلُ، واحدها بُرْج، وسمي بذلك لظهوره ومنه تَبَرُّج المرأة: ظهورُها وبدوُّها، و«حِفْظ السماء»: هو بالرجمِ بالشُّهُب على ما تضمنته الأحاديث الصّحاح، قال النّبيّ ﷺ: «إِنَّ الشَّيَاطِينَ تَقْرُبُ مِنَ السَّمَاءِ أَفْوَاجًا، قَالَ: فَيَنْفَرِدُ المَارِدُ مُنْها، فَيَعْلُو فَيَسْمَعُ، فَيُرْمَى بالشِّهَابِ، فَيَقُولُ لأَصْحَابِه:\nإِنَّهُ مِنَ الأَمْرِ كَذَا وَكَذَا، فَيَزِيدُ الشَّيَاطِينُ فِي ذَلِكَ، وَيُلْقُونَ إِلَى الكَهَنَةِ، فَيَزِيدُونَ مَعَ الكَلِمَةِ مِائَةً وَنَحْوَ هَذَا ...» الحديث «١»: و«إلّا»: بمعنى: «لكِنْ»، ويظهر أن الاستثناء من الحِفْظِ: وقال محمَّد بن يحيى عن أبيه: إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ، فإِنها لم تُحْفَظْ منه.\nوقوله: / مَوْزُونٍ: قال الجمهور: معناه: مقدَّر محرَّر بقصدٍ وإِرادةٍ، فالوزن على هذا: مستعارٌ.\nوقال ابنُ زَيْد: المراد ما يُوزَنُ حقيقةً كالذهب والفضة وغير ذلك مما يوزن «٢»، والمعايش: جمع مَعِيشَة، وقوله: وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ: يحتمل أن يكون عطْفًا على مَعايِشَ كأن اللَّه تعالى عدَّد النعم في المعايِشِ، وهي ما يؤكل ويُلْبَسُ، ثم عدَّد النعم في الحيوانِ والعَبِيدِ وغيرِ ذلك ممَّا ينتفعُ به النَّاسُ، وليس علَيْهم رِزْقُهُمْ.\nوقوله تعالى: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ.\nقال ابن جُرَيْج: هو المطر خاصَّة «٣» .\nقال ع «٤»: وينبغي أنْ يكون أعمَّ من هذا في كثيرٍ من المخلوقات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-743>[سورة الحجر (١٥): الآيات ٢٢ الى ٢٥]</span>\nوَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ (٢٢) وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوارِثُونَ (٢٣) وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (٢٤) وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٢٥)\nوقوله سبحانه: وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ: أيْ: ذاتَ لقح يقال: لقحت الناقة والشجَرُ، فهي لاقحةٌ، إِذا حَمَلَتْ، فالوجْهُ في الرِّيحِ مُلْقِحَةٌ، لا لاقحة، قال الداوديّ:\n_________\n(١) تقدم تخريجه.\n(٢) أخرجه الطبري (٧/ ٥٠٤) برقم: (٢١٠٨٨)، والبغوي ذكره (٣/ ٤٧)، وابن عطية (٣/ ٣٥٥)، وابن كثير في «تفسيره» (٢/ ٥٤٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ١٧٧)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم.\n(٣) أخرجه الطبري (٧/ ٥٠٤) برقم: (٢١٠٩٥)، وذكره ابن عطية (٣/ ٣٥٥)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ١٧٨)، وعزاه لابن جرير.\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٣٥٥) .","vol":"3","page":397},{"text":"وعن ابن عُمَرَ: الرِّياحُ ثمانٍ، أرْبَعٌ رحْمَةٌ، وأربعٌ عذابٌ فالرحمةُ: المرسلاتُ، والمُبَشِّرات، والنَّاشِرَاتُ، والذَّاريات، وأما العذاب: فالصَّرْصَرُ، والعقيمُ، والقاصِفُ، والعَاصِف، وهما في البَحْر. انتهى.\nوقوله جلَّت عظمته: وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ ... الآيات: هذه الآياتُ مع الآيات التي قبلها تضمَّنت العِبْرَةَ والدلالةَ على قدرة اللَّه تعالى، وما يُوجِبُ توحيدَهُ وعبادَتَهُ، المعنى: وإِنا لَنَحْنُ نحيي من نشاء بإِخراجه من العَدَمِ إِلى وجودِ الحياةِ، ونميتُ بإِزالة الحياةِ عَمَّن كان حَيًّا، وَنَحْنُ الْوارِثُونَ، أي: لا يبقَى شيْءٌ سوانا، وكلُّ شيءٍ هالكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ، لا ربَّ غيره.\nوَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ: أي: من لَدُنْ آدم إِلى يوم القيامة، قالَ ابن العربي في «أحكامه»: رَوَى الترمذيُّ وغيره في سبب نُزُولِ هذه الآية، عن ابن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ: كَانَتِ امرأة تصلِّي خلف رسول الله ﷺ، قال ابن عبَّاس: وَلاَ، واللَّهِ، مَا رَأَيْتُ مِثْلَهَا قَطُّ، قال: فَكَانَ بعْضُ المسلمين، إِذا صَلَّوْا تقدَّموا، وبعضُهم يستأَخر، فإِذا سجدوا نَظَرُوا إِليها مِنْ تَحْت أيديهم، فأنزل اللَّه الآيَةَ «١»، ثم قال ابنُ العربيِّ:\nفي شَرْحِ المراد بهذه الآية خمسة أقوال:\nأحدها: هذا.\nالقول الثاني: المتقدِّمين في الخَلْق إِلى اليوم، والمتأخِّرين الذين لم يخلقوا بَعْد، بيانٌ أن اللَّه يَعْلَمُ الموجُودَ والمَعْدُومَ، قاله قتادة وجماعة «٢» .\nالثَّالثُ: مَنْ مات، ومَنْ بقي قاله ابن عبّاس أيضا «٣» .\n_________\n(١) أخرجه الترمذي (٥/ ٢٩٦) كتاب «التفسير» باب: ومن سورة الحجر، حديث (٣١٢٢)، وأحمد (١/ ٣٠٥)، والنسائي (٢/ ١١٨) كتاب «الإمامة» باب: المنفرد خلف الصف، حديث (٨٧٠)، وابن ماجه (١/ ٣٣٢) كتاب «الصلاة» باب: الخشوع في الصلاة، حديث (١٠٤٦)، والطيالسي (٢/ ٢٠- منحة) رقم: (١٩٦٠)، وابن خزيمة (١٦٩٦- ١٦٩٧)، وابن حبان (١٧٤٩- موارد)، والحاكم (٢/ ٣٥٣)، والبيهقي (٣/ ٧٨)، والطبراني في «الكبير» (١٢/ ١٧١) رقم: (١٢٧٩١)، من طريق أبي الجوزاء، عن ابن عباس مرفوعا به، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، وذكره السيوطي في «الدر المنثور»، وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، وينظر: «الدر المنثور» (٤/ ١٨٠) .\n(٢) أخرجه الطبري (٧/ ٥٠٧) برقم: (٢١١١٦) بنحوه، وابن كثير في «تفسيره» (٢/ ٥٤٩) .\n(٣) أخرجه الطبري (٧/ ٥٠٨) برقم: (٢١١٢١)، وذكره البغوي (٤٨١٣)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ١٨١)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم. [.....]","vol":"3","page":398},{"text":"الرابع: المستَقْدِمِين: سائرُ الأمم، والمستأخرِينَ أمَّة سيِّدنا محمد ﷺ قاله مجاهد «١» .\nالخامس: قال الحَسَنُ: معناه: المتقدِّمين في الطاعة، والمستأخرين في المعصية «٢» .\nانتهى.\nت: والحديثُ المتقدِّم، إِنْ صحَّ، فلا بد من تأويله، فإِن الصحابة ينزَّهُونَ عن فعْلِ ما ذُكِرَ فيه، فيؤوَّل بأنَّ ذلك صَدَرَ من بعضِ المنافقين، أوْ بعضِ الأعراب الذين قَرُبَ عهدهم بالإِسلام، ولم يَرْسَخِ الإِيمان في قلوبهم، وأما ابنُ عبَّاس، فإِنه كان يومَئِذٍ/ صغيرًا بلا شك، هذا إِن كانت الآيةُ مدنيَّةً، فإِن كانت مكيَّةً، فهو يومئذٍ في سِنِّ الطفوليَّة، وبالجملة فالظاهرُ ضَعْفُ هذا الحديثِ من وجوه. انتهى، وباقي الآية بيّن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-744>[سورة الحجر (١٥): الآيات ٢٦ الى ٣٣]</span>\nوَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٦) وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ (٢٧) وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٨) فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ (٢٩) فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠)\nإِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣١) قالَ يا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣٢) قالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٣٣)\nوَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ: يعني: آدم، قال ابن عباس: خُلِقَ من ثلاثَةٍ: مِنْ طينٍ لازبٍ، وهو اللازقُ الجَيِّد، ومِنْ صلصالٍ، وهو الأرضُ الطَّيِّبَةُ يقع عليها الماءُ، ثم ينحسرُ فيتشقَّقُ وتصيرُ مثْلَ الخزف، ومِنْ حَمإٍ مسنون، وهو الطينُ فيه الحماة «٣»، وال مَسْنُونٍ: قال مَعمرٌ: هو المُنْتِنُ «٤»، وهو مِنْ أَسِنَ الماءُ إِذا تَغَيَّر، وَرُدَّ من جهة التصريف، وقيل غير هذا، وفي الحديث: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَىَ ﷿ خَلَقَ آدَمَ مِنْ جَمِيعِ أَنْوَاعِ التُّرَابِ: الطَّيِّبِ وَالخَبِيثِ، وَالأَسْوَدِ وَالأَحْمَرِ» «٥» .\nوقوله: وَالْجَانَّ: يراد به: جنسُ الشياطينِ، وسئل وهبُ بْنُ مُنَبِّهٍ عنهم، فقال هم\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٧/ ٥٠٩) برقم: (٢١١٢٩)، وذكره البغوي (٤٨١٣) .\n(٢) أخرجه الطبري (٧/ ٥٠٩) برقم: (٢١١٣٢)، وذكره ابن عطية (٣/ ٣٥٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ١٨١)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم.\n(٣) أخرجه الطبري (٧/ ٥١١) برقم: (٢١١٤٧)، وذكره ابن عطية (٣/ ٣٥٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ١٨٢)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وأبي الشيخ في «العظمة» .\n(٤) أخرجه الطبري (٧/ ٥١١) برقم: (٢١١٦٠)، وذكره ابن عطية (٣/ ٣٥٩) .\n(٥) تقدم تخريجه من سورة البقرة.","vol":"3","page":399},{"text":"أَجناسٌ «١» .\nقال ع «٢»: والمراد بهذه الخِلْقة إِبليسُ أَبو الجِنِّ، وقوله: مِنْ قَبْلُ لأَن إِبليس خلق قبل آدم بمدّة، والسَّمُومِ في كلام العرب: إِفراطُ الحَرِّ حتى يقتلَ: مِنْ نارٍ، أو شمسٍ، أو ريحٍ، وأمَّا إِضافة «النار» إِلى «السموم» في هذه الآية، فيحتملُ أنْ تكون النار أنواعًا، ويكون السمومُ أمرًا يختصُّ بنوعٍ منها، فتصحُّ الإِضافة حينئذٍ، وإِن لم يكن هذا، فيخرج هذا على قولهم: «مَسْجِدُ الجَامِعِ، ودَارُ الآخِرَةِ» على حذف مضافٍ.\nقوله ﷿: وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ قالَ يا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ قالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ:\nأخبر اللَّه سبحانه الملائكَةَ بعُجْبٍ عندهم، وذلك أنهم كانوا مَخْلُوقين منْ نُورٍ، فهي مخلوقاتٌ لِطَافٌ، فأخبرهم سبحانَه أنه يَخْلُقُ جسْمًا حيًّا ذا بَشَرَةٍ، وأنه يخلقه من صلصالٍ، والبَشَرة هي وَجْهُ الجِلْد في الأَشْهَرِ من القَوْل، وقوله: مِنْ رُوحِي: إِضافة خَلْقٍ ومِلْكٍ إِلى خالقٍ ومَالكٍ، وقولُ إِبليس: لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ ... الآية:\nليس إِباءَتَهُ نفْسَ كفره عنْدَ الحُذَّاق لأَن إِباءَتَهُ إِنما هي معصيةٌ فقَطْ، وإِنما كفره بمقتضى قولِهِ، وتعليلِهِ، إِذ يقتضي أَنَّ اللَّه خَلَقَ خَلْقًا مَفضولًا، وكلَّفَ خَلْقًا أفضلَ منه أَنْ يَذِلَّ له، فكأنه قال: وهذا جَوْرٌ، وقد تقدَّم تفسير أكثر هذه المعاني.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-745>[سورة الحجر (١٥): الآيات ٣٤ الى ٤٠]</span>\nقالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٣٤) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ (٣٥) قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٣٨)\nقالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلاَّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠)\nوقوله ﷿: قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ قالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ ... الآية: قوله: بِما أَغْوَيْتَنِي: قال أبو عُبَيْدة وغيره: أَقْسَمَ بالإغواء «٣» .\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٧/ ٥١٤) برقم: (٢١١٧٠)، وذكره البغوي (٤٩١٣) بنحوه، وابن عطية (٣/ ٣٥٩) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٣٥٩) .\n(٣) ذكره ابن عطية (٣/ ٣٦٢) .","vol":"3","page":400},{"text":"قال ع «١»: كأنه جعله بمنزلة قوله: ربِّ بقدرتِكَ علَيَّ، وقضائِكَ، ويحتملُ أَن تكون بَاءَ السّبب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-746>[سورة الحجر (١٥): الآيات ٤١ الى ٤٤]</span>\nقالَ هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١) إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ (٤٢) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣) لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (٤٤)\nوقوله سبحانه: هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ: المعنى: هذا أمر إِلَيَّ يصيرُ والعربُ تقول: طريقُكَ في هذا/ الأمْرِ علَى فلانٍ، أي: إِليه يصيرُ النظر في أمْرِكَ، والآيةُ تتضمَّن وعيدًا، وظاهرُ قوله: عِبادِي: الخصوصُ في أهْل الإِيمانِ والتقوَى، فيكون الاستثناء منقطعًا، وإِن أخذْنا العِبَادَ عمومًا، كان الاستثناء متصلًا، ويكون الأقلُّ في القَدْر من حيثُ لا قَدْرَ للكفار والنظَرُ الأولُ أحسنُ، وإِنما الغَرَضُ ألاَّ يَقع في الاستثناء الأَكْثَرُ من الأقل، وإِن كان الفقهاءُ قَدْ جَوَّزُوهُ.\nوقوله: لَمَوْعِدُهُمْ: أي: موضعُ اجتماعهم، عافانا اللَّهُ من عذابه بمَنِّه، وعامَلَنَا بمَحْضِ جوده وكرمه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-747>[سورة الحجر (١٥): الآيات ٤٥ الى ٥٠]</span>\nإِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥) ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ (٤٦) وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ (٤٧) لا يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ (٤٨) نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩)\nوَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ (٥٠)\nوقوله سبحانه: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ادْخُلُوها بِسَلامٍ ... الآية:\nالسلام هنا: يحتمل أن يكونَ السَّلامة، ويحتمل أن يكون التحيّة، والغل:\nالحقد، قال الداوديّ: عن النبيّ ﷺ: وَنَزَعْنا مَا فِي صُدُورِهِمْ ... الآية، قال: «إِذَا خَلَصَ المُؤْمِنُونَ مِنَ الصِّرَاطِ، حُبِسُوا عَلَى صِرَاطٍ بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيُقْتَصُّ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ بِمَظَالِمَ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا هُذِّبُوا وَنُقُّوا، أُذِنَ لَهُمْ في دُخُولِ الجَنَّةِ، وَاللَّهِ، لأَحَدُهُمْ أَهْدَى بِمَنْزِلِهِ فِي الجَنَّةِ مِنْ منزله في الدّنيا» «٢» . انتهى.\nوال سُرُرٍ: جمع سرير، ومُتَقابِلِينَ: الظاهر أن معناه: في الوجوه، إِذ الأسرَّة متقابلة، فهي أحسن في الرتبة.\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٣٦٢) .\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٧/ ٥٢١) رقم: (٢١٢٠٨) من حديث أبي سعيد الخدري، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ١٨٨)، وزاد نسبته إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه.","vol":"3","page":401},{"text":"قال مجاهد: لاَ يَنْظُرُ أَحَدُهُمْ في قفا صاحبه «١»، وقيل غير هذا مما لا يعطِيهِ اللفظ، والنصب: التعب، ونَبِّئْ: معناه: أعْلِم.\nقال الغَزَّالِيُّ ﵀ في «منهاجه»: «ومن الآيات اللطيفة الجامعةِ بَيْنَ الرجاءِ والخَوْفِ قولُهُ تعالى: نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، ثم قال في عَقِبَهُ: وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ لئِلاَّ يستولي عَلَيْكَ الرجاءِ بِمَرَّة، وقوله تعالى: شَدِيدِ الْعِقابِ [غافر: ٣]، ثم قال في عقبه: ذِي الطَّوْلِ [غافر: ٣]، لَئِلاَّ يستولي عَلَيْكَ الخوف، وأَعْجَبُ من ذلك قَولُهُ تعالَى: وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ [آل عمران: ٣٠]، ثم قال في عقبه: وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ [آل عمران: ٣٠]، وأعجَبُ منه قولُهُ تعالَى: مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ [ق: ٣٣]، فعلَّق الخشية باسم الرحمن، دون اسْمِ الجَبَّار أو المنتقِمِ أو المتكبِّر ونحوه، ليكون تخويفًا في تأمينٍ، وتحريكًا في تسكينٍ كما تقولُ: «أَما تخشى الوالدةَ الرحيمة، أمَا تخشى الوالِدَ الشَّفِيقَ»، والمراد من ذلك أنْ يكونَ الطَّريقُ عدلًا، فلا تذهب إِلى أَمْنٍ وقنوطٍ جعلنا اللَّه وإِيَّاكم من المتدبِّرين لهذا الذكْرِ الحكيمِ، العامِلِينَ بما فيه، إنه الجواد الكريم انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-748>[سورة الحجر (١٥): الآيات ٥١ الى ٥٦]</span>\nوَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ (٥١) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلامًا قالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (٥٢) قالُوا لا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ (٥٣) قالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (٥٤) قالُوا بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ (٥٥)\nقالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ (٥٦)\nوقوله سبحانه: وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ ... الآية: هذا ابتداءُ قصصٍ بعدَ انصرام الغرضِ الأول، و«الضيف»: مصدرٌ وصف به، فهو للواحدِ والاثنين والجمعِ، والمذكَر والمؤنَّث بلفظٍ واحدٍ، وقوله: إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ، أي: فزعون، وَإِنما وَجِلَ منهم لما قَدَّم إِليهم العجْلَ الحنيذ، فلم يرهم يأكُلُون، وكانَتْ عندهم العلامة المُؤَمِّنة أكْلَ الطعام وكذلك هو في غابِرِ الدهْرِ أمْنَةً للنازلِ، والمنزولِ به.\nوقوله: أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ، أي: في حالةٍ قد مسَّني فيها الكِبَر، وقول إِبراهيم ﵇: فَبِمَ تُبَشِّرُونَ: / تقرير على جهة التعجُّب والاستبعاد، لكبرهما، أو على جهةَ الاحتقار وقلَّة المبالاة بالمَسَرَّات الدنيويَّة، لمضيِّ العمر، واستيلاء الكبر، وقولهم:\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٧/ ٥٢١) برقم: (٢١٢١١)، وذكره ابن عطية (٣/ ٣٦٤)، وابن كثير في «تفسيره» (٢/ ٥٥٣)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ١٨٩)، وعزاه لهناد، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.","vol":"3","page":402},{"text":"بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ: فيه شدَّة مَّا، أي: أبشرْ بما بُشِّرْتَ به، ولا تكُنْ من القانِطِينَ، والقنوط: أتمّ اليأس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-749>[سورة الحجر (١٥): الآيات ٥٧ الى ٦٥]</span>\nقالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٥٧) قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٥٨) إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٩) إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ (٦٠) فَلَمَّا جاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (٦١)\nقالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٦٢) قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (٦٣) وَأَتَيْناكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصادِقُونَ (٦٤) فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبارَهُمْ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (٦٥)\nوقوله سبحانه: قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ: لفظةُ الخَطْب إِنما تستعمل في الأمور الشِّدَاد، وقولهم: إِلَّا آلَ لُوطٍ: استثناء منقطعٌ، و«الآلُ»: القومُ الذي يَؤولُ أمرهم إِلى المضافِ إليه كذا قال سيبويه وهذا نصّ في أن لفظة «آل» ليست لفظة «أهْل» كما قال النّحّاس، وإِلَّا امْرَأَتَهُ: استثناءٌ متصلٌ، والاستثناء بعد الاستثناء يردُّ المستثنى الثاني في حكم الأمر الأول، والْغابِرِينَ هنا: أي: الباقين في العذابِ، و«وغَبَر»: من الأضدادِ، يقال في الماضِي وفي الباقي، وقولُ الرسُل للوط: بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ، أي: بما وَعَدَكَ اللَّه من تعذيبهم الذي كانوا يَشْكُونَ فيه، و«الْقَطْعُ»: الجُزْءُ من الليل.\nوقوله سبحانه: وَاتَّبِعْ أَدْبارَهُمْ، أي: كن خلفهم، وفي ساقتهم، حتى لا يبقَى منهم أحد، وَلا يَلْتَفِتْ: مأخوذٌ من الالتفات الذي هو نظر العين، قال مجاهد:\nالمعنى: لا ينظر أحد وراءه، «١» ونُهُوا عن النظر مَخَافَةَ العُلْقَةِ، وتعلُّقِ النفْسِ بِمَنْ خلف، وقيل: لَئِلاَّ تنفطر قلوبُهُمْ من معايَنَة ما جرى على القرية في رفعها وطرحها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-750>[سورة الحجر (١٥): الآيات ٦٦ الى ٧٧]</span>\nوَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (٦٦) وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (٦٧) قالَ إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ (٦٨) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ (٦٩) قالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ (٧٠)\nقالَ هؤُلاءِ بَناتِي إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (٧١) لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (٧٣) فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥)\nوَإِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧)\nوقوله سبحانه: وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ، أي: أمضيناه وحتمنا به، ثم أدخل في\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٧/ ٥٢٥) برقم: (٢١٢٢٠)، وذكره ابن عطية (٣/ ٣٦٨) .","vol":"3","page":403},{"text":"الكلام إِلَيْه من حيثُ أوحِيَ ذلك إِليه، وأعلمه اللَّه به، وقوله: يَسْتَبْشِرُونَ، أي:\nبالأضياف طَمَعًا منهم في الفاحِشَةِ، وقولهم: أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ: روي أنهم كانوا تقدَّموا إِليه في ألاَّ يضيفَ أحدًا، والعَمْر والعُمْر- بفتح العين وضمِّها- واحدٌ، وهما مدة الحياة، ولا يستعملُ في القَسَم إِلا بالفتحِ، وفي هذه الآية شرف لنبينا محمّد ﷺ لأن اللَّه ﷿ أقسَمَ بحياته، ولم يفعلْ ذلك مع بَشَرٍ سواه قاله ابن عباس «١» .\nت: وقال: ص: اللام في لَعَمْرُكَ للابتداءِ، والكافُ خطابٌ لِلُوطٍ ﵇، والتقديرُ: قالتِ الملائكةُ له: لَعَمْرُكَ، واقتصر على هذا.\nوما ذَكَرَهُ ع «٢»: هو الذي عَوَّل عليهِ عِيَاضٌ وغيره.\nوقال ابن العربيِّ في «أحكامه»: قال المفسِّرون بأجمعهم: أقْسَمَ اللَّهُ في هذه الآية بحياة محمّد ﷺ، ولا أدْرِي ما أخرجَهم عن ذكْر لُوطٍ إِلى ذكْرِ محمَّد ﵇، وما المانعُ أنْ يُقْسِمَ اللَّه بحياةِ لوطٍ، ويبلغ به من التشريفِ ما شاءَ، وكلُّ ما يُعْطِي اللَّه لِلُوطٍ مِنْ فضلٍ، ويؤتيه مِنْ شَرَفٍ، فلنبيِّنا محمَّد ﵇، ضعفاه لأنه أكرمُ على اللَّه منه، وإِذا أقسم اللَّه بحياةِ لوطٍ، فحياة نبينا محمَّد ﵇ أرْفع، ولا يخرج من كلامٍ إِلى كلامٍ آخر غيره، لم يجْرِ له ذكْرٌ لغير ضرورة. انتهى.\nت: وما ذكَرَه الجمهورُ أحْسَنُ لأن الخطاب خطابُ مواجهةٍ ولأنه تفسير صحابيٍّ، وهو مقدّم على غيره.\nويَعْمَهُونَ: معناه: يتردّدون/ في حيرتهم، ومُشْرِقِينَ: معناه: قد دَخَلوا في الإِشراق، وهو سطوعُ ضوء الشمس وظهوره قاله ابن «٣» زيد، وهذه الصَّيْحةُ هي صيحة الوجْبَة، وليستْ كصيحةِ ثمود، وأهلكوا بعد الفَجْرِ مُصْبحين، واستوفاهم الهَلاَكُ مُشْرِقين، وباقي قصص الآية تقدّم تفسير.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٧/ ٥٢٦) برقم: (٢١٢٣٠)، وذكره البغوي (٣/ ٥٥)، وابن عطية (٣/ ٣٦٩)، وابن كثير في «تفسيره» (٢/ ٥٥٥)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ١٩٢)، وعزاه لابن أبي شيبة والحرث بن أبي أسامة، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، وأبي نعيم، والبيهقي معا في «الدلائل» .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٣٦٩) . [.....]\n(٣) ذكره ابن عطية (٣/ ٣٧٠) .","vol":"3","page":404},{"text":"و«المتوسمين»: قال مجاهد: المتفرِّسون «١»، وقال أيْضًا: المعتبرون «٢»، وقيل غير هذا، وهذا كلُّه تفسيرٌ بالمعنَى، وأما تفسير اللفظة، فالمتوسِّم هو الذي يَنْظُرُ في وَسْمِ المعنَى، فيستدلُّ به على المعنى، وكأن معصيةَ هؤلاء أبقَتْ من العذابِ والإِهلاكِ وَسْمًا، فمَنْ رأَى الوَسْم، استدل على المعصية به واقتاده النظر إِلى تجنُّب المعاصِي لئلا ينزل به ما نَزَلَ بهم ومِنَ الشِّعْرِ في هذه اللفظة قولُ الشاعر: [الطويل]\nتَوَسَّمْتُهُ لَمَّا رَأَيْتُ مَهَابَةً ... عَلَيْهِ وَقْلْتُ المَرْءُ مِنْ آلِ هَاشِمِ «٣»\nوالضمير في قوله: وَإِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ: يحتمل أنْ يعود على المدينةِ المُهْلَكَة، أي: أنها في طريقٍ ظاهر بيِّن للمعتَبِر، وهذا تأويلُ مجاهد وغيره «٤»، ويحتمل أن يعود على الآيات، ويحتملُ أنْ يعود على الحِجَارَةِ، ويقوِّيه ما روي عنه ﷺ أَنَّه قَالَ: «إِنَّ حِجَارَةَ العَذَابِ مُعَلَّقَةٌ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ مُنْذُ أَلْفَيْ سَنَةٍ لِعُصَاةِ أُمَّتِي» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-751>[سورة الحجر (١٥): الآيات ٧٨ الى ٨٤]</span>\nوَإِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ لَظالِمِينَ (٧٨) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ وَإِنَّهُما لَبِإِمامٍ مُبِينٍ (٧٩) وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (٨٠) وَآتَيْناهُمْ آياتِنا فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (٨١) وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتًا آمِنِينَ (٨٢)\nفَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (٨٣) فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (٨٤)\nوقوله سبحانه: وَإِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ لَظالِمِينَ فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ: الْأَيْكَةِ:\nالغَيْضة والشجَرُ الملتفُّ المُخْضَرُّ، قال الشاعر: [الطويل]\nأَلاَ إِنَّمَا الدُّنْيَا غَضَارَةُ أَيْكَةٍ ... إِذا اخْضَرَّ مِنْهَا جَانِبٌ جَفَّ جَانِبُ «٥»\nوكان هؤلاءِ قومًا يسكنون غَيْضَة، ويرتَفِقُون بها في معايِشِهم، فبعث إِليهم شعيبٌ، فكفروا به، فسَلَّط اللَّه عليهم الحَرَّ، فدام عليهم سبعةَ أيام، ثم رأوا سحابة، فخرجوا،\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٧/ ٥٢٧)، وذكره البغوي (٣/ ٥٥)، وابن عطية (٣/ ٣٧٠)، والسيوطي في «الدر المنثور» وعزاه لابن جرير وابن المنذر.\n(٢) ذكر السيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ١٩٢)، وعزاه لعبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ في «العظمة» .\n(٣) ينظر: «البحر المحيط» (٥/ ٤٤٤)، والقرطبي (١٠/ ٤٣)، و«الدر المصون» (٤/ ٣٠٥)، و«روح المعاني» (١٤/ ٧٤) .\n(٤) أخرجه الطبري (٧/ ٥٢٩) برقم: (٢١٢٥٦)، وذكره البغوي (٣/ ٥٥)، وذكره ابن عطية (٣/ ٣٧٠)، وابن كثير في «تفسيره» (٢/ ٥٥٥)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ١٩٣)، وعزاه لابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٥) البيت من شواهد «المحرر الوجيز» (٣/ ٣٧١) .","vol":"3","page":405},{"text":"فاستظلوا بها، فأمطرتْ عليهم نارًا، وحكى «١» الطبريُّ قال: بُعِثَ شعيبٌ إِلى أَمَّتَيْنِ، فكفرتا، فعُذِّبتا بعذابَيْنِ مختلفينِ: أهْلِ مَدْيَنَ عَذِّبوا بالصيحة، وأصْحَابِ الأيكة بالظُّلَّة «٢» .\nوقوله: وَإِنَّهُما لَبِإِمامٍ مُبِينٍ: الضميرُ في «إنهما»: يحتملُ أنْ يعود على مدينةِ قومِ لوطٍ، ومدينة أصحابِ الأيْكَة، ويحتملُ أنْ يعود على لُوطٍ وشُعَيْبٍ ﵉، أي:\nأنهما على طريقٍ من اللَّه وشَرْعٍ مبينٍ، و«الإِمامُ»، في كلام العرب: الشيء الذي يهتدى به، ويؤتَمُّ به فقد يكون الطريقَ، وقد يكون الكتابَ، وقد يكونُ الرَّجُلَ المقتدَى به، ونَحْوَ هذا، ومَنْ رأى عودَ الضميرِ على المدينتين، قال: «الإِمام»: الطريقُ، وقيل على ذلك الكتاب الذي سبق فيه إهلاكهما، وأَصْحابُ الْحِجْرِ: هم ثمود، وقد تقدَّم قصصهم، و«الحِجْر»: مدينتهم، وهي ما بين المدينةِ وتَبُوك، وقال: الْمُرْسَلِينَ من حيث يلزم من تكذيبِ رسولٍ واحدٍ تكذيبَ الجميع، إِذِ القولُ في المعتَقَدَاتِ واحدٌ.\nوقوله: يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتًا آمِنِينَ: «النحت»: النَّقْر بالمعاوِلِ، و«آمنين»:\nقيل: معناه: من انهدامها، وقيل: مِنْ حوادِثِ الدنيا، وقيل: من الموتِ لاغترارهم بطول الأعمار، وأصحُّ ما يظهر في ذلك أنهم كانوا يأمنون عواقب/ الآخرة، فكانوا لا يعملون بحسبها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-752>[سورة الحجر (١٥): الآيات ٨٥ الى ٨٧]</span>\nوَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ (٨٦) وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧)\nوَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ، أي: لم تخلق عبثًا ولا سدًى، وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ، أي: فلا تهتمَّ يا محمَّد بأعمال الكَفَرة فإِن اللَّه لهم بالمِرْصاد، وقوله ﷿ وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثانِي: ذهب ابنُ مسعودٍ وغيره إِلى أن السبْعَ المثانِيَ هنا هي السبعُ الطِّوال: «البقرةُ»، و«آل عمران»، و«النساء»، و«المائدة»، و«الأنعام»، و«المص»، و«الأنفال» مع «براءة» «٣»، وذهب جماعةٌ من الصحابة ومن بعدهم\n_________\n(١) ينظر: «تفسير الطبري» (٧/ ٥٣٠) .\n(٢) الظّلّة: سحابة أنشأها الله تعالى كان فيها عذاب مدين قيل: أصابهم ذلك اليوم حرّ عظيم إلى أن كادوا يهلكون، فأرسل الله ظلة كثيفة، أي: سحابة متراكمة، فهرعوا إليها يستجيرون بها من الحر، فلما تكاملوا تحتها أطبقت عليهم بعذابها، فلم ير يوم مثله.\nينظر: «عمدة الحفاظ» (٣/ ١٠) .\n(٣) أخرجه الطبري (٧/ ٥٣٣) برقم: (٢١٢٨١) بنحوه وذكره ابن عطية (٣/ ٣٧٣)، وابن كثير في «تفسيره» (٢/ ٥٥٧)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ١٩٦)، وعزاه لابن جرير.","vol":"3","page":406},{"text":"إِلى أن السبْعَ هنا: آيات الفاتحةِ، وهو نصُّ حديثِ أبي بن كَعْب وغيره «١» .\nت: وهذا هو الصحيحُ، وقد تقدَّم بيان ذلك أوّل الكتاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-753>[سورة الحجر (١٥): الآيات ٨٨ الى ٩١]</span>\nلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى مَا مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجًا مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (٨٨) وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (٨٩) كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (٩٠) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (٩١)\nوقوله سبحانه: لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى مَا مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجًا مِنْهُمْ: حكى الطبريُّ عن سفيانَ بْنِ عُيَيْنة أَنه قال: هذه الآيةُ آمرة بالاستغناء بكتابِ اللَّهِ عَنْ جميع زينَةِ الدنْيَا «٢» .\nقال ع «٣»: فكأنه قال: آتَينَاك عظيمًا خطيرًا، فلا تَنظر إِلى غيْرِ ذلك من أمورِ الدنيا وزينَتِها التي مَتَّعْنا بها أنواعًا من هؤلاءِ الكَفَرَةِ ومن هذا المعنَى: قولُ النبيّ ﷺ:\n«مَنْ أُوتِيَ القُرْآنَ، فَرَأَى أَنَّ أَحَدًا أُعْطِيَ أَفْضَلَ مِمَّا أُعْطِيَ، فَقَدْ عَظَّمَ صَغِيرًا وَصَغَّرَ عظيمًا» .\nت: وفي «صحيح مسلم» عن أبي سعيد قال: قام رسول الله ﷺ، فَخَطَبَ النَّاسَ، فَقَالَ: «لا وَاللَّهِ، مَا أَخْشَى عَلَيْكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ، إِلاَّ مَا يُخْرِجُ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا ...» الحديث، وفي رواية: «أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ مَا يُخْرِجُ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا»، قَالُوا: وَمَا زَهْرَةُ الدُّنْيَا، يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «بَرَكَاتُ الأَرْضِ ...» الحديث، وفي روايةٍ: «إِنَّ مِمَّا أَخَافُ عَلَيْكُمْ بَعْدِي مَا يُفْتَحُ لَكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا ...»\nالحديثَ، انتهى. والأحاديثُ في هذه البابِ أكثرُ من أنْ يحصيها كتابٌ، قال الغَزَّالِيُّ في «المنهاج»: وإِذا أنعم اللَّهُ عَلَيْكَ بنعمةَ الدِّينِ، فإِيَّاكَ أَنْ تَلتفتَ إِلى الدنيا وحُطَامها، فإِن ذلك منك لا يكُونُ إِلاَّ بضَرْبٍ من التهاوُنِ بما أولاكَ مَوْلاَكَ مِنْ نعمِ الدارَيْنِ أَمَا تَسمعُ قولَهُ تعالَى لسيِّد المرسلين: وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى مَا مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجًا مِنْهُمْ ... الآية، تقديره: إِن من أوتي القرآن العظيمَ حُقَّ له ألاَّ ينظر إِلى الدنيا الحقيرةِ نظرةً باستحلاء، فضلًا عن أنْ يكون له فيها رغبةٌ، فليلتزم الشكْرَ على ذلك، فإِنه الكرامة التي حَرَصَ عليها الخليلُ لأَبيهِ، والمصطفى ﵇ لعمِّه، فلم يفعلْ، وأما حطامُ الدنيا، فإِن اللَّه سبحانه يصبُّه على كلّ كافر وفرعون وملحد وزنديق\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٧/ ٥٣٧) برقم: (٢١٣٢٦) .\n(٢) ذكره الطبري (٧/ ٥٤٢)، وذكره البغوي (٥٨١٣) بنحوه، وابن عطية (٣/ ٣٧٣)، وابن كثير في «تفسيره» (٢/ ٥٥٧)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ١٩٨)، وعزاه لابن المنذر.\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٣٧٤) .","vol":"3","page":407},{"text":"وجاهلٍ وفاسقٍ الذين هم أهْوَنُ خَلْقِهِ عليه، ويَصْرِفُه عن كلِّ نبيٍّ وصفيٍّ وصِدِّيقٍ وعالمٍ وعابدٍ الذين هم أَعَزُّ خَلْقِهِ عليه حتى إِنهم لا يكادُونَ يُصِيبُونَ كِسْرةً وخِرْقَةً، ويمنُّ عليهم سبحانه بأَلاَّ يلطخهم بقَذَرها، انتهى.\nوقال ابنُ العَرَبِيِّ في «أحكامه» «١»: قوله تعالى: لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى مَا مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجًا مِنْهُمْ: المعنى: أعطيناكَ الآخِرَةَ، فلا تنظُرْ إِلى الدنيا، وقد أعطيناك العلْم، فلا تتشاغلْ/ بالشهواتِ، وقد مَنَحْنَاكَ لَذَّةَ القَلْب، فلا تنظر إِلى لذة البَدَن، وقد أعطينَاكَ القرآن، فاستغن به، فمَنِ استغنى به، لا يطمَحُ بنظره إِلى زخارف الدنيا، وعنده مَعَارِفُ المولَى، حَيِيَ بالباقِي، وفَنِيَ عن الفاني. انتهى.\nوقوله سبحانه: وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ.\nقال ع «٢»: والذي أقولُ به في هذا: أنّ المعنَى: وقل أنا نذيرٌ، كما قال قبلك رُسُلنا، ونزَّلنا عليهم كما أنزلنا عليك، واختلف في الْمُقْتَسِمِينَ، مَنْ هُمْ؟ فقال ابن عباس، وابن جُبَيْر: «المقتسمون»: هم أهْلُ الكتابِ الذينَ فَرَّقوا دينهم، وجَعَلُوا كتابَ اللَّهِ أعضاءً، آمنوا ببعضٍ، وكَفَروا ببعض وقال نحْوَه مجاهدٌ «٣»، وقالت فرقةٌ: «المقتسمون»:\nهم كفَّار قريشٍ جعلوا القرآن سِحْرًا وشِعْرًا وَكَهَانة، وجعلوه أعضاءً بهذا التقسيم، وقالت فرقة: «عِضِينَ»: جمعُ عضةَ، وهي اسم للسحْرِ خاصَّة بلغةِ قريشٍ وقالَه عكرمة «٤» .\nت: وقال الواحديُّ: كما أنزلنا عذابًا على المقتسمين الذينَ اقتسموا طُرُقَ مكَّة يصُدُّون الناسَ عن الإيمان. انتهى من «مختصره» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-754>[سورة الحجر (١٥): الآيات ٩٢ الى ٩٩]</span>\nفَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣) فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٩٦)\nوَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)\n_________\n(١) ينظر: «أحكام القرآن» (٣/ ١١٣٦) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٣٧٤) . [.....]\n(٣) أخرجه الطبري (٧/ ٥٤٣) برقم: (٢١٣٦٨)، وبرقم: (٢١٣٧٢)، وذكره ابن عطية (٣/ ٣٧٤)، وابن كثير في «تفسيره» (٢/ ٥٥٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ١٩٨)، وعزاه للبخاري، وسعيد بن منصور، والحاكم، والفريابي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه.\n(٤) أخرجه الطبري (٧/ ٥٤٧) برقم: (٢١٣٩٢)، وبرقم: (٢١٣٧٢)، وذكره ابن عطية (٣/ ٣٧٤)، وابن كثير في «تفسيره» (٢/ ٥٥٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ١٩٨)، وعزاه لسعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن جرير.","vol":"3","page":408},{"text":"وقوله سبحانه: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ... الآية: ضميرٌ عامٌّ، ووعيدٌ محضٌ، يأخذ كلُّ أحد منه بحَسَب جُرْمه وعِصْيانه، فالكافرُ يسأل عن التوحيدِ والرسالةِ، وعن كُفْره وقَصْدِهِ به، والمؤمنُ العاصِي يُسْأل عَنْ تضْييعه، وكلُّ مكلَّف عما كُلِّف القيامَ به وفي هذا المعنى أحاديثُ، قال ابن عباس في هذه الآية يقال لهم: لِمَ عَمِلْتُمْ كذا وكذا، قال: وقوله تعالى: فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ [الرحمن: ٣٩]: معناه: لا يقال له: مَاذَا أذنَبْتَ، لأَنَّ اللَّه تعالى أعلم بذنبه منه «١»، وقوله سبحانه: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ: «اصدع»: معناه: أنْفِذْ، وصرِّح بما بُعِثْتَ به.\nوقوله: وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ: من آيات المهادَنَةِ التي نَسَخَتْها آية السَّيْف «٢» قاله ابن عباس، ثم أعلمه اللَّه تعالَى بأنه قد كَفَاه المُسْتهزئين به مِنْ كُفَّار مَكَّة ببوائِقَ أصابَتْهم من اللَّه تعالى.\nقال ابن إسحاق وغيره: وهُمُ الذين قُذِفُوا في قَلِيبِ بَدْرٍ كأبِي جَهْل وغيره. انتهى.\nوقوله سبحانه: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ: آية تأنيس للنبيّ ﷺ، والْيَقِينُ هنا: الموتُ قاله ابن «٣» عمر وجماعةٌ، قال الداوديّ: وعن النبيّ ﷺ أنه قَالَ: «مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ أَنْ أَجْمَعَ المَالَ، وأَكُونَ مِنَ التَّاجِرِينَ، وَلَكِنْ أُوْحِيَ إِلَيَّ أَنْ سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ، واعبد رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ اليَقِين «٤» . انتهى، وباقي الآية بيِّن، وصلَّى اللَّه على سيِّدنا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٧/ ٥٤٨) برقم: (٢١٤٠٣)، وذكره البغوي (٣/ ٥٨)، وابن عطية (٣/ ٣٧٥)، وابن كثير في «تفسيره» (٢/ ٥٥٩)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ١٩٩)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي في «البعث» .\n(٢) أخرجه الطبري (٧/ ٥٥٠) برقم: (٢١٤١٥)، وذكره ابن عطية (٣/ ٣٧٥) .\n(٣) ذكره ابن عطية (٣/ ٣٧٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٢٠٣)، وعزاه لابن أبي شيبة، وابن جرير.\n(٤) ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٢٠٣)، وعزاه لسعيد بن منصور، وابن المنذر، والحاكم في «التاريخ»، وابن مردويه، والديلمي.","vol":"3","page":409},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-755>تفسير سورة النحل</span>\nوهي مكية غير آيات يسيرة يأتي بيانها إن شاء الله\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-756>[سورة النحل (١٦): الآيات ١ الى ٤]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nأَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١) يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاتَّقُونِ (٢) خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٤)\nقوله سبحانه: أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ: روي أنّ رسول الله ﷺ لما قال جِبْريلُ في سرد الوحْيِ: أَتى أَمْرُ اللَّهِ، وثب رسول الله ﷺ قائمًا، فلما قال: / فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ، سكَنَ، وقوله: أَمْرُ اللَّهِ: قال فيه جمهور المفسِّرين: إِنه يريدُ القِيَامَةَ، وفيها وعيدٌ للكفَّار، وقيل: المرادُ نصر محمّد ﷺ، فَمَنْ قال: إِن الأمر القيامَةُ، قال: إِن قوله تعالى: فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ: ردٌّ على المكذِّبين بالبَعْثِ، القائلين: متَى هذا الوَعْدُ، واختلف المتأوِّلون في قوله تعالى: يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ، فقال مجاهد: الرّوح:\nالنبوّة «١»، وقال ابن عباس: الرُّوحُ الوحْيُ «٢»، وقال قتادة: بالرحمةِ والوحْي «٣»، وقال الربيع بنُ أنَسٍ: كلُّ كلام اللَّه رُوحٌ، ومنه قوله تعالى: أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنا «٤» [الشورى: ٥٢]، وقال الزَّجَّاج «٥»: الرُّوح: ما تَحْيَا به القلوبُ من هداية اللَّهِ ﷿، وهذا قولٌ حَسَنٌ، قال الداوديّ، عن ابن عباس «٦» قال: الرُّوح: خَلْقٌ من خلق الله، وأمر\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٧/ ٥٥٨) برقم: (٢١٤٥٤)، وذكره ابن عطية (٣/ ٣٧٨) .\n(٢) أخرجه الطبري (٧/ ٥٥٨) برقم: (٢١٤٥١)، وذكره ابن عطية (٣/ ٣٧٨)، والسيوطي في «الدر المنثور»، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم.\n(٣) أخرجه الطبري (٧/ ٥٥٨) برقم: (٢١٤٥٦)، وذكره ابن عطية (٣/ ٣٧٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٢٠٥)، وعزاه لعبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٤) أخرجه الطبري (٧/ ٥٥٨) برقم: (٢١٤٥٥)، وذكره ابن عطية (٣/ ٣٧٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٢٠٦)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.\n(٥) ينظر: «معاني القرآن» (٣/ ١٩٠) .\n(٦) أخرجه الطبري (٧/ ٥٥٨) برقم: (٢١٤٥١)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٢٠٥)، وعزاه","vol":"3","page":410},{"text":"من أمر اللَّه عَلى صُوَرِ بني آدم، وما يَنْزِلُ من السماءِ مَلَكٌ إِلا ومعه رُوحٌ كالحفيظ عليه، لا يتكلَّم ولا يراه مَلَك، ولا شيءٌ مما خَلَقَ اللَّه، وعن مجاهدٍ: الرُّوح: خَلْق من خَلْق اللَّه، لهم أيدٍ وأرجلٌ «١» . انتهى، واللَّه أعلم بحقيقةِ ذلك، وهذا أمرٌ لا يقَالُ بالرأْيِ، فإِن صحَّ فيه شيء عن النبيّ ﷺ، وَجَبَ الوقوفُ عنْده انتهى، و«مَنْ» في قوله: مَنْ يَشاءُ هي للأنبياء.\nوقوله تعالى: خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ: يريد ب «الإِنسان» الجنْسَ، وقوله:\nخَصِيمٌ يحتملُ أنْ يريد به الكَفَرة الذين يجادلُونَ في آياتِ اللَّه قاله «٢» الحسن البصريُّ، ويحتملُ أنْ يريد أعَمَّ من هذا، على أن الآية تعديدُ نعمةِ الذِّهْنِ والبيان على البشر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-757>[سورة النحل (١٦): الآيات ٥ الى ١٢]</span>\nوَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (٥) وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦) وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٧) وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ (٨) وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْها جائِرٌ وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ (٩)\nهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١) وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٢)\nوقوله سبحانه: وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ: ال دِفْءٌ: السَّخَانة، وذَهَاب البَرْد بالأَكْسِيَة ونحوها، وقيل: ال دِفْءٌ: تناسُلُ الإِبل، وقال ابن عَبَّاس: هو نسْلُ كلِّ شيء «٣»، والمعنى الأول هو الصحيح، والمنافع: ألبانها وما تصرَّف منها، وحَرْثُها والنَّضْح عليها وغَيْر ذلك.\nوقوله: جَمالٌ، أي: في المَنْظَر، وتُرِيحُونَ: معناه: حين تردُّونها وقْتَ الرَّوِاح إِلى المنازلِ، وتَسْرَحُونَ: معناه: تخرجُونها غُدْوة إِلى السَّرْح، و«الأثْقَالُ»:\nالأمتعة، وقيل: الأجسام كقوله: وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها [الزلزلة: ٢] أي: أجسادَ بني آدم، وسمِّيت الخيلُ خيلا لاختيالها في مشيتها.\n_________\nلآدم بن إياس، وسعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي.\n(١) أخرجه الطبري (٧/ ٥٥٨) برقم: (٢١٤٥٤)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٢٠٥)، وعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ. [.....]\n(٢) ذكره ابن عطية (٣/ ٣٧٩) .\n(٣) أخرجه الطبري (٧/ ٥٦٠) برقم: (٢١٤٦٤) بنحوه، وذكره ابن عطية (٣/ ٣٧٩)، والسيوطي في «الدر المنثور»، وعزاه لعبد الرزاق، والفريابي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.","vol":"3","page":411},{"text":"ت: ويجبُ على من مَلَّكَهُ اللَّه شيئًا من هذا الحيوانِ أنْ يَرْفُقَ به، ويشْكُر اللَّه تعالى على هذه النعمة التي خَوَّلها، وقد رَوَى مالك في «الموطَّأ» عن أبي عُبَيْدٍ مولى سليمانَ بْنِ عبدِ المَلِكِ، عن خالدِ بْنِ مَعْدَانَ يرفعه، قال: «إِن اللَّه رفيقٌ يحبُّ الرِّفْق، ويرضَاهُ، ويعينُ عليه ما لاَ يُعِينُ على العُنْف، فإِذا ركبتم هذه الدوابَّ العُجْمَ، فأنزلوها منازِلَهَا، فإِنْ كانَتِ الأرض جَدْبةً، فانجوا عليها بِنِقْيِهَا «١»، وَعَلَيْكُمْ بسير اللَّيْلِ فَإِن الأرض تُطْوَى باللَّيْلِ ما لا تُطْوَى بالنهار، وإِياكم والتَّعْرِيسَ على الطريقِ فإِنها طُرُق الدَّوابِّ، ومأوى الحَيَّات» «٢» .\nقال أبو عمر في «التمهيد»: هذا الحديث يستند عن/ النبيّ ﷺ من وجوهٍ كثيرةٍ، فأمَّا «الرفْقُ»، فمحمودٌ في كلِّ شيء، وما كان الرفْقُ في شيء إِلاّ زانه، وقد رَوَى مالك بسنده عن عائشة، وعن النبيّ ﷺ، قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ ﷿ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّهِ» «٣»، وأُمِرَ المسافرُ في الخِصْبِ بأنْ يمشي رويدًا، ويكثر النزول، لترعَى دابته، فأَما الأرْضُ الجَدْبة، فالسُّنَّة للمسافِرِ أَنْ يُسْرُع السيْر ليخرجَ عنها، وبدابَّته شيءٌ من الشَّحْم والقُوَّة، و«النِّقْي» في كلام العرب: الشَّحْم والوَدَك. انتهى.\nوروَى أبو داود عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ قال: «إِيَّاكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا ظُهُورَ دَوَابِّكُمْ مَنَابِرَ، فَإِنَّ اللَّهَ إِنَّمَا سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُبَلِّغَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بِالغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنْفُسِ، وَجَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ فَعَلَيْهَا فاقضوا حَاجَاتِكِمْ» انتهى «٤» .\nوقوله سبحانه: وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ: عبرةٌ منصوبةٌ على العمومِ، أي: إِنَّ مخلوقاتِ اللَّهِ مِنَ الحيوانِ وغيره لا يُحيطُ بعلْمها بَشَرٌ، بل ما يخفَى عنه أكْثَرُ مما يعلمه.\nوقوله سبحانه: وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ... الآية: هذه أيضًا من أجَلِّ نعم اللَّه تعالى، أي: على اللَّه تقويمُ طريقِ الهدَى، وتبيينُهُ بنَصْب الأدلَّة، وبعْثِ الرسل، وإِلى هذا ذهب المتأوِّلون، ويحتمل أنْ يكون المعنى: أَنَّ مَنْ سلك السبيل القاصد، فعلى الله،\n_________\n(١) النّقو: عظم العضد، وقيل: كل عظم فيه مخ.\nينظر: «لسان العرب» (٤٥٣٢) .\n(٢) أخرجه مالك في «الموطأ» (٢/ ٩٧٩) كتاب «الاستئذان» باب: ما يؤمر به من العمل في السفر، حديث (٣٨) .\n(٣) تقدم تخريجه.\n(٤) أخرجه أبو داود (٢/ ٣٢) كتاب «الجهاد» باب: في الوقوف على الدابة، حديث (٢٥٦٧)، والبيهقي (٥/ ٢٥٥) من حديث أبي هريرة.","vol":"3","page":412},{"text":"ورحمته وتنعيمُهُ طريقُهُ، وإِلى ذلك مصيره، و«طريقٌ قَاصِد»: معناه: بيِّنٌ مستقيمٌ قريبٌ، والألف واللام في السَّبِيلِ، للعهد، وهي سبيلُ الشرْعِ.\nوقوله: وَمِنْها جائِرٌ: يريد طريقَ اليهودِ والنصارَى وغيرِهِم، فالضمير في مِنْها يعود على السُّبُلُ التي يتضمَّنها معنى الآية.\nوقوله سبحانه: فِيهِ تُسِيمُونَ: يقال: أَسَامَ الرَّجُلُ مَاشِيَتَهُ إِذا أرسلها ترعى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-758>[سورة النحل (١٦): الآيات ١٣ الى ١٧]</span>\nوَما ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوانُهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٣) وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤) وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥) وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦) أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (١٧)\nوقوله سبحانه: وَما ذَرَأَ لَكُمْ: ذرأ: معناه: بثّ ونشر.\nومُخْتَلِفًا أَلْوانُهُ أي أصنافه، ويحتمل أنْ يكون التنبيهُ على اختلاف الألوان من حُمْرةٍ وصُفْرةٍ وغير ذلك، والأول أبْيَنُ.\nوقوله سبحانه: وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ: البَحْر: الماءُ الكثيرُ، ملْحًا كان أو عَذْبًا.\nقال ابنُ العربيِّ في «أحكامه» «١»: قولُهُ تعالى: وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها:\nيعني به اللؤلُؤَ والمَرْجان، وهذا امتنان عامٌّ للرجال والنساء، فلا يحرم عليهم شيء من ذلك. انتهى. ومَواخِرَ: جمعَ مَاخِرَة، والمَخْر في اللغة: الصَّوْت الذي يكون من هبوبِ الريح علَى شيءٍ يشقُّ أو يصحب في الجملة الماءَ فيترتَّب منه أنْ يكون المَخْر من الريحِ، وأنْ يكون من السفينةِ ونحوها، وهو في هذه الآيةِ من السّفن، وقال بعض النحاة:\nالمخر في كلامِ العرب: الشَّقُّ يقال: مَخَرَ المَاءُ الأَرْضَ، وهذا أيضًا بيِّن أن يقال فيه للفلْكِ مَوَاخِر.\nوقوله: وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ: يحتملُ: تهتدون في مشيكم وتصرّفكم في السّبل،\n_________\n(١) ينظر: «أحكام القرآن» (٣/ ١١٤٨) .","vol":"3","page":413},{"text":"ويحتملُ تهتدُونَ بالنَّظَر في دَلاَلة هذه المَصْنُوعات علَى صَانِعِها. / وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ: قال ابن عبَّاسٍ: العلامَاتُ: معالمُ الطُّرُق بالنهار، والنجومُ: هدايةُ «١» الليل، وهذا قولٌ حَسَن فإِنه عمومٌ بالمعنَى، واللفظةُ عامَّة وذلك أَنَّ كُلَّ مَا دَلَّ على شيْءٍ وأعلَمَ به، فهو علامةٌ، والنجم هنا: اسم جنس، وهذا هو الصّواب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-759>[سورة النحل (١٦): الآيات ١٨ الى ٢١]</span>\nوَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨) وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ (١٩) وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٢١)\nوقوله سبحانه: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوها ... الآية: وبحسب العَجْز عن عدِّ نعم اللَّه تعالى يلزمُ أنْ يكون الشاكرُ لها مقصِّرًا عن بعْضها فلذلك قال ﷿:\nلَغَفُورٌ رَحِيمٌ، أي: عن تقصيركُمْ في الشكْر عن جميعها نحا هذا المنحَى الطبريُّ ويَرِدُ عليه أن نعمةَ اللَّهِ في قولِ العبدِ: «الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ»، مع شرطها من النيَّة والطاعةِ يوازي جميعَ النِّعَمَ، ولكنْ أين قولها بشُرُوطها، والمخاطَبةُ بقوله: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوها. عامَّةٌ لجميع الناس. وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي:\nتدعونهم آلهةً، وأَمْواتٌ: يراد به الذين يَدْعُونَ مِنْ دونِ اللَّهِ، ورفع أَمْواتٌ على أنه خبر مبتدإٍ مضمرٍ، تقديره: هم أمواتٌ، وقوله: غَيْرُ أَحْياءٍ: أي: لم يقبلوا حياةً قطُّ، ولا اتصفوا بها، وقوله سبحانه: وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ: أي: وما يشعر الكُفَّار متَى يبعثون إِلى التعذيب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-760>[سورة النحل (١٦): الآيات ٢٢ الى ٢٥]</span>\nإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٢٢) لا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ (٢٣) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٤) لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ (٢٥)\nوقوله سبحانه: إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ أي:\nمُنْكِرَةٌ اتحاد الإله.\nت: وهذا كما حَكَى عنهم سبحانه في قولهم: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهًا واحِدًا إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ [ص: ٥] .\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٧/ ٥٧١) برقم: (٢١٥٤٤)، وذكره ابن عطية (٣/ ٣٨٤)، والسيوطي في «الدر المنثور»، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه.","vol":"3","page":414},{"text":"وقوله: لاَ جَرَمَ عبَّرت فرقةٌ من اللُّغويِّين عن معناها ب «لاَ بُدَّ ولا محالة»، وقالت فرقة: معناها: حق أن اللَّه، ومذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّ «لا» نفيٌ لما تقدَّم من الكلامِ، و«جرم»:\nمعناه: وَجَبَ أو حَقَّ ونحوه، هذا مذهبُ الزَّجَّاجِ «١»، ولكنْ مع مذهبهما، «لا» ملازِمَةٌ ل «جَرَمَ» لا تنفَكُّ هذه مِنْ هذه.\nوقوله سبحانه: إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ: عامٌّ في الكافرين والمؤمنين يأخذ كلُّ أحد منهم بِقِسْطه، قال الشيخُ العارفُ باللَّه عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبي جَمْرَةَ ﵀ موتُ النفوسِ حياتُهَا، مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَحْيَا يَمُوتُ، ببَذْل أَهْل التوفيقِ نفوسَهُم وهوانِهَا عليهم، نالوا ما نالوا، وبِحُبِّ أهْل الدنيا نفوسَهُم هانوا وطَرَأَ عليهم الهوانُ هنا وهناك، وقد ورد في الحديثِ: «أنَّه مَا مِنْ عَبْدٍ إِلا وَفِي رَأْسِهِ حِكْمَةٌ بِيَدِ مَلَكٍ، فَإِنْ تَعَاظَمَ، وارتفع، ضَرَبَ المَلَكُ فِي رَأْسِهِ، وَقَالَ لَهُ: اتضع وَضَعَكَ اللَّهُ، وَإِنْ تَوَاضَعَ رَفَعَهُ المَلَكُ، وَقَالَ لَهُ: ارتفع، رَفَعَكَ اللَّهُ»، مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا بما به يقرِّبنا إِليه بمنِّهِ «٢» . انتهى.\nوقوله سبحانه: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ: يعني: كفَّار قريشٍ: مَّاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ ...\nالآية، يقال: إِن سببها النضْرُ بْنُ الحارِثِ، واللام في قوله: لِيَحْمِلُوا يحتملُ أن تكون لاَم العاقبةِ، ويحتمل أن تكون لامَ كَيْ، ويحتمل أن تكون لام الأمْرِ على معنى الحَتْمِ عليهم والصَّغَارِ الموجِبِ لهم.\nوقوله/ سبحانه: وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ: «من»: للتبعيضِ وذلك أن هذا الرأس المُضِلَّ يحمل وِزْرَ نفسه ووزرًا مِنْ وزر كلِّ مَنْ ضلَّ بسببه، ولا ينقُصُ من أوزار أولئك شيْءٌ، والأوزار هي الأثقال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-761>[سورة النحل (١٦): الآيات ٢٦ الى ٢٩]</span>\nقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (٢٦) ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكافِرِينَ (٢٧) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٢٩)\nوقوله سبحانه: قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ ... الآية: قال ابن\n_________\n(١) ينظر: «معاني القرآن» (٣/ ١٩٤) .\n(٢) أخرجه الخطيب في «تاريخ بغداد» (٤/ ٤٠٢)، عن أنس بن مالك، وذكره الهندي في «كنز العمال» (٥٧٤٤)، وعزاه إلى ابن صصرى في «أماليه» .","vol":"3","page":415},{"text":"عبَّاس وغيره من المفسِّرين «١»: الإِشارة ب الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ إِلى نَمْرُوذَ الذي بنَى صَرْحًا ليَصْعَدَ فيه إِلى السماء بزعمه، فلما أَفرَطَ في عُلُوِّه، وطَوَّلَهُ في السماء فَرْسَخَيْنِ على ما حكَى النَّقَّاش، بعث اللَّه عليه ريحًا، فهدَمَتْه، وخَرَّ سقفه عليه، وعلى أتباعه، وقيل: إِن جبريلَ هَدَمَهُ بِجَنَاحِهِ، وألقَى أعلاه في البَحْر، وانجعف من أسفله، وقالت فرقة: المراد ب الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ: جميعُ مَنْ كَفَر من الأمم المتقدِّمة، ومكَر، ونزلَتْ به عقوبةٌ، وقوله على هذا: فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ ... إلى آخر الآية، تمثيلٌ وتشبيهٌ، أي: حالُهم كحَالِ مَنْ فُعِلَ به هذا.\nوقوله: يُخْزِيهِمْ: لفظٌ يعمُّ جميع المكارِهِ التي تَنْزِلُ بهم وذلك كلُّه راجعٌ إِلى إِدخالهم النَّار، ودخولهم فيها.\nوتُشَاقُّونَ: معناه: تحاربون، أي: تكُونُونَ في شِقٍّ، والحَقُّ في شقّ، والَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ: هم الملائكةُ فيما قال بعضُ المفسِّرين، وقال يحيى بن سلام: هم المؤمنون.\nقال ع «٢»: والصوابُ أن يعمَّ جميعَ مَنْ آتاه اللَّه عِلْمَ ذلك مِنْ ملائكةٍ وأنبياء وغيرهم، وقد تقدَّم تفسير الخِزْي، وأنه الفضيحةُ المُخْجلة، وفي الحديث: «إِنَّ العَارَ وَالتَّخْزِيَةَ لَتَبْلُغُ مِنَ العَبْدِ فِي المَقَامِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعَالَى مَا أَنْ يَتَمَنَّى أَنْ يُنْطَلَقَ بِهِ إِلَى النَّارِ وَيَنْجُوَ مِنْ ذَلِكَ المَقَامِ» «٣» أخرجه البغويُّ في «المسند المنتخب» له. انتهى من «الكوكب الدري» .\nوقوله سبحانه: الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ: الَّذِينَ: نعت للكافرين في قول أكثر المتأوّلين، والْمَلائِكَةُ يريد القابضين لأرواحهم، والسَّلَمَ هنا: الاستسلام، واللام في قوله: فَلَبِئْسَ لامُ تأكيد، والمثوى:\nموضع الإقامة.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٧/ ٥٧٧) برقم: (٢١٥٦٧)، وذكره البغوي (٣/ ٦٦)، وابن عطية (٣/ ٣٨٨)، وابن كثير في «تفسيره» (٢/ ٥٦٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٢١٨)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم.\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٣٨٩) .\n(٣) أخرجه ابن عدي في «الكامل» (٦/ ٢٠٣٩) .","vol":"3","page":416},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-762>[سورة النحل (١٦): الآيات ٣٠ الى ٣٢]</span>\nوَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ (٣٠) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ كَذلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (٣١) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢)\nوقوله سبحانه: وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ ... الآية: لما وصف سبحانه مقالَةَ الكفَّار الذين قالوا: أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ... [النحل: ٢٤] عادل ذلك بذكر مقالة المؤمنين من أصحاب النبيّ ﷺ، وأوجب لكلِّ فريقٍ ما يستحقُّ، وقولهم: خَيْرًا جوابٌ بحسبِ السؤالِ، واختلف في قوله تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا ... إلى آخر الآية، هل هو ابتداء كَلاَمٍ أو هو تفسيرٌ ل «الخير» الذي أَنْزَلَ اللَّه في الوَحْي على نبِّينا خبرًا أنَّ من أحسَنَ في الدنيا بالطَّاعة، فله حسنةٌ في الدنيا ونعيمٌ في الآخرة، وروى أنَسُ بنُ مالكٍ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: «أَنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ المُؤْمِنَ حَسَنَةً يُثَابُ عَلَيْهَا الرِّزْقَ فِي الدُّنْيَا، وَيُجْزَى بِهَا فِي الآخِرَةِ» «١» .\nوقوله سبحانه: جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها ... الآية: تقدّم تفسير نظيرها، وطَيِّبِينَ: عبارةٌ عن صالح حالهم، واستعدادهم للمَوْت، و«الطَّيِّب» الذي لا خُبْثَ معه، وقولُ الملائكة: سَلامٌ عَلَيْكُمْ: بشارةٌ من اللَّه تعالى، / وفي هذا المعنَى أحاديثُ صحاحٌ يطول ذكْرها، وروى ابن المبارك في «رقائقه» عن محمد بن كَعْب القُرَظِيِّ قال: إِذا استنقعت نَفْسُ العَبْدِ المؤمن، جاءه مَلَكٌ، فقال: السَلامُ علَيْكَ، وليَّ اللَّهِ، اللَّهُ يُقْرِىءُ عَلَيْكَ السَّلاَمَ، ثُمَّ نَزَعَ بهذه الآية: الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ... انتهى. «٢» .\nوقوله سبحانه: بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ: علَّق سبحانه دخولَهُمُ الجَنَّة بأعمالهم من حيثُ جعَلَ الأعمالَ أمارةً لإِدخال العَبْدِ الجنَّةِ، ولا معارضة بين الآية، وقوله ﷺ: «لاَ يَدْخُلُ أَحَدٌ الجَنَّةَ بِعَمَلِهِ!» قَالُوا: وَلاَ أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «وَلاَ أَنَا إِلاَّ أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ بِفَضْلٍ مِنْهُ وَرَحْمَةٍ» «٣»، فإِن الآية تردُّ بالتأويل إِلى معنى الحديث.\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٤/ ٢١٦٢) كتاب «صفات المنافقين وأحكامهم» باب: جزاء المؤمن بحسناته في الدنيا، حديث (٥٦/ ٢٨٠٨)، وأحمد (٣/ ١٢٥) . [.....]\n(٢) أخرجه الطبري (٧/ ٥٨٠) برقم: (٢١٥٧٩)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٢١٩)، وعزاه لابن أبي مالك، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ في «العظمة»، وأبي القاسم بن منده في كتاب «الأحوال»، والبيهقي في «شعب الإيمان» .\n(٣) تقدم تخريجه.","vol":"3","page":417},{"text":"قال ع «١»: ومن الرحمة والتغمُّد أنْ يوفِّق اللَّهُ العبْدَ إِلى أعمالٍ بَرَّة، ومقصِدُ الحديثِ نفْيُ وجوبِ ذلك على اللَّه تعالى بالعَقْل كما ذهب إليه فريق من المعتزلة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-763>[سورة النحل (١٦): الآيات ٣٣ الى ٣٥]</span>\nهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٣٣) فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٣٤) وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٣٥)\nوقوله سبحانه: لْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ\n: نْظُرُونَ\n: معناه: ينتظرون، و«نظر» متى كانَتْ من رؤية العين، فإِنما تعدِّيها العربُ ب «إِلَى» ومتَى لم تتعدَّ ب «إِلى»، فهي بمعنى «انتظر» ومنها: انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ [الحديد: ١٣]، ومعنى الكلام: أنْ تأتيهم الملائكة لقبض أرواحهم ظالمي أنفسهم.\nوقوله: وْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ\n: وعيدٌ يتضمَّن قيامَ الساعة، أو عذابَ الدنيا، ثم ذَكر تعالَى أَنَّ هذا كان فعْلَ الأمم قَبْلهم، فَعُوقِبوا.\nوقوله سبحانه: فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ مَا عَمِلُوا: أي: جزاءُ ذلك في الدنيا والآخرة، وحاقَ: معناه: نَزَلَ وأحَاطَ.\nوقوله سبحانه: وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ ...\nالآية: تقدَّم تفسير نظيرها في «الأنعام»، وقولهم: وَلا حَرَّمْنا: يريد: من البحيرة والسّائبة والوصيلة وغير ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-764>[سورة النحل (١٦): الآيات ٣٦ الى ٤٠]</span>\nوَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦) إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٣٧) وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٣٨) لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ (٣٩) إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠)\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٣٩١) .","vol":"3","page":418},{"text":"وقوله سبحانه: وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ... الآية: إِلى قوله: فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ، وقرأ حمزة والكسائِيُّ وعاصم «١»: «لاَ يَهْدِي» - بفتح الياء وكسر الدال-، وذلك على معنيين: أيْ: إِن اللَّه لا يَهْدِي من قضَى بإِضلاله، والمعنى الثاني: أنَّ العربَ تقُولُ: هَدَى الرَّجُلُ، بمعنى اهتدى.\nوقوله سبحانه: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ: الضمير في أَقْسَمُوا لكفَّار قريش، ثم رَدَّ اللَّه تعالى عليهم بقوله: بَلى، فأوجب بذلك البعث، وأَكْثَرَ النَّاسِ في هذه الآية: الكفَّار المكذِّبون بالبَعْث.\nوقوله سبحانه: لِيُبَيِّنَ: التقدير: بلى يبعثه ليبيِّن لهم الذي يَخْتَلِفُونَ فيه.\nوقوله سبحانه: إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ ... الآية: المَقْصَدُ بهذه الآية إِعلامُ مُنْكِرِي البَعْث بِهَوَانِ أمره على اللَّه تعالى، وقُرْبِهِ في قُدْرته، لا ربِّ غيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-765>[سورة النحل (١٦): الآيات ٤١ الى ٤٧]</span>\nوَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٤٢) وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٤٣) بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤) أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (٤٥)\nأَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٤٦) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٤٧)\nوقوله سبحانه: وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا: هؤلاء هُمُ الذين هاجروا إِلى أرض الحبشةِ، هذا قول الجمهورِ، / وهو الصحيحُ في سبب نزولِ الآية لأن هجرة المدينة لم تكُنْ وقْتَ نزول الآيةِ، والآيةُ تتناوَلُ كلَّ مَنْ هاجر أَولًا وآخرًا، وقرأ جماعة «٢» خارجَ السبْعِ: «لَنُثْوِيَنَّهُمْ»، واختلف في معنى الحسنة هنا، فقالتْ فرقة:\nالحسنةُ عِدَةٌ بَبُقْعةٍ شريفةٍ، وهي المدينةُ، وذهبَتْ فرقةٌ إِلى أن الحسنة عامّة في كلّ أمر\n_________\n(١) وقرأ الباقون: «فإن الله لا يهدى» بضم الياء وفتح الدال، والمعنى أي: من أضله الله لا يهديه أحد» .\nينظر: «السبعة» (٣٧٢)، و«الحجة» (٥/ ٦٤)، و«معاني القراءات» (٢/ ٧٩)، و«إعراب القراءات» (١/ ٣٥٣)، و«حجة القراءات» (٣٨٨)، و«العنوان» (١١٧)، و«شرح الطيبة» (٤/ ٤١٣)، و«شرح شعلة» (٤٥٧)، و«إتحاف» (٢/ ١٨٤) .\n(٢) وقد رويت عن علي، وابن مسعود، ونعيم بن ميسرة، والربيع بن خيثم. ينظر: «المحتسب» (٢/ ٩)، و«الكشاف» (٢/ ٦٠٧)، و«المحرر الوجيز» (٣/ ٣٩٤)، و«البحر المحيط» (٥/ ٤٧٧)، و«الدر المصون» (٤/ ٣٢٧) .","vol":"3","page":419},{"text":"مستحسَنٍ يناله ابنُ آدم، وفي هذا القولِ يدخُلُ ما رُوِيَ عن عمر بن الخطاب ﵁: أنه كَانَ يُعْطِي المَالَ وَقْتَ القِسْمَة الرَّجُلَ مِنَ المُهَاجِرِينَ، ويقُولُ له: خُذْ ما وَعَدَكَ اللَّهُ في الدنيا، وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أكْبَرُ، ثم يتلو هذه «١» الآية، ويدخل في هذا القولِ النَّصْرُ على العدوِّ، وفتْحُ البلادِ، وكلُّ أَمَلٍ بلغه المهاجرون، والضمير في يَعْلَمُونَ عائدٌ على كفار قريشٍ.\nوقوله: الَّذِينَ صَبَرُوا: من صفة المهاجرين.\nوقوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ: هذه الآيةُ ردٌّ على كفَّار قريش الذينَ استبعدوا أنْ يبعثَ اللَّه بشرًا رَسُولًا، ثم قال تعالى: فَسْئَلُوا، أي: قل لهم: فَسْئَلُوا، وأَهْلَ الذِّكْرِ هنا: أحبارِ اليهودِ والنصارَى قاله ابن عباس وغيره «٢»، وهو أظهر الأقوال، وهم في هذه النازِلَةِ خاصَّة إِنما يخبرون بأنَّ الرسُلَ من البَشَر، وأخبارُهم حجَّة على هؤلاء، وقدْ أرسلَتْ قريشٌ إِلى يهودِ يَثْرِبَ يسألونهم ويُسْنِدُون إِليهم.\nوقوله: بِالْبَيِّناتِ: متعلِّق بفعلٍ مضمرٍ، تقديره: أرسلناهم بالبيِّنات، وقالتْ فرقة:\nالباءُ متعلِّقة ب أَرْسَلْنا في أول الآية، والتقدير على هذا: وما أرسلنا من قبلك بالبيِّنات والزُّبُرِ إِلاَّ رجالا، ففي الآية تقديم وتأخير، والزُّبُرِ: الكُتُبُ المزبورة.\nوقوله سبحانه: لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ... الآية.\nت: وقد فعل ﷺ ذلك، فبيَّن عن اللَّهِ، وأوْضَح، وقد أوتي ﷺ جوامعَ الكَلِم، فأعرب عن دين اللَّهِ، وأفصح، ولنذكُر الآن طَرَفًا من حِكَمِهِ، وفصيحِ كلامِهِ بحذف أسانيده، قال عِياضٌ في «شِفَاهُ»: وأما كلامه ﷺ المعتادُ، وفصاحَتُه المعلومةُ، وجوامُع كَلِمِهِ، وحِكَمُه المأثورةُ، فمنها ما لا يُوَازَى فصاحةً، ولا يبارَى بلاغةً كقوله: «المُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ» «٣»، وقوله: «النّاس\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٧/ ٥٨٦) برقم: (٢١٥٩٥)، وذكره البغوي (٣/ ٦٩)، وابن عطية (٣/ ٣٩٥)، وابن كثير في «تفسيره» (٢/ ٥٧٠)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٢٢١)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر.\n(٢) أخرجه الطبري (٧/ ٥٨٧) برقم: (٢١٦٠٢) بنحوه، وذكره ابن عطية (٣/ ٣٩٥) بنحوه، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٢٢٢)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم.\n(٣) أخرجه الطيالسي (٢/ ٣٧- منحة)، وأحمد (٢/ ٢١١)، وأبو داود (٣/ ١٨٣) كتاب «الجهاد» باب: في السرية ترد على أهل العسكر، حديث (٢٧٥١)، وابن ماجه (٢/ ٨٩٥) كتاب «الديات» باب: المسلمون تتكافأ دماؤهم، حديث (٢٦٨٥)، وابن الجارود في «المنتقى» (٧٧١)، والبيهقي (٨/ ٢٩) كتاب","vol":"3","page":420},{"text":"_________\n«الجنايات» باب: فيمن لا قصاص بينه باختلاف الدينين، وابن أبي شيبة (٩/ ٤٣٢)، والقضاعي في «مسند الشهاب» (١٧٠) من طرق عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ:\n«المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم»، وللحديث شاهد من حديث علي، وأخرجه أحمد (١/ ١٢٢)، وأبو داود (٤/ ٦٦٧) كتاب «الديات» باب: إيقاد المسلم بالكافر؟، حديث (٤٥٣٠)، والنسائي (٨/ ١٩) كتاب «القسامة» باب: القود بين الأحرار والمماليك في النفس، وأبو عبيد القاسم بن سلام في «الأموال» ص: (١٧٩) برقم: (٤٩٥)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٣/ ١٩٢)، وفي «مشكل الآثار» (٢/ ٩٠)، والدارقطني (٣/ ٩٨) كتاب «الحدود والديات» (٦١)، والحاكم (٢/ ١٤١)، والبيهقي (٨/ ٢٩)، والبغوي في «شرح السنة» (٥/ ٣٨٨- بتحقيقنا) من طريق الحسن عن قيس بن عباد قال: انطلقت أنا والأشتر إلى علي فقلنا: هل عهد إليك رسول الله ﷺ شيئا لم يعهده للناس عامة؟ قال: «لا إلا ما كان في كتابي هذا»، فأخرج كتابا من قراب سيفه فإذا فيه:\n«المؤمنون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم، لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده، ومن أحدث حدثا فعلى نفسه، ومن أحدث حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة، والناس أجمعين»، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وفي الباب عن ابن عباس، ومعقل بن يسار، وعائشة، وعطاء بن أبي رباح مرسلا.\nحديث ابن عباس: أخرجه ابن ماجه (٢/ ٨٩٥) كتاب «الديات» باب: المسلمون تتكافأ دماؤهم، حديث (٢٦٨٣)، من طريق حنش عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: «المسلمون تتكافأ دماؤهم، وهم يد على من سواهم، يسعى بذمتهم أدناهم، ويرد على أقصاهم»، وذكره الحافظ البوصيري في «الزوائد» (٢/ ٣٥٣) وقال: هذا إسناد ضعيف، لضعف حنش، واسمه: حسين بن قيس.\nحديث معقل بن يسار: أخرجه ابن ماجه (٢/ ٨٩٥) كتاب «الديات» باب: المسلمون تتكافأ دماؤهم، حديث (٢٦٨٤)، وابن عدي في «الكامل» (٥/ ٣٣٢) من طريق عبد السلام بن أبي الجنوب، عن الحسن، عن معقل بن يسار قال: قال رسول الله ﷺ: «المسلمون يد على من سواهم، وتتكافأ دماؤهم» .\nواللفظ لابن ماجه، أما لفظ ابن عدي: «لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده، والمسلمون يد على من سواهم، تتكافأ دماؤهم» . وقال ابن عدي: وعبد السلام بن أبي الجنوب بعض ما يرويه لا يتابع عليه منكر.\nوذكره الحافظ البوصيري في «الزوائد» (٢/ ٣٥٣- ٣٥٤) وقال: هذا إسناد ضعيف عبد السلام ضعفه ابن المديني، وأبو حاتم، وأبو زرعة، والبزار، وابن حبان.\nحديث عائشة: أخرجه الدارقطني (٣/ ١٣١) كتاب «الحدود والديات»، حديث (١٥٥) من طريق مالك بن محمد بن عبد الرحمن عن عمرة، عن عائشة قالت: وجد في قائم سيف رسول الله ﷺ كتابان: إنه أشد الناس عتوّا في الأرض رجل ضرب غير ضاربه، أو رجل قتل غير قاتله، ورجل تولى غير أهل نعجته فمن فعل ذلك فقد كفر بالله وبرسله، ولا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا، وفي الآخر:\n«المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، لا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده، ولا يتوارث أهل ملتين» .\nوقال الزيلعي في «نصب الراية» (٣/ ٣٩٥)، ومالك هذا هو ابن أبي الرجال أخو حارثة، ومحمد، قال","vol":"3","page":421},{"text":"كأسنان المشط» «١»، «والمرء مَعَ مَنْ أَحَبَّ» «٢»، و«لاَ خَيْرِ فِي صُحْبَةِ مَنْ لاَ يَرَى لَكَ مَا تَرَى لَهُ» «٣»، و«النَّاسُ مَعَادِنٌ» «٤»، و«مَا هَلَكَ امرؤ عَرَفَ قَدْرَهُ»، و«المُسْتَشَارُ مُؤْتَمَنٌ»، و«هو بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَكَلَّم» «٥»، و«رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا قَالَ خَيْرًا فَغَنِمَ، أَوْ سَكَتَ عَنْ شرّ فسلم»،\n_________\nأبو حاتم: هو أحسن حالا من أخويه اه.\nمرسل عطاء: أخرجه أبو عبيد في «الأموال» ص: (٢٩٠) برقم: (٨٠٣)، ثنا ابن أبي زائدة، عن معقل بن عبد الله الجزري، عن عطاء بن أبي رباح قال: رسول الله ﷺ: «المسلمون إخوة يتكافؤن دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، ويرد عليهم أقصاهم، ومشدهم على مضعفهم ومتسريهم على قاعدهم» .\n(١) تقدم تخريجه.\n(٢) تقدم تخريجه.\n(٣) ذكره الهندي في «كنز العمال» (٢٤٨٢٤)، وينظر: تخريج حديث: «الناس كأسنان المشط» .\n(٤) أخرجه البخاري (٦/ ٤٨١) كتاب «أحاديث الأنبياء» باب: قول الله تعالى: لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ، حديث (٣٣٨٣)، (٨/ ٢١٢) كتاب «التفسير» باب: لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ، حديث (٤٦٨٩)، ومسلم (٤/ ١٨٤٦) كتاب «الفضائل» باب: من فضائل يوسف، حديث (١٦٨/ ٢٣٧٨)، والدارمي (١/ ٧٣) باب: الاقتداء بالعلماء، وأبو يعلى (١١/ ٤٣٨) رقم:\n(٦٥٦٢)، والبغوي في «شرح السنة» (٦/ ٥٠٧- بتحقيقنا)، كلهم من طريق عبيد الله، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة به. وأخرجه أحمد (٢/ ٢٥٧)، والحميدي (٢/ ٤٥١) رقم: (١٠٤٥) من طريق أبي الزناد عن الأعرج، عن أبي هريرة مرفوعا بلفظ: «تجدون الناس معادن فخيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا» .\nوأخرجه مسلم (٤/ ١٩٥٨) كتاب «فضائل الصحابة» باب: خيار الناس، حديث (١٩٩/ ٢٥٢٦)، وأحمد (٢/ ٥٢٤- ٥٢٥)، وابن حبان رقم: (٦٣٦) من طريق يونس، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة مرفوعا باللفظ السابق، وأخرجه أبو يعلى (١٠/ ٤٥٧- ٤٥٨) رقم: (٦٠٧٠)، وابن حبان رقم: (٩٢) من طريق أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة مرفوعا: «الناس معادن في الخير والشر خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا» .\nوأخرجه الحميدي (٢/ ٤٥١) رقم: (١٠٤٦) من طريق يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة به. وللحديث شاهد من حديث معاوية بن أبي سفيان، أخرجه أحمد (٤/ ١٠١) بلفظ: «الناس تبع لقريش خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا» . [.....]\n(٥) أخرجه ابن ماجه (٢/ ١٢٣٣) كتاب «الأدب» باب: المستشار مؤتمن، حديث (٣٧٤٦)، والدارمي (٢/ ٢١٩) كتاب «السير» باب: المستشار، وأحمد (٥/ ٢٧٤)، وابن حبان (١٩٩١- موارد)، والبيهقي (١٠/ ١١٢) كتاب «آداب القاضي» باب: من يشاور، والطبراني في «الكبير» (١٧/ ٢٣٠) رقم: (٢٣٨) كلهم من طريق أسود بن عامر، حدثنا شريك، عن أبي عمر الشيباني، عن أبي مسعود به مرفوعا.\nقال ابن أبي حاتم في «العلل» (٢/ ٢٧٤) رقم: (١٩/ ٢٣): سألت أبي عن حديث رواه الأسود بن عامر ... فذكر الحديث وقال: قال أبي: هذا خطأ، إنما أراد: الدال على الخير كفاعله، قلت: الخطأ ممن هو؟ قال: من شريك اه. ومع ذلك فقد صححه ابن حبان.","vol":"3","page":422},{"text":"وقوله: «أَسْلِمْ تَسْلَمْ»، و«أَسْلِمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ»، و«إِنَّ أَحَبَّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبَكُمْ منّي\n_________\nوقال البوصيري في «الزوائد» (٣/ ١٨١): هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات اه.\nوفي الباب عن جماعة من الصحابة وهم أبو هريرة، وجابر بن سمرة، وسمرة بن جندب، وأبو الهيثم بن التيهان، وعمر بن الخطاب، وابن عباس، وابن الزبير، وأم سلمة.\nحديث أبي هريرة: أخرجه أبو داود (٢/ ٧٥٥) كتاب «الأدب» باب: في المشورة، حديث (٥١٢٨)، والترمذي (٥/ ١١٥) كتاب «الأدب» باب: إن المستشار مؤتمن، حديث (٢٨٢٢)، وابن ماجه (٢/ ١٢٣٣) كتاب «الأدب» باب: المستشار مؤتمن، حديث (٣٧٤٥)، والبخاري في «الأدب المفرد»، حديث (٢٥٦)، والطحاوي في «مشكل الآثار» (١/ ١٩٥- ١٩٦)، والحاكم (٤/ ١٣١)، والبيهقي (١٠/ ١١٢) كتاب «آداب القاضي» باب: من يشاور، كلهم من طريق عبد الملك بن عمير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، مرفوعا، وقال الترمذي: حسن صحيح غريب، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.\nحديث جابر بن سمرة: أخرجه الطبراني في «الكبير» (٢/ ٢١٤) رقم: (١٨٧٩)، والخطيب في «تاريخ بغداد» (٥/ ٩٧) كلاهما من طريق قيس بن الربيع، عن عبد الملك بن عمير، عن جابر بن سمرة قال:\nقال رسول الله ﷺ: «المستشار مؤتمن» .\nوالحديث ذكره الهيثمي في «المجمع» (٨/ ١٠٠) وقال: رواه الطبراني في «الكبير والأوسط»، وفيه من لم أعرفه.\nحديث سمرة بن جندب: أخرجه الطبراني في «الكبير» (٧/ ٢٦٦) رقم: (٦٩١٤)، وأبو نعيم في «الحلية» (٦/ ١٩٠) كلاهما من طريق عبد الرحمن بن عمرو بن جبلة، ثنا سلام بن أبي مطيع، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ: «المستشار مؤتمن» .\nقال أبو نعيم: غريب من حديث سلام، لم نكتبه عاليا إلا من هذا الوجه، وذكره الهيثمي في «المجمع» (٨/ ١٠٠) وقال: وفيه عبد الرحمن بن عمرو بن جبلة، وهو متروك.\nحديث أبي الهيثم بن التيهان: أخرجه ابن الجوزي في «العلل المتناهية» (٢/ ٧٤٧) رقم: (١٢٤٧) من طريق محمد بن جامع العطار، حدثنا عبد الحكيم بن منصور، نا عبد الملك بن عمير، عن أبي سلمة، عن أبي الهيثم بن التيهان مرفوعا، وقال ابن الجوزي: وهذا لا يثبت، ولا يصح، أما عبد الحكيم فقال يحيى: كذاب، وقال الرازي: لا يكتب حديثه، وأما محمد بن جامع، فقد ضعفوه.\nوذكره الهيثمي في «المجمع» (٨/ ١٠٠)، وقال: رواه الطبراني من طريق جده عبد الرحمن بن محمد بن زيد، ولم أعرفهما، وبقية رجاله ثقات.\nحديث عمر بن الخطاب: أخرجه الخطيب في «تاريخ بغداد» (٩/ ٦٠- ٦١)، ومن طريقه ابن الجوزي في «العلل المتناهية» (٢/ ٧٤٦) من طريق محمد بن سليمان قال: حدثني حزام بن هشام قال: سمعت أبي يقول: سمعت عمر بن الخطاب يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «المستشار مؤتمن» .\nقال ابن الجوزي: هذا حديث لا يثبت، كان الحميدي يتكلم في محمد بن سليمان، وضعفه النسائي، وقال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابع لا في إسناده ولا في متنه.\nحديث ابن عباس: أخرجه القضاعي في «مسند الشهاب» (١/ ٣٩) رقم: (٥)، وذكره الهيثمي في «المجمع» (٨/ ٩٩)، وقال: رواه الطبراني في «الأوسط» وفيه عمرو بن الحصين العقيلي، وهو متروك.\nحديث ابن الزبير: أخرجه البزار (٢/ ٤٢٨- ٤٢٩) رقم: (٢٠٢٧) من طريق أبي عوانة، عن","vol":"3","page":423},{"text":"مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا الموطّئون أَكْنَافًا الَّذِينَ يَأْلَفُونَ وَيُؤْلَفُونَ»، وقوله: «لَعَلَّهُ كَانَ يَتَكَلَّمُ بِمَا لاَ يَعْنِيهِ، وَيَبْخَلُ بِمَا لاَ يُغْنِيهِ»، وقوله: «ذُو الوَجْهَيْنِ لاَ يَكُونُ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا» / وَنَهْيُهُ عَنْ قِيلٍ وَقَالَ، وَكَثْرَةِ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةِ المَالِ، وَمَنْعٍ وَهَاتِ، وَعُقُوقِ الأُمَّهَاتِ، وَوَأْدِ البَنَاتِ «١»، وقوله: «اتق اللَّهَ حَيْثُ كُنْتَ، وأتبع السّيّئة الحسنة تمحها،\n_________\nعبد الملك بن عمير، عن أبي سلمة، عن عبد الله بن الزبير مرفوعا، وقال البزار: لا نعلم أحدا تابع ابن إسحاق على هذه الرواية، وقد اختلفوا على عبد الملك، فرواه غير واحد عن أبي عوانة، عن عبد الملك بن عمير، عن أبي سلمة مرسلا، وروي عن عبد الملك بن عمير، عن أبي هريرة، ورواه الحكم بن منصور، عن عبد الملك، عن أبي سلمة، عن أبي الهيثم بن التيهان، ورواه شريك، عن عبد الملك، عن أبي سلمة، عن أم سلمة، وذكره الهيثمي في «المجمع» (٨/ ٩٩) وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح اهـ.\nقلت: أما المرسل الذي أشار إليه البزار عن أبي سلمة فأخرجه أحمد في «الزهد» ص: (٣٢) .\nحديث أم سلمة: أخرجه الترمذي (٥/ ١١٦) كتاب «الأدب» باب: إن المستشار مؤتمن، حديث (٢٨٢٣)، وأبو يعلى (١٢/ ٣٣٣) رقم: (٦٩٠٦) من طريق داود بن أبي عبد الله، عن ابن جدعان، عن جدته، عن أم سلمة مرفوعا به.\nوقال الترمذي: هذا حديث غريب من حديث أم سلمة. وفي الباب عن علي بن أبي طالب أيضا، والنعمان بن بشير أخرجه الطبراني في «الأوسط» كما في «المجمع» (٨/ ٩٩) وقال الهيثمي: رواه الطبراني في «الأوسط» عن شيخه أحمد بن زهير عن عبد الرحمن بن عتبة الطبري، ولم أعرفهما.\nوحديث النعمان بن بشير: ذكره الهيثمي في «المجمع» (٨/ ١٠٠) وقال: رواه الطبراني وفيه حفص بن سليمان الأسدي، وهو متروك، وحديث: «المستشار مؤتمن»، ذكره السيوطي في «الجامع الصغير» (٦/ ٢٦٨- فيض) رقم: (٩٢٠٠- ٩٢٠١- ٩٢٠٢)، وقد عده متواترا في «الأزهار المتناثرة» رقم: (٥٢) .\nوقال المناوي في «الفيض» (٦/ ٢٦٨): «المستشار مؤتمن» أي: أمين على ما استشير فيه فمن أفضى إلى أخيه بسره، وأمّنه على نفسه، فقد جعله بمحلها، فيجب عليه أنه لا يشير عليه إلا بما يراه صوابا، فإنه كالأمانة للرجل الذي لا يأمن على إيداع ماله إلا ثقة، والسر الذي يكون في إذاعته تلف النفس أولى بألا يجعل إلا عند موثوق به، وفيه حث على ما يحصل به معظم الدين، وهو النصح لله ورسوله وعامة المسلمين وبه يحصل التحابب والائتلاف، وبضده يكون التباغض والاختلاف، قال بعض الكاملين:\nيحتاج الناصح والمشير إلى علم كبير كثير فإنه يحتاج أولا إلى علم الشريعة، وهو العلم العام المتضمن لأحوال الناس، وعلم الزمان وعلم المكان، وعلم الترجيح إذا تقابلت هذه الأمور فيكون ما يصلح الزمان يفسد الحال أو المكان، وهكذا فينظر في الترجيح فيفعل بحسب الأرجح عنده مثاله: أن يضيق الزمن عن فعل أمرين اقتضاهما الحال فيشير بأهمهما، وإذا عرف من حال إنسان بالمخالفة وأنه إذا أرشده لشيء فعل ضده يشير عليه بما لا ينبغي ليفعل ما ينبغي، وهذا يسمى علم السياسة، فإنه يسوس بذلك النفوس الجموحة الشاردة عن طريق مصالحها، فلذلك قالوا: يحتاج المشير والناصح إلى علم، وعقل، وفكر صحيح، ورؤية حسنة، واعتدال مزاج، وتؤدة، وتأنّ، فإن لم تجمع هذه الخصال فخطأه أسرع من إصابته، فلا يشير ولا ينصح، قالوا: وما في مكارم الأخلاق أدق ولا أخفى ولا أعظم من النصيحة.\n(١) تقدم تخريجه.","vol":"3","page":424},{"text":"وَخَالِق النَّاسَ بِخُلُقٍ حسنٍ» «١» و«خَيْرُ الأُمُورِ أَوْسَاطُها»، وقوله: «أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا مَّا، عَسَى أَنْ يَكُونَ بَغِيضَكَ يَوْمًا مَّا»، وقوله: «الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ القِيَامَة»، وقولِهِ في بَعْضِ دعائه: «اللَّهُمَّ، إِنِّي أَسْأَلُكَ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِكَ تَهْدِي بِهَا قَلْبِي، وَتَجْمَعُ بِهَا أَمْرِي، وَتُلِمُّ بِهَا شَعْثِي «٢»، وَتُصْلِحُ بِهَا غَائِبِي، وَتَرْفَعُ بِهَا شَاهِدِي، وتُزَكِّي بِهَا عَمَلِي، وَتُلْهِمُنِي بِهَا رَشَدِي، وَتُرَدُّ بِهَا أُلْفَتِي، وَتَعْصِمُنِي بِهَا مِنْ كُلِّ سُوءٍ، اللَّهُمَّ، إِنِّي أَسْأَلُكَ الفَوْزَ فِي القَضَاءِ، وَنُزُلَ الشُّهَدَاءِ، وَعَيْشَ السُّعَدَاءِ، وَالنَّصْرَ عَلَى الأَعْدَاءِ»، إِلى غَيْرِ ذلكَ مِنْ بيانِهِ، وحُسْنِ كلامه ممَّا روته الكافَّة مما لا يُقَاسُ به غيره، وحاز فيه سبقًا لا يُقْدَرُ قَدْرُهُ كقوله:\n«السَّعَيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ، والشَّقِيُّ مَنْ شَقِيَ في بَطْنِ أُمِّهِ» في أخواتها مما يدرك الناظِرُ العَجَبَ في مضمَّنها، ويذهَبُ به الفكْرُ في أداني حكمها، وقال ﷺ: «بَيْدَ أَنِّي مِنْ قُرَيْشٍ، وَنَشَأْتُ فِي بَنِي سَعْدٍ»، فجمع اللَّه له بذلك قُوَّة عارضَةِ الباديةِ وجزالَتَهَا، وَنَصَاعَةَ ألفاظِ الحاضِرَةِ وَرَوْنَقَ كلامِهَا، إِلى التأييد الإلهي الذي مَدَدُهُ الوَحْي، الذي لا يحيطُ بعلمه بَشَرِيّ. انتهى. وبالجملة فليس بَعْدَ بيان اللَّه ورسُولِهِ بيانٌ لمن عَمَّر اللَّهُ قلْبَه بالإِيمان.\nوقوله سبحانه: أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ ... الآية: تهديدٌ لكفَّار مكَّة ونَصْبُ السيئات ب مَكَرُوا وعُدِّيَ مَكَرُوا لأنه في معنى عملوا، قال البخاريُّ: قال ابن عباس: فِي تَقَلُّبِهِمْ، أي: في اختلافهم «٣» انتهى.\nوقال المهدويُّ: قال قتادة: فِي تَقَلُّبِهِمْ: في أسفارهم «٤»، الضَّحَّاك: فِي تَقَلُّبِهِمْ: باللْيلِ انتهى.\nوقوله: عَلى تَخَوُّفٍ، على جهة التخُّوف، والتخُّوفُ التنقُّص، وروي أن عمر بن الخطَّاب ﵁ خَفِيَ عليه معنى التخُّوف في هذه الآية، وأراد الكَتْبَ إلى الأمصار يسأل عن ذلك، فيروَى أنه جاءه فَتًى مِن العرب، فقال: يا أمير المؤمِنِين، إِنَّ أَبي يتخَّوفُنِي مَالي، فقَالَ عُمَرُ: اللَّهُ أَكْبَرُ! أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ «٥»، ومنه قول النابغة: [الطويل]\n_________\n(١) تقدم تخريجه.\n(٢) أي: تجمع بها ما تفرق من أمري.\nينظر: «النهاية» (٢/ ٤٧٨) .\n(٣) أخرجه الطبري (٧/ ٥٩٠) برقم: (٢١٦١٣)، وذكره البغوي (٣/ ٧٠)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٢٢٣)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم.\n(٤) أخرجه الطبري (٧/ ٥٩٠) برقم: (٢١٦١٥)، وذكره ابن كثير في «تفسيره» (٢/ ٥٧١)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٢٢٣)، وعزاه لعبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٥) أخرجه الطبري (٧/ ٥٩١) برقم: (٨/ ٢١٦) بنحوه، وذكره ابن عطية (٣/ ٣٩٦)، والسيوطي في «الدر","vol":"3","page":425},{"text":"تَخَّوَفَهُمْ حَتَّى أَذَلَّ سَرَاتَهُمْ ... بِطَعْنِ ضِرَارٍ بَعْدَ فَتْحِ الصَّفائِحِ «١»\nوهذا التنقُّص يتَّجه به الوعيدُ على معنيين:\nأحدهما: أن يهلكهم ويخرج أرواحهم على تخَّوف، أي: أفذاذًا يتنقَّصهم بذلك الشيءَ بعد الشيءِ، ويصيِّرهم إِلى ما أعدَّ لهم من العذاب، وفي هذه الرتبةِ الثالثة مِنَ الوعيدِ رأْفَةٌ ورحمةٌ وإِمهال ليتوبَ التائِبُ، ويرجِعَ الرَّاجع، والثاني: ما قاله الضَّحَّاك: أنْ يأخذ بالعذابِ طائفةً أو قريةً، ويترك أخرى، ثم كذلك حتَّى يَهْلِكَ الكُلُّ «٢» .\nوقالت فرقة: «التخُّوف» هنا: من الخْوف، أي: فيأخذهم بعد تخُّوف ينالهم/ يعذّبهم به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-766>[سورة النحل (١٦): الآيات ٤٨ الى ٥٣]</span>\nأَوَلَمْ يَرَوْا إِلى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ داخِرُونَ (٤٨) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ (٥٠) وَقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٥١) وَلَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ واصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ (٥٢)\nوَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ (٥٣)\nوقوله سبحانه: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ ... الآية: قوله: مِنْ شَيْءٍ لفظٌ عامٌّ في كلِّ شخصٍ وجرْمٍ له ظلٌّ كالجبال والشجر وغير ذلك، وفَاءَ الظِّلُّ رجَعَ، ولا يقالُ: الفيء إلاَّ مِنْ بعد الزوال في مشهور كلام العرب، لكنْ هذه الآية:\nالاعتبار فيها من أول النَّهار إلى آخره فكأنَّ الآية جاريةٌ في بعْضٍ على تجوُّز كلام العرب واقتضائه، والرؤية، هنا: رؤيةُ القَلْبُ ولكنَّ الاعتبار برؤية القلب هنا إنما تكون في مرئيّات بالعين، وعَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ هنا: فيه تجوُّز وآتساعٌ، وذكَرَ «٣» الطبريُّ عن الضَّحِّاك، قال: إذا زالَتِ الشمْسُ، سَجَدَ كلّ شيء قِبَلَ القبْلة من نَبْت أو شجر «٤» ولذلك كان الصالحُونَ يستحبُّون الصلاة في ذلك الوقت. قال الداوديّ: وعن النبيّ ﷺ قال: «أربع\n_________\nالمنثور» (٤/ ٢٢٣)، وعزاه لابن أبي حاتم.\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٣٩٦) .\n(٢) أخرجه الطبري (٧/ ٥٩٠) برقم: (٢١٦٢٦)، وذكره البغوي (٣/ ٧٠) بنحوه، وابن كثير في «تفسيره» (٢/ ٥٧١) بنحوه، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٢٢٣)، وعزاه لابن جرير وابن أبي حاتم.\n(٣) ينظر: «تفسير الطبري» (٧/ ٥٩٣) .\n(٤) أخرجه الطبري (٧/ ٥٩٣) برقم: (٢١٣٤)، وذكره ابن عطية (٣/ ٣٩٨)، وابن كثير في «تفسيره» (٢/ ٥٧٢)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٢٢٤)، وعزاه لابن جرير وابن أبي حاتم، عن الضحاك. [.....]","vol":"3","page":426},{"text":"قَبْلَ الظُّهْرِ بَعْدَ الزَّوَال تُحْسَبُ بِمِثْلِهِنَّ في صَلاَةِ السَّحَرِ»، قَالَ: «وَلَيْسَ شَيْءٌ إِلاَّ يُسَبِّحُ لله تلك السّاعة»، وقرأ: يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ ... «١» الآية كلُّها. انتهى «٢» . و«الدَّاخر»: المتصاغر المتواضع.\nوقوله سبحانه: يَخافُونَ رَبَّهُمْ: عامٌّ لجميع الحيوان، ومِنْ فَوْقِهِمْ: يريد:\nفوقية القَدْر والعَظَمة والقَهْر.\nوقوله سبحانه: وَلَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ: السَّماواتِ هنا: كلُّ ما ارتفع مِنَ الخلق من جهة فَوْقُ، فيدخل في ذلك العرشُ والكرسيُّ وغيرهما، والدِّينُ: الطاعة والمُلْك، و«الواصب»: الدائم قاله ابن عباس «٣» .\nثم ذكَّر سبحانه بِنِعَمِهِ، ثم ذَكَّر بأوقاتِ المَرَضِ، والتجاء العِباد إِليه سبحانه، و«الضُّرُّ»، وإِن كان يعمُّ كل مكروه، فأكثرُ ما يجيء عن أرزاء البدن، وتَجْئَرُونَ معناه:\nترفعون أصواتكم باستغاثة وتضرّع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-767>[سورة النحل (١٦): الآيات ٥٤ الى ٥٦]</span>\nثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤) لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٥٥) وَيَجْعَلُونَ لِما لاَ يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْناهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ (٥٦)\nثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ: الفريق، هنا: يراد به المشْرِكُون الذين يَرَوْن أن للأصنام أفعالًا من شفاء المرضَى، وجَلْبِ النفعِ، ودفعِ الضرِّ، فهم إِذا شفاهم اللَّهُ، عظَّموا أصنامهم، وأضافوا ذلك الشفاءَ إِليها.\nوقوله سبحانه: لِيَكْفُرُوا: يجوز أنْ تكون اللامُ لامَ الصيرورةِ، ويجوز أن تكونَ لام أمْرٍ على معنى التهديد.\nوقوله: بِما آتَيْناهُمْ: أي: بما أنعمنا عليهم.\n_________\n(١) أخرجه الترمذي (٥/ ٢٩٩) كتاب «التفسير» باب: ومن سورة النحل، حديث (٣١٢٨) من حديث عمر، وقال الترمذي: هذا حديث غريب.\n(٢) أخرجه الترمذي (٥/ ٢٩٩) كتاب «التفسير» باب: ومن سورة النحل، حديث (٣١٢٨) من طريق علي بن عاصم، عن يحيى البكاء، حدثني عبد الله بن عمر، عن عمر بن الخطاب به.\nوقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث علي بن عاصم.\nوذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٢٢٤)، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وأبي الشيخ.\n(٣) أخرجه الطبري (٧/ ٥٩٥) برقم: (٢١٦٤٢)، وذكره ابن عطية (٣/ ٤٠٠)، وابن كثير في «تفسيره» (٢/ ٥٧٢)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٢٢٥)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.","vol":"3","page":427},{"text":"وقوله سبحانه: وَيَجْعَلُونَ لِما لاَ يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْناهُمْ: أي: لما لا يعلمون له حُجَّةً، ولا برهانًا، ويحتمل أن يريد بنفي العِلْم الأصنامَ، أي: لجماداتٍ لا تعلم شيئًا نصيبًا، و«النصيب» المشار إِليه هو ما كانت العرب سنّته من الذبحِ لأصنامها، والقَسْمِ من الغَلاَّتِ وغيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-768>[سورة النحل (١٦): الآيات ٥٧ الى ٥٩]</span>\nوَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ (٥٧) وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ (٥٩)\nوقوله سبحانه: وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ ... الآية: تعديدٌ لقبائحِ الكَفَرة في قولهم: «الملائكةُ بناتُ اللَّه»، تعالَى اللَّه عن قولهم، والمراد بقوله: وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ، الذُّكْرَانُ من الأولاد.\nوقوله: ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا: عبارة عما/ يعلو وجْهَ المغموم.\nقال ص: «ظَلَّ»: تكون بمعنى «صَارَ»، وبمعنى «أقام نهارًا» على الصفة المسنَدَةِ إِلى اسمها، وتحتمل هنا الوجهين. انتهى، وكَظِيمٌ: بمعنى: كاظمٍ، والمعنى:\nأنه يُخْفي وجْدَه وهمَّه بالأنثى، ومعنى يَتَوارى: يتغيَّب من القومِ، وقرأ «١» الجَحْدَرِيُّ:\n«أَيُمْسِكُهَا أَمْ يَدُسُّها»، وقرأ الجمهور «٢»: «علَى هُونٍ»، وقرأ عاصمٌ الجَحْدَرِيُّ «٣»: «عَلَى هَوَانٍ»، ومعنى الآية: يُدْبِرُ، أيمسِكُ هذه الأنثَى على هوانٍ يتحمَّله، وهمٍّ يتجلَّد له، أمْ يَئِدُها فيدفنُها حيّة، وهو الدسّ في التراب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-769>[سورة النحل (١٦): الآيات ٦٠ الى ٦٢]</span>\nلِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٠) وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَّا تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (٦١) وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ (٦٢)\nوقوله سبحانه: لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ: قالت فرقة: مَثَلُ، في هذه الآية: بمعنى صفة، أي: لهؤلاء صفَةُ السَّوْء وللَّه المثل الأعلى.\n_________\n(١) ينظر: «الشواذ» (٧٧)، و«المحرر الوجيز» (٣/ ٤٠٢)، و«البحر المحيط» (٥/ ٤٨٨)، و«الدر المصون» (٤/ ٣٣٩) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٤٠٢)، و«البحر المحيط» (٥/ ٤٨٨)، و«الدر» (٤/ ٣٣٩) .\n(٣) ينظر: مصادر القراءة السابقة.","vol":"3","page":428},{"text":"قال ع «١»: وهذا لا يضطر إِليه لأنه خروجٌ عن اللَّفْظِ، بل قوله: مَثَلُ على بابه، فلهم على الإِطلاقِ مَثَلُ السوء في كلِّ سوء، ولا غاية أخزى من عذابِ النارِ، وللَّه سبحانه الْمَثَلُ الْأَعْلى على الإِطلاق أيضًا، أي: الكمال المستغْنِي.\nوقوله سبحانه: وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَّا تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ: الضميرُ في «عليها» عائدٌ على الأرض، وتَمَكَّنَ ذلك مع أنه لم يَجْرِ لها ذكر لشهرتها وتمكُّن الإِشارة إِليها، وسمع أبو هريرة رجُلًا يقول: «إِنَّ الظَّالِمَ لاَ يُهْلِكُ إِلاَّ نَفْسَهُ» فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة: بَلَى، إِنَّ اللَّهَ لَيُهْلِكُ الحُبَارَى في وَكْرِهَا هزلًا بذنوب الظّلمة «٢» . و«الأجل المسمَّى» في هذه الآية: هو بحسبِ شَخْصٍ شخصٍ.\nوقوله: مَا يَكْرَهُونَ يريد البنات.\nوقوله سبحانه: وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى: قال مجاهد وقتادة الْحُسْنى: الذُّكُور من الأولاد «٣»، وقالت فرقةٌ: يريد الجنة.\nقال ع «٤»: ويؤيِّده قوله: لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ، وقرأ السبعة «٥» سوَى نافعٍ:\n«مُفْرَطُونَ» - بفتح الراءِ وخِفَّتِها- أي: مُقَدَّمون إِلى النار، وقرأَ نافع: «مُفْرِطُونَ» - بكسر الراء المخفَّفة-، أي: متجاوِزُونَ الحدَّ في معاصي الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-770>[سورة النحل (١٦): الآيات ٦٣ الى ٦٦]</span>\nتَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٦٣) وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٦٤) وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٥) وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خالِصًا سائِغًا لِلشَّارِبِينَ (٦٦)\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٤٠٢) .\n(٢) أخرجه الطبري (٧/ ٦٠١) برقم: (٢١٦٦٩) بنحوه، وذكره البغوي (٣/ ٧٤)، وابن عطية (٣/ ٤٠٣)، وابن كثير (٢/ ٥٧٣)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٢٢٨)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن أبي الدنيا، والبيهقي في «الشعب» .\n(٣) أخرجه الطبري (٧/ ٦٠٢) برقم: (٢١٦٧٣)، (٢١٦٧٤)، (٢١٦٧٥)، وذكره ابن عطية (٣/ ٤٠٣)، وابن كثير (٢/ ٥٧٤)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٢٢٨)، وعزاه لابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ولعبد الرزاق، وابن المنذر.\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٤٠٣) .\n(٥) ينظر: «السبعة» (٣٧٣)، و«الحجة» (٥/ ٧٣)، و«معاني القراءات» (٢/ ٨٠)، و«إعراب القراءات» (١/ ٣٥٦)، و«شرح الطيبة» (٤/ ٤١٥)، و«العنوان» (١١٨)، و«شرح شعلة» (٤٥٨)، و«حجة القراءات» (٣٩١)، و«إتحاف» (٢/ ١٨٥) .","vol":"3","page":429},{"text":"وقوله سبحانه: تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ ... الآية: هذه آية ضرب مثل لهم بمَنْ سَلَف، في ضِمْنها وعيدٌ لهم، وتأنيس للنبيّ ﷺ، وقوله: فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ: يحتمل أنْ يريد ب الْيَوْمَ يومَ الإِخبار، ويحتملُ أنْ يريد يَوْمَ القيامةِ، أي: وليهم في اليَوْمِ المشهورِ.\nوقوله سبحانه: إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ: لِتُبَيِّنَ: في موضع المفعولِ من أجلِهِ، أي: إلا لأجل البيان، والَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ: لَفْظٌ عامٌّ لأنواعِ كُفْر الكفرة، لكن الإِشارة هنا إِلى تشريكهم الأَصْنَامَ في الإلهية.\nثم أَخَذَ سبحانه يَنصُّ العِبَرَ المؤدِّية إِلى بيان وحدانيته، وعظيمِ قدرَتِهِ، فبدأ بنعمَةِ المَطَرَ التي هِيَ أَبينُ العبر، وهي مِلاَكُ الحياة، وهي في غاية الظهور، لا يخالف فيها عاقل.\nوقوله: مِمَّا فِي بُطُونِهِ: الضمير عائد على الجِنْس، وعلى المذكور، وهذا كثيرٌ.\nوقوله سبحانه: سائِغًا لِلشَّارِبِينَ/ «السائغ»: السَّهْلُ في الشرْبِ اللذيذُ.\nت: وعن ابن عبَّاس، قال: قال النبيّ ﷺ: «مَنْ أَطْعَمَهُ اللَّهُ طَعَامًا، فَلْيَقُلْ:\nاللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ، وَأَطْعِمْنَا خَيْرًا مِنْهُ، وَمَنْ سَقَاهُ اللَّهُ لَبَنًا، فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ، وزدنا منه»، وقال رسول الله ﷺ: «لَيْسَ شَيْءٌ يُجْزِىءُ مَكَانَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ غَيْرُ اللَّبَنِ» «١»، رواه أبو داود والترمذيُّ وابن ماجه، وقال الترمذيُّ، واللفظ له: هذا حديثٌ حسنٌ، انتهى من «السلاح» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-771>[سورة النحل (١٦): الآيات ٦٧ الى ٧٠]</span>\nوَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٦٧) وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٦٩) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٧٠)\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (٢/ ٣٦٥) كتاب «الأشربة» باب: ما يقول إذا شرب اللبن، حديث (٣٧٣٠)، والترمذي (٥/ ٥٠٦- ٥٠٧) كتاب «الدعوات» باب: ما يقول إذا أكل طعاما، حديث (٣٤٥٥)، وفي «الشمائل» برقم: (٢٠٦)، والنسائي في «عمل اليوم والليلة» برقم: (٢٨٦- ٢٨٧)، وأحمد (١/ ٢٢٠، ٢٢٥، ٢٨٤)، من حديث ابن عباس، وقال الترمذي: حديث حسن.","vol":"3","page":430},{"text":"وقوله سبحانه: وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا ... الآية:\n«السَّكَر»: ما يُسْكِرُ هذا هو المشهور في اللغة، قال ابن عباس: نزلَتْ هذه الآية قبل تحريمِ الخَمْرِ «١»، وأراد ب «السَّكَر»: الخمرَ، وب «الرِّزْق الحسن» جميعَ ما يُشْرَبُ ويؤكل حلالًا من هَاتَيْنِ الشجرتَيْن، فالحَسَنُ هنا: الحلال، وقال بهذا القولِ ابنُ جُبَيْر وجماعة «٢» وصحَّح ابنُ العربيِّ «٣» هذا القولِ، ولفظه: والصحيحُ أَنَّ ذلك كان قبل تحريمِ الخَمْرِ، فإِن هذه الآية مكِّيَّة باتفاق العلماء، وتحريمُ الخَمْر مدنيٌّ انتهى من «أحكام القرآن»، وقال مجاهد وغيره: السكر المائعُ من هاتَيْنِ الشجرتَيْنِ، كالخَلِّ، والرّبِّ، والنَّبِيذِ، والرزقُ الحَسَنُ: العنبُ والتمرُ «٤» .\nقال الطبريُّ «٥»: والسّكَر أيضًا في كلام العرب ما يُطْعَم، ورجَّح الطبريُّ هذا القول، ولا مدخَلَ للخَمْر فيه، ولا نَسْخَ في الآية.\nوقوله تعالى: وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ ... الآية: الوحْيُ في كلام العرب:\nإلقاء المعنى من المُوحى إلى الموحى إِليه في خفاءٍ، فمنه الوحْيُ إِلى الأنبياء برسالةِ المَلَكِ، ومنه وَحْيُ الرؤيا، ومنه وَحْيُ الإِلهام، وهو الذي في آيتنا باتفاق من المتأوِّلينِ، والوحْيُ أيضًا بمعنى الأمر كما قال تعالى: بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها [الزلزلة: ٥]، وقد جعل اللَّه بيوتَ النحل في هذه الثلاثة الأنواعِ: إمَّا في الجبالِ وكُوَاها، وإِما في متجوَّفِ الأشجار، وإِما فيما يَعْرِشُ ابنُ آدَمَ من الأَجْبَاحِ والحِيطان، ونحوها، وعرش: معناه: هيّأ، والسبل الطرق، وهي مسالكها في الطيران وغيره، وذُلُلًا: يحتمل أن يكون حالًا من «النحل»، أي: مطيعةً منقادةً، قاله قتادة «٦» . قال ابن زَيْد: فهم يخرجون بالنحل\n_________\n(١) ذكره البغوي (٣/ ٧٥)، وابن عطية (٢/ ٤٠٥)، وابن كثير (٢/ ٥٧٥)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٢٢٨)، وعزاه لعبد الرزاق، والفريابي، وسعيد بن منصور، وأبي داود، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والنحاس، وابن مردويه، والحاكم صححه.\n(٢) أخرجه الطبري (٧/ ٦٠٩) برقم: (٢١٧٠٧)، (٢١٧٠٨)، (٢١٧٠٩)، وذكره البغوي (٣/ ٧٥)، وابن عطية (٣/ ٤١٥)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٢٢٩)، وعزاه للنسائي. [.....]\n(٣) ينظر: «أحكام القرآن» (٣/ ١١٥٣) .\n(٤) أخرجه الطبري (٧/ ٦١١) برقم: (٢١٧٣٧) بنحوه، وذكره البغوي (٣/ ٧٥)، وابن عطية (٣/ ٤٠٥)، وابن كثير (٢/ ٥٧٧) .\n(٥) ينظر: «تفسير الطبري» (٧/ ٦١١) .\n(٦) أخرجه الطبري (٧/ ٦١٣) برقم: (٢١٧٤٨)، وذكره ابن عطية (٣/ ٤٠٦)، وابن كثير (٢/ ٥٧٥)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٢٣٠)، وعزاه لعبد الرزاق، وابن المنذر.","vol":"3","page":431},{"text":"ينتجعون، وهي تتبعهم «١» وقرأ: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعامًا ...\n[يس: ٧١] الآية، ويحتملُ أنْ يكون حالًا من «السُّبُل»، أي: مسَّهلةً مستقيمةً قاله مجاهد «٢»، لا يتوعَّر عليها سبيلٌ تسلُكُه.\nثم ذكر تعالى على جهة تعديد النعمة، والتنبيه على العِبْرة- أمْرَ العَسَل في قوله:\nيَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ، وجمهور الناس على أنَّ العسل يخرُجْ من أفواهِ النَّحْلِ، واختلافُ الألوان في العسل بحسب آختلاف النَّحْلِ والمَرَاعِي، أيُّ والفصول.\nت: قال الهرويُّ: قوله تعالى: يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ، وذلك أنه يستحيلُ في بطونها، ثم تمجُّه من أفواهها انتهى.\nوقوله: فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ الضمير للعَسَل قاله الجمهور: / قال ابن «٣» العربيِّ في «أحكامه» وقد روى الأئمة، واللفظُ للبخاريّ، عن عائشة، قالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّه ﷺ يُحِبُّ الحْلَوَاءَ والعَسَل «٤»، وروى أبو سعيد الخُدْرِيُّ: أنّ رجلا أتى النبيّ ﷺ فَقَالَ: إنَّ أخِي يَشْتَكى بَطْنَهُ فَقَالَ: «اسقه عَسَلًا»، ثم أتَاهُ الثَّانِيَةَ، فَقَالَ: «اسقه عَسَلًا»، ثُمَّ أتاه فَقَالَ:\nفَعَلْتُ فَمَا زَادَهُ ذَلِكَ إِلاَّ استطلاقا، فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ: «صَدَق اللَّهُ وكَذَبَ بَطْنُ أخِيكَ، اسقه عَسَلًا» فسَقَاهُ، فَبَرأ «٥»، وروي أنَّ عوف بنَ مالك الأشْجَعِيَّ مَرِضَ، فقيل له: ألا نُعَالِجُكَ؟\nفَقَالَ: ائتوني بمَاءِ سَمَاءٍ، فإِنَّ اللَّهَ تعالى يقُولُ: وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكًا [ق: ٩]\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٧/ ٦١٣) برقم: (٢١٧٤٩) بنحوه، وذكره ابن عطية (٣/ ٤٠٦)، وابن كثير (٢/ ٥٧٥)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٢٣٠)، وعزاه لابن أبي حاتم.\n(٢) ذكره البغوي (٢/ ٧٦)، وابن عطية (٣/ ٤٠٦) .\n(٣) ينظر: «أحكام القرآن» (٣/ ١١٥٧) .\n(٤) أخرجه البخاري (٩/ ٥٥٧) كتاب «الأطعمة» باب: الحلوى والعسل، حديث (٥٤٣١)، ومسلم (٢/ ١١٠١) كتاب «الطلاق» باب: وجوب الكفارة على من حرم امرأته ولم ينو الطلاق، حديث (٢١/ ١٤٧٤)، وأبو داود (٢/ ٣٦١)، كتاب «الأشربة» باب: في شراب العسل، حديث (٣٧١٥)، والترمذي (٤/ ٢٧٣- ٢٧٤) كتاب «الأطعمة» باب: ما جاء في حب النبي ﷺ الحلواء والعسل، حديث (١٨٣١)، وفي الشمائل (١٦٤)، وابن ماجه (٢/ ١١٠٤) كتاب «الأطعمة» باب: الحلواء، حديث (٣٣٢٣)، والدارمي (٢/ ١٠٧)، وأحمد (٦/ ٥٩) وأبو الشيخ في «أخلاق النبي» ص: (٢٠٣)، والبغوي في «شرح السنة» (٦/ ٨٤- بتحقيقنا)، كلهم من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة به، وقال الترمذي:\nهذا حديث حسن صحيح غريب.\n(٥) أخرجه البخاري (١٠/ ١٣٩) كتاب «الطب» باب: الدواء بالعسل، حديث (٥٦٨٤)، ومسلم (٤/ ١٧٣٦) كتاب «السلام» باب: التداوي بسقي العسل، حديث (٩١/ ٢٢١٧)، وأحمد (٣/ ١٩)، والبيهقي (٩/ ٣٤٤)، وفي «دلائل النبوة» (٦/ ١٦٤)، والبغوي في «شرح السنة» (٦/ ٢٤٩- بتحقيقنا) .","vol":"3","page":432},{"text":"وائتوني بعَسَلٍ فإن اللَّه تعالى يقول: فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ وائتوني بزيت فإن اللَّه تعالى يقولُ: مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ [النور: ٣٥] فجاءوه بذلك كلِّه فخَلَطَهُ جميعًا، ثم شَرِبَهُ، فَبّرأَ انتهى.\nوقوله سبحانه: وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ، وأرذلُ العَمَر الذي تَفْسُدُ فيه الحواسُّ، ويختلُّ العَقْل، وخص ذلك بالرذيَلةِ، وإن كانَتْ حالة الطُّفُولة كذَلِكَ مِنْ حيثُ كانَتْ هذه لا رَجَاءَ معها، وقال بعضُ الناس: أول أرذَلِ العُمُرِ خَمْسٌ وسَبْعُونَ سنةً، روي ذلك عن علي «١» ﵁.\nقال ع «٢»: وهذا في الأغْلَبِ، وهذا لا ينحصرُ إِلى مدَّة معيَّنة، وإِنما هو بحَسَبِ إِنسانٍ إِنسانٍ، ورُبَّ مَنْ يكون ابْنَ خمسينَ سنَةً، وهو في أرذلِ عمره، وربَّ ابن تسعينَ ليس في أرذَلِ عمره، واللامُ في لِكَيْ يشبه أنْ تكون لامَ الصيرورةِ، والمعنى: ليصير أمره بعْدَ العِلْم بالأشياء إلى ألاَّ يعلم شيئًا، وهذه عبارة عن قلَّة علمه، لا أنه لا يعلم شيئا البتّة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-772>[سورة النحل (١٦): الآيات ٧١ الى ٧٤]</span>\nوَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٧١) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (٧٢) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلا يَسْتَطِيعُونَ (٧٣) فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٧٤)\nوقوله سبحانه: وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ إِخبار يُرَادُ به العِبْرة وإِنما هي قاعدةٌ بني المثل عليها، والمَثَل هو أن المفضَّلين لا يصحُّ منهم أن يساهموا مماليكهم فيما أُعْطُوا حتى تستوي أحوالُهم، فإِذا كان هذا في البَشَر، فكيف تنسبون أيها الكَفَرةُ إلى اللَّه أنَّه يسمح بأنْ يشرك في الألوهيَّة الأوثانَ والأصْنَامَ وغيرها ممَّا عُبدَ مِنْ دونه، وهم خَلْقُه ومِلْكُه، هذا تأويلُ الطبريِّ، وحكاه عن ابن عباس «٣» قال المفسِّرون:\nهذه الآية كقوله تعالى: ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٧/ ٦١٥) برقم: (٢١٧٥٦)، وذكره البغوي (٣/ ٧٦)، وابن عطية (٣/ ٤٠٧)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٢٣٢)، وعزاه لابن جرير.\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٤٠٧) .\n(٣) أخرجه الطبري (٧/ ٦١٥- ٦١٦) برقم: (٢١٧٥٧)، وذكره ابن كثير (٢/ ٥٧٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٢٣٢- ٢٣٣)، وعزاه لابن أبي حاتم.","vol":"3","page":433},{"text":"شُرَكاءَ فِي مَا رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ ... الآية [الروم: ٢٨] ثم وقفهم سبحانه على جَحْدهم بنعمته في تنبيهه لهم على مِثْلِ هذا مِنْ مواضِع النظرِ المؤدِّية إلى الإِيمان.\nوقوله سبحانهُ: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا هذه أيضًا آيةُ تعديدِ نِعَم، «والأزواجُ» هنا: الزوجاتُ، وقوله: مِنْ أَنْفُسِكُمْ: يحتملُ أن يريد خِلْقَةَ حوَّاء من نَفْس آدم، وهذا قول قتادة «١» والأَظهَرُ عندي أنْ يريد بقوله مِنْ أَنْفُسِكُمْ، أي: مِنْ نوعكم كقوله: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ [التوبة: ١٢٨]، وال حَفَدَةً: قال ابن عباس:\nهم أولاد البنين «٢» وقال الحسن: هم بَنُوكَ وبَنُوَ بَنِيكَ «٣»، / وقال مجاهد: ال حَفَدَةً الأنصار والأَعْوان «٤» وقيل غير هذا، ولا خلاف أنَّ معنى «الحفْدَ» الخِدْمَةِ والبِرُّ والمشْيُ مسرعًا في الطاعة ومنه في القنوت: «وإِلَيْكَ نَسْعَى ونحْفِدُ»، والحَفَدَانُ أيضًا: خَبَبٌ فوق المَشْي.\nوقوله سبحانه: فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ ... الآية: أي: لا تمثّلوا للَّه الأمثَال، وهو مأخوذٌ من قولك: هذا ضَرِيبُ هَذَا، أي: مثيله، والضّرب: النّوع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-773>[سورة النحل (١٦): الآيات ٧٥ الى ٧٨]</span>\nضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٧٥) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٦) وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٧٧) وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)\nوقوله تعالى: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا الآية: الذي هو مثالٌ في هذه الآية هو\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٧/ ٦١٦) برقم: (٢١٧٦٢)، وذكره ابن عطية (٣/ ٤٠٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٢٣٣)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٢) أخرجه الطبري (٧/ ٦١٩) برقم: (٢١٧٩٧- ٢١٧٩٨)، وذكره البغوي (٣/ ٧٧)، وذكره ابن عطية (٣/ ٤٠٨)، وابن كثير (٢/ ٥٧٧)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٢٣٣)، وعزاه لابن أبي حاتم. [.....]\n(٣) أخرجه الطبري (٧/ ٦١٨) برقم: (٢١٧٨٣)، وذكره ابن عطية (٣/ ٤٠٨)، وابن كثير (٢/ ٥٧٧) بنحوه، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٢٣٤)، وعزاه لابن جرير.\n(٤) أخرجه الطبري (٧/ ٦١٨) برقم: (٢١٧٨٧)، وذكره البغوي (٣/ ٧٧)، وابن عطية (٣/ ٤٠٨)، وابن كثير (٢/ ٥٧٧) .","vol":"3","page":434},{"text":"عَبْدٌ بهذه الصفةِ، مملوكٌ لا يَقْدِرُ على شيء من المال، ولا أمْر نفسه، وإنما هو مُسَخَّرٌ بإرادة سَيِّده، مَدَبَّرٌ، وبإزاء العبْدِ في المثالِ رجُلٌ موسَّعٌ عليه في المال، فهو يتصرَّف فيه بإِرادته، واختلف النَّاس في الذي له المَثَلُ، فقال ابن عباس وقتادة: هو مَثَلُ الكافر والمؤمِنِ «١»، وقال مجاهد والضَّحَّاك: هذا المِثَال والمِثَالُ الآخر الذي بَعْدَه، إِنما هو مثَالٌ للَّهِ تعالى، والأصنامِ، فتلك كالعَبْدِ المملوكِ الذي لا يَقْدِرُ على شيء، واللَّه تعالى تتصرَّف قدرته دون معقب «٢»، وكذلك فَسَّر الزَّجَّاج على نحو قول مجاهد، وهذا التأويلُ أصوبُ لأن الآية تكُونُ من معنى ما قَبْلَها، ومدارُها في تبْيِيِن أمْر اللَّه والردِّ على أمْر الأصنام.\nوقوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ أي: على ظهور الحجَّة.\nوقوله سبحانه: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ ... الآية: هذا مثَلٌ للَّه ﷿ والأصنامِ، فهي كالأبكم الذي لا نُطْقَ له ولا يَقْدِرُ على شيء، «والكلّ» الثقيل المئونة، كما الأصنامُ تحتاجُ إِلى أنْ تُنْقَلَ وتَخْدَمَ ويتعذَّب بها، ثم لا يأتي مِنْ جهتها خَيْرٌ أبدًا، والذي يأمر بالعدلِ هو اللَّه تعالى.\nوقوله تعالى: وَما أَمْرُ السَّاعَةِ ... الآية: المعنى، على ما قاله قتادة وغيره: ما تكونُ الساعةُ وإقامتها في قُدْرة اللَّه تعالى «٣» إِلا أنْ يقول لها: كُنْ، فلو آتَّفَقَ أنْ يقف على ذلك محصِّلٌ من البشر، لكانَتْ من السرعة بحَيْث يشكُّ، هل هي كَلَمْحِ البَصرِ أو هي أقْرَبُ، «ولمح البصر» هو وقوعه على المرئيّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-774>[سورة النحل (١٦): الآيات ٧٩ الى ٨٣]</span>\nأَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللَّهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٧٩) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها أَثاثًا وَمَتاعًا إِلى حِينٍ (٨٠) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْنانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ (٨١) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٨٢) يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ (٨٣)\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٧/ ٦٢٢) برقم: (٢١٨٠٦- ٢١٨٠٧- ٢١٨٠٨)، وذكره ابن عطية (٣/ ٤١٠)، وابن كثير (٢/ ٥٧٨) بنحوه، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٢٣٤)، وعزاه لابن أبي حاتم ولعبد بن حميد.\n(٢) ذكره ابن عطية (٣/ ٤١٠)، وابن كثير (٢/ ٥٧٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٢٣٥)، وعزاه لابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٣) أخرجه الطبري (٧/ ٦٢٤) برقم: (٢١٨١٦) بنحوه، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٢٣٦)، وعزاه لعبد الرزاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.","vol":"3","page":435},{"text":"وقوله سبحانه: أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ ... الاية: «الجوُّ مسافةُ ما بين السماءِ والأرض، وقيل: هو ما يلي الأرض منها، والآيةُ عِبْرةٌ بيِّنة المعنى، تفسيرها تكلف محت، ويَوْمَ ظَعْنِكُمْ معناه رَحِيلكم، والأصواف: للضأنِ، والأوبار:\nللإِبل، والأشعار: للمعز، ولم تكُنْ بلادهم بلادَ قُطْن وَكَّتانٍ، فلذلك اقتصَرَ على هذه، ويحتملُ أنَّ تَرْكَ ذكْر القُطْن والكَتَّانِ والحرير إعراضٌ عن السَّرَف، إذ ملْبَسُ عبادِ اللَّهِ الصالحينَ إِنما هو الصُّوف، قال ابن العربيِّ في «أحكامه» عند قوله تعالى: لَكُمْ فِيها دِفْءٌ [النحل: ٥]: في هذه الآية دليلٌ على لبَاسِ الصُّوفِ، فهو أوَّل ذلك وأولاه، لأنه شِعارُ المتقين، ولباسُ الصالحين، وشَارَةُ الصَّحابة والتابعين، واختيار الزُّهَّاد والعارفين، وإِليه نُسِبَ جماعةٌ من النَّاس «الصُّوفِيَّةُ» لأنه لباسُهم في الغالِبَ انتهى.\n«والأثاث» متاعُ البَيْت، واحِدُها أَثَاثَة هذا قول أبي زَيْد الأنْصَارِيِّ «١» وقال غيره:\n«الأثَاثُ»: جميع أنواعِ المالِ، ولا واحدَ له من لفظه.\nقال ع «٢»: والاشتقاق «٣» يقوي هذا المعنى الأعمَّ لأنَّ حالَ الإِنسان تَكُونُ بالمال أثِيثَةً كما تقول: شَعْرٌ أثيث، ونبات أثيث، إذا كثر والتفّ، والسرابيل: جميعُ ما يُلْبَسُ عَلَى جميع البدنِ، وذكر وقاية الحَرِّ، إِذ هو أمسُّ بتلك البلادِ، والبَرْدُ فيها معدومٌ في الأكثر، وأيضًا: فذكر أحدهما يدلّ على الآخر، وعن عمر ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رسُولَ اللَّهِ ﷺ يقوُلُ: مَنْ لَبِسَ ثَوبًا جَدِيدًا، فَقَالَ: «الحَمْدُ للَّهِ الَّذِي كَسَانِي مَا أُوارِي به عَوْرَتي وأَتَجَمَّلُ بِهِ في حَيَاتي، ثُمَّ عَمَدَ إلى الثَّوْب الَّذِي خَلَقَ، فَتَصَدَّقَ به- كَانَ في كَنَفِ اللَّهِ، وفي حفْظِ اللَّه، وفي سَتْر اللَّهِ حَيًّا ومَيِّتًا «٤»» رواه الترمذيُّ، واللفظُ له، وابنُ ماجَه، والحاكمُ في «المستدرك»، وعن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: «ما اشترى عبد ثوبا\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٣/ ٤١٢) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٤١٢) .\n(٣) الاشتقاق هو: نزع لفظ من آخر بشرط مناسبتهما معنى وتركيبا، ومغايرتهما في الصيغة، وهو يقابل الجمود ويضاده، وقد اختلف النحاة في الأصل الذي يقع فيه الاشتقاق، وهو ينقسم إلى كبير وصغير.\nينظر: «التعريفات» للجرجاني ص: (٣٧) و«معجم المصطلحات النحوية والصرفية» ص: (١١٦) .\n(٤) أخرجه الترمذي (٥/ ٥٥٨) كتاب «الدعوات» باب: (١٠٨)، حديث (٣٥٦٠)، وابن ماجه (٢/ ١١٧٨) كتاب «اللباس» باب: ما يقول الرجل إذا لبس ثوبا جديدا، حديث (٣٥٥٧)، والحاكم (١/ ٥٠٧)، وابن السني في «عمل اليوم والليلة» (٢٦٧) من حديث أبي أمامة.","vol":"3","page":436},{"text":"بِدِينَارٍ أوْ نِصْفِ دِينَار، فحمِدَ اللَّهَ عَلَيْهِ إِلاَّ لَمْ يَبْلُغْ رُكْبَتَيْهِ حَتَّى يغِفْرَ اللَّهُ لَهُ» «١» رواه الحاكمُ في «المستدرك» وقال: هذا الحديث لا أَعلم في إِسناده أحدًا ذكر بجرح. انتهى من «السلاح» . والسرابيل التي تقي البأس: هي الدروعُ ونحوها، ومنه قولُ كَعْبِ بنِ زهيرٍ في المهاجِرِينَ: [البسيط]\nشُمُّ العَرَانِينِ أَبْطَالٌ لبُوسُهُمُ ... مِنْ نَسْجِ دَاوُدَ في الهَيْجَا سَرَابِيلُ «٢»\nوالبأس: مسُّ الحديدِ في الحَرْب، وقرأ الجمهور «٣» «تُسْلِمُونَ» وقرأ ابن عباس «٤»:\n«تَسْلَمُونَ» من السَّلاَمة، فتكون اللفظة مخصوصةً في بأْس الحرْب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-775>[سورة النحل (١٦): الآيات ٨٤ الى ٨٨]</span>\nوَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٨٤) وَإِذا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٥) وَإِذا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ قالُوا رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ (٨٦) وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٨٧) الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهُمْ عَذابًا فَوْقَ الْعَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ (٨٨)\nوقوله سبحانه: وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا أي: شاهدًا على كُفْرهم وإيمانهم، ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ، أي: لا يُؤْذِن لهم في المعذرة، وهذا في موطن دون موطن، ويُسْتَعْتَبُونَ بمعنى: يُعْتِبُونَ تقول: أَعْتَبْتُ الرَّجُلَ، إِذَا كَفَيْتَهُ ما عُتِبَ فيه كما تقول:\nأشْكَيْتُهُ إِذا كَفَيْتَهُ ما شكا.\nوقال قومٌ: معناه: لا يُسْألونَ أنْ يرجعوا عمَّا كانوا عَلْيه في الدنيا.\nوقال الطبريُّ «٥»: معنى يُسْتَعْتَبُونَ يُعْطَوْن الرجوعَ إلى الدنيا فتقع منهم توبةٌ وعمَلٌ.\nت: وهذا هو الراجحُ، وهو الذي تدلُّ عليه الأحاديثُ، وظواهر الآياتِ في غيرِ ما موضع.\n_________\n(١) أخرجه الحاكم (١/ ٥٠٧) .\n(٢) البيت في ديوانه (٢٣) .\nوالعرانين: الأنوف، وتكون أطراف الأنوف، الواحد منها عرنين.\nوالشم: حدة في طرف الأنف مع تشمير.\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٤١٣)، و«البحر المحيط» (٥/ ٥٠٨) .\n(٤) ينظر: «مختصر الشواذ» ص: (٧٧)، و«المحرر الوجيز» (٣/ ٤١٣)، و«البحر المحيط» (٥/ ٥٠٨)، و«الدر المصون» (٤/ ٣٥٣) .\n(٥) ينظر: «تفسير الطبري» (٧/ ٦٣٠) . [.....]","vol":"3","page":437},{"text":"وقوله سبحانه: وَإِذا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ أي: إِذا رأَوْهم بأبصارِهِمْ قالُوا رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا ... الآية، كأنهم أرادوا بهذه المقالة تذنيبَ المَعْبُودين، وقوله سبحانه: فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ ... الآية: الضمير في فَأَلْقَوْا للمعبودينَ أنطقهم اللَّه بتكذيب المُشْركين، وقد قال سبحانه في آية أخرى: فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ ما كُنْتُمْ إِيَّانا تَعْبُدُونَ [يونس: ٢٨] الآية، انظر تفسيرها في سورة يونس وغيرها.\nوقوله: وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ الضمير في أَلْقَوْا هنا عائد على «المشركين»، والسَّلَمَ الاستسلام.\nوقوله تعالى: زِدْناهُمْ عَذابًا فَوْقَ الْعَذابِ ... الآية: رُوِيَ في ذلك عن ابن مسعود، أنَّ اللَّه سبحانَهُ يسلِّط عليهم عَقَارِبَ وحَيَّاتٍ، لها أنيابٌ، كالنَّخْلِ الطِّوال «١»، وقال عَبْيدُ بنُ عُمَيْرٍ: حَيَّات لها أنيابٌ كالنخْلِ «٢» ونحو/ هذا، وروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص: أن لجهنَّمَ سواحِلَ، فيها هذه الحياتُ وهذه العقاربُ، فيفر الكافرون إلى السَّواحلِ، فتلقاهم هذه الحيَّاتُ والعقاربُ فيفرُّونَ منها إِلى النار، فتَتْبَعهم حَتَّى تجد حَرَّ النار، فتَرْجِع «٣» . قال: وهي في أسراب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-776>[سورة النحل (١٦): الآيات ٨٩ الى ٩١]</span>\nوَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنا بِكَ شَهِيدًا عَلى هؤُلاءِ وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩) إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠) وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ (٩١)\nوقوله سبحانه: وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا يعني: رسولَها، ويجوز أن يبعَثَ اللَّه شهودًا من الصَّالحين مع الرسُلِ، وقد قال بعضُ الصحابة: إِذا رأَيْتُ أحدًا على معصية،\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٧/ ٦٣٢) برقم: (٢١٨٤٧- ٢١٨٤٨- ٢١٨٤٩)، وذكره البغوي (٣/ ٨١)، وابن عطية (٣/ ٤١٥)، وابن كثير (٢/ ٥٨١)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٢٣٩)، وعزاه لعبد الرزاق، والفريابي، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وهناد بن السري، وأبو يعلى، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، والبيهقي.\n(٢) أخرجه الطبري (٧/ ٦٣٢) برقم: (٢١٨٥٥)، وذكره ابن عطية (٣/ ٤١٥)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٢٣٩)، وعزاه لابن أبي حاتم.\n(٣) أخرجه الطبري (٧/ ٦٣٣) برقم: (٢١٨٥٦)، وذكره ابن عطية (٣/ ٤١٥)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٢٤٠)، وعزاه لابن جرير.","vol":"3","page":438},{"text":"فانهه، فإن أطاعك، وإِلاَّ كُنْتَ شاهدًا عليه يَوْمَ القيامة.\nوقوله سبحانه: وَجِئْنا بِكَ شَهِيدًا عَلى هؤُلاءِ الإشارة ب «هؤلاء» إلى هذه الأمَّة.\nوقوله ﷿: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ ... الآية: قال ابن مسعود ﵁: أجمعُ آية في كتاب اللَّهِ هذه الآية «١»، وروي عن عثمان بن مظعون ﵁، أنه قال: لما نزلَتْ هذه الآيةُ، قرأْتُها على أبي طالب، فعجب، وقال: يا آل غالب، اتّبعوه تفلحوا فو الله، إِنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ ليأَمرَ بِمَكَارِمِ الأَخْلاَقِ «٢» .\nقال ع «٣»: والعدل فعل كلّ مفروض، والْإِحْسانِ فعل كلّ مندوب إليه، وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى: لفظُ يقتضي صلة الرحِمِ، ويعم جميع إسداء الخير إلى القرابة، والْفَحْشاءِ الزنا قاله ابن عبَّاس «٤» ويتناولَ اللفْظُ سائر المعاصِي التي شِنْعَتُهَا ظاهرة، وَالْمُنْكَرِ أعمُّ منه لأنه يعمُّ جميع المعاصى والرذائلِ، والإذاءات على اختلاف أنواعها، والْبَغْيِ هو إنشاء ظُلْم الإِنسان، والسعاية فيه، وكَفِيلًا معناه: متكفّلا بوفائكم، وباقي الآية بيّن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-777>[سورة النحل (١٦): الآيات ٩٢ الى ٩٣]</span>\nوَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٩٢) وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَلَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٣)\nوقوله سبحانه: وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها ... الآية: شَبَّهت هذه الآيةُ الذي يَحْلِفُ أو يعاهِدُ ويُبْرِمُ عَقْده، بالمرأة تغزِلُ غزْلها وتفتِله مُحْكمًا، ثم تنقُضُ قُوَى ذلك الغَزْلِ، فتحلُّه بعد إبرامه، وأَنْكاثًا نصب على الحال، و«النّكث» النقض، والعربُ تقولُ انْتَكَثَ الحَبْلُ، إِذا انتقضَتْ قواه، و«الدَّخَلُ» الدَّغَل بعينه، وهو الذرائِعُ إِلى الخدع والغدر،\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٧/ ٦٣٥) برقم: (٢١٨٦٨- ٢١٨٦٩) بنحوه، وذكره البغوي (٣/ ٨٢)، وابن عطية (٣/ ٤١٥)، وابن كثير (٢/ ٥٨٢)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٢٤١)، وعزاه لسعيد بن منصور والبخاري، ومحمد بن نصر، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، والبيهقي.\n(٢) ذكره ابن عطية (٣/ ٤١٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٢٤١)، وعزاه لابن النجار من طريق العكلي، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب.\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٤١٦) .\n(٤) أخرجه الطبري (٧/ ٦٣٤) برقم: (٢١٨٦٥)، وذكره البغوي (٣/ ٨٢)، وابن عطية (٣/ ٤١٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٢٤١)، وعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي.","vol":"3","page":439},{"text":"وذلك أن المحلوُفَ له مطمئنٌّ، فيتمكنُ الحالفُ مِنْ ضَرَره بما يريدُ.\nوقوله سبحانه: أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ المعنى: لا تنقضوا الأيمان مِنْ أجْل أنْ تكونَ قبيلةٌ أزَيدَ من قبيلةٍ في العَدَد والعزَّة والقوّة، ويَبْلُوكُمُ أي: يختبركم، والضميرُ في «به» يحتمل أنْ يعود على «الرِّبَا»، أي: أنَّ اللَّه ابتلى عباده بالربا، وطَلَبِ بعضهم الظُّهُورَ على بعضٍ، واختبرهم بذلك ليرى مَنْ يجاهد بنفسِهِ، ممَّن يتَّبِعُ هواها، وباقي الآية وعيدٌ بيوم القيامة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-778>[سورة النحل (١٦): الآيات ٩٤ الى ٩٧]</span>\nوَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٩٤) وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إِنَّما عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩٥) ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٩٦) مَنْ عَمِلَ صالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)\nوقوله سبحانه: وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ ... الآية: «الدَّخَل» كما تقدَّم:\nالغوائلُ والخدائعُ، وكرَّر مبالغةً، قال الثعلبيُّ: قال أبو عُبَيْدة: كلُّ أمْرٍ لم يكنْ صحيحًا فهو دَخَل انتهى.\nوقوله: فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها استعارةٌ للمستقيم الحال يقع في شرٍّ عظيم.\nوقوله سبحانه: وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ... الآية: هذه آية نهي عن الرُّشَا «١»، وأخْذِ الأموال، ثم أخبر تعالى أنَّ ما عنده مِنْ نعيمِ الجنَّة، ومواهب الآخرة خَيْرٌ لمن اتقى وعَلِمَ واهتدى، ثم بيَّن سبحانه/ الفرق بين حال الدنيا، وحال الآخرة، بأنَّ هذه تنفد وتنقضي عن الإنسان، أو ينقضي عَنْها، ومِنَنْ الآخرة باقية دائمة، وصَبَرُوا معناه عن الشهوات وعلى مكاره الطاعاتِ، وهذه إشارةٌ إلى الصبر عن شَهْوَةِ كَسْب المال بالوجوهِ المكْرُوهة.\nواختلف النَّاسُ في معنى «الحياة الطَّيِّبة» فقال ابن عباس: هو الرزق الحلال «٢» وقال\n_________\n(١) «الرشوة»: هي بكسر الراء وضمها والجمع رشا وقد أرشاه من باب عدا و«ارتشى» أخذ الرشوة و«استرشى» في حكم طلب الرشوة عليه، و«أرشاه» أعطاه الرشوة.\nينظر: «تحقيق القضية في الفرق بين الرشوة والهدية» بتحقيقنا (٥/ ٦٥) .\n(٢) أخرجه الطبري (٧/ ٦٤١) برقم: (٢١٨٩٣- ٢١٨٩٤)، وذكره ابن عطية (٣/ ٤١٩)، وذكره ابن كثير (٢/ ٥٨٥)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٢٤٤)، وعزاه لابن أبي حاتم.","vol":"3","page":440},{"text":"الحسن وعلي بن أبي طالب: هي القناعة «١» .\nقال ع «٢»: والذي أقولُ به أنَّ طِيبَ الحياةِ اللازمَ للصالحين إِنما هو بنَشَاطِ نفوسهم ونُبْلها وقُوَّةَ رَجَائِهم، والرَّجَاءُ للنَّفْس أمرٌ مُلِذٌّ، فبهذا تطيب حياتهم، وأنهم احتقروا الدنيا، فزالت همومها عَنْهم، فإِن انَضَافَ إِلى هذا مَالٌ حلالٌ، وصِحَّةٌ أو قناعةٌ، فذلك كمالٌ، وإِلا فالطِّيبُ فيما ذكرناه رَاتِبٌ.\nوقوله سبحانه: وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ الآية: وعْدٌ بنعيمِ الجنَّة.\nقال أبو حَيَّان: وروي عن نافع: «ولَيَجْزِيَنَّهُمْ» بالياء التفاتًا من ضمير المتكَلِّم إِلى ضمير الغَيْبة، وينبغي أنْ يكون على تقدير قسَمٍ ثانٍ لا معطوفًا على «فَلَنُحْيِيَنَّهُ»، فيكون مِنْ عطف جملةٍ قَسَمِيَّة على جملةٍ قَسَمِيَّة، وكلتاهما محذوفةٌ، وليس من عطف جواب، لتغاير الإسناد. انتهى «٣» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-779>[سورة النحل (١٦): الآيات ٩٨ الى ١٠٠]</span>\nفَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠)\nوقوله سبحانه: فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ... الآية: التقدير فإذا أخذُتَ في قراءة القُرآن، والاستعاذةُ ندْب، وعن عطاء أنَّ التعُّوذ واجبٌ «٤»، ولفظ الاستعاذة هو على رتبة هذه الآية، والرجيم: المرْجُوم باللَّعْنة، وهو إبليس ثم أخبر تعالى أنَّ إبليسَ ليس له مَلَكةٌ ولا رياسة، هذا ظاهرُ السُّلْطان عندي في هذه الآية، وذلك أن السلطان إنْ جعلناه الحجَّةَ، فَلَيْسَ لإبليس حجة في الدنيا على أحد لا على مؤمنٍ ولا على كافر، إلا أنْ يتأول متأوِّل: ليس له سلطانٌ يوم القيامة، فيستقيمُ أنْ يكون بمعنى الحُجَّة لأن إبليس له حُجَّة على الكافرين أنَّه دعاهم بغير دَلِيل، فاستجابوا له من قِبَلِ أنفسهم، ويَتَوَلَّوْنَهُ: معناه يجعلونه وليًّا، والضمير في «به» يحتملُ أن يعود على اسم اللَّه ﷿، والظاهر أنه يعودُ على اسْمِ العدوِّ الشيطانِ، بمعنى مِنْ أجله، وبسببه، فكأنه قال: والَّذِينَ هم بسببه مشركون\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٧/ ٦٤٢) برقم: (٢١٩٠١- ٢١٩٠٢)، وذكره البغوي (٣/ ٨٣)، وذكره ابن عطية (٣/ ٤١٩)، وذكره ابن كثير (٢/ ٥٨٥) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٤١٩) .\n(٣) ينظر: «البحر» لأبي حيان (٥/ ٥١٧) .\n(٤) ذكره ابن عطية (٣/ ٤٢٠) وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٢٤٥)، وعزاه لعبد الرزاق في «المصنف»، وابن المنذر.","vol":"3","page":441},{"text":"باللَّه، وهذا الإخبار بأنْ لا سلطانَ للشيطانِ على المؤمنين بَعقِبِ الأَمر بالاستعاذة- يقتضي أنْ الاستعاذةَ تصرْفُ كيده، كأنها متضمِّنة للتوكُّل على الله، والانقطاع إليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-780>[سورة النحل (١٦): الآيات ١٠١ الى ١٠٤]</span>\nوَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٠١) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣) إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٠٤)\nوقوله سبحانه: وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ يعني بهذا التبديل النَّسْخَ، قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ: أي قال كفّار مكّة، ورُوحُ الْقُدُسِ: هو جبريلُ بلا خلاف.\nوقوله سبحانه: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ قال ابن عباس: كان بمكَّة غلامٌ أعجميٌّ لبعض قريشٍ يقال له: «بلعام»، فكان النبيُّ ﷺ يُعلِّمه الإِسلام، ويرُومُهُ عليه، فقال بعضُ الكفَّار هذا يُعلِّم محمَّدًا، وقيل: اسمُ الغلام «جبر»، وقيل: يَسار، وقيل: يَعيش، والأعجميُّ هو الذي لا يتكلَّم بالعربية، وأما العَجَمِيُّ، فقد يتكلَّم بالعربيَّة، ونسبته قائمة «١» .\nوقوله: وَهذا إشارة إلى القرآن والتقدير: وهذا سَرْدُ لسانٍ، أو نطقُ لسان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-781>[سورة النحل (١٦): الآيات ١٠٥ الى ١٠٦]</span>\nإِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ (١٠٥) مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٠٦)\nوقوله/ سبحانه: إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ: بمعنى: إنما يكذب، وهذه مقاومة للذين قالوا للنبيّ ﷺ: إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ [النحل: ١٠١]، ومَنْ في قوله مَنْ كَفَرَ بدلٌ مِنْ قوله: الْكاذِبُونَ، فروي: أن قوله سبحانه: وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ يراد به مِقْيَسُ بنُ ضَبَابَةَ وأشباهه ممَّن كان آمن، ثم ارتد باختياره مِنْ غيرِ إِكراه.\nوقوله سبحانه: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ، أي: كبلالٍ وعمّار بن ياسر وأمّه وخبّاب وصهيب\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٧/ ٦٤٨) برقم: (٢١٩٣٣) بنحوه، وذكره البغوي (٣/ ٨٥)، وذكره ابن عطية (٣/ ٤٢١)، وذكره ابن كثير (٢/ ٥٨٥) بنحوه، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٣٤٧)، وعزاه لابن أبي حاتم، وابن مردويه بسند ضعيف. [.....]","vol":"3","page":442},{"text":"وأشباههم ممَّن كان يُؤْذَى في اللَّه سبحانه، فربَّما سامَحَ بعضُهم بما أراد الكَفَّارُ من القَوْل لِمَا أصابه من تَعْذيبِ الكفرة، فيروى: أنَّ عَمَّار بْنَ ياسِرٍ فعَلَ ذلك «١»، فاستثناه الله في هذه الآية، وبقيَّة الرخْصَةِ عامَّة في الأمرْ بَعْده، ويروى أن عمَّار بنَ ياسر شكا إلى النبيّ ﷺ ما صُنعَ به مِنَ العذاب، وما سَامَحَ به من القول، فقال له النبيّ ﷺ: «كَيْفَ تَجِدُ قَلْبَكَ» قالَ:\nأَجدُهُ مُطْمِئَنًا بالإِيمَانِ، قَالَ: «فأجِبْهُمْ بِلِسَانِكَ فإِنَّهُ لا يَضُرُّكَ، وإِن عادُوا فَعُدْ» «٢» .\nوقوله سبحانه: وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا معناه: انبسط إلى الكفر باختياره.\nت: وقد ذكر ع «٣» هنا نَبَذًا من مسائل الإكراه، تركت ذلك خشية التطويل، وإذ محلّ بسطها كتب الفقه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-782>[سورة النحل (١٦): الآيات ١٠٧ الى ١٠٩]</span>\nذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (١٠٧) أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ (١٠٨) لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٠٩)\nوقوله سبحانه: ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ ... الآية: ذلِكَ إشارةٌ إِلى الغضب، والعَذَاب الذي تُوُعِّدَ به قبل هذه الآية، والضمير في أنهَمَ لَمِنْ شرح بالكُفَرُ صدْرًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-783>[سورة النحل (١٦): الآيات ١١٠ الى ١١١]</span>\nثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٠) يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١١١)\nوقوله سبحانه: ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ... الآية: قال ابنُ\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٧/ ٦٥١) برقم: (٢١٩٤٤- ٢١٩٤٥- ٢١٩٤٦)، وذكره البغوي (٣/ ٨٦)، وذكره ابن عطية (٣/ ٤٢٢- ٤٢٣) بنحوه، وذكره ابن كثير (٢/ ٥٨٧) بنحوه، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٢٤٩)، وعزاه لابن أبي شيبة، وابن المنذر، عن أبي مالك بنحوه.\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٧/ ٦٥١) برقم: (٢١٩٤٦)، والحاكم (٢/ ٣٥٧) من طريق أبي عبيدة بن محمد بن عمار، عن أبيه به.\nوقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، والحديث ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٢٤٨)، وزاد نسبته إلى عبد الرزاق، وابن سعد، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في «الدلائل» .\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٤٢٤) .","vol":"3","page":443},{"text":"إسحاق: نزلَتْ هذه الآية في عَمَّار بنَ ياسِرٍ، وعَيَّاشِ بنِ أبيَ رَبيَعَةَ، والوليدِ بنِ الوليد «١» .\nقال ع: وذِكْرُ عَمَّارٍ في هذا عنْدي غيْرُ قويمٍ، فإنَهُ أرَفَعُ من طبقة هؤلاءِ، وإِنما هؤلاء مَنْ تَابَ ممَّن شرَحَ بالكُفْرِ صدرًا، فتح اللَّه له بابَ التوبة في آخر الآية «٢»، وقال عكرمةُ والحَسَن: نزلَتْ هذه الآية في شَأنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبي سَرْحٍ وأشباهه «٣» فكأنه يقول:\nمِنْ بَعْدِ ما فَتَنَهم الشَّيطانُ، وهذه الآية مدنية بلا خلافٍ، وإِن وجد، فهو ضعيفٌ، وقرأ «٤» الجمهور: «مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا» مبنيًّا للمفعول، وقرأ ابن عامر وحْده: «مَنْ بَعْدِ ما فَتَنُوا» - بفتح الفاء والتاء أي فَتَنُوا أنفسهم، والضمير في بَعْدِها عائدٌ على الفِتْنَةِ، أو على الفَعْلة، أو الهجْرةُ، أو التوبة، والكلامُ يعطيها، وإن لم يَجْر لها ذكْرٌ صريُحُ.\nوقوله: يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ: المعنى لغفورٌ رحيمٌ يوم، «ونَفْس» الأولى: هي النفْسُ المعروفةُ، والثانية هي بمعنى الذَّاتِ.\nت: قال المهدويُّ: يجوز أنْ ينتصب يَوْمَ على تقدير لغَفُورٌ رحيمٌ يَوْمَ، فلا يوقَفُ على رَحِيمٌ.\nوقال ص: يَوْمَ تأتي ظرفٌ منصوبٌ ب رَحِيمٌ أو مفعولٌ به باذكر انتهى، وهذا الأخير أظهر، والله أعلم.\nوقوله سبحانه: وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ، أي: يجازي كلُّ منْ أحْسَن بإحسانه، وكلُّ من أساء بإساءته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-784>[سورة النحل (١٦): الآيات ١١٢ الى ١١٥]</span>\nوَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢) وَلَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ وَهُمْ ظالِمُونَ (١١٣) فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١١٤) إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٥)\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٧/ ٦٥٤) برقم: (٢١٩٥٤)، وذكره ابن عطية (٣/ ٤٢٥)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٢٥١)، وعزاه لابن جرير، عن ابن إسحاق بنحوه.\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٤٢٥) .\n(٣) أخرجه الطبري (٧/ ٦٥٤) برقم: (٢١٩٥٥) بنحوه، وذكره البغوي (٣/ ٨٧)، وذكره ابن عطية (٣/ ٤٢٥)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٢٥٠)، وعزاه لابن جرير.\n(٤) ويكون المعنى على قراءة ابن عامر: أنهم هجروا أوطانهم وقد عرفوا ما في ذلك من الشدة، فيكونون فتنوا أنفسهم.\nينظر: «الحجة» (٥/ ٧٩)، و«معاني القراءات» (٢/ ٨٣)، و«إعراب القراءات» (١/ ٣٦١)، و«العنوان» (١١٨)، و«شرح الطيبة» (٤/ ٤٢٠)، و«شرح شعلة» (٤٦٠)، و«حجة القراءات» (٣٩٤)، و«إتحاف» (٢/ ١٩٠) .","vol":"3","page":444},{"text":"وقوله سبحانه: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً ... الآية: قال ابن عبَّاس: القرية هنا مكَّة، والمراد الضمائر كلِّها في الآيةِ أهْلُ القرية «١»، ويتوجَّه عنْدِي في الآيةُ أنها قُصِدَ بها قريةٌ غير معَّينة جُعِلَتْ مثلًا لمكَّة، على معنى التحذير، لأهلها ولغيرها مِنَ القُرَى إِلى يوم القيامة/ وهو الذي يُفْهَمُ من كلام حَفْصَةَ أمِّ المؤُمنين، و«أَنعَم» جمع نِعْمة.\nوقوله سبحانه: فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ استعاراتٌ، أي: لما باشرهم ذلك، صار كاللِّباس، والضميرُ في جاءَهُمْ لأهل مكَّة، والرسول محمّد ﷺ، والْعَذابُ: الجوعُ وأَمْرُ بَدْرٍ ونحو ذلك، إن كانت الآية مدنيةً، وإن كانَتْ مكِّية، فهو الجوع فقطْ.\nوقوله سبحانه: فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا ... الآية: هذا ابتداءُ كلامٍ آخر، أي: وأنتم أيها المؤمنون، لستُمْ كهذه القريةِ فكُلُوا واشْكُروا اللَّه على تباين حَالِكم، من حال الكَفَرة، وقوله: حَلالًا حالٌ، وقوله: طَيِّبًا: أي مستَلَذًّا إذ فيه ظهورُ النعمةِ، ويحتمل أن يكون «الطَّيْب» بمعنى الحلالِ، كُرِّر مبالغة وتأكيدا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-785>[سورة النحل (١٦): الآيات ١١٦ الى ١١٨]</span>\nوَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٨)\nوقوله سبحانه: وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ ...\nالآية: هذه الآية مخاطَبَةٌ للكفَّار الذينَ حرَّموا البحائر والسَّوائب، قال ابنُ العربيِّ «٢» في «أحكامه» ومعنى الآية: لا تصفوا الأعيان بأنها حلالٌ أو حرامٌ مِنْ قِبَلِ أنفسكم، إِنما المحرِّم والمحلِّل هو اللَّه سبحانه، قال ابن وَهْب: قال مالكٌ لم يَكُنْ مِنْ فُتْيَا النَّاسِ أنْ يقال لَهُمْ:\nهَذَا حَلاَلٌ، وهذا حَرَامٌ، ولكنْ يقول: أَنا أَكْرَهُ هذا، ولَمْ أَكُنْ لأصنَعَ هذا، فكان النّاس\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٧/ ٦٥٥) برقم: (٢١٩٥٦)، وذكره ابن عطية (٣/ ٤٢٦)، وابن كثير في «تفسيره» (٢/ ٥٨٩)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٢٥١)، وعزاه لابن جرير.\n(٢) ينظر: «أحكام القرآن» (٣/ ١١٨٣) .","vol":"3","page":445},{"text":"يطيعون ذلك، ويرضَوْنَه، ومعنى هذا: أنَّ التحليل والتحريمَ إِنما هو للَّه كما تقدم بيانه، فليس لأحدٍ أنْ يصرِّح بهذا في عَيْن من الأعيانِ إلا أنْ يكون الباري تعالى يخبر بذلك عَنْه، وما يؤدِّي إِليه الاجتهادُ أنه حرامٌ يقول فيه: إِني أكْرَهُ كذا، وكذلك كان مَالِكٌ يفعلُ، اقتداء بمن تقدَّم من أهْلِ الفتوى انتهى.\nوقوله: مَتاعٌ قَلِيلٌ إشارةٌ إلى عيشهم في الدنيا، وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بعد ذلك في الآخرة، وقوله: مَا قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِشارةٌ إِلى ما في «سورة الأنعام» من ذي الظُّفَر والشُّحُوم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-786>[سورة النحل (١٦): الآيات ١١٩ الى ١٢٣]</span>\nثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٩) إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَباهُ وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢) ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣)\nوقوله سبحانه: ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ هذه آية تأنيسٍ لجميعِ العالم فهي تتناوَلُ كلَّ كافرٍ وعاصٍ تَابَ من سوءِ حالِهِ، قالتْ فرقة: «الجهالة» هنا: العَمْد، والجهالة عندي في هذا الموضع: ليست ضد العلْم، بل هي تَعَدِّي الطَّوْر ورُكُوب الرأْس. ومنه قوله ﷺ: «أَوْ أَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَليِّ» «١» وقد تقدَّم بيان هذا، وقلَّما يوجَدُ في العصاة مَنْ لم يتقدَّم له علْم بُحَظْر المعصيةِ التي يُوَاقِع.\nوقوله سبحانه: إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ ... الآية: لما كَشَفَ اللَّه فعْلَ اليهودِ وتحكُّمهم في شرعهم بذكْر ما حرَّم عليهم- أراد أنْ يبيِّن بُعْدَهم عن شرْعِ إِبراهيم ﵇، «والأمة»، في اللغة: لفظةٌ مشتركةٌ تقع لِلْحِينِ، وللجَمْعِ الكثير، وللرَّجُل المنفردِ بطريقةٍ وحده، وعلى هذا الوجه سُمِّي إِبراهيم ﵇ أمة، قال مجاهد: سُمِّيَ إِبراهيم أمةً لانفراده بالإِيمان في وقته مدَّةً مَّا «٢»، وفي البخاريِّ أنه قال لِسَارَةَ: «لَيْسَ عَلَى الأرْضِ اليَوْمَ مؤمنٌ غيري وغَيْرُكِ»، وفي البخاريِّ قال ابن مسعود: الأمّة معلّم الخير\n_________\n(١) تقدم تخريجه.\n(٢) أخرجه الطبري (٧/ ٦٦١) برقم: (٢١٩٨٠) بنحوه، وذكره البغوي (٨٩١٣)، وذكره ابن عطية (٣/ ٤٣٠)، وابن كثير في «تفسيره» (٢/ ٥٩١)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٢٥٣)، وعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم.","vol":"3","page":446},{"text":"والقانِتُ «١»: المطيعُ الدائِمُ على العبادَةِ، والحَنِيف: المائلُ إلى الخير والصَّلاح.\n/ وقوله سبحانه: وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً، الآية «الحسنةُ»: لسَانُ الصدق، وإِمامته لجميعِ الخَلْق هذا قول جميع المفسِّرين، وذلك أنَّ كل أمةٍ متشرِّعة، فهي مقرَّة أنَّ إِيمانها إِيمان إِبراهيم، وأنه قُدْوَتُها، وأنه كان على الصواب.\nت: وهذا كلامٌ فيه بعض إِجمالٍ، وقد تقدَّم في غير هذا الموضعِ بيانه، فلا نطوِّل بسَرْده.\nوقوله سبحانه: أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ ... الآية: الملة: الطريقة في عقائد الشّرع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-787>[سورة النحل (١٦): الآيات ١٢٤ الى ١٢٥]</span>\nإِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٢٤) ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)\nوقوله سبحانه: إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ ... الآية: أي: لم يكُنْ من ملَّة إِبراهيم، وإِنما جعل اللَّه فرضًا عاقب به القَوْمَ المُخْتَلِفين فيه قاله ابن زَيْد وذلك أن موسى ﵇ أَمَرَ بَنِي إسرائيل أنْ يجعلوا من الجمعة يومًا مختصًّا بالعبادة، وأمرهم أنْ يكون الجُمُعَةَ، فقال جمهورهم: بلْ يكونُ يَوْمَ السَّبْتِ لأن اللَّه تعالى فَرَغَ فيه من خَلْق مخلوقاته، وقال غيرهم: بَلْ نقبَلُ ما أمَرَ به موسى، فراجَعَهم الجمهورُ، فتابعهم الآخرون، فألزمهم اللَّهُ يَوْمَ السْبتِ إِلزامًا قويًّا، عقوبةً لهم، ثم لم يكُنْ منهم ثبوتٌ، بل عَصَوْا فيه، وتعدَّوْا فأهلكهم «٢»، وورد في الحديث الصحيح، أنَّ اليَهُودَ والنَّصَارَى اختلفوا في اليوم الذي يختصُّ من الجمعة، فأخذ هؤلاء السبْتَ، وأخَذَ هؤلاء الأحدَ، فهدانا اللَّهَ نحْنُ إلى يوم الجمعة، قال ﷺ: «فَهَذَا يَوْمُهُمُ الَّذِي اخْتَلَفوا فِيهِ» «٣» فَلَيْسَ الاختلافُ المذكورُ في الآية هو الاختلافَ في هذا الحديث.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٧/ ٦٥) برقم: (٢١٩٧١)، وذكره البغوي (٣/ ٨٩)، وذكره ابن عطية (٣/ ٤٣٠)، وابن كثير في «تفسيره» (٢/ ٥٩١)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٢٥٣)، وعزاه لعبد الرزاق، والفريابي، وسعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه، والحاكم صححه.\n(٢) ذكره ابن عطية (٣/ ٤٣١) .\n(٣) سيأتي تخريجه. [.....]","vol":"3","page":447},{"text":"ت: يعنى أنَّ الاختلاف المذكورَ في الآيةِ هو بَيْنَ اليهود فيما بينهم، والاختلاف المذكور في الحديثِ الصحيحِ هو فيما بَيْنَ اليهودِ والنصارى.\nوقوله سبحانه: ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ هذه الآيةُ نزلَتْ بمكَّة، أمر ﵇ أنْ يدعو إِلى دينِ اللَّه وشَرْعِهِ بتلطُّف، وهكذا ينبغى أنْ يوعَظَ المسلمون إلى يوم القيامة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-788>[سورة النحل (١٦): الآيات ١٢٦ الى ١٢٨]</span>\nوَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦) وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (١٢٧) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)\nوقوله سبحانه: وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ... الآية: أطبق أهْل التفسير أنَّ هذه الآية مدنيَّة، نزلَتْ في شأن التمثيل بَحْمَزة وغيره في يَوْمِ أحُدِ، ووقع ذلك في «صحيح البخاريّ» وغيره، وقال النبيّ ﷺ: «لَئِنْ أَظْفَرَنِي اللَّهُ بِهِمْ لأُمثِّلَنَّ بِثَلاَثِين» «١» كتاب «النْحَّاس» وغيره: «بِسَبْعِينَ مِنْهُمْ»، فقال الناس: إِنْ ظفرنا، لنفعلَنَّ ولنفعَلنَّ، فنزلَتْ هذه الآية، ثم عزم على النبيّ ﷺ في الصَّبْر عن المجازاة بالتمثيل في القتلى، ويروى أنه ﵇ قَالَ لأصحابه: «أَمَّا أنا فَأصْبِرُ كَمَا أُمِرْتُ، فَمَاذَا تَصْنَعُونَ؟ فَقَالُوا: نَصْبِرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ كما نُدِبْنَا!!!» .\nوقوله: وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ أي بمعونة اللَّهِ وتأييده على ذلك.\nوقوله سبحانه: وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ قيل: الضمير في قوله: عَلَيْهِمْ يعودُ على الكفار، أي: لا تتأسّف على أنْ لم يُسْلِمُوا، وقالتْ فرقة: بل يعودُ على القَتْلى حمزة وأصحابه الذين حَزِنَ عليهم ﷺ والأولُ أصوبُ. وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ قرأ الجمهور «٢»: «في ضَيْقٍ» - بفتح الضاد-، وقرأ ابن كثير بكسر الضاد، وهما لغتان.\nإِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا: أي بالنصْرِ والمعونة، واتَّقَوْا يريد المعاصي، ومُحْسِنُونَ هم الذين يتزيَّدون فيما نُدِبَ إِليه من فِعْلِ الخَيْرِ/ وصلَّى اللَّهُ على سَيِّدنا محمدٍ وآله وصحبه وسلّم تسليما.\n_________\n(١) بهذا اللفظ ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٢٥٥- ٢٥٦)، وعزاه لابن أبي إسحاق، وابن جرير.\n(٢) ينظر: «السبعة» (٣٧٦)، و«الحجة» (٥/ ٨٠)، و«إعراب القراءات» (١/ ٣٦١)، و«معاني القراءات» (٢/ ٨٤)، و«شرح الطيبة» (٤/ ٤٢٠)، و«شرح شعلة» (٤٦٠)، و«العنوان» (١١٨)، و«حجة القراءات» (٣٩٥) و«إتحاف» (٢/ ١٩١) .","vol":"3","page":448},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-789>تفسير سورة الإسراء</span>\nهذه السورة مكّيّة إلا ثلاث آيات، قال ابن مسعود: في «بني إسرائيل»، و«الكهف»:\nإنها من العتاق الأول، وهنّ من تلادي، يريد أنّهنّ من قديم كسبه «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-790>[سورة الإسراء (١٧): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nسُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)\nقوله ﷿: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ: جل العلماء على أن الإسراء كان بشخصه ﷺ، وأنه ركِب البُرَاق من مكَّة، ووصل إِلى بيت المقدس، وصلَّى فيه، وقالتْ عائشة ومعاوية: إِنما أُسْرِي بِرُوحه «٢»، والصحيحُ ما ذهب إليه الجمهورُ، ولو كانتْ منامةً، ما أمكن قريشًا التشنيعُ، ولا فُضِّل أبو بكر بالتصديق، ولا قالَتْ له أمُّ هانىء: لا تحدِّث الناس بهذا، فيكذِّبوك، إِلى غير هذا من الدلائل، وأما قول عائشة فإنها كانت صغيرة، ولا حدثت عن النبيّ ﷺ، وكذلك معاوية.\nقال ابن «٣» العربيِّ: قوله تعالى: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا قال علماؤنا: لو كان للنبيّ ﷺ اسم هو أشرَفُ منه، لسماه اللَّه تعالى به في تلك الحَالةِ العَلِيَّة، وقد قال الأستاذ جمال الإِسلام أبو القاسم عبد الكريم بن هَوَازِنَ: لما رَفَعه اللَّه إِلى حضرته السَّنِيَّةِ وأرقاه فوق الكواكِب العُلْويَّة الزمه اسم العبوديَّة، تواضُعًا وإِجلالًا للألوهية. انتهى من «الأحكام» .\nوسُبْحانَ مصدر معناه: تنزيهًا للَّه، وروى طلحة بن عبيد اللَّه الفَيَّاض أحد العَشَرة، أنه قال للنبيّ ﷺ: ما معنى سبحان اللَّه؟ قال: تَنْزِيهُ اللَّه من كلّ سوء «٤»، وكان\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٤٣٤) .\n(٢) أخرجه الطبري (٨/ ١٦) برقم: (٢٢٠٣٣)، وذكره البغوي، وابن عطية (٣/ ٤٣٤) .\n(٣) ينظر: «أحكام القرآن» (٣/ ١١٩٢) .\n(٤) ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٩٧- ٩٨) . وقال: رواه البزار وفيه عبد الرحمن بن حماد الطلحي، وهو ضعيف بسبب هذا، وغيره.","vol":"3","page":449},{"text":"الإسراء فيما قال مقاتِلٌ وقتادةُ: قبل الهجرة بعامٍ «١»، وقيل: بعام ونصفٍ، والمتحقِّق أن ذلك كان بَعْدَ شَقِّ الصحيفة، وقبل بيعة العقبة، ووقع في «الصحيحين» لشَرِيك بن أبي نَمِرٍ، وَهْمٌ في هذا المعنى فإنه روى حديثَ الإِسراء، فقال فيه: وذلك قبل أنْ يوحى إِليه، ولا خلاف بين المحدِّثين أن هذا وَهْمَ من شريك.\nقال ص: أَسْرى بِعَبْدِهِ بمعنى: سَرَى، وليست همزتُهُ للتعدية، بل ك «سقى وأسقى»، والباء للتعدية، ولَيْلًا ظرفٌ للتأكيد لأن السُّرَى لا يكون لغةً إِلا بليلٍ، وقيل: يعنى به في جوف الليل، فلم يكن إِدْلاجًا ولا ادلاجا انتهى.\nوالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى: بيت المقدس، «والأقصى» البعيدُ، والبركة حولَهُ منْ وجهين:\nأحدهما، النبوَّة والشرائعُ والرسُل الذين كانوا في ذَلِكَ القُطْر، وفي نواحيه.\nوالآخر: النِّعَم من الأشجار والمياه والأرض المفيدة.\nوقوله سبحانه: لِنُرِيَهُ يريد لنري محمَّدًا بعينه آياتنا في السموات والملائكة والجَنَّةَ والسِّدْرةَ وغير ذلك من العجائبِ، مما رآه تلك الليلة، ولا خلاف أنَّ في هذا الإِسراء فُرِضَت الصلواتُ الخمسُ على هذه الأمة.\nوقوله سبحانه: إِنَّهُ هُوَ/ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ وعيد للمكذِّبين بأمر الإِسراء، أي: هو السميع لما تقولون، البصير بأفعالكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-791>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٢ الى ٤]</span>\nوَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (٢) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كانَ عَبْدًا شَكُورًا (٣) وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤)\nوَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ، أي: التوراة.\nوقوله: أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا ... الآية: التقديرُ: فعلنا ذلك لَئِلاَّ تتخذوا يا ذرية ف ذُرِّيَّةَ: منصوب على النداء، وهذه مخاطبة للعالَم، ويتجه نصبُ (ذرِّيَّة) على أنه مفعول ب «تتخذوا»، ويكون المعنى أَلاَّ يتخذوا بشرًا إِلاها من دون الله، وقرأ أبو عمرو «٢»\n_________\n(١) ذكره البغوي (٣/ ٩٢)، وابن عطية (٣/ ٤٣٥)، والسيوطي في «الدر المنثور»، وعزاه لابن مردويه، عَن عَمْرِو بْنِ شُعَيْب، عن أَبِيهِ، عَنْ جده.\n(٢) وحجته أن الفعل قرب من الخبر عن بني إسرائيل، فجعل الفعل مسندا إليهم، والمعنى حينئذ: جعلناه هدى لبني إسرائيل، لئلا يتخذوا من دوني وكيلا.","vol":"3","page":450},{"text":"وحده: «أَلاَّ يَتَّخِذُوا» بالياء، على لفظ الغائب، «والوكيل» هنا من التوكيل، أي: متوكَّلًا عليه في الأمور، فهو ندٌّ للَّه بهذا الوجه، وقال مجاهد: وَكِيلًا: شريكًا «١»، ووصف نوح بالشُّكْر لأنه كان يحمد اللَّه في كل حالٍ، وعلى كل نعمةٍ من المطعم والمشرب والملبس والبراز وغير ذلك ﷺ، قاله سلمانُ الفارسيُّ وغيره «٢»، وقال ابن المبارك في «رقائقه»: أخبرنا ابنُ أبي ذئبٍ عن سعيدٍ المُقْبُرِيِّ عن أبيه عن عبد الله بن سَلاَمٍ: أن موسى ﵇ قال: يا ربِّ، ما الشكْرُ الذي ينبغي لَكَ؟ قَالَ: يَا مُوسَى لا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِي «٣»، انتهى، وقد رُوِّيناه مسندًا عن النبيّ ﷺ أعني قوله: «لاَ يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللَّه» «٤» .\nوقوله سبحانَهُ: وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ ... الآية: قالتْ فرقة: قَضَيْنا معناه:\nفي أم الكتاب.\nقال ع «٥»: وإنما يُلْبِسُ في هذا المكان تعديةُ قَضَيْنا ب «إلى»، وتلخيصُ المعنى عندي: أنَّ هذا الأمر هو مما قضاه اللَّه ﷿ في أمِّ الكتاب على بني إسرائيل،\n_________\nينظر: «السبعة» (٣٧٨)، و«الحجة» (٥/ ٨٣)، و«إعراب القراءات» (١/ ٣٦٣)، و«معاني القراءات» (٢/ ٨٧)، و«شرح الطيبة» (٤/ ٤٢٢)، و«العنوان» (١١٩)، و«شرح شعلة» (٤٦١)، و«حجة القراءات» (٣٩٦)، و«إتحاف» (٢/ ١٩٣) .\n(١) أخرجه الطبري (٨/ ١٧) برقم: (٢٢٠٣٦)، وذكره ابن عطية (٣/ ٤٣٧)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٢٩٤)، وعزاه لابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٢) أخرجه الطبري (٨/ ١٩) برقم: (٢٢٠٤٤)، وذكره ابن عطية (٣/ ٤٣٧)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٢٩٤)، وعزاه للفريابي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والحاكم وصححه، والبيهقي في «شعب الإيمان» .\n(٣) أخرجه ابن المبارك في «الزهد» ص: (٣٣٠) رقم: (٩٤٢) .\n(٤) أخرجه الترمذي (٥/ ٤٥٨) كتاب «الدعوات» باب: ما جاء في فضل الذكر حديث (٣٣٧٥)، وابن ماجه (٢/ ١٢٤٦) كتاب «الأدب» باب: فضل الذكر، حديث (٣٧٩٣)، وابن أبي شيبة (١٠/ ٣٠١) رقم:\n(٥٩٠٢)، وأحمد (٤/ ١٩٠)، وفي «الزهد» ص: (٣٥)، والحاكم (١/ ٤٩٥)، وابن حبان (٢٣١٧- موارد)، وأبو نعيم في «الحلية» (٩/ ٥١)، وابن المبارك في «الزهد» ص: (٣٢٨) رقم: (٩٣٥)، والبيهقي (٣/ ٣٧١) كتاب «الجنائز» باب: طوبى لحسن طال عمره وحسن عمله، كلهم من طريق عمرو بن قيس الكندي، عن عبد الله بن بسر قال: جاء أعرابيان إلى النبي ﷺ فقال أحدهما: يا رسول الله أخبرني بأمر أتشبث به، قال: فذكر الحديث.\nوقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، وصححه ابن حبان.\n(٥) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٤٣٧) . [.....]","vol":"3","page":451},{"text":"وألزمهم إياه، ثم أخبرهم به في التَّوْرَاة على لسان موسى، فلما أراد هنا الإعلام لنا بالأمريْنِ جميعًا في إيجازٍ، جعل قَضَيْنا دالَّة على النفوذ في أم الكتاب، وقَرَن بها «إِلى» دالَّةً على إنزال الخير بذلك إلى بني إسرائيل، والمعنى المقصودُ مفهومٌ خلالَ هذه الألفاظ، ولهذا فسر ابنُ عباس مرةً بأن قال: قَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ، معناه: أعلمناهم «١»، وقال مرّة:\n«قضينا عليهم «٢»»، والْكِتابِ هنا التوراةُ لأن القَسَم في قوله: لَتُفْسِدُنَّ غير متوجِّه مع أنْ نجعل الْكِتابِ هو اللوح المحفوظ.\nوقال ص: وقَضَيْنا: مضمَّنٌ معنى «أوْحَيْنَا» ولذلك تعدَّى ب «إلى»، وأصله أنْ يتعدَّى بنفسه إِلى مفعولٍ واحدٍ كقوله سبحانه: فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ [القصص:\n٢٩] انتهى، وهو حسنٌ موافق لكلام ع، وقوله «ولتعلُنَّ» أي: لتتجبَّرُنَّ، وتطلبون في الأرض العُلوَّ، ومقتضى الآيات أن اللَّه سبحانه أعْلَمَ بني إسرائيل في التوراة، أنه سيقع منهم عصيانٌ وكفرٌ لِنِعمِ اللَّه، وأنه سيرسل عليهم أمةً تغلبهم وتذلُّهم، ثم يرحمهم بعد ذلك، ويجعل لهم الكَرَّة ويردُّهم إلى حالهم من الظهور، ثم تقع منهم أيضًا تلك المعاصِي والقبائِحَ، فيبعث اللَّه تعالى عليهم أمةً أخرى تخرِّب ديارهم، وتقتلُهم، وتجليهم جلاءً، مبرِّحًا، وأعطى الوجودَ بعد ذلك هذا الأمْرَ كلَّه، قيل: كان بين المرتَيْنِ مِائَتَا سنةٍ، وعَشْرُ سنينَ مُلْكًا مؤيّدا بأنبياء، وقيل: سبعون سنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-792>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٥ الى ٨]</span>\nفَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَكانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (٥) ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (٦) إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيرًا (٧) عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيرًا (٨)\nوقوله سبحانه: فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما الضمير في قوله: أُولاهُما عائدٌ/ على قوله مَرَّتَيْنِ، وعبَّر عن الشر ب «الوعد» لأنه قد صرَّح بذكْرِ المعاقبة.\nقال ص: وَعْدُ أُولاهُما، أي: موعود، وهو العقاب، لأن الوعد سبق\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٨/ ٢٠) برقم: (٢٢٠٥١)، وذكره ابن عطية (٣/ ٤٣٧)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٢٩٥)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس ﵄.\n(٢) أخرجه الطبري (٨/ ٢٠) برقم: (٢٢٠٥٢) بنحوه، وذكره ابن عطية (٣/ ٤٣٧)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٢٩٦)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس ﵄.","vol":"3","page":452},{"text":"بذلك، وقيلَ: هو على حذف مضاف، أي وعد عقاب أولاهما. انتهى، وهو معنى ما تقدَّم واختلف الناس في العبيد المبعوثِينَ، وفي صورة الحال اختلافا شديدًا متباعِدًا، عيونُهُ أنَّ بني إِسرائيل عَصَوْا وقتلوا زكريَّاء ﵇، فغزاهُمْ سِنْجارِيبُ مَلِك بابل، قاله ابن إسحاق وابن جَبْير «١» .\nوقال ابن عباس: غزاهُمْ جالوتُ من أهْل الجزيرة «٢»، وقيل: غزاهم بُخْتَ نَصَّرَ، وروي أنه دخل قَبْلُ في جيش من الفرس، وهو خامل يسير في مَطْبَخ الملك، فاطلع مِنْ جور بني إِسرائيل على ما لم تعلمه الفُرْسُ، فَلمَّا انصرف الجيشُ، ذكر ذلك للملك الأعظَمِ، فلما كان بعد مدَّة، جعله الملك رئيسَ جيشٍ، وبعثه فخرَّب بيت المقدس، وقتلهم، وأجلاهم، ثم انصرَفَ، فوجد المَلِكَ قد ماتَ، فمَلَكَ موضعه، واستمرت حاله حتى ملك الأرْضَ بعد ذلك، وقالت فرقة: إنما غزاهم بُخْتَ نَصَّرَ في المرَّة الأخيرة حين عَصَوْا وقتلوا يحيى بن زَكَرِيَّاءَ، وصورة قتله: أن الملك أراد أنْ يتزوج بِنْتَ امرأته، فنهاه يحيى عَنْها، فعزَّ ذلك على امرأته، فزَّينت بنْتَها، وجعَلَتها تسقي المَلِك الخمر، وقالت لها:\nإِذا راوَدَكَ عن نفسك، فتمنَّعي حَتَّى يعطيَكِ المَلِكُ ما تَتَمَنَّيْنَ، فإِذا قال لك: تَمنِّي عَلَيَّ ما أردتِّ، فقولي: رأسَ يحيى بن زكرياء، ففعلَتِ الجارية ذلك، فردَّها الملك مرَّتَيْنِ، وأجابها في الثالثة، فجيء بالرأْسِ في طَسْتٍ، ولسانُهُ يتكلَّم، وهو يقول: لا تحلُّ لك، وجرى دمُ يحيى، فلم ينقطعْ، فجعل الملك عليه التُرابَ، حتى ساوى سور المدينةِ، والدمُ ينبعث، فلما غزاهم المَلِكُ الذي بُعِثَ عليهم بحسب الخِلاَفِ الذي فيه، قَتَلَ منهم على الدمِ سبعين ألْفًا حتى سكَنَ، هذا مقتضى خبرهم، وفي بعض الروايات زيادة ونقصٌ، وقرأ الناس:\n«فَجَاسُوا»، وقرأ أبو السَّمَّال «٣»: بالحاء، وهما بمعنى الغلبةِ والدخولِ قهرًا، وقال مُؤَرِّجٌ:\nجاسوا خلال الأزقّة.\nت قال ص: فَجاسُوا مضارعه يجوس، ومصدره جوس وجوسان،\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٨/ ٢٧) برقم: (٢٢٠٦٨)، وذكره البغوي (٣/ ١٠٦)، وابن عطية (٣/ ٤٣٨)، وابن كثير في «تفسيره» (٣/ ٢٥) .\n(٢) أخرجه الطبري (٨/ ٢٢٧) برقم: (٢٢٠٦٥)، وذكره ابن عطية (٣/ ٤٣٨)، وابن كثير في «تفسيره» (٣/ ٢٥) .\n(٣) ينظر: «المحتسب» (٢/ ١٥)، وقرأ بها طلحة كما في «الكشاف» (٢/ ٦٤٩)، وينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٤٣٩)، و«البحر المحيط» (٦/ ٩)، و«الدر المصون» (٤/ ٣٧٢)، ووقع في «مختصر الشواذ» ص:\n(٧٨)، نسبتها إلى أبي السمال بالحاء والشين «فحاشوا» .","vol":"3","page":453},{"text":"ومعناه: التردّد، وخِلالَ ظرف، أي: وسط الديار انتهى.\nوقوله سبحانه: ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ ... الآية عبارة عما قاله سبحانه لبني إِسرائيل في التوراة، وجعل «رددنا» موضع «نَرُدُّ»، لما كان وعد اللَّه في غاية الثِّقَة، وأنه واقع لا محالة، فعبَّر عن المستقبل بالماضي، وهذه الكرة هي بعد الجولة الأولى، كما وصفْنا، فغَلَبَتْ بنو إِسرائيل على بيت المقدس، وملَكُوا فيه، وحَسُنت حالهم بُرْهةً من الدهْرِ، وأعطاهم اللَّه الأموالَ والأولادَ وجعلَهم إِذا نفروا إِلى أمْرٍ أكثر النَّاس، فلما قال اللَّه: إِني سأفعل بكم هكذا، عقّب بوصيَّتهم في قوله: إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ ... الآية، المعنى: إنكم بعملكم تجازون، ووَعْدُ الْآخِرَةِ معناه: من المرّتين.\n/ وقوله: لِيَسُوؤُا اللام لام أمْرِ، وقيل: المعنى: بعثناهم، ليسوؤوا وليدخلوا، فهي لام كْيِ كلّها، والضمير للعباد أولي البأس الشديد، والْمَسْجِدَ مسجد بيت المقدس، «وتَبَّر» معناه: أفسد بغشمٍ وركوب رأْس.\nوقوله: مَا عَلَوْا، أي: ما علوا عليه من الأقطار، وملكوه من البلاد، وقيل: «ما» ظرفية، والمعنى مدة علوهم وغلبتهم على البلاد.\nوقوله سبحانه: عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ ... الآية: يقول اللَّه ﷿ لبقية بني إِسرائيل: عسى ربكم إِن أطعتم في أنفسكم واستقمتم أنْ يرحمكم، وهذه العِدَةُ ليست برجوعِ دولةٍ، وإِنما هي بأنْ يرحم المطيع منهم، وكان من الطاعة اتباعهم لعيسى ومحمَّد ﵉، فلم يفعلوا، وعادوا إلى الكفر والمعصية، فعاد عقابُ اللَّه عليهم بِضَرْبِ الذَّلة عليهم، وقتلِهمْ وإذلالِهمْ بِيَدِ كلِّ أمة، و«الحصير»: من الحَصْر بمعنى السَّجْن، وبنحو هذا فسَّره مجاهد وغيره «١»، وقال الحسن: «الحصير» في الآية: أراد به ما يفترشُ ويُبْسَطُ كالحصير المعروف عند الناس «٢» .\nقال ع «٣»: وذلك الحصيرُ أيضا هو مأخوذ من الحصر.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٨/ ٤٢) برقم: (٢٢١٠٦)، ذكره ابن عطية (٣/ ٤٤٠)، وابن كثير في «تفسيره» (٣/ ٢٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٣٠٠)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٢) أخرجه الطبري (٨/ ٤٢) برقم: (٢٢١٠٩)، وذكره البغوي (٣/ ١٠٧)، وابن عطية (٣/ ٤٤٠)، وابن كثير في «تفسيره» (٣/ ٢٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٣٠٠)، وعزاه لعبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٤٤٠) .","vol":"3","page":454},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-793>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٩ الى ١٠]</span>\nإِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (٩) وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابًا أَلِيمًا (١٠)\nوقوله سبحانه: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ... الآية: يَهْدِي، في هذه الآية بمعنى يرشدُ، ويتوجَّه فيها أن تكون بمعنى «يدعو» و«التي» يريد بها الحالَةَ والطريقةَ، وقالتْ فرقة: «التي هي أقوم»: لا إله إِلا اللَّه، والأول أعمُّ، «والأجر الكبير» الجنة وكذلك حيثُ وقع في كتاب اللَّه فضْلُ كبير، وأجرٌ كبيرٌ، فهو الجنة، قال البَاجِيُّ قال ابنُ وَهْبٍ: سمعتُ مالكًا يقول: إِن استطعت أن تجعل القرآن إِمامًا، فافعلْ، فهو الإِمام الذي يهدي إِلى الجَنَّة. قال أبو سليمان الدارانيُّ: ربَّما أقَمْتُ في الآية الواحدةِ خَمْسَ ليالٍ، ولولا أني أدَعُ التفكُّر فيها، ما جزتها، وقال: إنما يُؤتَى على أحدكم من أنه إِذا ابتدأ السورة، أراد آخرها. قال الباجيُّ. وروى ابن لبابة عن العتبي عن سُحْنُون أنه رأى عبد الرحمن بن القاسم في النومِ، فقال له: ما فعلَ اللَّهُ بك؟ قال: وَجَدتُّ عنده ما أَحْبَبْتُ! قال له: فأي أعمالِكَ وجدتَّ أفضلَ؟ قال: تلاوة القرآن، قال: قلتُ له:\nفالمسائلُ، فكان يشير بأصبعه كأنه يلشيها، فكنت أسأله عن ابن وَهْب، فيقول لي: هو في عِلِّيِّينَ. انتهى من «سنن الصالحين» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-794>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ١١ الى ١٢]</span>\nوَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا (١١) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا (١٢)\nوقوله سبحانه: وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا: سقطت الواوُ من يَدْعُ في خطِّ المصحف «١» .\nقال ابن عباس وقتادة ومجاهد: هذه الآية نزلَتْ ذامَّة لما يفعله الناس من الدعاء على أموالهم في وقت الغَضَبَ والضَّجَر، فأخبر سبحانه أنهم يدْعُون بالشرِّ في ذلك الوقتِ، كما يدعون بالخير في وقت التثبُّت، فلو أجاب اللَّه دعاءهم، أهلكهم، لكَّنه سبحانه يصفَحُ ولا يجيبُ دعاء الضَّجر المستعجل «٢»، ثم عَذَرَ سبحانه بعض العُذْرَ في أن الإنسان له عجلة\n_________\n(١) قال الشيخ البنا: «واتفقوا على كتابة «ويدع الإنسان» بحذف الواو» . ينظر: «إتحاف فضلاء البشر» (٢/ ٢٠٧) .\n(٢) أخرجه الطبري (٨/ ٤٤) برقم: (٢٢١١٢)، وذكره ابن عطية (٣/ ٤٤١)، وابن كثير في «تفسيره» (٣/ ٢٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٣٠١)، وعزاه لابن جرير.","vol":"3","page":455},{"text":"فطرية، والْإِنْسانُ هنا: يراد به/ الجنْس قاله مجاهد وغيره «١» .\nوقال ابن عباس وسليمان: الإِشارة إِلى آدم لما نفخ الرَّوح في رأسه، عَطَس وأبصر، فلما مشى الرُّوح في بدنه قبل ساقيه، أعجبته نفسه، فذهب ليمشي مستعجلًا لذلك «٢»، فلم يقدر، والمعنى على هذا فأنتم ذَوُوا عجَلةٍ موروثةٍ من أبيكم، وقالت فرقة: معنى الآية:\nمعاتبة الناس في دعائهم بالشرِّ مكانَ ما يجبُ أنْ يدعوه بالخير.\nت: قول هذه الفرقة نقله ع «٣» غير ملخَّص، فأنا لخَّصته.\nوقوله سبحانه: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ ... الآية هنا العلامةُ المنْصُوبة للنَّظَر والعبرة.\nوقوله سبحانه: فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ قالتْ فيه فرقة: سببُ تعقيب الفاء أن اللَّه تعالى خَلَق الشمْسَ والقَمَر مضيئَيْنِ، فمحا بعد ذلك القَمَرَ، محاه جبريلُ بجناحه ثلاثَ مرَّات، فمِنْ هنالك كَلَفُهُ، وقالت فرقة: إِن قوله: فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ إِنما يريدُ في أصْلِ خلقته، وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً، أي: يُبْصَرُ بها ومعها، ليبتغي الناس الرزَقَ وَفَضْلَ اللَّهِ، وجعَلَ سبحانه القمَرَ مخالفًا لحالِ الشمْسِ ليعلم به العدَدُ من السنينَ والحسابُ للأشهرِ والأيامِ، ومعرفةُ ذلك في الشرْعِ إِنما هو من جهة القمرِ، لا من جهة الشمس، وحكى عياضٌ في «المدارك» في ترجمة الغازي بن قَيْس قال: روي عن الغازي بن قَيْس أنه كان يقول: ما مِنْ يومٍ يأتي إِلاَّ ويقولُ: أَنَا خَلْقٌ جَدِيد، وعَلَى مَا يُفْعَلُ فيَّ شَهِيد، فَخُذُوا مِنِّي قَبْلَ أنْ أَبِيد، فإِذا أمْسى ذلك اليومُ، خَرَّ للَّهِ ساجِدًا، وقال: الحَمْدُ للَّهِ الَّذِي لَمْ يَجْعَلنِي الَيْوَم العَقيم. انتهى. «والتفصيل» البيان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-795>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ١٣ الى ١٥]</span>\nوَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤) مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)\nوقوله سبحانه: وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ قال ابن عباس: طائِرَهُ ما قدّر له\n_________\n(١) ذكره الطبري (٨/ ٤٥)، وذكره ابن عطية (٣/ ٤٤١) .\n(٢) أخرجه الطبري (٨/ ٤٥) برقم: (٢٢١١٧)، وذكره ابن عطية (٣/ ٤٤١)، وابن كثير في «تفسيره» (٣/ ٢٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٣٠١)، وعزاه لابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن المنذر، وابن عساكر.\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٤٤١) .","vol":"3","page":456},{"text":"وعليه «١»، وخاطب اللَّه العربَ في هذه الآية بما تَعْرِف، وذلك أنه كان مِنْ عادتها التيمُّنُ والتشاؤم بالطَّيْر في كونها سانحةً وبارحةً، وكَثُر ذلك حتَّى فعلته بالظِّباء وحيوانِ الفَلاَ، وسمَّت ذلك كلَّه تَطَيُّرًا، وكانتْ تعتقدُ أنَّ تلك الطِّيَرَةَ قاضية بما يلقي الإِنسان من خيرٍ وشرٍّ، فأخبرهم اللَّه تعالى في هذه الآية بأوجز لفظٍ، وأبلغِ إشارةٍ، أن جميع ما يلقى الإنسانُ من خير وشر قد سَبَقَ به القضاء، وألزم حظه وعمله وتكسُّبه في عنقه، وذلك في قوله ﷿: وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ، فعَّبر عن الحظِّ والعمل إِذ هما متلازمانِ، بالطائر قاله مجاهد وقتادة «٢»، بحسب معتقد العرب في التطيُّرِ، وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنْشُورًا: هذا الكتابُ هو عمل الإِنسان وخطيئاته، اقْرَأْ كِتابَكَ أي: يقال له:\nاقرأ كتابك، وأسند الطبريُّ عن الحسن، أنه قال: يا ابن آدم بُسِطَتْ لك صحيفةُ، ووُكِلَ بك مَلَكَانِ كريمانِ أحدهما عن يمينِكَ يكتُبُ حسناتِكَ، والآخر عن شمالِكَ يحفظُ سيئاتكَ، فأَمْلِلْ ما شئْتَ وأقلِلْ أو أكِثْر حتَّى إِذا مُتَّ طُوِيَتْ صحيفتُكَ فجعلَتْ في عنقك معَكَ في قَبْرك حتى تَخْرُجَ لك/ يوم القيامة كتابًا تلقاه منشورًا اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا قد عَدَلَ واللَّه فيكَ، مَنْ جعلك حسيبَ نَفْسك «٣» .\nقال ع «٤» فعلى هذه الألفاظِ التي ذكر الحسنُ يكون الطائرُ ما يتحصَّل مع ابْنِ آدم من عمله في قَبْره، فتأمَّل لفظه، وهذا قول ابن عباس «٥»، وقال قتادة في قوله: اقرأ كتابك:\nإِنه سيقرأ يومئذ من لم يكن يقرأ «٦» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-796>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ١٦ الى ٢٠]</span>\nوَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيرًا (١٦) وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (١٧) مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨) وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩) كُلًاّ نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (٢٠)\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٨/ ٤٧) برقم: (٢٢١٣٣)، وذكره البغوي (٣/ ١٠٨)، وذكره ابن عطية (٣/ ٤٤٢)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٣٠٣)، وعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم. [.....]\n(٢) أخرجه الطبري (٨/ ٤٧) برقم: (٢٢١٣٣)، وذكره البغوي (٣/ ١٠٨)، وابن عطية (٣/ ٤٤٢)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٣٠٣)، وعزاه لأبي داود في كتاب «القدر»، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٣) ذكره البغوي (٣/ ١٠٨)، وذكره ابن عطية (٣/ ٤٤٣)، وذكره ابن كثير (٣/ ٢٨) بنحوه، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٣٠٤)، وعزاه لابن جرير.\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤٤٣) .\n(٥) أخرجه الطبري (٨/ ٤٩) برقم: (٢٢١٤١)، وذكره البغوي (٣/ ١٠٨)، وابن عطية (٣/ ٤٤٣)، وابن كثير في «تفسيره» (٣/ ٢٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٣٠٤)، وعزاه لابن جرير.\n(٦) أخرجه الطبري (٨/ ٥٠) برقم: (٢٢١٤٥)، وذكره البغوي (٣/ ١٠٨)، وابن عطية (٣/ ٤٤٣)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٣٠٤)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم.","vol":"3","page":457},{"text":"وقوله سبحانه: وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها\nقرأ الجمهور «١»: «أَمَرْنَا» على صيغة الماضي، وعن نافع وابن كثير، في بعض ما رُوِيَ عنهما: «آمَرْنَا» بمد الهمزة بمعنى كَثَّرنا، وقرأ أبو عمرو بخلاف عنه: «أَمَّرْنَا» بتشديد الميم، وهي قراءة أبي عثمان النَّهْديِّ، وأبي العاليةِ وابن عبَّاسِ، ورُوِيَتْ عن علي، قال الطبري «٢» القراءة الأولى معناها:\nأمرناهم بالطَّاعة، فعصَوْا وفَسَقُوا فيها، وهو قولُ ابن عباس «٣» وابنِ جبير، والثانية: معناها:\nكَثَّرناهم، والثالثة: هي من الإِمارَةِ، أي ملَّكناهم على الناس، قال الثعلبي: واختار أبو عُبَيْد وأبو حاتمٍ قراءة الجمهور، قال أبو عُبَيْد: وإِنما اخترْتُ هذه القراءة، لأنَّ المعاني الثلاثةَ مجتمعةٌ فيها، وهي معنى الأمْرِ والإِمارة والكثرة انتهى.\nت: وعبارة ابن العربي «٤»: أَمَرْنا مُتْرَفِيها\nيعني بالطاعة، ففسقوا بالمخالَفَة انتهى من كلامه على الأفعال الواقعة في القرآن، «والمترف»: الغنيُّ من المالِ المتنعِّم، والتُّرْفَةُ: النِّعمة، وفي مُصْحف أبيِّ بن كعب: «قَرْيَةً بَعَثْنَا أكابِرَ مُجْرِمِيها فَمَكَرُوا فيها» .\nوقوله سبحانه: فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ\n، أي: وعيدُ اللَّه لها الذي قاله رسولهم، «والتدميرُ» الإِهلاك مع طَمْس الآثار وهَدْمِ البناء.\nوَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ ... الآية: مثال لقريشٍ ووعيدٌ لهم، أي: لستم ببعيد مما حصلوا فيه إِن كذبتم، واختلف في القرن، وقد روى محمَّد بن القاسم في خَتْنِهِ «٥» عَبْد اللَّه بن بُسْر، قال: وضع رسول الله ﷺ يَدَهُ على رأسه، وقال: «سَيَعِيشُ هَذَا الغُلاَمُ قرنا»\n_________\n(١) ينظر: اختلاف القراء في هذا الحرف في: «السبعة» (٣٧٩)، و«الحجة» (٥/ ٩١)، و«معاني القراءات» (٢/ ٨٩)، و«شرح الطيبة» (٤/ ٤٢٦)، و«إتحاف» (٢/ ١٩٥)، و«المحرر الوجيز» (٣/ ٤٤٤)، و«البحر المحيط» (٦/ ١٧)، و«الدر المصون» (٤/ ٣٧٩)، و«المحتسب» (٢/ ١٥) .\n(٢) ينظر: «الطبري» (٨/ ٥١) .\n(٣) أخرجه الطبري (٨/ ٥١) برقم: (٢٢١٥٠)، وذكره ابن عطية (٣/ ٤٤٤)، وابن كثير في «تفسيره» (٣/ ٣٣)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٣٠٧)، وعزاه لابن جرير.\n(٤) ينظر: «أحكام القرآن» (٣/ ١١٩٦) .\n(٥) في الحديث: علي ختن رسول الله ﷺ، أي زوج ابنته.\nينظر: «لسان العرب» (ختن) .","vol":"3","page":458},{"text":"قُلْتُ: كم القَرْنُ؟ قالَ: مِائَةُ سنة «١» قال محمد بن القاسِمِ: فما زِلْنَا نَعُدُّ له حتى كمل مائة سنة، ثم مات ﵀.\nوالباء في قوله: بِرَبِّكَ زائدةٌ، التقديرٌ وكفَى ربُّكَ، وهذه الباء إِنما تجيء في الأغلب في مَدْحٍ أو ذمٍّ، وقد يجيء «كَفَى» دون باء، كقول الشاعر: [الطويل] ... كَفَى الشَّيْبُ وَالإِسْلاَمُ لِلمَرْءِ ناهِيَا «٢» وكقول الآخر: [الطويل]\nوَيُخْبرُني عَنْ غَائِبِ المَرْءِ هَدْيُهُ ... كَفَى الهَدْيُ عَمَّا غَيَّبَ المَرْءُ مُخْبِرَا «٣»\nوقوله سبحانه: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها مَا نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ... الآية:\nالمعنى فإِن اللَّه يعجِّل لمن يريدُ من هؤلاء ما يشاء سبحانه على قراءة النون «٤»، أو ما يشاء هذا المريد على قراءة الياء، وقوله: لِمَنْ نُرِيدُ شرط كافٍ على القراءتين، وقال أبو إسحاق الفَزَارِيُّ: المعني: لِمَنْ نريدُ هَلَكَتَه «٥»، و«المدحورُ»: المهان المُبْعَدُ المذَّلل المسخُوطُ عليه.\nوقوله سبحانه: وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ، أي: إِرادَة يقينِ وإِيمانٍ بها، وباللَّهِ ورسالاتِهِ، ثم شرَطَ/ سبحانه في مريدِ الآخرة أنْ يَسَعى لها سَعْيَها، وهو ملازمة أعمال الخير على\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٥/ ٤٤)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٧١)، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.\n(٢) عجز بيت وصدره:\nعميرة ودع إن تجهزت غاديا ...\nينظر: «الإنصاف» (١/ ١٦٨)، و«خزانة الأدب» (١/ ٢٦٧)، (٢/ ١٠٢- ١٠٣)، و«سر صناعة الإعراب» (١/ ١٤١)، و«شرح التصريح» (٢/ ٨٨)، و«شرح شواهد المغني» (١/ ٣٢٥)، و«الكتاب» (٢/ ٢٦)، (٤/ ٢٢٥)، و«لسان العرب» (١٥/ ٢٢٦) (كفى)، و«مغني اللبيب» (١/ ١٠٦)، و«المقاصد النحويّة» (٣/ ٦٦٥)، وبلا نسبة في «أسرار العربيّة» ص: (١٤٤)، و«أوضح المسالك» (٣/ ٢٥٣)، و«شرح الأشموني» (٢/ ٣٦٤)، و«شرح عمدة الحافظ» ص: (٤٢٥)، و«شرح قطر الندى» ص: (٣٢٣)، و«شرح المفصل» (٢/ ١١٥)، (٧/ ٨٤)، (١٤٨)، (٨/ ٢٤، ٩٣، ١٣٨)، و«لسان العرب» (١٥/ ٣٤٤) (نهى) .\n(٣) البيت لزياد بن زيد العدوي، ينظر: في «الغراء» (٢/ ١١٩)، و«التهذيب»، و«اللسان» (هدى)، و«البحر» (٦/ ١٤)، و«الدر» (٤/ ٣٧٧) .\n(٤) قرأ الجمهور بالنون «نشاء» . ونافع «يشاء» بالياء من تحت. ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٤٤٦)، و«البحر المحيط» (٦/ ١٨) . [.....]\n(٥) أخرجه الطبري (٨/ ٥٥) برقم: (٢٢١٧١)، وذكره ابن عطية (٣/ ٤٤٦) .","vol":"3","page":459},{"text":"حُكْم الشرع، فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا ولا يشكر اللَّه سعيًا ولا عملًا إِلا أثابَ عليه، وغفر بسببه ومنه قوله ﷺ في حديثِ الرجُلِ الذي سَقَى الكَلْبَ العاطِشَ: «فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ له «١»» .\nوقوله سبحانه: كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ يحتملُ أنْ يريد ب «العطاء» الطاعات لمريد الآخرةِ، والمعاصي لمريد العاجلةِ، وروي هذا التأويل عن ابن «٢» عباس، ويحتمل أن يريد بالعطاء رزقَ الدنيا، وهو تأويل الحسن بن أبي الحسن، وقتادة «٣»، المعنى أنه سبحانه يرزقُ في الدنيا من يريد العاجلَة ومريدَ الآخرة، وإِنما يقع التفاضُلُ والتبايُنُ في الآخرةِ، ويتناسَبُ هذا المعنى مع قوله: وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا، أي: ممنوعًا، وقَلَّمَا تصلح هذه العبارةُ لمن يمدّ بالمعاصي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-797>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٢١ الى ٢٢]</span>\nانْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (٢١) لاَّ تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (٢٢)\nوقوله: انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ الآية تُدلُّ دلالةً ما على أن العطاء في التي قبلها الرْزُق، وباقي الآية معناه أوضَحُ من أن يبيَّن.\nوقوله سبحانه: لاَّ تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا هذه الآية خطاب للنبيّ ﷺ والمراد لجميعِ الخلقِ، قاله الطبري «٤» وغيره، ولا مريةَ في ذمِّ مَنْ نحت عودًا أو حجرًا، وأشركه في عبادة ربه.\nقال ص: فَتَقْعُدَ، أي: فتصير بهذا فسره الفراء وغيرهُ اه.\n«والخذلان» في هذا بإِسلام اللَّه لعبده، ألا يتكفَّل له بنصرٍ، والمخذولُ الذي أسلمه ناصروه، والخاذل من الظباء التي تترك ولدها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-798>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٢٣ الى ٢٨]</span>\nوَقَضى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا (٢٤) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا (٢٥) وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (٢٧)\nوَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا (٢٨)\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١٠/ ٤٥٢) كتاب «الأدب» باب: رحمة الناس والبهائم، حديث (٦٠٠٩) من حديث أبي هريرة.\n(٢) ذكره ابن عطية (٣/ ٤٤٦) .\n(٣) أخرجه الطبري (٨/ ٥٦) برقم: (٢٢١٧٥) وبرقم: (٢٢١٧٧)، وذكره ابن عطية (٣/ ٤٤٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» «٤/ ٣٠٨)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبي نعيم في «الحلية» .\n(٤) ينظر: «الطبري» (٨/ ٥٧) .","vol":"3","page":460},{"text":"وقوله سبحانه: وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ... الآية: قَضى، في هذه الآية: هي بمعنى أمر وألزم وأوجب عليكم وهكذا قال الناس، وأقول: إن المعنى وقَضَى ربك أمره، فالمقضِيُّ هنا هو الأمْرُ، وفي مصحفِ ابن مسعود «١»: «وَوَصَّى رَبُّكَ»، وهي قراءة ابن عباس وغيره، والضمير في تَعْبُدُوا لجميع الخلق وعلى هذا التأويل مضى السلفُ والجمهور، ويحتمل أنْ يكون قَضى على مشهورها في الكلامِ، ويكون الضمير في تَعْبُدُوا للمؤمنين من الناس إِلى يوم القيامة.\nوقوله: فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ معنى اللفظة أنها اسمُ فعل كأن الذي يريد أن يقول:\nأَضْجَرُ أو أتقذَّرُ أو أكْرَه، ونحوَ هذا، يعبِّر إيجازًا بهذه اللفظة، فتعطي معنى الفعْل المذكورِ، وإذا كان النهْيُ عن التأفيفِ فما فوقه من باب أحَرى، وهذا هو مفهومُ الخِطَابِ الذي المسكُوتُ عنه حُكْمُهُ حكْمُ المذكور.\nقال ص: وقرأ الجمهور الذُّلِّ بضم الذال، وهو ضد العِزِّ، وقرأ ابن عباس «٢» وغيره بكسرها، وهو الانقيادُ ضدُّ الصعوبة انتهى، وباقي الآية بيِّن.\nقال ابن الحاجب في «منتهى الوُصول»، وهو المختصَرُ الكَبِير: المفهومُ ما دَلَّ عليه اللفظُ في غَيْرِ مَحَلِّ النُّطْق، وهو: مفهوم موافقة، ومفهومُ مخالفة، فالأول: أنْ يكون حُكْمُ المفهومِ موافقًا للمنطوق في الحُكْم، ويسمَّى فَحْوَى الخطابِ، ولَحْنَ الخِطَابِ، كتحريم الضَّرْبِ من قوله تعالى: فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وكالجَزَاء/ بما فَوْقَ المِثْقالِ من قوله تعالى:\n_________\n(١) وقال ابن عباس: إنما التصقت الواو بالصاد.\nينظر: «مختصر شواذ ابن خالويه» ص: (٧٩)، و«الكشاف» (٢/ ٦٥٧)، و«المحرر الوجيز» (٣/ ٤٤٧)، وزاد نسبتها إلى النخعي، وسعيد بن جبير، وميمون بن مهران، وأبي بن كعب.\nوينظر: «البحر المحيط» (٦/ ٢٣) .\n(٢) وقرأ بها سعيد بن جبير، وعروة بن الزبير، والجحدري، وحماد الأسدي، عن أبي بكر ﵁، ورويت عن عاصم بن أبي النجود.\nقال أبو الفتح: الذل في الدابة: ضد الصعوبة، والذّل في الإنسان، وهو ضد العز.\nينظر: «المحتسب» (٢/ ١٨)، و«الشواذ» ص: (٧٩)، و«المحرر الوجيز» (٣/ ٤٤٩)، و«البحر المحيط» (٦/ ٢٦)، و«الدر المصون» (٤/ ٣٨٦) .","vol":"3","page":461},{"text":"وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ [الزلزلة: ٧]، وكتأديةِ ما دُونَ القْنطار من قوله تعالى: وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ [آل عمران: ٧٥] وعدم تأدية ما فوق الدينار من قوله تعالى: بِدِينارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ [آل عمران: ٧٥] وهو من قبيل التنبيه بالأدنى على الأعلى، والأعلى على الأدنى، فلذلك كان الحُكم في المسكوتِ أولى، وإِنما يكون ذلك إِذا عُرِفَ المقصودُ من الحُكْم، وأنه أشدُّ مناسبةً في المسكوت كهذه الأمثلة، ومفهومُ المخالفة: أنْ يكونَ المَسْكُوتُ عنه مخالفًا للمنطوقِ به في الحُكْم ويسمَّى دليلَ الخطاب «١» وهو أقسامٌ: مفهومُ الصفة «٢» مثل: «في الغَنَمِ السَّائِمَةِ الزَّكَاةُ»، ...\n_________\n(١) تقدم التعريف ب «دليل الخطاب» .\n(٢) مفهوم الصّفة: هو ما يفهم من تعليق الحكم على الذّات بصفة من صفاتها، كما في قوله ﷺ: «في سائمة الغنم زكاة»، فإن الغنم ذات، والسوم والعلف وصفان لها يعتورانها، وقد علق الحكم وهو وجوب الزكاة بأحد وصفيها، وهو السوم، فيفهم منه نفي الوجوب عن المعلوفة لانتفاء الصّفة التي علق الحكم بها، وهي السوم، وكما في قوله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ [النساء: ٢٥]، فالفتيات: جمع فتاة، وهي ذات يعتورها الإيمان والشرك، وقد علق الحكم بأحدهما، وهو الإيمان، فيدل على نفيه عن غير المؤمنات.\nوالمراد بالصفة عند الأصوليين: لفظ مقيد لآخر، وليس بشرط، ولا استثناء، ولا غاية، وبعبارة أخرى:\nهي تقييد لفظ مشترك المعنى بلفظ آخر يختصّ ببعض معانيه ليس بشرط، ولا استثناء، ولا غاية بعد أن كان صالحا لما له تلك الصفة ولغيرها، سواء كان ذلك اللفظ المختص نعتا نحويا مثل: «في الغنم السّائمة زكاة»، أو مضافا مثل: «في سائمة الغنم زكاة»، أو مضافا إليه مثل قوله ﷺ: «مطل الغنيّ ظلم»، أو ظرف زمان مثل قوله ﷺ: «من ابتاع نخلا بعد أن تؤبّر فثمرتها للبائع»، أو ظرف مكان مثل «بع في مكان كذا»، أو حالا نحو: «أحسن إلى العبد مطيعا» لأن المخصوص بالكون في مكان أو زمان موصوف بالاستقرار فيه، والحال وصف لصاحبها في المعنى، أو كان ذلك اللفظ المختص علة مثل:\n«أعط السائل لحاجته»، فالمفهوم في المثال «الأول»، و«الثاني»: عدم وجوب الزكاة في الغنم المعلوفة.\n«وفي الثالث»: أن مطل الفقير ليس ظلما.\n«وفي الرابع»: أن ثمرة النخلة المؤبّرة بعد البيع ليست للبائع، وإنما تكون للمشتري.\n«وفي الخامس»: عدم البيع في غير المكان المخصوص.\n«وفي السادس»: عدم الإحسان إليه إذا كان عاصيا.\n«وفي السابع»: عدم الإعطاء عند عدم الحاجة لأن المعلول ينتفي بانتفاء علّته، فإن الحكم لما علق في هذه الأمثلة بصفة خاصة صار ثبوته مرتبطا بثبوت تلك الصفة، وعليه فانتفاؤها يدل على انتفائه.\n«والفرق بين مطلق الصفة، وخصوص العلة» . أن الصّفة قد تكون علّة كالإسكار، وقد لا تكون، بل هي متممة لها، كالسّوم، فإن وجوب الزكاة في الغنم السائمة ليس للسوم فقط، وإلا لوجبت في الوحوش السائمة، وإنما وجبت لنعمة الملك، وهي مع السوم أتم منها مع العلف، فالصفة أعم من العلة. وبذلك يعلم أن الصفة عند الأصوليين أعم منها عند النحويين.","vol":"3","page":462},{"text":"ومفهومُ الشرط «١»، مثل: وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ [الطلاق: ٦] ...\n_________\nوقد اختلف في الحكم على المشتقّ نحو: «في السّائمة زكاة» هل ذلك يجري مجرى المقيد بالصفة مثل:\n«في الغنم السّائمة زكاة»؟\nفقيل: لا يجري مجراه لاختلال الكلام بدونه، فيكون كاللقب.\nوقيل: إنه يجري مجراه لدلالته على السّوم الزائد على الذات، بخلاف اللقب، فيفيد نفي الزكاة عن المعلوفة مطلقا، كما يفيد إثباتها للسائمة مطلقا، ويؤخذ من كلام ابن السمعاني، كما قال الجلال المحليّ: إن الجمهور على الثاني حيث قال: «الاسم المشتق، كالمسلم، والكافر والقاتل، والوارث يجري مجرى المقيد بالصفة عند الجمهور، قال شيخ الإسلام: وهو قوي لأن تعريف الوصف صادق عليه.\nغايته أن الموصوف مقدر، وذكر الموصوف أو تقديره لا تأثير له فيما نحن بصدده، وذلك نحو قوله ﷺ:\nالثّيّب أحقّ بنفسها من وليّها» فمنطوقه ثبوت أحقية الثيب في تزويج نفسها من وليها، ومفهومه المخالف عدم أحقّية غير الثيب، وهي البكر في تزويج نفسها لانتفاء الصفة التي علّق بها الحكم، وهي الثيوبة.\nينظر: «البحر المحيط» للزركشي (٤/ ٣٠)، و«الإحكام في أصول الأحكام» للآمدي (٣/ ٦٦)، و«التمهيد» للأسنوي (٣٤٥)، و«نهاية السول» له (٢/ ٢٠٥)، و«غاية الوصول» للشيخ زكريا الأنصاري (٣٩)، و«المنخول» للغزالي (٢١٣)، و«حاشية البناني» (١/ ٢٤٩)، و«الإبهاج» لابن السبكي (١/ ٣٧٠)، و«الآيات البينات» لابن قاسم العبادي (٢/ ٢٦)، و«حاشية العطار على جمع الجوامع» (١/ ٣٢٦)، و«حاشية التفتازاني» والشريف على «مختصر المنتهى» (٢/ ١٧٤)، و«شرح التلويح على التوضيح» لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني (١/ ١٤٣)، و«ميزان الأصول» للسمرقندي (١/ ٥٧٩)، و«نشر البنود» للشنقيطي (١/ ٩٦)، وينظر: «العدة» (٢/ ٤٥٣)، و«التبصرة» (٢١٨)، و«المنخول» (٢٠٨)، و«المسودة» (٣٥١، ٣٦٠) .\n(١) مفهوم الشّرط هو: ما يفهم من تعليق الحكم على شيء بأداة شرط ك «إن»، و«إذا» مما يدل على سببية الأول، ومسبّبيّة الثاني، كما في قوله ﷿: وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ [الطلاق: ٦] فإنه يفهم منه عند القائلين بمفهوم المخالفة أو غير أولات الأحمال من المطلقات طلاقا بائنا- لا يجب الإنفاق عليهنّ، لأن المشروط ينتفي شرطه، وإنما قيدنا الطلاق ب «البائن» لأن المطلقة طلاقا رجعيّا يجب الإنفاق عليها في العدة، حاملا كانت أو لا بالإجماع، والخلاف إنما هو في المبانة.\n«والشرط في اللّغة»: هو العلامة، وجاء منه أشراط الساعة، أي: علاماتها، وفي العرف العام: ما يتوقّف عليه وجود الشّيء، وفي اصطلاح المتكلمين: ما يتوقف عليه تحقق الشيء، ولا يكون في ذلك الشيء، ولا مؤثرا فيه.\n«وفي اصطلاح النحاة»: ما دخل عليه شيء من الأدوات المخصوصة الدالّة على سببية الأول ومسببية الثاني ذهنا أو خارجا، سواء كان علّة للجزاء مثل: «إن كانت الشمس طالعة، فالنهار موجود» - أو معلولا مثل: «إن كان النهار موجودا، فالشمس طالعة» أو غير ذلك مثل: إن دخلت الدّار، فأنت طالق» .\nويسمى شرطا لغويا أيضا لأن المركب من «إن» وأخواتها، ومن مدخولها- لفظ مركب وضع لمعنى يعرف من اللغة، وإن كان النحوي يبحث عنه من وجه آخر، وهو المقصود بالذات، هنا لا الشرعي","vol":"3","page":463},{"text":"_________\nكالطهارة للصلاة، ولا العقلي كالحياة للعلم، ولا العادي كنصب السّلّم لصعود السطح، وإنما كان المقصود هو النحوي لأن الكلام هنا فيما يفهم من تعليق الحكم على شيء بأداة مخصوصة، كما هو مقتضى تعريف مفهوم الشرط، وهذا إنما يتأتى في خصوص الشرط النحوي على ما لا يخفى.\nهذا حاصل القول في تعريف مفهوم الشرط.\nقبل الشروع في بيان مذاهب العلماء في حجية مفهوم الشرط واستدلالهم ينبغي أن نحرر محلّ النزاع في هذا المقام، ومجمل القول في ذلك أنه لا نزاع بين العلماء في انتفاء الحكم عند انتفاء شرطه، وإنما النزاع في الدال على هذا الانتفاء هل هو التعليق بالشرط، أو البراءة الأصلية؟ - وبيان ذلك أن في تعليق الحكم بالشرط مثل: «إن دخلت الدار، فأنت طالق» - أمورا أربعة:\n«الأمر الأول»: ثبوت الجزاء عند ثبوت الشرط.\n«الأمر الثاني»: عدم الجزاء عند عدم الشرط.\n«الأمر الثالث»: دلالة التعليق على الأول.\n«الأمر الرابع»: دلالته على الثاني.\nواتفق العلماء على الثلاثة الأول، وإنما النزاع في الأمر الرابع بعد الاتفاق على أن عدم الجزاء ثابت عند عدم الشرط.\nفعند القائلين بالمفهوم: ثبوته لدلالة التعليق عليه، وعند النفاة ثابت بمقتضى البراءة الأصلية، فالنزاع إنما هو في دلالة حرف الشرط على العدم، لا على أصل العدم عند العدم فإنّ ذلك ثابت قبل أن ينطق الناطق بكلام، وهذا الكلام في سائر المفاهيم.\nقال أبو زيد الدّبّوسي، وهو من المنكرين له: «انتفاء المعلّق حال عدم الشرط، لا يفهم من التعليق، بل يبقى على ما كان قبل ورود النص» .\nهذا هو تحرير محل النزاع، وإذا تحقّق هذا، فنقول: اختلف العلماء والأصوليون في حجية مفهوم الشرط على مذهبين:\n«المذهب الأول»: أنه حجة، أي: أن تعليق الحكم بالشرط يدل على انتفاء ذلك الحكم عند انتفاء الشرط وإلى هذا ذهب جميع القائلين بمفهوم الصّفة، وبعض من لم يقل به، كالإمام فخر الدين الرّازي، وابن سريج، وأبي الحسن البصري، وأبي الحسن الكرخي، ونقله أبو الحسين السهيلي في «آداب الجدل» عن أكثر الحنفية، وابن القشيري عن معظم أهل العراق، وإمام الحرمين عن أكثر العلماء.\n«المذهب الثاني»: أنّه ليس بحجة، أي: أن تعليق الحكم بالشرط لا يدلّ على انتفاء الحكم عند انتفاء الشرط بل يبقى الحكم عند انتفاء الشرط على العدم الأصلي، وهذا مذهب أبي حنيفة والمحققين من أصحاب مذهبه، وأكثر المعتزلة كما نقله عنهم صاحب «المحصول»، ونقله ابن التلمساني عن الإمام مالك كما اختاره القاضي أبو بكر الباقلاني، وحجة الإسلام الغزّالي، وسيف الدين الآمدي، والقفال الشاشي، وأبو حامد المروزيّ من الشافعية.\nينظر: «حاشية البناني» (١/ ٢٥١)، و«الإبهاج» لابن السبكي (١/ ٣٨٠)، و«الآيات البينات» لابن قاسم العبادي (٢/ ٣٠)، و«حاشية العطار على جمع الجوامع» (١/ ٣٢٩)، و«تيسير التحرير» لأمير بادشاه (١/ ١٠٠)، و«حاشية التفتازاني» والشريف على «مختصر المنتهى» (٢/ ١٨٠)، و«شرح التلويح على التوضيح» لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني (١/ ١٥٥)، و«ميزان الأصول» للسمرقندي (١/ ٥٨٠)،","vol":"3","page":464},{"text":"ومفهوم الغاية «١»، مثل: حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ [البقرة: ٢٣٠] .\n_________\nو«نشر البنود» للشنقيطي (١/ ٩٨) .\n(١) «مفهوم الغاية»: هو ما يفهم من تقييد الحكم بأداة غاية ك «إلى»، و«حتى»، وغاية الشيء آخره، وذلك كما في قوله ﷿: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ\n[البقرة: ٢٢٢]، فمنطوق الآية تحريم قربان النساء مدة زمان الحيض، وقبل الغسل، وتدل بمفهومها المخالف على جواز القربان منهن بعد انقضاء زمان الحيض، والاغتسال- وقوله تعالى:\nفَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ [البقرة: ٢٣٠]، فمنطوقه أن عدم حلّ المطلقة ثلاثا لمطلّقها- مغيا بنكاح الزوج الآخر، ومفهومه المخالف أنها تحل له بعد نكاح الزّوج الآخر لها بشرطه- وقول النّبي ﷺ: «لا زكاة في مال، حتّى يحول عليه الحول» فالمنطوق عدم وجوب الزكاة في المال قبل حولان الحول عليه، والمفهوم المخالف وجوب الزكاة في المال بعد حولان الحول عليه- وقوله ﷿: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ [البقرة: ١٨٧] فإنه يفهم منه عدم وجوب الصيام في الليل.\nواختلف الأصوليون في حجية مفهوم الغاية، وبعبارة أخرى في القول به إثباتا، ونفيا- على مذهبين:\n«المذهب الأول»: أنه حجّة، بمعنى أن تقييد الحكم بالغاية يدل على انتفاء ذلك الحكم عما بعدها وإليه ذهب جميع القائلين بمفهوم الصفة والشرط، وبعض من لم يقل بهما كحجة الإسلام الغزالي، وعبد الجبار المعتزلي، والإمام أبي الحسين البصري، والقاضي أبي بكر الباقلاني، وبعض الأصوليين من الحنفية.\nوفي هذا يقول سليم الرازي: لم يختلف أهل العراق في ذلك.\nوقال القاضي في «التّقريب»: صار معظم نفاة دليل الخطاب إلى أن التقييد بحرف الغاية يدل على انتفاء الحكم عما وراء الغاية.\nقال: ولهذا أجمعوا على تسميتها غاية.\n«المذهب الثاني»: أنّه ليس حجّة، بمعنى أن تقييد الحكم بالغاية لا يدل على انتفاء الحكم عما بعدها، بل هو مسكوت عنه غير متعرّض له بنفي أو إثبات وهو مذهب أصحاب أبي حنيفة، وجماعة من الفقهاء والمتكلمين، واختاره سيف الدين الآمدي طردا لباب المنع من العمل بالمفاهيم.\nهذا حاصل في حجية مفهوم الغاية، وقد اتضح لك أنه مفروض فيما وراء الغاية لا في الغاية نفسها وذهب بعضهم إلى أنه مفروض في الغاية نفسها بمعنى أن تقييد الحكم بالغاية، هل يدلّ على انتفاء ذلك الحكم في الغاية نفسها أو لا يدلّ؟ - فالذي يقول بمفهومها، يقول بانتفاء الحكم فيها، ومن لا فلا، وهو مردود لتصريح أكثر العلماء، لا سيما المحققين منهم أن النزاع هنا إنما هو فيما بعد الغاية لا في الغاية نفسها، نعم في الغاية خلاف أيضا، ولكنه خلاف آخر:\nوحاصل هذا الخلاف: هل الغاية داخلة في حكم المغيا أو خارجة عنه؟ وهو خلاف لا دخل له في هذا المقام فإن الكلام هنا في دلالة المخالفة وعدمها، والخلاف هناك في الدخول والخروج، وأين أحدهما من الآخر؟! فإنه على التقدير الثاني لا يستلزم المخالفة فإن الخروج أعم من أن يدل على المخالفة، أو يكون مسكوتا عنه بخلاف الأول، وهو ظاهر، على أنا إن قلنا: بخروج الغاية عن المغيّا يأتي خلاف المفهوم فيها أيضا، وبالجملة فهما خلافان متغايران: [.....]","vol":"3","page":465},{"text":"ومفهوم إنَّما «١» مثل: «إنما الرِّبَا في النَّسِيئَةِ» ومفهومُ الاستثناء «٢» مِثل: لا إله إلا الله ومفهوم العددِ الخاصِّ «٣»، مثلَ: فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً [النور: ٤]، ومفهوم حصر\n_________\n«أحدهما»: أن تقييد الحكم بالغاية، هل يدل على نفي الحكم عما بعدها أو لا؟\n«والثاني»: أن هذه الغاية، هل هي داخلة في حكم المغيا أو لا؟ ولا ربط لأحدهما بالآخر، والمبحوث عنه هنا هو الأول دون الثاني، والثاني يجتمع مع القول بالمفهوم وعدمه كما أن النزاع الأول يجتمع مع القول بالدخول والخروج، ولا تنافي بينهما.\nينظر: «البحر المحيط» للزركشي (٤/ ٤٦)، و«الإحكام في أصول الأحكام» للآمدي (٣/ ٦٦)، و«نهاية السول» للأسنوي (٢/ ٢٠٥)، و«حاشية البناني» (١/ ٢٥١)، و«الآيات البينات» لابن قاسم العبادي (٢/ ٣٠)، و«حاشية العطار على جمع الجوامع» (١/ ٣٣٠)، و«تيسير التحرير» لأمير بادشاه (١/ ١٠٠)، و«حاشية التفتازاني» والشريف على «مختصر المنتهى» (٢/ ١٨١)، و«الوجيز» للكراماستي (٢٤)، وينظر: «المسودة» (٣٥١)، و«الآيات البينات» (٢/ ٣٠) .\n(١) اختلف العلماء في إفادة «إنّما» للحصر على مذهبين:\n«المذهب الأول»: إنها تفيد الحصر بمعنى قصر الأول على الثاني من مدخوليها بحيث لا يتجاوزه إلى غيره بمعنى أن تقييد الحكم بها يدل على إثباته للمذكور في الكلام آخرا ونفيه عن غيره مثل «إنّما الشّفعة فيما لم يقسم» فإنه يدل على إثبات الشفعة في غير المقسوم، ونفيها عما قسم، وهذا مذهب أكثر العلماء.\n«المذهب الثاني»: إنها لا تفيد الحصر، بمعنى: أن تقييد الحكم بها لا يدل إلا على تأكيد إثبات الشفعة فيما لم يقسم، ولا دلالة له على نفيها عن غيره، بل هو مسكوت عنه غير متعرض له لا بنفي، ولا بإثبات، وإليه ذهب أصحاب أبي حنيفة، وجماعة ممن أنكر دليل الخطاب، واختاره سيف الدين الآمدي، وأبو حيان، ونسبه إلى النّحويّين، غير أن الكمال بن الهمام تعقب نسبة هذا المذهب إلى الحنفية: بأن الحنفية كثر منهم نسبتهم الحصر إلى «إنّما» كما في «كشف الأسرار»، و«الكافي»، و«جامع الأسرار» وغيرها.\nهذا هو حاصل الخلاف في مفهوم الحصر ب «إنّما» .\nينظر: «البحر المحيط» للزركشي (٤/ ٥٠)، و«الإحكام في أصول الأحكام» للآمدي (٣/ ٦٧)، و«الآيات البينات» لابن قاسم العبادي (٢/ ٤٣)، و«حاشية التفتازاني»، والشريف على «مختصر المنتهى» (٢/ ١٨٢- ١٨٣)، و«نشر البنود» للشنقيطي (١/ ٩٦) .\n(٢) «المقصود بمفهوم الاستثناء»: هو ما يفهم من تقييد الحكم بأداة الاستثناء، والاستثناء: هو إخراج ما لولاه لوجب دخوله، والمراد بالاستثناء هنا الاستثناء من الكلام التام الموجب، وذلك مثل: «قام القوم إلّا زيدا» فإنّه يفهم منه انتفاء الحكم الثابت للمستثنى منه، وهو القوم عن المستثنى، وهو زيد، وإنما قيدنا الاستثناء بكونه من الإثبات لإخراج الاستثناء من النفي، فإنه نوع من أنواع الحصر.\nينظر: «البحر المحيط» للزركشي (٤/ ٤٩)، و«الإحكام في أصول الأحكام» للآمدي (٣/ ٦٧)، و«الآيات البينات» لابن قاسم العبادي (٢/ ٢٧)، و«حاشية العطار على جمع الجوامع» (١/ ٣٢٩) .\n(٣) إذا علق حكم بعدد معين، مثل: فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً [النور: ٤] فهل يدلّ ذلك على نفي الحكم عما عدا ذلك العدد أو لا؟ اختلف العلماء في ذلك على طريقين:\n«الطريق الأول»: أنه يدل، وإليه ذهب مالك ونقله عن الشافعي أبو حامد، وأبو الطيب الطبري،","vol":"3","page":466},{"text":"المبتدإِ «١» مثل: العِالمُ زَيْد، وشرطُ مفهومِ المخالفة عْند قائله ألاَّ يظهر أن المسكوتَ عنه أولى ولا مساويًا كمفهومِ الموافَقَةِ، ولا خرج مخرج الأعمّ الأغلب، مثل: وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ [النساء: ٢٣] فأما مفهومُ الصفةِ، فقال به الشافعيُّ، ونفاه الغَزَّاليُّ وغيره. انتهى.\nوفسَّر الجمهوُرُ الأوَّابين بالرَّجَّاعين إلى الخير، وهي لفظة لزم عُرْفُها أهْلَ الصلاح.\nت: قال عَبْدُ الحقِّ الأشَبِيليُّ: وأعَلَمْ أنَّ الميت كالحيِّ فيما يُعْطَاه ويُهْدى إِليه، بل الميت أكثر وأكثر لأن الحي قد يستقلُّ ما يُهْدَى إِليه، ويستحقرُ ما يُتْحَفُ به، والميت لا يستحقر شيئًا من ذلك، ولو كان مقدارَ جناحِ بعوضةٍ، أو وزْنَ مثقالِ ذرةٍ، لأنه يعلم قيمته، وقد كان يقدر عليه، فضيَّعه، وقد قال ﵇: «إِذَا مَاتَ الإِنسانُ انقطع عمله إلّا من ثلاث: إِلاَّ مِنْ صَدَقَةَ جَارِيَةٍ، أَوْ علْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» «٢» فهذا دعاء\n_________\nوالماوردي وغيرهم، ونقله أبو الخطاب الحنبليّ في «تمهيده» عن أحمد بن حنبل، وإليه ذهب داود الظاهري، وكذا الطحاوي، وصاحب «الهداية» والكرخي، ورضي الدين صاحب «المحيط» من الحنفية.\n«الطّريق الثّاني»: أنّه لا يدلّ، وإليه ذهب أصحاب الشافعي، وأبو حنيفة وأصحابه، وابن داود، والمعتزلة، والأشعرية، والقاضي أبو بكر الباقلاني، واختاره إمام الحرمين، والإمام البيضاوي في «المنهاج»، وجرى عليه الإمام الرازي في «المحصول» والآمدي في «الإحكام» .\n(١) اختلف العلماء في دلالة تعريف المبتدأ باللام أو الإضافة على الحصر بمعنى نفي الحكم عن غير المذكور وعدمه على مذهبين:\n«المذهب الأول»: إنه يدل على الحصر، وهذا مذهب حجة الإسلام الغزالي، وإمام الحرمين، والإمام الرازي، والجمهور من الفقهاء والمتكلمين.\n«المذهب الثاني»: إنه لا يدل على الحصر، وإليه ذهب كثير من الحنفية، والقاضي أبو بكر الباقلاني وجماعة من الفقهاء والمتكلمين وهو ما اختاره الآمدي.\n(٢) أخرجه مسلم (٣/ ١٢٥٥) كتاب «الوصية» باب: ما يلحق الإنسان من الثواب، حديث (١٤/ ١٦٣١)، والبخاري في «الأدب المفرد» رقم: (٣٨)، وأبو داود (٢/ ١٣١) كتاب «الوصايا» باب: ما جاء في فضل الصدقة عن الميت، حديث (٢٨٨٠)، والترمذي (٣/ ٦٦٠) كتاب «الأحكام» باب: في الوقف، حديث (١٣٧٦)، والنسائي (٦/ ٢٥١) كتاب «الوصايا» باب: فضل الصدقة على الميت، وأحمد (٢/ ٣٧٢)، وابن خزيمة (٤/ ١٢٢) رقم: (٢٤٩٤)، وأبو يعلى (١١/ ٣٤٣) رقم: (٦٤٥٧)، وابن الجارود في «المنتقى» رقم: (٣٧٠)، والدولابي في «الكنى والأسماء» (١/ ١٩٠)، والطحاوي في «مشكل الآثار» (١/ ١٩٠)، والبيهقي (٦/ ٢٧٨) كتاب «الوصايا» باب: الدعاء للميت، وابن عبد البر في «جامع بيان العلم وفضله» (١/ ١٥)، والبغوي في «شرح السنة» (١/ ٢٣٧- بتحقيقنا) . كلهم من طريق العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة، صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له.\nوقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.","vol":"3","page":467},{"text":"الولدِ يصلُ إِلى والده، وينتفعُ به، وكذلك أمره ﵇ بالسَّلاَمِ على أهْلِ القُبُورِ والدعاءِ لهمْ «١» ما ذاك إِلا لكونِ ذلك الدعاءِ لهُمْ والسلام عليهمْ، يصلُ إليهم ويأتيهم، والله\n_________\n(١) أخرجه مالك (١/ ٢٨- ٢٩) كتاب «الطهارة» باب: جامع الوضوء، حديث (٢٨)، ومسلم (١/ ٢١٨) كتاب «الطهارة» باب: استحباب إطالة الغرة والتحجيل، حديث (٣٩/ ٢٤٩)، وأبو داود (٢/ ٢٣٨) كتاب «الجنائز» باب: ما يقول إذا زار القبور أو مرّ بها، حديث (٣٢٣٧)، والنسائي (١/ ٩٣- ٩٥) كتاب «الطهارة» باب: حلية الوضوء، وابن ماجه (٢/ ١٤٣٩) كتاب «الزهد» باب: ذكر الحوض، حديث (٤٣٠٦)، وأحمد (٢/ ٣٠٠، ٤٠٨)، وأبو عوانة (١/ ١٣٨)، وأبو يعلى (١١/ ٣٨٧- ٣٨٨) رقم:\n(٦٥٠٢)، وابن حبان (١٠٣٢، ٣١٦٨)، وابن السني في «عمل اليوم والليلة» . رقم (١٨٩)، والبغوي في «شرح السنة» (١/ ٢٥٣- بتحقيقنا) . كلهم من طريق العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ خرج إلى المقبرة فقال: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا بكم إن شاء الله لاحقون ...» .\nوفي الباب عن عائشة وبريدة.\nحديث عائشة: أخرجه مسلم (٢/ ٦٦٩) كتاب «الجنائز» باب: ما يقال عند دخول القبور والدعاء لأهلها، حديث (١٠٢/ ٩٧٤)، والنسائي (٤/ ٩٣- ٩٤)، كتاب «الجنائز» باب: الأمر بالاستغفار للمؤمنين، والبيهقي (٤/ ٧٨- ٧٩) كتاب «الجنائز» باب: ما يقول إذا دخل مقبرة (٥/ ٢٤٩) كتاب «الحج» باب: في زيارة القبور التي في بقيع الغرقد، والبغوي في «شرح السنة» (٣/ ٣٠٦- بتحقيقنا)، وأبو يعلى (٨/ ١٩٩) رقم: (٤٧٥٨) كلهم من طريق شريك بن أبي نمر، عن عطاء بن يسار، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ كلما كانت ليلتها من رسول الله ﷺ يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول:\n«السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا وإياكم متواعدون غدا ومؤجلون وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد» .\nوأخرجه مسلم (٢/ ٦٦٩) كتاب «الجنائز» باب: ما يقال عند دخول القبور والدعاء لأهلها، حديث (١٠٣/ ٩٧٤) وعبد الرزاق (٦٧١٢) من طريق محمد بن قيس بن مخرمة، عن عائشة.\nوأخرجه ابن ماجه (١/ ٤٩٣) كتاب «الجنائز» باب: ما جاء فيما يقال إذا دخل المقابر، حديث (١٥٤٦)، وأبو يعلى (٨/ ٦٩) رقم (٤٥٩٣) كلاهما من طريق شريك بن عبد الله، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر، عن عائشة به. بلفظ: فقدت رسول الله ﷺ فاتبعته فأتى البقيع فقال:\n«السلام عليكم دار قوم مؤمنين أنتم لنا فرط وإنا بكم لاحقون، اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم» .\nوأخرجه أبو يعلى (٨/ ٨٥- ٨٦) رقم: (٤٦١٩) من طريق يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد، عن عائشة.\nحديث بريدة: أخرجه مسلم (٢/ ٦٧١) كتاب «الجنائز» باب: ما يقال عند دخول القبور والدعاء لأهلها، حديث (١٠٤/ ٩٧٥)، والنسائي (٤/ ٩٤) كتاب «الجنائز» باب: الأمر بالاستغفار للمؤمنين، وابن ماجه (١/ ٤٩٤) كتاب «الجنائز»، باب: ما جاء فيما يقال إذا دخل المقابر، حديث (١٥٤٧) وابن أبي شيبة (٤/ ١٣٨)، وابن السني في «عمل اليوم والليلة» رقم: (٥٨٢)، وأحمد (٥/ ٣٥٣، ٣٥٩، ٣٦٠)، والبغوي في «شرح السنة» (٣/ ٣٠٤- بتحقيقنا)، عن بريدة قال: كان رسول الله ﷺ يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون أنتم لنا فرط ونحن لكم تبع نسأل الله العافية» .","vol":"3","page":468},{"text":"أعلم، وروي عنه ﵇ أنه قال: «لكون الميِّتُ في قَبْرِهِ كالغَرِيقِ يَنْتَظرُ دَعْوَةً تَلْحَقُهُ من ابْنِهِ أَو أَخِيهِ أو صَدِيقِهِ، فَإِذَا لَحِقَتْهُ، كَانَتْ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ الدَّنْيا وَمَا فِيهَا» والأخبارُ في هذا الباب كثيرةٌ انتهى من «العاقبة» .\nت: وروى مالك في «الموطإ» عن يحيى بن سعيدٍ، عن سعيد بن المسيَّب، أنه قال: كان يقال: إِن الرجُلَ ليُرْفَعُ بدعاءِ ولده من بعده وأشارَ بيَدِهِ نحو السماء «١» . قال أبو عمرو: وقد روّيناه بإسناد جيِّدٍ، ثم أسند عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إِنَّ اللَّهَ لَيَرْفَعُ العَبْدَ الدَّرَجَةَ، فَيقُولُ: أَيْ رَبِّ، إِنَّى لي هَذِهِ الدَّرَجَةُ؟ فَيقالُ: باسْتِغْفَارَ وَلَدِكَ لَكَ» انتهى من «التمهيد» «٢»، وروِّينا في «سنن أبي داود» أنَّ رجُلًا مِنْ بني سَلَمَةَ قال: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ بَقيَ مِنْ برِّ أَبَوَيَّ شَيْءٌ، أَبُّرُهُمَا/ بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِمَا؟ قَالَ: نَعَمْ الصَّلاَةُ عَلَيْهما، والاسْتِغْفَارُ لَهُما وإِنْفَاذُ عَهْدِهِما مِنْ بَعْدِهِمَا، وَصَلَةُ الرَّحِمِ التي لاَ تُوَصَلُ إِلاَّ بِهمَا، وإِكْرَامُ صَدِيِقِهَما» «٣» انتهى.\nوقوله سبحانه: وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ... الآية: قال الجمهورُ: الآية وصيةٌ للنَّاس كلِّهم بصلة قرابتهم، خوطِبَ بذلك النبيّ ﷺ والمراد الأمة، «والحَقُّ»، في هذه الآية، ما يتعيَّن له مِنْ صلة الرحم، وسدِّ الخُلْة، والمواساةِ عند الحاجة بالمالِ والمعونةِ بكلِّ وجْه قال بنحو هذا الحسنُ وابن عباس وعكرمة «٤» وغيرهم، «والتبذير» إِنفاق المال في فسادٍ أو في سرفٍ في مباحٍ.\nوقوله تعالى: وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ، أي: عمَّن تقدَّم ذكره من المساكين وابن السبيل، فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا، أي: فيه ترجيةٌ بفضل اللَّه، وتأنيسٌ بالميعاد الحسنِ، ودعاءٌ في توسعة اللَّه وعطائه، وروي أنه ﷺ كان يقولُ بَعْدَ نزولِ هذه الآية، «إِذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَا يُعْطِي: يَرْزُقُنا اللَّهُ وإيّاكم من فضله» «٥» والرحمة على هذا التأويل: الرزق\n_________\n(١) أخرجه مالك في «الموطأ» (١/ ٢١٧) كتاب «القرآن» باب: العمل في الدعاء، حديث (٣٨) .\n(٢) أخرجه أحمد (٢/ ٥٠٩) من حديث أبي هريرة، وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٢١٣)، وقال:\nرواه أحمد، والطبراني في «الأوسط»، ورجالهما رجال الصحيح غير عاصم بن بهدلة، وقد وثق.\n(٣) أخرجه أبو داود (٢/ ٧٥٨) كتاب «الأدب» باب: في برّ الوالدين، حديث (٥١٤٢)، وابن ماجه (٢/ ١٢٠٨- ١٢٠٩) كتاب «الأدب» باب: «صل من كان أبوك يصل»، حديث (٣٦٦٤)، والحاكم (٤/ ١٥٤- ١٥٥)، وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.\n(٤) أخرجه الطبري (٨/ ٦٧) برقم: (٢٢٢٤٠)، وذكره ابن عطية (٣/ ٤٥٠)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٣١٩)، وعزاه لابن أبي شيبة، وابن المنذر، عن الحسن ﵁.\n(٥) ينظر: «القرطبي» (١٠/ ٢٤٩) .","vol":"3","page":469},{"text":"المنتظر، وهذا قول ابن عباس «١» وغيره، والميسور: من اليسر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-799>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٢٩ الى ٣٠]</span>\nوَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (٢٩) إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (٣٠)\nوقوله سبحانه: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ استعارةٌ لليد المقبوضةِ عن الانفاق جملةً، واستعير لليد التي تستنفِذُ جميعَ ما عنْدها غايةَ البَسْطِ ضِدّ الغُلِّ، وكلُّ هذا في إِنفاق الخير، وأما إِنفاق الفساد، فقليله وكثيره حرامٌ، أو الملامة هنا لاحقةٌ ممن يطلب من المستحقين، فلا يجدُ ما يعطى، «والمحسورُ» الذي قد استنفدَتْ قوته، تقولُ: حَسَرْتُ البَعِيرَ إِذا أتْعَبْتَهُ حتى لم تَبْقَ له قوة ومنه البَصَرِ الحَسِير.\nقال ابنُ العربيِّ «٢» وهذه الآية خطاب للنبيّ ﷺ، والمراد أمته، وكثيرًا ما جاء هذا المعنى في القرآن، فإن النبي ﷺ لمَّا كان سيِّدَهم وواسطَتَهم إِلى ربِّهم، عبِّر به عنهم، على عادة العرب في ذلك. انتهى من «الأحكام»، و«الحسير»: هو الكالُّ.\nإِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ معنى يَقْدِرُ: يضيِّق.\nوقوله سبحانه: إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا، أي: يعلم مصلحة قَوْمٍ في الفقر، ومصلحةَ آخرين في الغنى.\nوقال بعضُ المفسِّرين: الآية إِشارةٌ إِلى حال العرب التي كانَتْ يصلحها الفَقْرَ، وكانت إِذا شبعتْ، طَغَتْ.\nت: وهذا التأويلُ يَعْضُدُهُ قوله تعالى: وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ ... الآية [الشورى: ٢٧] ولا خصوصيَّة لذكْر العرب إِلا مِنْ حيث ضرب المثل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-800>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٣١ الى ٣٥]</span>\nوَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيرًا (٣١) وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا (٣٢) وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُورًا (٣٣) وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا (٣٤) وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٣٥)\nوقوله سبحانه: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ ... الآية: نهي عن الوأد الذي\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٨/ ٧٠) برقم: (٢٢٢٥٩)، وذكره ابن عطية (٣/ ٤٥٠)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٣٢١)، وعزاه لابن جرير. [.....]\n(٢) ينظر: «أحكام القرآن» (٣/ ١٢٠٤) .","vol":"3","page":470},{"text":"كانت العرب تفعله، «والإِملاق» . الفقر وعَدَم المال، وروى أبو داود عن ابن عباس، قال:\nقال رسول الله ﷺ: «مَنْ كَانَتْ لَهُ ابْنَةٌ فَلمْ يَئِدْهَا، ولَمْ يُهِنْهَا، وَلَمْ يُؤثِرْ وَلَدَهُ عَلَيْهَا- قال:\nيَعْني الذُّكُورَ- أدْخَلَهُ اللَّهُ الجَنة» «١» انتهى. والحق الذي تقتل به النفس: قد فسّره النبي ﷺ في قوله: «لاَ يُحِلُّ دَمَ المُسْلِمِ إلاَّ إحْدَى ثَلاَثِ خِصَالٍ: كُفْرُ بَعْدَ/ إِيمَانٍ، أو زنًا بَعْدَ إِحْصَانٍ، أوْ قَتْلُ نَفْسٍ» «٢» أي: وما في هذا المعنى مِنْ حرابةٍ أو زندقةً ونحو ذلك.\nوَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا أي: بغير الوجوه المذكورة، فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا، ولا مدخل للنساء في ولاية الدَّمِ عند جماعة من العلماءِ، ولهنَّ ذلك عند آخرين، «والسلطان»: الحجة والملك الذي جُعِلَ إِليه من التخيير في قبول الدية أو العفو قاله ابن عبَّاس «٣» . قال البخاريُّ: قال ابن عباس: كلُّ سلطانٍ في القرآن فهو حُجَّة «٤» . انتهى، وقال قتادة: «السلطان»: القود «٥» .\n_________\n(١) تقدم تخريجه.\n(٢) أخرجه الشافعي (٢/ ٩٦) كتاب «الديات»، الحديث (٣١٨)، والطيالسي ص: (١٣)، الحديث (٧٢)، وأحمد (١/ ٦١)، والدارمي (٢/ ٢١٨) كتاب «السير» باب: لا يحل دم رجل يشهد أن لا إله إلا الله، والترمذي (٤/ ١٩) كتاب «الديات» باب: ما جاء، لا يحل دم امرئ مسلم، الحديث (١٤٠٢)، والنسائي (٧/ ١٠٣) كتاب «تحريم الدم» باب: الحكم في المرتد، وابن ماجه (٢/ ٨٤٧) كتاب «الحدود» باب: لا يحل دم امرئ مسلم إلا في ثلاث، الحديث (٢٥٣٣)، والحاكم (٤/ ٣٥٠) كتاب «الحدود»، وابن الجارود ص: (٢١٣) رقم (٨٣٦) من حديث عثمان.\nوقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.\nوأخرجه الطيالسي ص: (٢١٦)، الحديث (١٥٤٣)، وأحمد (٦/ ٢١٤)، وأبو داود (٤/ ٥٢٢) كتاب «الحدود» باب: الحكم فيمن ارتد، الحديث (٤٣٥٣)، والنسائي (٧/ ١٠١- ١٠٢) باب: الصلب، والحاكم (٤/ ٣٦٧) من حديث عائشة، وقال الحاكم صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.\nوأخرجه البخاري (١٢/ ٢٠١) كتاب «الديات» باب: قوله تعالى: أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ، حديث (٦٨٧٨) .\nومسلم (٣/ ٧٣٠٢) كتاب «القسامة» باب: ما يباح به دم المسلم (٢٥/ ١٦٧٦)، والترمذي (١٤٠٢)، وأبو داود (٤٣٥٢)، والنسائي (٧/ ٩٢)، وابن ماجه (٢٥٣٤)، والدارمي (٢/ ٢١٨)، والدارقطني (٣/ ٨٢)، والبيهقي (٨/ ١٩)، وأحمد (١١/ ٣٨٢، ٤٢٨، ٤٤٤، ٤٦٥)، عن عبد الله بن مسعود مرفوعا بنحوه.\n(٣) أخرجه الطبري (٨/ ٧٥) برقم: (٢٢٢٨٧)، وذكره ابن عطية (٣/ ٤٥٣)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٣٢٦)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم.\n(٤) أخرجه الطبري (٨/ ٧٥) برقم: (٢٢٢٨٩)، وذكره ابن عطية (٣/ ٤٥٣) .\n(٥) أخرجه الطبري (٨/ ٧٥) برقم: (٢٢٢٨٧)، وذكره ابن عطية (٣/ ٤٥٣)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٣٢٦)، وعزاه لابن أبي حاتم.","vol":"3","page":471},{"text":"وقوله سبحانه: فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ المعنى: فلا يَتَعَدَّ الوليُّ أمْرَ اللَّه بأنْ يقتل غير قاتِلِ وليِّه، أو يقتل اثنين بواحدٍ إلى غير ذلك من وجوه التعدِّي، وقرأ «١» حمزة والكسائيُّ، وابن عامر: «فَلاَ تُسْرِفْ» - بالتاء من فوق-، قال الطبري «٢»: على الخطاب للنبيِّ ﷺ والأئمة بعده.\nقال ع: ويصحَّ «٣» أنْ يراد به الوليُّ، أي: فلا تسرفْ أيُّها الولي، والضميرُ في «إِنه» عائدٌ على «الوليِّ»، وقيل: على المقتول، وفي قراءة أبي بن «٤» كعب: «فَلاَ تُسْرُفوا في القِتَال إِنَّ وليَّ المَقْتُول كانَ مَنْصُورًا»، وباقي الآية تقدَّم بيانه، قال الحسن:\nبِالْقِسْطاسِ هو «٥» القَبَّان «٦»، وهو القرسطون، وقيل: القِسْطَاسِ: هو الميزانُ، صغيرًا كان أو كبيرًا.\nقال ع «٧»: وسمعت أبي رحمه الله تعالى يَقُولُ: رأيْتُ الواعِظَ أبا الفضْلِ الجَوْهَرِيَّ ﵀ في جامعِ عمرو بن العاص يعظُ النَّاسَ في الوزْن، فقال في جملة كلامه: إِن في هيئة اليَدِ بالميزانِ عِظَةً، وذلك أنَّ الأصابعَ يجيءُ منها صُوَرةُ المكتوبة ألف ولامَانِ وهاء، فكأنَّ الميزان يقولُ: اللَّه، اللَّه.\nقال ع «٨»: وهذا وعظٌ جميلٌ، «والتأويل»، في هذه الآية المآل قاله «٩» قتادة،\n_________\n(١) وحجتهم: قراءة عبد الله: «فلا تسرفوا في القتل» . وحجة الباقين: أن هذا الكلام أتى عقيب خبر عن غائب، وهو قوله: مَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا.\nينظر: «السبعة» (٣٨٠)، و«الحجة» (٥/ ٩٨- ٩٩)، و«إعراب القراءات» (١/ ٣٧٢)، و«معاني القراءات» (٢/ ٩٤)، و«شرح الطيبة» (٤/ ٤٣٠)، و«العنوان» (١١٩)، و«حجة القراءات» (٤٠٢)، و«شرح شعلة» (٤٦٣)، و«إتحاف» (٢/ ١٩٧) .\n(٢) ينظر: «الطبري» (٨/ ٧٦) .\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٤٥٣) .\n(٤) ينظر: «الشواذ» ص: (٨٠)، و«الكشاف» (٢/ ٦٦٥)، و«المحرر الوجيز» (٣/ ٤٥٣)، و«البحر المحيط» (٦/ ٣١) .\n(٥) أخرجه الطبري (٨/ ٧٩) برقم: (٢٢٣٠٤)، وذكره البغوي (٣/ ١١٤)، وذكره ابن عطية (٣/ ٤٥٥)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٣٢٩)، وعزاه لابن المنذر، عن الضحاك.\n(٦) هو الميزان ذو الذراع الطويلة المقسمة أقساما، ينقل عليها جسم ثقيل يسمى الرمانة لتعين وزن ما يوزن.\nينظر: «المعجم الوسيط» (٧٢٠) .\n(٧) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٤٥٥) .\n(٨) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٤٥٥) . [.....]\n(٩) أخرجه الطبري (٨/ ٧٩) برقم: (٢٢٣٠٦) بنحوه، وذكره ابن عطية (٣/ ٤٥٥)، وابن كثير في «تفسيره»","vol":"3","page":472},{"text":"ويحتمل أنْ يكون التأويلُ مصدر تأولَّ، أي: يتأول عليكم الخَيْر في جميع أموركم، إِذا أحسنتم الكيلَ والوَزْن.\nوقال ص: تَأْوِيلًا أي: عاقبة انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-801>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٣٦ الى ٣٨]</span>\nوَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا (٣٦) وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا (٣٧) كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (٣٨)\nوقوله سبحانه: وَلا تَقْفُ معناه لا تقُلْ ولا تتَّبع، واللفظة تستعملُ في القَذْف ومنه قول النبيّ ﷺ: «نَحْنُ بَنُو النَّضْرِ لاَ نَقْفُوا أُمَّنَا، وَلاَ نَنْتِفى مِنْ أَبِينَا»، وأصل «١» هذه اللفظة من اتباع الأثر، تقول: قَفَوْتُ الأَثَرَ، وحكى الطبريُّ «٢» عن فرقةٍ أنها قالَتْ: قَفَا وقَافَ، مثل عَثَا وعَاث، فمعنى الآية: ولا تتبع لسانَكَ من القول ما لا عِلْمَ لك به، وبالجملة: فهذه الآية تنهى عن قول الزور والقذفِ وما أشبه ذلك من الأقوال الكاذبة والمُرْدِيَة.\nإِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا عبَّر عن هذه الحواسِّ ب أُولئِكَ. لأن لها إدراكًا وجعلها في هذه الآية مسؤولة، فهي حالَةُ مَنْ يعقل.\nت: قال ص: وما توهمه ابنُ عطية أُولئِكَ تختصُّ بمن يعقل ليس كذلك إِذ لا خلاف بين النحاة في جواز إطلاق «أولاء» و«أولئك» على مَنْ لا يعقل.\nت: وقد نقل ع «٣» الجَوَازَ عن الزَّجَّاجِ وفي ألفِيَّةِ ابْنِ مالك: [الرجز] وبأولى أشر لجمع مطلقا «٤» ...\n_________\n(٣/ ٤٩)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٣٢٨)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(١) أخرجه ابن ماجه (٢/ ٨٧١) كتاب «الحدود» باب: من نفى رجلا من قبيلة، حديث (٢٦١٢) من طريق عقيل بن طلحة، عن مسلم بن هيضم، عن الأشعث بن قيس قال: أتيت رسول الله ﷺ في وفد كندة ولا يروني إلا أفضلهم فقلت: يا رسول الله ألستم منا؟ فقال: فذكره، وقال البوصيري في «الزوائد»: هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات عقيل بن طلحة وثقه ابن معين والنسائي، وذكره ابن حبان في الثقات، وباقي رجال الإسناد على شرط مسلم.\n(٢) ينظر: «الطبري» (٨/ ٨٠) بنحوه.\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٤٥٦) .\n(٤) وبعده:\n............ ... والمدّ أولى ولدي البعد انطقا","vol":"3","page":473},{"text":"فقال ولده بدر الدين: أي سواءٌ كان مذكَّرًا أو مؤنَّثًا، وأكثر ما يستعمل فيمن يعقل، وقد يجيء/ لغيره كقوله: [الكامل]\nذُمَّ المَنَازِلَ بَعْدَ مَنْزِلَةِ اللِّوَى ... والعَيْشَ بَعْدَ أُوَلئِكَ الأَيَّامِ «١»\nوقد حكى «٢» ع البيْتَ، وقال: الرواية فيه «الأقوامِ»، واللَّه أعلم انتهى.\nوالضمير في عَنْهُ يعودُ على ما ليس للإِنسان به عِلْم، ويكون المعنى: إِن اللَّه تعالى يَسْأَل سَمْعَ الإِنسان وبَصَره وفُؤَاده عمَّا قال مما لاَ عْلَم له به، فيقع تكذيبه مِنْ جوارحه، وتلك غايةُ الخزْي، ويحتمل أنْ يعود على كُلُّ التي هي السمْعُ والبصر والفؤاد، والمعنى: إن اللَّه تعالى يسأل الإِنسان عما حواه سمعه وبصره وفؤاده.\nقال صاحبُ «الكَلِمِ الفَارِقِيَّة»: لا تَدَعْ جَدْوَلَ سمِعْكَ يجرى فيه أُجَاج الباطل فيلهب باطنك بنار الحِرْص على العاجل، السَّمْعُ قُمْعٌ تغور فيه المعاني المَسْمُوعة إِلى قرار وعاء القَلْب، فإنْ كانَتْ شريفةً لطيفةً، شرَّفَتْه ولطَّفَتْه وهذَّبَتْه وزكَّتْه، وإِن كانَتْ رذيلةً دنيَّةً، رذَّلَتْه وخبَّثَتْه، وكذلك البصَرُ منْفُذٌ مِنْ منافذ القلب، فالحواسّ الخمس كالجداول والرواضع\n_________\nبالكاف حرفا دون لام أو معه ... واللّام إن قدّمت «ها» ممتنعة\nأي: يشار إلى الجمع- مذكرا كان أو مؤنثا- ب «أولى» ممدودا أو مقصورا، والمد أولى، لأنه لغة الحجاز، وبه جاء التنزيل، قال تعالى: ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ والقصر لغة تميم.\nوأشار بقوله: «ولدي البعد انطقا ...» إلخ: إلى أن المشار إليه له رتبتان: قربى، وبعدي:\nأما المرتبة القربى: فتكون بدون كاف الخطاب ولام البعد، سواء مع «ها» التنبيه أو بدونها، تقول: (ذا- هذا)، و(ذي- هذي)، و(ذان- هذان)، و(تان- هاتان)، و(أولى- هؤلى)، و(أولاء- هؤلاء) .\nوالمرتبة البعدى: تكون بكاف الخطاب دون لام البعد أو معها، فإن جاءت معها اللام امتنعت «ها» التنبيه، وكنا إن تقدمت «ها» امتنعت اللام، وهذا ما أشار إليه الناظم بقوله: «واللام إن قدمت «ها» ممتنعه»، فتقول: (ذاك- هذاك- ذلك)، و(تيك- هاتيك- تلك)، وعلى ذلك قس، وعلى هذاك قول طرفة [من الطويل]:\nرأيت بني غبراء لا ينكرونني ... ولا أهل هذاك الطّراف الممدّد\n(١) البيت لجرير في «ديوانه» ص: (٩٩٠)، وفيه «الأقوام» مكان «الأيّام»، و«تخليص الشواهد» ص:\n(١٢٣)، و«خزانة الأدب» (٥/ ٤٣٠)، و«شرح التصريح» (١/ ١٢٨)، و«شرح شواهد الشافية» ص:\n(١٦٧)، و«شرح المفصّل» (٩/ ١٢٩)، و«لسان العرب» (١٥/ ٤٣٧) (أولي)، و«المقاصد النحويّة» (١/ ٤٠٨)، وبلا نسبة في «أوضح المسالك» (١/ ١٣٤)، و«شرح الأشموني» (١/ ٦٣)، و«شرح ابن عقيل» ص: (٧٢)، و«المقتضب» (١/ ٨٥) .\nواستشهد فيه بقوله: «أولئك الأيام» حيث أشار ب «أولاء» إلى «الأيّام» ممّا يدلّ على جواز الإشارة ب «أولاء» إلى جمع غير العاقل. ويروى «الأقوام» مكان «الأيّام»، ولا شاهد فيه حينئذ.\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٤٥٦) .","vol":"3","page":474},{"text":"تَرْضَعُ من أثداءِ الأشياء التي تُلاَبِسُها، وتأخذ ما فيها من معانيها وأوصافها، وتؤدِّيها إلى القَلْب وتنهيها. انتهى.\nوقوله سبحانه: وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا قرأ الجمهور «١» مَرَحًا بفتح الحاء مصدر: مَرِحَ يَمْرَحُ إِذا تسيَّب مسرورًا بدنياه، مقبلًا على راحته، فنُهِيَ الإِنسانُ أنْ يكون مشيه في الأرض على هذا الوجه، وقرأت فرقةٌ «٢»: «مَرِحًا» بكسر الراء، ثم قيل له: إنك أيها المرح المختال الفخور، لن تَخْرِقَ الأرض، ولن تطاول الجبال بفخْرك وكبْرك، «وخرق الأرض» قَطْعها ومَسْحها واستيفاؤها بالمشْي.\nوقوله سبحانهُ: كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ قرأ نافعٌ وابن كثير «٣» وأبو عمرو: «سَيِّئَةً» فالإِشارة بذلك على هذه القراءةِ إلى ما تقدَّم ذكره مما نهي عنه كقوله: أُفٍّ [الإسراء:\n٢٣] وقذف الناس، والمَرَحِ، وغيرِ ذلك، وقرأ عاصم وابن عامرٍ وحمزةُ والكسائيُّ «سَيِّئُهُ» على إضافة «سَيِّىء» إلى الضمير، فتكون الإِشارة على هذه القراءة إلى جميع ما ذَكَرَ في هذه الآيات من برّ ومعصية، ثم اختص ذكر السّيّئ منه، بأنه مكروه عند الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-802>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٣٩ الى ٤٠]</span>\nذلِكَ مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا (٣٩) أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا (٤٠)\nوقوله سبحانه: ذلِكَ مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ ... الآية: الإِشارةُ ب ذلِكَ إلى هذه الآداب التي تضّمنتها هذه الآيات المتقدّمة، والْحِكْمَةِ: قوانينُ المعاني المُحِكَمة، والأفْعَالِ الفاضلة.\nت: فينبغي للعاقل أنْ يتأدَّب بآداب الشريعة، وأنْ يحسن العشرْة مع عَبادِ اللَّه، قال الإِمام فَخْرُ الدِّين ابْنُ الخَطِيب في «شرح أسماء اللَّه الحسَنى» كان بعضُ المشايِخِ يقولُ: مَجَامِعُ الخَيْرَاتِ محصُورَةٌ في أمرَيْنِ صِدْقٍ مَعَ الحَقِّ، وخُلُقٍ مع الخَلْقِ انتهى، وذكر هشامُ بنُ عبْدِ اللَّهِ القرطبيُّ في تاريخه المسمَّى ب «بهجة النّفس»، قال: دخل عبد\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٤٥٦)، و«الدر المصون» (٤/ ٣٩١) .\n(٢) وقرأ بها يحيى بن يعمر. ينظر: «مختصر الشواذ» ص: (٨٠)، و«المحرر الوجيز» (٣/ ٤٥٧)، و«البحر المحيط» (٦/ ٣٤)، و«الدر المصون» (٤/ ٣٩١) .\n(٣) وحجتهم فيما قال أبو عمرو: «ولا يكون فيما نهى الله عنه شيء حسن، فيكون سيئه مكروها» .\nوينظر: «السبعة» (٣٨٠)، و«الحجة» (٥/ ١٠٢)، و«إعراب القراءات» (١/ ٣٧٣)، و«معاني القراءات» (٢/ ٩٥)، و«العنوان» (١٢٠)، و«شرح الطيبة» (٤/ ٤٣١)، و«حجة القراءات» (٤٠٣)، و«شرح شعلة» (٤٦٣)، و«إتحاف» (٢/ ١٩٧) .","vol":"3","page":475},{"text":"الملكِ بْنُ مَرْوَانَ على معاويةَ، وعنده عَمْرُو بن العاص، فلم يَلْبَثْ أنْ نَهَضَ، فقال معاوية/ لعمْرٍو: ما أكْمَلَ مُرُوءَةَ هذا الفتى! فقال له عمرو: إنه أخذ بأخْلاَقٍ أربعةٍ، وترك أخلاقًا ثلاثةً، أخذ بأحْسَنِ البشر إِذا لقي، وبأحْسن الاستماع إِذا حُدِّثَ، وبأحْسَنِ الحديثِ إِذَا حَدَّث، وبأحسنِ الرَّدِّ إِذا خولِفَ، وتركَ مُزَاحَ من لا يُوثَقُ بعقله، وتَرَكَ مخالَطَةَ لِئَامِ النَّاس، وتَرَكَ مِنَ الحديثِ ما يُعْتَذَرُ منْه. انتهى.\nوقوله سبحانه: وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ ... الآية: خطاب للنبيّ ﷺ، والمراد غيره، «والمدحورُ» المهانُ المُبْعَدُ.\nوقوله سبحانه: أَفَأَصْفاكُمْ ... الآية خطابٌ للعرب، وتشنيعٌ عليهم فَسَادَ قولهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-803>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٤١ الى ٤٤]</span>\nوَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَما يَزِيدُهُمْ إِلاَّ نُفُورًا (٤١) قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إِذًا لابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (٤٢) سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤٣) تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)\nوقوله سبحانه: وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا، أي صرَّفنا فيه الحِكَمَ والمواعظ.\nوقوله سبحانه: إِذًا لَابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا قال سعيدُ بن جُبَيْر وغيره: معنى الكلام: لاَبْتَغَوْا إِليه سبيلًا في إِفساد مُلْكِهِ ومُضَاهَاته في قُدْرته «١»، وعلى هذا: فالآية بيان للتمانُع، وجاريةٌ مع قوله تعالى: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [الأنبياء: ٢٢] .\nقال ع «٢»: ونقتضب شيئًا من الدليل على أنه لا يجوزُ أَنْ يكونَ مَعَ اللَّهِ ﵎ إله غيره على ما قال أبو المَعَالي وغيره: أنا لو فَرَضَناه، لفَرَضْنا أن يريد أحدهما تسكينَ جِسْمٍ والآخرُ تحريكَهُ، ومستحيلٌ أن تنفذ الإِرادتانِ ومستحيلٌ ألاَّ تنفذَا جميعًا، فيكون الجسْمُ لا متحِّركًا، ولا ساكنًا، فإِن صحَّت إِرادة أحدهما دون الآخر، فالذي لم تتمَّ إِرادته ليس بإله، فإِن قيل: نفرضهما لا يختلفانِ، قُلْنا: اختلافُهما جائزٌ غيرُ مُمْتَنعٍ عقلًا، والجائز في حُكْمِ الواقعِ، ودليلٌ آخر: أنَّه لو كان الاثنانِ، لم يمتنعْ أنْ يكونوا ثلاثةً، وكذلك ويتسلسل إِلى ما لا نهاية له، ودليلٌ آخر: أنَّ الجزء الذي لا يتجزَّأُ من المخترعات لا تتعلَّق به إِلا قدرةٌ واحدةٌ لا يصحُّ فيها اشتراك، والآخر كذلك دأبا، فكل جزء إنما يخترعه\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٣/ ٤٥٩)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٣٣١)، وعزاه لابن أبي حاتم.\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤٥٩) . [.....]","vol":"3","page":476},{"text":"واحدٌ، وهذه نبذة شرحُهَا بحَسَبِ التقصِّي يطولُ.\nوقوله سبحانه: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ... الآية: اختلف في هذا «التسبيح»، هل هو حقيقةٌ أو مجاز، ت: والصوابُ أنه حقيقة، ولولا خشية الإطالة، لأتينا من الدلائل على ذلك بما يثلج له الصّدر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-804>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٤٥ الى ٤٧]</span>\nوَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا (٤٥) وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْرًا وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُورًا (٤٦) نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلًا مَسْحُورًا (٤٧)\nوقوله سبحانه: وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يعني كفَّارَ مكّة وحِجابًا مَسْتُورًا يحتمل أن يريد به حمايةَ نبيِّه منهم وقْتَ قراءته وصلاتِهِ بالمَسْجد الحرام كما هو معلوم مشهورٌ ويحتمل أنه أراد أنه جعل بين فَهْم الكفرة وبَيْنَ فَهْم ما يقرؤه ﷺ حجابًا، فالآية على هذا التأويل: في معنى التي بعدها.\nوقال الواحديُّ: قوله تعالى: وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ ... الآية: نزلَتْ في قومٍ كانوا يؤذون النبيّ ﷺ، إِذا قرأ القرآن فحَجَبَه اللَّه عن أعينهم عنْدَ قراءة القرآن، حتى يكونوا يَمُرُّونَ به ولا يَرَوْنَه.\nوقوله: مَسْتُورًا معناه: ساترًا انتهى.\n«والأكنَّة» جمع كِنَان، وهو ما غطى الشيء، «والوَقْرُ»: الثِّقَل في الأُذُن، المانِعُ/ من السمعِ، وهذه كلُّها استعاراتٌ للإِضلالِ الذي حَفَّهم اللَّه به.\nوقوله سبحانُهُ: نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ ... الآية: هذا كما تقولُ: فلان يستمعُ بإِعراضٍ وتغافلٍ واستخفافٍ، «وما» بمعنى «الذي»، قيل: المراد بقوله: وَإِذْ هُمْ نَجْوى اجتماعُهم في دار الندوة، ثم انتشرت عنهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-805>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٤٨ الى ٥١]</span>\nانْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٤٨) وَقالُوا أَإِذا كُنَّا عِظامًا وَرُفاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٤٩) قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتى هُوَ قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا (٥١)\nوقوله سبحانه: انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ ... الآية: حكى الطبري «١» أنها\n_________\n(١) ينظر: «الطبري» (٨/ ٨٨) .","vol":"3","page":477},{"text":"نزلَتْ في الوليدِ بْنِ المُغِيرة وأصحابه.\nوقوله سبحانه: فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا، أي: إلى إِفساد أمرك وإطفاء نورك، وقولهم: أَإِذا كُنَّا عِظامًا وَرُفاتًا الآية في إِنكارهم البَعْثَ، وهذا منهم تعجُّب وإنكار واستبعاد و«الرُّفَاتُ» من الأشياء: ما مَرَّ عليه الزمانُ حتى بلغ غايةَ البِلَى، وقربه مِنْ حالة التُّرَابَ.\nوقال ابن عباس: رُفاتًا غبارًا «١» وقال مجاهد: تُرَابًا «٢»، وقوله سبحانه: قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيدًا ... الآية: المعنى: قل لهم، يا محمَّد، كونوا إِن استطعتم هذه الأشياءَ الصَّعبة الممتَنِعَةَ التأتِّي لا بُدَّ من بعثكم، ثم احتَجَّ عليهم سبحانه في الإعادة بالفِطْرة الأولى من حيثُ خلقُهم واختراعهم من تُرَاب.\nوقوله سبحانه: فَسَيُنْغِضُونَ معناه يرفعون ويُخْفِضُون، يريد على جهة التكذيب والاستهزاء. قال الزَّجَّاج: وهو «٣» تحريك مَنْ يبطل الشيء ويَسْتَبْطِئُهُ ومنه قول الشاعر:\n[الرجز]\nأَنْغَضَ نَحْوِي رَأْسَهُ وَأَقْنَعَا ... كَأَنَّمَا أَبْصَرَ شَيْئًا أَطْمَعَا «٤»\nويقال: أَنْغَضَتِ السِّنُّ إِذا تحرَّكَتْ، قال الطبري «٥» وابنُ سَلاَّمٍ: عَسى من اللَّه واجبةٌ، فالمعنى: هو قريبٌ، وفي ضمن اللفْظِ توَّعد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-806>[سورة الإسراء (١٧): آية ٥٢]</span>\nيَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلًا (٥٢)\nوقوله سبحانه: يَوْمَ يَدْعُوكُمْ: بدل من قوله: قَرِيبًا ويظهر أن يكون المعنى «هو يَوْمَ» جوابًا لقولهم: «متى هو»، ويريد يدعوكم من قبوركم بالنفْخ في الصُّور لقيامِ الساعة.\nوقوله: فَتَسْتَجِيبُونَ، أي: بالقيامِ، والعودة والنهوض نحو الدعوة.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٨/ ٨٩) برقم: (٢٢٣٤٧)، وذكره ابن عطية (٣/ ٤٦٢)، وابن كثير في «تفسيره» (٣/ ٤٤)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٣٣٩)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٢) أخرجه الطبري (٨/ ٨٨) برقم: (٢٢٣٤٥)، وذكره البغوي (٣/ ١١٨)، وذكره ابن عطية (٣/ ٤٦٢)، وابن كثير في «تفسيره» (٣/ ٤٤)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٣٣٩)، وعزاه لابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٣) ينظر: «أحكام القرآن» (٣/ ٢٤٥) .\n(٤) البيت من شواهد: «المحرر الوجيز» (٣/ ٤٥٢) .\n(٥) ينظر: «الطبري» (٨/ ٩٢) .","vol":"3","page":478},{"text":"وقوله: بِحَمْدِهِ قال ابن جُبَيْر: إِن جميع العالمين يقومُونَ، وهم يَحْمَدُون اللَّه ويمَجِّدونه، لما يظهر لهم مِنْ قُدْرته «١» ص: أبو البقاء بِحَمْدِهِ أي: حامدين، وقيل: بِحَمْدِهِ من قول الرسول، أي: وذلك بحمد اللَّه على صدْقِ خَبَري، ووقع في لفظ ع حين قرر هذا المعنى: «عَسَى أن الساعة قريبةٌ» وهو تركيبٌ لا يجوزُ لا تقولُ: عَسَى أنَّ زيدًا قائمٌ انتهى.\nوقوله سبحانه: وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا يحتملُ معنيين.\nأحدهما: أنهم لَمَّا رجعوا إلى حالة الحياةِ، وتصرُّف الأجساد، وقع لهم ظَنٌّ أنهم لم ينفصلوا عن حال الدُّنْيا إِلا قليلًا لمغيبِ عِلْم مقدار الزمان عنهم إِذ مَنْ في الآخرة لا يقدِّر زمن الدنيا إِذ هم لا محالة أشدُّ مفارقةً لها من النائمين، وعلى هذا التأويل عوَّل الطبري «٢» .\nوالآخر: أنْ يكون الظنُّ بمعنى اليقينِ، فكأنه قال: يوم يَدْعُوكم فتستجيبون بَحْمِدِه، وتتيقنون أنَّكم إِنما لبثتم قليلًا من حيثُ هو منقضٍ منحصرٌ.\nوحكى الطبريُّ عن قتادة أنهم لما رأوا هولَ يوم القيامة، احتقروا/ الدُّنْيا، فظنوا أنهم لبثوا فيها قليلًا «٣» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-807>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٥٣ الى ٥٥]</span>\nوَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوًّا مُبِينًا (٥٣) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (٥٤) وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا (٥٥)\nوقوله سبحانه: وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ اختلف الناس في الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ: فقالت فرقةٌ: هي لا إله إِلا اللَّه وعلى هذا، ف «العباد»: جميعُ الخلق، وقال الجمهور الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ: هي المحاورة الحَسَنة، بحسب معنى معنى، قال الحسن يقول: يَغْفِرُ اللَّه لك، يَرْحَمُكَ اللَّه «٤» وقوله: لِعِبادِي خاصُّ بالمؤمنين، قالت فرقة: أمر\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٣/ ٤٦٣)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٣٣٩)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٢) ينظر: «الطبري» (٨/ ١٠٣) .\n(٣) أخرجه الطبري (٨/ ٩٣) برقم: (٢٢٣٦٩)، وذكره البغوي (٣/ ١١٩)، وابن عطية (٣/ ٤٦٣)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٣٤٠)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم.\n(٤) أخرجه الطبري (٨/ ٩٣) برقم: (٢٢٣٧٠)، وذكره البغوي (٣/ ١١٩) بنحوه، وذكره ابن عطية (٤/ ٤٦٤)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٣٤٠)، وعزاه لابن جرير.","vol":"3","page":479},{"text":"اللَّه المؤمنين فيما بينهم بُحْسن الأدب، وخَفْضِ الجناحِ، وإلانة القَوْلَ، واطِّراحِ نَزَعاتِ الشيطان، ومعنى النَّزْغُ: حركاتُ الشيطانِ بُسْرعة ليوجب فسادًا، وعداوةُ الشيطان البيِّنة:\nهي من قصة آدم ﵇، فما بعد، وقالَتْ فرقة: إِنما أمر اللَّه في هذه الآية المؤمنين بإِلانة القوْلِ للمشركين بمكَّة أيام المُهَادنة، ثم نُسِخَتْ بآية السيف.\nوقوله سبحانه: رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ: يقوِّي هذا التأويل إِذ هو مخاطبةٌ لكفَّار مكَّة بدليل قوله: وَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا فكأن اللَّه ﷿ أمر المؤمنين ألاَّ يخاشنوا الكُفَّار في الدين، ثم قال للكفَّار إِنه أعلم بهم ورجَّاهم وخوفهم، ومعنى يَرْحَمْكُمْ بالتوبة عليكم من الكُفْر قاله ابن جُرَيْج وغيره «١» .\nوقوله سبحانه: وَآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا قرأ الجمهور «٢»: «زَبُورًا» بفتح الزاي، وهو فَعُولٌ بمعنى مَفْعُولٍ، وهو قليلٌ لم يَجِىءْ إلا في قَدُوعِ وَرَكُوبٍ وَحَلُوب، وقرأ حمزة «٣»:\nبَضَمِّ الزاي قال قتادة: زبور دَاوُدَ مَواعظُ ودعاء، وليس فيه حلال ولا حرام «٤» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-808>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٥٦ الى ٥٨]</span>\nقُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا (٥٦) أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُورًا (٥٧) وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوها عَذابًا شَدِيدًا كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُورًا (٥٨)\nوقوله سبحانه: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا هذه الآيةُ ليستُ في عبدة الأصنام، وإِنما هي في عَبَدَةِ مَنْ يعقل، كعيسَى وأمِّه وعُزَيْرٍ وغيرهم. قاله ابن عباس «٥»، فلا يملكُونَ كَشْفَ الضرِّ ولا تحويله، ثم أخبر تعالى،\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٣/ ٩٣) برقم: (٢٢٣٧١)، وذكره البغوي (٣/ ١١٩)، وابن عطية (٣/ ٤٦٤)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٣٤٠)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر.\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٤٦٥) .\n(٣) وقرأ بها يحيى والأعمش. ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٤٦٥)، و«السبعة» (٣٨٢)، و«الحجة» (٥/ ١٠٨)، و«إعراب القراءات» (١/ ٣٧٦)، و«العنوان» (١٢٠)، و«إتحاف» (٢/ ٢٠٠) .\n(٤) ذكره ابن عطية (٣/ ٤٦٥)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٣٤١)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم. [.....]\n(٥) أخرجه الطبري (٨/ ٩٦) برقم (٢٢٣٨٥)، وذكره البغوي (٣/ ١٢٠)، وابن عطية (٣/ ٤٦٥)، وابن كثير في «تفسيره» (٣/ ٤٧)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٣٤٣)، وعزاه لابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه.","vol":"3","page":480},{"text":"أنَّ هؤلاء المعبودين يَطْلُبُون التقرُّب إِلى اللَّه والتزلُّف إِليه، وأنَّ هذه حقيقة حالهِمْ.\nوقوله سبحانه: وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ... الآية: قال عزُّ الدين بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ، في اختصاره ل «رِعَايَة المُحَاسِبِيِّ»: الخوفُ والرجاءُ: وسيلَتَانِ إِلى فعْلِ الواجباتِ والمندوباتِ، وتركِ المحرَّمات والمكروهاتِ، ولكنْ لا بدَّ من الإِكباب على استحضار ذلك واستدامته في أكثر الأوقات حتى يصير الثواب والعقاب نُصُبَ عينيه، فَيَحُثَّاه على فعْلِ الطاعات، وتركِ المخالفات، ولَنْ يحصُلَ له ذلك إِلا بتَفْريغ القَلْبِ مِنْ كل شيء سِوَى ما يفكر فيه، أو يعينه على الفِكْرِ، وقد مُثِّلَ القلْبُ المريضُ بالشهوات بالثوْبِ المتَّسِخِ الذي لا تَزُولُ أدرانه إِلا بتَكْرير غَسْله وحَتِّه وقَرْضِهِ، انتهى. وباقي الآية بيِّن.\nوقوله سبحانه: وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوها ... الآية: أخبر سبحانه في هذه الآية أنَّه ليس مدينَةٌ من المُدُنِ إِلا هي هَالِكَة قبل يوم القيامة بالموتِ والفناءِ، هذا مع السَّلامة وأخْذِها جُزْءًا جُزْءًا، أو هي معذَّبة مأخوذةٌ مرةً واحدةً.\n/ وقوله: فِي الْكِتابِ: يريد في سابقِ القَضَاء، وما خَطَّه القلم في اللوْحِ المحفوظ، «والمسطور»: المكتوب أسطارا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-809>[سورة الإسراء (١٧): آية ٥٩]</span>\nوَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلاَّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا (٥٩)\nوقوله سبحانه: وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ ... الآية: هذه العبارة في مَنَعَنا هي على ظاهر ما تَفْهَمُ العربُ، فسمى سبحانه سبْقَ قضائِهِ بتَكْذيب مَنْ كذَّب وتعذيبِهِ- مَنْعًا وسبب هذه الآية أن قريشًا اقترحوا على النبيِّ ﷺ أَن يجعل لهم الصَّفَا ذَهَبًا، ونحو هذا من الاقتراحات، فأوحى اللَّه إِلى نبيه ﵇: إِن شئْتَ أفعلُ لهم ذلك، ثم إِن لم يؤمنوا، عاجَلْتُهُمْ بالعقوبة، وإِن شئْتَ، استأْنَيْتُ بهم عسى أن أَجْتَبِيَ منهم مؤمنين، فقال ﵇: بل استأذن بِهِمْ يَا رَبِّ «١»، فأخبر سبحانه في هذه الآية أنه لم يمنعه جلَّ وعلاَ من إرسال الآيات المقترحة إلا الاستثناء إِذ قد سلفت عادته سبحانه بمعاجلة الأمم الذين\n_________\n(١) أخرجه أحمد (١/ ٢٥٨)، والنسائي في «الكبرى» (٦/ ٣٨٠) كتاب «التفسير» باب: قوله تعالى: وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ، حديث (١١٢٩٠)، والطبري في «تفسيره» (١٥/ ٧٤)، والحاكم (٢/ ٣٦٢)، والبيهقي في «دلائل النبوة» (٢/ ٢٧١) من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي.\nوذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٣٤٤)، وزاد نسبته إلى البزار وابن المنذر، والطبراني، وابن مردويه.","vol":"3","page":481},{"text":"جاءتهم الآيات المقترحة، فلم يؤمنوا كثمودَ وغيرهم. قال الزَّجَّاجِ «١»: أخبر تعالى أنَّ موعد كفار هذه الأمة الساعة بقوله سبحانه: بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ [القمر: ٤٦] فهذه الآية تنظُرُ إِلى ذلك، ومُبْصِرَةً أي: ذاتُ إِبصار وهي عبارةٌ عن بيان أمْر الناقة، ووضوح إعجازها، وقوله: فَظَلَمُوا بِها، أي: بِعَقْرِها، وبالكُفْر في أمرهَا، ثم أخبر تعالى أنه إِنما يرسل بالآياتِ غيرِ المُقْتَرَحةِ تخويفًا للعباد، وهي آيات معها إِمهال، فمن ذلك الكُسْوفُ والرعْدُ والزلزلةُ وقَوْسُ قُزَحَ، وغَيْرُ ذلك، وآيات اللَّه المعَتَبرُ بها ثلاثَةُ أقْسَامٍ: فقسمٌ عامٌّ في كل شيء، إِذ حيث ما وضَعْتَ نَظَرك، وجدتَّ آيةً، وهنا فِكْرة للعلماء، وقِسْمٌ معتاد غالبًا كالكسوف ونحوه، وهنا فِكْرَة الجَهَلَةِ، وقسْمٌ خَارِقٌ للعادة، وقد انقضى بانقضاء النبوَّة، وإِنما يعتبر به، توهُّمًا لما سلف منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-810>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٦٠ الى ٦٥]</span>\nوَإِذْ قُلْنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيانًا كَبِيرًا (٦٠) وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ قالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا (٦١) قالَ أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلًا (٦٢) قالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُورًا (٦٣) وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاَّ غُرُورًا (٦٤)\nإِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (٦٥)\nوقوله سبحانه: وَإِذْ قُلْنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ هذه الآية إخبار للنبي ﷺ بأنه محفوظٌ من الكَفَرة آمِنٌ، أي: فَلْتُبْلِّغْ رسالةَ ربِّك، ولا تتهَّيب أحدًا من المخلوقين قاله الطبريُّ «٢» ونحوه للحَسَن «٣» والسُّدِّيِّ.\nوقوله سبحانه: وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ ... الآية: الجمهورُ أنَّ هذه الرؤيا رؤيا عين ويقظة، وذلك أنّ النبيّ ﷺ لما كان صَبِيحَةَ الإِسراء، وأخبر بما رأى في تلك الليلة من العجائب، قال الكفَّار: إِن هذا لعجب، واستبعدوا ذلك فافتتن بهذا قومٌ من ضَعَفَةِ المسلمين فارتدوا وشقَّ ذلك على النبيّ ﷺ فنزلت هذه الآية فعلى هذا يحسن\n_________\n(١) ينظر: «تفسير الزجاج» (٣/ ٢٤٧) .\n(٢) ينظر: «الطبري» (٨/ ١٠٠) .\n(٣) أخرجه الطبري (٨/ ١٠٠) برقم: (٢٢٤٠٨)، وذكره ابن عطية (٣/ ٤٦٧)، وابن كثير في «تفسيره» (٣/ ٤٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٣٤٥)، وعزاه لابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.","vol":"3","page":482},{"text":"أنْ يكون معنى قوله: أَحاطَ بِالنَّاسِ في إِضلالهم وهدايتهم، أي: فلا تهتمَّ/، يا محمَّد، بكُفْر من كفر، وقال ابن عباس: الرؤيا في هذه الآية هي رؤيا النبيّ ﷺ أنه يدخُلُ مكَّة، فعجَّل في سنة الحُدَيْبِيَة، فصدّ فافتنن المسلمون لذلك، يعني بعَضهم، وليس بفتْنَة كُفْر «١» .\nوقوله: وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ معطوفة على قوله: الرُّؤْيَا، أي جعلنا الرؤيا والشَّجرةَ فتنةً وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ في قول الجمهورِ: هي شجرةٌ الزَّقُّوم، وذلك أن أمرها لما نَزَلَ في سورة «والصَّافَّات» قال أبو جَهْل وغيره: هذا محمَّد يتوعَّدكم بنَارٍ تَحْرِقُ الحِجَارة، ثم يزعُمُ أنها تُنْبِتُ الشجَرَ، والنار تأكلُ الشجَر، وما نعرفُ الزَّقُّوم إِلا التمر بالزُّبْد، ثم أحضر تمرًا وزُبْدًا، وقال لأصحابه، تَزقَّمُوا، فافتتن أيضًا بهذه المقالةِ بعْضُ الضعفاء، قال الطبري عن «٢» ابن عباس: أن الشجرة الملعونة، يريد الملعون أُكُلُهَا لأنها لم يَجْرِ لها ذكر «٣» .\nقال ع «٤» ويصحُّ أَن يريد الملعونَةِ هنا، فأكَّد الأمر بقوله: فِي الْقُرْآنِ، وقالت فرقة: الْمَلْعُونَةَ، أي: المُبْعَدَة المكْروهة، وهذا قريب في المعنى من الذي قبله، ولا شك أن ما ينبت في أصْل الجحيمِ هو في نهاية البُعْدِ من رحمة الله سبحانه.\nوقوله سبحانه: وَنُخَوِّفُهُمْ يريد كفّار مكّة.\nوقوله: أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ الكافُ في «أَرَأَيْتَكَ» هي كافُ خطابٍ ومبالغةٍ في التنبيه، لا موضعَ لها من الإِعراب، فهي زائدةٌ، ومعنى «أَرأَيْتَ»: أتأملت ونحوه، كأنَّ المخاطِبَ بها ينبِّه المخاطَبَ ليستَجْمِعَ لما ينصُّه بعْدُ.\nوقوله: لَأَحْتَنِكَنَّ معناه لأُمِيلَنَّ ولأَجُرَّنَّ، وهو مأخوذ من تَحْنِيكِ الدابَّة، وهو أن يشدَّ على حَنَكِها بحَبْل أو غيره، فتقاد، والسَّنةُ تَحْتَنِكُ المالَ، أي: تجتره، وقال الطبري «٥» «لأحتنكَنَّ» معناه لأستأصلنَّ، وعن ابن عباس: لأستولين «٦»، وقال ابن زيد «٧»: لأضلّنّ.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٨/ ١٠٣) برقم: (٢٢٤٣٣)، وذكره ابن عطية (٣/ ٤٦٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٣٤٦)، وعزاه لابن إسحاق، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في «البعث» .\n(٢) ينظر: «الطبري» (٨/ ١٠٣) .\n(٣) ذكره ابن عطية (٣/ ٤٦٨) .\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٤٦٨) .\n(٥) ينظر: «الطبري» (٨/ ١٠٧) .\n(٦) أخرجه الطبري (٨/ ١٠٧) برقم: (٢٢٤٦١)، وذكره ابن عطية (٣/ ٤٧٠)، وابن كثير في «تفسيره» (٣/ ٤٩)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٣٤٧)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٧) أخرجه الطبري (٨/ ١٠٧) برقم: (٢٢٤٦٢)، وذكره ابن عطية (٣/ ٤٧٠)، وابن كثير في «تفسيره» (٣/","vol":"3","page":483},{"text":"قال ع «١» وهذا بدلُ اللفظ، لا تفسير.\nوقوله: اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ، وما بعده من الأوامر: هي صيغةُ «افْعَلْ» بمعنى التهديد، كقوله تعالى: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ [فصلت: ٤٠] «الموفور»، المُكْمَل، وَاسْتَفْزِزْ معناه: استخف واخدع، وقوله: بِصَوْتِكَ: قيل: هو الغِنَاء والمزامير والمَلاَهي، لأنها أصواتٌ كلُّها مختصة بالمعاصي، فهي مضافةٌ إِلى الشيطانِ، قاله مجاهد «٢»، وقيل: بدعائك إِياهم إِلى طاعتك. قال ابن عباس: صوته دعاءُ كُلِّ مَنْ دعا إِلى معصيةِ «٣» اللَّه، والصوابُ أنْ يكون الصوتُ يعمُّ جميع ذلك.\nوقوله: وَأَجْلِبْ، أي: هوِّل، و«الجَلَبة» الصوتُ الكثير المختلِطُ الهائل.\nوقوله: بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ قيل: هذا مجازٌ واستعارة بمعنى اسع سعيك، وابلغ جهدك، وقيل: حقيقة وإنَّ له خيلًا ورَجُلًا من الجنِّ، قاله «٤» قتادة، وقيل: المراد فرسان الناس، ورجالتهم المتصرِّفون في الباطل، فإِنهم كلهم أعوان لإِبليس على غيرهم «٥» قاله مجاهد.\nوَشارِكْهُمْ/ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ عامٌّ لكل معصية يصنعها الناس بالمال، ولكلِّ ما يصنع في أمر الذرِّية من المعاصي، كالإيلاد بالزنا وكتسميتهم عَبْدَ شَمْس، وأبا الكُوَيْفِر، وعَبْدَ الحارِثِ، وكلَّ اسْمٍ مكروه ومن ذلك: وأد البنات ومن ذلك: صبغهم في أديان الكفر، وغير هذا، وما أدخله النَّقَّاش من وطْء الجنِّ، وأنه يُحْبِلُ المرأة من الإِنسِ، فضعيفٌ كلُّه.\nت: أما ما ذكره من الحبل، فلا شك في ضَعْفه، وفسادِ قولِ ناقله، ولم أر في ذلك حديثًا لا صحيحًا ولا سقيمًا، ولو أمكن أنْ يكون الحبل من الجنّ، كما زعم ناقله،\n_________\n٤٩)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٣٤٧)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم.\n(١) ينظر: «المحرر» (٣/ ٤٧٠) . [.....]\n(٢) أخرجه الطبري (٨/ ١٠٨) برقم: (٢٢٤٦٦)، وذكره البغوي (٣/ ١٢٣)، وذكره ابن عطية (٣/ ٤٧٠)، وابن كثير في «تفسيره» (٣/ ٤٩)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٣٤٨)، وعزاه لسعيد بن منصور، وابن أبي الدنيا في «ذم الملاهي» وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٣) أخرجه الطبري (٨/ ١٠٨) برقم (٢٢٤٦٨)، وذكره البغوي (٣/ ١٢٣)، وذكره ابن عطية (٣/ ٤٧٠)، وابن كثير في «تفسيره» (٣/ ٤٩)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٣٤٨)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٤) أخرجه الطبري (٨/ ١٠٨) برقم: (٢٢٤٧١)، وذكره البغوي (٣/ ١٢٣)، وذكره ابن عطية (٣/ ٤٧٠)، وذكره ابن كثير (٣/ ٤٩) .\n(٥) أخرجه الطبري (٨/ ١٠٩) برقم: (٢٢٤٧٤) بنحوه، وذكره ابن عطية (٣/ ٤٧٠) .","vol":"3","page":484},{"text":"لكان ذلك شُبْهَةً يدرأُ بها الحَدُّ عمَّن ظهر بها حَبَلٌ من النساء اللواتِي لا أزواج لهنَّ لاحتمال أنْ يكون حَبَلُها من الجنِّ كما زعم هذا القائلُ، وهو باطلٌ، وأما ما ذكره من الوطء، فقد قيل ذلك وظواهر الأحاديث تدلُّ عليه، وقد خرَّج البخاريُّ ومسلم وأبو داودَ والترمذيُّ والنسائي وابنُ ماجَه، عن ابن عبَّاس، قال: قَالَ النبيُّ ﷺ: «لَوْ أنَّ أحَدَكُمْ إِذَا أرَادَ أنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ قَالَ: بِاسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وجَنّب الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، فَإِنَّهُ إِنْ يُقَدَّرْ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ في ذَلِكَ، لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيْطَانُ أَبدًا» «١» فظاهر قوله ﵇: «اللَّهُمَّ، جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنِّبَ الشَّيْطَانَ مَا رَزقتنا» - يقتضي أنَّ لهذا اللعين مشاركةً مَّا في هذا الشأنِ، وقد سمعتُ من شيخنا أبي الحسن عليِّ بن عِثمانَ الزَّواويِّ المَانْجَلاَتِيِّ سَيِّدِ علماء بِجَايَةَ في وقَتْه، قال: حدَّثني بعضُ الناس ممَّن يوثَقُ به يخبر عن زوجته أنها تجدُ هذا الأمْرَ، قال المخبِرُ: وأصْغَيْتُ إِلى ما أخبرت به الزوجَةُ، فسمعتُ حِسَّ ذلك الشىءِ، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-811>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٦٦ الى ٦٩]</span>\nرَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٦٦) وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُورًا (٦٧) أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِبًا ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا (٦٨) أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تارَةً أُخْرى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِما كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنا بِهِ تَبِيعًا (٦٩)\nوقوله سبحانه: رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ: إِزجاء الفُلْك: سَوْقه بالريحِ الليِّنة والمجاذيف، ولِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ لفظ يعمُّ التَّجْر وغيره، وهذه الآية المباركة\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١/ ٢٩١) كتاب «الوضوء» باب: التسمية على كل حال وعند الوقاع، حديث (١٤١)، وفي (٦/ ٣٨٨)، كتاب «بدء الخلق» باب: صفة إبليس، وجنوده، حديث (٣٢٨٣)، وفي (٩/ ١٣٦) كتاب «النكاح» باب: ما يقول الرجل إذا أتى أهله، حديث (٥١٦٥)، وفي (١٠/ ١٩٥) كتاب «الدعوات» باب: ما يقول إذا أتى أهله، حديث (٦٣٨٨)، وفي (١٣/ ٣٩٠- ٣٩١)، كتاب «التوحيد» باب: السؤال بأسماء الله تعالى والاستعاذة بها، حديث (٧٣٩٦)، ومسلم (٢/ ١٠٥٨) كتاب «النكاح» باب: ما يستحب أن يقوله عند الجماع، حديث (١٦/ ١٤٣٤)، وأبو داود (٢/ ٦٥٥) كتاب «النكاح» باب: في جامع النكاح، حديث (٢١٦١)، والترمذي (٣/ ٣٩٢) كتاب «النكاح» باب: ما يقول إذا دخل على أهله، حديث (١٠٩٢)، والنسائي في «الكبرى» (٦/ ٧٥) كتاب «عمل اليوم والليلة» باب: ما يقول إذا واقع أهله، وابن ماجه (١/ ٦١٨) كتاب «النكاح» باب: ما يقول الرجل إذا دخلت عليه أهله، حديث (١٩١٩)، وأحمد (١/ ٢١٧، ٢٢٠، ٢٤٣، ٢٨٣، ٢٨٦)، وابن أبي شيبة (١٠/ ٣٩٤)، وعبد الرزاق (٦/ ١٩٤) رقم: (١٠٤٦٦)، وابن حبان (٩٨٤- الإحسان)، والبغوي في «شرح السنة» (٣/ ١٢٣- بتحقيقنا) . كلهم من طريق كريب، عن ابن عباس مرفوعا.\nوقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.","vol":"3","page":485},{"text":"توقيفٌ على آلاء اللَّه وفَضْلِهِ ورحمته بعباده، والضُّرُّ، هنا لفظ يعمُّ الغرق وغيره، وأهوال حالات البحر واضطرابه وتموجه، وضَلَّ معناه تلف وفُقِدَ.\nوقوله: أَعْرَضْتُمْ، أي: فلم تفكِّروا في جميل صنع اللَّه بكم.\nوقوله: كَفُورًا أي: بالنعم والْإِنْسانُ هنا: الجنس، «والحاصب»: العارض الرامي بالبَرَدِ والحجارةِ ومنه الحاصب الذي أصَابَ قوْمَ لوطٍ، «والحَصْبُ» الرمْيُ بالحَصْبَاء، «والقاصف»: الذي يَكْسِر كلَّ ما يلقى ويقصفه، و«تارة» معناه: مرَّة أخرى، «والتبيع» الذي يطلب ثأْرًا أو دينا ومن هذه اللفظة قوله ﷺ: «إِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ على مَلِيٍّ فَلْيُتْبِعْ» فالمعنى: لا تجدون مَنْ يَتَتَبَّع فعلنا بكم، ويطلب نصرتكم وهذه الآيات أنوارها واضحة للمهتدين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-812>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٧٠ الى ٧٣]</span>\nوَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا (٧٠) يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧١) وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٧٢) وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وَإِذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (٧٣)\nوقوله جلَّت عظمته وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ ... الآية: عدَّد اللَّه سبحانه على بني آدم ما خصَّهم به من المزايا مِنْ بين سائر الحيوان، ومن أفضل ما أكْرَم به الآدِميَّ/ العقْلُ الذي به يعرفُ اللَّه تعالى، ويفهم كلامه، ويوصِّل إِلى نعيمه.\nوقوله سبحانه: عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا المراد ب «الكثير المفضولِ» الحيوانُ والجنُّ، وأما الملائكة، فهم الخارجون عن الكثير المفضول، وليس في الآية ما يقتضي أن الملائكة أفضَلُ من الإِنسِ كما زعمت فرقة بل الأمر محتملٌ أنْ يكونوا أفضَلَ من الإِنس، ويحتمل التساوي.\nوقوله سبحانه: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ يحتمل أن يريد باسْمِ إِمامهم، فيقول: يا أمة محمَّد، ويا أتباع فِرْعَوْنَ، ونحو هذا، ويحتمل أن يريد: مع إِمامهم أنْ تجيء كل أمَّة معها إِمامها من هادٍ ومضلٍّ، واختلف في «الإمام»، فقال ابن عباس والحسن:\nكتابهم الذي فيه أعمالهم «١»، وقال قتادة ومجاهد: نبيهم «٢»، وقال ابن زيد: كتابهم الذي\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٨/ ١١٦) برقم: (٢٢٥٢١)، وبرقم: (٢٢٥٢٣)، وذكره ابن عطية (٣/ ٤٧٣)، وابن كثير في «تفسيره» (٣/ ٥٢)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٣٥١)، وعزاه لابن جرير.\n(٢) أخرجه الطبري (٨/ ١١٥) برقم: (٢٢٥١٥)، وبرقم: (٢٢٥١٩)، وذكره البغوي (٣/ ١٢٥)،","vol":"3","page":486},{"text":"نَزَلَ عليهم «١»، وقالت فرقة: متَّبَعُهُمْ مِنْ هادٍ أو مُضِلٍّ، ولفظة «الإِمام» تعمُّ هذا كلَّه.\nوقوله سبحانه: فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ: حقيقةٌ في أن في القيامة صحائفَ تتطاير، وتوضعُ في الأيْمَان لأهل الأَيْمانَ، وفي الشمائل لأهل الكُفْر والخذلان، وتوضع في أيمان المذْنِبِين الذين يَنْفُذُ عليهم الوعيد، فيستفيدون منها أنهم غَيْرُ مخلّدين في النار.\nوقوله سبحانه: يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ: عبارةٌ عن السرور بها، أي: يردِّدونها ويتأمَّلونها.\nوقوله سبحانه: وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا أي: ولا أقلَّ، وقوله سبحانه: وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى: قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد: الإِشارة ب هذِهِ إلى الدنيا، أي:\nمَنْ كان في هذه الدارِ أعمى عن النظرِ في آيات اللَّه وعِبَرِه، والإِيمان بأنبيائه «٢»، فهو في الآخرة أعمى على معنى أنه حيرانُ لا يتوجَّه لصوابٍ ولا يلوحُ له نُجْحٌ. قال مجاهد: فهو في الآخرةِ أعمى عن حُجَّته «٣»، ويحتمل أنْ يكون صفةَ تفضيلٍ، أي: أشدُّ عمًى وحيرةً لأنه قد باشر الخَيْبة ورأى مخايل العذاب ويقوِّي هذا التَّأويل قوله، عطفًا عليه: وَأَضَلُّ سَبِيلًا الذي هو «أَفْعَلُ مِنْ كَذَا» والعمى في هذه الآية هو عَمَى القلب، وقولُ سِيَبَوَيْه: لا يقال أعمى مِنْ كَذَا، إِنما هو في عمى العينِ الذي لا تفاضُلَ فيه، وأما في عمى القْلبِ، فيقال ذلك لأنه يقع فيه التفاضل ت: وكذا قال ص وقوله سبحانه: وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ ... الآية: الضمير في قوله: كادُوا هو لقريشٍ، وقيل: لثقيفٍ، فأما لقريش، فقال ابن جبير ومجاهد: نزلَتِ الآية، لأنهم قالوا للنبيّ ﷺ لاَ نَدَعُكَ تستلمُ الحَجَرَ الأسْوَدَ حتى تَمَسَّ أيضًا أوثانَنَا على معنى التشرُّع «٤»، وقال ابن إسحاق وغيره: إِنهم اجتمعوا إليه ليلةً، فعظَّموه، وقالوا له: أنْتَ سيِّدنا، ولكنْ أَقْبِلْ على بعض أمْرنا، ونُقْبِلُ على بعض أمرك، فنزلَتِ الآية في ذلك «٥» .\n_________\nوابن عطية (٣/ ٤٧٣)، وابن كثير في «تفسيره» (٣/ ٥٢)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٣٥١)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر.\n(١) أخرجه الطبري (٨/ ١١٦) برقم: (٢٢٥٢٦)، وذكره ابن عطية (٣/ ٤٧٣)، وابن كثير في «تفسيره» (٣/ ٥٢) .\n(٢) أخرجه الطبري (٨/ ١١٧) برقم: (٢٢٥٣٠)، وذكره ابن عطية (٣/ ٤٧٤)، وابن كثير في «تفسيره» (٣/ ٥٢)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٣٥٢)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر.\n(٣) أخرجه الطبري (٨/ ١١٨) برقم: (٢٢٥٣٥)، وذكره ابن عطية (٣/ ٤٧٤) .\n(٤) أخرجه الطبري (٨/ ١١٨) برقم: (٢٢٥٣٦)، وذكره البغوي (٣/ ١٢٦)، وابن عطية (٣/ ٤٧٥)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٣٥٢)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم.\n(٥) ذكره ابن عطية (٣/ ٤٧٥) .","vol":"3","page":487},{"text":"قال ع «١»: فهي في معنى قوله: وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ [القلم: ٩]، وأما لثقيفٍ، فقال ابن عباس وغيره: لأنهم طلبوا من رسولِ اللَّه ﷺ أن يؤخرهم بعد إسلامهم س نة يعبدون فيها اللاَّتَ، وقالوا: إِنما نريد أن نأخذ ما يُهْدَى لها ولكن إنْ خفْتَ أنْ تنكر/ ذلك عليك العربُ، فقل: أَوْحَى اللَّهُ ذلك إِلَيَّ، فنزلَتِ الآية في ذلك «٢» . ت: واللَّه أعلم بصحَّة هذه التأويلاتِ، وقد تقدَّم ما يجبُ اعتقاده في حَقِّ النبيِّ ﷺ، فالتزمه تُفْلِحْ.\nوقوله: وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا: توقيفٌ على ما نجاه اللَّه منه من مُخَالَّةِ الكفّار، والولاية لهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-813>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٧٤ الى ٧٥]</span>\nوَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤) إِذًا لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيرًا (٧٥)\nوقوله سبحانه: وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ ... الآية تعديدُ نعمه على النبيّ ﷺ، وروي أن النبيّ ﷺ لما نزلَتْ هذه الآيةُ، قال: «اللَّهُمَّ، لاَ تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ «٣» عينٍ» وقرأ الجمهور «٤» (تركن) بفتح الكاف، والنبيّ ﷺ لم يركَنْ، لكنَّه كاد بَحسَب هَمِّه بموافقتهم طمعًا منه في استئلافهم، وذهب ابن الأنباريِّ إِلى أن معنى الآية: لقد كادوا أن يخبروا عنْكَ أنَّك ركَنْتَ ونحو هذا ذهب في ذلك إلى نفْي الهمِّ عن النبيِّ ﷺ، فحمَّل اللفظ ما لا يحتملُ وقوله: شَيْئًا قَلِيلًا يبطلُ ذلك.\nت: وجزى اللَّه ابنَ الأنباريِّ خيرًا، وإن تنزيه سائر الأنبياء لواجبٌ، فكيف بسيِّد ولد آدم صلى الله عليه وعليهم أجمعين.\nقال أبو الفَضْل عياضٌ في «الشِّفَا»: قوله تعالى: وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا: قال بعض المتكلِّمين: عاتب اللَّه تعالى نبيَّنا ﵇ قبل وقوع ما يوجبُ العتاب ليكون بذلك أشدَّ انتهاءً ومحافظةً لشرائط المحبَّة، وهذه غاية العناية، ثم انظُرْ كيف بدأ بثباته وسلامته قبل ذِكْر ما عاتبه عليه، وخيف أنْ يركن إليه، وفي أثناء عتبه\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٤٧٥) . [.....]\n(٢) أخرجه الطبري (٨/ ١١٩) برقم: (٢٢٥٤٠)، وذكره البغوي (٣/ ١٢٦) بنحوه، وابن عطية (٣/ ٤٧٥)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٣٥٣)، وعزاه لابن جرير، وابن مردويه.\n(٣) تقدم تخريجه.\n(٤) وقرأ ابن مصرف، وقتادة، وعبد الله بن أبي إسحاق «تركن» بضم الكاف.\nينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٤٧٥)، و«البحر المحيط» (٦/ ٦٢)، و«الدر المصون» (٤/ ٤١٠) .","vol":"3","page":488},{"text":"بَرَاءَتُه، وفي طَيِّ تخويفه تأمينُه.\nقال عياضٌ ﵀: ويجبُ على المؤمن المجاهِدِ نفسَهُ الرائِضِ بزمامِ الشريعةِ خُلُقَهُ أن يتأدَّب بآداب القرآن في قوله وفعله ومعاطاته ومحاوراته فهو عنصر المعارف الحقيقة، وروضَةُ الآداب الدينية والدنيوية انتهى.\nقال ع «١»: وهذا الهمّ من النبيّ ﷺ إِنما كان خَطْرة مما لا يمكِنُ دفعه، ولذلك قيل: كِدْتَ وهي تعطي أنه لم يقعْ ركونٌ، ثم قيل: شَيْئًا قَلِيلًا إِذ كانت المقاربة التي تضمنتها كِدْتَ قليلةً خطرةً لم تتأكَّد في النفْس.\nوقوله: إِذًا لَأَذَقْناكَ ... الآية: يبطل أيضًا ما ذهب إليه ابنُ الأنباريّ.\nت: وما ذكره ع رحمه الله تعالى من البطلان لا يصحُّ، وما قدَّمناه عن عياضٍ حسنٌ فتأمَّله.\nوقوله: ضِعْفَ الْحَياةِ: قال ابن عباس وغيره: يريد ضِعْفَ عذاب الحياة، وضعف عذاب الممات «٢» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-814>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٧٦ الى ٧٧]</span>\nوَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها وَإِذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلًا (٧٦) سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلًا (٧٧)\nوقوله سبحانه: وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها ... الآية: قال الحَضْرَمِيُّ: الضمير في «كادوا» ليهود المدينة وناحيتها، ذهبوا إِلى المَكْرِ بالنبيّ ﷺ، فقالوا له: إِن هذه الأرضَ ليست بأرض الأنبياء، فإِن كنت نبيًّا، فاخرج إِلى الشام، فإِنها أرض الأنبياء، فنزلَت الآية، وأخبر سبحانه أن رسول الله ﷺ لو خَرَج، / لم يلبثوا بعده إِلا «٣» قليلًا، وقالت فرقة: الضمير لقريشٍ، قال ابن عباس: وقد وقع استفزازهم وإِخراجهم له، فلم يلبثوا خلفه إلا قليلا يوم بدر «٤» .\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٤٧٥) .\n(٢) أخرجه الطبري (٨/ ١٢٠) برقم: (٢٢٥٤٢)، وذكره ابن عطية (٣/ ٤٧٥)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٣٥٣)، وعزاه لابن جرير.\n(٣) أخرجه الطبري (٨/ ١٢١) برقم: (٢٢٥٤٩)، وذكره البغوي (٣/ ١٢٧)، وابن كثير (٣/ ٥٣) عن عبد الرحمن بن غنم، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٣٥٣)، وعزاه لابن جرير.\n(٤) أخرجه الطبري (٨/ ١٢١) برقم: (٢٢٥٥٤)، وذكره ابن عطية (٣/ ٤٧٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٣٥٤)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم.","vol":"3","page":489},{"text":"وقال مجاهد: ذهبَتْ قريش إلى هذا، ولكنه لم يقعْ منها لأنه لما أراد اللَّه سبحانه استبقاء قريش، وألّا يستأصلها، أذن لرسوله في الهجْرة، فخرج من الأرض بإِذن اللَّه، لا بَقْهر قريشٍ، واسْتُبْقِيَتْ قريشٌ لِيُسِلمَ منها ومِنْ أعقابها مَنْ أسْلَم «١» .\nت: قال ص: قوله لاَّ يَلْبَثُونَ جوابُ قسَمٍ محذوفٍ، أي: واللَّهِ، إِن استُفْزِزْتَ، فخرجْتَ، لا يلبثون خلفك إِلا قليلًا. انتهى.\nوقوله سبحانه: سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا ... الآية: معنى الآية الإِخبار أن سنة اللَّه تعالى في الأمم الخالية وعادته أنها إذا أخْرجَتْ نبيَّها من بين أظهرها، نالها العذاب، واستأصلها، فلم تلبث خلفه إلا قليلا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-815>[سورة الإسراء (١٧): آية ٧٨]</span>\nأَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا (٧٨)\nوقوله سبحانه: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ ... الآية: إِجماع المفسِّرين على أنَّ الإِشارة هنا إلى الصلوات المفروضة، والجمهورُ أنَّ دلوك الشمس زوالُها، والإشارة إلى الظهر والعصر، وغَسَقِ اللَّيْلِ: أشير به إلى المغرب والعشاء، وقُرْآنَ الْفَجْرِ: يريد به صلاةَ الصبح، فالآية تعم جميعَ الصلواتِ، «والدلوكُ» في اللغة: هو الميلُ، فأول الدلوكِ هو الزوالُ، وآخره هو الغروبُ، قال أبو حيان «٢»: واللام في لِدُلُوكِ الشَّمْسِ: للظرفية بمعنى بعد انتهى، وغَسَقِ اللَّيْلِ: اجتماعه وتكاثُف ظلمته، وعَبَّر عن صلاة الصبْحِ خاصَّة بالقرآن، لأن القرآن هو عظمها إِذ قراءتها طويلةٌ مجهورٌ بها.\nوقوله سبحانه: إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا معناه: يشهده حَفَظَة النهار وحَفَظَة الليل من الملائكة حَسْبما ورد في الحديث الصَّحيح: «يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلاَئِكَةٌ بِاللَّيْلِ، وَمَلاَئِكَةٌ بالنَّهَارِ فَيَجْتَمِعُونَ في صَلاَةِ الصُّبْحِ وَصَلاَةِ العَصْرِ ...» الحديث «٣» بطوله، وفي «مسند «٤» البَزَّار» عن النبيّ ﷺ، أنَّهُ قال: «إنَّ أَفْضَلَ الصَّلَواتِ صَلاَةُ الصُّبْحِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، في جَمَاعَةَ، ومَا أَحْسِبُ شَاهِدَهَا مِنْكُمْ إِلاَّ مَغْفُور له» «٥» انتهى من «الكوكب الدري» .\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٨/ ١٢١) برقم: (٢٢٥٥٢)، وذكره البغوي (٣/ ١٢٧)، وذكره ابن عطية (٣/ ٤٧٦) .\n(٢) ينظر: «البحر المحيط» (٦/ ٦٨) .\n(٣) تقدم تخريجه.\n(٤) ذكره المتقي الهندي في «كنز العمال» (٧/ ٣٦٨) برقم: (١٩٣٠٧)، وعزاه للطبراني، عن ابن عمر.\n(٥) أخرجه البزار (١/ ٢٩٨- كشف)، برقم: (٦٢١)، من طريق عبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة به، وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٢/ ١٧١)، وقال: رواه البزار والطبراني في «الكبير» و«الأوسط» كلهم من رواية عبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد، وهما ضعيفان. اه.","vol":"3","page":490},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-816>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٧٩ الى ٨١]</span>\nوَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا (٧٩) وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا (٨٠) وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقًا (٨١)\nوَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ «مِنْ» للتبعيض، التقدير: ووقتًا مِنَ الليلِ، أيَّ: قم وقتًا، والضمير في «به» عائدٌ على هذا المقدَّر، ويحتملُ أن يعود على القرآن، و«تهجَّد» معناه:\nاطرح الهجودَ عَنْك، «والهُجُود»: النوم، المعنى: ووقتًا من الليل اسهر به في صلاةٍ وقراءة، وقال علقمة وغيره: التهجُّد بعد نومة «١»، وقال الحَجَّاج بن عمرو: إِنما التهجُّد بعد رقدة «٢»، وقال الحسن: التهجُّد ما كان بعد العشاء الآخرة «٣» .\nوقوله: نافِلَةً لَكَ قال ابن عباس: معناه: زيادةً لك في الفَرْضٍ، قال: وكان قيامُ الليل فرضا على النبيّ ﷺ «٤»، وقال مجاهد: إنما هي نافلة للنبيّ ﷺ لأنه مغفورٌ له، والناس يحطُّون بمثل ذلك خطاياهم، يعني: ويجبرون بها فرائضهم حَسْبما/ ورد في الحديثِ «٥»، قال صاحب «المدخل»، وهو أبو عبد الله بن الحَاجِّ وقد قالوا: إِنَّ مَنْ كان يتفلَّت منه القرآن، فليقُمْ به في الليْلَ، فإن ذلك يثبته له ببركة امتثال السُّنَّة سِيَمَا الثُّلُثُ الأخير من الليلِ لما ورد في ذلك من البركَات والخَيْرَات، وفي قيامِ اللَّيْلِ من الفوائد جملةٌ، فلا ينبغي لطالب العلْم أنْ يفوته منْها شَيْءٌ.\nفمنها: أنه يحطُّ الذنوب كما يحطُّ الريحُ العاصف الورق اليابس من الشجرة.\n_________\nوله شاهد من حديث ابن عمر.\nأخرجه أبو نعيم في «الحلية» (٧/ ٢٠٧)، بلفظ: «أفضل الصلوات عند الله صلاة الصبح يوم الجمعة في جماعة» .\n(١) أخرجه الطبري (٨/ ١٢٩) برقم: (٢٢٦١١)، وذكره ابن عطية (٣/ ٤٧٨)، وابن كثير في «تفسيره» (٣/ ٥٤)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٣٥٥)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، ومحمد بن نصر في كتاب «الصلاة» . [.....]\n(٢) أخرجه الطبري (٨/ ١٢٩) برقم: (٢٢٦١٦)، وذكره ابن عطية (٣/ ٤٧٨) .\n(٣) أخرجه الطبري (٨/ ١٢٩) برقم: (٢٢٦١٥)، وذكره ابن عطية (٣/ ٤٧٨)، وابن كثير في «تفسيره» (٣/ ٥٤) .\n(٤) أخرجه الطبري (٨/ ١٣٠) برقم: (٢٢٦١٧)، وذكره ابن عطية (٣/ ٤٧٨)، وابن كثير في «تفسيره» (٣/ ٥٤)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٣٥٥)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه.\n(٥) أخرجه الطبري (٨/ ١٣٠) برقم: (٢٢٦١٨)، وذكره البغوي (٣/ ١٢٩)، وذكره ابن عطية (٣/ ٤٧٨)، وابن كثير في «تفسيره» (٣/ ٥٥)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٣٥٦)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، ومحمد بن نصر، والبيهقي في «الدلائل» .","vol":"3","page":491},{"text":"الثاني: أنه ينوِّر القلب.\nالثالث: أنه يحسِّن الوجه.\nالرابع: أنه يذهب الكسل، وينشِّط البدن.\nالخامس: أن موضعه تراه الملائكَة من السماء كما يتراءى الكوكب الدُّرِّيُّ لنا في السماءِ، وقد روى الترمذيُّ عن أبي أمامة أن رسول الله ﷺ قَالَ: «عَلْيُكُمْ بِقَيِامِ اللَّيْلِ، فإِنَّهُ مِنْ دأْبِ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ، وإِنَّ قِيَامَ اللَّيْلِ قُرْبَةٌ إِلى اللَّهِ تعالى، ومَنْهَاةٌ عَنِ الآثَامِ، وتَكْفِيرٌ للسَّيِّئَاتِ، وَمَطْرَدَةٌ للِدَّاءِ عَنِ الجَسَدِ» «١» وروى أبو داودَ في «سُنَنِهِ» عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ قَامَ بِعَشْرِ آياتٍ لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الغَافِلِينَ، ومَنْ قَامَ بِمِائَةِ آيَةٍ كُتِبَ مِنَ القَانِتِينَ، ومَنْ قَامَ بِأَلْفِ آيَةِ، كُتِبَ مِنَ المُقَنْطِرِين» انتهى «٢» من «المدخل» .\nوقوله سبحانه: عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا: عِدَةٌ من اللَّه ﷿ لنبيِّه، وهو أمر الشَّفاعة الذي يتدافعه الأنبياء حتى ينتهي إليه ﷺ، والحديث بطوله في البخاريِّ ومسلمٍ.\nقال ابنُ العربيِّ في «أحكامه «٣»»: واختلف في وَجْهِ كوْنِ قيامِ الليْلِ سَبَبًا للمقامِ المْحُمودِ على قَوْلين للعلماء:\nأحدهما: أن البارِي تعالى يجعلُ ما يشاء مِنْ فضله سببًا لفضله من غير معرفة لنا\n_________\n(١) أخرجه الترمذي (٥/ ٥٥٢- ٥٥٣) كتاب «الدعوات» باب: في دعاء النبي ﷺ، حديث (٣٥٤٩)، من طريق بكر بن خنيس، عن محمد القرشي، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن بلال به، وقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه من حديث بلال إلا من هذا الوجه من قبل إسناده، قال:\nسمعت محمد بن إسماعيل يقول: محمد القرشي هو: محمد بن سعيد الشامي وهو ابن أبي قيس، وهو محمد بن حسان، وقد ترك حديثه، وقد روى هذا الحديث معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد، عن ابن إدريس الخولاني، عن أبي أمامة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: «عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم وهو قربة إلى ربكم ومكفرة للسيئات ومنهاة للإثم»، وقال الترمذي: وهذا أصحّ من حديث إدريس عن بلال اه. قلت: ومن الوجه الذي ذكره الترمذي، أخرجه الحاكم (١/ ٣٠٨)، والبيهقي (٢/ ٥٠٢)، والبغوي في «شرح السنة» (٢/ ٤٥٨- بتحقيقنا)، وقال الحاكم: صحيح على شرط البخاري، ووافقه الذهبي.\n(٢) تقدم تخريجه.\n(٣) ينظر: «أحكام القرآن» (٣/ ١٢٢٣) .","vol":"3","page":492},{"text":"بَوْجهِ الحكمة.\nالثاني: أنَّ قيام الليل فيه الخَلْوَة بالباري تعالى، والمناجاة معه دون الناسِ، فيعطى الخَلْوة به ومناجاتَه في القيامةِ، فيكون مقامًا محمودًا، ويتفاضل فيه الخَلْق بحسب درجاتهم، وأجلّهم فيه درجة نبيّنا محمّد ﷺ، فيعطى من المحامدِ ما لم يعطَ أحدٌ، ويَشْفَعُ فَيُشَفَّع. انتهى.\nوقوله سبحانه: وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ ...\nالآية: ظاهر الآية: والأحْسَنُ أن يكون دعا ﵇ في أن يحسِّن اللَّه حالته في كلِّ ما يتناول من الأمور ويحاولُ من الأسفار والأعمال، وينتظر من تصرُّف المقادير في المَوْت والحياة، فهي على أتمِّ عمومٍ، معناه: ربِّ، أصْلِحْ لي وِرْدِي في كلِّ الأمور، وَصَدَري.\nوذهب المفسِّرون إِلى تخصيص اللفْظِ، فقال ابن عبَّاس وغيره: أدْخِلْنِي المدينة، وأخرجني من مكَّة «١»، وقال ابن عباس أيضًا: الإِدخال بالمَوْت في القبرِ، والإِخراج:\nالبعث «٢»، وقيل غير هذا، وما قدَّمت من العموم التَّامِّ الذي يتناول هذا كلَّه أصوبُ، «والصِّدق» هنا صفة تقتضي رفْعَ المذامِّ واستيعاب المَدْح، وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا قال مجاهدٌ: يعني حجَّةً تنصرني بها على الكفَّار «٣» .\nوقوله سبحانه: وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ ... الآية: قال قتادة: الْحَقُّ القُرآن، والْباطِلُ الشيطان «٤» .\nوقالت فرقة: الْحَقُّ: الإيمان، والْباطِلُ: الكُفْران، وقيل غير هذا، والصواب تعميمُ اللفظ بالغايةِ المُمْكنة فيكون التفسيرُ: جَاءَ الشرع بجميع ما انطوى فيه، وزَهَق الكُفْر بجميع ما انطوى فيه، وهذه الآية نزَلْت بمكَّة، وكان يستشهد بها النبيّ ﷺ يَوْمَ فتحِ مكَّة وقْتَ طعنه الأصنام وسقوطَها لطعنه إياها بالمخصرة.\n_________\n(١) أخرجه الترمذي (٥/ ٣٠٤) كتاب «التفسير» باب: ومن سورة بني إسرائيل، حديث (٣١٣٩)، وقال الترمذي: حسن صحيح.\n(٢) أخرجه الطبري (٨/ ١٣٦) برقم: (٢٢٦٤٩)، وذكره ابن عطية (٣/ ٤٧٩)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٣٦٠)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم.\n(٣) أخرجه الطبري (٨/ ١٣٧) برقم: (٢٢٦٥٧)، وذكره البغوي (٣/ ١٣٢)، وذكره ابن عطية (٣/ ٤٨٠)، وابن كثير في «تفسيره» (٣/ ٥٩) .\n(٤) أخرجه الطبري (٨/ ١٣٨) برقم: (٢٢٦٦١)، وذكره ابن عطية (٣/ ٤٨٠)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٣٦٠)، وعزاه لعبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.","vol":"3","page":493},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-817>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٨٢ الى ٨٤]</span>\nوَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسارًا (٨٢) وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَؤُسًا (٨٣) قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلًا (٨٤)\nوقوله سبحانه: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفاءٌ ... الآية: أي شفاءٌ بحسب إِزالته للرَّيْب، وكشفه غطاء القَلْب، وشفاءٌ أيضًا من الأمراض بالرقى والتعويذِ ونحوه.\nوقوله سبحانه: وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ: يحتمل أن يكون الْإِنْسانِ عامَّا للجنْسِ، فالكافرُ يبالغ في الإعراض، والعاصي يأخذ بحظّ منه وَ(نَأَى) أي: بَعُد، قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ، أي: على ما يليق به، قال ابن عباس: عَلى شاكِلَتِهِ معناه: على ناحيته «١»، وقال قتادة: معناه: على ناحيته وعلى ما ينوي «٢» . وقوله سبحانه: فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلًا توعّد بيّن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-818>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٨٥ الى ٨٧]</span>\nوَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلًا (٨٥) وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكِيلًا (٨٦) إِلاَّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا (٨٧)\nوقوله سبحانه: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ روى ابن مسعود أن اليهود قال بعضُهم لبعْض: سَلُوا محمدًا عن الرُّوحِ فإِن أجاب فيه، عرفْتم أنه ليس بنبي.\nقال ع «٣»: وذلك أنه كان عندهم في التوراة أَن الروح ممَّا انفرد اللَّه بعلْمه، ولا يَطَّلع عليه أحَدٌ من عباده، فسألوه، فنزلَتِ الآية.\nوقيل: إن الآية مكِّية، والسائلون هم قريشٌ، بإِشارة اليهودِ، واختلف الناس في الرّوح المسئول عَنْه، أيُّ رُوحٍ هو؟ فقال الجمهُور: وقع السؤال عن الأرواحِ التي في الأشخاصِ الحيوانيَّة ما هي، فالرُّوح: اسم جنسٍ على هذا، وهذا هو الصوابُ، وهو المُشِكْل الذي لا تفسير له.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٨/ ١٤١) برقم (٢٢٦٧٠) وذكره البغوي (٣/ ١٣٣) وابن عطية (٣/ ٤٨١)، وابن كثير في «تفسيره» (٣/ ٦٠) والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٣٦١)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٢) أخرجه الطبري (٨/ ١٤١) برقم: (٢٢٦٧٣)، وذكره البغوي (٣/ ١٣٣) بنحوه، وابن عطية (٣/ ٤٨١)، وابن كثير في «تفسيره» (٣/ ٦٠) بنحوه.\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٤٨١) . [.....]","vol":"3","page":494},{"text":"وقوله سبحانه: مِنْ أَمْرِ رَبِّي يحتملُ أن يريد أنَّ الرُّوح مِنْ جملة أمور اللَّه التي استأثر سبحانه بعلْمها، وهي إِضافةُ خَلْقٍ إِلى خَالِقٍ، قال ابنُ رَاشِدٍ في «مرقبته»: أخبرني شيخي شهابُ الدِّينِ القَرِافِيُّ عن ابْنِ دَقِيقِ العِيد أنَهَ رأى كتابًا لبعض الحكماءِ في حقيقة النفْسِ، وفيه ثَلاَثُمِائَةِ قولٍ، قال ﵀: وكثرُة الخلافِ تؤذنُ بكثرة الجهالاتِ، ثم علماءُ الإِسلام اختلفوا في جوازِ الخَوْضِ فيها على قولَيْن، ولكلٍّ حُجَجٌ يطُولُ بنا سَرْدُها، ثم القائلون بالجوازِ اختلفوا، هَلْ هي عَرَضٌ أو جوهرٌ، أو ليستْ بجوهرٍ ولا عرضٍ، ولا توصَفُ بأنها داخلُ الجسمِ ولا خارجُه، وإِليه ميل الإِمام أبي حامد وغيره، والذي عليه المحقِّقون من المتأخِّرين أنها جسْمٌ نوارنيٌّ شفَّافٌ سارٍ في الجسْمِ سَرَيانَ النارِ في الفَحْم والدليلُ على أنها في الجسْم قوله تعالى: فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ [الواقعة: ٨٣] فلو لم تكن في الجِسْمِ، لما قال ذلك، وقد أخبرني الفقيهُ الخطيبُ أبو/ محمد البرجيني ﵀ عن الشيخ الصّالح أبي الطاهر الرّكراكيّ ﵀ قال: حَضَرْتُ عند وَلِيٍّ من الأولياء حين النَّزْعِ، فشاهدتُّ نَفْسَهُ قد خَرَجَتْ من مواضع من جَسَده، ثم تشكَّلت على رأْسِه بشَكْله وصُورَته، ثم صَعِدت إِلى السماء، وصَعِدت نفْسي معها، فلما انتهينا إلى السماء الدنيا، شاهَدتُّ بابًا ورجْلَ مَلَكٍ ممدودةً عليه، فأزال ذلك المَلَكُ رِجْله، وقال لنفْسِ ذلك الوليِّ:\nاصْعَدِي، فَصَعِدَتْ، فأرادَتْ نفْسي أنْ تَصْعَدَ معها، فقال لها: ارْجِعي، فقد بقي لك وقْتٌ، قال: فرجعت فشاهدت الناسَ دائرين على جسْمي، وقائلٌ يقولُ: ماتَ، وآخر يقول: لم يَمُتْ، فدخلَتْ من أنْفي، أو قال: مِنْ عَيْني، وقَمْتُ. انتهى.\nت: وهذه الحكايةُ صحيحةٌ، ورجال إِسنادها ثقاتٌ معروفون بالفَضْل، فابنَ راشِدٍ هو شارِحُ ابنِ الحاجِبِ الفَرْعِيِّ، والبرجينيُّ معروفٌ عند أهْل إفريقيّة وأبو الطاهر من أكابر الأولياء معظّم عند أهل تُونُسَ، مزاره وقبره بالزلاج معروفٌ زرته ﵀، وقرأ الجمهور «١»: «وما أوتيتم»، واختلف فيمَنْ خوطب بذلك، فقالت فرقة: السَّائِلُونَ فقَطْ، وقالت فرقة: العالم كلّه، وقد نص على ذلك ﷺ على ما حكاه الطبريُّ «٢» .\nوقوله: وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ ... الآية: المعنى وما أوتيتم أنْت يا محمَّد، وجميعُ الخلائق من العلْم إِلا قليلًا، فاللَّه يُعلِّم مَنْ علَّمه بما شاء، ويَدَعُ ما شاء، ولو شاء لذهب بالوحْيِ الذي آتاك، وقوله إِلَّا رَحْمَةً استثناءٌ منقطعٌ، أي: لكن رحمة من ربّك تمسك\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٤٨٢) .\n(٢) ينظر: «الطبري» (٨/ ١٤٤) .","vol":"3","page":495},{"text":"عليك قال الداوديّ: وما روي عن ابن مسعود من أنه سَيُنْزَعُ القرآنُ من الصدور، وتُرْفَعُ المصاحف «١» لا يَصِحُّ وإِنما قال سبحانه: وَلَئِنْ شِئْنا فلم يشأ سبحانه، وفي الحديث عنه ﷺ: «لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الحَقِّ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ، وَهُمْ ظَاهِرُونَ» «٢» قال البخاريُّ: وهم أهل العِلْم، ولا يكون العلم مع فقد القرآن. انتهى كلام الداوديّ، وهو حَسَن جدًّا، وقد جاء في الصحيح ما هو أبْيَنُ من هذا، وهو قوله ﷺ: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَنْتَزِعُ العِلْمَ انْتِزَاعًا ولَكِنْ يقبض العلم بقبض العلماء ... «٣»، الحديث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-819>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٨٨ الى ٨٩]</span>\nقُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨) وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا (٨٩)\nوقوله سبحانه: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ ...\nالآية: سببُ هذه الآية أنَّ جماعة من قريش قالوا للنبيّ ﷺ: لَوْ جِئْتَنَا بآيةٍ غَرِيبَةٍ غَيْرِ هذا القرآن، فإِنا نَقْدِرُ نَحنُ عَلَى المَجِيءِ بمثله، فنزلَتْ هذه الآية المصرِّحة بالتعجيز لجميع الخلائق.\nقال ص: واللام في لَئِنِ اجْتَمَعَتِ اللام الموطِّئة للقسم، وهي الداخلة على الشرطِ، كقوله: لَئِنْ أُخْرِجُوا [الحشر: ١٢] وَلَئِنْ قُوتِلُوا [الحشر: ١٢] والجوابُ بعدُ للقَسَمِ لتقدُّمه، إِذا لم يسبق ذو خبره لا للشرطِ، هذا مذهبُ البصريِّين خلافًا للفراء في إجازته الأَمرين، إِلا أنَّ الأكثر أنْ يجيء جواب قَسَمٍ، «والظهير» المعين.\n/ قال ع «٤»: وفهمت العرب الفصحاء بُخُلوصِ فهمها في مَيْزِ الكلامِ وَدُرْبتها به\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٨/ ١٤٤) برقم: (٢٢٦٩٠)، وذكره ابن عطية (٣/ ٤٨٢)، وذكره ابن كثير (٣/ ٦٢)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٣٦٣)، وعزاه لسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم، وابن مردويه.\n(٢) تقدم تخريجه.\n(٣) أخرجه البخاري (١/ ٢٣٤) كتاب «العلم» باب: كيف يقبض العلم، حديث (١٠٠)، وفي (١٣/ ٢٩٥) كتاب «الاعتصام» باب: ما يذكر من ذم الرأي، حديث (٧٣٠٧)، ومسلم (٤/ ٢٠٥٨) كتاب «العلم» باب: رفع العلم وقبضه وظهور الجهل والفتن، حديث (١٣/ ٢٦٧٣)، والترمذي (٥/ ٣١)، كتاب «العلم» باب: ما جاء في ذهاب العلم، حديث (٢٦٥٢)، وابن ماجه (١/ ٢٠) «المقدمة» باب: اجتناب الرأي والقياس، حديث (٥٢)، والدارمي (١/ ٧٧)، وأحمد (٢/ ١٦٢، ١٩٠)، والبغوي في «شرح السنة» (١/ ٢٤٧- بتحقيقنا)، من حديث عبد الله بن عمرو، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٤٨٣) .","vol":"3","page":496},{"text":"ما لا نفهمه نَحْنُ ولا كُلُّ من خالطته حضارةٌ، ففهموا العَجْزَ عنه ضرورةً ومشاهدةً، وعلمه الناس بعدهم استدلالًا ونظرًا، ولكلٍّ حصل عِلْم قطعيٌّ، لكن ليس في مرتبةٍ واحدةٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-820>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٩٠ الى ٩٥]</span>\nوَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاَّ بَشَرًا رَسُولًا (٩٣) وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلاَّ أَنْ قالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤)\nقُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكًا رَسُولًا (٩٥)\nوقوله سبحانه: وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا ... الآية:\nروي في قول هذه المقالة للنبيّ ﷺ حديثٌ طويلٌ، مقتضاه: أنَّ عُتْبَة وشَيْبة ابْنَيْ ربيعَةَ، وعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبي أميَّةَ، والنَّضْرَ بْنَ الحَارِثِ وغيرهم من مَشْيَخَةِ قريشٍ وسادَاتِها، اجتمعوا عليه، فعرَضُوا عليه أنْ يملِّكوه إِن أراد المُلْك، أو يجمعوا له كثيرًا من المالِ إِن أراد الغنى ونحو هذا من الأقاويل، فدعاهم ﷺ عند ذلك إِلى اللَّه، وقال: إِنما جئتُكُمْ بأمرٍ منَ اللَّهِ فيه صَلاحُ دنياكم ودِينِكُم، فإِن أطعتم، فَحَسَن، وإِلا صَبَرْتُ حتَّى يحكم اللَّه بيني وبينكم «١» فقالوا له حينئذٍ: فإِن كان ما تَزْعُمُ حقًّا، ففجِّر لنا من الأرض ينبوعًا ... الحديث بطوله، «واليَنْبُوع»: الماء النابع، وخِلالَها ظرف، ومعناه أثناءها وفي داخلها.\nوقوله: كَما زَعَمْتَ إِشارة إلى ما تلا عليهم قبل ذلك في قوله سبحانه: إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ ... الآية [سبأ: ٩] «والكِسَفُ» الشيء المقطوع، وقال الزجَّاج «٢» المعنى: أو تسقط السماء علينا طبقًا، وقوله: قَبِيلًا قيل: معناه مقابلةً وعيانًا، وقيل: معناه ضامنًا وزعيمًا بتصديقك ومنه القبالة «٣» وهي الضمان، وقيل: معناه نوعًا وجنسًا لا نظير له عندنا، أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ، قال المفسِّرون: الزُّخْرُفُ الذَّهَب في هذا الموضع، أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ، أي: في الهواء\n_________\n(١) أخرجه الطبري، وابن إسحاق، وابن أبي حاتم، وابن المنذر كما في «الدر المنثور» (٤/ ٣٦٥- ٣٦٦)، عن ابن عباس.\n(٢) ينظر: «تفسير الزجاج» (٣/ ٢٥٩) .\n(٣) القبالة: الكفالة، وهي في الأصل: مصدر قبل: إذا كفل، وقبل «بالضم» - إذا صار قبيلا، أي: كفيلا، وتقبّل به: إذا تكفّل.\nينظر: «لسان العرب» (٣٥٢) .","vol":"3","page":497},{"text":"علوًّا، ويحتمل أن يريد السماء المعروفَة، وهو أظهر.\nت: وذكر ع «١» هنا كلماتٍ الواجبُ طرحها، ولهذا أعرضت عنها، وتَرْقى معناه تصعد، ويروى أن قائل هذه المقالة هو عبدُ اللَّهِ بْنُ أبي أميَّةِ، ويروى أن جماعتهم طلبَتْ هذه النْحوَ منه، فأمره ﷿ أن يقول: سُبْحانَ رَبِّي، أي: تنزيهًا له من الإِتيان إِليكم مع الملائكةِ قبيلًا، ومن اقتراحِي أنا عليه هذه الأشياءَ، وهل أنا إِلا بشر، إِنما عليَّ البلاغ المبين فقطْ.\nوقوله: مُطْمَئِنِّينَ، أي: وادعين فيها مقيمين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-821>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٩٦ الى ٩٨]</span>\nقُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (٩٦) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيرًا (٩٧) ذلِكَ جَزاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآياتِنا وَقالُوا أَإِذا كُنَّا عِظامًا وَرُفاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٩٨)\nوقوله سبحانه: قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ روي أن من تقدَّم الآن ذكرهم من قريش، قالوا للنبيّ ﷺ في آخر قولهم: فَلْتَجِىءْ مَعَكَ بطائفةٍ من الملائكة تَشْهَدُ لك بِصِدْقك في نبوَّتك، وروي أنهم قالوا: فمن يشهدُ لك؟ ففي ذلك نزلَتِ الآية، أي: اللَّه يشهد بيني وبينكم، ثم أخبر سبحانه أنه يحشرهم على الوُجُوه حقيقةً، وفي هذا المعنى حديثٌ، «قيل: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يَمْشِي الكَافِرُ عَلَى وَجْهِهِ؟ قال: أَلَيْسَ الَّذِي أَمْشَاهُ في الدُّنْيَا عَلَى رِجْلَيْنِ قَادِرًا عَلَى أَنْ يُمْشِيَهُ/ في الآخِرَةِ عَلَى وَجهِهِ «٢»؟» قال قتادة: بَلَى، وَعِزَّةِ رَبِّنا «٣» .\nت: وهذا الحديثُ قد خرَّجه الترمذيُّ من طريق أبي هريرة، قال: قال رسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ القِيَامَة عَلَى ثَلاَثَةِ أَصْنَافٍ: ركبانا، ومشاة، وعلى\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٤٨٥) .\n(٢) أخرجه البخاري (٨/ ٣٥٠) كتاب «التفسير» باب: الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ، حديث (٤٧٦٠)، ومسلم (٤/ ٢١٦١) كتاب «صفات المنافقين» باب: يحشر الكافر على وجهه، حديث (٢٨٠٦)، والطبري (١٩/ ١٢)، وأبو يعلى (٥/ ٣٨٥- ٣٨٦) برقم (٣٠٤٦)، وأحمد (٣/ ٢٢٩)، وابن حبان (٧٣٢٣)، وأبو نعيم في «الحلية» (٢/ ٣٤٣) من حديث أنس، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٣٦٨)، وزاد نسبته إلى أبي نعيم في «المعرفة»، وابن مردويه، والبيهقي في «الأسماء والصفات» .\n(٣) ذكره ابن عطية (٣/ ٤٨٧) .","vol":"3","page":498},{"text":"وُجُوهِهِم ...» «١» الحديثَ، وقوله: كُلَّما خَبَتْ أي: كلما فرغَتْ من إِحراقهم، فسكن اللهيبُ القائمُ عليهم قَدْرَ ما يعادون، ثم يثورُ، فتلك زيادة السعير، قاله ابن عَبَّاس «٢» .\nقال ع «٣»: فالزيادة في حيِّزهم، وأما جهنَّم، فعلى حالها من الشدَّة، لا فتور، وخَبَتِ النارُ، معناه: سَكَن اللهيبُ، والجَمْرُ على حاله، وخَمَدَتْ معناه، سكَن الجَمْر وضَعُف، وهَمَدَتْ معناه: طُفِئت جملةً.\nوقوله سبحانه: ذلِكَ جَزاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآياتِنا ... الآية: الإِشارة ب ذلِكَ إِلى الوعيد المتقدِّم بجهنم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-822>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٩٩ الى ١٠٠]</span>\nأَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ قادِرٌ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلاَّ كُفُورًا (٩٩) قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُورًا (١٠٠)\nقوله ﷿: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ... الآية:\nالرؤيةُ في هذه الآية هي رؤية القَلْبِ، وهذه الآية احتجاجٌ عليهم فيما استبعدوه من البعث، «والأجل» هاهنا: يحتمل أن يريد به القيامة، ويحتمل أن يريد أَجَلَ الموت.\nوقوله سبحانه: قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي ... الآية: ال رَحْمَةِ، في هذه الآية: المال والنِّعم التي تُصْرَفُ في الأرزاق.\nوقوله: خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ المعنى: خشية عاقبةِ الإِنفاق، وهو الفَقْر، وقال بعض اللُّغويِّين، أنْفَقَ الرجُلُ معناه: افتقَرَ كما تقول أَتْرَبَ وأَقْتَرَ.\nوقوله: وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُورًا أي: ممسِكًا، يريدُ أنَّ في طبعه ومنتهى نظره أن الأشياء تتناهى وتفنى، فهو لو ملك خزائنَ رحمة الله، لأمسك خشيةَ الفَقْر، وكذلك يظنُّ أن قدرة اللَّه تقفُ دون البَعْث، والأمر ليس كذلك، بل قدرته لا تتناهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-823>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ١٠١ الى ١٠٤]</span>\nوَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ إِذْ جاءَهُمْ فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُورًا (١٠١) قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلاَّ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا (١٠٢) فَأَرادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْناهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا (١٠٣) وَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنا بِكُمْ لَفِيفًا (١٠٤)\n_________\n(١) أخرجه الترمذي (٥/ ٣٠٥)، كتاب «التفسير» باب: ومن سورة الإسراء، حديث (٣١٤٢)، من حديث أبي هريرة، وقال الترمذي: هذا حديث حسن، وأخرجه أحمد (٢/ ٣٥٤) .\n(٢) أخرجه الطبري (٨/ ١٥٣) برقم: (٢٢٧٢٦) بنحوه، وذكره ابن عطية (٣/ ٤٨٧)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٣٦٩)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن الأنباري في كتاب «الأضداد» . [.....]\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٤٨٧) .","vol":"3","page":499},{"text":"وقوله سبحانه: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ ... الآية: اتفق المتأوِّلون والرواةُ أن الآياتِ الخَمْسَ التي في «سورة الأعراف» هي من هذه التسْعِ، وهي: الطُّوفانُ والجَرَادُ والقُمَّل والضَّفادع والَّدمُ، واختلفوا في الأربَعِ. ت: وفي هذا الاتفاق نظَرٌ، وَرَوَى في هذا صفوانُ بنُ عَسَّال أن يهوديًّا من يهودِ المدينةِ، قال لآخَرَ: سِرْ بِنَا إِلى هذا النبيِّ نسأله عن آيات موسى، فقال له الآخر: لا تقل له إنَّه نَبيٌّ، فإِنه لَوْ سَمِعَها، صَارَ له أربعة أعيُنٍ، قال: فَسَارَا إِلى النبيِّ ﷺ فسألاه، فقال: «هي لا تُشْرِكُوا باللَّه شيئًا، ولا تسرِقُوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم اللَّه إِلا بالحق، ولا تمشوا ببريءٍ إلى السلطان ليقتله، ولا تَسْحَرُوا، ولا تأكلوا الربا، ولا تقذفوا المُحْصَنَات، ولا تَفِرُّوا يَوْمَ الزَّحْف، وعليْكُمْ- خاصَّةَ معْشَرِ اليهودِ ألاَّ تَعْدُوا في السبت» «١» . انتهى، وقد ذكر ع «٢» هذا الحديث.\nوقوله سبحانه: فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ إِذْ جاءَهُمْ، أي: إِذ جاءهم موسى واختلف في قوله: مَسْحُورًا فقالتْ فرقة: هو مفعولٌ على بابه، وقال الطبري «٣»: هو بمعنى ساحرٍ، كما قال/ حِجابًا مَسْتُورًا [الاسراء: ٤٥] وقرأ الجمهور: «لَقَدْ عِلمْتَ»، وقرأ الكسائيُّ: «لَقَدْ عَلِمْتُ» بتاء المتكلِّم مضمومةً، وهي قراءة علي بن أبي طالب وغيره، وقال: ما علم عَدُوُّ اللَّه قطُّ، وإِنما علم موسى والإِشارة ب هؤُلاءِ إِلى التسع.\nوقوله: بَصائِرَ: جمعُ بصيرةٍ، وهي الطريقةُ، أي طرائِقَ يُهْتَدَى بها، و«المثبور» المُهْلَكُ قاله مجاهد «٤»، فَأَرادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ، أي: يستخفهم ويقتلهم،\n_________\n(١) أخرجه الترمذي (٥/ ٣٠٥- ٣٠٦) كتاب «التفسير» باب: ومن سورة بني إسرائيل، حديث (٣١٤٤)، وأحمد (٤/ ٢٣٩- ٢٤٠)، والنسائي (٧/ ١١١- ١١٢)، كتاب «تحريم الدم» باب السحر، حديث (٤٠٧٨)، والحاكم (١/ ٩)، وأبو نعيم في «الحلية» (٥/ ٩٧- ٩٨)، والطبري (١٥/ ١٧٢)، والطبراني في «الكبير» (٨/ ٨٣- ٨٤) برقم: (٧٣٩٦)، وأخرجه ابن ماجه مختصرا برقم: (٣٧٠٥)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٣٧٠)، وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وأبي يعلى، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن قانع، وابن مردويه، وأبي نعيم، والبيهقي كلاهما في «الدلائل» .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٤٨٨) .\n(٣) ينظر: «الطبري» (٨/ ١٥٨) .\n(٤) أخرجه الطبري (٨/ ١٥٩) برقم: (٢٢٧٥٩)، وذكره البغوي (٣/ ١٤٠)، وابن عطية (٣/ ٤٨٩)، وابن كثير في «تفسيره» (٣/ ٦٧) .","vol":"3","page":500},{"text":"والأرض هنا أرْضُ مِصْر، ومتى ذكرت الأرض عمومًا، فإِنما يراد بها ما يناسب القصَّة المتكلَّم فيها، واقتضبَتْ هذه الآيةُ قصص بني إِسرائيل مع فرعون، وإِنما ذكرت عِظَمَ الأمر وخطيره، وذلك طرفاه أراد فرعون غلبتهم وقتلهم، وهذا كان بَدْءَ الأمر فأغرقه اللَّه وجُنُودَهُ، وهذا كان نهايةَ الأمر، ثم ذكر سبحانه أمْرَ بني إسرائيل بعد إِغراق فرَعوْنَ بسُكْنَى أرض الشام ووَعْدُ الْآخِرَةِ هو يوم القيامة، «واللفيفُ»: الجَمْعُ المختلطُ الذي قد لفّ بعضه إلى بعض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-824>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ١٠٥ الى ١٠٩]</span>\nوَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (١٠٥) وَقُرْآنًا فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا (١٠٦) قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (١٠٩)\nوقوله سبحانه: وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ يعني القرآن نَزَلَ بالمصالح والسّداد للناس، وبِالْحَقِّ نَزَلَ يريد: بالحقِّ في أوامره ونواهيه وأخباره، وقرأ جمهور «١» الناس: «فَرْقَنَاهُ» بتخفيف الراء، ومعناه: بيَّنَّاه وأوضَحْناه وجَعَلْناه فرقانًا، وقرأ جماعةٌ خارجَ السبْعِ «٢»:\n«فَرَّقْنَاهُ» بتشديد الراء، أي: أنزلناه شيئًا بعد شيء، لا جملةً واحدة، ويتناسق هذا المعنى مع قوله: لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ، وتأوّلت فرقةٌ قوله: عَلى مُكْثٍ أي: على ترسُّل في التلاوةِ، وترتُّل، هذا قول مجاهد وابن عباس وابن جُرَيْج وابن زيد «٣»، والتأويلُ الآخر، أي على مُكْثٍ وتطاوُلٍ في المدة شيئًا بعد شيء.\nوقوله سبحانه: قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُوا فيه تحقيرٌ للكفّار، وضرب من التوعّد، والَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ: قالت فرقة: هم مؤمنو أهل الكتاب، والْأَذْقانِ: أسافل الوجوه حيث يجتمع اللّحيان.\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٤٩٠)، و«البحر المحيط» (٦/ ٨٤)، و«الدر المصون» (٤/ ٤٢٦) .\n(٢) وهي قراءة أبيّ، وابن عباس، ومجاهد، وابن مسعود، وعلي، وأبي رجاء، وقتادة، والشعبي، وحميد، وعمرو بن فائد، وزيد بن علي، وعمرو بن ذر، وعكرمة، والحسين.\nينظر: «مختصر الشواذ» (٨١)، و«المحتسب» (٢/ ٢٣)، و«المحرر الوجيز» (٣/ ٤٩٠)، و«البحر المحيط» (٦/ ٨٤)، و«الدر المصون» (٤/ ٤٢٧) .\n(٣) أخرجه الطبري (٨/ ١٦٢) برقم: (٢٢٧٨٣)، وذكره ابن عطية (٣/ ٤٩١)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٣٧٢)، وعزاه لابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.","vol":"3","page":501},{"text":"قال الواحِدِيُّ: إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا أي: بإِنزال القرآن، وبعَث محمَّد لَمَفْعُولًا.\nانتهى.\nوقوله سبحانه: وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا هذه مبالغةٌ في صفتهم، ومَدْحٌ لهم وحضٌّ لكل من توسَّم بالعلم، وحصَّلَ منه شيئًا أنْ يجري إلى هذه الرتبة النفيسَةِ وحكَى الطبريُّ عن التميميِّ أن من أوتي من العلْمِ ما لم يُبْكِهِ لخَلِيقِ ألاَّ يكونَ أُوتِيَ عْلمًا ينفعه لأَنَّ اللَّه سبحانه نعت العلماء، ثم تَلاَ هذه الآية كلَّها.\nت: وإِنه واللَّهِ لكذلكَ، وإِنما يخشَى اللَّهَ مِنْ عباده العلماءُ، اللهمَّ انْفَعْنَا بما عَلَّمتنا، ولا تجعْلُه علينا حجَّةً بفضلك، ونقل الغَزَّاليُّ عن ابن عبَّاس أنه قال: إِذا قرأتم سَجْدَةَ «سُبْحَانَ»، فلا تعجلوا بالسُّجُود حتى تَبْكُوا، فإِن لم تَبْكِ عينُ أحدِكُمْ، فَلْيبكِ قلبه.\nقال الغَزَّالِيُّ: فإن لم يحضرْهُ حُزْن وبكاءٌ كما يحضر أرباب القلوب الصافيَةِ فليَبْكِ على فَقْدِ الحُزْن والبكاء، فإِن ذلك من أعظم المصِائبِ. قال الغَزَّالِيُّ: واعلم أنَّ الخشوع ثمرةُ الإِيمان، ونتيجةُ/ اليقينِ الحاصلِ بعظمةِ اللَّه تعالى، ومَنْ رُزِقَ ذلك، فإِنه يكون خاشعًا في الصلاة وغيرها فإِن موجب الخشوع استشعارُ عظمة اللَّه، ومعرفةُ اطلاعه على العَبْد، ومعرفةُ تقصير العَبْد، فمن هذه المعارفِ يتولَّد الخشوعُ، وليْسَتْ مختصَّةً بالصلاة، ثم قال:\nوقد دلَّت الأخبار على أن الأصل في الصَّلاة الخشوعُ، وحضورُ القَلْب، وأن مجرَّد الحركاتِ مع الغَفْلة قليلُ الجدوى في المعادِ، قال: وأعلم أنَّ المعاني التي بها تتمُّ حياة الصلاة تجمعها ستُّ جُمَلٍ، وهي: حضورُ القَلْبِ، والتفهُّمُ، والتعظيمُ، والهَيْبَة، والرجاءُ، والحياءُ، فحضور القَلْب: أن يفرِّغه من غير ما هو ملابسٌ له، والتفهُّم: أمر زائد على الحُضُور، وأما التعظيم، فهو أمر وراءَ الحضور والفَهْمِ، وأما الهَيْبة، فأمر زائد علي التعظيمِ، وهي عبارة عن خَوْفٍ مَنْشَؤه التعظيم، وأما التعظيم، فهو حالةٌ للقَلْب تتوَّلد من معرفتين: إِحداهما: معرفة جلالِ اللَّه سبحانه وعظمته، والثانية: معرفة حقارة النفْسِ، واعَلَمْ أَنَّ حضور القلب سببه الهِمَّة، فإِن قلبك تَابِعٌ لهمَّتك، فلا يحضر إِلا فيما أهمَّك، ومهما أهمَّك أمر، حَضَر القَلْب، شاء أم أبى، والقلب إذا لم يحضُرْ في الصلاة، لم يَكُنْ متعطِّلًا بل يكون حاضرًا فيما الهمة مصروفةٌ إِليه. انتهى من «الإحياء» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-825>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ١١٠ الى ١١١]</span>\nقُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا (١١٠) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١)","vol":"3","page":502},{"text":"وقوله سبحانه: قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ ... الآية: سبب نزول هذه الآية:\nأنَّ بعض المشركين سمع النبيّ ﷺ يدعو: يا اللَّه يا رَحْمَانَ، فقالوا: كان محمَّدٌ يأمرنا بدعاءِ إله واحدٍ، وهو يدْعو إِلَهْين، قاله ابن عباس «١»، فنزلَتِ الآية مبيِّنةً، أنها أسماء لمسمًّى واحد، وتقدير الآية: أيُّ الأسماءِ تدعو به، فأنت مصيبٌ، فله الأسماءُ الحسنى، وفي «صحيحِ البخاريِّ» بسنده عن ابن عباس في قوله سبحانه: وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها قَالَ: نَزَلَتْ ورسُولُ اللَّهِ ﷺ مُخْتَفٍ بمكَّةَ، كان إِذَا صَلَّى بأصحابه، رَفَعَ صَوْتَهُ بالقرآن، فإِذا سمعه المشْرِكُون، سَبُّوا القرآن، ومن أنزله، ومن جاء به، فقال اللَّه ﵎ لنبيّه ﷺ: وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ، أي: بقراءتك، فيسمَعَ المشركونَ فيسبوا القرآن، وَلا تُخافِتْ بِها عن أصحابك فلا تسمعهم، وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا «٢»، وأسند البخاريُّ عن عائشة: وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها قالتُ: أنزل ذلك في الدعاءِ انتهى «٣» .\nقال الغَزَّاليُّ في «الإِحياء»: وقد جاءت أحاديثُ تقتضي استحبابَ السِّرِّ بالقرآن، وأحاديثُ تقتضي استحبابَ الجَهْر به، والجَمُع بينهما أنْ يقال: إِن التالي إِذا خاف على نفسه الرِّياءَ والتصنُّع أو تشويش مُصَل، / فالسر أفضلُ، وإِن أَمِنَ ذلك، فالجهر أَفَضَلُ لأن العمل فيه أكثر ولأن فائدته أيضًا تتعدَّى إلى غيره والخير المتعدِّي أفضلُ من اللازم ولأنه يوقظ قلب القارئ، ويجمع همَّته إلى الفكْر فيه، ويصرف إِليه سَمْعَه، ويطرد عنه النوْمَ برفْعِ صوته، ولأنه يزيدُ في نشاطه في القراءة، ويقلِّل من كسله ولأنه يرجو بجهره تيقُّظ نائمٍ، فيكون سَبَبًا في إِعانته على الخير، ويسمعه بَطَّال غافلٌ، فينشط بسببه، ويشتاقُ لخدمة خالقه، فمهما حَضَرَتْ نيَّةٌ من هذه النيَّات، فالجهر أفضلُ، وإِن اجتمعتْ هذه النيَّاتُ، تضاعَفَ الأجر، وبكثرة النياتِ يزْكُو عمل الأبرار وتتضاعف أجورهم. انتهى.\nوقوله سبحانه: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ هذه الآية رادَّة على كَفَرة العرب في\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٨/ ١٦٥) برقم: (٢٢٨٠١)، وذكره البغوي (٣/ ١٤٢)، وابن عطية (٣/ ٤٩٢)، وابن كثير في «تفسيره» (٣/ ٦٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٣٧٣)، وعزاه لابن جرير، وابن مردويه.\n(٢) أخرجه البخاري (. / ٢٥٧)، كتاب «التفسير» باب: وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها، حديث (٤٧٢٢) .\n(٣) أخرجه البخاري (٨/ ٢٥٧) كتاب «التفسير» باب: وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها، حديث (٤٧٢٣) .","vol":"3","page":503},{"text":"قولهم: لولا أولياءُ اللَّه، لَذَلَّ- تعالى اللَّه عن قولهم- وقَّيد سبحانه نَفْيَ الولاية له بطريقِ الذُّلِّ، وعلى جهة الانتصار إِذ ولايته سبحانه موجُوَدةٌ بفضله ورحمته لمن والى من صَالح عباده.\nقال مجاهد: المعنى لم يخالِفْ أحدًا ولا ابتغى نصْرَ أحد سبحانه، لا إله إِلا هو «١» وصلَّى اللَّه على سيدِّنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٨/ ١٧٢) برقم: (٢٢٨٥٠)، وذكره ابن عطية (٣/ ٤٩٣)، وابن كثير في «تفسيره» (٣/ ٦٩)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٣٧٦)، وعزاه لابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.","vol":"3","page":504},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-826>تفسير سورة الكهف</span>\nبسم الله الرّحمن الرّحيم هذه السورة مكّيّة في قول جميع المفسّرين، وروي عن قتادة أنّ أول السورة نزل بالمدينة إلى قوله: جُرُزًا والأول أصحّ، وهي من أفضل سور القرآن «١»، وروي أن النبي ﷺ قال: «ألا أخبركم بسورة عظمها ما بين السّموات والأرض، ولمن جاء بها من الأجر مثل ذلك؟ قالوا: أيّ سورة هي، يا رسول الله؟ قال: سورة الكهف، من قرأ بها يوم الجمعة، غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجُمُعَةِ الأخرى، وزيادة ثلاثة أيّام» «٢» وفي رواية أنس: «من قرأ بها، أعطي نورا بين السّماء والأرض، ووقي بها فتنة القبر» .\nت: وعن البراء بن عازب، قال: كان رجل يقرأ سورة الكهف، وإلى جانبه فرس مربوط بشطنين فغشيته سحابة، فجعلت تدنو وتدنو، وجعل فرسه ينفر، فلما أصبح أتى النبيّ ﷺ فذكر ذلك له، فقال: «تلك السّكينة نزلت بالقرآن»»\nرواه البخاريّ، واللفظ له، ومسلم والترمذيّ والنسائيّ، والرجل المبهم في الحديث هو أسيد بن حضير، وفي الحديث الصحيح من طريق النّوّاس بن سمعان، عن النبيّ ﷺ: «فمن أدرك الدّجّال منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف ...» وذكر الحديث. رواه مسلم «٤» وغيره، زاد أبو داود:\n«فإنّها جوازكم من فتنته» . وعن أبي الدرداء أن النبيّ ﷺ قال: «من قرأ عشر آيات من أوّل سورة الكهف، عصم من الدّجّال» «٥» رواه مسلم وأبو داود والترمذيّ/ والنسائي، واللفظ\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٣/ ٤٩٤) .\n(٢) ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٣٧٩)، وعزاه إلى ابن مردويه، عن عائشة. [.....]\n(٣) تقدم تخريجه في أوائل التفسير.\n(٤) تقدم تخريجه في أوائل التفسير.\n(٥) أخرجه مسلم (١/ ٥٥٥) كتاب «صلاة المسافرين» باب: فضل سورة الكهف، وآية الكرسي، حديث (٢٥٧/ ٨٠٩)، وأبو داود (٢/ ٥٢٠) كتاب «الملاحم» باب: في ذكر خروج الدجال، حديث (٤٣٢٣)، والنسائي في «عمل اليوم والليلة» برقم: (٩٥١)، وأحمد (٥/ ١٩٦)، (٦/ ٤٤٩)، والحاكم (٢/ ٣٦٨)، وابن حبان (٧٨٥- ٧٨٦)، والبيهقي (٣/ ٢٤٩)، والبغوي في «شرح السنة» (٣/ ٢٥- بتحقيقنا) من حديث أبي الدرداء.","vol":"3","page":505},{"text":"لمسلم، وفي رواية لمسلم وأبي داود: «من آخر الكهف»، وعن أبي سعيد الخدريّ، أن النبي ﷺ قال: من قرأ سورة الكهف كما أنزلت، كانت له نورا من مقامه إلى مكّة، ومن قرأ بعشر آيات من آخرها، فخرج الدّجّال، لم يسلّط عليه «١» رواه الترمذيّ والحاكم في «المستدرك» والنسائيّ، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، وله في رواية: «من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له من النّور ما بين الجمعتين» «٢»، وقال: صحيح الإسناد، وأخرجه الدّارميّ في مسنده موقوفا ورواته «٣» متّفق على الاحتجاج بهم إلا أبا هاشم يحيى بن دينار الرّمّاني وقد وثّقه أحمد ويحيى وأبو زرعة وأبو حاتم. انتهى من «السلاح» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-827>[سورة الكهف (١٨): الآيات ١ الى ٥]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) ماكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (٣) وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤)\nما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا (٥)\nقوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ كان حفْصٌ عن عاصم «٤» يَسْكُتُ عند قوله: عِوَجًا سكتةً خفيفة، وعند مَرْقَدِنا في يس [يس: ٥٢] وسبب هذه البداءة في هذه السورة أنّ النبيّ ﷺ لما سألته قريشٌ عن المسائِلِ الثَّلاثِ: الرُّوحِ، وأصحابِ الكهف، وذِي القَرْنَيْنِ، حسب ما أمرتهم به يهود- قال لهم ﷺ: «غَدًا أُخْبِرُكُمْ بِجَوَابِ مَا سَأَلْتُمْ» ولم يقلْ: إِن شاء اللَّه، فعاتَبَهُ اللَّه ﷿، وأمسك عنه الوحْيَ خَمْسَةَ عَشَرَ يومًا، وأرجف به كُفَّار قريشٍ، وشَقَّ ذلك على النبيِّ ﷺ وبلَغَ منه، فلما انقضى الأمَدُ الذي أراد اللَّهُ عِتَابَ نبيِّه، جاءه الوحْيُ بجوابِ ما سألوه، وغير ذلك، فافتتح الوحْي ب الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ، وهو القرآن.\nوقوله: وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا، أي: لم ينزله عن طريق الاستقامة، «والعِوَج» فَقُدُ الاستقامة، ومعنى قَيِّمًا، أي: مستقيمًا قاله ابن «٥» عباس وغيره، وقيل: معناه أنه قيّم\n_________\n(١) أخرجه النسائي في «عمل اليوم والليلة» برقم: (٩٥٢، ٩٥٤)، والحاكم (٢/ ٣٦٨)، والبيهقي (٣/ ٢٤٩)، عن أبي سعيد مرفوعا، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، وأخرجه الدارمي (٢/ ٤٥٤) عن أبي سعيد موقوفا.\n(٢) أخرجه الحاكم (٢/ ٣٦٨) .\n(٣) ينظر: «سنن الدارمي» (٢/ ٤٥٤) .\n(٤) ينظر: «العنوان» (١٢٢)، و«شرح الطيبة» (٥/ ٣)، و«شرح شعلة» (٤٦٨)، و«إتحاف» (٢/ ٢٠٨) .\n(٥) ذكره الطبري (٨/ ١٧٣- ١٧٤)، وابن عطية (٣/ ٤٩٥)، والبغوي (٣/ ١٤٤)، بلفظ عدلا، والسيوطي","vol":"3","page":506},{"text":"على سائر الكتب بتصديقها، ولم يرتضه ع «١»، قال: ويصح أن يكون معنى «قيِّم» قيامَهُ بأمر اللَّه على العَالَمِ وهذا معنى يؤيِّده ما بعْده من النِّذارة والبشارة اللتَيْن عمتا العالَمَ، «والبأس الشديد» عذاب الآخرة، ويحتملُ أنْ يندرج معه في النِّذارة عذابُ الدنيا ببَدْرٍ وغيرها، «ومِنْ لَدُنْهُ»، أي: من عنده، والمعنى: لينذر العالَمَ و«الأجر الحسن» نعيمُ الجنة، ويتقدَّمه خير الدنيا.\nوقوله تعالى: إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا، أي: ما يقولون، فهي النافية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-828>[سورة الكهف (١٨): الآيات ٦ الى ٨]</span>\nفَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (٦) إِنَّا جَعَلْنا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧) وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيدًا جُرُزًا (٨)\nوقوله سبحانه: فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ هذه الآية تسلية للنبيّ ﷺ، والباخِعُ نَفْسَه هو مهلكها.\nقال ص: «لعلَّ» للترجِّي في المحبوب، وللإِشفاق في المحذور، وهي هنا للإِشفاق. انتهى.\nوقوله: عَلى آثارِهِمْ: استعارة فصيحةٌ من حيثُ لهم إِدبارٌ وتباعُدٌ عن الإِيمان فكأنهم من فرط إِدبارهم قَدْ بَعُدُوا، فهو في آثارهم يحزَنُ عليهم.\nوقوله: بِهذَا/ الْحَدِيثِ، أي: بالقرآن، «والأسف» المبالغة في حزنٍ أو غضبٍ، وهو في هذا الموضع الحزنُ لأنه على مَنْ لا يملك، ولا هو تحت يدِ الآسِفِ، ولو كان الأَسَفُ من مقتدرٍ على من هو في قبضته ومِلْكه، لكان غضبًا، كقوله تعالى: فَلَمَّا آسَفُونا [الزخرف: ٥٥] أي: أغضبونا. قال قتادة: أَسَفًا: حُزْنًا «٢» .\nوقوله سبحانه: إِنَّا جَعَلْنا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها ... الآية: بسط في التسلية، أي: لا تهتمَّ بالدنيا وأهلها، فإن أمرها وأمرهم أقلُّ لفناء ذلك وذهابه، فإِنا إِنما جعلنا ما على الأرض زينةً وامتحانًا واختبارًا، وفي معنى هذه الآية قوله ﷺ: «الدّنيا حلوة خضرة،\n_________\n- (٤/ ٣٨١- ٣٨٢) بنحوه، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه من طريق علي.\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٤٩٥) .\n(٢) أخرجه الطبري (٨/ ١٧٧- ١٧٨) برقم: (٢٢٨٧٣)، وذكره ابن عطية (٣/ ٤٩٦)، وابن كثير (٣/ ٧٢)، والسيوطي (٤/ ٣٨٢)، وعزاه لعبد الرزاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.","vol":"3","page":507},{"text":"وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالى مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا فَنَاظِرٌ كَيْفَ تَعْمَلُونَ، فَاتَّقُوا الدُّنْيا واتقوا النِّسَاءَ» «١» لِنَبْلُوَهُمْ أي: لنختبرهم، وفي هذا وعيدٌ مَّا.\nقال سفيانُ الثَّوْريُّ: أحسنهم عملًا: أزهدهم فيها «٢»، وقال أبو عاصم العَسْقَلاَنِيُّ:\nأَحْسَنُ عَمَلًا. الترك لها «٣» .\nقال ع «٤»: وكان أبي ﵀ يقولُ: أحسن العَمَلِ: أخْذٌ بحقٍّ، وإِنفاقٌ في حقٍّ، وأداء الفرائض، واجتناب المحارِمِ، والإِكثار من المندوب إِليه.\nوقوله سبحانه: وَإِنَّا لَجاعِلُونَ مَا عَلَيْها صَعِيدًا جُرُزًا أي: يرجع ذلك كُّله ترابًا، «والجُرُز»: الأرض التي لا شيء فيها مِنْ عمارةٍ وزينةٍ، فهي البَلْقَعُ، وهذه حالة الأرض العَامِرَةِ لا بُدَّ لها من هذا في الدنيا جزءًا جزءًا من الأرض، ثم يعمُّها ذلك بأجمعها عند القيامة، و«الصعيدُ» وجْه الأرض، وقيل: «الصّعيد»: التراب خاصّة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-829>[سورة الكهف (١٨): الآيات ٩ الى ١٠]</span>\nأَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَبًا (٩) إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَدًا (١٠)\nوقوله سبحانه: أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَبًا، أي:\nليسوا بعجب من آياتِ اللَّهِ، أي: فلا يَعْظُمْ ذلك عليك بحسب ما عَظَّمه السائلون، فإِن سائر آيات اللَّه أعظَمُ من قصتهم، وهو قول ابن عباس «٥» وغيره، واختلف الناس في الرَّقِيمِ ما هو؟ اختلافًا كثيرًا، فقيل: «الرقيم» كتابٌ في لوحِ نُحَاسٍ، وقيل: في لوحِ رَصَاصٍ، وقيل: في لوحِ حجارةٍ كتبوا فيه قصَّة أهْل الكهفِ، وقيل غير هذا، وروي عن ابن عباس\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٤/ ٢٠٩٨) كتاب «الرقائق» باب: أكثر أهل الجنة الفقراء، حديث (٩٩/ ٢٧٤٢)، والترمذي (٤/ ٤٨٣) كتاب «الفتن» باب: ما جاء ما أخبر النبي ﷺ أصحابه بما هو كائن إلى يوم القيامة، حديث (٢١٩١)، وابن ماجه (٢/ ١٣٢٥) كتاب «الفتن» باب: فتنة النساء، حديث (٤٠٠٠)، وأحمد (٣/ ١٩، ٢٢، ٤٦)، وأبو يعلى (٢/ ٣٥٢- ٣٥٣) برقم: (١١٠١)، وابن حبان (٣٢٢١) من حديث أبي سعيد الخدري.\n(٢) ذكره ابن عطية (٣/ ٤٩٧)، والسيوطي (٤/ ٣٨٣)، وعزاه لابن أبي حاتم.\n(٣) أخرجه الطبري (٨/ ١٧٨) برقم: (٢٢٨٧٨)، وذكره ابن عطية (٣/ ٤٩٧) . [.....]\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٤٩٧) .\n(٥) أخرجه الطبري (٨/ ١٨٠) برقم: (٢٢٨٩٠) بنحوه، وذكره ابن كثير (٣/ ٧٣)، والسيوطي (٤/ ٣٨٤) بنحوه، وعزاه لابن أبي حاتم.","vol":"3","page":508},{"text":"أنه قال: ما أدْرِي مَا الرَّقِيم «١»؟\nقال ع «٢»: ويظهر من هذه الرواياتِ أنهم كانوا قومًا مؤَرِّخين، وذلك مِنْ نُبْل المملكة، وهو أمر مفيدٌ.\nوقوله سبحانه: إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ: الْفِتْيَةُ، فيما روي قوم من أبناء أشرافِ مدينةِ دِقْيُوس المَلِكِ الكافِرِ، ويقال فيه «دقيانوس»، وروي أنهم كانوا مُطَوَّقين مسَوَّرين بالذهب، وهم من الروم، واتبعوا دينَ عيسَى، وقيل: كانوا قبل عيسَى، واختلف الرواةُ في قصصهم، ونذْكُر من الخلافِ عُيُونَه، وما لا تستغني الآية عنه: فروي عن مجاهدٍ عن ابن عباس، أن هؤلاء الفتية كانوا في دينِ مَلِكٍ يعبد الأصنام «٣»، فوقَع للفتيةِ عِلْمٌ من بعض الحواريِّين، حَسْبما ذكره النَّقَّاش، أو من مؤمني الأمم قبلهم، فآمنوا باللَّه، ورأَوا ببصائرهم قَبِيحَ فعْل الناس، فرفع أمرهم إِلى المَلِك، فاستحضَرَهُمْ، وأمرهم بالرجُوعِ إِلى دينه، فقالوا/ له فيما روي: رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ... [الكهف: ١٤] الآية، فقال لهم الملك: إِنَّكُمْ شُبَّانٌ أغْمَارٌ، لا عَقْل لكم، وأَنا لا أعْجَلُ عليكم، وضَرَبَ لهم أجلًا ثم سافر خِلاَلَ الأجَلِ، فتشاور الفتْيَةُ في الهروبِ بأديانهم، فقال لهم أحَدُهم: إِني أعْرِفُ كهْفًا في جَبَلِ كذا، فلنذهب إِليه.\nوروت فرقةٌ إنَّ أمر أصحاب الكهْف إنما كان أنهم من أبناء الأشْرَافِ، فحضر عيدٌ لأهْلِ المدينة، فرأى الفتْيَةُ ما ينتحله الناسُ في ذلك العِيدِ من الكُفْرِ وعبَادة الأصنام، فوقع الإِيمانُ في قلوبهم، وأجمعوا على مفارقة دِينِ الكَفَرة، وروي أنهم خَرَجُوا، وهُمْ يلعبون بالصَّوْلَجَانِ والكَرة، وهم يدحرجونها إِلى نحو طريقهم لئلاَّ يشعر الناس بهم حتى وصلوا إِلى الكهف، وأما الكلب فرِوِيَ أنه كان كَلْبَ صيدٍ لبعضهم، وروي أنهم وجدوا في طريقهم رَاعيًا له كلْبٌ، فاتبعهم الراعي على رأيهم، وذهب الكلْبُ معهم، فدخلوا الغَارَ، فروت فرقة أن اللَّه سبحانه ضَرَبَ على آذانهم عند ذلك، لما أراد مِنْ سَتْرهم وخَفِيَ على أهْل المملكة مكانُهم، وعَجِبَ الناسُ من غَرَابة فَقْدهم، فأرَّخوا ذلك ورقَّموه في لوحَيْنِ من رصاصٍ أو نحاسٍ، وجعلوه على باب المدينةِ، وقيل على الرواية: إن الملك بنى باب\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٨/ ١٨٢) برقم: (٢٢٩٠٥)، وذكره ابن عطية (٣/ ٤٩٨)، وابن كثير (٣/ ٧٣)، والسيوطي (٤/ ٣٨٤)، وعزاه لابن جرير من طريق ابن جريج.\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٤٩٧- ٤٩٨) .\n(٣) ذكره ابن عطية (٣/ ٤٩٨) .","vol":"3","page":509},{"text":"الغار، وإِنهم دفنوا ذلك في بِنَاءِ الملِك على الغار، وروت فرقة، أن المَلِك لما علم بذَهَاب الفتية، أَمَرَ بقَصِّ آثارهم إِلى باب الغار، وأمر بالدخول عليهم، فهَابَ الرجالُ ذلك، فقال له بعضُ وزرائه: «أَلَسْتَ أيها المَلِكُ إِن أخرجتَهم قتلَتهم؟ قال: نعم، قال: فأيُّ قِتْلة أبلغُ من الجُوع والعَطَش، ابن عليهم باب الغارِ، ودعْهم يموتوا فيه، ففعل، وقد ضَرَبَ اللَّه على آذانهم كما تقدَّم، ثم أخبر اللَّه سبحانه عن الفتْيَة أنهم لما أَوَوْا إِلى الكَهْف، أي: دخلوه وجعلوه مأوًى لهم وموضعَ اعتصام دَعَوُا اللَّه تعالى بأن يؤتيهم من عنده رحمةً، وهي الرْزقُ فيما ذكره المفسِّرون، وأن يهيِّىء لهم من أمرهم رَشَدًَا خلاصًا جميلًا، وهذا الدعاء منهم كان في أمر دنياهم، وألفاظهم تقتضي ذلك، وقد كانوا على ثقةٍ من رَشَدِ الآخرة ورحمتها، وينبغي لكُلِّ مؤمن أنْ يجعَلَ دعاءه في أمر دنياه بهذه الآية الكريمة فقطْ فإنها كافية، ويحتمل ذكر الرحمة أن يراد بها أمر الآخرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-830>[سورة الكهف (١٨): الآيات ١١ الى ١٣]</span>\nفَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (١١) ثُمَّ بَعَثْناهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَدًا (١٢) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً (١٣)\nوقوله تعالى: فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ ... الآية: عبارةٌ عن إلقاء اللَّه تعالى النَوْمَ عليهم.\nوقوله: عَدَدًا نعت ل «السنين» والقصد به العبارة عن التكثير.\nوقوله: لِنَعْلَمَ: عبارة عن خروج ذلك الشيءِ إِلى الوجود، أي: لنعلم ذلك موجودًا وإِلا فقد كان سبحانه علم أيَّ الحزبَيْن أحْصَى الأمَدَ، و«الحْزَبان»: الفريقان، والظاهر من الآية أن الحزب الواحد هم الفتية، إِذ ظنوا لبثهم قليلًا، والحزب الثاني هم أهْل المدينة الذين بعث الفتية على/ عَهْدهم حين كان عنْدَهم التاريخُ بأمْر الفتية، وهذا قولُ الجمهور من المفسِّرين، وأما قوله: أَحْصى فالظاهر الجيد فيه أنّه فعل ماض، وأَمَدًا منصوبٌ به على المفعول، «والأمد»: الغاية، ويأتي عبارةً عن المدَّة، وقال الزَّجَّاج:\nأَحْصى هو «أفْعَل»، ويعترض بأن «أَفْعَل» لا يكون من فعل رباعيّ إلا في «١» الشاذّ،\n_________\n(١) يجوز فيه وجهان:\n«أحدهما»: أنه أفعل تفضيل، وهو خبر ل «أيّهم»، و«أيّهم» استفهامية، وهذه الجملة معلقة للعلم قبلها.\nولِما لَبِثُوا حال من «أمدا»، لأنه لو تأخر عنه، لكان نعتا له، ويجوز أن تكون اللام على بابها من العلة، أي: لأجل، قاله أبو البقاء، ويجوز أن تكون زائدة، و«ما» مفعوله إما ب «أحصى» على رأي من يعمل أفعل التفضيل في المفعول به، وإما بإضمار فعل، و«أمدا» مفعول «لبثوا» أو منصوب بفعل مقدّر يدلّ عليه أفعل عند الجمهور، أو منصوب بنفس أفعل عند من يرى ذلك.","vol":"3","page":510},{"text":"وأَحْصى: فعلٌ رباعيٌّ ويحتجُّ لقول الزَّجَّاج بأن «أفْعَل» من الرباعيّ قد كثر كقولك: ما\n_________\n«والوجه الثاني»: أن يكون «أحصى» فعلا ماضيا. و«أمدا» مفعوله، و«لما لبثوا» متعلق به، أو حال من «أمدا» واللام فيه مزيدة، وعلى هذا ف «أمدا» منصوب ب «لبثوا»، و«ما» مصدرية، أو بمعنى الذي، واختار الأول أعني كون «أحصى» للتفضيل الزجاج، والتبريزي، واختار الثاني أبو علي، والزمخشري، وابن عطية، قال الزمخشري: فإن قلت فما تقول فيمن جعله أفعل تفضيل؟ قلت: ليس بالوجه السديد، وذلك أنّ بناءه من غير الثلاثي المجرد ليس بقياس، نحو: «أعدى من الجرب» . و«أفلس من ابن المذلّق» شاذ، والقياس على الشاذ في غير القرآن ممتنع، فكيف به؟ ولأن «أمدا» إما أن ينتصب بأفعل وأفعل لا يعمل، وإما أن ينتصب ب «لبثوا» فلا يسد عليه المعنى، فإن زعمت أني أنصبه بفعل مضمر، كما أضمر في قوله:\n.......... وأضرب منّا بالسّيوف القوانسا فقد أبعدت عن المتناول، حيث أردت أن يكون فعلا، ثم رجعت مضطرا إليه، وناقشه الشيخ، فقال: أما دعواه أنه شاذ، فمذهب سيبويه خلافه، وذلك أن أفعل فيه ثلاثة مذاهب: الجائز مطلقا، ويعزى لسيبويه. والمنع مطلقا، وهو مذهب الفارسي. والتفصيل بين أن تكون همزته للتعدية فيمتنع، وبين أن لا تكون، فيجوز، وهذا ليست الهمزة فيه للتعدية، وأما قوله: أفعل لا يعمل فليس بصحيح، لأنه لا يعمل في التمييز، و«أمدا» تمييز لا مفعولا به كما تقول: زيدا أقطع النّاس سيفا، وزيدا أقطع للهام سيفا.\n«قلت: الذي أحوج الزمخشري إلى عدم جعله تمييزا مع ظهوره في بادىء الرّأي عدم صحة معناه، وذلك أنّ التمييز شرطه في هذا الباب أن يصح نسبة ذلك الوصف الذي قبله إليه، ويتصف به، ألا ترى إلى مثاله في قوله: «زيدا أقطع النّاس سيفا» كيف يصح أن يسند إليه، فيقال: «زيد أقطع سيفه، وسيفه قاطع» إلى غير ذلك، وهنا ليس الإحصاء من صفة «الأمد» ولا يصح نسبته إليه، وإنما هو من صفات الحزبين، وهو دقيق، وكان الشيخ نقل عن أبي البقاء نصبه على التمييز، وأبو البقاء لم يذكر نصبه على التمييز حال جعله «أحصى» أفعل تفضيل، وإنما ذكر ذلك حين ذكر أنه فعل ماض قال أبو البقاء: في «أحصى» وجهان:\n«أحدهما»: هو فعل ماض، و«أمدا» مفعول «لبثوا» . وهو خطأ، وإنما الوجه أن يكون تمييزا، والتقدير:\nلما لبثوه.\n«الوجه الثاني»: هو اسم، و«أمدا» منصوب بفعل دلّ عليه الاسم، فهذا تصريح بأن «أمدا» حال جعله «أحصى» اسما ليس تمييزا، بل مفعولا به بفعل مقدّر، وأنه جعله تمييزا عن «لبثوا» .\nثم قال الشيخ: «وأما قوله: وأما أن ينصب ب «لبثوا» فلا يسد عليه المعنى، أي: لا يكون معناه سديدا، وقد ذهب الطبري إلى أنه منصوب ب «لبثوا» . قال ابن عطية: وهو غير متّجه انتهى، وقد يتجه، وذلك أنّ الأمد هو الغاية، ويكون عبارة عن المدّة، من حيث إنّ المدة غاية في أمد المدة على الحقيقة، و«ما» بمعنى الذي و«أمدا» منصوب على إسقاط الحرف، وتقديره: لما لبثوا من أمد، أي: من مدة، ويصير «من أمد» تفسيرا لما أبهم من لفظ «ما»، كقوله: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ- ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ، ولمّا سقط الحرف، وصل إليه الفعل. قلت: يكفيه أن مثل ابن عطية جعله غير متجه، وعلى تقدير ذلك، فلا نسلم أنّ الطبري عنى نصبه ب «لبثوا»، مفعولا به، بل يجوز أن يكون عنى نصبه تمييزا، كما قاله أبو البقاء، ثم قال: وأما قوله: فإن زعمت إلى آخره، فتقول: لا نحتاج إلى ذلك، لأن لقائل ذلك أن يذهب مذهب الكوفيين، في أنه ينصب القوانس بنفس «اضرب»، ولذلك جعل بعض النحاة أنّ «أعلم»","vol":"3","page":511},{"text":"أعطاه للمال، وكقوله ﵊ في صفة جهنَّمِ: «أَسْود مِنَ القَارِ» وفي صفة حوضِهِ «أَبْيَض مِنَ اللَّبَنِ» «١» .\nت: وقد تقَّدم أن «أسْوَد» من «سود»، وما في ذلك من النقْدِ، وقال مجاهدٌ:\nأَمَدًا معناه عددًا «٢»، وهذا تفسيرٌ بالمعنى.\nوقوله سبحانه: وَزِدْناهُمْ هُدىً، أي: يسَّرناهم للعمل الصالحِ، والانقطاع إلى اللَّه ﷿، ومباعدةِ الناسِ، والزهْدِ في الدنيا، وهذه زيادات على الإيمان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-831>[سورة الكهف (١٨): الآيات ١٤ الى ١٦]</span>\nوَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إِذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهًا لَقَدْ قُلْنا إِذًا شَطَطًا (١٤) هؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (١٥) وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا (١٦)\nوقوله سبحانه: وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ: عبارة عن شدَّةِ عزمٍ، وقوةِ صبرٍ، ولما كان الفَزَعُ وخَوَرُ النفس يشبه بالتناسُب الانحلالَ، حَسُنَ في شدَّة النفْس، وقوَّة التصميمِ أنْ يُشْبِه الربْطُ، ومِنْه يقالُ: فلانٌ رَابِطُ الجأشَ إِذا كان لا تَفْرَقُ نفسه عند الفَزَعَ والحروبِ وغيرها، ومنْه الربْطُ على قَلْب أمِّ موسى.\nوقوله تعالى: إِذا قامُوا\nيحتمل أنْ يكون وصف قيامهم بين يَدَيِ الملك الكافِرِ، فإِنَّه مَقَامٌ يحتاج إلى الربْطِ على القَلْب، ويحتمل أن يعبر بالقيام على انبعاثهم بالعزم على\n_________\nناصب ل «من» في قوله: أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ، وذلك لأنّ أفعل مضمرة لمعنى المصدر، إذ التقدير: يريد ضربنا القوانس على ضرب غيرنا» . قلت: هذا مرجوح، وأفعل التفضيل ضعيف، وإذا جعلنا «أحصى» اسما فجوّز الشيخ في «أيّ» أن تكون الموصولة، و«أحصى» خبر لمبتدأ محذوف، هو عائدها، وأنّ الضمة للبناء على مذهب سيبويه، لوجود شرط البناء، وهو إضافتها لفظا، وحذف صدر صلتها. وهذا إنما يكون على جعل العلم، بمعنى العرفان، لأنه ليس في الكلام إلّا مفعول واحد، وتقدير آخر لا حاجة إليه، إلّا أنّ إسناد «علم» بمعنى عرف إلى الله تعالى إشكالا، تقدم تحريره في الأنفال وغيرها. وإذا جعلناه فعلا امتنع أن تكون موصولة، إذ لا حاجة لبنائها حينئذ وهو حسن.\nينظر: «الدر المصون» (٤/ ٤٣٧- ٤٣٨) .\n(١) أخرجه البخاري (١١/ ٤٧٤) كتاب «الرقاق» باب: الحوض، حديث (٦٥٨١)، والترمذي (٥/ ٤١٩) كتاب «التفسير» باب: ومن سورة الكوثر، حديث (٣٣٦٠)، من حديث أنس بن مالك.\n(٢) أخرجه الطبري (٨/ ١٨٨) برقم: (٢٢٩١٧)، وذكره ابن عطية (٣/ ٥٠٠)، والبغوي (٣/ ١٥٣)، والسيوطي (٤/ ٣٨٩)، وعزاه لابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.","vol":"3","page":512},{"text":"الهُرُوب إلى اللَّه ومنابذة النَّاس كما تقول: قَامَ فُلاَنٌ إِلى أمْرِ كذا إذا اعتزم عليه بغايةِ الجِدِّ، وبهذه الألفاظ التي هي: قامُوا فَقالُوا، تعلَّقتِ الصوفيَّة في القيامِ والقَوْل، «والشَّطَط»: الجَوْر وتعدِّي الحدِّ والحقِّ بِحَسَبِ أَمْرٍ أَمْرٍ، و«السلطان»: الحجة، وقال قتادة: المعنى بعذرٍ «١» بيِّن، ثم عظموا جرم الداعين مع اللَّه غيره، وظُلُمَهم بقولهم: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا، وقولهم: وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ ... الآية: المعنى قال بعضهم لبعضٍ، وبهذا يترجَّح أن قوله تعالى: إِذْ قامُوا فَقالُوا إنما المراد به إِذ عزموا ونَفَذُوا لأمْرهم، وفي مصحف ابن مسعود: «ومَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ»، ومضمَّن هذه الآية الكريمة أن بعضهم قال لبعض: إِذ قد فارَقْنَا الكفَّار، وانفردْنا باللَّه تعالى، فلنجعل الكَهْفَ مأوًى، ونَّتكل على اللَّهِ تعالى، فإنه سيبسُطُ علينا رحمته، وينشرها علينا ويهيِّىءُ لنا من أمرنا مرفقًا، وهذا كله دعاءٌ بحَسَب الدنيا، وهم على ثِقَة من اللَّه في أمر آخرتهم، وقرأ نافع وغيره: «مَرْفِقًا» بفتح الميم وكسر الفاء، وقرأ حمزة وغيره بكسر الميم وفتح الفاء، ويقالان معًا في الأمر، وفي الجارحة، حكاه الزَّجَّاج «٢» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-832>[سورة الكهف (١٨): الآيات ١٧ الى ١٨]</span>\nوَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَتَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا (١٧) وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا (١٨)\nوقوله سبحانه: وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَتَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ وتَتَزاوَرُ، أي: تميل، وتَقْرِضُهُمْ معناه/ تتركهم، والمعنى: أنهم كانوا لا تصيبهم شمْسٌ البتة، وهو قول ابن عباس «٣»، وحكى الزَّجَّاج «٤» وغيره، قال: كان بابُ الكَهْف ينْظُرُ إِلى بناتِ نَعْشٍ، وذهب الزَّجَّاج «٥» إِلى أن فعْلَ الشمس كان آيةً من اللَّه تعالى دون أنْ يكون باب الكهْفِ إِلى جهة توجِبُ ذلك، وال فَجْوَةٍ: المتَّسِعَ، قال قتادة: في فضاء منه ومنه الحديث: «فَإِذَا وَجَدَ فجوة نصّ» «٦» .\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٨/ ١٩٠) برقم: (٢٢٩٢٣)، وذكره ابن عطية (٣/ ٥٠١) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٥٠٢) .\n(٣) أخرجه الطبري (٨/ ١٩٢) برقم: (٢٢٩٢٦- ٢٢٩٢٧) بنحوه، وذكره ابن عطية (٣/ ٥٠٣)، وابن كثير (٣/ ٧٥) بنحوه، والسيوطي (٤/ ٣٩١) بنحوه، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٤) أخرجه ابن عطية (٣/ ٥٠٣)، والزجاج (٣/ ٢٧٣)، والبغوي (٣/ ١٥٤) . [.....]\n(٥) أخرجه ابن عطية (٣/ ٥٠٣)، والزجاج (٣/ ٢٧٤) .\n(٦) أخرجه الطبري (٨/ ١٩٣)، برقم (٢٢٩٣٩)، وذكره ابن عطية (٣/ ٥٠٣) .","vol":"3","page":513},{"text":"وقوله سبحانه: ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ الإِشارة إلى الأمر بجملته.\nوقوله سبحانه: وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ ... الآية: ذكر بعض المفسِّرين أن تقليبهم إِنما كان حفظًا من الأرض، وروي عن ابن عبَّاس، أنه قال لو مَسَّتهم الشمْسُ، لأحرقتهم، ولولا التقليبُ، لأكلتهم «١» الأرض، وظاهر كلام المفسِّرين أن التقليب كان بأمر اللَّه وفعْلِ ملائكته، ويحتمل أنْ يكون ذلك بإِقدار اللَّه إِياهم على ذلك، وهم في غَمْرة النَّوْم.\nوقوله: وَكَلْبُهُمْ: أكثر المفسِّرين على أنه كَلْبٌ حقيقة.\nقال ع «٢»: وحدثني أَبِي ﵀ قال: سَمِعْتُ أبا الفضل بن الجَوْهَرِيِّ في جامِعِ مِصْرَ يقُولُ على منبر وعْظِهِ سنَةَ تسْعٍ وستِّينَ وأربعمائةٍ: مَنْ أحَبَّ أهْلَ الخير، نال مِنْ بركتهم، كَلْبٌ أحبَّ أهْل الفضل، وصَحبهم، فَذَكَره اللَّه في مُحْكَم تنزيله.\nو«الوَصِيدُ» العَتَبة التي لباب الكهْفِ أو موضعها إِن لم تكنْ، وقال ابن عباس:\n«الوصيد»»\nالباب والأول أصحُّ، والباب المُوَصَدُ هو المُغْلَق، ثم ذكر سبحانه ما حفَّهم به من الرُّعْب، واكتنفهم من الهَيْبة، حْفظًا منه سبحانه لهم، فقال: لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ ...\nالآية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-833>[سورة الكهف (١٨): الآيات ١٩ الى ٢١]</span>\nوَكَذلِكَ بَعَثْناهُمْ لِيَتَسائَلُوا بَيْنَهُمْ قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (١٩) إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا (٢٠) وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا (٢١)\nوقوله سبحانه: وَكَذلِكَ بَعَثْناهُمْ لِيَتَسائَلُوا بَيْنَهُمْ الإِشارة ب «ذلك» إلى الأمر الذي ذكَره اللَّه في جِهَتِهِمْ، والعبرة التي فعلها فيهم، «والبَعْث»: التحريك عن سكونٍ، واللام في قوله: لِيَتَسائَلُوا لام الصيرورة، وقول القائلِ: كَمْ لَبِثْتُمْ يقتضى أنه هجس في خاطره\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٨/ ١٩٤) برقم: (٢٢٩٤٤) بنحوه، وذكره ابن عطية (٣/ ٥٠٤)، وابن كثير (٣/ ٧٦) بنحوه.\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٥٠٤) .\n(٣) أخرجه الطبري (٨/ ١٩٥) برقم: (٢٢٩٥٥)، وذكره ابن عطية (٣/ ٥٠٤)، والبغوي (٣/ ١٥٤)، وابن كثير (٣/ ٧٦)، والسيوطي (٤/ ٣٩٢)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر.","vol":"3","page":514},{"text":"طُولُ نومهم، واستشعر أنَّ أمرهم خَرَجَ عن العادة بعضَ الخروجِ، وظاهر أمرهم أنهم انتبهوا في حالٍ منَ الوَقْت، والهواء الزمانيُّ لا يباين الحالة التي ناموا عليها، وقولهم:\nفَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ يروى أنهم انتبهوا، وهُمْ جيَاعٌ، وأنَّ المبعوثَ هو تَمْلِيخَا، وروي أن باب الكهف انهدَمَ بناءُ الكفَّار منه لطول السنين، ويروى أن راعيًا هدمه ليدخل فيه غنمه، فأخذ تمليخا ثيابًا رثَّةً منْكَرة ولبسها، وخرَجَ من الكهف، فأنكر ذلك البِنَاءَ المهدُومَ إذ لم يعرفه بالأمْسِ، ثم مَشى، فجعل يُنْكِر الطريق والمعالمَ، ويتحيَّر وهو في ذلك لا يشعر شعورًا تامًّا، بل يكذِّب ظنه فيما تغيَّر عنده حتى بَلَغَ بابَ المدينة، فرأى على بابها أمَارة الإِسلام، فزادَتْ حَيْرَتُه، وقال: كيف هَذَا بِبَلد دقْيُوس، وبالأمْسِ كنا معه تَحْتَ ما كنا، فنهض إلى بابٍ آخر، فرأى نحوًا من ذلك حتى مشَى الأبوابَ كلَّها، فزادَتْ حيرته، ولم يميِّز بشرًا، وسمع الناس يُقْسِمُون باسم عيسى، فاستراب بنَفْسه، وظنَّ أنه جُنَّ، أو انفسد عقله، فبقي حَيْرَان يدعو اللَّه تعالى، ثم نهض إِلى باب الطعام الذي أراد/ اشتراءه، فقال: يا عبد اللَّه، بِعْنِي من طعامك بهذه الوَرِقِ، فدفع إِليه دَرَاهِمَ، كأخْفَافِ الربع فيما ذُكِرَ، فعجب لها البائعُ ودَفَعَهَا إلى آخر يُعَجِّبُهُ، وتعاطَاهَا النَّاسُ، وقالوا له: هذه دراهِمُ عَهْدِ فلانٍ المَلِكِ، مِنْ أيْن أنْتَ؟ وكَيْفَ وجدتَّ هذا الكَنْزَ، فجعل يبهت ويعجَبُ، وقد كان بالبلد مشهورًا هو وبَيْتُهُ، فقال: ما أعرفُ غير أنِّي وأصْحَابي خَرَجْنا بالأمْس من هذه المدينةِ، فقال النَّاس: هذا مجنونٌ، اذهبوا به إِلى المَلِكِ، ففزِعَ عند ذلك، فَذُهِبَ به حتى جيءَ به إلى المَلِكِ، فلما لم يَرَ دْقيُوس الكافِرَ، تأنَّس، وكان ذلك المَلِكُ مؤمنًا فاضلًا يسمَّى تبدوسِيس، فقال له المَلِكُ: أين وجدت هذا الكَنْز؟ فقال له: إِنما خرجْتُ أنا وأصْحَابي أمْس من هذه المدينة، فأوينا إِلى الكَهْف الذي في جَبَل أنجلوس، فلما سمع المَلِكُ ذلك، قال في بعض ما رُوِيَ: لعلَّ اللَّه قَدْ بعث لكُمْ أيُّها الناس آيَةً فَلْنَسِرْ إِلى الكهف، حتى نرى أصحابه، فساروا، وروي أنه أو بعض جلسائه قال: هؤلاءِ هُمُ الفتيةُ الذين ورِّخَ أمرهم على عهد دقْيُوس المَلِك، وكتب على لُوح النُّحَاس بباب المدينةِ، فسار الملك إليهم، وسار الناس معه فلما انتهوا إلى الكهف، قال تَمْليَخا: أدخُلُ عليهم لئلا يرعبوا، فدخل عليهم، فأعلمهم بالأمْر، وأن الأمة أمَّة إِسْلام، فروي أنهم سُرُّوا وخَرَجُوا إلى الملك، وعظَّموه، وعظَّمهم، ثم رجَعُوا إلى الكهف، وأكثرُ الروايات على أنهم ماتُوا حين حدَّثهم تملِيخَا، فانتظرهم النَّاسُ، فلما أبطأ خروجُهم، دَخَل الناس إليهم، فرعبَ كلُّ من دخل، ثم أقدموا فوجَدُوهم موتى، فتنازعوا بحَسَب ما يأتى، وفي هذه القصص من الاختلاف ما تَضِيقُ به الصُحفُ فاختصرته، وذكرت المهم الذي به تتفسَّر ألفاظ الآيةِ، واعتمدتُّ الأصحَّ واللَّه المعينُ برحمته، وفي هذا البعث بالورق جواز الوكالة، وصحّتها.","vol":"3","page":515},{"text":"وأَزْكى معناه: أكثر فيما ذكر عكرمة «١»، وقال ابن جُبَيْر: المراد أحَلّ «٢»، وقولهم: يَرْجُمُوكُمْ قال الزجاج: بالحجارة، وهو الأصح وقال حَجَّاج: «يرجموكم» معناه: بالقول وقوله سبحانه: وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ: الإِشارة في قوله: وَكَذلِكَ إلى بعثهم ليتساءلوا، أي: كما بعثناهم، أعثرنا عليهم، والضمير في قوله: لِيَعْلَمُوا يحتمل أن يعود على الأمَّة المسلمة الذين بُعِثَ أهّل الكهف على عهدهم، وإلى هذا ذهب الطبريُّ «٣» وذلك أنهم فيما روي دخلتهم حينئذٍ فتنةٌ في أمْرِ الحَشْر وبَعْثِ الأجساد من القبور، فشَكَّ في ذلك بعضُ الناس، واستبعدوه، وقالوا: إِنما تُحْشَر الأرواح، فشَقَّ ذلك على مَلِكهم، وبقي حَيرَان لا يَدْرِي كيف يبيِّن أمره لهم، حتى لَبَس المُسُوح، وقعد على الرَّمَادَّ وتضرَّع إلى اللَّه في حُجَّة وبيانٍ، فأعثرهم اللَّه على أَهْل الكهف، فلما/ بعثهم اللَّه، وتبيَّن الناس أمرهم سُرَّ الملِكُ، ورَجَعَ مَنْ كان شَكَّ في بعث الأجساد إلى اليقين به، وإلى هذا وقعت الإِشارة بقوله: إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ على هذا التأويل، ويحتمل أن يعود الضميرُ في لِيَعْلَمُوا على أصحاب الكهف، وقوله: إِذْ يَتَنازَعُونَ على هذا التأويل: ابتداءُ خبرٍ عن القوم الذين بُعِثُوا على عهدهم، والتنازع على هذا التأويل إِنما هو في أمر البناء أو المسجد، لا في أمر القيامة، وقد قيل: والتنازع إِنما هو في أنْ اطلعوا عَليْهم، فقال بعضهم: هم أمواتٌ، وبعضٌ: هم أحياء، وروي أنَّ بعض القومِ ذهبوا إلى طمس الكَهْف عليهم، وترْكِهِم فيه مغيِّبين، فقالت الطائفة الغالبة على الأمر: لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا، فاتخذوه، قال قتادة: الَّذِينَ غَلَبُوا هم الولاة «٤» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-834>[سورة الكهف (١٨): آية ٢٢]</span>\nسَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِراءً ظاهِرًا وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٢٢)\nوقوله سبحانه: سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ ... الآية: الضميرُ في سَيَقُولُونَ يراد به أهْل التوراةِ من معاصري نبيّنا محمد ﷺ، وذلك أنهم اختلفوا في عدد أهْل الكهف.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٨/ ٢٠٣) برقم: (٢٢٩٦١)، وذكره ابن عطية (٣/ ٥٠٦)، والبغوي (٣/ ١٥٥) .\n(٢) أخرجه الطبري (٨/ ٢٠٣) برقم: (٢٢٩٦٣)، وذكره ابن عطية (٣/ ٥٠٦) .\n(٣) ينظر: «الطبري» (٨/ ٢٠٤) .\n(٤) ذكره ابن عطية (٣/ ٥٠٧)، والسيوطي (٤/ ٣٩٢) بنحوه، وعزاه لعبد الرزاق، وابن أبي حاتم.","vol":"3","page":516},{"text":"وقوله: رَجْمًا بِالْغَيْبِ: معناه ظَنًّا وهو مستعارٌ من الرجْمِ، كأن الإِنسان يرمي الموضع المُشْكِلَ المجهول عنده بظنه المرةَ بعد المَرَّة يرجُمُه به، عَسَى أن يصيبه، والواو في قوله: وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ: طريق النحاة فيها أنها واو عَطْفٍ دخلَتْ في آخر الكلام إخبارًا عن عددهم، لتفصِّل أمرهم، وتدلَّ على أن هذا نهايةُ ما قيل، ولو سقطَتْ، لصح الكلام، وتقول فرقةٌ منهم ابنُ خالَوَيْهِ: هي «١» واو الثمَانِيَةِ، وذكر ذلك الثعلبيُّ عن أبي بكر بن عَيِّاشٍ وأن قريشًا كانت تقول في عددها: ستة، سبعة وثمانية تسعةٌ، فتدخل الواو في الثمانية «٢» .\nقال ع «٣»: وهي في القرآن في قوله: وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ [التوبة: ١١٢] وفي قوله: وَفُتِحَتْ أَبْوابُها [الزمر: ٧٣] وأما قوله: وَأَبْكارًا [التحريم: ٥] وقوله:\nوَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ [الحاقة: ٧] فليستْ بواو الثمانيةِ بل هي لازمة إِذ لا يستغني الكلامُ عنها، وقد أمر اللَّه سبحانه نبيَّه في هذه الآية، أنْ يرد علْمَ عدَّتهم إِليه، ثم قال: مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ يعني: مِنْ أهل الكتاب، وكان ابن عبَّاس يقولُ: أنا من ذلك القليل «٤»، وكانوا سبعة، وثامنهم كلبهم.\n_________\n(١) في هذه الواو أوجه:\n«أحدها»: أنها عاطفة، عطفت هذه الجملة على جملة قوله: هم سبعة، فيكونون قد أخبروا بخبرين:\n«أحدهما»: أنهم سبعة رجال على البت.\n«والثاني»: أن ثامنهم كلبهم، وهذا يؤذن بأن جملة قوله: وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ من المتنازعين فيهم.\n«والثاني»: أن الواو للاستئناف، وأنه من كلام الله تعالى أخبر عنهم بذلك، قال هذا القائل. وجيء بالواو لتعطي انقطاع هذا مما قبله.\n«الثالث»: أنها الواو الداخلة على الصفة تأكيدا، ودلالة على لصوق الصفة بالموصوف، وإليه ذهب الزمخشري، ونظره بقوله: مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ.\nوردّ الشيخ عليه «بأنّ أحدا من النّحاة لم يقله» .\n«الرابع»: أن هذه الواو تسمى واو الثمانية، وأنّ لغة قريش إذا عدوا يقولون: خمسة، ستة، سبعة، وثمانية، تسعة، فيدخلون الواو على عقد الثمانية خاصة. ذكر ذلك ابن خالويه، وأبو بكر راوي عاصم.\nقلت: وقد قال ذلك بعضهم، في قوله تعالى: وَفُتِحَتْ أَبْوابُها في الزمر، فقال: دخلت في أبواب الجنة، لأنها ثمانية، ولذلك لم يجأ بها في أبواب جهنم، لأنها سبعة.\nينظر: «الدر المصون» (٤/ ٤٤٥- ٤٤٦) .\n(٢) ذكره ابن عطية (٣/ ٥٠٨) .\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٥٠٨) .\n(٤) أخرجه الطبري (٨/ ٢٠٦) برقم: (٢٢٩٧٥)، وذكره ابن عطية (٣/ ٥٠٨)، والبغوي (٣/ ١٥٦- ١٥٧)، وابن كثير (٣/ ٧٨)، والسيوطي (٤/ ٣٩٣)، وعزاه لعبد الرزاق، والفريابي، وابن سعد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.","vol":"3","page":517},{"text":"قال ع «١»: ويدلُّ على هذا من الآية أنه سبحانه لَمَّا حكى قول من قال: ثلاثة، وخمسة، قَرَنَ بالقول أنه رَجْم بالغيب، ثم حكى هذه المقالة، ولم يقدَحْ فيها بشيء، وأيضًا فَيَقْوى ذلك على القول بواوِ الثمانية لأنها إِنما تكون حيث عدد الثمانية صحيحٌ.\nوقوله سبحانه: فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلَّا مِراءً ظاهِرًا معناه على بعض الأقوال: أي:\nبظاهر ما أوحينا إِليك، وهو ردُّ علْمِ عدتهم إِلى اللَّه تعالى، وقيل: معنى الظاهر أنْ يقول: ليس كما تقولون، ونحو هذا، ولا يحتجّ هو على أمر مقرَّر في ذلك، وقال التِّبْرِيزِيُّ: ظاهِرًا معناه: ذاهبًا وأنشد: [الطويل] ... وَتلْكَ شَكَاةٌ ظَاهِرٌ عَنْكَ عَارُهَا «٢» ولم يبح له في هذه/ الآية أن يماري، ولكن قوله: إِلَّا مِراءً مجازٌ من حيث يماريه أهْلُ الكتاب، سمِّيت مراجعته لهم مِرَاءً، ثم قيد بأنه ظاهرٌ، ففارَقَ المراءَ الحقيقيَّ المذمومَ، و«المِرَاء»: مشتقٌّ من المِرْية، وهو الشكُّ، فكأنه المُشَاكَكَة. ت: وفي سماع ابن القاسمِ، قال: كان سليمان بن يَسَارٍ، إِذا ارتفع الصوْتُ في مجلسه، أو كانِ مَراءً، أخذ نعليه، ثم قام. قال ابنُ رُشْد: هذا مِنْ وَرَعه وفَضْله، و«المِرَاء» في العِلْم منهيٌّ عنه، فقد جاء أنه لا تُؤْمَنُ فتنته، ولا تفهم حِكْمته انتهى من «البيان» .\nوالضمير في قوله: وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ عائد على أهل الكَهْف، وفي قوله:\nمِنْهُمْ عائدٌ على أهْل الكتاب.\nوقوله: فَلا تُمارِ فِيهِمْ، أي: في عدّتهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-835>[سورة الكهف (١٨): الآيات ٢٣ الى ٢٦]</span>\nوَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَدًا (٢٣) إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَدًا (٢٤) وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (٢٥) قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (٢٦)\nوقوله سبحانه: وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ قد تقدّم\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٥٠٨) . [.....]\n(٢) عجز بيت لأبي ذؤيب وصدره:\nوعيّرها الواشون أني أحبّها ...\nوهو في ديوانه (١/ ٢١)، و«اللسان» (ظهر) .","vol":"3","page":518},{"text":"أن هذه الآية عتاب من اللَّه تعالى لنبيِّه حيث لم يستثْنِ، والتقدير: إِلا أنْ تقولَ إِلاَّ أنْ يشاء اللَّه أو إِلاَّ أنْ تقولَ: إِن شاء اللَّه، والمعنى: إِلا أن تذكُرَ مشيئَةَ اللَّهِ.\nوقوله سبحانه: وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ قال ابن عباس «١» والحسن «٢» معناه:\nإِلاشارة به إلى الاستثناء، أي: ولتستثْنِ بعد مدّة إذا نسيت، أو لا لِتَخْرُجَ من جُمْلة من لم يعلِّق فعله بمشيئة اللَّه، وقال عكرمة: واذكر ربَّك إِذا غَضِبْتَ «٣»، وعبارة الواحِدِيِّ:\nوَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ، أي: إِذا نسيتَ الاستثناء بمشيئة اللَّه، فاذكره وقله إذا تذكّرت.\nاه.\nوقوله سبحانه: وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي ... الآية: الجمهورُ أنَّ هذا دعاءٌ مأمورٌ به، والمعنى: عسى أنْ يرشدني ربِّي فيما أستقبل من أمري، والآية خطاب للنبيّ ﷺ، وهي بعدُ تعمُّ جميع أمته.\nوقال الواحديُّ: وقل عسى أن يهديني، أي: يعطيني ربي الآياتِ من الدلالاتِ على النبوَّة ما يكون أقرَبَ في الرشد، وأدلَّ من قصَّة أصحاب الكهف، ثم فعل اللَّه له ذلك حيثُ آتاه علْم غَيْوب المرسَلِينَ وخَبَرَهم. انتهى.\nوقوله سبحانه: وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ ... الآية: قال قتادة وغيره:\nالآية حكايةٌ عن بني إسرائيلُ «٤»، أنهم قالوا ذلك واحتجوا بقراءة «٥» ابن مسعود وفي مُصِحفه: «وقَالُوا لَبِثُوا في كَهْفِهِمْ»، ثم أمر اللَّه نبيَّه بأن يردَّ العلْم إِليه ردَّا على مقالهم وتفنيدًا لهم، وقال المحقِّقون: بل قوله تعالى: وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ... الآية خبرٌ من اللَّه تعالى عن مُدَّة لبثهم، وقوله تعالى: قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا، أي: فليزل اختلافكم أيها المخرِّصون، وظاهر قوله سبحانه: وَازْدَادُوا تِسْعًا أنها أعوام.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٨/ ٢٠٨)، برقم: (٢٢٩٩٠) بنحوه، وذكره ابن عطية (٣/ ٥٠٩)، والبغوي (٣/ ١٥٧)، وابن كثير (٣/ ٧٩)، والسيوطي (٤/ ٣٩٤)، وعزاه لسعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم، وابن مردويه.\n(٢) أخرجه الطبري (٨/ ٢٠٨) برقم: (٢٢٩٩٢) بنحوه، وذكره ابن عطية (٣/ ٥٠٩)، والبغوي (٣/ ١٥٧) .\n(٣) أخرجه الطبري (٨/ ٢٠٩) برقم: (٢٢٩٩٣) بلفظ: «عصيت»، وذكره البغوي (٣/ ١٥٧)، وابن كثير (٣/ ٧٩)، والسيوطي (٤/ ٣٩٥)، وعزاه لابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في «شعب الإيمان» .\n(٤) أخرجه الطبري (٨/ ٢١٠) برقم: (٢٢٩٩٦) بنحوه، وذكره ابن عطية (٣/ ٥١٠)، والبغوي (٣/ ١٥٧- ١٥٨)، وابن كثير (٣/ ٧٩)، والسيوطي (٤/ ٣٩٦)، وعزاه لابن أبي حاتم.\n(٥) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٥١٠) .","vol":"3","page":519},{"text":"وقوله سبحانه: أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ، أي: ما أَسْمَعَهُ سبحانه، وما أبْصَرَهُ، قال قتادة:\nلا أحَدَ أبْصَرُ مِنَ اللَّه، ولا أسْمَعَ «١» .\nقال ع «٢» وهذه عبارةٌ عن الإِدراك، ويحتملُ أن يكون المعنى: أبْصِرْ به أي:\nبوحيه وإِرشاده، هُدَاكَ، وحُجَجَكَ، والحَقَّ من الأمور، وأسْمِعْ به العَالَم، فتكون اللفظتان/ أمرين لا على وجْه التعجُّب.\nوقوله سبحانه: مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ: الضمير في لَهُمْ يحتمل أنْ يرجع إِلى أهْلِ الكهْفِ، ويحتمل أنَّ يرجع إلى معاصري النبيّ ﷺ من الكُفَّار، ويكون في الآية تهديدٌ لهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-836>[سورة الكهف (١٨): الآيات ٢٧ الى ٢٨]</span>\nوَاتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٧) وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)\nوقوله سبحانه: اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ، أي: اتبع، وقيل: اسْرُدْ بتلاوتك ما أوحِيَ إليك من كتاب ربِك، لا نَقْضَ في قوله، ولا مُبَدِّلَ لكلماته، وليس لك سواه جَانِبٌ تميلُ إِليه، وتستند، و«المُلَتَحد» الجانب الذي يَمَالُ إِليه ومنه اللَّحْد.\nت قال النوويُّ: يستحبُّ لتالي القرآن إذا كان منفردًا أنْ يكون خَتْمُهُ في الصَّلاة، ويستحبُّ أن يكون ختمه أوَل الليلِ أو أول النهار، ورُوِّينا في مسند الإمام المُجْمَعِ على حْفظِهِ وجلالته وإِتقانه وبَرَاعته أبي محمَّدٍ الدَّارِمِيِّ رحمه اللَّه تعالى، عن سَعْدِ بنِ أبي وقَّاص ﵁ قَالَ: إِذَا وَافَقَ خَتْمُ القُرْآنِ أوَّلَ اللَّيّلِ، صَلَّتَ عَلَيْهِ المَلاَئِكَةُ حَتَّى يُصْبِحَ، وَإِنْ وَافَقَ خَتْمُهُ أَوَّلَ النَّهَارِ صَلَّتْ عَلَيْهِ المَلاَئِكَةُ حَتَّى يُمْسِي «٣» . قال الدارمي: هذا حديثٌ حسنٌ وعن طلحة بن مُطَرِّفٍ، قال: مَنْ خَتَمَ القُرْآنَ أَيَّةَ سَاعَةٍ كَانَتْ مِنَ النَّهَار، صَلَّتْ عَلَيْهِ المَلاَئكَةُ حَتَّى يُمْسِيَ، وأيَّةَ سَاعَةٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلِ، صَلَّتْ عَلَيْهِ المَلاِئَكَةُ حَتَّى يصبح، وعن مجاهد نحوه انتهى.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٨/ ٢١٢) برقم: (٢٣٠٠٦)، وذكره ابن عطية (٣/ ٥١٠)، وابن كثير (٣/ ٨٠)، والسيوطي (٤/ ٣٩٦)، وعزاه لابن أبي حاتم.\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٥١٠) .\n(٣) أخرجه الدارمي (٢/ ٤٧٠) كتاب «فضائل القرآن» باب: «في ختم القرآن» .","vol":"3","page":520},{"text":"وقوله سبحانه: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ ... الآية: تقدَّم تفسيرها.\nوقوله سبحانه: وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ، أي: لا تتجاوزْ عنهم إِلى أبناء الدنيا، وقرأ «١» الجمهور: «مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ» بنصب الباء على معنى جَعَلْنَاهُ غافلًا، «والفُرُط»:\nيحتملُ أن يكون بمعنى التفريط، ويحتمل أن يكون بمعنى الإفراط والإسراف، وقد فسَّره المتأوّلون بالعبارتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-837>[سورة الكهف (١٨): آية ٢٩]</span>\nوَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ نارًا أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقًا (٢٩)\nوقوله سبحانه: وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ المعنى: وقل لهم يا محمَّد هذا القرآن هو الحقُّ، ت: وقد ذم اللَّه تعالى الغافلين عَنْ ذكره والمُعْرِضين عن آياته في غيرما آية من كتابه، فيجبُ الحذر مما وقَع فيه أولئك، ولقد أحسن العارفُ في قوله: غفلة ساعة عن ربك مكدرة لمرآة قلبك، فكيف بَغْفلتكَ جميعَ عُمُرك. وقد روي أبو هريرة عن النبيّ ﷺ أنَّه قالَ: «مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا لَمْ يَذْكُروا اللَّهَ فِيه ولَمْ يُصَلُّوا عَلَى نَبِيِّهمْ، إِلاَّ كَانَ عَلَيْهِمْ تِرَةٌ، فإنْ شَاءَ عَذَّبَهُمْ وإِنْ شَاءَ غَفَر لَهُمْ» «٢» رواه أبو داود والترمذيّ والنسائي والحاكم وابن\n_________\n(١) هذه قراءة الجمهور، وقد قرأ عمرو بن فائد، وموسى الأسواري: «من أغفلنا قلبه» .\nقال أبو الفتح: يقال أغفلت الرجل: وجدته غافلا ... فإن قيل: فكيف يجوز أن يجد الله غافلا؟ قيل:\nلما فعل أفعال من لا يرتقب ولا يخاف، صار كأن الله سبحانه غافل عنه. «المحتسب» (٢/ ٢٨)، قلت:\nيعني أنه ظننا غافلين عنه.\nوالقراءة ذكرها ابن عطية في «المحرر» (٣/ ٥١٣)، ثم قال: وذكر أبو عمرو الداني أنها قراءة عمرو بن عبيد.\nوينظر: «البحر المحيط» (٦/ ١١٤)، و«الدر المصون» (٤/ ٤٥٠) .\n(٢) أخرجه الترمذي (٥/ ٤٦١) كتاب «الدعاء» باب: في القوم يجلسون ولا يذكرون الله، حديث (٣٣٨٠)، والحاكم (١/ ٤٩٦)، وأحمد (٢/ ٤٤٦، ٤٨١، ٤٨٤، ٤٩٥)، وإسماعيل القاضي في «في فضل الصلاة على النبي» (٥٤)، وابن السني في «عمل اليوم والليلة» (٤٤٣)، من طريق سفيان الثوري، عن صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة مرفوعا، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وقد روي من غير وجه، عن أبي هريرة اهـ.\nوأخرجه أبو داود (٢/ ٦٨٠) كتاب «الأدب» باب: كراهية أن يقوم الرجل من مجلسه ولا يذكر الله، حديث (٤٨٥٦)، والنسائي في «عمل اليوم والليلة» (٤٠٤)، وابن حبان (٨٥٣) من طريق سعيد المقبري، عن أبي هريرة، وأخرجه أحمد (٢/ ٤٣٢) من طريق إسحاق مولى عبد الله بن الحارث، عن أبي هريرة، وذكر هذا الطريق الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٨٣) وقال: وأبو إسحاق مولى عبد الله بن الحارث بن نوفل لم يوثقه أحد، ولم يجرحه، وبقية رجال أحد إسنادي أحمد ثقات.","vol":"3","page":521},{"text":"حِبَّان في «صحيحهما» وهذا لفظ الترمذيِّ، وقال: حديثٌ حَسَن، وقال الحاكمُ: صحيحٌ على شرط مسلم، «والتِّرَةُ» - بكسر التاء المُثَنَّاة من فوقُ وتخفيفِ الراء- النقْصُ، وقيل:\nالتبعة، ولفظ ابن حِبَّان: «إِلاَّ كَانَ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً يَوْمَ القِيَامَةِ، وإِنْ دَخَلَوا الجَنَّةَ» انتهى من «السلاح» .\nوقوله: فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ ... الآية: توعُّد وتهديد، أي: فليختر كلّ امرئ لنفسه ما يجدُه غدًا عند اللَّه ﷿، وقال الداوديّ، عن ابن عباس: فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ يقول: من شاء اللَّه له الإِيمان، آمن، ومن شاء له الكفر، كفر، هو كقوله:\nوَما تَشاؤُنَ/ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ [التكوير: ٢٩] «١» وقال غيره: هو كقوله:\nاعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ [فصلت: ٤٠] بمعنى الوعيد، والقولان معًا صحيحان. انتهى وأَعْتَدْنا مأخوذٌ من العَتَاد، وهو الشيءُ المُعَدُّ الحاضر، «والسُّرادق» هو الجدار المحيطُ كالحُجْرة التي تدورُ وتحيطُ بالفسْطَاط، قد تكون من نَوْع الفُسْطَاط أديمًا أو ثوبًا أو نحوه، وقال الزَّجَّاج «٢»: «السُّرَادِق»: كل ما أحاط بشيء، واختلف في سُرَادِقِ النار، فقال ابن عباس: سرادقها حائطٌ من نارٍ «٣»، وقالت فرقة: سرادقها دُخَانٌ يحيطُ بالكُفَّار، وهو قوله تعالى: انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ [المرسلات: ٣٠] وقيل غير هذا، وروي عن النبيّ ﷺ من طريق أبي سعيد الخدريِّ أنه قَالَ سُرَادِقُ النَّارِ أربَعَةُ جُدُر كِثَفُ عَرْض كُلِّ جَدارٍ مَسِيرَةُ أرْبَعيِنَ سَنَةً «٤» و«المهل» قال أبو سعيد عن النبيّ ﷺ: هو درديُّ الزيتِ، إِذا انتهى حَرُّه «٥»، وقال أبو سعيد وغيره: هو كلُّ ما أذيَب من ذهبٍ أو فضة، وقالت فرقةٌ:\n«المُهْل» هو الصديدُ والدمُ إِذا اختلطا، ومنه قول أبي بكر ﵁ في الكَفَن: إِنما هو للمهلة «٦»، يريدُ لما يسيلُ من المَيِّت في قبره، ويقوى هذا بقوله سبحانه: وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ [إبراهيم: ١٦] والمرتفق: الشيء الذي يطلب رفقه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-838>[سورة الكهف (١٨): الآيات ٣٠ الى ٣٢]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (٣٠) أُولئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ نِعْمَ الثَّوابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا (٣١) وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعًا (٣٢)\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٨/ ٢١٧) برقم: (٢٣٠٣٠)، وذكره البغوي (٣/ ١٥٩)، والسيوطي (٤/ ٣٩٩) بلفظ:\n«هذا تهديد ووعيد»، وعزاه لابن أبي حاتم.\n(٢) ينظر: «تفسير الزجاج» (٣/ ٢٨٢) .\n(٣) أخرجه الطبري (٨/ ٢١٧) برقم: (٢٣٠٣٤)، وذكره ابن عطية (٣/ ٥١٣)، والبغوي (٣/ ١٦٠)، وابن كثير (٣/ ٨١)، والسيوطي (٤/ ٣٩٩)، وعزاه لابن جرير. [.....]\n(٤) تقدم تخريجه في سورة هود.\n(٥) تقدم تخريجه.\n(٦) ذكره ابن عطية (٣/ ٥١٤) .","vol":"3","page":522},{"text":"وقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا تقدّم تفسير نظيره، والله الموفّق بفضله، وأَساوِرَ جمع «أسْوَار»، وهي ما كان من الحُلِيِّ في الذراع، وقيل: «أَسَاور» جَمْعُ أَسْوِرَة، وأَسْوِرَة جمع أسْوَارٍ، و«السُّنْدس»:\nرقيق الدِّيباج «والإستبرق» ما غلظ منه، قيل: إِستبرقٌ من البَرِيقِ، والْأَرائِكِ جمع أريكة، وهي السريرُ في الحجالِ، والضمير في قوله: وَحَسُنَتْ للجنَّات، وحكى النَّقَّاش عن أبي عمران الجَوْنيِّ، أنه قالَ: «الإِستبرقُ»: الحريرُ المنسوجُ بالذهب.\nوقوله سبحانه: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ ...\nالآية الضمير في لَهُمْ عائدٌ على الطائفة المتجبِّرة التي أرادت من النبيّ ﷺ أنْ يطرد فقراء المؤمنين، فالمثل مضروبٌ للطائفتين، إذ الرجل الكافر صاحِبُ الجنتين هو بإزاء متجبِّري قريشٍ، أو بني تميمٍ على الخلاف في ذلك، والرجُلُ المؤمنُ المُقِرُّ بالربوبية هو بإزاء فقراء المؤمنين، «وحففنا» بمعنى جعلنا ذلك لَهُمَا منْ كُلِّ جهة، وظاهر هذا المَثَل أنَّه بأمْرٍ وَقَعَ في الوجودِ، وعلى ذلك فَسَّره أكثر المتأوِّلين، فروي في ذلك أنهما كانا أخَويْنِ من بني إسرائيل، ورثا أربعَةَ آلاف دينارٍ، فصنع أحدهما بماله ما ذكر، واشترى عبيدًا، وتزوَّج، وأثْرى، وأنفق الأخَرُ ماله في طاعة اللَّه ﷿ حتى افتقَرَ، والتقيا، فافتخر الغنيُّ، ووبَّخ المؤمن، فجرَتْ بينهما هذه المحاورَةُ، وروي أنهما كانا شريكَيْن حَدَّادَيْنِ كسبا مالًا كثيرًا، وصَنَعَا نحو ما رُوِيَ/ في أمر الأَخَوَيْنِ، فكان من أمرهما ما قَصَّ اللَّه في كتابه.\nقال السهَيْلِيُّ: وذكر أن هذَيْن الرجلَيْن هما المذكوران في «والصافات» في قوله تعالى: قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ إلى قوله فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ وإِلى قوله: لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ [الصافات: ٥- ٥٥، ٦١] انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-839>[سورة الكهف (١٨): الآيات ٣٣ الى ٣٤]</span>\nكِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا (٣٣) وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقالَ لِصاحِبِهِ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (٣٤)\nوقوله سبحانه: كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها الأَكُلُ: ثمرها الذي يؤكل وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا أي لم تنقص عن العُرُفِ الأتَمِّ الذي يشبه فيها، ومنه قولُ الشاعر: [الطويل]","vol":"3","page":523},{"text":"وَيَظْلِمني مَالي كَذَا وَلَوى يَدي ... لَوَى يَدَهُ اللَّهُ الَّذي هُوَ غَالِبُهْ «١»\nوقرأ «٢» الجمهور: «ثُمُرٌ» و«بِثُمُرِهِ» [الكهف: ٤٢]- بضم الثاء والميم- جمع «ثِمَارٍ»، وقرأ أبو عمرو- بسكون الميم «٣» - فيهما، واختلف المتأوِّلون في «الثُّمُر» - بضم الثاء والميم- فقال ابن عباس وغيره: «الثُّمُر»: جميع المال من الذهَبِ والفَّضة والحيوانِ وغير ذلك «٤»، وقال ابن زيد: هي الأصول «٥»، و«المحاورة»: مراجعةُ القولِ، وهو من «حَارَ يَحُورُ» .\nوقوله: أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا: هذه المقالة بإزاء مقالة متجبِّري قريْشٍ، أو بني تميمٍ، على ما تقدَّم في «سورة الأنعام» . ت وقوله: وَأَعَزُّ نَفَرًا يضَعِّف قول من قال: «إِنهما أخوانِ» فتأمَّله، واللَّه أعلم بما صحَّ من ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-840>[سورة الكهف (١٨): الآيات ٣٥ الى ٣٧]</span>\nوَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَدًا (٣٥) وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْها مُنْقَلَبًا (٣٦) قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (٣٧)\nوقوله سبحانه: وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ... الآية: أفْرَد الجنة من حيثُ الوجودُ كذلك إِذ لا يدخلهما معًا في وقت واحدٍ، وظلمه لنفسه هو كُفْره وعقائدُهُ الفاسدة في الشَّكِّ في البعث، وفي شكِّه في حدوث العالم، إن كانت إِشارته ب هذِهِ إلى الهيئة من السموات والأرض وأنواعِ المخلوقات، وإِن كانت إِشارته إِلى جنته فقط، فإِنما الكلام تساخُفٌ واغترارٌ مفْرِط، وقلَّة تحصيلٍ، كأنه من شدَّة العُجْب بها والسرور، أفرط في وصفها بهذا القول، ثم قاس أيضًا الآخرة على الدنْيَا وظنَّ أنه لم يُمْلَ له في دنياه إِلا لكرامةٍ يستوجبها في نَفْسه، فقال: فإن كان ثمّ رجوع، فستكون حالي كذا وكذا.\n_________\n(١) البيت لأبي زبيد الطائي، «اللسان» (ظلم) .\n(٢) ويعني بهم: ابن كثير، ونافع، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وابن عباس، ومجاهد، وجماعة قراء المدينة ومكة، وخالف عاصم، فقرأ بفتح الميم والثاء «ثمره»، و«بثمره» .\nينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٥١٦)، و«السبعة» (٣٩٠)، و«الحجة» (٥/ ١٤٢)، و«شرح الطيبة» (٥/ ٨)، و«العنوان» (١٢٣)، و«حجة القراءات» (٤١٦)، و«إتحاف» (٢/ ٢١٤) .\n(٣) وهي قراءة الأعمش وأبي رجاء.\nينظر: مصادر القراءة السابقة.\n(٤) أخرجه الطبري (٨/ ٢٢٣) برقم: (٢٣٠٥٨) بنحوه، وذكره ابن عطية (٣/ ٥١٦)، وابن كثير (٣/ ٨٣) بنحوه، والسيوطي (٤/ ٤٠٣)، وعزاه لابن عبيد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٥) أخرجه الطبري (٨/ ٢٢٣) برقم: (٢٣٠٦٣)، وذكره ابن عطية (٣/ ٥١٦) .","vol":"3","page":524},{"text":"وقوله: قالَ لَهُ صاحِبُهُ يعني المؤمن.\nوقوله: خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ إِشارةٌ إلى آدم ﵇.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-841>[سورة الكهف (١٨): الآيات ٣٨ الى ٤١]</span>\nلكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (٣٨) وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شاءَ اللَّهُ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالًا وَوَلَدًا (٣٩) فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْها حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (٤٠) أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (٤١)\nوقوله: لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي معناه: لكن أنا أقول هو اللَّه ربِّي، وروى هارون عن أبي عمرو «١» «لَكِنَّهُ هُوَ اللَّهُ رُبِّي»، وباقي الآية بيِّن.\nوقوله: وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ ... الآية: وصيَّةٌ من المؤمن للكافر، وَلَوْلا:\nتحضيض بمعنى «هلا»، وما تحتمل أن تكون بمعنى «الذي» بتقدير: الذي شاء الله كائنٌ، وفي شاءَ ضميرٌ عائد على «ما»، ويحتمل أن تكون شرطيةً بتقدير: ما شَاءَ اللَّهُ كَانَ، أو خبرَ مبتدأ محذوفٍ، تقديره: هو ما شاء اللَّهُ، أو الأمر ما شاء اللَّه.\nوقوله: لاَ قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ: تسليمٌ، وضدٌّ لقول الكافِرِ: مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَدًا [الكهف: ٣٥]، وفي الحديثِ: «إِنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الجَنَّةِ، إِذَا قَالَهَا العَبْدُ، قَالَ اللَّهُ ﷿: «أَسْلَمَ/ عَبْدِيَ واستسلم»، قال النوويُّ: ورُوِّينا في «سنن أبي داود والترمذيِّ والنسائي» وغيرهما، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: مَنْ قَالَ يَعْنِي- إِذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتهِ- باسْمِ اللَّهِ، تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ، وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ باللَّهِ، يُقَالُ لَهُ: هُدِيتَ، وَكُفِيت، وَوُقِيتَ، وتَنَحَّى عَنْكَ الشِّيْطان» «٢» . قال الترمذيُّ: حديث حسن، زاد أبو داود في روايته:\n«فَيَقُولُ: - يَعْني الشِّيْطَانَ لِشَيْطَانٍ آخَرَ- كَيْفَ لَكَ بِرَجُلٍ قَدْ هُدِيَ وَكُفِيَ وَوُقِي» انتهى.\nوروى الترمذيُّ عن أبي هريرة، قال: قَالَ لِي رسول الله ﷺ «أكْثِرْ مِنْ قَوْلَ لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ باللَّهِ فإِنَّهَا كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الجَنَّةِ» «٣» انتهى.\nقال المحاسبيُّ في «رعايته»: وإِذا عزم العْبدُ في القيامِ بجميعِ حقوق اللَّه سبحانَهُ،\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٥١٧- ٥١٨) .\n(٢) أخرجه أبو داود (٢/ ٧٤٦- ٧٤٧) كتاب «الأدب» باب: ما يقول إذا خرج من بيته، حديث (٥٠٩٥)، والترمذي (٥/ ٤٩٠) كتاب «الدعوات» باب: ما يقول إذا خرج من بيته، حديث (٣٤٢٦)، والنسائي في «عمل اليوم والليلة»، حديث (٨٩)، وابن السني (١٧٨)، وابن حبان (٢٣٧٥- موارد) من حديث أنس. وقال الترمذي: حسن صحيح غريب، وصححه ابن حبان.\n(٣) تقدم تخريجه.","vol":"3","page":525},{"text":"فليرغَبْ إِليه في المَعُونَةِ مِنْ عِنْدِه على أداء حقوقه، ورعايتها، وناجاه بقَلْب راغِبٍ راهبٍ أني أَنْسَى إِن لم تذكِّرني، وأعْجِزُ أُنْ لم تُقَوِّني، وأجْزَعُ إِنْ لم تصِّبرني، وعَزَم وتوكَّل، واستغاث واستعان، وتبرَّأ من الحَوْل والقوَّة إِلا بربِّه، وقطع رجاءه مِنْ نفسه، ووَجَّه رجاءه كلَّه إِلى خالقه، فإِنه سيجدُ اللَّه ﷿ قريبًا مجيبًا متفضِّلًا متحِّننًا. انتهى.\nقال ابنُ العربيِّ في «أحكامه» «١» قال مالكٌ: ينبغي لكلِّ مَنْ دَخَل منزله أنْ يقول كما قال اللَّه تعالى: مَا شاءَ اللَّهُ لاَ قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ انتهى.\nوقوله: فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ هذا الترجِّي ب «عَسَى» يحتملُ أن يريد به في الدنيا، ويحتمل أن يريد به في الآخِرَةِ، وتمنِّي ذلك في الآخرة أشرَفُ وأذهَبُ مع الخير والصلاح، وأنْ يكونَ ذلك يرادُ به الدنيا- أذْهَبُ في نِكَاية هذا المخاطَب، و«الحُسْبان» العذاب كالبردِ والصِّرِّ ونحوه، و«الصَّعيد» وجه الأرض، «والزَّلَق»: الذي لا تثبت فيه قَدَم، يعني: تذهب منافعها حتى منفعةُ المشْيِ فهي وَحَلٌ لا تثبُتُ فيه قَدَمٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-842>[سورة الكهف (١٨): الآيات ٤٢ الى ٤٤]</span>\nوَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (٤٢) وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مُنْتَصِرًا (٤٣) هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا (٤٤)\nوقوله سبحانه: وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ ... الآية: هذا خبر من اللَّه ﷿ عن إِحاطة العذابِ بحال هذا الممثّل به، ويُقَلِّبُ كَفَّيْهِ: يريد يضَعُ بطْن إِحداهما على ظهر الأخرى، وذلك فعل المتلهِّف المتأسِّف.\nوقوله: خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها يريد أن السقوف وَقَعَتْ، وهي العروش، ثم تهدَّمت الحيطانُ عليها فهي خاوية والحيطان على العُرُوشِ.\nت: فسرَّ ع «٢» ﵀ لفظ خاوِيَةٌ في «سورة الحَجِّ والنَّمْل» ب «خالية»، والأحسن أن تفسَّر هنا وفي الحجِّ ب «ساقطة»، وأما التي في «النْمل»، فيتَّجه أن تفسَّر ب «خالية» وب «ساقطة» قال الزبيدِيُّ في «مختصر العَيْن» خَوَتِ الدَّارُ: باد أهلها، وخَوتْ: تهدَّمت انتهى، وقال الْجَوْهَرِيُّ في كتابه المسمَّى ب «تاج اللُّغِة وصِحَاحِ العَرَبِيَّةِ»:\nخَوَتِ النجومُ خَيًّا: أمحَلَتْ، وذلك إِذا سقطَتْ ولم تُمْطِرْ في نَوْئِهَا، وأَخْوَتْ مثله، وخوت\n_________\n(١) ينظر: «أحكام القرآن» (٣/ ١٢٤٠) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٥١٩) .","vol":"3","page":526},{"text":"الدارُ خُوَاءً ممدودًا: / أقْوَتْ وكذلك إِذا سقطَتْ، ومنه قوله تعالى: فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا [النمل: ٥٢] أي: خاليةً، ويقال: ساقطة كما قال: فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها [الحج: ٤٥] أي ساقطة على سقوفها. انتهى وهو تفسيرٌ بارعٌ، وبه أقولُ، وقد تقدَّم إِيضاحُ هذا المعنى في «سورة البقرة» .\nوقوله: يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا قال بعض المفسِّرين: هي حكايةٌ عن مقالة هذا الكافِرِ في الآخرة، ويحتملُ أن يكون قالها في الدنيا على جهة التوبة بعد حلولِ المُصيبة، ويكون فيها زَجْرٌ لكَفَرة قريشٍ وغيرهم، «والفئة»: الجماعة التي يُلْجأُ إِلى نَصْرها.\nوقوله سبحانه: هُنالِكَ يحتمل أنْ تكون ظرفًا لقوله: مُنْتَصِرًا ويحتمل أن يكون الْوَلايَةُ مبتدأ، وهُنالِكَ: خبره، وقرأ حمزة «١» والكسائيُّ: «الوِلاَيَةُ- بكسر الواو-، وهي بمعنى الرِّيَاسَة ونحوه، وقرأ الباقون: «الوَلاَيَة» - بفتح الواو- وهي بمعنى المُوَالاَة والصِّلة ونحوه، وقرأ أبو عمرو «٢» والكَسائيُّ: «الْحَقُّ» بالرفع على النعت ل «الولايةُ» وقرأ الباقون بالخفضِ على النعت لِلَّهِ ﷿، وقرأ الجمهور: «عُقُبًا» - بضم العين والقاف- وقرأ حمزة وعاصم- بسكون «٣» القاف- والعقب- والعقب: بمعنى العاقبة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-843>[سورة الكهف (١٨): الآيات ٤٥ الى ٤٨]</span>\nوَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (٤٥) الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (٤٦) وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٤٧) وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا (٤٨)\nوَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا يريد حياة الإنسان، كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ\n_________\n(١) ينظر: «السبعة» (٣٩٢)، و«الحجة» (٥/ ١٤٩)، و«إعراب القراءات» (١/ ٣٩٦)، و«معاني القراءات» (٢/ ١١١)، و«حجة القراءات» (٤١٨)، و«العنوان» (١٢٣)، و«إتحاف» (٢/ ٢١٦) . [.....]\n(٢) ينظر: «السبعة» (٣٩٢)، و«الحجة» (٥/ ١٤٩)، و«إعراب القراءات» (١/ ٢٩٦)، و«معاني القراءات» (٢/ ١١١)، و«العنوان» (١٢٣)، و«شرح الطيبة» (٥/ ١٠)، و«شرح شعلة» (٤٧٣)، و«حجة القراءات» (٤١٩) و«إتحاف» (٢/ ٢١٦) .\n(٣) ينظر: «السبعة» (٣٩٢)، و«الحجة» (٥/ ١٥٠)، و«إعراب القراءات» (١/ ٣٩٧)، و«معاني القراءات» (٢/ ١١٢)، و«شرح شعلة» (٤٧٣)، و«العنوان» (١٢٣)، و«إتحاف» (٢/ ٢١٦)، و«حجة القراءات» (٤١٩) .","vol":"3","page":527},{"text":"، أي: فاختلط النبات بعضه ببعض بسبب النماءِ، فَأَصْبَحَ هَشِيمًا أصبح عبارة عن صيرورته إِلى ذلك، و«الهَشِيم» المتفتِّت من يابس العُشْب، وتَذْرُوهُ بمعنى تفرِّقه، فمعنى هذا المَثَل تشبيهُ حالِ المَرْء في حياته ومالِهِ وعزَّته وبَطَره، بالنَّبات الذي له خُضْرة ونَضْرة عن الماءِ النازل، ثم يعودُ بعد ذلك هشيمًا، ويصير إِلى عُدْم، فمن كان له عَمَلٌ صالح يبقى في الآخرةِ، فهو الفَائِزُ.\nوقوله سبحانه: الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا لفظه الخبر، لكنْ معه قرينة الصِّفة للمال والبنين لأنه في المَثَلِ قَبْلُ حَقَّر أمْرَ الدنيا وبيَّنه فكأنه يقول: المال والبنون زينةُ هذه الحياة الدنيا المحقّرة، فلا تتبعوها نفوسكم، والجمهور أنّ الْباقِياتُ الصَّالِحاتُ. هي الكلماتُ المذكورُ فضْلُها في الأحاديث: «سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ باللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ»، وقد جاء ذلك مصرّحا به من لفظ النبيّ ﷺ في قوله: «وَهُنَّ البَاقِيَاتُ الصَّالحَاتُ» .\nوقوله سبحانه: خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا أي: صاحبها ينتظرُ الثَّواب، وينبسطُ أمله، فهو خَيْرٌ من حال ذي المَالِ والبنينَ، دون عَمَلٍ صالحٍ، وعن أبي سعيد الخدريِّ أن رسول الله ﷺ قَالَ: «اسْتَكْثِرُوا مِنَ البَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ» قيلَ: وَمَا هُنَّ، يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: «التَّكْبِيرُ وَالتَّهْلِيلُ والتَّسْبِيحُ وَالحَمْدُ للَّهِ وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّة/ إِلاَّ باللَّه» «١» رواه النسائيُّ وابنُ حِبَّان في «صحيحه» انتهى من «السلاح» .\nوفي «صحيح مسلم» عن سمرة بن جندب، عن النبيّ ﷺ قال: «أحَبُّ الكَلاَمِ إِلى اللَّهِ تَعَالى أَرْبَعٌ: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا اللَّهُ، واللَّهُ أكْبُرُ، لاَ يَضُرُّكَ بِأَيِّهِنَّ بَدَأْتَ» «٢» وفي «صحيح مُسْلِم»، عن أبي مالِكٍ الأشعريِّ، عن النبيّ ﷺ قَالَ: «الطُّهوُرُ شَطْرُ الإِيمَانِ والحَمْدُ للَّهِ تَمْلأُ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملأن أو تَمُلأُ مَا بَيْنَ السموات والأَرْضِ ...» «٣» الحديث انتهى.\nقال ابن العربيِّ في «أحكامه»: وروى مالكٌ عن سعيد بن المسيَّب، أنَّ الباقيات الصالحات قولُ العبْدِ: اللَّهُ أكْبَرُ، وسبحانَ اللَّهِ، والحمدُ للَّهِ، ولا إِله إِلا اللَّه، ولا حَوْلَ\n_________\n(١) أخرجه أبو يعلى (٢/ ٥٢٤) برقم: (١٣٨٤)، وابن حبان (٢٣٣٢- موارد)، والحاكم (١/ ٥١٢)، والطبري (١٥/ ٢٥٥)، وأحمد (٣/ ٧٥) .\nوقال الحاكم: هذا أصح إسناد للمصريين، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وصححه ابن حبان.\n(٢) أخرجه مسلم (٣/ ١٦٨٥) كتاب «الآداب» باب: كراهية التسمية بالأسماء القبيحة، ونحوه حديث (١٢/ ٢١٣٧)، وهذا الحديث لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة سوى مسلم.\n(٣) تقدم تخريجه.","vol":"3","page":528},{"text":"ولاَ قوَّة إِلا باللَّه» «١» وروي عن ابْنِ عباس وغيره أن الباقياتِ الصَّالحات الصَّلواتُ الخَمْس «٢» . انتهى.\nت: وما تقدَّم أولى، ومن كلام الشيْخِ الوليِّ العارف أبي الحَسن الشَّاذِليِّ ﵁ قال: عليك بالمطهرِّات الخمس في الأقوال والمطهِّرات الخمس في الأفعال، والتبرِّي من الحول والقَّوة في جميع الأحوال، وغُصْ بعقلك إِلى المعاني القائمة بالقَلْب، واخرج عنها وعنه إِلى الرَّبّ واحفظِ اللَّه يحفظْك، واحفظ اللَّه تجدْهُ أمامك واعبد اللَّه بها، وكُنْ من الشاكرين، فالمطهِّراتُ الخمس في الأقوالِ: سُبْحَانَ اللَّه، والحمد لله، ولا إله إلا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إلا بالله، والمطهِّراتُ الخَمْسُ في الأفعال: الصلواتُ الخمْسُ، والتبرِّي من الحول والقوة: هو قولُكَ: لا حَوْلَ ولا قوة إلا بالله. انتهى.\nوقوله سبحانه: وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً: يحتمل أن الأرض لِذَهَابِ الجبال، والضِّرابِ والشَّجَرِ- بَرَزَتْ، وانكشفَتْ ويحتملُ أن يريد بُرُوزَ أهلها من بطنها للحِشَرْ، و«المغادرة»: الترك، عُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا\n، أي: صفوفًا وفي الحديث الصحيح:\n«يَجْمَعُ اللَّهُ الأَوَّلينَ والآخِرِينَ في صَعِيدٍ وَاحِدٍ صُفُوفًا يُسْمِعُهُمُ الدَّاعي، ويَنْفُذُهُمُ البَصَرُ ...» الحديث «٣» بطوله، وفي حديثٍ آخَرَ: «أَهْلُ الجَنَّةِ يَوْمَ القِيَامَةِ مِائَةٌ وعِشْرُونَ صَفًّا، أنْتُمْ مِنْهَا ثَمَانُونَ صفّا» «٤» .\nوقوله سبحانه: قَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ\n: يفسِّره قولُ النبيّ ﷺ: إنكُمْ تُحْشَرُونَ إِلى اللَّه حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ «٥» نُعِيدُهُ [الأنبياء: ١٠٤]» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-844>[سورة الكهف (١٨): الآيات ٤٩ الى ٥٠]</span>\nوَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩) وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (٥٠)\nوقوله سبحانه: وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ ... الآية:\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٨/ ٢٣١) برقم: (٢٣٠٩٤)، وذكره ابن كثير (٣/ ٨٥)، والسيوطي (٤/ ٤٠٩) بنحوه، وعزاه لابن أبي شيبة، وأحمد في «الزهد» .\n(٢) أخرجه الطبري (٨/ ٢٢٩- ٢٣٠) برقم: (٢٣٠٨٢) وبرقم: (٢٣٠٨٥)، ذكره ابن عطية (٣/ ٥٢٠)، وابن كثير (٣/ ٨٥)، والسيوطي (٤/ ٤١٠)، وعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٣) تقدم تخريجه.\n(٤) تقدم تخريجه.\n(٥) تقدم تخريجه.","vol":"3","page":529},{"text":"الْكِتابُ اسم جنس يراد به كُتُب النَّاس التي أحصتها الحَفَظة لواحدٍ واحدٍ، ويحتمل أن يكون الموضوع كتابًا واحدًا حاضرًا، وباقي الآية بيِّن.\nوقوله سبحانه: إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ قالت فرقة: إبليسُ لم يكُنْ من الملائكَةِ، بل هو من الجِنِّ، وهم الشياطينُ المخلوقون من مَارِجٍ من نارٍ، وجميعُ الملائكة إنما خلقوا من نورٍ، واختلَفَتْ هذه الفرقةُ، فقال بعضهم: إِبليس من الجنِّ، وهو أولهم وبَدْأَتُهم، كآدمَ من الإِنس، وقالت فرقة: بل كان إِبليس وقبيلُهْ جِنًّا، لكن جميع الشياطين اليَوْمَ من ذريته، فهو كُنوح في الإنس، واحتجُّوا بهذه الآية.\nوقوله: فَفَسَقَ معناه فخرج عن أمر ربِّه وطاعته.\nوقوله ﷿: أَفَتَتَّخِذُونَهُ يريد: أَفتَتَّخِذُونَ إِبليس.\nوقوله: وَذُرِّيَّتَهُ: ظاهر اللفظ يقتضي المُوَسْوِسين من الشياطين، الذين يأمْرُون بالمنْكَر، ويحملون على الأباطيل.\nوقوله تعالى: بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا أي: بدل ولايةِ اللَّه ﷿ بولاية إِبليس وذريته، وذلك هو التعوُّض من الحقّ بالباطل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-845>[سورة الكهف (١٨): الآيات ٥١ الى ٥٣]</span>\nما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا (٥١) وَيَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا (٥٢) وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفًا (٥٣)\nوقوله سبحانه: ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ... الآية: الضمير في أَشْهَدْتُهُمْ عائدٌ على الكُفَّار، وعلى النَّاس بالجملة/ فتتضمَّن الآية الرَّدَّ على طوائف من المنجِّمِين وأهْل الطبائعِ والمتحكِّمين من الأطبَّاء، وسواهم مِنْ كل من يتخرَّص في هذه الأشياء، وقيل: عائدٌ على ذرية إِبليس، فالآية على هذا تتضمَّن تحقيرَهُم، والقولُ الأول أعظم فائدةً، وأقول: إنَّ الغرض أولًا بالآية هُمْ إِبليس وذريته، وبهذا الوجْه يتَّجه الردُّ على الطوائف المذكورة، وعلى الكُهَّان والعربِ المصدِّقين لهم، والمعظِّمين للجنِّ، حين يقولون: أعُوذُ بِعَزِيز هذا الوَادِي، إِذ الجميع من هذه الفِرَقِ متعلِّقون بإِبليس وذريته، وهم أضلُّ الجميع، فهم المرادُ الأول ب الْمُضِلِّينَ، وتندرج هذه الطوائفُ في معناهم، وقرأ الجمهور «١»: «ومَا كُنْتُ»، وقرأ أبو جعفر «٢» والجحْدَرِيُّ والحسن، بخلافٍ «وَمَا كُنْت»، «والعَضُد»: استعارة للمعين والمؤازر، وَيَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ أي: على جهة\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٥٢٣)، و«البحر المحيط» (٦/ ١٣٠)، و«الدر المصون» (٤/ ٤٦٤) .\n(٢) ينظر: مصادر القراءة السابقة.","vol":"3","page":530},{"text":"الاستغاثة بهم، واختلف في قوله: مَوْبِقًا، فقال ابن عباس: معناه مهلكًا «١»، وقال عبد اللَّه بن عمر وأنس بن مالك ومجاهد: مَوْبِقًا هو وادٍ في جهنَّم يجري بدَمٍ وصديدٍ «٢» . قال أنس: يحجز بين أهل النار وبَيْن المؤمنين «٣» .\nوقوله سبحانه: فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها، أي: مباشروها، وأطلق الناس أنَّ الظنَّ هنا بمعنى اليقين.\nقال ع «٤»: والعبارة بالظَّنِّ لا تجيء أبدًا في موضع يقينٍ تامِّ قد قَالَهُ الحَسَن «٥» بل أعظم درجاته أن يجيء، في موضع متحقِّق، لكنه لم يقع ذلك المظْنُونُ، والاَّ فمذْ يقع ويُحَسُّ لا يكادُ توجَدُ في كلامِ العربِ العبارةُ عنه بالظَّنِّ، وتأمَّل هذه الآية، وتأمَّل كلام العرب، وروي أبو سعيد الخدريّ، أن النبيّ ﷺ قال: «إنَّ الكَافِرَ لَيَرى جَهَنَّمَ، ويَظُنُّ أَنَّهَا مُوَاقِعَتُهُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ سَنَةً» «٦»، و«المَصْرِف»: المَعْدِل والمَرَاغ، وهو مأخوذ من الانصرافِ من شيء إلى شيء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-846>[سورة الكهف (١٨): الآيات ٥٤ الى ٥٩]</span>\nوَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا (٥٤) وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلًا (٥٥) وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آياتِي وَما أُنْذِرُوا هُزُوًا (٥٦) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا (٥٧) وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا (٥٨)\nوَتِلْكَ الْقُرى أَهْلَكْناهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا (٥٩)\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٨/ ٢٣٩) برقم: (٢٣١٤٢)، وذكره ابن عطية (٣/ ٥٢٤)، وابن كثير (٣/ ٩٠)، والسيوطي (٤/ ٤١٤)، وعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٢) أخرجه الطبري (٨/ ٢٤٠) برقم: (٢٣١٤٩)، وذكره الطبري (٨/ ٢٤١)، وذكره ابن عطية (٣/ ٥٢٣)، وذكره البغوي (٣/ ١٦٨)، وذكره ابن كثير (٣/ ٩٠) نحوه، والسيوطي في «الدر» (٤/ ٤١٤) . [.....]\n(٣) ذكره ابن عطية (٣/ ٥٢٣) .\n(٤) ينظر: «المحرر» (٣/ ٥٢٤) .\n(٥) ذكره ابن عطية (٣/ ٥٢٤) .\n(٦) أخرجه أحمد (٣/ ٧٥)، وابن حبان (٢٥٨١- موارد)، والطبري (١٥/ ٢٦٥)، والحاكم (٤/ ٥٩٧)، من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعا.\nوقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وصححه ابن حبان.","vol":"3","page":531},{"text":"وقوله تعالى: وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا الْإِنْسانُ هنا يراد به الجنْس، وقد استعمل ﷺ الآية على العمومِ في مروره بِعَلِيٍّ لَيْلًا، وأمْرِه له بالصلاة بالليل، فقال عليٌّ: إنما أنفُسُنَا يا رَسُولِ اللَّهِ بِيَدِ اللَّهِ، أو كما قال، فخرج ﷺ، وهو يضربُ فَخِذَه بيده، ويقول: وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا «١» .\nوقوله سبحانه: وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى ... الآية: النَّاسَ، هنا يراد بهم كفَّار عصر النبيِّ ﷺ، وسُنَّةُ الْأَوَّلِينَ، هي عذاب الأمم المذكورة في القرآن، أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلًا، أي: مقابلةً عيانًا، والمعنى: عذابًا غير المعهود، فتظهر فائدة التقسيمِ، وقد وقَعَ ذلك بهم يَوْمَ بدرٍ، وكأنَّ حالهم تقتضي التأسُّف عليهم، وعلى ضلالهم ومصيرهم بآرائهم إِلى الخُسْران- عافانا اللَّه من ذلك-.\nولِيُدْحِضُوا معناه: يُزْهِقوا، «والدَّحَض»: الطين.\nوقوله: فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا: لفظ عامٌّ يراد به الخاصُّ ممن حتم اللَّه عليه أنه لا يِؤمن، ولا يهتدي أبدًا، كأبي جهل وغيره.\n/ وقوله: بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ قالت فرقة: هو أَجَلُ الموتِ، وقالت فرقة: هو عذاب الآخرة، وقال الطبري «٢» هو يَوْمَ بَدْرٍ والحَشْر.\nوقوله سبحانه: لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا، أي: لا يجدون عنه منجًى، يقال:\nوَأَلَ الرَّجُلُ يَئِلُ إِذ نجا، ثم عقَّب سبحانه توعُّدهم بذكْر الأمثلة من القَرى التي نَزَلَ بها ما تُوُعِّدَ هؤلاء بمثله، والْقُرى: المدن، والإِشارة إِلى عادٍ وثمود وغيرهم، وباقي الآية بيِّن.\nقال ص: وقوله: لَمَّا ظَلَمُوا في لَمَّا ظَلَمُوا: إِشعارٌ بعلَّة الإِهلاك وبهذا استدلَّ ابن عُصْفُور على حرفية «لَمَّا» لأن الظرف لا دلالة فيه على العلّيّة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-847>[سورة الكهف (١٨): آية ٦٠]</span>\nوَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (٦٠)\nوقوله سبحانه: وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أَبْرَحُ ... الآية: مُوسى هو ابنُ عمرانَ، وفتاة هو يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، وفي الحديث الصحيح عن النبيّ ﷺ، أن موسى ﵇ جَلَسَ يَوْمًا في مَجْلِسٍ لَبني إِسْرَائيلَ، وخَطَبَ، فأَبْلَغَ، فَقِيلَ لَهُ: هل تعلم أحدا أعلم\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٨/ ٢٦٠) كتاب «التفسير» باب: «وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا»، حديث (٤٧٢٤) .\n(٢) ينظر: «الطبري» (٨/ ٢٤٣)","vol":"3","page":532},{"text":"مِنْكَ؟ قَالَ: لاَ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: بَلَى عَبْدُنَا خَضِرٌ، فَقَالَ: يَا رَبِّ، دُلَّنِي عَلَى السَّبِيلِ إِلى لقيه، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنْ يَسِيرَ بطُوِلِ سَيْفِ البَحْرِ، حَتَّى يَبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ، فَإِذَا فَقَدَ الحُوتَ، فإِنَّهُ هُنَالِكَ، وأُمِرَ أَنْ يَتَزَوَّدَ حُوتًا، وَيَرْتَقِبَ زَوَالَهُ عَنْهُ، فَفَعَلَ مُوسى ذَلِكَ، وَقَالَ لِفَتَاهُ على جِهَةِ إِمْضَاءِ العَزِيمَةِ: لاَ أَبْرَحُ أَسِيرُ، أي: لاَ أَزَالُ، وإِنما قال هذه المقالَةَ، وهو سائرٌ، قال السُّهَيْليُّ: كان موسى ﵇ أعلَمَ بعلْمِ الظاهر، وكان الخَضِرُ أعلم بعلْم الباطنِ، وأسرارِ المَلَكُوتِ، فكانا بَحْرَيْن اجتمعا بمجْمَعِ البَحْرَيْن، والخضرُ شَرِبَ من عَيْن الحَيَاةِ، فَهوَ حَيٌّ إِلى أن يخرج الدَّجَّال، وأنَّه الرجُلُ الذي يقتله الدَّجَّال، وقال البخاريُّ وطائفة من أهْل الحديث، منهم شيخُنا أبو بَكْرِ بْنُ العَرَبيِّ ﵀: مات الخَضِرُ قبل انقضاء المِائَةِ من قوله ﷺ: «أرأيتكم ليلتكم هذه، فإن إلى رأس مائة عَامٍ مِنْهَا لا يَبْقَى عَلَى الأَرْضِ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهَا أَحَدُ» «١» يعني من كان حيًّا حين قال هذه المقالَةَ، وأما اجتماع الخِضَرِ مع النبيّ ﷺ وتعزيته لأهْل بيته، فمرويٌّ من طرقٍ صِحَاحٍ، وصحّ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إِنَّمَا سُمِّيَ الخَضِرَ لأَنَّهُ جَلَسَ عَلَى فَرْوَةٍ بَيْضَاءَ، فاهْتَزَّتْ تَحْتَهُ خضراء» «٢» .\nقال الخطابي: الفروة «٣» وجه الأرض، ثم أنشد على ذلك شاهدا انتهى.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٢/ ٥٤) كتاب «مواقيت الصلاة» باب: ذكر العشاء والعتمة، حديث (٥٦٤)، من حديث عبد الله بن عمر.\n(٢) أخرجه البخاري (٦/ ٤٩٩) كتاب «أحاديث الأنبياء» باب: حديث الخضر مع موسى، حديث (٣٤٠٢)، والترمذي (٥/ ٣١٣) كتاب «التفسير» باب: ومن سورة الكهف، حديث (٣١٥١)، وأحمد (٢/ ٣١٨)، وابن حبان (١٤/ ١٠٨- ١٠٩) برقم: (٦٢٢٢)، والبغوي في «معالم التنزيل» (٣/ ١٧٢)، كلهم من طريق همام بن منبه، عن أبي هريرة به.\nوقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، والحديث ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٤٢٤)، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.\nتنبيه: وهم الحافظ نور الدين الهيثمي فأورد هذا الحديث في كتابه «موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان» رقم: (٢٠٩٢)، وشرط كتابه كما هو معروف أنه أورد ما هو زائد على «الصحيحين» من «صحيح ابن حبان» . وللحديث شاهد من حديث ابن عباس، ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٤٢٤)، وعزاه إلى ابن عساكر.\n(٣) الفرو الحشيش الأبيض وما أشبهه، وقال الحربي: الفروة من الأرض قطعة يابسة من حشيش. وعن ابن الأعرابي: الفروة أرض بيضاء ليس فيها نبات، وبهذا جزم الخطابي ومن تبعه، وحكي عن مجاهد أنه قيل له الخضر لأنه كان إذا صلّى اخضر ما حوله. والخضر قد اختلف في اسمه قبل ذلك وفي اسم أبيه وفي نسبه وفي نبوته وفي تعميره، فقال وهب بن منبه: هو بليا بفتح الموحدة وسكون اللام وبعدها تحتانية، ووجد بخط الدمياطي في أول الاسم بنقطتين، وقيل: كالأول بزيادة ألف بعد الباء، وقيل:","vol":"3","page":533},{"text":"واختلف الناس في «مَجْمَعِ البَحْرَيْنِ»، فقال مجاهد وقتادة هو مَجْمَعُ بَحْر فارس وبَحْر الروم «١»، وقالت فرقة مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ: هو عند طَنْجَة، وقيل غير هذا، واختلف في «الحُقُب»، فقال ابن عباس وغيره: الحُقُب: أزمانٌ غير محدودة «٢»، وقال عبد اللَّه بن عمرو ثمانون «٣» سنة، وقال مجاهد: سبعون «٤»، وقيل: سنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-848>[سورة الكهف (١٨): الآيات ٦١ الى ٧٤]</span>\nفَلَمَّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما نَسِيا حُوتَهُما فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا (٦١) فَلَمَّا جاوَزا قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَبًا (٦٢) قالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَما أَنْسانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (٦٣) قالَ ذلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا (٦٤) فَوَجَدا عَبْدًا مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (٦٥)\nقالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (٦٦) قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٦٧) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (٦٨) قالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (٦٩) قالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (٧٠)\nفَانْطَلَقا حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها قالَ أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (٧١) قالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٢) قالَ لاَ تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (٧٣) فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا لَقِيا غُلامًا فَقَتَلَهُ قالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (٧٤)\nوقوله سبحانه: فَلَمَّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما الضمير في بَيْنِهِما: للبحرين، قاله\n_________\nاسمه الياس، وقيل: اليسع، وقيل: عامر، وقيل: خضرون- والأول أثبت- ابن مكان بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح، فعلى هذا فمولده قبل إبراهيم الخليل لأنه يكون ابن عم جد إبراهيم، وقد حكى الثعلبي قولين في أنه كان قبل الخليل أو بعده، وقال وهب وكنيته أبو العباس، وروى الدارقطني في «الأفراد» من طريق مقاتل عن الضحاك، عن ابن عباس قال: هو ابن آدم لصلبه، وهو ضعيف منقطع، وذكر أبو حاتم السجستاني في «المعمرين» أنه ابن قابيل بن آدم رواه عن أبي عبيدة وغيره، وقيل: اسمه ارميا بن طيفاء حكاه ابن إسحاق، عن وهب، وارميا بكسر أوله وقيل: بضمه وأشبعها بعضهم واوا، واختلف في اسم أبيه فقيل: ملكان، وقيل: كليان، وقيل: عاميل وقيل: قابل والأول أشهر، وعن إسماعيل بن أبي أويس: هو العمر بن مالك بن عبد الله بن نصر بن الأزد.\nينظر: «فتح الباري» (٧/ ٩٣- ٩٤) .\n(١) أخرجه الطبري (٨/ ٢٤٦) برقم: (٢٣١٧٠)، (٨/ ٢٤٥)، برقم: (٢٣١٦٩)، وذكره ابن عطية (٣/ ٥٢٧)، وابن كثير (٣/ ٩٢) .\n(٢) أخرجه الطبري (٨/ ٢٤٦) برقم: (٢٣١٧٦) بنحوه، وذكره ابن عطية (٣/ ٥٢٨)، وابن كثير (٣/ ٩٢) .\n(٣) أخرجه الطبري (٨/ ٢٤٦) برقم: (٢٣١٧٣)، وذكره ابن عطية (٣/ ٥٢٨)، والبغوي (٣/ ١٧١)، وابن كثير (٣/ ٩٢) .\n(٤) أخرجه الطبري (٨/ ٢٤٦) برقم: (٢٣١٧٤)، وذكره ابن عطية (٣/ ٥٢٨)، وابن كثير (٣/ ٩٢) بنحوه. [.....]","vol":"3","page":534},{"text":"مجاهد «١»، وفي الحديث الصحيح: «ثُمَّ انْطَلَقَ، وانْطَلَقَ مَعَهُ/ فَتَاهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، حَتَّى أَتيَا الصَّخْرَةَ وَضَعَا رُؤُوَسَهُما، فَنَامَا، واضْطَربَ الحُوتُ في المكتلِ، فَخَرجَ مِنْهُ فَسَقَط في البَحْرِ، واتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ سَرَبًا، أي: مسلكًا في جوفِ الماءِ، وأمْسَكَ اللَّهُ عَنِ الحُوتِ جَرْيَةَ المَاءِ، فَصَارَ عَلَيْهِ مِثْلُ الطَّاقِ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ، نَسِيَ صَاحِبُهُ أَنْ يُخبَرَهُ بالحُوتِ، فانْطَلَقَا بَقَّيِة يَوْمِهَما، ولَيْلَتِهِما حَتَّى إِذَا كَانَ مِنَ الغَدِ قال موسى لِفَتَاهُ: آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَبًا ويعني ب «النصب» تعب الطريق، قال: ولم يجدْ موسى النَّصَبَ حتَّى جاوَزَ المَكَان الذي أمره اللَّه به، قال له فتاه: أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ، يريد: ذكر ما جرى فيه، وَما أَنْسانِيهُ، أي أن أذكره إِلَّا الشَّيْطانُ، واتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا قال: فكان للحوتِ سَرَبًا ولموسى وفتاه عَجَبًا، فقال موسَى: ذلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا، قال: فرجعا يَقُصَّان آثارهما حَتَّى انتهيا إلى الصخرة، فإِذا رجُلٌ مُسَجَّى بثوبٍ، فسَلَّم عليه موسى، فقال الخَضِرُ: وأَنَّى بأرضِكَ السَّلاَمَ قال: أَنَا مُوسَى، قَالَ: مُوسَى بَنِي إِسُرَائِيلَ؟ قَالَ: نَعْم، أَتَيْتُكَ لِتُعَلِّمَني ممَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا، قالَ: إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا يعني: لا تطيق أن تصبر على ما تراه من عملي لأن الظواهر التي هي عِلْمُكَ لا تعطيه، وكيف تُصْبِرُ على ما تراه خطأً، ولم تُخْبَرْ بوجه الحكمة فيه؟ يا موسى، إني على علْمٍ من علْمِ اللَّه، علَّمنيه لا تَعْلَمُه، يريد: علْم الباطنِ، وأنْتَ على علْمٍ من علمِ اللَّه علَّمكه اللَّه، لا أعلمه، يريد: علْمَ الظاهرِ، فقال له موسى: سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا، فقال له الخضر: فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا، أي: حتى أشرح لك ما ينبغي شرْحُه، فانطلقا يمشيَانِ على ساحل البَحْرِ، فمرت بهم سفينةٌ، فكلَّموهم أنْ يحملوهم، فعرفوا الخَضِرَ، فحملوهم بغَيْر نَوْلٍ، يقول: بغير أجْر، فلما ركبا في السفينة، لم يُفْجَأْ موسى إِلاَّ والخَضِرُ قد قلع لَوْحًا من ألواح السفينة بالقَدُومِ، فقال له موسى قومٌ حملونا بغير نَوْلٍ، عَمِدْتَّ إلى سفينتهم، فخرقْتَها لتغرق أهلها، لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا، أي شنيعًا من الأمور، وقال مجاهد: الإِمْرُ المُنْكَر «٢»، قالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا قالَ لاَ تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا قال أَبَيُّ بْنُ كعب، قال النبيُّ ﷺ: فكانَتِ الأُولى مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا، قال: وَجَاءَ عُصْفُورٌ، فَوَقَعَ على حَرْفِ السَّفِينَةِ، فَنَقَرَ في البَحْرِ نُقْرَةً، فَقَالَ لَهُ الخَضِرُ: ما عِلْمِي وعلْمُكَ مِنْ عِلْم اللَّهِ إِلاَّ مِثْلُ مَا نقص هذا العصفور من هذا البحر»،\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٨/ ٢٤٧) برقم: (٢٣١٧٩)، وذكره ابن عطية (٣/ ٥٢٨) .\n(٢) أخرجه الطبري (٨/ ٢٥٧) برقم: (٢٣٢١٨)، وذكره ابن عطية (٣/ ٥٣١)، وابن كثير (٣/ ٩٧) .","vol":"3","page":535},{"text":"وفي رواية: «واللَّهِ، مَا عِلْمِي وعِلْمُكَ في جَنْبِ عِلْمِ اللَّهِ إِلاَّ كما أَخَذَ/ هَذَا الطَّائِرُ بِمنْقَارِهِ من البَحْر»، وفي رواية: «مَا عِلْمي وعِلْمُكَ وعِلْمُ الخَلاَئِقِ في عِلْمِ اللَّهِ إِلاَّ مِقْدَارُ مَا غَمَسَ هذا العُصْفُورُ منقاره» «١» .\nقال «٢» ع: وهذا التشبيهُ فيه تجوُّز إِذ لا يوجد في المحْسُوسَات أقوى في القِلَّة من نقطة بالإِضافة إلى البحر، فكأنها لا شَيْءَ، ولم يتعرَّض الخَضِرُ لتحرير موازَنَةٍ بين المِثَال وبَيْنَ عِلْم اللَّه تعالى، إِذ علمه سبحانه غير متناهٍ، ونُقَطُ البحر متناهيةٌ، ثم خَرَجَ من السفينة، فبينما هما يَمْشِيَانِ على السَّاحل، إذ أبصر الخضرُ غُلاَمًا يَلْعَبُ مع الغْلمَان، فأخذ الخَضِرُ رَأْسَهُ بيده، فاقتلعه فَقَتَلَهُ، فقال له موسى: أقتلت نفسًا زاكية.\nقال «٣» ع: قيل: كان هذا الغلامُ لم يبْلُغ الحُلْم، فلهذا قال موسى: نَفْسًا زاكية، وقالت فرقة: بل كان بالغًا.\nوقوله: بِغَيْرِ نَفْسٍ يقتضي أنه لو كان عَنْ قَتْلِ نفْسٍ، لم يكن به بأْسٌ، وهذا يدلُّ على كِبَرِ الغلامِ، وإِلا فلو كان لم يحتلم، لم يجبْ قتله بَنَفْس ولا بغير نفْس. ت:\nوهذا إِذا كان شَرْعُهم كَشَرْعنا، وقد يكونُ شرعهم أنَّ النفْسَ بالنفْسِ عمومًا في البالغ وغيره، وفي العَمْد والخطأ فلا يلزم من الآية ما ذَكَرَ.\nوقوله: لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا معناه: شيئًا ينكر.\nقال ع «٤»: ونصف القرآن بِعَدِّ الحروف. انتهى إلى النون من قوله: نُكْرًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-849>[سورة الكهف (١٨): الآيات ٧٥ الى ٨٢]</span>\nقالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٥) قالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا (٧٦) فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِدارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ قالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (٧٧) قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٧٨) أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (٧٩)\nوَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وَكُفْرًا (٨٠) فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْرًا مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (٨١) وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وَكانَ أَبُوهُما صالِحًا فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٨٢)\n_________\n(١) أخرجه الحاكم (٢/ ٣٦٩) من حديث أبي بن كعب، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٥٣١) .\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٥٣٢) .\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٥٣٢) .","vol":"3","page":536},{"text":"قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا قال: وهذه أشدُّ من الأولى- قالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِدارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ، قال:\nمائل، فقال الخَضِرُ بيده هكذا، فأقامه، فقال موسى: قومٌ أتيناهم، فلم يطعمونا، ولم يضيّفونا لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا قال سعيدُ بنُ جُبَيْر: أجرًا نأكله «١» - «قال هذا فراق بيني وبينك» إِلى قوله: ذلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا، فقال رسول الله ﷺ:\nوَدِدْنَا أَنَّ مُوسَى كَانَ صَبَرَ حَتَّى يُقَصَّ عَلَيْنَا مِنْ خَبَرَهِمَا» «٢» قال سعيد: فكان ابن عباس يَقْرأُ: «وَكَانَ أَمَامَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سفينة [صالحة] غصبا»، وكان يقرأ: «وأَمَّا الغُلاَمُ [فَكَانَ كَافِرًا] وكَانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ»، وفي رواية للبخاريِّ: يزعمون عن غَيْر سعيدِ بْنِ جُبَيْر أنَّ اسم المَلِكِ: هُدَدُ بْنُ بُدَدٍ، والغلام المقتولُ اسمه يزعمون حَيْسُورُ، ويقال: جَيْسُورَ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا، فأردتُّ إِذا هِيَ مَرَّتْ به أنْ يَدَعَها لِعَيْبها «٣»، فإِذا جَاوَزُوا أصْلَحُوها، فانتفعوا بها، ومنهم من يقول: سَدُّوها بقَارُورة، ومنهم من يقول بالقار، كان أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ، وكان كافرًا، فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وَكُفْرًا أنْ يحملهما حبُّه على أنْ يتابعاه على دينه، فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْرًا مِنْهُ زَكاةً لقوله: «أقتلْتَ نفسًا زاكية»، وَأَقْرَبَ رُحْمًا هما به أرحم منهما بالأول الذي قتله خَضِر، وزعم غير سعيد أنهما أُبْدلا جاريةً، وأما داوُدُ بن أبي عاصِمٍ، فقال عن غير واحدٍ: إنها جاريةٌ. انتهى لفظُ البخاريِّ.\nت: وقد تحرَّينا/ في هذا المختصر بحَمْد اللَّه التحقيقَ فيما علَّقناه جُهْد الاستطاعة، واللَّه المستعان، وهو المسئول أن ينفع به بجُوده وكَرَمِهِ.\nقال ع «٤»: ويشبه أنْ تكون هذه القصَّة أيضًا أصلًا للآجال في الأحكام التي هي\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٣/ ٥٣٤)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٤٢٠)، وعزاه لعبد بن حميد، ومسلم، وابن مردويه.\n(٢) تقدم تخريجه.\n(٣) أخرجه البخاري (٨/ ٢٦٢، ٢٧٧) كتاب «التفسير»، حديث (٤٧٢٥- ٤٧٢٦- ٤٧٢٧) من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس.\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٥٣٢) .","vol":"3","page":537},{"text":"ثَلاَثَةٌ، وأيام التلوم ثلاثةٌ، فتأمَّله.\nوقوله سبحانه: فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما وفي الحديث: «أَنَّهُمَا كَانَا يَمْشِيَانِ عَلَى مَجَالِسِ أُولَئِكَ القَومِ يَسْتَطْعمَانِهِمْ» .\nقال ع «١»: وهذه عبرة مصرِّحة بهوان الدنيا على اللَّه ﷿. ص:\nوقوله: فِراقُ بَيْنِي الجمهور «٢» بإضافة «فراق»، أبو البقاء، تفريقُ وَصْلِنا، وقرأ ابن أبي عَبْلَةَ «فِراقٌ» بالتنوين «٣»، أبو البقاء و«بَيْنَ»: منصوبٌ على الظرف انتهى.\nقال «٤» ع: ووَراءَهُمْ هو عندي على بابه، وذلك أن هذه الألفاظ إنما تجيء مراعًى بها الزمانُ، وذلك أنَّ الحادث المقدَّم الوُجُودِ هو الأمامُ، والذي يأتي بَعْدُ هو الوَرَاء، وتأمَّل هذه الألفاظ في مواضِعِها حيْثُ وردَتْ تجدها تَطَّرد، ومِن قرأ «٥»:\n«أَمامَهُمْ»، أراد في المكان.\nقال «٦» ع: وفي الحديث، «أنَّ هَذَا الغُلاَمَ طُبِعَ يَوْمَ طُبعَ كافِرًا»، والضمير في «خشينا» للخضِرِ، قال الداوديُّ: قوله: فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما، أي: علمنا انتهى.\n«والزَكَاةُ» شرف الخُلُق والوقارُ والسكينةُ المنطويةُ على خَيْرٍ ونيَّة، «والرُّحْم» الرحمة، وروي عن ابن جُرَيْج، أنهما بُدِّلا غلامًا مسْلِمًا «٧»، وروي عنه أنهما بُدِّلا جاريةً، وحكى النَّقَّاش أنها وَلَدَتْ هي وَذُرِّيَّتُها سبعين نبيًّا، وذكره المهدويُّ عن ابن عباس «٨»، وهذا بعيدٌ، ولا تُعْرَف كثرة الأنبياءِ إِلا في بني إسرائيل، وهذه المرأة لم تكُنْ فيهم، واختلف النَّاسُ في هذا الكنز المذكور هنا، فقال ابن عباس: كان عِلْمًا في صُحُف مدفونةٍ «٩»، وقال عمر مولى غَفْرَة: كان لَوْحًا من ذَهَبٍ قد كُتِبَ فيه: «عجبًا للموقِنِ بالرِّزْقِ كيف يَتْعَبُ، وعجبًا للموقِنِ بالحسابِ كيف يَغْفَلُ، وعجبًا للموقِنِ بالمَوْتِ كيف يَفُرَحُ»، وروي نحو هذا مما هو في\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٥٣٣) .\n(٢) ينظر: «البحر المحيط» (٦/ ١٤٤)، و«الدر المصون» (٤/ ٤٧٦) .\n(٣) ينظر: «الكشاف» (٢/ ٧٤٠)، و«البحر المحيط» (٦/ ١٤٤)، و«الدر المصون» (٤/ ٤٧٦) .\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٥٣٥) . [.....]\n(٥) وقرأ بها ابن عباس، وابن جبير، كما في «الجامع لأحكام القرآن» (١١/ ٢٤) .\n(٦) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٥٣٦) .\n(٧) أخرجه الطبري (٨/ ٢٦٧) برقم: (٢٣٢٥٠) بنحوه، وذكره ابن عطية (٣/ ٥٣٦)، والبغوي (٣/ ١٧٧)، وابن كثير (٣/ ٩٨) .\n(٨) ذكره ابن عطية (٣/ ٥٣٦) .\n(٩) أخرجه الطبري (٨/ ٢٦٨) برقم: (٢٣٢٥٦)، وذكره ابن عطية (٣/ ٥٣٧)، وابن كثير (٣/ ٩٨) .","vol":"3","page":538},{"text":"معناه، وقال الداوديّ: كانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما، عن النبي ﷺ قال: «ذَهَبٌ وفِضَّة» انتهى، فإِن صحَّ هذا الحديثُ، فلا نظرَ لأحَدٍ معه، فاللَّه أعلم أيَّ ذلك كَانَ.\nوقوله سبحانه: وَكانَ أَبُوهُما صالِحًا ظاهر اللفظِ، والسابقُ منه إِلى الذهنِ أنه والدهما دِنْيَةً «١»، وقيل: هو الأب السابعُ، وقيل: العاشر، فَحُفِظَا فيه، وفي الحديثِ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَحْفَظُ الرَّجُلَ الصَّالِحَ في ذُريتِهِ»، وقول الخضر: وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي، يقتضي أنه نَبِيٌّ، وقد اختلف فيه، فقيل: هو نبيٌّ، وقيل: عَبْدٌ صالح، وليس بنبيٍّ وكذلك اختلف في موته وحياته، واللَّه أعلم بجميع ذلك، ومما يقضي بموت الخضر قوله ﷺ:\n«أرأيتكم ليلتكم هذه، فإن إلى رأس مائة مِنْهَا لاَ يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ اليَوْمَ على ظَهْرِ الأَرضِ أحد» «٢» .\nقال القرطبيُّ في «تذكرته»: وذكر عن عمرو بن دِينَارٍ: الخَضِرُ وإِلياسُ ﵉ حَيَّانِ، فإِذا رفع القرآن ماتا/ قال القرطبيُّ: وهذا هو الصحيحُ انتهى، وحكاياتُ مَنْ رأَى الخَضِرَ من الأولياء لا تحصَى كثرةٍ فلا نطيلُ بَسْردها، وانظر «لطائِفَ المِنَن» لابن عطاء اللَّه.\nوقوله: ذلِكَ تَأْوِيلُ: أي مآل، وحكى السُّهَيْليُّ أنه لما حان للخَضِر وموسى أن يفترقا، قال له الخَضر: لو صَبَرْتَ، لأَتَيْتَ عَلَى أَلْفِ عَجَبٍ، كلُّها أعجبُ ممَّا رأَيْتَ، فبكى موسى، وقالَ للخَضِر: أوْصِنِي يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فقال: يا مُوسَى، اجْعَلْ همَّك في معادِكَ، ولا تَخُضْ فيما لا يَعْنِيك، ولا تأمَنْ مِنَ الخوفِ في أمْنِكَ، ولا تَيْئَس من الأمن في خوفك، وتدَّبر الأمورَ في علانيتِكَ، ولا تَذَر الإحسانَ في قُدْرتك، فقال له موسى: زِدْنِي يرحمك اللَّه، فقال له الخَضِر: يا مَوسَى، إِياكَ واللَّجَاجَةُ، ولا تَمْش في غير حَاجَةٍ، ولا تَضْحَكْ من غَيْر عَجَبٍ، ولا تعير أحدًا، وابكِ على خطيئتك يا بن عمران. انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-850>[سورة الكهف (١٨): الآيات ٨٣ الى ٩٢]</span>\nوَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (٨٣) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (٨٤) فَأَتْبَعَ سَبَبًا (٨٥) حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْمًا قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (٨٦) قالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذابًا نُكْرًا (٨٧)\nوَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْرًا (٨٨) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٨٩) حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْرًا (٩٠) كَذلِكَ وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْرًا (٩١) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٩٢)\n_________\n(١) يقال: هو ابن عمي دنية، إذا كان ابن عمه لحّا.\nينظر: «لسان العرب» (١٤٣٦) .\n(٢) تقدم تخريجه.","vol":"3","page":539},{"text":"وقوله سبحانه: وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ ... الآية: «ذو القرنين»، هو المَلِكُ الإسْكَنْدَرُ اليُونَانِيُّ، واختلف في وَجْه تسميته ب «ذي القَرْنَيْنِ» وأحسنُ ما قيل فيه: أنه كان ذا ظفيرتين، من شَعْرهما قرناه، والتمكينُ له في الأرض: أنه مَلَكَ الدنيا، ودانَتْ له الملوك كلها، وروي أن جميع من مَلَكَ الدنيا كلَّها أربعَةٌ، مُؤْمِنَانِ وكافران فالمُؤْمِنَانِ: سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ ﵉، والإسْكَنْدَرُ، والكافِرَانِ: نُمْرُود، وبُخْتَ نَصَّرَ.\nوقوله سبحانه: وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا معناه: علْمًا في كل أمْرٍ، وأقيسةً يتوصَّل بها إِلى معرفة الأشياء، وقوله: كُلِّ شَيْءٍ عمومٌ معناه الخصوص في كلِّ ما يمكنه أنْ يعلمه ويحتاجُ إلَيْه، وقوله: فَأَتْبَعَ سَبَبًا، أي: طريقًا مسلوكةً، وقرأ نافع وابن كثير «١»:\nوحفص عن عاصم: «في عَيْنٍ حِمِئَة»، أي: ذاتِ حَمْأة، وقرأ الباقون: «في عَيْنٍ حَامِيَةٍ»، أي: حارَّة، وذهب «٢» الطبريُّ إلى الجمع بين الأمرين، فقال: يحتملُ أن تكون العين حارَّة ذاتَ حَمْأة واستدلَّ بعضُ الناس على أن ذا القرنين نبيّ بقوله تعالى: قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ، ومن قال: إنه ليس بنبيٍّ، قال كانت هذه المقالةُ مِنَ اللَّهِ له بإِلهامِ.\nقال ع «٣»: والقول بأنه نبيّ ضعيف، وإِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ معناه: بالقَتْلِ على الكُفْر، وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا، أي: إِن آمنوا، وذهب الطبري «٤» إِلى أنَّ اتخاذه الحُسْن هو الأسْرُ مع كُفْرهم، ويحتمل أنْ يكون الاتخاذ ضَرْبَ الجزية، ولكنْ تقسيم ذي القرنين بعد هذا الأمْر إِلى كفر وإيمان يردُّ هذا القول بعض الردّ، وظَلَمَ في هذه الآية:\nبمعنى كَفَر، وقوله: عَذابًا نُكْرًا، أي: تنكره الأوهام، لعظمه، وتستهوله، والْحُسْنى يراد بها الجَنَّة.\nوقوله تعالى: ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا المعنى: ثم سلك ذو القرنين الطُّرُق المؤدِّية إِلى مَقْصِده، وكان ذو القرنَيْن، على ما وقع في كُتُب التاريخ يَدُوسُ الأرض بالجيوش الثّقال،\n_________\n(١) ينظر: «السبعة» (٣٩٨)، و«الحجة» (٥/ ١٦٩)، و«إعراب القراءات» (١/ ٤١٢)، و«معاني القراءات» (٢/ ١٢١)، و«حجة القراءات» (٤٢٨)، و«العنوان» (١٢٤)، و«شرح الطيبة» (٥/ ١٨)، و«شرح شعلة» (٤٧٨)، و«إتحاف» (٢/ ٢٢٣) .\n(٢) ينظر: «الطبري» (٨/ ٢٧٤) .\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٥٣٩) .\n(٤) ينظر: «تفسير الطبري» (٨/ ٢٧٥) .","vol":"3","page":540},{"text":"والسّيرة الحميدة، والحزم المستيقظ، والتأييد المتواصِلِ، وتقوى اللَّه ﷿، فما لقي أمّة، ولا مرّ بمدينةٍ إِلا ذَلَّتْ ودَخَلَتْ في طاعته، وكُلُّ من/ عارضه أوْ توقَّف عن أمْره، جعله عظةً وآيةً لغيره، وله في هذا المعنى أخبارٌ كثيرةٌ وغرائبُ، مَحَلُّ ذكرها كُتُبُ التاريخ.\nوقوله: وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ المراد ب «القوم» الزَّنْج، قاله قتادة «١»، وهم الهنود وما وراءهم، وقال الناس في قوله سبحانه: لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْرًا معناه: أنهم ليس لهم بنيانٌ، إِذ لا تحتمل أرضهم البناءَ وإِنما يدخلون مِنْ حَرِّ الشمس في أسْرَابٍ، وقيل: يدخلون في مَاءِ البَحْر قاله الحسن «٢» وغيره، وأكْثَرَ المفسِّرون في هذا المعنى، والظاهر من اللفظ أنها عبارة بَلِيغَةٌ عن قُرْب الشمس منهم، ولو كان لهم أسرابٌ تغني لكان سِتْرًا كثيفًا.\nوقوله: كَذلِكَ معناه: فَعَلَ معهم كَفِعْله مع الأولين أهْلِ المَغْرب، فأوجز بقوله:\nكَذلِكَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-851>[سورة الكهف (١٨): الآيات ٩٣ الى ٩٥]</span>\nحَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْمًا لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (٩٣) قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (٩٤) قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (٩٥)\nوقوله: حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ ... الآية: «السَّدَّان»، فيما ذكر أهل التفسير:\nجبلان سَدَّا مسالك تلك الناحية، وبَيْنَ طَرَفيِ الجبلين فَتْحٌ هو موضع الرَّدْم، وهذان الجَبَلان في طَرَفِ الأرضِ ممَّا يلي المَشْرِق، ويظهر من ألفاظ التواريخُ أنهما إلى ناحية الشمال.\nوقوله تعالى: وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْمًا: قال السُّهَيْليُّ: هم أهل جابلَص، ويقال لها بالسُّرْيانية «جَرْجيسَا» يسكنها قومٌ مِنْ نَسْل ثمود بقيتهم الذين آمنوا بصالح.\nوقوله تعالى: وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ هم: أهلُ جابَلَقَ، وهم من نسل مؤمني قوم عاد الذين آمنوا بهود، ويقال لها بالسُّرْيانيَّة: «مَرْقِيِسيَا» ولكل واحدةٍ من المديَنتْينِ عَشَرة آلاف بابٍ، بين كلِّ بابين فرسَخٌ، ومر بهم نبيّنا محمّد ﷺ ليلةَ الإسراء، فدعاهم، فأجابوه، وآمنوا به، ودعا من ورائهم من الأمم، فلم يجيبوه في حديثٍ طويلٍ رواه الطبريُّ عن مقاتل بن حَيَّان، عن عكرمة عن ابن عباس، عن النبيّ ﷺ، والله أعلم. انتهى،\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٨/ ٢٧٧) برقم: (٢٣٣١٧)، وابن عطية (٣/ ٥٤٠)، وابن كثير (٣/ ١٠٣)، والسيوطي (٤/ ٤٤٨)، وعزاه لعبد الرزاق، وابن أبي حاتم.\n(٢) أخرجه الطبري (٨/ ٢٧٦) برقم: (٢٣٣١٤) بنحوه، والبغوي (٣/ ١٧٩) .","vol":"3","page":541},{"text":"والله أعلم بصّحته.\nويَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ: قبيلان من بني آدم، لكنَّهم ينقسمون أنواعًا كثيرةً، اختلف الناس في عددها، واختلف في إفسادهم الذي وصَفُوهم به، فقيل: أكْلُ بَني آدم، وقالت فرقة: إفسادهم: هو الظُّلْم والغَشْم وسائرُ وجوه الإِفساد المعلومِ من البَشَر، وهذا أظهر الأقوال، وقولهم: فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا: استفهامٌ على جهة حُسْن الأدبِ، «والخْرجُ»:\nالمُجْبَى، وهو الخراج، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي: «١» «خَرَاجًا»، وروي في أمر يأجوج ومأجوج أنَّ أرزاقهم هِيَ من التِّنِّينِ يُمْطَرُونَ به، ونحو هذا مما لم يَصِحَّ، وروي أيضًا أنَّ الذَّكَر منهم لا يَمُوتُ حتى يولَدَ له ألْفٌ والأنثى كذلك، وروي أنهم يتسافَدُونَ في الطُّرُق كالبهائِمِ، وأخبارُهُم تضيقُ بها الصُّحُف، فاختصرْتُ ذلك لعَدَمِ صحَّته.\nت: والذي يصحُّ من ذلك كثْرَةُ عددهم على الجُمْلة، على ما هو معلوم من حديثِ: «أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ» وغيره من الأحاديث.\nوقوله: مَا مَكَّنِّي/ فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ المعنى: قال لهم ذُو القَرْنَيْنِ: ما بسطه اللَّه لي من القُدْرة والمُلْك خَيْرٌ من خَرَاجكم، ولكن أعينوني بُقَّوة الأبدان، وهذا من تأييد اللَّه تعالى له، فإِنه تهَدَّى في هذه المحاورة إِلى الأنفع الأَنْزَه، فإِنَّ القوم لو جمعوا له الخَرَاجَ الذي هو المالُ، لم يُعِنْهُ منهم أحدٌ، ولَوَكَّلُوه إلى البنيان، ومعونتهم بالقوّة أجمل به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-852>[سورة الكهف (١٨): الآيات ٩٦ الى ٩٩]</span>\nآتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذا جَعَلَهُ نارًا قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (٩٦) فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْبًا (٩٧) قالَ هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (٩٨) وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعًا (٩٩)\nوقوله: آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ ... الآية: قرأ حمزة «٢» وغيره: «ائْتُوني» بمعنى «جيئوني»، وقرأ نافع وغيره: «آتوني» بمعنى «أعْطُوني»، وهذا كله إِنما هو استدعاء\n_________\n(١) الثابت أن الأخوين حسب من السبعة قرآ هذا الحرف هكذا، وإنما تابع المصنف ابن عطية في ذكره عاصما.\nينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٥٤٢)، و«السبعة» (٤٠٠)، و«الحجة» (٥/ ١٧٤)، و«إعراب القراءات» (١/ ٤١٩)، و«معاني القراءات» (٢/ ١٢٤)، و«شرح الطيبة» (٥/ ٢٢)، و«العنوان» (١٢٤)، و«حجة القراءات» (٤٣٣)، و«شرح شعلة» (٤٨٠)، و«إتحاف» (٢/ ٢٢٥- ٢٢٦) . [.....]\n(٢) والمقصود أن حمزة قرأ: «ائتوني» الثانية من الآية هكذا، وإلا فإن الأولى قرأها أبو بكر، عن عاصم «ائتوني»، دون حمزة، فلم يقرأها هكذا.","vol":"3","page":542},{"text":"المناولة، وإِعمالُ القوَّة «والزُّبَر» جمع زُبْرة، وهي القطعة العظيمة منه، والمعنى: فرَصَفَه وبنَاه حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ، وهما الجبلان، وقوله: قالَ انْفُخُوا ... إلى آخر الآية، معناه: أنه كان يأمر بوَضْع طاقة من الزُّبَر والحجارةِ، ثم يوقد عليها حَتَّى تحمَى ثم يؤتَى بالنُّحَاس المُذَاب أو بالرصاص أو بالحديد بحسب الخلافِ في «القِطْر»، فيفرغه على تلك الطاقة المنضَّدة، فإِذا التأم واشتدَّ، استأنَفَ رَصْفَ طاقةٍ أخرى إلى أن استوَى العَمَلُ، وقال أكثر المفسِّرين: «القِطْر»: النُّحَاس المُذَابُ، ويؤيِّد هذا ما روي أنَّ النبيّ ﷺ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّه، إِنِّي رَأَيْتُ سَدَّ يُأْجُوجُ ومَأْجُوجَ، فَقَالَ: كَيْفَ رَأْيْتَهُ؟ قَالَ:\nرَأَيْتُهُ كَالبُرُدِ المُحَبَّر طَريقَةٌ صَفْرَاءُ، وَطَرِيقَةٌ حمراء، وطريقة سوداء، فقال النبيّ ﷺ «قد رأيته» «١» ويَظْهَرُوهُ ومعناه: يعلونه بُصعُودٍ فيه ومنه قوله في «الموطّإ»، و«الشمس في حجرِتها قَبْل أَنْ تَظْهَرَ»، وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْبًا لبُعْد عَرْضه وقوَّته، ولا سبِيلَ سَوى هذين: إما ارتقاءٌ، وإِما نَقْب، وروي أن في طُولَه ما بَيْنَ طرفَيِ الجبلَيْنِ مِائَة فَرْسَخِ، وفي عَرْضه خمسينَ فرسخًا، وروي غير هذا مما لم نَقِفْ على صحَّته، فاختصرناه، إِذ لا غاية للتخرُّص وقوله في الآية انْفُخُوا يريد بالأَكْيَار.\nوقوله: هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي ... الآية: القائل ذو القرنين، وأشار ب هذا إِلى الرَّدْمِ والقوةِ عليه، والانتفاعِ به، والوعدُ يحتملُ أنْ يريد به يوم القيامة، ويحتمل أنْ يريد به وقْتَ خروجِ يأجُوجَ ومأجوج، وقرأ «٢» نافع وغيره: «دَكًّا» مصدر «دَكَّ يَدُكُ»، إِذا هدم ورض، ونَاقةٌ دَكَّاء لا سَنَام لها، والضمير في تَرَكْنا للَّه ﷿.\nوقوله: يَوْمَئِذٍ يحتمل أنْ يريد به يوم القيامة، ويحتمل أنْ يريد به يَوْمَ كمالِ السَّدِّ، والضميرُ في قوله: بَعْضَهُمْ على هذا ليأجوجَ ومأجُوجَ، واستعارة المَوْج لهم عبارةٌ عن الحَيْرة، وتردُّدِ بعضهم في بَعْضٍ، كالمُوَلَّهينَ مِنْ هَمٍّ وخوفٍ ونحوه، فشبَّههم بموجِ البَحْر الذي يضطرب بعضُه في بعض.\nوقوله: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ... إلى آخر الآية: يعني به يومَ القيامة بلا احتمال\n_________\nينظر: «إتحاف» (٢/ ٢٢٧)، و«المحرر الوجيز» (٣/ ٥٤٣)، و«الحجة للقراء السبعة» (٥/ ١٧٧- ١٧٨)، و«معاني القراءات» (٢/ ١٢٦)، و«شرح شعلة» (٤٨٢) .\n(١) ينظر: «تفسير القرطبي» (١١/ ٦٢) .\n(٢) وقرأ بها أبو عمرو، وابن عامر.\nينظر: «السبعة» (٤٠٢)، و«الحجة» (٥/ ١٨٢)، و«إعراب القراءات» (١/ ٤٢٢)، و«حجة القراءات» (٤٣٥)، و«العنوان» (١٢٥)، و«إتحاف» (٢/ ٢٢٨) .","vol":"3","page":543},{"text":"لغيره، والصُّورِ في قول الجمهور وظاهر الأحاديثِ الصِّحَاحِ: هو القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل للقيامة «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-853>[سورة الكهف (١٨): الآيات ١٠٠ الى ١٠٦]</span>\nوَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضًا (١٠٠) الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا (١٠١) أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ إِنَّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا (١٠٢) قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤)\nأُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْنًا (١٠٥) ذلِكَ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (١٠٦)\nوقوله سبحانه: وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضًا معناه/ أبرزناها لَهُمْ لتجمعهم وتحطِّمهم، ثم أكَّد بالمصدر عبارةً عن شدَّة الحال.\nوقوله: أَعْيُنُهُمْ كنايةٌ عن البصائر، والمعنى: الذين كانَتْ فِكَرُهم بينها، وبَيْن ذكري والنَّظَرِ في شَرْعِي- حجابٌ، وعليها غطاءٌ وَكانُوا لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا يريد لإِعراضهم ونِفارهم عن دعوة الحق، وقرأ الجمهور «٢»، «أفَحِسِبَ الَّذِين كَفَرُوا» - بكسر السين- بمعنى «أظَنُّوا» وقرأ علي بن أبي طالب «٣» وغيره وابنُ كَثِير، بخلافٍ عنه:\n«أَفَحَسْبُ» بسكون السين وضمِّ الباء، بمعنى «أَكافِيهِمْ ومنتهى غرضهم»، وفي مصحف ابن مسعود «٤»: «أَفَظَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا» وهذه حجة لقراءة الجمهور.\nوقوله: أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي قال جمهور المفسِّرين: يريد كلَّ مَنْ عُبِدَ من دون اللَّه كالملائكة وعزير وعيسى، والمعنى: أن الأمر ليس كما ظَنُّوا، بل ليس لهم من ولاية هؤلاءِ المذكُورين شيء، ولا يجدون عندهم منتفعا وأَعْتَدْنا معناه: يَسَّرنا، و«النُّزُل» موضع النزول، و«النُّزُل» أيضًا: ما يُقدَّم للضْيفِ أو القادم من الطَّعام عند نزوله، ويحتملُ أنْ يريد بالآية هذا المعنى: أنَّ المعدَّ لهؤلاء بَدَلَ النُّزُلِ جهنَّم، والآية تحتملُ الوجهِينِ، ثم قال\n_________\n(١) تقدم تخريجه.\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٥٤٥)، و«الدر المصون» (٤/ ٤٨٤) .\n(٣) وقرأ بها ابن عباس، وابن يعمر، والحسن، ومجاهد، وعكرمة، وقتادة، ونعيم بن ميسرة، والضحاك، ويعقوب، وابن أبي ليلى.\nينظر: «المحتسب» (٢/ ٣٤)، و«الكشاف» (٢/ ٧٤٩)، و«المحرر الوجيز» (٣/ ٥٤٥)، و«البحر المحيط» (٦/ ١٥٧)، وزاد نسبتها إلى ابن محيصن، وأبي حيوة، والشافعي، ومسعود بن صالح، وينظر: «الدر المصون» (٤/ ٤٨٤)، و«الشواذ» ص: (٨٥) .\n(٤) ينظر: «الكشاف» (٢/ ٧٤٩)، و«المحرر الوجيز» (٣/ ٥٤٥)، و«البحر المحيط» (٦/ ١٥٧) .","vol":"3","page":544},{"text":"تعالى: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا الآية: المعنى قل لهؤلاء الكفرة على جهة التوبيخ: هل نخبركم بالذين خَسِرَ عَمَلُهم، وضَلَّ سعيهم في الحياة الدنيا، وهم مع ذلك يظنُّون أنهم يحسنون فيما يصنعوه، فإِذا طلبوا ذلك، فقل لهم: أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ، وعن سعد بن أبي وقَّاص في معنى قوله تعالى: وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا قال: هُمْ عُبَّاد اليهودِ والنصارى، وأهْلُ الصوامع والدِّياراتِ وعن عَلِيٍّ:\nهم الخوارجُ ويضعِّف هذا كلَّه قولُهُ تعالى بعْدَ ذلك: أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ، وليس هذه الطوائف ممن يكفر باللَّه ولقائه، وإِنما هذه صفة مشركي عَبَدَةِ الأوثان، وعليٌّ وسعْدٌ ﵄، ذكَرا قومًا أَخَذُوا بحظِّهم من صدر الآية «١» .\nوقوله سبحانه: فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْنًا يريد أنهم لا حسنَةَ لهم تُوزَنْ لأن أعمالهم قد حَبِطَتْ، أي: بَطَلَتْ، ويحتمل المجاز والاستعارة، كأنه قال: فلا قَدْرَ لهم عندنا يومئذ، وهذا معنى الآية عندي، وروى أبو هريرة أنّ النبيّ ﷺ قَالَ: «يُؤَتَى بالأكُولِ الشَّرُوبِ الطَّوِيل فَلاَ يَزِنُ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ ثم قَرَأَ: فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْنًا» «٢» وقوله:\nذلِكَ اشارة الى ترك إقامة الوزن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-854>[سورة الكهف (١٨): الآيات ١٠٧ الى ١٠٨]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا (١٠٨)\nوقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ:\nاختلف المفسِّرون في «الفِرْدَوسِ» فقال قتادة: إِنه أعلى الجَنَّةَ وَرَبْوتها «٣»، وقال أبو هريرة:\nإِنه جَبَلٌ تتفجَّر منه أنهارُ الجَنَّة «٤»، وقال أبو أُمَامَةِ: إِنه سُرَّة الجنة ووسطها «٥»، وروى أبو سعيدٍ الخُدْرِيُّ، أنه تتفجَّر منه أنهار الجَنَّة «٦»، وروي عن النبيِّ ﷺ، أنَّهُ قَالَ: «إِذَا سَأَلْتُمْ اللَّهَ فاسألوه الفِرْدَوْس» «٧» .\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٣/ ٥٤٥) .\n(٢) ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٤٥٧)، وعزاه إلى ابن عدي، والبيهقي في «شعب الإيمان» .\n(٣) أخرجه الطبري (٣/ ٢٩٦) برقم: (٢٣٤٠٠)، وذكره البغوي (٣/ ١٨٦)، وذكره ابن عطية (٣/ ٥٤٦) .\n(٤) أخرجه الطبري (٣/ ٢٩٧) برقم: (٢٣٤٠٩)، وذكره ابن عطية (٣/ ٥٤٦) .\n(٥) ذكره ابن عطية (٣/ ٥٤٦)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٤٥٧)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه.\n(٦) أخرجه الطبري (٣/ ٢٩٧) برقم: (٢٣٤٠٩)، وذكره ابن عطية (٣/ ٥٤٦) . [.....]\n(٧) ينظر: الحديث الآتي:","vol":"3","page":545},{"text":"ت: ففي «البخاريِّ» من حديث أبي هريرة عن النبيّ ﷺ/ قال: «إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجَنَّةِ» «١» انتهى.\nوقوله تعالى: لاَ يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا «الحِوَلُ» بمعنى المتحوَّل.\nقال مجاهدٌ: متحوَّلًا «٢»:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-855>[سورة الكهف (١٨): آية ١٠٩]</span>\nقُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِدادًا لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩)\nوأما قوله سبحانه: قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِدادًا لِكَلِماتِ رَبِّي ... الآية: فروي أن سبب الآية أنّ اليهود قالت للنبيّ ﷺ: كَيْفَ تَزْعُمُ أنَّكَ نَبِيُّ الأُمَمِ كُلَّها وأنَّكَ أُعُطِيتَ مَا يَحْتَاجُهُ النَّاسُ مِنَ الْعِلْمِ، وأَنْتَ مُقَصِّرٌ، قَدْ سُئِلْتَ عَنْ الرُّوحِ، فَلَمْ تُجِبْ فيهِ؟، ونحو هذا من القول فأنزل اللَّه الآية مُعْلِمَةً باتساع معلوماتِ اللَّه ﷿، وأنها غير متناهية، وأن الوقوف دونها ليس ببدْعٍ، فالمعنى: لو كان البحْرُ مدادًا تكتب به معلوماته تعالى، لنَفِدَ قبل أنْ يستوفيها، «وكلمات ربِّي» هي المعاني القائمة بالنَّفْس، وهي المعلوماتُ، ومعلوماتُ اللَّهِ ﷿ لا تتناهى والبحر متناهٍ ضرورةً، وذكر الغَزَّالِيُّ في آخر «المنهاج» أن المفسِّرين يقولون في قوله تعالى: لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي، أن هذه هي الكلماتُ التي يقولُ اللَّه ﷿ لأهْلِ الجَنَّةِ في الجَنَّة باللُّطْفِ والإِكرام، مما لا تكيِّفه الأوهام، ولا يِحُيطُ به عِلْمُ مخْلوقِ، وحُقَّ أنْ يكون ذلك كذلك، وهو عطِاءُ العزيز العليم على مقتضى الفَضْل العظيم، والجود الكريمِ، أَلاَ لِمِثْلِ هذا فليعملِ العَامِلُونَ. انتهى.\nوقوله: مَدَدًا، أي زيادة. ت: وكذا فسَّره الهَرَوِيُّ ولفظه: وقوله تعالى:\nوَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَدًا، أي زيادة انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-856>[سورة الكهف (١٨): آية ١١٠]</span>\nقُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٦/ ١٤) كتاب «الجهاد» باب: درجات المجاهدين في سبيل الله، حديث (٢٧٩٠) من حديث أبي هريرة.\n(٢) أخرجه الطبري (٣/ ٢٩٨) برقم: (٢٣٤١٨)، وذكره ابن عطية (٣/ ٥٤٦)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٤٥٨)، وعزاه لابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.","vol":"3","page":546},{"text":"وقوله تعالى: قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أي: أنا بشرٌ ينتهي علْمي إلى حيثُ يوحى إليّ، ومما يوحَى إِليَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا وباقي الآية بيِّن في الشرك باللَّه تعالى، وقال ابن جُبَيْر في تفسيرها لا يرائي في عمله، وقد ورد حديثٌ أنها نزلَتْ في الرياء.\nت: وروى ابن المبارك في «رقائقه»، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن زَيْد بن أسْلَمُ، عن أبيه، أنه كَانَ يَصِفُ أمْرَ الرياء، فيقول: ما كَانَ مِنْ نَفْسِكَ فَرَضِيَتْهُ نَفْسُكَ لها، فإِنه مِنْ نَفْسِكَ فعاتْبها، وما كان مِنْ نَفْسِك، فكرهَتْه نَفْسُك لها، فإنه من الشيطان فتعوَّذْ باللَّه منه، وكان أبو حَازِمٍ يقول ذلك «١»، وأسند ابنُ المبارك عن عبْدِ الرحمن بنِ أبي أُمَيَّة، قال: كُلُّ ما كَرِهَه العَبْد فليس منْه «٢» انتهى، وخرَّج الترمذيُّ عن أبي سعيد بْنِ أبي فَضَالَة الأنصاريِّ، وكان من الصحابة، قال: سَمِعْتُ رسول الله ﷺ يَقُولُ: «إِذَا جَمَعَ اللَّهُ النَّاسَ يَوْمَ القِيَامَةِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ، نَادَى مُنَادٍ: مَنْ كان أشرك في عمل عَمِلَهُ للَّهِ أحَدًا، فَلْيَطْلُبْ ثَوابَهُ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ، فإِنَّ اللَّهَ أَغْنَى الشُّركَاءِ عَنِ الشِّرْكِ» «٣»، قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ انتهى، وقد خرَّج مسلم معناه.\nت: ومما جَّربته، وصحَّ من خواصِّ هذه السورة، أنَّ من أراد أن يستيقظ أيَّ وقتٍ شاء من الليل، فليقرأ عند نومه قولَهُ سبحانه: أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي/ مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ ... إلى آخر السورة، فإنه يستيقظُ بإِذن اللَّه في الوقْت الذي نَوَاهُ، ولتكُنْ قراءته عند آخر ما يَغْلِبُ عليه النُّعَاس بحيث لا يتجدَّد له عقب القراءة خواطِرُ، هذا مما لا شَكَّ فيه، وهو من عجائب القرآن المقطوعِ بها، واللَّه الموفِّق بفضله.\nتنبيهٌ: رُوِّينا في «صحيح مسلم»، عن جابر ﵁ قال: سَمِعْتُ النبيَّ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ في اللَّيلِ لسَاعَةً لا يُوَافِقُهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ يَسْأَلَ اللَّهَ خَيْرًا مِنْ أَمْر الدُّنْيَا والآخِرَةِ إِلاَّ أَعْطَاهُ إِيَّاهُ» «٤»، وذلِكَ كُلَّ لَيَلةٍ، فإِن أردتَّ أن تعرف هذه الساعة، فاقرأ عند نومك من قوله\n_________\n(١) أخرجه ابن المبارك في «الزهد» ص: (٢٨٧) برقم: (٨٣١) .\n(٢) أخرجه ابن المبارك في «الزهد» ص: (٢٨٧) برقم: (٨٣٢) .\n(٣) أخرجه الترمذي (٥/ ٣١٤) كتاب «التفسير» باب: ومن سورة الكهف، حديث (٣١٥٤)، وابن ماجه (٢/ ١٤٠٦) كتاب «الزهد» باب: الرياء والسمعة، حديث (٤٢٠٣)، وأحمد (٣/ ٤٦٦)، وابن حبان (٢٤٩٩- موارد)، والدولابي في «الكنى» (١/ ٣٥)، والطبراني في «الكبير» (٢٢/ ٣٠٧) برقم: (٧٧٨) .\nوقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وصححه ابن حبان.\n(٤) أخرجه مسلم (٣/ ٨٤- الأبي) كتاب «صلاة المسافرين» باب: في الليل ساعة مستجاب فيها الدعاء، حديث (١٦٦- ١٧٦/ ٧٥٧) من حديث جابر، وأخرجه أحمد (٣/ ٣١٣) .","vol":"3","page":547},{"text":"تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ إلى آخر السورة، فإِنك تستيقظ في تلك الساعة- إن شاء اللَّه تعالى- بفضله، ويتكرَّر تَيَقُّظَكَ، ومهما استيقظْتَ، فادْعُ لي ولك، وهذا مما ألهمنيه اللَّهُ سبحانه، فاستفِدْه، وما كتبته إلاّ بَعْدَ استخارة، وإِياك أن تدعُوَ هنا على مُسْلِمٍ، ولو كان ظالمًا، فإن خالفتَني، فاللَّه حَسِيبُكَ وبَيْن يديه أكونُ خصيمَكَ، وأنا أرغَبُ إِليك أنْ تشركني في دعائِكَ، إِذ أفدتُّكَ هذه الفائدةَ العظيمةَ وكُنْتُ شيخَكَ فيها، وللقرآن العظيم أسرارٌ يُطْلِعُ اللَّه عليها من يشاء مِنْ أوليائه، جَعَلَنَا اللَّه منْهم بفَضْله، وصلَّى اللَّه على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما.\nتم بحمد الله وحسن توفيقه الجزء الثالث من تفسير الثعالبي ويليه الجزء الرابع وأوله:\nسورة مريم ولله الحمد والمنه","vol":"3","page":548},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-857>محتوى الجزء الثالث من تفسير الثعالبي</span>\nالأعراف ٥ الأنفال ١١٢ التوبة ١٦١ يونس ٢٣٣ هود ٢٧١ يوسف ٣١٠ الرعد ٣٥٨ إبراهيم ٣٧٤ الحجر ٣٩٣ النحل ٤١٠ الإسراء ٤٤٩ الكهف ٥٠٥","vol":"3","page":549},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-858>[الجزء الرابع]</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-859>تفسير سورة مريم</span>\nهذه السورة مكية بإجماع إلّا السجدة منها، فقيل: مكيّة.\nوقيل: مدنيّة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-860>[سورة مريم (١٩): الآيات ١ الى ١١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nكهيعص (١) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢) إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا (٣) قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤)\nوَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (٦) يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (٧) قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨) قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (٩)\nقالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا (١٠) فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (١١)\nقوله ﷿: كهيعص قد تقدَّمَ الكلامُ في فواتح السوَرِ.\nوقوله: ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ مرتَفِعٌ بقولهِ: كهيعص في قَوْلِ فرقَةٍ.\nوقيل: إنَّهُ ارتفعَ على أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدأ محذوفٍ تَقْديرُهُ: هذا ذكر، وحكَى أبو عمرو الدَّانِي عن ابن يعمر «١» أَنَّه قرأ: «ذَكِّر رَحْمَة رَبِّكَ»: بفتح الذَّالِ، وكسر الكافِ المشدَّدة، ونصبِ الرَّحمة.\nوقوله نادى: مَعناه بالدُّعَاءِ والرغبَةِ قاله ابنُ العربيِّ في «أحكامه» «٢» .\nوقوله تعالى: إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا: يناسِبُ قَوْلَهْ: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً. [الأعراف: ٥٥] .\nوفي «الصحيح» عن النبي ﷺ أَنه قَال: «خيرُ الذَّكْرِ الخفيُّ، وخيرُ الرِّزقِ ما يكفي» «٣»\n_________\n(١) ينظر «مختصر الشواذ» ص (٨٦)، و«المحرر الوجيز» (٤/ ١٤)، و«البحر المحيط» (٦/ ١٦٣)، و«الدر المصون» (٤/ ٤٩٠) .\n(٢) ينظر: «أحكام القرآن» (٣/ ١٢٥٠) .\n(٣) تقدم تخريجه.","vol":"4","page":5},{"text":"وذلك لأَنَّهُ أَبْعَدُ مِن الرياء، فأَمَّا دُعاءُ زكرياء ﵇ فإنما كان خفيًّا لوجهين:\nأَحدُهُما: أَنَّهُ كان ليلًا.\nوالثاني: أَنَّهُ ذَكَرَ في دُعَائه أَحوالًا تفتقرُ إلى الإخفَاءِ كَقَوْلِهِ: وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي. وهذا مما يكتم. انتهى.\nووَهَنَ الْعَظْمُ معناه ضَعُفَ، واشْتَعَلَ مُسْتَعَارٌ للشيْب منِ اشتعال النَّار.\nوقولهُ: وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا شكر لله﷿- على سالف أياديه عنده، معناه: قد أَحسنتَ إليَّ فيما سلَف، وسعدتُ بدعائي إيَّاك فالإنعامُ يقتضي أَنْ يشفع أَوله آخره.\nت: وكذا فسَّر الدَّاوُودِيُّ، ولفظه: «ولم أَكنْ بدُعائِك رَبِّ شقيًّا»، يقولُ: كنْتَ تعرفني الإجابَة فيما مضى، وقاله قتادةُ: انتهى.\nوقوله: وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ ... الآية، قيل: معناه خاف أَن يرثَ الموَالي مَالَهُ، والموالي: بنو العمّ، والقرابةُ.\nوقولُه مِنْ وَرائِي أَيْ: من بعدي.\nوقالت فرقةٌ: إنما كان مواليه مهمِلينَ للدِّين فخاف بموته أَنْ يضَيع الدينُ فطلب وليًّا يقومُ بالدين بعده حَكَى هذا القولَ: الزَّجَّاجُ، وفيه: أَنه لا يجوزُ أَن يسأل زَكَرِيَّاءُ من يرث ماله إذ الأَنبيَاءِ لا تُورَثُ.\nقال: ع «١»: وهذا يُؤَيّده قوله «٢» ﷺ: «إنَّا مَعْشَرَ الأَنْبِيَاءِ لاَ نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا فَهُو صَدَقَة» «٣» . والأَظهرُ الأَلْيق بزكرياء ﵇ أَن يريدَ وِرَاثةَ العِلْم والدِّينِ، فتكون الوارثةُ\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٤- ٥) .\n(٢) في ج: قول النبي.\n(٣) أخرجه البخاري (٦/ ٢٢٧- ٢٢٨) كتاب «فرض الخمس»: باب فرض الخمس، حديث (٣٠٩٤)، (٧/ ٣٨٩) كتاب المغازي باب حديث لبني النضير، حديث (٤٠٣٣)، (٩/ ٤١٢- ٤١٣) كتاب «النفقات»:\nباب حبس الرجل قوت سنة على أهله، حديث (٥٣٥٨)، (١٣/ ٢٩٠- ٢٩١) كتاب «الاعتصام بالكتاب والسنة»: باب ما يكره من التعمق والتنازع والغلو في الدين والبدع، حديث (٧٣٠٥)، ومسلم (٣/ ١٣٧٧- ١٣٧٩) كتاب «الجهاد»: باب حكم الفيء، حديث (٤٩/ ١٧٥٧)، وأبو داود (٢/ ١٥٤- ١٥٦) كتاب «الخراج»: باب في صفايا رسول الله ﷺ من الأموال، حديث (٢٩٦٣)، والترمذي (٤/ ١٥٨) كتاب «السير»: باب ما جاء في تركة رسول الله ﷺ، حديث (١٦١٠)، وفي «الشمائل» (٢١٦)، -","vol":"4","page":6},{"text":"مستعارةً، وقد بلغه الله أَمَلَهُ.\nقال ابنُ هشام: ومِنْ وَرائِي متعلّقٌ ب الْمَوالِيَ، أو بمحذوفٍ هو حالٌ من «١» الموالي، أو مُضَاف إليهم، أَيْ: كائِنِينَ مِنْ وَرَائي، أو فعَل الموالي مِنْ ورائي، ولا يصحّ تعلقه ب «خِفْتُ» لفساد المعنى. انتهى من «المغني» .\nوخِفْتُ الْمَوالِيَ هي قراءةُ الجمهور «٢»، وعليها هو هذا التفسير.\nوقرأ عثمانُ بنُ عَفَّانَ، وزيدُ بنُ ثابتٍ، وابنُ عباسٍ «٣»، وجماعةٌ «خَفَّتِ» بفتح الخاء، وفتح الفاء وشدِّها، وكَسْر التَّاء، والمعنى على هذا: قد انقَطَع أَوْلِيَائِي، وماتُوا، وعلى هذه القراءة، فإنما طلب وَليَّا يقوم بالدين.\nقال ابنُ العربي «٤» في «أحكامه»: ولم يخف زكرياءُ وارث المال، وإنما أراد إرث\n_________\n- وعبد الرزاق (٩٧٧٢)، وأبو يعلى (١/ ١٢، ١٣) رقم: (٢، ٤)، وابن حبان في «صحيحه» (٨/ ٢٠٧- الإحسان) حديث (٦٥٧٤)، والبيهقي (٦/ ٢٩٧)، والبغوي في «شرح السنة» (٥/ ٦٣١، ٦٣٢- بتحقيقنا) كلهم من طريق الزهري عن مالك بن أوس بن الحدثان عن عمر بن الخطاب به، وفيه قصة طويلة.\nوأخرجه مالك (٢/ ٩٩٣) كتاب الكلام: باب ما جاء في تركة النبي ﷺ، حديث (٢٧)، والبخاري (١٢/ ٧، ٨) كتاب «الفرائض»: باب قول النبي ﷺ: «لا نورث، ما تركنا صدقة» حديث (٦٧٢٧، ٦٧٣٠)، ومسلم (٣/ ١٣٧٩) كتاب «الجهاد والسير»: باب قول النبي ﷺ «لا نورث، ما تركنا فهو صدقة» حديث (٥١/ ١٧٥٨)، وأبو داود (٢/ ١٦٠، ١٦١) كتاب «الخراج والفيء والإمارة»: باب في صفايا رسول الله ﷺ من الأموال، حديث (٢٩٧٦، ٢٩٧٧)، والنسائي (٧/ ١٣٢) كتاب «قسم الفيء»، وأحمد (٦/ ١٤٥، ٢٦٢)، وعبد الرزاق (٩٧٧٤)، وابن الجارود في «المنتقى» رقم (١٠٩٨)، وابن حبان (٨/ ٢٠٩- الإحسان) رقم (٦٥٧٧)، «والبيهقي» (٦/ ٢٩٧، ٢٩٨) كلهم من طريق الزهري عن عروة بن الزبير عن عائشة قالت: إن أزواج النبي ﷺ حين توفي رسول الله ﷺ أردن أن يبعثن عثمان بن عفان إلى أبي بكر، فيسألنه ميراثهن من النبي ﷺ، قالت عائشة لهنّ: أليس قد قال رسول الله ﷺ: «لا نورث، ما تركنا فهو صدقة»؟! وفي بعض طرق الحديث أن راوي هذا الحديث هو أبو بكر. [.....]\n(١) لأنه في الأصل صفة للنكرة، فقدّم عليها.\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٥)، «والبحر المحيط» (٦/ ١٦٥)، «والدر المصون» (٤/ ٤٩١) .\n(٣) وقرأ بها محمد بن علي، وعلي بن الحسن، وسعيد بن العاص، وابن يعمر، وسعيد بن جبير، وشبيل بن عزرة.\nينظر: «مختصر الشواذ» ص (٨٦)، و«المحتسب» (٢/ ٣٧)، «والكشاف» (٣/ ٤)، «والمحرر الوجيز» (٤/ ٥)، «والبحر المحيط» (٦/ ١٦٥)، وزاد نسبتها إلى الوليد بن مسلم عن ابن عامر.\nوهي في «الدر المصون» (٤/ ٤٩١) .\n(٤) ينظر: «أحكام القرآن» (٣/ ١٢٥٠) .","vol":"4","page":7},{"text":"النبوة، وعليها خاف أَن تخرج عن عَقِبه، وصح عن النبي ﷺ أَنه قال: «إنَّا- معَاشِرَ الأَنْبِيَاءِ- لاَ نُورَثُ، مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَة» «١» انتهى.\nوقرأ عليُّ بنُ أَبي طَالِبٍ، وابنُ عباسٍ، وغيرُهما﵃- «يرِثُنِي وَارِثٌ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ «٢»» .\nت: وقوله: فَهَبْ لِي قال ابنُ مَالكٍ في «شرح الكافية» اللامُ هنا: هي لامُ التعدِيَة وقاله ولدُه في «شرح الخلاصة» .\nقال ابنُ هشام: والأولى عندي أن يمثل للتعدية بنحو: ما أكرم زيدًا لعمرو، وما أحبه لبكر، انتهى.\nوقوله: مِنْ آلِ يَعْقُوبَ يريد يرث منهم الحكمة/ والعلم، والنبوة، ورَضِيًّا معناه: مرضيّا، والعاقر من النساء التي لا تلد من غير كبرة، وكذلك العاقرُ من الرجال.\nوقوله: لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا معناه في اللغة: لم نجعل له مُشَارِكًا في هذا الاسم، أي: لم يسم به قبل يحيى، وهذا قول ابن عباس «٣» وغيره.\nوقال مجاهدُ «٤» وغيره: سَمِيًّا معناه: مئيلا، ونظيرا، وفي هذا بعد: لأنه لا\n_________\n(١) ينظر الحديث السابق.\n(٢) وبها قرأ عاصم الجحدري، وابن يعمر، وأبو حرب بن أبي الأسود، والحسن، وقتادة، وأبو نهيك، وجعفر بن محمد.\nقال أبو الفتح: هذا ضرب من العربية غريب، ومعناه التجريد، وذلك أنك تريد: فهب لي من لدنك وليّا يرثني منه أو به وارث من آل يعقوب.\nوهو الوارث نفسه، فكأنه جرد منه وارثا. ومثله قول الله تعالى: لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ [فصلت: ٢٨]، فهي نفسها دار الخلد، فكأنه جرد من الدار دارا، وعليه قول الأخطل: [الطويل]\nبنزوة لصّ بعد ما مر مصعب ... بأشعث لا يفلى ولا هو يقمل\nومصعب نفسه هو الأشعث، فكأنه استخلص منه أشعث. ا. هـ.\nينظر: «المحتسب» (٢/ ٣٨)، «ومختصر الشواذ» (٨٦)، و«الكشاف» (٣/ ٥)، «والمحرر الوجيز» (٤/ ٥)، «والبحر المحيط» (٦/ ١٦٥)، «والدر المصون» (٤/ ٤٩٢)،\n(٣) ذكره ابن عطية (٤/ ٦)، والسيوطي (٤/ ٤٦٨) وعزاه إلى الفريابي، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم عن ابن عباس.\n(٤) أخرجه الطبريّ (٨/ ٣٠٩) برقم: (٢٣٥٠٥)، وذكره ابن عطية (٤/ ٦)، وابن كثير (٣/ ١١٢)، والسيوطي (٤/ ٤٦٨) .","vol":"4","page":8},{"text":"يفضل على إبرَاهِيم وموسى ﵉ إلا أن يفضل في خاص كالسودد «١»، والحصر.\nوالعتي، والعُسِيُّ: المبالغة في الكبر، أو يُبْس العود، أو شيْب الرأس، أو عقيدة ما، وزكرياء: هو من ذرية هارون﵉- ومعنى قوله: سَوِيًّا فيما قال الجمهور، صحيحًا من غير عِلَّة، ولا خرس.\nوقال ابن عباس: ذلك عائدٌ على الليالي، أراد: كاملات مستويات «٢» .\nوقوله: فَأَوْحى إِلَيْهِمْ قال قتادة «٣»، وغيره: كان ذلك بإشارة.\nوقال مجاهد «٤»: بل بكتابة في التراب.\nقال ع «٥»: وكِلاَ الوجهين وَحْي.\nوقوله: أَنْ سَبِّحُوا قال قتادة: معناه صلوا السُّبْحة، والسُّبحةْ: الصلاة «٦»، وقالت فرقة: بل أَمرهم بذكر الله، وقول: سبحان الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-861>[سورة مريم (١٩): الآيات ١٢ الى ١٦]</span>\nيا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢) وَحَنانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكاةً وَكانَ تَقِيًّا (١٣) وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (١٤) وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (١٥) وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكانًا شَرْقِيًّا (١٦)\nوقوله﷿-: [يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ] المعنى: قال اللهُ له: يا يحيى] «٧» خذ الكتابَ، وهو التوراةُ، وقوله: بِقُوَّةٍ أَيْ: العلم به، والحفظ له، والعمل به، والالتزام للوازمه.\n_________\n(١) السودد: الشرف، وقد يهمز وتضم الدال.\nينظر: «لسان العرب» (٢١٤٤) .\n(٢) ذكره ابن عطية (٤/ ٧) .\n(٣) ذكره ابن عطية (٤/ ٧) .\n(٤) أخرجه الطبريّ (٨/ ٣١٤) رقم (٢٣٥٣٩)، وذكره ابن عطية (٤/ ٧)، والبغوي (٣/ ١٩٠)، وابن كثير (٣/ ١١٣) .\n(٥) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٧) .\n(٦) ذكره ابن عطية (٤/ ٧) . [.....]\n(٧) سقط في ج.","vol":"4","page":9},{"text":"وقوله: صَبِيًّا يريد: شابًا لم يبلُغْ حدّ الكهولة، ففي لفظ صبي على هذا، تجوّزٌ، واستصحابُ حال.\nوروى مَعْمَرُ أَنَّ الصِّبْيَانَ دعوا يحيى إلى اللَّعب، وهو طِفْل، فقال: إني لم أُخلقْ للعب، فتلك الحِكْمة الَّتي آتاه الله ﷿ وهو صَبِيٌّ «١»، وقال ابن عباس: من قرأ القرآن قبل أن يحتلم، فهو ممن أوتي الحِكْمة صَبِيًّا «٢» . «والحنان»: الرحمةُ، والشفقةُ، والمحبّة قاله جمهورُ المفسرين، وهو تَفْسِير اللغة ومن الشواهد في «الحَنَان» قولُ النابغة:\n[الطويل]\nأَبَا مُنْذِرٍ، أَفْنَيْتَ فاستبق بَعْضَنَا ... حَنَانَيْكَ بْعْضُ الشَّرِّ أَهْوَنُ مِنْ بَعْضِ «٣»\nوقال عطاء بن أبي رباح: حَنانًا مِنْ لَدُنَّا بمعنى تعظيمًا مِنْ لدنا «٤» .\nقال ع «٥»: وهو أَيضًا ما عظم من الأمر لأجل الله ﷿ ومنه قول زيد بن عمرو بن نُفَيْل في خبر بِلاَلٍ: واللهِ، لَئِنْ قَتَلْتُمْ هَذَا العَبْدَ لاَتَّخَذْنَ قَبْرَهُ حَنَانًا «٦» .\nقال أَبو عبيدة: وأَكْثَر ما يُسْتَعمل مثنى. انتهى، والزكاةُ التنميةُ، والتَّطْهير في وُجُوه الخير.\nقال مجاهدٌ: كان طعامُ يَحْيَى العُشب، وكان للدمع في خَدّه مجار ثابتة، وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا «٧»، روي أن يحيى ﵇ لم يواقع معصية قَطُّ صغيرة ولا كبيرة، والبَر كثير البرّ، والجبار: المُتكبّر، كأَنه يجبر الناس على أخلاقه.\n_________\n(١) أخرجه الطبريّ (٨/ ٣١٥) برقم: (٢٣٥٤٨)، وذكره ابن عطية (٤/ ٧)، وابن كثير (٣/ ١١٣)، والسيوطي (٤/ ٤٧٠)، وعزاه لأحمد في «الزهد»، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والخرائطي، وابن عساكر عن معمر بن راشد.\n(٢) ذكره ابن عطية (٤/ ٧)، والبغوي (٣/ ١٩٠) والسيوطي (٤/ ٤٧٠)، وعزاه لابن مردويه، والبيهقي في «شعب الإيمان» عن ابن عباس مرفوعا، وأخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس موقوفا.\n(٣) البيت لطرفة بن العبد في «ديوانه» ص (٦٦)، و«الدرر» (٣/ ٦٧)، و«الكتاب» (١/ ٣٤٨)، و«ولسان العرب» (١٣/ ١٣٠) (حنن)، و«همع الهوامع» (١/ ١٩٠)، وبلا نسبة في «جمهرة اللغة» ص (١٢٧٣)، و«شرح المفصّل» (١/ ١١٨)، و«والمقتضب» (٣/ ٢٢٤) .\n(٤) أخرجه الطبريّ (٨/ ٣١٦) رقم (٢٣٥٥٩)، وذكره ابن عطية (٣/ ١١٣) .\n(٥) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٧) .\n(٦) ذكره ابن عطية (٤/ ٧) .\n(٧) ذكره ابن عطية (٤/ ٨) .","vol":"4","page":10},{"text":"وقوله: وَسَلامٌ عَلَيْهِ\nقال الطَّبرِيُّ «١»، وغيرُه: معناه وأَمانٌ عليه.\nقال ع «٢»: والأَظهرُ عندي: أَنها التّحيةُ المتعارفة، فهي أَشرف وأَنبه من الأَمان لأَن الأَمان متحصَّلٌ له بنفي العِصْيان عنه، وهو أَقلّ درجاته، وإنما الشرف في أن سلم اللهُ عليه، وحيَّاه في المواطن الَّتي الإنسان فيها في غاية الضعْفِ، والحاجةِ، وقلَّةِ الحيلة.\nوَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ\n، الكتاب: هو القُرْآنُ، والاِنْتباذ: التنحِّي.\nقال السُّدِّيُّ: انتبذت لتطهر من حيض «٣»، وقال غيره: لتعبد الله ﷿.\nقال ع «٤»: وهذا أحْسن.\nوقوله: شَرْقِيًّا\nيريد: في جهة الشرق من مساكن أهلها، وكانوا يعظمون جهة المَشْرق قاله الطبري.\nوقال بعضُ المفسرين: اتخذت المكان بشرقي المحراب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-862>[سورة مريم (١٩): الآيات ١٧ الى ١٩]</span>\nفَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجابًا فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا (١٧) قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨) قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا (١٩)\nوقوله سبحانه: فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجابًا\n، أيْ: لتستتر به عن الناس لعبادتها.\n«والروح»: جبريلُ ﵇.\nوقوله تعالى: قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا\n، المعنى: قالت مريمُ للملك الذي تمثل لها بشرًا، لما رأَتْهُ قد خرق الحِجَاب/ الَّذي اتخذته فأساءت به الظن: ٢ ب أعوذ بالرحمن منك إن كنت ذا تُقًى، فقال لها جبريلُ ﵇: إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا.\n_________\n(١) ينظر «الطبريّ» (٨/ ٣١٨) .\n(٢) ينظر «المحرر الوجيز» (٤/ ٨) .\n(٣) أخرجه الطبريّ (٨/ ٣١٩) برقم (٢٣٥٧٢)، وذكره ابن عطية (٤/ ٩)، وابن كثير (٣/ ١١٤) بمعناه.\n(٤) ينظر «المحرر الوجيز» (٤/ ٩) .","vol":"4","page":11},{"text":"وقرأ أَبو عمرو «١» ونافعٌ بخلاف عنه «لِيَهَبَ» «٢» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-863>[سورة مريم (١٩): الآيات ٢٠ الى ٢٣]</span>\nقالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠) قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (٢١) فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكانًا قَصِيًّا (٢٢) فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (٢٣)\nقالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا، والبغي: الزانية، وروي: أن جبريلَ﵇- حين قاولها هذه المقاولة، نفخ في جيب دِرْعها فسرت النفخة بإذن الله تعالى حتَّى حملت منها قاله وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، وغيرُهُ «٣» .\nوقال أُبيُّ بنُ كَعْبٍ «٤»: دخل الروح المنفوخُ من فمها فذلك قوله تعالى:\nفَحَمَلَتْهُ أي: فحملت الغلام، ويذكر أَنها كانت بنت ثلاث عشرة سنة، فلمَّا أحسَّت بذلك، وخافت تعنيفَ الناس، وأَن يُظنَّ بها الشَّرُ انْتَبَذَتْ\nأيْ: تنحت مكانًا بعيدًا حياء وفرارا على وجهها، وفَأَجاءَهَا معناه: اضطرّها، وهو تعدية [جاء] بالهمزة.\nوالْمَخاضُ: الطّلْقُ، وشدةُ الولادة، وأَوْجَاعُها، وروي: أَنّها بلغت إلى موضعٍ كان فيه جِذْع نخلة بالٍ يابس، في أَصْله مِذْود بقرة، على جرية ماء، فاشتدَّ بها الأَمْرُ هنالك، واحتضنت الجِذْع لشدة الوجع، وولدت عيسى ﵇ فقالت عند ولادتها لما رأته من صعُوبة الحال من غير ما وجه: يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا فتمنت الموتَ من جهة الدّين أَن يُظَنّ بها الشر، وخوفَ أَن تُفْتَتَن بتعْيِير قومها، وهذا مُباحٌ وعلى هذا الحدّ تمناه عمر﵁-.\n_________\n(١) وأما قراءتهما، فإنهما أسندا الفعل إلى ضمير «ربك»، فكأنه قال: «ليهب الله «أو ربك» لك»، ولم يكن جبريل الذي يهب بل الله سبحانه.\nوأما قراءة الباقين، فقد أسندوا الفعل للمتكلم، والهبة لله سبحانه، ومنه أمر الرسول والوكيل قد يسندان هذا النحو إلى أنفسهم وان كان الفعل للمرسل والموكل.\nينظر: «السبعة» (٤٠٨)، و«الحجة» (٥/ ١٩٥)، و«اعراب القراءات» (٢/ ١٤)، و«معاني القراءات» (٢/ ١٣٢)، و«حجة القراءات» (٤٤٠) و«شرح الطيبة» (٥/ ٣٠)، و«العنوان» (١٢٦)، و«شرح شعلة» (٤٨٥)، و«إتحاف» (٢/ ٢٣٤) .\n(٢) في ج: لأهب. [.....]\n(٣) أخرجه الطبريّ (٨/ ٣٢٢) برقم (٢٣٥٩١)، وذكره ابن عطية (٤/ ١٠) .\n(٤) ذكره ابن عطية (٤/ ١٠)، والبغوي (٣/ ١٩٢) .","vol":"4","page":12},{"text":"وَكُنْتُ نَسْيًا أيْ: شَيْئًا مَتْرُوكًا محتقرًا، والنَّسِيُّ في كلام العرب الشيءُ الحقير الذي شأنه أَن يُنْسَى، فلا يُتَأَلَّمُ لفقده كالوتد، والحبل للمسافر، ونحوه.\nوهذه القصةُ تقتضي أَنها حملت واستمرَّت حامِلًا على عُرْف البشر، واستحْيَتْ من ذلك ومرّت بسببه، وهي حاملٌ، وهو قولُ جمهور المتأوِّلين.\nوروى عن ابن عباسٍ أَنه قال: ليس إلا أَن حملت، فوضعت في ساعةٍ واحدة والله أعلم «١» .\nوظاهر قوله: فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ أنها كانت على عرف النساء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-864>[سورة مريم (١٩): الآيات ٢٤ الى ٢٨]</span>\nفَناداها مِنْ تَحْتِها أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦) فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (٢٧) يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨)\nوقولُهُ سبحانه: فَناداها مِنْ تَحْتِها قرأ ابنُ كَثِير، وأبو عَمْرو، وابن عامرٍ، وعَاصِمٌ «٢»: «فناداها مَنْ تحتها» على أَن «مَنْ» فاعل بنادى، والمراد بِ «مَنْ» عيسى قاله مجاهدٌ، والحسنُ، وابن جبير، وأبي بن كعب «٣» .\n_________\n(١) أخرجه الطبريّ (٨/ ٣٢٥) برقم (٢٣٦٠٥)، وذكره ابن عطية (٤/ ١١)، والبغوي (٣/ ١٩٢)، وابن كثير (٣/ ١١٦) .\n(٢) إنما قرأها عاصم هكذا من رواية أبي بكر، وإلا فهي من رواية حفص المشهورة مثل الباقين «من تحتها» .\nوحجة هؤلاء أنه روي عن أبيّ قال: الذي خاطبها هو الذي حملته في جوفها.\nوحجة الباقين ما روي عن ابن عباس أنه قال: «من تحتها»: جِبْرِيلُ، ولم يتكلم عيسى حتى أتت به قومها.\nينظر: «السبعة» (٤٠٨- ٤٠٩)، و«الحجة» (٥/ ١٩٧)، و«إعراب القراءات» (٢/ ١٦)، و«معاني القراءات» (٢/ ١٣٣)، و«شرح الطيبة» (٥/ ٣٢)، و«العنوان» (١٢٦)، و«شرح شعلة» (٤٨٥)، و«حجة القراءات» (٤٤١)، و«إتحاف» (٢/ ٢٣٥) .\n(٣) أخرجه الطبريّ (٨/ ٣٢٧) عن مجاهد برقم (٢٣٦٢٦)، والحسن برقم (٢٣٦٣١)، وابن جبير برقم (٢٣٦٣٣)، وأبي بن كعب (٢٣٦٣٥)، وذكره ابن عطية (٤/ ١١)، والبغوي (٣/ ١٩٢) عن مجاهد والحسن، وابن كثير (٣/ ١١٧) عن مجاهد، والحسن، وسعيد بن جبير، والسيوطي (٤/ ٤٨٢) وعزاه لعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد.\nوالثاني: عزاه لعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن الحسن.\nوالثالث: عزاه لابن المنذر عن أبي بن كعب.","vol":"4","page":13},{"text":"وقال ابن عباس: المراد ب «مَنْ» جِبْرِيلُ، ولم يتكلم عيسى حتى أتت به قومها «١» .\nوالقول الأولُ أَظهر وأبْيَنُ، وبه يتبيّن عُذْر مريم، ولا تبقى بها استرابة.\nوقرأ نافعٌ، وحمزةُ، والكِسَائِيُّ، وحَفْصٌ عن عَاصِمٍ: «مِنْ تَحْتِهَا» بكسر الميم، واختلفوا أَيضًا فقالت فرقةٌ: المرادُ عيسى، وقالت فِرْقَةٌ: المراد جِبْرِيلُ المحاور لها قَبْلُ.\nقالوا: وكان في بُقْعة أَخفضَ من البُقْعة الَّتي كانت هي عليها والأَول أَظهَرُ.\nوقرأ ابنُ عباس «٢»: «فَنَادَاهَا مَلَكٌ مِن تَحْتِهَا» .\nوالسَّرِيُّ: من الرجال العظيمُ السيّد، والسري: أَيضًا الجدولُ مِنَ الماء وبحسَبِ هذا اختلف النّاسُ في هذه الآية.\nفقال قتادةُ، وابنُ زيدٍ: أَراد جعل تحتك عَظِيمًا من الرجال، له شأنٌ «٣» .\nوقال الجمهورُ: أَشار لها إلى الجَدْول، ثم أَمرها بهز الجِذْع اليابِس لترى آيَةً أُخْرى.\nوقالت فرقةٌ: بل كانت النخْلة مطعمة رطبًا، وقال السُّدِّيُّ: كان الجِذْع مقطوعًا، وأجري تحتها النهر لحينه «٤» .\nقال ع «٥»: والظاهر من الآية: أَن عيسى هو المكلِّم لها، وأَن الجِذْع كان يَابِسًا فهي آيات تسليها، وتسكن إليها.\nقال ص: قوله: وَهُزِّي إِلَيْكِ تقرر في عِلْم النحو أَن الفِعْل لا يتعدَّى إلى ضمير مُتّصلٍ، وقد رفع المتصل، وهما لمدلول واحد، وإذا «٦» تقرر هذا ف «إِليك» لا يتعلق ب «هُزِّي»، ولكن يمكن أَن يكون «إلَيْك» حالًا من جِذْع النخلة فيتعلَّق بمحذْوفٍ أَيْ: هزي بجذْع النخلة مُنْتهيًا إليك. انتهى.\n_________\n(١) أخرجه الطبريّ (٨/ ٣٢٧) برقم (٢٣٦٢٥)، وذكره ابن عطية (٤/ ١١)، والبغوي (٣/ ١٩٢)، وابن كثير (٣/ ١١٧)، والسيوطي (٤/ ٤٨٢)، وعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس.\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ١١)، و«البحر المحيط» (٦/ ١٧٣) .\n(٣) أخرجه الطبريّ (٨/ ٣٣٠) عن قتادة برقم (٢٣٦٥٦)، وابن زيد برقم (٢٣٦٥٧)، وذكره ابن عطية (٤/ ١١)، وابن كثير (٣/ ١١٧) .\n(٤) أخرجه الطبريّ (٤/ ٣٣٠) برقم (٢٣٦٦٢)، وابن عطية (٤/ ١١) .\n(٥) ينظر «المحرر الوجيز» (٤/ ١١- ١٢) .\n(٦) في ج: تقدر.","vol":"4","page":14},{"text":"والباء في قوله: بِجِذْعِ: زائدة مؤكّدة، وجَنِيًّا: معناه: قد طابت/ وصلحت ٣ أللاجتناء، وهو من جَنَيْتُ الثمرةَ.\nوقال عَمْرُو بْنُ مَيْمُون «١»: ليس شيءٌ للنُّفَسَاءِ خيرًا من التَّمر، والرُّطَب.\nوقرةُ العَيْن مأْخُوذةَ من القُرِّ وذلك، أَنَّهُ يحكى: أَن دمعَ الفرح باردُ المسِّ، ودمعَ الحُزْن سخن المس «٢»، وقِيلَ: غير هذا.\nقال ص: وَقَرِّي عَيْنًا أَيْ: طِيبي نفسًا. أَبو البَقَاءِ: «عينًا» تمييز. اهـ.\nوقوله سبحانه: فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا ... الآية، المعنى: أن الله ﷿ أمرها على لسان جِبْرِيلَ ﵇ أو ابنها على الخلاف المتقدم: بأن تُمْسك عن مخاطبة البشر، وتحيل على ابنها في ذلك ليرتفع عنها خجلها، وتبين الآية فيقوم عذرها.\nوظاهر الآية: أَنها أُبِيح لها أن تقولَ مضمن هذه الألفاظ الّتي في الآية وهو قول الجمهور.\nوقالت فرقة: معنى فَقُولِي بالإشارة، لا بالكلام.\nقال ص: وقولُه: فَقُولِي جوابُ الشرط، وبينهما جملةٌ محذوفةٌ يدل عليها المعنى أيْ فَإمَّا تَرَيِنَّ مِنَ البَشَرِ أَحدًا، وسألك أو حاورك الكلام، فقولي. انتهى.\nوصَوْمًا معناه عن الكلام إذ أَصلُ الصوم الإمساكُ.\nوقرأَتْ فرقةٌ: «إني نَذَرْتُ للرحمن صَمْتًا» ولا يجوز في شَرْعِنا نذرُ الصمتِ فروي:\nأَن مريم ﵍ لمَّا اطمأنَّت بما رأت مِنَ الآياتِ، وعلمت أَن الله تعالى سيبيِّنُ عذرَها، أَتَتْ به تحمله مدلة من المكان القَصِيّ الذي كانت مُنْتبذةً به، والفَرِيُّ: العظيمُ الشَّنِيعُ قاله مجاهد «٣»، والسُّدِّيُّ، وأكثرُ استعماله في السوء.\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٤/ ١٢) .\n(٢) في ج: الملمس.\n(٣) أخرجه الطبريّ (٨/ ٣٣٥) عن مجاهد برقم (٢٣٦٨٢)، وعن السدي برقم (٢٣٦٨٥)، وذكره ابن عطية (٤/ ١٣)، والبغوي (٢/ ١٩٣)، وابن كثير (٣/ ١١٨)، والسيوطي (٤/ ٤٨٦)، وعزاه لابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد. [.....]","vol":"4","page":15},{"text":"واختلف في معنى قوله تعالى: يا أُخْتَ هارُونَ، فقيل: كان لها أَخٌ اسمه هارون لأَن هذا الاِسْم كان كَثِيرًا في بني إسْرَائِيل.\nورَوَى المغيرةُ بن شُعْبة: أَنَّ رسولَ الله ﷺ أَرسله إلى أَهْلِ نَجْرَانَ في أمْرٍ من الأُمُور، فقالتْ له النصارى: إن صَاحِبَك يزعم أَنَّ مريمَ هي أُخْت هارون، وبينهما في المدّةِ ستُّ مائةِ سنة.\nقال المغيرةُ: فلم أَدر ما أقول، فلما قَدِمْتُ على النبيّ ﷺ ذكرتُ ذلك له، فقال: أَلَمْ يَعْلَمُوا أنهم كانوا يسمون بأسماء الأنبياءِ والصّالحين «١» .\nقال ع «٢»: فالمعنى أَنه اسم وافق اسما.\nوقيل: نسبُوها إلى هَارُون أَخِي مُوسَى لأَنها مِنْ نَسْله ومنه قوله ﷺ: «إن أَخَا صُدَاءٍ أَذَّنَ، وَمَنْ أَذَّنَ، فَهُوَ يقيم» «٣» .\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٣/ ١٦٨٥) كتاب الآداب: باب النهي عن التكني بأبي القاسم، حديث (٩/ ٢١٣٥)، والترمذي (٥/ ٣١٥) كتاب التفسير: باب ومن سورة مريم، حديث (٣١٥٥)، والنسائي في التفسير (٢/ ٢٩) رقم (٣٣٥)، وأحمد (٤/ ٢٥٢)، وابن أبي شيبة (١٤/ ٥٥١)، والطبريّ في «تفسيره» (١٦/ ٧٧- ٧٨)، والطبراني في «المعجم الكبير» (٢٠/ ٤١١) رقم (٩٨٦)، والبيهقي في «دلائل النبوة» (٥/ ٣٩٢)، وابن حبان (٦٢٥٠)، والبغوي في «تفسيره» (٣/ ١٩٤) كلهم من طريق عبد الله بن إدريس عن أبيه عن سماك بن حرب عن علقمة بن وائل عن المغيرة بن شعبة به.\nوقال الترمذي: حديث صحيح غريب، لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن إدريس.\nوذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٤٨٦)، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه.\n(٢) ينظر «المحرر الوجيز» (٤/ ١٣) .\n(٣) أخرجه أحمد (٤/ ١٦٩)، وأبو داود (١/ ٣٥٢): كتاب الصلاة: باب في الرجل يؤذن، ويقيم آخر، الحديث (٥١٤)، والترمذي (١/ ٣٨٤): كتاب الصلاة: باب ما جاء أن من أذن فهو يقيم، الحديث (١٩٩)، وابن ماجه (١/ ٢٣٧): كتاب الأذان: باب السنة في الأذان، الحديث (٧١٧)، والبيهقي (١/ ٣٩٩): كتاب الصلاة: باب الرجل يؤذن ويقيم غيره، وابن سعد في «الطبقات الكبرى» (٧/ ٥٠٣)، وأبو نعيم (١/ ٢٦٦) في «التاريخ»، من حديث عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي، عن زياد بن نعيم الحضرمي، عن زياد بن الحارث الصدائي به، وقال الترمذي: (إنما يعرف من حديث الأفريقي.. وقد ضعفه القطان وغيره.. قال: ورأيت محمد بن إسماعيل- يعني البخاري- يقوي أمره، ويقول: هو مقارب الحديث) .\nوللحديث شاهد من حديث ابن عمر:\nقال: أبطأ بلال يوما بالأذان، فأذن رجل، فجاء بلال فأراد أن يقيم، فقال رسول الله ﷺ: «يقيم من أذن» . -","vol":"4","page":16},{"text":"وقال قتادةُ: نسبوها إلى هَارُونَ اسم رَجُلٍ صَالِحٍ في ذلك الزمان «١» .\nوقالتْ فرقةٌ: بل كان في ذلك الزمان رجلٌ فاجِرٌ اسمه هَارُون نسبُوها إليه على جهة التَّعْيِير.\nت: واللهُ أعلمُ بصحّة هذا، وما رواه المُغِيرة إنْ ثبت هو المعوَّلُ عليه، وقولهم:\nمَا كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ المعنى: ما كان أَبُوك، ولا أمّك أهلًا لهذه الفِعْلة، فكيف جِئْت أنت بها؟ والبَغِيّ: الّتي تبغِي الزَّنَا، أي: تطلبه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-865>[سورة مريم (١٩): الآيات ٢٩ الى ٣٣]</span>\nفَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩) قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبارَكًا أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣)\nوقولُه تعالى: فَأَشارَتْ إِلَيْهِ يقوى قولَ مَنْ قال: إنّ أمرها ب فَقُولِي، إنما أريد به الإشارة.\nوقوله: آتانِيَ الْكِتابَ يعني الإنْجِيل، ويحتمل أن يريد التوراةَ والإنجيل، و«آتاني» معناه: قضى بذلك- سُبْحَانه- وأَنْفذه في سَابِق حُكْمه، وهذا نحو قولِه تعالى: أَتى أَمْرُ اللَّهِ [النحل: ١] .\nوَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ قيل: هما المشرُوعتانِ في البدن، والمال.\nوقيل: الصلاةُ: الدعاءُ، والزكاة: التطهُّرُ من كُلِّ عيْبٍ، ونقصٍ، ومعصيةٍ. والجبارُ المتعَظِّمُ وهي خلق مقرونة بالشقاء لأَنَّها مناقضة لجميع الناس، فلا يلقى صاحبها من كل أحد إلا مكروهًا، وكان عيسى ﵇ في غاية التَّوَاضُعِ يأكلُ الشجر، ويلبَسُ الشَّعْر، ويجلس على الأَرض، ويَأْوِي حيث جنّه الليل. لا مسكن له.\n_________\nأخرجه عبد بن حميد في «المنتخب من المسند» (ص- ٢٥٨)، رقم (٨١١)، والبيهقي (١/ ٣٩٩)، والعقيلي في «الضعفاء» (٢/ ١٠٥) من طريق سعيد بن راشد السماك، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عمر به، وقال البيهقي: تفرد به سعيد بن راشد، وهو ضعيف.\nوأخرج العقيلي (٢/ ١٠٥) بسنده عن يحيى بن معين، قال: سعيد بن راشد السماك يروي «من أذن فهو يقيم»، ليس حديثه بشيء.\n(١) أخرجه الطبريّ (٨/ ٣٣٥) برقم (٢٣٦٨٧)، وذكره ابن عطية (٤/ ١٤)، والبغوي (٣/ ١٩٣)، وابن كثير (٣/ ١١٩) .","vol":"4","page":17},{"text":"قال قتادة: وكان يقولُ: سَلُوني فإني ليّن القلب، صَغِيرٌ في نفسي «١» .\nوقالت فرقةٌ: إنَّ عيسى ﵇ كان أُوتي الكتابَ وهو في سنّ الطفوليّة، وكان يصوم، ويصلّي.\n٣ ب قال ع «٢»: / وهذا في غاية الضَّعْف.\nت: وضعفُه مِنْ جهة سنده وإلا فالعقلُ لا يحِيلُه لا سِيَّما وأمره كله خرق عادة، وفي قصص هذه الآية عن ابن زيد، وغيره: أَنهم لما سَمِعُوا كلام عيسى أَذْعنوا وقالوا: إن هذا الأمر عظيم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-866>[سورة مريم (١٩): الآيات ٣٤ الى ٣٦]</span>\nذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤) ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ إِذا قَضى أَمْرًا فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٣٥) وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٣٦)\nوقوله تعالى: ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ المعنى: قل يا محمدُ، لمعاصريكَ من اليَهُود والنَّصَارَى ذلك الذي هذه قصّته عيسى بن مريم.\nوقرأَ نافعٌ، وعَامّةُ الناس «٣»: «قَوْلُ الحَقِّ» برفع القول على معنى هذا هو قول الحق.\nوقرأ عاصمٌ، وابنُ عَامِرٍ: «قولَ الحقِّ» بنصب اللام «٤» على المصدر.\nوقوله: إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ ... الآية، هذا من تمام القول الّذي أمر به محمد ﷺ: أَن يقولَه، ويحتمل أنْ يكون من قول عيسى ﵇ ويكون قوله: «أَنَّ» بفتح الهمزة، عطفًا على قوله: «الكتاب» .\nوقد قال وَهْبُ بنُ مُنَبِّه: عهد عيسى إليهم: أَن الله ربي وربّكم «٥» .\n_________\n(١) أخرجه الطبريّ (٨/ ٣٣٩) برقم (٢٣٧١٣)، وذكره ابن عطية (٤/ ١٥) .\n(٢) ينظر «المحرر الوجيز» (٤/ ١٥) .\n(٣) ينظر: «السبعة» (٤٠٩)، و«الحجة» (٥/ ٢٠١)، و«إعراب القراءات» (٢/ ١٨)، و«معاني القراءات» (٢/ ١٣٥)، و«شرح الطيبة» (٥/ ٣٣، ٣٤)، و«العنوان» (١٢٧)، و«شرح شعلة» (٤٨٦)، و«حجة القراءات» (٤٤٣)، و«إتحاف» (٢/ ٢٣٦) .\n(٤) في ج: القول.\n(٥) أخرجه الطبريّ (٨/ ٣٤٢) رقم (٢٣٧٢١) بنحوه، وذكره ابن عطية (٤/ ١٥) .","vol":"4","page":18},{"text":"ت: وما ذكره وَهْبُ [مصرح به في القرآن، ففي آخر المائدة: مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ... الآية. [المائدة: ١١٧] . وامتراؤهم] «١» في عيسى هو اختلافهم فيقول بعضُهم: لَزَنْيَةٌ، وهم اليهُود، ويقول بعضُهم: هو اللهُ تعالى اللهُ عن قولهم عُلُوًّا كبيرًا، فهذا هو امتراؤُهم، وسيأتِي شرح ذلك بإثر هذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-867>[سورة مريم (١٩): الآيات ٣٧ الى ٣٩]</span>\nفَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٣٧) أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٣٨) وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٣٩)\nوقوله: فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ هذا ابتداء خبر من الله تعالى لمحمد ﷺ بأَن بني إسْرَائِيلَ اختلفوا أَحزابًا، أيْ: فرقًا.\nوقوله: مِنْ بَيْنِهِمْ بمعنى: من تلقَائِهم، ومن أَنْفسِهم ثار شرُّهم، وإنّ الاِخْتلاف لم يخرج عنهم بل كانوا هم المختلفين.\nوروي في هذا عن قتادةَ: أَنَّ بني إسْرَائِيلَ جمعوا من أَنفسهم أَربعة أحبار غاية في المَكَانةِ والجَلاَلة عندهم وطلبوهم أن يبيِّنُوا لهم أَمْرَ عيسى فقال أَحَدُهم: عيسى هو اللهُ تعالى الله عن قولهم.\nوقال له الثلاثة: كذبتَ، واتبعه اليعقوبيةُ، ثم قِيلَ للثلاثة فقال أحدهم: عيسى ابنُ الله، [تعالى الله عن قولهم] «٢» فقال له الاِثنان: كذبت، واتبعه النُّسْطُورِيَّةُ، ثم قيل للاِثنين فقال أَحدهما: عيسى أحد ثلاثةٍ: الله إله، ومريم إله، وعيسى إله [تعالى الله عن قولهم عُلوًّا كبيرًا] «٣» فقال له الرابع: كذبت، واتَّبَعَتْهُ الإِسْرَائِيلية، فقِيلَ للرابع فقال:\nعيسى عبدُ الله، وكلمتُه أَلقاها إلى مريم، فاتّبعَ كلَّ واحد فريقٌ من بني إسْرَائِيل، ثم اقْتَتلُوا فغُلِبَ المؤمنون، وقُتِلوا، وظَهَرَت اليَعْقُوبيّة على الجميع «٤» .\nو«الويل»: الحزنُ، والثُّبور، وقِيلَ: «الويل»: واد في جهنّم، ومَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ:\nهو يوم القيامة.\n_________\n(١) سقط في ج.\n(٢) سقط في ب، ج.\n(٣) في ب، ج. سقط.\n(٤) أخرجه الطبريّ (٨/ ٣٤٣) برقم (٢٣٧٢٤)، وذكره ابن عطية (٤/ ١٦)، وابن كثير (٣/ ١٢١)، والسيوطي (٤/ ٤٨٨، ٤٨٩)، وعزاه لعبد الرزاق، وابن أبي حاتم عن قتادة نحوه. [.....]","vol":"4","page":19},{"text":"وقولُه سبحانه: أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ أي: ما أَسْمَعَهم، وأبصرهم يوم يرجعُون إلَيْنا، ويرَوْن ما نصنع بهم، لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ أَيْ: في الدنيا في ضَلالٍ مُبِينٍ أَيْ بيِّنٍ، وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ وهو يوم ذَبْحِ الموت قاله الجمهورُ.\nوفي هذا حَدِيثٌ صحيحٌ خرجه البُخَاريُّ وغيره عن النبي ﷺ: أَنَّ المَوْتَ يُجَاءُ بِهِ في صُورَةِ كَبْشٍ أَمْلَحَ، فَيُذْبَحُ عَلَى الصِّرَاطِ بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، ويُنَادِى: يَا أَهْلَ الجَنَّةِ، خُلُودٌ لاَ مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ، خُلُودٌ لاَ مَوْتَ، ثُمَّ قَرَأَ: وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ ... «١» [الآية] «٢» .\nقال ع «٣»: [وعند ذلك تُصِيب أَهلَ النار حسرةٌ لا حَسْرة مثلها.\nوقال ابنُ زيد، وغيره: يَوْمَ الحَسْرَةِ] «٤»: هو يَوْمَ القِيَامَةِ «٥» .\nقال ع «٦»: ويحتمل أَن يكونَ يوم الحسرة اسمُ جِنْسٍ شاملٌ لحسَرَاتٍ كَثِيرَةٍ بحسب مواطن الآخرة: منها يومَ مَوْتِ الإنسان، وأَخْذِ الكتاب بالشِّمال، وغير ذلك، وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ\nيريد: في الدنيا.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٨/ ٢٨٢) كتاب التفسير: باب وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ حديث (٤٧٣٠)، ومسلم (٤/ ٢١٨٨- ٢١٨٩) كتاب الجنة والنار: باب النار يدخلها الجبارون، حديث (٤٠، ٤١/ ٢٨٤٩)، والترمذي (٥/ ٣١٥- ٣١٦) كتاب التفسير: باب ومن سورة مريم، حديث (٣١٥٦)، والنسائي في «الكبرى» (٦/ ٣٩٣) كتاب التفسير: باب قوله تعالى: وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ، حديث (١١٣١٦)، وأحمد (٣/ ٩)، وأبو يعلي (٢/ ٣٦٤) رقم (١١٢٠)، والطبريّ في «تفسيره» (٨/ ٣٤٥) رقم (٢٣٧٣٣) من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعا.\nوقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.\nوذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٤٨٩)، وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن حبان، وابن مردويه.\nوللحديث شاهد من حديث أبي هريرة: أخرجه النسائي في «الكبرى» (٦/ ٣٩٣- ٣٩٤) كتاب التفسير:\nباب قوله تعالى وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ حديث (١١٣١٧)، والطبريّ في «تفسيره» (٨/ ٣٤٥) رقم (٢٣٧٣٤) كلاهما من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة به.\nوذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٤٨٩)، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم، وابن مردويه.\n(٢) سقط في ب.\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ١٧) .\n(٤) سقط في ب.\n(٥) أخرجه الطبريّ (٨/ ٣٤٥) برقم (٢٣٧٣٧)، وذكره ابن عطية (٤/ ١٧)، وابن كثير (٣/ ١٢٢) .\n(٦) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ١٧) .","vol":"4","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-868>[سورة مريم (١٩): الآيات ٤٠ الى ٤٦]</span>\nإِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ (٤٠) وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٤١) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢) يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطًا سَوِيًّا (٤٣) يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا (٤٤)\nيا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا (٤٥) قالَ أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦)\nقوله سبحانه: إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ ... الآية، عبارةٌ عن بقائهِ- جل وعلا- بعد فناء مَخْلُوقاتِه، لا إله غَيْرَه.\nوقوله: - ﷿-: وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقًا/ نَبِيًّا ... ٤ أالآية، قوله: وَاذْكُرْ بمعنى اتل وشهر لأَن الله تعالى هو الذاكر والْكِتابِ: هو القرآن، والصديق: بناءُ مبالغَةٍ فكان إبراهيمُ ﵇ [يُوصَفُ] «١» بالصِّدْقِ في أَفْعَالِهِ وأَقْوالِهِ.\nوقوله: يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ ... الآية، قال الطّبرِيُّ «٢»: «أخاف» بمعنى أعلمُ.\nقال ع «٣»: والظَّاهِرُ عندي أَنه خوفٌ على بابه وذلك أَن إبراهيم ﵇ في وقْتِ هذه المقالة لم يَكُن آيِسًا من إيمان أَبِيه.\nت: ونحو هذا عبارة المهدوي «٤»، قال: قيل: «أَخافُ» معناه: أَعْلَمُ، أيْ: إِنِّي أَعْلَمُ إن متَّ عَلَى ما أَنْتَ عليه.\nويجوزُ أَن يكون «أَخَافُ» على بابهِ، ويكونَ المعنى، إِنِّي أَخاف أَن تمُوتَ على كُفْرك فيمسَّكَ العذابُ. انتهى.\nوقوله: لَأَرْجُمَنَّكَ قال الضَّحَّاكُ «٥»، وغيرُه: معناه بالقوْلِ، أَي: لأَشْتمنَّك.\nوقال الحسَنُ: معناه: لأرجمنّك بالحجارة «٦» .\n_________\n(١) سقط في ب.\n(٢) ينظر: «الطبريّ» (٨/ ٣٤٧) .\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ١٨) .\n(٤) ذكره البغوي (٣/ ١٩٧)، ولم يعزه لأحد.\n(٥) أخرجه الطبريّ (٨/ ٣٤٧) برقم (٢٣٧٤١)، وذكره ابن عطية (٤/ ١٨)، والبغوي (٣/ ١٩٧)، وابن كثير (٣/ ١٢٣) .\n(٦) ذكره ابن عطية (٤/ ١٨)، والبغوي (٣/ ١٩٧) .","vol":"4","page":21},{"text":"وقالتْ فرقةٌ: معناه لأَقْتُلَنَّكَ، وهذان القولان بمعنًى واحدٍ.\nوقوله: وَاهْجُرْنِي على هذا التَّأْوِيل إنما يترتب بأَنه أَمْرٌ على حياله كأَنه قال: إن لم تَنْتَهِ قتْلتُك بالرَّجم، ثم قال له: واهجرني، أي: مع انتهائك، ومَلِيًّا معناه: دهرًا طوِيلًا مأَخوذٌ من المَلَويْنِ وهما اللّيل والنّهار هذا قول الجمهور.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-869>[سورة مريم (١٩): الآيات ٤٧ الى ٥٠]</span>\nقالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا (٤٧) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُوا رَبِّي عَسى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا (٤٨) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًاّ جَعَلْنا نَبِيًّا (٤٩) وَوَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (٥٠)\nوقولهُ: قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ اختُلِف في معنى تَسْلِيمه على أَبِيهِ، فقال بعضُهم: هي تحيةُ مفارقٍ، وجوَّزوا تحيةَ الكَافِر وأَن يُبْدَأ بها.\nوقال الجمهورُ: ذلك السلامُ بمعنى المُسَالمةِ، لا بمعنى التَّحِيَّة.\nوقال الطبريّ «١»: معناه أَمَنَة مِنّي لك وهذا قول الجمهُورِ وهم لا يَروْن ابتداءَ الكافِرِ بالسَّلاَم.\nوقال النَّقَّاشُ: حليمٌ خاطب سَفِيهًا كما قال تعالى: وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا «٢» [الفرقان: ٦٣] .\nوقوله: سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي معناه: سأَدْعُو الله تعالى في أَن يَهْدِيَكَ، فيغفِرَ لك بإيمانك، ولمّا تبيَّن له أَنه عدوٌّ للَّه تبرّأَ منه.\nوالحِفيُّ: المهتبلُ المتلطِّف، وهذا شُكْر من إبراهيمَ لنعم الله تعالى عليه، ثم أَخبر إبراهيمُ ﵇ بأنه يعتزلهم، أي: يصير عنهم بمعْزِل، ويروى: أَنهم كانوا بأَرض كُوثَى، فرحل ﵇ حتى نزل الشامَ، وفي سفرته تلك لقِي الجبَّار الَّذي أَخْدم هاجرَ ...» الحديثَ الصحيح بطوله «٣»، وتَدْعُونَ معناه: تعبدون.\nوقوله: عَسى: تَرَجٍّ في ضمنه خَوْفٌ شديد.\nوقوله سبحانه: فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ ... إلى آخر الآية: إخبار من الله تعالى لنبِيّه ﷺ أَنَّه لما رَحَل إبراهيم عن بلد أَبِيه وقومه، عوّضَهُ اللهُ تعالى من ذلك ابنَهُ إسحاق، وابن ابنه\n_________\n(١) ينظر: «الطبريّ» (٨/ ٣٤٩) .\n(٢) ذكره ابن عطية (٤/ ١٩) . [.....]\n(٣) تقدم هذا الحديث في «تفسير سورة إبراهيم» .","vol":"4","page":22},{"text":"يعقوبَ- على جميعهم السلام- وجعلَ الولدَ له تَسْلِيةً، وشَدًّا لِعَضُدِهِ.\nوإسحاقُ أَصغر من إسماعيل، ولما حملت هاجرِ بإسْمَاعِيل، غارَتْ سَارَةُ فحملت بإسحاقِ، هكذا فيما روي.\nوقوله تعالى: وَوَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا يريد: العِلْم، والمنزِلَة، والشَّرَف في الدنيا، والنَّعيم في الآخرة كُلُّ ذلك من رحمة الله ﷿، ولِسَانُ الصَّدْق: هو الثَّناءُ البَاقِي عليهم آخر الأبد قاله ابن عباس «١» وإبراهيم الخليل ﷺ وذريته مُعظَّمة في جميع الأُمم والمِلَل.\nقال ص: وَكُلًّا جَعَلْنا [نَبِيًّا] «٢» أَبو البقاء: هو منصوبٌ ب جَعَلْنا. انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-870>[سورة مريم (١٩): الآيات ٥١ الى ٥٣]</span>\nوَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مُوسى إِنَّهُ كانَ مُخْلَصًا وَكانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥١) وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا (٥٢) وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا (٥٣)\nوقوله (﷿): وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مُوسى، أي: على جهة التَّشْرِيف له، وَنادَيْناهُ هو تَكْلِيمُ الله له، والأَيْمن: صفةُ لجَانِب، وكان على يَمِينِ موسى، وإلا فالجبل نفسُه لاَ يَمْنةً له ولا يَسْرة، ويحتمل أَن يكون الأَمن مأْخُوذًا من الأَيمن، وَقَرَّبْناهُ أَيْ: تقريب تشريف، والنّجيّ: من المناجاة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-871>[سورة مريم (١٩): الآيات ٥٤ الى ٥٨]</span>\nوَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ وَكانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥٤) وَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (٥٥) وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٥٦) وَرَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا (٥٧) أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ وَإِسْرائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنا وَاجْتَبَيْنا إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (٥٨)\nوقوله تعالى: وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ هو أيضًا من لسانِ الصِّدْقِ المضمون بقاؤه على إبراهيمَ ﵇ وإسماعيلُ ﵇: هو أَبو العربِ اليومَ وذلك أَنَّ اليَمَنِية والمُضَرِية ترجع إلى ولد إسماعيل، وهو الذِّبِيحُ في قول الجمهُور.\nوهو الرَّاجِحُ من وجوهٍ: / منها قوله تعالى: وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ ٤ ب [هود: ٧١] .\n_________\n(١) أخرجه الطبريّ (٨/ ٣٥٠) برقم (٢٣٧٥٨)، وذكره ابن عطية (٤/ ١٩)، وابن كثير (٣/ ١٢٤)، والسيوطي (٤/ ٤٩١) وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس.\n(٢) سقط في د، ح.","vol":"4","page":23},{"text":"فَوَلَدٌ بُشِّر أَبواه بأن سَيَكُونُ منه ولدٌ كيف يُؤْمَرُ بذبحه؟!.\nومنها أَن أَمْرَ الذبح كان بِمِنًى بلا خِلاَفٍ، وما روي قَطُّ أَن إسحاقَ دخل تلك البلاد، وإسماعيلُ بها نَشَأ، وكان أَبوه يزُورُه مِرَارًا كَثِيرةً يأْتي من الشام، ويرجِعُ من يَوْمِهِ على البُرَاق وهو مركب الأنبياء.\nومنها قوله ﷺ: «أَنَا ابن الذَّبِيحَيْنِ» «١» وهو أَبُوهُ عبدُ اللهِ، والذَّبِيحُ الثَّانِي هو إسْماعِيلُ.\nومنها [تَرْتِيبُ] «٢» آيات سورة «والصَّافَّاتِ» يكاد ينصُّ على أَنَّ الذبيح غيرُ إسحاق، ووصفه اللهُ تعالى بصِدْق الوَعْد لأَنه كان مُبَالِغًا في ذلك وروي أَنَّه وعد رَجُلًا أَنْ يلقاه في مَوْضِعٍ، فبقي في انْتِظاره يَوْمَهُ ولَيلَتَهُ، فلما كان في اليوْمِ الآخر جاء الرجُلُ، فقال له إسماعيلُ: ما زِلْتُ هنا في انتظارك منذ أَمْسِ، وقد فعل مثله نبيّنا محمد ﷺ قبل مَبْعَثِه، خرَّجه التّرمِذِيّ وغيرُه.\nقال سُفْيان بن عُيَيْنَةَ «٣»: أَسْوَأُ الكَذِبِ إخْلاَفُ المِيعَادِ، ورَمْي الأبرياء بالتّهم.\nوأَهْلَهُ المرادُ بهم قومه، وأُمَّته قاله الحسنُ «٤» .\nوفي مصحف ابن مسعود: «وكان يَأْمُرُ قَوْمَهُ» .\nوإدْريسُ ﵇ من أَجْدَاد نوح ﵇.\nوَرَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا قالت فرقةٌ من العلماء: رُفِع إلى السماءِ.\nقال ابنُ عَبَّاسٍ: كان ذلك بأَمْرِ الله تعالى «٥» .\nوقوله: وَبُكِيًّا قالت فرقةٌ: جمع «٦» بَاكٍ، وقالت فرقةٌ: هو مَصْدَرٌ بمعنى البكاء التقدير: وبكوا بكيّا.\n_________\n(١) تقدم تخريجه.\n(٢) سقط في ج.\n(٣) ذكره ابن عطية (٤/ ٢١) .\n(٤) ذكره ابن عطية (٤/ ٢١)، والبغوي (٣/ ١٩٩) .\n(٥) ذكره ابن عطية (٤/ ٢١) .\n(٦) في د، ج: هو جمع.","vol":"4","page":24},{"text":"واحتجَّ الطَّبِرِيُّ «١»، ومَكّي لهذا القول بأَن عُمَر ﵁ قرأ سُورةٍ مريم، فسجد ثُمَّ قال: هذا السُّجُودُ، فأَيْنَ البُكَى «٢»؟ يَعْنِي: البُكَاء.\nقال ع «٣»: ويحتمل أَن يريد عُمر ﵁ فأَين البَاكُون؟ وهذا الذي ذكروه عن عُمَر، ذكره أَبُو حَاتِمٍ، عن النبيّ ﷺ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-872>[سورة مريم (١٩): الآيات ٥٩ الى ٦٣]</span>\nفَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩) إِلاَّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا (٦٠) جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (٦١) لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا إِلاَّ سَلامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٦٢) تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا (٦٣)\nوقوله تعالى: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ... الآية، الخَلْفُ، -[بسكون] «٤» اللام- مُسْتعمل إذا كان الآتي مَذْمُومًا هذا مشهورُ كَلامِ العَرَبِ، والمرادُ بالخلْف: مَنْ كفر وعَصَى بعدُ مِنْ بني إسرائيل، ثم يتناول معنى الآية مَنْ سِوَاهُم إلَى يوم القيامة، وإضاعة الصّلاة بترْكِهَا وبجحْدِها، وبإضاعة أَوْقَاتِهَا.\nوروى أَبُو دَاوُدَ الطيالسي في «مسنده» بسنده عن عُبَادَةَ بنِ الصّامت قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا أَحْسَنَ الرَّجُلُ الصَّلاَةَ، فَأَتَمَّ رُكُوعَهَا، وَسُجُودَهَا، قَالَتِ الصَّلاَةُ:\nحَفِظَكَ اللهُ كَمَا حَفِظْتَنِي، وَتُرْفَعُ، وإذَا أَسَاءَ الصَّلاَةَ فَلَمْ يُتِمَّ رُكُوعَهَا، وَلاَ سُجُودَهَا، قَالَتِ الصَّلاَةُ: ضَيَّعَكَ اللهُ كَمَا ضَيَّعْتَنِي، وَتُلَفُّ كَمَا يُلَفُّ الثَّوْبُ الخَلقُ، فَيُضْرَبُ بِهَا وَجْهُهُ» . انتهى «٥» من «التذكرة»، والشَّهَوَاتُ: عُمُومُ، والغَيُّ: الخسران قاله ابن زيد «٦» .\n_________\n(١) ينظر: «الطبريّ» (٨/ ٣٥٤) برقم: (٢٣٧٧٧) .\n(٢) أخرجه الطبريّ (٨/ ٣٥٤) برقم: (٢٣٧٧٧)، وذكره ابن عطية (٤/ ٢٢)، وابن كثير (٣/ ١٢٧)، والسيوطي (٤/ ٤٩٨)، وعزاه لابن أبي الدنيا في «البكاء»، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي في «شعب الإيمان» عن عمر بن الخطاب.\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٢٢) .\n(٤) في ب سقط.\n(٥) أخرجه أبو داود الطيالسي (١/ ٦٦، ٦٧- منحة) برقم: (٢٥٤) من طريق خالد بن معدان عن عبادة بن الصامت به. وذكره الهندي في «كنز العمال» (١٩٠٥٤)، وعزاه للطبراني، والبيهقي في «شعب الإيمان» . [.....]\n(٦) أخرجه الطبري (٨/ ٣٥٧) برقم: (٢٣٧٩٨)، وذكره ابن عطية (٤/ ٢٣) .","vol":"4","page":25},{"text":"وقد يكُونُ [الغي بمعنى الضَّلاَلِ، والتقديرُ: يُلْقون جَزَاءَ الغَيِّ.\nوقال عبدُ الله بن عمرو، وابنُ مسعودٍ: الغَيُّ: وَادٍ في] «١» جَهنَّم، وبه وَقَعَ التوعُّدُ في هذه «٢» الآية.\nوقال ص: الغي عندهم كُلُّ شرّ كما أن الرشاد كلّ خير. [انتهى] «٣» .\nوجَنَّاتِ عَدْنٍ: بدلٌ من الجنَّةِ في قوله يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ.\nوقولُه بِالْغَيْبِ، أيْ أخبرهم من ذلك بما غَابَ عنهم، وفي هذا مَدْحٌ لهم على سرعة إيمانهم وبدارهم إذْ لم يعاينوا، ومَأْتِيًّا مفعولٌ على بابه.\nوقال جماعةٌ من المفسرين: هو مفعولٌ في اللفظ بمعنى فاعل ف مَأْتِيًّا بمعنى آتٍ، وهذا بَعِيدٌ.\nت: بل هو الظَّاهِرُ، وعليه اعتمد ص.\nواللَّغْوُ: السَّقْطُ من القول.\nوقوله بُكْرَةً وَعَشِيًّا يريدُ في التقدير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-873>[سورة مريم (١٩): الآيات ٦٤ الى ٦٥]</span>\nوَما نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤) رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)\nوقوله ﷿: وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ ... / الآية، قال ابنُ عباس، وغيرُه:\nسبب هذه الآية: أَن النبي ﷺ أَبْطَأَ عنه جِبْرِيلُ ﵇ مدَّةَ فَلما جاءه قال: «يَا جِبْرِيلُ، قَدِ اشتقت إلَيْكَ، أَفلاَ تزورَنا أَكْثَرَ مِمَّا تَزُورَنَا» فنزلت هذه الآية «٤» .\n_________\n(١) سقط في ج.\n(٢) أخرجه الطبريّ (٨/ ٣٥٦) برقم: (٢٣٧٩٣)، (٢٣٧٩٦) بلفظ «نهر في النار يعذب فيه الذين اتبعوا الشهوات»، وذكره ابن عطية (٤/ ٢٣)، وابن كثير (٣/ ١٢٨)، وعزاه لعبد الله بن مسعود، والسيوطي (٤/ ٥٠٠)، وعزاه للفريابي، وسعيد بن منصور، وهناد، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبريّ، والحاكم وصححه، والبيهقي في «البعث» عن ابن مسعود.\n(٣) في ب، ج سقط.\n(٤) أخرجه الطبريّ (٨/ ٣٥٩) برقم (٢٣٨٠٦)، وذكره البغوي (٣/ ٢٠٢)، وابن عطية (٤/ ٢٤)، وابن كثير (٣/ ١٣٠)، والسيوطي (٤/ ٥٠٢)، وعزاه لابن مردويه عن ابن عباس بنحوه.","vol":"4","page":26},{"text":"وقال الضَّحَّاكُ، ومجاهدٌ: سببها أَن جِبْريلَ تأخَّر عن النبي ﷺ عند قَوْلِه في السؤالات المتقدِّمَةِ في سُورةِ الكهف: «غدا أخبركم» «١» .\nوقال الداوديّ عن مجاهدٍ: أَبطأت الرسل عن رسول الله ﷺ ثم أَتى جِبْرِيلُ ﵇ قال: ما حَبَسَكَ؟ قال: وكَيْفَ نَأْتِيكُم. وأَنْتُمْ لاَ تَقُصُّونَ أَظْفَارَكُمْ. وَلاَ تَأْخُذُونَ شَوَارِبَكُمْ وَلاَ تَسْتَاكُونَ، وَمَا نَتَنَزَّلُ إلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ. انتهى «٢» .\nوقد جاءت في فَضْل السواك آثَارٌ كثيرة، فمنها: ما رواه البزار في «مسنده» عن النبي ﷺ أَنه قال: إنَّ العَبْدَ إذَا تَسوَّكَ ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، قَامَ المَلَكُ خَلْفه، فَيَسْمَعُ لِقَرَاءَتِهِ، فَيَدْنُو مِنْهُ حتى يَضَعَ فَاهُ على فِيهِ، فما يَخْرُجُ مِنْ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ القُرْآنِ إلاَّ صَارَ فِي جَوْفِ المَلَكِ» «٣» . انتهى من «الكوكب الدري» .\nوفيه: عن ابنِ أَبِي شَيْبَة، عن النبي ﷺ أَنه قال: «صَلاَةٌ عَلَى إثْرِ سِوَاكٍ أَفْضَلُ من سبعين صلاة بغير سواك «٤» انتهى.\n_________\n(١) ذكره البغوي (٣/ ٢٠٢)، وابن عطية (٤/ ٢٤) .\n(٢) ذكره ابن كثير (٣/ ١٣٠) وعزاه لمجاهد، والسيوطي (٤/ ٥٠٢)، وعزاه لسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد.\n(٣) أخرجه البزار (١/ ٢٤٢- كشف) رقم (٤٩٦) من حديث علي بن أبي طالب مرفوعا.\nوقال البزار: لا نعلمه عن علي بأحسن من هذا الإسناد، وقد رواه بعضهم عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي موقوفا.\nوقال المنذري في «الترغيب» (٣٣٥): رواه البزار، بإسناد جيد لا بأس به.\nوقال الهيثمي في «المجمع» (٢/ ١٠٢): رواه البزار، ورجاله ثقات. ا. هـ. أما الموقوف الذي أشار إليه البزار، فأخرجه البيهقي (١/ ٣٨) من طريق أبي عبد الرحمن السلمي عن علي موقوفا.\n(٤) أخرجه البزار (١/ ٢٤٥- كشف) رقم (٥٠٢)، وابن حبان في «المجروحين» (٣/ ٥)، وابن عدي في «الكامل» (٦/ ٢٣٩٥)، وابن الجوزي في «الواهيات» (١/ ٣٣٦) من طريق معاوية بن يحيى الصدفي عن الزهري عن عروة عن عائشة.\nوقال البزار: لا نعلم رواه إلا معاوية.\nوقال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح، ومعاوية بن يحيى ضعيف. قاله الدارقطني.\nوللحديث طريق آخر: أخرجه ابن خزيمة (١/ ٧١) رقم (١٣٧)، والحاكم ١/ ١٤٦)، وأحمد (٦/ ١٤٦)، والبزار (١/ ٢٤٤) رقم (٥٠١) من طريق محمد بن إسحاق عن الزهري عن عروة عن عائشة به.\nوقال ابن خزيمة: أنا استثنيت صحة هذا الخبر، لأني خائف أن يكون محمد بن إسحاق لم يسمع من محمد بن مسلم، وإنما دلّسه عنه.\nأما الحاكم فقال: صحيح على شرط مسلم. ووافقه الذهبي.\nوضعفه النووي في «المجموع» (١/ ٣٢٥) وقال: ذكره الحاكم في «المستدرك» وقال: صحيح على شرط-","vol":"4","page":27},{"text":"وفي «البخاري»: أَنَّ السِّوَاكَ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ، مَرْضَاة لِلرَّبِّ «١» . اهـ.\nوقوله سبحانه: لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينا ... الآية، المقصودُ بهذه الآية الإشعارُ بملك الله تعالى لملائكته، وأن قَلِيلَ تصرُّفِهِم، وكَثِيرَه إنما هو بأَمْره وانتقالهم مِنْ مَكانٍ إلى مَكانٍ إنَّما [هو] «٢» بحدٍّ منه.\nوقولُه: وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا أَيْ: ممن يلحقُه نِسيانٌ لبعثنا إليك، ف نَسِيًّا. فَعِيلٌ من النّسْيانِ، وهو الذُّهُولُ عن الأُمور.\nوقرأ ابنُ مسْعودٍ «٣»: «وَمَا نَسِيَكَ رَبُّكَ» .\nوقوله سَمِيًّا قال قوم: معناه مُوَافِقًا في الاِسْم.\nقال ع «٤»: وهذا يحسنُ فيهِ أَن يريد بالاِسْم ما تقدم مِنْ قوله رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما أَيْ: [هل] «٥» تعلم من يسمى بهذا، أَو يوصف بهذه الصفة وذلك أَن الأُمم والفِرَق لا يسمون بهذا الاِسْم وَثَنًا، ولا شَيْئًا سوى الله تعالى.\n_________\n- مسلم، وأنكروا ذلك على الحاكم، وهو معروف عندهم بالتساهل في التصحيح، وسبب ضعفه أن مداره على محمد بن إسحاق، وهو مدلس، ولم يذكر سماعه، والمدلس إذا لم يذكر سماعه لا يحتج به بلا خلاف كما هو مقرر لأهل هذا الفن. وقوله: «إنه على شرط مسلم» ليس كذلك، فإن محمد بن إسحاق لم يرو له مسلم شيئا محتجا به، وإنما روى له متابعة، وقد علم من عادة مسلم وغيره من أهل الحديث أنهم يذكرون في المتابعات من لا يحتج به للتقوية لا للاحتجاج، ويكون اعتمادهم على الإسناد الأول، وذلك مشهور عندهم.\n(١) أخرجه النسائي (١/ ١٠) كتاب الطهارة: باب الترغيب في السواك، حديث (٥)، وأحمد (٦/ ١٢٤)، وأبو يعلي (٨/ ٣١٥) رقم (٤٩١٦)، وابن حبان (١٤٣- موارد)، والحميدي (١٦٢)، وابن المنذر في «الأوسط» (٣٣٨)، وأبو نعيم في «الحلية» (٧/ ١٥٩)، والبيهقي (١/ ٣٤)، وابن خزيمة رقم (١٣٥) من حديث عائشة.\nوعلقه البخاري (٤/ ١٥٨) باب سواك الرطب واليابس للصائم، بصفة الجزم، فهو صحيح عنده.\nوصححه أيضا ابن خزيمة، وابن حبان.\nوقال البغوي في «شرح السنة» (١/ ٢٩٤- بتحقيقنا): هذا حديث حسن.\nوقال النووي في «المجموع» (١/ ٣٢٤): حديث صحيح.\nوفي الباب عن جماعة من الصحابة.\n(٢) سقط في ج.\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٢٤) .\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٢٥) . [.....]\n(٥) سقط في ب.","vol":"4","page":28},{"text":"قال القُشَيْرِيُّ في «التحبير»: قولهُ تعالى: وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ: الاصْطبارُ: نهايةُ الصَّبْرِ، ومَنْ صَبَر ظَفَرَ، ومَنْ لاَزَمَ وَصَلَ وفي مَعْناه أَنْشدُوا: [البَسيط] .\n[لاَ تَيْئَسَنَّ وَإنْ طَالَتْ مُطَالَبَةٌ ... إذَا استعنت بِصَبْرٍ أَنْ ترى فَرَجَا] «١»\nأَخْلِقْ بِذِي الصَّبْرِ أَنْ يحظى بِحَاجَتِه ... وَمُدْمِنِ الْقَرْعِ لِلأَبْوَابِ أَنْ يَلجَا\nوأَنشدوا: [البسيط]\nإنِّي رَأَيْتُ وَفِي الأَيَّامِ تَجْرِبَةٌ ... لِلصَّبْرِ عَاقِبَةً مَحْمُودَةَ الأَثَرِ\nوَقَلَّ مَنْ جَدَّ فِي شَيْءٍ يُحَاوِلُهُ «٢» ... واستصحب الصَّبْرَ إلاَّ فَازَ بالظَّفَرِ\nانتهى.\nوقال ابنُ عباسٍ، وغيرُه: سَمِيًّا معناه: مَثِيلًا، أَو شَبِيهًا، ونحو ذلك «٣» وهذا قوْلٌ حَسَنٌ، وكأن السمي بمعنى: المسامي، والمضاهي فهو من السموّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-874>[سورة مريم (١٩): الآيات ٦٦ الى ٧٠]</span>\nوَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَإِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦) أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (٦٧) فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (٦٨) ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا (٦٩) ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها صِلِيًّا (٧٠)\nوقوله تعالى: وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَإِذا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا، الإنسان: اسمُ جِنْس يرادُ به الكافرون «٤»، وروي أَنَّ سببَ نزُولِ هذه الآية هو: أَن رجالًا من قريشٍ كانُوا يقولون هذا ونحوه، وذكر: أَن القائِلَ هو أُبيُّ بْنُ خَلَفٍ.\nورُوِي «٥» أَن القائل هو العَاصِي بْنُ وَائِل، وفي قوله تعالى: وَلَمْ يَكُ شَيْئًا دَلِيلٌ على أَنَّ المعدومَ لا يسمى شَيْئًا.\nوقال أَبو علي الفارسي: أراد شيئا موجودا.\n_________\n(١) سقط من ج.\n(٢) في ب، ج: يطالبه.\n(٣) أخرجه الطبريّ (٨/ ٣٦١، ٣٦٢) برقم (٢٣٨٢١، ٢٣٨٢٢)، وذكره البغوي (٣/ ٦٥)، وابن عطية (٤/ ٢٥)، وابن كثير (٣/ ١٣١)، والسيوطي (٤/ ٥٠٣)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس.\n(٤) في ج: النافرين.\n(٥) في ب، ج: وقيل.","vol":"4","page":29},{"text":"قال ع «١»: وهذه من أبي علي نزعةٌ اعتزالية [فتأملها] «٢»، والضمير في لَنَحْشُرَنَّهُمْ عائدٌ على الكفَّارِ القائلين ما تقدم، ثم أَخبر تعالى: أنه يقرن بهم الشياطين المغوين لهم، وجِثِيًّا جمعُ جَاثٍ، فأخبر سبحانه: أَنه يحضر هؤلاءِ المنكرين البعث مع ٥ ب الشياطين [المغوِينَ] «٣»، فيجثُون/ حول جهنَّم وهو «٤» قعودُ الخائف الذَّلِيل على رُكْبتيْهِ كالأَسِير، ونحوهِ.\nقال ابنُ زيدٍ «٥»: الجَثْيُ: شَرُّ الجلُوسَ، و«الشيعة»: الفِرْقَةُ المرتبطة بمذهبٍ وَاحدٍ، المتعاونةِ فيه، فأخبر سبحانه أَنه ينزع مِنْ كُلِّ شيعةٍ أَعْتاها وأَولاَها بالعذاب، فتكون مقدمتها إلى النَّار.\nقال أَبو الأحوص: المعنى: نبدأ بالأكابر «٦» جرما «٧»، وأيّ: هنا بُنِيَتْ لمَّا حُذِف الضميرُ العَائِدُ عليها مِنْ صَدْر صِلَتها، وكان التقدِيْرُ: أَيَّهم هو أشَدُّ، وصِلِيًّا: مصدر صلي يصلى إذا باشره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-875>[سورة مريم (١٩): الآيات ٧١ الى ٧٤]</span>\nوَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا (٧٢) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (٧٣) وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثاثًا وَرِءْيًا (٧٤)\nوقوله ﷿: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها قسم، والواو تقتضيه، ويفسّره قوله ﷺ: «مَنْ مَاتَ لَهُ ثَلاَثَةُ أَوْلاَدٍ، لَمْ تَمَسَّهُ النّار إلّا تحلّة القسم» «٨» . وقرأ ابن\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٣٠) .\n(٢) سقط في ج.\n(٣) سقط في ب، ج.\n(٤) في ج: ويعني.\n(٥) أخرجه الطبريّ (٨/ ٣٧٠) رقم (٢٣٨٧٢)، وذكره ابن عطية (٤/ ٢٦) .\n(٦) في ح: بالأكابر فالأكابر.\n(٧) أخرجه الطبريّ (٧/ ٣٦٣) برقم (٢٣٨٢٧)، وذكره ابن عطية (٤/ ٢٦)، وابن كثير (٣/ ١٣١)، والسيوطي (٤/ ٥٠٤) وعزاه لهناد، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن أبي الأحوص.\n(٨) أخرجه البخاري (٣/ ١٤٢) كتاب الجنائز: باب فضل من مات له ولد فاحتسبه، حديث (١٢٥١)، ومسلم (٤/ ٢٠٢٨) كتاب البر والصلة: باب فضل من يموت له ولد فيحتسبه، حديث (١٥٠/ ٢٦٣٢)، والترمذي (٣/ ٣٦٥) كتاب الجنائز: باب ما جاء في ثواب من قدم ولدا، حديث (١٠٦٠)، والنسائي (٤/ ٢٥) كتاب الجنائز: باب من يتوفى له ثلاثة، حديث (١٨٧٥)، وابن ماجه (١/ ٥١٢) كتاب الجنائز:\nباب ما جاء في ثواب من أصيب بولده، حديث (١٦٠٣)، وأحمد (٢/ ٢٣٩- ٢٤٠)، والحميدي (٢/-[.....]","vol":"4","page":30},{"text":"عباس «١»، وجماعَةٌ: «وإنْ مِنْهُمْ» بالهَاءِ على إرَادة الكُفَّار.\nقال ع «٢»: ولا شغب في هذه القراءة، وقالت فِرْقَةٌ من الجمهور القارئين «منكم»، المعنى: قُلْ لهم يا محمَّدُ، فالخِطَاب ب مِنْكُمْ للكفرةِ، وتأويل هؤلاءِ أَيضًا سَهْلُ التناوُلِ.\nوقال الأكثرُ: المخاطَبُ العَالَمُ كلّه، ولا بُدّ من ورود الجميع، ثم اختلفوا في كَيْفِيَّةِ ورود المُؤْمِنِينَ، فقال ابنُ عباسٍ، وابنُ مسعودٍ، وخالدُ بن مَعْدَانَ، وابنُ جُرَيْجٍ «٣»، وغيرُهم: هو ورودُ دخولٍ، لكنَّها لا تعدو عليهم، ثم يخرجهم الله ﷿ منها بعدَ مَعْرِفتهم حَقِيقَةَ ما نَجَوْا منه.\nوروى «٤» جابرُ بنُ عبدِ اللهِ، عن النبيِّ ﷺ أَنه قال: «الوُرُودُ فِي هَذِهِ الآيَةِ هُوَ الدُّخُولُ» «٥»، وقد أَشْفَقَ كَثِيرٌ من العلماء من تحقُّقِ «٦» الورودِ مع الجَهْلِ بالصَّدَرِ- جعلنا الله تعالى من الناجين بفضله ورحمته-، وقالت فِرْقَة: بَلْ هُو ورودُ إشْرَافٍ، واطِّلاعٍ، وقُرْبٍ، كما تقول: وردتُ الماءَ إذا جِئْتَه، وليس يلزم أن تدخل فيه، قالوا:\n_________\n- ٤٤٤) رقم (١٠٢٠)، ومالك (١/ ٢٣٥) كتاب الجنائز: باب الحسبة في المصيبة، حديث (٣٨)، وأبو يعلى (١٠/ ٢٨٥) رقم (٥٨٨٢)، والبيهقي (٤/ ٦٧) كتاب الجنائز: باب ما يرجى في المصيبة بالأولاد إذا احتسبهم، والبغوي في «شرح السنة» (٣/ ٢٩٥- بتحقيقنا) كلهم من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة مرفوعا.\nوقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.\n(١) وقرأ بها عكرمة.\nينظر: «الكشاف» (٣/ ٣٤)، «والمحرر الوجيز» (٤/ ٢٧)، «والبحر المحيط» (٦/ ١٩٧)، «والدر المصون» (٤/ ٥١٩) .\n(٢) ينظر «المحرر الوجيز» (٤/ ٢٧) .\n(٣) أخرجه الطبريّ (٨/ ٣٦٤) برقم (٢٣٨٣٣) عن ابن عباس، وبرقم (٢٣٨٣٤) عن ابن جريج، وبرقم (٢٣٨٣٦) عن خالد بن معدان، وذكره البغوي (٣/ ٢٠٤) عن ابن عباس، وخالد بن معدان، وعن ابن مسعود بلفظ: «القيامة والكناية راجعة إليها»، وابن عطية (٤/ ٢٧)، والسيوطي (٤/ ٥٠٥)، وعزاه لعبد، الرزاق، وسعيد بن منصور، وهناد، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في «البعث» عن مجاهد قال: خاصم نافع بن الأزرق ابن عباس فقال ابن عباس.\n(٤) في ج: قال.\n(٥) أخرجه أحمد (٣/ ٣٢٩)، والحاكم (٤/ ٥٨٧)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (١/ ٣٣٦) رقم (٣٧٠) من حديث جابر مرفوعا.\nوذكره الهيثمي في «المجمع» (٧/ ٥٨) وقال: رواه أحمد، ورجاله ثقات.\nوالحديث ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٥٠٥)، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، والحكيم الترمذي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في «البعث» .\n(٦) في ج: تحقيق.","vol":"4","page":31},{"text":"وحسب المؤمن بهذا هؤلاء ومنه قولُه تعالى: وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ [القصص: الآية ٢٣] .\nوروت فرقة أثرًا: أنّ الله تعالى يجعلُ النَّار يوم القيامة جامدةَ الأعلى كأنها إهالةٌ فيأتي الخلقُ كلُّهم برُّهم وفاجرُهم، فيقفون عليها، ثم تسوخُ بأهلِها، ويخرجُ المؤمنون الفائزون، لم ينلهم ضرٌّ، قالوا: فهذا هو الورودُ.\nقال المهدوي «١»: وعن قتادةَ قال: يرد النَّاسُ جهنَّمَ وهي سَوْدَاءُ مظلِمةٌ، فأَما المؤْمنُونَ فأَضَاءَتْ لهم حَسَناتُهم، فَنَجَوْا منها، وأما الكفارُ فأوبقتهم سَيِّئَاتُهم، واحتبسوا بذنوبهم. [انتهى]» .\nوروت حَفْصَةُ﵂- أنّ النبيّ ﷺ قال: «لاَ يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ وَالحُدَيْبِيَةِ» قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، وأَيْنَ قَوْلُ اللهِ تعالى: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها فقال ﷺ: «فَمَهْ «٣»، ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا» «٤» ورجح الزجاجُ «٥» هذا القَوْلَ بقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ [الأنبياء: ١٠١] .\nت: وحديثُ حفصةَ هذا أَخرجهُ مُسْلِم، وفيه: «أَفلم تَسْمَعِيهِ يقولُ: ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا «٦» .\nوروى ابنُ المبارك في «رُقائقه»: أنه لما نزلت هذه الآية: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها ذهب ابن رواحة إلى بيته فبكى [فَجَاءَتِ امرأته، فبكت]، «٧» وجاءت الخادم فبكت، وجاء\n_________\n(١) أخرجه الطبريّ (٨/ ٣٦٥) .\n(٢) سقط في ج.\n(٣) في ج: مه.\n(٤) أخرجه أحمد (٦/ ٢٨٥)، وابن ماجه (٢/ ١٤٣١) كتاب «الزهد»: باب ذكر البعث، حديث (٤٢٨١)، وهناد في «الزهد» (١/ ١٦٥) رقم (٢٣٠) كلهم من طريق الأعمش عن أبي سفيان عن جابر عن أم مبشر عن حفصة به.\nقال البوصيري في «الزوائد» (٣/ ٣١٥): هذا إسناد صحيح إن كان أبو سفيان سمع من جابر بن عبد الله اهـ.\nوأخرجه أيضا من طريق الأعمش- أبو يعلى (١٢/ ٤٧٣) رقم (٧٠٤٤) .\nوالحديث ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٢٨٢)، وزاد نسبته إلى ابن سعد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن الأنباري، والطبراني، وابن مردويه.\n(٥) ينظر: «معاني القرآن» (٣/ ٣٤٠، ٣٤١) .\n(٦) أخرجه مسلم (٤/ ١٩٤٢) كتاب فضائل الصحابة: باب من فضائل أصحاب الشجرة أهل بيعة الرضوان، حديث (١٦٣/ ٢٤٩٦)، وأحمد (٦/ ٤٢٠) كلاهما من طريق حجاج بن محمد: أخبرنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: أخبرتني أم مبشر أنها سمعت النبي ﷺ يقول عند حفصة ... فذكر الحديث.\n(٧) سقط في ج. [.....]","vol":"4","page":32},{"text":"أهل البيت فَجَعَلُوا يَبْكُونَ، فَلَمَّا انْقَضَتْ عَبْرَتُهُ، قَالَ: يَا أَهْلاَهُ، مَا يُبْكِيكُمْ، قَالُوا: لاَ نَدْرِي، وَلَكِنْ رَأَيْنَاكَ بَكَيْتَ فَبَكَيْنَا، فَقَالَ: آيَةٌ نَزَلَتْ على رسول الله ﷺ يُنْبِئُنِي فِيهَا رَبِّي أَنِي وَارِدُ النَّارَ، وَلَمْ يُنْبِئْنِي أَنِّي صَادِرٌ عَنْهَا، فَذَلِكَ الَّذِي أبْكَانِي «١» . انتهى.\nوَقال ابنُ مَسْعُودٍ: ورودُهُمْ/: هو جَوَازُهُمْ على الصراط «٢»، وذلك أنّ الحديث ٦ أالصحيح تضمن أَنَّ الصراط مَضْرُوبٌ على مَتْنِ جهنم.\nوالحتم: الأمر المنفد المجزوم، والَّذِينَ اتَّقَوْا: معناه اتَّقَوْا الكُفْر وَنَذَرُ دالةٌ على أَنهم كَانُوا فيها.\nقال أَبُو عُمَر بنُ عَبْدِ البَرِّ في «التمهيد» بعد أَن ذكر روَاية جابِر، وابنِ مَسْعُودٍ في الوُرُودِ: وروي عن كَعْبٍ أَنه تَلاَ: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها فقال: أَتَدْرُونَ مَا وُرُودُهَا؟ إنه يُجَاءُ بجهنَّم فتُمْسكُ للناس كأَنها متْن إهَالَة: يعني: الوَدَك الذي يجمد على القِدْر من المرقَةِ، حَتَّى إذا استقرت عليها أَقدَام الخَلائِق: بَرّهم وفاجرهم، نَادَى مُنَادٍ: أَنْ خُذِي أَصْحَابِك، وذَرِي أَصْحَابِي، فيُخْسَفُ بكلِّ وليٍّ لها، فَلَهِيَ أَعلَمُ بهم مِنَ الوَالِدَة بولَدِهَا، وينجو المُؤْمِنُونَ نَدِيَّة ثيابهم «٣» .\nوروي هذا المعنى عن أَبي نَضْرَةَ، وزاد: وهو معنى قولِه تَعَالَى: فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ [يس: ٦٦] . انتهى.\nوقوله تعالى: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقامًا ... الآية، هذا افتخارٌ من كفار قريش وأَنه إِنما أَنعم الله عليهم لأَجْلِ أَنهم على الحقِّ بزعمهم. والنَّدِيّ، والنَّادِي: المجْلِسُ، ثم رد الله تعالى حُجَّتَهم وحقَّر أَمْرهم فقال تعالى: وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثاثًا وَرِءْيًا أيْ: فلم يُغْن ذلك عنهم شَيْئًا «٤»، والأَثَاث: المال العين، والعَرْض «٥» والحيوان.\nوقرأَ نافِعٌ «٦» وغيرُه: «ورءيا» بهمزةٍ بعدها ياء من رؤية العين.\n_________\n(١) ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٢٨٢)، وعزاه إلى أحمد، وابن المبارك، كلاهما في «الزهد»، وابن عساكر.\n(٢) ذكره ابن عطية (٤/ ٢٧)، وابن كثير (٣/ ١٣٢) .\n(٣) أخرجه الطبريّ (٨/ ٣٦٥) رقم (٢٣٨٣٨)، وذكره ابن كثير (٣/ ١٣٣) .\n(٤) سقط في ج، وفي ب شيئا.\n(٥) في ج: العروض.\n(٦) ينظر: «السبعة» (٤١١، ٤١٢)، و«الحجة» (٥/ ٢٠٩)، و«إعراب القراءات» (٢/ ٢٣)، و«معاني القراءات» (٢/ ١٣٨)، و«العنوان» (١٢٧)، و«حجة القراءات» (٤٤٦)، و«شرح شعلة» (٤٨٧)، و«إتحاف» (٢/ ٢٣٩) .","vol":"4","page":33},{"text":"قال البخاري «١»: ورءيًا: منظرًا.\nوقرأ نافعٌ أيضًا، وأَهل المدينة: «وَرِيًّا» بياء مشددة، فقيل: هي بمعنى القِرَاءةِ الأُولى، وقيل: هي بمعنى الرِّيِّ في السُّقْيَا إذْ أَكْثر النعمة مِنَ الريِّ والمطر.\nوقرأ ابنُ جُبَيْر، وابنُ عباسٍ، ويزيدُ البريري: «وزيّا» بالزاي المعجمة بمعنى:\nالملبس. [وأما] «٢»:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-876>[سورة مريم (١٩): الآيات ٧٥ الى ٧٦]</span>\nقُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا حَتَّى إِذا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا (٧٥) وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا (٧٦)\nقوله سبحانه: قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا، فيحتمل أَنْ يكون بمعنى الدُّعَاءِ والاِبْتِهَال كأَنه يقولُ: الأَضَلّ مِنّا ومنكم مد الله له، أَيْ: أملى له حَتَّى يؤول ذلك إلَى عذابِه، ويحتمل أَنْ يكون بمعنى الخبر أنه سبحانه هذه عَادَتُه: الإمْلاَءُ للضَّالِينْ: حَتَّى إِذا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذابَ، أَيْ: في الدنيا بنصر الله لِلْمُؤْمِنينَ عليهم، وَإِمَّا السَّاعَةَ فيصيرون إلى النارِ، والجند النّاصرون: القائمون بأمر الحرب، وشَرٌّ مَكانًا بإزاء قولهم خَيْرٌ مَقامًا وأَضْعَفُ جُنْدًا بإزاء قولهم: أَحْسَنُ نَدِيًّا ولما ذكر سبحانه ضَلاَلَةَ الكَفَرةِ وافتخارَهُم بنِعَم الدنيا عَقَّبَ «٣» ذلك بذكر نِعْمة الله على المؤْمِنينَ في أَنه يزيدهم هُدَىً في الارْتِبَاط بالأَعمالِ الصَّالحة، والمعرفة بالدَّلائل الوَاضِحَة، وقد تقدَّم تَفْسِيرُ البَاقِيَاتِ الصالحات عن النبيّ ﷺ: «وأنها: سُبْحَانَ اللهِ، والحمُدْ لِلَّهِ، وَلاَ إله إلا الله، والله أكبر» وقد قال ﷺ لأَبِي الدَّرْدَاءِ: «خُذْهُنَّ يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ قَبْلَ أَنْ يُحَالَ بَيْنَكَ، وَبَيْنَهُنَّ فَهُنَّ الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ، وهنّ من كنوز الجنّة «٤»»، وعنه ﷺ أَنه قَالَ:\n«خُذُوا جُنَّتِكُم، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَمِنْ عَدُوٍّ حَضَرَ؟ قَالَ: مِنَ النَّارِ، قَالُوا: مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وهنّ الباقيات الصّالحات» «٥» .\n_________\n(١) ينظر: «صحيح البخاري» (٨/ ٢٨٠) كتاب التفسير: باب كهيعص.\n(٢) سقط في ج.\n(٣) في ب، ج: عقّب الله.\n(٤) أخرجه الطبريّ في «تفسيره» (١٦/ ٩١)، وذكره الهندي في «كنز العمال» (٤٣٦٦٤)، وعزاه للطبراني عن أبي الدرداء.\n(٥) أخرجه الحاكم (١/ ٥٤١)، والطبراني في «الصغير» (١/ ١٤٥)، والعقيلي في «الضعفاء» (٣/ ١٧-","vol":"4","page":34},{"text":"وكَان أَبو الدرداء يقولُ إذَا ذكر هذا الحدِيثَ: لأُهَلِّلنّ، ولأُكَبِّرنَّ اللهَ، ولأُسَبِّحَنَّهُ حَتَّى إذَا رَآنِي الجَاهِلُ ظنِّنِي مَجْنُونًا «١» .\nت: ولو ذكرنا ما ورد مِنْ صَحِيح الأَحادِيث في هذا الباب، لخرجنا بالإطالة عن مقصود الكتاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-877>[سورة مريم (١٩): الآيات ٧٧ الى ٧٩]</span>\nأَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَدًا (٧٧) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْدًا (٧٨) كَلاَّ سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا (٧٩)\nوقوله/ سبحانه: أَفَرَأَيْتَ «٢» الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا هو العاصي بن وائل السهميّ قاله ٦ ب جمهورُ المفسرين، وكان خبره أَنْ خَبَّابَ بْنَ الأَرَتّ كان قَيْنًا في الجاهلية، فعمل له عملًا، واجتمع له عنده دَيْن فجاءه يَتَقاضَاهُ، فقال له العاصِي: لا أقضيك حتَّى تكفُرَ بمحمدٍ، فقال خَبَّابٌ: لا أكفرُ بمحمّدٍ حتى يُميتَكَ اللهُ، ثم يبعثك فقال العاصي: أَوَ مبعُوثٌ أنا بعد الموت؟! فقال: نعم، فقال: فإنه إذَا كان ذلك، فسيكُونُ لِي مَالٌ، ووَلَدٌ، وعند ذلك أَقضيكَ دَيْنَكَ فنزلت الآيةُ في ذلك.\nوقال «٣» الحسنُ: نزلتْ في الْوَلِيدِ بنِ المُغِيرة.\nقال: ع «٤»: وقد كانت لِلْوَلِيدِ أَيْضًا، أَقْوَالٌ تشبه هذا الغرض.\nت: إلاَّ أَنَّ المسند الصحيح في «البخاري» هو الأَول.\n_________\n- ١٨)، وابن عدي في «الكامل» (٦/ ٢٠٨٥) كلهم من طريق محمد بن عجلان عن المقبري عن أبي هريرة به.\nوقال الحاكم: «صحيحٌ على شرط مسلمٍ ولم يخرِّجاه»، ووافقه الذهبي.\nوذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٩٢) وقال: رواه الطبراني في «الصغير» و«الأوسط»، ورجاله ثقات.\nوقد طعن أبو حاتم كما في «العلل» (٢/ ١٠٠) رقم (١٧٩٣) في هذا الحديث.\nوله طريق آخر عند الخطيب: فأخرجه في «تاريخه» (٩/ ٣٣٦) من طريق صلة من سليمان العطار عن أشعث عن ابن سيرين عن أبي هريرة به.\nونقل الخطيب عن أبي حاتم قوله في صلة: متروك الحديث، أحاديثه عن أشعث منكرة.\n(١) أخرجه الطبريّ (٨/ ٣٧٤) رقم (٢٣٨٩٨)، وذكره ابن عطية (٤/ ٣٠)، وابن كثير (٣/ ١٣٥) .\n(٢) في ج: يعني أفرأيت. [.....]\n(٣) ذكره ابن عطية (٤/ ٣٠) .\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٣٠) .","vol":"4","page":35},{"text":"وقولُه: أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْدًا معناه بالأَيْمان، والأَعْمال الصالحات «١» .\nوكَلَّا زَجْرٌ، وردٌّ، وهذا المعنى لاَزِمٌ ل «كَلاَّ»، ثم أَخبر سبحانه: أَن قولَ هذا الكافر سَيُكْتب على معنى حفظه عليه، ومعاقبته «٢» به، ومدّ العذاب: هو إطالته وتعظيمه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-878>[سورة مريم (١٩): الآيات ٨٠ الى ٨٣]</span>\nوَنَرِثُهُ ما يَقُولُ وَيَأْتِينا فَرْدًا (٨٠) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (٨٢) أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣)\nوقوله سبحانه: وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ أَيْ: هذه الأَشياء التي سمّى أنه يُؤْتَاها في الآخرة، يرث اللهُ ماله منها [في الدنيا بإهلاكه، وتَرْكِه لها، فالوراثة «٣» مستعارةٌ] «٤» .\nوقال النحاسُ «٥»: نَرِثُهُ مَا يَقُولُ معناه: نحفظه عليه لنعاقبه به ومنه قوله ﷺ:\n«العُلَمَاءُ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ» أي: حفظة ما قالوا.\nقال ع «٦»: فكأَنَّ هذا المجرمُ يورث هذه المقالة.\nوقوله: وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا معناه: يجدونهم خِلاَف ما كانوا أمّلُوه في مَعْبُودَاتِهم فَيَؤولُ ذلك بهم إلى ذِلَّة، وضِدِّ ما أملوه من العزّ، وغيره، وهذه صفة عامة.\nوتَؤُزُّهُمْ معناهُ: تُقْلِقُهم وتحرِّكُهم إلى الكفر والضلالِ.\nقال قتادةُ «٧»: تزعِجُهم إزْعاجًا، وقال ابنُ زيد «٨»: تُشْلِيهم إشْلاَءً، ومنه، أَزِيزُ القِدر، وهو غَلَيَانُه وحَرَكَتُه ومنه الحديث: «أتيت رسول الله ﷺ فَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي، وهُو يَبْكِي، ولِصَدْرِهِ أَزِيزٌ كأَزِيزِ المرجل» «٩» .\n_________\n(١) في ب، ج: الصالحة.\n(٢) في ب: ومعاقبته إياه.\n(٣) في ج: الوارثة.\n(٤) سقط في ب.\n(٥) ذكره ابن عطية (٤/ ٣١) .\n(٦) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٣١) .\n(٧) أخرجه الطبريّ (٨/ ٣٧٩) رقم (٢٣٩٢٦)، وذكره البغوي (٣/ ٢٠٨)، وابن عطية (٤/ ٣٢)، وابن كثير (٣/ ١٣٦)، والسيوطي (٤/ ٥٠٧)، وعزاه لعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة.\n(٨) أخرجه الطبريّ (٨/ ٣٧٩) رقم (٢٣٩٢٧)، وذكره ابن عطية (٤/ ٣٢) .\n(٩) أخرجه أبو داود (١/ ٣٠٠) كتاب الصلاة: باب البكاء في الصلاة، حديث (٩٠٤)، والنسائي (٣/ ١٣) -","vol":"4","page":36},{"text":"ت: هذا الحديثُ خرَّجه مسلمٌ، وأَبُو دَاوُدَ عن مُطَرِّف عن أَبِيه.\nوقال العِرَاقِيّ: تَؤُزُّهُمْ أي: تدفعهم: انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-879>[سورة مريم (١٩): الآيات ٨٤ الى ٨٧]</span>\nفَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (٨٤) يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْدًا (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦) لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلاَّ مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْدًا (٨٧)\nوقوله سبحانه: فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ أَيْ: لاَ تَسْتَبطِىءْ عَذَابهم.\nوقوله تعالى: يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْدًا.\nقال ع «١»: وظاهر هذه الوفادة «٢» أَنها بعد انقضاء الحساب، وإنما هي النهوضُ إلَى الجنَّة، وكذلك سوقُ المجرمين إنما هو لدخول النّار.\nووَفْدًا قال المفسرون: معناه رُكْبانًا، وهي «٣» عادةُ الوفود لأَنهم سَرَاةُ الناسِ، وأَحسنهم شَكْلًا، وإنما شَبَّههم بالوفْدِ هيئة، وكرامة.\nوروي عن عَلِيِّ﵁- أَنهم يَجِيئُونَ رُكْبانًا على النُّوقِ المحلاَّة بحِلْيةِ الجنَّة: خطمُها من يَاقُوتٍ، وزَبَرْجَدٍ «٤»، ونحو هذا.\nوروى عمرو بْنُ قيس المَلاَّئِي: أنهم يركبون على تماثيل مِنْ أَعمالهم الصَّالِحة، وهي\n_________\n- كتاب السهو: باب البكاء في الصلاة، حديث (١٢١٤)، والترمذي في «الشمائل» رقم (٣٢٣)، وأحمد (٤/ ٢٥، ٢٦)، وعبد بن حميد في «المنتخب من المسند» رقم (٩٠٠)، وابن خزيمة (٩٠٠)، وأبو يعلى (٣/ ١٧٤- ٧٥) رقم (١٥٩٩)، وابن حبان (٥٢٢- موارد)، والحاكم (١/ ٢٦٤)، والبيهقي (٢/ ٢٥١) كتاب الصلاة، كلهم من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن مطرف بن عبد الله بن الشخير عن أبيه به.\nوقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. ووافقه الذهبي.\nوصححه ابن خزيمة، وابن حبان.\nتنبيه: عزا المؤلف هذا الحديث لمسلم، وقد وهم في ذلك.\nوينظر: «تحفة الأشراف» (٤/ ٣٥٩) .\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٣٥٩) .\n(٢) في ب: الرفادة. [.....]\n(٣) في ج: وهو.\n(٤) أخرجه الطبريّ (٨/ ٣٨٠) رقم (٢٣٩٢٩)، وذكره البغوي (٣/ ٢٠٩)، وابن عطية (٤/ ٣٢)، وابن كثير (٣/ ١٣٧)، والسيوطي (٤/ ٥٠٨)، وعزاه لابن أبي شيبة، وعبد الله بن أحمد في «زوائد المسند»، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والحاكم وصححه، والبيهقي في «البعث» عن علي.","vol":"4","page":37},{"text":"في غَاية الحُسْن «١» .\nوروي: أَنه يركب كُلُّ واحدٍ منهم ما أَحبَّ فمنهم: مَنْ يركبُ الإبلَ، ومنهم: مَنْ يركب الخَيْلَ، ومنهم مَنْ يركب السُّفُنَ، فتجيء عَائِمةٌ بهم، وقد ورد في «الضَّحَايَا»: أَنها مَطَايَاكُمْ إلَى الجَنَّةِ «٢» وأَكْثَر هذه فيها ضَعْفٌ مِنْ جهة الإِسْناد، والسَّوْقُ: يتضمن هوانا، والورد: العطاش قاله «٣» ابن عباس، وأَبُو هريرة، والحَسَنُ «٤» .\n٧ أواختلف في الضَّمِير في قوله: [لاَّ] يَمْلِكُونَ «٥» فقالت/ فِرْقةٌ: هو عائد على الْمُجْرِمِينَ أي: لا يملكون أَنْ يَشْفَعَ لهم وعلى هذا فالاِسْتِثْنَاءُ مُنقَطِع، أيْ: لكن من اتخذ عند الرحمن عهدًا يشفعُ له.\nوالعهدُ عَلَى هذا الأَيْمان، وقال ابنُ عباسٍ: العهدُ: لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ «٦»، وفي الحدِيث:\nيقول اللهُ تعالى يَوْمَ القِيَامة: «مَنْ كَانَ لَهُ عِنْدِي عَهْدٌ، فَلْيَقُمْ» .\nقال ع «٧»: ويحتمل: أَنْ يكون المجرمون يعمُّ الكَفَرَةَ والعُصَاة، أيْ: إلاَّ من اتخذ عند الرحمن عَهْدًا من عُصَاةِ المؤْمِنِينَ فإنه يشفع لهم، ويكون الاستثناء متّصلا.\n_________\n(١) أخرجه الطبريّ (٨/ ٣٨٠) رقم (٢٣٩٣٢) نحوه، وذكره ابن عطية (٤/ ٣٢)، وابن كثير (٣/ ١٣٧) نحوه.\n(٢) قال السخاوي في المقاصد ص (٥٨): أسنده الديلمي من طريق ابن المبارك عن يحيى بن عبيد الله عن أبيه عن أبي هريرة رفعه بهذا، ويحيى ضعيف جدا، ووقع في «النهاية» لإمام الحرمين، ثم في «الوسيط» ثم في «العزيز»: «عظموا ضحاياكم، فإنها على الصراط مطاياكم»، وقال الأول: معناه: إنها تكون مراكب للمضحين، وقيل: إنها تسهل الجواز على الصراط، لكن قد قال ابن الصلاح: إن هذا الحديث غير معروف ولا ثابت فيما علمناه. وقال ابن العربي في «شرح الترمذي»: ليس في فضل الأضحية حديث صحيح، ومنها: قوله: «إنها مطاياكم إلى الجنة» .\n(٣) سقط في ج.\n(٤) أخرجه الطبريّ (٨/ ٣٨١) عن ابن عباس برقم (٢٣٩٣٦)، وعن أبي هريرة برقم (٢٣٩٣٧) وعن الحسن برقم (٢٣٩٣٨)، وذكره البغوي (٣/ ٢٠٩)، وابن عطية (٤/ ٣٢)، وابن كثير (٣/ ١٣٨)، والسيوطي (٤/ ٥٠٩، ٥١٠)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في «البعث» عن ابن عباس، وعزاه أيضا لابن المنذر عن أبي هريرة، ولهناد عن الحسن.\n(٥) في ب، ج: يملكون.\n(٦) أخرجه الطبريّ (٨/ ٣٨١) برقم (٢٣٩٤٣)، وذكره البغوي (٣/ ٢٠٩) ولم يعزه لأحد، وابن عطية (٤/ ٣٢)، وابن كثير (٣/ ١٣٨)، والسيوطي (٤/ ٥١٠)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في «الأسماء والصفات» عن ابن عباس.\n(٧) ينظر «المحرر الوجيز» (٤/ ٣٢) .","vol":"4","page":38},{"text":"وقالت فِرْقَةٌ: الضميرُ في «١» لاَّ يَمْلِكُونَ للمتقين.\nوقوله: إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ ... الآية أيْ: إلاَّ من كان له عملٌ صَالِحٌ مبرورٌ [فيشفَعُ] فيُشَفَّع «٢»، وتحتملُ الآية أَنْ يُرادَ ب «مَنْ» النبي ﷺ، وبالشَّفَاعَة الخاصَّة له العامة في أَهل الموقِفِ، ويكون الضميرُ في لاَّ يَمْلِكُونَ «٣» لجميع أَهْل الموقف أَلا تَرَى أَنَّ سَائِرَ الأَنبياء يتدافعون الشفاعة إذ ذاك، حتّى تصير إليه ﷺ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-880>[سورة مريم (١٩): آية ٨٨]</span>\nوَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَدًا (٨٨)\nوقوله تعالى: وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَدًا.\nقال البَاجِيُّ في «سنن الصالحين» له: رُوِيَ عن ابن مَسْعُودٍ، أَنه قال: إنَّ الجبل ليقولُ للجبل: يا فلانُ، هل مَرَّ بِكَ اليومَ ذَاكِرٌ لله تعالى؟ فإنْ قال: نعم، سُرَّ بِهِ «٤»، ثُمَّ قرأ عبدُ اللهِ: وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَدًا لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا إلى قولهِ: وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَدًا قال: أَتروْنَها تسمع الزُّورَ، ولا تسْمَعُ الخيْرَ «٥» . انتهى.\nوهكذا رواه ابنُ المُبَارك في «رقائقه» وما ذكره ابنُ مسعودٍ لا يقالُ من جهة الرأْيِ، وقد رُوِيَ عن أَنسٍ، وغيرهِ نحوه.\nقال الباجي بِإثْرِ الكَلاَمِ المتقدم: وروى جعفرُ بْنُ زَيْدٍ، عن أَنَسِ بن مَالِكٍ أَنه قالَ:\nمَا مِنْ صَبَاحٍ وَلاَ رَوَاحٍ إلاَّ وتُنَادِي بِقَاعُ الأَرض بعضها بعضًا: أَيْ جَارَةُ، هَلْ مَرَّ بِكِ اليَوْمَ عَبْدٌ يُصَلِّي أَو يَذْكُر الله؟ فَمِن قائلةٍ: لاَ، ومِنْ قَائِلَةٍ: نَعَمْ، فإذا قَالَتْ: نَعَمْ، رأت لها فضلا بذلك. انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-881>[سورة مريم (١٩): الآيات ٨٩ الى ٩٦]</span>\nلَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَدًا (٩١) وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمنِ عَبْدًا (٩٣)\nلَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْدًا (٩٥) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا (٩٦)\n_________\n(١) في ج، ب: في قوله.\n(٢) في ب: ليشفع.\n(٣) في ج: في يملكون.\n(٤) ذكره السيوطي (٤/ ٥١١) وعزاه لابن المبارك، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وأحمد في «الزهد»، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ في «العظمة»، والطبراني، والبيهقي في «شعب الإيمان» عن طريق عون عن ابن مسعود.\n(٥) ذكره السيوطي (٤/ ٥١١)، وعزاه لعون. [.....]","vol":"4","page":39},{"text":"وقوله سبحانه: لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا الآية، الإدُّ: الأَمرُ الشنِيعُ الصَّعْبُ.\nت: وقال العِرَاقِي: «إدًّا»، أَيْ: عَظِيمًا، انتهى.\nوالانْفِطَارُ: الاِنْشِقَاقُ، والهَدُّ: الاِنْهِدَامُ، قال محمدُ بنُ كَعْبٍ «١»: كاد أَعداءُ الله أَنْ يُقِيمُوا علينا السَّاعَةَ.\nوقوله: إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ ... الآية، إنْ نافيةٌ بمعنى مَا.\nوقوله: فَرْدًا يتضمنُ عَدَمَ النصير، والحَوْلِ والقُوّةِ، أيْ: لا مُجِير له مما يُريد اللهُ به.\nوعبارة الثَّعْلَبِيّ: «فردًا» أيْ: وحيدًا بعمله، ليس معه من الدنيا شيءٌ. اهـ.\nت: وهذه الآيةُ تُنظر إلى قوله تعالى وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى ... الآية.\n[الأنعام: ٩٤] .\nوقوله تعالى: سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا ذهب أكثرُ المفسرين إلى: أن هذا الوُدّ هو القبول الذي يضعه اللهُ لمن يحب مِنْ عباده حَسْبَما في الحديث الصَّحيح المأثور، وقال عُثْمان بن عَفّان﵁-: أَنها بمنزلة قول النبيّ ﷺ «من أسَرَّ سَرِيرةً ألْبَسُهُ اللهُ رِدَاءَها» «٢» .\nت: والحديثُ المتقدِّمُ المُشَارُ إليه أَصلُهُ في «الموطإ» ولفظه: مالك، عن سُهَيْل بن أبي صالح السَّمان، عن أَبيه، عن أَبِي هريرَةَ أَنَّ رسول الله ﷺ قال: «إذَا أَحَبَّ اللهُ العَبْدَ قَالَ لِجِبْريلُ: يا جبريل قَدْ أَحْبَبْتُ فُلاَنًا فَأَحِبَّهُ، فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي في أَهْلِ السَّمَاءِ «٣»: إنَّ اللهَ أَحَبَّ فُلاَنًا، فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يَضَعُ لَهُ القَبُولَ فِي الأَرْضِ» .\nوَإذَا أَبْغَضَ الْعَبْدَ، قَالَ مالكٌ: لا أَحْسبُه إلاَّ قال في [البغض] «٤» مثل ذلك «٥» .\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٤/ ٣٤) .\n(٢) ذكره ابن عطية (٤/ ٣٤) .\n(٣) في ج: السموات.\n(٤) سقط في ب.\n(٥) أخرجه مالك (٢/ ٩٥٣) كتاب الشعر: باب ما جاء في المتحابين في الله، حديث (١٥)، ومسلم (٤/ ٢٠٣٠) كتاب البر والصلة: باب إذا أحب الله عبدا، حديث (١٥٧/ ٢٦٣٧)، والترمذي (٥/ ٣١٧--","vol":"4","page":40},{"text":"قال أبو عمر [بن عبد البر] «١» في «التمهيد» «٢» /، وممن روى هذا الحديث عن ٧ ب سُهَيْل، بإسناده هذا «٣» فذكر البُغْضَ من غير شَكٍّ معمرُ وعبدُ العزيز بن المختار، وحماد بنُ سَلَمة، قالوا في آخره: وإذَا أَبْغَض بمثل «٤» ذلك، ولم يشكوا.\nقال أَبو عُمَر: وقد قال المفسِّرُون في قوله تعالى: سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا:\nيُحِبُّهم ويُحبِّبُهم إلى الناس، وقاله مُجَاهِدٌ، وابنُ عباس «٥»، ثم أَسند أَبو عُمَرَ عن كْعبٍ أَنه قال: واللهِ مَا اسْتَقَر لعبدٍ ثَنَاءٌ في أَهْل الدُّنْيَا حتى يَسْتَقِرَّ له في أَهْل السماء.\nقال كعبٌ: وقرأتُ «٦» في التوراة أنه لم تكن مَحَبَّةٌ لأَحَدٍ من أَهْل الأَرْضِ إلاَّ كان بَدّأَها من الله ﷿ ينزلها على أَهْل السماء، ثم ينزلها على أهْل الأرض، ثم قرأت القرآن، فوجدتُ فيهِ: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا وأَسْنَد أَبو عمر، عن قتادة [قال] «٧»: قال هَرِمَ بْنُ حَيَّان: ما أَقْبَلَ عبدٌ بقلبه إلى اللهِ تعالى إلاَّ أَقبل اللهُ بقلوب أَهْل الإيمان عليه حَتَّى يرزُقَه مودَّتَهُمْ ورحْمَتَهُمْ. انتهى «٨» .\nقال ابنُ المُبَارَك في «رقائِقه»: أَخبرنا سُلَيْمَان بُنِ المُغِيرة، عن ثابت قال: قِيلَ:\nيَا رَسُولَ اللهِ، مَنْ أَهْل الجَنَّة؟ قال: «مَنْ لاَ يَمُوتُ حَتَّى يَمْلأَ [الله] «٩» سمعه «١٠» ممّا\n_________\n- ٣١٨) كتاب «التفسير»: باب «ومن سورة مريم»، حديث (٣١٦١)، وأحمد (٢/ ٢٦٧، ٣٤١)، وعبد الرزاق (١٩٦٧٣)، وابن حبان (٣٦٥)، وأبو نعيم في «الحلية» (١٠/ ٣٠٦) كلهم من طريق سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة به.\nوقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.\nوأخرجه البخاري (١٣/ ٤٦٩) كتاب التوحيد: باب كلام الرب ﷿ مع جبريل، حديث (٧٤٨٥) من طريق عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن أبيه عن أبي صالح عن أبي هريرة.\n(١) سقط في ب، ج.\n(٢) ينظر: «التمهيد» (٢١/ ٢٣٧- ٢٣٨) .\n(٣) في ج: هذه.\n(٤) في ج، ب: مثل.\n(٥) أخرجه الطبريّ (٨/ ٣٨٥) عن مجاهد برقم (٢٣٩٦١)، وعن ابن عباس برقم (٢٣٩٦٥)، وذكره البغوي (٣/ ٢١٠)، وعزاه عن مجاهد، والسيوطي (٤/ ٥١٢)، وعزاه لعبد الرزاق، والفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير عن ابن عباس بلفظ: «محبة في الناس في الدنيا» .\n(٦) في ج: قوله.\n(٧) سقط في ج.\n(٨) أخرجه الطبريّ (٨/ ٣٨٦) رقم (٢٣٩٦٧) . [.....]\n(٩) سقط في ب، ج.\n(١٠) في ج: مسامعه.","vol":"4","page":41},{"text":"يُحِبُّ» قال: فقيل «١»: يا رسول اللهِ، مَنْ أَهْلُ النَّارِ؟ قَالَ: «مَنْ لاَ يَمُوتُ حَتَّى يَمْلأَ اللهُ سَمْعَهُ مِمَّا يَكْرَهُ» . انتهى.\nقال ع «٢»: وفي حَدِيثِ أبي هريرة قال: قَالَ رسول الله ﷺ: «مَا مِنْ عَبْدٍ إلاَّ وَلَهُ في السَّمَاء صِيتٌ، فَإنْ كَانَ حَسَنًا، وُضِعَ فِي الأَرْضِ حَسَنًا، وإنْ كَانَ سَيِّئًا وُضِعَ في الأَرْضِ سَيِّئًا» «٣» .\nت: وهذا الحديثُ خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ في كتاب «الزهد» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-882>[سورة مريم (١٩): الآيات ٩٧ الى ٩٨]</span>\nفَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا (٩٧) وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا (٩٨)\nوقوله تعالى: فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ أَيْ: القرآن لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ أيْ: بالجنة، والنَّعِيم الدائم، والعزّ في الدنيا.\nوقَوْمًا لُدًّا هم: قريشٌ، ومعناه: مُجَادِلِينَ مُخَاصِمِينَ، والأَلَدُّ: المُخَاصِمُ المبالِغُ في ذلك، ثم مثَّل لهم بإهلاَكِ مَنْ قبلهم إذْ كانوا أَشَدَّ مِنْهُم، وأَلَدَّ وأَعْظَم قدْرًا، و«الركز»:\nالصَّوْتُ الخَفِيّ.\n_________\n(١) في ج: قيل.\n(٢) ينظر «المحرر الوجيز» (٤/ ٣٤) .\n(٣) أخرجه البزار (٣٣٠٦- كشف) من حديث أبي هريرة.\nوذكره الهندي في «كنز العمال» (٤٣٠٣٨)، وعزاه للبزار عن أبي هريرة.","vol":"4","page":42},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-883>تفسير سورة طه</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم وهي مكيّة قوله ﷾:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-884>[سورة طه (٢٠): الآيات ١ الى ٨]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nطه (١) ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى (٢) إِلاَّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى (٣) تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى (٤)\nالرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى (٥) لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى (٦) وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى (٧) اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى (٨)\nقوله سحانه وتعالَى: طه مَآ أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى قيل: طه: آسْمٌ من أَسْمَاءِ نَبِيِّنَا محمّدٍ ﷺ وقِيلَ: معناه: يا رَجُلُ بالسُّرْيَانِيّة، وقِيلَ: بغيرها مِنْ لُغَاتِ العَجَمِ.\nقال البخاريُّ: قال ابن جُبَيْرٍ: طه: يا رجلُ، بالنَّبطِيَّة «١» انتهى.\nوقيل «٢»: إنها لغةٌ يَمَانِيةٌ في «عَكَّ» وأَنشد الطبريُّ «٣» في ذلك: [الطويل]\nدَعَوْتُ ب «طَه» فِي الْقِتَالِ فَلَمْ يُجِب ... فَخِفْتُ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ مُوَائِلاَ «٤»\nوقال آخرُ: [البسيط]\nإنَّ السَّفَاهَةِ «٥» - طه- مِنْ خَلاَئِقِكُم ... لاَ بَارَكَ اللهُ فِي الْقَوْمِ المَلاَعِينِ «٦»\nوقالت فِرْقَةٌ من العُلَمَاءِ: سَبَبُ نزولِ هذه الآية أَن قريشًا لما نظرت إلى عيش النبي ﷺ وشَظَفِه وكَثْرة عِبَادَته قالت: إن محمدًا مع ربِّه في شقاءٍ، فنزلت الآيةُ رادَّةً عليهم «٧» .\n_________\n(١) أخرجه الطبريّ (٨/ ٣٨٩) برقم (٢٣٩٨٨) بلفظ: «يا رجل كلمة بالنبطية»، وذكره ابن كثير (٣/ ١٤١) .\n(٢) في ب، ج: وحكى.\n(٣) ينظر: «الطبريّ» (١٦/ ١٣٦) .\n(٤) البيت لمتمم بن نويرة، و«الموئل» الملجأ، وموائل منه: طالب النجاة، وهو اسم فاعل «واءل» أي:\nبادر، والشاهد في قوله: «طه» على أنها بمعنى «يا رجل» . ينظر البيت في: «تفسير الطبريّ» (١٦/ ١٣٦)، وفيه «صفت بطه»، و«روح المعاني» (١٦/ ١٤٨) .\n(٥) في ج، ب: الشفاعة.\n(٦) والاستشهاد به كالاستشهاد بالبيت السابق- ينظر البيت في «حاشية الشهاب» (٦/ ١٧٨)، و«الطبريّ» (٨/ ٣٩٠)، و«مجمع البيان» (٤/ ٢)، و«الفخر الرازي» (٢٢/ ٤)، و«البحر المحيط» (٦/ ٢١٢)، و«الدر المصون» (٥/ ٣) .\n(٧) ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٥١٦) عن الربيع بن أنس، وعزاه لعبد بن حميد، وابن أبي حاتم.","vol":"4","page":43},{"text":"وأسند عِيَاضٌ في «الشفا» «١» من طريق أَبِي ذَرٍّ الهروي، عن الرَّبِيعِ بن أَنَسٍ قال: كان ٨ أالنبيّ ﷺ إذَا صَلَّى/، قَامَ عَلَى رِجْلٍ وَرَفَعَ الأخرى، فأنْزَل الله طه يعني: طَإ الأَرْضَ يَا محمد، ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى ولاَ خَفاءَ بمَا في هذا كله من الإكرام له (ﷺ) وحُسْن المعاملة. انتهى.\n[قال ص: لِتَشْقى إِلَّا تَذْكِرَةً عِلَّتانِ لِقَوْلِه: مَا أَنْزَلْنا. انتهى] «٢» .\nوقد تقدم القولُ في مَسْأَلَةِ الاسْتِوَاء، وباقي الآية بيّن.\nقال ابنُ هِشَام: قوله تعالى: وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ أيْ: فاعلم أَنه غَنِيٌّ عن جهرك فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى، فالجوابُ مَحذُوفٌ. انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-885>[سورة طه (٢٠): الآيات ٩ الى ١٤]</span>\nوَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى (٩) إِذْ رَأى نَارًا فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً (١٠) فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً (١٢) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى (١٣)\nإِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي (١٤)\nوقوله سبحانه: وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى إِذْ رَأى نَارًا فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً هذا الاِسْتفهام توقيفٌ مضمنه:\nتَنْبِيه النفس إلى استماع ما يورد عليها، وهذا كما تبدَأُ الرجل إذا أَردْتَ إخْبَارَه بأَمْرٍ غَرِيبٍ فتقول: أعلمْتَ كذا، وكذا، ثم تبدأ تخبره.\nوكان من قصّة موسى﵇- أنه رحل من مَدْيَن بأهله بِنْت شُعَيْب﵇- وهو يريدُ أَرض مِصْر، وقد طالت مُدَّة جِنَايته هُنَالِكَ، فَرَجَا خَفَاءَ أمْره، وكان فيما يزعمون رَجُلًا غَيُورًا، فكان يَسِيرُ الليلَ بأهْلِهِ، وَلاَ يَسِيرُ بالنهار مخافةَ كشفة «٣» الناسِ، فَضَلَّ عن طريقه في لَيْلَةٍ مظلمة، فبينما هو كذلك، وقد قَدَحَ بزنده، فلم يُورِ شَيْئًا إِذْ رَأى نَارًا فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا، أيْ: أقِيموا، وذهب هو إلى النار، فإذا هي مُضْطَرِمةٌ في شَجَرةٍ خَضْرَاءَ يانِعةٍ، قيل: كانت من عُنَّابٍ، وقِيلَ: من عَوْسَج «٤»، وقِيلَ: من علّيق «٥»، فكلّما\n_________\n(١) في ب: عبارة من.\n(٢) سقط في ب. [.....]\n(٣) في ج: كشف.\n(٤) العوسج: شجر من شجر الشوك، له ثمر مدوّر كأنه خرز العقيق. واحدته: عوسجة.\nينظر: «المعجم الوسيط» (٦٠٦) .\n(٥) في ج، ب: عليقة.","vol":"4","page":44},{"text":"دَنَا مِنْها، تباعَدَتْ منه، ومَشَتْ فإذا رجع عنها اتَّبعَتْهُ، فلما رأَى ذَلِكَ أَيقنَ أَنَّ هذا مِنْ أُمُورِ الله الخَارِقَةِ للعادة، ونُودِي، وانقضى أَمْرُه كُلّه في تلك الليلة هذا «١» قول الجُمْهُورِ، وهو الحقُّ، وما حُكِيَ عن ابنِ عباسٍ: أنَّه قال: أَقامَ في ذلك الأَمْرِ حَوْلًا، فغيرُ صَحِيحٍ عن ابن عباس «٢» .\nوآنَسْتُ: معناه: أَحْسَسْتُ، والقَبَسُ: الجذْوةُ من النار، تكون على رَأْس العُودِ.\nوالهُدَى: أراد هُدَى الطريقِ، أَيْ: لعلي أَجِدُ مرشدًا لي، أوْ دليلًا.\nوفي قِصَّة موسى بأسْرها في هذه السورة تسلية للنبي ﷺ عما لقي في تبليغه من المشقّات ﷺ والضميرُ في قوله: أَتاها: عائِدٌ على النار.\nوقوله: «نُودي»: كنايةٌ عن تَكْلِيم الله تعالى له (﵇) .\nوقرأَ نَافِعٌ «٣» وغيرُه: إنِّي- بكسر الهمزة- على الابْتداءِ، وقرأَ أَبُو عَمْرو، وابن كَثِير:\n«أَنِّي» - بفتحها- على معنى: لأَجل أَنِّي أَنا رَبُّك، فَاخْلَعْ نعليك.\nواخْتُلِفَ في السبب الذي مِنْ أَجْله أُمِرَ بخلْعِ النعلين: فقالتْ فِرْقَةٌ: كَانَتَا من جِلْد حَمِارٍ مَيِّتٍ، فأُمِرَ بِطَرْحِ النَّجَاسَةِ.\nوقالت فرقةٌ: بل كَانَتْ نَعْلاَهُ مِنْ جِلْدِ بقَرَةٍ ذَكِيّ لكن أُمِر بخلعهما لينَالَ بركَةَ الوَادِي المُقدَّسِ، وتمَسَّ قَدَماهُ تُرْبَةَ الوَادِي.\nقال ع «٤»: وتحتمل الآيةُ مَعْنًى آخَرَ، هو الأَليقُ بها عِنْدِي وهو: أَن الله تعالى أمرِه أنْ يتأدَّبَ، ويتَوَاضَعَ لعظم الحَالِ الَّتي حَصَلَ فيها، والعُرْف عِنْد المُلُوكِ: أن تخلع\n_________\n(١) في ج: هذا هو.\n(٢) ذكره ابن عطية (٤/ ٣٨) .\n(٣) وكذلك قرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائيّ، غير أن نافعا فتح الياء، وأسكنها الباقون.\nينظر: «السبعة» (٤١٧)، و«الحجة» (٥/ ٢١٨)، و«إعراب القراءات» (٢/ ٢٨)، و«معاني القراءات» (٢/ ١٤٣)، و«شرح الطيبة» (٥/ ٣٩)، «وحجة القراءات» (٤٥١)، و«شرح شعلة» (٤٩٠)، و«إتحاف» (٢/ ٢٤٤) .\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٣٩) .","vol":"4","page":45},{"text":"النَّعْلاَنِ، ويبلغُ الإنْسان إلَى غاية تَوَاضُعِهِ، فكأَنَّ موسى﵇- أُمِر بذلك عَلَى هذا الوجه، وَلاَ نُبَالِي كيفَ كَانَتْ نَعْلاَهُ من ميتة أو غيرها.\nوالْمُقَدَّسِ: معناه المطهّر، وطُوىً: [معناه] «١» مَرَّتَيْنِ.\nفقالت فرقةٌ: معناه قُدِّسَ مرتيْنِ، وقالت فِرْقةٌ: معناه طُوِيَتْ لك الأَرْضُ مَرَّتَيْنِ من ظنك.\nقال الفَخْرُ: وقِيلَ: إنَّ طُوًى اسم وادٍ بالشام، وهو عند الطُّورِ الذي أَقْسم الله به في القرآن.\nوقيل/: إنَّ طُوىً بمعنى: يَا رَجُلُ، بالعَبْرَانِيَّةِ، كأنه قِيلَ: يا رجل اذهب إلَى فِرْعون. انتهى «من تفسيره لسورة والنازعات» .\nقال ع «٢»: وحدثني أَبِي﵀- قال: سمعت أَبا الفضل بْنَ الجوهري- رحمه الله تعالى- يقول: لما قِيل لموسى: استمع لما يوحى، وقف على حَجَرٍ، واستند إلَى حَجَرٍ، ووضع يَمِينه عَلَى شِمَالِه وأَلْقى ذَقَنَهُ على صَدْرِه، ووقف يستمع، وكان كُلُّ لباسه صُوفًا.\nوقوله تعالى: وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي: يحتمل أن يريدَ: لِتَذْكُرَنِي فيها، أوْ يريد:\nلأَذْكركَ في عِلِّيَينَ بها، فالمصدرُ محتمل الإضافة إلى الفَاعِل، أَوِ المفعول.\nوقالت فِرْقةٌ: معنى قولهِ لِذِكْرِي أيْ: عند ذِكْرى، أَيْ: إذا ذكرتني، وأمري لك بها.\nت: وفي الحديث عن النبيّ ﷺ أنه قال: «مَنْ نَسِيَ صَلاَةً، فَلُيصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا فَإنَّ ذَلِكَ وَقْتَهَا «٣» قَالَ اللهُ تَعَالَى: أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي» . انتهى.\n_________\n(١) سقط في ج.\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٣٩) .\n(٣) أخرجه أحمد (٣/ ٢٦٩)، والبخاري (٢/ ٧٠) «كتاب مواقيت الصلاة» باب من نسي صلاة، الحديث (٥٩٧)، ومسلم (١/ ٤٧٧) «كتاب المساجد» باب قضاء الصلاة الفائتة، الحديث (٣١٤/ ٦٨٤)، والترمذي (١/ ٣٣٥- ٣٣٦) «كتاب الصلاة» باب ما جاء في الرجل ينسى، الحديث (١٧٨)، وابن ماجه (١/ ٢٢٧) «كتاب الصلاة» باب من نام عن الصلاة أو نسيها، حديث (٦٩٦)، والنسائي (١/ ٢٩٣)، كتاب المواقيت باب فيمن نسي صلاة (٦١٣)، وأبو داود (١/ ١٧٤) «كتاب الصلاة» باب من نام عن-","vol":"4","page":46},{"text":"فقد بيّن لك ﷺ ما تحتمله الآيةُ، واللهُ الموفِّقُ بفضله وهكذا استدل ابنُ العربي هنا بالحديثِ «١»، ولفظه: وقد روى مالك وغيره: أنّ النبيّ ﷺ قال: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلاَةٍ أوْ نسِيَهَا، فَلْيُصَلِّها إذَا ذَكَرَهَا فَإنَّ اللهَ تعالى يَقُولُ: أَقِمِ الصلاة لِذِكْرَي» «٢» . انتهى من «الأحكام» . وقرأت فرقةٌ: «للذكرى»، وقرأتْ «٣» فرقةٌ: «لِلذِّكْرِ»، وقرأتْ فرقةٌ: «لذكرى» «٤» بغير تعريف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-886>[سورة طه (٢٠): الآيات ١٥ الى ٣٦]</span>\nإِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى (١٥) فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَاتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى (١٦) وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى (١٧) قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى (١٨) قالَ أَلْقِها يا مُوسى (١٩)\nفَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى (٢٠) قالَ خُذْها وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى (٢١) وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى (٢٢) لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى (٢٣) اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (٢٤)\nقالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨) وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩)\nهارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (٣٤)\nإِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا (٣٥) قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى (٣٦)\nوقولُه تعالى: إِنَّ السَّاعَةَ: يريدُ «٥»: القيامةَ آتيةٌ، فيه تحذيرٌ وَوَعِيدٌ.\nوقرأ ابنُ كَثِير، وعاصِمٌ: «أَكَاد أَخفيها» - بفتح الهمزة- بمعنى: أظْهرها، أيْ: إنها من تيقُّن وقُوعِهَا تَكاد تَظْهَرُ، لكن تَنْحَجِبُ إلى الأَجل المعلومِ، والعربُ تقولُ: خَفَيْتُ الشيء بمعنى: أظهرته.\n_________\n- صلاة أو نسيها (٤٤٢)، وأبو عوانة (١/ ٣٨٥)، والدارمي (١/ ٢٨٠)، وابن خزيمة (٢/ ٩٧) رقم (٩٩٣)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (١/ ٤٦٥)، وفي «المشكل» (١/ ١٨٧)، والبيهقي (٢/ ٢١٨)، وابن عبد البر في «التمهيد» (٦/ ٢٧٠)، من حديث أنس بن مالك قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:\n«من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك» .\nوأخرجه مسلم (١/ ٤٧٧) «كتاب المساجد» باب قضاء الصلاة الفائتة (٣١٦)، وأحمد (٣/ ٣٦٩)، وأبو نعيم (٩/ ٥٢)، بلفظ: «إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فَلْيُصَلِّها إذَا ذَكَرَهَا فَإنَّ اللهَ تعالى يَقُولُ:\nأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي.\n(١) ينظر «أحكام القرآن» لابن العربي (٣/ ١٢٥٨) .\n(٢) ينظر الحديث السابق.\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٣٩)، «والبحر المحيط» (٦/ ٢١٨)، و«الدر المصون» (٥/ ١١) . [.....]\n(٤) في ج: لذكر.\n(٥) في ج: يوم.","vol":"4","page":47},{"text":"وقرأ الجمْهورُ «١»: «أُخْفِيهَا» - بضم الهمزة- فقيل: معناه: أظهرها، وزعموا: أَنَّ «أَخْفَيْتُ» من الأَضْدَادِ.\nوقالت فرقةٌ: أَكادُ بمعنى أُرِيدُ، أيْ: أرِيدُ إخْفَاءَها عنكم لتجزى كل نفس بما تسعى، واسْتَشْهَدُوا بقول الشاعر: [الكامل] .\nكَادَتْ وَكِدْتَ وَتِلْكَ خَيْرُ إرَادَةٍ ... ................ «٢»\nوقالت فرقةٌ: أَكاد: على بَابها بمعنى: أنها مقاربة ما لم يَقَعْ لكن الكلام جَارٍ على استعارة العَرَبِ، ومَجَازِهَا، فلما كانت الآيةُ عبارةٌ عن شِدَّةِ خَفَاءِ أَمْرِ القيامة ووقْتِها، وكان القَطْعُ بإتْيَانِها مع جَهْلِ الوَقْتِ أَهْيَبُ على النفوسِ بالغ- سُبْحَانَه- في إبْهَامِ وقْتِها، فقال:\nأَكادُ أُخْفِيها حتَّى لاَ تظهرُ ألْبتةَ، ولكن ذلك لا يقعُ، ولا بُدَّ مِنْ ظُهُورِهَا، وهذا التَّأْوِيلُ هو الأقوى عندي.\nوقوله سبحانه: «فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا»: أيْ: عن الإيمانِ بالسَّاعَةِ، ويحتمل عودُ الضمير على الصَّلاَةِ.\nوقوله: فَتَرْدى: معناه فتَهْلك، والردى: الهلاكُ، وهذا الخطابُ كلَّه لموسى ﵇، وكذلك ما بعده.\nوقال النقاش: الخطاب ب فَلا يَصُدَّنَّكَ: لنبينا محمد ﷺ وهذا بَعِيدٌ «٣» .\nوقوله سبحانه: وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى تقريرٌ مضمنه التَّنْبِيهُ، وجمعُ النفْسِ لتلقى ما يورد عليها، وإلاَّ فقد علم سُبْحَانه مَا هي في الأزل.\n_________\n(١) ينظر: «المحتسب» (٢/ ٤٧- ٤٨)، و«المحرر الوجيز» (٤/ ٤٠)، و«الدر المصون» (٥/ ١١) .\n(٢) صدر بيت للأخفش، وعجزه:\n............... .. ... لو عاد من لهو الصبابة ما مضى\nينظر «الصحاح» (كود)، و«اللسان» (كود) و(كيد)، و«التاج» (كود) .\nوقال الزبيدي: وقال الأخفش في تفسير الآية: معناه: أخفيها. وفي «تذكرة أبي عليّ» أن بعض أهل التأويل قالوا: أَكادُ أُخْفِيها معناه أظهرها، قال شيخنا: والأكثر على بقائها على أصلها، كما في «البحر» و«النّهر» و«وإعراب أبي البقاء» و«والسفاقسيّ»، فلا حاجة إلى الخروج عن الظاهر، والله أعلم، قال السيوطيّ: وعكسه كقوله تعالى: يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ أي يكاد. قلت: وفي «اللسان»: قال بعضهم في قوله تعالى أَكادُ أُخْفِيها أريد أخفيها، فكما جاز أن توضع أريد موضع أكاد في قوله جِدارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ [الكهف: ٧٧] . فكذلك أكاد، فتأمّل.\n(٣) ذكره ابن عطية (٤/ ٤٠) .","vol":"4","page":48},{"text":"قال ابنُ العَرَبِيُّ في «أحكامه»: وأجابَ مُوسَى ﵇ بقوله: هِيَ عَصايَ ...\nالآية، بأَكْثَرَ مما وقع السؤال عنه وهذا كقوله ﷺ: «هو الطهور ماؤه، الحلّ ميتته» «١» / ٩ ألمن سأله عن طهوريّة ماء البحر. انتهى.\n_________\n(١) أخرجه مالك (١/ ٢٢) كتاب الطهارة: باب الطهور للوضوء، الحديث (١٢)، والشافعي في (١/ ١٦):\nكتاب الطهارة، ومحمد بن الحسن في «الموطأ» (٤٣) كتاب الطهارة: باب الوضوء بماء البحر، الحديث (٤٦)، وابن أبي شيبة (١/ ١٣١) كتاب الطهارات: باب من رخص في الوضوء بماء البحر، وأحمد (٢/ ٣٦١)، والدارمي (١/ ١٨٦) كتاب الطهارة: باب الوضوء من باب البحر، والبخاري في «التاريخ الكبير» (٣/ ٤٧٨)، وأبو داود (١/ ٦٤) كتاب الطهارة: باب الوضوء بماء البحر، الحديث (٨٣)، والترمذي (١/ ١٠٠- ١٠١) كتاب الطهارة: باب ما جاء في ماء البحر أنه طهور، الحديث (٦٩)، والنسائي (١/ ١٧٦) كتاب الطهارة: باب الوضوء بماء البحر، وابن ماجه (١/ ١٣٦) كتاب الطهارة: باب الوضوء بماء البحر، الحديث (٣٨٦)، وابن خزيمة (١/ ٥٩) كتاب الطهارة: باب الرخصة في الغسل والوضوء من ماء البحر، الحديث (١١١)، وابن حبان في «موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان» كتاب الطهارة: باب ما جاء في الماء، الحديث (١١٩)، وابن الجارود ص: (٢٥) باب في طهارة الماء والقدر الذي ينجس الماء والذي لا ينجس، والدارقطني (١/ ٣٦) كتاب الطهارة: باب في ماء البحر، الحديث (١٣)، والحاكم (١/ ١٤٠- ١٤١) كتاب الطهارة، والبيهقي في (١/ ٣) كتاب الطهارة: باب التطهير بماء البحر، وفي «معرفة السنن والآثار» (١/ ١٥٠- ١٥١)، والخطيب في «تاريخ بغداد» (٧/ ١٣٩)، وابن بشكوال في «الغوامض» (ص- ٥٥٥)، والجوزقاني في «الأباطيل» رقم (٣٣١)، من رواية مالك عن صفوان بن سليم، عن سعيد بن سلمة من آل ابن الأزرق، عن المغيرة بن أبي بردة، أنه سمع أبا هريرة يقول: سأل رجل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء فإن نتوضأ به عطشنا. أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله ﷺ «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته» وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح وقد توبع مالك على هذا الحديث فتابعه أبو أويس وعبد الرحمن بن إسحاق وإسحاق بن إبراهيم. فمتابعة الأول رواها أحمد (٢/ ٣٩٢- ٣٩٣)، ومتابعة الثاني والثالث، أخرجها الحاكم (١/ ١٤١) كتاب الطهارة، والبيهقي في «معرفة السنن والآثار» (١/ ١٥٣- ١٥٤) كتاب الطهارة:\nباب ما تكون به الطهارة من الماء.\nوقد تابعه أيضا الجلاح أبو كثير، فرواه عن سعيد بن سلمة. أيضا أخرجه البخاري في «التاريخ الكبير» (٣/ ٤٧٨)، والحاكم (١/ ١٤١) كتاب الطهارة، والبيهقي (١/ ٣) كتاب الطهارة: باب التطهير بماء البحر. و«معرفة السنن والآثار» (١/ ١٥٤) كتاب الطهارة باب ما تكون به الطهارة من الماء.\nوممن روى هذا الحديث عن أبي هريرة غير المغيرة سعيد بن المسيب. أخرجه الدارقطني (١/ ٣٧) رقم (١٥) والحاكم (١/ ١٤٢) من طريق عبد الله بن محمد القدامي ثنا إبراهيم بن سعد عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة به.\nوسكت عنه الحاكم والذهبي وعبد الله بن محمد القدامي ضعيف.\nقال ابن عدي (٤/ ٢٥٨): عامة أحاديثه غير محفوظة وهو ضعيف على ما تبين لي من رواياته واضطرابه فيها ولم أر للمتقدمين فيه كلاما فأذكره.\nأبو سلمة بن عبد الرحمن عنه:","vol":"4","page":49},{"text":"_________\n- أخرجه الحاكم (١/ ١٤٢)، والعقيلي في «الضعفاء» (٢/ ١٣٢) من طريق سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي ثنا محمد بن غزوان قال: ثنا الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة به.\nومحمد بن غزوان قال أبو زرعة: منكر الحديث، وقال ابن حبان: يقلب الأخبار ويسند الموقوف.\nينظر «المجروحين» (٢/ ٢٩٩)، «المغني» (٢/ ٦٢٣) رقم (٥٨٩٢) وقد صحّح هذا الحديث جمع من الأئمة والحفّاظ منهم:\n١- البخاري فقال: هو حديث صحيح كما نقل عنه الترمذي في «العلل الكبير» (١/ ٤١) رقم (٣٣) .\n٢- الترمذي فقال: حسن صحيح.\n٣- ابن خزيمة: بإخراجه في صحيحه وسكوته عليه.\n٤- ابن حبان: بإخراجه في صحيحه وسكوته عليه، وقال في «المجروحين» (٢/ ٢٩٩): حديث أبي هريرة صحيح.\n٥- الحاكم.\n٦- البيهقي في «معرفة السنن والآثار» (١/ ١٥٢) ونقل قول البخاري في تصحيح الحديث.\n٧- الجوزقاني في «الأباطيل» فقال: هذا حديث حسن وغيرهم كثير.\nوفي الباب عن علي، وجابر، وعبد الله بن عمرو، وأبي بكر، وابن عباس، وأنس، والفراسيّ، وابن عمر، وعبد الله المدلجي، وسليمان بن موسى، ويحيى بن أبي كثير مرسلا.\nأما حديث علي: رواه الدارقطني (١/ ٣٥) كتاب الطهارة باب في ماء البحر، الحديث (٦)، والحاكم (١/ ١٤٢- ١٤٣) كتاب الطهارة كلاهما من رواية ابن عقدة الحافظ، ثنا أحمد بن الحسين بن عبد الملك، ثنا معاذ بن موسى، ثنا محمد بن الحسين، حدثني أبي عن أبيه، عن جده، عن علي قال: سئل رسول الله ﷺ عن ماء البحر فقال: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» .\nقال الحافظ في «التلخيص» (١/ ١٢): وفيه من لا يعرف.\nوحديث جابر: رواه أحمد (٣/ ٣٧٣)، وابن ماجه (١/ ١٣٧) كتاب الطهارة باب الوضوء بماء البحر، الحديث (٣٨٨)، والدارقطني (١/ ٣٤) كتاب الطهارة باب في ماء البحر، الحديث (٣)، وابن خزيمة (١/ ٥٩)، وابن حبان (١٢٠- موارد)، وابن الجارود (٨٧٩)، والدارقطني (١/ ٣٤)، والبيهقي (١/ ٢٥٣- ٢٥٤)، وأبو نعيم في «الحلية» (٩/ ٢٢٩) من طريق إسحاق بن حازم عن عبيد الله بن مقسم عن جابر أن رسول الله ﷺ سئل عن ماء البحر فقال: «الحل ميتته، الطهور ماؤه» .\nقال الحافظ في «تلخيص الحبير» (١/ ١١): قال أبو علي بن السكن: حديث جابر أصح ما روي في هذا الباب.\nوأخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» (٢/ ٢٠٣) . الحديث (١٧٥٩)، والدارقطني (١/ ٤٣)، والحاكم (١/ ١٤٣) كتاب الطهارة، من وجه أخر من رواية المعافي بن عمران، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر به.\nقال الحافظ في «التلخيص» (١/ ١١) إسناده حسن ليس فيه إلا ما يخشى من التدليس، ورواه الدارقطني (١/ ٣٤) أيضا من طريق مبارك بن فضالة، عن أبي الزبير.\nوحديث عبد الله بن عمرو بن العاص: - أخرجه الحاكم (١/ ١٤٣) كتاب الطهارة، من طريق الحكم بن موسى، ثنا معقل بن زياد، عن الأوزاعي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، أن-","vol":"4","page":50},{"text":"_________\n- رسول الله ﷺ قال: «ميتة البحر حلال وماؤه طهور» . وقد رواه الدارقطني (١/ ٣٥) كتاب الطهارة باب في ماء البحر، الحديث (٧)، من هذا الوجه أيضا، من رواية الحكم بن موسى، عن معقل فقال عن المثنى، عن عمرو بن شعيب ومن طريق المثنى أيضا أخرجه ابن عدي في «الكامل» (٦/ ٢٤١٨) والمثنى بن الصباح ضعفه ابن معين وغيره وقال النسائي: متروك. ينظر «المغني» (٢/ ٥٤١) رقم (٥١٧٥) .\nقال الحافظ في «التلخيص» (١/ ١٢): ووقع من عند الحاكم الأوزاعي بدل المثنى وهو غير محفوظ.\nوحديث أبي بكر: أخرجه الدارقطني (١/ ٣٥) كتاب الطهارة باب في ماء البحر، الحديث (٤) من طريق عبد العزيز بن أبي ثابت، عن إسحاق بن حازم الزيات، عن وهب بن كيسان، عن جابر بن عبد الله، عن أبي بكر الصديق أن رسول الله ﷺ سئل عن البحر، الحديث. وقال الدارقطني: عبد العزيز ليس بالقوي، ورواه ابن حبان في «المجروحين من المحدثين والضعفاء والمتروكين» (١/ ٣٥٥)، من وجه آخر عن أبي بكر مرفوعا، لكنه من رواية السري بن عاصم، قال ابن حبان: يسرق الحديث، ويرفع الموقوف، وأخرجه الدارقطني (١/ ٣٥)، والبيهقي (١/ ٤) كتاب الطهارة باب التطهير بماء البحر، عن أبي بكر موقوفا، وصحح وقفه الدارقطني، وابن حبان في «الضعفاء» .\nوحديث ابن عباس: أخرجه الدارقطني (١/ ٣٥) كتاب الطهارة باب في ماء البحر، الحديث (١٠)، والحاكم (١/ ١٤٠) كتاب الطهارة، كلاهما من رواية سريج بن النعمان، عن حماد بن سلمة، عن أبي التياح، عن موسى بن سلمة، عن ابن عباس، قال: سئل رسول الله ﷺ، عن ماء البحر فقال: «ماء البحر طهور» . قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. وأقره الذهبي، لكن الدارقطني قال: الصواب أنه موقوف قال الحافظ في «التلخيص» (١/ ١١): رواته ثقات لكن صحح الدارقطني وقفه، والموقوف خرجه أحمد (١/ ٢٧٩) في مسند ابن عباس ﵁ من طريق عفان، عن حماد بن سلمة به، وفيه: وسألته يعني ابن عباس عن ماء البحر، فقال: ماء البحر طهور.\nوحديث أنس: أخرجه عبد الرازق (١/ ٩٤) كتاب الطهارة باب الوضوء من ماء البحر، الحديث (٣٢٠)، عن الثوري، عن أبان بن أبي عياش، عن أنس، عن النبي ﷺ في ماء البحر قال: «الحلال ميتته الطهور ماؤه» وأخرجه الدارقطني (١/ ٣٥) كتاب الطهارة باب في ماء البحر، الحديث (٨) من طريق محمد بن يزيد، عن أبان به وقال: أبان متروك.\nوحديث الفراسي أو ابن الفراسي: أخرجه ابن ماجه (١/ ١٣٦- ١٣٧) كتاب الطهارة باب الوضوء بماء البحر، الحديث (٣٨٧) عن سهل بن أبي سهل عن يحيى بن بكير، عن الليث بن سعد، عن جعفر بن ربيعة، عن بكر بن سوادة، عن مسلم بن مخشي عن ابن الفراسي قال: كنت أصيد وكانت لي قربة أجعل فيها ماء، وإني توضأت بماء البحر فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» هكذا قال ابن ماجه: عن ابن الفراسي.\nوأخرجه ابن عبد البر في «التمهيد» (١٦/ ٢٢٠)، من طريق أبي الزنباع روح بن الفرج القطان، عن يحيى بن بكير، وفيه عن مسلم بن مخشي، أنه حدثه أن الفراسي قال: كنت أصيد في البحر الأخضر على أرماث وكنت أحمل قربة لي فيها ماء، فذكره.\nقال الترمذي في «علله» (ص: ٤١) رقم (٣٤)، قال: سألت البخاري عن حديث ابن الفراسي في ماء البحر فقال: حديث مرسل، لم يدرك ابن الفراسي النبي ﷺ. والفراسي له صحبة.","vol":"4","page":51},{"text":"ت: والمُسْتَحْسَنُ من الجواب: أَنْ يكون مُطَابِقًا للسؤال، أو أَعَمَّ منه كما في الآية، والحديث، أَمَّا كونُه أَخَصَّ منه، فَلاَ. انتهى.\nوَأَهُشُّ: معناه: أخبط بها الشجر حتّى ينتثر الوَرَقُ لِلْغَنم، وعَصَا مُوسَى ﵇ هي الَّتي كان أَخَذَها من بَيْتِ عِصِيِّ الأَنْبِيَاءِ ﵈ الَّذِي كان عند شُعَيْب ﵇ حين اتَّفَقَا عَلَى الرَّعْيِ «١»، وكانت عَصَا آدم ﵇، هبط بها من الجَنَّةِ، وكانت من العير الّذي في ورق الرَّيْحَانِ، وهو الجِسْم المُسْتَطيل في وسطها، ولما أَراد اللهُ سبحانه تَدْرِيب موسى في تلقي النبوءة، وتَكَالِيفها، أمره بإلْقَاءِ العَصَا، فألْقَاهَا، فإذا هي حَيَّةً تَسْعَى، أيْ تَنْتَقِلُ، وتَمْشِي، وكانت عَصًا ذَاتَ شُعْبَتَيْنِ، فصارت الشُّعْبَتَانِ فمًا «٢» يلتقِمُ الحِجَارَةَ، فلما رآها مُوسَى رأى عِبْرةً فولَّى مُدْبِرًا ولم يُعَقِّبْ فقال اللهُ تعالى له: خُذْها وَلا تَخَفْ فأَخذَها بيده، فصارت عَصًا كما كانت أَوَّل مرةٍ وهي سِيرَتُها الأُولَى، وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ، أَيْ: جَنْبِك.\nقال ع «٣»: وكُلُّ مَرْعُوبٍ من ظُلْمَةٍ ونحوها فإنه إذا ضمّ يده إلى جناحه، فتر\n_________\n- قال الحافظ البوصيري في «الزوائد» (١/ ١٦١): هذا إسناد رجاله ثقات إلا أن مسلما لم يسمع من الفراسي إنما سمع من ابن الفراسي، وابن الفراسي لا صحبة له وإنما روى هذا الحديث عن أبيه فالظاهر أنه سقط من هذا الطريق.\nوحديث ابن عمر: رواه الدارقطني (٤/ ٢٦٧) باب الصيد والذبائح والأطعمة، الحديث (٢) طريق إبراهيم بن يزيد، عن عمرو بن دينار، عن عبد الرحمن بن أبي هريرة، أنه سأل ابن عمر قال: آكل ما طفا على الماء، قال: إن طافيه ميتة، وقال: قال رسول الله ﷺ: «إن ماءه طهور وميتته حل» .\nوإبراهيم بن يزيد هو الخوزي، قال النسائي والدارقطني: متروك، وذكره البخاري في «الضعفاء»، وقال الحافظ: متروك، ينظر «الضعفاء» للنسائي رقم (١٤) والدارقطني (١٣) والبخاري (١٤) و«التقريب» (١/ ٤٦) .\nوحديث عبد الله المدلجيّ: أخرجه الطبراني في «الكبير» كما في «المجمع» (١/ ٢١٨)، وقال الهيثمي:\nوفيه عبد الجبار بن عمر ضعفه البخاري والنسائي، ووثقه محمد بن سعد.\nأما مرسل سليمان بن موسى ويحيى بن أبي كثير: فأخرجه عبد الرزاق في «المصنف» (١/ ٩٣) رقم (٣١٩) .\nوهذا الحديث من الأحاديث التي عدها بعض الحفاظ متواترة كالحافظ السيوطي ص (٢٣) رقم (١١) «الأزهار المتناثرة» .\n(١) في ب/ ج: الرعية.\n(٢) في ج: مما.\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٤٢) .","vol":"4","page":52},{"text":"رُعْبُهُ، وربط جَأْشه «١»، فجمع الله سبحانه لموسى ﵇ تَفتِير الرُّعْبِ مع الآيةِ في اليَدِ.\nورُوِي أَنَّ يدَ مُوسَى خرجت بَيْضَاءَ تَشفّ وتُضِيء كأَنَّها شَمْسٌ من غيرِ سُوءٍ، أَيْ:\nمن غير بَرَصٍ، ولا مثله، بل هو أمْر ينحسر، ويَعُود بحكم الحَاجَةِ إليه، ولما أَمَرُه اللَّه تعالى بالذَّهَابِ إلَى فِرْعَون، علم أنها الرسالة، وفهم قدر التَّكْلِيف فدعا اللَّهَ في المَعُونة إذْ لاَ حَوْلَ له إلّا به.\nواشْرَحْ لِي صَدْرِي معناه: لفهم ما يرد عَلَيّ مِنَ الأُمور، والعُقْدة التي دَعَا في حَلِّها هي التي اعترته بالجَمْرةِ في فِيهِ، حين جَرَّبه فرعون، وروي في ذلك: أَنَّ فِرْعون أراد قَتْلَ مُوسَى، وهو طِفْل حينَ مَدَّ يَدَهُ ﵇ إلَى لِحْيَةِ فرعون، فقالت له امرأته:\nإنه لا يَعْقِلُ، فقال: بل هو يَعْقِلُ، وهو عَدُوِّي، فقالت له: نجرِّبُه، فقال لها: أَفْعَلُ، فدَعا بجمَراتٍ من النَّارِ، وبطبقٍ فيه يَاقُوتٌ، فقالا: إنْ أَخذ الياقُوتَ، علِمْنَا أنه يعقِلُ، وإنْ أخذ النارَ، عَذَرْنَاهُ، فمدَّ مُوسَى يده إلى جمرة «٢» فأَخذها، فلم تعد على يده، فجعلها فِي فِيهِ، فأَحْرَقَتْهُ، وأوْرثت لِسَانَهُ عُقْدَةٌ، وموسى ﵇ إنما طلب مِنْ حَلِّ العُقْدَة قدرًا يُفْقَهُ معه قولُه، فجائز أَنْ تكون تِلْكَ العقدةُ قد زَالَتْ كُلُّها، وجائِزٌ أَن يكون قَدْ بَقِيَ منها القَلِيلُ، فيجتمع أن يؤتى هو سُؤْلَةٌ، وأنْ يقولَ فِرْعَون: وَلا يَكادُ يُبِينُ [الزخرف:\n٥٢] .\nولو فرضنا زوالَ العُقْدة جملة، لكانَ قولُ فِرْعَون سَبًّا لمُوسَى بحالته القَدِيمةَ.\nوَالوَزِير: المُعِين القَائِمُ بوزر الأُمورِ، وهو ثِقَلها، فيحتمل الكَلاَمُ أَنَّ طلبَ الوَزِير من أَهْلِهِ على الجملة، ثم أبدل هرون من الوزير المَطْلُوب، ويحتمل أنْ يريدَ: واجعل هرون وَزِيرًا، فيكون مفعولًا أَوّلًا ل اجْعَلْ، وكان هرون ﵇ أكْبر من موسى ﵇ بأرْبع سنين، والأَزْرُ: الظهرُ «٣» قاله أَبُو عُبَيْدةَ «٤» .\nوقوله: كَثِيرًا نعتٌ لمصدرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: تسبيحًا كثيرا.\n_________\n(١) فلان قوي الجأش أي القلب.\nينظر: «لسان العرب» (٥٢٩) .\n(٢) في ج: الجمرات. [.....]\n(٣) في ب، ج: بمعنى الظهر.\n(٤) ذكره ابن عطية (٤/ ٤٣) .","vol":"4","page":53},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-887>[سورة طه (٢٠): الآيات ٣٧ الى ٤٦]</span>\nوَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى (٣٧) إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ ما يُوحى (٣٨) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي (٣٩) إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْناكَ إِلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى (٤٠) وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (٤١)\nاذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي وَلا تَنِيا فِي ذِكْرِي (٤٢) اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (٤٣) فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى (٤٤) قالا رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى (٤٥) قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى (٤٦)\nوقوله سبحانه: وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ مَا يُوحى قيل:\nهو وَحْي إلهام، وقِيلَ: بملك، وقِيلَ: برؤْيَا رَأَتْهَا، وكان مِنْ قصة موسى ﵇ فيما رُوي أن فرعون ذُكرَ له أَنَّ خرابَ مُلْكِه يكونُ عَلَى يد غُلاَمٍ من بني إسرائيل فأمر بقتل ٩ ب كُلِّ/ مَوْلُودٍ يولَدُ لبني إسرائيل، ثم إنه رَأَى مع أَهْل مملكته: أَنَّ فناء بني إسرائيل يعودُ على القِبْطِ بالضَرَرِ إذْ هم كانوا عَمَلَةَ الأَرْضِ، والصناع، ونحو هذا فعزم على أَنْ يقتُلَ الوِلْدَانَ سنةً، ويَسْتَحْيِيَهُم سنةً، فولد هرون ﵇ في سَنَةِ الاِسْتِحْيَاءِ، ثم ولد موسى ﵇ في العام الرابع سَنَةَ القَتْلِ، فخافت عليه أُمُّه فأوحى اللَّه إلَيْها: أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فأخذَت «١» تابُوتًا فقذفَتْ فيه موسى راقِدًا في فِرَاشٍ، ثم قذفتْهُ في يَمِّ النيل، وكان فرعون جَالِسًا في مَوْضِع يُشْرِفُ منه على النِّيلِ إذْ رَأَى التَّابُوتَ فأمَر به، فسِيقَ إليه، وامرأته معه، ففُتِحَ فرأَوْهُ فَرَحِمتْهُ «٢» امرأته وطلبتْهُ لتتَّخذَهُ ابنا، فأباح لها ذلك، ثم إنَّها عرضَتْهُ للرِّضَاعِ، فلم يقبلِ «٣» امرأة فجعلت تنادي عليه في المدينة، ويُطافُ به يُعْرَضُ للمَرَاضِعِ، فكلما عُرِضَتْ عليه امرأةٌ أَباهَا، وكانت أمه قالَتْ لأُخْتِه: قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ [القصص: ١١] وفهمت أمره، فقالت لهم: أنا أدلُّكم على أهْل بيت يَكْفلُونه لَكُمْ، وهم له نَاصِحُون، فتعلَّقُوا بِهَا، وقالوا: أنْتِ تَعْرِفينَ هذا الصبيَّ، فأنْكَرتْ، وقَالَتْ: لاَ، غير أني أعلم من أهل هذا البيْتِ الحِرْصَ على التقرُّبِ إلى المملكةِ، والجدّ في خِدْمتها، ورِضَاهَا، فتَرَكُوها وسَأَلُوها الدَّلاَلة، فجاءت بِأُمِّ مُوسَى، فلما قَرَّبَتْهُ، شَرِبَ ثَدْيَهَا، فسُرّت بذلك آسِيَةُ امرأة فِرْعون (﵂) وقالت لها: كُونِي مَعِي في القَصْرِ، فقالت لها: ما كُنْتُ لأَدَعَ بيتي وَوَلَدِي، ولكنه يِكُون عِنْدِي، فقالت: نعم، فأَحسنت إلى أَهْل ذلك البيت غاية الإحسان،\n_________\n(١) في ب: فاتخذت.\n(٢) في ج: ورحمته.\n(٣) في ج: فلم يقبل للرضاع.","vol":"4","page":54},{"text":"واعتزَّ بنو إسْرَائِيل بهذا الرِّضاعِ، والسبب من المَمْلَكَةِ، وأقام موسى ﵇ حتى كَمَلَ رضاعه، فأرسلت إليها آسية: أن جئيني بولدي لِيَوْمِ كذا، وأمَرتْ خَدَمَها، ومَنْ مَعَها أنْ يلقينه بالتحَفِ، والهَدَايا، واللّباس فوصل إليها على ذلك، وهو بخير حال وأجمل ثياب، فسُرّت بِهِ، ودخَلتْ به عَلَى فِرْعَوْن؟ ليراه ويهب له «١» فرآه وأعْجَبه، وقرَّبَهُ فأخذ موسى ﵇ بلِحْيَةِ فرعون، وجَبَذَهَا، فاسْتَشَاطَ فرعونُ، وقال: هذا عَدُوٌّ لي، وأمَر بذبْحِهِ، فَنَاشَدَتْهُ فيه امرأته، وقالَتْ: إنه لاَ يَعْقِلُ، فقال فِرْعَونُ: بل يَعْقِلُ، فاتَّفَقَا عَلَى تَجْرِيبه بالجمْرَةِ «٢» والياقُوتِ حَسَبَ ما تقدَّمَ، فنجاه اللَّهُ من فرعون ورَجَعَ إلى أمّه، فشبّ عندها، فاعتزّ به بنو إسْرَائِيل «٣» إلى أن تَرَعْرَعَ، وكان فَتًى جَلدًا «٤» فَاضِلًا كَامِلًا، فاعتزت به بنو إسرائيل بظاهر ذلك الرِّضاع، وكان يحميهم، ويكون ضِلعَهُ مَعهم، وهو يَعْلَمُ مِنْ نفسه أنه مِنْهُم، ومِنْ صَمِيمِهم، فكانت بصيرته في حمايتهم أكِيدة، وكان يَعْرِفُ ذلك أَعيانُ بني إسْرَائِيل، ثم وقعت له قِصَّةُ القِبْطِيِّ المتقاتل مع الإسرائيلي على ما سيأتي إنْ شَاءَ اللَّه تَعَالى، وعدد اللَه سبحانه على موسى في هذه الآية ما تضمنته هذه القِصَّة: مِنْ لُطْفه سُبْحَانه به في كُلِّ فَصْل، وتخليصه من قِصَّةٍ إلَى أخرى، وهذه الفُتُون التي فتنه بها، أيْ: اختبره بها، وخلَّصَهُ حتى صلح لِلنّبوّةِ، وسلم لها.\nوقوله مَا يُوحى / إبهامٌ يتضمن عِظَمَ الأَمْر وَجَلالَتِه وهذا كَقَوْلِهِ تعالى: إِذْ ١٠ أيَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشى [النجم: ١٦] فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ مَا أَوْحى\n[النجم: ١٠] . وهو كثيرٌ في القرآن، والكلام الفصيح.\nوقوله: فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ خبرٌ خرج في صِيغَةِ الأَمر «٥» [مُبالغةً ومنه قوله ﷺ «قُومُوا فَلأُصَلِّ لَكُمْ» فأخرج الخبر في صِيغَة الأمْرِ لنفسه، مُبَالغةً] «٦»، وهذا كَثِيرٌ، والمرادُ بالعدُوِّ في الآية: فرعونُ ثم أخبر تعالى مُوسَى ﵇ أَنه ألْقى عليه مَحَبَّةً منه.\n_________\n(١) في ج: ويهبه.\n(٢) في ج: بالجمرات.\n(٣) في ج: بنو إسرائيل بظاهر هذا الرضاع.\n(٤) الجلد: القوة والشدة، وجلد الرجل فهو جلد جليد.\nينظر: «لسان العرب» (٦٥٤) .\n(٥) في ج: الأمر لنفسه.\n(٦) سقط في ج.","vol":"4","page":55},{"text":"قالت فِرقةٌ: أَرَادَ القَبُولَ الذي يضعه اللَّهُ في الأرضِ لِخَيارِ عِبَادِه، وكان حَظُّ موسى منه في غاية الوَفْرِ وهذا أقوى ما قِيلَ هنا مِنَ الأقوال.\nوقرأَ الجُمْهورُ «١»: «ولِتُصْنَعَ» بكسر اللام، وضم التاء على معنى: ولِتُغْذى، وتُطْعم، وتربى.\nوقوله: عَلى عَيْنِي معناه: بمرأى مِنِّي.\nوقوله: عَلى قَدَرٍ أيْ: لميقاتٍ محدُودٍ للنبوّة التي قد أرادها اللَّهُ تعالى، وَاصْطَنَعْتُكَ: معناه جعلْتُك مَوْضِعَ الصَّنِيعة ومقر الإجْمال والإحْسَان.\nوقوله: لِنَفْسِي إضَافة تَشْرِيف وهذا كما تقولُ: بيتُ اللَّهِ، ونحوه: «والصِّيَامُ لِي» «٢» وعبَّر بالنَّفْسِ عن شِدَّة القرب، وقوة الاخْتِصَاص.\nوقوله تعالى: وَلا تَنِيا فِي ذِكْرِي معناه: لا تُبْطِئَا وتضعفًا تقولُ: وَنَى فلانٌ في كذا، إذا تَبَاطَأَ فيه عن ضَعْفٍ، والوَنْيُ: الكَلاَلُ، والفَشَلُ في البَهَائِم والإنْسِ.\nوفي مُصْحَفِ ابن مَسْعُودٍ «٣»: «ولاَ تَهِنَا فِي ذِكْرَي» معناه: لاَ تَلِينَا مِنْ قَوْلِك: هَيِّنٌ لَيِّنٌ. فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا أي: حسّنا له الكلمة مع إكْمَالِ الدَّعْوة.\nقال ابن العَرَبِي «٤» في «أحْكَامِهِ»: وفي الآية دَلِيلٌ على جواز الأَمْر بالمعرُوفِ، والنهي عن المنكر بالليِّن لمن معه القُوَّة، وفي الإسرائيليات: أَنَّ مُوسَى ﵇ أَقامَ بباب فِرْعَوْن سنةً لا يجد مَنْ يبلغ كَلاَمَهُ حَتَّى لقيه حِينَ خَرَج، فجرى له ما قَصَّ اللَّهُ تعالى عَلَيْنَا من خَبَرِه وكان ذلك تَسْلِيةً لمن جاء بعده مِنَ المؤْمِنِينَ في سِيرَتهم مع الظَّالِمِينَ. انتهى.\nوقولهما: إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ معناه: يعجل، ويتسرع إلينا بمكروه.\nوقوله ﷿ إِنَّنِي مَعَكُما أي بالنّصر والمعونة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-888>[سورة طه (٢٠): الآيات ٤٧ الى ٥٤]</span>\nفَأْتِياهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى (٤٧) إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٤٨) قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى (٤٩) قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى (٥٠) قالَ فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى (٥١)\nقالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى (٥٢) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجًا مِنْ نَباتٍ شَتَّى (٥٣) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى (٥٤)\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٤٤)، و«البحر المحيط» (٦/ ٢٢٧)، و«الدر المصون» (٥/ ٢٠) .\n(٢) تقدم تخريجه في سورة البقرة.\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٤٥)، و«البحر المحيط» (٦/ ٢٣٠) . [.....]\n(٤) ينظر: «أحكام القرآن» (٣/ ١٢٦٠) .","vol":"4","page":56},{"text":"وقوله تعالى: فَأْتِياهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ ... الآية جُمْلَةَ ما دُعي إليه فرعون الإيمان، وإرْسال بني إسْرَائِيل، وأَما تعذِيبُه بني إسْرَائيل، فبذبح أَولادِهم، وتسخِيرهم وإذْلاَلهم.\nوقولهما: وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى يحتمل أنْ يكون آخر كلام فيقوى أنْ يكون السلامُ بمعنى التَّحِيَّة كأَنَّهما رَغِبَا بها عنه، وجَرَيَا على العُرْف في التسلِيم عند الفَرَاغِ مِنَ القول.\nويحتمل أَنْ يكون في دَرْجِ القول، فيكون خبرًا بأن السلامة للمهتدين، وبهذين المعنيين قالت كلّ فرقة من العلماء.\nوقوله سبحانه: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ قالت فرقة: المعنى أَعطى كل موجود من مخلوقاتِه خلْقته، وصورته، أي: أكمل ذلك له، وأتقنه ثُمَّ هَدى، أي: يسّر كُلَّ شيء لمنافعه وهذا أحسنُ ما قيل هنا، وأشرف معنىً وأعم في الموجودات.\nوقول فرعونَ: فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى يحتمل أن يريد ما بال القرون الأولى لم تبعث لها، ولم يوجدْ أمرك عندها؟ ويحتمل أن يريد فرعون قطعَ الكلام، والرجوعَ إلى/ ١٠ ب سؤال موسى عن حالة مَنْ سلف من الأمم روغانًا في الحجّة، وحَيْدَةً.\nوقيل: البالُ: الحالُ، فكأنه سأله عن حالهم، وقولُ موسى [﵇]: عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ يريد في اللّوح المحفوظ، ولا يَضِلُّ: معناه لا ينتلف ويعمه، «والأزواج» هنا: بمعنى الأنواع.\nوقوله: شَتَّى نعت للأزواج، أي: مختلفة.\nوقوله كُلُوا وَارْعَوْا بمعنى هي صالحةٌ للأكل والرعي، فأخرج العبارة في صيغة الأمر لأنه أرجى الأفعال، وأهزها للنفوس. والنُّهى جمع نُهْيَةٍ، والنُّهْيَةُ: العَقْلُ النَّاهِي عن القبائح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-889>[سورة طه (٢٠): الآيات ٥٥ الى ٦٦]</span>\nمِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى (٥٥) وَلَقَدْ أَرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها فَكَذَّبَ وَأَبى (٥٦) قالَ أَجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى (٥٧) فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكانًا سُوىً (٥٨) قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (٥٩)\nفَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتى (٦٠) قالَ لَهُمْ مُوسى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ وَقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى (٦١) فَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوى (٦٢) قالُوا إِنْ هذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أَنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِما وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى (٦٣) فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى (٦٤)\nقالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى (٦٥) قالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى (٦٦)","vol":"4","page":57},{"text":"وقوله سبحانه: مِنْها خَلَقْناكُمْ يريد من الأَرض وَفِيها نُعِيدُكُمْ أَيْ: بالموت، والدفن. وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ أيْ: بالبعث ليوم القيامة.\nوقوله: وَلَقَدْ أَرَيْناهُ آياتِنا إخبار لنبيّنا محمد ﷺ.\nوقوله كُلَّها عائد على الآيات التي رآها فرعون، لا أنه رأى كلَّ آية للَّه ﷿ وإنما المعنى: أن اللَّه أراه آيات ما كاليد، والعصا، والطّمْسة، وغير ذلك. وكانت رؤيتُه لهذه الآياتِ مستوعبة يرى الآياتِ كلَّها كاملةً. ومعنى سُوىً أَيْ: عَدْلًا ونصفَه، أي:\nحالنا فيه مُستَوِيَة.\nوقالت فرقة: معناه مستويًا من الأرض لا وهْدَ فيه، ولا نشز، فقال موسَى:\nمَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وروي أَنَّ يوم الزينة كان عيدًا لهم، ويومًا مشهورًا.\nوقيل: هو يوم كسر الخليج الباقي إلى اليوم.\nوقوله: وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ عطفًا على الزِّينَةِ فهو في موضع خفض.\nفَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ أي: جمع السحرةَ، وأمرهم بالاِسْتعدَادِ لموسى، فهذا هو كيدُه.\nثُمَّ أَتى فرعونُ بجمعه، فقال موسى للسحرة: وَيْلَكُمْ لاَ تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وهذه مُخَاطَبةُ مُحَذّر «١»، وندبَهم في هذه الآية إلى قول الحق إذا رأوه، وألّا يباهتوا بكذب فَيُسْحِتَكُمْ أيّ: فيهلككم، ويذهبكم، فلما سمع السَّحَرَةُ هذه المقالةَ، هالهم هذا المنزع، ووقع في نفوسهم من هَيْبتِه شديد الموقع. وفَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ والتنازُعُ يقتضي اختلافا كان بينهم في السرِّ فقائلٌ منهم يقول: هو محقٌّ، وقائل يقول: هو مُبْطل، ومعلوم أن جميع تناجيهم إنما كان في أمر موسى ﵇ والنَّجْوى المسارة، أي: كل واحد يناجي مَنْ يليه سِرًّا مخافةً من فرعون أن يتبين له فيهم ضعف.\n_________\n(١) في ج: محذور.","vol":"4","page":58},{"text":"وقالت فرقة: إنما كان تناجِيهم بالآية التي بعد هذا.\nإِنْ هذانِ لَساحِرانِ قرأ نافعٌ، وابنُ عامرٍ، وحمزةُ والكسائيُّ «١»: «إِنْ هذانِ لَساحِرانِ» فقالت فرقةٌ: قوله: «إِن» بمعنى: نعم كما قال ﷺ إن الحمدُ للَّه، برفع الحمد.\nوقالت فرقةٌ: إنّ هذه القراءةَ على لغةِ بَلْحَارِث بن كعْب، وهي إبقاء ألف التثنية في حال النَّصْبِ، والخِفْضِ، وتعزى هذه اللغة لكِنَانةَ، وتُعْزى لخثْعَم.\nوقال الزجاج «٢»: في الكلام ضميرٌ تقديره: إنه هذان لساحران وقرأ أبو عَمْرو وَحْدَه: «إنَّ هَذَيْنِ لَسَاحِرَانِ» .\n[وقرأ ابنُ كثيرٍ: «إنْ هَذَانِّ لسَاحِرَانِّ» بتخفيف إنَّ، وتشديد نون هذان لساحران] . «٣» .\nوقرأ حفصٌ عن عاصِمٍ: «إنْ» بالتخفيف «هَذَانِ» خفيفة أَيْضًا «لَسَاحِرَانِ» .\nوعبّر كَثيرٌ من المفسرين عن الطريقة بالسادة أهْل العَقْل والحِجَا وحكوا/ أن ١١ أالعرب تقول: فلان طريقة قومه، أي: سيدهم، والأظهر في الطريقة هنا أَنها السِّيرة، والمملكة، والحال الّتي كانوا عليها.\nوالْمُثْلى تأنِيث أَمثل، أي: الفاضلة الحسنة.\nوقرأَ جمهورُ «٤» القرَّاء: «فأَجْمِعوا»: بقطْع الهمزة، وكسْرِ الميم على معنى:\nانفذوا «٥»، واعزموا.\n_________\n(١) ينظر: «السبعة» (٤١٩)، و«الحجة» (٥/ ٢٢٩)، و«إعراب القراءات» (٢/ ٣٦)، و«معاني القراءات» (٢/ ١٤٩)، و«شرح الطيبة» (٥/ ٤٤)، و«العنوان» (١٢٩)، و«حجة القراءات» (٤٥٤)، و«شرح شعلة» (٤٩٢)، و«إتحاف» (٢/ ٢٤٨- ٢٤٩) .\n(٢) ينظر: «معاني القرآن» (٣/ ٣٦١) .\n(٣) سقط في ج.\n(٤) ينظر «المحرر الوجيز» (٤/ ٥١)، و«البحر المحيط» (٦/ ٢٣٩)، و«الدر المصون» (٥/ ٣٧)، و«السبعة» (٤١٩، ٤٢٠)، و«الحجة» (٥/ ٢٣٢)، و«إعراب القراءات» (٢/ ٤٠)، و«معاني القراءات» (٢/ ١٥١)، و«شرح الطيبة» (٥/ ٤٥)، و«العنوان» (١٣٠)، و«حجة القراءات» (٤٥٦)، و«شرح شعلة» (٤٩٣)، و«إتحاف» (٢/ ٢٥٠) .\n(٥) في ج: انفروا.","vol":"4","page":59},{"text":"وقرأ أبو عمرو وَحْدَهُ «فاجمعوا» من جمع، أي: ضموا سِحْركم بعضه إلى بعض.\nوقوله صَفًّا أي: مصطفين، وتداعوا إلى هذا لأنه أهْيب، وأظهر لهم، وأَفْلَحَ معناه: ظفر بِبُغْيَته، وباقي الآية بيّن مما تقدم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-890>[سورة طه (٢٠): الآيات ٦٧ الى ٧٣]</span>\nفَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى (٦٧) قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى (٦٨) وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى (٦٩) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى (٧٠) قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذابًا وَأَبْقى (٧١)\nقالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالَّذِي فَطَرَنا فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا (٧٢) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقى (٧٣)\nوقوله: فَأَوْجَسَ عبارة عما يعتري نفسَ الإنسان إذا وقع ظنّه في أمر على شَيْء يسوؤه، وعبّر المفسرون عن أوْجَس بأضْمر وهذه العبارة أعمُّ من الوجيس بكثير.\nإِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى أي الغالب، وروي في قصص هذه الآية: أن فِرْعون (لعنه اللَّه) جلس في عِلّية له طولها ثمانون ذراعًا، والناس تحته في بسيطٍ، وجاء سَبْعُون ألف ساحرٍ، فألْقوا مِنْ حبالهم وعِصِيّهم ما فيه وَقْرُ ثَلاَثِ مائة بعيرٍ، فهال الأمر، ثم إن موسى ﵇ ألقى عَصَاهُ من يده، فاستحالت ثُعْبانًا، وجعلت تَنْمُو حتى روي أنها عبرت النهر بذَنَبِها، وقيل: البحر، وفرعونُ في هذا كلِّه يضحكُ ويرى أن الاسْتواءَ حاصلٌ، ثم أَقبلتْ تأكل الحِبَال والعصِيّ حتى أفْنتها، ثم فَغَرتْ فَاهَا نحو فرعون ففزع عند ذلك واستغاث بموسى، فمد مُوسَى يده إليها، فرجعت عصًا كما كانت، فنظر السحرةُ، وعلموا الحقَّ، ورَأَوْا عدم الحبال والعصِيّ فأَيقَنُوا أَنّ الأمر من الله ﷿ فآمنوا ﵃.\nوقوله سبحانه: فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ.\nقال ص: «في» على بابها، وقِيلَ: بمعنى على.\nت: والأول أصْوب.\nوَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا قوله: أَيُّنَا يريد نَفْسَهُ، وربَّ موسى ﵇.","vol":"4","page":60},{"text":"وقال الطَّبَرِيُّ «١»: يريد نفسه، ومُوسى، والأول أذهب مع مخرقة فرعون، وباقي الآية بَيِّنٌ، ثم قال السحرةُ لفرعون: لَنْ نُؤْثِرَكَ أيْ: لن نفضلك، ونفضِّلَ السلامة مِنْك على ما رأينا مِنْ حُجَّة اللَّه تعالى، وآياته، وعليّ الذي فَطَرنا، هذا على قول جماعةٍ: أَنَّ الواو في قوله وَالَّذِي: عاطفة.\nوقالت فرقةٌ: هي واو القسم، وفَطَرَنا أيْ: خلقنا، واخترعنا، فافعل يا فرعونُ ما شِئْت وإنما قضاؤُك في هذه الحياة الدنيا، والآخرةُ مِنْ وراء ذلك لنا بالنعيم، ولك بالعذاب الأليم.\nوهؤلاءِ السحرةُ اختلف الناسُ: هل نفذ فيهم وَعِيدُ فرعون، أم لا؟ والأمر في ذلك محتمل.\nوقولهم: وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقى ردّ لقول فرعون: أَيُّنا أَشَدُّ عَذابًا وَأَبْقى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-891>[سورة طه (٢٠): الآيات ٧٤ الى ٧٩]</span>\nإِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى (٧٤) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحاتِ فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى (٧٥) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ مَنْ تَزَكَّى (٧٦) وَلَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لا تَخافُ دَرَكًا وَلا تَخْشى (٧٧) فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ (٧٨)\nوَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى (٧٩)\nوقوله ﷿: إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لاَ يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى ... الآية.\nقالت فرقة: هذه الآيةُ بجملتها مِنْ كلام السحرة لفرعون على جهة الموعظة له، والبيان فيما فعلُوه.\nوقالتْ فرقةٌ: بلْ هي مِنْ كلام الله ﷿ لنبيّنا محمد ﷺ تنبيهًا على قُبْح ما فعل فرعون، وحُسْنِ ما فعل السحرة، وموعظة، وتحذِيرًا قد تضمنت القِصّة المذكورة مثاله.\nوقوله: لاَ يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى مختصٌّ بالكافر فإنه مُعَذّب عذابًا ينتهي به إلى الموت، ثم لا يُجْهز عليه فيستريح/، بل يُعاد جلده، ويجدّدُ عذابه. ١١ ب وأما مَنْ يدخل النار من المؤمنين بالمعاصي، فهم قبل أن تخرجهم الشفاعةُ في غمرة\n_________\n(١) ينظر: «الطبريّ» (٨/ ٤٣٦) .","vol":"4","page":61},{"text":"قد قاربوا الموت، إلا أنّهم لا يُجْهز عليهم، ولا يجددُ عذابهم فهذا فرقُ ما بينهم وبين الكفار، وفي الحديث الصحيح: «أَنَّهُمْ يُمَاتُونَ فِيهَا إمَاتَةً»، وهذا هو معناها لأنه لا موت في الآخرة: وتَزَكَّى معناه: أطاع اللَّهَ، وأخذَ بأَزْكَى الأُمور.\nوقوله سبحانه: وَلَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى هذا استئناف إخبارٍ عن شيء من أمر موسى، وباقي الآية بيِّنٌ، وقد تقدم ذكر ما يخصها من القصص.\nوقوله تعالى: لاَ تَخافُ دَرَكًا أيْ: من فرعون، وجنودِهِ، وَلا تَخْشى غرقًا من البحر.\nوقوله: مَا غَشِيَهُمْ إبهام أهول من النصّ وهذا كقوله: إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشى. [النجم: ١٦] .\nوَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ يريد: من أول أمره إلى هذه النهاية، وَما هَدى مقابل لقوله: وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ [غافر: ٢٩] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-892>[سورة طه (٢٠): الآيات ٨٠ الى ٨٢]</span>\nيا بَنِي إِسْرائِيلَ قَدْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى (٨٠) كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى (٨١) وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا ثُمَّ اهْتَدى (٨٢)\nوقوله ﷿: يا بَنِي إِسْرائِيلَ قَدْ أَنْجَيْناكُمْ ... الآية، ظاهر هذه الآية: أنّ هذا القول قِيل لبني إسرائيل حينئذٍ عند حُلولِ النِّعم التي عددها اللهُ عليهم، ويحتمل أن تكون هذه المقالة خُوطِب بها مُعَاصِرُو النبي ﷺ، والمعنى: هذا فِعْلُنا بأسلافكم وتكون الآيةُ على هذا اعتراضًا في أثناء قصة موسى، والقصدُ به توبيخُ هؤلاء الحضور إذ لم يصبر سلفُهم على أداء شكر نعم الله تعالى، والمعنى الأول أظهر وأبْين.\nوقوله سبحانه: وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ ... الآية، وقصص هذه الآية:\nأن الله تعالى لما أنجى بني إسرائيل، وغرّق فرعون، وعد بني إسرائيل أن يسيروا إلى جانب طور سيناء ليكلم فيه موسى، ويناجيه بما فيه صلاحهم، فلما أخذوا في السير، تعجل موسى ﵇ ابتغاء مَرضَاةِ ربِّه، حَسْبما يأتِي بعدُ.\nوقرأ جمهورُ الناس «١»: «فيَحِلّ» بكسر الحاء، «ويَحْلِلْ» بكسر اللام.\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٥٦)، و«البحر المحيط» (٦/ ٢٤٦)، و«الدر المصون» (٥/ ٤٥)، و«السبعة» (٤٢٢)، و«الحجة» (٥/ ٢٤٢)، و«إعراب القراءات» (٢/ ٤٨)، و«معاني القراءات» (٢/ ١٥٦)، و«شرح","vol":"4","page":62},{"text":"وقرأ الكِسَائِيُّ وَحْدَه بضمهما، ومعنى الأول: فيجب، ويحقّ، ومعنى الثاني: فيقع وينزل، وهَوى معناه: سقط أيْ: هوى في جَهَنَّم، وفي سخط الله- عافانا الله من ذلك-، ثم رجى سبحانه عباده بقوله: وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ ... الآية، والتوبة من ذنب تصح مع الإقامة على غيره، وهي توبة مقيدة، وإذا تاب العبد، ثم عَاوَدَ الذنب بعينه بعد مُدّة فيحتمل عند حُذَّاق أهل السنة: أَلاَّ يعيدَ اللهُ تعالى عليه الذنبَ الأول لأن التوبةَ قد كانت محْتهُ، ويُحتمل: أن يعيده لأنها توبةٌ لم يوف بها، واضطرب الناس في قوله سبحانه: ثُمَّ اهْتَدى من حيث وَجَدُوا الهدى ضمن الإيمان والعمل فقالت فرقة: ثم لزم الإسلام حتى يموت عليه.\nوقيلَ: غير هذا، والذي يقوى في معنى: ثُمَّ اهْتَدى أن يكون: ثم حفظ معتقداتِه من أن تخالف الحق في شَيْء من الأَشياء فإن الاهتداءَ على هذا الوجه غيرُ الإيمان، وغيرُ العَمَلِ وَرُبَّ مُؤْمِنٍ عمل صالحًا قد أوبقه عدم الاهْتداء كالقدرية والمُرْجِئة، وسائر أهل البدع، فمعنى: ثُمَّ اهْتَدى: ثم مشى في عقائد الشَّرْعِ على طريقٍ قَوِيم- جعلنا الله منهم بمنه- وفي حِفْظ المعتقَدَاتِ ينحصر معظم أمر الشرع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-893>[سورة طه (٢٠): الآيات ٨٣ الى ٩٨]</span>\nوَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى (٨٣) قالَ هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى (٨٤) قالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (٨٥) فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفًا قالَ يا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (٨٦) قالُوا ما أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا وَلكِنَّا حُمِّلْنا أَوْزارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْناها فَكَذلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (٨٧)\nفَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ (٨٨) أَفَلا يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا (٨٩) وَلَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (٩٠) قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى (٩١) قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢)\nأَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩٣) قالَ يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (٩٤) قالَ فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ (٩٥) قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (٩٦) قالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا (٩٧)\nإِنَّما إِلهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا (٩٨)\n_________\nالطيبة» (٥/ ٤٨)، و«العنوان» (١٣٠)، و«حجة القراءات» (٤٦٠)، و«شرح شعلة» (٤٩٥)، و«إتحاف» (٢/ ٢٥٣) .","vol":"4","page":63},{"text":"١٢ أوقوله سبحانه: / وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى الآيةَ، وقصص هذه الآية: أَن موسى ﵇ لمَّا شرع في النهوض ببني إسرائيل إلى جانب الطور حيث كان الموعدُ أن يكلم اللهُ موسى بما لهم فيه شرفُ العاجل والآجل- رأى موسى ﵇ على جهة الاجْتِهَاد أن يتقدم وحدَهُ مُبادرًا لأمر الله سبحانه طلبًا لرضائه، وحرصًا على القرب منه، وشوقًا إلى مُناجاته، واستخلف عليهم هارونَ، وقال لهم موسى: تسيرون إلى جانب الطور، فلما انتهى موسى ﷺ وناجى ربَّه، زاده اللهُ في الأجل عشرًا، وحينئذٍ وقفه على معنى استعجاله دون القوم ليخبره موسى أنهم على الأثر، فيقَعَ الإعلامُ له بما صنعوا، وأعلمه موسى أنه إنما استعجل طلب الرضى، فأعلمه اللهُ سبحانه: أنه قد فتن بني إسرائيل، أي: اختبرهم بما صنع السَّامِرِيّ، ويحتمل أن يريد: ألقيناهم في فتنة، فلما أخبر الله تعالى مُوسَى بما وقع، رجع موسى إلى قومه غَضْبَانَ أَسِفَا، وباقي الآية بيّن، وقد تقدّم قصصها مستوفى وسمّى العذاب غضبًا من حيْثُ هو عن الغضب.\nوقرأ نافعٌ «١»، وعَاصِمٌ: «بِمَلْكِنَا» بفتح الميم، وقرأ حمزة، والكسائيّ: «بملكنا» بضمة، وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر: «بِمِلْكِنَا» بكسرة فأما فتحُ الميم، فهو مصدرٌ من ملك، والمعنى: ما فعلنا ذلك بأنا ملكنا الصواب، ولا وُفِّقْنا له، بل غلبتنا أنفُسُنا.\nوأَما كسرُ المِيم، فقد كثر استعماله فيما تحوزه اليدُ، ولكنه يستعمل في الأمور الَّتي يُبْرمها الإِنسان، ومعناها كمعنى التي قبلها، والمصدرُ مضافٌ في الوجهين إلى الفاعل.\nوقولهم: وَلكِنَّا حُمِّلْنا أَوْزارًا ... الآية سموها أوزارًا من حيث هي ثَقِيلة الأجرام، أو من حيثُ تأَثَّموا في قذفها، وقرأ أبو عمرو، وحمزةُ، والكسائيُّ: «حَمَلْنَا» بفتح «٢» الحاء، والميم.\nوقولهم: فَكَذلِكَ أيْ: فكما قذفنا نحن، فكذلك أيضًا ألقى السامري.\nقال ع «٣»: وهذه الألفاظُ تقتضى أنَّ العجل لم يصغه السامريّ، ثم أخبر «٤» تعالى\n_________\n(١) ينظر: «السبعة» (٤٢٢، ٤٢٣)، و«الحجة» (٥/ ٢٤٤)، و«إعراب القراءات» (٢/ ٤٩)، و«معاني القراءات» (٢/ ١٥٦)، و«شرح الطيبة» (٥/ ٤٩)، و«العنوان» (١٣٠)، و«شرح شعلة» (٤٩٦)، و«إتحاف» (٢/ ٢٥٤) .\n(٢) ينظر: «السبعة» (٤٢٣)، و«الحجة» (٥/ ٢٤٦)، و«إعراب القراءات» (٢/ ٥٠)، و«معاني القراءات» (٢/ ١٥٧)، و«شرح شعلة» (٤٩)، و«العنوان» (١٣٠)، و«شرح شعلة» (٤٩٦)، و«إتحاف» (٢/ ٢٥٥) .\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٥٩) .\n(٤) في ج: أخبر الله. [.....]","vol":"4","page":64},{"text":"عن فِعْل السامري بقوله: فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا ومعنى قوله جَسَدًا أَي شخصًا لا رُوحَ فيه، وقيل: معناه جسدًا لا يتغذى، «والخُوَارُ»: صوت البقر.\nقالت فرقةٌ منهم ابن عباس: كان هذا العجلُ يخُورُ ويمشي، وقيل غير هذا «١» .\nوقوله سبحانه: فَقالُوا يعني: بني إسرائيل: هَذَا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ موسى إلهه، وذهب يطلبه في غَيْرِ موضعِه، ويحتمل أن يكون قوله فَنَسِيَ إخبارًا من الله تعالى عن السَّامِرِيُّ أي: فنسي السامري دينه، وطريق الحق، فالنِّسْيَانُ في التأوِيل الأول بمعنى الذهُول، وفي الثَّانِي بمعنى الترك.\nت: وعلى التّأويل الأول عوَّلَ البخاريُّ «٢»: وهو الظَّاهر.\nولقولهم أيضًا قبل ذلك: اجْعَلْ لَنا إِلهًا [الأعراف: ١٣٨] .\nوقول هَارُون: فَاتَّبِعُونِي أي: إلى الطور الَّذي واعدكم اللهُ تعالى إليه وَأَطِيعُوا أَمْرِي فيما ذكرتُه لكم فقال بنو إسرائيل حين وَعَظهم هارونُ، وندبَهُم إلى الحق: لَنْ نَبْرَحَ عابدين لهذا الإلَه عَاكِفِين عليه، أي: مُلاَزِمين له.\nويحتمل قولُه: أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَيْ: ببني إسرائيل نحو جبل الطور، ويحتمل قولُهُ:\nأَلَّا تَتَّبِعَنِ أيْ: أَلاّ تسير بسيري، وعلى طريقتي في الإصلاح والتسديد.\n/ وقوله: ابْنَ أُمَ\nقالت فرقة: إنَّ هَارُونَ لم يكن أَخا موسى إلا من أمه. ١٢ ب قال ع «٣»: وهذا ضَعِيفٌ. وقالتْ فرقةٌ: كان شَقِيقَه وإنما دعاه بالأَم استعطافا برحم الأم، وقول موسى: فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ هو كما تقول: ما شأْنُكَ، وما أمرك، لكن لفظةُ الخطب تقتضى انتهارا لأن الخطب مستعمل في المكاره، وبَصُرْتُ بضم الصاد: من البصيرة، وقرأتْ فرقةٌ بكسرها «٤»، فيحتمل أن يراد من البصيرة، ويحتمل من البصر.\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٤/ ٥٩) .\n(٢) ينظر: «البخاري» (٨/ ٢٨٥) كتاب التفسير: باب سورة طه.\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٦٠) .\n(٤) قرأ بها أبو السمّال والأعمش مع فتح صاد «يبصروا» .\nكما في «مختصر الشواذ» ص ٩٢.\nوينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٦١)، و«البحر المحيط» (٦/ ٢٥٤)، و«الدر المصون» (٥/ ٤٩)، و«التخريجات النحوية» ص ٢٩٢.","vol":"4","page":65},{"text":"وقرأ حمزة، والكسائيّ «١»: «بما لم تُبْصروا» بالتاء مِنْ فوقُ، يريد مُوسى مع بني إسرائيل، والرسول هنا: هو جِبْرِيلُ ﵇ والأَثَرُ: هو ترابٌ تحت حافر فرسه.\nوقوله: فَنَبَذْتُها أَيْ: على الحلي، فكان منها ما ترى، وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي أي: وكما وقع وحدث قربت لي نفسي، وجعلت «٢» لي سُؤْلًا وإربًا حتى فعلته، وكان موسى ﵇ لا يقتل بني إسرائيل إلاَّ في حدٍّ أو بوحْيٍ، فعاقبه باجتهاد نفسه بأن أبعده ونحَّاه عن الناس، وأمر بني إسرَائيل باجتنابه، واجتناب قبيلته وأَلاَّ يُؤَاكلُوا ولا يُنَاكحوا، ونحو هذا، وجعل له أنْ يقول مدة حياته: لاَ مِسَاسَ، أي: لا مُمَاسَّة، ولا إذاية.\nوقرأ الجمهور «٣»: «لَنْ تُخْلفَهُ» بفتح اللام، أي: لن يقع فيه خلف، وقرأ ابن كَثِير، وأبُو عَمْرِو: «تخلِفه» بكسر اللام، على معنى لن تستطيع الرَّوغَانَ، والحيْدَةَ عن موعد العذاب، ثم وبَّخه ﵇ بقوله: وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ ... الآية، وظَلْتَ وظل معناه: أقام يفعل الشيء نهارًا، ولكنها قد تُستعمل في الدائب ليلًا ونهارًا، بمثابة طَفِقَ.\nوقرأ ابن عباس «٤» وغيرُه: «لَنَحْرُقَنَّهُ» بضم الراء وفتح النون بمعنى لنبردنه بالمبرد، وقرأ نافعٌ وغيره: «لَنُحَرِّقَنَّهُ» وهي قراءةٌ تحتمل الحرق بالنار، وتحتمل بالمبرد. وفي مصحف ابن مَسْعُود «٥»: «لنذبحنه ثم لنحرقنه ثم لننسفنه» وهذه القراءةُ هي مع رواية من روى أن العِجْلَ صار لحمًا ودمًا، وعلى هذه الرواية يتركب أن يكون هناك حرقٌ بنارٍ، وإلاَّ فإذا كان جمادًا مِنْ ذهب ونحوه، فإنما هو حرق بمبرد، اللَّهم إلاَّ أَن تكون إذابة، ويكون النسف مُسْتعارًا، لتفريقه في اليمِّ مذابًا.\n_________\n(١) ينظر: «السبعة» (٤٢٤)، و«الحجة» (٥/ ٢٤٩)، و«إعراب القراءات» (٢/ ٥٢)، و«معاني القراءات» (٢/ ١٥٨)، و«شرح الطيبة» (٥/ ٥٠)، و«العنوان» (١٣٠)، و«إتحاف» (٢/ ٢٥٥) .\n(٢) في ج: جعلته.\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٦٢)، و«البحر المحيط» (٦/ ٢٥٦)، و«الدر المصون» (٥/ ٥١)، و«السبعة» (٤٢٤)، و«الحجة» (٥/ ٢٤٩)، و«إعراب القراءات» (٢/ ٥٣)، و«معاني القراءات» (٢/ ١٥٨)، و«شرح الطيبة» (٥/ ٥٠)، و«العنوان» (١٣٠)، و«شرح شعلة» (٤٩٦)، و«إتحاف» (٢٥٦) .\n(٤) وقرأ بها علي وعمرو بن فائد.\nينظر: «المحتسب» (٢/ ٥٨)، و«الكشاف» (٣/ ٨٥)، و«المحرر الوجيز» (٤/ ٦٢)، و«البحر المحيط» (٦/ ٢٥٧)، وزاد نسبتها إلى حميد، وأبي جعفر في رواية.\nوهي في «الدر» (٥/ ٥٢) .\n(٥) وقرأ بها أبي.\nينظر: «الكشاف» (٣/ ٨٥)، و«المحرر الوجيز» (٤/ ٦٢)، و«البحر المحيط» (٦/ ٢٥٧) .","vol":"4","page":66},{"text":"وقرأت فِرْقَةٌ: «لَنَنْسِفَنَّهُ» بكسر السين «١»، وقرأت فرقةٌ بضمها، والنَّسْفُ: تفريقُ الريح الغبار، وكل ما هو مثله كتفريق الغربال ونحوه، فهو نَسْفٌ، والْيَمِّ: غمرُ الماءِ من بحرٍ أو نَهْرٍ، وكل ما غمر الإنسان من الماء فهو يَمٌّ، واللام في قوله لَنُحَرِّقَنَّهُ لام قسم، وقال مكي (رحمه الله تعالى): وأسند أن موسى ﵇ كان مع السبعين في المناجاة، وحينئذٍ وقع أمر العجل، وأن الله تعالى أعلم موسى بذلك، فكتمه موسى عنهم، وجاء بهم حتى سمعوا لَغَطَ بني إسرائيل حول العجل، فحينَئذٍ أعلمهم.\nقال ع «٢»: وهذه رواية ضعيفةٌ، والجمهورُ على خلافها، وإنما تعجل موسى ﵇ وحدَهُ فوقع أمر العجل، ثم جاء موسى، وصنع ما صنع بالعجل، ثم خرج بعد ذلك بالسَّبْعِين على معنى الشفاعة في ذَنْب بني إسرائيل، وأن يطلعهم أيضًا على أمر المناجاة، فكان لموسى ﵇ نهضتان، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-894>[سورة طه (٢٠): الآيات ٩٩ الى ١٠٤]</span>\nكَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْناكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا (٩٩) مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وِزْرًا (١٠٠) خالِدِينَ فِيهِ وَساءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ حِمْلًا (١٠١) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (١٠٢) يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْرًا (١٠٣)\nنَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْمًا (١٠٤)\nوقوله سبحانه: كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مخاطبة/ لنبينا محمد ﷺ أي كما قصصنا ١٣ أعليك نبأ بني إسرائيل، كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق مُدّتك، والذِّكْر: القُرْآن.\nوقوله: مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ يريد بالكُفْر بهِ، وزُرْقًا قالت فرقةٌ معناه: يُحْشرونَ أول قيامهم سودَ الألوَانِ، زُرْقَ العُيونِ، فهو تَشْوِيه، ثم يعمون بعد ذلك، وهي مواطن.\nوقالت فرقةٌ: أراد زرق الألوان، وهي غايةٌ في التشويه، لأنهم يجيئون كلون الرماد، ومهيع في كلام العرب أن يسمى هذا اللون أزرق: يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا أيْ: يتخافت المجرمون بينهم، أي: يتسارون، والمعنى: أنهم لهول المطلع وشِدّة ذهاب أذهانهم، قد عزب عنهم قَدْر مُدّة لبثهم.\nواختلف الناسُ فيما ذا، فقالتْ فرقةٌ: في دار الدنيا، ومُدّة العمر، وقالت فرقة: في الأرض مدة البرزخ.\n_________\n(١) أما الكسر فهو قراءة السبعة. وأما ضم السين، فقرأ بها عيسى بن عمر، كما في «مختصر الشواذ» ص ٩٢.\nوينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٦٢)، و«البحر المحيط» (٦/ ٢٥٧)، و«الدر المصون» (٥/ ٥٢) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٦٢) .","vol":"4","page":67},{"text":"وأَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً معناه: أثبتهم نفسًا يقول: إن لبثتم إلاَّ يومًا، أي: فهم في هذه المقالة يظنون أن هذا قدر لبثهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-895>[سورة طه (٢٠): الآيات ١٠٥ الى ١١٠]</span>\nوَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لا تَرى فِيها عِوَجًا وَلا أَمْتًا (١٠٧) يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْسًا (١٠٨) يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (١٠٩)\nيَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)\nوقوله سبحانه: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ ... الآية، السائلُ: قِيلَ: رجلٌ من ثقيف، وقيل: السائل: جماعةٌ من المؤمنين، ورُوِي: أن الله تعالى يرسل على الجبال رِيحًا، فتدكدكها حتى تكون كالعِهْن المنفوش، ثم تتوالى عليها حتى تُعِيدها كالهَبَاءِ المُنْبَثِّ، فذلك هو النسفُ.\nوالقَاعُ: هو المستوي من الأرض، والصَّفْصَفِ: نحوه في المعنى. والأمَتُ: ما يعترى الأرضَ من ارتفاع وانخفاض.\nوقولُه: لاَ عِوَجَ لَهُ يحتمل: أن يُرِيدَ الإخبارَ به، أي: لا شَكَّ فيه، ولا يخالف وجوده خبره، ويحتمل: أن يريدَ لا مَحِيدَ لأحدٍ عن اتباع الدَّاعِي، والمشْيِ نحو صَوْته، والخشوعُ: التَّطَامُنُ، والتواضُعُ، وهو في الأصوات استعارة بمعنى الخفاء.\nوالهَمْسُ: الصَّوْتُ الخفيُّ الخَافِتُ، وهو تخافُتُهم بينهم، وكَلاَمُهم السر، ويحتمل أن يريد صوتَ الأقْدام وفي «البُخَاري» «١»: هَمْسًا: صوت الأقدام، انتهى. ومن في قوله إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ يحتمل أن تكون للشافع، ويحتمل أن تكون للمشفوع فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-896>[سورة طه (٢٠): آية ١١١]</span>\nوَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا (١١١)\nوقوله تعالى: وَعَنَتِ الْوُجُوهُ معناه: ذلّت، وخضعت، والعاني: الأسير ومنه قوله ﷺ في أمر النساء: «هن عوان عندكم» وهذه حالةُ النَّاس يومَ القيامة.\nقال ص: وَعَنَتْ: من عَنَا يَعْنُو: ذَلَّ، وخَضَعَ قال أُمَيَّةُ بن أبي الصلت:\n[الطويل]\n_________\n(١) ينظر «صحيح البخاري» (٨/ ٢٨٥) كتاب التفسير: باب سورة طه.","vol":"4","page":68},{"text":"مَلَيكٌ على عَرْشِ السَّمَاءِ مُهَيْمِنٌ ... لِعِزَّتِهِ تَعْنُو الْوُجُوهُ وَتَسْجُدُ «١»\nانتهى.\nت: وأحادِيثُ الشفاعة قَدِ استفاضت، وبلغت حَدَّ التواتر، ومن أعظمها شفاعة أرْحم الراحمين ﷾ ففي «صحيح مُسْلم»، من حديث أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ قال:\nفيقولُ اللَّه ﷿: «شَفَعَتِ المَلاَئِكَةُ، وشَفَعَ النَّبِيُّونَ، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة من النار، فيخرج منها قوما لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ، قَدْ عَادُوا حُمَمًا، فَيُلْقِيهِمْ فِي نَهْرِ فِي أَفْوَاهِ الجَنَّةِ» وفيه: «فيخْرُجُونَ كَاللُّؤْلُؤِ، فِي رِقَابِهِمُ الخَوَاتِمُ، يَعْرِفُهُمْ أَهْلُ الجَنَّةِ هَؤُلاَءِ عُتَقَاءُ اللهِ الَّذِينَ أدْخَلَهُمُ الجَنَّةِ بِغَيْرِ عَمَلٍ عَمَلُوهُ، وَلاَ خَيرٍ قَدَّمُوهُ ...» «٢» / الحديث، وخرج أبو القاسم إسحاقُ بنُ إبراهيم الختلي بسنده عن ابن ١٣ ب عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: «إذَا فرغ اللهُ تعالى مِنَ القَضَاءِ بين خَلْقِه، أخرج كِتَابًا من تحت العَرْشِ أَنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي، وَأَنَا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، قَالَ: فَيُخْرِجُ مِنَ النَّارِ مِثْلَ أَهْلِ الجَنَّةِ، أَوْ قَالَ: مِثْلَيْ أَهْلِ الجَنَّةِ، قَالَ: وَأَكْبَرُ ظَنِّي أَنَّهُ قَالَ: مِثْلَيْ أَهْلِ الجَنَّةِ، مَكْتُوبٌ بَيْنَ أعْيُنِهِمْ: عُتَقَاءُ اللهِ» . «٣» انتهى من «التذكرة» .\nوَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا، معنى خاب: لم ينجَحْ، ولا ظفر بمطلُوبه، والظلمُ يَعمُّ الشِّركَ والمَعاصِي، وخيبةُ كلّ حاملٍ بقدْرِ ما حمل من الظلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-897>[سورة طه (٢٠): آية ١١٢]</span>\nوَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا (١١٢)\nوقوله سبحانه: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ معادلٌ لقوله: مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا والظلم والهُضْمُ: هما متقاربان في المعنى، ولكن من حيثُ تَنَاسقَا في هذه الآية ذهب قومٌ إلى تَخْصِيص كل وَاحِدٍ منهما بمعنًى، فقالوا: الظلم: أن تعظم عليه سيِّئاته، وتكثر أكثر مما يجب.\nوالهَضْمُ: أن ينقص من حَسَناتِهِ، ويبخسها.\nوكلهم قرأ: «فَلاَ يَخَافُ» على «٤» الخبر غيرَ ابن كَثِيرٍ فإنه قرأ: «فلا يخف» على النهي.\n_________\n(١) ينظر: «ديوانه» (٢٩)، وهو من شواهد «البحر» (٣/ ٥٠١)، و«الدر المصون» (٢/ ٥٣٧)، (٥/ ٥٧) .\n(٢) تقدم تخريج هذا الحديث. [.....]\n(٣) ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٦)، وعزاه لابن مردويه عن ابن عباس.\n(٤) ينظر: «السبعة» (٤٢٤)، و«الحجة» (٥/ ٢٥١)، و«إعراب القراءات» (٢/ ٥٧)، ولكنه أثبتها بالتاء الفوقية، و«معاني القراءات» (٢/ ١٥٩)، و«شرح الطيبة» (٥/ ٥٢)، و«العنوان» (١٣٠)، و«شرح شعلة» (٤٩٦)، و«إتحاف فضلاء البشر» (٢/ ٢٥٧) .","vol":"4","page":69},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-898>[سورة طه (٢٠): الآيات ١١٣ الى ١١٤]</span>\nوَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا (١١٣) فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (١١٤)\nوَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ بحسب توقع البشر، وترجيهم يَتَّقُونَ اللهَ، ويخشَوْنِ عَقَابه فيؤمِنُون ويتذكَّرونَ نِعَمه عندهم، وما حذَّرهم من ألِيم عقابه هذا تأويل فرقة في قوله: أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا.\nوقالت فرقةٌ: معناه أَوْ يُكْسِبُهُمْ شَرَفًا، ويبقى عليهم إيمانهم ذكرًا صالحًا في الغابرين.\nوقوله تعالى: وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ ... الآية، قالت فرقة: سببها: أن النبي ﷺ كان يخاف وقْتَ تكليمِ جِبْريلَ له أنْ ينسى أول القرآن، فكان يقرأُ قبل أن يستتم جبريلُ ﵇ الوحْيَ فنزلت في ذلك، وهي على هذا في معنى قوله: لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ\n[القيامة: ١٦] . وقيل غير هذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-899>[سورة طه (٢٠): الآيات ١١٥ الى ١١٧]</span>\nوَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥) وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى (١١٦) فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى (١١٧)\nوقوله ﷿: وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ ... الآية، العهدُ هنا بمعنى الوصِيّة، والشيءُ الّذي عهد إلى آدم ﵇ هو أَلاَّ يقرَبَ الشجرة.\nت: قال عِياضٌ: وأما قوله تعالى: وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى [طه: ١٢١] أي:\nجهل، فإنّ الله تعالى أخبر بعذره بقوله: وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا قيل: نسي، ولم ينو المخالفة فلذلك قال تعالى: وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا، أيْ:\nقصدًا للمخالفة.\nت: وقيل: غير هذا مما لا أرى ذكره هنا، ولِلَّه دَرُّ ابن العَربيّ حيثُ قال «١»:\nيجبُ تنْزِيه الأنْبياء- عليهم الصلاة والسلام- عما نَسَبَ إليهم الجهالُ. ولكن البَارِي سبحانه بحُكْمه النافذ، وقَضَائِه السابق أسلم آدم إلى الأكل من الشجرة متعمِّدًا للأكل، ناسِيًا للعهد، فقال في تعمده: وَعَصى آدَمُ وقال في بيان عُذْرهُ: وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ فَمُتَعَلِّق العهد غيرُ متعلِّق النسيان، وجاز للمولى أن يقول في عبده لحقه: عصى تَثْرِيبًا،\n_________\n(١) ينظر: «أحكام القرآن» (٣/ ١٢٦١) .","vol":"4","page":70},{"text":"ويعودُ عليه بفضله فيقول: نَسِيَ تقريبًا، ولا يجوز لأحد مِنّا أن يطلق ذلك على آدمَ، أو يذكره إلاَّ في تلاَوة القرآن أو قول النبيّ ﷺ. انتهى من «الأحكام» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-900>[سورة طه (٢٠): الآيات ١١٨ الى ١١٩]</span>\nإِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى (١١٨) وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى (١١٩)\nوقوله سبحانه: إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى المعنى: إنّ لك يا آدمُ في الجنة نعمة تامة، لا يصيبك جوعٌ، ولاَ عُري، ولاَ ظَمأٌ/، ولا بروزٌ للشمس يؤذيك، وهو ١٤ أالضحاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-901>[سورة طه (٢٠): الآيات ١٢٠ الى ١٢٧]</span>\nفَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى (١٢٠) فَأَكَلا مِنْها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى (١٢١) ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى (١٢٢) قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى (١٢٤)\nقالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى (١٢٦) وَكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى (١٢٧)\nوقوله: فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ ص: عدّي هنا ب «إلى» على معنى أنهى الوسوسة إليه، وفي «الأعراف» باللام، فقال أبو البقاء: لأنه بمعنى ذكر لهما. انتهى.\nثم أعلمهم سُبْحانه: أن من اتّبع هُدَاه فلا يضِلّ في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة، وأنَّ من أعرض عن ذِكْر الله، وكفر به فَإنَّ له معيشةً ضَنْكًا، و«الضَّنْك»: النكدُ الشاقّ من العيش والمنازل، ونحو ذلك.\nوهل هذه المعيشةُ الضنك تكون في الدنيا، أو في البَرْزَخ، أو في الآخرة؟ أقوال.\nت: ويُحْتَمَلُ في الجميع، قال القرطبي: قال أبو سعيد الخُدْرِيّ، وابن مسعودٍ:\nضَنْكًا: عذاب القبر»\n، وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: «أتَدْرُونَ فِيمَنْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيةُ: فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى» أَتَدْرُونَ مَا الْمَعِيشَةُ الضَّنك؟\nقالوا: اللهُ ورَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: عَذَابُ الكَافِرِ فِي الْقَبْرِ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إنَّهُ لَيُسَلَّطُ عَلَيْهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ تِنِّينًا- وَهِيَ الحَيَّاتُ- لكُلِّ حَيَّةٍ تِسْعَةُ رُؤُوسٍ، ينفخن في جسمه، ويلسعنه\n_________\n(١) أخرجه الطبريّ (٨/ ٤٧٢) رقم (٢٤٤٢٤)، وذكره البغوي (٣/ ٢٣٥)، والسيوطي (٤/ ٥٥٧)، وعزاه لابن أبي شيبة، والبيهقي عن ابن مسعود.","vol":"4","page":71},{"text":"وَيَخْدِشْنَهُ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ، ويُحْشَرُ مِنْ قَبْرِهِ إلى مَوْقِفِهِ أعمى» «١» . انتهى من «التذكرة» فَإنْ صَحَّ هذا الحديث، فلا نظرَ لأحد معه، وإن لم يصحَّ، فالصوابُ حملُ الآية على عُمُومها والله أعلم.\nقال الثَّعْلَبِيُّ: قال ابن عباس: فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى قال: أَجار اللهُ تعالى تابعَ القرآن من أن يضل في الدنيا، أو يشقى في الآخرة «٢» . وفي لفظ آخر: «ضمن اللهُ تعالى لمن قرأَ القرآن ...» الحديث، وعنه: مَنْ قرأَ القرآن واتَّبع ما فيه، هَدَاهُ الله تعالى مِنَ الضَّلاَلَةِ ووقاه اللهُ تَعَالَى يَوْمَ القِيَامَةِ سُوءَ الحِسَابِ. انتهى.\nوقولُه سبحانه: «ونَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أعمى» قالت فرقةٌ: وهو عَمَى البَصَر، وهذا هو الأوْجه، وأما عمى البَصِيرة، فهو حاصل للكافر.\nوقوله سبحانه: كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها النسيان هنا: هو التركُ، ولا مَدْخَلَ للذهول في هذا الموضع، وتُنْسى أيضا بمعنى: تترك في العذاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-902>[سورة طه (٢٠): الآيات ١٢٨ الى ١٣٣]</span>\nأَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى (١٢٨) وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى (١٢٩) فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى (١٣٠) وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى مَا مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى (١٣١) وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى (١٣٢)\nوَقالُوا لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى (١٣٣)\nوقوله سبحانه: أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ المعنى: أفلم «٣» يبين لهم.\n_________\n(١) أخرجه أبو يعلى (١١/ ٥٢١- ٥٢٢) رقم (٦٦٤٤)، وابن حبان (٨٧٢- موارد)، والطبريّ في «تفسيره» (١٦/ ٢٢٨) من حديث أبي هريرة.\nوقال الهيثمي في «المجمع» (٣/ ٥٨): رواه أبو يعلى، وفيه دراج، وحديثه حسن، واختلف فيه.\nوذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٥٥٧)، وزاد نسبته إلى ابن أبي الدنيا في «ذكر الموت»، والحكيم الترمذي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه.\n(٢) أخرجه الطبريّ (٨/ ٤٦٩) برقم (٢٤٤٠٠) بنحوه، وذكره البغوي (٣/ ٢٣٥)، وابن كثير (٣/ ١٦٨)، والسيوطي (٤/ ٥٥٦)، وعزاه للفريابي، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، ومحمد بن نصر، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، والبيهقي في «شعب الإيمان» من طريق عن ابن عباس.\n(٣) في ج: أو لم.","vol":"4","page":72},{"text":"وقرأت «١» فرقةٌ: «نَهْدِ» بالنون، والمراد بالقرونِ المهلَكِين: عَادٌ، وثَمُودٌ، والطَّوائِفُ التي كانت قريشٌ تجوزُ على بلادهم في المرور إلى الشام وغيره، ثم أعلم سبحانه نبيه ﷺ أن العذابَ كان يصير لهم لِزَامًا لولا كلمة سبقَتْ من الله تعالى في تَأْخيره عنهم إلى أجلٍ مُسَمًّى عنده، فتقدير الكلام. ولولاَ كلمةٌ سبقت في التَّأْخِير، وأجلٍ مسمى، لكَانَ العذابُ لِزَامًا كما تقولُ لَكَانَ حَتْمًا، أو واقعًا، لكنّه قدم وأَخّر لتشابه رُؤُوس الآي.\nواختُلِف في الأجل المسمى: هل هو يوم القيامة، أو موت كل واحد منهم، أو يوم بدْرٍ؟ وفي «صحيح البخاري»: «٢» أن يوم بَدْرٍ هو: اللزام، وهو: البَطْشَةُ الكبرى، يعني:\nوقع في البخاري من تفسير ابن مسعود، وليس هو من تفسير النبي ﷺ.\nقال ص: ولِزامًا: إمَّا مصدرٌ، وإمَّا بمعنى ملزم، وأجاز أبو البقاء: أنْ يكون جمع لاَزِم، كَقَائِمٍ وقيام. انتهى.\nثم أمر الله ﷾ نبيه ﷺ بالصّبْر على أقوالهم: إنه ساحرٌ، إنه كاهن، إنه كاذب «٣» إلَى غير ذلك.\nوقوله سبحانه: / وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ... الآية، قال أكثرُ المفسرين: هذه إشارة ١٤ ب إلى الصلوات الخمس فقبل طلوع الشمس صلاةُ الصبح، وقبل غُرُوْبَها صَلاةُ العَصْر، ومن آناءِ الليل العِشَاءُ، وأطرافُ النهار المغرِبُ والظهر.\n[قال ابن العربي «٤»: والصحيحُ أنَّ المغربَ من طَرَفِ الليل، لاَ مِنْ طرف النَّهَارِ.\nانتهى من «الأحكام»] «٥» .\nوقالت فرقةٌ: آناء الليل: المغرب والعشاء، وأطراف النهار: الظهر وحدها، ويحتمل اللفظ أن يراد به قول: سبحان الله وبحمده.\n_________\n(١) وهي قراءة ابن عباس والسلمي.\nكما في «الجامع لأحكام القرآن» (١١/ ١٧٢) .\nينظر: «الكشاف» (٣/ ٩٦)، و«المحرر الوجيز» (٤/ ٦٩)، و«البحر المحيط» (٦/ ٢٦٧)، و«الدر المصون» (٥/ ٦٣) .\n(٢) ينظر «صحيح البخاري» (٨/ ٣٥٥) كتاب التفسير: باب فَسَوْفَ يَكُونُ لِزامًا رقم (٤٧٦٧) .\n(٣) في ج: كذاب.\n(٤) ينظر: «أحكام القرآن» (٣/ ١٢٦٣) .\n(٥) سقط في ج.","vol":"4","page":73},{"text":"وقالت فرقةٌ: في الآية: إشارةٌ إلى نوافل، فمنها آناء الليل، ومنها قبل طلوع الشمس ركعتا الفجر.\nت: ويتعذر على هذا التأويل قولُه: وَقَبْلَ غُرُوبِها إذْ لَيْس ذلك الوقْتُ وقْتَ نفل «١»، على ما علم إلاَّ أنَّ يتأول ما قبل الغروب بما قبل صلاة العصر وفيه بعد.\nقال ص: بِحَمْدِ رَبِّكَ في موضع الحال، أي: وأنت حامدٌ. انتهى.\nوقرأ الجمهور «٢»: لَعَلَّكَ تَرْضى بِفَتْح التاء، أي: لعلك تُثَابُ على هذه الأعمال بما ترضى به.\nقال ابنُ العربي في «أحكامه» «٣»: وهذه الآية تُماثِلُ قولَهُ تعالى: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى [الضحى: ٥] .\nوعنه ﷺ أنه قال: «إنَّكُمْ تَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ القَمَرَ لَيْلَةَ البَدْرِ فإنِ استطعتم أَلاَّ تُغْلَبُوا «٤» على صَلاَةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ يَعْنِي: الصُّبْحَ، وقَبْلَ غُرُوبَهِا فافعلوا» «٥» .\nوفي الحديث الصحيح أيضًا: «منْ صَلَّى البَرْدَيْنِ، دَخَلَ الجَنَّةَ» «٦» . انتهى.\nوقرأَ الكسائي، وأبو بكر عن عاصم «٧»: «ترضى» أي: لعلك تُعْطى ما يرضيك، ثم أمر سبحانه نبيه ﷺ: بالاحتقار لشأن الكفرة، والإعراض عن أموالهم، وما في أيْديهم من الدنيا إذ ذلك مُنْحَسِرٌ عنهم صائر إلى خِزْي، والأزواج: الأنواع، فكأنه قال: إلَى ما متعنا به أقوامًا منهم، وأصنافا.\n_________\n(١) سقط في ج.\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٧٠)، و«البحر المحيط» (٦/ ٢٦٩) . [.....]\n(٣) ينظر: «أحكام القرآن» (٣/ ١٢٦٣) .\n(٤) في ج: لا تغموا.\n(٥) تقدم تخريجه.\n(٦) أخرجه البخاري (٢/ ٥٢) كتاب مواقيت الصلاة: باب فضل صلاة الفجر، حديث (٥٧٤) ومسلم (١/ ٤٤٠) كتاب المساجد: باب فضل صلاة الصبح والعصر، حديث (٢١٥/ ٦٣٥)، وأحمد (٤/ ٨٠)، والدارمي (١/ ٣٣١، ٣٣٢)، وابن حبان (١٧٣٩)، والبيهقي (١/ ٤٦٦)، والبغوي في «شرح السنة» (٢/ ٣٩- بتحقيقنا) .\n(٧) ينظر: «السبعة» (٤٢٥)، و«الحجة» (٥/ ٢٥٢)، و«إعراب القراءات» (٢/ ٥٧)، و«معاني القراءات» (٢/ ١٦٠)، و«شرح الطيبة» (٥/ ٥٣)، و«العنوان» (١٣٠)، و«شرح شعلة» (٤٩٧)، و«إتحاف» (٢/ ٢٥٩) .","vol":"4","page":74},{"text":"وقوله: زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا شبَّه سبحانه نِعَم هؤلاء الكفار بالزهر، وهو ما اصفر من النّوْر، وقيل: الزهر: النورُ جملةً لأن الزهر له منظر، ثم يضمحل عن قرب، فكذلك مآل هؤلاء، ثم أخبر سبحانه نبيه ﷺ: أن ذلك إنما هو ليختبرهم به، ويجعله فِتْنةً لهم وأمرًا يجازون عليه أسوأ الجزَاءِ لفساد تقلبهم فيه.\nص: وزَهْرَةَ: منصوبٌ على الذمِّ، أو مفعولٌ ثانٍ ل: مَتَّعْنا مضمن معنى أعطينا. اهـ.\nورزق الله تعالى الذي أحله للمتقين من عباده، خير وأبقى، أيْ: رزق الدنيا خيرٌ ورزق الآخرة أبقى، وبين أنه خير من رزق الدنيا، ثم أمره ﷾ بأن يأمر أهله بالصلاة، ويمتثلها معهم ويَصْطَبِر عليها ويلازمها، وتكفَّل هو تعالى برزْقِهِ لا إله إلاَّ هو، وأخبره أن العَاقِبَةَ للمتقِينَ بنصره في الدنيا، ورحمته في الآخرة، وهذا الخطاب للنبي ﷺ ويدخل في عُمُوْمِهِ: جميعُ أمته.\nورُوِيَ: أنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ ﵁ كان إذا رأى شيئًا من أخبار السلاطين وأحوالهم، بادر إلَى منزله، فدخله وهو يقول: وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ ... الآية إلى قوله وَأَبْقى ثم يُنَادِي: الصَّلاَةَ الصَّلاَةَ رَحِمَكُمُ اللهُ، ويصلي «١» .\nوكان عُمَرُ بْنُ الخطَّابِ ﵁ يوقِظُ أهل داره لصلاة اللّيل ويصلّي هو ويتمثّل بالآية «٢» .\nقال الداوديّ: وعن عَبْدِ اللهُ بْنِ سَلاَمٍ، قال: «كان النبيّ ﷺ إذا نزل بأهله ضِيقٌ أوْ شِدَّةٌ أمرهم بالصَّلاَةِ، ثم قرأَ: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ إلى قوله لِلتَّقْوى «٣» . انتهى.\nقال ابن عطاء اللَّه في «التنوير»: واعلم أنَّ هذه الآية علمت أهل الفَهْم عن اللَّه تعالى كَيْفَ يطلبون/ رزقَهُم، فإذَا توقفت عليهم أسباب المعيشة، أكثروا من الخدمة والموافقة، ١٥ أوقرعوا بابَ الرِّزْقِ بمعاملة الرزَّاق- جل وعلا- ثم قال: وسمعت شيخنا أبا العبّاس\n_________\n(١) أخرجه الطبريّ (٨/ ٤٨٠) رقم (٢٤٤٥٩)، وذكره ابن عطية (٤/ ٧١)، وابن كثير (٣/ ١٧١) .\n(٢) ذكره ابن عطية (٤/ ٧١)، وابن كثير (٣/ ١٧١) نحوه، والسيوطي (٤/ ٥٦١)، وعزاه لمالك، والبيهقي عن أسلم عن عمر.\n(٣) ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٥٦١)، وعزاه إلى أبي عبيد، وسعيد بن منصور، وابن المنذر، والطبراني في «الأوسط»، وأبي نعيم في «الحلية»، والبيهقي في «شعب الإيمان» عن عبد الله بن سلام.","vol":"4","page":75},{"text":"المُرْسِي ﵁ يقول: واللَّه مَا رَأَيْتَ العزَّ إلاَّ في رفع الهِمّة عن الخلق، واذكر رحمك اللَّه هنا: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [المنافقون: ٨] .\nففي العز الذي أَعزّ اللَّه به المؤمن رفْعُ همته إلى مولاه، وثقتُه به دُونَ مَنْ سِوَاهُ، واستحي من اللَّه بعد أن كساك حُلّة الإيمان، وزينك بزينة العِرْفان أن تستولي عليك الغفلة والنسيان حتى تميل إلى الأكوان «١»، أو تطلب من غيره تعالى وجود إحسان، ثم قال:\nورفع الهِمَّة عن الخلْقِ: هو ميزانُ ذوي الكمال ومِسْبار الرجال، كما توزن الذَّواتُ كذلك توزن الأحوالُ والصِّفَاتُ. انتهى.\nومن كتاب «صفوة التصوف» لأبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي الحافظ حَدِيثٌ «٢» بسنده عن ابن عمر قال: أتى النبيّ ﷺ رَجَلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، حَدَّثْنِي حَدِيثًا، واجعله موجزا، فقال له النبيّ ﷺ: «صَلَّ صَلاَةَ مُوَدَّع، كَأَنَكَ تَرَاهُ، فَإنْ كُنْتَ لاَ تَرَاهُ، فَإنَّهُ يُرَاكَ، وَايَأَس مِمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ، تَعْشِ غَنِيًّا، وإِيَّاكَ وَمَا يُعَتَذَّرُ مِنْهُ» ورواه أبو أيوب الأنصاري بمثله عن النبي ﷺ «٣» إنتهى.\nوَقالُوا لَوْلا يَأْتِينا محمدٌ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ، أي: بعلامة مما اقترحناها عليه، ثم وبخهم سبحانه بقوله: أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولى أَيْ: [ما في] «٤» التوراة، وغيرها، ففيها أعظم شاهد، وأكبر آية له سبحانه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-903>[سورة طه (٢٠): الآيات ١٣٤ الى ١٣٥]</span>\nوَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى (١٣٤) قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدى (١٣٥)\nوقوله سبحانه: وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ أي: من قبل إرسالنا إليهم محمدًا، لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا ... الآية، وروى أبو سعيد الخدري، عن النبي ﷺ قال: «يَحْتَجُّ عَلَى اللَّه تعالى يَوْمَ القِيَامَةِ ثلاثة: الهالك في الفترة، والمغلوب\n_________\n(١) في ج: الأخوان.\n(٢) في ج: حدث.\n(٣) أخرجه البيهقي في «الزهد» (٥٢٨)، والقضاعي في «مسند الشهاب» رقم (٩٥٢)، وابن النجار في «ذيل تاريخ بغداد» (١/ ١٠٨) من حديث ابن عمر.\nوذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٢٣٢)، وقال: رواه الطبراني في «الأوسط»، وفيه من لم أعرفهم.\n(٤) سقط في ج.","vol":"4","page":76},{"text":"على عَقْلِهِ، والصَّبِيُّ الصَّغيرُ. فيقُولُ المَغْلُوبُ على عَقْلِهِ: رَبِّ، لَمْ تَجْعَلْ لِيَ عَقْلًا، ويَقَولُ الصَّبِيُّ نَحْوَهُ، ويَقُولُ الهَالِكُ فِي الفَتْرَةِ. رَبِّ، لَمْ يُرْسِلْ إِلَيَّ رَسَولًا، وَلَوْ جَاءَنِي، لَكُنْتُ أَطْوَعَ خَلْقِكَ لَكَ، قَالَ: فَتَرْتَفِعُ لَهُمْ نَارٌ، وَيَقَالُ لَهُمُ: رُدُوهَا، فَيَرِدُهَا مَنْ كَانَ فِي عِلْمِ اللَّه أَنَّهُ سَعِيدٌ وَيَكَعُ عَنْهَا الشَّقِيُّ، فَيَقُولُ اللَّه تعالى: إيَّايَ عَصَيْتُمْ فَكَيْفَ بِرْسُلِي لَوْ أَتَتْكُمْ» «١» .\nقال (ع) «٢»: أما الصبيُّ، والمغلوبُ على عقله، فبَيّن أمرهما، وأما صاحبُ الفَترة، فليس ككفّار قريش قبل بعثة النبي ﷺ، لأن كفار قريش، وغيرهم مِمَّنْ علم وسمع نبوّة ورسالة في أقطار الأرضِ، ليسٍ بصاحب فترةٍ، وقد قال النبيّ ﷺ لرجل: «أبي وأبوك في النّار» ورأى ﷺ، عمرو بن لحيّ في النار «٣» وإلى غير هذا مِمَّا يطوُلَ ذِكْرهِ، وإنما صاحبُ الفترة يفرض أنه آدميٌّ لم يطرأ إليه أن اللَّه تعالى بعث رَسُولًا، ولاَ دَعا إلى دِينٍ، وهذا قليلُ الوجود إلاّ أن يشذ في أطراف الأرض، والمواضع المنقطعة عن العمران.\nت: والصحيح في هذا الباب: «أَنَّ أوْلادَ المُشْرِكينَ في الجَنَّةِ، وأمَّا أَوَلاَدُ المُسْلِمِينَ فَفِي الجَنَّةِ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ» متفق عليه.\nوقد أَسند أَبو عُمَرَ في «التمهيد» «٤» من طريق أنس عن النبي ﷺ قال: «سألتُ رَبِّي في اللاَّهين مِنْ ذًرِّيَّةِ البَشَرِ ألاَّ يُعَذَّبَهُمْ فَأَعْطانِيهِمْ» «٥» . قال أبو عمر: إنّما قيل للأطفال:\n_________\n(١) أخرجه الطبريّ في «تفسيره» (٨/ ٤٨١) رقم (٢٤٤٦٦) من حديث أبي سعيد الخدري.\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٧١- ٧٢) . [.....]\n(٣) أخرجه ابن إسحاق (١/ ٧٨- ٧٩) «تهذيب سيرة ابن هشام»، ومن طريقه الطبريّ (٥/ ٨٩) (١٢٨٣١) عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التميمي، أن أبا صالح السمان حدثه، أنه سمع أبا هريرة يقول ...\nفذكره، وأخرجه الحاكم (٤/ ٦٠٥) عن محمد بن عمر وعن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعا به وصححه، ووافقه الذهبي.\nوله شاهد من حديث أبي بن كعب، رواه أحمد (٥/ ١٣٨)، والحاكم (٤/ ٦٠٥) وصححه، ووافقه الذهبي.\nوأخرجه أحمد (٣/ ٣٥٢- ٣٥٣) عن جابر.\nوقال الهيثمي في «المجمع» (٢/ ٩١): رواه أحمد، وروى عن أبي بن كعب عن النبي ﷺ بمثله. وفي الإسنادين عبد الله بن محمد بن عقيل، وفيه ضعف، وقد وثق.\n(٤) ينظر: «التمهيد» (١٨/ ١١٧)، وينظر: «الاستذكار له» (٨/ ٤٠١- ٤٠٢) .\n(٥) أخرجه أبو يعلى (٦/ ٢٦٧) رقم (٣٥٧٠) .\nوقال الهيثمي في «المجمع» (٧/ ٢٢٢): رواه أبو يعلى من طرق، ورجال أحدها رجال الصحيح غير عبد الرحمن بن المتوكل، وهو ثقة.","vol":"4","page":77},{"text":"الَّلاهُوَنَ «١» لأن أعمالهم كاللهو، واللعب من غير عقد، ولا عَزْم، ثم أسند أبو عمر، ١٥ ب/ عن أنس، عن النبي ﷺ قال: «أَوْلاَدُ المُشْرِكِينَ خَدَمُ أَهْلِ الجَنَّةِ» «٢» .\nقال أبو عمر «٣»، وروى شُعْبةِ، وسعيد بن أبي عروبة، وأبو عَوَانة، عن قتادة، عن أَبي سراية العجلي، عن سَلْمَان قال: أَطْفَالُ المُشْرِكِينَ خَدَمُ أَهْلِ الجَنَّةِ» .\nوذكرِ البخاري حَدِيثَ الرؤيا الطويل، وفيه: «وَأَمَّا الرَّجُلُ الطَّوِيلُ الَّذِي فِي الرَّوْضَةِ، فَإنَّهُ إبْرَاهِيمَ ﵇ وأمَّا الوِلْدَانُ حَوْلَهُ، فَكُلُّ مَوْلُودٍ يُولدُ عَلَى الفِطْرَةِ، قَالَ: فقيل: يَا رَسُولَ اللَّه، وأَوْلاَدُ المُشْرِكِينَ؟ فَقَالَ رسول الله ﷺ: وأَوْلاَدُ المُشْرِكِينَ»، وفي رواية:\n«والصبيان حَوْلَهُ أَوْلاَدُ النَّاسِ» وظاهره العمومُ في جميع أولاد الناس. انتهى [من التمهيد] «٤» والذُّلُّ، والخِزْيُ مقترنان بعذاب الآخرة.\nوقوله: قُلْ كُلٌّ أَيْ: مِنَّا ومنكم مُتَرَبِّصٌ والتربصُ: التأَنِّي، والصِّراطُ:\nالطريق، وهذا وَعِيدٌ بَيِّنٌ والله الموفّق، والهادي إلى الرشاد بفضله.\n_________\n(١) في ج: اللاهين.\n(٢) أخرجه الطيالسي (٢/ ٢٣٥- منحة) رقم (٢٨٢٢)، وأبو يعلى (٧/ ١٣١) رقم (٤٠٩٠)، وأبو نعيم في «الحلية» (٦/ ٣٠٨)، وقال الهيثمي في «المجمع» (٧/ ٢٢٢): رواه أبو يعلى، والبزار، والطبراني في «الأوسط» إلا أنهما قالا: أطفال المشركين، وفي إسناد أبي يعلى يزيد الرقاشي، وهو ضعيف، وقال فيه ابن معين: رجل صدق. ووثقه ابن عدي، وبقية رجالهما رجال الصحيح.\nوالحديث ذكره العجلوني في «كشف الخفاء» (١/ ١٥١)، وعزاه للطبراني عن أنس، وسعيد بن منصور عن سلمان موقوفا، وللبخاري في «تاريخه الأوسط» عن سمرة مرفوعا.\n(٣) ينظر «التمهيد» (١٨/ ١١٦- ١١٨) و«الاستذكار» (٨/ ٤٠٢) .\n(٤) سقط في ج.","vol":"4","page":78},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-904>تفسير سورة الأنبياء</span>\nمكية بإجماع بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-905>[سورة الأنبياء (٢١): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nاقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١)\nقوله ﷿: اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ ... الآية: رُوي أن رجلًا من أصحاب النبي ﷺ، كان يبني جِدَارًا، فمر به آخرُ يومَ نزول هذه السورة، فقال الذي كان يبني الجدارَ: ماذا نزل اليوَم من القرآن؟ فقال الآخر: نزل اليومَ اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ فنفض يديه من البُنْيان، وقال: واللَّهِ لا بَنَيْتُ. قال أبو بكر بنُ العربي: قال لي شَيُخِي: في العبادة لا يذهب لك الزمان في مُصَاولةِ الأقران ومُوَاصلة الإِخَوان، ولم أرَ للخلاص شيئًا أقرب من طريقين: إمَّا أن يغلق الإنسان على نفسه بابه، وإما أن يخرج إلى مَوْضِعٍ لا يُعرفُ فيه، فإن اضطر إلى مخالطة الناس، فَلْيَكُنّ معهم ببدنه، ويفارقهم بقلبه ولسانه، فإنْ لم يستطِعْ، فبقلبه، ولا يفارق السكوتَ. قال القُرْطُبِيَّ: ولأَبي سليمان الخَطَابِيّ في هذا المعنى: [الوافر]\nأَنِسْتُ بِوَحْدَتِي وَلَزِمْتُ بَيْتِي ... فَدَامَ الأُنْسُ لِي وَنَمَا السُّرُورُ\nوأَدَّبَنَي الزَّمَانُ فَلاَ أُبَالِي ... بِأَنِّي لا أُزَارُ وَلاَ أَزَوُرُ\nوَلَسْتُ بِسَائِلٍ مَا دُمْتُ حَيًّا ... أَسَارَ الْجَيْشُ أَمْ رَكِبَ الأَمِيرُ\nانتهى من «التذكرة» .\nوقوله: اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ عام في جميع الناس، وإن كان المشارُ إليه في ذلك الوقت كفار قريش ويدل على ذلك ما يأتي بعدُ من الآيات.\nقال ص: اقترب: بمعني الفعل المجرّد وهو قَرُبَ، وقيل: اقترب أبلغ للزيادة وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ الواو للحال، انتهى.\nوقوله: وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ يريدُ: الكفار، ويأخَذ عصاة المؤمنينَ من هذه الألفاظ قسطهم.","vol":"4","page":79},{"text":"ت: أَيَّها الأَخُ أَشْعرِ قلبك مَهَابَةَ رَبِّك، فإليه مآلك وتأهب للقدوم عليه فقد أنَ ارتحالك أنت في سكرة لذاتِك وغشية شهواتكِ وإغماء غفلاتِك ومِقْراضُ/ الفناء يعمل في ثوب حياتك ويفصل أجزاء عمرك جُزْءًا جزءًا في سائر ساعاتك كل نفس من أنفاسك جزءٌ منفصل من جملة ذاتك وبذهاب الأجزاء تذهبُ الجمل، أنت جملة تؤخذ، آحادها وأبعاضها، إلى أن تستوفي سائرها عساكر الأقضية، والأقدار مُحْدقة بأسوار الإعمار تهدمُها بمعاول الليل والنهار فلو أضاء لنا مِصْباحُ الاعتبار لم يبقَ لنا في جَمِيع أوقاتنا سكونٌ ولاَ قَرار. انتهى من «الكلم الفارقية والحكم الحقيقة» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-906>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٢ الى ٥]</span>\nما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٢) لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٣) قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٤) بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (٥)\nوقوله: مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ وما بعده مختصٌ بالكُفَّارِ، والذكر: القرآن، ومعناه محدث نزوله، لا هو في نفسه.\nوقوله: وَهُمْ يَلْعَبُونَ جملة في موضع الحال، أيْ: استماعهم في حال لعب فهو غير نافع، ولا وَاصِلٍ إلى النفس.\nوقوله لاهِيَةً حال بعد حال، واختلف النحاةُ في إعراب قوله: وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فمذهبُ سيبويه «١» (رحمه الله تعالى): أن الضمير في أَسَرُّوا: فاعل، وأن الَّذِينَ بدل مِنْه، وقال: ليس في القرآن لغةُ مَنْ قال: أكلوُنِي البَرَاغِيثُ «٢»، ومعنى:\nأَسَرُّوا النَّجْوَى تكلَّمُوا بينهم في السرِّ، ومُنَاجَاتِ بعضهم لبعض.\n_________\n(١) ينظر «الكتاب» (٢/ ٤١) .\n(٢) الواو علامة جمع الفاعل، كما يلحق الفعل تاء التأنيث ليدلّ على تأنيث الفاعل، ك «قامت هند»، وهذه اللغة جارية في المثنى وجمع الإناث أيضا فيقال: قاما أخواك، وقمن أخواتك» كقوله:\n............. ... وقد أسلماه مبعد وحميم\nوقوله:\nولكن ديافيّ أبوه وأمّه ... بحوران يعصرن السليط أقاربه\nواستدلّ بعضهم بقوله ﵇: «يتعاقبون فيكم ملائكة»، ويعبّر النحاة عن هذه اللغة بلغة «أكلوني البراغيث»، ولكنّ الأفصح ألّا تلحق الفعل علامة، وفرّق النحويون بين لحاقه علامة التأنيث وعلامة التثنية والجمع بأنّ علامة التأنيث ألزم لأن التأنيث في ذات الفاعل بخلاف التثنية والجمع فإنه غير لازم.\nينظر: «الدر المصون» (٢/ ٥٨٠- ٥٨١) .","vol":"4","page":80},{"text":"وقال أبو عبيدة «١»: أسَرُّوا: أظْهرُوا، وهو مِنَ الأضدَادِ، ثم بيَّن تعالى الأمر الذي تَنَاجوا به، وهو قولُ بعضهم لبعض على جهة التَّوبِيخ بزعمهم: أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ المعنى:\nأفَتَتَّبِعُون السحر وأنتم تبصرون، ثم أمر اللَّه تعالى نبيه ﷺ، أن يقول لهم وللناس جميعًا:\nقُلْ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ أيْ: يعلم أقوالكم هذه، وهو بالمرصاد في المَجَازاةِ عليها، ثُمَّ عَدَّد سبحانه جَمِيعَ ما قَالتْهُ طوائِفُهم ووقع الآضرابُ بكُلِّ مقالة عن المتقدمة لها ليبيّن اضطرابَ أمرهم فقال تعالى: بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ والأَضْغَاثُ: الأَخْلاطُ، ثم حكى سبحانه اقتراحهم، آيةً تضطرهم كناقة صالح وغيرها، وقولهم: كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ دَالٌّ على معرفتهم بإتيان الرُّسُلِ الأَمَمَ المتقدمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-907>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٦ الى ٧]</span>\nما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ (٦) وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٧)\nوقوله سبحانه: ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ فيه محذوفٌ يَدُلُّ عليه المعنى تقديره: والآيةُ التي طلبوها عَادَتُنَا أَنَّ القومَ إنْ كفروا بها عَاجَلْنَاهُم، وما آمنت قبلهم قَرْيَةٌ من القُرَى التي نزلتْ بها هذه النازِلَةُ، أفهذه كانت تؤمن؟.\nوقوله: أَهْلَكْناها جملة في موضع الصِّفَةِ ل قَرْيَةٍ والجُمَلُ: إذا اتَّبَعَتِ النَّكِرَاتِ فهي صفاتٌ لها، وإذا اتبعت المعارف فهي أحوالٌ منها.\nوقوله سبحانه: وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ هذه الآية رَدُّ على مَنِ استبعد منهم أَنْ يبعث الله بشرا رسولا والذِّكْرِ هو كُلُّ ما يأتي من تذكير اللَّه عِبادَهُ، فأهل القرآن أَهْلُ ذكر، وأَمَّا المُحَالُ على سؤالهم في هذه الآية فلا يَصِحُّ أن يكونوا أهل القرآن في ذلك الوقت لأنهم كانوا خُصُومَهُم، وإنما أَحيلوا على سؤالِ أحبارِ أهْلِ الكتابِ من حيثُ كانوا موافقين لكفّار قريش على ترك الإيمان بمحمد ﷺ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-908>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٨ الى ١٢]</span>\nوَما جَعَلْناهُمْ جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَما كانُوا خالِدِينَ (٨) ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْناهُمْ وَمَنْ نَشاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ (٩) لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٠) وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً وَأَنْشَأْنا بَعْدَها قَوْمًا آخَرِينَ (١١) فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ (١٢)\n_________\n(١) ينظر: «مجاز القرآن» (٢/ ٣٤) .","vol":"4","page":81},{"text":"وقوله سبحانه: وَما جَعَلْناهُمْ جَسَدًا لاَّ يَأْكُلُونَ الطَّعامَ قيل: الجَسَدُ من الأحياءِ:\nما لا يَتَغَذَّى، وقيل: الجسد يَعُمُّ المُتَغَذَّي من الأجسامِ وغيرَ المتغذي ف جَعَلْناهُمْ جَسَدًا على التَّأَوِيلِ الأَول: مَنْفِيٌّ، وعلى الثاني: مُوجِبٌ، والنفيُ واقعٌ على صِفَتِهِ.\nوقوله سبحانه: ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ الآية، هذه آية وعيدٍ.\nوقوله: وَمَنْ نَشاءُ يعني من المؤمنين، والْمُسْرِفِينَ: الكُفَّارُ، ثم وَبَّخَهُمْ تعالى بقوله: لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتابًا/ يعني: القرآن، فِيهِ ذِكْرُكُمْ، أي: شرفكم، آخر ١٦ ب الدَّهْر، وفي هذا تحريضٌ لهم، ثم أَكَّدَ التحريض بقوله: أَفَلا تَعْقِلُونَ وكَمْ للتكثير، وقَصَمْنا معناه: أهلكنا، وأَصْلُ القصم: الكَسْرُ في الأَجْرَامَ، فَإذا اسْتُعِيرَ للقوم والقرية ونَحْوِ ذلك فهو ما يشبه الكسر وهو إهلاكهم، وأَنْشَأْنا، أي: خلقنا وبثثنا أَمَّةً أُخْرَى غَيْرَ المُهْلَكَةِ.\nوقوله: فَلَمَّا أَحَسُّوا وَصْفٌ عن حالِ قريةٍ من القُرَى المُجْمَلَةِ أَوَّلًا قيل: كانت بالْيَمَنِ تُسَمَّى «حضور»، بَعَثَ اللَّه تعالى إلى أَهْلِها رسولًا فقتلوه، فَأَرْسَلَ اللَّه تعالى عليهم بختنصر صَاحِبَ بني إسرائيل فَهَزَمُوا جَيْشَهُ مرتين، فَنَهَضَ في الثالثة بنفسِهِ، فلما هزمهم، وأَخَذَ القَتْلَ فيهمَ رَكَضُوا هاربين، ويُحتَملُ أنْ لا يريدُ بالآية قريةً بعينها، وأَنَّ هذا وَصْفُ حالِ كُلِّ قريةٍ من القرى المُعَذَّبَة إذا أَحَسُّوا العذابَ من أي نوع كان «١»، أخذوا في الفرار وأَحَسُّوا باشروه بالحواسِّ.\nص: إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ «إذا» الفجائية، وهي وما بعدها جواب لما.\nانتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-909>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ١٣ الى ١٦]</span>\nلا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ (١٣) قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (١٤) فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيدًا خامِدِينَ (١٥) وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ (١٦)\nوقوله: لاَ تَرْكُضُوا يُحْتَمُلُ على الرواية المُتَقَدِّمَةِ أَنْ يكونَ من قول رجالِ بُخْتَنَصَّرَ على جِهَةِ الخداعِ والاستهزاءِ بهم، فلما انصرفوا راجعينَ أَمَرَ بُخْتَنَصَّرُ أَنْ يُنَادَي فيهم: يا ثارات النّبيّ المقتول «٢»، فقتلوا بالسّيف عن آخرهم.\n_________\n(١) في ج: أكانوا.\n(٢) في ج: المفتول.","vol":"4","page":82},{"text":"قال ع «١»: وهذا كُلَّهُ مَرْوِيٌّ، ويُحْتَمَلُ أَنْ يكونَ: لاَ تَرْكُضُوا إلى آخر الآية.\nمِنْ كلامِ ملائِكَةِ العذابِ على جِهَةِ الهُزْءِ بِهم.\nوقوله: حَصِيدًا أي: بالعذاب كحصيدِ الزَّرْعِ بالمِنْجَلِ، وخامِدِينَ أي: موتى مُشَبَّهينَ بالنارِ إذا طفئت، ثم وَعَظَ سبحانه السَّامِعِينَ بقوله: وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-910>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ١٧ الى ٢٠]</span>\nلَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ (١٧) بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (١٨) وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ (٢٠)\nوقوله سبحانه: لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا الآية: ظاهِرُ الآية: الرَّدُّ على مَنْ قال من الكُفَّارِ في أَمْرِ مريمَ﵍-، وما ضَارَعَهُ من الكُفْرِ تعالى الله عن قَوْلِ المُبْطِلِينَ و«إن» في قوله: إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ يُحْتَمَلُ أَنْ تكونَ شرطيةً، ويحتمل أَنْ تكونَ نافِيَةً بمعنى:\nما كُنَّا فاعلين، وكُلُّ هذا قد قيل، و«الحَقَّ» عام في القرآن والرسالة والشَّرْعِ، وكُلِّ ما هو حَقًّ، فَيَدْمَغُهُ معناه: يُصِيبُ دِمَاغَهُ، وذلك مُهْلِكٌ في البشر فكذلك الحقّ يهلك الباطل، والْوَيْلُ: الخِزْيُ.\nوقيل: هو اسمُ وادٍ في جَهَنَّمَ، وَأَنه المُرَاد في هذه الآية، وهذه مُخَاطَبَةٌ للكفّار الذين وصفوا الله ﷿ بما لا يجوزُ عليه تعالى اللَّه عن قولهم.\nوقوله: وَمَنْ عِنْدَهُ ... الآية: عند هنا ليست في المسافات، وإنما هي تشريفٌ في المنزلة. وَلا يَسْتَحْسِرُونَ أي: لا يكلون، والحسير من الإبل: المعِييُ.\nوقوله: لاَ يَفْتُرُونَ وفي «الترمذي» عن أبي ذَرِّ قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّي أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تَسْمَعُونَ، أَطَّتِ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إلاَّ وَمَلُكٌ واضِعٌ جَبْهَتَهُ سَاجِدًا للَّهِ» «٢» الحديث. قال أبو عيسى: هذا حديث صحيح، وفي الباب عن عَائِشَةَ، وابنِ عَبَّاسٍ، وأَنَسٍ، انتهى من أصل الترمذي، أعني:\n«جامعه» .\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٧٦) .\n(٢) تقدم تخريج حديث الأطيط. [.....]","vol":"4","page":83},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-911>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٢١ الى ٢٦]</span>\nأَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (٢١) لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢) لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ (٢٣) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٤) وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)\nوَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَدًا سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦)\nوقوله سبحانه: أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ، أي: يُحْيُونَ غَيْرَهُمُ، ثم بيَّنَ تعالى أَمْرَ التمانُعِ بقوله: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا وقد تَقَدَّمَ إيضاحُ ذلك عند قوله تعالى: إِذًا لَابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا [الإسراء: ٤٢] .\n١٧ أ/ وقوله: هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي يُحْتَمَلُ أَنْ يريدَ بالإشارة بقوله:\nهذا إلى جميعِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ قَدِيمِهَا وَحَدِيثهَا- أَنَّهَا تُبَيِّنُ أَنَّ اللَّه الخالِقَ وَاحِدٌ لا شريكَ له، ويحتمل أَنْ يريدَ بقوله: هذا القرآنَ والمعنى: فيه نَبأ الأَوَّلِينَ والآخرينَ فَنَصَّ أخبارَ الأَولين، وذَكَرَ الغُيُوبَ في أُمُورِهِمْ، حسبما هي في الكتب المُتَقَدِّمَةِ، وَذكَرَ الآخرين بالدعوة، وبيانِ الشرع لهم، ثم حَكَمَ عليهم سبحانه بأَنَّ أَكْثرهم لا يعلمون الحقَّ، لإعراضهم عنه، وليس المعنى: فهم معرضون لأنَّهُم لا يعلمون بلِ المعنى: فهم معرضون، ولذلك لا يعلمون الحَقَّ، وباقي الآية بَيِّنٌ، ثم بَيَّنَ سبحانه نوعًا آخرَ من كُفْرِهِم بقوله: وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَدًا الآية كقول بعضهم: اتَّخَذَ المَلاَئِكَةَ بناتًا، وكما قالتِ النَّصَارَى في عيسى ابن مريم، واليهود في عزيز.\nوقوله سبحانه: بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ عبارةٌ تَشْمَلُ الملائِكَةَ وعيسى وعزير. وقال ص: بل إِضْرَابٌ عن نسبة الولد إليه تعالى عن ذلك علوّا كبيرا. وعِبادٌ خبرُ مبتدإِ محذوف، أي: هم عباد. قاله أبو البقاء انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-912>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٢٧ الى ٣٣]</span>\nلا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٢٩) أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقًا فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ (٣٠) وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنا فِيها فِجاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣١)\nوَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ (٣٢) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٣٣)\nوقوله سبحانه: لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ عبارةٌ عن حُسْن طاعتهم ومراعاتهم لامتثال","vol":"4","page":84},{"text":"الأمر، ثم أَخْبَرَ تعالى: أَنَّهُم لا يشفعون إلاَّ لِمَنِ ارتضى اللَّه أَنْ يشْفَعَ له، قال بعضُ المفسرين: لأَهْلِ لا إله إلاّ اللَّه، والمُشْفِقُ: المُبَالِغُ في الخوفِ، المُحْتَرِقُ النَّفْسِ من الفَزَع على أَمْرٍ ما.\nوقوله سبحانه: وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ ... الآية، المعنى: وَمَنْ يَقُلْ منهم كذا أَنْ لو قاله، وليس منهم مَنْ قال هذا، وقال بَعْضُ المفسرين: المراد بقوله:\nوَمَنْ يَقُلْ ... الآية: إبْلِيسُ، وهذا ضعيفٌ لأَنَّ إبَلِيسِ لم يُرْوَ قَطَّ أَنَّهُ ادَّعَى الرُّبِوبِيَّة، ثم وَقَفَهُمْ سبحانه على عِبْرَةٍ دَالَّةٍ على وَحْدَانِيَّتِهِ جَلَّتْ قُدْرَتُهُ، فقال: أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقًا والرَّتْقُ: المُلْتَصِقُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، الذي لا صَدْعَ فيه ولا فَتْحَ، ومنه: امرأةً رتْقَاءُ، واخْتُلِفِ في معنى قوله: كانَتا رَتْقًا فَفَتَقْناهُما فقالت فِرْقَةٌ:\nكانت السماءُ ملتصقة بالأرض ففتقهما اللهُ بالهواء، وقالت فرقةٌ: كانت السمواتُ ملتصقةً بَعْضَهَا ببعضٍ، والأرضُ كذلك ففتقهما الله سبعًا سبعًا فعلى هذين القولين فالرُّؤيَةُ الموقَفِ عليها رؤيةُ قلبٍ، وقالت فرقةٌ: السماءُ قبل المَطَرَ رَتْقٌ، والأَرضُ قبل النباتِ رَتْقٌ ففتقهما الله تعالى بالمَطَرِ والنَّبَاتِ كما قال تعالى: وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ [الطارق: ١١، ١٢] .\nوهذا قولٌ حَسَنٌ يَجْمَعُ العِبْرَةَ وتعديدَ النعمةِ والحُجَّةِ بِمحسوسٍ بَيِّنٍ، ويُنَاسِبُ قوله تعالى: وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أي: من الماءِ الذي كان عَن الفَتْقِ، فَيَظْهَرُ معنى الآية، ويتوجَّهُ الاعتبارُ بها، وقالت فرقة: السماءُ والأَرْضُ رَتْقٌ بالظُّلْمَةِ ففتقهما الله بالضَّوْءِ والرُّؤْيَةِ على هذين القولين رُؤْيَةُ العَيْنِ، وباقي الآية بَيِّنٌ.\nقال ص: قال الزَّجَّاجُ: السمواتُ جَمْعٌ أُرِيدَ به الواحد ولذا قال: كانَتا رَتْقًا.\nوقال الحُوفِيُّ: «قال: كانَتا- والسمواتُ جَمْعٌ-: لأَنَّهُ أرادَ الصنفين» انتهى.\nوقوله: سَقْفًا مَحْفُوظًا الحِفْظُ هنا عامٌّ في الحِفْظِ من الشيطان، ومن الوهي والسُّقُوطِ، وغير ذلك من الآفاتِ، والفَلَكُ: الجسمُ الدّائر دورة اليوم والليلة/. ١٧ ب ويَسْبَحُونَ معناه: يَتَصَرَّفُونَ، وقالت فرقة: الفَلَكُ مَوْجٌ مكفوفٌ، قوله: يَسْبَحُونَ من السباحة وهي: العوم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-913>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٣٤ الى ٣٥]</span>\nوَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ (٣٤) كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ (٣٥)\nوقوله ﷿: وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ ... الآية، وتقديرُ الكلام:","vol":"4","page":85},{"text":"أَفَهُمُ الخالدون، إنْ مِتَّ؟! وقوله سبحانه: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ... الآية: موعظةٌ «١» بليغةٌ لِمَنْ وُفِّقَ قال أَبو نُعَيْم: كان الثَّوْرِيُّ (﵁) إذَا ذَكَرَ الموتَ لا يُنْتَفَعُ به أَيَّامًا» . انتهى. من «التذكرة» «٢» للقرطبيِّ.\nقال عبدُ الحقِّ في «العاقبة»: وقد أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بذكر الموتِ، وأَعَادَ القولَ فيه تهويلًا لأَمرهِ، وتعظيمًا لشأْنِهِ، ثم قال: واعلم أَنّ كثرةَ ذِكْرِ الموت يُرْدِعُ عن المعاصي، ويلين القلب القاسي.\nقال الحسن: ما رأيت عاقلا قطُّ إلا وجدته حَذِرًا من الموت، حزينًا من أَجْلِهِ، ثم قال: واعلم: أَنَّ طُولَ الأَمَلِ يكسل عن العمل، ويُورِثُ التواني، ويخلد إلى الأرض، ويُمِيلُ إلى الهوى، وهذا أَمرٌ قد شُوهِدَ بالعيان فلا يحتاج إلى بيان، ولا يُطَالَبُ صَاحِبُهُ بالبرهان كما أَنَّ قِصَرَهُ يبعث على العَمَلِ، وَيَحْمِلُ على المُبَادَرَةِ، ويَحُثُّ على المسابقة قال النّبيّ ﷺ: «أنا النَّذِيرُ، والمَوْتُ المُغِيرُ، والسَّاعَةَ المَوْعِدُ» «٣» ذكره القاضي أبو الحسن بنُ صَخْرٍ في الفوائد. انتهى.\nوَنَبْلُوكُمْ معناه: نختبركم، وقدّم بِالشَّرِّ على لَفْظَةِ الْخَيْرِ لأَنَّ العَرَبَ من عادتها أن تقدّم الأقلّ والأردى ومنه قوله تعالى: فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ [فاطر: ٣٢] . فبدأ تعالى في تقسيم أمّة سيّدنا محمد ﷺ بالظالم «٤» .\nوفِتْنَةً معناه: امتحانا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-914>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٣٦ الى ٣٨]</span>\nوَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُوًا أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ (٣٦) خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ (٣٧) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣٨)\nوقوله تعالى: وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا: كأبي جَهْلٍ وغيرِهِ، «وإن» بمعنى: «ما»، وفي الكلام حَذْفٌ تقديره: يقولون: أهذا الذي؟\n_________\n(١) في ج: هو عظة.\n(٢) ينظر: «التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة» للقرطبي (١/ ٢٣) .\n(٣) أخرجه الطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٤/ ٣٨٧)، والحديث ذكره الحافظ العراقي في «تخريج الإحياء» (٤/ ٤٥٩) .\nوقال: أخرجه ابن أبي الدنيا في «قصر الأمل»، وأبو القاسم البغوي بإسناد فيه لين.\n(٤) في ج: بالمظالم.","vol":"4","page":86},{"text":"وقال ص: «إنْ»: نافية، والظاهِرُ أَنَّها وما دَخَلَتْ عليه جَوَابُ إذَا، انتهى.\nقوله سبحانه: وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ رُوِيَ: أَنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ حِينَ أنكروا هذه اللَّفْظَةَ، وقالوا: ما نعرفُ الرحمن إلاَّ في اليمامة، وظاهِرُ الكلامِ: أَنَّ الرَّحْمنِ قُصِدَ به العبارة عنِ الله ﷿، وَوَصَفَ سبحانه الإنسانَ الذي هو اسمُ جنسٍ بأَنه خُلِقَ من عَجَلٍ، وهذا على جهة المُبَالَغَةِ كما تقول للرجل البطال: أَنْتَ من لعب ولهو.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-915>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٣٩ الى ٥٠]</span>\nلَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لاَ يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٣٩) بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٤٠) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٤١) قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ (٤٢) أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ (٤٣)\nبَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أَفَهُمُ الْغالِبُونَ (٤٤) قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إِذا ما يُنْذَرُونَ (٤٥) وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (٤٦) وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ (٤٧) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ (٤٨)\nالَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (٤٩) وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٠)\nوقوله سبحانه: لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لاَ يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ ...\nالآية: حُذِفَ جوابُ «لو» إيجازًا لدلالة الكلامِ عليه، وتقديرُ المحذوف: لما استعجلوا، ونحوه، وذَكَرَ الوجوهَ لشرفها من الإنسانِ، ثم ذَكَرَ الظهورَ ليُبَيِّنَ عُمُومَ النَّارِ لجميع أَبْدَانِهِمْ، والضميرُ في قوله: بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً: للسَّاعَةِ التي تُصَيِّرُهُم إلى العذاب، ويحتمل أن يكون للنار، ويُنْظَرُونَ معناه: يؤخّرون، وفَحاقَ معناه: حلّ ونزل، ويَكْلَؤُكُمْ، أي: يَحْفَظُكُمْ.\nوقوله سبحانه: وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ يحْتَمِلُ تَأْوِيلَيْنِ:\nأحدهما: يجارون ويمنعون.\nوالآخر: ولا هم مِنَّا يُصْحَبُون بخيرٍ وتَزْكِيَةٍ ونحو هذا.\nوقوله سبحانه: أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها ... الآية نَأْتِي الْأَرْضَ معناه: بالقُدْرَة، ونقصُّ الأَرْض: إمَّا أنْ يُرِيدَ بتخريبِ المعمور، وإمَّا بموتِ البَشَرِ.","vol":"4","page":87},{"text":"وقال قوم: النَّقْصُ من الأَطْرَاف: موتُ العلماءِ، ثم خاطب سبحانه نبيّه ﷺ متوعّدا ١٨ ألهؤلاء/ الكَفَرَةِ بقوله: وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ ... الآية، والنَّفْحَةُ: الخَطْرَةُ والمَسَّةُ، والمعنى: ولئن مَسَّتْهُمْ صَدْمَةَ عذابٍ لَيَنْدَمُنَّ، ولَيُقِرُّنَّ بظلمهم، وباقي الآية بَيِّنٌ.\nوقال الثعلبي: نَفْحَةٌ، أي: طَرَفٌ قاله ابن عباسٌ «١»، انتهى.\nوقوله سبحانه: لِيَوْمِ الْقِيامَةِ قال أبو حيان «٢»: اللام للظرفية بمعنى «في» انتهى.\nقال القرطبي «٣» في «تذكرته»: قال العلماء: إذا انقضى الحسابُ كان بعدَه وَزْنُ الأَعمالِ لأَنَّ الوَزْنَ للجزاءِ، فينبغي أَنْ يكونَ بعد المُحَاسبَةِ، واخْتُلِفَ في الميزانِ والحَوْضِ: أَيُّهُمَا قَبْلَ الآخرِ، قال أبو الحسن القابسيُّ: والصحيحُ أَنَّ الحوضَ قبل الميزانِ، وذهب صاحِبُ «القوت» وغيره إلى: أنّ حوض النبي ﷺ إنما هو بَعْدَ الصِّرَاط.\nقال القرطبي «٤»: والصحيح: «أنّ للنبي ﷺ حَوْضَيْنِ، وكلاهما يُسَمَّى كَوْثَرًا، وأَنَّ الحَوْضَ الذي يذاد عنه مَنْ بَدَّلَ وغَيَّرَ، يكونُ في المَوْقِفِ قبل الصراط، وكذا حِيَاضُ الأنبياءِ- عليهم الصلاة والسلام- تكونُ في الموقف على ما وَرَدَ في ذلك من الأخبار» «٥» انتهى.\nوالفُرْقَانُ الذي أُوتي موسى وهارونُ قيل: التوراةُ، وهي الضِّيَاءُ والذّكر.\n_________\n(١) ينظر: «البحر المحيط» (٦/ ٢٩٤) .\n(٢) في هذه اللام أوجه: - أحدها: قال الزمخشري مثلها في قولك: جئت لخمس خلون من الشهر، ومنه قول النابغة: [الطويل]\nتوهّمت آيات لها فعرفتها ... لستة أعوام وذا العام سابع\nوالثاني: أنّها بمعنى في وإليه ذهب ابن قتيبة وابن مالك وهو رأي الكوفيين ومنه عندهم لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ [الأعراف: ١٨٧]، ولقول مسكين الدارمي: [الطويل]\nأولئك قومي قد مضوا لسبيلهم ... كما مضى من قبل عاد وتبّع\nوكقول الآخر: [الطويل]\nوكلّ أب وابن وإن عمرا معا ... مقيمين مفقود لوقت وفاقد\nوالثالث: أنّها على بابها من التعليل ولكن على حذف مضاف أي لحساب يوم القيامة.\nينظر: «الدر المصون» (٥/ ٨٩- ٩٠) وينظر: «الكشاف» (٢/ ٥٧٤)، و«البحر» (٦/ ٣١٦) .\n(٣) ينظر: «التذكرة» (٢/ ٤١٧) .\n(٤) ينظر: القرطبي (١/ ٤٠٦- ٤٠٧) .\n(٥) أخرجه مسلم (٤/ ١٧٩٩) كتاب الفضائل باب إثبات حوض نبينا ﷺ حديث (٣٧/ ٢٣٠١)، وأحمد (٥/ ٢٨٠) .","vol":"4","page":88},{"text":"وقالت فرقة: الفُرقَان: هو ما رَزَقَهُمَا اللَّهُ تعالى من نَصْرٍ وظُهُورٍ على فرعونَ وغيرِ ذلك، والضِّيَاءُ: التوراةُ، والذِّكْرُ: بمعنى التذكرة.\nوقولُه سبحانه: وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ يعني: القرآن، ثم وَقَفَهُم سبحانه تقريرًا وتوبيخًا: هل يَصِحُّ لهم إنكارُ بَرَكَتِهِ وما فيه من الدعاءِ إلى الله تعالى وإلى صالح العمل؟\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-916>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٥١ الى ٥٦]</span>\nوَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ (٥١) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ (٥٢) قالُوا وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ (٥٣) قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٥٤) قالُوا أَجِئْتَنا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللاَّعِبِينَ (٥٥)\nقالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٥٦)\nوقوله سبحانه: وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ ... الآية. الرُّشْدُ عامٌّ، أي: في جميع المَرَاشِدِ وأنواعِ الخيراتِ.\nوقال الثعلبيُّ: رُشْدَهُ، أي: توفيقَه، وقيل: صَلاَحَهُ، انتهى.\nوقوله: وَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ: مَدْحٌ لإبراهيمَ ﵇، أي: عالمين بما هَلَّ له وهذا نحو قولِهِ تعالى: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ [الأنعام: ١٢٤] والتماثيل:\nالأصنام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-917>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٥٧ الى ٥٨]</span>\nوَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (٥٧) فَجَعَلَهُمْ جُذاذًا إِلاَّ كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (٥٨)\nوقوله: وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ ... الآية. رُوِيَ: أَنَّهُ حَضَرَهُم عِيدٌ لهم، فعزم قومٌ منهم على إبراهيمَ في حُضُورِهِ طمعًا منهم أَنْ يَسْتَحْسِنَ شيئًا من أحوالهم، فَمَشَى معهم، فلما كان في الطريق ثَنَى عَزْمَه على التَّخَلُّفِ عنهم، فقعد، وقال لهم: إني سقيم، فَمرَّ به جُمْهُورهُم، ثم قال في خلوةٍ من نفسه: وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ فَسَمِعَهُ قومٌ من ضَعَفَتِهِم مِمَّنْ كان يسيرُ في آخِرِ الناس.\nوقوله: بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ معناه: إلى عِيدِكُمْ، ثم انصرف إبراهيمُ ﵇ إلَى بيت أصنامِهِم فدخله، ومعه قدُومٌ، فوجد الأَصنامَ قد وُقِّفَتْ، أكْبَرُهَا أَوَّلٌ، ثم الذي يليه فالذي يليه، وقد جعلوا أَطْعِمَتَهُم في ذلك اليوم بين يدي الأَصنام تبركًا لينصرفوا من ذلك العيد إلى أَكْلِهِ، فجعل﵇- يقَطِّعُهَا بتلك القدومِ، ويُهَشمُهَا حتى أَفسد أَشكالها، حاشا الكبيرَ فإنَّهُ تَرَكَهُ بحالِهِ وعَلَّقَ القدومَ في يده، وخرج عنها، وجُذاذًا:","vol":"4","page":89},{"text":"معناه: قطَعًا صِغَارًا، والجَذُّ: القَطْعُ، والضميرُ في إِلَيْهِ أَظْهَرُ ما فيه أَنَّهُ عائِدٌ على إبراهيم، أي: فَعَلَ هذا كُلّهُ ترجِّيًا منه أَنْ يَعْقُبَ ذلك منهم رَجْعَةٌ إليه وإلى شرعه، ويحتمل أن يعود على كبيرهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-918>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٥٩ الى ٦٣]</span>\nقالُوا مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٥٩) قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ (٦٠) قالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (٦١) قالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ (٦٢) قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣)\nوقوله سبحانه: قالُوا مَنْ فَعَلَ هذا ... الآية. المعنى: فانصرفوا من عيدهم فرأوا ١٨ ب ما حَدَثَ بآلهتهم، ف قالُوا: مَنْ/ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا؟ وقالُوا الثاني: الضميرُ فيه للقوم الضَّعَفَةِ الذين سَمِعُوا قولَ إبراهيمَ: تَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ.\nوقوله: عَلى أَعْيُنِ النَّاسِ يريدُ في الحَفْلِ، وبِمَحْضَرِ الجمهور، وقوله:\nيَشْهَدُونَ: يحتَمِلُ أَنْ يريدَ: الشهادَةَ عليه بفعله، أو بقوله: لَأَكِيدَنَّ، ويحتمل أنْ يريدَ به: المُشَاهَدَةَ، أي: يشاهدون عُقُوبَتَهُ أو غلبته المُؤَدِّيَةَ إلَى عُقُوبَتِهِ، وقوله ﵇: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا على معنى الاحتجاجِ عليهم، أَي: إنَّهُ غَارَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ هو وَتُعْبَدَ الصِّغَارُ معه، ففعل هذا بها لذلك وفي الحديث الصحيح عن النّبيّ ﷺ قال: «لَمْ يَكْذِبْ إبْرَاهِيمُ ﵇ إلاَّ ثَلاَثَ كَذِبَاتٍ: قَوْلُهُ: إِنِّي سَقِيمٌ [الصافات: ٨٩]، وقوله:\nبَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا، وقوله لِلْمَلِكِ: هِيَ أُخْتِي. وكانت مقالاتُه هذه في ذات اللَّه، وذهبت فرقة إلى أَنَّ معنى الحديث: لم يكذب إبراهيم، أي: لم يقل كلامًا ظاهره الكذب أو يشبه الكذبُ، وذهب الفَرَّاءُ إلى جهة أخرى في التأويل بأَنْ قال: قوله: فَعَلَهُ ليس من الفعل، وإنما هو فعله على جهة التوقع، حُذِفَ اللامُ على قولهم: عَلَّه بمعنى: لَعَلَّهُ، ثم خُفِّفَتِ اللام.\nقال ع «١»: وهذا تكلف.\nقلت: قال عياض: واعلم، (أكرمك اللَّه) أَنَّ هذه الكلماتِ كلها خارجة عن الكذب، لا في القصد ولا في غيره، وهي داخلة في باب المعاريض التي فيها مندوحة عن الكذب، فأَمَّا قوله: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فإنه عَلَّقَ خبره بشرط النطق، كأَنه قال: إنْ كان ينطق فهو فعله على طريق التبكيت لقومه. انتهى.\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٨٧) .","vol":"4","page":90},{"text":"ثم ذكر بقية التوجيه وهو واضح لا نطيل بسرده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-919>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٦٤ الى ٧٠]</span>\nفَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (٦٤) ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ (٦٥) قالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ (٦٦) أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٦٧) قالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (٦٨)\nقُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلى إِبْراهِيمَ (٦٩) وَأَرادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ (٧٠)\nوقوله سبحانه: فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ، أي: في توقيف هذا الرجل على هذا الفعلِ وأَنتم معكم من تسألون ثم رأوا ببديهة العقل أنَّ الأصنام لا تنطق، فقالوا لإبراهيمَ حين نكسوا في حيرتهم: لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ، فوجد إبراهيمُ ﵇ عند هذه المقالة موضعَ الحُجَّةِ ووقفهم موبّخا لهم بقوله: أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا ...\nالآية. ثم حَقَّرَ شأنهم وشأنها بقوله: أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ... الآية.\nص «١»: وقولهم: لَقَدْ عَلِمْتَ: جواب قَسَمٍ محذوف معمول لقول محذوف في موضع الحال، أي: قائلين، لقد علمت. انتهى.\nوقال الثعلبي: فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ أي: تفكروا بعقولهم فقالوا: ما نراه إلاَّ كما قال، إنكُم أنتم الظالمون في عبادتكم الأَصنامَ الصغارَ مع هذا الكبير. اهـ.\nوما قدمناه عن ع «٢» هو الأوجه وأُفٍّ لفظة تُقال عند المُسْتَقْذَرَاتِ من الأَشياءِ، ويُسْتَعَارُ ذلك للمُسْتَقْبَح من المعاني، ثم أخذتهم العِزَّةُ بالإثم وانصرفوا إلى طريق الغلبة والغشم، فقالوا: حَرِّقُوهُ رُوِيَ: أَنَّ قائل هذه المقالة هو رجل من الأَكْرَادِ من أعرابِ فارس، أي: من باديتها، فَخَسَفَ اللَّه به الأَرض، فهو يتجلجلُ فيها إلى يومِ القيامة، وروي: أَنه لما أجمع رأيهم على تحريقه حَبَسَهُ نمرودُ الملك (لعنه الله) وأمر بجمع\n_________\n(١) [هذه الجملة جواب قسم محذوف والقسم وجوابه معمولان لقول مضمر وذلك القول المضمر حال من مرفوع نكسوا أي نكسوا قائلين والله لقد علمت قوله: «ما هؤلاء ينطقون» يجوز أن تكون ما هذه مجازية فتكون هؤلاء اسمها وينطقون في محل نصب خبرها أو تميمية فلا علم لها والجملة المنفية بأسرها سادة مسد المفعولين إن كانت «علمت» على بابها ومسد واحد إن كانت عرفانية] .\nينظر: «الدر المصون» (٥/ ٩٨) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٨٨) .","vol":"4","page":91},{"text":"الحَطَبِ حتى اجتمع منه ما شاءَ اللَّه، ثم أضرم نارا فلما أرادوا طرحَ إِبراهيمَ فيها لم يقدروا على القرب منها، فجاءهم إبليسُ في صورة شيخ فقال لهم: أنا أصنع لكم آلةً يُلْقَى بها، فَعَلَّمَهُمْ صنعة المِنْجَنِيقِ، ثم أُخْرِجَ إبراهيمُ ﵇ فشد رباطًا، ووُضِعَ في كفَّةِ المنجنيق، ورُمِيَ به، فتلقَّاهُ جبريلُ﵇- في الهواءِ فقال له: ألك حاجة؟ فقال:\nأمَّا إليك فلا، وأَمَّا إلى اللَّه فبلى.\nقلت: قال ابنُ عطاء اللَّه في «التنوير»: وكنْ أَيُّها الأَخْ إبراهيميًّا إذْ زُجَّ به في المنجنيق، فتعرَّض له جبريل فقال: ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا، وأما إلى ربي، فبلى، قال: فَاسْأَلْهُ. قال: حسبي من سؤالي علمه بحالي، فانظرْ كيف رفع هِمَّتَهُ عن الخلق، ووجَّهَهَا إلى الملك الحقِّ، فلم يستغث بجبريل، ولا احتال على السؤال، بل رأى رَبَّهُ تعالى أقربَ إليه من جبريل ومن سؤاله فلذلك سَلَّمَهُ من نمرودَ ونكَالِهِ، وأنعم عليه بنواله وأفضاله. انتهى.\nوقوله سبحانه: قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا قال بعض العلماء فيما روي: إنَّ اللَّه تعالى لو لم يقلْ: وَسَلامًا لهلك إبراهيمُ من برد النارِ، ورُوِيَ أَنَّه لما وقع في النار سَلَّمَهُ اللَّه، واحترق الحبل الذي رُبِطَ به، وقد أَكثر الناس في قصصه فاختصرناه لعدم صِحَّة أكثره، وروي: أَنَّ إبراهيمَ ﵇ كان له بسط وطعام في تلك النارِ كُلُّ ذلك من الجنة، وروي: أَنَّ العيدانَ أينعت وأثمرت له هناك ثمارَها، ورُوِيَ: أنهم قالوا: إنَّ هذه نار مسحورة، لا تحرق، فرموا فيها شيخًا منهم فاحترق، واللَّه أعلم بما كان من ذلك.\nقلت: قال صاحب «غاية المَغْنَم في اسم اللَّه الأعظم» وهو من الأئمة المحدثين، وعن الإمام أَحمدَ بنِ حَنبلَ ﵀: إنه يُكْتَبُ للمَحْمُومِ ويُعَلَّقُ عليه: بسم الله الرحمن الرحيم، يا الله يا الله محمد رسول الله ﷺ يا نارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلى إِبْراهِيمَ وَأَرادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ، اللهم ربَّ جبريل وميكائيل اشْفِ حاملها بحولك وقوتك وجبروتك يا أرحمَ الراحمين. انتهى.\nوقوله: وَسَلامًا معناه: وسلامةً، و«الكيد»: هو ما أرادوه من حرقه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-920>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٧١ الى ٧٦]</span>\nوَنَجَّيْناهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ (٧١) وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً وَكُلًاّ جَعَلْنا صالِحِينَ (٧٢) وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ وَكانُوا لَنا عابِدِينَ (٧٣) وَلُوطًا آتَيْناهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الْخَبائِثَ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ (٧٤) وَأَدْخَلْناهُ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥)\nوَنُوحًا إِذْ نادى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦)","vol":"4","page":92},{"text":"وقوله سبحانه: وَنَجَّيْناهُ وَلُوطًا ... الآية. رُوِيَ أَنَّ إبراهيمَ ﵇ لما خرج من النار أحضره نمرودُ، وقال له في بعض قوله: يا إبراهيمُ، أين جنودُ ربِّك الذي تَزْعُمُ؟\nفقال له ﵇: سيريك فِعْلَ أضعفِ جنوده، فبعث اللَّه تعالى على نمرودَ وأصحابه سحابةً من بعوضٍ فأكلتهم عن آخرهم ودوابَّهُم حتى كانتِ العظام تلوح بيضاءَ، ودخلت منها بعوضةٌ في رأس نمرودَ، فكان رأسه يُضْرَبُ بالعيدانِ وغيرِها، ثم هلك منها، وخرج إبراهيمُ وابن أخيه لوط﵉- من تلك الأرضِ مهاجرين، وهي «كُوثى» من العراق، ومع إبراهيمَ بنتُ عَمِّهِ، سارَةُ زوجتُه، وفي تلك السفرة لَقِيَ الجبارَ الذي رام أخذها منه، واخْتُلِفَ في الإرض التي بُورِكَ فيها ونحا إليها إبراهيم ولوط﵉-، فقالت فرقة: هي مَكَّةُ، وقال الجمهور: هي الشام، فنزل إبراهيم بالسبع من أرض فلسطين، وهي برية الشام، ونزل لوط بالمؤتكفة، «والنافلة»: العطيَّةُ، وباقي الآية بَيِّنٌ، وخبائِثُ قرية لوط هي إتيانُ الذكور، وتَضَارُطُهُمْ في مجالسهم، إلى غير ذلك من قبيح أفعالهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-921>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٧٧ الى ٨٤]</span>\nوَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ (٧٧) وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلًاّ آتَيْنا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فاعِلِينَ (٧٩) وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ (٨٠) وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ (٨١)\nوَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حافِظِينَ (٨٢) وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ (٨٤)\nوقوله سبحانه في نوح﵇-: وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ ... الآية، لما كان جُلُّ نُصْرَتِهِ النجاةَ، وكانت غلبة قومه بأَمر أجنبيٍّ منه- حَسُنَ أنْ يقول: «نصرناه من»، ولا تتمكن هنا «على» .\nقال ص: عُدِّي «نصرناه» ب «مِنْ» لتضمنه معنى: نجينا، وعصمنا، ومنعنا.\nوقال أبو عبيدة: «مِنْ» بمعنى «على» .","vol":"4","page":93},{"text":"قلت: وهذا أولى، وأَمَّا الأول ففيه نظر لأَنَّ تلك الأَلفاظَ المُقَدِّمَةَ كلها غير مرادفة ل «نصرنا»، انتهى.\nقلت: وكذا يظهر من كلام ابن هشام: ترجيحُ الثاني، وذِكْرُ هؤلاء الأنبياء﵈- ضَرْبُ مَثَلٍ لقصة نبيِّنا محمد ﷺ مع قومه، ونجاةُ الأنبياء، وهلاكُ مكذبيهم ضمنها تَوَعُّدٌ لِكُفَّارِ قريش.\nوقوله تعالى: وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ المعنى: واذكر داود وسليمان، هكذا قَدَّرَهُ جماعة من المفسرين، ويُحْتَمَلُ أنْ يكونَ المعنى: وآتينا داود، و«النفش»: هو الرعي ليلًا، ومضى الحكم في الإسلام بتضمين أربابِ النعم ما أفسدت بالليل لأنَّ على أهلها أَنْ يثقفوها، وعلى أهل الزروع حفظها بالنهار، هذا هو مُقْتَضَى الحديث في ناقة ابن عازب، وهو مذهب مالك وجمهور الأُمَّةِ، وفي كتاب ابن سحنون: إن الحديث إنَّما جاء في أمثالِ المدينة التي هي حيطان محدقة، وأمَّا البلاد التي هي زروع متصلة غير محظرة فيضمن أربابُ النَّعَمِ ما أفسدتْ بالليل والنهار.\nقال ص: والضمير في قوله: لِحُكْمِهِمْ يعودُ على الحاكمين والمحكوم له وعليه أبو البقاء.\nوقيل: الضمير لداودَ وسليمانَ﵉- فقط، وجُمِعَ لأَنَّ الاثنين جمع.\nانتهى.\nقال ابن العربيِّ في «أحكامه» «١»: المواشي على قسمين: ضوار «٢»، وغير ضوار، وهكذا قَسَّمَهَا مالك، فالضواري: هي المعتادة بأكل الزرع والثمار، فقال مالك: تُغَرَّبُ وتُبَاعُ في بلد لا زرعَ فيه، ورواه ابن القاسم في الكتاب وغيره.\nقال ابن حبيب: وإنْ كَرِهَ ذلك أربابُها، وكان قول مالك في الدَّابَّةِ التي ضربت بفساد الزرع أَنْ تُغَرِّبَ وتُبَاعَ، وأَمَّا ما يُسْتَطَاعُ الاحتراز منه فلا يُؤْمَرُ صاحبه بإخراجه عن ملكه، وهذا بَيِّنٌ. انتهى.\nوقوله: يُسَبِّحْنَ، أي: يقلن: سبحان اللَّه هذا قول الأكثر، وذهبت فرقة منهم\n_________\n(١) ينظر: «أحكام القرآن» (٣/ ١٢٧٠) .\n(٢) الضرو من السباع: ما ضري بالصيد ولهج بالفرائس.\nينظر: «لسان العرب» (٢٥٨٣) . [.....]","vol":"4","page":94},{"text":"منذرُ بن سعيد إلى أنه بمعنى: يُصَلِّينَ معه بصلاته، واللبوس في اللغة: هو السلاح، فمنه الدرع وغيره.\nقال ص: ولَبُوسٍ معناه: مَلْبُوسٌ كالرُّكُوب بمعنى المَرْكُوب قال الشاعر [الطويل] .\nعَلَيْهَا أَسُودٌ ضَارِيَاتٌ لَبُوسُهُم ... سَوَابِعُ بِيضٌ لاَ تُخَرِّقُهَا النَّبْلُ\nوَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ، أي: وسخرنا لسليمانَ الريحَ، هذا على قراءة [النصب] «١» وقرأت «٢» فرقة «الريحُ» بالرفع، ويروى أَنَّ الريح العاصفة كانت تهبُّ على سرير سليمانَ الذي فيه بساطه، وقد مد حول البساط بالخشب والألواح حتى صَنَعَ سريرًا يَحْمِلُ جميع عسكره وأقواته، فتقله من الأرض في الهواء، ثم تتولاه الريح الرُّخَاءُ بعد ذلك فتحمله إلى حيث أراد سليمان.\nقال ص: والعَصْفُ: الشِّدَّةُ، والرُّخَاءُ: اللين. انتهى.\nوقوله تعالى: إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها اخْتُلِفَ فيها، فقالت فرقة: هي الشام، وكانت مسكنَه وموضعَ ملكه، وقد قال بعضهم: إنَّ العاصفة هي في القفول على عادة البشر والدَّوابِّ في الإسراع إلى الوطن، وإنَّ الرُّخَاء كانت في البدأة حيث أصاب، أي: حيث يقصد لأَنَّ ذلك وقت تأنٍ/ وتدبير وتقلُّبِ رأي، ويحتمل: أنْ يريد الأَرض التي يسير ١٩ أإليها سليمان كائنةً ما كانت، وذلك أَنَّهُ لم يكن يسير إلى أَرض إلاَّ أصلحها اللَّه تعالى به ﷺ، ولا بركةَ أَعظَمُ من هذا، والغوصُ: الدخول في الماء والأرض، والعمل دون ذلك البنيان وغيره من الصنائع والخدمة ونحوها، وَكُنَّا لَهُمْ حافِظِينَ قيل: معناه: مِنْ إفسادهم ما صنعوه، وقيل: غير هذا.\nقلت: وقوله سبحانه: وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ هذا الاسم المُبَارَكُ مناسب لحال أَيُّوبَ ﵇، وقد روى أسامة بن زيد (﵁) أَنَّ رسول الله ﷺ قال: «إنَّ لِلَّهِ تعالى مَلَكًا مُوَكَّلًا بِمَنْ يَقُولُ: يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينٍ، فَمَنْ قَالَهَا ثَلاَثًا، قال له الملك: إنّ\n_________\n(١) سقط في ج.\n(٢) وقد قرأ بها الأعرج، وأبو بكر عن عاصم.\nينظر: «مختصر الشواذ» (٩٥)، و«الكشاف» (٣/ ١٣٠)، و«المحرر الوجيز» (٤/ ٩٣)، و«البحر المحيط» (٦/ ٣٠٨)، و«الدر المصون» (٥/ ١٠٣) .","vol":"4","page":95},{"text":"أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ قَدْ أَقْبَلَ عَلَيْكَ فَاسْأَلْ» «١» رواه الحاكم في «المَسْتَدْرَكِ»، وعن أنس بن مالك (﵁) قال: «مرّ رسول الله ﷺ بِرَجُلٍ، وَهُوَ يَقُولُ: يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، فَقَالَ له رسول الله ﷺ: سَلْ فَقَدْ نَظَرَ اللَّهُ إلَيْكَ» «٢» رواه الحاكم، انتهى من «السلاح» .\nوفي قصص أيوبَ ﵇ طُولٌ واختلاف، وتلخيصُ بعض ذلك: أَنَّ أيوبَ ﵇ أصابه اللَّه تعالى بأكلة في بدنه، فلما عَظُمَتْ، وتقطَّع بدنه، أخرجه الناس من بينهم، ولم يبقَ معه غيرُ زوجته، ويقال: كانت بنتَ يوسفَ الصديق ﵇ قيل:\nاسمها رحمة، وقيل في أيوب: إنَّه من بني إسرائيل وقيل: إنه من «الروم» من قرية «عيصو»، فكانت زوجته تسعى عليه، وتأْتيه بما يأكل، وتقوم عليه، ودامَ عليه ضُرُّهُ مدَّة طويلة، وروي أَنَّ أيوب (﵇) لم يزل صابرًا شاكرًا، لا يدعو في كشف ما به، حتى إنَّ الدودة تسقط منه فيردها، فمرَّ به قوم كانوا يعادونه فشمتوا به فحينئذٍ دعا رَبَّهُ سبحانه فاستجاب له، وكانت امرأته غائبةً عنه في بعض شأنها، فأنبع اللَّه تعالى له عينًا، وأُمِرَ بالشرب منها فبرىء باطنه، وأُمِرَ بالاغتسال فبرىء ظاهره، ورُدَّ إلى أفضل جماله، وأوتي بأحسن ثياب، وهبَّ عليه رجل من جراد من ذهب فجعل يحتفن منه في ثوبه، فناداه ربه ﷾: «يا أيوب ألمْ أكنْ أغنيتك عن هذا؟ فقال: بلى يا رب، ولكن لا غنى بي عن بركتك» فبينما هو كذلك إذ جاءت امرأته، فلم تره في الموضع، فجزعت وَظَنَّتْ أَنَّهُ أزيل عنه، فجعلت تتولَّهُ ﵂، فقال لها: ما شَأْنُكِ أيتها المرأة؟\nفهابته لحسن هيئته، وقالت: إنِّي فقدت مريضًا «٣» لي في هذا الموضع، ومعالم المكانِ قد تغيرت، وتأملته في أثناءِ المقاولة «٤» فرأت أيوبَ، فقالت له: أنت أيوبُ؟ فقال لها:\nنعم، واعتنقها، وبكى، فَرُوِيَ أنه لم يُفَارِقْهَا حَتَّى أراه اللَّه جميعَ مالِهِ حاضرًا بين يديه.\nواختلف الناس في أهله وولده الذين آتاه اللَّه، فقيل: كان ذلك كله في الدنيا فَرَدَّ اللَّه عليه ولده بأعيانهم، وجعل مثلهم له عدة في الآخرة، وقيل: بل أُوتي جميع ذلك في الدنيا من أهل ومال.\nت: وقد قَدَّمَ ع «٥» في صدر القصة: إن اللَّه سبحانه أَذِنَ لإبليس (لعنه الله)\n_________\n(١) أخرجه الحاكم (١/ ٥٤٤) من طريق كامل بن طلحة عن فضال بن جبير عن أبي أمامة مرفوعا، وسكت عنه الحاكم، وقال الذهبي: فضال ليس بشيء.\n(٢) أخرجه الحاكم (١/ ٥٤٤) من حديث أنس بن مالك، وقال الذهبي: لم يصح هذا.\n(٣) في ج: كان لي.\n(٤) في ج: المقالة.\n(٥) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٩٤) .","vol":"4","page":96},{"text":"في إهلاك مال أيوبَ، وفي إهلاك بنيه وقرابته، ففعل ذلك أجمع، واللَّه أعلم بصحة ذلك، ولو صَحَّ لوجب تأويله.\nوقوله سبحانه: وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ، أي: وتذكرة وموعظة للمؤمنين، ولا يعبد الله إلّا مؤمن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-922>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٨٥ الى ٨٨]</span>\nوَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (٨٥) وَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٦) وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)\nوقوله سبحانه: وَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ المعنى: واذكر إسماعيلَ، وقوله سبحانه:\nوَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا التقدير واذكر ذا النون، قال السُّهَيْلِيُّ: لما ذكر اللَّه تعالى يُونُسَ هنا في معرض الثناء، قال: وَذَا النُّونِ، وقال في الآية الأخرى: وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ [القلم: ٤٨] / والمعنى واحدٌ، ولكن بين اللفظين تفاوتٌ كثير في حسن ١٩ ب الإشارة إلى الحالتين، وتنزيلُ الكلام في الموضعين والإضافة بذي أشرف من الإضافة بصاحب لأنَّ قولك «١»: ذو يضاف بها إلى التابع، وصاحبُ يُضَافُ بها إلى المتبوع.\nانتهى.\nوالنون: الحوتُ، والصاحب: يونس بن متى﵇- وهو نبيٌّ من أهل نَيْنَوَى.\nوقوله: مُغاضِبًا قيل: إنَّهُ غاضب قومه حين طال عليه أمرهم وَتَعَنُّتُهُمْ، فذهب فارًّا بنفسه، وقد كان اللَّه تعالى أمره بملازمتهم والصبرِ على دعائهم، فكان ذلك ذَنْبَه، أي: في خروجه عن قومه بغير إذن ربه.\nقال عِيَاض: والصحيح في قوله تعالى: إِذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا أَنَّهُ مُغَاضِبٌ لقومه لكفرهم، وهو قول ابن عباس، والضَّحَّاكِ «٢» وغيرهما، لا لربه إذْ مغاضبة اللَّه تعالى معاداة له، ومعاداةُ اللَّه كفر لا يليق بالمؤمنين، فكيف بالأنبياء﵈-؟! وفرار\n_________\n(١) في ج: قوله وذا.\n(٢) أخرجه الطبريّ (٩/ ٧٣) برقم (٢٤٧٤٩) عن ابن عباس، (٢٤٧٥٠) عن الضحاك، وذكره السيوطي (٤/ ٥٩٧) وعزاه للبيهقي في «الأسماء والصفات» عن ابن عباس، وعزاه أيضا لابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن الضحاك.","vol":"4","page":97},{"text":"يونس ﵇ خشيةَ تكذيب قومه بما وعدهم به من العذاب.\nوقوله سبحانه: فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ معناه: أَنْ لن نضيق عليه، وقيل: معناه:\nنقدر عليه ما أصابه، وقد قُرِىء «نقَدِّرَ» عليه بالتشديد «١»، وذلك، كما قيل لحسن ظَنِّهِ بربه:\nأَنه لا يقضى عليه بعقوبة، وقال عياض في موضع آخر: وليس في قصة يونس ﵇ نَصٌّ على ذنب، وإنما فيها أَبَقَ وذهب مغاضبًا، وقد تكلمنا عليه، وقيل: إنما نقم الله- تعالى- عليه خروجه عن قومه، فارّا من نزول العذاب. وقيل: بل لَمَّا وعدهم العذابَ، ثم عفا اللَّه عنهم، قال: واللَّهِ لا ألقاهم بوجه كذَّابٍ أبدًا، وهذا كله ليس فيه نَصٌّ على معصية. انتهى.\nوقوله سبحانه: فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ. قالت فرقة: معناه: أن لن نضيق عليه في مذهبه من قوله تعالى: يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ [الرعد: ٢٦]، وقرأ الزُّهْرِيُّ:\n«نُقَدِّرُ» «٢» بضم النون، وفتح القاف، وشَدِّ الدال، ونحوه عن الحسن.\nوروي: أَنَّ يونس ﵇ سجد في جوفِ الحوت حين سمع تسبيح الحيتان في قعر البحر.\nوقوله: إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ: يريد فيما خالف فيه من ترك ملازمة قومه والصبر عليهم، هذا أحسن الوجوه، فاستجاب اللَّه له.\nت وليس في هذه الكلمة ما يَدُلُّ أَنَّهُ اعترف بذنب، كما أشار إليه بعضهم، وفي الحديث الصحيح: «دَعْوَةُ أَخِي ذِي النُّونِ، في بَطْنِ الْحُوتِ: لاَ إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ، إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، مَا دَعَا بِهَا عَبْدٌ مُؤْمِنٌ- أَوْ قَالَ: مُسْلِمٌ-، إلاَّ اسْتُجِيبَ لَهُ» «٣»\n_________\n(١) وهي قراءة الزهري والحسن كما ذكرهما المصنف بعد.\nوقرأ بها ابن أبي ليلى، وأبو شرق، والكلبي، ويعقوب.\nكما في «مختصر الشواذ» ص (٩٥)، وينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٩٧)، و«البحر المحيط» (٦/ ٣١١)، ونسبها للزهري حسب. وهي في «الدر المصون» (٥/ ١٠٥) .\nوحكاها القرطبي (١١/ ٢١٩) عن عمر بن عبد العزيز والزهري.\n(٢) ينظر القراءة السابقة.\n(٣) أخرجه الترمذي (٥/ ٥٢٩) كتاب الدعوات: باب (٨٢) حديث (٣٥٠٥)، والنسائي في «الكبرى» (٦/ ١٦٨) كتاب عمل اليوم والليلة: باب ذكر دعوة ذي النون، حديث (١٠٤٩٢)، وأحمد (١/ ١٧٠)، والحاكم (١/ ٥٠٥)، والطبريّ (٩/ ٧٨)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (١/ ٤٣٢) رقم (٦٢٠) كلهم من حديث سعد بن أبي وقاص.\nوالحديث ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٥٩٩)، وزاد نسبته إلى الحكيم في «نوادر الأصول»، وابن أبي حاتم، والبزار، وابن مردويه.","vol":"4","page":98},{"text":"الحديث، انتهى. وعن سعد بن مالك أنّ رسول الله ﷺ قال في قوله تعالى: لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ أيُّما مُسْلِمٍ دَعَا بِهَا فِي مَرَضِهِ أَرْبَعِينَ مَرَّةً فَمَاتَ فِي مَرَضِهِ ذَلِكَ- أُعْطِيَ أَجْرَ شَهِيدٍ، وإنْ بَرِىءَ بَرِىءَ وَقَدْ غَفَرَ اللهُ لَهُ جَمِيعَ ذُنُوبِهِ» «١» أخرجه الحاكم في «المستدرك»، انتهى من «السلاح» .\nوذكر صاحب «السلاح» أيضًا عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله ﷺ:\n«دَعْوَةُ ذِي النُّونِ، إذْ دَعَا وَهُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ: لاَ إلَهَ إلاَّ أَنْتَ، سُبْحَانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ فَإنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ في شَيْءٍ قَطُّ إلاَّ اسْتَجَابَ اللهُ تعالى لَهُ» رواه الترمذي، واللفظ له، والنسائي والحاكم في «المستدرك»، وقال: صحيح الإسناد، وزاد فيه من طريق آخر: «فَقَالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللهِ، هَلْ كَانَتْ لِيُونُسَ خَاصَّةً، أَمْ لِلْمُؤْمِنِينَ عَامَّةً؟\nفَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «ألا تسمع إلى قول الله ﷿: وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ «٢»» . انتهى.\nوالغم: ما كان ناله حين التقمه الحوت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-923>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٨٩ الى ٩١]</span>\nوَزَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ (٨٩) فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ (٩٠) وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ (٩١)\nوقوله سبحانه: / وَزَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّهُ ... الآية تقدم أمر زكرياء.\nوقوله سبحانه: وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ قيل: بأَنْ جُعِلَتْ مِمَّنْ تَحْمِلُ وهي عاقر قاعد، وعموم اللفظ يتناول جميع الإصلاح.\nوقوله تعالى: وَيَدْعُونَنا رَغَبًا وَرَهَبًا المعنى: أنهم يدعون في وقت تعبداتهم، وهم بحال رغبة ورجاء، ورهبة وخوف في حال واحدة لأَنَّ الرغبة والرهبة متلازمان، والخشوعُ: التذلُّل بالبدن المتركب على التذلل بالقلب.\nقال القشيريُّ في «رسالته»: سُئِلَ الجنيد عن الخشوع فقال: تَذَلُّلُ القلوب لعلاَّمِ الغيوب، قال سَهْلُ بْنُ عَبْدِ الله: مَنْ خشع قلبُه لم يقرب منه الشيطان. انتهى.\n_________\n(١) أخرجه الحاكم (١/ ٥٠٦)، وسكت عنه هو والذهبي.\n(٢) تقدم تخريجه. [.....]","vol":"4","page":99},{"text":"وقوله سبحانه: وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها المعنى: واذكر التي أحصنت فرجها، وهي الجارحة المعروفة، هذا قول الجمهور، وفي أحصانها هو المدح، وقالت فرقة: الفرج هنا هو فرج ثوبها [الذي منه نفخ الملك] «١» . وهذا قول ضعيف، وقد تقدم أمرها.\nت: وعكس (﵀) في سورة التحريم النقل، فقال: قال الجمهور: هو فرج الدرع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-924>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٩٢ الى ٩٥]</span>\nإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢) وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ (٩٣) فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كاتِبُونَ (٩٤) وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ (٩٥)\nوقوله تعالى: إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ يُحْتَمَلُ أن يكون منقطعًا خطابا لمعاصري النبي ﷺ ثم أخبر عن الناس أَنَّهُمْ تقطعوا، ثم وعد وأوعد، ويحتمل أنْ يكون مُتَّصِلًا بقصة مريمَ وابنها﵉.\nص: أبو البقاء: وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ أي، في أمرهم، يريد أنه منصوب على إسقاط حرف الجر.\nوقيل: عُدِّيَ بنفسه لأنَّه بمعنى قطعوا، أي فرقوا، انتهى.\nوقال البخاري: أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً، أي: دينكم دينٌ واحد «٢» . انتهى.\nوقرأ جمهور السبعة: «وحرام»، وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم «٣»:\n«وحِرْم» - بكسر الحاء وسكون الراء- وهما مصدران بمعنى، فأَمَّا معنى الآية، فقالت فرقة:\nحَرَامٌ وحَرْمٌ معناه: جزم وحتم، فالمعنى: وحتم على قرية أهلكناها، أَنَّهم لا يرجعون إلى الدنيا فيتوبون ويستعتبون، بل هم صائرون إلى العقاب.\nوقالت طائفة: حرام وحرم، أي: ممتنع.\n_________\n(١) سقط في ج.\n(٢) ينظر: «صحيح البخاري» (٨/ ٢٨٩) كتاب «التفسير»: باب سورة الأنبياء.\n(٣) إنما قرأ عاصم هذه القراءة في رواية أبي بكر، لا حفص كما ذكر المصنف، وأما قراءة حفص فهي كقراءة الجمهور.\nينظر: «السبعة» (٤٣١)، و«الحجة» (٥/ ٢٦١)، و«إعراب القراءات» (٢/ ٦٨)، و«معاني القراءات» (٢/ ١٧٠)، و«شرح الطيبة» (٥/ ٦٠)، و«العنوان» (١٣٢)، و«شرح شعلة» (٥٠٠)، و«إتحاف» (٢/ ٢٦٧) .","vol":"4","page":100},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-925>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٩٦]</span>\nحَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦)\nوقوله سبحانه: حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ ...\nالآية، تحتمل «حتى» في هذه الآية أنْ تتعلَّقَ ب يَرْجِعُونَ، وتحتمل أنْ تكون حرفَ ابتداء، وهو الأظهر بسبب «إذا» لأنها تقتضي جوابًا، واختلف هنا في الجواب، والذي أقول به: أَنَّ الجواب [في قوله] «١» فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ وهذا هو المعنى الذي قُصِدَ ذكرُه.\nقال ص: قال أبو البقاء: حَتَّى إِذا مُتَعَلِّقَةٌ في المعنى ب حَرامٌ أي: يستمر الامتناع إلى هذا الوقت، ولا عملَ لها في «إذا» . انتهى.\nوقرأ الجمهور: «فُتِحَتْ» بتخفيف التاء، وقرأ ابن عامر «٢» وحده «فُتِّحَتْ» بالتشديد، ورُوِيَ أنَّ ياجوجَ وماجوجَ يشرفون في كلِّ يوم على الفتح، فيقولون: غدًا نفتح، ولا يردون المشيئة إلى الله تعالى، فإذا كان غد وجدوا الرَّدم كأَوَّلِهِ حتى إذا أذن الله تعالى في فتحه، قال قائلهم: غدًا نفتحه إن شاء الله تعالى، فيجدونه كما تركوه قريبَ الانفتاح فيفتحونه حينئذٍ.\nت وقد تقدم في «سورة الكهف» كثير من أخبار يأجوج ومأجوج فأغنانا عن إعادته، وهذه عادتنا في هذا المُخْتَصَرِ أسأل الله تعالى أن ينفعنا وإيَّاكم به، ويجعلَه لنا نورًا بين أيدينا، يومَ لا ينفعُ مال ولا بنون إلاَّ مَنْ أتى الله بقلب سليم، والحَدَبُ: كل مُسَنَّمٍ من الأرض، كالجبل والظَرِب «٣» والكدية «٤»، والقبر ونحوه.\nوقالت فرقة: المراد بقوله: وَهُمْ يأجوجُ ومأجوجُ، يعني أنهم يطلعون من كل ثنية ومرتفع ويملؤون الأرضَ من كثرتهم.\nوقالت فرقة: المراد بقوله: «وهم» جميعُ العالم، وإنَّما هو تعريف بالبعث من القبور.\n_________\n(١) سقط في ج.\n(٢) ينظر: «السبعة» (٤٣١)، و«الحجة» (٥/ ٢٦٢)، و«إعراب القراءات» (٢/ ٦٧)، و«معاني القراءات» (٢/ ١٧٢)، و«العنوان» (١٣٢)، و«حجة القراءات» (٤٧٠)، و«إتحاف» (٢/ ٢٦٧) .\n(٣) الظرب: كل ما نتأ من الحجارة، وحدّ طرفه، وقيل: هو الجبل المنبسط، وقيل: هو الجبل الصغير، وقيل: الروابي الصغار، والجمع: ظراب.\nينظر: «لسان العرب» (٢٧٤٥) .\n(٤) الكدية: الأرض المرتفعة، وقيل: هو شيء صلب من الحجارة والطين، وهي أيضا الأرض الغليظة، وقيل: الأرض الصلبة.\nينظر: «لسان العرب» (٣٨٣٨) .","vol":"4","page":101},{"text":"وقرأ ابن مسعود «١»: «وَهُمْ مِنْ كُلِّ جَدَثٍ» بالجيم والثاء المثلثة، وهذه القراءة تؤيّد ٢٠ ب/ هذا التأويل، ويَنْسِلُونَ: معناه: يسرعون في تطامن، وأسند الطبريُّ عن أبي سعيد قال: «يخرج يأجوج ومأجوج فلا يتركون أحدًا إلاَّ قتلوه، إلاَّ أَهْلَ الحصون، فيمرُّون على بحيرة طبرية فيمر آخرهم فيقول: كان هنا مرة ماء، قال فيبعث الله عليهم النَغَف حتى تكسر أعناقهم، فيقول أهل الحصون: لقد هلك أَعداءُ الله، فيدلون رجلًا ينظر، فيجدهم قد هلكوا، قال: فينزل الله من السماء ماءً فيقذف بهم في البحر، فيطهر الله الأَرض منهم» «٢» وفي حديث حذيفة نحوُ هذا، وفي آخره قال: وعند ذلك طلوعُ الشمس من مغربها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-926>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٩٧ الى ١٠١]</span>\nوَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يا وَيْلَنا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا بَلْ كُنَّا ظالِمِينَ (٩٧) إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ (٩٨) لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ (٩٩) لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَهُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ (١٠٠) إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ (١٠١)\nوقوله سبحانه: وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ يريد يومَ القيامة.\nوقوله: [فَإِذا] «٣» هِيَ: مذهب سيبويه أنها ضمير القِصَّةِ، وجَوَّز الفرَّاء أن تكون ضمير الإبصار، تقدمت لدَلالة الكلام، ومجيء ما يفسرها، والشخوص بالبصر إحداد النظر دون أن يطرف، وذلك يعترى من الخوف المُفْرِطِ ونحوه، وباقي الآية بيِّن.\nوقوله سبحانه: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ... الآية: هذه الآية مُخَاطَبَةٌ لكُفَّارِ مَكَّةَ، أي: إنكم وأصنامكم حصب جهنم، والحصب: ما توقد به النَّار إمّا\n_________\n(١) وقرأ بها ابن عباس، والكلبي، والضحاك.\nقال أبو الفتح: هو القبر بلغة أهل الحجاز.\nينظر: «المحتسب» (٢/ ٦٦)، و«مختصر الشواذ» (٩٥)، و«الكشاف» (٣/ ١٣٥)، و«المحرر الوجيز» (٤/ ١٠٠)، و«البحر المحيط» (٦/ ٣١٤)، و«الدر المصون» (٥/ ١١١) .\n(٢) أخرجه ابن ماجه (٢/ ١٣٦٣- ١٣٦٤) كتاب الفتن: باب فتنة الدجال، حديث (٤٠٧٩)، وأحمد (٣/ ٧٧)، وأبو يعلى (٢/ ٣٧٧- ٣٧٨) رقم (١١٤٤)، وابن حبان (١٩٠٩- موارد)، والحاكم (٤/ ٤٨٩)، والطبريّ في «تفسيره» (٩/ ٨٦) كلهم من حديث أبي سعيد الخدري.\nوصححه ابن حبان، والحاكم، ووافقه الذهبي.\nوذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٦٠٣)، وزاد نسبته إلى ابن المنذر، وابن مردويه.\n(٣) سقط في ج.","vol":"4","page":102},{"text":"لأنها تحصب به، أي: تُرْمَى، وإمَّا أنْ يكون لغة في الحطب إذا رُمِيَ، وإمَّا قبل أنْ يرمى فلا يُسَمَّى حصبًا إلاَّ بتجوز، وحرق الأصنام بالنار على جهة التوبيخ لعابديها، ومن حيث تقع «ما» لمن يعقل في بعض المواضع، اعترَضَ في هذه الآية عبدُ الله بنُ الزِّبعري على رسول الله ﷺ فقال: إنَّ عِيسَى وعُزَيرًا وَنَحْوَهُمَا قَدْ عُبِدَا مِنْ دُونِ اللهِ، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونُوا حَصَبًا لجهنم فنزلت: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى الآية. والورود في هذه الآية:\nورودُ الدخولِ، والزفيرُ: صوت المُعَذِّبِ، وهو كنهيق الحمير وشبهه إلاَّ أَنه من الصدر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-927>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ١٠٢ الى ١٠٥]</span>\nلا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ (١٠٢) لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (١٠٣) يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ (١٠٤) وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥)\nوقوله سبحانه: لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَها هذه صفة الذين سبقت لهم الحسنى، وذلك بعد دخولهم الجنة لأَنَّ الحديث يقتضى أَنَّ في الموقف تزفر جهنم زفرةً لا يبقى نبيٌّ ولا مَلَكٌ إلاَّ جثا على ركبتيه، قال البخاريُّ «١»: الحسيس والحس: واحد، وهو الصوتُ الخفيُّ، انتهى. والفزع الأكبر عامٌّ في كلِّ هول يكون يوم القيامة، فكأَنَّ يوم القيامة بجملته هو الفَزَعُ الأكبر.\nوقوله سبحانه: وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ يريد: بالسلام عليهم والتبشير لهم، أي: هذا يومكم الذي وعدتهم فيه الثواب والنعيم، والسِّجِلِّ في قول فرقة: هو الصحيفة التي يُكْتَبُ فيها، والمعنى: كما يطوى السِّجِلُّ من أجل الكتاب الذي فيه، فالمصدر مضاف إلى المفعول وهكذا قال البخاري «٢»: السجل: الصحيفة، انتهى، وما خَرَّجه أبو داودَ في «مراسيله» من أَنَّ السجل: اسم رجل من كتّاب النبي ﷺ «٣» . قال السهيليُّ فيه: هذا غير معروف. انتهى.\n_________\n(١) ينظر: «صحيح البخاري» (٨/ ٢٨٩) كتاب التفسير: باب سورة الأنبياء.\n(٢) ينظر المصدر السابق.\n(٣) أخرجه أبو داود (٢/ ١٤٧) كتاب الخراج والفيء والإمارة: باب في اتخاذ الكاتب، حديث (٢٩٣٥)، والنسائي في التفسير (٢/ ٧٤) رقم (٣٥٥)، والطبريّ (٩/ ٩٤) رقم (٢٤٨٤٩)، وابن عدي في «الكامل» (٧/ ٢٦٦٢)، والبيهقي (١٠/ ١٢٦)، والطبراني في «الكبير» (١٢/ ١٧٠) رقم (١٢٧٩٠) من حديث ابن عباس. وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٦١١)، وزاد نسبته إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن منده في «المعرفة»، وابن مردويه، وابن عساكر.","vol":"4","page":103},{"text":"وقوله سبحانه: كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ يحتمل معنيين: أحدهما: أن يكون خبرًا عن البعث، أي كما اخترعنا الخلق أوَّلًا على غير مثال كذلك ننشئهم تارة أخرى، فنبعثهم من القبور.\nوالثاني أنْ يكونَ خبرًا عن أَنَّ كل شخص يُبْعَثُ يوم القيامة على هيئته التي خرج بها ٢١ أإلى الدنيا، ويؤيد هذا قوله ﷺ: «يُحْشَرُ/ النَّاسُ يَوْمَ القِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ» «١» .\nوقوله: كَما بَدَأْنا الكاف مُتَعَلِّقَةٌ بقوله: نُعِيدُهُ، وقالت فرقة: الزَّبُورِ هنا يعم جميعَ الكتب المُنَزَّلَة لأَنه مأخوذ من: زبرت الكتاب إذا كتبته، والذِّكْرِ أراد به اللَّوحَ المحفوظ، وقالت فرقة: الزَّبُورِ هو زبور داود ﵇، والذِّكْرِ:\nالتوراة.\nوقالت فرقة: الزَّبُورِ: ما بعد التوراةِ من الكتب، والذِّكْرِ: التوراة.\nوقالت فرقة: الْأَرْضَ هنا: أرضُ الدنيا، أي: كل ما يناله المؤمنون من الأرض، وقالت فرقة: أراد أرض الجنة، واستشهدوا بقوله تعالى: وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ [الزمر: ٧٤] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-928>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ١٠٦ الى ١١٢]</span>\nإِنَّ فِي هذا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عابِدِينَ (١٠٦) وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ (١٠٧) قُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٨) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ (١٠٩) إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ (١١٠)\nوَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (١١١) قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ (١١٢)\nوقوله سبحانه: إِنَّ فِي هذا لَبَلاغًا: الإشارة ب «هذا» إلى هذ الآيات المتقدمة في قول فرقة.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٦/ ٤٤٥) كتاب أحاديث الأنبياء: باب قول الله تعالى: وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا حديث (٣٣٤٩)، وأطرافه في (٣٤٤٧، ٤٦٢٥، ٤٦٢٦، ٤٧٤٠، ٦٥٢٤، ٦٥٢٥، ٦٥٢٦)، ومسلم (٤/ ٢١٩٤- ٢١٩٥) كتاب الجنة وصفة نعيمها: باب فناء الدنيا، حديث (٥٠٨/ ٢٨٦٠)، والترمذي (٤/ ٦١٥- ٦١٦) كتاب صفة القيامة: باب ما جاء في شأن الحشر، حديث (٢٤٢٣)، والنسائي (٤/ ١١٤) كتاب الجنائز: باب البعث، حديث (٢٠٨٢) من حديث ابن عباس وقال الترمذي: حسن صحيح. [.....]","vol":"4","page":104},{"text":"وقالت فرقة: الإشارة إلى القرآن بجملته، والعبادة تتضمن الإِيمان.\nوقوله سبحانه: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ: قالت فرقة: هو ﷺ رحمةٌ للعالمين عمومًا، أَمَّا للمؤمنين فواضح، وأَمَّا للكافرين فلأَنَّ الله تعالى رفع عنهم ما كان يصيب الأُمَمَ والقرونَ السابقة قبلهم من التعجيل بأنواع العذاب المستأصلة كالطوفان وغيره.\nوقوله آذَنْتُكُمْ معناه: عرّفتكم بنذراتي، وأردتُ أن تشاركوني في معرفة ما عندي من الخوف عليكم من الله تعالى، وقال البخاري: آذَنْتُكُمْ: أعلمتكم، فإذا أعلمتهم فأنت وهم على سواء، انتهى، ثم أخبر أنه لا يعرف تعيينَ وقتٍ لعقابهم، هل هو قريب أم بعيد؟ وهذا أهول وأخوف.\nقال ص: وَإِنْ أَدْرِي بمعنى: ما أدري، انتهى. والضمير في قوله: لَعَلَّهُ عائد على الإِملاء لهم، وفِتْنَةٌ معناه: إمتحان وابتلاء، والمتاع: ما يُسْتَمْتَعُ به مُدَّةَ الحياة الدنيا، ثم أمره تعالى أن يقول على جهة الدعاء: رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وهذا دعاء فيه توعُّدٌ، ثم توكل في آخر الآية واستعانَ بالله تعالى قال الداوديّ: وعن قتادة: أنّ النّبيّ ﷺ كان إذا شَهِدَ قِتَالًا قَالَ: رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ «١» . انتهى.\n_________\n(١) أخرجه الطبريّ في «تفسيره» (٩/ ١٠٢) رقم (٢٤٨٩٧) عن قتادة مرسلا.\nوذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٦١٥)، وزاد نسبته إلى عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر.","vol":"4","page":105},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-929>تفسير سورة الحجّ</span>\n[وهي] «١» مكّيّة سوى ثلاث آيات وهي «٢»: هذانِ خَصْمانِ إلى تمام ثلاث آيات، هذا قول ابن عباس، ومجاهد «٣» .\nوقال الجمهور: السورة مختلطة، منها مكّيّ ومنها مدنيّ، وهذا هو الأصحّ لأنّ الآيات تقتضي ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-930>[سورة الحج (٢٢): الآيات ١ الى ٢]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nيا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢)\nقوله ﷿: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ الزلزلة:\nالتحريكُ العنيف، وذلك مع نفخة الفزع، ومع نفخة الصعق حسبما تضمنه حديثُ أبي هريرة من ثلاث نفخات، والجمهور على أَنَّ «زلزلة الساعة» هي كالمعهودة في الدنيا إلاَّ أَنَّهَا في غاية الشِّدَّةِ، واخْتَلَفَ المفسرون في الزلزلة المذكورة، هل هي في الدنيا على القوم الذين تقوم عليهم القيامة، أم هي في يوم القيامة على جميع العالم؟ فقال الجمهور: [هي في الدنيا، والضميرُ في تَرَوْنَها\nعائِدٌ عندهم على الزلزلة، وقوى قولهم أَنَّ الرضاع] «٤» والحملَ إنما هو في الدنيا، وقالت فرقة: الزلزلة في يوم القيامة، والضميرُ عندهم عائد على الساعة، والذهول: الغفلة عن الشيءِ بطريانِ ما يشغل عنه من همّ أو وجع أو غيره قال\n_________\n(١) سقط في ج.\n(٢) في ج: قوله.\n(٣) ذكره ابن عطية (٤/ ١٠٥) .\n(٤) سقط في ج.","vol":"4","page":106},{"text":"ابن زيد: المعنى: تترك وَلَدَهَا للكرب الذي نزل بها «١» .\n/ قلت: وخَرَّجَ البخاريُّ وغيرُه عن أبي سعيد الخدريّ عن النبي ﷺ قال: «يقول الله ٢١ ب ﷿ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يا آدمُ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ، فَيَقُولُ: أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ، قَالَ:\nيَا رَبِّ، وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعمَائةً وتِسْعَةً وتَسْعِينَ إلَى النَّارِ، وَوَاحِدًا إلى الجَنَّةِ، فَحِينَئِذٍ تَضَعُ الحَامِلُ حَمْلَهَا، وَيَشِيبُ الوَلِيدُ، وَتَرَى النَّاسَ سكارى، وَمَا هُمْ بسكارى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللهِ شَدِيدٌ» «٢» الحديث. انتهى.\nوهذا الحديث نَصٌّ صريح في أَنه يوم القيامة، وانظر قوله: يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيبًا [المزمل: ١٧]، وقوله: وَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ [التكوير: ٤] تجدْهُ موافقًا للحديث، وجاء في حديث أبي هريرة فيما ذكره علي بن معبد: «أنّ نفخة الْفَزَعِ تَمْتَدُّ، وَأَنَّ ذَلِكَ يَوْمَ الجُمُعَةِ فِي النِّصْفِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَيُسَيِّرُ اللهُ الجِبَالَ، فَتَمُرُّ مَرَّ السِّحَابِ، ثُمَّ تَكُونُ سَرَابًا، ثُمَّ تَرْتَجُّ الأَرْضُ بأَهْلِهَا رَجًّا، وَتَضَعُ الحَوَامِلُ مَا فِي بُطُونِهَا، وَيَشِيبُ الْوُلْدَانُ، ويُوَلِّي النَّاسُ مُدْبِرِيْنَ، ثُمَّ يَنْظُرُونَ إلَى السَّمَاءِ، فَإذَا هِيَ كَالْمُهْلِ، ثمّ انشقّت»، ثمّ قال النّبي ﷺ:\n«وَالْمَوْتَى لاَ يَعْلَمُونَ شَيئًا مِنْ ذَلِكَ، قُلْتُ: يا رسول الله، فمن استثنى الله ﷿ حين يقول: فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ؟ قال: أولئك هم الشهداء» «٣» . انتهى مختصرًا، وهذا الحديث ذكره «٤» الطبريّ، والثعلبي، وصححه ابن العربي في «سراج المريدين» .\n_________\n(١) أخرجه الطبريّ (٩/ ١٠٨) رقم (٢٤٩١٣)، وذكره ابن عطية (٤/ ١٠٦) .\n(٢) أخرجه البخاري (٦/ ٤٤٠) كتاب أحاديث الأنبياء: باب قصة يأجوج ومأجوج، حديث (٣٣٤٨)، وفي (٨/ ٢٩٥) كتاب التفسير: باب وَتَرَى النَّاسَ سُكارى حديث (٤٧٤١) وفي (١١/ ٣٩٦) كتاب الرقاق: باب قوله ﷿: إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ، حديث (٦٥٣٠)، وفي (١٣/ ٤٦٢) كتاب التوحيد، حديث (٧٤٨٣)، ومسلم كتاب الإيمان: باب قوله: يقول الله لآدم: «أخرج بعث النار»، حديث (٢٢٢/ ٣٧٩)، وأحمد (٣/ ٣٢- ٣٣)، وعبد بن حميد في «المنتخب من المسند» رقم (٩١٧) والطبريّ (٩/ ١٠٦) رقم (٢٤٩٠٧)، والنسائي في «التفسير» (٣٥٩) من حديث أبي سعيد، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٦١٨)، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في «الأسماء والصفات» .\n(٣) ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٦٣٤) مطولا، وعزاه إلى عبد بن حميد، وعلي بن سعيد في كتاب «الطاعة والعصيان»، وأبي يعلى، وأبي الحسن القطان في «المطولات»، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وأبي موسى المديني كلاهما في «المطولات»، وأبي الشيخ في «العظمة»، والبيهقي في «البعث والنشور» .\n(٤) ينظر: «الطبريّ» (٩/ ١٠٥) .","vol":"4","page":107},{"text":"وقال عبد الحق: بل هو حديث منقطع، لاَ يَصِحُّ، والذي عليه المحققون أنَّ هذه الأهوال هي بعد البعث، قاله صاحب «التذكرة» وغيره، انتهى.\nوالحَمْلُ: - بفتح الحاء- ما كان في بطن أو على رأس شجرة.\nوقوله سبحانه: وَتَرَى النَّاسَ سُكارى\nتشبيهًا لهم، أي: من الهم، ثم نفي عنهم السُّكَر الحقيقيَّ الذي هو من الخمر، قاله الحسن «١» وغيره، وقرأ حمزة والكسائيُّ:\n«سكرى» في الموضعين «٢» .\nقال سيبويه «٣»: وقوم يقولون: سكرى جعلوه مثل مرضى، ثم جعلوا: روبى مثل سكرى، وهم المستثقلون نوما من شرب الرائب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-931>[سورة الحج (٢٢): الآيات ٣ الى ٤]</span>\nوَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ (٣) كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلاَّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ (٤)\nوقوله سبحانه: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ.\nقال ابن جريج: هذه الآية نزلت في النضر بن الحارث وأبَيِّ بنِ خَلَفٍ، وقيل في أبي جهل بن هشام «٤»، ثم هي بعدُ تتناول كل مَن اتصف بهَذِهِ الصفة، ومجادلتهم في أنَّ الله تعالى لا يبعثَ مَنْ يموتُ، والشيطان هنا هو مغويهم من الجن، ويحتمل من الأنس، والمريد: المُتَجَرِّدُ من الخير للشَّرِّ، ومنه الأمرد، وشجرة مرداء، أي: عارية من الورق، وصَرْحٌ مُمَرَّدٌ، أي: مملس، والضمير في عَلَيْهِ عائد على الشيطان قاله قتادة «٥»، ويحتمل أَنْ يعودَ على المجادِل، وأنه في موضع رفع على المفعول الذي لم يُسَمَّ فاعِلُه، و«أَنَّه» الثانية عطف على الأُولَى مؤكدة مثلها، وقيل: هي مُكَرَّرَةٌ للتأكيد فقط، وهذا مُعْتَرَضٌ بأَنَّ الشيء لا يؤَكَّد إلاَّ بعد تمامه، وتمامٌ «أَنَّ» الأولى إنما هو بصلتها في قوله:\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٤/ ١٠٦) .\n(٢) ينظر: «السبعة» (٤٣٤)، و«الحجة» (٥/ ٢٦٦)، و«إعراب القراءات» (٢/ ٧٢)، و«معاني القراءات» (٢/ ١٧٥)، و«شرح الطيبة» (٥/ ٦٣)، و«العنوان» (١٣٤)، و«حجة القراءات» (٤٧٢)، و«شرح شعلة» (٥٠٢)، و«إتحاف» (٢/ ٢٧٠) .\n(٣) ينظر: «الكتاب» (٢/ ٢١٢- ٢١٤) .\n(٤) أخرجه الطبريّ (٩/ ١٠٩) برقم (٢٤٩١٨)، وذكره ابن عطية (٤/ ١٠٧)، وابن كثير (٣/ ٢٠٦)، والسيوطي (٤/ ٦١٩)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر عن ابن جريج.\n(٥) ذكره ابن عطية (٤/ ١٠٧)، والسيوطي (٤/ ٦٢٠)، وعزاه لعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة. [.....]","vol":"4","page":108},{"text":"السَّعِيرِ وكذلك لا يُعْطَفُ عليه، ولسيبويه في مثل هذا: أنه بدل، وقيل: «أنه» الثانية خبر مبتدإٍ محذوف تقديره: فشأنه أَنه يضلّهُ.\nقال ع «١»: ويظهر لي أَنَّ الضميرَ في أَنَّهُ الأولى للشيطان، وفي الثانية لمن الذي هو المتولي، وقرأ أبو عمرو «٢»: «فإِنَّه» بالكسر فيهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-932>[سورة الحج (٢٢): الآيات ٥ الى ٧]</span>\nيا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)\nوقوله ﷿: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ ... الآية: هذا احتجاج على العالم بالبدأة الأُولى، وضَرَبَ ﷾ في هذه الآية مَثَلَيْنِ، إذا اعتبرهما الناظر جَوَّزَ في العقل البعثة/ من القبور، ثم ورد الشرع بوقوع ذلك. ٢٢ أوقوله: فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ يريدُ آدم ﵇.\nثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ يريد: المنيَّ، والنطفة: تقع على قليلِ الماءِ وكثيره.\nثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ يريدُ: من الدم الذي تعودُ النطفةُ إليه في الرحم أو المقارن للنطفة، والعَلَقُ الدمُ الغليظ، وقيل: العلق الشديد الحُمْرَة.\nثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ يريد مضغة لحم على قدر ما يمضغ.\nوقوله: مُخَلَّقَةٍ معناه: مُتَمَّمَةٌ، وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ غير متممة، أي: التي تسقط، قاله مجاهد «٣» وغيره، فاللفظة بناءُ مبالغة من خلق، ولما كان الإنسانُ فيه أعضاء متباينة، وكل واحد منها مختصّ بخلق- حَسُنَ في جملته تضعيف الفعل لأن فيه خلقا كثيرا.\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ١٠٧) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ١٠٧)، و«البحر المحيط» (٦/ ٣٢٦)، وزاد نسبتها إلى الأعمش. وينظر:\n«الشواذ» ص ٩٦، و«الدر المصون» (٥/ ١٢٤) .\n(٣) أخرجه الطبريّ (٩/ ١١١) برقم (٢٤٩٢٦) و(٢٤٩٢٧) بنحوه، وذكره البغوي (٣/ ٢٧٥)، وابن عطية (٤/ ١٠٨)، وابن كثير (٣/ ٢٠٦) بنحوه، والسيوطي (٤/ ٦٢١)، وعزاه لسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد.","vol":"4","page":109},{"text":"وقوله سبحانه: لِنُبَيِّنَ لَكُمْ قالت فرقة: معناه أمر البعث، وَنُقِرُّ أي: ونحن نُقِرُّ في الأرحام، والأجل المُسَمَّى مختلف بحسب حين حين، فَثَمَّ مَنْ يسقط، وثم مَنْ يكمل أمره ويخرج حَيًّا.\nوقوله سبحانه: ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا قد تقدَّمَ بيانُ هذه المعاني، والردّ إلى أَرذل العمر هو حصول الإنسان في زمانة، واختلال العقل والقوة، فهذا مثال واحد يقتضي للمُعْتَبِرِ به أن القادِرَ على هذه المناقل، المُتْقِنَ لها- قادرٌ على إعادة تلك الأجساد التي أوجدها بهذه المناقل، إلى حالها الأولى.\nوقوله ﷿: وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ هذا هو المثال الثَّاني الذي يُعْطِي للمعتبر فيه جوازَ بعث الأجساد وذلك أَنَّ إحياءَ الأرض بعد موتها بيّن فكذلك الأجساد، وهامِدَةً: معناه: ساكنة دارسة بالية، واهتزاز الأرض: هو حركتها بالنبات وغيرِ ذلك مِمَّا يعتريها بالماء، وَرَبَتْ:\nمعناه: نشزت وارتفعت ومنه الرَّبْوَةُ وهي المكان المرتفع، والزوج: النوع، والبهيج: من البهجة، وهي الحسن قاله قتادة «١» وغيره.\nوقوله: ذلِكَ إشارة إلى كل ما تقدم ذكره، وباقي الآية بين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-933>[سورة الحج (٢٢): الآيات ٨ الى ١٠]</span>\nوَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ (٨) ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ (٩) ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (١٠)\nوقوله سبحانه: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ... الآية، الإشارة بقوله: وَمِنَ النَّاسِ إلى القوم الذين تقدَّمَ ذكرُهُم، وكَرَّرَ هذه الآية على جهة التوبيخ فكأنه يقول: فهذه الأمثال في غاية الوضوح، ومِنَ الناس مع ذلك مَنْ يجادل، وثانِيَ:\nحال من الضمير في يُجادِلُ.\n_________\n(١) أخرجه الطبريّ (٩/ ١١٣) برقم (٢٤٩٣٧، ٢٤٩٣٨)، وذكره ابن عطية (٤/ ١٠٩)، والسيوطي (٤/ ٦٢٢)، وعزاه لعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة.","vol":"4","page":110},{"text":"وقوله: ثانِيَ عِطْفِهِ: عبارة عن المُتَكَبِّرِ المُعْرِضِ قاله ابنُ عباس «١» وغيرُه وذلك أَنَّ صاحب الكبر يردُّ وجهه عَمَّنْ يتكبر عنه، فهو يَرُدُّ وجههُ يِصَعِّرُ خَدَّهُ، ويولي صَفْحَتَهُ، ويَلْوَيَ عُنُقَهُ، ويَثْنِي عِطْفَه، وهذه هي عبارات المفسرين، والعطف: الجانب.\nوقوله تعالى: ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ أي: يقال له ذلك، واخْتُلِفَ في الوقف على:\nيَداكَ فقيل: لا يجوزُ: لأَنَّ التقدير: وبأَنَّ الله، أي: أنَّ هذا هو العدل فيك بجَرَائِمِكَ.\nوقيل: يجوز بمعنى: والأمر أنّ الله ليس بظلّام للعبيد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-934>[سورة الحج (٢٢): الآيات ١١ الى ١٨]</span>\nوَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ (١١) يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُ وَما لا يَنْفَعُهُ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ (١٢) يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ (١٣) إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ (١٤) مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ (١٥)\nوَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ (١٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١٧) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ (١٨)\nوقوله سبحانه: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ ... الآية نزلت في أعراب، وقوم لا يَقِينَ لهم كان أحدُهم إذا أسلم فاتفق له اتفاقاتٌ حِسَانٌ: من نموِّ مال، وولد يُرْزَقُهُ، وغير ذلك- قال: هذا دِينٌ جَيِّدٌ، وتمسك به لهذه المعاني، وإنْ كان الأمر بخلاف ذلك، تشاءَم به، وارتد كما فعل العُرَنِيون، قال هذا المعنى ابن عباس «٢» وغيره.\nوقوله: عَلى حَرْفٍ معناه: على انحرافٍ منه عن العقيدة البيضاء، وقال البخاريُّ «٣»:\nعَلى حَرْفٍ: على شَكٍّ، ثم أسند عن ابن عباس ما تقدم من حال الأعراب، / انتهى. ٢٢ ب وقوله: يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُ يريد الأوثانَ، ومعنى يَدْعُوا: يعبد، ويدعو أيضًا في مُلِمَّاتِهِ، واللام في قوله: لَمَنْ ضَرُّهُ: لام مُؤْذِنَةٌ بمجيء القسم، والثانية في لَبِئْسَ: لام القسم، والْعَشِيرُ: القريب المعاشر في الأمور.\n_________\n(١) أخرجه الطبريّ (٩/ ١١٤) برقم (٢٤٩٤٤) بنحوه، وذكره ابن عطية (٤/ ١٠٩)، والسيوطي (٤/ ٦٢٣)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن المنذر عن ابن عباس.\n(٢) أخرجه الطبريّ (٩/ ١١٥) رقم (٢٤٩٤٨) بنحوه، وذكره ابن عطية (٤/ ١١٠)، وابن كثير (٣/ ٢٠٩) بنحوه، والسيوطي (٤/ ٦٢٣)، وعزاه لابن أبي حاتم، وابن مردويه بسند صحيح عن ابن عباس.\n(٣) ينظر: «صحيح البخاري» (٨/ ٢٩٦) كتاب التفسير باب وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ.","vol":"4","page":111},{"text":"ت وفي الحديث في شأن النساء: «وَيَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ» يعني الزوج.\nقال أبو عمر بن عَبْدِ البَرِّ «١»: قال أهل اللغة: العشير: الخليط من المعاشرة والمخالطة، ومنه قوله ﷿: لَبِئْسَ الْمَوْلى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ انتهى من «التمهيد»، والذي يظهر: أَنَّ المراد بالمولى والعشير هو الوثن الذي ضَرُّهُ أقرب من نفعه، وهو قول مجاهد «٢»، ثم عَقَّبَ سبحانه بذكر حالة أهل الإيمان وذكر ما وعدهم به فقال: إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ... الآية، ثم أَخذتِ الآية في توبيخ أولئك الأولين كأنه يقول: هؤلاء العابدون على حرف صحبهم القلق، وظَنُّوا أَنَّ الله تعالى لن ينصرَ محمدًا وأتباعه، ونحن إنَّما أمرناهم بالصبر وانتظارِ وعدنا، فَمَنْ ظَنَّ غير ذلك فليمدد بسبب، وهو الحبل وليختنق هل يذهب بذلك غيظه؟ قال هذا المعنى قتادة «٣»، وهذا على جهة المَثَلِ السائر في قولهم: «دُونَكَ الحَبْلُ فاختنق»، والسَّماءِ على هذا القول: الهواء عُلُوًّا، فكأَنه أراد سقفًا أو شجرة، ولفظ البخاري: وقال ابن عباس: «بسبب إلى سَقْفِ البيتِ» «٤»، انتهى، والجمهورُ على أنَّ القطع هنا هو الاختناق.\nقال الخليل: وقطع الرجل: إذا اختنق بحبل ونحوه، ثم ذكر الآية، ويحتمل المعنى مَنْ ظَنَّ أَنَّ محمدًا لا ينصر فليمت كمدًا هو منصور لا محالَة، فليختنق هذا الظانُّ غيظًا وكمدًا، ويؤيد هذا: أَنَّ الطبري والنقاش قالا: ويُقال: نزلت في نفر من بني أَسَدٍ وغَطَفَانَ، قالوا: نخاف أَلاَّ يُنصرَ محمد فينقطع الذي بيننا وبين حلفائنا من يهودٍ من المنافع «٥»، والمعنى الأَوَّلُ الذي قيل للعابدين على حرف- ليس بهذا ولكنه بمعنى: مَنْ قلق واستبطأ النصر، وظَنَّ أن محمدًا لا يُنْصَرُ فليختنق سفاهةً إذ تعدَّى الأمرُ الذي حد له في الصبر وانتظار صنع الله، وقال مجاهد: الضمير في يَنْصُرَهُ عائدٌ على مَنْ والمعنى: مَنْ كان من المتقلّقين من المؤمنين «٦»، وما في قوله: ما يَغِيظُ بمعنى الذي، ويحتمل أنْ تكونَ مصدرية حرفًا فلا عائد عليها، وأبينُ الوجوه في الآية: التأويل الأَوَّلُ وباقي الآية بيّن.\nوقوله: وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، أي: ساجدون مرحومون بسجودهم، وقوله:\n_________\n(١) ينظر «التمهيد» (٣/ ٣٢٤) .\n(٢) أخرجه الطبريّ (٩/ ١١٨) برقم (٢٤٩٥٨)، وذكره ابن عطية (٤/ ١١١)، وذكره ابن كثير (٣/ ٢١٠) .\n(٣) أخرجه الطبريّ (٩/ ١١٨) برقم (٢٤٩٥٩، ٢٤٩٦٠) نحوه، وذكره ابن عطية (٤/ ١١١)، وابن كثير (٣/ ٢١٠) نحوه، والسيوطي (٤/ ٦٢٣)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد.\n(٤) أخرجه الطبريّ (٩/ ١١٩) برقم (٢٤٩٦٦)، وذكره ابن كثير (٣/ ٢١٠) نحوه، وذكره السيوطي (٤/ ٦٢٥)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن أبي حاتم عن ابن عباس.\n(٥) ذكره ابن عطية (٤/ ١١١) .\n(٦) ذكره البغوي (٣/ ٢٧٨)، وابن عطية (٤/ ١١١، ١١٢) .","vol":"4","page":112},{"text":"وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ مُعَادِلٌ له، ويؤيد هذا قوله تعالى بعد هذا: وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ الآية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-935>[سورة الحج (٢٢): الآيات ١٩ الى ٢٢]</span>\nهذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠) وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١) كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (٢٢)\nوقوله سبحانه: هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ ... الآية، نزلت هذه الآيةُ في المتبارزين يوم بدر، وهم سِتَّةُ نفر: حَمْزَةُ، وعَلِيٌّ، وعبيدة بن الحارث (﵃) بَرَزُوا لعتبةَ بنِ ربيعة، والوليد بن عتبة، وشيبة بن ربيعة، قال علي بن أبي طالب: أنا أَوَّلُ مَنْ يجثو يوم القيامة للخصومة بين يدي الله تعالى، وأقسم أَبو ذَرٍّ «١» على هذا القولِ ووقع في «صحيح البخاريِّ» (رحمه الله تعالى): أَنَّ الآيةَ فِيهم، وقال ابن عباس: الإِشارة إلى المؤمنين وأَهْلِ الكتاب «٢» وذلك أَنَّهُ وقع بينهم تخاصم، فقالتِ اليهودُ: نحن أقدمُ دِينًا منكُم، ونحو هذا فنزلت الآية، وقال مجاهد وجماعة «٣»: الإِشارة إلى المؤمنين والكُفَّارِ على العموم.\nقال ع «٤»: وهذا قولَ تَعْضُدُهُ الآية وذلك أنه تَقَدَّمَ قولُه: وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ المعنى: هم مؤمنون ساجدون، ثم قال تعالى: وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ/، ثم أشار ٢٣ أإلى هذين الصنفين بقوله: هذانِ خَصْمانِ والمعنى: أَن الإيمانَ وأهله، والكفرَ وأهله- خصمان مذ كانا إلى يوم القيامة بالعداوة والجدال والحرب، وخصم مصدر يُوصَفُ به الواحد والجمع، ويَدُلُّ على أَنه أراد الجمع قوله: اخْتَصَمُوا فإنه قراءة الجمهور «٥» وقرأ ابن أبي «٦» عبلة: «اختصما» .\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٨/ ٢٩٧) كتاب «التفسير»: باب هذانِ خَصْمانِ حديث (٤٧٤٣) و«مسلم» (٤/ ٢٣٢٣) كتاب «التفسير»: باب قوله تعالى: هذانِ خَصْمانِ حديث (٣٤/ ٣٠٣٣) . [.....]\n(٢) أخرجه الطبريّ (٩/ ١٢٤) برقم (٢٤٩٨٤)، وذكره البغوي (٣/ ٢٨٠)، وابن عطية (٤/ ١١٣، ١١٤)، وابن كثير (٣/ ٢١٢)، والسيوطي (٤/ ٦٢٨)، وعزاه لابن جرير، وابن مردويه عن ابن عباس.\n(٣) أخرجه الطبريّ (٩/ ١٢٤) برقم (٢٤٩٨٥)، وذكره البغوي (٣/ ٢٨٠)، وابن عطية (٤/ ١١٤)، وابن كثير (٣/ ٢١٢)، والسيوطي (٤/ ٦٢٨)، وعزاه لابن جرير عن مجاهد، وعطاء بن أبي رباح والحسن.\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ١١٤) .\n(٥) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ١١٤) .\n(٦) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ١١٤)، و«البحر المحيط» (٦/ ٣٣٤)، و«الدر المصون» (٥/ ١٣٤) .","vol":"4","page":113},{"text":"ت: وهذه التأويلاتُ مُتَّفِقَاتٌ في المعنى، وقد ورد أَنَّ أَوَّلَ ما يُقضى به بين الناس يوم القيامة في الدماء، ومن المعلوم أَنَّ أَوَّلَ مبارزة وقعت في الإسلام مبارزة عَليٍّ وأصحابه، فَلاَ جَرَمَ كانت أَوَّلَ خصومة وحكومة يوم القيامة وفي «صحيح مسلم» عنه ﷺ: «نَحْنُ الآخِرُونَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا، والأَوَّلُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ المَقْضِيُّ لَهُمْ قَبْلَ الخَلاَئِقِ» وفي رواية: «المَقْضِيِّ بَيْنَهُمْ» «١» .\nوقوله: فِي رَبِّهِمْ أي: في شأن ربهم وصفاته وتوحيده، ويحتمل في رِضَى ربهم وفي ذاته.\nوقال ص: فِي رَبِّهِمْ أي: في دين ربهم، انتهى، ثم بَيَّنَ سبحانه حكم الفريقين، فتوعَّدَ تعالى الكُفَّارَ بعذابه الأليم، وقُطِّعَتْ معناه جُعِلَتْ لهم بتقدير كما يُفَصَّلُ الثوبُ، وروي: أنّها من نحاس، ويُصْهَرُ معناه: يُذَابُ، وقيل: معناه: ينضج قيل: إن الحميم بحرارته يُهْبِطُ كلَّ ما في الجوف ويكشطه، ويسلته، وقد روى أبو هريرةَ نحوَهُ عن النّبي ﷺ: «أَنَّهُ يُسْلِتُهُ، وَيَبْلُغُ بِهِ قَدَمَيْهِ، وَيُذِيبُهُ ثُمَّ يُعَادُ كَمَا كَانَ» «٢» .\nوقوله سبحانه: كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها رُوِيَ فيه: أَنَّ لهب النار إذا ارتفع رفعهم فيصلون إلى أبواب النار، فيريدون الخروج، فتردهم الزبانية بمقامع الحديد، وهي المقارع «٣» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-936>[سورة الحج (٢٢): الآيات ٢٣ الى ٢٤]</span>\nإِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ (٢٣) وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ (٢٤)\nوقوله سبحانه: إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ ... الآية معادلة لقوله: فَالَّذِينَ كَفَرُوا [الحج: ١٩] واللؤلؤ: الجوهر، وأخبر سبحانه: بأَنَّ لباسهم فيها حرير لأَنَّهُ من أكمل حالات الدنيا قال ابن عباس «٤»: لا تُشْبِهُ أمور الآخرة أمورَ الدنيا إلاَّ في الأسماء فقط، وأمَّا الصفات فمتباينة، والطَّيِّبُ من القول: لا إله إلا الله وما\n_________\n(١) تقدم تخريجه.\n(٢) تقدم في سورة الكهف.\n(٣) المقرعة: خشبة تضرب بها البغال والحمير. وقيل: كل ما قرع به فهو مقرعة.\nينظر: «لسان العرب» (٣٥٩٥) .\n(٤) ذكره ابن عطية (٤/ ١١٥) .","vol":"4","page":114},{"text":"جرى معها من ذكر الله وتسبيحه، وتقديسه، وسائر كلام أهل الجنة من محاورة وحديث طيب فإنّها لا تسمع فيها لاغية، وصِراطِ الْحَمِيدِ هو طريقُ الله الذي دعا عبادَه إليه، ويحتمل أَنْ يريد بالحميد نفس الطريق، فأضاف إليهِ على حد إضافته في قوله: دار الآخرة، وقال البخاريُّ «١»: وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ: أي: أَلْهِمُوا إلى قراءة القرآن، وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ: أي: إلى الإسلام، انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-937>[سورة الحج (٢٢): الآيات ٢٥ الى ٢٩]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (٢٥) وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩)\nوقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ هذه الآية نزلت عام الحُدَيْبِيَّةِ حين صدّ النبي ﷺ وجاء يَصُدُّونَ مستقبلًا ِاذ هو فعل يُدِيمونه، وخبر إِنَّ محذوف مقدّر عند قوله: والْبادِ: تقديره: خسروا أو هلكوا. والْعاكِفُ: المقيم في البلد، و«البادي»: القادم عليه من غيره.\nوقوله: بِإِلْحادٍ قال أبو عبيدة «٢»: الباء فيه زائدة.\nت قال ابن العربيِّ «٣» في «أحكامه»: وجَعْلُ الباء زائدةً لا يُحْتَاجُ إليه في سبيل العربية لأَنَّ حَمْلَ المعنى على القول أولى من حمله على الحروف، فيقال: المعنى ومن يَهُمَّ فيه بميل، لأَنَّ الإلحادَ هو الميل في اللغة، إلاَّ أَنَّهُ قد صار في عُرْفِ الشرع ميلًا مذمومًا، فرفع الله الإشكال، وبَيَّنَ سبحانه أَنَّ الميلَ بالظلم هو المراد هنا، انتهى.\n/ قال ع «٤»: والإلحاد الميلُ وهو يشمل جميع المعاصي من الكفر إلى الصغائر، ٢٣ ب فلعظم حرمة المكان توعد الله تعالى على نية السيئة فيه، ومَنْ نوى سيئة ولم يعملها- لم\n_________\n(١) ينظر: «صحيح البخاري» (٨/ ٢٩٢) كتاب «التفسير»: باب سورة الحج.\n(٢) ينظر: «مجاز القرآن» (٢/ ٤٨) .\n(٣) ينظر: «أحكام القرآن» (٣/ ١٢٧٦) .\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ١١٦) .","vol":"4","page":115},{"text":"يُحَاسَبْ بذلك إلاَّ في مَكَّةَ. هذا قولُ ابنِ مسعود وجماعة من الصحابة «١» وغيرهم.\nقال ص: وقوله: أَنْ لاَّ تُشْرِكْ: أَنْ: مفسِّرةٌ لقولٍ مُقَدَّرٍ، أي: قائلين له، أو موحين له: لا تشرك، وفي التقدير الأول نَظَرٌ فانظره، انتهى.\nوقوله تعالى: وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ ... الآية: تطهيرُ البيت عامٌّ في الكُفْرِ، والبِدَعِ، وجميعِ الأَنْجَاسِ، والدماءِ، وغير ذلك، وَالْقائِمِينَ: هم المصلون، وخَصَّ سبحانه بالذكر من أركان الصلاة أعظَمَها، وهو القيامُ والركوعُ والسجودُ، ورُوِيَ:\n«أنّ إبراهيم- عليه [الصلاة] «٢» والسلام- لَمَّا أُمِرَ بالأذان بالحج- قال: يا رب، وإذا أَذَّنْتُ، فَمَنْ يَسْمَعُنِي؟ فقيل له: نادِ يا إبراهيمُ، فعليك النداءُ وعلينا البلاغ فصعد على أبي قُبَيْس «٣»، وقيل: على حجر المَقَام، ونادى: أَيُّها الناس، إنَّ الله تعالى قد أمركم بحجِّ هذا البيتِ فَحِجُّوا، فَرُوِيَ أَنَّ يومَ نادى أسمع كُلَّ مَنْ يحج إلى يوم القيامة في أصلابِ الرجال، وأجابه كُل شَيءٍ في ذلك الوقْتِ: من جمادٍ، وغيرهِ: لبَّيكَ اللَّهُمَّ لبيك فجرت التلبيةُ على ذلك» . قاله ابن عباس، وابن جبير «٤»، ورِجالًا: جمع رَاجِل، وَال ضامِرٍ: قالت فرقة: أراد بها الناقةَ وذلك أَنه يقال: ناقة ضامرٌ، وقالت فرقة: لفظ «ضامر» يشمل كلَّ مَنِ اتصف بذلك من جمل، أو ناقة، وغيرِ ذلك.\nقال ع «٥»: وهذا هو الأظهر، وفي تقديم رِجالًا تفضيلٌ للمُشَاةِ في الحج وإليه نحا ابن عباس «٦» .\nقال ابن العربي في «أحكامه» «٧»: قوله تعالى: يَأْتِينَ رَدَّ الضمير إلى الإبل تكرمةً لها لقصدها الحج مع أربابها كما قال تعالى: وَالْعادِياتِ ضَبْحًا [العاديات: ١] . في خيل الجهاد تكرمةً لها حين سَعَتْ في سبيل الله، انتهى. والفَجُّ: الطريق الواسعة، والعميق:\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٤/ ١١٦) والسيوطي (٤/ ٦٣٣)، وعزاه لسعيد بن منصور، والطبراني عن ابن مسعود. [.....]\n(٢) سقط في ج.\n(٣) جبل مشرف على مكة ينظر: «المراصد» (٣/ ١٠٦٦) .\n(٤) أخرجه الطبريّ (٩/ ١٣٤) برقم (٢٥٠٣٩، ٢٥٠٤٠، ٢٥٠٤١) عن ابن عباس، وبرقم (٢٥٠٤٣) عن سعيد بن جبير، وذكره ابن عطية (٤/ ١١٨)، والسيوطي (٤/ ٦٣٨)، وعزاه لابن جرير عن ابن عباس، وعزاه أيضا لابن جرير عن سعيد بن جبير.\n(٥) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ١١٨) .\n(٦) أخرجه الطبريّ (٩/ ١٣٥، ١٣٦) برقم (٢٥٠٥٢)، وذكره ابن عطية (٤/ ١١٨)، وابن كثير (٣/ ٢١٦)، والسيوطي (٤/ ٦٣٩)، وعزاه لابن أبي شيبة، وابن سعد، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي عن ابن عباس.\n(٧) ينظر: «أحكام القرآن» (٣/ ١٢٧٩) .","vol":"4","page":116},{"text":"معناه: البعيد قال الشاعر [الطويل]:\nإِذَا الْخَيْلُ جَاءَتْ مِنْ فِجَاجٍ عَمِيقَة ... يَمُدُّ بِهَا فِي السير أشعث شاحب «١»\nوالمنافع في هذه الآية التجارةُ في قول أكثر المتأولين، ابنِ عباس «٢» وغيرِه، وقال أبو جعفر محمد بن علي: أراد الأَجْرَ ومنافع الآخرة «٣»، وقال مجاهد بعموم الوجهين «٤» .\nت: وأظهرها عندي قول أبي جعفر يظهر ذلك من مقصد الآية، والله أعلم.\nوقال ابن العربيِّ: الصحيح: القولُ بالعموم، انتهى.\nوقوله سبحانه: وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ ذهب قوم إلى: أَنَّ المراد ذكر اسم الله على النَّحْرِ والذبح، وقالوا: إنَّ في ذكر الأيام دليلًا على أنَّ الذبح في الليل لا يجوزُ، وهو مذهب مالكٍ وأصحابِ الرأي.\nوقالت فرقة فيها مالك وأصحابُه: الأيام المعلوماتُ: يومُ النحر ويومانِ بعده.\nوقوله: فَكُلُوا ندبٌ، واستحب أهل العلم أن يأكلَ الإنسانُ مِنْ هَدْيِهِ وأَضْحِيَّتِهِ، وأنْ يتصدَّقَ بالأكثر، والبائس: الذي قد مَسَّهُ ضُرُّ الفاقة وبؤسها، والمراد أهل الحاجة، والتفث: ما يصنعه المُحْرِمُ عند حِلِّهِ من تقصيرِ شعر وحلقه، وإزالة شعث ونحوه، وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ: وهو ما معهم من هدي وغيره، وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ: يعني:\nطوافَ الإفاضة الذي هو من واجبات «٥» الحج.\n_________\n(١) لم أقف على قائله، والفجاج جمع فج، وهو الطريق الواسع في الجبل، والعميق البعيد سفلا، وهو محل الشاهد، والأشعث المتلبد شعره المتغير، والشاحب المتغير من هزال.\nينظر: «البحر المحيط» (٦/ ٢)، و«الدر المصون» (٥/ ١٤٤) .\n(٢) أخرجه الطبريّ (٩/ ١٣٦) برقم (٢٥٠٦٣)، وذكره البغوي (٣/ ٢٨٤)، وابن عطية (٤/ ١١٨)، وابن كثير (٣/ ٢١٦)، والسيوطي (٤/ ٦٤٠)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس.\n(٣) أخرجه الطبريّ (٩/ ١٣٧) برقم (٢٥٠٧٤) بلفظ العفو، وذكره ابن عطية (٤/ ١١٨) .\n(٤) أخرجه الطبريّ (٩/ ١٣٧) برقم (٢٥٠٧٢)، وذكره البغوي (٣/ ٢٨٤)، وابن عطية (٤/ ١١٨)، وابن كثير (٣/ ٢١٦)، والسيوطي (٤/ ٦٤٠)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير عن مجاهد.\n(٥) من أركان الحج الطواف بالبيت، لقوله تعالى: وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ، والمراد به: طواف الإفاضة، لانعقاد الإجماع على ذلك، ولهذا الطواف أسماء غير ذلك منها طواف الزيارة، وطواف الفرض، وقد يسمى طواف الصدر بفتح الدال: والأشهر أن طواف الصدر هو طواف الوداع. -","vol":"4","page":117},{"text":"قال الطبري/: ولا خلاف بين المتأوِّلِينَ في ذلك.\nقال مالك: هو واجب، ويرجع تاركه من وطنه إلاَّ أَنْ يطوف طوافَ الوداع فإنَّهُ يجزيه عنه، ويحتمل أَنْ تكونَ الإشارة بالآية إلى طواف الوداع، وقد أَسْنَدَ «١» الطبريُّ عن عمرو بن أبي سلمة قال: سألت زهيرًا عن قوله تعالى: وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ فقال:\nهو طواف الوداع وقاله مالك في «الموطإِ»، واخْتُلِفَ في وجهِ وصف البيتِ بالعتيق، فقال مجاهد «٢» وغيره: عتيق، أي: قديم.\nوقال ابن الزبير «٣»: لأَنَّ الله تعالى أعتقه من الجبابرة.\nوقيل: أعتقه من غرق الطَّوفانِ، وقيل غير هذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-938>[سورة الحج (٢٢): الآيات ٣٠ الى ٣١]</span>\nذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ إِلاَّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ (٣١)\nوقوله: ذلِكَ يحتمل أَنْ يكونَ في موضع رفع بتقدير: فرضكم ذلك، أو الواجب ذلك، ويحتمل أن يكون في محلِّ نصب بتقدير: امتثلوا ذلك ونحو هذا الإضمار، وأَحْسَنُ الأشياءِ مُضْمَرًا أحسنُهَا مظهرًا ونحو هذه الإشارةِ البليغةِ قَوْلُ زُهَيْرِ: [البسيط]\nهذا، وَلَيْسَ كَمَنْ يَعْيَا بخطبته ... وسط النّديّ إذا ما ناطق نطقا «٤»\nوالحرمات المقصودة هنا هي أفعال الحج.\n_________\n- ومحل طواف الإفاضة بعد الخروج من عرفة ولهذا سمي طواف الإفاضة. ويدخل وقته بنصف ليلة النحر لمن وقف قبله قياسا على رمي جمرة العقبة. ولا آخر لوقته إذ الأصل عدم التأقيت إلا إذا دلّ دليل على ذلك ولا دليل ثمّة. ويسن تأخيره إلى بعد طلوع الشمس للاتباع، ويكره تأخيره عن يوم النحر وفي تأخيره عن أيام التشريق كراهة شديدة وعن خروجه من مكة كراهة أشد.\n(١) أخرجه الطبريّ (٩/ ١٤٢) برقم (٢٥١٢٣)، وذكره ابن عطية (٤/ ١١٩) .\n(٢) ذكره ابن عطية (٤/ ١١٩) . [.....]\n(٣) أخرجه الترمذي (٥/ ٣٢٤) كتاب «التفسير» باب ومن سورة الحج حديث (٣١٧٠)، والحاكم (٢/ ٣٨٩) من حديث عبد الله بن الزبير وقال الترمذي: حَسَنٌ صَحِيحٌ وقال الحاكمُ: صحيحٌ على شرطِ البخاري ولم يخرجاه. وقال الذهبي: على شرط مسلم.\n(٤) البيت في ديوانه (٤٢)، و«البحر» (٦/ ٣٣٩)، و«الدر المصون» (٥/ ١٤٥) .\nوالندي: القوم المجتمعون ومنه النادي، والشاهد في قوله «هذا» حيث أشير باسم الإشارة إلى ما سبق من وصف الهرم.","vol":"4","page":118},{"text":"وقال ابن العربي «١» في «أحكامه»: الحرمات: امتثال ما أَمَرَ الله تعالى به، واجتنابُ ما نهى عنه فإنَّ للقسم الأَوَّلِ حرمةَ المبادرة إلى الامتثال، وللثاني حرمةَ الانكفاف والانزجار «٢» . انتهى.\nوقوله: فَهُوَ خَيْرٌ ظاهر أنها ليست للتفضيل، وإنما هي عِدةٌ بخير، ويحتمل أن يجعل خَيْرٌ للتفضيل على تجوز في هذا الموضع.\nص: فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ أي: فالتعظيم خير له، [انتهى] «٣» .\nوقوله تعالى: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ يحتمل معنيين.\nأحدهما: أَنْ تكون «من» لبيان الجنس أي: الرجس الذي هو الأوثان فيقع النهي عن رِجْسِ الأوثان فقط، وتبقى سائر الأرجاس نَهْيُهَا في غير هذا الموضع.\nوالمعنى الثاني: أَنْ تكون «من» لابتداء الغاية فكأنه نهاهم سبحانه عن الرجس عمومًا، ثم عَيَّنَ لهم مبدأه الذي منه يلحقهم إذ عبادة الوثن جامعةٌ لكل فساد ورجس، ويظهر أن الإشارة إلى الذبائح التي كانت للأوثان فيكون هذا مِمَّا يُتْلَى عليهم، والمَرْوِيُّ عن ابن عباس وابن جرير: أنّ الآية نهي عن عبادة الأوثان «٤»، والزُّورِ عامٌّ في الكَذِبِ والكفر وذلك أَنَّ كُلَّ ما عدا الحق فهو كذب وباطل.\nوقال ابن مسعود وغيره: إنّ رسول الله ﷺ قال: «عدلت شهادة الزور بالشّرك «٥»،\n_________\n(١) ينظر: «أحكام القرآن» (٣/ ١٢٨٤) .\n(٢) في ج: الازتجار.\n(٣) سقط في ج.\n(٤) أخرجه الطبريّ (٩/ ١٤٤) برقم (٢٥١٢٩) عن ابن عباس، وبرقم (٢٥١٣٠) عن ابن جريج، وذكره ابن عطية (٤/ ١٢٠)، والسيوطي (٤/ ٦٤٦)، وعزاه لابن جرير عن ابن عباس.\n(٥) أخرجه أبو داود (٢/ ٣٢٩) كتاب الأقضية: باب في شهادة الزور حديث (٣٥٩٩) والترمذي (٤/ ٥٤٧) كتاب الشهادات: باب ما جاء في شهادة الزور حديث (٢٣٠٠) وابن ماجه (٢/ ٧٩٤) كتاب الأحكام:\nباب شهادة الزور حديث (٢٣٧٢) وأحمد (٤/ ٣٢١، ٣٢٢) والطبراني (٤/ ٢٠٩) رقم (٤١٦٢) والبيهقي (١/ ١٢١) كلهم من طريق حبيب بن النعمان عن خريم بن فاتك الأسدي به وقال الترمذي:\nخريم بن فاتك له صحبة وقد روى عن النبي ﷺ أحاديث وهو مشهور ا. هـ.\nوالحديث ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٦٤٦) وزاد نسبته إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في «شعب الإيمان» .\nوأخرجه الترمذي (٤/ ٥٤٧) كتاب الشهادات: باب ما جاء في شهادة الزور حديث (٢٢٩٩) من طريق سفيان بن زياد الأسدي عن فاتك بن فضالة عن أيمن بن خريم مرفوعا وقال الترمذي: هذا حديث-","vol":"4","page":119},{"text":"وَتَلاَ هَذِهِ الآيَةَ» والزُّورُ: مْشْتَقٌّ من الزَّوْرِ، وهو الميل «١»، ومنه في جانب فلان زور،\n_________\n- غريب إنما نعرفه من حديث سفيان بن زياد واختلفوا في رواية هذا الحديث عن سفيان بن زياد ولا يعرف لأيمن بن خريم سماعا من النبي ﷺ وقد اختلفوا في رواية هذا الحديث عن سفيان بن زياد.\nوأخرجه الطبريّ في «تفسيره» (٩/ ١٤٤) رقم (٢٥١٣٤) عن عبد الله بن مسعود موقوفا. وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٦٤٦) وزاد نسبته إلى عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر والطبراني والخرائطي في «مكارم الأخلاق» .\n(١) الزور: الكذب، والتزوير: تزيين الكذب، وزوّر الشيء حسّنه، وقومه، والزور مأخوذ من زور يزور، بمعنى مال، وانحرف، فالشاهد الذي يشهد بخبر كاذب يسمى شاهد زور، لأنه مائل عن الحق، منحرف عن الصدق.\nوشهادة الزور من أكبر الكبائر، وقد قرن الله (تعالى) بينها وبين الشرك، فقال تعالى: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ.\nوعن أبي بكرة قال: قال رسول الله ﷺ «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر»؟! قلنا: بلى يا رسول الله، قال «الإشراك بالله، وعقوق الوالدين»، وكان متكئا، فجلس وقال: «ألا وقول الزور، وشهادة الزور» حتى قلنا: ليته سكت.\nواختلف أهل العلم في كيفية ثبوت شهادة الزور، فقال الحنفية إن شاهد الزور لا يثبت كونه شاهد زور، إلا إذا أقر على نفسه، ولم يدع سهوا، أو غلطا.\nواعترض على هذا صدر الشريعة، بأنه قد يعلم بدونه، كما إذا شهد بموت زيد، أو بأن فلانا قتله، ثم ظهر زيد حيا، أو برؤية الهلال، فمضى ثلاثون يوما، وليس في السماء علة، ولم ير الهلال.\nوإنما لا تثبت شهادة الزور بالبينة، لأنها ستكون بينة على النفي، والبينة حجة للإثبات دون النفي.\nوفي «المهذب» للشافعية: ويثبت أنه شاهد زور من ثلاثة أوجه: أحدها: أن يقر أنه شاهد زور.\nالثاني: أن تقوم البينة على أنه شاهد زور.\nالثالث: أن يشهد بما يقطع بكذبه، بأن شهد على رجل أنه قتل، أو زنى في وقت معين في موضع معين، والمشهود عليه في ذلك الوقت كان في بلد آخر.\nوأما إذا شهد بشيء أخطأ فيه، لم يكن شاهد زور، لأنه لم يقصد الكذب.\nوإن شهد لرجل بشيء، وشهد به آخر أنه لغيره، لم يكن شاهد زور، لأنه ليس تكذيب أحدهما بأولى من تكذيب الآخر، فلم يقدح ذلك في عدالته.\nوكذلك اختلفوا في عقوبة شاهد الزور، فقال أبو حنيفة (رضي الله تعالى عنه): شاهد الزور يعزر بتشهيره على الملأ في الأسواق ليس غير.\nوقال الصاحبان: نوجعه ضربا ونحبسه، وذكر شمس الأئمة السرخسي (رحمه الله تعالى) أنه يشهر عندهما أيضا، والتعزير والحبس على قدر ما يراه القاضي.\nوقال بهذه الرواية مالك، والشافعي، والأوزاعي، وابن أبي ليلى.\nلهما ما روي عن عمر (رضي الله تعالى عنه) أنه ضرب شاهد الزور أربعين سوطا وسخم وجهه، ولا يقال: الاستدلال بهذا غير مستقيم على مذهبهما، لأنهما لا يريان التسخيم، لأنه يحمل التسخيم على أنه كان سياسة. -","vol":"4","page":120},{"text":"ويظهر أَنَّ الإشارة إلى زور أقوالهم في تحريمِ وتحليلِ ما كانوا قد شرعوا في الأنعام، وحُنَفاءَ معناه مستقيمين أو مائلين إلى الحق، بحسب أن لفظة الحنف من الأضداد، تَقَعُ على الاستقامة، وتقع على الميل، والسحيق: البعيد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-939>[سورة الحج (٢٢): الآيات ٣٢ الى ٣٥]</span>\nذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢) لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٣٣) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلى ما أَصابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٥)\nوقوله سبحانه: ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ التقدير في هذا الموضع: الأمر ذلك، والشعائر جمع شعيرة وهي كلّ شيء لله ﷿ فيه أمر أشعر به وأعلم.\nقال الشيخ ابن أبي جمرة: وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ قال:\n_________\n- واستدل أبو حنيفة. بأن شريحا كان يشهر، ولا يضرب، وما روي عن عمر من أنه ضرب شاهد الزور أربعين سوطا وسخم وجهه، فمحمول على السياسة، بدلالة التبليغ إلى الأربعين، والتسخيم.\nوالتشهير منقول عن شريح (رحمه الله تعالى)، فإنه كان يبعثه إلى سوقه إن كان سوقيا، وإلى قومه إن كان غير سوقي بعد العصر أجمع ما كانوا، ويقول إن شريحا يقرئكم السلام، ويقول: إنا وجدنا هذا شاهد زور، فاحذروه، وحذروا الناس منه.\nواختلف القائلون بجواز الضرب، والحبس: فقال ابن أبي ليلى: يجلد خمسة وسبعين سوطا، وهذه رواية عن أبي يوسف، وفي رواية أخرى عنه: يجلد تسعة وسبعين سوطا.\nوقال الشافعي: لا يزيد على تسعة وثلاثين.\nوقال أحمد: لا يزداد على عشر جلدات.\nوقال الأوزاعي في شاهدي الطلاق: يجلدان مائة مائة، ويغرمان الصداق.\nوقال صاحب «الفتح»: اعلم أنه قد قيل: إن المسألة على ثلاثة أوجه: أن يرجع على سبيل الإصرار، مثل أن يقول لهم: شهدت في هذه بالزور، ولا أرجع عن مثل ذلك، فإنه يعزر بالضرب بالاتفاق، وإن رجع على سبيل التوبة لا يعزر اتفاقا، وإن كان لا يعرف حاله، فعلى الاختلاف المذكور.\nواختلفوا في قبول شهادته بعد توبته، فذهب الحنفية إلى أنه إذا تاب شاهد الزور، وأتت على ذلك مدة، قيل سنة، وقيل ستة أشهر، والصحيح أنها مفوضة لرأي القاضي.\nفإن كان فاسقا تقبل شهادته، لإن الحامل له على الزور فسقه، وقد زال بالتوبة.\nوإن كان مستورا لا يقبل أصلا، وكذا إذا كان عدلا، على رواية بشر عن أبي يوسف، لأن الحامل له على ذلك غير معلوم، فكان الحال قبل التوبة وبعدها سواء، وروى أبو جعفر أنها تقبل، قالوا: وعليه الفتوى.\nوقال الشافعي، وأبو ثور، وأحمد: تقبل شهادته إذا أتت على ذلك مدة تظهر فيها توبته، ويتبين فيها صدقه، وعدالته..\nوقال مالك: لا تقبل شهادته أبدا، لأنه لا يؤمن على قول الصدق.","vol":"4","page":121},{"text":"تعظيمُ شعائِرِ اللهِ، - كان من البقع أو من البشر أو مِمَّنْ شاء الله تعالى- زيادَةٌ في الإيمان وقوة في اليقين. انتهى.\nوقال العراقي في أرجوزته: [الرجز]\nأَعْلاَمُ طَاعَةٍ هي الشعائر ... ............... ....\n٢٤ ب/ البيت.\nوقالت فرقة: قصد بالشعائر في هذه الآية الهَدْيُ والأنعام المشعرة، ومعنى تعظيمها التسمين والاهتبال بأمرها، قاله ابن عباس «١» وغيرُه، ثم اخْتَلَفَ المتأوِّلُون في قوله سبحانه:\nلَكُمْ فِيها مَنافِعُ ... الآية: فقال مجاهد وقتادة: أراد أنَّ للناس في أنعامهم منافِعَ من الصُّوف، واللَّبَن، والذبح للأكل، وغيرِ ذلك ما لم يبعثها رَبُّها هديًا، فَإذا بعثها فهو الأجل المُسَمَّى «٢»، وقال عطاء: أراد لكم في الهدي المبعوثِ منافِعُ، من الركوب، والاحتلاب لمن اضطر، والأجل نحرها «٣»، وتكون «ثم» من قوله: ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ لترتيب الجمل لأَنَّ المَحِلَّ قبل الأجل، ومعنى الكلام عند هذين الفريقين: ثم مَحِلَّها إلى موضع النحر، وذكر البيت لأنَّه أشرفُ الحرم، وهو المقصود بالهدي وغيره.\nوقال ابن زيد، والحسن، وابن عمر، ومالك: الشعائر في هذه الآية: مواضِعُ الحج كُلُّها، ومعالمه بمنى، وَعَرَفَةَ، والمزدلفة، والصَّفَا والمروة، والبيت وغير ذلك «٤»، وفي الآية التي تأتي أَنَّ البُدنَ من الشعائر، والمنافِعُ: التجارة وطلب الرزق أوِ الأجر والمغفرة، والأجل المُسَمَّى: الرجوعُ إلى مكة لطواف الأُفاضة، ومَحِلُّها مأخوذٌ من إحلال المحرم، والمعنى: ثم أُخِّروا هذا كله إلى طواف الإفاضة بالبيت العتيق، فالبيتُ على هذا التأويل مُرَادٌ بنفسه، قاله مالك في «الموطإ» .\n_________\n(١) أخرجه الطبريّ (٩/ ١٤٦) برقم (٢٥١٤٢)، وذكره البغوي (٣/ ٢٨٦)، وابن عطية (٤/ ١٢١)، وابن كثير (٣/ ٢١٩)، والسيوطي (٤/ ٦٤٧)، وعزاه لابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس.\n(٢) أخرجه الطبريّ (٩/ ١٤٨) برقم (٢٥١٥٦) عن مجاهد، وعن قتادة برقم (٢٥١٦٠)، وذكره البغوي (٣/ ٢٨٧)، وابن عطية (٤/ ١٢١)، والسيوطي (٤/ ٦٤٧)، وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن مجاهد.\n(٣) أخرجه الطبريّ (٩/ ١٤٨) برقم (٢٥١٦٢)، وذكره البغوي (٣/ ٢٨٧)، وابن عطية (٤/ ١٢١)، والسيوطي (٤/ ٦٤٧)، وعزاه لسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن الضحاك وعطاء.\n(٤) أخرجه الطبريّ (٩/ ١٤٦) برقم (٢٥١٤٨) عن ابن زيد، وذكره ابن عطية (٤/ ١٢١) . [.....]","vol":"4","page":122},{"text":"ت وأظهرُ هذه التأويلات عندي تأويلُ عطاءٍ، وفي الثالث بعضُ تكلُّفٍ، ثم أخبر تعالى أنه جعل لكل أُمة من الأُمم المؤمنة منسكًا، أي: موضعَ نُسُكٍ وعبادة، هذا على أَنَّ المنسك ظرف، ويحتملُ أَنْ يريد به المصدر كأنه قال: عبادة، والناسِكِ العابد.\nوقال مجاهد «١»: سُنَّةً في هراقة دماء الذبائح.\nوقوله: لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ معناه أمرناهم عند ذبائحهم بذكر الله، وأن يكون الذبح له لأَنَّهُ رازق ذلك، وقوله: فَلَهُ أَسْلِمُوا أي: آمنوا، ويحتمل أَنْ يريد استسلموا، ثم أمر سبحانه نبيّه ﷺ أَنْ يُبَشِّرَ بشارةً على الإطلاق، وهي أبلغ من المفسرة لأنها مُرْسَلَةٌ مع نهاية التخيل للمخبتين المتواضعين الخاشعين المؤمنين، والخبت ما انخفض من الأَرض، والمُخْبِتُ المتواضع الذي مَشْيُهُ متطامن كأنه في حدورٍ من الأرض، وقال عمرو بن أوس «٢»: المخبتون الذين لا يظلمون وإذا ظلموا لم ينتصروا.\nقال ع «٣»: وهذا مثال شريف من خلق المؤمن الهيّن الليّن، وقال مجاهد: هم المطمئنون بأمر اللهِ تعالى، ووصفهم سبحانه بالخوفِ والوَجَلِ عند ذكر الله تعالى، وذلك لِقُوَّةِ يقينهم ومراقبتهم لربهم، وكأنهم بين يديه جلَّ وعلا، ووَصَفَهُم بالصبر وبإقامة الصلاة وإدامتها، ورُوِيَ: أَنَّ هذه الآية قوله: وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ نزلت في أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ (﵃ أجمعين) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-940>[سورة الحج (٢٢): آية ٣٦]</span>\nوَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيها خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذلِكَ سَخَّرْناها لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦)\nوقوله سبحانه: وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ البُدْنُ: جمع بدنة، وهي ما أشعر من ناقة أو بقرة قاله عطاء وغيره «٤»، وسمّيت بذلك لأنها تبدن، أي:\nتسمن.\n_________\n(١) أخرجه الطبريّ (٩/ ١٥٠) برقم (٢٥١٧١)، وذكره ابن عطية (٤/ ١٢١) والسيوطي (٤/ ٦٤٨)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد.\n(٢) أخرجه الطبريّ (٩/ ١٥١) برقم (٢٥١٧٧)، وذكره ابن عطية (٤/ ١٢٢)، وابن كثير (٣/ ٢٢١) والسيوطي (٤/ ٦٤٩)، وعزاه لسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن أبي شيبة، وابن أبي الدنيا في «ذم الغضب»، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في «شعب الإيمان» عن عمرو بن أوس.\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ١٢٣) .\n(٤) أخرجه الطبريّ (٩/ ١٥٢) برقم (٢٥١٨٠)، وذكره ابن عطية (٤/ ١٢٢)، وابن كثير (٣/ ٢٢١) .","vol":"4","page":123},{"text":"وقيل: بل هذا الاسم خاصٌّ بالإبل، والخير هنا قيل فيه ما قيل في المنافع التي تَقدَّم ذكرُها، والصوابُ عُمُومُه في خير الدنيا والآخرة.\nوقوله: عَلَيْها يريد عند نَحْرِها، وصَوافَّ، أي: مُصْطَفَّةً، وقرأ ابن مسعود «١»، وابن عمر، وابن عباس، وغيرهم: «صَوَافِنَ» جمع صَافِنَة، وهي التي رُفِعَتْ إحدى يديها بالعقل لئَلاَّ تضطرب، ومنه في الخيل الصَّافِناتُ الْجِيادُ [ص: ٣١]، و«وجبت» معناه: سقطت.\n٢٦ أوقوله: فَكُلُوا مِنْها: / نَدْبٌ، وكل العلماء يستحب أن يأكل الإِنسان من هديه، وفيه أَجْرٌ وامتثالٌ إذْ كان أهل الجاهليَّةِ لا يأكلون من هديهم، وتحرير القول في الْقانِعَ: أنَّهُ السائل والْمُعْتَرَّ المُتَعَرِّضُ من غير سؤال قاله الحسن ومجاهد وغيرهما «٢»، وعكست فرقة هذا القول، فحكى الطبريُّ «٣» عن ابن عباس أنَّهُ قال: القَانِعُ:\nالمُسْتَغني «٤» بما أعطيته، والمعترُّ: هو المتعرض «٥»، وحكي عنه أَنَّهُ قال: القَانِعُ:\nالمُتَعَفِّفُ، والمُعترُّ: السائل «٦» .\nقال ع «٧»: يُقَالُ: قَنَعَ الرجلُ- بفتح النون- يَقْنَعُ قُنُوعًا فهو قَانِعٌ إذا سأل فالقانع: هو السائل بفتح النون في الماضي، وقَنِعَ- بكسر النون- يَقْنَعُ قَنَاعَةً فهو قَنِعٌ إذا تَعَفَّفَ واستغنى ببلغته قاله الخليل بن أحمد.\n_________\n(١) وقرأ بها النخعي، وأبو جعفر محمد بن علي، والأعمش.\nينظر: «الشواذ» (٩٧، ٩٨)، و«المحتسب» (٢/ ٨١)، و«المحرر الوجيز» (٤/ ١٢٢)، و«البحر المحيط» (٦/ ٣٤٢)، و«الدر المصون» (٥/ ١٥٠) .\n(٢) أخرجه الطبريّ (٩/ ١٥٧، ١٥٨) برقم (٢٥٢٣١، ٢٥٢٣٢، ٢٥٢٣٣، ٢٥٢٣٦، ٢٥٢٣٧) عن الحسن، وذكره البغوي (٣/ ٢٨٨)، وابن عطية (٤/ ١٢٣)، والسيوطي (٤/ ٦٥٤)، وعزاه لابن أبي شيبة، وعبد بن حميد عن الحسن، وعزاه أيضا للبيهقي في «سننه» عن مجاهد، وعزاه لابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير.\n(٣) سبق تخريجه.\n(٤) في ج: المستغنى والمستغني.\n(٥) أخرجه الطبريّ (٩/ ١٥٦) برقم (٢٥٢١٩)، وذكره البغوي (٣/ ٢٨٨) بنحوه، وابن عطية (٤/ ١٢٣)، وابن كثير (٣/ ٢٢٢)، والسيوطي (٤/ ٦٥٣)، وعزاه لابن أبي حاتم عن ابن عباس.\n(٦) أخرجه الطبريّ (٩/ ١٥٦) برقم (٢٥٢٢٢)، وذكره ابن عطية (٤/ ١٢٣)، وذكره ابن كثير (٣/ ٢٢٢)، والسيوطي (٤/ ٦٥٣)، وعزاه لابن أبي حاتم عن ابن عباس.\n(٧) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ١٢٣) .","vol":"4","page":124},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-941>[سورة الحج (٢٢): الآيات ٣٧ الى ٣٩]</span>\nلَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى مَا هَداكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (٣٧) إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (٣٨) أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩)\nوقوله سبحانه: لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها ... الاية: عبارة مبالغة، وهي بمعنى: لن تُرْفَعَ عنده سبحانه، وتتحصل سبب ثواب، والمعنى: ولكن تُنَالُ الرِّفْعَةُ عنده، وتحصلُ الحسنة لديه بالتقوى.\nوقوله تعالى: لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى مَا هَداكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ رُوِيَ: أن قوله: «وبشر المحسنين» نزلت في الخلفاء الأربعة حسبما تَقَدَّمَ في التي قبلها، وظاهر اللفظ العمومُ في كل مُحْسِنٍ.\nوقوله سبحانه: إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا ... الآية، وقرأ أبو عمرو، وابن كثير: «يَدْفَعُ» «١» وَلَوْلا دَفْعُ [الحج: ٤٠] .\nقال أبو علي: أجريت «دافع» مُجْرى «دفع» كعاقبت اللِّصَّ وطارقت النعلَ، قال أبو الحسن الأَخْفَشُ: يقولون: دافع الله عنك، ودفع عنك، إلاَّ أَنَّ «دفع» أكثر في الكلام.\nقال ع «٢»: ويحسن «يدافع» لأَنَّهُ قد عنّ للمؤمنين من يدفعهم ويؤذيهم، فيجيء دفعه سبحانه مدافعةً عنهم، وروي أَنَّ هذه الآية نزلت بسبب المؤمنين لَمَّا كَثُروا بمكة وآذاهم الكُفَّارُ هَمَّ بعضُهم أَنْ يقتل مَنْ أمكنه من الكُفَّارَ، ويغتالَ، وَيَغْدُرَ، فنزلت هذه الآية إلى قوله: كَفُورٍ، ثم أَذِنَ الله سبحانه في قتال المؤمنين لِمَنْ قاتلهم من الكفار بقوله: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ.\nوقوله: بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا معناه: كان الإذن بسبب أنهم «٣» ظُلِمُوا، قال ابن جريج «٤»:\nوهذه الآية أول ما نقضت الموادعة.\n_________\n(١) وحجتهما أن الله- جل وعز- لا يدافعه شيء، وهو يدفع عن الناس، فالفعل له وحده لا لغيره.\nوحجة الباقين أنه يدافع مرة بعد مرة.\nينظر: «السبعة» (٤٣٧)، و«الحجة» (٥/ ٢٧٨)، و«إعراب القراءات» (٢/ ٧٩)، و«معاني القراءات» (٢/ ١٨١)، و«شرح الطيبة» (٥/ ٦٩)، و«العنوان» (١٣٤)، و«حجة القراءات» (٤٧٧)، و«شرح شعلة» (٥٠٤)، و«إتحاف» (٢/ ٢٧٧) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ١٢٣) .\n(٣) في ج: أنهم عند هجرة النبي ﷺ. [.....]\n(٤) ذكره ابن عطية (٤/ ١٢٤) .","vol":"4","page":125},{"text":"قال ابن عباس «١»، وابن جُرَيْجٍ «٢»: نزلتُ عند هجرة النبي ﷺ إلى المدينة.\nوقال أبو بكر الصديق: لَمَّا سمعتُهَا، علمتُ أنَّه سيكون قتال «٣» .\nقلت: وهذا الحديث خَرَّجَهُ الترمذيُّ، قال ابن العربيِّ: ومعنى أُذِنَ: أبيح، وقرىء «يُقَاتِلُونَ» بكسر التاء وفتحها «٤»، فعلى قراءة الكسر: تكونُ الآية خبرًا عن فعل المأذونِ لهم، وعلى قراءة الفتح: فالآية خبرٌ عن فعل غيرهم، وأَنَّ الإذْنَ وقع من أجل ذلك لهم، ففي فتح التاء بيانُ سبب القتال، وقد كان الكفار يتعمدون النبي ﷺ والمؤمنين بالإذاية ويعاملونهم بالنكاية، وقد قتل أبو جهل سُمَيَّةَ أمَّ عمار بن ياسر، وعُذِّبَ بلالُ، وبعد ذلك جاء الانتصار بالقتال، انتهى، ثم وعد سبحانه بالنصر في قوله: وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-942>[سورة الحج (٢٢): الآيات ٤٠ الى ٤١]</span>\nالَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)\nوقوله سبحانه: الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ يريد كُلَّ مَنْ خرج من مكة وآذاه أهلها حتى أخرجوه بإذايتهم، - طائفة إلى الحبشة وطائفة إلى المدينة-، ونسب الإخراج إلى الكفار لأَنَّ الكلام في معرض تقرير الذنب، وإلزامه لهم.\n_________\n(١) أخرجه الترمذي (٥/ ٣٢٥) كتاب «التفسير»: باب ومن سورة الحج حديث (٣١٧١)، وأحمد (١/ ٢١٦)، والطبريّ (٩/ ١٦١) رقم (٢٥٢٥٥) وابن حبان (١٦٨٧- موارد) والحاكم (٣/ ٧) والطبراني (١٢/ ١٦) رقم (١٢٣٣٦) والبيهقي في «الدلائل» (٢/ ٢٩٤) وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٦٥٥) وزاد نسبته إلى عبد بن حميد والبزار وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(٢) في ج: حي.\n(٣) ينظر الأثر السابق.\n(٤) قرأ بفتح التاء كل من نافع، وأبي عمارة، واين اليتيم، وهبيرة عن حفص عن عاصم، مع ضم همزة «أذن» .\nوقرأ بكسر التاء مع ضم الهمزة- عاصم في رواية أبي بكر، وأبو عمرو.\nوقرأها مكسورة مع فتح همزة «أذن» كل من ابن كثير، وحمزة، والكسائيّ. وقرأها ابن عامر مفتوحة الهمزة والتاء.\nينظر: «السبعة» (٤٣٧)، و«الحجة» (٥/ ٢٨٠)، و«إعراب القراءات» (٢/ ٧٩)، و«معاني القراءات» (٢/ ١٨٢)، و«شرح الطيبة» (٥/ ٦٩- ٧٠)، و«العنوان» (١٣٥)، و«حجة القراءات» (٤٧٨)، و«شرح شعلة» (٥٠٤)، و«إتحاف» (٢/ ٢٧٦) .","vol":"4","page":126},{"text":"وقوله: إِلَّا أَنْ يَقُولُوا/ رَبُّنَا اللَّهُ استثناءٌ مُنْقَطِعٌ.\nقال ص: وأجاز أبو إسحاق وغيرُه أنْ يكون في موضع جَرٍّ بدلًا من حَقَّ، أي:\nبغير مُوجِبٍ سوى التوحيدِ الذي ينبغي أن يكونُ مُوجِبَ الإقرار، لا مُوجِبَ الإِخراج، ومثله: هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ [المائدة: ٥٩] انتهى، وهو حَسَنٌ من حيث المعنى، والانتقاد عليه مُزَيَّفٌ.\nوقوله: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ الآية تقوية للأمر بالقتال، وذكر أَنَّهُ مُتَقَدِّمٌ في الأمم، وبه صَلُحَتِ الشرائع، فكأنه قال: أُذِنَ في القتال، فليقاتلِ المؤمنون، ولولا القتالُ والجهادُ لَتُغُلِّبَ على الحَقِّ في كُلِّ أُمَّةٍ، هذا أصوب تأويلات الآية، والصومعة: موضع العبادة، وهي بِنَاءٌ مرتفع، منفرد، حديد الأعلى، والأصمع من الرجال: الحديد القول، وكانت قبل الإسلام مُخْتَصَّةً برهبان النصارى، وعُبَّادِ الصابئين «١» قاله قتادة «٢»، ثم اسْتُعْمِلَتْ «٣» في مئذنة المسلمين، والبِيَعُ: كنائس النصارى، واحدتها: بِيعَةٌ.\nوقال الطبري «٤»: قيل: هي كنائس اليهود، ثم أدخل عن مجاهد ما لا يقتضي ذلك، والصلوات مشتركة لكل مِلَّةٍ واستعير الهدم للصلوات من حيث تعطيلها أو أرادَ موضع صلواتٍ، وقال أبو العالية «٥»: الصلوات مساجد الصابئين، وقيل: غير هذا.\nوقوله: يُذْكَرُ فِيهَا الضمير عائد على جميع ما تَقَدَّمَ، ثم وعد سبحانه بنُصْرَةِ دينه وشرعه، وفي ذلك حَضٌّ على القتال والجدِّ فيه، ثم الآية تَعُمُّ كل مَنْ نصر حقًّا إلى يوم القيامة.\nوقوله سبحانه: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ ... الآية: قالت فرقة: هذه الآية في الخلفاءِ الأربعة، والعمومُ في هذا كله أبينُ، وبه يَتَّجِهُ الأمر في جميع الناس، وإنَّما الآية آخذة عهدًا على كُلِّ مَنْ مُكِّنَ [في الأرض] «٦» على قدر ما مكّن، والآية\n_________\n(١) في ج: الصابئين.\n(٢) أخرجه الطبريّ (٩/ ١٦٤) برقم (٢٥٢٧٢)، وذكره البغوي (٣/ ٢٩٠)، وابن عطية (٤/ ١٢٥)، وابن كثير (٣/ ٢٢٦)، والسيوطي (٤/ ٦٥٧)، وعزاه لعبد الرزاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة.\n(٣) في ج: استعمل.\n(٤) ينظر: «الطبريّ» (٩/ ١٦٤) .\n(٥) أخرجه الطبريّ (٩/ ١٦٥) برقم (٢٥٢٨٥)، وذكره ابن عطية (٤/ ١٢٥)، وابن كثير (٣/ ٢٢٦)، والسيوطي (٤/ ٦٥٧) وعزاه لابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن أبي العالية.\n(٦) سقط في ج.","vol":"4","page":127},{"text":"أمكن ما هي في الملوك.\nوقوله سبحانه: وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ: تَوَعُّدٌ للمخالف عن هذه الأمور التي تقتضيها الآية لمن مكن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-943>[سورة الحج (٢٢): الآيات ٤٢ الى ٥١]</span>\nوَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَثَمُودُ (٤٢) وَقَوْمُ إِبْراهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (٤٣) وَأَصْحابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسى فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (٤٤) فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَهِيَ ظالِمَةٌ فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (٤٥) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)\nوَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٤٧) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَهِيَ ظالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُها وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (٤٨) قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٤٩) فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٥٠) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (٥١)\nوقوله سبحانه: وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ: يعني: قريشًا، فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَثَمُودُ وَقَوْمُ إِبْراهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسى ... الآية: فيها وعيد لقريش، وفَأَمْلَيْتُ معناه: أمهلتُ، والنكير مصدر بمعنى الإنكار.\n[وقوله] «١»: «وبير معطلة» قيل: هو معطوف على العروش، وقيل: على القرية وهو أصوب.\nثم وَبَّخَهُمْ تعالى على الغفلة وترك الاعتبار بقوله: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها وهذه الآية تقتضي أَنَّ العقل في القلب، وذلك هو الحق، ولا يُنْكَرُ أَنَّ للدماغ اتصالًا بالقلب يوجب فساد العقل متى اختل الدماغ.\nوقوله: فَتَكُونَ: نصب بالفاء في جواب الاستفهام صُرِفَ الفعلُ من الجزم إلى النصب.\nوقوله سبحانه: فَإِنَّها لاَ تَعْمَى الْأَبْصارُ لفظ مبالغة كأنه قال: ليس العمى عَمَى العين، وإنما العمى كُلَّ العمى عَمَى القلب، ومعلوم أن الأبصار تعمى، ولكن المقصود ما\n_________\n(١) سقط في ج.","vol":"4","page":128},{"text":"ذكرنا وهذا كقوله ﷺ: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ» «١»، وَ«لَيْسَ الْمِسْكِينُ بِهَذَا الطّواف» «٢»، والضمير في فَإِنَّها للقصة ونحوها من التقدير، والضميرُ في يَسْتَعْجِلُونَكَ لقريشٍ.\nوقوله: وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وعيد وإخبار بأنَّ كل شيءٍ إلى وقت محدود، والوعد هنا مُقَيَّدٌ بالعذاب.\nوقوله سبحانه: وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ/ قالت فرقة: معناه ٢٧ أوإنّ يومًا من أَيَّامِ عذاب الله كألف سنة من هذه لطول العذاب وبؤسه، فكان المعنى أي من هذه السنين فما أَجْهَلَ مَنْ يَسْتَعْجِلَ هذا، وكُرِّرَ قوله: وَكَأَيِّنْ لأَنَّهُ جلب معنى آخر ذكر أَوَّلًا القرى المُهْلَكَةَ دون إملاء بل بعقب التكذيب، ثم ثَنَّى سبحانه بالممهلة لئلاَّ يفرحَ هؤلاء بتأخير العذاب عنهم، وباقي الآية بيّن، والرزق الكريم: الجنة، ومُعاجِزِينَ معناه: مغالبين، كأَنهم طلبوا عَجْزَ صاحب الآياتِ، والآيات تقتضي تعجيزهم فصارت مفاعلة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-944>[سورة الحج (٢٢): آية ٥٢]</span>\nوَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاَّ إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢)\nوقوله سبحانه: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ ... الآية.\nقلت: قال [القاضي أبو الفضل] «٣» عياض: وقد توجهت هاهنا لبعض الطاعنين سُؤَالاتٍ منها ما رُوِيَ مِنْ: «أنّ النبي ﷺ لما قرأ سورة «والنجم» وقال: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى [النجم: ١٩، ٢٠] قال: تِلْكَ الغرانيق العلى، وإنّ شفاعتها لترتجى» «٤» .\n_________\n(١) أخرجه مالك (٢/ ٩٠٦) كتاب «حسن الخلق»: باب ما جاء في الغضب، حديث (١٢)، والبخاري (١٠/ ٥٣٥) كتاب «الأدب»: باب الحذر من الغضب، حديث (٦١١٤)، ومسلم (٤/ ٢٠١٤) كتاب «البر والصلة»: باب فضل من يملك نفسه عند الغضب، حديث (١٠٧/ ٢٦٠٩)، وأحمد (٢/ ٢٣٦)، والبغوي في «شرح السنة» (٦/ ٥٣١- بتحقيقنا)، والقضاعي في «مسند الشهاب» (١١٢١٢) من حديث أبي هريرة.\n(٢) تقدم تخريجه. [.....]\n(٣) سقط في ج.\n(٤) أخرجه الطبراني في «الكبير» (١٢/ ٥٣) رقم (١٢٤٥٠)، والبزار في «مسنده» كما في «تخريج الكشاف» (٢/ ٣٩١)، وابن مردويه كما في المصدر السابق، كلهم من طريق يوسف بن حماد ثنا أمية بن خالد، ثنا-","vol":"4","page":129},{"text":"_________\n- شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، فذكر القصة.\nوقال البزار: هذا حديث لا نعلمه يروى عن النبي ﷺ بإسناد متصل يجوز ذكره إلا بهذا الإسناد، ولا نعلم أحدا أسند هذا الحديث عن شعبة عن أبي بشر عن سعيد عن ابن عباس إلا أمية، ولم نسمعه نحن إلا من يوسف بن حماد، وكان ثقة، وغير أمية يحدث به عن أبي بشر عن سعيد بن جبير مرسلا، وانما يعرف هذا الحديث عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، وأمية ثقة مشهور اهـ.\nوقد مشى الهيثمي على ظاهر السند، فقال في «المجمع» (٧/ ١١٨): رواه البزار والطبراني، ورجالهما رجال الصحيحين.\nوهذا الطريق فيه اضطراب، فقد رواه بعضهم عن أبي بشر عن سعيد مرسلا وقد أشار إلى ذلك البزار ﵀.\nوهذا الطريق أخرجه الطبريّ في «تفسيره» (٩/ ١٧٦) رقم (٢٥٣٣١) من طريق محمد بن جعفر: ثنا شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير مرسلا.\nوقد رويت هذه القصة عن محمد بن كعب القرظي، وعن قتادة، وعن أبي العالية مرسلة: أما مرسل محمد بن كعب، فأخرجه الطبريّ (٩/ ١٧٥- ١٧٦) رقم (٢٥٣٢٨) وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٦٦٢)، وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور.\nمرسل قتادة: أخرجه الطبريّ، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٦٦٣)، وعزاه لابن أبي حاتم.\nأما مرسل أبي العالية، فأخرجه الطبريّ (٩/ ١٧٦) رقم (٢٥٣٣٠)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٦٦٣)، وزاد نسبته إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم.\nوللحديث طريق موصول عن ابن عباس: أخرجه الطبريّ في «تفسيره» (٩/ ١٧٦) رقم (٢٥٣٣٣):\nحدثني محمد بن سعد قال: ثني أبي قال: ثني عمي، قال: ثني أبي عن أبيه عن ابن عباس به.\nقال الزيلعي في «تخريج الكشاف» (٢/ ٣٩٢): ولكن فيه عدة مجاهيل عينا وحالا ا. هـ.\nوقد طعن فيها كثير من المحققين والمحدثين، قال البيهقي وهو من كبار رجال السنة: هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل، وقال القاضي عياض في: «الشفاء»: إن هذا حديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة، ولا رواه ثقة بسند سليم متصل، وإنما أولع به وبمثله المفسرون والمؤرخون، والمولعون بكل غريب، المتلقفون من الصحف كل صحيح وسقيم، ومن حكيت عنه هذه المقالة من المفسرين والتابعين، لم يسندها أحد منهم ولا رفعها إلى صاحب، وأكثر الطرق عنهم فيها ضعيفة واهية، والمرفوع منها حديث شعبة، عن أبي البشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس فيما أحسب (الشك في وصل الحديث): «أن النبي ﷺ كان بمكة وذكر القصة»: قال أبو بكر البزار: هذا الحديث لا نعرفه يروى عن النبي ﷺ بإسناد متصل، إلا هذا، ولم يسنده عن شعبة إلا أمية بن خالد، وغيره يرسله عن سعيد بن جبير، وإنما يعرف عن الكلبي عن أبي خالد عن ابن عباس، فقد بين أبو بكر أنه لا يعرف عن طريق يجوز ذكره سوى هذا، وفيه من الضعف ما نبه عليه، مع وقوع الشك فيه، الذي لا يوثق به ولا حقيقة معه، وأما حديث الكلبي: فمما لا يجوز الرواية منه، ولا ذكره لقوة ضعفه وكذبه ا. هـ. وكذا أنكر القصة القاضي أبو بكر بن العربي وطعن فيها من جهة النقل، وسئل محمد بن إسحاق بن خزيمة، عن هذه القصة، فقال: هذا من وضع الزنادقة، وصنف في ذلك كتابا، وذهب إلى وضعها الإمام: أبو منصور الماتريدي، في كتاب «حصص الأتقياء» حيث قال: الصواب أن قوله: «تلك الغرانيق العلى» من جملة-","vol":"4","page":130},{"text":"_________\n- إيحاء الشياطين إلى أوليائه من الزنادقة، حتى يلقوا بين الضعفاء وأرقاء الدين، ليرتابوا في صحة الدين، والرسالة بريئة من مثل هذه الرواية.\nفها نحن نرى: أن من أنكرها وقضى بوضعها أكثر ممن صححها اعتمادا على روايات مرسلة.\nومما يقلل الثقة بالحديث: اضطراب الروايات اضطرابا فاحشا.\nفقائل يقول: إنه كان في الصلاة، وقائل يقول: قالها في نادي قومه، وثالث يقول: قالها وقد أصابته سنة. ورابع يقول: بل حدّث نفسه فيها. ومن قائل: إن الشيطان قالها على لسانه، وإن النبي لما عرضها على جبريل قال: ما هكذا أقرأتك؟ وآخر يقول: بل أعلمهم الشيطان: أن النبي قرأها كما رويت: تلك الغرانيق العلى على أنحاء مختلفة، وكل هذا الاضطراب ممّا يوهن الرواية، ويقلل الثقة بها. والحق أبلج والباطل لجلج.\nوقد حكمت الصنعة والقواعد الاصطلاحية على الحافظ ابن حجر، فصحح القصة، وجعل لها أصلا، قال في «الفتح»، في تفسير سورة الحج، بعد ما ساق الطرق الكثيرة: وكلها سوى طريق سعيد بن جبير إما ضعيف، وإما منقطع، لكن كثرة الطرق تدل على أن لها أصلا، مع أن لها طريقين مرسلين آخرين، رجالهما على شرط الصحيح: أحدهما: ما أخرجه الطبريّ من طريق يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، حدثني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فذكر نحوه. والثاني: ما أخرجه أيضا من طريق المعتمد بن سليمان، وحماد بن سلمة، فرقهما عن داود بن أبي هند، عن أبي العالية، وبعد أن ذكر كلام القاضي أبي بكر بن العربي، وعياض قال: وجميع ذلك لا يتمشى مع القواعد، فإن الطرق إذا كثرت وتبينت مخارجها، دل ذلك على أن لها أصلا، وقد ذكرت أن ثلاثة أساتيد منها على شرط الصحيح، وهي مراسيل، يحتج بمثلها من يحتج بالمرسل، وكذا من لا يحتج، لاعتضاد بعضها ببعض، وإذا تقرر ذلك: تعين تأويل ما فيها مما يستنكر، وهو قوله: «ألقى الشيطان على لسانه: تلك الغرانيق العلا»، فإنه لا يجوز حمله على ظاهره، لأنه يستحيل عليه ﷺ أن يزيد في القرآن عمدا ما ليس منه، وكذا سهوا إن كان مغايرا لما جاء به من التوحيد، لمكان عصمته، وقد سلك العلماء في ذلك مسالك ...، وبعد أن ذكر الكثير منها، ولم يرتضه، ارتضى لتصحيح القصة هذا التأويل: وهو أنّ النبي ﷺ كان يرتل القرآن ترتيلا، فارتصده الشيطان في سكتة من السكتات ونطق بتلك الكلمة محاكيا نغمته، بحيث سمعها من دنا، فظنه من قوله، وأشاعها بين الناس، قال: وهو الذي ارتضاه عياض وأبو بكر بن العربي ا. هـ، والقاضيان: عياض وأبو بكر رأيهما البطلان نقلا وعقلا، ولكنهما ارتضيا ذلك تنزلا على تسليم الصحة.\nوالذي أجيب به على ما ذكره الحافظ:\n١- أن جمهور المحدثين لم يحتجوا بالمرسل، وجعلوه من قسم الضعيف لاحتمال أن يكون المحذوف غير صحابي، وحينئذ: يحتمل أن يكون ثقة أو غير ثقة. وعلى الثاني: فلا يؤمن أن يكون كذابا، والإمام مسلم قال في مقدمة كتابه: والمرسل في أصل قولنا وقول أهل العلم بالإخبار: ليس بحجة. وقال ابن الصلاح في مقدمته: «وذكرنا من سقوط الاحتجاج بالمرسل، والحكم بضعفه: هو الذي استقر عليه آراء جماهير حفاظ الحديث، وتداولوه في تصانيفهم»، والاحتجاج به مذهب مالك، وأبي حنيفة والشافعي، بشروط ذكرها في رسالته، ونقلها العراقي في شرح ألفيته، وقد قالوا في مراسيل أبي العالية: إنها كالريح، كما في: «التدريب» وإني لأذكر الحافظ بما ذكره من البلاء في الاحتجاج بالمراسيل-","vol":"4","page":131},{"text":"قال عياض: اعلم (أكرمك الله) أَنَّ لنا في الكلام على مشكل هذا الحديث مأخذين:\nأحدهما: في توهين أصله.\nوالثاني: على تقدير تسليمه.\nأما المأخذ الأَوَّلُ: فيكفيك أنَّ هذا حديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة، ولاَ رَوَاهُ ثقة بسند مُتَّصِلٍ سليم وإنما أولع به وبمثله المُفَسِّرُون والمؤرِّخُونَ المُولَعُونَ بكل غريب، المتلقفون من الصحف كل صحيح وسقيم، وصدق القاضي أبو بكر ابن العلاء المالكيُّ (رحمه الله تعالى) حيث يقول: لقد بُلِيَ الناسُ ببعض أهل الأهواء والتفسير، ثم قال عياض: قال أبو بكر البَزَّارُ: هذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبي ﷺ بإسناد مُتَّصل يجوزُ ذكرُه وإنَّما يُعْرَفُ عن الكلبيِّ. قال عياض: والكلبيُّ مِمَّنْ لا تجوز الرواية عنه ولا ذِكْرُهُ لقوَّةِ ضعفه وكذبه، كما أشار إليه البَزَّارُ، وقد أجمعت الأمة على عصمته ﷺ ونزاهته عن مثل هذا، انتهى، ونحو هذا لابن عطية «١» قال: وهذا الحديث الذي فيه: هن الغرانقة وقع في كتب التفسير ونحوها، ولم يُدْخِلْهُ البخاريُّ ولا مسلم، ولا ذكره- في علمي- مُصَنِّفٌ مشهور بل يقتضي مذهبُ أهل الحديث أَنَّ الشيطان ألقى، ولا يعينون هذا السبب ولا غيره.\n_________\n- في مقدمة كتابه «لسان الميزان» .\n٢- الاحتجاج بالمرسل إنما هو في الفرعيات التي يكفي فيها الظن، أما الاحتجاج به على إثبات شيء يصادم العقيدة وينافي دليل العصمة فغير مسلم، وقد قال علماء التوحيد: إن خبر الواحد لو كان صحيحا لا يؤخذ به في العقائد لأنه لا يكتفي فيها إلا باليقين، فما بالك بالضعيف؟!! ٣- هذا التأويل الذي ارتضاه ما أضعفه عند النظر والتأمل، فهو يوقع متأوله فيما فر منه، وهو تسلط الشيطان على النبي، فالتسلط عليه بالمحاكاة، كالتسلط عليه بالإجراء على لسانه، كلاهما لا يجوز، وفتح هذا الباب خطر على الرسالات، وإذا سلمنا أن الشيطان هو الذي نطق في أثناء سكوت الرسول، فكيف لا يسمع ما حكاه الشيطان؟ وإذا سمعنا، فكيف لا يبادر إلى إنكارها؟ والبيان في مثل هذا وجب على الفور، وإذا لم يسمع النبي، ألم يسمع أصحابه؟ وإذا سمعوا، فكيف يسكتون؟ وإذا لم يسمعوا فهل بلغ من تسلط الشيطان أن يحول بينهم وبين السماع؟\nومثل هذا: ما ذكره موسى بن عقبة في «مغازيه»: من أن المسلمين ما سمعوها، وإنما ألقى الشيطانُ ذلك في أسماع المشركين، فهل كان الشيطان يسر في آذان المشركين دون المؤمنين؟ ثم كيف يتفق هذا وما روي: من أن النبي حزن حزنا شديدا، وأن جبريل قال له: ما جئتك بهذا الحق!! الحق: أن نسج القصة مهما تأوّل فيه المتأولون فهو مهلهل متداع لا يثبت أمام البحث.\nينظر: «الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير» ص ٢٤٥ وما بعدها بتصرف.\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ١٢٩) .","vol":"4","page":132},{"text":"قال ع «١»: وحدثني أَبي (رحمه الله تعالى) أَنَّهُ لَقِيَ بالمشرق من شيوخ العلماء والمتكلمين مَنْ قال: هذا لا يجوز على النبي ﷺ وهو المعصوم في التبليغ وإنَّما الأمرُ يعني على تقدير صحَّته- أَنَّ الشيطان نَطَقَ بلفظ أسمعه الكفّار عند قول النبي ﷺ: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى [النجم: ١٩، ٢٠] . وقرّب صوته من صوت النبي ﷺ حتى التبس الأمر على المشركين، وقالوا: محمد قرأها، هذا على تقدير صحته، وقد رُوِيَ نحوُ هذا التأويل عن الإمام أبي المعالي.\nقلت: قال عياض: وقد أعاذنا الله من صِحَّتِهِ، وقد حكى موسى «٢» بن عقبة في «مغازيه» نحوَ هذا، وقال: إنَّ المسلمين لم يسمعوها، وإنما ألقى الشيطانُ ذلك في أسماع المشركين، ومعنى قوله تعالى: تَمَنَّى أي: تلا ومنه قوله تعالى: لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَّ [البقرة: ٧٨] . أي: تلاوة، فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطانُ أي: يُذْهِبُهُ، ويزيل اللبس به ويُحكمُ آياته، وعبارة البخاريِّ «٣»: وقال ابن عباس: إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ، أي: إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه، فيبطل الله ما يلقى الشيطان/ ويحكم ٢٧ ب آياته، ويقال: أُمْنِيَّتِهِ: قراءته. انتهى.\nقال عياض: وقيل: معنى الآية هو ما يقع للنبي ﷺ من السهو إذا قرأ فيتنبه لذلك، ويرجعُ عنه، انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-945>[سورة الحج (٢٢): الآيات ٥٣ الى ٥٧]</span>\nلِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٤) وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (٥٥) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٥٦) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا فَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (٥٧)\nوقوله سبحانه: لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً الفتنة: الامتحانُ والاختبار، والذين في قلوبهم مرض: عامَّةُ الكُفَّارِ، وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ خواصُّ منهم عتاة: كأبي جهل وغيره، والشقاق: البعد عن الخير والكون في شقّ غير شقّ الصلاح، والَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ: هم أصحاب نبيّنا محمد ﷺ، والضمير في أَنَّهُ: عائد على القرآن،\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ١٢٩) .\n(٢) في المطبوعة (محمد) والمثبت من «السير» للذهبي (٦/ ١١٤) ترجمة (٣١) .\n(٣) انظر: «صحيح البخاري» (٨/ ٢٩٢) كتاب التفسير: باب سورة الحج.","vol":"4","page":133},{"text":"فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ: معناه: تتطامن وتَخْضَعُ، وهو مأخوذ من الخبت وهو المطمئن من الأرض كما تقدم.\nوَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ أي: من القرآن، والمريةُ: الشَّكُّ، حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ يعني يوم القيامة، أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ قيل: يوم بدر، وقيل:\nالساعةُ سَاعَةُ موتهم، واليوم [العقيم] «١» يومُ القيامة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-946>[سورة الحج (٢٢): الآيات ٥٨ الى ٦٢]</span>\nوَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ ماتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٥٨) لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (٥٩) ذلِكَ وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٦٠) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٦١) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْباطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢)\nوقوله سبحانه: وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ ماتُوا ... الآية، ابتداءُ معنى آخرُ وذلك أَنَّهُ لما مات عثمانُ بن مظعون، وأبو سلمة بن عبد الأسد قال بعض الناس: مَنْ قُتِلَ من المهاجرين أَفْضَلُ مِمَّنْ ماتَ حَتْفَ أنفه. فنزلت هذه الآية مُسَوِّيَةً بينهم في أنَّ الله تعالى يرزقُ جميعهم رِزْقًا حسنًا، وليس هذا بقاضٍ بتساويهم في الفضل، وظاهِرُ الشريعة أَنَّ المقتول أفضل، وقد قال بعض الناس: المقتول والميت في سبيل الله شهيدَانِ، ولكن للمقتول مَزِيَّةُ ما أصابه في ذات الله، والرزق الحسن يحتمل: أن يريد به رزق الشهداءِ عند ربهم في البرزخ، ويحتمل أن يريد بعد يوم القيامة في الجنة «٢»، وقرأت «٣» فرقة: «مُدْخَلًا» - بضم الميم- من أدخل فهو محمولٌ على الفعل [المذكور، وقرأت فرقة: «مَدْخَلًا» - بفتح الميم- من دخل فهو محمول على فعل] «٤» مُقَدَّرٍ تقديره:\nفَيَدْخُلُونَ مَدْخَلًا، ثم أخبر سبحانه عَمَّنْ عاقب من المؤمنين مَنْ ظلمه من الكفرة، وَوَعَدَ المَبْغِيَّ عليه بأنه ينصره، وذلك أن هذه الآية نزلت في قوم من المؤمنين لقيهم كفّار في\n_________\n(١) سقط في ج.\n(٢) ذكره ابن عطية (٤/ ١٣٠) .\n(٣) بفتح الميم قرأ نافع، وبضمها قرأ الباقون.\nينظر: «السبعة» (٤٣٩، ٤٤٠)، و«الحجة» (٥/ ٢٨٤)، و«إعراب القراءات» (٢/ ٨٣)، و«العنوان» (١٣٥)، و«حجة القراءات» (٤٨١)، و«إتحاف فضلاء البشر» (٢/ ٢٧٨) .\n(٤) سقط في ج.","vol":"4","page":134},{"text":"الأشهر الحُرْم فأبى المؤمنون من قتالهم، وأبى المشركون إلاَّ القتال، فلمَّا اقتتلوا، جَدَّ المؤمنون ونصرهم الله تعالى فنزلت الآية فيهم «١»، وجَعَلَ تقصيرَ الليلِ وزيادَة النهار وعكسهما إيلاجًا تجوُّزًا وتشبيها، وباقي الآية بيّن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-947>[سورة الحج (٢٢): الآيات ٦٣ الى ٦٤]</span>\nأَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاء فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (٦٣) لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦٤)\nوقوله سبحانه: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاء فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ قوله:\nفَتُصْبِحُ عبارة عن استعجالها إثر نزول الماء وروي عن عكرمة أنه قال: هذا لا يكون إلّا ب «مكّة» «٢» و«تهامة» .\n[قال ع «٣»: ومعنى هذا أنه أخذ قوله: فَتُصْبِحُ مقصودًا به صباحُ ليلة المطر، وذهب إلى أَنَّ ذلك الاخضرار في سائر البلاد يتأخر] «٤» .\nقال ع «٥»: وقد شاهدتُ هذا في السُّوسِ الأقصى، نزل المطرُ ليلًا بعد قَحْطٍ، وأصبحت تلك الأرض الرملة التي تسفيها الرياح قد اخضَرَّت بنبات ضعيف دقيق.\nقلت: وقد شاهدتُ أنا ذلك بصحراء سواكن بالمشرق، وهي في حكمُ مكةَ إلاَّ أَنَّ البحر قد حال بينهما وذلك أَنَّ التعدية من جده إلى «سواكنَ» مقدار يومين في البحر أو أقلَّ بالريح المعتدلة، وكان ذلك في أَوَّلِ الخريف، وأجرى الله العادة أَنَّ أَمطارَ تلك البلاد تكونُ بالخريف فقط، هذا هو الغالب، ولَمَّا شاهدتُ ذلك تذكرتُ هذه الآية/ الكريمة، ٢٨ أفسبحان الله ما أعظم قدرته! واللطيف: المُحَكَّمُ للأمور برفق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-948>[سورة الحج (٢٢): الآيات ٦٥ الى ٦٧]</span>\nأَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٦٥) وَهُوَ الَّذِي أَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ (٦٦) لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكًا هُمْ ناسِكُوهُ فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلى هُدىً مُسْتَقِيمٍ (٦٧)\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٤/ ١٣١) . [.....]\n(٢) ذكره ابن عطية (٤/ ١٣١) .\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ١٣١) .\n(٤) سقط في ج.\n(٥) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ١٣١) .","vol":"4","page":135},{"text":"وقوله سبحانه: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ أي: سَخَّرَ لنا سبحانه ما في الأرض من الحيوان والمعادِنِ وسائر المرافق، وباقي الآية بين مما ذكر في غير هذا الموضع.\nوقوله سبحانه: لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكًا الآية، المنسك: المصدر، فهو بمعنى:\nالعبادة والشِّرْعَةُ، وهو أيضًا موضع النسك، وقوله: هُمْ ناسِكُوهُ يعطى أَنَّ المنسكَ:\nالمصدر، ولو كان الموضعَ لقال: هم ناسكون فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-949>[سورة الحج (٢٢): الآيات ٦٨ الى ٧١]</span>\nوَإِنْ جادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ (٦٨) اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٦٩) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذلِكَ فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧٠) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وَما لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٧١)\nوقوله سبحانه: وَإِنْ جادَلُوكَ ... الآية موادعة محضة نسختها آية السيف «١»، وباقي الآية وعيد.\nوقوله سبحانه: إِنَّ ذلِكَ فِي كِتابٍ يعني: اللوح المحفوظ.\nوقوله سبحانه: إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ يحتمل أنْ تكونَ الإشارة إلى الحكم في الاختلاف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-950>[سورة الحج (٢٢): الآيات ٧٢ الى ٧٤]</span>\nوَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٢) يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا لاَّ يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣) ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٧٤)\nوقوله سبحانه: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يعني: أَنَّ كُفَّارَ قريش كانوا إذا تُلِيَ عليهم القرآنُ، وسمعوا ما فيه من رفض «٢» آلهتهم والدعاءِ إلى التوحيدُ- عُرِفَتِ المساءةُ في وجوههم والمنكرُ من معتقدهم وعداوتهم، وأنهم يريدون ويتسرعون إلى السطوة بالتَّالِينَ، والسطو إيقاع ببطش، ثم أمر تعالى نبيّه ﵇\n_________\n(١) قوله تعالى: قاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ الآية [التوبة ٢٩] . وقيل غير ذلك.\n(٢) في ج: بغض.","vol":"4","page":136},{"text":"أن يقول لهم على جهة الوعيد والتقريع: أَفَأُنَبِّئُكُمْ أي: أخبركم. بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ:\nوالإشارة بذلكم إلى السطو، ثم ابتدأ بخبر كأن قائلًا قال له: وما هو؟ قال: النَّارُ «١» أي: نار جهنم.\nوقوله: وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا يحتمل أَنْ يكون أراد: أَنَّ الله تعالى وعدهم بالنار، فيكونُ الوعد في الشر، ويحتمل أَنَّهُ أراد: أَنَّ الله سبحانه وعد النارَ «٢» بأن يُطْعِمَهَا الكُفَّارَ، فيكون الوعد على بابه، إذ الذي يقتضي قولها: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ [ق: ٣٠] ونحو ذلك، أَنَّ ذلك من مَسَارِّها.\nقلت: والظاهر الأَوَّل.\nوقوله سبحانه: وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا لاَّ يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ... الآية: ذكر تعالى أمر سالب الذباب، وذلك أنهم كانوا يضمخون «٣» أوثانهم بأنواع الطِّيبِ فكان الذبابُ يتسلط ويذهب بذلك الطيب، وكانوا يتألّمُون من ذلك، فَجُعِلَتْ مثلًا، واخْتَلَفَ المتأوَّلُون في قوله تعالى: ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ فقالت فرقة: أراد بالطالب: الأصنامَ، وبالمطلوبِ:\nالذبابَ، أي: أنهم ينبغي أن يكونوا طالبين لما يسلب من طيبهم على معهود الأنفة في الحيوان، وقيل: معناه: ضَعُفَ الكُفَّارُ في طلبهم الصوابَ والفضيلةَ من جهة الأصنام، وضَعُفَ الأصنامُ في إعطاء ذلك وإنالته.\nقال ع «٤»: ويحتمل أنْ يريد: ضعف الطالب وهو الذبابُ في استلابه ما على الأصنامِ، وضعف الأصنام في أنْ لا منعة لهم، وبالجملة فدلتهم الآيةُ على أَنَّ الأصنام في أَحَطِّ رُتْبَةٍ، وأَخَسِّ منزلة لو كانوا يعقلون. وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ المعنى: ما وَفَّوْهُ حقّه سبحانه من التعظيم والتوحيد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-951>[سورة الحج (٢٢): الآيات ٧٥ الى ٧٧]</span>\nاللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٧٥) يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٧٦) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)\n_________\n(١) في ج: النار، فيكون الوعد في الشر.\n(٢) في ج: الناس.\n(٣) الضمخ: لطخ الجسد بالطّيب حتى كأنما يقطر.\nينظر: «لسان العرب» (٢٦٠٥) .\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ١٣٤) .","vol":"4","page":137},{"text":"وقوله سبحانه: اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ ... الآية: نزلت بسبب قول الوليد بن المُغِيرَةِ: أَأُنْزِلَ «١» عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا [ص: ٨] .\nص: أبو البقاء: وَمِنَ النَّاسِ أي: رسلا، انتهى، ثم أمر سبحانه بعبادته ٢٨ ب وخَصَّ الركوعَ والسجودَ بالذكر تشريفًا/ للصلاة، واختلف الناسُ: هل [في] «٢» هذه الآية سجدة أم «٣» لا؟.\nقال ابنُ العربيّ «٤» في «أحكامه»: قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا تَقَبَّلَهَا قوم على أَنَّها سجدةُ تلاوة فسجدوها.\nوقال آخرون: هو سجود الصلاة فقصروه عليه، ورأى عمرُ وابنُه عبدُ الله ﵄: أنها سجدةُ تلاوة، وإنِّي لأَسجُدُها وأراها كذلك «٥» لما رَوَى ابنُ وهب، وغيره عن مالك، وغيره «٦»، انتهى.\nوقوله سبحانه: وَافْعَلُوا الْخَيْرَ نَدْبٌ فيما عدا الواجبات.\nقلت: وهذه الآية الكريمةَ عَامَّةٌ في أنواع الخيرات، ومن أعظمها الرأفةُ والشفقة على خَلْقِ الله، ومُوَاساةُ الفقراء وأهلِ الحاجة، وقد روى أبو داود والترمذيّ عن النبي ﷺ [أنه قال: «أَيُّمَا مُسْلِمٍ] «٧» كَسَا مُسْلِمًا ثَوْبًا عَلَى عُرْيٍ، كَسَاهُ اللهُ مِنْ خُضْرِ الجَنَّةِ، وأَيُّما مُسْلِمٍ أَطْعَمَ مُسْلِمًا عَلَى جُوعٍ، أَطْعَمَهُ اللَّهُ مِنْ ثِمَارِ الجَنَّةِ، وأَيُّمَا مُسْلِمٍ سقى مُسْلِمًا عَلَى ظَمَإٍ، سَقَاهُ اللَّهُ مِنَ الرَّحِيقِ المَخْتُومِ» «٨» . انتهى. وروى عليُّ بن عبد العزيز البَغَوِّيُّ في «المُسْنَد المنتخب» عن النبي ﷺ أنه قال: «أَيُّمَا مُسْلِمٍ كَسَا مُسْلِمًا ثَوْبًا، كَانَ فِي حِفْظِ اللهِ مَا بَقِيَتْ عَلَيْهِ مِنْهُ رُقْعَةٌ» «٩» . وروى ابن أبي شَيْبَة في «مُسْنَدِهِ» عن النبي ﷺ أنّه قال: «أيّما أهل\n_________\n(١) في ج: نزل.\n(٢) سقط في ج.\n(٣) في ج: أو.\n(٤) ينظر: «أحكام القرآن» (٣/ ١٣٠٤) . [.....]\n(٥) ذكره البغوي (٣/ ٢٩٩) .\n(٦) ذكره البغوي (٣/ ٢٩٩) .\n(٧) سقط في ج.\n(٨) تقدم تخريجه.\n(٩) تقدم تخريجه.","vol":"4","page":138},{"text":"عَرْصَةٍ ظَلَّ فِيهُمُ امرؤ جَائِعًا، فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُمْ ذِمَّةُ اللهِ» «١» . انتهى من «الكوكب الدري» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-952>[سورة الحج (٢٢): آية ٧٨]</span>\nوَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨)\nوقوله سبحانه: وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ قالت فرقة: الآية في قتال الكُفَّارِ.\nوقالت فرقة: بل هي أَعَمُّ من هذا، وهو جهاد النفس، وجهادُ الكفار والظَّلَمَةِ، وغيرِ ذلك، أمر اللَّه عباده بأَنْ يفعلوا ذلك في ذات الله حَقَّ فعله.\nقال ع «٢»: والعموم أحسن، وبَيِّنٌ أَنَّ عُرْفَ اللفظة يقتضي القتال في سبيل الله.\nوقوله: هُوَ اجْتَباكُمْ [أي: تخيَّرَكم] «٣»، وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ أي: من تضييقٍ، وذلك أَنَّ المِلَّةَ حنيفية سَمْحَةٌ، ليست كشدائد بني إسرائيل وغيرهم، بل فيها التوبة والكَفَّارَاتُ، والرُّخَصُ، ونحو هذا مِمَّا يكثر عَدُّهُ، ورفع الحرج عن هذه الأمة لمن استقام منهم على منهاج الشرع، وأَمَّا السُّلابة «٤» والسُّرَّاقُ وأصحابُ الحدود فهم أَدخلوا الحَرَجَ على أنفسهم بمفارقتهم الدِّين، وليس في الدِّين أَشَدُّ من إلزام رجل لاثنين في سبيل الله، ومع صحة اليقين، وجودة العزم ليس بحرج ومِلَّةَ نصب بفعل مضمر من أفعال الإغراء.\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٢/ ٣٣)، والحاكم (٢/ ١١- ١٢)، وأبو يعلى (١٠/ ١١٧) رقم (٥٧٤٦)، والبزار (١٣١١- كشف) كلهم من طريق أبي بشر الأملوكي، عن أبي الزاهرية، عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر به.\nوقال البزار: لا نعلمه عن النبي ﷺ إلا من هذا الوجه.\nوقال ابن أبي حاتم في «العلل» (١/ ٣٩٢) رقم (١١٧٤) عن أبيه: هذا حديث منكر.\nوقال الهيثمي في «المجمع» (٤/ ١٠٣): رواه أحمد، وأبو يعلى، والبزار، والطبراني في «الأوسط»، وفيه أبو بشر الأملوكي، ضعفه ابن معين ا. هـ.\nومن طريق أبي بشر ذكره ابن الجوزي في «الموضوعات» (٢/ ٢٤٢- ٢٤٣) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ١٣٥) .\n(٣) سقط في ج.\n(٤) السلّاب: جمع سالب، وهم أهل الاختلاس.\nينظر: «لسان العرب» (٢٠٥٧) .","vol":"4","page":139},{"text":"وقوله: هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ «١» قال ابن زيد «٢»: الضمير ل إِبْراهِيمَ﵇- والإشارة إلى قوله: وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ [البقرة: ١٢٨]، وقال ابن عباس، وقتادة، ومجاهد: الضمير للَّه ﷿ «٣» . ومِنْ قَبْلُ معناه: في الكتب القديمة، وَفِي هذا أي: في القرآن، وهذه اللفظة تُضْعِفُ قولَ مَنْ قال: الضمير لإبراهيم ﵇، ولا يتوجه إلاَّ على تقدير محذوف من الكلام مستأنف.\nقال ص: هُوَ قيل: يعود على الله تعالى، وقيل: على إبراهيم، وعلى هذا فيكون: وَفِي هذا: القرآن، [أي] «٤»: وسميتم بسببه فيه، انتهى.\nوقوله سبحانه: لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ أي: بالتبليغ.\nوقوله: وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ أي: بتبليغ رسلهم إليهم على ما أخبركم نَبِيُّكم، ثم أمر سبحانه بالصلاة المفروضة أَنْ تُقَامَ ويُدَامَ عليها بجميع حدودها، وبالزكاة أَنْ تُؤَدَّى، ثم أمر سبحانه بالاعتصام به، أي: بالتعلُّق به والخلوص له وطَلَبِ النجاة منه، ورفض التوكّل على سواه.\n٢٩ أوقوله سبحانه: / هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ المولى: في هذه الآية معناه: الذي يليكم نصره وحفظه، [وباقي الآية بيّن] «٥» .\n_________\n(١) في ج: سمّاكم المسلمين.\n(٢) أخرجه الطبريّ (٩/ ١٩٤) برقم (٢٥٤٠٥)، وذكره ابن عطية (٤/ ١٣٥)، وابن كثير في «تفسيره» (٣/ ٢٣٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٦٧٢)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس ﵄.\n(٣) أخرجه الطبريّ (٩/ ١٩٣، ١٩٤) برقم (٢٥٣٩٩، ٢٥٤٠٠) عن ابن عباس، وبرقم (٢٥٤٠١) عن قتادة، وبرقم (٢٥٤٠٢، ٢٥٤٠٣) عن مجاهد، وذكره ابن عطية (٤/ ١٣٥)، وابن كثير في «تفسيره» (٣/ ٢٣٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٦٧٢)، وعزاه لابن أبي حاتم عن ابن زيد.\n(٤) سقط في ج.\n(٥) سقط في ج. [.....]","vol":"4","page":140},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-953>تفسير سورة المؤمنين</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-954>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ١ الى ٤]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nقَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ (٤)\nقوله سبحانه: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ أخبر الله سبحانه عن فلاح المؤمنين، وأنهم نالوا البُغْيَةَ، وأحرزوا البقاءَ الدائم.\nقلت: وعن عُمرَ بن الخَطَّاب ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ إذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ، يُسْمَعُ عِنْدَ وَجْهِهِ ﷺ دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النحْلِ، فَأُنْزِلَ عَلَيْهِ يَوْمًا، فَمَكَثْنَا سَاعَةً، وَسُرِّيَ عَنْهُ، فَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ، زِدْنَا وَلاَ تَنْقُصْنَا، وَأَكْرِمْنَا وَلاَ تُهِنَّا، وَأَعْطِنَا وَلاَ تَحْرِمْنَا، وَآثِرُنَا وَلاَ تُؤْثِرْ عَلَيْنَا، وأرْضِنَا وارض عَنَّا»، ثُمَّ قَالَ: «أُنْزِلَتْ عَلَيَّ عَشْرُ آياتٍ مَنْ أَقَامَهُنَّ دَخَلَ الجَنَّةَ»، ثُمَّ قَرَأَ: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ حتى ختم عشر آيات «١» رواه الترمذي واللفظ له والنسائيُّ والحاكم في «المستدرك»، وقال: صحيح الإسناد، انتهى من «سلاح المؤمن» .\nقلت: وقد نَصَّ بعض أئمتنا على وجوب الخشوع في الصلاة، قال الغزاليّ\n_________\n(١) أخرجه الترمذي (٥/ ٣٢٦) كتاب التفسير: باب ومن سورة المؤمنين، حديث (٣١٧٣)، والنسائي في «الكبرى» (١/ ٤٥٠) كتاب الوتر: باب رفع اليدين في الدعاء، حديث (١٤٣٩)، وأحمد (١/ ٣٤)، والحاكم (٢/ ٣٩٢)، وعبد الرزاق (٦٠٣٨)، والعقيلي في «الضعفاء» (٤/ ٤٦٠) كلهم من طريق يونس بن سليم قال: أملى علي يونس بن يزيد عن الزهري عن عروة عن عبد الرحمن بن عبد القارئ عن عمر بن الخطاب به.\nوقال النسائي: هذا حديث منكر، لا نعلم أحدا رواه غير يونس بن سليم، ويونس بن سليم لا نعرفه.\nوقال العقيلي في ترجمة يونس: لا يتابع على حديثه هذا ولا يعرف إلا به.\nوالحديث ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٤)، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، والبيهقي في «الدلائل»، والضياء في «المختارة» .","vol":"4","page":141},{"text":"- ﵀-: ومِنْ مكائد الشيطان أن يَشْغَلَكَ [في الصلاة بفكر الآخرة وتدبيرِ فِعْلِ الخيرات لتمتنعَ عن فَهْمِ ما تقرأه، واعلم أَنَّ كلَّ ما أشغلك] «١» عن معاني قراءتك فهو وسواس فإنَّ حركة اللسان غيرُ مقصودة بل المقصود معانيها، انتهى من «الإحياء» .\nوروي عن مجاهد «٢»: أَنَّ الله تعالى لما خلق الجَنَّةَ، وأتقن حُسْنَها قال: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ثم وصف تعالى هؤلاء المفلحين: فقال: الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ والخشوع التطامُنُ، وسكونُ الأعضاءِ، والوقارُ، وهذا إنَّما يظهر في الأعضاء مِمَّنْ في قلبه خوف واستكانة لأَنَّه إذا خشع قلبُه خشعت جوارِحُه، ورُوِيَ أَنَّ سبب الآية أَنَّ المسلمين كانوا يلتفتون في صلاتهم يُمْنَةً ويُسْرَةً فنزلت هذه الآيةُ، وأُمِرُوا أن يكون [بصرٍ] «٣» المُصَلِّي حِذَاءَ قِبْلَتِه أو بين يديه، وفي الحرم إلى الكعبة، واللَّغْوِ: سقط القول، وهذا يَعُمُّ جميع ما لا خيرَ فيه، ويجمع آداب الشرع، وكذلك كان النبي ﷺ وأصحابه، أي:\nيُعْرِضُونَ عن اللغو، وكأنَّ الآية فيها موادعة.\nوَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ ذهب الطبريُّ «٤» وغيره إلى: أَنَّها الزكاة المفروضة في الأموال، وهذا بَيِّنٌ، ويحتمل اللفظُ أَن يريد بالزكاة: الفضائلَ، كأنه أراد الأزكى من كل فعل كما قال تعالى: خَيْرًا مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا [الكهف: ٨١] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-955>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٥ الى ١١]</span>\nوَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٥) إِلاَّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ (٧) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ (٩)\nأُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١١)\nوقوله تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إلى قوله: هُمُ العادُونَ يقتضي تحريمَ الزِّنا والاستمناءِ ومواقعةِ البهائم، وكُلُّ ذلك داخل في قوله: وَراءَ ذلِكَ ويريد:\nوراءَ هذا الحَدِّ الذي حُدَّ، والعادي: الظالم، والأمانة والعهد يَجْمَعُ كُلَّ ما تحمَّله الإنسان من أمر دينه ودُنياه قولًا وفعلًا. وهذا يعمُّ معاشرة الناس والمواعيد وغير ذلك، ورعاية ذلك حِفْظُهُ والقيام به، والأمانة أعمُّ من العهد إذ كل عهد فهو أمانة، وقرأ الجمهور:\n_________\n(١) سقط في ج.\n(٢) أخرجه الطبريّ (٩/ ١٩٦) (٢٥٤١١)، وذكره ابن عطية (٤/ ١٣٦)، وابن كثير في «تفسيره» (٣/ ٢٣٧)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٤)، وعزاه لابن جرير عن مجاهد.\n(٣) سقط في ج.\n(٤) ينظر الطبريّ (٩/ ١٩٩) .","vol":"4","page":142},{"text":"«صلواتهم» وقرأ حمزة والكسائيّ: «صلاتهم» بالإفراد «١»، والْوارِثُونَ يريد الجنة، وفي حديث أَبي هريرةَ عن النبي ﷺ: «إنَّ اللهَ تعالى جَعَلَ لِكُلِّ إنْسَانٍ مَسْكَنًا فِي الجَنَّةِ، وَمَسْكَنًا فِي النَّارِ، فَأَمَّا المُؤْمِنُونَ فَيَأْخُذُونَ مَنَازِلَهُمْ، وَيَرِثُونَ مَنَازِلَ الكُفَّارِ، وَيَحْصُلُ الكُفَّارُ في منازلهم/ في النّار» . ٢٩ ب قلت: وَخَرَّجَهُ ابن ماجه أيضًا بمعناه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «مَا مِنْكُمْ إلاَّ [مَنْ] «٢» لَهُ مَنْزِلاَنِ: مَنْزِلٌ فِي الجَنَّةِ، وَمَنْزِلٌ في النَّارِ، فَإذَا مَاتَ- يعني الإنسان- وَدَخَلَ النَّارَ، وَرِثَ أَهْلُ الجَنَّةِ مَنْزِلَهُ فَذَلِكَ قوله تعالى: أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ» «٣» قال القرطبي في «التذكرة» «٤»: إسناده صحيح، انتهى من «التذكرة» .\nقال ع «٥»: ويحتمل أَنْ يُسَمِّيَ الله تعالى حصولَهم في الجنة وراثة من حيثُ حصَّلُوهَا دون غيرهم، وفي الحديث عنه ﷺ أنّه قال: «إنّ الله أحاط حائط الجَنَّةِ: لَبِنَةً مِنْ ذَهَبٍ، وَلَبِنَةً مِنْ فِضَّةٍ، وَغَرَسَ غَرَاسَهَا بِيَدِهِ، وَقَالَ لَهَا: تَكَلَّمِي، فقالت: «قَدْ أَفْلَحَ المُؤْمِنُونَ» فقال: طُوبَى لَك! مَنْزِلُ المُلُوكِ» «٦» خرجه البغويُّ في «المسند المنتخب» له، انتهى من «الكوكب الدرّيّ» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-956>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ١٢ الى ١٤]</span>\nوَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظامًا فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ (١٤)\n_________\n(١) ينظر: «السبعة» (٤٤٤)، و«الحجة» (٥/ ٢٨٧)، و«إعراب القراءات» (٢/ ٨٥)، و«معاني القراءات» (٢/ ١٨٧)، و«شرح الطيبة» (٥/ ٧٥)، و«العنوان» (١٣٦)، و«حجة القراءات» (٤٨٣)، و«شرح شعلة» (٥٠٧)، و«إتحاف» (٢/ ٢٨٢) .\n(٢) سقط في ج.\n(٣) أخرجه ابن ماجه (٢/ ١٤٥٣) كتاب الزهد: باب صفة الجنة، حديث (٤٣٤١)، والطبريّ في «تفسيره» (٩/ ٢٠٠) رقم (٢٥٤٤١) من طريق أبي معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعا.\nقال البوصيري في «الزوائد» (٣/ ٣٢٧): هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين.\nوالحديث ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٩)، وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في «البعث» .\n(٤) ينظر: «التذكرة» للقرطبي (١/ ١٦٦)، (٢/ ٥٦٩) .\n(٥) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ١٣٧) .\n(٦) أخرجه أبو نعيم في «صفة الجنة» (١/ ١٣٧) رقم (١٤٠)، وفي «الحلية» (٦/ ٢٠٤)، والبيهقي في «البعث» (٢٣٦) من حديث أبي سعيد الخدري.\nوذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٤٠٠) وقال: رواه البزار مرفوعا وموقوفا، والطبراني في «الأوسط»، ورجال الموقوف رجال الصحيح.","vol":"4","page":143},{"text":"وقوله سبحانه: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ... الآية: اخْتُلِفَ في قوله: «الإنسان» فقال قتادة وغيره [أراد آدم﵇- لأنه استُلَّ من الطين «١» .\nوقال ابن عباس وغيره] «٢»: المراد ابنُ آدم «٣»، والقرارُ المكينِ من المرأة: هو مَوْضِعُ الولد، والمكين: المُتَمَكِّنُ، والعَلَقَةُ: الدَّمُ الغليظ، والمُضْغَةُ: بضعة اللحم قدرَ ما يُمْضَغُ، واختلف النَّاسُ في الخلق الآخر، فقال ابنُ عباس «٤» وغيره: هو نفخ الرُّوح فيه.\nوقال ابن عباس «٥» أيضًا: هو خروجه إلى الدنيا.\nوقال أيضًا «٦»: تَصَرُّفُهُ في أمور الدنيا، وقيل: هو نباتُ شعره.\nقال ع «٧»: وهذا التخصيص كُلُّهُ لا وجهَ له، وإنما هو عامٌّ في هذا وغيرِه: من وجوه النطق، والإدراك، وحسن المحاولة، وفَتَبارَكَ مطاوع بارك، فكأنها بمنزلة تعالى وَتَقَدَّسَ من معنى البركة.\nوقوله: أَحْسَنُ الْخالِقِينَ معناه: الصانعين: يقال لمن صنع شيئًا: خَلَقَهُ، وذهب بعضُ الناس إلى نفي هذه اللفظة عن الناس فقال ابن جريج «٨»: إنَّما قال: الْخالِقِينَ لأَنَّهُ تعالى أَذِنَ لعيسى في أَنْ يخلق، واضطرب بعضهم في ذلك.\n_________\n(١) أخرجه الطبريّ (٩/ ٢٠٢) (٢٥٤٥٢)، وذكره ابن عطية (٤/ ١٣٧)، وابن كثير في «تفسيره» (٣/ ٢٤٠)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ١٠)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن أبي حاتم عن قتادة.\n(٢) سقط في ج.\n(٣) أخرجه الطبريّ (٩/ ٢٠٢) (٢٥٤٥٤) بمعناه كما ذكره الطبريّ، والبغوي (٣/ ٣٠٤)، وابن عطية (٤/ ١٣٧)، وابن كثير في «تفسيره» (٣/ ٢٤٠)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ١٠)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس. [.....]\n(٤) أخرجه الطبريّ (٩/ ٢٠٤) (٢٥٤٥٧)، وذكره البغوي (٣/ ٣٠٤)، وابن عطية (٤/ ١٣٨)، وابن كثير في «تفسيره» (٣/ ٢٤١)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ١١)، وعزاه لابن أبي حاتم عن ابن عباس.\n(٥) أخرجه الطبريّ (٩/ ٢٠٤) (٢٥٤٦٦)، وذكره البغوي (٣/ ٣٠٤) بنحوه، وابن عطية (٤/ ١٣٨)، وابن كثير في «تفسيره» (٣/ ٢٤١) .\n(٦) أخرجه الطبريّ (٩/ ٢٠٤) (٢٥٤٦٦)، وذكره البغوي (٣/ ٣٠٤)، وابن عطية (٤/ ١٣٨)، وابن كثير في «تفسيره» (٣/ ٢٤١) .\n(٧) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ١٣٨) .\n(٨) أخرجه الطبريّ (٩/ ٢٠٥) (٢٥٤٧٣)، وذكره البغوي (٣/ ٣٠٤)، وابن عطية (٤/ ١٣٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ١٢)، وعزاه لابن جرير عن ابن جريج.","vol":"4","page":144},{"text":"قال ع «١»: ولا تُنْفَى اللفظةُ عن البشر في معنى الصنع وإنما هي منفيَّةٌ بمعنى الاختراع والإيجاد من العدم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-957>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ١٥ الى ١٩]</span>\nثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦) وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ وَما كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ (١٧) وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ مَاء بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ (١٨) فَأَنْشَأْنا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ لَكُمْ فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (١٩)\nوقوله سبحانه: ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ [لَمَيِّتُونَ] «٢» أي: بعد هذه الأحوال المذكورة، ويريد بالسبع الطرائق: السموات، والطرائق: كُلِّ [ما كان] «٣» طبقاتٍ بعضه فوق بعض ومنه طارقت نعلي. ويجوزُ أَنْ تكونَ الطرائق بمعنى المَبْسُوطاتِ من طرقت الشيء.\nقلت: وقوله تعالى: وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ مَاء بِقَدَرٍ ... الآية: ظاهر الآية أَنَّهُ ماءُ المطر، وأسند أبو بكر ابن الخطيب في أول «تاريخ «٤» بغداد» عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: «أَنْزَلَ اللهُ مِنَ الجَنَّةِ إلَى الأَرْضِ خَمْسَةَ أَنْهَارٍ: سَيْحُونَ: وَهُو نَهْرُ الهِنْدِ، وجَيْحُونَ: وَهُوَ نَهْرُ بَلْخَ، ودِجْلَةَ والفُرَاتَ: وَهمَا نَهَرَا العِرَاقِ، والنِّيلَ: وَهُوَ نَهْرُ مِصْرَ، أَنْزَلَهَا اللهُ تعالى مِنْ عَيْنٍ وَاحِدَةٍ مِنْ عُيُونِ الجَنَّةِ مِنْ أَسْفَلِ دَرَجَةٍ مِنْ دَرَجَاتِهَا عَلَى جَنَاحَيْ جِبْرِيلَ، فَاسْتَوْدَعَهَا الجِبَال، وَأَجْرَاهَا فِي الأَرْضِ، وَجَعَلَ فِيهَا مَنَافِعَ لِلنَّاسِ فِي أَصْنَافِ مَعَايِشِهِمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تعالى: وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ مَاء بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ فَإذَا كَانَ عِنْدَ خُرُوجِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، أَرْسَلَ اللهُ تعالى جِبْرِيلَ فَرَفَعَ مِنَ الأَرْضِ القُرْآنَ، وَالْعِلْمَ كُلَّهُ، وَالْحَجَرَ مِنْ رُكْنِ البَيْتِ، وَمَقَامَ إبْرَاهِيمَ، وَتَابُوتَ موسى ﵇ بما فِيهِ، وَهَذِهِ الأَنْهَارَ الخَمْسَةَ، فَيَرْفَعُ ذَلِكَ/ كُلَّهُ إلَى السَّمَاءِ فذلك قوله تعالى: وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ ٣٠ ألَقادِرُونَ، فَإذَا رُفِعَتْ هَذِهِ الأَشْيَاءُ مِنَ الأَرْضِ، فَقَدَ أَهْلُهَا خَيْرَ الدِّينِ وَالدُّنْيَا» . وفي رواية:\n«خَيْرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ» «٥» . انتهى، فإِن صحَّ هذا الحديثُ، فلا نظرَ لأحد معه، ونقل ابن العربي في «أحكامه» هذا الحديثَ أيضًا عن ابن عباس وغيره، ثم قال في آخره: وهذا جائز في القدرة إنْ صَحَّتْ به الرواية، انتهى.\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ١٣٨) .\n(٢) سقط في ج.\n(٣) سقط في ج.\n(٤) ينظر: «تاريخ بغداد» (١/ ٥٧- ٥٨) .\n(٥) أخرجه الخطيب في «تاريخ بغداد» (١/ ٥٧- ٥٨) من طريق مقاتل بن حَيَّان عن عكرمة عن ابن عباس.","vol":"4","page":145},{"text":"قال ع «١»: قوله تعالى: مَاء بِقَدَرٍ قال بعض العلماء: أَراد المطر.\nوقال بعضهم: إنَّما أراد الأنهار الأربعة سيحان «٢» وجَيْحَانَ والفرات «٣» والنيل «٤» .\nقال ع «٥»: والصواب أَنَّ هذا كُلَّهُ داخل تحت الماء الذي أنزله الله تعالى.\nوقوله تعالى: لَكُمْ فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ يحتمل: أنْ يعود الضمير على الجنات فيشمل أنواع الفواكه، ويحتمل أَنْ يعود على النخيل والأعناب خاصَّةً إذ فيهما مراتبُ وأنواع، والأَوَّلُ أعمُّ لسائر الثمرات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-958>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٢٠ الى ٢٦]</span>\nوَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ (٢٠) وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِها وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (٢١) وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٢٢) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٢٣) فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ (٢٤)\nإِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (٢٥) قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ (٢٦)\nوقوله سبحانه: وَشَجَرَةً عطف على قوله: جَنَّاتٍ ويريد بها الزيتونة، وهي كثيرة في طور سيناء من أرض الشام، وهو الجَبَلُ الذي كُلِّمَ فيه موسى ﵇ قاله ابن عباس، وغيره «٦»، والطور: الجبلُ في كلام العرب، واخْتُلِفَ في سَيْناءَ فقال قتادة: معناه الحُسْنُ «٧»، وقال الجمهور: هو اسم الجبل، كما تقول جبل أُحُدٍ، وقرأ الجمهور: «تَنْبُتُ» بفتح التاء وضم الباء، فالتقدير تنبت ومعها الدُّهْنُ كما تقول خرج زيد\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ١٣٩) .\n(٢) (سيحان) نهر كبير بالثغر، من نواحي المصيصة، وهو نهر أذنة بين أنطاكية والروم، يمرّ بأذنة ثم ينفصل عنها نحو ستة أميال فيصب في بحر الروم.\n(٣) الفرات: وهو النهر المعروف.\n(٤) نيل مصر: قيل هو تعريب نيلوس، فليس في الدنيا نهر يصبّ من الجنوب إلى الشمال إلّا هو، ولا أطول منه. [.....]\n(٥) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ١٣٩) .\n(٦) أخرجه الطبريّ (٩/ ٢٠٨) رقم (٢٥٤٨١)، وذكره البغوي (٣/ ٣٠٦)، وابن عطية (٤/ ١٣٩) .\n(٧) أخرجه الطبريّ (٩/ ٢٠٧) (٢٥٤٧٩) وذكره البغوي (٣/ ٣٠٦)، وابن عطية (٤/ ١٣٩)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ١٤)، وعزاه لعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة ﵁.","vol":"4","page":146},{"text":"بسلاحه، وقرأ ابن كثير «١» وأبو عمرو: «تُنْبِتُ» بضم التاء [وكسر الباء] «٢» واخْتُلِفَ في التقدير على هذه القراءة، فقالت [فرقة: الباءُ زائدة، كما في قوله تعالى: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة: ١٩٥]، وقالت] «٣» فرقة: التقدير تُنْبِتُ جناها ومعه الدُّهْنُ، فالمفعول محذوف، وقيل: نبت وأَنْبَتَ بمعنى فيكونُ المعنى كما مضى في قراءة الجمهور، والمراد بالآية تعديدُ النعم على الإنسان، وباقي الآية بَيِّنٌ.\nوقوله سبحانه: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ ... الآية: هذا ابتداءُ تمثيلٍ لكُفَّارِ قريش بأُممٍ كفرت بأنبيائها فأُهْلِكُوا، وفي ضمن ذلك الوعيدُ بأَنْ يَحُلَّ بهؤلاء نحوُ ما حَلَّ بأولئك، والملأ: الأشراف، والجنّة، الجنون، وحَتَّى حِينٍ معناه إلى وقت يريحكم القَدَرُ منه، ثم إن نوحًا ﵇ دعا على قومه حين يَئِسَ منهم، وإنْ كان دعاؤُهُ في هذه الآية ليس بِنَصٍّ وإنَّما هو ظاهر من قوله: بِما كَذَّبُونِ فهذا يقتضي طلبَ العقوبة، وأَمَّا النصرة بمجردها فكانت تكون بردّهم إلى الإيمان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-959>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٢٧ الى ٣٠]</span>\nفَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا فَإِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٢٧) فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٨) وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٢٩) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (٣٠)\nوقوله ﷿: فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا فَإِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ قوله: بِأَعْيُنِنا: عبارة عن الإدراك هذا مذهبُ الحُذَّاقِ، ووقفتِ الشريعةُ على أعين وعين، ولا يجوزُ أَنْ يُقال: عينان من حيثُ لم توقف الشريعة على التثنية، ووَحْيِنا معناه في كيفية العمل، ووجهُ البيان لجميع حكم السفينة وما يحتاج إليه، وأَمْرُنا يحتمل أن\n_________\n(١) ينظر: «السبعة» (٤٤٥)، و«الحجة» (٥/ ٢٩١)، و«إعراب القراءات» (٢/ ٨٧)، و«معاني القراءات» (٢/ ١٨٨)، و«شرح الطيبة» (٥/ ٧٥)، و«العنوان» (١٣٦)، و«حجة القراءات» (٤٨٤)، و«شرح شعلة» (٥٠٧)، و«إتحاف» (٢/ ٢٨٢) .\n(٢) سقط في ج.\n(٣) سقط في ج.","vol":"4","page":147},{"text":"يكونَ واحد الأوامر، ويحتمل أن يريد واحد الأمور، والصحيح من الأقوال في التَّنُّورُ أنه تَنُّورُ الخبز، وأَنَّها أمارة كانت بين الله تعالى وبين نوح﵇-.\n٣٠ ب وقوله: فَاسْلُكْ: معناه: فأدخل يقال سلك وأسلك بمعنىً، وقرأ حفص/ عن عاصم «١»: «مِنْ كُلٍّ» بالتنوين، والباقون بغير تنوين، والزوجان: كُلَّ ما شأنه الاصطحابُ من كل شيءٍ نحو: الذكر والأنثى من الحيوان، ونحو: النعال وغيرها، هذا موقع اللفظة في اللغة.\nوقوله: وَأَهْلَكَ يريد: قرابته، ثم استثنى من سبق عليه القولُ بأَنَّهُ كافر، وهو ابنه وإمرأته، ثم أُمِرَ نوحٌ ألاَّ يراجعَ رَبَّه، ولا يخاطبَه شافعًا في أحد من الظالمين، ثم أُمِرَ بالدعاء في بركة المنزل.\nوقوله سبحانه: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ خطاب لنبيّنا محمد ﷺ ثم أخبر سبحانه أنه يبتلي عباده الزمنَ بعد الزمنِ على جهة الوعيد لِكُفَّارِ قريشٍ بهذا الإخبار، واللام في لَمُبْتَلِينَ لامُ تأكيدٍ، و«مبتلين»: معناهُ: مُصِيبِينَ ببلاء، ومختبرين اختبارًا يؤدي إلى ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-960>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٣١ الى ٣٩]</span>\nثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (٣١) فَأَرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٣٢) وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْناهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ما هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (٣٣) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخاسِرُونَ (٣٤) أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرابًا وَعِظامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥)\nهَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ (٣٦) إِنْ هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٣٧) إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (٣٨) قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ (٣٩)\nوقوله سبحانه: ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ.\nقال الطبريُّ «٢» - ﵀-: إنَّ هذا القرنَ هم ثمودُ، قومُ صالح.\nقال ع «٣»: وفي جُلِّ الروايات ما يقتضي أن قوم عاد أقدمٌ، إلاَّ أنَّهم لم يُهْلَكُوا بصيحة.\n_________\n(١) والمعنى على هذه القراءة: من كل شيء.\nينظر: «السبعة» (٤٤٥)، و«الحجة» (٥/ ٢٩٤)، و«إعراب القراءات» (٢/ ٨٩)، و«العنوان» (١٣٦)، و«حجة القراءات» (٤٨٦)، و«إتحاف» (٢/ ٢٨٤) .\n(٢) ينظر: «الطبريّ» (٩/ ٢١٢) .\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ١٤٢) .","vol":"4","page":148},{"text":"قلت: وهو ظاهر ترتيب قَصَصِ القرآن أَنَّ عادًا أقدم، وَأَتْرَفْناهُمْ معناه نَعَّمْنَاهم، وبسطنا لهم الأموالَ والأَرْزَاقَ وقولهم: أَيَعِدُكُمْ استفهام على جهة الاستبعاد وأَنَّكُمْ:\nالثانية بَدَلٌ من الأُولَى عند سيبويه، وقولهم: هَيْهاتَ هَيْهاتَ استبعادٌ، وهيهات أحيانًا تلي الفاعل دونَ لام، تقول هيهاتَ مجيءُ زيد، أي: بعد ذلك، ومنه قول جرير:\n[الطويل]:\nفَهَيْهَاتَ هَيْهَاتَ الْعَقِيقُ وَمَنْ بِهِ ... وَهَيْهَاتَ خِلٌّ بِالْعَقِيقِ نُوَاصِلُهْ «١»\nوأحيانًا يكون الفاعل محذوفًا، وذلك عند وجود اللام كهذه الآية، التقدير: بعد الوجود لما توعدون.\nقال ص: ورد بأن فيه حذف الفاعل، وحذف المصدر وهو الوجود وذلك غير جائز عند البصريين، وذكر أبو البقاء: أنّ اللام زائدة و«ما» فاعل، أي: بعد ما توعدون.\nقال أبو حيان «٢»: وهذا تفسير معنى لا إعراب لأَنَّهُ لم تَثبُتْ مصدرِيَّةُ «هيهات»، انتهى. وقولهم: إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا أرادوا: أَنَّهُ لا وجود لنا غير هذا الوجود وإنّما نموت مِنَّا طائفة فتذهب، وتجيء طائفة جديدة، وهذا هو كفر الدّهريّة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-961>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٤٠ الى ٤٨]</span>\nقالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ (٤٠) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤١) ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ (٤٢) ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ (٤٣) ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ (٤٤)\nثُمَّ أَرْسَلْنا مُوسى وَأَخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ (٤٥) إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْمًا عالِينَ (٤٦) فَقالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ (٤٧) فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ (٤٨)\nوقوله: قالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ المعنى: قال الله لهذا النَّبِيِّ الدَّاعي: عَمَّا قليل يندمُ قومُك على كفرهم حين لا ينفعهم الندم، ومن ذكر الصَّيْحَة ذهب الطبريُّ «٣» إلى\n_________\n(١) البيت لجرير في «ديوانه» ص ٩٦٥ و«الأشباه والنظائر» (٨/ ١٣٣)، و«الخصائص» (٣/ ٤٢)، و«الدرر» (٥/ ٣٢٤)، و«شرح التصريح» (١/ ٣١٨)، (٢/ ١٩٩)، و«شرح شواهد الإيضاح» ص ١٤٣، و«شرح المفصل» (٤/ ٣٥)، و«لسان العرب» (١٣/ ٥٥٣) (هيه)، و«المقاصد النحويّة» (٣/ ٧)، (٤/ ٣١١)، وبلا نسبة في «أوضح المسالك» (٢/ ١٩٣)، (٤/ ٨٧)، و«سمط اللآلي» ص ٣٦٩، و«شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي ص ١٠٠١.\n(٢) ينظر: «البحر المحيط» (٦/ ٣٧٤) .\n(٣) ينظر: «الطبريّ» (٩/ ٢١٢) .","vol":"4","page":149},{"text":"أَنَّهم قوم ثمود.\nوقوله: بِالْحَقِّ أي: بما استحقوا بأفعالهم وبما حَقَّ مِنَّا في عقوبتهم، والغثاء: ما يحمله السَّيْلُ من زُبَدِهِ الذي لا يُنْتَفَعُ به، فَيُشَبَّهُ كُلُّ هامد وتالف بذلك.\nقال أبو حيان «١»: «وبعدًا» منصوبٌ بفعل محذوف، أي: بَعُدُوا بُعْدًا، أي: هلكوا، انتهى، ثم أخبر سبحانه: إنَّه أنشأ بعد هؤلاء أممًا كثيرةً، كلَّ أَمَّةٍ بأجل، وفي كتاب لا تتعداه في وجودها وعند موتها، وتترى: مصدر من تَوَاتَر الشيءُ.\nوقوله سبحانه: فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضًا أي: في الإهلاك.\nوقوله تعالى: وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ يريد أحاديث مَثَلٍ، وقَلَّمَا يُسْتَعْمَلُ الجعل حديثا ٣١ أإلّا في الشر، وعالِينَ/ معناه: قاصدين لِلْعُلُوِّ بالظلم، وقولهم: وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ معناه: خادمون متذللون، والطريق المُعَبَّدُ المُذَلَّلُ، ومِنَ الْمُهْلَكِينَ: يريد بالغرق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-962>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٤٩ الى ٥٠]</span>\nوَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٤٩) وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ (٥٠)\nوقوله سبحانه: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ يعني: التوراة، ولَعَلَّهُمْ يريد: بني إسرائيل لأَنَّ التوراة إنَّما نزلت بعد هلاكِ فرعونَ والقِبْطِ، والربوة: المُرْتَفِعُ من الأرض، والقرار: التَّمَكُّنُ، وَبَيِّنٌ أَنَّ ماء هذه الربوة يرى معينًا جاريًا على وجه الأرض قاله ابن عباس «٢»، والمعين: الظاهِرُ الجري للعينِ، فالميم زائدة، وهو الذي يُعَايَنُ جريُه، لا كالبئرِ ونحوِهِ، ويحتمل أن يكون من قولهم: معن الماء إذَا كَثُرَ، وهذه الربوة هي الموضع الذي فَرَّتْ إليه مريمُ وقتَ وضع عيسى ﵇ هذا قولُ بعضِ المفسرين، واختلف الناسُ في موضع الربوة، فقال ابن المُسَيِّبِ «٣»: هي الغُوطَةُ بدمشق وهذا أشهر الأقوال لأَنَّ صفة الغُوطَةِ أَنَّها ذات قرار ومعين على الكمال.\n_________\n(١) ينظر: «البحر المحيط» (٦/ ٣٧٥) .\n(٢) أخرجه الطبريّ (٩/ ٢١٩) (٢٥٥٢٣)، وذكره ابن عطية (٤/ ١٤٥)، وابن كثير في «تفسيره» (٣/ ٢٤٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ١٧)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵁. [.....]\n(٣) أخرجه الطبريّ (٩/ ٢١٨) (٢٥٥١٤)، وذكره البغوي (٣/ ٣١٠)، وذكره ابن عطية (٤/ ١٤٥)، وابن كثير في «تفسيره» (٣/ ٢٤٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ١٨) . وعزاه لعبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني عن سعيد بن المسيب.","vol":"4","page":150},{"text":"وقال كَعْبُ الأَحْبَارِ «١»: الربوة بيت المَقْدِسِ، وزعم أَنَّ في التوراة أَنَّ بيتَ المقدس أَقْرَبُ الأرض إلى السماء وأَنَّهُ يزيد على الأرض ثمانية عشر ميلًا.\nقال ع «٢»: ويترجَّحُ: أَنَّ الربوة في بَيْتِ لَحْمٍ من بيت المقدس لأَنَّ ولادة عيسى هنالك كانت، وحينئذٍ كان الإيواءُ، وقال ابن العربيِّ في «أحكامه»: اختلف الناس في تعيين هذه الربوة على أقوال منها: ما تُفسِّرُ لغةً ومنها: ما تُفَسَّرُ نقلًا، فيفتقر إلى صحة سندهِ إلى النبي ﷺ، إلّا أنّ هاهنا نُكْتَةً، وذلك أَنَّه إذا نُقِلَ لِلنَّاسِ نَقْلَ تواتر أَنَّ هذا موضِعُ كذا، وأَنَّ هذا الأَمرَ جرى كذا- وقع العلم به، ولَزِمَ قبولهُ، لأَنَّ الخبر المتواتر ليس من شرطه الإِيمانُ، وخبرَ الآحاد لا بدَّ من كون المُخْبِرِ به بصفة الإيمان لأَنَّهُ بمنزلة الشاهد، والخَبَرَ المتواتر بمنزلة العيانِ، وقد بَيَّنَا ذلك في «أصول الفقه «٣»»، والذي شاهدتُ عليه الناسَ ورأيتهم يعينونه تعيينَ تواترٍ- مَوْضِعٌ في سفح الجبل في غربيِّ دمشق، انتهى، وما ذكره:\nمن أَنَّ التواتُرَ ليس من شرطه الإيمانُ هذا هو الصحيح، وفيه خلاف إلاَّ أَنَّا لا نُسَلِّم أَنَّ هذا متواتر لاختلال شرطه، انظر «المنتهى» لابن الحاجب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-963>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٥١ الى ٦٠]</span>\nيا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحًا إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١) وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (٥٢) فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣) فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (٥٤) أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ (٥٥)\nنُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ (٥٦) إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ (٥٩) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ (٦٠)\n_________\n(١) أخرجه الطبريّ (٩/ ٢١٩) (٢٥٥١٨)، وذكره البغوي (٣/ ٣١٠)، وابن عطية (٤/ ١٤٥) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ١٤٥) .\n(٣) ينظر: الكلام عن المتواتر في «البحر المحيط» للزركشي (٤/ ٢٣١)، «البرهان» لإمام الحرمين (١/ ٥٦٦)، «الإحكام في أصول الأحكام» للآمدي (٢/ ١٤)، «نهاية السول» للإسنوي (٣/ ٥٤)، «منهاج العقول» للبدخشي (٢/ ٢٩٦)، «غاية الوصول» للشيخ زكريا الأنصاري (٩٥)، «التحصيل من المحصول» للأرموي (٢/ ٩٥)، «المنخول» للغزالي (٢٣١)، «المستصفى» له (١/ ١٣٢)، «حاشية البناني» (٢/ ١١٩)، «الإبهاج» لابن السبكي (٢/ ٢٦٣)، «الآيات البينات» لابن قاسم العبادي (٣/ ٢٠٦)، «حاشية العطار على جمع الجوامع» (٢/ ١٤٧)، «المعتمد» لأبي الحسين (٢/ ٨٦)، «الإحكام في أصول الأحكام» لابن حزم (١/ ١٠١)، «تيسير التحرير» لأمير بادشاه (٣/ ٢٣٢)، «كشف الأسرار» للنسفي (٢/ ٤)، «شرح التلويح على التوضيح» لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني (٢/ ٣)، «شرح المنار» لابن ملك (٧٨)، «ميزان الأصول» للسمرقندي (٢/ ٦٢٧)، «تقريب الوصول» لابن جزي (١١٩)، «إرشاد الفحول» للشوكاني (٤٦) .","vol":"4","page":151},{"text":"وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحًا إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ يحتمل أنْ يكون معناه: وقلنا يا أيها الرسلُ، وقالت فرقة: الخطاب بقوله: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ للنّبي ﷺ.\nقال ع «١»: والوجه في هذا أَنْ يكون الخطاب للنبي ﷺ، وخرج بهذه الصيغة، لِيُفْهَمَ وجيزًا أَنَّ المقالة قد خُوطِبَ بها كُلُّ نبيٍّ، أو هي طريقتُهم التي ينبغي لهم الكونُ عليها كما تقول لعالم: يا علماءٌ إنَّكُم أَئمَّةٌ يُقْتَدَى بكم فتمسكوا بعلمكم، وقال الطبريُّ «٢»: الخطاب لعيسَى﵇-.\nقلت: والصحيح في تأويل الآية: أَنَّه أمر للمُرْسَلِينَ كما هو نَصٌّ صريح في الحديث الصحيح فلا معنى للتردد في ذلك، وقد روى مسلم والترمذيُّ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إنَّ اللهَ طَيِّب وَلاَ يَقْبَلُ إلاَّ طَيِّبًا، وَإنَّ اللهَ أَمَرَ المُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ المرسلين، فقال: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحًا إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ ٣١ ب عَلِيمٌ/ [المؤمنون: الآية ٥١] . وقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ مَا رَزَقْناكُمْ [البقرة: ١٧٢] . ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ، أَشْعَثَ أَغْبَر، يَمُدُّ يَدَيْهِ إلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ [حرامٌ] «٣» وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وغُذِّيَ بِالْحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟!» «٤» اهـ.\nوقوله تعالى: وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ، وهذه الآية تُقَوَّى أَنَّ قوله تعالى: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ إنَّما هو مخاطبة لجميعهم، وأَنَّه بتقدير حضورهم، وإذا قدّرت: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ مخاطبة للنبي ﷺ- قلق اتصال هذه واتصال قوله: فَتَقَطَّعُوا، ومعنى الأُمَّةِ هنا: المِلّةُ والشريعة، والإِشارة بهذه إلى الحنيفية السمحة مِلَّةِ إبراهيم ﵇، وهو دين الإسلام.\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ١٤٦) .\n(٢) ينظر: «الطبريّ» (٩/ ٢٢٠) .\n(٣) سقط في ج.\n(٤) أخرجه مسلم (٢/ ٧٠٣) كتاب الزكاة: باب قبول الصدقة من الكسب الطيب، حديث (٦٥/ ١٠١٥)، والترمذي (٥/ ٢٢٠) كتاب التفسير: باب ومن سورة البقرة، حديث (٢٩٨٩)، والدارمي (٢/ ٣٠٠)، وأحمد (٢/ ٣٢٨) كلهم من طريق الفضيل بن مرزوق عن عدي بن ثابت عن أبي حازم عن أبي هريرة به.\nوقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وإنما نعرفه من حديث فضيل بن مرزوق.","vol":"4","page":152},{"text":"وقوله سبحانه: فَتَقَطَّعُوا يريد الأمم، أي: افترقوا، وليس بفعل مُطَاوِعٍ كما تقول: تقطع الثوبُ بل هو فعل مُتَعَدٍّ بمعنى قطعوا، وقرأ نافع «١»: «زُبُرًا» جمع زبور، وهذه القراءة تحتمل معنيين:\nأحدهما: أَنَّ الأممَ تنازعت كتبًا مُنَزَّلَةً فَاتَّبَعَتْ فرقة الصُّحُفَ، وفرقة التوراة، وفرقة الإنجِيلَ، ثم حَرَّفَ الكُلُّ وَبَدَّلَ، وهذا قول قتادة «٢» - والثاني: أنَّهم تنازعوا أمرهم كتبًا وضعوها وضلالةً ألَّفُوها قاله ابن زيد «٣»، وقرأ أبو عمرو «٤» بخلاف: «زُبَرًا» بضم الزاي وفتح الباء، ومعناها: فرقًا كزبر الحديد، ومن حيث كان ذكرُ الأمم في هذه الآية مثالًا لقريش- خاطب الله سبحانه نبيّه محمدا ﷺ في شأنهم مُتَّصلًا بقوله: فَذَرْهُمْ أي: فذِرْ هؤلاء الذين هم بمنزلة مَنْ تقدم، والغمرة: ما عَمَّهُمْ من ضلالهم وفُعِلَ بهم فعلَ الماء الغمر بما حصل فيه، والخيراتُ هنا نَعِمُ الدنيا.\nوقوله سبحانه: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ ... الآية: أسند الطبريُّ «٥» عن عائشة أنها قالت: قلتُ: يا رسولَ الله، قوله تعالى: يُؤْتُونَ مَا آتَوْا أَهي في الذي يَزْنِي وَيَسْرِقُ؟ قال: «لا، يَا بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ، بَلْ هِيَ في الرَّجُلِ يَصُومُ وَيَتَصَدَّقُ وقلبه وجل، يخاف ألّا يتقبّل منه» «٦» .\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ١٤٧) .\n(٢) أخرجه الطبريّ (٩/ ٢٢١) برقم (٢٥٥٣٣) وذكره الغوي (٣/ ٣١١)، وابن عطية (٤/ ١٤٧)، والسيوطي (٥/ ٢٠)، وعزاه لعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة بنحوه.\n(٣) أخرجه الطبريّ (٩/ ٢٢٢) برقم (٢٥٥٣٧)، وذكره ابن عطية (٤/ ١٤٧)، والسيوطي (٥/ ٢٠)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن زيد نحوه.\n(٤) ينظر: مصادر القراءة السابقة.\n(٥) ينظر: «الطبريّ» (٩/ ٢٢٥) رقم (٢٥٥٦٢) .\n(٦) أخرجه الترمذي (٥/ ٣٢٧- ٣٢٨) كتاب التفسير: باب ومن سورة المؤمنين، حديث (٣١٧٥)، وابن ماجه (٢/ ١٤٠٤) كتاب الزهد: باب التوقي على العمل، حديث (٤١٩٨)، وأحمد (٦/ ١٥٩، ٢٠٥)، والطبريّ في «تفسيره» (٩/ ٢٢٥) رقم (٢٥٥٦٠)، والحاكم (٢/ ٣٩٣- ٣٩٤) كلهم من طريق مالك بن مغول عن عبد الرحمن بن سعيد بن وهب الهمداني عن عائشة به.\nوقال الحاكم: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي. والحديث ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٢١)، وزاد نسبته إلى الفريابي، وعبد بن حميد، وابن أبي الدنيا في «نعت الخائفين»، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في «شعب الإيمان» . [.....]","vol":"4","page":153},{"text":"قال ع «١»: ولا نظرَ مع الحديث، والوَجَلُ: نحو الاشفاق والخوف، وصورة هذا الوَجِلِ إمَّا المُخَلِّطُ فينبغي أنْ يكونَ أبدًا تحت خوف من أنْ يكونَ ينفذ عليه الوعيد بتخليطه، وإمَّا التَّقِيُّ أوِ التائب، فخوفه أمرَ الخاتمة وما يطلع عليه بعد الموتِ، وفي قوله تعالى: أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ: تنبيهٌ على الخاتمة، وقال الحسن: معناه الذين يفعلون ما يفعلون من البِرِّ، ويخافون أَلاَّ يُنْجِيَهُم ذلك من عذاب رَبِّهِم «٢»، وهذه عبارة حسنة، ورُوِيَ عن الحَسَنِ أيضًا أَنَّهُ قال: المؤمن يجمع إحسانًا وشفقةً، والمنافِقُ يجمع إساءَةً وأمنًا «٣» .\nقلت: ولهذا الخَطْبِ العظيم أطال الأولياءُ في هذه الدار حُزْنَهُمْ وأجروا على الوجنات «٤» مدامعهم.\nقال ابن المبارك في «رقائقه»: أخبرنا سفيان قال: إنما الحُزْنُ على قَدْرِ البصيرة «٥» .\nقال ابن المبارك: وأخبرنا مالك بن مغول عن رجل عن الحسن قال: ما عُبِدَ اللهُ بمثل طُولِ الحُزْنِ «٦»، وقال ابن المبارك أيضًا: أخبرنا مسعر عن عبد الأعلى التَّيْمِيِّ قال:\nأَنَّ مَنْ أُوتي من العلم ما لا يُبْكِيهِ لخَلِيقِ ألاَّ يكونَ أُوتِيَ عْلمًا ينفعه لأَنَّ الله تعالى نعت ٣٢ أالعلماء فقال: إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ/ إلى قوله: وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ «٧» [الإسراء: ١٠٧- ١٠٩] انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-964>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٦١ الى ٦٥]</span>\nأُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ (٦١) وَلا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَها وَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٦٢) بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هذا وَلَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ هُمْ لَها عامِلُونَ (٦٣) حَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ (٦٤) لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنْصَرُونَ (٦٥)\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ١٤٨) .\n(٢) أخرجه الطبريّ (٩/ ٢٢٤) برقم (٢٥٥٤٧)، وذكره البغوي (٣/ ٣١١)، وابن عطية (٤/ ١٤٨)، والسيوطي (٥/ ٢٢)، وعزاه لابن المبارك في «الزهد»، وعبد بن حميد، وابن جرير عن الحسن.\n(٣) أخرجه الطبريّ (٩/ ٢٢٤) برقم (٢٥٥٤٩)، وذكره ابن عطية (٤/ ١٤٨)، والسيوطي (٥/ ٢١)، وعزاه لابن أبي حاتم عن الحسن.\n(٤) الوجنة: ما ارتفع من الخدين بين الصدغين وكنفي الأنف.\nينظر: «لسان العرب» (٤٧٧٤) .\n(٥) أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (ص ٤٢) رقم (١٢٨) .\n(٦) أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (ص ٤١) رقم (١٢٦) .\n(٧) أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (ص ٤١) رقم (١٢٥) .","vol":"4","page":154},{"text":"وقوله سبحانه: أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ أي: إليها سابقون، وهذا قول بعضهم في قوله: لَها، وقالت فرقةٌ: معناه وهم من أَجْلِها سابقون، وقال الطبريُّ عنِ ابن عباس: المعنى: سبقتْ لهم السعادَةُ في الأَزَلِ فهم لها «١»، وَرَجَّحَهُ الطبريُّ «٢» بأنَّ اللام متمكنة في المعنى.\nوقوله سبحانه: وَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ أظهر ما قيل فيه أنَّه أراد كتابَ إحصاءِ الأعمال الذي ترفعه الملائكة، وقيل: الإشارة إلى القرآن، والأول أظهر.\nوقوله سبحانه: بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هذا اخْتُلِفَ في الإشارة بقوله: مِنْ هذا هل هي: إلى القرآن، أو إلى كتاب الإحصاءِ، أو إلى الدِّينِ بجملته، أو إلى النبي ﷺ؟ وَلَهُمْ أَعْمالٌ أي: من الفساد هُمْ لَها عامِلُونَ: في الحال والاستقبالِ، والمُتْرَفُ: المُنَعَّمُ في الدّنيا، الذي هو منها في سرف، ويَجْأَرُونَ معناه: يستغيثون بصياح كصياح البقر، وكَثُرَ استعمال الجُؤَار في البَشَرِ ومنه قول الأعشى: [المتقارب]\nيُرَاوِحُ مِنْ صَلَوَاتِ المَلِيك ... طَوْرًا سُجُودًا وَطَوْرًا جُؤَارَا «٣»\nوقال ص: جأر الرجل إلى الله تعالى، أي: تَضَرَّعَ قاله الحُوفِيُّ، انتهى، وذهب مجاهد وغيره إلى أَنَّ هذا العذابَ المذكورَ هو الوعيدُ بيوم بَدْرٍ «٤»، وقيل: غيرُ هذا.\nوقوله سبحانه: لاَ تَجْأَرُوا الْيَوْمَ أي: يقال لهم يوم العذاب: لا تجأروا اليوم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-965>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٦٦ الى ٧٦]</span>\nقَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ (٦٦) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِرًا تَهْجُرُونَ (٦٧) أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٦٩) أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ (٧٠)\nوَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (٧١) أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٧٢) وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٣) وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ (٧٤) وَلَوْ رَحِمْناهُمْ وَكَشَفْنا ما بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٥)\nوَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وَما يَتَضَرَّعُونَ (٧٦)\n_________\n(١) أخرجه الطبريّ (٩/ ٢٢٦) برقم (٢٥٥٦٥)، وذكره البغوي (٣/ ٣١٢)، وذكره ابن عطية (٤/ ١٤٨)، والسيوطي (٥/ ٢٢)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس.\n(٢) ينظر: الطبريّ (٩/ ٢٢٦) .\n(٣) في «ديوانه» (٧٦) وينظر البيت في «تفسير الطبريّ» (٢/ ١٠٥)، والصاحبي (٨٤)، و«البحر المحيط» (٥/ ٥٠٠)، و«روح المعاني» (١٤/ ١٦٥)، و«الدر المصون» (٤/ ٣٣٦) .\n(٤) أخرجه الطبريّ (٩/ ٢٢٨، ٢٢٩) برقم (٢٥٥٨١) عن مجاهد، وبرقم (٢٥٥٨٣) عن ابن جريج، وبرقم (٢٥٥٨٤) عن الضحاك، وذكره ابن عطية (٤/ ١٤٩)، والسيوطي (٥/ ٢٣)، وعزاه لابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد، وعزاه أيضا للنسائي عن ابن عباس.\nوعزاه أيضا لعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم عن قتادة، وعزاه أيضا لعبد بن حميد عن سعيد بن جبير.","vol":"4","page":155},{"text":"وقوله: قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ يعني القرآن وتَنْكِصُونَ معناه: ترجعون وراءَكُم، وهذه استعارة للإعراض والإدبار عن الحقّ ومُسْتَكْبِرِينَ حال والضمير في بِهِ: عائد على الحَرَم والمسجد وإنْ لم يَتَقَدَّمْ له ذكر لشهرته، والمعنى: إنكم تعتقدون في نفوسكم أَنَّ لكم بالمسجد الحرام أعظَم الحقوق على الناسِ والمنزلةَ عند اللَّه، فأنتم تستكبرون لذلك، وليس الاستكبار من الحق.\nوقالت فرقة: الضمير عائد على القرآن والمعنى: يُحْدِثُ لكم سماعُ آياتي كبرًا وطغيانا، وهذا قول جيّد، وذكر منذر بن سعيد: أن الضمير للنبي ﷺ وهو مُتَعَلِّقٌ بما بعده، كأن الكلام تَمَّ في قوله: مُسْتَكْبِرِينَ ثم قال: بمحمد ﵇ سامرا تهجرون، وسامِرًا حال، وهو مفرد بمعنى الجمع يقال: قوم سُمَّرٌ وسَمَرةٌ وسَامِرٌ، ومعناهُ: سُهَّرُ الليل مأخوذ من السَّمَرِ وهو ما يقع على الأشخاص من ضوء القمر، وكانت العرب تجلس للسمر تتحدث وهذا أَوْجَبَ معرفَتها بالنجوم لأَنَّها تجلس في الصحراء فترى الطوالِعَ من الغوارب، وقرأ أبو «١» رجاء: «سُمَارًا» وقرأ ابن عباس «٢» وغيره: «سمرا» وكانت قريش تَسْمُرَ حول الكعبة في أباطيلها وكفرها، وقرأ السبعة «٣» غيرَ نافع: «تَهْجُرُونَ» بفتح التاء\n_________\n(١) وقرأ بها ابن عباس، وأبو رجاء، وأبو نهيك، وزيد بن علي. قال أبو الفتح: فهذا ك: كاتب وكتّاب، وشارب وشرّاب.\nينظر: «الشواذ» (١٠٠)، و«المحتسب» (٢/ ٩٦)، و«المحرر الوجيز» (٤/ ١٥٠)، و«البحر المحيط» (٦/ ٣٨١)، و«الدر المصون» (٥/ ١٩٦) .\n(٢) وقرأ بها ابن مسعود، وأبو حيوة، وعكرمة، وابن محيصن، والزعفراني، ومحبوب عن أبي عمرو.\nينظر مصادر القراءة السابقة.\n(٣) ينظر: «الحجة» (٥/ ٢٩٨)، و«إعراب القراءات» (٢/ ٩٢)، و«معاني القراءات» (٢/ ١٩٢)، و«العنوان» (١٣٧)، و«شرح الطيبة» (٥/ ٧٧)، و«حجة القراءات» (٤٨٩)، و«شرح شعلة» (٥٠٨)، و«إتحاف» (٢/ ٢٨٦) . [.....]","vol":"4","page":156},{"text":"وضم الجيم قال ابن عباس «١» معناه: تهجرون الحَقَّ وذِكْرَ اللَّه، وتقطعونه من الهجران المعروف، وقال ابن زيد «٢»: هو من هجر المريض: إذا هذى، أي: تقولون اللغوَ من القول وقاله أبو حاتم، وقرأ نافع وحده: «تُهْجِرونَ» بضم التاء وكسر الجيم وهي قراءة أهل المدينة، ومعناه: تقولون الفُحْشَ والهجر من القول، وهذه إشارة إلى سبّهم النّبيّ ﷺ وأصحابه قال ابن عباس «٣» أيضًا وغيره، ثم وبخهم سبحانه بقوله: أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ لأنهم بعد التدبر والنظر الفاسد/ قال بعضهم: شِعْرٌ، وبعضهم: سحر وغير ذلك، أم ٣٢ ب جاءهم ما لم يأت آباءهم الأوَّلين أي: ليس بِبِدْعٍ بل قد جاء آباءهم الأَوَّلِينَ، وهم سالف الأمم الرُّسُلُ كنوح، وإبراهيم، وإسماعيلَ وغيرهم، وفي هذا التأويل من التَّجَوُّزِ أَنَّ جَعْلَ سالف الأمم، آباء إذِ الناس في الجملة آخِرُهم من أَوَّلِهِم.\nأَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ المعنى: ألم يعرفوا صدقه وأمانته مدَّةَ عمره ﷺ.\nوقوله سبحانه: وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ.\nقال ابن جريج «٤»، وأبو صالح: الحقُّ: اللَّه تعالى.\nقال ع «٥»: وهذا ليس من نَمَطِ الآية، وقال غيرهما: الحق هنا: الصواب والمستقيم.\nقال ع «٦»: وهذا هو الأحرى، ويستقيمُ على هذا فساد السموات والأرض ومن فيهن لو كان بحكم هوى هؤلاءِ وذلك أَنَّهُم جعلوا للَّه شركاءَ وأولادًا، ولو كان هذا حَقًّا لم تكن لله ﷿ الصفاتُ العِلَيَّةُ، ولو لم تكن له سبحانه- لم تكن الصَّنْعَةُ، ولا القُدْرَةُ كما هي، وكان ذلك فسادُ السمواتِ والأرض ومَنْ فيهن: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [الأنبياء: ٢٢] .\n_________\n(١) أخرجه الطبريّ (٩/ ٢٣١) برقم (٢٥٦٠٨)، وذكره ابن عطية (٤/ ١٥٠)، والسيوطي (٥/ ٢٤)، وعزاه للطستي عن ابن عباس بنحوه.\n(٢) أخرجه الطبريّ (٩/ ٢٣٢) برقم (٢٥٦١٤)، وذكره ابن عطية (٤/ ١٥٠) .\n(٣) أخرجه الطبريّ (٩/ ٢٣٢) برقم (٢٥٦١٥)، وذكره ابن عطية (٤/ ١٥٠)، والسيوطي (٥/ ٢٤)، وعزاه لابن أبي شيبة وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه، والحاكم وصححه عن ابن عباس.\n(٤) أخرجه الطبريّ (٩/ ٢٣٤) برقم (٢٥٦٢٣) عن أبي صالح، وبرقم (٢٥٦٢٥) عن ابن جريج، وذكره البغوي (٣/ ٣١٣)، وابن عطية (٤/ ١٥١)، وابن كثير (٣/ ٢٥٠) والسيوطي (٥/ ٢٥)، وعزاه لابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن أبي صالح.\n(٥) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ١٥١) .\n(٦) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ١٥١) .","vol":"4","page":157},{"text":"وقوله سبحانه: بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ قال ابن عباس «١»: بوعظهم، ويحتمل:\nبشرفهم، وهو مَرْويٌّ.\nأَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا الخَرْجُ والخراج بمعنًى، وهو: المال الذي يُجْبَى ويؤتى به لأوقات محدودة.\nوقوله سبحانه: فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ يريد ثوابَهُ، ويحتمل أن يريد بخراج ربك:\nرِزْقَه، ويُؤَيِّدُهُ قوله: وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ.\nو«الصراط المستقيم» دين الإسلام، «وناكبون»: أَي: مجادلون ومُعْرِضُون، وقال البخاريُّ: لَناكِبُونَ: لعادلون، انتهى.\nقال أبو حيان «٢»: يقال: نكب عن الطريقِ ونَكَّبَ بالتشديد، أي: عَدَلَ عنه، انتهى، ثم أخبر تعالى عنهم أنهم لو زال عنهم القَحْطُ، ومَنَّ اللَّه عليهم بالخصب، ورَحِمَهُم بذلك- لبقوا على كفرهم ولَجُّوا في طغيانهم، وهذه الآية نزلت في المُدَّةِ التي أصاب فيها قريشًا السِّنُونَ الجَدْبَةُ والجُوعُ الذي دعا به النبيّ ﷺ في قوله: «اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِيُ يُوسُفَ» «٣» الحديث.\nوَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ، قال ابن عباس وغيره «٤»: هو الجوعُ والجَدْبُ حَتَّى أكلوا الجلود وما جرى مجراها، ورُوِيَ أَنَّهم لما بلغهم الجَهْدُ رَكِبَ أبو سفيانُ، وجاءَ إلى النبيّ ﷺ بالمدينة فقال: يا محمد، ألستَ تزعمُ أَنَّك بُعِثْتَ رحمةً للعالمين؟ قال: بلى، قَالَ: قَدْ قَتَلْتَ الآباءَ بِالسَّيْفِ، واْلأَبْنَاءَ بِالْجُوعِ، وَقَدْ أكلنا العلهز «٥» فنزلت «٦» الآية،\n_________\n(١) أخرجه الطبريّ (٩/ ٢٣٤) برقم (٢٥٦٢٦)، وذكره البغوي (٣/ ٣١٤)، وابن عطية (٤/ ١٥١)، والسيوطي (٥/ ٢٥)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس.\n(٢) ينظر: «البحر المحيط» (٦/ ٣٨٣) .\n(٣) تقدم.\n(٤) أخرجه الطبريّ (٩/ ٢٣٥) برقم (٢٥٦٣٢)، وذكره ابن عطية (٤/ ١٥٢) .\n(٥) العلهز: وبر يخلط بدماء الحلم، كانت العرب تأكله في الجاهلية تأكله في الجدب.\n(٦) أخرجه النسائي في «التفسير» (٢/ ٩٨- ٩٩) رقم (٣٧٢)، والطبريّ في «تفسيره» (٩/ ٢٣٥- ٢٣٦) رقم (٢٥٦٣٢)، وابن حبان (١٧٥٣- موارد)، والطبراني (١١/ ٣٧٠) رقم (١٢٠٣٨)، والحاكم (٢/ ٣٩٤)، والبيهقي في «الدلائل» (٢/ ٩٠- ٩١) من طريق عكرمة عن ابن عباس.\nوصححه ابن حبان، والحاكم، ووافقه الذهبي.\nوذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٢٦)، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم، وابن مردويه.","vol":"4","page":158},{"text":"واسْتَكانُوا معناه: تواضعوا وانخفضوا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-966>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٧٧ الى ٨٣]</span>\nحَتَّى إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذابٍ شَدِيدٍ إِذا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٧) وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ (٧٨) وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٩) وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٨٠) بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الْأَوَّلُونَ (٨١)\nقالُوا أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُرابًا وَعِظامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٨٢) لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وَآباؤُنا هذا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٨٣)\nوقوله سبحانه: حَتَّى إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذابٍ شَدِيدٍ ... الآية تَوُعُّدُ بعذاب غير مُعَيَّنٍ، وهذا هو الصواب، وهذه المَجَاعَةُ إنَّما كانت بعد وقعة بدر، والمُبْلِسُ الذي قد نزل به شَرٌّ وَيئِسَ من زواله ونَسُخِهِ بخير، ثم ابتدأ تعالى بتعديد نِعَمٍ في نفس تعديدها استدلالٌ بها على عِظَمِ قدرته سبحانه، فقال: وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ ...\nالآية، أنشأ بمعنى: اخترع، والأفئدة: القلوبُ، وذرأ: بَثَّ وخلق.\nوقوله: بَلْ إضرابٌ، والجَحْدُ قبله مُقَدَّر/ كأنه قال: ليس لهم نظر في هذه ٣٣ أالآيات أو نحو هذا، والْأَوَّلُونَ: يشير به إلى الأُمَمِ الكافرة: كعاد وثمود.\nوقوله تعالى: لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وَآباؤُنا هذا مِنْ قَبْلُ ... الآية، قولهم:\nوَآباؤُنا إنْ حُكِيَ المقالة عن العرب فمرادُهُم مَنْ سَلَفَ من العالم، جعلوهم آباءَ من حيث النوعُ واحدٌ، وكونهم سلفًا، وفيه تَجُوزٌ، وإنْ حُكِيَ ذلك عن الأَوَّلِينَ فالأَمر مستقيم فيهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-967>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٨٤ الى ٩١]</span>\nقُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨)\nسَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩) بَلْ أَتَيْناهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (٩٠) مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١)\nوقوله سبحانه: قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ أَمَر اللَّه تعالى نَبِيَّهُ ﵇ بتوقيفهم على هذه الأشياء التي لا","vol":"4","page":159},{"text":"يمكنهم إلاَّ الإقرارُ بها، ويلزم من الإقرار [بها] «١» توحيدُ اللَّه وإذعانهم لشرعه ورسالة رسله، وقرأ الجميع «٢» في الأَوَّل: «للَّه» بلا خلاف، واخْتُلِفَ في الثاني والثالث، فقرأ أبو عمرو وحدَه: «اللَّه» جوابًا على اللفظ، وقرأ باقي السبعة: «للَّه» جوابًا على المعنى، كأنه قال في السؤال: لمن ملك السموات السبع؟\nوقوله سبحانه: فَأَنَّى تُسْحَرُونَ استعارة وتشبيه لما وقع منهم من التخليط وَوَضْعِ الأفعالِ والأَقوالِ غيرِ مواضعها ما يقع من المسحور عَبَّرَ عنهم بذلك.\nوقالتَ فرقة: تُسْحَرُونَ معناه: تمنعون، وحكى بعضهم ذلك لُغَةً، والإجارة:\nالمنع، والمعنى: أَنَّ اللَّه تعالى إذا أراد منع أحد فلا يقدر عليه، وإذا أراد أخذَه فلا مانِعَ له.\nوقوله سبحانه: وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ أي: فيما ذكروه من الصاحبة، والولد، والشريك، تعالى اللَّه عن قولهم عُلُوًّا كبيرًا، وفي قوله سبحانه: وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ [الآية] «٣» .\nدليلُ [التمانع] «٤» وهذا هو الفسادُ الذي تَضَمَّنَهُ قوله تعالى: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا. [الأنبياء: الآية ٢٢] . والجزءُ المُخْتَرَعُ مُحَالٌ أَنْ تَتَعَلَّقَ به قدرتان فصاعدًا، وقد تقدم الكلامُ على هذا الدليل فَأَغنى عن إعادته.\nوقوله: إِذًا جوابٌ لمحذوف تقديره: لو كان معه [إله] «٥» إذًا لذهب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-968>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٩٢ الى ٩٨]</span>\nعالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٩٢) قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ (٩٣) رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٩٤) وَإِنَّا عَلى أَنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهُمْ لَقادِرُونَ (٩٥) ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ (٩٦)\nوَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨)\n_________\n(١) سقط في ج.\n(٢) ينظر اتفاق الجميع على هذا الحرف، واختلافهم في الثاني والثالث، يعني في قوله تعالى «لله» من الآيتين (٨٧)، (٨٩) - في: «السبعة» (٤٤٧)، و«الحجة» (٥/ ٣٠٠)، و«إعراب القراءات» (٢/ ٩٣)، و«معاني القراءات» (٢/ ١٩٤)، و«شرح الطيبة» (٥/ ٧٨)، و«العنوان» (١٣٧)، و«حجة القراءات» (٤٩٠)، و«شرح شعلة» (٥٠٩)، و«إتحاف» (٢/ ٢٨٧) . [.....]\n(٣) سقط في ج.\n(٤) سقط في ج.\n(٥) سقط في ج.","vol":"4","page":160},{"text":"وقوله: عالِمِ الْغَيْبِ المعنى: هو عالم الغيب، وقرأ أبو عمرو «١» وغيره: «عَالِمِ» بالجر اتباعًا للمكتوبة.\nوقوله سبحانه: قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ أمَرَ اللَّه تعالى نَبِيَّه﵇- أنْ يدعوَ لنفسه بالنجاة من عذاب الظلمة إن كان قضي أن يرى ذلك، و«إن» شرطية و«ما» زائدة و«تريني» جزم بالشرط لزمته النونُ الثقيلة وهي لا تُفَارِقُ، «أَمَّا» عند المُبَرِّدِ، ويجوزُ عند سيبويه أنْ تفارقَ، ولكن استعمالَ القرآن لزومها، فمن هنالك ألزمه المبرد، وهذا الدعاء فيه استصحاب الخشية والتحذير من الأمر المعذب من أجله، ثم نظيره لسائر الأُمَّةِ دُعَاءٌ في حسن الخاتمة، وقوله ثانيًا: «رب» اعتراض بين الشرط وجوابه.\nوقوله سبحانه: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ أمْرٌ بالصفح ومكارِمِ الأخلاق، وما كان منها لهذا فهو مُحْكَمٌ باقٍ في الأُمَّةِ أبدًا، وما كان بمعنى الموادعة فمنسوخ بآية القتال.\nوقوله: نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ يقتضي أَنَّها آية مُوَادَعَةٍ.\nوقال مجاهد «٢»: الدفع بالتي هي أحسن: هو السلامُ، تُسَلِّمُ عليه إذا لَقِيتَه.\nوقال الحسن «٣»: واللَّه لا يُصِيبُهَا/ أَحَدٌ حَتَّى يكظم غيظه، ويصفح عمّا يكره، وفي ٣٣ ب الآية عدة للنبي ﷺ، أي: اشتغل أنت بهذا وكل أمرهم إلينا، ثم أمره سبحانه بالتَّعَوُّذِ من همزات الشياطين، وهي سورات الغضب التي لا يملك الإنسانُ فيها نفسه وكأنها هي التي كانت تصيب المؤمنين مع الكُفَّارِ فتقع المجادلة، ولذلك اتَّصَلَتْ بهذه الآية، وقال ابن زيد:\nهَمْزُ الشيطان: الجنونُ «٤»، وفي «مُصَنَّفِ أَبي داودَ»: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ: هَمْزِهِ، وَنَفْخِهِ، ونَفْثِهِ» «٥» . قال أبو داودَ: همزه: الموتة، ونفخه:\n_________\n(١) وقرأ بها ابن كثير، وابن عامر، وحفص عن عاصم.\nينظر: «السبعة» (٤٤٧)، و«الحجة» (٥/ ٣٠١)، و«إعراب القراءات» (٢/ ٩٤)، و«معاني القراءات» (٢/ ١٩٥)، و«شرح الطيبة» (٥/ ٧٩)، و«شرح شعلة» (٥٠٩) و«حجة القراءات» (٤٩١)، و«إتحاف» (٢/ ٢٨٧) .\n(٢) أخرجه الطبريّ (٩/ ٢٤١) رقم (٢٥٦٤٥)، وذكره ابن عطية (٤/ ١٥٥) .\n(٣) أخرجه الطبريّ (٩/ ٢٤١) رقم (٢٥٦٤٧)، وذكره ابن عطية (٤/ ١٥٥) .\n(٤) أخرجه الطبريّ (٩/ ٢٤٢) برقم (٢٥٦٤٨)، وذكره ابن عطية (٤/ ١٥٥)، والسيوطي (٥/ ٢٨)، وعزاه لابن أبي حاتم عن ابن زيد.\n(٥) أخرجه أبو داود (١/ ٢٦٢- ٢٦٣) كتاب الصلاة: باب ما يستفتح به الصلاة من الدعاء، حديث (٧٦٤)، وابن ماجه (١/ ٢٦٥) كتاب الصلاة: باب الاستعاذة في الصلاة، حديث (٨٠٧)، وأحمد (٤/ ٨٥) من حديث جبير بن مطعم.","vol":"4","page":161},{"text":"الكبر، ونفثه: السحر.\nقال ع «١»: والنّزعات وسورات الغضبِ من الشيطان، وهي المُتَعَوَّذُ منها في الآية، وأصل الهمز: الدَّفْعُ والوَكزُ بيدٍ أو غيرها.\nقلت: قال صاحب «سلاح المؤمن»: وهَمَزَاتُ الشياطين: خَطَرَاتُها التي تَخْطِرَهَا بقلب الإنسان، انتهى.\nوقال الواحديّ: همزات الشياطين: نزغاتها ووساوسها، انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-969>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٩٩ الى ١٠٤]</span>\nحَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٠٠) فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ (١٠١) فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ (١٠٣)\nتَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيها كالِحُونَ (١٠٤)\nوقوله سبحانه: حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ حَتَّى في هذا الموضع حَرْفُ ابتداءٍ، والضمير في قوله: أَحَدَهُمُ للكفار، وقوله: ارْجِعُونِ أي: إلى الحياة الدنيا، والنون في: ارْجِعُونِ: نون العظمة وقال النبي ﷺ لعائشة: «إذَا عَايَنَ المُؤْمِنُ المَوْتَ، قَالَتْ لَهُ الْمَلاَئِكَةُ: نُرْجِعُك؟\nفيقول: إلى دَارِ الهُمُومِ وَالأَحْزَانِ؟ بل قُدُمًا إلى اللهِ، وأَمَّا الكَافِرُ، فَيَقُولُ: ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحًا» «٢» .\nوقوله: كَلَّا: رَدٌّ وزجر.\nوقوله: إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها تحتمل ثلاثة معانٍ:\nأحدها: الإخبارْ المُؤكّدُ بأنَّ هذا الشيء يقع، ويقولُ هذه الكلمة.\nالثاني: أنْ يكون المعنى: إنها كلمة لا تغنى أكثر من أَنَّه يقولها، ولا نفعَ له فيها ولا غَوْثَ- الثالث: أنْ يكون إشارةً إلى أنّه لو رُدَّ لعاد، والضمير في: وَرائِهِمْ للكفار، والبرزخ في كلام العرب: الحاجز بين المسافتين، ثَم يُسْتَعَارُ لما عدا ذلك، وهو هنا:\nللمُدَّةِ التي بين موت الإنسان وبين بعثه هذا إجماع من المفسرين.\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ١٥٥) .\n(٢) أخرجه الطبريّ في «تفسيره» (٩/ ٢٤٢) رقم (٢٥٦٥٢) عن ابن جريج قال: زعموا أن النبي ﷺ قال لعائشة، فذكره.\nوذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٢٩)، وزاد نسبته إلى ابن المنذر.","vol":"4","page":162},{"text":"وقوله ﷿: فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ ... الآية: قال ابن مسعود «١» وغيرُه: هذا عند النفخة الثانية وقيامِ الناس من القُبُورِ فهم حينئذٍ لهول المطلع واشتغال كل امرئ بنفسه قد انقطعت بينهم الوسائلُ، وزال انتفاعُ الأنساب فلذلك نفاها سبحانه، والمعنى: فلا أنسابَ نافعةٌ، ورُوِيَ عن قتادَة أَنَّهُ: ليس أَحد أبغض إلى الإنسان في ذلك اليوم مِمَّن يَعْرِفُ، لأَنَّهُ يخاف أَنْ يكونَ له عنده مَظْلِمَةٌ «٢»، وفي ذلك اليوم يَفِرُّ المرء من أخيه وأُمِّهِ وأبيه وصاحبتِهِ وبَنِيْهِ، ويفرحُ كلُّ أحد يومئذٍ أنْ يكون له حَقُّ على ابنه وأبيه، وقد وَرَدَ بهذا حديثٌ، وكأنّ ارتفاع التساؤل لهذه الوجوه، ثم تأتي في القيامة مواطنُ يكون فيها السؤال والتعارف.\nقال ع «٣»: وهذا التأويل حَسَنٌ، وهو مرويُّ المعنى عن ابن عباس «٤»، وذكر البزَّارُ من حديث أنس عن النبي ﷺ قال: «مَلَكٌ مُوَكَّلٌ بِالْمِيزَانِ، فَيُؤْتَى بِابْنِ آدَمَ، فَيُوقَفُ بَيْنَ كَفَّتَيِ الْمِيزَانِ، فَإنْ ثَقُلَ مِيزانُهُ، نَادَى/ المَلَكُ بِصَوْتٍ يُسْمَعُ الخَلاَئِقَ: سَعِدَ فُلاَنٌ ٣٤ أسعادة لاَ يَشْقَى بَعْدَهَا أَبَدًا، وَإنْ خَفَّ مِيزَانُهُ، نَادَى المَلَكُ بِصَوْتٍ يُسْمِعُ الخَلاَئِقَ: شَقِيَ فُلاَنٌ شَقَاوَةً لاَ يَسْعَدُ بَعْدَهَا أبدًا «٥»»، انتهى من «العاقبة» . وروى أبو داودَ في «سننه» عن عائشة ﵂ أَنَّها ذَكَرَتِ النَّارَ فبكت، فقال رسول الله ﷺ: «مَا يُبْكِيكِ؟ قَالَتْ:\nذَكَرْتُ النَّارَ فَبَكَيْتُ، فَهَلْ تَذكُرُونَ أَهْلِيَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فقال رسول الله ﷺ: أَمَّا في ثَلاَثَةِ مَوَاطِنَ، فَلاَ يَذْكُرُ أَحَدٌ أَحَدًا، عِنْدَ الْمِيزَانِ حَتَّى يَعْلَم: أَيِخِفُّ مِيزَانُهُ أَمْ يَثْقُلُ، وَعِنْدَ الكِتَابِ حَتَّى يَقُولَ: هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ [الحاقة: ١٩]، حَتَّى يَعْلَمَ أَيْنَ يُعْطَى كِتَابَهُ: أفِي يَمِينِهِ أَمْ فِي شَمَالِهِ، أَمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ، وَعِنْدَ الصِّرَاطِ، إذَا وُضِعَ بَيْنَ ظَهْرَي جَهَنَّمَ» «٦»، انتهى. ولفح النار: إصابتها بالوهج والإحراق، والكلوح انكشافُ الشفتين عن الأسنان، وقد شبه ابن\n_________\n(١) أخرجه الطبريّ (٩/ ٢٤٤) برقم (٢٥٦٦٩) نحوه، وذكره البغوي (٣/ ٣١٧)، وابن عطية (٣/ ١٥٦)، والسيوطي (٥/ ٣٠)، وعزاه لابن المبارك في «الزهد»، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي نعيم في «الحلية»، وابن عساكر عن ابن مسعود بنحوه.\n(٢) أخرجه الطبريّ (٩/ ٢٤٥) برقم (٢٥٦٧١)، وذكره ابن عطية (٤/ ١٥٦)، والسيوطي (٥/ ٣٠)، وعزاه لعبد بن حميد عن قتادة.\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ١٥٦) .\n(٤) أخرجه الطبريّ (٩/ ٢٤٤) برقم (٢٥٦٦٧) نحوه، وذكره البغوي (٣/ ٣١٧)، وابن عطية (٤/ ١٥٦) . [.....]\n(٥) أخرجه البزار (٣٤٤٥- كشف) من حديث أنس بن مالك، وذكره الهيثمي (١٠/ ٣٥٣) وقال: رواه البزار، وفيه صالح المري، وهو مجمع على ضعفه.\n(٦) أخرجه أبو داود (٢/ ٦٥٤) كتاب السنة: باب في ذكر الميزان، حديث (٤٧٥٥) .","vol":"4","page":163},{"text":"مسعود ما في الآية بما يعتري رؤوس الكِبَاشِ إذا شيطت بالنار فإنَّها تكلح، ومنه كلوح الكلب والأسد «١» .\nقلت: وفي «الترمذيِّ» عن أبي سعيد الخدريّ عن النبي ﷺ قال: وَهُمْ فِيها كالِحُونَ قال: تَشْوِيهِ النَّارُ، فَتَقْلُصُ شَفَتُهُ العُلْيَا حَتَّى تَبْلُغَ وَسَطَ رَأْسِهِ، وَتَسْتَرْخِي شَفَتُهُ السُّفْلَى حَتَّى تَضْرِبَ سُرَّتَهُ ...» «٢» الحديث قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب، انتهى.\nوهذا هو المُعَوَّلُ عليه في فهم الآية، وأَمَّا قول البخاريِّ: كالِحُونَ «٣» معناه:\nعابسون- فغيرُ ظاهر، ولَعَلَّهُ لم يقف على الحديث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-970>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ١٠٥ الى ١٠٨]</span>\nأَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ (١٠٥) قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَكُنَّا قَوْمًا ضالِّينَ (١٠٦) رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمُونَ (١٠٧) قالَ اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ (١٠٨)\nوقوله سبحانه: أَلَمْ تَكُنْ آياتِي أي: يقال لهم، والآياتُ هنا القرآن، وقرأ حمزة:\n«شَقَاوَتُنَا» ثم وقع جواب رغبتهِم بحسب ما حتمه الله من عذابهم بقوله: اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ ويقال: إنَّ هذه الكلمة إذا سمعُوها يئسوا من كل خير، فتنطبق عليهم جَهَنَّمُ، ويقع اليأسُ- عافانا الله من عذابه بمنّه وكرمه-! وقوله: اخْسَؤُا زجر، وهو مستعمل في زجر الكلاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-971>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ١٠٩ الى ١١٨]</span>\nإِنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (١١٠) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفائِزُونَ (١١١) قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ الْعادِّينَ (١١٣)\nقالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١٤) أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦) وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ (١١٧) وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١١٨)\n_________\n(١) أخرجه الطبريّ (٩/ ٢٤٦) برقم (٢٥٦٧٥)، وذكره ابن عطية (٤/ ١٥٧)، والسيوطي (٥/ ٣١) وعزاه لعبد الرزاق، والفريابي، وابن أبي شيبة، وهناد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه عن ابن مسعود.\n(٢) أخرجه الترمذي (٤/ ٧٠٨) كتاب صفة جهنم: باب ما جاء في صفة طعام أهل النار، حديث (٢٥٨٧)، وفي (٥/ ٣٢٨) كتاب التفسير: باب ومن سورة المؤمنين، حديث (٣١٧٦)، وأحمد (٣/ ٨)، والحاكم (٢/ ٣٩٥)، وأبو يعلى (٢/ ٥١٦) رقم (١٣٦٧) كلهم من طريق ابن المبارك عن سعيد بن يزيد عن أبي السمح عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري مرفوعا. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب.\nوصححه الحاكم.\nوذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٣١)، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن أبي الدنيا في «صفة النار»، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، وأبي نعيم في «الحلية» .\n(٣) ينظر: «صحيح البخاري» (٨/ ٢٩٩) كتاب التفسير: باب سورة المؤمنين.","vol":"4","page":164},{"text":"وقوله ﷿: إِنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا ... الآية الهاء في إِنَّهُ: مُبْهَمَةٌ: وهي ضمير الأمر والشأن، والفريقُ المُشَارُ إليه: كُلُّ مُسْتَضْعَفٍ من المؤمنين يَتَّفِقُ أنْ تكون حالُه مع كُفَّارٍ مِثلَ هذه الحال، ونزلت الآية في كُفَّارِ قريشِ مع صُهَيْبٍ، وعَمَّار، وبلال، ونظرائهم، ثم هي عامة فيمَنْ جرى مجراهم قديمًا وبقيةَ الدهر، وقرأ نافع وحمزة والكسائي: «سُخْرِيًّا» بضم السين «١»، والباقون بكسرها فقيل هما بمعنى واحد ذكر ذلك الطبريُّ «٢» .\nوقال ذلك أبو زيد الأنصاريُّ: إنهما بمعنى الهُزْءِ «٣»، وقال أبو عبيدَة وغيره: إنَّ ضم السين من السخرة والاستخدام، وكسرها من السخر وهو الاستهزاء»\n، ومعنى الاستهزاء هنا أليق أَلاَ ترى إلى قوله: وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ.\nوقوله سبحانه: كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ ... الآية قوله: فِي الْأَرْضِ قال الطبريُّ «٥» معناه: في الدنيا أحياءَ، وعن هذا وقع السؤال، ونَسُوا لفرط هول العذاب حَتَّى قالوا: يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ، والغرضُ توقيفهم على أَنَّ أعمارهم قصيرة أَدَّاهُمُ الكُفْرُ فيها إلى عذاب طويل، عافانا الله من ذلك بِمَنِّهِ وكرمه!.\nوقال الجمهور: معناه: كم لَبِثْتُمْ في جوف التراب أمواتًا؟ قال ع «٦»: وهذا هو\n_________\n(١) وحجتهم: إجماع الجميع على الرفع في سورة الزخرف، فرد ما اختلفوا فيه إلى ما أجمعوا عليه.\nينظر: «السبعة» (٤٤٨)، و«الحجة» (٥/ ٣٠٢)، و«إعراب القراءات» (٢/ ٩٥)، و«شرح الطيبة» (٥/ ٨٠)، و«العنوان» (١٣٧)، و«حجة القراءات» (٤٩١)، و«شرح شعلة» (٥١٠)، و«إتحاف» (٢/ ٢٨٨) .\n(٢) ينظر: الطبريّ (٩/ ٢٥٠) .\n(٣) ذكره ابن عطية (٤/ ١٥٨) .\n(٤) ذكره ابن عطية (٤/ ١٥٨) .\n(٥) ينظر: «الطبريّ» (٩/ ٢٥٣) .\n(٦) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ١٥٨) .","vol":"4","page":165},{"text":"٣٤ ب الأصوب من حيث أنكروا البعث/. وكان قولهم: إنهم لا يقومون من التراب، وقوله آخرًا: وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لاَ تُرْجَعُونَ يقتضي ما قلناه.\nقلت: الآيات محتملة للمعنيين، والله أعلم بما أراد سبحانه قال البخاريُّ «١»: قال ابن عباس: فَسْئَلِ الْعادِّينَ أي: الملائكة «٢»، انتهى.\nص: قرأ الجمهور: «العَادِّينَ» «٣» - بتشديد الدال- اسم فاعل من «عدّ»، وقرأ الحسن والكسائيّ في رواية: «العَادِينَ» «٤» بتخفيف الدال، أي: الظَّلَمَةَ، و«إنْ» من قوله:\nإِنْ لَبِثْتُمْ نافيةٌ، أي: ما لبثتم إلّا قليلا، اهـ. وعَبَثًا: معناه: باطلًا، لغير غَايَةٍ مُرَادَةٍ، وخَرَّجَ أبو نعيم الحافظ عن حنش الصنعانيِّ عن ابن مسعود «أنه قرأ في أذن مبتلى:\nأَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثًا ... إلى آخر السورة، فأفاق، فقال رسول الله ﷺ: ما قرأتَ في أذنه؟ قال: قرأت: أَفَحَسِبْتُمْ ... إلى آخر السورة، فقال النّبيّ ﷺ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا مُوقِنًا قَرَأَهَا عَلَى جَبَلٍ لَزَال»، انتهى «٥»، وخَرَّجَهُ ابن السُّنِّيُّ أيضًا، ذكره النووي.\nوقوله سبحانه: فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ: المعنى: فتعالى الله عن مقالتهم في دعوى الشريك والصاحبة والولد، ثم تَوَعَّدُ سبحانه عَبَدَةَ الأوثان بقوله: فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ، وفي حرف عبد الله: «عند ربك»، وفي حرف «٦» أُبَيِّ: «عند الله» ثم أَمر تعالى نَبِيَّهُ ﷺ بالدعاء والذكر له فقال: وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ.\n_________\n(١) ينظر: «صحيح البخاري» (٨/ ٢٩٩) كتاب التفسير: باب سورة المؤمنين.\n(٢) أخرجه الطبريّ (٩/ ٢٥٢) برقم (٢٥٦٩٥) عن مجاهد، وذكره ابن عطية (٤/ ١٥٩) عن مجاهد، والسيوطي (٥/ ٣٤)، وعزاه لابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد.\n(٣) ينظر: «البحر المحيط» (٦/ ٣٩٠) . [.....]\n(٤) ينظر: «البحر المحيط» (٦/ ٣٩٠)، و«الدر المصون» (٥/ ٢٠٥)، و«إتحاف فضلاء البشر» (٢/ ٢٨٩) .\n(٥) أخرجه أبو يعلى (٨/ ٤٥٨) رقم (٥٠٤٥)، وابن السني في «عمل اليوم والليلة» (٦٣١)، وأبو نعيم في «الحلية» (١/ ٧) .\nكلهم من طريق الوليد بن مسلم عن ابن لهيعة عن عبد الله بن هبيرة، عن حنش الصنعاني عن ابن مسعود به.\nوذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٥/ ١١٥)، وقال: رواه أبو يعلى، وفيه ابن لهيعة، وفيه ضعف، وحديثه حسن اهـ. وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٣٤)، وزاد نسبته إلى الحكيم الترمذي، وابن أبي حاتم، وابن مردويه.\n(٦) في قراءة عبد الله، وقراءة أبي: ينظر «المحرر الوجيز» (٤/ ١٥٩) .\nينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ١٥٩) .","vol":"4","page":166},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-972>تفسير سورة النّور</span>\nوهي مدنيّة\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-973>[سورة النور (٢٤): الآيات ١ الى ٣]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nسُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١) الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢) الزَّانِي لاَ يَنْكِحُ إِلاَّ زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلاَّ زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣)\nقوله تعالى: سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها ... الآية معنى «فرضنا»: أوجبنا وأثبتنا، وقال الثَّعْلَبِيُّ والواحِدِيُّ: فَرَضْناها أي: أوجبنا ما فيها من الأحكامِ، انتهى، وقال البخاريُّ «١»: قال ابن عباس «٢»: سُورَةٌ أَنْزَلْناها: بَيَّنَّاها، انتهى. وما تقدم أَبْيَنُ.\nص: فَرَضْناها الجمهور: بتخفيف الراء أي: فرضنا أحكامها، وأبو عمرو وابن كثير: بتشدِيْدِ الراء: إما للمبَالَغَةِ في الإيجاب، وإما لأَنَّ فيها فرائضَ شَتَّى، انتهى.\nوالآيات البَيِّنَاتُ: أمثالُها ومواعِظُهَا وأحكامُها.\nوقوله تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ ... الآية، هذه الآية ناسخة لآية الحَبْسِ باتِّفاق، وحكم المُحْصَنِينَ منسوخٌ بآية الرجم والسُّنَّةِ المتواترة على ما تقدّم في سورة النساء، وقرأ الجمهور «٣»: «رَأْفَةٌ» بهمزة ساكنة من رَأَفَ إذا رَقَّ وَرَحِمَ، والرأفة المَنْهِيُّ عنها هي [في] «٤» إسقاط الحَدِّ، أي: أقيموه ولا بدّ، وهذا تأويل ابن عمر «٥» وغيره.\n_________\n(١) ينظر: البخاري (٨/ ٣٠١) كتاب التفسير: باب سورة النور.\n(٢) أخرجه الطبريّ (٩/ ٢٥٦) برقم (٢٥٧٠٦)، وذكره السيوطي (٥/ ٣٦)، وعزاه لابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حارثة عن ابن عباس.\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ١٦١)، و«البحر المحيط» (٦/ ٣٩٤)، و«الدر المصون» (٥/ ٢٠٨) .\n(٤) سقط في ج.\n(٥) أخرجه الطبريّ (٩/ ٢٥٦) برقم (٢٥٧٠٩، ٢٥٧١٠)، وذكره البغوي (٣/ ٣٢١)، وذكره ابن عطية (٤/ ١٦١)، وابن كثير (٣/ ٢٦١، ٢٦٢)، والسيوطي (٥/ ٣٧)، وعزاه لعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.","vol":"4","page":167},{"text":"وقال قتادة وغيره: هي في تخفيف الضَّرْبِ عنِ الزُّنَاةِ «١»، ومِنْ رأيهم أَنْ يُخَفَّفَ ضربُ الخمر، والفِرْيَةِ دون ضرب الزنا.\nوقوله تعالى: وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أي: إغلاظًا على الزناة، وتوبيخًا لهم، ولا خلافَ أَنَّ الطائفة كُلَّمَا كَثُرَتْ فهو أليق بامتثال الأمر، واختلف في أَقَلِّ ما يجزِىءُ فقال الزُّهْرِيُّ: الطائفة: ثلاثةٌ فصاعدًا «٢»، وقال عطاء: لا بُدَّ من اثنين «٣»، وهذا هو مشهورُ قول مالك فرآها موضع شهادة.\nوقوله تعالى: الزَّانِي لاَ يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً مَقْصِدُ الآية تشنيع الزنا وتشنيع ٣٥ أأمره، وأَنَّهُ مُحَرَّمٌ على المؤمنين/ ويريد بقوله: لاَ يَنْكِحُ أي: لا يَطَأُ، فالنكاح هنا بمعنى: الجماع كقوله تعالى: حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ [البقرة: ٢٣٠] . وقد بيّنه ﷺ في الصحيح أَنَّه بمعنى الوطء، حيث قال: «لا حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ ...» «٤» الحديث، وتحتمل الآية وجوها هذا أحسنها.\n_________\n(١) أخرجه الطبريّ (٩/ ٢٥٨) برقم (٢٥٧٢٢، ٢٥٧٢٤)، وذكره البغوي (٣/ ٣٢١)، وابن عطية (٤/ ١٦١)، والسيوطي (٥/ ٣٧)، وعزاه لعبد بن حميد عن الحسن، وابراهيم، وعامر، ولابن أبي شيبة، وعبد بن حميد عن شعبة.\n(٢) أخرجه الطبريّ (٩/ ٢٥٩) برقم (٢٥٧٣٦)، وذكره البغوي (٣/ ٣٢١)، وابن كثير (٣/ ٢٦٢)، والسيوطي (٥/ ٣٨) وعزاه لابن جرير عن الزهري.\n(٣) أخرجه الطبريّ (٩/ ٢٥٩) برقم (٢٥٧٣٤)، وذكره البغوي (٣/ ٣٢١)، وابن كثير (٣/ ٢٦٢) .\n(٤) أخرجه مالك (٢/ ٥٣١) كتاب النكاح: باب نكاح المحلل وما أشبهه، حديث (١٧) من طريق المسور بن رفاعة القرظي عن الزبير بن عبد الرحمن بن الزبير، أن رفاعة بن سموأل طلق امرأته ...\nومن طريق مالك أخرجه الشافعي في «الأم» (٥/ ٢٤٨) باب نكاح المطلقة ثلاثا، وابن حبان (١٣٢٣- موارد)، والبيهقي (٧/ ٣٧٥) كتاب الرجعة: باب نكاح المطلقة ثلاثا.\nقال السيوطي في «تنوير الحوالك» (٢/ ٦) قال ابن عبد البر: كذا لأكثر الرواة مرسل، ووصله ابن وهب عن مالك، فقال: عن أبيه، وابن وهب من أجل من روى عن مالك هذا الشأن، وأثبتهم فيه. وتابعه أيضا ابن القاسم وعلي بن زياد وإبراهيم بن طهمان وعبيد الله بن عبد المجيد الحنفي، كلهم عن مالك، وقالوا فيه: عن أبيه، وهو صاحب القصة ا. هـ.\nومن طريق ابن وهب أخرجه ابن الجارود (٦٨٢)، والبيهقي (٧/ ٣٧٥) كتاب «الرجعة»: باب نكاح المطلقة ثلاثا.\nوأخرجه البزار (٢/ ١٩٤- كشف) رقم (١٥٠٤) من طريق عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي ثنا مالك بن أنس عن المسور بن رفاعة، عن الزبير بن عبد الرحمن بن الزبير عن أبيه.\nقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٤/ ٣٤٣): رواه البزار والطبراني، ورجالهما ثقات، وقد رواه مالك في «الموطأ» مرسلا، وهو هنا متصل ا. هـ.","vol":"4","page":168},{"text":"_________\n- وقد ورد هذا الحديث موصولا من حديث عائشة:\nأخرجه أحمد (٦/ ٢٢٦)، والبخاري (٥/ ٢٤٩) كتاب «الشهادات»: باب شهادة المختبئ، حديث (٢٦٣٩)، ومسلم (٢/ ١٠٥٥- ١٠٥٦) كتاب النكاح: باب لا تحل المطلقة ثلاثا لمطلقها حتى تنكح زوجا غيره، حديث (١١١/ ١٤٣٣)، والترمذي (٢/ ٢٩٣) كتاب النكاح: باب ما جاء فيمن يطلق امرأته ثلاثا حديث (١١١٨)، والنسائي (٦/ ١٤٨) كتاب الطلاق: باب إحلال المطلقة ثلاثا، وابن ماجه (١/ ٦٢١- ٦٢٢) كتاب النكاح: باب الرجل يطلق امرأته ثلاثا، حديث (١٩٣٢) والدارمي (٢/ ١٦١) كتاب الطلاق: باب ما يحل المرأة لزوجها الذي طلقها، والشافعي (٢/ ٣٤- ٣٥) كتاب الطلاق، حديث (١١٠)، والحميدي (١/ ١١١) رقم (٢٢٦)، وعبد الرزاق (٦/ ٣٤٦- ٣٤٧) رقم (١١١٣١)، والطيالسي (١/ ٣١٤- ٣١٥) رقم (١٦١٢، ١٦١٣)، وسعيد بن منصور (٢/ ٧٣- ٧٤)، رقم (١٩٨٥)، وأبو يعلى (٣٩٧)، رقم (٤٤٢٣)، وابن حبان (٤١٩٩- الإحسان)، والبيهقي (٧/ ٣٧٣- ٣٧٤)، والبغوي في «شرح السنة» (٥/ ١٦٩- بتحقيقنا) من طريق الزهري عن عروة عن عائشة قالت:\nجاءت امرأة رفاعة القرظي إلى النبي ﷺ فقالت: كنت عند رفاعة فطلقني فبت طلاقي، فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير، وإنما معه مثل هدبة الثوب، فقال: أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك.\nوقال الترمذي: حسن صحيح.\nوللحديث طرق أخرى عن عائشة:\nفأخرجه البخاري (٩/ ٢٨٤) كتاب الطلاق: باب من قال لامرأته: أنت عليّ حرام، حديث (٥٢٦٥)، ومسلم (٢/ ١٠٥٧) كتاب النكاح: باب لا تحل المطلقة ثلاثا لمطلقها حتى تنكح زوجا غيره، حديث (١١٤/ ١٤٣٣)، وأحمد (٦/ ٢٢٩)، والدارمي (٢/ ١٦٢) من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة به.\nوأخرجه مسلم (٢/ ١٠٥٧) كتاب النكاح: باب لا تحل المطلقة ثلاثا لمطلقها حتى تنكح زوجا غيره، حديث (١١٥/ ١٤٣٣)، وأحمد (٦/ ١٩٣)، وأبو يعلى (٨/ ٣٧٣- ٣٧٤) رقم (٤٩٦٤) من طريق القاسم بن محمد عن عائشة.\nوأخرجه أبو داود (١/ ٧٠٥) كتاب الطلاق: باب في المبتوتة لا يرجع إليها زوجها حتى تنكح زوجا غيره، حديث (٢٣٠٩)، وأحمد (٦/ ٤٢) من طريق الأسود عن عائشة.\nوأخرجه البخاري (١٠/ ٢٩٣) من طريق عبد الوهاب عن أيوب عن عكرمة [«أنّ رفاعة طلّق امرأته، فتزوجها عبد الرحمن بن الزبير القرظيّ، قالت عائشة: وعليها خمار أخضر، فشكت إليها، وأرتها خضرة بجلدها فلما جاء رسول الله ﷺ- والنساء ينصر بعضهن بعضا- قالت عائشة: ما رأيت مثل ما يلقى المؤمنات لجلدها أشدّ خضرة من ثوبها. قال وسمع أنها قد أتت رسول الله ﷺ، فجاء ومعه ابنان له من غيرها، قالت: والله ما لي إليه من ذنب، إلا أنّ ما معه ليس بأغنى عني من هذه- وأخذت هدبة من ثوبها- فقال: كذبت والله يا رسول الله، إني لأنفضها نفض الأديم، ولكنها ناشز تريد رفاعة، فقال رسول الله ﷺ: فإن كان ذلك لم تحلّي له أو تصلحي له حتى يذوق من عسيلتك. قال وأبصر معه ابنين له فقال: بنوك هؤلاء؟ قال: نعم. قال: هذا الذي تزعمين ما تزعمين؟ فو الله لهم أشبه به من الغراب بالغراب»] .","vol":"4","page":169},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-974>[سورة النور (٢٤): الآيات ٤ الى ٥]</span>\nوَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَدًا وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٤) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)\nوقوله سبحانه: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ ... الآية نزلت بسبب القاذفين، وذكر تعالى في الآية: قَذْفَ النساءِ من حيث هو أَهَمُّ وأبشعُ، وقذفُ الرجال داخلٌ في حكم الآية بالمعنى والإجماع على ذلك، والْمُحْصَناتِ هنا: العفائف، وشَدَّدَ تعالى على القاذف بأربعة شهداء رحمةً بعباده، وسترًا لهم، وحكم شهادة الأربعة أنْ تكونَ على معاينة مبالغة كالمِرْوَدِ في المَكْحَلَةِ في موطنٍ واحد، فإنِ اضطرب منهم واحد\n_________\n- وفي الباب عن ابن عمر، وعبيد الله بن عباس، وأنس بن مالك، والفضل بن عباس.\nحديث ابن عمر:\nأخرجه أحمد (٢/ ٨٥)، والنسائي (٦/ ١٤٨- ١٤٩) كتاب النكاح: باب إحلال المطلقة ثلاثا، وابن ماجه (١/ ٦٢٢) كتاب النكاح: باب الرجل يطلق امرأته ثلاثا: فتتزوج فيطلقها (١٩٣٣) من طريق محمد بن جعفر: حدثنا شعبة عن علقمة بن مرثد: سمعت سالم بن رزين يحدث عن سالم بن عبد الله بن عمر عن سعيد بن المسيب عن ابن عمر به.\nوأخرجه أحمد (٢/ ٦٢)، والنسائي (٦/ ١٤٩)، والبيهقي (٧/ ٣٧٥) من طريق سفيان عن علقمة بن مرثد عن رزين بن سليمان عن ابن عمر.\nقال النسائي: هذا أولى بالصواب.\nوأخرجه أبو يعلى (٨/ ٣٧٤) رقم (٤٠٦٦) من طريق يحيى بن سعيد عن نافع عن ابن عمر.\nقال الهيثمي في «المجمع» (٤/ ٣٤٣): رواه الطبراني وأبو يعلى، ورجال أبي يعلى رجال الصحيح.\nحديث عبيد الله بن عباس:\nأخرجه أحمد (١/ ٢١٤)، والنسائي (٦/ ١٤٨) كتاب الطلاق: باب إحلال المطلقة ثلاثا، عنه أن «الغميصاء أو الرميصاء أتت النبي ﷺ تشتكي زوجها أنه لا يصل إليها، فلم يلبث أن جاء زوجها، فقال:\nيا رسول الله هي كاذبة، وهو يصل إليها، ولكنها تريد أن ترجع إلى زوجها الأول، فقال رسول الله ﷺ: «ليس ذلك حتى تذوفي عسيلته» .\nوأخرجه أبو يعلى (١٢/ ٨٥- ٨٦) رقم (٦٧١٨) عن عبيد الله بن عباس والفضل بن عباس به.\nوقال الهيثمي في «المجمع» (٤/ ٣٤٣)، رواه أبو يعلى، ورجاله رجال الصحيح.\nحديث أنس بن مالك:\nأخرجه أحمد (٣/ ٢٨٤)، والبزار (٢/ ١٩٥- كشف) برقم (١٥٠٥)، وأبو يعلى (٧/ ٢٠٧) رقم (٤١٩٩) عنه أن رسول الله ﷺ سئل عن رجل طلق امرأته ثلاثا، فتزوجت زوجا، فمات عنها قبل أن يدخل بها هل يتزوجها الأول؟ قال: «لا حتى يذوق عسيلتها» .\nقال الهيثمي في «المجمع» (٤/ ٣٤٣): رواه أحمد، والبزار، وأبو يعلى، والطبراني في «الأوسط»، ورجاله رجال الصحيح خلا محمد بن دينار الطاحي، وقد وثقه أبو حاتم، وأبو زرعة، وابن حبان، وفيه كلام لا يضر.\nحديث الفضل بن عباس: انظر حديث عبيد الله بن العباس. [.....]","vol":"4","page":170},{"text":"جُلِدَ الثلاثة، والجلد: الضرب، ثم أمر تعالى: ألّا تقبل للقذفة المحدودين شهادة أبدا «١»،\n_________\n(١) القاذف هو من يرمي محصنا أو محصنة بالزنى ولم يأت بأربعة شهداء يشهدون على صدق قوله، ولا خلاف بين العلماء في شهادة القاذف إذا شهد قبل إقامة الحدّ وبعد التوبة، أو بعد إقامة الحدّ وقبل التوبة فإنه في الصورة الأولى، تقبل شهادته إجماعا، وفي الثانية لا تقبل إجماعا إنّما الخلاف في شهادته بعد الحد وبعد التوبة.\nفذهب الإمام الشافعيّ، ومالك، وأحمد، والبتيّ وإسحاق، وأبو عبيدة وابن المنذر إلى قبول شهادة المحدود في القذف إذا تاب، وروي هذا عن عمر بن الخطاب ﵁ وذهب الإمام أبو حنيفة وأصحابه وشريح والحسن والنّخعيّ وسعيد بن جبير والثوريّ إلى ردّ شهادة المحدود في القذف وإن تاب. وروي هذا عن ابن عباس ﵄.\nومنشأ هذا الاختلاف هو: اختلافهم في فهم الآية الكريمة: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَدًا وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ إِلَّا الَّذِينَ تابُوا. اختلفوا في الاستثناء: هل هو راجع إلى الكل أو إلى الأخيرة فقط؟ وهذه مسألة أصولية، وسنذكر فيما يلي خلاصة القول فيها: إنّ الاستثناء إذا وقع بعد جمل متعاطفة بالواو، ونحوها أمكن رده للجميع، وإلى الأخيرة خاصة بلا خلاف، وإنما الخلاف فيما هو ظاهر فيه، فالشافعية يقولون ظاهر في الكل، ولا يرجع للأخيرة فقط إلّا بقرينة. والحنفية يقولون: ظاهر في الأخيرة، ولا يرجع للكل إلا بدليل.\nوأبو الحسين كالشافعية إلّا أنه فصل في القرينة فقال: إن قامت قرينة على الإضراب عن الأول فهو للأخير. وظهور الإضراب يكون باختلاف الجملتين نوعا: بأن تكون إحداهما خبرا والأخرى إنشاءا نحو العلماء مكرمون ولا تكرم الجهال إلّا خالدا.\nأو تكون إحداهما أمرا والأخرى نهيا نحو: أكرم العلماء ولا تكرم الجهال إلّا من دخل الدار فالاستثناء من الأخير.\nأو باختلافهما حكما: بأن يكون مضمون إحداهما غير مضمون الأخرى نحو: الرجال قائمون، والعلماء جالسون إلّا محمدا. أو باختلافهما اسما بأن يكون الاسم في الأولى غير صالح لتعلق الاستثناء به نحو:\nأكرم الرجال وأعطف على النساء إلّا هندا. ففي هذا كلّه يرجع الاستثناء إلى الأخير، ظهور الإضراب.\nلكن محل هذا ما لم يكن الاسم في الجملة الثانية ضمير الاسم في الأولى أو اتفقا في الغرض وإلّا كان الاستثناء راجعا للكل مطلقا وإن اختلفا نوعا أو حكما.\nوأما الاختلاف في الاسم فلا يمكن معه رجوع الاستثناء للكل، لعدم صلاحيته للتعلق بالكل. مثال الأول: أكرم بني تميم وهم مكرمون إلّا بكرا، فهما مختلفان نوعا لكن الاسم في الثانية ضمير الأول فيرجع للكل. ومثال الثاني قوله تعالى: وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَدًا وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ إِلَّا الَّذِينَ تابُوا فقد اتحدا في الغرض وهو الإهانة والانتقام وإن اختلفا نوعا فيرجع للكل.\nوقال القاضي والغزاليّ: «بالوقف» . وقال المرتضى: مشترك بين الكل والأخير، ويرجع مذهب الوقف والاشتراك إلى قول الحنفية، لأنّ مذهب الوقف معناه أنّ الاستثناء لا يعلم أهو موضوع للإخراج من الكل أو من الأخير؟ ومذهب المرتضى أنّه مشترك بين الإخراج من الكل ومن الأخير. فيلزم الرجوع للأخير عليهما لأنه إن كان موضوعا للأخير فظاهر، وإن كان للكل ففي ضمنه الأخير.\nقال الشافعي: توبة القاذف إكذابه نفسه. وفسره الإصطخري (من أصحاب الشافعي): بأن يقول: كذبت","vol":"4","page":171},{"text":"وهذا يقتضي مُدَّةَ أعمارهم، ثم حكم بفسقهم، ثم استثنى تعالى مَنْ تاب وأصلح من بعد القذف، فالاستثناء غيرُ عامل في جلده بإجماع، وعامل في فسقه بإجماع، واخْتُلِفَ في عمله في رَدِّ الشهادة، والجمهور أَنَّه عامل في رَدِّ الشهادة، فإذا تاب القاذف قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ، ثم اختلفوا في صورة توبته، فقيل بأن يُكَذِّبَ نَفْسَه، وإلاَّ لم تُقْبَلُ، وقالت فرقةٌ منها مالك:\nتوبته أن يَصْلُحَ وتَحْسُنَ حالُه «١» . وإنْ لم يرجع عن قوله بتكذيب واختلف فقهاءُ المالكيَّةِ متى تسقط شهادة القاذفِ فقال ابن الماجشون: بنفس قَذَفِهِ، وقال ابن القاسم وغيره: لا تَسْقُطُ حتى يُجْلَدَ، فإن مَنَعَ من جلده مانع عفو أو غيره لم تُرَدَّ شهادَتُه، قال اللَّخْمِيَّ:\nشهادته في مدة الأجل للإثبات موقوفة، وتابُوا معناه: رجعوا، وقد رَجَّحَ الطبريُّ «٢» وغيرُهُ قولَ مالك، واخْتُلِفَ أَيضًا على القول بجواز شهادته، فقال مالك: تجوزُ في كل شيء بإطلاق، وكذلك كُلُّ مَنْ حُدَّ في شيء.\nوقال سحنون: مَنْ حُدَّ في شيء فلا تجوز شهادته في مثل ما حُدَّ فيه، واتفقوا فيما أحفظ على ولد الزنا أَنَّ شهادته لا تجوز في الزنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-975>[سورة النور (٢٤): الآيات ٦ الى ١٠]</span>\nوَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلاَّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٧) وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ (٨) وَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩) وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (١٠)\nوقوله سبحانه: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ ...\nالآية: لما رَمَى هلالُ بن أُمَيَّةَ الوَاقِفِيُّ زوجته بِشَرِيكِ بنِ سحماء- عزم النبي ﷺ على ضَرْبِهِ حَدَّ القَذْفِ فَنَزَلَتْ هذه الآية حسبما هو مشروح في الصحاح، فجمعهما ﷺ في المسجد،\n_________\n- فيما قلت، فلا أعود إلى مثله. وقال أبو إسحاق المروزي (من أصحاب الشافعي) لا يقول كذبت، لأنه ربما يكون صادقا، فيكون قوله: «كذبت» كذبا، والكذب معصية. والإتيان بالمعصية لا يكون توبة عن معصية أخرى، بل يقول: القذف باطل، وندمت على ما فعلت، ورجعت عنه، ولا أعود إليه.\nوظاهر كلام أحمد والخرقي أن توبة القاذف (كما قال الشافعي) إكذاب نفسه، فيقول: كذبت فيما قلت.\nوقال بعض العلماء: توبة القاذف كتوبة غيره، أمر بينه وبين ربه، ومرجعها إلى الندم على ما قال، والعزم على ألا يعود. والسر في أن الشافعية ومن وافقهم أدخلوا في معنى التوبة التلفظ باللسان مع أن التوبة من عمل القلب أن يترتب عليها حكم شرعي، وهو قبول شهادة المحدود في القذف إذا تاب، فلا بد أن يعلم الحاكم توبته حتى تقبل شهادته.\n(١) في ج: وتحسن حالته.\n(٢) ينظر: «الطبريّ» (٩/ ٢٦٥) .","vol":"4","page":172},{"text":"وَتَلاَعَنَا، وجاء أَيضًا عُوَيْمِرُ العَجْلاَنِيُّ فرمى امرأته ولا عن «١»، والمشهورُ: أَنَّ نازلةَ هلالٍ قبلُ، وأَنَّها سَبَبُ الآية، والأزواج في هذه الآية: يَعُمُّ المسلماتِ والكافرات والإماءِ فكُلُّهن يُلاعِنُهُنَّ الزوجُ للانتفاء من الحمل، وتختصُّ الحُرَّةُ بدفع حَدِّ القذف عن نفسها، وقرأ السبعة غيرَ نافعِ «٢»: أَنَّ لَعْنَتَ، وأَنَّ غَضَبَ بتشديد «أَنَّ» فيهما ونَصْبِ اللعنة والغضب، والعذاب المُدْرَأَ في قول الجمهور: هو الحَدُّ، وجُعِلَتْ اللعنة للرجل الكاذب لأَنَّهُ مفترٍ مُبَاهِتٌ، فَأُبْعِدَ باللعنة، وجُعِلَ الغَضَبُ، الذي هو أَشَدُّ على المرأة التي باشرت المعصية بالفعل ثم كذبت وباهتت- بالقول، والله أعلم، وأجمع مالك وأصحابه على وجوب اللعان بادِّعاء الرؤية زنًا لا وطء من/ الزوج بعده، وذلك مشهور المذهب. ٣٥ ب وقال مالك: إنَّ اللعان يجب بنفي حمل يُدَّعَى قبله استبراءٌ والمُسْتَحَبُّ من ألفاظ اللعان أنْ يمشي مع ترتيب القرآن ولفظه، فيقول الزوج: أشهد بالله لرأيتُ هذه المرأة تزني،\n_________\n(١) تقدم.\nحديث ابن عباس في الملاعنة.\nأخرجه أبو داود (٢/ ٦٨٨) كتاب الطلاق: باب في اللعان، حديث (٢٢٥٦)، وأحمد (١/ ٢٣٨- ٢٣٩)، والطيالسي (١/ ٣١٩- منحة) رقم (١٦٢٠)، والطبريّ في «تفسيره» (١٨/ ٦٥- ٦٦)، والبيهقي (٧/ ٣٩٤) كتاب «اللعان»: باب الزوج يقذف امرأته، كلهم من طريق عباد بن منصور عن عكرمة عن ابن عباس، وفيه: فقال: يا رسول الله، إني جئت أهلي عشاء، فوجدت عندها رجلا فرأيت بعيني وسمعت بأذني، فكره رسول الله ﷺ ما جاء به، واشتد عليه، فنزلت: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ.\nوالحديث ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٤٣)، وعزاه إلى أحمد، وعبد الرزاق، والطيالسي، وعبد بن حميد، وأبي داود، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس.\nأما حديث عويمر: فرواه سهل بن سعد.\nوأخرجه مالك (٢/ ٥٦٦- ٥٦٧) كتاب الطلاق: باب ما جاء في اللعان، حديث (٣٤)، والبخاري (٩/ ٣٦١) كتاب الطلاق: باب من جوز الطلاق الثلاث، حديث (٥٢٥٩)، ومسلم (٢/ ١١٢٩- ١١٣٠) كتاب «اللعان»، حديث (١/ ١٤٩٢)، وأبو داود (٢/ ٦٧٩- ٦٨٢) كتاب الطلاق: باب في اللعان، حديث (٢٢٤٥)، والنسائي (٦/ ١٧٠- ١٧١) كتاب الطلاق: باب بدء اللعان، وابن ماجه (١/ ٦٦٧) كتاب الطلاق: باب اللعان، حديث (٢٠٦٦)، وأحمد (٥/ ٣٣٦- ٣٣٧)، والدارمي (٢/ ١٥٠) كتاب النكاح: باب في اللعان، وابن الجارود في «المنتقى» برقم (٧٥٦)، وابن حبان (٤٢٧١- الإحسان)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٣/ ١٠٢)، والبيهقي (٧/ ٣٩٨- ٣٩٩) كتاب «اللعان»: باب سنة اللعان، والبغوي في «شرح السنة» (٥/ ١٨١- بتحقيقنا) من طريق الزهري عن سهل بن سعد به.\n(٢) ينظر: «السبعة» (٤٥٣)، و«الحجة» (٥/ ٣١٤)، و«إعراب القراءات» (٢/ ١٠١)، و«معاني القراءات» (٢/ ٢٠٢)، و«شرح الطيبة» (٥/ ٨٤)، و«العنوان» (١٣٨)، و«حجة القراءات» (٤٩٤)، و«شرح شعلة» (٥١٢)، و«إتحاف» (٢/ ٢٩٢)، و«المحتسب» (٢/ ١٠٢) .","vol":"4","page":173},{"text":"وإنِّي في ذلك لمن الصادقين، ثم يقول في الخامسة: وأنّ لعنة الله علي إنْ كنتُ من الكاذبين، وأَمَّا في لعان نفي الحمل فيقول: ما هذا الولدُ مِنِّي، وتقول المرأة: أشهدُ بالله ما زنيتُ، وأَنَّهُ في ذلك لمن الكاذبين، ثم تقول: غَضِبَ الله عَلَيَّ إنْ كان من الصادقين، فإنْ مَنَعَ جَهْلُهُمَا من ترتيب هذه الألفاظ، وأتيا بما في معناها أجزأ ذلك، ومشهور المذهب: أَنَّ نفسَ تمام اللعان بينهما فُرْقَةٌ، ولا يحتاج معها إلى تفريق حاكم، وتحريم اللعان أَبَدِيٌّ باتفاق فيما أحفظ من مذهب مالك، وجواب لَوْلا محذوف تقديره: لكشف الزناةَ بأيسر من هذا، أو لأخذهم بعقابه ونحو هذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-976>[سورة النور (٢٤): الآيات ١١ الى ١٣]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ (١١) لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ (١٢) لَوْلا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ (١٣)\nوقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ ... الآية: نزلت في شأن أُمِّ المؤمنين عائشة ﵂ ففي «البخاريِّ» في غزوة بَنِي المُصْطَلِقِ عن عائشة ﵂ قالت: وأَنْزَلَ اللهُ العَشْرَ الآياتِ في براءتي: إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ ... الآيات:\nوالإفك: الزُّورُ والكذب، وحديث الإفك في «البخاريّ» و«مسلم» وغيرهما مُسْتَوْعَبٌ، والعُصْبَةُ: الجماعة من العشرة إلى الأربعين.\nوقوله سبحانه: لاَ تَحْسَبُوهُ خطاب لِكُلِّ مَنْ ساءه ذلك من المؤمنين.\nوقوله تعالى: بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ معناه: أَنَّه تَبْرِئَةٌ في الدنيا، وترفيعٌ من الله تعالى في أنْ نَزَّلَ وَحْيَهُ بالبراءة من ذلك، وأجرٌ جزيلٌ في الآخرة، وموعظةٌ للمؤمنين في غابر الدهر، واكْتَسَبَ: مستعملة في المآثم، والإشارة بقوله تعالى: وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ هي إلى: عبد الله بن أُبَيِّ ابن سلولَ وغيره من المنافقين، وكِبْرَهُ: مصدر كَبُرَ الشيء وعَظُمَ ولكنِ استعملتِ العربُ ضَمَّ الكاف في السِّنِّ.\nوقوله تعالى: لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا ... الآية:\nالخطاب للمؤمنين حاشا مَنْ تولى كِبْرَهُ، وفي هذا عتابٌ للمؤمنين، أي: كان الإنكارُ واجبًا عليهم، ويقيس فُضَلاَءُ المؤمنين الأمر على أنفسهم، فإذا كان ذلك يَبْعُدُ فيهم فَأُمُّ المؤمنين أبعد، لفضلها، ووقع هذا النّظر السديد من أبي أَيُّوبَ وامرأته وذلك أَنَّهُ دَخَلَ عليها فقالت له: «يا أبا أيوبَ، أَسَمِعْتَ ما قيل؟ فقال: نعم، وذلك الكذبُ أكنتِ أنت يا أمّ أيّوب","vol":"4","page":174},{"text":"تفعلين ذلك؟ قالت: لا، والله، قال: فعائشة- والله- أفضلُ منك، قالتْ أُمُّ أيوب:\nنعم» «١» فهذا الفعل ونحوه هو الذي عاتب الله فيه المؤمنين إذ لم يفعله جميعهم، والضمير في قوله: لَوْلا جاؤُ للذين تولوا كبره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-977>[سورة النور (٢٤): الآيات ١٤ الى ١٨]</span>\nوَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٤) إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (١٥) وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ (١٦) يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٨)\nوقوله تعالى: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ هذا عتاب من الله تعالى، بليغ في تعاطيهم هذا الحديثَ وإنْ لم يكن المُخْبِرُ والمُخْبَرُ مُصَدِّقِينَ، ولكنَّ نفس التعاطي والتلقي من لسانَ إلى لسان والإفاضة في الحديث- هو الذي وقع العتابُ فيه، وقرأ ابن يعمر «٢» وعائشة (﵂) وهي أعلم الناس بهذا الأمر: «إذْ تَلِقُونَهُ» /- بفتح التاء، وكسر اللام، وضم القاف-، ومعنى ٣٦ أهذه القراءة من قول العرب: وَلَقَ الرجُل وَلْقًا إذا كَذِبَ، وحكى «٣» الطبريُّ: أن هذه اللفظة مأخوذةٌ من: الوَلْقِ الذي هو إسراعك بالشيء بعد الشيء يقال: ولق في سيره إذا أسرع، والضمير في: تَحْسَبُونَهُ للحديث والخوضِ فيه والإذاعةِ له.\nوقوله تعالى: سُبْحانَكَ أي: تنزيهًا للَّه أَنْ يقع هذا من زوج نَبِيِّه ﷺ وحقيقة البُهْتَانِ: أَنْ يقال في الإنسان ما ليس فيه، والغيبة: أَنْ يقال في الإنسان ما فيه، ثم وعظهم تعالى في العودة إلى مثل هذه الحالة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-978>[سورة النور (٢٤): الآيات ١٩ الى ٢١]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (١٩) وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (٢٠) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢١)\n_________\n(١) أخرجه الطبريّ (٩/ ٢٨٤) برقم (٢٥٨٥٩)، وذكره ابن عطية (٤/ ١٧٠)، وابن كثير (٣/ ٢٧٣)، والسيوطي (٥/ ٦٠)، وعزاه لابن إسحاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، وابن عساكر.\n(٢) وقرأ بها ابن عباس، وعثمان الثقفي.\nينظر: «مختصر الشواذ» ص ١٠٢، و«المحتسب» (٢/ ١٠٤)، و«الكشاف» (٣/ ٢١٩)، و«المحرر الوجيز» (٤/ ١٧١)، و«البحر المحيط» (٦/ ٤٠٢)، و«الدر المصون» (٥/ ٢١٣) .\n(٣) ينظر: «الطبريّ» (٩/ ٢٨٥) .","vol":"4","page":175},{"text":"وقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا ... الآية: قال مجاهد وغيره: الإشارة بهذه الآية إلى المنافقين، وعذابهم الأليم في الدنيا: الحدودُ، وفي الآخرة: النار «١»، وقالت فرقة: الآية عامَّةٌ في كلّ قاذف، و[هذا] «٢» هو الأظهر.\nوقوله تعالى: وَاللَّهُ يَعْلَمُ معناه: يعلم البريءَ من المُذْنِبِ، ويعلم سائر الأمور، وجواب لَوْلا أيضًا محذوف تقديره: لَفَضَحَكُم بذنوبكم، أو لعذّبكم ونحوه.\nوقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ ... الآية: خطوات جمع خُطْوَة، وهي ما بين القدمين في المشي، فكأنَّ المعنى: لا تمشوا في سُبُلِهِ وطُرُقِهِ.\nقلت: وفي قوله سبحانه: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا: ما يردع العاقلَ عن الاشتغال بغيره، ويُوجِبُ له الاهتمامَ بإصلاح نفسه قبل هجوم مَنِيَّتِهِ وحُلُولِ رَمْسِهِ، وحَدَّثَ أَبو عمر في «التمهيد» بسنده عن إسماعيل بن كثير قال:\nسمعت مجاهدًا يقول: «إنَّ الملائكة مع ابن آدم، فإذا ذكر أخاه المسلم بخير، قالت الملائكة: ولك مِثْلُهُ، وإذا ذكره بشرٍّ، قالتِ الملائكةُ: ابنَ آدمَ المستور عورته، أَرْبِعْ على نفسك، واحْمَدِ الله الذي يستر عورتك» انتهى، ورُوِّينَا في «سنن أبي داودَ» عن سهل بن مُعَاذِ بن أنس الجهني عن أبيه عن النبي ﷺ قال: «مَنْ حَمَى مُؤْمِنًا مِنْ مُنَافِقٍ- أَرَاهُ قالَ:\nبَعَثَ اللهُ مَلَكًا يَحْمِي لَحْمَةُ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ، وَمَنْ رَمَى مُسْلِمًا بشيء يريد به شينه، حبسه الله﷿- عَلَى جِسْرِ جَهَنَّمِ حَتَّى يَخْرُجَ مِمَّا قَالَ» «٣»، وروينا أيضًا عن أَبي داودَ بسنده عن جابرِ بن عبد الله وأبي طلحةَ بن سهل الأنصارِيَّين أنَّهما قالا: قال رسول الله ﷺ: «ما من امرئ يخذل أمرا مُسْلِمًا في مَوْضِعٌ تُنْتَهَكُ فِيهِ حُرْمَتُهُ، وَيُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ- إلاَّ خَذَلَهُ اللهُ في موطن يحبّ فيه نصرته، وما من امرئ يَنْصُرُ مُسْلِمًا في مَوْضِع يُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ، وَيُنْتَهَكُ فِيهِ مِنْ حُرْمَتِهِ- إلاَّ نَصَرَهُ الله في موضع يحبّ فيه\n_________\n(١) أخرجه الطبريّ (٩/ ٢٨٧) برقم (٣٥٨٧٠) نحوه، وذكره ابن عطية (٤/ ١٧١)، والسيوطي (٥/ ٦١)، وعزاه للفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر، والطبراني عن مجاهد بلفظ: «تظهر» .\n(٢) سقط في ج.\n(٣) أخرجه أبو داود (٢/ ٦٨٧) كتاب الأدب: باب من رد على مسلم غيبة، حديث (٤٨٨٣)، وابن المبارك في «الزهد» (٢٣٩) .","vol":"4","page":176},{"text":"نُصْرَتَهُ»، انتهى «١»، ثم ذكر تعالى أَنَّه يزكى مَنْ شاء مِمَّنْ سبقت له السعادة، وكان عمله الصالح أمارة على سبق السعادة له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-979>[سورة النور (٢٤): آية ٢٢]</span>\nوَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢)\nوقوله تعالى: وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ ... الآية: المشهورُ من الروايات أَنَّ هذه الآية نزلت في قصة أبي بكر ﵁ ومِسْطَحِ بْنِ أُثَاثَةَ، وكان من قرابة أبي بكر، وكان أبو بكر ينفق عليه، لمسكَنَتِهِ، فلما وقع أمر الإفك بلغ أبا بكر أَنَّه: وقع مِسْطَحٌ مع مَنْ وقع فحلف أبو بكر: لا ينفق عليه، ولا ينفعه بنافعة أبدا، فجاء مسطح معتذرا/ ٣٦ ب وقال: إنَّما كُنْتُ أسمع ولا أقول، فنزلتِ الآية، والفضل: الزيادة في الدِّينِ، والسعة هنا:\nهي المال، ثم قال تعالى: أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ... الآية، أي: كما تحبون عفوَ الله لكم عن ذنوبكم فكذلك اغفروا لمن دونكم، فيروى أنَّ أبا بكر قال: بلى، إنِّي أُحِبُّ أَنْ يغفر الله لي، ورَجَّعَ إلى مِسْطَحٍ ما كان يُجْرِي عليه من النفقة والإحسان «٢» .\nقال ابن العربيِّ في «أحكامه»: وفي هذه الآيةِ دليلٌ على أَنَّ الحنث إذا رآه الإنسان خيرًا هو أولى من البر، ولقول النّبيّ ﷺ: «فَرَأَى غَيْرُهَا خَيْرًا مِنْها، فلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرُ، وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ» انتهى «٣» . وقال بعض الناس: هذه أرجى آيةٌ في كتاب الله ﷿ من\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (٢/ ٦٨٧) كتاب الأدب: باب من رد على مسلم غيبة، حديث (٤٨٨٤)، وأحمد (٣/ ٤٤١)، والبغوي في «شرح السنة» (٦/ ٤٩٥- ٤٩٦- بتحقيقنا) .\n(٢) أخرجه الطبريّ (٩/ ٢٨٩) برقم (٢٥٨٧٥)، وذكره البغوي (٣/ ٣٣٤)، وابن عطية (٤/ ١٧٢، ١٧٣)، وابن كثير (٣/ ٢٧٦)، والسيوطي (٥/ ٦٣)، وعزاه لابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان. [.....]\n(٣) أخرجه مسلم (٣/ ١٢٧١- ١٢٧٢) كتاب الأيمان، باب ندب من حلف يمينا، فرأى غيرها خيرا منها أن يأتي الذي هو خير، ويكفر عن يمينه، حديث (١١/ ١٦٥٠)، والبيهقي (١٠/ ٣٢) كتاب الأيمان، باب من حلف على يمين فرأى خَيْرًا مِنْها، فلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرُ وَلْيُكَفِّرْ عن يمينه.\nوأخرجه مسلم (٣/ ١٢٧٢) كتاب الأيمان، باب ندب من حلف يمينا فرأى غيرها خيرا منها، حديث (١٣/ ١٦٥٠) . ومن حديث عدي بن حاتم أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف»، وأبو داود الطيالسي (١/ ٢٤٧) كتاب «الأيمان والنذور»، باب من حلف على يمين فرأى خَيْرًا مِنْها، فلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرُ، وَلْيُكَفِّرْ عن يمينه، حديث (١٢١٨)، وأحمد (٤/ ٢٥٦- ٢٥٧- ٢٥٨)، والدارمي (٢/ ١٨٦) كتاب «الأيمان والنذور»، باب من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها، ومسلم (٣/ ١٢٧٢- ١٢٧٣)، كتاب: الأيمان، باب: ندب من حلف يمينا فرأى غيرها خيرا منها أن يأتي الذي هو خير، ويكفر عن يمينه، حديث (١٦، ١٨/ ١٦٥١)، والنسائي (٧/ ١٠- ١١) كتاب «الأيمان والنذور»، باب الكفارة بعد الحنث، وابن ماجه (١/ ٦٨١) كتاب «الكفارات»، باب من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها، -","vol":"4","page":177},{"text":"حيث لطفه سبحانه بالقَذَفَةِ العُصَاةِ بهذا اللفظ.\nقال ع «١»: وإنَّما تعطى الآية تفضلًا من الله تعالى في الدنيا، وإنَّما الرجاءُ في الآخرة، أما أنَّ الرجاءَ في هذه الآية بقياسٍ، أي: إذا أُمِرَ أُولِي الفضل والسعة بالعفو، فطرد هذا التفضل بسعة رحمته سبحانه لا رَبَّ غيره، وإنَّما آيات الرجاء: قوله تعالى: قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ [الزمر: ٥٣] . وقوله تعالى: اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ\n_________\n- حديث (٢١٠٨)، والحاكم (٤/ ٣٠٠- ٣٠١) كتاب «الأيمان والنذور»، باب لا نذر في معصية الرب ولا في قطيعة الرحم، والبيهقي (١٠/ ٣٢) كتاب «الأيمان»: باب من حلف على يمين فرأى خَيْرًا مِنْها، فلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرُ وَلْيُكَفِّرْ عن يمينه، بلفظ «فلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرُ، وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ» .\nومن حديث عبد الرحمن بن سمرة بلفظ «إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها، فائت الذي هو خير وكفر عن يمينك» .\nومنهم من قال: «فكفر عن يمينك، وائت الذي هو خير» .\nوالحديث أخرجه أحمد (٥/ ٦٢- ٦٣)، والدارمي (٢/ ١٨٦) كتاب «الأيمان والنذر»، باب من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها، والبخاري (١١/ ٥١٦- ٥١٧) كتاب «الأيمان والنذور»، باب قول الله تعالى: لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ ... حديث (٦٦٢٢)، ومسلم (٣/ ١٢٧٣- ١٢٧٤) كتاب «الأيمان»، باب ندب من حلف يمينا، فرأى غيرها خيرا منها، حديث (٩/ ١٦٥٢)، وأبو داود الطيالسي (١/ ٢٤٧) كتاب «الأيمان والنذور»، باب من حلف على يمين فرأى خيرا منها، فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه، حديث (١٢١٩)، والنسائي (٧/ ١٢) كتاب «الأيمان والنذور»، باب الكفارة بعد الحنث، وأبو داود (٣/ ٥٨٤) كتاب «الأيمان والنذور»، باب الرجل يكفر قبل أن يحنث، حديث (٣٢٧٧)، وابن الجارود في «المنتقى» ص (٣١٠): باب ما جاء في الأيمان، حديث (٩٢٩)، والبيهقي (١٠/ ٣١) كتاب «الأيمان»، باب من حلف على يمين فرأى خيرا منها، فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه.\nوالخطيب في «تاريخ بغداد» (٢/ ٤٠٠) من طرق عن الحسن عن عبد الرحمن به.\nومن حديث عبد الرحمن بن أذينة عن أبيه أخرجه الطيالسي (١/ ٢٤٧) كتاب «الأيمان والنذور»، باب من حلف على يمين فرأى خيرا منها، فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه، حديث (١٢٢٠) .\nومن حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رواه أحمد (٢/ ٢٠٤) بلفظ «فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه»، ورواه الطيالسي (١/ ٢٤٧) كتاب «الأيمان والنذور»، باب من حلف على يمين فرأى خيرا منها، حديث (١٢٢١)، وأحمد (٢/ ٢١٢)، وأبو داود (٣/ ٥٨٢) كتاب «الأيمان والنذور»، باب اليمين في قطيعة الرحم، حديث (٣٢٧٤)، وابن ماجه (١/ ٦٨٢) كتاب «الكفارات»، باب من قال: كفارتها تركها، حديث (٢١١١) بلفظ «فليدعها وليأت الذي هو خير، فإن تركها كفارتها» .\nوقال أبو داود: الأحاديث كلها عن النبي ﷺ «وليكفر عن يمينه» إلا فيما لا يعبأ به.\nومن حديث مالك الجشمي رواه النسائي (٧/ ١١) كتاب «الأيمان والنذور»، باب الكفارة بعد الحنث، وابن ماجه (١/ ٦٨١) كتاب «الكفارات»، باب من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها، حديث (٢١٠٩) .\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ١٧٣) .","vol":"4","page":178},{"text":"[الشورى: ١٩] . وسمعت أبي ﵀ يقول: أرجى آيةٌ في كتاب الله عندي قوله تعالى:\nوَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا [الأحزاب: ٤٧] . وقال بعضهم: أرجى آية قولَهُ تعالى: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى [الضحى: ٥] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-980>[سورة النور (٢٤): الآيات ٢٣ الى ٢٥]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٢٣) يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (٢٥)\nوقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ... الآيةَ: قال ابن جبير: هذه الآية خاصَّةٌ في رُمَاةِ عائشة «١»، وقال ابن عباس «٢» وغيره: بل ولجميع أزواج النبي ﷺ لمكانهن من الدِّينِ ولم يقرن بآخر الآية توبة.\nقال ع «٣»: وقاذف غَيْرهِنَّ له اسم الفسق، وذكرت له التوبةُ، ولعن الدنيا:\nالإِبعاد، وضربُ الحَدِّ، والعامل في قوله: يَوْمَ فعل مُضمَرٌ تقديره: يُعَذَّبُونَ يومَ أو نحو هذا، والدين في هذه الآية: الجزاء، وفي مصحف ابن مسعود «٤» وأُبَيٍّ: يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللهُ الحَقُّ دِينَهُمْ بتقديم الصفة على الموصوف.\nوقوله: وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ يُقِوِّي قولَ مَنْ ذهب: أَنَّ الآية في المنافقين عَبْدِ الله بن أبيّ وغيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-981>[سورة النور (٢٤): الآيات ٢٦ الى ٢٨]</span>\nالْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٢٦) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٢٧) فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَدًا فَلا تَدْخُلُوها حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكى لَكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨)\n_________\n(١) أخرجه الطبريّ (٩/ ٢٩٠) برقم (٢٥٨٨١)، وذكره البغوي (٣/ ٣٣٤)، وابن عطية (٤/ ١٧٤)، وابن كثير (٣/ ٢٧٦)، والسيوطي (٥/ ٦٤)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والطبراني عن خصيف.\n(٢) أخرجه الطبريّ (٩/ ٢٩١) برقم (٢٥٨٨٥)، وذكره البغوي (٣/ ٣٣٤)، وابن عطية (٤/ ١٧٤)، وابن كثير (٣/ ٢٧٦)، والسيوطي (٥/ ٦٤)، وعزاه لسعيد بن منصور، والطبراني، وابن مردويه عن ابن عباس.\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ١٧٤) .\n(٤) ونسبها ابن خالويه إلى قراءة النبي ﷺ. ولكنه ضبطها برفع كلمة «الحق» .\nينظر: «المختصر» ص (١٠٣)، و«المحرر الوجيز» (٤/ ١٧٤) .","vol":"4","page":179},{"text":"وقوله تعالى: الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ ... الآية: قال ابن عباس «١» وغيره: الموصوف بالخُبْثِ والطيب: الأقوال والأفعال، وقال ابن زيد «٢»: الموصوفُ بالخُبْث والطيب، النساءُ والرجال، ومعنى هذا التفريقَ بَيْنَ حكم ابن أبيّ وأشباهه وبين حكم النبي ﷺ وفضلاء أصحابه وأمّته.\nوقوله تعالى: أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ إشارة إلى الطيبين المذكورين، وقيل:\nالإشارة ب أُولئِكَ إلى عائشة﵂- ومَنْ في معناها.\nوقوله تعالى: لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا سبب هذه الآية فيما روى الطبريُّ «٣»: أَنَّ امرأة من الأنصار قالت: يا رسولَ الله، إنِّي أَكونُ في منزلي على الحال الَّتي لاَ أُحِبُّ أَنْ يراني أحدٌ عليها، لاَ وَالَدٌ ولا وَلَد، وإنَّهُ لا يزالُ يدخلُ عليَّ رجلٌ مِنْ أهلي، وأنا على تلك الحال فنزلت هذه «٤» الآية، ثم هي عامَّةٌ في الأُمَّةِ غَابِرَ الدهر، وبيت الإنسان: هو الذي لا أحد معه فيه، أوِ البيتَ الذي فيه زوجته أو أَمَتُهُ، وما عدا هذا ٣٧ أفهو غير بيته، وتَسْتَأْنِسُوا معناه: تستعملوا/ مَنْ في البيت، وتستبصروا، تقول:\nآنستُ: إذا علمَتُ عن حِسٍّ وإذا أبصرتُ ومنه قوله تعالى: آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا [النساء: ٦] .\nو«استأنس» وزنه: استفعل، فكأنَّ المعنى في تَسْتَأْنِسُوا: تطلبوا أنْ تعلموا ما يؤنسكم ويؤنس أهل البيت منكم، وإذا طلب الإنسان أن يعلم أمر البيت الذي يريد دخوله، فذلك يكون بالاستئذان على من فيه، أو بأنْ يتنحنح ويشعر بنفسه بأي وجه أمكنه، ويتأنّى قَدْرَ ما يتحفظ منه، ويدخل إثر ذلك.\nوذهب الطبريُّ «٥» في: تَسْتَأْنِسُوا إلى أَنَّه بمعنى حتى تؤنسوا أهل البيت بأنفسكم بالتنحنح والاستئذان ونحوه، وتؤنسوا نفوسكم بأن تعلموا أنْ قد شعر بكم.\n_________\n(١) أخرجه الطبريّ (٩/ ٢٩٣) برقم (٢٥٨٩١)، وذكره ابن عطية (٤/ ١٧٤)، وابن كثير (٣/ ٢٨٧)، والسيوطي (٥/ ٦٦)، وعزاه لابن جرير، ولابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه عن ابن عباس.\n(٢) أخرجه الطبريّ (٩/ ٢٩٥) برقم (٢٥٩٠٥)، وذكره البغوي (٣/ ٣٣٥)، وابن عطية (٤/ ١٧٤)، وابن كثير (٣/ ٢٧٨) .\n(٣) ينظر: «الطبريّ» (٩/ ٢٩٧) .\n(٤) أخرجه الطبريّ في «تفسيره» (٩/ ٢٩٧) رقم (٢٥٩٢١) عن عدي بن ثابت.\n(٥) ينظر: «الطبريّ» (٩/ ٢٩٨) .","vol":"4","page":180},{"text":"قال ع «١»: وتصريف الفعل يأْبَى أَنْ يكون من أنس، وقرأ أُبَيُّ وابن عباس «٢»:\n«حتى تَسْتَأْذِنُوا وَتُسَلِّمُوا» وصورة الاستئذان أَنْ يقول الإنسان: السلام عليكم، أأدخل؟ فإن أُذِنَ له دَخَل، وإنْ أُمِرَ بالرجوع انصرف، وإنْ سُكِتَ عنه استأذن ثلاثًا ثم ينصرف، جاءت في هذا كله آثار، والضمير في قوله: تَجِدُوا فِيها: للبيوت التي هي بيوتُ الغير، وأسند الطبريُّ «٣» عن قتادة أنه قال: قال رجل من المهاجرين: لقد طلبتُ عمري كُلَّه هذه الآيةَ فما أدركتها أن أستأذنَ على بعض إخواني فيقول لي: ارجع، فأرجع وأنا مُغْتَبِطٌ «٤» لقوله تعالى: هُوَ أَزْكى لَكُمْ.\nوقوله تعالى: وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ تَوَعُّدٌ لأهل التجسّس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-982>[سورة النور (٢٤): الآيات ٢٩ الى ٣١]</span>\nلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ (٢٩) قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْها وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبائِهِنَّ أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنائِهِنَّ أَوْ أَبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَواتِهِنَّ أَوْ نِسائِهِنَّ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١)\nوقوله تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ ... الآية: أباح سبحانه في هذه الآية رفعَ الاستئْذان في كُلِّ بيت لا يسكنه أحد لأَنَّ العِلَّةَ في الاستئذان خوفُ الكشفة على المُحَرِّمَاتِ، فإذا زالت العِلَّةُ زال الحكم، وباقي الآية بَيِّنٌ ظاهر التوعد، وعن مالك ﵀: أَنه بلغه أَنَّهُ كان يُسْتَحَبُّ إذا دخل البيتَ غيرَ المسكون، أن يقول\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ١٧٥) .\n(٢) ينظر: «المحتسب» (٢/ ١٠٧)، و«مختصر شواذ ابن خالويه» ص ١٠٣، ولكنه حكاها هكذا: «حتى يسلموا على أهلها ويستأذنوا»، ونسبها إلى ابن مسعود وابن عباس. وأما قراءة أبي عنده- فهي: حتى يسلموا ويستأذنوا» .\nوينظر: «الكشاف» (٣/ ٢٢٧)، و«المحرر الوجيز» (٤/ ١٧٥) . [.....]\n(٣) تقدم تخريجه.\n(٤) أخرجه الطبريّ (٩/ ٢٩٩) برقم (٢٥٩٣٣)، وذكره ابن عطية (٤/ ١٧٦)، وابن كثير (٣/ ٢٨١)، والسيوطي (٥/ ٧٢)، وعزاه لأبي يعلى، وابن مردويه عن أنس.","vol":"4","page":181},{"text":"الذي يدخله: السَّلاَمُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَاد اللهِ الصَّالِحِينَ، انتهى، أخرجه «١» في «المُوَطَّإِ» .\nوقوله تعالى: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ أظهر ما في مِنْ أَنْ تكون للتبعيض، لأَنَّ أول نظرة لا يملكها الإنسانُ وإنَّما يَغُضُّ فيما بعد ذلك، فقد وقع التبعيض بخلاف الفروج إذ حفظُها عامٌّ لها، والبصر هو الباب الأكبر إلى القلب، وبحسب ذلك كثر السقوط من جهته، ووجب التحذيرُ منه، وحفظُ الفرج هو عن الزنا وعن كشفه حيث لا يحل.\nقلت: النواظر «٢» صوارمُ مشهورة فاغمدها في غِمْدِ الغَضِّ والحياء مِنْ نظر المولى وإلاَّ جرحك بها عَدُوُّ الهوى، لا ترسلْ بريد النظر فيجلبَ لقلبك رَدِيءَ الفكر، غُضُّ البصرِ يُورِثُ القلب نورًا، وإطلاقُه يَقْدَحُ في القلب نارًا. انتهى من «الكَلِمِ الفارقيَّة فِي الحِكَمِ الحقيقيَّة» .\nقال ابن العربيِّ»\nفي «أحكامه»: قوله تعالى: ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ يريد: أطهر وأنمى، يعني: إذا غَضَّ بصره كان أطهرَ له من الذنوب وأَنمى لعمله في الطاعة.\nقال ابن العربي «٤»: ومِنْ غَضَّ البصر: كَفُّ التطلع إلى المُبَاحَاتِ من زينة الدنيا وجمالِها كما قال الله تعالى لنبيه ﷺ: وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى مَا مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجًا مِنْهُمْ ٣٧ ب زَهْرَةَ الْحَياةِ/ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى [طه: ١٣١] . يريد ما عند الله تعالى، انتهى.\nوقوله تعالى: وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ ... الآية: أمر الله تعالى النساء في هذه الآية بِغَضِّ البصر عن كل ما يُكْرَهُ- من جهة الشرع- النظرُ إليه، وفي حديث أُمِّ سلمةَ قالت: كُنْتُ أنا وعائشة عند النّبيّ ﷺ فدخل ابن أمّ مكتوم فقال النّبيّ ﷺ:\n«احتجبن، فقلن: إنّه أعمى! فقال ﷺ: «أفعمياوان أنتما» «٥» ومِنْ الكلام فيها كالتي قبلها.\n_________\n(١) أخرجه مالك (٢/ ٩٦٢) كتاب «السلام»: باب جامع السلام حديث (٨) .\n(٢) في ج: النظر.\n(٣) ينظر: «أحكام القرآن» (٣/ ١٣٦٦) .\n(٤) ينظر: «أحكام القرآن» (٣/ ١٣٦٦) .\n(٥) أخرجه أبو داود (٢/ ٤٦٢) كتاب «اللباس»: باب قول الله تعالى: وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ حديث (٤١١٢)، والترمذي (٥/ ٩٤) كتاب «الأدب»: باب ما جاء في احتجاب النساء من الرجال، حديث (٢٧٧٨)، وأحمد (٦/ ٢٩٦)، والنسائي في «الكبرى» (٥/ ٣٩٣) كتاب «عشرة النساء»: باب نظر-","vol":"4","page":182},{"text":"قال ابن العربي في «أحكامه» «١»: وكما لا يَحِلُّ للرجل أن ينظر إلى المرأة، لا يحل للمرأة أَنْ تنظر إلى الرجلِ، فإنَّ عَلاَقَتَهُ بها كعلاقتها به، وقصدَه منها كقصدها منه، ثم استدل بحديث أُمِّ سلمة المتقدم، انتهى. وحفظ الفرج يَعُمُّ الفواحش، وسترَ العورة، وما دون ذلك مِمَّا فيه حفظ، ثم أَمر تعالى بأَلاَّ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلاَّ ما يظهر من الزينة قال ابن مسعود «٢»: ظاهر الزينة: هو الثياب.\nوقال ابن جبير وغيره «٣»: الوجه والكَفَّانِ والثيابُ.\nوقيل: غير هذا.\nقال زينتها ع «٤» ويظهر لي بحكم ألفاظ الآية أَنَّ المرأة مأمورة بأَلاَّ تبديَ، وأَنْ تجتهدَ في الإخفاء لكل ما هو زينة، ووقع الاستثناء في كُلِّ ما غلبها، فظهر بحكم ضرورة حركة فيما لا بُدَّ منه أو إصلاح شأن، فما ظهر على هذا الوجه فهو المَعفُوُّ عنه، وذكر أبو عمر: الخلاف في تفسير الآية كما تقدم قال: ورُوِيَ عن أبي هريرة في قوله تعالى: وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْها قال: القلب والفتخة.\n_________\n- النساء إلى الأعمى، حديث (٩٢٤١، ٩٢٤٢)، والطحاوي في «مشكل الآثار» (١/ ١١٦)، وأبو يعلى (١٢/ ٣٥٣) رقم (٦٩٢٢)، وابن حبان (١٩٦٨- موارد)، والفسوي في «المعرفة والتاريخ» (١/ ٤١٦)، والبيهقي (٧/ ٩١- ٩٢)، وابن سعد في «الطبقات» (٨/ ١٢٦) كلهم من طريق الزهري عن نبهان مولى أم سلمة عن أم سلمة به.\nوقال الترمذي: حديث حسن صحيح.\nوصححه ابن حبان.\nقال الحافظ في «الفتح» (٩/ ٣٣٧): وهو حديث أخرجه أصحاب السنن من رواية الزهري عن نبهان مولى أم سلمة عنها، وإسناده قوي، وأكثر ما علل به انفراد الزهري بالرواية عن نبهان، وليست بعلة قادحة، فإن من يعرفه الزهري ويصفه بأنه مكاتب أم سلمة ولم يجرحه أحد لا ترد روايته ا. هـ.\n(١) ينظر: «أحكام القرآن» (٣/ ١٣٦٧) .\n(٢) أخرجه الطبريّ (٩/ ٣٠٣، ٣٠٤) برقم (٢٥٩٥١، ٢٥٩٥٢، ٢٥٩٥٣، ٢٥٩٥٤، ٢٥٩٥٥)، وذكره ابن عطية (٤/ ١٧٨)، وابن كثير (٣/ ٢٨٣) والسيوطي (٥/ ٧٤)، وعزاه لعبد الرزاق، والفريابي، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحكم وصححه، وابن مردويه عن ابن مسعود.\n(٣) أخرجه الطبريّ (٩/ ٣٠٤) برقم (٢٥٩٦٣)، (٢٥٩٦٤) عن سعيد بن جبير، وبرقم (٢٥٩٦٥) عن عطاء، وذكره ابن عطية (٤/ ١٧٨)، وابن كثير (٣/ ٢٨٣)، والسيوطي (٥/ ٧٥)، وعزاه لابن جرير عن سعيد بن جبير.\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ١٧٨) .","vol":"4","page":183},{"text":"قال جرير بن حازم: القُلْبُ: السِّوَارُ، والفتخة: الخاتم، انتهى من «التمهيد» .\nوقوله تعالى: وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ.\nقال ابن العربي «١»: الجيب هو الطَّوْقُ، والخمار: هو المِقْنَعَة، انتهى.\nقال ع «٢»: سبب الآية أَنَّ النساء كُنَّ في ذلك الزمان إذا غَطَّيْنَ رؤوسهنَّ بالأخمرة سَدَلْنَهَا من وراء الظهر فيبقى النَّحْرُ والعُنُقُ والأُذُنَانِ لا سِتْرَ على ذلك، فأمر الله تعالى بِلَيِّ الخمار على الجيوب، وهَيْئَةُ ذلك يستر جميعَ ما ذكرناه، وقالت عائشة﵂- رُحِمَ اللهُ المُهَاجِرَاتِ الأُوَلَ لمَّا نزلت هذه الآية عَمَدْنَ إلى أكثف المروط «٣» فشققنها أخمرةً، وضربن بها على الجيوب «٤» .\nوقوله سبحانه: أَوْ نِسائِهِنَّ يعني جميع المؤمنات، ويخرج منه نساء المشركين، وكتب عمر إلى أبي عبيدةَ بن الجراح أَنْ يمنع نساءَ أهل الذِّمَّةِ أَنْ يدخلنَ الحَمَّامَ مع نساء المسلمين فامتثل «٥» .\nوقوله سبحانه: أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ يدخل فيه الإماءُ الكتابِيَّاتُ والعبيد.\nوقال ابن عباس وجماعة «٦»: لا يدخل العبد على سَيِّدته فيرى شعرها إلاَّ أن يكون وغْدًا.\nوقوله تعالى: أَوِ التَّابِعِينَ يريد الأتباع لِيُطْعَمُوا، وهم فُسُولُ الرجال الذين لا إرْبَةَ لهم في الوَطْءِ، ويدخل في هذه الصنيفة: المَجْبُوبُ، والشيخ الفاني، وبعضُ المَعْتُوهِينَ، والذي لا إرْبَةَ له من الرجال قليلٌ، والإربة: الحاجة إلى الوطء، والطفل اسم جنس،\n_________\n(١) ينظر: «أحكام القرآن» (٣/ ١٣٦٩) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ١٧٨) . [.....]\n(٣) المرط: كل ثوب غير مخيط. وبالفتح: كساء من خز أو صوف أو كتان، وقيل: هو الثوب الأخضر، وجمعه مرمط، ينظر: «لسان العرب» (٤١٨٣) .\n(٤) أخرجه البخاري (٨/ ٣٤٧) كتاب «التفسير»: باب وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ حديث (٤٧٥٨) .\n(٥) أخرجه الطبريّ (٩/ ٣٠٧) برقم (٢٥٩٨٦)، وذكره ابن عطية (٤/ ١٧٩)، وابن كثير (٣/ ٢٨٤)، والسيوطي (٥/ ٧٧)، وعزاه لسعيد بن منصور، والبيهقي في «سننه»، وابن المنذر عن عمر بن الخطاب.\n(٦) ذكره ابن عطية (٤/ ١٧٩)، والسيوطي (٥/ ٧٧) وعزاه لابن أبي شيبة، وابن المنذر عن ابن عباس نحوه.","vol":"4","page":184},{"text":"/ ويقال: طفل ما لم يراهق الحلم، ويَظْهَرُوا معناه: يطّلعوا بالوطء. ٣٨ أوقوله تعالى: وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ ... الآية، قيل: سببها أَنَّ امرأة مَرَّتْ على قوم فضربت برجلها الأرض فَصَوَّتَ الخَلْخَالُ، وسماعُ صوت هذه الزينة أَشَدُّ تحريكًا للشهوة من إبدائها ذكره الزَّجَّاجُ «١»، ثم أمر سبحانه بالتوبة مُطْلَقَةً عَامَّةٍ من كل شيء صغير وكبير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-983>[سورة النور (٢٤): الآيات ٣٢ الى ٣٤]</span>\nوَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢) وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٣) وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٣٤)\nوقوله تعالى: وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ الأَيِّمُ: مَنْ لا زوجةَ له أو لا زوجَ لها فالأَيِّمُ: يقال للرجل والمرأة.\nوقوله: وَالصَّالِحِينَ يريد: للنكاح، وهذا الأمر بالنكاح يختلف بحسب شَخْصٍ شخْصٍ، ففي نازلة: يُتَصَوَّرُ وجوبُه، وفي نازلة: النَّدْبُ وغيرُ ذلك حسبما هو مذكور في كتب الفقه قال ابن العربيِّ في «أحكامه» «٢»: قوله تعالى: وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ الأظهر فيه: أنه أمر بإنكاح العبيد والإماء كما أمر بإنكاح الأيامى، وذلك بيد السادَةِ في العبيد والإماء كما هو في الأحرار بيد الأولياء، انتهى. ثم وعد تعالى بإغناء الفقراء المتزوجين طَلَبَ رضا الله عنهم، واعتصامًا من معاصيه، ثم أمر تعالى كُلَّ مَنْ يَتَعَذَّرُ عليه النكاحُ أَنْ يستعفف حتى يُغْنِيَهُمُ الله من فضله، إذِ الغالب من موانع النكاح عَدَمُ المال، فوعد سبحانه المُتَعَفِّفُ بالغنى. والمكاتبة: مفاعلة من حيث يَكْتُبُ هذا على نفسه وهذا على نفسه، ومذهب مالك: أَنَّ الأَمرَ بالكتابة هو على الندب.\nوقال عطاء: ذلك واجب، وهو ظاهرُ مذهب عمرَ بن الخطاب «٣» ﵁.\n_________\n(١) ينظر: «معاني القران» (٤/ ٤٠) .\n(٢) ينظر: «أحكام القرآن» (٣/ ١٣٧٨) .\n(٣) أخرجه الطبريّ (٩/ ٣١٢) رقم (٢٦٠١٨)، وذكره ابن عطية (٤/ ١٨١) .","vol":"4","page":185},{"text":"وقوله: إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا قالت فرقة: الخير هنا المال.\nوقال مالك: إنَّه ليقال: القُوَّةُ والأداء، وقال عبَيْدَةُ السَّلْمانيَّ: الخير هو: الصلاح في الدّين.\nوقوله تعالى: وَآتُوهُمْ قال المفسرون: هو أمر لكل مُكَاتِبِ أنْ يضع عن العبد من مال كتابته، ورأى مالك هذا الأمر على النَّدْبِ، ولم يَرَ لقدر الوضيعة حَدًّا، واستحسن «١» عليُّ بن أبي طالب ﵁ أن يُوضَعَ عنه الرُّبُعُ، وقيل: الثُّلُثُ، وقيل: العشر، ورأى عمر «٢» أَنْ يكون ذلك من أَوَّلِ نُجُومِهِ مبادرةً إلى الخير، وخوفَ أَلاَّ يدركَ آخرها، ورأى مالك وغيره: أَنْ يكونَ الوضعُ من آخر نَجْمٍ وعِلَّةُ ذلك أَنَّه: ربما عجز العبدُ فرجع هو وماله إلى السَّيِّدِ، فعادت إليه وضيعته وهي شبه الصدقة.\nقلت: والظاهر أَنَّ هذا لا يُعَدُّ رجوعًا كما لو رجع إليه بالميراث، ورأى الشافعيُّ وغيره: أَنَّ الوضيعة واجبةُ يُحكَمُ بها.\nوقال الحسن «٣» وغيره: الخطاب بقوله تعالى: وَآتُوهُمْ: للناس أجمعين في أَنْ يتصدَّقُوا على المكاتَبِينَ.\nوقال زيد بن أسلم «٤»: إنَّما الخطاب لولاة الأمور.\nوقوله سبحانه: وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا الآية: رُوِيَ أَنَّ سبب الآية هو أَن عبد الله بن أُبَيِّ ابن سلولَ كانت له أَمَةٌ، فكان يأمرُها بالزنا والكَسْبِ به، فشكَتْ ذلك إلى النبي ﷺ، فنزلت الآية فيهِ، وفيمن فَعَلَ فعلَه من المنافقين «٥» .\n_________\n(١) أخرجه الطبريّ (٩/ ٣١٥) برقم (٢٦٠٤٦، ٢٦٠٤٧، ٢٦٠٤٨، ٢٦٠٤٩)، وابن عطية (٤/ ١٨١)، والسيوطي (٥/ ٨٣) وعزاه لأبي عبد الرحمن السلمي عن علي بن أبي طالب، وعزاه أيضا في رواية أخرى لعبد الرزاق، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، والديلمي، وابن المنذر، والبيهقي، وابن مردويه.\n(٢) ذكره ابن عطية (٤/ ١٨١) .\n(٣) أخرجه الطبريّ (٩/ ٣١٧) برقم (٢٦٠٦٦)، وذكره ابن عطية (٤/ ١٨٢)، والسيوطي (٥/ ٨٣)، وعزاه لعبد بن حميد عن الحسن.\n(٤) ذكره ابن عطية (٤/ ١٨٢)، والسيوطي (٥/ ٨٣)، وعزاه لابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم.\n(٥) أخرجه الطبريّ (٩/ ٣١٨) برقم (٢٦٠٧٣)، وذكره البغوي (٣/ ٣٤٤)، وابن عطية (٤/ ١٨٢)، والسيوطي (٥/ ٨٤)، وعزاه لابن أبي حاتم عن السدي.","vol":"4","page":186},{"text":"وقوله: إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا راجع إلى الفتيات وذلك أَنَّ الفتاةَ إذا أَرادت التَّحَصُّنَ فحينئذ يمكن ويُتَصَوَّرُ أَنْ يكونَ السيد مُكْرِهًا، ويمكن أن ينهى عن الإكراه، وإذا كانت الفتاة لا تريد التحصنَ فلا يُتَصَوَّرُ أَنْ يُقَالَ للسيد: لا تُكْرِهها: لأَنَّ الإكراه لا يُتَصوَّرُ فيها وهي مريدة للفساد، فهذا أمر في سادة وفتياتٍ حالُهم هذه، وذهب هذا النظرُ عن كثير من المفسرين/: فقال بعضُهم: قولُه: إِنْ أَرَدْنَ راجِعٌ إلى الأيامى في قوله: وَأَنْكِحُوا ٣٨ ب الْأَيامى مِنْكُمْ، وقال بعضهم: هذا الشرط في قوله: إِنْ أَرَدْنَ مَلْغِيٌّ ونحو هذا مِمَّا هو ضعيف، والله الموفق للصواب برحمته.\nقلت: وما اختاره ع «١» هو الذي عَوَّلَ عليه ابن العرَبيِّ «٢» وَنَصَّهُ، وإنما ذكر الله تعالى إِرادة التَّحَصّنِ من المرأة لأَنَّ ذلك هو الذي يصور الإكراه، فأَمَّا إذا كانت هي راغبةً في الزنا، لم يتحصل الإكراه فحصلوه إنْ شاء الله، انتهى من «الأحكام» وقرأ ابن مسعود «٣» وغيره: «فَإنَّ اللهَ مِنْ بَعْدِ إكْرَاهِهِنَّ [لهُنَّ] «٤» غَفُورٌ رَحِيمٌ» ثم عَدَّد سبحانه نِعَمَهُ على المؤمنين في قوله: وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ ليقع التحفظ ممّا وقع أولئك فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-984>[سورة النور (٢٤): الآيات ٣٥ الى ٣٧]</span>\nاللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥) فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ (٣٦) رِجالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ (٣٧)\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ١٨٢) .\n(٢) ينظر: «أحكام القرآن» (٣/ ١٣٨٦) . [.....]\n(٣) وقرأ بها ابن عباس، وسعيد بن جبير.\nقال أبو الفتح: اللام في «لهن» متعلقة ب «غفور» لأنها أدنى إليها، ولأن فعولا أقعد في التعدي من فعيل، فكأنه قال: فإن الله من بعد إكراههن غفور لهن. ويجوز أن تكون أيضا متعلقة ب «رحيم»، وذلك أن ما لا يتعدى قد يتعدى بحرف الجر ألا تراك تقول: هذا مارّ بزيد أمس، فتعمل اسم الفاعل، وهو لما مضى؟ فكذلك يجوز تعلق اللام في «لهن» بنفس «رحيم» .\nينظر: «المحتسب» (٢/ ١٠٨)، و«الكشاف» (٣/ ٢٤٠)، و«المحرر الوجيز» (٤/ ١٨٢)، وزاد نسبتها إلى جابر بن عبد الله.\n(٤) سقط في ج.","vol":"4","page":187},{"text":"وقوله تعالى: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ... الآية: النور في كلام العرب الأضواء المُدْرَكَةُ بالبصر، ويُسْتَعْمَلُ مجازًا فيما صَحَّ من المعاني ولاح فيقال: كلام له نور، ومنه الكتاب المنير، والله تعالى ليس كمثله شيء فواضح أَنَّهُ ليس من الأضواء المُدْرَكَةِ، ولم يبقَ إلاَّ أَنَّ المعنى مُنَوِّرُ السموات والأرض، أي: به وبقدرته أنارت أضواؤها، واستقامت أمورها، كما تقول: الملك نور الأمة، أي: به قِوام أمورها وصلاحُ جملتها، والأمر في الملك مجاز، وهو في صفة الله تعالى حقيقة مَحْضَةٌ، وقرأ «١» أبو عبد الرحمن السلمي وغيره: «الله نَوَّرَ» - بفتح النون والواو المشددة وفتح الراء- والضمير في نُورِهِ يعود على الله تعالى قاله جماعة، وهو إضافة خلق إلى خالق، كما تقول: ناقة الله، وبيت الله، ثم اختلفوا في المراد بهذا النور، فقيل: هو محمد ﷺ، وقيل: هو المؤمن، وقيل: هو الإيمان والقرآن، وفي قراءة أبيّ بن كعب: «مَثَلُ نُورِ المُؤْمِنِينَ» والمشكاة: هي الكُوَّةُ غير النافذة فيها القنديل ونحوه، وهذه الأقوال الثلاثة يطّرد فيها مقابلة جزء من المثال بجزء من المُمَثَّلِ، فعلى قول من قال: الممثّل محمد ﷺ- وهو قول كعب الأحبار- فرسول الله ﷺ هو المشكاة أو صدره، والمصباح هو النبوة وما يَتَّصِلُ بها من علمه وهداه، والزجاجة: قلبه، والشجرة المباركة: هي الوحي، والزيت: هو الحجج والبراهين. وعلى قول مَنْ قال: إنَّ المُمَثَّلَ به هو المؤمن- وهو قول أُبَيِّ بن كعب «٢» -، فالمشكاة صدره، والمصباح: الإيمان والعلم، والزجاجة: قلبه، والشجرة القرآن، وزيتها: هو الحجج، والحكمة التي تضمنها قولُ أُبَيٍّ فهو على أحسن الحال يمشي في الناس كالرجل الحي في قبور الأموات، وتحتمل الآية معنى آخر، وهو أَنْ يريدَ: مَثَلُ نورِ الله الذي هو هداه في الوضوح كهذه الجملة من النور، الذي تتخذونه أنتم على هذه الصفة التي هي أبلغ صفات النور، الذي هو بين أيديكم أَيُّها البشر وقال أبو موسى:\nالمشكاة: الحديدة أو الرَّصَاصَةُ التي يكون فيها القنديل في جوف الزجاجة، والأوّل أصحّ.\n_________\n(١) وقرأ بها عبد الله بن أبي ربيعة.\nينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ١٨٣)، و«البحر المحيط» (٦/ ٤١٨)، وزاد نسبتها إلى علي بن أبي طالب، وأبي جعفر، وعبد العزيز المكي، وزيد بن علي، وثابت بن أبي حفصة، والقورصي، ومسلمة بن عبد الملك.\nوينظر: «الدر المصون» (٥/ ٢١٩) .\n(٢) أخرجه الطبريّ (٢٦٠٨٨)، وذكره البغوي (٣/ ٣٤٥)، وابن عطية (٤/ ١٨٣)، وابن كثير (٣/ ٢٨٩)، والسيوطي (٥/ ٨٧) وعزاه لعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والحاكم وصححه عن أبيّ بن كعب.","vol":"4","page":188},{"text":"وقوله: فِي زُجاجَةٍ لأَنَّه جسم شَفَّافٌ، المصباحُ فيه أنور منه في غير الزجاجة، والمصباح: الفتيل بناره.\nوقوله: كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ أي/ في الإنارة والضوء، وذلك يحتمل معنيين: إمَّا أن ٣٩ أيريد أَنَّها بالمصباح كذلك، وإمَّا أَنْ يريد أَنَّها في نفسها لصفائها وجودة جوهرها، وهذا التأويل أبلغ في التعاون على النور قال الضَّحَّاكُ: الكوكب الدُّرِّيُّ: الزهرة «١» .\nوقرأ ابن كثير وأبو عمرو «٢»: «تَوَقَّدَ» - بفتح التاء والدال-، والمراد: المصباح، وقرأ نافع وغيره: «يُوقَدُ» أي: المصباح.\nوقوله: مِنْ شَجَرَةٍ أي من زيت شجرة، والمباركة: المُنَمَّاةُ.\nوقوله تعالى: لاَ شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ قال الحسن «٣»: أي: ليست هذه الشجرة من شجر الدنيا وإنَّما هو مَثَلٌ ضربه الله تعالى لنوره، ولو كانت في الدنيا لكانت إمَّا شرقِيَّةً وإمَّا غربِيَّةً، وقيل غيرُ هذا.\nوقوله سبحانه: يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ ... الآية مبالغة في صفة صفاته وحُسْنِهِ.\nوقوله: نُورٌ عَلى نُورٍ أي: هذه كلها ومعان تكامل بها هذا النورُ المُمَثَّلُ به، وفي هذا الموضع تمّ المثالُ، وباقي الآية بَيِّنٌ.\nوقوله تعالى: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ قال ابن عباس وغيره»\n: هي المساجد المخصوصةُ بعبادة الله التي من عادتها أنْ تُنَوَّرَ بهذا النوع من المصابيح. وقوله:\nأَذِنَ اللَّهُ: بمعنى: أمر وقضى، وتُرْفَعَ قيل: معناه تُبْنَى وتُعَلَّى قاله مجاهد «٥» وغيره كقوله تعالى: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ ... [البقرة: ١٢٧] .\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٤/ ١٨٤)، والسيوطي (٥/ ٨٩)، وعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم عن الضحاك.\n(٢) ينظر: «السبعة» (٤٥٥- ٤٥٦)، و«الحجة» (٥/ ٣٢٤)، و«إعراب القراءات» (٢/ ١٠٩)، و«معاني القراءات» (٢/ ٢٠٧)، و«شرح الطيبة» (٥/ ٩٠)، و«العنوان» (١٣٩)، و«حجة القراءات» (٥٠٠)، و«شرح شعلة» (٥١٤) و«إتحاف» (٢/ ٢٩٨) .\n(٣) أخرجه الطبريّ (٩/ ٣٢٧) برقم (٢٦١٢٤)، وذكره البغوي (٣/ ٣٤٧) وابن عطية (٤/ ١٨٥)، والسيوطي (٥/ ٩٠)، وعزاه لابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن الحسن.\n(٤) أخرجه الطبريّ (٩/ ٣٢٩) برقم (٢٦١٢٩، ٢٦١٣٠)، وذكره البغوي (٣/ ٣٤٨)، وابن عطية (٤/ ١٨٥)، والسيوطي (٥/ ٩٠)، وعزاه لابن أبي حاتم عن ابن عباس.\n(٥) أخرجه الطبريّ (٩/ ٣٢٩) برقم (٢٦١٣١، ٢٦١٣٢، ٢٦١٣٣)، وذكره البغوي (٣/ ٣٤٨)، وابن عطية (٤/ ١٨٦)، والسيوطي (٥/ ٩١)، وعزاه لعبد بن حميد عن مجاهد.","vol":"4","page":189},{"text":"وقال الحسن «١»: معناه تُعظَّم ويُرْفَعُ شأنها، وذكر اسمه تعالى هو بالصلاة والعبادة قولًا وفعلًا، ويُسَبِّحُ لَهُ فِيها أي: في المساجد، بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ قال ابن عباس «٢»:\nأراد ركعتي الضُّحَى. [والعصر، وإنَّ ركعتي الضحى] «٣» لفي كتاب الله وما يغوص عليها إلاَّ غَوَّاصٌ ثم وصف تعالى المسبحين بأنهم لمراقبتهم أمرَ الله تعالى وطلبهم رضاه، لا يشغلهم عن الصلاة وذكرِ الله شيءٌ من أمور الدنيا.\nقلت: وعن عمر﵁- أنّ النبي ﷺ قال: «يُجْمَعُ النَّاسُ فِي صَعِيدٍ وَاحَدٍ، يَنْفُذُهُمُ البَصَرُ، ويُسْمعُهُمُ الدَّاعِي، فَيْنَادِي مُنَادٍ: سَيَعْلَمُ أَهْلُ الْجَمْعِ لَمِنَ الْكَرَمُ اليَوْمَ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ يَقُولُ: أَيْنَ الَّذِينَ كَانَتْ تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ [السجدة: ١٦]، ثُمَّ يَقُولُ: أَيْنَ الَّذِينَ كَانُواْ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ إلى آخر الآية، ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ: سَيَعْلَمُ أَهْلُ الجَمْعِ لَمِنِ الكَرَمُ اليَوْمَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَيْنَ الحَمَّادُونَ الَّذِينَ يَحْمَدُونَ رَبَّهمْ؟» مختصرًا «٤» رواه الحاكم في «المستدرك على الصحيحين» وله طرق عن أَبي إسحاقَ، انتهى من «السلاح»، ورواه أيضًا ابن المبارك من طريق ابن عباس قال: «إذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ نادى مُنَادٍ: سَتَعْلَمُونَ اليَوْمَ منْ أَصْحَابُ الكَرَم، لِيَقُمْ الحَامِدُونَ لِلَّهِ تعالى على كُلِّ حَالٍ، فَيَقُومُونَ، فَيُسَرَّحُونَ إلَى الجَنَّةِ، ثُمَّ يُنَادِي ثَانِيَةً: سَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الكَرَمِ لِيَقُمِ الَّذِينَ كَانَتْ جُنُوبُهُمْ تتجافى عَنِ المَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ قَالَ: فَيَقُومُونَ، فَيُسَرَّحُونَ إلى الجنَّة، ثُمَّ يُنَادِي ثَالِثَةً: سَتَعْلَمُونَ اليَوْمَ مَنْ أَصْحَابُ الكَرَمِ لِيَقُمَ الَّذِينَ كَانَتْ: لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ\nفيَقُومُونَ، فَيُسَرَّحُونَ إلى الجَنَّة» . انتهى من «التذكرة» . والزكاة هنا عند ابن عباس: الطاعة للَّه «٥» .\nوقال الحسن «٦»: هي الزكاةُ المفروضة في المال، واليوم المخوف: هو يوم القيامة،\n_________\n(١) أخرجه الطبريّ (٩/ ٣٣٠) برقم (٢٦١٤١)، وذكره البغوي (٣/ ٣٤٨)، وابن عطية (٤/ ١٨٦)، والسيوطي (٥/ ٩١)، وعزاه لعبد الرزاق عن الحسن.\n(٢) أخرجه الطبريّ (٩/ ٣٣١) برقم (٢٦١٤٤)، وذكره ابن عطية (٤/ ١٨٦)، والسيوطي (٥/ ٩٣)، وعزاه لابن أبي شيبة، والبيهقي في «شعب الإيمان» عن ابن عباس.\n(٣) سقط في ج.\n(٤) أخرجه الحاكم (٢/ ٣٩٩) من حديث عقبة بن عامر الجهني.\nوقال الحاكم: هذا حديث صحيح، وله طرق عن أبي إسحاق ووافقه الذهبي.\n(٥) أخرجه الطبريّ (٩/ ٣٣٢) برقم (٢٦١٥٣)، وذكره ابن عطية (٤/ ١٨٦) . [.....]\n(٦) ذكره ابن عطية (٤/ ١٨٦) .","vol":"4","page":190},{"text":"ومعنى الآية: إنَّ ذلك اليوم لِشِدَّةِ هوله القلوبُ والأبصارُ فيه مضطربةٌ قِلِقَةٌ متقلبة.\n/ قلت: ومن «الكلم الفارقية»: سعادة القلبِ إقباله على مقلّبه والعالم بحال مآله ٣٩ ب ومُنْقَلَبهِ، القلوبُ بحارٌ جواهرُها المعارفُ، وسواحلها الألسنة وغواصها الفكرة النافذة، غَوَّاصُ بحر الصُّوَرِ يغوصُ بصورته في طلب مكسبه، والعارِفُ يغوص بمعنى قلبه في بحار غَيْبِ رَبِّهِ، فيلتقط جواهرَ الحكمة ودُرَرَ الدِّرَايَةِ، قلوبُ العارفين كالبحار، تنعقد في أصداف ضمائرهم جواهِرُ المعارف والأسرار، القلوب كالأراضي إلى من أسلمت إليه قلبك بذر فيه ما عنده، أَمَّا مَنْ بذر نفسه ووسواسه العفن المسوس، أو بذر فيه معرفته بالرب المقدس، انتهى.\nقلت: فإنْ أردت سلامتك في ذلك اليوم فليكن قلبك الآن مقبلًا على طاعة مولاك فإنه يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلاَّ مَنْ أَتَى الله بقلب سليم.\nقال الواحِدِيُّ: تتقلب فيه القلوبُ بين الطمع في النجاة والخوفِ من الهلاك، والأبصارُ تتقلَّبُ في أيِّ ناحية يؤخذ بهم أذاتَ اليمين أم ذاتَ الشمال، ومن أيّ جهة يؤتون كتبهم، انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-985>[سورة النور (٢٤): الآيات ٣٨ الى ٤٠]</span>\nلِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ (٣٩) أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠)\nوقوله سبحانه: لِيَجْزِيَهُمُ أي فعلوا ذلك ليجزيهم «أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ» أي: ثواب أحسن ما عملوا، ولمّا ذكره تعالى حالة المؤمنين وتنويره قلوبَهم عَقَّبَ ذلك بذكر الكَفَرَةِ وأعمالهم، فقال: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ وهي جمع قاعٍ، والقاع:\nالمنخفض البساط من الأرض، ويريد ب جاءَهُ: جاء موضعه الذي تَخَيَّلَهُ فيه، ويحتمل أنْ يعودَ الضمير في: جاءَهُ على السراب ثم يكون في الكلام بعد ذلك متروك يَدُلُّ عليه الظاهر تقديره: فكذلك الكافر يومَ القيامة، يَظُنُّ عملَه نافعًا حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا.\nوقوله: وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ أي بالمجازات والضمير في عِنْدَهُ عائد على العَمَلِ، وباقي الآية وعيد بيّن.","vol":"4","page":191},{"text":"وقوله تعالى: أَوْ كَظُلُماتٍ عطف على قوله: كَسَرابٍ وهذا المثال الأخير تضمن صفة أعمالهم في الدنيا، أي أَنَّهم من الضلال في مثل هذه الظلمات المجتمعة من هذه الأشياء، وذهب بَعْضُ الناس إلى أَنَّ في هذا المثالَ أجزاءً تقابل أجزاءً من المُمَثَّلِ به فقال:\nالظلمات: الأعمال الفاسدة والمُعْتَقَدَاتُ الباطلة، والبحر اللُّجِّيُّ: صَدْرُ الكافر وقلبه، واللجي معناه: ذو اللجة وهي مُعْظَمُ الماء وغَمْرُه، واجتماع ما به أَشَدُّ لظلمته، والموج: هو الضلال والجهالة التي قد غمرت قلبَه، والسحاب هو شهوتُه في الكفر وإعراضه عن الإيمان.\nقال ع «١»: وهذا التأويل سائغ وألّا يُقَدَّرُ هذا التقابل سائغ.\nوقوله: إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها لفظ يقتضي مبالغةَ الظلمة، واخْتُلِفَ في هذه اللفظة، هل معناها أَنَّهُ لم يريده البتَّة؟ أو المعنى أَنَّه رآها بعد عُسْرٍ وشِدَّةٍ وكاد أَلاَّ يراها، ووجه ذلك أَنَّ «كاد» إذا صَحِبَهَا حرف النفي، وَجبَ الفعل الذي بعدها، وإذا لم يصحبها انتفى الفعل، وكاد معناها: قارب.\nوقوله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِنْ نُورٍ قالت فرقة: يريد في الدنيا، أي: مَنْ لم يهده الله لم يَهْتَدِ، وقالت فرقة: أراد في الآخرة، أي: مَنْ لم يرحمه الله ويُنَوِّرُ حاله بالمغفرة والرحمة فلا رحمة له.\n٤٠ أقال ع «٢»: والأَوَّلُ أبينُ/ وأليق بلفظ الآية، وأيضًا فذلك متلازم، ونور الآخرة إنَّمَا هو لمن نوّر قلبه في الدنيا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-986>[سورة النور (٢٤): الآيات ٤١ الى ٤٤]</span>\nأَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ (٤١) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٤٢) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ (٤٣) يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ (٤٤)\nوقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ... الآية: الرؤية هنا قلبية، والتسبيح: التنزيه والتعظيم، والآية عامَّةٌ عند المفسرين لكُلِّ شيء من العقلاء والجمادات.\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ١٨٨) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ١٨٨) .","vol":"4","page":192},{"text":"وقوله تعالى: كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ قال الزَّجَّاجُ «١» وغيره: المعنى: كُلٌّ قد علم [اللهُ] «٢» صَلاَتَهُ وتسْبِيحَهُ.\nوقال الحسن «٣»: المعنى: كُلٌّ قد علم صلاة نفسه وتسبيح نفسه.\nوقالت فرقة: المعنى: كل قد علم صلاةَ اللهِ وتسبيحَ اللهِ اللَّذَيْنِ أمر بهما وهدى إليهما، فهذه إضافة خَلْقٍ إلى خالقٍ، وباقي الآية وعيد، ويُزْجِي معناه: يسوق، والرُّكام، الذي يركب بَعْضُه بعضًا ويتكاثف، والودق: المطر، قال البخارِيُّ: مِنْ خِلالِهِ أي: من بين أضعاف السحاب، انتهى.\nوقوله تعالى: وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ قيل: ذلك حقيقةٌ، وقد جعل الله في السماء جبالًا من بَرَدٍ، وقالت فرقة: ذلك مجازٌ، وإنَّما أراد وصف كثرته، وهذا كما تقول: عند فلان جبال من مال وجبال من العلم.\nقلت: وحَمْلُ اللفظ على حقيقته أولى إنْ لم يمنع من ذلك مانع، ومن كتاب «الفرج بعد الشدة» للقاضي أبي علي التنوخي، أحد الرواة عن أبي الحسن الدَّارَقُطْنِيِّ والمُخْتَصِّينَ به- قال: أخبرنا أَبو بكر الصوليُّ عن بعض العلماء قال: رأيتُ امرأةً بالبادية، وقد جاء البَرَدُ فذهب بزرعها، فجاء الناس يعزّونها، فرفعت رأسها إلى السماء، وقالت: اللهم أنتَ المَأْمُولُ لأَحْسَنِ الخَلَفِ وبيدك التعويضُ مِمَّا تَلِفَ، فافعل بنا ما أَنْتَ أهله، فإنَّ أرزاقنا عليك وآمالنا مصروفة إليك، قال: فلم أبرحْ حتى مَرَّ رجل من الأَجِلاَّءِ، فحُدِّث بما كان فَوَهَبَ لها خَمْسِمائَةٍ دينارٍ، فأجاب الله دعوتها وفرّج في الحين كربتها، انتهى. والسنا مقصورًا: الضوءُ، وبالمد: المَجْدُ، والباء في قوله بِالْأَبْصارِ يحتمل أن تكون زائدة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-987>[سورة النور (٢٤): الآيات ٤٥ الى ٥١]</span>\nوَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٥) لَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٦) وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٧) وَإِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩)\nأَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتابُوا أَمْ يَخافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٥٠) إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١)\n_________\n(١) ينظر: «معاني القرآن» (٤/ ٤٨) .\n(٢) سقط في ج.\n(٣) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (٤/ ١٨٩) .","vol":"4","page":193},{"text":"وقوله سبحانه: وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ الآية آية اعتبار، والدابة: كُلُّ ما دَبَّ من جميع الحيوان، وقوله: مِنْ ماءٍ قال الجمهور: يعني أنَّ خلْقَةَ كُلِّ حيوان فيها ماء كما خُلِقَ آدمُ من الماء والطين، وقال النقاش: أراد منيَّ «١» الذكورِ، والمشي على البطن:\nللحَيَّاتِ، والحُوتِ، والدُّودِ، وغيره، وعلى رجلين: للإنسان، والطَّيْرِ إذا مشى، وعلى أربع لسائر الحيوان، وفي مصحف أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ: «وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي «٢» عَلَى أَكْثَرَ» فعَمَّمَ بهذه الزيادة جميعَ الحيوان.\nوقوله تعالى: لَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ يَعُمُّ كل ما نصب الله تعالى من آية.\nوقوله تعالى: وَيَقُولُونَ يعني المنافقين رُوِيَ أَنَّ رجلًا من المنافقين اسمه بشر دعاه يهوديّ إلى التحاكم عند النّبيّ ﷺ وكان المنافق مُبْطِلًا، فَأبى، ودعا اليهودِيَّ إلى كعب بن الأشرف، فنزلت هذه الآية، فيه، والحيف: المَيْلُ.\nوقوله سبحانه: إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ ... الآية المعنى: إنَّما كان الواجب أنْ يقوله المؤمنون إذا دُعُوا إلى حكم الله ورسوله- سمعنا وأطعنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-988>[سورة النور (٢٤): الآيات ٥٢ الى ٥٤]</span>\nوَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ (٥٢) وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لا تُقْسِمُوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (٥٣) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٥٤)\n٤٠ ب وقولُهُ سبحانه: وَمَنْ يُطِعِ/ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ قال الغزاليُّ في «المنهاج»: التقوى في القرآن تُطْلَقُ على ثلاثة أشياء:\nأحدها: بمعنى الخشية والهيبة قال الله ﷿: وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ [البقرة: ٤١] .\nوقال سبحانه: وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ [البقرة: ٢٨١] .\nوالثاني: بمعنى الطاعة والعبادة قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ [آل عمران: ١٠٢] . قال ابن عباس: أطيعوا الله حَقَّ طاعته، وقال مجاهد: هو أنْ يُطَاع فلا يُعْصَى، وأنْ يُذْكَر فلا يُنْسَى، وأنْ يُشْكَرَ فلا يُكْفَرَ.\n_________\n(١) في ج: أراد منية.\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ١٩١)، و«البحر المحيط» (٦/ ٤٢٨) .","vol":"4","page":194},{"text":"والثالث: بمعنى تنزيه القلب عن الذنوب، وهذه هي الحقيقة في التقوى دون الأَولَيَيْنِ أَلا ترى أَنَّ الله تعالى يقول: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ ذَكَرَ الطاعة والخشية ثم ذكر التقوى، فعلمتَ أنَّ حقيقة التقوى معنى سوى الطاعةِ والخشيةِ، وهي تنزيهُ القلب عن الذنوب، انتهى.\nوقوله تعالى: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ....\nالآية: جهد اليمين: بلوغ الغاية في تعقيدها، ولَيَخْرُجُنَ\nمعناه: إلى الغزو، وهذه في المنافقين الذين تولوا حين دُعُوا إلى الله ورسوله.\nوقوله تعالى: قُلْ لاَّ تُقْسِمُوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ\nيحتمل معاني:\nأحدها: النهي عن القَسَمِ الكاذب إذ قد عُرِفَ أَنَّ طاعتهم دغلة فكأنه يقول: لا تغالطوا فقد عُرِفَ ما أَنْتُمْ عليه.\nوالثاني: أَنَّ المعنى: لا تتكلَّفُوا القَسَمَ فطاعة معروفة على قدر الاستطاعة أَمْثَلُ وأجدر بكم، وفي هذا التأويل إبقاءٌ عليهم، وقيل غير هذا.\nوقوله: تَوَلَّوْا معناه: تتولوا، والذي حمل النبي ﷺ هو التبليغ والذي حمل الناس هو السمعُ والطاعة واتباع الحق، وباقي الآية بيّن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-989>[سورة النور (٢٤): الآيات ٥٥ الى ٥٧]</span>\nوَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٥٥) وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٥٦) لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْواهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٥٧)\nوقوله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ ...\nالآيةُ عامَّةٌ لأُمَّةِ نبيّنا محمد ﷺ في أنْ يُمَلِّكَهُمُ الله البلادَ كما هو الواقع، فسبحانه ما أصدق وعده! وقال الضَّحَّاكُ في كتاب «النقاش» «١»: هذه الآية تتضمن خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃، والصحيح في الآية أَنَّها في استخلاف الجمهور، واللام في لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ لأم القَسَم.\nوقوله: يَعْبُدُونَنِي فعل مستأنف، أي: هم يعبدونني.\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٤/ ١٩٣) .","vol":"4","page":195},{"text":"وقوله: وَمَنْ كَفَرَ يحتمل أنْ يريدَ كفر هذه النعم، ويحتمل الكفر المُخْرِجَ عن المِلَّةِ عياذًا بالله من سخطه! وباقي الآية بيِّن مما تقدَّم في غيرها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-990>[سورة النور (٢٤): آية ٥٨]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلى بَعْضٍ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٨)\nوقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ الآية: قيل:\n«الذين ملكت أيمانهم»: الرجال والنساء، ورَجَّحَهُ الطبريُّ، وقيل: الرجال خاصة، وقيل:\nالنساء خاصَّةً، ومعنى الآية عند جماعة من العلماء: أَنَّ الله تعالى أَدَّبَ عباده بأنْ يكونَ العبيدُ والأَطفَالُ الذين عقلوا معاني الكَشَفَةِ ونحوها- يستأذنون على أهليهم في هذه الأوقات الثلاث، وهي الأوقات التي تقتضي عادَةُ الناس الانكشافُ فيها وملازَمَةُ التَّعَرِّي في المضاجع، وهي: عند الصباح، وفي وقت القائلة وهي الظهيرة لأَنَّ النهار يظهر فيها إذا علا واشْتَدَّ حَرُّهُ، وبعدَ العشاء لأَنَّهُ وقتُ التعرِّي للنوم، وأما في غير هذه الأوقات فالعرف ٤١ أمن الناس التَّحَرُّزُ/ والتَّحَفُّظُ فلا حرجَ في دخول هذه الصنيفة بغير إذن إذ هم طَوَّافون يمضون ويجيئون، لا يجد الناس بُدًّا من ذلك.\nوقوله: بَعْضُكُمْ عَلى بَعْضٍ بدل من قوله: طَوَّافُونَ، وثَلاثَ مَرَّاتٍ نُصِبَ على الظرف لأَنَّهم لم يُؤْمروا بالاستئذان ثلاثًا وإنَّما أُمِروا بالاستئذان في ثلاث مواطنَ، فالظرفية في ثلاث بَيِّنة.\nوقوله سبحانه: كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ بيّن للمتأمّل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-991>[سورة النور (٢٤): الآيات ٥٩ الى ٦٠]</span>\nوَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٩) وَالْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللاَّتِي لا يَرْجُونَ نِكاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٦٠)\nوقوله سبحانه: وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ ... الآية: أَمَرَ تعالى في هذه الآية أَنْ يكونوا إذا بلغوا الحُلْمَ على حكم الرجال في الاستئذان في كل وقت، وهذا بيان من الله ﷿.","vol":"4","page":196},{"text":"وقوله تعالى: كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ- بَيِّنٌ لا يحتاجُ إلى تفسير.\nوَالْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ: هن اللواتي قد أسنّ وقَعَدْنَ عن الوِلْدِ، واحدتهن قَاعِدٌ، وقال ربيعة: هي هنا التي تُسْتَقْذَرُ من كِبرَهَا، قال غيره: وقد تَقْعُدُ المرأة عن الوِلْدِ وفيها مُسْتَمْتَعٌ، ولما كان الغالب من النساء أَنَّ ذواتَ هذا السِّنِّ لا مذهبَ للرجال فيهنَّ- أُبِيحَ لهنَّ ما لم يُبَحْ لغيرهنَّ، وقرأ «١» ابن مسعود وأبيّ: «أَنْ يَضَعْنَ مِنْ ثِيَابِهنَّ» والعرب تقول: امرأة، واضع للتي كَبُرَتْ، فوضعت خمارَها، ثم استثنى عليهن في وضع الثياب أَلاَّ يقصدنَ به التَّبَرُّجَ وإبداءَ الزينة فرُبَّ عجوزٍ يبدو منها الحِرْصُ على أَنْ يظهر لها جمال، والتبرج:\nطلب البُدُوِّ والظهورِ للعين، ومنه: بُرُوجٌ مُشَيَّدة، والذي أبيح وضعه لهن الجِلبابُ الذي فوق الخمار والرداء، قاله ابن مسعود «٢» وغيره، ثم ذكر تعالى أَنَّ تَحَفُّظَ الجميعِ مِنْهُنَّ، واستعفافَهُنَّ عن وضع الثياب، والتزامهنَّ ما يلتزم الشَّوَابُّ من الستر- أفضلُ لَهُنَّ وخير.\nوقوله تعالى: «والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ»: أي: سميع لما يقولُ كُلُّ قائل وقائلة، عليم بمقصد كل أحد، وفي هاتين الصفتين توعد وتحذير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-992>[سورة النور (٢٤): آية ٦١]</span>\nلَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَواتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خالاتِكُمْ أَوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتاتًا فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦١)\nوقوله تعالى: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ إلى قوله كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ظاهر الآية وأَمْرُ الشريعة: أَنَّ الحَرَجَ عنهم مرفوع في كل ما يضطرهم إليه العذر، وتقتضي نيتهم الإتيان به بالأكمل، ويقتضي العذر أَنْ يقعَ منهم الأنقص، فالحرج مرفوع عنهم في هذا، وللناس أقوال في الآية وتخصيصات يطول ذكرها، وذكر الله تعالى\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ١٩٥) .\n(٢) أخرجه الطبريّ (٩/ ٣٤٩) برقم (٢٦٢٠٦، ٢٦٢٠٧)، وذكره ابن عطية (٤/ ١٩٥)، وابن كثير (٣/ ٣٠٤)، والسيوطي (٥/ ١٠٤)، وعزاه لعبد الرزاق، والفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والبيهقي في «السنن» عن ابن مسعود.","vol":"4","page":197},{"text":"بيوتَ القراباتِ، وسقط منها بيوت الأبناء فقال المفسرون: ذلك لأَنَّها داخلة في قوله:\nمِنْ بُيُوتِكُمْ لأنَّ بيت ابن الرجل بيتُه.\nوقوله تعالى: أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ يريد ما خزنتم وصار في قبضتكم، فمعظمه ما ملكه الرجلُ في بيته وتحت غلقه، وهو تأويل الضَّحِّاكِ ومجاهد «١»، وعند جمهور المفسرين: يدخل في الآية الوكلاءُ والعبيدُ والأُجراءُ بالمعروف. وقرأ «٢» ابن جبير: «ملكتم مفاتيحه» مبنيا للمفعول وزيادة ياء بين التاء والحاء، وقَرَنَ تعالى في هذه الآية الصديقَ بالقرابة المَحْضَةِ الوكيدة لأَنَّ قُرْبَ المودة لصيق قال معمر: قلت لقتادَة: أَلاَ أشرب من هذا الجُبِّ؟ قال: أنت لي صديق، فما هذا الاستئذان؟ «٣» قال ابن عباس «٤» في «كتاب النقاش»: الصديق أوكد من القرابة ألا ترى استغاثة الجهنميين: فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ [الشعراء: ١٠٠، ١٠١] .\nوقوله تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتاتًا: ردّ لمذهب جماعة ٤١ ب من العرب كانت/ لا تأكل أفذاذًا البتَّةَ، نحت به نحو كرم الخلق، فأفرطت في إلزامه، وأَنَّ إحضار الأكيل لَحَسَنٌ ولكن بأَلاَّ يحرم الانفرادُ، قال البخاريُّ «٥»: أشتاتًا وشتى واحد، انتهى.\nوقال بعض أهل العلم: هذه الآية منسوخة بقوله ﵇: [«إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» «٦» الحديث، وبقوله تعالى: لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا\n_________\n(١) أخرجه الطبريّ (٩/ ٣٥٣) برقم (٢٦٢٢٨) عن الضحاك، (٢٦٢٣٠) عن مجاهد، وذكره البغوي (٣/ ٣٥٨) عن الضحاك، وابن عطية (٤/ ١٩٦)، والسيوطي (٥/ ١٠٩)، وعزاه لابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد.\n(٢) ينظر: «مختصر الشواذ» ص (١٠٤)، و«المحرر الوجيز» (٤/ ١٩٦)، و«البحر المحيط» (٦/ ٤٣٤)، و«الدر المصون» (٥/ ٢٣٦) .\n(٣) أخرجه الطبريّ (٩/ ٣٥٤) برقم (٢٦٢٣١)، وذكره ابن عطية (٤/ ١٩٦)، والسيوطي (٥/ ١٠٧)، وعزاه لعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة بنحوه. [.....]\n(٤) ذكره ابن عطية (٤/ ١٩٦) .\n(٥) ينظر البخاري (٨/ ٣٠١) كتاب «التفسير»: باب سورة النور.\n(٦) أخرجه البخاري (١/ ١٩٠) كتاب «العلم»: باب قول النبي ﷺ «ربّ مبلغ أوعى من سامع»، حديث (٦٧)، (١/ ٢٤٠) كتاب: العلم، باب: «ليبلّغ العلم الشاهد الغائب»، حديث (١٠٥)، (٤/ ٦٧٠) كتاب «الحج»: باب الخطبة أيام منى، حديث (١٧٤١)، (٦/ ٣٣٨) كتاب «بدء الخلق»: باب ما جاء في سبع أرضين، حديث (٣١٩٧)، (٧/ ٧١١) كتاب «المغازي»: باب حجة الوداع، حديث (٤٤٠٦)، (١٠/ ١٠) كتاب «الأضاحي»: باب الأضحى يوم النحر، حديث (٥٥٥٠)، (١٣/ ٢٩) كتاب «الفتن»: باب-","vol":"4","page":198},{"text":"الآية، وبقوله ﵇] «١» من حديث ابن عمر: «لاَ يَجْلِبَنَّ أَحَدُكُمْ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إلاَّ بِإذْنِهِ ...» «٢» الحديث.\nقلت: والحق أَنْ لا نسخَ في شيءٍ مِمَّا ذُكِرَ، وسيأتي مزيد بيان لهذا المعنى.\nوقوله سبحانه: فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا: قال النَّخَعِيُّ: أراد المساجد «٣»، والمعنى:\nسُلِّمُوا على مَنْ فيها، فإنْ لم يكن فيها أحد فالسلام أنْ يقول: السلامُ على رسول اللَّه ﷺ السلامُ علينا وعلى عبادِ الله الصالحين.\nوقال ابن عباس «٤» وغيره: المراد البيوتُ المسكونة، أي: سلِّموا على مَنْ فيها، [قالوا: ويدخل في ذلك غيرُ المسكونة] «٥»، ويُسَلِّم المرءُ فيها على نفسه بأنْ يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.\nقلت: وفي «سلاح المؤمن»، وعن ابن عباس في قوله ﷿: فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا\n_________\n- قول النبيﷺ- «لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض ...»، حديث (٧٠٧٨)، (١٣/ ٤٣٣- ٤٣٤) كتاب «التوحيد»: باب قول الله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ، حديث (٧٤٤٧)، ومسلم (٣/ ١٣٠٥- ١٣٠٧) كتاب «القسامة»: باب تغليظ تحريم الدماء، حديث (٢٩، ٣٠، ٣١/ ١٦٧٩)، وأبو داود (١/ ٥٩٩) كتاب «المناسك»: باب الأشهر الحرم، حديث (١٩٤٨)، وابن ماجه مختصرا (١/ ٨٥) المقدمة: باب من بلغ علما، حديث (٢٣٣)، وأحمد (٥/ ٣٧، ٤٥، ٤٩)، وابن الجارود في «المنتقى» برقم (٨٣٣)، والبيهقي (٥/ ١٤٠) كتاب «الحج»: باب الخطبة يوم النحر، كلهم من طريق محمد بن سيرين عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه مرفوعا.\nتنبيه: سقط من إسناد ابن الجارود «أبو بكرة» ولعله سهو من طابع أو ناسخ، فوقع محمد بن سيرين عن عبد الرحمن بن أبي بكرة قال: خطبنا رسول الله ﷺ، وعبد الرحمن ليس هو القائل وليست له صحبة.\n(١) سقط في ج.\n(٢) أخرجه البخاري (٥/ ٨٨) كتاب «اللقطة»: باب لا تحتلب ماشية أحد بغير إذنه، حديث (٢٤٣٥)، ومسلم (٣/ ١٣٥٢) كتاب «اللقطة»: باب تحريم حلب الماشية بغير إذن مالكها، حديث (١٣/ ١٧٢٦)، وأبو داود (٢/ ٤٦) كتاب «الجهاد»: باب فيمن قال: لا يحلب، حديث (٢٦٢٣) كلهم من طريق مالك، وهو في «الموطأ» (٢/ ٩٧١) كتاب «الاستئذان»: باب ما جاء في أمر الغنم، حديث (١٧) عن نافع عن ابن عمر به. وأخرجه أحمد (٢/ ٦) من طريق أيوب عن نافع عن ابن عمر، وأخرجه أيضا (٢/ ٥٧) من طريق عبيد الله عن نافع عن ابن عمر بلفظ: نهى أن تحتلب المواشي بغير إذن أهلها. وأخرجه الحميدي في «مسنده» (٢/ ٣٠٠) رقم (٦٨٣) من طريق إسماعيل بن أمية عن نافع عن ابن عمر.\n(٣) أخرجه الطبريّ (٩/ ٣٥٧) رقم (٢٦٢٤٧)، وذكره ابن عطية (٤/ ١٩٦) .\n(٤) ذكره السيوطي (٥/ ١٠٧)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في «شعب الإيمان» عن ابن عباس.\n(٥) سقط في ج.","vol":"4","page":199},{"text":"فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ قال: هو المسجدُ إذا دخلته فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين» «١» رواه الحاكم في «المستَدْرَكِ» وقال: صحيحٌ على شرط الشيخين، يعني البخاريَّ ومسلمًا، انتهى، وهذا هو الصحيح عن ابنِ عباس، وفَهِمَ النوويُّ أَنَّ الآية في البيوت المسكونة، قال: ففي الترمذيِّ عن أنس قال: قال لي النبيّ ﷺ: «يَا بُنَيَّ، إذَا دَخَلْتَ عَلَى أَهْلِكَ، فَسَلِّمْ، يَكُنْ بَرَكَةً عَلَيْكَ وَعَلَى أَهْلِ بَيْتِكَ» «٢» قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وفي أبي داودَ عن أبي أمامة عن النبي ﷺ قال: «ثلاثة كلّهم ضامن على الله ﷿: [رجل خرج غازيا في سبيل الله ﷿] «٣» فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَى اللهِ تعالى حَتَّى يَتَوَفَّاهُ فيدخله الجنة أو يرده بما نال من أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ، وَرَجُلٌ رَاحَ إلَى المَسْجِدِ فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَى اللهِ تعالى حَتَّى يَتَوَفَّاهُ فيدخله الجنة أو يرده بما نال من أَجْرٍ وَغَنِيمَةٍ وَرَجُلٌ دَخَلَ بَيْتَهُ بِسَلامٍ فَهُو ضَامِنٌ عَلَى اللهِ تعالى» «٤»، حديث حسن رواه أَبو داودَ بإسناد حسن، ورواه آخرون، والضمان: الرعاية للشيء، والمعنى: أَنَّه في رعاية الله ﷿، انتهى.\nوقوله تعالى: تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً وصفها تعالى بالبركة لأَنَّ فيها الدعاءَ واستجلابَ مودَّةِ المسلم عليه.\nقلت: وقد ذكرنا في سورة النساءِ: ما ورد في المصافحة من رواية ابن السُّنِّيِّ قال النووي: وَرُوِّينَا في «سنن» أَبي داودَ والترمذيِّ وابن ماجه عَنِ البَرَاءِ بنِ عازِبٍ قال: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَلْتَقِيَانِ فَيَتَصَافَحَانِ إلاَّ غُفِرَ لَهُمَا قَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقَا» «٥» انتهى.\nوالكاف من قوله: كَذلِكَ: كافُ تشبيهٍ وذلك: إشارة إلى هذه السنن.\nوقال أيضًا بعضُ الناس في هذه الآية: أَنَّها منسوخة بآية الاستئذان المتقدمة.\nقال ع «٦»: والنسخ لا يُتَصَوَّرُ في شيءٍ من هذه الآيات، بل هي مُحْكَمَةٌ، أَمَّا\n_________\n(١) أخرجه الطبريّ (٩/ ٣٥٧) برقم (٢٦٢٤٦)، وذكره البغوي (٣/ ٣٥٩)، والسيوطي (٥/ ١٠٨)، وعزاه لعبد الرزاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، والبيهقي عن ابن عباس.\n(٢) أخرجه الترمذيّ (٥/ ٥٩) كتاب «الاستئذان»: باب ما جاء في التسليم إذا دخل بيته، حديث (٢٦٩٨) من طريق علي بن زيد عن سعيد بن المسيب عن أنس. وقال الترمذيّ: هذا حديث حسن غريب.\n(٣) سقط في ج.\n(٤) أخرجه أبو داود (٢/ ١٠) كتاب «الجهاد»: باب فضل الغزو في «البحر»، حديث (٢٤٩٤)، والحاكم (٢/ ٧٣)، وابن حبان (٤١٦- موارد)، والبيهقي (٩/ ١٦٦) كتاب «السير»: باب فضل من مات في سبيل الله، من حديث أبي أمامة وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي. وصححه أيضا ابن حبان.\n(٥) تقدم تخريجه. [.....]\n(٦) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ١٩٧) .","vol":"4","page":200},{"text":"قوله: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ [البقرة: ١٨٨] ففي التعدي والخدع ونحوه، وأمَّا هذه الآية ففي إباحة طعام هذه الأصناف التي يسرها- استباحَةُ طعامها على هذه الصفة، وأمَّا آية الإذن فعلة إيجاب الاستئذان خوف الكَشَفَةِ، فإذا استأذن المرءُ ودخل المنزل بالوجه المباح صَحَّ له بعد ذلك أكل الطعام بهذه الإباحة، وليس يكون في الآية نسخ فتأمله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-993>[سورة النور (٢٤): الآيات ٦٢ الى ٦٤]</span>\nإِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٢) لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٦٣) أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٤)\nوقوله/ تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ... الآية: إنّما هنا: ٤٢ أللحصر، والأمر الجامع يُرَادُ به ما للإمام حاجة إلى جمع الناس فيه لمصلحة، فالأدب اللازم في ذلك ألّا يذهب أحد لعذر إلّا بإذنه، والإمام الذي يُتَرَقَّبُ إذنه هو إمام الإمارة، وروي: أنَّ هذه الآية نزلت في وقت حفر النبي ﷺ خندقَ المدينة، فكان المؤمنون يستأذنون، والمنافقون يذهبون دون إذن، ثم أمر تعالى نَبِيَّهُ ﵇ بالاستغفار لصنفي المؤمنين: مَنْ أَذِنَ له، ومَنْ لم يُؤْذن [له] «١» . وفي ذلك تأنيس للمؤمنين ورأفة بهم.\nوقوله تعالى: لاَّ تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا أي: لا تخاطبوه كمخاطبة بعضكم لبعض، وأمرهم تعالى في هذه الآية وفي غيرها أنْ يدعوا رسول الله بأشرف أسمائه وذلك هو مُقْتَضَى التوقير، فالأدب في الدعاء أنْ يقول: يا رسولَ الله، ويكون ذلك بتوقير وبِرٍّ، وخفض صوت، قاله مجاهد «٢»، واللواذ: الرَّوْغَانُ، ثم أمرهم تعالى بالحذر من عذاب الله ونِقْمَتِهِ إذا خالفوا أمره ومعنى يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أي: يقع خلافهم بعد أمره، ثم أخبر تعالى أَنَّهُ قد علم ما أهلُ الأرض والسماء عليه، وباقي الآية بيّن، والحمد لله.\n_________\n(١) سقط في ج.\n(٢) أخرجه الطبريّ (٩/ ٣٦٠) برقم (٢٦٢٦٢، ٢٦٢٦٣)، وذكره البغوي (٣/ ٣٥٩)، وابن عطية (٤/ ١٩٨)، وابن كثير (٣/ ٣٠٦)، والسيوطي (٥/ ١١١)، وعزاه لابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد.","vol":"4","page":201},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ صلى الله على سيدنا ومولانا محمد، وعلى آله وسلّم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-994>تفسير سورة الفرقان</span>\n[وهي] «١» مكّيّة في قول الجمهور\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-995>[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ١ الى ٣]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nتَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا (١) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَياةً وَلا نُشُورًا (٣)\nقوله تعالى: تَبارَكَ هو مطاوع «بارك» من البَرَكَةِ، و«بارك» فاعَل من واحد، ومعناه: زاد، و«تبارك»: فعل مُخْتَصٌّ بالله تعالى، لم يُسْتَعْمَلْ في غيره، وهو صفة فعل، أي: كَثُرَت بركاته، ومن جملتها: إنزال كتابه الذي هو الفُرْقَانُ بين الحَقِّ والباطل.\nوالضمير في قوله: لِيَكُونَ، قال ابن زيد «٢»: هو لمحمد ﷺ وهو عبده المذكور، ويُحْتَمَلُ أن يكون للفرقان.\nوقوله: وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ عامٌّ في كل مخلوق، ثم عَقَّبَ تعالى بالطعن على قريش في اتخاذهم آلهة ليست لها صفاتُ الألوهِيَّةِ. والنشور: بعث الناس من القبور.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-996>[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٤ الى ٦]</span>\nوَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلاَّ إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاؤُ ظُلْمًا وَزُورًا (٤) وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٦)\nوَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني: قريشًا إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ: محمد، وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ تقدمت الإشارة إلى ذلك في سورة النحل، ثم أكذبهم الله تعالى، وأخبر أنّهم\n_________\n(١) سقط في ج.\n(٢) أخرجه الطبريّ (٩/ ٣٦٣) رقم (٢٦٢٦٩)، وذكره ابن عطية (٤/ ١٩٩) .","vol":"4","page":202},{"text":"ما جاؤوا إلاَّ إثمًا وزورًا، أي: ما قالوا إلاَّ باطلًا وبُهْتَانًا قال البخاريُّ «١»: تُمْلى عَلَيْهِ تقرأ عليه من أمليت وأمللت، انتهى. ثم أمر تعالى نبيَّه﵇- أنْ يقول: إنَّ الذي أنزله هو الذي يعلم سِرَّ جميع الأشياء التي في السموات والأرض، وعبارة الشيخ العارف بالله، سيدي عَبْدُ اللَّه بْنُ أَبي جَمْرَةَ (﵁): ولما كان المرادُ مِنَّا بمُقْتَضَى الحكمة الرَّبَانِيَّةِ العبادَةُ ودوامُهَا ولذلك خُلِقْنَا كما ذكر مولانا سبحانه في الآية الكريمة، يعني:\nوَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ الآية [الذاريات: ٥٦] . وهو عزل وجل غَنِيٌّ عن عبادتنا وعن كل شيء لكن الحكمة اقتضته لأَمرٍ لا يعلمه إلاَّ هو كما قال الله ﷿:\nالَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي: الذي يعلم الحكمةَ في خلقها وكذلك في خلقنا وخلق جميع المخلوقات، انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-997>[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٧ الى ١٤]</span>\nوَقالُوا مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧) أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها وَقالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلًا مَسْحُورًا (٨) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٩) تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا (١٠) بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا (١١)\nإِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (١٢) وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا (١٣) لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا واحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا (١٤)\n/ وَقالُوا مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ... الآية: المعنى عندهم: أنّ من كان ٤٢ ب رسولًا فهو مُسْتَغْنٍ عن الأكل والمشي في الأسواق، ومُحَاجَّتُهُمْ بهذا مذكورة في السِّيَرِ، ثم أَخبر تعالى عن كفَّارِ قريش، وهم الظالمون المشار إليهم، أَنَّهم قالوا: إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا أي: قد سُحِرَ، ثُمَّ نَبَّهَ تعالى نِبَيَّهُ مُسَلِّيًا له عن مقالتهم فقال: انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ ... الآية، والقصور التي في هذه الآية تَأَوَّلَهَا الثعلبيُّ وغيره أَنَّها في الدنيا، والقصور هي البيوتُ المبنية بالجدرات، لأَنَّها قصرت عن الداخلين والمستأذنين، وباقي الآية بيّن، والضمير في رَأَتْهُمْ لجهنم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-998>[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ١٥ الى ١٨]</span>\nقُلْ أَذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كانَتْ لَهُمْ جَزاءً وَمَصِيرًا (١٥) لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ خالِدِينَ كانَ عَلى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْؤُلًا (١٦) وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (١٧) قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكانُوا قَوْمًا بُورًا (١٨)\n_________\n(١) ينظر: «صحيح البخاري» (٨/ ٣٤٨) كتاب «التفسير»: باب سورة الفرقان.","vol":"4","page":203},{"text":"وقوله سبحانه: قُلْ أَذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ المعنى: قل يا محمدُ لهؤلاء الكفرة الصائرين إلى هذه الأحوال من النار: أذلك خير أم جَنَّةُ الخلد، وهذا استفهام على جِهَةِ التوقيف والتوبيخ لأَنَّ الموقِفَ جائز له أنْ يُوقِفَ مُحَاوِرَهُ على ما شاء ليرى هل يجيبه بالصواب أو بالخطإِ.\nوقوله تعالى: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ يعني الكفار، وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ يريد كل شيء عُبِدَ من دون الله، وقرأ ابن «١» عامر: «فَنَقُولُ» بالنون، قال جمهور المفسرين:\nوالموقف المجيب كل من ظلم بأن عُبِدَ مِمَّنْ يعقل كالملائكة وعيسى وعزير وغيرهم، وقال الضَّحَّاكُ وعِكْرِمَةُ: الموقف المجيب: الأصنام التي لا تَعْقِلُ يقدرها الله تعالى على هذه المقالة، ويجيء خزيَ الكفرة لذلك أبلغ «٢»، وقرأ الجمهور «٣»: «نَتَّخِذَ» - بفتح النون-، وذهبوا بالمعنى إلى أَنَّه مِنْ قول مَنْ يَعْقِلُ، وأَنَّ هذه الآية بمعنى التي في سورة سبإ: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ الآية [سبأ: ٤٠] . وكقول عيسى: مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ [المائدة: ١١٧] .\nوقولهم: حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ أي: ما ذكر به الناس على ألسنة الأنبياء﵈-، وقرأ زيد بن ثابت «٤» وجماعة: «نُتَّخَذَ» - بضم النون-.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-999>[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ١٩ الى ٢٠]</span>\nفَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِما تَقُولُونَ فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلا نَصْرًا وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذابًا كَبِيرًا (١٩) وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (٢٠)\n_________\n(١) قال أبو علي الفارسي: وقراءة ابن عامر: «ويوم نحشرهم فنقول» حسن لإجرائه المعطوف مجرى المعطوف عليه في لفظ الجمع، وقد قال: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ [سبأ: ٤٠]، وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا [الأنعام: ٢٢]، وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ [الكهف: ٤٧] .\nينظر: «الحجة للقراء السبعة» (٥/ ٣٣٨)، و«السبعة» (٤٦٣)، و«إعراب القراءات» (٢/ ١١٧)، و«معاني القراءات» (٢/ ٢١٤)، و«شرح الطيبة» (٥/ ٩٣)، و«العنوان» (١٤٠)، و«حجة القراءات» (٥٠٩)، و«شرح شعلة» (٥١٧)، و«إتحاف» (٢/ ٣٠٦) .\n(٢) ذكره البغوي (٣/ ٣٦٣- ٣٦٤)، وابن عطية (٤/ ٢٠٤) .\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٢٠٤)، و«البحر المحيط» (٦/ ٤٤٦)، و«الدر المصون» (٥/ ٢٤٧) .\n(٤) وقرأ بها أبو جعفر، والحسن، وأبو الدرداء، وأبو رجاء، ونصر بن علقمة، ومكحول، وزيد بن علي، وحفص بن حميد، والسلمي.\nينظر «الشواذ» ص (١٠٥)، و«الكشاف» (٣/ ٢٧٠)، و«المحرر الوجيز» (٤/ ٢٠٤)، و«البحر المحيط» (٦/ ٤٤٨)، و«الدر المصون» (٥/ ٢٤٧) .","vol":"4","page":204},{"text":"وقوله تعالى: فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ ... الآية: خطابٌ من الله تعالى للكفرة، أخبرهم أنَّ مَعْبُودَاتِهم كذبتهم، وفي هذا الإخبار خِزْيٌ وتَوْبِيخٌ لهم، وقرأ حفص عن عاصم: «فَمَا تَسْتَطِيعُونَ» - بالتاء من فوق- قال مجاهد «١»: الضمير في «يستطيعون» هو للمشركين، وصَرْفًا معناه رَدُّ التكذيب أو العذاب.\nوقوله تعالى: وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ قيل: هو خطاب للكُفَّارِ، وقيل: للمؤمنين، والظلم هنا: الشِّرْكُ، قاله الحسن «٢» وغيره، وقد يحتمل أنْ يعم غيرَه من المعاصي، وفي حرف أُبَيِّ: «وَمَنْ يَكْذِبْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا» .\nوقوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ... الآية: رَدٌّ على قريش في قولهم: مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ ثم أخبر ﷿ أَنَّ السبب في ذلك أَنَّه جعل بعض عَبيدَهُ فتنةً لبعض على العموم في جميع الناس مؤمن وكافر، والتوقيف ب أَتَصْبِرُونَ خَاصٌّ بالمُؤمنين المحققين، قال ابن العربي في «الأحكام» «٣»:\nولما كثر الباطل في الأسواق، وظهرت فيه المناكر- كَرِهَ علماؤُنا دخولَها لأرباب الفضل والمُقْتَدَى يهم في الدِّينِ تنزيهًا لهم عن البقاع التي يُعْصَى الله تعالى فيها، انتهى. ثم أعرب قوله تعالى: وَكانَ رَبُّكَ بَصِيرًا عن الوعد للصابرين والوعيد للعاصين، وعن عُمَرَ بْنِ الخَطَّاب﵁- أنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: «مَنْ دَخَلَ السُّوقَ، فَقَالَ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّه وَحْده، لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ حَيٌّ لاَ يَمُوتُ، بِيَدِهِ الخَيْرُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ- كَتَبَ اللَّهُ لَهُ أَلْفَ أَلْفِ حَسَنَةٍ، وَمَحَا عَنْهُ أَلْفَ أَلْفِ سَيِّئَةٍ، وَرَفَعَ لَهُ أَلْفَ أَلْفَ دَرَجَةٍ» «٤»، رواه الترمذيُّ وابن ماجه، وهذا لفظ الترمذي، وزاد في رواية أخرى: «وَبَنَى لَهُ بَيْتًا فِي الجَنَّةِ»، ورواه الحاكم في «المستدرك» من عدة طرق، انتهى من «السلاح» .\n_________\n(١) أخرجه الطبريّ (٩/ ٣٧٥) برقم (٢٦٣٠٧، ٢٦٣٠٨)، وذكره ابن عطية (٤/ ٢٠٤)، والسيوطي (٥/ ١١٩)، وعزاه للفريابي، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد.\n(٢) أخرجه الطبريّ (٩/ ٣٧٦) برقم (٢٦٣١٢) عن الحسن، و(٣٦٣١١) عن ابن جريج. وذكره ابن عطية (٤/ ٢٠٤)، والسيوطي (٥/ ١١٩)، وعزاه لعبد الرزاق عن الحسن.\n(٣) ينظر: «أحكام القرآن» (٣/ ١٤١٤) .\n(٤) تقدم تخريجه في سورة آل عمران. [.....]","vol":"4","page":205},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1000>[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٢١ الى ٢٤]</span>\nوَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (٢١) يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا (٢٢) وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُورًا (٢٣) أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)\nوقوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقاءَنا ... الآية: الرجاء هنا على بابه، وقيل: هو بمعنى الخوف، ولمَا تَمَنَّتْ كُفَّارُ قريش رؤيةَ رَبِّهِمْ أخبر تعالى عنهم أَنَّهُم عَظَّمُوا أَنفسهم، وسألوا ما ليسوا له بأهل.\nص لَقَدِ جواب قَسَمٍ محذوف، انتهى. والضمير في قوله: وَيَقُولُونَ قال مجاهد «١»، وغيرُه: هو للملائكة، والمعنى: يقول الملائكة للمجرمين: حِجْرًا محجورًا عليكم البُشْرَى، أي: حرامًا مُحَرَّمًا، والحِجْرُ: الحرامُ، وقال [مجاهد أيضًا] «٢» وابن جريج «٣»: الضمير للكافرين المجرمين، قال ابن جريج: كانت العرب إذا كرهوا شيئًا، قالوا: حجرا، قال مجاهد: حجرا عوذًا يستعيذون من الملائكة «٤» .\nقال ع «٥»: ويحتمل أنْ يكونَ المعنى: ويقولون حرام مُحَرَّمٌ علينا العَفْوُ، وقد ذكر أبو عبيدة أنَّ هاتين اللفظتين عوذة للعرب يقولها مَنْ خاف آخَرَ في الحَرَمِ، أو في شهرٍ حرامٍ إذا لقيه وبينهما تِرَةٌ قال الداودِيُّ: وعن مجاهد «٦»: وَقَدِمْنا أي: عمدنا، انتهى.\nقال ع «٧»: وَقَدِمْنا أي: قصد حكمنا وإنفاذنا ونحو هذا من الألفاظ اللائقة، ومعنى الآية: وقصدنا إلى أعمالهم التي لا تَزِنُ شَيْئًا فصيرناها هباءً، أي: شَيْئًا لا تحصيلَ له، والهباء: ما يتطايرُ في الهواء من الأجزاء الدقيقة ولا يكاد يرى إلا في الشمس، قاله ابن\n_________\n(١) أخرجه الطبريّ (٩/ ٣٧٩) برقم (٢٦٣٢٢)، وذكره ابن عطية (٤/ ٢٠٦) عن الحسن، وقتادة، والضحاك ومجاهد، وابن كثير (٣/ ٣١٤)، والسيوطي (٥/ ١٢١) وعزاه للفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد.\n(٢) سقط في ج.\n(٣) أخرجه الطبريّ (٩/ ٣٧٩) برقم (٢٦٣٢٣)، وذكره البغوي (٣/ ٣٦٥)، وابن عطية (٤/ ٢٠٦)، والسيوطي (٥/ ١٢١)، وعزاه للفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد.\n(٤) أخرجه الطبريّ (٩/ ٣٧٩) برقم (٢٦٣٢١)، وذكره البغوي (٣/ ٣٦٥)، وابن عطية (٤/ ٢٠٦) .\n(٥) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٢٠٦) .\n(٦) أخرجه الطبريّ (٩/ ٣٨٠) رقم (٢٦٣٢٤)، وذكره ابن كثير (٣/ ١٣٤) .\n(٧) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٢٠٦) .","vol":"4","page":206},{"text":"عباس «١» وغيره، ومعنى هذه الآية: جعلنا أَعمالهم لا حُكْمَ لها ولا منزلة، ووصف تعالى الهباء في هذه الآية بمنثور، ووصفه في غيرها بمُنْبَثٍّ، فقالت فرقة: هما سواء، وقالت فرقة: المُنْبَثُّ: أرَقُّ وأَدَقُّ من المنثورِ لأَنَّ المنثورَ يقتضي أَنَّ غيره نَثَرَهُ، والمُنْبَثَّ كأنه انبثَّ من دِقَّتِهِ.\nوقوله تعالى: وَأَحْسَنُ مَقِيلًا ذهب ابن عباس والنَّخَعِيُّ وابن جريج: إلى أَن حساب الخلق يَكْمُلُ في وقت ارتفاع النهار، وَيَقِيلُ أهلُ الجنة في الجنة، وأهل النار في النار، فالمقيل: القائلة «٢» .\nقال ع: ويُحْتَمَلُ أَنَّ اللفظة إنَّما تضمنت تفضيلَ الجَنَّةِ جُمْلَةً، وحُسْنَ هوائها فالعرب تفضِّل البلادَ بحُسنِ المقيل لأَنَّ وقت القائلة يُبْدِي فسادَ هواء البلاد، فإذا كان بلد في وقت فساد الهواء حسنًا حاز الفضل، وعلى ذلك شواهد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1001>[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٢٥ الى ٢٩]</span>\nوَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا (٢٥) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ وَكانَ يَوْمًا عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيرًا (٢٦) وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولًا (٢٩)\nوَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ يريد: يومَ القيامة.\nص: بِالْغَمامِ الباء: للحال، أي: متغيمة، أو للسبب، أو بمعنى «عن»، انتهى. وفي قوله تعالى: وَكانَ يَوْمًا عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيرًا: دليل على أَنَّهُ سهل على المؤمنين، وروي عن النبي ﷺ أَنَّهُ قال: «إنَّ اللهَ لَيُهَوِّنُ يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى المُؤْمِنِ، حَتَّى يَكُونَ عَلَيْهِ أَخَفَّ مِنْ صَلاَةٍ مَكْتُوبَةٍ صَلاَّهَا فِي الدُّنْيَا» . وعضُّ اليدين هو فعل النادم قال ابن عباس وجماعةٌ من المفسرين: الظالم في هذه الآية عُقْبَةُ بْنُ أبي معِيطٍ وذلك أَنَّهُ كان أسلم أو جَنَحَ إلى الإسلام، وكان أُبَيُّ بنُ خلف الذي قتله النبي ﷺ بيده يوم أحد خليلا\n_________\n(١) أخرجه الطبريّ (٩/ ٣٨١) برقم (٢٦٣٣١)، وذكره البغوي (٣/ ٣٦٦)، وابن عطية (٤/ ٢٠٧)، والسيوطي (٥/ ١٢٢)، وعزاه لابن أبي حاتم عن ابن عباس نحوه.\n(٢) أخرجه الطبريّ (٩/ ٣٨٢) برقم (٣٦٣٣٦) عن إبراهيم النخعي، (٣٦٣٣٧) وابن جريج، (٣٦٣٣٥) وابن عباس، وذكره ابن عطية (٤/ ٢٠٧)، وابن كثير (٣/ ٣١٥) عن ابن عباس، والسيوطي (٥/ ١٢٣)، وعزاه لابن أبي حاتم عن ابن عباس، وعزاه لابن المبارك، وسعيد بن منصور، وابن المنذر، وأبي نعيم في «الحلية» عن إبراهيم النخعي.","vol":"4","page":207},{"text":"لعُقْبَةَ، فنهاه عن الإسلام، فَقَبِلَ نَهْيَهُ فنزلت الآية فيهما «١»، فالظالم: عقبة، وفُلانًا أُبيُّ. قال السُّهَيْلِيُّ: وَكَنَّى سبحانه عن هذا الظالم ولم يُصَرَّحْ باسمه ليكون هذا الوعيدُ غيرَ مخصوصٍ به ولا مقصور عليه بل يتناول جميعَ مَنْ فعل مثل فعله، انتهى.\n٤٣ ب/ وقال مجاهد «٢» وغيره: الظَّالِمُ عام، اسم جنس، وهذا هو الظاهر، وأَنَّ مقصد الآية تعظيمُ يوم القيامة وذِكْرُ هوله بأَنَّهُ يوم تندم فيه الظَّلَمَةُ، وتتمنَّى أَنَّها لم تُطِعْ في دنياها إخِلاَّءَهَا، والسبيل المُتَمَنَّاةُ: هي طريق الآخرة، وفي هذه الآية لكل ذي نُهْيَةٍ تنبيهٌ على تجنب قرين السوء، والأحاديث والحكم في هذا الباب كثيرة مشهورة، والذِّكْرِ: ما ذَكر الإنسانَ أمر آخرته من قرآن، أو موعظة ونحوه.\nوَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولًا يحتمل: أَنْ يكونَ من قول الظالم، ويحتمل: أن يكون ابتداء إخبار من الله ﷿ على وجه التحذير من الشيطان الذي بَلَّغهم ذلك المبلغ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1002>[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٣٠ الى ٣٤]</span>\nوَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (٣٠) وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفى بِرَبِّكَ هادِيًا وَنَصِيرًا (٣١) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا (٣٢) وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (٣٣) الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ أُوْلئِكَ شَرٌّ مَكانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٣٤)\nوقوله تعالى: وَقالَ الرَّسُولُ حكاية عن قول رسول الله ﷺ في الدنيا وتشكِيْهِ ما يَلْقَى من قومه هذا قول الجمهور، وهو الظاهر، وقالت فرقة: هو حكاية عن قوله ذلك في الآخرة، ومَهْجُورًا يحتمل: أَنْ يريدَ مُبْعَدًا مقصيًّا من الهَجْر بفتح الهاء، وهذا قول ابن زيد «٣»، ويُحْتَمَلُ: أَنْ يريدَ مقولًا فيه الهُجْرُ- بضم الهاء إشارة إلى قولهم: شعر وكهانة ونحوه قاله مجاهد «٤» .\nقال ع «٥»: وقول ابن زيد مُنَبِّهٌ للمؤمن على مُلازمة المُصْحَفِ، وأَلاَّ يكون الغبارُ\n_________\n(١) أخرجه الطبريّ (٩/ ٣٨٤) برقم (٢٦٣٤٧)، وذكره ابن عطية (٤/ ٢٠٨) والسيوطي (٥/ ١٢٥) وعزاه لأبي نعيم من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس.\n(٢) ذكره ابن عطية (٤/ ٢٠٨)، والسيوطي (٥/ ١٢٧)، وعزاه للفريابي، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد بلفظ: «الشيطان» .\n(٣) أخرجه الطبريّ (٩/ ٣٨٦) برقم (٢٦٣٥٧)، وذكره ابن عطية (٤/ ٢٠٩) .\n(٤) أخرجه الطبريّ (٩/ ٣٨٦) برقم (٢٦٣٥٥)، وذكره ابن عطية (٤/ ٢٠٩)، والسيوطي (٥/ ١٢٧)، وعزاه للفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد.\n(٥) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٢٠٩) . [.....]","vol":"4","page":208},{"text":"يعلوه في البيوت، ويشتغلَ بغيره، وروى أنس عن النبي ﷺ أنه قال: «مَنْ عَلَّقَ مُصْحَفًا، ولَمْ يَتَعَاهَدْهُ- جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ مُتَعَلِّقًا بِهِ يَقُولُ: يَا ربِّ، هَذَا اتَّخَذَنِي مَهْجُورًا اقْضِ بَيْنِي وَبَيْنَهُ» وفي حلية النووي قال: وروينا في «سنن أبي داود» و«مسند الدَّارِمِيِّ» عن سعد بن عُبَادَةَ عن النبي ﷺ أَنَّه قال: لمَنْ قَرَأَ القُرْآنَ ثُمَّ نَسِيَهُ، لَقِيَ الله تعالى يَوْمَ القِيَامَةِ أَجْذَمَ» «١»، وروينا في كتاب أبي دَاودَ والترمذيِّ عن أنس عن النبي ﷺ قال: «عُرِضَتْ عَلَيَّ أُجُورُ أُمَّتِي حَتَّى القَذَاةِ يُخْرِجُهَا الرَّجُلُ مِنَ المَسْجِدِ، وعُرِضَتْ عَلَيَّ ذُنُوبُ أُمَّتِي فَلَمْ أَرَ ذَنْبًا أَعْظَمَ مِنْ سُورَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ أَو آيَةٍ أُوتِيها رَجُلٌ ثم نَسِيَهَا» «٢» تكلم الترمذي فيه، انتهى، ثم سَلاَّه تعالى عن فعل قومه بقوله: وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ أي: فاصبر كما صبروا قاله ابن عباس «٣»، ثم وعد تعالى بقوله: وَكَفى بِرَبِّكَ هادِيًا وَنَصِيرًا والباء في بِرَبِّكَ: للتأكيد دَالَّةٌ على الأمر إذ المعنى: اكتفِ بربك.\nوَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا «٤» لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً قال ابن عباس «٥» وغيره:\nقالوا في بعض معارضاتهم: لو كان من عند الله لنزل جُمْلَةً كالتوراة والإنجيل.\nوقوله: كَذلِكَ يحتمل أَنْ يكونَ من قول الكُفَّارِ إشارةً إلى التوراة والإنجيل، ويحتمل أَنْ يكون من الكلام المستأنف وهو أولى، ومعناه: كما نُزِّل أردناه، فالإشارة إلى نزوله مُتَفَرِّقًا، والترتيل: التفريق بين الشيء المتتابع، ومنه تَرْتِيلُ القرآن، وجعل الله تعالى السبب في نزوله متفرقا: تثبيت قلب نبيّه محمد ﷺ وأن ينزله في النوازل والحوادث التي\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (١/ ٤٦٥) كتاب الصلاة: باب التشديد فيمن حفظ القرآن ثم نسيه، حديث (١٤٧٤)، والدارمي (٢/ ٤٣٧) كتاب «فضائل القرآن»: باب من تعلم القرآن ثم نسيه، وأحمد (٥/ ٣٢٣) من حديث سعد بن عبادة.\n(٢) أخرجه أبو داود (١/ ١٧٩) كتاب «الصلاة»: باب في كنس المساجد، حديث (٤٦١)، والترمذيّ (٥/ ١٧٨- ١٧٩) كتاب «فضائل القرآن»: باب (١٩) حديث (٢٩١٦)، وكلاهما من طريق المطلب بن حنطب عن أنس بن مالك مرفوعا.\nوقال الترمذيّ: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وذاكرت به محمد بن إسماعيل فلم يعرفه، واستغربه. قال محمد: ولا أعرف للمطلب بن عبد الله سماعا من أحد من أصحاب النبي ﷺ إلا قوله: حدثني من شهد خطبة النبي ﷺ.\nقال: وسمعت عبد الله بن عبد الرحمن (هو الدارمي) يقول: لا نعرف للمطلب سماعا من أحد من أصحاب النبي ﷺ قال عبد الله: وأنكر علي بن المديني أن يكون المطلب سمع من أنس.\n(٣) أخرجه الطبريّ (٩/ ٣٨٦) برقم (٢٦٣٥٨) بنحوه، والسيوطي (٥/ ١٢٧) .\n(٤) في ج «وقالوا الذين كفروا» .\n(٥) ذكره ابن عطية (٤/ ٢٠٩)، والسيوطي (٥/ ١٢٧)، وعزاه لابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والضياء في «المختارة» عن ابن عباس.","vol":"4","page":209},{"text":"قد قَدَّرَهَا وَقَدَّرَ نزوله فيها، وأَنَّ هؤلاءِ الكفرة لا يجيئون بمثل يضربونه على جهة المعارضة منهم إلاَّ جاء القرآن بالحَقِّ في ذلك والجلية، ثم هو أحسن تفسيرًا، وأفصح بيانًا، وباقي الآية بَيِّنٌ تقدم تفسير نظيره، والجمهور: أَنَّ هذا المشي على الوجوه حقيقة، وقد جاء ٤٤ أكذلك في الحديث، وقد تقدَّمَ، ولفظ البخاريِّ عن أنس [﵁]: / أَنَّ رَجُلاَّ قَالَ:\nيَا نَبِيَّ الله، أَيُحْشَرُ الكَافِرُ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قال: «أَلَيْسَ الَّذِي أَمْشَاهُ عَلَى الرِّجْلَيْنِ في الدُّنْيَا قَادِرًا عَلَى أَنْ يُمْشِيَهُ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ» «١» قال قتادة: بلى وعزّة ربّنا، انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1003>[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٣٥ الى ٤٤]</span>\nوَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزِيرًا (٣٥) فَقُلْنَا اذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيرًا (٣٦) وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْناهُمْ وَجَعَلْناهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ عَذابًا أَلِيمًا (٣٧) وَعادًا وَثَمُودَ وَأَصْحابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذلِكَ كَثِيرًا (٣٨) وَكُلًاّ ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ وَكُلًاّ تَبَّرْنا تَتْبِيرًا (٣٩)\nوَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا (٤٠) وَإِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُوًا أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (٤١) إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٢) أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)\nوقوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ ... الآيات تنبيه لكفار قريشٍ، وَتَوَعَّدٌ أَنْ يَحِلَّ بِهِم ما حَلَّ بهؤلاء المُعَذَّبين قال قتادة «٢»: أصحاب الرَّسِّ، وأَصحابُ الأيْكَةِ: قومانِ أُرْسِلَ إليهِما شُعَيْبٌ، وقاله وهب «٣» بن منبه، وقيل غير هذا.\nوقوله تعالى: وَقُرُونًا بَيْنَ ذلِكَ كَثِيرًا إبهام لاَ يَعْلَمُ حقيقتَه إلاَّ الله ﷿، والتَّبَارُ: الهلاك، والقرية التي أُمْطِرَت مَطَرَ السوء هي: «سدُوم» مدينة قوم لوط، وما لم نذكر تفسيره قد تقدم بيانه للفاهم المتيقظ، ثم ذكر سبحانه أَنَّهُم إذا رأوا محمدًا ﵇ قالوا على جهة الاستهزاء: أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا.\nقال ص: إِنْ يَتَّخِذُونَكَ [إنْ] «٤» نافية، جوابُ «إذا»، انتهى، ثم آنس الله تعالى نبيّه بقوله: أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ ... الآية، المعنى: لا تتأسف عليهم،\n_________\n(١) تقدم تخريجه.\n(٢) ذكره ابن عطية (٤/ ٢١٠)، والسيوطي (٥/ ١٢٩)، وعزاه لابن عساكر.\n(٣) ذكره ابن عطية (٤/ ٢١١) .\n(٤) سقط في ج.","vol":"4","page":210},{"text":"ومعنى اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أي: جعل هواه مطاعا فصار كالإله. إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ أي:\nبل هم كالأنعام.\nقلت: وعبارة الواحدي: إِنْ هُمْ أي: ما هم إلاَّ كالأنعام، انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1004>[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٤٥ الى ٥٢]</span>\nأَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا (٤٥) ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضًا يَسِيرًا (٤٦) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباسًا وَالنَّوْمَ سُباتًا وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُورًا (٤٧) وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُورًا (٤٨) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنا أَنْعامًا وَأَناسِيَّ كَثِيرًا (٤٩)\nوَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا (٥٠) وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (٥١) فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهادًا كَبِيرًا (٥٢)\nوقوله سبحانه: أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ ... الآية: مَدُّ الظل بإطلاقٍ: هو ما بين أول الإسفار إلى بُزُوغ الشمس، ومن بعد مغيبها أيضًا وقتًا يسيرًا فإنَّ في هذين الوقتين على الأَرض كُلِّها ظِلًاّ ممدودًا.\nوَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا أي: ثابتًا غيرَ متحرك ولا منسوخ، لكنه جعل الشمس ونسخها إيَّاه، وطردها له من موضع إلى موضع دليلًا عليه مُبَيِّنًا لوجوده ولوجه العبرة فيه، وحكى الطبريّ «١» أَنَّه: لولا الشمسُ لم يُعْلَمْ أَنَّ الظل شيء، إذِ الأشياء إنَّما تُعْرَفُ بأضدادها.\nوقوله تعالى: قَبْضًا يَسِيرًا يحتمل أَنْ يريد، لطيفًا، أي: شيئًا بعدَ شيءٍ، لا في مرة واحدة.\nقال الداوديّ: قال الضَّحَّاكُ: قَبْضًا يَسِيرًا يعني: الظِّلَّ إذا علته الشمسُ «٢»، انتهى. قال الطبريُّ «٣»: ووصف الليل باللباس من حيث يستُر الأَشياء ويغشاها، والسبات:\nضرب من الإِغماء يعترى اليقظانَ مرضًا، فشُبِّهَ النوم به، والنشور هنا: الإحياء، شبَّهَ اليقظةَ به، ويحتمل أَنْ يريد بالنشور وقتَ انتشار وتفرق، وأَناسِيَّ: قيل [هو] «٤» جمع إنسان،\n_________\n(١) ينظر: «الطبريّ» (٩/ ٣٩٥) .\n(٢) أخرجه الطبريّ (٩/ ٣٩٤) رقم (٢٦٣٩٨) .\n(٣) ينظر «الطبريّ» (٩/ ٣٩٦) .\n(٤) سقط في ج.","vol":"4","page":211},{"text":"والياء المُشَدَّدَةُ بدل من النون في الواحد، قاله سيبويه، وقال المُبَرِّدُ: هو جمع إنسي، والضمير في صَرَّفْناهُ عائد على القرآن وإن لم يتقدم له ذكر، ويَعْضُدُ ذلك قوله:\nوَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهادًا كَبِيرًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1005>[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٥٣ الى ٥٧]</span>\nوَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا (٥٣) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكانَ رَبُّكَ قَدِيرًا (٥٤) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيرًا (٥٥) وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٥٦) قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلاَّ مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا (٥٧)\nوقوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ مَرَجَ معناه: خَلَطَ.\nقال ع «١»: والذي أقول به في معنى هذه الآية: أَنَّ المقصود بها التنبيهُ على قدرة الله تعالى في أنَّ بَثَّ في الأرض مياهًا عذبة كثيرة، جعلها خلال الأُجَاجِ، وجعل الأُجَاجَ خلالها، كما هو مَرْئِيٌّ تجدُ البحر قد اكتنفته المياه العذبة في ضَفَّتِهِ، وتجد الماء العذب في الجزائر ونحوها قد اكتنفه الماء الأُجاج، وكُلٌّ باقٍ على حاله ومطعمه فالبحران: يراد بهما جميعُ الماء العذب، وجميع الماء الأجاجُ، والبرزخ والحجر هو ما بين البحرين من الأرض واليبس قاله «٢» الحسن، والفرات: الصافي اللذيذُ المطعم، والأُجَاجُ أبلغ ما يكون من الملوحة.\nوقوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ/ بَشَرًا ... الآية تعديدُ نعم على الناس، ٤٤ ب والنسب: هو أنْ يجتمع إنسان مع آخر في أب أو أمّ، والصِّهْرُ هوَ تَوَاشُجِ المناكحة، فقرابة الزوجة هم الأختان، وقرابة الزوج هم الأحماء، والأصهار يقع عامًا لذلك كله.\nوقوله تعالى: وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيرًا أي: مُعِينًا يعينون على رَبِّهم غيرهم من الكفرة بطاعتهم للشيطان، وهذا تأويل مجاهد «٣» وغيره، والكافر هنا اسم جنس، وقال\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٢١٤) . [.....]\n(٢) أخرجه الطبريّ (٩/ ٤٠٠) برقم (٢٦٤٣٠)، وذكره ابن عطية (٤/ ٢١٤)، والسيوطي (٥/ ١٣٦)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن أبي حاتم عن الحسن.\n(٣) أخرجه الطبريّ (٩/ ٤٠١) برقم (٢٦٤٣٥)، وذكره ابن عطية (٤/ ٢١٥)، والسيوطي (٥/ ١٣٧)، وعزاه لابن أبي شيبة، وسعيد بن منصور، والفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد.","vol":"4","page":212},{"text":"ابن عباس «١»: هو أبو جهل.\nقال ع «٢»: فيُشْبِهُ أَنَّ أبا جهل هو سبب الآية، ولكنَّ اللفظ عام للجنس كله.\nقلت: والمعنى: على دِينِ رَبِّه ظهيرًا.\nوقوله تعالى: إِلَّا مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا الظاهر فيه: أنَّه استثناءٌ مُنْقَطِعٌ، والمعنى: لكن مسؤولي ومطلوبي مَنْ شاء أَنْ يهتدي ويؤمن، ويتخذ إلى رحمة ربه طريق نجاة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1006>[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٥٨ الى ٥٩]</span>\nوَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا (٥٨) الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيرًا (٥٩)\nوقوله سبحانه: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لاَ يَمُوتُ.\nقال القشيريُّ في «التحبير»: وإذا عَلِمَ العبدُ أَنَّ مولاه حَيٌّ لا يموت، صَحَّ تَوَكُّلُهُ عليه قال تعالى: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لاَ يَمُوتُ قيل: إنَّ رجلًا كتب إلى آخر أَنَّ صديقي فلانًا قد مات، فَمِنْ كَثَرَةِ ما بكيت عليه ذَهَبَ بَصَرِي، فكتب إليه: الذَّنْبُ لك حين أحببتَ الحيَّ الذي يموت، فهلا أحببت الحيَّ الذي لا يموت حتى لا تحتاج إلى البكاء عليه، انتهى. وعن أبي هُرَيْرة قال: قَالَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «ما كَرَبَنِي أَمْرٌ إلاَّ تَمَثَّلَ لِي جِبْرِيلُ ﵇ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ، قُلْ: تَوَكَّلْتُ عَلَى الحَيِّ الَّذِي لاَ يَمُوتُ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ، وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا» رواه «٣» الحاكم في «المستدرك» وقال: صحيح الإِسناد، انتهى من «السلاح» .\n_________\n(١) أخرجه الطبريّ (٩/ ٤٠٢) برقم (٢٦٤٤٠)، وابن عطية (٤/ ٢١٥)، والسيوطي (٥/ ١٣٧)، وعزاه لابن مردويه عن ابن عباس.\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٢١٥) .\n(٣) أخرجه الحاكم في «المستدرك» (١/ ٥٠٩) من حديث أبي هريرة مرفوعا.\nوقال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.\nوذكره الهندي في «كنز العمال» (٢/ ١١٩- ١٢٠) رقم (٣٤٢٤)، وعزاه لابن أبي الدنيا في «الفرج»، والبيهقي في «الأسماء» عن إسماعيل بن أبي فديك مرسلا.\nوعزاه لابن صصرى في «أماليه» عن أبي هريرة.","vol":"4","page":213},{"text":"وقوله تعالى: وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ أي: قل: سبحان الله وبحمده أي: تنزيهه واجب وبحمده أقول، وصحّ عنه ﷺ أَنَّه قال: «مَنْ قَالَ فِي كُلِّ يَوْمٍ سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ مائَةَ مَرَّةٍ غُفِرَتْ لَهُ ذُنُوبُهُ وَلَوْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ» «١» فهذا معنى قوله: وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وهي إحدى الكلمتين الخفيفتين على اللسان الثقيلتين في الميزان، الحديث في البخاري وغيره «٢» .\nت: وعن جُوَيْرِيَّةَ﵂- أنّ النبي ﷺ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا بُكْرَةً حِينَ صَلَّى الصُّبْحَ، وَهِيَ فِي مَسْجِدِهَا، ثُمَّ رَجَعَ بَعْدَ أَنْ أَضْحَى وَهِيَ جَالِسَةٌ فَقَالَ: «مَا زِلْتِ عَلَى الحَالِ الَّتِي فَارَقْتُكِ عَلَيْهَا؟ قَالَتْ: نعم، قَال النّبيّ ﷺ: لَقَدْ قُلْتُ بَعْدَكِ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، لَوْ وُزِنَتْ بِمَا قُلْتُ مُنْذُ الْيَوْمَ لَوَزَنْتُهِنَّ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ عَدَدَ خَلْقِهِ وَرِضَا نَفْسِهِ وَزِنَةَ عَرْشِهِ وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ» «٣» رواه الجماعة إلاَّ البخاريَّ، زاد النسائي في آخره:\n«وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَذَلِكَ» وفي رواية له: «سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، وَلاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ، وَاللَّهُ إكْبَرُ عَدَدَ خَلْقِهِ وَرِضَا نَفْسِهِ وَزِنَةَ عَرْشِهِ وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ» انتهى من «السلاح» . وقوله سبحانه: وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا: وعيدٌ بَيِّنٌ.\nوقوله تعالى: «الرحمن»: يحتمل أنْ يكون: رفعه بإضمار مبتدإٍ، أي: هو الرحمن، ويحتمل أنْ يكونَ: بَدَلًا من الضمير في قوله: اسْتَوى.\nوقوله: فَسْئَلْ بِهِ خَبِيرًا [فيه تأويلان: أحدهما: فاسأل عنه خبيرًا] «٤» والمعنى:\nاسأل جبريلَ والعلماء وأهل الكتاب، والثاني: أنْ يكون المعنى كما تقول: لو لقيت فلانا لقيت به البحرَ كرمًا، أي: لقيتَ منه، والمعنى: فاسأل اللهَ عن كل أمر، وقال عِيَاضٌ في ٤٥ أ «الشِّفَا» قال القاضي أبو بكر بن العلاء: المأمور بالسؤال غير النبي ﷺ والمسئول/ الخبير هو النبي ﷺ انتهى.\n_________\n(١) تقدم تخريجه.\n(٢) تقدم تخريجه.\n(٣) أخرجه مسلم (٤/ ٢٠٩٠) كتاب الذكر والدعاء: باب التسبيح أول النهار وعند النوم، حديث (٧٩/ ٢٧٢٦)، والترمذيّ (٥/ ٥٥٦) كتاب الدعوات: باب (١٠٤) حديث (٣٥٥٥)، والنسائي (٣/ ٧٧) كتاب السهو: باب نوع آخر من عدد التسبيح، وابن ماجه (٢/ ١٢٥١- ١٢٥٢) كتاب الأدب: باب فضل التسبيح، حديث (٣٨٠٨)، وأحمد (٦/ ٣٢٤)، والبخاري في «الأدب المفرد» (٦٤٧)، وابن خزيمة (٧٥٣)، والبغوي في «شرح السنة» (٣/ ٨٢- بتحقيقنا) .\nوقال الترمذيّ: هذا حديث حسن صحيح.\n(٤) سقط في ج.","vol":"4","page":214},{"text":"قال أبو حيان «١»: والظاهر تعلق به فَسْئَلْ وبقاء الباء على بابها، وخَبِيرًا من صفاته تعالى، نحو: لَقِيتُ بِزَيْدٍ أَسَدًا، أي: أَنَّهُ الأَسَدُ شجاعةً، والمعنى: فاسألِ اللهَ الخبير بالأشياء، انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1007>[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٦٠ الى ٦١]</span>\nوَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ أَنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وَزادَهُمْ نُفُورًا (٦٠) تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيها سِراجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (٦١)\nوَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ يعني أَنَّ كفار قريش قالوا: ما نعرف الرحمن إلاَّ رحمن اليمامة، وهو مُسَيْلَمَةَ الكَذَّابَ، وكان مُسَيْلَمَةُ تَسَمَّى بالرحمن.\nأَنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وَزادَهُمْ هذا اللفظُ نُفُورًا والبروج هي التي عَلِمْتَها العرب، وهي المشهورة عند اللغويين وأهل تعديل الأوقات، وكل برج منها على منزلتين وثلث من منازل القمر التي ذكرها الله تعالى في قوله: وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ [يس: ٣٩] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1008>[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٦٢ الى ٦٣]</span>\nوَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُورًا (٦٢) وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا (٦٣)\nوَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً أي: هذا يَخْلُفُ هذا، وهذا يخلف هذا، قال مجاهد وغيره: لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أي: يعتبر بالمصنوعات ويشكرَ الله تعالى على آلائه «٢»، وقال عمر وابن عباس والحسن: معناه: لمن أراد أَنْ يَذْكُرَ ما فاته من الخير والصلاة ونحوه في أحدهما فيستدركه في الذي يليه «٣»، وقرأ حمزة «٤» وحده: «يذْكُرُ» بسكون الذال وضم الكاف، ثم لما قال تعالى: لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُورًا جاء بصفات عباده الذين هم أهل التذكرة والشكور.\nوقوله: الَّذِينَ يَمْشُونَ. [خبر مبتدإ، والمعنى: وعباده حَقُّ عباده هم الذين يمشون.\n_________\n(١) ينظر: «البحر المحيط» (٦/ ٤٦٥) .\n(٢) أخرجه الطبريّ (٩/ ٤٠٧) برقم (٢٦٤٥٨، ٢٦٤٥٩)، وذكره البغوي (٣/ ٣٧٥)، وابن عطية (٤/ ٢١٧)، والسيوطي (٥/ ١٣٩)، وعزاه للفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد.\n(٣) ذكره ابن عطية (٣/ ٢١٨)، وابن كثير (٣/ ٣٢٤) عن ابن عباس، والسيوطي (٥/ ١٣٩)، وعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس، وعزاه أيضا لعبد بن حميد عن الحسن.\n(٤) ينظر: «السبعة» (٤٦٦)، و«الحجة» (٥/ ٣٤٨)، و«العنوان» (١٤١)، و«إتحاف» (٢/ ٣١٠)، و«حجة القراءات» (٥١٣) .","vol":"4","page":215},{"text":"وقوله: يَمْشُونَ «١» عَلَى الْأَرْضِ عبارة عن عيشهم ومدّة حياتهم وتصرّفاتهم، وهَوْنًا بمعنى أَنَّ أمرهم كله هَيِّنُ، أي: ليِّنٌ حسن قال مجاهد «٢»: بالحلم والوقار.\nوقال ابن عباس «٣»: بالطاعة والعَفَاف والتواضع، وقال الحسن «٤»: حُلَمَاءُ، إنْ جُهلَ عليهم لم يجهلوا.\nقال الثعلبيُّ: قال الحسن «٥»: يمشون حلماء علماء مثلَ الأنبياء، لا يؤذون الذَّرَّ في سكونٍ وتواضع وخشوع، وهو ضدُّ المُخْتَالُ الفخور الذي يختال في مشيه، اه.\nقال عياض في صفة نَبِيِّنا محمد ﷺ: يخطو تكفُّؤًا «٦»، ويمشي هونًا، كأنَّما ينحطُّ من صبب، انتهى من «الشفا» .\nقال أبو حيان «٧»: هَوْنًا: نعت لمصدر محذوف، أي: مشيًا هونًا، أو حال، أي:\nهَيِّنِينَ، انتهى، وروى الترمذيُّ عن ابن مسعود أنّ النبي ﷺ قال: «أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِمَنْ يَحْرُمُ عَلَى النَّارِ أَوْ بِمَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ النَّارُ؟ على كُلِّ قَرِيبٍ هَيِّنٍ، سَهْلٍ» «٨»، قال أَبو عيسى: هذا\n_________\n(١) سقط في ج. [.....]\n(٢) أخرجه الطبريّ (٩/ ٤٠٧) برقم (٢٦٤٦١)، وذكره ابن عطية (٤/ ٢١٨)، والسيوطي (٥/ ١٤٠)، وعزاه لعبد الرزاق، والفريابي، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في «شعب الإيمان» عن مجاهد.\n(٣) أخرجه الطبريّ (٩/ ٤٠٨) برقم (٢٦٤٦٩)، وذكره ابن عطية (٤/ ٢١٨) والسيوطي (٥/ ١٤٠)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس.\n(٤) أخرجه الطبريّ (٩/ ٤٠٨) برقم (٢٦٤٧٤)، وذكره البغوي (٣/ ٣٧٥)، وابن عطية (٤/ ٢١٨)، والسيوطي (٥/ ١٤١)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن المنذر، والبيهقي في «شعب الإيمان» عن الحسن.\n(٥) أخرجه الطبريّ (٩/ ٤٠٨) برقم (٢٦٤٧٦)، وذكره البغوي (٣/ ٣٧٥)، وابن عطية (٤/ ٢١٨) .\n(٦) أي تمايل إلى قدام. ينظر: «النهاية» (٤/ ١٨٣) .\n(٧) ينظر: «البحر المحيط» (٦/ ٤٦٩) .\n(٨) أخرجه الترمذيّ (٤/ ٦٥٤) كتاب صفة القيامة: باب (٤٥) حديث (٢٤٨٨)، وأحمد (١/ ٤١٥)، وأبو يعلى (٨/ ٤٦٧- ٤٦٨) رقم (٥٠٥٣)، وابن حبان (١٠٩٦، ١٠٩٧- موارد)، والخرائطي في «مكارم الأخلاق» (١١)، والطبراني في «الكبير» (١٠/ ٢٨٥) رقم (١٠٥٦٢)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٧/ ٥٣٥- ٥٣٦) رقم (١١٢٥١، ١١٢٥٢)، والبغوي في «شرح السنة» (٦/ ٤٨٠- بتحقيقنا) كلهم من طريق هشام بن عروة عن موسى بن عقبة عن عبد الله بن عمرو الأودي عن ابن مسعود مرفوعا.\nوقال الترمذيّ: حديث حسن غريب.\nوصححه ابن حبان.\nوللحديث طريق آخر:\nفقال ابن أبي حاتم في «العلل» (٢/ ١٠٨): سألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه مصعب بن عبد الله-","vol":"4","page":216},{"text":"حديث حسن، انتهى.\nوَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا العامل في سَلامًا قالُوا، والمعنى:\nقالوا هذا اللفظ، وقال مجاهد «١»: معنى سَلامًا: قولًا سدادًا، أي: يقول للجاهل كلامًا يدفعه به برفقٍ ولينٍ، وهذه الآية كانت قبل آية السيف فَنُسِخَ منها ما يَخُصُّ الكَفَرَةَ، وَبَقِيَ أَدبها في المسلمين إلى يوم القيامة، قال صاحب «الحكم الفارقية»: إذا نازعك إنسان فلا تجبه فإنّ الكلمة الأولى أنثى وإجابتها فحلها، فإنْ أمسكت عنها بترتها وقطعت نسلها، وإنْ أجبتها ألقحتها، فكم من نسل مذمومٍ يتولد بينهما في ساعة واحدة، انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1009>[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٦٤ الى ٦٦]</span>\nوَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيامًا (٦٤) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا (٦٥) إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقامًا (٦٦)\nوَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيامًا هذه آية فيها تحريض على قيام الليل بالصلاة، قال الحسن: لما [فرغ من] «٢» وصف نهارهم، وَصَفَ في هذه ليلهم «٣»، وغَرامًا:\nمعناه: ملازما ثقيلا، ومُقامًا: من الإقامة، وعن أنس بن مالك قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الجنة ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، قَالتِ/ الجنّة: اللهمّ، أدخله الجنّة، ٤٥ ب وَمَن استجار مِنَ النَّارِ ثَلاَث مَرَّاتٍ، قَالتِ النَّارُ: اللَّهُمْ أَجْرِهُ مِنَ النَّار» «٤»، رواه أبو داود،\n_________\n- الزبيري عن أبيه عن هشام بن عروة عن محمد بن المنكدر عن جابر عن النبي ﷺ ... فذكر الحديث قالا: هذا خطأ، رواه الليث بن سعد وعبدة بن سليمان عن هشام بن عروة عن موسى بن عقبة عن عبد الله بن عمرو الأودي عن ابن مسعود عن النبي ﷺ ... وهذا هو الصحيح.\n(١) أخرجه الطبريّ (٩/ ٤٠٩)، وذكره ابن عطية (٤/ ٢١٨)، والسيوطي (٥/ ١٤٠)، وعزاه لعبد الرزاق، والفريابي، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في «شعب الإيمان» عن مجاهد.\n(٢) سقط في ج.\n(٣) ذكره ابن عطية (٤/ ٢١٩)، والسيوطي (٥/ ١٤١)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن المنذر، والبيهقي في «شعب الإيمان» عن الحسن.\n(٤) أخرجه الترمذيّ (٤/ ٦٩٩- ٧٠٠) كتاب صفة الجنة: باب ما جاء في صفة أنهار الجنة، حديث (٢٥٧٢)، وابن ماجه (٢/ ١٤٥٣) كتاب الزهد: باب صفة الجنة، حديث (٤٣٤٠)، والنسائي (٨/ ٢٧٩) كتاب الاستعاذة: باب الاستعاذة من حر النار، وأحمد (٣/ ١١٧، ١٤١، ١٥٥، ٢٦٢)، وأبو يعلى (٦/ ٣٥٦) رقم (٣٦٨٢)، وابن حبان (٢٤٣٣- موارد)، وابن أبي شيبة (١٠/ ٤٢١) رقم (٩٨٥٧)، والحاكم (١/ ٥٣٤- ٥٣٥)، وهناد بن السري في «الزهد» (١/ ١٣٣) رقم (١٧٣) كلهم من حديث أنس.\nوصححه الحاكم، ووافقه الذهبي. وصححه أيضا ابن حبان.","vol":"4","page":217},{"text":"والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان في «صحيحه» بلفظ واحد، ورواه الحاكم في «المستدرك»، وقال: صحيح الإسناد، انتهى من «السلاح» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1010>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٦٧]</span>\nوَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَوامًا (٦٧)\nوقوله سبحانه: وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ... الآية: عبارة أكثر المفسرين أَنَّ الذي لا يُسْرِفُ هو المُنْفِقُ في الطاعة وإنْ أفرط، والمُسْرِفَ هو المُنْفِقُ في المعصية وإنْ قَلَّ إنفاقهُ، وإنَّ الْمُقتِرَ هو الذي يمنع حَقًّا عليه وهذا قول ابن عباس «١» وغيره، والوجه أَنْ يقال: إنَّ النفقة في المعصية أمر قد حَظَرَتِ الشريعةُ قليلَه وكثيره، وهؤلاءِ الموصوفون مُنَزَّهُونَ عن ذلك، وإنَّما التأديب بهذه الآية هو في نفقة الطاعات والمُبَاحَاتِ، فأدب الشريعة فيها إلاَّ يفرط الإنسانِ حتى يُضَيِّعَ حَقًّا آخر أو عيالا ونحو هذا، وألّا يضيّق أيضا ويقتر حتى يجمع العيالَ ويفرط في الشُّحِّ، والحَسَنُ في ذلك هو القوام، أي: المعتدل، والقوام في كل واحد بحسب عياله وحاله، وخير الأمور أوساطها ولهذا ترك النّبيّ ﷺ أبا بكْرٍ الصِّدِّيقَ يَتَصَدَّقُ بِجَمِيعِ مَالِهِ لأَنَّ ذلك وَسَطٌ بنسبة جَلَدِهِ وَصَبْرِهِ في الدِّينِ، ومنع غيره من ذلك.\nوقال عبد الملك بن مروان لعمرَ بن عبد العزيز حين زَوَّجَه ابنته فاطمة: مَا نَفَقَتُكَ؟\nفقال له عمر: الحَسَنَةُ بَيْنَ السَّيِّئَتَيْنِ، ثم تلا الآية «٢»، وقال عمر بن الخطاب﵁-: كفى بالمرء سَرَفًا أَلاَّ يشتهيَ شيئًا إلاَّ اشتراه فأكله «٣» . وقَوامًا: خبر كانَ واسمها مقدّر، أي: الإنفاق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1011>[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٦٨ الى ٧٢]</span>\nوَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثامًا (٦٨) يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهانًا (٦٩) إِلاَّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠) وَمَنْ تابَ وَعَمِلَ صالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتابًا (٧١) وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا (٧٢)\nوَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ الآية: في نحو هذه الآية قَال اْبنُ مسعود:\n_________\n(١) أخرجه الطبريّ (٩/ ٤١١) نحوه، وذكره البغوي (٣/ ٣٧٦) نحوه، وابن عطية (٤/ ٢٢٠) والسيوطي (٥/ ١٤٢)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس.\n(٢) ذكره ابن عطية (٤/ ٢٢٠) . [.....]\n(٣) ذكره البغوي (٣/ ٣٧٦)، وابن عطية (٤/ ٢٢٠)، والسيوطي (٥/ ١٤٣)، وعزاه لعبد الرزاق عن الحسن.","vol":"4","page":218},{"text":"قَلْتُ يَوْمًا: يا رَسُولَ اللهِ، أيُّ الذَّنْبِ أَعْظمُ؟ قال: «أنْ تَجْعَلَ للَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ، قْلتُ:\nثُمَّ أَي قال: أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ، خَشْيَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: أَنْ تَزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ» ثُمَّ قرأ رسول الله ﷺ هذه «١» الآية والأثام في كلام العرب: العِقَابُ، وبه فَسَّرَ ابن زيد وقتادة هذه الآية.\nقال ع «٢»: يُضاعَفْ: بالجزم بدل من يَلْقَ قال سيبويه: مضاعفة العذاب هو لقي الأثام.\nوقوله تعالى: إِلَّا مَنْ تابَ: لا خلاف بين العلماء أَن الاستثناء عام في الكافر والزاني، واختلفوا في القاتل، وقد تقدم بيان ذلك في «سورة النساء» .\nوقوله سبحانه: فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ أي: بأنْ يجعلَ أعمالهم بَدَل معاصيهم الأُولَى طاعةً قاله ابن عباس «٣» وغيره، ويحتمل أنْ يكونَ ذلك في يوم القيامة، يجعل بدل السيئات الحسنات تَكَرُّمًا منه ﷾ كما جاء في «صحيح مسلم» «٤»، وهو تأويل ابن المُسَيِّبِ.\nص: والأَوْلَى: ويحتمل أنْ يكون الاستثناءُ هنا مُنْقَطِعًا، أي: لكن من تاب\n_________\n(١) حديث: «أن تجعل لله ندا وهو خلقك» .\nأخرجه البخاري (٨/ ١٣) كتاب التفسير: باب قوله تعالى: فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدادًا حديث (٤٤٧٧)، وفي (٨/ ٣٥٠- ٣٥١) . كتاب التفسير: باب والذين تدعون مع الله إلها آخر، حديث (٤٧٦١)، وفي (١٠/ ٤٤٨) كتاب الأدب: باب قتل الولد خشية أن يأكل معه، حديث (٦٠٠١)، وفي (١٢/ ١١٦) كتاب الحدود: باب إثم الزناة، حديث (٦٨١١)، وفي (١٢/ ١٩٤)، كتاب الديات: باب قوله تعالى:\nوَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا، حديث (٦٨٦١)، وفي (١٣/ ٤٩٩- ٥٠٠) كتاب التوحيد: باب قول الله تعالى: فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدادًا، حديث (٧٥٢٠)، وفي (١٣/ ٥١٢)، حديث (٧٥٣٢) .\nومسلم (١/ ٩٠- ٩١) كتاب الإيمان: باب كون الشرك أقبح الذنوب، حديث (١٤١/ ٨٦)، وأبو داود (١/ ٧٠٥)، كتاب الطلاق: باب في تعظيم الزنا، حديث (٢٣١٠)، والترمذيّ (٥/ ٣٣٦) كتاب التفسير: باب «ومن سورة الفرقان»، حديث (٣١٨٢) والنسائي (٧/ ٨٩) كتاب تحريم الدم: باب ذكر أعظم الذنب، حديث (٤٠١٣) . وأحمد (١/ ٣٨٠، ٤٣١، ٤٣٣، ٤٦٢، ٤٦٤)، والطيالسي (٣، ٤- منحة) وأبو عوانة (١/ ٥٦)، وأبو نعيم (٤/ ١٤٥)، والبيهقي (٨/ ١٨) كتاب الجنايات: باب قتل الولدان، من حديث ابن مسعود.\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٢٢١) .\n(٣) أخرجه الطبريّ (٩/ ٤١٨)، برقم (٢٦٥٢٧) بنحوه، وذكره البغوي (٣/ ٣٧٧) وابن عطية (٤/ ٢٢١)، والسيوطي (٥/ ١٤٦)، وعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس.\n(٤) تقدم تخريجه.","vol":"4","page":219},{"text":"وآمن، وعمل عملًا صالحًا فأولئك يُبَدِّلُ الله سيئاتهم حسنات، انتهى. ثم أَكَّدَ سبحانه أمر التوبة، ومدح المتاب فقال: «وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى الله مَتابًا» كأنه قال:\nفإنه يجد بابًا للفرج والمغفرة عظيمًا، ثم استمرت الآيات في صفة عباد الله المؤمنين بأن ٤٦ أنفى/ عنهم شهادة الزور، ويَشْهَدُونَ في هذا الموضع ظاهر، معناها: يُشَاهِدُون وَيَحْضُرُون، والزور: كل باطل زُوِّرَ، وأعظمه الشرك، وبه فسر الضَّحَّاكُ «١»، ومنه الغِنَاءُ، وبه فَسَّرَ مجاهد «٢»، وقال عليٌّ وغيره: معناه لا يشهدون بالزور، فهي من الشهادة لا من المشاهدة، والمعنى الأوَّلُ أعَمُّ. واللغو: كل سَقَطٍ من فعل أو قول، وقال الثعلبيُّ: اللغو كل ما ينبغي أن يطرح ويلغى، انتهى. وكِرامًا معناه: معرضين مستحيين، يتجافون عن ذلك، ويصبرون على الأذى فيه.\nقال ع «٣»: وإذا مَرَّ المسلم بمنكر فَكَرَمُهُ أنْ يُغَيِّرَهُ، وحدود التغير معروفة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1012>[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٧٣ الى ٧٦]</span>\nوَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْيانًا (٧٣) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِمامًا (٧٤) أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَسَلامًا (٧٥) خالِدِينَ فِيها حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقامًا (٧٦)\nوقوله تعالى: وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ يريدُ: ذكِّرُوا بالقرآن أمر آخرتهم ومعادهم.\nوقوله: لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْيانًا يحتمل تأويلين: أحدهما: أنْ يكون المعنى: لم يكن خُرُورُهم بهذه الصفة بل يكونوا سُجَّدًا وُبكِيًّا، وهذا كما تقول: لم يخرج زيد إلى الحرب جزعًا، أي: إنما خرج جريئًا مِقْدَامًا، وكأنَّ الذي يَخِرُّ أَصَمَّ أعمى هو المنافق أو الشَّاكُّ، والتأويل الثاني: ذهب إليه الطبريُّ «٤» وهو أنَّ: يخروا صمًا وعميانًا، هي صفة للكفار، وهي عبارة عن إعراضهم.\nوقال الفَرَّاءُ: لَمْ يَخِرُّوا، أي: لم يقيموا، وهو نحو تأويل الطبريّ، انتهى. وقال\n_________\n(١) أخرجه الطبريّ (٩/ ٤٢٠) برقم (٢٦٥٣٦)، وذكره البغوي (٣/ ٣٧٨)، وابن عطية (٤/ ٢٢٢) .\n(٢) أخرجه الطبريّ (٩/ ٤٢٠) برقم (٢٦٥٣٨)، وذكره ابن عطية (٤/ ٢٢٢) والسيوطي (٥/ ١٤٨)، وعزاه للفريابي، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن أبي الدنيا في «ذم الغضب»، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في «شعب الإيمان» عن مجاهد.\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٢٢٢) .\n(٤) ينظر: «الطبريّ» (٩/ ٤٢٣) .","vol":"4","page":220},{"text":"ابن العربيِّ في «أحكامه» «١»: قوله تعالى: وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْيانًا.\nقال علماؤنا: يعني الذين إذا قرأوا القرآن قرأوه بقلوبهم قراءة فهم وتثبيت، ولم ينثروه نثر الدَّقَلِ، فإنَّ المرور عليه بغير فهم ولا تثبيت صَمَمٌ وعَمًى، انتهى. وقُرَّةُ العين:\nمن القر وهذا هو الأشهر لأَنَّ دمعَ السرور بارد، ودَمْعَ الحُزْنِ سُخْنٌ فلهذا يقال: أَقَرَّ الله عينك، وأسخن الله عين العَدُوِّ، وقرة العين في الأزواج والذُّرِّيَّةِ أَنْ يراهم الإنسان مطيعين للَّه تعالى قاله ابن عباس والحسن وغيرهما «٢»، وبَيَّن المقداد بن الأسود الوجه من ذلك بأنَّه كان في أوَّلِ الإسلام يهتدي الأب، والابن كافر، أو الزوج والزوجة كافرة، فكانت قرة أعينهم في إيمان أحبابهم.\nوَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِمامًا أي: اجعلنا يَأْتَمُّ بنا المتقون، وذلك بأن يكون الداعي متقيا قدوة، وهذا هو قصد الداعي، قال النخعي: لم يطلبوا الرياسة، بل أنْ يكونوا قدوة في الدين، وهذا حَسَنٌ أَنْ يُطْلَبَ وَيُسْعَى «٣» له.\nقال الثعلبي: قال ابن عباس: المعنى: واجعلنا أئمة هدى «٤»، انتهى، وهو حسن، لأَنَّهُم طلبوا أن يجعلهم أهلاٌ لذلك. والغرفة من منازل الجنة وهي الغرف فوق «٥» الغرف، وهي اسم جنس كما قال: [من الهزج]\nوَلَوْلًا الحبّة السمراء ... لم نحلل بواديكم\nت: وأخرج أبو القاسم، زاهر بن طاهر بن محمد بن الشحامي عن أنس بن مالك قال: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «إنَّ فِي الجَنَّةِ لَغُرَفًا لَيْسَ لَهَا مَعَالِيقُ مِنْ فَوْقِهَا وَلاَ عِمَادٌ مِنْ تَحْتِهَا، قِيلَ: يَا رَسُولَ الله، وَكَيْفَ يَدْخُلُهَا أَهْلُهَا؟ قال: يَدْخُلُونَهَا أَشْبَاهَ الطَّيْرِ، قيل: هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ لِمَنْ؟ قال: هِيَ لأَهْلِ/ الأَسْقَامِ وَالأَوْجَاعِ والبلوى «٦»» . انتهى من ٤٦ ب «التذكرة» . وقرأ حمزة «٧» وغيره: «يَلْقَوْنَ» بفتح الياء وسكون اللام وتخفيف القاف.\n_________\n(١) ينظر: «أحكام القرآن» (٣/ ١٤٣٣) .\n(٢) ذكره ابن عطية (٤/ ٢٢٢) .\n(٣) ذكره ابن عطية (٤/ ٢٢٢) .\n(٤) أخرجه الطبريّ (٩/ ٤٢٥) برقم (٢٦٥٦٢)، وذكره السيوطي (٥/ ١٤٩)، وعزاه لابن المنذر عن ابن عباس.\n(٥) في ج: الغرفة فوق فوق الغرف. [.....]\n(٦) ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ١٥٠)، وعزاه إلى زاهر بن طاهر الشحامي عن أنس.\n(٧) وقرأ بها الكسائيّ وأبو بكر.","vol":"4","page":221},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1013>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٧٧]</span>\nقُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزامًا (٧٧)\nوقوله تعالى: قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ الآية، ما نافية وتحتمل التقرير، ثم الآية تحتمل أنْ تكون خطابًا لجميع الناس، فكأنه قال لقريش منهم: ما يبالي الله بكم، ولا ينظر إليكم لولا عبادتكم إيَّاه، أَنْ لو كانت، إذ ذلك الذي يعبأ بالبشر من أجله قال تعالى: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: ٥٦] . وقال النقاش وغيره: المعنى: لولا استغاثتكم إليه في الشدائد، وقرأ ابن الزبير «١» وغيره: «فَقَدْ كَذَّبَ الْكَافِرُونَ» وهذا يؤيِّد أَنَّ الخطاب بما يعبأ هو لجميع الناس، ثم يقول لقريش: فأنتم قد كذبتم، ولم تعبدوه فسوف يكون العذاب أو التكذيب الذي هو سبب العذاب لزامًا، ويحتمل أنْ يكون الخطابُ بالآيتين لقريش [خاصة] «٢» وقال الداوديّ: وعن ابن عيينة: لَوْلا دُعاؤُكُمْ معناه: لولا دعاؤكم إيّاه لتطيعوه، انتهى، قال ابن العربي في «أحكامه» «٣»: زعم بعض الأدباء أنَّ «لَوْلاَ دُعَآؤُكُمْ» معناه: لولا سؤالُكم إياه وطلبُكم منه، ورأى أَنَّه مصدر أُضِيفَ إلى فاعل، وليس كما زعم وإنما هو مصدر أضيف إلى مفعول، والمعنى: قل يا محمد للكفار: لولا دعاؤكم ببعثة الرسول إليكم وتبين الأدلة لكم فقد كذبتم فسوف يكون لزامًا ذكر هذا عند قوله تعالى:\nلا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا [النور: ٦٣] . في آخر سورة النور، انتهى.\nت والحق أنَّ الآية محتملة لجميع ما تقدم، ومَنِ ادَّعى التخصيص فعليه بالدليل، والله أعلم.\nويعبأ: مشتق من العِبْءِ وهو الثِّقَلُ الذي يعبّأ ويرتب كما يعبأ الجيش.\n_________\n- وحجتهم قوله تعالى: فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا، [مريم: ٥٩] . وقوله: وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثامًا [الفرقان: ٦٨] .\nوحجة الباقين قوله: وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا [الإنسان: ١١] .\nينظر: «حجة القراءات» (٥١٥)، و«السبعة» (٤٦٨)، و«الحجة» (٥/ ٣٥٤)، و«إعراب القراءات» (٢/ ١٢٨)، و«معاني القراءات» (٢/ ٢٢١)، و«شرح الطيبة» (٥/ ٩٨)، و«العنوان» (١٤١)، و«حجة القراءات» (٥١٥)، و«شرح شعلة» (٥٣٠)، و«إتحاف» (٢/ ٣١١) .\n(١) وقرأ بها ابن عباس.\nينظر: «مختصر الشواذ» ص ١٠٧، و«المحتسب» (٢/ ١٢٦)، و«المحرر الوجيز» (٤/ ٢٢٣)، و«البحر المحيط» (٦/ ٤٧٥)، وزاد نسبتها إلى عبد الله بن مسعود.\n(٢) سقط في ج.\n(٣) ينظر: «أحكام القرآن» (٣/ ١٤١١) .","vol":"4","page":222},{"text":"قال الثعلبيُّ: قال أبو عُبَيْدَةَ: يقالُ: ما عَبَأْتُ به شيئًا، أي: لم أَعُدَّه شيئًا فوجوده وعدمه سواء، انتهى.\nوقال العراقي: مَا يَعْبَؤُا أي: ما يبالي، انتهى. [وأكثر الناس على أن اللزام المشار إليه هو يوم بدر، وقالت فرقة: هو توعد بعذاب الآخرة]»\n، وقال ابن عباس: اللزام الموت «٢»، وقال البخاريُّ: فَسَوْفَ يَكُونُ لِزامًا «٣» أي: هلكة، انتهى.\n_________\n(١) سقط في ج.\n(٢) أخرجه الطبريّ (٩/ ٤٢٨) برقم (٢٦٥٨٤)، وذكره البغوي (٣/ ٣٨٠)، وابن عطية (٤/ ٢٢٣)، والسيوطي (٥/ ١٥٠)، وعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس.\n(٣) ينظر: «صحيح البخاري» (٨/ ٣٥٥) كتاب التفسير: باب فَسَوْفَ يَكُونُ لِزامًا.","vol":"4","page":223},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1014>تفسير سورة الشعراء</span>\nوهي مكّيّة كلّها في قول الجمهور\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1015>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١ الى ٤]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nطسم (١) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣) إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ (٤)\nقوله تعالى: طسم تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ تقدم الكلام على الحروف التي في أوائل السور، والباخع: القاتل والمُهْلِكُ نَفْسَه بالهم، والخضوعُ للآية المنزلة إمَّا لخوف هلاك كنتق الجبل على بني إسرائيل، وإمَّا لأجل الوضوح وبَهْرِ العقول، بحيث يقع الإذعان لها. والأعناق الجارحة المعلومة، وذلك أَنَّ خضوع العنق والرقبة هو علامة الذلة والانقياد.\nوقيل: المراد بالأعناق جماعتهم يقال: جاء عنق من الناس، أي: جماعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1016>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٥ الى ٩]</span>\nوَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلاَّ كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (٥) فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبؤُا ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٦) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (٧) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٩)\nوقوله تعالى: وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبؤُا ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ ٤٧ أزَوْجٍ كَرِيمٍ تقدم تفسير/ هذه الجملة فانظره في مَحَلِّهِ، وقوله تعالى: فَسَيَأْتِيهِمْ وعيد بعذاب الدنيا كبدر وغيرها، ووعيد بعذاب الآخرة، والزوج: النوع والصنف، والكريم:\nالحسن المُتَّقَنُ قاله مجاهد «١» وغيره.\nوقوله تعالى: وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ حتم على أكثرهم بالكفر، ثم توعَّدَ تعالى بقوله:\nوَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ أي: عزيز في انتقامه من الكفار، رحيم بأوليائه المؤمنين.\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٤/ ٢٢٦) .","vol":"4","page":224},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1017>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٠ الى ٢١]</span>\nوَإِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ (١١) قالَ رَبِّ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (١٢) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ (١٣) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (١٤)\nقالَ كَلاَّ فَاذْهَبا بِآياتِنا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (١٥) فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٦) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ (١٧) قالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (١٨) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ (١٩)\nقالَ فَعَلْتُها إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (٢٠) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢١)\nوقوله تعالى: وَإِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى التقدير: واذكر إذ نادى ربك موسى، وسَوْقُ هذه القصة تمثيل لكفار قريش في تكذيبهم النبيَّ ﷺ.\nوقوله: فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ معناه: يعينني وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ يعني قَتْلَهُ القِبْطِيَّ.\nوقوله تعالى: كَلَّا رَدٌّ لقوله: إِنِّي أَخافُ أي: لا تخف ذلك، وقول فرعون لموسى: أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيدًا هو على جهة المَنِّ عليه والاحتقار، أي: رَبَّيْنَاكَ صغيرًا، ولم نقتلك في جملة مَنْ قَتَلْنَا وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ: فمتى كان هذا الذي تدَّعِيْهِ، ثم قرره على قتل القبطي بقوله: وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ والفَعْلَةُ- بفتح الفاء-: المَرَّةُ، وقوله: وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ يريد: وقتلت القبطيَّ وأنت في قتلك إياه من الكافرين إذ هو نَفْسٌ لا يحلُّ قتلها قاله الضَّحَّاكُ «١»، أو يريد: وأنت من الكافرين بنعمتي في قتلك إياه قاله ابن زيد «٢» ويحتمل أن يريد: وأنت الآن من الكافرين بنعمتي، وكان بين خروج موسى ﵇ حين قتل القبطي وبين رجوعه نَبِيًّا إلى فرعون- أَحَدَ عَشَرَ عامًا غيرَ أشهرٍ.\nوقوله: قالَ فَعَلْتُها إِذًا: من كلام موسى ﵇ والضميرُ في قوله:\nفَعَلْتُها لِقَتْلَةِ القِبْطِيِّ. وقوله: وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ قال ابن زيد: معناه: من الجاهلين بأنَّ وكزتي إياه تأتي على نفسه «٣»، وقال أبو عبيدةَ: معناه: من الناسين، ونزع بقوله: أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما [البقرة: ٢٨٢]، وفي قراءة ابن مسعود وابن عباس «٤»: «وأَنَا مِنَ الجَاهِلِينَ»، ويشبه أن تكون هذه القراءة على جهة التفسير، وحُكْمًا يريد: النبوّة وحكمتها.\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٤/ ٢٢٧) .\n(٢) أخرجه الطبريّ (٩/ ٤٣٦) برقم (٢٦٦٠٥)، وذكره ابن عطية (٤/ ٢٢٧) .\n(٣) أخرجه الطبريّ (٩/ ٤٣٧) برقم (٢٦٦١١)، وذكره ابن عطية (٤/ ٢٢٨) .\n(٤) ينظر: «مختصر الشواذ» ص ١٠٧، و«المحرر الوجيز» (٤/ ٢٢٨)، و«البحر المحيط» (٧/ ١١)، و«الكشاف» (٣/ ٣٠٥) . [.....]","vol":"4","page":225},{"text":"وقوله: وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ درجة ثانية لِلنُّبُوَّةِ، فربّ نبيّ ليس برسول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1018>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٢٢ الى ٣٤]</span>\nوَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ (٢٢) قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ (٢٣) قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٢٤) قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ (٢٥) قالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٢٦)\nقالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢٧) قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (٢٨) قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهًَا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩) قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (٣٠) قالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣١)\nفَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ (٣٢) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ (٣٣) قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ (٣٤)\nوقوله: وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ الآية: قال قتادة: هذا من موسى على جهة الإنكار على فرعون «١» كأنه يقول: أو يَصِحُّ لك أن تَعُدَّ عليّ نعمةَ ترك قتلي من أجل أنَّك ظلمت بني إسرائيل وقتلتهم؟! أي: ليست بنعمة لأَنَّ الواجب كان أَلاَّ تقتلَني ولا تقتلهم «٢»، ولا تستعبدهم، وقرأ الضَّحَّاك «٣»: «وتِلْكَ نِعْمَةٌ مَا لَكَ أَنْ تَمُنَّهَا عَلَيَّ» وهذه قراءة تؤيِّد هذا التأويل، وقال الطبريُّ «٤» والسُّدِّيُّ: هذا الكلام من موسى ﵇ علي جهة الإقرار بالنعمة كأنه يقول: نعم «٥»، وتربيتك نعمة عليَّ من حيث عَبَّدْتَ غيري وتركتني، ولكن ذلك لا يدفع رسالتي، ولمَّا لم يجد فرعونُ حُجَّةً رجع إلى معارضة موسى في قوله: وَما ٤٧ ب رَبُّ الْعالَمِينَ واستفهمه استفهامًا فقال موسى/ هو رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ...\nالآية، فقال فرعون «٦» عند ذلك: أَلا تَسْتَمِعُونَ: على معنى الإغراء والتعجب من شنعة المقالة [إذ] «٧» كانت عقيدة القوم أَنَّ فرعون رَبُّهم ومعبودهم والفراعنة قبله كذلك، فزاده موسى في البيان بقوله: رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ فقال فرعون حينئذٍ على جهة الاستخفاف: إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ فزاده موسى في بيان الصفات التي تُظْهِرُ نقصَ فرعونَ، وتبين أَنَّهُ في غاية البعد عن القدرة عليها، وهي رُبُوبِيَّةِ المشرق والمغرب، ولم يكن لفرعونَ إلاَّ مِلْكُ مصرَ، ولما انقطع فرعون في باب الحجة، رجع إلى الاستعلاء والتغلب فقال لموسى: لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهًَا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ وفي\n_________\n(١) في ج: فرعون لعنه الله.\n(٢) في ج: ولا قتلتهم.\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٢٢٨)، و«البحر المحيط» (٧/ ١١) .\n(٤) ينظر: «الطبريّ» (٩/ ٤٣٨) .\n(٥) ذكره ابن عطية (٤/ ٢٢٨) .\n(٦) في ج: فرعون لعنه الله.\n(٧) سقط في ج.","vol":"4","page":226},{"text":"توعده بالسجن ضَعْفٌ لأَنَّهُ خارت طباعه معه، وكان فيما روي أنَّه يفزعُ من موسى فزعًا شديدًا حتى كان لا يُمْسِكُ بولَه، وكان عند موسى من أمر الله والتوكل عليه ما لا يفزعه تَوَعُّدُ فرعونَ، فقال له موسى على جهة اللطف به والطمع في إيمانه: أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ: يتَّضِحُ لك معه صدقي، فلما سمع فرعون ذلك طمع أن يجد أَثناءه موضع معارضة فقال له: فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ فألقى موسى عصاه فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ على ما تقدَّم بيانه ونَزَعَ يَدَهُ من جيبه فَإِذا هِيَ: تتلألأ كأنها قطعة من الشمس، فلما رأى فرعون ذلك هاله، ولم يكن له فيه مدفعٌ غيرَ أَنَّهُ فزع إلى رميه بالسحر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1019>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٣٥ الى ٤٥]</span>\nيُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَماذا تَأْمُرُونَ (٣٥) قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (٣٦) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (٣٧) فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٣٨) وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (٣٩)\nلَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كانُوا هُمُ الْغالِبِينَ (٤٠) فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالُوا لِفِرْعَوْنَ أَإِنَّ لَنا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ (٤١) قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٢) قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٤٣) فَأَلْقَوْا حِبالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ (٤٤)\nفَأَلْقى مُوسى عَصاهُ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ (٤٥)\nوقوله: يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ تقدم بيانه، وكذلك قولهم:\nوَابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ تقدم بيانه.\nوقوله تعالى: قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ يريد بتقريبهم الجاه الزائد على العطاء الذي طلبوه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1020>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٤٦ الى ٦٨]</span>\nفَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ (٤٦) قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ (٤٧) رَبِّ مُوسى وَهارُونَ (٤٨) قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (٤٩) قالُوا لاَ ضَيْرَ إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ (٥٠)\nإِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (٥١) وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٥٢) فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (٥٣) إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤) وَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ (٥٥)\nوَإِنَّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ (٥٦) فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ (٥٨) كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ (٥٩) فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (٦٠)\nفَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢) فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (٦٣) وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ (٦٤) وَأَنْجَيْنا مُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥)\nثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٦٦) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٦٧) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦٨)\n.","vol":"4","page":227},{"text":"وقوله تعالى: فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ رَبِّ مُوسى وَهارُونَ قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ قالُوا لاَ ضَيْرَ إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ تقدم بيانُ هذه الجملة، والحمد للَّه فانظره في مَحَلِّهِ قال ابنُ العربيِّ «١» في «أحكامه»: قال مالكٌ: دعا موسى فرعونَ أربعين سنةً إلى الإسلام، وأنَّ السحرة آمنوا في يوم واحد، انتهى، وقولهم: لاَ ضَيْرَ أي: لاَ يَضُرُّنا ذلك مع انقلابنا إلى مغفرة الله ورضوانه، وقولهم: أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ يريدون: من القِبْطِ وصنيفتهم، وإلاَّ فقد كانت بنو إسرائيل آمنت، والشِّرْذَمَةُ: الجمع القليل المُحْتَقَرُ، وشرذمة كل شيء: بَقِيَّتُهُ الخسيسة.\nوقوله: لَغائِظُونَ يريد بخلافهم الأمر وبأخذهم الأموال عارية وحاذِرُونَ جمع حَذِرٌ، والضمير في قوله: فَأَخْرَجْناهُمْ عائد على القِبْطِ، والجنات والعيون بحافتي النيل من أسوان إلى رشيد قاله ابن عمر «٢» وغيره، والمقام الكريم: قال ابن لَهِيعَةَ: هو الفَيُّوم، ٤٨ أوقيل: هو المنابر، وقيل: مجالس الأمراء والحُكَّامِ، وقيل: / المساكن الحسان، ومُشْرِقِينَ معناه: عند شروق الشمس، وقيل: معناه: نحو المشرق، والطود: هو الجبل، وأَزْلَفْنا معناه: قَرَّبنا، وقرأ ابن عباس «٣»: «وأزْلَقْنَا» بالقاف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1021>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٦٩ الى ٨٢]</span>\nوَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ (٦٩) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ (٧٠) قالُوا نَعْبُدُ أَصْنامًا فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ (٧١) قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣)\nقالُوا بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ (٧٤) قالَ أَفَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعالَمِينَ (٧٧) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨)\nوَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢)\nوَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ ... الآية: هذه الآية تضمنت الإعلام بغيب، والعكوف:\nاللزوم.\n_________\n(١) ينظر: «أحكام القرآن» (٣/ ١٤٣٥) .\n(٢) ذكره ابن عطية (٤/ ٢٣٢) .\n(٣) وقرأ بها أبي، وعبد الله بن الحارث.\nقال أبو الفتح: ومن قرأ بالقاف ف «الآخرون»: فرعون، وأصحابه. أي: أهلكنا ثم الآخرين، أي:\nفرعون وأصحابه.\nينظر: «المحتسب» (٢/ ١٢٩)، و«مختصر الشواذ» ص ١٠٨، و«المحرر الوجيز» (٤/ ٢٣٣)، و«البحر المحيط» (٧/ ٢٠)، و«الدر المصون» (٥/ ٢٧٦) .","vol":"4","page":228},{"text":"وقوله: فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ قالت فرقة: هو استثناءٌ مُتَّصِلٌ. لأنَّ في الآباء الأقدمين مَنْ قد عبد الله تعالى، وقالت فرقة: هو استثناءٌ مُنْقَطِعٌ لأَنَّهْ إنَّما أراد عُبَّادَ الأوثان من كل قرن منهم، وأسند إبراهيم ﵇ المَرَضَ إلى نفسِهِ والشفاء إلى ربه ﷿، وهذا حُسْنُ أدب في العبارة، والكل من عند الله، وأوقف ﵇ نفسه على الطمع في المغفرة، وهذا دليل على شِدَّةِ خوفه مع عُلُوِّ منزلته عند الله، وروى الترمذيُّ عن أبي هريرة قال: قَالَ رسول الله ﷺ: «مَنْ عَادَ مَرِيضًا أَوْ زَارَ أَخَا [لَهُ] «١» في اللهِ- نَادَاهُ مُنَادٍ: أَنْ طِبْتَ وَطَابَ مَمْشَاكَ، وَتَبَوَّأْتَ مِنَ الجَنَّةِ مَنْزِلًا» «٢»، قال أبو عيسى:\nهذا حديثٌ حَسَنَ، انتهى. وفي «صحيح مسلم» عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ عن رسول الله ﷺ قَالَ: «مَنْ عَادَ مَرِيضًا لَمْ يَزَلْ فِي خُرْفَةِ الجنة حَتَّى يَرْجِعَ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا خُرْفَةُ الجَنَّةِ؟ قال: جَنَاهَا» «٣» انتهى، وعنه ﷺ: «مَنْ عَادَ مَرِيضًا لَمْ يَحْضُرْ أَجَلُهُ، فَقَالَ عِنْدَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ: أَسْأَلُ اللهَ الْعَظِيمَ رَبَّ الْعَرْشِ العَظِيمِ «٤» أَنْ يَشْفَيَكَ- إلاَّ عَافَاهُ اللهُ سُبْحَانَهُ» «٥» خرجه أبو داود، والترمذيُّ، والحاكم في «المُسْتَدْرَكِ على الصحيحين» بالإسناد الصحيح، انتهى من «حلية النوويِّ»، وعن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: «مَنْ عَادَ مَرِيضًا لَمْ يَحْضُرْ أَجَلُهُ، فَقَالَ عِنْدَ رَأْسِهِ سَبْعَ مَرَّاتٍ:\nأَسْأَلُ اللهَ الْعَظِيمَ رَبَّ الْعَرْشِ العَظِيمِ- أَنْ يَشْفَيَكَ- إلاَّ عَافَاهُ اللهُ مِنْ ذَلِكَ الْمَرَضِ» «٦» .\nرواه أبو داودَ واللفظ له، والترمذيُّ والنسائِيُّ والحاكم وابن حِبَّان في «صحيحيهما» بمعناه، وقال الحاكم: صحيحٌ على شرط الشيخَيْنِ، يعني: البخاريَّ ومُسْلِمًا، وفي رواية النسائيّ وابن حبّان: «كان النّبيّ ﷺ إذَا عَادَ الْمَرِيضَ، جَلَسَ عِنْدَ رَأْسِهِ، ثُمَّ قَالَ»، فَذَكَرَ مِثْلَهُ بمعناه انتهى من «السلاح» .\n_________\n(١) سقط في ج.\n(٢) أخرجه الترمذيّ (٤/ ٣٦٥) كتاب البر والصلة: باب ما جاء في زيارة الإخوان، حديث (٢٠٠٨)، وابن ماجه (١/ ٤٦٤) كتاب الجنائز: باب ما جاء في ثواب من عاد مريضا، حديث (١٤٤٣) . كلاهما من طريق أبي سنان القسملي عن عثمان بن أبي سودة عن أبي هريرة مرفوعا.\nوقال الترمذيّ: هذا حديث حسن غريب، وأبو سنان اسمه عيسى بن سنان-\n(٣) أخرجه مسلم (٤/ ١٩٨٩) كتاب البر والصلة: باب فضل عيادة المريض، حديث (٤٢/ ٢٥٦٨) .\n(٤) في ج: رب العرش الكريم. [.....]\n(٥) أخرجه أبو داود (٢/ ٢٠٤) كتاب الجنائز: باب الدعاء للمريض عند العيادة، حديث (٣١٠٦)، والترمذيّ (٤/ ٤١٠) كتاب الطب: باب (٣٢) حديث (٢٠٨٣)، والحاكم (١/ ٣٤٢) من حديث ابن عباس. وقال الحاكم: صحيح على شرط البخاري. وصححه النووي في «الأذكار» (ص- ١٦٧) .\n(٦) تقدم تخريجه.","vol":"4","page":229},{"text":"وقوله: خَطِيئَتِي ذهب أكثرُ المفسرين إلى: أَنَّهُ أراد كَذَباتِهِ الثلاثَ، قوله: هي أختي في شأن سارة، وقوله: إِنِّي سَقِيمٌ [الصافات: ٨٩] . وقوله: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ [الأنبياء: ٦٣]، وقالت فرقة: أراد بالخطيئة اسم الجنس، فدعا في كل أمره من غير تعيين.\nقال ع «١»: وهذا أظهر عندي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1022>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٨٣ الى ١٠٦]</span>\nرَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (٨٣) وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤) وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (٨٥) وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ (٨٦) وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (٨٧)\nيَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ (٨٨) إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩) وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (٩٠) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ (٩١) وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢)\nمِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (٩٣) فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ (٩٤) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥) قالُوا وَهُمْ فِيها يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٩٧)\nإِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ (٩٨) وَما أَضَلَّنا إِلاَّ الْمُجْرِمُونَ (٩٩) فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ (١٠٠) وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١) فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٢)\nإِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٠٤) كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٠٦)\nوقوله: رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا: أي حكمةً ونبوَّةً، ودعاؤه في مثل هذا هو في معنى التثبيت والدوام، ولسان الصِّدْق: هو الثَّنَاءُ الحَسَنُ، واستغفاره لأبيه في هذه الآية هو قبل أنْ يَتَبَيَّنَ له أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ.\nوقوله: بِقَلْبٍ سَلِيمٍ معناه: خالص من الشرك والمعاصي وعلق الدنيا المتروكة، وإن ٤٨ ب كانت مباحة كالمال والبنين قال سفيان هو الذي يَلْقَى رَبَّهُ/ وليس في قلبه شيء غيره.\nقال ع «٢»: وهذا يقتضي عموم اللفظة، ولكنَّ السليم من الشرك هو الأَهَمُّ، وقال الجُنَيْدُ: بقلب [لدِيغٍ من خشية الله، والسُّلِيمُ: اللديغ.\nص: إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ الظاهر أَنَّهُ استثناءٌ منقطع، أي: لكن مَنْ أتَى الله بقلب] «٣» سليم، نفعته سلامةُ قلبه، انتهى. وَأُزْلِفَتِ معناه: قَرُبَتْ، والغاوون الذين بُرِّزَتْ لهم الجحيم هم: المشركون، ثم أخبر سبحانه عن حال يوم القيامة من أَنَّ الأصنامُ تُكَبْكَبُ في النار، أي: تلقى كبّة واحدة.\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٢٣٥) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٢٣٥) .\n(٣) سقط في ج.","vol":"4","page":230},{"text":"وقال ص: فَكُبْكِبُوا، أي: قُلبَ بَعْضُهُم على بعض، وحروفه كلها أصول عند جمهور البصريين، وذهب الزَّجَّاج وابن عطية وغيرهما إلى أَنَّه مضاعف الباء من «كَبَّ» .\nوقال غيرهما: وجعل التَكْرِيرَ من اللفظ دليلًا على التكرير في المعنى، وذهب الكوفيون إلى: أَنَّ أصلَه «كَبَبَ» والكاف بدلٌ من الباء «١» الثانية، انتهى. والغاوون: الكفرة الذين شملتهم الغواية وجنود إبليس: نَسْلُهُ وكل مَنْ يتبعه لأَنَّهم جند له وأعوان، ثم وصف تعالى أَنَّ أهل النار يختصمون فيها ويتلاومون قائلين لأَصنامهم: تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ: في أنْ نعبدكم ونجعلكم سواءً مع الله الذي هو رب العالمين، ثم عطفوا يَرُدُّون الملامة على غيرهم، أي: ما أضلَّنا إلاَّ كُبَراؤُنا وأهلُ الجرم والجراءة، ثم قالوا على جِهةِ التلهف والتأسف حين رأوا شفاعة الملائكة والأنبياء والعلماء نافعةً في أهل الإيمان عمومًا، وشفاعةَ الصَّدِيقِ في صديقه خصوصا: فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ، والحميم: الولي والقريب الذي يَخُصُّكَ أمرَه وتخصه أمرك، وحامَّة «٢» الرجل خاصَّتُه، وباقي الآية بيّن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1023>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٠٧ الى ١٢٧]</span>\nإِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٠٧) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٠٨) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٠٩) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١١٠) قالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١)\nقالَ وَما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١١٢) إِنْ حِسابُهُمْ إِلاَّ عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (١١٣) وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٤) إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ (١١٥) قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (١١٦)\nقالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١١٨) فَأَنْجَيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١١٩) ثُمَّ أَغْرَقْنا بَعْدُ الْباقِينَ (١٢٠) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٢١)\nوَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٢٢) كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٢٤) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٢٥) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٢٦)\nوَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٢٧)\n_________\n(١) قال الزمخشري: الكبكبة تكرير الكبّ وجعل التكرير في اللفظ دليلا على التكرير في المعنى. وقال ابن عطية نحوا منه قال: وهو الصحيح لأن تكرير الفعل بيّن نحو صرّ وصرصر. وهذا هو مذهب الزجّاج وفي هذا البناء ثلاثة مذاهب:\nأحدها: هذا.\nوالثاني: هو مذهب البصريين أن الحروف كلها أصول.\nوالثالث: وهو قول الكوفيين أن الثالث مبدل من مثل الثاني فأصل كبكب كبّب بثلاث باءات ومثله لملم وكفكف هذا إذا صح المعنى بسقوط الثالث فأما إذا لم يصح المعنى بسقوطه كانت كلها أصولا من غير خلاف نحو سمسم وخمخم، وواو «كبكبوا» قيل: للأصنام إجراء لها مجرى العقلاء وقيل لعابديها قوله:\nوَهُمْ فِيها يَخْتَصِمُونَ جملة حالية معترضة بين القول ومعموله الجملة القسميّة «إن كنّا لفي» ومذهب البصريين أنّ إن مخففة واللام فارقة ومذهب الكوفيين أنّ إنّ نافية واللام بمعنى إلّا.\nينظر: «الدر المصون» (٥/ ٢٨٠) .\n(٢) في ج: حماة.","vol":"4","page":231},{"text":"وقول نوح ﵇: إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ أي: أمين على وحي الله ورسالته.\nص: قرأ الجمهور «١»: «وَاتَّبَعَكَ» والجملة حال، أي وقد اتبعك، ويعقوب «٢»:\n«وَأَتْبَاعُكَ»، وعن اليماني «٣»: «وَأَتْبَاعِكَ» بالجر عطفًا على الضمير في «لك» انتهى، والْأَرْذَلُونَ: جمع الأرذل، ولا يستعمل إلاَّ مُعَرَّفًا أو مضافًا، أو بمن.\nقال ع «٤»: ويظهر من الآية [أنَّ] «٥» مراد قوم نوح بنسبة الرذيلة إلى المؤمنين تهجينُ أفعالهم لا النظرُ في صنائعهم، وذهب أشراف قوم نوح في استنقاصهم ضَعَفَةَ المؤمنين مَذْهَبَ كُفَّارِ قريشٍ في شأنِ عَمَّارِ بن ياسر. وصُهَيْبٍ وبلاَلٍ وغيرهم، وقولهم:\nمِنَ الْمَرْجُومِينَ يحتمل أَنْ يريدوا بالحجارة أو بالقول والشتم، وقوله: فَافْتَحْ معناه:\nاحكم، والفتّاح، القاضي بلغة يمانية، والْفُلْكِ: السفينة، والْمَشْحُونِ معناه:\nالمملوء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1024>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٢٨ الى ١٤٥]</span>\nأَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (١٢٨) وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (١٢٩) وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (١٣٠) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٣١) وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ (١٣٢)\nأَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ (١٣٣) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٣٤) إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣٥) قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ (١٣٦) إِنْ هذا إِلاَّ خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (١٣٧)\nوَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (١٣٨) فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْناهُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٤٠) كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (١٤١) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٤٢)\nإِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٤٣) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٤٤) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٤٥)\n_________\n(١) ينظر: «البحر المحيط» (٧/ ٣٠) .\n(٢) وقرأ بها عبد الله، وابن عباس، وأبو حيوة، والضحاك، وطلحة، وابن السميفع، وسعيد بن أبي سعيد الأنصاري.\nينظر: «المحتسب» (٢/ ١٣١)، و«البحر المحيط» (٧/ ٣٠)، و«الدر المصون» (٥/ ٢٨٠) .\n(٣) ينظر: «الدر المصون» (٥/ ٢٨١) .\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٢٣٧) .\n(٥) سقط في ج.","vol":"4","page":232},{"text":"وقول هود ﵇ لقومه: أَتَبْنُونَ هو على جهة التوبيخ، والرِّيعُ: المرتفع من الأرض وله في كلام العرب شواهد، وعَبَّرَ المفسرون عن الريع بعبارات، وجملة ذلك أنَّهُ المكان المشرف، وهو الذي يتنافس البشر في مبانيه، والآية: البنيان قال ابن عباس: آية علم «١» .\nوقال مجاهد: أبراج الحمام «٢»، وقيل: القصور الطوال، والمصانع جمع مصنع وهو ما صُنِعَ وَأُتْقِنَ في بنيانه من قصر مَشِيدٍ ونحوه، قال البخاريُّ: كل بناء مصنعة، انتهى.\nوقوله: لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ أي: كأنكم تخلدون/ وكذا نقله البخاريُّ عن ابن عباس ٤٩ أغير مسند، انتهى. والبطشُ: الأخذ بسرعة، والجبار: المُتَكَبِّرُ، ثم ذكَّرهم ﵇ بأياد الله تعالى فيما منحهم، وحَذَّرهم من عذابه، فكانت مراجعتهم أنْ سووا بين وعظه وتركه الوعظ، وقرأ نافع «٣» وغيره: «خُلُقُ الأَوَّلِينَ» - بضم اللام- فالإشارة بهذا إلى دينهم، أي ما هذا الذي نحن عليه إلاَّ خُلُقُ الناس وعادتهم، وقرأ ابن كثير «٤» وغيره: «خُلْقُ» - بسكون اللام-، فيحتمل المعنى: ما هذا الذي تزعمه إلا أخلاق الأولين من الكَذَبَةِ فأنت على منهاجهم، وروى عَلْقَمَةُ عن ابن مسعود،: إلاَّ اختلاق الأَوَّلِينَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1025>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٤٦ الى ١٥٩]</span>\nأَتُتْرَكُونَ فِي ما هاهُنا آمِنِينَ (١٤٦) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٤٧) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ (١٤٨) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ (١٤٩) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٥٠)\nوَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ (١٥٢) قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٥٣) ما أَنْتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٥٤) قالَ هذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (١٥٥)\nوَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥٦) فَعَقَرُوها فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ (١٥٧) فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٥٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٥٩)\nوقول صالح لقومه: أَتُتْرَكُونَ فِي ما هاهُنا: تخويف لهم بمعنى: أتطمعون أنْ تَقِرُّوا\n_________\n(١) أخرجه الطبريّ (٩/ ٤٦٠) برقم (٢٦٦٩٧)، وذكره ابن عطية (٤/ ٢٣٨)، والسيوطي (٥/ ١٦٩)، وعزاه لابن جرير عن ابن عباس.\n(٢) أخرجه الطبريّ (٩/ ٤٦١) برقم (٢٦٧٠٠)، والسيوطي (٩/ ١٧٠)، وعزاه للفريابي، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد. [.....]\n(٣) ينظر: «السبعة» ٤٧٢، و«الحجة» (٥/ ٣٦٥)، و«إعراب القراءات» (٢/ ١٣٦)، و«معاني القراءات» (٢/ ٢٢٧)، و«شرح الطيبة» (٥/ ١٠٠)، و«العنوان» (١٤٢)، و«حجة القراءات» (٥١٨)، و«شرح شعلة» (٥٢١)، و«إتحاف» (٢/ ٣١٨) .\n(٤) ينظر: مصادر القراءة السابقة.","vol":"4","page":233},{"text":"في النعم على معاصيكم، والهضيم: معناه اللَّيِّنُ الرَّطْبُ. والطَّلْعُ الكُفَرَّى. وهو عُنْقُودُ التمر قبل أنْ يخرج من الكِمِّ في أوَّلِ نباته، فكأنَّ الإشارة إلى أَنَّ طلعها يتم ويرطب قال ابن عباس: [إذا أينع وبلغ فهو هضيم «١»، وقال الزَّجَّاجُ: هو فيما قيل الذي رطبه بغير نوى، وقال الثعلبيُّ: قال ابن عباس] «٢» هضيم: لطيف ما دام في كُفَرَّاه «٣»، انتهى. وقرأ الجمهور «٤»: «تَنْحِتُونَ»: - بكسر الحاء-، و«فرهين»: من الفراهة وهي جودة منظر الشيء وخبرته وقوته.\nوقوله: وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ خاطب به جمهور قومه وعنى بالمُسْرِفِينَ:\nكبراءهم وأعلام الكفر والإضلال فيهم قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ أي: قد سُحِرْتَ.\nص: قرأ: الجمهور «٥»: «شِرْبٌ» - بكسر الشين-، أي: نصيب، وقرأ ابن أبي عبلة: - بضم الشين- فيهما، انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1026>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٦٠ الى ١٧٥]</span>\nكَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (١٦٠) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٦١) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٦٢) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٦٣) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٦٤)\nأَتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ (١٦٦) قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (١٦٧) قالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ (١٦٨) رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (١٦٩)\nفَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٧٠) إِلاَّ عَجُوزًا فِي الْغابِرِينَ (١٧١) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٧٢) وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٣) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٤)\nوَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٧٥)\nوقوله تعالى: كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ قال [النقاش] «٦»: إنَّ في مصحف ابن مسعود وأُبَيٍّ وحفصةَ: «إذْ قَالَ لَهُمْ لُوطٌ» وسقط أخوهم.\nوقوله: إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ القِلَى: البُغْضُ، فنجاه الله بأنْ أمره بالرحلة على ما تقدم في قصصهم.\n_________\n(١) أخرجه الطبريّ (٩/ ٤٦٥) برقم (٢٦٧٢١)، وذكره ابن عطية (٤/ ٢٣٩)، والسيوطي (٤/ ١٧١)، وعزاه لابن أبي حاتم عن ابن عباس نحوه.\n(٢) سقط في ج.\n(٣) ذكره البغوي (٣/ ٣٩٥) .\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٢٤٠)، و«البحر المحيط» (٧/ ٣٣)، و«الدر المصون» (٥/ ٢٨٣) .\n(٥) ينظر: «البحر المحيط» (٧/ ٣٤) .\n(٦) سقط في ج.","vol":"4","page":234},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1027>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٧٦ الى ١٩١]</span>\nكَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٧٧) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٧٨) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٧٩) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٨٠)\nأَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (١٨١) وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ (١٨٢) وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (١٨٣) وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (١٨٤) قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٨٥)\nوَما أَنْتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ (١٨٦) فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٨٧) قالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ (١٨٨) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٨٩) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٩٠)\nوَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٩١)\nوقوله تعالى: كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ قرأ نافع وابن كثير «١» وابن عامر:\n«أَصْحَابُ لَيْكَةَ» على وزن فَعْلَةَ هنا، وفي [ص] وقرأ الباقون: «الأَيْكَةِ» وهي: الدوحة المُلْتَفَّةُ من الشجر على الإطلاق، وقيل من شجر معروف له غضارة تألفه الحمام والقُمَارِيُّ ونحوها، و«لَيْكَة» اسم البلد في قراءة مَنْ قرأ ذلك قاله بعض المفسرين، وذهب قوم إلى أنّها مسهّلة من الأيكة، وأنّها وقعت في المصحف هنا وفي «ص» بغير ألف.\nوقوله تعالى: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء: ١٠٥] وكذلك ما بعده بلفظ الجمع من حيث إنَّ تكذيب نَبِيٍّ واحد يستلزم تَكْذِيبَ جميعَ الأنبياء لأَنَّهم كلهم يدعون الخلق إلى الإيمان بالله تعالى واليوم الآخر، وفي قول الأنبياء﵈-: «أَلا تتقون» عرض رفيق وَتَلَطُّفٌ، كما قال تعالى: فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى [النازعات: ١٨] والجِبِلَّةُ: الخليقة والقرون الماضية، والكسف: القطع، واحدها كسفة، ويَوْمِ الظُّلَّةِ: هو يوم عذابهم، وصورته فيما رُوِيَ أَنَّ الله امتحنهم بحرٍّ شديد، وأنشأ الله سحابة في بعض قطرهم فجاء بعضهم إلى ظِلِّها فوجد لها بردًا ورَوْحًا، فتداعوا إليها/ حتى تكاملوا ٤٩ ب فاضطرمت عليهم نارًا، فأحرقتهم عن آخرهم.\nوقيل غير هذا، والحق أَنَّه عذاب جعله الله ظلة عليهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1028>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٩٢ الى ١٩٩]</span>\nوَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥) وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (١٩٦)\nأَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ (١٩٧) وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (١٩٩)\n_________\n(١) ينظر: «السبعة» (٤٧٣)، و«الحجة» (٥/ ٣٦٧)، و«إعراب القراءات» (٢/ ١٣٧)، و«معاني القراءات» (٢/ ٢٢٩)، و«شرح الطيبة» (٥/ ١٠١)، و«العنوان» (١٤٢)، و«حجة القراءات» (٥١٩)، و«شرح شعلة» (٥٢١)، و«إتحاف» (٢/ ٣١٩) .","vol":"4","page":235},{"text":"وقوله تعالى: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ يعني القرآن.\nوقوله: بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ متعلق ب نَزَلَ، أي: سمعه النبي ﷺ من جبريل حروفًا عربيَّةً، وهذا هو القول الصحيح، وما سوى هذا فمردود.\nوقوله سبحانه: وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ أي: القرآن مذكور في الكتب المُنَزَّلَة القديمة، مُنَبَّهٌ عليه، مُشَارٌ إليه أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ كَعَبْدِ الله بْنِ سَلاَمٍ ونحوه قاله ابن عباس ومجاهد «١»، قال مُقَاتِلٌ «٢»: هذه الآية مدنية، وَمَنْ قال إنَّ الآية مَكِّيَّةٌ ذهب إلى أنَّ علماء بني إسرائيل ذكروا لقريش أَنَّ في التوراة صفَةَ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ، وأَنَّ هذا زمانه، فهذه الإشارة إلى ذلك وذلك أَنَّ قريشًا بعثت إلى الأحبار يسألونهم عن أمر النبي ﷺ، ثم أخبر تعالى أَنَّ هذا القرآن لو سمعوه من أعجمَ، أي: من حيوان غير ناطق، أو من جماد، والأعجم: كل ما لا يفصح- ما كانوا يؤمنون، والأعجمون: جمع أَعْجَم، وهو الذي لا يُفْصِحُ، وإنْ كان عربيّ النَّسَبِ، وكذلك يقال للحيوانات والجمادات، ومنه الحديث: «جُرْحُ العجماء جبار» «٣» والعجميّ هو الذي نسبه\n_________\n(١) أخرجه الطبريّ (٩/ ٤٧٦، ٤٧٧) برقم (٢٦٧٧١) عن ابن عباس، و(٢٦٧٧٢) عن مجاهد، وذكره ابن عطية (٤/ ٢٤٣)، والسيوطي (٥/ ١٧٧)، وعزاه لابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس، ولابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد.\n(٢) ذكره ابن عطية (٤/ ٢٤٣) .\n(٣) أخرجه البخاري (٥/ ٣٣): كتاب المساقاة: باب من حفر بئرا في ملكه لم يضمن، حديث (٢٢٥٥)، و«مسلم» (٣/ ١٣٣٤): كتاب الحدود: باب جرح العجماء والمعدن والبئر جبار، حديث (٤٥/ ١٧١٠)، وأبو داود (١٤): كتاب الخراج والإمارة والفيء: باب ما جاء في الركاز وما فيه، حديث (٣٠٨٥)، والترمذيّ (٢/ ٤١٨): كتاب الأحكام: باب ما جاء في العجماء أن جرحها جبار. حديث (١٣٩١)، والنسائي (٥/ ٤٥): كتاب الزكاة: باب المعدل، وابن ماجه (٢/ ٨٣٩): كتاب اللقطة: باب من أصاب ركازا، حديث (٢٥٠٩)، ومالك (١/ ٢٤٩): كتاب الزكاة: باب زكاة الحديث (٩)، والشافعي (١/ ٢٤٨): كتاب الزكاة الباب الرابع في الركاز والمعادن، حديث (٦٧١، ٦٧٢)، وأبو عبيد (٤٢٠، ٤٢١): كتاب الخمس وأحكامه وسننه: باب الخمس في المعادن والركاز والطيالسي (ص: ٣٠٤)، حديث (٢٣٠٥)، وابن أبي شيبة (٣/ ٢٢٤، ٢٢٥): كتاب الزكاة: باب في الركاز يجدوه القوم، فيه زكاة، وأحمد (٢/ ٢٢٨)، وابن الجارود (ص: ١٣٥): كتاب الزكاة، حديث (٣٧٢)، والبيهقي (٤/ ١٥٥): كتاب الزكاة: باب زكاة الركاز، وعبد الرزاق (١٠/ ٦٦)، رقم (١٨٣٧٣)، والحميدي (٢/ ٤٦٢)، رقم (١٠٧٩)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٣/ ٢٠٤)، وأبو يعلى (١٠/ ٤٣٧)، رقم (٦٠٥٠)، والطبراني في «الصغير» (١/ ١٢٠- ١٢١)، من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «العجماء جبار، والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس» .","vol":"4","page":236},{"text":"في العَجَمِ، وإن كان أفصح الناس، وقرأ الحسن «١»: الأَعْجَمِيِّينَ.\nقال أبو حاتم: أراد جمع الأعجمي المنسوب إلى العجم.\nوقال الثعلبيُّ: معنى الآية: ولو نزلناه على رجل ليس بعربيّ اللسان، فقرأه عليهم بغير لغة العرب- لما آمنوا أنفة من اتباعه، انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1029>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٢٠٠ الى ٢٠٣]</span>\nكَذلِكَ سَلَكْناهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (٢٠٠) لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (٢٠١) فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٢٠٢) فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ (٢٠٣)\nوقوله تعالى: كَذلِكَ سَلَكْناهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ.\nقال ع «٢»: وسَلَكْناهُ معناه: أدخلناه، والضمير فيه للكفر الذي يتضمنه قوله:\nمَّا كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ [الشعراء: ١٩٩] قاله الحسن «٣»، وقيل الضمير للتكذيب، وقيل للقرآن ورُجِّحَ بأَنَّهُ المتبادر إلى الذهن، والمجرمون أراد به مجرمي كل أُمَّةٍ، أي: أنَّ هذه عادة الله فيهم لا يؤمنون حتى يروا العذاب، فكفّار قريش كذلك وهَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ أي:\nمؤخّرون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1030>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٢٠٤ الى ٢١١]</span>\nأَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ (٢٠٤) أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ (٢٠٧) وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ لَها مُنْذِرُونَ (٢٠٨)\nذِكْرى وَما كُنَّا ظالِمِينَ (٢٠٩) وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ (٢١٠) وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ (٢١١)\nوقوله سبحانه: أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ توبيخٌ لقريش على استعجالهم العذاب، وقولهم للنبي ﷺ: أَسْقِطْ علينا كِسَفًا من السماء، وقولهم: أين ما تعدنا؟ ثم خاطب سبحانه نَبِيَّهُ﵇- بقوله: أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ.\nقال عِكْرِمَةُ: سِنِينَ: يريد عمر الدنيا «٤»، ثم أخبر تعالى أنّه لم يهلك قرية من\n_________\n(١) ينظر: «مختصر الشواذ» ص ١٠٩، و«المحتسب» (٢/ ١٣٢)، و«الكشاف» (٣/ ٣٣٦)، و«المحرر الوجيز» (٤/ ٢٤٣)، و«البحر المحيط» (٧/ ٤٠)، وزاد نسبتها إلى ابن مقسم. وهي في «الدر المصون» (٥/ ٢٨٩) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٢٤٤) . [.....]\n(٣) أخرجه الطبريّ (٩/ ٤٧٨) برقم (٢٦٧٨٠) بلفظ «خلقناه»، وذكره البغوي (٣/ ٣٩٩)، وابن عطية (٤/ ٢٤٤)، والسيوطي (٥/ ١٧٨)، وعزاه لعبد بن حميد عن الحسن بلفظ «جعلناه» .\n(٤) ذكره ابن عطية (٤/ ٣٤٤) .","vol":"4","page":237},{"text":"القُرَى إلاَّ بعد إرسال مَنْ ينذرهم عذاب الله ﷿ ذكرى لهم وتبصرةً.\nوقوله تعالى: وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ الضمير في بِهِ عائد على القرآن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1031>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٢١٢ الى ٢١٧]</span>\nإِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (٢١٢) فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢١٦)\nوَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧)\nوقوله تعالى: إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ أي: لأَنَّ السماء محروسة بالشُّهُبِ الجارية إثرَ الشياطين، ثم وَصَّى تعالى نبيه بالثبوت على التوحيد والمراد: أُمَّتُهُ فقال: فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ ... الآية.\nوقوله تعالى: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ... الآية: وفي «صحيح البخاريِّ» وغيره عن ابن عباس: لما نزلت هذه الآية خرج النّبيّ ﷺ حتى صعد الصفا، فهتف: «يا صباحاه، فقالوا: من هذا؟ فاجتمعوا إليه، فقال: أرأيتم إن أخبرتكم أنّ خيلا تخرج من ٥٠ أسفح هذا الجبل، أكنتم مصدقي؟ قالوا: / نعم، ما جَرَّبْنَا عَلَيْكَ كَذِبًا، قَالَ: فَإنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ» الحديث «١»، وَخَصَّ بإنذاره عشيرته لأَنَّهم مَظَنَّةَ الطواعية وإذ يمكنه من الإغلاظ عليهم ما لا يحتمله غيرهم، ولأَنَّ الإنسان غير مُتَّهَمٍ على عشيرته، والعشيرة: قرابة الرجل، وخفض الجناح: استعارة معناه: لِينُ الكلمة، وبسط الوجه، والبِرُّ، والضمير في عَصَوْكَ عائد على عشيرته، ثم أمر تعالى نبيه ﵇ بالتوكل عليه في كل أموره، ثم جاء بالصفات التي تؤنس المتوكل وهي العزة والرحمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1032>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٢١٨ الى ٢٢٠]</span>\nالَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٢٢٠)\nوقوله: الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ\nيراك عبارة عن الإدراك، وظاهر الآية أَنَّه أراد قيام الصلاة، ويحتمل سائر التصرفات وهو تأويلُ مجاهدٍ وقتادة «٢» .\nوقوله سبحانه: وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ قال ابن عباس «٣» وغيره: يريد أهل\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٨/ ٣٦٠) كتاب التفسير: باب وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ حديث (٤٧٧٠) من حديث ابن عباس.\n(٢) أخرجه الطبريّ (٩/ ٤٨٥) برقم (٢٦٨١٤) عن مجاهد، وذكره البغوي (٣/ ٤٠٢) عن مجاهد، وابن عطية (٤/ ٢٤٦)، وابن كثير (٣/ ٣٥٢) عن قتادة، والسيوطي (٥/ ١٨٣)، وعزاه لابن أبي حاتم عن مجاهد، ولعبد بن حميد، وابن أبي حاتم عن قتادة.\n(٣) أخرجه الطبريّ (٩/ ٤٨٥) برقم (٢٦٨١٥) بنحوه، وذكره البغوي (٣/ ٤٠٢)، وابن عطية (٤/ ٢٤٦)، والسيوطي (٥/ ١٨٣)، وعزاه لابن المنذر عن ابن عباس.","vol":"4","page":238},{"text":"الصلاة، أي: صلاتك مع المصلّين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1033>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٢٢١ الى ٢٢٦]</span>\nهَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ (٢٢٣) وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥)\nوَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ (٢٢٦)\nوقوله تعالى: قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ أي: قل لهم يا محمد: هل أخبركم عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ؟ والأَفَّاكُ: الكَذَّابُ، والأثيم: الكثير الإِثم، ويريد الكهنة لأَنَّهُمْ كَانُوا يَتَلَقَّوْنَ مِنَ الشَّيَاطِينِ الكَلِمَةَ الوَاحِدَةَ الَّتِي سُمِعَتْ مِنَ السَّمَاءِ فَيَخْلِطُونَ مَعَهَا مِائَةَ كِذْبَةٍ، حَسْبَمَا جاء في الحديثِ «١»، وقد ذكرناه في غير هذا الموضع، والضمير في يُلْقُونَ يحتمل أنْ يكون للشياطين، ويحتمل أنْ يكون للكهنة، ولما ذكر الكهنة بإفكهم وحالهم التي تقتضي نفي كلامهم عن كلام الله تعالى- عقب ذلك بذكر الشعراء وحالهم لينبه على بعد كلامهم من كلام القرآن، إذ قال بعض الكفرة في القرآن: أنه شعر، والمراد شعراء الجاهلية، ويدخل في الآية كل شاعر مخلط يهجو ويمدح شهوة، ويقدف المحصنات، ويقول الزور.\nوقوله: الْغاوُونَ قال ابن عباس: هم المستحسنون «٢» لأشعارهم، المصاحبون لهم.\nوقال عِكْرَمةُ: هم الرَّعَاعُ الذين يتبعون الشاعر ويغتنمون إنشاده «٣» .\nوقوله: فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ عبارة عن تخليطهم وخوضهم في كل فن من غث الكلام وباطله قاله ابن عباس «٤» وغيره، وروى جابرُ بنُ عبدِ اللهِ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال:\n«مَنْ مَشَى سَبْعَ خُطْوَاتٍ في شِعْرٍ، كُتِبَ مِنَ الغاوِينَ» ذكره أسدُ بنَ موسى، وذكره النقاش.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١٠/ ٥٩٥) كتاب الأدب: باب قول الرجل للشيء ...، حديث (٦٢١٣)، ومسلم (٤/ ١٧٥٠) كتاب السلام: باب تحريم إتيان الكهان، حديث (١٢٣/ ٢٢٢٨) من حديث عائشة.\n(٢) أخرجه الطبريّ (٩/ ٤٨٨) برقم (٢٦٩٣٣)، وذكره ابن عطية (٤/ ٢٤٦)، والسيوطي (٥/ ١٨٦)، وعزاه للفريابي، وابن أبي حاتم عن ابن عباس.\n(٣) أخرجه الطبريّ (٩/ ٤٨٩) برقم (٢٦٨٣٧)، بلفظ «عصاة الجن»، وذكره ابن عطية (٤/ ٢٤٦)، والسيوطي (٥/ ١٨٦)، وعزاه للفريابي، وابن المنذر، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، عن عكرمة بلفظ «عصاة الجن» .\n(٤) أخرجه الطبريّ (٩/ ٤٩٠) برقم (٢٦٨٤٢) نحوه، وبرقم (٢٦٨٤٣)، عن مجاهد، وذكره البغوي (٣/ ٤٠٣)، وابن عطية (٤/ ٢٤٦)، والسيوطي (٥/ ١٨٦)، وعزاه لابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس.","vol":"4","page":239},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1034>[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢٢٧]</span>\nإِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (٢٢٧)\nوقوله تعالى: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ... الآية: هذا الاستثناء هو في شعراء الإسلام كحَسَّان بن ثابت، وكَعْبِ بن مالك، وعبد الله بن رَوَاحَةَ، وكُلِّ مَنِ اتصف بهذه الصفة، ويُرْوَى عن عطاءِ بن يَسَارٍ وغيرِهِ أَنَّ هؤلاءِ شَقَّ عليهم ما ذُكِرَ قَبْلُ في الشعراء، فذكروا ذلك للنبيّ ﷺ فنزلت آيةُ الاستثناء بالمدينة.\nوقوله تعالى: وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا يحتملُ أنْ يريد في أشعارهم، وهو تأويل ابن زيد «١»، ويحتمل أنَّ ذلك خُلُقٌ لهم وعبادة قاله ابن عباس «٢»، فكل شاعر في الإسلام يهجو ويمدَحُ عن غير حَقٍّ فهو داخل في [هذه الآية، وكل تقيٍّ منهم يُكْثِرُ من الزُّهْدِ، ويمسك عن كل ما يُعَابُ فهو داخل في] «٣» الاستثناء.\nت: قد كتبنا- والحمد للَّه- في هذا المختصر- جملةً صالحة في فضل الأذكار عسى اللَّه أنْ ينفع به من وقع بيده، ففي «جامع الترمذي» عن أبي سعيد الخُدْريِّ، قال:\nسئل النبيّ ﷺ: أَيُّ العِبَاد أَفْضَل دَرَجَة عِنْدَ اللَّهِ تعالى يَوْمَ القِيَامَةِ؟ قَال: «الذَّاكِرُونَ اللَّهَ كَثِيرًا، قُلْتُ: وَمِنَ الْغَازي فِي سَبِيلِ اللَّه ﷿؟! قال: لو ضرب بسيفه في الكفّار ٥٠ ب وَالْمُشْرِكِينَ حَتَّى يَنْكَسِرَ وَيَخْتَضِبَ دَمًا- لكانَ الذَّاكِرُونَ اللَّهَ تَعَالى أَفْضَلَ مِنْهُ» «٤» / وروى الترمذيُّ، وابن ماجه عن أبي الدَّرْدَاءِ، قال: قالَ رَسولُ الله ﷺ: «أَلاَ أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ، وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ، وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ، وَخَيْرٌ لَكُمْ مِن إنْفَاقِ الذَّهَبِ والوَرَقِ وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تُلْقَوْا عدوّكم فتضربوا أعناقهم ونضربوا أَعْنَاقَكُمْ؟ قَالُوا: بلى، قَالَ: ذِكْرُ اللهِ تعالى» «٥» . قَالَ الحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللهِ في كِتَابِهِ «المستدرك على الصحيحين» .\n_________\n(١) أخرجه الطبريّ (٩/ ٤٩١) برقم (٢٦٨٥٦)، وذكره ابن عطية (٤/ ٢٤٧) .\n(٢) ذكره ابن عطية (٤/ ٢٤٧) .\n(٣) سقط في ج.\n(٤) أخرجه الترمذيّ (٥/ ٤٢٨) كتاب الدعوات: باب فضل الذكر، حديث (٣٣٧٦)، وأحمد (٣/ ٧٥) من طريق دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري به. وقال الترمذيّ: هذا حديث غريب، إنما نعرفه من حديث دراج.\n(٥) أخرجه الترمذيّ (٥/ ٤٥٩) كتاب الدعاء: باب (٦) حديث (٣٣٧٧)، وابن ماجه (٢/ ١٢٤٥) كتاب الأدب: باب فضل الذكر، حديث (٣٧٩٠)، وأحمد (٥/ ١٩٥)، والحاكم (١/ ٤٩٦) عن أبي الدرداء مرفوعا. [.....]","vol":"4","page":240},{"text":"هذا حدِيثٌ صحيحُ الإسْنادِ، انتهى من «حليةِ النَّوَوِيَّ» . وقوله: وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا إشارةٌ إلى مَا رَدَّ به حَسَّانُ وَعَلِيٌّ وغيرهُما على قريش.\nقلت: قيل: وَأَنْصَفُ بَيتٍ قَالَتْهُ العَرَبُ: قَوْلُ حَسَّانٍ لأَبي سُفْيَانَ أَو لأَبِي جَهْلٍ:\n[الوافر]\nأَتَهْجُوهُ وَلَسْتَ لَهُ بِكُفْءٍ ... فشرّكما لخير كما الْفِدَاءُ «١»\nوَبَاقِي الآيةِ وَعِيدٌ لظلمةِ كُفَّارِ مَكَّةَ وتهديد لهم.\n_________\n- وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وأخرجه مالك في «الموطأ» (١/ ٢١١) كتاب القرآن: باب ما جاء في ذكر الله ﵎، حديث (٢٤) عن زياد بن أبي زياد عن أبي الدرداء موقوفا.\n(١) ينظر: البيت في «ديوانه» ص (٧٦) و«خزانة الأدب» (٩/ ٢٣٢، ٢٣٦، ٢٣٧) و«شرح الأشموني» (٣/ ٣٨٨) و«لسان العرب» (٣/ ٤٢٠) (ندد)، (٦/ ٣١٦) (عرش) .\nواستشهد فيه بقوله: «فشركما لخير كما الفداء» حيث ورد أفعل التفضيل («شرّ» و«خير») عاريا عن معنى التفضيل. قال السهيليّ: «في ظاهر هذا اللّفظ شناعة لأنّ المعروف أن لا يقال: «هو شرّهما»، إلّا وفي كليهما شرّ، وكذلك شرّ منك، ولكنّ سيبويه قال: تقول: مررت برجل شرّ منك، إذا نقص عن أن يكون مثله. وهذا يدفع الشناعة عن الكلام الأوّل ونحو منه قوله ﵇: «شرّ صفوف الرجال آخرها»، يريد نقصان حظّهم عن حظّ الصفّ الأوّل، كما قال سيبويه. ولا يجوز أن يريد التفضيل في الشرّ، والله أعلم» («الخزانة» ٩/ ٢٣٧) .","vol":"4","page":241},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1035>تفسير «سورة النّمل</span>\nوهي مكّية\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1036>[سورة النمل (٢٧): الآيات ١ الى ٥]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nطس تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ وَكِتابٍ مُبِينٍ (١) هُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٣) إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (٤)\nأُوْلئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٥)\nقَولُه تعالى: طس تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ وَكِتابٍ مُبِينٍ هُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ تقدَّمَ القولُ في الحروفِ المقطَّعةِ، وعَطفِ الكِتَابِ على القرآنِ وهما لمُسَمًّى واحدٍ من حَيْثُ هُما صِفَتَانِ لمعنَيينِ، فالقُرْءَان: لأنه اجتمَعَ، والكتابُ: لأنه يُكْتَبُ، «وإقامةُ الصَّلاَةِ»:\nإدامتُها وأداؤُهَا عَلى وَجْهِهَا.\nوَقَوْلُهُ تَعَالَى: زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ أي: جَعَلَ سُبْحَانَه عقابَهم على كُفرِهم أَن حَتَّمَ عَليهم الكُفْرَ، وحَبَّبَ إليهم الشِّركَ وزَيَّنه في نُفُوسِهِم. والعَمَهُ: الحيرةُ والتردُّدُ في الضَّلالِ.\nثم تَوَعَّدَهُمْ تَعَالى بسُوءِ العذَابِ فَمَنْ نَالَهُ مِنهُ شيءٌ في الدُّنْيَا بَقِيَ عليه عَذابُ الآخرةِ، وَمَنْ لَمْ يَنَلْه عَذَابُ الدُّنْيَا كَانَ سُوء عَذابِه في مَوْتِه وفي ما بعده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1037>[سورة النمل (٢٧): الآيات ٦ الى ٩]</span>\nوَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (٦) إِذْ قالَ مُوسى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نارًا سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٧) فَلَمَّا جاءَها نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَها وَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٨) يا مُوسى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩)\nوقوله تعالى: وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ تُلَقَّى: مضاعفُ لَقِيَ يَلْقَى، ومعناه تُعْطَى، كما قَال: وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [فصلت: ٣٥] .\nوهذه الآيةُ ردٌّ على كُفَّارِ قُرَيْشٍ في قَوْلهم: إنَّ القُرْآن مِن تلقاءِ مُحَمَّدٍ ومِنْ لَدُنْ معناه: مِن عِنْدِهِ وَمِنْ جِهَتِهِ. ثم قَصَّ- تعالى- خَبرَ موسى حين خَرَجَ بزوجِه بنت شُعيب عَليهِ السَّلاَمُ يُرِيدُ مصرَ، وقد تقدَّم في «طه» قصصُ الآيةِ.\nوقوله: سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ ... الآية، أصل الشهاب:","vol":"4","page":242},{"text":"الكوكب المنقضّ في أثر مسترقِ السمعِ وكل ما يُقال له «شهابٌ» من المنيرات فعلى التَّشْبِيهِ، والقبسُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يكون اسمًا، ويُحْتملُ أن يكونَ صفةً. وقرأ الجمهورُ بإضافة «شِهَابٍ» إلى «قَبَسٍ»، وقرأ حَمزَةُ والكِسائِيُّ «١» وعاصمُ بتنوينِ «شِهَابٍ قَبَسٍ»: فَهَذَا على الصِّفَةِ.\nص: وقوله: جاءَها ضميرُ المفعولِ، عائدٌ على النّار، وقيل على الشجرة، انتهى. وبُورِكَ معناه: قُدِّسَ ونُمِيَ خَيْرُه، والبركة، مختصَّة بالخير.\nوقولهِ تعالى: مَنْ فِي النَّارِ قال ابنُ عباس: أرادَ النُّورَ «٢»، وقال الحسنُ وابنُ عباس: وأراد ب مَنْ حَوْلَها الملائكةٍ وموسى «٣» .\nقال ع «٤»: ويُحتمَلُ أن تكونَ مَنْ للملائكةِ لأن ذلكَ النورَ الذي حَسِبَه موسى نارًا لم يخْلُ من ملائكة، وَمَنْ حَوْلَها لموسَى والمَلائِكَةِ المُطِيفينَ بهِ.\nوقرأ أُبَيُّ بنُ كعب «٥» «أن بُوركَتِ النَّارُ وَمَنْ حَولَها» .\nوقوله تعالى: وَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ، هو تنزيهٌ للَّه تعالى مما عساه أن يخطر/ ببال في معنى النِّداءِ من الشَّجَرَةِ، أي: هو منزَّه عن جميع ما تتوّهمه الأوهام ٥١ أوعن التَّشبيهِ والتَّكْيِيفِ، والضميرُ في إِنَّهُ للأمرِ والشأنِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1038>[سورة النمل (٢٧): الآيات ١٠ الى ١٤]</span>\nوَأَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى لاَ تَخَفْ إِنِّي لاَ يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إِلاَّ مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١) وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آياتٍ إِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ (١٢) فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٤)\n_________\n(١) ينظر: «السبعة» (٤٧٨)، و«الحجة» (٥/ ٣٧٢)، و«إعراب القراءات» (٢/ ١٤٣)، و«معاني القراءات» (٢/ ٢٣٣)، و«شرح الطيبة» (٥/ ١٠٧)، و«العنوان» (١٤٤)، و«حجة القراءات» (٥٢٢)، و«شرح شعلة» (٥٢٤)، و«إتحاف» (٢/ ٣٢٣) .\n(٢) أخرجه الطبريّ (٩/ ٤٩٦) رقم (٢٦٨٦٧) بلفظ: «كان نور رب العالمين في الشجرة»، وابن كثير (٣/ ٣٥٦)، والسيوطي (٥/ ١٩١)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير، وابن مردويه عنه عن ابن عباس.\n(٣) أخرجه الطبريّ (٩/ ٤٩٧) رقم (٢٦٨٧٦) بنحوه، وابن عطية (٤/ ٢٥٠)، وابن كثير (٣/ ٣٥٧) بنحوه.\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٢٥٠) .\n(٥) ينظر: «الكشاف» (٣/ ٣٤٩)، و«المحرر الوجيز» (٤/ ٢٥٠) .\nوقد قرأ بها ابن عباس، ومجاهد، كما في «الجامع لأحكام القرآن» (١٣/ ١٠٦) . قال القرطبي: ومثل هذا لا يوجد بإسناد صحيح، ولو صح لكان على التفسير، فتكون البركة راجعة إلى النار ومن حولها الملائكة وموسى.","vol":"4","page":243},{"text":"وقوله سبحانه: وَأَلْقِ عَصاكَ ... الآية، أمره- تعالى- بهذَينِ الأمرين إلقاءِ العصا، وأمرِ اليَدِ تَدريبًا له في استعمالِهمَا، والجان: الحياتُ لأنها تَجِنُّ أنفُسُهَا أي:\nتَسْتُرُهَا. وقالت فرقةٌ: الجانُّ: صِغَارُ الحَيَّاتِ.\nوقوله تعالى: وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ، أي: ولَّى فَارًّا. قال مُجاهدٌ: ولم يرجعْ «١»، وقال قَتَادَةُ: ولم يَلْتَفِتْ «٢» .\nقال ع «٣»: وعَقَّبَ الرجلُ إذا ولَّى عَنْ أمر ثم صرف بدَنه أو وَجْهِه إليه- ثم ناداه سُبحانه مؤنسا له: يا مُوسى لاَ تَخَفْ إِنِّي لاَ يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ.\nوقولُهُ تعالى: إِلَّا مَنْ ظَلَمَ قال الفرَّاءُ وَجَمَاعَةٌ: الاستثْنَاءُ منقطعٌ، وهو إخبارٌ عن غَيرِ الأنبياء، كَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ- قال: لكنْ من ظَلَمَ من النَّاسِ ثُمَّ تَابَ فَإنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ، وهذه الآية تقتضي المغفرة للتّائب، والجيب الفتح في الثوب لرأس الإنسان.\nوقوله تعالى: فِي تِسْعِ آياتٍ مُتَّصِلٌ بقوله: أَلْقِ وَأَدْخِلْ يَدَكَ وفيه اقتضَابٌ «٤» وحذفٌ، والمعنى في جُملةِ تسعِ آياتٍ، وقد تَقَدَّمَ بَيَانُها، والضميرُ في جاءَتْهُمْ لفِرْعَوْنَ وقومِه، وظاهِرُ قَولِهِ تعالى: وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها حُصُولُ الكفْرِ عِنَادًا وهي مَسْأَلَةُ خلافٍ قد تَقَدَّمَ بيانها وظُلْمًا معناهُ: على غيرِ استحقَاقٍ للجُحْدِ، والعُلُوُّ في الأرضِ أعظمُ آفةٍ على طَالبهِ، قال الله تعالى: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَسادًا [القصص: ٨٣] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1039>[سورة النمل (٢٧): الآيات ١٥ الى ١٧]</span>\nوَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْمًا وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (١٥) وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وَقالَ يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (١٦) وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٧)\n_________\n(١) أخرجه الطبريّ (٩/ ٤٩٨) رقم (٢٦٨٨٠)، وابن عطية (٤/ ٢٥١)، والسيوطي (٥/ ١٩٢)، وعزاه للفريابي، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد.\n(٢) أخرجه الطبريّ (٩/ ٤٩٨) رقم (٢٦٨٨٢)، والبغوي (٣/ ٤٠٧)، وابن عطية (٤/ ٢٥١)، والسيوطي (٥/ ١٩٢)، وعزاه لعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة.\n(٣) ينظر: «المحرر» (٤/ ٢٥١) .\n(٤) القضب: القطع. ومنه قيل: اقتضبت الحديث، إنما هو انتزعته واقتطعته.\nينظر: «لسان العرب» (٣٦٥٩) .","vol":"4","page":244},{"text":"وقوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْمًا ... الآية، هذا ابتداءُ قصَصٍ فيه غيُوبٌ وعَبَرٌ.\nوَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ، أي: ورثَ مُلكَه وَمنزِلَتَهُ من النبوَّة بعدَ موتِ أبيهِ، وقوله:\n«علّمناه منطق الطير» إخبار بنعمةِ الله تعالى عندهما في اَّنَّ فَهَّمهُمَا مِنْ أصواتِ الطير المعانيَ التي في نفوسِها، وهذا نحو ما كان النبيّ ﷺ يَسْمَعُ أَصْوَاتَ الْحِجَارَةِ بالسَّلاَمِ عَلَيْهِ وغير ذلك حسب ما هو في الآثار.\nقال قَتَادَةُ وغيره: إنَّمَا كان هذا الأمرُ في الطيرِ خاصةً، والنملةُ طائِرٌ إذ قد يوجَدُ لَهَا جَنَاحَان «١» .\nوقالت فُرقَةٌ: بل كَانَ ذَلِكَ في جَمِيعِ الحيَوانِ وإنما خَصِ الطيرَ لأْنَّه كان جُندًا من جنودِ سليمان يحتاجُهُ في التَّظلِيلِ من الشَّمس وفي البَعْثِ في الأمور. والنَّمْلُ حيوانُ فَطِنٌ قويٌّ شَمَّامٌ جِدًّا يدَّخِرُ ويتخذُ القرى وَيَشُقُّ الحَبَّ بقطعتينِ لِئَلاَّ يُنْبِتَ، ويشُقَّ الكزبرةَ بأربعِ قطعٍ لأَنها تُنْبِت إذًا قُسِّمَتْ شقينِ، ويأكلُ في عامِهِ نصفَ مَا جمعَ، ويستبقي سائِرَهُ عُدَّةً. قال ابن العربي في «أحكامه «٢»»: ولا خلافَ عندَ العُلَمَاءِ في أَنَّ الحيواناتِ كلَّها لَهَا أفهامٌ وعقولٌ، وقد قال الشافعيُّ: الحمَامُ أعقلُ الطَّيرِ، انتهى.\nوقوله: وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ معناه: يَصْلُحُ لنا ونَتَمَنَّاهُ ولَيستْ على العموم. ثُمَّ ذَكَرَ شُكْرَ فَضلِ الله تعالى، واخْتُلِفَ في مقدار جُنْدِ سُليمانَ ﵇ اختلافًا شديدًا لا أرَى ذكرَه لعَدَمِ صحةِ التَّحدِيدِ، غيرَ أنَّ الصَّحِيحَ في هذا أنَّ مُلكَه كَانَ عَظيمًا مَلأَ الأَرْضَ، وانقادت له المعمُورةُ كُلُّها، وَكَانَ كُرسيُّه يَحملُ أجْنَادَه من الأنسِ والجنِّ، وكانتِ الطيرُ تُظِلُّه منَ الشمس، ويبعثها في الأمور، ويُوزَعُونَ مَعناهُ: يَرُدُّ أولهُم إلى آخرهم، ويكُفُّونَ، قال قَتَادَةُ: فكأنَّ لِكُلِّ صَنْفٍ/ «٣» وَزْعَةً، ومنه قَوْلُ الحسن البصريّ حين ولي ٥١ ب قضَاءَ البَصْرَةِ: لا بدَّ للحَاكِم من وَزْعَةً «٤»، ومنه قَوْلُ أبي قُحَافَةَ للجاريةِ: ذلك يا بنيّة\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٤/ ٢٥٣) .\n(٢) ينظر: «أحكام القرآن» (٣/ ١٤٤٩) .\n(٣) ذكره البغوي (٣/ ٤١٠)، وابن عطية (٤/ ٢٥٣) . [.....]\n(٤) ذكره ابن عطية (٤/ ٢٥٣) .","vol":"4","page":245},{"text":"الوازِع «١» ومنه قولُ الشاعر: [الطويل]\nعلى حِينَ عَاتَبْتُ المَشِيبَ عَلَى الصِّبَا ... فَقُلْتُ: أَلَمَّا أَصْحُ وَالشَّيْبُ وَازِعُ «٢»\nأي: كافٌّ، وهَكَذا نقل ابنُ العربيِّ «٣» عن مَالكٍ فقال: يُوزَعُونَ أي: يُكَفَّونَ.\nقال ابن العربي «٤»: وقد يكُونُ بمعنى يُلهَمُونَ من قوله «أَوْزِعْنِي أن أَشكُرَ نعمَتَكَ» أي: ألهمني، انتهى من «الإحكام» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1040>[سورة النمل (٢٧): الآيات ١٨ الى ٢٤]</span>\nحَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١٨) فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا مِنْ قَوْلِها وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ (١٩) وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ (٢٠) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (٢١) فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (٢٢)\nإِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٣) وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ (٢٤)\nوقولُه تَعَالَى: فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا مِنْ قَوْلِها التبسمُ هو ضِحْكُ الأنبيَاءِ في غالِبِ أمْرهم لا يَليقُ بهم سِوَاهُ، وكان تَبَسُّمُه سرورًا بنعمَةِ الله تَعالى عَلَيهِ في إسماعِهِ وتفهيمهِ.\nوفي قول النملة: وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ثناءٌ على سليمانَ وجنودِه يتضمنُ تنزيهِهم عن تعمدِ القبيحِ. ثم دعا سليمانُ ﵇ ربَّه أنْ يُعينَه ويُفَرِّغَهُ لشُكرِ نعمتهِ، وهذا معنى إيزاعِ الشُّكرِ، وقال الثعلبيُّ وغيرَه: «أوزِعْنِي» معناه: ألهِمْنِي، وكذلك قال العراقيّ: أَوْزِعْنِي ألهمني، انتهى.\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٤/ ٢٥٣) .\n(٢) البيت للنابغة الذبياني في «ديوانه» ص (٣٢) و«الأضداد» ص (١٥١) و«جمهرة اللغة» ص (١٣١٥) و«خزانة الأدب» (٢/ ٤٥٦)، (٣/ ٤٠٧)، (٦/ ٥٥٠)، (٥٥٣) و«الدرر» (٣/ ١٤٤) و«سرّ صناعة الإعراب» (٢/ ٥٠٦) و«شرح أبيات سيبويه» (٢/ ٥٣) و«شرح التصريح» (٢/ ٤٢) و«شرح شواهد المغني» (٢/ ٨١٦)، (٨٨٣) و«الكتاب» (٢/ ٣٣٠)، و«لسان العرب» (٨/ ٣٩٠) (وزع)، (٩/ ٧٠) (خشف) و«المقاصد النحويّة» (٣/ ٤٠٦)، (٤/ ٣٥٧) وبلا نسبة في «الأشباه والنظائر» (٢/ ١١١) و«الإنصاف» (١/ ٢٩٢) و«أوضح المسالك» (٣/ ١٣٣) و«رصف المباني» ص (٣٤٩) و«شرح الأشموني» (٢/ ٣١٥)، (٣/ ٥٧٨) و«شرح شذور الذهب» ص (١٠٢) و«شرح ابن عقيل» ص (٣٨٧) و«شرح المفصّل» (٣/ ١٦، ٤/ ٥٩١، ٨/ ١٣٧) و«مغني اللبيب» ص (٥٧١) و«المقرب» (١/ ٢٩٠، ٢/ ٥١٦) و«المنصف» (١/ ٥٨) و«همع الهوامع» (١/ ٢١٨) .\nواستشهد فيه بقوله: «على حين»، حيث يجوز في «حين» الإعراب وهو الأصل، والبناء لأنّه أضيف إلى مبنيّ، وهو الفعل الماضي «عاتب» .\n(٣) ينظر: «أحكام القرآن» (٣/ ١٤٥٠) .\n(٤) ينظر: «أحكام القرآن» (٣/ ١٤٥٠) .","vol":"4","page":246},{"text":"وقوله تعالى: وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ ... الآية، قالت فرقةٌ: ذلك بحسْبِ ما تقتَضِيه العنايةُ بالمَمْلَكَةِ والتَّهمُّمِ بكل جُزْءٍ منها، وهذا ظاهر الآيةِ أنَّه تَفَقَّدَ جميعَ الطيرِ، وقالت فِرقةٌ: بل تَفَقَّدَ الطيرَ لأَنَّ الشَّمْسَ دَخَلَتْ مِنْ مَوضِعِ الهُدْهُدِ فكان ذلك سببَ تفقدِ الطيرِ ليَبِينَ مِنْ أين دَخَلَتِ الشمسُ، وقال عبدُ اللهِ بن سلاَم: إنما طلبَ الهدهدَ لأنه احتاجَ إلى معرفةِ الماءِ على كَم هو مِنْ وَجهِ الأرضِ لأنه كانَ نَزَلَ في مفازةٍ عَدِمَ فيها الماءَ، وأن الهُدْهُدَ كان يَرَى بَاطِنَ الأرضِ وظاهرَها فكان يخبرُ سليمانَ بموضع الماءِ، ثم كانتِ الجنُّ تُخْرجُه في ساعةٍ، وقيل غير هذا والله أعلم بما صح من ذلك. ثم توعد﵇- الهدهدَ بالعذابِ فروي عن ابن عباس وغيره: أن تعذيبَه للطير كانَ بنتفِ ريشِه «١» . والسلطانُ:\nالحجةُ حيث وقع في القرآن [العظيم] قاله ابن «٢» عباس. وفعلَ سليمانُ هذا بالهدهدِ إغلاظًا على العاصينَ وعِقَابًا على إخلاله بنبوته ورتبته، والضميرُ في فَمَكَثَ يحتملُ أن يكونَ لسليمانَ أو للهدهدِ، وفي قراءة ابن مسعود «٣» «فتمكث ثم جاء فقال» وفي قراءة أُبَيِّ «٤» «فتمكث ثم قال أحطت» .\nت: وهاتان القراءتان تُبَيِّنَانِ أن الضميرَ في «مكث» للهدهدِ وهو الظاهرُ أيضًا في قراءة الجماعة، ومعنى مكثَ: أقامَ.\nوقوله: غَيْرَ بَعِيدٍ يعني: في الزمن.\nوقوله: أَحَطْتُ أي: عَلِمْتُ.\nوقرأ الجمهورُ «٥» «سبأٍ» بالصرف على أنه اسمُ رجل وبه جاء الحديث عن النبي ﷺ من حديث فروةَ بن مسيك وغيره، سُئِلَ﵇- عَنْ سَبَإٍ فَقَالَ: «كَانَ رَجُلًا لَهُ عَشَرَةٌ مِنَ الْوَلَدِ تَيَامَنَ مِنْهُمْ سِتَّةٌ وَتَشَاءَمَ أرْبَعَة» «٦» . ورواه الترمذي من طريقِ فروة بن\n_________\n(١) أخرجه الطبريّ (٩/ ٥٠٦) رقم (٢٦٩١١)، وذكره ابن عطية (٤/ ٢٥٥)، وابن كثير (٣/ ٣٦٠)، والسيوطي (٥/ ١٩٧)، وعزاه لعبد الرزاق، والفريابي، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن المنذر، والحاكم عن ابن عباس.\n(٢) أخرجه الطبريّ (٩/ ٥٠٧) رقم (٢٦٩٢٤)، وذكره ابن عطية (٤/ ٢٥٥)، والسيوطي (٥/ ١٩٧)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير عن عكرمة، قال: قال ابن عباس.\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٢٥٥) .\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٢٥٥) .\n(٥) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٢٥٥)، و«البحر المحيط» (٧/ ٦٣) .\n(٦) أخرجه الترمذيّ (٥/ ٣٦١) كتاب التفسير: باب ومن سورة سبأ، حديث (٣٢٢٢) من حديث فروة بن مسيك.\nوقال الترمذيّ: هذا حديث حسن غريب.\nوسيأتي تخريجه بأوسع من هنا في سورة سبأ.","vol":"4","page":247},{"text":"مُسَيْك. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «١» «سَبَأَ» - بفتح الهَمْزَةِ وتَرْكِ الصَّرْف- على أنه اسمُ بَلْدَةِ وقاله الحسن وقتادة.\nوقوله: وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أي: مما تحتاجُه المملكةُ، قال الحسن: من كل أمر الدنيا «٢»، وهذه المرأةُ هي «بلقيس»، وَوَصَفَ عرشَها بالعِظَم في الهيئةِ ورتبة الملك، ٥٢ أوأكثر بَعضِ النَّاسِ/ في قصَصها بما رأيتُ اختصارَه لعدَمِ صحَّتِه، وإنما اللازم من الآية:\nأنها امرأةٌ مَلِكَةٌ عَلى مدائنَ اليمن، ذاتُ مُلْكٍ عظيم، وكانت كافرة من قوم كفار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1041>[سورة النمل (٢٧): الآيات ٢٥ الى ٣٥]</span>\nأَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وَما تُعْلِنُونَ (٢٥) اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٢٦) قالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٢٧) اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ (٢٨) قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ (٢٩)\nإِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣١) قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي ما كُنْتُ قاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ (٣٢) قالُوا نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ (٣٣) قالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ (٣٤)\nوَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (٣٥)\nوقوله: أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ إلى قوله الْعَظِيمِ، ظاهره: أنه من قوله الهدهد وهو قول ابن زيد وابن إسحاق، ويحتمل أن يكون من قول الله تعالى اعتراضًا بيْنَ الكَلاَمَيْن، وقراءةُ التشديدِ في أَلَّا تعطى: أن الكلامَ للهدهدِ وهي قراءةُ الجمهورِ «٣»، وقراءة التخفيفِ وهي للكسائي تَمْنَعَهُ «٤» وتقوِّي الآخرَ فتأملْه، وقرأ الأعمشُ «٥» هَلاَّ يَسْجُدُونَ وفي حرف عبد الله «ألا هل تسجدون» بالتّاء، والْخَبْءَ: الخفيّ من\n_________\n(١) ينظر: «السبعة» (٤٨٠)، و«الحجة» (٥/ ٣٨٢)، و«إعراب القراءات» (٢/ ١٤٧)، و«معاني القراءات» (٢/ ٢٣٦)، و«شرح الطيبة» (٥/ ١٠٨)، و«العنوان» (١٤٤)، و«حجة القراءات» (٥٢٥)، و«شرح شعلة» (٥٢٤)، و«إتحاف» (٢/ ٣٢٥) .\n(٢) أخرجه الطبريّ (٩/ ٥٠٩) رقم (٢٦٩٣٥)، وذكره ابن عطية (٤/ ٢٥٦) .\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٢٥٦)، و«البحر المحيط» (٧/ ٦٥) . [.....]\n(٤) وقرأ بها ابن عباس، وأبو جعفر، والزهري، والسلمي، والحسن، وحميد.\nينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٢٥٦)، و«البحر المحيط» (٧/ ٦٥)، و«الدر المصون» (٥/ ٣٠٧)، و«السبعة» (٤٨٠)، و«الحجة» (٥/ ٣٨٣)، و«إعراب القراءات» (٢/ ١٤٨)، و«معاني القراءات» (٢/ ٢٣٨)، و«شرح الطيبة» (٥/ ١٠٩)، و«العنوان» (١٤٤)، و«حجة القراءات» (٥٢٦)، و«شرح شعلة» (٥٢٥)، و«إتحاف» (٢/ ٣٢٥) .\n(٥) ينظر: «مختصر الشواذ» ص ١١٠، وفيه القراءة هكذا: «هلا يسجدوا» بحذف نون الرفع.\nوينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٢٥٧)، و«البحر المحيط» (٧/ ٦٥)، و«التخريجات النحوية» (٣٤٤) .","vol":"4","page":248},{"text":"الأمور وهو من: خَبَأْتُ الشيءَ، واللفظةُ تَعُمّ كل ما خَفِي من الأمور وبه فسر ابن عباس «١» . وقرأ الجمهورُ: «يُخْفُونَ وَيُعْلِنون» بياء الغائب وهذه القراءة تُعْطى أنَّ الآيةَ من كلامِ الهدهد. وقرأ الكسائيُّ وحفصٌ عن «٢» عاصم «تُخْفُونَ وَتُعْلِنُونَ» بتاء الخطاب وهذه القراءة تعطى أنَّ الآية من خطاب الله تعالى لأمة سيّدنا محمّد ﷺ.\nقوله: فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ، قال وهب بن مُنَبِّه: أمره بالتولِّي حُسنُ أدب ليَتَنَحَّى حَسْبَ ما يُتأَدَّبُ به مع الملوك، بمعنى: وكن قريبا حتى ترى مراجعاتهم، وليكل الأمر، إلى حُكْمِ ما في الكتابِ دونَ أن تكونَ للرسولِ ملازمةٌ ولا إلحاحٌ «٣» . ورَوَى وهب بن منبِّه في قصص هذه الآية: أن الهدهدَ وصل فَوَجَدَ دون هذه المَلِكَةِ حُجُبَ جدراتٍ، فَعَمَدَ إلَى كُوَّةٍ كانتْ بلقيسُ صَنَعَتْهَا، لتَدْخُلَ منها الشمسُ عند طلوعها لمعنى عبادَتِهَا إيَّاهَا فدخل منها ورمى بالكتابِ إليها «٤» فقرأتْه وجَمَعَتْ أهْلَ مُلْكِها فخاطبتهم بما يأتي بعد. قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ تعني: الأشراف: إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ وصَفَتِ الكتابَ بالكريمِ إما لأنه من عند عظيمٍ، أو لأنه بُدِىء باسمٍ كريمٍ. ثم أخذتْ تصف لهم ما في الكتابِ، ثم أخذتْ في حسْنِ الأدَبِ مَعَ رجَالِها ومشاورتهم في أمرها فراجعها قومُها بما يُقِرُّ عَيْنَها مِنْ إعلامِهم إيَّاها بالقوة، والبأس. ثم سلَّمُوا الأمر إلى نَظَرِها وهذه محاورةٌ حسنة من الجميع. وفي قراءة «٥» عبد الله: «ما كُنْتُ قَاضِيَةً أَمْرًا» بالضاد من القضاء، ثم أخبرتْ بلقيسُ بفِعلِ الملوكِ بالقُرَى التي يَتَغَلَّبُونَ عليها، وفي كلامها خوفٌ على قومِها وحَيْطَة لهم، قال الدَّاوُودِيُّ: وعن ابن عباس: ﵁ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها قال: إذا أخذوهَا عَنْوَةً، أخربوها «٦»، انتهى.\nوقوله: وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ قالت فرقة: هو من قول بلقيس، وقال ابن عباس: هو\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٤/ ٢٥٧)، وابن كثير (٣/ ٣٦١)، والسيوطي (٥/ ١٩٩)، وعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس.\n(٢) ينظر: «السبعة» (٤٨١)، و«الحجة» (٥/ ٣٨٥)، و«إعراب القراءات» (٢/ ١٤٩)، و«معاني القراءات» (٢/ ٢٣٩)، و«شرح الطيبة» (٥/ ١١١)، و«العنوان» (١٤٤)، و«حجة القراءات» (٥٢٨)، و«شرح شعلة» (٥٢٧)، و«إتحاف» (٢/ ٣٢٦) .\n(٣) أخرجه الطبريّ (٩/ ٥١٢) رقم (٢٦٩٤٦)، وذكره ابن عطية (٤/ ٢٥٧) .\n(٤) ذكره ابن عطية (٤/ ٢٥٧) .\n(٥) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٢٥٨)، و«البحر المحيط» (٧/ ٧٠)، و«الكشاف» (٣/ ٣٦٤) .\n(٦) أخرجه الطبريّ (٩/ ٥١٥) رقم (٢٦٩٥٩)، وذكره ابن كثير (٣/ ٣٦٢)، والسيوطي (٥/ ٢٠٢)، وعزاه لابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس.","vol":"4","page":249},{"text":"من قول الله تعالى معرِّفًا لمحمَّدٍ ﵇ وأمَّتِهِ بذلك «١» .\nوَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ ... الآية، روي أن بلقيس قالت لقومها: إني أُجَرِّبُ هذا الرجلَ بهدية فيها نفائسُ الأموالِ، فَإنْ كَانَ مَلِكًا دُنْيَوِيًّا أرضاه المال وإن كان نَبِيًّا لم يقبل الهديةَ، ولم يُرْضِهِ مِنّا إلا أن نَتَّبِعَه على دينه، فينبغي أن نؤمِنَ به، ونتبعه على دينه، فبعثت إليه بهدية عظيمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1042>[سورة النمل (٢٧): الآيات ٣٦ الى ٤٢]</span>\nفَلَمَّا جاءَ سُلَيْمانَ قالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (٣٦) ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ (٣٧) قالَ يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨) قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (٣٩) قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (٤٠)\nقالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ (٤١) فَلَمَّا جاءَتْ قِيلَ أَهكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِها وَكُنَّا مُسْلِمِينَ (٤٢)\nوقوله تعالى: فَلَمَّا جاءَ سُلَيْمانَ يعني: رسلُ بلقيس، وقولُ سليمان: ارْجِعْ خطابٌ لرسلِها لأن الرسولَ يقع على الجمعِ والإفرادِ والتذكيرِ والتأنيث. وفي قراءة ابن مسعود «٢»: «فلما جاءوا سليمان» وقرأ «ارجعوا»، ووعيدُ سليمانَ لهم مقترنٌ بدوامِهم على الكفرِ، قال البخاري: لاَّ قِبَلَ لَهُمْ بِها: أي: لا طاقةَ لهم، انتهى. ثم قال سليمان ٥٢ ب لجمعه/ يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها.\nقال ابن زيد: وغرضُه في استدعاءِ عرشِها أن يُرِيَها القدرةَ التي من عند الله وليغرب «٣» عليها، ومُسْلِمِينَ في هذا التأويل بمعنى: مُسْتَسْلِمِينَ، ويحتملُ أنُ يكونَ بمعنى الإسلام.\nوقال قتادة: كان غرضُ سليمان ﵇ أخذه قبل أن يَعْصِمَهُم الإسلامُ فالإسلامُ على هذا التأويل يراد به الدين «٤» .\n_________\n(١) أخرجه الطبريّ (٩/ ٥١٥) رقم (٢٦٩٦٠)، وذكره ابن عطية (٤/ ٢٥٨)، وابن كثير (٣/ ٣٦٢)، والسيوطي (٥/ ٢٠٢)، وعزاه لابن أبي حاتم عن ابن عباس.\n(٢) ينظر: «الكشاف» (٣/ ٣٦٦)، و«البحر المحيط» (٧/ ٧١)، و«المحرر الوجيز» (٤/ ٢٥٩)، و«الدر المصون» (٥/ ٣١٣) .\n(٣) ذكره ابن عطية (٤/ ٢٦٠) .\n(٤) أخرجه الطبريّ (٩/ ٥٢١) رقم (٢٦٩٨٠) بنحوه.","vol":"4","page":250},{"text":"ت: والتأويل الأول أَليَقُ يمَنْصِبِ النُّبُوَّةِ، فيتعينُ حملُ الآيةِ عليه، والله أعلم.\nورُوِي أن عرشِهَا كانَ من ذهبٍ وفضةٍ مُرَصَّعًا بالياقوتِ والجَوْهرِ وأنه كان في جوفِه سبعةُ أبياتٍ عليها سَبْعة أغلاقٍ. والعِفْرِيتُ هو من الشياطين: القويُّ الماردُ.\nوقوله: قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ قال مجاهد «١» وقتادة «٢»: معناه: قبل قيامِك من مجلس الحكم، وكان يجلس من الصبح إلى وقتَ الظهرِ في كل يوم، وقيل: معناه: قبلَ أنْ تستويَ من جلوسِكَ قَائِمًا. وقول الذي عنده علم من الكتاب: أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ قال ابن جبير «٣» وقتادة «٤»: معناه: قبل أن يصل إليكَ مَنْ يَقَعُ طَرْفُكَ عَلَيْهِ في أبعد ما ترى. وقال مجاهد «٥»: معناه: قبل أن تحتاج إلى التغميض، أي: مدة ما يمكنك أن تمد بصرك دون تغميض وذلك ارتداده.\nقال ع «٦»: وهذانِ القولانِ يقابلانِ القولينِ قبلَهما.\nوقوله: لَقَوِيٌّ أَمِينٌ معناه: قويٌّ على حمله أمين على ما فيه. ويُرْوَى أنَّ الجِنَّ كَانَتْ تُخْبِرُ سليمانَ بمَنَاقِل سَيْرِ بلقيس، فلما قربَتْ، قال: أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها فدعا الذي عنده علم من التوراة، - وهو الكتاب المشار إليه- باسم الله الأعظم الذي كانت العادة في ذلك الزمان أن لا يدعو به أحد إلا أجيب، فشقت الأرض بذلك العرشِ، حتَّى نَبَعَ بَيْنَ يَدَيْ سليمانَ ﵇. وقيل: بل جِيءَ به في الهواءِ. وجمهورُ المفسرين على أن هذا الذي عنده علم من الكتاب- كان رجلًا صالحًا من بني إسرائيل اسمه (آصف بن برخيا)، روي أنه صلى ركعتين، ثم قال لسليمان [﵇]: يا نبي الله امدد بصرك\n_________\n(١) أخرجه الطبريّ (٩/ ٥٢٢) رقم (٢٦٩٨٩) بنحوه، وذكره ابن عطية (٤/ ٢٦٠)، وابن كثير (٣/ ٣٦٣) بنحوه، والسيوطي (٥/ ٢٠٤)، وعزاه للفريابي، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد.\n(٢) أخرجه الطبريّ (٩/ ٥٢٢) رقم (٢٦٩٩٠) بنحوه، وذكره ابن عطية (٤/ ٢٦٠) . [.....]\n(٣) أخرجه الطبريّ (٩/ ٥٢٤) رقم (٢٧٠٠٣)، وذكره البغوي (٣/ ٤٢٠) بنحوه، وابن عطية (٤/ ٢٦٠)، والسيوطي (٥/ ٢٠٥) بنحوه، وعزاه لابن أبي شيبة، وابن المنذر، عن سعيد بن جبير.\n(٤) ذكره البغوي (٣/ ٤٢٠) بنحوه، وابن عطية (٤/ ٢٦٠) .\n(٥) أخرجه الطبريّ (٩/ ٥٢٤) رقم (٢٧٠٠٧) بنحوه، وذكره البغوي (٣/ ٤٢٠) بنحوه، وابن عطية (٤/ ٢٦٠)، والسيوطي (٥/ ٢٠٥) بنحوه، وعزاه للفريابي، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد.\n(٦) ينظر: «المحرر» (٤/ ٢٦٠) .","vol":"4","page":251},{"text":"نحوَ اليَمَنِ، فمد بصره فإذا بالعرش، فما رد سليمان بَصره إلا وهو عنده. وقال قتادة:\nاسمه بلخيا «١» . وقولُ سليمانَ﵇-: نَكِّرُوا لَها عَرْشَها يريدُ تَجْرِبَة مَيْزِهَا ونَظَرِهَا، ورَوَتْ فرقةٌ أن الجنَّ أحسَّتْ من سليمان أوْ ظنت به أنه ربما تزوجها، فكرهوا ذلك وعيَّبُوها عنده، بأنها غيرُ عاقلِة ولا مميزة وأَن رجلَها كحَافِرِ دابة، فجرَّب عَقْلَها وميَّزَها بتَنْكِيرِ السريرِ، وجرب أمر رجلِها بأمر الصَّرْحِ، لتكشفَ عن سَاقَيْها عنده، وتنكيرُ العرش: تغييرُ وضعهِ وسَتْرُ بعضِه. وقولُها كَأَنَّهُ هُوَ تحرزٌ فَصِيح، وقال الحسن بن الفضل «٢»: شَبَّهُوا عَلَيْهَا فَشَبَّهَتْ عَلَيْهِم. ولو قالوا: أهذا عرشك؟ لقالت: نعم، ثم قال سليمان ﵇ عند ذلك: وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِها الآية، وهذا منه على جهة تعديد نعم الله تعالى عليه وعلى آبائه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1043>[سورة النمل (٢٧): الآيات ٤٣ الى ٤٤]</span>\nوَصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ (٤٣) قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها قالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوارِيرَ قالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٤)\nوقوله تعالى: وَصَدَّها مَا كانَتْ تَعْبُدُ أي: عن الإيمان، وهذا الكلامُ يحتملُ أنْ يكونَ مِنْ قولِ سليمانَ، أو مِنْ قولِ الله، إخبارا لمحمد ﵇: قال محمد بن كعب ٥٣ أالقرظي/ وغيره: ولمَّا وَصَلَتْ بلقيسُ أمر سليمانُ الجنَّ فصَنَعَتْ له صَرْحًا وهو السطحُ في الصَّحْنِ مِنْ غير سَقْفٍ وجَعَلَتْهُ مَبْنِيا كالصِّهْرِيجِ وملىء ماءً وبُثَّ «٣» فيهِ السَّمَكُ وطبَّقَه بالزُّجَاجِ الأَبيضِ الشَّفَّافِ، وبهذا جاءَ صَرْحًا. والصَّرْحُ أيضًا كل بناء عالٍ، وكل هذا من التصريح وهو الإعلان البالغ. ثم وضع سليمانُ في وسطِ الصَّرْحِ كرسيًّا، فلما وصلته بلقيس قيل لها: ادخلي إلى النبي﵇-، فلما رأتِ الصَّرْحَ حَسِبتَهُ لُجَّةً وهُو مُعْظَمُ المَاءِ، فَفَزِعَتْ وَظَنَّتِ أنها قُصِدَ بها الغَرَقُ، وَتَعَجَّبَتْ مِن كَوْنِ كرسِيِّه على الماءِ، ورأت مَا هَالَهَا، ولَمْ يكنْ لَها بُدَّ مِن امْتِثَالِ الأمرِ، فكَشَفَتْ عن ساقَيها، فرأى سليمانَ ساقَيْها سليمةً مِمَّا قالتِ الجنُّ غَيْرَ أَنَّها كثيرةُ الشَّعْرِ، فلما بلغتْ هذا الحد قالَ لها سليمانُ ﵇: نَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوارِيرَ\nوالممرد: المحكوكُ الْمُمَلَّسُ ومنه الأمرد، فعند ذلك قالت: بِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ\nفروي أن\n_________\n(١) أخرجه الطبريّ (٩/ ٥٢٣) رقم (٢٦٩٩٣) بلفظ «كان اسمه بليخا»، وذكره ابن عطية (٤/ ٦١)، وابن كثير (٣/ ٣٦٤)، والسيوطي (٥/ ٢٠٥)، وعزاه لابن جرير عن قتادة.\n(٢) ذكره ابن عطية (٤/ ٢٦١) .\n(٣) في ج: وجعل.","vol":"4","page":252},{"text":"سليمانَ ﵇ تَزَوَّجَهَا عند ذلك، وأسكنها الشام قاله الضحاك «١» . وقيل: تزوجَها وردَّها إلى ملكها باليمنِ وكان يأتيها على الريح كلَّ شَهْرٍ مَرَّةً، فوَلَدَتْ له غلامًا سمَّاه داودَ مات في حياته. ورُوِيَ أن سليمانَ لما أراد زوالَ شَعْرِ ساقَيْهَا أمر الجنَّ بالتَّلَطُّفِ في زوالِه، فصنَعوا النُّورَةَ «٢» ولم تَكُنْ قَبْلٌ، وصنعوا الحمّام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1044>[سورة النمل (٢٧): الآيات ٤٥ الى ٥٣]</span>\nوَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ (٤٥) قالَ يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٦) قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قالَ طائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (٤٧) وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ (٤٨) قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصادِقُونَ (٤٩)\nوَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٥٠) فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْناهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥٢) وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (٥٣)\nوقوله تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحًا ... الآية، تمثيل لقريش، وفَرِيقانِ: يريد بهما مَنْ آمنَ بصالِح. وَمَنْ كفَر به. واختصامهُم هُو تنازُعُهم. وقد ذكر تعالى ذلك في سورة الأعراف، ثم إن صالحًا﵇- ترفّق بقومه ووقفهم على خطئهم في استعجالهم العذابَ قبل الرحمة. أو المعصيةَ لله قبل الطاعة، ثم أجابوه بقولهم: اطَّيَّرْنا بِكَ أي: تشاءمنا بك. تِسْعَةُ رَهْطٍ هُمْ رجالٌ كانوا من أوجُهِ القوْمَ وأعْتَاهُمْ وهم أصحاب قدار، والمدينةُ مُجْتَمَعُ ثمودَ وقَرْيَتِهُم.\nوقوله تعالى: تَقاسَمُوا.\nقال الجمهور: هو فعل أمر، أشَار بعضُهم على بعضٍ بأن يَتحَالَفُوا على هذا الفعل بصالح، وحكَى الطبريُّ «٣» أَنه يجوز أن يكونَ تقاسموا فِعْلًا ماضِيًا في موضعِ الحالِ، كأنه قال: متقاسِمينَ أو متحالفِين بالله لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهلَه، وتؤيِّدِه «٤» قراءةُ عبد الله: «ولا يصلحون تقاسموا» بإسقاطِ «قالوا» .\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٤/ ٢٦٢) .\n(٢) النّورة: الهناء، وفي «التهذيب»: النّورة من الحجر الذي يحرق ويسوّى منه الكلس ويحلق به شعر العانة.\nينظر: «اللسان» ٤٥٧٣.\n(٣) ينظر: «الطبريّ» (٩/ ٥٣٣) .\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٢٦٣) .","vol":"4","page":253},{"text":"قال ع «١»: وهذه الألفاظُ الدالةُ على قَسَمِ تجاوب باللام، وإن لم يتقدمْ قَسَمٌ ظاهرٌ، فاللامُ في لَنُبَيِّتَنَّهُ: جوابُ القَسَمِ. ورُوِيَ في قصصِ هذهِ الآيةِ أَن هؤلاءِ التسعة لمَّا كانَ فِي صَدْرِ الثلاثة الأيام بعد عَقْرِ النَّاقَةِ وَقَدَ أخبرَهُمْ صالحٌ بمجيء العذابِ، اتفق هؤلاءِ التسعةُ فَتَحَالَفُوا على أن يأتوا دارَ صالحٍ ليلًا فيقتلوه وأهلَه المُخْتَصِّينَ به، قالوا: فإن كان كاذبا في وعيده أوقعنا به ما يستحقُّ، وإن كانَ صادقًا كنَّا قد عجّلناه قبلنا وشفينا به نفوسنا، فجاؤوا واخْتَفَوْا لذلك في غارٍ قريبٍ من داره، فروي أنّه انحدرت عليهم صخرة ٥٣ ب شَدَخَتْهُم جميعًا/، ورُوِيَ أنَّها طَبَّقَتْ عليهمُ الغَارَ فَهَلَكوا فيه حينَ هَلَكَ قَوْمُهُمْ، وكلُّ فَريقٍ لا يَعلم بِما جَرَى على الآخِرَ، وقَدْ كانوا بنوا على جحودِ الأمر من قرابةِ صالحٍ، ويعني بالأهل كلَّ مَنْ آمنَ بهِ قاله الحسن «٢» .\nوقوله سبحانه: وَمَكَرْنا مَكْرًا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ قال ابن العربيّ الحاتميّ: المكر إرداف النّعم مع المخالفةِ وإبقاءِ الحالِ معَ سُوءِ الأدَب، انتهى من شرحه لألفاظ الصوفية.\nوالتدميرُ: الهلاكُ وخاوِيَةً مَعْنَاهُ: قَفْرا، وهذه البيوتُ المشارُ إليهَا هِي التي قال فيها النبي ﷺ عَامَ تَبُوكَ: «لاَ تَدْخَلُوا بُيُوتَ المُعَذَّبِينَ إلاَّ أنْ تَكُونُوا بَاكِينَ» «٣» . الحديثُ في «صحيحِ مُسْلِمٍ» وغيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1045>[سورة النمل (٢٧): الآيات ٥٤ الى ٥٨]</span>\nوَلُوطًا إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٥٤) أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (٥٥) فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٥٦) فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الْغابِرِينَ (٥٧) وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (٥٨)\nوقوله تعالى: وَلُوطًا إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ تقدمَ قصصُ هؤلاءِ القومِ، وتُبْصِرُونَ معناه: بقلوبكم.\nقال أبو حيان «٤»: وشَهْوَةً مفعولٌ منْ أجله، انتهى. وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «لَعَنَ الله مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ» «٥» . رواه أبو داود والترمذيّ والنسائيّ\n_________\n(١) ينظر «المحرر» (٤/ ٢٦٤) .\n(٢) ذكره ابن عطية (٤/ ٢٦٤) .\n(٣) تقدم تخريجه في سورة الحجر. [.....]\n(٤) ينظر: «البحر المحيط» (٧/ ٨٣) .\n(٥) أخرجه ابن حبان (٥٣- موارد) من حديث ابن عباس مرفوعا: بلفظ: «لعن الله من ذبح لغير الله، ولعن-","vol":"4","page":254},{"text":"واللفظُ له وابن ماجهْ وابنُ حِبَّان في صحيحه، انتهى من «السلاح» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1046>[سورة النمل (٢٧): الآيات ٥٩ الى ٦١]</span>\nقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (٥٩) أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠) أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرارًا وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهارًا وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزًا أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٦١)\nوقوله تعالى: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ الآياتِ: هذا ابتداء تقريرٍ وتنبيهٍ لقريشٍ والعربِ وهو بعدُ يَعُمُّ كلَّ مُكَلَّفٍ من الناس جميعًا، وافتتح ذَلِكَ بالقولِ بحمدِه- سبحانَه- وتمجيدِه وبالسلام على عباده الذين اصطفاهم للنبوّة والإيمان، فهذا اللفظ عام لجميعهم من ولد آدم، وكأنَّ هذا صدرُ خُطْبَةٍ للتقريرِ المذكورِ، قالتْ فرقة: وفي الآية حذْفُ مضافٍ في موْضِعَيْن، التقدير: أتوحيدُ اللهِ خيرٌ أم عبادةٌ ما تشركونَ، ف «ما»، على هذا: موصولةٌ بمعنى: الذي، وقالت فرقة: «ما» مصدريةٌ، وحذفُ المضافِ إنما هو أولًا تَقْديرُه: أتوحيدُ الله خير أم شركُكُمْ.\nت: ومِنْ كلاَم الشيخ العارفِ بالله أَبى الحسن الشاذليِّ قَال﵀-: إن أردتَ أَن لا يصدأَ لكَ قلبٌ ولا يلحقك همٌّ ولا كربٌ ولا يبقَى عليكَ ذنبٌ- فأكْثِرْ من قولك: «سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم، لا إله إلا الله، اللهم ثبِّتْ عِلْمَها في قلبي، واغفر لي ذنبي، واغفر للمؤمنينَ والمؤمناتِ، وقل الحمد للَّه وسلام على عباده الذين اصطفى» انتهى.\nوقوله تعالى: أَمَّنْ خَلَقَ وما بعدها من التقريراتِ توبيخٌ لهم وتقريرٌ على ما لا مَنْدُوحَةَ عن الإقرارِ به، و«الحدائق» مُجْتَمع الشجرِ من الأعنابِ والنَّخِيل وغير ذلك، قال قوم: لا يقال حديقةٌ إلا لِمَا عليه جدارٌ قد أحدق له.\nوقال قوم: يقال ذلك كان جدارٌ أو لم يَكُنْ لأَن البَيَاضَ مُحْدِقٌ بالأشجار، والبهجةُ الجمالُ والنَّضَارَة.\nوقوله سبحانه: مَّا كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أي: ليس ذلك في قدرتكم،\n_________\n- الله من غير تخوم الأرض، ولعن الله من كمه أعمى عن السبيل، ولعن الله من سب والديه، ولعن الله من تولى غير مواليه، ولعن الله من عمل عمل قوم لوط» .","vol":"4","page":255},{"text":"ويَعْدِلُونَ يجوز أن يرادَ به: يعدِلُونَ عن طريق الحقِّ، ويجوزُ أَنْ يُرَادَ به يَعْدِلُونَ باللهِ غيره، أي: يجعلون له عديلا ومثيلا، وخِلالَها مَعْنَاه: بَيْنها، والرواسي: الجبال، والبحرانِ/: الماءُ العذبُ والماءُ الأجاج على ما تقدم، والحاجز: ما جَعَلَ الله بيْنَهما مِنْ حَوَاجِز الأرْضِ وموانِعها على رِقَّتِها في بعض المواضع، ولطافتِها لولا قدرة الله لغلب المالح العذب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1047>[سورة النمل (٢٧): الآيات ٦٢ الى ٦٦]</span>\nأَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ (٦٢) أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ تَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٣) أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٦٤) قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥) بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ (٦٦)\nوقوله سبحانه: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ ... الآية، وعن حبيب بن مسلمة «١» الفهري وكان مجاب الدعوة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لاَ يَجْتَمِعُ مَلأٌ فَيَدْعُوَ بَعْضُهُمْ وَيُؤَمِّنُ بَعْضُهُمْ إلاَّ أَجَابَهُمْ اللهُ تعالى» «٢»، رواه الحاكم في «المستدرك»، انتهى من «سلاح المؤمن»، وعن أبي هريرة﵁- قال: قال رسول الله ﷺ: «ادْعُوا اللهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالإجَابَةِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ لاَ يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لاَهٍ» «٣» رواه الترمذيُّ وهذا لفظه. قال «صاحب السلاح»: ورواه الحاكمُ في «المستدرك» وقال: مستقيمُ الإسناد، انتهى. والسُّوءَ عامٌّ في كل ضرُّ يَكْشِفُه اللهُ تعالى عن عبادِه، قال ابن عطاء الله: ما طُلِبَ لَك شيءٌ مثلَ الاضْطِرَارِ، ولا أسْرَع بالمواهِب لكَ مثلَ الذِّلةِ والافتقارِ، انتهى. و«الظلماتُ» عام لظلمةِ الليل ولظلمةِ الجهل والضلال، والرزق من\n_________\n(١) في أ: مسلمة.\n(٢) أخرجه الحاكم (٣/ ٣٤٧)، والطبراني في «الكبير» (٤/ ٢١- ٢٢) رقم (٣٥٣٦) كلاهما من طريق أبي عبد الرحمن المقري: ثنا ابن لهيعة، حدثني ابن هبيرة، عن حبيب بن مسلمة الفهري به.\nوقال الهيثمي في «المجمع» (١٠/ ٢٠): رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح غير ابن لهيعة، وهو حسن الحديث.\n(٣) أخرجه الترمذيّ (٥/ ٥١٧- ٥١٨) كتاب الدعوات: باب (٦٦) حديث (٣٤٧٩)، وابن حبان في «المجروحين» (١/ ٣٦٨)، والخطيب في «تاريخ بغداد» (٤/ ٣٥٦) من طريق صالح المري عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة مرفوعا.\nوقال الترمذيّ: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.","vol":"4","page":256},{"text":"السماءِ هو بالمطر ومن الأرض بالنبات هذا هو مشهور ما يحُسُّه البشرُ، وكم للَّهِ بَعْدُ مِنْ لُطْفٍ خَفِي. ثم أمرَ تعالى نبيَّه﵇- أنْ يُوقِفَهُمْ عَلَى أَنَّ الغَيبَ مِما انفَرَدَ الله بعلمِه ولذلكَ سُمِّي غَيْبًا لغيبِه عن المخلوقين. رُوِيَ: أنَّ هذهِ الآيةَ مِن قوله: قُلْ لاَّ يَعْلَمُ إنما نَزَلَتْ لأَجْلِ سؤالِ الكفّارِ عن السَّاعَةِ الموعودِ بِهَا، فجاءَ بلفظ يَعُمَّ السَّاعَةَ وغيرَها، وأخبر عن البشر أنهم لا يشعرون إيان يبعثون.\nص: أَيَّانَ اسم استفهامٍ بمعنى: متى، وهي معمولةً ل يُبْعَثُونَ، والجملة في موضع نصب ب يَشْعُرُونَ، انتهى.\nوقرأ جمهور القراء: بَلِ ادَّارَكَ أصله: تَدَارَكَ. وقرأ عاصم «١» في رواية أبي بكر:\n«بل ادرك» على وزن افتعل، وهي بمعنى: تَفَاعَلَ.\nوقرأ ابن كثير وأبو عمرو: «بَلْ أَدْرَكَ» وهذه القراءاتُ تحتملُ مَعْنَيَيْن: أحدهما: ادَّرَكَ علمُهم، أي: تَناهى، كما تقول ادَّركَ النباتُ، والمعنى: قد تَنَاهى علمهُم بالآخرة إلى أَن لا يعرفوا لها مقدارًا، فيؤمنوا وإنما لهم ظنونٌ كاذبةٌ، أو إلى أن لا يعرفوا لها وقْتًا، والمعنى الثاني: بل ادَّرَكَ بمعنى: يُدْرِك أي أنهم في الآخرة يُدْرِكُ علمُهم وقتَ القيَامَةِ، ويرونَ العذابَ والحقائقَ التي كذَّبوا بها، وأمَّا في الدنيا فلا، وهذا هو تأويل ابن عباس «٢»، ونحا إليه الزجاج «٣»، فقوله: فِي الْآخِرَةِ على هذا التأويل: ظَرْفٌ وعلى التأويل الأول:\nفِي بمعنى الباء. ثم وَصَفَهُمْ ﷿ بأنهم في شكٍ منها، ثم أردف بصِفَةِ هي أبلغُ من الشَّكِ وهي العمى بالجملة عن أمر الآخرة، وعَمُونَ: أصله: (عميون) فعلون كحذرون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1048>[سورة النمل (٢٧): الآيات ٦٧ الى ٨٢]</span>\nوَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذا كُنَّا تُرابًا وَآباؤُنا أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ (٦٧) لَقَدْ وُعِدْنا هذا نَحْنُ وَآباؤُنا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٦٩) وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (٧٠) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٧١)\nقُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ (٧٢) وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ (٧٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ (٧٤) وَما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٧٥) إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٧٦)\nوَإِنَّهُ لَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧) إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٧٨) فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (٧٩) إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠) وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٨١)\nوَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ (٨٢)\n_________\n(١) ينظر: «السبعة» (٤٨٥)، و«الحجة» (٥/ ٤٠٠)، و«إعراب القراءات» (٢/ ١٦١)، و«معاني القراءات» (٢/ ٢٤٣)، و«شرح الطيبة» (٥/ ١١٥)، و«العنوان» (١٤٥)، و«حجة القراءات» (٥٣٥)، و«شرح شعلة» (٥٣٠)، و«إتحاف» (٢/ ٣٣٣) .\n(٢) أخرجه الطبريّ (١٠/ ٨) رقم (٢٧٠٦٨- ٢٧٠٦٩- ٢٧٠٧٠- ٢٧٠٧١) بنحوه، وذكره ابن عطية (٤/ ٢٦٨)، وابن كثير (٣/ ٣٧٣) بنحوه، والسيوطي (٥/ ٢١٤) وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس بنحوه.\n(٣) ينظر: «معاني القرآن» (٤/ ١٢٧) .","vol":"4","page":257},{"text":"وقوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذا كُنَّا تُرابًا وَآباؤُنا أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ لَقَدْ وُعِدْنا هذا نَحْنُ وَآباؤُنا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ، هذه الآية معنَاها واضحٌ مما تَقَدَّمَ في غيرها. ثم ذكر- تعالى- استعجالَ كفارِ قريشٍ أمْرَ السَّاعَةِ والعذابَ بقولِهم: مَتى هذَا الْوَعْدُ على معنى التعجيز، ورَدِفَ مَعْنَاه: قَرُبَ وأزِفَ قاله ابن عباس «١» وغيرُه، ولكنَّها عبارةٌ عَما يجيءُ بعدَ الشيء قريبًا منه، والهاءُ في غائِبَةٍ للمبَالَغَةِ، أي مَا مِنْ شَيْءٍ في غايةِ الغَيْبِ والخفاءِ إلاَّ فِي كِتَابٍ عِندَ اللهِ وفي مكنونِ علمِه، لا إله إلا هو. ثم نبّه- ٥٤ ب تعالى- على أنَّ/ هذا القرآن يَقُصُّ على بني إسرائيل أكثر الأشياءِ التي كان بينهُم اختلافٌ في صِفَتِها، جاء بها القرآن على وجهها، وَإِنَّهُ لَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ كما أنه عمَىً على الكافرين المحتومِ عليهم، ثم سلَّى نبيَّه بقوله: إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتى فشبَّهَهُمْ مرةً بالموتى، ومرةً بالصُّمِّ من حيث إنَّ فائدةَ القولِ لهؤلاءِ مَعْدُومَةٌ.\nوقرأ حمزة «٢»: «وَمَا أَنتَ تَهْدِي العمي» بفعلٍ مستقبل، ومعنى قوله تعالى وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ، أي: إذا انْتَجَزَ وعدُ عذابِهمُ الذي تَضَمَّنَه القولُ الأزلي من الله في ذلك، وهذا بمنزلة قوله تعالى: حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ [الزمر: ٧١]، فمعنى الآية وإذا أراد اللهُ أن يُنْفذَ في الكافرينَ سَابقَ عِلمِهِ لَهُم من العذابِ أخْرَجَ لهم دابَّةً من الأرض، ورُوِيَ أَن ذلك حين ينقطعُ الخيرُ، ولا يؤمَر بمعروف، ولا يُنْهى عن منكر، ولا يِبْقَى مَنيبٌ ولا تائبٌ،\n_________\n(١) أخرجه الطبريّ (١٠/ ١٠) رقم (٢٧٠٧٧- ٢٧٠٧٨) بنحوه، وابن عطية (٤/ ٢٦٩)، وابن كثير (٣/ ٣٧٣) بنحوه، والسيوطي (٥/ ٢١٥) بنحوه، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس.\n(٢) ينظر: «السبعة» ٤٨٦، و«الحجة» (٥/ ٤٠٤)، و«إعراب القراءات» (٢/ ١٦٣)، و«معاني القراءات» (٢/ ٢٤٦)، و«شرح الطيبة» (٥/ ١١٦)، و«العنوان» (١٤٦)، و«شرح شعلة» (٥٣٠)، و«إتحاف» (٢/ ٣٣٤) .","vol":"4","page":258},{"text":"ووَقَعَ عبارةٌ عن الثبوت واللُّزُوم، وفي الحديث: أن الدابةَ وطلوعَ الشمسِ من المغْرِب مِنْ أولِ الأشراط، وهذه الدَّابَّةُ رُوِيَ أنَّها تَخْرُجُ من الصَّفَا بمكَّةَ قاله ابن عمر «١» وغيره، وقيل غيرُ هذا.\nوقرأ الجمهور «٢»: تُكَلِّمُهُمْ من الكلام. وقرأ ابن عباس «٣» وغيرُه: تُكَلِّمُهُمْ- بفَتْحِ التاءِ وتخفيفِ اللام-، من الكَلْمِ وهو الجُرْحُ، وسئل ابن عباس عن هذه الآية «تكلمهم أو تكلمهم»؟ فقال: كل ذلك، واللهِ تفعلُ: تُكَلِّمُهُمْ وَتَكْلُمُهُمْ، وروي أنها تَمُرُّ على الناسِ فَتَسِمُ الكافرَ فِي جبهتِه وتَزْبُرُهُ وتَشْتُمُه وربما خَطَمَتْه، وَتَمْسَحُ على وجهِ المؤمنِ فتبيضه، ويعرفُ بعدَ ذلكَ الإيمانُ والكفرُ مِن أثرها، وفي الحديث: «تَخْرُجُ الدَّابَّةُ وَمَعَهَا خَاتَمُ سُلَيْمَانَ وَعَصَا مُوسَى، فَتَجْلُو وُجُوهَ المؤمِنِينَ بالعَصَا وتَخْتِمُ أَنْفَ الكَافِرِ بِالخَاتِمِ، حَتَّى أنَّ النَّاسَ لَيَجْتَمِعُونَ، فَيَقُولُ هَذَا: يَا مُؤْمِنُ، وَيَقُولُ هَذا: يَا كَافِرُ» «٤» . رواه البَزَّار، انتهى من «الكَوْكَبِ الدُّرِّيِّ» .\nوقرأ الجمهور: «إنَّ النَّاسَ» - بكسر «إن» .\nوقرأ حمزةُ «٥» والكسائيّ وعاصمٌ: «أنَّ» بفتحها.\nوفي قراءة عبد الله «٦»: «تُكَلِّمُهُمْ بَأَنَّ»، وعلى هذه القراءة فيكونُ قوله: أَنَّ النَّاسَ إلى آخرها مِنْ كلامِ الدابَّةِ، وروي ذلك عن ابن عَبَّاس. ويحتملُ أَنْ يكون من كلام الله تعالى.\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٤/ ٢٧٠)، ولم يعزه لأحد.\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٢٧١)، و«البحر المحيط» (٧/ ٩١)، و«الدر المصون» (٥/ ٣٢٧) .\n(٣) وقرأ بها سعيد بن جبير، ومجاهد، والجحدري، وأبو زرعة، وعمرو بن جرير.\nينظر: «مختصر الشواذ» ص ١١٢، و«المحتسب» (٢/ ١٤٤)، و«المحرر الوجيز» (٤/ ٢٧١)، و«البحر المحيط» (٧/ ٩٢)، و«الدر المصون» (٥/ ٣٢٨) . [.....]\n(٤) وهم المؤلف في هذا الحديث، حيث إنه عزا هذا الحديث للبزار، وهو عند من هو أشهر من البزار، فقد أخرجه الترمذيّ (٥/ ٣٤٠) كتاب التفسير: باب ومن سورة النحل، حديث (٣١٨٧)، وابن ماجه (٢/ ١٣٥١- ١٣٥٢) كتاب الفتن: باب دابة الأرض، حديث (٤٠٦٦) من حديث أبي هريرة.\nوقال الترمذيّ: هذا حديث حسن غريب.\n(٥) ينظر: «السبعة» (٤٨٦- ٤٨٧)، و«الحجة» (٥/ ٤٠٦)، و«إعراب القراءات» (٢/ ١٦٤)، و«معاني القراءات» (٢/ ٢٤٦)، و«العنوان» (١٤٦)، و«حجة القراءات» (٥٣٨)، و«إتحاف» (٢/ ٣٣٥) .\n(٦) ينظر: «الشواذ» ص ١١٢، و«المحتسب» (٢/ ١٤٥)، و«الكشاف» (٣/ ٣٨٥)، و«المحرر الوجيز» (٤/ ٢٧١)، و«البحر المحيط» (٧/ ٩٢)، و«الدر المصون» (٥/ ٣٢٨) .","vol":"4","page":259},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1049>[سورة النمل (٢٧): الآيات ٨٣ الى ٨٧]</span>\nوَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهُمْ يُوزَعُونَ (٨٣) حَتَّى إِذا جاؤُ قالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا أَمَّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨٤) وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ (٨٥) أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٨٦) وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ (٨٧)\nوقوله تعالى: وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا: هو تذكيرٌ بيومِ القيامةِ، والفوجُ:\nالجماعة الكثيرة، ويُوزَعُونَ معناه: يكفّون في السوق، يَحْبِسُ أولُهُم عَلى آخرهم «١» قاله قتادة، ومنه وَازَع الجيشَ، ثم أخبر- تعالى- عن توقيفِه الكفرةَ يومَ القيامةِ وسؤالِهم على جهة التوبيخ: أَكَذَّبْتُمْ ... الآية، ثم قال: أَمَّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ على معنى استيفاء الحُجَجِ، أي: إن كان لكم عملٌ أو حُجَّةٌ فهاتوها. ثم أخبر عن وقوع القول عليهم، أي:\nنفوذُ العذابِ وحَتْمُ القَضَاءِ وأنهم لا ينطقونَ بحجَّةٍ، وهذا في موطن من مواطِنِ القيامةِ.\nولما تكلَّم المحاسِبيُّ على أهوال القيامة، قال: واذكر الصراط بدقّته وهوله وزلَّتِه وعَظِيم خطره وجهنم تخفق بأمواجها من تحته، فيا له مِنْ مَنظرٍ ما أفْظَعَهُ وأهْوَلَهُ، فتَوهَّمْ ذلِكَ بقلبٍ فارغٍ، وعقلٍ جامعٍ، فإن أهوالَ يومِ القيامةِ إنما خَفَّتْ علَى الذِينَ تَوَهَّمُوهَا في الدنيا بعقولهم، فتحملوا في الدنيَا الهُمُومَ خَوْفًا مِن مَقامِ رَبِّهِمْ، فَخَفَّفَها مَوْلاَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ عَنْهم، انتهى من «كتاب التوهم» .\nوَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وهو القَرْنُ في قول جمهور الأمة، وصاحب الصور هو ٥٥ أإسرافيل﵇-، وهذه النفخةُ المذكورة هنا هي نفخة/ الفَزَع، ورَوى أبو هريرةَ «٢» أنها ثلاثُ نفخات: نفخةُ الفَزَعِ، وهو فزع حياةِ الدُّنيَا وليْسَ بالفَزَع الأكْبَرِ، ونفخةُ الصَّعْقِ، ونفخةُ القيام من القبور. وقالت فرقة: إنما هما نفختان: كأنهم جَعَلُوا الفَزَعَ والصَّعْقَ في نفخةٍ وَاحِدَةٍ مستدلين بقوله تعالى: ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى ... الآية [الزمر: ٦٨] .\nقالوا: وأخرى لا يقال إلا في الثانية. قال ع «٣»: والأول أصحُّ، وأخرى يقال في الثالثةِ، ومنه قوله تعالى: وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى. [النجم: ٢٠] .\nوقوله تعالى: إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ استثناءٌ فيمن قَضَى الله سبحانه مِنْ ملائكتِه، وأنبيائه، وشهداءِ عبيدِه أن لا ينالهم فزعُ النَّفْخِ في الصورِ، حَسَبَ ما ورد في ذلك من الآثار.\n_________\n(١) أخرجه الطبريّ (١٠/ ١٧) رقم (٢٧١١٣)، وذكره ابن عطية (٤/ ٢٧١)، وابن كثير (٣/ ٣٧٦) بنحوه.\n(٢) ذكره ابن عطية (٤/ ٢٧٢) .\n(٣) ينظر: «المحرر» (٤/ ٢٧٢) .","vol":"4","page":260},{"text":"قال ع «١»: وإذا كان الفزعُ الأَكْبَرُ لاَ ينالهُم فَهُمْ حَرِيُّونَ أن لا ينالَهم هَذا.\nوقرأ حمزة «٢»: «وَكُلُّ أَتَوْهُ» على صيغة الفعل الماضي، والدَّاخِرُ: المُتَذَلِّلُ الخاضِعُ، قال ابن عباس وابن زيد: الداخرُ: الصاغرُ، وقد تظاهرَتِ الرواياتُ بأنَّ الاستثناءَ فِي هذِه الآيةِ إنما أريد به الشهداءُ: لأنهم أحياءٌ عند ربهم يُرْزَقُونَ، وهم أهلٌ للفزعِ لأنَّهُمْ بشر لكن فُضِّلُوا بالأمن في ذلك اليوم.\nت: واختار الحليميُّ هذا القولَ قال: - وهو مروي عن ابن عباس-: إن المستَثْنَى هم الشهداء. وضعَّفَ ما عداه من الأقوال، قال القرطبي «٣»، في «تذكرته»: وَقَدْ وَرَدَ في حديث أبي هريرة بِأَنَّهُمُ الشهداء وهو حديث صحيح «٤»، انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1050>[سورة النمل (٢٧): الآيات ٨٨ الى ٩٠]</span>\nوَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ (٨٨) مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (٨٩) وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٠)\nوقوله تعالى: وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً ... الآية، هذا وصفُ حالِ الأشياءِ يومَ القيامةِ عَقِبَ النَّفْخِ في الصُّورِ، والرؤية: هي بالعَيْن، قال ابن عباس: جامدةً «٥»:\nقائمةً، والحَسَنَةُ الإيمانُ، وقال ابن عباس وغيره: هي «لا إله إلا الله» «٦» ورُوِيَ عَنْ علي بن الحسين أنه قال: كُنْتُ في بعض خَلَواتِي فَرفَعْتُ صَوْتي: ب «لا إله إلا الله» فسمعتُ قائلًا يقول: إنها الكلمةُ التي قال الله فيها: «من جاء بالحسنة فله خير منها» «٧» .\n_________\n(١) ينظر: «المحرر» (٤/ ٢٧٢) .\n(٢) وبها قرأ حفص عن عاصم. وقرأ الباقون بالمد «آتوه» اسم فاعل، واحتجوا بقوله تعالى: وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْدًا [مريم: ٩٥] .\nينظر: «الحجة» ٥/ ٤٠٦، و«السبعة» (٤٨٧)، و«إعراب القراءات» (٢/ ١٦٥)، و«معاني القراءات» (٢/ ٢٤٧)، و«شرح الطيبة» (٥/ ١١٧)، و«العنوان» (١٤٦)، و«حجة القراءات» (٥٣٨)، و«شرح شعلة» (٥٣١)، و«إتحاف» (٢/ ٣٣٥) .\n(٣) ينظر: «التذكرة» للقرطبي (١/ ٢٣٣) .\n(٤) هو موقوف عن أبي هريرة.\nذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٢٢١)، وعزاه لسعيد بن منصور، وابن جرير.\n(٥) أخرجه الطبريّ (١٠/ ٢١) رقم (٢٧١٢٤)، وابن عطية (٤/ ٢٧٣)، والسيوطي (٥/ ٢٢١)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس.\n(٦) أخرجه الطبريّ (١٠/ ٢٢) رقم (٢٧١٣١)، وذكره ابن عطية (٤/ ٢٧٣)، والسيوطي (٥/ ٢٢٣)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي عن ابن عباس.\n(٧) ذكره ابن عطية (٤/ ٢٧٣)، وابن كثير (٣/ ٣٧٨) .","vol":"4","page":261},{"text":"وقال ابن زيد: يُعْطَى بالحَسَنَةِ الواحدةِ عَشْرًا «١» .\nقال ع «٢»: والسيئةُ التي في هذه الآية هي الكُفْر والمَعَاصِي. فيمن حتَّم الله عليه من أهل المشيئة بدخول النار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1051>[سورة النمل (٢٧): الآيات ٩١ الى ٩٣]</span>\nإِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١) وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ (٩٢) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٣)\nوقوله: إِنَّما أُمِرْتُ المعنى: قل يا محمد لقومك: إنما أمرتُ أن أعبدَ ربَّ هذه البلدة، يعني: مكة، وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ معناه: تَابعْ فِي قراءتِك، أي: بَيْنَ آياتِه واسْرُدْ.\nقال ص: وَأَنْ أَتْلُوَا معطوفٌ على «أَنْ أَكُونَ» .\nوقرأ عبد الله «٣»: «وَأَنِ اتل» بغير واو وقوله: وَمَنْ ضَلَّ جوابُه محذوفٌ يدلُّ عليه ما قبلَه، أي: فَوَبَالُ ضلالهِ عَلَيْهِ، أو يكونَ الجوابُ: فَقل، ويُقَدَّرُ ضميرٌ عائدٌ من الجوابِ على الشرط لأنه اسمٌ غَيرُ ظَرْفٍ، أي: من المنذرين له، انتهى. وتلاوة القرآن سببُ الاهتداءِ إلى كل خير.\nوقوله تعالى: سَيُرِيكُمْ آياتِهِ توعُّدٌ بعذابِ الدُّنيَا كَبَدْرِ ونَحوه، وبعذاب الآخرة.\nوَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ فيه وعيدٌ.\n_________\n(١) أخرجه الطبريّ (١٠/ ٢٣) رقم (٢٧١٥١)، وذكره ابن عطية (٤/ ٢٧٣) . [.....]\n(٢) ينظر: «المحرر» (٤/ ٢٧٤) .\n(٣) ينظر: «الشواذ» ص ١١٢، و«الكشاف» (٣/ ٣٨٩)، و«المحرر الوجيز» (٤/ ٢٧٤)، و«البحر المحيط» (٧/ ٩٦)، و«الدر المصون» (٥/ ٣٣٠) .","vol":"4","page":262},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1052>تفسير «سورة القصص»</span>\nوهي مكّيّة إلّا قوله تعالى: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ فإنّها نزلت بالجحفة في وقت هجرة النبيّ ﷺ إلى المدينة قاله ابن سلام وغيره، وقال مقاتل: فيها من المدني: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ إلى قوله لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1053>[سورة القصص (٢٨): الآيات ١ الى ٩]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nطسم (١) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣) إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤)\nوَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ (٦) وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧) فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ (٨) وَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٩)\n/ قوله تعالى: طسم تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى ... ٥٥ ب الآية، معنى نَتْلُوا: نَقُصُّ وخَصَّ تعالى بقوله لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ من حيث إنهم هم المنْتَفِعُونَ بذلك دون غيرهم، وعَلا فِي الْأَرْضِ أي: علوّ طغيان وتغلّب، وفِي الْأَرْضِ يريد أرض مصر، والشيعُ: الفرقُ، والطائفةُ المستضعفةُ: هم بنو إسرائيل، يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ خوفَ خرابِ مُلْكِه على ما أخبرته كَهَنَتُه، أو لأجل رؤيا رآها قاله السدي «١» . وطمع بجهله أن يَرُدَّ القدرَ، وأين هذا المنزعُ من قول النبي ﷺ لعمر: «إن يكنه\n_________\n(١) أخرجه الطبريّ (١٠/ ٢٧) رقم (٢٧١٦٠) بنحوه، وذكره ابن عطية (٤/ ٢٧٦) .","vol":"4","page":263},{"text":"فَلَنْ تُسَلَّطَ عَلَيْهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْهُ، فَلاَ خَيْرَ لَكَ فِي قَتْلِهِ» «١» يعني: ابنَ صَيَّادٍ إذ خافَ عمرُ أَن يكونَ هو الدَّجَّالَ، وباقي الآيةِ بيِّن وتقدَّم قصصُه. والأئمة: ولاة الأمور قاله قتادة «٢» .\nوَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ يريدُ: أرضَ مصرَ والشامِ، وقرأ حمزة «٣»: «وَيَرَى فِرْعَوْنُ» - باليَاء وفتح الراء- والمعنى: ويقعُ فرعونُ وقومُه فيما خافُوه وحذِرُوه من جهة بني إسرائيل، وظهورهم، وهامان: هو وزيرُ فرعونَ وأكبَرُ رجالِه، وهذا الوَحْي إلى أم موسى، قيل:\nوَحْيُ إلهامٍ، وقيلَ: بمَلَكٍ.\nوقيل: في مَنَامٍ وجملة الأمرِ أنها عَلِمَتْ أنَّ هذا الذي وقع في نفسِها هو من عند الله، قال السدي وغيره: أُمِرَتْ أن تُرْضِعَهُ عَقِبَ الوِلاَدَةِ، وَتَصْنَعَ بهِ مَا فِي الآية «٤» لأَن الخوفَ كانَ عَقِبَ كلِّ وِلاَدَة، واليمُّ: معظم الماء، والمرادُ: نِيلُ مِصر، واسم أم موسى يوحانذ «٥»، ورُوِيَ في قَصَصِ هذهِ الآيةِ: أن أمَّ مُوسَى لَفَّتْهُ في ثِيابهِ وَجَعَلَتْ له تابوتًا صَغِيرًا، وسَدَّتْه عليه بقُفْلٍ، وعَلَّقَتْ مِفْتَاحَه عَلَيْه، وأسلمَتْهُ ثقةً بالله وانتظارًا لوعدِه سبحانه، فلما غابَ عنها عاودَها بثُّها وأَسِفَتْ عليه، وأَقْنَطَهَا الشيطانُ فاهْتَمَّتْ به وكَادَتْ تَفْتَضِحُ، وجعلتِ الأُخْتُ تَقُصُّهُ، أي:\nتَطْلُبُ أثَرَه، وتَقَدَّم باقي القصةِ في «طه» وغيرِها، والالتقاط: اللقاء عن «٦» غير قصد، وآل فِرْعَوْنَ: أهله وجملتُه، واللامُ في لِيَكُونَ: لام العَاقِبَة.\nوقال ص: لِيَكُونَ: اللامُ للتعليلِ المجازيِّ، ولمَّا كانَ مآله إلى ذلك، عبَّر عنه بلام العاقبة، وبلام الصيرورة، انتهى.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١٠/ ٥٧٦- ٥٧٧) كتاب الأدب: باب قول الرجل للرجل: اخسأ، حديث (٦١٧٣- ٦١٧٤- ٦١٧٥)، ومسلم (٤/ ٢٢٤٤- ٢٢٤٥) كتاب الفتن: باب ذكر ابن صياد، حديث (٩٥/ ٢٩٣٠) من حديث عمر.\n(٢) أخرجه الطبريّ (١٠/ ٢٨) رقم (٢٧١٦٦)، وذكره ابن عطية (٤/ ٢٧٦)، والسيوطي (٥/ ٢٢٧)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير عن قتادة.\n(٣) ينظر: «السبعة» (٤٩٢)، و«الحجة» (٥/ ٤٤١)، و«إعراب القراءات» (٢/ ١٦٨)، و«معاني القراءات» (٢/ ٢٤٩)، و«شرح الطيبة» (٥/ ١٢٠)، و«العنوان» (١٤٧)، و«حجة القراءات» (٥٤١)، و«شرح شعلة» (٥٣٢)، و«إتحاف» (٢/ ٣٤٠) .\n(٤) أخرجه الطبريّ (١٠/ ٢٩- ٣٠) رقم (٢٧١٧٣)، (٢٧١٧٦) بنحوه، وذكره ابن عطية (٤/ ٢٧٦- ٢٧٧) .\n(٥) في أ: يوحاتة.\n(٦) في أ: من.","vol":"4","page":264},{"text":"وقرأ حمزة، والكسائي «١» «وحْزُنًا» - بضمِّ الحاءِ وسكونِ الزاي-، والخاطئ: متعمد الخطإ، والمخطئ الذي لا يتعمده.\nوقوله: وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ أي: بأنه هو الذي يَفْسَدُ ملكُ فرعونَ على يده قاله قتادة «٢» وغيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1054>[سورة القصص (٢٨): الآيات ١٠ الى ١٤]</span>\nوَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغًا إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠) وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١١) وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ (١٢) فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٣) وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى آتَيْناهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٤)\nوَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغًا أي: فارِغًا من كلِّ شيء إلا من ذكر موسَى «٣» .\nقاله ابن عباس.\nقال مالك: هو ذَهَابُ العَقْلِ، وقالت فرقة: فارِغًا من الصبر.\nوقوله تعالى: إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ أي: أَمرِ ابنها، وروي أنّ النّبيّ ﷺ قال: كادتْ أُمُّ مُوسَى أن تَقُول: «وابناه وَتَخْرُجَ سَائِحَةً عَلَى وَجْهِهَا» . والرَّبْطُ على القلبِ: تأنيسُه وتقويَتُه، ولِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أي: من المُصَدِّقين بوعدِ اللهِ سبحانه وما أوحي إليها به، وعَنْ جُنُبٍ أي: ناحيةٍ، فمعنى عَنْ جُنُبٍ: عن بُعْد لَمْ تَدنُ مِنْهُ فَيُشْعَرَ لها.\nوقوله: وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ معناه: أنها أختُه، ووعدُ الله المشار إليه هو الذي أوحاه إليها أولًا، إمَّا بمَلَكٍ/ أو بمَنَامَةٍ، حسْبَمَا تَقَدَّمَ، والقَوْلُ بالإلْهَامِ ضعيف أن يقال ٥٦ أفيه وعدٌ.\nوقوله: أَكْثَرَهُمْ يريد به القِبْطَ، والأَشُدُّ: شدة البدن واستحكام أمره وقوته،\n_________\n(١) ينظر: «السبعة» (٤٩٢)، و«الحجة» (٥/ ٤١٢)، و«إعراب القراءات» (٢/ ١٦٨)، و«معاني القراءات» (٢/ ٢٤٩)، و«شرح الطيبة» (٥/ ١٢١)، و«العنوان» (١٤٧)، و«حجة القراءات» (٥٤٢)، و«شرح شعلة» (٥٣٢)، و«إتحاف» (٢/ ٣٤١) .\n(٢) أخرجه الطبريّ (١٠/ ٣٤) رقم (٢٧١٩٢) بنحوه، وذكره ابن عطية (٤/ ٢٧٨)، والسيوطي (٥/ ٢٢٨- ٢٢٩)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير عن قتادة.\n(٣) أخرجه الطبريّ (١٠/ ٣٥) رقم (٢٧٢٠١)، وذكره ابن عطية (٤/ ٢٧٨)، وابن كثير (٣/ ٣٨١)، والسيوطي (٥/ ٢٢٩)، وعزاه للفريابي، وابن أبي شيبة وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عن ابن عباس.","vol":"4","page":265},{"text":"واسْتَوى معناه: تَكَامَلَ عَقْلُه، وذلك عند الجمهور مع الأربعين. والحكمُ: الحِكْمَةُ، والعلمُ: المَعرِفَةُ بشرعِ إبراهيمَ ﵇.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1055>[سورة القصص (٢٨): الآيات ١٥ الى ٢٤]</span>\nوَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (١٥) قالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٦) قالَ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ (١٧) فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قالَ لَهُ مُوسى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (١٨) فَلَمَّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما قالَ يا مُوسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (١٩)\nوَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (٢٠) فَخَرَجَ مِنْها خائِفًا يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢١) وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ (٢٢) وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ (٢٣) فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤)\nوقوله تعالى: وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها.\nقال السدي: كان موسى في وقتِ هذه القصةِ على رَسْمِ التعلُّقِ بفرْعَونَ، وكان يَرْكَبُ مَرَاكِبَه حتى إنه كان يُدْعَى مُوسَى بنَ فِرْعَوْنَ «١»، فركب فرعونُ يومًا وسارَ إلى مدينةٍ من مدائنِ مِصْرَ، فركبَ مُوسَى بَعْدَه ولَحِق بتلكَ المدينَةِ في وقتِ القائِلة، وهو حينُ الغَفْلَة قاله ابن عباس «٢»، وقال أيضًا: هو بين العِشَاء والعَتَمَة، وقيل غيرُ هذا «٣» .\nوقوله تعالى: هذا مِنْ شِيعَتِهِ أي من بني إسرائيل، وعَدُوِّهِ هم القِبْطُ، و«الوَكْزُ»: الضَّرْبُ باليدِ مجموعةً، وقرأ ابن مسعود «٤»: «فَلَكَزَهْ» والمعنى: واحد إلا أن اللَّكْزَ في اللَّحْيِ، والوَكْزَ علَى القَلْبِ، وفَقَضى عَلَيْهِ معناه: قتله مجهزا، ولم يرد\n_________\n(١) أخرجه الطبريّ (١٠/ ٤٢) رقم (٢٧٢٥٢)، وذكره البغوي (٣/ ٤٣٨)، وابن عطية (٤/ ٢٨٠)، والسيوطي (٥/ ٢٣١)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم عن السدي.\n(٢) ذكره ابن عطية (٤/ ٢٨٠) . [.....]\n(٣) ذكره ابن عطية (٤/ ٢٨٠) .\n(٤) ينظر: «الشواذ» ص ١١٤، و«الكشاف» (٣/ ٤٩٨)، و«المحرر الوجيز» (٤/ ٢٨٠)، و«البحر المحيط» (٧/ ١٠٥)، و«الدر المصون» (٥/ ٣٣٥) .","vol":"4","page":266},{"text":"- ﵇- قَتَلَ القِبْطِيِّ، لَكِنْ وَافَقَتْ وَكْزَتُهُ الأجل فندم، ورأى أنّ ذلك من نزغ الشيطان في يده، ثم إن نَدَامَةَ موسى ﵇ حَمَلَتْهُ على الخُضُوعِ لربِّه والاسْتِغْفَارِ من ذنبه، فغفر الله له ذلك، ومع ذلك لَم يَزَلْ ﵇ يُعيد ذلك على نفسه مع علمه أَنه قَد غُفِر له، حتى إنَّهُ في القِيَامِةِ يَقُولُ: «وَقَتَلْتُ نَفْسًا لَمْ أُومَرْ بقَتْلِهَا» حَسْبَمَا صَحَّ فِي حدِيثِ الشفاعة، ثم قال موسى﵇- معاهدًا لربه: رَبِّ بنعمتِكَ عليّ وبسبب إحسانِك وغُفْرانِك، فأنا مُلْتَزِمٌ أَلاَّ أكون مُعِينًا للمجرمين هذا أحسن ما تأول.\nوقال الطبري «١»: إنه قَسَمٌ أقسم بنعمة اللهِ عندَه.\nقال ع «٢»: واحتج أهلُ الفضلِ والعلمِ بهذهِ الآيةِ في مَنْعِ خِدْمَة أهل الجَوْرِ ومَعُونَتِهم في شيء من أمورهم، ورأوا أنها تَتَنَاوَلُ ذلكَ نص عليه عطاء بن أبي رباح وغيره.\nقال ابن عباس: ثم إنَّ مُوسَى﵇- مرَّ وَهُوَ بحالةِ التَّرَقُّبِ وإذا ذلك الإسرائيلي الذي قَاتَلَ القبطيَّ بالأَمسِ يُقاتِلُ آخرَ مِن القِبْطِ «٣»، وكان قَتَلُ القبطيّ قد خفي على الناس واكْتَتَم، فلما رأَى الإسرائيلي موسى، استصرخه، بمعنى صاحَ بهِ مستغيثًا فلما رأى موسى﵇- قِتَالهُ لآخرَ أعظم ذلكَ وقال له مُعَاتبًا ومُؤَنِّبًا: إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ وكانت إرادة موسى﵇- مع ذلك، أن ينصرَ الإسرائيلي، فلما دنا منهما، وحبس الإسرائيلي وفَزَعَ منه، وظن أنه ربما ضَرَبَه، وفزع من قوتِهِ التي رأى بالأمس، فناداه بالفضيحةِ وشهَّر أمرَ المقتُولِ، ولما اشْتَهِرَ أنَّ مُوسَى قَتَل القَتِيلَ، وكان قول الإسرائيلي يَغْلِبُ على النفُوسِ تصديقُه على موسَى، مَعَ ما كانَ لِمُوسَى مِنَ المقدِّمَاتِ أتى رأي فرعون وملئه علَى قَتْلِ مُوسَى، وغَلَبَ على نفسِ فرعون أنه المشارُ إليه بفَسَادِ المَمْلَكَةِ، فأنْفَد فيهِ مَنْ يطلُبه ويأْتي بهِ للقَتْلِ، وألْهَمَ اللهُ رَجُلًا يقالُ إنه مؤمِنٌ مِن آل فرعَونَ أو غيره، فجاء إلى موسَى وبَلَّغَهُ قبلَهُم ويَسْعى / معناه: يسرع في مشيه قاله ٥٦ ب الزجاج «٤» وغيره، وهو دون الجري، فقال: يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ ...\nالآية.\nت قال الهروي: قوله تعالى: يَأْتَمِرُونَ بِكَ أي: يؤامُرُ بعضهم بعضا في\n_________\n(١) ينظر: «الطبريّ» (١٠/ ٤٦) .\n(٢) ينظر: «المحرر» (٤/ ٢٨١) .\n(٣) أخرجه الطبريّ (١٠/ ٤٧) رقم (٢٧٢٧٧)، وذكره البغوي (٣/ ٤٤٠)، وابن عطية (٤/ ٢٨١) .\n(٤) ينظر: «معاني القرآن» للزجاج (٤/ ١٣٨) .","vol":"4","page":267},{"text":"قَتلِك، وقال الأزهري: الباءُ في قوله: يَأْتَمِرُونَ بِكَ بمعنى: «في» يقال: ائتَمَرَ القومُ إذا شَاوَرَ بَعْضُهمْ بَعْضًا، انتهى. وعن أبي مجلز- واسمه لاحق بن حميد- قال: من خاف من أمير ظُلُمًا فقال: رضيت بالله رَبًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًّا وبالقرآن حَكَمًا وإمامًا، نجَّاه الله منه رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه»، انتهى من «السلاح» . وتِلْقاءَ معناه نَاحِيَةَ مدين، وبينَ مِصرَ ومَدْيَنَ مسيرةَ ثَمانِيَةَ أيامٍ، وكانَ مُلْكُ مدين لغير فرعونَ، ولما خَرَجَ ﵇ فارًّا بنفسهِ منفردًا حافيًا لا شيءَ معه ولا زادَ وغيرَ عارفٍ بالطريقِ أسْنَدَ أمرَه إلى اللهِ تعالى وقال: عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ ومشى﵇- حتى وَرَدَ ماءَ مدينَ، وَوُرُودُهُ المَاءَ، معناه: بلُوغُه، ومدينُ: لا ينْصَرِفُ إذ هو بلدٍ معروفٌ، والأمَّة:\nالجمعُ الكثيرُ، ويَسْقُونَ معناه: ماشيتهم، ومِنْ دُونِهِمُ معناه: ناحيةً إلى الجهةِ الَّتي جَاء مِنها، فَوَصَل إلى المرْأَتَيْنِ قَبْلَ وُصُولِهِ إلى الأمّة، وتَذُودانِ معناه: تَمْنعَانِ، وتَحْبِسَانِ غَنَمَهُمَا عَنِ الماءِ خوفًا من السقاة الأقوياء، وأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ، أي: لا يستطيعُ لِضَعْفِهِ أن يُبَاشِرَ أمْرَ غَنَمِه.\nوقوله تعالى: فَسَقى لَهُما.\nقالت فرقة: كانت آبارهم مغطاةً بحجارةٍ كبارٍ، فَعَمَدَ إلى بِئْرٍ، وكان حَجَرُهَا لاَ يرفعُه إلاَّ جَماعَة، فَرَفَعَهُ وسقى للمرأتين. فَعَنْ رَفْعِ الصَّخْرَةِ وصِفتْه إحداهُما بالقوة، وقيل:\nوصفَتْه بالقوة لأنه زَحَمَ النَّاسَ وغَلَبَهُمْ عَلى المَاءِ حتى سَقَى لهما.\nوقرأ الجمهور «١» «يُصْدِر الرِّعَاء» - على حَذْفِ المفعولِ- تقديرُه: مواشِيَهم، وتَولّى موسى إلى الظلّ وتعرّض لسؤال ما يطعمه بقوله: رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ولم يُصَرِّحْ بسؤالٍ هكَذا، رَوَى جَمِيعُ المفسرينَ أنَّه طلبَ في هذا الكلامَ ما يأكلُه، قال ابن عباس: وكان قَدْ بَلَغَ به ﵇ الجوعُ إلى أن اخْضَرَّ لونُه من أكل البَقْل، وَرُئِيَتْ خُضْرة البقْلِ في بَطْنِهِ، وإنه لأَكْرَمُ الخلقِ يومئِذٍ على الله، وفي هذا مُعْتَبَرٌ وحاكمٌ بهَوَانِ الدُّنْيا على «٢» الله تعالى، وعن معاذ بن أنس قال: قال النبي ﷺ: «من أكل طعاما، فقال:\n_________\n(١) وقرأ أبو عمرو وابن عامر «حتى يصدر» . وقرأ بها الحسن وأبو جعفر.\nينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٢٨٣)، و«السبعة» (٤٩٢)، و«الحجة» (٥/ ٤١٢)، و«إعراب القراءات» (٢/ ١٦٩)، و«معاني القراءات» (٢٥٠)، و«العنوان» (١٤٧)، و«حجة القراءات» (٥٤٣)، و«شرح شعلة» (٥٣٣)، و«إتحاف» (٢/ ٣٤١) .\n(٢) أخرجه الطبريّ (١٠/ ٥٧) رقم (٢٧٣٤٢) بنحوه، وذكره البغوي (٣/ ٤٤١- ٤٤٢)، وابن عطية (٤/ ٢٨٤)، وابن كثير (٣/ ٣٨٣، ٣٨٤)، والسيوطي (٥/ ٢٣٧)، وعزاه لسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والضياء في «المختارة» عن ابن عباس.","vol":"4","page":268},{"text":"الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنِي هَذَا الطَّعَامَ وَرَزَقَنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلاَ قُوَّةٍ- غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، ومَنْ لَبِسَ ثَوْبًا، فَقَالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَسَانِي هَذَا الثَّوْبَ وَرَزَقَنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلاَ قُوَّةٍ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ» «١» رواه أبو داود واللفظُ له، والترمذيُّ وابن ماجه والحاكم في «المستدرك»، وقال: صحيح على شرط البخاريِّ، وقالَ الترمذيُّ:\nحسنٌ غريب، انتهى من «السلاح» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1056>[سورة القصص (٢٨): الآيات ٢٥ الى ٢٨]</span>\nفَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا فَلَمَّا جاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٥) قالَتْ إِحْداهُما يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦) قالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧) قالَ ذلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ (٢٨)\nوقوله تعالى: فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ ... الآية: في هذا الموضِع اختصارٌ يدلُّ عليه الظاهرُ، قدَّرَهُ ابنُ إسحاقٍ: فذهبتا إلى أبيهما فأخبرتاه بما كان من الرجل، فأمر إحدى ابنَتَيْه أنْ تدعوَه له، فجاءته، على ما في الآية/. وقوله: عَلَى ٥٧ أاسْتِحْياءٍ أي: خَفِرَةٍ، قد سَتَرَتْ وَجْهَهَا بِكُمِّ دِرْعِها قاله عمر بن الخطاب «٢» - ﵁-. وروى الترمذيُّ عن أبي هريرة قال: قَالَ رسول الله ﷺ: «الحياء من الإيمان والإيمان فِي الجَنَّةِ، والبَذَاءُ مِنَ الجَفَاءِ والجَفَاءُ فِي النّار» «٣» قال أبو عيسى: هذا حديث\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (١/ ٤٤٠) كتاب اللباس: باب ما جاء في اللباس، حديث (٤٠٢٣)، والترمذيّ (٥/ ٥٠٨) كتاب الدعوات: باب ما يقول إذا فرغ من الطعام، حديث (٣٤٥٨)، وابن ماجه (٢/ ١٠٩٣) كتاب الأطعمة: باب ما يقال إذا فرغ من الطعام، حديث (٣٢٨٥)، وأحمد (٣/ ٤٣٩)، والحاكم (١/ ٥٠٧، ٤/ ١٩٢)، وابن السني في «عمل اليوم والليلة» رقم (٤٦١) كلهم من طريق أبي مرحوم عبد الرحيم بن ميمون عن سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه به.\nوقال الترمذيّ: حديث حسن غريب.\nوقال الحاكم: صحيح الإسناد.\n(٢) أخرجه الطبريّ (١٠/ ٥٨) رقم (٢٧٣٥٤)، وذكره البغوي (٣/ ٤٤٢) بنحوه، وابن عطية (٤/ ٢٨٤)، وابن كثير (٣/ ٣٨٤)، والسيوطي (٥/ ٢٣٨)، وعزاه لسعيد بن منصور، وابن جرير، وابن أبي حاتم من طريق عبد الله بن أبي الهذيل عن عمر بن الخطاب.\n(٣) أخرجه الترمذيّ (٤/ ٣٦٥) كتاب البر والصلة: باب ما جاء في الحياء، حديث (٢٠٠٩)، وأحمد (٢/ ٥٠١)، وابن حبان (١٩٢٩- موارد)، والبغوي في «شرح السنة» (٦/ ٥٤٠، ٥٤١- بتحقيقنا) كلهم من طريق محمد بن عمرو.","vol":"4","page":269},{"text":"حسن صحيح انتهى.\nوالجمهورُ أن الداعِيَ لموسَى﵇- هو شُعَيْبُ ﵇ وأن المرأتينْ ابنتَاه، ف قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ ... الآية، فَقَام يَتْبعُهَا فَهَبَّتْ رِيحٌ ضَمَّتْ قَمِيصَها إلى بَدَنِهَا فَتَحَرَّجَ مُوسَى ﵇ من النظر إليها فقال لها: امشي خلفي وأرشديني إلى الطريق، فَفَهِمَتْ عَنْهُ فذلك سَبَبُ وَصْفِهَا له بِالأَمَانَةِ قاله ابن عباس «١» . فَلَمَّا جاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ فآنسَه بقَولهِ: لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ فلما فَرَغ كلامُهُمَا قالت إحدى الابنتين يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ فقال لها أبوها: ومن أين عَرَفْتِ هذا منه؟ قالت: أَمّا قوتُه فَفِي رفعِ الصَّخْرَةِ، وأمّا أمَانَتُهُ فَفِي تَحَرُّجِه عَنِ النَّظَرِ إلَيَّ قاله ابن عباس «٢» وقتادة وابن زيد وغيرهم، فقال له الأَبُ عند ذلك: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ ... الآية، قال ابن العربي: فِي «أحْكَامِهِ» «٣» قوله: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ يدلُّ على أنه عَرْضٌ لاَ عَقْدٌ لأنه لو كان عَقْدًا، لعَيَّن المعقودَ عَلَيْهَا لأن العلماءَ وإنْ اختلفوا في جواز البيع، إذا قَال له: بعتُكَ أَحَدَ عَبْدَيَّ هذينِ بثَمَنِ كذا، فإنهم اتَّفَقُوا على أن ذلكَ لاَ يجُوزُ في النكاحَ لأنه خيارٌ وشَيْءٌ مِن الخيارِ لاَ يُلْحَقَ بالنِّكَاحِ «٤» . ورُوِي أنه قال شعيبٌ: أَيَّتُهما تُرِيد؟ قال:\nالصغرى، انتهى. «وتَأجَر» معناه: تُثِيبُ وجَعَلَ شعيبُ الثمانيةَ الأعوامَ شَرْطًا وَوَكَلَ العَامَيْنِ إلى المُرُوءَةِ، ولما فَرَغَ كلامُ شُعَيْبٍ قَرَّره موسَى وكَرَّرَ معناه على جهة التوثقِ في أن الشَّرط إنما وقع في ثمان حجج، وأَيَّمَا استفهامٌ نُصِبَ ب قَضَيْتُ و«ما» صلةٌ للتّأكيد و«لا عدوان» لا تباعة عليّ، و«الوكيل»: الشاهد القائم بالأمر.\n_________\n(١) أخرجه الطبريّ (١٠/ ٦١) رقم (٢٧٣٧٦)، (٢٧٣٧٨) بنحوه، وذكره ابن عطية (٤/ ٢٨٤)، وابن كثير (٣/ ٣٨٥) بنحوه.\n(٢) أخرجه الطبريّ (١٠/ ٦١) رقم (٢٧٣٧٦)، وذكره ابن عطية (٤/ ٢٨٤- ٢٨٥)، وابن كثير (٣/ ٣٨٥) .\n(٣) ينظر: «أحكام القرآن» (٣/ ١٤٦٩) . [.....]\n(٤) لا يدخل الخيار شرعا إلا عقود المعاوضات اللازمة القابلة للفسخ بتراضي العاقدين، فغير المعاوضات كالصدقة والهبة بلا ثواب لا يدخلها أي نوع من أنواع الخيار لأنها شرعت لدفع الضرر، وهذه العقود نفع محض، لعدم المقابل فيها، وأما اشتراط اللزوم، فلأن المعاوضات الجائزة كالشركة والوكالة لكل من العاقدين أن يفسخها متى شاء بمتقضى العقد ذاته، فليست هناك من حاجة تدعو إلى إثبات الخيار فيها، وهو لم يشرع إلا تحت ضغط الحاجة. وأما اشتراط كونها قابلة للفسخ برضا الطرفين، كالبيع، والهبة بثواب، والصلح على مال، فلأنها لو لم تكن قابلة للفسخ بتراضيهما كالنكاح، والخلع، لكان اشتراط الخيار فيها أو ثبوته في أحوال مخصوصة مخالفا لمقتضاها، لأن الخيار يستلزم جواز الفسخ، وهي لا تقبله.","vol":"4","page":270},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1057>[سورة القصص (٢٨): الآيات ٢٩ الى ٤٠]</span>\nفَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ وَسارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ نارًا قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٢٩) فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٣٠) وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (٣١) اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ (٣٢) قالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (٣٣)\nوَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (٣٤) قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطانًا فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما بِآياتِنا أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ (٣٥) فَلَمَّا جاءَهُمْ مُوسى بِآياتِنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُفْتَرىً وَما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ (٣٦) وَقالَ مُوسى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٣٧) وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ (٣٨)\nوَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ (٣٩) فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٤٠)\nوقوله تعالى: فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ قال ابن عباس: قضى أكملهمَا عَشْرَ سنينَ وأسنده إلى النبي ﷺ «١» .\nوقوله: إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ ... الآية، تَقَدَّمَ قصصُها، فانظرْه في محالِّه، قال البخاريُّ: والجَذْوَةُ قطعةٌ غلِيظةٌ مِنَ الخَشَبِ فيها لَهَبٌ، انتهى. قال العِراقيُّ: و«آنس» معناه: أبصر، انتهى.\nوقوله: مِنَ الشَّجَرَةِ يقتضي: أن موسى﵇- سَمِعَ ما سَمِعَ من جهة الشجَرةِ، وسمع وأدرك غَيْرُ مُكَيَّفٍ ولا محَدَّدٍ.\nقال السهيليُّ: قيل إن هذه الشجرةَ عَوْسَجَة، وقِيل: عُلَّيْقَة، والعَوْسَجُ إذا عَظُمَ قِيلَ له: الغَرْقَدُ، انتهى. وَلَمْ يُعَقِّبْ معناه: لم يرجع على عقبه من توليته.\n_________\n(١) ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٢٣٩)، وعزاه إلى البزار، وأبي يعلى، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم، وابن مردويه.\nوصححه الحاكم.","vol":"4","page":271},{"text":"وقوله تعالى: وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ ذهبَ مجاهد «١» وابن زيدٍ «٢» إلى: أنَّ ذَلكَ حقيقةٌ، أَمَرَهُ بِضَمِّ عَضُدِهِ وَذِرَاعِه وهو الجَنَاحُ إلى جنبه ليخفّ بذلك ٥٧ ب فَزَعُه ورهبُه، ومن شأن/ الإنسانِ إذا فَعَلَ ذلك في أوقات فزعه أن يقوى قَلْبُهُ، وذهبت فرقةٌ إلى أن ذلك على المجازِ، وأنه أُمِرَ بالعَزْمِ على ما أُمِرَ به، كما تقُولُ العربُ: اشْدُدْ حَيَازِيمَكَ وارْبِطْ جَأْشَكَ، أي: شَمِّرْ في أمْرِكَ وَدَعْ عَنْكَ الرَّهْبَ.\nوقوله تعالى: فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ قال مجاهد «٣» والسدي «٤»: هي إشَارة إلى العَصَا واليدِ.\nوقرأ الجمهور: «رِدْءًا» - بالهَمْزِ-.\nوقَرأ نافعٌ «٥» وَحْدَهُ: «رِدًا» - بتنوين الدال دونَ هَمْزِ وذلك على التخفيف من رِدْءٍ، والرِّدْءُ: الوَزير المعين، وشَدُّ العَضُدِ: استعارةُ في المَعونةِ، والسلطان: الحجةُ.\nوقوله: بِآياتِنا: متعلقٌ بقوله الْغالِبُونَ أي: تغلبون بآياتنا وهي المعجزاتُ، ثم إن فرعون استمر في طريق مخرقته «٦» على قومِه، وأمر هامان بأنْ يَطْبُخَ له الآجُرَّ وأن يَبْنيَ له صَرْحًا أي سَطْحًا في أعلى الهواء، مُوْهِمًا لِجَهَلَةِ قَوْمهِ أنْ يَطَّلِعَ بزَعْمِهِ في السَّمَاء، ثم قال: وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ يعني: موسى في أنه أرسله مرسل وفَنَبَذْناهُمْ معناه:\nطرحناهم، والْيَمِّ: بحرُ القُلْزُم في قول أكثر الناس وهو الأشهر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1058>[سورة القصص (٢٨): الآيات ٤١ الى ٤٣]</span>\nوَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ (٤١) وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (٤٢) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى بَصائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٣)\n_________\n(١) أخرجه الطبريّ (١٠/ ٧٠) رقم (٢٧٤٣٢) بنحوه، وذكره البغوي (٣/ ٤٤٥)، وابن عطية (٤/ ٢٨٧)، وابن كثير (٣/ ٣٨٨)، والسيوطي (٥/ ٢٤٣) بنحوه، وعزاه للفريابي، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد.\n(٢) أخرجه الطبريّ (١٠/ ٧٠) رقم (٢٧٤٣٧) بنحوه، وذكره ابن عطية (٤/ ٢٨٧)، وابن كثير (٣/ ٣٨٨) بنحوه.\n(٣) ذكره ابن عطية (٤/ ٢٨٧)، والسيوطي (٥/ ٢٤٣)، وعزاه للفريابي، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد.\n(٤) أخرجه الطبريّ (١٠/ ٧١) رقم (٢٧٤٣٨)، وذكره ابن عطية (٤/ ٢٨٧) .\n(٥) ينظر: «السبعة» (٤٩٤)، و«الحجة» (٥/ ٤٢٠)، و«إعراب القراءات» (٢/ ١٧٥)، و«معاني القراءات» (٢/ ٢٥٢)، و«شرح الطيبة» (٥/ ١٢٢)، و«العنوان» (١٤٧)، و«حجة القراءات» (٥٤٥)، و«إتحاف» (٢/ ٣٤٣) .\n(٦) في: ج: متخوفته.","vol":"4","page":272},{"text":"وقوله تعالى: وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ... الآية، عبارةٌ عَنْ حالهِم وأفعالهِم، وخَاتِمَتِهم، أي: هم بذلك كالداعين إلى النار وهم فيه أَئِمَّةٌ مِنْ حَيْثُ اشْتُهِرُوا، وبَقِي حديثُهم، فهم قدوةٌ لُكُلِّ كافرٍ وعَاتٍ إلى يَوْمِ القيامة، والْمَقْبُوحِينَ الذينَ يُقَبِّحُ كُلُّ أَمرِهِم، قَولًا لهم وفِعْلًا بهم، قال ابن عباس: هم الذين قُبِحُوا بسواد الوجوه وزرقة العيون «١»، ويَوْمَ ظرف مقدّم وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ يعني: التوراةَ والقصدُ بهذا الإخبار التمثيلُ لقريشٍ بما تقدم في غيرها مِنَ الأمم وبَصائِرَ نصب على الحال، أي:\nطرائق هادية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1059>[سورة القصص (٢٨): الآيات ٤٤ الى ٤٥]</span>\nوَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٤٤) وَلكِنَّا أَنْشَأْنا قُرُونًا فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَما كُنْتَ ثاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَلكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٤٥)\nوقوله تعالى: وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ ... الآية، أي: ما كنتَ يا محمدُ حاضرًا لِهذهِ الغُيوبِ الَّتي تُخْبِرُهمْ بِهَا، وَلَكِنَّهَا صَارَتْ إلَيْكَ بِوَحْيِنَا، أي: فكان الواجِبُ أن يسارعوا إلى الإيمان بك.\nقال السهيلي: وجانبُ الغَرْبي هُوَ جانبُ الطُّورِ الأيمنِ، فحينَ ذَكَرَ سبحانَه نداءَه لِموسى قال: وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ [مريم: ٥٢] وحين نفى عن محمد ﷺ أن يكون بذلك الجانبِ قال: وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ والغربيُّ: هو الأيمنُ، وبين اللفظينِ في ذكر المَقَامَيْنِ ما لا يخفى في حُسْنِ العبارةِ وبديعِ الفَصَاحَةِ والبلاغةَ فإن محمدًا ﵇ لا يقالُ له: ما كنت بالجانب الأيمنِ فإنَّه لَمْ يَزَلْ بالجَانِبِ الأيْمَنِ مُذْ كانَ فِي ظَهْرِ آدم ﵇، انتهى.\nوقوله سبحانه: فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ [قال] الثعلبيّ: أي: فنسوا عهد الله، انتهى. وقَضَيْنا معناه: أنفذنا، والْأَمْرَ يعني: التَّوْرَاة.\nوقالت فرقة: يعني به: ما أعلمه من أمر محمد ﷺ.\nقال ع «٢»: وهذا تأْوِيلٌ حَسَنٌ يَلْتَئِمُ معه ما بَعْدَه من قوله وَلكِنَّا أَنْشَأْنا قُرُونًا.\nت: قال أبو بكر بن العربيِّ: قوله تعالى: إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ معناه:\n_________\n(١) ذكره البغوي (٣/ ٤٤٧)، وابن عطية (٤/ ٢٨٩) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٢٩٠) .","vol":"4","page":273},{"text":"أعلمناه، وهو أحدُ ما يَرِد تَحْتَ لفظِ القَضَاءِ مرادًا، انتهى من كتاب «تفسير الأفعالَ الواقعة في القرآن» . و«الثاوي»: المقيم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1060>[سورة القصص (٢٨): الآيات ٤٦ الى ٤٧]</span>\nوَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٦) وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)\n٥٨ أوقوله تعالى: وَما كُنْتَ/ بِجانِبِ الطُّورِ يريدُ وقتَ إنزالِ التوراةِ إلى مُوسَى﵇- وقوله: إِذْ نادَيْنا رُوِيَ عَنْ أَبِي هريرةَ: أنّه نُودِيَ يَومَئِذٍ مِنَ السَّمَاءِ: «يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، استجبتُ لَكُمْ قَبْلَ أَن تَدْعُونِي، وغفرتُ لكم قبل أن تسألوني»، فحينئذٍ قال موسى ﵇: اللهمَّ اجْعَلْنِي من أمَّةِ محمدٍ، فالمعنى: إذ نادينا بأمرك وأخبرنا بنُبوَّتِك.\nوقال الطبريُّ «١»: معنى قوله: إِذْ نادَيْنا: بأن فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ ... الآية [الأعراف: ١٥٦] .\nوقوله سبحانه: وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ ... الآية، المصيبةُ: عذابٌ في الدُّنْيا على كفرهِم، وجوابُ لَوْلا محذوفٌ يقْتَضِيهِ الكلامُ تَقْدِيرُهُ: لعَاجَلْنَاهُمْ بما يَسْتَحِقُّونَه.\nوقال الزجاجُ «٢»: تقديره: لَمَا أرسلنا الرسل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1061>[سورة القصص (٢٨): الآيات ٤٨ الى ٥٠]</span>\nفَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ قالُوا سِحْرانِ تَظاهَرا وَقالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كافِرُونَ (٤٨) قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٩) فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)\nوقوله سبحانه: فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ يريد القرآن ومحمدًا ﵇، والمقالةُ التي قَالَتْها قريشٌ: لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسى كانَتْ من تعليمِ اليهود لهم قالوا لهم: لِمَ لا يأتي بآية باهرةٍ كالعصَا واليدِ، وغير ذلك، فعكسَ الله عليهم قَوْلَهُم، وَوَقَفَهُمْ على أَنهم قد وقَع منهم في تلك الآيات مَا وَقَع من هؤلاء في هذه، فالضميرُ في قوله يَكْفُرُوا لليهود، وقرأ الجمهور: «ساحران» والمراد: موسى وهارون.\n_________\n(١) ينظر: «الطبريّ» (١٠/ ٧٧) .\n(٢) ينظر: «معاني القرآن» للزجاج (٤/ ١٤٧) .","vol":"4","page":274},{"text":"قال ع «١»: ويحتمل أن يريد بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ أَمْرِ محمدٍ والإخبارِ به الذي هو في التوراة.\nوقوله: وَقالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كافِرُونَ يُؤَيِّدُ هذا التأويلَ، وقرأ حمزةُ والكسائي «٢» وعاصم: «سِحْران» والمرادُ بهما: التَّوراةُ والقرآنُ قاله ابن عباس «٣»، وتَظاهَرا: معناه:\nتعاونًا.\nوقوله: أَهْدى مِنْهُما.\nقال الثعلبي: يعني: أهدى من كتابِ محمدٍ وكتابِ موسى انتهى.\nت: ويحتملُ أنْ يكونَ الضميرُ في يَكْفُرُوا لقريشٍ كما أشار إليه الثعلبيُّ، وكذا في قالُوا لقريش عنده. وسِحْرانِ يريدونَ موسى ومحمدًا﵉- وهو ظاهرُ قولِهم: إِنَّا بِكُلٍّ كافِرُونَ لأن اليهودَ لا يقولون ذلك في موسى في عصر نبينا محمد ﵇، ويُبيِّن هذَا كلَّه قولُه تعالى: فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ ... الآية، فإنَّ ظاهرَ الآيةِ أنَّ المرادَ قريشٌ وعَلَى هذا كله مرّ الثعلبيّ، انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1062>[سورة القصص (٢٨): الآيات ٥١ الى ٦٠]</span>\nوَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥١) الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣) أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٥٤) وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ (٥٥)\nإِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦) وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٥٧) وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ (٥٨) وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلاَّ وَأَهْلُها ظالِمُونَ (٥٩) وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى أَفَلا تَعْقِلُونَ (٦٠)\n_________\n(١) ينظر: «المحرر» (٤/ ٢٩١) .\n(٢) ينظر: «السبعة» (٤٩٥)، و«الحجة» (٥/ ٤٢٣)، و«إعراب القراءات» (٢/ ١٧٧)، و«معاني القراءات» (٢/ ٢٥٤)، و«شرح الطيبة» (٥/ ١٢٣)، و«العنوان» (١٤٧)، و«حجة القراءات» (٥٤٧)، و«شرح شعلة» (٥٣٤)، و«إتحاف» (٢/ ٣٤٤) . [.....]\n(٣) أخرجه الطبريّ (١٠/ ٨٠) رقم (٢٧٤٨٤)، وذكره ابن عطية (٤/ ٣٩١)، وابن كثير (٣/ ٣٩٢)، والسيوطي (٥/ ٢٤٨)، وعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس.","vol":"4","page":275},{"text":"وقوله تعالى: وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ ... الآية الذينَ وصَّلَ لَهُمُ القَوْلَ: همْ قريشٌ قاله مجاهد «١» وغيره، قال الجمهورُ: والمعنى: وَاصَلْنَا لهم في القرآن، وتابعناه موصولًا بعضُه ببعضٍ في المواعظ والزواجر، والدعاء، إلى الإسلام. وذهبت فرقةٌ إلى: أنَّ الإشارة بتوصيلِ القولِ إنما هي إلى الألفاظ، فالمعنى «٢»: ولقد وصَّلنا لهم قَوْلًا معجزا دالّا على نبؤتك.\nقال ع «٣»: والمعنى الأولُ تقديره: ولقد وصلنا لهم قولا يتضمّن معاني مَنْ تَدَبَّرَهَا اهْتَدَى. ثم ذكر- تعالى- القومَ الذينَ آمنوا بمحمدٍ مِنْ أهلِ الكتاب مُبَاهِيًا بهم قريشًا. واختُلِفَ في تَعيينهم فقال الزهري: الإشَارَةُ: إلى النَّجَاشِيِّ «٤» .\nوقيل: إلى سلمان، وابن سلام، وأسند الطبريُّ «٥» إلى رفاعة القرظي، قال: نزلت ٥٨ ب هذه الآيةُ/ في اليهود في عَشْرَةٍ أَنَا أَحَدُهُمْ، أَسْلَمْنَا فَأُوذِينَا «٦» فنزلت فينا هذه الآية.\nوالضمير في قَبْلِهِ يعود على القرآن. وأَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ معناه: على مِلَّتَيْنِ وهذا المعنى هو الذي قال فيه ﷺ «ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين رجل من أهل الكتاب آمن بنبيّه وآمن بي ...» الحديث «٧» . ويَدْرَؤُنَ معناه: يَدْفَعُونَ وهذا وصفٌ لمكَارِمِ الأخلاقَ، أي: يتغابون ومن قال لهم سوءا لاينوه وقَابَلُوهُ من القول الحسِن بما يَدْفَعُه، واللغْوُ سَقَطُ القولِ، والقولُ يَسْقُط لوجوهٍ يَعِزُّ حَصْرُها، والمرادُ منه في الآيةِ: ما كان سبًّا وأذى ونحوه فأدب الإسلام الإعراض عنه. وسَلامٌ في هذا الموضِع قُصِدَ به المَتَارَكةُ لا التحيّة. قال\n_________\n(١) أخرجه الطبريّ (١٠/ ٨٤) رقم (٢٧٥٠١- ٢٧٥٠٢)، وذكره ابن عطية (٤/ ٢٩١)، وابن كثير (٣/ ٣٩٣)، والسيوطي (٥/ ٢٤٩)، وعزاه للفريابي، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد.\n(٢) في ج: لمعنى.\n(٣) ينظر: «المحرر» (٤/ ٢٩١) .\n(٤) ذكره ابن عطية (٤/ ٢٩٢) .\n(٥) ينظر: «الطبريّ» (١٠/ ٨٤) .\n(٦) ذكره ابن عطية (٤/ ٢٩٢) .\n(٧) أخرجه البخاري (١/ ٢٢٩) كتاب العلم: باب تعليم الرجل أمته (٩٧)، ومن (٥/ ٢٠٥) كتاب العتق:\nباب فضل من أدب جاريته وعلمها (٢٥٤٤)، ومن (٥/ ٢٠٧) باب العبد إذا أحسن عبادة ربه (٢٥٤٧)، ومن (٥/ ٢١٠) باب كراهية التطاول على الرقيق (٢٥٥١)، ومن (٦/ ١٦٩) كتاب الجهاد: باب فضل من أسلم (٣٠١١)، ومن (٦/ ٥٥١) كتاب أحاديث الأنبياء: باب قول الله تعالى: يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا (٣٤٤٦)، ومن (٩/ ٢٩) كتاب النكاح باب اتخاذ السراري (٥٠٨٣)، ومسلم (١/ ١٣٤- ١٣٥) كتاب الإيمان: باب وجوب الإيمان برسالة محمد ﷺ (٢٤١/ ١٥٤) .","vol":"4","page":276},{"text":"الزجاج: وهذا قبل الأمر بالقتال، ولا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ معناه: لا نَطْلُبُهُمْ للجِدَالِ والمراجعة والمشاتمة.\nت: قال ابن المباركِ في «رقائقه»: أخبرنا حبيبُ بنُ حجر القيسي، قال: كان يقال: ما أحْسَنَ الإِيمَانَ يَزِينُه العلمُ، وما أحْسَنَ العِلمَ يَزِينُه العَمَلُ، وما أَحْسَنَ العَمَلَ يزينه الرفق، وما أضفت شيئا إلى شَيء، مِثْلَ حِلْمٍ إلى عِلْمٍ، انتهى. وأجْمَعَ جُلُّ المفسرينَ على أنَّ قولَه تعالى: إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ إنما نَزَلَتْ في شَأْنِ أَبي طالب، فَرَوى أبو هريرةَ وغيره «أن النبي ﷺ دَخَلَ عَلَيْهِ، وَهُوَ يَجُودُ بِنَفْسِهِ، فَقَالَ لَهُ: أَيْ عَمِّ، قُلْ: لاَ إلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، كَلِمَةً أشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ ...» الحديثُ «١» قد ذَكَرناه في سورة: «براءَة»، فَماتَ أبو طالبٍ على كُفْرِه، فَنَزَلَتْ هذه الآيةُ فيه.\nقالَ أبو روق: قوله تعالى: وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إشارة إلى العباسِ «٢»، والضميرُ في قوله: وَقالُوا لقريش.\nقال ابن عباس: والمُتَكَلِّمُ بذلك فيهم الحارثُ بن نوفَلِ، وحكى الثعلبيُّ أنه قالَ له:\nإنا لنعلم أن الذي تقولُ حَقٌّ وَلَكِنْ إن اتبَعْنَاكَ تَخَطَّفَتْنَا العرب. وتجبى: معناه: تُجْمَعُ وتُجْلَبُ.\nوقوله: كُلِّ شَيْءٍ يريد مما به صلاحُ حالهِم، ثم توعَّدَ قريشًا بقوله وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ وبَطِرَتْ معناه: سَفِهَت وأشِرَتْ وطَغَتْ قاله ابن زيد «٣» وغيره.\nت: قالَ الهروي: قولُه تعالى: بَطِرَتْ مَعِيشَتَها، أي: في مَعِيْشَتِهَا، والبَطَرُ:\nالطغيانُ عند النِّعمةِ، انتهى. ثم أحالَهُم على الاعتبارِ في خَرَابِ دِيار الأُمَمِ المُهْلَكَةِ كَحِجْرِ ثَمُودَ، وغيرِه. ثُمَّ خَاطبَ تعالَى قريشًا مُحقِّرًا لما كانوا يَفتَخِرُونَ به من مالٍ وبنينَ، وأَنَّ ذلك متاعُ الدنْيَا الفانِي، وأنَّ الآخرةَ وَمَا فِيهَا من النَّعِيمِ الذي أعدَّهُ اللهُ للمؤمِنِينَ خيْرٌ وأبقى.\nت: وفي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ الله جناح\n_________\n(١) تقدم تخريجه.\n(٢) ذكره ابن عطية (٤/ ٢٩٣) .\n(٣) أخرجه الطبريّ (١٠/ ٩٠) رقم (٢٧٥٣٨) بنحوه، وذكره ابن عطية (٤/ ٢٩٣) .","vol":"4","page":277},{"text":"بَعُوضَةٍ مَا سقى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةً» «١» رواه الترمذيُّ من طريق سهل بن سعد، قال: وفي البابِ عن أبي هريرة، قال أبو عيسى: هذا حديثٌ صحيح، انتهى. وباقي الآيةِ بَيّنٌ لِمَنْ أبْصَرَ واهْتَدَى، جَعَلَنا اللهُ مِنْهُمْ بمنّه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1063>[سورة القصص (٢٨): الآيات ٦١ الى ٦٤]</span>\nأَفَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٦١) وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٦٢) قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ ما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ (٦٣) وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذابَ لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ (٦٤)\nوقوله سبحانه: أَفَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاقِيهِ ... الآية، معناها، يعمّ جميع العالم ومِنَ الْمُحْضَرِينَ: معناه: في عذاب الله قاله مجاهد «٢» وقتادة «٣»، ولفظة الْمُحْضَرِينَ\nمشيرةٌ إلى سوق [بجبر] «٤» .\nوقوله تعالى: وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ الضمير المتصل ب «ينادي» لِعَبَدَةِ الأوثَانِ، والإشارة إلى قريش وكفار العرب.\n٥٩ أوقوله: قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ هؤلاء/ المجيبونَ هم كل مُغْوٍ دَاعٍ إلى الكُفْرِ من الشياطينِ والإنْسِ طَمِعُوا في التَّبَرِّي من مُتَّبِعِيهم فقالوا ربّنا هؤلاء إنّما أضللناهم كما ضللنا نحن باجتهادٍ لنَا ولَهُمُ، وأحبوا الكُفْرَ كما أَحبَبْناه تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ مَا كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ. ثم أخبر تعالى: أنه يقال للكفرة العابدين للأصنام: ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ يعني: الأصْنَامَ، فَدَعَوْهُمْ فلَمْ يَكُنْ في الجمادات ما يجيبُ، ورأَى الكفارُ العذاب.\n_________\n(١) أخرجه الترمذيّ (٤/ ٥٦٠) كتاب الزهد: باب ما جاء في هوان الدنيا على الله ﷿، حديث (٢٣٢٠)، وابن ماجه (٢/ ١٣٧٦- ١٣٧٧) كتاب الزهد: باب مثل الدنيا، حديث (٤١١٠)، وأبو نعيم في «الحلية» (٣/ ٢٥٣) من طريق أبي حازم عن سهل بن سعد به.\nوقال الترمذيّ: حديث صحيح غريب من هذا الوجه.\n(٢) أخرجه الطبريّ (١٠/ ٩٢) رقم (٢٧٥٤٤) بنحوه، وذكره ابن عطية (٤/ ٢٩٤)، وابن كثير (٣/ ٣٩٦) بنحوه، والسيوطي (٥/ ٢٥٦)، وعزاه للفريابي، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد.\n(٣) أخرجه الطبريّ (١٠/ ٩٢) رقم (٢٧٥٤٢)، وذكره ابن عطية (٤/ ٢٩٤)، وابن كثير (٣/ ٣٩٦)، والسيوطي (٥/ ٢٥٥- ٢٥٦)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن أبي حاتم عن قتادة. [.....]\n(٤) سقط في ج.","vol":"4","page":278},{"text":"وقوله تعالى: لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ ذهب الزجاج «١» وغيرُه إلى أن جَوابَ «لو» محذوفٌ. تقديره: لمَا نَالَهُمْ العَذَابُ.\nوقالَتْ فرقةٌ: لو: متعلِقةٌ بِمَا قَبْلَهَا، تقديرهُ: فَوَدُّوا حين رَأَوُا العذاب لو أنّهم كانوا يهتدون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1064>[سورة القصص (٢٨): الآيات ٦٥ الى ٧٢]</span>\nوَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (٦٥) فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ (٦٦) فَأَمَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ (٦٧) وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحانَ اللَّهِ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٨) وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ (٦٩)\nوَهُوَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٧٠) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَدًا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ (٧٢)\nوقوله سبحانه: وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ هذا النداء أيضا للكفّار، وفَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ: معناه أَظْلَمَتْ عليهم جهاتُها.\nوقوله: فَهُمْ لاَ يَتَساءَلُونَ معناه، في قول مجاهد: لاَ يَتَساءلون بالأرحامِ «٢» ويحتملُ أنْ يرِيدَ أنهم لا يتساءلون عن الأنباء، ليقين جَميعهِم أنه لا حُجَّةَ لَهُمْ.\nوقوله سبحانه: فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ.\nقال كثير من العلماءِ: «عسى» من الله واجبة.\nقال ع «٣»: وهذا ظَنُّ حَسَنٌ باللهِ تعالى يُشْبِهُ كَرَمَه وفَضْلَه سبحَانه، واللازِمُ مِنْ «عسى»: أنها تَرْجِيَة لاَ وَاجِبَة، وفي كتاب الله تعالى: عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ [التحريم: ٥] .\nت: ومعنى الوجوب هنا: الوقوع.\n_________\n(١) ينظر: «معاني القرآن» للزجاج (٤/ ١٥١) .\n(٢) أخرجه الطبريّ (١٠/ ٩٤) رقم (٢٧٥٥٤) بنحوه، وذكره ابن عطية (٤/ ٢٩٥)، وابن كثير (٣/ ٣٩٧) بنحوه، والسيوطي (٥/ ٢٥٧)، وعزاه للفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد.\n(٣) ينظر: «المحرر» (٤/ ٢٩٥) .","vol":"4","page":279},{"text":"وقوله سبحانه: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشاءُ وَيَخْتارُ ... الآية، قِيلَ: سَبَبُها، قولُ قريش: لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف: ٣١] .\nونحوُ ذلك من قولهم فَرَدَّ اللهُ عليهم بهذه الآيةِ، وجماعة المفسرين: أن «ما» نافيةٌ، أي: ليس لهم الخِيرَةُ، وذهبَ الطبريُّ «١» إلى أن ما مفعولة ب يَخْتارُ أي: ويختارُ الذي لَهُمْ فيه الخِيَرةُ، وعن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله ﷺ: «مِن سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ اسْتِخَارَتُهُ اللهَ، وَمِنْ شَقَاوَتِهِ تَرْكُهُ» «٢» رواه الحاكم في «المستدرك» وقالَ: صحيحُ الإِسناد، انتهى من «السلاح» . وباقي الآية بَيِّنٌ. والسَّرْمَدُ مِنَ الأَشْيَاءِ: الدَّائِمُ الذي لا ينقطع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1065>[سورة القصص (٢٨): الآيات ٧٣ الى ٧٥]</span>\nوَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٣) وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٧٤) وَنَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٧٥)\nت: وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ ...، الآيةُ معناها بيِّنٌ، وينبغي للعَاقِل أَلاَّ يجعلَ ليلَهُ كُلَّهُ نَوْمًا فَيَكونَ ضَائِعَ العُمْرِ جِيفَةً بالليلِ بطَّالًا بالنَّهَارِ، كما قيل: [الطويل]\nنَهَارُكَ بَطَّالٌ وَلَيْلُكَ نَائِم ... كَذَلِكَ فِي الدُّنْيَا تَعِيشُ البَهَائِمُ\nفإنْ أرَدْتَ أَيُّهَا الأخ أن تكونَ من الأَبرَارِ فعليكَ بالقيامِ في الأَسْحَارِ، وقد نقل صاحبُ «الكوكب الدري» عن البزار أن النبي ﷺ قال: «أتدرون ما قالت أمّ سليمان\n_________\n(١) ينظر: «الطبريّ» (١٠/ ٩٥) .\n(٢) أخرجه الحاكم (١/ ٥١٨)، وأحمد (١/ ١٦٨) من طريق محمد بن أبي حميد عن إسماعيل بن محمد بن سعد عن أبيه عن جده به.\nوقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. قلت: وهو من أوهامهما، فالحديث ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٢/ ٢٨٢) وقال: رواه أحمد، وأبو يعلى، والبزار ... وفيه محمد بن أبي حميد، قال ابن عدي: ضعفه بين على ما يرويه، وحديثه مقارب، وهو مع ضعفه يكتب حديثه، وقد ضعفه أحمد والبخاري وجماعة.\nومن طريق محمد بن أبي حميد: أخرجه الترمذيّ (٤/ ٤٥٥) كتاب القدر: باب ما جاء في الرضا بالقضاء، حديث (٢١٥١) بلفظ: «من سعادة ابن آدم رضاه بما قضى الله له، ومن شقاوة ابن آدم تركه استخارة اللهُ، وَمِنْ شَقَاوَةِ ابْنِ آدَمَ سَخَطُهُ بِمَا قضى الله له» .\nوقال الترمذيّ: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث محمد بن أبي حميد، ويقال له أيضا:\nحماد بن أبي حميد، وهو أبو إبراهيم المدني، وليس هو بالقوي عند أهل الحديث.","vol":"4","page":280},{"text":"لِسُلَيْمَانَ- عَلَيْهِ السَّلاَمُ-: يَا بُنَيَّ، لاَ تُكْثِرِ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ فَإنَّ كَثْرَةَ النَّوْمِ بِاللَّيْلِ، يَدَعُ الرَّجُلُ فَقِيرًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» «١»، انتهى. وابتغاء الفضل: هو بالمَشي والتصرُّفِ.\nوقوله تعالى: وَنَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا أي: عُدُوْلَ الأممِ وأخيارَهَا، فيشهدوْنَ على الأمم بخيرِها وشرِّها، فيحقُّ العذابُ عَلى مَنْ شُهِدَ عليه بالكُفْرِ، وقيل له: على جهة الإعذار في المحاورة: هاتُوا بُرْهانَكُمْ، ومن هذه الآيةِ انْتُزِعَ قولُ القاضِي عند إرادة الحكم: أبقيت لك حجة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1066>[سورة القصص (٢٨): الآيات ٧٦ الى ٧٩]</span>\nإِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لاَ تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٧٦) وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧) قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (٧٨) فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٧٩)\nوقوله تعالى: إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ ... الآية، كان قارونُ مِنْ قرابةِ مُوسى: ممن آمن بموسى وحَفظَ/ التوراةَ وكَانَ عند مُوْسَى ﵇ مِنْ عُبَّادِ ٥٩ ب الْمُؤمِنين، ثم إنَّ الله أضَلَّهُ وبَغَى عَلى قَوْمِهِ بأَنْوَاعِ البَغْيِ مِنْ ذلكَ كُفْرُهُ بموسَى.\nوقال الثَّعْلَبِيُّ: قال ابن المسيب: كانَ قارونُ عامِلًا لِفِرْعونَ عَلى بني إسرائيل ممنْ يبغي عليهم ويظلُمهم. قال قتادةُ: بَغَى عليهم بِكَثْرَةِ مالِهِ وولدِه «٢»، انتهى.\nت: وما ذَكَرَهُ ابنُ المسيب، هو الذي يَصِحُّ في النظر لمتُأَمِّلِ الآية، ولولا الإطالة\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه (١/ ٤٢٢) كتاب إقامة الصلاة: باب ما جاء في قيام الليل، حديث (١٣٣٢)، والطبراني في «الصغير» (١/ ١٢١- ١٢٢)، والبيهقي في «الشعب» (٤/ ١٨٣) رقم (٤٧٤٦) كلهم من طريق سنيد بن داود عن يوسف بن محمد بن المنكدر عن أبيه عن جابر به.\nوقال الطبراني: لم يروه عن محمد بن المنكدر إلا ابنه يوسف، تفرد به سنيد.\nقال الشوكاني في «الفوائد المجموعة» (ص ٣٥): رواه ابن الجوزي عن جابر مرفوعا، وفي إسناده يوسف بن محمد بن المنكدر متروك. قال في «اللآلئ»: قال فيه أبو زرعة: صالح الحديث، وقال ابن عدي: أرجو أن لا بأس به. وقد أخرجه ابن ماجه من طريقه، وكذا الطبراني، والبيهقي في «شعب الإيمان» .\n(٢) أخرجه الطبريّ (١٠/ ١٠٠) رقم (٢٧٥٧٤) بنحوه، وذكره البغوي (٣/ ٤٥٤) بنحوه.","vol":"4","page":281},{"text":"لَبَيَّنْتُ وَجْهَ ذَلِكَ، والمَفاتِحُ ظاهِرُها: أنها التي يُفْتَحُ بِها، ويحتمل أنْ يُرِيدَ بها: الخزائنَ والأوعيةَ الكبارَ قاله الضحاك «١» لأنَّ المِفْتَحُ في كلام العرب الخزانة، وأمّا قوله:\nلَتَنُوأُ فمعناه: تَنْهَضُ بتحامل واشتدادِ، قال كثير من المفسرين: إنَّ المرادَ: أن العُصْبةَ تَنُوءُ بالمفَاتِح المُثْقِلةِ لها فَقُلِبَ.\nقلت: وقال عريب الأندلسي في كتاب «الأَنواء»: له نَوْءُ كذا معناه: مثله منه:\nلَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ، انتهى، وهو حَسَنٌ إنْ سَاعَدَهُ النَّقْلُ. وقالَ الدَّاوُودِيُّ عن ابن عباسٍ:\nلَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ يقولُ تَثْقُلُ وكذا قال الواحديُّ، انتهى. واخْتُلِفَ في العصبة:\nكمْ هُمْ؟ فقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ﵁-: ثَلاثَةُ «٢»، وقال قتادةُ: هم من العشرة إلى الأربعين «٣»، قال البخاريُّ «٤»: يقال: الفَرِحينَ المَرِحينَ.\nقال الغَزَالِيُّ في «الإحْيَاءِ»: الفَرَحُ بالدنيا والتَّنَعُّمُ بِهَا سُمٌّ قَاتِلٌ يَسْرِي في العُرُوقِ فَيُخْرِجُ مِن القَلْبِ الخوفَ والحَزَنَ وذِكْرَ الموتِ وأهوالَ القيامة وهذا هو موتُ القلبِ والعياذُ باللهِ، فأولوا الحَزْم من أربابِ القلوبِ جَرَّبُوا قلوبَهم في حال الفَرَحِ بمُوَاتَاةِ الدنيا، وعلموا أن النَّجَاةَ في الحُزْنِ الدائم، والتباعُدِ من أسبابِ الفَرَح، والبَطَرِ فقَطَّعُوا النَّفْسَ عن ملاذِّها وعَوَّدُوها الصَّبْرَ عَنْ شَهَوَاتِها حَلالِها وحَرَامِهَا، وعلموا أن حلالَها حِسَابٌ وهُوَ نَوْعُ عذابٍ، وَمَنْ نُوقِشَ الحساب عُذِّبَ، فَخَلَّصُوا أَنْفُسَهُمْ من عَذابِهَا، وَتَوَصَّلُوا إلى الحرّية والملكِ في الدنيا والآخرة بالخلاص من أسْرِ الشهواتِ وَرقِّها، والأنْسِ بِذِكْرِ اللهِ تعَالَى والاشْتِغَالِ بِطَاعَتِه، انتهى.\nقال ابن الحاجِّ في «المَدْخَلِ»: قال يَمَنُ بن رزق- رحمه الله تعالى-: وأنا أُوصيكَ بأن تُطِيلَ النظرَ في مِرْآةِ الفِكْرَةِ مَعَ كثرةِ الخَلَوَاتِ، حَتَّى يُرِيَكَ شَيْنَ المَعْصِيَةِ وَقُبْحِهَا، فَيَدْعُوكَ ذَلِكَ النَّظَرُ إلى تَركها، ثم قال يمن بن رزق: ولاَ تَفْرَحَنَّ بِكَثْرَةِ العَمل مع قلةِ الحزْنِ، واغْتَنِمْ قليلَ العَمَلِ مَعَ الحزنِ، فإن قليلَ حُزْنِ الآخرةِ الدَّائِمِ فِي القلبِ يَنْفِي كُلَّ سُرُورِ ألفْتَهُ من سرورِ الدنيا، وقليلَ سرورِ الدنيا في القلب ينفي عنك «٥» جميع حزن\n_________\n(١) أخرجه الطبريّ (١٠/ ١٠١) رقم (٢٧٥٨١)، وذكره ابن عطية (٤/ ٢٩٨) .\n(٢) أخرجه الطبريّ (١٠/ ١٠٢) رقم (٢٧٥٨٩)، وذكره البغوي (٣/ ٤٥٤) .\n(٣) أخرجه الطبريّ (١٠/ ١٠٢) رقم (٢٧٥٨٥)، وذكره البغوي (٣/ ٤٥٤)، وابن عطية (٤/ ٢٩٩)، والسيوطي (٥/ ٢٦٠)، وعزاه لعبد بن حميد عن قتادة.\n(٤) ينظر: «صحيح البخاري» (٨/ ٣٦٥) كتاب التفسير: باب إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ.\n(٥) في ج: عنها.","vol":"4","page":282},{"text":"الآخِرَة. والحزنُ لا يصلُ إلى القلبِ إلاَّ مع تَيَقُّظِهِ وَتَيَقُّظُهُ حَيَاتهُ، وسرورُ الدُّنيا لِغَيْرِ الآخرةِ لا يصلُ إلى القلب إلا مع غَفْلَتِه وغفلةُ القَلْبِ مَوتُه، وعلامةُ ثَبَاتِ اليقِينِ في القَلْبِ اسْتِدَامَةِ الحُزْن فِيهِ. وقال﵀-: اعْلَمْ أني لم أجدْ شَيئًا أبلَغَ في الزُّهد في الدنيا من ثباتِ حزْن الآخرة في القلب، وعلامَةُ ثباتِ حُزْنِ الآخِرةِ في القلبِ أَنْسُ العبدِ بالوَحْدَةِ، انتهى.\nوقولهم له: وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا.\nقال ابن عباس والجمهور: معناه: لا تُضَيِّعْ عُمْرَكَ في أَلاَّ تعمل عملًا صالحًا في دنياك إذ الآخرة إنّما يُعْمَلُ لَهَا في الدنيا، فنصيبُ الإنسانِ عمرُه وعملَه الصالحُ فيها فينبغي/ أن لا يُهْمِلَه. وحكى الثعلبيّ أنه قيل: أرادوا بنصيبه الكفَنَ.\nقال: ع «١»: وهذا كلُّه وعْظٌ متَّصِلٌ ونحو هذا قولُ الشاعر: [الطويل]\nنَصِيبُكَ مِمَّا تَجْمَعُ الدَّهْرَ كُلَّه ... رِدَاءَانِ تلوى فِيهِمَا وَحَنُوطِ «٢»\nوقال ابن العربي في «أحكامه «٣»»: وفي معنى النصيبِ ثلاثة أقوال: الأولُ: لا تَنْس حظَّكَ من الدنيا، أي: لا تَغْفَلْ أنْ تَعْمَلَ في الدنيا للآخرة، الثاني: أمْسِك مَا يَبْلُغَكَ فذلك حظُّ الدنيا، وأنْفِقِ الفَضْلَ فذلكَ حظُّ الآخرة، الثالث: لاَ تَغْفَلْ عَنْ شُكْرِ مَا أَنْعَمَ اللهُ بِهِ عَلَيْكَ، انتهى. وقولهُم: وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ أمرٌ بِصِلةِ المساكينِ وذَوِي الحاجَاتِ.\nص: كَما أَحْسَنَ: - الكاف للتشبيهِ أو للتعليل-، انتهى. وقول قارون: إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي قال الجمهور: ادَّعَى أنَّ عندَه علمًا استوجَبَ به أن يكونَ صاحبَ ذلك المالِ، ثم اخْتَلَفُوا في ذلك العلم، فقال ابن المسيب: أراد علم الكيمياء «٤» .\nوقال أبو سليمان الداراني: أراد العلم بالتجارة ووجوهِ تثميرِ المال، وقيل غير هذا.\nوقوله تعالى: وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ.\nقال محمد بن كعب: هو كلامٌ متصِلٌ بمعنى ما قبلَه، والضميرُ في ذُنُوبِهِمُ عائدٌ على مَنْ أُهْلِكَ مِن القرون، أي: أهْلِكوا وَلَمْ يُسْئَلْ غَيرُهم بَعْدَهُمْ عن ذنوبهم، أي: كل\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٢٩٩) . [.....]\n(٢) البيت من شواهد «المحرر الوجيز» (٤/ ٢٩٩) .\n(٣) ينظر: «أحكام القرآن» (٣/ ١٤٨٣) .\n(٤) ذكره البغوي (٣/ ٤٥٥)، وابن عطية (٤/ ٣٠٠) .","vol":"4","page":283},{"text":"أحد إنما يُكَلَّمُ ويُعَاتَبُ بِحَسْبِ ما يَخْصُّه، وقالت فرقة: هو إخبار مستأنَفٌ عَنْ حالِ يومِ القيامةِ، وجَاءتْ آيات أُخَرُ تَقْتَضِي السؤالَ، فقالَ الناسُ في هذا: إنها مواطنُ وطوائفُ.\nوقِيل غيرُ هذا، ويوم القيامة هو مواطنُ. ثم أخبرَ تعالى عن خُروج قارونَ على قومهِ في زينتِه من الملابِسِ والمَراكِبِ وزينةِ الدنيا وأَكثَرَ النَّاسُ في تحديدِ زينةِ قارونَ وتَعْيِينِها بِمَا لاَ صِحَّةَ لَه فَتَرَكْتُه، وبَاقِي الآيَةِ بَيِّنٌ فِي اغترارِ الجَهَلَةِ والإغْمَارِ مِن النّاس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1067>[سورة القصص (٢٨): الآيات ٨٠ الى ٨٢]</span>\nوَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا وَلا يُلَقَّاها إِلاَّ الصَّابِرُونَ (٨٠) فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ (٨١) وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ (٨٢)\nوقوله سبحانه: وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ... الآية: أخبر تعَالَى عَنْ الذين أوتوا العلم والمعرفةَ باللهِ وبِحَقِّ طاعتِه أَنَّهُمْ زَجَرُوا الأَغْمَارَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا حَالَ قَارُوْنَ وَحَمَلُوهُمْ عَلَى الطَّرِيقَةِ المُثْلَى مِنْ أَنَّ النَّظَرَ والتَّمَنِّي إنَّما يَنْبَغِى أنْ يَكونَ في أمورِ الآخرةِ، وأنَّ حالةَ المؤمنِ العاملِ الذي ينتظرُ ثوابَ اللهِ تعالى خيرٌ مِن حالِ كلِّ ذِي دُنيا.\nثم أخبر تعالى عن هذه النَّزْعَةِ وهذه القوَّةِ في الخير والدينِ أَنَّها «١» لاَ يُلَقَّاها أي: لا يُمَكَّنُ فيها ويُخَوَّلُها إلا الصَّابِرُ عَلى طَاعَةِ الله وعن شهواتِ نفسه وهذا هو جماع الخير كله.\nوقال الطبري «٢»: الضمير عائد على الكلمة وهي قوله: ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا، أي: لا يُلَقَّنُ هذه الكلمة إلا الصابرون وعنهم تصدر، ورُوِيَ في الخسف بقارونَ ودارِه أن موسى ﵇ لما أمَضَّه فعلُ قارونَ به وتعدّيه عليه استجارَ بالله تعالى وطلب النصرة فأوحى الله إليه، أَني قد أمرتُ الأرض أَنْ تطيعكَ في قارونَ وأتباعه، فقال موسى: يا أرض خذيهم فأخذتهم إلى الركب، فاستغاثوا: يا موسى يا ٦٠ ب موسى فقال: خذيهم، فأخذتهم شيئًا فشيئًا إلى أن تم الخسفُ بهم/، فأوحى الله إليه:\nيا موسى لَوْ بِيَ استغاثوا وإليَّ تابوا لرحمتِهُم. قال قتادةُ وغيره: رُوِيَ أَنه يخسفُ به كل يوم قامةً فهو يتجلجل إلى يوم «٣» القيامة.\n_________\n(١) في ج: أنهما.\n(٢) ينظر: «الطبريّ» (١٠/ ١٠٩) .\n(٣) أخرجه الطبريّ (١٠/ ١١٢) رقم (٢٧٦٤٤)، وذكره البغوي (٣/ ٤٥٧)، وابن عطية (٤/ ٣٠١)، وابن كثير (٣/ ٤٠١)، والسيوطي (٥/ ٤٥٧) .","vol":"4","page":284},{"text":"ت: وفي الترمذي عن معاذ بن أنس الجهنيّ، أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ تَرَكَ اللَّبَاسَ تَوَاضُعًا لِلَّهِ، وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ، دَعَاهُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ على رُؤُوسِ الخَلاَئِقِ حتى يُخَيِّرَهُ مِنْ أَيِّ حُلَلِ الإيمَانِ شَاءَ يَلْبَسُهَا» «١» . وروى الترمذيُّ عن عَائِشَةَ﵂- قَالَتْ: كان لنا قِرَامُ سِتْرٍ فيه تماثيلُ على بابي فرآه رسول الله ﷺ فقال: «انْزَعِيهِ فَإنَّهُ يُذَكِّرُنِي الدُّنْيَا» «٢»، الحديثَ وروى الترمذيّ عن كعب بن عياض قال: سمعت النبيّ ﷺ يقول: «إنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ فِتْنَةً، وَفِتْنَةُ أُمَّتِي: المَالُ» «٣» قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح وفيه عن عثمان بن عفان ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَيْسَ لاِبْنِ آدَمَ حَقٌّ فِي سوى هذه الْخِصَالِ: بَيْتٍ يَسْكُنُهُ، وَثَوْبٍ يُوَارِي عَوْرَتَهُ، وجلف الْخَبَزِ والمَاءِ» «٤» .\nقال النضر بن شميلٍ: «جِلْفُ الخبز» يعني: ليس معه إدام. انتهى. فهذه الأحاديث وأشباهها تزهِّد في زينةِ الدنيا وغضارة «٥» عيشها الفاني.\n_________\n(١) أخرجه الترمذيّ (٤/ ٦٥٠) كتاب صفة القيامة باب (٣٩) حديث (٢٤٨١)، وأحمد (٣/ ٤٣٩)، والحاكم (٤/ ١٨٣)، وأبو نعيم في «الحلية» (٨/ ٨٤) من طريق أبي مرحوم عبد الرحيم بن ميمون عن سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه مرفوعا.\nوقال الترمذيّ: هذا حديث حسن.\nوقال الحاكم: صحيح الإسناد. ووافقه الذهبي.\n(٢) أخرجه الترمذيّ (٤/ ٦٤٣- ٦٤٤) كتاب صفة القيامة: باب (٣٢) حديث (٢٤٦٨)، والنسائي (٨/ ٢١٣) .\nكتاب الزينة: باب التصاوير، وأحمد (٦/ ٢٢٦)، والبيهقي (٧/ ٢٦٧) من طريق سعد بن هشام عن عائشة.\nوقال الترمذيّ: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه.\n(٣) أخرجه الترمذيّ (٤/ ٥٦٩) كتاب الزهد: باب ما جاء أن فتنة هذه الأمة في المال، حديث (٢٣٣٦)، والبخاري في «التاريخ الكبير» (٧/ ٢٢٢)، وأحمد (٤/ ١٦٠)، والحاكم (٤/ ٣١٨)، وابن حبان (٢٤٧٠- موارد)، والطبراني في «الكبير» (١٩/ ١٧٩) رقم (٤٠٤)، والقضاعي في «مسند الشهاب» (٢/ ١٢٤) رقم (١٠٢٢) من حديث كعب بن عياض وقال الترمذيّ: هذا حديث حسن صحيح غريب.\nوقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وصححه ابن حبان.\n(٤) أخرجه الترمذيّ (٤/ ٥٧١- ٥٧٢) كتاب الزهد: باب (٣٠) حديث (٢٣٤١) من طريق حريث بن السائب، قال: سمعت الحسن يقول: حدثني حمران بن أبان عن عثمان بن عفان به.\nوقال الترمذيّ: هذا حديث حسن صحيح.\nوصححه الحاكم (٤/ ٣١٢) ووافقه الذهبي.\n(٥) الغضارة: النعمة والسعة في العيش.\nينظر: «لسان العرب» (٣٢٦٤) .","vol":"4","page":285},{"text":"وقوله: وَيْكَأَنَّ مذهبُ الخليلِ وسيبويه: أن «وي» حرف تنبيه منفصلة من (كأن)، لكنْ أُضيفت لكثرة الاستعمال.\nوقال أبو حاتم وجماعة: ويْكَ: هي (وَيْلَكَ) حذفتِ اللامُ منها لكثرةِ الاستعمال.\nوقالت فرقة: «ويكأن» بجملتها كلمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1068>[سورة القصص (٢٨): الآيات ٨٣ الى ٨٤]</span>\nتِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَسادًا وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣) مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إِلاَّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٨٤)\nوقوله تعالى: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَسادًا ... الآية: هذا إخبار مستأنف من الله تعالى لنبيه﵇-، يرادُ به جميعُ العالمِ، ويتضمنُ الحضَّ على السعيِ، حسبَ ما دلت عليه الآيةُ، ويتضمنُ الانحناءَ على حالِ قارونَ ونظرائه، والمعنى: أَنَّ الآخرةَ ليست في شيء من أمر قارون وأشباهه وإنما هي لمن صفتُه كذا وكذا، والعلو المذموم: هو بالظلم والتجبر، قال النبي ﷺ: «وذلك أَن تريد أن يكون شراكُ نعلك أفضلَ من شراكِ نعلِ أخيك»، والفسادُ يعمُّ وجوه الشر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1069>[سورة القصص (٢٨): الآيات ٨٥ الى ٨٨]</span>\nإِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٨٥) وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلاَّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكافِرِينَ (٨٦) وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٨٧) وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٨)\nوقوله تعالى: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ قالت فرقة: معناه فرض عليك أحكام القرآنِ.\nوقوله تعالى: لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ قال الجمهور: معناه: لرادك إلى الآخرة، أي:\nباعِثُكَ بعد الموت، وقال ابن عباس وغيره: المعاد: الجنة «١»، وقال ابن عباس «٢» أيضا\n_________\n(١) أخرجه الطبريّ (١٠/ ١١٦) رقم (٢٧٦٦٠- ٢٧٦٦١)، وذكره ابن عطية (٤/ ٣٠٣)، وابن كثير (٣/ ٤٠٢)، والسيوطي (٥/ ٢٦٦)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس.\n(٢) أخرجه البخاري رقم (٤٧٧٣) والنسائي في «التفسير» (٤٠٦) .\nوأخرجه الطبريّ (١٠/ ١١٧) رقم (٢٧٦٨١)، وذكره البغوي (٣/ ٤٥٨)، وذكره ابن عطية (٤/ ٣٠٣)، وابن كثير (٣/ ٤٠٢)، والسيوطي (٥/ ٢٦٦)، وعزاه لابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، والبخاري، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في «الدلائل» من طرق عن ابن عباس.","vol":"4","page":286},{"text":"ومجاهد «١»: المعادُ: مكة، وفي البخاري بسنده عن ابن عباس: لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ: إلى مكة، انتهى. وهذه الآية نزلت بالْجُحْفَةِ كما تقدَّم، والمعاد: الموضع الذي يعاد إليه.\nوقوله تعالى: وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ هو تعديد نعم، والظهيرُ: المعينُ.\nوقوله تعالى: وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ: بأقوالهم ولا تَلْتَفِتْ نحوهم وامضِ لِشَأْنِكَ، وادعُ إلى ربك، وآيات الموادَعَةِ كلُّها منسوخةٌ.\nوقوله تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ قالت فرقة: المعنى: كلُّ شيءٍ هالكٌ إلا هو سبحانه قاله الطبري وجماعة منهم أبو المعالي﵀- وقال الزَّجَّاجُ: إلا إياه.\n_________\n(١) أخرجه الطبريّ (١٠/ ١١٧- ١١٨) رقم (٢٧٦٨٣- ٢٧٦٨٤- ٢٧٦٨٥)، وذكره البغوي (٣/ ٤٥٨)، وابن عطية (٤/ ٣٠٣)، وابن كثير (٣/ ٤٠٢)، والسيوطي (٥/ ٢٦٦) بنحوه، وعزاه للفريابي، وعبد بن حميد عن مجاهد. [.....]","vol":"4","page":287},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ٦١ أ/ وصلّى الله على سيّدنا ومولانا محمّد وآله\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1070>تفسير «سورة العنكبوت»</span>\nوهي مكّيّة إلا الصدر منها العشر الآيات فإنها مدنية نزلت في شأن من كان من المسلمين بمكة هذا أصحّ ما قيل هنا والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1071>[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ١ الى ٣]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ (٣)\nقوله تعالى: الم تقدم الكلام على هذه الحروف.\nوقوله تعالى: أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ نزلت هذه الآيةُ في قوم من المؤمنينَ بمكةَ وكان كفار قريش يؤذونهم، ويعذبونهم على الإسلام، فكانت صدورهم تضيق لذلك وربما استنكر بعضهم أن يُمَكِّنَ اللهُ الكفرةَ من المؤمنين.\nقال مجاهد وغيره: فنزلت هذه الآيةُ مسليةً، ومعلمةً أن هذه هي سيرة الله في عباده اختبارًا للمؤمنين، ليعلم الصادقَ من الكاذِبَ «١»، و«حِسبَ» بمعنى «٢»: ظَنَّ.\nوالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يريد بهم: المؤْمنين مع الأنبياء في سالف الدّهر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1072>[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٤ الى ٧]</span>\nأَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ (٤) مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٥) وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ (٦) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (٧)\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٤/ ٣٠٥) .\n(٢) في ج: معناه.","vol":"4","page":288},{"text":"وقوله تعالى: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أم: معادلةٌ للهمزة في قوله:\nأَحَسِبَ [العنكبوت: ٢] وكأنه تعالى قرر الفريقين: قرر المؤمنين على ظنهم أنهم لا يُفْتَنُوْنَ، وقرر الكافرين الذين يعملون السيئاتِ في تعذيب المؤمنين وغير ذلك على ظنهم أنهم يسبقون عقابَ الله تعالى ويعجزونه، ثم الآيةُ بَعْدَ تَعُمّ كلّ عاصٍ، وعاملٍ سيئةٍ من المسلمين وغيرهم، وفي الآية وعيد شديد للكفرة الفاتنين، وفي قوله تعالى:\nمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ تثبيت للمؤمنين، وباقي الآية بَيِّنٌ، والله الموفق.\nوقال ص: قول ع «١»: أم: معادِلة للألْفِ في قوله: أَحَسِبَ يقتضي أنها هنا متصلة وليس كذلك بل «أم» هنا: منقطعةٌ مقدرة ب «بل» للإضراب، بمعنى:\nالانتقال لا بمعنى الإبطال، وهمزة الاستفهام للتقرير والتوبيخ فلا تقتضي جوابًا، انتهى.\nوقوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ. إخبار عن المؤْمنين المهاجرين الذين هم في أعلى رتبة من الْبِدَارِ إلى الله تعالى نوه بهم﷿- وبحالهم ليقيم نفوس المتخلفين عن الهجرة وهم الذين فتنهم الكفار.\nوَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ، أي: ثواب أحسن الذي كانوا يعملون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1073>[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٨ الى ١١]</span>\nوَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ (٩) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ (١٠) وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ (١١)\nوقوله تعالى: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما رُوِيَ عن قتادةَ «٢» وغيره: أنها نزلت في شأن سعد بن أبي وقاص وذلك أنه هاجر فحلفت أمه أن لا تستظلَّ بظلٍّ حتى يرجع إليها ويكْفُرَ بمحمدٍ، فلجَّ هو في هجرته، ونزلت الآية.\nوقيل: بل نزلت في عياش بن أبي ربيعة وكانت قصته كهذه ثم خَدَعَهُ أبو جهل\n_________\n(١) ينظر: «المحرر» (٤/ ٣٠٦) .\n(٢) أخرجه الطبريّ (١٠/ ١٢٤) رقم (٢٧٧٠١)، وذكره ابن عطية (٤/ ٣٠٧)، والسيوطي (٥/ ٢٧٠) بنحوه، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة.","vol":"4","page":289},{"text":"ورده إلى أمه. الحديث في كتب السيرة، وباقي الآية بيِّن. ثم كرر تعالى التمثيلَ بحالة المؤْمنين العاملين ليحركَ النفوس إلى نيل مراتبهم.\n٦١ ب قال الثعلبي: قوله تعالى: لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ/ أي: في زُمْرَتهم.\nوقال محمد بن جرير «١»: في مدخل الصالحين: وهو الجنة.\nوقيل: فِي بمعنى: «مع» و«الصالحون»: هم الأنبياء والأولياء، انتهى.\nوقوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ إلى قوله: الْمُنافِقِينَ، نزلت في المتخلفين عن الهجرة المتقدِّم ذكرهم قاله ابن عباس «٢» . ثم قررهم تعالى على علمه بما في صدورهم، أي: لو كان يقينُهم تامًّا وإسلامُهم خالصًا لما توقَّفُوا ساعة ولَرَكِبُوا كلَّ هول إلى هجرتهم ودار نبيهم.\nوقوله تعالى: وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ هنا انتهى المدني من هذه السورة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1074>[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ١٢ الى ١٣]</span>\nوَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ وَما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١٢) وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمَّا كانُوا يَفْتَرُونَ (١٣)\nوقوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا ... الآية، رُوِيَ: أن قائلَ هذه المقالةِ هو: الوليد بن المغيرة، وقيل: بل كانت شائعة من كفار قريش لاتباع النبي ﷺ.\nوقوله تعالى: وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ ... الآية، لأنه يلْحق كل داع إلى ضلالة كفل منها حسبما صرّح به الحديث المشهور «٣» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1075>[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ١٤ الى ١٨]</span>\nوَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ وَهُمْ ظالِمُونَ (١٤) فَأَنْجَيْناهُ وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْناها آيَةً لِلْعالَمِينَ (١٥) وَإِبْراهِيمَ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٦) إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١٧) وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (١٨)\n_________\n(١) ينظر: «الطبريّ» (١٠/ ١٢٤) .\n(٢) أخرجه الطبريّ (١٠/ ١٢٥) رقم (٢٧٧٠٦) بنحوه، وذكره ابن عطية (٤/ ٣٠٨) بنحوه.\n(٣) تقدم تخريجه، وهو حديث: «من دعا إلى ضلالة ...» .","vol":"4","page":290},{"text":"وقوله تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ ... الآية، العطفُ بالفاءِ يقتضي ظاهرُه أنه لَبِثَ هذه المدةَ رسولًا يدعو إلى عبادة الله تعالى، والطُّوفانُ:\nالعظيمُ الطامي، ويقال ذلك لكل طامٍ خَرَجَ عن العادة من ماء، أو نار، أو موت.\nوقوله: وَهُمْ ظالِمُونَ يريد: بالشرك. ثم ذكر تعالى قصةَ إبراهيم ﵇ وقومِه، وذلك أيضًا تمثيل لقريش.\nوقوله تعالى: وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا قال ابن عباس «١»: هو نحت الأصنام.\nوقال مجاهد «٢»: هو اختلاق الكذب في أمر الأوثان وغير ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1076>[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ١٩ الى ٢٥]</span>\nأَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١٩) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠) يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (٢١) وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (٢٢) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ وَلِقائِهِ أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٢٣)\nفَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٤) وَقالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْواكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٢٥)\nوقوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ... الآية، هذه الحالةُ هي على ما يظهر مع الأحيان من إحياءِ الأرض، والنبات وإعادته ونحو ذلك مما هو دليل على البعث من القبور، ثم أمر تعالى نبيّه محمّدا ﷺ، ويحتملُ أن يكون إبراهيم ﵇ بأن يأمرهم على جهة الاحتجاج، بالسير في الأرضِ، والنظر في أقطارها، والنَّشْأَةَ الْآخِرَةَ: نشأةُ القيام من القبور.\nوقوله تعالى: وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ ... الآية، قال ابن\n_________\n(١) أخرجه الطبريّ (١٠/ ١٢٩) رقم (٢٧٧٢٠) بنحوه، وذكره ابن عطية (٤/ ٣١١)، وابن كثير (٣/ ٤٠٧) .\n(٢) أخرجه الطبريّ (١٠/ ١٢٩) رقم (٢٧٧١٩) بنحوه، وذكره ابن عطية (٤/ ٣١١)، والسيوطي (٥/ ٢٧٤) بنحوه، وعزاه للفريابي، وابن جرير عن مجاهد.","vol":"4","page":291},{"text":"زيد «١»: لا يعجزه أهلُ الأرض في الأرض، ولا أهلُ السَّمَاءِ في السماء إن عصوه. وقيل:\nمعناه: ولا في السماء لو كنتم فيها. وقيل: المعنى: ليس للبشر حيلةٌ إلى صعودٍ أو نزول يفلتون بها. قال قتادة: ذَمَّ الله قومًا هانوا عليه فقال: أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي ...\nالآية.\nقال ع «٢»: وما تَقَدَّمَ من قوله: أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ ... إلى هذه الآيةِ المستأَنفةِ يُحْتَمَلُ أَن يكونَ خطابًا لمحمد ﷺ، ويكون اعتراضا في قصَّة إبراهيم ﵇، ويحتمل أن يكونَ خطابًا لإبراهيم ﵇ ومحاورة لقومه وعند آخر ذلك ذكر جواب قومه.\nوقوله تعالى: فَأَنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ أي بأن جعلها بردًا وسلامًا.\nقال كعب «٣» الأحبار﵁-: ولم تحرقِ النارُ إلا الحبل الذي أو ثقوه به وجعل سبحانه ذلك آية، وعبرةً، ودليلًا على توحيده لِمن شرح صدره ويسره للإيمان. ثم ذكر تعالى أن إبراهيم﵇- قررهم على أنَّ اتخاذَهم الأوثانَ إنما كان اتباعًا من بعضهم لبعضٍ وحفظًا لمودتهم الدنيوية وأنهم يوم القيامة يَجْحَدُ بعضُهم بعضًا، ويتَلاَعَنُون لأن توادَّهم كان على غير تقوى، الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [الزخرف: ٦٧] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1077>[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٢٦ الى ٣٥]</span>\nفَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٦) وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧) وَلُوطًا إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ (٢٨) أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٩) قالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ (٣٠)\nوَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ (٣١) قالَ إِنَّ فِيها لُوطًا قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (٣٢) وَلَمَّا أَنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقالُوا لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلاَّ امْرَأَتَكَ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (٣٣) إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلى أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (٣٤) وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنْها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٣٥)\n_________\n(١) أخرجه الطبريّ (١٠/ ١٣١) رقم (٢٧٧٢٦) .\n(٢) ينظر: «المحرر» (٤/ ٣١٢) .\n(٣) أخرجه الطبريّ (١٠/ ١٣٢) رقم (٢٧٧٢٧) بنحوه، وذكره ابن عطية (٤/ ٣١٢- ٣١٣)، والسيوطي (٥/ ٢٧٤) بنحوه، وعزاه لكعب.","vol":"4","page":292},{"text":"وقوله تعالى: فَآمَنَ لَهُ/ لُوطٌ معناه: صدق، وآمن: يتعدى باللام والباء، والقائل ٦٢ أإِنِّي مُهاجِرٌ هو إبراهيم ﵇. قاله قتادةُ والنخعيُّ «١» وقالت فرقةٌ: هو لوط﵇-.\nوقوله تعالى: وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا ... الآية، الأجرُ الذي آتاهُ الله في الدنيا: العافيةُ من النار ومن المَلِكِ الجائرِ. والعملُ الصالحُ أو الثناءُ الحسنُ قاله مجاهد «٢» ويدخل في عموم اللفظ غيرُ ما ذُكِرَ.\nقوله تعالى: وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ، أي: في عداد الصالحين الذين نالوا رضا الله ﷿، وقول لوط ﵇: أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ، قالت فرقة: كان قطعُ الطريقِ بالسلب فاشيًا فيهم، وقيل غيرُ هذا، والنادي، المجلس الذي يجتمع الناس فيه. واخْتُلِفَ في هذا المُنْكَرِ الذي يأتونه في ناديهم: فقالت فرقة: كانوا يحذفونَ الناسَ بالحصباءِ ويَسْتَخِفُّونَ بالغريب والخاطر عليهم وروته أم هانىءٍ عن النبي ﷺ»\n: وَكَانَتْ خُلقهُمْ مُهْمَلَةً لاَ يَرْبِطُهُمْ دِينٌ وَلاَ مروءة، وقال\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٤/ ٣١٤) .\n(٢) أخرجه الطبريّ (١٠/ ١٣٤) رقم (٢٧٧٣٥) بنحوه، وذكره ابن عطية (٤/ ٣١٤)، وابن كثير (٣/ ٤١١) . [.....]\n(٣) أخرجه الترمذيّ (٥/ ٣٤٢) كتاب التفسير: باب «ومن سورة العنكبوت»، حديث (٣١٩٠)، وأحمد (٦/ ٣٤١)، والطبريّ في «تفسيره» (١٠/ ١٣٦) رقم (٢٧٧٤٥)، والحاكم (٢/ ٤٠٩)، والطبراني في «الكبير» (٢٤/ ٤١١- ٤١٢) رقم (١٠٠٠، ١٠٠١، ١٠٠٢) كلهم من طريق أبي صالح مولى أم هانىء عن أم هانىء به..\nوقال الترمذيّ: حديث حسن.\nوصححه الحاكم، ووافقه الذهبي.\nوذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٢٧٦)، وزاد نسبته إلى الفريابي، وعبد بن حميد، وابن أبي الدنيا في «الصمت»، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والشاشي في «مسنده»، وابن مردويه، والبيهقي في «الشعب»، وابن عساكر.","vol":"4","page":293},{"text":"مجاهد «١»: كانوا يأتون الرجالَ في مَجَالِسِهِمْ وبعضُهُمْ يرى بَعْضًا.\nوقال ابن عباس «٢»: كانوا يَتَضَارَطُونَ ويَتَصَافَعُونَ في مجالسهم، وقيل غير هذا، وقد تقدم قصص الآيةِ مكَرِّرًا والرجزُ: العذابُ.\nوقوله تعالى: وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنْها أي: من خبرها وما بقي من آثارها، والآية:\nموضع العبرة، وعلامة القدرة، ومزدجر النفوس عن الوقوع في سخط الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1078>[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٣٦ الى ٤١]</span>\nوَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْبًا فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٣٦) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (٣٧) وَعادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (٣٨) وَقارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهامانَ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَما كانُوا سابِقِينَ (٣٩) فَكُلًاّ أَخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)\nمَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٤١)\nوقوله تعالى: وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْبًا فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ ... الآية، الرجاء في الآية: على بابه، وذهب أبو عُبَيْدَةَ إلى أن المعنى: وخافوا، وتَعْثَوْا معناه: تفسدوا، والسَّبِيلِ: هي طريق الإيمان، ومنهجُ النجاة من النار، وما كانُوا سابِقِينَ، أي: مفلتين أخذنا وعقابنا، وقيل: معناه: وما كانوا سابقينَ الأمَمَ إلى الكُفْر، وباقي الآية بيّن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1079>[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٤٢ الى ٤٥]</span>\nإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤٢) وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلاَّ الْعالِمُونَ (٤٣) خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٤٤) اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ (٤٥)\n_________\n(١) أخرجه الطبريّ (١٠/ ١٣٧) رقم (٢٧٧٥٢)، وذكره البغوي (٣/ ٤٦٦)، وابن عطية (٤/ ٣١٥)، والسيوطي (٥/ ٢٧٦)، وعزاه للفريابي، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والخرائطي في «مساوئ الأخلاق» عن مجاهد.\n(٢) ذكره ابن عطية (٤/ ٣١٥) .","vol":"4","page":294},{"text":"وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ، قيل: معناه: إن الله يعلم الذين تدعون من دونه من جميع الأشياء، وقيل: ما نافية وفيه نظر، وقيل: ما استفهامية، قال جابر: قال النبيُّ ﷺ في قوله تعالى: وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ: العَالِمُ:\nمَنْ عَقَلَ عَنِ اللهِ تعالى فَعَمِلَ بطاعته وانتهى عن معصيته.\nوقوله تعالى: خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ أي: لا للعبث واللعب بل ليدل على سلطانه وتثبيت شرائعه، ويضع الدلالة لأهلها ويعم بالمنافع إلى غير ذلك مما لا يحصى عدًا. ثم أمر تعالى نبيه ﵇ بالنفوذ لأمره وتلاوة القرآن الذي أُوحِيَ إليه، وإقامة الصلاة، أي: إدامتها والقيام بحدودها. ثم أخبر سبحانه حُكْمًا منه أن الصلاة تنهى صاحبَها وممتثلَها عن الفحشاء والمنكر.\nقال ع «١»: وذلك عندي بأن المصلي إذا كان على الواجبِ من الخشوعِ، والإخبات «٢» وتذكرِ الله، وَتَوَهِّمِ الوقوف بين يديه، وإنَّ قلبه وإخلاصه مُطّلَعٌ عليه مَرْقُوبٌ صَلُحَتْ لذلك نَفْسُهُ، وتذلَّلَتْ، وخَامَرَها ارتقابُ الله تعالى فاطَّرَدَ ذلك في أقواله، وأفعاله، وانتهَى عن الفحشاء والمنكر، ولم يكَدْ يَفْتُرُ من ذلك حتى تظله صلاةٌ أخْرى يرجع بها إلى أفضل حاله فهذا معنى هذا الإخبار لأن صلاةَ المؤمن هكذا ينبغي أن تكون، وقد رُوِيَ عن بعض السلف: أنه كان إذا أقام الصلاة ارتعد، واصفر لونُه، فكُلِّم في ذلك، فقال: إني أقف بين يدي الله تعالى.\nقال ع «٣»: فهذه صلاة تنهى- ولا بد- عن الفحشاء/ والمنكر، وأما من كانت ٦٢ ب صلاته دائرةً حول الإجزاء، بلا تذكر ولا خشوع، ولا فضائل فتلك تترك صاحبَها من منزلته حيثُ كانَ.\nوقوله تعالى: وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ قال ابن عباس «٤» وأبو الدرداء «٥» وسلمان «٦» وابن\n_________\n(١) ينظر: «المحرر» (٤/ ٣١٩) .\n(٢) أخبت لله: خشع. وأخبت إلى ربه أي اطمأن إليه. والإخبات: الخشوع والتواضع.\nينظر: «لسان العرب» ١٠٨٧.\n(٣) ينظر: «المحرر» (٤/ ٣١٩) .\n(٤) أخرجه الطبريّ (١٠/ ١٤٦) رقم (٢٧٧٩٠)، وذكره البغوي (٣/ ٤٦٩)، وابن عطية (٤/ ٣٢٠)، وابن كثير (٣/ ٤١٥)، والسيوطي (٥/ ٢٨٠)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس.\n(٥) أخرجه الطبريّ (١٠/ ١٤٧) رقم (٢٧٨٠١) بنحوه، وذكره ابن عطية (٤/ ٣٢٠)، وابن كثير (٣/ ٤١٥)، والسيوطي (٥/ ٢٨١)، بنحوه، وعزاه لابن أبي شيبة، وابن جرير عن أبي الدرداء.\n(٦) أخرجه الطبريّ (١٠/ ١٤٧) رقم (٢٧٨٠٢)، وذكره ابن عطية (٤/ ٣٢٠)، وابن كثير (٣/ ٤١٥) .","vol":"4","page":295},{"text":"مسعود «١» وأبو قرة «٢»: معناه: ولذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه.\nوقيل: معناه: ولذكر الله أكبر مع المداومة من الصلاة في النهي عن الفحشاء والمنكر. وقال ابن زيد وغيره: معناه: ولذكر الله أكبر «٣» من كل شيء. وقيل لسلمان: أيُّ الأعمالِ أفضل؟ فقال: أَمَا تَقْرَأُ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ. والأحاديثُ في فَضْلِ الذّكْر كثيرةٌ لا تنحصر.\nوقال ابن العربي في «أحكامه» «٤»: قوله: ولَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ فيه أربعة أقوال:\nالأول: ذكر الله لكم أفضلُ من ذكرِكم له أضاف المصدر إلى الفاعل.\nالثاني: ذكر الله أفضل من كل شيء.\nالثالث: ذكر الله في الصلاة أفضل من ذكره في غيرها يعني: لأنهما عبادتان.\nالرابع: ذكر الله في الصلاة أكبر من الصلاة وهذه الثلاثة الأخيرة من إضافة المصدر إلى المفعول، وهذه كلها صحيحةٌ، وإن للصلاةِ بركةً عظيمةً، انتهى.\nقال ع «٥»: وعندي، أن المعنى: ولذكر الله أكبر على الإطلاق، أي: هو الذي ينهى عن الفحشاء والمنكر، فالجُزء الذي منه في الصلاة يفعل ذلك، وكذلك يفعل في غير الصلاة، لأنَّ الانتهاءَ لا يكونُ إلا من ذَاكِرٍ للَّهِ تعالى، مراقب له، وثوابُ ذلك الذكر أن يذكُرَه الله تعالى، كما في الحديث الصحيح: «ومن ذَكَرَنِي فِي مَلإِ ذَكَرْتُهُ فِي مَلإِ خَيْرٍ مِنْهُمْ» «٦» والحركاتُ التي في الصلاة لا تأثيرَ لها في نهي، والذكرُ النافع هو مع العلم وإقبال القلب وتفرُّغه إلا من الله تعالى. وأما ما لا يتجاوز اللسانَ ففي رتبة أخرى، وذكر الله تعالى للعبد هو إفاضةُ الهدى ونور العلم عليه وذلك ثمرة ذكر العبد ربّه.\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٤/ ٣٢٠)، وابن كثير (٣/ ٤١٥)، والسيوطي (٥/ ٢٨٠)، وعزاه لابن أبي شيبة، وعبد الله بن أحمد بن حنبل في «زوائد الزهد»، وابن جرير عن ابن مسعود.\n(٢) أخرجه الطبريّ (١٠/ ١٤٧) رقم (٢٧٨٠٣)، وذكره ابن عطية (٤/ ٣٢٠)، والسيوطي (٥/ ٢٨٠)، وعزاه لعبد بن حميد وابن جرير عن جابر قال: سألت أبا قرة.\n(٣) ذكره ابن عطية (٤/ ٣٢٠) .\n(٤) ينظر: «أحكام القرآن» (٣/ ١٤٨٧) .\n(٥) ينظر: «المحرر» (٤/ ٣٢٠) . [.....]\n(٦) تقدم تخريجه، وهو حديث: «أنا عند ظن عبدي بي» .","vol":"4","page":296},{"text":"قال الله ﷿: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ [البقرة: ١٥٢] .\nوعبارة الشيخ ابن أبي جمرة: وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ معناه: ذكره لك في الأزل أن جعلك من الذاكرينَ له أكبرٌ من ذكرِك أنت الآن له، انتهى.\nقال القُشَيْريُّ في «رسالته»: الذكر ركن قوي في طريق الحق سبحانه وهو العمدة في هذا الطريق ولا يصل أحد إلى الله سبحانه إلا بدوام الذكر، ثم الذكرُ على ضربين: ذكر باللسان، وذكرٌ بالقلب، فذكر اللسان: به يصل العبد إلى استدامة ذكر القلب، والتأثيرُ لذكر القلب، فإذا كان العبد ذاكرًا بلسانه، وقلبه فهو الكامل في وصفه، سمعتُ أبا علي الدقاق يقول: الذكر منشورُ الولاية، فمن وُفِّقَ للذكر فقد وُفِّقَ للمنشور ومن سُلِبَ الذكرَ فقد عُزِلَ، والذكر بالقلب مستدام في عموم الحالات. وأسند القشيريُّ عن المظفر الجصاص قال: كنت أنا ونصرَ الخراط ليلةً في موضع فتذاكرنا شَيْئًا من العلم فقال الخراط:\nالذاكر للَّه تعالى فائدته في أول ذكره: أنْ يعلمَ أنَّ الله ذكَره فبذكر الله له ذِكرُه، قال:\nفخالفته، فقال: لو كان الخضرُ هاهنا لشهد لصحته، قال: فإذا نحن بشيخٍ يجيء بين السماء والأرض، حتى بلغ إلينا وقال: صدق الذاكر للَّه بفضل الله، وذكره له ذكرَه، فعلمنا أنه الخضر ﵇، انتهى. وباقي الآيةِ ضَرْبٌ من التَوعُّدِ وحثٌّ على المراقبةِ، قال البَاجِيُّ في «سنن الصالحين»: / قال بعض العلماء: إن الله ﷿ يقول: «أيّما عبد ٦٣ أاطّلعت عَلَى قَلْبِهِ فَرَأَيْتُ الغَالِبَ عَلَيْهِ التَّمَسُّكَ بِذِكْرِي تَوَلَّيْتُ سِيَاسَتَهُ، وَكُنْتُ جَلِيسَهُ وَمُحَادِثَهُ وَأَنِيسَهُ» . انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1080>[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٤٦ الى ٤٩]</span>\nوَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٤٦) وَكَذلِكَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ الْكافِرُونَ (٤٧) وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨) بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ الظَّالِمُونَ (٤٩)\nوقوله تعالى: وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ هذه الآية مَكيةٌ، ولم يكن يومئذٍ قتالٌ، وكانتِ اليهودُ يومئذٍ بمكة وفيما جاورها، فربما وقع بينهم وبين بعض المؤمنين جدالٌ واحتجاجٌ في أمر الدينِ وتكذيب، فأَمر الله المؤمنين ألا يجادلوهم إلا بالتي هي أحسن دعاءً إلى الله تعالى وملاينةً، ثم استثنى من ظلم منهم المؤمنين وحصلت منه أذية فإن هذه الصنيفة استُثْنِيَ لأهل الإسلام معارضَتُهَا بالتغيير عليها،","vol":"4","page":297},{"text":"والخروج معها عن التي هي أحسن. ثم نُسِخَ هذا بَعْدُ بآية القتال وهذا قول قتادة «١» وهو أحسن ما قيل في تأويل الآية.\nت: قال عزُّ الدين بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ في «اختصاره لقواعد الأحكام» «٢»: فائدة: لا يجوز الجدال والمناظرة إلا لإظهار الحقِّ ونُصْرَتِهِ ليُعْرَفَ ويُعْمَلَ به، فمن جادل لذلك فقد أطاع، ومن جادَلَ لغرضٍ آخر، فقد عصى وخَابَ، ولا خير فيمن يتحيَّلُ لِنُصْرَةِ مذهبه مع ضعفه وبُعْدِ أدلته من الصواب، انتهى.\nتنبيه: رَوَى الترمذيُّ عن النبيِّ ﷺ أنه قَالَ: «الحَيَاءُ وَالْعِيُّ: شُعْبَتَانِ مِنَ الإيمَانِ، والبَذَاءُ وَالبَيَانُ شُعْبَتَانِ مِنَ النَّفَاقِ» «٣» . وروى أبو داود والترمذيّ عن النبيّ ﷺ أنه قال: «إنَّ اللهَ يَبْغَضُ البَلِيغَ مِنَ الرِّجَالِ الَّذِي يَتَخَلَّلُ بِلِسَانِهِ كَمَا تَتَخَلَّلُ البَقَرَةُ بلسانها» حديث «٤»\n_________\n(١) أخرجه الطبريّ (١٠/ ١٥٠) رقم (٢٧٨٢٢) بنحوه، وذكره البغوي (٣/ ٤٧٠) بنحوه، وابن عطية (٤/ ٣٢١) بنحوه، وابن كثير بنحوه (٣/ ٤١٥)، والسيوطي (٥/ ٢٨٢)، وعزاه لأبي داود في «ناسخه»، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن الأنباري في «المصاحف» عن قتادة.\n(٢) قال «المقري» في «قواعده»: لا يجوز التعصب إلى المذاهب بالانتصاب للانتصار بوضع الحجاج، وتقريبها على الطرق الجدلية مع اعتقاد الخطأ، أو المرجوحية عند المجيب، كما يفعله أهل الخلاف، إلا على وجه التدريب على نصب الأدلة، والتعليم لسلوك الطريق بعد بيان ما هو الحق، فالحق أعلى من أن يعلى، وأغلب من أن يغلب. وقال أيضا: ولا يجوز رد الأحاديث إلى المذاهب على وجه ينقص من بهجتها، ويذهب بالثقة بظاهرها فإن ذلك إفساد لها، وغض من منزلتها، لا أصلح الله المذاهب بفسادها، ولا رفعها بخفض درجاتها، فكل كلام يؤخذ منه ويرد إلا ما صح لنا عن سيدنا رسول الله ﷺ، بل لا يجوز الرد مطلقا لأن الواجب أن ترد المذاهب إليها كما قال «الإمام الشافعي»، لا أن ترد هي إلى المذاهب ولله درّ علي﵁- أي بحر علم ضم جنباه! - إذ قال لكميل بن زياد لما قال له: أترانا نعتقد أنك على الحق، وأن طلحة، والزبير على الباطل؟!: اعرف الرجل بالحق، ولا تعرف الحق بالرجال، اعرف الحق تعرف أهله.\nوما أحسن قول أرسطو لما خالف أستاذه أفلاطون: تخاصم الحقّ وأفلاطون، وكلاهما صديق لي، والحق أصدق منه. انظر «القواعد» (٢/ ٣٩٧) وما بعدها بتصرف، وينظر: «القواعد الصغرى» بتحقيقنا ص ١٠٩.\n(٣) أخرجه الترمذيّ (٤/ ٣٧٥) كتاب البر والصلة: باب ما جاء في العي، حديث (٢٠٢٧)، وأحمد (٥/ ٢٦٩)، والحاكم (١/ ٩)، والبغوي في «شرح السنة» (٦/ ٤١٠- بتحقيقنا) كلهم من طريق محمد بن مطرف أبي غسان عن حسان بن عطية عن أبي أمامة مرفوعا.\nوقال الترمذيّ: هذا حديث حسن غريب، إنما نعرفه من حديث أبي غسان محمد بن مطرف.\nوقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.\n(٤) أخرجه أبو داود (٢/ ٧٢٠) كتاب الأدب: باب ما جاء في المتشدق في الكلام، حديث (٥٠٠٥)، والترمذيّ (٥/ ١٤١) كتاب الأدب: باب ما جاء في الفصاحة والبيان، حديث (٢٨٥٣)، وأحمد (٢/ ١٦٥، ١٨٧) من طريق نافع بن عمر الجمحي عن بشر بن عاصم عن أبيه عن عبد الله بن عمرو مرفوعا.\nوقال الترمذيّ: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.","vol":"4","page":298},{"text":"غريب، انتهى وهما في «مصابيح البغوي» . وروى أبو داودَ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ تَعَلَّمَ صَرْفَ الكَلاَمِ لِيَسْبِيَ بِه قُلُوبَ الرِّجَالِ، أَوِ النَّاسِ- لَمْ يَقْبَلِ اللهُ مِنْهُ يَوْمَ القِيَامَةِ صَرْفًا وَلاَ عَدْلًا» «١» انتهى.\nوقوله تعالى: وَقُولُوا آمَنَّا الآية، قال أبو هريرة: كان أهل الكتاب يقرؤون التوراةَ بالعبرانيةِ ويفسرونها بالعربية للمسلمين، فقال النبيُّ ﷺ: «لاَ تُصَدِّقُوا أَهْلَ الْكِتَابِ، وَلاَ تُكَذِّبُوهُمْ «٢»»، وقُولُوا: آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ» وَرَوَى ابنُ مسعود أن النبيّ ﷺ قال: «لاَ تَسْأَلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ عَنْ شَيْءٍ، فَإنَّهُمْ لَنْ يَهْدُوْكُمْ وَقَدْ ضَلُّوا: إمَّا أَنْ تُكَذِّبُوا بِحَقٍّ، وإمَّا أَنْ تُصَدِّقُوا بِبَاطِلٍ» «٣» .\nوقوله تعالى: فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يريدُ: التوراة والإنجيل كانوا في وقت نزول الكتاب عليهم يؤمنون بالقرآن. ثم أخبر عن معاصري نبينا محمد ﷺ أن منهم أيضًا مَنْ يؤمن به ولم يكونوا آمنوا بَعْدُ، ففي هذا إخبارٌ بغيب بَيَّنَه الوجودُ بَعْدَ ذلك.\nقوله تعالى: وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا الْكافِرُونَ يُشْبِهُ أَن يُرَادَ بهذا الانحناءِ كفارُ قريش. ثم بيَّن تَعَالى الحجةَ وأوضحَ البرهانَ: أَن مما يقوى أَنَّ نزولَ هذا القرآن مِن عِنْدِ الله أن محمدًا﵇- جاء به في غاية الإعجاز والطُّول والتَّضَمُنِ للغيوب، وغير ذلك؟ وهو أمِّيَّ لا يقرأ ولا يكتب ولا يتلو كتابًا/ ولا يخط حروفًا ولا سبيلَ له إلى ٦٣ ب التعلم، ولو كان ممن يقرأ أو يخط، لارتاب المبطلون، وكان لهم في ارتيابهم مُعَلَّق، وأما ارتيابهُم مع وضوحِ هذهِ الحجةِ فظاهرٌ فساده.\nقوله تعالى: بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ يعني: القرآن، ويحتمل أن يعودَ على أمر محمد ﷺ والظَّالِمُونَ والْمُبْطِلُونَ يعمّ لفظهما كلّ مكذّب للنبي ﷺ، ولكنّ عظم\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (٢/ ٧٢٠) كتاب الأدب: باب ما جاء في المتشدق في الكلام، حديث (٥٠٠٦) من حديث أبي هريرة.\n(٢) أخرجه البخاري (١٣/ ٣٤٥) كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة: باب قول النبي ﷺ: «لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء»، حديث (٧٣٦٢) وفي (١٣/ ٥٢٥) كتاب التوحيد: باب ما يجوز من تفسير التوراة، حديث (٧٥٤٢)، والطبريّ في «تفسيره» (١٠/ ١٥١) رقم (٢٧٨٢٣) من حديث أبي هريرة.\nوذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٢٨٢)، وزاد نسبته إلى النسائي، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في «الشعب» .\n(٣) أخرجه الطبريّ في «تفسيره» (١٠/ ١٥١) رقم (٢٧٨٢٥)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٢٨٢)، وزاد نسبته إلى عبد الرزاق.","vol":"4","page":299},{"text":"الإشارةَ بهما إلى قريش لأنهم الأهم قاله مجاهد «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1081>[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٥٠ الى ٥٢]</span>\nوَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١) قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٥٢)\nوَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ الضمير في: قالُوا لقريش ولبعض اليهود لأنهم كانوا يعلِّمون قريشًا مثل هذه الحجة على ما مر في غير ما موضع. ثم احتج عليهم في اقتراحهم آية بأمر القرآن الذي هو أعظم الآيات ومعجز للجن والإنس فقال سبحانه:\nأَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ ... الآية.\nوقوله: آمَنُوا بِالْباطِلِ يريد: الأصنام وما في معناها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1082>[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٥٣ الى ٥٦]</span>\nوَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ الْعَذابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٥٣) يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ (٥٤) يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٥) يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (٥٦)\nوقوله تعالى: وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ يريد: كفارَ قريش، وباقي الآية بَيِّنٌ مما تقدم مكرّرًا والله الموفق بفضله. وبَغْتَةً: معناه: فجأة: وهذا هو عذاب الدنيا كيوم بدر ونحوه. ثم توعدهم سبحانه بعذاب الآخرة في قوله: يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ ... الآية.\nوقوله تعالى: يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ ...\nالآيات، هذه الآيات نزلت في تحريض المؤمنين الكائنين بمكَّة على الهجرة. قال ابن جبير «٢»، وعطاء «٣» ومجاهد «٤»: إن الأَرْض التي فيها الظلم والمنكر تترتب فيها هذه الآية وتلزم\n_________\n(١) أخرجه الطبريّ (١٠/ ١٥٢) رقم (٢٧٨٣٢) بنحوه، وذكره ابن عطية (٤/ ٣٢٢)، والسيوطي (٥/ ٢٨٣) بنحوه، وعزاه لابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد.\n(٢) أخرجه الطبريّ (١٠/ ١٥٦) رقم (٢٧٨٤٥- ٢٧٨٤٦) بنحوه، وذكره البغوي (٣/ ٤٧٢) بنحوه، وابن عطية (٤/ ٣٢٤)، والسيوطي (٥/ ٢٨٥) بنحوه، وعزاه لابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير.\n(٣) أخرجه الطبريّ (١٠/ ١٥٦) رقم (٢٧٨٤٧) بنحوه، وذكره البغوي (٣/ ٤٧٢) بنحوه، وابن عطية (٤/ ٣٢٤)، والسيوطي (٥/ ٢٨٥)، وعزاه لابن أبي الدنيا في «العزلة»، وابن جرير عن عطاء.\n(٤) أخرجه الطبريّ (١٠/ ١٥٦) رقم (٢٧٨٤٩) بنحوه، وذكره البغوي (٣/ ٤٧٢) بنحوه، وابن عطية (٤/ ٣٢٤)، والسيوطي (٥/ ٢٨٥)، وعزاه للفريابي، وابن جرير عن مجاهد.","vol":"4","page":300},{"text":"الهجرةُ عنها إلى بلد حق وقاله «١» مالك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1083>[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٥٧ الى ٦٣]</span>\nكُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (٥٨) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٥٩) وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٠) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٦١)\nاللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٢) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (٦٣)\nوقوله سبحانه: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ تحقيرٌ لأمرِ الدنيا ومخاوفِها، كأن بعضَ المؤمنين نظر في عاقبةٍ تلحقه في خروجه من وطنه أنه يموت أو يجوع ونحو هذا فحقَّر الله سبحانه شَأْنَ الدنيا، أي وأنتم لا محالة ميتون ومُحْشَرُون إلينا، فالبِدَارُ إلى طاعة الله والهجرة إليه أولى ما يُمْتَثَلُ. ذكر هشامُ بنُ عبْدِ اللَّهِ القرطبيُّ في تاريخه المسمى ب «بهجة النفس» قال: بينما المنصور جالسٌ في منزله في أعلى قصره إذ جاءه سهم عائر فسقط بين يديه فذُعِرَ المنصورُ منه ذُعْرًا شديدًا، ثم أخذه فجعل يقلّبه، فإذا مكتوبٌ عليه بين الرِّيشَتَيْنِ: [الوافر]\nأَتَطْمَعُ في الحياة إلى التنادي ... وتحسب أنّ ما لك مِنْ مَعَادِ\nسَتُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِكَ وَالْخَطَايَا ... وَتُسْأَلُ بَعْدَ ذَاكَ عَنِ الْعِبَادِ\nومن الجانب الآخر: [البسيط]\nأَحْسَنْتَ ظَنَّكَ بِالأَيَّامِ إذْ حَسُنَتْ ... وَلَمْ تَخَفْ سُوءَ مَا يَأْتِي بِهِ الْقَدَرُ\nوَسَاعَدَتْكَ اللَّيَالِي فاغتررت بِهَا ... وَعِنْدَ صَفْوِ اللَّيَالِي يَحْدُثُ الكَدَرُ\nوفي الآخر: [البسيط]\nهِيَ الْمَقَادِيرُ تَجْرِي فِي أَعِنَّتِهَا ... فاصبر فَلَيْسَ لَهَا صَبْرٌ على حَالِ\nيَوْمًا تُرِيكَ خَسِيسَ القَوْمِ تَرْفَعُه ... إلَى السَّمَاءِ وَيَوْمًا تَخْفِضُ العَالِي\n/ ثم قرأ على الجانب الآخر من السهم: [البسيط]\nمَنْ يَصْحَبِ الدَّهْرَ لاَ يَأْمَنْ تَصَرُّفَهُ ... يَوْمًا فَلِلدَّهْرِ إحْلاَءٌ وإمرار\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٤/ ٣٢٤) .","vol":"4","page":301},{"text":"لِكُلِّ شَيْءٍ وَإنْ طَالَتْ سَلاَمَتُهُ ... إذَا انتهى مَدُّهُ لاَ بُدَّ إقْصَارُ\nانتهى.\nوقرأ حمزة «١»: «لنثوينهم من الجنة غرفا»: من أثوى يُثْوِي بمعنى: أقام.\nوقوله تعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ ... الآية: تحريضٌ على الهجرة لأَن بعضَ المؤمنين فكَّر في الفقر والجوع الذي يلحقه في الهجرة، وقالوا: غربةٌ في بلد لاَ دَارَ لنا فيه ولا عقار، ولا من يطعم، فمثل لهم بأَكثر الدواب التي لا تتقوت ولا تدخر، ثم قال تعالى: اللَّهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ فقوله: لاَّ تَحْمِلُ يجوز أن يريدَ مِن الحَمْلِ، أي: لا تَنْتَقِلُ ولا تنظر في ادخاره.\nقاله مجاهد «٢» وغيره. «٣»\nقال ع: والادِّخار ليسَ من خُلُق الموقنين، وقد قال رسول الله ﷺ لاِبْنِ عُمَرَ: «كَيْفَ بِكَ إذَا بَقِيتَ فِي حُثَالَةِ منَ النَّاسِ يُخَبِّئُونَ رِزْقَ سَنَةٍ بِضَعْف اليَقِينِ» «٤»، ويجوز أن يريدَ من الحمالة أي: لا تتكفّل لنفسها.\nقال الداوديّ: وعن علي بن الأقمر: لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا أي: لا تدخر شيئًا لغدٍ، انتهى. وفي الترمذي عن عمر بْنِ الخَطَّابِ قال: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «لَوْ أَنَّكُمْ تَتَوكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ، لَرُزِقْتُمْ كَمَا تُرْزَقُ الطَّيْرُ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا» «٥» . قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حَسَنٌ صحيح. انتهى.\n_________\n(١) ينظر: «السبعة» (٥٠٤)، و«الحجة» (٥/ ٤٣٨)، و«إعراب القراءات» (٢/ ١٩٠)، و«معاني القراءات» (٢/ ٢٦١)، و«شرح الطيبة» (٥/ ١٢٩)، و«العنوان» (١٥٠)، و«حجة القراءات» (٥٥٤)، و«شرح شعلة» (٥٣٨)، و«إتحاف» (٢/ ٣٥٢) . [.....]\n(٢) أخرجه الطبريّ (١٠/ ١٥٨) رقم (٢٧٨٥٣) بنحوه، وذكره ابن عطية (٤/ ٣٢٥) .\n(٣) ينظر: «المحرر» (٤/ ٣٢٥) .\n(٤) تقدم.\n(٥) أخرجه الترمذيّ (٤/ ٥٧٣) كتاب الزهد: باب في التوكل على الله، حديث (٢٣٤٤)، وابن ماجه (٢/ ١٣٩٤)، كتاب الزهد: باب التوكل واليقين، حديث (٤١٦٤)، وأحمد (١/ ٣٠)، وأبو يعلى (١/ ٢١٢)، رقم (٢٤٧)، وابن حبان (٢/ ٥٠٩) رقم (٧٣٠)، وابن المبارك في «الزهد» (ص: ١٩٦- ١٩٧) رقم (٥٥٩)، والحاكم (٤/ ٣١٨)، وأبو نعيم (١٠/ ٦٩)، والقضاعي في «مسند الشهاب» رقم (١٤٤٥)، والبغوي في «شرح السنة» (٧/ ٣٢٨- بتحقيقنا) كلهم من حديث عمر بن الخطاب. وقال الترمذيّ: هذا حديث حسن صحيح.","vol":"4","page":302},{"text":"ثم خاطب تعالى في أمر الكفار وإقامة الحجة عليهم، بأَنهم إن سُئِلوا عن الأمور العظام التي هي دلائل القدرة، لم يكن لهم إلا التسليم بأنها لله تعالى، ويُؤْفَكُونَ معناه:\nيصرفون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1084>[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٦٤ الى ٦٩]</span>\nوَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤) فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥) لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٦٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ (٦٧) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ (٦٨)\nوَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)\nوقوله تعالى: وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وصفَ اللهُ تعالى الدنيا في هذه الآيةِ بأنها لهوٌ ولعب، أي: ما كان منها لغير وجه الله تعالى وأما مَا كان للَّه تعالى فهو من الآخرة، وأما أمورُ الدنيا التي هي زائدة على الضروري الذي به قِوَامُ العَيْشِ، والقوةُ على الطاعات فإنما هي لهو ولعب، وتأملْ ذلك في الملابِس والمطاعِم، والأقوال، والمكتسبات، وغير ذلك، وانظر أن حالةَ الغني والفقير من الأمور الضرورية واحدة:\nكالتنفسِ في الهواء، وسد الجوع، وستر العورة، وتَوَقِّي الحر والبرد هذه عظم أمر العيش والْحَيَوانُ والْحَياةُ بمعنًى، والمعَنى: لا موت فيها، قاله مجاهد وهو حسن «١»، ويقال: أصله: حييان فأبدلت إحداهما واوًا لاجتماع المِثْلَين. ثم وقَفَهُمْ تعالى على حالهم في البحر عند الخوف العظيم ونسيانهم عند ذلك للأصنام، وغيرها، على ما تقدم بيانه في غير هذا الموضع: ولِيَكْفُرُوا نصبٌ ب «لام كي» ثم عدَّد تعالى على كَفَرَةِ قريش نعمتَه عليهم في الحَرَمِ و«المثوى»: موضع الإقامة، وألفاظ هذه الآية في غايةِ الاقْتِضَابِ والإيجاز وجمع المعاني. ثم ذكر تعالى حالَ أوليائه والمجاهدين فيه.\nوقوله: فِينا معناه: في مرضاتنا وبغيةِ ثوابِنا.\nقال السدي وغيره: نزلت هذه الآيةُ قبل فَرضِ «٢» القتال.\nقال ع «٣»: فهي/ قَبْلَ الجهادِ العَرْفي وإنما هو جِهَاد عامُّ في دين الله وطلب ٦٤ ب مرضاته.\n_________\n(١) أخرجه الطبريّ (١٠/ ١٥٩) رقم (٢٧٨٥٨)، وذكره ابن عطية (٤/ ٣٢٥) .\n(٢) ذكره ابن عطية (٤/ ٣٢٦) .\n(٣) ينظر: «المحرر» (٤/ ٣٢٦) .","vol":"4","page":303},{"text":"قال الحسن بن أبي الحسن «١»: الآيةُ في العُبَّادِ. وقال إبراهيم بن أدهم: هي في الذين يعملون بما علموا «٢» . وقال أبو سليمان الدَّارانيُّ: ليس الجهادُ في هذه الآية قتالَ العدو فقط بل هو نَصْرُ الدِّين والردُّ على المبطلينَ وقمعُ الظالمينَ وأعظمُه الأمر بالمعروفِ، والنهيُ عن المنكرِ، ومنه مجاهدةُ النفوسِ في طاعة الله ﷿ وهو الجهاد الأكبر قاله الحسن «٣» وغيره، وفيه حديث عن النبيّ ﷺ «رَجَعْتُمْ مِنَ الْجِهَادِ الأَصْغَرِ إلَى الْجِهَادِ الأَكْبَرِ» «٤» و«السُّبل» هنا يحتملُ أن تكونَ طُرَقَ الجنةِ ومَسَالِكَهَا، ويحتملُ أن تكونَ سبلَ الأعمال المؤَدِّيَةِ إلى الجنةِ، قال يوسف بن أسباط: هي إصلاح النيّة في الأعمال، وحب التَزَيُّدِ والتَفَهُّمِ، وهو أن يُجَازَى العبدُ عَلى حَسَنَةٍ بازدياد حسنةٍ وبعلمٍ يَنْقَدِحُ مِن عِلْمٍ متقدمٍ.\nقال ص: وَالَّذِينَ جاهَدُوا: مبتدأ خبرُه القسمُ المحذوفُ، وجوابُه وهو:\nلَنَهْدِيَنَّهُمْ، انتهى.\nوقال الثعلبي: قال سهل بن عبد الله: وَالَّذِينَ جاهَدُوا في إقامة السنة لَنَهْدِيَنَّهُمْ سبل الجنة انتهى. واللام في قوله لَمَعَ لام تأكيد.\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٤/ ٣٢٦) .\n(٢) ذكره ابن عطية (٤/ ٣٢٦) .\n(٣) ذكره ابن عطية (٤/ ٣٢٦) .\n(٤) أخرجه الخطيب في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٤٩٣) من حديث جابر.\nوقال الحافظ العراقي في «تخريج الإحياء» (٣/ ٧): أخرجه البيهقي في «الزهد» من حديث جابر، وقال:\nهذا إسناد فيه ضعف.","vol":"4","page":304},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وصلّى الله على سيّدناو مولانا محمّد وعلى آله\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1085>تفسير «سورة الروم»</span>\nوهي مكّيّة اتّفاقا\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1086>[سورة الروم (٣٠): الآيات ١ الى ٨]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤)\nبِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٥) وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٦) يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ (٧) أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ (٨)\nقوله تعالى: الم غُلِبَتِ الرُّومُ قرأ الجمهور «١»: «غُلبت» - بضم الغين، - وقالوا: معنى الآية: أنه بلغ أهل مكة أنّ الملك كسرى هزم جَيْشَ الروم بأذْرِعَاتٍ وهي أدنى الأرض إلى مكة قاله عكرمة «٢» . فَسُرَّ بذلك كفارُ مكةَ فبشر الله تعالى المؤمنين بأن الرومَ سيَغْلِبونَ في بضْعِ سنين، فخرج أبو بكر ﵁ إلى المسجد الحرام فقال للكفار: أسركم أن غُلِبَتِ الرُّوم؟ فإن نبيَّنا أخبرنا عن الله تعالى: أنهم سَيغْلبون في بضع سنين، فقال له أُبَيُّ بن خلف وأخوه أمية بن خلف: يا أبا بكر: تعالَ فَلْنَتَنَاحَبْ، أي:\nنتراهنْ في ذلك، فراهنهم أبو بكر على خمس قلائص «٣»، والأجل ثلاث سنين، وذلك قبل أن يحرم القِمار، فأخبر النبيُّ ﷺ بذلك فقال له: إن البضع إلى التسع، ولكن زدهم في\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٣٢٧)، و«البحر المحيط» (٧/ ١٥٧)، و«الدر المصون» (٥/ ٣٧٠) .\n(٢) ذكره البغوي (٣/ ٤٧٧)، وابن كثير (٣/ ٤٢٣- ٤٢٤)، والسيوطي (٥/ ٢٩١)، وعزاه لابن جرير عن عكرمة.\n(٣) القلائص: جمع قلوص، وهي الفتيّة من الإبل بمنزلة الجارية الفتاة من النساء. وقيل: هي الثنيّة، وقيل:\nهي ابنة المخاض. وقيل: هى كل أنثى من الإبل حين تركب.\nينظر: «لسان العرب» ٣٧٢٢. [.....]","vol":"4","page":305},{"text":"الرهن واستزدهم في الأجل، ففعل أبو بكرٍ، فجعلوا القلائصَ مائةً، والأجل تسعةَ أعوامٍ، فَغَلَبَتْ الرومُ فارسَ فِي أثْنَاءِ الأَجَلِ يوم بدر. ورُوِيَ أن ذلك كان يوم الحُدَيْبِية، يوم بيعة الرضوان وفي كلا اليومين كان نصرٌ من الله تعالى للمؤمنين وذكر الناسُ سرورَ المؤمنين بغلبةِ الروم من أجل أنهم أهل كتاب، وفرحت قريشٌ بغلبة الفرسِ من أجل أنهم أهل أوثان ونحوه من عبادة النار.\nوقوله تعالى: لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ. أي: له إنفاذ الأحكام من قبل ومن بعد هذه الغلبةِ التي بين هؤلاء ثم أخبر تعالى أن يوم غلبة الروم للفرس يفرح المؤمنون بنصر الله، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ يريدُ: كُفَّارَ قريش والعرب، أي: لا يعملون ٦٥ أأن الأمور من عند الله، وأن وعده لا يُخْلَفُ، وأن ما يورده/ نبيُّه حق.\nقال ع «١»: وهذا الذي ذكرناه عُمْدَةُ ما قيل. ثم وصف تعالى الكفرةَ الذين لا يعلمون أمر الله وصِدْقَ وعدِه بأنهم إنما: يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ، قال صاحب «الكلم الفارقية»: الدنيا طَبَقٌ مسموم، لا يعرف ضرره إلا أربابُ الفهوم. قوةُ الرغبة في الدنيا علامة ضعفها في الآخرة. بحسب انصرافُ الرغبةِ إلى الشيء، يجدُّ الراغبُ في طلبه، وتتوفَّرُ دواعيه على تحصيلهِ. المطلوبات تُظهر وتبيِّنُ أقدارَ طُلاَّبها فمن شَرُفَتْ همَّتُهُ شَرُفَتْ رغبته وعزت طلبته. يا غافل، سكر حبك لدنياك وطول مُتابعتِكَ لَغاوِي هواك- أنساك عظمةَ مولاك وَثَنَاكَ عن ذكره وألهاك وَصَرَفَ وجه رغبتك عن آخرتك إلى دنياك. إنْ كنت من أَهل الاستِبْصَار، فألقِ ناظرَ رغبتك عن زخارف هذه الدار فإنها مجمعُ الأكدار، ومنبَعُ المضار وسِجْنُ الأَبرار ومجلس سرور الأشرار. الدنيا كالحيةِ تجمع في أنيابها سُمُومَ نَوَائِبِها وتفرغه في صميمِ قلوب أبنائها، انتهى. قال عياض في «الشفا»: قال أبو العباس المبرِّد﵀- قَسَّم كِسرى أيامَه فقال: يَصْلُحُ يَوْمَ الريح للنوم، ويومُ الغَيْم للصيد، ويوم المطر للشُّرْب واللهو، ويوم الشمس للحوائج.\nقال ابن خَالَوَيْهِ: ما كان أعرفَهم بسياسة دنياهم، يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ، لكنْ نبينَا محمدا ﷺ جزأها ثلاثةَ أجزاء: جزءًا للَّه تعالى، وجزءًا لأهله، وجزءًا لنفسه. ثم جزَّأ جزءه بينه وبين الناس فكان يستعين بالخاصة على العامة وَيَقُولُ: أَبْلِغُوا حَاجَةَ مَنْ لاَ يَسْتَطِيعُ إبْلاَغِي فَإنَّهُ مَنْ أَبْلَغَ حَاجَةَ مَنْ لاَ يَسْتَطِيعُ، أَمَّنَهُ اللهُ يَوْمَ الفَزَعِ الأَكْبَرِ، انتهى. والمؤمن المنهمك في أمور الدنيا التي هي أكبر همه، يأخذ من هذه الآية بحظّ. نوّر الله قلوبنا بهداه.\n_________\n(١) ينظر: «المحرر» (٤/ ٣٢٩) .","vol":"4","page":306},{"text":"ت: قد تقدم ما جاء في الفكرة في «آل عمران» . قال ابن عطاء الله: الفكرة سِرَاجُ القَلْب فإذا ذَهَبَتْ فلا إضاءة له. وقال: ما نفع القلبَ شيءٌ مثلُ عُزْلَةٍ يدخل بها ميدانَ فكرة، انتهى وباقي الآية بيّن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1087>[سورة الروم (٣٠): الآيات ٩ الى ١٣]</span>\nأَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٩) ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ (١٠) اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١١) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (١٢) وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ وَكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ (١٣)\nوقوله ﷿: أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثارُوا الْأَرْضَ ... الآية، يريدُ أثاروا الأرضَ بالمباني، والحرثِ، والحروبِ وسائرُ الحوادثِ التي أحدثوها هي كلُّها إثارةٌ للأرض بعضها حقيقة وبعضها بتجوُّز، والضمير في عَمَرُوها الأول للماضين، وفي الثاني للحاضرين المعاصرين.\nوقوله تعالى: ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ.\nقرأ نافع «١» وغيره: «عَاقِبَةُ» - بالرفع- على أنها اسْمُ كانَ، والخبر يجوز أن يكون السُّواى، ويجوز أن يكونَ أَنْ كَذَّبُوا، وتكونُ السُّواى على هذا مفعولا ب أَساؤُا وإذا كان السُّواى خبرًا ف أَنْ كَذَّبُوا مفعول من أجله.\nوقرأ «٢» حمزة والكسائي وغيرهما «عَاقِبَةَ» بالنصب على أنها خبرٌ مقدَّم، واسم كان أحد ما تقدم، والسُّواى: مصدر كالرُّجْعَى، والشورى، والفتيا. قال ابن عباس:\nأَساؤُا هنا بمعنى: كفروا «٣»، والسُّواى هي النار. وعبارة البخاري: وقال مجاهد السُّواى أي: الإساءة جزاء المسيئين «٤»، انتهى. والإبْلاَسُ: الكون في شرّ، مع اليأس من الخير.\n_________\n(١) ينظر: «السبعة» (٥٠٦)، و«الحجة» (٥/ ٤٤٢)، و«إعراب القراءات» (٢/ ١٩٣)، و«معاني القراءات» (٢/ ٢٦٣)، و«شرح الطيبة» (٥/ ١٣١)، و«العنوان» (١٥١)، و«حجة القراءات» (٥٥٦)، و«شرح شعلة» (٥٣٩)، و«إتحاف» (٢/ ٣٥٤) .\n(٢) ينظر: مصادر القراءة السابقة.\n(٣) أخرجه الطبريّ (١٠/ ١٧١) رقم (٢٧٩٠٧)، وذكره ابن عطية (٤/ ٣٣١)، والسيوطي (٥/ ٢٩٣)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس.\n(٤) ذكره السيوطي (٥/ ٢٩٣)، وعزاه للفريابي، وابن أبي شيبة عن مجاهد.","vol":"4","page":307},{"text":"٦٥ ب ص: وقال الزجاج «١»: المُبْلِسُ: الساكت المنقطع/ في حجته اليائس من أن يَهْتَدِيَ إليها، انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1088>[سورة الروم (٣٠): الآيات ١٤ الى ١٦]</span>\nوَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ فَأُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ (١٦)\nوقوله جلت عظمته: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ معناه: في المنازل والأحكام والجزاء. قال قتادة «٢»: فرقة والله- لا اجتماع بعدها. ويُحْبَرُونَ معناه يُنَعَّمُونَ قاله مجاهد «٣» . والحبرة والحبُورُ: السرور، وقال يحيى بن أبي كثير: يُحْبَرُونَ معناه: يسمعون الأغاني وهذا نوع من الحبرة.\nت: وفي الصحيح من قول أبي موسى: لو شعرت بك يا رسول الله لحبَّرتْهُ لك تَحْبِيرًا أو كما قال.\nوقال ص: يُحْبَرُونَ: قال الزجاج «٤»: التَحْبِيرُ: التحسين، والحبر العالم، إنما هو من هذا المعنى لأنه مُتَخَلِّقٌ بأحسَن أخلاق المؤمنين، والحِبْرُ المِدَادُ إنما سمي به لأنه يُحَسَّنُ به، انتهى. قال الأصمعيُّ: ولا يقال: روضة حتى يكونَ فيها ماء يشربُ منه.\nومعنى: فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ أي: مجموعون له: لا يغيب أحد عنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1089>[سورة الروم (٣٠): الآيات ١٧ الى ٢٩]</span>\nفَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨) يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ (١٩) وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٢٠) وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١)\nوَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ (٢٢) وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٢٣) وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٤) وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (٢٥) وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ (٢٦)\nوَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧) ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٨) بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْواءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٢٩)\n_________\n(١) ينظر: «معاني القرآن» للزجاج (٤/ ١٧٩) .\n(٢) أخرجه الطبريّ (١٠/ ١٧٢) رقم (٢٧٩١١)، وذكره ابن عطية (٤/ ٣٣١)، وابن كثير (٣/ ٤٢٨)، والسيوطي (٥/ ٢٩٣)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة.\n(٣) أخرجه الطبريّ (١٠/ ١٧٣) رقم (٢٧٩١٣)، وذكره البغوي (٣/ ٤٧٩)، وابن عطية (٤/ ٣٣١)، وابن كثير (٣/ ٤٢٨)، والسيوطي (٥/ ٢٩٤)، وعزاه للفريابي، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد.\n(٤) ينظر: «معاني القرآن» للزجاج (٤/ ١٨٠) .","vol":"4","page":308},{"text":"وقوله تعالى: فَسُبْحانَ اللَّهِ ... الآية خطابٌ للمؤمنين بالأمر بالعبادة والحضِّ على الصلاة في هذه الأوقات، كأنه يقول سبحانه: إذا كان أمر هذه الفرق هكذا من النقمة والعذاب، فجِدَّ أيها المؤمن في طريق الفوز برحمة الله. وروى ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: «مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ إلى قوله:\nوَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ أَدْرَكَ مَا فَاتَهُ فِي يَوْمِه ذَلِكَ، وَمَنْ قَالَهُنَّ حِينَ يُمْسِي أَدْرَكَ مَا فَاتَهُ فِي لَيْلَتِهِ» «١» . رواه أبو داود، انتهى من «السلاح» .\nقال ابن عَبَّاس وغيره: في هذه الآية تنبيهٌ علَى أربع صلواتٍ: المغرب، والصبح، والظهر، والعصر «٢»، قالوا: والعشاءُ الأخيرةُ هي في آية أخرى: في زلف الليل، وقد تقدم بيانُ هذا مُسْتَوْفَى في مَحَاله.\nوقوله تعالى: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ ... الآية، تقدم بيانُها. ثم بعد هذه الأَمثِلَةِ القاضيةِ بتجويز بعث الأجساد عقلًا ساق الخبر سبحانه بأن كذلك خروجنا من قبورنا، وتَنْتَشِرُونَ معناه: تتصرفون وتتفرقون، والمودة والرحمة: هما على بابهما المشهور من التواد والتراحم هذا هو البليغ. وقيل: غير هذا.\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (٢/ ٧٤٠) كتاب الأدب: باب ما يقول إذا أصبح حديث (٥٠٧٦) والطبراني في «الكبير» (١٢/ ٢٣٩) رقم (١٢٩٩١) كلاهما من طريق محمد بن عبد الرحمن البيلماني عن أبيه عن ابن عباس مرفوعا. وعبد الرحمن البيلماني وابنه لا يحتج به.\nوالحديث ضعفه الزيلعي في «تخريج أحاديث الكشاف» (٣/ ٥٧) .\n(٢) أخرجه الطبريّ (١٠/ ١٧٤) رقم (٢٧٩١٩- ٢٧٩٢١- ٢٧٩٢٣) بنحوه، وذكره البغوي (٣/ ٤٧٩)، وابن عطية (٤/ ٣٣٢)، والسيوطي (٥/ ٢٩٥)، بنحوه وعزاه لابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس.","vol":"4","page":309},{"text":"وقرأ الجمهور: «للعالَمين» - بفتح اللام- يعني: جميع العالم. وقرأ حفصٌ «١» عن عاصم- بكسرها- على معنى: أَنَّ أهلَ الانتفاع بالنظر فيها إنما هم أهل العلم، وباقي الآية اطْلبه في مَحَالِّه تجده إن شاء الله مبينًا، وهذا شأننا إلاحالة في هذا المختصر على ما تقدم بيانه، فاعلمه راشدًا.\nت: وهذه الآياتُ والعبر إنما يعظمُ موقعُها في قلوب العارفين باللَّه سبحانه، ومن أكثرَ التفكُّرَ في عجائب صنع الله تعالى حَصَلَتْ له المعرفةُ بالله سبحانه.\nقال الغَزَالِيُّ في «الإحياء»: وبحر المعرفة لا ساحل له والإحاطة بكنه جلال الله محالٌ، وكلما كثرت المعرفةُ بالله تعالى وصفاتِه وأَفعاله وأسرار مملكته وقويت- كثر النعيم في الآخرة وعظم، كما أنه كلما كثر البذر وحسن- كثر الزرع وحسن.\nوقال أيضًا في كتاب «شرح عجائب القلب» من «الإحياء»: وتكون سَعَةُ ملك العبد في الجنة بحسب سِعَة معرفتِه بالله، وبحسب ما يتجلى له من عظمة الله- سبحانه-، وصفاتِه، وأفعاله، انتهى.\nوقوله تعالى: أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ معناه: تثبت، كقوله تعالى: وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا [البقرة: ٢٠] .\nوهذا كثير، والدعوة من الأرض: هي البعث ليوم القيامة، قال مكي: والأحسن عند أهل النظر أنَّ الوقفَ في هذه الآية يكونُ في آخرها، تُخْرَجُونَ لأن مذهب سيبويهِ والخليلِ في «إذا» الثانية: أنها جوابُ/ الأولى، كأنه قال: ثم إذا دعاكم خرجتم وهذا ٦٦ أأسدّ الأقوال.\nوقال ص: إِذا أَنْتُمْ، «إذا»: للمفاجأة، وهل هي ظرفُ مكانٍ أو ظرفَ زمان؟\nخلاف، ومِنَ الْأَرْضِ علَّقهُ الحُوفِيُّ ب «دَعَا»، وأجاز ع «٢»: أن يتعلقَ ب «دعوة» انتهى.\nوقرأ حمزة «٣» والكسائي: «تَخْرُجُونَ» - بفتح التاء، والباقون بضمها-، والقنوت هنا\n_________\n(١) ينظر: «الحجة» (٥/ ٤٤٤)، و«إعراب القراءات» (٢/ ١٩٤)، و«معاني القراءات» (٢/ ٢٦٤)، و«شرح الطيبة» (٥/ ١٣٢)، و«العنوان» (١٥١)، و«حجة القراءات» (٥٥٧)، و«شرح شعلة» (٥٤٠)، و«إتحاف» (٢/ ٣٥٦) .\n(٢) ينظر: «المحرر» (٤/ ٣٣٤) .\n(٣) وحجتهما قوله تعالى: يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ [القمر: الآية ٧]، وقوله: إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ [يس: ٥١] . وحجة الباقين قوله سبحانه: يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا هذا [يس: الآية ٥٢] . [.....]","vol":"4","page":310},{"text":"بمعنى الخضوعِ، والانقيادِ في طاعتهِ سبحانه. وإعادة الخلق: هو بعثُهم من القبور.\nوقوله تعالى: وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ قال ابن عباس وغيره: المعنى: وهو هين «١» عليه، وفي مصحف ابن مسعود «٢» «وهو هين عليه»، وفي بعض المصاحف «وكل هين عليه» .\nوقال ابن عباس أيضًا وغيره: المعنى: وهو أيسر «٣» عليه، قال: ولكن هذا التفضيل إنَّما هو بحسْب معتقدِ البَشَرِ وما يعطيهم النظر في الشاهد من أن الإعَادَةِ في كثير من الأشياء أهون علينا من البدأة. ولما جاء بلفظٍ فيه استعارة، وتشبيه «٤» بما يعهده الناس من أنفسهم خَلُصَ جانبُ العظمة بأن جعل له المثلَ الأعْلَى الذي لا يلحقه تكييف ولا تماثل مع شيء. ثم بين تعالى أمر الأصنام وفسادَ معتقدِ مَن يُشْرِكُها بالله- بضربه هذا المثلَ- وهو قوله: ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ ... الآية، ومعناه:\nأَنكم أيها الناس إذا كان لكم عبيدٌ تَمْلِكُونَهم فإنكم لا تشركونهم في أموالكم ومُهِمِّ أموركم، ولا في شيء على جهة استواءَ المنزلة. وليس من شأنكم أن تخافوهم في أن يرثوا أموالكم، أو يقاسموكم إياها في حياتكم، كما يفعل بعضكم ببعض فإذا كان هذا فيكم، فكيف تقولون: أن من عبيده وملكه شركاءُ في سلطانِه وألوهيته هذا تفسير ابن عباس «٥» والجماعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1090>[سورة الروم (٣٠): الآيات ٣٠ الى ٣٢]</span>\nفَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٣٠) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢)\n_________\n- ينظر: «حجة القراءات» (٥٥٧)، و«السبعة» (٥٠٦)، و«الحجة» (٥/ ٤٤٥)، و«إعراب القراءات»، (٢/ ١٩٥)، و«العنوان» (١٥١)، و«حجة القراءات» (٥٥٧)، و«إتحاف» (٢/ ٣٥٦) .\n(١) أخرجه الطبريّ (١٠/ ١٧٩) رقم (٢٧٩٣٩)، وذكره البغوي (٣/ ٤٨١)، وابن عطية (٤/ ٣٣٥)، وابن كثير (٣/ ٤٣١)، والسيوطي (٥/ ٢٩٨)، وعزاه لابن الأنباري عن ابن عباس.\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٣٣٥)، و«البحر المحيط» (٧/ ١٦٥) .\n(٣) أخرجه الطبريّ (١٠/ ١٧٩) رقم (٢٧٩٤٠)، وذكره ابن عطية (٤/ ٣٣٥)، وابن كثير (٣/ ٤٣٠)، والسيوطي (٥/ ٢٩٧) بنحوه، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس.\n(٤) في ج: التشبيه.\n(٥) أخرجه الطبريّ (١٠/ ١٨١) رقم (٢٧٩٤٩) بنحوه، وذكره البغوي، (٣/ ٤٨٢)، وابن عطية (٤/ ٣٣٥- ٣٣٦)، والسيوطي (٥/ ٢٩٨)، بنحوه، وعزاه لابن جرير عن ابن عباس.","vol":"4","page":311},{"text":"وقوله تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا.... الآية، إقامة الوجه: هي تقويم المقصد والقوةِ على الجِدِّ في أعمال الدين. وخص الوجه لأنه جامع حواس الإنسان ولشرفه. وفِطْرَتَ اللَّهِ نَصْبٌ على المصدر.\nوقيل: بفعل مضمر تقديره: اتبع أو التزم فطرة الله، واختُلِفَ في الفطرة هاهنا، والذي يعتمد عليه في تفسير هذه اللفظةِ أَنها الخِلْقَةُ والهَيْئَةُ التي في نفسِ الطفلِ التي هي مُعَدَّةٌ مُهَيَّئَةٌ لأَنْ يَمِيزَ بها مصنوعات الله، ويستدلَّ بها على ربِّهِ، ويعرف شرائعه ويؤمن به، فكأنه تعالى، قال: أقم وَجْهَك للدِّينِ الذي هو الحنيفُ، وهو فطرة الله الذي على الإعداد له فُطِرَ البشرِ لكن تعرضهم العوارض ومنه قوله ﷺ في الحديث الصحيح: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ ...» الحديث «١» -، ثم يقول\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١١/ ٤٩٣) كتاب القدر: باب الله أعلم بما كانوا عاملين، الحديث (٦٥٩٩)، ومسلم (٤/ ٢٠٤٨): كتاب القدر: باب معنى كل مولود يولد على الفطرة، الحديث (٢٥/ ٢٦٥٨)، وأبو داود (٥/ ٨٦): كتاب السنة: باب في ذراري المشركين، الحديث (٤٧١٤)، والترمذيّ (٣/ ٣٠٣): كتاب القدر: باب كل مولود يولد على الفطرة، الحديث (٣٢٢٣)، ومالك (١/ ٢٤١): كتاب الجنائز: باب جامع الجنائز، الحديث (٥٢)، وأحمد (٢/ ٢٣٣)، والحميدي (٢/ ٤٧٣)، رقم (١١١٣)، وعبد الرزاق (٢٠٠٨٧)، وأبو يعلى (١١/ ١٩٧)، رقم (٦٣٠٦) وابن حبان (١٢٨، ١٣٠)، وأبو نعيم في «الحلية» (٩/ ٣٢٨)، من حديث أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أو ينصرانه، أو يمجسانه، كما تنتج الإبل جمعاء، هل تحس فيها من جدعاء، قالوا: يا رسول الله: أرأيت الذي يموت وهو صغير، قال: الله أعلم بما كانوا عاملين.\nولفظ مسلم مصدرا بلفظ: كل إنسان تلده أمه على الفطرة، وأبواه بعد يهودانه وينصرانه ويمجسانه، فإن كانا مسلمين فمسلم، كل إنسان تلده أمه، يلكز الشيطان في حضنيه إلا مريم وابنها.\nوفي الباب عن جابر والأسود بن سريع وابن عباس وسمرة بن جندب.\n- حديث جابر:\nأخرجه أحمد (٣/ ٣٥٣) من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن الحسن عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: «كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه فإذا عبر عنه لسانه إما شاكرا وإما كفورا.»\nوذكره الهيثمي في «المجمع» (٧/ ٢٢١) وقال: رواه أحمد وفيه أبو جعفر الرازي وهو ثقة وفيه خلاف وبقية رجاله ثقات.\n- حديث الأسود بن سريع:\nأخرجه أحمد (٣/ ٤٣٥)، وابن حبان (١٦٥٨- موارد)، وأبو يعلى (٢/ ٢٤٠) رقم (٩٤٢)، والطبراني في «الكبير» (١/ ٢٨٣) رقم (٨٢٨)، والطحاوي في «مشكل الآثار» (٢/ ١٦٣) من حديث الأسود بن سريع بمثل حديث جابر.\nوذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٥/ ٣١٩) وقال: رواه أحمد بأسانيد والطبراني في «الكبير» و«الأوسط» ... وبعض أسانيد أحمد رجاله رجال الصحيح. -","vol":"4","page":312},{"text":"فِطْرَتَ اللَّهِ ... الآية، إلى الْقَيِّمُ فذكرُ الأبوين إنما هما مثالٌ للعَوارِض التي هي كثيرةُ. وقال البخاريُّ: فِطْرَةُ اللهِ: هِيَ الإسْلاَمُ «١»، انتهى.\nوقوله تعالى: لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ يحتمل أنْ يريدَ بها هذه الفطرةَ، ويحتمل أن يريدَ بها الإنحاء على الكفرة اعترض به أثناء الكلام كأنه يقول: أقم وجهَك للدين الذي من صفته كذا وكذا، فإنَّ هؤلاءِ الكفرة قد خلق الله لهم الكفر، ولا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ، أي: أنهم لا يفلحون، وقيل غيرُ هذا، وقال البخاري: لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ أي:\nلدين الله، وخُلُق الأولين: دينهم. انتهى. والْقَيِّمُ بناءُ مبَالَغَةٍ مِنَ القيام الذي هو بمعنى الاستقامة، ومُنِيبِينَ يحتمل أنْ يكونَ حالًا من قوله فَطَرَ النَّاسَ لا سِيَّمَا عَلى رَأْي مَنْ رَأَى أَنَّ ذلكَ خصوصٌ في المؤمنين، ويحتمل أن يكون حالا من قوله فَأَقِمْ وَجْهَكَ وجمعه: لأن الخطاب بإقامة الوجه هو للنبي/ ﷺ ولأمته نظيرها قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ ٦٦ ب إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ [الطلاق: ١] . والمشركون المشار إليهم في هذه الآية: هم اليهودُ والنصارى قاله قتادة «٢»، وقيل غير هذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1091>[سورة الروم (٣٠): الآيات ٣٣ الى ٤٧]</span>\nوَإِذا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا أَذاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٣٣) لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٤) أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ (٣٥) وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ (٣٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣٧)\nفَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٣٨) وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (٣٩) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٠) ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ (٤٢)\nفَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ (٤٣) مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (٤٤) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ (٤٥) وَمِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٤٦) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)\n_________\n-- حديث ابن عباس:\nأخرجه البزار في «مسنده» (٢١٦٧- كشف) . وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٧/ ٢٢١) بلفظ: «كل مولود يولد على الفطرة أبواه يهودانه وينصرانه» .\nوقال الهيثمي: رواه البزار وفيه ممن لم أعرفه غير واحد.\n- حديث سمرة بن جندب:\nأخرجه البزار (٢١٦٦- كشف) وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٧/ ٢٢١)، وقال: رواه البزار وفيه عباد بن منصور وهو ضعيف. ونقل عن يحى القطان أنه وثقه.\n(١) ينظر: «البخاري» (٨/ ٣٧٢) كتاب التفسير: باب: لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ.\n(٢) أخرجه الطبريّ (١٠/ ١٨٥) رقم (٢٧٩٧٣)، وذكره ابن عطية (٤/ ٣٣٧)، والسيوطي (٥/ ٣٠٠)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة.","vol":"4","page":313},{"text":"وقوله تعالى: وَإِذا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ... الآية، ابتداءُ إنحاءٍ على عَبَدَةِ الأَصْنَام.\nقال ع «١»: ويلحق من هذه الألفاظ شيءٌ للمؤمنين إذا جاءهم فَرَجٌ بعد شدة فعلقوا ذلك بمخلوقين، أو بحذق آرائهم، وغير ذلك لأن فيه قلة شكر للَّه تعالى ويسمى تَشْرَيكًا مجَازًا. والسلطانُ هنا البرهانُ من رسولٍ أو كتابٍ، ونحوه.\nوقوله تعالى: فَهُوَ يَتَكَلَّمُ معناه فهو يُظْهِر حجتَهم، ويغلبُ مذهبَهم، وينطق بشركهم. ثم قال تعالى: وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها ... الآية، وكل أحد يأخذ من هذه الخُلُقِ بقسطِ، فالمقل والمكثر، إلا من ربطتِ الشريعةُ جأشَه، ونَهَجَتِ السنة سبيلَه، وتأدَّب بآداب الله، فصبر عند الضراء وشكر عند السراء، ولم يَبْطُرْ عند النِّعْمَةِ، ولا قنط عند الابتلاءِ، والقَنَطُ: اليأسُ الصريحُ. ثم ذكر تعالى الأمر الذي من اعتبره لم يَيْأْسْ من رَّوْح اللهِ- وهو أنه سبحانه يَخُصُّ من يشاء من عبادهِ بِبَسْطِ الرزق، ويقدر على من يشاء منهم. فينبغي لكلِ عَبْدٍ أنْ يكونَ راجيًا ما عند ربه. ثم أمر تعالى نبيَّه﵇- أمرًا تَدْخُلُ فيه أمته- على جهة الندب- بإيتاء ذي القربى حقَّه من صلة المالِ، وحسنِ المعاشرة ولين القول، قال الحسن «٢»: حقه المواساةُ في اليُسْر، وقولٌ مَيْسُورٌ في العُسْرِ.\nقال ع «٣»: ومعظمُ ما قُصِدَ أمر المعونة بالمال.\n_________\n(١) ينظر: «المحرر» (٤/ ٣٣٧) .\n(٢) أخرجه الطبريّ (١٠/ ١٨٧) رقم (٢٧٩٧٦)، وذكره ابن عطية (٤/ ٣٣٨) .\n(٣) ينظر: «المحرر» (٤/ ٣٣٨) .","vol":"4","page":314},{"text":"وقرأ الجمهور: وَما آتَيْتُمْ بمعنى: أعطيتم، وقرأ ابن كثير «١» بغير مد، بمعنى:\nوما فعلتم، وأجمعوا على المد في قوله وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ والربا: الزيادة.\nقال ابن عباس «٢» وغيره: هذه الآية نزلتُ في هباتِ الثَّوابِ.\nقال ع «٣»: وما جَرَى مَجْرَاها مما يصنعه الإنسان ليجازى عليه كالسِّلمِ وغيرِه، فهو وإن كانَ لاَ إثْمَ فيه فَلا أجْرَ فيه ولاَ زيادة عند الله تعالى، وما أعْطَى الإنسانُ تَنْمِيَةً لِمالهِ وتطهيرًا يريدُ بذلك وَجْهَ اللَّه تعالى فذلك هُو الذي يُجَازَى به أضعَافًا مضَاعَفَةً على ما شاء الله له. وقرأ جمهور السبعةِ «ليربوا» بإسناد الفِعل إلى الربا، وقرأ «٤» نافعٌ وحدَه «لِتُرْبُوا» وباقي الآية بيِّن. ثم ذكر تعالى- على جهة العبرة- ما ظهرَ من الفسَادِ بسبب المعَاصي، قال مجاهد: البَرُّ البلاد البعيدة من البحر، والبحرُ السواحلُ والمدنُ التي على ضِفَّة البحرِ «٥»، وظهورُ الفساد فيهما: هو بارتفاعِ البركاتِ، ووقوعِ الرزايا، وحدوثِ الفتنِ.\nوتغلب العدوِّ، وهذه الثلاثةُ توجَد في البر والبحر، قال ابن عباس: الفسادُ في البحر:\nانقطاع صَيْدِه بذَنَوب بني آدم «٦»، وقلما توجد أمة فاضلةٌ مُطِيعَةٌ مُسْتَقِيمَةُ الأعمال إلا يدفعُ الله عنها هذه الأمور، والأمرُ بالعكس في المعاصي، وبطر النعمة ليذيقهم عاقبة بعض ما عملوا ويعفوا عن كثير. ولَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ، أي: يتوبون ويراجعونَ بصائَرهم فِي طاعةِ ربهِم ثم حذَّر- تعالى- من يومِ القيامةِ تحذيرًا يَعُمُّ العالمَ وإياهُمُ المقصد بقوله فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ الآية وَلاَ مَرَدَّ لَهُ: معناه:\nلَيْسَ فِيه رُجُوعٌ لِعَمَلِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُريد/ لاَ يَردُّهُ رَادٌّ. وهذا ظاهر بحسب اللفظ ٦٧ أويَصَّدَّعُونَ: معناه: يَتَفَرَّقُونَ بعد جمعهم إلى الجنةِ وإلى النار. ثم ذكر تعالى من آياته أشياءَ وهي ما في الرِّيحِ من المنافِع وذلك أنها بشرى بالمطر ويُلَقَّحُ بها الشجر، وغير ذلك،\n_________\n(١) ينظر: «السبعة» (٥٠٧)، و«الحجة» (٥/ ٤٤٦)، و«إعراب القراءات» (٢/ ١٩٦)، و«معاني القراءات» (٢/ ٢٦٤)، و«العنوان» (١٥١)، و«حجة القراءات» (٥٥٨)، و«إتحاف» (٢/ ٣٥٧) . [.....]\n(٢) ذكره ابن عطية (٤/ ٣٣٩) .\n(٣) ينظر: «المحرر» (٤/ ٣٣٩) .\n(٤) فالتاء هاهنا للمخاطبين، والواو واو الجمع. وحجته أنها كتبت في المصاحف بألف بعد واو. وحجة الباقين قوله بعده: فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ.\nينظر: «حجة القراءات» (٥٥٩)، و«السبعة» (٥٠٧)، و«الحجة» (٥/ ٤٤٧)، و«إعراب القراءات» (٢/ ١٩٦)، و«معاني القراءات» (٢/ ٢٦٥)، و«شرح الطيبة» (٥/ ١٣٢)، و«العنوان» (١٥١)، و«شرح شعلة» (٥٤٠)، و«إتحاف» (٢/ ٣٥٧) .\n(٥) أخرجه الطبريّ (١٠/ ١٩٠- ١٩١) رقم (٢٧٩٩٧) بنحوه، وذكره ابن عطية (٤/ ٣٤٠) .\n(٦) ذكره ابن عطية (٤/ ٣٤٠) .","vol":"4","page":315},{"text":"وتجري بها السفن في البحر. ثم آنسَ سبحانه نبيه ﵇ بقوله: لَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ ...\nالآية، ثم وعد تعالى محمدًا ﵇ وأمّته النصر بقوله: كانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ\nوحقًا خبرَ كانَ قدّمه اهتماما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1092>[سورة الروم (٣٠): الآيات ٤٨ الى ٥٣]</span>\nاللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ فَإِذا أَصابَ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٨) وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ (٤٩) فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ ذلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٥٠) وَلَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ (٥١) فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٥٢)\nوَما أَنْتَ بِهادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٥٣)\nوقوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا ... الآية. الإثارةُ: تَحْريكُها من سكونِها، وتَسْييرُها، وبَسْطُه في السماءِ هو نَشْرهُ في الآفاقِ، والكِسَفُ: القِطَع.\nوقوله: مِنْ قَبْلِهِ: تأكيدٌ أفادَ الإعلامَ بسرعةِ تقلبِ قُلوبِ البَشَرِ من الإبلاس إلى الاستبشارِ، والإبْلاسُ: الكَوْنُ فِي حالِ سُوءٍ مَعَ اليأسِ من زوالها.\nوقوله تعالى: كَيْفَ يُحْيِ الضمير في يُحْيِ يُحْتَمَلُ أن يكونَ للأثرِ ويُحْتَمَلُ أنْ يعودَ عَلَى الله تعالى وهو أظهر. ثم أخْبَرَ تعالى عَن حالِ تقلب بني إدمَ، في أنه بعد الاستبشار بالمطر، إن بعثَ الله ريحًا فاصفرَّ بها النباتُ ظلوا يكْفرونَ قلقًا منهم وقِلَّةٌ تسليمٍ للَّه تعالى، والضمير في فَرَأَوْهُ للنباتِ واللامُ في لَئِنْ مؤذِنة بمجيءِ القَسَمِ وفي لَظَلُّوا لاَمُ القَسَم.\nوقوله تعالى: فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتى ... الآية: استعارةٌ للكُفَّارِ وقد تقدم بيان ذلك في «سورة النمل» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1093>[سورة الروم (٣٠): الآيات ٥٤ الى ٦٠]</span>\nاللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (٥٤) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ (٥٥) وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٥٦) فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٥٧) وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ (٥٨)\nكَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (٥٩) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ (٦٠)\n.","vol":"4","page":316},{"text":"وقوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ قال كثير من اللغويين: ضَمُّ الضادِ في البدن، وفتحها في العقل، وهذه الآية إنما يراد بها حال الجِسم، والضُّعْفُ الأول هو: كونُ الإنسان من ماءٍ مهينٍ، والقوة بعد ذلك: الشَّبِيْبَةُ وشدة الأسْر، والضُّعْف الثَّانِي هوَ الهَرَمُ والشَيْخُوخَةُ، هذا قولُ قتادةَ وغيره «١» ورَوَى أبُو داودَ فِي «سننه» بسَنَدٍ صَحِيحٍ، عَن عمرو بن شُعَيْب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله ﷺ: «لاَ تَنْتِفُوا الشَّيْبَ، مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَشِيبُ شَيْبَةً فِي الإسْلاَمِ إلاَّ كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» «٢» . وفي رواية «إلاَّ كَتَبَ اللهُ ﷿ لَهُ بِهَا حَسَنَةً، وَحَطَّ عَنْهُ بها خطيئة» «٣» انتهى.\nثم أخبر ﷿ عن يوم القيامة فقال: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا أي: تحت التراب غَيْرَ ساعَةٍ وقيل: المعنى: ما لبثوا في الدنيا كأنهم استقلوها.\nكَذلِكَ كانُوا في الدنيا يُؤْفَكُونَ أي: يُصْرَفُونَ عن الحق.\nقال ص: مَا لَبِثُوا: جوابُ القسمِ على المعنى، ولو حُكِي قولهم لَكَانَ ما لبِثْنَا انتهى. ثم أخْبَر تعالى أن الكفَرَة لاَ يَنْفَعْهُمْ يومئذ اعتذارٌ ولا يُعْطَوْنَ عتبى، وهي الرِّضا وباقي الآية بيّن، ولله الحمد.\n_________\n(١) أخرجه الطبريّ (١٠/ ١٩٨) رقم (٢٨٠٢٩)، وذكره ابن عطية (٤/ ٣٤٣)، والسيوطي (٥/ ٣٠٥) بنحوه لابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة.\n(٢) أخرجه أبو داود (٢/ ٤٨٤) كتاب الترجل: باب في نتف الشيب، حديث (٤٢٠٢) .\n(٣) ينظر: الحديث السابق.","vol":"4","page":317},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1094>تفسير «سورة لقمان»</span>\nوهي مكيّة غير آيتين قال قتادة: أولهما: وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ إلى آخر الآيتين، وقال ابن عباس ثلاث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1095>[سورة لقمان (٣١): الآيات ١ الى ٦]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالم (١) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ (٢) هُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (٣) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤)\nأُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَها هُزُوًا أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (٦)\nقوله ﷿: الم تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ هُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ:\nخصَّه للمحسنين من حيثُ لهم نفْعه، وإلا فهو هدًى في نفسه.\n٦٧ ب وقوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ/ رُوِيَ: أن الآيةَ نَزَلَتْ فِي شأن رجلٍ من قريش اشترى جاريةً مغنيةً لِتغنِّي له بهجاء النبي ﷺ.\nوقيل: إنه ابن خطل.\nوقيل: نَزَلَتْ في النضر بن الحارث، وقيل غيرُ هذا، والذي يترجح أن الآية نَزَلَتْ في لَهْوِ حَدِيثٍ مُضَافٍ إلى كُفْر فلذلك اشتدت ألفاظ الآية، ولَهْوَ الْحَدِيثِ كل ما يُلهى من غناءٍ وخِناء. ونحوه، والآيةُ باقيةُ المعْنَى في الأَمة غَابِرَ الدهرِ لكنْ ليسَ ليضلوا عن سبيل الله، ولا ليتخذوا آياتِ الله هزوًا، ولا عليهم هذا الوعيد بل ليعطلوا عبادةً، ويقطعوا زمنًا بمكروه.\nقال ابن العربي «١» في «أحكامه»: ورَوَى ابن وهبٍ عن مالكٍ عن محمدِ بن المنكدر:\n_________\n(١) ينظر: «أحكام القرآن» (٣/ ١٤٩٣) .","vol":"4","page":318},{"text":"أنَّ الله تعالى يقول يوم القيامة: أين الذين كانوا ينزهون أنفسهم وأسماعهم عن اللهو ومزامير الشيطان أدخلوهم في أرض المسك، ثم يقول الله تعالى للملائكة: أسمعوهم ثنائي وحمدي وأخبروهم أن لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ. انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1096>[سورة لقمان (٣١): الآيات ٧ الى ١١]</span>\nوَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٧) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (٨) خالِدِينَ فِيها وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩) خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دابَّةٍ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (١٠) هذا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (١١)\nوقوله ﷿: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ الوَقْرُ في الأذن: الثِّقْلُ الذي يَعْسُر معه إدراك المَسْمُوعَاتِ، و«الرواسي»: هي الجبالُ و«المَيْد»: التحرك يَمْنَةً ويَسْرَةً، وما قرب من ذلك، والزوج:\nالنوع والصنف. وكَرِيمٍ: مدحه بكرم جَوْهره، وحُسْن منظرِه، وغير ذلك. ثم وقف تعالى الكفرةَ على جهة التوبيخ فقال: هذا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1097>[سورة لقمان (٣١): الآيات ١٢ الى ١٣]</span>\nوَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (١٢) وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)\nوقوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ اختلف في لقمان هل هو نبيٌّ أو رجلٌ صالح فقط، وقال ابن عمر: سمعت النبي ﷺ يقولُ: «لَمْ يَكُنْ لُقْمَانُ نَبِيًّا وَلَكِنْ كَانَ عَبْدًا كَثِيرَ التَّفْكِيرِ، حَسَنَ اليَقِينِ، أَحَبَّ اللهَ فَأَحَبَّهُ، فَمَنَّ عَلَيْهِ بِالْحِكْمَةِ وَخَيَّرَهُ فِي أَنْ يَجْعَلَهُ خَلِيفَةً يَحْكُمُ بِالْحَقِّ، فَقَالَ: رَبِّ إنْ خيّرتني، قَبِلْتُ العَافِيَةَ، وَتَرَكْتُ البَلاَءَ، وَإنْ عَزَمْتَ عَلَيَّ، فَسَمْعًا وَطَاعَةً، فَإنَّكَ سَتَعْصِمَنِي، وَكَانَ قاضيًا في بني إسرائيل نُوبِيًّا أَسْوَدَ، مشققَ الرِّجْلَيْنِ، ذا «١» مَشَافِر»، قاله سعيدُ بن المسيِّب «٢» وابن عباس «٣» وجماعة: وقال له رجل\n_________\n(١) المشفر والمشفر للبعير: كالشفة للإنسان، وقد يقال للإنسان مشافر على الاستعارة. قال أبو عبيد: إنما قيل: مشافر الحبش تشبيها بمشافر الإبل.\nينظر: «لسان العرب» ٢٢٨٧، ٢٢٨٨.\n(٢) أخرجه الطبريّ (١٠/ ٢٠٨) رقم (٢٨٠٨٦)، وذكره ابن عطية (٤/ ٣٤٧)، وابن كثير (٣/ ٤٤٣)، والسيوطي (٥/ ٣١٠)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب.\n(٣) أخرجه الطبريّ (١٠/ ٢٠٨) رقم (٢٨٠٨٥) بنحوه، وذكره ابن عطية (٤/ ٣٤٧)، وابن كثير (٣/ ٤٤٣)، والسيوطي (٥/ ٣١١) بنحوه، وعزاه لابن أبي شيبة، وابن المنذر عن ابن عباس.","vol":"4","page":319},{"text":"كان قد رعى معه الغنم-: مَا بَلَغَ بِكَ يا لقمان مَا أرى؟ قَالَ: صِدْقُ الحديثِ، وأداءُ الأَمانةِ، وتركِي ما لا يعنيني، وحِكَمُ لُقْمَانَ كثيرةٌ مأثُورَة.\nقال ابن العربي في «أحكامه «١»»: ورَوَى عُلماؤُنا عن مالكِ قال: قال لقمان لابنه: يا بُنَيَّ، إنَّ الناسَ قد تطاوَلَ عليهم ما يوعدون، وهم إلى الآخرةِ سِراعًا يذهبون، وإنك قد اسْتَدْبَرْت الدنيا مذ كنت، واستقبلت الآخرة مع أَنْفَاسِك، وإن دارًا ستسير إليها أقرب إليك من دار تخرج منها، انتهى.\nوقوله: أَنِ اشْكُرْ يجوز أن تكونَ «أنْ» في مَوضعِ نصب على إسقاط حرف الجر، أي: بأنِ اشْكُرْ للَّهِ ويجوز أن تكونَ مفسِّرَةً، أي: كانت حكمتُه دائرة على الشكر للَّه، وجميع العبادات داخلةٌ في الشكر لله ﷿، وحَمِيدٌ بمعنى: محمود، أي: هو مستحق ذلك بذاته وصفاته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1098>[سورة لقمان (٣١): الآيات ١٤ الى ٢١]</span>\nوَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلى وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٥) يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦) يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٧) وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ (١٨)\nوَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (١٩) أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ (٢٠) وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ (٢١)\nوقوله تعالى: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلى وَهْنٍ هاتان الآيتان اعتراض أثناء وصية لقمان ووَهْنًا عَلى وَهْنٍ معناه ضعفًا على ضعف، كأنه قال: حملته أمه، والضَّعْفُ يتزيد بعد الضَّعْفِ إلى أن ينقضي أمده.\nوقال ص: وَهْنًا عَلى وَهْنٍ حالٌ من أمه أي شدة بعد شدة، أَوْ جَهْدًا على جَهْدِ، وقيل وَهْنًا نطفةٌ، ثم علقةٌ، فيكونُ حالًا من الضمير المنصوب في جملته.\nانتهى.\n_________\n(١) ينظر: «أحكام القرآن» (٣/ ١٤٩٥) .","vol":"4","page":320},{"text":"وقوله تعالى: أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ. ٦٨ أقال سفيان بن عُيَيْنَةَ: من صلى الصلواتِ الخمسَ فقد شكر الله تعالى، ومن دعا لوالديه في إدبار الصلوات فقد شكرهما.\nوقوله سبحانه: وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ... الآية رُوِي أنَّ هاتين الآيتين نزلتا في شأن سَعْدِ بن أبي وقاص وأمه حَمْنَة بنْتِ أبي سفيانَ، على ما تقدم بيانُه، وجملةُ هذا البابِ أن طاعةَ الأبوين لا تُراعى في ركوب كبيرةٍ، ولا في ترك فريضةٍ على الأعيان، وتلزم طاعتُهما في المباحاتِ وتستحسن في ترك الطاعات الندب.\nوقوله سبحانه: وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ وصيةٌ لجميع العالم. وهذه سبيل الأنبياء والصالحين.\nوقوله تعالى- حاكيًا عن لقمان يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ ... الآية: ذكرَ كثيرٌ من المفسرين: إنه أراد مثقال حبة من أعمال المعاصي والطاعات، وبهذا المعنى يتحصل في الموعظة ترجيةٌ وتَخْويفٌ منضاف إلى تَبْيِينِ قدرة الله تعالى.\nوقوله: وَاصْبِرْ عَلى مَآ أَصابَكَ يَقْتَضِي حضًا على تغيير المنكر وإن نال ضررًا، فهو إشعارٌ بأن المغيِّر يؤذي أحيانًا.\nوقوله: إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ يحتمل أن يُرِيْدَ مما عزمه اللهُ وأمَرَ بهِ، قاله ابن جريج «١»: ويحتمل أن يريدَ أنَّ ذلك من مكارم الأخلاق، وعزائم أهل الحزم السالكينَ طريقَ النجاةِ قاله جماعة. والصَّعَرُ: الميل، فمعنى الآية: ولا تُمِلْ خَدَّك للناس كِبْرًا عليهم وإعجابًا واحتقارًا لهم قاله ابن عباس «٢» وجماعة. وعبارة البخاري: ولا تصاعر، أي: لا تعرض، والتَّصَاعُر: الإعْرَاضُ بالوجه انتهى. والمَرَحُ: النَّشَاط، والمشي مَرَحَا:\nهو في غير شُغْل، ولغير حاجة، وأهل هذه الخُلُقِ ملازمون للفخر والخُيَلاَءِ، فالمَرِحُ مختالُ في مَشيه، وقد ورد من صحيح الأحاديث في جميع ذلك وعيدٌ شديدٌ يطول بنا سرده.\n_________\n(١) أخرجه الطبريّ (١٠/ ٢١٤) رقم (٢٨١٠٨) بنحوه، وذكره ابن عطية (٤/ ٣٥١)، والسيوطي (٥/ ٣٢٠) بنحوه، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر عن ابن جريج. [.....]\n(٢) أخرجه الطبريّ (١٠/ ٢١٤- ٢١٥) رقم (٢٨١٠٩)، (٢٨١١٠) بنحوه، وذكره البغوي (٣/ ٤٩٢)، وابن عطية (٤/ ٣٥١)، والسيوطي (٥/ ٣٢٠) بنحوه، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس.","vol":"4","page":321},{"text":"قال عيَاضٌ: كان أبو إسحاقَ الجبنياني قَلَّ ما يتركُ ثَلاَثَ كَلِماتٍ وفيهن الخيرُ كلُّه:\nاتَّبِعْ وَلاَ تَبْتَدِعْ، اتضع وَلاَ تَرْتَفِعْ، مَنْ وَرِعَ لا يَتَّسِعْ، انتهى. وغضُّ الصوتِ أوقرُ للمتكلم وأبسطُ لنفس السامع وفهمِه، ثم عَارَضَ ممثلًا بصوت الحَمِير على جهة التشبيه، أي: تلك هي التي بَعُدت عن الغَض فهِي أنكَرُ الأصوات، فكذلك ما بعُد عن الغَضِّ من أصوات البشر فهو في طريقِ تلك، وفي الحديث: «إذَا سِمِعْتُمْ نَهِيقَ الحَمِيرِ، فَتَعَوَّذُوا بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ فَإنَّهَا رَأَتْ شَيْطانًا» .\nوقال سفيانُ الثوري: صياح كل شيءٍ تسبيحٌ إلا صياحُ الحمير.\nت: ولفظ الحديث عن أبي هريرة قال: رسول الله ﷺ: «إذَا سَمِعْتُمْ صِيَاحَ الدِّيَكَةِ فاسألوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ، فَإنَّهَا رَأَتْ مَلَكًا، وَإذَا سَمِعْتُمْ نَهِيقَ الْحِمَارِ، فَتَعَوَّذُوا بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ فَأَنَّهُ رأى شَيْطَانًا» «١»، رواه الجماعَة إلا ابن ماجَهْ. وفي لفظ النسائي: «إذَا سَمِعْتُمْ الدِّيَكَةَ تَصِيحُ بِاللَّيْلِ»، وعن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: «إذَا سَمِعْتُمْ نِبَاحَ الْكِلاَبِ وَنَهِيقَ الْحمِيرِ مِنَ اللَّيْلِ، فَتَعَوَّذُوا بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ فَإنَّهَا ترى مَا لاَ تَرَوْنَ، وَأَقِلُّوا الخُرُوجَ إذَا جَدَّتْ فَإنَّ اللهَ يَبُثُّ في لَيْلِهِ مِنْ خلقه ما يشاء» «٢» . رواه أبو داود والنسائي والحاكم في «المستدرك» . واللفظ له، وقال: صحيحٌ على شرط مُسْلِمٍ انتهى من «السلاح» .\n٦٨ ب/ وقوله تعالى: وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً.\nقال المُحَاسبيُّ﵀- الظاهرة: نعم الدنيا، والباطنةُ: نعم العقبى. والظاهر عندي التعميمُ. ثم وقف تعالى الكفَرَة على اتِّبَاعهِم دين آبائِهم أيكون وهم بحال من يصير\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٦/ ٤٠٣) كتاب بدء الخلق: باب وبث فيها من كل دابة، حديث (٣٣٠٣)، ومسلم (٤/ ٢٠٩٢) كتاب الذكر والدعاء: باب استحباب الدعاء عند صياح الديك، حديث (٨٢/ ٢٧٢٩)، وأبو داود (٢/ ٧٤٨) كتاب الأدب: باب ما جاء في الديك والبهائم، حديث (٥١٠٢)، والترمذيّ (٥/ ٥٠٨) كتاب الدعوات: باب ما يقول إذا سمع نهيق الحمار، حديث (٣٤٥٩)، والنسائي في «عمل اليوم والليلة» رقم (٩٤٣، ٩٤٤)، وأحمد (٢/ ٣٢١)، وابن أبي شيبة (١٠/ ٤٢٠)، وابن حبان (٣/ ٢٨٥- ٢٨٦) رقم (١٠٠٥)، والبغوي في «شرح السنة» (٣/ ١٢٦- بتحقيقنا) كلهم من طريق الأعرج عن أبي هريرة به.\nوقال الترمذيّ: هذا حديث حسن صحيح.\n(٢) أخرجه أبو داود (٢/ ٧٤٨- ٧٤٩) كتاب الأدب: باب نهيق الحمار ونباح الكلاب، حديث (٥١٠٣)، وأحمد (٣/ ٣٠٦)، والحاكم (٤/ ٢٨٤)، والبخاري في «الأدب المفرد» (١٢٣٤)، وأبو يعلى (٤/ ١٥٥) رقم (٢٢٢١)، وابن حبان (١٩٩٦- موارد)، وابن خزيمة (٢٥٥٩) من حديث جابر.","vol":"4","page":322},{"text":"إلى عذاب السعير، فكأنّ القائل منهم يقول: هم يتبعون دين آبائهم ولو كان مصيرهم إلى السعير، فدخلت ألف التوقيف على حرف العطف كما كان اتّساقُ الكلام فيه فتأملْه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1099>[سورة لقمان (٣١): الآيات ٢٢ الى ٢٦]</span>\nوَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى وَإِلَى اللَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ (٢٢) وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٢٣) نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ (٢٤) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٢٥) لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٦)\nوقوله تعالى: وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ معناه يُخْلِصُ ويُوَجِّهْ ويستسلمْ به، والوجْه هنا: الجارحة، اسْتُعِيْرَ للمقصِد لأَنَّ القاصدَ إلى شيء فهو مستقبله بوجهه، فاستعيرَ ذلك للمعاني، والمحسنُ: الذي جَمَعَ القولَ والعمل، وهو الذي شَرَحه ﷺ حين سأله جبريل﵇- عن الإحسان. والمتاعُ القليلُ هنا هو العمر في الدنيا. -\nوقوله: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ أي: على ظهور الحجة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1100>[سورة لقمان (٣١): الآيات ٢٧ الى ٣٢]</span>\nوَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧) مَّا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٢٨) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٩) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْباطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٣٠) أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣١)\nوَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ (٣٢)\nوقوله تعالى: وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ ... الآية. روي عن ابن عباس: أن سببَ نزولها أن اليهودَ قالت: يا محمد كيف عنيتنا بهذا القول وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء: ٨٥] ونحن قد أُوتينا التوراةَ تِبْيَانًا لكل شيء؟ فنزلت الآية «١»، وقيل غير هذا.\nقال ع «٢»: وهذه الآية بَحْرُ نظرٍ وفكرةٍ، نَوَّرَ الله قلوبنا بهداه.\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٤/ ٣٥٣- ٣٥٤)، وابن كثير (٣/ ٤٥١)، والسيوطي (٥/ ٣٢٢)، وعزاه لابن إسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس.\n(٢) ينظر: «المحرر» (٤/ ٣٥٤) .","vol":"4","page":323},{"text":"وقوله تعالى: مَّا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ أي: لأنه كله ب «كن فيكون»، قاله مجاهد «١» .\nوقوله تعالى: كُلٌّ يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى يريد: القيامة.\nوقوله: بِنِعْمَتِ اللَّهِ يحتمل أن يريدَ ما تحملَه السفنُ من الطَّعامِ والأرزاقِ والتجاراتِ، فالباء: للإلْزَاقِ، ويحتمل أن يريدَ بالريحِ وتسخيرِ الله البحرَ ونحوَ هذا، فالباءُ باءُ السببِ. وذكر تعالى من صفات المؤمن الصبَّارَ والشَّكُورَ لأنهما عُظْمُ أخلاقه، الصبرُ على الطاعاتِ وعلى النوائبِ، وعن الشهواتِ، والشكرُ على الضراءِ والسراءِ. وقال الشعبي: الصبرُ نصفُ الإيمانِ والشكرُ نصفُه الآخرُ، واليقينُ الإيمان «٢» كله. و«غَشِي» غطَّى أو قارَب، والظُّلَلِ: السحابُ.\nوقوله تعالى: فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ.\nقال الحسن: منهم مؤمن «٣» يعرف حق الله في هذه النعم، والختَّار القبيحُ «٤» الغَدْرِ، وذلك أن مِنَن الله على العباد كأنها عهود ومِنَنٌ يلزمَ عنها أداء شكرها، والعبادةُ لمسديها، فمن كفر ذلك وجحد به، فكأنه ختر وخان، قال الحسن: الختار هو الغدار «٥» .\nوكَفُورٍ: بناء مبالغة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1101>[سورة لقمان (٣١): الآيات ٣٣ الى ٣٤]</span>\nيا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لاَّ يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٣٣) إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)\nوقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لاَّ يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ ...\nالآية يَجْزِي مَعْنَاه يَقْضي، والمعنى: لا ينفعه بشيء، وقرأ الجمهور: «الغَرور» «٦»: - بفتح\n_________\n(١) أخرجه الطبريّ (١٠/ ٢٢٢) رقم (٢٨١٥١)، وذكره السيوطي (٥/ ٣٢٤)، وعزاه لابن أبي شيبة، وابن جرير وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد.\n(٢) أخرجه الطبريّ (١٠/ ٢٢٣) رقم (٢٨١٥٧) بنحوه، وذكره ابن عطية (٤/ ٣٥٥) .\n(٣) في ج: من.\n(٤) ذكره ابن عطية (٤/ ٣٥٥) .\n(٥) أخرجه الطبريّ (١٠/ ٢٢٤- ٢٢٥) رقم (٢٨١٦٢)، وذكره ابن عطية (٤/ ٣٥٦) .\n(٦) ينظر: «البحر المحيط» (٧/ ١٨٩)، و«الدر المصون» (٥/ ٣٩٢) .","vol":"4","page":324},{"text":"الغَيْنِ- وهو الشيطانُ قاله مجاهد «١» وغيره، واعلم أيها الأخ أنّ مَنْ فَهِمَ كَلامَ رَبِّه وَرُزِقَ التوفيقَ لم يَنْخَدِعْ بغُرورِ الدنيا وزخرفها الفاني بَل يَصْرِفُ هِمَّتَه بالكُلِّيَةِ إلى التزود لآخرته ساعيًا في مَرْضَاةِ ربه، وأنَّ مَنْ أيقنَ أنَّ اللهَ يطلبُه صَدَقَ الطلبَ إليه، كما قاله الإمام العارفُ بالله ابن عطاء الله. وإنه لا بد لبناءِ هذا الوجودِ أن تَنْهَدِمَ دعائمُه وأن تسلب كرائِمهُ، فالعاقل من كان بما هو أبقى أفرح منه بما هو يفنى، قد أشرق نورُه وظهرت تباشيرُه، فَصَدَفَ عن هذه الدار مُغْضِيًا، وأعرض عَنها موليًا، فلم يتخذْها وطنًا، ولا جعلها/ ٦٩ أسكنا بل أنْهَضَ الهمَّةَ فيها إلى اللهِ تعالى وَصَارَ فِيهَا مُسْتَعِينًا به في القدومِ عليه، فما زالت مطيةُ عَزْمِهِ لا يَقِرُّ قرارُها. دائما تَسْيَارُهَا، إلى أن أناخَتْ بِحَضْرَةِ القُدَسِ، وبساطِ الإنْسِ، انتهى.\nوَرَوَيْنَا في «جامع الترمذي» عن أبي أمامة عن النبي ﷺ قال: «إنّ أغبط أوليائي عندي المؤمن خَفِيفٌ الحَاذِ ذُو حَظٍّ مِنَ الصَّلاَةِ، أَحْسَنَ عِبَادَةَ رَبِّهِ، وَأَطَاعَهُ فِي السِّرَّ، وَكَانَ غَامِضًا فِي النَّاسِ لاَ يُشَارُ إلَيْهِ بِالأَصَابِعِ، وَكَانَ رِزْقُهُ كَفَافًا فَصَبَرَ على ذَلِكَ، ثُمَّ نَفَضَ بِيَدِهِ فَقَالَ: عُجِّلَتْ مَنِيَّتُهُ، قَلَّتْ نَوَائِحُهُ قَلَّ تراثه»، قال أبو عيسى: وبهذا الإسنادِ عَنِ النبيّ ﷺ قال: «عرض عليّ ربّي ليجعل لي بطحاء «٢» مَكَّةَ ذَهَبًا، قُلْتُ: لاَ، يَا رَبِّ، ولكن أَشْبَعُ يَوْمًا وَأَجُوعُ يَوْمًا، أَوْ قَالَ: ثَلاَثًا أَوْ نَحْوَ هذا، فَإذَا جُعْتُ، تَضَرَّعْتُ إلَيْكَ، وَإذَا شَبِعْتُ شَكَرْتُكَ وَحَمِدْتُكَ» «٣» . قال أبو عيسَى: هذا حديثٌ حسنٌ، وفي الباب عن فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ، انتهى. والغُرُورُ: التَّطْمِيعُ بما لا يَحْصُلُ. وقال ابن جُبَيْرٍ: معنى الآية: أن تَعملَ المعصيةَ وتَتَمَنَّى المغفرة «٤»، وفي الحديثِ الصحيح: عنه ﷺ قَالَ: «خَمْسٌ مِنَ الغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهُنَّ إلاَّ اللَّهُ تعالى وتلا الآية: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ ... إلى آخرها» «٥» . قال أبو حيَّان: بِأَيِّ أَرْضٍ: - الباء ظَرْفِيةٌ والجملة في موضع نصب- ب تَدْرِي. انتهى.\n_________\n(١) أخرجه الطبريّ (١٠/ ٢٢٥) رقم (٢٨١٦٩)، وذكره ابن عطية (٤/ ٣٥٦)، وابن كثير (٣/ ٤٥٣) .\n(٢) هو مسيل واديها. ينظر: «النهاية» (١/ ١٣٤) .\n(٣) أخرجه الترمذيّ (٤/ ٥٧٥) كتاب الزهد: باب ما جاء في الكفاف والصبر عليه.\nوقال الترمذيّ: هذا حديث حسن. [.....]\n(٤) أخرجه الطبريّ (١٠/ ٢٢٦) رقم (٢٨١٧٢)، وذكره البغوي (٣/ ٤٩٦)، وابن عطية (٤/ ٣٥٦)، والسيوطي (٥/ ٣٢٥)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير عن سعيد بن جبير.\n(٥) تقدم تخريجه.","vol":"4","page":325},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم صلّى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1102>تفسير «سورة السجدة»</span>\nوهي مكّيّة غير ثلاث آيات نزلت بالمدينة وهي قوله تعالى: أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كانَ فاسِقًا إلى تمام ثلاث آيات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1103>[سورة السجده (٣٢): الآيات ١ الى ٤]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ (٤)\nقال جابر: ما كان رسول الله ﷺ ينام حتى يقرأ: الم السجدة، وتَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ. وتَنْزِيلُ يَصح أن يَرْتَفِعَ بالابتداء، والخبر: لاَ رَيْبَ، ويَصحُّ أن يرتفعَ على أنه خبر مبتدإٍ محذوفٍ، أي: ذلك تنزيل، والريبُ: الشك، وكذلك هو في كل القرآن إلا قوله رَيْبَ الْمَنُونِ [الطور: ٣٠] .\nوقوله: أَمْ يَقُولُونَ إضرابٌ كأنَّه قال: بل أيقولون: ثم ردَّ على مقالتِهم وأخبَرَ أنّه الحقُّ من عند الله.\nوقوله سبحانه: ما أَتاهُمْ أي: لم يُبَاشِرْهم ولا رأوه هم ولا آباؤهم العربُ.\nوقوله تعالى: وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ [فاطر: ٢٤] يعم من بُوشِر من النذُر ومَنْ سَمِع بهِ، فالعربُ مِن الأمم التي خلت فيها النذر على هذا الوجه، لأنها علمت بإبرَاهيم وبنيه، وبدعوتهم، ولم يأتهم نذيرٌ مباشرٌ لهم سوى محمد ﷺ.\nوقال ابن عباس ومقاتل «١»: المعنى: لم يأتهم نذير في الفترة بين عيسى ونبينا محمد ﷺ.\n_________\n(١) ذكره البغوي (٣/ ٤٩٧)، وابن عطية (٤/ ٣٥٧) .","vol":"4","page":326},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1104>[سورة السجده (٣٢): الآيات ٥ الى ٩]</span>\nيُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٥) ذلِكَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ (٨) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ (٩)\nوقوله تعالى: يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ... الآية، الأمر اسم جنسٍ لجميعِ الأمور، والمعنى يُنَفِّذُ سُبْحَانِه قضاءَه بجميع ما يشاءه، ثم يعرج إليه خبرُ ذلك في يوم من أيام الدنيا مقداره أن لو سِيرَ فيه السيرَ المعروف من البشر ألفُ سنة، أي: نزولًا وعروجًا لأن مَا بين السماء والأرض خمس مائة سنة، هذا قول ابن عباس «١» ومجاهد «٢» وغير هما.\nوقيل: المعنى: يدبر الأمر من السماء إلى الأَرض في مدة الدنيا، ثم يعرج إليه يوم القيامة، ويوم القيامة مقداره ألف سنة من عَدِّنا، وهو على الكفار قَدْرُ خمسينَ ألفِ سنة. وقيل: غَيْرَ هذا، وقرأ الجمهور/: «الذي أحسن كل شيء خلقَه»: - بفتح اللام- ٦٩ ب على أنه فعلٌ ماضٍ، ومعنى: «أحسن»: أَتْقَنَ وأحْكَمَ فهو حَسَنْ من جهة مَا هو لمقاصِده التي أريدَ لها، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر: «خَلْقه» «٣»: - بسكون اللام- وذهب بعض الناس على هذه القراءة إلى أن: «أحسن» هنا معناه: ألْهَمَ، وأن هذه الآية بمعنى قوله تعالى: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى [طه: الآية ٥٠] . أي:\nألهَمَ. والإنسانُ هنا آدم﵇-، والمَهِينُ: الضعيف، وَنَفَخَ: عبارة عن إفاضَةِ الرُّوحِ في جَسَدِ آدم ﵇ والضميرُ في رُوحِهِ للَّهِ تعالى، وهي إضافة مُلْكٍ إلى مَالِكٍ وخَلْقٍ إلَى خَالِقٍ، ويُحْتَمل أن يكونَ الإنسان في هذه الآية اسم جنس وقَلِيلًا صفة لمصدر محذوف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1105>[سورة السجده (٣٢): الآيات ١٠ الى ١٥]</span>\nوَقالُوا أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ (١٠) قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١١) وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (١٢) وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣) فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا إِنَّا نَسِيناكُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٤)\nإِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥)\n_________\n(١) أخرجه الطبريّ (١٠/ ٢٣١) رقم (٢٨١٩١)، وذكره ابن عطية (٤/ ٣٥٨)، والسيوطي (٥/ ٣٣١)، بنحوه وعزاه لابن جرير عن ابن عباس.\n(٢) أخرجه الطبريّ (١٠/ ٣٣٠) رقم (٢٨١٨٧)، وذكره البغوي (٣/ ٤٩٧- ٤٩٨) بنحوه، وابن عطية (٤/ ٣٥٨)، وابن كثير (٣/ ٤٥٧)، والسيوطي (٥/ ٣٣١)، وعزاه لابن جرير عن مجاهد.\n(٣) ينظر: «السبعة» (٥١٦)، و«الحجة» (٥/ ٤٦٠)، و«معاني القراءات» (٢/ ٢٧٣)، و«شرح الطيبة» (٥/ ١٤٠)، و«العنوان» (١٥٣)، و«شرح شعلة» (٥٤٣)، و«إتحاف» (٢/ ٣٦٦)، و«حجة القراءات» (٥٦٧) .","vol":"4","page":327},{"text":"وقوله تعالى: وَقالُوا أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أي: تَلَفْنَا وَتَقَطَّعَتْ أَوْصَالُنَا، فذهبنا في التراب حتّى لم نوجد إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أي: أَنُخْلَقُ بَعْدَ ذلك خَلقًا جديدًا إنكارًا منهم للبعثِ واستبعادًا له، ويَتَوَفَّاكُمْ معناه يَسْتَوِفِيكم رُوِيَ عَن مجاهدٍ: أن الدنّيَا بَيْنَ يَدَيْ مَلَكِ المَوتِ كالطِّسْتِ بَيْنَ يَدَي الإنْسَانِ يأخُذُ مِنْ حَيثُ أُمِرَ «١» .\nوقوله تعالى: وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ الآية تَعْجِيبٌ لمحمَّد ﵇ وأمته من حالِ الكفرةِ، ومَا حَلَّ بهم، وجوابٌ لَوْ محذوفٌ لأنَّ حذفَه أَهْوَلُ في النفوس، وتنكيسُ رؤوسهم هو من الذل واليأسِ والهَمِّ بحلُول العذابِ. وقولهم أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا أي: ما كنا نُخْبَرُ به في الدنيا، ثم طلبوا الرَّجْعَةَ حينَ لاَ يَنْفَعُ ذَلكَ. ثمَّ أخْبَرَ تعالى عن نَفْسهِ أنَّه لو شَاء لهدى الناس أجمعين بأن يَلْطُفُ بهم لُطْفًا يؤمنونَ به، ويخترع الإيمانَ في نفوسهم، هذا مذهبُ أهلِ السُّنَّةِ، والْجِنَّةِ: الشياطين، ونَسِيتُمْ معناه: تركتم قاله ابن عباس «٢» وغيره.\nوقوله: إِنَّا نَسِيناكُمْ سَمَّى العقوبة باسم الذنب. ثم أثْنَى سبحانه على القوم الذين يؤمنون بآياته، ووصَفَهم بالصفة الحُسْنَى من سجودهم عند التذكير، وتسبيحهم وعدم استكبارهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1106>[سورة السجده (٣٢): الآيات ١٦ الى ٢٢]</span>\nتَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٧) أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كانَ فاسِقًا لا يَسْتَوُونَ (١٨) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوى نُزُلًا بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٩) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النَّارُ كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠)\nوَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢١) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْها إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (٢٢)\n_________\n(١) أخرجه الطبريّ (١٠/ ٢٣٦) رقم (٢٨٢١٦)، وذكره البغوي (٣/ ٤٩٩)، وابن عطية (٤/ ٣٦٠)، وابن كثير (٣/ ٤٥٨) .\n(٢) أخرجه الطبريّ (١٠/ ٢٣٧) رقم (٢٨٢٢١)، وذكره ابن عطية (٤/ ٣٦١) .","vol":"4","page":328},{"text":"وقوله تعالى: تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ ... الآية، تَجافَى الجنبُ عن موضِعِه إذا تَرَكه، قال الزجاج وغيره: التَّجافِي التَّنَحِّي إلى فوق.\nقال ع «١»: وهذا قول حسن، والجنوبُ جَمْعُ جَنْبٍ، والمضاجِعُ مَوْضِع الاضْطجَاع للنوم.\nت: وقال الهرَوِيُّ: تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ أي: ترتفعُ وتَتَباعَدُ، والجَفاء بَيْن النَّاسِ هُو التَّبَاعُدُ، انتهى. وَرَوَى البُخَاري بسنَدِهِ عن أبي هريرة أن عَبدَ الله بن رَوَاحَةَ﵁- قَالَ: [الطويل]\nوَفِينَا رَسُولُ اللهِ يَتلُو كِتَابَه ... إذَا انشق مَعْرُوفٌ مِنَ الفَجْرِ سَاطِعُ\nأَرَانَا الهدى بَعْدَ العمى فَقُلُوبُنَا ... بِهِ مُوقِنَاتٌ أَنَّ مَا قَالَ وَاقِعُ\nيَبِيتُ يُجَافِي جَنْبَهُ عَنْ فِرَاشِهِ ... إذَا استثقلت بِالْكَافِرِينَ المَضَاجِعُ\nانتهى. وجمهور المفسرين: على أن المرادَ بهذا التجافي صلاةُ النوافلِ بالليلِ.\nقال ع «٢»: وعلى هذا التأويل أكثَرُ الناسِ، وهو الذي فيه المدحُ وفيه أحاديثُ عن النبي ﷺ يَذكر ﵇ قِيامَ الليل ثم يستشهدُ بالآية ففي حديثِ معاذٍ «أَلاَ أَدُلُّكَ على أبواب الخير: الصوم جنّة، والصدقة تطفئ الخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِىءُ المَاءُ النَّارَ، وَصَلاَةُ الرَّجُلِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ، ثم قَرَأ تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ/، حتّى بلغ يَعْمَلُونَ» رواه ٧٠ أالترمذيّ «٣»، وقال: حديث حسن صحيح ورَجَّحَ الزَّجَاجُ «٤» ما قاله الجمهور بأنهم:\nجُوزُوا بإخفاءٍ، فَدَلَّ ذلك على أن العَمَلَ إخْفَاءٌ أيضًا، وهو قيامُ الليل يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا أي: من عذابه وَطَمَعًا، أي: في ثوابه.\n_________\n(١) ينظر: «المحرر» (٤/ ٣٦٢) .\n(٢) ينظر: «المحرر» (٤/ ٣٦٢) .\n(٣) أخرجه الترمذيّ (٥/ ١١- ١٢) كتاب الإيمان: باب ما جاء في حرمة الصلاة، حديث (٢٦١٦)، وابن ماجه (٢/ ١٣١٤- ١٣١٥) كتاب الفتن: باب كف اللسان في الفتنة، حديث (٣٩٧٣)، والنسائي في «التفسير» (٤١٤)، وأحمد (٥/ ٢٣١)، والحاكم (٢/ ٧٦، ٤١٢)، والطبراني في «الكبير» (٢٠/ ١٣٠- ١٣١) رقم (٢٦٦) من طرق عن ابن مسعود.\nوقال الترمذيّ: حديث حسن صحيح.\nوصححه الحاكم، ووافقه الذهبي.\nوذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٣٣٧)، وزاد نسبته إلى ابن نصر في «كتاب الصلاة»، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في «شعب الإيمان» .\n(٤) ينظر: «معاني القرآن» للزجاج (٤/ ٢٠٧) .","vol":"4","page":329},{"text":"قال ص: تَتَجافى أَعربه أبو البقاء: حالًا، ويَدْعُونَ: حال أو مستأنف وخَوْفًا وَطَمَعًا: مَفْعُولاَن من أجله أو مصدران في موضع الحال انتهى. وفي «الترمذي» عن معاذ بن جبل قال: قلت: يا رَسُولَ اللهِ، أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الجَنَّةَ، وَيُبَاعِدُنِي عَنِ النَّارِ، قَالَ: «لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْ عَظِيمٍ، وَإنَّهُ لَيَسِيرٌ على مَنْ يَسَّرَهُ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ تَعْبُدُ اللهَ لاَ تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمَ الصَّلاَةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصُومُ رمضَانَ، وتَحُجُّ البَيْتَ، ثمَّ قَالَ: أَلاَ أَدُلُّكَ على أَبْوَابِ الخير؟ الصوم جنّة، والصدقة تطفئ الخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِىءُ المَاءُ النَّارَ، وَصَلاَةُ الرَّجُلِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، ثم تَلاَ: تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ حَتَّى بَلَغَ يَعْمَلُونَ. ثم قال: أَلاَ أُخْبِرُكَ بِرَأْسِ الأَمْر وَعَمُودِهِ وَذِرْوَةِ سَنَامِهِ؟ قُلْتُ: بلى، يَا رَسُولَ اللهِ. قال: رَأْسُ الأَمْرِ الإسْلاَمُ، وَعَمُودُهُ الصَّلاَةُ وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ، ثُمَّ قَالَ: أَلاَ أُخْبِرُكَ بِمَلاَكِ ذَلِكَ كُلِّهِ؟\nقُلْتُ: بلى يَا رَسُولَ اللهِ فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ، وَقَالَ: كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا. قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، وإنّا لمؤاخذون بما نتكلّم به؟! فَقَالَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ، وَهَلْ يَكُبَّ النَّاسَ فِي النَّارِ على وُجُوهِهِمْ إلاَّ حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ؟!» «١» قال الترمذيُّ: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. انتهى.\nوقرأ حمزةُ وحده «٢»: «أُخْفِيْ» - بسكون الياء كأنه قال: أُخْفِيْ أَنَا. وقرأ الجمهور «أُخْفِيَ» - بفتح الياء-، وفي معنى هذه الآية قال ﷺ: «قال الله﷿-: أعددت لعبادي الصالحين مَا لاَ عَيْنٌ رَأَتْ وَلاَ أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خطر على قلب بَشَرٍ ذُخْرًا بَلْهَ مَا اطلعتم عَلَيْهِ، واقرءوا إنْ شِئْتُمْ: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ ... الآية» انتهى.\nقال القرطبيُّ في «تذكرته» «٣»: «وبَلْهَ» معناه: غَيْر، وقيل: هو اسم فِعْلٍ بمعنى دَعْ، وهذا الحديث خرّجه البخاري، وغيره «٤» .\n_________\n(١) ينظر: الحديث السابق.\n(٢) ينظر: «السبعة» (٥١٦)، و«الحجة» (٥/ ٤٦٣)، و«معاني القراءات» (٢/ ٢٧٤)، و«شرح الطيبة» (٥/ ١٤٠)، و«العنوان» (١٥٣)، و«حجة القراءات» (٥٦٩)، و«شرح شعلة» (٥٤٣)، و«إتحاف» (٢/ ٣٦٧) . [.....]\n(٣) ينظر: «التذكرة» للقرطبي (٢/ ٥٩٥) .\n(٤) أخرجه البخاري (٨/ ٣٧٥) كتاب التفسير: باب فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ حديث (٤٧٧٩)، ومسلم (٤/ ٢١٧٤) كتاب الجنة وصفة نعيمها، حديث (٢/ ٢٨٢٤)، والترمذيّ (٥/ ٣٤٦- ٣٤٧) كتاب التفسير: باب «ومن سورة السجدة»، حديث (٣١٩٧)، والطبريّ في «تفسيره» (١٠/ ٢٤٣) رقم (٢٨٢٥٣، ٢٨٢٥٤)، وأحمد (٢/ ٣١٣)، والحميدي (٢/ ٤٨٠)، وهناد في «الزهد» رقم (١، ٢) من حديث أبي هريرة.\nوقال الترمذيّ: هذا حديث حسن صحيح.\nوذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٣٣٩)، وزاد نسبته إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، وابن الأنباري.","vol":"4","page":330},{"text":"ت: وفي رواية للبخاري: قال أبو هريرة: واقرؤوا إنْ شِئْتُمْ: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ... «١» الآية. انتهى.\nوقال ابن مسعودٍ: في التوراة مكتوبٌ «عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ تتجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ المَضَاجِعِ مَا لاَ عَيْنٌ رَأَتْ وَلاَ أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلاَ خَطَرَ على قَلْبِ بَشَرٍ» «٢»، وباقي الآية بَيِّن والضمير في قوله تعالى: وَلَنُذِيقَنَّهُمْ لكفار قريش، ولا خلافَ أن العذابَ الأكبرَ هو عذابُ الآخرةِ، واخْتُلِفَ في تَعْيين العذاب الأَدْنَى فقيل هو السنون التي أجاعَهم الله فيها وقيل هو مصائبُ الدنيا من الأمراض ونحوها، وقيل هو القَتْل بالسَّيْف كَبَدْرِ وغيرها.\nوقوله سبحانه: إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ ظاهر الإجرام هنا أنه الكفر، وروى معاذ بن جبل عن النبيّ ﷺ أنه قال: «ثَلاَثٌ مَنْ فَعَلَهُنَّ، فَقَدْ أَجْرَمَ: مَنْ عَقَدَ لِوَاءً فِي غَيْرِ حَقٍّ، وَمَنْ عقّ والديه، ومن نصر ظالما» . «٣»\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1107>[سورة السجده (٣٢): الآيات ٢٣ الى ٢٥]</span>\nوَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِهِ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ (٢٣) وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ (٢٤) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٢٥)\nوقوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِهِ اخْتُلِفَ فِي الضمير الذي في لِقائِهِ على من يعود؟ فقال قتادة وغيره: يعود على موسى، والمعنى:\nفلا تكن يا محمد، في شك من أنك تلقى موسى، أي: في ليلة الإسراء، وهذا قول جماعة من السلف، وقالت فرقة: الضميرُ: عائد على الكتابِ، أي: فلا تكن في شك من لقاء موسى للكتاب.\n_________\n(١) ينظر: الحديث السابق.\n(٢) أخرجه الطبريّ (١٠/ ٢٤٢) رقم (٢٨٢٤٧)، وذكره ابن عطية (٤/ ٣٦٣)، والسيوطي (٥/ ٣٣٩)، وعزاه للفريابي، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه عن ابن مسعود.\n(٣) أخرجه الطبريّ في «تفسيره» (١٠/ ٢٤٩) رقم (٢٨٢٩٨)، والطبراني في «الكبير» (٢٠/ ٦١) رقم (١١٢) كلاهما من طريق عبد العزيز بن عبيد الله عن عبادة بن نسي عن جنادة بن أبي أمية عن معاذ بن جبل مرفوعا. وذكره الهيثمي في «المجمع» (٧/ ٩٣) وقال: وفيه عبد العزيز بن عبيد الله بن حمزة، وهو ضعيف.\nوالحديث ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٣٤٢)، وزاد نسبته إلى ابن منيع، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، وضعف السيوطي سنده.","vol":"4","page":331},{"text":"٧٠ ب ص: وقيل: يعود على الكتابِ/ على تقدير مُضْمَرٍ، أي: من لقاء مثله، أي:\nأتيناك مثلَ مَا آتينا موسى، والتأويل الأول هو الظاهر، انتهى. والمِرْيَةُ: الشَّكُّ، والضميرُ فِي جَعَلْناهُ: يحتمل أن يعود على الكتاب أو على موسى قاله قتادة.\nوقوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ ... الآية، حُكْم يَعُمّ جميعَ الخلق، وذهب بعضهم إلى تخصيص الضمير وذلك ضعيف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1108>[سورة السجده (٣٢): الآيات ٢٦ الى ٣٠]</span>\nأَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ أَفَلا يَسْمَعُونَ (٢٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ (٢٧) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٨) قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٢٩) فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ (٣٠)\nوقوله تعالى: أَوَلَمْ يَهْدِ معناه يُبَيِّنْ قاله ابن عباس، والفاعل ب يَهْدِ هو الله في قول فرقة، والرسولُ في قول فرقة، وقرأ أبو عبد الرحمن «١»: «نهد» - بالنون- وهي قراءة الحَسَنْ وقتادة، فالفاعلُ اللهُ تعالى، والضميرُ في يَمْشُونَ يُحْتَمَلُ أن يكونَ للمخاطَبِينَ أو للمهلكين، والْجُرُزِ: الأرض العاطِشَةُ التي قد أكلت نباتها من العطشِ والقيظِ ومنه قيل للأكول جَرُوزٌ. وقال ابن عباس «٢» وغيره: الْأَرْضِ الْجُرُزِ: أرض أبين من اليمن وهي أرض تشرب بسيولٍ لا بِمَطَرٍ، وفي «البخاري»: وقال ابن عباس:\nالْجُرُزِ: التي لم تُمْطَرْ إلا مَطَرًا لاَ يُغْنِي عنها «٣» شَيْئًا. انتهى.\nثم حكى سبحانه عن الكفرةِ أنهم يَسْتَفْتِحُونَ ويستعجلون فَصْلَ القضاءِ بينهم وبين الرسل على معنى الهزء والتكذيب، والْفَتْحِ: الحُكْمُ، هذا قول جماعةٍ من المفسرينَ، وهو أقوى الأقوال.\n_________\n(١) وقد قرأ بها علي بن أبي طالب، وابن عباس ﵄.\nينظر: «مختصر شواذ» ابن خالويه ص ١١٩، و«المحرر الوجيز» (٤/ ٣٦٥) .\n(٢) أخرجه الطبريّ (١٠/ ٢٥٢) رقم (٢٨٣٠٥) بنحوه، وذكره البغوي بلفظ «هي أرض باليمن»، وابن عطية (٤/ ٣٦٦)، وابن كثير (٣/ ٤٦٤)، والسيوطي (٥/ ٣٤٣- ٣٤٤)، وعزاه لابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس.\n(٣) أخرجه الطبريّ (١٠/ ٢٥٢) رقم (٢٨٣٠٩)، وذكره ابن كثير (٣/ ٤٦٤)، والسيوطي (٥/ ٣٤٣)، وعزاه للفريابي، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس.","vol":"4","page":332},{"text":"قال مجاهد والْفَتْحِ هنا هو حُكْم الآخرة. ثم أمر تعالى نبيه ﵇ بالإعراض عن الكفرةِ وانْتِظَار الفَرَجِ، وهذا مما نَسَخَتْه آية السَّيْفِ.\nوقولُه: إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ أي: العذابَ بمعنى هذا حُكْمُهُمْ وإن كانوا لا يشعرون.","vol":"4","page":333},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1109>تفسير «سورة الأحزاب»</span>\nوهي مدنيّة بإجماع فيما علمت\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1110>[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ١ الى ٥]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nيا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١) وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٢) وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٣) مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللاَّئِي تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤)\nادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥)\nقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ ... الآية. قوله: اتَّقِ معناه: دُمْ على التَّقْوَى، ومتى أُمر أحدُ بشيء وهو به مُتَلَبِّسٌ فإنما معناه الدوامُ في المستقبلِ على مثل الحالةَ الماضِيةَ. وحذره تعالى من طاعة الكافرين والمنافقين تنبيهًا على عداوتِهم، وأَلاَّ يَطْمَئِنَّ إلى ما يُبْدُونَه من نَصَائِحِهم. والباء في قوله: وَكَفى بِاللَّهِ زائدةٌ على مذهب سِيبَوَيْهِ، وكأنه قال وكفى الله، وغيرُهُ يَرَاهَا غَيْرَ زائدةٍ متعلقَة ب «كفى» على أنه بمعنى:\nاكتف بالله. واختلف في السبب في قوله تعالى: مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ فقال ابن عباس «١»: سببُهَا أن بعضَ المنافقينَ قَال: إن محمدًا له قلبَانِ، وقيل غير هذا.\nقال ع «٢»: ويظهَرُ مِنْ الآية بِجُمْلَتِهَا أنَّها نَفيٌ لأشْيَاءَ كانت العربُ تعتقِدُها في ذلك الوقتِ، وإعلام بحقيقةِ الأمرِ، فمنها أن العربَ كانتْ تَقُول: إن الإنسانَ له قلبٌ يأمره، وقلب ينهاه، وكان تضادُّ الخواطِر يحملُها على ذلك، وكذلك كانت العربُ تعتقد الزوجة إذا ظاهر منها بمنزلة الأم، وتراه طلاقًا، وكانت تعتقد الدَّعِيَّ المُتَبَنَّى ابْنًا، فَنَفَى الله ما اعتقدوه من ذلك.\nوقوله سبحانه: وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ سببُها أمرُ زيد بن حارثة كانوا يَدْعُونَه:\nزيد بن محمد، والسَّبِيلَ هنا سبيلُ الشرع والإيمان. ثم أمر تعالى في هذه الآية بدعاء\n_________\n(١) أخرجه الطبريّ (١٠/ ٢٥٥) رقم (٢٨٣١٨)، وذكره ابن عطية (٣٦٧- ٣٦٨)، وابن كثير (٣/ ٤٦٦)، والسيوطي (٥/ ٣٤٧)، وعزاه لأحمد، والترمذيّ، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم، وابن مردويه، والضياء عن ابن عباس.\n(٢) ينظر: «المحرر» (٤/ ٣٦٨) .","vol":"4","page":334},{"text":"الأدعياء لآبائهم، أي: إلى آبائهم للصُّلْبِ، فمن جُهل ذلك فيه كان مولىً وأَخًا في الدين، فقال الناسُ: زيد بن حارثة وسالم مولى أبي حذيفة، إلى غير ذلك وأَقْسَطُ: معناه:\nأعدل.\nوقوله ﷿: وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ ... الآية: رَفَعَ الحرجَ عَمَّنْ وَهِمَ وَنَسِيَ وأخْطَأَ، فَجَرَى على العَادَةِ من نسبة زيدٍ إلى محمدٍ، وغير ذلك: مما يشبهه، وأبقى الجناح في المُتَعَمِّدِ، والخطأُ مرفوعٌ عَنْ هذهِ الأمة عقابه قال ﷺ: «وُضِعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأُ والنِّسْيَانُ وَمَا أُكْرِهُوا عَلَيْهِ» «١» . وقال﵇-: «مَا أخشى عَلَيْكُمُ الخَطَأَ وَإنَّمَا أَخْشَى العَمْدُ» «٢» .\nقال السُّهَيْلِيُّ: ولَمَّا نزلت الآيةُ وامتثَلَهَا زيدُ فقال: أنا زيد بن حارثة جَبَرَ الله وَحْشَتَهُ وشَرَّفَه بأن سَمَّاه باسْمِه في القرآن فقال: فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَرًا [الأحزاب: ٣٧] ومَنْ ذَكَرَهُ سبحَانه باسْمِه في الذِّكْرِ الحكيم، حتى صَار اسمُه قرآنًا يتلى في المحاريبِ، فقد نَوَّه بهِ غَايَةَ التَّنْوِيهِ، فَكَانَ فِي هذا تأنيسٌ له وعوض من الفخر بأبوّة سيّدنا محمّد ﷺ له أَلاَ ترى إلى قول أُبي بن كعب حين قال له النبيّ ﷺ: «إنَّ اللهَ تعالى أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ سُورَةَ كَذَا، فبكى أُبَيٌّ وَقَالَ: أَوَ ذُكِرْتُ هُنَالِكَ» «٣»، وكان بكاؤه من الفرح حِينَ أخْبِرَ أن الله تعالى ذَكَرَهُ فكَيْفَ بمَنْ صَار اسمُه قرآنًا يتلى مخَلَّدًا لا يَبِيدُ، يتلُوهُ أهْلُ الدُّنْيَا إذا قرؤوا القرآن، وأهْل الجَنَّةِ كذلِكَ فِي الجِنَانِ، ثم زَادَهُ فِي الآية غَايةَ الإحْسَانِ أنْ قال: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ [الأحزاب: ٣٧] يعني بالإيمان فدلَّ على أنه عند الله من أهل الجِنَانِ، وهذه فضيلةٌ أخرى هي غايةُ منتهى أمنية الإنسان، انتهى.\n٧١ أ\n_________\n(١) تقدم تخريجه.\n(٢) أخرجه أحمد (٢/ ٣٠٨)، والحاكم (٢/ ٥٣٤)، وابن حبان (٢٤٧٩- موارد) من طريق جعفر بن برقان عن يزيد بن الأصم عن أبي هريرة مرفوعا.\nوقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. ووافقه الذهبي وصححه ابن حبان.\nوذكره الهيثمي في «المجمع» (٣/ ١٢٤)، وقال: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح.\n(٣) أخرجه البخاري (٧/ ١٥٨) كتاب مناقب الأنصار: باب مناقب أبي بن كعب، حديث (٣٨٠٩)، وفي (٨/ ٥٩٧) كتاب التفسير: باب سورة (لم يكن)، حديث (٤٩٥٩، ٤٩٦٠، ٤٩٦١)، ومسلم (٤/ ١٩١٤)، كتاب فضائل الصحابة: باب من فضائل أبي بن كعب، حديث (١٢٢/ ٧٩٩) من حديث أنس.","vol":"4","page":335},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1111>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٦]</span>\nالنَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ إِلاَّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفًا كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُورًا (٦)\nوقوله تعالى: النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ أزالَ الله بهذه الآية أحكامًا كانت في صدر الإسلام، منها أن النّبي ﷺ كان لا يصلي على ميت عليه دين، فذَكَرَ اللهُ تعالى أنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فجمع هذا أن المؤمن يلزم أن يحبّ النبيّ ﷺ أكثرَ من نَفسِهِ، حَسَبَ حديثِ عمر بن الخطاب، ويلزمُ أن يَمْتَثِلَ أوامرَهُ، أحبت نفسُهُ ذلك أو كرهت، وقال النبيّ ﷺ حين نزلت هذه الآية: «أَنَاْ أولى بالمؤمنين مِنْ أَنْفُسِهِمْ، مِنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ، وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًَا أَوْ ضِيَاعًا فإلَيَّ وَعَلَيَّ، أَنا وليّه، اقرؤوا إن شئتم: النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ...» .\nت: ولفظ البخاريِّ من رواية أبي هريرةَ أن النبيّ ﷺ قال: «مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إلاَّ وَأَنَا أولى به في الدّنيا والآخرة، اقرؤوا إن شئتم: النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ»، فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ تَرَكَ مَالًا فَلْيَرِثْهُ عَصَبَتُهُ مَنْ كَانُوا، فَإنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضِيَاعًا، فَلْيَأْتِنِي فَأَنَا مَوْلاَهِ» «١» .\nقال ابن العربيِّ: في «أحكامه» «٢»: فهذا الحديث هو تفسير الولاية في هذه الآية.\nانتهى.\nقال ع «٣»: وقال بعض العارفين: هو ﷺ أولى بالمؤمنين من أنفسهم لأنَّ أنفسهم تدعوهم إلى الهلاك، وهو يدعوهم إلى النجاة.\nقال ع «٤»: ويؤيد هذا قوله ﷺ: «فَأَنَا آخُذُ بِحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ، وَأَنْتُمْ تَقَحَّمُون فِيهَا تَقَحَّمَ الفَرَاشِ» .\nقال عياض في «الشفا»: قال أهل التفسير في قوله تعالى: النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ أي: ما أنفذه فيهم من أمر فهو ماضٍ عليهم كما يمضي حكمُ السيد على عبده، وقيل: اتباع أمره أولى من اتباع رأي النفس. انتهى. وشرّف تعالى أزواج نبيه ﷺ بأن جعلهن أمهاتِ المُؤْمِنِينَ في المَبَرَّةِ وحُرْمَةِ النّكاح، وفي مصحف أبيّ بن كعب «٥»:\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٥/ ٦١)، كتاب الاستقراض: باب الصلاة على من ترك دنيا (٢٣٩٩)، وأخرجه مسلم (٣/ ١٢٣٧)، كتاب الفرائض: باب «من ترك مالا فلورثته» الحديث (١٥/ ١٦١٩) . [.....]\n(٢) ينظر: «أحكام القرآن» (٣/ ١٥٠٨) .\n(٣) ينظر: «المحرر» (٤/ ٣٧٠) .\n(٤) ينظر: «المحرر» (٤/ ٣٧٠) .\n(٥) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٣٧٠)، و«البحر المحيط» (٧/ ٢٠٨) .","vol":"4","page":336},{"text":"«وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَهُوَ أَبٌ لَهُمْ» وقرأ ابن عباس «١» «مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَهُوَ أَبٌ لَهُمْ» ووافقه أبيّ ٧١ ب على ذلك. ثم حكم تعالى: بَأَن أُولى الأرْحَامِ بَعْضُهم أولى ببعض في التوارُث، مما كانت الشريعة قررته من التوارث بأخوه الإسلام، وفِي كِتابِ اللَّهِ يُحْتَمَلُ أَن يُرِيْدَ القُرْآن أو اللوح المحفوظ.\nوقوله: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ متعلق ب أَوْلى الثانية.\nوقوله تعالى: إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفًا يريدُ الأحسانَ في الحياةِ والصِّلَة والوَصِيَّةِ عند الموتِ و«الكتابُ المسطورُ»: يحتمل الوجهين اللذين ذكرنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1112>[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٧ الى ٨]</span>\nوَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقًا غَلِيظًا (٧) لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا أَلِيمًا (٨)\nوقوله سبحانه: وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ المعنى واذكر إذ أخذنا من النبيين، وهذا الميثاق:\nقال الزجاج «٢» وغيره: إنه الذي أخذ عليهم وَقْتَ استخراج البَشَرِ من صلب آدم كالذر، بالتبليغ وبجميعِ ما تَضَمَّنَتْهُ النبوَّة. وروي نحوُه عَنْ أُبَيِّ بْنُ كعب «٣» .\nوقالت فرقة: بل أشار إلى أَخذ الميثاقِ عليهم وَقْتَ بَعْثِهِم وإلقاءِ الرسالة إليهم، وذكر تَعَالَى النبيينَ جملةً، ثم خَصَّصَ أولِي العَزْمِ منهم تشريفًا لهم، واللام في قوله لِيَسْئَلَ يحتمل أن تكون لام كي، أو لام الصيرورة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1113>[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٩ الى ١٢]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْها وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٩) إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيدًا (١١) وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُورًا (١٢)\nوقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ ...\nالآيات إلى قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ [الأحزاب: ٢٨] نزلتْ في شأنِ غزوة\n_________\n(١) ونسبها الزمخشري في «الكشاف» (٣/ ٥٢٣) إلى ابن مسعود. وينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٣٧٠)، و«البحر المحيط» (٧/ ٢٠٨) .\n(٢) ينظر: «معاني القرآن» للزجاج (٤/ ٢١٦) .\n(٣) ذكره ابن عطية (٤/ ٣٧١)، وابن كثير (٣/ ٤٦٩) بنحوه.","vol":"4","page":337},{"text":"الخندقِ، وما اتَّصَلَ بها مِن أمر بني قريظة، وذلك أن رسول الله ﷺ أجلى بَنِي النَّضِيرِ مِنْ مَوْضِعِهِمْ عِنْدَ المَدِينَةِ إلى خَيْبَر، فاجْتَمَعَتْ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ، وَمِنْ غَيْرِهِمْ مِنَ اليَهُودِ، وَخَرَجُوا إلى مَكَّةَ مُسْتَنْهِضِينَ قُرَيْشًا إلى حرب رسول الله ﷺ، وَجَسَّرُوهُمْ على ذَلِكَ، وَأَزْمَعَتْ «١» قُرَيْشُ السَّيْرَ إلَى المَدِينَةِ، وَنَهَضَ اليَهُودُ إلى غَطَفَانَ، وبَنِي أَسَدٍ، وَمَنْ أَمْكَنَهُمْ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ وتِهَامَةَ، فاستنفروهم إلى ذَلِكَ وَتَحَزَّبُوا وَسَارُوا إلَى المَدِينَةِ، واتصل خبرهم بالنّبيّ ﷺ، فَحَفَرَ الخَنْدَقَ حَوْلَ المَدِينَةِ، وَحَصَّنَهَا، فَوَرَدَتِ الأحْزَابُ، وحَصَرُوا المدينةَ، وذلك في شَوَّال سنة خمسٍ، وقيل: أرْبَعٍ مِن الهجرةِ، وكانت قريظة قَدْ عاهدوا النّبيّ ﷺ وعَاقدوه أَلاَّ يَلْحَقَهُ منهم ضَرَرٌ، فلمَّا تمكَّن ذلك الحِصَارُ، ودَاخَلَهم بَنُو النضيرِ غَدَرُوا رسولَ الله ﷺ وَنَقَضُوا عهده، وضاق الحال على المؤمنين، ونَجَمَ النفاق وساءت ظنون قوم، ورسول الله ﷺ مع ذلك يُبَشِّرُ وَيَعِدُ النَّصْرَ، فألقَى الله ﷿ الرعب في قلوب ٧٢ أالكافرين، وتخاذلوا ويَئِسوا من الظَّفْرِ، وأرسل الله عليهم ريحًا وهي الصَّبَا، وملائكةً/ تُسَدِّدُ الرِّيحَ، وتفعل نحو فعلها، وتُلْقِي الرُّعْبَ في قلوب الكفرةِ، وهي الجنودُ التي لَم تُرَ، فارتَحَلَ الكَفَرَةُ وانقلبوا خائبين.\nقوله تعالى: إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ يريد: أهل نَجْدٍ مع عيينة بن حِصْن وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ: يريد أهل مكة وسائر تِهَامَة قاله مجاهد «٢» . وزاغَتِ الْأَبْصارُ معناه مَالَتْ عن مواضِعَها وذلك فِعْلُ الوالِه الفزِع المُخْتَبِلِ. وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ عبارة عَمّا يَجِدُهُ الهَلِعُ من ثَوَرَانِ نَفْسِه وتفرقها ويجد كأَنَّ حُشْوَتَهُ وَقَلْبَهُ يَصَّعَّدُ عُلُوًّا، وَرَوَى أبو سعيد أن الْمُؤْمِنِينَ قَالُوا يَوْمَ الخَنْدَق: يَا نَبِيَّ الله، بَلَغَتِ القُلُوبُ الحَنَاجِرَ فَهَلْ مِنْ شَيْءٍ نَقُولُهُ؟\nقَالَ: نَعَمْ قُولُوا: «اللَّهُمَّ، استر عَوْرَاتِنَا، وَآمِنْ رَوْعَاتِنَا» فَقَالُوهَا فَضَرَبَ اللهُ وُجُوهَ الكُفَّارِ بِالرِّيحِ فَهَزَمَهُمْ «٣» .\nوقوله سبحانه: وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا ... الآية: عبارةٌ عن خواطر خطرَتْ للمؤمنين لا يمكن البشر دفعها، وأما المنافقون قنطقوا، ونجم نفاقهم. وابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ\n_________\n(١) الزمع: المضاء في الأمر والعزم عليه. وأزمع الأمر، وبه، وعليه، مضى فيه، فهو مزمع.\nينظر: «لسان العرب» ١٨٦٢.\n(٢) أخرجه الطبريّ (١٠/ ٢٦٥) رقم (٢٨٣٦٧)، وذكره ابن عطية (٤/ ٣٧٢)، والسيوطي (٥/ ٣٥٧)، وعزاه للفريابي، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد.\n(٣) أخرجه أحمد (٣/ ٣)، والطبريّ في «تفسيره» (١٠/ ٢٦٣) رقم (٢٨٣٦٠) من حديث أبي سعيد الخدري، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٣٥٥)، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"4","page":338},{"text":"معناه: اخْتُبِرُوا وَزُلْزِلُوا: مَعْنَاه: حُرِّكُوا بعنف. ثم ذكر تعالى قول المنافقين والمَرْضَى القلوبِ على جِهَةِ الذَّمِّ لَهُمْ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا فَرُوِيَ عَنْ يزِيدَ بْنِ رُومَانَ أن مُعَتِّبَ بن قُشَيْرٍ قال: يَعِدُنَا مُحَمَّدٌ أن نَفْتَتِحَ كنوز كِسْرَى وقيصر ومكة ونحن الآن لا يقدر أحدنا أن يذهب إلى الغائط ما يعدنا إلا غرورًا، وقال غيره من المنافقين نحو هذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1114>[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ١٣ الى ٢١]</span>\nوَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرارًا (١٣) وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْها وَما تَلَبَّثُوا بِها إِلاَّ يَسِيرًا (١٤) وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ وَكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُلًا (١٥) قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لا تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلًا (١٦) قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا (١٧)\nقَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلاَّ قَلِيلًا (١٨) أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (١٩) يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ ما قاتَلُوا إِلاَّ قَلِيلًا (٢٠) لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)\nوقوله سبحانه: وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أي: من المنافقين لاَ مُقامَ لَكُمْ أي: لا موضعَ قيام ومُمَانَعة، فارْجِعوا إلى منازِلكم وبيوتِكم، وكان هذا على جِهَة التخذيل عن رسولِ الله ﷺ، والفريق المستأذن هو أوسُ بن قيظي استأذنَ في ذلك على اتِّفَاقِ من أصحابهِ المنافقين فقالَ: إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ أيْ: مُنْكَشِفَة للعدو فأكذَبَهم الله- تعالى- ولو دخلت المدينة مِنْ أَقْطارِها أي: من نواحيها، واشتد الخوف الحقيقي، ثم سُئِلوا الفتنة والحرب لمحمد ﷺ وأصحابه لبادروا إليها وآتوها محبين فيها ولم يَتَلَبَّثُوا في بُيوتهم لحفظها إلاَّ يسيرًا، قيل: قَدْرَ ما يأخذون سلاحَهم.\nثم أخبر تعالى عنهم أنهم قد كانوا عاهدوا الله إثْر أُحُدٍ لاَ يُولُّونَ الأدْبَارَ وفي قوله تعالى: وَكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُلًا تَوَعُّدٌ وباقي الآية بَيِّن. ثم وبَّخَهُمْ بقوله: قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وهم الذين يُعَوِّقُونَ الناسَ عن نُصْرة الرسولِ ويمنعونهم بالأقوال والأفعال من ذلك ويَسْعَوْنَ على الدين، وأما القائلون لإخوانهم هَلُمَّ إلينا فقال ابن زيد وغيره: أراد","vol":"4","page":339},{"text":"من كان من المنافقين يقول لإخوانه في النَّسَب وقَرَابته هلُم، أَي: إلى المنَازِل والأكل والشرب، واترك القتال «١» . وروي: أنّ جماعة منهم فَعَلَتْ ذلك وأصلُ هَلُمَّ:\nها المم. وهذا مِثْلُ تعليل «رَدَّ» من «ارْدُدْ» والبأسُ: القتالُ وإِلَّا قَلِيلًا معناه إلا إتيانا قليلا، وأَشِحَّةً جمع شَحِيحٍ والصَّوَابِ تَعْمِيمُ الشُّحِّ أنْ يكون بِكُلّ ما فيه للمؤمنين منفعة.\nوقوله: فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ قيل: معناه: فإذا قوي الخوفُ رأيت هؤلاء المنافقين ٧٢ ب ينظرونَ إليك/ نَظَرَ الهَلِعِ المُخْتَلِطِ الذي يُغْشَى عَليه، فإذا ذهب ذلك الخوفُ العظيمُ وَتَنَفَّسَ المختَنِقُ: سَلَقُوكُمْ أي: خاطبوكم مخاطبة بليغة، يقال: خطيب سَلاَّقٌ ومِسْلاَقٌ ومِسْلَقٌ ولِسَان أيضًا كذلك إذا كان فصيحًا مقتدرًا ووصف الألسِنة بالحدّة لقَطْعِها المعاني ونفوذِها في الأقوال، قالت فرقةٌ: وهذا السَّلْقُ هو في مخادعةِ المؤمنِين بما يُرْضيهِم من القول على جهة المصانعة والمخاتلة.\nوقوله: أَشِحَّةً حال من الضمير في سَلَقُوكُمْ.\nوقوله: عَلَى الْخَيْرِ يدل على عموم الشح في قوله أولًا: أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ وقيل: المراد بالخير: المال، أي: أشحة على مال الغنائِم، والله أعلم. ثم أخبرَ تعالى عنهم أنهم لم يؤمنوا، وجمهورُ المفسرينَ على أن هذه الإشارةَ إلى منافقينَ لم يكن لهم قط إيمان، ويكونُ قولهُ: فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ أي: أنها لم تُقْبَل قط، والإشارة بذلك في قوله وَكانَ ذلِكَ إلى حبط أعمال هؤلاء المنافقين، والضميرُ في قوله: يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ للمنافقين، والمعنى: أنهم من الفزع والجزع بحيثُ رَحَلَ الأحزابُ وهزمهَم الله تعالى، وهؤلاء يظنون أنها من الخُدَعِ وأنَّهم لم يَذْهَبوا، وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ، أي: يرجعوا إليهم كرةً ثانية يَوَدُّوا من الخوف والجبن لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ أي:\nخارجون إلى البادية. فِي الْأَعْرابِ وهم أهل العمود ليسلموا من القتال. يَسْئَلُونَ أي من وَرَدَ عليهم. ثم سَلَّى سبحانه عَنْهُم وحَقَّر شَأْنَهُم بِأَنْ أخْبَرَ أنهمْ لَو حَضَرُوا لَمَا أَغْنَوا وَلَمَا قَاتَلُوا إلا قِتَالًا قَلِيلًا لا نفعَ لَه. ثُم قال تعالى- على جهة الموعظة-: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ حين صَبَرَ وجَادَ بنفسه، وأُسْوَةٌ معناه قُدْوَة، وَرَجَاءُ الله تَابع للمَعْرِفة به، ورجاء اليومِ الآخر ثمرة العمل الصالح، وذكرُ الله كثيرًا من خَير الأعمال فَنَبَّه عليه.\n_________\n(١) أخرجه الطبريّ (١٠/ ٢٧٤) رقم (٢٨٣٩٨) بنحوه، وذكره ابن عطية (٤/ ٣٧٥) .","vol":"4","page":340},{"text":"ت: وعن أبي هريرة عن النّبيّ ﷺ قال: «إنَّ اللهَ ﷿ يَقُولُ: أَنا مَعَ عَبْدِي إذَا هُوَ ذَكَرَنِي وَتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتَاهُ» «١» . رواه ابن ماجه، واللفظ له وابن حِبَّانَ في «صحيحه» ورواه الحاكم في «المستدرك» من حديث أبي الدرداء.\nوروى جابرُ بن عبد الله قال: خرج علينا النبيّ ﷺ فقال: «يا أيّها النَّاسُ، إن لِلَّهِ سَرَايا مِنَ المَلاَئِكَةِ تَحُلُّ وَتَقِفُ على مَجَالِسِ الذِّكْرِ فِي الأَرْضِ، فارتعوا فِي رِيَاضِ الجَنَّةِ، قَالُوا:\nوأَيْن رِيَاضُ الجَنَّةِ يا رسول الله ﷺ؟ قَالَ: مَجَالِسُ الذِّكْرِ فاغدوا وَرُوحُوا فِي ذِكْرِ اللهِ وذَكِّرُوهُ أنْفُسَكُمْ مَنْ كَانَ يُحِبُّ أَنْ يَعْلَمَ مَنْزِلَتَهُ عِنْدَ اللهِ فَلْيَنْظُرْ كَيْفَ مَنْزِلَةُ اللهِ عِنْدَهُ فَإنَّ اللهَ يُنْزِلُ العَبْدَ مِنْهُ، حَيثُ أَنْزَلَهُ مِنْ نَفْسِهِ» «٢» رواه الحاكم في «المستدرك» وقال: صحيحُ الإِسناد.\nوعن معاذِ بْنِ جبل قال: سألت النبيّ ﷺ أَيُّ الأَعْمَالِ أَحَبُّ إلَى اللهِ تعالى؟ قَالَ:\n«أَنْ تَمُوتَ وَلِسَانُكَ رَطْبٌ مِنْ ذِكْرِ اللهِ» «٣» رواه ابن حبان في «صحيحه»، انتهى من «السِّلاَحِ» . ولَولاَ خشيةُ الإطالةِ، لأتَيْتُ في هذا الباب بأحاديثَ كَثِيرَةٍ، وروى ابنُ المُبَاركَ في «رقائقه» قال: أخبرنا سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجِيحٍ عن مجاهدٍ قَالَ: لاَ يَكُونُ الرَّجُلُ مِنَ الذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيرًا والذَّاكرَاتِ حَتَّى يَذْكُرَ اللهَ قَائِمًا وَقَاعِدًا وَمُضْطَجِعًا، انتَهى.\nوفي «مصحف ابن مسعود «٤»» «يَحْسَبُونَ الأحزاب/ قَدْ ذَهَبُواْ فَإِذَا وَجَدُوهُمْ لَمْ يَذْهَبُوا ودّوا ٧٣ أأنّهم بادون في الأعراب» .\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٢/ ٥٤٠)، وابن ماجه (٢/ ١٢٤٦)، كتاب الأدب: باب فضل الذكر، حديث (٣٧٩٢)، والحاكم (١/ ٤٩٦)، وابن حبان (٣/ ٩٧) رقم (٨١٥) من طريق أم الدرداء عن أبي هريرة.\nوصححه الحاكم، ووافقه الذهبي.\nوصححه ابن حبان.\n(٢) أخرجه الحاكم (١/ ٤٩٤)، وأبو يعلى (٣/ ٣٩٠- ٣٩١) رقم (١٨٦٥) من طريق عمر بن عبد الله مولى غفرة عن أيوب بن خالد بن صفوان عن جابر به.\nوقال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.\nوتعقبه الذهبي فقال: عمر ضعيف.\nوقال الهيثمي في «المجمع» (١٠/ ٨٠): رواه أبو يعلى، والبزار، والطبراني في «الأوسط»، وفيه عمر بن عبد الله مولى غفرة، وقد وثقه غير واحد، وضعفه جماعة، وبقية رجالهم رجال الصحيح.\n(٣) أخرجه ابن حبان (٣/ ٩٩- ١٠٠) رقم (٨١٨)، وابن السني رقم (٢)، والطبراني في «الكبير» (٢٠/ ١٠٧) رقم (٢١٢)، والبزار (٣٠٥٩ كشف) من حديث معاذ بن جبل. وذكره الهيثمي في «المجمع» (١٠/ ٧٧)، وقال: رواه الطبراني بأسانيد، وفي هذه الطريق خالد بن يزيد بن عبد الرحمن بن أبي مالك ضعفه جماعة، ووثقه أبو زرعة وغيره، وبقية رجاله ثقات، ورواه البزار من غير طريقه، وإسناده حسن. [.....]\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٣٧٧) .","vol":"4","page":341},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1115>[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٢٢ الى ٢٥]</span>\nوَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ قالُوا هذا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَما زادَهُمْ إِلاَّ إِيمانًا وَتَسْلِيمًا (٢٢) مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (٢٣) لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٤) وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (٢٥)\nوقوله تعالى: وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ ... الآية. قالت فرقة: لما أمر- رسول الله ﷺ- بحفر الخندقِ أعلمهم بأنهم سَيُحْصَرَون، وأمرهم بالاستعدادِ لذلك، وأعْلمهم بأنهم سَيُنْصَرُوْنَ بعد ذلك، فلما رأوا الأحزاب: قالُوا: هذا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ الآية، وقالت فرقة: أرادوا بوعد الله ما نَزَل في سورة البقرة من قوله تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ إلى قوله قَرِيبٌ [البقرة:\n٢١٤] .\nقال ع «١»: وَيُحْتَمَلُ أنهم أرادوا جميعَ ذلك. ثم أثنى سُبحانه على رجالٍ عَاهدوا الله على الاسْتِقَامَةِ فَوَفَّوْا، وَقَضَوْا نَحْبُهُمْ، أي: نَذْرَهُمْ، وَعَهَدَهُمْ، «والنَّحْبُ» فِي كَلاَمِ العَرَبِ: النَّذْرُ والشَّيءُ الذي يلتزمُهُ الإنسان، وقَد يُسَمَّى المَوْتُ نَحْبًا، وبهِ فسَّر ابن عبَّاس «٢» وغيرُه هذه الآيةَ، ويقال للذي جاهد في أمرٍ حتى ماتَ: قضى فيه نحبه، ويقالُ لمن مات: قضى فلان نحبه فممن سَمَّى المفسرون أنّه أُشِيرَ إليه بهذه الآية أنس بن النضر عَمُّ أنسِ بن مالكٍ، وذلك أنه غَابَ عن بَدْرِ فساءَه ذلك، وقال لئن شهدت مع رسول الله ﷺ مَشْهَدًا ليَرَيَنَّ اللهُ ما أصْنَعُ. فلما كان أحَدٌ أبلَى بلاءً حَسَنًا حَتَّى قُتِلَ وَوُجِدَ فيه نَيِّفٌ على ثمانينَ جُرْحًا، فكانوا يَروْنَ أن هذه الآيةَ في أنس بن النضر ونظرائه.\nوقالت فرقة: الموصوفون بقَضَاء النَّحْبِ هم جماعة من أصحاب النّبيّ ﷺ وَفَّوْا بِعُهُودِ الإسْلاَمِ عَلَى التَّمَامِ، فالشُّهَداءُ منهم، والعشرة الذين شهد لهم رسول الله ﷺ بالجنّةِ منْهم، إلى مَن حَصَل في هذه المرتبةِ مِمَّنْ لَم يُنَصَّ عليه، ويُصَحَّحُ هذه المقالةَ أيضًا مَا رُوِيَ أن رَسولَ الله ﷺ كان عَلَى المِنْبَرِ، فَقَالَ لَهُ أَعْرَابِيٌّ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَنِ الَّذِي قضى نَحْبَهُ؟ فَسَكَتَ عنه النّبيّ ﷺ سَاعَةً، ثُمَّ دَخَلَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ على بَابِ المَسْجِدِ، وَعَلَيْهِ ثَوْبَانِ أَخْضَرَانِ، فَقَالَ رسول الله ﷺ: «أَيْنَ السَّائِلُ؟ فَقَالَ: هَأَنَذَا، يا رسُولَ الله، قال:\n_________\n(١) ينظر: «المحرر» (٤/ ٣٧٧) .\n(٢) أخرجه الطبريّ (١٠/ ٢٨٠) رقم (٢٨٤٢٦) .","vol":"4","page":342},{"text":"هَذَا مِمَّنْ قضى نَحْبهُ» «١» .\nقال ع «٢»: فهذا أدل دليل على أَن النَّحْبَ لَيْسَ مِنْ شَرْطِه المَوْتُ.\nوقال معاوية بن أبي سفيان: إني سمعت النّبيّ ﷺ يَقُولُ: طَلْحَةُ مِمَّنْ قضى نَحْبَهُ «٣»، وَرَوَتْ عَائِشَة نَحوَه «٤» .\nوقوله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ يريدُ ومنهم من ينتظر الحصولَ في أعلى مَراتِب الإيمان والصلاحِ، وهم بسبيل ذلك ومَا بدّلوا ولا غيّرُوا، واللامُ في: لِيَجْزِيَ يحتمل أن تكونَ لامَ الصيرورة أو «لامَ كي»، وتعذيبُ المنافقينَ ثمرةُ إدامتِهم الإقامةَ على النفاقِ إلى مَوْتِهم، والتوبَة موازيةُ لتلك الإدامة، وثمرة التوبة تركهُمْ دونَ عذاب، فهما درجتان: إدامَةُ على نفاقٍ أو تَوْبَةُ منه، وعَنْهُمَا ثمرتان: تعذيبٌ أو رحمة. ثم عدَّدَ سبحانه- نعمه على المؤمنين في هَزْمِ الأحزَاب فقال: وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ ... الآية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1116>[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٢٦ الى ٢٧]</span>\nوَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (٢٦) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَؤُها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (٢٧)\nوقوله تعالى: وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ يريد: بني قُرَيْظَةَ، وذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمَّا غَدَرُوا وَظَاهَرُوا الأحْزَابَ، أرادَ اللهُ النِّقْمَة مِنْهُمْ، فَلَمَّا ذَهَبَ الأَحْزَابُ جاء جبريل إلى النّبيّ ﷺ وَقْتَ الظُّهْرِ فَقَالَ: يَا مْحَمَّدُ، إنَّ اللهَ يَأْمُرُكَ بِالخُرُوجِ إلى بَنِي قُرَيْظَةَ، فنادى رَسُولُ الله ﷺ فِي النَّاسِ، وَقَالَ لَهُمْ: / «لاَ يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ العصر إلّا في بني قريظة «٥»، ٧٣ ب فخرج النّاس إليهم، وحصرهم النّبيّ ﷺ خَمْسًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ نَزَلُوا على حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فَحَكَمَ فِيهِمْ سَعْدٌ بِأَنْ تُقْتَلَ المُقَاتَلَةُ، وَتُسْبَى الذُّرِّيَّةُ وَالْعِيَالُ وَالأَمْوَالُ، وَأَنْ تَكُونَ الأَرْضَ وَالثِمَارُ لِلْمُهَاجِرِينَ دُونَ الأَنْصَارِ، فَقَالَتْ لَهُ الأَنْصَارُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: أَرَدْتُ أَنْ يَكُونَ لِلْمُهَاجِرِينَ أَمْوَالٌ كَمَا لَكُمْ أَمْوَالٌ، فَقَالَ له النّبيّ ﷺ: «لقد حكمت فيهم بحكم\n_________\n(١) تقدم تخريجه.\n(٢) ينظر: «المحرر» (٤/ ٣٧٨) .\n(٣) ينظر: الحديث السابق.\n(٤) ينظر: الحديث السابق.\n(٥) أخرجه البخاري (٧/ ٤٧١) كتاب المغازي: باب مرجع النبي ﷺ حديث (٤١١٩)، ومسلم (٣/ ١٣٩١) كتاب الجهاد: باب المبادرة بالغزو، حديث (٦٩/ ١٧٧٠) من حديث ابن عمر.","vol":"4","page":343},{"text":"الملك من فوق سبعة أرقعة» فأمر ﷺ بِرِجَالِهِمْ فَضُرِبَتْ أَعْنَاقِهُمْ، وَفِيهِمْ «١» حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ النَّضِيرِيُّ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ أَدْخَلَهُمْ فِي الْغَدْرِ، وظاهَرُوهُمْ: معناه: عاوَنُوهم، و«الصياصي»: الحُصُون، واحدُها صيصيةٍ وهي كل ما يَتَمَنَّعُ به، ومنه يقال لقرون البقر:\nالصياصي، والفريقُ المقتولُ: الرجالُ، والفريقُ المأسور: العيالُ والذُّرِّيَّة.\nوقوله سبحانه: وَأَرْضًا لَمْ تَطَؤُها يريد بها: البلاد التي فتحت على المسلمين بعدُ كالعراقِ والشامِ واليمنِ وغيرها، فوعَدَ الله تعالى بها عند فتح حصون بني قريظة، وأخبر أنه قد قضى بذلك. قاله عكرمة «٢» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1117>[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٢٨ الى ٣٤]</span>\nيا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحًا جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (٢٩) يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠) وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحًا نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنا لَها رِزْقًا كَرِيمًا (٣١) يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢)\nوَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣) وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفًا خَبِيرًا (٣٤)\nوقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها ...\nالآية، ذَكَرَ جُلُّ المفسرين أن أزواج النّبي ﷺ سَأَلْنَه شَيْئًا من عَرَضِ الدنيا، وآذَيْنَه بزيادة النَفَقَة والغَيْرَة، فَهَجَرَهُنَّ وآلى أَلاَّ يقربَهن شَهْرًا، فنزلت هذه الآية، فبدأَ بعائشة، وقال:\n«يا عَائشَةُ، إنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا وَلاَ عَلَيْكِ أَلاَّ تَعْجَلِي حتى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ، ثُمَّ تَلاَ عَلَيْهَا الآيةَ، فَقَالَتْ لَهُ: وَفِي أَيِّ هَذَا أُسْتَأْمِرُ «٣» أَبَوَيَّ؟ فَإنِّي أُرِيدُ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخرة، قَالَتْ «٤»: وَقَدْ علِمَ أَن أَبَوَيَّ لاَ يَأْمُرَانِي بفراقه، ثمّ تتابع أزواج النّبيّ ﷺ على مثل قول\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٧/ ٤٧٥) كتاب المغازي: باب مرجع النبي ﷺ من غزوة الخندق، حديث (٤١٢٢)، ومسلم (٣/ ١٣٨٩) كتاب الجهاد: باب جواز قتال من نقض العهد، حديث (٦٥/ ١٧٦٩) .\n(٢) ذكره البغوي (٣/ ٥٢٥) بنحوه، وابن عطية (٤/ ٣٨٠)، والسيوطي (٥/ ٣٦٩)، وعزاه للفريابي، وسعيد بن منصور، وابن أبي حاتم عن عكرمة.\n(٣) كذا في ج، وفي المطبوعة «أستمر» .\n(٤) في ج: ثم قالت.","vol":"4","page":344},{"text":"عَائِشَةَ، فاخترن اللهَ وَرَسُولَهُ- رَضِيَ «١» الله عنهن.\nقالتْ فِرْقَةٌ قَوْله: بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يَعُمُّ جَمِيعَ المَعَاصِي ولزمهنَّ ﵅ بحَسْبِ مَكَانَتُهُنَّ، أَكْثَرَ مِمَّا يَلْزَمَ غيرَهن، فَضُوعِفَ لهنَّ الأجْرُ والعذابُ.\nوقوله: ضِعْفَيْنِ معناه: يكونُ العذابُ عذابَين، أي: يضاف إلى عذابِ سائِر النَّاس عذابٌ آخر مثله، ويَقْنُتْ: معناه: يُطِيعُ ويَخْضَعُ بالعبُوديَّة قاله الشعبي «٢» وقتادة «٣» .\nوالرزقُ الكريمُ: الجنة. ثم خاطَبَهُنَّ اللهُ سبحانه بأنّهنّ لَسْنَ كأحدٍ مِن نساءِ عَصْرِهنَّ فَمَا بَعْدُ، بَلْ هُنَّ أَفْضَلُ بشرطِ التَّقْوَى، وإنما خصصنا النساء لأَن فيمن تقدم آسية ومريم فتأملْهُ وقد أشار إلى هذا قتادة. ثم نَهَاهُنَّ سبحانه عما كانت الحالُ عليه في نساء العرَب من مكالَمَةِ الرجال برَخيمِ القولِ وفَلا تَخْضَعْنَ معناه: لا تُلِنَّ.\nقال ابن زيد: خضع القول ما يدخل في القلوب الغزل «٤» والمرضُ في هذه الآية قال قتادة: هو النفاق «٥» .\nوقال عكرمة: الفِسْق «٦» والغزل، والقولُ المعروفُ هو الصوابُ الذي لا تنكره الشريعةُ ولا النفوسُ. وقرأ الجمهور: «وقِرْن» - بكسر القَافِ-، وقرأ نافعُ وعاصِمُ:\n«وقَرْن» - بالفتح «٧» -، فأما الأولى فيصح أن تكونَ من الوَقار، ويصحُّ أن تَكُونَ من القَرَارِ، وأما قراءة الفتح فعلى لغة العرب قَرِرْتُ- بِكَسْرِ الرَّاءِ- أَقِرَ- بفتح القاف في المكان/، وهي لغة ذكرها أبو عبيد في «الغريب» المصنف وذكرها الزجاج «٨» وغيره، ٧٤ أفأمر الله تعالى في هذه الآية نسَاءَ النَّبِي ﷺ بملازمة بيوتهن، ونهاهنّ عن التبرج\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٢/ ١١٠٤) ١٨- كتاب الطلاق: ٤- باب بيان أن تخيير امرأته لا يكون طلاقا إلا بالنية، حديث (٢٩/ ١٤٧٨) من حديث جابر.\n(٢) ذكره ابن عطية (٤/ ٣٨٢) . [.....]\n(٣) أخرجه الطبريّ (١٠/ ٢٩٢) رقم (٢٨٤٧١) بنحوه، وذكره ابن عطية (٤/ ٣٨٢) .\n(٤) أخرجه الطبريّ (١٠/ ٢٩٣) رقم (٢٨٤٧٤) بنحوه، وذكره ابن عطية (٤/ ٣٨٣) .\n(٥) أخرجه الطبريّ (١٠/ ٢٩٣) رقم (٢٨٤٧٥)، وذكره ابن عطية (٤/ ٣٨٣) .\n(٦) ذكره ابن عطية (٤/ ٣٨٣) .\n(٧) ينظر: «السبعة» (٥٢٢)، و«الحجة» (٥/ ٤٧٥)، و«إعراب القراءات» (٢/ ١٩٩)، و«معاني القراءات» (٢/ ٢٨٢)، و«شرح الطيبة» (٥/ ١٤٧)، و«العنوان» (١٥٥)، و«حجة القراءات» (٥٧٧)، و«شرح شعلة» (٥٤٩)، و«إتحاف» (٢/ ٣٧٥) .\n(٨) ينظر: «معاني القرآن» للزجاج (٤/ ٢٢٥) .","vol":"4","page":345},{"text":"والتبرّج إظهار الزينة والتصنّع بها، ومنه البروج لظهُورها وانكشافِها للعيون، واخْتَلَفَ الناسُ في الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى فقالَ الشعبي: ما بين عيسى ومحمد﵉- «١»، وقيل: غيرُ هذا.\nقال ع «٢»: والذي يظهر عندي أنه أشار إلى الجاهلية التي لحقنها فَأَمِرْنَ بالنَّقْلَةِ عن سِيرَتِهنَّ فِيها، وهي ما كانَ قَبْل الشَّرْعِ مِن سِيرةِ الكَفَرَةِ، وجَعْلِها أولى بالإضافة إلى حالةِ الإسْلام، وليس المعنى. أن ثمّ جاهلية آخرة، والرِّجْسَ اسم يقعُ على الإثم وعلى العذابِ وعلى النَجَاسَات والنقائِص، فأذْهَبَ الله جميعَ ذلك عن أهْل البَيْتِ، قالت أم سلمةَ: نزلت هذه الآية في بيتي فدعا رسول الله ﷺ عليّا وفاطِمَةَ وحَسَنَا وحُسَيْنا فَدَخَلَ مَعَهم تَحْت كساءِ خيبري، وقال: «هؤلاءِ أهل بيتي، وقرأ الآية، وقَال اللَّهمَّ أَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا، قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فَقُلْتُ: وَأَنَا يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: أَنْتِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَنْتِ إلى خَيْرَ» «٣» . والجمهورُ على هذا، وقال ابن عباس «٤» وغيره: أهل البيتِ:\nأزواجه خاصة، والجمهور على ما تقدم.\nقال ع «٥»: والذي يظهر لي: أن أهل البيت أزواجه وبنتُه وبنوها وزوجُها أعنى عليًّا، ولفظ الآية: يقتضي أن الزوجات من أهل البيت لأن الآية فيهن والمخاطبة لهن.\nقال ﷺ: وأَهْلَ الْبَيْتِ: منصوبٌ على النداءِ أو على المدْحِ أو على الاخْتِصَاصِ وَهُوَ قَلِيلٌ في المخاطب، وأكْثَرُ ما يكونُ في المتكلِّم، كقوله [الرجز]:\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٤/ ٣٨٣) .\n(٢) ينظر: «المحرر» (٤/ ٣٨٤) .\n(٣) أخرجه الطبريّ في «تفسيره» (١٠/ ٢٩٨) رقم (٢٨٤٩٩)، والترمذيّ (٥/ ٣٥١) كتاب التفسير: باب «ومن سورة الأحزاب»، حديث (٣٢٠٥) من طريق عطاء بن أبي رباح عن عمر بن أبي سلمة عن أم سلمة به.\nوقال الترمذيّ: هذا حديث غريب من حديث عطاء عن عمر بن أبي سلمة.\nوذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٣٧٦- ٣٧٧)، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه، وابن المنذر.\n(٤) أخرجه الطبريّ (١٠/ ٢٩٨) رقم (٢٨٥٠٣) عن عكرمة. وذكره البغوي (٥٢٨١٣)، وابن عطية (٣٨٤١٤)، وابن كثير في تفسيره (٣/ ٤٨٣)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٣٧٦) . وعزاه لابن أبي حاتم، وابن عساكر من طريق عكرمة ﵁ عن ابن عباس ﵄.\n(٥) ينظر: «المحرر» (٤/ ٣٨٤) .","vol":"4","page":346},{"text":"نَحْنُ بَنَاتِ طَارِقْ ... نَمْشِي عَلَى النَّمَارِقْ «١»\nانتهى.\nت واسْتَصْوَبَ ابنُ هشامٍ نصبَه على النداء، قاله في «المغني» . وقوله تعالى:\nوَاذْكُرْنَ يُعْطِي أنْ أهْل البيتِ نساؤه، وعلى قول الجمهور: هي ابتداء مخاطبةِ، والحكمةُ السّنّةُ، فقولُه: وَاذْكُرْنَ يحتمل مَقْصِدَيْنِ: كِلاهما مَوْعِظَة أحدُهمَا: أن يريدَ تَذَكَّرْنَه، واقْدِرْنَه قَدْرَه، وفَكِّرْنَ فِي أنّ مَنْ هذِهِ حَالُه يَنْبَغِي أن تَحْسُنَ أَفْعَالُه، والثاني: أن يُرِيْدَ:\nاذْكُرْنَ بمعنى: احْفَظْنَ واقْرَأْنَ وَأَلْزِمْنَهُ أَلسنتَكنَّ.\nت: ويحتمل أن يُرَادَ ب اذْكُرْنَ إفشاؤه ونشرُه للناس، والله أعلم. وهذا هو الذي فهمُه ابنُ العربيِّ «٢» من الآية، فإنَّه قال: أمر الله أزواجَ رسولهِ أن يُخْبرن بما ينزل من القرآن في بيوتهن وبما يَرَيْنَ من أفعال النّبي ﷺ وأقواله، حتى يبلغَ ذلك إلى الناسِ، فيعملوا بما فيه ويَقْتَدُوا به، انتهى. وهوَ حسن وهو ظاهر الآية وقد تقدم له نحو هذا في قوله تعالى: وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزًا أَوْ إِعْراضًا [النساء: ١٢٨] الآية ذكره «٣» في «أحكام القرآن» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1118>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٣٥]</span>\nإِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَالْقانِتِينَ وَالْقانِتاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِراتِ وَالْخاشِعِينَ وَالْخاشِعاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِماتِ وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحافِظاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِراتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٣٥)\nوقوله تعالى: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ ... الآية: رُوِي في سَبَبهَا أَنَّ أُمُّ سَلَمَةَ قَالَتْ: يَا رَسُولُ اللهِ، يَذْكُرُ اللهُ تَعَالَى الرِّجَالَ فِي كِتَابِهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَلاَ يَذْكُرُنَا، فَنَزَلَتْ الآيةُ فِي ذَلِكَ، وألفاظ الآية في غاية البيان.\n_________\n(١) «الرجز» لهند بنت عتبة في «أدب الكاتب» ص (٩٠) و«الأغاني» (١٢/ ٣٤٣)، (١٥/ ١٤٧) ولها أو لهند بنت بياضة بن رياح بن طارق الإيادي في «شرح شواهد المغني» (٢/ ٨٠٩) و«لسان العرب» (١٠/ ٢١٧) (طرق) ولهند بنت بياضة بن رياح بن طارق الإياديّ في «معجم ما استعجم» ص (٧٠)، ولهند بنت الفند الزماني (سهل بن شيبان) في «الأغاني» ٢٣/ ٢٥٤، ولهند دون تحديد في «لسان العرب» (١٠/ ٣٦١) (نمرق)، وللقرشية في «جمهرة اللغة» ص (٧٥٦)، وبلا نسبة في «الأغاني» (١٢/ ٣٤٢) و«مغني اللبيب» (٢/ ٣٨٧) و«همع الهوامع» (١/ ١٧١) .\nواستشهد فيه بقولها: «نحن بنات طارق نمشي» حيث اعترضت جملة الاختصاص بين المبتدأ والخبر، وهذا جائز.\n(٢) ينظر: «أحكام القرآن» (٣/ ١٥٣٨) .\n(٣) ينظر: «أحكام القرآن» (١/ ٥٠٤) . [.....]","vol":"4","page":347},{"text":"وقوله سبحانه: وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِراتِ ... الآية. وفي الحديث:\n٧٤ ب الصحيح عنه ﷺ قَالَ: «سَبَقَ المُفْرِّدُون! قَالُوا: وَمَا المُفَرِّدُونَ، / يَا رَسُولَ اللَّه؟ قَالَ:\nالذَّاكِرُونَ اللَّهَ كَثِيرًا والذَّاكِرَاتُ» «١» رواه مسلم واللفظ له، والترمذيُّ، وعنده: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّه، وَمَا المُفَرِّدُونَ؟ قَالَ: «المُسْتَهْتِرُونَ فِي ذِكْرِ اللَّهِ، يَضَعُ الذِّكْرُ عَنْهُمْ أَثْقَالَهُمْ، فَيَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِفَافًا» «٢» .\nقال عياض: «والمُفَرِّدون» ضَبَطْنَاهُ على مُتْقِني شيوخِنا- بفتح الفَاء وكَسرِ الراء-.\nوقال ابن الأعرابي: فَرَّدَ الرجلُ إذا تَفَقَّهَ وَاعْتَزَلَ النَّاسَ، وخلا لمُرَاعاة الأمر والنهي، وقال الأزهريُّ: هم المُتَخَلُّونَ مِنَ النَّاسِ بذكْرِ الله تعالى، وقوله: المستَهْتِرُونَ «٣» في ذكْر اللَّهِ هو- بفتح التاءَيْنِ المثناتين- يعني: الذين أُولِعُوا بذكْرِ الله، يقال: استهتر فُلانٌ بكَذَا، أي: أَولِعَ به، انتهى من «سلاح المؤمن» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1119>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٣٦]</span>\nوَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا (٣٦)\nوقوله سبحانه: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ... الآية: قوله: وَما كانَ لفظه النفي، ومعناه الحظرُ والمنعُ والخيرةُ مصدرُ بمعنى التَّخَيُّر.\nقال ابن زيد: نزلت هذه الآية بسبب أن أم كُلثُوم بنت عقبة بن أبي معيط، وهبت نفسها للنبي، فزوجها من زيد بن حارثة، فكرهت ذلك هي وأخوها، فنزلت الآية بسبب ذلك، فأجابا إلى تزويج زيد «٤»، وقيل غير هذا، والعصيانُ هنا يعم الكفر فما دون، وفي\n_________\n(١) تقدم تخريجه.\n(٢) تقدم تخريجه.\n(٣) عبارة المجد في «قاموسه» «وهم المهتزون بذكر الله تعالى، قال الشيخ نصر الهوريني في تعليقه قوله:\nالمهتزون هكذا بالزاي في النسخ المطبوعة ولعلها رواية وفي نسخة الشارح المهترون بالراء وكتب عليها كما جاء في رواية نصها قال: «والذين اهتروا فِي ذِكْرِ اللهِ يَضَعُ الذِّكْرُ عَنْهُمْ أَثْقَالَهُمْ، فيأتون يوم القيامة خفافا» اه. قلت اهتر الرجل: فقد عقله من الكبر أو المرض أو الحزن فهو مهتر بفتح التاء، واهتر فلان مجهولا: أولع بالقول في الشيء فهو مهتر، «واهتروا في ذكر الله»: أي خرفوا وهم يذكرون الله اه.\n(٤) أخرجه الطبريّ (١٠/ ٣٠١) رقم (٢٨٥١٧)، وذكره ابن عطية (٤/ ٣٨٦)، وابن كثير في «تفسيره» (٣/ ٤٨٩)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٣٨١)، وعزاه لابن أبي حاتم عن ابن زيد ﵁.","vol":"4","page":348},{"text":"حديث الترمذيّ عن النّبيّ ﷺ أَنَّه قال: «مِنْ سَعَادَةِ ابن آدَمَ رِضَاهُ بِمَا قَضَاهُ اللهُ، وَمِنْ شَقَاوَةِ ابْنِ آدَمَ سخطه بما قضاه الله له» «١» انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1120>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٣٧]</span>\nوَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَرًا زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٣٧)\nوقوله تعالى: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ ... الآية: ذهَب جماعة من المتأوِّلينَ إلى أن الآيةَ لا كَبيرَ عَتْبٍ فيها على النّبيّ ﷺ فَرُوِي عن علي بن الحسين: أن النَّبِيَّ ﷺ كان قد أُوحِيَ إليه أنَّ زيدًا يطلق زينب، وأنه يتزوجها بتزويج الله إياها له، فلما تشكى زيد للنبي ﷺ خُلُقَ زينبَ، وأنَّها لا تطيعه، وأعلمَه بأنه يريد طلاقها، قال له النّبي ﷺ على جهة الأدب والوصيةِ: «اتَّقِ اللهَ- أي: فِي قَوْلِكَ- وأمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ» - وَهُوَ يَعْلَمُ أنّه سيفارقها- وهذا هو الذي أخفى ﷺ فِي نفسهِ ولم يردْ أن يأمره بالطلاق لما علم من أنّه سيتزوجها، وخشي ﷺ أن يلحقه قولٌ من النَّاس، في أن يتزوجَ زينب بعدَ زيد، وهو مولاه وقد أمره بطلاقها، فعاتبه الله على هذا القدر من أن خَشِي الناس في شيء قد أباحه الله تعالى له.\nقال عياض: وتأويل علي بن الحسين أحسن التأويلات وأصحها، وهو قول ابن عطاء، وصححه واستحسنه، انتهى.\nوقوله: أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ يعني بالإسلام وغير ذلك وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ يعني بالعِتْقِ، وهو زيد بن حارثة، وزينب هي بنت جحش، بنت أميمة بنت عبد المطلب عمة رسول الله ﷺ ثم أعلم- تعالى- نبيه أنه زَوَّجَها منه لما قَضَى زيدُ وطرَه منها لتكون سنةً للمسلمين في أزواج أدعيائهم، وليبيّن أنها ليست كحرمة البنوة، والوطرُ: الحاجَةُ والبُغْيَةُ.\nوقوله تعالى: وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا: فيه حذفُ مضافٍ تقديرُه: وكانَ حكمُ أمرِ الله، أو مُضَمّنْ أمْرِ الله، وإلاّ فالأمر قديمٌ لا يوصف بأنه مفعول، ويحتمل أن يكون الأمر واحد الأمور التي شأنها أن تفعل/ وعبارة الواحديِّ: وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا أي: كائنا ٧٥ ألا محالةَ، وكان قَد قضى فِي زينبَ أن يتزوجها رسول الله ﷺ. انتهى.\n_________\n(١) تقدم تخرجه.","vol":"4","page":349},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1121>[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٣٨ الى ٣٩]</span>\nمَّا كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا (٣٨) الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلاَّ اللَّهَ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٣٩)\nوقوله تعالى: مَّا كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ ... الآية: هذه مخاطبةٌ من اللهِ تعالى لجميعِ الأمة أَعلمهم أَنه لا حرجَ على نبيه في نَيْل ما فَرَضَ اللهُ له وأباحَهُ من تزويجهِ لزينبَ بَعْد زيد، ثم أعلم أن هذا ونحوه هو السنن الأقدم في الأنبياء، من أن ينالوا ما أحله الله لهم، وعبارة الواحدي: مَّا كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ أي: أحل الله له من النساء. سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ، يقول: هذه سنة قَد مضت لغيركِ يعني كثرةُ أزواج داودَ وسليمان﵉- وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا قضاءٍ مقضيًا. وقوله تعالى: الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ من نَعْتِ قوله: فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ، انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1122>[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٤٠ الى ٤٤]</span>\nمَّا كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٤٠) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣) تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا (٤٤)\nوقوله تعالى: مَّا كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ إلى قوله كَرِيمًا أذهَب الله بهذه الآية مَا وَقَعَ في نفوسِ المنافقين وغيرِهم لأنهم استعظموا أن يَتَزَوَّجَ زَوْجَة ابْنِه، فنفى القرآن تلك النبوّة، وقوله: أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ يعني المعاصرين له وباقي الآية بيِّن. ثم أمر سبحانه عباده بأن يذكروه ذكرًا كثيرًا، وجعل تعالى ذلك دون حَدٍّ ولا تقدير لسهولته على العبد، ولعظم الأجر فيه. قال ابن عباس: لم يُعْذَرْ أَحدٌ فِي تركِ ذكر اللهِ ﷿ إلاَّ مَنْ غُلِبَ عَلى عَقْلِهِ «١»، وقال: الذكرُ الكثيرُ أن لا تنساه أبدًا.\nورَوَى أبو سعيد عن النّبي ﷺ «أَكْثِرُوا ذِكْرَ اللهِ حتى يَقُولُوا: مَجْنُونٌ» «٢» . ت:\n_________\n(١) أخرجه الطبريّ (١٠/ ٣٠٦) رقم (٢٨٥٣١)، وذكره البغوي (٣/ ٥٣٤)، وابن كثير في «تفسيره» (٢/ ٤٩٥)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٣٨٦)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵄.\n(٢) أخرجه أحمد (٣/ ٦٨)، وعبد بن حميد في «المنتخب» (ص ٢٨٩) رقم (٩٢٥)، وأبو يعلى (٢/ ٥٢١) رقم (١٣٧٦)، وابن حبان (٨٠٥)، والحاكم (١/ ٤٩٩) كلهم من طريق دراج أبي السمح عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري مرفوعا. وقال الحاكم: صحيح الإسناد.\nوذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٧٩) وقال: رواه أحمد، وأبو يعلى، وفيه دراج وقد ضعفه جماعة، وبقية رجال أحد إسنادي أحمد ثقات.","vol":"4","page":350},{"text":"وهذا الحديثُ خرَّجه ابن حِبَّان في «صحيحه» .\nوقوله: وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا أراد في كل الأوقات فحدّد الزمن بطرفي نهارِه ولَيْلِه، والأصيل من العَصْر إلى الليلِ، وعن ابن أبي أوفى قال: قال رسولُ الله ﷺ: «إنَّ خِيَارَ عِبَادِ اللهِ الَّذِينَ يُرَاعُونَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالأَظِلَّةَ لِذِكْرِ اللهِ» «١» رواه الحاكم في «المستدرك»، انتهى من «السلاح» .\nوقوله سبحانه: هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ ... الآية: صلاةُ الله على العبدِ هي رحمتُه له، وصلاة الملائكة هي دعاؤهم للمؤمنين. ثم أخبر تعالى برحمته بالمؤمنين تأنيسًا لَهُم.\nوقوله تعالى: تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ قيل: يوم القيامة تجيء الملائكةُ المؤمنين بالسلامِ، ومعناه: السلامةُ من كل مكروهٍ، وقال قتادة: يوم دُخولِهم الجنَّةِ يحي بعضُهم بعضًا بالسلامِ «٢»، والأجرُ الكريمُ: جنة الخلدِ في جوار الله ﵎.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1123>[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٤٥ الى ٤٩]</span>\nيا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَداعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجًا مُنِيرًا (٤٦) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٤٧) وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ وَدَعْ أَذاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٤٨) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَراحًا جَمِيلًا (٤٩)\nوقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا وَمُبَشِّرًا ... الآية، هذه الآية فيها تأنيس للنبي ﷺ وللمؤمنين، وتكريم لجميعهم.\nوقوله: وَداعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ أي: بأمره وَسِراجًا مُنِيرًا استعارةُ للنور الذي تَضَمَّنهُ شرعُه.\nوقوله تعالى: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا.\n_________\n(١) أخرجه الحاكم (١/ ٥١)، والبيهقي (١/ ٣٧٩)، كتاب الصلاة: باب مراعاة أداء المواقيت، من حديث ابن أبي أوفى مرفوعا.\nوقال الحاكم: إسناده صحيح. ووافقه الذهبي.\n(٢) أخرجه الطبريّ (١٠/ ٣٠٦) رقم (٢٨٥٣٤) بنحوه، وذكره ابن عطية (٤/ ٣٨٩)، وابن كثير في «تفسيره» (٣/ ٤٩٦) . والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٣٩٠)، وعزاه لعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة ﵁.","vol":"4","page":351},{"text":"قال ع: قال لنا أبي﵀-: هذه الآيةُ من أرجى آية عندي في كتاب الله﷿-.\nقال أبو بكر بن الخطيب: أخبرنا أبو نعيم الحافظ، ثم ذكر سنده إلى ابن عباس قال:\n٧٥ ب قال النّبيّ ﷺ: أنزلت عليّ آية يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ/ شاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا قال:\nشاهدًا: على أمتك، ومبشرًا: بالجنة، ونذيرًا: من النار، وداعيًا: إلى شهادة أن لا إله إلا الله، بإذنه: بأمره، وسراجًا منيرًا: بالقرآن. انتهى من «تاريخ «١» بغداد» له، من ترجمة «محمد بن نصر» .\nوقوله تعالى: وَدَعْ أَذاهُمْ يحتمل أن يريدَ أن يأمره تعالى بترك أن يؤذِيهم هو ويعاقبهم، فالمصدر على هذا مضافٌ إلى المفعول، ويُحْتَمَلُ أن يريدَ: أعْرِض عَن أقوالهم وما يؤذونك به، فالمصدر على هذا التأويل مضاف إلى الفاعل وهذا تأويل مجاهد «٢»، وباقي الآية بيّن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1124>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٥٠]</span>\nيا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللاَّتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَناتِ عَمِّكَ وَبَناتِ عَمَّاتِكَ وَبَناتِ خالِكَ وَبَناتِ خالاتِكَ اللاَّتِي هاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنا مَا فَرَضْنا عَلَيْهِمْ فِي أَزْواجِهِمْ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٠)\nوقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ ... الآية، ذهب ابن زيد والضحاكُ في تفسير هذه الآية إلى: أن الله تعالى أحل لنبيه أن يتزوجَ كل امرأة يؤتيها مَهْرَها، وأباح له كلَّ النساء بهذا الوجه، وإنما خَصَّصَ هؤلاءِ بالذكر تشريفا لهن فالآيةُ على هذا التأويلِ فيها إباحةٌ مُطلقةُ في جميع النساء، حاشى ذوات المحارم المذكور حُكْمُهُنَّ «٣» في غير هذه الآية. ثم قال بعد هذا تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ أي: من هذه الأصناف كلها، ثم تجرى الضمائرُ بعد ذلك على العُموم إلى قوله تعالى:\n_________\n(١) أخرجه الخطيب في «تاريخ بغداد» (٣/ ٣١٩) .\n(٢) أخرجه الطبريّ (١٠/ ٣٠٧) رقم (٢٨٥٣٨) بنحوه، وذكره ابن عطية (٤/ ٣٩٠)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٣٩١)، وعزاه للفريابي، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد ﵁.\n(٣) أخرجه الطبريّ (١٠/ ٣٠٩) عن ابن زيد برقم (٢٨٥٤٤)، وعن الضحاك برقم (٢٨٥٤٥)، وذكره ابن عطية (٤/ ٣٩١) .","vol":"4","page":352},{"text":"وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ [الأحزاب: ٥٢] فيجيءُ هذا الضميرُ مقطوعًا من الأول عائدًا على أزواجه التسع فقط على الخلاف في ذلك، وتأوّل غير ابن زَيْدٍ في قوله: أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ مَنْ فِي عِصْمَتِهِ ممن تَزَوَّجَها بِمَهْرٍ وأنّ ملك اليمين بعد حلال له وأن اللهَ أباحَ له مع المذكُوراتِ بَنَاتِ عَمِّهِ وعماتِه، وخاله، وخالاته، ممن هاجرَ معَه، والواهباتِ خَاصَّةً، فيجيءُ الأمرُ على هذا التأويل أضيق على النبي ﷺ، ويؤيدُ هذَا التأويلَ ما قَالَه ابنُ عباس: كان النّبيّ ﷺ يَتَزَوَّجُ في أَيِّ النِّسَاءِ شَاءَ، وَكَانَ ذَلِكَ يَشُقُّ على نِسَائِهِ، فلما نَزلَتْ هذه الآيةُ، وحُرِّم عَلَيْهِ بِهَا النِّسَاءُ إلاَّ مَنْ سُمِّيَ سُرَّ نِسَاؤه بذلك «١» .\nوقوله سبحانه: وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ ... الآية، قال السُّهَيْلِيُّ: ذكرَ البخاريُّ عَن عائشَة﵂- أنَّها قَالَتْ: كَانَتْ خَوْلَةُ بنتُ حَكِيمٍ مِن اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله ﷺ، فدَلَّ على أنهن كُنْ غَيْرَ واحدة «٢»، انتهى: وقوله: خالِصَةً لَكَ أي: هبة النساء أنفسهن خاصةٌ بك دونَ أمَّتِكَ.\nقال ع «٣»: ويظهرُ من لفظِ أُبَيِّ بن كَعْبِ أن معنى قوله: «خالصة لك» يُرَادُ بهِ جميعُ هذهِ الإبَاحَة لأن المؤمنين لم يُبَحْ لهم الزيادةُ على أربعٍ «٤» . وقوله تعالى: قَدْ عَلِمْنا مَا فَرَضْنا عَلَيْهِمْ فِي أَزْواجِهِمْ يريدُ هو كونَ النكاح بالولي والشاهدين، والمهر، والاقتصارَ على أربع قاله قتادة ومجاهد.\nوقوله: لِكَيْلا أي: بيّنا هذا البيان. لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ ويظن بك أنك قد أثمت عند ربّك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1125>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٥١]</span>\nتُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ ذلِكَ أَدْنى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا (٥١)\nوقوله تعالى: تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ ... الآية، ترجي معناه: تُؤَخِّرُ وتُؤْوِي\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٤/ ٣٩١)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٣٩٣)، وعزاه لابن جرير، وابن مردويه عن ابن عباس ﵄.\n(٢) ذكره البخاري تعليقا (٩/ ٦٨) كتاب النكاح: باب هل للمرأة أن تهب نفسها لأحد، حديث (٥١١٣) . [.....]\n(٣) ينظر: «المحرر» (٤/ ٣٩٢) .\n(٤) أخرجه الطبريّ (١٠/ ٣١١) رقم (٢٨٥٥٢) .\nوذكره ابن عطية (٤/ ٣٩٢)، وابن كثير في «تفسيره» (٣/ ٥٠٠) .","vol":"4","page":353},{"text":"معناه: تَضُمُّ وتُقَرب، ومعنى هذه الآية: أن الله تعالى فَسَحَ لنبيِّه فيما يفعله في جِهَة النساء، والضميرُ في مِنْهُنَّ عائدٌ على مَن تَقَدَّمَ ذكرُه من الأصْنَافِ حَسْبَ الخِلافِ المذكورِ في ذلك، وهذا الإرجاء والإيواء يحتمل معاني منها: أن المعنى في القَسْمِ، أي: تُقرِّبُ مَنْ شِئْتَ فِي القسمةِ لَها مِن نَفْسِكَ وَتُؤَخِّرُ عَنْكَ مِن شِئْتَ وتُكْثِر لمن شئت وتقلّ لمن شئت، ٧ ألا حرجَ عليكَ في ذلك، فإذا عَلِمْنَ هنَّ أنّ هذا هو حكم الله/ لك رَضِينَ وقَرَّت أعينُهن وهذا تأويل مجاهد وقتادةَ والضحاك «١» .\nقال ع «٢»: لأن سبب هذه الآية تغاير وقع بين زوجات النبي ﷺ تَأَذَّى بِهِ.\nوقَالَ ابن عباس «٣»: المعنَى في طَلاق مَنْ شَاء وإمْسَاك مَن شاء.\nوقال الحسنُ بن أبي الحسن «٤»: المعنى في تَزَوُّج من شَاء وترك مَنْ شَاء.\nقال ع «٥»: وعلى كلِّ مَعْنًى فالآيةُ معناها: التَوْسِعَة على النبي ﷺ والإباحة له وذهب هبة الله في «الناسخ والمنسوخ» له إلى أن قولَه تُرْجِي مَنْ تَشاءُ ... الآية، ناسخُ لقوله: لاَّ يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ [الأحزاب: ٥٢] الآيةَ.\nوقوله تعالى: وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ يحتمل معاني: أحدها أن تَكونَ «من» للتبعيض، أي: من أردت وطلبَتْه نفسُك ممن كنتَ قَدْ عزلتَه وأخَّرتَه فلا جناح عليك في رده إلى نفسِكَ وإيوائه إليك، ووجه ثانٍ وهو أن يكونَ مُقَوِّيًا ومُؤكِدًا لقوله: تُرْجِي مَنْ تَشاءُ و«تؤوي مَن تَشَاء» فيقول بعدُ ومَن ابتغيتَ ومَنْ عَزَلْتَ فذلكَ سواءٌ لا جناحَ عليك فِي ردِّه إلى نفسِكَ وإيوائه إليك.\nوقوله: وَيَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ أي مِنْ نفْسِك، ومالِك، واتفقتِ الرواياتُ على أنه-\n_________\n(١) أخرجه الطبريّ (١٠/ ٣١٣) عن قتادة برقم (٢٨٥٦٦)، وعن الضحاك برقم (٢٨٥٦٨)، وذكره ابن عطية (٤/ ٣٩٣)، وابن كثير في تفسيره (٣/ ٥٠١)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٣٩٧)، وعزاه لعبد الرزاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة.\n(٢) ينظر: «المحرر» (٤/ ٣٩٣) .\n(٣) أخرجه الطبريّ (١٠/ ٣١٣)، رقم (٢٨٥٧٠)، وذكره البغوي (٣/ ٥٣٨)، وابن عطية (٤/ ٣٩٣)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٣٩٧)، وعزاه لابن جرير، وابن مردويه عن ابن عباس.\n(٤) أخرجه الطبريّ (١٠/ ٣١٤) رقم (٢٨٥٧١) بنحوه. وذكره البغوي (٣/ ٥٣٨)، وابن عطية (٤/ ٣٩٣)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٣٩٧)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير عن الحسن ﵁ بنحوه.\n(٥) ينظر: «المحرر» (٤/ ٣٩٣) .","vol":"4","page":354},{"text":"﵇- معَ مَا جَعَلَ الله له من ذلكَ كان يُسَوِّي بينهن في القَسْمِ تَطْيِيبًا لنفُوسِهنَّ وأخْذًا بالفَضْلِ، وما خصه الله من الخَلق العظيم- صلى الله عليه وعلى آله- غير أن سودة وهبت يومها لعائشة تقمّنا لمسرّة رسول الله ﷺ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1126>[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٥٢ الى ٥٥]</span>\nلا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلاَّ ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا (٥٢) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعًا فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (٥٣) إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٥٤) لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبائِهِنَّ وَلا أَبْنائِهِنَّ وَلا إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ أَخَواتِهِنَّ وَلا نِسائِهِنَّ وَلا ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (٥٥)\nوقوله تعالى: لاَّ يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ قيل كما قدمنا: إنها حظَرَتْ عليه النساءَ إلا التسْعَ وما عُطِفَ عَليهِنَّ على ما تقدم لابن عباس وغيره، قال ابن عباس وقتادة:\nجَازَاهُنَّ الله بذلك لما اخترنَ الله وَرسوله «١»، ومن قال: بأن الإباحَةَ كانتْ له مُطْلَقَةً قَال هنا: لاَّ يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ معناه: لا يحل لك اليهودياتُ ولا النصرانياتُ، ولا ينبغي أن يكنَّ أمهاتِ المؤمنين ورُوِيَ هذَا عَن مجاهدَ «٢» وكذلك قَدَّرَ: ولا أن تبدل اليهودياتِ والنصرانياتِ بالمسلماتِ وهو قول أبي رزين وابن جبير «٣» وفيه بُعْدٌ.\nوقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ هذهِ الآيةُ تُضمنتُ قِصَّتَيْنِ: إحداهما: الأدبُ في أمر الطعام والجلوس، والثانية: أمر الحجاب.\n_________\n(١) أخرجه الطبريّ (١٠/ ٣١٦) رقم (٢٨٥٨١) عن ابن عباس، وعن قتادة برقم (٢٨٥٨٢)، وذكره البغوي (٣/ ٥٣٨)، وابن عطية (٤/ ٣٩٤)، وابن كثير في «تفسيره» (٣/ ٥٠١) . والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٣٩٩)، وعزاه لابن مردويه عن ابن عباس.\n(٢) أخرجه الطبريّ (١٠/ ٣١٨) (٢٨٥٨٩)، وذكره البغوي (٣/ ٥٣٨)، وابن عطية (٤/ ٣٩٤)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٣٩٩)، وعزاه لسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد.\n(٣) ذكره ابن عطية (٤/ ٣٩٤) .","vol":"4","page":355},{"text":"قال الجمهور: سببها أن النّبي ﷺ لما تزوَّج زَيْنبَ بِنْتَ جَحْشٍ، أَوْ لَمْ عَلَيْها ودَعَا النَّاسَ، فَلَمَّا طَعِمُوا، قَعَدَ نَفَرٌ فِي طَائِفَةٍ مِنَ البَيْتِ يَتَحَدَّثُونَ، فَثَقُلَ عَلَى النّبيّ ﷺ مَكَانُهُمْ، فَخَرَجَ لِيَخْرُجُوا بِخُرُوجِهِ، وَمَرَّ على حِجْرِ نِسَائِهِ، ثُمَّ عَادَ فَوَجَدَهُمْ فِي مَكَانِهِمْ، وَزَيْنَبُ في البيت معهم، فلمّا دخل وراءهم انْصَرَفَ، فَخَرَجُوا عِنْدَ ذَلِكَ، قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: فَأُعْلِمَ أَوْ «١» أَعْلَمْتُهُ بانصرافهم، فَجَاءَ، فَلَمَّا وَصَلَ الحُجْرَةَ، أَرْخَى السِّتْرَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ وَدَخَلَ، وَنَزَلَتْ آيَةُ الحِجَابِ بِسَبَبِ ذَلِكَ «٢» .\nقال إسماعيل بن أبي حكيم: هذا أدب أَدَّبَ الله به الثُّقَلاء، وَقَالَتْ عَائِشَةُ وجماعةٌ:\nسبب الحجاب: كلام عمر للنبي ﷺ مرارا في أن يحجب نساءه «٣»، وناظِرِينَ معناه:\nمنتظرين، وإِناهُ: مصدر «أنى» الشيءَ يَأْنِي أنيْ، إذا فَرَغَ وحَانَ، ولفظُ البخاري: يُقَال:\nإناه: إدراكُه أنى يأنى إناءة، انتهى.\nوقوله تعالى: وَاللَّهُ لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ معناه: لا يقع منه تركُ الحق، ولما كان ذلك يقعُ من البشر لِعلةِ الاسْتِحياءِ نَفَى عنه تعالى العلةَ الموجِبةَ لذلكَ في البشر، وعن ثَوْبَانَ، قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ: «ثَلاَثٌ لاَ يحِلُّ لأَحَدٍ أَنْ يَفْعَلَهُنَّ لاَ يؤمّ رجل قوما ٧٦ ب فَيَخُصَّ نَفْسَهُ بِالدُّعَاءِ دُونَهُمْ فَإنْ فَعَلَ، فَقَدْ خَانهُمْ، وَلاَ يَنْظُرُ فِي قَعْرِ بَيْتٍ/ قَبْلَ أنْ يَسْتَأْذِنَ فَإنْ فَعَلَ، فَقَدْ خَانَ، وَلاَ يُصَلِّي وَهُوَ حَاقِنٌ حتى يَتَخَفَّفُ» «٤» . رواه أبو داود\n_________\n(١) في ج: و.\n(٢) أخرجه البخاري (٨/ ٣٨٧) كتاب التفسير: باب لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ، حديث (٤٧٩١، ٤٧٩٢، ٤٧٩٣، ٤٧٩٤)، وفي (٩/ ١٣٤) كتاب النكاح: باب الهدية للعروس، حديث (٥١٦٣)، وفي (٩/ ١٣٧- ١٣٨) كتاب النكاح: باب الوليمة حق، حديث (٥١٦٦)، وفي (١١/ ٢٤) كتاب الاستئذان: باب آية الحجاب، حديث (٦٢٣٨، ٦٢٣٩)، ومسلم (٢/ ١٠٥٠- ١٠٥٢) كتاب النكاح: باب زواج زينب بنت جحش ونزول الحجاب، حديث (٩٣، ٩٤/ ١٤٢٨)، والنسائي في «التفسير» (٤٤٠)، والطبريّ في «تفسيره» (١٠/ ٣٢٣- ٣٢٤) رقم (٢٨٦٠٥- ٢٨٦٠٨)، والبيهقي (٧/ ٨٧) كتاب النكاح: باب سبب نزول آية الحجاب، كلهم من حديث أنس.\nوذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٤٠١)، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه.\n(٣) أخرجه الطبريّ (١٠/ ٣٢٦) (٢٨٦١٩)، وذكره البغوي (٣/ ٥٤٠)، وابن عطية (٤/ ٣٩٥)، وابن كثير في «تفسيره» (٥٠٥١٣) بنحوه، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٤٠٣)، وعزاه لابن جرير عن عائشة ﵂ بنحوه.\n(٤) أخرجه أبو داود (١/ ٧٠) كتاب الطهارة: باب أيصلي الرجل وهو حاقن، حديث (٩٠)، والترمذيّ (٢/ ١٨٩) كتاب الصلاة: باب ما جاء في كراهية أن يخص الإمام نفسه بالدعاء، حديث (٣٥٧)، وابن ماجه (١/ ٢٠٢) كتاب الطهارة: باب ما جاء في النهي للحاقن أن يصلي، حديث (٦١٩)، وأحمد (٥/ ٢٨٠) -[.....]","vol":"4","page":356},{"text":"واللفظ له، وابن ماجه، والترمذي، وقال الترمذي: حديثٌ حسنٌ، ورواه أبو داود أيضًا من حديث أبي هريرة «١»، انتهى من «السلاح» .\nوقوله تعالى: وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعًا ... الآية، هي آية الحجَابِ، والمتَاعُ عام في جميع ما يمكن أن يُطْلَب من المَواعِينِ وَسائر المرَافِق، وباقي الآية بيِّن. وقد تقدَّم في سورة النور طرف من بيانه فأغنى عن إعادته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1127>[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٥٦ الى ٥٩]</span>\nإِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦) إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذابًا مُهِينًا (٥٧) وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٩)\nوقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ... الآية، تضمّنت شرف النّبي ﷺ وعظيمَ منزلتِه عندَ اللهِ تَعالى.\nقالتْ فِرقَة: تقدير الآيةِ: أن الله يُصَلِّي وملائكتُه يصلُّون، فالضَّميرُ في قوله يُصَلُّونَ: للملائِكةِ فَقط. وقالت فرقة: بل الضميرُ في يُصَلُّونَ لِلَّهِ والملائكة وهذا قول من الله تعالى، شَرَّفَ به ملائكتَه فَلاَ يُرِدُ عليه الاعتراضُ الذي جَاءَ في قَوْلِ الخَطِيبِ: مَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ، فقد رشد، ومن يعصهما، فقد ضلّ، فقال النبيّ ﷺ:\n«بِئْسَ الخَطِيبُ أَنْتَ» «٢» . وهذا القَدْرُ كَافٍ هُنَا، وصلاة الله تعالى: رحمةٌ منه وبركةٌ، وصلاة الملاَئكةِ: دعاء، وصلاةُ المؤمنين: دعاء، وتعظيم، والصلاة على النبي ﷺ في كل حينٍ من الواجباتِ وجوبَ السُّنَنِ المؤكَّدَةِ التي لا يسعُ تَرْكُها وَلاَ يُغْفِلُها إلاَّ مَن لاَ خيرَ فيه، وفي حديث ابن عباس: أنه لما نزلت هذه الآية قال قوم من الصحابة: «هَذَا السَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ قَدْ عرفْنَاهُ، فكَيْفَ نُصَلِّي عليك؟» الحديث «٣» .\n_________\n- من حديث ثوبان. وله شاهد من حديث أبي هريرة:\nأخرجه أبو داود (١/ ٧٠- ٧١) كتاب الطهارة: باب أيصلي الرجل وهو حاقن، حديث (٧١) .\n(١) ينظر: الحديث السابق.\n(٢) أخرجه مسلم (٢/ ٥٩٤) كتاب الجمعة: باب تخفيف الصلاة والخطبة حديث (٤٨/ ٨٧٠)، وأبو داود (١/ ٣٥٥- ٣٥٦) كتاب الصلاة: باب الرجل يخطب على قوس حديث (١٠٩٩)، والنسائي (٦/ ٩٠) وأحمد (٤/ ٢٥٦، ٣٧٩)، والحاكم (١/ ٢٨٩) .\n(٣) تقدم تخريجه.","vol":"4","page":357},{"text":"ت: ولفظ البخاري: عن كعب بن عُجْرَةَ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَمَّا السَّلاَمُ عَلَيْكَ، فَقَدْ عَرَفْنَاهُ، فَكَيْفَ الصَّلاَةُ؟ قَالَ: «قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ على مُحَمَّدٍ وعلى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ على مُحَمَّدٍ وعلى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ على إبْرَاهِيمَ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ» «١» . انتهى وفيه طرقٌ يَزِيدُ فيها بعضُ الرواةِ على بعض، وفي الحديث عنه ﷺ: «إنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمَ الجمُعَةِ، فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلاَةِ فيه فَإنَّ صَلاَتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ» «٢» الحديثُ رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه، واللفظ لأبي داود، ورواه الحاكم في «المستدرك» من حديث أبي مسعود الأنصاري، وقال: صحيحُ الإِسناد، وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إلاَّ رَدَّ اللهُ عَلَيَّ رُوحِي حتى أَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلاَمَ» «٣» وعنه قال: قال النبيّ ﷺ: «صَلُّوا عَلَيَّ، فَإنَّ صَلاَتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْثُ كُنْتُم» «٤» . رواهما أبو داود، وعن ابن مسعود ﵁ أن\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٨/ ٣٩٢) كتاب التفسير: باب إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ... حديث (٤٧٩٧)، ومسلم كتاب الصلاة: باب الصلاة على النبي ﷺ بعد التشهد حديث (٦٦/ ٤٠٥)، وأبو داود (١/ ٢٥٧) كتاب الصلاة: باب الصلاة على النبي ﷺ بعد التشهد حديث (٩٧٦) والترمذيّ (٢/ ٣٥٢)، كتاب الصلاة: باب ما جاء في صفة الصلاة على النبي ﷺ حديث (٤٨٣) والنسائي (٣/ ٤٧- ٤٨) كتاب السهو: باب (٥١) حديث (١٢٨٨)، وابن ماجه (١/ ٢٩٢- ٢٩٣) كتاب إقامة الصلاة: باب الصلاة على النبي ﷺ حديث (٩٠٤)، وأبو عوانة (٢/ ٢١٢- ٢١٣) والدارمي (١/ ٣٠٩) كتاب الصلاة: باب الصلاة على النبي ﷺ، وأحمد (٤/ ٢٤١، ٢٤٣، ٢٤٤)، وأبو داود الطيالسي (١/ ١٠٣- منحة) رقم (١٠٣) وعبد بن حميد في «المنتخب من المسند» (ص- ١٤٤) رقم (٣٦٨) والحميدي (٢/ ٣١٠- ٣١١) رقم (٧١١، ٧١٢)، وابن الجارود في «المنتقى» رقم (٢٠٦)، والطبريّ في «تفسيره» (٢٢/ ٣١)، وإسماعيل القاضي في «فضل الصلاة على النبي ﷺ» رقم (٥٦، ٥٧، ٥٨)، والطحاوي في «مشكل الآثار» (٣/ ٧٢- ٧٣) وابن حبان (٣/ ٣١٧) وابن السني في «عمل اليوم والليلة» (٩٣) والطبراني في «الصغير» (١/ ٨٥- ٨٦) وفي «الكبير» (١٩/ ١١٦) رقم (٢٤١، ٢٤٢) وأبو نعيم في «الحلية» (٤/ ٣٥٦) والبيهقي في «سننه» (٢/ ١٤٧- ١٤٨)، كتاب الصلاة: باب الصلاة على النبي ﷺ في التشهد، وفي «شعب الإيمان» (٢/ ٢٠٧) رقم (١٥٤٨) والبغوي في «شرح السنة» (٢/ ٢٨١- بتحقيقنا) والحافظ ابن حجر في «نتائج الأفكار» (٢/ ١٨٤- ١٨٥) كلهم من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة به وقال الترمذيّ: حديث حسن صحيح.\n(٢) أخرجه أبو داود (١/ ٦٣٥) كتاب الصلاة: باب فضل الجمعة حديث (١٠٤٧) والنسائي (٣/ ٩١- ٩٢) كتاب الجمعة: باب إكثار الصلاة على النبي ﷺ يوم الجمعة، وابن ماجه (١/ ٥٢٤) كتاب الجنائز: باب ذكر وفاته ودفنه ﷺ حديث (١٦٣٦)، وأحمد (٤/ ٨)، والدارمي (١/ ٣٦٩) كتاب الصلاة: باب في فضل الجمعة.\n(٣) أخرجه أحمد (٢/ ٥٢٧)، وأبو داود (١/ ٦٢٢) كتاب المناسك: باب زيارة القبور، حديث (٢٠٤١)، والبيهقي (٥/ ٢٤٥) من حديث أبي هريرة.\n(٤) تقدم تخريجه قريبا، وهو حديث أوس بن أوس: «إن أفضل أيامكم يوم الجمعة» .","vol":"4","page":358},{"text":"النبيّ ﷺ قال: «أَوْلَى النَّاسِ بِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرُهُمْ عَلَيَّ صَلاَةً» «١» . رواه الترمذي، وابن حِبَّانَ في «صحيحه»، ولفظهما سواء، وقال الترمذي: حسن غريب. انتهى من «السلاح» .\nوقولُه سبحانه: يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ الجلبابُ: ثوبٌ أَكْبَرُ مِنْ الخِمَار، ورُوِي عَن ابن عباس وابن مسعود: أَنَّهُ الخمارُ، واخْتُلِفَ في صورة إدنائه: فقالَ ابنُ عباسٍ «٢» / وغيره: ذلك أن تَلْوِيَه المرأةُ حَتَّى لا يظهرَ منهَا إلاَّ عينٌ واحِدَةٌ تبصر بها، وقال ٧٧ أابن عباس أيضا وقتادة: ذلك أن تلويه على الجبينِ وتشدُّهُ، ثم تَعْطِفَهُ على الأنفِ، وإن ظهرتُ عَيْنَاها لكنَّه يستر الصدر ومعظمَ الوجهِ «٣» .\nوقوله: ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ: أي حتى لا يختلطّن بالإمَاءِ، فَإذَا عُرِفْنَ لم يقابَلْن بأذَى من المعارضة مراقبةً لرتبةِ الحرائر، وليس المعنى أن تُعْرَفَ المرأةُ حتى يعلمَ من هي وكان عمر إذا رأى أمَةً قد تقنعت قَنَّعَها بالدِّرَّةِ محافظةً على زِيِّ الحرائر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1128>[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٦٠ الى ٧١]</span>\nلَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلاَّ قَلِيلًا (٦٠) مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (٦١) سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (٦٢) يَسْئَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا (٦٣) إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤)\nخالِدِينَ فِيها أَبَدًا لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا (٦٥) يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا (٦٦) وَقالُوا رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا (٦٧) رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا (٦٨) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا وَكانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (٦٩)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)\nوقوله تعالى: لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ ... الآية. اللام في قوله: لَئِنْ هي المُؤْذِنَةُ بمجيء القَسَمِ، واللام في لَنُغْرِيَنَّكَ: هي لامُ القسمِ.\n_________\n(١) أخرجه الترمذيّ (٢/ ٣٥٤) كتاب الصلاة: باب ما جاء في فضل الصلاة على النبي ﷺ، حديث (٤٨٤)، وابن حبان (٣/ ١٩٢)، رقم (٩١١)، من حديث ابن مسعود.\nوقال الترمذيّ: هذا حديث حسن غريب. وصححه ابن حبان.\n(٢) أخرجه الطبريّ (١٠/ ٣٣٢) عن ابن عباس برقم (٢٨٦٤٧)، وذكره البغوي (٣/ ٥٤٤)، وابن عطية (٤/ ٣٩٩)، وابن كثير في «تفسيره» (٨/ ٥) عن ابن عباس ﵁، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٤١٥)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن ابن عباس.\n(٣) ذكره ابن عطية (٤/ ٣٩٩) .","vol":"4","page":359},{"text":"قلت: ورَوَى الترمذيُّ عن ابن عُمَرَ قال: صعد رسول الله ﷺ المِنْبَرَ، فنادى بِصَوْتٍ رَفِيعٍ، فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ مَنْ قَدْ أَسْلَمَ بلِسَانِهِ، وَلَمْ يَفُضْ الإيْمَانُ إلى قَلْبِهِ، لاَ تُؤْذُوا المُسْلِمِينَ وَلاَ تُعَيِّرُوهُمْ، وَلاَ تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ، فَإنَّهُ مَنْ يَتَّبِعْ عَوْرَةَ أَخِيهِ المُسْلِمِ يَتَبِعَ اللهُ عَوْرَتَه وَمَنْ يَتَّبِعِ اللهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْه، وَلَوْ فِي جَوْفِ رَحْلِهِ ...» الحديث «١» . انتهى. ورواه أبو دَاودَ في «سننه» من طريق أبي برزة الأسلمي عن النبي ﷺ «٢» وتوعَّد الله سبحانه هذه الأصنافَ في هذه الآية.\nوقوله سبحانه: وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ المرض، هنا: هو الغَزَل وحب الزنا قاله عكرمة «٣» . وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ: هم قوم كانوا يتحدثون بغزو العربِ المدينةَ ونحوِ هذا مما يُرْجِفُونَ بهِ نُفُوسَ المؤمنينَ، فيحتمل أنْ تكونَ هذه الفِرَقُ دَاخِلَةً في جملة المنافقين، ويحتمل أن تكون متباينة ولَنُغْرِيَنَّكَ معناه: نحضك عليهم بعد تعيينهم لك.\nوفي «البخاري»: وقال ابن عباس «٤»: لَنُغْرِيَنَّكَ: لنسلطنك. انتهى.\nوقوله تعالى: ثُمَّ لاَ يُجاوِرُونَكَ أي: بعد الإغراء لأنك تَنْفِيهم بالإخافَة والقَتْلِ.\nوقوله: إِلَّا قَلِيلًا يحتمل: أن يريد إلا جِوَارًا قليلًا، أو وقتًا قليلًا، أو عددًا قليلًا، كأنه قال: إلا أقلاء، وثُقِفُوا: معناه: حصروا وقدر عليهم وأُخِذُوا: معناه: أُسِرُوا والأخِيذُ الأسِيرُ. والَّذِينَ خَلَوْا هم منافقو الأمم، وباقي الآية متّضح المعنى.\nوالسَّبِيلَا: مفعولٌ ثَانٍ لأَنَّ أَضلَّ متعدٍ بالهَمْزَةِ، وهي سبيل الإيمان والهدى،\n_________\n(١) أخرجه الترمذيّ (٤/ ٣٧٨) كتاب البر والصلة: باب ما جاء في تعظيم المؤمن، حديث (٢٠٣٢) من حديث ابن عمر.\nوقال الترمذيّ: هذا حديث حسن غريب.\nوأخرجه أبو داود (٢/ ٦٨٦) كتاب الأدب: باب في الغيبة، حديث (٤٨٨٠) من حديث أبي برزة الأسلمي.\n(٢) تقدم تخريجه، وينظر الحديث السابق.\n(٣) أخرجه الطبريّ (١٠/ ٣٣٣) (٢٨٦٥٤) بنحوه، وذكره ابن عطية (٤/ ٣٩٩)، وابن كثير في «تفسيره» (٣/ ٥١٩) بنحوه، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٤١٧)، وعزاه لعبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مالك بن دينار عن عكرمة بنحوه. [.....]\n(٤) أخرجه الطبريّ (١٠/ ٣٣٤) (٢٨٦٦١)، وذكره ابن عطية (٤/ ٤٠٠)، وابن كثير في «تفسيره» (٣/ ٥١٩)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٤١٨)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵄.","vol":"4","page":360},{"text":"وكَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى: هم قومُ مِن بَنِي إسرائيل. قال ابن عباس وأبو هريرة وجماعة:\nالإشارةُ إلى ما تضمّنه حديث النبي ﷺ «من أَنَّ بَنِي إسرائيل كَانُوا يَغْتَسِلُونَ عُرَاةً، وَكَانَ موسى ﵇ رَجُلًا سِتِّيرًا حَيِّيًا، لاَ يَكَادُ يرى مِنْ جَسَدِهِ شَيْءٌ فَقَالُوا: وَاللهِ، مَا يَمْنَعُ موسى أَنْ يَغْتَسِلَ مَعَنَا إلاَّ أَنَّهُ آدَرُ أَوْ بِهِ بَرَصٌ، فَذَهَبَ يَغْتَسِلُ فَوَضَعَ ثَوْبَهُ على حَجَرٍ، فَفَرَّ الحَجَرُ بِثَوْبِهِ، فَلَجَّ موسى فِي إثْرِهِ يَقُولُ: ثَوْبِي حَجَرُ، ثَوْبِي حَجَرُ، فَمَرَّ بِهِمْ فَنَظَرُوا إلَيْهِ فَقَالُوا: وَاللهِ، مَا بموسى مِنْ بَأْسٍ» . الحديثُ «١» خرَّجه البُخَاريُّ وغيره، وقيل في إذَايتهم غيرُ هذا. فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا والوجيهُ: المكرَّمُ الوجهِ، والقولُ السَّدِيدُ: يَعُمُّ جَميعَ الخيراتِ. وقال عكرمة: أراد «لا إله إلا الله»»\nوباقي الآية بيّن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1129>[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٧٢ الى ٧٣]</span>\nإِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٣)\nوقوله سبحانه: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ... الآية، ذهب الجمهور: إلى أن الأمانةَ كلُّ شيء يُؤتمن الإنسانُ عليه من أمر ونهي وشأن دين ودنيا فالشرعُ/ كلّه أمانة ومعنى الآية: إنا عرضْنَا على هذه المخلوقاتِ العظام أن تحمل الأوامر ٧٧ ب والنَّواهي ولهَا الثوابُ إن أحْسَنَتْ، والعقابُ إن أساءت، فأبتْ هذه المخلوقاتُ وأشفقت، فيحتمل أن يكونَ هذا بِإدراكٍ يَخْلُقُه اللهُ لَهَا، ويُحْتَمَلُ أنْ يكونَ هذا العَرْضُ على مَنْ فِيها من الملائِكةِ، وحَمَلَ الإنسانُ الأمانةَ، أي: التزَمَ القِيامَ بِحَقِّهَا، وهو في ذلك ظَلُومٌ لِنَفْسِهِ جَهُولٌ بقدر مَا دخَل فيه وهذا هو تأويل ابنِ عباس وابن جبير. قال ابن عباس وأصحابه:\nوالْإِنْسانُ آدم تَحمَّلَ الأَمانةَ فَما تَمَّ لَهُ يَوْمٌ حَتَّى وَقَعَ فِي أمرِ الشَّجرةِ «٣» . وقال بعضُهم:\nالْإِنْسانُ: النَّوعُ كلّه فعلى تأويلِ الجمهور يكونُ قولُهما في الآية الأخرى أَتَيْنا طائِعِينَ إجابةً لأَمْرٍ أُمِرْت بِهِ وتَكُونُ هذه الآيةُ إبايَةً وإشفاقًا مِنْ أَمْرٍ عُرِضَ عَلَيْهَا وخُيِّرَتْ فِيه.\n_________\n(١) تقدم.\n(٢) أخرجه الطبريّ (١٠/ ٣٣٨) (٢٨٦٨٠)، وذكره البغوي (٣/ ٥٤٦)، وذكره ابن عطية (٤/ ٤٠١)، وابن كثير في «تفسيره» (٣/ ٥٢١)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٤٢١)، وعزاه لابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن عكرمة ﵁.\n(٣) أخرجه الطبريّ (١٠/ ٣٣٩) (٢٨٦٨٣)، وذكره ابن عطية (٤/ ٤٠٢)، وابن كثير في «تفسيره» (٣/ ٥٢٢) والسيوطي في «الدر المنثور» وعزاه لسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن الأنباري عن ابن عباس.","vol":"4","page":361},{"text":"وقوله تعالى: لِيُعَذِّبَ: اللامُ لامُ العَاقِبَة، وكذا قَال أبو حيان: اللام في لِيُعَذِّبَ: للصَّيْرُورَةِ لأَنَّه لَمْ يَحْمِلْ الأَمَانَةَ ليُعَذَّبَ، ولكنْ آلَ أمره إلى ذلك.\nص: أبو البقاء: اللام تتَعلق ب: حَمَلَهَا وقرأ «١» الأعمش: «ويتوبُ» بالرفع على الاسْتِئْنَافِ، واللهِ أعلم. انتهى. وباقي الآية بيّن.\n_________\n(١) قال الزمخشري: وقرأ الأعمش «ويتوب» ليجعل العلة قاصرة على فعل الحامل، ويبتدىء: ويتوب الله. ومعنى قراءة العامة: ليعذب الله حامل الأمانة، ويتوب على غيره ممن لم يحملها لأنه إذا تيب على الوافي، كان ذلك نوعا من عذاب الغادر. والله أعلم.\nينظر: «الكشاف» (٣/ ٥٦٥)، و«مختصر الشواذ» ص (١٢١)، و«البحر المحيط» (٧/ ٢٤٤)، و«الدر المصون» (٥/ ٤٢٧) .","vol":"4","page":362},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1130>تفسير «سورة سبإ»</span>\nوهي مكّيّة واختلف في قوله تعالى: وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الآية. فقيل: ذلك مكّيّ، وقيل: مدنيّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1131>[سورة سبإ (٣٤): الآيات ١ الى ٢]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١) يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ (٢)\nقوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ الأَلِفُ واللام في الْحَمْدُ: لاستغراق جنس المحامد، أي: الحَمْد على تَنَوُّعِهِ هُو لِلَّهِ تَعَالَى مِنْ جميع جهات الفكرة، ويَلِجُ معناه: يدخل، ويَعْرُجُ معناه: يصعد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1132>[سورة سبإ (٣٤): الآيات ٣ الى ١١]</span>\nوَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٣) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (٥) وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٦) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (٧)\nأَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ (٨) أَفَلَمْ يَرَوْا إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٩) وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠) أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صالِحًا إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١)\nقوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لاَ تَأْتِينَا السَّاعَةُ رُوِيَ: أَنَّ قائلَ هذه المقالة هُو أبو","vol":"4","page":363},{"text":"سفيانَ بنِ حَرْبٍ «١»، والَّلامُ من قوله: لِيَجْزِيَ يصحّ أن تكون متعلقة بقوله: لَتَأْتِيَنَّكُمْ والَّذِينَ معطوف على الَّذِينَ الأولى، أي: وليجزي ليجزي الّذين سعوا ومُعاجِزِينَ معناه: مُحَاوِلِينَ تَعْجِيزَ قدرةِ اللهِ فِيهمْ، ثُم أَخْبَرَ تَعَالَى بَأَنَّ الذِينَ أُوتُوا العِلمَ يَرَوْنَ الوَحْيَ المُنَزَّل عَلَى مُحَمَّدٍ ﵇ حَقًا، والَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ قِيلَ: هُمْ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، وَقَالَ قَتَادَةُ: هُمْ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ الْمُؤْمِنُونَ «٢» بِهِ، ثُمَّ حَكَى اللهُ تَعَالَى عَنْ الكُفَّارِ مَقَالَتَهُمْ الَّتِي قَالُوهَا عَلَى جِهَةِ التَّعَجُّبِ وَالهُزْءِ وَاسْتِبْعَادِ البَعْثِ، هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يعنون محمّدا ﷺ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ بِالبِلَى وَتَقَطُّعِ الأوصال في القبور وغيرها وجَدِيدٍ بمعنى مُجَدَّدِ، وقولهم: أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا هُوَ أَيْضًا مِنْ قَوْلِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، ثُمَّ أَضْرَبَ عَنْ قَوْلِهِمْ فَقَالَ: بَلِ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذابِ: يُريدُ عَذَابَ الآخرةِ لأَنَّهُمْ صَائِرُونَ إلَيْه، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يريدَ عَذَابَ الدنيا أَيضًا، والضَّمِيرُ فِي قوله: أَفَلَمْ يَرَوْا لهؤلاء الذين لا يؤمِنُونَ بالآخرةِ وَقَفَهُمْ الله على قدرتِه، وخَوَّفَهُم من إحاطَتِهَا بهِمْ، والمعنى: أليسَ يَرونَ أمامَهم وَوَرَاءَهُم سَمَائِي وَأَرْضِي، وَبَاقِي الآية بيّن، ثم ٧٨ أذكر الله تَعَالَى نعمتَه عَلى دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ/ احتجَاجًا على ما منح محمّدا، وأَوِّبِي مَعنَاه:\nرَجِّعي معه، قال ابنُ عَبَّاسٍ وغيرُهُ: معناه: يا جبالُ سَبِّحِي مَعَه، أي: يُسَبِّحُ هُوَ وتُرَجِّع هِيَ معه التسبيحَ، أي: تُرَدِّدُهُ بالذكر «٣» .\nوقال مؤرج: أَوِّبِي سَبِّحِي بِلُغَةِ الحَبَشةِ، وقَرَأَ «٤» عَاصِمُ: «والطيرُ» - بالرفع- عَطْفًا عَلى لفظِ قوله: «يا جبال» وقرأ نافع وابن كثير: «والطير» بالنّصب-.\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٤/ ٤٠٥) .\n(٢) أخرجه الطبريّ (١٠/ ٣٤٧) (٢٨٧١١)، وذكره البغوي (٣/ ٥٤٩)، وابن عطية (٤/ ٤٠٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٤٢٦)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة.\n(٣) أخرجه الطبريّ (١٠/ ٣٥٠) (٢٨٧١٩)، وذكره ابن عطية (٤/ ٤٠٧)، وابن كثير في «تفسيره» (٣/ ٥٢٧)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٤٢٦)، وعزاه لابن أبي شيبة في «المنصف»، وابن جرير عن ابن عباس ﵄.\n(٤) يعني قرأ عاصم في غير رواية حفص. وبها قرأ الأعرج وقرأ بها يعقوب كما ذكر الأزهري في «معاني القراءات» (٢/ ٢٩٠) . وقرأ بقراءة الجمهور عاصم في رواية حفص، والحسن، وابن أبي إسحاق، وأبو جعفر. وبالجملة فقد قال الأزهري (٢/ ٢٨٩): واتفق القراء على نصب قوله: يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ.\nوينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٤٠٧)، و«البحر المحيط» (٧/ ٢٥٣)، و«الدر المصون» (٥/ ٤٣٤) .","vol":"4","page":364},{"text":"قَالَ سَيبَوَيْهِ: عَطَفَ عَلَى مَوْضِع قَوْلِهِ: «يا جبال» لأَنَّ مَوْضِعَ المنادَى المفردِ نصبٌ، وقيل: نَصْبُها بإضمار فِعْلٍ تقديرُه: وسخَّرْنَا الطَّيْرَ، وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ مَعْنَاه: جَعَلْنَاهُ لَيِّنًا، ورَوَى قَتَادَةُ وَغَيْرِه: أَنَّ الْحَدِيدَ كَانَ لَهُ كَالشَّمْعِ لاَ يَحْتَاجُ فِي عَمَلِهِ إلَى نَارٍ «١»، و«السابغات»: الدُّرُوعُ الكَاسِيَاتِ ذَوَاتُ الفُضُولِ.\nوَقَوله تعالى: وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ قَالَ ابنُ زَيْدٍ: الذي أَمَرَ بهِ هُوَ فِي قدر الحَلْقَة، أي: لا تَعْمَلْهَا صَغِيرَةً فَتَضْعُفَ فَلا يَقْوَى الدِّرْعُ عَلى الدِّفَاعِ، وَلاَ تَعْمَلْهَا كَبِيرَةً، فَيُنَالَ لاَبِسُهَا مِنَ خِلاَلِهَا «٢» .\nوقال ابن عباس: التقديرُ: الَّذِي أَمَر بهِ هُو فِي المِسْمَارِ «٣»، وذَكَرَ البُخَارِيُّ فِي «صحيحهِ» ذَلِكَ فَقَالَ: المَعْنَى: لاَ تَدِقَّ المِسْمَارَ فَيَتَسَلَّلَ وَلاَ تُغْلِظَهُ فَيَنْقَصِمَ بالقافِ، وبالفاء أيضًا رواية.\nت: قال الهُرَوِيُّ: قوله تعالى: وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ «السرد» مُتَابَعَةُ حَلَقِ الدِّرْعِ شَيْئًا بعد شيء حتى يتناسقَ، يقالُ: فُلاَنٌ يَسْرِدُ الحديث سردا، أي: يتابعه. انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1133>[سورة سبإ (٣٤): الآيات ١٢ الى ١٣]</span>\nوَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ (١٢) يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ (١٣)\nوَقَوْلُه تَعَالَى: وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ المَعْنَى: ولسليمانَ سخَّرْنَا الريح، وغُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ.\nقال قتادة: معناه: إنها كانت تُقْطَعُ بِه فِي الغُدُوِّ إلَى قُرْبِ الزوال مسيرة شهر،\n_________\n(١) أخرجه الطبريّ (١٠/ ٣٥١) (٢٨٧٣٠) بنحوه، وذكره ابن عطية (٤/ ٤٠٧)، وابن كثير في «تفسيره» (٣/ ٥٢٧) بنحوه، والسيوطي في «الدر المنثور»، وعزاه لعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر عن قتادة بنحوه.\n(٢) أخرجه الطبريّ (١٠/ ٣٥١) (٢٨٧٣٤) بنحوه، وذكره ابن عطية (٤/ ٤٠٨) .\n(٣) أخرجه الطبريّ (١٠/ ٣٥٢) رقم (٢٨٧٣٥) بنحوه، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٠٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٤٢٧) بنحوه، وعزاه لعبد الرزاق، والحاكم عن ابن عباس ﵄.","vol":"4","page":365},{"text":"وَتَقْطَعُ فِي الرَّوَاحِ مِنْ بَعْدِ الزَّوَالِ إلى الغُرُوبِ، مسيرةَ شَهْرٍ، وَكَانَ سليمانُ إذَا أرادَ قَوْمًا لَمْ يَشْعُرُوا حَتَّى يُظِلَّهم في جَوِّ السَّمَاءِ «١» . وقوله تعالى: وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ:\nقَال ابن عباس، وغيره: كانتْ تَسِيلُ لَهُ باليَمَنِ عَيْنٌ جَارِيَةٌ مِنْ نُحَاسٍ يُصْنَعُ لَهْ منها جميع ما أحبّ، والْقِطْرِ: النّحاس «٢»، ويَزِغْ: معناه: يَمِلْ، أي: يَنْحَرِفُ عاصيًا، وقال: عَنْ أَمْرِنا ولم يقل: «أرادتنا» لأَنَّهُ لاَ يَقَعُ في العالِم شَيءٌ يخالفُ إرَادتَهُ سُبْحَانه تعالى ويقعُ ما يخالفُ الأَمر، وقوله: مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ قيل: عذابُ الآخرة.\nوقيل: بل كان قد وكّل بهم مَلكٌ بيدِه سَوْطٌ مِن نَارٍ السَّعِيرِ فَمَنْ عَصَى ضَرَبَهُ فَأَحْرَقَهُ، و«الْمَحَارِيبُ»: الأَبْنِيَةُ العَالِيَةُ الشَّرِيفَةُ، قَالَ قَتَادَةُ: القصورُ والمسَاجِدُ والتَّمَاثِيلُ «٣»، قِيلَ: كَانَتْ مِن زُجَاجٍ وَنُحَاسٍ تَمَاثِيلُ أَشْيَاءَ لَيْسَتْ بِحَيَوانٍ، «والجوابي»:\nجَمْعُ جَابِيةٍ وَهِي البِرْكَةُ التي يجبى إليها الماء وراسِياتٍ مَعْنَاه: ثابتاتُ لِكِبَرهَا، ليستْ مِمَّا يُنْقَلُ أو يُحْمَل ولا يَسْتَطِيعُ عَلَى عَمَلِهِ إلاَّ الجنُّ ثُمَّ أُمرُوا مَعَ هذهِ النعمِ بأَنْ يَعْمَلُوا بالطّاعات، وشُكْرًا يُحْتَمَلُ نَصْبُه عَلى الحَالِ، أوْ عَلَى جِهَةِ المَفْعُولِ، أي: اعملوا عَمَلًا هو الشكرُ كَأَنَّ العِبَادَاتِ كُلَّها هِي نَفْسُ الشُّكْرِ، وفي الحديث: أنّ النبيّ ﷺ صَعَدَ المنبرَ فَتَلا هذه الآيةَ، ثم قال: «ثَلاثٌ من أُوتِيهِنَّ فَقَدْ أُوتِي العَمَلَ شُكْرًا: العدلُ في الرضَا والغَضَبِ، والقَصْدُ فِي الفَقْرِ والغِنَى، وخَشْيَةُ اللهِ فِي السِّرِّ والعَلانِيَة» «٤»، وَهَكَذَا نقل ابن\n_________\n(١) أخرجه الطبريّ في «تفسيره» (١٠/ ٣٥٣)، برقم (٢٨٧٤٠) بنحوه، وذكره ابن عطية في «في تفسيره» (٤/ ٤٠٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٤٢٧) بنحوه، وعزاه لعبد بن حميد عن قتادة.\n(٢) أخرجه الطبريّ في «تفسيره» (١٠/ ٣٥٣) برقم (٢٨٧٤٥) عن قتادة، ورقم (٢٨٧٤٦) عن ابن زيد، ورقم (٢٨٧٤٨) عن ابن عباس، وذكره البغوي في «تفسيره» (٣/ ٥٥١)، وابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٠٩)، وابن كثير في «تفسيره» (٣/ ٥٢٨)، بنحوه، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٤٢٨) بنحوه، وعزاه لابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس. [.....]\n(٣) أخرجه الطبريّ في «تفسيره» (١٠/ ٣٥٤) رقم (٢٨٧٥١)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٠٩)، وابن كثير في «تفسيره» (٣/ ٥٢٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٤٢٩)، وعزاه لعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر عن قتادة.\n(٤) ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٤٣٠- ٤٣١)، وعزاه إلى ابن المنذر عن عطاء بن يسار مرسلا، وإلى ابن مردويه عن حفصة مرفوعا.\nوالحكيم الترمذيّ عن أبي هريرة مرفوعا.\nوابن النجار في «تاريخه» عن أبي ذر.\nوذكره الهندي في «كنز العمال» (٤٣٢٢٤)، وعزاه للحكيم الترمذيّ عن أبي هريرة.","vol":"4","page":366},{"text":"العَرَبِيِّ هَذَا الحَدِيثَ فِي «أحْكَامِهِ» وَعِبَارَةُ الدَّاوُوديِّ: وعن النبيّ ﷺ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى المِنْبَرِ:\nاعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا، وَقَالَ: ثَلاَثٌ مَنْ أُوتِيَهُنَّ فَقَدْ أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ آلُ دَاوُدَ: العَدْلُ فِي الغَضَبِ وَالرِّضَا، وَالقَصْدُ فِي الفَقْرُ والغنى، وذِكْرُ الله تعالى/ في السرّ والعلانية» «١» ٧٨ ب قَال القُرْطُبِي «٢» الشُّكْرُ تَقْوَى اللهِ وَالعَمَلُ بِطَاعَتِهِ. انتهى.\nقالَ ثابتٌ: رُوِيَ أَنَّ دَاوُدَ كَانَ قَدْ جَزَّأَ سَاعَاتِ اللَّيْلِ والنَّهَارِ عَلَى أَهْلِهِ فَلَمْ تَكُنْ تَأْتِي سَاعَةٌ مِنْ سَاعَاتِ اللَّيْلِ والنَّهَارِ إلاَّ وَإنْسَانٌ مِنْ آل دَاودَ قَائِمٌ يُصَلِّي يَتَنَاوَبُونَ دَائِمًا «٣»، وَكانَ سُلَيْمَانُ- عَلَيْهِ السَّلاَم- فيما رُوِيَ- يَأْكُلُ الشَّعِيرَ وَيُطْعِمُ أَهْلَه الخُشْكَارَ، ويُطْعِمُ المسَاكِينَ الدَّرْمَكَ «٤»، وَرُوِيَ أَنَّه مَا شبِعَ قَطٍّ، فقيلَ له في ذلك فقال: أخَافُ إنْ شَبِعْتُ أَنْ أنْسَى الجِياعَ.\nوقَولُه تَعَالى: وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ يُحْتَمَلُ: أنْ تَكونَ مخَاطَبَةً لآلِ دَاوُدَ، ويحتمل: أنْ تكونَ مخاطبةً لنبيّنا محمد ﷺ وَعَلَى كُلٍّ وَجْهٍ فَفِيهَا تَحْرِيضٌ وَتَنْبِيهٌ، قال ابنُ عَطَاءِ اللهِ فِي «الحِكَم»: مَنْ لَمْ يَشْكُر النعمَ فَقَدْ تَعَرَّضَ لِزَوَالِها وَمَنْ شَكَرَهَا فَقَدْ قَيَّدَهَا بِعِقَالِها.\nوقَالَ صَاحِبُ «الكَلِمِ الفَارِقية»: لاَ تَغْفَلْ عَنْ شُكْرِ الصَّنَائِعِ وَسُرْعَةِ استرجاع الوَدَائِعِ، وَقَالَ أيْضًا: يَا مَيِّتًا نُشِرَ مِنْ قَبْرِ العَدَمْ، بحُكْمِ الجُودِ والكَرَمِ، لاَ تَنْسَ سَوَالِفَ العُهُودِ والذِّمَمِ، اذكُرْ عَهْدَ الإيجَادِ، وَذِمَّةَ الإحْسَانِ والإرْفَادِ، وَحَالَ الإصْدَارِ والإيرَادِ، وفاتحة المَبْدَإِ وَخَاتِمَةَ المَعَادِ، وَقَالَ﵀-: يَا دَائِمَ الغَفْلَةِ عَنْ عَظَمَةِ رَبِّه، أيْن النَّظَرُ فِي عَجَائِبِ صُنْعِه، والتَّفَكُّرُ فِي غَرَائِبِ حِكْمَتِهِ، أيْنَ شُكْرُ مَا أَفَاضَ عَلَيْكَ مِنْ مَلاَبِسِ إحْسَانِه ونِعَمِهِ، يَا ذَا الفِطْنَةِ، اغْتَنِمْ نِعْمَةَ المُهْلَة، وَفُرْصَةَ المُكْنَةِ، وَخِلْسَةَ السَّلاَمَةِ، قَبْلَ حُلُولِ الحَسْرَةِ والنّدامة. انتهى.\n_________\n(١) ينظر: الحديث السابق.\n(٢) ينظر: «القرطبي» (٤/ ١٧٧) .\n(٣) ذكره البغوي في «تفسيره» (٣/ ٥٥٢)، وابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤١٠)، وابن كثير في «تفسيره» (٣/ ٥٢٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٤٣٠)، وعزاه لابن أبي شيبة، وأحمد في «الزهد»، وابن أبي حاتم، والبيهقي في «شعب الإيمان» عن ثابت البناني.\n(٤) الدّرمك: هو الدقيق الحوّاري.\nينظر: «النهاية» (٢/ ١١٤) .","vol":"4","page":367},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1134>[سورة سبإ (٣٤): آية ١٤]</span>\nفَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ (١٤)\nوقَوْلُه تعالى: فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ... الآيةَ. رُوِيَ عَن ابن عبَّاسٍ «١» وَابنِ مَسْعُودٍ فِي قَصَصِ هذهِ الآيةِ كَلاَمٌ طَوِيلٌ، حَاصِلُه: أنَّ سُلَيمَانَ ﵇ لَمَّا أحَسَّ بِقُرْبِ أجَلهِ اجْتَهَدَ﵇- وجَدَّ فِي العِبَادَةِ وَجَاءَهُ مَلَكُ المَوْتِ، وَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ أُمِرَ بِقَبْضِ رُوحِهِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ له إلاَّ مُدَّةٌ يَسِيرَة.\nقَالَ الثَّعْلَبِيّ: وَقَالَ سُلَيْمَانُ عند ذلك: اللَّهُمَّ عَمِّ عَلَى الْجِنِّ مَوْتِي حتى يعلم الإِنْسُ أَنَّ الجِنَّ لا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ، وكَانَتِ الجِنُّ تُخْبِرُ الإِنْسَ أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ مِن الغَيْبِ أَشياءَ، وأَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ مَا فِي غَدٍ، وَلَمَّا أَعْلَمَهُ مَلَكُ المَوْتِ بِقُرْبِ الأَجَلِ أَمَرَ حِينَئِذٍ الْجِنَّ، فَصَنَعَتْ لَهُ قُبَّةً مِنْ زُجَاجٍ تَشِفُّ وَدَخَلَ فِيهَا يَتَعَبَّدُ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهَا بَابًا، وَتَوَكَّأَ على عَصَاهُ عَلَى وَضْعٍ يَتَمَاسَكُ مَعَهُ وَإنْ مَاتَ، ثُمَّ تُوُفِّيَ- عَلَيْهِ السَّلاَمُ- على تِلْكَ الحَالَةِ، فَلَمَّا مضى لِمَوْتِهِ سَنَةً، خَرَّ عَنْ عَصَاهُ، وَالْعَصَا قَدْ أَكَلَتْهَا الأَرْضَةُ وَهِيَ الدُّودَةُ الَّتِي تَأْكُلُ العُودَ فَرَأَتِ الجِنُّ انخراره فَتَوَهَّمَتْ مَوْتَهُ «والمِنْسَأَة»: العَصَا، وَقَرأ الجمهور: تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ بِإسْنَادِ الفعلِ إلَيْها، أي: بَانَ أَمْرُهَا، كَأَنَّهُ قال: افْتُضِحَتِ الجِنّ، أي: للإِنْسِ، هذا تَأَوِيلٌ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَولُه: تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ بِمَعْنَى: عَلِمَتِ الجِنُّ وَتَحَقَّقَتْ، وَيُرِيدُ بِالجِنِّ:\nجُمْهُورَهُمْ، والخَدَمَةَ مِنْهُمْ، ويُرِيدُ بالضَّمِيرِ فِي كانُوا: رُؤَسَاءَهُمْ وَكِبَارَهُمْ لأَنَّهُمْ هُمُ الذينَ يَدَّعُونَ عِلْمَ الغَيْبِ لأَتْبَاعِهِم من الجنّ والإنس.\n٧٩ أ/ وَقَرَأَ يَعْقُوبُ: «تبينت الجن» عَلَى بِنَاءِ الفعلِ للمفعول، أي: تبيّنها الناس، والْعَذابِ الْمُهِينِ: ما هم فيه من الخِدْمَةِ، والتَسْخِيرِ وغير ذلك، والمعنى: أنَّ الجِنَّ لَوْ كَانَتْ تَعْلَم الغَيْبَ لَمَا خَفِي عَلَيْهَا مَوْتُ سُلَيْمَانَ وَقَدْ ظَهَرَ أَنَّهُ خَفِيَ عَلَيْهَا بِدَوَامِها فِي الخِدْمَةِ الصَّعْبَةِ، وَهُوَ مَيِّتٌ ف الْمُهِينِ المُذِلُّ، مِن الهَوَانِ، وَحَكَى الثَّعْلَبِيُّ: أنَّ الشياطينَ قَالَتْ لِلأَرْضَةِ: لَوْ كُنْتِ تَأْكُلِينَ الطَّعَامَ لأَتَيْنَاكِ بِأَطْيَبِ الطَّعَامِ والشَّرَابِ، ولَكِنَّا سَنَنْقُلُ إلَيكِ الماءَ والطِّين فَهُمْ يَنْقُلُونَ إلَيها ذَلِكَ حَيْثُ كَانَتْ شُكْرًا لها، انتهى.\n_________\n(١) أخرجه الطبريّ في «تفسيره» (١٠/ ٣٥٨) رقم (٢٨٧٧٧)، ورقم (٢٨٧٧٨) بنحوه، وذكره البغوي في «تفسيره» (٣/ ٥٥٢)، وابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤١١)، وابن كثير في «تفسيره» (٣/ ٥٢٩)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٤٣٢)، وعزاه للبزار، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن السني في «الطب النبوي»، وابن مردويه عن ابن عباس.","vol":"4","page":368},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1135>[سورة سبإ (٣٤): الآيات ١٥ الى ١٧]</span>\nلَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (١٥) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (١٦) ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلاَّ الْكَفُورَ (١٧)\nوقولُه تَعَالَى: لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ ... الآية، هذا مَثَلٌ لقريشٍ بِقَوْمٍ أنْعَمَ الله عَليهمْ فَلَمْ يَشْكُروا فَانْتَقَمَ مِنْهُم، أي: فأنتم أيّها القوم مثلهم، وسبأ هُنا يراد بهِ القَبِيلُ، واخْتُلِفَ: لِمَ سُمِّي القَبِيلُ بِذلك؟ فَقَالَت فِرْقَةٌ: هُو اسْمُ امْرَأةٍ.\nوقِيلَ: اسْمُ مَوْضِعٍ سُمِّيَ بِهِ القَبِيلُ، وقَالَ الجُمْهُورُ: هُوَ اسْمُ رَجُلٍ، هُو أَبُو القَبِيلُ كُلِّه، وفِيهِ حَدِيثُ فَرْوَةَ بْنِ مُسَيْكٍ المتقدّمُ في «سورة النّمل» خرّجه الترمذيّ «١»، وآيَةٌ:\nمعناه: عِبْرَةٌ وَعَلاَمَةٌ عَلَى فَضْلِ اللهِ وقُدْرَتِه، وجَنَّتانِ: مبتدَأٌ وَخَبَرُه: عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ، أو خَبَرَ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيره: هي جنتان، وقيل: جَنَّتانِ بدل من آيَةٌ وَضُعِّفَ، ورُوِي فِي قُصَصِهِمْ أَنَّهُ كَانَ فِي نَاحِيَةِ اليَمَنِ وَادٍ عَظِيمٌ بَيْنَ جَبَلَيْنِ، وَكَانَتْ جَنَبَتَا الوادِي فَوَاكِهَ وزُرُوعًا، وكان قد بُنِيَ فِي رَأْسِ الوادِي عِنْدَ أَوَّلِ الجَبَلَينِ جِسْرٌ عَظِيمٌ مِنْ حِجَارَةٍ مِنَ الجَبَلِ إلَى الجَبَلِ، فَاحْتَبَسَ الماءُ فِيهِ، وصَارَ بُحَيْرَةً عَظِيمَةً، وَأُخِذَ المَاءُ من جَنَبَتَيْهَا فَمَشَى مُرْتَفِعًا يَسْقِى جَنَّاتٍ كَثِيرَةٍ جَنَبتَي الوادِي، قِيلَ: بَنَتْهُ بلقيس، وَقِيلَ بَنَاهُ حِمْيَرُ أَبُو القَبَائِلِ اليَمَانِيَّةِ كُلِّهَا، وكانُوا بهذهِ الحالِ فِي أرْغَدِ عَيْشِ، وَكَانَتْ لَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ قُرٍى ظَاهِرَةٌ مُتَّصِلَة من اليَمَنِ إلى الشام، وكانوا أَرْبَابَ تِلْكَ البِلاَدِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ.\nت: وَقَوْلُ ع «٢»: «وَكَانَ قَدْ بُنِيَ فِي رَأْسِ الوَادِي عِنْدَ أَوَّلِ الجبلين» صوابُه:\nوَكَانَ قَدْ بُنِيَ فِي أَسْفَلِ الوَادِي عِنْدَ آخِرِ الجَبَلَينِ، وكُلُوا: فيه حذف معناه: قيل لهم:\nكلوا، وطَيِّبَةٌ معناه: كريمةُ التُّربةِ حَسَنةُ الهَواءِ، ورُوِيَ أَنَّ هذهِ المقَالة مِن الأَمْرِ بالأَكْلِ وَالشُّكْرِ وَالتَّوْقِيفِ عَلى طِيبِ البَلْدَةِ وغُفْرَانِ الرَّبِّ مَعَ الإيمَانِ بِهِ هي من قول الأَنْبِياء لَهُمْ، وبُعِثَ إليهم فِيمَا رُوِيَ ثَلاَثَةَ عَشَرَ نَبِيًّا فَكَفَرُوا بِهِم وأَعْرَضُوا فَبَعَثَ اللهُ عَلى ذَلِكَ السَّدِّ جُرْذًا أَعْمَى تَوالَدَ فِيه وَخَرَقَهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ فَانْخَرَقَ السَّدُّ وَفَاضَ المَاءُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَجَنَّاتِهم فَغَرَّقَها وَأَهْلَكَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ مِمَّنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الفِرَارُ واخْتُلِفَ فِي الْعَرِمِ.\nفَقَالَ المُغِيرَةُ بْنُ حَكِيمٍ وَأَبُو مَيْسَرَةَ: هُوَ كُلُّ مَا بُنِي أَوْ سُنِّمَ لِيُمْسِك «٣» المَاءَ، وَقَالَ ابن\n_________\n(١) تقدم تخريجه.\n(٢) ينظر: «المحرر» (٤/ ٤١٣) .\n(٣) أخرجه الطبريّ في «تفسيره» (١٠/ ٣٦٢) رقم (٢٨٧٨٩) عن المغيرة بن حكيم، ورقم (٢٨٧٩٠) عن أبي ميسرة، كلاهما بنحوه، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤١٤) عنهما.","vol":"4","page":369},{"text":"عَبَّاسٍ وَغَيره: الْعَرِمِ: اسْمُ وَادِي ذَلِكَ المَاءِ بِعَيْنِهِ الَّذِي كَانَ السَّدُّ بُنِي «١» لَهُ»، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا: الْعَرِمِ الشَّدِيدُ «٢» .\nقَالَ ع «٣»: فَكَأَنَّهُ صِفَةٌ لِلسَّيْلِ مِنْ العَرَامَةِ، وَالإضَافَةُ إلَى الصِّفَةِ مُبَالَغَةٌ وَهِي كثيرةٌ فِي كَلام العَرَبِ، وقِيل: الْعَرِمِ: صِفَةٌ للمَطَرِ الشديدِ الذي كانَ عَنْه ذَلِكَ السَّيْلُ.\nوقوله تعالى: وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ فيه تَجُوُّزٌ واستعارة، وَذَلِكَ أَنَّ البَدَلُ- من ٧٩ ب الخَمْطِ والأَثْلِ- لَمْ يَكُنْ جَنَّاتٍ لَكِنَّ هَذا كَمَا تَقُولُ لِمَنْ جَرَّدَ ثَوْبًا جَيِّدًا وَضَرَبَ ظَهْرَه:\nهَذا الضَّرْبُ ثَوْبٌ صَالِحُ لَكَ ونحو هذا، و«الخَمْطِ»: شَجَرُ الأَرَاكِ، قَالَه ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُه «٤»، وقِيلَ: «الخَمْطُ»: كُلُّ شَجَرِ لَهُ شَوْكٌ وَثَمْرَتَهُ كَرِيهَةُ الطَّعْمِ بِمَرَارَةٍ أَو حُمُوضَةٍ أو نَحْوِه، وَمِنْه تَخَمَّطَ اللَّبَنُ إذَا تَغَيَّرَ طُعْمُه و«الأَثْلُ»: ضَرْبٌ من الطَّرْفَاءِ، هذا هو الصَّحِيحُ، و«السدر»: معروفٌ وهُو لَه نَبْقٌ شَبَهُ العُنَّابِ لكنَّه دُونَه في الطَّعْمِ بِكَثِير، وللخَمْطِ ثَمرٌ غَثُّ هُوَ البَرِيرُ، وللأَثْلِ ثَمْرٌ قَلِيلُ الغَنَاءِ غَيْرُ حَسَنِ الطَّعْمِ، وقرأ نافع «٥» وابن كثير: «أُكلٌ»: - بِضَمِّ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الكَافِ-، والبَاقُونَ: - بِضَمِّهِمَا- وهُمَا بمعنى الجَنَى والثَّمْرَةِ، ومِنْه:\nتُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ [سورة إبراهيم: ٢٥] . أي: جناها، وقرأ «٦» أبو عمرو: «أُكُلِ خُمْطٍ» بإضافة «أكل» إلى «خمط» .\n_________\n(١) أخرجه الطبريّ في «تفسيره» (١٠/ ٣٦٢) رقم (٢٨٧٩٢) عن ابن عباس، ورقم (٢٨٧٩٣) عن قتادة، ورقم (٢٨٧٩٤) عن الضحاك، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤١٤)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٤٣٧) . وعزاه لابن جرير عن ابن عباس ﵁.\nولابن جرير عن الضحاك.\nولعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة.\n(٢) أخرجه الطبريّ في «تفسيره» (١٠/ ٣٦٣) رقم (٢٨٧٩٥)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤١٤) .\n(٣) ينظر: «المحرر» (٤/ ٤١٤) .\n(٤) أخرجه الطبريّ في «تفسيره» (١٠/ ٣٦٤)، رقم (٢٨٨٠١) عن ابن عباس، ورقم (٢٨٨٠٢) عن الحسن، (٢٨٨٠٣) عن مجاهد، (٢٨٨٠٥) عن قتادة، وذكره البغوي في «تفسيره» (٣/ ٥٥٤)، وابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤١٤)، وابن كثير في «تفسيره» (٣/ ٥٣٣) والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٤٣٧) .\nوعزاه للفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد، ولابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس، ولابن أبي حاتم عن السدي، ولعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة. [.....]\n(٥) ينظر: «السبعة» (٥٢٨)، و«الحجة» (٦/ ١٤)، و«إعراب القراءات» (٢/ ٢١٧)، و«معاني القراءات» (٢/ ٢٩٢)، و«العنوان» (١٥٦)، و«إتحاف» (٢/ ٣٨٥) .\n(٦) ينظر: مصادر القراءة السابقة، و«حجة القراءات» (٥٨٧)، و«شرح الطيبة» (٥/ ١٥٥)، و«شرح شعلة» (٥٥٣) .","vol":"4","page":370},{"text":"وقولُه تعالى: ذلِكَ إشارةٌ إلى ما أجْرَاهُ عَلَيْهِم.\nوقولُه: وهل يجازى، أي: يناقَشُ ويُقَارَضُ بمثلِ فعلهِ قَدْرًا بقَدْرٍ، لأَنَّ جَزَاءَ المُؤْمِنِ إنَّما هُو بِتَفَضُّلٍ وَتَضْعِيفٍ ثَوَابٍ، وَأَمَّا الَّذِي لا يزاد ولا ينقص فَهُوَ الكَافِرُ، وقَرَأْ «١» حمزةُ والكسائي: «وهل نُجَازِي» - بالنون وكسر الزاي «الكفور» - بالنصب-.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1136>[سورة سبإ (٣٤): الآيات ١٨ الى ١٩]</span>\nوَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ (١٨) فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (١٩)\nوقولُه تعالى: وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى ... الآية، هذه الآيةُ وَمَا بَعْدَهَا وَصْفُ حالِهم قَبْلَ مَجِيء السَّيْلِ، وَهِيَ أنَّ اللهَ تَعَالَى مَعَ مَا كَانَ مَنَحَهُمْ مِنَ الجَنَّتَيْنِ والنِّعْمَةِ الخَاصَّةِ بِهِمْ كَانَ قَدْ أَصْلَحَ لَهُمْ البِلاَدَ المُتَّصِلَةَ وَعَمَّرَها وجَعَلَهُمْ أَرْبَابَها وقدَّرَ السَّيرَ بأنْ قَرَّبَ القُرَى بَعْضَها مِن بَعْضٍ حَتَّى كَانَ المسَافِر من مَأْرِبَ إلَى الشَّامِ يَبِيتُ فِي قَرْيَةٍ وَيقِيلُ فِي قَريَةٍ فَلاَ يُحْتَاجُ إلى حَمْلِ زاد، والْقُرَى: المُدُنُ، والقُرَى التي بُورِكَ فِيها: هِي بِلادُ الشَّامِ بإجْماع المفسِّرِين، والقُرَى الظَّاهِرَة: هِي الَّتِي بَيْنَ الشَّامِ وَمَأْرِبَ وهِي اسم بَلَدِهِمْ.\nقال ابن عباس «٢» وغيره: هي قُرى عَرَبيَّةٌ بَيْنَ المدِينةِ والشَّام. واختلف فِي مَعْنَى ظاهِرَةً فَقَالَت فِرقَة: معناه: مُسْتَعْلِيَةٌ مُرْتَفِعَةٌ فِي الآكَامِ وَهِيَ أشْرَفُ القُرَى، وَقَالَتْ فِرقَةُ:\nمعناه: يَظْهَرُ بَعْضُهَا مِنْ بَعْض فَهِي أبَدًا فِي قَبْضَةِ عَيْنِ المُسَافِرِ لاَ يَخْلُو عَنْ رُؤْيَةِ شَيْءٍ مِنْهَا.\nقَال ع «٣»: والذي يَظْهرُ لي أَنَّ معنى ظاهِرَةً خَارِجَةٌ عَنِ المُدنِ فَهِي عِبَارَة عَنِ القُرَى الصِّغَارِ الَّتِي هِي فِي ظَوَاهِرِ المُدُنِ والله أعلم وآمِنِينَ، أي: مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ والعَطَشِ وآفاتِ السَّفَرِ، ثم حَكَى- سُبْحانه- عَنْهُمْ مقالةً قَالُوهَا عَلَى جِهَة البَطَرِ والأَشَرِ وهِيَ طَلَبُ البُعْدِ بَيْنَ الأَسْفَارِ كَأَنَّهُمْ مَلُّوا النِّعْمَةَ فِي القُرْبِ وَطَلَبُوا استبدال الّذي\n_________\n(١) قرأ الأخوان وحفص «نجازي» بنون العظمة وكسر الزاي أي نحن «إلّا الكفور» مفعول به. والباقون بضم الياء وفتح الزاي مبنيا للمفعول «إلّا الكفور» رفع على ما لم يسمّ فاعله، ومسلم بن جندب «يجزي» مبنيا للمفعول «إلّا الكفور» رفعا وقرىء «يجزي» مبنيا للفاعل وهو الله تعالى. «الكفور» نصبا على المفعول به. ينظر: «حجة القراءات» ص ٥٨٧، و«الدر المصون» (٥/ ٤٤١) .\n(٢) أخرجه الطبريّ في «تفسيره» (١٠/ ٣٦٧) رقم (٢٨٨١٨) عن ابن عباس، ورقم (٢٨٨٢٠) عن الضحاك، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤١٥) عنهما، وابن كثير في «تفسيره» (٣/ ٥٣٣) .\n(٣) ينظر: «المحرر» (٤/ ٤١٦) .","vol":"4","page":371},{"text":"هُو أَدْنَى بالّذِي هُو خَيْرٌ، وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَفَرَّقَ الله شَمْلَهُمْ وخَرَّبَ بِلادَهُمْ وجَعَلَهُمْ أَحَادِيثَ وَمِنِه المثَلُ السَّائِرُ «تَفَرَّقُوا أيادِي سَبَا وأيْدي سَبَا» يُقَالُ المَثَلُ بِالوَجْهَيْنِ وهَذَا هُو تَمْزِيقُهمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ فَتَيَامَنَ مِنْهُمْ سِتَّةُ قَبَائِلَ وَتَشَاءَمَتْ مِنْهُمْ أرْبَعَةٌ حَسْبَمَا فِي الحديثِ، ثُمَّ أَخْبَرَ تعالى محمّدا ﷺ وَأُمَّتَهُ عَلى جِهة التَنْبِيهِ بَأَنَّ هَذَا القَصَصَ فيه آيات وعبر لكلّ مؤمن متّصف بالصّبر والشكر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1137>[سورة سبإ (٣٤): الآيات ٢٠ الى ٢٤]</span>\nوَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠) وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٢١) قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَما لَهُمْ فِيهِما مِنْ شِرْكٍ وَما لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا مَاذَا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٢٣) قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٤)\nوقوله تعالى: وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ ... الآية، قَرَأَ نَافِعُ وأَبُو عمرِو وابن عَامِرٍ: «ولقد صَدَقَ» بِتَخْفِيفِ الدَّالِ، وَقَرَأَ حَمْزَةُ والكسائيِّ «١»: «صدّق» بتشديدها فالظّن ٨٠ أعلى هذِهِ القِرَاءَةِ مَفْعُولُ «بَصدَّقَ» ومَعْنَى/ الآية: أَنَّ إبْلِيسَ ظَنَّ فِيهمْ ظَنًّا حَيْثُ قَالَ: وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ [الأعراف: ١٧] . وغَيْرَ ذلك فَصَدَّقَ ظَنَّهُ فِيهمْ وأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُمْ اتَّبَعُوهُ وهُو اتِّبَاعٌ فِي كُفْرٍ لأَنَّهُ فِي قِصَّة قَوْمٍ كُفَّارٍ.\nوقولُه: مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍّ يَدُلّ عَلى ذَلكَ وَ«مِنْ» فِي قوله: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لبيَانِ الجِنْسِ لاَ لِلتَّبْعِيضِ.\nوَقَوْلهُ: وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ أي: مِنْ حُجَّةٍ، قال الحسنُ: واللهِ مَا كَانَ لهُ سَيفٌ وَلاَ سَوْطٌ وَلَكِنَّهُ اسْتَمَالَهُمْ فَمَالُوا بتزيينه «٢» .\n_________\n(١) وقرأ عاصم بتثقيلها- كما قرأ الأخوان.\nينظر: «السبعة» (٥٢٧)، و«الحجة» (٦/ ٢٠)، و«إعراب القراءات» (٢/ ٢١٩)، و«معاني القراءات» (٢/ ٢٩٤)، و«شرح الطيبة» (٥/ ١٥٦)، و«العنوان» (١٥٦)، و«حجة القراءات» (٥٨٨)، و«شرح شعلة» (٥٥٤)، و«إتحاف» (٢/ ٣٨٦) .\n(٢) أخرجه الطبريّ في «تفسيره» (١٠/ ٣٧١) رقم (٢٨٨٣٥) بنحوه، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤١٧) بلفظه، وذكره ابن كثير في «تفسيره» (٣/ ٥٣٥)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٤٤٠) كلاهما بنحوه.\nوعزاه السيوطي لعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن الحسن.","vol":"4","page":372},{"text":"وقولُه تعالى: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ يريدُ: الأصْنَامَ والملائِكَةَ وذَلِكَ أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الملائِكَةَ وَهَذِهِ آيَةٌ تَعْجِيزٍ وَإقَامَةِ حُجَّةٍ ويروى أَنَّ الآيةَ نَزَلَتْ عند الجوع الّذي أصاب قُرَيشًا، ثُمَّ جَاءَ بصِفة هؤلاَءِ الذين يَدْعُونهم آلِهَةً أنَّهُمْ لاَ يَمْلِكُونَ مُلْكَ اخْتِرَاعٍ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ وأنَّهُمْ لاَ شِرْكَ لَهُمْ فِيهِمَا، وهذَانِ نَوْعَا المُلْكِ: إمّا استبداد وإمّا مشاركة فنفى عنهم جَمِيعَ ذَلِكَ وَنَفَى أنْ يَكُونَ مِنْهُم لِلَّهِ تعالى مُعِينٌ فِي شَيْءٌ، و«الظَّهِيرُ»: المُعينُ، ثُمَّ قَرَّرَ فِي الآيةِ بَعْدُ أنَّ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ يْشْعَفُونَ لَهُمْ عِنْدَ اللهِ لاَ تَصِحُّ مِنْهُمْ شَفَاعَةٌ لَهُمْ إذْ هَؤلاءِ كَفَرَةٌ وَلاَ يأْذَنُ اللهُ فِي الشَّفَاعَةِ فِي كَافِرٍ، وقرأ حمزة والكسائيّ وأبو عمرو «أُذِنَ» - بِضَمِّ الهَمْزَةِ- «١» .\nوقوله تعالى: حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ ... الآيةَ. الضَّميرُ في قُلُوبِهِمْ عَائِدٌ عَلَى الملائِكَةِ الَّذِينَ دَعَوْهُمْ آلِهَةً.\nقال ع «٢»: وتظاهرت الأحاديث عن رسول الله ﷺ أَنَّ هَذِهِ الآية- أَعْنِي قوله:\nحَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ ... - إنَّما هِي فِي المَلاَئِكَةِ إذَا سَمِعَتِ الوَحْيَ إلَى جِبْرِيلَ، أو الأمْرَ يَأْمُرُ اللهُ بِهِ، سَمِعَتْ كَجَرِّ سِلْسِلَةِ الحَدِيدِ عَلى الصَّفْوَانِ، فَتَفْزَعُ عِنْد ذَلِكَ تَعْظِيمًا وَهَيْبَةً لِلَّهِ ﵎ وقِيل: خَوْفًا أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ فَإذَا فَرَغَ ذَلِكَ، فُزَّعَ عَنْ قُلُوبِهِم، أي: أُطِيرَ الفَزَعُ عَنْهَا وَكُشِفَ، فَيَقُولُ بَعْضُهُمْ لبعض ولجبريل: ماذا قال ربّكم؟ فيقول المسؤلون: قَالَ الْحَقَّ، وَهُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ.\nت: وَلَفْظُ الحديثِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: «إذَا قَضَى اللهُ أَمْرًا فِي السَّمَاءِ، ضَرَبَتِ المَلاَئِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا لِقَوْلِهِ، كَأَنَّهُ سِلْسِلَةٌ على صَفْوَانٍ، فَإذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ، قَالُوا: مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالُوا الحَقَّ، وَهُوَ العَلِيُّ الكبير» «٣» انتهى.\n_________\n(١) وحجة الباقين في فتح الهمزة قوله تعالى: إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ [النبأ: ٣٨]، وقوله: إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى [النجم: ٢٦] فردوا ما اختلفوا فيه إلى ما أجمعوا عليه.\nينظر: «حجة القراءات» (٥٨٩)، و«السبعة» (٥٢٩- ٥٣٠)، و«الحجة» (٦/ ٢١)، و«إعراب القراءات» (٢/ ٢٢٠)، و«معاني القراءات» (٢/ ٢٩٥)، و«شرح الطيبة» (٥/ ١٥٧)، و«العنوان» (١٥٧)، و«شرح شعلة» (٥٥٤)، و«إتحاف» (٢/ ٣٨٦) .\n(٢) ينظر: «المحرر» (٤/ ٤١٨) .\n(٣) أخرجه البخاري (٨/ ٣٩٨) كتاب التفسير: باب حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ حديث (٤٨٠٠)، والترمذيّ (٥/ ٣٦٢) كتاب التفسير: باب ومن سورة سبأ، حديث (٣٢٢٣)، وابن ماجه (١/ ٦٩- ٧٠) المقدمة: باب فيما أنكرت الجهمية، حديث (١٩٤)، والطبريّ في «تفسيره» (١٠/ ٣٧٣) رقم (٢٨٨٤٧) من حديث أبي هريرة مرفوعا. -","vol":"4","page":373},{"text":"وَقَرَأَ الجُمْهُورُ «فُزع» - بِضَمِّ الفَاءِ- وَمَعْنَاهُ أُطِيرَ الفَزَعُ عَنْهُمْ وَقَوْلُهُمْ: وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ تَمْجِيدٌ وتحميد، ثمّ أمر الله نبيّه ﷺ عَلَى جِهَةِ الاحْتِجَاجِ وَإقَامَةِ الدَّلِيلِ عَلى الرَّازِقِ لَهُمْ مِنَ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ مَنْ هُوَ، ثُمَّ أَمَرَهُ أَنْ يَقْتَضِبَ الاحْتِجَاجِ بِأَنْ يَأَتِيَ بِجَوَابِ السُّؤَالِ إذْ هُمْ فَي بَهْتَةٍ وَوَجْمَةٍ مِنَ السُّؤالِ وإذ لاَ جَوَابَ لَهُمْ إلاَّ أَنْ يَقُولُوا: هُو اللهُ، وهذهِ السَّبِيلُ في كلِّ سُؤَالِ جَوَابَهُ فِي غَايةِ الوُضُوحِ لأَنَّ المُحْتَجَّ يُرِيدُ أنْ يَقْتَضِبَ وَيَتَجَاوَزَ إلَى حُجَّةٍ أُخْرَى يوردها، وَنَظَائِرُهَا فِي القُرْآنِ كَثِيرٌ.\nوقوله تعالى: وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ تلطفٌ فِي الدَّعْوَةِ والمُحَاوَرَةِ والمَعْنَى: كَمَا تقولُ لِمَنْ خَالَفَكَ فِي مَسْأَلَةِ: أَحَدَنَا مخطئ تَثَبَّتْ وَتَنَبَّهُ وَالمَفْهُومُ مِنْ كَلامِكَ أنّ مُخَالِفَكَ هو المخطئ فَكَذلكَ هَذَا، مَعْنَاهُ: وَإنا لَعَلَى هَدًى أو فِي ضَلالٍ مبِينٍ وَإنَّكُمْ لَعَلَى هَدًى أوْ ٨٠ ب فِي ضَلاَلِ مُبِينٍ فَتَنَبَّهُوا، وَالمَقْصِدُ أَنَّ الضَّلاَلَ فِي حَيِّزِهِم/ وَحَذْفُ أَحَدِ الخَبَرَيْنِ لدَلاَلةِ البَاقِي عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1138>[سورة سبإ (٣٤): الآيات ٢٥ الى ٣٠]</span>\nقُلْ لا تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنا وَلا نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٢٥) قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ (٢٦) قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكاءَ كَلاَّ بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧) وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٢٨) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٩)\nقُلْ لَكُمْ مِيعادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ (٣٠)\nوَقَوْلهُ: قُلْ لاَّ تُسْئَلُونَ الآية مُهَادَنَةَ ومُتَارَكَةٌ مَنْسُوخَةٌ.\nوَقَوْلهُ تَعَالَى: قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا إخبار بالبعث ويَفْتَحُ مَعْنَاه: يحكم:\nوالفَتَّاحُ: القَاضِي، وهُو مَشْهُورٌ فِي لغة اليمن وأَرُونِيَ: هي رُؤْيَة قَلْبٍ، وهَذَا هُو الصَّحِيحُ، أي: أَروني بالحُجَّةِ والدَّلِيلِ.\nوقَوْلَهُ: كَلَّا رَدُّ لِما تَقَرَّرَ مِنْ مَذْهَبِهِمْ فِي الإشْرَاكِ.\nوَقَوْلُه تَعَالَى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ ... الآية: إعْلاَمٌ من الله تعالى بأنّه بعث محمّدا ﷺ إلَى جَمِيعِ العَالَمِ وَهِي إحْدَى خَصَائِصِهِ الَّتِي خُصَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الأَنْبِياءِ وبَاقِي الآية بيّن.\n_________\n- وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٤٤٢)، وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في «الأسماء والصفات» .","vol":"4","page":374},{"text":"قال أبو عُبَيْدَةَ: الوعدُ والوعيدُ والميْعَادُ: بمعنًى وخُولِفَ فِي هَذا، والذِي عليه الناسُ أنَّ الوَعْدُ إذَا أُطْلِقَ فَفِي الخَيْرِ وَالوَعِيدُ فِي المكروه والميعاد يقع لهذا ولهذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1139>[سورة سبإ (٣٤): الآيات ٣١ الى ٣٣]</span>\nوَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (٣١) قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (٣٢) وَقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدادًا وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٣٣)\nوقوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ هذه المقالةُ قَالَها بَعْضُ قُرَيْشٍ وهي أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ بالقُرْآنِ ولاَ بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ والزَّبُورِ، فَكَأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِجَمِيعِ كُتُبِ اللهِ﷿- وإنَّمَا فَعَلُوا هَذَا لَمَّا وَقَعَ الاحْتِجَاجُ عَلَيْهِم بِمَا فِي التَّوْرَاةِ مِنْ أَمْرِ مُحَمَّدٍ﵇-.\nقَالَ الوَاحِديُّ: قوله تعالى: يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ، أي: في التّلاَؤُم، انتهى. وبَاقِي الآية بَيِّنٌ. وَقَوْلَهُمْ: بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ، المعنى: بَلْ كَفَرْنَا بمكْرِكُمْ بِنَا في الليل والنهارِ وأَضَافَ المَكْرُ إلَى الليلِ والنهارِ مِنْ حَيْثُ هُو فِيهِمَا، وَلِتَدُلَّ هَذِهِ الإضافة على الدّؤوب والدَّوَامِ، والضَّمِيرُ في أَسَرُّوا عَامٌّ لِجمِيعهِم مِن المستضعفين والمستكبرين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1140>[سورة سبإ (٣٤): الآيات ٣٤ الى ٣٧]</span>\nوَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (٣٤) وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلادًا وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٣٥) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٣٦) وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ (٣٧)\nوقوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ هذه الآية تسلية للنّبي ﷺ عَنْ فِعْلِ قُرَيْشٍ وَقَوْلِها، أي: هَذِهِ يَا مُحَمَّدُ سِيرَةُ الأُمَمِ، فَلاَ يُهِمَّنَّكَ أَمْرُ قَوْمِكَ، وَالْقَرْيَةُ: المَدِينَةُ، والمُتْرَف: الغَنِيُّ المُنْعَمُ، القَلِيلُ تَعَب النَّفْسِ وَالبَدَنِ، فَعَادَتُهُمُ المبَادَرَةُ بالتَّكْذِيبِ.\nوقوله: وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا ... الآية: يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ فِي قالُوا عَلى المُتْرِفِينَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِقُرَيْشٍ، وَيَكُونُ كَلاَمُ المُتْرِفِينَ قَدْ تَمَّ قبله، وفي «صحيح مسلم» عن النّبي ﷺ أَنَّه قَالَ: «إنَّ اللهَ لاَ يَنْظُرُ إلى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، ولكن يَنْظُرُ إلى","vol":"4","page":375},{"text":"قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ» «١» . انتهى.\nواعلم أَنَّ المَالَ الزَّائِدَ عَلَى قَدْرِ الحَاجَةِ قَلَّ أَنْ يَسْلَمَ صَاحِبُهُ مِنَ الآفَاتِ إلاَّ مَنْ عَصَمَه الله تَعالى، وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ [الشورى: ٢٧] .\nوَقَدْ جَاءَ فِي «صَحِيحِ البُخَارِيِّ» وَغَيْرِهِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قَالَ:\n«الأَكْثَرُونَ مَالًا هُمُ الأَقَلُّونَ يَوْمَ القيامة إلا من قال بالمال هكذا وهكذا» «٢» - وأشار ابن شهاب بين يديه وعن يمينه وَعَنْ شِمَالِهِ- وَقَلِيلٌ مَا هُمْ» اهـ. وَرَوَى ابْنُ الْمُبَارَكِ فِي «رَقَائِقِهِ» قَالَ: أَخْبَرَنَا حَيْوَةُ بنُ شُرَيْحٍ عَن عقَيْلٍ بْنِ خَالِدٍ عَنْ سلمة بن أبي سلمة بن ٨١ أعبد الرحمن بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ/: «إنَّ الشَّيْطَانَ قَالَ: لَنْ يَنْجُوَ مِنِّي الغَنِيُّ مِنْ إحدى ثَلاثٍ: إمَّا أنْ أُزَيِّنَ مَالَهُ فِي عَيْنَيْهِ فَيَمْنَعُهُ مِنْ حَقِّهِ وَإمَّا أنْ أُسَهِّلَ لَهُ سَبِيلَهُ فَيُنْفِقُهُ فِي غَيْرِ حَقِّهِ وَإمَّا أَنْ أُحَبِّبَهُ فَيَكْسِبَهُ بِغَيْرِ حَقِّه» «٣» انتهى. و«الزّلْفَى»: مَصْدَرٌ بِمَعْنَى القُرْبِ.\nوقَوله: إِلَّا مَنْ آمَنَ اسْتِثْنَاءَ مُنْقَطِعَ، وَقَرَأَ الجُمْهُورُ: «جزاء «٤» الضعف»، بِالإضَافَةِ والضِّعْفِ: هُنَا اسْمُ جِنْسٍ، أي: بالتَّضْعِيفِ، إذْ بَعْضُهُم يُجَازَى إلَى عَشَرَةٍ، وَبَعْضُهُمْ أَكْثَرُ صاعدًا إلى سَبْعِ مِائَةٍ بِحَسْبِ الأَعْمَالِ وَمَشِيئَةِ اللهِ فِيها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1141>[سورة سبإ (٣٤): الآيات ٣٨ الى ٤٣]</span>\nوَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ (٣٨) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٣٩) وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (٤١) فَالْيَوْمَ لاَ يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ (٤٢)\nوَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلاَّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ وَقالُوا ما هذا إِلاَّ إِفْكٌ مُفْتَرىً وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (٤٣)\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٤/ ١٩٨٧) كتاب البر والصلة: باب تحريم ظلم المسلم، حديث (٣٤/ ٢٥٦٤)، وابن ماجه (٢/ ١٣٨٨) كتاب الزهد: باب القناعة، حديث (٤١٤٣)، وأحمد (٢/ ٥٣٩)، وفي «الزهد» (ص ٥٩)، وابن حبان (٣٩٤)، وأبو نعيم في «الحلية» (٤/ ٩٨، ٧/ ١٢٤)، والبغوي في «شرح السنة» (٧/ ٣٥٤- بتحقيقنا) من حديث أبي هريرة.\n(٢) أخرجه البخاري (١١/ ٥٣٣) كتاب الأيمان والنذور: باب كيف كانت يمين رسول الله ﷺ، حديث (٦٦٣٨) .\n(٣) أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (ص ١٩٢- ١٩٣) رقم (٥٤٧)، والطبراني في «الكبير» كما في «المجمع» (١٠/ ٢٤٨)، وقال الهيثمي: إسناده حسن. [.....]\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٤٢٢)، و«البحر المحيط» (٧/ ٢٧٣)، و«الدر المصون» (٥/ ٤٥٠) .","vol":"4","page":376},{"text":"وقوله تعالى: وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ تقدّم تفسيره ومُحْضَرُونَ من الإحْضَارِ والإِعْدَادِ، ثُمَّ كَرَّرَ القَوْلَ بِبَسْطِ الرِّزْقِ لاَ عَلَى المَعْنَى الأَوَّلِ بَلْ هَذَا هُنَا عَلَى جِهَة الوَعْظِ، والتَّزْهِيدِ فِي الدُّنْيَا، والحَضِّ عَلَى النَّفَقَةِ في الطَّاعَاتِ، ثُمَّ وَعَدَ بالخلف في ذلك. إمّا في الدنيا، وإمّا فِي الآخِرَةِ، وفي «البُخارِي» أنَّ مَلَكًا يُنادِي كُلَّ يَوْمٍ: اللَّهُمَّ، أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ مَلَكٌ آخَرُ: اللَّهُمَّ، أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا «١» . وَرَوَى التِّرمِذِيُّ عَنْ أَبِي كَبْشَةَ الأَنْصَارِي: أنَّهُ سَمِعَ رسول الله ﷺ يَقُولُ: «ثَلاَثٌ أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ وَأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا فاحفظوه، قال: مَا نَقَصَ مَالُ عَبْدٍ مِنْ صَدَقَةٍ، وَلاَ ظُلِمَ عَبْدٌ مَظْلَمَةً صَبَرَ عَلَيْهَا إلاَّ زَادَهُ اللهُ عِزًّا، وَلاَ فَتَحَ عَبْدٌ بَابَ مَسْأَلَة إلاَّ فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ بَابَ فَقْرٍ، أو كَلِمَةً نَحْوَهَا» «٢» الحديثَ، قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، انتهى. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ ... الآية:\nتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِهَا مُكَرَّرًا وفِي القُرْآنِ آيَاتٌ يَظْهَرُ مِنْها أَنَّ الجِنَّ عَبَدَتْ فِي سُورَةِ الأَنْعَامِ وغيرها ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: فَالْيَوْمَ أي: يُقَال لِمَنْ عَبَدَ وَمَنْ عَبَدَ: «اليَوْمَ لاَ يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا ولاَ ضَرًّا» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1142>[سورة سبإ (٣٤): الآيات ٤٤ الى ٤٦]</span>\nوَما آتَيْناهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَها وَما أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ (٤٤) وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (٤٥) قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وَفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ (٤٦)\nوقوله تعالى: وَما آتَيْناهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَها ... الآية المعنى: أنَّ هَؤلاَءِ الكَفَرَةِ يَقُولُونَ بِآرَائِهِمْ فِي كِتَابِ اللهِ، فَيَقُولُ بَعْضُهُمْ: سِحْرٌ، وَبَعْضُهُمْ: افْتِرَاءٌ، وَذَلِكَ مِنْهُمْ تَسَوُّرٌ لاَ يَسْتَنِدُونَ فِيهِ إلَى أَثَارَةِ عِلْمٍ فَإنَّا مَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونُها وَمَا أرْسَلْنَا إليهم قبلك من نذير يُبَاشِرُهُمْ ويُشَافِهُهُمْ فَيُمْكِنَهُمْ أَنْ يُسْنِدُوا دَعْوَاهُمْ إلَيْهِ.\nوقوله تعالى: وَما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ الضَّمِيرُ في: بَلَغُوا يَعُودُ عَلى قُرَيْشٍ، وفِي آتَيْنَاهُمْ عَلَى الأُمَمِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، وَالمَعْنَى: من القوّة والنّعم والظهور في\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٣/ ٣٥٧) كتاب الزكاة: باب قول الله تعالى: فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى ... حديث (١٤٤٢)، ومسلم (٢/ ٧٠٠) كتاب الزكاة: باب في المنفق، حديث (٥٧/ ١٠١٠) .\n(٢) أخرجه الترمذيّ (٤/ ٥٦٢- ٥٦٣) كتاب الزهد: باب ما جاء مثل الدنيا مثل أربعة نفر، حديث (٢٣٢٥) . وقال الترمذيّ: هذا حديث حسن صحيح.","vol":"4","page":377},{"text":"الدُّنْيَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ وابْنُ زَيْدٍ «١»: والمِعْشَارُ: العُشْرُ وَلَمْ يأتِ هَذا البِنَاءُ إلاَّ فِي العَشَرَةِ والأَرْبَعَةِ، فَقَالُوا: مِرْبَاعٌ وَمِعْشَارٌ و«النّكير» مصدر كالإنكار في المعنى، وكالعذير في الوزن، وفَكَيْفَ: تَعْظِيمٌ لِلأَمْرِ وَلَيْسَتْ اسْتِفْهَامًا مُجَرَّدًا وَفِي هَذا تَهْدِيدٌ لِقُرَيْشٍ، أي: أنهم مُتَعَرِّضُونَ لِنَكِيرٍ مِثْلِهِ، ثم أمر- تعالى- نبيَّه ﵇ أنْ يَدْعُوهُمْ إلَى عِبَادَةِ اللهِ- تَعَالَى- وَالنَّظَرِ فِي حَقِيقَةِ نُبُوَّتِهِ هُوَ، وَيَعِظُهُمْ بَأَمْرٍ مُقَرَّبٍ لِلأَفْهَامِ، فَقَوْلهُ: بِواحِدَةٍ معناه: بِقَضِيَّةٍ وَاحِدَةٍ إيجَازًا لَكُمْ وَتَقْرِيبًا عَلَيْكُمْ وَهُوَ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ، أي: لأَجلِ اللهِ أو لِوَجْهِ اللهِ مَثْنَى أي: اثنين اثنين مُتَنَاظِرَيْنِ وفُرَادَى، أي: وَاحِدًا وَاحِدًا، ثمّ تتفكّروا، هل ٨١ ب بِصَاحِبِكُمْ جِنَّةُ، أو هُوَ بَرِيءٌ مِنْ ذَلِكٍ، والوَقْفُ عِنْدَ أَبِي حَاتِمٍ تَتَفَكَّرُوا/ فَيَجِيء: مَا بِصاحِبِكُمْ نَفْيًا مُسْتَأْنِفًا، وَهُوَ عِنْدَ سِيبَوَيهِ جَوَابُ مَا تَنَزَّلُ مَنْزِلَة القَسَمِ وَقيلَ فِي الآيةِ غَيْرُ هَذَا مِمَّا هُو بَعِيدٌ مِنَ أَلْفَاظِهَا فتعيّن تركه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1143>[سورة سبإ (٣٤): الآيات ٤٧ الى ٥٠]</span>\nقُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٤٧) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (٤٨) قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ (٤٩) قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ (٥٠)\nوقَوْلُهُ تَعَالَى: قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ مَعْنَى الآية بَيِّنٌ وَاضِح لاَ يَفْتَقِرُ إلَى بَيَانٍ.\nوَقَوْلهُ: يَقْذِفُ بِالْحَقِّ يريدُ بالوَحْي وَآياتِ القُرآنِ وَاسْتَعَارَ لَه القَذْفَ مِنْ حَيْثُ كَانَ الكُفَّارُ يَرمُوْنَ بآياته وَحِكَمِهِ.\nوَقَوْلهُ سُبْحَانَه: قُلْ جاءَ الْحَقُّ يُرِيدُ الشَّرْعَ بِجُمْلَتِهِ، وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ قَالَتْ فِرْقَةٌ: البَاطِلُ غَيْرُ الحَقِّ مِنَ الكَذِبِ وَالكُفْرِ وَنَحْوِه، اسْتَعَارَ لَهُ الإبْدَاءَ وَالإعَادَةَ وَنَفَاهُمَا عَنْه، كَأَنَّهُ قَالَ: وَمَا يَصْنَعُ البَاطِلُ شَيْئًا.\nوَقَوْلهُ: فَبِما يُوحِي يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ «مَا» بِمَعْنَى الَّذِي أو مصدريّة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1144>[سورة سبإ (٣٤): الآيات ٥١ الى ٥٤]</span>\nوَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ (٥١) وَقالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (٥٢) وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ (٥٤)\n_________\n(١) أخرجه الطبريّ في «تفسيره» (١٠/ ٣٨٤) رقم (٢٨٨٧٧) عن ابن عباس بنحوه، ورقم (٢٨٨٧٩) عن قتادة، (٢٨٨٨٠) عن ابن زيد، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٢٤)، وابن كثير في «تفسيره» (٣/ ٥٤٢) بنحوه، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٤٥٠) .\nوعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس، ولابن المنذر عن ابن جريج، ولعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم عن قتادة.","vol":"4","page":378},{"text":"وقوله- تعالى-: وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا ... الآية. قَالَ الحَسَنُ بن أبِي الحَسَنِ: ذَلِكَ فِي الكُفَّارِ عِنْدَ خُرُوجِهِمْ مِنَ القُبُورِ فِي القِيَامَةِ «١» .\nقال ع «٢»: وهو أرجح الأقوال هنا، وَأَمَّا معنى الآيَةِ فَهُوَ التَّعَجُّبُ مِنْ حَالِهِمْ إذَا فَزِعُوا مِنْ أخْذِ اللهِ إيَّاهُمْ وَلَمْ يَتَمَكَّنْ لَهُمْ أَنْ يَفُوتَ مِنْهُمْ أَحَد وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ، أي: أنَّ الأَخْذَ يَجِيئُهُمْ من قرب في طمأنينتهم وبعقبها، بَيْنَمَا الكَافِرُ يُؤَمَّلُ ويُتَرَجَّى إذْ غَشِيَهُ الأَخْذُ، وَمَنْ غَشِيَهُ أُخِذَ مِنْ قَرِيبٍ فَلاَ حِيلةَ له ولا رويّة، وقالُوا آمَنَّا بِهِ الضَّمِيرُ في بِهِ عَائِدٌ عَلى اللهِ- تعالى-، وَقِيلَ: عَلى محمدٍ وَشَرْعِه والقُرْآنِ، وَقَرَأَ نَافِعٌ وَعَامَّةُ القُرّاءَ: «التناوش» دُونَ هَمْزٍ وَمَعْنَاهُ التَّنَاوُلِ، مِن قَوْلِهِمْ نَاشَ يَنُوشُ إذَا تَنَاوَلَ، وَعِبَارَةَ الوَاحِدِيِّ وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ أي: كَيْفَ يَتَنَاوَلُونَ التَّوْبَةَ وَقَدْ بَعُدَتْ عَنْهُمْ. انتهى.\nوقَرَأ أبُو عمرو وحمزة «٣» والكسائي: «التناؤش» بِالهَمْزِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَفْسِيرُه كَالْقِرَاءَةِ الأَولَى، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الطَّلَبِ تَقُولُ: انْتَأَشْتُ الخَيْرَ إذَا طَلَبْته مِنْ بُعْدٍ.\nت: وَقَالَ البُخَارِيُّ: التَّنَاوُشُ الرَّدُّ مِنَ الآخِرَة إلَى الدُّنْيَا، انتهى.\nوَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ أي: يَرْجُمُوْنَ بِظُنُونِهِمْ وَيَرْمُوْنَ بِهَا الرَّسُولَ وَكِتَابَ اللهِ، وَذَلِكَ غَيْبٌ عَنْهُمْ فِي قَوْلِهِمْ سِحْرٌ وَافْتِرَاءٌ وَغَيْرُ ذَلِكَ، قَالَه مُجَاهِدٌ «٤»، وقال قتادة: قذفهم بِالْغَيْبِ هُوَ قَوْلُهُمْ: لاَ بَعَثٌ وَلاَ جَنَّةٌ ولا نار «٥» .\n_________\n(١) أخرجه الطبريّ (١٠/ ٣٨٨) رقم (٢٨٨٩٤)، وذكره ابن عطية (٤/ ٤٢٦)، وابن كثير (٣/ ٥٤٤)، والسيوطي (٥/ ٤٥١)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن الحسن.\n(٢) ينظر: «المحرر» (٤/ ٤٢٦) .\n(٣) ينظر: «السبعة» (٥٣٠)، و«الحجة» (٦/ ٢٣)، و«إعراب القراءات» (٢/ ٢٢١)، و«معاني القراءات» (٢/ ٢٩٧)، و«شرح الطيبة» (٥/ ١٥٨)، و«العنوان» (١٥٧)، و«حجة القراءات» (٥٩٠)، و«شرح شعلة» (٥٥٥)، و«إتحاف» (٢/ ٣٨٩) .\n(٤) أخرجه الطبريّ (١٠/ ٣٩٠) رقم (٢٨٩١٠)، وذكره ابن عطية (٤/ ٤٢٧)، وابن كثير (٣/ ٥٤٥)، والسيوطي (٥/ ٤٥٤)، وعزاه لابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد.\n(٥) أخرجه الطبريّ (١٠/ ٣٩١) رقم (٢٨٩١١)، وذكره ابن عطية (٤/ ٤٢٧)، وابن كثير (٣/ ٥٤٥)، والسيوطي (٥/ ٤٥٤)، وعزاه لابن أبي حاتم عن قتادة.","vol":"4","page":379},{"text":"وَقَوْلُهُ سُبْحَانَه: وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ.\nقَالَ الحَسَنُ: مَعْنَاهُ مِنَ الإيمَانِ وَالتَّوْبَةِ وَالرُّجُوعِ إلَى الإنَابَةِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ «١»، وَذَلِكَ أنَّهُمْ اشْتَهَوْهُ فِي وَقْتٍ لاَ تَنْفَعُ فِيهِ التَّوْبَةُ. وَقَالَهُ أَيْضًا قَتَادَةَ «٢» وَقَالَ مُجَاهِدُ: مَعْنَاه: وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ نَعِيمٍ الدُّنْيَا «٣» .\nوَقِيلَ: مَعَناهُ حِيلَ بَيْنَهُمْ وبَيْنَ الجَنَّةِ وَنَعِيمِهَا كَمَا فُعِلَ بَأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قبل، والأشياع الفرق المتشابهة، فأشياع هؤلاء هم الكَفَرَةُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ.\nص: قَالَ أَبُو حيّان «٤»: ومُرِيبٍ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ أَرَابَ، أي: أتى بِرَيْبَةٍ وأربته أوقعته فِي رَيْبَةِ، وَنسْبَةُ الإرَابَةِ إلَى الشَّكِّ مَجَازٌ.\nقَالَ ع «٥»: والشَّكُّ المُرِيبُ أَقْوَى مَا يَكُونُ من الشكّ وأشدّه إظلاما، انتهى.\n_________\n(١) أخرجه الطبريّ (١٠/ ٣٩١) رقم (٢٨٩١٣، ٢٨٩١٤، ٨٩١٥) وذكره ابن عطية (٤/ ٤٢٧)، وابن كثير (٣/ ٥٤٥)، والسيوطي (٥/ ٤٥٤)، وعزاه لابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن الحسن.\n(٢) أخرجه الطبريّ (١٠/ ٣٩١) رقم (٢٨٩١٧) بنحوه، وذكره ابن عطية (٤/ ٤٢٧) .\n(٣) أخرجه الطبريّ (١٠/ ٣٩١) رقم (٢٨٩١٦)، وذكره ابن عطية (٤/ ٤٢٧)، وابن كثير (٣/ ٥٤٥)، والسيوطي (٥/ ٤٥٤)، وعزاه للفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد نحوه.\n(٤) ينظر: «البحر المحيط» (٧/ ٢٨١) .\n(٥) ينظر: «المحرر» (٤/ ٤٢٧) . [.....]","vol":"4","page":380},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1145>تفسير سورة فاطر</span>\nوهي مكيّة\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1146>[سورة فاطر (٣٥): الآيات ١ الى ٤]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢) يا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٣) وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤)\nقوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جاعِلِ/ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي ٨٢ أأَجْنِحَةٍ ... الآية رُسُلًا مَعْنَاهُ: بِالْوَحْيِ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ أوامره سبحانه، كجبريل وميكائيل وعزرائيل رسل، والملائكة المتعاقبون رسل وغير ذلك، ومَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ أَلْفَاظٌ مَعْدُولَةٌ عَنْ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ وثلاثة ثلاثة وَأَرْبَعَةً أَرْبَعَةً، عُدِلَتْ فِي حَالَةِ التَنْكيِرِ فَتَعَرَّفَتْ بِالْعَدْلِ فَهِيَ لاَ تَنْصَرِفُ لِلْعَدْلِ وَالتَّعْرِيفِ، وَقِيلَ: لِلْعَدْلِ وَالصِّفَةِ، وَفَائِدَةُ العَدْلِ الدِّلاَلَةُ عَلَى التَّكْرَارِ لأَنَّ مَثْنَى بِمَنْزِلَةِ قَوْلِكَ: اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ.\nقَالَ قَتَادَةَ: إنَّ أَنْوَاعَ المَلاَئِكَةِ هُمُ هَكَذَا مِنْهَا ما له جناحان ومنها ما له ثَلاَثَةٌ، وَمِنْهَا مَا لَهُ أَرْبَعَةٌ، وَيَشُذُّ مِنْها مَا لَهُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، وَرُوِيَ «١»: أَنَّ لِجِبْرِيلَ- عَلَيْهِ السَّلاَمُ- سِتَّ مِائَةَ جَنَاحٍ مِنْهَا اثْنَانِ يَبْلُغَانِ مِنَ المَشْرِقِ إلَى المَغْرِبِ.\nوَقَوْلُه تَعَالَى: يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشاءُ تَقْرِيرُ لِمَا يَقَعُ فِي النُّفُوسِ مِنَ التَّعَجُّبِ عِنْدَ الخَبَرِ بِالمَلاَئِكَةِ أُولِي الأَجْنِحَةِ، أي: لَيْسَ هَذَا بِبِدْعِ فِي قُدْرَةِ اللهِ تَعَالَى، فَإنَّهُ يَزِيدُ فِي الخَلْقِ مَا يَشَاءُ؟ وَرُوِيَ عَنْ الحَسَنِ وابن شِهَابٍ أَنَّهُمَا قَالاَ: المَزِيِدُ هُوَ حُسْنُ الصوت «٢»،\n_________\n(١) أخرجه الطبريّ (١٠/ ٣٩٣) برقم (٢٨٩٢٣)، وذكره البغوي (٣/ ٥٦٤)، وابن عطية (٤/ ٤٢٩)، والسيوطي (٥/ ٤٥٨)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن أبي حاتم عن قتادة.\n(٢) ذكره البغوي (٣/ ٥٦٤)، وابن عطية (٤/ ٤٢٩)، وابن كثير (٣/ ٥٤٦)، والسيوطي (٥/ ٤٥٩)، وعزاه لعبد بن حميد وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في «شعب الإيمان» عن الزهري.","vol":"4","page":381},{"text":"قال الهيثم الفارسي: رأيت النّبيّ ﷺ فِي النَّوْمِ فَقَالَ لِي: أَنْتَ الهَيْثَمُ الَّذِي تُزَيِّنُ القُرْآنَ بِصَوْتِكَ جَزَاكَ اللهُ خَيْرًا.\nوَقِيلَ مِنَ الأَقْوَالِ فِي الزِّيَادَةِ غَيْرَ هَذَا وَذَلِكَ عَلَى جِهَة المِثَالِ لاَ أَنَّ المَقْصِدَ هِيَ فَقَطْ.\nوَقَوْلهُ تَعَالَى: مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ ما شرط ويَفْتَحِ مَجْزُومٌ بِالشَّرْطِ.\nوقوله: مِنْ رَحْمَةٍ عَامٌ فِي كُلِّ خَيْرٍ يُعْطِيهِ اللهُ تَعَالَى لِعِبَادِهِ.\nوَقَوْلُه: مِنْ بَعْدِهِ فيه حَذْفٌ مُضَافٍ، أي: مِنْ بَعْدِ إمْسَاكِهِ وَمِنْ هَذِهِ الآيةِ سَمَّتِ الصُّوفِيَّةُ مَا تُعْطَاهُ مِنَ الأَمْوَالِ وَالمَطَاعِمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ «الفتوحات» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1147>[سورة فاطر (٣٥): الآيات ٥ الى ٧]</span>\nيا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٥) إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ (٦) الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (٧)\nوقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ خِطَابُ لِقُرَيْشٍ وَهُوَ مُتَوَجِّهٌ لِكُلِّ كَافِرٍ.\nوَقَوْلهُ سُبْحَانَه: فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا.\nت: هذهِ الآيةُ مَعَنَاهَا بَيِّنٌ، قَالَ ابْنُ عَطَاءِ اللهِ: يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يُقَلِّلَ الدُّخُولَ فِي أسباب الدّنيا فقد قال النّبيّ ﷺ: «إنَّ قَلِيلَ الدُّنْيَا يُلْهَي عَنْ كَثِيرِ الآخِرَةِ» وقال ﷺ: «مَا طَلَعَتْ شَمْسٌ إلاَّ وَبِجَنْبَيْهَا مَلَكَانِ يُنَادِيَانِ: يا أيّها النَّاسُ، هَلُمُّوا إِلَى رَبِّكُمْ، فَإنَّ ما قَلَّ وَكَفَى خَيْرٌ مِمَّا كَثُرَ وَأَلْهَى» «١» . انتهى مِنْ «لَطَائِف المِنَنِ» . وَقَرَأَ جُمْهُورُ النَّاسِ: «الغرور» - بِفَتْحِ الغَيْنِ- وَهُوَ الشَّيْطَانُ. قَالَهُ ابْنِ عَبَّاسٍ «٢» .\nوَقَوْلهُ: إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ الآية: يُقَوِّي قِرَاءَةُ الجُمْهُورِ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا.\nأي: بالمبَايَنَةِ والمقَاطَعَةِ والمخَالَفَةِ باتّباع الشرع.\n_________\n(١) أخرجه ابن حبان (٢٤٧٦- موارد)، وأحمد (٥/ ١٩٧)، وفي «الزهد» (ص ١٩)، وعبد بن حميد في «المنتخب» رقم (٢٠٧)، وأبو نعيم في «الحلية» (٢/ ٢٣٣- ٢٣٤) . والقضاعي في «مسند الشهاب» (٢/ ٢٥) رقم (٨١٠) من حديث أبي الدرداء.\nوذكره الهيثمي في «المجمع» (٣/ ١٢٢) وقال: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح.\n(٢) أخرجه الطبريّ (١٠/ ٣٩٥) (٢٨٩٢٧)، وذكره ابن عطية (٤/ ٤٢٩)، وابن كثير في «تفسيره» (٣/ ٥٤٧) .","vol":"4","page":382},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1148>[سورة فاطر (٣٥): الآيات ٨ الى ١٠]</span>\nأَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ (٨) وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذلِكَ النُّشُورُ (٩) مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ (١٠)\nوَقَوْلُهُ تعالى: أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا تَوْقِيفٌ وَجَوَابُهُ مَحْذُوفٌ يُمْكِنُ أَنْ يُقَدَّرَ كمن اهتدى ونحو هذا من التقدير وأحسن التَّقْدِيرِ مَا دَلَّ اللَّفْظُ بَعْدُ عَلَيْهِ «١» وقَرَأَ الجُمْهُورُ: فَلا تَذْهَبْ- بِفَتْحِ التَّاءِ والهَاءِ-: نَفْسُكَ- بالرَّفْعِ-، وَقَرَأَ قَتَادَةُ وَغَيْرُهُ «٢» «تُذْهِبْ» - بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ الهَاءِ- «نَفْسَكَ» - بِالنَّصْبِ- وَرُوِيَتْ عَنْ نَافِعٍ «٣»، وَالْحَسْرَةُ هَمُّ النَّفْسِ عَلَى فَوَاتِ أَمْرِ، وَهَذِهِ الآية تسلية للنّبيّ ﷺ عَنْ كُفْرِ قَوْمِه، وَوَجَبَ التَسْلِيمُ لِلَّهِ ﷿ فِي إضْلاَلِ مَنْ شَاءَ وَهِدَايَةِ مَنْ شَاءَ.\nوَقَوْلهُ سبحانه: وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ هَذهِ آيَةُ احْتِجَاجِ عَلَى الكَفَرَةِ فِي إنْكَارِهِمْ البَعْثَ مِنَ القُبُورِ.\nوَقَوْلهُ تَعَالَى: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ: مَنْ كَانَ يُرِيدُ العِزَّةَ بِمُغَالَبَةٍ فَلِلَّهِ العِزَّةُ: أي: لَيْسَتْ لِغَيْرِهِ وَلاَ تَتِمُّ إلاَّ بِهِ، وَنَحَا إلَيْهِ مُجَاهِدٌ وَقَالَ: مَنْ كَانَ يُرِيدُ العِزَّةَ بِعِبَادَةِ الأَوْثَانِ» .\nقال ع «٥»: وَهَذَا تَمَسُّكٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا [مريم: ٨١] .\nوَيُحْتَمَلُ/ أَنْ يُرِيدَ: مَنْ كَانَ يُرِيدُ العِزَّةَ وَطَرِيقَهَا القَوِيمَ وَيُحِبُّ نيلها على وجهها فلله ٨٢ ب\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٤٣٠)، و«البحر المحيط» (٧/ ٢٨٨)، و«الدر المصون» (٥/ ٤٦٠) .\n(٢) ينظر: «مختصر الشواذ» ص ١٢٤، و«المحرر الوجيز» (٤/ ٤٣٠)، و«البحر المحيط» (٧/ ٢٨٨)، وزاد نسبتها إلى أبي حيوة، وشيبة، وحميد، والأعمش، وابن محيصن.\nوهي في «الدر» (٥/ ٤٦٠) .\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٤٣٠)، و«البحر المحيط» (٧/ ٢٨٨) .\n(٤) أخرجه الطبريّ (١٠/ ٣٩٨) (٢٨٩٣٥)، وذكره ابن عطية (٤/ ٤٢٩)، وابن كثير في «تفسيره» (٣/ ٥٤٩)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٤٦١)، وعزاه للفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد ﵁.\n(٥) ينظر: «المحرر» (٤/ ٤٣١) .","vol":"4","page":383},{"text":"العِزَّةِ، أي: بِهِ، وَعَنْ أَوَامِرِه، لاَ تُنَالُ عِزَّتُهُ إلاَّ بِطَاعَتِهِ، وَنَحَا إلَيْهِ «١» قَتَادَةُ.\nوَقَوْلهُ تَعَالَى: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ أي: التوحيدُ، والتحميدُ، وذكر الله ونحوه.\nوقوله تعالى: وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ قيل: المعنى يرفعه الله، وهذا أرجحُ الأقوال.\nوقال ابن عباس «٢» وغيره: إن العملَ الصالح هو الرافعُ للكَلِم، وهذا التأويل إنما يستقيمُ بأن يتأوَّل على معنى أنه يَزِيد في رفعه وحُسْن موقعِه.\nت: وعن ابن مسعودٍ قال: «إذا حدّثناكم بحديث أتيناكم بتصديق ذلك في كتاب الله سبحانه: «إن العبد إذا قال: «سبحان الله والحمد للَّه والله أكبر وتبارك الله» قَبَضَ عليهن ملك فضمَّهن تحت جَنَاحه وصَعَدَ بهن لا يمر بهن على جمع من الملائكة إلا استغفروا لقائلهن حتى يُجَاء بهن وجهُ الرحمن سبحانه. ثم تلا عبد الله بن مسعود:\nإِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ» «٣» . رواه الحاكم في «المستدرك» وقال:\nصحيح الإِسناد: انتهى من «السلاح» . ويَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ أي: المكرات السيئات.\nويَبُورُ معناه: يفسد ويبقى لا نفع فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1149>[سورة فاطر (٣٥): الآيات ١١ الى ١٤]</span>\nوَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْواجًا وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١١) وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)\n_________\n(١) أخرجه الطبريّ (١٠/ ٣٩٨) (٢٨٩٣٦)، وذكره البغوي (٣/ ٥٦٦)، وذكره ابن عطية (٤/ ٤٢٩)، وابن كثير في «تفسيره» (٣/ ٥٤٩) .\n(٢) أخرجه الطبريّ (١٠/ ٣٩٩) (٢٨٩٤٠)، وذكره البغوي (٣/ ٥٦٦)، وابن عطية (٤/ ٤٣١)، وابن كثير في «تفسيره» (٣/ ٥٤٩)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٤٦٢)، وعزاه لابن المبارك، وعبد بن حميد، وابن المنذر عن الحسن ﵁.\n(٣) أخرجه الطبريّ (١٠/ ٣٩٨) (٢٨٩٣٧)، وذكره البغوي (٤/ ٥٦٦)، وابن كثير في «تفسيره» (٣/ ٥٤٩)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٤٦٢)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، والحاكم وصححه، والبيهقي في «الأسماء والصفات» عن ابن مسعود ﵁.","vol":"4","page":384},{"text":"وقوله تعالى: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْواجًا وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ الآية. قيل: معنى الأزواج هنا: الأنواع، وقيل: أراد تزويجَ الرجالِ النساءَ، والضميرُ في عُمُرِهِ قال ابن عباس وغيره، ما مقتضاه: أنه عائد على مُعَمَّرٍ الذي هو اسم جنس «١» والمراد غيرُ الذي يعمر، وقال ابن جبير وغيره: بل المراد شخص واحد وعليه يعود الضمير، أي: ما يعمر إنسان ولا ينقص من عمره بأن يحصى ما مضى منه إذا مَرَّ حَوْلٌ كتب ما مضى منه، فإذا مر حول آخر كتب ذلك، ثم حول، ثم حول فهذا هو النقص.\nقال ابن جبير: فما مضى من عمره فهو النقص وما يستقبل فهو الذي يعمره «٢» .\nوقوله تعالى: وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ تقدم تفسير نظير هذه الآية.\nوقوله تعالى: وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى الآية: الأجل المسمَّى هو قيام الساعة، وقيل: آماد الليل، وآماد النهار، والقِطْمِير: القشرة الرقيقة التي على نوى التمرة. وقال الضحاك وغيره: القِطْمِير القِمَعُ الذي في رأس التمرة «٣»، والأول أشهرُ وأصوبُ. ثم بيَّن تعالى بطلانَ الأصنام بثلاثة أشياءَ: أوَّلُها: أنها لا تسمع إنْ دُعِيَتْ، والثاني: أنها لا تجيب إن لو سمعت، وإنما جاء بهذه لأن القائل متعسف أن يقول:\nعساها تسمع، والثالثُ: أنها تَتَبَرَّأ يوم القيامة من الكفرة.\nوقوله تعالى: وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ قال المفسرون: الخبيرُ هنا هو الله سبحانه فهو\n_________\n(١) أخرجه الطبريّ (١٠/ ٤٠٠) (٢٨٩٤٩)، وذكره ابن كثير في «تفسيره» (٣/ ٥٥٠)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٤٦٣)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵄.\n(٢) أخرجه الطبريّ (١٠/ ٤٠١) (٢٨٩٥٢)، وذكره البغوي (٤/ ٥٦٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٤٦٤)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ في «العظمة» عن سعيد بن جبير. [.....]\n(٣) أخرجه الطبريّ (١٠/ ٤٠٣) (٢٨٩٦٦)، عن جويبر عن بعض أصحابه. وذكره ابن عطية (٤/ ٤٣٤)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٤٦٦)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر عن الضحاك.","vol":"4","page":385},{"text":"الخبيرُ الصادقُ الخبر، ونَبَأَ بهذا فلا شك في وقوعه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1150>[سورة فاطر (٣٥): الآيات ١٥ الى ١٨]</span>\nيا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦) وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (١٧) وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّما يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (١٨)\nوقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ الآية: آيةُ وعظٍ وتذكيرٍ، والإنسان فقيرٌ إلى الله- تعالى- في دقائقِ الأمورِ وجلائِلها لاَ يَسْتَغني عنه طرفة عين وهو به ٨٣ أمستغن عن كل أحدٍ، وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ/ الْحَمِيدُ أي: المحمود بالإطلاق.\nوقوله: بِعَزِيزٍ أي: بمُمْتَنِعٍ وتَزِرُ تَحْمِلُ، وهذه الآية في الذنوب، وأُنِّثَتْ وازِرَةٌ لأنه ذهبَ بها مذهبَ النفسِ وعلى ذلك أُجريت مُثْقَلَةٌ، واسم كانَ مضمرٌ تقديره: ولو كان الداعي. ثم أخبر تعالى نبيه أنه إنما ينذر أهل الخَشْيَةَ. ثم حض على التزكي بأن رجَّى عليه غايةَ الترجية. ثم توعد بعد ذلك بقوله: وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ.\nقال ع «١»: وكلُّ عبارةٍ فهي مقصِّرة عن تفسير هذه الآيةِ، وكذلك كتابُ اللهِ كلُّه، ولكن يظهر الأمرُ لنا نحنُ في مواضعَ أكثر منه في مواضع بحسب تقصيرنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1151>[سورة فاطر (٣٥): الآيات ١٩ الى ٢٨]</span>\nوَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلا الظُّلُماتُ وَلا النُّورُ (٢٠) وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ (٢١) وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلا الْأَمْواتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢) إِنْ أَنْتَ إِلاَّ نَذِيرٌ (٢٣)\nإِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلا فِيها نَذِيرٌ (٢٤) وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتابِ الْمُنِيرِ (٢٥) ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (٢٦) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوانُها وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَغَرابِيبُ سُودٌ (٢٧) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ كَذلِكَ إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)\nوقوله سبحانه: وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ الآية: مُضَمَّنٌ هذه الآية الطعنُ على الكفرة وتمثيلُهم بالعمي والظلماتِ وتمثيلُ المؤمنِينَ بإزائهم بالبُصَرَاءِ والأنوارِ.\nوالْحَرُورُ: شدة الحر.\n_________\n(١) ينظر: «المحرر» (٤/ ٤٣٥) .","vol":"4","page":386},{"text":"قال الفراء وغيره: إن السُّمُومَ يختص بالنَّهار والْحَرُورُ يقالُ فِي حِرِّ الليلِ وحرٍّ النهار. وتَأَوَّلَ قومٌ الظلَّ في هذه الآية الجنةَ والحرورَ جهنمَ، وشبَّه المؤمنين بالأحياء، والكَفَرَةَ بالأمْوَاتِ من حيثُ لا يفهمون الذكر ولا يُقْبلُون عليه.\nوقوله سبحانه: وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ تمثيلٌ بما يُحِسُّه البشرُ ويَعْهَدُه جميعًا من أن الميتَ الشخصَ الذي في القبر لا يسمعُ، وأما الأرواحُ فلا نقول إنها في القبر، بل تَتَضَمَّنُ الأحاديثُ أن أرواح المؤمنين في شجر عند العرش، وفي قناديلَ وغير ذلك، وأن أرواح الكفرةِ في سجين، ويجوز في بعض الأحيان أن تكون الأرواح عند القبور فربما سمعت، وكذلك أهل قَلِيبِ بَدْرٍ إنما سمعت أرواحهم فلا تعارض بين الآيةِ وحديث القُليبِ.\nوقوله تعالى: وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ معناه: أن دعوةَ الله تعالى قد عمَّت جميعَ الخلق، وإنْ كان فيهم مَنْ لَمْ تُبَاشِرْه النِّذَارَةُ فهو ممن بلغته لأَن آدم بُعِثَ إلى بَنِيه، ثم لم تنقطع النذارة إلى زمن محمد ﷺ، وبِالْبَيِّناتِ وبِالزُّبُرِ وبِالْكِتابِ الْمُنِيرِ: شيء واحد لكنه أكد أوصافَ بعضِها ببعضٍ.\nوقوله تعالى: وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ ... الآية: جمع «جُدَّة» وهي: الطريقةُ تكون من الأرض والجبلُ كالقطعة العظيمة المتصلة طولًا، وحكى أبو عبيدةَ في بعض كتبه: أنه يقال:\nجُدَدٌ في جمع «جديد»، ولا معنى لمدخلِ الجديد في هذه الآية، وقال الثعلبي: وقيل الجُدَدَ القِطَع جُدَدْتَ الشيء إذا قطعتَه، انتهى.\nوقوله: وَغَرابِيبُ سُودٌ لفظان لمعنى واحدٍ، وقَدَّمَ الوصفَ الأبلغَ، وكان حقُّه أن يتأخرَ، وكذلك هو في المعنى لكنّ كلام العربِ الفصيحَ يأتي كثيرًا عَلى هذا النحو، والمعنى: ومنها، أي: من الجبال سودَ غرابيبُ، وروي عن النّبيّ ﷺ أنه قال: «إنَّ اللهَ يَبْغَضُ الشَّيْخَ الْغَرِبيبَ» «١» يعني: الذي يَخْضُبُ بالسَّوَادِ. وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ، أي: خلق مختلِفَ ألوانهُ.\nوقوله تعالى: كَذلِكَ يحتمل أن يكونَ من الكلامِ الأول فيجيءُ الوقْفُ عليهِ حَسَنًا، وإلى هذا ذهب كثيرٌ من المفسرين. ويحتملُ أنْ يكونَ مِن الكَلامِ الثَّانِي خَرَجَ مخرج السببِ كأنّه قال: كما جاءتْ القدرةُ في هذا كلِّه كذلك إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ\n_________\n(١) ذكره السيوطي في «الجامع الكبير» (٥١٧٨)، وعزاه للديلمي في «مسند الفردوس» عن أبي هريرة.","vol":"4","page":387},{"text":"٨٣ ب الْعُلَماءُ، أي: المحصلون لهذه العبرَ، الناظرون فيها، / وفي الحديث عن النبي ﷺ: «١» «أعلمكم بالله أشدّكم له خشية» وقال ﷺ «رَأْسُ الحِكْمَة مَخَافَةُ الله» «٢» .\nوقال الرَّبِيع بن أنس: مِنْ لم يخشَ الله فليسَ بعالمٍ «٣»، وقال ابن عباس في تفسير هذه الآية: كفى بالزهدِ عِلما «٤»، ويقال: إن فاتحةَ الزَّبور: «رأس الحكمة خشيةُ الله» وقال ابن مسعود «٥»: كفى بخشيةِ الله علمًا، وبالاغترارِ به جهلًا.\nوقال مجاهد والشعبي «٦»: إنما العالمَ مَنْ يخْشَى الله. وإِنَّما في هذه الآية تحضيض لِلعلمَاء لاَ للحصر. قال ابن عطاء الله في «الحِكم»: العلمْ النافعُ هُو الذي يَنْبَسِط في الصدر شعاعُه، ويُكْشَفُ به عن القلبِ قناعُه، خَيرُ العلم ما كانت الخشيةُ مَعَه والعلم إن قارَنَتْهُ الخشيةُ فَلَكَ وإلا فَعَلَيْكَ.\nوقال في «التنوير»: اعلم أنَّ العلْمَ حيثُ ما تكرَّر في الكتابِ العزيز أو في السُّنَّة فإِنما المرادُ به العِلْمُ النافِعُ الذي تقارنُهُ الخشيةُ وتَكْتَنِفُه المخَافَةُ: قال تعالى: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ فبَيَّنَ سبحانه أنَّ الخشيةَ تُلازِمُ العلمَ، وفُهِمَ من هذا أن العلماءَ إنما هم أهل الخشية. انتهى.\nقال ابن عَبَاد في «شرح الحكم»: واعلم أن العلمَ النافعَ المتفقَ عليه فيما سلف وخلف إنما هو العلم الذي يؤدي صاحبَه إلى الخوفِ، والخشيةِ، وملازمةِ التَّواضُع، والذَّلَّةِ، والتخلُّقِ بأخلاق الإيمان، إلى ما يَتْبَعُ ذلك من بُغْضِ الدنيا، والزَّهَادَةِ فيها، وإيثارِ الآخرة عليها، ولزوم الأدَب بين يَدَيْ الله تعالى، إلى غير ذلك من الصفات العَلِيَّةِ والمَنَاحِي السَّنِيَّة. انتهى. وهذه المعاني كلها مُحَصَّلة في كتب الغزالي وغيره رضي الله عن جميعهم، ونفعنا ببركاتهم.\n_________\n(١) قال الزيلعي في «تخريج أحاديث الكشاف» (٣/ ١٥٢): غريب، وذكره الثعلبي هكذا.\n(٢) أخرجه القضاعي في «مسند الشهاب» (١١٦) عن عقبة بن عامر، وأخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» (١/ ٤٧٠- ٤٧١) رقم (٧٤٤) من حديث ابن مسعود، وضعفه البيهقي.\n(٣) ذكره ابن عطية (٤/ ٤٣٧) .\n(٤) ذكره ابن عطية (٤/ ٤٣٧) .\n(٥) ذكره ابن عطية (٤/ ٤٣٧)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٤٧٠)، وعزاه لابن أبي شيبة، وأحمد في «الزهد»، وعبد بن حميد، والطبراني عن ابن مسعود ﵁.\n(٦) ذكره البغوي (٣/ ٥٧٠)، وابن عطية (٤/ ٤٣٧)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٤٧٠)، وعزاه لابن أبي شيبة، وعبد بن حميد عن مجاهد.","vol":"4","page":388},{"text":"قال صاحب: «الكلم الفارقية والحكم الحقيقة»: العلم النافعُ ما زَهَّدَك في دنياك، ورغَّبك في أخراك، وزادَ في خوفِك وتَقْواك، وبعثَك على طاعةِ مولاك، وصَفَّاك مِن كَدَرِ هَوَاك. وقال﵀-: العلومُ النافعةُ ما كانتْ لِلْهِمَمِ رافعةً، وللأهواءِ قامِعةً، وللشكوكِ صَارِفةً دافعةً. انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1152>[سورة فاطر (٣٥): الآيات ٢٩ الى ٣١]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (٣٠) وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ (٣١)\nوقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ ...\nالآية، قال مطرف بن عبد الله بن الشخير: هذه آية «١» القُرَّاء.\nقال ع «٢»: وهذا على أنْ يَتْلُونَ بمعنى: يقرؤون، وإنْ جَعَلناه بمعنى: يتبعون، صَحَّ معنى الآية وكانت في القُرَّاء وغيرهم ممن اتصف بأوصاف الآية، وكتاب الله هو القرآن، وإقامةُ الصلاة، أي: بجميع شروطها، والنفقةُ هي في الصدقات ووجوه البرّ ولَنْ تَبُورَ معناه: لن تكسد. ويَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ قالت فرقة: هو تَضْعِيفُ الحسناتِ، وقالت فرقة: هو إما النظر إلى وجه الله ﷿، وإما أن يجعلَهم شَافِعينَ في غيرهم كما قال: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ [يونس: ٢٦] .\nت: وَقَدْ خَرَّجَ أبو نُعَيْمٍ بإسناده عن الثَّورِي عن شقيق عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ قال: أجورهم: يدخلهم الجنة، ويزيدهم من فضله: الشفاعةُ لِمَنْ وَجَبَتْ له النار ممن صنع إليه المعروف في الدنيا. وخَرَّج ابنُ مَاجَه في «سُنَنه» عن أنس بن مالك/، قال: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «يصفّ النّاس ٨٤ أصفوفا» . وقال ابن نُمير: أهُلُ الجَنَّةِ- فَيَمُرُّ الرَّجُلُ مِنْ أهْلِ النَّارِ عَلَى الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، فَيَقُولُ: يَا فُلاَنُ، أَمَا تَذْكُرُ يَوْمَ استسقيتني، فسقيتك شربة؟ قال: فيشفع له. ويمرّ\n_________\n(١) أخرجه الطبريّ (١٠/ ٤١٠) (٢٨٩٨٨)، وذكره ابن عطية (٤/ ٤٣٨)، وابن كثير في «تفسيره» (٣/ ٥٥٤)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٤٧١)، وعزاه لابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، ومحمد بن نصر، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة ﵁.\n(٢) ينظر: «المحرر» (٤/ ٤٣٨) .","vol":"4","page":389},{"text":"الرَّجُلُ عَلَى الرَّجُلِ فَيَقُولُ: أَمَا تَذْكُرُ يَوْمَ نَاوَلْتُكَ طَهُورًا؟ فَيَشْفَعُ لَهْ»، قال ابن نُمَيْرٍ:\n«وَيَقُولُ: يَا فُلاَنٌ أَما تَذْكُرُ يَوْمَ بعَثَتْنِي لِحَاجَةِ كَذَا وَكَذَا، فَذَهَبْتُ لَكَ؟ فَيَشْفَعُ لَهُ» «١» .\nوخرجه الطحاوي وابن وضاح بمعناه، انتهى من «التذكرة» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1153>[سورة فاطر (٣٥): الآيات ٣٢ الى ٣٥]</span>\nثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ (٣٣) وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤) الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ (٣٥)\nوقوله تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا ... الآيةُ: أَوْرَثْنَا معناه:\nأعطيناه فرقةً بعد موتِ فرقة، والْكِتابَ هنا يريد به: معانيَ الكتابِ، وعلمَه، وأحكامَه، وعقائدَه، فكأن اللهَ تعالى لمّا أعطى أمَة محمد ﷺ القرآنَ وهو قد تضمَّن معانيَ الكُتُبِ المنزَّلةِ قَبْلَه فكأنه وَرَّثَ أمَّة محمد الكتابَ الذي كان في الأمم قبلَها. قال ابْنُ عَطَاءَ الله في «التنوير»: قال الشيخ أبو الحسنِ الشاذليُّ- رحمه الله تعالى-: أَكْرِمِ المؤمنين وإن كانوا عصاةً فاسقينَ، وَأَمْرُهُمْ بالمعروف، وانههم عن المنكر، واهجرهم رحمة بهم لا تعزُّزًا عليهم، فلو كُشِفَ عن نور المؤمن العاصي، لَطَبَّقَ السماء والأرض، فما ظنّك بنور المؤمن المطيع، ويكفيكَ في تعظيم المؤمنين- وإن كانوا عن الله غافلينَ- قولُ ربِّ العالمينَ: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ فانظر كيف أثبت لهم الاصطفاءَ مع وجود ظلمِهم، واعلم أنّه لا بد في مملكتِه من عبادٍ هُمْ نصيبُ الحِلْم، ومحلُّ ظهور الرحمة والمغفرة، ووقوع الشفاعة، انتهى. والَّذِينَ اصْطَفَيْنا يريد بهم أمّة محمد ﷺ. قاله ابن عباس وغيره «٢» .\nواصْطَفَيْنا معناه: اخترنا وفضَّلنا، والعبادُ عامُّ في جميع العَالم، واخْتُلِفَ في عَوْدِ الضمير من قوله: فَمِنْهُمْ فقال ابن عباس وغيره ما مقتضاه: إن الضمير عائد على\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه (٢/ ١٢١٥) كتاب الأدب: باب فضل صدقة الماء، حديث (٣٦٨٥) من طريق يزيد الرقاشي عن أنس.\nوقال البوصيري في «الزوائد»: في إسناده يزيد بن أبان الرقاشي، وهو ضعيف.\n(٢) أخرجه الطبريّ (١٠/ ٤١١) (٢٨٩٩٣)، وذكره البغوي (٣/ ٥٧٠، ٥٧١)، وذكره ابن عطية (٤/ ٤٣٨)، وذكره ابن كثير (٣/ ٥٥٥)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٤٧٢)، وعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي عن ابن عباس بنحوه.","vol":"4","page":390},{"text":"الَّذِينَ اصْطَفَيْنا وإن الأصنَافَ الثلاثةَ هِي كلُّها في أمة نبينا محمد ﷺ «١»، فالظالمُ لنفسِه:\nالعاصي المسرفُ، والمقتصدُ: متقي الكبائرِ، وَهُمْ جمهور الأمَّة، والسَّابق: المتقي على الإطلاق، وقالت هذه الفرقة: الأصناف الثلاثة في الجنة، وقاله أبو سعيد الخدري «٢»، والضمير في يَدْخُلُونَها عائد على الأصناف الثلاثة، قالت عائشة﵂- وكعب﵁-: دخولها كلُّهمْ ورَبِّ الكَعْبَة «٣»، وقال أبو إسحاق السبيعي: أما الذي سمعت منذ ستين سنة فكلُّهم «٤» ناجٍ.\nوقال ابن مسعود: هذه الأمة يوم القيامة أثلاث: ثلثٌ: يدخلون الجنة بغير حساب، وثلث: يحاسبون حسابًا يسيرًا ثم يدخلون الجنة، وثلث: يجيئون بذنوب عظام فيقول الله﷿-: ما هؤلاء؟ - وهو أعلم بهم- فتقول الملائكة: هم مذنبون إلا أنهم لم يشركوا فيقول﷿- أدخلوهم في سعة رحمتي «٥» . وروى أسامة بن زيد أن النبيّ ﷺ قَرَأَ هذه الآيَةَ وَقَالَ: «كُلُّهُمْ في الجَنَّةِ» وقرأ عمر هذه الآية، ثم قال/: قال ٨٤ ب رسول الله ﷺ سابِقُنَا سَابِقٌ، ومُقْتَصِدُنَا نَاجٍ، وَظَالِمُنَا مَغْفُور له» «٦» وقال عكرمة والحسن وقتادة «٧» ما مقتضاه: أن الضمير في مِنْهُمْ عائدٌ على العباد، فالظَّالِم لنفسه: الكافرُ، والمقتصد: المؤمن العاصي، والسابق: التقي على الإطلاق «٨» . وقالوا هذه الآية نظير قوله\n_________\n(١) أخرجه الطبريّ (١٠/ ٤١١) (٢٨٩٩٣) بنحوه، وذكره البغوي (٣/ ٥٧١) وذكره ابن عطية (٤/ ٤٣٩)، وذكره ابن كثير (٣/ ٥٥٥) . [.....]\n(٢) أخرجه الطبريّ (١٠/ ٤١٤)، رقم (٢٩٠١٢) بنحوه، وذكره ابن عطية (٤/ ٤٣٩)، وذكره ابن كثير (٣/ ٥٥٥)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٤٧٢)، وعزاه للطيالسي، وأحمد، وعبد بن حميد، والترمذي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه والبيهقي عن أبي سعيد الخدري.\n(٣) أخرجه الطبريّ (١٠/ ٤١١) رقم (٢٨٩٩٦، ٢٨٩٩٨) عن كعب، وذكره البغوي (٣/ ٥٧١) عن عائشة، وذكره ابن عطية (٤/ ٤٣٩)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٤٧٢، ٤٧٣)، وعزاه للطيالسي، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم، وابن مردويه، عن عقبة بن صهبان عن عائشة، وعزاه أيضا لسعيد بن منصور، وعبد بن حميد وابن المنذر، والبيهقي عن كعب الأحبار بنحوه.\n(٤) أخرجه الطبريّ (١٠/ ٤١٢) رقم (٢٩٠٠٠) بنحوه، وذكره ابن عطية (٤/ ٤٣٩) .\n(٥) أخرجه الطبريّ (١٠/ ٤١١) رقم (٢٨٩٩٤٦) بنحوه، وذكره ابن عطية (٤/ ٤٣٩)، وذكره ابن كثير (٣/ ٥٥٥)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٤٧٣)، وعزاه لابن جرير عن ابن مسعود بنحوه.\n(٦) ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٤٧٦)، وعزاه إلى الطبراني، والبيهقي في «البعث» .\n(٧) ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٤٧٧)، وعزاه إلى سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن المنذر، والبيهقي في «البعث» .\n(٨) أخرجه الطبريّ (١٠/ ٤١٢، ٤١٣) رقم (٢٩٠٠٧، ٢٩٠٠٨) عن الحسن وقتادة، وذكره البغوي (٣/ ٥٧١)، وابن عطية (٤/ ٤٣٩)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٤٧٤)، وعزاه لعبد بن حميد عن قتادة، وله وللبيهقي عن الحسن بنحوه.","vol":"4","page":391},{"text":"تعالى: وَكُنْتُمْ أَزْواجًا ثَلاثَةً [الواقعة: ٧] الآية.\nوالضمير في يَدْخُلُونَها على هذا التأويل خاصٌّ بالمُقْتَصِد والسابق، وباقي الآية بيّن، والْحَزَنَ في هذه الآية عامٌ في جميع أنواع الأحزان، وقولهم: إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ وصفوه سبحانه بأنه يغفر الذنوبَ، ويجازي على القليلِ من الأعمال بالكثير من الثوابِ، وهذا هو شكره، لا ربّ سواه، ودارَ الْمُقامَةِ: الجنة، والْمُقامَةِ: الإقامةُ و«النَّصَبُ»: تعب البَدَنِ و«اللغوب»: تعب النّفس اللازم عن تعب البدن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1154>[سورة فاطر (٣٥): الآيات ٣٦ الى ٤١]</span>\nوَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها كَذلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦) وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٣٧) إِنَّ اللَّهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٣٨) هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلاَّ مَقْتًا وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلاَّ خَسارًا (٣٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ أَمْ آتَيْناهُمْ كِتابًا فَهُمْ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلاَّ غُرُورًا (٤٠)\nإِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤١)\nوقوله سبحانه: وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ هذه الآية تؤيد التأوِيلَ الأوَّل مِن أنَّ الثَلاَثَةَ الأصْنَافِ هي كلها في الجنة، لأن ذكر الكافرين أفرد هاهنا.\nوقوله: لاَ يُقْضى عَلَيْهِمْ أي لا يُجْهَزُ عليهم.\nوقولهم: رَبَّنا أَخْرِجْنا أي: يقولون هذه المقالة فيقال لهم على جهة التوبيخ:\nأَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ الآية. واخْتُلِفَ في المدة التي هي حَدُّ للتذكر، فقال الحسن بن أبي الحسن: البلوغُ، يريد أنه أول حال التذكر «١» . وقال ابن عباس أربعون سنة وهذا قول حسن «٢» ورويت فيه آثارُ. ورُوِيَ أن العبدَ إذا بلغ أربعينَ سنةً ولم يتب مسح الشيطانُ على وجهه، وقال: بأبي وجهٌ لا يفلح، وقيل: الستين وفيه حديث.\nت: وفي «البخاري»: من بلغ ستين سنة فقد أَعْذَرَ الله إليه لقوله: أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ يعني: الشيب. ثم أسند عن أبي هريرة عن\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٤/ ٤٤١) .\n(٢) ذكره ابن عطية (٤/ ٤٤١)، وابن كثير (٣/ ٥٥٨) بنحوه.","vol":"4","page":392},{"text":"النبي ﷺ قال: «أَعْذَرَ اللَّهُ امرأ أَخَّرَ أَجَلَهُ حتى بلغ ستّين سنة» «١» . انتهى. والنَّذِيرُ في قول الجمهور: الأنبياء. قال الطبري «٢»: وقيل: النذيرُ: الشيبُ، وهذا أيضًا قول حَسَنٌ.\nوقوله: فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ أي وَبَالُ كفرِه و«المقت»: احتقارك الإنسَانَ مِن أجْلِ مَعْصِيَتهِ، والخَسَارُ: مُصَدَرُ خسر يخسر، وأَ رَأَيْتُمْ، تتنزل عند سيبويه منزلةَ أخبروني، ولذلك لا تَحْتَاجُ إلى مفعولين، والرؤية في قوله أَرُونِي رؤيةُ بَصر.\nت: قال ابن هشام: قوله: مِنَ الْأَرْضِ، «من»: مرادفة «في» . ثم قال:\nوالظاهرَ أنَّها لبيان الجِنْسِ، مثلها: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ ... [البقرة ١٠٦] الآية. انتهى. ثم أضْرَبَ سبحانه عنهم بقوله: بَلْ إِنْ يَعِدُ أي: بل إنما يعدون أنفسهم غرورًا.\nوقوله: أَنْ تَزُولا أي: لئلا تزولا، ومعنى الزوال هنا: التنقلُ من مكانها، والسُّقُوطُ من عُلُوَّهَا. وعن ابن مسعودٍ أن السَّماءَ لا تدورُ وإنما تَجْرِي فيها الكواكبُ «٣» .\nوقوله تعالى: وَلَئِنْ زالَتا قيل: أراد يوم القيامة. وقوله تعالى: إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ أي: من بعد تركه الإمساك.\nقال ص: إِنْ أَمْسَكَهُما: أن: نافية بمعنى، ما، وأمسَك: جواب القسم المقدَّرِ قبل اللام الموطئة في لَئِنْ، وهو بمعنى: يمسك لدخول أن الشرطية كقوله تعالى:\nوَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ [البقرة: ١٤٥] أي: ما يتبعون/ ٨٥ أوكقوله: وَلَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحًا الآية إلى قَوْلِهِ: لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ [الروم: ٥١] أي: لَيَظُلْونَ، وحذف جواب إن في هذه المواضع لدلالة جواب القسم عليه.\nوقوله: مِنْ أَحَدٍ مِنْ: زائدة لتأكيد الاستغراق انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1155>[سورة فاطر (٣٥): الآيات ٤٢ الى ٤٥]</span>\nوَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلاَّ نُفُورًا (٤٢) اسْتِكْبارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (٤٣) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَما كانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ عَلِيمًا قَدِيرًا (٤٤) وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيرًا (٤٥)\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١١/ ٢٤٣) كتاب الرقاق: باب من بلغ ستين سنة فقد أعذر، حديث (٦٤١٩) .\n(٢) ينظر: «الطبريّ» (١٠/ ٤١٩) .\n(٣) ذكره ابن عطية (٤/ ٤٤٢) .","vol":"4","page":393},{"text":"وقوله تعالى: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ يعني: قريشًا لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ الآية: وذلك أَنه رُوِي: أن كُفَّارَ قريش كانت قبل الإسلام تنكر على اليهود والنصارى، وتَأْخُذُ عليهم في تكذيب بعضهم بعضًا وتقول: لو جاءنا نحنُ رَسُوْلٌ لكنا أهدى من هؤلاءِ، وإِحْدَى الْأُمَمِ: يُريدونَ: اليهود والنصارى، فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ وهو: محمد ﷺ مَّا زادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا وقرأ ابن مسعود «١»: و«مكرا سيئا»، ويَحِيقُ:\nمعناه: يحيط ويحل وينزل، ولا يستعملُ إلا في المكروه ويَنْظُرُونَ معناهُ: ينتظرون والسنة: الطريقةُ والعادَةُ. وقوله: فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا أي: لتعذيبه الكفرة المكذبين، وفي هذا وَعِيدٌ بَيِّنٌ.\nوقوله تعالى: أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَما كانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ لمَّا توعدهم سبحانه بسنةِ الأولين وقفهم في هذه الآية على رؤيتهم لما رأوا من ذلك في طريق الشام وغيره كديارِ ثمودَ ونحوِها، و«يعجُزه»: معناه: يفوته ويفلته.\nوقوله تعالى: وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ الآية:\nقوله: مِنْ دَابَّةٍ: مبالغة، والمراد: بنو آدم لأنهم المُجَاوَزْنَ، وقيل: المراد الإنس والجن، وقيل: المُرادُ: كُل ما دبَّ من الحيوانِ وأكثرُهُ إنما هو لِمَنْفَعَةِ ابن آدَم، وبسببه، والضمير في: ظَهْرِها عائدٌ على الأرض، والأجل المسمى: القيامة.\nوقوله تعالى: فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيرًا: وعيدٌ، وفيه للمتقين وعدٌ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا والحمد لله على ما أنعم به.\n_________\n(١) قال أبو الفتح: يشهد لتنكيره تنكير ما قبله من قول الله سبحانه: «استكبارا في الأرض» . وقراءة العامة أقوى معنى وذلك أن «المكر» فيها معرفة لإضافته إلى المعرفة، أعني السيّء»، فكأنه قال: والمكر السيّء الذي هو عال مستكره مستنكر في النفوس.\nينظر: «المحتسب» (٢/ ٢٠٢)، و«الكشاف» (٣/ ٦١٩)، و«المحرر الوجيز» (٤/ ٤٤٣)، و«البحر المحيط» (٧/ ٣٠٥)، و«الدر المصون» (٥/ ٤٧٣) .","vol":"4","page":394},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1156>محتوى الجزء الرابع من تفسير «الثعالبي»</span>\nاسم السورة رقم الصفحة مريم ٥ طه ٤٣ الأنبياء ٧٩ الحج ١٠٦ المؤمنون ١٤١ النور ١٦٧ الفرقان ٢٠٢ الشعراء ٢٢٤ النمل ٢٤٢ القصص ٢٦٣ العنكبوت ٢٨٨ الروم ٣٠٥ لقمان ٣١٨ السجدة ٣٢٦ الأحزاب ٣٣٤ سبأ ٣٦٣ فاطر ٣٨١","vol":"4","page":395},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1157>[الجزء الخامس]</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1158>تفسير سورة يس</span>\nوهي مكيّة بإجماع إلا أنّ فرقة قالت: إن قوله تعالى: وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ نزلت في بني سلمة حين أرادوا أن ينتقلوا إلى جوار مسجد النبي ﷺ، وورد في فضل يس آثار عديدة، فعن معقل بن يسار، أن النبيّ ﷺ قال: «قلب القرآن يس لا يقرؤها رجل يريد الله والدّار الآخرة إلّا غفر له، اقرؤوها على موتاكم» «١» رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه والحاكم في «المستدرك»، وهذا لفظ النسائي، وهو عند الباقين مختصر. انتهى من «السّلاح» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1159>[سورة يس (٣٦): الآيات ١ الى ٧]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nيس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤)\nتَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٥) لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ (٦) لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٧)\nقوله ﷿: يس- وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ- إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ قد تقدَّم الكلام في الحروف المقَطَّعة، ويختص هذا الموضعُ بأَقوالٍ، منها: أن ابن جبير قَالَ: يس اسم من أسماء محمّد ع «٢» وقال ابن عباس: معناه: يا إنسانُ، بالحبشية «٣» .\nوقال أيضًا: هو بلغة طَيِّىءٍ «٤»، وقال قتادةُ: «يس» قسم و«الصراط» الطريق، والمعنى: إنك على طريق هدى بيِّن ومَهْيَعٍ رشاد «٥»، واختَلَفَ المفسرون في قوله تعالى:\n_________\n(١) تقدم تخريجه. [.....]\n(٢) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٤٥) .\n(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٤٢٤) برقم: (٢٩٠٤٨)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٥٤)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٤٨٤)، كلهم عن ابن عبّاس، وعزاه السيوطي لابن مردويه عن ابن عبّاس، وذكره ابن كثير (٣/ ٥٦٣) عن سعيد بن جبير.\n(٤) ذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ٥)، وابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٤٥) .\n(٥) ينظر: «تفسير القرطبي» (١٥/ ٥) .","vol":"5","page":5},{"text":"ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فقال عِكْرِمَةُ: «ما» بمعنى: الذي «١»، والتقدير: الشيءُ الذي أُنذِر آباؤهم من النارِ/ والعذابِ، ويحتملُ أن تكون «ما» مصدريةً على هذا القول، ويكونُ الآباءُ هُمُ الأَقْدَمُونَ على مر الدهرِ.\nوقوله: فَهُمْ مع هذا التأويل بمعنى: فإِنّهم، دخلتِ الفاءُ لِقَطْع الجملة من الجملة، وقال قتادةُ: «ما» نافيةٌ «٢»، فالآباءُ عَلى هَذا هم الأقْرَبُونَ مِنْهُمْ، وهذه الآيةُ كقوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ [سبأ: ٤٤] وهذه النِّذَارةُ المنفيةُ: هي نذارة المبَاشَرَة، كما قدَّمَنا، وحَقَّ الْقَوْلُ معناه: وَجَبَ العذابُ وسبَقَ القضَاءُ بهِ، وهذا فيِمَنْ لم يؤمنْ من قريشٍ كَمَنْ قتل ببدر، وغيرهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1160>[سورة يس (٣٦): الآيات ٨ الى ١٠]</span>\nإِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (٨) وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (٩) وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (١٠)\nوقوله تعالى: إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا ... الآية.\nقال مكي: قيل: هي حقيقةٌ في الآخِرَة إذا دخلوا النار «٣» .\nوقال ابن عباس وغيره: الآيةُ استعارةٌ لِحالِ الكَفَرَةِ الذين أرادوا النبيّ ﷺ بسوءٍ، فجعلَ اللَّهُ هذهِ مثَلًا لَهُمْ في كَفِّهِ إِيَّاهُمْ عَنْهُ ومَنْعِهم مِنْ إذَايَتِهِ حينَ بَيَّتُوهُ «٤» .\nوقالتْ فرقة: الآيةُ مُسْتَعَارَةُ المعانِي مِنْ مَنْعِ اللَّه تعالى إيَّاهم مِنَ الإيمَانِ، وَحَوْلِه بَيْنَهم وبَيْنَه، وهذا أرجح الأقوال، و«الغُلُّ»: ما أحاط بالعُنق على معنى التَّثْقِيفِ والتَّضْيِيقِ والتَّعْذِيبِ.\nوقوله: فَهِيَ يحتملُ أنْ تَعُودَ على الأغلالِ، أي: هي عريضة تبلَغُ بحرفِها الأذقَانَ، والذَّقَنُ: مُجْتَمَعُ اللَّحْيَيْنِ، فَيَضْطَرُّ المغلولُ إلى رفع وجههِ نحو السماء، وذلك هو الإقْمَاحُ، وهو نحو الإقناع في الهيئة.\n_________\n(١) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٤٦) .\n(٢) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٤٦) .\n(٣) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٤٦) .\n(٤) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٤٧) .","vol":"5","page":6},{"text":"قال قتادة: المقمح: الرافعُ رأسه «١»، ويحتملُ- وهو قول الطبري «٢» - أنْ تَعُودَ (هي) على الأيْدِي وذلك أن الغُلَّ إنما يكونُ في العُنُقِ مَعَ اليَدَيْنِ، ورُوِي أن في مصحف ابن مسعودٍ «٣» وأُبيِّ «إنَّا جَعَلْنَا فِي أَيْمَانِهِمْ» وفي بعضها «في أَيْدِيهِمْ»، وأرَى الناسَ عَليُّ بنُ أبي طالبٍ الإقْمَاحَ فَجَعَلَ يَدَيْهِ تَحْتَ لَحْيَيْهِ وأَلْصَقَهُمَا وَرَفَعَ رَأْسَهُ «٤»، وقرأ الجمهورُ: «سُدَّا» - بِضَمِّ السينِ في الموضعين-، وقرأ حمزةُ والكسائي وغيرُهما «٥» (سَدَّا) - بفتح السين-، فقيل: هما بمعنًى، أي: حائلًا يَسُدُّ طَريقَهم، وقال عكرمةُ: مَا كَانَ مِمَّا يَفْعَلُه البَشرُ فهو بالضَّمِّ، وما كان خِلْقَةً فهو بالفَتْحِ «٦»، ومعنى الآية: أن طريقَ الهدى سدّ دونهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1161>[سورة يس (٣٦): الآيات ١١ الى ١٢]</span>\nإِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (١١) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ (١٢)\nوقوله تعالى: إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ ... الآية، «إنما» ليست للحَصر هنا بل هيَ على جِهة تخصيصِ مَنْ ينفعُه الإنذارُ، «واتباعُ الذكر» هو العملُ بما في كتابِ اللَّه والاقتداءُ به. قال قتادة: الذكر: القرآن «٧» .\nوقوله: بِالْغَيْبِ، أي: بالخَلَواتِ عِنْد مَغِيبِ الإنسانِ عَنْ أعينِ البشَرِ. ثم أخبر- تعالى- بإحيائهِ المَوْتَى ردًّا على الكَفَرةِ، ثم توعَّدَهم بذِكْرِ كُتُبِ الآثار وإحصاءِ كلِّ شَيْءٍ، وكُلِّ مَا يَصْنعهُ الإنسانُ فَيَدْخُلُ فِيما قَدَّمَ، ويَدْخَلُ فِي آثاره، لكنه سبحانه ذكرَ الأمْرَ من الجهتَينِ وليُنَبِّهَ على الآثارِ التي تَبْقَى، وتُذْكَرُ بَعْدَ الإنسانِ من خير وشر.\n_________\n(١) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٤٧) عن قتادة، وابن كثير في «تفسيره» (٣/ ٥٦٤) عن أم زرع.\n(٢) ينظر: «تفسير الطبري» (١٠/ ٤٢٦) .\n(٣) ينظر: «الكشاف» (٤/ ٦)، و«المحرر» (٤/ ٤٤٧) .\n(٤) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٤٧) .\n(٥) وقرأ بها حفص عن عاصم.\nوفي قراءة الباقين قال قوم: ما كان من فعل بني آدم فهو السّد، وما وجد مخلوقا فهو السّدّ. وعكس أبو عمرو.\nينظر: «إعراب القراءات» (٢/ ٢٢٩)، و«السبعة» (٥٣٩)، و«الحجة» (٦/ ٣٧)، و«حجة القراءات» (٥٩٦)، و«العنوان» (١٥٩)، و«إتحاف» (٢/ ٣٩٧) .\n(٦) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٤٧) . [.....]\n(٧) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٤٢٩) برقم: (٢٩٠٦٥)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٤٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٤٨٧) .\nوعزاه السيوطي لعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.","vol":"5","page":7},{"text":"وقال جابر بن عبد اللَّه وأبُو سعيد: إن هذه الآيةَ نَزَلت في بني سَلَمَةَ «١» على ما تقدم، وقول النبي ع لَهُمْ: «دِيارُكُم تكْتبُ آثاركم»، والإمامُ المبينُ: قال قتادة وابن زيد: هو اللَّوحُ المحْفُوظُ «٢»، وقالت فرقة: أراد صحف الأعمال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1162>[سورة يس (٣٦): الآيات ١٣ الى ٢٧]</span>\nوَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣) إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ فَقالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (١٤) قالُوا ما أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ (١٥) قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (١٦) وَما عَلَيْنا إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (١٧)\nقالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ (١٨) قالُوا طائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (١٩) وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١) وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢)\nأَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلا يُنْقِذُونِ (٢٣) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٤) إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (٢٥) قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (٢٧)\nوقوله تعالى: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحابَ الْقَرْيَةِ ... الآية، رُوِي عَنْ ابن عباس والزهري وعكرمة: أن القريةَ هنا هي أنطاكيَّة «٣»، واخْتُلِفَ في هؤلاء المُرْسَلِينَ فقال قتادة وغيره: كانوا من الحواريِّينَ الذين بعثهم عيسى حِين رُفِعَ، وصُلِبَ الذي أُلْقِيَ عَلَيْهِ شَبَهُهُ، فَتَفَرَّقَ الحواريُّونَ في الآفاق، فَقَصَّ اللَّه- تعالى- هنا قصَّةَ الذين نَهَضُوا إلى أنْطَاكيَّة «٤» .\nوقالت فرقة: بل هؤلاء أنبياء من قبل الله ﷿.\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٤٢٩) برقم: (٢٩٠٧٢) عن جابر، وعن أبي سعيد رقم: (٢٩٠٧٣)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٤٨) عن ابن عبّاس وجابر وأبي سعيد، وذكره ابن كثير في «تفسيره» (٣/ ٥٦٥) عنهما، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٤٨٨) عن أبي سعيد، وعزاه لعبد الرزاق، والترمذي وحسنه، والبزار، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم، وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في «شعب الإيمان»، وعن جابر بن عبد الله، وعزاه لمسلم، وابن مردويه.\n(٢) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٤٨) عن مجاهد، وقتادة، وابن زيد.\n(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٤٣١) برقم: (٢٩٠٨٣) عن عكرمة، وعن ابن عبّاس وغيره رقم في «تفسيره» (٣/ ٥٦٦) عنهم، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٤٨٩) عن ابن عبّاس، والزهري، وعكرمة، وابن كثير للفريابي، وعن عكرمة، وعزاه لعبد بن حميد، وابن المنذر.\n(٤) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٤٣١) برقم: (٢٩٠٨٢)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٤٩)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٤٩٠)، وعزاه لعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة.","vol":"5","page":8},{"text":"قال ع «١»: وهذا يُرَجِّحُهُ قَوْلُ الكَفَرَةَ مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا فإنها محاورةٌ إنما تقال لمن ادَّعى الرِّسَالَةَ من اللَّه تعالى، والآخرُ مُحْتَمَلٌ، وذَكِرَ المفسرون في قَصَص الآيةِ أشياء يَطُولُ ذِكْرُها والصِّحَّةُ فيها غَيْر مُتَيَقَّنَةٍ، فَاخْتَصَرْتُه واللاَّزِمُ مِنَ الآيةِ أنَّ اللَّه تعالى بَعَثَ إلَيْهَا رَسُولَيْنِ، فَدَعَيَا أهلَ القَرْيَةِ إلى عبادةِ اللَّهِ وتوحيدِه، فَكَذَّبُوهُما فَشَدَّدَ اللَّهُ أمرهما بثالثٍ، وقامت الحجةُ على أهلِ القريةِ، وآمن منهم الرجلُ الذي جاءَ يسعى، وقتلوه في آخر أمره وكفروا، وأصابتْهم صيحةٌ مِن السَّمَاء فَخَمَدُوا، وقرأ الجمهُور «٢»: «فَعَزَّزْنا» بِشَدِّ الزاي، على معنى: قَوَّيْنَا، وشَدَّدْنَا وبهذا فسّره مجاهد وغيره «٣»، وهذه الأمة أنكرت النبوَّاتِ بقولِها: وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ قال بعضُ المتأولين: لما كَذَّبَ أهْلُ القرية المرسلينَ أسرع فيهم الجُذَامُ.\nوقال مقاتل: احْتَبَسَ عنهم المطر فلذلك قالوا: إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ «٤»، أي: تَشاءَمْنَا بكم، والأظهر أن تَطَيُّرَ هؤلاءِ إنَّما كَانَ بِسَبَبٍ ما دخَلَ قَرْيَتَهُمْ من اخْتِلافِ كَلِمَتِهِمْ وافْتِتَان النَّاسِ.\nوقوله: أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ جوابُه محذوف، أي: تَطَيَّرْتُم، قاله أبو حيان «٥» وغيره، انتهى، وقولهُم﵈-: طائِرُكُمْ مَعَكُمْ، معناه: حظُّكُمْ وَمَا صَارَ لَكُمْ من خير وشرٍّ مَعَكُمْ أي: من أَفْعَالِكم وَمِنْ تَكَسُّبَاتِكُمْ، ليس هو من أجْلنا، وقرأ حمزة والكسائي وابن عامر: «أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ» بهمزتين «٦» الثانيةُ مكسورةٌ. وقَرأ نافعٌ وغيرُه بتسهيل الثانية، وردِّها ياءً: «أَيِنْ ذُكِّرْتُمْ» . وأخبر تعالى عن حالِ رجلٍ جَاء من أقصى المدينةِ يَسْعَى سَمِعَ المرسلينَ وفَهِمَ عَن اللَّهِ تعالى، فَدَعَا عَنْد ذلكَ قومَه إلى اتّباعِهم والإيمان بِهِم، إذ هو\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٤٤٩) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٤٤٩)، و«البحر المحيط» (٧/ ٣١٣)، و«الدر المصون» (٥/ ٤٧٧) .\nوقد قرأ أبو بكر بالتخفيف، وقرأ بها الحسن، وأبو حيوة، وأبان، والمفضل.\nينظر: «السبعة» (٥٣٩)، و«الحجة» (٦/ ٣٨)، و«إعراب القراءات» (٢/ ٢٣٠)، و«معاني القراءات» (٢/ ٣٠٤)، و«شرح الطيبة» (٥/ ١٦٦)، و«العنوان» (١٥٩)، و«حجة القراءات» (٥٩٧)، و«شرح شعلة» (٥٥٧)، و«إتحاف» (٢/ ٣٩٨) .\n(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٤٣١) برقم: (٢٩٠٨٥)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٤٩) .\n(٤) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٤٩)، وذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ٩)، ولم يعزه لأحد.\n(٥) ينظر: «البحر المحيط» (٧/ ٣١٤) .\n(٦) وقرأها هكذا حفص، وقرأها المفضل مثل قراءة نافع، يعني بتسهيل الهمزة الثانية.\nينظر: «السبعة» (٥٤٠)، و«الحجة» (٦/ ٣٨)، و«إعراب القراءات» (٢/ ٢٣٠)، و«معاني القراءات» (٢/ ٣٠٦)، و«شرح الطيبة» (٥/ ١٦٧)، و«العنوان» (١٥٩)، و«إتحاف» (٢/ ٣٩٨) .","vol":"5","page":9},{"text":"الحقُّ. فَرُوِيَ عن ابن عباس وغيره، أن اسْمَ هذا الرجلِ حبيبٌ، وكان نَجَّارًا «١» وكانَ فِيما قَال وهب بنُ مُنَبِّهٍ: قد تَجَذّم «٢» .\nوقيل: كَان فِي غارٍ يَعْبُدُ ربَّهُ فقال: يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ ... الآية، وذكر الناسُ في أسماءِ الرسلِ: صَادِق، وصَدُوقٌ، وشَلُوم، وغير هذا، واللَّه أعلم بصحَّتِه، واخْتَلَفَ المفسِّرونَ في قوله فَاسْمَعُونِ فَقَال ابن عباس وغيره: خاطب بها قوْمُه»\n، أي: على جهة المبَالَغَةِ والتَّنْبِيهِ.\nوقيل: خَاطَبَ بها الرُّسُلَ على جهة الاسْتِشْهَادِ بهم والاستحْفاظِ للأمْر عندهم.\nقال ع «٤»: وهنا محذوفٌ تَواتَرَتْ به الأحادِيثُ والرِّوَاياتُ وهم أنهم قَتَلُوهُ فَقِيلَ له عند موته: ادْخُلِ الْجَنَّةَ فَلَما أَقَرَّ اللَّهُ عَيْنَهُ بما رأَى من الكرَامَةِ قَالَ: يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ ... الآية، قيل: / أراد بذلك الإشْفَاقَ والنصحَ لَهُمْ أي: لَو علِمُوا ذلك، لآمنوا باللَّه تعالى، وقيل: أراد أن يَعْلَمُوا ذلك فَيَنْدمُوا على فِعْلِهم به، وبخزيهم ذلك، وهذا موجود في جِبِلَّةِ البشر إذا نَال الشخصُ عزًّا وخَيْرًا في أرض غُرْبةٍ وَدَّ أنْ يَعْلَم ذلك جِيرَانهُ وأتْرَابهُ الذينَ نَشَأَ فيهمْ، كما قيل: [السريع]\nالْعِزُّ مَطْلُوبٌ وَمُلْتَمَس وَأَحَبُّهُ مَا نِيلَ في الوَطَنِ «٥»\nقال ع «٦»: والتأويلُ الأولُ أشبهُ بهذا العبدِ الصالح وفي ذلك قول النبي ﷺ:\n«نَصَحَ قَوْمَه حَيًّا وَمَيِّتًا» وقالَ قَتَادةُ: نصَحَهُم على حالة الغضب والرضاء وَكَذِلكَ لاَ تجِدُ المؤمِنَ إلا ناصحًا للناس «٧» .\n_________\n(١) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٥٠)، وأخرجه الطبري (١٠/ ٤٣٣) برقم: (٢٩٠٩٤)، وذكره ابن كثير (٣/ ٥٦٨)، والسيوطي (٥/ ٤٩١)، وعزاه لابن أبي حاتم عن ابن عبّاس.\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٤٣٣) برقم: (٢٩٠٩٤)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٥٠)، وابن كثير في «تفسيره» (٣/ ٥٦٨) .\n(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٤٣٥) برقم: (٢٩١٠١)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٥١)، وابن كثير في في «تفسيره» (٣/ ٥٦٨) كلهم عن ابن عبّاس، وكعب، ووهب. [.....]\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٤٥١) .\n(٥) البيت من شواهد «المحرر الوجيز» (٤/ ٤٥١) .\n(٦) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٤٥١) .\n(٧) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٤٣٦) برقم: (٢٩١٠٦)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٥١)، وابن كثير في «تفسيره» (٣/ ٥٦٨) بنحوه.","vol":"5","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1163>[سورة يس (٣٦): الآيات ٢٨ الى ٣٢]</span>\nوَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ (٢٨) إِنْ كانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ خامِدُونَ (٢٩) يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٣٠) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ (٣١) وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ (٣٢)\nوقوله تعالى: وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ ... الآية، مخاطبة للنبيّ ﷺ فيها توعُّدٌ لقرَيْشٍ وتَحْذِيرُ أنْ يَنْزلَ بهمْ مِنَ العَذَابِ مَا نَزَلَ بقَومِ حَبِيبٍ النَّجَّار.\nقال مجاهد: لَم يُنْزِلِ اللَّهُ عَليهم من جُنْدٍ أرادَ أنه لم يُرْسِل إليهم رَسُولًا ولاَ اسْتَعْتَبَهُمْ «١»، قال قتادة: وَاللَّهِ، ما عَاتَبَ اللَّهُ قَوْمَهُ بَعْدِ قَتْلِه حَتَّى أهْلَكَهُمْ «٢» .\nوقال ابن مسعود: أراد: لَمْ يَحْتَجْ فِي تَعْذِيبهِمْ إلى جُنْدٍ، بلْ كَانَتْ صَيْحَةٌ واحِدَةٌ لأنهم كانُوا أيْسَرَ وأهْوَنَ من ذلك «٣»، واخْتُلِفَ في قوله تعالى: وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ فقالتْ فرقة: «ما» نافيةٌ، وقالت فرقة: «ما» عَطْفٌ عَلَى جندٍ، أي: من جند ومن الذي كنَّا منزلينَ على الأممِ مثلهم قبلَ ذلكَ، و«خامدون» أي: ساكنون موتى.\nوقوله تعالى: يا حَسْرَةً الحسرةُ التَلَهُّفُ: وذلك أن طِباعَ كُلِّ بَشَرٍ تُوجِبُ عَنْدَ سَمَاعِ حَالِهِمْ وعَذَابِهم على الكُفْرِ وَتَضْييِعِهم أمْرَ اللَّهَ، أن يُشْفِقَ وَيَتَحَسَّرَ على العِبَاد، وقال الثَّعْلَبِيُّ: قال الضَّحَّاك: إنها حسرةُ الملائِكَة على العباد في تكذيبِهمُ الرسلُ، وقال ابن عباس: حلُّوا مَحَلَّ مَنْ يَتَحَسَّرُ عَلَيْهِ، انتهى. وقرأ الأعرج «٤» وأبو الزنَاد ومسلم بن جندب: (يا حَسْرَهْ) بالوقفِ على الهاء وهو أبلغ في معنى التَحَسُّرِ والتَّشْفِيقِ وهَزِّ النَفْسِ.\nوقوله تعالى: وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ ... الآية، تمثّل لفعل قريش وإيّاهم عنى\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٤٣٧) برقم: (٢٩١١١)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٥٢)، وابن كثير في «تفسيره» (٣/ ٥٦٩) .\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٤٣٧) برقم: (٢٩١١٣)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٥٢)، وابن كثير في «تفسيره» (٣/ ٥٦٩) .\n(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٤٣٧) برقم: (٢٩١١٤)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٥٢)، وابن كثير في «تفسيره» (٣/ ٥٦٩) .\n(٤) وقد استثقلها أبو الفتح، وأطال الكلام حولها.\nينظر: «المحتسب» (٢/ ٢٠٨، ٢١١)، و«مختصر الشواذ» (١٢٥)، و«المحرر الوجيز» (٤/ ٤٥٢)، و«البحر المحيط» (٧/ ٣١٨)، و«الدر المصون» (٥/ ٤٨١) .","vol":"5","page":11},{"text":"بقوله: أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا، وقرأ جمهورُ الناس «لما جَمِيعٌ» - بتخفيف الميم-، وذلك على زيادة «ما» للتأكيد والمعنى: لَجَمِيعٌ، وقرأ عاصمٌ والحسَنُ وابن جبير «١» (لمَّا) - بشدِّ الميم-، قالوا: هي بمنزلة «إلّا» ومُحْضَرُونَ قال قتادة: محشّرون يوم القيامة «٢» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1164>[سورة يس (٣٦): الآيات ٣٣ الى ٣٦]</span>\nوَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣) وَجَعَلْنا فِيها جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ وَفَجَّرْنا فِيها مِنَ الْعُيُونِ (٣٤) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ (٣٥) سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ (٣٦)\nوقوله تعالى: وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها ... الآية، وآيَةٌ: معناه وعلامةٌ على الحَشْرِ وبَعْثِ الأجْسَادِ، والضميرُ في (لهم) لِكُفَّارِ قُرَيْشٍ، والضميرُ في (ثَمَرِهِ) قيل هو عائدٌ على الماءِ الذي تَضَمَّنَه ذكرُ العيونِ، وقيلَ: هو عائدٌ على جميع مَا تَقَدَّمَ مُجْمَلًا: كأنه قال: مِنْ ثَمَرِ مَا ذَكَرْنَا «وما» في قوله: وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ قال الطبري «٣»: هي اسمٌ معطوفٌ على الثمر، أي: يقع الأكل مِن الثمرِ، ومما عملتهُ الأيدِي بالغَرْسِ والزِّراعَةِ ونحوهِ.\nوقالت فرقة: هي مصدريةٌ وقيل: هي نافيةٌ، والتقديرُ أنهم يأكلون من ثمره وهُو شَيْءٌ لَمْ تَعْمَلْه أيديهم بل هي نعْمَة مِنَ اللَّهِ تعالى عليهم، والأزواجُ: الأنواع من جميع الأشياء.\nوقوله: وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ نظيرُ قوله تعالى: وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ [النحل: ٨] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1165>[سورة يس (٣٦): الآيات ٣٧ الى ٤٠]</span>\nوَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠)\n_________\n(١) وقرأ بها ابن عامر، وحمزة، والكسائيّ.\nينظر: «معاني القراءات» (٢/ ٣٠٥)، و«العنوان» (١٥٩)، و«حجة القراءات» (٥٩٧)، و«إتحاف» (٢/ ٤٠٠)، و«المحرر الوجيز» (٤/ ٤٥٢)، و«البحر المحيط» (٧/ ٣١٩) .\n(٢) أخرجه الطبري (١٠/ ٤٣٩) برقم: (٢٩١١٩)، بلفظ: أي هم يوم القيامة، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٥٢)، والسيوطي في «تفسيره» (٥/ ٤٩٣)، بلفظ: «يوم القيامة»، وعزاه لعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٣) ينظر: «تفسير الطبري» (١٠/ ٤٤٠) .","vol":"5","page":12},{"text":"وقوله تعالى: وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ هذه الآياتُ جعلَها اللَّهُ ﷿ أدلة على قدرته ووجوب الألوهية له، ونَسْلَخُ معناه نَكْشِطُ ونُقَشِّرُ: فهي اسْتِعارة.\nقلت: قال الهروي: قوله تعالى: وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ أي: نخرجه منه إخراجًا لا يَبْقَى من ضَوْءِ النهار معه شيء، انتهى. ومُظْلِمُونَ داخلون في الظلام، ومُسْتَقَرِّ الشَّمْسِ: - على ما في الحديث عن النبي ﷺ من طريق أبي ذَرٍّ- «بَيْنَ يَدَيِ العَرْشِ تَسْجُدُ فِيه كُلَّ لَيْلَةٍ بَعْدَ غُرُوبِها» وهو فِي البخاري «١» وفي حديثٍ آخر «أنَّهَا تَسْجُدُ/ في عين حمئة» «٢» ومَنازِلَ منصوبٌ عَلى الظَّرفِ وهي المنازِلُ المعروفةُ عندَ العرَب، وهي ثمانيةٌ وعِشْرُونَ مَنْزِلَةً يَقْطَع القَمَرُ مِنها كلَّ لَيْلَةٍ مَنْزِلَةً، وعَودَتُه هي استهلالُه رَقِيقًا وحينئذ يُشْبه العُرْجُونَ، وُهو الغُصْنُ مِنَ النَّخْلَةِ الذي فيه شَمَارِيخُ التَّمْرِ، فإنَّه يَنْحَنِي وَيَصْفَرُّ إذا قَدِمَ، ويَجِيءُ أشْبَهَ شَيءٍ بِالهلال قاله الحسن «٣»، والوجود يشهد له، والْقَدِيمِ معناه:\nالعَتِيقُ الذي قَدْ مَرَّ عَلَيْهِ زَمَنٌ طويل، ويَنْبَغِي هنا مُسْتَعْملَة فيما لا يمكنُ خِلاَفُه لأنها لاَ قُدْرَةَ لَهَا عَلى غَيْرِ ذلك، وال «فلك» فيما رُوِيَ عنِ ابْنِ عَباسٍ مُتَحَرِّك مستدير كفلكة المغزل فيه جميع الكواكب «٤» ويَسْبَحُونَ معناه: يجرون ويعومون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1166>[سورة يس (٣٦): الآيات ٤١ الى ٤٦]</span>\nوَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١) وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ (٤٢) وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ (٤٣) إِلاَّ رَحْمَةً مِنَّا وَمَتاعًا إِلى حِينٍ (٤٤) وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٥)\nوَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (٤٦)\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١٣/ ٤١٥) كتاب «التوحيد» باب: وكان عرشه على الماء وهو رب العرش العظيم برقم: (٧٤٢٤)، (٨/ ٤٠٢) كتاب «التفسير» باب: وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٤٨٠٢)، (٦/ ٣٤٢- ٣٤٣)، كتاب «بدء الخلق»، باب: صفة الشمس والقمر بِحُسْبانٍ (٣١٩٩)، ومسلم (١/ ٤٥٣- ٤٥٤) - الأبي، كتاب «الإيمان» باب: الزمن الذي لا يقبل فيه الإيمان (٢٥٠/ ١٥٩)، وأبو داود (٢/ ٤٣٣)، كتاب «الحروف والقراءات» باب: (١)، (٤٠٠٢) نحوه، والترمذي (٤/ ٤٧٩)، كتاب «الفتن» باب: ما جاء في طلوع الشمس من مغربها (٢١٨٦)، والنسائي في «التفسير» (٢/ ٢٠٤- ٢٠٥)، تفسير سورة يس (٤٥٠)، والنسائي في «الكبرى» (٦/ ٤٣٩) كتاب «التفسير» باب: قوله تعالى: وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها (١١٤٣٠/ ١) .\nقال أبو عيسى الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.\n(٢) ينظر: الحديث السابق.\n(٣) أخرجه الطبري (١٠/ ٤٤٢) برقم: (٢٩١٢٥)، وذكره ابن عطية (٤/ ٤٥٤)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٤٩٦)، وعزاه لابن أبي حاتم. [.....]\n(٤) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٤٤٣) برقم: (٢٩١٣٧)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٥٤)، وابن كثير في «تفسيره» (٣/ ٥٧٣) .","vol":"5","page":13},{"text":"وقوله تعالى: «وآية لهم أنا حملنا ذرياتهم فِى الفلك» الآية، ذكرَ الذريةَ لِضَعْفِهم عن السفر، فالنعمةُ فيهم أمْكَنُ، والضمير المتصل بالذريات، هو ضميرُ الجنس، كأنه قال:\nذرياتُ جنسِهم أو نوعِهم هذا أصح ما يتجه في هذا.\nوأما معنى الآية فقال ابن عباس وجماعةٌ: يريد بالذرياتِ المحمولينَ: أصحابَ نوحٍ في السفينةِ، ويريد بقوله: مِنْ مِثْلِهِ السفن الموجودةَ في جنسِ بني آدم إلى يوم القيامة، وإيَّاها أرَادَ بقوله: وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ «١»، وقال مجاهد وغيره: المراد بقوله: «أنا حملنا ذرياتهم فِي الفلك المشحون»: السفنُ الموجودةُ في بني آدم إلى يوم القيامة، ويريد بقوله:\nوَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ الإبلَ وسائرَ ما يُرْكَبُ فتكون المماثلة في أنه مركوبٌ مُبَلِّغٌ إلى الأقطار فقط، ويعودُ قولهُ: وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ على السفنِ الموجودةِ في الناس «٢»، والصريخُ هنا بمعنى المُصْرِخِ المُغِيثِ.\nوقوله تعالى: إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا قال الكسائيُّ: نصبَ رَحْمَةً على الاسْتِثْنَاءِ، كأنه قال: إلاَّ أَنْ نَرْحَمَهُمْ.\nوقوله: إِلى حِينٍ يريدُ إلى آجالِهم المضروبةِ لهم، ثم ابْتَدَأَ الإخبارَ عَنْ عُتُوِّ قريشٍ بقوله: وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ قال قتادة ومقاتل: ما بين أيديهم: هو عذابُ الأمم الذي قد سَبَقَهُمْ في الزمن «٣» وهذا هو النظرُ الجيدُ: وقال الحسنُ: خُوِّفُوا بما مضَى من ذنوبِهم وبما يأتي منها «٤»، قال ع: وهذا نحوُ الأولِ في المعنى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1167>[سورة يس (٣٦): الآيات ٤٧ الى ٥٠]</span>\nوَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٤٧) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٨) ما يَنْظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (٤٩) فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (٥٠)\nوقوله تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ ... الآية، الضمير في قوله\n_________\n(١) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٥٥) .\n(٢) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٥٥) .\n(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٤٤٧) برقم: (٢٩١٦٨) عن قتادة، وذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ١٤)، وابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٥٥) كلاهما عن قتادة ومقاتل، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٤٩٨)، وعزاه لعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة.\n(٤) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٥٥) .","vol":"5","page":14},{"text":"لَهُمْ لقريشٍ وسبب الآيةِ أن الكفارَ لمَّا أسلمَ حواشِيهم مِنَ الموالي وغيرِهِمْ، والمستضعفين، قطعوا عنهم نَفَقَاتِهم وصِلاَتِهم، وكان الأمرُ بمكةَ أوَّلًا فيه بعض الاتِّصَال في وقت نزول آيات المُوَادَعَةِ، فَنَدَبَ أولئك المؤمنونَ قَرَابَاتِهم من الكفارِ، إلى أَنْ يَصِلُوهُمْ ويُنْفِقُوا عليهم، مِمَّا رَزَقَهُم اللَّه فقالوا عند ذلك: أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ.\nوقالتْ فرقة: سبب الآيةِ أنَّ قريشًا شَحَّتْ بِسَبَبِ أزمةٍ على المساكينِ جميعا مؤمن وغير مؤمن، فندبهم النبيّ ﷺ إلى النَّفَقَةِ على المساكينَ، وقولهُم يَحْتَمِلُ معنيين:\nأحدهما: يخرَّج على اختيارٍ لجُهَّالِ العَرَبِ، فَقَد رُوِيَ أن أعْرَابِيًّا كان يرعى إبله فيجعلُ السّمان في الخضب، والمَهَازِيلَ في المَكَانِ الجَدْبِ، فقيل له في ذلك فقال: أكْرِمُ مَا أَكْرَمَ اللَّهُ وأهين ما أهانَ اللَّهُ، فيخرَّج قولُ قريشٍ على هذا المعنى، ومن أمثالهم: «كُنْ مَعَ اللَّهِ عَلَى المدبِرِ» .\nوالتأويل الثاني: أن يكونَ كلامُهم بمعنى الاستهزاء بقول محمّد ع: إنَّ ثَمَّ إلها هو الرزَّاقُ، فكأنهم قالوا: لِمَ لاَ يَرْزُقُهم إلهك الذي تزعم، أي: نحن لا نطعم من لو يشاء هذا الإله الذي زعمْتَ، لأطْعَمَهُ.\nوقوله تعالى: إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ يَحْتَمِلُ أَنْ يكونَ من قول الكَفَرَةِ للمؤمنين، أي: في أمركم لنا بالنفقةِ وفي غير ذلكَ من دينكم، ويحتملُ أن يكون من قولِ اللَّهِ تعالى للكفرةِ. وقولهم: مَتى هذَا الْوَعْدُ أي: متى يوم القيامة.\nوقيل: أرادوا: متى هذا العذاب الذي تتهدّدنا به، وما يَنْظُرُونَ أي: يَنْتَظِرُونَ، و«ما» نافيةٌ، وهذه الصيحةُ هي صيحةُ القيامةِ وهي النَّفْخَةُ الأولَى، وفي حديثِ أبي هريرةَ «١» أن بَعْدَهَا نَفْخَةَ الصَّعْقِ، ثم نَفْخَةَ الحَشْرِ، وهي التي تَدُومُ فَمَا لها مِنْ فَوَاقٍ، وأصل يَخِصِّمُونَ: يَخْتَصِمُونَ، والمعنى: وهم يَتَحَاوَرُونَ ويتراجعونَ الأَقْوَالَ بَيْنَهُمْ، وفي مُصْحَف أُبَيِّ بن كَعْبٍ «يختصمون» «٢»، وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ لإعجالِ الأمْرِ، بلْ تَفِيضُ أنفُسهم حيث ما أخذتهم الصيحة.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٨/ ١١٦) كتاب «التفسير» باب: قوله تعالى: إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ برقم: (٤٦٠٤)، ومسلم (٤/ ١٨٤٣) كتاب «الفضائل» باب: من فضائل موسى ﵇ (١٥٩/ ٢٣٧٣) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٤٥٧)، و«البحر المحيط» (٧/ ٣٢٥)، و«الدر المصون» (٥/ ٤٨٧) .","vol":"5","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1168>[سورة يس (٣٦): الآيات ٥١ الى ٥٤]</span>\nوَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١) قالُوا يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢) إِنْ كانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ (٥٣) فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلا تُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٤)\nوقوله سبحانه: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ هذه نَفْخَةُ البعث، والأجداث: القبور، ويَنْسِلُونَ أي يَمْشُونَ مُسْرِعِين. وفي قراءة ابن مسعود «١»: «مَنْ أَهَبَّنَا مِنْ مَرْقَدِنَا»، وَرُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وغيرهِ: أن جميعَ البَشَرِ يَنَامُونَ نَوْمَةً قَبْلَ الحشرِ «٢» .\nقال ع «٣»: وهذا غيرُ صحيحِ الإسْنَاد، وإنما الوجهُ في قولهم: مِنْ مَرْقَدِنا:\nأنها اسْتَعَارَةٌ كَمَا تَقُولُ في قتيلٍ: هذا مرقَدُه إلى يومِ القيامةِ.\nوقوله: هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمنُ جوَّزَ الزَّجَّاجُ أنْ يكونَ «هذا» إشارةً إلى المَرْقَدِ، ثم اسْتَأنَفَ مَا وَعَدَ الرَّحْمنُ ويُضْمِرُ الخبرَ «حق» أو نحوه، وقال الجمهور: ابتداءُ الكلامِ:\nهَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمنُ واخْتُلِفَ في هذه المقَالَةِ مَنْ قالَها؟ فقال ابن زيد: هيَ مِنْ قَوْلِ الكفرةِ «٤»، وقال قتادة ومجاهد: هي من قولِ المؤمنينَ للكفارِ «٥» .\nوقال الفراء: هي مِنْ قَوْلِ الملائكةِ «٦»، وقالت فرقة: هي مِنْ قَوْلِ اللَّهِ- تعالى- على جهة التّوبيخ، وباقي الآية بيّن.\n_________\n(١) ينظر: «المحتسب» (٢/ ٢١٤)، و«الكشاف» (٤/ ٢٠)، و«المحرر الوجيز» (٤/ ٤٥٨) .\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٤٥١) برقم: (٢٩١٨٠)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٥٨)، وابن كثير في «تفسيره» (٣/ ٥٧٤)، والسيوطي في «تفسيره» (٥/ ٤٩٩)، وعزاه لابن الأنباري عن أبيّ بن كعب.\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٤٥٨) .\n(٤) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٤٥١) برقم: (٢٩١٨٦)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٥٨)، وابن كثير في «تفسيره» (٣/ ٥٧٤) .\n(٥) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٤٥١) برقم: (٢٩١٨٤) عن مجاهد، وعن قتادة برقم: (٢٩١٨٥)، وذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ١٥) عن مجاهد، وذكره ابن كثير في «تفسيره» (٣/ ٥٧٤) عن غير واحد من السلف، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٥٠٠)، وعزاه لهناد في «الزهد» وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن الأنباري عن مجاهد، ولعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة.\n(٦) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٥٨)، وذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ١٥)، وذكره ابن كثير في «تفسيره» (٣/ ٥٧٤) عن الحسن، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٥٠٠)، وعزاه لابن أبي حاتم.","vol":"5","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1169>[سورة يس (٣٦): الآيات ٥٥ الى ٥٨]</span>\nإِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ (٥٥) هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ (٥٦) لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ (٥٧) سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨)\nوقوله تعالى: إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ قال ابن عباس وغيره: هو افْتِضَاضُ الأبكار «١» .\nوقال ابن عباس أيضًا: هو سماع الأوتارِ «٢» .\nوقال مجاهد: معناهُ: نعيمٌ قَدْ شَغَلَهُمْ «٣» .\nقال ع «٤»: وهذا هو القول الصحيح وتعيينُ شَيْءٍ دونَ شَيْءٍ لا قياسَ له.\nوقوله سبحانه: هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ جاءَ في «صحيح البخاري» وغيره عن النبيّ ﷺ قَال: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ في ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إلاَّ ظِلُّهُ: إمامٌ عادِلٌ، وَشَابٌ نَشَأَ في عِبَادَةِ رَبِّه، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُتَعَلِّقٌ بِالمَسْجِدِ، وَرَجُلاَنِ تَحَابَّا في اللَّه، اجتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيه، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَال: إنِّي أخافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حتى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ تعالى خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ» «٥» انتهى. وهذا الظِّلُّ المذكورُ في الحديث هو في المَحْشَرِ.\nقال الشيخُ ابْنُ أبي جَمْرَةَ (﵁): وظِلاَلُ الآخِرَةِ، ما فيها مُباحٌ بل كلُّها قد تملكت بالأَعْمَالِ التي عملها العاملون الذين هَدَاهُم اللَّه تعالى فليسَ هناك لصعلوكِ الأَعْمَالِ ظلٌّ، انتهى وهو كما قال، فشَمِّرْ عَنْ سَاقِ الجِدِّ إن أردت الفوز أيّها الأخ والسلام. والْأَرائِكِ: السررُ المفروشةُ، قيل: ومِنْ شَرْطِها أنْ تَكُونَ عليها حجلة وإلّا\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٤٥٢) عن عبد الله بن مسعود برقم: (٢٩١٨٧)، وعن ابن عبّاس برقم: (٢٩١٨٨)، وعن سعيد بن المسيب برقم: (٢٩١٩١)، وذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ١٥)، وابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٥٨)، وابن كثير في «تفسيره» (٣/ ٥٧٥)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٥٠٠)، وعزاه لابن أبي شيبة، وابن أبي الدنيا في «صفة الجنة»، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه من طرق عن ابن عبّاس. ولعبد بن حميد، وابن أبي الدنيا، وعبد الله بن أحمد في «زوائد الزهد»، وابن المنذر عن ابن مسعود. [.....]\n(٢) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٥٨)، وابن كثير في «تفسيره» (٣/ ٥٧٥) .\n(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٤٥٢) برقم: (٢٩١٩٢)، بلفظ: «في نعمة»، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٥٨) .\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٤٥٨) .\n(٥) تقدم تخريجه.","vol":"5","page":17},{"text":"فليستْ بأرِيكةٍ وبذلك قيَّدها ابن عَبَّاسٍ وغيره «١» .\nوقوله: مَّا يَدَّعُونَ بمنزلةِ ما يَتَمَنَّوْنَ.\nقال أبو عُبَيْدَةَ: العربُ تقولُ: ادع عَلَيَّ ما شِئْتَ/ بمعنى: تَمَنَّ عَلَيَّ.\nوقوله: سَلامٌ قِيلَ: هي صفةٌ، أي: مُسَلَّمٌ لَهُم، وخالصٌ، وقِيل: هو مبتدأ، وقيل: هو خبر مبتدإ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1170>[سورة يس (٣٦): الآيات ٥٩ الى ٦٥]</span>\nوَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (٥٩) أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًاّ كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢) هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٦٣)\nاصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٦٤) الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٦٥)\nوقوله تعالى: وَامْتازُوا الْيَوْمَ فيه حَذْفٌ تقديره ونقول للكفرة «وامتازوا» معناه:\nانْفَصِلُوا وانْحَجِزُوا لأن العَالَمَ فِي الموقف إنما هم مختلطون. قُلْتُ: وهَذَا يَحْتَاجُ إلى سَنَدٍ صحيحٍ، وفي الكلام إجمال، ويومُ القيامةِ هو مواطن، ثم خاطَبَهُمْ تعالى لما تميّزوا، توبيخا وتوفيقا على عَهْدِهِ إليهم ومخالفتِهم له، وعبادةُ الشيطانِ هي طاعتُهُ والانقيادُ لإغْوائِهِ.\nوقوله: هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ إشارَةٌ إلى الشرائع إذ بعَثَ اللَّهُ آدم إلى ذريتِه ثمَّ لَمْ تَخْلُ الأرْضُ من شريعةٍ إلى خَتْمِ الرسالةِ بسيدِنا محمدٍ خَاتَمِ النبيِّينَ، و«الجِبِلُّ»: الأمةُ العظيمة، ثم أخبر سبحانه نبيّه محمّدا ع أخبَارًا تُشَارِكُهُ فيه أمَّتُه بقوله:\nالْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وذلك أن الكفارَ يَجْحَدُونَ، ويَطْلبُون شهيدًا عليهم من أنفسهم حَسْبَمَا وَرَدَ في الحديث الصحيح فعندَ ذلِك يَخْتِمُ اللَّهُ- تعالى- على أفواههم، ويأمر جوارحهم بالشّهادة فتشهد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1171>[سورة يس (٣٦): الآيات ٦٦ الى ٦٩]</span>\nوَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ (٦٦) وَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ عَلى مَكانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ (٦٧) وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ (٦٨) وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩)\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٤٥٤) عن ابن عبّاس برقم: (٢٩١٩٩) وعن مجاهد (٢٩٢٠٠)، وعن عكرمة (٢٩٢٠٣)، وعن قتادة (٢٩٢٠٥)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٥٩)، وزاد نسبته للحسن، وذكره ابن كثير في «تفسيره» (٣/ ٥٧٥) .","vol":"5","page":18},{"text":"وقوله سبحانه: وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ الضميرُ في «أعْيُنِهِمْ» لكفارِ قريش، ومعنى الآية: تَبْيِينُ أَنَّهُمْ في قَبْضَةِ القدرةِ، وبمَدْرَجِ العَذَابِ.\nقالَ الحَسَنُ وقتادة: أراد الأعْيُنَ حقيقة «١»، والمعنى: لأَعْمَيْنَاهُمْ فَلاَ يَرَوْنَ كَيْفَ يَمْشُونَ ويؤيدُ هذا مجانسةُ المَسْخِ لِلْعَمَى الحَقِيقِيِّ.\nوقوله: فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ معناه: على الفَرْضِ والتقدير، كأَنَّه قال: ولو شئنا لأعميناهم، فأحسب أو قدّر أنّهم يسبقون الصِّرَاطَ وهو الطريقُ، فَأَنَّى لَهُمْ بالإبْصَارِ، وَقَدْ أَعْمَيْنَاهُمْ، وعبارةُ الثَّعْلَبِيِّ: وقالَ الحسنُ والسدي: ولو نشاء لَتَرَكْنَاهُمْ عُمْيًا يَتَرَدَّدُونَ فَكَيْفَ يُبْصِرُونَ الطريقَ حينئذ، انتهى، وقال ابن عباس: أراد: أعْيُنَ البَصَائِر «٢» والمَعْنَى:\nلو شِئْنَا لَحَتَمْنَا عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ فلم يهتد منهم أحدا أبدًا، وبَيَّنَ تعالى في تنكِيسِه المُعَمَّرِينَ، وأن ذلك مما لا يَقْدِرُ عليه إلا هو سبحانه، وتَنْكِيسُه: تَحَوُّلُ خَلْقِه من القوةِ إلى الضَّعْفِ ومِنَ الفَهْمِ إلى البَلَهِ، ونَحْوُ ذلك.\nثم أخْبَرَ تعالى عَن حالِ نبيه محمدٍ ع رَادًّا عَلى مَنْ قَال من الكفرة: إنه شَاعرٌ وإن القرآن شِعْرٌ- بقوله: وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ ... الآية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1172>[سورة يس (٣٦): الآيات ٧٠ الى ٧٦]</span>\nلِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ (٧٠) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعامًا فَهُمْ لَها مالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْناها لَهُمْ فَمِنْها رَكُوبُهُمْ وَمِنْها يَأْكُلُونَ (٧٢) وَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ وَمَشارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ (٧٣) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (٧٤)\nلا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (٧٥) فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ (٧٦)\nوقوله تعالى: «لتنذر مَن كَانَ حَيًّا» أي: حيَّ القَلْبِ والبَصِيرَةِ، ولم يكن مَيِّتًا لكُفْرِهِ وهذه استعارةٌ، قال الضحاك: مَنْ كانَ حَيًّا معناه: عاقِلًا «٣»، وَيَحِقَّ الْقَوْلُ معناه:\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٤٥٩) عن الحسن برقم: (٢٩٢١٧) وعن قتادة (٢٩٢١٨)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٦١)، وابن كثير في «تفسيره» (٣/ ٥٧٧)، والسيوطي في «تفسيره» (٥/ ٥٠٤)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن أبي حاتم عن الحسن.\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٤٥٨) برقم: (٢٩٢١٦)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٦١)، وذكره ابن كثير في «تفسيره» (٣/ ٥٧٧)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٥٠٤)، وعزاه السيوطي لابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في «الأسماء والصفات» .\n(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٤٦١) برقم: (٢٩٢٣١)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٦٢)، وابن كثير في «تفسيره» (٣/ ٥٨٠)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٥٠٦)، وعزاه للبيهقي في «شعب الإيمان» .","vol":"5","page":19},{"text":"يُحَتَّمَ العذابُ ويَجِبَ الخُلُودُ.\nوقوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا الآيةُ. مخاطَبةٌ لقريشٍ أيضًا.\nوقوله: أَيْدِينا عبارةٌ عَنِ القُدْرةِ، واللَّه تعالى مُنَزَّهٌ عَنِ الجارِحَةِ.\nوقوله تعالى: فَهُمْ لَها مالِكُونَ تنبيهٌ على النِعْمَةِ.\nوقوله: وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ أي: يُحْضَرُونَ لهُمْ في الآخِرةِ على معنى التوبيخِ والنِّقْمةِ، وسَمَّى الأصْنَامَ جُنْدًا إذْ هُمْ عُدَّةٌ للنِّقْمَة من الكفرة، ثم آنس الله نبيّه﵊- بقوله: فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ وَتَوَعَّدَ الكَفَرَةَ بقوله: إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1173>[سورة يس (٣٦): الآيات ٧٧ الى ٨٣]</span>\nأَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نارًا فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ (٨١)\nإِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)\nوقوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ ... الآية، والصحيحُ في سببِ نزولِ الآيةِ هو ما رَوَاهُ ابنُ وَهَبْ عَنْ مَالِكٍ وقالهُ ابنُ إسْحَاقٍ وغيرهُ أن أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ جاء بعَظْمٍ/ رَمِيمٍ، فَفَتَّهُ فِي وجه النبيّ ﷺ وَحِيَالَهُ، وقَالَ: مَنْ يُحْيِي هذا يا محمد «١» ولابيّ هذا مع النبيّ ﷺ مقامات ومقالات إلى أن قتله النبيّ ﷺ بِيدهِ يومَ أحُدٍ طَعَنَهُ بِحَرْبَةٍ في عنقه.\nوقوله: وَنَسِيَ خَلْقَهُ يَحْتَمِلُ أنْ يكونَ نسيانَ الذُّهُولِ، ويحتملُ أنْ يكُونَ نسيانَ التَّرْكِ، والرَّمِيمُ: البالي المُتَفَتِّتُ، وهو الرُّفَاتُ، ثم دلَّهُم سبحانه عَلى الاعْتِبَارِ بالنَّشْأَةِ الأولى، ثم عَقَّبَ تعالى بدليل ثَالثٍ في إيجادِ النَّارِ في العُودِ الأخضر المرتوي ماء، وهذا\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٤٦٤) برقم: (٢٩٢٤٠) عن مجاهد، وبرقم: (٢٩٢٤٢) عن قتادة، وذكره البغوي (٤/ ٢٠)، وابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٦٤)، وابن كثير في «تفسيره» (٣/ ٥٨١)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٥٠٧)، وعزاه لابن مردويه عن ابن عبّاس.","vol":"5","page":20},{"text":"هو زِنَادُ العَرَبِ، والنارُ موجودةٌ في كل عودٍ غَيْرَ أَنَّها في المُتَخَلخِلَ المَفْتُوحِ المَسَامِّ أَوْجَدُ، وكذلك هو المَرْخُ والعَفَار، وجمعَ الضميرَ جَمْعَ مَنْ يَعْقِلُ في قوله: مِثْلَهُمْ من حيثُ إن السمواتِ والأَرْضَ متضمِّنةٌ مَنْ يَعْقِلُ من الملائِكَةِ والثَّقَلَيْنِ هذا تأويلُ جماعةٍ، وقيل:\nمِثْلَهُمْ عائدٌ على الناسِ، وبَاقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.","vol":"5","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1174>تفسير سورة «الصافّات»</span>\nوهي مكّيّة\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1175>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١ الى ١٠]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nوَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١) فَالزَّاجِراتِ زَجْرًا (٢) فَالتَّالِياتِ ذِكْرًا (٣) إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ (٤)\nرَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَرَبُّ الْمَشارِقِ (٥) إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ (٦) وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ (٧) لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ (٨) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ (٩)\nإِلاَّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ (١٠)\nقوله ﷿: وَالصَّافَّاتِ صَفًّا الآية، أقْسَمَ تعالى في هذه الآية بأشْيَاءَ مِنْ مخلوقاتِه، قالَ ابنُ مسعودٍ وغيرُه: «الصافات» هي الملائكة تَصُفُّ في السماءِ في عبادة الله ﷿ «١» .\nوقالت فرقة: المرادُ: صفوفُ بني آدم في القتال في سبيل اللَّهِ، قال ع «٢»:\nواللفظُ يَحْتَمِلُ أنْ يَعُمَّ هذه المذكوراتِ كلَّها، قال مجاهد: «وَالزاجِرات» هي الملائكة تَزْجُرُ السحابَ وغير ذلك من مخلوقاتِ اللَّه تعالى «٣»، وقال قتادة: «الزاجرات» هي آيات القرآن «٤»، وفَالتَّالِياتِ ذِكْرًا معناه: القارئات، قال مجاهد: أراد الملائكة التي تتلو ذكره «٥»،\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٤٦٧) عن مسروق برقم: (٢٩٢٤٧) وعن عبد الله (٢٩٢٤٨)، وعن قتادة برقم: (٢٩٢٤٩)، وذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ٢٢) عن ابن عبّاس والحسن وقتادة، وابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٦٥)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٢)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٥١٠)، وعزاه لعبد الرزاق، والفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه من طرق عن ابن مسعود.\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٤٦٥) .\n(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٤٦٧) برقم: (٢٩٢٥٢) عن مجاهد وبرقم: (٢٩٢٥٣) عن السدي، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٦٥) عنهما، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٢)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٥١٠)، وعزاه لابن المنذر، وأبي الشيخ في «العظمة» عن ابن عبّاس.\n(٤) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٤٦٨) برقم: (٢٩٢٥٤)، وذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ٢٢)، وابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٦٥)، وابن كثير (٤/ ٢) عن الربيع بن أنس، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٥١٠)، وعزاه لابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس.\n(٥) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٤٦٨) برقم: (٢٩٢٥٥)، وذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ٢٢)، وابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٦٥) . [.....]","vol":"5","page":22},{"text":"وقال قتادة: أراد بني آدم الذين يَتْلُونَ كُتُبَهُ المنزلةَ وتسبيحَه وتكبيرَه ونحوَ ذلك «١»، والمُقْسَمُ عليه: قولهُ: إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ.\nوقوله: مارِدٍ قال العراقيُّ: مَارِدٌ سُخِطَ عَلَيْهِ، وهكذا مَرِيدٍ [الحج: ٣] انتهى وهَذَا لَفْظُهُ، والمَلأ الأعلى: أهلُ السَّمَاءِ الدنيا فما فوقها، وسُمِّيَ الكُلُّ منهم أعلى بالإضَافَةِ إلى ملإ الأرْضِ الذي هو أسفلُ، والضمير في يَسَّمَّعُونَ للشياطين، وقرأ حمزة، وعاصم في رواية حفص: «لا يَسَّمَّعُونَ»، - بشد السين والميم «٢»، بمعنى: لا يَتَسَمَّعُونَ، فينتفي على قراءة الجمهورِ سَمَاعُهُمْ، وإن كانوا يستمعون وهو المعنى الصحيحُ، ويعْضُدُه قولهُ تعالى: إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ [الشعراء: ٢١٢] وَيُقْذَفُونَ معناه: يُرْجَمُونَ، والدَّحُورُ: الإصْغار والإهانَةُ، لأن الدَّحْرَ هو الدَّفْعُ بِعُنْفٍ، وقال البخاريّ: وَيُقْذَفُونَ يرمون «٣» ودُحُورًا مُطْرَدِين، وقال ابن عباسٍ: «مدحورًا» مَطْرُودًا «٤»، انتهى، والوَاصِبُ: الدائم قاله مجاهد وغيره «٥»، وقال أبو صالح: الواصبُ:\nالمُوجِعُ «٦»، ومنه الوَصَبُ، والمعنى: هذه الحالُ هي الغالبةُ على جميع الشياطين إلا مَنْ شَذَّ فَخَطَفَ خَبَرًا أو نَبَأً، فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ فأحرقَه، والثَّاقِبُ، النافِذُ بضوئه وشعاعِه المنير قاله قتادة وغيره «٧» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1176>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١١ الى ١٣]</span>\nفَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنا إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ (١١) بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (١٢) وَإِذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ (١٣)\n_________\n(١) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٦٥) .\n(٢) وقرأ بها الكسائيّ.\nينظر: «السبعة» (٥٤٦)، و«الحجة» (٦/ ٥٢)، و«إعراب القراءات» (٢/ ٢٤٤)، و«معاني القراءات» (٢/ ٣١٦)، و«شرح الطيبة» (٥/ ١٨٠)، و«العنوان» (١٦١)، و«حجة القراءات» (٦٠٥)، و«شرح شعلة» (٥٦٢)، و«إتحاف» (٢/ ٤٠٨) .\n(٣) أخرجه البخاري (٨/ ٤٠٥) كتاب «التفسير» باب: سورة الصافات، معلقا عن مجاهد.\n(٤) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٤٧٢) برقم: (٢٩٢٧١) عن مجاهد بلفظ: «مطرودين»، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٦٦) عن مجاهد.\n(٥) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٤٧٣) برقم: (٢٩٢٧٦) عن مجاهد، وبرقم: (٢٩٢٧٧) عن ابن عبّاس وبرقم: (٢٩٢٧٨) عن عكرمة، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٦٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٥١١)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد.\n(٦) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٦٦) .\n(٧) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٤٧٤) برقم: (٢٩٢٨٠)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٦٧) عن قتادة، والسدي، وابن زيد.","vol":"5","page":23},{"text":"وقوله تعالى: فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنا أي: فلا يُمْكِنُهُمْ أن يقولوا إلا أنَّ خَلْقَ مَنْ سواهُم من الأمَمِ والملائِكَة، والجنِّ والسَّمواتِ والأرضِ والمشارِق والمغارِبِ وغير ذلك- هو أشَدُّ مِنْ هؤلاءِ المخاطَبِينَ، وبأن الضمير/ في خَلَقْنا يرادُ به ما تقدم ذكره، قال مجاهد وقتادة وغيرهما: ويُؤَيِّدُه ما في مصحف ابن مسعود «أُمْ مَنْ عَدَدْنَا» «١» وكذلك قرأَ الأَعْمَشُ «٢» .\nوقوله تعالى: إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ أي: خلقُ أصلِهم وهو آدم ع، واللاّزِبُ: اللازمُ: يَلْزَمُ ما جاورَهُ ويَلْصَقُ به، وهُوَ الصَّلْصَالُ، بَلْ عَجِبْتَ يا محمدُ مِنْ إعْرَاضِهِم عن الحق، وقرأ حمزةُ والكسائي «بل عَجِبْتُ» - بضمِ التاء- «٣» وذلك على أن يكونَ تَعَالَى هو المُتَعَجِّبُ ومعنَى ذَلِكَ مِن اللَّه تعالى: أنه صفة فعل، ونحوه قوله ﷺ:\n«يَعْجَبُ اللَّهُ مِنَ الشّابِّ لَيْسَتْ لَهُ صَبْوَةٌ» فإنَّما هِي عِبَارَةٌ عَمَّا يُظْهِرُهُ اللَّه- تعالى- في جِانِبِ المُتَعَجَّبِ مِنْهُ من التعظيمِ أو التحقير حَتَّى يصيرَ الناسُ مُتَعَجِّبِينَ مِنه، قال الثعلبي: قال الحسينُ بن الفضل: التعجبُ من اللَّهِ إنكارُ الشيء، وتعظيمهُ وهو لغة العرب، انتهى.\nوقوله: وَيَسْخَرُونَ أي: وهمْ يَسْخَرُونَ من نبوّتك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1177>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٤ الى ٢٦]</span>\nوَإِذا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (١٤) وَقالُوا إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (١٥) أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُرابًا وَعِظامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦) أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ (١٧) قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ داخِرُونَ (١٨)\nفَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإِذا هُمْ يَنْظُرُونَ (١٩) وَقالُوا يا وَيْلَنا هذا يَوْمُ الدِّينِ (٢٠) هذا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢١) احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ وَما كانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ (٢٣)\nوَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ (٢٤) ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ (٢٥) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (٢٦)\nوقوله: وَإِذا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ يريدُ بالآية: العلامةَ والدلالة، ورُوِيَ أنَّها نزلتْ في رُكَانة وَهُوَ رَجُلٌ من المشركينَ من أهل مكة لقيه النبيّ ﷺ في جَبَلٍ خَالٍ وهُوَ يرعى غَنَمًا له وكانَ أقوى أهْلِ زَمانِه، فقال له النبيُّ ﷺ: «يَا رُكَانَةُ أَرَأَيْتَ إنْ صَرَعْتُكَ أَتُؤْمِنُ بِي؟ قال: نعم، فصرعه النبيّ ﷺ ثَلاَثًا، ثُمَّ عَرَضَ عَلَيْهِ آيَاتٍ مِنْ دُعَاءِ شجرة وإقبالها،\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٤٦٧)، و«البحر المحيط» (٧/ ٣٣٩) .\n(٢) يعني: مخففة الميم.\nينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٤٦٧)، و«البحر المحيط» (٧/ ٣٣٩)، و«الدر المصون» (٥/ ٤٩٧) .\n(٣) ينظر: «السبعة» (٥٤٧)، و«الحجة» (٦/ ٥٣)، و«إعراب القراءات» (٢/ ٢٤٥)، و«معاني القراءات» (٢/ ٣١٧)، و«شرح الطيبة» (٥/ ١٨١)، و«العنوان» (١٦١)، و«حجة القراءات» (٦٠٦)، و«شرح شعلة» (٥٦٢)، و«إتحاف» (٢/ ٤٠٨) .","vol":"5","page":24},{"text":"ونَحْوَ ذَلك مما اخْتَلَفَتْ فيه ألفاظُ الحديثِ، فَلَمَّا فَرَغَ ذلكَ لَم يُؤْمِنْ، وجاءَ إلى مَكَّةَ، فَقَالَ: يَا بني هَاشِمٍ، سَاخِرُوا بِصَاحِبِكُمْ أَهْلَ الأرضِ، فنزلَتْ هذه الآية فيه وفي نظرائه، ويَسْتَسْخِرُونَ قال مجاهد وقتادة: معناه: يَسْخَرُونَ «١»، ثم أمر تعالى نبيَّه أن يُجِيبَ تَقْرِيرَهُمْ واستفهامهم عَنِ البَعْثِ ب نَعَمْ، وأن يزيدَهُمْ في الجواب، أنَّهُمْ معَ البعث في صَغَارٍ وذلَّةٍ واستكانةٍ، والدَّاخِرُ: الصَّاغِرُ الذليلُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بيانهُ غيرَ ما مَرَّةٍ، والزَّجْرَةُ الواحدةُ: هِيَ نَفْخَةُ البَعْثِ، قال العراقيّ: الزّجرة: الصّيحة بانتهار، انتهى. والدِّينِ:\nالجزاءُ، وأجمَع المفسِّرُونَ على أن قولَه تعالى: هذا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ لَيْسَ هو من قولِ الكَفَرَةِ وإنما المعنى: يُقَالُ لهُم.\nوقوله: وَأَزْواجَهُمْ معناه: أنوَاعُهُم وضُرَباؤهم قاله عمر وابن عبّاس وقتادة «٢»، ومعهم ما كانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ آدَمِيٍّ رَضِيَ بذلكَ، ومن صَنَمٍ وَوَثَنٍ توبيخًا لهم وإظهارًا لِسُوءِ حالهم، وقال الحسنُ: أَزْواجَهُمْ نساؤهم المشركاتُ: وقاله ابن عباس أيضًا «٣» .\nوقوله تعالى: فَاهْدُوهُمْ معناه: قَدِّمُوهم واحملوهم على طريق الجحيم، ثم يأمر اللَّهُ تعالى بوقوفهم- على جِهَةِ التَّوْبِيخِ لهم- والسؤال، قال جمهور المفسرين: يُسْأَلُونَ عن أعمالهم ويُوقَفُونَ على قُبْحِها، وقد تقدَّم قوله ﷺ: «لاَ تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ ...» الحديثَ، قال ع «٤»: ويَحْتَمِلُ عندي أنْ يكونَ المعنى على نحوِ ما فسّره تعالى بقوله: ما لَكُمْ لا\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٤٧٧) برقم: (٢٩٣٠٢) عن قتادة وبرقم: (٢٩٣٠٣) عن مجاهد، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٦٨)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٤)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٥١٣)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن أبي حاتم عن قتادة، ولعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد.\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٤٧٩) برقم: (٢٩٣١٢) عن عمر بن الخطاب وبرقم: (٢٩٣١٣) عن ابن عبّاس، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٦٨)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٤) عن عمر، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٥١٣)، وعزاه لعبد الرزاق، والفريابي، وابن أبي شيبة، وابن منيع في مسنده، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في «البعث» من طرق النعمان بن بشير عن عمر، وللفريابي، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في «البعث» عن ابن عبّاس، ولعبد بن حميد، وابن مردويه، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة.\n(٣) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٦٩) عن الحسن وابن عبّاس، وذكره ابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٤) عن ابن عبّاس.\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٤٦٩) . [.....]","vol":"5","page":25},{"text":"تَناصَرُونَ أي: إنهم مسؤولون عن امْتِنَاعِهم عن التَّنَاصُرِ وهذا على جهة التَّوْبِيخِ، وقرأ خلق «١» «لا تَتَنَاصَرُونَ» . ت: قال عِيَاضٌ في «المدارك»: كان أبو إسْحَاقَ الجبنياني ظَاهِرَ الحُزْنِ، كثيرَ الدَّمْعَةِ يَسْرُدُ الصِّيَامَ، قال ولده أبو الطاهِر: قال لي أبي: إن إنسانًا بقي في آية سنةً لَمْ يَتَجَاوَزْهَا، وهي قوله تعالى: وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ فقلتُ له: أَنْتَ هُوَ؟\nفَسَكَتَ، فعلمتُ أَنَّه/ هو، وكانَ إذا دَخَلَ في الصَّلاَةِ: لَوْ سَقَطَ البيتُ الذي هو فيه، ما التَفَتَ، إقبالًا على صَلاَتِهِ، واشتغالا بمناجَاة ربِّهِ، وكانَ ﵀ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ تَضْيِيقًا على نَفْسِهِ ثم عَلى أَهْلِه، وكان يأكلُ البَقْلَ البَرِّيَّ والجَرَادَ إذا وَجَدَهُ ويَطْحَنُ قُوتَهُ بِيَدِهِ شَعِيرًا، ثُم يَجْعَلُهُ بِنُخَالَتِهِ دَقِيقًا في قِدْرٍ مع مَا وَجَدَ مِنْ بَقْلٍ بَرِّيٍّ وَغيرِه، حتى إِنّه رُبَّما رَمَى بِشَيْءٍ مِنْهُ لِكَلْبٍ أَو هِرٍّ فَلا يَأْكُلُهُ، وكانَ لِبَاسُهُ يَجْمَعُهُ من خرق المزابل ويرقّعه، وَكَانَ يَتَوَطَّأُ الرَّمْلَ، وَفي الشِّتَاءِ يَأْخُذُ قِفَافَ المَعَاصِرِ المُلْقَاةِ على المَزَابِلِ يجعلُها تَحْتَهُ، قال وَلَدُهُ أبو الطَّاهِرِ: وكنَّا إذا بَقِينَا بلا شَيْءٍ نَقْتَاتُهُ، كُنْتُ أَسْمَعُهُ في اللَّيْل يَقُولُ: [البسيط]\nمَالِي تِلاَدٌ ولاَ استطرفت مِنْ نَشَب ... وَمَا أُؤمِّلُ غَيْرَ اللَّهِ مِنْ أَحَدٍ\nإنَّ الْقُنُوعَ بِحَمْدِ اللَّهِ يَمْنَعُنِي ... مِنَ التَّعَرُّضِ للمَنَّانَةِ النكد\nانتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1178>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٢٧ الى ٣٤]</span>\nوَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (٢٧) قالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ (٢٨) قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٢٩) وَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ (٣٠) فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إِنَّا لَذائِقُونَ (٣١)\nفَأَغْوَيْناكُمْ إِنَّا كُنَّا غاوِينَ (٣٢) فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٣) إِنَّا كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (٣٤)\nوقوله تعالى: وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ هذه الجماعَةُ التي يقْبِلُ بعضُها على بعضٍ هي جِنٌّ وإنْسٌ قاله قتادة «٢»، وتَسَاؤُلُهم هو على معنى التَّقْرِيعِ واللَّوْمِ والتَّسَخُّطِ، والقائلون: إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا إما أنْ يكونَ الإنْسُ يقولونها للشياطينِ وهذا قول مجاهد وابن زيد «٣»، وإما أنْ يكونَ ضَعَفَةُ الإنْسِ يقولُونَهَا لِلكبراءِ والقادةِ، واضطرب\n_________\n(١) وقع في المطبوعة: «وقرأ خالد»، وهو تحريف، والصواب: خلق، كما أثبتناه.\nوينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٤٦٩) .\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٤٨١) برقم: (٢٩٣٢٧)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٦٩)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٥١٥)، وعزاه السيوطي لعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة.\n(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٤٨١) برقم: (٢٩٣٢٨) عن مجاهد وبرقم: (٢٩٣٣١) عن ابن زيد، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٦٩) عنهما، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٥)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٥١٥)، كلاهما عن مجاهد، وعزاه السيوطي لعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد.","vol":"5","page":26},{"text":"المُتَأَوِّلُونَ في معنى قولهم: عَنِ الْيَمِينِ فعبَّر ابنُ زيد وغيرُه عنه بطريقِ الجَنَّةِ «١»، ونحو هذا من العباراتِ التي هي تفسيرٌ بالمعنى، ولا يختصُّ بنَفْسِ اللَّفْظَةِ، والذي يخصُّها مَعَانٍ:\nمنها أن يريدَ باليمين: القوةَ. أي: تحملونَنَا على طريقِ الضَّلاَلَةِ بقوةٍ، ومنها أن يريدَ باليمينِ. اليُمْنَ، أي: تأتوننا من جِهَة النصائِح والعملِ الذي يُتَيَمَّنُ به، ومن المعاني التي تحتملها الآيةُ أن يريدوا: أنكم كُنتم تجيئُونَنَا من جهة الشَّهَوَاتِ، وأكثرُ ما يَتَمكَّنُ هذا التأويلُ مع إغواء الشياطين، وقيلَ: المعنى تَحْلِفونَ لنا، فاليمينُ على هذا: القَسَمُ، وقد ذَهَبَ بعضُ العلماءِ في ذكرِ إبليسَ جهاتِ بني آدم في قوله: مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ [الأعراف: ١٧] إلى ما ذكرناه من جهةِ الشهوات. ثم أخْبَرَ تعالى عن قول الجِنّ المجيبينَ لهؤلاءِ بقولهم: بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ، أي: ليس الأمْرُ كما ذكرتمْ بل كانَ لكمُ اكتسابُ الكُفْرِ وما كانَ لنَا عليكم حُجَّةٌ، وبنحو هذا فَسَّرَ قَتَادَةُ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ قولُ الجِنِّ إلى غاوِينَ «٢» . ثم أخْبَرَ تعالى بأنهم جميعًا في العذابِ مشتركون، وأنَّ هذا فعلُه بأهل الجُرْم والكفر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1179>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٣٥ الى ٣٩]</span>\nإِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥) وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦) بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (٣٧) إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ (٣٨) وَما تُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٩)\nوقوله سبحانه: إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلهَ إِلَّا اللَّهُ ... الآية، قُلْتُ: جاء في فضل «لاَ إله إلاَّ اللَّهُ» أحاديثُ كثيرةٌ فمنها ما رواه أبو سعيدٍ الخُدْرِيُّ عن النبي ﷺ أنه قال: قَالَ موسى: يَا رَبِّ علِّمْنِي شَيْئًا أَذْكُرُكَ بِهِ، وأدْعُوكَ بِهِ، قال: قُلْ يَا مُوسَى: «لاَ إله إلاَّ اللَّهُ» قال: يَا رَبِّ، كُلُّ عِبَادِكَ يَقُولُ هَذَا، قَالَ: قُلْ: «لاَ إله إلاَّ اللَّهُ» قَالَ: إنَّمَا أُرِيدُ شَيْئًا تَخُصُّنِي بِهِ، قَالَ: يَا موسى، لَوْ أَنَّ السموات السَّبْعَ والأَرْضِينَ السَّبْعَ فِي كِفَّةٍ، و«لاَ إله إلاَّ اللَّهُ» في كِفَّةٍ- مَالَتْ بِهِنَّ «لاَ إله إلاَّ اللَّهُ» «٣» - رواه النسائي وابن حبّان في\n_________\n(١) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٦٩) .\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٤٨٢) برقم: (٢٩٣٣٢)، بلفظ: قال: قالت لهم الجن: بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ حتى بلغ: قَوْمًا طاغِينَ، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٧٠) .\n(٣) أخرجه ابن حبان (١٤/ ١٠٢) كتاب «التاريخ» باب: ذكر سؤال كليم الله ربه أن يعلمه شيئا يذكره، برقم: (٦٢١٨)، والنسائي في «الكبرى» (٦/ ٢٠٨- ٢٠٩) كتاب «عمل اليوم والليلة» باب: أفضل الذكر والدعاء، برقم: (١٠٦٧٠/ ٤)، والحاكم في «المستدرك» (١/ ٥٢٨)، والبيهقي في «الأسماء والصفات» ص ١٠٢، ١٠٣، وأبو يعلى (٢/ ٥٢٨)، برقم: (٤٢٠/ ١٣٩٣)، وأبو نعيم في «الحلية» (٨/ ٣٢٨) . -","vol":"5","page":27},{"text":"«صحيحه»، واللفظ لابن حبّان، وعنه ﷺ قال: «وقول لاَ إله إلاَّ اللَّهُ/ لاَ تَتْرُكُ ذَنْبًَا وَلاَ يُشْبِهُهَا عَمَلٌ» «١»، رواه الحاكم في «المستدْرك عَلَى الصَّحِيحَيْنِ» وقال صحيحٌ الإسنَاد، انتهى من «السّلاح»، والطائفة التي قالت: أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ هي قريشٌ وإشارتهم بالشاعر إلى النبيّ ﷺ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بقوله: بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ الذينَ تَقَدَّمُوهُ، ثم أَخْبَرَ تعالى مخاطبا لهم بقوله: إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ الآية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1180>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٤٠ الى ٤٨]</span>\nإِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (٤١) فَواكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ (٤٢) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٤٣) عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ (٤٤)\nيُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (٤٥) بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (٤٦) لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ (٤٧) وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨)\nوقوله تعالى: إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ استثناءٌ مُنْقَطِعٌ وهؤلاءِ المؤمنون.\nوقوله: مَعْلُومٌ معناه: عندهُمْ.\nوقوله: بَيْضاءَ يَحْتَملُ أَنْ يعودَ على الكأسِ، ويحتملُ أنْ يعودَ على الخَمْرِ، وهو أظهرُ، قال الحسنُ: خَمْرُ الجَنَّةِ أَشَدُّ بياضًا مِنَ اللَّبَنِ «٢»، وفي قراءة ابن مسعود «٣»:\n«صفراء» فهذا وصفُ الخمرِ وحدَها، والغَوْلُ: اسمٌ عامٌّ في الأذى، وقال ابن عباس وغيره: الغَوْلُ: وَجَعٌ في البطْنِ «٤»، وقال قتادةُ هو صُدَاعٌ في الرأس «٥» ويُنْزَفُونَ من\n_________\n- قال الحاكم: هذا حديث صحيح.\nقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٨٥): رواه أبو يعلى، ورجاله وثقوا، وفيهم ضعف.\n(١) أخرجه الحاكم في «المستدرك» (١/ ٥١٤)، وقال: صحيح.\n(٢) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٧٢) .\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٤٧٢)، و«البحر المحيط» (٧/ ٣٤٤)، و«الدر المصون» (٥/ ٥٠١)، و«مختصر الشواذ» ص: (١٢٨)، وزاد نسبتها إلى الحسن والضحاك.\n(٤) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٤٨٥) برقم: (٢٩٣٤٩) عن ابن عبّاس، وبرقم: (٢٩٣٥٠) عن مجاهد، وبرقم: (٢٩٣٥١) عن ابن زيد، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٧٢) عنهم، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٦) أيضا عنهم، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٥١٧)، وعزاه لابن جرير عن ابن عبّاس، ولهناد، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم عن مجاهد، ولعبد بن حميد، وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير.\n(٥) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٤٨٥) برقم: (٢٩٣٤٨) عن ابن عبّاس، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٧٢) عن ابن عبّاس، وقتادة، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٧) عنهما، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٥١٦) أيضا عنهما، وعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في «البعث» عن ابن عبّاس، ولعبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم عن قتادة.","vol":"5","page":28},{"text":"قولك: نُزِفَ الرَّجُلُ إذا سَكِرَ، وبإذْهابِ العَقْلِ فَسَّره ابن عباس «١»، وقرأ حمزة والكسائي «يُنْزِفُونَ» بكسر الزاي «٢» من «أنزف» وله معنيان:\n[أحدهما: سَكِر.\nوالثاني: نَفِدَ شَرَابُه.\nوهذا كله منفيّ عن أهل الجنّة.\nوقاصِراتُ الطَّرْفِ] «٣» قال ابن عباس وغيره معناه على أزواجهن «٤»، أي: لا ينظرن إلى غيرهم، وعِينٌ: جَمْعُ «عَيْنَاءَ»، وهي الكَبِيرةُ العَيْنينِ في جَمَالٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1181>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٤٩ الى ٥٣]</span>\nكَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (٥٠) قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢) أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُرابًا وَعِظامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (٥٣)\nوقوله تعالى: كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ قال ابن جبير والسُّدِّيُّ: شَبَّه ألوانَهُنَّ بِلَوْنِ قِشْرِ البَيْضَةِ الداخليِّ، وهو المكنونُ «٥»، أي المَصُونُ، ورجَّحَه الطبريُّ «٦»، وقال الجمهور: شَبَّه أَلْوَانَهُنَّ بَلَوْنِ قِشْرِ البَيْضَةِ من النَّعَامِ، وهو بياضٌ قَدْ خالَطَتْهُ صُفْرَةٌ حسنة، ومَكْنُونٌ أي:\nبالريش، وقال ابن عباس فيما حَكَى الطبريّ: «البيض المكنون» أراد به الجوهر\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٤٨٦) برقم: (٢٩٣٥٦) عن ابن عبّاس وبرقم: (٢٩٣٥٨) عن مجاهد، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٧٢) عن ابن عبّاس وقتادة، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٧)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٥١٦)، وعزاه لعبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم عن قتادة، ولابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في «البعث» عن ابن عبّاس.\n(٢) ينظر: «السبعة» (٥٤٧) و«الحجة» (٦/ ٥٤)، و«إعراب القراءات» (٢/ ٢٤٦)، و«معاني القراءات» (٢/ ٣١٨)، و«شرح الطيبة» (٥/ ١٨٣)، و«العنوان» (١٦١)، و«حجة القراءات» (٦٠٨)، و«شرح شعلة» (٥٦٢)، و«إتحاف» (٢/ ٤١١) . [.....]\n(٣) سقط في: د.\n(٤) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٤٨٧) برقم: (٢٩٣٦٢) عن ابن عبّاس، وبرقم: (٢٩٣٦٣) عن مجاهد، وبرقم: (٢٩٣٦٤) عن السدي، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٧٣) وزاد نسبته لابن زيد وقتادة، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٧)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٥١٧)، وعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في «البعث» عن ابن عبّاس، ولعبد بن حميد عن مجاهد.\n(٥) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٤٨٨) برقم: (٢٩٣٧١) عن سعيد بن جبير وبرقم: (٢٩٣٧٢) عن السدي.\n(٦) ينظر: «تفسير الطبري» (١٠/ ٤٨٩) .","vol":"5","page":29},{"text":"المَصُونَ «١»، قال ع «٢»: وهذا يَرُدُّهُ لَفْظُ الآيةِ، فلا يَصِحُّ عَنِ ابن عباس.\nوقوله تعالى: فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ ... الآية، هذا التَّساؤُلُ الذي بَيْنَ أهْلِ الجَنَّةِ هو تساؤُلُ رَاحَةٍ وَتَنَعُّمٍ يَتَذَاكَرُونَ أمُورَهُمْ في الجَنَّةِ وأمْرَ الدنيا وحالَ الطَّاعَةِ والإيمَانِ فيها، ثم أخْبَرَ تعالى عَنْ قَوْلِ قائِلٍ منهم في قِصَّتِهِ، وهو مثالٌ لِكُلِّ مَنْ لَهُ قَرِينُ سَوْءٍ، فَيُعْطِي هَذَا المثالُ التَّحَفُّظَ مِنْ قُرَنَاءِ السوءِ، قال الثعلبيُّ: قوله:\nإِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ قال مجاهد: كان شَيْطَانًا «٣»، انتهى، وقال ابنُ عباس وغيره: كان هذانِ منَ البَشَرِ مُؤمِنٌ وكَافِرٌ «٤»، وقال فُرَاتُ بْنُ ثَعْلَبَةَ البَهْرَانِيُّ في قَصَصِ هَذَيْنِ: إنَّهُمَا كَانَا شَرِيكَيْنِ بثمانيةِ آلاف دينارٍ، فكَانَ أحدُهُمَا مَشْغُولًا بِعِبَادةِ اللَّهِ، وكان الآخرُ كافرًا مُقْبِلًا على مَالِهِ، فَحَلَّ الشَّرِكَةَ مع المؤمِنِ وَبقيَ وَحْدَه لِتَقْصِيرِ المؤمِنِ في التِّجَارَةِ، وجَعَلَ الكَافِرُ كُلَّمَا اشْتَرَى شَيْئًا من دَارٍ أو جَاريةٍ أو بستانٍ ونحوِهِ، عرضه عَلى المؤمِنِ وفَخَرَ عليه، فَيَمْضِي المؤمِنُ عندَ ذلكَ، وَيَتَصَدَّقُ بنحوِ ذلك لِيَشْتَرِي بِه من اللَّهِ تعالى في الجَنَّةِ، فكانَ مِنْ أمرِهمَا في الآخِرَةِ ما تَضَمَّنَتْهُ هذه «٥» الآية، وحكى السُّهَيْلِيُّ أن هذين الرجلَيْنِ هما المذكورانِ في قوله تعالى: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ ... الآية [الكهف: ٣٢] انتهى، و«مدينون» معناه: مجاوزون محاسبون قاله ابن عبّاس وغيره «٦» .\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٤٨٩) برقم: (٢٩٣٧٥) بلفظ: اللؤلؤ المكنون، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٧٣)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٧)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٥١٧)، وعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في «البعث» عن ابن عبّاس.\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٤٧٣) .\n(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٤٩٠) برقم: (٢٩٣٧٩)، وذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ٢٨)، وابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٧٣)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٥١٨)، وعزاه السيوطي للفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٤) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٤٩٠) برقم: (٢٩٣٨٠) عن ابن عبّاس، وذكره البغوي (٤/ ٢٨)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٧٣)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٨)، كلاهما عن ابن عبّاس.\n(٥) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٤٩٠) برقم: (٢٩٣٨١)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٧٣)، وذكره ابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٥١٩)، وعزاه السيوطي لسعيد بن منصور.\n(٦) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٤٩١) برقم: (٢٩٣٨٢)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٧٤)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٥٢١)، وعزاه السيوطي لابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، عن مجاهد، ولعبد بن حميد عن قتادة.","vol":"5","page":30},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1182>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٥٤ الى ٦١]</span>\nقالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (٥٤) فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ (٥٥) قالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧) أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨)\nإِلاَّ مَوْتَتَنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٥٩) إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٠) لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ (٦١)\nوقوله تعالى: قالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ الآية، / في الكلامِ حَذْفٌ، تقديرُه: فقالَ لِهذَا الرجلُ حاضِرُوهُ مِنَ الملائِكَةِ: إنَّ قَرِينَكَ هذا في جَهَنَّمَ يُعَذَّبُ فقال عند ذلك: هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ يخَاطِبُ ب «أَنْتُم» الملائكةَ أو رفقاءَه في الجنةِ أو خَدَمَتَهُ وَكُلَّ هذا حَكَى المَهْدَوِيُّ، وقَرَأ أبو عمرو في رواية حُسَيْنٍ «مُطْلِعُونَ» بسكون الطاء وفتح النون «١»، وقرِىء شاذًّا «مُطْلِعُونِ» - بسكون الطاء وكسر النون «٢» -، قال ابن عباس وغيره: سَواءِ الْجَحِيمِ وَسَطُه «٣»، فقال له المؤمِنُ عند ذلك: تَاللَّهِ، إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ أي: لَتُهْلِكُنِي بإغْوائِكَ، والرَّدَى: الهلاكُ، وقولُ المؤمِنِ: أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ إلى قوله: بِمُعَذَّبِينَ يحتملُ أن تكونَ مخاطبةً لِرُفَقَائِهِ في الجَنَّةِ، لمَّا رأى مَا نَزَلَ بِقَرِينِهِ، ونَظَرَ إلى حالِه في الجنَّةِ وحالِ رُفَقَائِهِ قَدَّرَ النعمةَ قَدْرَهَا، فَقَالَ لهم على جهة التوقيفِ على النِّعْمَةِ: أفما نحن بميِّتين ولا معذَّبين، ويجيء على هذا التأويل قوله: إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ\nإلى قوله:\nالْعامِلُونَ مُتَّصِلًا بكَلاَمِهِ خِطَابًا لرفقائهِ، ويحتمل قوله: أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ أن تكون\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٤٧٤) .\nووقع في رواية أبي بكر بن مجاهد أن أبا عمرو قرأها مثل قراءة الباقين، غير أنه قرأ: «فأطلع» مبنيا للمجهول.\nينظر: «السبعة» (٥٤٨)، و«الحجة» (٦/ ٥٥- ٥٦)، و«مختصر الشواذ» ص: (١٢٨)، و«المحتسب» (٢/ ٢١٩) .\n(٢) وقرأ بها أبو البرهسم، وعمار بن عمار.\nقال ابن عطية: وردّ هذه القراءة أبو حاتم وغيره ولحنوها وذلك أنها جمعت بين ياء الإضافة ونون المتكلم، والوجه أن يقال: «مطلعيّ» . ووجه القراءة أبو الفتح بن جني، وقال: أنزل الفاعل منزل الفعل المضارع، وأنشد الطبري [الوافر]:\nوما أدري وظن كلّ ظن ... أمسلمني إلى قومي شراحي\nوقال الفراء: يريد شراحيل.\nينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٤٧٤)، و«المحتسب» (٢/ ٢٢٠)، و«البحر المحيط» (٧/ ٣٤٦)، و«الدر المصون» (٥/ ٥٠٣) .\n(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٤٩١) برقم: (٢٩٣٨٥) عن ابن عبّاس، وبرقم: (٢٩٣٨٧) عن الحسن، وبرقم: (٢٩٣٨٩) عن قتادة، وذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ٢٨) عن ابن عبّاس، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٥٢١)، وعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عبّاس.","vol":"5","page":31},{"text":"مخاطبةً لقرينِه على جهة التوبيخ، كأنَّه يقول: أين الذي كنتَ تقولُ من أنَّا نموتُ وَلَيْسَ بَعْدَ الموتِ عِقَابٌ ولا عَذَابٌ، ويكونُ قولُه تعالى: إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ إلى قوله:\nالْعامِلُونَ يحتمل أنْ يَكُونَ من خِطَابِ المُؤْمِنِ لقرينهِ وإليه ذَهَبَ قتادة «١»، ويحتملُ أنْ يَكُونَ من خِطَابِ اللَّه- تعالى- لمحمَّد ع وأُمَّتِه، ويُقَوِّي هذَا قَوْلُهُ: لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ وهُوَ حَضٌّ عَلى العَمَلِ والآخِرَةُ لَيْسَتْ بدار عمل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1183>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٦٢ الى ٧٢]</span>\nأَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢) إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (٦٣) إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ (٦٥) فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٦٦)\nثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (٦٧) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (٦٨) إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آباءَهُمْ ضالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ (٧٠) وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (٧١)\nوَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ (٧٢)\nوقولُهُ تعالى: أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ المرادُ بالآية: تقريرُ قريشٍ والكفارِ، قال ع «٢»: وفي بعض البلادِ الجَدْبَةِ المجاورةِ للصَّحَارَى- شجرةٌ مُرَّةٌ مَسْمُومَةٌ لَهَا لَبَنٌ، إنْ مَسَّ جِسْمَ أَحَدٍ تَوَرَّمَ وَمَاتَ مِنْهُ في أغلب الأمْرِ تُسَمَّى شجَرَةَ الزَّقُّومِ، والتَّزَقُّمُ في كَلاَمِ العَرَب: البَلْعُ عَلَى شِدَّةٍ وَجَهْدٍ.\nوقوله تعالى: إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ قال قتادة ومجاهد والسُّدِّيُّ: يريد أبا جهل ونظراءه «٣»، وقد تقدم بيان ذلك.\nوقوله تعالى: كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ اخْتَلَفَ في معناه فقالت فرقة: شَبَّهَ طَلْعَها بثَمَرِ شَجَرَةٍ مَعْرُوفَةٍ يقالُ لَها «رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ»، وهي بناحِيَةِ اليَمَنِ، يقال لها: «الأَسْتَنُ»، وقالت فرقة: شَبَّهَ برُؤُوسِ صِنْفٍ منَ الحيَّاتِ يُقَالُ لها «الشَّياطِين»، وهي ذواتُ أعْرَافٍ، وقالت فرقة: شَبَّه بما اسْتَقَر في النُّفُوسِ مِنْ كَرَاهَةِ رؤوس الشياطين وقُبْحِهَا وإنْ كانَتْ لاَ تُرَى لأن الناسَ إذا وصفوا شَيْئًا بِغَايَةِ القُبْحِ قَالوا: كأنَّه شَيْطَانٌ ونَحوُ هذا قولُ امرئ القيس: [الطويل] .\n_________\n(١) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٧٥) . [.....]\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٤٧٥) .\n(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٤٩٤) برقم: (٢٩٣٩٩) عن السدي، وبرقم: (٢٩٤٠٠) عن مجاهد، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٧٥)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ١٠) عن مجاهد، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٥٢٢)، وعزاه لعبد بن حميد عن مجاهد، ولابن مردويه عن ابن عبّاس.","vol":"5","page":32},{"text":"أَيَقْتُلُنِي وَالمَشْرَفِيُّ مُضَاجِعِي ... وَمَسْنُونَةٌ زُرْقٌ كَأَنْيَابِ أَغْوَالِ «١»\nفإنَّما شَبَّه بما استقر في النفوس من هيئتها، والشَّوْبُ: المِزَاجُ والخَلْطُ قاله ابن عباس وقتادة «٢»، والحميم: السُّخْنُ جِدًّا مِن الماء ونحوِهِ، فيريد به هاهنا شَرَابَهُمْ الذي هو طِينةُ الخَبَالِ صَدِيدُهُمْ وَمَا يَنْماعُ مِنْهُمْ هذا قولُ جماعةٍ من المفسرين.\nوقوله تعالى: ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ كقوله تعالى: يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ [الرحمن: ٤٤] وقوله سبحانه: إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آباءَهُمْ ... الآية، تمثيل لقريش ويُهْرَعُونَ معناه: يُسْرِعُونَ قاله قتادة وغيره «٣»، وهذا تَكَسُّبُهُمْ للكفر وحرصهم عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1184>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٧٣ الى ٧٦]</span>\nفَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣) إِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٧٤) وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٧٥) وَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦)\nوقوله تعالى: فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ يَقْتَضِي الإخبارَ بأنه عذَّبَهُمْ ولذلك حَسُنَ الاستثناءُ في قوله: إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ونِداءُ نُوحٍ تَضَمَّنَ أشْياءَ كطَلبِ النصرة والدعاءِ على قومِه وغيرِ ذلك، قال أبو حيان «٤»: وقوله: فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ جَوابُ قَسَمٍ كقوله: [من الطويل]\nيمينا لنعم السّيّدان وجدتما «٥» ... ............... ................\n_________\n(١) من قصيدة أولها:\nألا عم صباحا أيها الطّلل البالي ... وهل يعمن من كان في العصر الخالي\nينظر: «ديوانه» (٣٣)، «معاهد التنصيص» (٢/ ٧)، «الكامل» (٣/ ٩٦)، «البحر المحيط» (٧/ ٣٦٣)، و«الدر المصون» (٥/ ٥٠٦) .\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٤٩٥) برقم: (٢٩٤٠٢) عن ابن عبّاس، وبرقم: (٢٩٤٠٤) عن قتادة، و(٢٩٤٠٥) عن السدي، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٧٦) عنهما، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ١١) عن ابن عبّاس، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٥٢٢)، وعزاه لابن المنذر عن ابن عبّاس.\n(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٤٩٦) برقم: (٢٩٤١٣) عن قتادة، وبرقم: (٢٩٤١٤) عن السدي، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٧٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٥٢٣)، وعزاه لعبد بن حميد عن قتادة.\n(٤) ينظر: «البحر المحيط» (٧/ ٣٤٩) .\n(٥) صدر بيت لزهير بن أبي سلمى وعجزه:\n............. ... على كلّ حال من سجيل ومبرم\nالبيت في «ديوانه» ص: (١٤)، و«الأشباه والنظائر» (٨/ ٢١٠)، و«جمهرة اللغة» ص: (٥٣٤)، و«خزانة الأدب» (٣/ ٦)، (٩/ ٣٨٧)، و«الدرر» (٤/ ٢٢٧)، و«شرح عمدة الحافظ» ص: (٧٩٢)، و«همع الهوامع» (٢/ ٤٢)، وبلا نسبة في «خزانة الأدب» (٩/ ٣٩٠) .","vol":"5","page":33},{"text":"والمخصوصُ بالمَدْحِ محذوفٌ، أي: فَلنِعْمَ المجيبُونَ نَحْنُ، انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1185>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٧٧ الى ٨٢]</span>\nوَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ (٧٧) وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨) سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ (٧٩) إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٠) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (٨١)\nثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٨٢)\nوقوله تعالى: وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ قال ابن عبَّاسٍ وقتادة: أهْلُ الأرضِ كلُّهُمْ من ذريةِ نوحٍ «١»، وقالت فرقة: إنَّ اللَّه تعالى أَبْقَى ذريةَ نُوحٍ وَمَدَّ نَسْلَه، وليسَ الأمْرُ بأَنَّ أَهْلَ الدُّنْيَا انْحَصَرُوا إلى نَسْلِهِ، بَلْ في الأُمَمِ مَنْ لاَ يَرْجِعُ إليْه، والأول أشْهَرُ عَنْ عُلَماءِ الأمَّة، وقالوا: نوحٌ هو آدم الأصغر، قال السُّهَيْلِيُّ: ذُكِرَ عَنْ رسول الله ﷺ، أنه قال في قوله﷿-: وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ: [إنَّهم] سامٌ وحَامٌ ويافثُ «٢»، انتهى.\nوقوله تعالى: وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ معناهُ: ثناءً حسَنًا جَميلًا باقيًا آخِرَ الدّهر قاله ابن عبّاس وغيره «٣»، وسَلامٌ رفعٌ بالابتداء مُسْتَأنف، سَلَّمَ اللَّهُ به عليه لِيَقْتَدِيَ بذلك البَشَرُ. ت: قال أبو عُمَرَ في «التمهيد»: قال سعيد- يعني: ابن عبد الرحمن الجُمَحِيَّ-: بلَغَني أنه مَنْ قَالَ حِينَ يُمْسِي: سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ لَمْ تَلْدَغْهُ عَقْرَبٌ، ذَكَرَ هذا عندَ قولِ النبيّ ﷺ للأسْلَمِيِّ الذي لَدَغَتْهُ عَقْرَبٌ: «أمَا لَوْ أَنَّكَ قُلْتَ حِينَ أمْسَيْتَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ لَمْ تَضُرَّكَ إنْ شاء الله» «٤»، قال أبو\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٤٩٨) برقم: (٢٩٤٢٠) عن قتادة، وبرقم: (٢٩٤٢١) عن ابن عبّاس، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٧٧)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ١٢)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٥٢٤)، كلهم عن ابن عبّاس، وقتادة، وعزاه السيوطي لعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة، ولابن المنذر عن ابن عبّاس.\n(٢) أخرجه الترمذي في «سننه» (٥/ ٣٦٥)، كتاب «تفسير القرآن» باب: ومن سورة الصافات برقم:\n(٣٢٣٠)، والطبري (١٠/ ٤٩٧) برقم: (٢٩٤١٩)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٥٢٤)، وعزاه إلى ابن أبي حاتم، وابن مردويه.\nقال الترمذي: هذا حديث حسنٌ غريبٌ لا نعرفه إِلا من حديث سعيد بن بشير.\n(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٤٩٨) برقم: (٢٩٤٢٢) عن ابن عبّاس، وبرقم: (٢٩٤٢٤) عن قتادة، وذكره ابن عطية (٤/ ٤٧٧)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ١٢)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٥٢٤)، وعزاه لعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة، ولابن المنذر عن ابن عبّاس.\n(٤) هذا الحديث روي من طريق أبي هريرة، وخولة بنت حكيم، وعمرو بن العاص، وسهيل بن أبي صالح عن أبيه.\nأما طريق أبو هريرة: أخرجه مسلم (٤/ ٢٨١) «الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار»، باب: في التعوذ من سوء القضاء ودرك الشقاء وغيره، برقم: (٢٧٠٩)، وأبو داود (٢/ ٤٠٦) كتاب «الطب» باب: كيف الرقى، برقم: (٣٨٩٩)، وابن حبان (٧/ ٣٨٦) - الموارد برقم: (٢٣٦٠) ولم يذكر نبأ الأسلميّ،","vol":"5","page":34},{"text":"عُمَرَ: وَرَوَى [ابنُ وَهْبٍ] «١» هذَا الحديثَ عَنْ مالكٍ يَعْني: حديثَ: «أعوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ» بإسْنَادِهِ مِثْلَ ما في «المُوطَّإ»، إلا أنَّه قال في آخره: «لَمْ يَضُرَّكَ شَيْءٌ» «٢» انتهى.\nوقوله تعالى: ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ قال جماعة من العلماء: إنَّ الغَرَقَ عَمَّ جميعَ النَّاسِ، وأسْنَدُوا في ذلك أحَادِيثَ، قَالُوا: وَلَمْ يَكُنِ الناسُ حينئذٍ بهذهِ الكَثْرَةِ لأنَّ عَهْدَ آدم كانَ قريبًا، وكانتْ دَعْوَةُ نُوحٍ ونُبُوَّتُهُ قَدْ بَلَغَتْ جميعَهم، لِطُولِ المدَّةِ واللَّبْثِ فِيهم، فَتَمادَوْا عَلَى كُفْرِهِمْ، وَلَمْ يَقْبَلُوا مَا دَعَاهُمْ إليه من عبادةِ الرحمن فلذلكَ أغْرَقَ اللَّهُ جميعَهُمْ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1186>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٨٣ الى ٨٧]</span>\nوَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ (٨٣) إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ (٨٥) أَإِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ (٨٧)\n_________\n- والنسائي في «الكبرى» (٦/ ١٥٢) كتاب «عمل اليوم والليلة» باب: ما يقول إذا خاف شيئا من الهوام حين يمسي، برقم: (١٠٤٢٤/ ٤)، وأبو يعلى (١٢/ ٤٤) برقم: (٨٤٨/ ٦٦٨٨)، ومالك في «الموطأ» (٢/ ٩٥١) كتاب «الشعر» باب: ما يؤمر به من التعوذ، برقم: (١١)، وأحمد (٢/ ٣٧٥)، وابن ماجه (٢/ ١١٦٢) كتاب «الطب» باب: رقية الحية والعقرب برقم: (٣٥١٨)، وأبو نعيم في «الحلية» (٧/ ١٤٣)، والخطيب في «تاريخ بغداد» (١/ ٣٨٠) .\nأما الحديث من طريق خولة بنت حكيم: أخرجه مسلم (٤/ ٢٠٨) كتاب «الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار» باب: في التعوذ من سوء القضاء ودرك الشقاء وغيره، برقم: (٥٤/ ٢٧٠٨)، (٥٥/ ٢٧٠٨)، والنسائي في «الكبرى» (٦/ ١٤٤) كتاب «عمل اليوم والليلة» باب: ما يقول إذا نزل منزلا، برقم: (١٠٣٩٤/ ١- ٢)، والترمذي (٥/ ٤٩٦) كتاب «الدعوات» باب: ما جاء ما يقول إذا نزل منزلا، برقم: (٣٤٣٧)، وابن ماجه (٢/ ١١٧٤)، كتاب «الطب» باب: الفزع والأرق وما يتعوذ منه، برقم:\n(٣٥٤٧)، وأحمد (٦/ ٣٧٧)، والبيهقي في «السنن» (٥/ ٢٥٣) كتاب «الحج» باب: ما يقول إذا نزل منزلا، ومالك في «الموطأ» (٢/ ٩٧٨) كتاب «الاستئذان» باب: ما يؤمر به من الكلام في السفر، والدارمي (٢/ ٢٨٩) كتاب «الاستئذان» باب: ما يقول إذا نزل منزلا، وعبد الرزاق في «المصنف» (٥/ ١٦٦)، كتاب «المناسك» باب: ما يقول إذا نزل منزلا، رقم: (٩٢٦١)، وابن حبان (٦/ ٤١٨)، كتاب «الصلاة» باب: ذكر الشيء الذي إذا قال المسافر في منزله أمن الضرر من كلّ شيء حتى يرتحل منه، برقم: (٢٧٠٠) .\nولم تأت من هذا الطريق قصة الأسلمي. قال أبو عيسى الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب.\nوأما طريق عمرو بن العاص: أخرجه أبو داود (٢/ ٤٠٥)، كتاب «الطب» باب: كيف الرقى؟ رقم:\n(٣٨٩٣) نحو حديث أبي هريرة.\nوأما طريق سهيل بن أبي صالح عن أبيه: أخرجه أبو داود (٢/ ٤٠٦) كتاب «الطب» باب: كيف الرقى؟\nرقم: (٣٨٩٨) .\n(١) سقط في: د.\n(٢) ينظر: الحديث السابق. [.....]","vol":"5","page":35},{"text":"وقوله تعالى: وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ قال ابنُ عبَّاسٍ وغيره: الضميرُ عائِدٌ على نوحٍ «١»، والمعنى: في الدينِ والتَّوْحيدِ، وقَال الطبريُّ وغيره عن الفَرَّاءِ: الضميرُ عائِدٌ عَلى محمدٍ، والإشَارَةُ إليه.\nوقوله: أَإِفْكًا استفهام بمعنى التقرير، أي: أكذبا ومحالا، آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ.\nوقوله: فَما ظَنُّكُمْ تَوْبِيخٌ وتحذير وتوعّد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1187>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٨٨ الى ٩٠]</span>\nفَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩) فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (٩٠)\nوقوله تعالى: فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ رُوِيَ أنَّ قَوْمَهُ كانَ لهم عِيدٌ يَخْرُجُونَ إليه فدعوا إبراهيم ع إلى الخروجِ مَعَهُمْ، فَنَظَرَ حينَئِذٍ، واعتَذَرَ بِالسُّقْمِ، وأرادَ البَقَاءَ لِيُخَالِفَهُمْ إلى الأصْنَامِ، ورُوِيَ أنَّ عِلْمَ النُّجُومِ كانَ عندَهم مَنْظُورًا فِيه مُسْتَعْمَلًا فأوْهَمَهُم هو من تلكَ الجهة، قالت فرقة: وقوله: إِنِّي سَقِيمٌ من المعاريض الجائزة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1188>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٩١ الى ١٠٢]</span>\nفَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ أَلا تَأْكُلُونَ (٩١) ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ (٩٢) فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (٩٣) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (٩٤) قالَ أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ (٩٥)\nوَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ (٩٦) قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧) فَأَرادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ (٩٨) وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠)\nفَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ (١٠١) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢)\nوقوله تعالى: فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ «راغ» معناه: مَالَ.\nوقوله: أَلا تَأْكُلُونَ هو على جِهَةِ الاسْتِهْزَاءِ بِعَبَدَةِ تلكَ الأصْنَامِ، ثم مَالَ عِنْدَ ذَلِكَ إلَى ضَرْبِ/ تلك الأصْنامِ بِفَأْسٍ حَتَّى جَعَلَها جُذَاذًا، واخْتُلِفَ في معنى قوله: بِالْيَمِينِ فقال ابن عَبَّاس: أراد يمنى يَدَيْهِ «٢»، وَقِيلَ: أرادَ بِقُوَّتِه لأنَّه كانَ يَجْمَعُ يَدَيْهِ مَعًا بِالفَأْسِ، وقيل: أراد باليمينِ، القَسَمَ في قوله: وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ [الأنبياء: ٥٧]، والضميرُ\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٤٩٩) برقم: (٢٩٤٢٧)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٧٧)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ١٢)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٥٢٥) كلهم عن ابن عبّاس، وعزاه السيوطي لابن أبي حاتم عن ابن عبّاس.\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٥٠٢) برقم: (٢٩٤٥٢)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٧٩) .","vol":"5","page":36},{"text":"في «أقبلوا» لكفّار قومه ويَزِفُّونَ معناه: يُسْرَعُونَ، واختلف المتأَوِّلُونَ في قوله: وَما تَعْمَلُونَ فَمَذْهَبُ جماعةٍ من المفسرين: أن «ما» مصدرية، والمعنى: أنَّ اللَّهَ خَلَقَكُمْ وأَعْمَالَكُمْ، وهذه الآيةُ عندهُمْ قَاعِدَةٌ في خَلْقِ اللَّهِ تعالى أفْعَالَ العِبَادِ وهو مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ «١»، وقالت فرقة: «ما» بمعنى: الّذي، و«البنيان» قيل: كان في موضع إيقاد النار،\n_________\n(١) المراد من أفعال العباد: المعنى الحاصل بالمصدر الذي هو متعلق الإيجاد والإيقاع، أعني ما نشاهده من الحركات والسكنات مثلا، لا المعنى المصدري الذي هو الإيجاد والإيقاع، لأنه من الأمور اللاموجودة واللامعدودة المسماة بالحال كما ذهبت إليه مشايخ الحنفية، واختاره القاضي أبو بكر الباقلاني، وإمام الحرمين من الأشاعرة أو هو أمر اعتباري عند نفاة الحال، فلا يتعلق به خلق ولا إيجاد وإلا لزم التسلسل، وإطلاق المصدر على المعنى الحاصل بالمصدر، وإن كان مجازا من قبيل إطلاق اللازم وإرادة الملزوم، إلا أنه كثير الوقوع، فلا يحتاج إلى قرينة. وتنقسم أفعال العباد إلى: اختيارية، كحركة البطش، وإلى: اضطرارية، كحركة الارتعاش، وإلى أفعال مباشرة، وإلى أفعال متولدة، كحركة المفتاح المتولدة من حركة اليد، ثم إن أفعال العباد منها ما يتعلق بالجوارح، ومنها ما يتعلق بالقلوب، هذا كله بالنسبة للمستيقظ.\nوأما أفعال النائم فقد اختلفوا فيها، فقال بعضهم: إنها مقدورة مكتسبة للنائم، والنوم لا يضاد القدرة، وإن كان يضاد العلم وغيره من الإرادات، وقال بعضهم: إنها غير مقدورة له، وأن النوم يضاد القدرة كما يضاد العلم، وبعضهم لا يقطع بكونها مكتسبة، ولا بكونها ضرورية بل كلّ من الأمرين ممكن.\nوقد استدل القائلون بأن أفعال النائم مقدورة له بما يأتي:\n«أولا»: بأن النائم كان قادرا في يقظته، وقدرته باقية، والنوم لا ينافيها، فوجب استصحاب حكمها.\n«ثانيا»: بأن النائم إذا انتبه فهو على ما كان عليه في نومه، ولا يتجدد أمر وراء زوال النوم، وهو قادر بعد الانتباه، وزوال النوم غير موجب للاقتدار، ولا وجوده نافيا للقدرة.\n«ثالثا»: قد يوجد من النائم، ما لو وجد منه في حال اليقظة، لكان واقعا على حسب الداعي والاختيار، والنوم، وإن نافى القصد فلا ينافي القدرة.\n«رابعا»: نجد تفرقة ضرورية بين حركة النائم، وحركة المرتعش، وما ذاك إلا أن حركته مقدورة له، وحركة المرتعش غير مقدورة له.\nوقال النافون المقدرة: قولكم: النوم لا ينافي القدرة: دعوى كاذبة فإن النائم منفعل محضا متأثر صرفا ولهذا لا يمتنع ممن يؤثر فيه، وقولكم: لم يتجدد له أمر غير زوال النوم، غير مسلم به لأن التجدد:\nزوال المانع من القدرة، فعاد إلى ما كان عليه كمن أوثق غيره رباطا، ومنعه من الحركة، فإذا حلّ رباطه، تجدد زوال المانع.\nوالتحقيق: أن حركة النائم ضرورية له غير مكتسبة، وكما فرقنا في حق المستيقظ بين حركة ارتعاشه وحركة تصفيقه، كذلك نجد تفرقة ضرورية بين حركة النائم وحركة المستيقظ وعلى كلّ حال فالمثبتون للقدرة وهم المعتزلة وبعض الأشعرية والنافون لها وهم: أبو إسحاق وغيره، والمتوقفون في ذلك هم: جمهور الأشعرية، والقاضي أبو بكر، متفقون على أن أفعال النائم غير داخلة تحت التكليف.\nأما أفعال الساهر فاختيارية لأنه وإن كان يفعل الفعل مع غفلته وذهوله، فهو إنما يفعله بقدرته إذ لو كان عاجزا لما تأتى منه الفعل وله إرادة لكن غافل عنها فالإرادة شيء، والشعور بها شيء آخر. -","vol":"5","page":37},{"text":"وقيل: بَلْ كَان لِلْمَنْجَنِيقِ الذي رُمِي عَنْه، والله أعلم.\n_________\n- فالعبد قد يكون له إرادة وهو ذاهل عن شعوره بها لاشتغال محل التصور منه بأمر آخر منعه من الشعور بالإرادة، فعملت عملها، وهي غير مشعور بها، وإن كان لا بد من الشعور عند كلّ جزء.\nومع كلّ فالفعل الاختياري يستلزم الشعور بالفعل في الجملة، وأما الشعور به بالتفصيل فلا يستلزمه.\nوأما زائل العقل بجنون أو سكر، فليست أفعاله اضطرارية، كأفعال الملجأ، ولا اختيارية بمنزلة أفعال العاقل العالم بما يفعله، بل هي نوع آخر يشبه الاضطرارية، وأفعاله كفعل الحيوان وفعل الصبي الذي لا تمييز له إذ لكل واحد من هؤلاء داعية إلى الفعل يتصورها، وإرادة يقصد بها، وقدرة ينفذ بها، فهذه أفعال طبيعية، واقعة بالداعي والإرادة والقدرة، وإن كانت الداعية التي فيهم غير داعية العاقل العالم بما يفعله لأنه يتصور ما في الفعل من الغرض، ثم يريده ويفعله، ولهذا لم يكلف أحد من هؤلاء بالفعل، فأفعالهم لا تدخل تحت التكليف، وليست كأفعال الملجأ ولا المكره.\nوهي مضافة إليهم مباشرة، وإلى خالق ذواتهم وصفاتهم وأفعالهم خلقا.\nفهي مفعولة وأفعال لهم.\nلا خلاف في أن أفعال العباد اضطرارية، مخلوقة لله تعالى، ولا في أن الكلام اللفظي القائم بالنبي ﷺ على تقدير حدوثه مخلوق له تعالى. أما عند أهل السنّة فظاهر، وأما عند المعتزلة، فإما بنفي اختياريته، أو باستثنائه من الكلية. وأما أفعال العباد الاختيارية، فقد اختلفوا في الخالق لها، فقالت الجبرية: الخالق لأفعال العباد الاختيارية هو الله فقط ولا دخل لقدرة العبد في فعله البتة، بل هو مجبور ومقهور، وأن حركته الاختيارية، لا اختيار له فيها، وأنها كحركة الأشجار عند هبوب الرياح، وكحركة الأمواج، وأن العبد كالريشة المعلقة في الهواء.\nوقال الشيخ أبو الحسن الأشعري: فعل العبد واقع بقدرة الله، ومخلوق له، وأن قدرة العبد لها دخل في الفعل الاختياري بالكسب والاختيار، وأن الله قد جرت عادته بأن يخلق فعل العبد الاختياري مقارنا لقدرته، وهذا هو الكسب عنده.\nوقال القاضي أبو بكر الباقلاني: أصل الفعل واقع بقدرة الله تعالى، وأما وصفه فواقع بقدرة العبد، كما في لطم اليتيم تأديبا وإيذاء، فإن ذات اللطم واقعة بقدرة الله تعالى، وكونه طاعة على الأول ومعصية على الثاني بقدرة العبد. والظاهر أنه لم يرد أن قدرة العبد مستقلة في خلق وصف الفعل، وإلا لزم عليه ما لزم على المعتزلة، بل أراد أن القدرة لها دخل في ذلك الوصف فهو بالنسبة إلى العبد طاعة ومعصية، كذا ذكره المحقق الديواني، وقد ورد على مذهبه: أن هذه الصفات أمور اعتبارية تلزم فعل العبد باعتبار موافقتها للشرع، أو مخالفتها له، فلا وجه لكون وصف الفعل واقعا بقدرة العبد، وهذا مدفوع بأن كون الفعل طاعة أو معصية إنما هو بالنية والإرادة الجزئية والعزم، وهي مقدورة للعبد وبسببها يكون الفعل طاعة أو معصية، وهذا بعينه ما ذهب إليه الماتريدية.\nوقال الأستاذ أبو إسحاق الأسفراييني من أهل السنّة، وكذا النجار من المعتزلة: إن أصل الفعل ووصفه، واقع بمجموع القدرتين، قدرة الله وقدرة العبد، ثم الأستاذ إن أراد: أن قدرة العبد غير مستقلة بالتأثير وأنها إذا انضمت إليها قدرة الله تعالى صارت مستقلة بتوسط هذ الإعانة على ما قدره البعض فقريب من الحق، وإن أراد أن كلا من القدرتين مستقلة بالتأثير كما اشتهر عنه في مذهبه فباطل، لامتناع مؤثرين على أثر واحد، وإن جوز اجتماعهما كما اشتهر عنه.\nوقال صاحب المسايرة وهو الكمال بن الهمام: إن جميع ما يتوقف عليه أفعال الجوارح، والنفوس من-","vol":"5","page":38},{"text":"_________\n- الميل والداعية والاختيار لا تأثير لقدرة العبد فيه، وإنما محل قدرته العزم المصمم، فإذا أوجد العبد ذلك العزم المصمم خلق الله له الفعل عقبه، وهذا ينطبق على كلام القاضي أبي بكر الباقلاني، لأن كون الفعل طاعة أو معصية إنما هو بالنية، والإرادة الجزئية، والعزم عنده «أي عند القاضي» .\nوقال بعض المحققين من أهل السنّة: الله خالق لفعل العبد الاختياري والعبد فاعل له حقيقة. وبيان ذلك أن الله خلق قدرة العبد وأذن لها أن تتصرف في المقدور حسب اختيار العبد فيكون الفعل مخلوقا لله، لأنه واقع بالقدرة التي خلقها الله فيه، وقد جعلها تتصرف في المقدور ويكون الفعل المقدور واقعا بالقدرة الحادثة، ومضافا إلى العبد كسبا وفعلا حقيقة، «ومثال ذلك»: أن العبد لا يملك التصرف في مال سيده، ولو استبد بالتصرف في مال سيده لم ينفذ تصرفه، فإذا أذن له في بيع ماله فباعه نفذ، والبيع في التحقيق معزو إلى السيد من حيث إن سببه إذنه، ولولا إذنه لم ينفذ التصرف، ولكن العبد يؤمر بالتصرف، وينهى ويوبّخ على المخالفة، فالعبد فعلها حقيقة والله خالقه، وخالق ما فعل به من القدرة والإرادة، وخالق فاعليته، والعبد غير مستقل بالإيجاد، لأن قدرته وإرادته جزء سبب أو شرط.\nوقال الإمام فخر الدين محمّد بن عمر الرازي: المختار عندنا أن عند حصول القدرة والداعية المخصوصة يجب الفعل، وعلى هذا التقدير يكون العبد فاعلا على سبيل الحقيقة، ومع ذلك فتكون الأفعال بأسرها واقعة بقضاء الله تعالى وقدره، وذلك أنا لما اعترفنا بأن الفعل واجب الحصول عند مجموع القدرة والداعي فقد اعترفنا بكون العبد فاعلا وجاعلا فلا يلزمنا مخالفة ظاهر القرآن، وإذا قلنا بأن المؤثر في الفعل مجموع القدرة والداعي، مع أن هذا المجموع حصل بخلق الله تعالى، فقد قلنا بأن الكل بقضاء الله تعالى وقدره.\nوقال جمهور المعتزلة: فعل العبد واقع بقدرته وحدها على سبيل الاستقلال بلا إيجاب بل باختيار.\nوقال إمام الحرمين: فعل العبد واقع بقدرته وإرادته بالإيجاب استقلالا لا بالاختيار فيكون موافقا لمذهب الحكماء وهذا ما اشتهر عنه بين القوم، ولكن تحقيق مذهبه أن الخالق لفعل العبد الاختياري هو الله تعالى كما صرح به في الإرشاد، حيث قال: «اتفق أئمة السلف قبل ظهور البدع والأهواء على أن الخالق هو الله تعالى ولا خالق سواه، وأن الحوادث كلها حدثت بقدرة الله تعالى من غير فرق بين ما تتعلق به قدرة العباد، وبين ما لا تتعلق به، فإن تعلق الصفة بشيء لا يستلزم تأثيرها فيه، كالعلم بالعلوم، والإرادة بفعل الغير، فالقدرة الحادثة لا تؤثر في مقدورها، واتفقت المعتزلة ومن تابعهم من أهل الزيغ على أن العباد موجدون لأفعالهم مخترعون لها بقدرهم» .\nواحتج أهل الحق القائلون بأن الله هو الخالق لأفعال العباد الاختيارية بآيات كثيرة تدل على أن الله هو الخالق لأفعال العباد، وأنها داخلة تحت قدرته ومشيئته كما دخلت تحت علمه فمنها: قول الله تعالى:\nاللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، [الزمر: ٦٢] وهذا عام لا يخرج عنه شيء من العالم، أعيانه وأفعاله وحركاته وسكناته، وليس مخصوصا بذاته وصفاته، فإنه الخالق بذاته وصفاته وما سواه مخلوق له، واللفظ قد فرق بين الخالق والمخلوق، وصفاته سبحانه داخلة في مسمى اسمه، فإن الله سبحانه اسم للإله الموصوف بكل صفة كمال، المنزه عن كلّ صفة نقص ومثال، والعالم قسمان: أعيان وأفعال، وهو الخالق لأعيانه، وما يصدر عنها من الأفعال، كما أنه العالم بتفاصيل ذلك فلا يخرج شيء منه عن علمه، ولا عن قدرته، ولا عن خلقه ومشيئته.\nومنها: قول الله تعالى حكاية عن خليله إبراهيم ﵇ أنه قال لقومه: أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ وَاللَّهُ","vol":"5","page":39},{"text":"_________\n- خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ [الصافات: ٩٥- ٩٦] أي عملكم «فما» مصدرية كما قدره بعضهم والاستدلال بها ظاهر، ولكن ليس بقوي، إذ لا تناسب بين إنكاره عليهم عبادة ما ينحتونه بأيديهم وبين إخبارهم لأن الله خالق لأعمالكم من عبادة تلك الآلهة ونحتها وغير ذلك فالأولى: أن تكون «ما» موصولة، أي: والله خلقكم وخلق آلهتكم التي عملتموها بأيديكم فهي مخلوقة له لا لآلهة شركاء معه، فأخبر أنه خلق معموله، وقد «خلق» عملهم وصنعهم، ولا يقال المراد مادته، فإن مادته غير معمولة لهم، وإنما يصير معمولا بعد عملهم.\nوقال بعضهم: لا مانع من جعل «ما» مصدرية لحصول الطباق مع المصدرية إذ المعنى: إنكم تعبدون منحوتا تصيرونه بعملكم صنما، والحال أن الله تعالى خلقكم وخلق عملكم الذي به يصير المنحوت صنما، فإنهم لم يعبدوا الأصنام من حيث كونها حجارة، وإنما عبدوها من حيث أشكالها، فهم في الحقيقة، إنما عبدوا عملهم، وبذلك تقام عليهم الحجة بأنهم وعملهم مخلوقان لله تعالى، فكيف يعبد المخلوق مخلوقا مثله، مع أن المعبود كسب العابد وعمله.\nولكن ينبغي أن يجعل هذا المصدر بمعنى المعمول أي: المعنى الحاصل بالمصدر ليصح تعلق الخلق به، ثم تحمل الإضافة بمعونة المقام على الاستغراق، لأن المقام مقام التمدح، وإن كان أصل الإضافة للعهد ليتم المقصود إذ على تقدير: ألا تكون الإضافة للاستغراق يجوز أن يكون المراد ببعض المعمولات أمثال السرير بالنسبة إلى النجار فلا يتم المقصود، وهو إثبات أن جميع أفعال العباد، ومعمولاتهم مخلوقة له تعالى.\nوالرد على المعتزلة إذ لا خلاف لهم: في أن أمثال هذا المعمول من الجواهر مخلوقة له تعالى لا مدخل للعبد فيها، وإنما الخلاف فيما يقع بكسب العبد ويسند إليه، مثل الصوم، والصلاة، والزكاة، والأكل، والشرب، والقعود، ونحو ذلك:\nقوله تعالى: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْنانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ، وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ، فأخبر سبحانه: أنه هو الذي جعل السرابيل، وهي الدروع والثياب المصنوعة ومادتها لا تسمى سرابيل إلا بعد صنع الآدميين لها، فإذا كانت مجعولة لله فهي مخلوقة له بجملتها وصورتها ومادتها وهيئاتها، ونظير هذا قوله تعالى: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ [النحل: ٨٠] .\nفأخبر سبحانه: أن البيوت المصنوعة المستقرة والمتنقلة له، وهي إنما صارت بيوتا بالصنعة الآدمية، ومنها قوله تعالى- حكاية عن خليله إبراهيم أنه قال: رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي [إبراهيم:\n٤٠]، وقوله: فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ [إبراهيم: ٣٧]، وقوله: وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً، وَرَهْبانِيَّةً [الحديد: ٧]، وقوله: - حكاية عن زكريا- أنه قال عن ولده: وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا [مريم: ٦] . ومن السنة قول النبي ﷺ: «اللهم اجعلني لك شكّارا، لك ذكّارا، لك رهّابا، لك مطواعا، مخبتا إليك، أوّاها منيبا» .\nفسأل ربه أن يجعله كذلك، وهذه كلها أفعال اختيارية، واقعة بقدرة الله خلقا وبقدرة العبد كسبا.\nاحتج أهل الحق على أن العبد فاعل مختار بالمعقول، والمنقول، أما المعقول: فإن الإنسان ليدرك إدراكا حسيا، ويعلم بضرورة العقل وبديهته، علما لا يخالجه شك، ولا يداخله مرية، أن بين صحيح الأعضاء وبين من لا صحة لأعضائه فرقا كبيرا، فإن صحيح الأعضاء بفعل القيام والقعود وسائر الحركات مختارا غير مكره ولا يضطر ولكن سقيم الأعضاء لم يفعله أصلا، فهذا الفرق يدل على أن العبد فاعل مختار، -","vol":"5","page":40},{"text":"وقوله: إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي ... الآية، قالتْ فرقة: كان قولُهُ هذا بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنَ النَّارِ، وأنَّه أَشَارَ بِذَهَابِهِ إلى هِجْرَتِهِ مِنْ [أَرْضِ] «١» بَابِلَ حَيْثُ كَانَتْ مملكةُ نُمْرُودَ، فَخَرَجَ إلى الشَّامِ، وقالت فِرْقَةٌ: قال هذه المقالةَ قَبْلَ أنْ يُطْرَحَ فِي النَّارِ وإنما أراد لِقَاءَ اللَّهِ لأنَّه ظَنَّ أنَّ النَّارَ سَيَمُوتُ فِيها، وقال: سَيَهْدِينِ أي: إلى الجَنَّةِ نَحَا إلى هذَا المعنى قتادةُ «٢»، قال ع «٣»: وللعارفينَ بهذَا الذَّهَابِ تَمَسُّكٌ واحْتِجَاجٌ في الصَّفَاءِ، وهُو مَحْمَلٌ حَسَنٌ في إِنِّي ذاهِبٌ وحْدَهُ، والتأويلُ الأولُ أظْهِرَ في نَمَطِ الآيةِ، بما يأتي بَعْدُ لأنَّ الهدايةَ مَعَهُ تَتَرَتَّبُ، والدُّعَاءُ في الوَلَدِ كذلك، ولاَ يَصِحُّ مَعَ ذَهَابِ المَوْتِ، وباقي الآيةِ تَقَدَّمَ قَصَصُهَا، وأَنَّ الراجحَ أنَّ الذَّبِيحَ هُوَ إسْمَاعِيلُ، وذَكَرَ الطبريُّ «٤» أنَّ ابن عباس قال:\nالذبيحُ، إِسماعيل «٥»، وتَزْعُمُ اليهودُ أنَّهُ إسْحَاقُ، وكَذَبَتِ اليهُودُ، وذُكِرَ أيضًا أنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العزيزِ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ رَجُلًا يهوديًّا كانَ أسْلَمَ وحَسُنَ إسلامُه، فَقَال: الذَّبِيحُ هُوَ إسْمَاعِيلُ «٦»، وإن اليهودَ لَتَعْلَمُ ذلكَ، ولكنهمْ يحسدونكم معشر العرب: أن تكون هذه\n_________\n- وإن كان الخالق لفعله هو الواحد القهار.\nأما المنقول: قال الله تعالى: جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ، لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ [الصف: ٢]، وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ [البقرة: ٢٥] .\nفقضى ﷾ على أننا نعمل ونفعل، فالعبد مختار والله خالق، وقال تعالى: وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ [الواقعة: ٢٠] فهذا يدل على أن للإنسان اختيارا لأن أهل الدنيا وأهل الجنة سواء، في أن الله ﵎ خالق أعمال العباد جميعا.\nينظر: «أفعال العباد» لشيخنا عبد الرحمن إبراهيم ص: (٢) وما بعدها.\n(١) سقط في: د.\n(٢) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٨٠) .\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٤٨٠) .\n(٤) ينظر: «تفسير الطبري» (١٠/ ٥١٣) .\n(٥) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٥١٢) برقم: (٢٩٥٠٩)، وذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ٣٢)، وابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٨١) .\n(٦) ذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ٣٢)، وابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٨١)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٥٣٠)، وعزاه لابن إسحاق، عن محمّد بن كعب.\nوالحق أن الذبيح هو إسماعيل ﵇، وهو الذي يدل عليه ظواهر الآيات القرآنية، فلا عجب إن ذهب إليه جمهرة الصحابة والتابعين ومن بعدهم وأئمة الحديث منهم السادة العلماء: علي، وابن عمر، وأبو هريرة، وأبو الطفيل، وسعيد بن جبير، ومجاهد، والشعبي، والحسن البصري، ومحمّد بن كعب القرظي، وسعيد بن المسيب، وأبو جعفر محمّد الباقر، وأبو صالح، والربيع بن أنس، والكلبي، وأبو عمرو بن العلاء، وأحمد بن حنبل، وغيرهم وهو إحدى الروايتين عن ابن عبّاس وفي «زاد المعاد» لابن القيم: أنه الصواب عند علماء الصحابة والتابعين فمن بعدهم، وهذا الرأي هو المشهور عند العرب-","vol":"5","page":41},{"text":"_________\n- قبل البعثة، وذكره أمية بن أبي الصلت في شعر له.\nوقد نقل العلامة ابن القيم عن شيخه الإمام ابن تيمية في هذا كلاما قويا حسنا، أحببت نقل خلاصته لما فيه من الحجة الدامغة قال: «ولا خلاف بينهم- أي: النسابين- أن عدنان من ولد إسماعيل ﵇»، وإسماعيل هو الذبيح على القول الصواب عند علماء الصحابة والتابعين، ومن بعدهم.\nوأما القول بأنه إسحاق فباطل بأكثر من عشرين وجها، وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية- قدس الله روحه يقول: «هذا القول إنما هو متلقى عن أهل الكتاب مع أنه باطل بنص كتابهم»، فإن فيه: «أن الله أمر إبراهيم أن يذبح ابنه بكره» وفي لفظ «وحيده»، ولا يشك أهل الكتاب مع المسلمين أن إسماعيل هو بكر أولاده. والذي غرّ أصحاب هذا القول: أن في التوراة التي بأيديهم: «اذبح ابنك إسحاق» قال: وهذه الزيادة من تحريفهم، وكذبهم، لأنها تناقض قوله: «اذبح بكرك ووحيدك»، ولكن اليهود حسدت بني إسماعيل على هذا الشرف، وأحبوا أن يكون لهم، وأن يسوقوه إليهم، ويحتازوه لأنفسهم دون العرب ويأبي الله إلا أن يجعل فضله لأهله، وكيف يسوغ أن يقال: إن الذبيح إسحاق؟ والله تعالى قد بشر أم إسحاق به، وبابنه يعقوب فقال تعالى- حكاية لقول الملائكة لإبراهيم لما أتوه بالبشرى: لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ [هود: ٧٠- ٧١] .\nفمحال أن يبشرها بأن يكون لها ولد ثم يأمر بذبحه، ولا ريب أن يعقوب ﵇ داخل في البشارة، فتناول البشارة لإسحاق ويعقوب في اللفظ واحد، ويدل عليه أيضا أن الله سبحانه ذكر قصة إبراهيم وابنه الذبيح في سورة الصافات (الآيات: ١٠٣، ١١١] .\nثم قال تعالى: وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ [الصافات: ١١٢] فهذه بشارة من الله تعالى له:\nشكرا على صبره على ما أمر به، وهذا ظاهر جدا في أن المبشر به غير الأول، بل هو كالنص فيه.\nوأيضا فلا ريب أن الذبيح كان بمكة، ولذلك جعلت القرابين يوم النحر بها، كما جعل السعي بين الصفا والمروة، ورمي الجمار تذكيرا لشأن إسماعيل وأمه، وإقامة لذكر الله، ومعلوم أن إسماعيل وأمه هما اللذان كانا بمكة، دون إسحاق وأمه، ولهذا اتصل مكان الذبح وزمانه بالبيت الحرام الذي اشترك في بنائه إبراهيم وإسماعيل، وكان النحر بمكة من تمام حج البيت الذي كان على يد إبراهيم وابنه إسماعيل، زمانا ومكانا، ولو كان الذبح بالشام- كما يزعم أهل الكتاب ومن تلقى عنهم، لكانت القرابين والنحر بالشام لا بمكة.\nوأيضا فإن الله ﷾ سمى الذبيح حليما، لأنه لا أحلم ممن أسلم نفسه للذبح طاعة لربه، ولما ذكر إسحاق سماه عليما، فقال تعالى: هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ ... إلى أن قال: قالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ [الذاريات: ٢٤- ٢٨] .\nوهذا إسحاق بلا ريب، لأنه من امرأته، وهي المبشّرة، وأما إسماعيل فمن السرية- يعني: هاجر- وأيضا فلأنهما بشّرا به على الكبر، واليأس من الولد، وهذا بخلاف إسماعيل فإنه ولد قبل ذلك.\nوأيضا فإن سارة امرأة الخليل ﷺ غارت من هاجر وابنها أشد الغيرة فإنها كانت جارية. فلما ولدت إسماعيل وأحبه أبوه اشتدت غيرة سارة فأمر الله سبحانه أن يبعد عنها هاجر وابنها، ويسكنها في أرض مكة، لتبرد عن سارة حرارة الغيرة، وهذا من رحمة الله تعالى بها ورأفته وإبعاده الضرر عنها، وجبره-[.....]","vol":"5","page":42},{"text":"الآيَاتُ وَالْفَضْلُ وَاللَّهِ في أَبِيكُمْ، والسَّعْيُ في هذه الآيةِ: العَمَلُ والعبادةُ والمَعُونَةُ، قاله ابن عَبَّاسٍ «١» وغيرُهُ، وقال قتادةُ: السَعْيُ على القَدَمِ يريدُ سَعْيًَا مُتَمَكِّنًِا «٢»، وهذا في المعنى نَحْوُ الأوَّلِ.\nوقوله: إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ ... الآية، يُحْتَمَلُ أَنْ يكونَ رأى ذلِكَ بِعَيْنِهِ ورُؤيا الأنبياءِ وَحْيٌ، وعُيِّنَ لَهُ وقتُ الامْتِثَالِ، ويُحْتَمَلُ أنَّه أُمِرَ في نومِه بِذَبْحِهِ، فَعبَّر عَنْ ذلكَ بقوله: إِنِّي أَرى أي: أرى ما يوجبُ أنْ أذْبَحَكَ، قال ابن العَرَبِيِّ في «أحكامه» «٣»:\nواعلم أن رُؤيا الأنبياءِ وَحْيٌ فَمَا أُلْقِيَ إليهم، ونَفَثَ بهِ المَلَكُ في رُوعِهِمْ، وضَرَبَ المثَلَ لَه عَلَيْهِم- فَهُو حَقٌّ ولذلكَ قَالَتْ عَائِشَةُ: وَمَا كُنْتُ أَظُنُّ أنَّهُ يُنْزلُ فِيَّ قُرْآنٌ يتلى، ولكني رَجَوْتُ أنْ يرى رسول الله ﷺ رُؤْيَا يُبَرِّئُنِي اللَّهُ بِهَا، وَقَدْ بَيَّنَّا حقيقةَ الرُّؤيا، وأن البَارِيَ- تعالى- يَضْرِبُهَا مثَلًا للناسِ، فمنها أسماءٌ وكُنًى، ومنها رُؤْيَا تَخْرُج بِصِفَتِهَا، ومنها رُؤيا تَخْرُجُ بتأويلٍ، وهُوَ كُنْيَتُهَا. ولما اسْتَسْلَمَ إبراهيمُ وولدُه إسماعيلُ﵉- لقضاءِ اللَّهِ، أُعْطِيَ إبراهيمُ ذَبِيحًا فِدَاءً، وقيل له: هذا فداءُ وَلَدِكَ، فامْتَثِلْ فِيه مَا رَأَيْتَ فإنَّه حقيقةُ مَا خاطبناك/ فيه، وهُو كِنَايَةٌ لاَ اسم، وجَعَلَهُ مُصَدِّقًا للرؤيا بمبادَرةِ الامْتِثَال، انتهى.\n_________\n- لها، فكيف يأمر بعد هذا بذبح ابنها دون ابن الجارية؟!! بل حكمته البالغة اقتضت أن يأمر بذبح ولد السرية فحينئذ يرق قلب السيدة عليها وعلى ولدها، وتتبدل قسوة الغيرة رحمة، ويظهر لها بركة الجارية وولدها، وأن الله لا يضيع بيتا هذه وابنها منهم، وليري عباده جبره بعد الكسر، ولطفه بعد الشدة، وأن عاقبة صبر هاجر وابنها على البعد والوحدة والغربة والتسليم إلى ذبح الولد- آلت إلى ما آلت إليه من جعل آثارهما ومواطىء أقدامهما مناسك لعبادة المؤمنين، ومتعبدا لهم إلى يوم القيامة بذلة وانكسار.\nثم أيهما أشد وقعا على النفس وأعظم بلاء: أن يؤمر إبراهيم بذبح إسحاق وله ولد آخر يجد فيه إبراهيم بعض المعوض عن الابن المذبوح؟ أم يؤمر بذبح ولده ووحيده وبكره الذي رزقه على كبر، وأتى بعد طول انتظار وشدة اشتياق ولم يكن هناك بارقة أمل في أن يرزق إبراهيم بولد بعده؟.\nإن الله تعالى قد وصف واقعة الذبح هذه بأنها البلاء المبين أي: الابتلاء والاختبار المبين الذي يتميز فيه المخلص من غيره، ولا ينطبق هذا الوصف ولا يتحقق هذا البلاء إلا إذا كان الذبيح هو إسماعيل الابن الوحيد البكر.\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٥٠٦) برقم: (٢٩٤٦٩) بلفظ: العمل، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٨١) عن ابن عبّاس، ومجاهد، وابن زيد، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٥٢٧)، بلفظ:\nالعمل، وعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عبّاس.\n(٢) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٨١) .\n(٣) ينظر: «أحكام القرآن» (٤/ ١٦١٧) .","vol":"5","page":43},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1189>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٠٣ الى ١٢٤]</span>\nفَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧)\nوَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ (١٠٩) كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١١٠) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١١١) وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢)\nوَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (١١٣) وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلى مُوسى وَهارُونَ (١١٤) وَنَجَّيْناهُما وَقَوْمَهُما مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (١١٥) وَنَصَرْناهُمْ فَكانُوا هُمُ الْغالِبِينَ (١١٦) وَآتَيْناهُمَا الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ (١١٧)\nوَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (١١٨) وَتَرَكْنا عَلَيْهِما فِي الْآخِرِينَ (١١٩) سَلامٌ عَلى مُوسى وَهارُونَ (١٢٠) إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٢١) إِنَّهُما مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٢٢)\nوَإِنَّ إِلْياسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ (١٢٤)\nوقوله تعالى: فَلَمَّا أَسْلَما أي: أسلما أنفسهمَا، واستسلما لله﷿-، وقَرَأ ابن عبَّاس وجماعة: «سَلَّمَا» «١»، والمعنى فَوَّضَا إليه في قضائه وقَدَرِهِ- سبحانه-، فأسْلَم إبراهيمُ ابْنَهُ، وأسْلَمَ الابْنُ نَفْسَهُ، قال بعْضُ البَصْرِيين «٢»: جوابُ «لما» محذوفٌ تقديره:\nفلما أسْلَمَا وَتَلَّهُ للجبينِ، أُجْزِلَ أجْرُهُما، ونحوُ هذا مِمَّا يَقْتَضِيهِ المعنى، وَتَلَّهُ معناه:\nوَضَعَه بقوَّةٍ ومنْه الحديثُ في القدح: فتلّه رسول الله ﷺ في يده «٣»، أي: وضعه بقوّة، ولِلْجَبِينِ معناه: لتلك الجهةِ وعليها، كما يقولون في المثل: [الطويل]\n............... .. ... وخرّ صريعا لليدين وللفم\n_________\n(١) وقرأ بها ابن مسعود، والحسن، وحميد، وعلي، ومجاهد، والضحاك، والأعمش، والثوري، وجعفر بن محمّد.\nينظر: «مختصر الشواذ» ص: (١٢٨)، و«المحتسب» (٢/ ٢٢٢)، و«المحرر الوجيز» (٤/ ٤٨١)، و«البحر المحيط» (٧/ ٣٥٥)، و«الدر المصون» (٥/ ٥١٠) .\n(٢) في جوابها ثلاثة أوجه:\n«أحدها»: - وهو الظاهر- أنه محذوف، أي: نادته الملائكة أو ظهر صبرهما أو أجزلنا لهما أجرهما، وقدره بعضهم بعد الرؤيا أي: كان ما كان مما ينطق به الحال والوصف مما لا يدرك كنهه. ونقل ابن عطية أن التقدير: فلما أسلما أسلما وتلّه قال كقوله:\nفلمّا أجزنا ساحة الحقّ وانتحى ... بنا بطن خبت ذي قفاف عقنقل\nأي: فلمّا أجزنا وانتحى. ويعزى هذا لسيبويه، وشيخه الخليل، وفيه نظر من حيث اتحاد الفعلين الجاريين مجرى الشرط والجواب إلّا أن يقال: جعل التغاير فليس الآية بالعطف على الفعل، وفي البيت يعمل الثاني في ساحة والعطف عليه أيضا. والظاهر أنّ مثل هذا لا يكفي في التغاير.\nينظر: «الدر المصون» (٥/ ٥٠٩- ٥١٠) .\n(٣) هذا حديث متفق على صحته بلفظ: «أن رسول الله ﷺ: أتي بشراب فشرب منه، وعن يمينه غلام وعن شماله الأشياخ- فقال للغلام: «أتأذن لي أن أعطي هؤلاء»؟ فقال الغلام: والله يا رسول الله، لا أوثر بنصيبي منك أحدا، قال: فتلّه رسول الله ﷺ في يده» عن سهل بن سعد.","vol":"5","page":44},{"text":"وكما تقول: سَقَطَ لِشِقِّهِ الأيْسَرِ، والجَبِينانِ: ما اكتنف الجبهة من هاهنا، ومن هاهنا، و«أن» من قوله: أَنْ يا إِبْراهِيمُ مفسّرة لا موضع لها من الإعراب، وصَدَّقْتَ الرُّؤْيا يحتملُ أنْ يريدَ بقَلْبِكَ أو بِعَمَلِكَ، و«الرؤيا» اسمٌ لِمَا يرى مِن قِبَلِ اللَّهِ- تعالى-، والمَنَامُ والحُلْمُ: اسمٌ لما يرى منْ قِبَلِ الشَّيْطَانِ ومنه الحديث الصحيح: «الرُّؤْيَا من الله، والحلم من الشيطان»، والْبَلاءُ: الاخْتِبَارُ، والذَّبْحُ العظيمُ» في قول الجمهور: كَبْشٌ أبْيَضُ أعْيَنُ، وَجَدَهُ وَرَاءَهُ مَرْبُوطًا بسَمُرَةٍ، وأَهْلُ السُّنَّةِ على أَنَّ هذه الْقِصَّةَ نُسِخَ فيها العَزْمُ على الْفِعْلِ خلافًا للمعتزلة، قال أحمد بن نصر الداوديّ: وإنْ نَسَخَ اللَّهُ آيةً قَبْلَ العَمَلِ بِهَا فإنَّما يَنْسَخُها بَعْدَ اعْتِقَادِ قَبُولِها وهُوَ عَمَلٌ انتهى من تفسيره عند قوله تعالى: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ [البقرة: ١٠٦]، قال ع «١»: ولا خلافَ أَنَّ إبْرَاهِيمَ أَمَرَّ الشَّفْرَةَ على حَلْقِ ابنه فَلَمْ تَقْطَعْ، والجمهورُ أَنَّ أمْرَ الذَّبْحِ كانَ بِمِنًى، وقال الشَّعْبِيُّ: رَأَيْتُ قَرْنَيْ كَبْشِ إبْرَاهِيمَ مُعَلَّقَتَيْنِ في الكَعْبَةِ «٢»، وروى عِمْرَانُ بنُ حُصَيْنٍ: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «يَا فَاطِمَةُ، قُومِي لاٌّضْحِيَتِكِ، فاشهديها فَإِنَّهُ يُغْفَرُ لَكِ عِنْدَ أَوَّلِ قَطْرَةٍ مِنْ دَمِهَا كُلُّ ذَنْبٍ عَمِلْتِيهِ، وَقُولِي: إنَّ صَلاَتِي ونُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، لاَ شَرِيكَ لَه وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنَ المُسْلِمِينَ» قال عِمْرَانُ: قلت: يا رسُولَ اللَّهِ، هَذَا لَكَ وَلأَهْلِ بَيْتِكَ خَاصَّةً، أَمْ لِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً؟ قَال:\n«لاَ، بَلْ لِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً» رواه الحاكم في «المستدرك» «٣» انتهى من «السِّلاَح» .\nوقوله تعالى: وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ توعُّد لمنْ كَفَرَ من اليهودِ بمحمَّد ع، والْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ: هو التوراةُ، قال قتادة وابن مَسْعُود: إلياس: هو إدريس- عليه\n_________\n- والحديث أخرجه البخاري (١٠/ ٨٩) كتاب «الأشربة» باب: هل يستأذن الرجل عن يمينه في الشرب ليعطي الأكبر، رقم: (٥٦٢٠)، (٥/ ١٢٣) كتاب «المظالم» باب: إذا أذن له أو أحله ولم يبين كم هو، (٢٤٥١)، (٦/ ٢٦٧) كتاب «الهبة» باب: الهبة المقبوضة وغير المقبوضة، والمقسومة وغير المقسومة (٢٦٠٥)، ومسلم (٣/ ١٦٠٤) كتاب «الأشربة» باب: استحباب إدارة الماء واللبن ونحوهما، عن يمين المبتدئ (١٢٧/ ٢٠٣٠)، ومالك في «الموطأ» (٢/ ٩٢٦، ٩٢٧) كتاب «صفة النبي ﷺ» (١٨)، وأبو داود الطيالسي (١/ ٣٣٢) كتاب «الأشربة» باب: إيثار من على اليمين بالشرب برقم: (١٦٨١)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٧/ ٢٨٦) كتاب «الصداق» باب: الأيمن فالأيمن في الشرب، وأحمد (٥/ ٣٣٣)، والطبراني (٦/ ١٧٠)، (٥٨٩٠) .\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٤٩١) .\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٥١٣) برقم: (٢٩٥٢٢)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٨٣) .\n(٣) أخرجه الحاكم في «المستدرك» (٤/ ٢٢٢)، كتاب «الأضاحي» .\nقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.\nقال ابن أبي حاتم في «العلل» (٢/ ٣٨، ٣٩) برقم: (١٥٩٦) - قال: منكر.","vol":"5","page":45},{"text":"السلام- «١»، وقالت فرقة: هو مِنْ وَلَدِ هَارُونَ، وقرأ نافِعُ وابن عامِر: «على آلِ يَاسِينَ»، وقرأ الباقون: «على إلْيَاسِينَ» - بألفٍ مكسورةٍ ولامٍ ساكنةٍ «٢» -، فَوُجِّهَتِ الأولى على أنها بمعنى: «أهْل»، و«ياسِينُ»: اسمُ لإلياسَ، وقيل: هو اسم لمحمّد ع، ووُجِّهَتِ الثانيةُ على أَنَّها جَمْعُ «إلْيَاسِيٍّ»، وقرأ ابن مسعود والأعمش: «وإنَّ إِدْرِيسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ، وَسَلاَمٌ على إدْرِيسِينَ»، قال السُّهيليُّ: قال ابن جِنِّيْ: العربُ تتلاعبُ بالأسماءِ الأعجميةِ تلاعبًا ف «ياسين»، و«إلياسُ»، و«اليَاسِينُ» شيءٌ واحدٌ، انتهى.\nت: وحكى الثعلبيُّ هنا حكايةً عَنْ عَبْدِ العزيزِ بْنِ أبي رواد، عن رجلٍ لَقِي إلياسَ في أيَّام مَرْوانَ بن الحَكَمِ، وأخبَرَهُ بعَدَدِ الأبْدَالِ وعَن الخَضِرِ في حكايةٍ طويلةٍ لا ينبغي إنكارُ مثلها فأولياءُ اللَّهِ يُكاشَفُونَ بِعَجَائِبَ، فلا يُحْرَمُ الإنْسَانُ التَّصْدِيقَ بِهَا، جعلنا الله من زمرة أوليائه، انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1190>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٢٥ الى ١٣٨]</span>\nأَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ (١٢٥) اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (١٢٦) فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٢٧) إِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٢٨) وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٢٩)\nسَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ (١٣٠) إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٣١) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٣٢) وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٣) إِذْ نَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٣٤)\nإِلاَّ عَجُوزًا فِي الْغابِرِينَ (١٣٥) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٣٦) وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٣٨)\nوقوله: أَتَدْعُونَ بَعْلًا معناه: أتعبُدُون، قَال الحسن والضَّحَّاك وابن زيد: بَعْلٌ:\nاسمُ صَنَمٍ: كانَ لَهُمْ، ويقال له: بَعْلَبَك «٣»، وذكر ابنُ إسحاقٍ عن فرقة: أنّ بعلا بعد اسْمُ امرأةٍ كَانَتْ أَتَتْهُمْ بضلالةٍ، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم: «اللَّهَ ربَّكم وربَّ آبائكم» «٤» كلُّ ذلك\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٥٢٠) برقم: (٢٩٥٦٩) عن قتادة وذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ٣٦) عن ابن مسعود، وابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٨٣) والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٥٣٧)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن عساكر عن ابن مسعود، ولعبد بن حميد عن قتادة.\n(٢) ينظر: «السبعة» (٥٤٨- ٥٤٩)، و«الحجة» (٦/ ٥٩)، و«إعراب القراءات» (٢/ ٢٤٩)، و«معاني القراءات» (٢/ ٣٢٢)، و«شرح الطيبة» (٥/ ١٨٤)، و«العنوان» (١٦٢)، و«حجة القراءات» (٦١٠)، و«شرح شعلة» (٥٦٣)، و«إتحاف» (٢/ ٤١٤) .\n(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٥٢١) برقم: (٢٩٥٧٦) عن الضحاك، وبرقم: (٢٩٥٧٧) عن ابن زيد، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٨٤) وزاد نسبته للحسن. [.....]\n(٤) ينظر: «السبعة» (٥٤٩)، و«الحجة» (٦/ ٦٣)، و«إعراب القراءات» (٢/ ٢٥١)، و«معاني القراءات» (٢/ ٣٢١)، و«شرح الطيبة» (٥/ ١٨٧)، و«العنوان» (١٦٢)، و«حجة القراءات» (٦١٠)، و«شرح شعلة» (٥٦٤)، و«إتحاف» (٢/ ٤١٥) .","vol":"5","page":46},{"text":"بالنَّصبِ بَدَلًا مِن قوله: أَحْسَنَ الْخالِقِينَ وقرأ الباقونَ كلَّ ذلكَ بالرفعِ على القَطْعِ والاستئناف، والضميرُ في فَكَذَّبُوهُ عائِدٌ على قومِ إلياسَ، ولَمُحْضَرُونَ معناه:\nمَجْمُوعُونَ لعذابِ اللَّهِ.\nوقوله تعالى: وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ\nمخاطبةٌ لقريشٍ، ثم وبَّخَهُمْ بقوله: أَفَلا تَعْقِلُونَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1191>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٣٩ الى ١٤٢]</span>\nوَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠) فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (١٤٢)\nوقوله تعالى: وَإِنَّ يُونُسَ ...\nالآية/ هو يونُسُ بن متّى ﷺ، وهُو مِنْ بنِي إسرائيل.\nوقوله تعالى: إِذْ أَبَقَ ...\nالآية، وذلك أنه لما أخْبَرَ قَوْمَهُ بِوقْتِ مجيءِ العذَابِ، وغَابَ عَنْهُمْ، ثم إنَّ قَوْمَهُ لَما رَأَوْا مَخَايِلَ العَذَابِ أنابُوا إلى اللَّهِ، فَقبلَ تَوْبَتَهُمْ، فلَمّا مَضَى وقتُ العَذَابِ، وَلَمْ يُصِبْهُمْ، قال يونسُ: لا أرْجِعُ إليهمْ بِوَجْهِ كَذَّابٍ، ورُوِي أنَّه كَانَ في سيرَتِهِمْ أَنْ يَقْتُلُوا الكَذَّابَ فَأَبقَ إلى الْفُلْكِ، أيْ: أَرَادَ الهُرُوبَ، ودَخَلَ في البَحْرِ، وعبَّر عَنْ هُرُوبِهِ بالإباقِ مِنْ حَيْثُ [إنَّه] فَرَّ عَنْ غَيْرِ إذْنِ مولاهُ، فَرُوِيَ عَنِ ابنِ مسعودٍ أنه لمَّا حَصَلَ في السفينةِ، وأبْعَدَتْ في البحرِ، رَكَدَتْ وَلَمْ تَجْرِ وغيرُها من السُّفُن يجري يمينًا وشِمالًا، فقال أهلها إنَّ فينا لصاحب ذنب وبه يحسبنا اللَّهُ تعالى، فقالُوا: لِنَقْتَرِعْ، فأَخَذُوا لِكُلِّ وَاحِدٍ سَهْمًا، واقترعوا، فَوَقَعَتِ القُرْعَةُ عَلى يونُسَ، ثَلاَثَ مراتٍ، فَطَرَحَ حينَئِذٍ نَفْسَهُ، والْتَقَمَهُ الحُوتُ «١»، ورُوي أَنَّ اللَّهَ تعالى أَوْحَى إلى الحوتِ أَني لَمْ أَجْعَلْ يُونُسَ لَكَ رِزْقًا، وإنما جَعَلْتُ بَطْنَكَ لَه حِرْزًا وسِجْنًا، فهذا معنى فَساهَمَ.\nوالمدحض: المغلوب في محاجّة أو مساهمة، وعبارة ابنِ العَرَبِيِّ في «الأحكام» «٢»: «وأوْحَى اللَّه تعالى إلى الحُوتِ: إنا لَمْ نَجْعَلْ يونُسَ لَكَ رِزْقًا، وإنما جعلنا بَطْنَكَ له مَسْجِدًا» الحديثَ، انتهى، ولَفْظَةُ «مَسْجِدٍ»: أَحْسَنُ من السِّجْنِ، فَرَحِمَ اللَّهُ عَبدًا لَزِمَ الأَدَبَ لا سِيَّمَا مَعَ أنْبِيَائِهِ وأَصْفِيائِه، وال «مُلِيمُ»: الّذِي أتَى مَا يلام عليه\n_________\n(١) ذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ٤٢) عن ابن عبّاس ووهب، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٨٥) عن ابن مسعود.\n(٢) ينظر: «أحكام القرآن» (٤/ ١٦٢٢) .","vol":"5","page":47},{"text":"وبذلك فسّر مجاهد وابن زيد «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1192>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٤٣ الى ١٤٤]</span>\nفَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤)\nوقوله سبحانه: فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ قيل: المرادُ: القائلينَ: سُبْحَانَ اللَّهِ في بَطْنِ الحُوتِ قاله ابن جُرَيْجٍ «٢»، وقالتْ فِرْقَةٌ: بَلِ التَّسْبِيحُ هنا الصَّلاَةُ، قال ابن عبَّاس وغَيْره: صَلاَتُهُ في وَقْتِ الرِّخَاءِ نَفَعَتْهُ في وَقْتِ الشِّدَّةِ «٣» وقال هذا جماعةٌ من العلماءِ، وقال الضَّحَّاك بن قَيْسٍ على مِنْبَرِهِ: اذْكُرُوا اللَّه عباد اللَّه في الرَّخَاءِ يَذْكُرْكُمْ في الشِّدَّةِ، إن يونس كان عبد للَّهِ ذَاكِرًا له، فَلَمَّا أصابَتْهُ الشِّدَّةُ نَفَعُه ذلك، قالَ اللَّهُ﷿-:\nفَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ، وإن فرعونَ كانَ طَاغِيًا بَاغِيًا فَلَمَّا أدْرَكَهُ الغَرَقُ، قَال: آمَنْتُ، فَلَمْ يَنْفَعْهُ ذلكَ، فاذكروا اللَّهَ في الرَّخَاءِ يَذْكُرْكُمْ في الشِّدَّةِ «٤»، وقال ابن جُبَيْرٍ: الإشارَةُ بقولهِ: مِنَ الْمُسَبِّحِينَ إلى قوله: لاَّ إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ «٥» [الأنبياء: ٨٧] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1193>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٤٥ الى ١٤٦]</span>\nفَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (١٤٥) وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (١٤٦)\nوقوله سبحانه: فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ ... الآية، «العَرَاءُ»: الأرْضُ الفيحاءُ التي لاَ شَجَرَ فيها ولاَ مَعْلَمَ، قال ابن عبّاس وغيره في قوله: وَهُوَ سَقِيمٌ: إنَّه كالطفلِ المَنْفُوسِ، بُضْعَةُ لَحْمٍ «٦»، وقال بعضهم كاللَّحْمِ النَّيْءِ، إلاَّ أنَّه لَمْ يَنْقُصْ مِنْ خَلْقِهِ شَيْءٌ، فأنْعَشَهُ اللَّهُ في ظِلِّ اليَقْطِينَةِ بِلَبَنِ أُرْوِيَّةٍ [كَانَتْ تُغَادِيه وتُراوِحُهُ، وقيل: بلْ كَانَ يتغذى من اليَقْطِينَةِ،\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٥٢٧) برقم: (٢٩٥٩٦) عن مجاهد، وبرقم: (٢٩٥٩٨) عن ابن زيد بلفظ: مذنب، وذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ٤٣)، وابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٨٦) عنهما، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٥٤٢)، وعزاه لعبد بن حميد عن مجاهد.\n(٢) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٨٦) .\n(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٥٢٨) برقم: (٢٩٦٠٠) عن قتادة، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٨٦) عن ابن عبّاس، وقتادة، وأبي العالية، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٥٤٣)، وعزاه لأحمد، وابن أبي حاتم عن قتادة.\n(٤) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٥٢٨) برقم: (٢٩٦٠٦)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٨٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٥٤٣)، وعزاه لابن أبي شيبة.\n(٥) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٥٢٩) برقم: (٢٩٦٠٨)، وذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ٤٣) .\n(٦) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٥٢٩) برقم: (٢٩٦١٤) عن السدي، ورقم: (٢٩٦١٥) عن ابن عبّاس، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٨٦)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٢١) .","vol":"5","page":48},{"text":"ويجدُ منها ألوانَ الطَّعَامِ وأنواعَ] «١» شهواتِه، قال ابن عبَّاس وأبو هريرة وعمرو بن مَيمُونٍ:\nاليقطين: القَرْعُ خَاصَّة «٢»، وقيل، كُلُّ مَا لاَ يَقُومُ على ساقٍ كَالبَقُولِ والقَرْعِ والبطِّيخِ ونحوِه مما يَمُوتُ من عَامِهِ، ومشهورُ اللَّغَةِ أنَّ اليقطينَ هو القَرْعُ، فَنَبَتَ لَحْمُ يونُسَ﵇- وصَحَّ، وحَسُنَ لَوْنُهُ، لأنَّ وَرَقَ القَرْعِ أنْفَعُ شيءٍ لِمَنْ تَسَلَّخَ جِلْدُهُ، وهُوَ يَجْمَعُ خِصَالًا حميدةً، بَرْدُ الظِّلِّ [ولِينُ] المَلْمَسِ، وأنَّ الذُّبَابَ لاَ يقربُها، حكى النَّقَّاشُ أن مَاءَ وَرَقِ القَرْعِ إذا رُشَّ به مَكانٌ، لَمْ يَقْرَبْهُ ذُبَابٌ، ورُوِيَ أنَّهُ كان يومًا نائِمًا، فأيْبَسَ اللَّهُ تِلْكَ اليَقْطِينَةَ، وقيل: بَعَث عَلَيها الأَرَضَةَ فَقَطَعَتْ وَرَقَها، فانْتَبَهَ يُونُسُ لِحَرِّ الشَّمْسِ، فَعَزَّ عَلَيْه شَأنُها، وجَزِعَ لَه فأوحَى اللَّهُ إلَيْهِ: يا يونُسُ، جَزِعْتَ لِيُبْسِ الْيَقْطِينَةِ، وَلَمْ تَجْزَعَ لإهْلاكِ مِائَةِ ألفٍ أو يَزِيدُونَ تَابُوا فتبت عليهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1194>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٤٧ الى ١٥٧]</span>\nوَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧) فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ (١٤٨) فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (١٤٩) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثًا وَهُمْ شاهِدُونَ (١٥٠) أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١)\nوَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١٥٢) أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣) ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (١٥٤) أَفَلا تَذَكَّرُونَ (١٥٥) أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ (١٥٦)\nفَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٥٧)\nوقوله تعالى: وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ قال الجمهور: إنَّ هذه الرسالةَ هي رِسالتهُ الأولى ذكرَها اللَّهُ في آخر القَصَصِ، وقال قَتَادَةُ وغيره: هذه رسالةٌ أُخْرَى بَعْدَ أنْ نُبِذَ بالعراء، وهي إلى أهل «نينوى» من ناحِية المَوْصِلِ «٣»، وقرأ الجمهور «٤»: «أو يزيدون» فقال ابن عباس: «أو» بمعنى «بل» «٥» ورُوِي عَنْه أنه «٦» قرأ: «بل يزيدون» / وقالت فرقة: «أو» هنا بمعنى الواو، وقرأ جعفر بن محمد «٧»: «ويزيدون» وقال المبرّد، وكثير من\n_________\n(١) سقط في: د.\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٥٣٠) برقم: (٢٩٦٢١) عن ابن عبّاس، وبرقم: (٢٩٦٢٢) عن عمرو بن ميمون، وبرقم: (٢٩٦٢٥) عن أبي هريرة بلفظ: الشجرة الدّبّاء، وذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ٤٣)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٨٧)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٢١)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٥٤٦)، وعزاه لابن جرير من طريق ابن قسيط عن أبي هريرة، ولابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن مسعود.\n(٣) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٨٧) عن ابن عبّاس، وقتادة.\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٤٨٧)، و«البحر المحيط» (٧/ ٣٦٠) .\n(٥) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٥٣١)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٨٧)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٢٢) . [.....]\n(٦) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٤٨٧) .\n(٧) ينظر: «المحتسب» (٢/ ٢٢٦)، و«المحرر الوجيز» (٤/ ٤٨٧)، و«البحر المحيط» (٧/ ٣٦٠) .","vol":"5","page":49},{"text":"البَصْرِيِّين: قوله: أَوْ يَزِيدُونَ المعنى: على نَظَرِ البَشَرِ وحَزْرِهم، أي: من رآهم قال:\nمائة ألف أو يزيدون، وروى أُبَيُّ بنِ كَعْبٍ عن النبيّ ﷺ أَنَّهُمْ كانوا مائةً وعشرينَ ألفًا.\nت: وعبارة أحمد بن نَصْرٍ الدَّاوودِيُّ: وعن أبي بن كعب قال: سألت النبيّ ﷺ عن الزيادتين: الْحُسْنى وَزِيادَةٌ [يونس: ٢٦]، وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ قال يزيدون عشرين ألفًا، وأحسبه قال: الحسنى: الجنة، «والزيادة» النظرُ إلى وجه الله﷿ «١» -، انتهى، وفي قوله: فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ مثالٌ لقريشٍ إنْ آمنوا، ومنْ هنا حَسُنَ انتقالُ القَوْلِ والمحاوَرَةِ إلَيْهِم بقوله: فَاسْتَفْتِهِمْ فإنما يعود على ضميرِهم، على ما في المعنى من ذِكْرِهِمْ، والاستفتاءُ: السؤال وهو هنا بمعنى التَّقريعِ والتَّوْبيخِ في جعلهمُ البَنَاتِ للَّه، تعالى اللَّهُ عَنْ قولِهمْ، ثم أخبر [اللَّهُ] تعالى عن فرقةٍ منهم بلغَ بِها الإفْكُ والكَذِبُ إلى أَنْ قالتْ: ولدَ اللَّهُ الملائكةَ لأَنَّه نَكَحَ في سَرَوَاتِ الجِنِّ، تعالَى اللَّهُ عن قولهِم، وهذه فرقةٌ، مِنْ بَنِي مُدْلِجٍ فيما رُوِيَ، وقرأ الجمهور «٢»: «أَصْطَفَى البَنَاتِ» بهمزةِ الاسْتفهامِ عَلَى جهةِ التَّقْرِيعِ «٣» والتوبيخِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1195>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٥٨ الى ١٦٠]</span>\nوَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٥٨) سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٥٩) إِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٠)\nوقوله تعالى: وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا الجِنَّةُ هنا: قيل: همُ الملائِكَةُ: لأنها مُسْتَجِنَّةٌ، أي: مُسْتَتِرَةٌ، وقيل: الجِنَّةُ همُ الشياطينُ، والضميرُ في جَعَلُوا لفِرْقَةٍ من كفارِ قريشٍ والعَرَبِ، وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ أي: سَتَحْضُرُ أَمْرَ اللَّهِ وثوابَه وعقابَه، ثم نَزَّهَ- تعالى- نفسَه عما يصِفُهُ الكفرةُ، ومِنْ هَذا استثنى عبادَه المُخْلَصِينَ لأنّهُمْ يَصِفُونَهُ بِصِفَاتِهِ العُلاَ، وقالت فرقة: اسْتَثْنَاهُمْ من قوله: لَمُحْضَرُونَ وعبارة الثعلبي:\n_________\n(١) ورد سؤال أبيّ بن كعب عن قوله تعالى: وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ فقال: يزيدون عشرون ألفا، وذلك في حديث: أخرجه الترمذي (٥/ ٣٦٥) كتاب «تفسير القرآن» باب: ومن سورة الصافات برقم: (٣٢٢٩) .\nقال الترمذي: هذا حديث غريب.\nأما الزيادة الثانية، وهي التي في قوله تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ فالحديث: أخرجه الطبري في «تفسيره» (٦/ ٥٥١) برقم: (١٧٦٤٨)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٥٤٧) تفسير سورة يونس: آية رقم (٢٦)، وعزاه إلى ابن أبي حاتم، والدارقطني، وابن مردويه واللالكائي، والبيهقي في كتاب «الرؤية» عن أبيّ بن كعب أنه سأل رسول الله ﷺ عن ذلك.\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٤٨٨)، و«البحر المحيط» (٧/ ٣٦١)، و«الدر المصون» (٥/ ٥١٤) .\n(٣) في د: التقرير.","vol":"5","page":50},{"text":"وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ: أي: الملائكة أنَّ قائِلي هذه المقالةِ مِنَ الكفرةِ لَمُحْضَرُونَ في النَّارِ، وقيل للحسابِ، والأولُ أوْلَى لأنَّ الإحْضَارَ متَى جَاء في هذه الصُّورة عُنِيَ بهِ العذابُ إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ فإنَّهُمْ ناجُونَ مِنَ النَّار، انتهى، وفي البخاريِّ لَمُحْضَرُونَ أي: سيُحْضَرُونَ للحساب، انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1196>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٦١ الى ١٧٣]</span>\nفَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ (١٦١) ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ (١٦٢) إِلاَّ مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ (١٦٣) وَما مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤) وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥)\nوَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦) وَإِنْ كانُوا لَيَقُولُونَ (١٦٧) لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٩) فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (١٧٠)\nوَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ (١٧٣)\nوقوله تعالى: فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ بمعنى: قل لهم يا محمد، إنَّكم وأصنَامَكم مَا أَنْتُم بمضلِّينَ أَحَدًا بسبَبِها وَعَلْيهَا إلاَّ مَنْ قَدْ سَبَقَ عليه القضاءُ فإنَّه يَصْلَى الجَحِيمَ في الآخرةِ ولَيْسَ لَكُمْ إضْلالُ مَنْ هَدَى اللَّهُ تعالى، وقالت فرقة: عَلَيْهِ بمعنى: «به» والفَاتِنُ: المُضِلُّ في هذا الموضعِ وكذلك فسَّره ابن عَباس وغيره «١»، وحذفت اليَاءُ مِنْ صالِ للإضَافةِ.\nثم حكى- سبحانه- قولَ الملائِكَةِ وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ وهذا يؤيِّدُ أَن الجِنَّةَ أرادَ بِها الملائِكةَ، وتقديرُ الكلامَ وما منا ملك، وروت عائشة- رضي الله تعالى عنها- عن النبيّ ﷺ: «أَنَّ السَّمَاءَ مَا فِيها مَوْضِعُ قَدَمٍ إلاَّ وَفِيهِ مَلَكٌ سَاجِدٌ أَوْ وَاقِفٌ يُصَلِّي»، وَعَنِ ابن مسعود وغيره نحوه «٢» .\nوالصَّافُّونَ معناه: الواقفون صفوفا، والْمُسَبِّحُونَ، يحتملُ أن يرِيدَ بِه الصَّلاَة، ويحتملُ أنْ يريدَ قَولَ: سبحَان اللَّهِ، قال الزَّهْرَاوِيُّ: قيل: إن المسْلِمِينَ إنما اصْطَفُّوا في الصلاةِ مُذْ نَزَلَتْ هذهِ الآيةُ، ولا يصطفُّ أحَدٌ من أهلِ المِلَلِ غَيْرُ المسلِمينَ، ثمَّ ذكرَ تعالى مَقَالَةَ بَعْضِ الكفارِ، قال قتادةُ وغيرُه: فإنهم قبل نبوّة نبيّنا محمّد ﷺ، قالوا: لو كَانَ لَنَا كتابٌ أو جاءَنا رسولٌ، لَكُنا عِبَادَ اللَّهِ المخْلَصِينَ، فلما جَاءهم محمّد كفروا به، فسوف\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٥٣٦) برقم: (٢٩٦٦١) عن ابن عبّاس بنحوه، وبرقم: (٢٩٦٦٤) عن الحسن، وبرقم: (٢٩٦٦٧) عن إبراهيم. وذكره البغوي (٤/ ٤٥)، وابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٨٩)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٥٤٨)، وعزاه لابن أبي حاتم عن ابن عبّاس.\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٥٣٩) برقم: (٢٩٦٨٠)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٨٩)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٥٥٠)، وعزاه لعبد الرزاق، والفريابي، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والبيهقي في «شعب الإيمان» عن ابن مسعود.","vol":"5","page":51},{"text":"يَعْلَمُون «١»، وهذا وَعِيدٌ مَحْضٌ، ثم آنَسَ تعالى نبيَّه وأولياءَه بأنَّ القَضَاء قد سَبَق، والكلمةُ قَدْ حَقَّتْ بأنَّ رُسُلَهُ سبحانه هم المنصُورُونَ، على من نَاوَأَهُمْ، وجُنْدُ اللَّهِ همُ الغزاةُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1197>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٧٤ الى ١٨٢]</span>\nفَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٤) وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٥) أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦) فَإِذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٧) وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٨)\nوَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٩) سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٨٢)\nوقوله تعالى: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ أمْرٌ لنبيِّهِ بالمُوَادَعَةِ، ووعد جميل، وحَتَّى حِينٍ قيل هو يومُ بَدْرٍ، وقِيل: يومُ القيامةِ.\nوقولهُ تعالى: وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ وَعْدٌ للنّبي ﷺ وَوَعِيدٌ لهُمْ، ثم وبَّخهم على استعجالِ العذَابِ فَإِذا نَزَلَ أي: العذابُ، بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ والساحةُ الفِنَاء، وسُوءُ الصباح: أيضًا مستعملٌ في وُرُودِ «٢» الغَارَاتِ، قلْتُ: ومنه قولُ النبيِّ ﷺ لَمَّا أَشْرَفَ على خَيْبَرَ: «اللَّهُ أَكْبَرُ، خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إنَّا إذا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ، فَسَاءَ صباح المنذرين» «٣» انتهى،\n_________\n(١) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٨٩)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٥٥٢)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن أبي حاتم عن قتادة.\n(٢) في ج هنا: انتقل من سورة- ص- إلى الترقيم في المخطوط برقم: (١) وقد سرنا نحن معه على تسلسل الترقيم.\n(٣) هذا حديث صحيح متفق على صحته: أخرجه البخاري (٢/ ١٠٧) كتاب «الأذان» باب: ما يحقن بالأذان من الدماء. (٦١٠)، (١/ ٥٧٢) كتاب «الصلاة» باب: ما يذكر في الفخذ (٣٧١)، (٢/ ٥٠٧- ٥٠٨) كتاب «الخوف» باب: التبكير والغلس بالصبح والصلاة عند الإغارة والحرب (٩٤٧)، (٤/ ٤٨٩) كتاب «البيوع» باب: بيع العبد والحيوان بالحيوان نسيئة (٢٢٢٨) طرفا منه، (٤/ ٤٩٤) كتاب «البيوع» باب:\nهل يسافر بالجارية قبل أن يستبرئها؟ (٢٢٣٥)، (٦/ ٩٨) كتاب «الجهاد والسير» باب: فضل الخدمة في الغزو (٢٨٨٩)، (٦/ ١٠١- ١٠٢) كتاب «الجهاد والسير» باب: من غزا بصبي للخدمة (٢٨٩٣)، (٦/ ١٣٠) كتاب «الجهاد والسير» باب: دعاء النبي ﷺ إلى الإسلام والنبوة (٢٩٤٣- ٢٩٤٤- ٢٩٤٥)، (٦/ ١٥٦) كتاب «الجهاد والسير» باب: التكبير عند الحرب (٢٩٩١)، (٦/ ٢٢٢- ٢٢٣) كتاب «الجهاد والسير» باب: ما يقول إذا رجع من الغزو (٣٠٨٥- ٣٠٨٦)، (٦/ ٢٢٣- ٢٢٤) كتاب «الجهاد والسير» باب: الصلاة إذا قدم من سفر (٣٠٨٧)، (٦/ ٧٣٢) كتاب «المناقب» باب: (٢٨) (٣٦٤٧)، (٧/ ٤٣٦) كتاب «المغازي» باب: أحد جبل يحبّنا ونحبه (٤٠٨٣- ٤٠٨٤)، (٧/ ٥٣٤) كتاب «المغازي» باب:\nغزوة خيبر (٤١٩٧- ٤١٩٨- ٤١٩٩- ٤٢٠٠- ٤٢٠١)، (٧/ ٥٤٧) كتاب «المغازي» باب: غزوة خيبر (٤٢١١- ٤٢١٢- ٤٢١٣)، (٩/ ٢٩) كتاب «النكاح» باب: اتخاذ السراري، ومن أعتق جارية ثم تزوجها (٥٠٨٥)، (٩/ ١٣٢) كتاب «النكاح» باب: البناء في السفر (٥١٥٩)، (٩/ ١٤٠) كتاب «النكاح» باب: الوليمة ولو بشاة (٥١٦٩)، (٩/ ٤٤٠) كتاب «الأطعمة» باب: الخبز المرقق، والأكل على الخوان-","vol":"5","page":52},{"text":"وقَرَأَ ابن مسعود: «فَبِئْسَ صَبَاحٌ» «١»، والعزة في قولهِ: رَبِّ الْعِزَّةِ هي العزة المَخْلُوقَةُ الكائِنَةُ للأنبياءِ والمؤمِنينَ وكذلك قال الفقهاءُ مِنْ أجْلِ أنَّها مَرْبُوبَةٌ قال محمدُ بن سُحْنُونَ وغيره: مَنْ حَلَفَ بعزَّةِ اللَّهِ، فَإنْ كَانَ أرادَ صِفَتَهُ الذَّاتِيَّةَ، فَهِي يَمينٌ، وإنْ كَانَ أَرَادَ عِزَّتَهُ الَّتِي خَلَقَ بَيْنَ عِبَادِهِ، وَهي الَّتِي في قَوْلِه: رَبِّ الْعِزَّةِ فَلَيْسَتْ بَيَمِينٍ، ورُوِيَ عن النبيّ ﷺ أنَّه قال: «إذا سَلَّمْتُمْ عَليّ، فَسَلِّمُوا عَلَى المُرْسَلِينَ فإنَّما أَنَا أحَدُهُمْ» «٢» صلَّى اللَّه عَلَيْهِ وعلى آله وعلى جميع النبيّين وسلّم.\n_________\n- والسفرة (٥٣٨٧)، (٩/ ٤٦٥) كتاب «الأطعمة» باب: الحيس برقم: (٥٤٢٥)، (٩/ ٤٦٦) كتاب «الأطعمة» باب: ذكر الطعام (٤٤٢٨)، (٩/ ٥٧٠) كتاب «الذبائح والصيد» باب: لحوم الحمر الإنسية برقم: (٥٥٢٨)، (١٠/ ٢٦) كتاب «الأضاحي» باب: ما يؤكل من لحوم الأضاحي وما يتزود منها (٥٩٦٨)، (١٠/ ٥٨٤) كتاب «الأدب» باب: قول الرجل: «جعلني الله فداك» (٦١٨٥)، (١١/ ١٧٧) كتاب «الدعوات» باب: التعوذ من غلبة الرجال (٦٣٦٣)، (١١/ ١٨٢) كتاب «الدعوات» باب:\nالاستعاذة من الجبن والكسل (٦٣٦٩)، (١٣/ ٣١٦) كتاب «الاعتصام بالكتاب والسنة» باب: إثم من دعا إلى ضلالة أو سن سنة سيئة (٧٣٣٣)، ومسلم (٢/ ١٠٤٣- ١٠٤٤) كتاب «النكاح» باب: فضيلة إعتاقه أمة ثم يتزوجها (٨٤/ ١٣٦٥)، والنسائي (٦/ ١٣١، ١٣٤) كتاب «النكاح» باب: البناء في السفر (٣٣٨٠)، وأحمد (٣/ ١٠١، ١٠٢، ١١١، ١٦٣، ١٦٤، ١٨٦، ٢٠٦، ٢٤٦، ٢٦٣، ٢٧٠، ٢٧١)، والبيهقي (٢/ ٢٣٠) كتاب «الصلاة» باب: من زعم أن الفخذ ليست بعورة، وما قيل في السرة والركبة (٩/ ٥٥) كتاب «السير» باب: قسمة الغنيمة في دار الحرب (٩/ ٧٩- ٨٠) كتاب «السير» باب:\nقتل النساء والصبيان في التبيت والغارة من غير قصد، وما ورد في إباحة التبيت، وابن حبان (١١/ ٥١- ٥٢) كتاب «السير» باب: ذكر البيان على المرء إذا أتى دار الحرب أن لا يشن الغارة حتى يصبح (٤٧٤٧)، ومالك في «الموطأ» (٢/ ٤٦٨- ٤٦٩) كتاب «السير» باب: الخروج وكيفية الجهاد (٤٧٤٦)، والترمذي (٤/ ١٢١) كتاب «السير» باب: في البيات والغارات (١٥٥٠) .\n(١) ينظر: «الكشاف» (٤/ ٦٨)، و«المحرر الوجيز» (٤/ ٤٩٠)، و«البحر المحيط» (٧/ ٣٦٤) .\n(٢) أخرجه الطبري (١٠/ ٥٤٣) برقم: (٢٩٧٠٤)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٢٩٤) - ط دار المعرفة، وعزاه إلى عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة.","vol":"5","page":53},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1198>تفسير سورة «ص»</span>\n[وهي] مكّيّة بإجماع\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1199>[سورة ص (٣٨): الآيات ١ الى ٥]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ (٢) كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنادَوْا وَلاتَ حِينَ مَناصٍ (٣) وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ (٤)\nأَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهًا واحِدًا إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ (٥)\nقرأ أُبَيُّ بن كَعْبٍ والحسن وابن أبي إسحاقَ: «صَادِ» - بِكَسْرِ الدالِ «١» -، والمعنى:\nمَاثِلِ القرآن بِعَمَلِكَ، وقارِبْهُ بطاعَتِكَ، وكذا فسَّرهُ الحَسَن «٢»، أي: انظر أينَ عَمَلُكَ مِنْهُ، وقال الجمهورُ: إنه حَرْفُ مُعْجَمٍ يَدْخُلُه مَا يَدْخُل أوائِلَ السور مِنَ الأَقْوَالِ، وَيَخْتَصُّ هذا بأنْ قَالَ بعضُ الناس: معناه: صدق محمّد ﷺ، وقال الضَّحَّاك: معناهُ: صَدَقَ اللَّهُ «٣»، وقال محمد بن كَعْب القُرَظِيُّ: هو مِفْتَاحُ أَسْمَاءِ اللَّهِ: صمد صادق، ونحوه «٤» .\nوقوله: وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ قَسَمٌ قال ابن عباسٍ وغيره: معناه: ذي الشرف الباقي المخلّد «٥»،\n_________\n(١) وقرأ بها أبو السمال.\nينظر: «مختصر الشواذ» ص: (١٢٩)، و«المحتسب» (٢/ ٢٣٠)، و«المحرر الوجيز» (٤/ ٤٩١)، و«البحر المحيط» (٧/ ٣٦٦)، وزاد نسبتها إلى ابن أبي عبلة، ونصر بن عاصم، وهي في «الدر المصون» (٥/ ٥١٩) . [.....]\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٥٤٤) برقم: (٢٩٧٠٦)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٩١)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٥٥٦)، وعزاه لعبد بن حميد.\n(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٥٤٥) برقم: (٢٩٧١٢)، وذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ٤٧)، وابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٩١)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٥٥٦)، وعزاه لابن جرير.\n(٤) ذكره البغوي في «تفسيره» (١٠/ ٤٧)، وابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٩١) .\n(٥) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٥٤٦) برقم: (٢٩٧١٧)، وذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ٤٧)، وابن عطية في في «تفسيره» (٤/ ٤٩١)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٢٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٥٥٦) كلهم عن ابن عبّاس.","vol":"5","page":54},{"text":"وقالَ قتادة: ذي التذكرةِ للنَّاسِ والهداية لهم «١»، وقالت فرقةٌ: ذي الذِّكْرِ للأُمَمِ والقَصَصِ والغُيُوبِ، ت: ولا مانَعَ [مِنْ] أَنْ يُرَادَ الجميعُ، قال﵇ «٢»: وأما جَوَابُ القَسَمِ، فَاخْتُلِفَ فيه فقالت فرقة: الجوابُ في قوله: ص إذ هُوَ بمعنى: صدق الله أو صدق محمّد ﷺ، وقال الكوفيُّون والزَّجَّاج «٣»: الجَوَابُ في قوله: إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ [ص: ٦٤]، وقَالَ بَعْضُ البصريِّين ومنهم الأخفَشُ: الجوابُ في قوله: إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ [ص: ١٤]، قال ع «٤»: وهذانِ القولانِ بَعيدانِ، وقال قتادة «٥» والطبري «٦»: الجواب مقدَّرٌ قَبْلَ «بل»، وهذا هو الصحيحُ، وتقديره: والقرآن، ما الأَمْرُ كَما يَزْعُمُونَ، ونَحْوُ هَذَا مِنَ التَّقْدِير، فَتَدَبَّرْهُ، وقال أبو حَيَّان «٧»: الجوابُ: إنك لمن المرسلين، وهو ما أثْبَتَ جَوَابًا للقرآن حينَ أقْسَمَ بهِ، انتهى، وهو حَسَنُ، قال أبو حيان:\nوقوله: فِي عِزَّةٍ هي قراءةُ الجمهور، وعن الكسائي «٨» بالغين المعجمة والراء، أي: في غَفْلَةٍ، انتهى.\nوالعِزَّةُ هنا: المُعَازَّةُ والمُغَالَبَةُ والشِّقَاقُ ونحوُهُ، أيْ: هم في شِقٍّ، والحَقُّ في شِقٍّ، وكَمْ للتكثير، وهي خَبَرٌ فِيه مثالٌ ووعيدٌ، وهِي في مَوْضِعِ نَصْبٍ ب أَهْلَكْنا.\nوقوله: فَنادَوْا معناهُ: مُسْتَغِيثين، والمعنى: أنهم فَعلوا ذلك بعد المُعَايَنَةِ، فَلَمْ ينْفعهم ذلك ولم يكُنْ في وَقْتِ نَفْعٍ، ولاتَ بمعنى: ليس، واسمها مقدَّرٌ عند سِيبَوَيْهِ، تقدِيره:\nوَلاَتَ الحِينُ حِينَ مَنَاصٍ، والمَنَاصُ: المَفَرُّ، ناصَ يَنُوصَ: إذا فَرَّ وَفَاتَ، قالَ ابن عَبَّاس:\nالمعنى: ليسَ بِحِينِ نَزْوٍ وَلاَ فِرَارٍ ضبط القوم «٩»، والضمير في عَجِبُوا لكفار قريش.\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٥٤٦) برقم: (٢٩٧١٩)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٩١)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٢٦) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٤٩١) .\n(٣) ينظر: «معاني القرآن» (٤/ ٣١٩) .\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٤٩١) .\n(٥) ذكره الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٥٤٧) عن قتادة، وابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٩٢) .\n(٦) ينظر: «تفسير الطبري» (١٠/ ٥٤٧) .\n(٧) ينظر: «البحر المحيط» (٧/ ٣٦٧) .\n(٨) وقرأ بها حماد بن الزبرقان، وأبو جعفر، والجحدري.\nينظر: «البحر المحيط» (٧/ ٣٦٧)، و«الدر المصون» (٥/ ٥٢٠) .\n(٩) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٥٤٨) برقم: (٢٩٧٢٥)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٩٢)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٢٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٥٥٦)، وعزاه السيوطي للطيالسي، وعبد الرزاق، والفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر، والحاكم وصححه عن التميمي.","vol":"5","page":55},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1200>[سورة ص (٣٨): الآيات ٦ الى ٨]</span>\nوَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ (٦) ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هذا إِلاَّ اخْتِلاقٌ (٧) أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ (٨)\nقوله تعالى: وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ/ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ ... الآية، رُوِيَ فِي قَصَصِ هذهِ الآيةِ، أنَّ أشْرَافَ قُرَيْشٍ اجْتَمَعُوا عِنْدَ مَرَضِ أبي طالبٍ، وقالوا: إن مِنَ القبيحِ علينا أن يموتَ أبو طالب، ونُؤْذِيَ محمَّدًا بَعْدَهُ، فتقولُ العربُ: تركُوهُ مُدَّةَ عَمِّهِ، فَلَمَّا مَاتَ آذَوْهُ، ولكن لِنذهبْ إلى أبي طالب فَيُنْصِفَنَا مِنْهُ ويَرْبِطَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ رَبْطًا، فَنَهَضُوا إليه، فقالوا: يا أبا طالب: إن محمدًا يَسُبُّ آلهتَنا، ويُسَفِّهُ آراءنا، ونحنُ لا نُقَارُّهُ على ذلك، ولكن افْصِلْ بَيْنَنَا وبَيْنَهُ في حياتِكَ بأن يُقِيمَ في منزلهِ يَعْبُدُ ربَّهُ الذي يَزْعُمُ ويدعُ آلهتنا وسَبَّها، ولا يَعْرِضُ لأحَدٍ منا بشيْءٍ من هذا، فبعث أبو طالب إلى النبي ﷺ فقال:\nيا محمَّدُ، إن قومَكَ قَد دَعَوْكَ إلى النَّصَفَةِ، وهِيَ أن تَدَعَهُمْ وتَعْبُدَ رَبَّكَ وَحْدَكَ، فَقال: أوَ غَيْرَ ذلكَ يا عَمُّ؟ قال: وما هو؟ قال: يُعْطُونَنِي كَلِمَةً تَدِينُ لَهُمْ بِهَا العَرَبُ، وَتُؤَدِّي إلَيْهِمُ الْجِزْيَةَ بِهَا العَجَمُ، قَالُوا: وَمَا هِيَ؟! فَإنَّا نُبَادِرُ إلَيْهَا! قَالَ: «لاَ إله إلاَّ اللَّهُ» فَنَفَرُوا عِنْدَ ذَلِكَ، وَقَالُوا: مَا يُرْضِيكَ مِنَّا غَيْرُ هذا؟ قال: «واللَّهِ، لَوْ أَعْطَيْتُمُونِي الأَرْضَ ذَهَبًَا وَمَالًا» «١» وفي روايةِ «لَوْ جَعَلْتُمُ الشَّمْسَ فِي يَمِينِي والقَمَرَ فِي شِمَالِي مَا أرضى مِنْكُمْ غَيْرُهَا» فَقَامُوا عِنْدَ ذَلِكَ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ لِبَعْضٍ: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهًا واحِدًا إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ، ويُرَدِّدُونَ هذا المعنى، وعُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ يقول: امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ، فقوله تعالى: وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ عبارةٌ عن خروجِهم عَن أبي طالبٍ وانطلاقِهِمْ من ذلكَ الجَمْعِ، هذا قولُ جماعةٍ من المفسرين.\nوقوله تعالى: أَنِ امْشُوا نَقَلَ الإمامُ الفخرُ «٢» أَنَّ «أنْ» بمعنى: «أي»، انتهى، وقولهم:\nإِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ يريدون ظهورَ محمَّدٍ وعلوَّه، أي: يُرادُ مِنَّا الانقيادُ لَه، وأنْ نكونَ له أتْبَاعًا، ويريدونَ بِالمِلَّةِ الآخرةِ مِلَّةَ عيسى، قاله ابنُ عبَّاس، وغيره «٣» وذلك أنها ملَّةٌ شُهِرَ فيها التثليث.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٠/ ٥٥٣) برقم: (٢٩٧٥٠) وعن السدي برقم: (٢٩٧٥١)، وعن ابن عبّاس مختصرا، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٢٩٦) . ط- دار المعرفة، وعزاه إلى ابن مردويه. [.....]\n(٢) ينظر: «تفسير الرازي» (٢٦/ ١٥٦) .\n(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٥٥٢) برقم: (٢٩٧٤٢) عن ابن عبّاس، وذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ٤٩)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٩٤)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٢٨)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٥٥٨)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن المنذر عن مجاهد.","vol":"5","page":56},{"text":"ثم تَوَعَدَّهُمْ- سبحانه- بقوله: بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ أي: لو ذاقُوهُ، لَتَحَقَّقُوا أنَّ هذه الرسالة [حقّ] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1201>[سورة ص (٣٨): الآيات ٩ الى ١٤]</span>\nأَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (٩) أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ (١٠) جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ (١١) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتادِ (١٢) وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ أُولئِكَ الْأَحْزابُ (١٣)\nإِنْ كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ (١٤)\nوقوله تعالى: أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ ... الآية، عبارةُ الثعلبيّ: أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ يعني: مَفاتيح النبوَّة حتى يُعْطُوا مَنِ اختاروا، نظيرَهَا أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ [الزخرف: ٣٢] .\nقوله تعالى: أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما يعني: أنَّ ذلكَ للَّهِ تعالى يَصْطَفِي مَنْ يَشَاءُ فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ فَلْيَصْعَدُوا فِيمَا يُوَصِّلُهُمْ إلى السمواتِ، فليأتوا منها بالوحي إلى مَنْ يختارونَ، وهذا أمْرُ توبيخٍ وتَعْجِيزٍ، انتهى، ونحوه كلامُ ع «١» .\nثم وعدَ اللَّهُ نبيَّهُ النَّصْرَ، فقال: جُنْدٌ مَّا هُنالِكَ مَهْزُومٌ أي: مَغْلُوبٌ ممنوعٌ مِن الصُّعُودِ إلى السماء، مِنَ الْأَحْزابِ أي: من جملة الأحزابِ، قال ع «٢»: وهذا تأويل قَوِيٌّ، وقالت فرقة: الإشارة ب هُنالِكَ إلى حمايةِ الأصْنَامِ وعَضْدِهَا، أي: هؤلاءِ القومُ جندٌ مهزومٌ في هذهِ السبيلِ، وقال مجاهد: الإشارةُ ب «هنالكَ» إلى يوم بدر «٣»، وهي من الأمورِ المُغَيَّبَةِ أُخْبِرَ بها ﵇.\n«وما» في قوله: جُنْدٌ مَّا زائدةٌ مؤكِّدةٌ، وفيها تخصيصٌ، وباقي الآية بيِّنٌ.\nوقال أبو حَيَّانَ «٤» جُنْدٌ خَبَرُ مبتدإٍ محذوفٍ، أي: هُمْ جُنْدٌ وما زَائِدَة أو صِفَة أُريدَ بها التعظيمُ على سبيل الهُزْءِ بهم/ أو الاسْتِخْفَافِ لأن الصفةَ تُسْتَعْمَلُ على هذين المعنيين، وهُنالِكَ ظرفُ مكانٍ يُشَارُ بهِ إلى البَعِيدِ، في مَوْضِعِ صِفَةٍ ل جُنْدٌ، أي:\nكائنٌ هنالك، أو متعلّق ب مَهْزُومٌ، انتهى.\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٤٩٥) .\n(٢) ينظر: المصدر السابق.\n(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٥٥٥) برقم: (٢٩٧٦٦)، وذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ٤٩)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٩٥) عن مجاهد، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٥٥٨)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة.\n(٤) ينظر: «البحر المحيط» (٧/ ٣٧٠) .","vol":"5","page":57},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1202>[سورة ص (٣٨): الآيات ١٥ الى ١٩]</span>\nوَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِنْ فَواقٍ (١٥) وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ (١٦) اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ (١٨) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (١٩)\nوقوله تعالى: وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ أي: ينتظرُ، إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً قال قتادة:\nتَوَعَّدَهُمْ سُبْحَانَهُ بصيحةِ القِيَامَةِ والنفخِ في الصُّور «١»، قَالَ الثَّعْلَبِيُّ: وقد رُوِيَ هذا التفسيرُ مرفوعًا، وقالتْ طائِفَةٌ: تَوَعَّدَهُمْ اللَّهُ بِصَيْحَةٍ يُهْلَكُونَ بِهَا في الدنيا، مَّا لَها مِنْ فَواقٍ قرأ الجمهورُ- بفتح الفاءِ-، وقَرأ حمزةُ والكسائي «فُوَاق» - بِضم الفاء «٢» -، قال ابن عباس:\nهما بمعنًى، أي: ما لَها من انْقِطَاعٍ وَعَوْدَةٍ، بَلْ هِي مُتَّصِلَةٌ حتى تُهْلِكَهُمْ «٣»، ومنه: فُوَاقُ الحَلْبِ، وهُوَ المُهْلَةُ التي بَيْنَ «الشُّخْبَيْنِ»، وقال ابن زَيْدٍ وغيرُهُ: المعنى مُخْتَلِفٌ «٤»، فالضَّمُّ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ مَعْنَى فُوَاقِ النَّاقَةِ، والفتحُ بِمَعْنَى الإفَاقَةِ، أيْ: لا يُفِيقُونَ فيها كما يُفِيقُ المَرِيضُ، والمَغْشِيُّ عَلَيْهِ، والْقِطُّ: الحَظُّ والنصيبُ، والْقِطُّ أَيْضًا الصَّكُّ والكتابُ من السُّلْطَانِ بِصِلة، ونحوهِ، واختلِف في الْقِطِّ هُنَا، ما أرادوا به؟ فقال ابن جُبَيْر: أرادوا به:\nعَجَّلْ لَنَا نَصِيبَنَا من الخَيْرِ والنَّعيمِ في دُنْيَانا «٥»، وقال أبو العالية: أرادوا عَجِّل لنا صُحُفَنَا بأيمانِنا «٦» وذلك لمَّا سَمِعُوا في القرآن أَنَّ الصُحُفَ تعطى يوم القيامةِ بالأيْمَانِ والشَّمائِل، وقال ابن عباس وغَيره: أرادوا ضِدَّ هَذَا من العذابِ ونحوهِ «٧»، وهذا نظيرُ قولهم فَأَمْطِرْ\n_________\n(١) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٩٥)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٥٥٨)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٢) ينظر: «السبعة» (٥٥٢)، و«الحجة» (٧/ ٦٦)، و«إعراب القراءات» (٢/ ٢٥٥)، و«معاني القراءات» (٢/ ٣٢٥)، و«شرح الطيبة» (٥/ ١٩٠)، و«العنوان» (١٦٣)، و«حجة القراءات» (٦١٣)، و«شرح شعلة» (٥٦٤)، و«إتحاف» (٢/ ٤١٩) .\n(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٥٥٨) برقم: (٢٩٧٧٧)، وذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ٥٠)، وابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٩٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٥٥٩)، وعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٤) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٥٥٨) برقم: (٢٩٧٨٢)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٩٦) .\n(٥) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٥٦٠) برقم: (٢٩٧٨٩)، وذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ٥٠)، وابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٩٦) .\n(٦) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٥٦٠) عن آخرين، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٩٦) عن أبي العالية، والكلبي.\n(٧) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٥٥٩) برقم: (٢٩٧٨٣) عن ابن عبّاس، وذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ٥٠)، وابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٩٦)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٢٩)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٥٥٩)، وعزاه للطستي عن ابن عبّاس.","vol":"5","page":58},{"text":"عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ [الأنفال: ٣٢] قال ع «١»: وعلى كل تأويل، فكَلاَمُهُم خَرَجَ عَلى جِهَةِ الاستخفاف والهزء.\nوَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ أَي: فَتَأَسَّ به ولاَ تَلْتَفِتْ إلى هؤلاءِ، «والأيْدِ» القُوَّةُ في الدين والشرع والصَّدْعُ به، وال أَوَّابٌ الرَّجَّاعُ إلى طَاعةِ اللَّهِ، وقاله مجاهد وابن زيد «٢» وفسَّره السُّدِّيُّ: بالمسبّح «٣»، وتسبيح الجبال هنا حقيقة، والْإِشْراقِ: ضياءُ الشَّمْسِ وارتفاعُها، وفي هذين الوَقْتَيْنِ كانت صلاَةُ بنِي إسرائيل، قال الثعلبيُّ: وليس الإشْرَاقُ طُلُوعَ الشَّمْسِ، وإنما هو صَفَاؤُها وضوءها، انتهى. قال ابنُ العربيِّ في «أحكامه» «٤»: قال [ابن عباس] «٥»: ما كنتُ أعْلَمُ صلاةَ الضحى في القرآن حتى سمعتُ اللَّهَ تعالى يقول: يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ «٦» قال ابن العربي «٧»: أما صلاةُ الضحى فَهِي في هذه الآيةِ نافلةٌ مُسْتَحَبَّةٌ، ولا ينبغي أنْ تصلى حتى تتبينَ الشمسُ طَالعةً قَدْ أشْرَقَ نُورُهَا، وفي صلاةِ الضحى أحاديثُ أُصُولُهَا ثلاثةٌ: الأولُ حديثُ أبي ذَرٍّ وغيره عن النبي ﷺ أَنَّه قال: «يُصْبِحُ على كُلِّ سلامى مِنِ ابن آدَمَ صَدَقَةٌ تَسْليمُهُ على مَنْ لَقِيَ صَدَقَةٌ، وأَمْرُهُ بالمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، ونَهْيُهُ عَنِ المُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وإمَاطَتُهُ الأذى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ، وبُضْعُهُ أهْلَهُ صَدَقَةٌ، ويجزىء مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ رَكْعَتَانِ من الضّحى» «٨» .\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٤٩٦) . [.....]\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٥٦١) برقم: (٢٩٧٩٦) عن مجاهد، وبرقم: (٢٩٨٠٠) عن ابن زيد، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٩٦) عنهما، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٥٦٠)، وعزاه لعبد بن حميد عن مجاهد.\n(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٥٦٢) برقم: (٢٩٧٩٩) عن السدي، وذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ٥١) عن سعيد بن جبير، وابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٩٦) عن السدي، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٥٦٠)، وعزاه لابن جرير عن ابن عبّاس، ولابن جرير عن مجاهد، ولابن أبي حاتم عن عمرو بن شرحبيل.\n(٤) ينظر: «أحكام القرآن» (٤/ ١٦٢٤) .\n(٥) سقط في: د.\n(٦) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٥٦٢) برقم: (٢٩٨٠٣)، و(٢٩٨٠٤) عن ابن عبّاس، وذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ٥١)، وابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٩٦)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٣٠)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٥٦١)، وعزاه لعبد الرزاق، وعبد بن حميد، عن عطاء الخرساني عن ابن عبّاس، ولعبد بن حميد عن عكرمة عن ابن عبّاس، ولابن المنذر، وابن مردويه عن ابن عبّاس.\n(٧) ينظر: «أحكام القرآن» (٤/ ١٦٢٥) .\n(٨) تقدم تخريجه.","vol":"5","page":59},{"text":"الثَّانِي: حديثُ سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ الجهنيّ عن أبيه أنّ النبيّ ﷺ قال: «مَنْ قَعَدَ في مُصَلاَّهُ حِينَ يَنْصَرِفُ مِنْ صَلاَةِ الصُّبْحِ، حتى يُسَبِّحَ رَكْعَتَيْ الضحى لاَ يَقُولُ إلاَّ خَيْرًا، غُفِرَتْ خَطَايَاهُ، وإنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ زَبَدِ البَحْرِ» «١» .\nالثالثُ: حَدِيثُ أمّ هانىء أنّ النبيّ ﷺ صلى يَوْمَ الفَتْحِ ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ «٢»، انْتَهَى.\nت: وَرَوَى أبو عيسى/ الترمذيُّ وغَيْرُهُ عن أَنَسٍ قال: قال رسول الله ﷺ:\n«مَنْ صَلَّى الفَجْرَ في جَمَاعَةٍ، ثُمَّ قَعَدَ يَذْكُرُ اللَّهَ تعالى، حتى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، ثُمَّ صلى رَكْعَتَيْنِ، كَانَتْ لَهُ كَأَجْرِ حَجَّةٍ وعُمْرَةٍ تَامَّةٍ» «٣»، قَالَ الترمذيُّ: حديثٌ حَسَنٌ، انتهى. قال الشَّيْخُ أَبو الحَسَنِ بْنُ بَطَّالٍ في شرحه للبُخَارِيِّ: وعن زيدِ بْنِ أسْلَمَ قَال: سمعتُ عَبد اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يقولُ لأبي ذَرٍّ: أوْصِنِي يَا عَمُّ، قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَمَا سَأَلْتَنِي فَقَالَ: «مَنْ صَلَّى الضحى رَكْعَتَيْنِ، لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الغافِلِينَ، وَمَنْ صلى أَرْبَعًَا، كتب من\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (١/ ٤١١) كتاب «الصلاة» باب: صلاة الضحى برقم: (١٢٨٧)، وأحمد (٣/ ٤٣٩)، والبيهقي (٣/ ٤٩) كتاب «الصلاة» باب: من استحب أن لا يقوم من مصلاه حتى تطلع الشمس.\n(٢) أخرجه البخاري (١/ ٤٦٩) كتاب «الصلاة» باب: الصلاة في الثوب الواحد، حديث (٣٥٧)، ومسلم (١/ ٤٩٨) كتاب «صلاة المسافرين» باب: استحباب صلاة الضحى، حديث (٨٢/ ٣٣٦)، وأبو داود (١/ ٤١٢) كتاب «الصلاة» باب: صلاة الضحى، حديث (١٢٩٠- ١٢٩١)، والنسائي (١/ ١٢٦) كتاب «الطهارة» باب: ذكر الاستتار عند الاغتسال، حديث (٢٢٥)، والترمذي (٥/ ٧٣- ٧٤) كتاب «الاستئذان» باب: ما جاء في مرحبا، حديث (٢٧٣٤)، وابن ماجه (١/ ٤٣٩) كتاب «الصلاة» باب: ما جاء في صلاة الضحى، حديث (١٣٧٩)، ومالك (١/ ١٥٢) كتاب «قصر الصلاة في السفر» باب:\nصلاة الضحى، حديث (٢٧- ٢٨)، وأحمد (٦/ ٣٤١- ٣٤٢- ٣٤٣- ٤٢٣- ٤٢٥)،، وأبو عوانة (٢/ ٢٦٩- ٢٧٠)، والدارمي (١/ ٣٣٨- ٣٣٩) كتاب «الصلاة» باب: صلاة الضحى، والحميدي (١/ ١٥٨، ١٦٠) برقم: (٣٣١- ٣٣٢- ٣٣٣)، والبيهقي (٣/ ٤٨) كتاب «الصلاة» باب: ذكر من رواها ثمان ركعات، والبغوي في «شرح السنة» (٢/ ٥١٧) - بتحقيقنا من طرق عن أم هانىء أن النبي ﷺ دخل بيتها يوم فتح مكة فاغتسل وصلّى ثمان ركعات، فلم أر صلاة قط أخف منها، غير أنه يتم الركوع والسجود.\nوقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.\n(٣) أخرجه الترمذي (٢/ ٤٨١) كتاب «الصلاة» باب: ذكر ما يستحب من الجلوس في المسجد بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس، من حديث أنس.\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب، وفي الباب من حديث أبي أمامة: أخرجه الطبراني في «الكبير» (٨/ ٢٠٩)، وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ١٠٧) كتاب «الأذكار» باب: ما يفعل بعد صلاة الصبح والمغرب.\nقال الهيثمي: إسناده جيد.","vol":"5","page":60},{"text":"العَابِدِينَ، ومَنْ صلى ستًًّا، لَمْ يَلْحَقْهُ ذَلِكَ اليَوْمَ ذَنْبٌ، وَمَنْ صلى ثَمانيًا، كُتِبَ مِنَ القَانِتِينَ، ومَنْ صلى ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً، بنى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الجَنَّةِ» «١» انتهى.\nوَالطَّيْرَ: عطف على الجبال، أي: وسخّرنا الطير، ومَحْشُورَةً معناهُ مجموعةً، والضميرُ في «لهُ» قَالَتْ فِرْقَةٌ: هو عائد على الله. ﷿- ف كُلٌّ على هذا، يُرَادُ بهِ:\nدَاوُدُ والجبالُ والطيرُ، وقالت فرقة: هو عائدٌ على داودَ ف كُلٌّ على هذا يُرَادُ بهِ الجبالُ والطير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1203>[سورة ص (٣٨): الآيات ٢٠ الى ٢٢]</span>\nوَشَدَدْنا مُلْكَهُ وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ (٢٠) وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ (٢١) إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ (٢٢)\nوقوله تعالى: وَشَدَدْنا مُلْكَهُ: عبارةٌ عامَّةٌ لجميعِ مَا وَهَبَه اللَّه تَعالى من قوَّةٍ وجندٍ ونعمةٍ، وَفَصْلَ الْخِطابِ قال ابن عباس وغيره: هو فَصْلُ القَضَاءِ بَيْنَ الناسِ بالحقِ وإصابتُه وفَهْمُه «٢»، وقال الشعبي: أرادَ قَوْلَ «أمَّا بَعْدُ» فإنه أَوَّلُ مَنْ قَالَها «٣»، قال ع «٤»: والذَّي يُعْطِيهِ اللفظُ أنَّه آتاه فَصْلَ الخطابِ، بمعنى أنَّه إذا خَاطَبَ في نَازِلةٍ، فَصَلَ المعنى وأوْضَحَهُ، لا يأْخذُهُ في ذلك حَصَرٌ وَلا ضعف.\n_________\n(١) ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٢/ ٢٣٩- ٢٤٠) كتاب «العيدين» باب: صلاة الضحى، وعزاه إلى البزار.\nقال الهيثمي: فيه حسين بن عطاء ضعفه أبو حاتم، وغيره، وذكره ابن حبان في «الثقات» وقال: يخطىء ويدلس. ا. هـ.\nوفي الباب من حديث أبي أمامة: ذكره الهيثمي أيضا في «مجمع الزوائد» (٢/ ٢٤٠)، وعزاه إلى الطبراني في «الكبير» .\nقال الهيثمي: فيه موسى بن يعقوب الزمعي، وثقه ابن معين وابن حبان، وضعفه المديني وغيره، وبقية رجاله ثقات. اهـ.\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٥٦٤) برقم: (٢٩٨١٤) عن ابن عبّاس، وبرقم: (٢٩٨١٥) عن مجاهد، و(٢٩٨١٦) عن السدي، وذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ٥٢)، وابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٩٧)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٣٠)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٥٦٣)، وعزاه للحاكم عن السدي، ولابن أبي حاتم عن ابن عبّاس، ولابن المنذر، عن مجاهد، ولعبد بن حميد، وابن المنذر، عن أبي عبد الرحمن، ولعبد بن حميد، وابن المنذر عن الحسن.\n(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٥٦٥) برقم: (٢٩٨٢٦)، وذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ٥٢)، وابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٩٧)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٣٠)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٥٦٤)، وعزاه لابن جرير عن الشعبي، ولابن أبي حاتم، والديلمي عن أبي موسى الأشعري.\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٤٩٧) . [.....]","vol":"5","page":61},{"text":"وقوله تعالى: وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ ... الآية مخاطبة للنبي ﷺ، واسْتُفْتِحَتْ بالاسْتِفْهَام تَعْجِيبًا مِنَ القصَّةِ وتفخيمًا لها، والخصم يوصف به الواحد والاثنان والجمع، وتَسَوَّرُوا معناه: عَلَوْا سُورَهُ، وهو جَمْعُ «سُورَةٍ» وهي القطعةُ من البناء، وَتَحْتَمِلُ هذه الآيةُ أن يكون المتسوّر اثنين فَقَطْ، فَعَبَّرَ عَنْهُما بلَفْظِ الجَمْعِ، ويحتملُ أن يكونَ معَ كلِّ واحدٍ منَ الخَصْمَيْنِ جَمَاعَةٌ، والْمِحْرابَ المَوْضِعُ الأرْفَعُ مِنَ القَصْرِ أو المَسْجِدِ، وهو موضع التعبُّد، وإنما فَزِعَ منهم مِنْ حَيْثُ دَخَلُوا من غير الباب، ودون استئذان، ولا خلافَ بَيْن أهلِ التأويلِ أنَّ هذا الخَصْمَ إنما كانوا ملائكةً بَعَثَهُمْ اللَّهُ ضَرْبَ مَثَلٍ لداودَ، فاختصموا إليه في نازلةٍ قَدْ وَقَعَ هُو في نَحْوِهَا، فأَفْتَاهُمْ بِفُتْيَا هِي وَاقِعَةٌ عليه في نازلته، ولَمَّا شَعَرَ وَفَهِمَ المُرَادَ، خَرَّ رَاكِعًا وأَنَابَ، واسْتَغْفَرَ، وأمَّا نَازِلَتُهُ الَّتي وَقَع فِيها، ففيها للقُصَّاصِ تَطْوِيلٌ، فَلَمْ نَرَ سَوْقَ جَمِيعِ ذلكَ لِعَدَمِ صِحَّتِهِ.\nورُوِيَ فِي ذلكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ما معناه أن دَاوُدَ كَانَ في مِحْرَابِهِ يَتَعَبَّدُ إذْ دَخَلَ عَلَيْهِ طَائِرٌ حَسَنُ الهَيْئَةِ، فَمَدَّ يَدَهُ إليْه ليأخذه، فزال مطمعا لَه مِنْ مَوْضِعٍ إلَى مَوْضِعٍ، حَتَّى اطَّلَعَ عَلَى امْرَأَةٍ لَهَا مَنْظَرٌ وَجَمَالٌ، فَخَطَرَ فِي نَفْسِهِ أنْ لَوْ كَانَتْ مِنْ نِسَائِهِ، وَسَأَلَ عَنْهَا، فَأُخْبِرَ أَنَّهَا امْرَأَةُ أُورِيَّا، وَكَانَ في الجِهَادِ فَبَلَغَهُ أنَّه اسْتُشْهِدَ فَخَطَبَ المَرْأَةَ، وَتَزَوَّجَهَا، فَكَانَتْ أُمَّ سُلَيْمَانَ فِيمَا رُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ، فَبَعَثَ اللَّهُ الخَصْمَ لِيُفْتِيَ «١»، قَالَتْ فرقةٌ من العلماء: وإنما وَقَعَتْ المعَاتَبَةُ على/ هَمِّهِ، وَلَمْ يَقَعْ مِنْه شَيْءٌ سِوَى الهَمِّ، وكانَ لِدَاوُدَ فِيما رُوِيَ تِسْعٌ وتِسْعُونَ امْرَأَةً، وَفي كُتُبِ بَنِي إسرائيل في هذه القصة صُوَرٌ لاَ تَلِيقُ، وقد قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: مَنْ حَدَّثَ بِما قَالَ هؤلاءِ القُصَّاصُ في أَمْرِ دَاوُدَ، جَلَدْتُهُ حَدَّيْنِ لما ارتكب مِنْ حُرْمَةِ مَنْ رَفَعَ اللَّهُ قَدْرَهُ «٢» .\nوقوله: خَصْمانِ تقديره: نحن خصمان، وبَغى معناه: اعتدى واسْتَطَالَ، وَلا تُشْطِطْ معناه: وَلاَ تتعدّ في حكمك، وسَواءِ الصِّراطِ معناه: وسطه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1204>[سورة ص (٣٨): الآيات ٢٣ الى ٢٥]</span>\nإِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أَكْفِلْنِيها وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ (٢٣) قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعًا وَأَنابَ (٢٤) فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ (٢٥)\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٥٧٠) عن ابن عبّاس برقم: (٢٩٨٥٢)، وبرقم: (٢٩٨٥٣) عن السدي، وذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ٥٢)، وابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٩٨)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٥٦٤)، وعزاه لابن أبي شيبة في «المصنف»، وابن أبي حاتم عن ابن عبّاس.\n(٢) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٤٩٩) .","vol":"5","page":62},{"text":"وقوله: إِنَّ هَذَا أَخِي [إعرابُ «أخي»] «١» عَطْفُ بَيَانٍ، وذلك أن مَا جرى من هذه الأشياء صِفةً كالخَلْقِ والخُلُقِ وسَائِر الأوْصَافِ، فَإنَّه نَعْتٌ مَحْضٌ، والعاملُ فيه هو العاملُ في الموصوفِ، وما كان مِنْهَا مِمَّا لَيْسَ يُوصَفُ بهِ بَتَّةً، فهو بَدَلٌ والعَامِلُ فيه مُكَرَّرٌ أي:\nتقديرًا يقال: جَاءَنِي أخوك زيدٌ، فالتقديرُ: جَاءَنِي أَخُوكَ، جَاءَنِي زَيْدٌ، ومَا كَان مِنْها مِمَّا لاَ يُوصَفُ بهِ واحتيج إلى أنْ يُبَيَّنَ بِه، وَيَجْرِي مَجْرَى الصِّفَةِ، فَهُوَ عَطْفُ بَيَانٍ.\n«والنعجة» في هذه الآيةِ عَبَّرَ بِهَا عَنِ المَرْأَةِ، والنعجةُ في كلام العرب: تقعُ على أنثى بَقَرِ الوَحْشِ، وعلى أُنْثَى الضَّأْنِ، وتُعَبّرُ العَرَبُ بِهَا عن المَرْأَةِ.\nوقوله: أَكْفِلْنِيها أي: رُدَّهَا في كَفَالَتِي، وقال ابنُ كَيْسَانَ: المعنى: اجعلها كِفْلِي، أي: نَصِيبي، وَعَزَّنِي معناه: غَلَبَنِي، ومنه قول العربِ: «مَنْ عَزَّ بَزَّ» أي: مَنْ غَلَبَ، سَلَبَ، ومعنى قوله: فِي الْخِطابِ أي: كان أوْجَهَ مِنِّي، فإذَا خَاطَبْتُهُ، كانَ كلامُه أقوى من كلامي، وقُوَّتُهُ أعْظَمَ مِنْ قُوَّتِي.\nويروى أنَّه لَمَّا قَالَ: لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ، تَبَسّما عند ذلكَ، وَذَهَبَا، وَلَمْ يَرَهُما لحِينه، فَشَعَرَ حينئذ للأمْرِ، ويروى أنّهما ذهبا نحو السّماء بمرأى منه.\nوالْخُلَطاءِ: الشُّرَكَاءِ في الأمْلاَكِ، والأُمُورِ، وهذا القَوْلُ مِنْ دَاوُدَ وَعْظٌ لِقَاعِدَةِ حَقٍّ، ليُحَذِّرَ الخَصْمَ مِنَ الوُقُوعِ في خلافِ الحقِّ.\nوقوله تعالى: «إِلاَّ الذين ءامنوا وَعَمِلُواْ الصالحات وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ»: قال أبو حيان «٢»:\nوَقَلِيلٌ خبرٌ مقدَّم، و«مَا» زائِدةٌ تُفِيدُ مَعْنَى التَّعْظِيمِ، انتهى.\nوَرَوَى ابْنُ المبارَكِ في «رقائقه» بسنده عن النبيّ ﷺ أنه قال: «أشَدُّ الأعْمَالِ ذِكْرُ اللَّهِ على كُلِّ حَالٍ، والإنْصَافُ مِنْ نَفْسِكَ، وَمُوَاسَاةُ الأخِ في المال» «٣» انتهى.\nوقوله تعالى: وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ معناه: شعر للأمر وعلمه، وفَتَنَّاهُ أي:\nابْتَلَيْنَاهُ وامْتَحَنَّاهُ، وقال البخاريُّ: قال ابن عبّاس: فَتَنَّاهُ أي: اختبرناه، وأسند البخاريّ\n_________\n(١) سقط في: د.\n(٢) ينظر: «البحر المحيط» (٧/ ٣٧٧) .\n(٣) ذكره الحافظ ابن حجر في «لسان الميزان» (٦/ ٣٢٦) من طريق الشافعي عن مالك، عن نافع، عنِ ابن عمر، وقال: وهذا موضوع على هؤلاء رقم: (١١٦٣) .","vol":"5","page":63},{"text":"عن مجاهدٍ قال: سألتُ ابنَ عباسٍ عَنْ سجدة «ص» أين تَسْجُدُ، فَقَالَ: أَوَ مَا تَقْرَأَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ [الأنعام: ٨٤] إلى قوله: أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ [الأنعام: ٩٠] فَكَانَ داوُد مِمَّن أُمِرَ نَبِيُّكُمْ أنْ يَقْتَدِيَ بهِ، فَسَجَدَهَا دَاوُدُ فسجدها رسول الله ﷺ «١»، انتهى، فتأمَّلَهُ وما فيه مَنَ الْفِقْهِ، وقَرأ أبو عمرٍو في رِوَاية علي بن نَصْرٍ: «فَتَنَاهُ» - بتخفيفِ التاء والنون- على إسنادِ الفعلِ للخَصْمَيْنِ «٢»، أي: امتحناه عَنْ أَمْرِنَا، قال أبو سعيدٍ الخُدْرِيُّ: «رأيتُنِي في النوم أكتُبُ سورَة «ص» فَلَما بَلَغْتُ/ قَوْلَهُ:\nوَخَرَّ راكِعًا وَأَنابَ سَجَدَ القلمُ، ورَأيتُنِي في مَنامٍ آخَرَ، وشَجَرَةٌ تَقْرَأُ سورة «ص» فلما بَلَغَتْ هَذَا، سَجَدَتْ، وَقَالَتْ: اللَّهُمَّ، اكْتُبْ لِي بِهَا أجْرًا، وَحُطَّ عَنِّي بِهَا وِزْرًا، وارزقني بِهَا شُكْرًا، وَتَقَبَّلْهَا مِنِّي كَمَا تَقَبَّلْتَها من عبدك داود، فقال النبيّ ﷺ: وَسَجَدْتَ أنْتَ يَا أَبا سَعِيد؟ قُلْتُ: لاَ، قال: أَنْتَ كُنْتَ أَحَقَّ بالسَّجْدَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ، ثم تَلاَ نبيُّ اللَّهِ الآياتِ حتى بَلَغَ: وَأَنابَ، فَسَجَدَ، وقَالَ كَمَا قَالَتِ الشَّجَرَةُ» .\nوَأَنابَ مَعْنَاهُ: رَجَعَ، ت: وحديثُ سجودِ الشجرةِ رواهُ الترمذيُّ وابن ماجَه والحاكمُ وابنُ حِبَّان في «صحيحَيْهما»، وقال الحاكم: هو منْ شَرْطِ الصِّحَّةِ، انتهى من «السلاح» .\nوالزُّلْفَى: القُرْبَةُ والمكانةُ الرفيعةُ، والمآب: المرجع في الآخرة من آب يؤوب: إذا رجع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1205>[سورة ص (٣٨): الآيات ٢٦ الى ٢٨]</span>\nيا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ (٢٦) وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨)\nوقوله تعالى: يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ تقديرُ الكلامِ: وقُلْنَا لَهُ يا داوُدُ، قال ع «٣»: ولاَ يُقَالُ: خليفةُ اللَّهِ إلا لرسولِه، وأما الخلفاءُ، فكل واحد\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٨/ ٤٠٥) كتاب «التفسير» باب: سورة ص: (٤٨٠٧)، (٤٨٠٦) نحوه، وأخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٣٧٠) كتاب «الصلاة» باب: من قال في- ص- سجدة وسجد فيها (٤٢٥٥، ٤٢٥٩، ٤٢٦٨) عن ابن عبّاس نحوه، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٥٧١) .\n(٢) ينظر: «السبعة» (٥٥٣)، و«الحجة» (٦/ ٧٠)، و«معاني القراءات» (٢/ ٣٢٧)، و«إتحاف» (٢/ ٤٢١)، وذكرها الأخير عن الشنبوذي. وينظر: «المحتسب» (٢/ ٢٣٢) .\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٥٠٢) .","vol":"5","page":64},{"text":"خَليفَةٌ للذي قَبْلَهُ، ومَا يَجِيءُ في الشِّعْرِ مِنْ تَسْمِيَة أحدهِم خليفةَ اللَّه! فذلك تجوُّزٌ وَغُلُوٌّ أَلا ترى أن الصَّحابَةَ﵃- حَرَزُوا هذا المعنى، فقالوا لأبي بَكْرٍ: خليفةُ رسولِ اللَّهِ، وبهذا كَانَ يدعى مدةَ خلافَتِه، فَلَمَّا وَلِيَ عُمَرُ قالُوا: يا خليفةَ خليفةِ رَسُولِ اللَّهِ، فَطالَ الأمْرُ، وَرأَوْا أنَّهُ في المُسْتَقْبَلِ سَيَطُولُ أكْثَرَ فَدَعَوْهُ أَمِيرَ المُؤمنينَ، وقُصِرَ هَذا الاسْمُ عَلى الخُلَفَاءِ.\nوقوله: فَيُضِلَّكَ قالَ أبو حيان «١»: منصوبٌ في جوابِ النَّهْي، (ص) أبو البقاءِ وقيل: مجزومٌ عَطْفًا عَلَى النَّهْيِ وفُتِحَتِ [اللامُ] «٢» لالْتِقَاءِ الساكنين، انتهى.\nوقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إلى قوله: وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ: اعْتِرَاضٌ فصيحٌ بين الكلامينِ من أمرِ داود وسليمان، وهو خطاب لنبينا محمّد ﷺ، وعظة لأمّته، ونَسُوا في هذه الآية مِعْنَاهُ تَرَكُوا، ثم وقفَ تَعالى عَلى الفَرْقِ عندَه بيْنَ المؤمِنينَ العامِلينَ بالصَّالِحَاتِ وبَيْنِ المفْسِدِينَ الكَفَرَةِ وبَيْنَ المتَّقِينَ والفُجَّارِ، وفي هَذَا التوقيفِ حَضٌّ عَلَى الإيمانِ والتقوى، وتَرْغِيبٌ في عَمَل الصالحات، قَال ابنُ العَرَبِيِّ «٣»: نَفَى اللَّهُ تَعَالَى المساواةَ بَيْنَ المؤمِنينَ والكافِرِينَ، وبَيْنَ المتقينَ والفُجَّار فلا مُسَاوَاةَ بَيْنَهُمْ في الآخرةِ، كَما قَالهُ المفَسِّرون ولاَ في الدُّنْيَا أيْضًا لأنَّ المؤمنينَ المتقينَ معصومُونَ دَمًا ومالًا وعرْضًا، والمُفْسِدُونَ في الأرض والفُجَّارُ مُبَاحُو الدَّمِ والمالِ والعِرْضِ، فَلاَ وَجْهَ لِتَخْصِيصِ المفسِّرِينَ بِذَلِكَ في الآخرة دون الدُّنْيَا، انتهى من «الأحكام» وهذا كما قال، وقوله تعالى في الآية الأخرى: سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ\n[الجاثية: ٢١] يشهد له، وباقي الآية بيّن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1206>[سورة ص (٣٨): الآيات ٢٩ الى ٣٣]</span>\nكِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (٢٩) وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٣٠) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِناتُ الْجِيادُ (٣١) فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ (٣٢) رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ (٣٣)\nوقوله تعالى: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ قال الغَزَّالِيُّ في «الإحْيَاءِ»:\nاعْلَمْ أن القرآن مِنْ أَوَّلِه إلى آخِرِه تحذيرٌ وتخويفٌ لاَ يَتَفَكَّرُ فيه مُتَفَكِّرٌ إلا وَيَطُولُ حُزْنُهُ، وَيَعْظُمُ خَوْفُه إنْ كَانَ مُؤْمِنًا بِمَا فِيه، وَتَرى النَّاسَ يَهْذُّونَهُ هَذًّا، يُخْرِجُونَ الحُروفَ مِنْ مُخَارِجِها، ويَتَنَاظَرُونَ على خَفْضِها ورَفْعِها وَنَصْبِها، لاَ يَهُمُّهُمْ الالتفات إلى معانيها والعمل\n_________\n(١) ينظر: «البحر المحيط» (٧/ ٣٧٨) .\n(٢) سقط في: د.\n(٣) ينظر: «أحكام القرآن» (٤/ ١٦٤٦) .","vol":"5","page":65},{"text":"٩٦- ب بما فِيها، وَهَلْ/ في العِلم غُرُورٌ يَزِيدُ على هذا، انتهى من كِتَابِ ذَمِّ الغُرُور.\nواختلفَ المتأولونَ في قَصَصِ هذهِ الخيل المَعْرُوضَةِ على سليمان ع فقال الجمهور: إنّ سليمان ع عُرِضَتْ عليه آلافٌ مِنَ الخَيْلِ تَرَكَهَا أَبُوهُ، فأُجْرِيَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ عِشَاءً، فَتَشَاغَلَ بجريها وَمَحَبَّتِهَا، حتى فَاتَهُ وَقْتُ صَلاَةِ العَشِيِّ، فَأَسِفَ لِذَلِكَ وَقَالَ: رُدُّوا عَلَيَّ الخَيْلَ فَطَفِقَ يَمْسَحُ سُوقَها وأعْنَاقَها بالسَّيْفِ، قَالَ الثَّعْلَبيُّ وغيره، وجَعَل يَنْحَرُهَا تَقَرُّبًا إلى اللَّهِ تعالى حيثُ اشْتَغَل بِهَا عَنْ طَاعَتِهِ، وكان ذلكَ مُبَاحًا لَهُمْ كما أُبِيحَ لَنا بهيمةُ الأنْعَامِ، قال ع «١»: فَرُوِيَ أَنَّ اللَّهَ تعالى أَبْدَلَهُ مِنْهَا أَسْرَعَ منها، وهي الرِّيحُ، قال ابن العربيِّ في «أحكامه» «٢»: والْخَيْرِ هنا هي الخيل وكذلكَ قَرأَها ابنُ مَسْعُود: «إنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْلِ» «٣» انتهى، و«الصَّافِنُ»: الذي يَرْفَعُ إحدى يديه وقَدْ يَفْعَلُ ذلكَ برِجْلِهِ وهي علامةُ الفَرَاهِيَة وأَنْشَدَ الزَّجَّاجُ «٤»: [الكامل]\nأَلِفَ الصُّفُونَ فَمَا يَزَالُ كَأَنَّه ... مِمَّا يَقُومُ عَلَى الثَّلاَثِ كَسِيرَا «٥»\nقالَ بَعْضُ العلَماء: الْخَيْرِ هنَا أرادَ به الخَيْلَ، والعَرَبُ تُسَمي الخَيْلَ، الخَيْرَ، وفي مِصْحَفِ ابْن مَسْعُودٍ: «حُبَّ الخَيْلِ» باللامِ.\nوالضميرُ في تَوارَتْ للشمسِ، وإن كَانَ لَمْ يَتَقَدَّم لَهَا ذِكْرٌ، لأنَّ المعنى يَقْتَضِيهَا، وأيضًا فَذِكْرُ العَشِيِّ يَتَضَمَّنُهَا، وقالَ بعضُ المفسرينَ حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ، أَي: الخيلُ دَخَلَتْ إصْطَبْلاَتِهَا، وقال ابنُ عبَّاسٍ والزُّهْرِيُّ: مَسْحُهُ بالسُّوقِ والأَعْنَاقِ لَمْ يَكُنْ بالسَّيْفِ بل بيدهِ تَكْرِيمًا لَها ورَجَّحَهُ الطبريُّ «٦»، وفي البخاري: فَطَفِقَ مَسْحًا يمسحُ أعْرَافَ الخَيلِ وعَرَاقِيبَهَا انتهى، وعن بعضِ العلماءِ أَنَّ هذهِ القصةَ لَمْ يَكُنْ فيها فَوْتُ صلاةٍ، وقالوا: عُرِضَ على سليمانَ الخيلُ وهو في الصلاةِ، فأشَارَ إليهم أي: إني في صلاة،\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٥٠٣) .\n(٢) ينظر: «أحكام القرآن» (٤/ ١٦٤٨) .\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٥٠٤) . [.....]\n(٤) ينظر: «معاني القرآن» (٤/ ٣٣٠) .\n(٥) البيت بلا نسبة في «الأزهية» ص: (٨٧)، و«أمالي ابن الحاجب» (٢/ ٦٣٥)، و«شرح شواهد المغني» (٢/ ٧٢٩)، و«لسان العرب» (١٣/ ٢٤٨) (صفن)، و«مغني اللبيب» (١/ ٣١٨)، وينظر: «الكشاف» (٢/ ٢٨٤)، و«البحر المحيط» (٧/ ٣٨٨)، و«الدر» (٥/ ٥٣٤) .\n(٦) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٥٧٩) برقم: (٢٩٨٩٢) عن ابن عبّاس، وذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ٦١)، وابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٥٠٤)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٣٤)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٥٨٠)، وعزاه لابن أبي حاتم عن ابن عبّاس.","vol":"5","page":66},{"text":"فأزَالُوهَا عَنْهُ حتى أَدْخَلُوها في الإصْطَبْلاَتِ، فقالَ هو، لَمَّا فَرَغَ من صلاته: إني أَحْبَبْتُ حُبَّ الخيرِ، أي: الذي عِنْدَ اللَّهِ في الآخِرةِ بسببِ ذِكْرِ ربي، كَأَنه يقول: فَشَغَلَنِي ذلكَ عَنْ رُؤْيَةِ الخيلِ، حتى أُدْخِلَتْ إصْطَبْلاَتِهَا، رُدُّوهَا عَليّ، فَطَفِقَ يَمْسَحُ أعْرَافَهَا وسُوقَهَا، تَكْرمةً لها، أي: لأَنَّها معدَّةٌ للجهَادِ، وهذا هو الراجحُ عند الفخر «١»، قال: ولو كانَ معنى مَسْحِ السُّوقِ والأعناقِ قَطْعَهَا لَكَانَ معنى قوله: وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ [المائدة:\n٦] قطعَهَا ت: وهَذَا لا يلزمُ للقرينَةِ في الموضعين، اهـ. قال أبو حَيَّان «٢»: وحُبَّ الْخَيْرِ قال الفراء: مفعول به، وأَحْبَبْتُ مُضَمَّنٌ معنى آثَرْتُ، وقيلَ: منصوبٌ على المصدرِ التَّشْبِيهِي، أي: حبًّا مِثْلَ حُبِّ الخير، انتهى.\nوقوله تعالى: عَنْ ذِكْرِ رَبِّي «عن» على كُلِّ تَأويلٍ هنا للمُجَاوَزَةِ من شيءٍ إلى شَيْءٍ، وَتَدَبَّرْهُ فإنه مطّرد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1207>[سورة ص (٣٨): الآيات ٣٤ الى ٣٥]</span>\nوَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنابَ (٣٤) قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٣٥)\nوقوله تعالى: وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ ... الآية، ت: اعْلَمْ- رَحِمَكَ اللَّهُ- أن الناسَ قَدْ أَكْثَرُوا في قَصَصِ هذهِ الآيةِ بما لاَ يُوقَفُ على صِحَّتِه، وحكى الثعلبي في بعض الروايات أنّ سليمان ع لَما فُتِنَ، سَقَطَ الخَاتَمُ مِنْ يَدِه، وَكَانَ فِيه مُلْكُهُ، فأعاده إلى يده، فَسَقَطَ وأَيْقَنَ بالفتنة، وأَنَّ آصِف بْنَ بَرْخِيَّا قال له: يا نبيَّ اللَّهِ، إنَّكَ مَفْتُونٌ ولذلكَ/ لاَ يَتَمَاسَكُ الخَاتَمُ فِي يَدِكَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَفِرَّ إلى اللَّهِ تعالى تَائِبًا مِنْ ذَنْبِكَ، وَأَنَا أَقُومُ مَقَامَكَ في عَالَمِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تعالى إلى أَنْ يَتُوبَ اللَّهُ تعالى عَلَيْكَ، فَفَرَّ سُلَيْمَانُ هَارِبًا إلى رَبِّهِ مُنْفَرِدًا لِعِبَادَتِهِ، وأَخَذَ آصِفُ الخَاتَمَ، فَوَضَعَهُ في يدِه، فَثَبَتَ، وقيلَ:\nإن الجَسَدَ الَّذِي قَالَ اللَّهُ تعالى: وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا هُو آصِفُ كَاتِبُ سُلَيْمَانَ، وهو الذي عندَه عِلْمٌ مِن الكتَابِ، وأقام آصِفُ في ملكِ سليمانَ وعيالِهِ يَسِيرُ بِسِيرَتِهِ الحسَنةِ، ويَعْمَلُ بِعَمَلِهِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ يومًا إلى أَنْ رَجَعَ سليمانُ إلى منزله تائِبًا إلى اللَّه تعالى، ورَدَّ اللَّه تعالى عليه مُلْكَهُ، فأَقَامَ آصِفُ عن مجلسهِ، وجَلَسَ سليمانُ على كُرْسِيِّهِ، وأعادَ الخاتَمَ، وقالَ سَعِيدُ بن المسيِّب: إن سليمانَ بنَ دَاوُدَ﵉- احتجب عنِ الناسِ ثلاثةَ أَيَّامٍ، فَأَوْحَى اللَّهُ إلَيْهِ: أَنْ يا سُلَيْمَانُ، احتجبت عنِ الناس ثلاثة أيّام، فلم\n_________\n(١) ينظر: «تفسير الفخر الرازي» (٢٦/ ١٧٩) .\n(٢) ينظر: «البحر المحيط» (٧/ ٣٨٠) .","vol":"5","page":67},{"text":"تَنْظُرْ في أمُورِ عِبَادِي، ولم تُنْصِفْ مَظْلُومًا مِنْ ظَالِمٍ، وذكر حديثَ الخاتم كما تقدَّم، انتهى، وهذَا الذي نقلناه أشْبَهُ ما ذُكِرَ، وأَقْرَبُ إلى الصَّوَابِ واللَّه أعلم، وقال عِيَاضٌ:\nقوله تعالى: وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ معناه: ابتَلَيْنَاهُ، وابتلاؤه: هُو مَا حُكِي في الصحيحِ أنه قال: «لأَطُوفَنَّ الليلةَ على مِائَةِ امرأة كُلُّهُنَّ يَأْتِينَ بِفَارِسٍ يُجِاهِدُ في سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَمْ يقل:\n«إن شاء الله» فلم تَحْمِلْ مِنْهُنَّ إلا امرأةٌ جاءَتْ بِشِقِّ رَجُلٍ» «١»، الحديث، قال أصحابُ المعانِي: والشِّقُّ هو الجسدُ الذي أُلْقِيَ على كرسيه حين عُرِضَ عليه وهي كانتْ عقوبتُهُ ومحنته، وقيل: بَلْ مَاتَ، وألْقِيَ على كُرْسِيِّهِ مَيِّتًا، وأما عَدَمُ استثْنَائِه فأحْسَنُ الأجوبةِ عنه، ما رُوِيَ في الحديثِ الصحيح أَنَّهُ نَسِيَ أَنْ يَقُولَ: «إنْ شَاءَ اللَّهُ»، ولاَ يَصِحُّ مَا نَقَلَهُ الإخباريُون من تَشَبُّه الشيطانِ به وتسَلُّطِهِ على مُلْكِهِ، وتصرُّفِه في أمَّتِه لأن الشَيَاطِينَ لاَ يُسَلَّطُونَ على مِثْلِ هذا، وقد عُصِمَ الأنبياءُ من مثله، انتهى، ت: قالَ ابن العربي:\nوَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا يَعني جسدَه لا أجْسَادَ الشَّيَاطينِ كما يقولُه الضعفاءُ، انتهى من «كتاب تفسير الأفعال» له، قال ابنُ العربيِّ في «أحكامَه»: وما ذكره بعضُ المفسِّرينَ مِنْ أن الشيطان أخذَ خاتَمَهُ، وجَلَسَ مجلسَه، وحَكمَ الخَلْقَ على لسانِه- قولٌ باطلٌ قَطْعًا- لأن الشياطينَ لا يَتَصَوَّرُونَ بِصُوَرِ الأَنْبِيَاءِ ولا يُمَكَّنُونَ من ذلك حتى يظنَّ الناسُ أنَّهم مع نبيِّهم في حَقٍّ، وهم مَعَ الشياطينِ في بَاطِلٍ ولو شاءَ ربُّكَ لوَهَبَ من المعرفةِ [والدِّينِ] لمنْ قَالَ هذا القولَ ما يَزَعُهُ عن ذِكْرِهِ، ويَمْنَعُهُ مِن أَنْ يَسْطُرَهُ في دِيوَان من بعده، انتهى.\nوقوله: وَهَبْ لِي مُلْكًا لاَّ يَنْبَغِي لِأَحَدٍ ... الآية، قال ع «٢»: من المقطوعِ به أنّ سليمان ع إنما قَصَدَ بذلكَ قَصْدًا بِرًّا لأن للإنسان أن يرغبَ من فضلِ اللَّهِ فيما لا يَنَالهُ أحدٌ لا سيما بِحَسَبِ المَكَانَةِ والنبوَّةِ.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٦/ ٤١) كتاب «الجهاد والسير» باب: من طلب الولد للجهاد (٢٨١٩)، (٦/ ٥٢٨) كتاب «أحاديث الأنبياء» باب: قول الله تعالى: وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ\n(٣٤٢٤)، (٩/ ٢٥٠) كتاب «النكاح» باب: قول الرجل لأطوفن الليلة على نسائي (٥٢٤٢)، (١١/ ٥٣٣) كتاب «الأيمان والنذور» باب: كيف كانت يمين النبي ﷺ؟ (٦٦٣٩)، (١١/ ٦١٠) كتاب «كفارات اليمين» باب: الاستثناء في الأيمان (٦٧٢٠)، (١٣/ ٤٥٥) كتاب «التوحيد» باب: في المشيئة والإرادة (٧٤٦٩)، ومسلم (٣/ ١٢٧٥، ١٢٧٦)، كتاب «الأيمان» (٧٤٦٩) باب: يمين الحالف على نية المستحلف (٢٣/ ١٦٥٤- ٢٥/ ١٦٥٤) والنسائي (٧/ ٢٥، ٢٦) كتاب «الأيمان والنذور»، باب: إذا حلف فقال له رجل إن شاء الله، هل له استثناء؟ (٣٨٣١) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٥٠٥) .","vol":"5","page":68},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1208>[سورة ص (٣٨): الآيات ٣٦ الى ٤٨]</span>\nفَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ (٣٦) وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ (٣٨) هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ (٣٩) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ (٤٠)\nوَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ (٤١) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ (٤٢) وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ (٤٣) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْناهُ صابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٤٤) وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ (٤٥)\nإِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (٤٦) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ (٤٧) وَاذْكُرْ إِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيارِ (٤٨)\nوقوله تعالى: فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ ... الآية، كَانَ لسليمانَ كُرْسِيٌّ فيه جنودُهُ، وتأتي/ عليه الريحُ الإعصارُ، فَتَنْقُلُهُ من الأرضِ حتى يَحْصُلَ في الهواء، ثم تتولاَّهُ الرُّخَاءُ وهي اللَّيِّنَةُ القويَّةُ لا تَأْتِي فيها دُفْعٌ مُفْرِطَةٌ فَتَحْمِلُهُ غُدُوُّهَا شهر ورواحها شهر، وحَيْثُ أَصابَ: معناه: حيثُ أراد قاله وهْبٌ وغيره «١»، قال ع «٢»: وَيُشْبِهُ أنَّ (أَصَابَ) معدى «صَابَ يَصُوبُ»، أي: حيث وَجَّه جنودَه، وقال الزَّجَّاج «٣»: معناه: قصدَ، قلت:\nوعليه اقْتَصَرَ أبو حيَّان فإنه قال: أصاب: أي قَصَدَ وأنْشَد الثعلبيُّ: [المتقارب]\nأَصَابَ الكَلاَمَ فَلَمْ يَسْتَطِع ... فَأَخْطَا الجواب لَدَى المَفْصِلِ «٤»\nانتهى.\nوقوله: كُلَّ بَنَّاءٍ بَدَلٌ من الشَّياطِينَ ومُقَرَّنِينَ معناه: موثقين قد قرن بعضهم ببعض، والْأَصْفادِ القيودُ والأغْلاَلُ، قال الحَسَنُ: والإشارةُ بقوله: هذا عَطاؤُنا ... الآية، إلى جميع ما أعطاهُ اللَّه سبحانه مِنَ الملكِ «٥» وأمرَه بأن يَمُنَّ عَلى من يشاءُ ويُمْسِكُ عَمَّنْ يشاء، فكأنه وَقَفَهُ على قَدْرِ النِّعمة، ثم أباح له التصرُّفَ فيه بمشيئته وهذا أصح الأقوال وأجمعها لتفسير الآية، وتقدَّمت قصة أَيُّوبَ في سورة الأنبياء.\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٥٨٤) برقم: (٢٩٩١٧) عن ابن عبّاس، وبرقم: (٢٩٩١٩) عن مجاهد، وبرقم: (٢٩٩٢٠) عن الحسن، و(٢٩٩٢٣) عن وهب بن منبه، وذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ٦٥)، وابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٥٠٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٥٨٧)، وعزاه لعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر عن قتادة، ولابن المنذر عن الضحاك.\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٥٠٦) .\n(٣) ينظر: «معاني القرآن» (٤/ ٣٣٣) .\n(٤) ينظر: البيت في «البحر المحيط» (٧/ ٣٨٢)، و«الدر المصون» (٥/ ٥٣٦) والقرطبي (١٥/ ١٣٤) .\n(٥) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٥٨٥) برقم: (٢٩٩٢٩) عن الحسن، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٥٠٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٥٨٨)، وعزاه لعبد بن حميد عن قتادة.","vol":"5","page":69},{"text":"وقوله: أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ ... الآية، النُّصْبُ: المَشَقَّةُ، فيحتمل أن يشيرَ إلى مسّه حين سلَّطَهُ اللَّه على إهلاكِ مالِه وولدِه وجِسْمِه حَسْبَما رُوِيَ في ذلك، وقِيلَ: أشار إلى مسِّه إياه في تعرُّضِه لأَهْلِه وطلبهِ منْهَا أنْ تُشْرِكَ باللَّه فكأَنَّ أَيُّوبَ تشكى هذا الفَصْلَ، وكان عليه أشدَّ مِن مَرَضه، وهنا في الآية محذوفٌ تقديرُه: فاسْتَجَابَ له وقَال: ارْكُضْ بِرِجْلِكَ فَرُوِيَ أَن أيوب رَكَضَ الأرض فَنَبَعَتْ له عينُ ماءٍ صافيةٌ باردةٌ فشرِبَ منها، فذهَبَ كُلُّ مَرَضٍ في دَاخِلِ جَسَدهِ، ثم اغْتَسَلَ فذهبَ ما كانَ في ظاهِر بَدَنِه، ورُوِيَ أن اللَّه تعالى وَهَبَ له أهلَه ومالَه في الدنيا، ورَدَّ من ماتَ منهم، وما هلكَ من ماشيته وحالِه، ثم باركَ له في جميعِ ذلك، ورُوِيَ أن هذا كلَّه وُعِدَ به في الآخِرَة، والأول أكْثَرُ في قول المفسِّرين.\nت: وعن عبد اللَّه بن مسعود﵁- قال: قال رسول الله ﷺ: «مَا قَالَ عَبْدٌ قَطُّ، إذَا أَصَابَهُ هَمٌّ أَوْ حُزْنُ: اللَّهُمَّ، إني عَبْدُكَ وابْنُ عَبْدِكَ وابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسم هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ أَوْ أنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ أَوِ استأثرت بهِ في عِلْمِ الغَيْبِ عِنْدَكَ، أَنْ تَجْعَلَ القُرْآنَ العَظِيمَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ صَدْرِي، وَجَلاَءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي، إلاَّ أذْهَبَ اللَّهُ غَمَّه وَأبدَلَه مكَانَ حُزْنِهِ فَرَحًَا، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ: يَنْبَغي لَنَا أَنْ نَتَعَلَّمَ هَذِهِ الكَلِمَاتِ؟\nقَالَ: أَجَلْ، يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَهُنَّ أنْ يَتَعَلَّمَهُنَّ» «١» . قال صاحب «السِّلاَح»: رواه الحاكمُ في «المُسْتَدْرَكِ»، وابنُ حِبَّانَ في «صحيحه» . ت: وروينَاهُ من طريقِ النوويِّ عنِ ابن السُّنِّيِّ بسندهِ عن أبي موسى الأشعريّ، عن النبيّ ﷺ وفيه: «أنا عَبْدُكَ ابْنُ عَبْدِكَ ابنُ أَمَتِكَ في قَبْضَتِكَ»، وفيه: «فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: إنَّ المَغْبُونَ لَمَنْ غُبِنَ هَؤُلاَءِ الكلماتِ، فَقَالَ:\nأَجَلْ، فَقُولُوهُنَّ/ وَعَلِّمُوهُنَّ مَنْ قَالَهُنَّ، التماس مَا فِيهِنَّ أَذْهَبَ اللَّهُ تعالى حُزْنَهُ وَأَطَالَ فَرَحَه» «٢» انتهى.\n_________\n(١) أخرجه أحمد (١/ ٤٥٢)، وابن حبان في «صحيحه» (٣/ ٢٥٣) كتاب «الرقائق» باب: الأدعية ذكر الأمر لمن أصابه هم أو حزن أن يسأل الله ذهابه عنه وإبداله إياه فرحا (٩٧٢)، وابن حبان (٧/ ٤٠٤، ٤٠٥) - الموارد باب: ما يقول إذا أصابه هم أو حزن (٢٣٧٢)، وأبو يعلى (٩/ ١٩٨- ١٩٩) (٣٣١/ ٥٢٩٧)، والحاكم (١/ ٥٠٩) كتاب «الدعاء» والشجري في «أماليه» (١/ ٢٩٩)، وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ١٣٩)، (١٠/ ١٨٩- ١٩٠) .\nقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم إن سلّم من إرسال عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه فإنه مختلف في سماعه عن أبيه. ا. هـ.\nقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ١٣٩) رجال أحمد وأبي يعلى رجال الصحيح غير أبي سلمة الجهني وقد وثقه ابن حبان.\n(٢) أخرجه ابن السني في «عمل اليوم والليلة» (٣٣٤) . [.....]","vol":"5","page":70},{"text":"وقوله: وَذِكْرى معناه: موعِظَةٌ وتذكرةٌ يَعْتَبِرُ بها أُولُو العقولِ، وَيَتَأَسَّوْنَ بِصَبْرِهِ في الشدائدِ، ولا يَيْئَسُونَ من رحمة اللَّه على حال.\nورُوِي أن أيّوب ع كانت زوجَتُهُ مدَّةَ مَرَضِه تَخْتَلِفُ إلَيْه فيتلقَّاها الشيطانُ في صورة طَبِيبٍ، ومرةً في هيئة نَاصِح وعلى غير ذلك، فيقول لها: لو سَجَدَ هذَا المريضُ للصَّنَمِ الفُلاَنِيِّ لَبَرِىءَ، لَوْ ذَبَحَ عَنَاقًا للصَّنَمِ الفُلاَنِيِّ لَبِرىءَ، ويَعْرِضُ عليها وجوهًا من الكفر، فكانَتْ هي ربَّما عرضت شَيْئًا من ذلك على أيوب، فيقولُ لها: لقيتِ عَدُوَّ اللَّهِ في طريقك، فلمَّا أغْضَبَتْهُ بهذا ونحوِهِ حلَفَ عليها لَئِن برىء من مرضِه ليضربنَّها مائةَ سَوْطٍ، فلما بَرِىءَ أَمَرَه اللَّه تعالى أن يأخُذَ ضِغْثًا فيه مائةُ قَضِيبٍ، «والضغثُ»: القبضةُ الكبيرةُ من القضبانِ ونحوِها مَنَ الشجرِ الرَّطْبِ قاله الضَّحَّاكُ «١» وأهلُ اللغة، فيضربُ بهِ ضربةً واحدةً، فَتَبَرُّ يمينُهُ وهذا حكمٌ قد وَرَدَ في شرعِنا عن النبيِّ ﷺ [مِثلُه في حدِّ الزنا لرجُلِ زَمِنٍ، فأمَرَ رسول الله ﷺ] «٢» بِعِذْقِ نَخْلَةٍ فِيهِ شَمَارِيخُ مِائَةٌ أو نَحْوُهَا، فَضُرِبَ ضَرْبَةً «٣»، ذكر الحديثَ أبو داود، وقال بهذا بعضُ فقهاء الأمة، وَلَيْسَ يرى ذلك مالكُ بنَ أنس وأصحابه، وكذلك جمهورُ العلماء على ترك القول به، وأن الحدودَ والبِرَّ في الأيمانِ لا تقع إلا بتمام عَدَدِ الضَّرَبَاتِ، وقرأ الجمهور «أولي الأيدي» «٤» يعني: أولي القوة في طاعةِ اللَّه قاله ابن عباس ومجاهد «٥»، وقالت فرقة: معناه: أولى الأيدي والنِّعَمِ الَّتي أسْدَاها اللَّهُ إليهم من النبوَّة والمكانةِ، وَالْأَبْصارِ عبارةٌ عن البصائِر، أي: يُبْصرونَ الحقائِقَ وينظرونَ بنورِ اللَّهِ تعالى، وقرأ نافع وحده: «بخالصة ذكرى الدّار» «٦»، على\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٥٩١) برقم: (٢٩٩٥٦)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٥٠٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٥٩١)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن المنذر عن ابن عبّاس.\n(٢) سقط في: د.\n(٣) أخرجه أبو داود (٢/ ٥٦٧) كتاب «الحدود» باب: في إقامة الحد على المريض (٤٤٧٢)، وابن ماجه (٢/ ٨٥٩) كتاب «الحدود» باب: الكبير والمريض يقام عليه الحد (٢٥٧٤)، وأحمد (٥/ ٢٢٢) .\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٥٠٩)، و«البحر المحيط» (٧/ ٣٨٥)، و«الدر المصون» (٥/ ٥٣٧) .\n(٥) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٥٩٢) برقم: (٢٩٩٦٠) عن ابن عبّاس، وبرقم: (٢٩٩٦٣) عن مجاهد، وذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ٦٦)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٥٠٩)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٤٠)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٥٩٣)، وعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عبّاس، ولعبد بن حميد عن مجاهد.\n(٦) ينظر: «السبعة» (٥٥٤)، و«الحجة» (٦/ ٧٢)، و«معاني القراءات» (٢/ ٣٢٨)، و«شرح الطيبة» (٥/ ١٩٢)، و«العنوان» (١٦٣)، و«حجة القراءات» (٦١٣)، و«شرح شعلة» (٥٦٥)، و«إتحاف» (٢/ ٤٢٢) .","vol":"5","page":71},{"text":"الإضافة، وقرأ الباقون «بِخَالِصَةٍ» على تنوينِ «خالِصَةٍ» ف «ذكرى» على هذه القراءةِ بدلٌ من خالِصَةٍ فيحتملُ أنْ يكونَ معنى الآية: أنا أخلصناهم بأن خَلُصَ لهم التذكيرُ بالدارِ الآخرةِ ودعاءِ الناس إليها وهذا قول قتادةَ «١»، وقيل المعنى: أنا أخْلَصْنَاهم، بأنْ خَلُصَ لهم ذكرَهم للدارِ الآخرة وخوفُهم لها والعملُ بحسب ذلك وهذا قول مجاهد «٢»، وقال ابن زيد: المعنى أنا وَهَبْنَاهُمْ أَفْضَلَ مَا في الدارِ الآخرةِ، وأخْلَصْناهم به، وأعطيناهم إياه «٣»، ويحتمل أن يريدَ بالدارِ دارَ الدنيا على معنى ذكر الثناءِ والتعظيم من الناس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1209>[سورة ص (٣٨): الآيات ٤٩ الى ٥٤]</span>\nهذا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (٤٩) جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ (٥٠) مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرابٍ (٥١) وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ أَتْرابٌ (٥٢) هذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسابِ (٥٣)\nإِنَّ هذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِنْ نَفادٍ (٥٤)\nوقوله تعالى: هذا ذِكْرٌ يحتملُ معنييْنِ:\nأحدهما: أن يشيرَ إلى مَدْحِ مَنْ ذُكِرَ وإبقاءِ الشَّرَفِ له، فيَتأيَّدُ بهذا قولُ مَنْ قَال: إن الدارَ يرادُ بها الدنيا.\nوالثاني: أن يُشيرَ بهذا إلى القرآن، أي: ذكرٌ للعالم.\nوجَنَّاتِ بدل من لَحُسْنَ مَآبٍ ومُفَتَّحَةً نعت ل جَنَّاتِ، والْأَبْوابُ مفعولٌ لَمْ يُسَمَّ فاعله، وباقي الآيةِ بيِّن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1210>[سورة ص (٣٨): الآيات ٥٥ الى ٦١]</span>\nهذا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (٥٥) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمِهادُ (٥٦) هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (٥٧) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ (٥٨) هذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صالُوا النَّارِ (٥٩)\nقالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا فَبِئْسَ الْقَرارُ (٦٠) قالُوا رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ (٦١)\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٥٩٣) برقم: (٢٩٩٦٩)، وذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ٦٦)، وابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٥٠٩)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٥٩٣)، وعزاه لابن المنذر عن الضحاك.\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٥٩٣) برقم: (٢٩٩٧٠) عن مجاهد، و(٢٩٩٧١) عن السدي، وذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ٦٦)، وابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٥٠٩)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٤٠)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٥٩٣)، وعزاه لابن المنذر.\n(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٥٩٤) برقم: (٢٩٩٧٢)، وذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ٦٦)، وابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٥٠٩)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٥٩٣)، وعزاه لعبد بن حميد عن الحسن.","vol":"5","page":72},{"text":"وقوله سبحانه: هذا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ ... الآية، التقديرُ: الأمرُ/ هذا، ويحتمل أنْ يكونَ التقديرُ: هذا واقعٌ أو نحوَهُ، و«الطغيان» هنا في الكُفْرِ.\nوقوله تعالى: هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ قرأ الجمهورُ: «غَسَاق» - بتخفيف السينِ «١» - وهو اسم بمعنى السائِل، قال قتادةُ: الغَسَاقُ: ما يَسِيلُ من صديدِ أهلِ النار «٢»، قال- ص-: الغَسَاقُ السَّائِل، وعن أبي عبيدةَ أيضًا: الباردُ المُنْتِنُ بلُغَةِ التُّرْكِ «٣»، انتهى، قال الفخرُ «٤»: هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ فيه وجْهَانِ: الأول على التقديمِ والتأخير، والتقديرُ: هذا حميمٌ وغساقٌ أي: منه حميمٌ وغساقٌ، انتهى، ت: والوجهُ الثاني: أنَّ الآيةَ لَيْسَ فيها تقديمٌ ولا تأخير وهو واضح، وقرأ الجمهور وَآخَرُ بالإفرادِ، ولَهُمْ عذابٌ آخَرُ، ومعنى مِنْ شَكْلِهِ أي: من مِثْلِهِ وضَرْبِهِ، وقرأ أبو عمرو وحده: «وأخر» على الجمع «٥»، وأَزْواجٌ معناه: أنواع، والمعنى: لهم حميمٌ وغساقٌ، وأغذية أُخَرُ من ضَرْبِ ما ذُكِرَ.\nوقوله تعالى: هذا فَوْجٌ هو مِمَّا يُقَالُ لأهْلِ النارِ، إذا سِيقَ عامَّةُ الكفَّارِ والأتباعِ إليها لأن رؤساءَهم يَدْخلونَ النارَ أولًا، والأظهرُ أنَّ قائلَ ذلكَ لَهُمْ ملائكةُ العذابِ، وهو الذي حكَاه الثعلبيُّ وغَيْرُهُ، ويحتملُ أنْ يكونَ ذلكَ من قولِ بعضِهم لبعض، فيقولُ البعضُ الأخرُ: لاَ مَرْحَبًا بِهِمْ أي، لا سَعَةَ مَكَانٍ، ولا خَيْرَ يَلْقَوْنَهُ.\nوقوله: بَلْ أَنْتُمْ لاَ مَرْحَبًا بِكُمْ حكايةٌ لقولِ الأتبَاعِ لرؤسائِهم، أي: أنتم قَدَّمْتُمُوهُ لنا بإغوائِكم وأسلفتم لنا ما أوجب هذا، قال العراقيّ: [الرجز]\n_________\n(١) وقرأ حمزة، والكسائيّ، وحفص بتشديد السين.\nينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٥١٠)، و«السبعة» (٥٥٥)، و«الحجة» (٦/ ٧٨)، و«معاني القراءات» (٢/ ٣٣٠)، و«شرح الطيبة» (٥/ ١٩٣)، و«العنوان» (١٦٣)، و«حجة القراءات» (٦١٥)، و«شرح شعلة» (٥٦٥)، و«إتحاف» (٢/ ٤٢٣) .\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٥٩٨) برقم: (٢٩٩٩٠)، وذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ٦٧)، وابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٥١٠)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٥٩٤)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة، ولابن أبي شيبة، وهناد، وعبد بن حميد عن أبي رزين، ولهناد عن عطية.\n(٣) ذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ٦٧)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٥٩٤)، وعزاه لابن جرير عن عبد الله بن بريدة.\n(٤) ينظر: «تفسير الفخر الرازي» (٢٦/ ١٩٢) .\n(٥) ينظر: «السبعة» (٥٥٥)، و«الحجة» (٦/ ٧٨)، و«معاني القراءات» (٥/ ١٩٣)، و«العنوان» (١٦٣)، و«حجة القراءات» (٦١٥)، و«شرح شعلة» (٥٦٦)، و«إتحاف» (٢/ ٤٢٣) . [.....]","vol":"5","page":73},{"text":"مُقْتَحِمٌ أَيْ دَاخِلٌ بِشِدَّه ... مُجَاوَزٌ لِمَا اقتحم بالشَّدَّهْ\nانتهى.\nوقوله تعالى: قالُوا رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا ... الآية، هو حكايةٌ لقول الأتباعِ أيضًا دَعَوْا على رؤسائِهم بأن يكونَ عذابهم مضاعفا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1211>[سورة ص (٣٨): الآيات ٦٢ الى ٦٩]</span>\nوَقالُوا مَا لَنا لاَ نَرى رِجالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ (٦٢) أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ (٦٣) إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (٦٤) قُلْ إِنَّما أَنَا مُنْذِرٌ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (٦٥) رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٦٦)\nقُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (٦٨) مَا كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٦٩)\nوقوله تعالى: وَقالُوا مَا لَنا لاَ نَرى رِجالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ ... الآية:\nالضميرُ في قالُوا لأشْرَافِ الكفارِ ورؤسائِهم، وهذا مطَّرِدٌ في كل أمة، ورُوِيَ أن قائِلي هذه المقالةِ أهْلُ القَلِيبِ كأبِي جَهْلٍ وأُمَيَّةَ بنِ خَلَفٍ وعُتْبَةَ بن رَبيعةِ، ومَنْ جَرَى مَجْرَاهُمْ، وأنَّ الرجالَ الذين يشيرون إليهم هم كَعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، وبِلاَلٍ وصُهَيْبٍ، ومَنْ جرى مجراهم، قاله مجاهد»\nوغيره، والمعنى: كنا في الدنيا نَعُدُّهم أشْرَارًا، وقرأ حمزةُ والكسائي وأبو عمرو «اتخذناهم» بِصِلَةِ الألِف «٢»، على أن يكونَ ذلك في موضِع الصفةِ لرجال، وقرأ الباقونَ «أَتَّخَذْنَاهُمْ» بهمزةِ الاسْتِفْهَامِ، ومعناها: تقريرُ أنفسِهِم على هذا على جهة التوبيخ لها والأسفِ، أي: اتخذناهم سِخْرِيًّا ولم يكونوا كذلك، وقرأ نافع وحمزة والكسائي: «سُخْرِيًّا» - بضم السين- من السُّخْرةِ، والاستخدامِ، وقرأ الباقون: «سِخْرِيًّا» - بكسر السين «٣» -، ومعناها المشهورُ من السَّخْرِ الذي هو بمعنى الهُزْءِ، وقولُهُمْ: أَمْ زاغَتْ معادلةٌ لما في قولِهِمْ: مَا لَنا لاَ نَرى والتقديرُ في هذه الآيةِ: أمَفْقُودُونَ هم أَمْ هُمْ معنا، ولكن زاغَتْ عنهم أبصارنا، فلا نراهم، والزَّيْغُ: المَيْلُ.\nثم أخْبَرَ تعالى نبيَّه بقوله: إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ والإشارة\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٦٠٢) برقم: (٣٠٠١٤) وبرقم: (٣٠٠١٥) عن مجاهد، وذكره البغوي (٤/ ٦٨)، وابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٥١٢)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٤٢)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٥٩٥)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن عساكر عن مجاهد.\n(٢) ينظر: «السبعة» (٥٥٦)، و«الحجة» (٦/ ٨٢)، و«معاني القراءات» (٢/ ٣٣١)، و«شرح الطيبة» (٥/ ١٩٣)، و«العنوان» (١٦٣)، و«حجة القراءات» (٦١٧)، و«شرح شعلة» (٥٦٦)، و«إتحاف» (٢/ ٤٢٣) .\n(٣) ينظر: «الحجة» (٦/ ٨٥)، و«العنوان» (١٦٣)، و«حجة القراءات» (٦١٨)، و«إتحاف» (٢/ ٤٢٤) .","vol":"5","page":74},{"text":"بقوله تعالى: قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ إلى التوحيد والمَعَادِ، فهي إلى القرآن وجميعِ ما تَضَمَّنَ، وعِظَمُهُ أنَّ التصديقَ بهِ نجاةٌ والتكذيبُ به هَلَكَةٌ، ووبَّخَهُمْ بقوله: أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ، ثم أمر ع أن يقولَ محتجًّا على صِحَّةِ رسالتِه: «مَا كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى لولا أنْ اللَّه أخْبَرَنِي بذلك» والملأ الأعلى أَرَادَ بِهِ: الملائكةَ، واخْتُلِفَ في الشَّيْءِ الذي هُوَ اخْتِصَامُهُمْ فِيه فقالت فرقةٌ: اختصامهم في شأن آدَمَ: كقولهم: أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها [البقرة: ٣٠] وَيَدُلُّ على ذلك ما يأتي من الآياتِ، وقالت فرقة: بل اختصَامُهم في الكفَّارَاتِ وَغَفْرِ الذُّنُوبِ، ونحوه فإن العَبْدَ إذا فعل حسنَةً، اختلفت الملائكةُ في قَدْرِ ثوابِهِ في ذلك، حتى يَقْضِيَ اللَّهُ بما شاء، وروي في هذا حديثٌ فَسَّرَهُ ابنُ فُورَكَ يتضمَّنُ أنّ النبيّ ﷺ قالَ له ربُّهُ﷿- في نومه: «أتَدْرِي فِيمَ يَخْتَصِمُ المَلأُ الأعلى؟ قُلْتُ: لاَ، قَالَ: اختصموا في الْكَفَّارَاتِ والدَّرَجَاتِ، فَأَمَّا الكَفَّارَاتُ: فَإسْبَاغُ الوُضُوءِ في الغَدَوَاتِ البارِدَةِ، ونَقْلُ الأَقْدَامِ إلَى الجَمَاعَاتِ، وانتظار الصَّلاَةِ بَعْدَ الصَّلاَةِ، وأَمَّا الدَّرَجَاتُ: فَإفْشَاءُ السَّلامِ، وَإطْعَامُ الطَّعَامِ، وَالصَّلاَةُ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ» الحديثِ «١» قال ابنُ العَرَبي في «أحكامِه»: وقَدْ رَوَاهُ الترمذيُّ صحيحًا، وفيه «قال: سَلْ قَالَ: اللَّهُمَّ، إنِّي أَسْأَلُكَ فِعْلَ الخَيْرَاتِ، وَتَرْكَ المُنْكَرَاتِ، وَحُبَّ المَسَاكِينِ، وأَنْ تَغْفِرَ لِي وَتَرْحَمَنِي، وَإذَا أَرَدْتَ فِتْنَةً في قَوْمٍ، فَتَوَفَّنِي غَيْرَ مَفْتُونٍ، وأَسْأَلُكَ حُبَّكَ، وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ، وَعَمَلًا يُقَرِّبُ إلَيَّ حُبِّكَ» قال رسول اللَّه ﷺ: «إنّها حقّ فارسموها، ثم تعلّموها»، انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1212>[سورة ص (٣٨): الآيات ٧٠ الى ٧٦]</span>\nإِنْ يُوحى إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٧٠) إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ (٧٢) فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣) إِلاَّ إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ (٧٤)\nقالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ (٧٥) قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (٧٦)\nوقوله: إِنْ يُوحى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ قال الفراء: إن شئْتَ جَعَلْتَ «أَنَّما» في موضِعِ رفعِ، كأنَّهُ قَالَ: مَا يوحى إليَّ إلا الإنْذَارُ، أو: ما يوحى إلَيَّ إلا أَنِّي نَذِيرٌ مُبينٌ، انتهى، وهكذا قال أَبو حَيَّان «٢»: «إن» بمعنى: «ما» وباقي الآيةِ بَيِّنٌ مِمَّا تَقَدَّمَ في «البَقَرَةِ» وغيرِها.\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٥/ ٢٤٣) عن معاذ بن جبل. وفي الباب من حديث ابن عبّاس أخرجه الترمذي (٥/ ٣٦٦- ٣٦٧) كتاب «تفسير القرآن» باب: ومن سورة ص (٣٢٣٣- ٣٢٣٤)، وقال: حديث حسن غريب من هذا الوجه.\n(٢) ينظر: «البحر المحيط» (٧/ ٣٩١) .","vol":"5","page":75},{"text":"وقوله تعالى: بِيَدَيَّ عبارةٌ عن القُدْرَةِ والقُوَّةِ.\nوقوله: أَسْتَكْبَرْتَ: المعنى: أَحَدَثَ لك الاسْتكبارُ الآن أم كنتَ قديمًا مِمَّنْ لا يليق أنْ تُكَلَّفَ مِثْلَ هذا لِعَلُوِّ مَكَانِك وهذا على جهة التوبيخ له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1213>[سورة ص (٣٨): الآيات ٧٧ الى ٨٦]</span>\nقالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٧٧) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ (٧٨) قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٧٩) قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٨٠) إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٨١)\nقالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلاَّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣) قالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٥) قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦)\nوقوله تعالى: قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ الآية، «الرّجيم» أي: المرجوم بالقول السّيّئ، واللعنةَ: الإبْعَادُ.\nوقوله سبحانه: فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ قال مجاهدٌ، المعنى: فالحقُّ أنا «١»، وقرأ الجمهور: «فالْحَقَّ وَالحَقَّ» بِنَصْبِ الاثْنَيْنِ، فأما الثاني، فمنصوبٌ ب «أقول» وأما الأوَّلُ فَيَحْتَمِلُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلَى الإغْرَاءِ، ويحتملُ أنْ ينتصبَ على القَسَمِ، على إسقاط حرف القسم، كأنه قال: فو الحقّ ثم حَذَفَ الحَرْفَ كَمَا تَقُولُ: اللَّهَ، لأَفْعَلَنَّ، تريدُ واللَّهِ ويقوِّي ذلك قولُه: لَأَمْلَأَنَّ وقد قال سِيبَوَيْهِ: قلتُ للخَلِيلِ: ما معْنَى: «لأَفْعَلَنَّ» إذا جاءتْ مبتدأَةً؟ فقال: هي بتقديرِ قَسَمٍ مَنْوِيٍّ، وقالَتْ فرقةٌ: «الحَقَّ» الأول/ منصوبٌ بفعلِ ومُضمر، وقرأ ابن عباس: «فَالحَقُّ وَالحَقُّ» «٢» برفعِ الاثنين، وقرأ عاصمٌ وحمزة: «فَالحَقُّ» بالرفع، وَ«الحقّ» - بالنصب «٣» -، وهي قراءة مجاهد وغيره «٤» .\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٦٠٧) برقم: (٣٠٠٣٣)، وذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ٧٠)، وابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٥١٦)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٤٤)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٦٠٠)، وعزاه لسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر.\n(٢) وبها قرأ الأعمش ومجاهد.\nينظر: «مختصر الشواذ» ص: (١٣١)، و«المحرر الوجيز» (٤/ ٥١٦)، و«البحر المحيط» (٧/ ٣٩٣)، و«الدر المصون» (٥/ ٥٤٧) .\n(٣) ينظر: «السبعة» (٥٥٧)، و«الحجة» (٦/ ٨٧)، و«معاني القراءات» (٢/ ٣٣٣)، و«شرح الطيبة» (٥/ ١٩٤)، و«العنوان» (١٦٤)، و«حجة القراءات» (٦١٨)، و«شرح شعلة» (٥٦٦)، و«إتحاف» (٢/ ٤٢٥) .\n(٤) وقرأ بها الأعمش وأبان بن تغلب.\nينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٥١٦)، و«البحر المحيط» (٧/ ٣٩٣)، وزاد نسبتها إلى طلحة، وخلف، والعبسي، وحمزة، وعاصم.","vol":"5","page":76},{"text":"ثم أمر تعالى نبيَّه [أنْ] يخبرَهم بأنه ليس بسائلٍ منهم عليه أجرًا وأنه ليس ممن يتكَلَّفُ ما لم يُجْعَلْ إليه، ولا يَخْتَلِي بغيرِ ما هُوَ فيه، قال الزُّبَيْرُ بن العوّام: نادى منادي النبيّ ﷺ:\n«اللَّهُمَّ، اغْفِرْ لِلَّذِينَ لاَ يَدَّعُونَ، ولاَ يَتَكَلَّفُونَ أَلاَ إنِّي بَرِيءٌ مِنَ التَّكَلُّفِ وَصَالِحُو أُمَّتِي» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1214>[سورة ص (٣٨): الآيات ٨٧ الى ٨٨]</span>\nإِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٨٧) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (٨٨)\nوقوله: إِنْ هُوَ يريد القرآن وذِكْرٌ بمعنى تَذْكِرَة، ثم توعَّدَهُمْ بقوله: وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ وهذَا على حَذْفٍ تقديرُه: لتعلمنَّ صِدْقَ نَبئه بعد حين، قال ابن زيد: أشار إلى يوم القيامة «١»، وقال قتادة والحَسَن: أشار إلى الآجالِ الَّتي لهم «٢» لأن كُلَّ واحد منهم يعرف الحقائق بعد موته.\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٦٠٩) برقم: (٣٠٠٤١)، وذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ٧٠) عن عكرمة، وابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٥١٦)، وابن كثير في «تفسيره» عن عكرمة، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٦٠١)، وعزاه لابن جرير عن ابن زيد.\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٦٠٨) برقم: (٣٠٠٣٩) عن قتادة والحسن، وذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ٧٠)، وابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٥١٦)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٤٤)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٦٠١)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن المنذر عن مجاهد.","vol":"5","page":77},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1215>تفسير سورة الزّمر</span>\n[وهي] مكّيّة بإجماع غير ثلاث آيات نزلت في شأن وحشيّ قاتل حمزة بن عبد المطّلب، وهي قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ ... الآيات، وقالت فرقة: إلى آخر السورة هو مدني، وقيل: فيها مدني سبع آيات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1216>[سورة الزمر (٣٩): الآيات ١ الى ٥]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nتَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي ما هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ (٣) لَوْ أَرادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لاصْطَفى مِمَّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هُوَ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (٤)\nخَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٥)\nقوله تعالى: تَنْزِيلُ الْكِتابِ ... الآية، تَنْزِيلُ رفعُ بالابتداءِ، والخبرُ قوله:\nمِنَ اللَّهِ وقالتْ فرقَة: تَنْزِيلُ خَبَرُ مبتدإ محذوفٍ، تقديرُه: هذا تنزيلٌ، والإشَارَةُ إلى القرآنِ قاله المفسرون، ويظهرُ لِي أَنَّه اسمٌ عامٌ لجميعِ ما تَنَزَّلَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، فكأنَّه أخْبَرَ إخبارًا مجرَّدًا أَنَّ الكُتُبَ الهاديةَ الشارِعَة إنما تَنْزيلُهَا من اللَّه تعالى، وجَعَلَ هذا الإخْبَارَ تَقْدِمَةً وتَوْطِئَةً لقوله: إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ.\nوقوله: بِالْحَقِّ معناه: متضمِّنًا الحَقَّ، أي: بالحقِّ فيه، وفي أحْكَامِهِ وأخباره، والدِّينَ هنا يَعُمُّ المُعْتَقَدَاتِ وأعمالَ الجَوَارِحِ، قال قتادة: والدِّينُ الْخالِصُ: «لا إله إلّا الله» «١» .\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٦١١) برقم: (٣٠٠٤٦)، وذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ٧١)، وابن عطية (٤/ ٥١٨)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٤٥)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٦٠٢)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن المنذر.","vol":"5","page":78},{"text":"وقوله تعالى: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ... الآية، أي: يقولون مَا نَعْبُدُهُمْ إلا ليُقَرِّبُونَا إلى اللَّه زلفى، وفي مصحف ابن مسعودٍ: «قَالُوا مَا نَعْبُدُهُمْ» «١» وهي قراءة ابن عبَّاس وغيرِه، وهذه المقالة شائعةٌ في العرب في الجاهلية يقولون في معبوداتِهم منَ الأصْنام وغيرها: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى اللَّه، قال مجاهد: وقد قال ذلك قومٌ من اليهودِ في عزيز، وقوم من النصارى في عيسى «٢» .\nوزُلْفى بمعنى قُرْبَةٍ وتَوْصِلَةٍ، [كأنهم] قَالُوا ليقرِّبونا إلى اللَّه تَقْرِيبًا، وكأنَّ هذه الطوائفَ كلَّها تَرَى نُفُوسَها أقلَّ من أن تَتَّصِلَ هي باللَّه، فكانت ترى أن تتّصل بمخلوقاته.\nوزُلْفى عند سيبَوَيْهِ، مَصْدَرٌ في موضع الحال كأَنَّه تَنَزَّلَ مَنْزِلَةَ «مُتَزَلِّفِينَ» والعاملُ فيه لِيُقَرِّبُونا، وقرأ الجَحْدَرِيُّ «٣» «كذَّابٌ كَفَّارٌ» بالمبالَغَةِ فيهما، وهذه المبالغةُ إشارةٌ إلى التَوَغُّلِ في الكُفْرِ.\nوقوله تعالى: لَوْ أَرادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا معناه: اتِّخَاذُ التشريفِ والتبنِّي وعلى هذا يستقيمُ قولُه تعالى: لَاصْطَفى / مِمَّا يَخْلُقُ وأمَّا الاتخاذُ المعهودُ في الشاهدِ فَمُسْتَحِيلٌ أن يُتَوَهَّمَ في جهة اللَّه تعالى، ولا يستقيمُ عليه معنى قوله: لَاصْطَفى مِمَّا يَخْلُقُ، وقوله تعالى: وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا [مريم: ٩٢] لفظٌ يعمُّ اتخَاذَ النسلِ واتخاذَ الاصطِفاء، فأما الأول فمعقولٌ، وأمَّا الثاني فمعروفٌ بخبر الشرع، ومما يدل على أن مَعْنى قوله: أَنْ يَتَّخِذَ إنما المقصودُ به اتخاذُ اصطفاء، وَتَبَنٍّ- قولُهُ: مِمَّا يَخْلُقُ أي: مِنْ موجوداتِه ومُحْدَثَاتِه- ثم نَزَّهَ سبحانه نفسَه تنزيهًا مطلقًا عن كلِّ ما لاَ يَلِيقُ بهِ سبحانه.\nوقوله تعالى: يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ ... الآية، معناه: يُعِيدُ مِنْ هَذَا على هذا، ومنه كُورُ العِمَامَة التي يَلْتَوِي بعضُها على بعض، فكأن الذي يطولُ من النهار أو الليل\n_________\n(١) وقرأ بها مجاهد وابن جبير.\nينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٥١٨)، و«الكشاف» (٤/ ١١١)، و«البحر المحيط» (٧/ ٣٩٨) .\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٦١١) برقم: (٣٠٠٤٨)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٥١٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٦٠٣)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن المنذر. [.....]\n(٣) ينظر: «مختصر الشواذ» (١٣١)، و«المحرر الوجيز» (٤/ ٥١٨)، وزاد نسبتها إلى أنس بن مالك، ثم قال: ورويت عن الحسن، والأعرج، ويحيى بن يعمر.\nوينظر: «البحر المحيط» (٧/ ٣٩٩)، و«الدر المصون» (٦/ ٥) .","vol":"5","page":79},{"text":"يصيرُ مِنْه على الآخرِ جُزْءٌ فيستُرُهُ، وكأن الآخرَ الذي يَقْصُرُ يَلِجُ في الذي «١» يَطولُ، فيستتر فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1217>[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٦ الى ٧]</span>\nخَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٦) إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٧)\nوقوله تعالى: خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها قيل: «ثُمَّ» هنا:\nلترتيب الإخْبَارِ لا لترتِيبِ الوُجُودِ «٢»، وقيل: قوله: خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ: هو أخذ الذريةَ مِن ظهر آدم، وذلك شيءٌ كان قبل خلق حَوَّاءَ، ت: وهذا يحتاج إلى سندٍ قاطعٍ.\nوقوله سبحانه: فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ قالت فرقة: الأولى هي ظَهْرُ الأَبِ، ثم رَحِمُ الأمِّ، ثم المَشِيمَةُ في البَطْن، وقال مجاهد وغيره: هي المَشِيمَةُ والرَّحِمُ والبَطْنُ «٣»، وهذه الآياتُ كلُّها فيها عِبَرٌ وتنبيهٌ على تَوْحِيدِ الخالِق الذَّي لاَ يَسْتَحِقُّ العبادةَ غَيْرُهُ وتوهينٌ لأمْرِ الأصنام.\nوقوله سبحانه: إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ ... الآية، قال ابن عبّاس: هذه\n_________\n(١) من هنا انتقلنا بالترقيم من على المخطوط من النسخة (د) .\n(٢) في (ثمّ) هذه أوجه:\n«أحدها»: أنها على بابها من الترتيب بمهلة، وذلك أنه يروى أنه تعالى أخرجنا من ظهر آدم كالذّر ثم خلق حوّاء بعد ذلك بزمان.\n«الثاني»: أنها على بابها أيضا، ولكن لمدرك آخر وهو أن يعطف بها ما بعدها على ما فهم من الصفة في قوله «واحدة» إذ التقدير من نفس وحدت أي: انفردت ثم جعل منها زوجها.\n«الثالث»: إنها للترتيب في الإخبار لا في الزمان الوجودي كأنه قيل: كان من أمرها قبل ذلك أن جعل منها زوجها.\nينظر: «الدر المصون» (٦/ ٥- ٦) .\n(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٦١٥) برقم: (٣٠٠٦٩) عن عكرمة، و(٣٠٠٧١) عن ابن عبّاس، و(٣٠٠٧٢) عن مجاهد، وبرقم: (٣٠٠٧٣) عن قتادة، وبرقم: (٣٠٠٧٤) عن السدي، وذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ٧٢)، وابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٥٢٠)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٤٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٦٠٣)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن المنذر عن قتادة، ولعبد بن حميد، وابن المنذر عن مجاهد.","vol":"5","page":80},{"text":"هذه الآيةُ مخاطبَةٌ للكفارِ «١»، قال ع «٢»: وتحتملُ أن تكونَ مخاطبةً لجميع الناس، لأن اللَّهَ سبحانه غنيٌّ عَن جميعِ الناسِ، وهم فقراءُ إليه، واخْتَلَفَ المتأولونَ مِن أهْلِ السنةِ في تأويل قوله تعالى: وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ فقالت فرقة: «الرِّضا» بمعنى الإرادَةِ، والكلامُ ظاهرُه العمومُ، ومعناه الخصوصُ فيمن قَضَى اللَّهُ له بالإيمان، وحتَّمَهُ له، فعبادُه على هذا ملائكتُهُ ومؤمِنو الإنْسِ والجِنِّ، وهذا يتركَّبُ على قول ابن عباس «٣»، وقالت فرقة: الكلامُ عُمُومٌ صحيحٌ، والكُفْرُ يقعُ مِمَّنْ يَقَعُ بإرادَةِ اللَّهِ تعالى، إلا أنه بَعْدَ وُقُوعِهِ لاَ يَرْضَاهُ دِينًا لهم، ومعنى لا يرضاه: لا يشكرُه لهُمْ، ولا يثيبهم به خيرا، فالرضا: على هذا هو صفةُ فِعْلٍ بمعنى القَبُولِ، ونحوِه، وتأمَّلِ الإرَادَةَ فإنما هي حقيقةٌ فيما لَمْ يَقَعْ بَعْدُ، والرِّضا، فإنما هُو حقيقةٌ فِيمَا قَدْ وَقَعَ، واعْتَبِرْ هذا في/ آيات القرآن تجِدْهُ، وإنْ كانت العربُ قد تستعمل في أشعارها على جهة التجوُّز هذا بَدَلَ هذا.\nوقوله تعالى: وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ عمومٌ، والشكرُ الحقيقيُّ في ضِمْنِهِ الإيمانُ، قال النوويُّ: وَرُوِّينَا في «سُنَنِ أبي دَاوُدَ» عن أبي سعيد الخدريّ، أن رسول الله ﷺ قال:\n«من قال: رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا وبِالإسْلاَمِ دينا وبمحمّد ﷺ رسولا، وجبت له الجنّة» «٤» انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1218>[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٨ الى ٩]</span>\nوَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ (٨) أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وَقائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ (٩)\nوقوله تعالى: وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ ... الآية: الْإِنْسانَ هنا:\nالكافرُ، وهذه الآيةُ بَيَّنَ تعالى بها عَلَى الكُفَّارِ، أنَّهُمْ على كلّ حال يلجؤون إليه في حال الضرورات، وخَوَّلَهُ معناه مَلكه وحكَّمَه فيها ابتداءً من اللَّهِ لاَ مُجَازَاةً، ولا يقالُ في الجزاء «خَوَّلَ» .\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٦١٧) برقم: (٣٠٠٧٩)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٥٢٠)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٦٠٤)، وعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في «الأسماء والصفات» .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٥٢١) .\n(٣) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٥٢١) .\n(٤) أخرجه الحاكم في «المستدرك» (١/ ٥١٨) كتاب «الدعاء» . قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.","vol":"5","page":81},{"text":"وقوله تعالى: نَسِيَ مَا كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ قالت فرقة: «ما» مصدريةٌ، والمعنى: نسِيَ دعاءَه إليه في حالِ الضَّرُورَةِ، وَرَجَعَ إلى كُفْرِهِ، وقالت فرقة: «ما» بمعْنَى الذي، والمرادُ بها اللَّه تعالى، أي: نسي اللَّه، وعبارة الثعلبي: قوله: نَسِيَ مَا كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ أي:\nتَرَكَ عبادَة اللَّه تعالى والتضرُّعَ إليهِ من قَبْلُ في حال الضُّرِّ انتهى» وباقي الآية بيِّنٌ.\nوقوله تعالى: «أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ» بتخفيف الميمِ، هي قراءة نافعٍ وابنِ كَثِيرٍ وحمزة «١»، والهَمْزةُ للتقرير والاستفهام، وكأنه يقولُ: أهذا القانتُ خَيْرٌ أم هذا المذكورُ الذي يتمتَّعُ بكُفْرِهِ قليلًا، وهو من أَصْحَاب النار، وقرأ الباقونَ: «أَمَّنْ» بتشديدِ الميمِ، والمعنى: أهذا الكافرُ خَيْرٌ أمَّنْ هُو قَانِتٌ؟ والقانتُ: المطِيعُ وبهذا فسَّره ابنُ عبَّاس﵄ «٢» -، والقُنُوتُ في الكلام يَقَع عَلى القِراءةِ وَعَلى طُولِ القيامِ في الصلاةِ وبهذا/ فسَّره ابنُ عُمَرَ﵄ «٣» - قال الفَخْرُ «٤»: قيل: إن المراد بقوله: أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ: عُثْمَانُ بْنُ عفَّانَ لأنَّه كَان يُحْيِي الليل، والصحيحُ أنها عامَّةٌ في كلِ من اتَّصَفَ بهذه الصِّفَةِ، وفي هذه الآية تنبيهٌ على فضلِ قيامِ الليلِ، انتهى، ورُوِيَ عن ابن عَبَّاسٍ أَنَّه قالَ: «مَنْ أحَبَّ أَنْ يُهَوِّنَ اللَّهُ عليه الوقوفَ يوم القيامةِ، فَلْيَرَهُ اللَّهُ في سَوَادِ اللَّيْلِ سَاجِدًا وقائِمًا» «٥»، ت قال الشيخ عبدُ الحَقِّ في «العَاقِبَةِ»: وعن قَبِيصَةَ بْنِ سُفْيَانَ قال: رأيتُ سُفْيانَ الثَّوْرِيَّ في المنام بعد موته فقلتُ له: ما فعل اللَّه بك؟ فقال: [الطويل]\nنَظَرْتُ إلى رَبِّي عِيَانًا فَقَالَ لِي ... هَنِيئًا رِضَائي عَنْكَ يَا بْنَ سَعِيدِ\nلَقَدْ كُنْتَ قَوَّامًا إذَا اللَّيْلُ قَدْ دَجَا ... بِعَبْرَةِ مَحْزُونٍ وَقَلْبِ عَمِيدِ\nفَدُونَكَ فاختر أَيَّ قَصْرٍ تُرِيدُه ... وَزُرْنِي فَإنِّي مِنْكَ غَيْرُ بَعِيدِ «٦»\nوكَانَ شُعْبَة بن الحَجَّاج، ومِسْعَرُ بْن كِدَامٍ، رجلَيْنِ فَاضِلَيْنِ، وكانَا مِنْ ثِقَاتِ المُحَدِّثينَ وحُفَّاظِهِم، وكان شُعْبَةُ أَكْبَرَ فَمَاتَا، قال أبو أحمد اليزيديّ، فرأيتهما في النوم،\n_________\n(١) ينظر: «الحجة» (٦/ ٩٢)، و«معاني القراءات» (٢/ ٣٣٥)، و«شرح الطيبة» (٥/ ١٩٦)، و«العنوان» (١٦٥)، و«حجة القراءات» (٦٢٠)، و«شرح شعلة» (٥٦٧)، و«إتحاف فضلاء البشر» (٢/ ٤٢٨) .\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٦٢١) برقم: (٣٠٠٨٨) عن ابن عبّاس وبرقم: (٣٠٠٨٩) عن السدي، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٥٢٣)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٤٧) .\n(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٦٢١) برقم: (٣٠٠٨٧)، وذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ٧٣)، وابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٥٢٣)\n(٤) ينظر: «تفسير الرازي» (٢٦/ ٢١٩) .\n(٥) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٥٢٣) .\n(٦) ينظر: الأبيات في «العاقبة» (١٣٧) . [.....]","vol":"5","page":82},{"text":"وكنتُ إلى شُعْبَةَ أَمْيَلَ مِنِّي إلى مِسْعَرٍ، فقلتُ: يا أبا بِسْطَامَ ما فَعَلَ اللَّهُ بك؟ فقال: وَفَّقَكَ اللَّه يا بُنَيَّ، احفظ ما أقُولُ:\nحَبَانِي إلهي فِي الْجِنِانِ بِقُبَّة ... لَهَا أَلْفُ بَابٍ مِنْ لُجَيْنٍ وَجَوْهَرَا\nوَقَالَ لِيَ الْجَبَّارُ: يَا شُعْبَةُ الَّذِي ... تَبَحَّرَ في جَمْعِ الْعُلُومِ وَأَكْثَرَا\nتَمَتَّعْ بِقُرْبِي إنَّنِي عَنْكَ ذُو رِضًا ... وَعَنْ عَبْدِيَ القَوَّامِ في اللَّيْلِ مِسْعَرَا\nكفى مِسْعَرًا عِزًّا بِأنْ سَيَزُورُنِي ... وَأَكْشِفُ عَنْ وَجْهِي وَيَدْنُو لِيَنْظُرَا\nوهذا فِعَالِي بِالَّذِينَ تَنَسَّكُوا ... وَلَمْ يَأْلَفُوا في سَالِفِ الدَّهْرِ مُنْكَرَا «١»\nانتهى. «والآناء»: الساعاتُ واحدها/ «إنًى» كَ «مِعًى» ويقال: «إِنْيٌ» - بكسر الهمزة وسكون النون-، و«أَنًى» على وزن «قَفًا» .\nوقوله سبحانه: يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قال ابْنُ الجوزيِّ في «المُنْتَخَبِ»:\nيقولُ اللَّه تعالى: «لاَ أجْمَعُ على عَبْدِي خَوْفَيْنِ وَلاَ أَمْنَيْنِ مَنْ خَافَنِي فِي الدُّنْيَا، أَمَّنْتُهُ فِي الآخِرَةِ، وَمَنْ أَمِنَنِي في الدُّنْيَا خَوَّفْتُهُ في الآخِرَةِ»، يَا أَخِي امتطَى القَوْمُ مَطَايَا الدجى على مَرْكَبِ السَّهَرِ، فَمَا حَلُّوا وَلاَ حَلُّوا رِحَالَهُمْ حَتَّى السَّحَرْ، دَرَسُوا القُرآن فَغَرَسُوا بِأَيْدِي الْفِكْرِ أَزْكَى الشَّجَرْ، وَمَالُوا إلى النُّفُوسِ بِاللَّوْمِ فَلاَ تَسْأَلْ عَمَّا شَجَرْ، رَجَعُوا بِنَيْلِ القَبُولِ مِنْ ذَلِكَ السَّفَرْ، وَوَقَفُوا على كَنْزِ النَّجَاةِ وَمَا عِنْدَكَ خَبَرْ، فإذا جَاء النَّهَارُ قَدَّمُوا طَعَامَ الجُوعِ، وَقَالُوا لِلنَّفْسِ: هَذَا الَّذِي حَضَرْ، حَذَوْا عزَمَاتٍ طَاحَتِ الأَرْضُ بَيْنَهَا، فَصَارَ سُرَاهُمْ في ظُهُورِ العَزَائِمْ، تَرَاهُمْ نُجُومَ اللَّيْلِ مَا يَبْتَغُونَهُ على عَاتِقِ الشعرى وَهَامِ النَّعَائِمْ، مَالَتْ بِالقَوْمِ رِيحُ السَّحَرِ مَيْلَ الشَّجَرِ بِالأَغْصَانْ، وَهَزَّ الخَوْفُ أَفْنَانْ القُلُوبِ فانتشرت الأَفْنَان، فَالقَلْبُ يَخْشَعُ واللِّسَانُ يَضْرَعُ وَالعَيْنُ تَدْمَعُ وَالوَقْتُ بُسْتَانْ، خَلَوْتُهُمْ بِالحَبِيبِ تَشْغَلُهُمْ عَنْ نُعْمٍ وَنَعْمَانْ، سُرُورُهُمْ أَسَاوِرُهُمْ وَالخُشُوعُ تِيجِانْ، خُضُوعُهُمْ حُلاَهُمْ وَمَاءُ دَمْعِهِمْ دُرٌّ وَمَرْجَانْ، بَاعُوا الْحِرْصَ بِالقَنَاعَةِ فَمَا مُلكُ أَنُوشِرْوَان، فَإذَا وَرَدُوا القِيَامَةَ تَلَقَّاهُمْ بَشَرٌ: لَوْلاَكُمْ مَا طَابَ الجِنَانْ، يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانْ، أَيْنَ أَنْتَ مِنْهُمْ يَا نَائِمُ كَيَقْظَانْ، كَمْ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ أَيْنَ الشُّجَاعُ مِنَ الجَبَانْ، مَا لِلْمَوَاعِظِ فِيكَ نُجْحٌ، مَوْضِعُ القَلْبِ/ بِاللَّهْوِ مِنْكَ مَلآنْ، يَا أَخِي، قِفْ على بَابِ النَّجَاحِ ولكن وُقُوفَ لُهْفَانْ، واركب سُفُنَ الصَّلاَحِ، فهذا المَوْتُ طُوفَانْ، إخْوَانِي، إنَّمَا اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ مَرَاحِلْ وَمَرْكَبُ العُمْرِ قَدْ قَارَبَ السَّاحِلْ، فانتبه لِنَفْسِكَ وازدجر يَا غَافِلْ، يَا هَذَا، أَنْتَ مُقِيمٌ فيَّ مُنَاخِ الرَّاحِلِينَ ويحك اغتنم أيّام القدرة قبل\n_________\n(١) ينظر: الأبيات في «العاقبة» (١٣٨) .","vol":"5","page":83},{"text":"صَيْحَةِ الانْتِزَاعِ، فَما أقْرَب مَا يُنْتَظَرْ، وَمَا أقلّ المكث فيما يزول ويتغيّر. انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1219>[سورة الزمر (٣٩): الآيات ١٠ الى ١٦]</span>\nقُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ (١٠) قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (١٢) قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣) قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤)\nفَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ (١٥) لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فَاتَّقُونِ (١٦)\nوقوله تعالى: قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ يُرْوَى أنَّ هذهِ الآيةَ نزلتْ في جَعْفَرِ بن أبي طالب وأصحابِهِ، حِينَ عزموا على الهجرة إلى أرض الحبشة «١»، ووعد سبحانه بقوله: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ فقولهُ: فِي هذِهِ الدُّنْيا متعلق ب أَحْسَنُوا، والمعنى: إنَّ الذين يُحْسِنُونَ في الدنيا لَهُمْ حَسَنَةٌ في الآخِرَة، وهي الجنةُ والنعيمُ قاله مقاتلٌ»\nويحتملُ أنْ يريدَ: أن الذينَ يُحْسِنُونَ لهُم حسَنَةٌ في الدنيا، وهي العافيةُ والظهورُ وولايةُ اللَّهِ تعالى قاله السُّدّيُّ «٣»، والأَوَّلُ أرجح أن الحسَنَةَ هِي في الآخِرة.\nوقوله سبحانه: وَأَرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ حَضٌّ عَلى الهجرةِ، ثم وَعَدَ تعالى على الصَّبْرِ على المكارِهِ، والخروج مِنَ الوَطَنِ ونُصْرَةِ الدينِ وجميعِ الطاعات- بِتَوْفِيَةِ الأجورِ بغير حِسَابٍ، وهذا يحْتَمِلُ معنيين:\nأحدهما: أن الصابرَ يؤتى أَجْرَهُ وَلاَ يحاسَبُ على نعيمٍ ولا يُتَابَعُ بذنوبٍ، ويكونُ في جملة الذين يدخلون الجنةَ بغير حساب.\nوالثاني من المعنيين: أن أجورَ الصابرينَ توفى بغَيْرِ حَصْر وَلا عَدٍّ، بلْ جُزَافًا، وهذه استعارةٌ للكثرةِ التي لا تحصى وإلى هذا التأويلِ ذَهَبَ جمهورُ المفسرينَ، حتى قال قتادةُ:\nلَيْسَ ثَمَّ واللَّهِ/ مِكْيَالٌ ولا ميزان «٤»، وفي الحديث أَنَّهُ لما نزلت وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ [البقرة: ٢٦١]\n_________\n(١) ذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ٧٤)، وابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٥٢٣) .\n(٢) ذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ٧٣)، وابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٥٢٣) .\n(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٦٢٢) برقم: (٣٠٠٩٤)، وذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ٧٣)، وابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٥٢٣) .\n(٤) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٦٢٢) برقم: (٣٠٠٩٦)، وذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ٧٤) عن علي ﵁، وابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٥٢٤)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٤٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٦٠٥)، وعزاه لعبد بن حميد.","vol":"5","page":84},{"text":"قال النبي ﷺ: «اللَّهُمَّ، زِدْ أُمَّتِي»، فَنَزَلَتْ بَعْدَ ذلِكَ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافًا كَثِيرَةً [البقرة: ٢٤٥] فقال: «اللَّهُمَّ زِدْ أُمَّتِي» حتى نزلَتْ: إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ، قال: «رَضِيتُ يَا رَبِّ» .\nوقوله تعالى: قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ من المعلوم أنه ع معصومٌ من العِصْيَانِ، وإنما الخطابُ بالآيةِ لأِمَّتِهِ يَعُمُّهُمْ حكمُهُ، ويحفُّهم وعيدُهُ.\nوقوله: فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ هذه صيغةُ أَمْرٍ على جِهَةِ التهْدِيدِ، وهذا في القرآنِ كثيرٌ، و«الظُّلَّة» ما غَشِيَ وعَمَّ كالسَّحَابَةِ وَسَقْفِ البيت، ونحوِه.\n[وقوله سبحانه: ذلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ يريد: جميع العالم] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1220>[سورة الزمر (٣٩): الآيات ١٧ الى ١٨]</span>\nوَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها وَأَنابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ (١٨)\nوقوله تعالى: وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ ... الآية، قال ابن زيد: إن سببَ نزولِها زيدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ وَسَلْمَانُ الفَارِسِيُّ وأبُو ذَرٍّ الغِفَارِيُّ، والإشارةُ إليهم «١» .\nت: سُلَيْمَانُ إنما أسلم بالمدينةِ، فَيَلْزَمُ على هذا التأويلِ أن تكونَ الآيةُ مدنيةً، وقال ابن إسْحَاق: الإشَارةُ بِها إلى عَبْدِ الرحمنِ بْنِ عَوْفٍ، وسَعْدِ بْنِ أبي وَقَّاصٍ، وَسَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، والزُّبَيْرِ، وذَلك أنه لما أسْلم أَبو بَكْرٍ سَمِعُوا ذلك فَجَاؤُوهُ، فقالوا:\nأَأَسْلَمْتَ؟ قال: نَعَمْ وذَكَّرَهُمْ باللَّه سبحانه، فآمَنُوا بأجمعهم، فنزلَتْ فيهم هذه الآية، وهي على كلِّ حالٍ عامَّةٌ في الناس إلى يوم القيامة يتناولهم حكمها، والطَّاغُوتَ: كل ما عبد من دون الله.\nوقوله سبحانه: الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ: كَلاَمٌ عامٌّ في جميع الأقوال، والمَقْصِدُ الثناءُ على هؤلاءِ في نفوذِ بصائرهم، وقوام نَظَرِهِم، حتى إنهم إذا سمعوا قولًا مَيَّزوه واتبعوا أحْسَنه، قال أبو حيَّان «٢»: الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ صفةٌ/ ل عِبادِ، وقيلَ: الوَقْفُ على عباد، وَالَّذِينَ مبتدأٌ خبره أُولئِكَ وما بعده، انتهى.\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٦٢٥) برقم: (٣٠١٠٨)، وذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ٧٥)، وابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٥٢٥)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٤٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٦٠٧)، وعزاه لابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم.\n(٢) ينظر: «البحر المحيط» (٧/ ٤٠٤) .","vol":"5","page":85},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1221>[سورة الزمر (٣٩): الآيات ١٩ الى ٢١]</span>\nأَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (١٩) لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعادَ (٢٠) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطامًا إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ (٢١)\nوقوله تعالى: أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ [مَن فِى النار] قالت فرقةٌ:\nمعنى الآيةِ: أَفَمَنْ حَقَّتْ عَلَيْه كلمةُ العَذَابِ فَأَنْتَ تُنْقِذهُ]، لكنَّه زَادَ الهَمْزَةَ الثانيةَ تَوْكِيدًا، وأظْهرَ الضميرَ تَشْهيرًا لهؤلاءِ القَومِ وإظهارًا لِخِسَّةِ منازِلهم.\nوقوله تعالى: لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ ... الآية مُعَادَلَةٌ وتَحْضِيضٌ على التقوى، وعَادَلَتْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ ما تَقَدَّمَ مِنَ الظُّلَلِ فَوْقَهُمْ وَتَحْتَهُمْ، والأحاديثُ الصحيحةُ في هذا البابِ كثِيرةٌ، ثُمَّ وَقَفَ تعالى نبيَّه﵇- وأُمَّتَهُ على مُعْتَبَرٍ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ، فقال: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً ... الآية، قال الطبريُّ «١»: الإشارةُ إلى ماءِ المطر ونبع العيون منه، وفَسَلَكَهُ معناه: أجراه وأدخله في الأرض، ويَهِيجُ معناه: يَيْبَسُ، وهاجَ الزَّرْعُ والنباتُ: إذَا يَبِسَ، والحُطَامُ: اليابِسُ المُتَفَتِّتُ، ومعنى لَذِكْرى أيْ: للبَعْث من القبورِ وإحياء الموتى على قياسِ هذا المثال المذكور.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1222>[سورة الزمر (٣٩): آية ٢٢]</span>\nأَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٢)\nوقوله تعالى: أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ ... الآية، رُوِيَ أنَّ هذهِ الآيةَ نزلَتْ في عَلِيٍّ وحمزةَ، وأبي لَهَبٍ وابنه وهمَا اللذان كَانا من القَاسِيَةِ قلوبُهُمْ «٢»، وفي الكلامِ محذوفٌ يدلُّ عليه الظاهِرُ تقديره: أفمن شَرَحَ اللَّه صدره كالقاسِي القَلْبِ المُعْرِضِ عن أمرِ اللَّه، وشَرْحُ الصدرِ: استعارةٌ لتحصيلهِ للنظر الجَيِّدِ والإيمانِ باللَّه، والنُّورُ: هدايةُ اللَّه تعالى، وهي أشبهُ شيء بالضّوء، قال ابن مسعود: قلنا يا رَسُولَ اللَّهِ! كَيْفَ انشراح الصَّدْرِ؟ قال: إذا دَخَلَ النُّورُ القَلْبَ، انشرح وَانْفَسَحَ، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّه، وَمَا عَلاَمَةُ ذَلِكَ؟ قَالَ: الإنَابَةُ إلَى دَارِ/ الخُلُودِ، وَالتَّجَافِي عَنْ دَارِ الغُرُورِ، والتَّأَهُّبُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِ المَوْتِ «٣»، والقسوةُ: شِدَّةُ القَلْب، وهي مأخوذةٌ من قَسْوَةِ الحَجَرِ، شَبَّهَ قَلْبَ الكافرِ به في\n_________\n(١) ينظر: «تفسير الطبري» (١٠/ ٦٢٦) .\n(٢) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٥٢٧) .\n(٣) ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٦٠٩)، وعزاه إلى ابن مردويه.","vol":"5","page":86},{"text":"صَلاَبَتِهِ وقِلَّةِ انفعاله، للوَعْظِ، وَرَوَى الترمذيُّ عن ابن عمر قال: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «لاَ تُكْثِرُوا الكَلاَمَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ فَإنَّ كَثْرَةَ الكَلاَمِ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ قَسْوَةٌ لِلْقَلْبِ وإنَّ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنَ اللَّهِ القَلْبُ القَاسِي» «١»، قال الترمذيُّ: هذا حديث حسنٌ غريبٌ. انتهى وقال مالكُ بن دِينَارٍ: مَا ضُرِبَ عَبْدٌ [بعقوبةٍ] أعْظَمَ من قَسْوَةِ قلبهِ، قال ابن هِشَامٍ: قوله تعالى: فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ «من» هنا: مرادِفَةٌ «عَنْ»، وقيل: هي للتعليلِ، أي: مِنْ أجْلِ ذكر اللَّه لأنه إذا ذُكِرَ اللَّه، قَسَتْ قلوبُهُمْ عياذًا باللَّه، وقيل: هي للابتداءِ، انتهى من «المغني» .\nقال الفَخْرُ «٢»: اعلم أَنَّ ذِكْرَ اللَّهِ سببٌ لحصولِ النُّورِ والهدايةِ وزيادةِ الاطمئنان في النفوس الطاهرة الروحانية، وقد يُوجِبُ القَسْوَةَ والبُعْدَ عنِ الحَقِّ في النفوسِ الخبيثة الشيطانية، فإذا عَرَفْتَ هذا، فنقول: إنَّ رأسَ الأدْوِيَةِ التي تفيدُ الصحةَ الروحانيةَ ورُتْبَتَها هو ذِكْرُ اللَّهِ، فإذا اتفق لبعضِ النفوسِ أنْ صَارَ ذِكْرُ اللَّهِ سببًا لازْدِيادِ مَرَضِها، كانَ مَرَضُ تلكَ النفوسِ مَرَضًا لا يرجى زوالُهُ، ولا يُتَوَقَّعُ علاجُهُ، وكانَتْ في نِهَايَةِ الشَّرِّ والرَّدَاءَةِ، فلهذا المعنى قال تعالى: فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ وهذا كَلاَمُ كامل محقّق، انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1223>[سورة الزمر (٣٩): آية ٢٣]</span>\nاللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٢٣)\nوقوله تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ يريد القرآن، وروي عَنِ ابْنِ عبَّاس أن سبَبَ هذه الآيةِ أنَّ قَوْمًا من الصحابةِ قالوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، حَدِّثْنَا بِأَحَادِيثَ حِسَانٍ، / وَأَخْبِرْنَا بأخبار الدّهر، فنزلت الآية «٣» .\n_________\n(١) أخرجه الترمذي (٤/ ٦٠٧)، كتاب «الزهد» باب: منه برقم: (٢٤١١)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٤/ ٢٤٥) باب: في حفظ اللسان (٤٩٥١) من طريق عبد الله بن عمر، وأخرجه مالك مرسلا، قال:\nإنه بلغه أن عيسى ابن مريم كان يقول: «لا تكثروا الكلام ...» الحديث نحوه.\nقال الترمذي: هذا حديث حسنٌ غريبٌ لا نعرفه إِلا من حديث إبراهيم بن عبد الله بن حاطب.\n(٢) ينظر: «تفسير الفخر الرازي» (٢٦/ ٢٣٢) .\n(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٦٢٩) برقم: (٣٠١٢٥)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٥٢٧)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٦٠٩)، وعزاه لابن جرير.","vol":"5","page":87},{"text":"وقوله: مُتَشابِهًا معناه مُسْتَوِيًا لا تَنَاقُضَ فيه ولا تَدَافُعَ، بل يُشْبِهُ بَعْضُهُ بعضًا في رَصْفِ اللَّفْظِ، ووَثَاقَةِ البراهينِ، وشَرَفِ المعاني إذْ هِيَ اليَقِينُ في العقائدِ في اللَّهِ وصفاته وأفعاله وشرعه، ومَثانِيَ معناه: مَوْضِعُ تَثْنِيَةٍ للقصَصِ والأقضيةِ والمَوَاعِظِ تثنى فيهِ ولاَ تُمَلُّ مَع ذلك ولا يَعْرِضُهَا ما يَعْرِضُ الحديثَ المَعَادَ، وقال ابن عباس، ثنى فِيه الأَمْرَ مِرَارًا «١»، ولا ينصرفُ مَثانِيَ لأنه جمعٌ لا نَظِيرَ له في الواحد.\nوقوله تعالى: تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ عبارة عن قفّ شعر الإنسان عند ما يُدَاخِلُهُ خَوْفٌ ولِينُ قَلْبٍ عند سماعِ موعظةٍ أو زَجْرِ قرآن ونحوهِ، وهذه علامةُ وقوعِ المعنى المُخْشِعِ في قلبِ السامعِ، وفي الحديث أَنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ قرأ عند النبيِّ ﷺ، فرّقت القلوب فقال النبي ﷺ: «اغتنموا الدُّعَاءَ عِنْدَ الرِّقَّةِ فإنَّهَا رَحْمَةٌ» «٢» وقال العبّاس بن عبد المطّلب: قال النبيّ ﷺ: «مَنِ اقشعر جِلْدُهُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ تعالى، تَحَاتَّتْ عَنْهُ ذُنُوبُهُ كَمَا تَتَحَاتُّ عَنِ الشَّجَرَةِ اليَابِسَةِ وَرَقُهَا»، وَقَالَتْ أسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ: «كان أصحاب النبيّ ﷺ تَدْمَعُ أَعْيُنُهُمْ وتقشعرُّ جلودُهم عند سماع القرآن، قيل لها: إن أقوامًا اليومَ إذا سَمِعوا القرآن خَرَّ أحدُهم مَغْشِيًا عليه، فقالت: أعوذُ باللَّهِ من الشيطانِ» «٣»، وعن ابن عمر نحوُه، وقال ابن سيرين: بينَنَا وبين هؤلاء الذين يُصْرَعُونَ عند قراءة القرآن أن يُجْعَلَ أحَدُهم عَلى حَائِطٍ [مَادًّا] رِجْلَيْهِ، ثُمَّ يُقْرأُ عَلَيْه القرآن كلُّه/، فإن رمى بِنَفْسِهِ، فهو صَادِقٌ «٤» .\nت: وهذا كله تغليظٌ على المُرَائِينَ والمتصنِّعين، ولا خلاف أعلمهُ بين أربابِ القلوبِ وأئمَّةِ التصوُّفِ أن المُتَصَنِّعَ عندهم بهذه الأمور مَمْقُوتٌ، وأما مَنْ غَلَبَه الحالُ لِضَعْفِهِ وقَوِيَ الوارِدُ عليه حتى أذْهَبَهُ عَنْ حِسِّه فهو إن شاء اللَّهُ مِن السادةِ الأخْيارِ والأولياء الأبرار، وقَد وَقَعَ ذلك لكثير من الأخْيارِ يَطُولُ تَعْدَادُهم كابن وهب وأحمد بن مُعَتِّبٍ المالكيَّيْنِ، ذكرهما عياض في «مداركه»، وأنهما ماتا من ذلك وكذلك مالك بن دينار مات\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٦٢٨) برقم: (٣٠١٢١)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٥٢٧)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٦١٠) بنحوه، وعزاه لابن مردويه. [.....]\n(٢) القضاعي في «مسند الشهاب»، (٦٩٢)، وذكره الهندي في «كنز العمال» (٢/ ١٠٢) (٣٣٤١)، والعجلوني في «كشف الخفاء ومزيل الإلباس» (١/ ١٦٨) (٤٤٠) .\n(٣) ذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ٧٧)، وابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٥٢٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٦١٠)، وعزاه لسعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن مردويه، وابن أبي حاتم، وابن عساكر عن عبد الله بن عروة بن الزبير عن جدته أسماء.\n(٤) ذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ٧٧)، وابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٥٢٨) .","vol":"5","page":88},{"text":"مِنْ ذلك ذكره عبد الحَقِّ في «العاقبة»، وغيرهم ممن لا يحصى كثرةً، ومن كلام عزِّ الدين بن عَبْدِ السَّلامِ﵀- في قواعده الصغرى قال: وقَدْ يَصِيحُ بَعْضُهُمْ لِغَلَبَةِ الحَالِ عَلَيْهِ، وَإلْجَائِهَا إِيَّاهُ إلى الصِّيَاحِ، وهو في ذلك مَعْذُورٌ، ومَنْ صَاحَ لِغَيْرِ ذَلِكَ، فَمُتَصَنِّعٌ لَيْسَ مِنَ القَوْمِ في شَيْءٍ، وكذلِكَ من أظهر شيئًا من الأحوال رياءً أو تسميعًا، فإنه ملحَقٌ بالفجَّار دونَ الأبْرَارِ، انتهى.\nوقوله تعالى: ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يحتملُ أَنْ يشيرَ إلى القرآن ويحتملُ أنْ يشير إلى الخَشْيَةِ واقشعرار الجُلُودِ، أيْ: ذلك أَمَارَةُ هدَى اللَّهِ.\nقال الغَزَّالِيُّ في «الإحياء»: والمُسْتَحَبُّ من التالِي للقرآن أن يَتأثر قلبهُ بآثار مختلفةٍ بحسْبِ اخْتِلاَفِ الآيات، فيكون له بحسَبِ كُلِّ فهمٍ حالٌ يَتَّصِفُ به قلبُهُ من الحُزْن والخَوْفِ والرجاءِ وغَيْرِ ذلك، ومَهْمَا تَمَّتْ معرفتُهُ كانَتِ الخشْيَةُ أَغْلَبَ الأحْوَالِ على قلبهِ، انتهى، قال الشيخ الوليُّ عبد اللَّه بن أبي جمرة: وكان النبيّ ﷺ في قيامِهِ يَكْسُوهُ من كل آية يَقْرَؤُهَا حَالٌ يُنَاسِبُ معنى تلكَ الآية، وكذلك يَنْبَغِي أن تَكُونَ تلاوةُ/ القرآن وألاَّ يكونَ تالِيهِ كمثل الحمار يحمل أسفارا، انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1224>[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٢٤ الى ٢٨]</span>\nأَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٢٤) كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (٢٥) فَأَذاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٢٦) وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٧) قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٢٨)\nوقوله تعالى: أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ ... الآية، تقريرٌ بمعنى التَّعْجِيبِ، والمعنى: أَفَمَنْ يَتَّقِي بوجْهِهِ سُوءَ العَذَابِ كَالمُنَعَّمِينَ في الجنةِ، قال مجاهد «١»: يَتَّقِي بِوَجْهِهِ، أي: يُجَرُّ على وَجْهِه في النَّارِ.\nوقالَتْ فِرْقَةٌ: ذلك لِمَا رُوِيَ أنَّ الكافرَ يلقى في النارِ مكتُوفًا مربوطةً يداه إلى رِجْلَيْهِ مَعَ عُنُقِهِ، ويُكَبُّ على وجهِه، فليس له شَيْءٌ يَتَّقِي به إلا وَجْهَهُ، وقالت فرقَة: المعنى في ذلك صفةُ كَثْرَةِ مَا يَنَالُهُمْ من العذابِ يتَّقِيهِ بِكَلِّ جَارِحَةٍ مِنْهُ حتى بِوَجْهِهِ الذي هُوَ أشْرَفُ جوارحِهِ، وهذا المعنى أَبْيَنُ بلاغةً، ثم مَثَّلَ لقريشٍ بالأمم الذين مِنْ قبلهم، وما نالَهُمْ من\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٦٣٠) برقم: (٣٠١٢٧)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٦١١)، وعزاه السيوطي للفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر.","vol":"5","page":89},{"text":"العذابِ في الدنيا المتَّصِلِ بعذابِ الآخرةِ الذي هو أكبر، ونَفَى اللَّهُ سبحانه عن القرآن العِوَجَ لأنَّهُ لا اخْتِلاَفَ فيه، ولا تناقُضَ، ولا مغمز بوجه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1225>[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٢٩ الى ٣١]</span>\nضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٢٩) إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (٣١)\nوقوله سبحانه: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ ... الآية، هَذا مَثَلٌ ضربَه اللَّهُ سبحانه في التوحيدِ، فَمَثَّلَ تعالى الكافرَ العابِدَ للأوثانِ والشياطينِ بِعَبْدٍ لرِجَالٍ عِدَّةٍ في أَخْلاَقِهِم شَكَاسَةٌ وَعَدَمُ مُسَامَحَةٍ فهم لذلك يُعَذِّبُونَ ذلك العَبْدَ بتضايقهم في أوقاتهم، ويضايِقُون العبدَ في كثْرَةِ العَمَلِ فهو أبَدًا في نَصَبٍ منهم وعناءٍ، فكذلك عَابِدُ الأوْثَانِ الذي يَعْتَقِدُ أَنَّ ضُرَّهُ ونَفْعَهُ عِنْدَهَا هو معذَّبُ الفِكْرِ بِهَا وبحراسَةِ حَالِهِ مِنْهَا، ومتى تَوَهَّمَ أنه أرضى صَنَمًا بالذبحِ له في زعمِه، تَفَكّر فيما يصنعُ معَ الآخرِ فهو أبدًا تَعِبٌ في ضلالٍ، وكذلك هو المُصَانِعُ للنَّاس المُمْتَحَنُ بخدمةِ الملوكِ، / ومَثَّلَ تَعالى المُؤْمِنَ باللَّهِ وحدَهُ بعَبْدٍ لرجُلٍ واحدٍ يُكَلِّفُه شُغْلَهُ فهو يعمله على تُؤدَةٍ وقَدْ سَاسَ مَوْلاَهُ، فالمولى يَغْفِر زَلَّتهُ ويشكُرُه على إجادةِ عمله، ومَثَلًا مفعول ب ضَرَبَ ورَجُلًا نصب على البدل ومُتَشاكِسُونَ معناه: لا سَمْحَ في أخلاقِهم بل فيها لَجَاجٌ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «سالمًا» «١» أي: سالمًا من الشّرْكَة، ثم وَقَفَ تعالى الكفارَ بقوله: هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا ونَصْبُ مَثَلًا على التمييز وهذا التوقيفُ لا يجيبُ عَنْهُ أحدٌ إلاَّ بأنهما لا يستويان فلذلك عَامَلَتْهُمُ العِبَارَةُ الوجيزةُ على أنهم قد أجابوا، فقال: الْحَمْدُ لِلَّهِ أي:\nعلى ظهور الحجَّةِ عليكم من أقوالِكم، وباقي الآية بيِّن.\nوالاخْتِصَامُ في الآية قيلَ: عَامٌّ في المؤمنِين والكَافِرين، قال ع «٢»: ومعنى الآيةِ عندي: أن اللَّه تعالى تَوَعَّدَهُم بأنهم سيَتَخاصَمُونَ يَوْمَ القيامةِ في معنى ردِّهم في وجهِ الشريعةِ وتكذيبِهمْ لرسول اللَّه ﷺ، وَرَوَى الترمذيُّ من حديث عبد اللَّه بن الزُّبَيْرِ قال:\n«لما نَزَلَتْ: ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ قال الزُّبَيْرُ: يا رسول الله: أتكرّر\n_________\n(١) ينظر: «السبعة» (٥٦٢)، و«الحجة» (٦/ ٩٤)، و«معاني القراءات» (٢/ ٣٣٨)، و«شرح الطيبة» (٥/ ١٩٧)، و«العنوان» (١٦٥)، و«حجة القراءات» (٦٢٢)، و«شرح شعلة» (٥٦٧)، و«إتحاف» (٢/ ٤٢٩) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٥٣٠) .","vol":"5","page":90},{"text":"عَلَيْنَا الخُصُومَةُ بَعْدَ الَّذِي كَانَ بَيْنَنَا في الدُّنْيَا؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: إنَّ الأَمْرَ إِذَنْ لشديد» «١» انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1226>[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٣٢ الى ٣٥]</span>\nفَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ (٣٢) وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣) لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ (٣٤) لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (٣٥)\nوقوله تعالى: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ ... الآية، الإِشارةُ بهذا الكذبِ إلى قولهم: «إن للَّه صاحبةً وولدًا» وقولِهِمْ: هذا حلالٌ، وهذا حرامٌ، افتراءً على اللَّه، ونحوَ ذلك، وكذَّبُوا أيضًا بالصِّدْقِ، وذلك تكذيبُهم بما جاءَ به محمّد ﷺ، ثم توعَّدَهم سبحانه تَوَعُّدًا فيه احتقارُهم بقوله: أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ وقرأ ابن مسعود: «والَّذِينَ جَاءُوا/ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقُوا بِهِ» «٢» والصدقُ هنا القرآن والشَّرْعُ بجُمْلَتِهِ وقالتْ فرقةٌ «الذي» يراد بِهِ: «الذين»، وحُذِفَتِ النونُ، قال ع: وهذا غيرُ جَيِّدٍ وَترْكِيبُ «جاء» عليه يَرُدُّ ذلك، بل «الذي» هاهنا هي للجنس، والآيةُ مُعَادِلة لقولهِ: فَمَنْ أَظْلَمُ. قال قتادة وغَيْرُهُ:\nالذي جاء بالصِّدْقِ هو محمَّدُ﵇- والَّذي صَدَّقَ به همُ المؤمنونَ «٣» وهذا أَصْوَبُ الأقْوالِ، وذَهَبَ قومٌ إلى أن الذي صدَّقَ به أبو بكرٍ، وقيل: عليٌّ وتَعْمِيمُ اللفظ أَصْوَبُ.\nوقولهُ سبحانه: أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ قال ابن عبَّاس: اتَّقَوُا الشِّرْكَ «٤» .\n_________\n(١) أخرجه الترمذي (٥/ ٣٧٠) كتاب «تفسير القرآن» باب: ومن سورة الزمر (٣٢٣٦)، والحاكم (٢/ ٤٣٥) كتاب «التفسير»، والحميدي (١/ ٣٣- ٣٤) (٦٢)، وأحمد (١/ ١٦٤، ١٦٧)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٦١٣- ٦١٤)، وعزاه إلى عبد الرزاق، وابن منيع، وابن مردويه، وأبو نعيم في «الحلية»، والبيهقي في «البعث والنشور» .\nقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. قال الحاكم: صحيحٌ على شرط مسلمٍ ولم يخرجاه.\n(٢) ينظر: «الكشاف» (٤/ ١٢٨)، و«المحرر الوجيز» (٤/ ٥٣١)، و«البحر المحيط» (٧/ ٤١١) .\n(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١١/ ٥) برقم: (٣٠١٤٥) عن قتادة، وبرقم: (٣٠١٤٦) عن ابن زيد وذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ٧٩)، وابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٥٣١)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٥٣)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٦١٥)، وعزاه لعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم عن قتادة.\n(٤) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١١/ ٦) برقم: (٣٠١٥٠)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٥٣٢)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٥٣)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٦١٥)، وعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في «الأسماء والصفات» .","vol":"5","page":91},{"text":"وقوله تعالى: لِيُكَفِّرَ يحتملُ أن يَتَعَلَّقَ بقوله: الْمُحْسِنِينَ أي: الذين أحسنوا، لكَيْ يُكَفِّرَ وقاله ابن زيد «١»، ويحتملُ أن يتعلَّقَ بفعلٍ مُضْمَرٍ مَقْطُوعٍ مما قَبْلَهُ تقديرهُ:\nيَسَّرَهُمُ اللَّهُ لذلكَ لِيُكَفِّرَ، لأنَّ التَّكْفِيرَ لاَ يكونُ إلا بَعْدَ التّيسير للخير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1227>[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٣٦ الى ٤٤]</span>\nأَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٣٦) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ (٣٧) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (٣٨) قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٩) مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ (٤٠)\nإِنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٤١) اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٤٢) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ قُلْ أَوَلَوْ كانُوا لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ (٤٣) قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٤٤)\nوقوله تعالى: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ تقوِيَةٌ لنفس النبيّ ﷺ، وقرأ حمزةُ والكسائيُّ: «عباده» «٢» يريد الأنبياءَ، وأنتَ يَا محمدُ أحدُهُمْ، فيدخلُ في ذلكَ المُؤْمِنُونَ المطيعُونَ والمتوكِّلُونَ على اللَّه سُبْحَانَهُ.\nوقوله سبحانه: وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ أيْ: بالذين يَعْبُدُونَ، وباقي الآية بَيِّنٌ، وقد تقدَّم تفسيرُ نظيرِهِ.\nوقوله تعالى: فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ، أيْ: فلنفسه عَمِلَ وسعى، ومَنْ ضَلَّ فَعَلَيْهَا جنى، ثم نبَّه تعالى على آية مِنْ آياته الكبرى، تدِلُّ الناظِرَ على الوحدانيَّةِ، وأنَّ ذلك لا شِرْكَةَ فيه لِصَنَمٍ، وهي حالةُ التَّوَفِّي، وذلكَ أَنَّ ما تَوَفَّاهُ اللَّهُ تعالى على الكَمَالِ، فهو الذي يَمُوتُ، وما تَوَفَّاهُ تَوفِّيًا غَيرَ مُكَمَّلٍ فهو الذي يكونُ في النَّوْم، قال ابن زيد: النوم وفاة\n_________\n(١) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٥٣٢) .\n(٢) ينظر: «السبعة» (٥٦٢)، و«الحجة» (٦/ ٩٥)، و«معاني القراءات» (٢/ ٣٣٨)، و«شرح الطيبة» (٥/ ١٩٨)، و«العنوان» (١٦٥)، و«حجة القراءات» (٦٢٢)، و«شرح شعلة» (٥٦٧)، و«إتحاف» (٢/ ٤٢٩) .","vol":"5","page":92},{"text":"والموتُ وفاة «١» وكثَّرَ الناسُ في هذه الآية، وفي الفَرْقِ بَيْنَ النَّفْسِ والرُّوحِ، وَفَرَقَ قَوْمٌ بَيْنَ نَفْسِ التمييزِ ونفس التخيُّل إلى غير ذلك مِن الأقوال التي هي غَلَبةُ ظَنٍّ، وحقيقةُ الأمْرِ في هذا هي مما استأثر اللَّه به وَغَيَّبَهُ عن عِبَادِهِ في قوله: قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [الإسراء:\n٨٥]، ويكفيكَ أن في هذه الآية يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ، وفي الحديثِ الصحيحِ: إنَّ اللَّهَ قَبَضَ أرْوَاحَنَا حِينَ شَاءَ، وَرَدَّهَا عَلَيْنَا حِينَ شَاءَ «٢» . وفي حديث بلالٍ في الوَادي فقد نطقتِ الشريعةُ بقَبْضِ الرُّوحِ والنَّفْس، وقد قال تعالى: قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي والظاهرُ أنَّ الخَوْضَ في هذا كُلِّهِ عَنَاءٌ، وإنْ كَان قَد تعرَّضَ للقَوْلِ في هذا ونحوه أئمةٌ، ذَكَرَ الثعلبيُّ عن ابن عباس أنه قال: «في ابن آدم نَفْسٌ ورُوحٌ بَيْنَهُمَا مِثْلُ شُعَاعِ الشَّمْسِ، فالنَّفْسُ هِيَ الَّتي بها العَقْلُ والتمييزُ، والرُّوحُ هي التي بها النَّفَسُ والتَّحَرُّكُ، فإذا نام العَبْدُ قَبَضَ اللَّهُ تعالى نَفْسَهُ ولم يَقْبِضْ رُوحَه» «٣»، وجاءَ في آداب النَّوم وأذكار النائِم أحاديثُ صحيحةٌ ينبغي للعبدِ ألاَّ يُخْلِيَ نفسَه مِنها، وقد روى جابرُ بن عبد اللَّه عن النبيّ ﷺ أنَّه قال: «إذا أَوَى الرَّجُلُ إلى فِرَاشِهِ، ابتدره مَلَكٌ وَشَيْطَانٌ، فيقُولُ المَلَكُ: اختم بِخَيْرٍ، ويقُولُ الشَّيْطَانُ:\nاختم بِشَرٍّ، فَإنْ ذَكَرَ اللَّهَ تعالى، ثُمَّ نَامَ بَاتَ المَلَكُ يَكْلَؤُهُ، فَإنِ استيقظ قال الملكُ:\nافتح بِخَيْرٍ، وَقَالَ الشَّيْطَانُ: افتح بِشَرٍّ، فإنْ قَالَ: الحَمْدُ للَّهِ الَّذِي رَدَّ إلَيَّ نَفْسِي، وَلَمْ يُمِتْهَا في مَنَامِهَا، الحَمْدُ للَّهِ الَّذِي يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولاَ، وَلَئِنْ زَالَتَا إنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي يُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ/ إلاَّ بِإذْنِهِ، إنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ، فإن وَقَعَ مِنْ سَرِيرهِ، فَمَاتَ، دَخَلَ الجنة» «٤»، رواه\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١١/ ١٠) برقم: (٣٠١٦٣)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٥٣٣) .\n(٢) أخرجه البخاري (٢/ ٧٩- ٨٠) كتاب «مواقيت الصلاة» باب: الأذان بعد ذهاب الوقت برقم: (٥٩٥)، (١٣/ ٤٥٥) كتاب «التوحيد» باب: في المشيئة والإرادة (٧٤٧١)، وأحمد (٥/ ٣٠٧)، والبيهقي (١/ ٤٠٣- ٤٠٤) كتاب «الصلاة» باب: الأذان والإقامة للفئة، (٢/ ٢١٦) كتاب «الصلاة» باب: لا تفريط على من نام عن صلاة أو نسيها، وأبو داود (١/ ١٧٤) كتاب «الصلاة» باب: من نام عن صلاة أو نسيها (٤٣٩)، والنسائي (٢/ ١٠٥- ١٠٦) كتاب «الإمامة» باب: الجماع للفائت من الصلاة برقم: (٨٤٦)، وابن حبان في «صحيحه» (٤/ ٤٤٨) كتاب «الصلاة» باب: ذكر خبر أوهم غير المتبحر في صناعة العلم: أن الصلاة الفائتة لا تؤدى عند طلوع الشمس حتى تبيض، (١٥٧٩)، وذكره البغوي في «شرح السنة» (٢/ ٨٦) كتاب «الصلاة» باب: الأذان للفائتة والإقامة لها (٤٣٩) .\nكلهم عن أبي قتادة عن أبيه، إلا أن بعضهم زاد، وبعضهم رواه مختصرا. [.....]\n(٣) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٥٣٤)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٦١٦)، وعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٤) أخرجه الحاكم في «المستدرك» (١/ ٥٤٨) كتاب «الدعاء»، وابن حبان (٧/ ٣٨٩- ٣٩٠) - الموارد","vol":"5","page":93},{"text":"النسائي، واللفظ له، والحاكمُ في «المستدرك» وابن حِبَّانَ في «صحيحه»، وقال الحاكم:\nصحيحٌ على شرط مُسْلِمٍ، وزاد آخره: «الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي يُحْيِي الموتى وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» انتهى من «السِّلاح»، وفيه عن أبي هريرةَ عن النبي ﷺ قال: مَنْ قَالَ حِينَ يَأوِي إلى فِرَاشِهِ: «لا إله إلا الله وحده لا شريك لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إلاَّ بِاللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ، سُبْحَانَ اللَّهِ وَالحَمْدُ لِلَّهِ وَلاَ إله إلاَّ اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ، - غُفِرَتْ لَهُ ذُنُوبُهُ أَوْ خَطَايَاهُ- شَكَّ مِسْعَرٌ وَإنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ» «١» رواه ابن حِبَّان في «صحيحه»، ورواه النسائي موقوفًا، انتهى، وروى التِّرمذيُّ عن أبي أُمَامَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يقولُ: «مَنْ أوى إلى فِرَاشِهِ طَاهِرًا يَذْكُرُ اللَّهَ حَتَّى يُدْرِكَهُ النُّعَاسُ، لَمْ يَنْقَلِبْ سَاعَةً مِنَ اللَّيْلِ يسألُ اللَّهَ شَيْئًا مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ إلاَّ أَعْطَاهُ إيَّاهُ» «٢»، انتهى، والأجَلُ المسمّى\n_________\n(٣٣٦٢)، وابن حبان في «صحيحه» (٢/ ٣٤٣) كتاب «الزينة والتطيب» باب: آداب الطعام ذكر الشيء الذي إذا قاله المرء عند استيقاظه من النوم دخل الجنة بقوله ذلك إن أدركته منيته (٥٥٣٣)، والنسائي في «الكبرى» (٦/ ٢١٣) كتاب «عمل اليوم والليلة» باب: ما يقول إذا انتبه من منامه (١٠٦٨٩/ ١)، وذكره المنذري في «الترغيب والترهيب» (١/ ٤٦٩)، كتاب «النوافل» باب: الترغيب في كلمات يقولهن حين يأوي إلى فراشه، وما جاء فيمن نام ولم يذكر الله تعالى (٨٨١)، والهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ١٢٣) كتاب «الأدعية» باب: ما يقول إذا أوى إلى فراشه وإذا انتبه.\nقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. اهـ.\nوقال الهيثمي: رواه أبو يعلى، وهو عنده (٣/ ٣٢٦- ٣٢٧) برقم: (١٧٩١)، ورجاله رجال الصحيح غير إبراهيم بن الحجاج الشامي وهو ثقة. اهـ بتصرف.\n(١) أخرجه ابن حبان (٧/ ٣٩٤) - الموارد (٢٣٦٥)، وابن حبان (١٢/ ٣٣٨) كتاب «الزينة والتطيب» باب:\nآداب الطعام، وذكر الشيء الذي يغفر الله ذنوب قائله إذا أوى إلى فراشه (٥٥٢٨)، وابن السني في «عمل اليوم والليلة» (٧٢٧)، وأبو نعيم في «أخبار أصفهان» (١/ ٢٦٧)، وذكره المنذري في «الترغيب والترهيب» (١/ ٤٦٨) كتاب «النوافل» باب: الترغيب في كلمات يقولهن حين يأوي إلى فراشه وما جاء فيمن نام ولم يذكر الله تعالى، برقم: (٨٧٩)، والهندي في «كنز العمال» (١٥/ ٣٤٧- ٣٤٨) (٤١٣٢٣) وفي الباب من حديث أبي هريرة أخرجه أحمد في «المسند» (٢/ ١٠) .\n(٢) أخرجه الترمذي (٥/ ٥٤٠) كتاب «الدعوات» باب: (٩٣) (٣٥٢٦) والطبراني في «المعجم الكبير» (٨/ ١٤٧) (٧٥٦٨)، وذكره المنذري في «الترغيب والترهيب» (١/ ٤٦٣)، كتاب «النوافل» باب: الترغيب في أن ينام الإنسان طاهرا ناويا للقيام (٨٦٩)، والنووي في «الأذكار» (١٣٤) كتاب «ما يقوله إذا دخل في الصلاة» باب: ما يقرأ في الوتر وما يقوله بعدها (٢٦/ ٢٤٢) .\nقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.\nوللحديث شاهد نحوه من حديث معاذ بن جبل: أخرجه ابن ماجه (٢/ ١٢٧٧) كتاب «الدعاء» باب: ما يدعو به إذا انتبه من الليل (٣٨٨١)، والنسائي في «الكبرى» (٦/ ٢٠١)، كتاب «عمل اليوم والليلة» باب:\nثواب من أوى طاهرا إلى فراشه يذكر الله تعالى حتى تغلبه عيناه (١٠٦٤٢/ ٢)، وأبو داود (٢/ ٣٧٠) كتاب «الأدب» باب: في النوم على طهارة (٥٠٤٢)، وأحمد (٥/ ٢٣٤، ٢٣٥، ٢٤١، ٢٤٤)، وذكره","vol":"5","page":94},{"text":"في هذه الآيةِ: هُوَ عُمْرُ كُلِّ إنْسَانٍ، والضمائرُ في قوله تعالى: أَوَلَوْ كانُوا لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ: للأصنام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1228>[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٤٥ الى ٥٢]</span>\nوَإِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٥) قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٤٦) وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (٤٧) وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٤٨) فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنَّا قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٤٩)\nقَدْ قالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (٥٠) فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥١) أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢)\nوقوله تعالى: وَإِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ ...\nالآية، قال مجاهد وغيره «١» نزلت في قراءة النبيّ ﷺ سورةُ النَّجم عِنْدَ الكَعْبَةِ بِمَحْضَرٍ من الكُفَّارِ، وقرأ أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى ... [النجم: ١٩] الآية، وألقى الشيطانُ يَعْنِي في أسْمَاعِ الكفارِ (تلك الغَرِانِقَةَ العلى) عَلَى مَا مَرَّ في سُورَةِ الحَج، فَاسْتَبْشَرُوا، واشمأَزَّتْ نُفُوسُهُمْ: معناه: تَقَبَّضَتْ كِبْرًا وأَنَفَةً وكَرَاهِيَةً ونَفُورًا.\nوقوله/ تعالى: قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ ... الآية، أَمْرٌ لنبيهِ﵇- بالدعاءِ إليه وَرَدِّ الحُكْم إلى عَدْلِهِ، ومعنى هذا الأَمْرِ تَضمُّنُ الإجابةِ.\nوقوله تعالى: وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ قال الثعلبيُّ: قال السُّدِّيُّ:\nظَنُّوا أشياءَ أَنَّهَا حسناتٌ فبدَتْ سَيِّئاتٍ «٢»، قال ع: قال سفيانُ الثوريُّ: ويلٌ لأهل الرياءِ مِن هذه الآية «٣»، وقال عكرمة بن عَمَّار: جَزع محمَّدُ بْنُ المُنْكَدِرِ عند الموت، فقيل\n_________\nالمنذري في «الترغيب والترهيب» (١/ ٤٦٢) كتاب «النوافل» باب: الترغيب في أن ينام الإنسان طاهرا ناويا للقيام (٨٦٧) .\n(١) ذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ٨١) عن مجاهد ومقاتل، وابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٥٣٤)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٦١٨)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن المنذر عن مجاهد.\n(٢) ذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ٨٢) .\n(٣) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٥٣٥) .","vol":"5","page":95},{"text":"له: ما هَذَا؟ فقال: أخافُ هذه الآيةَ وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ «١» .\nوقوله تعالى: ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنَّا ... الآية، قال الزَّجَّاجُ «٢»: التَّخْوِيلُ العطاءُ عَنْ غَيْرِ مُجَازَاةٍ، والنِّعْمَةُ هنا عامَّةٌ في المالِ وغيرِه، وتَقْوَى الإشارةُ إلى المالِ بقوله: إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ قال قتادة: يريد إنما أُوتيتُهُ على علْمٍ مِنِّي بوجهِ المَكَاسِبِ والتِّجاراتِ «٣»، ويحتملُ أن يريد: على عِلْمٍ من اللَّهِ فيّ واستحقاق حزنه عندَ اللَّه، ففي هذا التأويلِ اغترارٌ باللَّه، وفي الأول إعْجَابٌ بالنَّفْسِ، ثم قال تعالى: بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ أي: ليس الأمْرُ كما قَال بل هذه الفَعْلَةُ بهِ فِتْنَةٌ له وابتلاء، ثم أَخْبَرَ تعالى عمَّنْ سَلَفَ من الكَفَرَةِ أَنَّهُمْ قَدْ قَالُوا هذه المقالَةَ كَقَارُونَ وغيره، فَما أَغْنى عَنْهُمْ مَّا كانُوا يَكْسِبُونَ مَنَ الأمْوَالِ، وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هؤُلاءِ المعاصرينَ لَكَ، يا مُحَمَّدُ، سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ مَا كَسَبُوا. قال أبو حَيَّان: فَما أَغْنى يحتملُ أن تَكونَ «ما» نافيةً أو استفهاميةً فيها معنى النّفي، انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1229>[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٥٣ الى ٥٤]</span>\nقُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣) وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ (٥٤)\nوقوله تعالى: قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ... الآية، هذه الآيةُ عامَّةٌ في جميع النَّاسِ إلى يوم القيامةِ، فتَوْبَةُ الكَافِرِ تَمْحُو ذَنْبَهُ، وتوبة العاصي تمحو/ ذنبَهُ على ما تقدَّم تفصيلُهُ، واختُلِفَ في سبب نزولِ هذه الآيةِ، فقال عطاءُ بن يَسَارٍ: نزلَتْ في وَحْشِيٍّ قَاتِلِ حمزة «٤»، وقال ابن إسحاق وغيره: نزلَتْ في قومٍ بمكَّةَ آمنوا، ولم يُهَاجِرُوا وفَتَنَتْهُمْ قُرَيْشٌ، فافتتنوا، ثم نَدِمُوا وَظَنُّوا أنهم لا تَوْبَةَ لَهم، [فنزلَتِ] الآيةُ فِيهِم، منهم الوَلِيدُ بْنُ الوَلِيدِ وَهِشَامُ بْنُ العَاصي «٥» وهذا قولُ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، وأنه كَتَبَهَا بِيدِهِ إلى هشامِ بْنِ العَاصِي، الحديثَ، وقالتْ فرقةٌ: نزلَتْ في قومٍ كُفَّارٍ مِنْ أهْلِ الجاهليَّةِ، قالوا: وَمَا يَنْفَعُنَا الإسْلاَمُ، وَنَحْنُ قد زنينا وقتلنا النّفس، وأتينا كلّ كبيرة،\n_________\n(١) ذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ٨٢)، وابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٥٣٥) .\n(٢) ينظر: «معاني القرآن» (٤/ ٣٥٧) .\n(٣) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٥٣٦) .\n(٤) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١١/ ١٤) برقم: (٣٠١٧٦)، وذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ٨٣)، وابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٥٣٧)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٦٢١)، وعزاه لابن جرير عن عطاء بن يسار.\n(٥) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٥٣٧) عن قتادة والسدي، وابن أبي إسحاق. [.....]","vol":"5","page":96},{"text":"فَنَزَلَتِ الآيةُ فِيهمْ، وقالَ عليُّ بْنُ أبي طَالِبِ، وابنُ مَسْعُودٍ، وابنُ عُمَرَ: هذِهِ أرْجَى آية في القرآن «١»، ورَوَى ثَوْبَانُ عَنِ النبيِّ ﷺ قال: «مَا أُحِبُّ أَنَّ لي الدُّنْيَا وَمَا فيها بهذه الآية «٢» قُلْ يا عِبادِيَ ...» وأَسْرَفُوا معناه أَفْرَطُوا، والقَنَطُ أعْظَمُ اليَأْسِ، وقرأ نافعٌ والجمهورُ «تَقْنَطُوا» بفتح النون «٣»، قال أبو حاتم: فيلزمهم أن يقرؤوا «مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُواْ» [الشورى: ٢٨]- بكسرها- ولم يقرأْ بهِ أحَدٌ، وقرأ أبو عمرو «تَقْنِطُوا» - بالكسر «٤» -.\nوقوله: إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا عمومٌ بمعنى الخصوصِ لأن الشِّرْكَ لَيْسَ بداخلٍ في الآيةِ إجماعًا، وهي أيضًا في المعاصِي مقيَّدةٌ بالمشيئةِ، ورُوِيَ أنَّ النبيّ ﷺ قرأ:\n«إن اللَّه يغفرُ الذنوبَ جَميعًا ولاَ يُبَالِي» «٥» وقَرَأَ ابنُ مَسْعُودٍ «٦»: «إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا لِمَنْ يَشَاءُ» وَأَنِيبُوا معناه: ارجعوا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1230>[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٥٥ الى ٦٠]</span>\nوَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (٥٥) أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (٥٦) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ (٥٩)\nوَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ (٦٠)\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١١/ ١٥) برقم: (٣٠١٨١) عن ابن مسعود وبرقم: (٣١٠٨٤) عن علي، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٥٣٧)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٥٩)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٦٢١) .\n(٢) أخرجه أحمد (٥/ ٢٧٥)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٥/ ٤٢٣) باب: في معالجة كل ذنب بالتوبة (٧١٣٧)، والطبري (١١/ ١٦) (٣٠١٨٧)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٣٣١)، وعزاه إلى ابن أبي حاتم، وابن مردويه.\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٥٣٧) .\n(٤) وقرأ بها حمزة والكسائيّ، ويعقوب، وخلف.\nينظر: «العنوان» (١٦٥)، و«إتحاف» (٢/ ٤٣٠) .\n(٥) أخرجه الحاكم (٢/ ٢٤٩) كتاب «التفسير»، والترمذي (٥/ ٣٧٠)، كتاب «التفسير» باب: ومن سورة الزمر (٣٢٣٧) .\nقال الحاكم: هذا حديث غريب عال، ولم أذكر في كتابي هذا عن شهر غير هذا الحديث الواحد. اهـ.\nقال الترمذي: هذا حديث حسنٌ غريبٌ لا نعرفه إِلا من حديث ثابت عن شهر بن حوشب قال:\nوشهر بن حوشب يروي عن أم سلمة الأنصارية وأم سلمة الأنصارية هي أسماء بنت يزيد.\n(٦) ينظر: «الشواذ» ص: (١٣٢)، و«الكشاف» (٤/ ١٣٥)، وزاد نسبتها إلى ابن عبّاس.\nوينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٥٣٧) .","vol":"5","page":97},{"text":"وقوله سبحانه: وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ معناه: أن القرآن العزيزَ تضمَّنَ عقائدَ نيرةً وأوامرَ ونواهيَ مَنْجِيَةً وَعِدَاتٍ على الطاعاتِ، والبِرِّ، وتضمَّن أيضًا حدودًا على المعاصِي وَوَعِيدًا على بَعْضِها/ فالأحسنُ للمرءِ أنْ يسلك طَريق الطاعةِ والانتهاءِ عن المعصيةِ والعفوِ في الأمورِ ونحوِ ذلك مِنْ أنْ يسلكَ طريقَ الغَفْلَةِ والمعصيةِ فَيُحَدُّ أو يَقَعَ تَحْتَ الوعيدِ، فهذا المعنى هو المقصود ب أَحْسَنَ، وليس المعنى: أنَّ بعضَ القرآن أحْسَنُ مِنْ بَعْضٍ منْ حيثُ هو قرآن، ت: وروى أبو بكرِ بْنُ الخَطِيبِ بسنده عن أبي سعيدٍ الخدريِّ قال:\nقال رَسُولُ الله ﷺ: في قولِ اللَّهِ﷿-: يَا حَسْرَتى قال: الحسرةُ أن يرى أهلُ النارِ منازِلَهُمْ من الجنة، قال: فهي الحسرةُ «١»، انتهى.\nوقوله: فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ أي: في جِهَةِ طاعتهِ وتضييعِ شريعتِه والإيمانِ به، وقال مجاهدٌ: فِي جَنْبِ اللَّهِ أي: في أمر اللَّه «٢»، وقولُ الكافِر: وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ نَدَامَةً على استهزائه بِأَمْرِ اللَّهِ- تعالى-، و«كرة» مصدرٌ مِنْ كَرّ يَكُرُّ، وهذا الكونُ في هذه الآيةِ داخلٌ في التَّمَنِّي، وباقي الآيةِ أنوارُهُ لائحةٌ، وحُجَجُهُ واضحةٌ، ثم خاطبَ تعالى نبيَّه بِخَبَرِ مَا يَرَاهُ يومَ القيامةِ من حالَةِ الكُفّار، وفي ضِمْنِ هذَا الخبرِ وَعِيدٌ بَيِّنٌ لمعاصريه﵇- فقال: وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ تَرَى من رؤيةِ العينِ، وظاهرُ الآية أنَّ وجوههم تسودّ حقيقة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1231>[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٦١ الى ٦٦]</span>\nوَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦١) اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٦٣) قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ (٦٤) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (٦٥)\nبَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)\nوقوله سبحانه: وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ ... الآية، ذَكَر تعالى حَالَةَ المُتَّقينَ ونجاتهم لِيُعَادِلَ بِذَلِكَ ما تَقَدَّمَ من شَقَاوَةِ الكَافِرِينَ، وفي ذلك تَرْغِيبٌ في حالةِ المتقين لأن الأشياء تَتَبَيَّنُ بِأضْدَادِها، و«مفازتهم» مصدَرٌ مِن الفَوْزِ، وفي الكلام حَذْفُ مضافٍ، تقديرُهُ: ويُنَجِّي اللَّهُ الذين اتقوا بأسْبَابِ مفازَتِهِمْ، وال مَقالِيدُ: المفاتيح وقاله\n_________\n(١) أخرجه الطبري في (٥/ ١٧٨) برقم: (١٣١٨٩)، والخطيب في «تاريخ بغداد» (٣/ ٣٨٩) برقم:\n(١٥٠٢)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٩)، وعزاه إلى ابن أبي حاتم، والطبراني، وأبي الشيخ، وابن مردويه.\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١١/ ١٩) برقم: (٣٠١٩٥)، وذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ٨٥)، وابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٥٣٨) .","vol":"5","page":98},{"text":"ابن عباس «١»، «واحدها «مِقْلاَدُ» ك «مِفْتَاحٍ»، وقال عثمان بن عفّان: سألت النبيّ ﷺ عن مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فقال: «هِيَ لاَ إلَهَ إلاَّ اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وسُبْحَانَ اللَّهِ، وَالحَمْدُ للَّهِ، وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّة إِلاَّ بالله العلي العظيم هُوَ الأَوَّلُ والآخِرُ والظَّاهِرُ وَالبَاطِنُ يُحْيِي ويُمِيتُ، وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» «٢» .\nوقوله تعالى: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ قالت فرقة: المعنى: ولقد أوحِي إَلى كُلِّ نبيٍّ لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ، ت: قد تقدَّمَ غيرُ مَا مَرَّةٍ، بأنَّ ما وَرَدَ مِن مِثْلِ هذا، فهو محمولٌ على إرادةِ الأمّة لعصمة النبي ﷺ، وإِنما المرادُ مَنْ يمكنُ أنْ يَقَعَ ذلكَ منه، وخوطب هو ﷺ تعظيمًا للأمْرِ، قال- ص-: لَيَحْبَطَنَّ جوابُ القَسَمِ، وجوابُ الشرطِ محذوفٌ لدلالة جواب القسم عليه، انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1232>[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٦٧ الى ٧٢]</span>\nوَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨) وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها وَوُضِعَ الْكِتابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٦٩) وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ (٧٠) وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا بَلى وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ (٧١)\nقِيلَ ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٢)\nوقوله تعالى: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ معناهُ وما عَظَّمُوا اللَّه حقَّ عظَمتهِ، ولا وَصَفُوهُ بصفاتِهِ، ولا نَفَوْا عَنْهُ مَا لاَ يليقُ به، قال ابْنُ عَبَّاس: نزلَتْ هذه الآيةُ في كُفَّارِ قُرَيْشٍ الذينَ كَانَتْ هذهِ الآياتُ كلُّها محاورةً لهم، وردًّا عليهم «٣»، وقالت فرقة: نزلت في\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١١/ ٢٢) برقم: (٣٠٢٠٥) عن ابن عبّاس، وبرقم: (٣٠٢٠٦) عن قتادة، وذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ٨٦)، وابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٥٣٩)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٦٢٥)، وعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عبّاس، والفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر عن مجاهد.\n(٢) ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٥٢٦)، وعزاه إلى أبي يعلى، ويوسف القاضي في «سننه»، وأبي الحسن القطان في «المطولات»، وابن السني في «عمل اليوم والليلة»، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه.\n(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١١/ ٢٤) برقم: (٣٠٢٠٩)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٥٤٠)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٦٢) عن مجاهد.","vol":"5","page":99},{"text":"قومٍ من اليهودِ تَكَلَّمُوا في صفاتِ اللَّه تعالى، فَأَلْحَدُوا وَجَسَّمُوا وَأَتَوْا بِكُلِّ تَخْلِيطٍ.\nوقوله تعالى: وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ معناه: في قَبْضَتِهِ، واليمينُ هنا، والقبضةُ عِبارةٌ عَنِ القُدْرَةِ والقُوَّةِ، وما اختلج في الصُّدُورِ من غَيْرِ ذَلِكَ باطل، وفَصَعِقَ في هذه الآية، معناه: خَرَّ مَيِّتًا، والصُّورِ: القَرنُ، ولا يُتَصَوَّرُ هنا غَيْرُ هذا، ومَنْ يَقُولُ:\nالصُّورِ جمع صُورَةٍ، فإنما يَتَوجَّهُ قولهُ فِي نَفْخَةِ البَعْثِ، وقد تَقَدَّمَ بَيَانُ نَظِيرِ هذه/ الآيةِ في غَيْرِ هذا المَوْضِعِ.\nوقوله تعالى: ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى هي نفخةُ البَعْثِ، وفي الحديث: «أَنَّ بَيْن النَّفْخَتَيْنِ أربعين» لاَ يَدْرِي أبو هريرةَ سَنَةً أو شَهْرًا أَوْ يَوْمًا أَوْ سَاعَةً ت: ولفظُ مُسْلِمٌ:\nعن أبي هريرةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ومَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ، قَالُوا: يَا أَبا هُرَيْرَةَ: أَرْبَعُونَ سَنَةً؟ قَالَ: أَبَيْتُ قَالُوا: أَرْبَعُونَ شَهْرًا؟ قَالَ: أَبَيْتُ، قَالُوا: أَربَعُونَ يَومًا؟ قالَ: أَبَيْتُ الحَدِيثَ، قال صَاحِبُ «التَّذْكِرَةِ» «١»: فقيل: معنى قوله: «أَبَيْتُ» أي: امتنعت من بَيَانِ ذلك إذْ ليس هو مِمَّا تَدْعُو إليه حاجةٌ، وعلى هذا كانَ عِنده عِلْمُ ذلك، وقيل: المعنى:\nأبيت أن أسأل «٢» النبيّ ﷺ عَنْ ذلك، وعلى هذا: فلاَ عِلْمَ عِنْدَهُ، والأَوَّلُ أظْهَرُ، وقد جاء أَنَّ مَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعِينَ عَامًا، انتهى، وقد تَقَدَّمَ أنَّ الصحيحَ في المستثنى في الآيةِ أَنَّهُمُ الشُّهَدَاءُ قَال الشيخُ أبو محمَّدِ بْنُ بُزَيزَةَ في «شرح الأحكام الصغرى» لعبد الحَقِّ: الذي تلقيناه من شيوخنا المحققين أن العَوالِمَ التي لاَ تفنى سَبْعَةٌ: العَرْشُ، والكُرْسِيُّ، واللَّوْحُ، والقلم، والجَنَّةُ، والنَّارُ، والأَرْوَاحُ. انتهى.\nوَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها معناه: أضاءت وعظم نورها، والْأَرْضُ في هذه الآية: الأرض المُبَدَّلَةُ من الأرْضِ المَعْرُوفَةِ.\nوقوله: بِنُورِ رَبِّها إضَافَةُ مُخلوق «٣» إلى خالق، والْكِتابُ كتاب حساب\n_________\n(١) ينظر: «التذكرة» (١/ ٢٣١) .\n(٢) أخرجه البخاري (٨/ ٤١٤) كتاب «التفسير» باب: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ (٤٨١٤)، (٨/ ٥٥٨) كتاب «التفسير» باب: يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجًا (٤٩٣٥)، ومسلم (٤/ ٢٢٧٠) كتاب «الفتن وأشراط الساعة» باب: ما بين النفختين (١٤١/ ٢٩٥٥)، (١٤٣/ ٢٩٥٥)، وأخرجه مختصرا مالك (١/ ٢٣٩) كتاب «الجنائز» باب: جامع الجنائز (٤٨)، والنسائي (٤/ ١١١- ١١٢)، كتاب «الجنائز» باب: أرواح المؤمنين برقم: (٢٠٧٧)، وابن ماجه (٢/ ١٤٢٥)، كتاب «الزهد» باب: ذكر القبر والبلى (٤٢٦٦) .\n(٣) في د: خلق. [.....]","vol":"5","page":100},{"text":"الخلائِقِ، وَوَحَّدَهُ على اسم الجِنْسِ لأنَّ كلَّ أحد له كتاب على حدة، «وجيء بالنبيئين» أي: ليشهدوا على أممهم، والشُّهَداءِ قيل: هو جمع «شَاهِد» وقيل: هو جمع «شَهِيدٍ» في سبِيلِ اللَّهِ، والأولُ أبْيَنُ في معنى التَّوَعُّدِ، والضميرُ في قوله بَيْنَهُمْ عائدٌ على العالم بِأجْمَعِهِ، إذِ الآيةُ تدلُّ عليهم، وزُمَرًا مَعْنَاهُ: جماعاتٍ متفرقةً، واحدتها: زُمْرَة.\nوقوله: فُتِحَتْ جوابُ «إذَا»، والكَلاَمُ هنا يَقْتَضِي أن فَتْحَها إنما يكُونَ بَعْدَ مجِيئِهم، وفي وُقوفِهِم قَبْل فَتْحِها مَذَلَّةٌ لهُمْ، وهَكَذا هي حالُ السُّجُونِ ومَواضِعِ الثِّقَافِ والعَذَابِ بِخلافِ قولِهِ في أَهْلِ الجَنَّةِ وَفُتِحَتْ، فالواو مؤذِنَةٌ بأنهم يَجِدُونَها مَفْتُوحَةً كَمَنَازِلِ الأَفْرَاحِ والسُّرُورِ.\nوقوله تعالى: وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ ... الآية، في قوله: مِنْكُمْ أعْظَمُ في الحُجَّةِ، أي: رُسُلٌ مِنْ جِنْسِكُمْ لا يَصْعُبُ عليكم مرامهم، ولا فهم أقوالهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1233>[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٧٣ الى ٧٥]</span>\nوَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ (٧٣) وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (٧٤) وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٧٥)\nوقوله تعالى: وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ: لَفْظٌ يعمُّ كُلَّ مَنْ يدخلُ الجنةَ من المؤمنينَ الذين اتقوا الشِّرْكَ، والواو في قوله: وَفُتِحَتْ مؤذِنَةٌ بأنها قَدْ فتحت قبل وصولهِم إليها، وقالتْ فِرْقَةٌ: هي زائدةٌ وقالَ قَوْمٌ: أشَارَ إلَيْهِمُ ابن الأنباريِّ، وضَعَّفَ قولَهُم: هذه واو الثمانيةِ، وقد تقدَّم الكلامُ عليها، وجَوابُ «إذا» فُتِحَتْ، وعَنِ المُبَرِّدِ: جوابُ «إذا» محذوفٌ، تقديره بعد قوله: خالِدِينَ: سُعِدُوا وسقطَتْ هذه الواوُ في مصحف ابن مسعود، وسَلامٌ عَلَيْكُمْ تحيةٌ، وطِبْتُمْ معناه: أعمالًا ومُعْتَقَدًا وَمُسْتَقَرًّا وجَزَاءً، وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ يريد: أرض الجنّة، ونَتَبَوَّأُ معناه: نتخذ أَمْكِنَةٌ ومَسَاكِنَ، ثم وَصَفَ تعالى حَالَةَ الملائِكَةِ مِنَ العَرْشِ وَحُفُوفَهُمْ به والحفُوفُ الإحْدَاقُ بالشَّيْءِ، وهذه اللفظة مأخوذةٌ من الحِفَافِ، وهو الجانبُ، قال ابن المبارِك في «رقائقه»: أخبرنا مَعْمَرٌ عن أبي إسحاق/ عن عاصم بن ضَمْرَةَ عن علي أنه تلا هذه الآية: وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذا جاؤُها\nقال: وَجَدُوا عِنْدَ بَابِ الجَنَّةِ شَجَرَةً يخرجُ مِنْ ساقها عَيْنَانِ، فَعَمَدُوا إلى إحداهما كأنما أمروا بها، فاغْتَسَلُوا بها، فَلَمْ تَشْعَثْ رُؤُوسُهم بَعْدَها أبدًا، ولم تَتَغَيَّرْ جُلُودُهُمْ بَعْدَهَا أبدًا كأنما دُهِنُوا بِالدُّهْنِ، ثم عمدوا إلى الأخرى، فشربوا منها،","vol":"5","page":101},{"text":"فَطَهُرَتْ أجوافُهم، وغَسَلَتْ كُلَّ قَذِرٍ فيها، وَتَتَلَقَّاهُمْ على كلِّ بَابٍ مِنْ أبوابِ الجَنَّةِ ملائكةٌ:\nسَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ، ثم تتلقَّاهم الوِلْدَانُ يُطِيفُونَ بهم كما يُطِيفُ وِلْدَانُ الدُّنْيا بالحَمِيمِ، يجيءُ من الغَيْبَةِ يقولونَ: أَبْشِرْ، أَعَدَّ اللَّهُ لَكَ كَذَا وَكَذَا، وأَعَدَّ اللَّهُ لَكَ كَذَا، ثم يَذْهَبُ الغُلاَمُ مِنْهُمْ إلى الزَّوْجَةِ مِنْ أزْوَاجِهِ، فيقولُ: قَدْ جَاءَ فُلاَنٌ باسمه الَّذِي كَانَ يَدَّعِي به في الدنيا، فَتَقُولُ لَهُ: أَنْتَ رَأَيْتَهُ؟ فَيَسْتَخِفُّها الفَرَحُ حتى تَقُومَ على أُسْكُفَّةِ بَابِها، ثم ترجِعُ، فيجيءُ، فَيَنْظُرُ إلى تَأْسِيسِ بنيانِهِ من جَنْدَلِ اللؤلؤ أخضَرَ وأصْفَر وأحْمَر مِنْ كُلِّ لَوْنٍ ثم يجلسُ فينظُرُ فإذا زَرَابِيُّ مبثُوثَةٌ، وأكوابٌ موضوعَةٌ، ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ- فَلَوْلاَ أَنَّ اللَّهَ قَدَّرَ ذَلِكَ، لأَذْهَبَ بَصَرَهُ- إنَّما هُوَ مِثْلُ البَرْقِ ثم يقول: الحمدُ لِلَّهِ الذِي هَدَانَا لِهذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاَ أَنْ هَدَانَا اللَّهُ، انتهى.\nوقوله تعالى: يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ قَالَتْ فرقَةٌ معناه: أَنَّ تَسْبِيحَهُمْ يتأتى بِحَمْدِ اللَّهِ وَفَضْلِهِ، وقالَتْ فرقةٌ: تسبيحُهُمْ هُوَ بتردِيدِ حَمْدِ اللَّهِ، وتَكْرَارِهِ، قال الثعلبيُّ: مُتَلَذِّذِينَ لاَ مُتَعَبِّدِينَ مُكَلَّفِينَ «١» .\nوقوله تعالى: وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ خَتْمٌ للأمرِ، وقولٌ جَزْمٌ عِنْدَ فصلِ القَضَاءِ، أي: أن هذا المَلِكَ/ الحَاكِمَ العادلَ ينبغي أن يُحْمَدَ عِنْدَ نفوذِ حكمه وإكمال قضائِهِ بَيْنَ عِبَادِهِ، وَمِنْ هذه الآيةِ جُعِلَتْ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ خَاتمةَ المجالِسِ والمُجْتَمَعَاتِ في الْعِلْمِ، قال قَتَادَةُ: فَتَحَ اللَّهُ أَوَّلَ الخَلَقِ بالحمد، فقال: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ [الأنعام: ١] وخَتَمَ القيامَةَ بالحَمْدِ في هذه الآية «٢» .\nقال ع «٣»: وَجَعَلَ سُبْحَانَهُ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ فَاتِحَةَ كتابهِ فَبِه يُبْدَأ كلُّ أمْرٍ وَبِه يُخْتَمُ، وحَمْدُ اللَّهِ تعالى وتقديسُهُ ينبغي أن يكونَ مِن المؤمنِ كما قيل: [الطويل]\nوَآخِرُ شَيْءٍ أَنْتَ في كُلِّ ضَجْعَةٍ ... وَأَوَّلُ شَيْءٍ أنت عند هبوبي «٤»\n_________\n(١) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٥٤٤) .\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١١/ ٣٦) برقم: (٣٠٢٦٤)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٥٤٤)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٦٩)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٦٤٢)، وعزاه لعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر.\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٥٤٤) .\n(٤) ينظر: المصدر السابق (٤/ ٥٤٤) .","vol":"5","page":102},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1234>تفسير «سورة غافر»</span>\n[وهي] مكّية روى أنس عن النبيّ ﷺ أنّه قال: الحواميم ديباج القرآن «١»، ومعنى هذه العبارة: أنّها خلت من الأحكام وقصرت على المواعظ والزّجر وطرق الآخرة محضا، وعن ابن مسعود أن النبيّ ﷺ قال: «من أراد أن يرتع في رياض مونقة من الجنّة، فليقرإ الحواميم» «٢» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1235>[سورة غافر (٤٠): الآيات ١ الى ٥]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nحم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣) ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ إِلاَّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ (٤)\nكَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ (٥)\nقوله تعالى: حم: تقدَّم القولُ في الحُرُوفِ المقطَّعَةِ، ويَخْتَصُّ هذا المَوْضِعُ بقولٍ آخرَ قاله الضَّحَّاكُ والكسائي أنَّ حم هِجَاءُ (حُمَّ) - بضم الحاء وتشديد الميم المفتوحةِ- كأنه يقولُ: حُمَّ الأَمْرُ وَوَقَعَ تنزيلُ الكِتَابِ مِنَ اللَّهِ «٣»، وقال ابن عَبَّاسٍ: الر، وحم، ون، هي حروفُ الرحمن مقطَّعةٌ في سُورٍ «٤»، وسأَل أعرابيٌّ النبيَّ ﷺ عن حم ما هو؟ فقال: بدء أسماء، وفواتح سور، وذِي الطَّوْلِ معناه: ذي/ التَطَوُّلِ والمَنِّ بكلِّ نعمةٍ، فَلاَ خَيْرَ إلاَّ مِنْهُ سبحانَهُ، فَتَرَتَّبَ في هذه الآيةِ وعيدٌ بَيْنَ وَعْدَيْنِ، وهكذا رحمتُهُ سبحانه تَغْلِبُ غَضَبَهُ، قال ع «٥»: سمعتُ هذه النَّزْعَةَ مِنْ أبي﵀- وهُوَ نحوٌ مِنْ قَوْلِ عُمَرَ﵁-: «لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ» «٦» ت: هو حديثٌ، والطَّوْلُ: الإنْعَامُ، وعبارةُ البخاريِّ: الطَّوْلُ: التَّفَضُّلُ، وَحَكَى الثعلبيُّ عن أهل الإشارة أنّه\n_________\n(١) ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٦٤٣)، وعزاه إلى أبي الشيخ، وأبي نعيم، والديلمي.\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٥٤٥) .\n(٣) ذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ٩٠)، وابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٥٤٥) .\n(٤) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١١/ ٣٧) برقم: (٣٠٢٦٥)، وذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ٩٠)، وابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٥٤٥) .\n(٥) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٥٤٦) .\n(٦) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٥٤٦) .","vol":"5","page":103},{"text":"تعالى: غافرُ الذَّنْبِ فَضْلًا، وقابِلُ التَّوْبِ وَعْدًا، شَدِيدُ العقابِ عَدْلًا، لا إلَهَ إلاَّ هو إليه المصيرُ فَرْدًا، وقال ابن عبَّاس: الطَّولُ: السَّعَةُ، والغِنى «١»، وتقلب الذين كفروا في البلاد:\nعبارَةٌ عَنْ تَمَتُّعِهِمْ بالمَسَاكِنِ والمَزَارِعِ والأَسْفَارِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ أي: لِيُهْلِكُوهُ، كما قال تعالى: فَأَخَذْتُهُمْ، والعربُ تقولُ لِلْقَتِيلِ: أُخِذَ، ولِلأَسيرِ كَذَلِكَ قال قتادة: لِيَأْخُذُوهُ معناه: ليقتلوه «٢»، ولِيُدْحِضُوا معناهُ ليُزْلِقُوا ويَذْهَبُوا، والمَدْحَضَةُ: المَزَلَّةُ، والمَزْلَقَةُ.\nوقوله: فَكَيْفَ كانَ عِقابِ: تَعْجِيبٌ وتعظيمٌ، وليس باسْتفهامٍ عن كيفيّة وقوع الأمر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1236>[سورة غافر (٤٠): الآيات ٦ الى ٩]</span>\nوَكَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحابُ النَّارِ (٦) الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (٧) رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٨) وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩)\nوقوله سبحانه: «وكذلك حَقَّتْ كلمات رَبِّكَ عَلَى الذين كَفَرُواْ» الآية، في مصحفِ ابن مسعودٍ «وَكَذَلِكَ سَبَقَتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ» «٣» والمعنى: وَكَمَا أَخَذَتْ أولئك المَذْكُورِينَ فَأَهْلَكَتْهُمْ، فكذلك حَقَّتْ كلماتي على جميعِ الكُفَّارِ، مَنْ تَقَدَّمَ منْهُمْ ومَنْ تَأَخَّرَ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّار.\nوقوله تعالى: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ ... الآية، أَخْبَرَ اللَّهُ سبحانَهُ بِخَبَرٍ يتضمَّنُ تَشْرِيفَ المؤمنِينَ، ويُعظِّمُ الرَّجاءَ لهم، وهو أنَّ الملائِكَةَ الحَامِلِينَ لِلْعَرْشِ والذينَ/ حَوْلَ العَرْشِ وهؤلاءِ أفضلُ الملائِكَةِ يستغْفِرُونَ للمؤمنين، ويسألون اللَّهَ لَهُمُ الرَّحْمَةَ والجَنَّةَ وهذا معنى قوله تعالى في غير هذه الآية، كانَ عَلى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْؤُلًا [الفرقان: ١٦] أي سأَلَتْهُ الملائكةُ، قال ع «٤»: وفَسَّرَ\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١١/ ٣٩) برقم: (٣٠٢٧١)، وذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ٩٠)، وابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٥٤٦)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٧٠)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٦٤٥)، وعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في «الأسماء والصفات» .\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١١/ ٤٠) برقم: (٣٠٢٧٧)، وذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ٩١) عن ابن عبّاس، وابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٥٤٧)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٦٤٦)، وعزاه لعبد الرزاق، وعبد بن حميد عن قتادة.\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٥٤٧)، و«البحر المحيط» (٧/ ٤٣٢) .\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥٤٧) . [.....]","vol":"5","page":104},{"text":"في هذه الآية المُجْمَلَ الذي في قوله تعالى: وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ [الشورى:\n٥] لأَنَّ الملائِكَةَ لا تستغفرُ لكافرٍ، وقد يجوز أن يُقَال: إنَّ استغفارَهم لهمُ بمعنى طَلَبِ هدايتِهم، وبلغني أنَّ رجُلًا قال لبعض الصالحين: ادع لي، واستغفر لي، فقالَ لَهُ: تُبْ، واتبع سَبِيلَ اللَّهِ يَسْتَغْفِرْ لَكَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي، وتلا هذه الآيَةَ، وقال مُطَرِّفُ بْنُ الشِّخِّيرِ:\nوَجَدْنَا أَنْصَحَ الْعِبَادِ لِلْعِبَادِ المَلاَئِكَةَ، وأغَشَّ العِبَادِ لِلْعِبَادِ الشَّياطِينَ «١»، وتلا هذه الآية، وروى جابر أنّ النبيّ ﷺ قال: أذن لي أن أحدث عن ملك مِنْ حَمَلَةِ العَرْشِ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ وعاتقه مسيرة سبعمائة سنة «٢»، قال الداوديّ: وعن هارونَ بْنِ ريابٍ قال:\nحملةُ العَرْش ثمانيةٌ يَتَجاوبُونَ بصوْتٍ حَسَنِ، فأرْبَعَةٌ يقولونَ: سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ على حِلْمِكَ بَعْدَ عِلْمِكَ، وأَرْبَعَةٌ يَقُولُونَ: سُبْحَانَكَ وبِحَمْدِكَ على عَفْوِكَ بَعْدَ قُدْرَتِكَ، انتهى.\nوروى أبو داودَ عن جَابِرِ بن عبدِ الله، عن النبيّ ﷺ قال: «أذن لي أن أحدث عن ملك مِنْ مَلاَئِكَةِ اللَّهِ مِنْ حَمَلَةِ العَرْشِ، إنَّ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إلَى عَاتِقِهِ [مَسِيرَةَ] سَبْعِمَائَةِ عَامٍ» «٣»، انتهى، وقد تقدَّم.\nوقولهم: رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا معناه: وسِعتْ رَحْمَتُكَ وَعِلْمُكَ كُلَّ شَيْءٍ.\nوقوله: «ومَنْ صَلَحَ من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم»: رُوِيَ عن سعِيدِ/ بْنِ جُبَيْرٍ في ذلك: أنَّ الرَّجُلَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَبل قَرَابَتِهِ، فَيَقُولُ: أَيْنَ أَبِي؟ أَيْنَ أُمِّي، أَيْنَ ابني، أَيْنَ زَوْجِي، فيلحقونَ بِهِ لصلاحهم ولتنبيه عليهم، وطَلَبِهِ إيَّاهُمْ، وهذه دَعْوَةُ المَلاَئِكَةِ «٤» .\nوقولهم: وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ معناه: اجْعَلْ لهم وِقَايَةً تقيهمُ السيئات، واللّفظ يحتمل\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١١/ ٤٣) برقم: (٣٠٢٨٤)، وذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ٩٣)، وابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٥٤٨)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٧٢)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٦٤٩)، وعزاه لعبد الرزاق، وعبد بن حميد عن قتادة عن مطرف بن عبد الله بن الشخير.\n(٢) أخرجه أبو داود (٢/ ٦٤٥) كتاب «السنة» باب: في الجهمية والمعتزلة (٤٧٢٧)، والخطيب في «تاريخ بغداد» (١٠/ ١٩٤- ١٩٥) (٥٣٣٤) .\nوقال أبو نعيم في «الحلية» (٣/ ١٥٨): غريب من حديث محمّد عن ابن عبّاس، لم نكتبه إلا من حديث جعفر عن ابن عجلان، وحديث جابر قد رواه عن محمّد غيره.\nقال الهيثمي في «مجمع الزوائد»: رواه الطبراني في «الأوسط» ورجاله رجال «الصحيح» .\n(٣) ينظر: المصدر السابق.\n(٤) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١١/ ٤٢) برقم: (٣٠٢٨٢)، وذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ٩٣)، وابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٥٤٨)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٧٢) .","vol":"5","page":105},{"text":"أَنْ يكونَ الدعاءُ في أن يدفعَ اللَّهُ عنهم أنْفُسَ السيئاتِ حتى لاَ يَنَالَهُمْ عذابٌ مِن أَجْلِهَا، ويحتملُ أَنْ يكونَ الدعاءُ في دَفْعِ العَذَابِ اللاَّحِقِ من السيئاتِ، فيكونُ في اللَّفْظِ على هذا حذْفُ مضافٍ، كأنه قال: وقِهِمْ جَزَاءَ السيِّئاتِ، قال الفَخْرُ «١»: وقوله تعالى: وَمَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ يعني: من تِقِ السيئاتِ في الدنيا، فَقَدْ رَحِمْتَهُ في يوم القيامةِ، انتهى، وهذا رَاجِعٌ إلى التأويل الأول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1237>[سورة غافر (٤٠): الآيات ١٠ الى ١١]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمانِ فَتَكْفُرُونَ (١٠) قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (١١)\nوقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ ...\nالآية، رُوِي أنَّ هذه الحالَ تَكُونُ للكُفَّارِ عِنْدَ دخولِهِمُ النَّارَ فإنَّهم إذا دَخَلُوا «٢» فيها مَقَتُوا أَنْفُسَهُمْ وتُنَادِيهِمْ مَلاَئِكَةُ العَذَابِ على جهة التوبيخِ: لَمَقْتُ اللَّهِ إيَّاكُمْ في الدُّنْيَا إذْ كُنْتُمْ تُدْعَوْنَ إلى الإيمانِ فتكفرونَ، أكْبَرُ مِنْ مقتِكُمْ أنْفُسَكُمْ اليَوْمَ، هذا هو معنى الآية وبه فسَّر مجاهد وقتادة وابن زيد «٣»، واللامُ في قوله: لَمَقْتُ يحتملُ أنْ تكونَ لامَ ابتداءٍ، ويحتملُ أن تكون لام قسم، وهو أصوب، وأَكْبَرُ خبر الابْتِدَاءِ، واختلف في مَعْنَى قَوْلِهِم: أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ ... الآية، فقال ابن عبَّاس وغَيره: أرادوا مَوْتَةً كَوْنَهُمْ في الأَصْلاَبِ، ثم إحياءَهم في الدنيا، ثم إماتَتَهم الموتَ المعروفَ، ثم إحياءَهم يوم القيَامَةِ، وهي كالتي في سورة البقرة كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتًا ... «٤» [البقرة: ٢٨]\n_________\n(١) ينظر: «تفسير الفخر الرازي» (٢٧/ ٣٤) .\n(٢) في د: ادخلوا.\n(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١١/ ٤٣) برقم: (٣٠٢٨٦) عن مجاهد، وبرقم: (٣٠٢٨٧) عن قتادة، وبرقم: (٣٠٢٨٩) عن ابن زيد، وذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ٩٣)، وابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٥٤٩)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٧٢)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٦٤٩)، وعزاه لعبد بن حميد عن الحسن، ولعبد بن حميد، وابن المنذر عن مجاهد.\n(٤) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١١/ ٤٤) برقم: (٣٠٢٩٠) عن قتادة، وبرقم: (٣٠٢٩٢) عن ابن عبّاس، وذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ٩٣)، وابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٥٤٩)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٧٣) عن ابن مسعود، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٦٥٠)، وعزاه للفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه عن ابن مسعود، ولابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عبّاس، ولعبد بن حميد عن أبي مالك، ولعبد بن حميد، وابن المنذر عن قتادة.","vol":"5","page":106},{"text":"الآية، وقال السُّدِّيُّ: أرادوا أنه/ أحيَاهم في الدنيا، ثم أماتهم، ثم أحْياهم في القبر وقتَ السُّؤال، ثم أماتَهم فيه، ثم أحياهم في الحَشْر «١»، قال ع «٢»: هذا فيه الإحياءُ ثلاثَ مِرَارٍ، والأول أثْبَتُ، وهذه الآية متَّصلةُ المعنى بالتي قَبْلَهَا، وبَعْدَ قولهم: فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ محذوفٌ يَدُلُّ عليه الظاهِرُ، تقديرهُ: لا إسْعَافَ لِطَلبَتِكُمْ، أو نَحْوَ هذا من الردّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1238>[سورة غافر (٤٠): الآيات ١٢ الى ١٤]</span>\nذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (١٢) هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقًا وَما يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَنْ يُنِيبُ (١٣) فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (١٤)\nوقوله تعالى: ذلِكُمْ يحتملُ أنْ يكونَ إشارةً إلى العذابِ الذي هُمْ فيه، أو إلى مَقْتِهِمْ أنْفُسَهُمْ أو إلى المَنْعِ والزَّجْرِ والإهانةِ.\nوقوله تعالى: ذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ معناه بحَالَةِ تَوْحِيدٍ ونَفْيٍ لِمَا سِوَاهُ، كَفَرْتُمْ، وإنْ يُشْرَكْ به اللاَّتَ والعزى وغَيْرَهُمَا، صَدَّقْتُمْ، فالحُكْمُ اليومَ بعذابِكم وتخليدِكم في النارِ للَّهِ لا لتلكَ التي كنتم تُشْركُونَها معه في الألوهيَّةَ.\nوقوله سبحانه: فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ... الآية مخاطَبَةٌ للمؤمنِينَ أصْحَابِ نبيِّنا محمّد ﷺ و«ادعوا» معناه: اعبدوا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1239>[سورة غافر (٤٠): الآيات ١٥ الى ١٨]</span>\nرَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ (١٥) يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ لا يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ (١٦) الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (١٧) وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ كاظِمِينَ ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ (١٨)\nوقوله تعالى: رَفِيعُ الدَّرَجاتِ يحتمل أن يريد بالدرجات صفاته العلى، وعبَّر بما يَقْرُبُ من أفهامِ السامعينَ، ويحتمل أنْ يريدَ: رفيعُ الدرجاتِ التي يُعْطِيها للمؤمنينَ، ويتفضَّلُ بها على عبادِهِ المُخْلِصِينَ في جَنَّتِهِ، والْعَرْشِ هو الجِسْمُ المخلوقُ الأعْظَمُ الذي السموات السَّبْعُ والكرسيُّ والأَرَضُونَ فيه كالدنانيرِ في الفَلاَةِ من الأرض.\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١١/ ٤٥) برقم: (٣٠٢٩٦)، وذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ٩٣)، وابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٥٤٩)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٧٣) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٥٤٩) .","vol":"5","page":107},{"text":"وقوله تعالى: يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ قال الضَّحَّاك: الرُّوحُ هنا هُو: الوَحْيُ القُرْآنُ وغيره مما لَمْ يُتْلَ «١» وقال قَتَادَةُ والسُّدِّيُّ: الرُّوحُ: النُّبُوَّة «٢» ومكانتُها كما قال تعالى: رُوحًا مِنْ أَمْرِنا [الشورى: ٥٢] وسمى هذا رُوحًَا لأنه تَحْيَا به/ الأمَم والأزمانُ كما يَحْيَا الجَسَدُ برُوحِهِ، ويحتملُ أَن يكونَ إلقاءُ الرُّوحِ عامًّا لِكُلِّ ما يُنْعِمُ اللَّهُ بِهِ على عبادِهِ المهتَدِينَ في تفهيمه الإيمانَ والمعقولاتِ الشريفةَ، والمُنْذِرُ بيومِ التَّلاقِ على هذا التأويلِ هو اللَّهُ تعالى، قال الزَّجَّاج: الرُّوحُ كُلُّ ما فيهِ حَيَاةُ النَّاسِ، وكُلُّ مُهْتَدٍ حَيٌّ، وكلُّ ضَالٍّ كالمَيتِ.\nوقوله: مِنْ أَمْرِهِ إنْ جعلته جِنْسًا للأمورِ ف «مِنْ» للتَّبعيضِ أو لابتداءِ الغَايَةِ، وإنْ جَعَلْتَ الأمْرَ مِنْ معنى الكلامِ ف «مِنْ» إما لابتداءِ الغايةِ، وإمَّا بمعنى الباءِ، ولا تكونُ للتبعيضِ بَتَّةً، وقرأ الجمهور: «لتنذر» بالتاء على مخاطبةِ النبيّ ﷺ، وقرأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وجماعةٌ: «لينذر» «٣» بالياء، ويَوْمَ التَّلاقِ معناه: تلاقِي جميعِ العالمِ بعضِهم بعضًا، وذلك أمرٌ لَمْ يَتَّفِقْ قَطُّ قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ.\nوقوله: يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ معناه في براز من الأرض يسمعهم الدّاعي وينفذهم البَصَرُ.\nوقوله تعالى: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ رُوِيَ أَنَّ اللَّه تعالى يُقَرِّرُ هذا التقريرَ، ويَسْكُتُ العالم هيبة وجزعا، فيجيب- هو نفسُهُ بقوله: لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ، ثم يُعْلِمُ اللَّهُ تعالى أَهْلَ المَوْقِفِ بأنَّ اليَوْمَ تجزى كُلُّ نفسٍ بما كسبتْ، وَبَاقِي الآيةِ تَكَرَّر مَعْنَاهُ، فانْظُرْهُ في مواضِعه.\nثم أمر الله تعالى نبيّه ع بإنْذارِ العَالَمِ وتحذيرِهِمْ مِنْ يومِ القيامةِ وأهوالِه، و«الآزِفَة»: القريبةُ مِنْ أَزِفَ الشيءُ إذا قرب، والْآزِفَةِ في الآية: صِفَةٌ لمحذوفٍ قَدْ عُلِمَ واسْتَقَرَّ في النفوس هولُه، والتقديرُ يَوم الساعة الآزفة، أو الطّامة:\nالآزفة، ونحو هذا.\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١١/ ٤٦) برقم: (٣٠٣٠١) عن الضحاك، وبرقم: (٣٠٣٠٠) عن قتادة، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٥٥٠)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٦٥٠)، وعزاه لعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر عن قتادة.\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١١/ ٤٧) برقم: (٣٠٣٠٣) عن السدي، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٥٥٠) .\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٥٥١)، و«البحر المحيط» (٧/ ٤٣٧)، و«الدر المصون» (٦/ ٣٣) .","vol":"5","page":108},{"text":"وقوله سبحانه-: إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ معناه: عندَ الحناجِر، أي/ قد صَعِدَتْ من شِدَّةِ الهولِ والجزع، والكَاظِمُ الَّذِي يردُّ غيظَهُ وجزعَهُ في صَدْرِهِ، فمعنى الآية:\nأنهم يَطْمَعُونَ في رَدِّ ما يجدونه في الحناجر، والحال تغالبهم، ويُطاعُ في مَوْضِعِ الصفةِ ل شَفِيعٍ لأن التقدير: ولا شفيعٍ مطاعٍ، قال أبو حيان «١» يُطاعُ في مَوْضِعِ صفة ل شَفِيعٍ، فيحتملُ أنْ يكونَ في موضعِ خَفْضٍ على اللفظِ، أو في موضِع رفعٍ على الموضِعِ، ثم يحتملُ النَّفيُ أنْ يكونَ مُنْسَحِبًا على الوصْفِ فقَطْ، فيكونُ ثَمَّ شَفِيعٌ، ولكنَّه لا يُطَاعُ، ويحتملُ أن يَنْسَحِبَ على الموصوفِ وصفتهِ، أي: لا شفيعَ فيطاعَ، انتهى. وهذا الاحتمالُ الأخير هو الصوابُ، قال ع «٢»: وهذهِ الآيةُ كُلُّها عندي اعتراض في الكلام بليغ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1240>[سورة غافر (٤٠): الآيات ١٩ الى ٢٠]</span>\nيَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ (١٩) وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٢٠)\nوقوله: يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ مُتَّصِلٌ بقوله: سَرِيعُ الْحِسابِ [غافر: ١٧] وقالتْ فرقة: يَعْلَمُ متصلٌ بقوله: لاَ يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ [غافر: ١٦] وهذا قولٌ حسنٌ يقوِّيهِ تَنَاسُبُ المَعْنَيينِ، ويُضَعِّفُه بُعْدُ الآيةِ من الآيةِ وكَثْرَةُ الحائِل، والخائنةُ: مصدرٌ كالخِيَانَةِ، ويحتمل أن تكونَ خائِنَةَ اسمَ فاعِل، أي: يعلم الأعين إذا خانتْ في نظَرِها، قال أبو حَيَّان «٣»: والظاهرُ أن: خائِنَةَ الْأَعْيُنِ من إضافةِ الصفةِ إلى الموصوفِ، أي:\nالأَعْيُنِ الخائنة، كقوله: [البسيط]\n................ ... وَإنْ سَقَيْتِ كِرَامَ النَّاسِ فاسقينا «٤»\nأي: الناسَ الكرامَ، وجوَّزُوا أن يكونَ خائِنَةَ مصدرًا، ك «العافية» أي: يعلم خِيانَةَ الأعينِ، انتهى، وهذه الآيةُ عِبَارَةٌ عَن عِلم اللَّهِ- تعالى- بجميعِ الخفيَّاتِ، فمِنْ ذَلِكَ كسر\n_________\n(١) ينظر: «البحر المحيط» (٧/ ٤٣٨) . [.....]\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٥٥٢) .\n(٣) ينظر: «البحر المحيط» (٧/ ٤٣٩) .\n(٤) عجز بيت لبشامة بن حزن النهشلي وصدره:\nإنا محيوك يا سلمى فحينا ... ......\nينظر: «خزانة الأدب» (٨/ ٣٠٢)، و«شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي ص: (١٠٠)، و«المقاصد النحوية» (٣/ ٣٧٠)، و«البحر» (٧/ ٤٥٧)، و«الدر المصون» (٦/ ١٣٦)، والشاهد في قوله: «كرام الناس» حيث أضاف الصفة إلى الموصوف.","vol":"5","page":109},{"text":"الجُفُونِ والغَمْزُ بالعَيْنِ، أو النظرةُ التي تُفْهِمُ معنى ومنه قول النبي ﷺ [لأصحابِه في شَأْنِ رَجُلٍ ارتد ثمَّ جَاء لِيُسْلِمَ: «هَلاَّ قَامَ إلَيْهِ رَجُلٌ مِنْكُمْ حِينَ تَلَكَّأْتُ عَنْهُ، فَضَرَبَ عُنُقَهُ؟ فقالُوا:\nيَا رَسُولَ الله، ألا أو مأت إلينا؟ فقال ﷺ] «١»: مَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أَنْ تَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ الأَعْيُنِ» «٢»، وفي بعضِ الكتبِ المنزَّلةِ مِنْ قَولِ اللَّه ﷿/: أَنَا مِرْصَادُ الْهِمَمِ أَنَا العَالِمُ بِمَجَالِ الْفِكْرِ وَكَسْرِ الجُفُونِ، وقال مجاهدٌ: «خائنة الأعين»: مُسَارَقَةُ النظرِ إلى مَا لاَ يَجُوزُ «٣»، ثم قَوَّى تعالى هذا الإخبارَ بقولهِ: وَما تُخْفِي الصُّدُورُ مما لمْ يَظْهَر على عينٍ ولا غَيْرِهَا، وأسند أبو بكر بن الخَطِيبِ عن مولى أمِّ مَعْبَدٍ الخُزَاعِيَّةِ عن النبي ﷺ أنه كان يدعو: «اللهمَّ طَهِّرْ قَلْبِي مِنَ النِّفَاقِ، وَعَمَلِي مِنَ الرِّيَاءِ، وَلِسَانِي مِنَ الكَذِبِ، وعَيْنِي مِنَ الخِيَانَةِ فإنَّكَ تَعْلَمُ خَائِنَةَ الأعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُدُورُ» «٤»، انتهى. قال القُشَيْرِيُّ في: «التحبير» وَمَنْ عَلِمَ اطِّلاَعَ الحقِّ- تعالى عليه- يكونُ مُرَاقِبًا لربِّهِ وعلامتُه أنْ يكونَ مُحَاسِبًا لِنَفْسِهِ، ومَنْ لم تَصِحَّ محاسبتُهُ، لم تصحَّ مراقبتُهُ، وسُئِلَ بعضُهُمْ عَمَّا يَسْتَعِينُ به العبدُ على حفظِ البصر، فقال:\nيَسْتَعِينُ عليه بعلمِه أنَّ نظرَ اللَّه إليه سَابِقٌ على نظرِهِ إلى مَا ينظرُ إليه، انتهى.\nوقوله سبحانه: وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ أي: يجازي الحسنةَ بعَشْرٍ والسيئةَ بمثلِها، ويُنْصِفُ المظلومَ من الظالمِ إلى غير ذلك من أقضية الحقِّ والعدلِ، والأصْنامُ لا تقضي بشيء، ولا تنفّذ أمرا، ويَدْعُونَ معناه: يعبدون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1241>[سورة غافر (٤٠): الآيات ٢١ الى ٢٥]</span>\nأَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَما كانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ (٢١) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ (٢٢) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ (٢٣) إِلى فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَقارُونَ فَقالُوا ساحِرٌ كَذَّابٌ (٢٤) فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا اقْتُلُوا أَبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِساءَهُمْ وَما كَيْدُ الْكافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ (٢٥)\n_________\n(١) سقط في: د.\n(٢) أخرجه النسائي (٧/ ١٠٥) كتاب «تحريم الدم» باب: الحكم في المرتد برقم: (٤٠٦٧)، والحاكم (٢/ ٥٤)، والدارقطني (٣/ ٥٩)، والبيهقي (٨/ ٢٠٢) من حديث سعد بن أبي وقاص.\n(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١١/ ٥٠) برقم: (٣٠٣١٧)، وذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ٩٥)، وابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٥٥٣)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٦٥٣)، وعزاه السيوطي لعبد بن حميد، وابن المنذر.\n(٤) أخرجه الخطيب في «تاريخ بغداد» (٥/ ٢٦٨)، وذكره الهندي في «كنز العمال» (٢/ ١٨٤) (٣٦٦٠)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٣٤٩)، وعزاه إلى الحكيم الترمذي.","vol":"5","page":110},{"text":"وقوله سبحانه: أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَما كانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ الضميرُ في: يَسِيرُوا لكفارِ قُرَيْشٍ، والآثارُ في الأرضِ هي المبانِي والمآثِرُ والصِّيتُ الدُّنْيَوِيُّ، وذُنُوبُهُمْ كانَتْ تكذيبَ الأنبياءِ، والواقي الساترُ المانعُ مأخوذٌ مِن الوِقَايةِ، وباقي الآيةِ بيِّن، وخصَّ تعالى هَامَانَ وقَارُونَ بالذِّكْرِ تَنْبِيهًا على مكانِهِما من الكُفْرِ ولكَوْنِهِمَا أشْهَر رِجَالِ فرعونَ، / وقيل: إن قارونَ هذا لَيْسَ بقارون بني إسرائيل، وقيلَ: هو ذلكَ، ولكنَّه كانَ منقطعًا إلى فرعونَ خادمًا له مُسْتَغْنِيًا معه.\nوقوله: ساحِرٌ أي: في أمر العصا، وكَذَّابٌ في قوله: إني رسولُ اللَّهِ، ثم أخبرَ تعالى عنهم أنهم لما جَاءَهُمْ موسى بالنبوّة والحقِّ من عند اللَّهِ قال هؤلاءِ الثَّلاثَةُ وأَجْمَعَ رَأْيُهم على أَنْ يُقَتَّلَ أَبْنَاءُ بني إسرائيلَ أَتْبَاعِ موسى، وشُبَّانُهُمْ وَأَهْلُ القُوَّةِ مِنْهُمْ، وأن يُسْتَحْيَا النساءُ لِلْخِدْمَةِ وَالاسْتِرْقَاقِ، وهذا رجوعٌ منهم إلى نحو القتل الأولِ الذي كان قَبْلَ ميلادِ موسى، ولكنَّ هذا الأخيرَ لم تتمّ لهم فيه عزمة، ولا أعانَهُمُ اللَّه تعالى على شَيْءٍ منه، قال قتادة: هذا قَتَلٌ غيرُ الأولِ الذي [كانَ] حَذَرَ المولودِ «١»، وسَمَّوْا مَنْ ذَكَرْنَا مِنْ بني إسرائيلَ أَبْنَاءَ كما تقولُ لأَنْجَادِ القبيلةِ أو المدينةِ وأَهْلِ الظُّهُورِ فِيها: هؤلاءِ أبناءُ فُلاَنَةٍ.\nوقوله تعالى: وَما كَيْدُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ عبارةٌ وَجِيزَةٌ تُعْطي قوَّتُها أنَّ هؤلاءِ الثلاثةَ لَمْ يُقْدِرْهُمُ اللَّهُ تعالى على قتلِ أحدٍ مِنْ بني إسرائيل، ولاَ نَجَحَتْ لهم فيهم سعاية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1242>[سورة غافر (٤٠): الآيات ٢٦ الى ٣٣]</span>\nوَقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ (٢٦) وَقالَ مُوسى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ (٢٧) وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (٢٨) يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جاءَنا قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكُمْ إِلاَّ ما أَرى وَما أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشادِ (٢٩) وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ (٣٠)\nمِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ (٣١) وَيا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ (٣٢) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٣٣)\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١١/ ٥٢) برقم: (٣٠٣٢١)، وذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ٩٥)، وابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٥٥٤)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٧٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٦٥٤)، وعزاه لعبد الرزاق، وعبد بن حميد.","vol":"5","page":111},{"text":"وقوله تعالى: وَقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى ... الآية، الظاهرُ مِنْ أمرِ فِرْعَوْنَ أنه لمَّا بهرتهم آيات موسى ع انهد رُكْنُهُ، واضطربت معتقداتُ أَصْحَابِهِ، ولم يَفْقِدْ مِنْهُمْ من يجاذبُهُ الْخِلاَفُ في أمْرِه، وذلك بَيِّنٌ مِنْ غَيرِ مَا مَوْضِعٍ مِنْ قِصَّتهما، وفي هذه الآية على ذلك دَلِيلاَنِ:\nأحدُهما: قوله: ذَرُونِي فليستْ هذه مِنْ ألفاظِ الجَبَابِرَةِ المتمكِّنِينَ مِنْ إنفاذ أوامِرِهمْ.\nوالدليل الثاني: مَقَالَةُ المُؤْمِنِ وَمَا صَدَعَ به، وإنَّ مكاشَفَتَهُ لِفِرْعَوْنَ أكْثَرُ مِنْ مُسَاتَرَتِهِ، وحُكْمُه بِنُبُوَّةِ موسى أظْهَرُ/ من تَوْرِيَتِهِ في أَمْرِهِ، وأَمَّا فِرْعَوْنُ فإنما نَحا إلى المَخْرَقَةِ والتَمْوِيهِ والاضْطرابِ، ومن ذلك قوله: ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ أي: إني لا أبالي بربِّ موسى، ثم رجَعَ إلى قومِه يُرِيهُم النَّصِيحَةَ والحمايةُ لهم، فقالَ: إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ والدين: السلطانُ ومنه قولُ زُهَيْرٍ: [البسيط]\nلَئِنْ حَلَلْتَ بِحَيٍّ في بَنِي أَسَدٍ ... في دِينِ عَمْرٍو وَحَالَتْ بَيْنَنَا فَدَكُ «١»\nوقرأ حمزةُ والكسائي وعاصم: «أَوْ أَنْ يُظْهِرَ» وقرأ الباقون: «وَأَنْ يُظْهِرَ» «٢» فعلَى القراءةِ الأولى: خافَ فِرْعَوْنُ أَحَدَ أمْرَيْنِ، وعلى الثانيَةِ: خَافَ الأَمْرَيْنِ معًا، ولَمَّا سَمِعَ موسى مقالةَ فِرْعَوْنَ دَعَا، وقال: إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ ... الآية، ثم حكَى اللَّهُ سبحانه مقالةَ رَجُلٍ مُؤْمِنٍ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ شرَّفَه بالذكْرِ وخلَّدَ ثَنَاءَه في الأُمَمِ غَابِرَ الدَّهْرِ، قال ع «٣»: سمعتُ أبي﵀- يقول: سمعتُ أَبا الفَضْلِ ابْنَ الجَوْهَرِيِّ على المنبر يقول وَقَدْ سُئِلَ أن يتكلَّمَ في شيءٍ من فضَائِل الصحابةِ، فأَطْرَقَ قليلًا، ثُمَّ رَفَع رأْسَهُ، وأنشد: [الطويل]\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٥٥٥) .\n(٢) ينظر: «السبعة» (٥٦٩)، و«الحجة» (٦/ ١٠٧)، و«إعراب القراءات» (٢/ ٢٦٥)، و«معاني القراءات» (٢/ ٣٤٤)، و«شرح الطيبة» (٥/ ٢٠٥)، و«العنوان» (١٦٧)، و«حجة القراءات» (٦٢٩)، و«شرح شعلة» (٥٧٠)، و«إتحاف» (٢/ ٤٣٦) .\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٥٥٥) .","vol":"5","page":112},{"text":"عَنِ المَرْءِ لاَ تَسْأَلْ وَسَلْ عَنْ قَرِينِهِ ... فَكُلُّ قَرِينٍ بِالمُقَارَنِ مُقْتَدِ «١»\nمَاذَا تُرِيدُ من قومٍ قَرَنَهُمُ اللَّهُ بنبيِّه، وخصَّهم بمشاهدةِ وَحْيِهِ، وقَدْ أَثْنَى اللَّهُ تعالى على رَجُلٍ مُؤْمِنٍ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ، كَتَمَ إيمانَهُ وأَسَرَّهُ، فجعلَه تعالى في كتابهِ، وأثْبَتَ ذِكْرَهُ في المصاحِفِ، لكلامٍ قَالَه في مَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ الْكُفْرِ، وأَيْنَ هُوَ مِنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ﵁- إذْ جَرَّدَ سَيْفَهُ بمكَّةَ، وقال: واللَّهِ، لاَ أَعْبُدُ اللَّهَ سِرًّا بَعْدَ اليَوْمِ، قال مقاتل: كان هذا المؤمنُ ابْنَ عَمِّ فِرْعَوْنَ «٢»، قال الفَخْرُ «٣»: قيل: إنَّه كانَ ابْنَ عَمٍّ لِفِرْعَوْنَ، وكانَ جَارِيًا مجرى وَلِيِّ العهدِ له، ومجرى صاحبِ السِّرِّ لَه، وقيلَ: كانَ قِبْطِيًّا مِنْ قومِ/ فرعونَ، وقيل: إنه كانَ من بني إسرائيل، والقولُ الأولُ أَقْرَبُ لأن لَفْظَ الآلِ يقعُ على القَرَابَةِ والعشيرةِ، انتهى.\nقال الثعلبيُّ: قال ابنُ عباس وأكْثَرُ العُلَمَاءِ: كانَ اسمُهُ «حَزْقِيلَ» «٤»، وقيل: حَزِيقَال، وقيل: غير هذا، انتهى.\nوقوله: يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ قال أبو عُبَيْدَةَ وغَيْره: بَعْضُ هنا بمعنى:\n«كل» «٥»، وقال الزَّجَّاج: هو إلْزَامُ الحُجَّةِ بِأَيْسَرِ ما في الأمرِ «٦»، وليسَ فيه نَفْيُ إصَابَةِ الكُلِّ، قال ع «٧»: ويظهرُ لي أنَّ المعنى: يُصِبْكُمُ القَسْمُ الواحدُ مما يَعِدُ بِهِ، [لأنَّه ع وَعَدَهُمْ إنْ آمَنُوا بالنَّعِيمِ، وإنْ كَفَرُوا بالعذابِ الأَلِيمِ، فإن كانَ صادِقًا، فالعذابُ بَعْضُ مَا وعد به] «٨»، وقول المؤمن: يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ اسْتِنْزَالٌ لهم وَوَعْظٌ.\nوقوله: فِي الْأَرْضِ يريدُ أرْضَ مِصْرَ، وهذه الأقوالُ تَقْتَضِي زَوالَ هَيْبَةِ فرعونَ\n_________\n(١) البيت ذكره الخطابي في «العزلة» ص: (٦٩) .\nينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٥٥٦) .\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١١/ ٥٤) برقم: (٣٠٣٢٣) عن السدي، وذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ٩٦)، وابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٥٥٦)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٧٧) .\n(٣) ينظر: «الفخر الرازي» (٢٧/ ٥٠) . [.....]\n(٤) ذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ٩٦) عن ابن عبّاس، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٦٥٥)، وعزاه لابن المنذر.\n(٥) ذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ٩٦)، وابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٥٥٦) .\n(٦) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٥٥٦) .\n(٧) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٥٥٦) .\n(٨) سقط في: د.","vol":"5","page":113},{"text":"ولذلكَ اسْتَكَانَ هُوَ، وَرَاجَعَ بقوله: مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرى واخْتَلَفَ الناسُ مِنَ المُرَادِ بقوله تعالى: وَقالَ الَّذِي آمَنَ، فقالَ الجمهورُ: هو المُؤْمِنُ المَذْكُورُ قَصَّ اللَّهُ تعالى أقاويله إلى آخر الآيات، وقالت فرقةٌ: بلْ كَلاَمُ ذلك المُؤْمِنِ قد تَمَّ وإنما أراد تعالى:\nب الَّذِي آمَنَ موسى ع مُحْتَجِّينَ بقوَّةِ كَلاَمِهِ، وذكْرِ عذابِ الآخرةِ وغير ذلك ولم يَكُنْ كَلاَمُ الأوَّلِ إلا بملاينةٍ لهم.\nوقوله: مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ أي: مثلَ يَوْمٍ منْ أَيَّامِهِمْ لأنَّ عذابَهُمْ لم يكُنْ في عَصْرٍ واحِدٍ، والمرادُ بالأحزابِ المُتَحَزِّبُونَ على الأنبياء، ومِثْلَ الثاني: بدلٌ مِن الأوَّل، والدَّأْبُ: العادةُ، «ويوم التنادي» معناه: يَوْمَ يُنَادِي قَومٌ قَوْمًا، ويناديهمُ الآخرُونَ واختلف في التنادِي المُشَارِ إلَيْهِ، فقال قتادةُ: هو نِدَاءُ أهْلِ الجَنَّةِ أَهْلَ النارِ، فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا «١» [الأعراف: ٤٤] وقيل: هو النداءُ الذي يَتَضَمَّنهُ قوله تعالى: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ [الإسراء: ٧١] قال ع «٢»: ويحتملُ/ أَنْ يكُونَ المُرَادُ التَّذْكِيرَ بِكُلِّ نِدَاءٍ في الْقَيَامَةِ فيه مَشَقَّةٌ على الكُفَّار والعُصَاةِ وذلك كثِيرٌ. وقرأ ابن عبَّاس والضَّحَّاك وأبو صَالِحٍ: «يوم التَنَادِّ» بشدِّ الدال «٣» وهذا معنًى آخرُ لَيْسَ من النداءِ، بل هُو مِنْ: نَدَّ البعيرُ:\nإذا هَرَبَ وبهذا المعنى فسَّر ابنُ عبَّاسٍ والسُّدِّيُّ هذه «٤» الآيةَ، وَرَوَتْ هذه الفِرْقَةُ، في هذا المعنى حَدِيثًا أنَّ اللَّهَ تعالى إذا طَوَى السَّمَوَاتِ نَزَلَتْ مَلاَئِكَةُ كُلِّ سَمَاءٍ، فكانَتْ صَفًّا بَعْدَ صَفٍّ مستديرةً بالأرْضِ التي عليها الناسُ لِلْحِسَابِ فَإذَا رَأَى الخَلْقُ هولَ القيامةِ، وأخْرَجَتْ جَهَنَّمُ عنقًا إلى أصحابها، فَرَّ الكُفَّارُ ونَدُّوا مدْبِرينَ إلى كل جهةٍ، فتردُّهم الملائِكَةُ إلَى المَحْشَرِ لا عَاصِمَ لهم، والعاصم: المنجي.\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١١/ ٥٦) برقم: (٣٠٣٣١)، (٣٠٣٣٢) عن قتادة، (٣٠٣٣٣) عن ابن زيد، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٥٥٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٦٥٦)، وعزاه لعبد بن حميد.\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٥٥٨) .\n(٣) وقرأ بها الكلبي.\nينظر: «المحتسب» (٢/ ٢٤٣)، و«الشواذ» ص: (١٣٣)، و«المحرر الوجيز» (٤/ ٥٥٨)، و«البحر المحيط» (٧/ ٤٤٤)، وزاد نسبتها إلى ابن مقسم، والزعفراني. وهي في «الدر المصون» (٦/ ٣٩) .\n(٤) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١١/ ٥٧) برقم: (٣٠٣٣٥) عن الضحاك، (٣٠٣٣٦) عن السدي، وذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ٩٧)، وابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٥٥٨)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٧٩)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٦٥٦)، وعزاه لابن المبارك، وعبد بن حميد، وابن المنذر عن الضحاك.","vol":"5","page":114},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1243>[سورة غافر (٤٠): الآيات ٣٤ الى ٤٠]</span>\nوَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ (٣٤) الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (٣٥) وَقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ (٣٦) أَسْبابَ السَّماواتِ فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كاذِبًا وَكَذلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاَّ فِي تَبابٍ (٣٧) وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ (٣٨)\nيا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ (٣٩) مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إِلاَّ مِثْلَها وَمَنْ عَمِلَ صالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ (٤٠)\nوقوله: وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ ... الآية، قالت فرقةٌ منهمُ الطبريُّ «١»: يوسفُ المذكورُ هنا هو يوسفُ بنُ يَعْقُوبَ﵉- وَرُوِيَ عن وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أن فرعونَ موسى هُو فِرْعَوْنُ يُوسُفَ عُمِّر إلى زَمَنِ موسى «٢»، وروى أَشْهَبُ عَنْ مالِكٍ أنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ فِرْعَوْنَ عَمَّرَ أرْبَعْمِائَةِ سَنَةٍ وأرْبَعِينَ سَنَةً، وقالَتْ فرقةٌ: بل هُو فِرْعَونٌ آخر.\nوقوله: كَبُرَ مَقْتًا أي: كَبُرَ مَقْتًا جِدَالُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ، فاختصر ذِكْرَ الْجِدَالِ لدلالة تقدُّمِ ذِكْرِهِ عليه، وقرأ أبو عَمْرٍو وَحْدَهُ: «على كُلِّ قَلْبٍ» بالتنوينِ، وقرأ الباقونَ بغيرِ تنوينٍ «٣»، وفي مصحف ابن مسعود «٤»: «على قَلْبِ [كُلِّ] «٥» مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ»، ثم إن فرعونَ لما أعْيَتْهُ الْحِيَلُ في مُقَاوَمَةِ موسى، نحا إلى المَخْرَقَةِ، ونادى هَامَانَ وزيرَهُ أنْ يَبْنِيَ لَهُ صُرْحًا فيروى أنه طَبَخَ الآجُرَّ لهذا الصَّرْحِ، ولم يُطْبَخْ قبْلَهُ، وبناه ارتفاعَ أربعمائةِ ذراعٍ، فبعثَ اللَّهُ جِبْرِيلَ فَمَسَحَهُ/ بجَنَاحِه، فكسَرَهُ ثَلاَثَ كِسَرٍ، تَفَرَّقَتِ اثنتانِ، ووقَعَتْ ثالثةٌ في البحر، والْأَسْبابَ الطّرق قاله السّدّيّ «٦»،\n_________\n(١) ينظر: «تفسير الطبري» (١١/ ٥٨) .\n(٢) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٥٥٩) .\n(٣) وقرأ بها: ابن ذكوان عن ابن عامر.\nينظر: «إعراب القراءات» (٢/ ٢٦٨)، و«حجة القراءات» (٦٣٠)، و«السبعة» (٥٧٠)، و«الحجة» (٦/ ١٠٩)، و«معاني القراءات» (٢/ ٣٤٦)، و«شرح الطيبة» (٥/ ٢٠٦)، و«العنوان» (١٦٧)، و«شرح شعلة» (٥٧١)، و«إتحاف» (٢/ ٤٣٧) .\n(٤) ينظر: «مختصر الشواذ» ص: (١٣٣)، و«المحرر الوجيز» (٤/ ٥٥٩) .\n(٥) سقط في: د. [.....]\n(٦) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١١/ ٦٠) برقم: (٣٠٣٤٢) عن أبي صالح، و(٣٠٣٤٣) عن السدي، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٥٦٠)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٨٠)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٦٥٧)، وعزاه لعبد بن حميد عن أبي صالح.","vol":"5","page":115},{"text":"وقال قتادةُ: أرادَ الأبوابَ «١»، وقيل عَنَى لعلَّه يَجِدُ مَعَ قُرْبِه مِنَ السَّمَاءِ سَبَبًا يَتَعَلَّقُ به.\nوقرأ حمزة والكسائي وعاصم: «وَصُدَّ عنِ السَّبِيلِ» - بضم الصاد وفتح الدالِ-، عطفًا على زُيِّنَ، والباقونَ- بفَتْحِ الصاد «٢» - والتَّبَابُ: الخُسْرَانُ ومنه تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ [المسد: ١] وبه فَسَرها مجاهدٌ وقتادة «٣»، ثم وعظهمُ الذي آمن، فَدَعا إلى اتباع أَمْرِ اللَّهِ.\nوقوله: اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ يقَوِّي أنَّ المتكلمَ موسى، وإنْ كان الآخرُ يُحْتَملُ أنْ يقولَ ذلك، أي: اتبعوني في اتباع موسى، ثم زَهَّدَهُمْ في الدنيا، وأنَّهَا شَيْءٌ يُتَمَتَّعُ بِهِ قليلًا، ورَغَّبَ في الآخرةِ إذْ هي دَارُ الاستِقْرَارِ، قال الغَزَّالِيُّ في «الإحْياءِ»: مَنْ أَرَادَ أنْ يدخلَ الجنةَ بغيرِ حسابٍ، فليستَغْرِقْ أوقَاته في التلاوةِ والذكرِ والتفكُّرِ في حسن المآبِ، ومَنْ أرادَ أن تَرْجُحَ كفَّةُ حَسَنَاتِهِ وتَثْقُلَ موازينُ خَيْرَاتِهِ، فليستوعبْ في الطاعةِ أَكْثَرَ أوقاتِهِ، فإنْ خَلَطَ عملًا صالحًا وآخر سيِّئًا، فأمْرُهُ في خَطَر، لكنَّ الرجاءَ غَيْرُ منْقَطِعٍ، والعفوُ من كَرَمِ اللَّهِ منتَظَرٌ، انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1244>[سورة غافر (٤٠): الآيات ٤١ الى ٥٦]</span>\nوَيا قَوْمِ ما لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (٤١) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ (٤٢) لا جَرَمَ أَنَّما تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيا وَلا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحابُ النَّارِ (٤٣) فَسَتَذْكُرُونَ ما أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (٤٤) فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ (٤٥)\nالنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ (٤٦) وَإِذْ يَتَحاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ (٤٧) قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيها إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ (٤٨) وَقالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذابِ (٤٩) قالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا بَلى قالُوا فَادْعُوا وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ (٥٠)\nإِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ (٥١) يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٥٢) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْهُدى وَأَوْرَثْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ (٥٣) هُدىً وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ (٥٤) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ (٥٥)\nإِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ ما هُمْ بِبالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٥٦)\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١١/ ٦٠) برقم: (٣٠٣٤٤)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٥٦٠)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٨٠)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٦٥٧)، وعزاه لعبد الرزاق، وعبد بن حميد.\n(٢) ينظر: «السبعة» (٥٧٠)، و«الحجة» (٦/ ١١١)، و«إعراب القراءات» (٢/ ٢٧٠)، و«العنوان» (١٦٧)، و«حجة القراءات» (٦٣٢)، و«إتحاف» (٢/ ٤٣٧) .\n(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١١/ ٦١) برقم: (٣٠٣٤٧) عن ابن عبّاس، وبرقم: (٣٠٣٤٨) عن مجاهد، و(٣٠٣٤٩) عن قتادة، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٥٦٠)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٨٠)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٦٥٧)، وعزاه لعبد الرزاق، وعبد بن حميد عن قتادة، ولابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عبّاس.","vol":"5","page":116},{"text":"وقوله تعالى: وَيا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ ... الآية، قد تقَدَّمَ ذِكْرُ الخِلاَفِ، هل هذهِ المقالاتُ لموسى أو لمؤمنِ آل فرعون، والدعاءُ إلى النجاةِ هو الدعاءُ إلى سبَبِها وهو توحيدُ اللَّهِ تعالى وطاعتُه، وباقي الآية بيِّنٌ.\nوقوله: أَنَّما تَدْعُونَنِي المعنى: وإنَّ الذي تدعونَني إليه من عبادةِ غيرِ اللَّهِ لَيْسَ له دعوة، أي: قَدْرٌ وَحَقٌ يجب أنْ يدعى أحدٌ إليه ثم توعَّدَهم بأنَّهم سَيَذْكُرُونَ قولَه عند حُلُولِ/ العذابِ بهم، والضميرُ في فَوَقاهُ يحتملُ أنْ يعودَ على موسى، أو على مؤمنِ آل فرعون علَى ما تقدَّم من الخلاف.\nوقال القائلون بأنه مؤمن آل فرعون: إن ذلك المؤمن نجا مع موسى ع في البَحْرِ، وَفَرَّ في جملةِ مَنْ فَرَّ معَه مِنَ المتَّبِعينَ.\nوقوله تعالى في آل فرعون: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا ... الآية، قوله:\nالنَّارُ رَفْعٌ على البَدَلِ مِنْ قَوْلِهِ: سُوءُ وقيلَ رفعٌ بالابتداءِ، وخَبَرُهُ يُعْرَضُونَ قالت فرقةٌ: هذا الغُدُوُّ والعَشِيُّ هو في الدنيا، أي: في كل غُدُوٍّ وَعَشِيٍّ من أيام الدنيا يُعْرَضُ آلُ فِرْعَوْنَ على النَّارِ، قال القرطبيُّ في «التذكرة» «١»: وهذا هو عذابُ القَبْرِ في البَرْزَخِ، انتهى وكذا قال الإمام الفخر «٢»، ورُوِيَ في ذلك أنَّ أرواحَهُمْ في أجوافِ طَيْرٍ سُودٍ تَرُوحُ بِهِمْ وَتَغْدُو إلى النارِ وقالَهُ الأوزاعِيُّ «٣» - عافانا اللَّه من عذابه-، وخرَّج البخاريُّ ومسلم عن\n_________\n(١) ينظر: «التذكرة» (١/ ١٩١) .\n(٢) ينظر: «تفسير الرازي» (٢٧/ ٦٤) .\n(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١١/ ٦٦) برقم: (٣٠٣٧٠) عن الأوزاعي، وبرقم: (٣٠٣٦٨) عن الهذيل بن شرحبيل (٣٠٣٦٩) عن السدي، وذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ٩٩)، وابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٥٦٢)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٨٢)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٦٥٩)، وعزاه لابن أبي شيبة، وهناد، وعبد بن حميد عن هذيل بن شرحبيل، ولعبد بن حميد عن الضحاك، ولعبد الرزاق، وابن أبي حاتم عن ابن مسعود.","vol":"5","page":117},{"text":"ابن عمر أنّ النبي ﷺ قَالَ: «إنَّ أَحَدَكُمْ إذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بالغَدَاةِ والعَشِيِّ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، فَمِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وإنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَمنْ أَهْلِ النَّارِ، يقالُ لَهُ: هذا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ إلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» «١»، انتهى.\nوقوله [تعالى] وَيَوْمَ [تَقُومُ السَّاعَةُ] «٢» أي: وَيَوْمَ القِيَامَةِ يُقَالُ: أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ وآل فرعون: أتْبَاعُهُ وأهْلُ دينهِ، والضميرُ في قولهِ: يَتَحاجُّونَ لجميعِ كفارِ الأُمَمِ، وهذا ابتداءُ قصص لا يَخْتَصُّ بآل فرعونَ، والعامِلُ في: «إذ» فَعْلٌ مضمرٌ، تقديره: اذْكُرْ، ثم قال جميعُ مَنْ في النارِ لخَزَنَتِهَا: ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذابِ فراجَعَتْهُمُ الخَزَنَةُ على مَعْنَى التَّوبِيخِ والتقريرِ: أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّناتِ، فأقَرَّ الكُفَّارُ عند ذلك، وقالُوا/ بَلى، أي: قَدْ كَانَ ذلك، فقالَ لهم الخَزَنَةُ عِنْدَ ذلك: ادعوا أنتم إذن، وهذا على معنى الهُزْءِ بهِم.\nوقوله تعالى: وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ قيل: هو من قول الخَزَنَةِ، وقيل:\nهو من قول الله تعالى إخبارا منه لمحمّد ع، ثم أخبَر تعالى أنه ينصر رسلَه والمؤمنينَ في الدنيا والآخرةِ، ونصرُ المؤمِنينَ داخلٌ في نَصْرِ الرُّسُلِ، وأَيْضًا، فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ للمؤمنينَ الفضلاءِ وُدًّا، وَوَهَبَهُمْ نَصْرًا إذا ظُلِمُوا، وَحَضَّتِ الشريعة على نصرهم ومنه قوله ﷺ: «مَنْ رَدَّ عَنْ أخِيهِ في عِرْضِهِ، كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يَرُدَّ عَنْهُ نَارَ جهنّم» «٣»،\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٣/ ٢٨٦) كتاب «الجنائز» باب: الميت يعرض عليه مقعده بالغداة والعشي (١٣٧٩)، (٦/ ٣٦٦) كتاب «بدء الخلق» باب: ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة (٣٢٤٠)، (١١/ ٣٦٩) كتاب الرقاق، باب: سكرات الموت (٦٥١٥)، ومسلم (٤/ ٢١٩٩) كتاب «الجنة وصفة نعيمها وأهلها» باب:\nعرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه، وإثبات عذاب القبر والتعوذ منه (٦٥- ٦٦/ ٢٨٦٦)، وابن حبان (٧/ ٤٠٠- ٤٠١)، كتاب «الجنائز» باب: ذكر الإخبار بأن أهل القبور تعرض عليهم مقاعدهم التي يسكنونها في كلّ يوم مرتين (٣١٣٠)، ومالك (١/ ٢٣٩) كتاب «الجنائز» باب: جامع الجنائز (٤٧)، وأحمد (٢/ ١١٣، ١١٦)، والترمذي (٣/ ٣٧٥) كتاب «الجنائز» باب: ما جاء في عذاب القبر (١٠٧٢)، والترمذي (٤/ ١٠٧) كتاب «الجنائز» باب: وضع الجريدة على القبر (٢٠٧٢)، وابن ماجه (٢/ ١٤٢٧) كتاب «الزهد» باب: ذكر القبر والبلى (٤١٧٠)، والطيالسي (١/ ١٥٣) كتاب «الجنائز» باب: ما جاء في حسن الظن بالله والكشف لكل إنسان عن مصيره (٧٣٦) .\nقال أبو عيسى: وهذا حديث حسن صحيح.\n(٢) في د: ويوم القيامة.\n(٣) أخرجه البيهقي (٨/ ١٦٨) كتاب «قتال أهل البغي» باب: ما جاء في الشفاعة والذب عن عرض أخيه المسلم من الأجر، وأحمد (٦/ ٤٥٠)، والترمذي (٤/ ٣٢٧) كتاب «البر والصلة» باب: ما جاء في الذب عن عرض المسلم برقم: (١٩٣١)، وذكره المنذري في «الترغيب والترهيب» (٣/ ٥٠١) كتاب «الأدب وغيره» باب: الترهيب من الغيبة والبهت وبيانهما، والترغيب في ردهما برقم: (٤١٩٤) عن أبي الدرداء","vol":"5","page":118},{"text":"وقوله ع: «مَنْ حمى مُؤْمِنًا مِنْ مُنَافِقٍ يَغْتَابُهُ، بَعَثَ اللَّهُ مَلَكًَا يَحْمِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» «١» .\nوقوله تعالى: وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ يريدُ يَوْمَ القيامةِ، قال الزّجّاج «٢»، والْأَشْهادُ: جَمْعُ شَاهِدٍ، وقال الطبري «٣»: جمع شَهِيدٍ، كَشريفِ وأشراف، ويَوْمَ لاَ يَنْفَعُ بَدَلٌ من الأوَّلِ، والمَعْذِرَةُ، مَصْدَرٌ، كالعُذْرِ، ثم أخبرَ تعالى بقصَّةِ موسى ومَا آتاه منَ النُّبوَّةِ، تأنيسًا لمحمَّدٍ، وضَرْبَ أُسْوَةٍ وتذكيرًا بما كانتِ العربُ تَعْرفُه مِنْ أمرِ موسى، فبيَّنَ ذلكَ أن محمدًا لَيْسَ ببِدْعٍ من الرسل، والهُدَى: النُّبُوَّةُ والحكمةُ التوراةُ تَعُمُّ جميعَ ذلك.\nوقوله تعالى: وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ قال الطبريُّ «٤»: الْإِبْكارِ: من طلوع الفَجْرِ إلى طلُوعِ الشَّمْسِ، وقيلَ: مِنْ طلوعِ الشمْسِ إلى ارْتِفَاعِ الضحى، وقال الحَسَنُ: بِالْعَشِيِّ يريدُ صلاةَ العَصْرِ، وَالْإِبْكارِ يريدُ صلاةَ الصُّبْحِ «٥» .\nوقوله تعالى: إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ [أي: ليسُوا على شَيْءٍ، بَلْ في صُدُورِهُمْ كِبْر] «٦» وأَنَفَةٌ عليك، ثُمَّ نفى أنْ يكونُوا يَبلغُون آمالهم بِحَسَبِ ذلكَ الكِبْرِ، ثم أمَرَهُ تعالى بالاسْتِعَاذَةِ باللَّهِ في كل أمره من كلّ مستعاذ منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1245>[سورة غافر (٤٠): الآيات ٥٧ الى ٥٩]</span>\nلَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٥٧) وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَلا الْمُسِيءُ قَلِيلًا ما تَتَذَكَّرُونَ (٥٨) إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (٥٩)\nوقوله تعالى: لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ: فيه توبيخٌ لهؤلاء\n_________\nكلهم بنحوه.\nقال الترمذي: هذا حديث حسن.\n(١) أخرجه أبو داود (٢/ ٦٨٧)، كتاب «الأدب» باب: من رد عن مسلم غيبته برقم: (٤٨٨٣)، والبخاري في «التاريخ الكبير» (١/ ٣٧٧) برقم: (١١٩٥) .\n(٢) ينظر: «معاني القرآن» (٤/ ٣٧٦) .\n(٣) ينظر: «تفسير الطبري» (١١/ ٧٠) . [.....]\n(٤) ينظر: «تفسير الطبري» (١١/ ٧١) .\n(٥) ذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ١٠١)، وابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٥٦٥)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٦٦١)، وعزاه لعبد الرزاق، وعبد بن حميد عن قتادة.\n(٦) سقط في: د.","vol":"5","page":119},{"text":"الكفرةِ المتكبِّرينَ، كأنه قال: مخلوقاتُ اللَّهِ أَكْبَرُ وأَجَلُّ قَدْرًا مِنْ خَلْقِ البَشَرِ، فما لأحدٍ منْهم يَتَكَبّرُ على خالقِه، ويحتملُ أنْ يكونَ الكلامُ في مَعْنَى البَعْثِ، وأنَّ الذي خلقَ السمواتِ والأرْضَ قادِرٌ على خَلْقِ الناسِ تَارَةً أخرى، والخَلْقُ هنا: مَصْدَرٌ مضافٌ إلى المفعولِ، وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يعادلهم قوله: وَلَا الْمُسِيءُ وهو اسم جنس يعمّ المسيئين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1246>[سورة غافر (٤٠): آية ٦٠]</span>\nوَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ (٦٠)\nوقوله تعالى: وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ آية تفضّل ونعمة ووعد لأمّة محمّد ﷺ بالإجابَةِ عنْدَ الدُّعَاءِ قال النوويُّ: ورُوِّينَا في «كتابِ التِّرمذيِّ» عَنْ عُبَادَةِ بْنِ الصَّامِتِ، أَنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: «مَا عَلَى الأَرْضِ مُسْلِمٌ يَدْعُو اللَّهَ تعالى بدعوة إلّا آتاه الله إيَّاهَا أَوْ صَرَفَ [عَنْهُ] مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا مَا لَمْ يَدْعُ بِإثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ، فقالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: إذَنْ نُكْثِرَ، قَالَ: اللَّهُ أَكْثَرُ» «١»: قَال الترمذيُّ: حَديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وَرَوَاهُ الحاكِم في «المستدرك» من رواية أبي سعيد الخُدَرِيِّ، وزاد فيه: «أَو يَدَّخِرَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلَهَا» «٢»، انتهى، قال ابنُ عَطَاءِ اللَّهِ: لاَ يَكُنْ تَأَخّرُ أمَدِ العَطَاءِ مَعَ الإلْحَاحِ في الدُّعَاءِ مُوجِبًا لِيَأْسِكَ فهُو ضَمِنَ لَكَ الإجَابَةَ فِيمَا يختارُ لكَ لاَ فِيمَا تختَارُ لنفسِكَ، وفي الوَقْتِ الذي يُرِيدُ لاَ في الوَقْتِ الذي تُرِيدُ، انتهى، وعن أبي هُرَيْرة قال: قَالَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «يَقُولُ اللَّهِ﷿-: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ/ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إذَا دَعَاني» رواه الجماعةُ إلاَّ أَبا داود «٣»: واللفظ لِمُسْلِمٍ، انتهى من «السِّلاَح»، وقالت فرقة: معنى ادْعُونِي: اعبدوني، وأَسْتَجِبْ معناه: بِالنَّصْرِ والثوابِ ويدلُّ على هذا قوله: إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي ...\n_________\n(١) أخرجه الترمذي (٥/ ٥٦٦) كتاب «الدعوات» باب: في انتظار الفرج وغير ذلك، برقم: (٣٥٧٣) .\nقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه.\n(٢) أخرجه الحاكم (١/ ٤٩٣) كتاب «الدعاء»، وأحمد (٣/ ١٨) .\nقال الحاكم: هذا الحديث صحيح الإسناد، إلا أن الشيخين لم يخرجاه عن علي بن علي الرفاعي.\n(٣) أخرجه البخاري (١٣/ ٣٩٥) كتاب «التوحيد» باب: قول الله تعالى: وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ، وقوله ﷿: تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ برقم: (٧٤٠٥)، وطرفاه في (٧٥٠٥، ٧٥٣٧)، ومسلم (٤/ ٢٠٦١) كتاب «الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار» باب: الحث على ذكر الله تعالى، وبرقم:\n(٢/ ٢٥٧٦)، (٤/ ٢٠٦٨) (٢١/ ٢٦٧٥)، والترمذي (٥/ ٥٨١) كتاب «الدعوات» باب: في حسن الظن بالله ﷿، برقم: (٣٦٠٣)، وأحمد (٢/ ٢٥١) .\nقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.","vol":"5","page":120},{"text":"الآية، ت: وهذا التأويلُ غَيْرُ صحيحٍ، والأولُ هو الصَّوَابُ- إن شاء اللَّه- للحَدِيثِ الصحيحِ فَقَدْ رَوَى النعمانُ بنُ بَشِيرٍ﵁- عن النبي ﷺ قال: «الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ» . وقرأ: وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ «١» رواه أبو داودَ والترمذيُّ والنسائيُّ وابنُ ماجه والحاكمُ وابنُ حِبَّانَ في «صحيحيهما» وقال الترمذيُّ، - واللفظ له-: حديثٌ حسَنٌ صحيحٌ، وقال الحاكم: صحيحُ الإسناد، انتهى من «السِّلاَح» والدّاخر، الصّاغر الذّليل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1247>[سورة غافر (٤٠): الآيات ٦١ الى ٦٦]</span>\nاللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ (٦١) ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٦٢) كَذلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٦٣) اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرارًا وَالسَّماءَ بِناءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٦٤) هُوَ الْحَيُّ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٦٥)\nقُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جاءَنِي الْبَيِّناتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (٦٦)\nوقوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ ... الآياتِ، هذا تنبيهٌ على آياتِ اللَّهِ وعِبَرِهِ، متى تأمَّلَهَا العَاقِلُ أدَّتْهُ إلى توحيد الله سبحانه، والإقرار بربوبيّته، وتُؤْفَكُونَ معناه: تُصْرَفُونَ عن طريقِ النظرِ والهُدَى، كَذلِكَ يُؤْفَكُ أي: على هذه الهيئةِ وبهذهِ الصفةِ صَرَفَ اللَّه تعالى الكُفَّارَ الجاحدينَ بآياتِ اللَّهِ من الأمم المتقدّمة عن طريق الهدى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1248>[سورة غافر (٤٠): الآيات ٦٧ الى ٦٨]</span>\nهُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦٧) هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذا قَضى أَمْرًا فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٦٨)\n_________\n(١) أخرجه الترمذي (٥/ ٣٧٤- ٣٧٥) كتاب «تفسير القرآن» باب: ومن سورة المؤمن، برقم: (٣٢٤٧)، وابن ماجه (٢/ ١٢٥٨)، كتاب «الدعاء» باب: فضل الدعاء، برقم: (٣٨٢٨)، وأحمد (٤/ ٢٦٧، ٢٧١، ٢٧٦، ٢٧٧)، والطيالسي (١/ ٢٥٣) كتاب «الأذكار والدعوات» باب: ما جاء في فضل الدعاء وآدابه، برقم: (١٢٥٢)، والحاكم في «المستدرك» (١/ ٤٩١) كتاب «الدعاء»، وابن حبان (٨/ ٣٢) - الموارد باب: ما جاء في فضل الدعاء، برقم: (٢٣٩٦) .\nقال الحاكم: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقد رواه شعبة، وجرير عن منصور عن ذر.\nقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.","vol":"5","page":121},{"text":"وقوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ الآية، تنبيهٌ على الوُحْدَانِيَّةِ بالعبْرة في ابن آدم وتدريج خَلْقِهِ.\nوقوله سبحانه: وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ عبارة/ تُرَدَّدُ في الأَدْرَاجِ المذكورةِ، فمن الناسِ مَنْ يَمُوتُ قَبْلَ أنْ يَخْرُجَ طِفْلًا وآخرون قَبْلَ الأَشُدِّ، وآخرون قبلَ الشيخوخةِ، وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى، أي: ليبلغَ كلُّ واحدٍ أجلا مسمّى لا يتعدّاه، ولَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ الحقائقَ إذا نَظَرْتم في هذا وتَدَبَّرْتُمْ حكمة الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1249>[سورة غافر (٤٠): الآيات ٦٩ الى ٧٧]</span>\nأَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ (٦٩) الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتابِ وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠) إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (٧٢) ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣)\nمِنْ دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكافِرِينَ (٧٤) ذلِكُمْ بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ (٧٥) ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٦) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ (٧٧)\nوقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ ... الآيَةُ في الكُفَّارِ المُجَادِلِينَ في رِسَالَةِ نبيّنا محمّد ع ويُسْحَبُونَ معناه يُجَرُّونَ، والسَّحْبُ:\nالجَرُّ، والحَمِيمُ الذائبُ الشديدُ الحرّ من النار، ويُسْجَرُونَ: قال مجاهد «١»: معناه تُوَقَدُ النَّارُ بهِم، والعَرَبُ تَقُول سَجَرْتُ التَّنُّورَ: إذا مَلأْتَهُ نَارًا، وَقَالَ السُّدِّيُّ: يُسْجَرُونَ:\nيَحْرَقُونَ «٢»، ثم أخْبَرَ تعالى أنهم يُقَالُ لهم: أين الأصْنَامُ التي كُنْتُم تَعْبُدونَ في الدنيا؟\nفيقولون: ضَلُّوا، أي: تلفوا لنا وغَابوا، ثُمَّ تضْطَرِبُ أَقْوَالُهُمْ ويَفْزَعُونَ إلى الكَذِبِ، فيقولونَ: بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئًا ثم يقال لهؤلاءِ الكفَّارِ المعذبين: ذلِكُمْ:\nالعذابُ الذي أنتم فيه بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ في الدنيا بالمعاصي والكفر، وتَمْرَحُونَ قال مجاهد: معناه: الأشر والبطر «٣» .\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١١/ ٧٨) برقم: (٣٠٤٠١)، وذكره البغوي» (٤/ ١٠٥)، وزاد نسبته لمقاتل، وابن عطية (٤/ ٥٦٩)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٦٧٠)، وعزاه للفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٢) أخرجه الطبري (١١/ ٧٨) برقم: (٣٠٤٠٢)، وذكره ابن عطية (٤/ ٥٦٩) .\n(٣) أخرجه الطبري (١١/ ٧٩) برقم: (٣٠٤٠٥)، وذكره البغوي (٤/ ١٠٥)، وابن عطية (٤/ ٥٧٠)، -","vol":"5","page":122},{"text":"وقوله تعالى: ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ معناه: يقالُ لَهُمُ قبل هذهِ المحاورةِ في أول الأمْرِ: ادْخُلُوا لأنَّ هذه المخاطبةَ إنما هي بعدَ دُخولهمِ، ثم آنَسَ تعالى نبيَّه، وَوَعَدَهُ بقَولهِ: فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ أي: في نصرك وإظهار أمرِك فإنَّ ذلك أَمْرٌ إما أنْ ترى بَعْضَهُ في حياتِكَ، فَتَقَرَّ عَيْنُكَ به، وإما أنْ تَمُوتَ قَبْلَ ذلك، فإلى أمرنا وتَعْذِيبِنَا يَصِيرُونَ ويَرْجِعُونَ.\nقال أبو حيَّان «١»: و«ما» في «إمَّا» زائدةٌ لتأكِيدِ معنى الشرط، انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1250>[سورة غافر (٤٠): الآيات ٧٨ الى ٨١]</span>\nوَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْمُبْطِلُونَ (٧٨) اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعامَ لِتَرْكَبُوا مِنْها وَمِنْها تَأْكُلُونَ (٧٩) وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٨٠) وَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَأَيَّ آياتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ (٨١)\nوقوله تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ هذِه الآيةُ رَدٌّ عَلى العربِ الذينَ استبعدوا أنْ يبعثَ اللَّه بشرًا رَسُولًا.\nوقوله تعالى: فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ ... الآية، يحتمل أن يريدَ بأمر اللَّه القيامة، فتكونَ الآيةُ توَعُّدًا لهم بالآخرةِ، ويحتمل أن يريدَ بأمر اللَّهِ إرسالَ رَسُولٍ وبَعْثَةَ نبيٍّ قضى ذلكَ وأَنْفَذَهُ بِالحَقِّ وخَسِرَ كُلُّ مُبْطِلٍ. ت: والأول أَبْيَنُ.\nوقوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعامَ لِتَرْكَبُوا مِنْها ... الآية، هذه آيات فيها عبر وتعديد نعم، والْأَنْعامَ: الأزواج الثمانية، ومِنْها الأولى للتبعيضِ، وقال الطبري «٢» في هذه الآية: الأَنعامُ تَعُمُّ الإبلَ والبَقَرَ والغَنَمَ والخَيْلَ والبِغَالَ والحَمِيرَ، وغَيْرَ ذلك مما يُنْتَفَعُ به من البهائمِ، ف مِنْها في الموضعين على هذا للتّبعيض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1251>[سورة غافر (٤٠): الآيات ٨٢ الى ٨٥]</span>\nأَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثارًا فِي الْأَرْضِ فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢) فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٨٣) فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ (٨٥)\n_________\n- والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٦٧٠)، وعزاه للفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(١) ينظر: «البحر المحيط» (٧/ ٤٥٦) .\n(٢) ينظر: «تفسير الطبري» (١١/ ٨٠) .","vol":"5","page":123},{"text":"وقوله تعالى: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثارًا فِي الْأَرْضِ فَما أَغْنى عَنْهُمْ مَّا كانُوا يَكْسِبُونَ ... الآية، هذا احتجاجٌ على قريشٍ بما أظهر سبحانه في الأمم السالفةِ من نِقمَاتِهِ في الكفارِ الذين كانوا أَكْثَرَ منهم، وأشَدَّ قُوَّةً قال أبو حيان «١»: فَما أَغْنى «مَا» نافيةٌ أو استفهامية بمعنى النفي، انتهى.\nوقوله سبحانه: فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ الآية، الضميرُ في (جاءتهم) عائدٌ على الأمم المذكورةِ، واخْتَلفَ المفسِّرونَ في الضميرِ في فَرِحُوا على مَنْ يَعُودُ؟ فقال مجاهدٌ وغيره: هو عائد على الأممِ المذكُورِينَ «٢»، أي: فَرِحُوا بما عِنْدَهُمْ من الْعِلْمِ في ظَنِّهِمْ ومُعْتَقَدِهِمْ من أنهم لا يُبْعَثُونَ ولا يحاسَبُونَ، قال ابن زيد: واغترُّوا بعلمِهِم بالدنيا والمعاش، وظنوا أنه لا آخرة فَفَرِحُوا «٣» وهذا كقوله تعالى: يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا [الروم: ٧] وقالت فرقة: الضميرُ في فَرِحُوا عائدٌ على الرُّسُلِ، وفي هذا التأويلِ حَذْفٌ وتقديره: فلما جَاءتهم رسُلُهم بالبيناتِ، كذَّبُوهُمْ فَفَرِحَ الرُّسُلُ بما عندَهم من العلمِ باللَّهِ والثقةِ به، وبأنه سينصُرُهُمْ، والضمير في بِهِمْ عائدٌ على الكفارِ بلا خِلافٍ، ثم حكى سبحانَهُ حالةَ بَعْضِهِمْ مِمَّنْ آمَنَ بَعْدَ تَلَبُّسِ العذابِ بهِم، فَلمْ يَنْفَعْهم ذلك وفي ذكر هذا حضٌّ على المبادرة.\nوسُنَّتَ نصبٌ على المصدرِ، ت: وقيل: المعنى: احْذَرُوا سُنَّةَ اللَّهِ كقوله: ناقَةُ اللَّهِ [الشمس: ١٣] قَالَ الفَخْرُ، وقوله: هُنالِكَ: اسْمُ مَكَانٍ مُسْتَعَارٌ للزَّمَانِ، أي: وخَسِرُوا وقتَ رؤية البأْس، انتهى، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، وسلّم تسليما.\n_________\n(١) ينظر: «البحر المحيط» (٧/ ٤٥٧) . [.....]\n(٢) أخرجه الطبري (١١/ ٨٢) برقم: (٣٠٤١٣)، وذكره البغوي (٤/ ١٠٦)، وابن عطية (٤/ ٥٧١)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٨٩)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٦٧٠)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن المنذر عن مجاهد.\n(٣) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٥٧١) .","vol":"5","page":124},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1252>تفسير سورة فصلت</span>\nوهي مكّيّة\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1253>[سورة فصلت (٤١): الآيات ١ الى ١١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nحم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (٤)\nوَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ (٥) قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (٧) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٨) قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدادًا ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ (٩)\nوَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ (١١)\nرُوِيَ أَنَّ عُتْبَةَ بْنُ رَبِيعَةَ ذَهَبَ إلَى النبيّ ﷺ ليحْتَجَّ عَلَيْهِ، وَيُبَيِّنَ لَهُ أَمْرُ مُخَالَفَتِهِ لِقَوْمِهِ، فَلَمَّا فَرَغَ عُتْبَةُ مِنْ كَلاَمِهِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «بِسْمِ اللَّهِ الرحمن الرَّحِيمِ»:\nحم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ إلى قوله: فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ [السجدة: ١٣] فَأُرْعِدَ الشَّيْخُ، وقَفَّ شَعْرُهُ، وأَمْسَكَ على فَمِ النبيّ ﷺ، وَنَاشَدَهُ بِالرَّحِمِ أنْ يُمْسِكَ «١»، وقَالَ حِينَ فَارَقَهُ: وَاللَّهِ، لَقَدْ سَمِعْتُ شَيْئًا مَا هُوَ بالشِّعْرِ، وَلاَ هُوَ بِالكَهَانَةِ، وَلاَ هُوَ بِالسِّحْرِ، ولَقَدْ ظننت أنّ صاعقة العذاب على رأسي، والرَّحْمنِ الرَّحِيمِ: صِفَتَا رَجَاءٍ ورحمةٍ للَّهِ ﷿، وفُصِّلَتْ معناه بيّنت آياتُهُ أي: فُسِّرَتْ معانيه، / فَفُصِّلَ بين حلاله وحرامه، ووَعْدِهِ ووَعِيدِهِ، وقيل: فُصِّلَتْ في التنزيلِ، أي: نزل نجومًا، ولم ينزلْ مرةً واحدةً، وقيل: فُصِّلَتْ بالمواقف وأنواعٍ أَوَاخِرِ الآيِ، ولم يكن يرجعُ إلى قافية ونَحْوِها كالسَّجْعِ والشِّعْرِ.\nوقوله تعالى: لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ قالت فرقة: يعلمون الأشياء، ويعقلون الدلائل، فكأنَّ القرآن فُصِّلَتْ آياته لهؤلاء إذ هم أهل الانتفاع بها، فَخُصُّوا بالذكر تشريفا، وقالت فرقة:\n_________\n(١) ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٦٧٣)، وعزاه إلى ابن إسحاق، وابن المنذر، والبيهقي في «الدلائل»، وابن عساكر.","vol":"5","page":125},{"text":"يَعْلَمُونَ: متعلِّقٌ في المعنى بقوله: عَرَبِيًّا: أي: لقوم يعلمون ألفاظه، ويتحقَّقون أنَّها لم يخرجْ شيْءٌ منها عن كلام العرب، وَكأَنَّ الآيَةَ على هذا التأْويلِ رَادَّةٌ على مَنْ زَعَمَ أنَّ في كتابِ اللَّهِ ما لَيْسَ في كلامِ العَرَبِ، والتأويلُ الأوَّلُ أَبْيَنُ وأَشْرَفُ مَعْنًى وبَيِّنٌ أنَّه ليس في القرآن إلاَّ ما هو مِنْ كَلاَمِ العَرَبِ، إمَّا مِنْ أصْلِ لغتِها، وإمَّا مِمَّا عرَّبته من لغة غيرها، ثم ذُكِرَ في القرآن وهو مُعَرَّبٌ مُسْتَعْمَلٌ.\nوقوله تعالى: فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ نفي لسماعهم النافِعِ الذي يُعْتَدُّ به، ثم حكى عنهم مقالتهم التي باعدوا فيها كُلَّ المباعدة، وأرادوا أن يُؤْيِسُوهُ من قبولهم ما جاء به، وهي:\nقُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وأكِنَّةً: جمع كِنَانٍ، والوَقْر: الثِّقْلُ في الأذن الذي يمنع السمع.\nوقوله تعالى: وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ ... الآية: قال الحسن:\nالمراد بالزكاة: زكاة المال «١»، وقال ابن عباس والجمهور: الزكاة في هذه الآية: لاَ إله إلاَّ اللَّهُ التَّوْحِيدُ «٢» كما قال موسى لفرعَوْنَ: هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى [النازعات: ١٨] ويُرَجِّحُ هذا التأويل أَنَّ الآية مَكِّيَّةٌ، وزكاة المال إنما نزلَتْ بالمدينة وإنَّما هذه زكاة القلب والبدن، أي: تطهيره من المعاصي وقاله مجاهد والربيع «٣»، وقال الضَّحَّاكُ ومقاتلُ: معنى الزكاة هنا: النفقة في الطاعة «٤»، وغَيْرُ مَمْنُونٍ قال ابن عباس: معناه: غَيْر منقوصٍ «٥»، وقالت فرقة: معناه: غَيْر مَقْطُوعٍ يقال: مَنَنْتُ الحَبْلَ: إذا قَطَعْتَهُ، وقال مجاهد: معناه:\nغير محسوب «٦»، قال ع «٧»: ويظهر في الآية أَنَّهُ وصفه بعدم المَنِّ والأذى من حيثُ هو من جهة اللَّه تعالى، فهو شرِيفٌ لا مَنَّ فيه، وأُعْطِيَاتُ البشر هي التي يدخلها المَنُّ، والأنداد: الأشباهُ والأَمثَالُ، وهي إشارةٌ إلى كلّ ما عبد من دون الله.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١١/ ٨٦) برقم: (٣٠٤٢٤) عن قتادة، وذكره البغوي (٤/ ١٠٧) آية رقم: (٧)، وذكره ابن عطية (٥/ ٤) .\n(٢) أخرجه الطبري (١١/ ٨٦) برقم: (٣٠٤٢٢)، وذكره البغوي (٤/ ١٠٧)، وابن عطية (٥/ ٥)، وابن كثير (٤/ ٩٢) ط الحلبي، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٦٧٥)، وعزاه إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في «الأسماء والصفات» .\n(٣) ذكره ابن عطية (٥/ ٥) .\n(٤) ذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ١٠٨)، وابن عطية (٥/ ٥) .\n(٥) أخرجه الطبري (١١/ ٨٦) برقم: (٣٠٤٢٧)، وذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ١٠٨)، وابن عطية (٥/ ٥) .\n(٦) أخرجه الطبري (١١/ ٨٦) برقم: (٣٠٤٢٨)، وذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ١٠٨) آية رقم: (٨)، وابن عطية (٥/ ٥) .\n(٧) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٥) .","vol":"5","page":126},{"text":"وقوله تعالى: وَبارَكَ فِيها أي: جعلها منبتَّةً للطَّيِّبات والأطعمة، وجعلها طهورًا إلى غير ذلك من وجوه البركة، وفي قراءةِ ابن مسعود: «وَقَسَّمَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا» «١» واخْتُلِفَ في معنى قوله: أَقْواتَها فقال السُّدِّيُّ: هي أقواتُ البَشَرِ وأرزاقُهُمْ، وأضافها إلى الأرض، من حيثُ هي فيها وَعَنْهَا «٢»، وقال قتادة: هي أقواتُ الأرض: من الجبال، والأنهار، والأشجار، والصُّخُور، والمعادن، والأشياءِ التي بها قِوَامُ الأَرْضِ ومَصَالِحُها «٣»، وروى ابنُ عباس في هذا حديثًا مرفوعًا، فشبَّهها بالقُوتِ الذي به قِوَامُ الحيوان، وقال مجاهَدٌ أراد أقواتَهَا من المَطَرِ والمياه، وقال الضَّحَّاكُ وغيره: أراد بقوله: أَقْواتَها: خصائصها التي قَسَّمها في البلاد من المَلْبُوسِ والمطعومِ «٤»، فجعل في بَلَدٍ وفي قُطْرٍ ما ليس في الآخِرِ، لِيَحْتَاجَ بعضُهم إلى بعضٍ، ويُتَقوَّت مِنْ هذه في هذه، وهذا قريبٌ من الأَوَّلِ.\nوقوله تعالى: فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ يريد: باليومين الأولين، وقرأ الجمهور: «سَوَاءً» بالنصب على الحال «٥»، أي: سَوَاءً هي وما انقضى فيها، وقرأ أبو جعفر بن القَعْقَاعِ:\n«سَوَاءٌ» «٦» - بالرفع-، أي: هِيَ سَوَاءٌ، وقرأ الحسن «٧»: «سَوَاءٍ» بالخفض على نعت الأيَّامِ، واخْتُلِفَ في معنى: «للسائلين»: فقال قتادة معناه: سواءٌ لِمَنْ سَأَلَ واستفهم/ عن الأمْرِ وحقيقةِ وُقُوعِهِ، وأراد العِبْرَةَ فيه، فإنَّه يجده «٨»، كما قال تعالى، وقال ابن زيد وجماعة:\nمعناه: مستوٍ مُهَيَّأٌ أمر هذه المخلوقات ونَفْعُهَا للمحتاجِينَ إلَيْهَا من البشر، فعبّر عنهم ب السَّائِلِينَ بمعنى «الطالبين» لأَّنَّهُ من شَأْنهم، ولاَ بُدَّ طَلَبَ ما ينتفعون به، فهم في حُكْمِ مَنْ سَأَلَ هذه الأشياء، إذ هُمْ أهل حاجة إليها، ولفظة «سواء» تجري مَجْرَى عَدْل وزَوْر، في أنْ تَرِدَ على المفرد والجمع والمذكر والمؤنث.\n_________\n(١) ينظر: «الكشاف» (٤/ ١٨٨)، و«المحرر الوجيز» (٥/ ٦) .\n(٢) أخرجه الطبري (١١/ ٨٩) برقم: (٣٠٤٣٦)، وذكره ابن عطية (٥/ ٦) .\n(٣) أخرجه الطبري (١١/ ٨٩) برقم: (٣٠٤٣٨- ٣٠٤٣٩)، وذكره ابن عطية (٥/ ٦) .\n(٤) أخرجه الطبري (١١/ ٩٠) برقم: (٣٠٤٤٦)، وذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ١٠٨) آية رقم: (١٠)، وابن عطية (٥/ ٦) . [.....]\n(٥) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٦)، و«البحر المحيط» (٧/ ٤٦٥)، و«الدر المصون» (٦/ ٥٧) .\n(٦) وذكرت عن يعقوب.\nينظر: «مختصر الشواذ» ص: (١٣٤)، و«المحرر الوجيز» (٥/ ٦)، و«البحر المحيط» (٧/ ٤٦٥) .\n(٧) وقرأ بها عيسى، وابن أبي إسحاق، وعمرو بن عبيد، وزيد بن علي، ويعقوب.\nينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٦)، و«البحر المحيط» (٧/ ٤٦٥)، و«الدر المصون» (٦/ ٧٥) .\n(٨) أخرجه الطبري (١١/ ٩١) برقم: (٣٠٤٤٨- ٣٠٤٤٩)، وذكره ابن عطية (٥/ ٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٦٧٧)، وعزاه إلى عبد الرزاق، وعبد بن حميد.","vol":"5","page":127},{"text":"وقوله سبحانه: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ معناه: بقدرته واختراعه إلى خلق السماء وإيجادها.\nوقوله تعالى: وَهِيَ دُخانٌ رُوِيَ: أنَّها كانت جسمًا رخْوًا كالدُّخَانِ أوِ البُخَارِ، ورُوِيَ: أَنَّه ممَّا أَمَرَهُ اللَّه تعالى أنْ يَصْعَدَ مِنَ الماء، وهنا محذوفٌ، تقديرهُ: فأوجَدَهَا، وأتقنها، وأكمل أمْرهَا، وحينئذٍ قال لها وللأرْضِ أئتيا بمعنى ائتيا أمري وإرادتي فيكما، وقرأ ابن عباس: «آتِيَا» «١» بمعنى: أعطيا مِنْ أنْفُسِكُمَا من الطاعة ما أردتُهُ منكما «٢»، والإشارةُ بهذا كلِّه إلى تسخيرهما وما قَدَّرَهُ اللَّه من أعمالهما.\nوقوله: أَوْ كَرْهًا فيه محذوف تقديره ائتيا طَوْعًا وإلاَّ أتيتما كرهًا.\nوقوله سبحانه: قالَتا أراد الفرقتَيْنِ جعل السمواتِ سماءً والأرضِينَ أرْضًا، واختلف في هذه المقالةِ مِنَ السموات والأرضِ، هَلْ هُوَ نُطْقٌ حقيقةٌ أو هو مجازٌ؟ لما ظهر عليها من التذلُّل والخضوعِ والانقيادِ الذي يتنزل منزلة النطق، قال﵇ «٣»: والقول الأَوَّل: أَنَّه نُطْقٌ حقيقة- أَحْسَنُ لأَنه لا شَيْءَ يدفعه-، وأَنَّ العبرة به أَتَمُّ والقدرة فيه أظهر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1254>[سورة فصلت (٤١): الآيات ١٢ الى ١٥]</span>\nفَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظًا ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢) فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ (١٣) إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً فَإِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (١٤) فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (١٥)\nوقوله تعالى: فَقَضاهُنَّ معناه: فَصَنَعَهُنَّ وأَوْجَدَهُنَّ، ومنه قول أبي ذُؤَيْبٍ:\n[الكامل]\nوَعَلَيْهِمَا/ مسْرُودَتَانِ قَضَاهُمَا ... داوود أو صنع السّوابغ تبّع «٤»\n_________\n(١) وقرأ بها سعيد بن جبير، ومجاهد.\nينظر: «المحتسب» (٢/ ٢٤٥)، و«المحرر الوجيز» (٥/ ٧)، و«البحر المحيط» (٧/ ٤٦٦)، و«الدر المصون» (٦/ ٥٨) .\n(٢) أخرجه الطبري (١١/ ٩٢) برقم: (٣٠٤٥٢)، وذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ١٠٩) آية رقم (١١)، وابن عطية (٥/ ٧) .\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٧) .\n(٤) وهو لأبي ذؤيب «في سرّ صناعة الإعراب» (٢/ ٧٦٠)، و«شرح أشعار الهذليين» (١/ ٣٩)، و«شرح المفصل» (٣/ ٥٩)، و«لسان العرب» (٨/ ٣١) (تبع)، (٨/ ٢٠٩) (صنع)، (١٥/ ١٨٦) (قضى)، و«المعاني الكبير» ص: (١٠٣٩)، وبلا نسبة في «شرح المفصل» (٣/ ٥٨) .","vol":"5","page":128},{"text":"وقوله تعالى: وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها قال مجاهد وقتادة: أوحى إلى سُكَّانِها وَعَمَرَتِها من الملائكة وإليها هي في نَفْسِهَا- ما شاء الله تعالى- مِنَ الأَمُورِ التي بها قوامها وصلاحها «١» .\nوقوله: ذلِكَ إشارة إلَى جَمِيعِ ما ذكر، أي: أوْجَدَهُ بِقُدْرَتِهِ، وأحكمه بِعِلْمِهِ.\nوقوله تعالى: فَإِنْ أَعْرَضُوا يعني: قريشًا، والعرب الذين دَعَوتَهُم إلى عبادة اللَّه تعالى عن هذه الآيات البَيِّنَات فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ وقرأ النّخعي وغيره: صعقة فيهما «٢»، وهذه قراءة بَيِّنَةُ المعنى لأنَّ الصعقة الهلاكُ الوَحيُّ، وأمَّا الأولى فهي تشبيهٌ بالصاعقةِ، وهي الوقعة الشديدة من صوت الرعد، فشُبِّهَتْ هنا وقعةُ العذاب بها لأنَّ عادًا لم تُعَذَّبْ إلاَّ بِرِيحٍ، وإنَّما هذا تشبيهٌ واستعارة، وعبارةُ الثعلبيِّ:\nصاعِقَةً أي: واقعةٌ وعقوبةٌ مِثْلُ صاعقةِ عَادٍ وثَمُودَ، انتهى، قال ع «٣»: وَخَصَّ عادًا وثَمُودَ بالذِّكْر لوقوفِ قُرَيْشٍ على بلادها في اليمن وفي الحِجْرِ في طريق الشام، قال الثعلبيّ: ومِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ يعني: قبلهم وبعدهم، وقامت الحُجَّةُ عليهم في أَنَّ الرسالة والنذارة عمتهم خبرًا ومباشرة، وقال ع «٤» قوله: وَمِنْ خَلْفِهِمْ أي:\nجاءهم رسول بعد اكتمال أعمارهم وبعد تَقَدُّمِ وجودهم في الزَّمَنِ، فلذلك قال: وَمِنْ خَلْفِهِمْ ولا يتوجه أنْ يجعل وَمِنْ خَلْفِهِمْ عبارة عَمَّا أتى بعدهم لأنَّ ذلك لا يلحقهم منه تقصير.\nت: وما تقدم للثعلبيِّ وغيره أَحْسَنُ لأَنَّ مقصد الآية اتصال النذارة بهم وبمن قبلهم وبمن بعدهم إذ ما من أُمَّةٍ إلاَّ وفيها نذير، وكما قال تعالى: رُسُلَنا تَتْرا ...\n[المؤمنون: ٤٤] وأيضًا فإنَّه جمع في اللفظ عادًا وثمود وبالضرورة أَنَّ/ الرسولَ الذي أُرْسِلَ إلى ثمودَ هو بَعْدَ عادٍ، فليس لِرَدِّ ع: وَجْهٌ فتأمله.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١١/ ٩٢- ٩٣) برقم: (٣٠٤٥٥- ٣٠٤٥٦)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٥/ ٧)، وذكره ابن كثير (٤/ ٩٣) ولم يعزه لأحد، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٦٧٨)، وعزاه إلى عبد بن حميد، والفريابي عن مجاهد، وعبد بن حميد عن قتادة.\n(٢) وقرأ بها: ابن الزبير، والسلمي، وابن محيصن.\nينظر: «مختصر الشواذ» ص: (١٣٤)، و«المحرر الوجيز» (٥/ ٨)، و«البحر المحيط» (٧/ ٤٦٨)، و«الدر المصون» (٦/ ٥٩) .\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٨) .\n(٤) ينظر: المصدر السابق.","vol":"5","page":129},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1255>[سورة فصلت (٤١): الآيات ١٦ الى ٢١]</span>\nفَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ (١٦) وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٧) وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (١٨) وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٩) حَتَّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠)\nوَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢١)\nوقوله تعالى: فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا ... الآية، تقدَّم قَصَصُ هؤلاء، وقرأ نافع، وأبو عمرو، وابن كثير: نَحِساتٍ- بسكون الحاء «١» -، وهي جمعُ «نَحْس» وقرأ الباقون: نَحِساتٍ- بكسر الحاء- جمع «نَحِسٍ» على وزن حَذِرٍ، والمعنى في هذه اللفظة: مشائيم من النَّحْسِ المعروفِ، قاله مجاهد وغيره «٢»، وقال ابن عبَّاس: نَحِساتٍ معناه مُتَتَابِعَاتٍ «٣»، وقيل: معناه: شديدة، أي: شديدة البَرْدِ.\nوقوله تعالى: فَهَدَيْناهُمْ معناه: بَيَّنَّا لهم قاله ابن عَبَّاس وغيره، وهذا كما هي الآن شريعةُ الإسلامُ مُبَيَّنَةٌ لليهودِ والنصارَى المُخْتَلِطِينَ بنا، ولكِّنهم يعرضون ويشتغلون بالضّدّ، فذلك استحباب العمى على الهدى، والْعَذابِ الْهُونِ هو الذي معه هَوَانٌ وإذلالٌ قال أبو حَيَّان «٤»: «الهون» مصْدَرٌ بمعنى «الهَوَانِ»، وُصِفَ به العذاب، انتهى، وأَعْداءُ اللَّهِ هم الكفار المخالفون لأمر اللَّه سبحانه، ويُوزَعُونَ معناه: يُكَفُّ أَوَّلُهُمْ حَبْسًا على آخرهم قاله قتادة، والسُّدِّيُّ «٥»، وأهل اللغة، وهذا وصف حال من أحوال الكفرة في بعض أوقات القيامة، وذلك عند وصولهم إلى جَهَنَّمَ، فإنَّه سبحانه يستقرهم عند ذلك على أنفسهم، ويسألون سؤالَ توبيخ عن كُفْرهم فيجحدُونَ، ويحسبون أَنْ لا شاهد\n_________\n(١) ينظر: «السبعة» (٥٧٦)، و«الحجة» (٦/ ١١٦)، و«إعراب القراءات» (٢/ ٢٧٥)، و«إعراب القراءات» (٢/ ٣٥١)، و«شرح الطيبة» (٥/ ٢١٠)، و«العنوان» (١٦٩)، و«حجة القراءات» (٦٣٥)، و«شرح شعلة» (٥٧٢)، و«إتحاف» (٢/ ٤٤٢) .\n(٢) أخرجه الطبري (١١/ ٩٦) برقم: (٣٠٤٦٨)، (٣٠٤٧٠) عن مجاهد، (٣٠٤٧١) عن السدي، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٥/ ٩) . [.....]\n(٣) أخرجه الطبري (١١/ ٩٥) برقم: (٣٠٤٦٧)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٥/ ٩)، وابن كثير (٤/ ٩٥) ولم يعزه لأحد.\n(٤) ينظر: «البحر المحيط» (٧/ ٤٧١) .\n(٥) أخرجه الطبري (١١/ ٩٨- ٩٩) برقم: (٣٠٤٨٣- ٣٠٤٨٤)، وذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ١١٢) آية رقم (١٩)، وابن عطية (٥/ ١٠) .","vol":"5","page":130},{"text":"عليهِم، ويطلبون شهيدًا عليهم من أنفسهم، وفي الحديث الصحيح: «إنَّ الْعَبْدَ- يَعْنِي الكَافِرَ- يَقُولُ: يَا رَبِّ، أَلَيْسَ وَعَدْتَنِي أَلاَّ تَظْلِمَنِي؟ قَالَ: فَإنَّ ذَلِكَ لَكَ، قَالَ: فَإنِّي لاَ أَقْبَلُ عَلَيَّ شَاهِدًا إلاَّ مِنْ نَفْسِي، قَالَ فَيُخْتَمُ على فِيهِ، وَتَتَكلَّمُ أَرْكَانُهُ بِمَا كَانَ يَعْمَلُ، قَالَ: فَيَقُولُ لَهُنَّ: بُعْدًا لَكُنَّ، وَسُحْقًا، فَعَنْكُنَّ كُنْتُ أَدَافِعُ» «١» الحديثَ، قال أبو حَيَّان «٢»: حَتَّى إِذا ما جاؤُها: «ما» بعد «إذا» زائدة للتوكيد، انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1256>[سورة فصلت (٤١): الآيات ٢٢ الى ٢٥]</span>\nوَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢) وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ (٢٣) فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (٢٤) وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ (٢٥)\nوقوله تعالى: وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ يحتمل أنْ يكون من كلام الجلود، ويحتمل أنْ يكون من كلام الله ﷿، وجمهور الناس على أَنَّ المراد بالجلود الجلودُ المعروفةُ، وأمَّا معنى الآية فيحتمل وجهين:\nأحدهما: أن يريد وما كنتم تَتَصَاونُونَ وتَحْجِزُونَ أَنْفُسَكُمْ عن المعاصي والكُفْر خوفَ أَنْ يشهد، أو لأَجْلِ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ ... الآية، وهذا هو منحى مجاهد «٣»، والمعنى الثاني أنْ يريد: وما يمكنكم ولاَ يسَعُكُمْ الاخْتفاءُ عن أَعْضَائِكُمْ، والاستتارُ عنها بكُفْرِكُمْ ومعاصيكم، وهذا هو مَنْحَى السُّدِّيِّ «٤»، وعن ابن مسعود قال: «إِنِّي لمستترٌ بأستارِ الكعبةِ، إذْ دَخَلَ ثَلاَثَةُ نَفَرٍ: قُرَشِيَّانِ وَثَقَفِيٌّ أَوْ ثَقَفِيَّانِ وقُرَشِيٌّ، قَلِيلٌ فِقْهُ قُلوبِهِمْ، كَثِيرٌ شَحْمُ بُطُونِهِمْ، فَتَحَدَّثُوا بِحَدِيثٍ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: أَترَى اللَّهَ يَسْمَعُ مَا قُلْنَا؟\nفَقَالَ الآخَرُ: يَسْمَعُ إذَا رفَعْنَا، وَلا يَسْمَعُ إذَا أَخْفَيْنَا، وَقَالَ الآخَرُ: إنْ كَانَ يَسْمَعُ مِنْهُ شَيْئًا فإنّه يسمعه كلّه، فجئت رسول الله ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ بِذَلِكَ فَنَزَلَتْ هذه الآيةُ: وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ، وقرأ حتى بلغ: وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ» «٥» .\n_________\n(١) ينظر: «الدر المنثور» (٥/ ٣٥) .\n(٢) ينظر: «البحر المحيط» (٧/ ٤٧١) .\n(٣) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (٥/ ١١) .\n(٤) أخرجه الطبري (١١/ ١٠٠) برقم: (٣٠٤٩٣)، وابن عطية (٥/ ١١)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٦٨٠) .\n(٥) أخرجه البخاري مختصرا (٨/ ٤٢٤) كتاب «التفسير» باب: وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (٤٨١٦)، (٨/ ٤٢٤- ٤٢٥) -","vol":"5","page":131},{"text":"قال الشيخ أبو محمَّدِ بْنُ أبي زَيْدٍ في آخر: «مُخْتَصَرِ المُدَوَّنَةِ» له: واعلم أنَّ [الأجساد التي أطاعت أو عصت، هي التي تُبْعَثُ يومَ القيامة لتجازى، والجلودُ التي كانَتْ في الدنيا، والألسنةُ] «١»، والأيْدِي، والأرجُلُ هي التي تشهد عليهم يوم القيامة على مَنْ تشهَدُ، انتهى.\nقال القرطبيُّ في «تذكرته» «٢»: واعلم أَنَّ عند أهل السنة أَنَّ تلك الأجسادَ الدُّنْيَوِيَّةَ تُعَادُ بأعيانها وأعراضِهَا بلا خلافٍ بينهم في ذلك، انتهى، ومعنى أَرْداكُمْ: أهلككم، والرَّدَى: الهَلاَكُ وفي صحيحُ «البخاريِّ» و«مسلم» عن جابر قال: سمعت النبيّ ﷺ يقولُ قبل وفاته بثلاثٍ: «لاَ يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلاَّ وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ ﷿» «٣» وذكره ابن أبي الدنيا في «كتابٍ حَسَنِ الظنّ بالله ﷿»، وزاد فيه: «فَإنَّ قَوْمًا قَدْ أَرْدَاهُمْ سُوءُ ظَنِّهِمْ بِاللَّهِ، فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ ﵎: وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ انتهى، ونقله أيضًا صاحب «التذكرة» .\nوقوله تعالى: فَإِنْ يَصْبِرُوا مخاطبة للنبيّ ﷺ والمعنى: فإنْ يصبروا أوْ لا يَصْبِرُوا، واقتصر لدلالة الظاهِرِ على ما ترك.\nوقوله تعالى: وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا معناه: وإنْ طَلَبُوا العتبى، وهي الرضَا فما هم مِمَّنْ يُعْطَاها ويَسْتَوْجِبُهَا قال أبو حَيَّان «٤»: قراءة الجمهور: «وَإنْ يَسْتَعْتِبُوا» مبنيًّا للفاعل «٥»، و:\nمِنَ الْمُعْتَبِينَ مبنيًّا للمفعول، أي: وإِنْ يعتذروا فما هم من المَعْذُورِينَ، انتهى.\n_________\n- كتاب «التفسير» باب: وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ (٤٨١٧)، (١٣/ ٥٠٤) كتاب «التوحيد» باب: قول الله تعالى: وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ، وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (٧٥٢١)، ومسلم (٤/ ٢١٤١) كتاب «صفات المنافقين وأحكامهم» باب: (٥/ ٢٧٧٥)، وابن حبان (٢/ ١١٦) كتاب «البر والإحسان» باب: الإخلاص وأعمال السر (٣٩٠)، والحميدي (١/ ٤٧) (٨٧)، والترمذي (٥/ ٣٧٥) كتاب «تفسير القرآن» باب: ومن سورة حم السجدة، (٣٢٤٨- ٣٢٤٩)، وأحمد (١/ ٣٨١، ٤٠٨، ٤٢٦، ٤٤٢، ٤٤٣) .\nقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.\n(١) سقط من: د.\n(٢) ينظر: «التذكرة» (١/ ٢٢٧) .\n(٣) أخرجه مسلم (٤/ ٢٢٠٤) كتاب «الجنة وصفة نعيمها وأهلها» باب: الأمر بحسن الظن بالله تعالى عند الموت، حديث (٨١/ ٢٨٧٧) من حديث جابر.\n(٤) ينظر: «البحر المحيط» (٧/ ٤٧٢) .\n(٥) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ١٢)، و«البحر المحيط» (٧/ ٤٧٢)، و«الدر المصون» (٦/ ٦٤) . [.....]","vol":"5","page":132},{"text":"ثم وصف تعالى حالهم في الدنيا وما أصابهم به حِينَ أعرضوا، فَحْتَّمَ عليهم، فقال:\nوَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ، أي: يَسَّرْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ سَوْءٍ من الشياطين وغُوَاةِ الإنْسِ.\nوقوله: فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ أي: عَلَّمُوهم، وقَرَّروا لهم في نفوسهم معتقداتِ سوءٍ في الأمور التي تقدَّمتهم من أمر الرسُلِ والنُبُوَّاتِ، ومَدْحِ عبادةِ الأصنامِ، واتباع فعل الآباء، إلى غير ذلك مِمَّا يُقَالُ: إنَّه بين أيدِيهِمْ، وذلك كلُّ ما تقدَّمهم في الزَّمَنِ، واتصل إليهم أثره أو خَبَرُهُ، وكذلك أعطُوهُمْ معتقداتِ سوءٍ فيما خَلْفهم، وهو كلُّ ما يأتي بَعْدَهُمْ من القيامة والبعث ونَحْوِ ذلك وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ أي: سبق عليهم القضاءُ الحَتْمُ، وأَمَرَ اللَّهُ بتَعْذِيبِهِمْ في جملةِ أُمَمٍ مُعَذِّبِينَ، كُفَّارٍ من الجنِّ والإنس.\nوقالت فرقة: «في» بمعنى «مع»، أي: مع أمم، قال ع «١»: والمعنى/ يتأدى بالحرفين، ولا نحتاج أنْ نجعل حرفًا بمعنى حَرْفٍ، إذ قد أبى ذلك رؤساءُ البصريّين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1257>[سورة فصلت (٤١): الآيات ٢٦ الى ٢٩]</span>\nوَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٢٦) فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٧) ذلِكَ جَزاءُ أَعْداءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ جَزاءً بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (٢٨) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلاَّنا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ (٢٩)\nوقوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لاَ تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ ... الآية: حكاية لما فعله بعض كفار قريش، كأبي جَهْلٍ وغيره، لما خافوا استمالَةَ القُلُوبِ بالقُرْآنِ، قالوا: متى قرأَ محمد فالغطوا بالصَّفِيرِ والصِّيَاحِ وإنشادِ الشِّعْرِ حتى يخفى صَوْتُهُ، فهذا الفعلُ منهم هو اللغو، وقال أبو العالية: أرادوا: قَعُوا فيه وعَيِّبوه، وقولهم: لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ أي:\nتطمسون أمر محمد، وتُمِيتُون ذكره، وتَصْرِفُون عنه القلوبَ، فهذه الغاية التي تمنوها، ويأبى اللَّه إلاَّ أنْ يتم نوره ولو كره الكافرون.\nوقوله تعالى: فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذابًا شَدِيدًا ... الآية، قوله: فَلَنُذِيقَنَّ:\nالفاء دخلَتْ على لام القسم، وهي آيةُ وعيدٍ لقريشٍ، والعذابُ الشديدُ: هو عذابُ الدنيا في بَدْرٍ وغيرها، والجزاء بأسوإ أعمالهم هو عذابُ الآخرة.\nت: حَدَّثَ أبو عُمَرَ في «كتاب التمهيد» قال: حدَّثنا أحمد بن قَاسِمٍ، قال:\nحدَّثنا محمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بْنُ موسَى بن جميل، قال: حدّثنا\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ١٢) .","vol":"5","page":133},{"text":"عبد اللَّه بن محمَّد بن أبي الدنيا، قال: حدثنا العَتَكِيُّ. قال: حدثنا خالد أبو يزيد الرَّقِّيُّ عن يحيى المَدَنِيِّ، عن سالمِ بنِ عبد اللَّهِ عَنْ أبيه قال: خرجْتُ مرةً، فمررْتُ بِقَبْرٍ مِنْ قُبُورِ الجاهِلِيَّةِ، فإذا رجلٌ قد خرج من القَبْرِ، يَتَأَجَّجُ نارًا، في عُنُقِهِ سلسلةٌ، ومعي إدَاوَةٌ مِنْ مَاءٍ، فَلَمَّا رآني قال: يَا عَبْدَ اللَّهِ، اسقني، قال: فَقُلْتُ: عَرِّفْنِي، فَدَعَانِي باسمي، أو كلمة تقولها العَرَبُ: يِا عَبْدِ اللَّهِ، إذْ خَرَجَ على أَثَرِهِ رَجُلٌ من القَبْرِ، فقال: يَا عَبْدَ اللَّهِ، لاَ تَسْقِهِ، فَإنَّهُ كَافِرٌ، ثُمَّ أَخَذَ السِّلْسِلَةَ فاجتذبه، فَأَدْخَلَهُ القَبْرَ، قال: ثم أَضَافَنِي اللَّيْلَ إلى بَيْتِ عَجُوزٍ، إلى جَانِبِهَا قَبْرٌ، فسمعْتُ مِنَ القَبْرِ صَوْتًا يَقُولُ: / بَوْلٌ وَمَا بَوْلٌ، شَنٌّ وَمَا شَنٌّ، فقلتُ للعَجُوزِ:\nما هذا؟ قالَتْ: كَانَ زَوْجًا لِي، وكان إذَا بَالَ لَمْ يَتَّقِ البَوْلَ، وكُنْتُ أَقُولُ لَهُ: وَيْحَك! إنَّ الجَمَلَ إذَا بَالَ تَفَاجّ، وكان يأبى، فهو يُنَادِي من يَوْم مَاتَ: بَوْلٌ وَمَا بَوْلٌ، قلتُ: فما الشَّنُّ؟ قالت: جاء رجل عطشان فقال: اسقني! فقال: دُونَكَ الشَّنَّ، فإذا لَيْسَ فيه شَيْءٌ فخَرَّ الرَّجُلُ مَيِّتًا، فهُو ينادي مُنْذُ ماتَ: شَنٌّ وَمَا شنٌّ، فلما قَدِمْتُ على رَسُولِ الله ﷺ أخبرتُهُ، فنهى: أَنْ يُسَافِرَ الرَّجُلُ وَحْدَهُ. قال أبو عمر: هذا الحديث في إسناده مجهولُونَ، ولم نُورِدْهُ لِلاحتجاجِ به ولكنْ لِلاعتبار، وما لم يكنْ حكم، فقد تسامح الناسُ في روايته عن الضعفاء، انتهى من ترجمة عبد الرحمن بن حَرْمَلَةَ، وكلامه على قول النبي ﷺ:\n«الشَّيْطَانُ يَهُمُّ بِالْوَاحِدِ وَالاِثْنَيْنِ، فَإذَا كَانُوا ثَلاَثَةً لَمْ يَهُمَّ بِهِمْ» «١» وقد ذكرنا الحكاية الأولى عن الوَائِليِّ في سورة اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ بغير هذا السند، وأَنَّ الرجُلَ الأَوَّلَ هو أبو جَهْلٍ، انتهى، ثم ذكر تعالى مقالة كُفَّارِ يومِ القيامة إذا دَخَلُوا النار فإنَّهم يَرَوْنَ عظيمَ ما حَلَّ بِهِمْ وسُوء مُنْقَلَبِهِمْ، فَتَجُولُ أَفكارهم فيمن كان سبب غوايتهم ومبادي ضلالتهم، فيعظم غيظهم وَحَنَقُهُمْ عليه، وَيَوَدُّونَ أنْ يَحْصُلَ في أشدِّ عذابٍ، فحينئذٍ يقولُونَ: رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانا وظاهر اللفظ يقتضِي أَنَّ الذي في قولهم: الَّذِينَ إنما هو لِلْجِنْسِ، أي: أَرنا كلَّ مُغْوٍ من الجنِّ والإنْسِ، وهذا قول جماعة من المفسرين.\nوقيل: طلبوا ولد آدم الذي سَنَّ القَتْلَ والمعصية من البَشَرِ، وإبليسَ الأبالسة من الجِنِّ، وهذا قولٌ لا يخفى ضعفه، والأَوَّلُ هو/ القويُّ، وقولهم: نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا يريدون في أسفل طبقة في النار وهي أشدُّ عذابا.\n_________\n(١) أخرجه مالك (٢/ ٩٧٨) كتاب «الاستئذان» باب: ما جاء في الوحدة في السفر للرجال والنساء (٣٦)، وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٣/ ٢١٨) .\nقال الهيثمي: رواه البزار وفيه عبد الرحمن بن أبي الزناد وهو ضعيف.","vol":"5","page":134},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1258>[سورة فصلت (٤١): الآيات ٣٠ الى ٣٢]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)\nوقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا قال سفيان بن عبد اللَّه الثَّقَفِيُّ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي بِأَمْرٍ أَعْتَصِمُ بِهِ، قَالَ: «قُلْ: رَبِّيَ اللَّهُ ثُمَّ استقم» «١» .\nت: هذا الحديث خَرَّجه مسلم في «صحيحه»، قال صاحب «المُفْهِمِ»: جوابه ﷺ من جوامع الكَلِم، وكأَنَّهُ مُنْتَزَعٌ من قول اللَّه تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا ... الآية، وتلخيصه: اعْتَدَلُوا على طاعته قولًا وفعلًا وعقدًا، انتهى من «شرح الأربعين حديثًا» لاِبْنِ الفَاكِهَانِيِّ، قال ع «٢»: واخْتَلَفَ النَّاسُ في مقتضى قوله: ثُمَّ اسْتَقامُوا فذهب الحَسَنُ وجماعةٌ إلى أَنَّ معناه: استقاموا بالطاعاتِ واجتناب المعاصِي، وتلا عُمَرُ﵁- هذه الآيةُ على المِنْبَرِ، ثم قال: استقاموا- واللَّهِ- بطاعتهِ، ولم يروغوا روِغانَ الثَّعَالِبِ، قال ع «٣»: فذهب﵀- إلى حَمْلِ الناس على الأَتَمِّ الأفْضَلِ، وإلاَّ فيلزم على هذا التأويل من دليل الخطاب أَلاَّ تتنزل الملائكةُ عِنْدَ الموت على غير مستقيمٍ على الطاعَةِ، وذهب أبو بكْرٍ﵁- وجماعةٌ معه إلى أَنَّ المعنى:\nثم: استقاموا على قولهم: رَبُّنَا اللَّهُ، فلم يختلَّ توحيدُهُمْ، ولا اضطرب إيمانهم، قال ع «٤»: وفي الحديث الصحيح: «مَنْ كَانَ آخِرُ كَلاَمِهِ: لاَ إلَهَ إلاَّ اللَّه، دخل الجنّة» «٥»\n_________\n(١) أخرجه مسلم (١/ ٢٢٢) - الأبي كتاب «الإيمان» باب: جامع أوصاف الإسلام (٦٢/ ٣٨)، والترمذي (٤/ ٦٠٧) كتاب «الزهد» باب: ما جاء في حفظ اللسان (٢٤١٠)، وابن ماجه (٢/ ١٣١٤) كتاب «الفتن» باب: كف اللسان في الفتنة (٣٩٧٢)، والدارمي (٢/ ٢٩٨) كتاب «الرقاق» باب: في حفظ اللسان، وابن حبان (٨/ ٢٣٧) - الموارد (٢٥٤٣)، وأخرجه الحاكم (٤/ ٣١٣)، والطبراني (٧/ ٧٨) (٦٣٩٦)، وأبو نعيم في «الحلية» (١/ ٦٥)، والخطيب في «تاريخ بغداد» (٩/ ٢٣٤) (٤٨٧٧) .\nوأخرجه ابن حبان (٣/ ٢٢١- ٢٢٢) كتاب «الرقائق» باب الأدعية: ذكر ما يجب على المرء من سؤال الباري تعالى الثبات والاستقامة على ما يقربه إليه بفضل الله علينا بذلك (٩٤٢)، بلفظ: «قل آمنت بالله ...» الحديث، وأحمد (٣/ ٤١٣) .\nقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وقد روي من غير وجه عن سفيان بن عبد الله الثقفي.\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ١٤) .\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ١٤) .\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ١٤) .\n(٥) أخرجه الحاكم في «المستدرك» (١/ ٣٥١، ٥٠٠)، وأبو داود (٢/ ٢٠٧) كتاب «الجنائز» باب: في التلقين برقم: (٣١١٦)، وأحمد (٥/ ٢٣٣، ٢٤٧) من حديث معاذ بن جبل. -","vol":"5","page":135},{"text":"وهذا هو الْمُعْتَقَدُ إن شاء اللَّه، وذلك أَنَّ العصاة من أُمَّةِ محمَّد وغيرها فرقتان: فأَمَّا مَنْ غفر اللَّه له، وترك تعذيبه، فلا محالة أَنَّه مِمَّن/ تتنزَّل عليهم الملائكة بالبشارة، وهو إنَّما استقام على توحيده فَقَطْ، وأَمَّا مَنْ قَضَى اللَّهُ بِتَعْذِيبِهِ مُدَّةً، ثم [يأمر] بإدخاله الجَنَّةَ، فلا محالة أَنَّه يلقى جميعَ ذلك عند مَوْتِهِ وَيَعْلَمُهُ، وليس يَصِحُّ أنْ تكون حاله كحالة الكافر واليائِسِ مِنْ رحمة اللَّه، وإذا كان هذا فقَدْ حَصَلَتْ له بشارة بأَلاَّ يخافَ الخُلُودَ، ولا يحزنَ منه، ويدخل فيمن يقال لهم: أَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ومع هذا كله فلا يختلف في أَنَّ المُوَحِّدَ المستقيمَ عَلَى الطَّاعَةِ أَتَمُّ حالًا وأَكمل بشارةً، وهو مقصد أمير المؤمنين عمر﵁-، وبالجملة، فكُلَّما كان المرءُ أشَدَّ استعدادا، كان أسْرَعَ فوزًا بفَضْلِ اللَّه تعالى قال الثعلبيُّ: قوله تعالى: تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أي: عند الموت أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا قال وَكِيعٌ: والبشرى في ثلاثة مَوَاطِنَ: عند الموت، وفي القبر، وعند البعث، وفي البخاريّ: تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أي: عند الموت «١»، انتهى، قال ابن العربيِّ في «أحكامه» «٢»: تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ\nقال المُفَسِّرُونَ: عند الموت، وأنا أقول: كُلَّ يَوْم، وأَوْكَدُ الأيام: يومُ الموت، وحينَ القَبْرِ، ويَوْمُ الفزع الأكبر، وفي ذلك آثار بَيَّنَّاها في موضعها، انتهى، قال ع «٣»: قوله تعالى: أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا: أَمَنَةٌ عامَّةٌ في كُلِّ هَمِّ مستأنفٍ، وتسليةٌ تَامَّةٌ عن كُلِّ فَائِتٍ مَاضٍ، وقال مجاهدٌ: المعنى: لا تخافُونَ ما تَقْدُمُونَ عليه، ولا تحزنوا على ما خلّفتم من دنياكم.\n_________\n- قال الحاكم (١/ ٣٥١): هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وقد كنت أمليت حكاية أبي زرعة وآخر كلامه كان سياقه هذا الحديث.\nقال ابن حجر في «تلخيص الحبير» (٢/ ٢١١) كتاب «الجنائز»، أعله ابن القطان بصالح بن أبي عريب، وأنه لا يعرف، وتعقب بأنه روى عنه جماعة، وذكره ابن حبان في «الثقات» .\nوفي الباب من حديث أبي هريرة: أخرجه ابن حبان (٢/ ٤٦٣) - الموارد (٩١٧) نحوه، وابن حبان (٧/ ٢٧٢) كتاب «الجنائز» باب: فصل في المحتضر، ذكر العلة التي من أجلها أمر بهذا الأمر (٣٠٠٤)، وعبد الرزاق في «المصنف» (٣/ ٣٨٧) كتاب «الجنائز» باب: تلقنة المريض (٦٠٤٥) نحوه.\nوأخرجه مختصرا: مسلم (٢/ ٦٣١) كتاب «الجنائز» باب: تلقين الموتى لا إله إلّا الله (٢/ ٩١٧)، وأبو يعلى (١١/ ٤٤) (٣٤٤/ ٦١٨٤)، وابن ماجه (١/ ٤٦٤) كتاب «الجنائز» باب: ما جاء في تلقين الميت لا إله إلّا الله (١٤٤٤)، والبيهقي (٣/ ٣٨٣) كتاب «الجنائز» باب: ما يستحب من تلقين الميت إذا حضر، وابن الجارود في «المنتقى» (١٣٦)، (٥١٣) .\n(١) ينظر: «صحيح البخاري» (٨/ ٤١٨) كتاب «التفسير» باب: سورة حم السجدة.\n(٢) ينظر: «الأحكام» (٤/ ١٦٦١) .\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ١٥) .","vol":"5","page":136},{"text":"ت: وذكر أبو نُعَيْمٍ عن ثابتٍ البُنَانيِّ أَنَّه قرأ: حم السجدةِ حَتَّى بلغ: إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ/ الْمَلائِكَةُ، فوقف، وقال: بلغنا أنَّ العَبْدَ المؤمن حين يُبْعَثُ من قبره يتلقَّاه المَلَكَانِ اللَّذانِ كانا معه في الدنيا، فيقولانِ له: لاَ تَخَفْ، ولا تَحْزَنْ، وأبشر بالجنة التي كنت تُوْعَدُ، قال: فَأَمَّنَ اللَّه خوفَه، وأَقَرَّ عينه، الحديث «١» . انتهى. قال ابن المبارك في «رقائقه»: سمعتُ سفيانَ يَقُولُ في قوله تعالى: تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ:\nأي عند الموت أَلَّا تَخافُوا: ما أمامكم وَلا تَحْزَنُوا: على ما خلفتم من ضَيْعَاتِكُمْ وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ قال: يُبَشَّرُ «٢» بثلاث بشاراتٍ: عند الموت، وإذا خرج من القبر، وإذا فَزِعَ، نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا\nقال: كانوا معهم، قال ابن المبارك: وأخبرنا رَجُلٌ عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قوله تعالى: نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا\nقال: قُرَنَاؤُهُمْ يلقونهم يوم القيامة، فيقولون: لا نفارقكم حتّى تدخلوا الجنة، ا. هـ.\nوقوله تعالى: نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ\nالمتكلم ب نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ\nهم الملائكة القائلون: أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا أي: يقولون للمؤمنين عند الموت وعند مشاهدة الحق: نحن كُنَّا أولياءَكُمْ في الدنيا، ونحن هُمْ أولياؤكم في الآخرة قال السُّدِّيُّ: المعنى: نحن حَفَظَتُكُم في الدنيا، وأولياؤكم في الآخرة «٣»، والضمير في قوله: فِيها\nعائد على الآخرة، وتَدَّعُونَ\nمعناه: تَطْلُبُونَ قال الفَخْرُ «٤»: ومعنى كونِهِمْ أولياءَ للمؤمنين، إشارةٌ إلى أَنَّ للملائكة تأثيراتٍ في الأرواح [البشريّة، بالإلهامات والمكاشفات اليقينيّة والمناجاة الخفيَّةِ كما أَنَّ للشياطينِ تَأْثيراتٍ في الأرواحِ] «٥» بإلقاء الوسَاوِسِ، وبالجملة، فَكَوْنُ الملائكةِ أولياءَ للأرواح الطَّيِّبَةِ الطاهرةِ، حاصِلٌ من جهاتٍ كثيرةٍ معلومةٍ لأربابِ المكاشفاتِ والمشاهَدَاتِ، فَهُمْ يَقُولُونَ: كما أَنَّ تلك الولاياتِ حاصلةٌ في الدنيا، فهي تكونُ باقيةً في الآخرة فإنَّ تلك العلائِقَ ذاتِيَّةٌ/ لازمة، غير مائلة إلى الزوال بل تصير بعد الموت أقوى وأبقى وذلك لأَنَّ جوهر النفْسِ من جنس الملائكة، وهي كالشُّعْلَةِ بالنسبة إلى الشمس والقطرة بالنسبة إلى البحر، وإنَّما التّعلّقات الجسدانيّة\n_________\n(١) ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٦٨٣)، وعزاه إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(٢) في د: يبشرهم.\n(٣) أخرجه الطبري (١١/ ١٠٩) برقم: (٣٠٥٣٨)، وذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ١١٤)، وابن عطية (٥/ ١٥) . [.....]\n(٤) ينظر: «تفسير الفخر الرازي» (١٤/ ١٠٦) .\n(٥) سقط في: د.","vol":"5","page":137},{"text":"والتدبيراتُ البدنيَّةُ هي الحائلة بَيْنَهَا وبين الملائكة، فإذا زالَتْ تلك العلائِقُ، فقد زَالَ الْغِطَاءُ، واتَّصَلَ الأثر بالمؤثر، والقطرةُ بالبَحْرِ، والشعلةُ بالشمْسِ، انتهى.\nت: وقد نقل الثعلبيُّ من كلام أرباب المعاني هنا كلامًا كثيرًا حَسَنًا جِدًّا، موقظًا لأربابِ الهِمَمِ، فانظره إنْ شِئْتَ، وروى ابن المبارك في «رقائقه» بسنده عن النبي ﷺ أنّه قال: «إذَا فَنِيَتْ أَيَّامُ الدُّنْيَا عَنْ هَذَا الْعَبْدِ المُؤْمِنِ، بَعَثَ اللَّهُ إلى نَفْسِهِ مَنْ يَتَوَفَّاهَا، قَالَ: فَقَالَ صَاحِبَاهُ اللَّذَانِ يَحْفَظَانِ عَلَيْهِ عمله: إنّ هذا قد كان لَنَا أَخًا وَصَاحِبًا، وَقَدْ حَانَ الْيَوْمَ مِنْهُ فِرَاقٌ، فَأْذَنُوا لَنَا، أَوْ قَالَ: دَعُونَا نُثْنِ على أَخِينَا، فَيُقَالُ: أَثْنِيَا عَلَيْهِ، فَيَقُولاَنِ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا، وَرَضِيَ عَنْكَ، وَغَفَرَ لَكَ، وأَدْخَلَكَ الجَنَّةَ فَنِعْمَ الأَخُ كُنْتَ والصَّاحِبُ مَا كَانَ أَيْسَرَ مُؤْنَتَكَ، وَأَحْسَنَ مَعُونَتَكَ على نَفْسِكَ، مَا كَانَتْ خَطَايَاكَ تَمنَعُنَا أَنْ نَصْعَدَ إلى رَبِّنَا، فَنُسَبِّحَ بِحَمْدِهِ، وَنُقَدِّسَ لَهُ، وَنَسْجُدَ لَهُ، وَيَقُولُ الَّذِي يتوفى نَفْسَهُ: اخرج أَيُّهَا الرُّوْحُ الطَّيِّبُ إلى خَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ، فَنِعْمَ مَا قَدَّمْتَ لِنَفْسِكَ، اخرج إلَى الرَّوْحِ وَالرَّيْحَانِ وَجَنَّاتِ النعيم وربّ عليك غير غضبان، وفنيت أَيَّامُ الدُّنْيَا عَنِ الْعَبْدِ الْكَافِرِ، بَعَثَ اللَّهُ إلى نَفْسِهِ مَنْ يَتَوَفَّاهَا، فَيَقُولُ صَاحِبَاهُ اللَّذَانِ كَانَا يَحْفَظَانِ عَلَيْهِ عَمَلَهُ: إنَّ هَذَا قَدْ كَانَ لَنَا صَاحِبًا، وَقَدْ حَانَ مِنْهُ فِرَاقٌ/، فَأْذَنُوا لَنَا، وَدَعُونَا نُثْنِ على صَاحِبِنَا، فَيُقَالُ: أَثْنِيَا عَلَيْهِ فَيَقُولاَن: لَعْنَةُ اللَّهِ وَغَضَبُهُ عَلَيْهِ، وَلاَ غَفَرَ لَهُ، وَأَدْخَلَهُ النَّارَ فَبِئْسَ الصَّاحِبُ ما كان أشدّ مؤنته، ونقدّس ما كَانَ يُعِينُ على نَفْسِهِ إنْ كَانَتْ خَطَايَاهُ وَذُنُوبُهُ لَتَمْنَعُنَا أَنْ نَصْعَدَ إلى رَبِّنَا فَنُسَبِّحَ لَهُ، وَنُقَدِّسَ لَهُ، وَنَسْجُدَ لَهُ، وَيَقُولُ الَّذِي يتوفى نَفْسَهُ: اخرج أَيُّهَا الرُّوحُ الخَبِيثُ إلى شَرِّ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ، فَبِئْسَ مَا قَدَّمْتَ لِنَفْسِكَ، اخرج إلَى الحَمِيمِ وَتَصْلِيَةِ الجَحِيمِ وَرَبٍّ عليك غضبان» «١»، انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1259>[سورة فصلت (٤١): الآيات ٣٣ الى ٣٥]</span>\nوَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحًا وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣) وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَما يُلَقَّاها إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)\nوقوله تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ ... الآية ابتداء توصية لنبيّه ع، وهو لفظ يَعُمُّ كلَّ مَنْ دعا قديمًا وحديثًا إلى اللَّه ﷿ من الأنبياء والمؤمنين، والمعنى: لا أَحَدَ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ هذه حاله، وإلى العموم ذهب الحسن\n_________\n(١) أخرجه نعيم بن حماد في «زوائد الزهد» (٤٠- ٤١) باب: ما يبشر به الميت عند الموت، وثناء الملكين عليه.","vol":"5","page":138},{"text":"ومقاتلٌ وجماعةٌ «١»، وقيل: إنَّ الآية نزلَتْ في المُؤَذِّنينَ، وهذا ضعيفٌ لأَنَّ الآية مَكِّيَّةٌ، والأذانُ شُرِعَ بالمدينةِ، قال أبو حَيّان «٢»: وَلَا السَّيِّئَةُ «لا» زائدة للتوكيدِ، انتهى.\nوقوله تعالى: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ آية جَمَعَتْ مكارمَ الأخلاقِ وأنواعَ الحِلْمِ، والمعنى: ادفع ما يعرض لك مع الناس في مخالطتهم بالفعلة أو بالسيرة التي هي أَحْسَنُ، قال ابن عبَّاس: أمره اللَّه تعالى في هذه الآية بالصَّبْر عند الغَضَبِ، وَالحِلْمِ عند الجَهْل، والعَفْوِ عِنْدَ الإسَاءَةِ، فإذا فعل المؤمنُونَ ذلك، عَصَمَهُمُ اللَّه من الشيطان، وخضع لهم عَدُوُّهم، كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ «٣» البخاريُّ: «وليُّ حميم» أي: قريب، انتهى،، وفسَّر مجاهدٌ وعطاءٌ هذه الآية بالسَّلاَمِ عند اللِّقاء «٤»، قال ع «٥»: ولا شَكَّ أنَّ السلام هو مبدأُ الدَّفْعِ بالتي هي أحسن، وهو جزء منه، والضمير في قوله: يُلَقَّاها عائد على هذه الخُلُقِ التي يقتضيها قوله: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، وقالت فرقة: / المراد: وما يُلَقَّى «لاَ إله إلاَّ اللَّهُ»، وهذا تفسير لا يقتضيه اللفظ.\nوقوله سبحانه: إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا: مدح بليغ للصابرين، وذلك بَيِّنٌ للمتأَمِّلِ لأنَّ الصَّبْرَ على الطاعات وعنِ الشهوات جامع لخصَالِ الْخَيْر كلِّها، والحظُّ العظيمُ: يَحْتَمِلُ أن يريد من العقل والفضلِ فتكونَ الآية مدحًا لِلْمُتَّصِفِ بذلك، ويحتمل أن يريد: ذو حظ عظيم من الجنة وثواب الآخرة، فتكونَ الآية وعدًا، وبالجنة فسر قتادة الحظّ هنا «٦» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1260>[سورة فصلت (٤١): الآيات ٣٦ الى ٣٩]</span>\nوَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦) وَمِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧) فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ (٣٨) وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١١/ ١٠٩- ١١٠) برقم: (٣٠٥٣٩) عن الحسن، و(٣٠٥٤٠) عن قتادة بنحوه، وذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ١١٤) عن الحسن، وابن عطية (٥/ ١٥) .\n(٢) ينظر: «البحر المحيط» (٧/ ٤٧٦) .\n(٣) أخرجه الطبري (١١/ ١١١) برقم: (٣٠٥٤٤)، وذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ١١٥)، وابن عطية في «تفسيره» (٥/ ١٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٦٨٥)، وعزاه إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٤) أخرجه الطبري (١١/ ١١١) برقم: (٣٠٥٤٥- ٣٠٥٤٦)، وذكره ابن عطية (٥/ ١٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٦٨٥)، وعزاه إلى عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٥) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ١٦) .\n(٦) أخرجه الطبري (١١/ ١١٢) برقم: (٣٠٥٤٩)، وذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ١١٥)، وابن عطية (٥/ ١٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٦٨٥)، وعزاه إلى عبد الرزاق، وعبد بن حميد.","vol":"5","page":139},{"text":"وقوله تعالى: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ «إِمَّا»: شرطٌ وجوابُ الشرطِ قوله: فَاسْتَعِذْ والنَّزْغُ: فِعْلُ الشيطانِ في قَلْبٍ أو يدٍ من إلقاءِ غَضَبٍ، أو حقدٍ، أو بطشٍ في اليد.\nفمن الغضب هذه الآية، ومن الحقد قوله: نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي [يوسف: ١٠٠]، ومن البطش قول النبيّ ﷺ: «لاَ يُشِرْ أَحَدُكُمْ عَلَى أخِيهِ بالسِّلاَح لاَ يَنْزَغُ الشَّيْطَانُ في يَدِهِ فَيُلْقِيَهُ في حُفْرَةٍ مِنْ حُفَرِ النَّارِ» «١» . ومن دعاء الشيخِ الوليِّ العارف باللَّه سبحانه، محمَّد بن مَسَرَّة القُرْطُبِيِّ: اللَّهُمَّ، لاَ تَجْعَلْ صدري للشيطان مَرَاغًا، ولا تُصَيِّرْ قلبي له مجالًا، ولا تَجْعَلْنِي، مِمَّنِ استفزَّهُ بصوته، وأجلب عليه بخيله ورَجْلِهِ، وكُنْ لي من حبائله مُنْجِيًا، ومن مصائده مُنْقِذًا، ومن غَوَايَتِهِ مُبْعِدًا، اللهم إنَّه وَسْوَسَ في القلب، وألقى في النَّفْس ما لا يطيقُ اللِسانُ ذِكْرَهُ، ولا تستطيعُ النَّفْس نشره مِمَّا نَزَّهَك عنه عُلُوُّ عِزِّكَ، وسُمُوُّ مجدك، فَأَزِلْ يا سيِّدِي ما سَطَرَ، وامح ما زَوَّرَ بوَابِلِ من سحائِبِ عَظَمَتِكَ وطُوفَانٍ مِنْ بِحَارِ نُصْرَتِكَ، واسلل عليه سيفَ إبعادك، وارشقه بسهام إقصائِكَ، وأحْرِقْهُ بنار/ انتقامك، واجعل خَلاَصِي منه زائدًا في حُزْنِهِ، وَمُؤَكِّدًا لأسفه، ثم قال ﵀: اعلم أَنَّه ربما كان العبد في خَلْوَتِهِ مشتغلًا بتلاوته، ويجدُ في نفسه من الوسوسة ما يحولُ بينه وبين رَبِّه، حتى لا يَجِدَ لطعمِ الذِّكْرِ حلاوةً، ويجدَ في قلبه قساوةً، وربما اعتراه ذلك مع الاجتهاد في قراءته وعِلَّةُ ذلك أَنَّ الذِّكْرَ ذِكْرَانِ: ذكرُ خَوْفٍ ورهبةٍ، وذكْرُ أَمْنٍ وغفلةٍ، فإذا كان [الذِّكْرُ بالخَوْفِ والرهبة، خَنَسَ الشيطانُ، ولم يحتملِ الحَمْلَةَ، وأذهب الوسوسة لأنَّ الذكر إذا كان] «٢» باجتماع القلب وصِدْقِ النية، لم يكُنْ للشيطانِ قُوَّةٌ عند ذلك، وانقطعَتْ علائقُ حِيَلِهِ وإنَّما قُوَّتُهُ ووسوستُهُ مع الغَفْلَة، وإذا كان [الذِّكْرُ بالأَمْنِ والغَفْلَةِ لَمْ تفارقْهُ الوَسْوَسَةُ، وإنِ استدام العَبْدُ الذِّكْرَ والقراءةَ لأَنَّ على قلب الغافلِ غشاوةً ولا يجد] «٣» صاحبها لطعم الذكْرِ حلاوةً، فَتَحَفَّظْ على دينك من هذا العدوّ، وليس لك أن تزيله عن\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١٣/ ٢٦) كتاب «الفتن» باب: قول النبي ﷺ: «من حمل علينا السلاح فليس منا» (٧٠٧٢)، ومسلم (٤/ ٢٠٢٠) كتاب «البر والصلة والآداب» باب: النهي عن الإشارة بالسلاح إلى مسلم (١٦/ ٢٦١٧)، وأحمد (٢/ ٣١٧) .\n(٢) سقط في: د.\n(٣) سقط في: د.","vol":"5","page":140},{"text":"مرتبته، ولا أَنْ تزيحَهُ عن وطنه، وإنما أُبِيحَ لك مجاهدته، فاستعنْ باللَّه يُعِنْك، وثِقْ باللَّه فإنَّهُ لا يَخْذُلُكَ قال تعالى: وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا، وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت: ٦٩]، انتهى من تصنيفه﵀-.\nوندب سبحانه في الآية المتقدمة إلى الأخذ بمكارم الأخلاق، ووعد على ذلك، وعَلِمَ سبحانه أَنَّ خِلْقَةَ البشر تغلب أحيانًا وتَثُورُ بِهِمْ سَوْرَةُ الغضب ونَزْغُ الشيطان فَدَلَّهُمْ في هذه الآية على ما يُذْهِبُ ذلك، وهي الاستعاذة به ﷿، ثم عَدَّدَ سبحانه آياته ليعتبر فيها، فقال: وَمِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ، ثم قال تعالى: لاَ تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ: وإِنْ كانت لكم فيهما منافع لأَنَّ النفع منهما إنَّما هو بتسخير اللَّهِ إيَّاهما، فهو الذي ينبغي أَنْ يُسْجَدَ له، والضمير في خَلَقَهُنَّ قيل: هو عائد على الآيات المتقدم ذكرُهَا، وقيل: عائد على الشمس والقمر، والاثنان جمع، وأيضًا جمع ما لاَ يَعْقِلُ يُؤنَّثُ/، فلذلك قال: خَلَقَهُنَّ ومن حيث يقال: شُمُوسٌ وأقمار لاِختلافهما بالأَيَّامِ ساغ أنْ يعود الضميرُ مجموعًا، وقيل: هو عائد على الأربعة المذكورة.\nت: ومن كتاب «المستغيثين باللَّه» لأبي القاسم بن بَشْكَوَال حَدَّثَ بسنده إلى أَنس بن مالك، قال: تقرأ «حم السجدة»، وتَسْجُدُ عند السجدة، وتَدْعُو فإنَّه يُسْتَجَابُ لك، قال الراوي: وَجَرَّبْتُهُ فوجدته مُسْتَجابًا، انتهى،، ثم خاطب جل وعلا نَبِيَّهُ﵇- بما يتضمَّن وعيدهم وحقارَة أمرهم، وأَنَّهُ سبحانه غَنِيٌّ عن عبادتهم بقوله: فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا ... الآية، وقوله: فَالَّذِينَ يعني بهم الملائكة هم صَافُّونَ يسبحون، وعِنْدَ هنا ليست بظرف مكان وإِنَّما هي بمعنى المنزلة والقربةِ [كما تقول: زَيْدٌ عنْدَ الْمَلِكِ جليلٌ، ويروى أَنَّ تَسبيحَ الملائكة قد صار لهم كالنّفس لبني آدم، وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ معناه: لا] «١» يَملُّون، ثم ذكر تعالى آيةً منصوبةً ليعتبر بها في أمر البعث من القبور، ويستدِلَّ بما شُوهِدَ من هذه على ما لم يشاهد، فقال: وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً ... الآية، وخشوع الأرض هو ما يظهر عليها من استكانة وشَعَثٍ بالجَدْبِ، فهي عابسةٌ كما الخاشِعُ عَابِسٌ يكاد يَبْكِي، واهتزاز الأرض: هو تَخَلْخُلُ أجْزَائِهَا وَتَشَقُّقُهَا للنبات، ورُبُوُّهَا: هو انتفاخها بالماء وعُلُوُّ سطحِها به، وعبارة البخاريِّ: اهتزت بالنبات، ورَبَت:\nارتفعَت اهـ، ثم ذكر تعالى بالأمر الذي ينبغي أنْ يُقَاسَ على هذه الآية، والعبرة، وذلك إحياء الموتى، فقال: إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ والشيء في اللغة: الموجود.\n_________\n(١) سقط في: د.","vol":"5","page":141},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1261>[سورة فصلت (٤١): الآيات ٤٠ الى ٤٣]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا أَفَمَنْ يُلْقى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيامَةِ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ (٤١) لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢) مَّا يُقالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقابٍ أَلِيمٍ (٤٣)\nوقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنا ... الآية، آيةُ وعيدٍ، والإلحاد: المَيْلُ، وهو هنا ميل عن الحَقِّ/ ومنه لَحْدُ المَيِّتِ لأنَّه في جانب، يقال: لَحَدَ الرَّجُلُ، وألحد بمَعْنًى.\nواختلف في إلحادهم هذا: ما هو؟ فقال قتادة وغيره: هو إلحاد بالتكذيب «١»، وقال مجاهد وغيره «٢»: هو بالمُكَاءِ والصفير واللغو الذي ذهبوا إليه، وقال ابن عباس: إلحادهم:\nوَضْعُهُمْ للكَلاَمِ غَيْرَ موضعه، ولفظة «٣» الإلحاد تَعُمُّ هذا كُلَّه، وباقي الآية بَيِّنٌ.\nوقوله تعالى: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ وعيدٌ في صيغة الأمر بإجماع من أهل العلم.\nوقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ ... الآية: يريد ب الَّذِينَ كَفَرُوا قريشا، والذكر: القرآن بإجماع.\nواختُلِفَ في الخبر عنهم: أين هو؟ فقالت فرقة: هو في قوله: أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ [فصلت: ٤٤]، ورُدَّ بكثرة الحائل، وأنَّ هنالك قومًا قد ذكروا بحسن رد قوله: «أولئك ينادون عليهم»، وقالت فرقة: الخبر مُضمَرٌ، تقديره: إنَّ الذين كفروا بالذكر لما جاءهم، هَلَكُوا أو ضَلُّوا، وقيل: الخبر في قوله: وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ وهذا ضعيف لا يتجه، وقال عمرو بن عُبَيْدٍ: معناه في التفسير: إنَّ الذين كفروا بالذِّكْرِ لما جاءهم كفروا به، وإنه لكتاب عزيز قال ع «٤»: والذي يَحْسُنُ في هذا هو إضمار الخبر، ولكِنَّهُ عند قوم في غير هذا الموضع الذي قدَّره هؤلاء فيه وإنَّمَا هو بعد حَكِيمٍ حَمِيدٍ، وهو أشدّ\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١١/ ١١٥) برقم: (٣٠٥٦٢)، وذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ١١٦)، وابن عطية (٥/ ١٨)، وابن كثير (٤/ ١٠٢)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٦٨٨)، وعزاه إلى عبد الرزاق، وعبد بن حميد. [.....]\n(٢) أخرجه الطبري (١١/ ١١٥) برقم: (٣٠٥٦١)، والبغوي في «تفسيره» (٤/ ١١٦)، وابن عطية (٥/ ١٨) .\n(٣) أخرجه الطبري (١١/ ١١٥) برقم: (٣٠٥٦٥)، وابن عطية (٥/ ١٨)، وابن كثير (٤/ ١٠٢)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٦٨٧)، وعزاه إلى ابن أبي حاتم.\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (٧/ ١٩) .","vol":"5","page":142},{"text":"إظهارًا لِمَذَمَّةِ الكُفَّارِ به وذلك لأَنَّ قوله: وَإِنَّهُ لَكِتابٌ داخل في صفة الذكر المُكَذَّبِ بهِ فلم يتم ذكر المُخْبَر عنه إلاَّ بعد استيفاء وصفِهِ، ووصفَ اللَّه تعالى الكتابَ بالعِزَّةِ لأنه بصحة معانيه مُمْتَنِعٌ الطَّعْنُ فيه والإزراء عليه، وهو محفوظ من اللَّه تعالى قال ابن عباس:\nمعناه: كريمٌ على اللَّه تعالى «١» .\nوقوله تعالى: لاَّ يَأْتِيهِ/ الْباطِلُ قال قتادة والسُّدِّيُّ: يريد: الشيطان «٢»، وظاهر اللفظَ يَعُمُّ الشيطان، وأنْ يجيء أمْرٌ يُبْطِلُ منه شَيْئًا.\nوقوله: مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ معناه: ليس فيما تقدم من الكتب ما يُبْطِلُ شَيْئًا منه.\nوقوله: وَلا مِنْ خَلْفِهِ أي: ليس يأتي بعده من نَظَرِ ناظر وفِكْرَةِ عاقل ما يبطل شيئا منه، والمراد باللفظة على الجملة: لا يأتيه الباطل من جهة من الجهات.\nوقوله: تَنْزِيلٌ خبر مبتدإٍ، أي: هو تنزيلٌ.\nوقوله تعالى: مَّا يُقالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ: يحتمل معنيين:\nأحدهما: أن يكون تسلية للنّبيّ ﷺ عن مقالات، قومه وما يلقَاهُ من المكروه منهم.\nوالثاني: أنْ يكون المعنى: ما يقال لك من الوحي، وتُخَاطَبُ به من جهة اللَّه تعالى إلاَّ ما قد قيل للرُّسُلِ من قبلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1262>[سورة فصلت (٤١): الآيات ٤٤ الى ٤٦]</span>\nوَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (٤٤) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (٤٥) مَنْ عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وَما رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦)\nوقوله تعالى: وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا ... الآية، الأَعْجَمِيُّ: هو الذي لا يفصح، عربيًّا كان أو غير عربيٍّ، والعَجَمِيُّ: الذي ليس من العرب، فصيحًا كان أو غيرَ فصيحٍ، والمعنى: ولو جعلنا هذا القرآن أعجمِيًّا، لا يبين لقالوا واعترضوا: لولا بينت\n_________\n(١) ذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ١١٦)، وابن عطية (٥/ ١٩) .\n(٢) أخرجه الطبري (١١/ ١١٧) برقم: (٣٠٥٧١- ٣٠٥٧٢)، وذكره البغوي (٤/ ١١٦)، وابن عطية (٥/ ١٩)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٦٨٩)، وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن الضريس.","vol":"5","page":143},{"text":"آياته، وهذه الآية نزلت بسبب تخليطٍ كان من قريش في أقوالهم من أجل حروف وقعت في القرآن، وهي مِمَّا عُرِّبَ من كلام العجم كسِجِّينٍ وإسْتَبْرَق ونحوه، وقرأ الجمهور:\nءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ على الاستفهام وهمزة ممدودة قبل الألف، وقَرَأَ حمزةُ والكسائيُّ وحَفْصٌ: «أَأَعْجَمِيٌّ» بهمزتين «١»، وكأنهم يُنْكِرُونَ ذلك، ويقولون: أأعجمي وعربي مُخْتَلِطٌ؟ هذا لا يحسن [ثم قال تعالى] «٢»: قُلْ هُوَ يعني القرآن لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ واختلف الناس في قوله: وَهُوَ عَلَيْهِمْ/ عَمًى فقالت فرقة: يريد ب «هو» القرآن، وقالت فرقة يريد ب «هو» الوَقْرَ، وهذه كلُّها استعاراتٌ، والمعنى: أَنَّهم كالأعمى وصاحب الوقر وهو الثِّقْلُ في الأذن، المانِعُ من السمع وكذلك قوله تعالى: أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ يحتمل معنيين، وكلاهما مَقُولٌ للمفسِّرين:\nأحدهما: أنَّها استعارة لِقِلَّة فِهمهم، شَبَّهَهُمْ بالرجل ينادى على بُعْدٍ، يَسْمَعُ منه الصوت، ولا يفهمُ تفاصيلَهُ ولا معانيه، وهذا تأويلُ مجاهد «٣» .\nوالآخر: أنَّ الكلام على الحقيقة، وأَنَّ معناه: أَنَّهم يوم القيامة يُنَادَوْنَ بكفرهم وقبيحِ أعمالهم من بعد حتى يَسْمَعَ ذلك أهلُ الموقف ليُفْضَحُوا على رؤوس الخلائق، ويكونَ أعظمَ لتوبيخهم وهذا تأويل الضَّحَّاكِ «٤» .\nقال أبو حَيَّان «٥»: عَمًى- بفتح الميم- مصدر عَمِيَ، انتهى.\nثم ضرب الله تعالى أمر موسى مثلا للنبي ع ولقريش، أي: فَعَلَ أولئك كأفعال هؤلاء، حين جاءهم مِثْلُ ما جاء هؤلاءِ، والكلمةُ السابقةُ هي حَتْمُ اللَّهِ تعالى بتأخير عذابهم إلى يوم القيامة، والضمير في قوله: لَفِي شَكٍّ مِنْهُ يحتمل أنْ يعودَ على موسى، أو على كتابه.\nوقوله تعالى: مَنْ عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ ... الآية: نصيحةٌ بليغةٌ لِلْعَالَمِ، وتحذيرٌ وترجيَةٌ.\n_________\n(١) بل قراءة عاصم بالهمزتين، إنما هي من رواية أبي بكر عنه، لا من رواية حفص، وقرأ الأخير بالمد كقراءة الباقين.\nينظر: «السبعة» (٥٧٦)، و«الحجة» (٦/ ١١٩)، و«إعراب القراءات» (٢/ ٢٧٨)، و«معاني القراءات» (٢/ ٣٥٢)، و«العنوان» (١٦٩)، و«حجة القراءات» (٦٣٧)، و«إتحاف» (٢/ ٤٤٤) .\n(٢) سقط في: د.\n(٣) أخرجه الطبري (١١/ ١٢٠) برقم: (٣٠٥٨٧)، وذكره ابن عطية (٥/ ٢١)، وابن كثير (٤/ ١٠٣) .\n(٤) أخرجه الطبري (١١/ ١٢٠) برقم: (٣٠٥٩٠)، وذكره ابن عطية (٥/ ٢١) .\n(٥) ينظر: «البحر المحيط» (٧/ ٤٨١) .","vol":"5","page":144},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1263>[سورة فصلت (٤١): الآيات ٤٧ الى ٥٠]</span>\nإِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَما تَخْرُجُ مِنْ ثَمَراتٍ مِنْ أَكْمامِها وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكائِي قالُوا آذَنَّاكَ ما مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ (٤٧) وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٤٨) لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ (٤٩) وَلَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هذا لِي وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ (٥٠)\nوقوله تعالى: إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ ... الآية، المعنى: إنَّ علم الساعة ووقتَ مجيئها يَرُدُّهُ كلّ مؤمن متكلّم فيه إلى الله ﷿.\nوقوله تعالى: وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكائِي ... الآية، التقدير: واذكر يوم يناديهم، والضمير في يُنادِيهِمْ الأظهر والأسبق فيه للفهم: أنَّه يريد الكفارَ عَبَدَةَ الأوثان، ويحتمل أنْ يريد كلَّ مَنْ عُبِدَ من دون اللَّه من إنسانٍ وغَيْرِهِ، وفي هذا ضَعْفٌ، وأَمَّا الضمير/ في قوله: وَضَلَّ عَنْهُمْ فلا احتمال لِعَوْدَتِهِ إلاَّ على الكفار، وآذَنَّاكَ قال ابن عباس وغيره: معناه: أعلمناك ما مِنَّا مَنْ يشهدُ، ولا مَنْ شَهِدَ بأنَّ لك شريكًا وَضَلَّ عَنْهُمْ أي:\nنَسُوا ما كانوا يقولُونَ في الدنيا، ويَدْعُونَ من الآلهة والأصنام، ويحتمل أن يريد: وضَلَّ عنهم الأصنام، أي: تلفت، فلم يجدوا منها نَصْرًا، وتلاشى لهم أمْرُهَا.\nوقوله: وَظَنُّوا يحتمل أنْ يكونَ متَّصِلًا بما قبله، ويكون الوقْفُ عليه، ويكون قوله: مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ استئنافًا، نفَى أنْ يكُونَ لهم مَلْجَأً أو موضِعَ رَوَغَانٍ، تقول:\nحَاصَ الرَّجُلُ: إذَا رَاغَ لِطَلَبِ النجاةِ مِنْ شَيْءٍ ومنه الحديثُ: «فَحاصُوا حَيْصَةَ حُمُرِ الْوَحْشِ إلَى الأَبْوَابِ» «١»، ويكونَ الظَّنُّ على هذا التأويل على بابه، أي: ظَنُّوا أَنَّ هذه المقالة مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ مَنْجَاةٌ لهم، أو أمر يموِّهون به، ويحتمل أنْ يكون الوقف في قوله: مِنْ قَبْلُ، ويكون وَظَنُّوا متصلًا بقوله: مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ أي: ظنوا ذلك، ويكون الظن على هذا التأويل بمعنى اليقين، وقد تقدَّم البحثُ في إطلاق الظن على اليقين.\nت: وهذا التأويلُ هو الظاهرُ، والأوَّلُ بعيدٌ جدًّا.\nوقوله تعالى: لاَّ يَسْأَمُ الْإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ هذه آياتٌ نزلَتْ في كفّار، قيل: في\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١/ ٤٢- ٤٣- ٤٤) كتاب «بدء الوحي» باب: (٦) (٧)، (٨/ ٦٢- ٦٣)، كتاب «التفسير» باب: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ (٤٥٥٣) .","vol":"5","page":145},{"text":"الوليد بن المُغِيرَةِ، وقيل: في عُتْبَةَ بنِ رَبِيعَةَ، وجُلُّ الآية يُعْطِي أَنَّها نزلَتْ في كُفَّارٍ، وإنْ كان أَوَّلُها يتضمن خُلُقًا ربما شارك فيها بعض المؤمنين.\nودُعاءِ الْخَيْرِ إضافته إضافة المصدر إلى المفعول، وفي مصحف ابن مسعود «١»:\n«مِنْ دُعَاءٍ بالْخَيْرِ» والخيرُ في هذه الآية المالُ والصحَّةُ، وبذلك تليق الآية بالكفَّار.\nوقوله تعالى: لَيَقُولَنَّ هذا لِي أي: بعملي وبما سعيت/ ولا يرى أَنَّ النِّعَمَ إنَّما هي فَضْلٌ من اللَّهِ تعالى قال- ص-: لَيَقُولَنَّ قال أبو البقاءِ: هو جَوَابُ الشَّرْطِ، والفاء محذوفةٌ، وقيل: هو جوابُ قَسَمٍ محذوفٍ، قال- ص-: قُلْتُ: هذا هو الحَقُّ، والأَوَّلُ غلَطٌ لأَنَّ القَسَمَ قد تقدَّم في قوله: وَلَئِنْ فالجواب له، ولأَنَّ حذف الفاء في الجواب لا يجوزُ، انتهى، وفي تغليط الصَّفَاقُسِيِّ لأبي البقاء نظر.\nوقوله: وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً قولٌ بَيِّنٌ فيه الجَحْدُ والكُفْر، ثم يقول هذا الكافر:\nوَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي: كما تقولُونَ: «إن لي عنده للحسنى» أي: حالًا ترضيني من مال، وبنين، وغيرِ ذلك، قال ع «٢»: والأمانيُّ على اللَّه تعالى، وتركُ الجِدِّ في الطاعةِ مذمومٌ لكُلِّ أحد فقد قال ﵇: «الكَيِّسُ مَنْ دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وتمنى عَلَى الله» «٣» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1264>[سورة فصلت (٤١): الآيات ٥١ الى ٥٤]</span>\nوَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ (٥١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (٥٢) سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣) أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (٥٤)\nوقوله تعالى: وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ ... الآية، ذَكَرَ سبحانه الخُلُقَ الذميمة من الإنسان جملةً، وهي في الكافر بَيِّنَةٌ متمكِّنة، وأَمَّا المُؤْمِنُ، ففي الأغلب يَشْكُرُ على النعمة، وكثيرا ما يصبر عند الشدة، ونَأى معناه: بَعُدَ ولم يَمِلْ إلى شُكْر ولا طَاعَةٍ.\nوقوله: فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ أي: وطويلٍ أيضا، وعبارة الثعلبيّ: عَرِيضٍ أي:\n_________\n(١) ينظر: «مختصر الشواذ» ص: (١٣٥)، و«الكشاف» (٤/ ٢٠٥)، و«المحرر الوجيز» (٥/ ٢٢)، و«البحر المحيط» (٧/ ٤٨٢)، و«الدر المصون» (٦/ ٧١) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٢٢) .\n(٣) تقدم. [.....]","vol":"5","page":146},{"text":"كثير، والعربُ تستعملُ الطُّولَ والعَرْضَ كليهما في الكَثرة من الكلام، انتهى.\nثم أمر تعالى نبيَّهُ أنْ يوقِّف قريشًا على هذا الاحتجاج، وموضع تغريرهم بأنفسهم، فقال: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وخالفتموه ألستم على هلكة؟ فمن أَضَلَّ مِمَّنْ يبقى على مِثْلِ هذا الغَرَرِ مَعَ اللَّهِ وهذا هو الشقاق ثم وعد تعالى/ نبيّه ع بأَنَّهُ سَيُرِي الكُفَّارَ آياته، واختلف في معنى قوله سبحانه: فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ فقال المِنْهَالُ والسُّدِّيُّ وجماعةٌ: هو وَعْدٌ بما يفتحه اللَّه على رسوله من الأقطارِ حَوْلَ مَكَّةَ، وفي غيرِ ذَلِكَ مِنَ الأَرْضِ كخَيْبَرَ ونحوها وَفِي أَنْفُسِهِمْ: أراد به فَتْحَ مَكَّةَ «١» قال ع «٢»: وهذا تأويلٌ حَسَنٌ، يتضمَّن الإعلام بِغَيْبٍ ظَهَرَ بَعْدَ ذلك، وقال قتادةُ والضَّحَّاكُ سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ: هو ما أصاب الأُمَمَ المُكَذِّبَةَ في أقطار الأرض قديمًا «٣»، وَفِي أَنْفُسِهِمْ: يوم بدر، والتأويلُ الأَوَّلُ أرْجَحُ، واللَّه أعلم، والضمير في قوله تعالى: أَنَّهُ الْحَقُّ عائد على الشرع والقرآن فبإظهار اللَّهِ نَبِيَّهُ وفتحِ البلاد عليه يتبيَّن لهم أَنَّه الحَقُّ.\nوقوله: بِرَبِّكَ قال أبو حَيَّان «٤»: الباء زائدة، وهو فاعل يَكْفِ أي: أو لَمْ يَكْفِهِمْ رَبُّكَ، انتهى، وباقي الآية بيّن.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١١/ ١٢٥) برقم: (٣٠٦٠٤) عن السدي، وذكره ابن عطية (٥/ ٢٣)، وابن كثير (٤/ ١٠٥) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٢٣) .\n(٣) ذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ١١٨) عن مجاهد، والحسن، والسدي، والكلبي، وابن عطية (٥/ ١١٨) .\n(٤) ينظر: «البحر المحيط» (٧/ ٤٨٣) .","vol":"5","page":147},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1265>تفسير سورة الشورى</span>\nوهي مكّيّة وقال مقاتل: فيها مدني [قوله تعالى: ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ إلى الصُّدُورِ] «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1266>[سورة الشورى (٤٢): الآيات ١ الى ٥]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nحم (١) عسق (٢) كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٤)\nتَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥)\nقوله تعالى: حم عسق قال الثعلبيّ: قال ابن عبّاس: إنّ حم عسق هذه الحروف بأعيانِهَا نزلَتْ في كُلَّ كُتُبِ اللَّهِ المُنَزَّلَةِ على كُلِّ نَبِيٍّ أُنْزِلَ عليه كتاب ولذلك قال تعالى: كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ «٢»، وقرأ الجمهور: يُوحِي بإسناد الفعل إلى اللَّه تعالى، وقرأ ابن كثير وحده: «يوحَى» - بفتح الحاء- على بناء الفعل لِلْمَفْعُولِ «٣»\n، والتقدير: يُوحِي إليكَ القرآنَ.\nوقوله تعالى: وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ: يريدُ من الأنبياءِ الذين نَزَلَ عليهم/ الكتابُ، وقرأ نافع والكسائيُّ «يَتَفَطَّرْنَ»، وقرأ أبو عمرو، وعاصم: «يَنْفَطِرْنَ» «٤» والمعنى فيهما:\nيتصدَّعْنَ ويتشقَّقْنَ، خضوعًا وخشيةً من الله تعالى، وتعظيما وطاعة.\n_________\n(١) سقط في: د.\n(٢) ذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ١١٩)، وذكره ابن عطية (٥/ ٢٥) .\n(٣) ينظر: «السبعة» (٥٨٠)، و«الحجة» (٦/ ١٢٦)، و«إعراب القراءات» (٢/ ٢٨١)، و«معاني القراءات» (٢/ ٣٥٥)، و«شرح الطيبة» (٥/ ٢١٢)، و«العنوان» (١٧٠)، و«حجة القراءات» (٦٣٩)، و«شرح شعلة» (٥٧٤)، و«إتحاف» (٢/ ٤٤٨) .\n(٤) يعني من رواية أبي بكر، وأما رواية حفص فمثل الباقين.\nينظر: «السبعة» (٥٨٠)، و«الحجة» (٦/ ١٢٧)، و«إعراب القراءات» (٢/ ٢٨٣)، و«العنوان» (١٧٠)، و«حجة القراءات» (٦٤٠)، و«إتحاف» (٢/ ٤٤٨) .","vol":"5","page":148},{"text":"وقوله: مِنْ فَوْقِهِنَّ أي: من أعلاهن، وقال الأخفشُ، عليُّ بْنُ سُلَيْمَان: الضمير في مِنْ فَوْقِهِنَّ للكُفَّار، أي: من فوق الجماعاتِ الكافرةِ والفِرَقِ المُلْحِدَةِ مِنْ أجْلِ أقوالها تَكادُ السموات يتفطَّرْنَ، فهذه الآية على هذا كالتي في «كهيعص»: تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ [مريم: ٩٠] الآية، وقالت فرقة: معناه: من فوق الأرضين، إذْ قد جرى ذِكْرُ الأرض.\nوقوله تعالى: وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ قالَتْ فرقةٌ: هذا منسوخٌ بقوله تعالى:\nوَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا [غافر: ٧] قال ع «١»: وهذا قولٌ ضعيفٌ، لأَنَّ النَّسْخ في الأخبار لاَ يُتَصَوَّرُ، وقال السَّدِّيُّ ما معناه: إنَّ ظاهر الآية العمومُ، ومعناها الخصوصُ في المؤمنين، فكأنَّه قال: ويستغفرون لمن في الأرض من المؤمنين «٢»، وقالت فرقة: بل هِيَ على عمومها: لكنَّ استغفارَ الملائكة ليس بطَلَبِ غفرانٍ للكفرة مَعَ بقائهم على كُفْرهم، وإنَّما استغفارهم لهم بمعنى طلب الهداية التي تُؤَدِّي إلى الغفران لهم، وتأويل السُّدِّيِّ أرجحُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1267>[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٦ الى ٨]</span>\nوَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٦) وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (٧) وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ ما لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (٨)\nوقوله تعالى: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ هذه آية تسلية للنّبيّ ﷺ ووعيد للكافرين، والمعنى: ليس عليك إلاَّ البلاغ فقطْ، فلا تَهْتَمَّ بعدم إيمان قريشٍ وغيرهم، اللَّه هو الحفيظُ عليهم كُفْرَهُمْ المُحْصِي لأعمالهم، المُجَازِي عليها، وأَنْتَ لَسْتَ بوكيلٍ عليهم، وما في هذه الألفاظِ مِنْ موادَعَةٍ فمنسوخٌ قال الإِمامُ الفَخْر في شرحه لأسماء اللَّه/ الحسنى، عند كلامه على اسمه سبحانه «الحفيظ»: قال بعضهم: ما من عبد حَفِظَ جوارِحَه إلاَّ حَفِظَ اللَّه عليه قَلْبَهُ، وما من عبد حَفِظَ اللَّهُ عليه قلبه إلاَّ جعله حُجَّةً على عباده، انتهى، ثم قال تعالى: وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا [المعنى: وكما قضينا أمرك هكذا، وأمضيناه في هذه السورةِ كذلك أوحينا إليك قرآنًا عربيًّا] «٣» مبينًا لهم، لا يحتاجُونَ إلى آخَرَ سِوَاهُ إِذْ فَهْمُهُ مُتَأَتِّ لَهُمْ، ولم نكلِّفْكَ إلّا إنذار من ذكر، وأُمَّ الْقُرى هي مكة، ويَوْمَ الْجَمْعِ هو يوم القيامة، أي: تخوفهم إيَّاهُ.\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٢٦) .\n(٢) أخرجه الطبري (١١/ ١٢٩) برقم: (٣٠٦١٥) .\n(٣) سقط في: د.","vol":"5","page":149},{"text":"وقوله: فَرِيقٌ مرتَفِعٌ على خبر الابتداء المُضْمَرِ كأنَّه قال: هُمْ فريقٌ في الجنة، وفريقٌ في السَّعِيرِ، ثم قوى تعالى تسليةَ نَبِيِّه بأَنْ عَرَّفَه أَنَّ الأمر موقوفٌ على مشيئة اللَّه من إيمانهم أو كُفْرهم، وأَنَّه لو أراد كونهم أُمَّةً واحدةً على دينٍ واحدٍ، لجمعهم عليه ولكِنَّه سبحانه يدخل مَنْ سبقَتْ له السعادةُ عنده في رحمته، ويُيَسِّره في الدنيا لعمل أهل السعادة، وأَنَّ الظالمين بالكفر المُيَسَّرِينَ لعمل الشقاوة ما لهم من ولي ولا نصير، قال عبدُ الحَقِّ﵀- في «العاقبة»: وقد علمتَ (رحمك اللَّه) أَنَّ الناس يوم القيامة صنفان:\nصنف مُقَرَّبٌ مُصَانٌ.\nوآخر مُبْعَدٌ مُهَانٌ.\nصنف نِصِبَت لهم الأَسِرَّة والحِجَال والأرائكُ والكِلاَل وجُمِعَتْ لَهُمُ الرغائبُ والآمالُ.\nوآخَرُونَ أُعِدَّتْ لهم الأراقمُ والصِّلاَلِ والمقامعُ والأغلالِ وضروبُ الأهوال والأنْكَال، وأنْتَ لا تعلم من أَيِّهما أنْتَ ولا في أَيِّ الفريقَيْن كُنْتَ: [الكامل]\nنَزَلُوا بِمَكَّةَ في قَبَائِلِ نَوْفَل ... وَنَزَلْتُ بِالْبَيْدَاءِ أَبْعَدَ مَنْزِلِ\nوَتَقَلَّبُوا فَرِحِينَ تَحْتَ ظِلاَلِهَا ... وَطُرِحْتُ بِالصَّحْرَاءِ غَيْرَ مُظَلَّلِ\nوَسُقُوا مِنَ الصَّافي الْمُعَتَّقِ رِيُّهُم ... وَسُقِيتُ دَمْعَةَ/ وَالِهٍ مُتَمَلْمِلِ\nبكى سفيانُ الثوريُّ﵀- ليلةً إلى الصَّبَاحِ، فقيل له: أبكاؤك هذا على الذنوب؟ فأخذ تِبْنَةً من الأرض، وقال: الذنوبُ أَهْوَنُ من هذا إنَّما أَبْكِي خوفَ الخاتمةِ، وبَكَى سفيان، وغير سفيان، وَإنَّهُ لِلأَمْر يبكى عليه وَيصرف الاهتمام كلّه إليه.\nوقد قيل: لا تَكُفَّ دَمْعَك حتى ترى في المعاد رَبْعَك.\nوقيل: يا ابن آدم، الأقلام عليك تَجْرِي وأنْتَ في غفلة لا تدري، يا ابن آدمَ دَعِ التنافُسَ في هذه الدار حتى ترى ما فَعَلَتَ في أمرِكَ الأَقْدَار، سمع بعض الصالحينَ مُنْشِدًا ينشد: [الطويل]\nأَيَا رَاهِبِي نَجْرَانَ مَا فَعَلَتْ هِنْد ... .....\nفبكى ليلةً إلى الصباح، فَسُئِلَ عن ذلك فقال: قلتُ في نفسي: ما فعلَتِ الأقدار فيّ وماذا جَرَتْ به عليّ؟ انتهى.","vol":"5","page":150},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1268>[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٩ الى ١٢]</span>\nأَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٩) وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (١٠) فاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١) لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٢)\nوقوله تعالى: أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ ... الآية، قوله: أَمِ اتَّخَذُوا: كلامٌ مقطوعٌ مِمَّا قَبْلَهُ، وليستْ بمعادلةٍ، ولكنَّ الكلام كأَنَّه أَضْرَبَ عن حُجَّةٍ لهم أو مقالةٍ مُقَرَّرَةٍ، فقال: بَلِ اتخذوا هذا مشهورُ قولِ النَّحْوِيِّينَ في مِثْلِ هذا، وذهب بعضهم إلى أَنَّ «أم» هذه هي بمنزلة ألف الاستفهام دون تقدير إضرابٍ، ثم أثبت الحكم بأنّه ﷿ هو الوليُّ الذي تنفع ولايته.\nوقوله تعالى: وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ... الآية، المعنى: قل لهم يا محمَّد: وما اختلفتم فيه، أَيُّها الناس، مِنْ تكذيبٍ وتصديقٍ، وإيمانٍ وكفرٍ، وغَيْرِ ذلك فالحُكْمُ فيه والمجازاةُ عنه لَيْسَتْ إلَيَّ ولا بيدي وإنَّما ذلك إلى اللَّه تعالى، الذي صفاته ما ذُكِرَ من إحياء الموتى والقدرة على كل شيء.\nوقوله تعالى: جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا يريد: زوجَ الإنسان الأنثى، وبهذه/ النعمة اتفق الذرء، وليست الأزواج هاهنا الأنواع.\nوقوله: وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجًا الظاهر أيضًا فيه والمُتَّسِقُ أَنَّهُ يريد إناث الذَّكْرَان، ويحتمل أنْ يريد الأنواع، والأوَّل أظهر.\nوقوله: يَذْرَؤُكُمْ أي: يخلقكم نسلًا بعد نَسْلٍ، وقرنًا بعد قَرْنٍ قاله مجاهد والناس، فلفظة «ذرأ» تزيد على لفظة «خلق» معنى آخرَ ليس في «خلق»، وهو توالي طبقات على مَرِّ الزمان.\nوقوله: فِيهِ الضمير عائد على الجَعْلِ يتضمَّنه قوله: جَعَلَ لَكُمْ وهذا كما تقول: كَلَّمْتُ زَيْدًا كلامًا أكرمته فيه، وقال القُتَبِيُّ: الضمير للتزْوِيجِ، ولفظة «في» مشتركة على معانٍ، وإنْ كان أصلها الوعاء، وإليه يردها النظر في كل وجه.\nوقوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ الكاف مؤكِّدة للتشبيه، فنفي التشبيه أوكَدُ مَا يكُونُ وذلك أَنّك تقول: زيدٌ كعمرو، وزيْدٌ مِثْلُ عمرو، فإذا أردتَ المبالغة التامَّة قلتَ:\nزيدٌ كَمِثْلِ عَمْرٍو، وجرتِ الآية في هذا الموضع على عُرْفِ كلامِ العَرَبِ، وعلى هذا المعنى","vol":"5","page":151},{"text":"شواهِدُ كثيرة، وذهب الطَّبَرِيُّ «١» وغيره إلى أَنَّ المعنى: ليس كهو شيء، وقالوا: لفظة مَثَلُ في الآية توكيدٌ، وواقعةٌ موقع «هو»، و«المقاليد»: المفاتيحُ قاله ابن عبَّاس وغيره «٢»، وقال مجاهد هذا أصلها بالفارسيّة «٣»، وهي هاهنا استعارة لوقوعِ كُلِّ أمرٍ تَحْتَ قدرته سبحانه، وقال السُّدِّيُّ: المقاليدُ: الخزائن «٤»، وفي اللفظ على هذا حذفُ مضافٍ، قال قتادة: مَنْ ملك مقاليد خزائن، فالخزائن في ملكه «٥» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1269>[سورة الشورى (٤٢): الآيات ١٣ الى ١٥]</span>\nشَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣) وَما تَفَرَّقُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١٤) فَلِذلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٥)\nوقوله سبحانه: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا ... الآية، المعنى: شرع لكم وبَيَّنَ مِنَ المعتقدات والتوحيدِ ما وصى به نوحًا قَبْلُ.\nوقوله: وَالَّذِي عطف على مَا، وكذلك ما ذكر بَعْدُ مِنْ إقامة الدِّينِ مشروعٌ اتفقت النُّبُوَّاتُ فِيهِ وذلك في المعتَقَدَاتِ، وأَمَّا الأحكامُ بانفرادها فَهِيَ في الشرائعِ مختلفةٌ، وهي المرادُ في قوله تعالى: لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجًا [المائدة: ٤٨] وإقامة الدين هو توحيدُ اللَّهِ ورَفْضُ سِوَاهُ.\nوقوله تعالى: وَلا تَتَفَرَّقُوا: نَهْيٌ عن المُهْلَكِ مِنْ تفرُّق الأنحاء والمذاهب، والخيرُ كُلُّه في الأُلْفَةِ واجتماع الكلمة، ثم قال تعالى لنبيّه ع: كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ: من توحيد اللَّه ورَفْضِ الأوثان قال قتادة: كَبُرَ عليهم «لا إله إلا اللَّه» وأبى اللَّه إلاَّ نَصْرها «٦»، ثم سَلاَّه تعالى عنهم بقوله: اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ ... الآية،\n_________\n(١) ينظر: «تفسير الطبري» (١١/ ١٣٣) .\n(٢) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (٥/ ٢٩) .\n(٣) أخرجه الطبري (١١/ ١٣٣، ١٣٤) برقم: (٣٠٦٣٠)، وذكره ابن عطية (٥/ ٢٩) . [.....]\n(٤) أخرجه الطبري (١١/ ١٣٤) برقم: (٣٠٦٣٢)، وذكره ابن عطية (٥/ ٢٩) .\n(٥) ذكره ابن عطية (٥/ ٢٩) .\n(٦) أخرجه الطبري (١١/ ١٣٥) برقم: (٣٠٦٤٠)، وذكره ابن عطية (٥/ ٢٩) .","vol":"5","page":152},{"text":"أي: يختار ويصطفي قاله مجاهد وغيره «١» ويُنِيبُ يرجع عنِ الكُفْرِ ويحرص على الخير ويطلبه.\nوَما تَفَرَّقُوا يعني: أوائل اليهود والنصارى إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جاءَهُمُ الْعِلْمُ.\nوقوله: بَغْيًا بَيْنَهُمْ أي: بغى بعضُهم على بَعْضٍ، وأدَّاهم ذلك إلى اختلاف الرأْي وافتراقِ الكلمةِ، والكلمة السابقة قال المفسرون: هي حتمه تعالى القضاءَ بأَنَّ مجازاتهم إنَّما تقع في الآخرة، ولولا ذلك لَفَصَلَ بينهم في الدنيا، وغَلَّبَ المُحِقَّ على المُبْطِلِ.\nوقوله تعالى: وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ إشارة إلى معاصري نَبِيِّنا محمد﵇- من اليهود والنصارى.\nوقيل: هو إشارة إلى العرب والكتاب على هذا هو القرآن، والضمير في قوله:\nلَفِي شَكٍّ مِنْهُ يحتمل أنْ يعودَ على الكتاب، أو على محمد، أو على الأجل المسمى، أي: في شَكٍّ من البعث على قول مَنْ رأى أَنَّ الإشارة إلى العرب، ووَصَفَ الشَّكّ ب مُرِيبٍ مبالغة فيه، واللام في قوله تعالى: فَلِذلِكَ فَادْعُ قالت فرقة: هي بمنزلة «إلى» كأنه قال: فإلى ما وَصَّى به الأنبياءَ من التوحيدِ فادع، وقالت فرقة: بل هي بمعنى «من أجل» كأنه قال: من أجلِ أَنَّ الأمر كذا وكذا، ولكونه كذا فادع أَنْتَ إلى ربك، وبَلِّغْ ما أُرْسِلْتَ به، وقال الفخر «٢»: يعني فلأجلِ ذلك التفرُّقِ، ولأجْلِ ما حَدَثَ من الاختلافاتِ الكثيرةِ في الدينِ فادع إلى الاتفاقِ على المِلَّةِ الحنيفيَّة، واستقِمْ عليها وعلى الدعوة إليها كما أمرك اللَّه، ولا تتّبع أهواءهم الباطلة، انتهى، وخوطب ع بالاستقامة، وهو قد كان مستقيمًا بمعنى: دُمْ على استقامتك، وهكذا الشَّأْنُ في كُلِّ مأمورٍ بشيءٍ هو مُتَلَبِّسٌ به، إنَّما معناه الدوام، وهذه الآية ونحوها كانت نُصْبَ عَيْنَي النبيِّ ع، وكانت شديدة الموقع من نفسه، أعني قوله تعالى: وَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ، لأنَّها جملة تحتها جمِيعُ الطاعاتِ وتكاليفُ النبوَّة، وفي هذا المعنى- قال ﵇-: «شَيَّبَتْنِي هُودٌ وَأَخَوَاتُها»، فَقِيلَ لَهُ: لِمَ ذَلِكَ، يَا نَبِيَّ اللَّه؟ فَقَالَ: لأَنَّ فِيهَا: فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ «٣» [هود: ١١٢] وهذا الخطاب له ع بحسب قوّته في أمر الله ﷿، وقال:\nهو لأُمَّتِهِ بحسب ضعفهم: استقيموا ولن تحصوا.\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٥/ ٢٩) .\n(٢) ينظر: «الفخر الرازي» (١٤/ ١٣٦) .\n(٣) تقدم.","vol":"5","page":153},{"text":"وقوله تعالى: وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ يعني: قُرَيْشًا.\nت: وفَرَضَ الفَخْرُ هذه القَضِيَّةَ في أهْلِ الكتاب، وذكر ما وقع من اليهود ومحاجَّتهم في دفع الحقِّ وجَحْدِ الرسالة، وعلى هذا فالضمير في: أَهْواءَهُمْ عائدٌ عليهم، واللَّه أعلم. اهـ.\nثم أَمَرَهُ تعالى أَنْ يَقُولَ: آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتابٍ، وهو أَمْرٌ يَعُمُّ سائِرَ أمته.\nوقوله: وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ قالت فرقة: اللام في لِأَعْدِلَ بمعنى: أنْ أعدل بينكم، وقالت فرقة: المعنى وَأُمِرْتُ بما أُمِرْتُ به من التبليغ والشَّرْعِ لِكَيْ أعدلَ بينكم.\nوقوله: لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ إلى آخر الآية- ما فيه من مُوَادَعَةٍ منسوخٌ بآية السَّيْفِ.\nوقوله: لاَ حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ أي: لا جدال، ولا مناظرةَ قد وَضَحَ الحق، وأنتم تعاندون، وفي قوله: اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا: وعيد بيّن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1270>[سورة الشورى (٤٢): الآيات ١٦ الى ١٩]</span>\nوَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ (١٦) اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزانَ وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (١٧) يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (١٨) اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (١٩)\nوقوله تعالى: وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ ... الآية، قال ابن عباس ومجاهد:\nنزلت في طائفة من بني إسرائيل هَمَّتْ بردِّ الناس عن الإسلام وإضلالهم «١»، وقيل:\nنزلت في قريشٍ لأنَّها كانت أبدا تحاول هذا المعنى، ويُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ معناه: في دين اللَّه أو توحيدِ اللَّه، أي: يحاجُّون فيه بالإبطال والإلحاد وما أشبهه، والضمير في لَهُ يحتمل أنْ يعودَ على اللَّه ﵎، ويحتمل أنْ يعودَ على الدِّينِ والشرع، ويحتمل أنْ يعودَ على النبي ع وداحِضَةٌ معناه: زاهقة، والدَّحْضُ الزَّهقُ، وباقي الآية بَيِّن.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١١/ ١٣٨- ١٣٩) برقم: (٣٠٦٤٩، ٣٠٦٥١)، وذكره ابن عطية (٥/ ٣١)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٦٩٦- ٦٩٧)، وعزاه إلى ابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عبّاس، وعبد بن حميد، وابن المنذر عن مجاهد نحوه.","vol":"5","page":154},{"text":"وقوله سبحانه: اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ معناه: مضمنًا الحق، أي: بالحق في أحكامه، وأوامره، ونواهيه، وأخباره، وَالْمِيزانَ هنا: العدل قاله ابن عباس ومجاهد «١»، والناس، وحكى الثعلبيُّ عن مجاهد أَنَّهُ قال: هو هنا الميزان الذي بأيدي الناس «٢»، قال ع «٣»: ولا شَكَّ أَنَّه داخل في العدل وجزء منه.\nوقوله تعالى: وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ وعيدٌ للمشركين، وجاء لفظ قَرِيبٌ مُذَكَّرًا من حيثُ تأنيثُ السَّاعَةِ- غيرُ حقيقيٍّ-، وإذْ هي بمعنى الوقت.\nت: ينبغي للمؤمن العاقل أنْ يتدبَّر هذه الآيةَ ونظائرها، ويقدِّر في نفسه أَنَّه المقصود بها: [البسيط]\nلاَهٍ بِدُنْيَاهُ وَالأَيَّامُ تَنْعَاهُ ... وَالْقَبْرُ غَايَتُهُ وَاللَّحْدُ مَأْوَاهُ\nيَلْهُو فَلَوْ كَانَ يَدْرِي مَا أُعِدَّ لَه ... إذَنْ لأَحْزَنَهُ مَا كَانَ أَلْهَاهُ\nقال الغَزَّاليُّ في «الإحياء» قال أبو زكريَّا التَّيْمِيُّ: بينما سليمانُ بنُ عبد الملك في المسجد الحرام إذ أُوتِيَ بحَجَرٍ منقوشٍ، فَطَلَبَ مَنْ يَقْرَؤُهُ، فأوتي بِوهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، فإذا فيه: ابنَ آدمَ، إنك لو رأيْتَ قُرْبَ ما بَقِيَ من أَجْلِك، لَزَهِدْتَ في طول أملك وَلَرَغِبْتَ في الزيادَةِ مِنْ عَمَلِك، وَلَقَصَّرْتَ مِنْ حِرْصِكَ وحِيَلِكَ، وإنما يلقاك غَدًا نَدَمُك لو قد زَلَّتْ بك قَدَمُك، وأسلمك أَهلُكَ وَحْشَمُك، فَفَارَقَكَ الوَلَدُ والقَرِيب وَرَفَضَكَ الوَالِدُ والنَّسِيب، فلا أَنْتَ إلى دُنْيَاك عائد ولا في حَسَنَاتِك زَائِد، فاعمل ليومِ القيامهْ، قبل الحسرة والندامهْ.\nفبكى سليمان بكاءً شديدًا، انتهى،، وباقي الآية بيِّن.\nثم رَجَّى ﵎ عباده بقوله: اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ ولَطِيفٌ هنا بمعنى رفيق مُتَحَفٍّ، والعباد هنا المؤمنون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1271>[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٢٠ الى ٢٢]</span>\nمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (٢٠) أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٢١) تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي رَوْضاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٢٢)\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١١/ ١٣٩) برقم: (٣٠٦٥٥) عن مجاهد، وذكره البغوي (٤/ ١٢٣) عن قتادة، ومجاهد، ومقاتل، وابن عطية (٥/ ٣١)، وابن كثير (٤/ ١١١)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٦٩٧)، وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.\n(٢) ذكره ابن عطية (٥/ ٣١) .\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٣١) .","vol":"5","page":155},{"text":"وقوله تعالى: مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ معناه: إرادة مُسْتَعِدٍّ عاملٍ، لا إرادةُ مُتَمَنٍّ مُسَوِّفٍ، والحَرْثُ في هذه الآية: عبارةٌ عن السَّعْيِ والتكسُّبِ والإعْدَاد.\nوقوله تعالى: نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَعْدٌ مُتَنَجَّزٌ قال الفَخْرُ «١»: وفي تفسير قوله:\nنَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ قولان:\nالأوَّلُ: نزد له في توفيقه وإعانته، وتسهيلِ سبيل الخيرات والطاعات عليه، وقال مقاتل: نزد له في حَرْثِهِ بتضعيفِ الثواب قال تعالى: لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ [فاطر: ٣٠] انتهى، وقوله: وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها معناه: ما شئنا منها ولمن شئنا، فَرُبَّ مُمْتَحَنٍ مُضَيَّقٌ عليه حريصٌ على حَرْثِ الدنيا، مريدٌ له، لا يَحُسُّ بغيره، نعوذُ بالله من ذلك! وهذا الذي لا يعقل غيرَ الدنيا هو الذي نفى أنْ يكون له نصيبٌ في الآخرة.\nوقوله تعالى: أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ «أم» هذه منقطعةٌ لا معادلةٌ، وهي بتقدير «بل»، وألف الاستفهام، والشركاء في هذه الآية يحتمل أنْ يكونَ المراد بهم الشياطين والمُغْوِينَ من أسلافهم، ويكون الضمير في لَهُمْ للكفار المعاصرين لمحمّد ع فالاشتراك هاهنا هو في الكفر والغواية، وليس بشركة الإشراك باللَّه- ويحتمل أنْ يكون المراد بالشركاء: الأصنام والأوثان على معنى: أم لهم أصنام جعلوها شركاءَ للَّه في أُلُوهِيَّتِهِ، ويكون الضمير في شَرَعُوا لهؤلاء المعاصرين من الكفار ولآبائهم، والضمير في لَهُمْ للأصنام الشركاء، وشَرَعُوا معناه: أثبتوا، ونهجوا، ورسموا والدِّينِ هنا: العوائدُ والأحكامُ والسِّيرَةُ، ويَدْخُلُ في ذلك أيضًا المُعْتَقَدَاتُ السُّوء لأَنَّهُم في جمِيع ذلك وضعوا ذلك أوضاعًا فاسدة وكلمة الفصل هي ما سبق من قضاء اللَّه تعالى بأَنَّهُ يُؤخِّرُ عقابهم للدار الآخرة، والقضاء بينهم هو عذابهم في الدنيا ومجازاتهم.\nوقوله تعالى: تَرَى الظَّالِمِينَ هي رؤية بصر، ومُشْفِقِينَ حال، وليس لهم في هذا الإشفاق مدح لأنَّهم إنَّما أشفقوا حين نزل بهم، وليسوا كالمؤمنين الذين هم في الدنيا مُشْفِقُون من أمر الساعة، كما تقدم، وهو واقع بهم.\n_________\n(١) ينظر: «الفخر الرازي» (١٤/ ١٤٠) .","vol":"5","page":156},{"text":"أبو حيان «١»: ضمير هُوَ عائد على العذاب، أو على ما كسبوا بحذف مضاف، أي: وبال ما كسبوا، انتهى، والروضات: المواضع المونقة النضرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1272>[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٢٣ الى ٢٦]</span>\nذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ (٢٣) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٢٤) وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ وَيَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ (٢٥) وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكافِرُونَ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ (٢٦)\nوقوله تعالى: ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ إشارة إلى قوله تعالى في الآية الأخرى:\nوَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا [الأحزاب: ٤٧] .\nوقوله تعالى: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى اختلف الناسُ في معناه فقال ابن عباس وغيره: هي آية مَكِّيَّةٌ نزلت في صدر الإسلام، ومعناها: استكفاف شَرِّ الكفار ودفع أذاهم، أي: ما أسألكم على القرآن إلاَّ أَنْ تَوَدُّوني لقرابةٍ بيني وبينكم فَتَكُفُّوا عَنِّي أذاكم «٢»، قال ابن عباس، وابن إسحاق، وقتادة: ولم يكن في قريش بطن إلّا وللنّبيّ ﷺ فيه نسب أو صِهْرٌ «٣»، فالآية على هذا فيها استعطافٌ مَّا، ودفع أذًى، وطلبُ سلامة منهم، وذلك كله منسوخ بآية السيف، ويحتمل هذا التأويل أنْ يكون معنى الكلام استدعاء نصرهم، أي: لا أسألكم غرامة ولا شيئًا إلاَّ أَنْ تَوَدُّوني لقرابتي منكم، وأنْ تكونوا أولى بي من غيركم، قال ع «٤»: وقُرَيْشٌ كُلُّها عندي قربى، وإنْ كانت تتفاضل، وقد روي عن النبي ﷺ أَنَّه قال: «مَنْ مَاتَ عَلَى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ مَاتَ شَهِيدًا، ومَنْ مَاتَ على بُغْضِهِم، لَمْ يَشمَّ رَائِحَةَ الجَنَّةِ» «٥»، وقال ابن عَبَّاس أيضًا: ما يقتضي أَنَّ الآية مَدَنِيَّةٌ، وأَنَّ\n_________\n(١) ينظر: «البحر المحيط» (٧/ ٤٩٣) .\n(٢) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (٥/ ٣٣) .\n(٣) أخرجه البخاري (٨/ ٤٢٦) كتاب «التفسير» باب: إلا المودة في القربى (٤٨١٨) عن ابن عبّاس، والترمذي (٥/ ٣٧٧) كتاب «التفسير» باب: ومن سورة حم عسق (٣٢٥١)، وابن جرير في «تفسيره» (١١/ ١٤٢) (٣٠٦٦٢- ٣٠٦٦٣)، وذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ١٢٥) عن ابن عبّاس جميعهم، وابن عطية (٥/ ٣٣)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٦٩٩)، وعزاه إلى مسلم وابن مردويه، وعبد بن حميد، وأحمد عن ابن عبّاس. [.....]\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٣٤) .\n(٥) ينظر: القرطبي (١٦/ ٢٣) تفسير سورة الشورى.","vol":"5","page":157},{"text":"الأنصار جمعت لرسول الله ﷺ مالًا وساقَتْهُ إليه، فَرَدَّهُ عليهم، وَنَزَلَتِ الآيةُ في ذلك «١»، وقيلَ غَيْرُ هذا، وعلى كُلِّ قول، فالاستثناء منقطع، وإِلَّا بمعنى «لكن» ويَقْتَرِفْ معناه: يَكْتَسِب، ورَجُلٌ قُرَفَةٌ إذا كان محتالًا كسوبا وغَفُورٌ معناه: ساتر عيوب عباده، وشَكُورٌ معناه: مُجِازٍ على الدقيقة من الخير، لا يضيع عنده لعاملٍ عَمَلٌ.\nوقوله تعالى: أَمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا «أم» هذه مقطوعةٌ مضمنة إضرابًا عن كلام متقدِّم، وتقريرًا على هذه المقالة منهم.\nوقوله تعالى: فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ معناه في قول قتادة وفرقة من المفسرين: ينسيك/ القرآن «٢»، والمراد الرَّدُّ على مقالة الكُفَّار، وبيانُ إبْطَالِهَا، كأَنَّهُ يقُولُ:\nوكيف يَصِحُّ أنْ تكون مفتريًا، وأنت من اللَّه بمرأًى ومَسْمَعٍ؟ هو قَادِرٌ لو شاء أَنْ يختم على قلبك فلا تَعْقِلُ، ولا تنطق، ولا يستمرُّ افتراؤك فمقصد اللفظ: هذا المعنى، وحُذِفَ ما يَدُلُّ عليه الظاهر اختصارًا واقتصارًا، وقال مجاهد: المعنى: فإن يشإ اللَّه يختمْ على قلبك بالصبر لأذى الكفار، ويربطْ عليك بالجَلَدِ «٣»، فهذا تأويل لا يتضمَّن الردَّ على مقالتهم قال أبو حَيَّان: وذكر القُشَيْرِيُّ أنَّ الخطاب للكفار، أي: يختم على قلبك أَيُّهَا القائلُ فيكون انتقالًا من الغيبة للخطاب، وَيَمْحُ: استئنافُ إخبارٍ لا داخل في الجواب، وتسقط الواو من اللفظ لالتقاء الساكنين، ومن المصحف حملًا على اللفظ، انتهى.\nوقوله تعالى: وَيَمْحُ فعل مستقبل، خبر من اللَّه تعالى أَنَّهُ يمحو الباطل، ولا بُدَّ إمَّا في الدنيا وإمَّا في الآخرة، وهذا بحسب نازلة نازلة، وكتب يَمْحُ في المصحف بحاء مرسلة، كما كتبوا: وَيَدْعُ الْإِنْسانُ [الإسراء: ١١] إلى غير ذلك مِمَّا ذهبوا فيه إلى الحذف والاختصار.\nوقوله: بِكَلِماتِهِ معناه: بما سبق في قديم علمه وإرادته من كون الأشياء، فالكلمات: المعاني القائمة القديمة التي لا تبديلَ لها، ثم ذكر تعالى النعمة في تَفَضُّلِهِ بقبول التوبة من عباده، وقبول التوبة فيما يستأنف العبد من زمانه وأعماله- مقطوعٌ به بهذه الآية، وأمَّا ما سلف من أعماله فينقسم، فأمَّا التوبة من الكفر فَمَاحِيَةٌ كُلَّ ما تَقَدَّمَها من مظالم العباد\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٥/ ٣٤) .\n(٢) أخرجه الطبري (١١/ ١٤٦) برقم (٣٠٦٩١)، وذكره ابن عطية (٥/ ٣٤) والسيوطي (٥/ ٧٠٣) وعزاه لعبد الرزاق، وعبد بن حميد.\n(٣) ذكره ابن عطية (٥/ ٣٥) .","vol":"5","page":158},{"text":"الفائتة وغير ذلك، وأمَّا التوبة من المعاصي فلأهل السُّنَّةِ فيها قولان: هل تُذْهِبَ المعاصيَ السالفةَ للعبد بينه وبين خالقه؟ فقالت فرقة: هي مُذْهِبَةٌ لها، وقالت فرقة: هي في مشيئة اللَّه تعالى، / وأجمعوا أَنَّها لا تُذْهِبُ مظالم العباد، وحقيقةُ التوبة: الإقلاعُ عن المعاصِي، والإقبالُ، والرجوعُ إلى الطاعات، ويلزمها النَّدَمُ على ما فَاتَ والعَزْمُ على ملازمة الخَيْرَات.\nوقال سَرِيٌّ السِّقَطِيُّ: التوبة: العَزْمُ على ترك الذنوب والإقبالُ بالقَلْبِ على عَلاَّم الغيوب، وقال يحيى بن مُعَاذٍ: التائبُ: مَنْ كَسَرَ شَبَابَهُ على رأسه، وكَسَرَ الدنيا على رأسِ الشيطان، [ولزم الفِطام] «١» حتى أتاه الحِمَام «٢» .\nوقوله تعالى: عَنْ عِبادِهِ بمعنى مِنْ عباده، وكأنه قال: التوبة الصادرة عن عباده، وقرأ الجمهور: «يَفْعَلُونَ» بالياء على الغَيْبَة، وقرأ حمزة والكسائيُّ: «تَفْعَلُونَ» بالتاء على المخاطبة «٣»، وفي الآية توعُّد.\nوقوله تعالى: «ويستجيب» قال الزَّجَّاجُ وغيره: معناه: يجيبُ، والعَرَبُ تقول: أجاب واستجاب بمعنى، والَّذِينَ على هذا التأويل: مفعول «يستجيب»، وروي هذا المعنى عن معاذِ بن جَبَلٍ، ونحوه عن ابن عباس «٤»، وقالت فرقة: المعنى: ويستدعي الذين آمنوا الإجابة من ربهم بالأعمال الصالحات، ودَلَّ قوله: وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ على أنَّ المعنى: فيجيبهم، والَّذِينَ على هذا القول فَاعِلُ يَسْتَجِيبُ،، وقالتْ فرقة: المعنى: ويجيبُ المؤمنونَ رَبَّهم، ف الَّذِينَ فاعلٌ بمعنى: يجيبُونَ دَعْوَةَ شَرْعِهِ ورسالتِهِ، والزيادة من فضله هي تضعيفُ الحسنات، ورُوِيَ عن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قال: «هِيَ قَبُولُ الشَّفَاعَاتِ في المُذْنِبِينَ، والرضوان» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1273>[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٢٧ الى ٢٩]</span>\nوَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشاءُ إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (٢٧) وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (٢٨) وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَثَّ فِيهِما مِنْ دابَّةٍ وَهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إِذا يَشاءُ قَدِيرٌ (٢٩)\n_________\n(١) سقط في: د.\n(٢) ذكره ابن عطية (٥/ ٣٥) .\n(٣) وقرأ بها حفص عن عاصم.\nينظر: «السبعة» (٥٨٠)، و«الحجة» (٦/ ١٢٨)، و«إعراب القراءات» (٢/ ٢٨٣)، و«معاني القراءات» (٢/ ٣٥٦)، و«شرح الطيبة» (٥/ ٢١٢)، و«العنوان» (١٧٠)، و«حجة القراءات» (٦٤١)، و«إتحاف» (٢/ ٤٥٠) .\n(٤) ذكره ابن عطية (٥/ ٣٥) .","vol":"5","page":159},{"text":"وقوله تعالى: وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشاءُ إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ قال عمرو بن حُرَيْثٍ وغيره: إنَّها نزلت لأَنَّ قومًا من أهل الصفَّة طلبوا من رسول اللَّه ﷺ أنْ يُغْنِيَهُمُ/ اللَّه، ويبسطَ لهم الأموالَ والأرزاق، فأعلمهم اللَّه تعالى أنَّه لو جاء الرِّزْقُ على اختيار البَشَر واقتراحهم، لكان سَبَبَ بغيهم وإفسادهم ولكنّه ﷿ أعلمُ بالمَصْلَحَةِ في كُلِّ أحدٍ: إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ: بمصالحهم، فهو ينزل لهم من الرزق القَدْرَ الذي بِهِ صَلاَحُهُمْ فرُبَّ إنْسَانٍ لاَ يَصْلُحُ، وتَنْكَفُّ عاديته إلاَّ بالفقر.\nت: وقد ذكرنا في هذا المختصر أحاديثَ كثيرةً مختارةً في فضل الفقراء الصابرين- ما فيه كفايةٌ لمن وُفِّق، وقد روى ابن المبارك في «رقائقه» عن سعيد بن المُسَيِّبِ قال: «جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فَقَالَ: أَخْبِرْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ بِجُلَسَاءِ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قال: هُمُ الخَائِفُونَ، الخَاضِعُونَ، المُتَوَاضِعُونَ، الذَّاكِرُونَ اللَّهَ كَثِيرًا، قال:\nيَا رَسُولَ اللَّهِ، فَهُمْ أَوَّلُ النَّاسِ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ؟ قال: لا، قَالَ: فَمَنْ أَوَّلُ النَّاسِ يَدْخُلُ الجَنَّةَ؟ قال: الفُقَرَاءُ يَسْبِقُونَ النَّاسَ إلَى الجَنَّةِ، فَتَخْرُجُ إلَيْهِمْ مِنْهَا مَلاَئِكَةٌ، فَيَقُولُونَ:\nارجعوا إلَى الْحِسَابِ، فَيَقُولُونَ: عَلاَمَ نُحَاسَبُ، وَاللَّهِ مَا أُفِيضَتْ عَلَيْنَا الأَمْوَالُ في الدُّنْيَا فَنَقْبِضَ فِيهَا وَنَبْسُطَ، وَمَا كُنَّا أُمَرَاءَ نَعْدِلُ وَنَجُورُ وَلَكِنَّا جَاءَنَا أَمْرُ اللَّهِ فعبدناه حتّى أتانا اليقين» «١» انتهى.\nوقوله ﷿: وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا ... الآية، تعديدُ نِعَمِ اللَّه تعالى الدَّالَّةِ على وَحْدَانِيَّتِهِ، وأَنَّه المولى الذي يستحقُّ أَنْ يُعْبَدُ دونَ ما سواه من الأنداد، وقرأ الجمهور: «قَنَطُوا» بفتح النون، وقرأ الأعمش: «قَنِطُوا» بكسرها، وهما لغتان «٢»، ورُوِيَ أَنَّ عمر﵁- قيل له: أجدبت الأرض، وقَنِطَ النَّاس، فقال:\nمُطِرُوا إذَنْ، بمعنى أنَّ الفرج عند الشِّدَّةِ.\nوقوله تعالى: وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ قيل: أراد بالرحمة: المطر، وقيل: أراد بالرحمة هنا: الشمْسَ، فذلك تعديد نعمة غير الأولى، وذلك أَنَّ المطر إذا أَلَمَّ بعد القنط حَسُنَ موقعُهُ، فإذا دَامَ سُئِمَ، فتجيء الشمْسُ بعده عظيمة الموقع.\n_________\n(١) أخرجه أبو نعيم بن حماد في «زوائده» على الزهد (٨٠) (٢٨٣) .\n(٢) وقرأ بها يحيى بن وثاب.\nينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٣٦)، و«البحر المحيط» (٧/ ٤٩٥)، و«الدر المصون» (٦/ ٨١) .","vol":"5","page":160},{"text":"وقوله تعالى: وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ أي: مَنْ هذه أفعاله هو الذي ينفع إذا والى، وتُحْمَدُ أفعاله ونعمه، قال القُشَيْرِيُّ: اسمه تعالى: «الولي»، أي: هو المتولِّي لأحوال عباده، وقيل: هو من الوالي، وهو الناصر، فأولياءُ اللَّه أنصار دينه، وأشياعُ طاعته، والوليُّ: في- صفة العبد- مَنْ يُوَاظِبُ على طاعة رَبِّه، ومِنْ علاماتِ مَنْ يكونُ الحَقُّ سبحانه وَلِيَّهُ- أنْ يصونه، ويكفِيَهُ في جميع الأحوال، ويُؤَمِّنَهُ، فيغارَ على قلبه أنْ يتعلَّقَ بمخلوقٍ في دفع شَرٍّ أو جَلْبِ نَفْعٍ بل يكونُ سبحانه هو القائِمَ على قلبه في كُلِّ نَفَسٍ، فيحقِّق آماله عند إشاراته، ويعجِّل مَآرِبَهُ عند خَطَرَاتِهِ، ومن أماراتِ ولايته لِعَبْدِهِ: أنْ يُدِيمَ توفيقَهُ حتى لو أرادَ سُوءًا، أو قصد محظورًا- عَصَمَهُ عن ارتكابه، أو لو جنح إلى تقصير في طاعة، أبى إلاَّ توفيقًا وتأييدًا، وهذا من أماراتِ السعادَةِ، وعَكْسُ هذا مِنْ أماراتِ الشقاوة، ومن أمارات ولايته أيضًا أنْ يرزقه مَوَدَّةً في قُلُوب أوليائه، انتهى من «التحبير» .\nثم ذكر تعالى الآية الكبرى الدَّالَّةَ على الصَّانِعِ، وذلك خَلْقُ السموات والأرضِ.\nوقوله [تعالى]: وَما بَثَّ فِيهِما مِنْ دابَّةٍ يتخرَّجُ على وجوهٍ: منها: أنْ يريدَ إحْدَاهُمَا، وهو ما بَثَّ في الأرض دونَ السموات، ومنها: أنْ يكون تعالى قد خلق في السموات وبَثَّ دوابَّ لا نعلَمُهَا نَحْنُ، ومنها: أنْ يريد الحيواناتِ التي تُوجَدُ في السحاب، وقد تَقَعُ أحيانًا كالضفادع/ ونحوها فَإنَّ السَّحَابَ داخل في اسم السماء.\nوقوله تعالى: وَهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ يريد: يومَ القيامة عند الحشر من القبور.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1274>[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٣٠ الى ٣٣]</span>\nوَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ (٣٠) وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (٣١) وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ (٣٢) إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣٣)\nوقوله تعالى: وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ قرأ جمهور القُرَّاء: «فَبِمَا» بفاء، وكذلك هي في جُلِّ المصاحف، وقرأ نافع وابن عامر: «بِمَا» دون فاء «١»، قال أبو علي الفارسيُّ:\nأصاب من قوله: وَما أَصابَكُمْ يحتمل أنْ يكون في موضع جَزْمٍ، وتكون «ما» شرطيةً، وعلى هذا لا يجوزُ حَذْفُ الفاءِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، وجوّز حذفها أبو الحسن الأخفش، وبعض\n_________\n(١) وقراءة الجمهور أجود في العربية، لأن الفاء مجازاة جواب الشرط، والمعنى: ما يصيبكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم.\nينظر: «حجة القراءات» (٦٤٢)، و«السبعة» (٥٨١)، و«الحجة» (٦/ ١٢٨)، و«معاني القراءات» (٢/ ٣٥٦)، و«شرح الطيبة» (٥/ ٢١٤)، و«العنوان» (١٧٠)، و«شرح شعلة» (٥٧٤)، و«إتحاف» (٢/ ٤٥٠) .","vol":"5","page":161},{"text":"البغداديِّينَ على أَنَّها مُرَادَةٌ في المعنى، ويحتمل أنْ يكون «أصاب» صلة ل «مَا»، وتكون «ما» بمعنى «الذي»، وعلى هذا يتجه حذفُ الفاء وثبوتها، لكن معنى الكلام مع ثبوتها التلازم، أي: لولا كَسْبُكُمْ ما أصابتكم مصيبة، والمصيبة إنَّما هي بكسب الأيدي، ومعنى الكلام مع حذفها يجوز أن يكون التلازم، ويجوز أنْ يعرى منه، قال ع «١»: وأَمَّا في هذه الآية، فالتلازم مُطَّرِدٌ مع الثبوت والحذف، وأمَّا معنى الآية، فاختلف الناسُ فيه، فقالت فرقة: هو إخبار من اللَّه تعالى بأَنَّ الرزايا والمصائبَ في الدنيا إِنَّما هي مجازات من اللَّه تعالى على ذنوب المرء وخطاياه، وأنَّ اللَّه تعالى يعفو عن كثير، فلا يعاقب عليه بمصيبة، وقال النبي ﷺ: «لاَ يُصِيبُ ابْنَ آدَمَ خَدْشُ عُودٍ، أوْ عَثْرَةُ قَدَمٍ، وَلاَ اخْتِلاَجُ عِرْقٍ إلاَّ بِذَنْبٍ، وَمَا يَعْفُو عَنْهُ أَكْثَرُ» «٢»، وقال مُرَّةُ الهَمَدَانِيُّ: رأيتُ على ظهر كَفِّ شُرَيْحٍ قُرْحَةً، فقلتُ: ما هذا؟ فقال: هذا بما كَسَبَتْ يَدَيَّ، ويعفو [اللَّه] «٣» عن كثير، وقيل لأبي سليمانَ الدَّارَانِيِّ: ما بالُ الفضلاء لا يَلُومُونَ مَنْ أساءَ/ إليهم؟ فقال: لأَنَّهُمْ يعلَمُونَ أَنَّ اللَّه تعالى هو الذي ابتلاهم بذنوبهم، ورَوَى عليُّ بن أبي طالب﵁- عن النبيّ ﷺ أَنَّهُ قال: «مَا أَصَابَكُمْ مِنْ مَرَضٍ، أَوْ عُقُوبَةٍ، أوْ بَلاَءٍ في الدُّنْيَا- فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ، وَاللَّهُ أَكْرَمُ مِنْ أنْ يُثَنِّيَ عَلَيْكُمُ الْعُقُوبَةَ في الآخِرَةِ، وَمَا عَفَا اللَّهُ عَنْهُ في الدُّنْيَا، فَاللَّهُ أَحْلَمُ مِنْ أَنْ يَعُودَ فِيهِ بَعْدَ عَفْوِهِ» «٤» وقال الحَسَنُ: معنى الآية في الحُدُودِ، أي: ما أصابكم من حَدٍّ من حُدُودِ اللَّه، فبما كسبَتْ أيديكم، ويعفو اللَّه عن كثير، فيستره على العبد حتى لا يُحَدَّ عليه، ثم أَخبر تعالى عن قُصُورِ ابن آدَمَ وَضَعْفِهِ، وأَنَّه في قبضة القدرة لا يعجز طَلَب رَبِّه، ولا يُمْكِنُه الفِرَارُ منه، و«الجواري»: جمع جارية وهي السفينة، وكَالْأَعْلامِ: الجبال، وباقي الآية بَيِّنٌ، فيه الموعظةُ وتشريفُ الصبّار الشكور.\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٣٧) .\n(٢) أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» (٧/ ١٥٣) (٩٨١٥) عن قتادة، وذكره الهندي في «كنز العمال» (٣/ ٣٤١) (٦٨٤٩)، وعزاه إلى سعيد بن منصور. [.....]\n(٣) سقط في: د.\n(٤) أخرجه أحمد (١/ ٨٥)، وأبو يعلى (١/ ٣٥٢) (١٩٣/ ٤٥٣)، وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٧/ ١٠٧) .\nقال الهيثمي: رواه أحمد، وأبو يعلى، وفيه أزهر بن راشد وهو ضعيف. وله شاهد من طريق آخر منه:\nأخرجه الترمذي (٥/ ١٦) كتاب «الإيمان» باب: ما جاء لا يزني الزاني وهو مؤمن (٢٦٢٦)، وابن ماجه (٢/ ٨٦٨) كتاب «الحدود» باب: الحد كفارة (٢٦٠٤)، وأحمد (١/ ٩٩، ١٥٩)، والحاكم (٢/ ٤٤٥) .\nقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب صحيح. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.","vol":"5","page":162},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1275>[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٣٤ الى ٣٧]</span>\nأَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ (٣٤) وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِنا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٥) فَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٣٦) وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (٣٧)\nوقوله تعالى: أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا: أوْبَقْتُ الرَّجُلَ: إذا أَنْشَبْتَهُ في أمْرٍ يَهْلِكُ فِيهِ، وهو في السفن تغريقها وبِما كَسَبُوا أي: بذنوب رُكَّابها، وقرأ نافع، وابن عامر:\n«وَيَعْلَمُ» بالرفع على القطع والاستئناف، وقرأ الباقون والجمهور: «وَيَعْلَمَ» بالنصب «١» على تقدير «أنْ»، و«المَحِيصُ»: المنجى، وموضعُ الرَّوَغَانِ.\nثم وعَظَ سبحانه عبادَهُ، وحَقَّر عندهم أمر الدنيا وشأنها، ورَغَّبَهُمْ فيما عنده من النعيم والمنزلة الرفيعة لديه، وعَظَّم قَدْرَ ذلك في قوله: فَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا [وزينتها] وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ وقرأ الجمهور «٢»:\nكَبائِرَ على الجمع قال الحسن: هي كُلُّ ما تُوُعِّدَ فيه بالنار «٣»، وقد تقدَّم ما ذَكَرَهُ/ الناس في الكبائر في سورة النساء وغيرها، وَالْفَواحِشَ: قال السُّدِّيُّ «٤»: الزنا، وقال مقاتل: مُوجِبَاتُ الحدود «٥» .\nوقوله تعالى: وَإِذا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ حَضٌّ على كسر الغضب والتدرُّب في إطفائه إذ هو جمرةٌ من جَهَنَّمَ، وبَابٌ مِنْ أبوابها، وقال رجل للنّبيّ ﷺ: «أوْصِنِي، قَالَ:\nلاَ تَغْضَبْ، قَالَ: زِدْني، قَال: لا تغضب، قال: زدني، قال: لا تغضب» «٦»، ومن جاهد\n_________\n(١) ينظر: «السبعة» (٥٨١)، و«الحجة» (٦/ ١٣٠)، و«إعراب القراءات» (٢/ ٢٨٥)، و«معاني القراءات» (٢/ ٣٥٧)، و«شرح الطيبة» (٥/ ٢١٤)، و«العنوان» (١٧٠)، و«حجة القراءات» (٦٤٣)، و«إتحاف» (٢/ ٤٥٠) .\n(٢) وقد قرأ حمزة والكسائيّ بالإفراد «كبير» .\nينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٣٩)، و«السبعة» (٥٨١)، و«الحجة» (٦/ ١٣٢)، و«إعراب القراءات» (٢/ ٢٨٦)، و«معاني القراءات» (٢/ ٣٥٨)، و«شرح الطيبة» (٥/ ٢١٥)، و«العنوان» (١٧٠)، و«حجة القراءات» (٦٤٣)، و«شرح شعلة» (٥٧٤)، و«إتحاف» (٢/ ٤٥١) .\n(٣) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (٥/ ٣٩) .\n(٤) أخرجه الطبري (١١/ ١٥٤) برقم: (٣٠٧٢٢)، وذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ١٢٩)، وابن عطية (٥/ ٣٩) .\n(٥) أخرجه البغوي (٤/ ١٢٩)، وذكره ابن عطية (٥/ ٣٩) .\n(٦) أخرجه البخاري (١٠/ ٥٣٥) كتاب «الأدب» باب: الحذر من الغضب (٦١١٦)، والبيهقي (١٠/ ١٠٥) كتاب «آداب القاضي» باب: لا يقضي وهو غضبان، نحوه من حديث أبي هريرة، والترمذي (٤/ ٣٧١) كتاب «آداب القاضي» باب: لا يقضي وهو غضبان، نحوه من حديث أبي هريرة، والترمذي (٤/ ٣٧١) كتاب «البر والصلة» باب: ما جاء في كثرة الغضب (٢٠٢٠)، نحو حديث البخاري والبيهقي عنه. -","vol":"5","page":163},{"text":"هذا العَارِضَ مِنْ نَفْسِهِ حتى غَلَبَهُ، فقدْ كُفِيَ هَمًّا عظيمًا في دنياه وآخرته.\nت: وروى مالكٌ في «المُوَطَّإ» أَنَّ رجُلًا أتى النبيّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلِّمْنِي كَلِمَاتٍ أَعِيشُ بِهِنَّ وَلاَ تُكْثِرْ عَلَيَّ فأنسى، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «لاَ تَغْضَبْ» «١» قال أبو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ البَرِّ: أراد: عَلِّمْنِي مَا يَنْفَعُنِي بكلماتٍ قليلةٍ لئلاَّ أنسى إنْ أكْثَرْتَ عَلَيَّ، ثم أسند أبو عُمَرَ من طُرُقٍ عن الأحنفِ بن قَيْسٍ عن عَمِّه جَارِيَةَ بْنِ قُدَامَةَ، أَنَّه قال:\nيَا رَسُولَ اللَّهِ، قُلْ لي قَوْلًا يَنْفَعُنِي اللَّهُ بِهِ، وأَقْلِلْ لِي لَعَلِّي أَعْقِلُهُ، قَال: «لاَ تَغْضَبْ، فَأَعَادَ عَلَيْهِ مِرارًا، كُلُّها يُرَجِّعُ إليه رسُولُ اللَّه: لاَ تَغْضَبْ»، انتهى «٢» من «التمهيد»، وأسند أبو عُمَرَ في «التمهيد» أيضًا عن عبد اللَّه بن أبي الهُذَيْلِ قال: لما رأى يحيى أَنَّ عيسى مُفَارِقُهُ قال له:\nأَوْصِنِي، قَالَ: لا تَغْضَبْ، قال: لاَ أَسْتَطِيعُ، قال: لا تَقْتَنِ مَالًا، قال عَسَى. انتهى. وروى ابن المبارك في «رقائقه» بسنده عن النبيّ ﷺ قال: «مَنْ كَفَّ لِسَانَهُ عَنْ أَعْرَاضِ المُسْلِمِينَ أقال اللَّهُ عَثْرَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ كَفَّ غَضَبَهُ عَنْهُمْ، وَقَاهُ اللَّهُ عَذَابَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» «٣»، قال ابن المُبَارَكِ: وأخبرنا/ ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ، عن خالدِ بْنِ مَعْدَانَ قال: إنَّ اللَّهَ ﵎ يَقُولُ: «مَنْ ذَكَرَنِي في نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ في نَفْسِي، وَمَنْ ذَكَرَنِي فِي مَلإِ ذَكَرْتُهُ فِي مَلإِ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَمَنْ ذَكَرَنِي حِينَ يَغْضَبُ ذَكَرْتُهُ حِينَ أَغْضَبُ فَلَمْ أَمْحَقْهُ فيمن أمحق «٤»» انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1276>[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٣٨ الى ٤١]</span>\nوَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩) وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٤٠) وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١)\n_________\n- قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه.\nوفي الباب من حديث جارية بن قدامة التيمي ﵁: أنه قال: يا رسول الله ﷺ قُلْ لي قَوْلًا يَنْفَعُنِي اللَّهُ بِهِ، وأَقْلِلْ لعلي لا أغفله، قال: «لا تغضب ...» الحديث.\nأخرجه ابن حبان (١٢/ ٥٠٢) كتاب «الحظر والإباحة» باب: الاستماع المكروه وسوء الظن والغضب والفحش، ذكر الإخبار عما يجب على المرء من ذم النفس عن الخروج إلى ما لا يرضي الله- جلّ وعلا- بالغضب (٥٦٨٩- ٥٦٩٠)، وأحمد (٣/ ٤٨٤)، (٥/ ٣٤)، والحاكم (٣/ ٦١٥)، والبخاري في «التاريخ الكبير» (٢/ ٢٣٧) (٢٣٠٩)، والطبراني (٢/ ٢٦٢) (٢٠٩٤) (٢١٠٧)، والخطيب في «تاريخ بغداد» (٣/ ١٠٨) (١١١٠) .\n(١) أخرجه مالك في «الموطأ» (٢/ ٩٠٦) كتاب «حسن الخلق» باب: ما جاء في الغضب (١١) .\n(٢) أخرجه ابن عبد البر في «التمهيد» (٧/ ٢٤٦)، وانظر الحديث قبل السابق.\n(٣) أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (٢٥٧) (٧٤٥)، وذكره الهندي في «كنز العمال» (٣/ ٣٥٤) (٦٩٠٢)، وعزاه إلى الديلمي.\n(٤) تقدم تخريج هذا الحديث مسندا.","vol":"5","page":164},{"text":"وقوله تعالى: وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا مَدْحٌ لكلِّ مَنْ آمَنَ باللَّهِ، وقَبِلَ شَرْعَهُ، ومَدَحَ اللَّهُ تعالى القَوْمَ الذين أَمْرُهُمْ شورى بينهم لأنَّ في ذلك اجتماعَ الكلمة، والتَّحَابُّ، واتصالَ الأيْدِي، والتَّعَاضُدَ على الخير، وفي الحديث: «مَا تَشَاوَرَ قَوْمٌ قَطُّ إلاَّ هُدُوا لأَحْسَنِ، مَا بِحَضْرَتِهِمْ «١» .\nوقوله تعالى: وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ معناه: في سبيل اللَّه، وبِرَسْمِ الشَّرْعِ وقال ابن زيد قوله تعالى: وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ ... الآية، نزلت في الأَنصار «٢»، والظاهر أَنَّ اللَّه تعالى مدح كلَّ مَنِ اتَّصَفَ بهذه الصفةِ كائنًا مَنْ كَانَ، وهل حَصَلَ الأنصارُ في هذه الصفة إلا بعد سَبْقِ المهاجرين إليها- رضي اللَّهُ عَنْ جميعهم بمنّه وكرمه-.\nوقوله ﷿: وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ: مدح سبحانه في هذه الآية قومًا بالانتصار مِمَّنْ بَغَى عليهم، ورجح ذلك قوم من العلماء وقالوا: الانتصار بالواجب تغيير منكر، قال الثعلبيُّ: قال إبراهيم [النَّخَعِيُّ] في هذه الآية: كانوا يكرهون أَنْ يُسْتَذَلُّوا، فإذا قدروا عفوا، انتهى.\nوقوله سبحانه: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها قيل: سُمِّي الجزاء باسم الابتداء، وإن لم يكن سيئة، لتشابههما في الصورة، قال ع «٣»: وإنْ أخذنا السيِّئة هنا بمعنى المصيبة في حَقِّ البشر، أي: يسوء هذا هذا ويسوءه الآخر- فلسنا نحتاج إلى أنْ نقول: سمى العقوبة باسم الذنب بل الفعل الأَوَّلِ والآخر سيئة، قال الفخر: اعلم أَنَّهُ تعالى/ لما قال:\nوَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ أردفه بما يَدُلُّ على أَنَّ ذلك الانتصار يجب أَنْ يكون مُقَيَّدًا بالمثل فإنَّ النقصان حَيْفٌ، والزيادة ظلم، والمساواة هو العدل فلهذا السبب قال تعالى: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها انتهى وَيَدُلُّ على ذلك قوله تعالى: وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ونحوه من الآي، واللام في قوله: وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ لام التقاء القسم.\nوقوله: مِنْ سَبِيلٍ يريد: من سبيل حرج ولا سبيل حكم، وهذا إبلاغ في إباحة الانتصار، والخلاف فيه: هل هو بين المؤمن والمُشْرِكِ، أو بين المؤمنين؟.\n_________\n(١) أخرجه البخاري في «الأدب المفرد» (٨١) باب: المشورة (٢٥٣) نحوه، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٧٠٧)، وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر. [.....]\n(٢) أخرجه الطبري (١١/ ١٥٤) برقم: (٣٠٧٢٣)، وذكره ابن عطية (٥/ ٣٩) .\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٤٠) .","vol":"5","page":165},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1277>[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٤٢ الى ٤٥]</span>\nإِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٤٢) وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣) وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ (٤٤) وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذابٍ مُقِيمٍ (٤٥)\nوقوله تعالى: إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ ... الآية، المعنى: إنما سبيل الحكم والإثم على الذين يظلمون الناس، روى التَّرْمِذِيُّ عن كعب بن عُجْرَةَ قال:\nقال لي النَّبِيُّ ﷺ،: «أُعِيذُكَ بِاللَّهِ يَا كَعْبُ مِنْ أُمَرَاءٍ يَكُونُونَ، فَمَنْ غَشِيَ أَبْوَابَهُمْ فَصَدَّقَهُمْ في كَذِبِهِمْ، وأَعَانَهُمْ على ظُلْمِهِمْ، فَلَيْسَ مِنِّي، وَلَسْتُ مِنْهُ، وَلاَ يَرِدُ عَلَي الْحَوْضِ، يا كَعْبُ، الصَّلاَةُ بُرْهَانٌ، والصبر جنّة حصينة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يُطْفِىءُ الماءُ النَّارَ، يا كَعْبُ لاَ يَرْبُو لَحْمٌ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ إلاَّ كَانَتِ النَّارُ أولى بِهِ» . قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ، وخرَّجه أيضًا في «كتاب الفتن» وصحَّحه «١»، انتهى.\nوقوله تعالى: إِنَّمَا السَّبِيلُ إلى قوله: أَلِيمٌ: اعتراضٌ بَيْنَ الكلامَيْنِ، ثم عاد في قوله: وَلَمَنْ صَبَرَ إلى الكلام الأول، كأنَّه قال: ولمنِ انتصر بعد ظلمه فَأُولَئِكَ ما عليهم من سبيل، وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ ... الآية، واللام في قوله: وَلَمَنْ صَبَرَ يصِحُّ أنْ تكون لام قَسَمٍ، ويصح أنْ تكون لام الابتداء، وعَزْمِ الْأُمُورِ: مُحْكَمُهَا ومُتْقَنُهَا، والحميدُ العاقبةِ منها، فمَنْ رأى أَنَّ هذه الآية/ هي فيما بين المؤمنين والمشركين، وأنَّ الصبر للمشركين كان أفضل قال: إنَّ الآية نسخت بآية السيف، ومَنْ رأى أَنَّ الآية بين المؤمنين، قال: هي مُحْكَمَةٌ، والصبر والغفران أفضل إجماعًا، وقال رسول الله ﷺ: «إذَا كَانَ يَوْمُ الْقَيَامَةِ، نادى مُنَادٍ: مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى اللَّهِ أَجْرٌ فَلْيَقُمْ، فَيَقُومُ عَنَقٌ مِنَ النَّاسِ كَبِيرٌ، فَيُقَالُ: مَا أَجْرُكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: نَحْنُ الَّذِينَ عَفَوْنَا عَمَّنْ ظَلَمَنَا في الدُّنْيَا» «٢» .\nوقوله تعالى: وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ تحقير لأمر الكَفَرَةِ، أي:\nفلا يُبَالي بهم أحدٌ من المؤمنين لأنَّهم صائرون إلى ما لا فلاحَ لهم معه، ثم وصف تعالى\n_________\n(١) أخرجه الترمذي (٤/ ٥٢٥)، كتاب «الفتن» باب: (٧٢) (٢٢٥٩)، والنسائي (٧/ ١٦٠- ١٦١) كتاب «البيعة» باب: من لم يعن أميرا على الظلم (٤٢٠٨)، وابن حبان (٥/ ١٤١) (١٥٦٩)، وأحمد (٣/ ٣٩٩) كلهم نحوه.\nقال الترمذي: هذا حديث صحيح غريب، لا نعرفه من حديث مسعر إلا من هذا الوجه.\n(٢) أخرجه العقيلي في «الضعفاء» (٣/ ٢٦٥) .","vol":"5","page":166},{"text":"لنبيِّه حالهم في القيامة عند رؤيتهم العذاب، وقولهم: هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ ومرادهم:\nالرَّدُّ إلى الدنيا، والرؤية هنا رؤيةُ عَيْنٍ، والضميرُ في قوله: عَلَيْها عائدٌ على النار، وإنْ لم يتقدَّم لها ذِكْرٌ من حيثُ دَلَّ عليها قوله: رَأَوُا الْعَذابَ.\nوقوله: مِنَ الذُّلِّ يتعلق ب خاشِعِينَ.\nوقوله تعالى: يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ قال قتادة والسُّدِّيُّ «١»: المعنى: يسارقون النَّظَرَ لما كانوا فيه من الهَمِّ وسوء الحال لا يستطيعون النَّظَرَ بجميعِ العَيْنِ وإنَّما ينظرون ببعضها قال الثعلبيُّ: قال يونس: مِنَ بمعنى الباء، ينظرون بطرف خَفِيٍّ، أي:\nضعيف من أجل الذُّلِّ والخوف، ونحوُه عن الأخفش، انتهى، وفي البخاريِّ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ، أي: ذليل.\nوقوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ... الآية، وقول الَّذِينَ آمَنُوا هو في يوم القيامة عند ما عاينوا حال الكفار وسوء مُنْقَلَبِهِمْ.\nوقوله تعالى: أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذابٍ مُقِيمٍ يحتمل أنْ يكون من قول المؤمنين/ يومئذ، حكاه اللَّه عنهم، ويحتمل أَنْ يكون استئنافًا من قول الله ﷿ وأخباره لنبيه محمّد ع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1278>[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٤٦ الى ٤٨]</span>\nوَما كانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِياءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ سَبِيلٍ (٤٦) اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ ما لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَما لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ (٤٧) فَإِنْ أَعْرَضُوا فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاغُ وَإِنَّا إِذا أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسانَ كَفُورٌ (٤٨)\nوقوله تعالى: وَما كانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِياءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ ... الآية، إنحاء على الأصنام والأوثان التي أظهر الكفار ولايتها، واعتقدَتْ ذلك دِينًا، ثم أَمَرَ تعالى نِبِيَّه أنْ يأمرهم بالاستجابة لدعوة اللَّه وشريعته من قبل إتيان يوم القيامة الذي لا يُرَدُّ أحد بعده إلى عمل، قال ع «٢»: في الآية الأخرى في سورة «آلم غلبت الروم»: ويحتمل أن يريد:\nلا يَرُدُّه رَادٌّ حتى لا يقع، وهذا ظاهر بحسب اللفظ، و«النكير»: مصدر بمعنى الإنكار\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١١/ ١٥٩) برقم: (٣٠٧٣٨- ٣٠٧٣٩)، وذكره ابن عطية (٥/ ٤١) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٤٢) .","vol":"5","page":167},{"text":"قال الثعلبيُّ: مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ: أي مَعْقِل، وَما لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ أي: من إنكارٍ على ما ينزل بكم من العذاب بغير ما بكم، انتهى.\nوقوله تعالى: فَإِنْ أَعْرَضُوا ... الآية تسلية للنّبيّ ﷺ، والإنسان هنا اسم جنس، وجَمَعَ الضمير في قوله: تُصِبْهُمْ وهو عائد على لفظ الإنسان من حيث هو اسم جنس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1279>[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٤٩ الى ٥١]</span>\nلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ ما يَشاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرانًا وَإِناثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٥٠) وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (٥١)\nوقوله تعالى: لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشاءُ ... الآية، هذه آية اعتبار دَالٍّ على القُدْرَةِ والمُلْكِ المحيط بالجميع، وأَنَّ مشيئته تعالى نافذة في جميع خلقه وفي كُلِّ أمرهم، وهذا لا مدخل لصنم فيه، فإنَّ الذي يخلق ما يشاء هو اللَّه ﵎، وهو الذي يقسم الخلق فيهب لمن يشاء إناثًا ويهب لمن يشاء الأولاد الذكور، أَوْ يُزَوِّجُهُمْ أي: ينوعهم ذكرانًا وإناثا، وقال محمّد ابن الحنفيّة: يريد بقوله تعالى: أَوْ يُزَوِّجُهُمْ التّوأم، أي: يجعل في بطن زوجًا من الذُّرِّيَّة ذكرًا وأنثى «١»، و«العقيم»: الذي لا يُولَدُ له، وهذا كله مُدَبَّرٌ بالعلم والقدرة/ وبدأ في هذه الآية بذكر الإناث تأنيسًا بِهِنَّ ليهتمّ بصونهنّ والإحسان إليهنّ، وقال النبيّ ع: «مَنِ ابتلي مِنْ هَذِهِ البَنَاتِ بِشَيْءٍ، فَأَحْسَنَ إلَيْهِنَّ، كُنَّ لَهُ حِجَابًا مِنَ النَّارِ» «٢»، وقال واثلةُ بْنُ الأَسْقَعِ: مِنْ يُمْنِ المَرْأَةِ تبكيرُها بالأنثى قبل الذكر «٣» لأنَّ اللَّه تعالى بدأ بِذِكْرِ الإناث حكاه عنه الثعلبيُّ قال: وقال\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٥/ ٤٣) .\n(٢) أخرجه البخاري (٣/ ٣٣٢) كتاب «الزكاة» باب: اتقوا النار ولو بشق تمرة، والقليل من الصدقة (١٤١٨)، (١٠/ ٤٤٠) كتاب «الأدب» باب: رحمة الولد وتقبيله ومعانقته (٥٩٩٥)، ومسلم (٤/ ٢٠٢٧) كتاب «البر والصلة والآداب» باب: فضل الإحسان إلى البنات (١٤٧/ ٢٦٢٩)، والترمذي (٤/ ٣١٩) كتاب «البر والصلة» باب: ما جاء في النفقة على البنات والأخوات (١٩١٣)، وابن حبان (٧/ ٢٠١) كتاب «الجنائز» باب: ما جاء في الصبر وثواب الأعمال، ذكر الاستتار من النار- نعوذ بالله منها- للمسلم إذا ابتلي بالبنات فأحسن صحبتهن (٢٩٣٩)، وأحمد (٦/ ٣٣)، والبيهقي (٧/ ٤٧٨) كتاب «النفقات» باب: النفقة على الأولاد.\nقال الترمذي: هذا حديث حسن.\n(٣) ذكره ابن عطية (٥/ ٤٣) .","vol":"5","page":168},{"text":"إسحاق بن بِشْرٍ: نزلَتْ هذه الآيةُ في الأَنبياء «١»، ثم عَمَّتْ ف يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثًا يعني:\nلوطا ع، ويَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ يعني إبراهيم ع، أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرانًا وَإِناثًا يعني: نِبِيَّنَا محمَّدًا ع، وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيمًا يعني: يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّاء﵉-.\nوقوله تعالى: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا ... الآية، نزلَتْ بسبب خَوْضٍ كان للكفار في معنى تكليم اللَّه موسى ونحو ذلك، ذهَبَ قريشٌ واليهودُ في ذلك إلى تجسيم ونحوه، فنزلت الآية مُبَيِّنَةً صورةَ تكليم اللَّه عبادَهُ، كيف هو، فَبَيَّنَ اللَّه تعالى أَنَّهُ لا يكُونُ لأَحَدٍ مِنَ الأنبياءِ، ولا ينبغِي له، ولا يمكنُ فيه أنْ يُكَلِّمه اللَّه إلاَّ بأَنْ يوحي إليه أحَدَ وجوه الوَحْيِ من الإلهام قال مجاهد: أوِ النَّفْثِ في القَلْبِ «٢»، أو وَحْيٍ في منام، قال النَّخَعِيّ: وكانَ من الأنبياء مَنْ يُخَطَّ له في الأرض ونحو هذا، أو بأنْ يُسْمِعَهُ كلامه دون أن يعرف هو للمتكلِّم جهةً ولا حَيِّزًا كموسى﵇-، وهذا معنى مِنْ وَراءِ حِجابٍ أي: من خفاء عن المُكَلَّم لا يحدُّه ولا يتسوَّر بذهنه عليه، وليس كالحجابِ في الشاهد، أو بأنْ يرسِلَ إليه مَلَكًا يُشَافِهُهُ بوحي الله/ ﷿، قال الفخر «٣»: قوله: فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشاءُ أي: فيوحى ذلك المَلَكُ بإذن اللَّه ما يشاءُ اللَّه انتهى، وقرأ جمهور القُرَّاءِ والناس: «أَوْ يُرْسِلَ» بالنصب «فَيُوحَى» بالنصب أيضًا، وقرأ نافع، وابن عامر، وابن عباس، وأهل المدينة: «أَوْ يُرْسِلُ» بالرفع فيوحي- بسكون الياء «٤» -، وقوله: أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ «مِنْ» متعلِّقةٌ بفعْلٍ يَدُلُّ ظاهر الكلام عليه، تقديره: أو يكلِّمه من وراء حجاب، وفي هذه الآيةِ دليلٌ على أَنَّ الرسالة من أنواع التكليم، وأَنَّ مَنْ حَلَفَ: لا يُكَلِّم فلانًا، وهو لم ينو المشافهة، ثم أرسل رسولا حنث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1280>[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٥٢ الى ٥٣]</span>\nوَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (٥٣)\nوقوله تعالى: وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنا ... الآية، المعنى: وبهذه الطرق، ومن هذا الجنس أوحينا إليك، أي: بالرسول، و«الرُّوحُ» في هذه الآية: القرآن\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٥/ ٤٣) .\n(٢) ذكره ابن عطية (٥/ ٤٣) .\n(٣) ينظر: «مفاتيح الغيب» (٢٧/ ١٦٣) .\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٤٣)، و«البحر المحيط» (٧/ ٥٠٤)، و«الدر المصون» (٦/ ٨٨) .","vol":"5","page":169},{"text":"آن وهدى الشريعة، سَمَّاه رُوحًا من حيث يُحْيي به البَشَرَ والعَالَم كَما يُحْيِي الجسدَ بالروح، فهذا على جهة التشبيه.\nوقوله تعالى: مِنْ أَمْرِنا أي: واحد من أُمورنا، ويحتمل أَنْ يكون الأمر بمعنى الكلام، ومِنْ لابتداء الغاية.\nوقوله تعالى: مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ توقيفٌ على مِقْدَارِ النعمةِ، والضمير في جَعَلْناهُ عائد على الكتاب، ونَهْدِي بمعنى: نُرْشِدُ، وقرأ جمهور الناس: «وإنَّكَ لَتَهْدِي» - بفتح التاء وكسر الدال-، وقرأ حَوْشَبٌ: «لتهدى» - بضم التاء وفتح الدال-، وقرأ عاصم: «لَتُهْدِي» - بضم التاء وكسر الدال-.\nوقوله: صِراطِ اللَّهِ يعني: صراط شرع اللَّه، ثم استفتح سبحانه القَوْلَ في الإخبار بصيرورة الأمور إليه سبحانه مبالغةً وتحقيقًا وتثبيتًا، فقال: أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ قال الشيخُ/ العارفُ باللَّه أبو الحسن الشاذليُّ ﵀: إنْ أردتَ أَنْ تغلب الشَّرَّ كُلَّه، وتلحق الخيرَ كُلَّه، ولا يَسْبِقَكَ سَابِق، وإنْ عمل ما عمل- فقل: يا مَنْ له الخَيْرُ كُلُّهُ، أسألك الخيرَ كُلَّه، وأعوذ بك من الشَّرِّ كُلِّه، فإنَّك أنت اللَّه الغَنِيُّ الغفُورُ الرَّحِيم، أَسْأَلُكَ بالهادِي محمّد ﷺ إلى صراطٍ مستقيمٍ، صراطِ اللَّهُ الَّذِي لَهُ مَا فِي السموات وَمَا في الأرض، أَلاَ إلى اللَّه تصيرُ الأمور، اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ مَغْفِرَةً تَشْرَحُ بها صَدْرِي، وتَضَعُ بها وِزْرِي، وترفعُ بها ذِكْرِي، وتُيَسِّرَ بها أمري، وتُنَزِّهَ بها فكري، وتُقَدِّسَ بها سِرِّي، وتكشفَ بها ضُرِّي، وترفَعَ بها قَدْرِي إنَّك على كُلِّ شَيْءٍ قدير، اهـ.\n- قلت-: قوله تعالى: مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ: هذا بَيِّنٌ، وقوله: وَلَا الْإِيمانُ: فيه تأويلات: قيل معناه: ولا شرائع الإيمان ومعالمَه قال أبو العالية: يعني:\nالدعوةَ إلى الإيمان، وقال الحسين بن الفَضْل: يعني أهل الإيمان، مَنْ يؤمن ومَنْ لا يؤمن، وقال ابن خُزَيْمَةَ: الإيمان هنا الصلاة دليله: وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ [البقرة: ١٤٣] قال ابن أبي الجَعْدِ وغيره: احترق مُصْحَفٌ فلم يبقَ منه إلاَّ: أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ وغَرِقَ مصحفٌ فامحى كُلُّه إلاَّ قولَه: أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ نقله الثعلبيُّ وغيره «١»، انتهى.\nقال العبد الفقير إلى الله تعالى، عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف الثعالبي لطف الله به في الدارين: قد يَسَّر اللَّهُ ﷿ في تحرير هذا المختصر، وقد أودعته بحمد الله\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٥/ ٤٤) . [.....]","vol":"5","page":170},{"text":"جزيلا من الدرر، قد استوعبت فيه بحمد اللَّه مُهِمَّاتِ ابْنِ عطيَّةَ، وزدته فوائدَ جليلةً من غيره، وليس الخَبَرُ كالْعِيَانِ، تَوَخَّيْتُ فيه بحمد/ اللَّه الصَّوَاب وجعلته ذخيرةً عند اللَّه لِيَوْمِ المآبِ، لا يَسْتَغْنِي عنه المُنْتَهِي وفيه كفايةٌ للْمُبَتِدي، يستغني «١» به عن المُطَوَّلاَت إذْ قد حَصَّل منها لُبَابَهَا وكَشَفَ عن الحقائقِ حِجَابَهَا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1281>التَّعْرِيفُ بِرِحْلَةِ المُؤَلِّف</span>\nرحلْتُ في طَلَبِ العِلْمِ في أواخر القَرْنِ الثَّامِنِ، ودخلْتُ بِجَايَةَ في أوائل القرن التاسع، فلقيتُ بها الأَئمةَ المقتدى بهم، أَصحابَ سيِّدِي عبد الرحمنِ الوغليسيِّ متوافرِين، فحضَرْتُ مجالسَهُمْ، وكانَتْ عُمْدَةُ قراءتي بها على سيدي [علي بن] «٢» عثمان المَانْجِلاَتِيِّ﵀- بمَسْجِدِ عَيْنِ البَرْبَرِ، ثم ارتحلْتُ إلى تُونُسَ، فلقيت بها سيدي عيسى الغبريني والأُبِّيَّ، والبرزليَّ، وغيرهم، وأخذْتُ عنهم، ثم ارتحلْتُ إلى المشرق، فلقيتُ بِمِصْرَ الشيْخَ وَلِيَّ الدِّينِ العِرَاقِي، فأخذْتُ عنه علومًا جَمَّةً مُعْظَمُهَا عِلْمُ الحديث، وفتح اللَّه لي فيه فتحًا عظيمًا، وكتب لي وأَجَازَنِي جميعَ ما حضَرْتُهُ عليه، وأطلق في غيره، ثم لقيتُ بمَكَّةَ بعض المحدِّثين، ثم رجعتُ «٣» إلى الديار المصرية وإلى تُونُسَ، وشاركْتُ مَنْ بها، ولقيت بها شيخَنَا أبا عبد اللَّه محمَّدَ بْنَ مَرْزُوقٍ قادمًا لإرادة الحَجِّ، فأخذتُ عنه كثيرًا، وأجازني [التدريسَ] في أنواع الفُنُونِ الإسلاميَّةِ، وحَرَّضَنِي على إتمام تقييدٍ وضعتُه على ابن الحاجِبِ الفرعيِّ.\nقلت: ولما فرغْتُ من تحرير هذا المختَصَرِ وافَقَ قدومَ شيخِنَا أبي عبد اللَّهِ محمد بن مرزوقٍ علينا في سَفْرَةٍ سافرها من تِلْمِسَانَ متوجِّهًا إلى تُونُسَ، ليصلح/ بَيْنَ سلطانها وبين صَاحِبِ تِلْمِسَانَ، فأوقفته على هذا الكتاب، فنظر فيه وأمعن النظر، فَسُرَّ به سرورًا كثيرًا ودعا لنا بخير، والله الموفّق بفضله.\n_________\n(١) في د: يستعين.\n(٢) سقط في: د.\n(٣) في د: رجعنا.","vol":"5","page":171},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1282>تفسير سورة الزّخرف</span>\nوهي مكّيّة\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1283>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ١ الى ٤]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nحم (١) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (٤)\nحم وَالْكِتابِ الْمُبِينِ وَالْكِتابِ: خُفِضَ بواو القَسَمِ، والضمير في جَعَلْناهُ عائد على الكتاب، وَإِنَّهُ عطف على جَعَلْناهُ، وهذا الإخبارُ الثَّانِي وَاقِعٌ أيضا تحت القسم، وأُمِّ الْكِتابِ: اللوح المحفوظ، وهذا فيه تشريفٌ للقرآن، وترفيع، واخْتَلَفَ المُتَأَوِّلُون: كيف هو في أُمِّ الكتاب؟ فقال قتادة وغيره: القرآن بأجمعه فيه منسوخ، ومنه كان جبريل ينزل، وهنالك هو عَلِيٌّ حكيم «١»، وقال جمهور الناس: إنَّما في اللوح المحفوظ ذِكْرُهُ ودرجته ومكانته من العُلُوِّ والحكمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1284>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٥ الى ٨]</span>\nأَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ (٥) وَكَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (٦) وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٧) فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ (٨)\nوقوله سبحانه: أَفَنَضْرِبُ بمعنى: أفنترك تقول العرب: أَضْرَبْتُ عن كذا وضَرَبْتُ: إذا أَعْرَضْتَ عنه وتركته، والذِّكْرَ هو: الدعاء إلى اللَّه، والتذكير بعذابِه، والتخويف من عقابه، وقال أبو صالح: الذِّكْرُ هنا أراد به العذاب نفسه «٢»، وقال الضَّحَّاكُ ومجاهد: الذكر القرآن «٣» .\nوقوله: صَفْحًا: يحتمل أَنْ يكون بمعنى العفو والغفر للذنوب، فكأَنَّهُ يقول:\nأفنترك تذكيركم وتخويفكم عفوًا عنكم، وغفرًا لإجرامكم من أجل أنْ كنتم قومًا مسرفين، أي: هذا لا يصلح وهذا قول ابن عباس ومجاهد «٤» ويحتمل قوله: صَفْحًا أن يكون\n_________\n(١) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (٥/ ٤٥) .\n(٢) ينظر: المصدر السابق.\n(٣) ينظر: المصدر السابق.\n(٤) أخرجه الطبري (١١/ ١٦٧) برقم: (٣٠٧٧٠- ٣٠٧٧١) عن قتادة نحوه، والبغوي في «تفسيره» (٤/ ١٣٤) .","vol":"5","page":172},{"text":"بمعنى مغفولًا عنه، أي: نتركه يَمُرُّ لا تؤخذون/ بقبوله ولا بتدبُّره، فكأَنَّ المعنى: أفنترككم سُدًى، وهذا هو منحى قتادةَ وغيره، وقرأ نافع وحمزة والكسائي: «إنْ كُنْتُمْ» بكسر الهمزة «١»، وهو جزاءً دَلَّ ما تقدَّمه على جوابه، وقرأ الباقون بفتحها بمعنى: من أجل أَنْ، والإسراف في الآية هو كُفْرُهُمْ.\n«وَكَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ» أي: في الأُمَمِ الماضية، كقوم نوحٍ وعادٍ وثمودَ وغيرهم.\n«وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ» أي: كما يستهزىء قومك بك، وهذه الآية تسلية للنّبيّ ﷺ، وتهديد بأَنْ يصيبَ قريشًا ما أصاب مَنْ هو أَشَدُّ بَطْشًا منهم.\nوَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ أي: سلف أمرهم وسُنَّتُهُم، وصاروا عبرةً غَابِرَ الدَّهْرِ، أنشد صاحبُ «عنوان الدِّرَايَةِ» لشيخه أبي عبد اللَّه التَّمِيميِّ: [البسيط]\nيَا وَيْحَ مَنْ غَرَّهُ دَهْرٌ فَسُرَّ بِهِ ... لَمْ يَخْلُصِ الصَّفْوُ إلاَّ شِيبَ بِالْكَدَرِ\nهُوَ الْحِمَامُ فَلاَ تُبْعِد زِيَارَتَه ... وَلاَ تَقُلْ لَيْتَنِي مِنْهُ على حَذَرِ\nانْظُرْ لِمَنْ بَادَ تَنْظُرْ آيَةً عَجَبًا ... وَعِبْرَةً لأولي الأَلْبَابِ وَالْعِبَرِ\nأَيْنَ الألى جَنَبُوا خَيْلًا مُسَوَّمَةً ... وَشَيَّدُوا إرَمًا خَوْفًا مِنَ الْقَدَرِ\nلَمْ تُغْنِهِمْ خَيْلُهُمْ يَوْمًا وَإنْ كَثُرَتْ ... وَلَمْ تُفِدْ إِرَمٌ لِلْحَادِثِ النُّكُرِ\nبَادُوا فَعَادُوا حَدِيثًا إنَّ ذَا عَجَبٌ ... مَا أَوْضَحَ الرَّشْدَ لَوْلاَ سَيِّىءُ النَّظَرِ\nتَنَافَسَ النَّاسُ في الدُّنْيَا وَقَدْ عَلِمُوا ... أنّ المقام بها كاللّمح بالبصر\nانتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1285>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٩ الى ١٤]</span>\nوَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠) وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذلِكَ تُخْرَجُونَ (١١) وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣)\nوَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ (١٤)\n_________\n(١) ينظر: «السبعة» (٥٨٤)، و«الحجة» (٦/ ١٣٨)، و«إعراب القراءات» (٢/ ٢٩٢)، و«معاني القراءات» (٢/ ٣٦١)، و«شرح الطيبة» (٥/ ٢١٧)، و«العنوان» (١٧١)، و«حجة القراءات» (٦٤٤)، و«شرح شعلة» (٥٧٥)، و«إتحاف» (٢/ ٤٥٣) .","vol":"5","page":173},{"text":"وقوله سبحانه: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ: الآيةُ ابتداءُ احتجاجٍ على قُرَيْشٍ/ يوجبُ عليهم التناقُضَ من حيث أَقرّوا بالخَالِقِ، وعَبَدُوا غيره، وجاءتِ العبارةُ عنِ اللَّه ب الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ ليكونَ ذلك تَوْطِئَةً لما عَدَّدَ سبحانه من أوصافه التي ابتدأَ الإخبار بها، وقَطَعَهَا من الكلام الذي حكى معناه عن قُرَيْشٍ.\nوقوله تعالى: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ الآية، هذه أوصافُ فِعْلٍ، وهي نِعَمٌ من اللَّه سبحانه على البَشَرِ، تقوم بها الحُجَّةُ على كُلِّ مُشْرِكٍ.\nوقوله تعالى: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ليس هو مِنْ قَوْلِ المسئولين، بل هو ابتداء إخبارٍ من اللَّه تعالى.\nوقوله سبحانه: وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ مَاءَ بِقَدَرٍ قيل: معناه: بقدر في الكفاية للصلاح لا إكثار فَيَفْسُدَ، ولا قِلَّة فيقصر بل غيثًا مُغِيثًا، وقيل: بِقَدَرٍ أي: بقضاء وحَتْمٍ، وقالت فرقة: معناه: بتقديرٍ وتحريرٍ، أي: قدر ماء معلومًا، ثم اختلف قائلُو هذه المقالة فقال بعضهم: ينزل في كلِّ عامٍ ماءً قَدْرًا واحدًا، لا يَفْضُلُ عامٌ عامًا، لكن يكثر مرّة هاهنا ومرة هاهنا، وقال بعضهم: بل ينزل تقديرًا مَّا في عَامٍ، وينزل في آخرَ تقديرًا مَّا، وينزل في آخر تقديرًا آخرَ بِحَسَبِ ما سَبَقَ به قضاؤه لا إله إلا هو.\nقُلْتُ: وبعض هذه الأقوالِ لا تُقَالُ من جهة الرأْيِ، بل لا بُدَّ لها من سَنَدٍ، وفَأَنْشَرْنا معناه: أَحْيَيْنَا يقال: نُشِرَ المَيِّتُ وأَنْشَرَهُ اللَّهُ، والأزواج هنا الأنواع من كلّ شيء، ومِنَ في قوله: مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ للتبعيض، والضمير في ظُهُورِهِ عائدٌ على/ النوع المركوبِ الذي وقَعَتْ عليه «ما»، وقد، بَيَّنَتْ آية أخرى ما يقال عند ركوب الفُلْكِ، وهو: «بِسْمِ الله مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ» [هود: ٤١] وإنما هذه خاصَّةٌ فيما يُرْكَبُ من الحيوان، وإنْ قَدَّرنا أَنَّ ذِكْر النعمة هو بالقَلْبِ، والتذكُّر بدء الراكِبُ ب سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا، وهو يرى نعمة اللَّه في ذلك وفي سواه ومُقْرِنِينَ أي:\nمطيقين، وقال أبو حيَّان مُقْرِنِينَ: خبر كان، ومعناه غالبين ضابطين، انتهى، وهو بمعنى الأَوَّل، وَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ أَمْرٌ بالإقرار بالبعث.","vol":"5","page":174},{"text":"ت: وعن حمزة بن عمرو الأسلميِّ قال: قال رسول الله ﷺ: «على ظَهْرِ كُلِّ بَعِيرٍ شَيْطَانٌ، فَإذَا رَكِبْتُمُوهَا فَسَمُّوا اللَّهَ» رواه ابن حِبَّان في «صحيحه» «١»، انتهى من «السلاح»، وينبغي لمن مَلَّكَهُ اللَّه شيئًا من هذا الحيوانِ أنْ يَرْفُقَ به ويُحْسِنَ إليه لينالَ بذلك رضا اللَّه تعالى، قال القُشَيْرِيُّ في «التحبير»: وينبغي لِلْعَبْدِ أنْ يكُونَ مُعَظِّمًا لِرَبِّه، نَفَّاعًا لخلقه، خيرًا في قومه، مُشْفِقًا على عباده فَإنَّ رأس المعرفة تعظيمُ أمر اللَّه سبحانه، والشفقَةُ على خَلْقِ اللَّه، انتهى، وروى مالكٌ في «المُوَطَّإ» عن النبيّ ﷺ أَنَّه قال: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ إذِ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ، فَوَجَدَ بِئْرًا فَنَزَلَ فِيهَا فَشَرِبَ، فَخَرَجَ فَإذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ، يَأْكُلُ الثرى مِنَ العَطَشِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الْكَلْبَ مِنَ الْعَطَشِ مِثْلُ الَّذِي بَلَغَ مِنِّي، فَنَزَلَ الْبِئْرَ فَمَلأَ خُفَّهُ، ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ حَتَّى رَقَى فَسَقَى الْكَلْبَ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإنَّ لَنَا في الْبَهَائِمِ أَجْرًَا؟! / فَقَالَ: في كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ» «٢» .\nقال أبو عُمَرَ في «التهميد»: وكذا في الإساءة إلى الحيوان إثْمٌ، وقد روى مالكٌ، عن نافع، عن ابنِ عمر أنّ النبيّ ﷺ قال: «دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ في هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا فَلاَ هِيَ أَطْعَمَتْهَا، ولاَ هِيَ أَطْلَقَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ» «٣»، ثم أسند أبو عُمَرَ «أنّ النبيّ ﷺ دخل حائطا من\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٣/ ٤٩٤)، وابن حبان (٤/ ٦٠٢- ٦٠٣) كتاب «الصلاة» باب: شروط الصلاة، ذكر البيان بأن قوله ﷺ: «فإنها خلقت من الشياطين» لفظة أطلقها على المجاوزة لا على الحقيقة برقم:\n(١٧٠٣)، والطبراني (٣/ ١٧٠٦) (٢٩٩٣) .\nقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ١٣٤): رواه أحمد والطبراني في «الكبير» و«الأوسط» ورجالهما رجال الصحيح غير محمّد بن حمزة، وهو ثقة.\n(٢) أخرجه البخاري (٥/ ١٣٦) كتاب «المظالم» باب: الآبار التي على الطريق إذا لم يتأذّ بها (٢٤٦٦)، ومسلم (٤/ ١٧٦١) كتاب «السلام» باب: فضل ساقي البهائم المحترمة وإطعامها (١٥٣/ ٢٢٤٤) .\n(٣) أخرجه البخاري (٦/ ٤٠٩) كتاب «بدء الخلق» باب: إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء، وخمس من الدواب فواسق يقتلن في الحرم (٣٣١٨)، ومسلم (٤/ ١٧٦٠) كتاب «السلام» باب: تحريم قتل الهرة (١٥١/ ٢٢٤٢)، و(٤/ ٢٠٢٢) كتاب «البر والصلة والآداب» باب: تحريم تعذيب الهرة ونحوها (١٢٣/ ٢٢٤٢)، (١٣٤/ ٢٢٤٢)، وابن حبان (٢/ ٣٠٥) كتاب «البر والإحسان» باب: فصل من البر والإحسان، ذكر استحباب الإحسان إلى ذوات الأربع رجاء النجاة من العقبى به (٥٤٦)، والبخاري في «الأدب المفرد» (١١٥) (٣٧٩)، والدارمي (٢/ ٣٣٠- ٣٣١) كتاب «الرقاق» باب: دخلت امرأة النار في هرة، البيهقي (٥/ ٢١٤) كتاب «الحج» باب: كراهية قتل النملة للمحرم وغير المحرم، وكذلك ما لا ضرر فيه مما لا يؤكل، (٨/ ١٣) كتاب «النفقات» باب: نفقة الدواب، وأحمد (٢/ ١٥٩، ١٨٨) .\nوفي الباب من حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم (٤/ ٢٠٢٣) كتاب «البر والصلة والآداب» باب: تحريم تعذيب الهرة ونحوها، من الحيوان الذي لا يؤذى برقم: (١٣٥/ ٢٦١٩)، وأحمد (٢/ ٢٦١، ٢٦٩، ٢٨٦، ٣١٧، ٤٢٤، ٤٥٧، ٤٦٧، ٤٧٩، ٥٠١، ٥٠٧، ٥١٩)، وابن ماجه (٢/ ١٤٢١) كتاب-","vol":"5","page":175},{"text":"حِيطَانِ الأَنْصَارِ، فَإذَا جَمَلٌ قَدْ أُتِيَ فَجُرْجِرَ، وذرفت عيناه، فمسح رسول الله ﷺ سَرَاتَهُ وَذِفْرَاهُ، فَسَكَنَ، فَقَالَ: مَنْ صَاحِبُ الجَمَلِ؟ فَجَاءَ فَتًى مِنَ الأنْصَارِ، فَقَالَ: هُوَ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: أَمَا تَتَّقِي اللَّهَ في هذه البهيمة الّتي ملّكت اللَّهُ إنَّهُ شَكَا إلَيَّ أَنَّكَ تُجِيعُهُ وتُدْئِبُهُ» «١» ومعنى ذَرَفَتْ عَيْنَاهُ، أي: قَطَرَتْ دموعُهما قطرًا ضعيفًا، والسَّرَاةُ الظَّهْرُ، «والذفرى»: ما وراءَ الأذنَيْن عن يمين النقرة وشمالها، انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1286>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ١٥ الى ١٩]</span>\nوَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (١٥) أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ وَأَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ (١٦) وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (١٧) أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ (١٨) وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ (١٩)\nوقوله سبحانه: وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءًا أيْ: جَعَلَتْ كُفَّارُ قُرَيْشٍ والعربِ للَّه جزءًا، أي: نصيبًا وحَظًّا، وهو قولُ العَرَبِ: «الملائكة بنات اللَّه» هذا قول كثير من المتأولين، وقال قتادة: المراد بالجُزْء: الأَصنَامُ وغيرها «٢» ف جُزْءًا معناه: نِدًّا.\nت: وباقي الآية يُرَجِّحُ تأويلَ الأكثرِ.\nوقوله: أَمِ اتَّخَذَ: إضرابٌ وتقريرٌ وتوبيخٌ إذِ المحمود المحبوبُ من الأولاد قد خَوَّلَهُ اللَّه بني آدم، فكيفَ يتَّخِذُ هو لنفسه النصيب الأدنى، وباقي الآية بَيِّنٌ مِمَّا ذُكِرَ في «سورة النحل» وغيرها.\nثم زاد سبحانه في توبيخهم وإفساد رأيهم بقوله: أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ التقدير: أو مَنْ يُنَشَّأُ في الحلية هو الذي خصصتم به الله ﷿، والحلية: الحلي من الذهب/ والفضة والأحجار، ويُنَشَّؤُا معناه: ينبت ويكبر، والْخِصامِ: المحاجَّةُ ومجاذبة المحاورة، وقَلَّ ما تجد امرأة إلاَّ تُفْسِدُ الكلام وتخلط المعاني، وفي مصحف ابن مسعود «٣»: «وَهُوَ في الكَلاَمِ غَيْرُ مُبِينٍ» والتقدير: غير مُبِينٍ غَرَضًا أو منزعًا ونحو هذا،\n_________\n«الزهد» باب: ذكر التوبة برقم: (٤٢٥٦)، وابن حبان (١٢/ ٤٣٨- ٤٣٩) كتاب «الحظر والإباحة» باب: فصل فيما يتعلق بالدواب، ذكر الخبر الدال على أن المسيء إلى ذوات الأربع قد يتوقع له دخول النار في القيامة بفعله ذلك، برقم: (٥٦٢١) .\n(١) أخرجه أحمد (١/ ٢٠٤) .\n(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١١/ ١٧٢) برقم: (٣٠٧٨٩- ٣٠٧٩٠) عن قتادة، وذكره ابن عطية (٥/ ٤٨- ٤٩)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٧١٧)، وعزاه إلى ابن حميد، وعبد الرزاق، وابن المنذر. [.....]\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٤٩) .","vol":"5","page":176},{"text":"وقال ابن زيد: المراد ب مَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ: الأصنامُ والأوثان، لأنَّهم كانوا يجعلون الحلي على كثير منها، ويتخذون كثيرًا منها من الذهب والفضة «١»، وقرأ أكثر السبعة:\nوَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثًا وقرأ الحَرَمِيَّانِ وابنُ عَامِرٍ: «عِنْدَ الرحمن إناثًا» وهذه القراءة أَدَلُّ على رفع المنزلة «٢» .\nوقوله تعالى: «أأشهدوا خَلْقَهُمْ» معناه أَأُحْضِرُوا خَلْقَهُمْ، وفي قوله تعالى: سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ وعيدٌ مُفْصِحٌ، وأسند ابن المبارك عن سليمان بن راشِدٍ أنه بلغه أَنَّ امرأ لا يشهدُ شهادةً في الدنيا إلاَّ شَهِدَ بها يومَ القيامة على رؤوس الأشهاد، ولا يمتدح عبدًا في الدنيا إلاَّ امتدحه يوم القيامة على رؤوس الأشهاد، قال القرطبيُّ في «تذكرته»: وهذا صحيح يَدُلُّ على صِحَّتِهِ قوله تعالى: سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ وقوله: مَّا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق: ١٨] انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1287>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٢٠ الى ٢٥]</span>\nوَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ (٢٠) أَمْ آتَيْناهُمْ كِتابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (٢١) بَلْ قالُوا إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢) وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣) قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (٢٤)\nفَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٢٥)\nوقوله سبحانه: وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ مَا عَبَدْناهُمْ ... الآية، أي: ما عبدنا الأصنام.\nت: وقال قتادة وغيره: يعني: ما عبدنا الملائكة «٣»، وجعل الكفارُ إمهالَ اللَّه لهم دليلًا على رضاه عنهم، وأنَّ ذلك كالأمرِ به، ثم نفى سبحانه علمهم بهذا، وليس عندهم كتاب مُنَزَّلٌ يقتضي ذلك وإنَّما هم يَظُنُّونَ ويحدسون/ ويُخَمِّنُون، وهذا هو الخَرْصُ والتخرُّص، والأُمَّة هنا بمعنى الملَّة والديانة، والآية على هذا تُعِيبُ عليهم التقليد،\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١١/ ١٤٧) برقم: (٣٠٨٠٠)، وذكره ابن عطية (٥/ ٤٩) .\n(٢) ينظر: «السبعة» (٥٨٥)، و«الحجة» (٦/ ١٤٠)، و«إعراب القراءات» (٢/ ٢٩٥)، و«معاني القراءات» (٢/ ٣٦٢)، و«شرح الطيبة» (٥/ ٢١٨)، و«العنوان» (١٧١)، و«حجة القراءات» (٦٤٧)، و«شرح شعلة» (٥٧٦)، و«إتحاف» (٢/ ٤٥٤) .\n(٣) ذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ١٣٦) آية رقم: (٢٠)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٧١٩)، وعزاه إلى عبد بن حميد.","vol":"5","page":177},{"text":"وذكر الطبريُّ «١» عن قوم أَنَّ الأمَّة الطريقة، ثم ضرب الله المثل لنبيّه محمّد ع وجعل له الأُسْوَةَ فيمن مضى من النذر والرسل وذلك أَنَّ المُتْرَفِينَ من قومهم، وهم أهل التنعُّم والمال، قد قابلوهم بِمِثْلِ هذه المقالة، وفي قوله ﷿: فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ ...\nالآية: وعيدٌ لقريشٍ، وضَرْبُ مَثَلٍ لهم بِمَنْ سَلَفَ من الأمم المُعَذَّبَةِ المُكَذِّبَةِ لأنبيائها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1288>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٢٦ الى ٢٨]</span>\nوَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧) وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٨)\nوقوله سبحانه: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ المعنى: واذكر إذ قال إبراهيم لأبيه وقومه:\nإِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ أي: فافعل أنْتَ فِعْلَهُ، وتَجَلَّدْ جلده، وبَراءٌ: صفة تجري على الوَاحِدِ والاثْنَيْنِ والجَمْعِ كَعَدْلٍ وَزَوْرٍ، وقرأ ابن مسعود: «بَرِيءٌ» «٢» .\nوقوله: «إلا الذي فطرني» قالت فرقة: الاستثناء مُتَّصِلٌ، وكانوا يعرفون اللَّه ويُعَظِّمُونه، إلاَّ أَنَّهم كانوا يشركون معه أصنامهم، فكأَنَّ إبراهيم قَالَ لهم: أنا لا أوافقكم إلاَّ على عبادة اللَّه الذي فطرني، وقالت فرقة: الاستثناء مُنْقَطِعٌ، والمعنى: لكنَّ الذي فطرني هو معبودي الهادي المُنْجي من العذاب، وفي هذا استدعاءٌ لهم، وترغيبٌ في طاعةِ اللَّه، وتطميع في رحمته.\nوالضمير في قوله: وَجَعَلَها كَلِمَةً ... الآية، قالت: فرقة: هو عائد على كلمته بالتوحيد في قوله: إِنَّنِي بَراءٌ وقال مجاهد وغيره: المراد بالكلمة: لا إله إلا اللَّه «٣»، وعاد عليها الضمير، وإنْ كان لم يجر لها ذكر لأَنَّ اللفظ يتضمَّنها، والعَقِبُ: الذُّرِّيَّةُ، ووَلَدُ الوَلَدِ ما امتدَّ فرعهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1289>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٢٩ الى ٣٥]</span>\nبَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ (٢٩) وَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ قالُوا هذا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كافِرُونَ (٣٠) وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٣٢) وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ (٣٣)\nوَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوابًا وَسُرُرًا عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ (٣٤) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (٣٥)\n_________\n(١) ينظر: «تفسير الطبري» (١١/ ١٧٦) .\n(٢) وقرأ بها الأعمش.\nينظر: «مختصر الشواذ» ص: (١٣٦)، و«المحرر الوجيز» (٥/ ٥١)، و«البحر المحيط» (٨/ ١٣)، و«الدر المصون» (٦/ ٩٦) .\n(٣) أخرجه الطبري (١١/ ١٧٩) برقم: (٨٠٨١٨- ٨٠٨١٩)، وذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ١٣٧)، وابن عطية (٥/ ٥٢)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٧٢٠)، وعزاه إلى عبد بن حميد.","vol":"5","page":178},{"text":"وقوله: بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ يعني قريشًا حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ، وذلك هو شرع الإسلام، والرسول [هو] محمّد ﷺ ومُبِينٌ أي: يبين لهم الأحكام، والمعنى في الآية: بل أمهلتُ هؤلاءِ وَمَتَّعْتُهُمْ بالنعمة وَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ يعني القرآن قالُوا هذا سِحْرٌ.\nوَقالُوا يعني قريشا: لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ يعني:\nمن إحدى القريتين، وهما مَكَّةُ والطَّائِفُ، ورجل مَكَّةَ هو الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ في قول ابن عباس وغيره «١»، وقال مجاهد: هو عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ «٢»، وقيل غير هذا، ورجل الطائف: قال قتادة: هو عُرْوَةُ بْنُ مسعود «٣»، وقيل غير هذا، قال ع «٤»: وإنَّما قصدوا إلى من عظم ذكره بالسّنّ، وإلّا فرسول الله ﷺ كان أعظمَ من هؤلاء إذ كان المسمى عندهم «الأمين»، ثم وَبَّخَهُم سبحانه بقوله: أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ و«الرحمة» اسم عامٌّ يشمل النُّبُوَّةَ وغيرها، وفي قوله تعالى: نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ تزهيدٌ في السعايات، وعون على التّوكّل على الله ﷿ وللَّه دَرُّ القائل: [الرجز]\n[كَمْ جَاهِلٍ يَمْلِكُ دورا وقرى ... [وعالم يسكن بيتا بالكرى] «٥»\nلَمَّا سَمِعْنَا قَوْلَهُ سُبْحَانَه ... نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ زَالَ المِرَا «٦»\nوروى ابن المبارك في «رقائقه» بسنده عن النبيّ ﷺ أَنَّهُ قال: «إذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا أَرْضَاهُ بِمَا قَسَمَ لَهُ، وَبَارَكَ لَهُ فِيهِ، وَإذَا لَمْ يُرِدْ بِهِ خَيْرًا، لَمْ يُرْضِهِ بِمَا قَسَمَ لَهُ، وَلَمْ يُبَارِكْ لَهُ فِيهِ» «٧» انتهى، وسُخْرِيًّا بمعنى التسخير، ولا مدخل لمعنى الهزء في هذه الآية.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١١/ ١٨١) برقم: (٣٠٨٢٩)، وذكره ابن عطية (٥/ ٥٢)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ١٢٦- ١٢٧)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٧٢١)، وعزاه إلى ابن مردويه، وابن أبي حاتم.\n(٢) أخرجه الطبري (١١/ ١٨١) برقم: (٣٠٨٣٠)، وذكره البغوي (٤/ ١٣٧)، وابن عطية (٥/ ٥٢)، وابن كثير (٤/ ١٢٧)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٧٢١)، وعزاه إلى ابن عساكر.\n(٣) أخرجه الطبري (١١/ ١٨١) برقم: (٣٠٨٣١)، وذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ١٣٧)، وابن عطية (٥/ ٥٢)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٧٢١)، وعزاه إلى عبد بن حميد.\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٥٣) .\n(٥) سقط في: د.\n(٦) ذكر بعضه ابن عطية في «المحرر» (٥/ ٥٣) .\n(٧) ذكره السيوطي في «الجامع الكبير» (١١١٧)، وعزاه للديلمي عن أبي هريرة. [.....]","vol":"5","page":179},{"text":"وقوله تعالى: وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ قال قتادة والسُّدِّيُّ: يعني الجنة «١»، قال ع «٢»: ولا شَكَّ أَنَّ الجنة هي الغاية، ورحمة اللَّه في الدنيا بالهداية والإيمان خير من/ كُلِّ مال، وفي هذا اللفظ تحقير للدنيا، وتزهيد فيها، ثم استمرَّ القولُ في تحقيرها بقوله سبحانه: وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً ... الآية وذلك أَنَّ معنى الآية أَنَّ اللَّه سبحانه أبقى على عباده، وأنعم عليهم بمراعاة بقاء الخير والإيمان، وشاء حفظه على طائفة منهم بَقِيَّةَ الدهر، ولولا كراهيةُ أنْ يكونَ الناسُ كُفَّارًا كُلُّهم، وأَهْلَ حُبٍّ في الدنيا وتجرُّدٍ لها- لوسَّعَ اللَّه على الكفار غايةَ التوسعة، ومَكَّنَهم من الدنيا وذلك لحقارتها عنده سبحانه، وأنها لا قَدْرَ لها ولا وزنَ لفنائها وذَهَابِ رسومها، فقوله: أُمَّةً واحِدَةً معناه في الكُفْرِ قاله ابن عباس وغيره «٣»، ومن هذا المعنى قوله ﷺ: «لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَزِنُ عِنْدَ اللَّه جَنَاحَ بَعُوضَةٍ، مَا سقى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ» «٤» وروى ابن المبارك في «رقائقه» بسنده عن عَلْقَمَةَ عن عبد اللَّه قال: «اضطجع رَسُولُ الله ﷺ عَلَى حَصِيرٍ فَأَثَّرَ الحَصِيرُ في جَنْبِهِ، فَلَمَّا استيقظ، جَعَلْتُ أَمْسَحُ عَنْهُ، وَأَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلاَ آذَنْتَنِي قَبْلَ أَنْ تَنَامَ على هَذَا الحَصِيرِ، فَأَبْسُطَ لَكَ عَلَيْهِ شَيْئًا يَقِيكَ منه؟ فقال رسول الله ﷺ: مَا لِيَ ولِلدُّنْيَا، وَمَا لِلدُّنْيَا وَمَا لِي مَا أَنَا وَالدُّنْيَا إلاَّ كَرَاكِبٍ استظل في فَيْءِ أَوْ ظِلِّ شَجَرَةٍ، ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا» «٥» انتهى، وقد خَرَّجه التِّرمذيُّ، وقال: حديثٌ حَسَنٌ صحيح، وسُقُفًا جمع\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١١/ ١٨٤) برقم: (٣٠٨٤١- ٣٠٨٤٢)، وذكره ابن عطية (٥/ ٥٣)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٧٢٢)، وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٥٣) .\n(٣) أخرجه الطبري (١١/ ١٨٤) برقم: (٣٠٨٤٣)، وذكره ابن عطية (٥/ ٥٣)، وابن كثير (٤/ ١٢٧)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٧٢٢)، وعزاه إلى ابن أبي حاتم، وابن المنذر عن ابن عبّاس، ولعبد الرزاق، وعبد بن حميد عن قتادة، وابن المنذر عن مجاهد.\n(٤) أخرجه الترمذي (٤/ ٥٦٠) كتاب «الزهد» باب: ما جاء في هوان الدنيا على الله ﷿ (٢٣٢٠)، وأبو نعيم في «الحلية» (٣/ ٢٥٣) .\nقال الترمذي: هذا حديث صحيح غريب من هذا الوجه.\n(٥) أخرجه الترمذي (٤/ ٥٨٨- ٥٨٩) كتاب «الزهد» باب: (٤٤) (٢٣٧٧)، وأحمد (١/ ٣٩١، ٤٤١)، وابن ماجه (٢/ ١٣٧٦) كتاب «الزهد» باب: مثل الدنيا (٤١٠٩)، وأخرجه في «دلائل النبوة» (١/ ٣٣٧- ٣٣٨)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٧/ ٣١١) (١٠٤١٥)، وأبو نعيم في «الحلية» (٤/ ٢٣٤) .\nقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.\nقال أبو نعيم: غريب من عمرو وإبراهيم، تفرد به المسعودي، ورواه المعافي بن عمران، ووكيع بن الجراح، ويزيد بن هارون عن المسعودي مثله، وحدث به جرير عن الأعمش عن إبراهيم، وهو غريب. -","vol":"5","page":180},{"text":"سَقْف، والمعارج: الأدراج التي يُطْلَعُ عليها قاله ابن عبّاس وغيره «١»، ويَظْهَرُونَ معناه: يعلون ومنه حديث عائشةَ﵂- والشمس في حجرتها لم تظهر/ بعد، والسُّرُرُ: جمع سرير، والزُّخْرُفُ: قال ابن عَبَّاس، والحسن، وقتادة والسُّدِّيُّ: هو الذهب «٢»، وقالت فرقة: الزُّخْرُفُ: التزاويق والنَّقْش ونحوه وشاهده: حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها [يونس: ٢٤] وقرأ الجمهور: وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا- بتخفيف الميم- من «لما» ف «إنْ» مُخَفَّفَةٌ من الثقيلة، واللام في «لما» داخلةٌ لتَفْصِلَ بين النفي والإيجاب، وقرأ عاصم، وحمزة، وهشام بخلافٍ عنه- بتشديد الميم- من «لمَّا» «٣» ف «إنْ» نافيةٌ بمعنى [«مَا»، و«لَمَّا» بمعنى] «٤» «إلاَّ»، أي: وما كُلُّ ذلك إلاَّ متاعُ الحياة الدنيا، وفي قوله سبحانه: وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ وعْدٌ كريمٌ، وتحريض على لزوم التقوى، إذ في\n_________\n- وفي الباب من حديث ابن عبّاس نحوه: أخرجه ابن حبان (٨/ ٢٠٩) - الموارد (٢٥٢٦)، وابن حبان (١٤/ ٢٦٥) كتاب «التاريخ» باب: صفته ﷺ وأخباره، ذكر ما مثل المصطفى ﷺ نفسه والدنيا بمثل ما مثل به (٦٣٥٢)، وأحمد (١/ ٣٠١)، والحاكم (٤/ ٣٠٩، ٣١٠) والطبراني (١١/ ٣٢٧) (١١٨٩٨)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٧/ ٣١٢) (٧/ ١٠٤) .\nقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه. اهـ.\nقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٣٢٩): ورجال أحمد رجال الصحيح غير هلال بن خباب، وهو ثقة. اهـ.\nوفي الباب من حديث ابن عمر: أن رسول الله ﷺ أتى فاطمة ﵂ فوجد على بابها سترا ...\nإلى أن قال: «وما أنا والدنيا وما أنا والرقم ...» الحديث. أخرجه البخاري (٥/ ٢٧٠) كتاب «الهبة» باب: هدية ما يكره لبسها (٢٦١٣)، وأبو داود (٢/ ٤٧٠) كتاب «اللباس» باب: في اتخاذ الستور (٤١٤٩)، وأحمد (٢/ ٢١)، وابن حبان في «صحيحه» (١٤/ ٢٦٧) كتاب «التاريخ» باب: صفته ﷺ وأخباره، وذكر ما مثل به المصطفى ﷺ نفسه والدنيا بمثل ما مثل به. (٦٣٥٣)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٧/ ٣١٢) (١٠٤١٦) .\n(١) أخرجه الطبري (١١/ ١٨٦) برقم: (٣٠٨٥٠، ٣٠٨٥٤) عن ابن عبّاس، و(٣٠٨٥١) عن قتادة، و(٣٠٨٥٢) عن السدي، و(٣٠٨٥٣) عن قتادة، و(٣٠٨٥٥) عن ابن زيد، وذكره ابن عطية (٥/ ٥٤)، وابن كثير (٤/ ١٢٧)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٧٢٢)، وعزاه إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عبّاس.\n(٢) أخرجه الطبري (١١/ ١٨٦- ١٨٧) برقم: (٣٠٨٥٨، ٣٠٨٦٢)، وذكره ابن عطية (٥/ ٥٤)، وابن كثير (٤/ ١٢٧)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٧٢٢)، وعزاه إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عبّاس، وعبد الرزاق، وعبد بن حميد عن قتادة.\n(٣) ينظر: «السبعة» (٥٨٦)، و«الحجة» (٦/ ١٤٩)، و«إعراب القراءات» (٢/ ٢٩٧)، و«معاني القراءات» (٢/ ٣٦٤)، و«شرح الطيبة» (٥/ ٢٢٠)، و«العنوان» (١٧١)، و«حجة القراءات» (٦٤٩)، و«إتحاف» (٢/ ٤٥٦) .\n(٤) سقط في: د.","vol":"5","page":181},{"text":"الآخرة هو التباينُ الحقيقيُّ في المنازل قال الفخر «١»: بَيَّنَ تعالى أَنَّ كُلَّ ذلك متاع الحياة الدنيا، وأَمَّا الآخرة فهي باقيةٌ دائمةٌ، وهي عند اللَّه وفي حُكْمِهِ للمتَّقِينَ المُعْرِضِينَ عَنْ حُبِّ الدنيا، المقبلين على حُبِّ المَوْلَى، انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1290>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٣٦ الى ٤٢]</span>\nوَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧) حَتَّى إِذا جاءَنا قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (٣٨) وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٩) أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٤٠)\nفَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (٤١) أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْناهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ (٤٢)\nوقوله ﷿: وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ الآية، وعَشَا يَعْشُو معناه: قَلَّ الإبصارُ منه، ويقال أيضًا: عَشِيَ الرجلُ يعشى: إذا فَسَدَ بَصَرُه، فلم يَرَ، أَو لَمْ يَرَ إلاَّ قليلًا، فالمعنى في الآية: ومَنْ يَقِلُّ بَصَرُهُ في شرع اللَّه، ويغمضُ جفونه عن النَّظَرِ في ذِكْرِ الرحمن، أي: فيما ذكَّر به عباده، أي: فيما أنزله من كتابه، وأوحاه إلى نَبِيِّه.\nوقوله: نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا أي: نُيَسِّرْ له، ونُعِدَّ، وهذا هو العقاب على الكفر بالحتم وعدمِ الفلاحِ، وهذا كما يقال: إنَّ اللَّه تعالى يُعَاقِبُ على المعصية بالتزيُّد في المعاصي، ويجازي على الحسنة بالتزيُّد من الحَسَنَاتِ، وقد روي هذا المعنى مرفوعًا. قال- ص-: وَمَنْ يَعْشُ الجمهور بضم الشين «٢»، أي: يتعام ويتجاهل، ف مَنْ شرطية، ويَعْشُ مجزوم بها، ونُقَيِّضْ جوابُ مَنْ، انتهى، والضمير في قوله:\nوَإِنَّهُمْ عائد على الشياطين، وفيما بعده عائد على الكُفَّارِ، وقرأ نافع وغيره «٣»: «حَتَّى إذَا جَاءَانَا» على التثنية، يريد: العاشي والقرين قاله قتادة وغيره «٤»، وقرأ أبو عمرو وغيره:\n«جَاءَنا» يريد العاشي وحدَه «٥»، وفاعل قالَ هو العَاشِي، قال الفخر «٦»: وروي أنّ الكافر\n_________\n(١) ينظر: «الرازي» (٢٧/ ١٨٢) .\n(٢) ينظر: «الدر المصون» (٦/ ٩٨) .\n(٣) وقرأ بها ابن كثير وابن عامر، وأبو بكر.\nينظر: «السبعة» (٥٨٦)، و«الحجة» (٦/ ١٥٠)، و«إعراب القراءات» (٢/ ٢٩٧)، و«معاني القراءات» (٢/ ٣٦٥)، و«شرح الطيبة» (٢/ ٢٢٢)، و«العنوان» (١٧١)، و«حجة القراءات» (٦٥٠)، و«شرح شعلة» (٥٧٧)، و«إتحاف» (٢/ ٤٥٦) .\n(٤) أخرجه الطبري (١١/ ١٨٩) برقم: (٣٠٨٦٩)، وذكره ابن عطية (٥/ ٥٥) . [.....]\n(٥) ينظر: مصادر القراءة السابقة.\n(٦) ينظر: «تفسير الفخر الرازي» (٢٧/ ١٨٣) .","vol":"5","page":182},{"text":"إذا بُعِثَ يوم القيامة من قبره أَخَذَ شَيْطَانٌ بيده، فلم يُفَارِقْهُ حتى يصيِّرهما اللَّه إلى النار، فذلك حيث يقول: يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ انتهى.\nوقوله: بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ يحتمل مَعَانِيَ:\nأحدها: أن يريد بُعْدَ المشرق من المغرب، فَسَمَّاهما مَشْرِقَيْنِ كما يقال القَمَرَانِ، والعُمَرَانِ.\nوالثاني: أنْ يريد مشرق الشمس في أطول يوم، ومشرقها في أقصر يوم.\nوالثالث: أنْ يريد بعد المشرقَيْنِ من المغربين، فاكتفى بذكر المشرقين.\nقلت: واستبعد الفَخْرُ التأويل الثاني قال: لأنّ المقصود من قوله: يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ المبالغةُ في حصول البُعْدِ، وهذه المبالغة إنَّما تحصل عند ذكر بُعْدٍ لا يمكن وُجُودُ بُعْدٍ أزيدَ منه، والبُعْدُ بين مشرق الشتاء ومشرق الصيف ليس كذلك، فَيَبْعُدُ حَمْلُ اللَّفْظِ عليه قال: والأكْثَرُونَ عَلَى التأويل الأَوَّلِ، انتهى.\nوقوله تعالى: وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ ... الآية، حكايةٌ عن مقالة تُقَالُ لهم يوم القيامة، وهي مقالة مُوحِشَةٌ فيها زيادةُ تعذيبٍ لهم ويأْسٍ من كل خير، وفاعل يَنْفَعَكُمُ الاشتراك، ويجوز أنْ يكون فاعل يَنْفَعَكُمُ التّبرّي الذي يدل عليه قوله: يا لَيْتَ.\nوقوله سبحانه: أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ ... الآية، خطاب للنّبيّ ﷺ وباقي الآية/ تكرَّر معناه غيرَ ما مَرَّةٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1291>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٤٣ الى ٤٥]</span>\nفَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٣) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ (٤٤) وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)\nوقوله تعالى: فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ أي: بما جاءك من عند اللَّه من الوحي الْمتلوِّ وغيره.\nوقوله: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ يحتمل أَنْ يريد: وإنَّهُ لشرف في الدنيا لكَ ولِقَوْمِكَ يعني:\nقُرَيْشًا قاله ابن عباس وغيره «١»، ويحتمل أنْ يريد: وإنَّه لتذكرة وموعظة، ف «القومُ» على هذا أُمَّتُهُ بأجمعها، وهذا قول الحسن بن أبي الحسن «٢» .\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١١/ ١٩١) برقم: (٣٠٨٧٧)، وذكره ابن عطية (٥/ ٥٧)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور»، وعزاه إلى ابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه، والبيهقي في «شعب الإيمان» .\n(٢) ذكره ابن عطية (٥/ ٥٧) .","vol":"5","page":183},{"text":"وقوله: وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ قال ابن عباس وغيره: معناه: عن أوامر القرآن ونواهيه «١»، وقال الحسن: معناه: عن شكر النعمة فيه «٢»، واللفظ يحتمل هذا كلَّه ويعمُّه.\nوقوله تعالى: وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا ... الآية، قال ابن زيد، والزّهريّ: أما إنّ النبي ﷺ لم يَسْأَلِ الرُّسُلَ ليلةَ الإسْراءِ عن هذا لأَنَّهُ كان أَثْبَتَ يقينًا مِنْ ذلك، ولم يكُنْ في شَكٍّ، وقال ابنُ عَبَّاسٍ وغيره: أراد: واسأل أَتْبَاعَ مَنْ أرسلنا وحَمَلَةَ شرائعهم «٣»، وفي قراءة ابن مسعود وأبيّ: «وسئل الَّذِينَ أَرْسَلْنَا إلَيْهِمْ» «٤» .\nت: قال عِيَاضٌ: قوله تعالى: «وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ ...» الآية:\nالخطاب مواجهة للنبيّ ﷺ، والمراد المشركون قاله القُتَبِيُّ، ثم قال عِيَاضٌ: والمراد بهذا، الإعلامُ بأَنَّ اللَّه ﷿ لم يأذنْ في عبادة غيره لأحد رَدًّا على مُشْرِكي العرب وغيرهم في قولهم: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى [الزمر: ٣] انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1292>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٤٦ الى ٥١]</span>\nوَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَقالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٦) فَلَمَّا جاءَهُمْ بِآياتِنا إِذا هُمْ مِنْها يَضْحَكُونَ (٤٧) وَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها وَأَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤٨) وَقالُوا يا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ (٤٩) فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ (٥٠)\nوَنادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قالَ يا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ (٥١)\nوقوله سبحانه: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا ... الآية، ضرب مثل وأسوة للنبيّ ﷺ بموسى ع ولِكُفَّارِ قريشٍ بقوم فرعونَ.\nوقوله: وَأَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ أي: كالطوفان والجراد والقُمَّلِ والضفادع، / وغير ذلك لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ أي: يتوبون ويرجعون عن كفرهم، وقالوا لما عاينوا العذاب لموسى: يا أَيُّهَا السَّاحِرُ [أي]: العَالِمُ، وإنَّما قالوا هذا على جهة التعظيم والتوقير لأَنَّ عِلْمَ السحر عندهم كان علمًا عظيمًا، وقيل: إنَّما قالوا ذلك على جهة الاستهزاء، والأَوَّلُ أرجَحُ، وقولهم: ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ أي: إن نفعتنا دعوتك.\n_________\n(١) ينظر: المصدر السابق.\n(٢) ينظر: المصدر السابق.\n(٣) أخرجه الطبري (١١/ ١٩٢) برقم: (٣٠٨٨٧) عن ابن زيد نحوه، وذكره ابن عطية (٥/ ٥٧) .\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٥٧) .","vol":"5","page":184},{"text":"وقوله: أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ ... الآية: مِصْرُ من بحر الإسكندريَّة إلى أُسْوَان بطول النيل، والأنهار التي أشار إليها هي الخُلْجَانُ الكِبَارُ الخارجة من النيل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1293>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٥٢ الى ٥٦]</span>\nأَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكادُ يُبِينُ (٥٢) فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (٥٣) فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ (٥٤) فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥) فَجَعَلْناهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ (٥٦)\nوقوله: أَمْ أَنَا خَيْرٌ قال سِيبَوَيْهِ: «أَمْ» هذه المعادلةُ، والمعنى: أفأنتم لا تبصرون؟\nأم تبصرون، وقالت فرقة: «أم» بمعنى «بل»، وقرأ بعض الناس «١»: «أَمَا أَنَا خَيْرٌ» حكاه الفَرَّاءُ، وفي مصحف أُبَيِّ بن كعب «٢»: «أَمْ أَنا خير أم هذا» ومَهِينٌ معناه: ضعيف، وَلا يَكادُ يُبِينُ إشارةٌ إلى ما بقي في لسان موسى من أَثَرِ الجَمْرَة، وكانت أحدثَتْ في لسانه عُقْدَةً، فَلَمَّا دعا في أَنْ تُحَلَّ لِيُفْقَهَ قولُهُ، أُجِيبَتْ دَعْوَتُهُ، لكِنَّهُ بقي أثرٌ كان البيانُ يقع معه، فَعَيَّرَهُ فرعونُ به.\nوقوله: وَلا يَكادُ يُبِينُ يقتضى أَنَّه كان يُبِين.\nوقوله: فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ: يريد من السماء، على معنى التكرمة، وقرأ الجمهور:\n«أَسَاوِرَةٌ» وقرأ حفص عن عاصم: «أَسْوِرَةٌ» «٣» وهو ما يجعل في الذِّرَاعِ من الحلي، وكانت عادة الرجال يومئذ لُبْسَ ذلك والتَّزَيُّنَ به.\nت: وذكر بعض المفسرين عن مجاهد أَنَّهم كانوا إذا سَوَّدُوا رجلًا سَوَّرُوهُ بِسِوَارٍ، وَطَوَّقُوهُ بِطَوْقٍ من ذهب علامةً لسيادته، فقال فرعون: هلا/ ألقى رَبُّ موسى على موسى أساورةً من ذهب، أو جاء معه الملائكةُ مقترنين مُتَتَابعين، يُقَارِنُ بعضُهُمْ بَعْضًا، يمشون معه شاهدين له، انتهى، وقال ع «٤»: قوله: مُقْتَرِنِينَ: أي: يحمونه، ويشهدون له، ويقيمون حُجَّتَهُ.\nت: وما تقدَّم لغيره أحسنُ، ولا يُشَكُّ أنْ فرعونَ شَاهَدَ مِنْ حماية اللَّه لموسى\n_________\n(١) ينظر: «الكشاف» (٤/ ٢٥٨)، و«المحرر الوجيز» (٥/ ٥٩)، و«البحر المحيط» (٨/ ٢٣) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٥٩) .\n(٣) ينظر: «الحجة» (٦/ ١٥١)، و«إعراب القراءات» (٢/ ٣٠٠)، و«معاني القراءات» (٢/ ٣٦٦)، و«شرح الطيبة» (٥/ ٢٢٢)، و«العنوان» (١٧١)، و«حجة القراءات» (٦٥١)، و«شرح شعلة» (٥٧٧)، و«إتحاف» (٢/ ٤٥٧) .\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٦٠) .","vol":"5","page":185},{"text":"أمورًا لم يَبْقَ معه شَكٌّ في أنَّ الله قد منعه منه.\nوقوله سبحانه: آسَفُونا معناه: أغضبونا بلاَ خِلاَفٍ.\nوقوله: فَجَعَلْناهُمْ سَلَفًا «السلف»: الفارط المُتَقَدِّمُ، أي: جعلناهم متقدِّمين في الهلاك لِيَتَّعِظَ بهم مَنْ بعدهم إلى يوم القيامة، وقال البخاريّ: قال قتادة: مَثَلًا لِلْآخِرِينَ عظة «١»، انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1294>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٥٧ الى ٥٩]</span>\nوَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧) وَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨) إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرائِيلَ (٥٩)\nوقوله سبحانه: وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا ... الآية، روي عن ابن عباس وغيره في تفسيرها أَنَّهُ لما نَزَلَتْ: إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ [آل عمران: ٥٩] الآية، وكَوْنُ عيسى من غير فَحْلٍ- قالت قريشٌ: ما يريد محمدٌ من ذكر عيسى إلاَّ أَنْ نعبده نَحْنُ كما عَبَدَتِ النصارى عيسى، فهذا كان صدودُهُمْ «٢» .\nوقوله تعالى: وَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ ... هذا ابتداء معنى ثان، وذلك أَنَّهُ لما نزل:\nإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ [الأنبياء: ٩٨] الآية، قال [ابن] الزِّبَعْرَى ونظراؤه: يا محمد، أآلهتنا خير أم عيسى؟ فنحن نرضى أنْ تكُونَ آلهتنا مع عيسى إذْ هُوَ خَيْرٌ منها، وإذْ قد عُبِدَ، فهو من الحَصَبِ إذَنْ، فقال اللَّه تعالى: مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا ومغالطةً، ونَسُوا أَنَّ عيسى لم يُعْبَدْ برضًا منه، وقالتْ فرقةٌ: المراد ب هُوَ محمَّد ﷺ وهو قولُ قتادة «٣»، وفي مصحف [أُبَيٍّ]: «خَيْرٌ أم هذا» «٤» فالإشارة إلى/ نبيّنا محمّد ع، وقال ابن زيد وغيره: المراد ب هُوَ عيسى «٥»، وهذا هو الراجح، ثم أخبر تعالى عنهم أَنَّهم أهلُ خصامٍ ولَدَدٍ، وأخبر عن عيسى بقوله: إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ أي: بالنبوّة والمنزلة العالية.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٨/ ٤٢٨) كتاب «التفسير» باب: سورة الزخرف، معلقا، ووصله الفريابي عن مجاهد، وزاد لمن بعدهم، والحديث: أخرجه الطبري (١١/ ٢٠٠) برقم: (٣٠٩١٧) عن قتادة.\n(٢) أخرجه الطبري (١١/ ٢٠٠) برقم: (٣٠٩١٧- ٣٠٩١٨- ٣٠٩١٩) عن مجاهد وقتادة، وذكره ابن عطية (٥/ ٦٠) . [.....]\n(٣) ذكره ابن عطية (٥/ ٦١) .\n(٤) تقدمت.\n(٥) أخرجه الطبري (١١/ ٢٠٢) برقم: (٣٠٩٣٧)، وذكره ابن عطية (٥/ ٦١) .","vol":"5","page":186},{"text":"ت: ورُوِّينَا في «جامع الترمذيِّ» عن أبي أُمَامة قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إلاَّ أُوتُوا الجَدَلَ، ثم تلا هذه الآية: مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ\n» «١» قال أبو عيسى: هذا حديث حسنٌ صحيحٌ، انتهى.\nوقوله: وَجَعَلْناهُ مَثَلًا أي: عبرةً وآية لِبَنِي إِسْرائِيلَ والمعنى: لا تستغربوا أَنْ يُخْلَقَ عيسى مِنْ غَيْرِ فَحْلٍ فَإنَّ القدرة تقتضي ذلك، وأكثر منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1295>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٦٠ الى ٦٢]</span>\nوَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (٦٠) وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها وَاتَّبِعُونِ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٢)\nوقوله: وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ معناه: لجعلنا بدلًا منكم، أي: لو شاء اللَّهُ لَجَعَلَ بَدَلًا من بني آدم ملائكةً يسكُنُونَ الأَرْضَ، ويخلفون بني آدم فيها، وقال ابن عباس ومجاهد: يخلف بعضهم بعضًا «٢»، والضمير في قوله: وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ قال ابن عَبَّاس وغيره:\nالإشارة به إلى عيسى «٣»، وقالت فرقة: إلى محمد، وقال قتادة وغيره: إلى القرآن «٤» .\nت: وَكَذَا نقل أبو حيَّان «٥» هذه الأقوالَ الثلاثة، ولو قيل: إنَّه ضميرُ الأمر والشَّأن استعظامًا واستهوالًا لأَمْرِ الآخِرَةِ ما بَعُدَ، بل هو المتبادَرُ إلى الذِّهْنِ، يَدُلُّ عليه:\nفَلا تَمْتَرُنَّ بِها، واللَّه أعلم، وقرأ ابن عباس «٦»، وجماعة: «لَعَلَمٌ» - بفتح العين\n_________\n(١) أخرجه الترمذي (٥/ ٣٧٨- ٣٧٩) كتاب «تفسير القرآن» باب: ومن سورة الزخرف (٣٢٥٣)، وابن ماجه (١/ ١٩) المقدمة: باب: (٧) (٤٨)، والحاكم في «المستدرك» (٢/ ١١٢)، والطبراني في «الكبير» (٨/ ٣٣٣) (٨٠٦٧) .\nقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، إنما نعرفه من حديث حجاج بن دينار، وحجاج ثقة مقارب الحديث، وأبو غالب اسمه: حزوّر. اهـ.\nقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. اهـ.\nقال الذهبي: صحيح.\n(٢) أخرجه البخاري (٨/ ٤٢٨) كتاب «التفسير» باب: سورة الزخرف، معلقا وهو موصول عند عبد الرزاق عن معمر عن قتادة، والطبري (١١/ ٢٠٤) (٣٠٩٤٤) عن ابن عبّاس، (٣٠٩٤٧) عن قتادة، وابن عطية (٥/ ٦١) .\n(٣) ذكره ابن عطية (٥/ ٦١) .\n(٤) أخرجه الطبري (١١/ ٢٠٥) برقم: (٣٠٩٦١) عن قتادة، والحسن، وذكره ابن عطية (٥/ ٦١) .\n(٥) ينظر: «البحر المحيط» (٨/ ٢٦) .\n(٦) وقرأ بها أبو هريرة، وقتادة، والضحاك، ومجاهد، وأبو نضرة، ومالك بن دينار.\nينظر: «مختصر الشواذ» ص: (١٣٦)، و«الكشاف» (٤/ ٢٦١)، و«المحرر الوجيز» (٥/ ٦١)، و«البحر المحيط» (٨/ ٢٦)، و«الدر المصون» (٦/ ١٠٦) .","vol":"5","page":187},{"text":"واللام- أي: أمارة، وقرأ عِكْرِمَةُ «١»: «لَلْعِلْمُ» بلامين الأولى مفتوحة، وقرأ أُبيٌّ: «لَذِكْرٌ لِلسَّاعَةِ» «٢» فمن قال: إنَّ الإشارة إلى عيسى حَسَنٌ مع تأويله «عِلْم» و«عَلَم»، أي: هو إشعارٌ بالساعة، وشَرْطٌ/ من أَشراطها، يعني: خروجه في آخر الزمان، وكذلك مَنْ قال:\nالإشارة إلى النبي ﷺ، أي: هو آخر الأنبياء، وقد قال: «بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ كَهَاتَيْنِ» يعني السبابة والوسطى، ومَنْ قال: الإشارة إلى القرآن حَسُنَ قوله مع قراءة الجمهور، أي:\nيعلمكم بها وبأهوالها.\nوقوله: هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ: إشارة [إلى] الشرع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1296>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٦٣ الى ٦٥]</span>\nوَلَمَّا جاءَ عِيسى بِالْبَيِّناتِ قالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٦٣) إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦٤) فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٦٥)\nوقوله تعالى: وَلَمَّا جاءَ عِيسى بِالْبَيِّناتِ يعني: إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، وغير ذلك، وباقي الآية تكرَّر معناه.\nوقوله: هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ حكاية عن عيسى ع، إذ أشار إلى شرعه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1297>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٦٦ الى ٦٧]</span>\nهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٦٦) الْأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ (٦٧)\nوقوله سبحانه: هَلْ يَنْظُرُونَ يعني: قريشًا، والمعنى: ينتظرون وبَغْتَةً معناه:\nفجأة، ثم وَصَفَ سُبْحَانَه بَعْضَ حالِ القيامة، فقال: الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ، وذلك لهولِ مطلعها والخوف المُطِيفِ بالناس فيها يتعادى ويتباغضُ كُلُّ خليل كان في الدنيا على غير تُقًى لأَنَّه يرى أَنَّ الضَّرَرَ دخل عليه من قِبَلِ خليله، وأَمَّا المُتَّقُونَ فَيَرَوْنَ أَنَّ النفْعَ دخَلَ من بعضهم على بعض، هذا معنى كلام عليٍّ﵁- وخَرَّجَ البَزَّارُ عن ابن عَبَّاس قال: «قيل: يا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ جُلَسَائِنَا خَيْرٌ؟ قَالَ: مَنْ ذَكَّرَكُمْ باللَّهِ رُؤْيَتُهُ، وَزَادَكُمْ في عِلْمِكُمْ مَنْطِقُهُ، وَذَكَّرَكُمْ بِاللَّهِ عَمَلُهُ» «٣» اهـ، فمِنْ مثل هؤلاء تصلح الأخوّة\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٦١)، و«البحر المحيط» (٨/ ٢٦)، و«الدر المصون» (٦/ ١٠٦) .\n(٢) ينظر: «الكشاف» (٤/ ٢٦١)، و«المحرر الوجيز» (٥/ ٦١) .\n(٣) أخرجه أبو يعلى (٤/ ٣٢٦) (٢٤٣٧) من حديث ابن عبّاس، وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٨١)، وقال: رواه البزار عن شيخه علي بن حرب ولم أعرفه، وبقية رجاله وثقوا.\nوذكره الحافظ في «المطالب العالية» (٣٢٣٣)، وعزاه إلى عبد بن حميد، وأبي يعلى.","vol":"5","page":188},{"text":"الحقيقية، واللَّه المستعانُ، ومن كلام الشيخ أبي مَدْيَنَ﵁-: دليلُ تخليطِكَ صُحْبَتُكَ للمخلِّطين، ودليلُ انقطاعك صُحْبَتُكَ لِلمُنْقَطِعِين، وقال ابن عطاء اللَّه في «التنوير»: قَلَّ ما تَصْفُو لَكَ الطَّاعَات، أو تَسْلَمُ/ من المخالَفَات، مع الدخول في الأسباب، لاِستلزامها لمعاشرة الأضداد ومخالطة أَهْلِ الغَفْلة والبِعَاد، وأَكْثَرُ ما يعينك على الطاعات رؤيةُ المُطِيعين، وأَكْثَرُ ما يُدْخِلُكَ في الذّنب رؤية المذنبين، كما قال ع:\n«المَرْءُ على دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ» «١» والنفس من شأنها التَّشَبُّهُ والمحاكَاةُ بصفَاتِ مَنْ قارَنَهَا، فصحبةُ الغافلين مُعِينَةٌ لها على وجود الغَفْلَةِ، انتهى، وفي «الحِكَمِ الفارقيَّة»: مَنْ ناسب شَيْئًا انجذب إليه وظَهَرَ وَصْفُهُ عليه، وفي «سماع العُتْبِيَّةِ» قال مالك:\nلا تصحبْ فاجرًا لئلاَّ تتعلمَ من فجوره، قال ابن رُشْدٍ: لا ينبغي أنْ يصحب إلاَّ مَنْ يُقْتَدَى به في دينه وخيره لأَنَّ قرينَ السوء يُرْدِي قال الحكيم: [الطويل]\n[إذَا كُنْتَ في قَوْمٍ فَصَاحِبْ خِيَارَهُم ... وَلاَ تَصْحبِ الأردى فتردى مَعَ الرَّدِي]\nعَنِ المَرْءِ لاَ تَسْأَلْ وَسَلْ عَنْ قَرِينِهِ ... فَكُلُّ قَرِينٍ بالْمُقَارَنِ يَقْتَدِي\nانتهى.\nت: وحديث: «المَرْءُ على دِينِ خَلِيلهِ» أخرجه أبو داود، وأبو بكر بن الخطيب وغيرهما، وفي «المُوَطَّإ» من حديث معاذ بن جبل، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:\nقال اللَّه ﵎: «وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ، وَالمُتَجَالِسِينَ فِيَّ، وَالْمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ والمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ» «٢» قال أبو عمر: إسناده صحيحٌ عن أبي إدريس الخولانيِّ عن معاذ، وقد رواه جماعة عن معاذٍ، ثم أسند أبو عُمَر من طريقِ أبي مسلم الخولاني، عن معاذ قال:\nسمعت رسول الله ﷺ يقول: «المُتَحَابُّونَ في اللَّه على مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ في ظِلِّ الْعَرْشِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إلاَّ ظِلُّهُ» «٣»، قال أبو مسلم: فخرجت فلقيتُ عبادة بن الصامت، فذكرت له حديث\n_________\n(١) أخرجه الترمذي (٤/ ٥٨٩) كتاب «الزهد» باب: (٤٥) (٢٣٧٨)، وأحمد (٢/ ٣٠٣)، والحاكم (٤/ ١٧١) .\nقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.\nقال الحاكم: حديث أبي الحباب صحيح إن شاء الله تعالى ولم يخرجاه. اهـ.\nقال الذهبي: صحيح إن شاء الله.\nقال أبو نعيم في «الحلية» (٣/ ١٦٥): غريب من حديث سعيد وصفوان تفرد به عنه فيما قيل محمّد بن إبراهيم الأسلمي.\n(٢) أخرجه مالك (٢/ ٩٥٣- ٩٥٤) كتاب «الشعر» باب: ما جاء في المتحابين في الله (١٦)، وأحمد (٥/ ٢٤٧) . [.....]\n(٣) أخرجه الحاكم (٤/ ٤٢٠)، وأحمد (٥/ ٢٣٦- ٢٣٧) .\nقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.","vol":"5","page":189},{"text":"معاذ، فقال: وأنا سمعت رسول الله ﷺ يَحْكِي عَنْ رَبِّهِ: قَالَ: «حَقَّتْ مَحَبَّتِي عَلَى المُتَحَابِّينَ فِيَّ، وحَقَّتْ مَحَبَّتِي عَلَى المُتَزَاوِرِينَ فيَّ، وَحَقَّتْ مَحَبَّتي عَلَى المُتَبَاذِلِينَ فيَّ،، والمُتَحَابُّونَ في الله على منابر من نور في ظل الْعَرْشِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إلاَّ ظِلُّهُ» «١» انتهى من «التمهيد» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1298>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٦٨ الى ٧٣]</span>\nيا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٦٨) الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وَكانُوا مُسْلِمِينَ (٦٩) ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْواجُكُمْ تُحْبَرُونَ (٧٠) يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوابٍ وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ (٧١) وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢)\nلَكُمْ فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْها تَأْكُلُونَ (٧٣)\nوقوله تعالى: يا عِبادِ المعنى: يقال لهم، أي: للمتقين، وذكر الطبريُّ «٢» عن المعتمر عن أبيه أنه قال: سمعت أَنَّ الناس حين يُبْعَثُونَ ليس منهم أَحَدٌ إلاَّ فَزِعَ، فينادي منادٍ: يا عبادي، لا خوفٌ عليكم اليوم، ولا أنتم تحزنون، فيرجوها الناس كلّهم، فيتبعها:\nالَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وَكانُوا مُسْلِمِينَ قال: فَيَيْئَسُ منها جميعُ الكُفَّار.\nوقوله: الَّذِينَ آمَنُوا نعت للعباد، وتُحْبَرُونَ معناه: تنعمون وتُسَرُّونَ، و«الحبرة»: السرور، و«الأكواب»: ضَرْبٌ من الأَواني كالأباريق، إلاَّ أنها لا آذان لها ولا مقابض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1299>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٧٤ الى ٧٧]</span>\nإِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ (٧٤) لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٥) وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ (٧٦) وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إِنَّكُمْ ماكِثُونَ (٧٧)\nوقوله تعالى: إِنَّ الْمُجْرِمِينَ يعني: الكُفَّارَ، و«المُبْلِسُ»: المُبْعَدُ اليائسُ من الخير قاله قتادة وغيره «٣»، وقولهم: لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ أي: لِيُمِتْنَا رَبُّك فنستريحَ، فالقضاء في هذه الآية: الموتُ كما في قوله تعالى: فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ [القصص: ١٥]، وروي في تفسيره هذه الآية عن ابن عباس أَنَّ مالكًا يقيم بعد سؤالهم ألف سنة، ثم حينئذ\n_________\n(١) أخرجه الحاكم (٤/ ١٦٩)، وأحمد (٥/ ٢٣٩)، وابن حبان (٨/ ١٩١) (٢٥١٠)، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (٢/ ١٣١) .\nقال الحاكم: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه اهـ. ووافقه الذهبي.\nقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٢٨٢): رواه عبد الله بن أحمد، والطبراني باختصار، والبزار بعد حديث عبادة فقط، ورجال عبد الله، والطبراني وثقوا.\n(٢) ينظر: «تفسير الطبري» (١١/ ٢٠٩) .\n(٣) أخرجه الطبري (١١/ ٢١٢) برقم: (٣٠٩٨٩)، وذكره ابن عطية (٥/ ٦٤) .","vol":"5","page":190},{"text":"يقول لهم: إِنَّكُمْ ماكِثُونَ «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1300>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٧٨ الى ٨٣]</span>\nلَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ (٧٨) أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (٧٩) أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ بَلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠) قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ (٨١) سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٨٢)\nفَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٨٣)\nوقوله سبحانه: لَقَدْ جِئْناكُمْ يحتملُ أنْ يكونَ مِنْ تَمَامِ قول مالِكٍ لهم، ويحتمل أنْ يكون من قول اللَّه تعالى لقريشٍ، فيكونُ فيه تخويفٌ فصيحٌ بمعنى: انظروا كيف يكون حالكم؟!.\nوقوله تعالى: أَمْ/ أَبْرَمُوا أَمْرًا أي: أحكموا أمرا في المكر بالنبيّ ﷺ فَإِنَّا مُبْرِمُونَ أي: مُحْكِمُون أمرًا في نَصْرِهِ ومجازاتهم، والمراد ب «الرسل» هنا: الحَفَظَةُ من الملائكة يكتبون أعمال العباد، وتَعُدُّ للجزاء يوم القيامة.\n«واخْتُلِفَ في قوله تعالى: قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ فقال مجاهد:\nالمعنى إنْ كان للَّه ولد في قولكم، فأنا أَوَّل مَنْ عَبَدَ اللَّه وَوَحَّدَهُ وكَذَّبكم «٢»، وقال ابن زيد وغيره: «إن»: نافية بمعنى «ما» فكأَنَّه قال: قل ما كان للرحمن ولد «٣»، وهنا هو الوقف على هذا التأويل، ثم يبتدىء قوله: فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ قَال أبو حاتم قالت فرقةٌ:\nالعابِدُونَ في الآية: مِنْ عَبِدَ الرجلُ: إذا أَنِفَ وأنكر، والمعنى: إنْ كان للرحمن ولد في قولكم، فأنا أَوَّلُ الآنفين المُنْكِرِينَ لذلك، وقرأ أبو عبد الرحمن: «فَأَنَا أَوَّلُ الْعَبِدِينَ» قال أبو حاتم: العَبِدُ- بكسر الباء-: الشَّدِيدُ الغضب، وقال أبو عُبَيْدَةَ: معناه: أول الجاحدين «٤»، والعَرَبُ تقولُ: عَبَدَني حَقِّي، أي: جَحَدَنِي، وباقي الآية تنزيه لله سبحانه، ووعيد للكافرين، ويَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ هو يوم القيامة، هذا قول الجمهور، وقال عِكْرَمَةُ وغيره: هو يوم بَدْرٍ «٥» .\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١١/ ٢١٣) برقم: (٣٠٩٩١)، وذكره ابن عطية (٥/ ٦٤) .\n(٢) أخرجه الطبري (١١/ ٢١٥) برقم: (٣١٠٠٦)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٥/ ٦٥)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ١٣٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٧٣٥)، وعزاه إلى عبد الرزاق، وعبد بن حميد.\n(٣) أخرجه الطبري (١١/ ٢١٥) برقم: (٣١٠٠٩)، وذكره ابن عطية (٥/ ٦٥) .\n(٤) ذكره ابن عطية (٥/ ٦٦) .\n(٥) ذكره ابن عطية (٥/ ٦٦) .","vol":"5","page":191},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1301>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٨٤ الى ٨٩]</span>\nوَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٨٤) وَتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٥) وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفاعَةَ إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٨٧) وَقِيلِهِ يا رَبِّ إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ (٨٨)\nفَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٨٩)\nوقوله جَلَّتْ عظمته: وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ ... الآية، آيةُ تعظيمٍ وإخبارٍ بأُلُوهِيَّتِهِ سبحانه، أي: هو النافذ أَمْرُهُ في كُلِّ شيء، وقرأ عمر بن الخَطَّاب، وأُبَيٌّ، وابنِ مسعود، وغيرهم «١»: «وَهُوَ الَّذِي في السَّمَاءِ اللَّهُ وَفي الأَرْضِ اللَّهُ» وباقي الآية بَيِّنٌ، ثم [أَعْلَمَ سبحانه] أَنَّ مَنْ عُبِدَ من دون اللَّه لا يملك شفاعةً يَوْمَ القيامة، إلاَّ مَنْ شَهِدَ بالحق، وهم الملائكة، وعيسى/ وعُزَيْرٌ فإنَّهُمْ يملكون الشفاعة بأنْ يُمَلِّكُها اللَّه إيَّاهم إذ هم مِمَّنْ شَهِدَ بالحقِّ، وهم يعلمونه، فالاستثناء على هذا التأويل مُتَّصِلٌ، وهو تأويل قتادة «٢»، وقال مجاهد وغيره: الاستثناء في المشفوع فيهم «٣»، فكأَنَّه قال: لا يشفع هؤلاءِ الملائكةُ، وعيسى، وعُزَيْرٌ إلاَّ فيمن شَهِدَ بالحق، أي: بالتوحيد فآمن على عِلْمٍ وبَصِيرةٍ، فالاستثناء على هذا التأويل مُنْفَصِلٌ، كأَنَّه قال: لكن مَنْ شَهِدَ بالحَقِّ فيشفع فيهم هؤلاءِ، والتأويل الأَوَّلُ أصوب، وقرأ الجمهور: «وَقِيلَهُ» بالنصب «٤»، وهو مصدر كالقَوْلِ، والضّمير فيه لنبيّنا محمّد ﷺ، واخْتُلِفَ في الناصب له، فقالت فرقة: هو معطوف على قوله: سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ ولفظ البخاريِّ وَقِيلِهِ يا رَبِّ: تفسيرُهُ: أيحسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهم ونَجْوَاهُمْ [و] لا نَسْمَعُ قِيلَهُ يا رَبِّ، انتهى، وقيل: العامل فيه يَكْتُبُونَ ونزل قوله تعالى: وَقِيلِهِ يا رَبِّ بمنزلة شكوى محمّد ع واستغاثَتِهِ مِنْ كُفْرِهِمْ وعُتُوِّهم، وقرأ حمزةُ وعاصمٌ: «وقيله» بالخفض «٥» عطفا على الساعة.\n_________\n(١) وقرأ بها علي ويحيى بن يعمر، واليماني.\nينظر: «مختصر الشواذ» ص: (١٣٧)، و«المحرر الوجيز» (٥/ ٦٦)، وزاد نسبتها إلى جابر بن زيد، وأبي الشيخ، والحكم بن أبي العاصي، وبلال بن أبي بردة، وابن السميفع. وزاد أبو حيان (٨/ ٢٩):\nعمر بن عبد العزيز، وحميد، وابن مقسم، وهي في «الدر المصون» (٦/ ١٠٩) .\n(٢) أخرجه الطبري (١١/ ٢١٨) برقم: (٣١٠١٩)، وذكره ابن عطية (٥/ ٦٦) .\n(٣) ذكره ابن عطية (٥/ ٦٦) .\n(٤) وقرأ برفعه الأعرج، وأبو قلابة، ومجاهد.\nينظر: «المحتسب» (٢/ ٢٥٨)، و«المحرر الوجيز» (٥/ ٦٧)، و«البحر المحيط» (٨/ ٣٠)، وزاد نسبتها إلى الحسن، وقتادة، ومسلم بن جندب.\nوينظر: «الدر المصون» (٦/ ١١٠)، وقراءة السبعة ستأتي.\n(٥) وقرأ الباقون بالنصب. قال السمين، وأما قراءة النصب ففيها ثمانية أوجه: -[.....]","vol":"5","page":192},{"text":"وقوله سبحانه: فَاصْفَحْ عَنْهُمْ: مُوَادَعَةٌ منسوخةٌ وَقُلْ سَلامٌ تقديره: أَمْرِي سلامٌ، أيْ: مسالمة فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ.\n_________\n- «أحدها»: أنه منصوب على محل «السّاعة» كأنه قيل: إنه يعلم السّاعة ويعلم قيله كذا.\n«الثاني»: أنه معطوف على «سرّهم ونجواهم»، أي: لا يعلم سرّهم ونجواهم ولا يعلم قيله.\n«الثالث»: عطف على مفعول «يكتبون» المحذوف، أي: يكتبون ويكتبون قيله كذا أيضا.\n«الرابع»: أنه عطف على مفعول «يعلمون» المحذوف، أي: يعلمون ذلك ويعلمون قيله.\n«الخامس»: أنه مصدر أي: قال قيله.\n«السادس»: أن ينتصب بإضمار فعل، أي: الله يعلم قيل برسوله وهو محمّد ﷺ.\n«السابع»: أن ينتصب على محل «بالحقّ»، أي: شهد بالحقّ وبقيله.\n«الثامن»: أن ينتصب على حذف حرف القسم كقوله:\n............. ... فذاك أمانة الله الثّريد\nينظر: «الدر المصون» (٦/ ١٠٩- ١١٠)، و«السبعة» (٥٨٩)، و«الحجة» (٦/ ١٥٩)، و«إعراب القراءات» (٢/ ٣٠٤)، و«معاني القراءات» (٢/ ٣٦٩)، و«شرح الطيبة» (٥/ ٢٢٧)، و«العنوان» (١٧٢)، و«حجة القراءات» (٦٥٥)، و«شرح شعلة» (٥٧٩)، و«إتحاف» (٢/ ٤٦٠) .","vol":"5","page":193},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1302>تفسير سورة الدّخان</span>\nوهي مكّيّة\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1303>[سورة الدخان (٤٤): الآيات ١ الى ٣]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nحم (١) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣)\nحم وَالْكِتابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ ... الآية، قوله: وَالْكِتابِ الْمُبِينِ قَسَمٌ أقسم اللَّه تعالى به، وقوله: إِنَّا أَنْزَلْناهُ يحتمل أنْ يقَعَ القَسَمُ عليه، ويحتملُ أَنْ يكون وصفًا للكتاب، ويكون الذي وقع القَسَمُ عليه إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ، / واخْتُلِفَ في تعيين الليلة المباركة، فقال قتادَةُ، والحسن، وابن زيد: هي ليلة القَدْرِ «١»، ومعنى هذا النزول أَنَّ ابتداء نزوله كان في ليلة القَدْرِ وهذا قول الجمهور،، وقال عِكْرَمَةَ:\nالليلة المباركة هي ليلة النصف من شعبان «٢»، قال القرطبيّ: الصحيح أَنَّ الليلةَ التي يُفْرَقُ فِيهَا كُلَّ أَمْرٍ حَكِيمٍ، ليلةُ القَدْرِ مِنْ شَهْر رمضانَ، وهي الليلة المباركة، انتهى من «التذكرة»، ونحوُهُ لابن العربيّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1304>[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٤ الى ١٧]</span>\nفِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٥) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦) رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٧) لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٨)\nبَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ (٩) فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هذا عَذابٌ أَلِيمٌ (١١) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢) أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (١٣)\nثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (١٤) إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عائِدُونَ (١٥) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (١٦) وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ (١٧)\nوقوله تعالى: فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ معناه يُفْصَلُ من غيره وَيَتَخَلَّصُ، فعن عِكْرِمَةَ أَنَّ اللَّه تعالى يَفْصِلُ ذلك للملائكة في ليلة النصف من شعبان «٣»، وفي بعض\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١١/ ٢٢٠) برقم: (٣١٠٢٦، ٣١٠٢٨) عن قتادة، وابن زيد، وذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ١٤٨) عنهما، وابن عطية (٥/ ٦٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٧٣٨)، وعزاه إلى عبد الرزاق، وعبد بن حميد عن قتادة.\n(٢) ذكره ابن عطية (٥/ ٦٨) .\n(٣) أخرجه الطبري (١١/ ٢٢٣) برقم: (٣١٠٣٩) .","vol":"5","page":194},{"text":"الأحاديث عن النبيّ ﷺ أَنَّهُ قال: «تُقْطَعُ الآجَالُ مِنْ شَعْبَانَ إلَى شَعْبَانَ، حتى إنَّ الرَّجُلَ ليَنْكِحُ وَيُولَدُ لَهُ، وَلَقَدْ خَرَجَ اسمه في الموتى «١»» وقال قتادة، والحسن، ومجاهد: يُفْصَلُ في ليلة القدر كُلُّ ما في العامِ المُقْبِلِ، من الأقدار، والأرزاقِ، والآجال، وغير ذلك، وأَمْرًا نُصِبَ على المصدر «٢» .\nوقوله: إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ يحتمل أنْ يريدَ الرُّسُلَ والأَشْيَاءَ، ويحتمل أَنْ يريدَ الرحمة التي ذكر بَعْدُ، واختلف الناس في «الدخان» الذي أمر اللَّه تعالى بارتقابه، فقالت فرقة منها عليٌّ، وابن عباس، وابن عمر، والحَسَنُ بْنُ أبي الحَسَنِ، وأبو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: هو دُخَانٌ يجيء قَبْلَ يومِ القيامة، يُصِيبُ المؤمنَ منه مِثْلُ الزكام، ويَنْضَحُ رُؤُوسَ المنافِقِينَ والكافِرِينَ، حتى تكونَ كأنَّها مَصْلِيَّةٌ حنيذة «٣»، وقالت فرقة، منها ابن مسعود: هذا الدخان قد رأته قريشٌ حين دعا عليهم النبيُّ ﷺ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ، فكان الرجُلُ يرى من الجُوع دُخَانًا بينه وبين السماء «٤» وما/ يأتي من الآيات يُؤَيِّدُ هذا التأويلَ، وقولهم: إِنَّا مُؤْمِنُونَ كان ذلك منهم مِنْ غَيْرِ حقيقةٍ، ثم قال تعالى: أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى أي: من أين لهم التَّذَكُّرُ وَالاتعاظُ بعد حُلُولِ العذاب؟ وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ يعني: محمدًا ﷺ ف تَوَلَّوْا عَنْهُ، أي: أعرضوا وَقالُوا: مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ.\nوقوله: إِنَّكُمْ عائِدُونَ أي: إلى الكفر، واختلف في يوم البَطْشَةِ الكبرى، فقالتْ فرقةٌ: هو يوم القيامة، وقال ابن مسعود وغيره: هو يوم بدر «٥» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1305>[سورة الدخان (٤٤): الآيات ١٨ الى ٢٤]</span>\nأَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٨) وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (١٩) وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ (٢٠) وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ (٢١) فَدَعا رَبَّهُ أَنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ (٢٢)\nفَأَسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٢٣) وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (٢٤)\n_________\n(١) أخرجه الديلمي في «مسند الفردوس» (٢/ ١١٥) (٢٢٢٨)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٢٦)، وذكره الهندي في «كنز العمال» (١٥/ ٦٩٤) (٤٢٧٨٠) وكلاهما عزاه إلى ابن زنجويه.\n(٢) أخرجه الطبري (١١/ ٢٢٢) برقم: (٣١٠٣٥) عن مجاهد، (٣١٠٣٦- ٣١٠٣٧) عن قتادة، وذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ١٤٨)، وابن عطية (٥/ ٦٨)، والسيوطي في «الدر المنثور»، وعزاه إلى عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن نصر، والبيهقي عن قتادة.\n(٣) ذكره ابن عطية (٥/ ٦٩) .\n(٤) ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٧٤٤)، وعزاه إلى البيهقي في «دلائل النبوة» .\n(٥) أخرجه الطبري (١١/ ٢٣٠) برقم: (٣١٠٧٠) عن ابن مسعود، (٣١٠٧١) عن مسروق، (٣١٠٧٢) عن ابن مسعود، (٣١٠٧٣- ٣١٠٧٤) عن مجاهد، (٣١٠٧٥) عن أبي العالية، (٣١٠٧٦) عن ابن عبّاس، (٣١٠٧٩) عن أبي بن كعب، (٣١٠٨٠) عن الضحاك، وذكره ابن عطية (٥/ ٧٠)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٧٤٥)، وعزاه إلى ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن مردويه.","vol":"5","page":195},{"text":"وقوله: أَنْ أَدُّوا مأخوذ من الأداء، كأنَّه يقول: أنِ ادْفَعُوا إليَّ، وأعطوني، ومَكِّنُوني من بني إسرائيل، وَإيَّاهم أراد بقوله: عِبادَ اللَّهِ، وقال ابن عباس: المعنى:\nاتبعوني إلى ما أدعوكم إليه من الحَقِّ «١»، فعباد اللَّه على هذا مُنَادًى مضافٌ، والمؤدى هي الطاعة، والظاهر من شرع موسى ع أَنَّهُ بُعِثَ إلى دعاء فرعونَ إلَى الإيمَان، وأَنْ يرسل بني إسرائيل، فلمَّا أبى أَنْ يُؤمن ثبتت المكافحة في أنْ يرسل بني إسرائيل، وقوله بعد: وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ كالنَّصَّ في أَنَّه آخر الأمرِ، إنَّما يطلب إرسال بني إسرائيل فقط.\nوقوله: وَأَنْ لاَّ تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ ... الآية: المعنى: كانت رسالته، وقوله: أَنْ أَدُّوا وَأَنْ لاَّ تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ أيْ: على شرع اللَّه، وَعَبَّرَ بالعلوّ عن الطغيان والعتوّ، وأَنْ تَرْجُمُونِ معناه: الرجم بالحجارة المُؤَدِّي إلى القتل قاله قتادة وغيره «٢»، وقيل:\nأراد الرجم بالقول، والأول أظهر لأنَّه الذي عاذَ منه، ولم يَعُذْ من الآخر.\n- قلت-: وعن ابن عمر قال: قال النبيّ ﷺ: «مَنِ استعاذ باللَّهِ فَأَعِيذُوهُ، وَمَنْ سَأَلَكُمْ باللَّهِ فَأَعْطُوهُ، وَمَنِ استجار باللَّهِ فَأَجِيرُوهُ، وَمَنْ أتى إلَيْكُمْ بِمَعْرُوفٍ/ فَكَافِئوهُ، فَإنْ لَمْ تَقْدِرُوا فادعوا لَهُ حتى تَعْلَمُوا أَنْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ «٣»»، رواه أبو داود، والنسائيُّ، والحاكم، وابن حِبَّانَ في «صحيحيهما»، واللفظ للنِّسَائِيِّ، وقال الحاكم: صحيحٌ على شَرْطِ الشيخَيْنِ- يعني البخاريَّ ومسلمًا- اهـ من «السلاح» .\nوقوله: فَاعْتَزِلُونِ متاركَةٌ صريحةٌ، قال قتادة: أراد خلّوا سبيلي.\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٥/ ٧٠) .\n(٢) أخرجه الطبري (١١/ ٢٣٣) برقم: (٣١٠٩٨- ٣١٠٩٩) عن قتادة، وذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ١٥١) عنه، وابن عطية في «تفسيره» (٥/ ٧١)، وابن كثير (٤/ ١٤١) .\n(٣) أخرجه أبو داود (١/ ٥٢٤) كتاب «الزكاة» باب: عطية من سأل بالله ﷿ (١٦٧٢)، (٢/ ٧٥٠) كتاب «الأدب» باب: في الرجل يستعيذ من الرجل (٥١٠٩)، وأحمد (٢/ ٦٨، ١٢٧)، والنسائي (٥/ ٨٢) كتاب «الزكاة» باب: من سأل بالله ﷿ (٢٥٦٧)، والحاكم (١/ ٤١٢)، وابن حبان (٨/ ١٩٩) كتاب «الزكاة» باب: المسألة والأخذ وما يتعلق به من المكافأة والثناء والشكر، ذكر الأمر بالمكافأة لمن صنع إليه معروف (٣٤٠٨)، وأبو نعيم في «الحلية» (٩/ ٥٦) .\nقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، قد تابع عمار بن زريق على إقامة هذا الإسناد:\nأبو عوانة، وجرير بن عبد الله الحميد، وعبد العزيز بن مسلم القملي عن الأعمش.","vol":"5","page":196},{"text":"وقوله: فَدَعا رَبَّهُ قبله محذوفٌ، تقديرُهُ: فما أجابوه لِمَا طُلِبَ منهم.\nوقوله: فَأَسْرِ قبله محذوفٌ، أي: قَالَ اللَّهُ له فَأَسْرِ بِعبادِي، قال ابن العربيِّ في «أحكامه» «١»: السرى: سَيْرُ الليل، و«الإدْلاَجُ» سَيْرُ السَّحَرِ، و«التَّأْوِيبُ»: سير النهار، ويقال: سرى وأسرى، انتهى.\nواخْتُلِفَ في قوله تعالى: وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا متى قالها لموسى؟ فقالت فرقة: هو كلامٌ مُتَّصِلٌ بما قبله، وقال قتادَةُ وغيره: خُوطِبَ به بعد ما جاز البحر «٢»، وذلك أَنَّهُ هَمَّ أَنْ يضرب البَحْر ليلتئم خَشْيَةَ أن يدخل فرعون وجنوده وراءه، ورَهْوًا معناه: ساكنًا كما جُزْتَهُ، قاله ابن عباس «٣»، وهذا القول هو الذي تؤيِّده اللغَةُ ومنه قول القُطَامِيِّ:\n[البسيط]\nيَمْشِينَ رَهْوًا فَلاَ الأَعْجَازُ خَاذِلَة ... وَلاَ الصُّدُورُ عَلَى الأَعْجَازِ تَتَّكِلُ «٤»\nومنه: [البسيط]\nوَأُمَّةٌ خَرَجَتْ رَهْوًا إلى عِيد ... ......\nأي: خرجوا في سكون وتمهّل.\nفقيل لموسى ع: اترك البَحْرَ سَاكِنًا على حاله من الانفراق ليقضي الله أمرا كان مفعولا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1306>[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٢٥ الى ٣٦]</span>\nكَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ (٢٧) كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْمًا آخَرِينَ (٢٨) فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ (٢٩)\nوَلَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مِنَ الْعَذابِ الْمُهِينِ (٣٠) مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كانَ عالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ (٣١) وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْمٍ عَلَى الْعالَمِينَ (٣٢) وَآتَيْناهُمْ مِنَ الْآياتِ ما فِيهِ بَلؤُا مُبِينٌ (٣٣) إِنَّ هؤُلاءِ لَيَقُولُونَ (٣٤)\nإِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (٣٥) فَأْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣٦)\n_________\n(١) ينظر: «أحكام القرآن» (٤/ ١٦٩١) .\n(٢) أخرجه الطبري (١١/ ٢٣٤) برقم: (٣١١٠١- ٣١١٠٢) عن قتادة نحوه، وذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ١٥١)، وابن عطية (٥/ ٧٢) . [.....]\n(٣) أخرجه الطبري (١١/ ٢٣٤- ٢٣٥) برقم: (٣١١٠٣، ٣١١٠٥)، وذكره ابن عطية (٥/ ٧٢)، وابن كثير (٤/ ١٤١) .\n(٤) البيت في «ديوانه» ص: (٤)، وينظر: «البحر المحيط» (٨/ ٣١)، و«المحرر الوجيز» (٥/ ٧٢)، و«الدر المصون» (٦/ ١١٥)، في «المحرر»: «يمشون» .","vol":"5","page":197},{"text":"وقوله تعالى: كَمْ تَرَكُوا «كم» للتكثير، أي: كَمْ تَرَكَ هؤلاءِ المُغْتَرُّونَ من كثرة الجنَّات والعيونِ، فَرُوِيَ أَنَّ الجناتِ كَانَتْ مُتَّصِلَةً/ ضِفَّتَيِ النيلِ جميعًا من رشيد إلى أُسْوَانَ، وأَمَّا العيونُ فيحتملُ أَنَّه أراد الخُلْجَانَ، فشبهها بالعيون، ويحتمل أَنَّها كانت ونَضِبَتْ، ذكر الطُّرْطُوشِيُّ في «سِرَاجِ الملوك» له، قال: قال أبو عبد اللَّه بن حَمْدُونَ: كنت مع المُتَوَكِّلِ لما خرج إلى دمشقَ، فركِبَ يومًا إلى رُصَافَةِ هشام بن عبد الملك، فنظر إلى قُصُورِها، ثم خرج، فنظر إلى دَيْرٍ هناك قديمٍ حَسَنِ البناءِ بين مزارعَ وأشجارٍ، فدخله، فبينما هو يطوفُ به إذ بَصُرَ برُقْعَةٍ قد أُلْصِقَتْ في صدره فأمر بقلعها، فإذا فيها مكتوبٌ هذه الأبياتُ: [الطويل]\nأَيَا مَنْزِلًا بالدَّيْرِ أَصْبَحَ خَالِيًا ... تَلاَعَبُ فِيهِ شَمْأَلٌ وَدَبُورُ\nكَأَنَّكَ لَمْ يَسْكُنْكَ بِيضٌ أَوانِسٌ ... وَلَمْ تَتَبَخْتَرْ في قِبَابِكَ حُورُ\nوَأَبْنَاءُ أَمْلاَكٍ غَوَاشِمُ سَادَةٌ ... صَغِيرُهُمُو عِنْدَ الأَنَامِ كَبِيرُ\nإذَا لَبِسُوا أَدْرَاعَهُمْ فَعَوَابِس ... وَإنْ لَبِسُوا تِيجَانَهُمْ فَبُدُورُ\nعلى أَنَّهُمْ يَوْمَ اللِّقَاءِ ضَرَاغِمٌ ... وَأَنَّهُمُو يَوْمَ النَّوَالِ بُحُورُ\nلَيَالِي هِشَامٌ بالرُّصَافَةِ قَاطِنٌ ... وَفِيكَ ابنه يَا دَيْرُ وَهْوَ أَمِيرُ\nإذِ الْعَيْشُ غَضٌّ وَالخِلاَفَةُ لَذَّةٌ ... وَأَنْتَ طَرُوبٌ وَالزَّمَانُ غَرِيرُ\nوَرَوْضُكَ مُرْتَادٌ وَنَوْرُكَ مُزْهِرٌ ... وَعَيْشُ بَنِي مَرْوَانَ فِيكَ نَضِيرُ\nبلى فَسَقَاكَ الْغَيْثُ صَوْبَ سَحَائِب ... عَلَيْكَ لَهَا بَعْدَ الرَّوَاحِ بُكُورُ\nتَذَكَّرْتُ قَوْمِي فِيكُمَا فَبَكَيْتُهُمْ ... بِشَجْوٍ وَمِثْلِي بِالْبُكَاءِ جَدِيرُ\nفَعَزَّيْتُ نَفْسِي وَهْيَ نَفْسٌ إذَا جرى ... لَهَا ذِكْرُ قَوْمِي- أَنَّةٌ وَزَفِيرُ\nلعلّ زمانا جار يوما عليهم و... لَهُمْ بِالَّذِي تَهْوَى النُّفُوسُ- يَدُورُ\nفَيَفْرَحَ مَحْزُونٌ وَيَنْعَمَ بَائِسٌ ... وَيُطْلَقَ مِنْ ضِيقِ الوَثَاقِ أَسِيرُ\nرُوَيْدَكَ إنَّ/ الدَّهْرَ يَتْبَعُهُ غَدٌ ... وَإنَّ صُرُوفَ الدَّائِرَاتِ تَدُورُ\nفلما قرأها المتوكِّل، ارتاع، ثم دعا صاحب الدَّيْرِ، فسأله عَمَّن كتبها، فقال: لا عِلْمَ لي به، وانصرف، انتهى، وفي هذا وشبهه عِبْرَة لأولِي البصائر المستَيْقِظِينَ، اللهم، لا تجعلْنَا مِمَّنْ اغتر بزَخَارِفِ هذه الدارِ!!.\n[من الطويل]","vol":"5","page":198},{"text":"أَلاَ إنَّما الدُّنْيَا كَأَحْلاَمِ نَائِم ... وَمَا خَيْرُ عَيْشٍ لاَ يَكُونُ بِدَائِمِ\nوقرأ جمهور الناس: «ومَقَامٍ» - بفتح الميم- «١» قال ابن عباس وغيره: أراد المنابر «٢» .\nوعلى قراءة ضم الميم «٣» قال قتادة: أراد: المواضِعَ الحِسَانَ من المساكِنِ وغيرِهَا «٤»، والقولُ بالمنابرِ بعيدٌ جدًّا، و«النَّعْمَةُ» - بفتح النون-: غَضَارَةُ العيشِ ولَذَاذَةُ الحياة، «والنِّعْمَةُ» - بكسر النون-: أَعَمُّ من هذا كُلُّه، وقد تكون الأمراضُ والمصائبُ نِعَمًا، ولا يقال فيها: «نَعْمَةٌ» - بالفتح-، وقرأ الجمهور: «فاكهين» «٥» ومعناه: فَرِحينَ مسرورين كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْمًا آخَرِينَ أي: بعد القِبْطِ، وقال قتادة: هم بنو إسرائيل «٦»، وفيه ضعف، وقد ذكر الثعلبيُّ عن الحَسَنِ أَنَّ بني إسرائيل رَجَعُوا إلى مِصْرَ بعد هلاك فِرْعَوْنَ «٧»، واختلف المتأوِّلُون في معنى قوله تعالى: فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ، فقال ابن عباس وغيره: وذلك أَنَّ الرجُلَ المؤمنَ إذا مَاتَ، بكى عليه من الأرض موضِعُ عباداتِهِ أربعين صَبَاحًا، وبكى عليه من السماءِ مَوْضِعُ صُعُودِ عمله، قالوا: ولم يكن في قوم فرعونَ مَنْ هذه حَالُهُ، فَتَبْكِي عليهم السماء والأرض «٨»، قال﵇ «٩» -: والمعنى الجَيِّدُ في الآية: أَنَّها استعارةٌ فصيحةٌ تَتَضمَّن تحقير أمرهم، وأَنَّه لم يتغير لأجل هلاكهم شيء، ومثله قوله ﷺ: «لاَ يَنْتَطِحُ فِيهَا عَنْزَانِ»، وفي الحديثِ عن النبيّ ﷺ/ أنّه قال: «ما مات\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٧٢)، و«البحر المحيط» (٨/ ٣٦)، و«الدر المصون» (٦/ ١١٥) .\n(٢) أخرجه الطبري (١١/ ٢٣٦) برقم: (٣١١١٥- ٣١١١٦) عن مجاهد، وسعيد بن جبير، وذكره ابن عطية (٥/ ٧٢)، وابن كثير (٤/ ١٤١) عن مجاهد، وسعيد بن جبير، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٧٤٧)، وعزاه إلى ابن أبي حاتم عن ابن عبّاس.\n(٣) وقرأ بها ابن هرمز، وقتادة، وابن السميفع، ونافع في رواية خارجة.\nينظر: «البحر المحيط» (٨/ ٣٦)، و«الدر المصون» (٦/ ١١٥) .\n(٤) أخرجه الطبري (١١/ ٢٣٦) برقم: (٣١١١٧) عن قتادة نحوه، وذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ١٥١)، وابن عطية (٥/ ٧٢)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٧٤٧)، وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.\n(٥) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٧٣)، و«البحر المحيط» (٨/ ٣٦)، و«الدر المصون» (٦/ ١١٥) .\n(٦) أخرجه الطبري (١١/ ١٣٩) برقم: (٣١١١٩)، وذكره ابن عطية (٥/ ٧٣) .\n(٧) ذكره ابن عطية (٥/ ٧٣) .\n(٨) أخرجه الطبري (١١/ ٢٣٧- ٢٣٨) برقم: (٣١١٢٢، ٣١١٢٧)، وذكره ابن عطية (٥/ ٧٣)، وابن كثير (٤/ ١٤٢)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٧٤٧)، وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، والبيهقي في «شعب الإيمان» .\n(٩) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٧٣) .","vol":"5","page":199},{"text":"مُؤْمِنٌ في غُرْبَةٍ غَابَتْ عَنْهُ فِيهَا بَوَاكِيهِ، إلاَّ بَكَتْ عَلَيْهِ السَّمَاءُ والأَرْضُ، ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الآية، وَقَالَ: إنَّهُمَا لاَ يَبْكِيَانِ على كافر» «١» قال الداوديّ. وعن مجاهد: ما مات مؤمنٌ إلاَّ بكَتْ عليه السماءُ والأرضُ، وقال: أفي هذا عجبٌ؟! وما للأرضِ لا تَبْكِي على عبدٍ كانَ يَعْمُرُها بالرُّكُوعِ والسجودِ، وما للسماء لا تَبْكِي على عبدٍ كان لتسبيحِهِ وتكبيرِهِ فيها دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ؟! «٢» انتهى.\nوروى ابنُ المبارك في «رقائقه» قال: أخبرنا الأوْزاعيُّ قال: حدَّثني عطاءٌ الخُرَاسَانِيُّ، قال: مَا مِنْ عَبْدٍ يسجد للَّهِ سَجْدَةً في بُقْعَةٍ من بِقَاعِ الأرضِ، إلاَّ شَهِدَتْ له يَوْمَ القيامةِ، وبَكَتْ عليه يَوْمَ يَمُوتُ، انتهى، وروى ابن المبارك أَيْضًا عن أبي عُبَيْدٍ صاحبِ سليمانَ «أَنَّ العبد المؤمن إذا مات تنادَتْ بِقَاعُ الأرضِ: عَبْدُ اللَّهِ المُؤْمِنُ مَاتَ قَالَ: فَتَبْكِي عَلَيْهِ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ، فيقولُ الرحمن ﵎: مَا يُبْكِيكُمَا على عَبْدِي؟ فَيَقُولاَنِ: يَا رَبَّنَا، لَمْ يَمْشِ على نَاحِيَةٍ مِنَّا قَطُّ إلاَّ وَهُوَ يَذْكُرُكَ» . اهـ.\nومُنْظَرِينَ أي: مؤخّرين والْعَذابِ الْمُهِينِ: هو ذبح الأبناءِ، والتَّسْخِيرُ، وغيْرُ ذلك.\nوقوله: عَلى عِلْمٍ أي: على شَيْءٍ قد سَبَقَ عندنا فِيهِمْ، وثَبَتَ في علمنا أَنَّه سَيَنْفُذُ، ويحتملُ أنْ يكون معناه: على علمٍ لهم وفضائلَ فيهم على العالمين، أي: عَالِمِي زمانهم بدليل أَنَّ أُمَّةَ محمد خير أُمَّةٍ أخرجت للناس وَآتَيْناهُمْ مِنَ الْآياتِ: لفظ جامع لما أجرى اللَّه من الآيات على يدي موسى، ولما أنعم به على بني إسرائيل، والبلاء في هذا الموضع: الاختبارُ والاِمتحانُ كما قال تعالى: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً [الأنبياء: ٣٥] الآية، ومُبِينٌ بمعنى: بَيِّنٌ ثم ذَكَرَ تعالى قريشًا على جهة الإنكار لقولهم وإنكارهم للبَعْثِ، فقال: إِنَّ هؤُلاءِ لَيَقُولُونَ إِنْ هِيَ أي: ما هي إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ أي: بمبعوثين، وقول قريش: فَأْتُوا بِآبائِنا مخاطبة للنّبيّ ﷺ طلبوا منه أَنْ يُحْيَي اللَّهُ لَهُمْ بَعْضَ آبائِهِمْ، وَسَمَّوْا له قُصَيًّا وغيره، كي يسألوهم عمّا رأوا في آخرتهم.\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير (١١/ ٢٣٨) برقم: (٣١١٢٩)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٧٤٨)، وعزاه إلى ابن أبي الدنيا.\n(٢) أخرجه الطبري (١١/ ٢٣٨) برقم: (٣١١٢٥، ٣١١٢٨) عن مجاهد، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ١٤٢) .","vol":"5","page":200},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1307>[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٣٧ الى ٤٢]</span>\nأَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْناهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ (٣٧) وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ (٣٨) ما خَلَقْناهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٣٩) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٠) يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤١)\nإِلاَّ مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٤٢)\nوقوله سبحانه: أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ ... الآية، آية تقرير ووعيد، وتُبَّعٍ: مَلِكٌ حِمْيَرِيٌّ، وكان يقال لكل ملك منهم: «تُبَّع» إلاَّ أَنَّ المُشَارَ إليه في هذه الآية رجل صالح روي عن النبيّ ﷺ من طريق سَهْلِ بنِ سَعْدٍ «أَنَّ تُبَّعًا هَذَا أَسْلَمَ وَآمَنَ بِاللَّهِ» «١»، وقد ذكره ابن إسْحَاقَ في السيرة، قال السُّهَيْلِيُّ: وبَعْدَ ما غزا تُبَّعٌ المدينة، وأراد خَرَابَهَا أُخْبِرَ بِأَنَّها مُهَاجَرُ نَبِيٍّ اسمه أَحْمَدُ، فانصرف عَنْهَا، وقال فيه شعرًا وأودعه عند أهلها، فكانوا يتوارثونه كابرًا عن كابر، إلى أَنْ هاجر إليهم النبي ع فَأَدَّوْهُ إليه، ويقال: إنَّ الكتاب والشعر [كانا] عند أبي أيوبَ الأنصاريِّ [ومنه]: [من المتقارب]\nشَهِدتُّ على أَحْمَدٍ أَنَّهُ ... رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ بَارِي النَّسَمْ\nفَلَوْ مُدَّ عُمْرِي إلى عُمْرِهِ ... لَكُنْتُ وَزِيرًا لَهُ وابن عَمّ «٢»\nوذكر الزَّجَّاجُ «٣»، وابن أبي الدنيا: أَنَّه حُفِرَ قَبْرٌ ب «صنعاء» في الإِسلام، فَوُجِدَ فيه امرأتانِ صحيحتان، وعند رأسهما لَوْحٌ من فِضَّةٍ مكتوبٌ فيه بالذَّهَبِ: هذا قَبْرُ حبى ولَمِيسَ، ويروى: وتُماضِرَ ابنتي تُبَّعٍ، ماتتا وهما تَشْهَدَانِ أَنْ لاَ إله إلاَّ اللَّه، ولا تُشْرِكَانِ به شَيْئًا، وعلى ذلك مات الصالحون قبلهما، انتهى، ويَوْمَ الْفَصْلِ: هو يَوْمُ القيامة وهذا هو الإخْبَارُ بِالبَعْثِ، و«المولى» في هذه الآية: يَعُمُّ جميع الموالي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1308>[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٤٣ الى ٤٩]</span>\nإِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (٤٦) خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ (٤٧)\nثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩)\nوقوله سبحانه: إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الْأَثِيمِ روي عن ابن زيد أنّ الأثيم\n_________\n(١) ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٧٤٩)، وعزاه إلى الطبراني، وابن مردويه. [.....]\n(٢) وبعدها:\nوجاهدت بالسيف أعداءه ... وفرّجت عن صدره كلّ هم\nينظر: «الروض الأنف» (١/ ٣٥) .\n(٣) ينظر: «معاني القرآن» (٤/ ٤٢٧) .","vol":"5","page":201},{"text":"المشار إليه أَبُو جَهْلٍ، ثم هي بالمعنى تتنَاوَلُ كُلَّ أثيمٍ، وهو كُلُّ فاجر، رُوِيَ أَنَّهَا لَمَّا نَزَلَتْ، جَمَعَ أبو جَهْلٍ عَجْوَةً وَزُبْدًا، وقال لأصحابه: تَزَقَّمُوا، فهذا هو الزَّقُّومُ، وهو طَعَامِي الذي حَدَّثَ به محمَّدٌ، قال ع «١»: وإنَّما قصد بذلك ضَرْبًا من المغالطة والتلبيس عَلَى الجَهَلَةِ.\nوقوله سبحانه: كَالْمُهْلِ قال ابن عباس، وابن عمر «٢»: «المُهْلُ»: دُرْدِيُّ الزَّيْتِ وعَكَرُهُ، وقال ابن مَسْعُودٍ وغيره «٣»: «المُهْلُ»: ما ذاب مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، والمعنى: أَنَّ هذه الشجَرَةَ إذا طَعِمَهَا الكافِرُ في جَهَنَّمَ، صارَتْ في جوفه تَفْعَلُ كما يفعل المُهْلُ المذاب من الإحراق والإفساد،، والْحَمِيمِ: الماءُ السُّخْنُ الذي يتطايَرُ من غليانه.\nوقوله: خُذُوهُ ... الآية، أي: يقال يومئذ للملائكة: خذوه، يعني الأثيم فَاعْتِلُوهُ و«العَتْلُ»: السَّوْقُ بعُنْفٍ وإهانةٍ، ودَفْعٌ قَوِيٌّ مُتَّصِلٌ، كما يُسَاقُ أبدًا مرتكبُ الجرائمِ، و«السَّوَاء»: الوَسَط، وقيل: المُعْظمُ، وذلك متلازِمٌ.\nوقوله تعالى: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ مخاطبة على معنى التّقريع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1309>[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٥٠ الى ٥٤]</span>\nإِنَّ هذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ (٥٠) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ (٥١) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٢) يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقابِلِينَ (٥٣) كَذلِكَ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٥٤)\nوقوله سبحانه: إِنَّ هذا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ: عبارة عن قولٍ يُقَالُ للكَفَرَةِ، ثم ذكر تعالى حالة المُتَّقِينَ، فقال: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ أي: مأمون، «والسُّنْدُسُ»: رقيقُ الحَرِيرِ، و«الإسْتَبْرَقُ»: خَشِنُهُ.\nوقوله: مُتَقابِلِينَ: وَصْفٌ لمجالسِ أهل الجَنَّةِ، لأَنَّ بعضهم لا يستدبر بعضًا في المجالس، وقرأ الجمهور: وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ وقرأ ابن مسعود: «بعِيسٍ عِينٍ»، وهو جمع «عَيْسَاءَ»، وهي البيضاء «٤» وكذلك هي من النوق، وروى أبو قرصافة عن النبي ﷺ أَنَّه قال: «إخْرَاجُ القُمَامَةِ مِنَ المَسْجِدِ مُهُورُ الحُورِ العِينِ» قال الثعلبيُّ: قال مجاهد: يَحَارُ\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٧٦) .\n(٢) أخرجه الطبري (١١/ ٢٤٣- ٢٤٤) برقم: (٣١١٥٢- ٣١١٥٥) عن ابن عبّاس، وذكره ابن عطية (٥/ ٧٦) .\n(٣) أخرجه الطبري (٨/ ٢١٨) برقم: (٢٣٠٤٠)، وذكره ابن عطية (٥/ ٧٦) .\n(٤) ينظر: «مختصر الشواذ» ص: (١٣٨)، و«المحتسب» (٢/ ٢٦١)، و«الكشاف» (٤/ ٢٨٣)، و«المحرر الوجيز» (٥/ ٧٨) .","vol":"5","page":202},{"text":"فِيهِنَّ الطَّرْفُ من بياضهنَّ وصفاء لونهنَّ، يُرَى مُخُّ سُوقِهِنَّ من وراء ثيابِهِنَّ، ويَرَى الناظر وَجْهَهُ في كعب إحداهُنَّ كالمرآة من رِقَّةِ الجلد وصفاء اللون «١»، انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1310>[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٥٥ الى ٥٩]</span>\nيَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ (٥٥) لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الْأُولى وَوَقاهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (٥٦) فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٥٧) فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥٨) فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ (٥٩)\nوقوله سبحانه: يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ أي: يدعون الخَدَمَةَ والمتصرِّفين.\nقال أبو حيان «٢»: إِلَّا الْمَوْتَةَ: استثناء مُنْقَطِعٌ، أي: لكن الموتة الأولى ذَاقُوهَا، انتهى،، والضمير في يَسَّرْناهُ عائدٌ على القرآن بِلِسانِكَ أي: بِلُغَة العرب قال الوَاحِدِيُّ: لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ: أي: يَتَّعِظُون، انتهى، وفي قوله تعالى: فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ وعد للنبي ﷺ ووعيد للكافرين.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١١/ ٢٤٨) برقم: (٣١١٧٦)، عن ابن نجيح عن مجاهد، وذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ١٥٥) .\n(٢) ينظر: «البحر المحيط» (٨/ ٤١) .","vol":"5","page":203},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1311>تفسير سورة الجاثية</span>\nوهي مكّيّة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1312>[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ١ الى ٨]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nحم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣) وَفِي خَلْقِكُمْ وَما يَبُثُّ مِنْ دابَّةٍ آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٤)\nوَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٥) تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآياتِهِ يُؤْمِنُونَ (٦) وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٧) يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٨)\nقوله ﷿: حم تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ إِنَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ قال أبو حيَّان «١»: أجاز الفَخْرُ الرَّازِي في الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ أنْ يكونا صفتينِ ل «اللَّه»، وهو الراجح، أو ل «الكتاب» ورُدَّ بأنَّه لا يجوز أنْ يكونا صفتين للكتاب من وجوهٍ، انتهى.\nوذكر ﵎ هنا الآياتِ الَّتِي في السموات والأرضِ مُجْمَلَةً غَيْرَ مُفَصَّلَةٍ، فكأَنَّها إحالةٌ على غوامِضَ تُثِيرُها الفِكَر، ويُخْبِرُ بكثير منها الشَّرْعُ فلذلك جعلها للمؤمنين، ثم ذكر سبحانه خلق البشر والحيوان، وكأَنَّه أَغْمَضَ فجعله/ للموقنين الذين لهم نظر يُؤَدِّيهم إلى اليقين، ثم ذكر اختلاف الليل والنهار، والعِبْرَة بالمطرِ والرياحِ، فجعل ذلك لقومٍ يعقلون إذ كُلُّ عاقلٍ يُحَصِّلُ هذه ويفهم قَدْرَهَا.\nقال ع «٢»: وإنْ كان هذا النَّظَرُ لَيْسَ بلازِمٍ وَلاَ بُدَّ، فإن اللفظ يعطيه، والرزق المُنَزَّلُ من السماء هو: المَاءُ، وسَمَّاهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ رِزْقًا بمآلِهِ، لأَنَّ جَمِيعَ ما يَرْتَزِقُ، فَعَنِ الماءِ هُوَ.\nوقوله: نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ أي: بالصدق والإعلام بحقائق الأمور في أنفسها.\nوقال جلَّتْ عظمته: فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآياتِهِ يُؤْمِنُونَ آية تقريع وتوبيخ، وفيها\n_________\n(١) ينظر: «البحر المحيط» (٨/ ٤٣) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٧٩) .","vol":"5","page":204},{"text":"قُوَّةُ تهديدٍ، والأَفَّاكُ: الكَذَّابُ الذي يقَعُ منه الإفْكُ مِرَارًا، والأَثِيمُ: بناءُ مُبَالَغَةٍ، اسمُ فاعلٍ من أَثِمَ يأْثَمُ، ورُوِيَ أَنَّ سبب الآية أبو جَهْلٍ، وقيل: النَّضْرُ بنُ الحَارِثِ، والصواب أَنَّها عامَّةٌ فيهما وفي غيرهما، وأَنَّها تَعُمُّ كُلَّ مَنْ دخل تحت الأوصافِ المذكورة إلى يوم القيامة ويُصِرُّ معناه: يَثْبُتُ على عقيدته من الكُفْرِ.\nوقوله: فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ أي: مؤلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1313>[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ٩ الى ١٠]</span>\nوَإِذا عَلِمَ مِنْ آياتِنا شَيْئًا اتَّخَذَها هُزُوًا أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (٩) مِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ ما كَسَبُوا شَيْئًا وَلا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٠)\nوقوله تعالى: وَإِذا عَلِمَ مِنْ آياتِنا شَيْئًا أي: أُخْبِرَ بشيْءٍ من آياتنا، فعلم نَفْسَ الخبر لا المعنى الذي تضمَّنه الخَبَرُ، ولو عَلِمَ المعانِيَ الَّتِي تَضَمَّنَها أخبارُ الشَّرْعِ، وَعَرَفَ حقائِقَهَا- لكان مؤمنًا.\nت: وفي هذا نظر لأَنَّه ينحو إلى القَوْلِ بأَنَّ الكفر لا يُتَصَوَّرُ عنادًا مَحْضًا، وقد تَقَدَّمَ اختيارُهُ﵀- لذلك في غير هذا المَحَلِّ، فَقِفْ عليه، وخَشْيَةُ الإطالة منَعَتْنِي مِنْ تَكْرَارِهِ هنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1314>[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ١١ الى ١٣]</span>\nهذا هُدىً وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (١١) اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢) وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١٣)\nوقوله سبحانه: هذا هُدىً إشارة إلى القرآن.\nوقوله: لَهُمْ عَذابٌ بمنزلة قولك: لهم حَظٌّ، فَمِنْ هذه الجهةِ/ ومِنْ جِهَةِ تَغَايُرِ اللفظَيْنِ حَسُنَ قوله: عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ، إذ الرِّجْزُ هو العذابُ.\nوقوله: لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ أَقَامَ القُدْرَةَ والإذْنَ مُنَابَ أَنْ يَأْمُرَ البَحْرَ والنَّاسَ بذلك، وقرأ مَسْلَمَةُ بْنُ مُحَارِبٍ «١»: «جَمِيعًا مِنْه» بضم التاء، وقرأ أيضًا: «جَمِيعًا مَنُّهُ» [بفتح الميم وشد النون والهاء] «٢» وقرأ ابن عبّاس: «منّة» بالنصب على المصدر «٣» .\n_________\n(١) أما الأولى فذكرها ابن عطية في «البحر الوجيز» (٥/ ٨٢)، وأما القراءة الثانية عنه، فقد ذكرها ابن عطية أيضا، وكذلك ابن خالويه في «مختصر الشواذ» ص: (١٣٩)، وابن جني في «المحتسب» (٢/ ٢٦٢)، والزمخشري في «الكشاف» (٤/ ٢٨٨) .\n(٢) سقط في: د.\n(٣) وقرأ بها عبيد بن عمير، وعبد الله بن عمرو بن العاص، والجحدري.","vol":"5","page":205},{"text":"وقوله تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ قال الغَزَّاليُّ في «الإحياء»: الْفِكْرُ والذِّكْرُ أعلى مقامَاتِ الصالحين، وقال﵀-: اعلم أَنَّ الناظرين بِأنوار البصيرة عَلِمُوا أنْ لا نجاةَ إلاَّ في لقاء اللَّه ﷿، وأَنَّه لا سبيل إلى اللقاء إلاَّ بأَنْ يَمُوتَ العبد مُحِبًّا للَّه تعالى، وعارِفًا به، وأَنَّ المحبَّةَ والأُنْسَ لا يتحصَّلانِ إلاَّ بدوامِ ذِكْرِ المحبوب، وأَنَّ المعرفة لا تحصل إلاَّ بدوام الفِكْرِ، ولن يتيسَّر دوامُ الذِّكْرِ والفِكْر إلاَّ بوداع الدنيا وشهواتها والاجتزاء منها بقَدْرِ البُلْغَةِ والضَّرُورَةِ، ثم قال: والقرآنُ جامعٌ لفَضْلِ الذِّكْرِ والفِكْرِ والدُّعَاءِ مَهْمَا كان بِتَدَبُّرٍ، انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1315>[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ١٤ الى ١٧]</span>\nقُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) مَنْ عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١٥) وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (١٦) وَآتَيْناهُمْ بَيِّناتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٧)\nوقوله تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا ... الآية، قال أَكْثَرُ النَّاسِ: هذه الآيةُ منسوخٌة بِآية القتال، وقالَتْ فرقةٌ: بل هي مُحْكَمَةٌ قال ع «١»: الآية تتضمَّن الغُفْرَانَ عُمُومًا، فينبغي أَنْ يقال: «إنَّ الأُمور العظام، كالقتل والكُفْرِ مُجَاهَرَةً ونحو ذلك- قد نَسَخَتْ غفرانَهُ، آيةُ السَّيْفِ والجِزْيَةِ، وما أحكمه الشَّرْعُ لا محالة، وأَنَّ الأُمورَ الحقيرةَ كالجَفَاءِ في القول ونحوِ ذلك تحتملُ أنْ تبقى مُحْكَمَةً، وأنْ يكونَ العفْوُ عنها أقربَ إلى التقوى.\nوقوله أَيَّامَ اللَّهِ قالت فرقة: معناه: أيام إنعامه، ونَصْرِهِ، وتنعيمه/ في الجنة، وغَيْرُ ذلك، وقال مجاهد: أَيَّامَ اللَّهِ: أيامُ نِقَمِهِ وعَذَابِهِ «٢»، وباقي الآية بَيِّنٌ.\nوقوله سبحانه: فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ... الآيةُ، قَدْ تَقَدَّم بيان نظيرها في سورة يونس وغيرها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1316>[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ١٨ الى ٢٠]</span>\nثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (١٨) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (١٩) هذا بَصائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٢٠)\n_________\n- ينظر: «الشواذ» ص: (١٣٩)، و«المحتسب» (٢/ ٢٦٢)، و«الكشاف» (٤/ ٢٨٨)، و«المحرر» (٥/ ٨٢) . [.....]\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٨/ ٨٢) .\n(٢) ذكره ابن عطية (٥/ ٨٣) .","vol":"5","page":206},{"text":"وقوله سبحانه: ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ ... الآية: «الشريعةُ» لُغَةً: مَوْرِدُ المياه، وهي في الدين من ذلك لأَنَّ الناس يَرِدُونَ الدينَ ابتغاءَ رحمةِ اللَّهِ والتقرُّبِ منه، و«الأمر» وَاحدُ الأمور، ويحتمل أنْ يكون وَاحِدَ الأوامر، والَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ هم:\nالكُفَّارُ، وفي قوله تعالى: وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ تحقيرٌ للكفرة من حيث خروجُهم عن ولاية الله تعالى.\nت: وقد قال ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ: «أَجِيبُوهُمْ فَقُولُوا: اللَّهُ مَوْلاَنَا، وَلاَ مولى لَكُمْ» «١»، وذلك أَنَّ قريشًا قالوا للصحابة: لنا العزّى، ولا عزّى لكم.\nوقوله ﷿: هذا بَصائِرُ لِلنَّاسِ يريد: القرآن، وهو جمع «بَصِيرَةٍ»، وهو المُعْتَقَدُ الوثيقُ في الشيء، كأَنَّه من إبصار القلب قال أبو حيّان: وقرىء: «هذه» أي: هذه الآيات، انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1317>[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ٢١ الى ٢٢]</span>\nأَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ (٢١) وَخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٢)\nوقوله سبحانه: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ\nقيل: إنَّ الآية نزلَتْ بسبب افتخار كان للكُفَّارِ على المؤمنين، قالوا: لَئِنْ كَانَتْ آخِرَةٌ، كما تزعمون، لَنُفَضَّلَنَّ عليكم فيها، كما فُضِّلْنَا في الدّنيا.\nواجْتَرَحُوا\nمعناه: اكتسبوا، وهذه الآية متناولة بلفظها حالَ العُصَاةِ من حال أهل التقوى، وهي موقف للعارفين يَبْكُونَ عنده، ورُوِيَ عن الرَّبِيعِ بْنِ خَيْثَمٍ، أَنَّهُ كانَ يُرَدِّدُهَا ليلةً حتَّى أَصْبَحَ «٢»، وكذلك عن الفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ «٣»، وكان يقول لنفسه: لَيْتَ/ شِعْرِي! مِنْ أيِّ الفَرِيقَيْنِ أَنْتَ؟ وقال الثعلبيُّ: كانت هذه الآية تُسَمَّى مَبْكَاةَ العابدين «٤»، قال ع «٥»: وأَمَّا لفظها فيعطى أَنَّه اجتراحُ الكُفْرِ، بدليل معادلته بالإِيمان، ويحتمل أَنْ تكون\n_________\n(١) تقدم تخريجه.\n(٢) ذكره ابن عطية (٥/ ٨٥) .\n(٣) ذكره ابن عطية (٥/ ٨٥) .\n(٤) ذكره ابن عطية (٥/ ٨٥) .\n(٥) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٨٥) .","vol":"5","page":207},{"text":"المعادلة بَيْنَ الاِجتراحِ وَعَمَلِ الصالحات، ويكونَ الإيمانُ في الفريقَيْنِ، ولهذا بكى الخائفون﵃-.\nت: وروى ابن المُبَارك في «رقائقه» بسنده أنَّ تَمِيمًا الدَّارِيَّ﵁- باتَ ليلةً إلى الصَّبَاحِ، يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ، وَيُرَدِّدُ هذه الآية: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ\nالآية، ويبكي﵁-، انتهى.\nوقوله: ساءَ مَا يَحْكُمُونَ\n: «ما» مصدريةٌ، والتقدير: ساء الحكم حكمهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1318>[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ٢٣ الى ٢٤]</span>\nأَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٢٣) وَقالُوا ما هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلاَّ الدَّهْرُ وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ (٢٤)\nوقوله سبحانه: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ ... الآية: تسلية للنّبيّ ﷺ أي: لا تَهْتَمَّ بأمر الكَفَرَةِ من أجل إعراضهم عن الإيمان، وقوله: إِلهَهُ هَواهُ إشارة إلى الأصنام إذ كانوا يعبدون ما يَهْوَوْنَ من الحجارة، وقال قتادة: المعنى: لا يَهْوَى شيئًا إلا رَكِبَهُ، لا يخافُ اللَّه «١» فهذا كما يقال: الهوى إله مَعْبُودٌ، وهذه الآية وإنْ كانت نزلَتْ في هَوَى الكُفْر فهِي مُتَنَاوِلَةٌ جميعَ هوى النفس الأَمَّارَةِ قال النبيُّ ﷺ: «والعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا، وتمنى عَلَى اللَّهِ» «٢»، وقال سَهْلٌ التُّسْتَرِيُّ: هَوَاكَ دَاؤُكَ فَإنْ خَالَفْتَهُ فَدَوَاؤُك،، وقال وهْبٌ: إذا عَرَضَ لك أمران، وشككْتَ في خَيْرِهِمَا، فانظر أَبْعَدَهُمَا مِنْ هَوَاكَ فَأْتِهِ ومن الحكمة في هذا قول القائل: [الطويل]\nإذَا أَنْتَ لَمْ تَعْصِ الهوى قَادَكَ الهوى ... إلى كُلِّ مَا فيهِ عَلَيْكَ مَقَالُ\nقال الشيخ ابن أبي جَمْرَةَ: قولُهُ/ ﷺ: «فَيُقَالُ: مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَلِيَتْبَعْهُ» «شيئًا» يعم جَمِيعَ الأشياء، مُدْرَكَةً كانَتْ أو غَيْرَ مُدْرَكَةٍ، فالمُدْرَكُ: كالشمس والقمر، وَغَيْرُ المُدْرَكِ، مِثْلُ: الملائكة والهوى لقوله ﷿: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ، وما أشبه ذلك، انتهى، قال القُشَيْرِيُّ في «رسالته»: وحُكِيَ عن أبي عمران الواسطيِّ قال:\nانكسرت بنا السفينةُ، فَبَقِيتُ أنا وامرأتي على لَوْحٍ، وقد وَلَدَتْ في تِلْكَ الحَالِ صَبِيَّةٌ، فصَاحَتْ بي، وقالت: يَقْتُلُنِي العَطَشُ، فقلْتُ: هو ذا يرى حالَنَا، فرفعتُ رَأْسِي، فإذا رجُلٌ في الهواء جالِسٌ في يده سِلْسِلَةٌ من ذَهَبٍ، وفيها كُوزٌ من ياقوت أحمر، فقال: هاك،\n_________\n(١) ذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ١٥٩، ١٦٠) آية رقم: (٢١) .\n(٢) تقدم.","vol":"5","page":208},{"text":"اشربا، قال: فأخذتُ الكُوزَ فَشَرِبْنَا منه، فإذا هو أطيبُ مِنَ المِسْكِ، وأبردُ مِنَ الثَّلْجِ، وأحلى من العَسَلِ، فقلت: مَنْ أَنْتَ- رَحِمَكَ اللَّه؟ - فقال: عبدٌ لمولاكَ، فقلْتُ له: بِمَ وَصَلْتَ إلى هذا؟ فقال: تركْتُ هَوَايَ لمَرْضَاتِهِ، فأجلَسَنِي في الهواء، ثُمَّ غَابَ عَنِّي، ولم أره، انتهى.\nوقوله تعالى: عَلى عِلْمٍ قال ابن عباس «١»: المعنى: على عِلْمٍ من اللَّه تعالى سَابِقٍ، وقالت فرقة: أي: على عِلْمٍ من هذا الضَّالِّ بتَرْكِهِ للحَقِّ وإعراضِهِ عنه، فتكُونُ الآية على هذا التأويل من آيات العِنَادِ من نحو قوله: وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ [النمل: ١٤] .\nوقوله تعالى: وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً استعاراتٌ كُلُّهَا.\nوقوله: مِنْ بَعْدِ اللَّهِ فِيهِ حَذْفُ مضافٍ، تقديره: مِنْ بعدِ إضلالِ اللَّهِ إيَّاه، واخْتُلِفَ في معنى قولهم: نَمُوتُ وَنَحْيا فقالت فرقة: المعنى: يَمُوتُ الآباء، ويحيا الأبناء، وقالت فرقة: المعنى: نَحْيَا ونَمُوتُ، / فوقع في اللفظ تقديم وتأخير، وقولهم:\nوَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ أي: طول الزمان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1319>[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ٢٥ الى ٢٩]</span>\nوَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ مَّا كانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٥) قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٢٦) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ (٢٧) وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٩)\nوقوله سبحانه: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ يعني: قريشًا، مَّا كانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا أي: يا محمَّد، أَحْيِ لنا قُصَيًّا حتى نَسْأَلَهُ، إلى غَيْرِ ذلك من هذا النحو، فنزلت الآية في ذلك، ومعنى إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أي: في قولكُمْ أَنَّا نُبْعَثُ بعد الموت.\nثم أمر اللَّه تعالى نَبِيَّه أنْ يخبرَهم بالحال السابقة في علم اللَّه التي لا تُبَدَّلُ بأَنَّه يحيي الخلق ثم يميتهم ... إلى آخر الآية، وباقي الآية بيّن.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١١/ ٢٦٢) برقم: (٣١٢٠٣)، وذكره ابن عطية (٥/ ٨٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٧٥٨)، وعزاه إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم، واللالكائي في «السنة»، والبيهقي في «الأسماء والصفات» .","vol":"5","page":209},{"text":"والْمُبْطِلُونَ: الداخلون في الباطل.\nوقوله سبحانه: وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً هذا وصفُ حالِ القيامة وهولها، والأُمَّةُ:\nالجماعة العظيمة من الناس، وقال مجاهد «١»: الأُمَّةُ: الواحد من الناس قال ع «٢»:\nوهذا قلق في اللغة، وإنْ قيل في إبراهيمَ «أُمَّة» وفي قُسِّ بْنِ سَاعِدَةَ، فذلك تَجوُّزٌ على جهة التشريف والتشبيه، وجاثِيَةً معناه: على الرُّكَب قاله مجاهد وغيره «٣»، وهي هَيْئَة المُذْنِبِ الخَائِفِ، وقال سُلَيْمَانُ: في القيامة ساعَةٌ قَدْرُ عَشْرِ سنين، يَخِرُّ الجميعُ فيها جُثَاةً على الرُّكَبِ.\nوقوله: كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا قالت فرقة: معناه: إلى كتابها المنزّل عليها، فتحاكم إِليه، هل وافقته أو خالفته؟ وقالت فرقة: أراد إلى كتابها الذي كتبته الحَفَظَةُ على كل واحد من الأُمَّةِ.\nوقوله سبحانه: هذا كِتابُنا يحتمل أنْ تكون الإشارة إلى الكتب المُنَزَّلَةِ، أو إلى اللوح المحفوظ أو إلى كُتُبِ الحَفَظَةِ وقال ابن قُتَيْبَةَ: إلى القرآن.\nوقوله سبحانه: إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ قال الحَسَنُ: هو كُتُبُ الحَفَظَةِ على بني آدمَ «٤»، وروى ابن عباس وغيره حديثًا أَنَّ اللَّه تَعالى يَأْمُرُ/ بِعَرْضِ أَعْمَالِ الْعِبَادِ كُلَّ يَوْمِ خَمِيسٍ، فَيُنْقَلُ مِنَ الصُّحُفِ الَّتِي كَانَتْ تَرَفَعُ الحَفَظَةَ- كُلُّ مَا هُوَ مُعَدٌّ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ ثَوَابٌ أَوْ عِقَابٌ، وَيُلْغَى الباقي فهذا هو النسخ من أصل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1320>[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ٣٠ الى ٣٣]</span>\nفَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (٣٠) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ (٣١) وَإِذا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها قُلْتُمْ ما نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلاَّ ظَنًّا وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (٣٢) وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٣٣)\nوقوله ﷿: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ أي: في جنّته.\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٥/ ٨٨) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٨٨) .\n(٣) أخرجه الطبري (١١/ ٢٦٥) برقم: (٣١٢١٣) عن مجاهد، (٣١٢١٤) عن ابن زيد، وذكره ابن عطية (٥/ ٨٨)، وابن كثير (٤/ ١٥٢) .\n(٤) ذكره البغوي (٤/ ١٦١) آية رقم: (٢٩)، وابن عطية (٥/ ٨٩) . [.....]","vol":"5","page":210},{"text":"وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ أي: فيقال لهم: أَفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ وقرأ حمزة وحده: «وَالسَّاعَةَ» «١» - بالنصب- عطفًا على قوله: وَعْدَ اللَّهِ، وقرأ ابن مسعود «٢»: «وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا»، وباقي الآية بيِّن.\nوقوله سبحانه: وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ مَا عَمِلُوا ... الآية، حكايةُ حالِ يوم القيامة وَحاقَ معناه: نزل وأحَاطَ، وهي مُسْتَعْمَلَة في المَكْرُوهِ، وفي قوله: مَّا كانُوا حذفُ مضافٍ، تقديره: جزاءَ ما كانوا به يستهزئون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1321>[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ٣٤ الى ٣٧]</span>\nوَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْساكُمْ كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا وَمَأْواكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٣٤) ذلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْها وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٣٥) فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّماواتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِياءُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)\nوقوله ﷿: وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْساكُمْ معناه: نترككم كما تركتم لقاء يومكم هذا، وآياتِ اللَّهِ هنا: لفظ جامعٌ لآِيات القرآن وللأدِلَّةِ التي نَصَبَهَا اللَّهُ تعالى، للنَّظَرِ، وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ أي: لا يُطْلَبُ منهم مراجعةٌ إلى عملٍ صَالِحٍ.\nوقوله سبحانه: فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّماواتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ ... إلى آخر السورة- تحميدٌ للَّه ﷿، وتحقيقٌ لأُلُوهِيَّتِهِ، وفي ذلك كَسْرٌ لأمرِ الأصنام وسائر ما تعبده الكفرة، والْكِبْرِياءُ: بناء مبالغة.\n_________\n(١) وعلى قراءة الباقين فيها ثلاثة أوجه: الابتداء، وما بعدها من الجملة المنفية خبرها.\n«الثاني»: العطف على محل اسم «إن» لأنه قبل دخولها مرفوع بالابتداء.\n«الثالث»: أنه عطف على محل «إن» واسمها معا، لأن بعضهم- كالفارسي والزمخشري- يرون: أن ل «إن» واسمها موضعا، وهو الرفع بالابتداء.\nينظر: «الدر المصون» (٦/ ١٣٢)، و«السبعة» (٥٩٥)، و«الحجة» (٦/ ١٧٩)، و«إعراب القراءات» (٢/ ٣١٥)، و«معاني القراءات» (٢/ ٣٧٧)، و«شرح الطيبة» (٥/ ٢٣٥)، و«العنوان» (١٧٤)، و«حجة القراءات» (٦٦٢)، و«شرح شعلة» (٥٨٢)، و«إتحاف فضلاء البشر» (٢/ ٤٦٨) .\n(٢) وينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٨٩) .","vol":"5","page":211},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1322>تفسير سورة الأحقاف</span>\nوهي مكّيّة إلّا آيتين، وهما قوله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ ... الآية، وقوله سبحانه: فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ الآية.\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1323>[سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ١ الى ٥]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nحم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ (٣) قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤)\nوَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ (٥)\nقوله سبحانه: حم تَنْزِيلُ الْكِتابِ يعني: القرآن.\nوقوله سبحانه: ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ: هذه الآية موعظة، وزَجْرٌ، المعنى: فانتبهوا أَيُّهَا الناسُ، وانظروا ما يُرَادُ بكم ولِمَ خُلِقْتُمْ، «والأَجَلُ المسمى»: هو يَوْمُ القيامةِ.\nوقوله: قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّا تَدْعُونَ [معناه «١»:] ما تَعْبُدُونَ، ثم وقفهم على السموات هَلْ لهم فيها شِرْكٌ، ثم استدعى منهم كتابًا مُنَزَّلًا قبل القرآن يتضمَّن عبادَةَ الأَصْنَامِ، قال ابنُ العَرَبَيِّ في «أحكامه» «٢»: هذه الآيةُ مِنْ أَشْرَفِ آية في القرآن فإنَّها استوفَتِ الدَّلالَةَ على الشرائع عَقْلِيِّهَا وسَمْعِيِّها لقوله﷿-: قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ فهذا بيانٌ لأدِلَّة العَقْلِ المتعلِّقة بالتوحيدِ، وحُدُوثِ العالم، وانفراد البارِي تعالى بالقدرة والعِلْمِ والوجُودِ والخَلْقِ، ثم قال:\nائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا: على ما تقولون، وهذا بيان لأدلَّة السَّمْعِ فَإنَّ مدرك الحق إنما يكون بدليل العقل أو بدليل الشرع، حسبما بَيَّنَّاهُ من مراتب الأدلّة في كتب الأصول،\n_________\n(١) سقط في: د.\n(٢) ينظر: «أحكام القرآن» (٤/ ١٦٩٦) .","vol":"5","page":212},{"text":"ثم قال: أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ يعني: أو عِلْمٍ يؤْثَرُ، أي: يروى ويُنْقَلُ، وإنْ لم يكن مكتوبًا، انتهى.\nوقوله: أَوْ أَثارَةٍ معناه: أو بَقِيَّةٍ قديمةٍ من عِلْمِ أحد العلماءِ، تقتضي عبادة الأصنام، و«الأثارة» البَقِيَّةُ من الشيء، وقال الحسنُ: المعنى: من عِلْمٍ تستَخْرِجُونَهُ فتثيرونه «١»، وقال مجاهدٌ: المعنى: هل مِنْ أَحَدٍ يأثر علمًا في ذلك «٢»، وقال القرطبيُّ: هو الإسناد ومنه/ قول الأعشى: من [السريع]\nإنَّ الَّذِي فِيهِ تَمَارَيْتُمَا ... بُيِّنَ لِلسَّامِعِ وَالآثِرِ «٣»\nأي: وللمُسْنِدِ عن غيره، وقال ابن عباس «٤»: الأثارة: الخَطُّ في التراب، وذلك شيْءٌ كانَتِ العَرَبُ تفعله، والضمير في قوله: وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ هو للأصنام في قول جماعة، ويحتمل أن يكون لعبدتها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1324>[سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ٦ الى ٩]</span>\nوَإِذا حُشِرَ النَّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ (٦) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ كَفى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٨) قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ ما يُوحى إِلَيَّ وَما أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٩)\nوقوله سبحانه: وَإِذا حُشِرَ النَّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً وَصْفُ ما يكون يومَ القيامةِ بَيْنَ الكُفَّار وأصنامهم من التَّبَرِّي والمُنَاكَرَةِ، وقد بُيِّنَ ذلك في غير هذه الآية.\nوَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا أي: آيات القرآن، قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ يعني: القرآن هذا سِحْرٌ مُبِينٌ أي: يُفَرِّقُ بين المرءِ وَبَنِيهِ.\nوقوله سبحانه: قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا المعنى: إن افتريته،\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١١/ ٧٧٢) برقم: (٣١٢٢٨)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٥/ ٩٢)، وابن كثير (٤/ ١٥٤) .\n(٢) ذكره ابن عطية (٥/ ٩٢) .\n(٣) البيت في «ديوانه» (٩٢)، «اللسان» (أثر)، و«المحرر الوجيز» (٥/ ٩٢)، والآثر: الذي يحفظ الأثر، أي: الرواية.\n(٤) أخرجه الطبري (١١/ ٢٧٢) برقم: (٣١٢٢٣)، وذكره ابن عطية (٥/ ٩٢)، وابن كثير (٤/ ١٥٤)، والسيوطي (٦/ ٤)، وعزاه إلى ابن المنذر، والطبراني، وابن مردويه، والفريابي، وعبد بن حميد.","vol":"5","page":213},{"text":"فاللَّه حَسْبِي في ذلك، وهو كان يعاقبني ولا يُمْهِلُنِي، ثم رجَعَ القَوْلُ إلى الاستسلامِ إلى اللَّه، والاستنصارِ به عليهم، وانتظارِ ما يَقْتَضِيهِ عِلْمُهُ بما يُفِيضُونَ فيه مِنَ البَاطِلِ ومُرَادَّة الحَقِّ، وذلك يقتضي مُعَاقَبَتَهُمْ ففي اللفظ تهديد، والضمير في بِهِ عائدٌ على اللَّه ﷿.\nوقوله سبحانه: وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ تَرجيةٌ واستدعاءٌ إلى التوبة، ثم أمره ﷿ أنْ يحتجَّ عليهم بأَنَّه لم يكن بِدْعًا من الرسل، والبِدْعُ والبَدِيعُ من الأشياءِ ما لم يُرَ مِثْلُهُ، المعنى: قد جاء قَبْلِي غيري قاله ابن عَبَّاس وغيره «١» .\nت: ولفظ البخاريِّ: وقال ابن عباس: بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ أي: لَسْتُ بأوَّلِ الرُّسُلِ «٢»، واختلف الناسُ في قوله: وَما أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ فقال ابن عباس وجماعةٌ: كان هذا في صَدْرِ الإسْلاَمِ، ثم بعد ذلك عَرَّفَهُ/ اللَّه ﷿ بأَنَّه قد غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تأخر، وبأَنَّ المؤمنين لهم من اللَّه فضلٌ كبيرٌ، وهو الجَنَّةُ، وبأَنَّ الكافرين في نار جَهَنَّمَ «٣» والحديثُ الصَّحِيحُ الذي وقع في جنازة عُثْمانَ بنِ مَظْعُونٍ يُؤَيِّدُ هذا «٤»، وقالت فرقة: معنى الآية: وما أدري ما يُفْعَلُ بي ولا بكم من الأوامر والنواهي، وقيل غير هذا.\nوقوله: إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحى إِلَيَّ معناه: الاِستسلامُ والتَّبَرِّي من عِلْمِ المُغَيَّبَاتِ، والوقوفُ مع النذارةِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ ﷿.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1325>[سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ١٠ الى ١٤]</span>\nقُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ (١١) وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِمامًا وَرَحْمَةً وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِسانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ (١٢) إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣) أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٤)\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٨/ ٤٣٩) كتاب «التفسير» باب: سورة الأحقاف تعليقا، وقال ابن حجر: وصله ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عبّاس، وللطبري من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد مثله، والطبري (١١/ ٢٧٥) (٣١٢٢٣)، وذكره ابن عطية (٥/ ٩٣) .\n(٢) انظر السابق.\n(٣) ذكره ابن عطية (٥/ ٩٤) .\n(٤) ينظر: «مجمع الزوائد» (٩/ ٣٠٥)، كتاب «المناقب» باب: فضل عثمان بن مظعون ﵁.","vol":"5","page":214},{"text":"وقوله ﷿: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ ... الآية، جوابُ هذا التوقيفِ محذوفٌ، تقديره: أَلَيْسَ قد ظلمتم؟! ودَلَّ على هذا المُقَدَّرِ قولُهُ تعالى: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ قال مجاهد وغيره: هذه الآية مدنية «١»، والشاهد عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلاَمٍ، وقد قال عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلاَمٍ: فيَّ نَزَلَتْ، وقال مَسْرُوقُ بْنُ الأجْدَعِ والجمهورُ: الشاهد موسَى بْنُ عِمْرَانَ ع، والآية مكية «٢»، ورَجَّحَه الطَّبْرِيُّ «٣» .\nوقوله: عَلى مِثْلِهِ يريد بالمثل التوراةَ، والضمير عائد في هذا التأويل على القرآن، أي: جاء شاهد من بني إسرائيل بمثله أَنَّه من عند اللَّه سبحانه.\nوقوله: فَآمَنَ، على هذا التأويل، يعني به تصديقَ موسى وتبشيره بنبيّنا محمّد ﷺ.\nوقوله سبحانه: وَمِنْ قَبْلِهِ أي: مِنْ قَبْلِ القرآنِ كِتابُ مُوسى يعني: التوراة وَهذا كِتابٌ يعني القرآن مُصَدِّقٌ للتوراة التي تَضَمَّنَتْ خبره، وفي مصحف ابن مسعود «٤»: «مُصَدِّقٌ لِّمَا بَيْنَ يديه» والَّذِينَ ظَلَمُوا هم: الكفار، وعَبَّرَ عن المؤمنين بالمحسنين ليناسِبَ لفظ «الإحسان» في مقابلة «الظلم» .\nثم أخبر تعالى عن حُسْنِ [حال] المستقيمين، وذهب كَثِيرٌ من الناس إلى أَنَّ المعنى:\nثم استقاموا بالطاعات والأعمال الصالحات، وقال أبو بكر الصديق﵁- المعنى: ثم استقاموا بالدَّوَامِ على الإيمان «٥» قال ع «٦»: وهذا أَعَمُّ رجاءً وأَوْسَعُ، وإن كان في الجملة المؤمنة من يُعَذَّبُ وَيَنْفُذُ عليه الوعيد، فهو مِمَّنْ يَخْلُدُ في الجَنَّةِ، وينتفي عنه الخوفُ والحُزْنُ الحَالُّ بالكَفَرَةِ.\nوقوله تعالى: جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ قد جعل اللَّه سبحانه الأعمالَ أَمَارَاتٍ على ما سَيَصِيرُ إليه العَبْدُ، لا أَنَّهَا توجب على الله شيئا.\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٥/ ٩٤) .\n(٢) ذكره ابن عطية (٥/ ٩٤) . [.....]\n(٣) ينظر: «تفسير الطبري» (١١/ ٢٨١) .\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٩٥) .\n(٥) ذكره ابن عطية (٥/ ٩٦) .\n(٦) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٩٦) .","vol":"5","page":215},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1326>[سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ١٥ الى ١٦]</span>\nوَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْسانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥) أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ (١٦)\nوقوله سبحانه: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ يريد: النوع، أي: هكذا مَضَتْ شرائِعِي وكُتُبِي، فَهِيَ وَصِيَّةٌ من اللَّه في عباده، وبِرُّ الوالدَيْنِ واجبٌ، وعُقُوقُهُمَا كبيرة، وقد قال النبيّ ﷺ:\n«كُلُّ شَيْءٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ إلاَّ شَهَادَةَ أَنْ لاَ إله إلاَّ اللَّه، وَدَعْوَةَ الْوَالِدَيْنِ «١» قال ع «٢»: ولن يَدْعُوَا في الغالب إلاَّ إذا ظلمَهُمَا الوَلَدُ، فهذا يَدْخُلُ في عُمُومِ قوله﵇-: «اتَّقُوا دَعْوَةَ المَظْلُومِ فَإنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ» «٣» ثم عَدَّدَ سُبْحَانَهُ عَلَى الأبْنَاءِ مِنَنَ الأُمَّهَاتِ.\nوقوله تعالى: حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا قال مجاهد، والحسن، وقتادة: حملته مَشَقَّةً، ووضعته مَشَقَّةً، قال أبو حَيَّان «٤»: وَحَمْلُهُ على حَذْفِ مضافٍ، أي: مدَّة حمله، انتهى.\nوقوله: ثَلاثُونَ شَهْرًا يقتضى أَنَّ مُدَّة/ الحمل والرَّضَاعِ هي هذه المُدَّةُ، وفي البقرة: وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ [البقرة: ٢٣٣] فيترتب من هذا أَنَّ أَقَلَّ مُدَّةِ الحَمْلِ سِتَّةُ أَشهر، وأقلَّ ما يَرْضَعُ الطفْلُ عَامٌ وتسعَةُ أشْهُرٍ، وإكمال الحولَيْنِ هو لمن أراد أَنْ يُتِمَّ الرضاعة، وهذا في أمد الحَمْلِ، هو مذهب مالك وجماعة من الصحابة، وأقوى الأقوال في بلوغ الأَشُدِّ ستةٌ وثلاثُونَ سنَةً، قال ع «٥»: وإنَّما ذكر تعالى الأربعين لأَنَّها حَدٌّ للإنسان في فلاحه ونَجَابَتِهِ، وفي الحديث: «إنَّ الشَّيْطَانَ يَجُرُّ يَدَهُ على وَجْهِ مَنْ زادَ عَلَى الأَرْبَعِينَ وَلَمْ يَتُبْ، فَيَقُولُ: بِأَبِي، وَجْهٌ لاَ يُفْلِحُ» .\nت: وحَدَّثَ أبو بَكْرِ ابْنُ الخَطِيبِ في «تاريخِ بَغْدَادَ» بسنده المُتَّصِلِ عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ: «إذَا بَلَغَ الْعَبْدُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، أَمَّنَهُ اللَّهُ مِنَ البَلاَيَا الثَّلاَثِ: الجُنُونِ، وَالجُذَامِ، وَالْبَرَصِ، فَإذا بَلَغَ خَمْسِينَ سَنَةً خَفَّفَ اللَّهُ عَنْهُ الحِسَابَ، فإذا بلغ ستّين سنة رزقه\n_________\n(١) ذكره الهندي في «كنز العمال» (٣٣١٨)، وعزاه إلى ابن النجار في «التاريخ» .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٩٦) .\n(٣) أخرجه أحمد (٣/ ١٥٣) من طريق أنس.\n(٤) ينظر: «البحر المحيط» (٨/ ٦١) .\n(٥) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٩٧) .","vol":"5","page":216},{"text":"اللَّهُ الإنَابَةَ لِمَا يُحِبُّ، فَإذَا بَلَغَ سَبْعِينَ سَنَةً غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، وَشُفِّعَ في أَهْلِ بَيْتِهِ، وَنَادَاهُ مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ: هَذَا أَسِيرُ اللَّهِ في أَرْضِهِ» «١» انتهى، وهذا- واللَّه أعلم- في العبد المُقْبِلِ على آخرته، المشتغل بطاعة ربه.\nوقوله: رَبِّ أَوْزِعْنِي معناه: ادفع عني الموانع، وأَجِرْنِي من القواطع لأجل أنْ أشكرَ نعمتك، ويحتمل أنْ يكون أَوْزِعْنِي بمعنى: اجعل حَظِّي ونصيبي، وهذا من التوزيع.\nت: وقال الثعلبيُّ وغيره أَوْزِعْنِي: معناه: ألهمني، وعبارة الفَخْر «٢»: قال ابن عباس أَوْزِعْنِي: معناه: ألهمني «٣»، قال صَاحِبُ «الصِّحَاحِ» استوزعت/ اللَّهَ فَأَوْزَعَنِي، أي: استَلْهَمْتُهُ فألْهَمَنِي، انتهى، قال ابن عبّاس نِعْمَتَكَ: في التوحيد\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٢/ ٨٩)، وذكره الهندي في «كنز العمال» (١٥/ ٦٧٠) (٤٢٦٦٢)، وعزاه إلى الديلمي عن أنس، قال ابن حجر في «القول المسدد» في الذب عن مسند الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا أنس بن عياض حدثني يوسف بن أبي ذرة عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمري عن أنس بن مالك قال: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «ما من معمر يعمر في الإسلام أربعين سنة، إلا صرف الله عنه أنواعا من البلاء:\nالجُنُونِ، وَالجُذَامِ، وَالْبَرَصِ، فَإذا بَلَغَ خَمْسِينَ سَنَةً لين الله عليه الحساب، فإذا بلغ ستين رزقه الله الإنابة إليه بما يحب، فإذا بلغ سبعين أحبه الله، وأحبه أهل السماء، فإذا بلغ الثمانين قبل الله حسناته، وتجاوز عن سيئاته، فإذا بلغ تسعين غفر الله له ما تقدم من ذنبه، وما تأخر، وسمي أسير الله في أرضه، وشفع لأهل بيته» . ورواه أحمد أيضا موقوفا على أنس:\nقال: حدثنا أبو النضر، ثنا الفرج، ثنا محمّد بن عامر، عن محمّد بن عبيد الله، عن جعفر بن عمرو، عن أنس بن مالك قال: إذا بلغ الرجل المسلم أربعين سنة أمنه الله من أنواع من البلاء: من الجنون، والجذام، والبرص، وإذا بلغ الخمسين لين الله ﷿ عليه حسابه، وإذا بلغ الستين رزقه الله إنابة يحبه عليه، وإذا بلغ السبعين أحبه الله وأحبه أهل السماء، فإذا بلغ الثمانين تقبل الله منه حسناته، ومحا عنه سيئاته، فإذا بلغ التسعين غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وسمي: أسير الله في الأرض، وشفع في أهله. وعلة الحديث المرفوع يوسف بن أبي ذرة، وفي ترجمته أورده ابن حبان في «تاريخ الضعفاء» وقال: يروي المناكير التي لا أصل لها من كلام رسول الله ﷺ، لا يحل الاحتجاج به بحال. روي عن جعفر بن عمرو عن أنس ذاك الحديث، وأورد ابن الجوزي في «الموضوعات» هذا الحديث من الطريقين: المرفوع والموقوف، وقال: هذا الحديث لا يصح عن النبي ﷺ، وأعل الحديث الموقوف بالفرج بن فضالة، وحكى أقوال الأئمة في تضعيفه، قال: وأما محمّد بن عامر فقال ابن حبان: يقلب الأخبار ويروي عن الثقات ما ليس من أحاديثهم. وأما محمّد بن عبيد الله فهو العرزمي، قال أحمد:\nترك الناس حديثه. قلت: وقد خلط فيه الفرج بن فضالة فحدث به هكذا وقلب إسناده مرة أخرى فجعله من حديث ابن عمر مرفوعا أيضا، رواه أحمد أيضا.\nينظر: «القول المسدد» (٧- ٨) .\n(٢) ينظر: «تفسير الرازي» (٢٨/ ١٨) .\n(٣) أخرجه الطبري (١١/ ٢٨٤) برقم: (٣١٢٦٢، ٣١٢٦٤)، وذكره ابن عطية (٥/ ٩٧) .","vol":"5","page":217},{"text":"وصالِحًا تَرْضاهُ: الصلواتِ، والإصلاحُ في الذُّرِّيَّةِ: كونُهم أَهْلَ طاعة وخير «١»، وهذه الآية معناها: أن هكذا ينبغي للإنسان أنْ يَكُونَ، فهي وَصِيَّةُ اللَّه تعالى للإنسان في كُلِّ الشرائع، وقولُ مَنْ قال: إنَّها في أبي بكر وأبويه- ضعيف لأَنَّ هذه الآية نزلت بمَكَّةَ بلاَ خِلاَفٍ، وأبو قُحَافَةَ أَسْلَمَ عامَ الفتح، وفي قوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ ...\nالآية: دليلٌ على أَنَّ الإشارة بقوله: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ إنما أراد بها الجِنْسَ.\nوقوله: فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ يريد: الذين سبقت لهم رحمةُ اللَّه، قال أبو حَيَّان «٢» فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ قيل: فِي على بابها، أي: في جملتهم كما تقول: أَكْرَمَنِي الأمِيرُ في نَاسٍ، أي: في جملةِ مَنْ أَكْرَمَ، وقيل: فِي بمعنى مع، انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1327>[سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ١٧ الى ١٩]</span>\nوَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أَتَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ ما هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٧) أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ (١٨) وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمالَهُمْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١٩)\nوقوله تعالى: وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ قال الثعلبيُّ: معناه: إذ دَعَوَاهُ إلى الإيمان «٣»، أُفٍّ لَكُما ... الآية، انتهى، والَّذِي يعنى به الجِنْسِ على حَدِّ العموم في التي قبلها في قوله: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ هذا قول الحسن وجماعة «٤»، ويشبه أَنَّ لها سببًا من رَجُلٍ قال ذلك لأبويه، فلما فرغ من ذكر المُوَفَّقِ، عَقَّبَ بذكر هذا العَاقِّ، وقد أنكرتِ عائِشَةُ أنْ تكونَ الآية نزلت في عبد الرحمن بن أبي بَكْر، وقالت: مَا نَزَلَ في آلِ أبي بَكْرٍ مِنَ القُرْآنِ غَيْرُ بَرَاءَتِي «٥» .\nت: ولا يُعْتَرَضُ عليها بقوله تعالى: ثانِيَ اثْنَيْنِ [التوبة: ٤٠]، ولا بقوله:\nوَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ [النور: ٢٢] كما بَيَّنَّا ذلك في غير هذه الآية، قال ع «٦»:\n_________\n(١) ذكره ابن كثير ولم يعزه إلى أحد.\n(٢) ينظر: «البحر المحيط» (٨/ ٦١) . [.....]\n(٣) ذكره ابن عطية (٥/ ٩٨) .\n(٤) ينظر: المصدر السابق.\n(٥) أخرجه الحاكم (٤/ ٤٨١)، والنسائي في «التفسير» (٥١١)، والخطابي في «غريب الحديث» (٢/ ٥١٧) من طريق محمّد بن زياد عن عائشة. وصححه الحاكم، وتعقبه الذهبي فقال: محمّد لم يسمع من عائشة.\n(٦) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٩٩) .","vol":"5","page":218},{"text":"والأَصوبُ أنْ تكونَ الآية عامَّةً في أَهل هذه الصفات، والدليلُ القاطعُ على ذلك: قوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ/ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ وكان عبدُ الرحمن بن أبي بكر﵁- من أفاضل الصحابة، ومن أبطال المسلمين، ومِمَّنْ له في الإسلام غَنَاءٌ يوم اليمامة وغيره، وأُفٍّ بالتنوين قراءة نافع وغيره «١»، والتنوينُ في ذلك عَلاَمَةُ تنكيرٍ كما تَسْتَطْعِمُ رَجُلًا حَدِيثًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ فتقول: «إيهٍ» منونةً، وإنْ كان حديثًا مُشَارًا إليه قلت: «إيهِ» بغير تنوين.\nوقوله: أَتَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ المعنى: أَنْ أُخْرَجَ مِنَ القَبْرِ إلى الحَشْرِ، وهذا منه استفهامٌ بمعنى الهُزْءِ والاِستبعاد. وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي معناه: هَلَكَتْ ومَضَتْ، ولم يخرجْ منهم أحد، وَهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ يعني: الوالدَيْنِ يقُولاَنِ له: وَيْلَكَ آمِنْ.\nوقوله: مَا هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ أي: ما هذا القول الذي يتضمَّنُ البَعْثَ من القبور إلاَّ شيءٌ سَطَرَهُ الأَوَّلُون في كتبهم، يعني: الشرائعَ، وظاهر ألفاظ هذه الآية أَنَّها نزلَتْ في مُشَارٍ إليه، قال: وقِيلَ له، فنعى اللَّه إلينا أقواله تحذيرًا من الوقوع في مثلها.\nوقوله: أُولئِكَ ظاهره أَنَّها إشارة إلى جنس، وحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ أي: قول اللَّه: إنَّهُ يُعَذِّبُهُم قال أبو حَيَّان «٢» فِي أُمَمٍ أي: في جملة أُمَمٍ ف «في» على بابها، وقيل:\nفِي بمعنى مع، وقد تقدم ذلك، انتهى.\nوقوله: قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ يقتضى أَنَّ الجِنَّ يموتون، وهكذا فَهِمَ الآية قتادة «٣»، وقد جاء حديثٌ يقتضى ذلك.\nوقوله سبحانه: وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ يعني: المحسنين والمُسِيئِين، قال ابن زيد:\nودرجات المحسنين تذهبُ/ عُلْوًا، ودرجاتُ المسيئين تذهب سُفْلًا «٤»، وباقي الآية بَيِّنٌ في أنّ كلّ امرئ يجتني ثَمَرَةَ عَمَلِهِ مِنْ خَيْرٍ أو شَرٍّ، ولا يظلم في مجازاته.\n_________\n(١) وقرأ بها حفص.\nينظر: «السبعة» (٥٩٧)، و«الحجة» (٦/ ١٨٥)، و«إعراب القراءات» (٢/ ٣١٧)، و«إتحاف فضلاء البشر» (٢/ ٤٧١) .\n(٢) ينظر: «البحر المحيط» (٨/ ٦٢) .\n(٣) أخرجه الطبري (١١/ ٢٨٨) برقم: (٣١٢٧٨)، وذكره ابن عطية (٥/ ١٠٠) .\n(٤) أخرجه الطبري (١١/ ٢٨٨) برقم: (٣١٢٧٨)، وذكره ابن عطية (٥/ ١٠٠) .","vol":"5","page":219},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1328>[سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ٢٠ الى ٢٢]</span>\nوَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ (٢٠) وَاذْكُرْ أَخا عادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٢١) قالُوا أَجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٢)\nوقوله ﷿: وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ ... الآية، المعنى: واذكر يومَ يُعْرَضُ، وهذا العرض هو بالمباشرة أَذْهَبْتُمْ أي: يقال لهم: أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا و«الطَّيِّبَاتُ» هنا: المَلاَذُّ، وهذه الآية، وإنْ كانت في الكُفَّار، فهي رادعة لأُولي النهى من المؤمنين عن الشهوات واستعمالِ الطَّيِّبَاتِ ومن ذلك قولُ عُمَرَ﵁-: أتَظُنُّونَ أَنَّا لا نَعْرِفُ طَيِّبَ الطَّعَامِ؟ ذلك لُبَابُ البُرِّ بِصِغَارِ المعزى، ولكنِّي رأيتُ اللَّه تعالى نعى على قومٍ أَنَّهم أَذْهَبُوا طَيِّبَاتِهِمْ في حياتِهِمُ الدنيا، ذكَرَ هذا في كلامِهِ مع الرَّبيع بْنِ زِيَادٍ «١»، وقال أيضًا نحو هذا لخالد بن الوَلِيدِ حينَ دَخَلَ الشَّامَ، فَقُدِّمَ إليه طعام طَيِّبٌ، فقال عمر: هذا لنا، فما لفقراءِ المسلمينَ الَّذِينَ ماتوا ولم يَشْبَعُوا من خُبْزِ الشَّعِير؟\nفقال خالدٌ: لَهُمُ الجَنَّةُ، فبكى عُمَرُ، وقال: لَئِنْ كَانَ حَظُّنَا في الحُطَامَ، وذَهَبُوا بالجَنَّةِ- فَقَدْ بَانُوا بُوْنًا بَعِيدًا «٢»، وقال جابرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: اشتريت لحمًا بدرهم، فرآني عمر، فقال:\nأو كلّما اشتهى أَحَدُكم شَيْئًا اشتراه فأكَلَهُ؟! أما تخشى أنْ تكون من أهل هذه الآية، وتلا:\nأَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا «٣» ت: والآثار في هذا المعنى كثيرةٌ جِدًّا، فمنها ما رواه أبو داود في سُنَنِهِ، عن عبد اللَّه بن بُرَيْدَةَ أَنَّ رجُلًا من أصحاب النبيّ ﷺ، رَحَلَ إلى فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ، وهو بِمَصْرَ، فَقَدِمَ عليه، فقال: أَمَا إنِّي لم آتِكَ زَائِرًا/ ولكنْ سَمِعْتُ أَنا وأَنْتَ حَدِيثًا مِنْ رسول الله ﷺ، رَجَوْتُ أَنْ يكونَ عندَكَ منْهُ عِلْمٌ، قال: ما هو؟ قال:\nكذا وكذا، قال: فمالي أَرَاكَ شَعْثًا وأَنْتَ أَمِيرُ الأَرْضِ؟! قال: إنَّ رسول الله ﷺ، كان ينهى عن كثيرٍ من الإرفَاهِ «٤»، قال: فما لي لا أرى عَلَيْكَ حِذَاءً؟ قال: كان رسول الله ﷺ، يأمرنا أَنْ نَحْتَفِيَ أحيانًا، وروى أبو داوُدَ عَنْ أَبي أُمَامَةَ قال: ذكر أصحاب النبي ﷺ، يوما عنده الدنيا، فقال رسول الله ﷺ: «أَلاَ تَسْمَعُونَ أَنَّ الْبَذَاذَةَ مِنَ الإيمَانِ؟ إِنَّ البذاذة من\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٥/ ١٠١) .\n(٢) ذكره ابن عطية (٥/ ١٠١) .\n(٣) ينظر: المصدر السابق.\n(٤) أخرجه أبو داود (٢/ ٤٧٤) كتاب «الترجل» باب: (١) (٤١٦٠) .","vol":"5","page":220},{"text":"الإيمَانِ، إن الْبَذَاذَةَ مِنَ الإِيمَانِ» «١» قال أبو داوُدَ: يعني: التَّقَحُّلَ، وفسر أبو عمر بن عبد البَرِّ: «البَذَاذَةَ» بِرَثِّ الْهَيْئَةِ، ذكر ذلك في «التمهيد»، وكذلك فَسَّرَهَا غيره، انتهى، وروى ابن المبارك في «رَقَائِقِهِ» من طريق الحسن عن النبيّ ﷺ أَنَّهُ خَرَجَ في أَصْحَابِهِ إلَى بَقِيعِ الغَرْقَدِ، فَقَالَ: «السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الْقُبُورِ، لَوْ تَعْلَمُونَ مَا نَجَّاكُمُ اللَّهُ مِنْهُ مِمَّا هُوَ كَائِنٌ بَعْدَكُم! ثُمَّ أَقْبَلَ على أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: هَؤُلاَءِ خَيْرٌ مِنْكُمْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إخْوانُنَا، أَسْلَمْنَا كَمَا أَسْلَمُوا، وَهَاجَرْنَا كَمَا هَاجَرُوا، وَجَاهَدْنَا كَمَا جَاهَدُوا، وَأَتَوا على آجَالِهِمْ فَمَضَوْا فِيهَا وَبَقِينَا في آجالِنَا، فَمَا يَجْعَلُهُمْ خَيْرًا مِنَّا؟! قال: هَؤُلاَءِ خَرَجُوا مِنَ الدُّنْيَا لَمْ يَأْكُلُوا مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَخَرَجُوا وَأَنا الشَّهِيدُ عَلَيْهِمْ، وإنَّكُمْ قَدْ أَكَلْتُمْ مِنْ أُجُورِكُمْ، وَلاَ أَدْرِي مَا تُحْدِثُونَ مِنْ بَعْدِي؟ قال: فَلَمَّا سَمِعَهَا الْقَوْمُ عَقَلُوهَا وَانْتَفَعُوا بِهَا، وَقَالُوا: إنَّا لَمُحاسَبُونَ بِمَا/ أَصَبْنَا مِنَ الدُّنْيَا، وَإنهُ لَمُنْتَقَصٌ بِهِ مِنْ أُجُورِنَا» «٢» انتهى،، ومنها حديثُ ثَوْبَانَ في «سنن أَبي دَاوُدَ»: قال ثَوْبَانُ: كانَ رسول الله ﷺ إذَا سَافَرَ كَانَ آخِرُ عَهْدِهِ بِإنْسَانٍ مِنْ أَهْلِهِ فَاطِمَةَ، وَأَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ عَلَيْهَا فَاطِمَةَ، فَقَدِمَ مِنْ غَزَاةٍ، وَقَدْ عَلَّقَتْ مِسْحًا أوْ سِتْرًا على بَابِهَا، وَحَلَّتِ الحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ قُلْبَيْنِ مِنْ فِضَّةٍ، فَلَمْ يَدْخُلْ، فَظَنَّتْ أَنَّما مَنَعَهُ أَنْ يَدْخُلَ مَا رأى فَهَتَكَتِ السِّتْرَ، وَفَكَّتِ القُلْبَيْنِ عَنِ الصَّبِيَّيْنِ وَقَطَعَتْهُمَا عَنْهُمَا، فانطلقا إلى رسول الله ﷺ يَبْكِيَانِ، فَأَخَذَهُمَا مِنْهُمَا، وَقَالَ: يَا ثَوْبَانُ، اذهب بِهِمَا إلَى آلِ فُلاَنٍ إنَّ هَؤُلاَءِ أَهْلِي أَكْرَهُ أَنْ يَأْكُلُوا طَيِّبَاتِهِمْ في حَيَاتِهُمْ الدُّنْيَا، يَا ثَوْبَانُ، اشتر لِفَاطِمَةَ قَلاَدَةً مِنْ عَصْبٍ وَسِوَارَيْنِ مِنْ عَاجٍ» انتهى «٣»، - ص-: قرأ الجمهور: «أَذْهَبْتُمْ» على الخبر، أي: فيقال لهم: أذهبتم طَيِّبَاتكم، وابن كثير بهمزة بعدها مَدَّة مُطَوَّلَةً، وابن عامر بهمزتين حقّقها ابن ذَكْوَانَ، ولَيَّنَ الثانيةَ هشامٌ وابن كثير في روايةٍ «٤»، والاستفهامُ هنا على معنى التوبيخ والتقريرِ، فهو خبر في المعنى، ولهذا حَسُنَتِ الفاء في قوله: فَالْيَوْمَ، ولو كان استفهاما محضا لما دخلت الفاء، انتهى، وعَذابَ الْهُونِ هو الذي اقترن به هوانٌ، فالهُونُ والهوان بمعنى.\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (٢/ ٤٧٤) كتاب «الترجل» باب: (١) (٤١٦١)، والحميدي (١/ ١٧٣) (٣٥٧)، وابن ماجه (٢/ ١٣٧٩) كتاب «الزهد» باب: من لا يؤبه له (٤١١٨)، والحاكم (١/ ٩) .\n(٢) أخرجه ابن المبارك (١/ ١٧١) برقم: (٤٩٨) . [.....]\n(٣) أخرجه أبو داود (٢/ ٤٨٦- ٤٨٧) كتاب «الترجل» باب: ما جاء في الانتفاع بالعاج، (٤٢١٣)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٤٣)، وعزاه إلى أحمد، والبيهقي في «شعب الإيمان» .\n(٤) ينظر: «الحجة» (٦/ ١٨٨)، و«إعراب القراءات» (٢/ ٣٢٠)، و«معاني القراءات» (٢/ ٣٨١)، و«العنوان» (١٧٥)، و«حجة القراءات» (٦٦٥)، و«إتحاف» (٢/ ٤٧٢) .","vol":"5","page":221},{"text":"ثم أمر تعالى نِبِيَّه بذكر هود وقومه عادٍ على جهة المثال لقريشٍ، وقد تقدَّم قَصَصَ عادٍ مُسْتَوفًى في «سورة الأعراف»، فلينظر هناك، والصحيحُ من الأقوال أَنَّ بلادَ عادٍ كانت باليمن، ولهم كانَتْ إرَمُ ذاتُ العمادِ، وبِالْأَحْقافِ: جَمْعُ «حِقْفٍ» وهو الجبل المستطيل المُعْوَجُّ/ من الرَّمْلِ.\nوقوله سبحانه: وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ خَلَتِ معناه: مضت إلى الأرض الخلاء، والنُّذُرُ جمع نَذِيرٍ، وقولهم: لِتَأْفِكَنا معناه: لِتَصْرِفَنَا، وقولهم: فَأْتِنا بِما تَعِدُنا تصميم منهم على التكذيب، وتعجيز له في زعمهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1329>[سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ٢٣ الى ٢٦]</span>\nقالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (٢٣) فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلاَّ مَساكِنُهُمْ كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (٢٥) وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصارًا وَأَفْئِدَةً فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٢٦)\nوقوله سبحانه: قالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ ... الآية، المعنى: قال لهم هود: إنَّ هذا الوعيد ليس من قِبَلِي، وإنما الأمر فيه إلى اللَّه، وعِلْمُ وقته عنده، وإنَّما عَلَيَّ أَنْ أُبَلِّغَ فقطْ، والضميرُ في رَأَوْهُ يحتمل أنْ يعودَ على العذاب، ويحتمل أنْ يعودَ على الشيء المرئِيِّ الطالِعِ عليهم، وهو الذي فَسَّرَهُ قوله: عارِضًا و«العَارِض»: هو ما يَعْرِضُ في الجَوِّ من السحاب المُمْطِر قال ابن العربيِّ في «أحكامه» عند تفسيره قوله تعالى: وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ [البقرة: ٢٢٤]: كلَّ شيء عرضٌ، فقد مَنَعَ، ويقال لِمَا عَرَضَ في السَّمَاء من السحَابِ: «عَارِضٌ» لأَنَّه مَنَعَ من رؤيتها ومن رؤية البدر والكواكب، انتهى، ورُوِيَ في معنى قوله: مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ أَنَّ هؤلاء القومَ كانوا قد قَحَطُوا مُدَّةً، فطلع هذا العارض من جهة كانوا يُمْطَرُونَ بها أبدًا، جاءهم من قِبَلِ وادٍ لهم يسمونه المُغِيثَ، قال ابن عباس: ففرحوا به، وقالوا: هذا عارضٌ مُمْطِرُنا، وقد كذب هودٌ فيما أوعد به، فقال لهم هود ع: ليس الأمر كما رأيتم، بل هو ما/ استعجلتم به في قولكم: فَأْتِنا بِما تَعِدُنا [الأحقاف: ٢٢]، ثم قال: رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ وفي قراءة ابن مسعود «١»: «مُمْطِرُنَا قَالَ هُودٌ: بل هو ريح» بإظهار المقدّر وتُدَمِّرُ معناه:\n_________\n(١) ينظر: «المحتسب» (٢/ ٢٦٥)، و«الكشاف» (٤/ ٣٠٧)، و«المحرر الوجيز» (٥/ ١٠٢) .","vol":"5","page":222},{"text":"تُهْلِكُ، و«والدمار»: الهلاك، وقوله: كُلَّ شَيْءٍ ظاهره العموم، ومعناه الخُصُوصُ في كُلِّ ما أُمِرَتْ بتدميره، وروي أَنَّ هذه الريح رمتهم أجمعين في البَحْرِ.\nثم خاطب جلَّ وعلا قريشًا على جهة الموعظة بقوله: وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ فَ «مَا» بمعنى «الذي»، و«إن» نافية وقعتْ مكان «مَا» لمختلف اللفظ، ومعنى الآية:\nولقد أعطيناهُمْ من القُوَّةِ والغنى والبَسْطِ في الأموال والأجسامِ- ما لم نُعْطِكُمْ، ونالهم بسَبَبِ كُفْرِهِمْ هذا العَذَابُ فأنتم أحرى بذلك إذا تماديتم في كفركم، وقالت فرقة: «إنْ» شرطية، والجواب محذوف، تقديره: في الذي إنْ مَكَّنَّاكم فيه طغيتم، وهذا تَنَطُّعٌ في التأويل، و«ما» نافية في قوله: فَما أَغْنى عَنْهُمْ ويقوِّي ذلك دخولُ «مِنْ» في قوله:\nمِنْ شَيْءٍ، وقالت فرقةٌ: بل هي استفهام على جهة التقرير ومِنْ شَيْءٍ- على هذا- تأكيدٌ وهذا على غير مذهب سيبَوَيْهِ في دخول «مِنْ» في الجواب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1330>[سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ٢٧ الى ٢٨]</span>\nوَلَقَدْ أَهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى وَصَرَّفْنَا الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٧) فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذلِكَ إِفْكُهُمْ وَما كانُوا يَفْتَرُونَ (٢٨)\nوقوله ﷿: وَلَقَدْ أَهْلَكْنا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى ... الآية، مخاطبة لقريشٍ على جهة التمثيلِ وَصَرَّفْنَا الْآياتِ يعني: لهذه القرى.\nوقوله سبحانه: فَلَوْلا نَصَرَهُمُ ... الآية، يعني: فهلا نَصَرَتْهُمْ أصنامُهُمْ، بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ أي: انتلفوا عنهم وقت/ الحاجة وَذلِكَ إِفْكُهُمْ إشارةٌ إلى قولهم في الأصنامِ: إنها آلهةٌ.\nوقوله: وَما كانُوا يَفْتَرُونَ يحتمل أَنْ تكون «ما» مصدريةً، فلا تحتاج إلى عائد، ويحتمل أَنْ تكون بمعنى «الذي» فهناك عائد محذوف، تقديره: يفترونه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1331>[سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ٢٩ الى ٣٣]</span>\nوَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (٣١) وَمَنْ لاَّ يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٣٢) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٣)\nوقوله تعالى: وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ ... الآية، ابتداءُ وَصْفِ قِصَّةِ الجِنِّ ووفادتهم على النبيِّ ﷺ، وقد اختلفت الرُّوَاةُ هِنَا: هَلْ هذا الجِنُّ هُمُ الوَفْدُ أوِ","vol":"5","page":223},{"text":"المُتَجَسِّسُونَ؟ واختلفتِ الرواياتُ أيضًا عنِ ابنِ مَسْعُودٍ وغيرهِ في هذا الباب.\nوالتحرير في هذا أنّ النبيّ ﷺ جاءه نَفَرٌ من الجِنِّ دون أَنْ يَشْعُرَ بهم، وهم المتجسِّسون المتفرِّقون من أَجْلِ رَجْمِ الشُّهُبِ الذي حَلَّ «١» بِهِمْ، وهؤلاءِ هُمُ المرادُ بقوله تعالى: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ ... [الجن: ١] الآية، ثم بعد ذلك وفد عليه وَفْدُهُمْ حَسْبَمَا وَرَدَ في ذلك من الآثار «٢» .\nوقوله: نَفَرًا يقتضي أَنَّ المصروفين كانوا رجالًا لا أنثى فيهم، والنَّفَرُ والرَّهْطُ هم:\nالقوم الذين لا أنثى فيهم.\nوقوله تعالى: فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فيه تَأَدُّبٌ مع العلم، وتعليم كيف يُتَعَلَّمُ فَلَمَّا قُضِيَ أي: فرغ من تلاوة القرآنِ واستماع الجن، قال جابر بن عبد الله وغيره: إنّ النبي ﷺ لمّا قرأ عليهم سورة «الرحمن» فكان إذَا قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ [الرحمن: ١٣] قالوا: لا بشَيْءٍ مِنْ آلائك نُكَذِّبُ، رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ، ولَمَّا وَلَّتْ هذه الجملةُ تفرَّقَتْ/ على البلاد مُنْذِرَةً لِلْجِنِّ، وقولهم: إِنَّا سَمِعْنا كِتابًا يَعْنُونَ: القرآن.\nت: وقولهم: مِنْ بَعْدِ مُوسى يحتمل أَنَّهُمْ لم يعلموا بِعِيسَى قاله ابن عباس «٣»، أوْ أَنَّهم على دِينِ اليهودِ، قاله عطاء «٤» نقل هذا الثعلبيّ، ويحتمل ما تقدّم ذكره\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٨/ ٥٣٧- ٥٣٨) كتاب «التفسير» باب: سورة قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ (٤٩٢١)، ومسلم (٢/ ٤٠٣) - النووي، كتاب «الصلاة» باب: الجهر بالقراءة في الصبح (١٤٩، ٤٤٩)، والترمذي (٥/ ٤٢٦) كتاب «تفسير القرآن» باب: ومن سورة الجن (٣٣٢٣)، وأحمد (١/ ٢٥٢) .\n(٢) أخرجها البخاري (٧/ ٢٠٨) كتاب «مناقب الأنصار» باب: ذكر الجن، وقول الله تعالى: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ (٣٨٦٠) .\nوعن عامر أنه سأل علقمة: «هل كان ابن مسعود شهد مع رسول الله ﷺ ليلة الجن؟ ...» الحديث.\nأخرجه مسلم (٢/ ٤٠٤) - النووي، كتاب «الصلاة» باب: الجهر بالقراءة في الصبح (١٥٠/ ٤٥٠)، وأبو داود (١/ ٦٩) كتاب «الطهارة» باب: الوضوء بالنبيذ (٨٥) نحوه، والترمذي (١/ ٢٩) كتاب «الطهارة» باب: ما جاء في كراهية ما يستنجى به (١٨) نحوه، (٥/ ٣٨٢) كتاب «تفسير القرآن» باب: ومن سورة الأحقاف (٣٢٥٨) نحوه.\nوروي من حديث ابن عبّاس: أخرجه مسلم (٢/ ٤٠٥) - النووي، كتاب «الصلاة» باب: الجهر بالقراءة في الصبح (١٥١/ ٤٥٠)، وأخرجه أحمد (١/ ٣٩٨)، وابن ماجه (١/ ١٣٥)، كتاب «الطهارة وسننها» باب: الوضوء بالنبيذ (٣٨٤) نحوه، وأبو داود (١/ ٦٩) كتاب «الطهارة» باب: الوضوء بالنبيذ (٨٤) مختصرا نحوه.\n(٣) ذكره ابن عطية (٥/ ١٠٦) .\n(٤) ذكره ابن عطية (٥/ ١٠٥) .","vol":"5","page":224},{"text":"في غير هذا، وأَنَّهم ذكروا المُتَّفَقَ عليه، انتهى.\nمُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وهي التوراة والإنجيل، وداعي الله هو محمّد ﷺ وَآمِنُوا بِهِ أي: باللَّه يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ ... الآية.\nت: وذكر الثعلبيُّ خلافًا في مُؤمني الجِنِّ، هل يُثَابُونَ على الطاعةِ ويدخُلُونَ الجَنَّة، أو يُجَارُونَ من النار فقطْ؟ اللَّه أعلم بذلك، قال الفخر: والصحيحُ أَنَّهم في حُكْمِ بني آدم يستحِقُّون الثوابَ على الطاعة، والعقابَ على المعصية، وهو قول مالك، وابن أبي ليلى قال الضَّحَّاكُ: يدخلون الجنة، ويأكلون ويشربون «١»، انتهى، وقد تَقَدَّمَ ما نقلناه عن البخاريِّ في سورة الأنعام أَنَّهُمْ يُثَابُونَ.\nوقوله سبحانه: وَمَنْ لاَّ يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ ... الآية: يحتملُ أَنْ يكون مِنْ تمامِ كلام المُنْذِرِين، ويحتمل أَنْ يكونَ من كلام اللَّه ﷿، و«المُعْجِزُ»:\nالذاهبُ في الأَرض الذي يُعْجَزُ طالِبَهُ فلا يَقْدِرُ عليه.\nوقوله سبحانه: أَوَلَمْ يَرَوْا الضمير لقريش وذلك أَنَّهم أنكروا البعث وعَوْدَ الأجساد، وهُمْ مع ذلك معترِفُونَ بأَنَّ اللَّه تعالى خَلَقَ السموات والأَرْضَ، فَأُقِيمَتْ عليهم الحُجَّةُ مِنْ أقوالهم- ص-: قال أبو حَيَّان «٢»: والباء في قوله: بِقادِرٍ زائدة، انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1332>[سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ٣٤ الى ٣٥]</span>\nوَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٤) فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ ساعَةً مِنْ نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ (٣٥)\nوقوله تعالى: وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ المعنى: واذكرْ يومَ، وهذا وعيدٌ لكفَّار قريشٍ وغيرهم، / وهذا عَرْضُ مباشرةٍ.\nوقوله: أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ أي: يقال لهم: أليس هذا بالحق؟ قالُوا بَلى وَرَبِّنا فصدَّقوا بذلك حيث لا ينفعهم التصديقُ، فَرُوِيَ عن الحَسَنِ أنه قال: إنَّهم لَيُعَذَّبُونَ في النارِ، وهم راضون بذلك لأنفسهم يعترفون أَنَّهُ العَدْل «٣» .\nواخْتُلِفَ في تعيين أُولى الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ، ولا محالةَ أنّ لكل نبيّ ورسول عزما وصبرا.\n_________\n(١) ينظر: «تفسير البغوي» (٤/ ١٧٥) .\n(٢) ينظر: «البحر المحيط» (٨/ ٦٦) .\n(٣) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (٥/ ١٠٧) .","vol":"5","page":225},{"text":"وقوله: وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ معناه: ولا تستعجلْ لهم عذابًا فإنَّهم إليه صائرون، ولا تَسْتَطِلْ تعميرَهُمْ في هذه النِّعْمَةِ فَإنَّهم يوم يَرَوْنَ العذاب كأنهم لَم يَلْبَثُوا في الدنيا إلاَّ ساعةً لاِحتقارهم ذلك لأَنَّ المنقضيَ من الزمان يصير عَدَمًا.\nت: وإذا علمتَ- أَيُّها الأخُ- أَنَّ الدنيا أضغاثُ أحْلاَم، كان من الحزم اشتغالُكَ الآنَ بتَحْصِيلِ الزادِ لِلْمَعَاد، وحِفْظِ الحَواسِّ، ومراعاةِ الأنفاس، ومراقبة مَوْلاَك، فَآتَّخِذْهُ صاحبًا، وذَرِ الناس جانبًا قال أبو حامد الغَزَّالِيُّ﵀-: اعلم أَنَّ صاحبك الذي لا تفارقُهُ في حَضَرِكَ وسَفَرِكَ، ونَوْمِكَ ويَقَظَتِكَ، بل في حياتك، وموتك- هو رَبُّك، ومولاك، وسَيِّدُك، وخالقك، ومهما ذكرتَهُ فهو جَلِيسُكَ إذ قال تعالى: «أَنَا جَلِيسُ مَنْ ذَكَرَنِي»، ومهما انكسر قلبُكَ حُزْنًا على تَقْصِيرِكَ في حق دِينِكَ، فهو صَاحِبُكَ ومُلاَزِمُكَ إذْ قال: «أَنَا عِنْدَ الْمُنْكَسِرَةِ قُلُوبهمْ مِنْ أَجْلِي» «١» فلو عرفته يا أخي حَقَّ معرفتِهِ لاَتَّخذْتَهُ صَاحِبًا، وتركْتَ الناَّسَ جانبًا، فإنْ لم تَقْدِرْ/ على ذلك في جميع أوقاتك، فَإيَّاكَ أنْ تُخْلِيَ ليلَكَ ونهارَكَ عَنْ وَقْتٍ تخلُو فيه بموْلاَكَ، وتَلذَّذُ بمناجاتِهِ، وعند ذلك فعليكَ بآدَابِ الصُّحْبَةِ مع اللَّه تعالى، وآدابُهَا: إطراقُ الطَّرْفِ، وجَمْعُ الهَمِّ، ودَوَامُ الصَّمْتِ، وسُكُونُ الجَوَارِحِ، ومُبَادَرَةُ الأَمْرِ، واجتنابُ النَّهْي، وقِلَّةُ الاِعتراضِ عَلَى الْقَدَرِ، ودَوَامُ الذِّكْرِ باللسان، ومُلاَزَمَةُ الفِكْر، وإيثارُ الحَقِّ، واليَأْسُ من الخَلْقِ، والخضوعُ تحْتَ الهيبَةِ والانْكِسَارُ تحت الحياء، والسُّكُونُ عن حِيَلِ الكَسْب ثِقَةً بالضَّمَان، والتَوَكُّلُ على فَضْل اللَّه معرفةً بحسن اختياره وهذا كله ينبغي أنْ يكون شعارَكَ، في جميع لَيْلِكَ ونَهَارِك، فإنَّهُ آداب الصحبة مع صاحب لا يفارقك، والخلق كُلُّهم يفارقُونَكَ في بَعْضِ أوقاتك، انتهى من «بداية الهداية» .\nوقوله: بَلاغٌ يحتمل معانيَ:\nأحدُهَا: أَنْ يكون خبر مبتدإ محذوفٍ، أي: هذا إنذارٌ وتبليغٌ.\nويحتمل أنْ يريد: كأنْ لم يلبثوا إلاَّ ساعةً كانَتْ بلاغَهُمْ، وهذا كما تَقُولُ: متاعٌ قليلٌ، وقيل غَيْرُ هذا، وقرأ أبو مجلز وغيره «٢»: بَلاغٌ على الأمر، وقرأ الحسن بن أبي\n_________\n(١) ينظر: «إتحاف السادة المتقين» للزبيدي (٦٣) .\n(٢) وقرأ بها أبو سراج الهذلي.\nينظر: «مختصر الشواذ» ص: (١٤٠)، و«المحتسب» (٢/ ٢٦٨)، و«المحرر الوجيز» (٥/ ١٠٨)، و«البحر المحيط» (٨/ ٦٨)، و«الدر المصون» (٦/ ١٤٥) .","vol":"5","page":226},{"text":"الحَسَنِ: بَلاغٌ بالخفْضِ نعتًا ل نَهارٍ «١» .\nوقوله سبحانه: فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ وقُرِىءَ شَاذًا «٢»: فَهَلْ يُهْلَكُ ببناء الفعل للفاعل، وفي هذه الآية وعيدٌ مَحْضٌ، وإنذارٌ بَيِّنٌ وذلك أنّ الله ﷿ جعل الحسنة بعشر أمثالها والسيئةَ بمثلها، وغفر الصغائر باجتنابِ الكبائرِ، ووعد الغفرانَ على التوبة، فلن يهلك على اللَّه إلاَّ هالَكَ كما قال ﷺ، قال الثعلبيُّ: يقال: إن قوله تعالى:\nفَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ أرجى آية في كتاب الله/ ﷿ للمؤمنين.\n_________\n(١) وقرأ بها عيسى.\nينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ١٠٨)، و«البحر المحيط» (٨/ ٦٨)، و«الدر المصون» (٦/ ١٤٥) .\n(٢) قرأ بها ابن محيصن، وروي عنه كسر اللام. قال أبو الفتح: وأما «يهلك» بفتح الياء واللام جميعا فشاذة، ومرغوب عنها، لأن الماضي هلك، فعل مفتوحة العين، ولا يأتي يفعل، بفتح العين فيهما جميعا إلا الشاذ.\nينظر: «المحتسب» (٢/ ٢٦٨)، و«مختصر الشواذ» ص: (١٤١)، و«المحرر الوجيز» (٥/ ١٠٨)، و«البحر المحيط» (٨/ ٦٨)، و«الدر المصون» (٦/ ١٤٥) . [.....]","vol":"5","page":227},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1333>تفسير سورة محمّد</span>\nوهي مدنيّة\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1334>[سورة محمد (٤٧): الآيات ١ الى ٣]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ (١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بالَهُمْ (٢) ذلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْباطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثالَهُمْ (٣)\nقوله ﷿: الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا: إشارةٌ إلى أهل مكّة الذين أخرجوا النبيّ ﷺ.\nوقوله: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ... الآية: إشارةٌ إلى الأنصار الذين آووا، ونصروا، وفي الطائفتين نزلتِ الآيتان قاله ابن عباس ومجاهد «١»، ثم هي بَعْدُ تَعُمّ كُلَّ مَنْ دخل تحت ألفاظها.\nوقوله: أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ أيْ: أَتْلَفَهَا، ولم يجعلْ لها نَفْعًا.\nت: وقد ذكَرْنا في سورة «الصف» أنَّ اسم محمّد ﷺ لم يَتَسَمَّ به أحدٌ قبله إلاَّ قَوْمٌ قليلُونَ، رجاءَ أَنْ تكونَ النُّبُوَّةُ في أبنائهم، والله أعلم حيث يجعل رسالته، قال ابن القَطَّانِ: وعن خَلِيفَةَ وَالِدِ أَبِي سُوَيْدٍ قال: سألْتُ محمَّدَ بْنَ عَدِيِّ بن أبي رَبِيعَةَ: كيف سَمَّاكَ أبوك محمَّدًا؟ قال: سأَلتُ أبي عَمَّا سَأَلْتَنِي عَنْهُ، فقال لي: كُنْتَ رَابِعَ أربعةٍ من بني غَنْمٍ أنا فيهم، وسفيانُ بْنُ مُجَاشِعِ بْنِ جَرِيرٍ، وأُمَامَةُ بْنُ هِنْدِ بْنِ خِنْدِف. ويزيدُ بنُ رَبِيعَةَ، فخرجْنا في سَفْرَةٍ نُرِيدُ ابنَ جَفْنَةَ مَلِكَ غَسَّانَ، فلما شارفنا الشام، نزلنا على غَدِيرٍ فيه شجراتٌ، وقُرْبَهُ شَخْصٌ نائمٌ، فتحدَّثْنَا فاستمع كلاَمَنَا، فَأَشْرَفَ علَيْنَا، فقال: إنَّ هذه لُغَةٌ، ما هي لغة هذه البلاد، فقلنا: نَحْنُ قومٌ من مُضَرَ، فقال: مِنْ أَيَّ المُضَرِيِّينَ؟ قلنا: من خِنْدِف، قال: إنَّهُ يُبْعَثُ فيكم خاتَمُ النبيِّين، فَسَارِعُوا إلَيْه، وخُذُوا بحظِّكُمْ منه تَرْشُدُوا، قلنا: ما اسمه؟ قال: محمَّد، فَرَجَعْنَا، فَوُلِدَ لِكُلِّ واحدٍ مِنَّا ابْنٌ سَمَّاه محمَّدًا، وذكره\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١١/ ٣٠٤) برقم: (٣١٣٣٤)، وذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ١٧٧) عن ابن عبّاس، وابن عطية (٥/ ١٠٩)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ١٩)، وعزاه إلى الفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم، وابن مردويه.","vol":"5","page":228},{"text":"المدائنيُّ، / انتهى.\nوقوله تعالى في المؤمنين: وَأَصْلَحَ بالَهُمْ قال قتادة: معناه: حالهم «١»، وقال ابن عباس: شأنهم «٢» .\nوتحريرُ التفسيرِ في اللفظة أَنَّها بمعنى الفِكْرِ والموضعِ الذي فيه نظرُ الإنْسَانِ، وهو القلب، فإذا صَلُحَ ذلك منه، فقد صَلُحَ حالُهُ، فكأَنَّ اللفظة مُشِيرَةٌ إلى صلاح عقيدتهم، وغيرُ ذلك من الحال تَابِعٌ، فقولك: خَطَرَ في بالي كذا، وقولك: أصْلَحَ اللَّهُ بَالَكَ: المرادُ بهما واحدٌ ذكره المُبَرِّدُ، والبَالُ: مصدر كالحال والشأن، ولا يُسْتَعْمَلُ منه فِعْلٌ، وكذلك عُرْفُهُ لا يثنى ولا يُجْمَعُ، وقد جاء مجموعا شاذّا في قولهم: «بآلات» .\nوالْباطِلَ هنا: الشيطانُ، وكُلُّ ما يأمر به قاله مجاهد «٣»، والْحَقَّ هنا: الشرع ومحمّد ع.\nوقوله: كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ: الإشارة إلى الأتباع المذكورين من الفريقين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1335>[سورة محمد (٤٧): الآيات ٤ الى ٩]</span>\nفَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها ذلِكَ وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ (٦) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ (٧) وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ (٨)\nذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ (٩)\nوقوله سبحانه: فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ ... الآية: قال أَكْثَرُ العلماءِ: إنَّ هذه الآية وآيةَ السَّيْفِ، وهي قوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التوبة: ٥] مُحْكَمَتَانِ، فقوله هنا: فَضَرْبَ الرِّقابِ بمثابة قوله هنالك:\nفَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ، وصرَّح هنا بذكر المَنِّ والفداء، ولم يُصَرِّحْ به هنالك، فهذه مُبَيِّنَةٌ لِتِلْكَ، وهذا هو القولُ القويُّ، وقوله: فَضَرْبَ الرِّقابِ مصدر بمعنى\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١١/ ٣٠٥) برقم: (٣١٣٣٧- ٣١٣٣٨)، وذكره ابن عطية (٥/ ١٠٩)، وابن كثير (٤/ ١٧٢)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ١٩)، وعزاه إلى عبد بن حميد.\n(٢) أخرجه الطبري (١١/ ٣٠٤) برقم: (٣١٣٣٥) بمعناه، (٣١٣٣٦) عن مجاهد، وذكره ابن عطية (٥/ ١٠٩)، وابن كثير (٤/ ١٧٢) .\n(٣) أخرجه الطبري (١١/ ٣٠٥) برقم: (٣١٣٤٠)، وذكره ابن عطية (٥/ ١١٠)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٢٠)، وعزاه إلى عبد بن حميد.","vol":"5","page":229},{"text":"الفِعْل، أي: فاضربوا رقابهم وعَيَّنَ مِنْ أنواع القَتْلِ أَشْهَرَهُ، والمراد: اقتلوهم بأَيِّ وجه أَمكَنَ وفي «صحيح مسلم» عن النبيّ ﷺ قال: «لا يَجْتَمِعُ كَافِرٌ وَقَاتِلهُ في النَّارِ أبدا» «١» .\nوفي «صحيح البخاري» عنه ﷺ قال: «مَا اغْبَرَّتْ/ قَدَمَا عَبْدٍ في سَبِيلِ اللَّهِ فَتَمَسَّهُ النَّارُ» «٢» انتهى.\nوالإثخان في القوم أنْ يكثر فيهم القتلى والجرحى، ومعنى: فَشُدُّوا الْوَثاقَ أي:\nبمن لم يُقْتَلْ، ولم يترتَّب فيه إلاَّ الأسْرُ، ومَنًّا وفِدَاءً: مصدران منصوبانِ بفعلَيْن مُضْمَرَيْنِ.\nوقوله: حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها معناه: حتى تذهبَ الحربُ وتزولَ أثقالُهَا، والأوزار: الأثقال ومنه قول عَمْرِو بنِ مَعْدِ يكرِبَ: [من المتقارب]\nوَأَعْدَدْتُ لِلْحَرْبِ أَوْزَارَهَا ... رِمَاحًا طِوَالًا وَخَيْلًا ذُكُورَا «٣»\nواختلف المتأولون في الغاية التي عندها تضع الحربُ أوزارها، فقال قتادة: حتى يُسَلِّمَ الجميعُ «٤»، وقال حُذَّاقُ أهل النظر: حتى تغلبوهم وتَقْتُلُوهُمْ، وقال مجاهد: حتى ينزلَ عيسى ابْنُ مَرْيَمَ «٥»، قال ع «٦»: وظاهر اللفظ أَنَّهُ استعارةٌ يُرَادُ بها التزامُ الأمْرِ أبدًا وذلك أَنَّ الحربَ بين المؤمنين والكافرين لا تضع أوزارها، فجاء هذا كما تقول: أنا أفعل كذا وكذا إلى يَوْمِ القيامةِ، وإنَّما تريد أنّك تفعله دائما.\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٣/ ١٥٠٥) كتاب «الإمارة» باب: من قتل كافرا ثم سدد، حديث (١٣٠/ ١٨٩١)، وأحمد (٢/ ٣٩٧)، والبيهقي (٩/ ١٦٥) من حديث أبي هريرة.\n(٢) أخرجه البخاري (٦/ ٣٥) كتاب «الجهاد والسير» باب: من اغبرت قدماه في سبيل الله، وقول اللَّهَ ﷿: مَا كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ- إلى قوله- إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [التوبة: ١٢٠] (٢٨١١)، والبيهقي (٩/ ١٦٢) كتاب «السير» باب: فضل المشي في سبيل الله.\n(٣) البيت للأعشى ميمون بن قيس، وهو في «ديوانه» (٧١)، «مشاهد الإنصاف» (١/ ٢٥١)، «التهذيب» (١٣/ ٢٤٤) (وزر)، «اللسان» (وزر)، و«البحر المحيط» (٨/ ٧٥) منسوبا لعمرو بن معدي كرب، وقال: أنشده ابن عطية لعمرو هذا، وأنشده الزمخشري للأعشى. ينظر: «الكشاف» (٤/ ٣١٧)، و«الدر المصون» (٦/ ١٤٧) .\n(٤) أخرجه الطبري (١١/ ٣٠٨) برقم: (٣١٣٥٤- ٣١٣٥٥)، وذكره ابن عطية (٥/ ١١١)، وذكره ابن كثير (٤/ ١٧٣)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٢١)، وعزاه إلى عبد بن حميد.\n(٥) أخرجه الطبري (١١/ ٣٠٨) برقم: (٣١٣٥٣)، وذكره ابن عطية (٥/ ١١١)، وابن كثير (٤/ ١٨٣)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٢١)، وعزاه إلى الفريابي، وعبد بن حميد.\n(٦) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ١١١) .","vol":"5","page":230},{"text":"وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ أي: بعذابٍ مِنْ عنده، ولكن أراد سبحانه اختبار المؤمنين، وأنْ يَبْلُوَ بعضَ الناس ببعضٍ، وقرأ الجمهور: قاتلوا وقرأ عاصم بخلاف عنه: قتلوا- بفتح القاف والتاء-، وقرأ أبو عمرو وحَفْصٌ: قُتِلُوا- بضم القاف وكسر التاء «١» -، قال قتادة: نزلَتْ هذه الآيةُ فيمَنْ قُتِلَ يوم أُحُدٍ من المؤمنين «٢» .\nوقوله سبحانه: سَيَهْدِيهِمْ أي: إلى طريقِ الجَنَّةِ.\nت: ذكر الشيخ أبو نُعَيْمٍ الحافظُ أنَّ مَيْسَرَةَ الخادمَ قال: غزونا في بعض الغَزَوَاتِ، فإذا فتًى إلى جانِبي، وإذا هو مُقَنَّعٌ بالحديد، فَحَمَلَ على/ المَيْمَنَةِ، فَثَنَاها، ثُمَّ على المَيْسَرَةِ حتى ثَنَاهَا، وحَمَلَ عَلَى القَلْبِ حتى ثناه، ثم أنشأ يقول: [الرجز]\nأَحْسِنْ بِمَوْلاَكَ سَعِيدُ ظَنَّا ... هَذا الَّذِي كُنْتَ لَهُ تمنى\nتَنَحِّ يَا حُورَ الْجِنَانِ عَنَّا ... مَالَكِ قَاتَلْنَا وَلاَ قُتِلْنَا\nلَكِنْ إلى سَيِّدِكُنَّ اشتقنا ... قَدْ عَلِمَ السِّرَّ وَمَا أَعْلَنَّا\nقال: فحمل، فقاتل، فقتل منهم عددا، ثم رجع إلى مَصَافِّهِ، فتكالَبَ عليه العَدُوُّ، فإذا هو- رضي اللَّه تعالى عنه- قد حمل على الناس، وأنشأ يقول: [الرجز]\nقَدْ كُنْتُ أَرْجُو وَرَجَائِي لَمْ يَخِبْ ... أَلاَّ يَضِيعَ الْيَوْمَ كَدِّي وَالطَّلَبْ\nيَا مَنْ مَلاَ تِلْكَ الْقُصُورَ باللُّعَبْ ... لَوْلاَكَ مَا طَابَتْ وَلا طَابَ الطَّرَبْ\nثم حَمَلَ﵁- فقاتل، فَقَتَلَ منهم عَدَدًا، ثم رجع إلى مصافه، فتكالب عليه العدو فحَمَلَ﵁- في المرة الثالثة، وأنشأ يقول: [الرجز]\nيَا لُعْبَةَ الخُلْدِ قِفِي ثُمَّ اسمعي ... مَالَكِ قَاتَلْنَا فَكُفِّي وارجعي\nثُمَّ ارجعي إلَى الْجِنَانِ واسرعي ... لاَ تَطْمَعِي لاَ تَطْمَعِي لاَ تَطْمَعِي\nفقاتل﵁- حتى قُتِلَ،، انتهى من ابن عَبَّاد شارح «الحكم» .\n_________\n(١) ينظر: «السبعة» (٦٠٠)، و«الحجة» (٦/ ١٩٠)، و«إعراب القراءات» (٢/ ٣٢٣)، و«معاني القراءات» (٢/ ٣٨٥)، و«شرح الطيبة» (٦/ ٧)، و«العنوان» (١٧٦)، و«حجة القراءات» (٦٦٦)، و«شرح شعلة» (٥٨٥)، و«إتحاف» (٢/ ٤٧٥) .\n(٢) أخرجه الطبري (١١/ ٣٠٩) برقم: (٣١٣٥٨- ٣١٣٥٩)، وذكره ابن عطية (٥/ ١١١)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٢٣)، وعزاه إلى عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم.","vol":"5","page":231},{"text":"وقوله تعالى: عَرَّفَها لَهُمْ قال أبو سعِيدٍ الْخُدْرِيُّ، وقتادة، ومجاهد «١»: معناه:\nبَيَّنَهَا لهم، أي: جعلهم يعرفون منازلهم منها، وفي نحو هذا المعنى قول النبيّ ﷺ:\n«لأَحَدُكُمْ بِمَنْزِلِهِ في الجَنَّة أَعْرَفُ مِنْهُ بِمَنْزِلِهِ في الدّنْيَا» «٢» قال القرطبيُّ في «التذكرة»: وعلى هذا القولِ أكثرُ المفسِّرين قال: وقيل: إنَّ هذا التعريفَ إلى المنازِلِ هو بالدليلِ، وهو المَلَكُ المُوَكَّلُ بِعَمَلِ العَبْدِ، يمشي بين يَدَيْهِ،، انتهى، وقالت فرقة: معناه: سَمَّاها لهم، ورَسَمَهَا كُلُّ منزل باسم صاحبه، فهذا نحو من التعريف، وقالت فرقة: معناه/ شَرَّفَهَا لهم ورفعها وعلاَّها، وهذا من الأَعْرَافِ التي هي الجبال، ومنه أعرافُ الخَيْلِ، وقال مُؤَرِّجٌ وغيره:\nمعناه: طَيَّبَهَا مأخوذٌ من العَرْفِ، ومنه طَعَامٌ مُعَرَّفٌ، أي: مُطَيَّبٌ، وعَرَّفْتُ القِدْرَ: طَيَّبْتُها بالمِلْحِ والتَّابِلِ، قال أبو حيَّان «٣»: «وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ» البال: الفِكْرُ ولا يُثَنَّى ولا يُجْمَعُ، انتهى.\nوقوله سبحانه: إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ أي: دينَ اللَّه يَنْصُرْكُمْ بخلق القوَّةِ لكم وغَيْرِ ذلك من المعاون، وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ أي: في مواطن الحَرْبِ، وقيل: على الصراط في القيامة.\nوقوله: فَتَعْسًا لَهُمْ معناه: عِثَارًا وهَلاَكًا لهم، وهي لفظة تقالُ للعَاثِرِ، إذا أُرِيدَ به الشَّرُّ قال ابن السِّكِّيتِ: التَّعْسُ: أنْ يَخِرَّ على وجهه.\nوقوله تعالى: كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ يريد: القرآن فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ قال ع «٤»: ولا خلافَ أَنَّ الكافر له حَفَظَةٌ يكتبون سَيِّئاتِهِ، واختلف الناسُ في حَسَنَاتِهِمْ، فقالت فرقة: هي مُلْغَاةٌ يثابُونَ عليها بِنِعَمِ الدنيا فقَطْ، وقالت فرقة: هي مُحْصَاةٌ من أجل ثواب الدنيا، ومن أجل أَنَّهُ قد يُسْلِمُ فينضافُ ذلك إلى حسناته في الإسلام، وهذا أحدُ التأويلَيْنِ في قوله ﷺ لِحَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ: «أَسْلَمْتَ على مَا سَلَفَ لك من خير» «٥» .\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١١/ ٣٠٩- ٣١٠) برقم: (٣١٣٦٠، ٣١٣٦٢)، وذكره ابن عطية (٥/ ١١١)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٢٣)، وعزاه إلى عبد بن حميد عن مجاهد، وقتادة.\n(٢) أخرجه البخاري (١١/ ٤٠٣) كتاب «الرقاق» باب: القصاص يوم القيامة، وهي الحاقة، لأن فيها الثواب، وحواقّ الأمور، برقم: (٦٥٣٥) . [.....]\n(٣) ينظر: «البحر المحيط» (٨/ ٧٠) .\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ١١٢) .\n(٥) أخرجه البخاري (٤/ ٤٨٠) كتاب «البيوع» باب: شراء المملوك من الحربي وهبته وعتقه (٢٢٢٠)، (٥/ ٢٠٠) كتاب «العتق» باب: عتق المشرك (٢٥٣٨)، (٣/ ٣٥٤) كتاب «الزكاة» باب: من تصدق في الشرك ثم أسلم (١٤٣٦)، (١٠/ ٤٣٨) كتاب «الأدب» باب: من وصل رحمه في الشرك ثم أسلم-","vol":"5","page":232},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1336>[سورة محمد (٤٧): الآيات ١٠ الى ١٢]</span>\nأَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها (١٠) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ (١١) إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ (١٢)\nوقوله ﷿: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ: توقيف لقريش، وتوبيخٌ والَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يريدُ: ثمودَ وقَوْمَ شُعَيْبٍ وغيرهم، والدمار: الإفساد، وهَدْمُ البناء، وإذهابُ العُمْرَانِ، والضميرُ في قوله: أَمْثالُها يَصِحُّ أَنْ يعودَ على العَاقِبَةِ، ويَصِحُّ أَنْ يعود على الفَعْلَةِ التي يتضمَّنها قوله: دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ.\nوقوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا ... الآية، المَوْلَى: الناصِرُ المُوَالِي، قال قتادة: نزلَتْ هذه/ الآيةُ يَوْمَ أُحُدٍ «١»، ومنها انتزع النبيُّ ﷺ رَدَّهُ على أبي سُفْيَانَ حينَ قال: «قُولُوا: اللَّهُ مَوْلاَنَا، وَلاَ مولى لَكُمْ» «٢» .\nوقوله سبحانه: وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ أي: أكلًا مجرَّدًا عن الفِكْرِ والنظر، وهذا كما تقول: الجاهلُ يعيشُ كما تعيشُ البهيمةُ، والمعنى: يعيشُ عَدِيمَ الفَهْمِ والنَّظَرِ في العَوَاقِبِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1337>[سورة محمد (٤٧): الآيات ١٣ الى ١٥]</span>\nوَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْناهُمْ فَلا ناصِرَ لَهُمْ (١٣) أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ (١٤) مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا ماءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ (١٥)\nوقوله سبحانه: وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ يعني: مَكَّة الَّتِي أَخْرَجَتْكَ معناه: وَقْتَ الهِجْرَةِ، ويقال: إنَّ هذه الآيةَ نزلت إثر خروج النبيّ ﷺ من مكّة،\n_________\n- (٥٩٩٢)، ومسلم (١/ ٣٨٧- ٣٨٨) - الأبي، كتاب «الإيمان» باب: بيان حكم عمل الكافر إذا أسلم بعده (١٩٤/ ١٢٣)، وأحمد (٣/ ٤٠٢، ٤٣٤)، والبيهقي (٩/ ١٢٣) كتاب «السير» باب: ترك أخذ المشركين بما أصابوا، وابن حبان (٢/ ٣٧- ٣٨) كتاب «البر والإحسان» باب: ما جاء في الطاعات وثوابها، ذكر إطلاق اسم الخير على الأفعال الصالحة إذا كانت من غير المسلمين (٣٢٩)، والحميدي (١/ ٢٥٣) (٥٥٤)، والطبراني في «الكبير» (٣/ ٢١٠) (٣٠٧٦)، وعبد الرزاق في «المصنف» (١٠/ ٤٥٣- ٤٥٤)، كتاب «الجامع» باب: حديث النبي ﷺ (١٩٦٨٥) .\n(١) ذكره ابن عطية (٥/ ١١٣) .\n(٢) تقدم.","vol":"5","page":233},{"text":"وقيل غَيْرُ هذا «١» .\nوقوله سبحانه: أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ ... الآية، توقيفٌ وتقريرٌ، وهي معادلةٌ بين هذين الفريقين، واللفظ عامّ لأهل هاتين الصفتين غابر الدّهر، وعَلى بَيِّنَةٍ أي: على يقين وطريق واضحةٍ وعقيدة نَيِّرَةٍ بَيِّنَةٍ.\nوقوله سبحانه: مَثَلُ الْجَنَّةِ ... الآية، قال النَّضْرُ بن شُمَيْلٍ وغيره مَثَلُ معناه:\nصفةٌ كأَنَّهُ قال: صفة الجنة: ما تسمَعُونَ فيها كذا وكذا.\nوقوله: فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ معناه: غيرُ مُتَغَيِّرٍ قاله ابن عباس وقتادة «٢»، وسواءٌ أنتن أو لم يُنْتِنْ.\nوقوله في اللبن: لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ: نَفْيٌ لجميعِ وجوهِ الفَسَادِ فيه.\nوقوله: لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ جمعتْ طِيبَ الطَّعْمِ وَزَوالَ الآفاتِ من الصُّدَاعِ وغيره، وتصفيةُ العَسَلِ مُذْهِبَةٌ لمومه وَضَرَره.\nت: ورُوِّينَا في «كتاب التِّرْمِذِيِّ» عن حَكِيمِ بن مُعَاوِيَةَ عنِ أبيه عن النبيّ ﷺ قال: «إنَّ في الجَنَّةِ بَحْرَ المَاءِ، وَبَحْرَ الْعَسَلِ، وَبَحْرَ اللَّبَنِ، وَبَحْرَ الخَمْرِ، ثُمَّ تَشَقَّقُ الأَنْهَارُ بَعْدُ» «٣» قال أبو عيسى: هذا حديث حسنٌ صحيحٌ، انتهى.\nوقوله: وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ أي: من هذه الأنواع/ لكنها بعيدة الشبه تلك لا عَيْبَ فيها ولا تَعَبَ.\nوقوله: وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ معناه: وتنعيمٌ أعطته المغفرةُ وَسَّبَّبَتْهُ، وإلاَّ فالمغفرة إنَّما هي قبل دخول الجنّة.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١١/ ٣١٣) برقم: (٣١٣٧٢)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٢٤)، وعزاه إلى عبد بن حميد، وأبي يعلى، وابن أبي حاتم.\n(٢) أخرجه الطبري (١١/ ٣١٣- ٣١٤) برقم: (٣١٣٧٣- ٣١٣٤٧) بمثله ومعناه، وذكره ابن عطية (٥/ ١١٤)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٢٥)، وعزاه إلى ابن أبي حاتم عن ابن عبّاس، وعبد الرزاق، وعبد بن حميد عن قتادة بمعناه.\n(٣) أخرجه الترمذي (٤/ ٦٩٩) كتاب «صفة الجنة» باب: ما جاء في صفة أنها الجنة (٢٥٧١)، وأحمد (٥/ ٥)، والبيهقي في «البعث والنشور» (٢٦٤)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٢٥)، وعزاه إلى ابن المنذر، وابن مردويه.\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.","vol":"5","page":234},{"text":"وقوله سبحانه: كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ ... الآية، قبله محذوفٌ، تقديره: أَسُكَّانُ هذه، أو تقديره: أهؤلاءِ المتقون كَمَنْ هو خالد في النار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1338>[سورة محمد (٤٧): الآيات ١٦ الى ٢١]</span>\nوَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ماذا قالَ آنِفًا أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ (١٦) وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ (١٧) فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها فَأَنَّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ (١٨) فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْواكُمْ (١٩) وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلى لَهُمْ (٢٠)\nطاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ (٢١)\nوقوله سبحانه: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ يعني بذلك: المنافقين حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ماذا قالَ آنِفًا عَلَى جِهَةِ الاسْتِخْفَاف، ومنهم مَنْ يقوله جهالةً ونسيانا، وآنِفًا معناه: مبتدئًا، كأَنَّه قال: ما القولُ الذي ائتنفه الآنَ قَبْلَ انفصالنا عَنْهُ، والمفسِّرون يقولون: آنِفًا معناه: الساعةَ الماضيةَ، وهذا تفسيرٌ بالمعنى.\nت: وقال الثعلبيّ: آنِفًا أي: الآنَ، وأصله الابتداء، قال أبو حَيَّان «١»:\nآنِفًا بالمدِّ والقَصْرِ: اسمُ فاعِل، والمُسْتَعْمَلُ من فعله: ائتنفت، ومعنى: آنِفًا مبتدئًا، فهو منصوبٌ على الحال، وأعربه الزَّمْخَشْرِيُّ ظَرْفًا، أي: الساعةَ، قال أبو حَيَّان «٢»: ولا أعلم أحدًا من النحاة عَدَّه مِنَ الظُّرُوفِ، انتهى، وقال العراقيّ: آنِفًا أي: الساعة.\nوقوله تعالى: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً أي: زادهم اللَّه هدى، ويحتمل:\nزادهم استهزاءُ المنافقين هُدًى، قال الثعلبيُّ: وقيل: زَادَهُمْ ما قال النبيّ ﷺ هُدًى قال ع «٣»: الفاعل في وَآتاهُمْ يتصرَّفُ القولُ فيه بحسب التأويلاتِ المذكورةِ، وأقواها أنَّ الفاعِلَ اللَّهُ تعالى، وَآتاهُمْ معناه: أعطَاهُمْ، أي: جعلهم مُتَّقِينَ.\nوقوله تعالى: فَهَلْ يَنْظُرُونَ يريد: المنافقين، والمعنى: فهل ينتظرون؟ وبَغْتَةً معناه/ فجأة.\nوقوله: فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها أي: فينبغي الاستعدادُ والخوفُ منها، والذي جاء من\n_________\n(١) ينظر: «البحر المحيط» (٨/ ٧٩) .\n(٢) ينظر: المصدر السابق.\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ١١٥) .","vol":"5","page":235},{"text":"أشراط الساعة: محمّد ﷺ لأنّه آخر الأنبياء، وقال ع: «بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ» «١» والأحاديثُ كثيرةٌ في هذا الباب.\nوقوله تعالى: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلهَ إِلَّا اللَّهُ ... الآية: إضرابٌ عن أمْرِ هؤلاء المنافقين، وذكر الأَهَمِّ من الأمر، والمعنى: دُمْ على عِلْمِكَ، وهذا هو القانُونُ في كُلَّ مَنْ أُمِرَ بشيْء هو مُتَلَبِّسٌ به، وكُلُّ واحدٍ مِنَ الأُمَّةِ داخلٌ في هذا الخِطابِ، وعن أبي هُرَيْرة قال: قَالَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «مَا قَالَ عَبْدُ: لاَ إله إلاَّ اللَّهُ مُخْلِصًا، إلاَّ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الجَنَّةِ، حتى تُفْضِيَ إلَى الْعَرْشِ مَا اجتنبت الكَبَائِرُ» «٢»، رواه الترمذي والنسائيّ، وقال\n_________\n(١) يروى هذا الحديث عن جمع من الصحابة، منهم: أنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، وأبو هريرة، وسهل بن سعد.\nفأما حديث أنس ﵁: أخرجه البخاري (١١/ ٣٥٥) كتاب «الرقائق» باب: قول النبي ﷺ:\n«بعثت أنا والساعة كهاتين» (٦٥٠٤)، ومسلم (٤/ ٢٢٦٨)، كتاب «الفتن وأشراط الساعة» باب: قرب الساعة (١٣٣- ١٣٤/ ٢٩٥١)، والترمذي (٤/ ٤٩٦) كتاب «الفتن» باب: ما جاء في قول النبي ﷺ:\n«بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ كَهَاتَيْنِ- يعني السبابة والوسطى-» (٢٢١٤)، والخطيب في «تاريخ بغداد» (٦/ ٢٨١)، وأحمد (٣/ ١٢٣، ١٢٤، ١٣٠، ١٣١، ١٩٣، ٢١٨، ٢٢٢، ٢٣٧، ٢٧٤)، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.\nأما طريق جابر بن عبد الله ﵁: أخرجه مسلم (٣/ ٤١٨) - النووي كتاب «الجمعة» باب:\nتخفيف الصلاة والخطبة (٤٣/ ٨٦٧)، والنسائي (٣/ ١٨٨) كتاب «الخطبة» باب: كيف الخطبة (١٥٧٨)، وابن ماجه (١/ ١٧) «المقدمة» باب: (٧) (٤٥)، وابن حبان (١/ ١٨٦) المقدمة: باب:\nالاعتصام بالسنة (١٠)، وأبو يعلى (٤/ ٨٥) (٣٤٦/ ٢١١١)، وابن خزيمة (٣/ ١٤٣) كتاب «جماع أبواب الآذان والخطبة في الجمعة» باب: صفة خطبة النبي ﷺ وبدؤه فيها بحمد الله والثناء عليه (١٧٨٥)، والبيهقي (٣/ ٢٠٦)، كتاب «الجمعة» باب: رفع الصوت في الخطبة (٩/ ٢١٣)، كتاب «الجمعة» باب: كيف يستحب أن تكون الجمعة، وأحمد (٣/ ٣١٠- ٣١١) .\nوفي الباب من حديث أبي هريرة: أخرجه البخاري (١١/ ٣٥٥)، كتاب «الرقاق» باب: قول النبي ﷺ:\n«بعثت أنا والساعة كهاتين» (٦٥٠٥)، وابن ماجه (٢/ ١٣٤)، كتاب «الفتن» باب: أشراط الساعة (٤٠٤٠)، وابن حبان (١٥/ ١٣- ١٤)، كتاب «التاريخ» باب: إخباره ﷺ عما يكون في أمته من الفتن والحوادث (٦٦٤١) .\nأما من طريق سهل بن سعد الساعدي: أخرجه البخاري (١١/ ٣٥٥) كتاب «الرقاق» باب: قول النبي ﷺ: «بعثت أنا والساعة كهاتين» (٦٥٠٣)، (٩/ ٣٤٨)، كتاب «الطلاق» باب: اللعان (٥٣٠٢)، وأحمد (٤/ ٣٣٠، ٣٣١، ٣٣٥، ٣٣٨، ٣٠٩) .\n(٢) أخرجه الترمذي (٥/ ٥٧٥)، كتاب «الدعوات» باب: دعاء أم سلمة (٣٥٩٠)، والنسائي (٦/ ٢٠٨) - «الكبرى»، كتاب «عمل اليوم والليلة» باب: أفضل الذكر وأفضل الدعاء (١٠٦٦٩/ ٣)، والمنذري في «الترغيب والترهيب» (٢/ ٣٩٢) (٢٢٥٥) كلهم قال: «... أبواب السماء ...»، وليس أبواب الجنة.\nوأخرجه الخطيب في «تاريخ بغداد» (١١/ ٣٩٤) (٦٢٧١) نحوه.\nقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. [.....]","vol":"5","page":236},{"text":"الترمذيُّ واللفظ له: حديث حسن غريب، انتهى من «السلاح» .\nوقوله تعالى: وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ أي: لِتَسْتَنَّ أُمَّتُكَ بِسُنَّتِكَ.\nت: هذا لفظ الثعلبيِّ، وهو حَسَنٌ، وقال عِيَاضٌ: قال مَكِّيٌّ: مخاطبةُ النبيّ ﷺ هاهنا هي مخاطبةٌ لأُمَّتِهِ، انتهى.\nقال ع «١»: وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ أَنَّهُ قال: «مَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَا يَتَصَدَّقُ بِهِ، فَليَسْتَغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ» «٢» وبَوَّبَ البخاريُّ﵀- العِلْمُ قَبْلَ القَوْلِ وَالعَمَلِ لقوله تعالى: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلهَ إِلَّا اللَّهُ.\nوقوله تعالى: وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ... الآية: وواجبٌ على كل مؤمن أنْ يستغفر للمؤمنين والمؤمنات فإنَّها صَدَقَةٌ، وقال الطبريُّ وغيره «٣»: مُتَقَلَّبَكُمْ: مُتَصَرَّفَكُمْ في يقظتكم وَمَثْواكُمْ منامكم، وقال ابن عباس: مُتَقَلَّبَكُمْ تَصَرُّفُكُمْ في حياتكم الدنيا وَمَثْواكُمْ: إقامتكم في قبوركم، وفي آخرتكم «٤» .\nوقوله ﷿: وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ ... الآية: هذا ابتداءُ وَصْفِ حالِ المؤمنينَ على جهة المَدْحِ لهم، ووصفِ حالِ المنافقين على جهة الذَّمِّ وذلك أَنَّ المؤمنين كان حرصهم على الدين يبعثهم على تَمَنِّي ظهور الإسلامِ وتمنِّي قتال العدوِّ، وكانوا يأنسونَ بالوحي، ويستوحشون/ إذا أبطأ، وكان المنافقون على العكس من ذلك.\nوقوله: مُحْكَمَةٌ معناه: لا يقعُ فيها نسخ، وأَمَّا الإحكام الذي هو الإتقان، فالقرآن كلُّه سواءٌ فيه، والمرض الذي في قلوب المنافقين هو فَسَادُ مُعْتَقَدِهِمْ، ونظر الخائف المولَّه قريبٌ من نظر المَغْشِيِّ عليه، وَخَسَّسَهُمْ هذا الوصف والتشبيه.\nوقوله تعالى: فَأَوْلى لَهُمْ طاعَةٌ «أولى»: وزنها أَفْعَلُ، من وَلِيَكَ الشَّيْءُ يَلِيكَ، والمشهورُ من استعمال أولى أَنَّك تقول: هذا أولى بك من هذا، أي: أَحَقُّ، وقد تَسْتَعْمِلُ العرب «أولى لكِ» فقطْ على جهة الاختصار، لما معها من القول على جهة الزّجر والتّوعّد،\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ١١٦) .\n(٢) ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٢١٣) كتاب «التوبة» باب: الاستغفار للمؤمنين والمؤمنات.\nقال الهيثمي: رواه الطبراني في «الأوسط» وفيه من لم أعرفهم.\n(٣) ينظر: «تفسير الطبري» (١١/ ٣١٨) .\n(٤) ذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ١٨٣) برقم: (١٩)، وابن عطية (٥/ ١١٦) .","vol":"5","page":237},{"text":"فتقول: أولى لَكَ يا فُلاَنُ، وهذه الآية من هذا الباب ومنه قوله تعالى: أَوْلى لَكَ فَأَوْلى [القيامة: ٣٤] وقالت فرقة: فَأَوْلى رُفِعَ بالابتداء، وطاعَةٌ خبره، قال ع «١»: وهذا هو المشهورُ منِ استعمال «أولى»، وقيل غير هذا، قال أبو حيَّان «٢»: قال صاحب «الصِّحَاحِ»: أولى لَكَ: تهديدٌ ووعيدٌ، قال أبو حَيَّان «٣»: والأكثر على أَنَّه اسم مُشْتَقٌّ من الوَلي، وهو القُرْبُ، وقال الجُرْجَانِيُّ: هو مأخوذ من الوَيْلِ، فَقُلِبَ، فوزنه «أَفْلَعْ»، انتهى.\nفَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ: ناقضوا وعصَوْا، قال البخاريُّ: قال مجاهد: عَزَمَ الْأَمْرُ جَدَّ الأمر «٤» . انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1339>[سورة محمد (٤٧): الآيات ٢٢ الى ٢٤]</span>\nفَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ (٢٢) أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ (٢٣) أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها (٢٤)\nوقوله سبحانه: فَهَلْ عَسَيْتُمْ مخاطبةٌ لهؤلاءِ الذينَ في قلوبهم مرضٌ، والمعنى:\nفهل عسى أَنْ تفعلُوا إنْ تولَّيتم غيرَ أنْ تُفْسِدُوا في الأرض، وتُقَطِّعُوا أرحامكم، ومعنى إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أي: إنْ أعرضتم عن الحَقِّ، وقيل المعنى: إنْ توليتم أمور الناس من الولاية وعلى هذا قيل: إنَّها نزلَتْ في بني هاشِمٍ، وبني أُمَيَّةَ ذكره الثعلبيُّ.\nت: وهو عندي بعيدٌ لقوله: أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فتعيَّن التأويل/ الأَوَّل، واللَّه أعلم.\nوفي البخاريِّ عن جُبَيْرِ بن مطعم عن النبيّ ﷺ قال: «لا يدخل الجنّة قاطع» «٥»\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ١١٧) .\n(٢) ينظر: «البحر المحيط» (٨/ ٨١) .\n(٣) ينظر: «البحر المحيط» (٨/ ٨١) .\n(٤) أخرجه البخاري (٨/ ٤٤٢) كتاب «التفسير» باب: سورة محمّد ﷺ معلقا بصيغة الجزم، ووصله الفريابي من طريق ابن أبي نجيح عنه.\n(٥) أخرجه البخاري (١٠/ ٤٢٨) كتاب «الأدب» باب: إثم القاطع (٥٩٨٤)، ومسلم (٤/ ١٩٨١)، كتاب «البر والصلة والآداب» باب: صلة الرحم وتحريم قطيعتها (١٨- ١٩/ ٢٥٥٦)، وأبو داود (١/ ٥٣٠)، كتاب «الزكاة» باب: في صلة الرحم (١٦٩٦)، والترمذي (٤/ ٣١٦)، كتاب «البر والصلة» باب: ما جاء في صلة الرحم (١٩٠٩)، والبيهقي (٧/ ٢٧)، كتاب «الصدقات» باب: الرجل يقسم صدقته على قرابته وجيرانه، إذا كانوا من أهل السهمان، كما جاء في صلة الرحم وحق الجار، وأحمد (٤/ ٨٠، ٨٣، ٨٤)، وابن حبان (٢/ ١٩٩)، كتاب «البر والإحسان» باب: صلة الرحم وقطعها، ذكر نفي دخول الجنة عن قاطع رحمه (٤٥٤)، وعبد الرزاق في «المصنف» (١١/ ١٦٩- ١٧٠)، كتاب «الجامع» باب: صلة","vol":"5","page":238},{"text":"يعني: قاطعَ رحِمٍ، وفيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ في رِزْقِهِ، وَأَنْ يُنْسَأَ لَهُ في أَثَرِهِ- فَليَصِلْ رَحِمَهُ» «١» . اهـ، وفي «صحيح مسلم» عن عائشةَ قالت: قال رسول الله ﷺ: «الرَّحِمُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ تَقُولُ: مَنْ وَصَلَنِي وَصَلَهُ اللَّهُ، وَمَنْ قَطَعَنِي قَطَعَهُ اللَّهُ» «٢» وفي رواية: «لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَاطِعٌ» «٣» وفي طريق: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، وَيُنْسَأَ لَهُ في أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» «٤» وخرَّجه البخاريُّ من طريق أبي هريرةَ «٥» على ما تقدَّم، وخرَّج البخاريّ عن أبي هريرة عن النبيّ ﷺ قال: «إنَّ اللَّهَ خَلَقَ الخَلْقَ، حَتَّى إذَا فَرَغَ مِنْ خَلْقِهِ، قَالَتِ الرَّحِمُ: هَذَا مُقَامُ العَائِذِ بِكَ مِنَ الْقَطِيعَةِ، قَالَ: نَعَمْ، أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكَ، وأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكَ؟ قَالَتْ: بلى يَا رَبِّ، قَالَ: فَهُوَ لك، قال رسول الله ﷺ: فَاقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ «٦»، وفي رواية: قال الله «مَنْ وَصَلَكِ وَصَلْتُهُ، وَمَنْ قَطَعَكِ قَطَعْتُهُ» «٧» انتهى.\nوروى أبو داودَ في «سُنَنَهِ» عن عبد الرحمن بن عَوْفٍ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «قَال اللَّهُ ﷿: أنا الرحمن، وَهِيَ الرَّحِمُ شَقَقْتُ لَهَا مِنْ اسْمِي، مَنْ وصلها وصلته، ومن قطعها بتّته» «٨» . انتهى.\n_________\nالرحم (٢٠٢٢٩)، والطبراني (٢/ ١١٨، ١٢٠) (١٥٠٩، ١٥١٩)، والحميدي (١/ ٢٥٤) (٥٥٧)، والبخاري في «الأدب المفرد» (٢٧) باب: إثم قاطع الرحم (٦٤)، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (٧/ ٣٠٨) .\n(١) روى هذا الحديث أنس بن مالك، وأبو هريرة ﵄.\nفأما حديث أنس: أخرجه البخاري (٤/ ٣٥٣) كتاب «البيوع» باب: من أحب البسط في الرزق (٢٠٦٧)، ومسلم (٤/ ١٩٨٢) كتاب «البر والصلة والآداب» باب: صلة الرحم وتحريم قطيعتها (٢٠- ٢١/ ٢٥٥٧)، وأبو داود (١/ ٥٢٩) كتاب «الزكاة» باب: في صلة الرحم (١٦٩٣)، والنسائي في «الكبرى» (٦/ ٤٣٨)، كتاب «التفسير» باب: سورة فاطر (١١٤٢٩/ ١) .\nوأما من طريق أبي هريرة ﵁: أخرجه البخاري (١٠/ ٤٢٩)، كتاب «الأدب» باب: من بسط له في الرزق بصلة الرحم (٥٩٨٥) .\n(٢) أخرجه مسلم (٤/ ١٩٨١)، كتاب «البر والصلة والآداب» باب: صلة الرحم وتحريم قطيعتها (١٧/ ٢٥٥٥) عن عائشة.\n(٣) تقدم.\n(٤) تقدم. [.....]\n(٥) تقدم.\n(٦) أخرجه البخاري (١٠/ ٤٣٠)، كتاب «الأدب» باب: من وصل وصله الله، برقم: (٥٩٨٧) .\n(٧) أخرجه البخاري (١٠/ ٤٣٠)، كتاب «الأدب» باب: من وصل وصله الله، (٥٩٩٨) .\n(٨) أخرجه أبو داود (١/ ٥٣٠)، كتاب «الزكاة» باب: في صلة الرحم (١٦٩٥)، والترمذي (٤/ ٣١٥)، كتاب «البر والصلة» باب: ما جاء في قطيعة الرحم (١٩٠٧)، والبيهقي (٧/ ٢٦)، كتاب «الصدقات» باب:\nالرجل يقسم صدقته على قرابته وجيرانه إذا كانوا من أهل السهمين لما جاء في صلة الرحم وحق الجار.","vol":"5","page":239},{"text":"وقوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ إشارة إلى المرضى القلوب المذكورين.\nوقوله: فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ: استعارةٌ لعدم فهمهم.\nوقوله عزَّ منْ قائل: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ/ الْقُرْآنَ ... الآية: توقيفٌ وتوبيخٌ، وتَدَبُّرُ القرآن زعيم بالتبيين والهدى لمتأمِّله.\nت: قال الهرويُّ: قوله تعالى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ معناه: أفلا يتفكَّرُون فيعتبرون يُقَالُ: تَدَبَّرْتُ الأمر: إذا نظرتَ في أدباره وعواقبه، انتهى.\nوقوله تعالى: أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها معناه: بل على قلوب أَقفالها، وهو الرَّيْنُ الذي منعهم من الإيمان، ورُوِيَ أَنَّ وَفْدَ اليَمَنِ وَفَدَ على النبي ﷺ وفيهم شابّ، فقرأ النّبيّ ﷺ هذه الآيةَ، فقال الفتى: عَلَيْهَا أَقْفَالُهَا حتى يَفْتَحَها اللَّهُ تعالى ويُفَرِّجَهَا، قَالَ عُمَرُ:\nفَعَظُمَ في عَيْنِي، فما زَالَتْ في نَفْس عُمَرَ﵁- حتى وَلِيَ الخلاَفَة فاستعان بذلك الفتى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1340>[سورة محمد (٤٧): الآيات ٢٥ الى ٢٩]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلى لَهُمْ (٢٥) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ (٢٦) فَكَيْفَ إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ (٢٧) ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ (٢٨) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغانَهُمْ (٢٩)\nوقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ ... الآية: قال قتادة: نزلَتْ في قَوْمٍ من اليهود «١»، وقال ابن عباس وغيره: نَزَلَتْ في منافقين كانوا أَسْلَمُوا، ثم نافَقَتْ قُلُوبُهُم «٢»، والآيةُ تَعُمُّ كُلَّ مَنْ دخل في ضمن لفظها غابر الدّهر، وسَوَّلَ معناه: رجَّاهم سؤلهم وأمانِيهم، ونقل أبو الفتح عن بعضهم أَنَّهُ بمعنى دلاَّهم مأخوذٌ من السَّوَلِ، وهو الاسترخاء والتَّدَلِّي، وقال العراقيُّ سَوَّلَ أي: زيّن سوء الفعل.\n_________\nقال الترمذي: هذا حديث صحيح.\n(١) ذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ١٨٤)، وابن عطية في «تفسيره» (٥/ ١١٩)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٥٣)، وعزاه إلى عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر.\n(٢) أخرجه الطبري (١١/ ٣٢٢) برقم: (٣١٤١٢)، وذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ١٨٤)، وابن عطية (٥/ ١١٩)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٥٣) .","vol":"5","page":240},{"text":"وقوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ... الآية، قيل: إنَّها نزلت في بني إسرائيل الذين تقدَّم ذِكْرُهم الآن، ورُوِيَ أَنَّ قومًا من قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ كانوا يَعِدُونَ المنافقين في أمر رسول الله ﷺ والخلافِ علَيْهِ بنَصْرٍ ومؤازرةٍ فذلك قولهم: سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وقرأ الجمهور: «أَسْرَارَهُمْ» - بفتح الهمزة-، وقرأ حمزة والكسائيُّ وحفص:\n«إسْرَارَهُمْ» - بكسرها «١» -.\nوقوله سبحانه: فَكَيْفَ إِذا/ تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَعْنِي: مَلَكَ المَوْتِ وأعوانه، والضمير في يَضْرِبُونَ للملائكة، وفي نحو هذا أحاديثُ تقتضي صفة الحالِ، وما أَسْخَطَ اللَّهَ: هو الكفر، والرِّضْوَانُ: هنا الحَقُّ والشَّرْعُ المُؤَدِّي إلى الرضوان.\nوقوله سبحانه: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ... الآية، توبيخٍ للمنافقين وَفَضْحٌ لسرائرهم، والضِّغْنُ: الحقد، وقال البخاريُّ: قال ابن عبّاس: «أضغانهم» حسدهم «٢»، انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1341>[سورة محمد (٤٧): الآيات ٣٠ الى ٣٢]</span>\nوَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ (٣٠) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ (٣١) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ (٣٢)\nوقوله سبحانه: وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ ... الآية، لم يُعَيِّنْهُم سبحانه بالأسماء والتعريف التامّ إبقاءً عليهم وعلى قراباتهم، وإنْ كانوا قد عُرِفُوا بلحن القول، وكانوا في الاشتهار على مراتبَ كابنِ أُبَيٍّ وغيره، والسِّيما: العلامة، وقال ابن عباس والضَّحَّاكُ: إنَّ اللَّه تعالى قد عَرَّفَهُ بهم في سورة براءة بقوله: وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَدًا «٣»\n_________\n(١) وحجة من أفرد قوله تعالى: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ [التوبة: ٧٨] فلما أفرد السر ولم يجمع فكذلك قال: «إسرارهم» . وأما الآخرون، فكأنهم جمعوا للاختلاف في ضروب السر، وقد قيل: إنه جمع فأخرج الأسرار بعددهم، كما قال بعدها: وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ.\nينظر: «حجة القراءات» (٦٦٩)، و«السبعة» (٦٠١)، و«الحجة» (٦/ ١٩٦)، و«إعراب القراءات» (٢/ ٣٢٦)، و«معاني القراءات» (٢/ ٣٨٧)، و«شرح الطيبة» (٦/ ١٠)، و«العنوان» (١٧٦)، و«حجة القراءات» (٦٦٩)، و«شرح شعلة» (٥٨٦)، و«إتحاف» (٢/ ٤٧٨) .\n(٢) أخرجه البخاري (٨/ ٤٤٢)، كتاب «التفسير» باب: سورة محمّد ﷺ معلقا بصيغة الجزم، ووصله ابن أبي حاتم من طريق ابن جريج عن عطاء عن ابن عبّاس، وذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ١٨٥)، والسيوطي (٦/ ٥٤)، وعزاه إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٣) أخرجه الطبري (١١/ ٣٢٤) برقم: (٣١٤١٦- ٣١٤١٧)، وذكره ابن عطية (٥/ ١٢٠) .","vol":"5","page":241},{"text":"[التوبة: ٨٤] وفي قوله: «قل لن تخرجوا معى أبدا ولن تقاتلوا معى عَدُوًّا» [التوبة: ٨٣] قال ع: وهذا في الحقيقة ليس بتعريف تامٍّ، ثم أخبر تعالى أَنَّهُ سيعرفهم في لحن القول، أي: في مذهب القول ومنحاه ومَقْصِدهِ، واحتجَّ بهذه الآية مَنْ جعل الحَدَّ في التعريض بالقذف.\n- ص-: قال أبو حيان «١»: «ولتعرفنهم» اللام جواب قسم محذوف، انتهى.\nوقوله سبحانه: وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ مخاطبة للجميع من مؤمن وكافر.\nوقوله سبحانه: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ ... الآية، كان الفُضَيْلُ بن عِيَاضٍ إذا قرأ هذه الآية بكى، وقال: اللهم لا تبتلنا فإنك إنْ بلوتنا فضحتنا، وهتكت أستارنا.\nوقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ ... الآية، قالت فرقة: نزلت في بني إسرائيل، وقالت/ فرقة: نَزَلَتْ في قوم من المنافقين، وهذا نحو ما تقدم، وقال ابن عباس: نزلت في المطعمين في سفرة بدر «٢»، وقالت فرقة: بل هِي عامَّةٌ في كل كافر.\nوقوله: لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا تحقيرٌ لهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1342>[سورة محمد (٤٧): الآيات ٣٣ الى ٣٥]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ (٣٣) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ ماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ (٣٤) فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ (٣٥)\nوقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ رَوِيَ أَنَّ هذه الآية نزلت في بني أَسَدٍ من العرب، وذلك أَنَّهم أسلموا، وقالوا للنبيﷺ-:\nنحن آثرناك على كُلِّ شيء، وجئناك بأنفسنا وأهلينا، كأَنَّهم يمنُّون بذلك، فنزل فيهم:\nيَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا ... «٣» الآية، ونزلت فيهم هذه الآية وظاهر الآية العموم.\nوقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ ماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ ...\n_________\n(١) ينظر: «البحر المحيط» (٨/ ٨٤) .\n(٢) ذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ١٧٦)، وابن عطية (٥/ ١٢١) .\n(٣) أخرجه النسائي في «الكبرى» (٦/ ٤٦٧)، كتاب «التفسير» باب: قوله تعالى: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا (١١٥١٩/ ١)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ١١٣)، وعزاه إلى البزار، وابن مردويه.","vol":"5","page":242},{"text":"الآية، رُوِيَ أَنَّها نزلت بسبب أَنَّ عديَّ بن حاتم قال: يا رسول اللَّه، إنَّ حَاتِمًا كَانَتْ لَهُ أَفْعَالُ بِرٍّ فَمَا حَالُهُ؟ فقال النبيّ ﷺ: هُوَ في النَّارِ فَبَكَى عَدِيُّ، وَوَلَّى فَدَعَاهُ النبيّ ﷺ فَقَالَ لَهُ: «أَبي وَأَبُوكَ وَأَبُو إبْراهِيمَ خَلِيلِ الرحمن في النَّارِ» ونزلت هذه الآية في ذلك «١»، وظاهر الآية العموم في كُلِّ ما تناوَلته الصفة.\nوقوله سبحانه: فَلا تَهِنُوا معناه: لا تَضْعُفُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ أي: إلى المسالمة، وقال قتادة: معنى الآية: لا تكونوا أُولَى الطائفتين ضَرَعَتْ للأخرَى «٢»: قال ع «٣» وهذا حَسَنٌ مُلْتئِمٌ مع قوله تعالى: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها [الأنفال:\n٦١] .\nوَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ: في موضع الحال، المعنى: فلا تَهِنُوا وأنتم في هذه الحال، ويحتمل أنْ يكون إخبارًا بمغيب أبرزه الوجودُ بعد ذلك، والأعلون: معناه الغالبون والظاهرون من العُلُوِّ.\nوقوله: وَاللَّهُ مَعَكُمْ معناه: / بنصره ومَعُونَتِهِ وَيتِرُ معناهُ: يُنْقِصُ ويُذْهِبُ، والمعنى: لن يتركم ثواب أعمالكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1343>[سورة محمد (٤٧): الآيات ٣٦ الى ٣٨]</span>\nإِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ (٣٦) إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ (٣٧) ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ (٣٨)\nوقوله سبحانه: إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ تحقير لأمر الدنيا.\nوقوله: وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ معناه: هذا هو المطلوب منكم، لا غيره لا تُسْأَلُون أموالكم، ثم قال سبحانهُ مُنَبِّهًا على خُلق ابن آدم: إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا والإحفاء هو أشدُّ السؤال، وهو الذي يستخرج ما عند المسئول كرها.\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٤/ ٢٥٨) بلفظ: قلت: يا رسول الله، إن أبي كان يصل الرحم ويفعل كذا وكذا، قال:\n«إن أباك أراد أمرا فأدركه» . [.....]\n(٢) أخرجه الطبري (١١/ ٣٢٦، ٣٢٧) برقم: (٣١٤٢٦، ٣١٤٢٨)، وذكره ابن عطية (٥/ ١٢٢) .\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ١٢٢) .","vol":"5","page":243},{"text":"ت: وقال الثعلبيُّ: فَيُحْفِكُمْ أي: يجهدكم ويلحف عليكم.\nوقوله: تَبْخَلُوا جزمًا على جواب الشرط وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ أي: يخرج اللَّه أضغانكم، وقرأ يعقوب: «وَنُخْرِجْ» بالنون، والأضغان: مُعْتَقَدَاتُ السوء «١»، وهو الذي كان يخاف أنْ يعترِيَ المسلمين، ثم وقف اللَّه تعالى عباده المؤمنين على جهة التوبيخ لبعضهم بقوله: ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ وكرر «هاء» التنبيه تأكيدًا.\nوقوله تعالى: وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ أي: بالثواب وَاللَّهُ الْغَنِيُّ أي:\nعن صدقاتكم وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ إلى ثوابها.\nت: هذا لفظ الثعلبيِّ، قال ع: يقال: بَخِلْتُ عليك بكذا، وبخلت عنك بمعنى أمسكت عنك، وروى التِّرْمِذِيُّ عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «السَّخِيُّ قَرِيبٌ مِنَ اللَّهِ، قَرِيبٌ مِنَ الجَنَّةِ، قَرِيبٌ مِنْ النَّاسِ، بَعِيدٌ مِنَ النَّارِ، وَالْبَخِيلُ بَعِيدٌ مِنَ اللَّهِ، بَعِيدٌ مِنَ الجَنَّةِ، بَعِيدٌ مِنَ النَّاسِ، قَرِيبٌ مِنَ النَّارِ، وَلَجَاهِلٌ سَخِيٌّ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ مِنْ عَابِدٍ بَخِيلٍ»، قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ. غريبٌ، انتهى «٢» .\nوقوله سبحانه: وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ قالت فرقة: هذا الخطاب لجميعِ المسلمين والمشركين والعرب حينئذٍ، والقوم الغير هم فارس، وروى أبو هريرة أنّ النبيّ ﷺ سُئِلَ عَنْ هذا وَكَانَ سَلْمَانُ إلَى جَنْبِهِ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى فَخِذِهِ وَقَالَ: «قَوْمُ هَذَا\n_________\n(١) وقرأ بها ابن عبّاس.\nينظر: «مختصر الشواذ» ص: (١٤٢)، و«المحرر الوجيز» (٥/ ١٢٣)، و«البحر المحيط» (٨/ ٨٥)، و«الدر المصون» (٦/ ١٥٨) .\n(٢) أخرجه الترمذي (٤/ ٣٠٢) كتاب «البر والصلة» باب: ما جاء في السخاء، حديث (١٩٦١)، والعقيلي في «الضعفاء» (٢/ ١١٧)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٧/ ٤٢٩) (١٠٨٥٢)، وابن الجوزي في «الموضوعات» (٢/ ١٨٠) - بتحقيقنا، كلهم من طريق سعيد بن محمّد الوراق عن يحيى بن سعيد عن الأعرج، عن أبي هريرة مرفوعا.\nقال الترمذي: هذا حديث غريب، لا نعرفه من حديث يحيى بن سعيد عن الأعرج عن أبي هريرة إلا من حديث سعيد بن محمّد، وقد خولف سعيد بن محمّد في رواية هذا الحديث عن يحيى بن سعيد إنما يروى عن يحيى بن سعيد عن عائشة شيء مرسل. اهـ.\nوقال العقيلي: ليس لهذا الحديث أصل من حديث يحيى ولا غيره وقال ابن الجوزي: لا يصح، المتهم به سعيد بن محمّد الوراق، قال يحيى: ليس بشيء، وقال النسائي: ليس بثقة. وقال البيهقي: تفرد به سعيد بن محمّد وهو ضعيف. -","vol":"5","page":244},{"text":"_________\n- وقال السيوطي في «اللآلئ المصنوعة» (٢/ ٩١) (قلت) أخرجه الترمذي، وابن حبان في «روضة العقلاء»، والبيهقي في «شعب الإيمان»، والخطيب في كتاب «البخلاء» من طريق عن سعيد الوراق به، وقال ابن حبان: غريب، وقال البيهقي: تفرد به سعيد بن محمّد الوراق وهو ضعيف، والله أعلم.\nاهـ. وللحديث شواهد من حديث عائشة، وأنس، وجابر.\nحديث عائشة:\nأخرجه الطبراني في «الأوسط» كما في «اللآلئ» (٢/ ٩٢)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٧/ ٤٢٨- ٤٢٩) (١٠٨٥٠)، وابن الجوزي في «الموضوعات» (٢/ ١٨١) - بتحقيقنا، من طريق سعيد بن مسلمة، حدثنا يحيى بن سعيد عن محمّد بن إبراهيم التيمي عن عائشة مرفوعا بلفظ: «السخي قريب من الله قريب من الناس بعيد من النار، والبخيل بعيد من الله بعيد من الناس قريب من النار، والجاهل السخي أحب إلى الله من العاقل البخيل» . قال ابن الجوزي: سعيد بن مسلمة، قال يحيى: ليس بشيء، وقال ابن حبان: منكر الحديث جدا فاحش الخطأ، وقال ابن عدي: ليس لهذا الحديث أصل من حديث يحيى بن سعيد ولا غيره، وقال الدارقطني: لهذا الحديث طرق لا يثبت منها شيء بوجه اهـ.\nوللحديث طريق آخر عن عائشة:\nأخرجه الخطيب في كتاب «البخلاء» كما في «اللآلئ» (٢/ ٩٢)، وابن الجوزي في «الموضوعات» (٢/ ١٨١) من طريق خالد بن يحيى القاضي عن غريب بن عبد الواحد القرشي عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد بن المسيب عن عائشة مرفوعا.\nوقال ابن الجوزي: خالد وغريب مجهولان.\nوقال السيوطي: أقره صاحب «الميزان» على أن اسمه غريب، والذي في كتاب «البخلاء» للخطيب:\nعنبسة بن عبد الواحد. اهـ.\nوأخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» (٧/ ٤٢٨) (١٠٨٤٧) من طريق تليد بن سليمان، وسعيد بن مسلمة عن يحيى بن سعيد عن محمّد بن إبراهيم عن علقمة بن وقاص عن عائشة مرفوعا.\nوقال البيهقي: تليد وسعيد ضعيفان.\nوأقره صاحب «اللآلئ» (٢/ ٩٢) .\nحديث أنس:\nأخرجه ابن الجوزي في «الموضوعات» (٢/ ١٨٠) - بتحقيقنا، من طريق محمّد بن تميم، حدثنا قبيصة بن محمّد عن موسى بن عبيدة عن يزيد الرقاشي عن أنس مرفوعا: «لما خلق الله الإيمان قال:\n«إلهي، قوني، فقواه بحسن الخلق، ثم خلق الكفر فقال الكفر: إلهي قوني، فقواه بالبخل، ثم خلق الجنة، ثم استوى على العرش، ثم قال: ملائكتي فقالوا: ربنا، لبيك وسعديك قال: السخي قريب من جنتي قريب من ملائكتي بعيد من النار، والبخيل بعيد مني بعيد من ملائكتي قريب من النار» .\nقال ابن الجوزي: المتهم به محمّد بن تميم قال ابن حبان: كان يضع الحديث.\nوقال السيوطي في «اللآلئ» (٢/ ٩٢) محمّد بن تميم يضع.\nحديث جابر:\nأخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» (٧/ ٤٢٨) (١٠٨٤٨) من طريق سعيد بن مسلمة، عن جعفر بن محمّد عن أبيه، عن جابر مرفوعا.","vol":"5","page":245},{"text":"لَوْ كَانَ الدِّينُ في الثُّرَيَّا لَنَالَهُ رِجَالٌ من أهل فارس» «١» .\n_________\n- وقد تقدم ضعف سعيد: وللحديث شاهد أيضا من حديث ابن عبّاس: أخرجه تمام في فوائده كما في «اللآلئ» (٢/ ٩٣)، وفيه محمّد بن زكريا الغلابي.\nقال الدارقطني: يضع الحديث.\nينظر: «تنزيه الشريعة» (١/ ١٠٥) .\nوالحديث: ذكره السيوطي في «الجامع الصغير» (٤/ ١٣٨) - فيض، برقم: (٤٨٠٤)، من حديث أبي هريرة، وجابر، وعائشة، ورمز له بالضعف، ووافقه المناوي في «شرحه» وقال المناوي في «الفيض» (٤/ ١٣٨- ١٣٩): (السخي قريب من الله) أي: من رحمته وثوابه، فليس المراد قرب المسافة، تعالى الله عنه، إذ لا يحل الجهات، ولا ينزل الأماكن، ولا تكتنفه الأقطار، (قريب من الناس) أي: من محبتهم فالمراد: قرب المودة، (قريب من الجنة) لسعيه فيما يدنيه منها، وسلوكه طريقها، فالمراد هنا قرب المسافة، وذلك جائز عليها لأنها مخلوقة، وقربه منها: برفع الحجاب بينه وبينها، وبعده عنها:\nكثرة الحجب، فإذا قلّت الحجب بينك وبين الشيء. قلت مسافته، أنشد بعضهم:\nيقولون لي دار الأحبة قد دنت ... وأنت كئيب إن ذا لعجيب\nفقلت وما تغني ديار قريبة ... إذا لم يكن بين القلوب قريب\nوالجنة والنار محجوبتان عن الخلق بما حفتا به من المكاره والشهوات، وطريق هتك هذه الحجب مبينة في مثل: «الإحياء»، و«القوت» من كتب القوم، (بعيد من النار والبخيل بعيد من الله) أي: من رحمته، (بعيد من الناس بعيد من الجنة قريب من النار)، وقال الغزالي: والبخل ثمرة الرغبة في الدنيا، والسخاء ثمرة الزهد والثناء على الثمرة ثناء على المثمر لا محالة، والسخاء: ينشأ من حقيقة التوحيد والتوكل والثقة بوعد الله وضمانه للرزق، وهذه أغصان شجرة التوحيد التي أشار إليها الحديث، والبخل: ينشأ من الشرك وهو الوقوف مع الأسباب والشك في الوعد، قال الطيبي: التعريف في السخي والبخيل للعهد الذهني وهو ما عرف شرعا أن السخي من هو والبخيل من هو، وذلك أن من أدى الزكاة فقد امتثل أمر الله، وعظمه، وأظهر الشفقة على خلقه، وواساهم بماله، فهو قريب من الله وقريب من الناس، فلا تكون منزلته إلا الجنة، ومن لم يكن كذلك فبالعكس ولذلك كان جاهل سخي أحب إلى الله من عابد بخيل، كما قال: (ولجاهل سخي أحب إلى الله من عابد بخيل) فخولف ليفيد أن الجاهل غير العابد السخي أحب إلى الله من العابد العالم البخيل، فيالها من حسنة غطت على عيبين عظيمين، ويا لها من سيئة حطت حسنتين خطيرتين، على أن الجاهل السخي سريع الانقياد بما يؤمر به من نحو تعلم، وإلى ما ينهى عنه بخلاف العالم البخيل، (تنبيه) قال الراغب: من شرف السخاء والجود، أن الله قرن اسمه بالإيمان، ووصف أهله بالفلاح، والفلاح أجمع لسعادة الدارين، وحق للجود أن يقترن بالإيمان، فلا شيء أخص منه به ولا أشد مجانسة له فمن صفة المؤمن: انشراح الصدر فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا، وهما من صفة الجواد والبخيل لأن الجواد يوصف بسعة الصدر والبخيل بضيقه اهـ.\n(١) أخرجه البخاري (٨/ ٥١٠) كتاب «التفسير» باب: قوله: وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ (٤٨٩٧)، ومسلم (٤/ ١٩٧٢)، كتاب «فضائل الصحابة» باب: فضل فارس (٢٣٠- ٢٣١/ ٢٥٤٦)، وأحمد (٢/ ٣٠٩) .","vol":"5","page":246},{"text":"وقوله سبحانه: ثُمَّ لاَ يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ معناه: في الخلاف والتوَلى والبُخْلِ بالأموال ونحوِ هذا، وحكى الثعلبيُّ قولًا أَنَّ القوم الغير هم الملائكة.\nت: وليس لأحد مع الحديث: إذا صَحَّ نظر، ولولا الحديثُ لاحتمل أن يكون الغير ما يأتي من الخَلَفِ بعد ذهاب السَّلَفِ، على ما ذكر في غير هذا الموضع.","vol":"5","page":247},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1344>تفسير سورة الفتح</span>\nوهي مدنيّة هذه السورة نزلت على النبيّ ﷺ منصرفه من الحديبيّة، وفي ذلك أحاديث كثيرة عن أنس «١» وابن مسعود غيرهما «٢»، وفي تلك السفرة قال النبي ﷺ لعمر: «لقد أنزلت عليّ اللّيلة سورة هي أحبّ إليّ من الدّنيا وما فيها» خرّجه البخاريّ وغيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1345>[سورة الفتح (٤٨): الآيات ١ الى ٤]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nإِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا (٢) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (٣) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيمانًا مَعَ إِيمانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٤)\nقوله ﷿: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ... الآية، قال قوم: يريد فَتْحَ مَكَّةَ، وقال جمهور الناس، وهو الصحيح الذي تَعْضُدُهُ قصة الحديبية: إنَّ قوله: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ إنَّما معناه هو ما يسرّ الله ﷿ لنبيِّه في تلك الخرجة من الفتح البَيِّنِ الذي استقبله، ونزلت السورة مؤنسة للمؤمنين لأَنَّهم كانوا استوحشوا من رَدِّ قريشٍ لهم ومن تلك المهادنة التي جعلها/ اللَّه سببًا للفتوحات، واستقبل النبيّ ﷺ في تلك السفرة أَنَّهُ هَادَنَ عَدوَّه ريثما يَتَقَوَّى هو، وظهرت على يديه آية الماء في بئر الحديبية حيث وضع فيه\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٧/ ٥١٦) كتاب «المغازي» باب: غزوة الحديبية، قول الله تعالى: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ [الفتح: ١٨] (٤١٧٢)، (٨/ ٤٤٧) كتاب «التفسير» باب: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (٤٨٣٤)، ومسلم (٣/ ٤١٣) كتاب «الجهاد والسير» باب: صلح الحديبية في الحديبية (٩٧، ٩٧/ ١٧٨٦)، والترمذي (٥/ ٣٨٥- ٣٨٦) كتاب «التفسير» باب: ومن سورة الفتح (٣٢٦٣)، وأحمد (٣/ ١٧٣)، وابن ماجه (٢/ ٩٢، ٩٤) كتاب «البر والإحسان» باب: ما جاء في الطاعات وثوابها (٣٧٠- ٣٧١)، والبيهقي (٥/ ٢١٧) كتاب «الحج» باب: المحصر يذبح ويحل حيث أحصر.\n(٢) أخرجه البخاري (٨/ ٤٤٦) كتاب «التفسير» باب: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (٤٨٣٣)، والترمذي (٥/ ٣٨٥) كتاب «التفسير» باب: ومن سورة الفتح (٣٢٦٢)، والنسائي في «الكبرى» (٦/ ٤٦١)، كتاب «التفسير» باب: قوله تعالى: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١٤٩٩/ ١)، وأحمد (١/ ٣١)، والبيهقي في «دلائل النبوة» (٤/ ١٥٤) كلهم عن عمر بن الخطاب.\nقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب، رواه بعضهم عن مالك مرسلا.","vol":"5","page":248},{"text":"سهمه، وثاب الماء حتى كَفَى الجيش، واتَّفَقَتْ بيعةُ الرضوان، وهي الفتح الأعظم قاله جابر بن عبد اللَّه والبَرَاءُ بن عازب «١»، وبلغ هَدْيُهُ مَحِلَّهُ قاله الشَّعْبِيُّ «٢»، واستقبل فتح خيبر، وامتلأت أيدي المؤمنين، وظهرت في ذلك الوقت الروم على فارس، فكانت من جملة الفتح فسرّ بها ﷺ هو والمؤمنون لظهور أهل الكتاب على المجوس، وشَرَّفَه اللَّه بأنْ أخبره أَنَّه قد غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تأخر، أي: وإِنْ لم يكن ذنب.\nت: قال الثعلبيُّ: قوله: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ قال أبو حاتم: هذه لام القسم، لما حُذِفَتِ النون من فعله كُسِرَتْ، ونُصِبَ فعلها تشبيهًا بلام «كي»، انتهى.\nقال عياض: ومقصد الآية أَنَّك مغفور لك، غيرَ مؤاخذ بذنب، إنْ لو كان، انتهى.\nقال أبو حيان «٣»: لِيَغْفِرَ اللام لِلْعِلَّةِ، وقال ع: هي لام الصيرورة، وقيل:\nهي لام القسم، ورُدَّ بأنَّ لام القسم لا تُكْسَرُ وَلا يُنْصَبُ بها، وأُجِيبَ بأَنَّ الكَسْرَ قد عُلِّلَ بالحمل على «لام كي» وأَمَّا الحركة فليست نصبًا بل هي الفتحة الموجودة مع النون، بَقِيَتْ بعد حذفها دَالَّةً على المحذوف، ورُدَّ باَّنَّهُ لم يُحْفَظْ من كلامهم: واللَّهِ ليقوم ولا باللَّه ليخرج زيد، انتهى.\nوفي «صحيح البخاريِّ» عن أنس بن مالك: «إنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًَا مُبِينًا»: الحديبية «٤»، انتهى.\nوقوله سبحانه: وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ أي: / بإظهارك وتغليبك على عَدُوِّك، والرُّضْوَانُ في الآخرة والسَّكِينَةُ فعيلة من السكون، وهو تسكين قلوبهم لتلك الهُدْنَةِ مع قريش حتَّى اطمأَنَّتْ، وعلموا أنّ وعد الله حق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1346>[سورة الفتح (٤٨): الآيات ٥ الى ٧]</span>\nلِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَكانَ ذلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا (٥) وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيرًا (٦) وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (٧)\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١١/ ٣٣٤) برقم: (٣١٤٦١- ٣١٤٦٢)، وذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ١٨٨) عن البراء بن عازب، وذكره ابن عطية (٥/ ١٢٥)، وابن كثير (٤/ ١٨٢)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٥٨) .\n(٢) ذكره ابن عطية (٥/ ١٢٥) .\n(٣) ينظر: «البحر المحيط» (٨/ ٩٠) .\n(٤) أخرجه البخاري (٨/ ٤٤٧) كتاب «التفسير» باب: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (٤٨٣٤)، والطبري (١١/ ٣٣٣) (٣١٤٥٨)، وذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ١٨٨)، وابن عطية، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٥٨)، وعزاه إلى ابن أبي شيبة، وابن مردويه، والبيهقي.","vol":"5","page":249},{"text":"وقوله سبحانه: لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ...\nالآية، رُوِيَ في معنى هذه الآية أَنَّه لَمَّا نزلت: وَما أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ [الأحقاف: ٩] تَكَلَّمَ فيها أهل الكفر، وقالوا: كيف نَتَّبِعُ مَنْ لا يعرف ما يفعل به وبالناس؟! فَبَيَّنَ اللَّه في هذه السورة ما يفعل به بقوله: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ فَلَمَّا سمعها المؤمنون قالوا: هنيئًا لك يا رسول اللَّه، لقد بَيَّنَ اللَّه لك ما يفعل بك، فما يفعل بنا؟ فنزلت: لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ إلى قوله: مَصِيرًا فعرَّفه اللَّه ما يفعل به وبالمؤمنين وبالكافرين، وذكر النقاش أَنَّ رجلًا من «عَكَّ» قال: هذا الذي لرسول الله، فما لنا؟ فقال النبيّ ﷺ: «هِيَ لِي وَلامَّتِي كَهَاتَيْنِ، وَجَمَعَ بَيْنَ إصْبَعَيْهِ» .\nوقوله: وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ هو من ترتيب الجمل في السرد، لا ترتيب وقوع معانيها لأَنَّ تكفير السيئات قبل إدخالهم الجنة.\nوقوله: الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ قيل: معناه: من قولهم: لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ ... [الفتح: ١٢] الآية، وقيل: هو كونهم يعتقدون اللَّه بغير صفاته العلى.\nوقوله: عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ [أي: دائرة السوء] «١» الذي أرادوه بكم في ظَنِّهم السوءَ، ويقال للأقدار والحوادث التي هي في طَيِّ الزمان: دائرة، / لأنّها تدور بدوران الزمان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1347>[سورة الفتح (٤٨): الآيات ٨ الى ٩]</span>\nإِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٨) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٩)\nوقوله سبحانه: إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا ... الآية، مَنْ جعل الشاهِدَ مُحَصِّلَ الشهادة من يوم يحصلها، فقوله: شاهِدًا حال واقعة، ومَنْ جعل الشاهد مُؤَدِّي الشهادةَ فهي حال مستقبلة، وهي التي يسميها النحاة المُقَدَّرَةَ، والمعنى: شاهدًا على الناس بأعمالهم، وأقوالهم حين بَلَّغْتَ، وَمُبَشِّرًا: أهلَ الطاعة برحمة اللَّه، وَنَذِيرًا: من عذاب اللَّه أهلَ المعصية، ومعنى تُعَزِّرُوهُ تعظموه وتكبروه قاله ابن عباس «٢»، وقرأ ابن عبّاس\n_________\n(١) سقط في: د. [.....]\n(٢) أخرجه الطبري (١١/ ٣٣٧) برقم: (٣١٤٦٨)، وذكره ابن عطية (٥/ ١٢٩) .","vol":"5","page":250},{"text":"وغيره: تعزّزوه بزاءين من العِزَّةِ «١»، قال الجمهور: الضمير في تُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ للنبيّ ﷺ وفي تُسَبِّحُوهُ لله ﷿، والبكرة: الغدوّ، والأصيل: العشيّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1348>[سورة الفتح (٤٨): آية ١٠]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١٠)\nوقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ: يريد في بيعة الرضوان، وهي بيعة الشجرة، حين أخذ رسول الله ﷺ الأهبة لقتال قريش، لِمَا بَلَغَهُ قتل عثمانَ بن عفانَ، رسولِهِ إليهم، وذلك قبل أن ينصرفَ من الحُدَيْبِيَّةِ، وكان في ألف وأربعمائة، وبايعهم ﷺ على الصبر المتناهي في قتال العَدُوّ إلى أقصى الجهد حتى قال سَلَمَةُ بن الأكوع وغيره: بايعنا رسول الله ﷺ على الموت «٢»، وقال عبد اللَّه بن عمر، وجابر بن عبد اللَّه: بايعنا رسول اللَّه ﷺ على أَلاَّ نَفِرّ «٣»، والمبايعة في هذه الآية مُفَاعَلَةٌ من البيع لأنَّ اللَّه تعالى اشترى منهم أنفسهم وأموالهم بأَنَّ لهم الجنة، ومعنى إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ أَنَّ صفقتهم إنما يمضيها ويمنح/ الثمن اللَّه تعالى.\nت: وهذا تفسير لا يَمَسُّ الآية، ولا بُدَّ، وقال الثعلبيُّ: «إنما يبايعون اللَّه» أي: أخذك البيعة عليهم عقد اللَّه عليهم، انتهى، وهذا تفسير حسن.\nوقوله تعالى: يَدُ اللَّهِ قال جمهور المتأولين: اليد بمعنى النعمة، إذْ نعمة اللَّه في نفس هذه المبايعة لما يستقبل من محاسنها «فَوْقَ أَيْدِيهِمْ»: التي مَدُّوها لبيعتك، وقيل:\nالمعنى: قُوَّةُ اللَّه فوقَ قُوَاهُمْ في نصرك.\nت: وقال الثعلبيُّ: «يد اللَّه فوق أيديهم» أي: بالوفاء والعهد، وقيل:\nبالثواب، وقيل: «يد اللَّه»: في المِنَّةِ عليهم «فوق أيديهم»: في الطاعة عند المبايعة، وهذا حَسَنٌ قريب من الأول.\nوقوله تعالى: فَمَنْ نَكَثَ أي: فَمَنْ نقض هذا العهد، فإنما يجني على نفسه ومَنْ\n_________\n(١) وقرأ بها محمّد بن السميفع اليماني.\nينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ١٢٩)، و«البحر المحيط» (٨/ ٩٢) . وقال السمين: وقرأ الجحدري «تعززوه» كالعامة إلا أنه بزاءين من العزة. «الدر المصون» (٦/ ١٦٠) .\n(٢) أخرجه الطبري (١١/ ٣٤٨) برقم: (٣١٥٢٠) عن عمرو بن الأشج.\n(٣) أخرجه الطبري (١١/ ٣٤٩) برقم: (٣١٥٢٧) عن قتادة، وذكره ابن كثير (٤/ ١٨٦) عن جابر بن عبد الله.","vol":"5","page":251},{"text":"أَوفى بما عاهد عليه اللَّهَ فسنؤتيه أجرًا عظيما، وهو الجنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1349>[سورة الفتح (٤٨): الآيات ١١ الى ١٧]</span>\nسَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا فَاسْتَغْفِرْ لَنا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١١) بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا (١٢) وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَعِيرًا (١٣) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٤) سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلاَّ قَلِيلًا (١٥)\nقُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذابًا أَلِيمًا (١٦) لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذابًا أَلِيمًا (١٧)\nوقوله سبحانه: سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ قال مجاهد وغيره «١»: هم جُهَيْنَةُ ومُزَيْنَةُ، ومَنْ كان حول المدينة من الأعراب وذلك أَنَّ النبي ﷺ حين أراد المسيرَ إلى مَكَّة عام الحديبية مُعْتَمِرًا، استنفر مَنْ حولَ المدينة من الأعراب وأَهلِ البوادي ليخرجوا معه حذرًا من قريش، وأحرم بالعمرة، وساق معه الهَدْيَ ليعلمَ الناس أنه لا يريد حربًا، فتثاقل عنه هؤلاء المُخَلَّفُونَ، ورأوا أَنَّهُ [يستقبل] «٢» عدوًّا عظيمًا من قريش وثقيف وكنانة والقبائل المجاورة لمكة، وهم الأحابيش، ولم يكن تَمَكَّنَ إيمانُ هؤلاءِ المُخَلَّفِينَ، فقعدوا/ عن النبيﷺ- وتخلَّفُوا وقالوا: لَنْ يرجع محمد ولا أصحابه من هذه السفرة، ففضحهم اللَّه في هذه الآية، وأعلم نبيّه محمّدا ﷺ بقولهم، واعتذارهم قبلَ أَنْ يَصِلَ إليهم، فكان كما أخبر اللَّه سبحانه، فقالوا: «شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا عَنْكَ فَاسْتَغْفِرْ لَنَا» وهذا منهم خُبْثٌ وإبطال، لأَنَّهم قالوا ذلك مُصَانَعَةً من غير توبة ولا ندم فلذلك قال تعالى: يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ثم قال تعالى لنبيّه ع:\nقُلْ: لَهُمْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا أي: مَنْ يحمي منه أموالكم وأهليكم إنْ أراد بكم فيها سوءًا، وفي مصحف ابن مسعود «٣»: إنْ أراد بكم سوءا\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١١/ ٣٤٠) برقم: (٣١٤٨٤)، وذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ١٦١)، وابن عطية (٥/ ١٣٠) .\n(٢) سقط في: د.\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ١٣٠) .","vol":"5","page":252},{"text":"ثم رَدَّ عليهم بقوله: بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ثم فَسَّرَ لهم العِلَّةَ التي تخلَّفُوا من أجلها بقوله: بَلْ ظَنَنْتُمْ ... الآية، وبُورًا معناه: هلكى فاسدين، والبوار الهلاك، والبور في لغة «أَزْد عمان»: الفاسد، ثم رجى سبحانه بقوله: وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ثم إنَّ اللَّه سبحانه أَمَرَ نَبِيَّه [على] ما رُوِيَ [بغزو] خيبرَ، ووعده بفتحها، وأعلمه أَنَّ المُخَلَّفِينَ إذا رأوا مسير رسول اللهﷺ- إلى يهود- وهم عَدُوٌّ مُسْتَضْعَفٌ- طلبوا الكونَ معه رغبةً في عَرَضِ الدنيا والغنيمة، فكان كذلك.\nوقوله تعالى: يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ معناه: أنْ يغيروا وعده لأهلِ الحُدَيْبِيَّةِ بغنيمة/ خيبرَ، وقال ابن زيد «١»: كلام اللَّه هو قوله تعالى: لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا، قال ع: وهذا ضعيف لأَنَّ هذه الآية نزلت في غزوة تبوك في آخر عمره ﷺ وآية هذه السورة نزلت عامَ الحديبية، وأيضًا فقد غَزَتْ جُهَيْنَةُ ومُزَيْنَةُ بعد هذه المُدَّةِ مع رسول الله ﷺ يعني غزوة الفتح، فتح مَكَّة.\nت: قال الثعلبي: وعلى التأويل الأَوَّل عامَّةُ أهل التأويل، وهو أصوب من تأويل ابن زيد.\nوقوله: كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ يريد وعده قبل باختصاصهم بها، وباقي الآية بين.\nوقوله سبحانه: سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ قال قتادة وغيره: هم هوازن وَمَنْ حارب النبيّ ع يومَ حُنَيْنٍ «٢»، وقال الزُّهْرِيُّ وغيره «٣»: هم أهل الرِّدَّةِ وبنو حنيفة باليمامة، وحكى الثعلبيُّ عن رافع بن خديج أَنَّهُ قال: واللَّهِ لقد كُنَّا نقرأ هذه الآية فيما مضى، ولا نعلم مَنْ هم حَتَّى دعا أبو بكر إلى قتال بني حنيفة، فعلمنا أَنَّهُمْ هم المراد «٤»، وقيل: هم فارس والروم، وقرأ الجمهور: «أو يسلمون» «٥» على القطع أي: أو\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١١/ ٣٤٣) برقم: (٣١٤٩٢)، وذكره ابن عطية (٥/ ١٣١) .\n(٢) أخرجه الطبري (١١/ ٣٤٥) برقم: (٣١٥٠٤- ٣١٥٠٥)، وذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ١٩٢)، وابن عطية (٥/ ١٣٢) .\n(٣) أخرجه الطبري (١١/ ٣٤٥) برقم: (٣١٥٠٦)، وذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ١٩٢)، وابن عطية (٥/ ١٣٢)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٦٦)، وعزاه إلى ابن المنذر، والطبراني.\n(٤) ذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ١٩٢)، وابن عطية (٥/ ١٧٦) .\n(٥) وقرأ أبي بن كعب فيما حكى الكسائيّ: «أو يسلموا» بنصب الفعل على تقدير: أو يكون أن يسلموا، -","vol":"5","page":253},{"text":"هم يسلمون دونَ حرب، قال ابن العربي «١»: والذين تَعَيَّنَ قتالُهم حتى يسلموا مِنْ غير قبول جزية، هم العرب في أَصَحِّ الأقوال، أوِ المرتدون، فأَمَّا فارس والروم فلا يُقَاتَلونَ إلى أَنْ يسلموا بل إنْ بذلوا الجزية قُبِلَتْ منهم، وهذه الآية إخبار بمغيب فهي من معجزات النبي ﷺ، انتهى من «الأحكام» .\nوقوله: فَإِنْ تُطِيعُوا أي: فيما تُدعون إليه، وباقي الآية بَيِّنٌ.\nثم ذكر تعالى أهل/ الأعذار، ورَفَعَ الحرج عنهم، وهو حكم ثابت لهم إلى يوم القيامة، ومع ارتفاع الحَرَج فجائز لهم الغزوُ، وأجرهم فيه مُضَاعَفٌ، وقد غزا ابن أُمِّ مكتوم [وكان يُمْسِكُ الرَايةَ في بعض حروب القادسية، وقد خَرَّجَ النسائِيُّ هذا المعنى، وذكر ابنَ أمّ مكتوم] «٢» ﵀.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1350>[سورة الفتح (٤٨): الآيات ١٨ الى ٢٠]</span>\nلَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨) وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها وَكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٩) وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِراطًا مُسْتَقِيمًا (٢٠)\nوقوله ﷿: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ ... الآية، تشريف لهم﵃- وقد تَقَدَّمَ القولُ في المبالغة ومعناها، وكان سببَ هذه المبايعة أنّ رسول الله ﷺ أراد أَنْ يبعث إلى مَكَّةَ رجلًا يُبَيِّنُ لهم أنّ النبي ﷺ لا يريد حربًا وإنَّما جاء مُعْتَمِرًا، فبعث إليهم خداش بن أميّة الخزاعيّ، وحمله ﷺ على جَمَلٍ له يقال له: الثعلب، فلما كَلَّمَهُمْ عَقَرُوا الجمل، وأرادوا قتل خداش فمنعته الأحابيش، وبلغ ذلك النبيّ ﷺ فأراد بَعْثَ عمر بن الخطاب، فقال له عمر: يا رسول اللَّه، إنِّي أخاف قريشًا على نفسي، وليس بِمَكَّةَ من بني عَدِيٍّ أَحَدٌ يحميني، ولكنِ ابعث عثمان فهو أَعُزُّ بمكّة منّي، فبعثه النبي ﷺ فذهب، فلقيه أبان بن سعيد بن العاصي فنزل عن دَابَّتِهِ فحمله عليها، وأجاره حتى بلغ\n_________\n- ومثله قول امرئ القيس [الطويل]:\nفقلت له لا تبك عينك إنما ... تحاول ملكا أو تموت فتعذرا\nينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ١٣٢)، و«البحر المحيط» (٨/ ٩٤)، وزاد نسبتها إلى زيد بن علي، وهي في «الدر المصون» (٦/ ١٦٢) .\n(١) ينظر: «أحكام القرآن» (٤/ ١٧٠٥) . [.....]\n(٢) سقط في: د.","vol":"5","page":254},{"text":"الرسالة، فقالوا له: إنْ شِئْتَ يا عثمانَ أَنْ تطوف بالبيت فَطُفْ به، فقال: ما كنت لأطوف حتى يطوف به النبي ﷺ ثم إنَّ بَنِي سعيد بن العاصي حَبَسُوا عثمانَ على جهة المبرة، فأبطأ على النبيِّ ﷺ وكانتِ الحُدَيْبِيَّةُ من مَكَّةَ على نحو عَشَرَةِ أميال، فصرخ صارخ من عسكر رسول اللَّه ﷺ: قتل عثمان، فجثا رسول الله ﷺ/ والمؤمنون، وقالوا: لا نبرحُ- إنْ كان هذا- حتى نُنَاجِزَ القوم، ثم دعا الناسَ إلى البيعة فبايعوه ﷺ ولم يَتَخَلَّفْ عنها إلاَّ الجد بن قيس المنافق، وجعل النبيّ ﷺ يَدَهُ على يَدِهِ، وقال: هذه يَدٌ لعثمانَ «١»، وهي خير، ثم جاءَ عثمانُ سالمًا والشجرة سمرة كانت هنالك ذهبت بعد سنين.\nوقوله سبحانه: فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ قال الطبريُّ «٢»، ومنذر بن سعيد: معناه: من الإيمان وصِحَّتِهِ، والحبِّ في الدين والحِرْصِ فيه، وقرأ الناس: «وَأَثَابَهُمْ» «٣» قال هارون:\nوقد قرأت: «وَآتَاهُمْ» بالتاء بنقطتين «٤»، والفتح القريب: خيبر، والمغانم الكثيرة: فتح خيبرَ.\nوقوله تعالى: وَعَدَكُمُ اللَّهُ ... الآية، مخاطبة للمؤمنين، ووعد بجميع المغانم التي أخذها المسلمون ويأخذونها إلى يوم القيامة قاله مجاهد وغيره «٥» .\nوقولهُ: فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ يريد خيبَر، وقال زيد بن أسلم وابنه: المغانم الكثيرة:\nخيبر «٦»، وهذه إشارة إلى البيعة والتَّخَلُّصِ من أمر قريش، وقاله ابن عبّاس «٧» .\n_________\n(١) ورد ذكر البيعة في حديث ابن عمر، أخرجه البخاري (٦/ ٢٧١) كتاب «فرض الخمس» باب: إذا بعث الإمام رسولا في حاجة أو أمره بالمقام هل يسهم له؟ (٣١٣٠) وأطرافه في (٣٦٩٨، ٣٧٠٤، ٤٠٦٦، ٤٥١٣، ٤٥١٤، ٤٦٥٠، ٧٠٩٥)، والترمذي (٥/ ٦٢٩)، كتاب «المناقب» باب: في مناقب عثمان بن عفان ﵁ (٣٧٠٦)، وأحمد (٢/ ١٢٠)، وأبو يعلى في «مسنده» (٩/ ٤٥٠) (١٨٥/ ٥٥٩٩) .\nقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.\n(٢) ينظر: «تفسير الطبري» (١١/ ٣٥٠) .\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ١٣٤)، و«البحر المحيط» (٨/ ٩٦) .\n(٤) قرأ بها الحسن ونوح القارئ.\nينظر: «مختصر الشواذ» ص: (١٤٢)، و«البحر المحيط» (٨/ ٩٦) .\n(٥) أخرجه الطبري (١١/ ٣٥١) برقم: (٣١٥٣٣)، وذكره ابن عطية (٥/ ١٣٤)، وابن كثير (٤/ ١٩١)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٧٠) .\n(٦) أخرجه الطبري (١١/ ٣٥١) برقم: (٣١٥٣٤) عن ابن زيد، وذكره ابن عطية (٥/ ١٣٥) .\n(٧) أخرجه الطبري (١١/ ٣٥١) برقم (٣١٥٣٧) وذكره ابن عطية (٥/ ١٣٥)، وابن كثير (٤/ ١٩١) .","vol":"5","page":255},{"text":"وقوله سبحانه: وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ قال قتادة: يريد كَفَّ أَيديهم عن أهل المدينة في مغيب النبي ﷺ والمؤمنين «١»، وَلِتَكُونَ آيَةً أي: علامة على نصر المؤمنين، وحكى الثعلبيُّ عن قتادة أَنَّ المعنى: كَفَّ اللَّه غطفان ومن معها حين جاؤوا لنصر خيبر «٢»، وقيل: أراد كفّ قريشا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1351>[سورة الفتح (٤٨): الآيات ٢١ الى ٢٦]</span>\nوَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (٢١) وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ ثُمَّ لاَ يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا (٢٢) سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (٢٣) وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٢٤) هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابًا أَلِيمًا (٢٥)\nإِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٢٦)\nوقوله سبحانه: وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قال ابن عباس: الإشارة إلى بلاد فارس والروم «٣»، وقال قتادة والحسن: الإشارة إلى مَكَّةَ «٤»، وهذا قول يَتَّسِقُ معه المعنى ويتأيَّد/.\nوقوله: قَدْ أَحَاطَ الله بِهَا معناه: بالقُدْرَةِ وَالْقَهْرِ لأهلها، أي: قد سبق في علمه ذلك، وظهر فيها أَنَّهم لم يقدروا عليها.\nت: قوله: وظهر فيها إِلى آخرهِ كلامٌ غير محصل، ولفظ الثعلبيِّ: وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها أي: وعدكم فتح بلدة أخرى لم تقدروا عليها، قد أحاط اللَّه بها لكم حَتَّى يفتحها عليكم، وقال ابن عباس «٥»: علم اللَّه أَنَّه يفتحها لكم، قال مجاهد «٦»: هو ما فتحوه حتى اليوم، ثم ذكر بَقِيَّةَ الأقوال، انتهى.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١١/ ٣٥٢) برقم: (٣١٥٣٨- ٣١٥٣٩)، وذكره ابن عطية (٥/ ١٣٥)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ١٧٧)، وعزاه إلى عبد بن حميد.\n(٢) ذكره ابن عطية (٥/ ١٣٥) .\n(٣) أخرجه الطبري (١١/ ٣٥٣) رقم (٣١٥٤١)، وذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ١٩٨) وابن عطية (٥/ ١٣٥) .\n(٤) أخرجه الطبري (١١/ ٣٥٤) برقم: (٣١٥٥١- ٣١٥٥٢) عن قتادة، وذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ١٩٨)، وابن عطية (٥/ ١٣٥)، وابن كثير (٤/ ١٩١) عن قتادة، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٧١)، وعزاه إلى عبد الرزاق، وعبد بن حميد.\n(٥) ذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ١٩٨)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ١٩٢) .\n(٦) أخرجه الطبري (١١/ ٣٥٣) برقم: (٣١٥٤٥)، وذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ١٩٨) . [.....]","vol":"5","page":256},{"text":"وقوله سبحانه: وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني «١»: كفار قريش في تلك السنة لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ ثُمَّ لاَ يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا.\nوقوله: سنة اللَّه أي: كَسُنَّةِ اللَّه، إشارةً إلى وقعة بدر، وقيل: إشارة إلى عادة اللَّه من نصر الأنبياء، ونصب «سنة» على المصدر.\nوقوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ ... الآية، رُوِيَ في سببها أَنَّ قريشًا جمعت جماعة من فتيانها، وجعلوهم مع عِكْرِمَةَ بن أبي جهل، وخرجوا يطلبون غرَّةً في عسكر النبيّ ﷺ واختلف الناسُ في عدد هؤلاء اختلافًا متفاوتًا فلذلك اختصرته، فلمَّا أَحَسَّ بهم المسلمون بعث رسول الله ﷺ في أَثَرِهِمْ خالدَ بنَ الوليد، وسَمَّاهُ يومئذٍ سَيْفَ اللَّه في جملة من الناس، فَفَرُّوا أمامهم، حَتَّى أدخلوهم بُيُوتَ مَكَّةَ، وأَسَرُوا منهم جملة، فسيقوا إلى النبيّ ﷺ فَمَنَّ عليهم وأطلقهم «٢» قال الوَاحِدِيُّ: وكان ذلك سَبَبَ الصلح بينهم، انتهى.\nوقوله سبحانه: هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني: أهل مكة وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أي: منعوكم من العمرة، وذلك أنّ النبيّ ﷺ خرج من المدينة إلى الحديبية في/ ذي القعدة سنة ست يريد العمرة وتعظيم البيت وخرج معه بمائة بدنة وقيل بسبعين فأجمعت قريش لحربه وغوروا المياه التي تقرب من مكة فجاء ﷺ حتى نزل على بئر الحديبية وحينئذ وضع سهمه في الماء فجرى غمرًا حتى كفى الجيش ثم بعث ﷺ إليهم عثمان كما تقدم وبعثوا هم رجالًا آخرهم سهيل بن عمرو وبه انعقد الصلح على أن ينصرف ﷺ ويعتمر من قابل فهذا صدهم إياه وهو مستوعب في السير، والْهَدْيَ معطوف على الضمير في «صدوكم» [أي] وصدوا الهدي، ومَعْكُوفًا حال، ومعناه: محبوسًا، تقول عكفت الرجل عن حاجته إذا حبسته، وحبس الهدي من قبل المشركين هو بصدهم، ومن قبل المسلمين لرؤيتهم ونَظَرِهِمْ في أَمرهم لأجل أَنْ يبلغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ، وهو مَكَّةُ والبَيْتُ، وهذا هو حَبْسُ المسلمين، وذكر تعالى العِلَّةَ في أَنْ صَرَفَ المسلمين، ولم يمكنهم من دخول مَكَّةَ في تلك الوجهة، وهي أَنَّهُ كان بمكة مؤمنون من رجال ونساء خَفِيَ إيمانهم، فَلَوِ استباح المسلمون بيضتها أهلكوا أولئك المؤمنين قال قتادة «٣»: فدفع الله عن المشركين بأولئك\n_________\n(١) في د: يبتغي.\n(٢) أخرجه الطبري (١١/ ٣٥٦) برقم: (٣١٥٦٠)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٧٥)، وعزاه إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن أبزي.\n(٣) أخرجه الطبري (١١/ ٣٦٣) برقم: (٣١٥٧٣)، وذكره البغوي (٤/ ٢٠٤)، وابن عطية (٥/ ١٣٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٧٦)، وعزاه لابن جرير.","vol":"5","page":257},{"text":"المؤمنين، والوَطْءُ هنا: الإهلاك بالسيف وغيره ومنه قوله ﷺ: «اللهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرٍ «١»» قال أبو حيَّان «٢»: وَلَوْلا رِجالٌ جوابها محذوف لدلالة الكلام عليه، أي: ما كَفَّ أيديَكم عنهم، انتهى، والمَعَرَّةُ: السوء والمكروه اللاحق مأخوذ من العُرِّ والعُرَّة وهو الجَرَبُ الصَّعْبُ اللاَّزِمُ، واختلف/ في تعيين هذه المَعَرَّةِ، فقال الطبريُّ «٣»: وَحَكَاهُ الثعلبيُّ:\nهي الكَفَّارة، وقال مُنْذِرٌ: المَعَرَّة: أنْ يعيبهم الكُفَّار، ويقولوا: قتلوا أهل دينهم، وقال بعضُ المفسِّرين: هي المَلاَمُ، والقولُ في ذلك، وتألمَ النفْسِ في باقي الزمان، وهذه أقوالٌ حِسَانٌ، وجواب «لولا» محذوفٌ، تقديره: لولا هؤلاءِ لدخلتم مكَّةَ، لكن شرَّفْنَا هؤلاءِ المؤمنِينَ بأنْ رَحِمْنَاهُمْ، ودفعنا بسببهم عن مَكَّةَ ليدخل اللَّه، أي: لِيُبَيِّنَ للناظر أنَّ اللَّه يدخُلَ من يشاء في رحمته أو، أي: لِيقعَ دخولهم في رحمة اللَّه ودفعه عنهم.\nت: وقال الثَّعْلَبِيُّ: قوله: «بِغَيْرِ عِلْمٍ» يحتمل أنْ يريد بغير علم مِمَّنْ تكلَّم بهذا، والمَعَرَّةُ: المشقة «لِيُدْخِلَ اللَّهُ في رَحْمَتِهِ» أي: في دين الإِسلام «مَنْ يَشَاءُ»: من أهل مكة قبل أن تدخلوها، انتهى.\nوقوله تعالى: لَوْ تَزَيَّلُوا أي: لو ذهبوا عن مَكَّةَ تقول: زِلْتُ زيدًا عن موضعه إزالة، أي: أذهبته، وليس هذا الفعل من «زَالَ يَزُولُ»، وقد قيل: هو منه، وقرأ أبو حيوة\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٢/ ٥٧٢) كتاب «الاستسقاء» باب: دعاء النبي ﷺ: «واجعلها عليهم سنين كسني يوسف» (١٠٠٦)، (٦/ ٤٨١) كتاب «أحاديث الأنبياء» باب: قول الله تعالى: لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ (٣٣٨٦)، (١٠/ ٥٩٦) كتاب «الأدب» باب: تسمية الوليد (٦٢٠٠)، (١١/ ١٩٧) كتاب «الدعوات» باب: تكرير الدعاء (٦٣٩٣)، ومسلم (٣/ ١٩٠- ١٩١) كتاب «المساجد ومواضع الصلاة» باب: استحباب القنوت في جميع الصلاة، إذا نزلت بالمسلمين نازلة (٢٩٤، ٢٩٤/ ٦٧٥)، (٢٩٥/ ٦٧٥)، وابن حبان (٥/ ٣٠١) كتاب «الصلاة» باب: صفة الصلاة (١٩٦٩، ١٩٧٢)، باب: فصل في القنوت (١٩٨٦)، وأبو داود (١٠/ ٤٥٧) كتاب «الصلاة» باب: القنوت في الصلاة (١٤٤٢)، وأحمد (٢/ ٢٣٩، ٢٥٥، ٢٧١، ٣٩٦، ٤٠٧، ٤١٨، ٥٠٢، ٥٢١)، وابن ماجه (١/ ٣٩٤) كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها: باب: ما جاء في القنوت في صلاة الفجر (١٢٤٤)، والبيهقي (٢/ ١٩٧، ١٩٨، ٢٠٠) كتاب «الصلاة» باب: القنوت في الصلاة عند النازلة، (٢/ ٢٠٧) كتاب «الصلاة» باب: الدليل على أنه يقنت بعد الركوع، (٢/ ٢٤٤) كتاب «الصلاة» باب: ما يجوز من الدعاء في الصلاة، (٩/ ١٤) كتاب «السير» باب: ما جاء في عذر المستضعفين، والدارقطني (٢/ ٣٨) كتاب «الوتر»، وأنه ليس بفرض، والوتر على البعير، باب: صفة القنوت وبيان موضعه برقم: (٧)، والحميدي (٢/ ٤١٩) (٩٣٩)، والبيهقي في «دلائل النبوة» (٤/ ١٧٦) .\n(٢) ينظر: «البحر المحيط» (٨/ ٩٧) .\n(٣) ينظر: «تفسير الطبري» (١١/ ٣٦٣) .","vol":"5","page":258},{"text":"وقتادة: «تَزَايَلُوا» بألف «١»، أي: ذهب هؤلاء عن هؤلاء، وقال النَّحَّاس: وقد قيل: إنَّ قوله: وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ ... الآية: يريدُ: مَنْ في أصلاب الكافرين مِمَّنْ سيُؤْمِنُ في غابر الدهر، وحكاه الثعلبيُّ والنَّقَّاش عن عليِّ بْنِ أبي طالبٍ﵁- عن النبي ﷺ مرفوعًا، والحَمِيَّةُ التي جعلوها هي حَمِيَّةُ أَهل مكة في الصَّدِّ قال الزُّهْرِيُّ: وهي حمية سُهَيْلٍ ومَنْ شَاهَدَ مِنْهُمْ عقدَ الصُّلْحِ، وجعلها سبحانه حَمِيَّةً جاهلية، لأَنَّها كانت منهم بغير حجّة، إذ لم يأت ﷺ مُحِارِبًا لهم، وإنما جاء معتمرًا معظِّمًا لبيت اللَّه، والسكينة: هي الطَّمْأَنِينَةُ إلى أَمْرِ رسُولِ الله ﷺ، والثقةُ بوعد اللَّه، والطاعةُ، وزوالُ/ الأَنَفَةِ التي لحقت عُمَرَ وغيره، «وكَلِمَةُ التَّقْوَى»: قال الجمهور: هي لا إله إلا اللَّه، ورُوِيَ ذلك عن النبيّ ﷺ وفي مصحف ابن مسعود «٢»: «وَكَانُوا أَهْلَهَا [وَأَحَقَّ بِهَا» والمعنى: كانوا أهلها] على الإطلاق في علم اللَّه وسابق قضائه لهم، وروى أبو أمامة عن النبيّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إذَا نَادَى المُنَادِي فُتِحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، واسْتُجِيبَ الدُّعَاءُ، فَمَنْ نَزَلَ بِهِ كَرْبٌ أَوْ شِدَّةٌ فَلْيَتَحَيَّنِ المُنَادِيَ، فَإذَا كَبَّرَ كَبَّرَ، وَإذَا تَشَهَّدَ تَشَهَّدَ، وَإذَا قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلاَةِ، قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلاَةِ، وَإذَا قَالَ: حَيَّ عَلَى الْفَلاَحِ، قَالَ: حَيَّ عَلَى الفَلاَحِ، ثُمَّ يَقُولُ: رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ الصادِقَةِ المُسْتَجَابِ لَهَا، دَعُوَةِ الحَقِّ وَكَلِمَةِ التقوى، أَحْيِنَا عَلَيْهَا، وَأَمِتْنَا عَلَيْهَا، وَابْعَثْنَا عَلَيْهَا، وَاجْعَلْنَا مِنْ خِيَارِ أَهْلِهَا أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًَا، ثُمَّ يَسْأَلُ اللَّهَ حَاجَتَهُ» رواه الحاكم في «المستدرك»، وقال: صحيح الإِسناد «٣»، انتهى من «السّلاح» .\nفقد بيّن ﷺ في هذا الحديث معنى «كلمة التقوى» على نحو ما فسرَ به الجمهور، والصحيحِ أنه يعوض عن الحَيْعَلَةِ الحَوْقَلَةُ ففي «صحيح مسلم»، ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَلاَةِ، قَالَ: لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلا باللَّهِ، ثم قال: حَيَّ عَلَى الْفَلاَحِ، قَالَ: لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلا باللَّهِ «٤»» الحديث، انتهى.\nوقوله تعالى: وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا إشارة إلى علمه بالمؤمنين الذين دفع عن كفار قريش بسببهم، وإلى علمه بوجه المصلحة في صلح الحديبية فيروى أنّه لما انعقد\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ١٣٧)، و«البحر المحيط» (٨/ ٩٨)، وزاد نسبتها إلى ابن أبي عبلة، وابن مقسم، وابن عون. وهي في «الدر المصون» (٦/ ١٦٤) .\n(٢) وهي في مختصر ابن خالويه ص: (١٤٣) هكذا: وكانوا أهلها أحق من غير واو. ونسبها إلى أصحاب عبد الله بن مسعود. وكما أثبتها «المصنف» عند ابن عطية في «المحرر الوجيز» (٥/ ١٣٨) .\n(٣) أخرجه الحاكم (١/ ٥٤٦- ٥٤٧)، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (١٠/ ٢١٣) .\n(٤) أخرجه مسلم (٢/ ٣٢١) كتاب «الصلاة» باب: استحباب القول مثل قول المؤذن، برقم: (١٢/ ٣٨٥) .","vol":"5","page":259},{"text":"الصلحُ أَمِنَ الناسُ في تلك المُدَّةِ الحربَ والفتنةَ، وامتزجوا وعَلَتْ دعوةُ الإسلام، / وانقاد إلى الإسلام كُلُّ مَنْ له فهم، وزاد عدد الإسلام في تلك المدة أَضعافَ ما كان قبلَ ذلك قال ع «١»: ويقتضى ذلك أَنَّ النبيّ ﷺ، كان في عام الحديبيةِ في أَرْبَعَ عَشْرَةَ مائة، ثم سار إلى مَكَّةَ بعد ذلك بعامين في عشرة آلاف فارسﷺ-.\nت: المعروف عَشَرَةُ آلاف، وقوله فارس ما أظنّه يصحّ فتأمله في كتب السيرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1352>[سورة الفتح (٤٨): الآيات ٢٧ الى ٢٨]</span>\nلَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (٢٧) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٢٨)\nوقوله سبحانه: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ ... الآية: «رُوِيَ في تفسيرها أن النبي ﷺ رأى في مَنَامِهِ عِنْدَ خُرُوجِهِ إلَى الْعُمْرَةِ أَنَّهُ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، بَعْضُهُمْ مُحَلِّقُونَ، وَبَعْضُهُمْ مُقَصِّرُونَ» «٢» وقال مجاهد: رأى ذلك بالحديبية فأخبر الناسَ بهذه الرؤيا، فَوَثِقَ الجميعُ بأَنَّ ذلك يكون في وجهتهم تلك، وقد كان سَبَقَ في علم اللَّه أنَّ ذلك يكون، لكن ليس في تلك الوجهة، فَلَمَّا صَدَّهُمْ أهلُ مَكَّةَ قال المنافقون: وأين الرؤيا؟ ووقع في نفوس بعض المسلمين شيء من ذلك، فأجابهم النبي ﷺ بأَنْ قَالَ: «وَهَلْ قُلْتُ لَكُمْ: يَكُونُ ذَلِكَ فِي عَامِنَا هَذَا»، أَوْ كَمَا قَالَ، ونطق أبو بكر قبل ذلك بنحوه «٣»، ثم أنزل الله ﷿: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ ... الآية، واللام في: لَتَدْخُلُنَّ لامُ القَسَمِ.\nوقوله: إِنْ شاءَ اللَّهُ اخْتُلِفَ في هذا الاستثناء، فقال بعض العلماء: إنَّما استثنى من حيثُ إنَّ كل واحد من الناس متى رَدَّ هذا الوعد إلى نفسه، / أمكن أَنْ يتمّ الوعد فيه وأَلاَّ يتمّ إذ قد يموت الإنسان أو يمرض لحينه، فلذلك استثنى ﷿ في الجملة إذ فيهم- ولا بُدَّ- مَنْ يموتُ أو يمرض.\nت: وقد وقع ذلك حسبما ذكر في السِّيَرِ، وقال آخرون: هو أخذ من\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ١٣٨) .\n(٢) أخرجه الطبري (١١/ ٣٦٧) برقم: (٣١٦٠٢)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٧٩) .\n(٣) أخرجه الطبري (١١/ ٣٦٧) برقم: (٣١٦٠١)، وذكره ابن عطية (٥/ ١٣٩)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٧٩)، وعزاه للفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي في «الدلائل» .","vol":"5","page":260},{"text":"اللَّه تعالى [على عباده] «١» بأدبه في استعمال الاستثناء في كل فعل.\nت: قال ثعلب: استثنى اللَّه تعالى فيما يعلم ليستثنيَ الخَلْقُ فيما لا يعلمون، وقيل غير هذا، ولما نزلت هذه الآية عَلِمَ المسلمون أَنَّ تلك الرؤيا ستخرج فيما يستأنفونه من الزمان، فكان كذلك، فخرج ﷺ في العام المُقْبِلِ واعتمر.\nوقوله سبحانه: فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا يريد ما قَدَّرَهُ من ظهور الإسلام في تلك المدة ودخول الناس فيه.\nوقوله: مِنْ دُونِ ذلِكَ أي: من قبل ذلك، وفيما يدنو إليكم، واختلف في الفتح القريب، فقال كثير من العلماء: هو بيعة الرضوان وصُلْحُ الحديبية، وقال ابن زيد «٢»: هو فتح خيبر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1353>[سورة الفتح (٤٨): آية ٢٩]</span>\nمُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانًا سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)\nوقوله تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ قال جمهور الناس: هو ابتداء وخبر، استوفى فيه تعظيمَ منزلة النبي ﷺ.\nوقوله: وَالَّذِينَ مَعَهُ ابتداء، وخبره: أَشِدَّاءُ ورُحَماءُ خبر ثانٍ، وهذا هو الراجح لأَنَّهُ خبر مضاد لقول الكفار: «لا تكتب مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ»، وَالَّذِينَ مَعَهُ إشارة إلى جميع الصحابة عند الجمهور، وحكى الثعلبيُّ عن ابن عباس أَنَّ الإشارة إلى مَنْ شَهِدَ الحديبية «٣» .\nت: ووصف تعالى الصحابة بأَنَّهُمْ رحماء بينهم، وقد جاءت أحاديثُ صحيحةٌ في تراحم المؤمنين حدثنا الشيخ وليُّ الدين العراقيُّ بسنده عن عبد اللَّه بن عمرو بن/ العاصي أَنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرحمن ارْحَمُوا مَنْ في الأرض\n_________\n(١) سقط في: د. [.....]\n(٢) أخرجه الطبري (١١/ ٣٦٨) برقم: (٣١٦١٠)، وذكره ابن عطية (٥/ ١٤٠)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٧٩)، وعزاه لابن جرير.\n(٣) ذكره ابن عطية (٥/ ١٤٧) .","vol":"5","page":261},{"text":"يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ» «١» وأخرج الترمذيُّ من طريق أبي هريرة عن النبيّ ﷺ أَنَّهُ قال: «لاَ تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ إلاَّ مِنْ [قَلْبٍ] شَقِيٍّ» «٢» وخَرَّجَ عن جرير بن عَبْدِ اللَّه قال: قال رسول اللَّه ﷺ: «مَنْ لاَ يَرْحَمِ النَّاسَ، لاَ يَرْحَمْهُ اللَّهُ» «٣» قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وهذا الحديث خَرَّجه مسلم عن جرير، وخَرَّجَ مسلم أيضًا من طريق أبي هريرةَ:\n«مَنْ لاَ يَرْحَمْ لاَ يُرْحَمْ» «٤» انتهى، وبالجملة: فأسباب الألفة والتراحم بين المؤمنين كثيرةٌ، ولو بأَنْ تَلْقَى أخاك بوجه طَلْقٍ، وكذلك بَذْلُ السلام وَطيِّبُ الكلام، فالمُوَفَّقُ لا يحتقر من المعروف شيئًا، وقد روى الترمذي الحكيم في كتاب «ختم الأولياء» له بسنده عن عمر بن الخطاب﵁- قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «إذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ كَان أَحَبَّهُمَا إلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ أَحْسَنُهُمَا بِشْرًا بِصَاحِبِهِ» أوْ قَالَ: «أكثرهما [بشرا] بصاحبه، فإذا\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (٢/ ٧٠٣) كتاب «الأدب» باب: في الرحمة (٤٩٤١)، والترمذي (٤/ ٣٢٣- ٣٢٤) كتاب «البر والصلة» باب: ما جاء في رحمة المسلمين (١٩٢٤)، وأحمد (٢/ ١٦٠)، والحاكم في «المستدرك» (٤/ ١٥٩)، والبيهقي (٩/ ٤١) كتاب «السير» باب: ما على الوالي من أمر الجيش، والحميدي (٢/ ٢٦٩) (٥٩١) .\nقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.\n(٢) أخرجه أبو داود (٢/ ٧٠٣) كتاب «الأدب» باب: في الرحمة (٤٩٤٢)، والترمذي (٤/ ٣٢٣) كتاب «البر والصلة» باب: ما جاء في رحمة المسلمين (١٩٢٣) .\nقال الترمذي: هذا حديث حسن.\n(٣) أخرجه البخاري (١٠/ ٤٥٢) كتاب «الأدب» باب: رحمة الناس والبهائم (٦٠١٣)، ومسلم (٤/ ١٨٠٩) كتاب «الفضائل» باب: رحمته ﷺ الصبيان والعيال، وتواضعه وفضل ذلك (٦٦، ٦٦/ ٢٣١٩)، والطبراني (٢/ ٣٥٤- ٣٥٥) (٢٤٩١- ٢٤٩٢- ٢٤٩٣- ٢٤٩٥)، والبيهقي (٨/ ١٦١) كتاب «قتال أهل البغي» باب: ما على السلطان من القيام فيما ولي بالقسط والنصح للرعية، والرحمة بهم، والشفقة عليهم والعفو عنهم ما لم يكن حدا، والحميدي (٢/ ٣٥١) (٨٠٢)، وأحمد (٤/ ٣٥٨، ٣٦٠، ٣٦١، ٣٦٢، ٣٦٥، ٣٦٦) .\n(٤) أخرجه البخاري (١٠/ ٤٤٠) كتاب «الأدب» باب: من ترك صبية غيره حتى تلعب به، أو قبلها أو مازحها (٥٩٩٧)، ومسلم (٤/ ١٨٠٨- ١٨٠٩) كتاب «الفضائل» باب: رحمته ﷺ الصبيان والعيال وتواضعه وفضل ذلك (٦٥، ٦٥/ ٢٣١٨)، وأبو داود (٢/ ٧٧٧) كتاب «الأدب» باب: في قبلة الرجل ولده (٥٢١٨)، والترمذي (٤/ ٣١٨) كتاب «البر والصلة» باب: ما جاء في رحمة الولد (١٩١١)، والبخاري في «الأدب المفرد» (٣٥) (٩١)، وابن حبان (٢/ ٢٠٢) كتاب «البر والإحسان» باب: الرحمة (٤٥٧، ٤٦٣)، (١٢/ ٤٠٦- ٤٠٧) كتاب «الحظر والإباحة» باب: ذكر الإباحة أن يقبل الرجل ولده، وولد ولده وما بعده (٥٥٩٤، ٥٥٩٦)، (١٥/ ٤٣١) كتاب «إخباره ﷺ عن مناقب الصحابة» باب: ذكر ملاعبة المصطفى ﷺ للحسين بن علي بن أبي طالب ﵁ (٦٩٧٥)، وأحمد (٢/ ٢٢٨، ٢٤١، ٢٦٩، ٥١٤) .\nقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.","vol":"5","page":262},{"text":"تَصَافَحَا، أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيهِمَا مِائَةَ رَحْمَةٍ، تِسْعُونَ مِنْهَا لِلَّذِي بَدَأَ، وَعَشَرَةٌ لِلَّذِي صُوفِحَ» «١»، انتهى.\nوقوله: تَراهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا أي: ترى هاتين الحالتين كثيرا فيهم ويَبْتَغُونَ:\nمعناه: يطلبون.\nوقوله سبحانه: سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ قال مالك بن أنس: كانت جِبَاهُهُم مَتْرِبَةً من كثرة السجود في التراب وقاله عِكْرِمَةُ، ونحوه لأبي العالية «٢»، وقال ابن عباس وخالد الحنفي/ وعطية: هو وعد بحالهم يومَ القيامة من اللَّه تعالى، يجعل لهم نورًا من أَثر السجود «٣»، قال ع «٤»: كما يجعل غُرَّةً من أثر الوضوء، حسبما هو في الحديث، ويؤيد هذا التأويلَ اتصالُ القولِ بقوله: «فَضْلًا مِنَ اللَّهِ» وقال ابن عباس:\nالسَّمْتُ الحَسَنُ هو السيما، وهو خشوع يبدو على الوجه «٥»، قال ع «٦»: وهذه حالةُ مُكْثِرِي الصلاةَ لأَنَّها تنهاهم عن الفحشاء والمنكر، وقال الحسن بن أبي الحسن، وشِمْرُ بن عَطِيَّةَ: «السيما»: بَيَاضٌ وصُفْرَةٌ وتَبْهِيجٌ يعتري الوجوهَ من السَّهَرِ»\n، وقال عطاء بن أبي رباح، والربيع بن أنس: «السّيما»: حسن يعتري وجوه المصلّين «٨»، قال﵇ «٩» -: ومن هذا الحديثُ الذي في «الشِّهاب»: «مَنْ كثرت صلاته باللّيل حسن وجهه\n_________\n(١) ذكره المتقي الهندي في «كنز العمال» (٩/ ١١٤) (٢٥٢٤٥)، وعزاه لأبي الشيخ، والحكيم الترمذي عن عمر.\n(٢) أخرجه الطبري (١١/ ٣٧١) عن عكرمة برقم: (٣١٦٣٢)، وذكره البغوي (٤/ ٢٠٦) عن عكرمة، وأبي العالية، وابن عطية (٥/ ١٤١) .\n(٣) أخرجه الطبري (١١/ ٣٧٠) عن ابن عبّاس برقم: (٣١٦١٣)، وعن خالد الحنفي برقم: (٣١٦١٤)، وذكره البغوي (٤/ ٢٠٦) عن ابن عبّاس، وابن عطية (٥/ ١٤١)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٨٢)، وعزاه للبخاري في «تاريخه»، وابن نصر عن ابن عبّاس ﵄.\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ١٤١) .\n(٥) أخرجه الطبري (١١/ ٣٧٠) برقم: (٣١٦٢١)، وذكره البغوي (٤/ ٢٠٦)، وابن عطية (٥/ ١٤١)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٢٠٤)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٨١)، وعزاه لمحمّد بن نصر في كتاب «الصلاة»، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في «سننه» .\n(٦) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ١٤١) .\n(٧) أخرجه الطبري (١١/ ٣٧١) عن الحسن برقم: (٣١٦٢٨)، وعن شمر بن عطية برقم: (٣١٦٣٠)، وذكره ابن عطية (٥/ ١٤١) .\n(٨) ذكره البغوي (٤/ ٢٠٦)، وذكره ابن عطية (٥/ ١٤١) . [.....]\n(٩) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ١٤١) .","vol":"5","page":263},{"text":"بِالنَّهَارِ» «١» قال ع «٢»: وهذا حديث غَلِطَ فيه ثابت بن موسى الزاهد، سَمِعَ شَرِيكَ بنَ عبد اللَّه يقول: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عن أبي سفيانِ، عن جابر، ثم نزع شريك لما رأى ثابتًا الزاهد فقال يعنيه: مَنْ كَثُرَتْ صَلاَتُهُ بِاللَّيْلِ، حَسُنَ وَجْهُهُ بِالنَّهَارِ، فَظَنَّ ثابت أَنَّ هذا الكلام حديث متركِّب على السند المذكور، فَحَدَّثَ به عن شريك.\nت: واعلم أَنَّ اللَّه سبحانه جعل حُسْنَ الثناء علامةً على حسن عُقْبَى الدار، والكون في الجنة مع الأبرار، جاء بذلك صحيح الآثار عن النبي المختار ففي «صحيح البخاريّ» و«مسلم» عن أنس قالَ: «مَرُّوا بِجَنَازَةٍ فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خيرا، فقال النبيّ ﷺ:\nوَجَبَتْ، ثُمَّ مَرُّوا بأخرى فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا، فَقَالَ: / وَجَبَتْ، فَقَالَ عُمَرُ: مَا وَجَبَتْ؟ فَقَالَ:\nهَذا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا فَوَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ، وَهَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ في الأَرْضِ» «٣»، انتهى، ونقل صاحب «الكوكب الدُّرِّيِّ» من مسند البَزَّارِ عنِ النبيّ ﷺ أَنَّه قال: «يُوشِكُ أَنْ تَعْرِفُوا أَهْلَ الجَنَّةِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بم؟ قال:\nبالثّناء الحسن والثّناء السّيّئ» «٤»، انتهى، ونقله صاحب كتاب «التشوُّف إلى رجال التصوُّف» وهو الشيخ الصالح أبو يعقوب يوسف بن يحيى التادلي، عن ابن أبي شيبة، ولفظه: وخرّج\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه (١/ ٤٢٢) كتاب «إقامة الصلاة والسنة فيها» باب: ما جاء في قيام الليل (١٣٣٣)، والخطيب في «تاريخ بغداد» (١/ ٣٤١) (٢٥٧)، (١٣/ ٣٨) (٦٩٩٥)، وابن الشجري في «أماليه» (١/ ٢٠٥، ٢٠٨) .\nقال العجلوني في «كشف الخفاء ومزيل الإلباس» (٢/ ٣٣٨) (٢٥٨٧): لا أصل له، وإن روي من طرق عند ابن ماجه بعضها عن جابر، وأورد الكثير منها عن القضاعي وغيره، قال: ولكن قرأت بخط شيخنا في بعض أجوبته أنه ضعيف، بل قواه بعضهم والمعتمد الأول، وأطنب ابن عدي في رده، قال ابن طاهر: ظن القضاعي أن الحديث صحيح لكثرة طرقه، وهو معذور لأنه لم يكن حافظا انتهى.\nواتفق أئمة الحديث: ابن عدي، والدارقطني، والعقيلي، وابن حبان، والحاكم على أنه من قول شريك لثابت، وقال ابن عدي: سرقه جماعة من ثابت، كعبد الله بن شبرمة الشريكي، وعبد الحميد بن بحر، وغيرهما، وقال ابن حجر المكي في «الفتاوى»: أطبقوا على أنه موضوع، مع أنه في «سنن ابن ماجه» .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ١٤١) .\n(٣) أخرجه البخاري (٣/ ٢٧٠) كتاب «الجنائز» باب: ثناء الناس على الميت (١٣٦٧) (٥/ ٢٩٩) كتاب «الشهادات» باب: تعديل كم يجوز؟ (٢٦٤٢)، ومسلم (٢/ ٦٥٥) كتاب «الجنائز» باب: فيمن يتسنى عليه خير أو شر (٦٠، ٦٠/ ٩٤٩)، وابن ماجه (١/ ٤٧٨) كتاب «الجنائز» باب: ما جاء في الثناء على الميت (١٤٩١) .\n(٤) أخرجه ابن ماجه (٢/ ١٤١١) كتاب «الزهد» باب: الثناء الحسن (٤٢٢١)، والبيهقي (١٠/ ١٢٣) كتاب «آداب القاضي» باب: اعتماد القاضي على تزكية المشركين وجرحهم، والحاكم (١/ ١٢٠) .\nقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد.","vol":"5","page":264},{"text":"أبو بكر بن أبي شيبةَ أَنَّهُ قال ﷺ في خُطْبَتِهِ: «تُوشِكُوا أَنْ تَعْرِفُوا أَهْلَ الجَنَّةِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، أَوْ قَالَ: خِيَارَكُمْ مِنْ شِرَارِكُمْ، قَالُوا: بِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: بالثّناء الحسن، وبالثّناء السّيّئ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ» «١» . ومن كتاب «التشوُّف» قال: وخَرَّجَ البزَّارُ عن أنس قال: «قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَنْ أَهْل الجَنَّةِ؟ قال: مَنْ لاَ يَمُوتُ حتى تُمْلأَ مَسَامِعُهُ مِمَّا يُحِبُّهُ، قِيلَ: فَمَنْ أَهْلُ النَّارِ؟ قال: مَنْ لاَ يَمُوتُ حتى تملأ مسامعه مِمَّا يَكْرَهُ» قال:\nوخَرَّج البَزَّارُ عن أبي هريرةَ «أَنَّ رجلًا قال: يا رَسُولَ اللَّهِ، دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ أَدْخُلُ بِهِ الجَنَّةَ، قَالَ: لاَ تَغْضَبْ، وَأَتَاهُ آخَرُ، فَقَالَ: متى أَعْلَمُ أَنِّي مُحْسِنٌ؟ قَالَ: إذَا قَالَ جِيرَانُكَ: إنَّكَ مُحْسِنٌ، فَإنَّكَ مُحْسِنٌ، وَإذَا قَالُوا: إنَّكَ مُسِيءٌ، فَإنَّكَ مُسِيءٌ» «٢» انتهى، ونقل القرطبي في «تذكرته» عن عبد اللَّه بن السائب قال: مَرَّتْ جنازةٌ بابن مسعود فقال لرجُلٍ: قُمْ فانظرْ أمن أهل الجنة هو أم من أهل النَّارِ، فقال الرجل: ما يُدْرِينِي أمِنْ أهل الجنة هو أَمْ مِنْ أهل النار؟ قال: انظر ما ثَنَاءُ الناسِ عليه، فأنتم شهداءُ اللَّه في الأرض، / انتهى وباللَّه التوفيق، وإياه نستعين.\nوقوله سبحانه: ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ ... الآية: قال مجاهد وجماعة من المتأولين: المعنى: ذلك الوصف هو مَثَلُهُمْ في التوراة ومثلهم في الإنجيل «٣»، وتم القول، وكَزَرْعٍ ابتداءُ تمثيل، وقال الطبريُّ وحكاه عن الضَّحَّاك «٤»: المعنى: ذلك الوصف هو مثلهم في التوراة، وتَمَّ القولُ، ثم ابتدأ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ «٥» .\nت: وقيل غير هذا، وأبينها الأَوَّلُ، وما عداه يفتقر إلى سند يقطع الشكِ.\nوقوله تعالى: كَزَرْعٍ على كل قول هو مثل للنبيّ ع وأصحابه في أنّ النبي ع بُعِثَ وَحْدَهُ فكان كالزرع حَبَّةً واحدة، ثم كَثُرَ المسلمون فهم كالشطء، وهو فراخ السُّنْبُلَةِ التي تنبت حول الأصل يقال: أشطأتِ الشجرةُ إذا أخرجت غُصُونَها، وأشطأ الزرع: إذا أخرج شطأه، وحكى النقاش عن ابن عباس أَنَّهُ قال: الزّرع: النّبيّ ﷺ، فَآزَرَهُ: عليُّ بن أبي طالب، فَاسْتَغْلَظَ بأبي بكر، فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ بعمر بن الخطاب.\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٦/ ٤٦٦)، والبيهقي (١٠/ ١٢٣) كتاب «آداب القاضي» باب: اعتماد القاضي على تزكية المشركين وجرحهم.\n(٢) تقدم تخريجه شاهدا لحديث: «لا تغضب» .\n(٣) أخرجه الطبري (١١/ ٣٧٣) برقم: (٣١٦٤١)، وذكره ابن عطية (٥/ ١٤٢) .\n(٤) ينظر: «تفسير الطبري» (١١/ ٣٧٢) .\n(٥) أخرجه الطبري (١١/ ٣٧٢) برقم: (٣١٦٣٥)، وذكره ابن عطية (٥/ ١٤٢) .","vol":"5","page":265},{"text":"ت: وهذا لَيِّنُ الإسناد والمتن، كما ترى، واللَّه أعلم بِصِحَّتِهِ «١» .\nوقوله تعالى: فَآزَرَهُ له معنيان:\nأحدهما: ساواه طولًا.\nوالثَّاني: أنَّ: «آزره» و«وَازَرَهُ» بِمعنى: أعانه وَقَوَّاهُ مأخوذٌ من الأَزَرِ، وفَاعِلُ «آزر» يحتملُ أنْ يكون الشَّطْءَ، ويحتمل أَنْ يكون الزَّرْعَ.\nوقوله تعالى: لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ابتداء كلام قبله محذوف، تقديره: جعلهم اللَّه بهذه الصفة ليغيظ بهم الكفار، قال/ الحسن: مِنْ غَيْظِ الكُفَّارِ قولُ عُمَرَ بِمَكَّةَ: لاَ يُعْبَدُ اللَّهُ سِرًّا بَعْدَ الْيَوْمِ «٢» .\nوقوله تعالى: مِنْهُمْ هي لبيان الجنس، وليست للتبعيض لأنّه وعد مرج للجميع.\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٥/ ١٤٢) .\n(٢) ذكره البغوي (٤/ ٢٠٦)، وابن عطية (٥/ ١٤٣) .","vol":"5","page":266},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1354>تفسير سورة «الحجرات»</span>\nوهي مدنيّة بإجماع\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1355>[سورة الحجرات (٤٩): الآيات ١ الى ٣]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (٢) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٣)\nقوله ﷿: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ... الآية: قال ابن زيد: معنى: لاَ تُقَدِّمُوا لا تمشوا «١»، وقرأ ابن عباس، والضَّحَّاكُ، ويعقوب: - بفتح التاءِ والدال «٢» -، على معنى: لا تَتَقَدَّمُوا، وعلى هذا يجيء تأويل ابن زيد، والمعنى على ضم التاء: بين يدي قولِ اللَّه ورسوله، ورُوِيَ أَنَّ سَبَبَ هذه الآية أَنَّ وفد بني تميم لما قَدِمَ، قال أبو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ﵁-: يا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ أَمَرْتَ الْقَعْقَاعَ بنَ مَعْبَدٍ؟\nوَقَالَ عُمَرُ: لاَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَلْ أَمِّرِ الأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: مَا أَرَدْتَ إلا خِلافي، فَقَالَ عُمَرُ: مَا أَرَدْتُ خِلاَفَكَ، وَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا، فَنَزَلَتِ الآيةُ، وذهب بعض قَائِلِي هذه المَقَالَةِ إلى أَنَّ قوله: لاَ تُقَدِّمُوا: أي: وُلاَةً، فهو من تقديم الأمراء، وعموم اللفظ أحسن، أي: اجعلوه مبدأ في الأَقوال والأَفعال، وعبارة البخاريِّ: وقال مجاهد: «لا تقدموا»: لا تفتاتوا على رسول الله ﷺ حتى يقضي الله ﷿ على لسانه، انتهى «٣» .\nوقوله سبحانه: لاَ تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ الآية، هي أيضًا في هذا الفنِّ المتقدِّم فرُويَ أَنَّ سببها ما تقدم عن أبي بكر وعمر﵄- والصحيح أَنَّها نزلت بسبب عادة الأَعراب من الجَفَاءِ وعُلُوِّ الصَّوْتِ، وكان ثابت بن قيس بن شماس﵁- ممّن\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٥/ ١٤٤) .\n(٢) ينظر: «المحتسب» (٢/ ٢٧٨)، و«المحرر الوجيز» (٥/ ١٤٤)، و«البحر المحيط» (٨/ ١٠٥)، وزاد نسبتها إلى أبي حيوة، وابن مقسم، وهي في «الدر المصون» (٦/ ١٦٨) . [.....]\n(٣) أخرجه الطبري (١١/ ٣٧٧) برقم: (٣١٦٥٩)، وذكره البغوي (٤/ ٢٠٩)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٢٠٥)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٨٦)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه، والبيهقي في «شعب الإيمان» .","vol":"5","page":267},{"text":"في صوته/ جهارة فلما نزلت هذه الآية اهْتَمَّ وخاف على نفسه، وجلس في بيته لم يخرج، وهو كئيب حزين حتى عَرَفَ النبيّ ﷺ خبره فبعث إليه، فآنسه، وقال له: «امْشِ في الأَرْضِ بَسْطًا فإنَّكَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ»، وَقَالَ لَهُ مَرَّةً: «أَمَا ترضى أَنْ تَعِيشَ حَمِيدًا، وَتَمُوتَ شَهِيدًا؟» «١» فعاش كذلك، ثم قُتِلَ شَهِيدًا بِاليَمَامَةِ يَوْمَ مُسَيْلَمَةَ.\nت: وحديث ثابت بن قيس وتبشيره بالجنة خَرَّجَهُ البخاريُّ، وكذلك حديث أبي بكر وعمر وارتفاع أصواتهما خَرَّجه البخاريُّ أيضًا، انتهى.\nوقوله: كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أي: كحال أحدكم في جفائه، فلا تنادوه باسمه:\nيا محمد، يا أحمد قاله ابن عباس وغيره «٢»، فأمرهم اللَّه بتوقيره، وأنْ يدعوه بالنبوَّةِ والرسالة، والكلام اللَّيِّنِ، وكَرِهَ العلماءُ رفعَ الصوت عند قبر النبي ﷺ وبحضرة العَالِمِ وفي المساجد، وفي هذه كلها آثار قال ابن العربيِّ في «أحكامه» «٣»: وحُرْمَةُ النبي ﷺ مَيِّتًا كحرمته حَيًّا، وكلامه المأثور بعد موته في الرِّفْعَةِ مِثْلُ كلامه المسموع من لفظه، فإذا قُرىءَ كلامُه وجب على كل حاضر أَلاَّ يرفعَ صوتَهُ عليه، ولا يُعْرِضَ عنه، كما كان يلزمه ذلك في مجلسه عند تَلَفُّظِهِ بِه، وقد نَبَّهَ اللَّه تعالى على دوام الحُرْمَةِ المذكورة على مرور الأزمنة بقوله: وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا [الأعراف: ٢٠٤] وكلام النبي ﷺ هو من الوحي، وله من الحُرْمَةِ مِثْلُ ما للقرآن، انتهى.\nوقوله تعالى: أَنْ تَحْبَطَ مفعول من أجله، أي: مخافةَ أَنْ تحبطَ، ثم مدح سبحانه الذين يَغُضّون/ أصواتهم عند رسول اللَّه، وغَضُّ الصوت خَفْضُهُ وكَسْرُهُ، وكذلك البصر، ورُوِيَ: أَنَّ أبا بكر وعمر كانا بعد ذلك لا يكلّمان رسول الله ﷺ إلّا كأخي السّرار، وأنّ النّبيّ ﷺ كان يحتاج مع عمر بعد ذلك إلى استعادة اللفظ لأَنَّهُ كان لا يسمعه من إخفائه إيّاه «٤»، وامْتَحَنَ معناه: اختبر وطَهَّرَ كما يُمْتَحَنُ الذهبُ بالنار، فَيَسَّرَهَا وهَيَّأها للتقوى، وقال عمر بن الخطاب: امتحنها للتقوى: أذهب عنها الشهوات «٥» .\n_________\n(١) أخرجه الحاكم (٣/ ٢٣٤)، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.\n(٢) ذكره ابن عطية (٥/ ١٤٥) .\n(٣) ينظر: «أحكام القرآن» (٤/ ١٧١٤- ١٧١٥) .\n(٤) أخرجه الطبري (١١/ ٣٨٠) برقم: (٣١٦٧٣)، وذكره البغوي (٤/ ٢١٠)، وابن عطية (٥/ ١٤٥)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٢٠٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٨٦)، وعزاه للبزار، وابن عدي، والحاكم، وابن مردويه عن أبي بكر الصديق ﵁.\n(٥) ذكره ابن عطية (٥/ ١٤٥)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٢٠٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٨٩)، وعزاه لأحمد في «الزهد» عن مجاهد.","vol":"5","page":268},{"text":"قال ع «١»: من غَلَبَ شهوتَه وغضبَه فذلك الذي امتحن اللَّه قلبه للتقوى، وبذلك تكونُ الاستقامة، وقال البخاريّ: امْتَحَنَ: أخلص، انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1356>[سورة الحجرات (٤٩): الآيات ٤ الى ٨]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (٤) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ (٦) وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٨)\nوقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ نزلت في وفد بني تميم وقولِهِمْ: يا محمدُ، اخرج إلينا، يا محمد، اخرج إلينا، وفي مصحف ابن مسعود: «أَكْثَرُهُمْ بَنُو تَمِيمٍ لاَ يَعْقِلُونَ» وباقي الآية بيّن.\nوقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا وقُرِىءَ «فَتَثَبَّتُوا» روي في سبب الآية: «أنّ النبيّ ﷺ بَعَثَ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ بْنَ أبي مُعَيْطٍ إلَى بَنِي المُصْطَلِقِ مُصَدِّقًا، فَلَمَّا قَرُبَ مِنْهُمْ خَرَجُوا إلَيْهِ، فَفَزِعَ مِنْهُمْ، وظَنَّ بِهِمْ شَرًّا، فرجع، وقال للنبيّ ﷺ: قَدْ مَنَعُونِي الصَّدَقَةَ، وَطَرَدُونِي، وارتدوا، فَغَضِبَ النَّبِيُّ ﷺ وَهَمَّ بِغَزْوِهِمْ، فَوَرَدَ وَفْدُهُمْ مُنْكِرِينَ لِذَلِكَ» «٢»، ورُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا قَرُبَ مِنْهُمْ بَلَغَهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا: لاَ نُعْطِيهِ الصَّدَقَةَ وَلا نُطِيعُهُ، فقال ما ذكرناه فنزلت الآية، وأَنْ تُصِيبُوا معناه: مخافة أنْ/ تصيبوا، قال قتادة: وقال النبي ﷺ عند ما نزلت هذه الآية: «التَّثَبُّتُ مِنَ اللَّهِ وَالْعَجَلَةُ من الشيطان» «٣» .\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ١٤٦) .\n(٢) أخرجه الطبري (١١/ ٣٨٣- ٣٨٤) برقم: (٣١٦٨٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٩٢)، وعزاه إلى ابن منده، وابن مردويه.\n(٣) أخرجه البيهقي (١٠/ ١٠٤) كتاب «آداب القاضي» باب: التثبت في الحكم، وأبو يعلى (٧/ ٢٤٧- ٢٤٨)، (١٥٠١/ ٤٢٥٦) .\nقال الهيثمي في «المجمع» (٨/ ٢٢): رواه أبو يعلى، ورجاله رجال الصحيح.\nقلت: فيه سعد بن سنان، ويقال له: سنان بن سعد، وقد قال المزي في «تهذيب الكمال»: وقال أبو حاتم بن حبّان في كتاب «الثقات»: حدّث عنه المصريّون، وهم مختلفون فيه، وأرجو أن يكون الصحيح سنان بن سعد، وقد اعتبرت حديثه، فرأيت ما روي عن سنان بن سعد يشبه أحاديث الثّقات، وما روي عن سعد بن سنان، وسعيد بن سنان فيه المناكير، كأنّهما اثنان، فالله أعلم.\nوقال أبو عبيد الآجري: سألت أبا داود عن سنان بن سعد، فقال: كان أحمد لا يكتب حديثه. -","vol":"5","page":269},{"text":"وقوله سبحانه: وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ توبيخ للكذبة، والعَنَتُ: المشقة.\nوقوله تعالى: أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ رجوع من الخطاب إلى الغيبة، كأنه قال:\nومنِ اتصف بما تقدم من المحاسن أولئك هم الراشدون.\nوقوله سبحانه: فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً أي: كان هذا فضلًا من اللَّه ونعمةً، وكان قتادة﵀- يقول: قد قال الله تعالى لأصحاب محمّد ع: وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وأنتم واللَّه أسخف رأيًا، وأطيش أحلامًا، فَلْيَتَّهِمَ رَجُلٌ نفسَه، ولينتصح كتاب الله تعالى «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1357>[سورة الحجرات (٤٩): الآيات ٩ الى ١٠]</span>\nوَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠)\nوقوله تعالى: وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما سبب الآية- في قول الجمهور- هو ما وقع بين المسلمين المتحزبين في قضية عَبْد اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابن سَلُولَ حين مرّ به النبيّ ﷺ راكبًا على حماره مُتَوَجِّهًا إلى زيارة سعد بن عبادة في مرضه، حسبما\n_________\n- قال أبو داود: قلت لأحمد بن صالح: سنان بن سعد سمع أنسا؟ فغضب من إجلاله له.\nوقال عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه: تركت حديثه لأن حديثه مضطرب، غير محفوظ. قال:\nوسمعته مرة أخرى يقول: يشبه حديثه حديث الحسن، لا يشبه حديث أنس.\nوقال أحمد بن أبي يحيى، عن أحمد بن حنبل: لم أكتب أحاديث سنان بن سعد لأنّهم اضطربوا فيها، فقال بعضهم: سعد بن سنان، وبعضهم: سنان بن سعد.\nوقال محمّد بن علي الورّاق، عن أحمد بن حنبل: روى خمسة عشر حديثا منكرة كلّها، ما أعرف منها واحدا.\nوقال أبو بكر بن أبي خيثمة. سألت يحيى بن معين عن سعد بن سنان الذي روى عنه يزيد بن أبي حبيب، فقال: ثقة.\nوقال إبراهيم بن يعقوب الجوزجانيّ: أحاديثه واهية، لا تشبه أحاديث الناس عن أنس.\nوقال النسائيّ: منكر الحديث.\nوقال أبو أحمد بن عديّ: وهذه الأحاديث يحمل بعضها بعضا، وليس هذه الأحاديث ممّا يجب أن يترك أصلا، كما ذكر ابن حنبل: أنه ترك هذه الأحاديث.\nروى له البخاريّ في «الأدب»، وأبو داود، والتّرمذيّ، وابن ماجه.\n(١) أخرجه الطبري (١١/ ٣٨٦) برقم: (٣١٦٩٣)، وذكره ابن عطية (٥/ ١٤٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٩٤)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير.","vol":"5","page":270},{"text":"هو معلوم في الحديث الطويل، ومدافعة الفئة الباغية مُتَوَجِّهَةٌ في كل حال، [وأَمَّا التَهَيُّؤُ] لقتالهم فمع الولاة، وقال النبي ﷺ: «حَكَمَ اللَّهُ في الْفِئَةِ البَاغِيَةِ أَلاَّ يُجْهَزَ على جَرِيحِهَا، وَلا يُطْلَبَ هَارِبُهَا، وَلاَ يُقْتَلَ أسيرها، ولا يقسم فيئها» «١» وتَفِيءَ معناه: ترجع، وقرأ الجمهور: «بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ» وذلك رعايةً لحال أَقَلِّ عدد يقع فيه القتال والتشاجر، وقرأ ابن عامر: «بَيْنَ إخْوَتِكُمْ» «٢» وقرأ عاصم الجَحْدَرِيُّ: «بَيْنَ إخْوَانِكُمْ»»\nوهي قراءة حسنة لأَنَّ الأكثر في جمع الأخ في الدِّينِ ونحوه من غير النسب/: «إخْوَان»، والأكثر في جمعه من النسب: «إِخْوَة» و«آخَاء»، وقد تتداخل هذه الجموعُ، وكُلُّها في كتاب اللَّه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1358>[سورة الحجرات (٤٩): الآيات ١١ الى ١٢]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (١٢)\nوقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ الآية: هذه الآية والتي بعدها نزلت في خُلُقِ أهل الجاهلية وذلك أَنَّهم كانوا يجرون مع شهواتِ نفوسهم، لم يقومهم أمر من اللَّه ولا نهي، فكان الرجل يسخر، ويلمز، وينبز بالألقاب، ويَظُنُّ الظنونَ، ويتكلم بها، ويغتاب، ويفتخر بنسبه، إلى غير ذلك من أخلاق النفوس البطَّالة، فنزلت هذه الآية تأديبًا لهذه الأُمَّةِ، وروى البخاريُّ ومسلم والترمذيُّ واللفظ له عن أبي هريرة قال:\nقال رسول الله ﷺ: «المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ، لاَ يَخُونُهُ وَلاَ يَكْذِبُهُ، وَلاَ يَخْذُلُهُ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ حَرَامٌ: عرضه، وماله، ودمه، التّقوى هاهنا، بحسب امرئ من الشرّ أن يحتقر\n_________\n(١) ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٦/ ٢٤٦)، وقال: رواه البزار، والطبراني في «الأوسط»، وقال لا يروى عن النبي ﷺ إلا بهذه الإسناد، وفيه كوثر بن حكيم، وهو ضعيف.\n(٢) ينظر: «السبعة» (٦٠٦)، و«الحجة» (٦/ ٢٠٧)، و«معاني القراءات» (٣/ ٢٤)، و«شرح الطيبة» (٦/ ١٥)، و«حجة القراءات» (٦٧٥)، و«إتحاف» (٢/ ٤٨٦) .\n(٣) وقرأ بها زيد بن ثابت، وابن مسعود، والحسن، وابن سيرين. قال ابن خالويه: وسمعت ابن مجاهد يقول: روى عبد الوارث عن أبي عمرو أنه كان ربما قرأ «بين إخوتكم»، وربما قرأ بالنون «إخوانكم»، وربما قرأ بالياء «بين أخويكم» .\nينظر: «الشواذ» ص: (١٤٤)، و«المحتسب» (٢/ ٢٧٨)، و«المحرر الوجيز» (٥/ ١٤٩)، وزاد نسبتها إلى حماد بن سلمة.\nوينظر: «البحر المحيط» (٨/ ١١١)، وزاد نسبتها إلى ثابت البناني. وهي في «الدر» (٦/ ١٧٠) . [.....]","vol":"5","page":271},{"text":"أَخَاهُ الْمُسْلِمَ» «١» انتهى، ويسخر معناه: يستهزىء، وقد يكون ذلك المُسْتَهْزَأُ به خيرًا من الساخر، والقوم في كلام العرب واقع على الذُّكْرَان، وهو من أسماء الجَمْع ومن هذا قول زُهَيْر: [من الوافر]\nوَمَا أَدْرِي وَسَوْفَ إخَالُ أَدْرِي ... أَقَوْمٌ آلُ حِصْنٍ أَمْ نِسَاءُ «٢»\nوهذه الآية أيضًا تقتضي اختصاص القوم بالذكران، وقد يكون مع الذكران نساء، فيقال لهم قوم على تغليب حال الذكور، وتَلْمِزُوا معناه: يطعن بعضُكم على بعض بذكر النقائص ونحوه، وقد يكون اللَّمْزُ بالقول وبالإشارة ونحوه مِمَّا يفهمه آخر، والهَمْزُ لا يكون إلاَّ باللسان، وحكى الثعلبيُّ أَنَّ اللمز ما كان في المشهد، والهَمْزَ ما كان في المغيب، وحكى الزهراويُّ عكس ذلك.\nوقوله تعالى: أَنْفُسَكُمْ معناه: بعضكم بعضًا كما قال تعالى: أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [النساء: ٦٦] كأنَّ المؤمنين كنفس واحدة، إذ هم/ إخوة كما قال ﷺ:\n«كَالْجَسَدِ الْوَاحِدِ إذَا اشتكى مِنْهُ عُضْوٌ تداعى سَائِرُهُ بِالسَّهَرِ والحمى» «٣»، وهم كما قال أيضًا: «كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا»، والتنابز: التَّلَقُّبُ، والتَّنَبزُ واللقب واحدٌ، واللقب- يعني المذكور في الآية- هو: ما يُعْرَفُ به الإنسان من الأسماء التي يَكْرَهُ سماعَهَا، وليس من هذا قول المُحَدِّثِينَ: سليمان الأعمش، وواصل الأحدب ونحوه مِمَّا تدعو الضرورة إليه، وليس فيه قصد استخفاف وأذى، وقال ابن زيد: معنى: وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ أي: لا يَقُلْ أحد لأحد: يا يهوديُّ، بعد إسلامه، ولا: يا فاسقُ، بعد توبته، ونحو هذا.\nوقوله سبحانه: بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ يحتمل معنيين:\nأحدهما: بئس اسم تكتسبونه بعصيانكم ونبزكم بالألقاب فتكونون فُسَّاقًا بالمعصية بعد إيمانكم.\n_________\n(١) تقدم تخريجه.\n(٢) ينظر: «ديوانه» ص: (٧٣)، و«الاشتقاق» ص: (٤٦)، و«جمهرة اللغة» ص: (٩٧٨)، و«الدرر» (٢/ ٢٦١، ٤/ ٢٨، ٥/ ١٢٦)، و«شرح شواهد الإيضاح» ص: (٥٠٩)، و«شرح شواهد المغني» ص:\n(١٣٠، ٤١٢)، والصاحبي في «فقه اللغة» ص: (١٨٩)، و«مغني اللبيب» ص: (٤١، ١٣٩، ٣٩٣، ٣٩٨)، وبلا نسبة في «همع الهوامع» (١/ ١٥٣، ٢٤٨، ٢/ ٧٢) .\n(٣) أخرجه البخاري (١٠/ ٤٥٢) كتاب «الأدب» باب: رحمة الناس والبهائم (٦٠١١)، ومسلم (٤/ ١٩٩٩- ٢٠٠٠) كتاب «البر والصلة والآداب» باب: تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم (٦٦، ٦٦/ ٢٥٨٥) .","vol":"5","page":272},{"text":"والثاني: بئس قول الرجل لأخيه: يا فاسق بعد إيمانه وعن حذيفةَ﵁- قال: شكوت إلى رسول الله ﷺ ذَرَبَ لِسَانِي، فَقَالَ: «أَيْنَ أَنْتَ مِنَ الاِسْتِغْفَارِ؟! إنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ كُلَّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ» «١» رواه النسائي واللفظُ له، وابنُ ماجه، والحاكمُ في «المستدرك»، وقال: صحيح على شرط مسلم، وفي رواية للنسائي: «إنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ في الْيَوْمِ وَأَتُوبُ إلَيْهِ مِائَةَ مَرَّةٍ» «٢»، والذَّرَبُ- بفتح الذال والراء- هو الفُحْشُ، انتهى من «السلاح»، ومنه عن ابن عمر: «إنْ كُنَّا لَنَعُدُّ لرسول الله ﷺ في المَجْلِسِ الوَاحِدِ مِائَةَ مَرَّةٍ:\nرَبِّ اغفر لِي، وَتُبْ عَلَيَّ، إنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمِ» «٣» رَوَاه أبو داود، وهذا لفظه، والترمذي والنسائي، / وابن ماجه، وابن حبان في «صحيحه»، وقال الترمذيُّ: حسن صحيح غريب، انتهى.\nثم أمر تعالى المؤمنين باجتناب كثير من الظن، وأَلاَّ يعملوا ولا يتكلموا بحسبه لما في ذلك وفي التجسس من التقاطُع والتَّدَابُرِ، وحكم على بعضه أَنَّه إثم، إذ بعضُه ليس بإثم، والظَّنُّ المنهيُّ عنه هو أَنْ تَظُنَّ شرًّا برجل ظاهره الصلاح، بلِ الواجب أنْ تزيل الظن وحكمه، وتتأوَّلَ الخيرَ قال ع «٤»: وما زال أولو العزم يحترسون من سُوءِ الظنِ، ويجتنبون ذرائعه، قال النوويُّ: واعلم أَنَّ سوء الظن حرام، مثل القول، فكما يَحْرُمُ أَنْ تحدّث غيرك بمساوئ إنسان- يَحْرُمُ أَنْ تحدث نفسَك بذلك، وتسيءَ الظّنّ به وفي الصحيح عنه ﷺ: «إيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإنَّهُ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ» «٥» والأحاديث بمعنى ما ذكرناه\n_________\n(١) أخرجه النسائي (٦/ ١١٧) - «الكبرى» كتاب «عمل اليوم والليلة» باب: ما يقول من كان ذرب اللسان (١٠٢٨٤/ ٣)، وابن ماجه (٢/ ١٢٥٤) كتاب «الأدب» باب: الاستغفار (٣٨١٧)، والحاكم (١/ ٥١١) نحوه.\nقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.\n(٢) أخرجه النسائي (٦/ ١١٧)، كتاب «عمل اليوم والليلة» باب: ما يقول من كان ذرب اللسان (١٠٢٨٢/ ١) .\n(٣) أخرجه أبو داود (١/ ٤٧٥) كتاب «الصلاة» باب: في الاستغفار (١٥١٦)، والترمذي (٥/ ٤٩٤- ٤٩٥) كتاب «الدعوات» باب: ما يقول إذا قام من المجلس (٣٤٣٤)، وابن ماجه (٢/ ١٢٥٣) كتاب «الأدب» باب: الاستغفار (٣٨١٤)، وأحمد (٢/ ٢١، ٦٧، ٨٤)، وابن حبان (٨/ ١١٤) - الموارد (٢٤٥٩)، و(٣/ ٢٠٦- ٢٠٧) كتاب «الرقائق» باب: الأدعية ذكر وصف الاستغفار الذي كان يستغفر ﷺ بالعدد الذي ذكرناه (٩٢٧)، والنسائي في «الكبرى» (٦/ ١١٩) كتاب «عمل اليوم والليلة» باب: كيف الاستغفار (١٠٢٩٢/ ١) .\nقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب.\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ١٥١) .\n(٥) أخرجه البخاري معلقا بصيغة الجزم (٥/ ٤٤١)، كتاب «الوصايا» باب: قول الله ﷿: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ [النساء: ١٢]، وقال ابن حجر: هو طرف من حديث وصله المصنف في","vol":"5","page":273},{"text":"كثيرة، والمراد بذلك عَقْدُ القلب وحكمه على غيره بالسوء، فأَمَّا الخواطر وحديث النفس، إذا لم يستقر، ويستمر عليه صاحبه- فَمَعْفُوٌّ عنه باتفاق العلماء لأَنَّهُ لا اختيارَ له في وقوعه، ولا طريقَ له إلى الانفِكاك عنه، انتهى.\nقال أبو عمر في «التمهيد»: وقد ثبت عن النبي ﷺ أَنَّهُ قال: «حَرَّمَ اللَّهُ مِنَ المُؤْمِنِ دَمَهُ، وَمَالَهُ، وعِرْضَهُ، وأَلاَّ يُظَنَّ بِهِ إلاَّ الْخَيْرَ» «١» انتهى، ونقل في موضع آخر بسنده: أَنَّ عمر بن عبد العزيز كان إذا ذُكِرَ عنده رجل بفضل أو صلاح قال: كيف هو إذا ذُكِرَ عنده إخوانه؟ فإنْ قالوا: إنَّه يتنقَّصهم، وينالُ منهم، قال عمر: ليس هو كما تقولون، وإنْ قالوا:\nإنَّه يذكر منهم جميلًا وخيرًا، ويُحْسِنُ الثَّنَاءَ عليهم، قال: هو كما تقولون إن شاء اللَّه، انتهى من «التمهيد»، وروى أبو داودَ في «سننه» عن أبي هريرة عن النبي ﷺ/ قال: «حُسْنُ الظَّنِّ مِنْ حُسْنِ الْعِبَادَةِ» «٢» انتهى. وقوله تعالى: وَلا تَجَسَّسُوا أي: لا تبحثوا عن مخبَّآت أمور الناس، وادفعوا بالتي هي أحسن، واجتزءوا بالظواهر الحسنة، وقرأ الحسن وغيره: «وَلاَ تَحَسَّسُوا» بالحاء المهملة قال بعض الناس: التَجَسُّسُ بالجيم في الشَّرِّ، وبالحاء في الخير، قال ع «٣»: وهكذا ورد القرآن، ولكن قد يتداخلان في الاستعمال.\n_________\n«الأدب» من وجهين عن أبي هريرة، وقد أخرجه (١٠/ ١٠٦) كتاب «النكاح» باب: لا يخطب على خطبة أخيه حتى ينكح أو يدع (٥١٤٣) موصولا عن أبي هريرة، وأخرجه أيضا (١٠/ ٤٩٦)، كتاب «الأدب» باب: ما ينهى عن التحاسد والتدابر، وقوله تعالى: وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ (٦٠٦٤)، (١٠/ ٤٩٩)، كتاب «الأدب» باب: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ، وَلا تَجَسَّسُوا (٦٠٦٦)، (١٢/ ٦) كتاب «الفرائض» باب: تعليم الفرائض رقم: (٦٧٢٤)، وأبو داود (٢/ ٦٩٧) كتاب «الأدب» باب: في الظن برقم: (٤٩١٧)، والترمذي (٤/ ٣٥٦) كتاب «البر والصلة» باب: ما جاء في ظن السوء (١٩٨٨)، وأحمد (٢/ ٢٤٥، ٢٨٧، ٣١٢، ٣٤٢، ٤٦٥، ٤٧٠، ٤٧٢، ٤٩١، ٤٩٢، ٥٠٤، ٥١٧، ٥٣٩)، وابن حبان (١٢/ ٤٩٩- ٥٠٠)، كتاب «الحظر والإباحة» باب: الاستماع المكروه، وسوء الظن، والغضب والفحش، ذكر الزجر عن سوء الظن بأحد المسلمين (٥٦٨٧)، ومالك (٢/ ٩٠٧- ٩٠٨) كتاب «حسن الخلق» باب: ما جاء في المهاجرة (١٥٠)، والبيهقي (٦/ ٨٥) كتاب «الإقرار» باب: ما جاء في إقرار المريض لورثته (٧/ ١٨٠) كتاب «النكاح» باب: لا يخطب الرجل على خطبة أخيه إذا رضيت به المخطوبة أو رضي به أبو البكر حتى يأذن أو يترك، (٨/ ٣٣٣) كتاب «الأشربة والحد فيها» باب: ما جاء في النهي عن التجسس، (١٠/ ٢٣١) كتاب «الشهادات» باب: شهادة أهل العصبية.\nقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.\n(١) أخرجه الطبراني (١١/ ٣٧) برقم: (١٠٩٦٦) .\n(٢) أخرجه أبو داود (٢/ ٧١٦- ٧١٧) كتاب «الأدب» باب: في حسن الظن (٤٩٩٣)، والحاكم (٤/ ٢٥٦)، وأحمد (٢/ ٤٠٧، ٤٩١)، وابن حبان (٨/ ٣٠- ٣١) - الموارد (٢٣٩٥)، وابن حبان (٢/ ٣٩٩) كتاب «الرقائق» باب: حسن الظن بالله تعالى، وذكر البيان بأن حسن الظن للمرء المسلم من حسن العبادة (٦٣١) .\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ١٥١) .","vol":"5","page":274},{"text":"ت: وقد وردت أحاديث صحيحة في هذا الباب، لولا الإطالة لجلبناها.\nوَلا يَغْتَبْ معناه: لا يذكرْ أحدُكم من أخيه شيئًا هو فيه، ويكره سماعه، وقد قال النبيّ ﷺ: «إذَا ذَكَرْتَ مَا في أَخِيكَ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإذَا ذَكَرْتَ مَا لَيْسَ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّه» «١»، وفي حديث آخر: «الغِيبَةُ أَنْ تَذْكُرَ الْمُؤْمِنَ بِمَا يَكْرَهُ، قِيلَ: وَإنْ كَان حَقًّا؟ قَالَ: إذَا قُلْتَ بَاطِلًا فَذَلِكَ هُوَ الْبُهْتَانُ» «٢» وحكى الزهراوي عن جابر عن النبي ﷺ أَنَّهُ قال: «الغِيبَةُ أَشَدُّ مِنَ الزِّنَا، قِيلَ: وَكَيْفَ؟! قال: لأَنَّ الزَّانِيَ يَتُوبُ فَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَالَّذِي يَغْتَابُ لاَ يُتَابُ عَلَيْهِ حتى يَسْتَحِلَّ» «٣»، قال ع «٤»: وقد يموت من اغْتِيبَ، أو يأبى، وروى أبو داودَ في «سننه» عن أنس بن مالك قال: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «لَمَّا عُرِجَ بي مَرَرْتُ بِقَوْمٍ لَهُمْ أَظْفَارٌ مِنْ نُحَاسٍ، يَخْمِشُونَ وُجُوهَهُمْ وَصُدُورَهُمْ، فَقُلْتُ: مَنْ هؤلاء يَا جِبْرِيلُ؟! قَالَ: هؤلاء الَّذِينَ يَأْكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ، وَيَقَعُونَ في أَعْرَاضِهِمْ» «٥» انتهى.\nوالغِيبَةُ مشتقة من «غَابَ يَغِيبُ» وهي القول في الغائب، واسْتُعْمِلَتْ في المكروه، ولم يُبَحْ في هذا المعنى إلاَّ ما تدعو الضرورةُ إليه، من تجريح الشهود، وفي التعريف/ بمن استنصح في الخطاب ونحوهم: لقول النبيّ ﷺ: «أَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لاَ مَالَ لَهُ» وما يقال في الفَسَقَةِ أيضًا، وفي وُلاَةِ الجَوْرِ، ويقصد به: التحذير منهم ومنه قوله ع:\n«أعن الفاجر ترعوون؟! اذْكُرُوا الْفَاجِرَ بِمَا فِيهِ، مَتَى يَعْرِفُهُ النَّاسُ إذا لم تذكروه؟!» «٦» .\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٤/ ٢٠٠١) كتاب «البر والصلة والآداب» باب: تحريم الغيبة (٧٠/ ٢٥٨٩)، وأبو داود (٢/ ٦٨٥) كتاب «الأدب» باب: في الغيبة (٤٨٧٤)، والترمذي (٤/ ٣٢٩) كتاب «البر والصلة» باب: ما جاء في الغيبة (١٩٣٤)، وأحمد (٢/ ٢٣٠، ٣٨٦، ٤٥٨) .\n(٢) ينظر: ما قبله. [.....]\n(٣) أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» (٥/ ٣٠٦) باب: في تحريم أعراض الناس (٦٧٤١) عن أبي سعيد الخدري، وجابر.\nقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٨/ ٩٤- ٩٥): رواه الطبراني في «الأوسط» وفيه عباد بن كثير الثقفي وهو متروك اهـ.\nوللبيهقي رواية عن أنس في «شعب الإيمان» (٥/ ٣٠٦) (٦٧٤٢) .\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ١٥١) .\n(٥) أخرجه أبو داود (٢/ ٦٨٥- ٦٨٦) كتاب «الأدب» باب: في الغيبة (٤٨٧٨)، وذكره الألباني في «الصحيحة» (٢/ ٥٩) (٥٣٣) .\n(٦) أخرجه البيهقي (١٠/ ٢١٠) كتاب «الشهادات» باب: الرجل من أهل الفقه يسأل عن الرجل من أهل الحديث، فيقول: كفوا عن حديثه لأنه يغلط أو يحدث بما لم يسمع، أو أنه لا يبصر الفتوى.\nقال العجلوني في «كشف الخفاء» (١/ ١١٤)، رواه ابن أبي الدنيا، وابن عدي، والطبراني، والخطيب عن معاوية بن حيدة، وقال في «التمييز»: أخرجه أبو يعلى، ولا يصح. اهـ. -","vol":"5","page":275},{"text":"ت: وهذا الحديث خَرَّجه أيضًا أبو بكر ابن الخطيب بسنده عن بَهْزٍ، عن أبيه، عن جدّه، عن النبي ﷺ قال: «أترعوون عَنْ ذِكْرِ الْفَاجِرِ، اذْكُرُوهُ بِمَا فِيهِ يَحْذَرْهُ النَّاسُ» «١» ولم يذكر في سنده مَطْعَنًا، انتهى، ومنه قوله ع: «بِئْسَ ابنُ الْعَشِيرَةِ» «٢» .\nثُمَّ مَثَّلَ تعالى الغيبة بأكل لحم ابن آدم الميت، ووقف تعالى على جهة التوبيخ بقوله:\nأَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ أي: فكذلك فاكرهوا الغِيبَةَ، قال أبو حيان «٣»: فَكَرِهْتُمُوهُ قيل: خبر بمعنى الأَمر، أي: فاكرهوه، وقيل على بابه، فقال الفَرَّاءُ: فقد كرهتموه، فلا تفعلوه، انتهى.\nوقد روى البخاريّ عن النبيّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لاَ يَرْمِي رَجُلٌ رَجُلًا بِالْفُسُوقِ، وَلاَ يَرْمِيهِ بِالْكُفْرِ إلاَّ ارْتَدَّتْ عَلَيْهِ إنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهُ كَذَلِكَ» «٤» وفي رواية مسلم: «مَنْ دَعَا رَجُلًا بِالْكُفْرِ، أوْ قَالَ: عَدُوُّ اللَّهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ- إلاَّ حَارَ عَلَيْهِ» «٥» وفي الصحيحين عنه ﷺ:\n«أَيُّ رَجُلٍ قَالَ لأَخِيهِ: كَافِرٌ فَقَدْ بَاءَ بها أحدهما» «٦» انتهى، وباقي الآية بيّن.\n_________\n- قال ابن حبان في «المجروحين» (١/ ٢٢٠): الجارود بن يزيد العامري- أبو علي من أهل نيسابور، يروي عن بهز بن حكيم، والثوري، روى عنه سلمة بن شعيب يتفرد بالمناكير عن المشاهير، ويروي عن الثقات ما لا أصل له، روى عن بهز بن حكيم، عن أبيه عن جده قال: «أتنزعون عن ذكر الفاجر اذكروه بما فيه كي يحذر الناس» اهـ.\nوجدّ بهز بن حكيم هو معاوية بن حيدة.\n(١) انظر الحديث السابق.\n(٢) أخرجه البخاري (١٠/ ٤٨٦) كتاب «الأدب» باب: ما يجوز من اغتياب أهل الفساد والريب (٦٠٥٤)، ومسلم (٤/ ٢٠٠٢) كتاب «البر والصلة والآداب» باب: مداراة من يتقى فحشه (٧٣، ٧٣/ ٢٥٩١)، وأبو داود (٢/ ٦٦٦) كتاب «الأدب» باب: في حسن العشرة (٤٧٩٢)، والترمذي (٤/ ٢٥٩) كتاب «البر والصلة» باب: ما جاء في المداراة (١٩٩٦)، ومالك (٢/ ٩٠٣) كتاب «حسن الخلق» باب: ما جاء في حسن الخلق (٤)، وأحمد (٦/ ١٥٨) .\n(٣) ينظر: «البحر المحيط» (٨/ ١١٤) .\n(٤) أخرجه البخاري (١٠/ ٤٧٩) كتاب «الأدب» باب: ما ينهى عن السباب واللعن (٦٠٤٥)، وأحمد (٥/ ١٨١) .\n(٥) أخرجه مسلم (١/ ٢٨٠) - الأبي كتاب «الإيمان» باب: بيان حال من رغب عن أبيه وهو يعلم. (١١٢/\n٦١)، وأحمد (٥/ ٢٦٦) .\n(٦) أخرجه البخاري (١٠/ ٥٣١) كتاب «الأدب» باب: من أكفر أخاه بغير تأويل فهو كما قال (٦١٠٤)، ومسلم (١/ ٢٧٩- ٢٨٠)، كتاب «الإيمان» باب: بيان حال إيمان من قال لأخيه المسلم: يا كافر (١١١/ ٦٠) عن عبد الله بن دينار، والترمذي (٥/ ٢٢) كتاب «الإيمان» باب: ما جاء فيمن رمى أخاه بكفر (٢٦٣٧) .\nقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.","vol":"5","page":276},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1359>[سورة الحجرات (٤٩): الآيات ١٣ الى ١٤]</span>\nيا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوبًا وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣) قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤)\nوقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى ... الآية: المعنى: يا أيها الناس، أَنتم سواء من حيثُ أنتم مخلوقون، وإنَّما جعلتم قبائل لأَنْ تتعارفوا، أوْ لأَنْ تعرفوا الحَقَائِقَ، وَأَمَّا الشرفُ والكرمُ فهو/ بتقوى اللَّه تعالى وسلامة القلوب، وقرأ ابن مسعود:\n«لِتَعَارَفُوا بَيْنَكُمْ وَخَيْرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ» «١» وقرأ ابن عباس: «لِتَعْرِفُوا أَنَّ» «٢» عَلَى وزن «تَفْعَلُوا» بكسر العين- وبفتح الهمزة من «أَنَّ»، وَرُوِيَ أنّ النبي ﷺ قال: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَكُونَ أَكْرَمَ النَّاسِ، فَلْيَتَّقِ اللَّه «٣»» وأَمَّا الشعوب فهو جمع شَعْبٍ، وهو أعظم ما يوجد من جماعات الناس مرتبطًا بنسب واحد كمُضَرٍ ورَبِيعَةَ وحِمْيَرَ، ويتلوه القبيلة، ثم العمارة، ثم البطن، ثم الفخذ، ثم الفصيلة، والأسرة وهما قرابة الرجل الأَدْنَوْنَ، ثم نَبَّهَ سبحانه على الحذر بقوله:\nإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ أي: بالمتقي الذي يستحق رُتْبَةَ الكرم، وَخرَّج مسلم في صحيحه عن النبي ﷺ أَنَّهُ قال: «إنَّ اللَّهَ أوحى إلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لاَ يَفْخَرَ أَحَدٌ على أَحَدٍ وَلاَ يَبْغِي أَحَدٌ على أَحَدٍ» «٤» وروى أبو داود والترمذيّ عن النبي ﷺ أَنَّهُ قال: «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ يَفْتَخِرُونَ بِآبَائِهِمْ، إنَّما هُمْ فَحْمٌ مِنْ جَهَنَّمَ- أوْ لَيَكُونُنَّ عَلَى اللَّهِ أَهْوَنَ مِنَ الجُعَلِ الَّذِي يُدَهْدِهُ الخُرَاءَ بِأَنْفِهِ، إنَّ اللَّهَ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الجَاهِلِيَّةِ وَفَخْرَهَا إنَّما هُوَ مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ، أوْ فَاجِرٌ شَقِيٌّ، كُلُّكُمْ بَنُو آدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ» «٥» انتهى، ونقله البغويّ في «مصابيحه» .\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ١٥٣) .\n(٢) وقرأ بها أبان عن عاصم. قال أبو الفتح: المفعول هنا محذوف، أي: لتعرفوا ما أنتم محتاجون إلى معرفته من هذا الوجه.\nينظر: «المحتسب» (٢/ ٢٨٠)، و«الشواذ» ص: (١٤٤)، و«المحرر الوجيز» (٥/ ١٥٣)، و«البحر المحيط» (٨/ ١١٦)، و«الدر المصون» (٦/ ١٧٢) .\n(٣) ذكره العجلوني في «كشف الخفاء» (١/ ٣٧٣) وقال: رواه البيهقي، وأبو يعلى، والطبراني، وأبو نعيم، والحاكم عن ابن عبّاس ﵄ مرفوعا، لكن قال البيهقي في «الزهد»: تكلموا في هشام بن زياد أحد رواة الحديث. [.....]\n(٤) أخرجه مسلم (٤/ ٢١٩٩) كتاب «الجنة وصفة نعيمها وأهلها» باب: الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة، وأهل النار (٦٤/ ٢٨٦٥)، وأبو داود (٢/ ٦٩١) كتاب «الأدب» باب: في التواضع (٤٨٩٠)، وابن ماجه (٢/ ١٣٩٩) كتاب «الزهد» باب: البراءة من الكبر، والتواضع (٤١٧٩) .\n(٥) أخرجه أبو داود (٢/ ٧٥٢) كتاب «الأدب» باب: في التفاخر بالأحساب (٥١١٦) بنحوه، والترمذي (٥/ ٧٣٤) كتاب «المناقب» باب: في فضل الشام واليمن (٣٩٥٥)، وأحمد (٢/ ٥٢٤) .\nقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.","vol":"5","page":277},{"text":"وقوله تعالى: قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قال مجاهد: نزلت في بني أسد «١»، وهي قبيلة كانت تجاور المدينة، أظهروا الإسلام، وفي الباطن إنَّما يريدون المغانمَ وَعَرَضَ الدنيا، ثم أمر اللَّه تعالى نَبِيَّهُ أَنْ يقول لهؤلاء المُدَّعِينَ للإيمان: لَمْ تُؤْمِنُوا أي: لم تصدقوا بقلوبكم، وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا أي: استسلمنا، والإسلام يقال بمعنيين:\nأحدهما: الذي يَعُمُّ الإيمانَ والأعمالَ، وهو الذي في قوله تعالى: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ [آل عمران: ١٩] والذي في قوله ع: «بُنِيَ الإسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ» «٢» .\nوالمعنى الثاني للفظ الإسلام: هو الاستسلام، والإظهار الذي يُسْتَعْصَمُ به ويحقن الدم، وهذا هو الذي في الآية، ثم صَرَّحَ بأَنَّ الإيمان لم يدخل في قلوبهم، ثم فتح باب التوبة بقوله: وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ... الآية، وقرأ الجمهور: «لاَ يَلِتْكُمْ» من «لاَتَ يَلِيتُ» إذا نقص يقال: لاَتَ حَقَّهُ إذا نَقَصَهُ منه، وقرأ أبو عمرو: «لاَ يَأْلِتْكُمْ» من «أَلَتَ يَأْلِتُ» «٣» وهي بمعنى لات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1360>[سورة الحجرات (٤٩): الآيات ١٥ الى ١٨]</span>\nإِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥) قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٦) يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٧) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٨)\nوقوله سبحانه: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إنما هنا حاصرة.\nوقوله: ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا أي: لم يشكوا، ثم أمر الله تعالى نبيّه ع بتوبيخهم بقوله: أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ أي: بقولكم آمنا، وهو يعلم منكم خلاف ذلك\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١١/ ٣٩٩) برقم: (٣١٧٧٥)، وذكره ابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٢١٩)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ١١١)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر.\n(٢) تقدم.\n(٣) وحجة أبي عمرو في قراءته، قوله تعالى: وَما أَلَتْناهُمْ [الطور: ٢١] ف «ألتناهم» مضارعه «يألتكم» .\nوحجة الباقين: أنهم زعموا أنه ليس في الكتاب ألف، ولو كانت منه كتبت بالألف، كما يكتب في يأمر، ويأبق.\nينظر: «الحجة» (٦/ ٢١٠- ٢١١)، و«السبعة» (٦٠٦)، و«معاني القراءات» (٣/ ٢٥)، و«شرح الطيبة» (٦/ ١٥- ١٦) و«العنوان» (١٧٨)، و«حجة القراءات» (٦٧٦)، و«إتحاف» (٢/ ٤٨٧) .","vol":"5","page":278},{"text":"لأَنَّهُ العليم بكل شيء.\nوقوله سبحانه: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا نزلت في بني أسد أيضًا، وقرأ ابن مسعود: «يَمنُّونَ عَلَيْكَ إسْلاَمَهُمْ» وقرأ ابن كثير وعاصم في رواية: «وَاللَّهُ بصير بما يعملون» «١» .\n_________\n(١) ينظر: «السبعة» (٦٠٦)، و«الحجة» (٦/ ٢١١)، و«شرح الطيبة» (٦/ ١٦)، و«العنوان» (١٧٨)، و«حجة القراءات» (٦٧٧)، و«شرح شعلة» (٥٨٨)، و«إتحاف» (٢/ ٤٨٧) .","vol":"5","page":279},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1361>تفسير سورة «ق»</span>\nوهي مكّيّة بإجماع\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1362>[سورة ق (٥٠): الآيات ١ الى ١٤]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ (٢) أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُرابًا ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (٣) قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ (٤)\nبَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (٥) أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨) وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ مَاءً مُبارَكًا فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩)\nوَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبادِ وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذلِكَ الْخُرُوجُ (١١) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (١٢) وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوانُ لُوطٍ (١٣) وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ (١٤)\nقوله ﷿: ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ قال مجاهد، والضَّحَّاك، وابن زيد، وعِكْرَمَةُ:\nق اسم الجبل المحيط بالدنيا، وهو فيما يزعمون أَنَّهُ من/ زمردة خضراء، منها خُضْرَةُ السماء وخضرة البحر «١»، وقيل في تفسيره غير هذا، والْمَجِيدِ: الكريم في أوصافه الذي جمع كُلَّ مَعْلاَةٍ، وق مُقْسَمٌ به وبالقرآن قال الزَّجَّاجُ «٢»: وجواب القسم محذوف تقديره: ق والقرآن المجيد لتبعثن، قال ع «٣»: وهذا قول حسن، وأحسن منه أَنْ يكون الجواب هو الذي يقع عنه الإضراب ببل، كأَنَّه قال: والقرآنِ المجيد ما رَدُّوا أمرك بحجة، ون ٩ حو هذا، مِمَّا لا بُدَّ لك من تقديره بعد الذي قَدَّره الزَّجَّاجُ، وباقي الآية بَيِّنٌ ممّا تقدم في «ص» و«يونس» وغيرهما، ثم أخبر تعالى رَدًّا على قولهم بأَنَّهُ سبحانه يعلم ما تأكل الأرضُ من ابن آدم، وما تُبْقِي منه، وأَنَّ ذلك في كتاب، والحفيظ: الجامع الذي لم يَفُتْهُ شيء وفي الحديث الصحيح: «إنَّ الأَرْضَ تَأَكُلُ ابْنَ آدَمَ إلاَّ عَجْبَ الذَّنَبِ» وهو عظم\n_________\n(١) ذكره البغوي (٤/ ٢٢٠) عن عكرمة، والضحاك، وابن عطية (٥/ ١٥٥)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ١١٥)، وعزاه لعبد الرزاق عن مجاهد.\n(٢) ينظر: «معاني القرآن» (٥/ ٤١) .\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ١٥٥) .","vol":"5","page":280},{"text":"كالخَرْدَلَةِ، فمِنْهُ يُرَكَّبُ ابن آدم «١»، قال ع «٢»: وحِفْظُ ما تنقص الأرض إنَّما هو ليعودَ بعينه يومَ القيامة، وهذا هو الحَقُّ قال ابن عباس والجمهور: المعنى: ما تنقص من لحومهم وأبشارهم وعظامهم «٣»، وقال السُّدِّيُّ: مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ أي: ما يحصل في بطنها من موتاهم «٤»، وهذا قول حسن مضمنه الوعيد، والمريج: معناه المختلط قاله ابن زيد «٥»، أي: بعضُهم يقول: ساحر، وبعضهم يقول: كاهن، وبعضهم يقول: شاعر، إلى غير ذلك من تخليطهم، قال ع «٦»: والمريج: المضطرب أيضًا، وهو قريب من الأَول ومنه مَرِجَتْ عُهُودُهُمْ، ومن الأَوَّلِ مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ [الفرقان: ٥٣] .\nثم دَلَّ تعالى على العبرة بقوله: أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ/ ... الآية، وَزَيَّنَّاها أي: بالنجوم، والفروج: الفطور والشقوقُ خلالها وأثناءها قاله مجاهد وغيره «٧» .\nت: وقال الثعلبي بأثر كلام للكسائي: يقول: كيف بنيناها بلا عَمَدٍ، وَزَيَّنَّاها بالنجوم، وما فيها فتوق؟ وَالْأَرْضَ مَدَدْناها أي: بسطناها على وجه الماء، انتهى، والرواسي: الجبال، والزوج: النوع، والبهيج: الحَسَنُ المنظر قاله ابن عباس وغيره «٨»، والمنيب: الراجع إلى الحَقِّ عن فكرة ونظر قال قتادة «٩»: هو المُقْبِلُ إلى اللَّه تعالى،\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٨/ ٤١٤) كتاب «التفسير» باب: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ ... (٤٨١٤)، (٨/ ٥٥٨) كتاب «التفسير» باب: يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجًا (٤٩٣٥)، ومسلم (٤/ ٢٢٧٠) كتاب «الفتن» باب: ما بين النفختين (١٤١/ ٢٩٥٥)، وابن ماجه (٢/ ١٥٤) كتاب: «الزهد»، باب: ذكر القبر والبلى (٤٢٦٦)، ومالك (١/ ٢٣٩) كتاب «الجنائز» باب:\nجامع الجنائز (٤٨) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ١٥٦) .\n(٣) أخرجه الطبري (١١/ ٤٠٧) برقم: (٣١٨٠٠)، وذكره ابن عطية (٥/ ١٥٧)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٢٢٢)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ١١٦)، وعزاه لابن جرير عن ابن عبّاس.\n(٤) أخرجه الطبري (١١/ ٤٠٧) برقم: (٣١٨٠٣) عن قتادة، وذكره البغوي (٤/ ٢٢٠)، وذكره ابن عطية (٥/ ١٥٧) .\n(٥) أخرجه الطبري (١١/ ٤٠٨) برقم: (٣١٨١٣)، وابن عطية (٥/ ١٥٧) . [.....]\n(٦) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ١٥٧) .\n(٧) أخرجه الطبري (١١/ ٤٠٩) برقم: (٣١٨١٤)، وذكره ابن عطية (٥/ ١٥٧)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٢٢٢)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ١١٦)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد.\n(٨) أخرجه الطبري (١١/ ٤٠٩) برقم: (٣١٨١٦)، وذكره ابن عطية (٥/ ١٥٧)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ١١٦)، وعزاه للطستي عن ابن عبّاس ﵄.\n(٩) أخرجه الطبري (١١/ ٤١٠) برقم: (٣١٨١٩)، وذكره ابن عطية (٥/ ١٥٧)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ١١٦)، وعزاه لعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير.","vol":"5","page":281},{"text":"وخَصَّ هذا الصنف بالذكر تشريفًا لهم من حيثُ انتفاعُهُم بالتبصرة والذكرى، وَحَبَّ الْحَصِيدِ: البُرُّ، والشعير، ونحوُهُ مِمَّا هو نبات مُحَبَّبٌ يُحْصَدُ قال أبو حيان «١»: وَحَبَّ الْحَصِيدِ من إضافة الموصوف إلى صفته على قول الكوفيين، أو على حذف الموصوف وإقامة الصفة مُقَامه، أي: حب الزرع الحصيد على قول البصريين، وباسِقاتٍ حال مُقَدَّرَةٌ لأَنَّهَا حالةَ الإنبات ليست طوالًا، انتهى، وباسِقاتٍ: معناه طويلات ذاهبات في السماء، والطَّلْعُ أول ظهور التمر في الكفرّى، قال البخاريّ: ونَضِيدٌ معناه: مَنْضُودٌ بعضُه على بعض، انتهى، ووصف البلدة بالميت على تقدير القطر والبلد.\nثم بَيَّنَ سبحانه موضع الشَّبَهِ فقال: كَذلِكَ الْخُرُوجُ يعني: من القبور، وهذه الآيات كلها إنَّما هي أَمْثِلَة وأَدِلَّة على البعث، وَأَصْحابُ الرَّسِّ: قوم كانت لهم بئر عظيمة، وهي الرَّسُّ، وكُلُّ ما لم يُطْوَ من بئر، أو مَعْدِنٍ، أو نحوه فهو رَسٌّ، وجاءهم نبيٌّ/ يُسَمَّى حَنْظَلَةَ بن سفيان- فيما رُوِيَ- فجعلوه في الرَّسِّ وردموا عليه، فأهلكهم اللَّهُ، وقال الضّحّاك: الرّسّ بئر قتل فيها صاحب «يس» «٢»، وقيل: إنَّهم قوم عاد، واللَّه أعلم.\nوقوله: كُلٌّ قال سيبويه: التقدير: كُلُّهم، والوعيد الذي حَقَّ: هو ما سبق به القضاءُ من تعذيبهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1363>[سورة ق (٥٠): الآيات ١٥ الى ١٧]</span>\nأَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (١٥) وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ (١٧)\nوقوله سبحانه: أَفَعَيِينا توقيف للكفار، وتوبيخ، والخلق الأَوَّلُ: إنشاء الإنسان من نُطْفَةٍ على التدريج المعلوم، وقال الحسن «٣»: الخلق الأول: آدم، واللَّبْسُ: الشَّكُّ والريب، واختلاط النظر، والخَلْقُ الجديد: البعث من القبور.\nوقوله سبحانه: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ ... الآية: الإنسان: اسم جنس، وتُوَسْوِسُ معناه: تتحدث في فكرتها، والوسوسةُ إنَّما تُسْتَعْمَلُ في غير الخير.\nوقوله تعالى: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ: عبارة عن قُدْرَةِ الله على العبد،\n_________\n(١) ينظر: «البحر المحيط» (٨/ ١٢١) .\n(٢) أخرجه الطبري (١١/ ٤١٢) برقم: (٣١٨٣٩)، وذكره ابن عطية (٥/ ١٥٨) .\n(٣) ذكره ابن عطية (٥/ ١٥٩) .","vol":"5","page":282},{"text":"وكونُ العبد في قبضة القدرة والعلم قد أُحِيط به، فالقرب هو بالقدرة والسُّلطان، إذ لا يَنْحَجِبُ عن علم اللَّه لا باطنٌ ولا ظاهر، والوريد: عرق كبير في العُنُقِ، ويقال: إنَّهما وريدان عن يمين وشمال.\nوأَمَّا قوله تعالى: إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ فقال المفسرون: العامل في إذ أَقْرَبُ ويحتمل عندي أَنْ يكون العاملُ فيه فعلًا مُضْمَرًا تقديره: اذكر إذ يتلقى المتلقيان، والْمُتَلَقِّيانِ: المَلَكَانِ المُوَكَّلان بكل إنسان، مَلَكُ اليمين الذي يكتب الحسناتِ، وملك الشمال الذي يكتب السيِّئات قال الحسن: الحَفَظَةُ أربعة: اثنان بالنهار، واثنان بالليل «١»، قال ع «٢»: ويؤيد ذلك الحديث الصَّحيح: «يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ، مَلاَئِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلاَئِكَةٌ بِالنَّهَارِ» «٣» الحديث/ بكماله، ويُرْوَى أَنَّ مَلَك اليمين أمير على ملك الشمال، وأَنَّ العبد إذا أَذنب يقول ملك اليمين للآخر: تَثَبَّتْ لَعَلَّهُ يتوبُ رواه إبراهيم التيمي، وسفيان الثوري، وقَعِيدٌ: معناه قاعد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1364>[سورة ق (٥٠): الآيات ١٨ الى ٢٢]</span>\nمَّا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨) وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (١٩) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (٢٠) وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ (٢١) لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (٢٢)\nوقوله سبحانه: مَّا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ ... الآية، قال الحسن بن أبي الحسن وقتادة:\nيكتب الملكانِ جميعَ الكلام، فيثبت اللَّه من ذلك الحسناتِ والسيئات، ويمحو غيرَ هذا «٤»، وهذا هو ظاهر هذه الآية، قال أبو الجوزاء، ومجاهد: يكتبان عليه كُلَّ شيء حتى أنينه في مرضه «٥»، وقال عِكْرَمَةُ: يكتبان الخير والشَّرَّ فقط «٦» قال ع «٧»: والأوَّلُ أصوب.\nت: وروى أبو الدرداء عن النبي ﷺ أَنَّه قال: «كُلُّ شَيْءٍ يَتَكَلَّمُ بِهِ ابْنُ آدَمَ، فَإنَّهُ مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ، إذَا أَخْطَأَ خَطِيئَةً، فَأَحَبَّ أَنْ يَتُوبَ إلَى اللَّه، فَلْيَأْتِ، فَلْيَمُدَّ يديه إلى الله\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١١/ ٤١٦) برقم: (٣١٨٦٣) عن ابن عبّاس، وذكره ابن عطية (٥/ ١٦٠) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ١٦٠) .\n(٣) تقدم.\n(٤) أخرجه الطبري (١١/ ٤١٧) برقم: (٣١٨٦٥)، وذكره ابن عطية (٥/ ١٦٠) .\n(٥) أخرجه الطبري (١١/ ٤١٧) برقم: (٣١٨٦٨) عن ابن زيد، وذكره البغوي (٤/ ٢٢٢)، وابن عطية (٥/ ١٦٠)، والسيوطي في «الدر المنثور»، وعزاه لابن المنذر عن مجاهد.\n(٦) أخرجه الطبري (١١/ ٤١٦) برقم: (٣١٨٦٤)، وذكره البغوي (٤/ ٢٢٢)، وابن عطية (٥/ ١٦٠)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ١١٩)، وعزاه لابن المنذر.\n(٧) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ١٦٠) . [.....]","vol":"5","page":283},{"text":"﷿، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ، إنِّي أَتُوبُ إلَيْكَ مِنْهَا، لاَ أَرْجِعُ إلَيْهَا أَبَدًا، فَإنَّهُ يُغْفَرُ لَهُ مَا لَمْ يَرْجِعْ في عَمَلِهِ ذَلِكَ» رواه الحاكم في «المستَدْرَكِ»، وقال: صحيحٌ على شرط الشيخين، يعني البخاريَّ ومسلمًا «١»، انتهى من «السِّلاح»، قال النَّوَوِيُّ- رحمه اللَّه تعالى-: ينبغي لكل مُكَلَّفٍ أَنْ يحفظ لسانه من جميع الكلام إلاَّ كلامًا تظهر فيه مصلحته، ومتى استوى الكلامُ وتركه بالمصلحة فالسُّنَّةُ الإمساكُ فإنَّهُ قد ينجر الكلام المباح إلى حرام أو مكروه، وهذا هو الغالب، والسلامة لا يعدلها شيء، وقد صحّ عنه ﷺ فيما رواه البخاريُّ ومسلم أَنَّه قال: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ، فَلْيَقُلْ خَيْرًا أوْ لِيَصْمُتْ» «٢» وهو نَصٌّ صريح فيما قلناه، قال: ورُوِّينَا في «كتاب الترمذيِّ» / و«ابن ماجه» عن النبي ﷺ أنه قال: «من حسن إسلام المرء تركه مَا لاَ يَعْنِيهِ» قال الترمذيُّ: حديث حسن «٣»، وفيه عن عُقْبَةَ بن عامر «قلت: يا رَسُولَ اللَّهِ، مَا النَّجَاةُ؟ قَالَ: أَمْسِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ، وابك على خَطِيئَتِكَ» قال الترمذيّ: حديث حسن «٤»، وفيه عنه ﷺ قَالَ: «مَنْ وَقَاهُ اللَّهُ شَرَّ مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَشَرَّ مَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ، دَخَلَ الجَنَّةَ» قال الترمذيُّ: حديث حسن «٥»، انتهى، والرقيب:\nالمُرَاقِبُ، والعتيد: الحاضر.\n_________\n(١) أخرجه الحاكم في «المستدرك» (١/ ١٢٩)، (٤/ ٢٦١) .\nقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.\n(٢) تقدم.\n(٣) أخرجه الترمذي (٥/ ٥٥٨) كتاب «الزهد» باب: (١١) (٢٣١٧)، وابن ماجه (٢/ ١٣١٥- ١٣١٦) كتاب «الفتن» باب: كف اللسان في الفتنة (٣٩٧٦) من حديث أبي هريرة.\nقال الترمذي: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ إلا من هذا الوجه.\nوالحديث أخرجه أحمد (١/ ٢٠١)، هذا اللفظ، وله رواية أخرى بلفظ «من حسن إسلام المرء قلة الكلام فيما لا يعنيه»، كلاهما من حديث علي بن أبي طالب ﵁.\nقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٨/ ٢١): رواه أحمد، والطبراني في الثلاثة، ورجال أحمد و«الكبير» ثقات، وعن زيد بن ثابت، رواه الطبراني في «الصغير» وفيه محمّد بن كثير بن مروان وهو ضعيف.\n(٤) أخرجه الترمذي (٤/ ٦٠٥) كتاب «الزهد» باب: ما جاء في حفظ اللسان (٢٤٠٦)، وأحمد (٥/ ٢٥٩)، وأبو نعيم في «الحلية» (٢/ ٩) .\nقال الترمذي: هذا حديث حسن.\n(٥) أخرجه الترمذي (٤/ ٦٠٦) كتاب «الزهد» باب: ما جاء في حفظ اللسان (٢٤٠٩)، والحاكم (٤/ ٣٥٧)، وابن حبان (١٣/ ٩- ١٠) كتاب «الحظر والإباحة» باب: ما يكره من الكلام وما لا يكره، ذكر البيان بأن من عصم من فتنة فمه وفرجه رجي له دخول الجنة (٥٧٠٣) .\nقال الترمذي: أبو حازم الذي روى عن أبي هريرة اسمه: سلمان مولى عزة الأشجعية وهو كوفي، وأبو حازم الذي روى عن سهل بن سعد هو: أبو حازم الزاهد مدني، واسمه: سلمة بن دينار، وهذا حديث","vol":"5","page":284},{"text":"وقوله: وَجاءَتْ عطف، عندي، على قوله: إِذْ يَتَلَقَّى فالتقدير: وإذ تجيء سكرة الموت.\nت: قال شيخُنَا، زينُ الدين العراقيُّ في أرجوزته: [الرجز] وَسَكْرَةُ المَوْتِ اختلاط الْعَقْلِ......\nالبيت. انتهى.\nوقوله: بِالْحَقِّ معناه: بلقاء اللَّهِ، وَفَقْدُ الحياة الدنيا، وفراقُ الحياة حَقٌّ يعرفه الإنسانُ، ويحيد منه بأمله، ومعنى هذا الحيد أَنَّه يقول: أعيش كذا وكذا، فمتى فكر حاد بذهنه وأمله إلى مسافة بعيدة من الزمان، وهذا شأن الإنسان، حَتَّى يفاجئه الأجل قال عَبْدُ الحَقِّ في «العاقبة»: وَلَمَّا احْتَضَرَ مالك بن أنس، ونزل به الموتُ قال لمن حضره: لَيُعَاينَنَّ الناسُ غدًا من عفو اللَّه وَسَعَةِ رحمته ما لم يخطر على قلب بشر، كُشِفَ له﵁- عن سعة رحمة اللَّه وكثرة عفوه وعظيم تجاوُزِهِ ما أوجب أَنْ قال هذا، وقال أبو سليمان الدارانيُّ: دخلنا على عابد نزوره، وقد حضره الموتُ، وهو يبكي، فقلنا له: ما يبكيك- رحمك اللَّه؟! - فأنشأ يقول: [الطويل]\nوَحُقَّ لِمِثْلِي البُكَا عِنْدَ مَوْتِه ... وَمَالِيَ لاَ أَبْكِي/ وَمَوْتِي قَدِ اقترب\nوَلِي عَمَلٌ في اللَّوْحِ أَحْصَاهُ خَالِقِي ... فَإنْ لَمْ يَجُدْ بِالْعَفْوِ صِرْتُ إلَى العطب\nانتهى، ويَوْمُ الْوَعِيدِ: هو يوم القيامة، والسائِقُ: الحاثُّ على السير، واختلف الناسُ في السائق والشهيد، فقال عثمان بن عفان وغيره: هما مَلَكَانِ مُوَكَّلاَنِ بكل إنسان أحدهما يسوقه، والآخر مِنْ حَفَظَتِهِ يشهد عليه «١»، وقال أبو هريرة: السائق: مَلَكٌ،\n_________\nحسن غريب.\nوفي الباب من حديث عطاء بن يسار نحوه، أخرجه مالك في «الموطأ» (٢/ ٩٨٧- ٩٨٨) كتاب «الكلام» باب: ما جاء فيما يخاف من اللسان (١١) .\nوفي الباب من حديث سهل بن سعد، أخرجه البخاري (١١/ ٣١٤) كتاب «الرقاق» باب: حفظ اللسان، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أو ليصمت (٦٤٧٤)، (١٢/ ١١٥) كتاب «الحدود» باب:\nفضل من ترك الفواحش (٦٨٠٧) نحوه.\nوفي الباب عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ أخرجه أحمد (٥/ ٣٦٢) .\n(١) أخرجه الطبري (١١/ ٤١٨) برقم: (٣١٨٧١)، وذكره ابن عطية (٥/ ١٦١)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٢٢٥)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ١٢٣)، وعزاه لعبد الرزاق، والفريابي، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم في «الكنى»، وابن مردويه، والبيهقي في «البعث والنشور»، وابن عساكر عن عثمان بن عفان.","vol":"5","page":285},{"text":"والشهيد: العمل «١»، وقيل: الشهيد: الجوارح، وقال بعض النظار: سائق اسم جنس وشهيد كذلك، فالسَّاقَةُ للناس ملائكة مُوَكَّلُون بذلك، والشهداء: الحَفَظَةُ في الدنيا، وكل مَنْ يشهد.\nوقوله سبحانه: كُلُّ نَفْسٍ يعمُّ الصالحين وغيرهم فإنَّما معنى الآية شهيد بخيره وشَرِّهِ، ويقوى في شهيد اسم الجنس، فتشهد الملائكة، والبِقَاعُ والجوارحُ وفي الصحيح:\n«لا يسمع مدى صوت المؤذن إنس، ولا جِنٌّ، وَلاَ شَيْءٌ إلاَّ شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» «٢» .\nوقوله سبحانه: لَقَدْ كُنْتَ قال ابن عباس وغيره: أَي: يقال للكافر «٣»: لقد كنتَ في غفلة من هذا، فلمَّا كُشِفَ الغطاءُ عنك الآنَ احْتَدَّ بصرُك، أي: بصيرتك وهذا كما تقول: فلان حديد الذِّهْنِ ونحوه، وقال مجاهد «٤»: هو بصر العين، أي: احْتَدَّ التفاته إلى ميزانه، وغيرِ ذلك من أهوال القيامة.\nوالوجه عندي، في هذه الآية، ما قاله الحسن وسالم بن عبد اللَّه «٥»: إنَّها مُخَاطَبَةٌ للإِنسان ذي النفس المذكورة من مؤمن وكافر، وهكذا، قال الفخر «٦»: قال: والأقوى أنْ يقال: هو خطاب عامٌّ مع السامع، كأنَّهُ يقول: ذلك ما كنتَ منه تحيد أيُّها السامع، انتهى، وينظر إلى معنى كشف/ الغطاء قول النبي ﷺ: «النّاس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا» «٧» .\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٥/ ١٦١)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ١٢٣)، وعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم في «الكنى»، وابن مردويه، والبيهقي.\n(٢) أخرجه البخاري (٢/ ١٠٤) كتاب «الأذان» باب: رفع الصوت بالنداء (٦٠٩)، (٦/ ٣٩٥) كتاب «بدء الخلق» باب: ذكر الجن وثوابهم وعقابهم (٣٢٩٦)، (١٣/ ٥٢٨) كتاب «التوحيد» قول النبي ﷺ:\n«الماهر بالقرآن مع سفرة الكرام البررة، وزينوا القرآن بأصواتكم»، (٧٥٤٨)، وابن ماجه (١/ ٢٣٩- ٢٤٠) كتاب «الأذان والسنة فيه» باب: فضل الأذان وثواب المؤذنين (٧٢٣)، ومالك (١/ ٦٩) كتاب «الصلاة» باب: ما جاء في النداء للصلاة (٥)، وابن خزيمة في «صحيحه» (١/ ٢٠٣) كتاب «الصلاة» باب: فضل الأذان ورفع الصوت به وشهادة من يسمعه من حجر ومدر وشجر وجن وإنس للمؤذن، (٣٨٩)، والحميدي (٢/ ٣٢١)، (٧٣٢)، وأحمد (٣/ ٦) كلهم عن أبي سعيد الخدري مع اختلاف يسير في اللفظ.\n(٣) أخرجه الطبري (١١/ ٤٢٠) برقم: (٣١٨٨٥)، وذكره ابن عطية (٥/ ١٦٢)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٢٢٥)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ١٢٣)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عبّاس.\n(٤) ذكره البغوي (٤/ ٢٢٣)، وابن عطية (٥/ ١٦٢) .\n(٥) ذكره ابن عطية (٥/ ١٦٢) .\n(٦) ينظر: «تفسير الرازي» (١٤/ ١٤٢) .\n(٧) أورده الغزالي في «الإحياء» (٤/ ٢٣) . [.....]","vol":"5","page":286},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1365>[سورة ق (٥٠): الآيات ٢٣ الى ٢٨]</span>\nوَقالَ قَرِينُهُ هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ (٢٣) أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (٢٤) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (٢٥) الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ فَأَلْقِياهُ فِي الْعَذابِ الشَّدِيدِ (٢٦) قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ وَلكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (٢٧)\nقالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (٢٨)\nوقوله تعالى: وَقالَ قَرِينُهُ هذا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ قال جماعة من المفسرين: يعني قرينه من زبانية جهنم، أي: قال هذا العذاب الذي لدي لهذا الكافر، حاضر، وقال قتادة وابن زيد «١»: بل قرينه المُوَكَّلُ بسوقه، قال ع «٢»: ولفظ القرين اسم جنس، فسائقه قرين، وصاحبُه من الزبانية قرين، وكاتب سيئاته في الدنيا قرين، والكُلُّ تحتمله هذه الآية، أي:\nهذا الذي أحصيتُهُ عليه عتيد لَدَيَّ، وهو مُوجِبُ عذابه، والقرين الذي في هذه الآية غيرُ القرين الذي في قوله: قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا مَا أَطْغَيْتُهُ إذ المقارنة تكون على أنواع.\nوقوله سبحانه: أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ المعنى: يقال: ألقينا في جهنَّمَ، واخْتُلِفَ لمن يُقَالُ ذلك، فقال جماعة: هو قول لِمَلَكَيْنِ من ملائكة العذاب.\nوقال عبد الرحمن بن زيد «٣»: هو قول للسائق والشهيد.\nوقال جماعة من أهل العلم باللغة: هذا جارٍ على عادة كلام العرب الفصيح أنْ يُخَاطَبَ الواحدُ بلفظ الاثنين وذلك أَنَّ العربَ كان الغالبُ عندها أنْ يترافق في الأسفار ونحوها ثَلاَثَةٌ، فَكُلُّ واحد منهم يخاطِبُ اثنين، فَكَثُرَ ذلك في أشعارها وكلامها، حَتَّى صار عُرْفًا في المخاطبة، فاسْتُعْمِلَ في الواحد، ومن هذا قولهم في الأشعار:\n[من الطويل] خليليّ...... ....... «٤»\n_________\n- قال العجلوني في «كشف الخفاء ومزيل الإلباس»: هو من قول علي بن أبي طالب، لكن عزاه الشعراني في «الطبقات» لسهل التّستري، ولفظه في ترجمته ومن كلامه: الناس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا، وإذا ماتوا ندموا، وإذا ندموا لم تنفعهم ندامتهم اهـ.\n(١) ذكره ابن عطية (٥/ ١٦٢) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ١٦٣) .\n(٣) ذكره ابن عطية (٥/ ١٦٣) .\n(٤) مطلع قصيدة لامرىء القيس وتمام البيت:\n... مرّا بي على أمّ جندب ... نقضّي لبانات الفؤاد المعذّب\nينظر: «ديوانه» ص: (٤١) .","vol":"5","page":287},{"text":"وصاحبيّ...... ... ........ «١»\n[من الطويل]\nقِفَانَبْكِ.... ... ........ «٢»\nونحوه.\nوقال بعض المتأولين: المراد «أَلْقِيَنْ»، فَعُوِّضَ من النون ألفٌ، وقرأ الحسن بن أبي الحسن: «أَلْقِيًا» بتنوين الياء «٣»، و«عنيد» معناه: عَانِدٌ عن الحق، أي: مُنْحَرِفٌ/ عنه.\nوقوله تعالى: مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ لفظ عامٌّ للمال والكلام الحسن والمعاونة على الأشياء، ومُعْتَدٍ معناه: بلسانه ويده.\n_________\n(١) وجاء منه قول أبي تمام [الكامل]:\nيا صاحبي تقضّيا نطريكما ... تريا وجوه الروض كيف تصوّر\nوجاء منه مخاطبة الصاحب بالمثنى كقول الشاعر:\nوقلت لصاحبي لا تحبسانا ... بنزع أصوله واجدزّ شيحا\nالبيت من الوافر، وهو لمضرّس بن ربعي في «شرح شواهد الشافية» ص: (٤٨١)، وله أو ليزيد بن الطثريّة في «لسان العرب» (٥/ ٣١٩- ٣٢٠) (جزز)، و«المقاصد النحوية» (٤/ ٥٩١)، وبلا نسبة في «الأشباه والنظائر» (٨/ ٨٥)، و«خزانة الأدب» (١١/ ١٧)، و«سر صناعة الإعراب» ص: (١٨٧)، و«شرح الأشموني» (٣/ ٨٧٤)، و«شرح شافية ابن الحاجب» (٣/ ٢٢٨)، و«شرح المفصل» (١٠/ ٤٩)، والصاحبي في «فقه اللغة» ص: (١٠٩، ٢١٨)، و«لسان العرب» (٤/ ١٢٥) (جرر)، و«المقرب» (٢/ ١٦٦)، و«الممتع في التصريف» (١/ ٣٥٧) .\n(٢) مطلع قصيدة لامرىء القيس، وتمام البيت:\n...... من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللّوى بين الدّخول وحومل\nينظر: «ديوانه» ص: (٨)، و«الأزهية» ص: (٢٤٤)، و«جمهرة اللغة» ص: (٥٦٧)، و«الجنى الداني» ص: (٦٣- ٦٤)، و«خزانة الأدب» (١/ ٣٣٢، ٣/ ٢٢٤)، و«الدرر» (٦/ ٧١)، و«سرّ صناعة الإعراب» (٢/ ٥٠١)، و«شرح شواهد الشافية» ص: (٢٤٢)، و«شرح شواهد المغني» (١/ ٤٦٣)، و«الكتاب» (٤/ ٢٠٥)، و«لسان العرب» (١٥/ ٢٠٩) (قوا)، (٤٢٨)، و«مجالس ثعلب» ص: (١٢٧)، و«همع الهوامع» (٢/ ١٢٩)، وبلا نسبة في «الإنصاف» (٢/ ٦٥٦)، و«أوضح المسالك» (٣/ ٣٥٩)، و«جمهرة اللغة» ص: (٥٨٠)، و«خزانة الأدب» (١١/ ٦)، و«الدرر» (٦/ ٨٢)، و«رصف المباني» ص: (٣٥٣)، و«شرح الأشموني» (٢/ ٤١٧)، و«شرح شافية ابن الحاجب» (٢/ ٣١٦)، و«شرح قطر الندى» ص:\n(٨٠)، والصاحبي في «فقه اللغة» ص: (١١٠)، و«مغني اللبيب» (١/ ١٦١، ٢٦٦)، و«المنصف» (١/ ٢٢٤)، و«همع الهوامع» (٢/ ١٣١) .\n(٣) ينظر: «مختصر الشواذ» ص: (١٤٥)، و«المحتسب» (٢/ ٢٨٤)، و«الكشاف» (٤/ ٣٨٧)، و«المحرر الوجيز» (٥/ ١٦٤)، و«البحر المحيط» (٨/ ١٢٥)، و«الدر المصون» (٦/ ١٧٨) .","vol":"5","page":288},{"text":"وقوله سبحانه: الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ ... الآية، يحتمل أنْ يكون الَّذِي بدلًا من كَفَّارٍ، أو صفةً له، وَيَقْوَى عندي أَنْ يكونَ الَّذِي ابتداءً ويتضمن القولُ حينئذ بني آدم والشياطينَ المغوينَ لهم في الدنيا، ولذلك تَحَرَّكَ القرينُ، الشيطانُ المُغْوِي، فرام أَنْ يُبْرِىءَ نفسه ويخلصها بقوله: رَبَّنا مَا أَطْغَيْتُهُ.\nوقوله: رَبَّنا مَا أَطْغَيْتُهُ ليست بحجة لأَنَّهُ كَذَبَ أَنْ نفى الإطغاء عن نفسه جملةً، وهو قد أطغاه بالوسوسة والتزيينِ، وأَطغاه اللَّه بالخلق والاختراع حسب سابق قضائه الذي هو عدل منه، سبحانه لا رَبَّ غيرُه.\nوقوله سبحانه: لاَ تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ معناه: قال اللَّه: لا تختصموا لديَّ بهذا النوع من المقاولة التي لا تفيد شيئًا وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ وهو ما جاءت به الرسلُ والكتب، وجُمِعَ الضمير لأَنَّه مخاطبة لجميع القرناء إذ هو أمر شائع لا يقف على اثنين فقط.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1366>[سورة ق (٥٠): الآيات ٢٩ الى ٣١]</span>\nما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَما أَنَا بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (٢٩) يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (٣٠) وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (٣١)\nوقوله سبحانه: مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ أي: لا ينقض ما أبرمه كلامي من تعذيب الكفرة، ثم أزال سبحانه موضعَ الاعتراض بقوله: وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ أي: هذا عدل فيهم لأَنِّي أنذرت، وأمهلت، وأنعمتُ، وقرأ الجمهور: «يَوْمَ نَقُولُ» بالنون، وقرأ نافعٌ وعاصم في رواية أبي بَكْر بالياء، وهي قراءة أهل المدينة «١»، قال ع «٢»: والذي يترجَّحُ في قول جهنم: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ أَنَّها حقيقة، وأَنَّها قالت ذلك، وهي غير ملأى، وهو قول أنس بن مالك، ويبين ذلك الحديث الصحيح، وهو قوله ﷺ: «يَقُولُ اللَّهُ لِجَهَنَّمَ: هَلِ امْتَلأْتِ؟ وَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ؟! حَتَّى يَضَعَ الجَبَّارُ فِيهَا قَدَمَهُ، فَتَقُولُ: قَطْ قَطْ، وَيَنْزَوِي بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ» «٣» ولفظ البخاريِّ عن أبي هريرةَ قال: قَالَ النَّبيُّ ﷺ:\n_________\n(١) ينظر: «السبعة» (٦٠٧)، و«الحجة» (٦/ ٢١٣)، و«معاني القراءات» (٣/ ٢٧)، و«شرح الطيبة» (٦/ ١٧)، و«العنوان» (١٧٩)، و«حجة القراءات» (٦٧٨)، و«شرح شعلة» (٥٨٨)، و«إتحاف» (٢/ ٤٨٩) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ١٦٥) .\n(٣) أخرجه البخاري (١١/ ٥٥٤) كتاب «الأيمان والنذور» باب: الحلف بعزة الله وصفاته وكلماته، برقم:\n(٦٦٦١)، ومسلم (٤/ ٢١٨٧) كتاب «الجنة وصفة نعيمها وأهلها»: باب: النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء (٣٧، ٣٧- ٣٨/ ٢٨٤٨)، والترمذي (٥/ ٣٩٠) كتاب «تفسير القرآن» باب: ومن سورة ق (٣٢٧٢)، وأحمد (٣/ ١٣٤، ١٤١، ٢٢٩، ٢٣٠، ٢٣٤)، والخطيب في «تاريخ بغداد» (٥/ ١٢٧)","vol":"5","page":289},{"text":"تَحَاجَّتِ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ، فَقَالَتِ النَّارُ: أُوثِرْتُ بِالْمُتَكبِّرِينَ وَالْمُتَجَبِّرِينَ، وَقَالَتِ الجَنَّةُ: مَا لِيَ، لاَ يَدْخُلُنِي إلاَّ ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ؟! فَقَالَ اللَّهُ لِلْجَنَّةِ: أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي، وَقَالَ لِلَّنارِ: إنَّما أَنْتِ عَذَابِي أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي، وَلِكُلِّ وَاحِدَةِ مِنْهُمَا مِلْؤُهَا، فَأَمَّا النَّارُ فَلاَ تَمْتَلِىء حَتَّى يَضَعَ [الجَبَّارُ فِيهَا قَدَمَهُ] «١» فَتَقُولُ: قَطْ قَطْ، فَهُنَاكَ تَمْتَلِىءُ وَيَزْوِي بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ، وَلاَ يَظْلِمُ اللَّهُ ﷿ مِنْ خَلْقِهِ أَحَدًا، وَأَمَّا الجَنَّةُ فَإنَّ اللَّهَ يُنْشِىءُ لَهَا خَلْقًَا» «٢» انتهى، قال ع «٣»: ومعنى: «قدمه» ما قَدَّمَ لها من خلقه وجعلهم في علمه ساكنيها ومنه: أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ [يونس: ٢] وملاك النظر في هذه الحديث أَنَّ الجارحةَ، والتشبيهَ، وما جرى مجراه- مُنْتَفٍ كُلُّ ذلك عن اللَّه سبحانه، فلم يبقَ إلاَّ إخراجُ اللفظ على الوجوه السائغة في كلام العرب.\nوَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ معناه: قُرِّبَتْ، ولما احتمل أنْ يكونَ معناه بالوعد والإخبار رفع الاحتمال بقوله: غَيْرَ بَعِيدٍ قال أبو حيان «٤»: غَيْرَ بَعِيدٍ أي: مكانًا غيرَ بعيد فهو منصوب على الظرف، وقيل: منصوب/ على الحال من الجنة، انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1367>[سورة ق (٥٠): الآيات ٣٢ الى ٣٧]</span>\nهذا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (٣٢) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (٣٣) ادْخُلُوها بِسَلامٍ ذلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (٣٤) لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها وَلَدَيْنا مَزِيدٌ (٣٥) وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٦)\nإِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧)\nوقوله سبحانه: هذا مَا تُوعَدُونَ يحتمل أنْ يكونَ معناه: يقال لهم في الآخرة عند إزلاف الجنة: هذا الذي كنتم توعدون به في الدنيا، ويحتمل أنْ يكون خطابًا لِلأُمَّةِ أي:\nهذا ما توعدون أَيُّها الناس لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ: والأَوَّابُ: الرَّجَّاعُ إلى الطاعة وإلى مراشد\n_________\n(٢٥٥١) عن أنس بن مالك نحوه.\nقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه.\n(١) سقط في: د.\n(٢) أخرجه البخاري (٨/ ٤٦٠) كتاب «التفسير» باب: وتقول هل من مزيد (٤٨٥٠)، ومسلم (٤/ ٢١٨٦- ٢١٨٧) كتاب «الجنة وصفة نعيمها» باب: النار يدخلها الجبارون، والجنة يدخلها الضعفاء (٣٥- ٣٦/ ٢٨٤٦)، (٢٨٤٧) نحوه، والنسائي (٤/ ٤١٤- ٤١٥) كتاب «النعوت» باب: قوله: وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي، (٧٧٤٠/ ٨)، وابن حبان (١٦/ ٤٨٢) كتاب «إخباره ﷺ عن مناقب الصحابة» باب: وصف الجنة وأهلها (٧٤٤٧) . [.....]\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ١٦٥) .\n(٤) ينظر: «البحر المحيط» (٨/ ١٢٦) .","vol":"5","page":290},{"text":"نفسه، وقال ابن عباس وعطاء «١»: الأَوَّابُ: المُسَبِّحُ من قوله: يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ [سبأ: ١٠] وقال المُحَاسِبِيُّ «٢»: هو الراجع بقلبه إلى ربه، وقال عبيد بن عمير «٣»: كُنَّا نتحدث أَنَّه الذي إذا قام من مجلسه استغفر اللَّه مِمَّا جرى في ذلك المجلس، وكذلك كان النبيّ ﷺ يفعل «٤»، والحفيظ معناه: لأوامر اللَّه، فيمتثلها، ولنواهيه فيتركها، وقال ابن عباس»\n: حفيظ لذنوبه حَتَّى يرجعَ عنها، والمُنِيبُ: الراجع إلى الخير المائِلُ إليه قال الدَّاوُودِيُّ «٦»: وعن قتادَةَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ قال: مُقْبِلٌ على اللَّه سبحانه، انتهى.\nوقوله سبحانه: ادْخُلُوها أي: يقال لهم: ادخلوها.\nوقوله ﷿: لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها وَلَدَيْنا مَزِيدٌ خبر بأَنَّهم يُعْطَوْنَ آمالهم أجمع، ثم أبهم تعالى الزيادةَ التي عنده للمؤمنين المُنَعَّمِينَ، وكذلك هي مُبْهَمَةٌ في قوله تعالى: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [السجدة: ١٧] وقد فسر ذلك الحديثُ الصحيحُ، وهو قوله﵇-: «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ: مَا لاَ عَيْنٌ رَأَتْ، وَلاَ أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلاَ خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، بَلْهَ مَا اطَّلَعْتُمْ عَلَيْهِ «٧» قال ع «٨»: وقد ذكر الطبريُّ وغيره في تعيين هذا المزيد أحاديثَ مطولة، وأشياءَ ضعيفةً لأَنَّ/ اللَّه تعالى يقول: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ وهم يعينونها تكلفًا وتعسفًا.\nوقوله تعالى: فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ أي: ولجوا البلادَ من أنقابها طمعًا في النجاة من الهلاك هَلْ مِنْ مَحِيصٍ أي: لا محيصَ لهم، وقرأ ابن عبّاس وغيره: «فنقّبوا» على\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١١/ ٤٢٨) برقم: (٣١٩٢٦) عن ابن عبّاس، وذكره البغوي (٤/ ٢٢٥)، وابن عطية (٥/ ١٦٦) .\n(٢) ذكره ابن عطية (٥/ ١٦٦) .\n(٣) ذكره ابن عطية (٥/ ١٦٦)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٢٢٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ١٢٦)، وعزاه لابن أبي شيبة، وابن المنذر.\n(٤) ذكره الهندي في «كنز العمال» (٧/ ١٥٣) برقم: (١٨٤٧٨)، وعزاه إلى ابن السني عن عبد الله الحضرمي.\n(٥) أخرجه الطبري (١١/ ٤٢٨) برقم: (٣١٩٣٣)، وذكره البغوي (٤/ ٢٢٥)، وابن عطية (٥/ ١٦٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ١٢٦)، وعزاه لابن جرير، والبيهقي في «شعب الإيمان» عن التميمي.\n(٦) أخرجه الطبري (١١/ ٤٢٩)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ١٢٦)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر.\n(٧) تقدم.\n(٨) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ١٦٦) .","vol":"5","page":291},{"text":"الأمر لهؤلاء الحاضرين «١» .\nت: وعبارة البخاريِّ «فَنَقَّبُوا»: ضربوا «٢»، وقال الداودي: وعن أبي عبيدةَ فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ: طافوا، وتباعدوا، انتهى.\nوقوله تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ يعني: إهلاك مَنْ مضى لَذِكْرى أي: تذكرة، والقلبُ عبارة عن العقل إذْ هو مَحِلُّهُ، والمعنى: لمن كان له قلب واعٍ ينتفعُ به، وقال الشبليُّ: معناه: قلب حاضر مع اللَّه، لا يغفلُ عنه طرفةَ عين.\nوقوله تعالى: أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ معناه: صَرَفَ سَمْعَهُ إلى هذه الأنباء الواعظة، وأثبته في سماعها وَهُوَ شَهِيدٌ قال بعض المتأولين: معناه: وهو مشاهِد مُقْبَلٌ على الأمر، غيرُ مُعْرِضٍ ولا مُفَكِّرٍ في غير ما يسمع.\nت: ولفظ البخاريِّ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ أي: لا يحدث نفسَه بغيره شَهِيدٌ أي: شاهد بالقلب، انتهى، قال المُحَاسِبيُّ في «رعايته»: وقد أَحْبَبْتُ أَنْ أَحُضَّكَ على حُسْنِ الاستماع لتدركَ به الفهمَ عن اللَّه ﷿ في كُلِّ ما دعاك إليه فإنَّه تعالى أخبرنا في كتابه أَنَّ مَنِ استمع كما يُحِبُّ اللَّهُ تعالى وَيَرْضَى، كان له فيما يستمع إِليه ذِكْرَى، يعني: اتعاظًا، وإذا سَمَّى الله ﷿ لأحد من خلقه شَيْئًا فهو له كما سَمَّى، وهو واصل إليه كما أخبر قال ﷿: إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ قال مجاهد «٣»: شاهد القلب، لا يُحَدِّثُ نفسَه بشيء ليس بغائب القلب، فَمَنِ استمع إلى كتاب الله ﷿، أو إلى حكمة، أو إلى علم، أو إلى عِظَةٍ، لا يُحَدَّثُ نفسَه بشيء غيرِ ما يستمع إليه، قَدْ أشهد قَلْبَهُ ما استمع إليه، يريد الله﷿ به-: كان له فيه ذكرى لأَنَّ اللَّه تعالى قال ذلك، فهو كما قال ﷿، انتهى كلام المحاسبيِّ، وهو دُرٌّ نفيس، فَحَصِّلْهُ، واعملْ به تَرْشُدْ، وقد وجدناه، كما قال، وبالله التوفيق.\n_________\n(١) وقرأ بها أبو العالية، ويحيى بن يعمر، ونصر بن سيار.\nينظر: «المحتسب» (٢/ ٢٨٥)، و«المحرر الوجيز» (٥/ ١٦٧)، و«البحر المحيط» (٨/ ١٢٧)، وزاد نسبتها إلى أبي حيوة، والأصمعي عن أبي عمرو. وهي في «الدر المصون» (٦/ ١٨١) .\n(٢) ينظر: «صحيح البخاري» (٨/ ٤٥٨)، تفسير سورة (ق) .\n(٣) أخرجه الطبري (١١/ ٤٣٣) برقم: (٣١٩٥٢)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ١٢٩)، وعزاه للفريابي، وابن جرير.","vol":"5","page":292},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1368>[سورة ق (٥٠): الآيات ٣٨ الى ٤٠]</span>\nوَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨) فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (٣٩) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبارَ السُّجُودِ (٤٠)\nوقوله سبحانه: وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ... الآية: خَبَرٌ مضمَّنه الرَّدُّ على اليَهُودِ الذين قالوا: إنَّ اللَّه خلق الأشياء كلها، ثم استراح يَوْمَ السبت، فنزلت: وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ واللُّغُوب: الإعياء والنَّصَبُ.\nوقوله تعالى: فَاصْبِرْ عَلى مَا يَقُولُونَ أي: ما يقوله الكفرة من أهل الكتاب وغيرِهم، وعَمَّ بذلك جميعَ الأقوال الزائِغَةِ من قريش وغيرهم وَسَبِّحْ معناه: صَلِّ بِإجماعٍ من المتأولين.\nت: وفي الإِجماع نظر وقد قال الثعلبيُّ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ أي: قل سبحان اللَّه والحمدُ للَّه قاله عطاء الخُرَاسَانِيُّ، انتهى، ولكن المخرَّجُ في الصحيح إنما هو أمر الصلاة، وقال ابن العربي في «أحكامه» «١»: قوله تعالى: وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ فيه أربعة أقوال:\nأحدها: أَنَّه تسبيحُ اللَّهِ في الليل، ويَعْضُدُ هذا القولَ الحديثُ الصحيحُ: «مَنْ تَعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ فَقَالَ: لاَ إله إلاَّ اللَّهُ» «٢» الحديثَ، وقد ذكَرْنَاهُ في سورة «المزمل» .\nوالثاني: أنَّها صلاةُ الليل.\nوالثالث: أَنَّها ركعتا الفجر.\n/ والرابع: أَنَّها صلاة العشاء الآخرة، انتهى.\nوقوله: بِحَمْدِ رَبِّكَ الباء للاقتران، أي: سبّح سبحة يكون معها حمد، وقَبْلَ\n_________\n(١) ينظر: «أحكام القرآن» (٤/ ١٧٢٧) . [.....]\n(٢) أخرجه البخاري (٣/ ٤٨) كتاب «التهجد» باب: فضل من تعارّ من الليل فصلّى (١١٥٤)، وأبو داود (٢/ ٧٣٤)، كتاب «الأدب» باب: ما يقول الرجل إذا تعار من الليل (٥٠٦٠)، وابن ماجه (٢/ ١٢٧٦) كتاب «الدعاء» باب: ما يدعو به إذا انتبه من الليل (٣٨٧٨)، والترمذي (٥/ ٤٨٠)، كتاب «الدعوات» باب: ما جاء في الدعاء إذا انتبه من الليل (٣٤١٤)، وأحمد (٥/ ٣١٣)، والنسائي في «الكبرى» (٦/ ٢١٥) كتاب «عمل اليوم والليلة» باب: ما يقول إذا انتبه من منامه (١٠٦٩٧/ ٩)، وابن حبان (٦/ ٣٣١) كتاب «الصلاة» باب: فصل في قيام الليل (٢٥٩٦) .\nقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب.","vol":"5","page":293},{"text":"وقوله: بِحَمْدِ رَبِّكَ الباء للاقتران، أي: سَبِّح سبحة يكون معها حمد، وقَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ هي الصبح، وَقَبْلَ الْغُرُوبِ: هي العصر قاله ابن زيد والناس «١»، وقال ابن عبّاس «٢»: الظهر والعصر، وَمِنَ اللَّيْلِ: هي صلاة الْعِشَاءَيْنِ، وقال ابن زيد «٣»: هي العشاء فقط، وقال مجاهد «٤»: هي صلاة الليل.\nوقوله: وَأَدْبارَ السُّجُودِ قال عمر بن الخطاب وجماعة «٥»: هي الرَّكْعَتَانِ بعد المغرب، وأَسنده الطبريُّ عن ابن عبّاس عن النبيّ ﷺ «٦» قال ع «٧»: كَأَنَّهُ رُوعِيَ أَدبارُ صلاة النهار، كما رُوعي أدبار النجوم في صلاة الليل، وقال ابن عباس أيضًا، وابن زيد، ومجاهد «٨»: هي النوافل إثر الصلوات، وهذا جارٍ مع لفظ الآية، وقرأ نافع، وابن كثير، وحمزة: «وَإدْبَارَ» بكسر الهمزة، وهو مصدر، وقرأ الباقون بفتحها، وهو جمع دُبُر كطُنُب وأَطْنَاب «٩»، أي: وفي أدبار السجود، أي: في أعقابه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1369>[سورة ق (٥٠): الآيات ٤١ الى ٤٥]</span>\nوَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ (٤١) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (٤٢) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (٤٣) يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِراعًا ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ (٤٤) نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ (٤٥)\nوقوله سبحانه: وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ واستمع بمنزلة: وانتظر،\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١١/ ٤٣٥) برقم: (٣١٩٧٠)، وذكره ابن عطية (٥/ ١٦٨) .\n(٢) ذكره البغوي (٤/ ٢٢٦)، وابن عطية (٥/ ١٦٨) .\n(٣) أخرجه الطبري (١١/ ٤٣٥) برقم: (٣١٩٧١)، وذكره ابن عطية (٥/ ١٦٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ١٣٠)، وعزاه لابن جرير.\n(٤) أخرجه الطبري (١١/ ٤٣٥) برقم: (٣١٩٧٢)، وذكره البغوي (٤/ ٢٢٧)، وابن عطية (٥/ ١٦٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ١٣٠)، وعزاه لابن جرير.\n(٥) أخرجه الطبري (١١/ ٤٣٦) برقم: (٣١٩٧٥) عن علي ﵁، وذكره البغوي (٤/ ٢٢٧)، وابن عطية (٥/ ١٦٨)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٢٣٠)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ١٣١)، وعزاه لابن المنذر، ومحمّد بن نصر.\n(٦) أخرجه الطبري (١١/ ٤٣٧) برقم: (٣١٩٨٥) .\n(٧) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ١٦٩) .\n(٨) أخرجه الطبري (١١/ ٤٣٨) برقم: (٣١٩٩٧) عن ابن زيد، وذكره ابن عطية (٥/ ١٦٩)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ١٣٠)، وعزاه لابن جرير.\n(٩) ينظر: «الحجة» (٦/ ٢١٣)، و«السبعة» (٦٠٧)، و«معاني القراءات» (٣/ ٢٧)، و«شرح الطيبة» (٦/ ١٧)، و«حجة القراءات» (٦٧٨)، و«العنوان» (١٧٩)، و«شرح شعلة» (٥٨٨)، و«إتحاف» (٢/ ٤٨٩) .","vol":"5","page":294},{"text":"وكذا، أي: كُنْ مُنتظرًا له، مستمعًا له، فعلى هذا فَنَصْبُ «يوم» إنَّما هو على المفعول الصريح.\nوقوله سبحانه: مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ قيل: وصفه بالقرب من حيث يسمع جميع الخلق، وروي عن النبي ﷺ: «إِنَّ مَلَكًا يُنَادِي مِنَ السَّمَاءِ: أَيَّتُهَا الأَجْسَامُ الْهَامِدَةُ، وَالْعِظَامُ الْبَالِيَةُ، - وَالرِّمَمُ الذَّاهِبَةُ- هَلُمِّي إلَى الْحَشْرِ وَالْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ﷿» والصيحة:\n/ هي صيحة المنادي، والخروج: هو من القبور، ويومُه هو يومُ القيامة، ويومُ الخروج في الدنيا: هو يوم العيد.\nوقوله تعالى: ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ: معادل لقول الكفرة: ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ [ق: ٣] .\nوقوله سبحانه: نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ وعيد محض للكفرة.\nوقوله سبحانه: وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ قال الطبري وغيره «١»: معناه: وما أنت عليهم بمُسَلَّطٍ، تُجْبِرُهُمْ على الإيمان.\nوقال قتادة «٢»: هو نهيٌ من اللَّه تعالى عن التجبر، والمعنى: وما أنت عليهم بمتعظم من الجبروت، وروى ابن عباس أَنَّ المؤمنين قالوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ خوّفتنا! فنزلت:\nفَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ «٣» .\n_________\n(١) ينظر: «تفسير الطبري» (١١/ ٤٣٩) .\n(٢) أخرجه الطبري (١١/ ٤٤٠) برقم: (٣٢٠٠٤)، وذكره ابن عطية (٥/ ١٧٠)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٢٣١)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ١٧٢)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر.\n(٣) أخرجه الطبري (١١/ ٤٤٠) برقم: (٣٢٠٠٥)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ١٣٢) .","vol":"5","page":295},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1370>تفسير سورة «الذّاريات»</span>\nوهي مكّيّة بإجماع المفسّرين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1371>[سورة الذاريات (٥١): الآيات ١ الى ٧]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nوَالذَّارِياتِ ذَرْوًا (١) فَالْحامِلاتِ وِقْرًا (٢) فَالْجارِياتِ يُسْرًا (٣) فَالْمُقَسِّماتِ أَمْرًا (٤)\nإِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ (٥) وَإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ (٦) وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ (٧)\nقوله ﷿: وَالذَّارِياتِ ذَرْوًا ... الآية، أقسم الله ﷿ بهذه المخلوقات تنبيهًا عليها، وتشريفًا لها، ودَلاَلَةً على الاعتبار فيها، حَتَّى يصيرَ الناظرُ فيها إلى توحيد الله ﷿، فقوله: وَالذَّارِياتِ: هي الرياح بإجماع وذَرْوًا نصب على المصدر، وفَالْحامِلاتِ وِقْرًا قال عليٌّ: هي السحاب، وقال ابن عباس وغيره «١»: هي السفن الموقورة بالناس وأمتعتهم، وقال جماعة من العلماء: هي أيضًا مع هذا جميع الحيوانِ الحامل، وفي جميع ذلك معتبر، وفَالْجارِياتِ يُسْرًا قال عليٌّ وغيره «٢»: هي السفن في البحر، وقال آخرون: هي السحاب، وقال آخرون: هي الكواكب قال ع «٣»: واللفظ يقتضي جميعَ هذا، ويُسْرًا نعت لمصدر محذوف، وصفات/ [المصادر المحذوفة تعود أحوالا، ويُسْرًا معناه: بسهولة و«المقسّمات أَمْرًا»: الملائكة، والأمر هنا: اسم جنس، فكأَنَّه قال: والجماعات التي تقسم أمورَ الملكوت، من الأرزاق، والآجال، والخلق في الأرحام، وأمر الرياح والجبال، وغير ذلك لأَنَّ كُلَّ هذا إنَّما هو بملائكة تخدمه، وأنّث «المقسمات» من حيث أراد الجماعات، وهذا القَسَمُ واقع على قوله: إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ ...\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١١/ ٤٤٢) برقم: (٣٢٠٢١)، وذكره ابن عطية (٥/ ١٧١)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٢٣١)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ١٣٣)، وعزاه لعبد الرزاق، والفريابي، وسعيد بن منصور، والحارث بن أبي أسامة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن الأنباري في «المصاحف»، والحاكم وصححه. [.....]\n(٢) ذكره ابن عطية (٥/ ١٧١) .\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ١٧١) .","vol":"5","page":296},{"text":"الآية، وتُوعَدُونَ يحتمل أن يكون من الوعد، ويحتمل أن يكون من الإيعاد، وهو أظهر، والدِّينَ: الجزاء، وقال مجاهد: الحساب «١» .\nثم أقسم تعالى بمخلوق آخر، فقال: وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ والحُبُكُ: الطرائق التي هي على نظامٍ في الأجرام، ويقال لما تراه من الطرائق في الماء والرمال إذا أصابته الريحُ:\nحبك، ويقال لِتَكَسُّرِ الشعر: حُبُك، وكذلك في المنسوجات من الأكسية وغيرها طرائِقُ في موضع تداخل الخيوط هي حبك وذلك لجودة خِلْقَةِ السماء ولذلك فَسَّرَها ابن عباس وغيره «٢» بذات الخلق الحَسَنِ وقال الحسن «٣»: حبكها كواكبها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1372>[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٨ الى ١٢]</span>\nإِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (٩) قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (١٠) الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ ساهُونَ (١١) يَسْئَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (١٢)\nوقوله سبحانه: إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ يحتمل أنْ يكون خطابًا لجميع الناس، أي: منكم مؤمن بمحمد، ومنكم مُكَذِّبٌ له، وهو قول قتادة «٤»، ويحتمل أَنْ يكونَ خطابًا للكفرة فقط لقول بعضهم: شاعر، وبعضهم: كاهن، وبعضهم: ساحر، إلى غير ذلك وهذا قول ابن زيد «٥» .\nويُؤْفَكُ معناه: يُصْرَفُ، أي: يصرف من الكفار عن كتاب اللَّه مَنْ صُرِفَ مِمَّنْ غلبت عليه شَقَاوَتُهُ، وعُرْفُ الاستعمال في «أفك» إنَّما هو في الصرف من خير إلى شَرٍّ.\nوقوله تعالى: قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ دعاءٌ عليهم كما تقول: قاتلك اللَّه، وقال بعض المفسرين. معناه: لُعِنَ الخرَّاصون، وهذا تفسير لا يعطيه اللفظ.\nت: والظاهر ما قاله هذا المُفَسِّرُ قال عِيَاضٌ في «الشفا» وقد يقع القتل بمعنى اللعن قال الله تعالى: قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ وقاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ [المنافقون: ٤]\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١١/ ٤٤٤) برقم: (٣٢٠٣٦)، وذكره ابن عطية (٥/ ١٧٢) .\n(٢) أخرجه الطبري (١١/ ٤٤٥) برقم: (٣٢٠٤٠)، وذكره البغوي (٤/ ٢٢٩)، وذكره ابن عطية (٥/ ١٧٢)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٢٣٢) .\n(٣) أخرجه الطبري (١١/ ٤٤٥) برقم: (٣٢٠٥٢)، وذكره البغوي (٤/ ٢٢٩)، وابن عطية (٥/ ١٧٢)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٢٣٢) .\n(٤) أخرجه الطبري (١١/ ٤٤٦) برقم: (٣٢٠٦٠)، وذكره ابن عطية (٥/ ١٧٣)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٢٣٢) .\n(٥) أخرجه الطبري (١١/ ٤٤٦) برقم: (٣٢٠٦١)، وذكره ابن عطية (٥/ ١٧٣) .","vol":"5","page":297},{"text":"أي: لعنهم اللَّه، انتهى، وقد تقدَّم للشيخ عند قوله تعالى: عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ [الفتح:\n٦] قال: كُلُّ ما كان بلفظ دعاء من جهة الله ﷿، فَإنَّما هو بمعنى إيجاب الشيء لأنَّ اللَّه تعالى لا يدعو على مخلوقاته، انتهى بلفظِهِ، وظاهِرُهُ مخالف لما هنا، وسيبينه في «سورة البروج»، والخَرَّاصُ: المُخَمِّنُ القائل بِظَنِّهِ، والإشارة إلى مكذّبي النبي ﷺ، والغَمْرَةُ: ما يَغْشَى الإنسانَ ويغطيه كغمرة الماء، وساهُونَ معناه: عن وجوه النظر.\nوقوله تعالى: يَسْئَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ أي: يوم الجزاء، وذلك منهم على جهة الاستهزاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1373>[سورة الذاريات (٥١): الآيات ١٣ الى ١٧]</span>\nيَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣) ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (١٤) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥) آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ (١٦) كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ (١٧)\nوقوله: يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ قال الزَّجَّاجُ «١»: التقدير: هو كائن يومَ هم على النار يفتنون، ويُفْتَنُونَ معناه: يُحْرَقُونَ ويُعَذَّبُون في النار قاله ابن عبّاس والناس «٢»، وفتنت الذهب أحرقته، وذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ أي: حرقكم وعذابكم قاله قتادة وغيره «٣» .\nإِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ... الآية، روى الترمذيّ عن النبي ﷺ قال: «لاَ يَبْلُغُ الْعَبْدُ أَنْ يَكُونَ مِنَ المُتَّقِينَ، حتى يَدَعَ مَا لاَ بَأْسَ بِهِ حَذَرًا لِمَا بِهِ البَأْسُ» قال أبو عيسى: هذا حديث حسن «٤»، انتهى، وقوله سبحانه في المتقين: آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ أي: مُحَصِّلِينَ ما أعطاهم رَبُّهم سبحانه من جناته، ورضوانه، وأنواع كراماته إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ: يريد في الدنيا مُحْسِنِينَ: بالطاعات] والعمل الصالح.\n_________\n(١) ينظر: «معاني القرآن» (٥/ ٥٢) .\n(٢) أخرجه الطبري (١١/ ٤٤٩) برقم: (٣٢٠٧٩)، وذكره ابن عطية (٥/ ١٧٣)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٢٣٢) .\n(٣) أخرجه الطبري (١١/ ٤٥٠) برقم: (٣٢٠٩٢)، وذكره ابن عطية (٥/ ١٧٤) .\n(٤) أخرجه الترمذي (٤/ ٦٣٤) كتاب «صفة القيامة» باب: (٩) (٢٤٥١)، وابن ماجه (٢/ ١٤٠٩) كتاب «الزهد» باب: الورع والتقوى (٤٢١٥)، والبيهقي (٥/ ٣٣٥) كتاب «البيوع» باب: كراهية مبايعة من أكثر ماله من الربا أو ثمن المحرم، والطبراني (١٧/ ١٦٩)، (٤٤٦)، والحاكم (٤/ ٣١٩) .\nقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه.\nقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.","vol":"5","page":298},{"text":"ت: وروى التِّرْمِذِيُّ عن سعد بن أبي وقّاص، عن النبي ﷺ قَالَ: «لَوْ أَنَّ مَا يُقِلُّ ظُفُرٌ مِمَّا في الجَنَّةِ بَدَا لَتَزَخْرَفَ لَهُ مَا بَيْنَ خَوَافِقِ السموات والأَرْضِ، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ اطَّلَعَ، فَبَدَا أَسَاوِرُهُ، لَطَمَسَ ضَوْءَ الشَّمْسِ كَمَا تَطْمِسُ الشَّمْسُ ضَوْءَ النُّجُومِ» «١» انتهى، ومعنى قوله: كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ أَنَّ نومهم كان قليلًا لاشتغالهم بالصلاة والعبادةِ، والهجوعُ: النومُ، وقد قال الحسن في تفسير هذه الآية: كابَدُوا قيامَ الليل، لا ينامون منه إلاَّ قليلًا «٢»، وأَمَّا إعرابُ الآية فقال الضَّحَّاكُ في كتاب الطبريِّ: ما يقتضي أنَّ المعنى: كانوا قليلًا في عددهم، وتمّ خبر «كان»، ثم ابتدأ مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ فما نافية وقَلِيلًا وقف حسن، وقال جمهور النحويين: ما مصدريَّةٌ وقَلِيلًا خبرُ كَانَ، والمعنى: كانوا قليلًا من الليل هجوعُهُم، وعلى هذا الإعراب يجيء قولُ الحسن وغيرِهِ، وهو الظاهر عندي أَنَّ المراد كان هُجُوعُهُمْ من الليل قليلًا قيل لبعض التابعين: مدح الله قوما كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ونَحْنُ قليلًا من الليل ما نقوم! فقال: رَحِمَ اللَّهُ امرأً رقد إذا نعس، وأطاع ربّه إذا استيقظ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1374>[سورة الذاريات (٥١): الآيات ١٨ الى ٢١]</span>\nوَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨) وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (١٩) وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ (٢١)\nوقوله تعالى: وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ قال الحسن «٣»: معناه: يدعون في طَلَبِ المغفرة، ويُرْوَى أَنَّ أبوابَ الجنة تُفْتَحُ سَحَرَ كُلَّ ليلة، قال ابن زيد «٤»: السَّحَرُ: السُّدُسُ الآخر من الليل، والباء في قوله بِالْأَسْحارِ بمعنى في قاله أبو البقاء، انتهى، ومن كلام [ابن] الجوزي في «المُنْتَخَبِ»: يا أخي، علامةُ المَحَبَّةِ طلبُ الخَلْوَةِ بالحبيبِ، وبيداءُ اللَّيل/ فلواتُ الخلوات، لَمَّا ستروا قيامَ الليل في ظلام الدُّجَى غَيْرَةً أَنْ يَطَّلِعَ الغيرُ عليهم- سترهم سبحانه بسترٍ-، فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [السجدة: ١٧]، لَمَّا صَفَتْ خلواتُ الدُّجَى، ونادى أذان الوصال: أقم فلانا، وأنم فلانا- خرجت بالأسماء\n_________\n(١) أخرجه الترمذي (٤/ ٦٧٨)، كتاب «صفة الجنة» باب: ما جاء في صفة أهل الجنة، وأحمد (١/ ١٧١)، والبخاري في «التاريخ الكبير» (٦/ ٢٠٨) (٢١٩٠)، وابن المبارك في «الزهد» (٢/ ١٢٦) (٤١٦) .\nقال الترمذي: هذا الحديث غريب لا نعرفه بهذا الإسناد إلا من حديث ابن لهيعة.\n(٢) أخرجه الطبري (١١/ ٤٥٣) برقم: (٣٢١١٦)، وذكره ابن عطية (٥/ ١٧٤)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٢٢٣)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ١٣٤)، وعزاه لابن أبي شيبة، وابن جرير.\n(٣) أخرجه الطبري (١١/ ٤٥٦) برقم: (٣٢١٤٠)، وذكره البغوي (٤/ ٢٣٠)، وذكره ابن عطية (٥/ ١٧٥)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ١٣٥)، وعزاه لابن أبي شيبة، وابن نصر، وابن جرير، وابن المنذر. [.....]\n(٤) أخرجه الطبري (١١/ ٤٥٦) برقم: (٣٢١٤٢)، وذكره ابن عطية (٥/ ١٧٥) .","vol":"5","page":299},{"text":"الجرائد وفاز الأحبابُ بالفوائد، وأنت غافل راقد. آهِ لو كنتَ معهم! أسفًا لك! لو رأيتهم لأبصرتَ طلائِعَ الصِّدِّيقِينَ في أول القوم، وشاهدتَ سَاقَةَ المستغفرين في الرَّكْبِ، وسَمِعْتَ استغاثة المُحِبِّينَ في وسط الليل، لو رأيتهم يا غافل، وقد دارت كؤوس المناجاة بين مزاهر التلاوات، فأسكَرَتْ قَلْبَ الواجدِ، ورقمت في مصاحف الوجنات. تعرفهم بسيماهم، يا طويلَ النوم، فاتتك مِدْحَةُ تَتَجافى [السجدة: ١٦]، وَحُرِمْتَ مِنْحَةَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ [آل عمران: ١٧]، يا هذا، إنَّ للَّه تعالى ريحًا تُسَمَّى الصَّبِيحَةَ مخزونةً تحتَ العرش، تَهُبُّ عند الأسحار، فتحمل الدعاء والأنين والاستغفار إلى حضرة العزيز الجَبَّارِ، انتهى.\nوَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ ... الآية، الصحيح أَنَّها مُحْكَمَةٌ وأنَّ هذا الحق هو على وجه الندب، ومَعْلُومٌ [المعارج: ٢٤] يُرَادُ به: مُتَعَارَفٌ، وكذلك قيامُ الليل الذي مدح به ليس من الفرائض، وأكثر ما تقع الفضيلةُ بفعل المندوبات، والمحروم هو الذي تبعد عنه ممكنات الرزق بعد قربها منه، فيناله حرمان وَفاقَةٌ، وهو مع ذلك لا يسأل، فهذا هو الذي له حَقٌّ في أموال الأغنياء، كما للسائل حَقٌّ، وما وقع من ذكر الخلاف فيه فيرجع إلى هذا، وبعد هذا محذوف تقديره: فكونوا/ أَيُّها الناس مثلهم وعلى طريقهم، وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ: لمن اعتبر وأيقن.\nوقوله سبحانه: وَفِي أَنْفُسِكُمْ إحالة على النظر في شخص الإنسان، وما فيه من العِبَرِ، وأمرِ النفسِ، وحياتِهَا، ونطقِها، واتصالِ هذا الجزء منها بالعقل قال ابن زيد: إنَّما القلب مُضْغَةٌ في جوف ابن آدم، جَعَلَ اللَّه فيه العقل، أفيدري أحد ما ذلك العقل، وما صِفَتُه، وكيف «١» هو.\nت: قال ابنُ العربيِّ في رحلته: اعلم أنَّ معرفة العبد نَفْسَهُ من أولى ما عليه وآكدِهِ إذْ لاَ يَعْرِفُ رَبَّه إلاَّ مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ قال تعالى: وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ وغير ما آية في ذلك، ثم قال: ولا ينكر عاقل وُجُودَ الرُّوحِ من نفسه، وإنْ كان لم يدركْ حقيقتَه، كذلك لا يَقْدِرُ أنْ يُنْكِرَ وُجُودَ الباري سبحانه الذي دَلَّتْ أفعاله عليه، وإنْ لم يدركْ حقيقته، انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1375>[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٢٢ الى ٢٣]</span>\nوَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ (٢٢) فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (٢٣)\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١١/ ٤٦٠) برقم: (٣٢١٧٩)، وذكره ابن عطية (٥/ ١٧٥) .","vol":"5","page":300},{"text":"وقوله سبحانه: وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ قال مجاهد وغيره «١»: هو المطر، وقال واصل الأحدب: أراد القضاء والقدر «٢»، أي: الرزق عند اللَّه يأتي به كيف شاء سبحانه لا رَبَّ غيرُه، وتُوعَدُونَ يحتمل أن يكون من الوعد، ويحتمل أن يكونَ من الوعيد قال الضَّحَّاكُ. المُرَادُ: من الجنة والنار «٣»، وقال مجاهد «٤»: المرادُ: الخيرُ والشَّرُّ، وقال ابن سيرين «٥»: المراد: الساعة، ثم أقسم سبحانه بنفسه على صِحَّةِ هذا القول والخبر، وشَبَّهَهُ في اليقين به بالنُّطْقِ من الإنسان، وهو عنده في غاية الوضوح، و«ما» زائدة تعطي تأكيدًا، والنطق في هذه الآية هو الكلام/ بالحروف والأصوات في ترتيب المعاني، ورُوِيَ أَنَّ بَعْضَ الأعراب الفصحاء سَمِعَ هذه الآيةَ فقال: مَنْ أَحْوَجَ الكريمَ إلى أَنْ يحلف؟! والحكاية بتمامها في كتاب الثعلبيِّ، وسبل الخيرات، وروي أنّ النبيّ ﷺ قَالَ: «قَاتَلَ اللَّهُ قَوْمًا، أَقْسَمَ لَهُمْ رَبُّهُمْ بِنَفْسِهِ فَلَمْ يُصَدِّقُوهُ» ورَوَى أبو سعيد الخُدَرِيُّ أنّ النبيّ ﷺ قَالَ: «لَوْ فَرَّ أَحَدُكُمْ مِنْ رِزْقِهِ لَتَبِعَهُ كَمَا يَتْبَعُهُ المَوْتُ» «٦» وأحاديث الرزق كثيرة، ومن كتاب «القصد إلى اللَّه سبحانه» للْمُحَاسِبِيِّ: قال: قلتُ لشيخنا: من أين وقع الاضطرابُ في القلوب، وقد جاءها الضمان من الله ﷿؟ قال: من وجهين.\nأحدهما: قِلَّةُ المعرفة بحُسْنِ الظّن، وإلقاء التّهم عن الله ﷿.\nوالوجه الثاني: أنْ يعارضها خوفُ الفَوْت، فتستجيبَ النفسُ للداعي، ويَضْعُفَ اليقينُ، ويَعْدِمَ الصبرُ، فيظهرَ الجَزَعُ.\nقلتُ: شيءٌ غيرُ هذا؟ قال: نعم، إنّ الله ﷿ وَعَدَ الأرزاق، وضَمِنَ، وغَيَّبَ الأوقات ليختبرَ أهلَ العقول، ولولا ذلك لكان كُلُّ المؤمنين راضين صابرين متوكّلين، لكنّ الله ﷿ أعلمهم أَنَّهُ رازقهم، وحَلَفَ لهم على ذلك، وغيّب عنهم أوقات العطاء،\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١١/ ٤٦١) برقم: (٣٢١٨٤)، وذكره البغوي (٤/ ٢٣١) .\n(٢) أخرجه الطبري (١١/ ٤٦١) برقم: (٣٢١٨٦)، وذكره ابن عطية (٥/ ١٧٦)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٢٣٥) .\n(٣) أخرجه الطبري (١١/ ٤٦١) برقم: (٣٢١٨٩)، وذكره البغوي (٤/ ٢٣١)، وابن عطية (٥/ ١٧٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ١٣٧)، وعزاه لأبي الشيخ، وابن جرير.\n(٤) أخرجه الطبري (١١/ ٤٦١) برقم: (٣٢١٨٧)، وذكره البغوي (٤/ ٢٣١)، وابن عطية (٥/ ١٧٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ١٣٧)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر.\n(٥) ذكره ابن عطية (٥/ ١٧٦) .\n(٦) قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٤/ ٧٥): رواه الطبراني في «الأوسط» و«الصغير» وفيه عطية العوفي وهو ضعيف. اهـ.","vol":"5","page":301},{"text":"فمن هاهنا عُرِفَ الخَاصّ من العامِّ، وتفاوت العبادُ في الصبر، والرضا، واليقين، والتوكل، والسكون، فمنهم- كما علمتَ- ساكنٌ، ومنهم متحرك، ومنهم راض، ومنهم ساخط، ومنهم جَزِعٌ، فعلى قَدْرِ ما تفاوتوا في المعرفة- تفاوتوا في اليقين، وعلى قَدْرِ ما تفاوتوا في اليقين- تفاوتوا في السكون والرضا والصبر والتوكل. اهـ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1376>[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٢٤ الى ٣٦]</span>\nهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٢٥) فَراغَ إِلى أَهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قالَ أَلا تَأْكُلُونَ (٢٧) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ (٢٨)\nفَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَها وَقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (٢٩) قالُوا كَذلِكَ قالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٣٠) قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٣١) قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٣٢) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣)\nمُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (٣٤) فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦)\nوقوله سبحانه: هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ ... الآية، قد تقدم قَصَصُهَا، و«عليم» أي: عالم، وهو إسحاق ع.\nت: ولنذكر هنا شيئًا من الآثار في آداب الطعام، قال النوويُّ: روى ابن السُّنِّيِّ بسنده عن النبي ﷺ أَنَّهُ كَانَ يقول في الطعام إذا قُرِّبَ إلَيْهِ: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيمَا رَزَقْتَنَا، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، باسم اللَّهِ» انتهى «١»، وفي «صحيح مسلم» عن جابر عن النبي ﷺ قال: «إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ، فَذَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى عِنْدَ دُخُولِهِ وَعِنْدَ طَعَامِهِ- قَالَ الشَّيْطَانُ: لاَ مَبِيتَ لَكُمْ، وَلاَ عَشَاءَ، وَإذَا دَخَلَ فَلَمْ يَذْكُرِ اللَّه تَعَالَى عِنْدَ دُخُولِهِ، قَالَ الشَّيْطَانُ: أَدْرَكْتُمُ الْمَبِيتَ، وَإذَا لَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ تَعَالَى عِنْدَ طَعَامِهِ، قَالَ أَدْرَكْتُمُ المَبِيتَ وَالْعَشَاءَ» «٢»، وفي «صحيح مسلم» عن النبي ﷺ قال: «إنَّ الشَّيْطَانَ يَسْتَحِلُّ الطَّعَامَ أَلاَّ يُذْكَرَ اسم الله عليه» «٣» الحديث، انتهى،\n_________\n(١) أخرجه ابن السني (٤٥٩) .\n(٢) أخرجه مسلم (٣/ ١٥٩٨) كتاب «الأشربة» باب: آداب الطعام والشراب وأحكامهما (١٠٣/ ٢٠١٨)، وأبو داود (٢/ ٣٧٤) كتاب «الأطعمة» باب: التسمية على الطعام (٣٧٦٥)، وابن ماجه (٢/ ١٢٧٩)، كتاب «الدعاء» باب: ما يدعو به إذا دخل بيته (٣٨٨٧)، وأحمد (٣/ ٣٤٦)، والبيهقي (٧/ ٢٧٦)، كتاب «الصداق» باب: التسمية على الطعام، والبخاري في «الأدب المفرد» (٣١٩) (١١٠٢) .\n(٣) أخرجه مسلم (٣/ ١٥٩٧) كتاب «الأشربة» باب: آداب الطعام والشراب وأحكامهما (١٠٢/ ٢٠١٧)، وأبو داود (٢/ ٣٧٤) كتاب «الأطعمة» باب: التسمية على الطعام (٣٧٦٦)، وأحمد (٥/ ٣٨٣)، والحاكم في «المستدرك» (٤/ ١٠٨) .\nقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.\nوللحديث شاهد من رواية جابر بن عبد الله، أخرجه أبو داود (٢/ ٣٧٤) كتاب «الأطعمة»، باب:","vol":"5","page":302},{"text":"والصَّرَّةُ: الصيحة «١» كذا فسره ابن عباس وجماعة، قال الطبريُّ عن بعضهم «٢»: قَالَتْ:\n«أَوَّهْ» بِصِيَاحٍ وتَعَجُّبٍ وقال النَّحَّاسُ: فِي صَرَّةٍ في جماعة نسوة.\nوقوله: فَصَكَّتْ وَجْهَها: معناه: ضربْت وَجْهَهَا استهوالًا لما سمعت، وقال سفيان وغيره: ضَرَبَتْ بِكَفِّهَا جبهتها «٣»، وهذا مُسْتَعْمَلٌ في الناس حَتَّى الآن، وقولهم:\nكَذلِكَ قالَ رَبُّكِ أي: كقولنا الذي أخبرناك.\nوقوله تعالى: حِجارَةً مِنْ طِينٍ بيانٌ يخرج عن مُعْتَادِ حجارة البرَد التي هي من ماء، ويُرْوَى أَنَّه طين طُبِخَ في نار جَهَنَّمَ حَتَّى صار حجارة كالآجر، ومُسَوَّمَةً نعت لحجارة، ثم أخبر تعالى أَنَّه أخرج بأمره مَنْ كان في قرية «لوط» مِنَ المؤمنين، منجيًا لهم، وأعاد الضمير على القرية، / وإنْ لم يجرِ لها قبل ذلك ذكر لشهرة أمرها، قال المفسرون:\nلاَ فَرْقَ بين تقدُّمِ ذكر المؤمنين وتأخُّرِهِ وإِنَّمَا هما وصفانِ ذَكَرَهُمْ أَوَّلًا بأحدهما، ثم آخرًا بالثَّاني، قيل: فالآية دالَّةٌ على أَنَّ الإيمان هو الإسلام، قال ع «٤»: ويظهر لي أَنَّ في المعنى زيادة تحسن التقديم للإيمان وذلك أَنَّهُ ذكره مع الإخراج من القرية، كأَنَّهُ يقول:\nنفذ أمرنا بإخراج كُلِّ مؤمن، ولا يُشْتَرَطُ فيه أنْ يكون عاملًا بالطاعات بلِ التصديق باللَّه فقط، ثم لما ذكر حال الموجودين ذكرهم بالصفة التي كانوا عليها، وهي الكاملةُ التصديق والأعمالِ، والبيتُ من المسلمين هو بيتُ لوط ع وكان هو وابنتاه، وفي كتاب الثعلبيِّ: وقيل: لوط وأهل بيته ثلاثةَ عَشَرَ، وهلكت امرأتُه فيمن هلك، وهذه القصة ذُكِرَتْ على جهة ضرب المثل لقريش، وتحذيرًا أنْ يصيبهم مثلُ ما أصاب هؤلاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1377>[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٣٧ الى ٤٤]</span>\nوَتَرَكْنا فِيها آيَةً لِلَّذِينَ يَخافُونَ الْعَذابَ الْأَلِيمَ (٣٧) وَفِي مُوسى إِذْ أَرْسَلْناهُ إِلى فِرْعَوْنَ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (٣٨) فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقالَ ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٣٩) فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ (٤٠) وَفِي عادٍ إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (٤١)\nما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (٤٢) وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ (٤٣) فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٤٤)\n_________\nالتسمية على الطعام (٣٧٦٥)، والنسائي (٤/ ١٧٤)، كتاب «آداب الأكل» باب: ذكر الله تعالى وتبارك عند الطعام (٦٧٥٧/ ١) .\n(١) أخرجه الطبري (١١/ ٤٦٣)، وذكره ابن عطية (٥/ ١٧٨)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٢٣٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ١٣٨)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٢) ينظر: «تفسير الطبري» (١١/ ٤٦٣) . [.....]\n(٣) أخرجه الطبري (١١/ ٤٦٤) برقم: (٣٢٢٠٦)، وذكره ابن عطية (٥/ ١٧٨) .\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ١٧٩) .","vol":"5","page":303},{"text":"وقوله: وَتَرَكْنا فِيها أي: في القرية، وهي سدوم آيَةً، قال أبو حيان «١»:\nوَفِي مُوسى، أي: وفي قصة موسى، [انتهى] .\nوقوله سبحانه في فرعون: فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ أي: أعرض عن أمر اللَّه، ورُكْنُهُ: هو سلطانُه وجُنْدُهُ وشدَّةُ أمره، وقول فرعون في موسى: ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ هو تقسيم، ظَنَّ أَنَّ موسى لا بُدَّ أَنْ يكونَ أَحَدَ هذين القسمين، وقال أبو عبيدةَ: «أو» هنا بمعنى الواو، وهذا ضعيف لا داعيةَ إليه في هذا الموضع.\nوقوله: مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ أي: ما تدع من شيء أتتْ عليه مِمَّا أذِنَ لها في إِهلاكه إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ: وهو الفاني المُتَقَطِّعُ يبسًا أو قِدَمًا من الأشجار/ والوَرَقِ والعِظَامِ، ورُوِيَ في حديث: أَنَّ تلك الريح كانت تَهُبُّ على الناس فيهم العاديُّ وغيرُهُ، فَتَنْتَزِعُ العَادِيَّ من بين الناس وتذهب به.\nوقوله سبحانه: وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا أي: إذ قيل لهم في أول بَعْثِ صالح، وهذا قول الحَسَنِ «٢»، ويحتمل: إذْ قيل لهم بعد عَقْرِ الناقة: تمتعوا في داركم ثلاثة أَيَّامٍ وهو قول الفرَّاء «٣» .\nوقوله: فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ أي: يبصرون بعيونهم، وهذا قول الطبريِّ، ويحتمل أَنْ يريدَ وهم ينتظرون في تلك الأَيَّامِ الثلاثة، وهذا قول مجاهد «٤» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1378>[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٤٥ الى ٤٨]</span>\nفَمَا اسْتَطاعُوا مِنْ قِيامٍ وَما كانُوا مُنْتَصِرِينَ (٤٥) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ (٤٦) وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧) وَالْأَرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ (٤٨)\nفَمَا اسْتَطاعُوا مِنْ قِيامٍ أي: من مصارعهم قاله بعض المفسرين، وقال قتادة وغيره «٥»: معناه من قيام بالأمر النازل بهم ولا دَفْعِهِ عنهم.\nوَقَوْمَ نُوحٍ بالنصب، وهو عَطْفٌ إمَّا على الضمير في قوله: فَأَخَذَتْهُمُ، إذْ هو بمنزلة أَهلكتهم، وإمَّا على الضمير في قوله: نَبَذْناهُمْ.\n_________\n(١) ينظر: «البحر المحيط» (٨/ ١٣٩) .\n(٢) ذكره ابن عطية (٥/ ١٨٠) .\n(٣) ينظر: المصدر السابق.\n(٤) أخرجه الطبري (١١/ ٤٧٠) برقم: (٣٢٢٤٠)، وذكره ابن عطية (٥/ ١٨٠) .\n(٥) أخرجه الطبري (١١/ ٤٧١) برقم: (٣٢٢٤٢)، وذكره البغوي (٤/ ٢٣٤)، وابن عطية (٥/ ١٨١) .","vol":"5","page":304},{"text":"وقوله: وَالسَّماءَ نُصِبَ بإضمار فعل تقديره: وَبَنَيْنَا السماء بَنيناها، والأيد: القوة قاله ابن عباس وغيره «١» وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ أي: في بناء السماء، أي: جعلناها واسعةً قاله ابن زيد «٢» .\nأبو البقاء: فَنِعْمَ الْماهِدُونَ أي: نحن، فحذف المخصوص. انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1379>[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٤٩ الى ٥٥]</span>\nوَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٤٩) فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١) كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَواصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ (٥٣)\nفَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ (٥٤) وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥)\nوقوله سبحانه: وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ قال مجاهد: معناه: أَنَّ هذه إشارة إلى المتضادات والمتقابلات من الأشياء كالليل والنهار، والشقاوة والسعادة، والهُدَى والضلال، والسماء والأرض، والسواد والبياض، والصِّحَّةِ والمرض، والإيمان والكفر، ونحو هذا، ورَجَّحَهُ الطبريُّ «٣» بأَنَّه أَدَلُّ على القدرة التي تُوجدُ الضدين، وقال ابن زيد وغيره «٤»: هي إشارة إلى الأنثى والذكر من كل حيوان.\nت: والأَوَّلُ أحسن لشموله لما ذكره ابن/ زيد.\nوقوله سبحانه: فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ ... الآية أمر بالدخول في الإيمان وطاعَةِ الرحمن، وَنَبَّهَ بلفظ الفرار على أَنَّ وراءَ الناس عقابًا وعذابًا» يَفِرُّ منه، فجمعتْ لفظةُ «فروا» بين التحذير والاستدعاء.\nت: وأسند أبو بكر، أحمد بن الحسين البيهقيُّ في «دلائل النبوَّةِ» (تصنيفه) عن كَثِيرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ، عن أبيه، عن جدّه «أنّ رسول الله ﷺ كَانَ في الْمَسْجِدِ، فَسَمِعَ كَلاَمًا مِنْ زَاوِيَتِهِ، وَإذَا هُوَ بِقَائِلٍ يَقُولُ: اللَّهُمَّ، أَعِنِّي عَلَى ما ينجيني ممّا خوّفتني، فقال\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١١/ ٤٧٢) برقم: (٣٢٢٤٥)، وذكره ابن عطية (٥/ ١٨١)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٢٣٧)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ١٤٠)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في «الأسماء والصفات» .\n(٢) أخرجه الطبري (١١/ ٤٧٢) برقم: (٣٢٢٥١)، وذكره ابن عطية (٥/ ١٨١) .\n(٣) أخرجه الطبري (١١/ ٤٧٢) برقم: (٣٢٢٥٢)، وذكره ابن عطية (٥/ ١٨١)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ١٤٠)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر.\n(٤) أخرجه الطبري (١١/ ٤٧٣) برقم: (٣٢٢٥٤)، وذكره ابن عطية (٥/ ١٨١) .","vol":"5","page":305},{"text":"رسول الله ﷺ حِينَ سَمِعَ ذَلِكَ: أَلاَ تَضُمُّ إلَيْهَا أُخْتَهَا؟ فَقَالَ الرَّجُلُ: اللَّهُمَّ، ارْزُقْنِي شَوْقَ الصَّادِقِينَ إلَى مَا شَوَّقْتَهُمْ إلَيْهِ» وفيه: «فَذَهَبُوا يَنْظُرُونَ، فَإذَا هو الخضر ع»، انتهى مختصرًا «١» .\nوقوله تعالى: كَذلِكَ أي: سيرة الأمم كذلك قال عياض: فهذه الآية ونظائرها تسلية للنبيّ ﷺ، عزّاه الله﷿- بما أخبر به عن الأُمَمِ السالفة ومقالها لأنبيائها، وأَنَّه ليس أَوَّلَ مَنْ لَقِيَ ذلك، انتهى من «الشفا» .\nوقوله سبحانه: أَتَواصَوْا بِهِ توقيف وتعجيب من توارد نفوس الكَفَرَةِ في تكذيب الأنبياء على تَفَرُّقِ أَزمانهم، أي: لم يتواصوا، لكنَّهُم فعلوا فعلًا كأَنَّهُ فعل مَنْ تواصى، والعِلَّةُ في ذلك أَنَّ جميعهم طاغٍ، والطاغي المستعلي في الأرض، المُفْسِدُ.\nوقوله تعالى: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ أي: عنِ الحرص المُفْرِطِ عليهم، وذَهَابِ النفس حَسَرَاتٍ، ولستَ بملوم إذ قد بَلَّغْتَ وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى: نافعة للمؤمنين، ولمن قضي له أن يكون منهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1380>[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٥٦ الى ٦٠]</span>\nوَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ (٥٦) ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨) فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ (٥٩) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٦٠)\nوقوله سبحانه: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ قال ابن عباس وعليٌّ «٢»:\nالمعنى: ما خلقت الجن والإنس إلاَّ لآمرهم بعبادتي، وليقرُّوا لي بالعبودِيَّةِ، وقال زيد بن أسلمَ»\nوسفيان: هذا خاصٌّ، والمراد: ما خلقت الطائعين من الجن والإنس إلاَّ لعبادتي، ويؤَيِّدُ هذا التأويلَ أنّ ابن عبّاس روى عن النبي ﷺ: أَنَّهُ قَرَأَ: «وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ»، وقال ابن عباس أيضًا «٤»: معنى لِيَعْبُدُونِ: ليتذللوا لي ولقدرتي، وإنْ لم يكن ذلك على قوانينِ شرع، وعلى هذا التأويل فجميعهم من مؤمن\n_________\n(١) أخرجه البيهقي في «دلائل النبوة» (٥/ ٤٢٣)، وابن الجوزي في «الموضوعات» (١/ ١٩٣، ١٩٥) .\n(٢) ذكره ابن عطية (٥/ ١٨٣)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٢٣٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» وعزاه لابن جرير وابن أبي حاتم.\n(٣) أخرجه الطبري (١١/ ٤٧٥) برقم (٣٢٢٦٣) (٣٢٢٦٥)، وذكره البغوي (٤/ ٢٣٥)، وابن عطية (٥/ ١٨٣)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ١٤٢) وعزاه لابن جرير وابن المنذر. [.....]\n(٤) أخرجه الطبري (١١/ ٤٧٦) برقم (٣٢٢٦٨)، وذكره ابن عطية (٥/ ١٨٣) .","vol":"5","page":306},{"text":"وكافر متذلّل لله ﷿ أَلاَ تراهم عند القحوط والأمراض وغيرِ ذلك كيف يخضعون للَّه ويتذللون؟!.\nت: قال الفخر «١»: فإنْ قيل: ما العبادة التي خلق اللَّه الجن والإنسَ لها؟ قلنا:\nالتعظيم لأمر اللَّه، والشفقةُ على خلق اللَّه فإنَّ هذين النوعينِ لم يَخْلُ شرعٌ منهما، وأَمَّا خصوص العبادات فالشرائع مختلفة فيها: بالوضع والهيئة، والقِلَّةِ والكَثْرَةِ، والزَّمان والمكان، والشَّرَائِطِ والأركان، انتهى، ونقل الثعلبيُّ وغيره «٢» عن مجاهد: إِلَّا لِيَعْبُدُونِ أي: ليعرفوني، قال صاحب «الكَلِمِ الفارقية»: المعرفة باللَّه تملأ القلبَ مَهَابَةً ومخافَةً، والعينَ عَبْرَةً وعِبْرةً وحياءً وخَجْلَةً، والصَّدْرَ خُشُوعًا وَحُرْمَةً، والجوارحَ استكانةً وذِلَّةً وطاعةً وخدمةً، واللسانَ ذكرًا وحمدًا، والسمعَ إصغاءً وتفهّما، والخواطر في مواقف المناجاة خمودًا، والوساوِسَ اضمحلالًا، انتهى.\nوقوله سبحانه: مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ أي: أنْ يرزقوا أنفسهم ولا غيرهم.\nوقوله: أَنْ يُطْعِمُونِ أي: أنْ يطعموا خَلْقِيَ قاله ابن عباس «٣»، ويحتمل أن يريد: / أن ينفعوني، والْمَتِينُ: الشديد.\nت: ورُوِّينَا في «كتاب التِّرْمِذِيِّ» عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إنَّ اللَّهَ ﷿ يَقُولُ: يَا بْنَ آدَمَ، تَفَرَّغْ لِعِبَادَتِي أَمْلأْ صَدْرَكَ غِنًى، وأَسُدَّ فَقْرَكَ، وَإلاَّ تَفْعَلْ مَلأْتُ يَدَكَ شُغْلًا، وَلَمْ أَسُدَّ فَقْرَكَ»، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن، ورُوِّينَا فيه عن أنس قال:\nقال رسول الله ﷺ: «مَنْ كَانَتِ الآخِرَةُ هَمَّهُ، جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ في قَلْبِهِ، وَجَمَعَ لَهْ شَمْلَهُ، وأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ، جَعَل اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إلاَّ مَا قُدِّرَ لَهُ» «٤» انتهى.\nوقوله سبحانه: فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا: يريد أهل مكّة، والذّنوب: الحظّ والنصيب،\n_________\n(١) ينظر: «تفسير الرازي» (١٤/ ٢٠٠) .\n(٢) ذكره البغوي (٤/ ٢٣٥) .\n(٣) أخرجه الطبري (١١/ ٤٧٦) برقم: (٣٢٢٦٩)، وذكره ابن عطية (٥/ ١٨٣) .\n(٤) أخرجه الترمذي (٤/ ٦٤٢- ٦٤٣) كتاب «صفة القيامة» باب: (٣٠) (٢٤٦٦)، وابن ماجه (٢/ ١٣٧٦) كتاب «الزهد» باب: الهم بالدنيا (٤١٠٧)، وأحمد (٢/ ٣٥٨) .\nقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.","vol":"5","page":307},{"text":"وأصله من الدَّلْوِ وذلك أَنَّ الذَّنُوبَ هو مِلْءُ الدَّلْوِ من الماء، وكذا قال أبو حيان «١»:\nذَنُوبًا، أي: نصيبا، انتهى، وأَصْحابِهِمْ: يُرَادُ بهم مَنْ تقدم من الأمم المُعَذَّبَةِ، وباقي الآية وعيد بيّن.\n_________\n(١) ينظر: «البحر المحيط» (٨/ ١٤١) .","vol":"5","page":308},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1381>تفسير سورة «الطّور»</span>\nوهي مكّيّة بإجماع\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1382>[سورة الطور (٥٢): الآيات ١ الى ١٦]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nوَالطُّورِ (١) وَكِتابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (٤)\nوَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (٦) إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ (٧) ما لَهُ مِنْ دافِعٍ (٨) يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا (٩)\nوَتَسِيرُ الْجِبالُ سَيْرًا (١٠) فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١١) الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ (١٢) يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣) هذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ (١٤)\nأَفَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ (١٥) اصْلَوْها فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٦)\nقوله ﷿: وَالطُّورِ وَكِتابٍ مَسْطُورٍ ... الآية، هذه مخلوقات أقسم الله﷿- بها تنبيهًا على النظر والاعتبارِ بها، المؤَدِّي إلى توحيد اللَّه والمعرفة بواجب حَقِّه سبحانه قال بعض اللغويين: كُلُّ جبلٍ طُورٌ، فكأَنَّه سبحانه أقسم بالجبال، وقال آخرون:\nالطور: كُلُّ جبل أجردَ لا ينبت شجرًا، وقال نوف البكاليُّ: المراد هنا جبل طُورِ سَيْنَاءَ، وهو الذي أقسم اللَّه به لفضله على الجبال، والكتاب المسطور: معناه/ بإجماع:\nالمكتوبُ أسطارًا، واخْتَلَفَ الناس في هذا الكتاب المُقْسَمِ به، فقال بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: هو الكتاب المُنْتَسَخُ من اللوح المحفوظ للملائكة لتعرفَ منه جميعَ ما تفعله وتصرفه في العالم، وقيل: هو القرآن إذ قد علم تعالى أَنَّه يتخلد في رَقٍّ منشور، وقيل: هو الكُتُبُ المُنَزَّلَةُ، وقيل: هو الكتاب الذي فيه أعمال الخلق، وهو الذي لا يغادر صغيرةً ولا كبيرةً، والرَّقُّ: الورق المُعَدَّةُ للكتب، وهي مُرَقَّقَةٌ فلذلك سُمِّيَتْ رَقًّا، وقد غلب الاستعمال على هذا الذي هو من جلود الحيوان، والمنشور خلاف المَطْوِيِّ، وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ: هو الذي ذُكِرَ في حديث الإسراء قال جبريل للنبي ﷺ: هَذَا الْبَيْتُ المَعْمُورُ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ لاَ يَعُودُونَ إلَيْهِ آخِرَ مَا عَلَيْهِمْ «١»، وبهذا هي عمارته، وهو في السماء السابعة، وقيل: في السادسة، وقيل: إنَّه مقابلٌ للكعبة، لو وَقَعَ حجر منه، لَوَقَعَ على ظهر\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٦/ ٣٤٨، ٣٥٠)، كتاب «بدء الخلق» باب: ذكر الملائكة (٣٢٠٧)، وكتاب «مناقب الأنصار» باب: المعراج (٣٨٨٧)، والنسائي (١/ ٢١٧، ٢٢٠)، كتاب «الصلاة» باب: فرض الصلاة وذكر اختلاف الناقلين في إسناد حديث أنس بن مالك ﵁، واختلاف ألفاظهم فيه، وأحمد (٣/ ١٤٨- ١٤٩)، (٤/ ٢٠٨، ٢١٠) .","vol":"5","page":309},{"text":"الكعبة، وقال مجاهد، وقتادة، وابن زيد: في كل سماء بيت معمور، وفي كل أرض كذلك، وهي كُلُّها على خط من الكعبة، وقاله علي بن أبي طالب «١»، قال السُّهَيْلِيُّ:\nوالبيت المعمور اسمه «عريبًا»، قال وهب بن مُنَبِّهٍ: مَنْ قال: سبحانَ اللَّهِ وبحمده، كان له نور يملأ ما بين عريبًا وحريبًا، وهي الأرض السابعة، انتهى.\nوَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ: هو السماء، واختلف الناس في الْبَحْرِ الْمَسْجُورِ فقال مجاهد وغيره «٢»: المُوْقَدُ نارًا، ورُوِيَ أَنَّ البحرَ هو جَهَنَّمُ، وقال قتادة «٣»: الْمَسْجُورِ:\nالمملوء، وهذا معروف من اللغة، ورَجَّحَهُ/ الطبريُّ «٤»، وقال ابن عباس «٥»: هو الذي ذهب ماؤه، فالمسجور الفارغ، ورُوِيَ أَنَّ البحار يذهب ماؤها يومَ القيامة، وهذا معروف في اللغة، فهو من الأضداد، وقيل: يوقد البحر نارًا يَوْمَ القيامة، فذلك سجره، وقال ابن عباس أيضًا «٦»: الْمَسْجُورِ: المحبوس ومنه ساجور الكلب، وهي القلادة من عود أو حديد تمسكه، وكذلك لولا أَنَّ البحر يُمْسِكُ لفاض على الأرض، والجمهور على أَنَّه بحر الدنيا، وقال منذر بن سعيد «٧»: المُقْسَمُ به جهنم، وسمَّاها بحرًا لِسَعَتِها وتموجها كما قال ﷺ في الفرس: «وَإنْ وَجَدْنَاهُ لَبَحْرًا» «٨»، والقسم واقع على قوله: إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٥/ ١٨٦) عن مجاهد، وقتادة، وابن زيد.\n(٢) أخرجه الطبري (١١/ ٤٨٢) برقم: (٣٢٣١١)، وذكره ابن عطية (٥/ ١٨٦)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٢٤٠)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ١٤٦)، وعزاه لابن جرير.\n(٣) أخرجه الطبري (١١/ ٤٨٣) برقم: (٣٢٣١٣)، وذكره ابن عطية (٥/ ١٨٦)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٢٤٠)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ١٤٦)، وعزاه لابن جرير.\n(٤) ينظر: «تفسير الطبري» (١١/ ٤٨٣) .\n(٥) أخرجه الطبري (١١/ ٤٨٣) برقم: (٣٢٣١٤)، وذكره ابن عطية (٥/ ١٨٦)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٢٤٠)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ١٤٦)، وعزاه للشيرازي في «الألقاب» من طريق الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء عن ذي الرمة.\n(٦) أخرجه الطبري (١١/ ٤٨٣) برقم: (٣٢٣١٥)، وذكره ابن عطية (٥/ ١٨٦)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٢٤٠)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ١٤٥)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم.\n(٧) ذكره ابن عطية (٥/ ١٨٧) . [.....]\n(٨) أخرجه البخاري (٥/ ٢٨٤- ٢٨٥) كتاب «الهبة» باب: من استعار من الناس الفرس، حديث (٢٦٢٧)، (٦/ ٤٢) كتاب «الجهاد والسير» باب: الشجاعة في الحرب والجبن، حديث (٢٨٢) (٦/ ٦٩) كتاب «الجهاد والسير» باب: اسم الفرس والحمار، حديث (٢٨٥٧)، (٦/ ٧٨)، باب: الركوب على الدابة الصعبة والفحولة من الخيل، حديث (٢٨٦٢)، (٦/ ٨٣) باب: الفرس القطوف، حديث (٢٨٦٧)، (٦/ ١٤٣) كتاب «الجهاد والسير» باب: مبادرة الإمام عند الفزع، حديث (٢٩٦٨)، باب: السرعة والركض في الفزع، حديث (٢٩٦٩)، (١٠/ ٦٠٩- ٦١٠)، كتاب «الأدب» باب: المعاريض مندوحة على الكذب، حديث (٦٢١٢)، ومسلم (٤/ ١٨٠٢)، كتاب «الفضائل» باب: في شجاعة النبي ﷺ وتقدمه للحرب، حديث (٤٩/ ٢٣٠٧)، وأبو داود (٢/ ٧١٥)، كتاب «الأدب» باب: ما روي في","vol":"5","page":310},{"text":"لَواقِعٌ يريد: عذاب الآخرة واقع للكافرين قاله قتادة «١»، قال الشيخ عبد الحق في «العاقبة»: وَيُرْوَى أَنَّ عمر بن الخطاب﵁- سَمِعَ قارئًا يقرأ:\nوَالطُّورِ وَكِتابٍ مَسْطُورٍ قال: هذا قسم حقّ، فلمّا بلغ القارئ إلى قوله﷿-: إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ظنَّ أَنَّ العذاب قد وقع به فغشي عليه، انتهى، وتَمُورُ معناه: تذهب وتجيء بالرياح متقطعةً مُتَفَتِّتَةً، وسير الجبال: هو في أَوَّلِ الأمر، ثم تتفتَّتُ حتى تصير آخرا كالعهن المنفوش، ويُدَعُّونَ قال ابن عباس وغيره «٢»: معناه:\nيُدْفَعُونَ في أعناقهم بشدة وإهانة وتَعْتَعَةٍ، ومنه: يَدُعُّ الْيَتِيمَ [الماعون: ٢]، وفي الكلام محذوف، تقديره: يقال لهم: هذه النار التي كنتم بها تكذبون توبيخًا وتقريعًا لهم، ثم وقفهم سبحانه بقوله: أَفَسِحْرٌ هذا ... الآية: ثم قيل لهم على جهة قطع رجائهم:\nاصْبِرُوا أَوْ لاَ تَصْبِرُوا سواء عليكم، أي: عذابكم حتم، فسواء جَزَعُكُمِ/ وَصَبْرُكُمْ، لا بدّ من جزاء أعمالكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1383>[سورة الطور (٥٢): الآيات ١٧ الى ٢٠]</span>\nإِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (١٧) فاكِهِينَ بِما آتاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقاهُمْ رَبُّهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (١٨) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٩) مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٢٠)\nوقوله سبحانه: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ ... الآية: يحتمل أَنْ يكونَ من خطاب أهل النار، فيكون إخبارُهم بذلك زيادةً في غَمِّهِمْ وسُوءِ حالهم، نعوذ باللَّه من سخطه! ويحتمل، وهو الأظهر، أن يكون إخبارا للنبيّ ﷺ ومعاصريه، لما فَرَغَ من ذكر عذاب الكفار عَقَّبَ بذكر نعيم المتقين- جعلنا اللَّه منهم بفضله- ليبين الفرقَ، ويقعَ التحريضُ على الإيمان، والمتقون هنا: مُتَّقُو الشرك لأَنَّهم لا بُدَّ من مصيرهم إلى الجنات، وكلما زادت الدرجة في التقوى قَوِيَ الحصولُ في حكم الآية، حتّى إنّ المتقين\n_________\nالرخصة في ذلك، حديث (٤٩٨٨)، والترمذي (٤/ ١٧١- ١٧٢)، كتاب «الجهاد» باب: ما جاء في الخروج عند الفزع، حديث (١٦٨٥- ١٦٨٦- ١٦٨٧)، وابن ماجه (٢/ ٩٢٦)، كتاب «الجهاد» باب:\nالخروج في النفير، حديث (٢٧٧٢)، وأحمد (٣/ ١٤٧، ١٨٠، ١٨٥، ٢٧١، ٢٧٤، ٢٩١)، وأبو داود الطيالسي (٢/ ١٢١) - منحة رقم: (٢٤٣٨)، وأبو يعلى (٥/ ٣٣٦) رقم: (٢٩٦٢)، والبيهقي (١٠/ ٢٥) كتاب «السبق والرمي» باب: ما جاء في تسمية البهائم والدواب (١٠/ ٢٠٠)، كتاب «الشهادات» باب: من سمى المرأة قارورة، من حديث أنس بن مالك.\nوقال الترمذي: حديث حسن صحيح.\n(١) أخرجه الطبري (١١/ ٤٨٤) برقم: (٣٢٣١٩) .\n(٢) أخرجه الطبري (١١/ ٤٨٤) برقم: (٣٢٣٢٩)، وذكره ابن عطية (٥/ ١٨٧)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ١٤٦)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر.","vol":"5","page":311},{"text":"على الإطلاق هم في هذه الآية قطعًا على اللَّه تعالى بحكم خبره الصادق، وقرأ جمهور الناس: «فاكهين» «١» ومعناه: فَرِحِينَ مسرورين، وقال أبو عُبَيْدَةَ: هو من باب: «لاَبِنٌ» و«تَامِرٌ»، أي: لهم فاكهة «٢»، قال ع «٣»: والمعنى الأَوَّلُ أبرع، وقرأ خالد فيما روى أبو حاتم: «فَكِهِينَ» «٤» والفَكِهُ والفاكه: المسرور المتنعم.\nوقوله تعالى: بِما آتاهُمْ رَبُّهُمْ أي: من إنعامه ورضاه عنهم.\nوقوله تعالى: وَوَقاهُمْ رَبُّهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ هذا متمكن في مُتَّقِي المعاصي، الذي لا يدخل النارَ وَوَقاهُمْ مشتق من الوقاية، وهي الحائل بين الشيء وبين ما يضرُّه.\nوقوله: كُلُوا وَاشْرَبُوا أي: يقال لهم: كلوا واشربوا، وهَنِيئًا نُصِبَ على المصدر.\nوقوله: بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ معناه: أَنَّ رُتَبَ الجنة ونعيمها بحسب الأعمال، وأَمَّا نَفْسُ دخولها فهو برحمة اللَّه وفضلِهِ، وأعمالُ العباد الصالحاتُ لا تُوجِبُ على اللَّه تعالى التنعيمَ إيجابًا لكِنَّهُ سبحانه قد جعلها أَمارةً على مَنْ سبق في علمه تنعيمه، وعَلَّقَ الثوابَ والعِقَابَ بالتكسب الذي في الأعمال، والحُورُ: جمع حَوْرَاءُ، وهي البيضاء القويةُ بياضِ بياضِ/ العَيْنِ وَسَوَادِ سَوَادِها، والعِينُ: جمع عَيْنَاءُ، وهي كبيرة العينين مع جمالهما، وفي قراءة ابن مسعود والنَّخَعِيِّ: «وَزَوَّجْنَاهُمْ بِعِيسٍ عِينٍ» «٥» قال أبو الفتح: العيساء:\nالبيضاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1384>[سورة الطور (٥٢): الآيات ٢١ الى ٢٨]</span>\nوَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ (٢١) وَأَمْدَدْناهُمْ بِفاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢٢) يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ (٢٣) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ (٢٤) وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (٢٥)\nقالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ (٢٦) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ (٢٧) إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (٢٨)\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ١٨٨)، و«البحر المحيط» (٨/ ١٤٥)، و«الدر المصون» (٦/ ١٩٧) .\n(٢) ذكره ابن عطية (٥/ ١٨٨) .\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ١٨٨) .\n(٤) ينظر: مصادر القراءة السابقة.\n(٥) ينظر: «المحتسب» (٢/ ٢٩٠)، و«مختصر الشواذ» ص: (١٤٦)، و«المحرر الوجيز» (٥/ ١٨٨)، وقال: وحكى أبو عمرو عن عكرمة أنه قرأ «بعيس عين» على إضافة «عيس» إلى «عين» .","vol":"5","page":312},{"text":"وقوله سبحانه: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ اختُلِفَ في معنى الآيةِ، فقال ابن عباس، وابن جبير، والجمهور: أخبر اللَّه تعالى أَنَّ المؤمنين الذين اتبعتهم ذريتهم في الإيمان يلحق الأبناء في الجنة بمراتب الآباء، وإنْ لم يكن الأبناء في التقوى والأعمال كالآباء كرامةً للآباء «١»، وقد ورد في هذا المعنى حديث عن النبي ﷺ فجعلوا الحديثَ تفسيرًا للآية، وكذلك وردت أحاديث تقتضي أَنَّ اللَّه تعالى يرحم الآباء رعيًا للأبناء الصالحين، وقال ابن عباس أيضًا والضَّحَّاكُ. معنى الآية: أَنَّ اللَّه تعالى يلحق الأبناء الصغار بأحكام الآباء المؤمنين، يعني في الموارثة والدفن في مقابر المسلمين، وفي أحكام الآخرة في الجنة «٢»، وقال منذر بن سعيد: هي في الصغار لا في الكبار «٣» قال ع «٤»: وأرجح الأقوال في هذه الآية القول الأَوَّل لأَنَّ الآياتِ كلَّها في صفة إحسان اللَّه تعالى إلى أهل الجنة، فذكر من جملة إحسانِهِ سبحانه أَنَّه يرْعَى المحسنَ في المسيء، ولفظة أَلْحَقْنا تقتضي أَنَّ لِلْمُلْحَقِ بعضَ التقصير في الأعمال.\nت: وأظهرُ مَنْ هذا ما أشار إليه الثعلبيُّ في بعض أنقاله: أَنَّ اللَّه تعالى يجمع لعبده المؤمن ذُرِّيَّتَهُ في الجنة، كما كانوا في الدنيا، انتهى، ولم يتعرَّضْ لذكر الدرجات في هذا التأويل، وهو أحسن لأَنَّهُ قد تقرَّرَ أَنَّ رفع الدرجات هي بأعمال العاملين، والآياتُ/ والأحاديث مُصَرِّحَةٌ بذلك، ولما يلزم على التأويل الأَوَّلِ أَنْ يكونَ كلّ من دخل الجنة مع آدم ع في درجةٍ واحدة إذ هم كُلُّهم ذرِّيَّتُهُ، وقد فتحتُ لك بابًا للبحث في هذا المعنى منعني من إتمامه ما قصدته من الاختصار، وباللَّه التوفيق.\nوقوله: وَما أَلَتْناهُمْ أي: نقصناهم، ومعنى الآية أَنَّ اللَّه سبحانهُ يُلْحِقُ الأبناء بالآباء، ولا يُنْقِصُ الآباء من أجورهم شيئًا، وهذا تأويل الجمهور، ويحتمل أَنْ يريدَ: مِنْ عمل الأَبناء من شيء من حسن أو قبيح، وهذا تأويل ابن زيد «٥»، ويُؤيِّدُهُ قوله سبحانه:\nكُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ والرهين: المُرْتَهِنُ، وفي هذه الألفاظ وعيد، وأمددتُ الشيءَ: إذا سرّبْتُ إليه شيئا آخر يكثره أو يكثر لديه.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١١/ ٤٨٧) برقم: (٣٢٣٣٨)، و(١١/ ٤٨٨) برقم: (٣٢٣٣٩)، وذكره البغوي (٤/ ٢٣٩)، وابن عطية (٥/ ١٨٩)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٢٤١)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ١٤٨)، وعزاه لابن أبي حاتم.\n(٢) ذكره ابن عطية (٥/ ١٨٩) .\n(٣) ينظر: المصدر السابق.\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ١٨٩) .\n(٥) أخرجه الطبري (١١/ ٤٩١) برقم: (٣٢٣٦٤)، وذكره ابن عطية (٥/ ١٩٠) . [.....]","vol":"5","page":313},{"text":"وقوله: مِمَّا يَشْتَهُونَ إشارة إلى ما رُوِيَ من أَنَّ المُنَعَّمَ إذا اشتهى لحمًا نزل ذلك الحيوان بين يديه على الهيئة التي اشتهاه فيها، وليس يكون في الجنة لحم يحتز، ولا يُتَكَلَّفُ فيه الذبح، والسلخ، والطبخ، وبالجملة لا كلفة في الجنة، ويَتَنازَعُونَ معناه:\nيتعاطون ومنه قول الأخطل: [البسيط]\nنَازَعْتُهُ طَيِّبَ الَّراحِ الشَّمُولِ وَقَد ... صَاحَ الدَّجَاجُ وَحَانَتْ وَقْعَةُ السَّارِي «١»،\nقال الفخر «٢»: ويحتمل أنْ يقال: التنازع: التجاذُبُ، وحينئذ يكون تجاذُبُهُمْ تجاذبَ مُلاَعَبَةٍ، لا تجاذب منازعة، وفيه نوعُ لَذَّةٍ، وهو بيان لما عليه حال الشُرَّابِ في الدنيا فإنَّهم يتفاخرون بكثرة الشرب، ولا يتفاخرون بكثرة الأكل، انتهى، والكأس: الإِناء فيه الشراب، ولا يقال في فارغ كأس قاله الزَّجَّاج «٣»، واللغو: السَّقَطُ من القول، والتأثيم:\nيلحق خَمْرَ الدنيا في نفس شُرْبِهَا وفي الأفعال التي تكون من شاربيها، وذلك كُلُّه/ مُنْتَفٍ في الآخرة.\nت: قال الثعلبيُّ: وقال ابن عطاء: أيُّ لغوٍ يكون في مجلس: مَحَلُّهُ جَنَّةُ عدن، والساقي فيه الملائكة، وشربُهم على ذكر اللَّه، ورَيحانُهم تحيَّةٌ من عند اللَّه، والقومُ أضياف اللَّه.\nوَلا تَأْثِيمٌ أي: فعل يُؤْثِمُهُمْ، وهو تفعيل من الإثم، أي: لا يأثمونَ في شربها، انتهى، واللؤلؤ المكنون أجملُ اللؤلؤ لأَنَّ الصون والكَنُّ يُحَسِّنُهُ، قال ابن جبير: أراد الذي في الصّدَفِ لم تنله الأيدي «٤»، وقيل للنبيّ ﷺ: «إذَا كَانَ الْغِلْمَانُ كَاللُّؤْلُؤ المَكْنُونِ فَكَيْفَ المَخْدُومُونَ؟ قال: هُمْ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ» «٥» .\nت: وهذا تقريب للأفهام، وإلاَّ فجمال أهلِ الجَنَّةِ أَعْظَمُ من هذا، يَدُلُّ على ذلك أحاديث صحيحة ففي «صحيح مسلم» من حديث أبي هريرةَ﵁- قال:\n_________\n(١) ينظر: البيت في «ديوانه» (١٤٢)، و«جمهرة أشعار العرب» (٧٢٥)، والقرطبي (١٧/ ٤٦)، و«روح المعاني» (٢٧/ ٣٤)، و«البحر المحيط» (٨/ ١٤٧) .\nوالساري: الذي يمشي ليلا.\n(٢) ينظر: «تفسير الرازي» (١٤/ ٢١٨) .\n(٣) ينظر: «معاني القرآن» (٥/ ٦٣) .\n(٤) ذكره البغوي (٤/ ٢٤٠)، وابن عطية (٥/ ١٩٠) .\n(٥) أخرجه الطبري (١١/ ٤٩٢) برقم: (٣٢٣٦٩)، (٣٢٣٧٠)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ١٤٩)، وعزاه إلى عبد الرزاق، وابن المنذر.","vol":"5","page":314},{"text":"قال رسول الله ﷺ: «إنَّ أَوَّلَ زُمْرَةٍ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ- وفي رِوَايَةٍ: «مِنْ أُمَّتِي» عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ على أَشَدِّ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ في السَّمَاءِ إضَاءَةً» «١»، وفي رواية:\n«ثُمَّ هُمْ بَعْدَ ذَلِكَ مَنَازِلُ» الحديثَ، وفي «صحيح مسلم» أيضا عن النبي ﷺ: «إنَّ في الجَنَّةَ لَسُوقًا يَأْتُونَهَا كُلَّ جُمْعَةٍ، فَتَهُبُّ رِيحُ الشَّمَالِ، فَتَحْثُو في وُجُوهِهِمْ وَثِيَابِهِمْ، وَيَزْدَادُونَ حُسْنًا وَجَمَالًا، فَيَقُولُ لَهُمْ أَهْلُوهُمْ: واللَّهِ، لَقَدِ ازْدَدْتُمْ بَعْدَنَا حُسْنًا وَجَمَالًا! فَيَقُولُونَ: وَأَنْتُمْ واللَّهِ، لَقَدِ ازْدَدْتُمْ بَعْدَنَا حُسْنًا وَجَمَالًا» «٢»، انتهى، وقد أشار الغَزَّاليُّ وغيره إلى طَرَفٍ من هذا المعنى، لَمَّا تكلَّم على رؤية العارفين للَّه سبحانه في الآخرة، قال بعد كلام: ولا يَبْعُدُ أَنْ تكونَ ألطاف الكشف والنظر في الآخرة متواليةً إلى غير نهاية، فلا يزالُ النعيمُ واللَّذَّةُ متزايدًا أبَدَ الآبادِ، وللشيخ أبي الحسن الشاذلي هنا كلام حسن قال: لو كُشِفَ عن نور المؤمن لعبد من دون اللَّه، ولو كُشِفَ عن نور المؤمن العاصي لطبق السماء والأرض، / فكيف بنور المؤمن المطيع؟! نقل كلامه هذا ابن عطاء اللَّه وابن عَبَّاد، انظره.\nثم وصف تعالى عنهم أَنَّهُم في جملة تنعمهم يَتَساءَلُونَ أي: عن أحوالهم وما نال كُلَّ واحد منهم، وأَنَّهم يتذكرون حالَ الدنيا وخشيتَهم عذابَ الآخرة، والإشفاقُ أشدّ الخشية ورقّة القلب، والسَّمُومِ: الحارّ، ونَدْعُوهُ: يحتمل أَنْ يريد: الدعاءَ على بابه، ويحتمل أنْ يريد نعبده، وقرأ نافع والكسائيُّ: «أَنَّهُ» - بفتح الهمزة-، والباقون بكسرها «٣» والْبَرُّ الذي يبرّ ويحسن.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٦/ ٣٦٧) كتاب «بدء الخلق» باب: ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة (٣٢٤٥، ٣٢٤٦، ٣٢٥٤)، (٦/ ٤١٧)، كتاب «أحاديث الأنبياء» باب: خلق آدم وذريته (٣٣٢٧)، ومسلم (٤/ ٢١٧٨)، (٢١٨٠)، كتاب «الجنة وصفة نعيمها وأهلها» باب: أول زمرة تدخل الجنة على هيئة القمر ليلة البدر، وصفاتهم وأزواجهم (١٤/ ٢٨٣٤) - مكرر، (١٥- ١٦/ ٢٨٣٤)، والترمذي (٤/ ٦٧٨)، كتاب «صفة الجنة» باب: في صفة أهل الجنة (٢٥٣٧)، وأحمد (٢٠، ٢٣٠، ٢٣١، ٢٣٢، ٢٤٧، ٢٥٣، ٢٥٧، ٣١٦، ٥٠٢، ٥٠٧)، وابن ماجه (٢/ ١٤٤٩)، كتاب «الزهد» باب: صفة الجنة (٤٣٣٣)، وابن حبان (١٦/ ٤٣٦)، كتاب «إخباره ﷺ عن مناقب الصحابة» باب: وصف الجنة وأهلها (٧٤٢٠)، (١٦/ ٤٦٣- ٤٦٤)، كتاب «إخباره ﷺ عن مناقب الصحابة» باب: وصف الجنة وأهلها (٧٤٣٦- ٧٤٣٧)، والحميدي (٢/ ٤٨٣- ٤٨٤) (١١٤٣)، والدارمي (٢/ ٣٣٣- ٣٣٤)، كتاب «الرقائق» باب: في أول زمرة يدخلون الجنة، وابن المبارك في «الزهد» (١/ ٥٤٩) (١٥٧٥)، (١/ ٥٥٢) (١٥٨٥) مثله ونحوه.\nقال الترمذي: هذا حديث صحيح.\n(٢) أخرجه مسلم (٤/ ٢١٧٨)، كتاب «الجنة وصفة نعيمها» باب: في سوق الجنة وما ينالون فيها من النعيم (١٣/ ٢٨٣٣) .\n(٣) ينظر: «السبعة» (٦١٣)، و«الحجة» (٦/ ٢٢٧)، و«معاني القراءات» (٣/ ٣٤)، و«شرح الطيبة» (٦/ ٢٣)، و«العنوان» (١٨١)، و«حجة القراءات» (٦٨٣)، و«شرح شعلة» (٥٩٠)، و«إتحاف» (٢/ ٤٩٧) .","vol":"5","page":315},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1385>[سورة الطور (٥٢): الآيات ٢٩ الى ٣٤]</span>\nفَذَكِّرْ فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ (٢٩) أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (٣١) أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ (٣٢) أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ (٣٣)\nفَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ (٣٤)\nوقوله سبحانه: فَذَكِّرْ أمر لنبيّه ع بإدامة الدعاء إلى الله ﷿، ثم قال مؤنسًا له: فَما أَنْتَ: بإِنعام اللَّه عليك ولُطْفِهِ بك- كاهِنٌ ولا مجنون.\nوقوله سبحانه: أَمْ يَقُولُونَ أي: بل يَقُولُونَ شاعِرٌ ... الآية: رُوِيَ أَنَّ قريشًا اجتمعت في دار الندوة، فكثرت آراؤهم في النبيّ ﷺ حَتَّى قال قائل منهم: تَرَبَّصُوا به رَيْبَ المَنُونِ، أي: حوادِثَ الدهر، فَيَهْلِكَ كما هَلَكَ من قبله من الشُّعَرَاءِ: زُهَيْرٌ، والنَّابِغَةُ، وَالأَعْشَى، وغيرُهم، فافترقوا على هذه المقالة، فنزلت الآية في ذلك، والتَّرَبُّصُ: الانتظار، والمنون: من أسماء الموت، وبه فسر ابن عباس «١»، وهو أيضًا من أسماء الدهر، وبه فَسَّرَ مجاهد «٢»، والرَّيْبُ هنا: الحوادث والمصائب: ومنه قوله ﷺ: «إِنَّما فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي يَرِيبُنِي مَا رَابَهَا» «٣» الحديثَ.\nوقوله: قُلْ تَرَبَّصُوا وعيد في صيغة أمر.\nوقوله سبحانه: أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا الأحلام: العقول، وقوله: بِهذا يحتمل أنْ يشيرَ إلى هذه المقالة: هو شاعر، ويحتمل أَنْ يشير إلى ما هم عليه من الكُفْرِ وعبادة/ الأصنام، وتَقَوَّلَهُ معناه: قال عن الغير أَنَّهُ قاله، فهي عبارة عن كَذِبٍ مخصوص، ثم عَجَّزَهُمْ سبحانه بقوله: فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ والضمير في مِثْلِهِ عائد على القرآن.\nوقوله: إِنْ كانُوا صادِقِينَ\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١١/ ٤٩٤) برقم: (٣٢٣٧٦)، وذكره ابن عطية (٥/ ١٩١)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٢٤٣)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ١٥٠)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٢) أخرجه الطبري (١١/ ٤٩٤) برقم: (٣٢٣٧٥)، وذكره ابن عطية (٥/ ١٩١)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ١٥٠)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر.\n(٣) أخرجه مسلم (٤/ ١٩٠٢- ١٩٠٣)، كتاب «فضائل الصحابة» باب: فضائل فاطمة بنت الرسول﵊- (٩٣، ٩٥/ ٢٤٤٩)، وأحمد (٤٣٢٣، ٤٣٢٦، ٣٢٨، ٣٣٢)، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (٢/ ٤١) .","vol":"5","page":316},{"text":"ت: أي: في أَنَّ محمدًا تَقَوَّلَهُ قاله الثعلبيّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1386>[سورة الطور (٥٢): الآيات ٣٥ الى ٣٦]</span>\nأَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ (٣٦)\nوقوله سبحانه: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ قال الثعلبيُّ: قال ابن عباس: من غير أَبٍ ولا أُمٍّ، فهم كالجماد لا يعقلون، ولا تقوم للَّه عليهم حُجَّةٌ، أليسوا خُلِقُوا من نطفة وعلقة، وقال ابن كَيْسَانَ: أَمْ خلقوا عَبَثًا، وَتُرِكُوا سُدًى من غير شيء، أي: لغير شيء لا يؤمرون ولا يُنْهَوْنَ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ: لأَنفسهم، فلا يأتمرون لأمر اللَّه، انتهى، وعَبَّرَ ع «١»: عن هذا بأَنْ قال: وقال آخرون: معناه: أمْ خُلِقُوا لغير عِلَّةِ ولا لغاية عقاب وثواب فهم لذلك لا يسمعون ولا يتشرَّعون.\nت: وقد يحتمل أَنْ يكونَ المعنى: أم خُلِقُوا من غير شيء خَلَقَهُمْ، أي: من غير مُوجِدٍ أَوْجَدَهُمْ، ويَدُلُّ عليه مقابلته بقوله: أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ وهكذا قال الغَزَّاليُّ في «الإِحياء»، قال: وقوله ﷿: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أي: من غير خالق، انتهى بلفظه من كتاب، آداب التلاوة قال الغَزَّالِيُّ: ولا يُتَوَهَّمُ أَنَّ الآيةَ تَدُلُّ أَنَّه لا يُخْلَقُ شَيْءٌ إلاَّ من شيء! انتهى، وقال الفخر «٢»: قوله تعالى: مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ فيه وجوه، المنقول منها: أم خُلِقُوا من غير خالق، [وقيل: أَمْ خُلِقُوا لا لغير شيء عَبَثًا] «٣»، وقيل: أم خلقوا من غير أَبٍ وأُمِّ، انتهى، وأحسنها الأَوَّلُ كما قال الغَزَّالِيُّ، واللَّه أعلم بما أراد سبحانه، وفي الصحيح عن جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قال: «سمعت النبيّ ﷺ يَقْرَأُ في الْمَغْرِبِ بالطُّورِ، فَلَمَّا بَلَغَ هذه الآيَةَ: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ إلى قَوْلِهِ: الْمُصَيْطِرُونَ- كَادَ قَلْبِي أَنْ يَطِيرَ»، وفي رواية: «وَذَلِكَ أَوَّلُ مَا/ وَقَرَ الإِيمَانُ في قَلْبِي» «٤» انتهى، وأسند أبو بكر ابن الخطيب في «تاريخه» عن جُبَيْرِ بن مطعم قال: «أتيت رسول الله ﷺ في فِدَاءِ أَهْلِ بَدْرٍ، فَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ في الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ، فَكَأَنَّمَا تَصَدَّعَ قَلْبِي حِينَ سَمِعْتُ القرآن» انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1387>[سورة الطور (٥٢): الآيات ٣٧ الى ٤٣]</span>\nأَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ (٣٧) أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (٣٨) أَمْ لَهُ الْبَناتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ (٣٩) أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٠) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤١)\nأَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ (٤٢) أَمْ لَهُمْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٣)\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ١٩٢) .\n(٢) ينظر: «تفسير الرازي» (١٤/ ٢٢٣) .\n(٣) سقط في: د. [.....]\n(٤) أخرجه البخاري (٨/ ٤٦٩)، كتاب «التفسير» برقم: (٤٨٥٤) .","vol":"5","page":317},{"text":"وقوله سبحانه: أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ بمنزلة قوله: أم عندهم الاستغناء في جميع الأمور؟ والمصيطر: القاهر، وبذلك فسر ابن عباس «١» الآية، والسُّلَّمُ: السبب الذي يُصْعَدُ به، كان ما كان من خشب، أو بناء، أو حبال، أو غير ذلك، والمعنى: ألهم سُلَّمٌ إِلى السماء يستمعون فيه، أي: عليه أو منه، وهذه حروف يَسُدُّ بعضُها مَسَدَّ بعض، والمعنى:\nيستمعون الخبر بِصِحَّةِ ما يدعونه، فليأتوا بالحُجَّةِ المبينة في ذلك.\nوقوله سبحانه: أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ الآية، قال ابن عباس «٢»: يعني أَمْ عندهم اللوحُ المحفوظ، فَهُمْ يَكْتُبُونَ: ما فيه، ويخبرون به، ثم قال: أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا: بك وبالشرع، ثم جزم الخبر بأنَّهم هُمُ الْمَكِيدُونَ أي: هم المغلوبون، فَسَمَّى غَلَبَتَهُمْ كيدًا إذ كانت عقوبةُ الكَيْدِ، ثم قال سبحانه: أَمْ لَهُمْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ: يعصمهم ويمنعهم من الهلاك، قال الثعلبيُّ: قال الخليل: ما في سورة الطور كُلِّها من ذكر «أم» كُلُّه استفهام لهم، انتهى.\nثم نَزَّهَ تعالى نفسه: عَمَّا يُشْرِكُونَ به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1388>[سورة الطور (٥٢): الآيات ٤٤ الى ٤٩]</span>\nوَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ (٤٤) فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (٤٥) يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٦) وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذابًا دُونَ ذلِكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٤٧) وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (٤٨)\nوَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبارَ النُّجُومِ (٤٩)\nوقوله: وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا أي: قطعةً يقولون لشدة معاندتهم هذا سَحابٌ مَرْكُومٌ:\nبعضُه على بعض، وهذا جوابٌ لقولهم: فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ [الشعراء: ١٨٧] وقولهم: أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا [الإسراء: ٩٢] يقول: لو فعلنا هذا بهم لما/ آمنوا، ولقالوا: سحاب مركوم.\nوقوله تعالى: فَذَرْهُمْ، وما جرى مَجْرَاهُ من الموادعة- منسوخ بآية السيف،\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١١/ ٤٩٦) برقم: (٣٢٣٨٦)، وذكره ابن عطية (٥/ ١٩٣)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ١٥٠)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٢) ذكره البغوي (٤/ ٢٤٢)، وذكره ابن عطية (٥/ ١٩٣) .","vol":"5","page":318},{"text":"والجمهورُ أَنَّ يومهم الذي فيه يُصْعَقُونَ، هو يوم القيامة، وقيل: هو موتهم واحدًا واحدًا، ويحتمل أن يكون يوم بدر لأَنَّهُمْ عُذِّبُوا فيه، والصعق: التعذيب في الجملة، وإنْ كان الاستعمالُ قد كَثُرَ فيما يصيب الإنسانَ من الصَّيْحَةِ المُفْرِطَةِ ونحوه، ثُمَّ أخبر تعالى بِأَنَّ لهم دُونَ هذا اليوم، أي: قبله عَذابًا واخْتُلِفَ في تعيينه، فقال ابن عباس وغيره «١»: هو بدر ونحوه، وقال مجاهد «٢»: هو الجُوعُ الذي أصابهم، وقال البَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ وابن عباس أيضًا «٣»: هو عذاب القبر، وقال ابن زيد «٤»: هي مصائب الدنيا، إذْ هي لهم عذاب.\nت: ويحتمل أَنْ يكونَ المراد الجميع قال الفخر «٥»: إنْ قلنا إنَّ العذابَ هو بدر فالذين ظلموا هم أهل مَكَّةَ، وإنْ قلنا: العذابُ هو عذابُ القبر، فالذين ظلموا عامٌّ في كل ظالم، انتهى.\nثم قال تعالى لنبيِّهِ: وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا أي: بمرأى ومنظر، نرى ونَسْمَعُ ما تقول، وأَنَّك في حفظنا وحيطتنا كما تقول: فلان يرعاه المَلِكُ بعين، وهذه الآية ينبغي أَنْ يُقَرِّرَهَا كُلُّ مؤمن في نفسه فإنها تُفَسِّحُ مضايق الدنيا.\nوقوله سبحانه: وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قال أبو الأحوص «٦»: هو التسبيح المعروف، يقول في كل قيام: سبحان اللَّهِ وبحمدِهِ، وقال عطاء «٧»: المعنى حين تقومُ من كُلِّ مجلس.\nت: وفي تفسير أحمدَ بن نصر الداوديّ قال: وعن ابن المُسَيِّبِ قال: حَقٌّ على كل مسلم أنْ يقول حين يقومُ إِلى الصلاة: سبحان اللَّهِ وبحمده لقولِ اللَّه سبحانه لِنَبِيِّهِ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ، انتهى، / وقال ابن زيد «٨»: هي صلاة النوافل، وقال\n_________\n(١) ذكره البغوي (٤/ ٢٤٣)، وابن عطية (٥/ ١٩٤) .\n(٢) أخرجه الطبري (١١/ ٤٩٩) برقم: (٣٢٣٩٨)، وذكره البغوي (٤/ ٢٤٣)، وابن عطية (٥/ ١٩٤)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٢٤٥)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ١٥١)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر.\n(٣) أخرجه الطبري (١١/ ٤٩٩) برقم: (٣٢٣٩٤)، (٣٢٣٩٥)، وذكره ابن عطية (٥/ ١٩٤)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ١٥٠)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر.\n(٤) أخرجه الطبري (١١/ ٤٩٩) برقم: (٣٢٣٩٩)، وذكره ابن عطية (٥/ ١٩٤) .\n(٥) ينظر: «تفسير الرازي» (١٤/ ٢٣٥) .\n(٦) أخرجه الطبري (١١/ ٥٠٠) برقم: (٣٢٤٠١)، وذكره ابن عطية (٥/ ١٩٤)، وابن كثير في «تفسيره» (٥/ ١٩٤)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ١٥١)، وعزاه لابن أبي شيبة.\n(٧) ذكره البغوي (٤/ ٢٤٣)، وابن عطية (٥/ ١٩٤)، وابن كثير في «تفسيره» (٥/ ١٩٤)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ١٥١)، وعزاه للفريابي، وابن المنذر.\n(٨) ذكره ابن عطية (٥/ ١٩٤) .","vol":"5","page":319},{"text":"الضَّحَّاكُ «١»: هي الصلوات المفروضة، وَمَنْ قال هي النوافل جعلَ أدبار النجوم رَكْعَتَيِ الفجر، وعلى هذا القول جماعة كثيرة من الصحابة والتابعين، وقد رُوِيَ مرفوعًا، ومَنْ جعله التسبيحَ المعروفَ جعل قوله: حِينَ تَقُومُ مثالًا، أي: حين تقومُ وحينَ تَقْعُدُ، وفي كل تَصَرُّفِكَ، وحكى منذر عن الضَّحَّاكِ أَنَّ المعنى: حين تقومُ في الصلاة [بعد] تكبيرة الإحرام، فقل: «سُبْحَانَكَ اللهمّ، وبحمدك، وتبارك اسمك» «٢» الحديث.\n_________\n(١) ينظر: المصدر السابق.\n(٢) أخرجه أبو داود (١/ ٢٦٥)، كتاب «الصلاة» باب: من رأى الاستفتاح بسبحانك وبحمدك (٧٧٥)، والترمذي (٢/ ٩- ١٠)، كتاب «الصلاة» باب: ما يقول عند افتتاح الصلاة (٢٤٢)، وابن ماجه (٢/ ٢٦٤)، كتاب «إقامة الصلاة والسنة فيها» باب: افتتاح الصلاة (٨٠٤)، والنسائي (٢/ ١٣٢)، كتاب «الافتتاح» باب: نوع آخر من الذكر بين افتتاح الصلاة وبين القراءة (٨٩٩)، وأحمد (٣/ ٥٠، ٦٩)، (١/ ٢٨٢)، كتاب «افتتاح الصلاة» باب: ما يقال بعد افتتاح الصلاة، وابن خزيمة (١/ ٢٣٨) جماع أبواب الأذان والإقامة، باب: إباحة الدعاء بعد التكبير وقبل القراءة ... (٤٦٧) .","vol":"5","page":320},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1389>تفسير سورة «النّجم»</span>\nوهي مكّيّة بإجماع وهي أوّل سورة أعلن بها رسول الله ﷺ، وجهر بقراءتها في الحرم، والمشركون يستمعون، وفيها سجد وسجد معه المؤمنون والمشركون والجنّ والإنس غير أبي لهب، فإنّه رفع حفنة من تراب إلى جبهته، وقال: يكفيني هذا.\nت: والذي خرّجه البخاريّ في صحيحه عن ابن مسعود: «فسجد رسول الله ﷺ، وسجد من خلفه إلّا رجلا رأيته أخذ كفّا من تراب فسجد عليه، فرأيته بعد ذلك قتل كافرا، وهو أميّة بن خلف» «١» انتهى، وسبب نزولها أنّ المشركين قالوا: إنّ محمّدا يتقوّل القرآن، ويختلق أقواله، فنزلت السورة في ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1390>[سورة النجم (٥٣): الآيات ١ الى ٣]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nوَالنَّجْمِ إِذا هَوى (١) مَا ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى (٢) وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣)\nقوله ﷿: وَالنَّجْمِ إِذا هَوى مَا ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى الآية، قال الحسن وغيره: النجم المُقْسَمُ به هنا: اسمُ جنس، أراد به النجوم «٢»، ثم اختلفوا في معنى هَوى فقال جمهور المفسرين: هَوَى للغروب، / وهذا هو السابق إلى الفهم من كلام العرب، وقال ابن عباس في كتاب الثعلبيِّ «٣»: هوى في الانقضاض في إثر العفريت عند استراق السمع، وقال مجاهد وسفيان «٤»: النجم في قسم الآية: الثُّرَيَّا، وسُقُوطُهَا مع الفجر هو هوِيُّها، والعرب لا تقول: النجم مطلقًا إِلاَّ للثُّرَيَّا، والقسم واقع على قوله: مَا ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٨/ ٤٨٠)، كتاب «التفسير» باب: فاسجدوا لله واعبدوا (٤٨٦٣) . [.....]\n(٢) ذكره ابن عطية (٥/ ١٩٥) .\n(٣) ذكره ابن عطية (٥/ ١٩٥) .\n(٤) أخرجه الطبري (١١/ ٥٠٣) برقم: (٣٢٤١٤)، (٣٢٤١٥)، وذكره ابن عطية (٥/ ١٩٦)، وابن كثير (٤/ ٢٤٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ١٥٤)، وعزاه لعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.","vol":"5","page":321},{"text":"- ص-: إِذا هَوى أبو البقاء: العامل في الظرف فِعْلُ الَقَسَمِ المحذوفِ، أي:\nأقسم بالنجم وَقْتَ هَوِيِّهِ، وجوابُ القَسَمِ: مَا ضَلَّ، انتهى، قال الفخر «١»: أكثر المفسرين لم يُفَرِّقُوا بين الغَيِّ والضلال، وبينهما فرق فالغيُّ: في مقابلة الرُّشْدِ، والضلال أَعَمُّ منه، انتهى. وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى: يريد محمّدا ﷺ أَنَّه لا يتكلم عن هواه، أي:\nبهواه وشهوته، وقال بعض العلماء: وما ينطقُ القرآنَ المُنَزَّلَ عن هوى.\nت: وهذا تأويل بعيد من لفظ الآية كما ترى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1391>[سورة النجم (٥٣): الآيات ٤ الى ١٠]</span>\nإِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى (٧) ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى (٨)\nفَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى (٩) فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى (١٠)\nوقوله: إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى يراد به القرآن بإجماع.\nت: وليس هذا الإِجماع بصحيح، ولفظُ الثعلبيِّ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ أي: ما نُطْقُهُ في الدِّينِ إلاَّ بوحي، انتهى، وهو أحسن إِنْ شاء اللَّه، قال الفخر «٢»: الوحي اسم، ومعناه: الكتاب، أو مصدر وله معانٍ: منها الإرسال، والإِلهام، والكتابة، والكلام، والإِشارة، فإنْ قلنا: هو ضمير القرآن فالوحي اسم معناه الكتاب، ويحتمل أنْ يُقَالَ:\nمصدر، أي: ما القرآن إلاَّ إرْسَالٌ، أي: مُرْسَلٌ، وَإِنْ قلنا: المراد من قوله: إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ قولُ محمد وكلامُه فالوحي حينئذ هو الإلهام، أي: كلامه مُلْهَمٌ من اللَّه أو مرسل، انتهى، والضمير في عَلَّمَهُ لنبِيِّنا محمّد ﷺ، والمعلّم هو جبريل ع قاله ابن عباس وغيره «٣»، أي: عَلَّم محمدًا القرآن، وذُو مِرَّةٍ معناه: ذو قُوَّة قاله قتادة وغيره «٤» ومنه قوله ع: «لاَ تَحِلَّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ وَلا لِذِي مِرَّةٍ سَوِىّ» «٥» .\nوَأصْلُ المِرَّةِ مِنْ مَرَائِرِ الْحَبْلِ، وهي فتله وإحكام عمله.\n_________\n(١) ينظر: «تفسير الرازي» (١٤/ ٢٤١) .\n(٢) ينظر: «تفسير الرازي» (١٤/ ٢٤١) .\n(٣) ذكره ابن عطية (٥/ ١٩٦) .\n(٤) ينظر: المصدر السابق.\n(٥) أخرجه أبو داود (١/ ٥١٤)، كتاب «الزكاة» باب: من يعطى من الصدقة وحد الغنى (١٦٣٤)، والترمذي (٣/ ٣٣) كتاب «الزكاة» باب: ما جاء من لا تحل له الصدقة (٦٥٢)، وابن ماجه (١/ ٥٨٩)، كتاب «الزكاة» باب: من سأل عن ظهر غنّى (١٨٣٩)، والحاكم (١/ ٤٠٧) نحوه، والنسائي (٥/ ٩٩)، كتاب «الزكاة» باب: إذا لم يكن له دراهم وكان له عدلها (٢٥٩٧)، وابن حبان (٣/ ١٠٢) - الموارد (٨٠٦)، وعبد الرزاق في «المصنف» (٤/ ١١٠) (٧١٥٥) .\nقال الترمذي: حديث عبد الله بن عمر حديث حسن.","vol":"5","page":322},{"text":"وقوله: فَاسْتَوى قال الربيع والزَّجَّاج، المعنى: فاستوى جبريل في الجو، وهو إذ ذاك بالأفق الأعلى إذ رآه رسول الله ﷺ بِحِراءَ، قد سَدَّ الأفق، له ستمائة جناحٍ، وحينئذ دنا من محمّد ع حتى كان قابَ قوسين، وكذلك رآه نزلةً أخرى في صفته العظيمة، له ستمائة جناح عند السِّدْرَةِ.\nوقوله: ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى قال الجمهور: المعنى: دنا جبريل إلى محمد في الأرض عند حِرَاءَ، وهذا هو الصحيح أَنَّ جميع ما في هذه الآيات من الأوصاف هو مع جبريل، ودَنا أعمّ من فَتَدَلَّى فَبَيَّنَ تعالى بقوله: فَتَدَلَّى هيئَةَ الدُّنُوِّ كيف كانت، وقابَ:\nمعناه: قَدْر، قال قتادة وغيره «١»: معناه: من طرف العود إلى طرفه الآخر، وقال الحسن ومجاهد «٢»: من الوتر إلى العود في وسط القوس عند المِقْبَضِ.\nوقوله: أَوْ أَدْنى معناه: على مقتضى نظر البشر، أي: لو رَآه أَحَدُكُمْ لقال في ذلك: قوسان أو أدنى من ذلك، وقيل: المراد بقوسين، أي: قَدْرَ الذراعين، وعن ابن عباس «٣»: أنَّ القوس في الآية ذراعٌ يُقَاسُ به، وذكر الثعلبيُّ أَنَّهَا لُغَةُ بعض الحجازيين.\nوقوله تعالى: فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ مَا أَوْحى\nقال ابن عباس «٤»: المعنى: فأوحى اللَّهُ إلى عبده محمد ما أوحى، وفي قوله: مَا أَوْحى\nإبهام على جهة التفخيم والتعظيم قال عياض: ولما كان ما كاشفه ع من ذلك الجبروتِ، وشَاهَدَهُ من عجائب/ الملكوت، لا تُحِيطُ به العباراتُ، ولا تستقِلُّ بحمل سماع أدناه العقولُ- رَمَزَ عنه تعالى بالإيماء والكناية الدَّالَّةِ على التعظيم، فقال تعالى: فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ مَا أَوْحى\nوهذا النوع من الكلام يسميه أَهْلُ النقد والبلاغة بالوحي والإشارة، وهو عندهم أبلغ أبواب الإيجاز، انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1392>[سورة النجم (٥٣): الآيات ١١ الى ١٥]</span>\nما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى (١١) أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى (١٢) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى (١٤) عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى (١٥)\n_________\n(١) ذكره البغوي (٤/ ٢٤٦)، وابن عطية (٥/ ١٩٧) .\n(٢) أخرجه الطبري (١١/ ٥٠٧- ٥٠٨) برقم: (٣٢٤٤٠، ٣٢٤٤٢)، وذكره البغوي (٤/ ٢٤٦)، وابن عطية (٥/ ١٩٧)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ١٥٨)، وعزاه لآدم بن أبي إياس، والفريابي، والبيهقي.\n(٣) ذكره ابن عطية (٥/ ١٩٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ١٥٧)، وعزاه للطبراني، وابن مردويه، والضياء.\n(٤) أخرجه الطبري (١١/ ٥٠٩) برقم: (٣٢٤٥٤)، وذكره البغوي (٤/ ٢٤٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ١٥٨)، وعزاه للنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه.","vol":"5","page":323},{"text":"وقوله سبحانه: مَا كَذَبَ الْفُؤادُ مَا رَأى المعنى: لم يُكَذِّبْ قلبُ محمد الشيء الذي رأى، بل صَدَّقَهُ وتحقَّقَهُ نظرًا قال أهل التأويل منهم ابن عباس وغيره «١»: رأى محمد الله بفؤاده، وقال النبيّ ﷺ: «جَعَلَ اللَّهُ نُورَ بَصَرِي في فُؤَادِي، فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ بِفُؤَادِيَ»، وقال آخرون من المتأولين: المعنى: ما رأى بعينه لم يُكَذِّبْ ذلك قلبُه، بل صدقه وتحققه، وقال ابن عباس فيما روِي عنه «٢»: إنَّ محمدًا رأى رَبَّه بِعَيْنَيْ رَأْسِهِ، وأنكرت ذلك عَائِشَةُ، وقالت: أنا سَأَلْتُ رسول الله ﷺ عَنْ هذه الآياتِ فَقَالَ لِي: «هُوَ جِبْرِيلُ فِيهَا كُلِّها» قال ع «٣»: وهذا قول الجمهور، وحديث عائشة عن النبي ﷺ قاطعٌ بكُلِّ تأويل في اللفظ لأَنَّ قول غيرها إنَّما هو مُنْتَزَعٌ من ألفاظ القرآن.\nوقوله سبحانه: أَفَتُمارُونَهُ عَلى مَا يَرى قرأ حمزة والكسائيُّ «أَفَتَمْرُونَهُ» - بفتح التاء دون ألف «٤» -، أي: أفتجحدونه.\nت: قال الثعلبيُّ: واختار هذه القراءة أبو عبيد: قال إنَّهم لا يمارونه، وإنَّما جحدوه، واخْتُلِفَ في الضمير في قوله: وَلَقَدْ رَآهُ حسبما تقدم، فقالت عائشة والجمهور «٥»: هو عائد على جبريل، ونَزْلَةً معناه: مَرَّة أخرى، فجمهور العلماء أَنَّ المَرْئِيَّ هو جبريل ع في/ المرتين، مَرَّةً في الأرض بحراءَ، ومرَّةً عند سدرة المنتهى ليلة الإسراء، رآه على صورته التي خُلِقَ عليها، وسِدْرَةُ المُنْتَهَى هي: شجرة نَبْقٍ في السماء السابعة، وقيل لها: سدرة المنتهى لأَنَّها إليها ينتهي عِلْمُ كُلِّ عالم، ولا يعلم ما وراءها صَعَدًا إلّا الله ﷿، وقيل: سُمِّيَتْ بذلك لأَنَّها إليها ينتهي مَنْ مات على سنّة النبي ﷺ قال ع «٦»: وهم المؤمنون حقًّا من كل جيل.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١١/ ٥١١) برقم: (٣٢٤٦٦)، وذكره البغوي (٤/ ٢٤٦)، وذكره ابن عطية (٥/ ١٩٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ١٦٠)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، عن أبي العالية.\n(٢) أخرجه الطبري (١١/ ٥١١) برقم: (٣٢٤٦٧)، وذكره البغوي (٤/ ٢٤٧)، وابن عطية (٥/ ١٩٨)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٢٥٠)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ١٥٩)، وعزاه لابن مردويه. [.....]\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ١٩٨) .\n(٤) ينظر: «السبعة» (٦١٤)، و«الحجة» (٦/ ٢٣٠)، و«معاني القراءات» (٣/ ٣٧)، و«شرح الطيبة» (٦/ ٢٤)، و«العنوان» (١٨٢)، و«حجة القراءات» (٦٨٥)، و«شرح شعلة» (٥٩١)، و«إتحاف» (٥٠٠- ٥٠١) .\n(٥) أخرجه الطبري (١١/ ٥١٢) برقم: (٣٢٤٧٥)، وذكره ابن عطية (٥/ ١٩٩)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٢٥١)\n(٦) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ١٩٨) .","vol":"5","page":324},{"text":"وقوله سبحانه: عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى قال الجمهور: أراد سبحانه أَنْ يُعَظِّمَ مَكانَ السدرة، ويُشَرِّفَهُ بِأَنَّ جنة المأوى عندها، قال الحسن «١»: هي الجنة التي وعد بها المؤمنون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1393>[سورة النجم (٥٣): الآيات ١٦ الى ٢٥]</span>\nإِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى (١٦) ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى (١٧) لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى (١٨) أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى (٢٠)\nأَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزى (٢٢) إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى (٢٣) أَمْ لِلْإِنْسانِ ما تَمَنَّى (٢٤) فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولى (٢٥)\nوقوله سبحانه: إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشى أي: غَشِيَها من أمر اللَّه ما غشيها، فما يستطيع أحد أَنْ يصفَها، وقد ذكر المُفَسِّرُون في وصفها أقوالًا هي تَكَلُّفٌ في الآية لأَنَّ اللَّه تعالى أبهم ذلك، وهم يريدون شرحه، وقد قال ﷺ: «فَغَشِيَهَا أَلْوَانٌ لاَ أَدْرِي مَا هِيَ» «٢» .\nوقوله تعالى: مَا زاغَ الْبَصَرُ قال ابن عباس «٣»: معناه: ما جال هكذا ولا هكذا.\nوقوله: وَما طَغى معناه: ولا تجاوز المَرْئِيَّ، وهذا تحقيق للأمر، ونفيٌ لوجوه الريب عنه.\nوقوله: لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى قال جماعة: معناه: لقد رأى الكبرى من آياتِ رَبِّهِ، أي: مِمَّا يمكنُ أنْ يراها البشر، وقال آخرون: المعنى: لقد رأى بَعْضًا من آيات رَبِّهِ الكبرى، وقال ابن عباس وابن مسعود «٤»: رأى رفرفًا أخضرَ من الجنة، قد سدّ الأفق.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١١/ ٥١٧) عن ابن عبّاس برقم: (٣٢٥١١)، وذكره ابن عطية (٥/ ١٩٩) .\n(٢) أخرجه البخاري (١/ ٥٤٧- ٥٤٨)، كتاب «الصلاة» باب: كيف فرضت الصلوات في الإسراء؟ (٣٤٩)، (٦/ ٤٣١- ٤٣٢)، كتاب «أحاديث الأنبياء» باب: ذكر إدريس ﵇ (٣٣٤٢) .\n(٣) أخرجه الطبري (١١/ ٥١٨) برقم: (٣٢٥٢٥)، وذكره ابن عطية (٥/ ٢٠٠)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٤٥٢)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ١٦٢)، وعزاه للفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه.\n(٤) أخرجه الطبري (١١/ ٥١٩) برقم: (٣٢٥٣١) عن ابن مسعود، وذكره ابن عطية (٥/ ٢٠٠)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ١٦٢)، وعزاه للفريابي، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، والبخاري، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه، وأبي نعيم، والبيهقي معا في «الدلائل» .","vol":"5","page":325},{"text":"ت: وزاد الثعلبيُّ: وقيل: المعراج، وما رأى في تلك الليلة في مسراه في عوده وبدئه دليله قوله تعالى: لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا ... [الإسراء: ١] الآية، قال عِيَاضٌ:\n/ وقوله تعالى: لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى انحصرت الأفهام عن تفصيل ما أوحى، وتاهت الأحلامُ في تعيين تلك الآيات الكبرى، وقد اشتملت هذه الآيات على إعلام الله بتزكية جملته ع وعِصْمَتِهَا من الآفات في هذا المسرى، فزكى فؤادَه ولسانَه وجوارِحَه فقلبه بقوله تعالى: مَا كَذَبَ الْفُؤادُ مَا رَأى [النجم: ١١]، ولسانَهُ﵇- بقوله تعالى: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى [النجم: ٣]، وبصرَهُ بقوله تعالى: مَا زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى اهـ.\nولما فرغ من ذكر عظمة اللَّه وقدرته قال على جهة التوقيف: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى ... الآية، أي: أرأيتم هذه الأوثان وحقارَتَها وبُعْدَهَا عن هذه القدرة والصفات العَلِيَّةِ، واللات: صنم كانتِ العربُ تعظمه، والعُزَّى: صخرة بيضاءُ كانت العرب أيضًا تعبُدُها، وأمَّا مناة: فكانت بالمشلل من قديد، وكانت أعظم هذه الأوثان عندهم، وكانت الأوس والخزرج تهل لها، ووقف تعالى الكُفَّارَ على هذه الأوثان، وعلى قولهم فيها: إنها بنات اللَّه، فكأَنَّه قال: أرأيتم هذه الأوثانَ وقولَكُمْ: هي بناتُ اللَّه أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى ثم قال تعالى على جهة الإنكار: تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزى أي: عوجاء قاله مجاهد «١»، وقيل: جائرة قاله ابن عباس «٢»، وقال سفيان «٣»: معناه: منقوصة، وقال ابن زيد «٤»:\nمعناه: مخالفة، والعرب تقول: ضِزْتُهُ حَقَّهُ أَضِيزُهُ بمعنى: منعته، وضِيزَى من هذا التصريف قال أبو حيان «٥»: والثَّالِثَةَ الْأُخْرى صفتان لمناة للتأكيد، قيل: وأُكِّدَتْ بهذين الوصفين لِعَظَمِهَا عندهم، وقال الزمخشري: والأخرى ذَمٌّ، وهي المتأخرة الوضيعة المقدارِ، وتُعُقِّبَ/ بأنَّ أخرى مُؤنث آخر، ولم يُوضَعَا لِلذَّمِ ولا للمدح.\nت: وفي هذا التعقب تعسف، والظاهر أَنَّ الوصفين معًا سِيقَا مَسَاقَ الذَّمِّ لأَنَّ هؤلاءِ الكُفَّارِ لم يكتفوا بضلالهم في اعتقادهم ما لا يجوز في اللات والعزى، إِلى أَنْ\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١١/ ٥٢٢) برقم: (٣٢٥٤٦)، وذكره البغوي (٤/ ٢٥٠)، وابن عطية (٥/ ٢٠١) .\n(٢) أخرجه الطبري (١١/ ٥٢٢) برقم: (٣٢٥٤٩)، وذكره البغوي (٤/ ٢٥٠)، وابن عطية (٥/ ٢٠١)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ١٦٤)، وعزاه لابن جرير.\n(٣) أخرجه الطبري (١١/ ٥٢٢) برقم: (٣٢٥٥٠)، وذكره ابن عطية (٥/ ٢٠١) .\n(٤) أخرجه الطبري (١١/ ٥٢٢) برقم: (٣٢٥٥١)، وذكره ابن عطية (٥/ ٢٠١) .\n(٥) ينظر: «البحر المحيط» (٨/ ١٦٠) .","vol":"5","page":326},{"text":"أضافوا إلى ذلك مَنَاةَ الثالثة الأخرى الحقيرة، وكُلُّ أصنامهم حقير، انتهى.\nثم قال تعالى: إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ يعني: إنْ هذه الأوصافُ من أَنَّها إناث، وَأَنَّها آلهة تعْبَدُ، ونحو هذا- إلاَّ أَسماءٌ، أي: تسميات اخترعتموها أنتم وآباؤكم، ما أنزل اللَّه بها برهانًا ولا حُجَّةً، وما هو إلاَّ اتِّباعُ الظن، وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ وهَوَى الأنفس هو إرادتها الملذة لها، وإِنَّما تجد هوى النفس أبدًا في ترك الأفضل لأَنَّها مجبولةٌ بطبعها على حُبِّ الملذ، وإِنَّما يَرْدَعُها وَيَسُوقُها إلى حُسْنِ العاقبة العقلُ والشرع.\nوقوله سبحانه: وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى فيه توبيخ لهم، إِذْ يفعلون هذه القبائِحَ والهدى حاضر، وهو محمد وشرعه، والإنسان في قوله: أَمْ لِلْإِنْسانِ اسم جنس، كأَنَّه يقول: ليست الأشياءُ بالتمني والشهوات، وإِنَّما الأمر كُلُّه للَّه، والأعْمَالُ جاريةٌ على قانون أمره ونهيه، فليس لكم- أَيُّهَا الكَفَرَةُ- مُرَادُكُمْ في قولكم: هذه آلهتنا، وهي تشفعُ لنا، وتُقَرِّبُنَا إِلى اللَّه زُلْفَى، ونحو هذا فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولى أي: له كل أمرهما:\nمُلْكًا، ومقدورًا، وتَحْتَ سلطانه، قال الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي في كتاب «عيوب النفس»: ومن عيوب النفس كثرةُ التَّمَنِّي، والتَّمَنِّي هو الاعتراضُ على اللَّه ﷿ في قضائه وقَدَرِهِ، ومداواتُها/ أَنْ يعلم أَنَّه لا يدري ما يعقبه التمني، أيجرُّهُ إلى خير أو إلى شَرٍّ؟ فإذا تَيَقَّنَ إبهام عاقبة تمنيه، أَسْقَطَ عن نفسه ذلك، ورَجَعَ إلى الرِّضَا والتسليم، فيستريح، انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1394>[سورة النجم (٥٣): الآيات ٢٦ الى ٣٢]</span>\nوَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى (٢٦) إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثى (٢٧) وَما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (٢٨) فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَياةَ الدُّنْيا (٢٩) ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى (٣٠)\nوَلِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى (٣٢)\nوقوله سبحانه: وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ ... الآية: رَدٌّ على قريش في قولهم: الأوثان شفعاؤنا، وَكَمْ للتكثير، وهي في موضع رفع بالابتداء، والخبر لاَ تُغْنِي والغِنَى جَلْبُ النفع ودَفْعُ الضُّرِّ بحسب الأمر الذي يكون فيه الغناء.\nوقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يعني: كفّار العرب.","vol":"5","page":327},{"text":"وقوله: وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا أي: في المُعْتَقَدَاتِ، والمواضع التي يريد الإنسان أن يحرّر ما يَعْقِلُ ويعتقد فَإنَّهَا مواضع حقائق، لا تنفعُ الظنونُ فيها، وَأَمَّا في الأحكام وظواهرها فيجتزئ فيها بالمظنونات.\nثم سَلَّى سبحانه نَبِيَّه وأمره بالإعراض عن هؤلاء الكَفَرَةِ.\nوقوله: عَنْ ذِكْرِنا قال الثعلبيُّ: يعني القرآن.\nوقوله سبحانه: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ الآية متصلة في معنى التسلية، ومتضمنة وعيدًا للكافرين، ووعدًا للمؤمنين، والحُسْنَى: الجنة ولا حسنى دونها، وقد تقدم نقلُ الأقوال في الكبائر في سورة النساء وغيرها، وتحريرُ القول في الكبائر أَنَّها كُلُّ معصيةٍ يوجد فيها حَدٌّ في الدنيا أو تَوَعُّدٌ عليها بِالنَّارِ في الآخرة، أو لعنة، ونحو هذا.\nوقوله: إِلَّا اللَّمَمَ هو استثناء يَصِحُّ أنْ يكونَ مُتَّصِلًا، وإنْ قدرته مُنْقَطِعًا ساغ ذلك، وبِكُلٍّ قد قيل، واخْتُلِفَ في معنى اللَّمَمَ فقال أبو هريرة، وابن عباس، والشَّعْبِيُّ، وغيرهم «١»: اللمم: صِغَارُ الذنوب التي لا حَدَّ فيها ولا وَعِيدَ عليها لأَنَّ الناسَ لا يتخلَّصُونَ من مُوَاقَعَةِ هذه الصغائر، ولهم مع ذلك الحُسْنَى/ إذا اجتنبوا الكبائر، وتظاهر العلماءُ في هذا القول، وكَثُرَ المائِلُ إليه، وحُكِيَ عن ابن المُسَيِّبِ أَنَّ اللمم: ما خطر على القلب، يعني بذلك لمَّةَ الشيطان «٢»، وقال ابن عباس «٣»: معناه: إلاَّ ما أَلَمُّوا به من المعاصي الفَلْتَةُ والسَّقْطَةُ دون دوام ثم يتوبون منه، وعنِ الحسن بن أبي الحسن «٤» أَنَّهُ قال:\nفي اللَّمَّةِ من الزنا، والسَّرِقَةِ، وشرب الخمر ثم لا يعود، قال ع «٥»: وهذا التأويلُ يقتضي الرِّفْقَ بالناس في إدخالهم في الوعد بالحسنى إذ الغالب في المؤمنين مواقعة\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١١/ ٥٢٨) عن ابن عبّاس برقم (٣٢٥٨٤)، وذكره ابن عطية (٥/ ٢٠٤)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٢٥٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ١٦٦)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير. [.....]\n(٢) ذكره البغوي (٤/ ٢٥٣)، وابن عطية (٥/ ٢٠٤) .\n(٣) أخرجه الطبري (١١/ ٢٢٨) برقم: (٣٢٥٧٧)، وذكره البغوي (٤/ ٢٥٢)، وابن عطية (٥/ ٢٠٤)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٢٥٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ١٦٦)، وعزاه لعبد بن حميد عن أبي صالح.\n(٤) أخرجه الطبري (١١/ ٥٢٧) برقم: (٣٢٥٧٠)، وذكره البغوي (٤/ ٢٥٢)، وابن عطية (٥/ ٢٠٤)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٢٥٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ١٦٦)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير.\n(٥) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٢٠٤) .","vol":"5","page":328},{"text":"المعاصي، وعلى هذا أنشدوا، وقد تَمَثَّلَ به النبي ﷺ: [الرجز]\nإن تغفر اللهم تغفر جما ... وأي عَبْدٍ لَكَ لاَ أَلَمَّا «١»\nوقوله سبحانه: إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ يريد: خلق أبيهم آدم، ويحتمل أَنْ يرادَ به إنشاء الغذاء، وأجِنَّةٌ: جمع جنين.\nوقوله سبحانه: فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ ظاهره النهيُ عن تزكية الإنسانِ نَفْسَهُ، ويحتمل أَنْ يكونَ نهيًا عن أنْ يُزَكِّيَ بعضُ الناسِ بعضًا، وإذا كان هذا، فَإنَّما يُنْهَى عن تزكية السمعة والمدح للدنيا أو القطع بالتزكية، وأَمَّا تزكيةُ الإمامِ والقُدْوَةِ أحدًا لِيُؤْتَمَّ به أو ليتهمم الناسَ بالخير، فجائز، وفي الباب أحاديثُ صحيحة، وباقي الآية بَيِّنٌ.\nت: قال صاحِبُ «الكَلِمِ الفارِقِيَّةِ»: أَعْرَفُ الناسِ بنفسه أَشَدُّهُمْ إيقاعًا للتهمة بِها في كل ما يبدو ويظهرُ له منها، وأجهلهم بمعرفتها وخفايا آفاتها وكوامن مكرها مَنْ زَكَّاها، وأَحْسَنَ ظَنَّهُ بها لأَنَّها مُقْبِلَةٌ على عاجل حظوظها، مُعْرِضَةٌ عنِ الاستعداد لآخرتها، انتهى، وقال ابن عطاء اللَّه: أَصْلُ كل معصيةٍ وغفلة- وشهوة/- الرضا عن النفس، وأصل كل طاعة، ويقظة، وعِفَّةٍ- عَدَمُ الرضا منك عنها قال شارحه ابن عُبَّاد: الرضا عن النفس:\nأصل جميع الصفات المذمومة، وعَدَمُ الرضا عنها أصلُ الصفات المحمودة، وقدِ اتَّفق على هذا جميعُ العارفين وأرباب القلوب وذلك لأَنَّ الرضا عن النفس يوجب تغطيةَ عيوبِهَا ومساويها، وعَدَمَ الرضا عنها على عكس هذا كما قيل: [الطويل]\nوَعَيْنُ الرِّضَا عَنْ كُلِّ عَيْبٍ كَلِيلَةٌ ... وَلَكِنَّ عَيْنَ السُّخْطِ تبدي المساويا\nانتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1395>[سورة النجم (٥٣): الآيات ٣٣ الى ٣٨]</span>\nأَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (٣٣) وَأَعْطى قَلِيلًا وَأَكْدى (٣٤) أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى (٣٥) أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى (٣٦) وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧)\nأَلاَّ تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى (٣٨)\nوقوله تعالى: أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى ... الآية، قال مجاهد، وابن زيد، وغيرهما «٢»:\n_________\n(١) أخرجه الحاكم (٢/ ٤٦٩)، والترمذي (٥/ ٣٩٦- ٣٩٧) كتاب «التفسير» باب: ومن سورة النجم (٣٢٨٤) .\nقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من حديث زكريا بن إسحاق.\nقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.\n(٢) أخرجه الطبري (١١/ ٥٣٠) عن مجاهد برقم: (٣٢٥٩٥) وعن زيد ابن زيد برقم: (٣٢٥٩٦)، وذكره ابن عطية (٥/ ٢٠٥)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ١٦٨)، وعزاه للفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.","vol":"5","page":329},{"text":"نزلت في الوليد بن المغيرة المخزوميِّ وذلك أنّه سمع قراءة النبي ﷺ ووعظه فقرب من الإسلام، وطمع النبيّ ﷺ في إسلامه، ثم إنَّه عاتبه رجلٌ من المشركين، وقال له: أتترك ملّة آبائك؟! ارجع إلى دينك، واثبت عليه، وأَنا أتَحَمَّلُ لك بكلِّ شيء تخافه في الآخرة، لكن على أَنْ تعطيني كذا وكذا من المال، فوافقه الوليد على ذلك، ورجع عَمَّا هَمَّ به من الإسلام، وأعطى بعضَ ذلك المالَ لذلك الرجل، ثم أمسك عنه وشَحَّ، فنزلت الآية فيه، وقال السُّدِّيُّ «١»: نزلت في العاصي بن وائل قال ع «٢»: فقوله: وَأَعْطى قَلِيلًا وَأَكْدى على هذا- هو في المال، وقال مقاتل «٣» في كتاب الثعلبيِّ: المعنى: أعطى الوليدُ قليلا من الخير بلسانه، ثم أَكْدى، أي: انقطع ما أعطى، وهذا بَيِّنٌ من اللفظ، والآخر يحتاج إلى رواية، وتَوَلَّى معناه: أدبر وأعرض عن أمر اللَّه، وأَكْدى معناه: انقطع عطاؤه، وهو مشبه بالذي/ يحفر في الأرض فإنَّه إذا انتهى في حفر بئر ونحوه إلى كُدْيَةٍ، وهي ما صَلُبَ من الأرض- يَئِسَ من الماء، وانقطع حفرُهُ، وكذلك أجبل إذا انتهى في الحفر إلى جبل، ثم قيل لمن انقطع: عمله أكدى وأجبل.\nت: قال الثعلبيُّ: وأصله من الكُدْيَةِ، وهو حجر في البئر يؤيس من الماء قال الكسائِيُّ: تقول العرب: أَكْدَى الحَافَرُ وأَجْبَلَ: إذا بَلَغَ في الحَفْرِ إلى الكُدْيَةِ والجَبَلِ، انتهى.\nوقوله ﷿: أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى معناه: أَعَلِمَ من الغيب أَنَّ مَنْ تحمَّل ذنوبَ آخر انتفع بذلك المُتَحَمَّلُ عنه فهو لهذا الذي علمه يرى الحق وله فيه بصيرة؟! أم هو جاهل، لم يُنَبَّأ بما في صحف موسى وإبراهيم الذي وَفَّى بما أُرْسِلَ بِه، من أَنَّهُ لا تَزِرُ وازرة، أي: لا تحملُ حَامِلَةٌ حَمْلَ أخرى وفي البخاري وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى: وفى ما فُرِضَ عليه «٤»، انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1396>[سورة النجم (٥٣): الآيات ٣٩ الى ٤١]</span>\nوَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاَّ ما سَعى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى (٤٠) ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى (٤١)\nوقوله سبحانه: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا مَا سَعى وما بعده، كل ذلك معطوف على قوله: أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى والجمهور أَنَّ قوله: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا مَا سَعى\n_________\n(١) ذكره البغوي (٤/ ٢٥٣)، وابن عطية (٥/ ٢٠٥) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٢٠٥) .\n(٣) ذكره البغوي (٤/ ٢٥٣)، وابن عطية (٥/ ٢٠٥) .\n(٤) ينظر: «صحيح البخاري» (٨/ ٤٦٩)، كتاب «التفسير» باب: سورة النجم.","vol":"5","page":330},{"text":"مُحْكَمٌ لا نسخَ فيه، وهو لفظ عام مخصص.\nوقوله: وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى أي: يراه اللَّه، ومَنْ شاهد تلك الأُمُورَ، وَفِي عَرْضِ الأعمال على الجميع تشريفٌ للمحسنين وتوبيخٌ للمسيئين، ومنه قوله ﷺ: «مَنْ سَمَّعَ بِأَخِيهِ فِيمَا يَكْرَهُ، سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ سَامِعَ خَلْقِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» «١» .\nوفي قوله تعالى: ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى وعيد للكافرين، ووعد للمؤمنين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1397>[سورة النجم (٥٣): الآيات ٤٢ الى ٥٤]</span>\nوَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى (٤٢) وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى (٤٣) وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا (٤٤) وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٤٥) مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى (٤٦)\nوَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى (٤٧) وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى (٤٨) وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى (٤٩) وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عادًا الْأُولى (٥٠) وَثَمُودَ فَما أَبْقى (٥١)\nوَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى (٥٢) وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى (٥٣) فَغَشَّاها ما غَشَّى (٥٤)\nوقوله سبحانه: وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى أي: مُنْتَهَى الخلق ومصيرُهم، اللَّهمَّ أطلعنا على خيرك بفضلك، ولا تفضحْنا بين خلقك، / وجُدْ علينا بسترك في الدارين! وَحُقَّ لعبد يعلم أَنَّه إلى ربه منتهاه أَنْ يرفض هواه ويزهدَ في دنياه، ويُقْبِلَ بقلبه على مولاه ويقتدي بنبيٍّ فَضَّلَهُ اللَّهُ على خلقه وارتضاه ويتأمل كيف كان زهده ﷺ في دنياه وإِقباله على مولاه قال عياض في «شفاه»: وأما زهده ﷺ، فقد قدمنا من الأخبار أثناء هذه السيرة ما يكفي، وحَسْبُكَ من تقلُّله منها وإِعراضِهِ عَنْهَا وعن زَهْرَتِها، وقد سِيقَتْ إليه بحذافيرها، وترادفت عليه فتوحاتها- أنّه توفّي ﷺ ودِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ يَهُودِيٍّ «٢»، وهو يدعو، ويقول:\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١٣/ ١٣٨)، كتاب «الأحكام» باب: من شاق شاق الله عليه (٧١٥٢)، ومسلم (٤/ ٢٢٨٩)، كتاب «الزهد والرقائق» باب: من أشرك في عمله غير الله (٤٩/ ٢٩٨٦)، والترمذي (٣/ ٣٩٥)، كتاب «النكاح» باب: ما جاء في الوليمة (١٠٩٧) نحوه، ورواه البخاري من طريق صفوان، وجندب، ومسلم من طريق ابن عبّاس، والترمذي من طريق ابن مسعود، وأحمد (٣/ ٤٠) من طريق أبي سعيد الخدري (٤/ ٣١٣)، (٥/ ٤٥) من طريق أبي بكرة.\n(٢) أخرجه البخاري (٤/ ٣٠٢) كتاب «البيوع» باب: شراء النبي بالنسيئة، حديث (٢٠٦٩)، وأحمد (٣/ ١٣٣)، والنسائي (٧/ ٢٨٨) كتاب «البيوع» باب: الرهن في الحضر، وابن ماجه (٢/ ٨١٥)، كتاب «الرهون» باب: (١)، حديث (٢٤٣٧)، والترمذي (٣/ ٥١٩- ٥٢٠)، كتاب «البيوع» باب: ما جاء في الرخصة في الشراء إلى أجل، حديث (١٢١٥)، وأبو يعلى (٥/ ٣٩٤) (٣٠٦١)، وأبو الشيخ في أخلاق النبي (ص: ٢٦٣)، والبيهقي (٦/ ٣٦)، كتاب «الرهن» باب: جواز الرهن، كلهم من حديث قتادة عن أنس، أنه مشى إلى النبي ﷺ بخبز شعير، وإهالة سنخة، ولقد رهن النبي ﷺ درعا له بالمدينة، عند يهودي وأخذ منه شعيرا لأهله، ولقد سمعته يقول: ما أمسى عند آل محمّد ﷺ صاع بر ولا صاع حب، وإن عنده لتسع نسوة. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.","vol":"5","page":331},{"text":"«اللَّهُمَّ اجعل رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوتًا» .\nوفي «صحيح مسلم» عن عائشة﵂- قالت: ما شبع آل رسول الله ﷺ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ تِبَاعًا حتى مضى لِسَبِيلِهِ «١» .\nوعنها﵂- قالت: «لَمْ يَمْتَلِىءْ جَوْفُ نبيّ الله ﷺ شِبَعًا قَطُّ، وَلَمْ يَبُثَّ شكوى إلى أَحَدٍ، وَكَانَتِ الْفَاقَةُ أَحَبَّ إلَيْهِ مِنَ الغنى، وَإِنْ كَانَ لَيَظَلُّ جَائِعًا يَلْتَوِي طُولَ لَيْلَتِهِ مِنَ الْجُوعِ، فَلاَ يَمْنَعُهُ ذَلِكَ صِيَامَ يَوْمِهِ، وَلَوْ شَاءَ سَأَلَ رَبَّهُ جَمِيعَ كُنُوزِ الأَرْضِ وَثِمَارِهَا وَرَغْدِ عَيْشِهَا، وَلَقَدْ كُنْتُ أَبْكِي لَهُ رَحْمَةً مِمَّا أرى بِهِ، وَأَمْسَحُ بِيَدِي على بَطْنِهِ ممّا به من الجوع، وأقول: نفسي لَكَ الْفِدَاءُ لَوْ تَبَلَّغْتَ مِنَ الدُّنْيَا بِمَا يَقُوتُكَ! فَيَقُولُ: يَا عَائِشَةُ، مَا لِي وَلِلدُّنْيَا! إخْوَانِي مِنْ أُولي الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ صَبَرُوا على مَا هُوَ أَشَدُّ مِنْ هذا، فَمَضَوْا على حَالِهِمْ، فَقَدِمُوا على رَبِّهِمْ فَأَكْرَمَ مَآبَهُمْ، وَأَجْزَلَ ثَوَابَهُمْ، فَأَجِدُنِي أَسْتَحِيي إنْ تَرَفَّهْتُ فِي مَعِيشَتِي/ أنْ يُقَصِّرَ بِي غَدًا دُونَهُمْ، وَمَا مِنْ شَيْءٍ هُوَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنَ اللُّحُوقِ بإخْوَانِي وأَخِلاَّئِي، قَالَتْ: فَمَا أَقَامَ بَعْدُ إلاَّ أَشْهُرًا حتى تُوُفِّيَ- صلواتُ اللَّهُ وسَلاَمُهُ عليه-» انتهى، وباقي الآية دَلالة على التوحيد واضحة، والنَّشْأَةَ الْأُخْرى: هي إعادة الأجسام إلى الحشر بعد البِلَى، وأَقْنى معناه: أَكْسَبَ ما يُقْتَنَى تقول: قنيت المالَ، أي: كسبْته، وقال ابن عباس: أَقْنى: قنَّع «٢»، قال ع «٣»: والقناعة خير قُنْيَةٍ، والغِنَى عرض زائل، فلله درّ ابن عبّاس! والشِّعْرى: نجم في السماء، قال مجاهد وابن زيد «٤»: هو مرزم الجَوْزاء، وهما شِعْرَيَانِ: إحداهما الغُمَيْصَاءُ، والأُخرى العَبُور لأَنَّها عَبَرَتِ المجرَّةَ، وكانت خُزَاعَةُ مِمَّنْ يَعْبُدُ هذه الشعْرَى العَبُورَ، ومعنى الآية: وَأَنَّ اللَّه سبحانه رَبُّ هذا المعبودِ الذي لكم وعادًا الْأُولى: اختلف في معنى وصفها بالأُولى، فقال الجمهور:\nسُمِّيتْ «أولى» بالإضافة إلى الأمم المتأخِرة عنها، وقال الطبريُّ «٥» وغيره: سُمِّيتْ أولى لأَنَّ ثَمَّ عادًا آخرةً، وهي قبيلة كانت بمكَّةَ مع العماليق، وهم بنو لقيم بن هزال، والله\n_________\n(١) أخرجه مسلم في «صحيحه» (٤/ ٢٨٨٢)، كتاب «الزهد والرقائق» باب: (٢٥/ ٢٩٧١)، بهذا اللفظ.\n(٢) ذكره ابن عطية (٥/ ٢٠٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ١٧١)، وعزاه للفريابي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. [.....]\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٢٠٨) .\n(٤) أخرجه الطبري (١١/ ٥٣٧) عن مجاهد برقم: (٣٢٦٣٧) وعن ابن زيد برقم: (٣٢٦٤٠)، وذكره ابن عطية (٥/ ٢٠٨)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٢٥٩)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ١٧٢)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وأبي الشيخ.\n(٥) ينظر: «تفسير الطبري» (١١/ ٥٣٧) .","vol":"5","page":332},{"text":"أعلم، وقرأ الجمهور «١»: «وَثَمُودَا» بالنصب عطفًا على «عادًا» «وقومَ نوحٍ» عطفًا على «ثمود» .\nوقوله: مِنْ قَبْلُ لأَنَّهم كانوا أَوَّلَ أُمَّة كَذَّبت من أهل الأرض، والْمُؤْتَفِكَةَ:\nقرية قومِ لوطٍ أَهْوى أي: طرحها من هواء عالٍ إلى سفل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1398>[سورة النجم (٥٣): الآيات ٥٥ الى ٥٨]</span>\nفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى (٥٥) هذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى (٥٦) أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧) لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ (٥٨)\nوقوله سبحانه: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى مخاطبة للإنسان الكافر كأَنَّه قيل له: هذا هو اللَّه الذي له هذه الأفعال، وهو خالِقُكَ المُنْعِمُ عليكَ بكُلِّ النِّعَمِ، ففي أَيّها تشك وتتمارى؟! معناه: تتشكك، وقال مالك الغفاريُّ: إنَّ قوله: أَلَّا تَزِرُ إلى قوله:\nتَتَمارى هو في صحف إِبراهيم وموسى.\nوقوله سبحانه: هذا نَذِيرٌ يحتمل أَنْ يشير إلى نبيّنا محمّد ﷺ، وهو قول قتادة وغيره «٢»، وهذا هو الأشبه، ويحتمل أنْ يشير إلى القرآن، وهو تأويل قوم، ونَذِيرٌ يحتمل أَنْ يكونَ بناء اسم فاعل، ويحتمل أَنْ يكون مصدرًا، ونُذُر جمع نذير.\nوقوله تعالى: أَزِفَتِ الْآزِفَةُ معناه: قربت القريبة، والآزفة: عبارة عن القيامة بإجماعٍ من المفسرين، وأَزِفَ معناه قَرُبَ جدًّا قال كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ: [البسيط]\nبَانَ الشَّبَابُ وَآهَا الشَّيْب قَدْ أَزِفَا ... ولا أرى لشباب ذاهب خلفا «٣»،\nوكاشِفَةٌ يحتمل أَنْ تكون صفة لمؤنث التقدير: حال كاشفة ونحو هذا التقدير، ويحتمل أَنْ تكونَ بمعنى: كاشف قال الطبريُّ «٤» والزَّجَّاج: هو من كشف السّرّ، أي:\n_________\n(١) وقرأها غير مصروفة حمزة، وعاصم، والحسن وعصمة.\nينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٢٠٨)، و«البحر المحيط» (٨/ ١٦٦)، و«معاني القراءات» (٣/ ٤٠)، و«العنوان» (١٨٢)، و«حجة القراءات» (٦٨٨)، و«إتحاف فضلاء البشر» (٢/ ٥٠٣) .\n(٢) أخرجه الطبري (١١/ ٥٤٠) برقم: (٣٢٦٥٦)، وذكره البغوي (٤/ ٢٥٦)، وذكره ابن عطية (٥/ ٢٠٩)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ١٧٢)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن المنذر.\n(٣) وبعده:\nعاد السواد بياضا في مفارقه ... لا مرحبا ها بذا اللون الذي ردفا\nينظر: «ديوانه» (٧٠)، «المحرر الوجيز» (٥/ ٢١٠) .\n(٤) ينظر: «تفسير الطبري» (١١/ ٥٤١) .","vol":"5","page":333},{"text":"ليس من دون الله من يكشف وَقْتَهَا ويعلمه، وقال منذر بن سعيد «١»: هو من كشف الضُّرّ ودفعه، أي: ليس مَنْ يكشف خطبها وهولها إلّا الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1399>[سورة النجم (٥٣): الآيات ٥٩ الى ٦٢]</span>\nأَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ (٦٠) وَأَنْتُمْ سامِدُونَ (٦١) فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (٦٢)\nوقوله سبحانه: أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ ... الآية، روى سعد بن أَبي وَقَّاص أنَّ رسول الله ﷺ قال: «إِنَّ هذا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ بِخَوْفٍ، فَإذَا قَرَأْتُمُوهُ فَابْكُوا، فَإِنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَبَاكَوا» ذكره الثعلبيّ، وأخرج الترمذي والنسائيّ عن النبي ﷺ أَنَّه قَالَ: «لاَ يَلِجُ النَّارَ مَنْ بكى مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، حتى يَعُودَ اللَّبَنُ في الضَّرْعِ، وَلاَ يَجْتَمِعُ غُبَارٌ في سَبِيلِ اللَّهِ وَدُخَانُ جَهَنَّمَ في مَنْخِرٍ أبَدًا» قال النسائيُّ: ويروى: «في جَوْفٍ أبَدًا»: «وَلاَ يَجْتَمِعُ الشُّحُّ وَالإيمَانُ في قَلْبٍ أَبَدًا» «٢» قال الترمذي: وقال النبي ﷺ: «عَيْنَانِ لاَ تَمَسُّهُمَا النَّارُ: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ في سَبِيلِ اللَّهِ» «٣» انتهى من «مصابيح/ البَغَوِيِّ» . قال أبو عمر بن عبد البر: رُوِيَ عنِ النبي ﷺ أَنَّه قال: «إيَّاكُمْ وَكَثْرَةَ الضَّحِكِ فَإنَّهُ يُمِيتُ الْقَلْبَ، وَيَذْهَبُ بِنُورِ الْوَجْهِ» «٤» انتهى من «بهجة المجالس»، وروى الترمذيُّ عن أبي هريرة قال:\nقَالَ رسول الله ﷺ: «مَنْ يَأْخُذُ عَنِّي هؤلاء الكَلِمَاتِ فَيَعْمَلَ بِهِنَّ، أو يعلّم من يعمل بهنّ؟\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٥/ ٢٠٩) .\n(٢) أخرجه النسائي (٦/ ١٢)، كتاب «الجهاد» باب: فضل من عمل في سبيل الله على قدمه (٣١٠٨)، و«الكبرى» (٣/ ٩) كتاب «الجهاد» باب: فضل من عمل في سبيل الله على قدميه (٤٣١٦/ ٣)، والترمذي (٤/ ١٧١)، كتاب فضائل «الجهاد» باب: ما جاء في فضل الغبار في سبيل الله (١٦٣٣)، وأحمد (٢/ ٥٠٥)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (١/ ٤٩٠) (٨٠٠)، والحاكم (٤/ ٦٥) .\nقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.\nقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي.\n(٣) أخرجه الترمذي (٤/ ١٧٥)، كتاب «فضائل الجهاد» باب: ما جاء في فضل الحرس في سبيل الله (١٦٣٩) .\nقال الترمذي: حديث حسنٌ غريبٌ، لا نعرفه إِلا من حديث شعيب بن رزيق.\n(٤) أخرجه الترمذي (٥/ ٥٥١)، كتاب «الزهد» باب: من اتقى المحارم فهو أعبد الناس (٢٣٠٥) عن أبي هريرة نحوه.\nقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث جعفر بن سليمان، والحسن، ولم يسمع من أبي هريرة شيئا اهـ.\nوأخرجه ابن ماجه (٢/ ١٤٠٣)، كتاب «الزهد» باب: الحزن والبكاء (٤١٩٣)، و(٢/ ١٤١٠)، كتاب «الزهد» باب: الورع والتقوى (٤٢١٧)، نحوه من طريق آخر عن أبي هريرة.","vol":"5","page":334},{"text":"فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَقُلْتُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَخَذَ بِيَدِي، فَعَدَّ خَمْسًَا، وَقَالَ: اتَّقِ الْمَحَارِمَ، تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ، وارض بِمَا قَسَّمَ اللَّهُ لَكَ، تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ، وَأَحْسِنْ إلى جَارِكَ، تَكُنْ مُؤْمِنًا، وَأَحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ، تَكُنْ مُسْلِمًا، وَلاَ تُكْثِرِ الضَّحِكَ فَإنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ يُمِيتُ الْقَلْبَ» «١» انتهى، والسامد: اللاعب اللاهي، وبهذا فسَّرَ ابن عباس وغيره من المفسرين «٢»، وسمد بلغة حمير: غَنِيَ، وهو كُلُّه معنى قريب بعضُه من بعض، ثم أمر تعالى بالسجود له والعبادة تخويفا وتحذيرا، وهاهنا سجدةٌ في قول كثير من العلماء، ووردت بها أحاديثُ صحاح، ولم يَرَ مالك بالسجود هنا، وقال زيد بن ثابت: إنَّهُ قَرَأ بها عند النبيّ ﷺ فَلَمْ يَسْجُدْ «٣» . قال ابن العربيِّ في «أحكامه» «٤»: وكان مالكٌ يَسْجُدُهَا في خاصَّة نَفْسِهِ، انتهى.\n_________\n(١) انظر السابق.\n(٢) أخرجه الطبري (١١/ ٥٤٢) برقم: (٣٢٦٦٤)، وذكره البغوي (٤/ ٢٥٧)، وابن عطية (٥/ ٢١٠) .\n(٣) أخرجه النسائي (٢/ ١٦٠)، كتاب «الافتتاح» باب: ترك السجود في «النجم» (٩٦٠)، وأبو داود (١/ ٤٤٦)، كتاب «الصلاة» باب: من لم ير السجود في «المفصل» (١٤٠٣) . [.....]\n(٤) ينظر: «أحكام القرآن» (٤/ ١٧٣٥) .","vol":"5","page":335},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1400>تفسير سورة «القمر»</span>\nوهي مكّيّة بإجماع إلّا آية واحدة، قوله: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ ... الآية. ففيها خلاف، والجمهور أنّها أيضا مكية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1401>[سورة القمر (٥٤): الآيات ١ الى ٨]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nاقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ (٣) وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤)\nحِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ (٥) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ (٦) خُشَّعًا أَبْصارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ (٧) مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨)\nقوله سبحانه: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ معناه: قربت الساعة، وهي القيامة، وأمرها مجهول التحديد، وكل ما يُرْوَى في عمر الدنيا من التحديد فضعيف.\nوقوله: وَانْشَقَّ الْقَمَرُ إخبار عمَّا وقع وذلك أَنَّ قريشًا سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ/ آيةً فَأَرَاهُمُ اللَّهُ انشقاق الْقَمَرِ، فَرَآهُ النَّبِيُّ ﷺ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالكُفَّارِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اشهدوا «١» .\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٧/ ٢٢١)، كتاب «مناقب الأنصار» باب: انشقاق القمر (٣٨٦٩، ٣٨٧١)، (٨/ ٤٨٣- ٤٨٤)، كتاب «التفسير» باب: وَانْشَقَّ الْقَمَرُ وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا (٤٨٨٤- ٤٨٨٥)، ومسلم (٤/ ٢١٥٨)، كتاب «صفات المنافقين» باب: انشقاق القمر (٤٣، ٤٥/ ٢٨٠٠)، وأحمد (٣/ ٢٧٥) مثله، ونحوه عن ابن مسعود ﵁.\nوفي الباب عن أنس بن مالك ﵁ نحوه، أخرجه البخاري (٧/ ٢٢١)، كتاب «مناقب الأنصار» باب: انشقاق القمر (٣٨٦٨)، (٨/ ٤٨٤) كتاب «التفسير» باب: وَانْشَقَّ الْقَمَرُ وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا (٤٨٦٧- ٤٨٦٨) .\nومسلم (٤/ ٢١٥٩) كتاب: صفات المنافقين وأحكامهم باب: انشقاق القمر (٤٦- ٤٧/ ٢٨٠٢) .\nوفي «الصحيحين» نحوه عن عبد الله بن عبّاس: أخرجه البخاري (٨/ ٤٨٤)، كتاب «التفسير» باب:\nوَانْشَقَّ الْقَمَرُ وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا (٤٨٦٦)، ومسلم (٤/ ٢١٥٩)، كتاب «صفات المنافقين وأحكامهم» باب: وانشقاق القمر (٤٨/ ٢٨٠٣) .","vol":"5","page":336},{"text":"وقوله: وَإِنْ يَرَوْا: جاء اللفظ مستقبلًا، لينتظمَ ما مضى وما يأتي، فهو إخبار بأنَّ حالهم هكذا.\nوقوله: مُسْتَمِرٌّ: قال الزَّجَّاجُ: قيل معناه: دائم متمادٍ، وقال قتادة وغيره «١»:\nمعناه: مارٌّ ذاهب عن قريب يزول، ثم قال سبحانه على جهة جزم الخبر: وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ كأَنَّه يقول: وكل شيء إِلى غاية عنده سبحانه، ومُزْدَجَرٌ معناه: موضع زجر.\nوقوله: فَما تُغْنِ النُّذُرُ: يحتمل أنْ تكون «ما» نافية، ويحتمل أنْ تكون استفهاميَّة.\nثم سَلَّى سبحانه نِبِيَّه ع بقوله: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ أي: لا تذهب نفسك عليهم حسراتٍ، وتَمَّ القولُ في قوله: عَنْهُمْ ثم ابتدأ وعيدَهم بقوله: يَوْمَ والعامل في [يَوْمَ] قوله يَخْرُجُونَ وقال الرُّمَّانِيُّ: المعنى: فتولّ عنهم، واذكر يوم «٢»، وقال الحسن: المعنى: فتَولَّ عنهم إلى يوم «٣» .\nوقرأ الجمهور «٤»: «نُكُرِ» - بضم الكاف- قال الخليل: النُكُر: نعت للأمر الشديد والرجل الداهية، وخَصَّ الأبصارَ بالخشوع، لأَنَّهُ فيها أظهرُ منه في سائر الجوارح، وكذلك سائر ما في نفس الإنسان من حياء أَو صلف أو خوف ونحوه إنّما يظهر في الأبصار، والْأَجْداثِ: جمع جَدَثٍ وهو القبر، وشَبَّهَهُمْ سبحانه بالجراد المنتشر، وقد شبههم سبحانه في آية أخرى بالفراش المبثوث، وفيهم من كل هذا شَبَهٌ، وذهب بعض المفسرين إلى أَنَّهم أَوَّلًا كالفراش حين يَمُوجُ بعضُهم في بعض ثم في رتبة أُخرى كالجراد إذا توجَّهُوا نحو المَحْشَرِ والداعي، والمُهْطِعُ: المُسْرِعُ في مشيه نحو الشيء مع هَزٍّ ورَهَقٍ ومَدِّ بَصَرٍ نحو المَقْصِدِ، إِمَّا لخوف، / أو طمع ونحوه قال أبو حيان «٥»: مُهْطِعِينَ أي:\nمسرعين، وقيل: فاتحين آذانهم للصوت، انتهى.\nويَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ لما يرون من مخايل هوله وعلامات مشقته.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١١/ ٥٤٨) برقم: (٣٢٧٢٢)، وذكره البغوي (٤/ ٤٥٨)، وابن عطية (٥/ ٢١٢)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٢٦٣) .\n(٢) ذكره ابن عطية (٥/ ٢١٢) .\n(٣) ذكره ابن عطية (٥/ ٢١٢) .\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٢١٢)، و«البحر المحيط» (٨/ ١٧٣)، و«الدر المصون» (٦/ ٢٢٢) .\n(٥) ينظر: «البحر المحيط» (٨/ ١٧٤) .","vol":"5","page":337},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1402>[سورة القمر (٥٤): الآيات ٩ الى ١٥]</span>\nكَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وَقالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (٩) فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠) فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ (١٣)\nتَجْرِي بِأَعْيُنِنا جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ (١٤) وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٥)\nوقوله سبحانه: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ ... الآية: وعيدٌ لقريشٍ، وضَرْبُ مَثَلٍ لهم.\nوقوله: وَازْدُجِرَ: إخبار من الله ﷿ أنّهم زجروا نوحا ع بالسَّبِّ والنَّجْهِ «١» والتخويف، قاله ابن زيد «٢» .\nوقوله: فَانْتَصِرْ أي: فانتصر لي منهم بأن تهلِكَهُمْ.\nوقوله: فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ قال الجمهور: هذا مجاز وتشبيه لأَنَّ المطر كأَنَّه من أبواب، وهذا مبدأ الانتصار من الكفار، والمُنْهَمِرُ: الشديد الوقوع الغزِيرُ، وقرأ الجمهور «٣»: فَالْتَقَى الْماءُ يعني: ماءَ السماء وماءَ العيون.\nوقوله سبحانه: عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ أي: قد قُضِيَ وَقُدِّرَ في الأزل، وذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ: هي السفينة، والدَّسُرُ: المسامير، واحدها: دِسار وهذا هو قول الجمهور، وقال مجاهد «٤»: الدُّسُرُ: أضلاع السفينة، قال العراقيُّ: والدِّسَار أيضًا: ما تُشَدُّ به السفينة، انتهى.\nوقوله تعالى: تَجْرِي بِأَعْيُنِنا معناه: بحفظنا وتحتَ نظرٍ مِنَّا، قال البخاريّ: قال قتادة: أبقى الله ﷿ سفينةَ نوح حتَّى أدركها أَوائِلُ هذه الأُمَّةِ، انتهى، وقرأ جمهور «٥» الناس: جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ مبنيًّا للمفعول، قال مكيُّ: قيل: «مَنْ» يرادُ بها نوحٌ والمؤمنون لأنَّهم كُفِروا من حيثُ كُفِرَ بهم، فجزاهم اللَّه بالنجاة، وقُرِىء شاذّا: «كفر»\n_________\n(١) النّجه: استقبالك الرجل بما يكره، وردك إياه عن حاجته، وقيل: هو أقبح الرد.\nينظر: «لسان العرب» (٤٣٥٩) .\n(٢) أخرجه الطبري (١١/ ٥٥١) برقم: (٣٢٧٤٠)، وذكره ابن عطية (٥/ ٢١٤)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٢٦٣) .\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٢١٤)، و«البحر المحيط» (٨/ ١٧٥)، و«الدر المصون» (٦/ ٢٢٦) .\n(٤) أخرجه الطبري (١١/ ٥٥٣) برقم: (٣٢٧٥٦)، وذكره ابن عطية (٥/ ٢١٤)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٢٦٤) .\n(٥) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٢١٥)، و«البحر المحيط» (٨/ ١٧٦)، و«الدر المصون» (٦/ ٢٢٧) .","vol":"5","page":338},{"text":"مبنيًّا للفاعل، والضمير في تَرَكْناها قالَ مَكِّيّ: هو عائد على هذه الفِعْلَةِ والقِصَّةِ، وقال قتادة وغيره «١»: هو عائد على السفينة، / ومُدَّكِرٍ أصله: مذتكر أبدلوا من التَّاءِ دالًا، ثم أدغموا الذَّالَ في الدَّالِ، وهذه قراءة الناس، قال أبو حاتم: ورويت عن النبي ﷺ بإسناد صحيح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1403>[سورة القمر (٥٤): الآيات ١٦ الى ١٩]</span>\nفَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (١٦) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧) كَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (١٨) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (١٩)\nوقوله تعالى: فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ: توقيف لكفار قريش، والنذر: هنا جمع نذير، وهو المصدر، والمعنى: كيف كان عاقبةُ إنذاري لمن لم يحفل به كأنتم أيّها القوم؟\nويَسَّرْنَا الْقُرْآنَ أي: سَهَّلْناه وقَرَّبْناه، والذِّكْرُ: الحفظ عن ظهر قلب قال ع «٢»:\nيُسِّرَ بما فيه من حُسْنِ النظم وشَرَفِ المعاني، فله حلاوةٌ في القلوب، وامتزاجٌ بالعقول السليمة.\nوقوله: فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ: استدعاءٌ وحَضٌّ على ذكرِهِ وحفظِهِ لتكونَ زواجرُهُ وعلومُهُ حاضرةً في النفس، فللَّه دُرُّ مَنْ قبِل وهدي.\nت: وقال الثعلبيُّ: فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ أي: من مُتَّعظ.\nوقوله: فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ الآية: ورد في بعض الأحاديث في تفسير هذه الآية: يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ: يوم الأربعاء، ومستمر معناه: متتابع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1404>[سورة القمر (٥٤): الآيات ٢٠ الى ٤١]</span>\nتَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (٢١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٢٢) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (٢٣) فَقالُوا أَبَشَرًا مِنَّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ (٢٤)\nأَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (٢٥) سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (٢٦) إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (٢٧) وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (٢٨) فَنادَوْا صاحِبَهُمْ فَتَعاطى فَعَقَرَ (٢٩)\nفَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (٣٠) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (٣١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٣٢) كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (٣٣) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِبًا إِلاَّ آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ (٣٤)\nنِعْمَةً مِنْ عِنْدِنا كَذلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (٣٥) وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ (٣٦) وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ (٣٧) وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ (٣٨) فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ (٣٩)\nوَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٤٠) وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (٤١)\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١١/ ٥٥٤) برقم: (٣٢٧٦١)، وذكره البغوي (٤/ ٢٦١)، وابن عطية (٥/ ٢١٤)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٢٦٤)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ١٨٠)، وعزاه لعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر.\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٢١٥) . [.....]","vol":"5","page":339},{"text":"وقوله: تَنْزِعُ النَّاسَ معناه: تقلعهم من مواضعهم قَلْعًا فتطرحهم، ورُوِيَ عن مجاهد أَنَّ الريحَ كانت تُلْقِي الرجلَ على رأسه فيتفتت رأسُهُ وعُنُقُهُ، وما يلي ذلك من بدنه «١»، قال ع «٢»: فلذلك حسن التشبيه بأعجاز النخل وذلك أَنَّ المنقلع هو الذي ينقلع من قعره، وقال قوم: إنَّما شَبَّههم بأعجاز النخل لأَنَّهُمْ كانوا يحتفرون حفرًا ليمتنعوا فيها من الريح، فكأَنَّه شَبَّهَ تلك الحُفَرَ بعد النزع بحفر أعجاز النخل، والنَّخْلُ: تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ، وفائدة تكرار قوله: فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ التخويفُ وَهَزُّ النفوسِ، وهذا موجود في تَكْرَارِ الكلام كقوله ﷺ: «أَلاَ هَلْ/ بَلَّغْتُ، أَلاَ هَلْ بَلَّغْتُ، أَلاَ هَلْ بَلَّغْتُ» «٣» ونحوه، و[قول] ثمود لصالح: أَبَشَرًا مِنَّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ: هو حسد منهم، واستبعادٌ منهم أنْ يكونَ نوعَ البشر يفضل هذا التفضيلَ، ولم يعلموا إِنَّ الفضلَ بِيَدِ اللَّه يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء، ويفيض نورَ الهدى على مَنْ رَضيَهُ، وقولهم: إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلالٍ أي: في ذهاب وانتلاف عن الصواب، وَسُعُرٍ معناه: في احتراق أنفس واستعارها حنقًا، وقيل: في جنون يقال: ناقة مسعورة إذا كانت خفيفةَ الرأس هائمةً على وجهها، والأَشَرُ: البَطَرُ، وقرأ الجمهور «٤»: سَيَعْلَمُونَ بالياء، وقرأ حمزة وحفص: «سَتَعْلَمُونَ» بالتاء من فوق على معنى: قل لهم يا صالح.\nثم أمر اللَّه صالحا بارتقاب الفرج والصبر.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١١/ ٥٥٩) برقم: (٣٢٧٨٦)، وذكره ابن عطية (٥/ ٢١٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ١٨٢)، وعزاه لسعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر.\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٢١٦) .\n(٣) تقدم تخريجه.\n(٤) وقراءة الجمهور هي قراءة علي بن أبي طالب، وقرأ بالتاء من فوق ابن عامر وحمزة، وابن وثاب، وطلحة، والأعمش.\nوأما حفص فقرأ بقراءة الجمهور، وليس كما ذكر المصنف متابعة لابن عطية، وإنما قراءته بالتاء من طريق هبيرة عن حفص.\nينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٢١٧)، و«الحجة» (٦/ ٢٤٣)، و«معاني القراءات» (٣/ ٤٣)، و«شرح الطيبة» (٦/ ٢٧)، و«حجة القراءات» (٦٨٩)، و«العنوان» (١٨٣)، و«شرح شعلة» (٥٩٢)، و«إتحاف» (٢/ ٥٠٧)، و«التخريجات النحوية» (٢٥٨) .","vol":"5","page":340},{"text":"ت: وقال الثعلبيُّ: فَارْتَقِبْهُمْ أي: انتظرهم ما يصنعون، وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ وبين الناقة، لها شِرْبٌ ولهم شِرْبٌ يوم معلوم، ومُحْتَضَرٌ: معناه:\nمحضور مشهود متواسى فيه، وقال مجاهد «١»: كُلُّ شِرْبٍ أي: من الماء يومًا ومن لبن الناقة يومًا محتضر لهم، فكأَنَّه أنبأهم بنعمة الله سبحانه عليهم في ذلك، وصاحِبَهُمْ:\nهو قدار بن سالف، وفَتَعاطى مطاوع «عاطى» فكأَنَّ هذه الفعلة تدافعها الناس، وأعطاها بعضُهم بعضًا فتعاطاها هو، وتناول العَقْرَ بيده قاله ابن عباس «٢»، وقد تقدم قَصَصُ القوم، و«الهشيم»: ما تفتَّت وتَهَشَّمَ من الأشياء، والْمُحْتَظِرِ: معناه: الذي يصنع حظيرة، قاله ابن زيد وغيره «٣»، وهي مأخوذة من الحَظَرِ وهو المنع، والعرب وأهلُ البوادي يصنعونها للمواشي وللسُّكْنَى/ أيضًا من الأَغصان والشجر المُورِقِ، والقصب، ونحوه، وهذا كُلُّه هشيمٌ يتفتت، إمَّا في أَوَّل الصنعة، وإمَّا عند بِلى الحظيرة وتساقُطِ أجزائها، وقد تقدم قَصَصُ قوم لوط، والحاصب: مأخوذ من الحصباء.\nوقوله: فَتَمارَوْا معناه: تشككوا، وأهدى بعضُهم الشكّ إلى بعض بتعاطيهم الشبه والضلال، والنذر: جمع نذير، وهو المصدر، ويحتمل أَنْ يُرَادَ بالنذر هنا وفي قوله:\nكَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ- جمع نذير، الذي هو اسم فاعل.\nوقوله سبحانه: فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ قال قتادة «٤»: هي حقيقةً جَرَّ جبريل شيئًا من جناحه على أعينهم فاستوت مع وجوههم، قال أبو عُبَيْدَةَ: مطموسة بجلدة كالوجه، وقال ابن عباس والضَّحَّاك «٥»: هذه استعارة وإنَّما حجب إدراكهم فدخلوا المنزل ولم يروا شيئًا فجعل ذلك كالطمس.\nوقوله: بُكْرَةً قيل: عند طلوع الفجر.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١١/ ٥٦١) برقم: (٣٢٧٩١)، وذكره البغوي (٤/ ٢٦٢)، وابن عطية (٥/ ٢١٨)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٢٦٥)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ١٨٢)، وعزاه للفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير.\n(٢) أخرجه الطبري (١١/ ٥٦١) برقم: (٣٢٧٩٣)، وذكره ابن عطية (٥/ ٢١٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ١٨٢)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٣) أخرجه الطبري (١١/ ٥٦٢) برقم: (٣٢٨٠٠) عن الضحاك، وذكره ابن عطية (٥/ ٢١٨) .\n(٤) أخرجه الطبري (١١/ ٥٦٤) برقم: (٣٢٨٠٦)، وذكره ابن عطية (٥/ ٢١٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ١٨٣)، وعزاه لعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر.\n(٥) أخرجه الطبري (١١/ ٥٦٤): (٣٢٨٠٥) عن ابن عبّاس، وعن الضحاك برقم: (٣٢٨٠٨)، وذكره البغوي (٤/ ٢٦٣) عن الضحاك، وابن عطية (٥/ ٢١٨) .","vol":"5","page":341},{"text":"وقوله: فَذُوقُوا: يحتمل أنْ يكون من قول اللَّه تعالى لهم، ويحتمل أَنْ يكونَ من قول الملائكة، وَنُذُرِي: جمع المصدر، أي: وعاقبة إنذاري، ومُسْتَقِرٌّ أي: دائم استقر فيهم حَتَّى يُفْضِيَ بهم إلى عذاب الآخرة، وآلَ فِرْعَوْنَ: قومه وأتباعه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1405>[سورة القمر (٥٤): الآيات ٤٢ الى ٤٨]</span>\nكَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ (٤٢) أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ (٤٣) أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (٤٤) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ (٤٦)\nإِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ (٤٧) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨)\nوقوله: كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها يحتمل أنْ يريد آل فرعونَ، ويحتمل أن يكون قوله:\nوَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ [القمر: ٤١]- كلامًا تامًّا-، ثم يكون قوله: كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها يعود على جميع من ذُكِرَ من الأمم.\nوقوله تعالى: أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ خطاب لقريش على جهة التوبيخ.\nوقوله: أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ أي: من العذاب فِي الزُّبُرِ أي: في كتب اللَّه المُنَزَّلَةِ قاله ابن زيد وغيره «١» .\nثم قال تعالى لنبيِّنا محمد ﷺ: أَمْ يَقُولُونَ/ نَحْنُ: واثقون بجماعتنا، منتصرون بقوَّتِنا على جهة الإعجاب سَيُهْزَمُونَ، فلا ينفع جمعُهم، وهذه عِدَةٌ من اللَّه تعالى لرسوله أَنَّ جَمْعَ قريشٍ سَيُهْزَمُ، فكان كما وعد سبحانه قال عمر بن الخطاب﵁-:\nكنت أقول في نفسي: أَيُّ جَمْعٍ يُهْزَمُ؟! فَلَمَّا كان يومُ بدرٍ رأيتُ رسولَ اللَّه ﷺ يثب في الدرع، وهو يقول: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ «٢» والجمهور على أَنَّ الآية نزلت بِمَكَّةَ، وقول مَنْ زعم أَنَّها نزلت يومَ بدر ضعيف، والصواب أَنَّ الوعد نُجِّزَ يوم بدر، قال أبو حيان «٣»: وَيُوَلُّونَ: الجمهور بياء الغيبة، وعن أبي عمرو بتاء الخطاب، والدُّبُرُ: هنا اسم جنس، وحسن إفرادَهُ كونُهُ فاصلةً، وقد جاء مجموعًا في آية أُخرى، وهو الأصل، انتهى.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١١/ ٥٦٧) برقم: (٣٢٨٢١)، وابن عطية (٥/ ٢٢٠) .\n(٢) أخرجه الطبري (١١/ ٥٦٧) برقم: (٣٢٨٢٣)، وذكره البغوي (٤/ ٢٣٨)، وابن عطية (٥/ ٢٢٠)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٢٦٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ١٨٤)، وعزاه لابن أبي حاتم، والطبراني في «الأوسط»، وابن مردويه.\n(٣) ينظر: «البحر المحيط» (٨/ ١٨١) .","vol":"5","page":342},{"text":"ثم أضرب سبحانه تهميمًا بأمر الساعة التي هي أَشَدُّ عليهم من كُلِّ هزيمة وقَتْلٍ، فقال: بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وأَدْهى: أفعل من الداهية، وهي الرَّزِيَّةُ العُظْمَى تنزل بالمرء، وَأَمَرُّ من المرارة.\nت: وقال الثعلبيُّ: الداهية الأَمَرُّ: الشديد الذي لا يُهْتَدَى للخلاص منه، انتهى.\nثم أخبر تعالى عن المجرمين أَنَّهم في الدنيا في حيرة وانتلاف، وفقد هدى، وفي الآخرة في احتراق وتسعُّر، وقال ابن عباس «١»: المعنى: في خسران وجُنُونٍ، والسُّعُرُ:\nالجنون، وأكثر المفسرين على أَنَّ المجرمين هنا يراد بهم الكفّار، والسّحب: الجرّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1406>[سورة القمر (٥٤): الآيات ٤٩ الى ٥٥]</span>\nإِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ (٤٩) وَما أَمْرُنا إِلاَّ واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠) وَلَقَدْ أَهْلَكْنا أَشْياعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٥١) وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (٥٣)\nإِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)\nوقوله سبحانه: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ قرأ جمهور الناس: كُلَّ بالنصب، وقالوا: المعنى: إنَّا خلقنا كُلَّ شيء بقدر سابق، وليست خلقنا في موضع الصفة لشيء، / وهذا مذهب أهل السُّنَّةِ وهذا المعنى يقتضى أَنَّ كُلَّ شيء مخلوق إلاَّ ما قام عليه الدليل أَنَّه ليس بمخلوق كالقرآن والصفات.\nت: قال الثعلبيُّ: قال ابن عباس «٢»: خَلَقَ اللَّه الخَلْقَ كُلَّهم بقدر، وَخَلَقَ الخيرَ والشَّرَّ، فخيرُ الخير: السعادةُ، وَشَرُّ الشَّرِّ: الشقاوة.\nوقوله سبحانه: وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ قال ع «٣»: أي: إلاَّ قولة واحدة، وهي «كن» .\nت: قوله: إلاَّ قوله فيه قَلَقٌ ما، وكأَنَّه فَهِمَ أَنَّ معنى الآية راجع إلى قوله تعالى: إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [النحل: ٤٠] وعبارة الثعلبيِّ:\nأي: وما أمر الساعة إلاَّ واحدة، أي: إلاَّ رجفة واحدة، قال أبو عبيد: هي نعت للمعنى\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٥/ ٢٢١) .\n(٢) أخرجه الطبري (١١/ ٥٦٩) برقم: (٣٢٨٤٢)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ١٨٥)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر. [.....]\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٢٢١) .","vol":"5","page":343},{"text":"دون اللفظ، مجازه: وما أمرنا إلاَّ مرة واحدة كن فيكون كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ، أي: كخطف بالبصر، فقيل له: إنَّه يعني الساعةَ، فقال: الساعة وجميع ما يريد، انتهى، وكلام أبي عبيد عندي حَسَنٌ.\nوالأشياع: الفِرَقُ المتشابهة في مذهب، أو دين، ونحوهِ، الأَوَّلُ شيعةٌ للآخر، والآخرُ شيعة للأَوَّلِ، وكُلُّ شيء فعلته الأُمَم المُهْلَكَةُ في الزبر، أي: مكتوب محفوظ عليهم إلى يوم الحساب قاله ابن عباس وغيره «١»، ومُسْتَطَرٌ أي: مسطّر، وقرأ الجمهور «٢»:\nونَهَرٍ- بفتح النون والهاء- على أَنَّه اسم الجنس يريد به الأنهار، أو على أَنَّه بمعنى:\nوَسَعَةٍ في الأرزاق والمنازل، قال أبو حيان «٣»: وقرأ الأعمش «وَنُهُرٍ» - بضم النون والهاء- جمع نَهْرٍ ك «رَهُنٍ» وَ«رَهْنٍ» انتهى.\nوقوله تعالى: فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ يحتمل أنْ يريدَ به الصّدقَ الذي هو ضِدُّ الكَذِبِ، أي: المقعد الذي صدقوا في الخبر به، ويحتمل أنْ يكون من قولك: عود صدق، أي:\nجيد، وَرَجُلٌ/ صِدْقٌ، أي: خير، والمليك المقتدر: اللَّه تعالى.\nت: وقال الثعلبيُّ: فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ أي: في مجلس حَقٍّ لا لَغْوَ فيه ولا تأثيمَ، وهو الجنة عند مليك مقتدر، وعِنْدَ: إشارة إلى القربة والرُّتْبَةِ، انتهى.\n- ص-: قال أبو البقاء: فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ: بدل من قوله: فِي جَنَّاتٍ انتهى، قال المُحَاسِبِيُّ: وإذا أخذ أهلُ الجنة مجالسَهم، واطمأنوا في مقعد الصدق الذي وعده اللَّه لهم، فهم في القُرْبِ من مولاهم سبحانه على قدر منازلهم عنده، انتهى من كتاب «التَّوَهُّمِ» ثم قال المُحَاسِبيُّ بإثْرِ هذا الكلام: فلو رأيتهم، وقد سمعوا كلامَ ربهم، وقد داخل قلوبَهم السرورُ، وقد بلغوا غايةَ الكرامة ومنتهى الرضا والغِبْطَةِ، فما ظَنُّك بنظرهم إلى العزيز العظيم الجليل الذي لا تقع عليه الأوهام ولا تحيطُ به الأفهام، ولا تحده الفِطَنُ، ولا تكيِّفه الفِكَرُ، الأَزَلِيُّ القديم، الذي حارت العقول عن إدراكه، وكَلَّتِ الألسن عن كُنْهِ صفاته؟! انتهى.\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٥/ ٢٢٢)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ١٨٦)، وعزاه لابن المنذر.\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٢٢٢)، و«البحر المحيط» (٨/ ١٨٢)، و«الدر المصون» (٦/ ٢٣٤) .\n(٣) ينظر: «البحر المحيط» (٨/ ١٨٢)، وفيه أيضا: أنها قراءة زهير الفرقبي وأبي نهيك، وأبي مجلز، واليماني.\nوينظر: «المحتسب» (٢/ ٣٠٠) .","vol":"5","page":344},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1407>تفسير سورة الرحمن</span>\n﷿، وهي مكّيّة في قول الجمهور\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1408>[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ١ الى ٥]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالرَّحْمنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيانَ (٤)\nالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ (٥)\nقوله ﷿: الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ الرحمن: بناء مبالغة من الرحمة، وقوله:\nعَلَّمَ الْقُرْآنَ تعديد نعمةٍ، أي: هو مَنَّ به، وعَلَّمَهُ الناسَ، وخَصَّ حُفَّاظَهُ وَفَهَمَتَهُ بالفضل قال النبي ﷺ: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ» «١»، ومن الدليل على أَنَّ القرآنَ غيرُ مخلوقٍ، أَنَّ اللَّه تعالى ذكر القرآن في كتابه في أربعة وخمسين موضعًا ما فيها موضِعٌ صَرَّحَ/ فيه بلفظ الخلق، ولا أشار إليه، وذكر الإنسانَ على الثُّلُثِ من ذلك في ثمانيةَ عَشَرَ موضعًا كُلُّها نَصَّتْ على خلقه، وقد اقترن ذكرُهُمَا في هذه السورة على هذا النحو، والإنسان هنا اسم جنس قاله الزَّهْرَاوِيُّ وغيره، قال الفخر «٢»: الرَّحْمنُ: مبتدأ خبره الجملة الفعلية التي هي عَلَّمَ الْقُرْآنَ، انتهى، والْبَيانَ: النُّطْقُ والفهم والإبانة عن ذلك بقولٍ قاله الجمهور، وبذلك فُضِّلَ الإنسان من سائر الحيوان، وكلّ المعلومات داخلة في\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٨/ ٦٩٢)، كتاب «فضائل القرآن» باب: خيركم من تعلم القرآن وعلمه (٥٠٢٧- ٥٠٢٨)، وأبو داود (١/ ٤٦٠)، كتاب «الصلاة» باب: في ثواب قراءة القرآن (١٤٥٢)، والترمذي (٥/ ١٧٣- ١٧٤)، كتاب «فضائل القرآن» باب: ما جاء في تعليم القرآن (٢٩٠٧- ٢٩٠٨)، وابن ماجه (١/ ٧٦- ٧٧) «المقدمة» باب: فضل من تعلم القرآن وعمله (٢١١)، وأحمد (١/ ٨٥، ٦٩)، والدارمي (٢/ ٤٣٧)، كتاب «فضائل القرآن» باب: خياركم من تعلم القرآن وعلمه عن عثمان بن عفان.\nوفي الباب عن علي ﵁: أخرجه الترمذي (٥/ ١٧٥)، كتاب «تفسير القرآن» باب: ما جاء في تعليم القرآن (٢٩٠٩)، وأحمد (١/ ١٥٣)، والدارمي (٢/ ٤٣٧)، كتاب «فضائل القرآن» باب: خياركم من تعلم القرآن.\nقال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه من حديث علي عن النبيّ ﷺ إلا من حديث عبد الرحمن بن إسحاق.\n(٢) ينظر: «تفسير الفخر الرازي» (١٥/ ٧٥) .","vol":"5","page":345},{"text":"البيان الذي عَلّمه الإنسان، فمن ذلك البيان: كونُ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ: وهذا ابتداء تعديد نِعَمٍ، قال قتادة «١»: بِحُسْبانٍ: مصدر كالحساب، وقال أبو عبيدةَ معمر بن المثنى والضَّحَّاك «٢»: هو جمع حساب، والمعنى: أَنَّ هذين لهما في طلوعهما وغروبهما وقطعهما البروجَ وغيرِ ذلك حساباتٌ شَتَّى، وهذا مذهب ابن عباس وغيرِهِ «٣»، وقال قتادة:\nالحسبان «٤»: الفلك المستدير، شَبَّهَهُ بحُسْبَان الرَّحَى، وهو العود المستدير الذي باستدارته تستدير المطحنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1409>[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٦ الى ١٣]</span>\nوَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ (٦) وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ (٧) أَلاَّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ (٨) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ (٩) وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ (١٠)\nفِيها فاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ (١١) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحانُ (١٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (١٣)\nوقوله سبحانه: وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ قال ابن عباس وغيره «٥»: النجم: النباتُ الذي لا ساقَ له. قال ع «٦»: وسُمِّيَ نَجْمًا لأَنَّه نَجَمَ، أي: ظَهَر، وهو مناسب للشجر نسبةً بَيِّنَةً، وقال مجاهد وغيره: النجم: اسم الجنس من نجوم السماء «٧»: قال﵇ «٨» -: والنسبة التي لها من السَّمَاءِ هي التي للشَّجَرِ من الأرض لأَنَّهُمَا في ظاهرهما، وسُمِّيَ الشَّجَرَ من اشتجار غصونه، وهو تداخُلُها، قال مجاهد «٩»: وسجودهما عبارة عن التذلّل والخضوع.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١١/ ٥٧٣) برقم: (٣٢٨٦٢)، وذكره ابن عطية (٥/ ٢٢٤)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ١٩٠)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر.\n(٢) ذكره ابن عطية (٥/ ٢٢٤) .\n(٣) أخرجه الطبري (١١/ ٥٧٣) برقم: (٣٢٨٦٠)، وذكره البغوي (٤/ ٢٦٧)، وابن عطية (٥/ ٢٢٤)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ١٩٠)، وعزاه للفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه.\n(٤) أخرجه الطبري (١١/ ٥٧٤) عن مجاهد برقم: (٣٢٨٦٧) .\n(٥) أخرجه الطبري (١١/ ٥٧٥) برقم: (٣٢٨٦٩)، وذكره ابن عطية (٥/ ٢٢٤)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٢٧٠)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ١٩١)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ في «العظمة» عن ابن رزين، والحاكم وصححه.\n(٦) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٢٢٤) .\n(٧) أخرجه الطبري (١١/ ٥٧٥) برقم: (٣٢٨٧٣)، وذكره البغوي (٤/ ٢٦٧)، وابن عطية (٥/ ٢٢٤)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٢٧٠)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ١٩١)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر.\n(٨) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٢٢٤) . [.....]\n(٩) ذكره ابن عطية (٥/ ٢٢٤) .","vol":"5","page":346},{"text":"وقوله سبحانه: وَوَضَعَ/ الْمِيزانَ: يريد به العدل قاله أكثرُ الناسَ.\nوقوله: أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ وقوله: وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ، وقوله: وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ يريد به الميزانَ المعروفَ وأَلاَّ هو بتقدير لئلاَّ، أو مفعول من أجله، وفي مصحف ابن مسعود «١»: «لاَ تَطْغَوا في المِيزَانِ» وقرأ بلال بن أبي بُردَةَ «٢»: «تَخْسِرُوا» - بفتح التاء وكسر السين- من خَسَرَ، ويقال: خَسَرَ وَأَخْسَرَ بمعنى نَقَصَ، وأفسد كَجَبَرَ وأَجْبَرَ.\nوالأنام: قال الحسن بن أبي الحَسَنِ «٣»: هم الثقلان، الإنْسُ والْجِنُّ، وقال ابن عباس، وقتادة وابن زيد والشَّعْبِيُّ «٤»: هم الحيوانُ كلُّه.\nوَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ وذلك أَنَّ طَلْعَهَا في كُمٍّ وفروعَها أيضًا في أكمامٍ مِنْ ليفِهَا، والكُمُّ من النَّبَاتِ: كلُّ ما التف على شَيْءٍ وَسَتَرَهُ: ومنه كمائم الزَّهْرِ، وبه شُبِّهَ كُمُّ الثوب.\nوَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ: هو الْبُرُّ والشَّعِيرُ وما جرى مجراه، قال ابن عباس «٥»:\nالعَصْفُ: التِّبْنُ، واخْتُلِفَ في الرَّيْحَان، فقال ابن عَبَّاس وغيره «٦»: هو الرِّزْق، وقال الحسن: هو رَيْحَانُكُمْ «٧» هذا، وقال ابن زيد وقتادة «٨»: الريحانُ هو كلّ مشموم طيّب، قال\n_________\n(١) ينظر: «الكشاف» (٤/ ٤٤٤)، و«المحرر الوجيز» (٥/ ٢٢٥) .\n(٢) ينظر: «الشواذ» ص: (١٤٩)، و«المحتسب» (٢/ ٣٠٣)، و«المحرر الوجيز» (٥/ ٢٢٥)، و«البحر المحيط» (٨/ ١٨٨)، و«الدر المصون» (٦/ ٢٣٧) .\n(٣) أخرجه الطبري (١١/ ٥٧٧) برقم: (٣٢٨٩٣)، وذكره ابن عطية (٥/ ٢٢٥)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ١٩٢)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر.\n(٤) أخرجه الطبري (١١/ ٥٧٧) برقم: (٣٢٨٩١)، عن ابن عبّاس، وعن قتادة برقم: (٣٢٨٩٥)، وعن ابن زيد (١١/ ٥٧٨) برقم: (٣٢٨٩٦)، وذكره ابن عطية (٥/ ٢٢٥)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٢٧٠)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ١٩٢)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٥) أخرجه الطبري (١١/ ٥٧٧) برقم: (٣٢٩٠٤)، وذكره البغوي (٤/ ٢٦٨)، وابن عطية (٥/ ٢٢٥)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٢٧١)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ١٩٢)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٦) أخرجه الطبري (١١/ ٥٨٠) برقم: (٣٢٩١٥)، وذكره البغوي (٤/ ٢٦٨)، وابن عطية (٥/ ٢٢٥)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ١٩٢)، وعزاه لابن جرير.\n(٧) أخرجه الطبري (١١/ ٥٨٠) برقم: (٣٢٩٢٢)، وذكره البغوي (٤/ ٢٦٨)، وابن عطية (٥/ ٢٢٥)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٢٧١)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ١٩٢)، وعزاه لابن جرير.\n(٨) أخرجه الطبري (١١/ ٥٨٠) برقم: (٣٢٩٢٣)، عن ابن زيد، وذكره ابن عطية (٥/ ٢٢٥) .","vol":"5","page":347},{"text":"ع «١»: وفي هذا النوع نعمة عظيمة، ففيه الأزهار، والمِنْدَلُ والعقاقير، وغير ذلك، وقرأ الجمهور «٢»: «وَالرَّيْحَانُ» بالرفع عطفًا على «فاكهة» وقرأ حمزة والكسائيُّ:\n«وَالرَّيْحَانِ» بالخفض عطفًا على «العَصْف»، ف «الريحان» على هذه القراءة: الرزق، ولا يدخل فيه المشمومُ إلاَّ بتكَلُّفٍ، و«ريحان» أصله «رَوْحَان» فهو من ذوات الواو و«الآلاء»: النِّعَمُ، والضمير في قوله: رَبِّكُما للجن والإنس اللَّذَيْن تضمَّنهما لفظُ الأَنامِ، وأيضًا ساغ تقديمُ ضميرهما عليهما لذكر/ الإنسان والجانِّ عَقِبَ ذلك، وفيه اتساع، وقال منذر بن سَعِيدٍ: خُوطِبَ مَنْ يعقِلُ لأَنَّ المخاطبة بالقرآن كُلِّه هي للإنس والجن «٣»، وعن جابر قال: «قرأ علينا النبيّ ﷺ سُورَةَ الرحمن، حَتَّى خَتَمَهَا، ثُمَّ قَالَ: «مَالي أَرَاكُمْ سُكُوتًا؟! لَلْجِنُّ كَانُوا أَحْسَنَ رَدًّا مِنْكُمْ مَا قَرَأْتُ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الآيةَ مِنْ مَرَّةٍ: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ إلاَّ قَالُوا: لاَ بشيء من نعمك ربّنا نكذّب» «٤» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1410>[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ١٤ الى ٢١]</span>\nخَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ (١٥) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (١٦) رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (١٧) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (١٨)\nمَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ (١٩) بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ (٢٠) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢١)\nوقوله سبحانه: خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ الآية: اخْتُلِفَ في اشتقاقِ «الصَّلْصَال» فقيل: هو من صلّ: إذا أنتن، فهي إشارة إلى\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٢٢٥) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٢٢٥)، و«البحر المحيط» (٨/ ١٨٨- ١٨٩)، و«السبعة» (٦١٩)، و«الحجة» (٦/ ٢٤٥)، و«إعراب القراءات» (٢/ ٣٣٣)، و«معاني القراءات» (٣/ ٤٤)، و«شرح الطيبة» (٦/ ٢٩)، و«العنوان» (١٨٤)، و«حجة القراءات» (٦٩٠)، و«شرح شعلة» (٥٩٣)، و«إتحاف» (٢/ ٥٠٩) .\n(٣) ذكره ابن عطية (٥/ ٢٢٦) .\n(٤) أخرجه الترمذي (٥/ ٣٩٩)، كتاب «التفسير» باب: ومن سورة الرحمن (٣٢٩١)، والحاكم في «المستدرك» (٢/ ٤٧٣)، والبيهقي في «دلائل النبوة» (٢/ ٢٣٢)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ١٨٩)، وزاد نسبته إلى ابن المنذر، وأبي الشيخ في «العظمة»، وابن مردويه عن جابر بن عبد الله ﵁.\nقال الترمذي: هذا حديث غريبٌ لا نعرفه إِلا من حديث الوليد بن مسلم عن زهير بن محمّد، قال أحمد بن حنبل: كان زهير بن محمّد الذي وقع بالشام ليس هو الذي يروى عنه بالعراق كأنه رجل آخر قلبوا اسمه، يعني لما يرون عنه من المناكير، وسمعت محمّد بن إسماعيل البخاري يقول: أهل الشام يروون عن زهير بن محمّد مناكير، وأهل العراق يروون عنه أحاديث مقاربة. اهـ من كلام الترمذي.\nقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي.","vol":"5","page":348},{"text":"الحَمْأَةِ، وقال الجمهور: هو من صَلَّ: إذَا صَوَّتَ، وذلك في الطين لجودته، فهي إشارة إلى ما كان في تربة آدم من الطين الحُرِّ وذلك أَنَّ اللَّه تعالى خلقه من طين مختلِفٍ، فمرَّةً ذكر في خلقه هذا، ومرَّةً هذا، وكُلُّ ما في القرآن صفاتٌ ترددتْ على التراب الذي خُلِقَ منه، و«الفَخَّارُ»: الطين الطَّيِّبُ إذا مَسَّهُ الماء فخر، أي: رَبَا وَعَظُمَ، والجانُّ: اسم جنس كالجِنَّةِ، قال الفخر: وفي الجانِّ وجه آخر: أنَّه أبو الجنِّ، كما أَنَّ الإنسان هنا أبو الإنْسِ خُلِقَ من صَلْصَالٍ، ومَنْ بعده خُلِقَ من صُلْبِهِ. كذلك الجَانُّ هنا أبو الجَنِّ خُلِقَ من نارٍ، ومَنْ بعده من ذرِّيَّتِهِ، انتهى، و«المارج»: اللهب المُضْطَرِبْ من النار، قال ابن عباس «١»:\nوهو أحسنُ النَّارِ المختلِطِ من ألوانٍ شتى، قال أبو حيَّان «٢»: المَارِجُ المختلِطُ من أصْفَر، وأخضَرَ، وأحْمَرَ، انتهى.\nوكَرَّرَ سبحانه قوله: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ تأكيدًا وتنبيهًا للنفوس، وتحريكًا لها، وهذه طريقة من الفصاحة معروفة، وهي من كتاب اللَّه في مواضع وفي حديث النبي ﷺ، / وفي كلام العرب، وذهب قوم إلى أَنَّ هذا التكرار إنَّما هو لما اختلفت النعم المذكورة كَرَّرَ التوقيفَ مع كُلِّ واحدة منها، قال ع «٣»: وهذا حسَنٌ، وقال الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ: التكرار لِطَرْدِ الغَفْلَةِ، وللتأكيد «٤»، وخَصَّ سبحانه ذكرَ المَشْرِقَيْنِ والمغربين بالتشريف في إضافة الرب إليهما لعظمهما في المخلوقات.\nت: وتحتمل الآية أَنْ يرادَ المشرقين والمغربين وما بينهما كما هو في «سورة الشعراء» واختلف الناس في الْبَحْرَيْنِ قال ع «٥»: والظاهر عندي أَنَّ قوله تعالى: الْبَحْرَيْنِ يريد بهما نَوْعَي الماءِ العَذْبِ والأُجِاجِ، أي: خلطهما في الأرض، وأرسلهما متداخلين في وضعهما في الأرض، قريب بعضهما من بعض، ولا بَغْيَ، قال ع «٦»: وذكر الثعلبيُّ في مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ ألغازًا وأقوالًا باطنةً يجب ألّا يلتفت إلى شيء منها.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١١/ ٥٨٤) برقم: (٣٢٩٤٥)، وذكره ابن عطية (٥/ ٢٢٦)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٢٧١) . [.....]\n(٢) ينظر: «البحر المحيط» (٨/ ١٨٩) .\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٢٢٦) .\n(٤) ذكره ابن عطية (٥/ ٢٢٦) .\n(٥) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٢٢٧) .\n(٦) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٢٢٧) .","vol":"5","page":349},{"text":"ت: ولا شَكَّ في اطِّرَاحِهَا، فمنها نقله عن الثوريِّ مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ: فاطمة وعليٌّ، اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ: الحَسَنُ والحُسَيْنُ، ثم تمادى في نحو هذا مِمَّا كان الأولى به تركُهُ، ومَرِجَ الشَّيْءُ، أي: اختلط، و«البَرْزَخُ»: الحاجز، قال البخاريُّ لاَّ يَبْغِيانِ: لا يختلطان، انتهى، قال ابن مسعود «١»: وَالْمَرْجانُ: حجر أحمر، وهذا هو الصواب، قال عطاء الخراسانيّ «٢»: وهو البسذ «٣» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1411>[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٢٢ الى ٢٥]</span>\nيَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ (٢٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢٣) وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ (٢٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢٥)\nوقوله سبحانه: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ قال جمهور من المتأولين: إنما يخرُج ذلك من «الأُجَاجِ» في المواضع التي تقع فيها الأنهار والمياه العذبة فلذلك قال:\nمِنْهُمَا.\nت: وهذا بناء على أَنَّ الضمير في مِنْهُمَا للعذب وللمالح، وأَمَّا على قول/ مَنْ قال: إنَّ البحرين بَحْرُ فَارِسَ والرُّومِ، أو بَحْر القُلْزُمِ وبَحْرُ الشَّامِ- فلا إشكالَ- إذْ كُلُّها مالحةٌ، وقد نقل الأخفش عن قوم أَنَّهُ يخرج اللؤلؤ والمرجان من المالح ومن العذب، وليس لِمَنْ رَدَّهُ حُجَّةٌ قاطعة، ومَنْ أَثْبَتَ أولى مِمَّنْ نفى، قال أبو حيَّان «٤»:\nوالضمير في مِنْهُمَا يعود على البحرين، يعني: العَذْبَ والمَالِحَ، والظاهرُ خروجُ اللؤلؤِ والمَرْجَانِ منهما، وحكاه الأخفَشُ عن قوم، انتهى، والجَوَارِي: جمع جارية، وهي السُّفُنُ، وقرأ حمزة وأبو بكر «٥»: «المنْشِئَاتُ» - بكسر الشين-، أي: اللواتي أنشأْنَ جَرْيَهُنَّ، أي: ابتدأْنَهُ، وقرأ الباقون- بفتح الشين-، أي: أنشأها اللَّهُ أو الناس، وقال مجاهد:\nالْمُنْشَآتُ: ما رُفِعَ قِلْعُهُ من السفن كَالْأَعْلامِ، أي: كالجبال «٦» .\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١١/ ٥٨٩) برقم: (٣٢٩٩٥)، وذكره ابن عطية (٥/ ٢٢٨) .\n(٢) أخرجه الطبري (١١/ ٥٨٩) برقم: (٣٢٩٩٠) عن كعب الأحبار، وذكره البغوي (٤/ ٢٦٩) .\n(٣) البسّذ: نوع من الجوهر. وهي كلمة غير عربية.\nينظر: «لسان العرب» (٢٧٩) .\n(٤) ينظر: «البحر المحيط» (٨/ ١٩٠) .\n(٥) ينظر: «السبعة» (٦٢٠)، و«الحجة» (٦/ ٢٤٧)، و«إعراب القراءات» (٢/ ٣٣٧)، و«معاني القراءات» (٣/ ٤٦)، و«شرح الطيبة» (٦/ ٣٠)، و«العنوان» (١٨٤)، و«حجة القراءات» (٦٩١)، و«شرح شعلة» (٥٩٣)، و«إتحاف» (٢/ ٥١٠) .\n(٦) أخرجه الطبري (٥/ ٥٩١) برقم: (٣٣٠٠٠)، وذكره ابن عطية (٥/ ٢٢٨)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٢٧٢)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ١٩٦)، وعزاه للفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير.","vol":"5","page":350},{"text":"ت: ولفظ البخاريّ: الْمُنْشَآتُ: ما رُفِعَ قِلْعُهُ من السفن، فأَمَّا ما لا يرفع قلعه، فليس بمنشآت، انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1412>[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٢٦ الى ٢٨]</span>\nكُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ (٢٦) وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ (٢٧) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢٨)\nوقوله سبحانه: كُلُّ مَنْ عَلَيْها أي: على الأرض فانٍ والإشارة بالفناء إلى جميع الموجودات على الأرض من حيوان وغيره، والوجه: عبارة عن الَّذَاتِ، لأَنَّ الجارحة منفيَّةٌ في حَقِّه سبحانه قال الداوديُّ: وعن ابن عباس ذُو الْجَلالِ: قال: ذو العظمة والكبرياء، انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1413>[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٢٩ الى ٣٦]</span>\nيَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٠) سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ (٣١) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٢) يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطانٍ (٣٣)\nفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٤) يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ وَنُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ (٣٥) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٦)\nوقوله سبحانه: يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي: مِنْ مَلَكٍ، وإنس، وجنٍّ، وغيرهم، لا غنى لأحد منهم عنه سبحانه، كُلُّهم يَسْأَله حاجَتَهُ، إمَّا بلسانِ مقاله، وإمَّا بلسانِ حاله.\nوقوله سبحانه: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ أي: يُظْهِرُ شأنًا من قدرته التي قد سبقت في الأَزَلِ في ميقاته من الزمان، من إحياءٍ وإماتةٍ، ورِفْعَةٍ وخَفْضٍ، وغيرِ ذلك من الأمور التي/ لا يعلم نهايتها إلاَّ هو سبحانه، و«الشأن»: هو اسم جنس للأمور، قال الحسين بن الفضل «١»: معنى الآية: سَوْقُ المقادير إلى المواقيت وفي الحديث: «أنّ النبي ﷺ قَرَأَ هذه الآيَةَ، فَقِيلَ لَهُ: مَا هذا الشَّأْنُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: يَغْفِرُ ذَنْبًَا، وُيُفَرِّجُ كَرْبًا، وَيَرْفَعُ قَوْمًا، وَيَضَعُ آخَرِينَ» «٢» وذكر النَّقَّاش أَنَّ سبب هذه الآيةِ قولُ اليهود: استراح اللَّهُ يَوْمَ السَّبْتِ، فَلاَ يُنَفِّذُ فِيهِ شيئا.\nوقوله تعالى: سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ: عبارة عن إتيان الوقت الذي قَدَّرَ فيه، وقضى أَنْ ينظرَ في أُمور عباده، وذلك يوم القيامة، وليس المعنى: أَنَّ ثَمَّ شغلًا يتفرَّغ منه إذْ لا يشغله سبحانه شأنٌ عن شأن، وإنَّما هي إشارةُ وعيدٍ وتهديد، قال البخاريّ: وهو\n_________\n(١) ذكره البغوي (٤/ ٢٧٠)، وابن عطية (٥/ ٢٢٩) .\n(٢) ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ١٩٧)، وعزاه إلى البزار.","vol":"5","page":351},{"text":"معروفٌ في كلام العرب يقال: لأَفْرُغَنَّ لَكَ، وما به شغل، انتهى، والثَّقَلانِ: الإِنس والجن يقال: لكل ما يَعْظُمُ أمرُه: ثَقَلٌ، وقال جعفرُ بْنُ محمَّدٍ الصَّادِقُ: سُمِّيَ الإنْسُ والجِنُّ ثَقَلَيْنِ لأَنَّهما ثَقُلاَ بالذنوبِ «١»، قال ع «٢»: وهذا بارعٌ ينظر إلى خلقهما من طين ونار، واختلف الناسُ في معنى قوله تعالى: إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا ... الآية:\nفقال الطبريُّ «٣»: قال قوم: المعنى: يُقَالُ لهم يومَ القيامة: يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ ... الآية، قال الضَّحَّاك: وذلك أَنَّهُ يَفِرُّ الناسُ في أقطار الأرض، والجِنُّ كذلك لما يَرَوْنَ من هول يوم القيامة، فيجدون سَبْعَةَ صفوف من الملائكة، قد أحاطَتْ بالأرض، فيرجعون من حيثُ جاؤوا، فحينئذٍ يقال لهم: امَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ\n«٤»، وقال بعض المفسِّرين: هي مخاطبةٌ في الدنيا، والمعنى: إنِ استطعتم الفِرَارَ مِنَ المَوْتِ بأنْ تَنْفُذُوا من أقطار السموات والأرض، فانفذوا.\n/ ت: والصوابُ الأول.\nوقوله: فَانْفُذُوا: صيغة أمر، ومعناه: التعجيز، و«الشُّوَاظُ»: لَهَبُ النار قاله ابن عباس وغيره «٥»، قال أبو حَيَّان «٦»: الشُّوَاظُ: هو اللهب الخالصُ بغَيْرِ دُخَانٍ، انتهى، و«النُّحَاسُ»: هو المعروف قاله ابن عباس وغيره «٧»، أي: يُذَابُ ويُرْسَلُ عليهما، ونحوه في البخاريِّ، قال- ص-: وقال الخليل: «النُّحَاسُ» هنا هو: الدُّخَانُ الذي لا لَهَبَ له، ونقله أيضا أبو البقاء وغيره، انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1414>[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٣٧ الى ٤٥]</span>\nفَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ (٣٧) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٨) فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ (٣٩) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٠) يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ (٤١)\nفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٢) هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (٤٣) يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (٤٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٥)\n_________\n(١) ذكره البغوي (٤/ ٢٧١)، وابن عطية (٥/ ٢٣٠) . [.....]\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٢٣٠) .\n(٣) ينظر: «تفسير الطبري» (١١/ ٥٩٤) .\n(٤) أخرجه الطبري (١١/ ٥٩٤) برقم: (٣٣٠١٧)، وذكره ابن عطية (٥/ ٢٣٠) .\n(٥) أخرجه الطبري (١١/ ٥٩٦) برقم: (٣٣٠٢٨)، وذكره ابن عطية (٥/ ٢٣٠)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٢٧٤)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ١٩٨)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٦) ينظر: «البحر المحيط» (٨/ ١٩٣) .\n(٧) ذكره ابن عطية (٥/ ٢٣١) .","vol":"5","page":352},{"text":"وقوله سبحانه: فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ: جواب «إِذا» محذوفٌ مقصودٌ به الإِبهام كأَنَّه يقول: فإذا انشقَّتِ السماءُ، فما أَعْظَمَ الهَوْلَ! قال قتادة «١»: السماءُ اليومَ خَضْرَاءُ، وهي يوم القيامة حَمْرَاءُ، فمعنى قوله: وَرْدَةً أي: مُحْمَرَّةً كالوَرْدَةِ، وهي النُّوَّارُ المعروفُ وهذا قول الزَّجاجِ وغيره.\nوقوله: كَالدِّهانِ قال مجاهدٌ وغيره «٢»: هو جمع دُهْنٍ وذلك أَنَّ السماء يعتريها يومَ القيامة ذَوْبٌ وتَمَيُّعٌ من شِدَّةِ الهَوْلِ، وقال ابن جُرَيْجٍ «٣»: من حَرِّ جَهَنَّمَ، نقله الثعلبيُّ، وقيل غير هذا.\nوقوله: فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ قال قتادة وغيره «٤»: هي مواطنُ فلا تعارُضَ بين الآيات.\nوقوله سبحانه: فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ قال ابن عباس «٥»: يُؤْخَذُ كُلُّ كافر بناصيته وقدَمَيْهِ، ويطوى، ويُجمَعُ كالحَطَبِ، ويلقى كذلك في النار، وقيل: المعنى: أَنَّ بعضَ الكفرة يُؤْخَذُونَ بالنواصي، وبعضُهم يُسْحَبُونَ، ويُجَرُّون بالأقدام.\nوقوله تعالى: هذِهِ جَهَنَّمُ أي: يقال لهم على جهة التوبيخ، وفي مصحف ابن مسعود «٦»: «هذه جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمَا بِهَا تُكَذِّبَانِ لاَ تَمُوتَانِ فِيهَا وَلاَ تَحْيَيَانِ» .\nوقوله سبحانه: يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ المعنى: / أَنَّهم يتردَّدون بين نارِ جهنَّم وَجَمْرِهَا، وبين حميمٍ، وهو ما غُلِيَ في جهنَّم من مائع عذابها، وآنَ الشَّيْءُ: حَضَرَ، وآنَ اللَّحْمُ أو ما يُطْبَخُ أوْ يغلى: نَضِجَ وتناهى حرّه، وكونه من الثاني أبين.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١١/ ٥٩٨) برقم: (٣٣٠٥٤)، وذكره البغوي (٤/ ٢٧٢)، وابن عطية (٥/ ٢٣١)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٢٧٥) .\n(٢) أخرجه الطبري (١١/ ٥٩٩) برقم: (٣٣٠٥٧)، وذكره ابن عطية (٥/ ٢٣١)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٢٧٥)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ١٩٩)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر.\n(٣) ذكره البغوي (٤/ ٢٧٢) .\n(٤) ذكره ابن عطية (٥/ ٢٣٢) .\n(٥) ذكره ابن عطية (٥/ ٢٣٢)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٢٧٥)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٢٠٠)، وعزاه لابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في «البعث والنشور» .\n(٦) وزاد ابن خالويه فيها: «تصليانها» لا تموتان ...، ينظر: «الشواذ» ص: (١٥٠)، و«الكشاف» (٤/ ٤٥١)، و«المحرر الوجيز» (٥/ ٢٣٢) .","vol":"5","page":353},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1415>[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٤٦ الى ٥٧]</span>\nوَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ (٤٦) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٧) ذَواتا أَفْنانٍ (٤٨) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٩) فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ (٥٠)\nفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥١) فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ (٥٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٣) مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ (٥٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٥)\nفِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ (٥٦) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٧)\nوقوله تعالى: وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ أي: موقِفَهُ بينَ يَدَيْ ربه، وقيل في هذه الآية: إنَّ كُلَّ خائف له جَنَّتَانِ.\nت: قال الثعلبي: قال محمد بن علي الترمذي: جَنَّةٌ لخوفه من ربِّه، وجنَّةٌ لتركه شهوَته، و«الأَفْنَان»: يحتمل أنْ تكون جمع «فَنَنٍ»، وهو الغُصْن، وهذا قولُ مجاهد «١»، فكأَنَّهُ مدَحَهَا بظلالِهَا وتَكَاثُفِ أغصانها، ويحتمل أنْ تكونَ جمع «فَنٍّ»، وهو قول ابن عباس «٢»، فكأَنَّه مدحها بكثرة فواكهها ونعيمها، وزَوْجانِ معناه: نَوْعَانِ.\nت: ونقل الثعلبيُّ عنِ ابنِ عَبَّاس «٣» قال: ما في الدنيا شجرةٌ حُلْوَةٌ ولا مُرَّةٌ إلاَّ وهي في الجنة، حتى الحنظل إلّا أنّه حلو انتهى.\nومُتَّكِئِينَ: حالٌ، وقرأ الجمهور «٤»: عَلى فُرُشٍ- بضم الراء-، وروي في الحديث «أنّه قيل للنبيّ ﷺ: هَذِهِ الْبَطَائِنُ مِنْ إسْتَبْرَقٍ، فَكَيْفَ الظَّوَاهِرُ؟! قَالَ: هِيَ مِنْ نُورٍ يَتَلأَلأُ»، والإِستبرقُ: ما خَشُنَ وحَسُنَ من الدِّيبَاجِ، والسُّنْدُسُ: ما رَقَّ منه، وقد تقدَّم القولُ في لفظ الإِسْتَبَرقِ، والضميرُ في قوله: فِيهِنَّ لِلْفُرُشِ، وقيل: للجنات، إذِ الجنتان جناتٌ في المعنى، و«الجنى»: ما يجنى من الثمار، ووصفه بالدُّنُوِّ لأَنَّه يدنو إلى مشتهيه، فيتناوله كيف شاء من قيام، أو جلوس، أو اضطجاع، رُوِيَ معناه في الحديث، وقاصِراتُ الطَّرْفِ: هُنَّ الحور، قَصَرْنَ ألحاظَهُنَّ على أزواجهن: لَمْ يَطْمِثْهُنَّ أي: لم يفتضَّهنَّ لأَنَّ الطَّمْثَ دم الفرج.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١١/ ٦٠٤) برقم: (٣٣١٠٠)، وذكره البغوي (٤/ ٢٧٤)، وابن عطية (٥/ ٢٣٣)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٢٧٧)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٢٠٣)، وعزاه لابن جرير.\n(٢) ذكره ابن عطية (٥/ ٢٣٣) . [.....]\n(٣) ذكره البغوي (٤/ ٢٧٤)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٢٧٧)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٢٠٤)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن عكرمة عن ابن عبّاس ﵁.\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٢٣٣)، و«البحر المحيط» (٨/ ١٩٥)، و«الدر المصون» (٦/ ٢٤٦) .","vol":"5","page":354},{"text":"وقوله: وَلا جَانٌّ قال مجاهد: الجن قد/ تُجَامِعُ نساءَ البَشَرِ مع أزواجهن «١» إذا لم يذكر الزوجُ اسمَ اللَّه، فنفى سبحانَهُ في هذه الآية جميع المجامعات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1416>[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٥٨ الى ٦١]</span>\nكَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ (٥٨) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٩) هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلاَّ الْإِحْسانُ (٦٠) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦١)\nوقوله تعالى: كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ الآية، الياقوتُ والمَرْجَان هي من الأشياء التي قد بَرَعَ حُسْنُهَا، واستشْعَرَتِ النفوسُ جلالتها، فوقع التشبيه بها فيما يشبه، ويحسن بهذه المُشَبَّهَاتِ، فالياقوتُ في املاسه وشُفُوفِهِ، ولو أدخلْتَ فيه سِلْكًا، لرأيته من ورائه، وكذلك المرأة من نساء الجنة يُرَى مُخُّ ساقها من وراء العَظْم، والمَرْجَانُ في املاسِّه وجمالِ منظره.\nوقوله سبحانه: هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ: آيةُ وَعْدٍ وبَسْطٍ لنفوسِ جميعِ المؤمنين لأَنَّها عامَّةٌ قال ابن المُنْكَدِرِ، وابن زيد، وجماعةٍ من أهْلِ العلم «٢»: هي لِلْبَرِّ والفاجر، والمعنى: أَنَّ جزاءَ مَنْ أحْسَنَ بالطاعةِ أَنْ يُحْسَنَ إليه بالتنْعِيمِ، وحكى النقّاش أنّ النبيّ ﷺ فَسَّرَ هذه الآية: هَلْ جَزَاءُ التَّوْحِيدِ إلاَّ الجَنَّةُ «٣» .\nت: ولو صَحَّ هذا الحديثُ، لوجَبَ الوقوفُ عنده، ولكنَّ الشأن في صِحَّتِهِ، قال الفخر «٤»: قوله تعالى: هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ فيه وجوهٌ كثيرةٌ، حتى قيل:\nإنَّ في القرآن ثلاثَ آيات، في كل واحدة منها مائةُ قَوْلٍ، إحداها: قوله تعالى: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ [البقرة: ١٥٢] وثانيتُهَا: وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا [الإسراء: ٨] وثالثتها: هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ ولنذكر الأشهر منها والأقرب.\nأما الأشهر فوجوه:\nأحدها: هل جزاء التوحيدِ إلاَّ الجنةُ، أي: هل جزاءُ مَنْ قال: لا إله إلا اللَّه إلّا دخول الجنّة.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١١/ ٦٠٧) برقم: (٣٣١٢١)، وذكره البغوي (٤/ ٢٧٥)، وابن عطية (٥/ ٢٣٤) .\n(٢) ذكره ابن عطية (٥/ ٢٣٤)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٢٠٨)، وعزاه لسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، والبخاري في «الأدب»، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي في «شعب الإيمان» عن محمّد بن الحنفية.\n(٣) ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٢٠٧)، وعزاه إلى الحكيم الترمذي في «نوادر الأصول»، والبغوي في «تفسيره»، والديلمي في «مسند الفردوس» .\n(٤) ينظر: «تفسير الفخر الرازي» (١٥/ ١١٥) .","vol":"5","page":355},{"text":"ثانيها: هل جزاءُ الإحسان في الدنيا إلاَّ الإحسانُ في الآخرة.\nثالثها: هل جزاء/ مَنْ أحسنَ إليكم بالنعم في الدنيا إلاَّ أَنْ تَحْسِنُوا له العبادَةَ والتقوى.\nوأمَّا الأقرب فهو التعميم، أي: لأنَّ لفظ الآية عامٌّ، انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1417>[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٦٢ الى ٧٨]</span>\nوَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ (٦٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦٣) مُدْهامَّتانِ (٦٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦٥) فِيهِما عَيْنانِ نَضَّاخَتانِ (٦٦)\nفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦٧) فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦٩) فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ (٧٠) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧١)\nحُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ (٧٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧٣) لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ (٧٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧٥) مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ (٧٦)\nفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧٧) تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ (٧٨)\nوقوله سبحانه: وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ قال ابْنُ زَيْدٍ وغيره: معناه أَنَّ هاتين دون تَيْنِكَ في المنزلة والقُرْبِ، فالأُولَيَانِ للمقرَّبين، وهاتان لأصْحَابِ اليَمِينِ «١»، وعن ابن عباس «٢»:\nأَنَّ المعنى: أَنَّهُمَا دونهما في القرب إلى المُنَعَّمِينَ، وأَنَّهُما أفضلُ من الأُولَيَيْنِ، قال ع «٣»: وأكثر الناس على التأويل الأول.\nت: واختار الترمذيُّ الحكيمُ التأويلَ الثاني، وأطنب في الاحتجاج له في «نوادر الأصول» له، وخَرَّجَ البخاريُّ هنا عن النبيِّ ﷺ قال: جَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ، آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَجَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا ...» الحديث، وفيه: «إنَّ في الجَنَّةِ خَيْمَةً مِنْ لُؤْلُؤَةٍ مُجَوَّفَةٍ، عَرْضُهَا سِتُّونَ مِيلًا، في كُلِّ زَاوِيَةٍ مِنْهَا أَهْل مَا يَرَوْنَ الآخَرِينَ، يَطُوفُ عَلَيْهِمُ المؤمن» «٤» انتهى، ومُدْهامَّتانِ معناه: قد علا لَوْنَهُمَا دُهْمَةٌ وَسَوَادٌ في النظرة والخضرة،\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١١/ ٦١٠) برقم: (٣٣١٤٠)، وذكره ابن عطية (٥/ ٢٣٤)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٢٧٩) .\n(٢) ذكره ابن عطية (٥/ ٢٣٥) .\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٢٣٥) .\n(٤) أخرجه البخاري (٨/ ٤٩١)، كتاب «التفسير» باب: ومن دونهما جنتان (٤٨٧٨) باب: حور مقصورات في الخيام (٤٨٨٠)، (١٣/ ٤٣٣)، كتاب «التوحيد» باب: قول الله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ\n(٧٤٤٤)، ومسلم (١/ ١٦٣)، كتاب «الإيمان» باب: إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم، برقم: (٢٩٦/ ١٨٠)، وابن ماجه (١/ ٦٦- ٦٧) «المقدمة» باب: فيما أنكرت الجهمية (١٨٦)، والترمذي (٤/ ٥٨١)، كتاب «صفة الجنة» باب: ما جاء في صفة غرف الجنة (٢٥٢٨)، والدارمي (٢/ ٣٣٣) .","vol":"5","page":356},{"text":"ة، قال البخاريُّ: مُدْهامَّتانِ: سودَاوَانِ من الرِّيِّ «١»، انتهى، والنَّضَّاخَةُ: الفَوَّارَةُ التي يَهِيجُ ماؤُها، وكَرَّرَ النخلَ والرُّمَّانَ، وهما من أفضل الفاكهة تشريفًا لهما، وقالت أُمُّ سَلَمَةَ: «قلتُ: يا رسول اللَّه، أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: خَيْراتٌ حِسانٌ قالَ:\nخَيْرَاتُ الأَخْلاَقِ، حِسَانُ الْوُجُوهِ» وَقُرِىَء شاذًّا: «خَيِّرَاتٌ» - بِشَدِّ الياء المكسورة «٢» -.\nت: وفي «صحيح البخاريّ» من حديث أنس عن النبيّ ﷺ: لَرَوْحَة في سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ غَدْوَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَقَابُ قَوْسِ أَحَدِكُمْ في الْجَنَّةِ أَوْ مَوْضِعُ قَيْدِ سَوْطِهِ خَيْرٌ/ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَوْ أَنَّ امرأة مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ اطلعت إلَى أَهْلِ الأَرْضِ لأَضَاءَتْ مَا بَيْنَهُمَا وَلَمَلأَتْهُ رِيحًا، وَلَنَصِيفُهَا على رَأْسِهَا- يعني الخِمَارَ- خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» «٣» .\nوقوله سبحانه: مَقْصُوراتٌ أي: محجوبَاتٌ مَصُونَاتٌ في الخيام، وخيامُ الجَنَّةِ بُيُوتُ اللؤلؤ، قال عمر بن الخَطَّاب﵁ «٤» -: هي دُرٌّ مُجَوَّفٌ، ورواه ابن مَسْعَودٍ عن النبيِّ ﷺ. قال الداوديُّ: وعن ابن عباس «٥»: والخيمة لؤلؤة مجوّفة فرسخ في فرسخ،\n_________\n(١) ينظر: «صحيح البخاري» (٨/ ٤٨٧) كتاب: «التفسير»، باب: سورة الرحمن قال ابن حجر: وصله الفريابي.\n(٢) قرأ بها أبو عثمان النهدي، وأبو بكر بن حبيب السهمي.\nينظر: «الشواذ» ص: (١٥١)، و«المحرر الوجيز» (٥/ ٢٣٥) .\n(٣) أخرجه البخاري (٦/ ١٧)، كتاب «الجهاد والسير»، باب الغدوة والروحة في سبيل الله وقاب قوس أحدكم في الجنة (٢٧٩٢) باب: الحور العين وصفتهن (٢٧٩٦)، (١١/ ٤٢٥) كتاب «الرقاق»، باب:\nصفة الجنة والنار (٦٥٦٨)، ومسلم (٣/ ١٤٩٩)، كتاب «الإمارة» باب: فضل الغدوة والروحة في سبيل الله (١١٢/ ١٨٨٠) .\nوفي الباب من حديث أبي هريرة: أخرجه البخاري (٦/ ١٧)، كتاب «الجهاد والسير» باب: الغدوة والروحة في سبيل الله، وقاب قوس أحدكم في الجنة (٢٧٩٣)، مسلم (٣/ ١٥٠٠)، كتاب «الإمارة» باب: فضل الغدوة والروحة في سبيل الله (١١٤/ ١٨٨٢) .\nوفي الباب من حديث سهل بن سعد: أخرجه البخاري (٦/ ١٧)، كتاب «الجهاد والسير» باب: الغدوة والروحة في سبيل الله، وقاب قوس أحدكم في الجنة (٢٧٩٤)، (٦/ ١٠٠) باب: فضل رباط يوم في سبيل الله (٢٨٩٢)، (١١/ ٢٣٦) كتاب «الرقاق» باب: مثل الدنيا في الآخرة (٦٤١٥)، ومسلم (٣/ ١٥٠٠) كتاب «الإمارة» باب: فضل الغدوة والروحة في سبيل الله (١١٣/ ٨١٨١)، والترمذي (٤/ ١٨٨)، كتاب «فضائل الجهاد» باب: ما جاء في فضل المرابط (١٦٦٤)، والترمذي (٤/ ١٨٨)، والنسائي (٦/ ١٥)، كتاب «الجهاد» باب: فضل غدوة في سبيل الله (٣١١٨)، وابن ماجه (٢/ ٩٢١) كتاب «الجهاد» باب: فضل الغدوة والروحة في سبيل الله (٢٧٥٦)، وأحمد (٥/ ٣٣٩) .\n(٤) أخرجه الطبري (١١/ ٦١٦) برقم: (٣٣١٩٩)، وذكره ابن عطية (٥/ ٢٣٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٢١٠)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن أبي الأحوص. [.....]\n(٥) أخرجه الطبري (١١/ ٦١٦) برقم: (٣٣١٩٧)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٢٨٠)، والسيوطي في «الدر-","vol":"5","page":357},{"text":"لها أربعة آلاف مِصْرَاعٍ، انتهى.\nو«الرَّفْرَفُ»: ما تدلى من الأَسِرَّةِ من عالي الثياب والبُسُطِ، وقاله ابن عَبَّاس وغيره «١»، وما يتدلى حول الخِبَاءِ مِنَ الْخِرْقَةِ الهَفَّافَةِ يُسَمَّى رَفْرَفًا، وكذلك يُسَمِّيه الناسُ اليومَ، وقيل غَيْرُ هذا، وما ذكرناه أصْوَبُ، والعَبْقَرِيُّ: بُسُطٌ حِسَانٌ، فيها صُوَرٌ وغَيْرُ ذلك، تُصْنَعُ بعَبْقَر، وهو موضعٌ يُعْمَلُ فيه الوشْيُ والدِّيبَاجُ ونحوه، قال ابن عباس: العَبْقَرِيُّ «٢»:\nالزَّرَابِيُّ «٣»، وقال ابن زيد «٤»: هي الطَّنَافِس»\n، قال الخليل والأصمعيُّ: العَرَبُ إذا استحسنَتْ شيئًا واستجادَتْهُ قالَتْ: عَبْقَرِيٌّ، قال ع «٦»: ومنه قوله ﷺ في عُمَرَ: «فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا مِنَ النَّاسِ يَفْرِي فَرِيَّهُ» «٧» .\nوقوله سبحانه: تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ: هذا الموضعُ مِمَّا أُرِيدَ فيه\n_________\nالمنثور» (٦/ ٢١٠)، وعزاه لابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن أبي الدنيا في «صفة الجنة»، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في «البعث» .\n(١) أخرجه الطبري (١١/ ٦١٩) برقم: (٣٣٢٢٥)، وذكره البغوي (٤/ ٢٧٨)، وابن عطية (٥/ ٢٣٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٢١٣)، وعزاه للفريابي، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر.\n(٢) أخرجه الطبري (١١/ ٦٢٠) برقم: (٣٣٢٣٥)، وذكره ابن عطية (٥/ ٢٣٦)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٢٨٠)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٢١٤)، وعزاه لعبد بن حميد.\n(٣) وهي جمع زربية، وهو نوع من الثياب محبّر منسوب إلى موضع، وقال المؤرخ: زرابي البيت:\nألوانه ... وقيل: هي البسط العراض. وقيل: ما بها خملة.\nينظر: «عمدة الحفاظ» (٢/ ١٥٦) .\n(٤) أخرجه الطبري (١١/ ٦٢٠) برقم: (٣٣٢٤١)، وذكره ابن عطية (٥/ ٢٣٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٢١٣)، وعزاه لابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر.\n(٥) جمع طنفسة: بكسر الطاء والفاء، وبضمهما، وبكسر الطاء وفتح الفاء، وهي: البساط الذي له خمل رقيق.\nينظر: «النهاية» (٣/ ١٤٠) .\n(٦) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٢٣٧) .\n(٧) أخرجه البخاري (٧/ ٢٣)، كتاب «فضائل الصحابة» باب: قول النبي ﷺ: «لو كنت متخذا خليلا (٣٦٦٤)، ومسلم (٤/ ١٨٦١)، كتاب «فضائل الصحابة» باب: من فضائل عمر رضي الله تعالى عنه (١٧- ١٨/ ٢٣٩٢)، وأحمد (٢/ ٣٦٨، ٤٥٠) عن أبي هريرة.\nوفي الباب عن ابن عمر ﵄: أخرجه البخاري (٧/ ٥٠)، كتاب «فضائل الصحابة» باب: مناقب عمر بن الخطاب ﵁ (٣٦٨٢)، ومسلم (٤/ ١٨٦٢)، كتاب «فضائل الصحابة» باب: فضائل عمر ﵁ (١٩/ ٢٣٩٣)، وأحمد (٢/ ٢٧، ٢٨، ٣٩، ٨٩، ١٠٤، ١٠٧) .","vol":"5","page":358},{"text":"بالاسم مُسَمَّاهُ، والدعاءُ بهاتَيْنِ الكلمتَيْنِ حَسَنٌ مَرْجُوُّ الإجابة، وقد قال ﷺ: «ألظّوا ب:\n«يا ذا الجلال والإكرام» «١» .\nوصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما.\n_________\n(١) أخرجه الترمذي (٥/ ٢٣٩)، كتاب «الدعوات» باب: (٩٢) (٣٥٢٤)، وأحمد (٤/ ١٧٧) .\nقال الترمذي: هذا حديث غريب.","vol":"5","page":359},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1418>تفسير سورة الواقعة</span>\nوهي مكّيّة بإجماع ممّن يعتدّ بقوله روي عن النبيّ ﷺ/ أنّه قال: «من دام على قراءة سورة الواقعة، لم يفتقر» أو قال:\n«لم تصبه فاقة أبدا» «١»، قال ع «٢»: لأنّ فيها ذكر القيامة، وحظوظ الناس في الآخرة، وفهم ذلك غنى لا فقر معه، ومن فهمه شغل بالاستعداد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1419>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ١ الى ٧]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nإِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ (١) لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ (٢) خافِضَةٌ رافِعَةٌ (٣) إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤)\nوَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا (٥) فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا (٦) وَكُنْتُمْ أَزْواجًا ثَلاثَةً (٧)\nقوله سبحانه: إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ الآية، الواقعةُ: اسْمٌ من أسماء القيامة قاله ابن عباس «٣»، وقال الضَّحَّاكُ «٤»: الواقعة: الصيحة، وهي النفخة في الصور، وكاذِبَةٌ:\nيحتمل أَنْ يكون مصدرًا، فالمعنى: ليس لها تكذيب ولا رَدٌّ ولا مَثْنَوِيَّةٌ وهذا قول مجاهد والحسن «٥»، ويحتمل أَنْ يكونَ صفة لِمُقَدَّر، كأَنَّهُ قال: ليس لوقعتها حال كاذبة.\nوقوله سبحانه: خافِضَةٌ رافِعَةٌ قال قتادة وغيره «٦»: يعني القيامة تَخْفضُ أقوامًا إلى النار، وترفع أقوامًا إلى الجنة، وقيل: إنَّ بانفطار السموات والأرض والجبال وانهدام هذه\n_________\n(١) أخرجه الشجري في «أماليه» (٢/ ٢٣٨)، وابن الجوزي في «العلل المتناهية» (١/ ١١٢) باب: ثواب من قرأ سورة الواقعة (١٥١) .\nقال ابن الجوزي: قال أحمد بن حنبل: هذا حديث منكر، وشجاع والسري لا أعرفهما.\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٢٣٨) .\n(٣) أخرجه الطبري (١١/ ٦٢٢) برقم: (٣٣٢٤٥)، وذكره ابن عطية (٥/ ٢٣٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٢١٥)، وعزاه لابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه.\n(٤) أخرجه الطبري (١١/ ٦٢٢) برقم: (٣٣٢٤٤)، وذكره ابن عطية (٥/ ٢٣٨) . [.....]\n(٥) أخرجه الطبري (١١/ ٦٢٢) برقم: (٣٣٢٤٦) عن قتادة، وذكره ابن عطية (٥/ ٢٣٨)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٢٨٢) .\n(٦) أخرجه الطبري (١١/ ٦٢٣) برقم: (٣٣٢٥٠)، وذكره ابن عطية (٥/ ٢٣٩)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٢١٦)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير.","vol":"5","page":360},{"text":"البنية، ترتفعُ طائفةٌ من الأجرام، وتَنْخَفِضُ أُخْرَى، فكأَنَّها عبارة عن شِدَّةِ هول القيامة.\nت: والأَوَّلُ أبين، وهو تفسير البخاريِّ، ومعنى رُجَّتِ: زُلْزِلَتْ وَحُرِّكَتْ بعنف قاله ابن عباس «١»، ومعنى بُسَّتِ: فُتَّتْ كما تُبَسُّ البَسِيسَةُ وهي السَّوِيقُ قاله ابن عباس وغيره «٢»، وقال بعض اللغويين: «بست» معناه: سيِّرَتْ، والهباء: ما يتطاير في الهواء من الأجزاء الدقيقة، ولا يكاد يرى إلا في الشمس إذا دخلتْ من كُوَّةٍ قاله ابن عباس وغيره «٣»، والمُنْبَثُّ- بالثاء المثلثة-: الشائع في جميع الهواء، والخطاب في قوله: وَكُنْتُمْ لجميع العالم، والأزواج: الأنواع، قال قتادة «٤»: هذه منازل الناس يوم القيامة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1420>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٨ الى ١٢]</span>\nفَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢)\nوقوله سبحانه: فَأَصْحابُ/ الْمَيْمَنَةِ: ابتداء، وما ابتداء ثان، وأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ: خبرُ مَا، والجملة خبر الابتداء الأوَّلِ، وفي الكلام معنى التعظيم كما تقول: زيد ما زيد، ونظير هذا في القرآن كثير، والميمنة أظهر ما في اشتقاقها أَنَّها من ناحية اليمين، وقيل من اليمْن، وكذلك المشأمة: إمَّا أَنْ تكونَ من اليد الشُّؤْمى، وإمَّا أَنْ تكونَ من الشؤم، وقد فُسِّرَتِ الآيةُ بهذين المعنيين.\nوقوله تعالى: وَالسَّابِقُونَ: ابتداء، والسَّابِقُونَ الثاني: قال سيبويه: هو خبر الأَوَّلِ، وهذا على معنى تفخيم الأمر وتعظيمه، وقال بعض النحاة: السابقون الثاني نَعْتٌ للأوَّلِ، ومعنى الصفة أَنْ تقولَ: والسابقون إلى الإيمان السابقونَ إلى الجنة والرحمة أَولئك، وَيَتَّجِهُ هذا المعنى على الابتداء والخبر.\nوقوله: أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ: ابتداء وخبر، وهو في موضع الخبر على قول مَنْ\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١١/ ٦٢٣) برقم: (٣٣٢٥٤)، وذكره ابن عطية (٥/ ٢٣٩)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٢٨٢)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٢١٦)، وعزاه لابن أبي حاتم.\n(٢) أخرجه الطبري (١١/ ٦٢٤) برقم: (٣٣٢٥٨)، وذكره ابن عطية (٥/ ٢٣٩)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٢٨٢)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٢١٦)، وعزاه لابن أبي حاتم.\n(٣) ذكره ابن عطية (٥/ ٢٣٩) .\n(٤) أخرجه الطبري (١١/ ٦٢٦) برقم: (٣٣٢٧٣)، وذكره ابن عطية (٥/ ٢٤٠)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٢١٧)، وعزاه لعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر.","vol":"5","page":361},{"text":"قال: السَّابِقُونَ الثاني صفة، والْمُقَرَّبُونَ: معناه: مِنْ اللَّه سبحانه في جَنَّةِ عَدَنٍ، فالسابقون معناه: الذين قد سبقت لهم السعادة، وكانت أعمالُهُمْ في الدنيا سبقًا إلى أعمال البِرِّ وإلى ترك المعاصي، فهذا عمومٌ في جميع الناس، وخَصَّصَ المفسرون في هذه أشياء تفتقر إلى سند قاطع، ورُوِيَ أَنَّ النبي ﷺ سُئِلَ عَنِ السَّابِقِينَ؟ فَقَالَ: «هُمُ الَّذِينَ إذَا أُعْطُوا الْحَقَّ قَبِلُوهُ، وَإذَا سُئِلُوهُ بَذَلُوهُ، وَحَكَمُوا لِلنَّاسِ بِحُكْمِهِمْ لأَنْفُسِهِمْ» والمقربون عبارة عن أعلى منازل البشر في الآخرة، قال جماعة من أهل العلم: هذه الآية متضمنة أَنَّ العالم يوم القيامة على ثلاثة أصناف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1421>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ١٣ الى ٢٥]</span>\nثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤) عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (١٥) مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ (١٦) يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧)\nبِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨) لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ (١٩) وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١) وَحُورٌ عِينٌ (٢٢)\nكَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣) جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا (٢٥)\nوقوله سبحانه: ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ/ مِنَ الْآخِرِينَ الثُّلَّةُ: الجماعة، قال الحسن بن أبي الحسن وغيره «١»: المراد: السابقون من الأمم والسابقون من هذه الأُمَّةِ، ورُوِيَ أَنَّ الصحابة حَزِنُوا لِقِلَّةِ سابقي هذه الأُمَّةِ على هذا التأويل، فنزلت الآية: ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ [الواقعة: ٣٩- ٤٠] فَرَضُوا، ورُوِيَ عن عائشة «٢» أَنَّها تأوَّلَتْ: أَنَّ الفرقتين في أُمَّةِ كُلِّ نبيٍّ هي في الصدر ثلة وفي آخر الأمة قليل، وقال النبيّ ﷺ فيما روي عنه: «الفِرْقَتَانِ في أُمَّتِي، فَسَابِقُ أَوَّلِ الأُمَّةِ ثُلَّةٌ، وَسَابِقُ سَائِرِهَا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ قليلٌ» قال السهيليُّ: وَأَمَّا آخِرُ مَنْ يدخل الجنة، وهو آخِرُ أهل النار خروجًا منها، فرجل اسمه جُهَيْنَةُ، فيقول أهل الجنة: تعالوا نسأَله فعند جهينةَ الخبر اليقين، فيسألونه: هل بَقِيَ في النار أَحَدٌ بعدك مِمَّنْ يقول: لا إله إلا اللَّه؟ وهذا حديث ذكره الدَّارَقُطْنِيُّ من طريق مالك بن أنس، يرفعه بإسناد إلى النبيّ ﷺ ذكره في كتاب رواة مالك بن أنس﵀ «٣» -، انتهى.\nوقوله تعالى: عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ أي: منسوجة بتركيب بعض أجزائها على\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١١/ ٦٢٦) برقم: (٣٣٢٧٦)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٢٨٣)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٢١٧)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن جرير.\n(٢) ذكره ابن عطية (٥/ ٢٤١) .\n(٣) قال الشوكاني في «الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة» (٥١١) (١٢٨): قال في «الذيل»: هذا حديث باطل.","vol":"5","page":362},{"text":"بعض، كحلق الدِّرْعِ، ومنه وَضِينُ الناقة وهو حِزَامُهَا قال ابن عباس «١»: مَوْضُونَةٍ:\nمرمولة بالذهب، وقالَ عِكْرَمَةُ «٢»: مُشَبَّكَةٌ بالدُّرِّ والياقوت يَطُوفُ عَلَيْهِمْ: للخدمة وِلْدانٌ: وهم صغار الخَدَمَةِ، ووصفهم سبحانه بالخلد، وإنْ كان جميعُ ما في الجنة كذلك، إشارةً إلى أَنَّهُم في حال الولدان مُخَلَّدُونَ، لا تكبر لهم سِنٌّ، أي: لا يحولون من حالة إلى حالة وقاله ابن كيسان، وقال الفَرَّاء: مُخَلَّدُونَ معناه: مقرطون بالخلدات وهي ضرب من الأقراط والأَوَّلُ أصوب، / لأَنَّ العربَ تقول للذي كَبُرَ ولم يَشِبْ: إِنَّهُ لَمُخَلَّدٌ، والأكواب: ما كان من أواني الشرب لا أَذُنَ له ولا خُرْطُومَ، قال قتادة «٣»: ليست لها عُرًى، والإبريق: ماله خرطوم، والكأس: الآنية المُعَدَّةُ للشرب بشريطةِ أَنْ يكونَ فيها خمر، ولا يقال لآنية فيها ماء أو لبن كأس.\nوقوله: مِنْ مَعِينٍ قال ابن عباس «٤»: معناه من خمر سائلة جارية معينة.\nوقوله: لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْها ذهب أكثر المفسرينَ إلى أنّ المعنى: لا يلحق رؤوسهم الصداعُ الذي يَلْحَقُ من خمر الدنيا، وقال قوم: معناه: لا يفرقون عنها بمعنى لا تقطعُ عنهم لَذَّتُهُمْ بسببٍ من الأسباب، كما يفرق أهل خمر الدنيا بأنواعٍ من التفريق، وَلا يُنْزِفُونَ معناه: لا تذهب عقولُهم سكرًا قاله مجاهد وغيره «٥»، والنزيف: السكران، وباقي الآية بَيِّنٌ، وَخصَّ المكنون باللؤلؤ لأَنه أصفى لونًا وأبعدُ عن الغير، وسألتْ أُمُّ سَلَمَةَ رسولَ الله ﷺ عَنْ هَذَا التَّشْبِيهِ، فَقَالَ: «صَفَاؤُهُنَّ كَصَفَاءِ الدُّرِّ في الأصداف الّذي لا تمسّه الأيدي» «٦» وجَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ أي: إنَّ هذه الرتبَ والنعيمَ هي لهم بحسب أعمالهم لأَنَّهُ رُوِيَ أَنَّ المنازل والقسم في الجنة هي مقتسمة على قدر الأعمال، ونفس\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١١/ ٦٢٨) برقم: (٣٣٢٨١)، وذكره ابن عطية (٥/ ٢٤١)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٢٨٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٢١٩)، وعزاه لسعيد بن منصور، وهناد، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في «البعث» .\n(٢) أخرجه الطبري (١١/ ٦٢٨) برقم: (٣٣٢٨٥)، وذكره ابن عطية (٥/ ٢٤١)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٢٨٦) .\n(٣) أخرجه الطبري (١١/ ٦٣٠) برقم: (٣٣٣٠٣)، وذكره ابن عطية (٥/ ٢٤٢) .\n(٤) أخرجه الطبري (١١/ ٦٣٠) برقم: (٣٣٣٠٥)، وذكره ابن عطية (٥/ ٢٤٢) .\n(٥) أخرجه الطبري (١١/ ٦٣٠) برقم: (٣٣٣١٦)، وذكره ابن عطية (٥/ ٢٤٢)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٢٨٦) . [.....]\n(٦) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١١/ ٦٣٣) برقم: (٣٣٣٣٠)، وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٧/ ١٢٢) في حديث طويل.\nقال الهيثمي: رواه الطبراني وفيه سليمان بن أبي حاتم وابن عدي.","vol":"5","page":363},{"text":"دخول الجنة هو برحمة اللَّه وفضله، لا بعمل عامل كما جاء في الصحيح «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1422>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٢٦ الى ٣٨]</span>\nإِلاَّ قِيلًا سَلامًا سَلامًا (٢٦) وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ (٢٧) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠)\nوَماءٍ مَسْكُوبٍ (٣١) وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ (٣٣) وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (٣٤) إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً (٣٥)\nفَجَعَلْناهُنَّ أَبْكارًا (٣٦) عُرُبًا أَتْرابًا (٣٧) لِأَصْحابِ الْيَمِينِ (٣٨)\nوقوله تعالى: إِلَّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا قال أبو حيان «٢»: «إلاَّ قِيلًا سَلاَمًا سَلاَمًا» الظاهر أَنَّ الاستثناءَ مُنْقَطِعٌ لأَنَّهُ لا يَنْدَرِجُ في اللغو والتأثيم، وقيل مُتَّصِلٌ، وهو بعيد، انتهى، قال الزّجّاج «٣»: وسَلامًا مصدر، كأَنَّهُ يذكر أَنَّهُ يقول بعضهم لبعض: سلامًا سلامًا.\nت: قال الثعلبيُّ: والسِّدْرُ: شجر النبق ومَخْضُودٍ أي: مقطوع الشوك، قال﵇ «٤»: ولأهل تحرير النظر هنا إشارةٌ في أَنَّ هذا الخضد بإزاء أعمالهم التي سلموا منها إذ أهل اليمين تَوَّابُونَ لهم سلام، وليسوا بسابقين، قال الفخر: وقد بان لي بالدليل أَنَّ المراد بأصحاب اليمين: الناجون الذين أذنبوا وأسرفوا، وعفا اللَّه تعالى عنهم بسبب أدنى حَسَنَةٍ لا الذين غلبت حسناتُهُم وكَثُرَتْ، انتهى.\nوالطلح (من العِضَاهِ) شَجَرٌ عظيم، كثيرُ الشوك، وصفه في الجنة على صفة مباينة لحال الدنيا، ومَنْضُودٍ معناه: مُرَكَّبٌ ثمره بعضُه على بعض من أرضه إلى أعلاه، وقرأ علي﵁- وغيره: «وَطَلْعٍ» «٥» فقيل لعليِّ: إنَّما هو: «وطَلْحٍ» فقال: ما للطلح والجنة؟! قيل له: أَنُصْلِحُهَا في المصحف؟ فقال: إنَّ المصحفَ اليومَ لا يهاج ولا يغيّر.\n_________\n(١) روي في هذا المعنى أناس من الصحابة، فقد أخرج الإمام مسلم (٤/ ٢١٧٠، ٢١٧١)، كتاب «صفات المنافقين» باب: لن يدخل أحد الجنة بعمله، بل برحمة الله تعالى (٧١، ٧٦/ ٢٨١٦- ٢٨١٧)، و(٧٧- ٧٨/ ٢٨١٨) عن أبي هريرة، وعائشة، وجابر ﵃.\nوأخرجه أحمد (٢/ ٢٥٦، ٣٣٦، ٣٤٣، ٣٤٤، ٣٨٥، ٣٨٦، ٣٩٠، ٤٦٩، ٤٧٣، ٥٠٩، ٥١٩، ٥٢٤) عن أبي هريرة (٣/ ٣٩٤) عن جابر، (٣/ ٥٢) عن أبي سعيد.\n(٢) ينظر: «البحر المحيط» (٨/ ٢٠٦) .\n(٣) ينظر: «معاني القرآن» (٥/ ١١٢) .\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٢٤٣) .\n(٥) ينظر: «مختصر الشواذ» ص: (١٥١)، و«الكشاف» (٤/ ٤٦١)، و«المحرر الوجيز» (٥/ ٢٤٤)، وزاد نسبتها إلى جعفر بن محمّد.\nوينظر: «البحر المحيط» (٨/ ٢٠٦)، و«الدر المصون» (٦/ ٢٥٩)، وزادا نسبتها إلى عبد الله بن مسعود.","vol":"5","page":364},{"text":"وقال عليُّ أيضًا وابن عباس «١»: الطلح الموز، والظل الممدود: معناه: الذي لا تنسخه شمس، وتفسير ذلك في قوله ﷺ: «إنَّ فِي الجَنَّةِ شَجَرَةٌ يَسِيرُ الرَّاكِبُ الجَوَادُ المُضَمَّر في ظِّلِّهَا مِائَةَ سَنَةٍ لاَ يَقْطَعْها» «٢»، واقرؤوا إنْ شِئْتُمْ: وَظِلٍّ مَمْدُودٍ، إلى غير هذا من الأحاديث في هذا المعنى.\nت: وفي «صحيحي البخاريّ ومسلم» عن النبي ﷺ: «إنَّ في الجَنَّةِ شَجْرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ في ظِلِّهَا مِائَةَ سَنَةٍ لاَ يَقْطَعُهَا، وَلَقَابُ قَوْسِ أَحَدِكُمْ في الجَنَّةِ خَيْرٌ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ أوْ تَغْرُبُ»»\nانتهى.\nوَماءٍ مَسْكُوبٍ أي: جارٍ في غير أُخْدُودٍ.\nلاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ أي: لا مقطوعة بالأزمان كحال فاكهة الدنيا، ولا ممنوعةٌ بوجه من الوجوه التي تمتنع بها فاكهةُ الدنيا، والفُرُشُ: الأَسِرَّةُ وعن أبي سعيد الخُدْرِيِّ «٤»: إنَّ في ارْتِفَاعِ السَّرِيرِ مِنْهَا مَسِيرَةَ خَمْسِ مِائَةِ سَنَةٍ.\nت: وهذا إنْ ثبت فلا بُعْدَ/ فيه، إذْ أحوال الآخرة كلها خَرْقُ عادة، وقال أبو عبيدةَ وغيره: أراد بالفرش النساء «٥»، ومَرْفُوعَةٍ معناه: في الأقدار والمنازل، وأَنْشَأْناهُنَّ معناه: خلقناهن شيئًا بَعْدَ شيء وقال النبيُّ ﷺ في تفسير هذه الآية: «هنّ\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١١/ ٦٣٦) عن ابن عبّاس برقم: (٣٣٣٥٠)، وعن علي ﵁ برقم:\n(٣٣٣٥٥)، وذكره ابن عطية (٥/ ٢٤٤)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٢٨٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٢٢٢)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم.\n(٢) أخرجه البخاري (١١/ ٤٢٤) كتاب «الرقاق» باب: صفة الجنة والنار (٦٥٥٣)، ومسلم (٤/ ٢١٧٦)، كتاب «الجنة وصفة نعيمها وأهلها» باب: إنَّ في الجَنَّةِ شَجْرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ في ظلها مائة عام لا يقطعها (٢٨٢٨) عن أبي سعيد الخدري.\n(٣) وهم المؤلف فجعل الحديثين حديثا واحدا، فالطرف الأول: «إن في الجنة ... لا يقطعها» في «الصحيحين» كما قال. وانظر السابق.\nأما الطرف الثاني: فقد أخرجه البخاري (٦/ ١٧)، كتاب «الجهاد والسير» باب: الغدوة والروحة في سبيل الله وقاب قوس أحدكم في الجنة (٢٧٩٣)، (٦/ ٣٦٨)، كتاب «بدء الخلق» باب: ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة (٢٣٥٣)، وأحمد (٢/ ٤٨٢) عن أبي هريرة، والترمذي (٤/ ١٨١)، كتاب «فضائل الجهاد» باب: ما جاء في فضل الغدوّ والرواح في سبيل الله (١٦٥١)، وأحمد (٣/ ١٤١، ١٥٣، ١٥٧، ٢٠٧، ٢٦٣، ٢٦٤) عن أنس ﵁.\nقال الترمذي: هذا حديث صحيح.\n(٤) تقدم تخريجه.\n(٥) ذكره ابن عطية (٥/ ٢٤٤) .","vol":"5","page":365},{"text":"عّجائِزُكُنَّ في الدُّنْيَا عُمْشًا رُمْصًا جَعَلَهُنَّ اللَّهُ بَعْدَ الْكِبَرِ أَتْرَابًا» «١»، وَقَالَ لِلْعَجُوزِ: «إنَّ الْجَنَّةَ لاَ يَدْخُلُهَا الْعَجُوزُ، فَحَزِنَتْ، فَقَالَ: إنَّكِ إذَا [دَخَلْتِ الْجَنَّةَ أُنْشِئْتِ خَلْقًا آخَرَ «٢»» .\nوقوله سبحانه: فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكارًا قيل: معناه: دائمة البكارة، متى عاود الوطء] «٣» وجدها بكرًا، والعُرُبُ: جمع عَرُوبٍ، وهي المُتَحَبِّبَةُ إلى زوجها بإِظهار محبته قاله ابن عباس «٤»، وعبر عنهنَّ ابن عباس أيضًا بالعواشق «٥»، وقال زيد: العروب: الحسنة الكلام «٦» .\nت: قال البخاريُّ: والعروب يسميها أَهْلُ مَكَّةَ العَرِبَةَ، وأهل المدينة: الغَنِجَة، وأَهل العراق: الشَّكِلَة، انتهى.\nوقوله: أَتْرابًا معناه: في الشكل والقَدِّ، قال قتادة «٧»: أَتْرابًا يعني: سِنًّا واحدة، ويُرْوَى أَنَّ أَهل الجنة هم على قَدِّ ابن أربعةَ عَشَرَ عامًا في الشباب، والنُّضْرَةِ، وقيل: على مثال أبناء ثلاثٍ وثلاثين سنةً، مُرْدًا بيضًا، مُكَحَّلِينَ، زاد الثعلبيُّ: على خَلْقِ آدَم، طولُه ستون ذراعا في سبعة أذرع.\n_________\n(١) أخرجه الترمذي (٥/ ٤٠٢)، كتاب «التفسير» باب: ومن سورة الواقعة (٣٢٩٦)، من حديث أنس ﵁.\nقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه مرفوعا إلا من حديث موسى بن عبيدة، وموسى بن عبيدة ويزيد بن أبان الرقاشي يضعفان الحديث، ومن طريق عائشة ﵂: أخرجه الطبري (١١/ ٦٤١) (٣٣٠٤٢) نحوه.\n(٢) أخرجه الترمذي في «الشمائل» (١٩٧، ١٩٩) (٢٤١)، والغزالي في «الإحياء» (٣/ ١٢٩) .\nوذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٢٢٤)، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، والبيهقي في «البعث» عن الحسن.\nوفي الباب عن عائشة، ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٤٢٢)، كتاب «صفة الجنة» باب: فيمن يدخل الجنة من عجائز الدنيا.\nقال الهيثمي: رواه الطبراني في «الأوسط»، وفيه مسعد بن اليسع وهو ضعيف.\n(٣) سقط في: د. [.....]\n(٤) أخرجه الطبري (١١/ ٦٤٢) برقم: (٣٣٤٠٦)، وذكره البغوي (٤/ ٢٨٤)، وابن عطية (٥/ ٢٤٥)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٢٩٢)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٢٢٥)، وعزاه لابن جرير.\n(٥) أخرجه الطبري (١١/ ٦٤١) برقم: (٣٣٤٠٥)، وذكره ابن عطية (٥/ ٢٤٥)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٢٩٢)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٢٢٥)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي.\n(٦) أخرجه الطبري (١١/ ٦٤٢) برقم: (٣٣٤١٥)، وذكره البغوي (٤/ ٢٨٤)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٢٩٢)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٢٢٦)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم.\n(٧) أخرجه الطبري (١١/ ٦٤٤)، برقم: (٣٣٤٣٥)، وذكره ابن عطية (٥/ ٢٤٥)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٢٢٥)، وعزاه لعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر.","vol":"5","page":366},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1423>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٣٩ الى ٥٠]</span>\nثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠) وَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ (٤١) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣)\nلا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ (٤٤) إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُتْرَفِينَ (٤٥) وَكانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (٤٦) وَكانُوا يَقُولُونَ أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُرابًا وَعِظامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٤٧) أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ (٤٨)\nقُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٥٠)\nوقوله سبحانه: ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ قال الحسن بن أبي الحسن وغيره: الأولون سالف الأُمَمِ، منهم جماعةٌ عظيمة أصحابُ يمين، والآخِرُونَ: هذه الأُمَّةُ، منهم جماعة عظيمة أهلُ يمين «١»، قال ع «٢»: بل جميعهم إلاَّ مَنْ كان مِنَ السابقين، وقال قوم من المتأولين: هاتان الفرقتان في أُمَّةِ محمد، ورَوَى ابن عبّاس عن النبي ﷺ أَنَّه قال: «الثُّلَّتَانِ مِنْ أُمَّتِي» «٣»، وروى ابن المبارك في «رقائقه» عن النبيّ ﷺ أَنَّهُ قال: «إنَّ أُمَّتِي ثُلُثَا أَهْلِ الجَنَّةِ، وَالنَّاسُ يَوْمَئِذٍ عِشْرُونَ وَمِائَةُ صَفٍّ، وَإِنَّ أُمَّتِي مِنْ ذَلِكَ ثَمَانُونَ صَفًّا» «٤» انتهى.\nوقوله سبحانه: وَأَصْحابُ الشِّمالِ ... الآية: في الكلام معنى الإنحاء عليهم/ وتعظيم مصائبهم، والسَّمُومُ: أشد ما يكون من الحَرِّ اليابس الذي لا بَلَلَ معه، والحميم: السخن جِدًّا من الماء الذي في جهنم، واليَحْمُومُ: هو الدخانُ الأسودُ يُظِلُّ أهلَ النار قاله ابن عباس «٥» والجمهور، وقيل: هو سرادق النار المحيط بأهلها فإنَّهُ يرتفع من كل ناحية حتى يُظِلَّهُم، وقيل: هو جبل في النار أسود.\nوقوله: وَلا كَرِيمٍ معناه: ليس له صفة مدح، قال الثعلبيُّ: وعن ابن المُسَيِّبِ وَلا كَرِيمٍ أي: ولا حسن «٦» نظيره من كل زوج كريم، وقال قتادة: لاَّ بارِدٍ: النزل وَلا كَرِيمٍ: المنظر «٧»، وهو الظِلُّ الذي لا يغني من اللهب، انتهى، والمترف: المنعّم\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١١/ ٦٤٤)، برقم: (٣٣٤٣٨)، وذكره ابن عطية (٥/ ٢٤٥) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٢٤٥) .\n(٣) ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٢٢٧) موقوفا على ابن عبّاس، وعزاه إلى عبد الرزاق، وابن المنذر، وابن مردويه.\n(٤) أخرجه نعيم بن حماد في زياداته على كتاب «الزهد» (١١٣) (٣٧٩) .\n(٥) أخرجه الطبري (١١/ ٦٤٦)، برقم: (٣٣٤٥٠)، وذكره ابن عطية (٥/ ٢٤٦)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٢٩٤)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٢٢٨)، وعزاه للفريابي، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه.\n(٦) ذكره البغوي (٤/ ٢٨٦) .\n(٧) أخرجه الطبري (١١/ ٦٤٨) برقم: (٣٣٤٦٤)، وذكره البغوي (٤/ ٢٨٦)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٢٩٤)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٢٢٨)، وعزاه لعبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر.","vol":"5","page":367},{"text":"في سرف، وتخوض، ويُصِرُّونَ معناه: يعتقدون اعتقادا لا ينزعون عنه، والْحِنْثِ:\nالإثم، وقال الثعلبيُّ: وَكانُوا يُصِرُّونَ: يقيمون عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ أي: الذنب، انتهى، ونحوهُ للبخاريِّ، وهو حَسَنٌ نحو ما في الرسالة، قال قتادة وغيره «١»: والمراد بهذا الإثم العظيم: الشركُ، وباقي الآية في استبعادهم للبعث، وقد تقدم بيانه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1424>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٥١ الى ٥٧]</span>\nثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣) فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤) فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (٥٥)\nهذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (٥٦) نَحْنُ خَلَقْناكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ (٥٧)\nوقوله سبحانه: ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ: مخاطبة لكفّار قريش ومن كان في حالهم، ومِنْ في قوله: مِنْ زَقُّومٍ لبيان الجنس، والضمير في مِنْهَا عائد على الشجر، والضمير في عَلَيْهِ عائد على المأكول، والْهِيمِ قال ابن عباس وغيره «٢»:\nجمع «أهيم» وهو الجمل الذي أصابه الهُيَامُ- بضم الهاء-، وهو داء مُعْطِشٌ يشرب الجملُ حتى يموتَ أو يسقمَ سَقَمًا شديدًا، وقال قوم هو: جمع «هائم» وهو أيضًا من هذا المعنى لأَنَّ الجملَ إذا أصابه ذلك الداءُ، هام على/ وجهه وذهب، وقال ابن عباس أيضًا وسفيان الثوري «٣»: الْهِيمِ: الرمال التي لا تُرْوَى من الماء، والنزل أول ما يأكل الضيف، والدِّينِ: الجزاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1425>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٥٨ الى ٦٣]</span>\nأَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ (٥٩) نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ (٦١) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ (٦٢)\nأَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ (٦٣)\nوقوله سبحانه: أَفَرَأَيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ الآية: وليس يوجد مفطورٌ، يخفى عليه أَنَّ المَنِيَّ الذي يخرُجُ منه ليس له فيه عمل ولا إرادة ولا قدرة، وقرأ الجمهور: «قَدَّرْنَا» وقرأ ابن كثير وحده «٤»: «قَدَرْنَا» بتخفيف الدال، فيحتمل أَنْ يكونَ المعنى فيهما: قضينا وأثبتنا، ويحتمل\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١١/ ٦٤٨) برقم: (٣٣٤٧٤)، وذكره ابن عطية (٥/ ٢٤٦)، وابن كثير في «تفسيره» (٥/ ٢٩٥) .\n(٢) أخرجه الطبري (١١/ ٦٥٠)، برقم: (٣٣٤٧٧)، وذكره ابن عطية (٥/ ٢٤٦)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٢٩٥)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٢٢٨)، وعزاه للطستي.\n(٣) أخرجه الطبري (١١/ ٦٥١)، برقم: (٣٣٤٨٥)، عن سفيان، وذكره ابن عطية (٥/ ٢٤٧)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٢٢٩)، وعزاه لسفيان بن عيينة في جماعة عن ابن عبّاس ﵄. [.....]\n(٤) ينظر: «السبعة» (٦٢٣)، و«الحجة» (٦/ ٢٦١)، و«إعراب القراءات» (٢/ ٣٤٧)، و«حجة القراءات»","vol":"5","page":368},{"text":"أَنْ يكون بمعنى: سَوَّيْنَا، قال الثعلبيُّ عنِ الضحاك «١»: أي: سَوَّيْنَا بين أهل السماء وأهل الأرض.\nوقوله: وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ أي: على تبديلكم إنْ أردناه، وأَنْ نُنْشِئَكُمْ بأوصاف لا يصلها علمُكُم، ولا يُحيطُ بها فكركم، قال الحسن «٢»: من كونهم قردةً وخنازيرَ لأَنَّ الآية تنحو إلى الوعيد، والنَّشْأَةَ الْأُولى: قال أكثر المفسرين: إشارة إلى خلق آدم، وقيل: المراد: نشأة الإنسان في طفولته، وهذه الآية نَصٌّ في استعمال القياس والحَضِّ عليه، وعبارة الثعلبي: ويقال: النَّشْأَةَ الْأُولى نطفة، ثم عَلَقَةٌ، ثم مُضْغَةٌ، ولم يكونوا شيئًا فَلَوْلا أي: فهلا تذكرون أَنِّي قادر على إعادتكم كما قَدَرْتُ على إبدائكم، وفيه دليل على صِحَّةِ القياس لأَنَّهُ عَلَّمَهُمْ سبحانه الاستدلال بالنشأة الأولى على النشأة الأخرى، انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1426>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٦٤ الى ٧٤]</span>\nأَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٦٧) أَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨)\nأَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ (٧٠) أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ (٧٢) نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً وَمَتاعًا لِلْمُقْوِينَ (٧٣)\nفَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤)\nوقوله سبحانه: أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أي: زرعًا يتم أَمْ نَحْنُ: وروى أبو هريرة عن النبيّ ﷺ أَنَّهُ قال: «لاَ تَقُلْ: زَرَعْتُ، وَلَكِنْ قُلْ حَرَثْتُ، ثُمَّ تَلاَ أَبُو هُرَيْرَةَ هَذِهِ الآية» «٣» والحطام: اليابس المُتَفَتِّتُ من النبات الصائر إلى ذهاب، وبه شبّه حطام الدنيا/ وتَفَكَّهُونَ قال ابن عباس وغيره «٤»: معناه تعجبون، أي: ممّا نزل بكم، وقال ابن\n_________\n(٦٩٦)، و«العنوان» (١٨٥)، و«شرح الطيبة» (٦/ ٣٧)، و«شرح شعلة» (٥٩٦)، و«إتحاف» (٢/ ٥١٦)، و«معاني القراءات» (٣/ ٥١) .\n(١) ذكره البغوي (٤/ ٢٨٧)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٢٩٥) .\n(٢) ذكره البغوي (٤/ ٢٨٧)، وابن عطية (٥/ ٢٤٨) .\n(٣) أخرجه السهمي في «تاريخ جرجان» (٤١١) (٧١٦)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٤/ ٢١١- ٢١٢) (٥٢١٧)، وابن جرير الطبري في «تفسيره» (١١/ ٦٥٢)، برقم: (٦٥٢)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٢٣٠)، وزاد نسبته إلى البزار، وأبي نعيم.\n(٤) أخرجه الطبري (١١/ ٦٥٣)، برقم: (٣٣٤٩٣)، وذكره ابن عطية (٥/ ٢٤٩)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٢٩٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٢٣٠)، وعزاه لابن جرير عن ابن عبّاس ﵄.","vol":"5","page":369},{"text":"زيد «١»: معناه: تتفجعون، قال ع «٢»: وهذا كله تفسير لا يَخُصُّ اللفظة، والذي يخص اللفظةَ هو تطرحون الفكاهةَ عن أنفسكم، وقولهم: إِنَّا لَمُغْرَمُونَ قبله محذوف تقديره: يقولون، وقرأ عاصم الجَحْدَرِيُّ «٣»: «أَإنَّا لَمُغْرَمُونَ» بهمزتين على الاستفهام، والمعنى يحتمل أَنْ يكونَ: إنا لمغرمون من الغرام، وهو أَشَدُّ العذاب، ويحتمل: إنَّا لمحملون الغرم، أي: غرمنا في النفقةَ، وذَهَبَ زَرْعُنَا، وقد تَقَدَّمَ تفسيرُ المحروم، وأَنَّهُ الذي تبعد عنه مُمْكِنَاتُ الرزق بعد قُرْبها منه، وقال الثعلبيُّ: المحروم ضد المرزوق، انتهى، والْمُزْنِ: هو السحاب، والأجاج: أشدّ المياه ملوحة، وتُورُونَ معناه:\nتقتدحون من الأزند تقول: أوريتُ النارَ من الزِّنَادِ، والزنادُ: قد يكون من حجر وحديدة، ومن شجر، لا سيما في بلاد العرب، ولا سيما في الشجر الرَّخْوِ كالمَرَخِ والعفار والكلخ، وما أشبهه، ولعادة العرب في أزنادهم من شجر قال تعالى: أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أي: التي تقدح منها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ نَحْنُ جَعَلْناها: يعني نار الدنيا تَذْكِرَةً للنار الكبرى، نارِ جهنم قاله مجاهد وغيره «٤»، والمتاع: ما يُنْتَفَعُ به، والمُقْوِينَ: في هذه الآية الكائنين في الأرض القَوَاءِ، وهي الفَيَافي، ومن قال معناه:\nللمسافرين فهو نحو ما قلناه، وهي عبارة ابن عباس «٥» - ﵁- تقول: أَقْوَى الرَّجُلُ: إذا دَخَلَ في الأرض القواء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1427>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٧٥ الى ٨٠]</span>\nفَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)\nتَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٨٠)\nوقوله سبحانه: فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ الآية: قال بعض النحاة: «لا» زائدة،\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٥/ ٢٤٩)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٢٩٦) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٢٥١) .\n(٣) وقرأ بها الأعمش، وأبو بكر.\nينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٢٤٩)، و«البحر المحيط» (٨/ ٢١١)، و«الدر المصون» (٦/ ٢٦٤)، و«حجة القراءات» (٦٩٧) .\n(٤) أخرجه الطبري (١١/ ٦٥٦)، برقم: (٣٣٥١١)، وذكره البغوي (٤/ ٢٨٨)، وابن عطية (٥/ ٢٤٩)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٢٩٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٢٣٠)، وعزاه لهناد، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر.\n(٥) أخرجه الطبري (١١/ ٦٥٦)، برقم: (٣٣٥١٤)، وذكره ابن عطية (٥/ ٢٥٠)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٢٩٧)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٢٣٠)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه.","vol":"5","page":370},{"text":"والمعنى: فأقسم، وزيادتها في بعض المواضع معروفة، وقرأ الحسن وغيره: «فَلأُقْسِمُ» من غير ألف، وقال بعضهم: «لا» نافية كأَنَّهُ قال: فلا صِحَّةَ لما يقوله الكفار، ثم ابتدأ:\nأقسم بمواقع النجوم، والنجوم: هنا قال ابن عباس وغيره»\n: هي نجوم القرآن وذلك أَنَّهُ روي أَنَّ القرآن نزل في ليلة القدر إلى سماء الدنيا، وقيل: إلى البيت المعمور جملة واحدة، ثم نزل بعد ذلك على النبي ﷺ نُجُومًا مُقَطَّعَةً مدة من عشرين سنةً، قال ع «٢»: ويؤيده عودُ الضمير على القرآن في قوله: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ وقال كثير من المفسرين: بلِ النجوم هنا هي الكواكب المعروفة، ثم اختلف هؤلاء في مواقعها، فقيل:\nغروبها وطلوعها، وقيل: مواقعها عند انقضاضها إثْرَ العفاريت.\n[وقوله:] وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ: تأكيد.\nوقوله: لَوْ تَعْلَمُونَ: اعتراض.\nوقوله: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ: هو الذي وقع القسم عليه.\nوقوله: فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ الآية: المكنون: المصون قال ابن عباس وغيره «٣»:\nأراد الكتابَ الذي في السماء، قال الثعلبيُّ: ويقال: هو اللوح المحفوظ.\nوقوله: لاَّ يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ يعني: الملائكة، وليس في الآية على هذا التأويل تَعَرُّضٌ لحكم مَسِّ المصحف لسائر بني آدم، وقال بعض المتأولين: أراد بالكتاب مصاحِفَ المسلمين، ولم تكن يومئذ، فهو إخبار بغيب مضمنه النهي، فلا يَمَسُّ المصحفَ من بني آدم إلاَّ الطاهرُ من الكفر والحَدَثِ وفي كتاب رسول الله ﷺ لعمرو بن حَزْمٍ: «لاَ يَمَسَّ القرآنَ إلاَّ طَاهِرٌ» «٤»، وبِهِ أخذ مالك، وقرأ سليمان «٥»: إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ- بكسر الهاء-.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١١/ ٦٥٨)، برقم: (٣٣٥٢٨)، وذكره البغوي (٤/ ٢٨٩)، وذكره ابن عطية (٥/ ٢٥١)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٢٩٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٢٣١)، وعزاه لابن مردويه.\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٢٥١) .\n(٣) أخرجه الطبري (١١/ ٦٥٩)، برقم: (٣٣٥٣٣)، وذكره ابن عطية (٥/ ٢٥١)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٢٩٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٢٣٢)، وعزاه لآدم، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي في «المعرفة» . [.....]\n(٤) تقدم.\n(٥) وقرأ بها أبان بن تغلب.\nينظر: «مختصر الشواذ» ص: (١٥٢)، و«المحرر الوجيز» (٥/ ٢٥٢)، و«البحر المحيط» (٨/ ٢١٤)، و«الدر المصون» (٦/ ٢٦٨) .","vol":"5","page":371},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1428>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٨١ الى ٨٤]</span>\nأَفَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢) فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤)\nوقوله تعالى: أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ: / يعني القرآن المتضمن البعث، ومُدْهِنُونَ معناه: يلاينُ بعضُكم بعضًا، ويتبعه في الكفر مأخوذ من الدُّهْنِ للينه واملاسِّه، وقال ابن عباس «١»: المُدَاهَنَةُ: هي المهاودة فيما لا يَحِلُّ، والمُدَارَاةُ: هي المهاودة فيما يَحِلُّ، ونقل الثعلبيُّ أَنَّ أدهن وداهن بمعنى واحد، وأصله من الدُّهْنِ، انتهى.\nوقوله سبحانه: وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ: أجمع المفسرون على أَنَّ الآيةَ توبيخ للقائلين في المطر الذي ينزله اللَّه تعالى رزقًا للعباد: هذا بِنَوْءِ كذا، والمعنى:\nوتجعلون شُكْرَ رزقكم، وحكى الهيثم بن عدي أَنَّ من لغة أزد شنوءة: ما رزق فلان بمعنى ما شكر، وكان عليٌّ يقرأ «٢»: «وَتَجْعَلُونَ شُكْرَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ» وكذلك قرأ ابن عباس «٣»، ورويت عن النبي ﷺ وقد أخبر اللَّه سبحانه فقال: وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ مَاءً مُبارَكًا فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ. وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ رِزْقًا لِلْعِبادِ [ق: ٩، ١٠، ١١] فهذا معنى قوله: أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ أي: بهذا الخبر، قال ع «٤»: والمنهيُّ عنه هو أَنْ يعتقد أَنَّ للنجوم تأثيرًا في المطر.\nوقوله سبحانه: فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ يعني: بلغت نفسُ الإنسان، والحُلْقُومُ:\nمجرى الطعام، وهذه الحال هي نزع المرء للموت.\nوقوله: وَأَنْتُمْ إشارة إلى جميع البشر حينئذ، أي: وقتَ النزع تَنْظُرُونَ: إليه، وقال الثعلبيُّ: وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ إلى أمري وسلطاني، يعني: تصريفه سبحانه في الميت، انتهى، والأَوَّلُ عندي أحسن، وعزاه الثعلبيّ لابن عبّاس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1429>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٨٥ الى ٨٧]</span>\nوَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ (٨٥) فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٨٧)\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١١/ ٦٦١)، برقم: (٣٣٥٥١)، عن مجاهد، وذكره ابن عطية (٥/ ٢٥٢)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٢٣٣)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر.\n(٢) ينظر: «مختصر الشواذ» ص: (١٥٢)، و«المحتسب» (٢/ ٣١٠)، و«الكشاف» (٤/ ٤٦٩)، و«المحرر الوجيز» (٥/ ٢٥٢)، و«البحر المحيط» (٨/ ٢١٤)، و«الدر المصون» (٦/ ٢٦٩) .\n(٣) ينظر: مصادر القراءة السابقة.\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٢٥٣) .","vol":"5","page":372},{"text":"وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ أي: / بالقدرة والعلم، ولا قدرةَ لكم على دفع شيء عنه، وقيل: المعنى: وملائكتنا أقربُ إليه منكم، ولكن لا تبصرونهم، وعلى التأويل الأَوَّل من البصر بالقلب.\nفَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ أي: مملوكين أَذِلاَّءَ، والمدين: المملوك، هذا أَصَحُّ ما يقال في هذه اللفظة هنا، ومَنْ عبَّرَ عنها بمُجَازَى أو بُمُحَاسَبٍ، فذلك هنا قلق، والمملوك مُقَلَّبٌ كيف شاء المالكُ، ومن هذا الملك قول الأخطل: [الطويل]\nرَبَتْ وَرَبَا فِي حَجْرِهَا ابن مَدِينَةٍ ... تَرَاهُ على مِسْحَاتِهِ يَتَرَكَّلُ «١»\nأراد ابن أَمَةٍ مملوكة، وهو عبد يخدم الكرم، وقد قيل في معنى البيت: [إِنَّه] أراد أَكَّارًا حضريًا، فنسبه إلى المدينة، فمعنى الآية: فهل لا ترجعون النفسَ البالغة الحلقوم إِنْ كنتم غير مملوكين مقهورين؟.\nوقوله: تَرْجِعُونَها سَدَّ مَسَدَّ الأجوبة، والبيانات التي تقتضيها التحضيضات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1430>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٨٨ الى ٩٠]</span>\nفَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ (٨٩) وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ (٩٠)\nوقوله تعالى: فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ الآية، ذكر سبحانه في هذه الآيةِ حال الأزواج الثلاثةَ المذكورين في أَولِ السورة، وحال كلّ امرئ منهم، فَأَمَّا المرءُ من السابقين المقربين، فَيَلْقَى عند موته رَوْحًا وريحانًا، والرَّوْحَ: الرحمة والسعة والفرح ومنه: [وَلا تَيْأَسُوا مِنْ] رَوْحِ اللَّهِ [يوسف: ٨٧] والريحان: الطيب، وهو دليل النعيم، وقال مجاهد «٢»: الريحان: الرزق، وقال الضَّحَّاكُ «٣»: الريحان الاستراحة، قال ع «٤»:\nالريحان ما تنبسط إليه النفوس، ونقل الثعلبيُّ عن أبي العالية قال: لا يفارق أحد من\n_________\n(١) البيت في «ديوانه» (٢٢٤) .\nوينظر: «البحر المحيط» (٨/ ٢١٤)، و«المحرر الوجيز» (٥/ ٢٥٣)، ويتركل: يفتت ما اجتمع من الرمل بقدميه، وهنا يقصد: رمل الكرم الذي زرعت فيه أم الخمرة، واصفا مهارة صاحب هذا الكرم.\n(٢) أخرجه الطبري (١١/ ٦٦٦)، برقم: (٣٣٥٧٩)، وذكره البغوي (٤/ ٢٩١)، وابن عطية (٥/ ٢٥٤)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٣٠٠)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٢٣٩)، وعزاه لهناد بن السري، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر.\n(٣) أخرجه الطبري (١١/ ٦٦٥) برقم (٣٣٥٧٧) عن ابن عبّاس، وذكره ابن عطية (٥/ ٢٥٤)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٢٤٠) وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير.\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٢٥٤) .","vol":"5","page":373},{"text":"المقربين الدنيا حتى يُؤْتَى بغصنٍ من ريحان الجنة فَيَشُمُّهُ، ثم يُقْبَضُ روحه فيه، ونحوه عن الحسن «١»، انتهى.\nفإنْ أردت يا أخي اللحوق بالمقربين والكون في زمرة السابقين، فاطرح عنك دنياك وأقبلْ/ على ذكر مولاك، واجعل الآن الموت نصب عينيك، قال الغزاليُّ: وإنَّما علامةُ التوفيق أَنْ يكون الموت نصبَ عينيك، ولا تغفل عنه ساعة، فليكنِ الموتُ على بالك يا مسكين فإنَّ السير حاثٌّ بك، وأنت غافل عن نفسك، ولعلك قد قاربت المنزلَ، وقطعت المسافة فلا يكن اهتمامُك إلاَّ بمبادرة العمل، اغتنامًا لكل نَفَسٍ أمهلتَ فيه، انتهى من «الإحياء»، قال ابن المبارك في «رقائقه»: أخبرنا سفيان، عن ليث، عن مجاهد قال: ما مِنْ مَيِّتٍ يموت، إلاَّ عرض عليه أهل مجلسه: إنْ كان من أهل الذِّكْرِ فمن أهل الذكر، وإِنْ كان من أهل اللهو فمن أهل اللهو، انتهى «٢» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1431>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٩١ الى ٩٦]</span>\nفَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ (٩١) وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤) إِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥)\nفَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٩٦)\nوقوله تعالى: فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ: عبارة تقتضي جملةَ مدحٍ وصفةَ تخلُّصٍ، وحصولَ عالٍ من المراتب، والمعنى: ليس في أمرهم إلاَّ السلامُ والنجاةُ من العذاب وهذا كما تقول في مدح رجل: أَمَّا فلان فناهيك به، فهذا يقتضي جملةً غيرَ مفصلة من مدحه، وقدِ اضطربت عباراتُ المُتَأَوِّلِينَ في قوله تعالى: فَسَلامٌ لَكَ فقال قوم: المعنى: فيقال له سلام لك إنَّكَ من أصحاب اليمين، وقال الطبريُّ «٣»: فَسَلامٌ لَكَ: أنت من أصحاب اليمين، وقيل: المعنى: فسلام لك يا محمد، أي: لا ترى فيهم إلاَّ السلامة من العذاب.\nت: ومن حصلت له السلامةُ من العذاب فقد فاز دليله فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ [آل عمران: ١٨٥] قال ع «٤»: فهذه الكاف في لَكَ إمَّا أن تكون للنبي ﷺ وهو الأظهر، ثم لكل مُعْتَبِرٍ فيها من أُمَّتِهِ، وإمَّا أَنْ تكونَ لمن يخاطب من\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١١/ ٦٦٦) برقم (٣٣٥٨٢) عن أبي العالية، وعن الحسن برقم (٣٣٥٨١)، وذكره البغوي (٤/ ٢٩١)، وابن عطية (٥/ ٢٥٤)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٣٠٠) عن أبي العالية، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٢٤٠)، وعزاه لابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية.\n(٢) أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (٣٢٩)، برقم: (٩٣٩) .\n(٣) ينظر: «تفسير الطبري» (١١/ ٦٦٧) .\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٢٥٤) . [.....]","vol":"5","page":374},{"text":"أصحاب اليمين، وغيرُ هذا- مِمَّا قيل- تَكَلُّفٌ، ونقل الثعلبيُّ/ عن الزَّجَّاج: فَسَلامٌ لَكَ أي: إنَّك ترى فيهم ما تحب من السلامة، وقد علمتَ ما أَعَدَّ اللَّه لهم من الجزاء بقوله:\nفِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ الآيات ...\nوالمكذبون الضالُّون: هم الكفار، أصحابُ الشمال والمشأَمة، والنُّزُلُ: أول شيء يقدم للضيف، والتصلية: أنْ يباشر بهم النار، والجحيم معظم النار وحيث تراكمها.\nإِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ المعنى: إنَّ هذا الخبرَ هو نفس اليقين وحقيقتُه.\nوقوله تعالى: فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ عبارة تقتضي الأمر بالإِعراض عن أقوال الكفار وسائر أمور الدنيا المختصة بها، وبالإقبال على أمور الآخرة وعبادة اللَّه تعالى، والدعاء إليه.\nت: وعن جابر بن عبد اللَّه قال: قال النبي ﷺ: «مَنْ قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ [الْعَظِيمِ] وَبِحَمْدِهِ، غُرِسَتْ لَهُ نَخْلَةٌ في الْجَنَّةِ» «١» . رواه الترمذي، والنسائِيُّ، والحاكمُ، وابنُ حِبَّانَ في «صحيحيهما»، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، وعند النسائِيِّ:\n«شَجَرَةَ» بدل «نَخْلَةَ»، وعنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قال: قال رسول الله ﷺ: «إنَّ مِمَّا تَذْكُرُونَ مِنْ جَلاَلِ اللَّهِ التَسْبِيحَ، وَالتَّهْلِيلَ، وَالتَّحْمِيدَ يَنْعَطِفْنَ حَوْلَ الْعَرْشِ، لَهُنَّ دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ، تُذَكِّرُ بِصَاحِبِهَا، أَمَا يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَكُونَ أَوْ لاَ يَزَالَ لَهُ مَنْ يذكّر به» «٢»، ورواه\n_________\n(١) أخرجه الترمذي (٥/ ٥١١)، كتاب «الدعوات» باب: (٦٠) (٣٤٦٤)، والنسائي في «الكبرى» (٦/ ٢٠٧)، كتاب «عمل اليوم والليلة» باب: ثواب من قال: سبحان الله العظيم (١٠٦٦٣/ ١)، والحاكم (١/ ٥٠١- ٥٠٢)، وابن حبان في «صحيحه» (٣/ ١٠٩)، كتاب «الرقاق» باب: الأذكار، ذكر تفضل الله جلّ وعلا بالأمر بغرس النخيل في الجنان لمن سبحه معظما له (٨٢٦)، ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن هذا الخبر تفرد به حجاج الصواف (٨٢٧) .\nقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث أبي الزبير عن جابر. اهـ.\nقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه وتعقبه الذهبي، وقال: على شرط البخاري فقط اهـ.\nوللحديث شاهد من حديث عبد الله بن عمرو ﵄، أخرجه البزار (٣٠٧٩) - كشف.\nقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٩٧)، رواه البزار وإسناده جيد.\n(٢) أخرجه ابن ماجه (٢/ ١٢٥٢)، كتاب «الأدب» باب: فضل التسبيح (٣٨٠٩)، والحاكم (١/ ٥٠٠) .\nقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وتعقبه الذهبي وقال: موسى بن سالم: قال أبو حاتم: منكر الحديث.\nقال البوصيري في «الزوائد»: هذا إسناد صحيح رجاله ثقات، وأخو عوف اسمه عبيد الله بن عتبة.","vol":"5","page":375},{"text":"أيضًا ابن المبارك في «رقائقه» عن كعب، وفيه أيضًا عن كعب أَنَّهُ قال: «إنَّ لِلْكَلاَمِ الطَّيِّبِ حَوْلَ الْعَرْشِ دَوِيًّا كَدَوِيِّ النَّحْلِ يُذَكِّرْنَ بِصَاحِبِهِنَّ» انتهى، وعن أبي هريرةَ «أَنَّ النبي ﷺ مَرَّ بِهِ وَهُوَ يَغْرِسُ غَرْسًا فَقَالَ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، مَا الَّذِي تَغْرِسُ؟ قُلْتُ: غِرَاسًا، قَالَ: أَلاَ أَدُلُّكَ عَلَى غِرَاسٍ خَيْرٍ مِنْ هذا؟ سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلاَ إله إلاَّ اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ يُغْرَسْ لَكَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ/ شَجَرَةٌ في الجَنَّةِ» روى هذين الحديثين ابن ماجه واللفظ له، والحاكم في «المستدرك»، وقال في الأول: صحيحٌ على شرط مُسْلِمٍ، انتهى من «السلاح»، ورَوَى عُقْبَةُ بن عامر قال: «لَمَّا نزلتْ: فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ قال النبيّ ﷺ: اجْعَلُوهَا في رُكُوعِكُمْ فَلَمَّا نَزَلَتْ: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى قَالَ: اجْعَلُوهَا في سُجُودِكُمْ» «١»، فيحتمل أنْ يكونَ المعنى: سبح اللَّه بذكر أسمائه العلا، والاسم هنا بمعنى: الجنس، أي:\nبأسماء ربك، والعظيم: صفة للرب سبحانه، وقد يحتمل أَنْ يكون الاسم هنا واحدًا مقصودًا، ويكون «العظيم» صفة له، فكأَنَّه أمره أَنْ يسبِّحَهُ باسمه الأعظم، وإنْ كان لم يَنُصَّ عليه، ويؤيِّدُ هذا ويشير إليه اتصالُ سورة الحديد وأوَّلُها فيها التسبيح، وجملة من أسماء اللَّه تعالى، وقد قال ابن عباس «٢»: اسم اللَّه الأعظم موجود في سَتِّ آيات من أَوَّلِ سورة الحديد، فتأمَّل هذا، فإنَّهُ من دقيق النظر، وللَّه تعالى في كتابه العزيز غوامضُ لا تكاد الأذهان تدركها.\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (١/ ٢٩٢)، كتاب «الصلاة» باب: ما يقول الرجل في ركوعه وسجوده (٨٦٩)، وابن ماجه (١/ ٢٨٧)، كتاب «إقامة الصلاة والسنة فيها» باب: التسبيح في الركوع والسجود (٨٨٧)، وأحمد (٤/ ١٥٥)، والدارمي (١/ ٢٩٩)، كتاب «الصلاة» باب: ما يقال في الركوع، وابن خزيمة (١/ ٣٠٣)، جماع أبواب الأذان والإقامة باب: الأمر بتعظيم الرب جلّ وعلا في الركوع (٦٠٠)، والبيهقي (٢/ ٨٦)، كتاب «الصلاة» باب: القول في الركوع، والحاكم (١/ ٢٢٥)، (٢/ ٤٧٧)، وابن حبان (٥/ ٢٢٥)، كتاب «الصلاة» باب: صفة الصلاة (١٨٩٩) .\nقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، ووافقه على ذلك الذهبي.\nفي «نصب الراية» (١/ ٣٧٦) قال الزيلعي: قال يعني الحاكم: وقد اتفقا على الاحتجاج بروايته غير إياس بن عامر، وهو صحيح الإسناد ولم يخرجاه.\n(٢) ذكره ابن عطية (٥/ ٢٥٥) .","vol":"5","page":376},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1432>تفسير سورة الحديد</span>\nوهي مدنيّة ويشبه صدرها أن يكون مكيّا روي عن ابن عبّاس «١»: أنّ اسم الله الأعظم هو في سَتِّ آيات من أَوَّلِ سورة الحديد، وروي أنّ الدعاء بعد قراءتها مستجاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1433>[سورة الحديد (٥٧): الآيات ١ الى ٦]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nسَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢) هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣) هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤)\nلَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٥) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٦)\nقوله ﷿: سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ: قال أكثر المفسرين: التسبيح هنا هو التنزيه المعروف في قولهم: سبحان اللَّهِ، وهذا عندهم إخبار بصيغة الماضي مضمنه الدوامُ والاستمرارُ، ثم اختلفوا: هل هذا التسبيح حقيقةٌ أو مجاز على معنى أَنَّ أثر الصنعة فيها تُنَبِّهُ الرائي على التسبيح؟ قال الزَّجَّاجُ «٢» وغيره: والقول بالحقيقة أحسن، وهذا كله في الجمادات، وأَمَّا ما يمكن التسبيح منه فقول واحد: إن تسبيحهم حقيقة.\nوقوله تعالى: هُوَ الْأَوَّلُ [أي]: [الذي] ليس لوجوده بداية مُفْتَتَحَةٌ وَالْآخِرُ:\nالدائم الذي ليس له نهاية منقضية، قال أبو بكر الوَرَّاق: هُوَ الْأَوَّلُ: بالأزلية وَالْآخِرُ: بالأبديَّة.\nوَالظَّاهِرُ: معناه بالأدِلَّةِ ونظر العقول في صنعته.\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٥/ ٢٥٦) .\n(٢) ينظر: «معاني القرآن» (٥/ ١٢١) .","vol":"5","page":377},{"text":"وَالْباطِنُ: بلطفه وغوامضِ حكمته وباهِرِ صفاته التي لا تصل إلى معرفتها على- ما هي عليه- الأوهامُ، وباقي الآية تقدم تفسيرُ نظيره.\nوقوله تعالى: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ معناه: بقدرته وعلمه وإحاطته، وهذه آية أجمعت الأُمَّةُ على هذا التأويل فيها، وباقي الآية بيّن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1434>[سورة الحديد (٥٧): الآيات ٧ الى ٩]</span>\nآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (٧) وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٩)\nوقوله سبحانه: آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ... الآية: أمر للمؤمنين بالثبوت على الإيمان، ويُرْوَى أَنَّ هذه الآية نزلت في غزوة العُسْرَةِ، قاله الضَّحَّاكُ «١»، وقال: الإشارة بقوله: فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا إلى عثمانَ بن عفان، يريد: ومَنْ في معناه كعبد الرحمن بن عوف، وغيره.\nوقوله: مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ: تزهيد وتنبيه على أَنَّ الأَموال إنَّما تصير إلى الإنسان من غيره، ويتركها لغيره، وليس له من ذلك إِلاَّ ما أكل فأفنى، أو تصدق فأمضى، ويروى أَنَّ رجلًا مَرَّ بأعرابيٍّ له إبل فقال له: يا أَعرابيُّ، لِمَنْ هذه الإبل؟ قال: هي للَّه عندي، فهذا مُوَفَّقٌ مصيب إنْ صحب قوله عمله.\nوقوله سبحانه: وَما لَكُمْ لاَ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ... الآية: توطئةٌ لدعائهم (﵃) لأَنَّهُمْ أهل هذه/ الرُّتَبِ الرفيعة، وإذا تقرر أَنَّ الرسولَ يدعوهم، وأَنَّهم مِمَّنْ أخذ اللَّه ميثاقهم- فكيف يمتنعون من الإيمان؟.\nوقوله: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أي: إن دمتم على إيمانكم، والظُّلُماتِ: الكفر، والنُّورِ: الإيمان، وباقي الآية وعد وتأنيس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1435>[سورة الحديد (٥٧): الآيات ١٠ الى ١١]</span>\nوَما لَكُمْ أَلاَّ تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لاَ يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا وَكُلًاّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٠) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١١)\nوقوله تعالى: وَما لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٥/ ٢٥٨) .","vol":"5","page":378},{"text":"[المعنى: وما لكم أَلاَّ تنفقوا في سبيل اللَّه، وأَنتم تموتون وتتركون أموالكم، فناب منابَ هذا القول قوله: وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ] وفيه زيادة تذكير باللَّه وعبرة، وعنه يلزم القولُ الذي قدرناه.\nوقوله تعالى: لاَ يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ ... الآية: الأشهر في هذه الآية أَنَّها نزلت بعد الفتح، واخْتُلِفَ في الفتح المشار إليه فقال أبو سعيد الخُدْرِيُّ والشَّعْبِيُّ «١»: هو فتح الحديبية، وقال قتادة، ومجاهد، وزيد بن أسلم «٢»: هو فتح مكة الذي أزال الهجرة، قال ع «٣»: وهذا هو المشهور الذي قال فيه النبي ﷺ: «لاَ هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحَ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ» «٤»، وحكم الآية باقٍ غابرَ الدهر مَنْ أنفق في وقت حاجة\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١١/ ٦٧٤)، برقم: (٣٣٦١٠) عن أبي سعيد الخدري، وذكره البغوي (٤/ ٢٩٤) عن الشعبي، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٢٤٩) عن أبي سعيد الخدري، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، وأبي نعيم في «الدلائل» من طريق زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري.\n(٢) أخرجه الطبري (١١/ ٦٧٣- ٦٧٤)، برقم: (٣٣٦٠٤- ٣٣٦٠٥) عن قتادة، وزيد بن أسلم، وذكره ابن عطية (٥/ ٢٥٩)، والسيوطي (٦/ ٢٤٨- ٢٤٩) عن قتادة، وعزاه لعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر.\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٢٥٩) .\n(٤) ورد ذلك من حديث ابن عبّاس، وعائشة، ومجاشع بن مسعود، وصفوان بن أمية، ويعلى بن أمية التيمي، وقول ابن عمر، وقول عمر، وحديث أبي سعيد الخدري.\nفأما حديث ابن عبّاس: فأخرجه البخاري (٦/ ٤٥) في «الجهاد» باب: وجوب النفير (٢٨٢٥)، (٦/ ٢١٩) باب: لا هجرة بعد الفتح (٣٠٧٧)، ومسلم (٣/ ١٤٨٧)، في «الإمارة» باب: المبايعة بعد فتح مكة على الإسلام والجهاد والخير، وبيان معنى: لا هجرة بعد الفتح (٨٥/ ١٣٥٣)، وأبو داود (٢/ ٦)، في «الجهاد» باب: في الهجرة هل انقطعت (٢٤٨٠)، والنسائي (٧/ ١٤٦)، في «البيعة» باب:\nالاختلاف في انقطاع الهجرة، والترمذي (١٥٩٠)، وأحمد (١/ ٢٦٦، ٣١٥، ٣١٦، ٣٤٤)، وعبد الرزاق (٥/ ٣٠٩) (٩٧١٣)، والدارمي (٢/ ٢٣٩)، في «السير» باب: لا هجرة بعد الفتح، وابن حبان (٧/ ٤٨٤٥)، والطبراني في «الكبير» (١١/ ٣٠- ٣١) (١٠٩٤٤)، وابن الجارود في «المنتقى» (١٠٣٠)، والبيهقي (٥/ ١٩٥)، و(٩/ ١٦)، وفي «دلائل النبوة» (٥/ ١٠٨)، والبغوي في «شرح السنة» بتحقيقنا (٤/ ١٧٩) (١٩٩٦)، و(٥/ ٥٢٠) (٢٦٣٠) من طريق منصور عن مجاهد عن طاوس عن ابن عبّاس مرفوعا به.\nوتابعه إبراهيم بن يزيد عن عمرو بن دينار عن طاوس، أخرجه الطبراني (١١/ ١٨) (١٠٨٩٨) .\nوأخرجه الطبراني (١٠/ ٤١٣) (١٠٨٤٤)، عن شيبان عن الأعمش عن أبي صالح عن ابن عبّاس.\nوقال الترمذي: حديث حسن صحيح.\nوأما حديث عائشة: أخرجه البخاري (٦/ ٢٢٠) في «الجهاد» باب: لا هجرة بعد الفتح (٣٠٨٠) (٧/ ٢٦٧)، في «مناقب الأنصار» باب: هجرة النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة (٣٩٠٠) (٧٠/ ٦٢٠)، في-","vol":"5","page":379},{"text":"السبيل، أعظم أجرًا مِمَّن أنفق مع استغناء السبيل، والْحُسْنى: الجنة، قاله مجاهد\n_________\n«المغازي» باب: (٥٣) (٤٣١٢)، ومسلم (٣/ ١٤٨٨) في «الإمارة» باب: المبايعة بعد فتح مكة على الإسلام والجهاد والخير ... (٨٦- ١٨٦٤)، وأبو يعلى (٤٩٥٢)، واللفظ لمسلم، ولأبي يعلى من طريق عطاء عن عائشة قالت: سئل رسول الله ﷺ عن الهجرة؟ فقال: «لا هجرة بعد الفتح ...» الحديث.\nوفي لفظ البخاري عن عطاء قال: زرت عائشة مع عبيد بن عمير. فسألها عن الهجرة؟ فقالت: لا هجرة لليوم، كان المؤمن يفر أحدهم بدينه إلى الله وإلى رسوله مخافة أن يفتن عليه، فأما اليوم فقد أظهر الله الإسلام، فالمؤمن يعبد ربه حيث شاء، ولكن جهاد ونية.\nوهكذا: أخرجه البيهقي (٩/ ١٧) .\nوأما حديث مجاشع بن مسعود: أخرجه البخاري (٦/ ١٣٧) في «الجهاد» باب: البيعة في الحرب ألا يفروا.. (٢٩٦٢- ٢٩٦٣)، (٦/ ٢١٩)، باب: لا هجرة بعد الفتح (٣٠٧٨- ٣٠٧٩)، و(٧/ ٦١٩)، في «المغازي» باب: (٥٣) (٤٣٠٥، ٤٣٠٨)، ومسلم (٣/ ١٤٨٧)، في «الإمارة» باب: المبايعة بعد فتح مكة على الإسلام والجهاد والخير (٨٣- ٨٤/ ١٨٦٣)، وأحمد (٣/ ٤٦٨- ٤٦٩)، و(٥/ ٧١)، والحاكم (٣/ ٣١٦)، والطحاوي في «مشكل الآثار» (٣/ ٢٥٢)، والبيهقي (٩/ ١٦)، وفي «الدلائل» (٥/ ١٠٩) من طريق أبي عثمان النهدي، حدثني مجاشع قال: أتيت النبي ﷺ بأخي بعد الفتح، فقلت:\nيا رسول الله، جئتك بأخي لتبايعه على الهجرة. قال: «ذهب أهل الهجرة بما فيها»، فقلت: على أي شيء تبايعه؟ قال: «أبايعه على الإسلام، والإيمان، والجهاد»، فلقيت معبدا بعد- وكان أكبرهما- فسألته؟ فقال: صدق مجاشع.\nوأما حديث صفوان بن أمية: أخرجه النسائي (٧/ ١٤٥) في «البيعة» باب: الاختلاف في انقطاع الهجرة، وأحمد (٣/ ٤٠١) عن وهيب بن خالد عن عبد الله بن طاوس عن أبيه عن صفوان بن أمية، قال:\nقلت: يا رسول الله إنهم يقولون: إن الجنة لا يدخلها إلّا مهاجر. قال: «لا هجرة بعد فتح مكة، ولكن جهاد ونية. فإذا استنفرتم فانفروا» .\nوأخرجه أحمد (٣/ ٤٠١)، و(٦/ ٤٦٥) عن الزهري عن صفوان بن عبد الله بن صفوان عن أبيه، أن صفوان بن أمية بن خلف قيل له: هلك من لم يهاجر. قال: فقلت: لا أصل إلى أهلي حتى آتي رسول الله ﷺ، فركبت راحلتي، فأتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، زعموا أنه هلك من لم يهاجر.\nقال: «كلا أبا وهب، فارجع إلى أباطح مكة» .\nوأما حديث يعلى بن أمية: أخرجه النسائي (٧/ ١٤١)، في «البيعة» باب: البيعة على الجهاد، (٧/ ١٤٥)، في ذكر الاختلاف في انقطاع الهجرة، وأحمد (٤/ ٣٢٣- ٣٢٤)، والطبراني في «الكبير» (٢٢/ ٢٥٧) (٦٦٤- ٦٦٥)، والبيهقي (٩/ ١٦) من طريق ابن شهاب عن عمرو بن عبد الرحمن بن أمية، أن أباه أخبره: أن يعلى قال: جئت إلى رسول الله ﷺ بأبي يوم الفتح. فقلت: يا رسول الله، بايع أبي على الهجرة. قال رسول الله ﷺ: «أبايعه على الجهاد وقد انقطعت الهجرة» .\nوأما حديث أبي سعيد الخدري: أخرجه أحمد (٣/ ٢٢)، و(٥/ ١٨٧)، والطيالسي (٦٠١، ٩٦٧، ٢٢٠٥)، والبيهقي في «دلائل النبوة» (٥/ ١٠٩)، عن أبي البختري الطائي يحدث عن أبي سعيد الخدري، قال: لما نزلت هذه السورة: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ ... قرأها رسول الله ﷺ حتى ختمها وقال: «الناس خير، وأنا وأصحابي خير»، وقال: «لا هجرة بعد الفتح. ولكن جهاد ونية»، فحدثت به مروان بن الحكم وكان على المدينة فقال له مروان: كذبت، وعنده رافع بن","vol":"5","page":380},{"text":"وقتادة «١»، والقرض: السلف، والتضعيفُ من اللَّه تعالى هو في الحسنات، وقد مَرَّ ذِكْرُ ذلك، والأجر الكريم الذي يقترن به رضى وإقبال، وهذا معنى الدعاء ب «يا كريم» العفو، أي: إنّ مع عفوه رضى وتنعيما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1436>[سورة الحديد (٥٧): الآيات ١٢ الى ١٣]</span>\nيَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ (١٣)\nوقوله سبحانه: يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ... الآية، العامل في يَوْمَ قوله: وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ والرؤية هنا رؤية عينٍ، والجمهور أَنَّ النورَ هنا هو نور حقيقة، وقد روي في هذا عن ابن عباس وغيره «٢» آثار مضمنها: أَنَّ كل مؤمن ومُظْهِرٍ للإيمان، يُعْطَى/ يومَ القيامة نورًا فَيُطْفَأُ نُورُ كُلِّ منافقٍ، ويبقى نورُ المؤمنين، حتى إِنَّ منهم مَنْ نورُه يضيء كما بين مكّة وصنعاء رفعه قتادة إلى النبي ﷺ «٣»، ومنهم مَنْ نوره كالنخلة السحوق، ومنهم مَنْ نورُه يضيء ما قَرُبَ من قدميه قاله ابن مسعود «٤»، ومنهم مَنْ يَهُمُّ بالانطفاء مرة وَيَبِينُ مرة على قدر المنازل في الطاعة والمعصية، قال\n_________\n- خديج، وزيد بن ثابت، وهما قاعدان معه على السرير، فقال أبو سعيد: لو شاء هذان لحدثاك، ولكن هذا يخاف أن تنزعه من عرافة قومه، وهذا يخشى أن تنزعه عن الصدقة، فسكتا، فرفع مروان عليه الدّرة ليضربه، فلما رأيا ذلك قالا: صدق.\nأما قول ابن عمر: فأخرجه البخاري (٧/ ٢٦٧)، في «مناقب الأنصار» باب: هجرة النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة (٣٨٩٩)، و(٧/ ٦٢٠) في «المغازي» باب: (٥٣) (٤٣٠٩، ٤٣١١)، من طريق عطاء عن ابن عمر كان يقول: لا هجرة بعد الفتح.\nوفي لفظ آخر: قلت لابن عمر ﵄: إني أريد أن أهاجر إلى الشام. قال: لا هجرة، ولكن جهاد، فانطلق فاعرض نفسك، فإن وجدت شيئا وإلّا رجعت.\nوأما قول عمر: أخرجه النسائي (٧/ ١٤٦)، في «البيعة» باب: الاختلاف في انقطاع الهجرة، وأبو يعلى في «مسنده» (١٨٦) عن شعبة عن يحيى بن هانىء عن نعيم بن دجاجة قال: سمعت عمر يقول: لا هجرة بعد وفاة رسول الله ﷺ.\n(١) أخرجه الطبري (١١/ ٦٧٥)، برقم: (٣٣٦١٢)، وذكره ابن عطية (٥/ ٢٦٠)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٢٤٨)، وعزاه لعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر. [.....]\n(٢) ذكره ابن عطية (٥/ ٢٦١)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٢٥١)، وعزاه لابن جرير، وابن مردويه، والبيهقي في «البعث» .\n(٣) ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٢٥٠)، وعزاه إلى عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر.\n(٤) أخرجه الحاكم موقوفا على ابن مسعود ﵁ (٢/ ٤٧٨)، ومثل هذا له حكم الرفع لأن ليس-","vol":"5","page":381},{"text":"الفخر «١»: قال قتادة «٢»: ما من عبد إلاَّ وينادى يوم القيامة: يا فلان، هذا نورك، يا فلان، لا نورَ لك، نعوذ باللَّه من ذلك! واعلم أَنَّ العلمَ الذي هو نور البصيرة أولى بكونه نورًا من نور البصر، وإذا كان كذلك ظهر أَنَّ معرفة اللَّه تعالى هي النورُ في القيامة، فمقادير الأنوار يومَ القيامة على حسب مقادير المعارف في الدنيا، انتهى، ونحوه للغزالي، وخَصَّ تعالى بين الأيدي بالذكر لأَنَّهُ موضع حاجة الإنسان إلى النور، واخْتُلِفَ في قوله تعالى:\nوَبِأَيْمانِهِمْ فقال بعض المتأولين: المعنى: وعن أيمانهم، فكأَنَّه خَصَّ ذكر جهة اليمين تشريفًا، وناب ذلك مَنَابَ أَنْ يقول: وفي جميع جهاتهم، وقال جمهور المفسرين:\nالمعنى: يسعى نورُهم بين أيديهم، يريد الضوء المنبسط من أصل النور، وَبِأَيْمانِهِمْ:\nأصله، والشيءُ الذي هو مُتَّقَدٌ فيه، فتضمن هذا القولُ أَنَّهم يحملون الأنوار، وكونهم غير حاملين أكرم أَلاَ ترى أَنَّ فضيلةَ عباد بن بشر وأسيد بن حضير إنَّما كانت بنور لا يحملانه، هذا في الدنيا، فكيف بالآخرة؟! ت: وفيما قاله ع «٣»: عندي نظر، وأَيضًا فأحوال الآخرة لا تُقَاسُ على أحوال الدنيا!.\nوقوله تعالى: بُشْراكُمُ أي: يقال لهم: بشراكم جَنَّاتٌ أي دخولُ جنات.\nت: وقد جاءت- بحمد اللَّه- آثار بتبشير هذه الأُمَّةِ المحمديَّةِ، وخَرَّجَ ابن ماجة قال: أخبرنا جُبَارة بن المغلِّس، قال: حدثنا عبد الأعلى، عن أبي بردة، عن أبيه قال: قال النبيُّ ﷺ: «إذَا جَمَعَ [اللَّهُ] الخَلاَئِقَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَذِنَ لأمّة محمّد ﷺ في السُّجُودِ، فَسَجَدُوا طَوِيلًا، ثُمَّ يُقَالُ: ارْفَعُوا رُؤُوسَكُمْ، فَقَدْ جَعَلْنَا عِدَتَكُمْ فِدَاءَكُمْ مِنَ النَّارِ» «٤»، قال ابن ماجه: وحدَّثنا جُبَارَةُ بْنُ المُغَلِّسِ، حدثنا كِثِيرُ بن سليمان: عن أنس بن مالك، قال: قال النبي ﷺ: «إنَّ هذه الأُمَّةَ أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ، عَذَابُهَا بِأَيْدِيهَا، فَإذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ دُفِعَ إلَى كُلِّ رَجُلٍ مِنَ المُسْلِمِينَ رَجُلٌ مِنَ المُشْرِكِينَ فَيُقَالُ: هذا فداؤك من\n_________\nمما يقال بالرأي، وابن جرير (١١/ ٦٧٦) (٣٣٦١٦)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٢٥٠)، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه.\nقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وتعقبه الذهبي، وقال: بل على شرط البخاري فقط.\n(١) ينظر: «تفسير الفخر الرازي» (٢٩/ ١٩٤) عن مجاهد.\n(٢) ذكره ابن كثير في «تفسيره» عن جنادة بن أمية (٤/ ٣٠٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٢٥٠)، وعزاه لابن المنذر عن يزيد بن شجرة.\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٢٦١) .\n(٤) أخرجه ابن ماجه (٢/ ١٤٣٤)، كتاب «الزهد» باب: صفة محمّد ﷺ (٤٢٩١)، قال البوصيري في «الزوائد»: هذا إسناد ضعيف لضعف جبارة بن المغلس.","vol":"5","page":382},{"text":"النَّارِ» «١»، وفي «صحيح مسلم»: «دَفَعَ اللَّهُ لِكُلِّ مُسْلِمٍ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا فَيَقُولُ: هذا فِدَاؤُكَ مِنَ النَّارِ» انتهى من «التذكرة» «٢» .\nوقوله تعالى: يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ قيل: يَوْمَ هو بدل من الأول، وقيل:\nالعامل فيه «اذكر»، قال ع «٣»: ويظهر لي أَنَّ العاملَ فيه قوله تعالى: ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ويجيء معنى الفوز أَفْخَمَ كأَنَّهُ يقول: إنَّ المؤمنين يفوزون بالرحمة يومَ يعتري المنافقين كذا وكذا، لأَنَّ ظهورَ المرء يومَ خمول عَدُوِّه ومُضَادِّهِ أَبْدَعُ وأَفْخَمُ، وقول المنافقين هذه المقالةَ المحكية، هو عند انطفاء أنوارهم، كما ذكرنا قبل، وقولهم:\n«انْظُرُونَا» معناه: انتظرونا، وقرأ حمزة وحده «٤»: «انظرونا» - بقطع الألف وكسر/ الظاء- ومعناه أَخِّرُونا ومنه: فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ ومعنى قولهم أَخِّرونا، أي: أخِّروا مشيَكم لنا حَتَّى نلتحق فنقتبسَ من نوركم، واقتبس الرجل: أخذ من نور غيره قَبَسًا، قال الفخر «٥»:\nالقَبَسُ: الشعلة من النار والسراج، والمنافقون طَمِعُوا في شيء من أنوار المؤمنين، وهذا منهم جهل لأَنَّ تلك الأنوار نتائج الأعمال الصالحة في الدنيا، وهم لم يقدموها، قال الحسن: يُعْطَى يومَ القيامة كُلُّ أحد نورًا على قَدْرِ عمله، ثم يؤخذ من حجر جهنم ومِمَّا فيها من الكلاليب والحسك ويُلْقَى على الطريق، ثم تمضي زمرة من المؤمنينَ، وُجُوهُهُم كالقمر ليلةَ البدر، ثم تمضي زمرة أخرى كأضواء كوكب في السماء، ثم على ذلك، ثم تغشاهم ظلمة تطفئ نورَ المنافقين، فهنالك يقول المنافقون للذين آمنوا: انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ، انتهى.\nوقوله تعالى: قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ يحتمل أنْ يكون من قول المؤمنين [لهم]، [ويحتمل أنْ يكون من قول] «٦» الملائكة، والقول لهم: فَالْتَمِسُوا نُورًا: هو على معنى\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه (٢/ ١٤٣٤)، كتاب «الزهد» باب: صفة أمة محمّد ﷺ (٤٢٩٢)، وأحمد (٤/ ٤٠٨) .\nقال البوصيري في «الزوائد»: هذا إسناد ضعيف لضعف كثير وجبارة، وقد أعله البخاري، قد تقدم في الحديث الذي قبله.\n(٢) ينظر: «التذكرة» للقرطبي (٢/ ٥٦٧- ٥٦٨) .\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٢٦١) .\n(٤) ينظر: «السبعة» (٦٢٦)، و«الحجة» (٦/ ٢٦٩)، و«إعراب القراءات» (٢/ ٣٥٠)، و«حجة القراءات» (٦٩٩)، و«العنوان» (١٨٦)، و«شرح شعلة» (٥٩٨)، و«شرح الطيبة» (٦/ ٣٩)، و«إتحاف» (٢/ ٥٢١)، و«معاني القراءات» (٣/ ٥٥) .\n(٥) ينظر: «الفخر الرازي» (٢٩/ ١٦٩) .\n(٦) سقط في: د. [.....]","vol":"5","page":383},{"text":"التوبيخ لهم، أي: إنَّكم لا تجدونه، ثم أعلم تعالى أَنَّهُ يضرب بينهم في هذه الحال بسورٍ حاجز، فيبقى المنافقون في ظُلْمَةٍ وعذاب.\nوقوله تعالى: باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ أي: جهة المؤمنين وَظاهِرُهُ: جهة المنافقين، والظاهر هنا: البادي ومنه قول الكُتَّابِ: من ظاهر مدينة كذا، وعبارة الثعلبيِّ: فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ: وهو حاجز بين الجنة والنار، قال أبو أمامة الباهليُّ «١»: فيرجعون إلى المكان الذي قُسِّمَ فيه النور فلا يجدون شيئًا فينصرفون إليهم، وقد ضُرِبَ بينهم/ بسور، قال قتادة «٢»: حائط بين الجنة والنار، له باب باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ، يعني: الجنة، وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ يعني النار، انتهى، قال- ص-: قال أبو البقاء: الباء في بِسُورٍ زائدة، وقيل: ليست بزائدة، قال أبو حيان «٣»: والضمير في باطِنُهُ عائدٌ على الباب، وهو الأظهر لأَنَّهُ الأقرب، وقيل: على سور، أبو البقاء: والجملة صفة ل «باب» أو ل «سور»، انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1437>[سورة الحديد (٥٧): الآيات ١٤ الى ١٥]</span>\nيُنادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قالُوا بَلى وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (١٤) فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْواكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٥)\nوقوله تعالى: يُنادُونَهُمْ معناه: ينادي المنافقون المؤمنين: أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ: في الدنيا، فيردّ المؤمنون عليهم: بَلى: كنتم معنا، ولكن عَرَّضْتُمْ أنفسكم للفتنة، وهي حُبُّ العاجل والقتال عليه، قال مجاهد «٤»: فتنتم أنفسكم بالنفاق وتَرَبَّصْتُمْ معناه هنا:\nبإيمانكم فأبطأتم به، حَتَّى مُتُّم، وقال قتادة «٥»: معناه: تربصتم بنا وبمحمّد ﷺ الدوائرَ، وشككتم، والارتياب: التشكك، والأماني التي غرتهم هي قولهم: سَيَهْلَكُ محمد هذا العام، سَتَهْزِمُهُ قريش، ستأخذه الأحزاب ... إلى غير ذلك من أمانيهم، وطول الأمل:\n_________\n(١) ذكره ابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٣٠٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٢٥٠)، وعزاه لابن المبارك، وابن أبي حاتم، والحاكم، وصححه، والبيهقي في «الأسماء والصفات» عن أبي إمامة الباهلي.\n(٢) أخرجه الطبري (١١/ ٦٧٨)، برقم: (٣٣٦٢١)، وذكره ابن عطية (٥/ ٢٦٢)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٢٥٢)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٣) ينظر: «البحر المحيط» (٨/ ٢٢١) .\n(٤) أخرجه الطبري (١١/ ٦٧٩)، برقم: (٣٣٦٢٩)، وذكره ابن عطية (٥/ ٢٦٣) .\n(٥) أخرجه الطبري (١١/ ٦٧٩)، برقم: (٣٣٦٣١)، وذكره ابن عطية (٥/ ٢٦٣)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٣٠٩) .","vol":"5","page":384},{"text":"غرار لكل أحد، وأمر اللَّه الذي جاء هو: الفتح وظهور الإسلام، وقيل: هو موتهم على النفاق الموجب للعذاب، والْغَرُورُ: الشيطان بإجماع المتأولين، وينبغي لكل مؤمن أَنْ يعتبر هذه الآيةَ في نفسه، وتسويفَه في توبته، واعلم أيها الأخ أَنَّ الدنيا غَرَّارة للمقبلين عليها، فإنْ أردت الخلاص والفوز بالنجاة، فازهدْ فيها، وأقبلْ على ما يعنيك من إصلاح دينك والتزود لآخرتك، وقد روى ابن المبارك في «رقائقه» عن أبي الدرداء أَنَّهُ قال- يعني لأصحابه-: لَئِنْ حَلَفْتُم لي على رجل منكم/ أَنَّه أزهدكم، لأحلفنَّ لكم أنَّه خيركم «١»، وروى ابن المبارك بسنده عن النبي ﷺ أَنَّه قال: «يَبْعَثُ اللَّهُ ﵎ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِهِ كَانَا عَلَى سِيرَةٍ وَاحِدَةٍ، أَحَدُهُمَا مَقْتُورٌ عَلَيْهِ، وَالآخَرُ مَوَسَّعٌ عَلَيْهِ [فَيُقْبِلُ المَقْتُورُ عَلَيْهِ] «٢» إلَى الجَنَّةِ، وَلاَ يَنْثَنِي عَنْهَا حَتَّى يَنْتَهِيَ إلَى أَبْوَابِهَا، فَيَقُولُ حَجَبَتُهَا: إلَيْكَ إلَيْكَ! فَيَقُولُ: إذَنْ لاَ أَرْجِعَ، قال: وَسَيْفُهُ في عُنُقِهِ فَيَقُولُ: أُعْطِيتُ هذا السَّيْفَ في الدُّنْيَا أُجَاهِدُ بِهِ، فَلَمْ أَزَلْ مُجَاهِدًا بِهِ حتى قُبِضْتُ وَأَنَا على ذَلِكَ، فَيَرْمِي بِسَيْفِهِ إلَى الخَزَنَةِ، وَيَنْطَلِقُ، لاَ يُثْنُونَهُ وَلاَ يَحْبِسُونَهُ عَنِ الجَنَّةِ، فَيَدْخُلُهَا، فَيَمْكُثُ فِيهَا دَهْرًا، ثُمَّ يَمُرُّ بِهِ أَخُوهُ المُوَسَّعُ عَلَيْهِ فَيَقُولُ لَهُ: يَا فُلاَنُ، مَا حَبَسَكَ؟! فَيَقُولُ: مَا خُلِّيَ سَبِيلِي إلاَّ الآن، وَلَقَدْ حُبِسْتُ مَا لَوْ أَنَّ ثَلاَثَمِائَةِ بِعِيرٍ أَكَلَتْ خَمْطًا، لاَ يَرِدْنَ إلاَّ خِمْسًا وَرَدْنَ على عِرْقِي لَصَدَرْنَ مِنْهُ رِيًّا «٣»» انتهى.\nوقوله تعالى: فَالْيَوْمَ لاَ يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ ... الآية: استمرارٌ في مخاطبة المنافقين قاله قتادة وغيره «٤» .\nوقوله تعالى: هِيَ مَوْلاكُمْ قال المفسرون: معناه: هي أولى بكم، وهذا تفسير بالمعنى، وإنَّما هي استعارة لأَنَّها من حيثُ تَضُمُّهم وتباشِرُهم هي تواليهم وتكون لهم مكانَ المولى، وهذا نحو قول الشاعر: [الوافر]\n.............. ... تحيّة بينهم ضرب وجيع «٥»\n_________\n(١) أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (١٩٣)، برقم: (٥٥٠) .\n(٢) سقط في: د.\n(٣) أخرجه ابن المبارك في الزهد (١٩٥)، برقم: (٥٥٦) .\n(٤) أخرجه الطبري (١١/ ٦٨٠)، برقم: (٣٣٦٣٨)، وذكره ابن عطية (٥/ ٢٦٣)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٢٥٣)، وعزاه لعبد بن حميد.\n(٥) عجز بيت وصدره:\nوخيل قد دلفت لها بخيل ... ........\nوهو لعمر بن معد يكرب في «ديوانه» ص: (١٤٩)، و«خزانة الأدب» (٩/ ٢٥٢، ٢٥٧، ٢٥٨، ٢٦١، -","vol":"5","page":385},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1438>[سورة الحديد (٥٧): آية ١٦]</span>\nأَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (١٦)\nوقوله تعالى: أَلَمْ يَأْنِ: ابتداء معنى مستأنف، ومعنى أَلَمْ يَأْنِ: ألم يَحِنْ يقال: أنى الشَّيْءُ يأني إذَا حَانَ، وفي الآية معنى الحَضِّ والتقريع، قال ابن عباس: عُوتِبَ المؤمنون بهذه الآية «١»، وهذه الآية كانت سَبَبَ توبة الفُضَيْلِ وابن المبارك، والخشوع:\nالإخبات والتضامن/ وهي هيئة تظهر في الجوارحَ متى كانت في القلب ولذلك خَصَّ تعالى القلبَ بالذكر، وروى شداد بن أوس عن النبي ﷺ أَنَّه قال: «أَوَّلُ مَا يُرْفَعُ مِنَ النَّاسِ الخُشُوعُ» «٢» .\nوقوله تعالى: لِذِكْرِ اللَّهِ أي: لأجل ذكر اللَّه تعالى ووحيه، أو لأجل تذكير اللَّه إيَّاهم وأوامره فيهم، والإشارة في قوله: أُوتُوا الْكِتابَ إلى بني إسرائيل المعاصرين لموسى ع ولذلك قال: مِنْ قَبْلُ وَإنَّما شَبَّه أهل عصر نبيٍّ [بأهل عصر نبيٍّ] .\nوقوله: فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ قيل: معناه: أَمد الحياة، وقيل: أمد انتظار القيامة، قال الفخر «٣»: وقال مقاتل بن حيان: الأمد هنا: الأمل، أي: لما طالت آمالُهم، لا جَرَمَ قَسَتْ قلوبهم، انتهى، وباقي الآية بيّن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1439>[سورة الحديد (٥٧): الآيات ١٧ الى ١٩]</span>\nاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٧) إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١٨) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (١٩)\n_________\n٢٦٢، ٢٦٣)، و«شرح أبيات سيبويه» (٢/ ٢٠٠)، و«الكتاب» (٣/ ٥٠)، و«نوادر أبي زيد» ص:\n(١٥٠)، وبلا نسبة في «أمالي ابن الحاجب» (١/ ٣٤٥)، و«الخصائص» (١/ ٣٦٨)، و«شرح المفصّل» (٢/ ٨٠)، و«الكتاب» (٢/ ٣٢٣)، و«المقتضب» (٢/ ٢٠، ٤/ ٤١٣) .\n(١) ذكره البغوي (٤/ ٢٩٧)، وابن عطية (٥/ ٢٦٤)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٣١٠)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٢٥٤)، وعزاه لابن أبي حاتم، وابن مردويه.\n(٢) أخرجه الطبراني (٧/ ٣٥٤)، برقم: (٧١٨٣) من طريق عمران القطان عن قتادة عن الحسن عن شداد بن أوس به.\nقال الهيثمي في «المجمع»: عمران بن داود القطان ضعفه ابن معين، والنسائي، ووثقه أحمد، وابن حبان.\n(٣) ينظر: «تفسير الرازي» (٢٩/ ٢٠٠) . [.....]","vol":"5","page":386},{"text":"وقوله تعالى: اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها ... الآية، مخاطبة لهؤلاء المؤمنين الذين نُدِبُوا إلى الخشوع، وهذا ضرب مَثَلٍ، واستدعاء إلى الخير برفق وتقريب بليغ، أي: لا يبعد عندكم أَيُّها التاركون للخشوع رُجُوعُكُمْ إليه وتلبسكم به، فإنَّ اللَّه يحيي الأرضَ بعد موتها، فكذلك يفعل بالقلوب، يرُدُّهَا إلى الخشوع بعد بُعْدِهَا عنه، وترجع هي إليه إذا وقعت الإنابةُ والتَّكَسُّبُ من العبد بعد نفورها منه، كما يحيي الأرضَ بعد أَنْ كانت ميتة، وباقي الآية بين، والْمُصَّدِّقِينَ: يعني به المتصدقين، وباقي الآية بين.\nت: وقد جاءت آثار صحيحة في الحَضِّ على الصدقة، قد ذكرنا منها جملة في هذا المختصر، وأسند مالك في «الموطأ» عن النبي ﷺ أَنَّهُ قال: «يَا نِسَاءَ المُؤْمِنَاتِ، لاَ تَحْقِرَنَّ إحْدَاكُنَّ لِجَارَتِهَا، وَلَوْ كُرَاعَ شَاةٍ مُحْرَقًا» «١» وفي «الموطأ» عنه ﷺ/ «رُدُّواْ السَّائِلَ وَلَوْ بِظَلِفٍ مُحْْرَّقٍ» «٢» قال ابن عبد البر في «التمهيد»: ففي هذا الحديث الحَضُّ على الصدقة بكل ما أمكن من قليل الأشياء وكثيرها، وفي قول الله ﷿: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ [الزلزلة: ٧]: أوضح الدلائل في هذا الباب، وتصدقت عائشةُ﵂- بحبتين من عنب، فنظر إليها بَعْضُ أهل بيتها فقالت: لا تَعْجَبْنَ فكم فيها من مثقال ذرة، ومن هذا الباب قوله ﷺ: «اتَّقُوا النَّارَ، وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، وَلَوْ بِكَلِمَةٍ طيّبة» «٣» وإذا كان الله ﷿ يُرْبي الصدقاتِ، ويأخذ الصدقةَ بيمينه فَيُرَبِّيَهَا، كما يُرَبِّي أَحَدُنَا فَلَوَّه أَوْ فَصِيلَهُ- فما بالُ مَنْ عَرَفَ هذا يَغْفُلُ عنه! وما التوفيق إلاَّ باللَّه، انتهى من «التمهيد»، وروى ابن المبارك في «رقائقه» قال: أخبرنا حرملة بن عمران أَنَّهُ سَمِعَ يزيد بن أبى حَبِيبٍ يحدّث\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١٠/ ٤٥٩)، كتاب «الأدب» باب: لا تحقرن جارة جارتها (٦٠١٧)، ومسلم (٢/ ٧١٤)، كتاب «الزكاة» باب: الحث على الصدقة ولو بالقليل (٩٠/ ١٠٣٠)، والترمذي (٤/ ٤٤١)، كتاب «الولاء والهبة» باب: في حث النبي ﷺ على التهادي (٢١٣٠)، وأحمد (٢/ ٢٦٤، ٤٣٢، ٤٩٣، ٥٠٦)، والبيهقي (٤١/ ١٧٧) كتاب «الزكاة» باب: التحريض على الصدقة وإن قلت، (٦/ ١٦٩)، كتاب «الهبات» باب: التحريض على الهبة والهدية صلة بين الناس.\n(٢) أخرجه النسائي (٥/ ٨١)، كتاب «الزكاة» باب: رد السائل (٢٥٦٥)، وأحمد (٤/ ٧٠)، والبيهقي (٤/ ١٧٧)، وابن حبان (٣/ ٧٢٣) - الموارد (٨٢٥)، وابن خزيمة (٤/ ١١١) (٢٤٧٢) .\n(٣) أخرجه البخاري (٣/ ٣٣٢)، كتاب «الزكاة» باب: اتقوا النار ولو بشق تمرة، والقليل من الصدقة (١٤١٧) (١١/ ٤٠٨) كتاب «الرقاق» باب: من نوقش الحساب عذب (٦٥٤٠)، (١٣/ ٤٨٢)، كتاب «التوحيد» باب: كلام الرب ﷿ يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم (٧٥١٢)، ومسلم (٢/ ٧٠٣)، كتاب «الزكاة» باب: الحث على الصدقة ولو بشق تمرة، أو كلمة طيبة، فإنها حجاب من النار (٦٦، ٧٧، ٧٨، ٦٨/ ١٠١٦)، وابن حبان (٢/ ٢٢٠)، كتاب «البر والإحسان» باب: حسن الخلق (٤٧٣)، (٢/ ٤٤٠) كتاب «الرقاق» باب: الخوف والتقوى (٦٦٦)، (٧/ ٤٣)، كتاب «الصلاة» باب: صلاة الجمعة (٢٨٠٤)، وأحمد (٤/ ٢٥٦)، والنسائي (٥/ ٧٥)، كتاب «الزكاة» باب: القليل من الصدقة (٢٥٥٣) .","vol":"5","page":387},{"text":"أَنَّ أبا الخَيْرِ حدَّثه: أنَّه سمع عقبة بن عامر يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كلّ امرئ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ حَتَّى يُفْصَلَ بَيْنَ النَّاسِ» «١» قال يزيد: فكان أبو الخير لا يخطئه يومٌ إلاَّ تصدق فيه بشيء، ولو كَعْكَةً أو بصلة أو كذا، انتهى، والصِّدِّيقُونَ: بناء مبالغة من الصدق أو من التصديق على ما ذكر الزَّجَّاج «٢» .\nوقوله تعالى: وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ: اخْتُلِفَ في تأويله فقال ابن مسعود وجماعة:\nوَالشُّهَداءُ: معطوف على: الصِّدِّيقُونَ والكلامُ متَّصل، ثم اختلفتْ هذه الفرقةُ في معنى هذا الاتصال، فقال بعضها: وَصَفَ اللَّه المؤمنين بأَنَّهم صديقون وشهداء، فَكُلُّ مؤمن شهيد/ قاله مجاهد «٣»، وروى البَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ أَنَّ النبي ﷺ قال: «مُؤْمِنُو أُمَّتِي شُهَدَاءُ، وَتَلاَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هذه الآية «٤» وإنّما خصّ ﷺ ذكر الشهداء السبعة تشريفًا لهم لأَنَّهُم في أعلى رتب الشهادة أَلاَ ترى أَنَّ المقتولَ في سبيل اللَّه مخصوصٌ أيضًا من السبعة بتشريف ينفرد به، وقال بعضها: الشُّهَداءُ هنا: من معنى الشاهد لا من معنى الشهيد، فكأَنَّه قال: هم أهل الصدق والشهداءُ على الأمم، وقال ابن عباس، ومسروق، والضحاك «٥»: الكلام تامٌّ في قوله: الصِّدِّيقُونَ، وقوله: وَالشُّهَداءُ: ابتداءٌ مستأنف،\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٤/ ١٤٧- ١٤٨)، وأبو يعلى (٣/ ٣٠٠- ٣٠١) رقم (١٧٦٦)، وابن خزيمة (٤/ ٩٤) رقم: (٢٤٣١)، وابن حبان (٨١٧) - موارد، والحاكم (١/ ٤١٦)، والبيهقي (٤/ ١٧٧)، كتاب «الزكاة» باب: التحريض على الصدقة وإن قلّت، وأبو نعيم في «الحلية» (٨/ ١٨١)، والبغوي في «شرح السنة» (٣/ ٤٠٢) - بتحقيقنا، كلهم من طريق ابن المبارك وهو في «الزهد» له ص: (٢٢٧) رقم (٦٤٥) عن حرملة بن عمران عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ:\n«الرجل في ظل صدقته حتى يقضى بين الناس وكان أبو الخير لا يأتي عليه يومٌ إلاَّ تصدق فيه بشيء ولو كَعْكَةً ولو بصلة.\nوقال الحاكم: صحيحٌ على شرط مسلمٍ ولم يخرِّجاه، ووافقه الذهبي وصححه ابن خزيمة، وابن حبان.\nوقال الهيثمي في «المجمع» (٣/ ١١٣): رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني ورجال أحمد ثقات.\nوصححه السيوطي في «الجامع الصغير» (٦٢٨٢)، وقال المناوي في «الفيض» (٥/ ١٣): وقال- أي الذهبي- في «المهذب»: إسناده قوي.\n(٢) ينظر: «معاني القرآن» (٥/ ١٢٦) .\n(٣) أخرجه الطبري (١١/ ٦٨٣)، برقم: (٣٣٦٥٢)، وذكره البغوي (٤/ ٢٩٨)، وابن عطية (٥/ ٢٦٥)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٣١٢)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٢٥٦)، وعزاه لعبد الرزاق، وعبد بن حميد.\n(٤) ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٢٥٦)، وعزاه لابن جرير.\n(٥) أخرجه الطبري (١١/ ٦٨٣) عن ابن عبّاس برقم: (٣٣٦٤٦)، وعن مسروق برقم: (٣٣٦٤٧)، وعن الضحاك برقم: (٣٣٦٥٠)، وذكره البغوي (٤/ ٢٩٨)، وابن عطية (٥/ ٢٦٦)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٣١١)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٢٥٦)، وعزاه لابن جرير.","vol":"5","page":388},{"text":"ثم اختلفتْ هذه الفرقةُ في معنى هذا الاستئناف، فقال بعضها: معنى الآية: والشهداءُ بأنَّهم صديقون حاضرون عند ربهم، وعَنَى بالشهداء الأنبياء﵈-.\nت: وهذا تأويل بعيد من لفظ الآية، وقال بعضها: قوله: وَالشُّهَداءُ ابتداء يريد به الشهداءَ في سبيل اللَّه، واستأنف الخبر عنهم بأَنَّهم: عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ فكأَنَّه جعلهم صِنْفًا مذكورًا وحده.\nت: وأبينُ هذه الأقوال الأوَّلُ، وهذا الأخيرُ، وإنْ صَحَّ حديث البَرَاءِ لم يُعْدَلْ عنه، قال أبو حيان «١»: والظاهر أَنَّ الشُّهَداءُ مبتدأ خبره ما بعده، انتهى.\nوقوله تعالى وَنُورُهُمْ قال الجمهور: هو حقيقة حسبما تقدم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1440>[سورة الحديد (٥٧): آية ٢٠]</span>\nاعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ مَتاعُ الْغُرُورِ (٢٠)\nوقوله سبحانه: اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ هذه الآيةُ وعظ، وتبيين لأمر الدنيا وَضَعَةِ منزلتها، والحياة الدنيا في هذه الآية: عبارة عن الأشغال والتصرفاتِ والفكرِ/ التي هي مختصة بالحياة الدنيا، وأَمَّا ما كان من ذلك في طاعة اللَّه تعالى، وما كان في الضرورات التي تقيم الأود وتعينُ على الطاعات- فلا مدخلَ له في هذه الآية، وتأملْ حالَ الملوك بعد فقرهم، يَبِنْ لك أنّ جميع ترفههم لَعِبٌ ولهو، والزينة: التحسين الذي هو خارج عن ذات الشيء، والتفاخرُ بالأموال والأنساب وغيرُ ذلك على عادة الجاهلية، ثم ضرب اللَّه ﷿ مَثَلَ الدنيا، فقال: كَمَثَلِ غَيْثٍ ... الآية: وصورة هذا المثالِ أَنَّ الإنسانَ ينشأ في حجر مملكة فما دون ذلك، فيشُبُّ في النعمة، ويقوى، ويكسب المال والولد، ويغشاه الناسُ، ثم يأخذُ بعد ذلك في انحطاطٍ، ويشيب، ويضعف ويسقم، وتصيبه النوائب في ماله وذريته، ويموتُ، ويضمحلُّ أَمرهُ، وتصيرُ أمواله لغيره، وتتغير رُسُومُه فأمره مِثْلُ مطر أصاب أرضًا، فنبت عن ذلك الغيثِ نباتٌ معجب أنيق، ثم هاج، أي: يبس، واصْفَرَّ، ثم تحطم، ثم تفرق بالرياح واضمحل.\nوقوله: أَعْجَبَ الْكُفَّارَ أي: الزراع فهو من كَفَرَ الحَبَّ، أي: ستره، وقيل:\nيحتمل أَنْ يعني الكفار باللَّه، لأَنَّهم أَشَدُّ إعجابا بزينة الدنيا، ثم قال تعالى:\n_________\n(١) ينظر: «البحر المحيط» (٨/ ٢٢٢) .","vol":"5","page":389},{"text":"وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ ... الآية: كأنَّه قال: والحقيقة هاهنا، وذكر العذابَ أَوَّلًا تَهَمُّمًَا به من حيث الحذر في الإنسان، ينبغي أَنْ يكونَ أولًا، فإذا تحرز من المخاوف مَدَّ حينئذ أمله، فذكر تعالى ما يحذر قبل ما يطمع فيه، وهو المغفرة والرضوان، وعبارة الثعلبيِّ:\nثُمَّ يَهِيجُ أي: يجفُّ وَفِي الْآخِرَةِ/ عَذابٌ شَدِيدٌ: لأعداء اللَّه وَمَغْفِرَةٌ: لأوليائه، وقال الفَرَّاءُ وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ أي: إمَّا عذاب شديد، وإمَّا مغفرة وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ: هذا تزهيد في العمل للدنيا، وترغيبٌ في العمل للآخرة، انتهى، وهو حسن، وعن طارق قال: قال رسول الله ﷺ: «نِعْمَتِ الدَّارُ الدُّنْيَا لِمَنْ تَزَوَّدَ مِنْهَا لآِخِرَتِهِ، وَبِئْسَتِ الدَّارُ لِمَنْ صَدَّتْهُ عَنْ آخِرَتِهِ، وَقَصَّرَتْ بِهِ عَنْ رِضَا رَبِّهِ، فَإذَا قَالَ الْعَبْدُ: قَبَّحَ اللَّهُ الدُّنْيا قَالَتِ الدُّنْيَا: قَبَّحَ اللَّهُ أَعْصَانَا لِرَبِّهِ» «١» . رواه الحاكم في «المستدرك»، انتهى من «السلاح»، ولا يشك عاقل أَنَّ حُطَامَ الدنيا مُشْغِلٌ عنِ التأهب للآخرة قال أبو عمر بن عبد البر في كتاب «فضل العلم»: وقد رُوِيَ مرفوعًا: «لِكُلِّ أُمَّةٍ فِتْنَةٌ، وَفِتْنَةُ أُمَّتِي المَالُ» «٢» قال أبو عمر: ثم نقول: إنَّ الزهد في الحلال، وترك الدنيا مع القدرة عليها- أفضلُ من الرغبة فيها في حلالها، وهذا ما لا خلافَ فيه بين علماء المسلمين قديمًا وحديثًا، والآثار الواردة عنِ الصحابة والتابعين، ومَنْ بعدهم من علماء المسلمين في فضل الصبر والزهد فيها، وفَضْل القناعة، والرضا بالكفاف، والاقتصارِ على ما يكفي دون التكاثر الذي يُلْهِي ويُطْغِي-: أكثر من أَنْ يحيط بها كتاب، أو يشمل عليها باب، والَّذِينَ زوى اللَّه عنهم الدنيا من الصحابة، أكثرُ من الذين فتحها عليهم أضعافًا مضاعفةً، وقد روينا عن عبد الرحمن بن عوف أَنَّهُ لما حضرته الوفاةُ بَكَى بُكَاءً شديدًا، وقال: كان مُصْعَبُ بنُ عُمَيْرٍ خيرًا مِنِّي تُوُفِّيَ وَلَمْ يَتْرُكْ ما يُكَفَّنُ فيه، / وَبَقِيتُ بعده حتى أَصَبْتُ من الدنيا وأصابت مِنِّي، ولا أحسبني إلاَّ سَأُحْبَسُ عن أصحابي بما فتح اللَّهُ عليَّ من ذلك، وجعل يبكي حتى\n_________\n(١) أخرجه الحاكم (٤/ ٣١٢) .\nوقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وتعقبه الذهبي، وقال: بل منكر، وعبد الجبار لا يعرف، روى عنه يحيى بن أيوب العابد.\n(٢) أخرجه الترمذي (٤/ ٥٦٩)، كتاب «الزهد» باب: ما جاء أن فتنة هذه الأمة في المال (٢٣٣٦)، وابن حبان (٨/ ١٢٨) - الموارد (٢٤٧٠)، والنسائي كما في «التحفة» (٨/ ٣٠٩) (١١١٢٩)، والحاكم (٤/ ٣١٨) .\nقال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب، إنما نعرفه من حديث معاوية بن صالح.\nقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.\nقال ابن الجوزي في «العلل المتناهية» (٢/ ٧٩٨)، وهذا حديث لا يصحّ عن رسول الله ﷺ، قال العقيلي: ليس له أصل من وجه يثبت. اهـ.","vol":"5","page":390},{"text":"فاضتْ نفسه، وفارق الدنيا رحمة اللَّه عليه، فإنْ ظَنَّ ظانٌّ جاهل أَنَّ الاستكثار من الدنيا ليس به بأس، أو غلب عليه الجهل فَظَنَّ أَنَّ ذلك أفضل من طلب الكفاف منها، وشُبِّهَ عليه بقول اللَّه تعالى: وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى [الضحى: ٨] فيما عَدَّده سبحانه على نبيّه ﷺ من نعمه عنده- فَإنَّ ذلك ليس كما ظَنَّ بل ذلك غنى القلب، دَلَّتْ على ذلك الآثارُ الكثيرة كقوله ﵇: «لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ العَرَضِ، وَإنَّما الغِنَى غِنَى النّفس» «١» انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1441>[سورة الحديد (٥٧): الآيات ٢١ الى ٢٣]</span>\nسابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١) ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ (٢٣)\nوقوله سبحانه: سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ... الآية: لما ذكر تعالى المغفرة التي في الآخرة، ندب في هذه الآية إلى المسارعة إليها والمسابقة، وهذه الآية حُجَّةٌ عند جميع العلماء في الندب إلى الطاعات، وقدِ استدلَّ بها بعضُهم على أَنَّ أَوَّلَ أوقات الصلوات أَفضلُ لأَنَّهُ يقتضي المسارعةَ والمسابقةَ، وذكر سبحانه العَرْضَ من الجنة إذِ المعهودُ أَنَّهُ أَقَلُّ من الطول، وقد ورد في الحديث: «أَنَّ سَقْفَ الجَنَّةِ الْعَرْشُ» وورد في الحديث: «أَنَّ السموات السَّبْعَ في الكُرْسِيِّ كَالدِّرْهَمِ في الْفَلاَةِ، وَأَنَّ الْكُرْسِيَّ في الْعَرْشِ كَالدِّرْهَمِ في الْفَلاَةِ» «٢» .\nت: أيها الأخ، أَمَرَكَ المولى سبحانه بالمسابقة والمسارعة رحمةً منه وفضلًا، فلا تغفلْ عن امتثال أمره وإجابة دعوته: [الخفيف]\nالسِّبَاقَ السِّبَاقَ قَوْلًا وَفِعْلًا ... حَذَرَ النَّفْسِ حَسْرَةَ/ الْمَسْبُوقِ\nذكر صاحبُ «معالم الإيمان، وروضات الرضوان» في مناقب صلحاء القيروان، قال:\nومنهم أبو خالد عبد الخالق المتعبد، كان كثيرَ الخوف والحزن، وبالخوف مات رأى يومًا خَيْلًا يسابق بها، فتقدمها فرسان، ثم تقدم أَحَدُهُمَا على الآخر، ثم جَدَّ التالي حتى سَبَقَ الأول، فتخلَّلَ عبد الخالق الناسَ حَتَّى وصلَ إلى الفرس السابق، فجعل يُقَبِّلُهُ ويقول: بارك اللَّه فيك، صَبَرْتَ فظفرت، ثم سقط مغشيّا عليه، انتهى.\n_________\n(١) تقدم تخريجه.\n(٢) تقدم تخريجه.","vol":"5","page":391},{"text":"وقوله سبحانه: مَا أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ ... الآية: قال ابن زيد وغيره «١»: المعنى: ما حدث من حادث، خيرٍ وشَرٍّ، فهذا على معنى لفظ أصاب، لا على عُرْفِ المصيبة فإنَّ عُرْفَهَا في الشر، وقال ابن عباس «٢» ما معناه: أَنَّه أراد عرف المصيبة، فقوله: فِي الْأَرْضِ يعني: بالقحوط، والزلازل، وغير ذلك وفِي أَنْفُسِكُمْ: بالموت، والأمراض، وغير ذلك.\nوقوله: إِلَّا فِي كِتابٍ معناه: إلاَّ والمصيبة في كتاب ونَبْرَأَها معناه: نخلقها يقال: برأ اللَّهُ الخلق، أي: خلقهم، والضميرُ عائد على المصيبة، وقيل: على الأرض، وقيل: على الأنفس قاله ابن عباس وجماعة «٣»، وذكر المهدويُّ جوازَ عود الضمير على جميع ما ذُكِر، وهي كُلُّها معانٍ صِحَاحٌ.\nإِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ: يريد تحصيلَ الأشياءِ كلها في كتاب، وقال الثعلبي:\nوقيل المعنى: إنَّ خَلْقَ ذلك وحِفْظَ جميعه، على اللَّه يسير، انتهى.\nوقوله: لِكَيْلا تَأْسَوْا معناه: فَعَلَ اللَّهُ هذا كُلَّه، وأَعلمكم به ليكونَ سَبَبَ تسليتكم وقِلَّةَ اكتراثكم بأمور الدنيا، فلا تحزنوا على فائت، ولا تفرحوا الفَرَحَ المبطر بما آتاكم/ منها، قال ابن عباس «٤»: ليس أحد إلاَّ يحزنُ أو يفرحُ، ولكن مَنْ أصابته مصيبةٌ فليجعلها صبرًا، ومَنْ أصابه خير فليجعله شكرًا وفي «صحيح مسلم» عن أبي سعيد وأبي هريرةَ، أَنَّهُمَا سَمِعَا رسولَ اللَّه ﷺ يقول: «مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ وَصَبٍ وَلاَ نَصَبٍ، وَلاَ سَقَمٍ وَلاَ حَزَنٍ، حَتَّى الهَمِّ يَهُمُّهُ- إلاَّ كُفِّرَ بِهِ مِنْ سَيِّئَاتِهِ» «٥»، وفي «صحيح مسلم» عن\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١١/ ٦٨٦)، برقم: (٣٣٦٦٢)، وذكره ابن عطية (٥/ ٢٦٨) . [.....]\n(٢) ذكره ابن عطية (٥/ ٢٦٨) .\n(٣) أخرجه الطبري (١١/ ٦٨٥)، برقم: (٣٣٦٥٧)، وذكره ابن عطية (٥/ ٢٦٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٢٥٧)، وعزاه لابن جرير عن ابن عبّاس.\n(٤) أخرجه الطبري (١١/ ٦٨٧)، برقم: (٣٣٦٦٦)، وذكره ابن عطية (٥/ ٢٦٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٢٥٧)، وعزاه لابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم وصححه، والبيهقي في «شعب الإيمان» .\n(٥) أخرجه البخاري (١٠/ ١٠٧)، كتاب «المرضى» باب: ما جاء في كفارة المريض وقوله تعالى: مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ (٥٦٤١- ٥٦٤٢)، ومسلم (٤/ ١٩٩٢، ١٩٩٣)، كتاب «البر والصلة والآداب» باب: ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض أو حزن أو نحو ذلك، حتى الشوكة يشاكها (٥٢/ ٢٥٧٣)، وأحمد (٢/ ٣٠٣، ٣٣٥)، (٣/ ١٨- ١٩، ٤٨) عن أبي هريرة، (٢/ ٣٠٣، ٣٣٥)، (٣/ ١٨- ١٩، ٤٨) عن أبي سعيد، والبيهقي (٣/ ٣٧٣)، كتاب «الجنائز» باب: ما ينبغي لكل مسلم أن يستشعره من","vol":"5","page":392},{"text":"عائشة قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُشَاكُ شَوْكَةً فَمَا فَوْقَهَا، إلاَّ كُتِبَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ بِهَا خِطِيئَةٌ» «١»، وفي «صحيح مسلم» عن أبي هريرةَ قال:\nلَمَّا نَزَلَتْ: مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ [النساء: ١٢٣] بَلَغَتْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مبلغا شديدا، فقال رسول الله ﷺ: «سَدِّدُوا وَقَارِبُوا، فَفِي كُلِّ مَا يُصَابُ بِهِ المُسْلِمُ كَفَّارَةٌ حَتَّى النَّكْبَةِ يُنْكَبُهَا وَالشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا» «٢»، انتهى، وقد تقدم كثير في هذا المختصر من هذا المعنى، فالله المسئول أَنْ ينفع به كُلَّ مَنْ حَصَّله أو نظر فيه.\nوقوله تعالى: وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ: يدلُّ على أَنَّ الفرحَ المنهيَّ عنه إنَّما هو ما أَدَّى إلى الاختيال والفخر، وأَمَّا الفَرَحُ بنعم اللَّه المقترن بالشكر والتواضع، فَإنَّه لا يستطيع أَحَدٌ دَفْعَهُ عن نفسه، ولا حرجَ فيه، واللَّه أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1442>[سورة الحديد (٥٧): الآيات ٢٤ الى ٢٧]</span>\nالَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٤) لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٥) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا وَإِبْراهِيمَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (٢٦) ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا وَقَفَّيْنا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (٢٧)\nوقوله: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ قال بعضهم: هو خبر مبتدإ محذوف تقديره: هم الذين يبخلون، وقال بعضهم: هو في موضع نصب صِفَةً ل كُلَّ، وإنْ كان نكرةً فهو يُخَصَّصُ نوعًا ما فيسوغُ لذلك وصفه بالمعرفة، وهذا مذهبُ الأخفش، والْكِتابَ هنا: اسم جنس لجميع الكتب المُنَزَّلَةِ، وَالْمِيزانَ: العدل/ في تأويل الأكثرين.\n_________\n- الصبر على الأمراض والأوجاع والأحزان، لما فيها من الكفارات والدرجات، عنهما جميعا، وابن الشجري في «أماليه» (٢/ ٢٧٩) عن أبي سعيد، والبخاري في «الأدب المفرد» (١٤٥) (٤٨٨) .\n(١) أخرجه البخاري (١٠/ ١٠٧) كتاب «المرضى» باب: ما جاء في كفارة المريض، وقوله تعالى: مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ (٥٦٤٠)، ومسلم (٤/ ١٩٩٢/ ١٩٩٣)، كتاب «البر والصلة والآداب» باب: ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض أو حزن أو نحو ذلك، حتى الشوكة يشاكها (٤٦، ٥١/ ٢٥٧٢) . والبيهقي (٣/ ٣٧٣)، كتاب «الجنائز» باب: ما ينبغي لكل مسلم أن يستشعره من الصبر على جميع ما يصيبه من الأمراض والأوجاع، والأحزان لما فيها من الكفارات، والدرجات، وأحمد (٦/ ٢٤٧، ٢٤٨)، وابن الشجري في «الأمالي» (٢/ ٢٧٩) .\n(٢) ينظر: السابق.","vol":"5","page":393},{"text":"وقوله تعالى: وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ عَبَّرَ سبحانه عن خلقه الحديدَ بالإنزال كما قال:\nوَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ [الزمر: ٦] الآية، قال جمهورٌ من المفسرين: الحديد هنا أراد به جِنْسَهُ من المعادن وغيرها، وقال حُذَّاقٌ من المفسرين: أراد به السلاح، ويترتب معنى الآية بأَنَّ اللَّه أخبر أَنَّهُ أرسل رُسُلًا، وأنزل كتبًا، وعدلًا مشروعًا، وسلاحًا يُحَارَبُ به مَنْ عاند، ولم يقبل هدى اللَّه إذْ لم يبقَ له عذر، وفي الآية- على هذا التأويل- حَضٌّ على القتال في سبيل اللَّه وترغيبٌ فيه.\nوقوله: وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ يقوِّي هذا التأويل.\nوقوله: بِالْغَيْبِ معناه: بما سمع من الأَوصاف الغائبة عنه فآمن بها، وباقي الآية بين.\nوقوله سبحانه: وقَفَّيْنا معناه: جئنا بهم بعد الأولِينَ، وهو مأخوذ من القفا، أي:\nجيء بالثاني في قَفَا الأَوَّلِ، فيجيء الأول بين يدي الثاني، وقد تقدم بيانه.\nوقوله سبحانه: وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبانِيَّةً: الجعل في هذه الآية بمعنى الخلق.\nوقوله: ابْتَدَعُوها: صفة لرهبانية، وخَصَّها بِأَنَّها ابْتُدِعَتْ لأَنَّ الرأفة والرحمةَ في القلب، لا تَكَسُّبَ للإنسان فيها، وَأَمَّا الرهبانيةُ فهي أفعال بدن مع شيء في القلب، ففيها موضعٌ لِلتَّكَسُّبِ، ونحو هذا عن قتادة «١»، والمراد بالرأفة والرحمة حُبُّ بعضهم في بعض وتوادُّهُم، والمراد بالرهبانية: رَفْضُ النساء، واتخاذ الصوامع والديارات، والتفردُ للعبادات، وهذا هو ابتداعهم، ولم يَفْرِضِ اللَّه ذلك عليهم، لكنهم فعلوا ذلك ابتغاءَ رضوان اللَّه هذا تأويل جماعة، وقرأ ابن مسعود «٢»: / «مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ لَكِنِ ابتدعوها» وقال مجاهد «٣»: المعنى: كتبناها عليهم ابتغاءَ رضوان اللَّه، فالاستثناء على هذا مُتَّصِلٌ، واخْتُلِفَ في الضمير الذي في قوله: فَما رَعَوْها مَنِ المراد به؟ فقال ابن زيد وغيره «٤»: هو عائد على الذين ابتدعوا الرهبانِيَّة، وفي هذا التأويل لزومُ الإتمام لِكُلِّ مَنْ بدأ بتطوّع ونفل، وأنّه\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١١/ ٦٩٠)، برقم: (٣٣٦٧٣)، وذكره ابن عطية (٥/ ٢٧٠) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٢٧٠) .\n(٣) ذكره ابن عطية (٥/ ٢٧٠) .\n(٤) أخرجه الطبري (١١/ ٦٩٢)، برقم: (٣٣٦٧٨)، عن أبي أمامة الباهلي ﵁، وذكره ابن عطية (٥/ ٢٧٠)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٢٥٩)، وعزاه لسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن مردويه، وابن نصر.","vol":"5","page":394},{"text":"يلزمُه أَنْ يرعاه حَقَّ رعيه، وقال الضَّحَّاكُ وغيره «١»: الضمير للأخلاف الذي جاؤوا بعد المبتدعين لها، ورُوِّينَا في «كتاب الترمذيِّ» عن كثير بن عبد اللَّه المُزَنِيِّ، عن أبيه، عن جدّه: «أنّ النبي ﷺ قال لبِلال بن الحارث: اعْلَمْ، قَالَ: مَا أَعْلَمُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ:\nاعْلَمْ يَا بِلاَلُ! قَالَ: مَا أَعْلَمُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَنَّهُ مَنْ أَحْيَا سُنَّةً مِنْ سُنَّتِي قَدْ أُمِيتَتْ بَعْدِي، فَإنَّ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلَ مَنْ عَمِلَ بِهَا، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنِ ابتدع بِدْعَةَ ضَلاَلَةٍ، لاَ يَرْضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ بِهَا- كَانَ عَلَيْهِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ عَمِلَ بِهَا، لاَ يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أَوْزَارِ النَّاسِ شَيْئًا» «٢» . قال أبو عيسى: هذا حديث حسن، انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1443>[سورة الحديد (٥٧): الآيات ٢٨ الى ٢٩]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٨) لِئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)\nوقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ قالت فرقة: الخطاب بهذه الآية لأهل الكتاب، ويؤيده الحديث الصحيح: «ثَلاَثَةٌ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وَآمَنَ بي» الحديث «٣»، وقال آخرون: الخطاب للمؤمنين من هذه الأمة، ومعنى آمِنُوا بِرَسُولِهِ أي: اثبتوا على ذلك ودوموا عليه، يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ أي: نصيبين بالإضافة إلى ما كان الأمم قبل يعطونه، قال أبو موسى: كِفْلَيْنِ: ضعفين بلسان الحبشة، والنور هنا: إمَّا أَنْ يكونَ وعدًا بالنور الذي/ يسعى بين الأيدي يومَ القيامة، وإمَّا أَنْ يكون استعارة للهُدَى الذي يمشي به في طاعة اللَّه.\nوقوله تعالى: لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ...\nالآية: رُوِيَ أَنَّه لما نزل هذا الوعدُ المتقدم للمؤمنين، حسدهم أهلُ الكتاب على ذلك، وكانتِ اليهودُ تُعَظِّمُ دِينَهَا وأَنْفُسَهَا، وتزعم أَنَّهم أحِبَّاءُ اللَّه وأهلُ رضوانه، فنزلت هذه الآية مُعْلِمَةً أَنَّ اللَّه فعل ذلك، وأعلم به ليعلمَ أَهل الكتابِ أَنَّهم ليسوا كما يزعمون، و«لا» في قوله: لِئَلَّا زائدة، وقرأ ابن عباس والجَحْدَرِيُّ «٤»: «لِيَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ»، وروى إبراهيم\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١١/ ٦٩٢)، برقم: (٣٣٦٨١) عن ابن عبّاس ﵄، وذكره ابن عطية (٥/ ٢٧٠) .\n(٢) أخرجه الترمذي (٥/ ٤٥)، كتاب «العلم» باب: ما جاء في الأخذ بالسنة، واجتناب البدع (٢٦٧٧) .\nقال الترمذي: هذا حديث حسن وللحديث شواهد في الصحيح.\n(٣) تقدم تخريجه. [.....]\n(٤) وقرأ بها عبد الله.","vol":"5","page":395},{"text":"التيمي عن ابن عباس: «كَيْ يَعْلَمَ» وروي عن حِطَّانَ الرُّقَاشِيِّ أنه قرأ «١»: «لأَنْ يَعْلَمَ» .\nوقوله تعالى: أَلَّا يَقْدِرُونَ معناه: أَنَّهم لا يملكون فضلَ اللَّه، ولا يدخل تحت قُدَرهم، وباقي الآية بيّن.\n_________\n- ينظر: «الشواذ» (١٥٣)، و«المحرر الوجيز» (٥/ ٢٧١)، و«البحر المحيط» (٨/ ٢٢٧)، وزاد نسبتها إلى ابن مسعود، وعكرمة، وعبد الله بن سلمة، وهي في «الدر المصون» (٦/ ٢٨٢) .\n(١) ينظر: مصادر القراءة السابقة.","vol":"5","page":396},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1444>تفسير سورة المجادلة</span>\nوهي مدنيّة إلّا أنّ النقّاش حكى أنّ قوله تعالى:\nما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ ... الآية، مكّيّ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1445>[سورة المجادلة (٥٨): الآيات ١ الى ٤]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١) الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلاَّ اللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٢) وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ (٤)\nقوله ﷿: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها ... الآية: اختلف الناس في اسم هذه المرأة على أقوال، واختصار ما رواه ابن عباس والجمهور «أَنَّ أَوْسَ بْنَ الصَّامِتِ الأَنْصَارِيَّ، أخا عبادة بن الصامت، ظَاهَرَ من امرأته خَوْلَةَ بنت خُوَيْلِدٍ، وكان الظهارُ في الجاهلية يُوجِبُ عندهم فُرْقَةً مُؤَبَّدَةً، فلما فعل ذلك أوس جاءت زوجته رسول الله ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أَوسًا أَكَلَ شَبَابِي، وَنَثَرْتُ لَهُ بَطْنِي، فَلَمَّا كَبِرْتُ وَمَاتَ أهلي، ظاهر منّي! فقال رسول الله ﷺ: / مَا أَرَاكِ إلاَّ حُرِّمْتِ عَلَيْهِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لاَ تَفْعَلْ فَإنِّي وَحِيدَةٌ لَيْسَ لي أهل سواه، فراجعها رسول الله ﷺ بِمِثْلِ مَقَالَتِهِ فَرَاجَعَتْهُ، فَهَذَا هُوَ جِدَالُهَا، وَكَانَتْ في خِلاَلِ جِدَالِهَا تَقُولُ: اللَّهُمَّ إَلَيْكَ أَشْكُو حَالِي وانفرادي وَفَقْرِي إلَيْهِ»، وَرُوِيَ أَنَّها كَانَتْ تَقُولُ: اللَّهُمَّ، إنَّ لي مِنْهُ صِبْيَةً صِغَارًا، إنْ ضَمَمْتُهُمْ إلَيْهِ ضَاعُوا، وَإنْ ضَمَمْتُهُمْ إليَّ جَاعُوا، فَهَذَا هُوَ اشتكاؤها إلَى اللَّهِ، فَنَزَلَتِ الآية،","vol":"5","page":397},{"text":"فبعث النبيّ ﷺ في أَوْسٍ، وأَمَرَهُ بِالتَّكْفِيرِ، فَكَفَّرَ بِالإطْعَامِ، وَأَمْسَكَ أَهْلَهُ» «١» قال ابن العربي في «أحكامه» «٢»: والأشبه في اسم هذه المرأة أَنَّها خَوْلَةُ بِنْتُ ثَعْلَبَةَ، امرأةُ أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ، وعلى هذا اعتمد الفخر قال الفخر «٣»: هذه الواقعة تَدُلُّ على أَنَّ مَنِ انقطع رجاؤه من الخلق، ولم يبق له في مُهِمِّة أحدٌ إلاَّ الخالق- كفاه اللَّهُ ذلك المهم، انتهى، والمحاورة: مراجعةُ القولِ ومعاطاته، وفي مصحف ابن مسعود «٤»: «تُحَاوِرُكَ في زَوْجِهَا» والظِّهَارُ: قولُ الرجلِ لامرأته: أنتِ عليَّ كَظَهْرِ أُمِّي، يريد في التحريم كَأَنَّها إشارة إلى الركوبِ، إذ عُرْفُهُ في ظهور الحيوان، وكان أهلُ الجاهلية يفعلون ذلك، فَرَدَّ اللَّه بهذه الآية على فعلهم، وأخبر بالحقيقة من أَنَّ الأُمَّ هي الوالدة، وأَمَّا الزوجةُ فلا يكونُ حكمُهَا حُكْمَ الأُمِّ، وجعل اللَّه سبحانه القول بالظهار مُنْكَرًا وزورًا، فهو مُحَرَّمٌ، لَكِنَّهُ إذَا وقع لزم هكذا قال فيه أهل العلم، لكنَّ تحريمه تحريمُ المكروهات جدًّا، وقد رَجَّى اللَّه تعالى بعده بأَنَّهُ عَفُوٌّ غفور مع الكَفَّارَةِ.\nوقوله سبحانه: ثُمَّ يَعُودُونَ ... الآية.\nت: اخْتُلِفَ في معنى العَوْدِ، والعود في «المُوَطَّإ»: العزم على/ الوطء والإمساك مَعًا، وفي «المُدَوَّنَةِ»: العزمُ على الوطء خاصَّةً.\nوقوله تعالى: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا، قال الجمهور: وهذا عامٌّ في نوع المسيس الوطء والمباشرة، فلا يجوز لِمُظَاهِرٍ أَنْ يطأَ، ولا أَنْ يُقَبِّلَ أو يَلْمَسَ بيده، أو يفعَلَ شيئًا من هذا النوع إلاَّ بعد الكفارة وهذا قول مالك ﵀.\nوقوله تعالى: ذلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ: إشارة إلى التحذير، أي: فَعَلَ ذلك عظةً لكم لتنتهوا عن الظهار.\nوقوله سبحانه: فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ: قال الفخر «٥»: الاستطاعة فوق الوسع والوسع فوق الطاقة، فالاستطاعة هي أَنْ يتمكَّنَ الإنسان من الفعل على سبيل السهولة، انتهى،\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (٢/ ٢٦٥)، كتاب «الطلاق» باب: في الظهار، حديث (٢٢١٣) .\n(٢) ينظر: «أحكام القرآن» (٤/ ١٧٤٥) .\n(٣) ينظر: «تفسير الرازي» (٢٩/ ٢١٨) .\n(٤) ينظر: «الشواذ» ص: (١٥٤)، و«المحرر الوجيز» (٥/ ٢٧٣) .\n(٥) ينظر: «تفسير الرازي» (٢٩/ ٢٢٧) .","vol":"5","page":398},{"text":"وفروع الظهار مُسْتَوفَاةً في كتب الفقه، فلا نطيل بذكرها.\nوقوله سبحانه: ذلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ... الآية: إشارة إلى الرخصة والتسهيل في النقل من التحرير إلى الصوم والإطعام، ثم شَدَّدَ سبحانه بقوله: وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ أي: فالتزموها، ثم تَوَعَّدَ الكافرين بقوله: وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1446>[سورة المجادلة (٥٨): الآيات ٥ الى ٧]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ (٥) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أَحْصاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٦) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧)\nوقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا ... الآية: نزلت في قوم من المنافقين واليهود، كانوا يتربّصون برسول الله ﷺ وبالمؤمنين الدوائرَ، ويتمنَّون فيهم المكروهَ، ويتناجون بذلك وكُبِتَ الرجل: إذا بَقِيَ خَزْيَانَ يُبْصِرُ ما يكره، ولا يَقْدِرُ على دفعه، وقال قوم منهم أبو عبيدة: أصله كبدوا، أي: أصابهم داء في أكبادهم، فأُبْدِلَتِ الدَّالُ تاءً، وهذا غير قويّ، والَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ: منافقوا الأمم الماضية، ولفظ البخاريِّ:\nكُبِتُوا: أُحْزِنُوا.\nوقوله تعالى: وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ/ مُهِينٌ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ: العامل في يَوْمَ قوله: مُهِينٌ، ويحتمل أنْ يكون فعلًا مُضْمَرًا تقديره: اذكر.\nوقوله تعالى: إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ أي: بعلمه وإحاطته وقُدْرَتِهِ، وعبارة الثعلبيِّ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ: يعلم ويسمع نجواهم، يدل على ذلك افتتاح الآية وخاتمتُها، انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1447>[سورة المجادلة (٥٨): الآيات ٨ الى ١٠]</span>\nأَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ وَيَتَناجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٨) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩) إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئًا إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٠)\nوقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ ... الآية، قال ابن","vol":"5","page":399},{"text":"عبّاس «١»: نزلت في اليهود والمنافقين، وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ: هو قولهم: السَّامُ عليكم، يريدون الموتَ، ثم كشف اللَّه تعالى خُبْثَ طَوِيَّتِهِمْ والحُجَّةَ التي إليها يسترحون، وذلك أَنَّهُمْ كانوا يقولون: لو كان محمد نبيًّا لعذبنا بهذه الأقوال التي تسيئه، وجَهِلُوا أَنَّ أمرهم مُؤَخَّرٌ إلى عذاب جهنم.\nوقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ ... الآية: وصِيَّةٌ منه سبحانه للمؤمنين أَلاَّ يتناجوا بمكروه، وذلك عامٌّ في جميع الناس إلى يوم القيامة.\nوقوله: إِنَّمَا النَّجْوى أي: بالإِثم مِنَ الشَّيْطانِ وقرأ نافع وأهل المدينة «٢»:\n«ليحزن» - بضم الياء وكسر الزاي- والفعل مُسْنَدٌ إلى الشيطان، وقرأ أبو عمرو وغيره:\n«لِيَحْزُنَ» - بفتح الياء وضم الزاي-، ثم أخبر تعالى أَنَّ الشيطان أو التناجي الذي هو منه، ليس بضارٍّ أحدًا إلاَّ أَنْ يكونَ ضُرَّ بإذن اللَّه، أي: بأمره وقَدَرِهِ، ثم أمر بتوكّل المؤمنين عليه ﵎.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1448>[سورة المجادلة (٥٨): الآيات ١١ الى ١٢]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢)\nوقوله تعالى: «يا أيّها الّذين آمنوا إذا قيل لكم تفسّحوا في المجلس ...» الآية، وقرأ عاصم «٣»: «في المَجَالِسِ» قال زيد بن أسلم وقتادة «٤»: هذه الآية نزلت بسبب تضايق الناس\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٢/ ١٤) برقم: (٣٣٧٦٠) عن مجاهد، و(١٢/ ١٥) عن ابن عبّاس برقم:\n(٣٣٧٦٤)، وذكره ابن عطية (٥/ ٢٧٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٢٧٠)، وعزاه لعبد الرزاق، وابن أبي حاتم، وابن مردويه.\n(٢) وقرأ بقراءة أبي عمرو- الحسن، وعاصم.\nينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٢٧٨) .\n(٣) يعني: جعله عاما في المجالس، وأما قراءة الباقين على التوحيد، فمعناها: في مجلس رسول الله ﷺ خاصة.\nينظر: «السبعة» (٦٢٩)، و«الحجة» (٦/ ٢٨٠)، و«إعراب القراءات» (٢/ ٣٥٥)، و«حجة القراءات» (٧٠٤)، و«العنوان» (١٨٧)، و«شرح الطيبة» (٦/ ٤٦)، و«شرح شعلة» (٦٠٠)، «إتحاف» (٢/ ٥٢٧)، و«معاني القراءات» (٣/ ٦٠) .\n(٤) أخرجه الطبري (١٢/ ١٨)، برقم: (٣٣٧٧٦) عن قتادة، وذكره البغوي (٤/ ٣١٩)، وابن عطية (٥/ ٢٧٨) .","vol":"5","page":400},{"text":"في مجلس النبي ﷺ وذلك أَنَّهُمْ كانوا يتنافسون في القُرْبِ منه وسَمَاعِ/ كلامه والنظر إليه، فيأتي الرجلُ الذي له الحَقُّ والسِّنُّ والقَدَمُ في الإسلام، فلا يجد مكانًا، فنزلت بسبب ذلك، وروى أبو هريرة أن النبيّ ﷺ قَالَ: «لاَ يَقُمْ أَحَدٌ مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ يَجْلِسَ فِيهِ الرَّجُلُ، وَلَكِنْ تَفَسَّحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ» «١» . قال جمهور العلماء: سببُ نزولِ الآية مجلس النبي ﷺ ثم الحكم مُطَّرِدٌ في سائر المجالس التي هي للطاعات ومنه قوله ﷺ: «أَحَبُّكُمْ إلَى اللَّهِ أَلْيَنُكُمْ مَنَاكِبَ في الصَّلاَةِ، وَرُكَبًا في المَجَالِسِ» «٢»، وهذا قول مالك ﵀، وقال: ما أرى الحكم إلاَّ يَطَّرِدُ في مجالس العلم ونحوها غَابِرَ الدهر قال ع «٣»: فالسنة المندوبُ إليها هي التفسُّحُ، والقيامُ منهيّ عنه في حديث النبي ﷺ، حيثُ نهى أَنْ يَقُومَ الرَّجُلُ فَيَجْلِسَ الآخَرُ مَكَانَهُ «٤» .\nت: وقد روى أبو دَاوُدَ في «سننه» عن سَعِيدِ بْنِ أبي الحَسَنِ قال: «جَاءَنَا أَبُو بَكْرَةَ في شَهَادَةٍ، فَقَامَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ مَجْلِسِهِ فَأَبَى أَنْ يَجْلِسَ فِيهِ، وقال: إنّ رسول الله ﷺ نَهَى عَنْ ذَلِكَ، وَنَهَى أَنْ يَمْسَحَ الرَّجُلُ يَدَهُ بِثَوْبِ مَنْ لَمْ يَكْسُهُ» «٥» وروى أبو داودَ عن ابن عمر قال: جَاءَ رَجُلٌ إلى النبيّ ﷺ فَقَامَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ مَجْلِسِهِ، فَذَهَبَ لِيَجْلِسَ فيه، فنهاه رسول الله ﷺ» «٦» انتهى، قال ع «٧»: فَأَمَّا القيام إجلالًا فجائز بالحديث، وهو قوله ع حين أقبل سعد بن معاذ: «قُومُوا إلَى سَيِّدِكُمْ» «٨» . وواجب على المُعَظَّمِ أَلاَّ يُحِبَّ ذَلِكَ ويأخذ الناس به لقوله ع: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَتَمَثَّلَ لَهُ النَّاسُ قِيَامًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» «٩» .\nت: وفي الاحتجاج بقضية/ سعد نظر لأَنَّها احْتَفَّتْ بِها قرائن سوّغت ذلك\n_________\n(١) تقدم تخريجه.\n(٢) أخرجه أبو داود (١/ ٢٣٦)، كتاب «الصلاة» باب: تسوية الصفوف، حديث (٦٧٢) . [.....]\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٢٧٩) .\n(٤) تقدم تخريجه.\n(٥) تقدم.\n(٦) أخرجه أبو داود (٢/ ٦٧٤)، كتاب «الأدب» باب: في الرجل يقوم للرجل من مجلسه (٤٨٢٧) .\n(٧) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٢٩٠) .\n(٨) أخرجه البخاري (٧/ ٤٧٥)، كتاب «المغازي» باب: مرجع النبي ﷺ من الأحزاب (٤١٢١)، ومسلم (٣/ ١٣٨٨)، كتاب «الجهاد والسير» باب: جواز قتال من نقض العهد (٦٤/ ١١٧٦٨)، وأحمد (٣/ ٢٢، ٧١)، والبيهقي (٩/ ٩٧)، كتاب «السير» باب: نزول أهل الحصن أو بعضهم على حكم الإمام أو غير الإمام، إذا كان المنزول على حكمه مأمونا.\n(٩) تقدم.","vol":"5","page":401},{"text":"انظر السير، وقد أطنب صاحب المدخل في الإنحاء والرَّدِّ على المجيزين للقيام، والسلامةُ عندي تركُ القيام.\nوقوله تعالى: يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ معناه: في رحمته وَجَنَّتِهِ.\n- ص-: يَفْسَحِ مجزوم في جواب الأمر، انتهى، وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا معناه:\nارتفعوا، وقوموا فافعلوا ذلك ومن «رياض الصالحين» للنوويِّ: وعن عمرو بن شُعَيْب، عن أبيه، عن جَدِّه، أنّ رسول الله ﷺ قال: «لاَ يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ اثْنَيْنِ إلاَّ بِإذْنِهِمَا» «١» رواه أبو داودَ، والترمذيُّ وقال: حديث حسن، وفي رواية لأبي داودَ: «لاَ يَجْلِسْ بَيْنَ رَجُلَيْنِ إلاَّ بِإذْنِهِمَا» وعن حُذَيْفَةَ﵁- أَنَّ رسول اللَّه ﷺ: «لَعَنَ مَنْ جَلَسَ وَسَطَ الحَلْقَةِ» «٢»، رواه أبو داود بإسناد حسن، وروى الترمذيُّ عن أبي مِجْلِزٍ أَنَّ رَجُلًا قَعَدَ وَسَطَ الْحَلْقَةِ، فَقَالَ حذيفة: «ملعون على لسان محمّد ﷺ، أو لعن الله على لسان محمّد ﷺ مَنْ جَلَسَ وَسَطَ الْحَلْقَةِ» «٣» قال الترمذيُّ: حديث حسن صحيح، انتهى.\nوقوله سبحانه: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ ... الآية: قال جماعة: المعنى: يرفع اللَّه المؤمنين العلماءَ درجاتٍ فلذلك أمر بالتفسُّح من أجلهم، وقال آخرون: المعنى: يرفع اللَّه المؤمنين والعلماءَ الصنفينِ جميعًا درجاتٍ، لَكِنَّا نعلمُ تفاضُلَهم في الدرجات من مواضعَ أُخَرَ فلذلك جاء الأمر بالتفسح عامّا بالتفسح عامًّا للعلماء وغيرهم، وقال ابن مسعود وغيره «٤»:\n«يرفع الله الذين آمنوا مِنكُمْ» وهنا تَمَّ الكلامُ، ثم ابتدأ بتخصيص العلماء بالدرجات، ونصبهم بإضمار فعلٍ، فللمؤمنين رفع على هذا/ التأويل، وللعلماء درجات، وعلى هذا التأويل قال مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشَّخِّيرِ «٥»: فَضْلُ العلمِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ فَضْلِ العِبَادَةِ، وخيرُ دِينِكُمُ الوَرَعُ، وروى البخاريُّ وغيره عن أبي موسى عن النبي ﷺ قال: «مثل ما\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (٥/ ١٧٥)، كتاب «الأدب» باب: في الرجل يجلس بين الرجلين (٤٨٤٥)، والترمذي (٥/ ٨٩)، كتاب «الأدب» باب: ما جاء في كراهية الجلوس بين الرجلين بغير إذنهما (٢٧٥٢)، وأحمد (٢/ ٢١٣) .\nقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.\n(٢) أخرجه أبو داود (٢/ ٦٧٤)، كتاب «الأدب» باب: الجلوس وسط الحلقة (٤٨٢٦)، والترمذي (٥/ ٩٠)، كتاب «الأدب» باب: ما جاء في كراهية القعود وسط الحلقة (٢٧٥٣) .\nقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.\n(٣) انظر الحديث السابق.\n(٤) ذكره ابن عطية (٥/ ٢٧٩) .\n(٥) أخرجه الطبري (١٢/ ١٩)، وابن عطية (٥/ ٢٧٩) .","vol":"5","page":402},{"text":"بَعَثَنِي اللَّهُ بهِ مِنَ الهدى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ الْغَيْثِ الْكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا، فَكَانَ مِنْهَا طَائِفَةٌ قَبِلَتِ الماء، فَأَنْبَتَتِ الْكَلأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتِ المَاءَ فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ، فَشَرِبُوا، وَسُقُوا، وَزَرَعُوا، وَأَصَابَ مِنْهَا طَائِفَةً أخرى إنَّما هِيَ قِيَعَانٌ لاَ تُمْسِكُ مَاءَ، وَلا تُنْبِتُ كَلأً فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ في دِينِ اللَّهِ ﷿، وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ، فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ ﷿ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ» انتهى «١» .\nوقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ روي عن ابن عباس وقتادة في سببها: أَنَّ قومًا من شباب المؤمنين وأغْفَالِهِمْ كَثُرَتْ مناجاتُهم للنبي ﷺ في غير حاجة، وكان ﷺ سَمْحًا، لا يَرُدُّ أحدًا، فنزلت هذه الآية مُشَدِّدَةً عليهم «٢»، وقال مقاتل: نزلتْ في الأغنياء لأنّهم غلبوا الفقراء على مناجاة النبي ﷺ ومجالسته «٣»، قال جماعة من الرواة: نُسِخَتْ هذه الآيةُ قبل العمل بها، لكنِ استقر حُكْمُهَا بالعزم عليه، وصَحَّ عن عليٍّ أَنَّهُ قال: ما عَمِلَ بها أَحَدٌ غيري، وأنا كنتُ سَبَبَ الرخصة والتخفيفِ عن المسلمين، قال: ثم فهم رسول الله ﷺ أَنَّ هذه الْعِبَادَةَ قد شَقَّتْ/ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ لي: يَا عَلِيُّ، كَمْ ترى أَنْ يَكُونَ حدُّ هذه الصَّدَقَةِ؟ أَتَرَاهُ دِينَارًا؟\nقُلْتُ: لاَ، قَالَ: فَنِصْفُ دِينِارٍ؟ قُلْتُ: لاَ، قَالَ: فَكَمْ؟ قُلْتُ: حَبَّةٌ مِنْ شَعِيرٍ، قَالَ: إنَّكَ لَزَهِيدٌ فَأَنْزَلَ اللَّهُ الرُّخْصَةَ «٤»، يريد لِلْوَاجِدِينَ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَجِدْ فَالرُّخْصَةُ لَهُ ثَابِتَةٌ بقوله:\n«فَإنْ لَمْ تَجِدُوا» قال الفخر «٥»: قوله ﵇ لعليٍّ: «إنَّكَ لَزَهِيدٌ» معناه: إنك قليل المال، فقدّرت على حسب حالك، انتهى.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١/ ٢١١)، كتاب «العلم» باب: فضل من علم وعلّم (٧٩)، ومسلم (٤/ ١٧٨٧)، كتاب «الفضائل» باب: بيان مثل ما بعث النبي ﷺ من الهدى والعلم (١٥/ ٢٢٨٢)، والنسائي في «الكبرى» (٣/ ٤٢٧)، كتاب «العلم» باب: مثل من فقه في دين الله تعالى (٥٨٤٣/ ١) .\n(٢) ذكره البغوي (٤/ ٣١٠)، وابن عطية (٥/ ٢٧٩)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٢٧٢)، وعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه. [.....]\n(٣) ذكره البغوي (٤/ ٣١٠)، وابن عطية (٥/ ٢٧٩)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٢٧٢)، وعزاه لابن أبي حاتم.\n(٤) أخرجه الترمذي (٥/ ٤٠٦- ٤٠٧)، كتاب «التفسير» باب: ومن سورة المجادلة، حديث (٣٣٠٠)، وقال: حسن غريب.\n(٥) ينظر: «الفخر الرازي» (٢٩/ ٢٣٧) .","vol":"5","page":403},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1449>[سورة المجادلة (٥٨): الآيات ١٣ الى ١٨]</span>\nأَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٣) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ما هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٥) اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (١٦) لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١٧)\nيَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ (١٨)\nوقوله سبحانه: أَأَشْفَقْتُمْ ... الآية: الإشفاق: هنا الفزع من العجز عن الشيء المتصدق به، أو من ذهاب المال في الصدقة.\nوقوله: فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ ... الآية: المعنى: دوموا على هذه الأعمال التي هي قواعِدُ شرعكم، ومَنْ قال: إنْ هذه الصدقة منسوخة بآية الزكاة فقوله ضعيف.\nوقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا: نزلت في قوم من المنافقين، تولوا قومًا من اليهود، وهمُ المغضوب عليهم، قال الطبري «١»: مَّا هُمْ مِنْكُمْ: يريد به المنافقين وَلا مِنْهُمْ أي: ولا من اليهود، وهذا التأويل يجري مع قوله تعالى: مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لاَ إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ [النساء: ١٤٣] كالشاة العائرة بين الغنمين، وتحتمل الآية تأويلًا آخرَ، وهو أَنْ يكونَ قوله: مَّا هُمْ يريد به اليهودَ وَلا مِنْهُمْ يريد به المنافقين، وَيَحْلِفُونَ: يعني المنافقين، وقرأ الحسن: اتّخذوا إيمانكم- بكسر الهمزة «٢» -، والجُنَّةُ: ما يُتَسَتَّرُ به، ثم أخبر تعالى عن المنافقين في هذه الآية أَنَّهُ ستكون لهم أيمان يومَ القيامة بين يدي اللَّه تعالى، يخيل إليهم بجهلهم أَنَّها تنفعهم، وتُقْبَلُ منهم، وهذا هو حسابهم أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ أي: على شيء نافع لهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1450>[سورة المجادلة (٥٨): الآيات ١٩ الى ٢٢]</span>\nاسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٩) إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (٢٠) كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١) لاَّ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٢)\n_________\n(١) ينظر: «تفسير الطبري» (١٢/ ٢٣) .\n(٢) ينظر: «المحتسب» (٢/ ٣١٥)، و«البحر المحيط» (٨/ ٢٣٦)، و«الدر المصون» (٦/ ٢٩٠) .","vol":"5","page":404},{"text":"وقوله تعالى: اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ معناه: تَملَّكَهُمْ من كل جهة، / وغلب على نفوسهم، وحُكِيَ أَنَّ عمر قرأ: «اسْتَحَاذَ» «١»، ثم قضى تعالى على مُحَادِّه بِالذُّلِّ، وباقي الآية بَيِّنٌ.\nوقوله سبحانه: لاَّ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ... الآية: نَفَتْ هذه الآيةُ أَنْ يُوجَدَ مَنْ يؤمن باللَّه حَقَّ الإيمان، ويلتزم شُعَبَهُ على الكمال- يوادّ كافرا أو منافقا، وكَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ: معناه: أثبته وخلقه بالإيجاد.\nوقوله: أُولئِكَ: إشارة إلى المؤمنين الذين يقتضيهم معنى الآية لأَنَّ المعنى:\nلكنك تجدهم لا يوادُّونَ مَنْ حادَّ اللَّه.\nوقوله تعالى: بِرُوحٍ مِنْهُ معناه: بهدى منه ونور وتوفيق إلهي ينقدح لهم من القرآن وكلام النبي ﷺ و«الحزب»: الفريق، وباقي الآية بيّن.\n_________\n(١) حكاه القراء في كتاب «اللغات»، كما في «المحرر الوجيز» (٥/ ٢٨١)، و«البحر المحيط» (٨/ ٢٣٧)، و«الدر المصون» (٦/ ٢٩٠) .","vol":"5","page":405},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1451>تفسير سورة الحشر</span>\nوهي مدنيّة باتّفاق وهي سورة بني النضير وذلك أنّهم كانوا عاهدوا النبيّ ﷺ وهم يرون أنّه لا تردّ له راية، فلمّا كان شأن أحد وما أكرم الله به المسلمين، ارتابوا، وداخلوا قريشا، وغدروا، فلما رجع النبيّ ﷺ من أحد حاصرهم حتى أجلاهم عن أرضهم، فارتحلوا إلى بلاد مختلفة: خيبر، والشام، وغير ذلك، ثم كان أمر بني قريظة مرجعة من الأحزاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1452>[سورة الحشر (٥٩): الآيات ١ الى ٤]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nسَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ (٢) وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ (٣) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٤)\nقوله تعالى: سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ الآية:\nتقدم الكلام في تسبيح الجمادات والَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ: هم بنو النضير.\nو[قوله]: لِأَوَّلِ الْحَشْرِ: قال الحسن بن أبي الحسن وغيره «١»: يريد حَشْرَ القيامة، أي: هذا أَوَّلُهُ والقيامُ من القبور آخره، وقال عكرمة وغيره «٢»: المعنى: / لأول موضع\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٥/ ٢٨٣) .\n(٢) أخرجه الطبري (١٢/ ٢٨)، برقم: (٣٣٨١٥) عن قتادة، وذكره ابن عطية (٥/ ٢٨٤)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٢٧٧)، وعزاه للبزار، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في «البعث» عن ابن عبّاس ﵄.","vol":"5","page":406},{"text":"الحشر، وهو الشام وذلك أَنَّ أكثرهم جاء إلى الشام، وقد رُوِيَ أَنَّ حشرَ القيامة هو إلى بلاد الشام.\nوقوله سبحانه: مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا: يريد لمنعتهم وكثرة عددهم.\nوقوله تعالى: يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ أي: كُلَّما هدم المسلمون من تحصينهم في القتال هدموا هم من البيوت ليجبروا الحصن.\nت: والحاصل أَنَّهم يخربون بيوتهم حِسًّا ومعنى أَمَّا حِسًّا فواضح، وأَمَّا معنى فبسوء رأيهم وعاقبة ما أضمروا من خيانتهم وغدرهم، وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ: من الوطن لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا: بالسبي والقتل، قال البخاريُّ: والجلاء:\nالإخراج من أرض إلى أرض، انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1453>[سورة الحشر (٥٩): الآيات ٥ الى ٧]</span>\nما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ (٥) وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) مَّا أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٧)\nوقوله تعالى: مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ ... الآيةُ سببُهَا قولُ اليهود: ما هذا الإفساد يا محمد وأنت تنهى عن الفساد؟! فَرَدَّ اللَّهُ عليهم بهذِهِ الآية، قال ابن عباس وجماعة من اللغويين «١»: اللِّينَةُ من النخيل: ما لم يكن عجوةً، وقيل غير هذا.\n- ص-: أصل «لِينَة»: لونة، فقلبوا الواوَ ياءً لسكونها وانكسارِ ما قبلها، وجمعه لِينٌ كَتَمْرَةٍ وَتَمْرٍ، قال الأخفش: واللينة كأنَّها لونٌ من النخل، أي: ضرب منه، انتهى.\nوقوله ﷿: وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ ... الآية، إعلام بأَنَّ ما أخذ لبني النضير ومن فدك، هو خاصّ بالنبيّ ﷺ، وليس على حكم الغنيمة التي يوجف عليها ويقاتل فيها بل على حكم خُمُسِ الغنائم وذلك أَنَّ بني النضير لم يُوجَفْ عليها ولا قوتلت كبير قتال، فأخذ منها ﷺ قُوتَ عيالِهِ، وقَسَمَ سائرها في المهاجرين، وأدخل معهم أبا دُجَانَةَ وسَهْلَ بن حنيف/ من الأنصار لأَنَّهما شكيا فقرًا، والإيجاف: سرعة السير، والوجيف دون التقريب يقال: وَجَفَ الفرسُ وأوجفه الراكب.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٢/ ٣٢)، برقم: (٣٣٨٤٣)، وذكره البغوي (٤/ ٣١٦)، وابن عطية (٥/ ٢٨٥) .","vol":"5","page":407},{"text":"وقوله تعالى: مَّا أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى ... الآية: أهل القرى في هذه الآية: هم أهل الصفراء والينبوع ووادي القرى وما هنالك من قرى العرب، وذلك أَنَّها فُتِحَتْ في ذلك الوقت من غير إيجاف، وأعطى رسول الله ﷺ جميعَ ذلك للمهاجرين، ولم يحبس منها لنفسه شيئًا، ولم يعط الأنصار شيئًا لغناهم، والقُرْبَى في الآية: قرابته ﷺ مُنِعُوا الصدقةَ فَعُوِّضُوا من الفيء.\nوقوله سبحانه: كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ: مخاطبة للأنصار لأَنَّهُ لم يكن في المهاجرين في ذلك الوقت غَنِيٌّ، والمعنى: كي لا يتداول ذلك المالَ الأغنياءُ بتصرفاتهم، ويبقى المساكينُ بلا شيءٍ، وقد مضى القولُ في الغنائم في سورة الأنفال، ورُوِيَ أَنَّ قومًا من الأنصار تكلّموا في هذه القرى المفتحة، وقالوا: لنا منها سَهْمُنَا، فنزل قوله تعالى: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ ... الآية: فَرَضُوا بذلك، ثم اطَّرَدَ بعد معنى الآية في أوامر النبي ﷺ ونواهيه، حَتَّى قال قوم: إنَّ الخمر مُحَرَّمَةٌ في كتاب اللَّه بهذه الآية، وانتزع منها ابن مسعود لعنة الواشمة، الحديث «١» .\nت: وبهذا المعنى يحصل التعميم للأشياء في قوله تعالى: مَّا فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام: ٣٨] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1454>[سورة الحشر (٥٩): الآيات ٨ الى ٩]</span>\nلِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)\nوقوله تعالى: لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ: بيان لقوله: وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وكرر لام الجر، لما كانت الجملة الأولى مجرورةً باللام ليبيِّنَ أَنَّ البدل إنَّما هو منها، ثم/ وصفهم تعالى بالصفة التي تقتضي فقرهم، وتُوجِبُ الشفقة عليهم، وهي إخراجهم من ديارهم وأموالهم يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانًا: يريد به الآخرة والجنة: أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ أي: في الأقوال والأفعال والنِّيَّاتِ وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ: هم الأنصار- رضي اللَّه عن جميعهم-، والضمير في مِنْ قَبْلِهِمْ للمهاجرين، والدار هي المدينة، والمعنى:\nتبوؤوا الدار مع الإيمان، وبهذا الاقتران يتضح معنى قوله تعالى: مِنْ قَبْلِهِمْ فتأمله، قال- ص-: وَالْإِيمانَ منصوب بفعل مُقَدَّرٍ، أي: واعتقدوا الإيمان، فهو من عطف\n_________\n(١) تقدم تخريجه.","vol":"5","page":408},{"text":"الجمل كقوله: [من الرجز]\nعَلَفْتُهَا تِبْنًا وَمَاءً بَارِدًا ... ......\nانتهى، وقيل غير هذا، وأثنى اللَّه تعالى في هذه الآية على الأنصار بِأَنَّهُمْ يحبون المهاجرين، وبأَنَّهم يؤثرون على أنفسهم، وبأَنَّهم قد وُقُوا شُحَّ أنفسهم.\nت: وروى الترمذيُّ عن أنس قال: «لمّا قدم النبيّ ﷺ المَدِينَةَ أَتَاهُ المُهَاجِرُونَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا رَأَيْنَا قَوْمًا أَبْذَلَ لِكَثِيرٍ وَلاَ أَحْسَنَ مُوَاساةً في قلِيلٍ مِنْ قَوْمٍ نَزَلْنَا بَيْنَ أظهرهم لقد كفونا المئونة، وَأَشْرَكُونَا في الْمِهْنَةِ، حَتَّى لَقَدْ خِفْنَا أَنْ يذهبوا بالأجر كلّه، فقال النبيّ ﷺ: لاَ، مَا دَعَوتُمُ اللَّهَ لَهُمْ وَأَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِمْ» «١» قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، انتهى، والحاجة: الحسد في هذا الموضع قاله الحسن «٢»، ثم يَعُمُّ بعدُ وُجُوهًا، وقال الثعلبيُّ: حاجَةً أي: حَزَازَةً، وقيل: حسدًا مِمَّا أُوتُوا أي: مما أعطي المهاجرون من أموال بَنِي النضير والقرى، انتهى.\nوقوله تعالى: وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ: صفة للأنصار، وجاء الحديث الصحيح من غير ما طريق، أَنَّها نزلت/ بسبب رجل من الأنصار وصنيعه مع ضيفِ رسول اللَّه ﷺ إذْ نَوَّمَ صبيانه، وَقَدَّمَ للضيف طعامَه، وأطفأتْ أهلُه السراجَ، وأوهما الضيفَ أَنَّهُمَا يأكلان معه، وباتا طاويين فلمَّا غدا الأنصاريُّ على رسول الله ﷺ قال له: «لَقَدْ عَجِبَ اللَّهُ مِنْ فِعْلِكُمَا الْبَارِحَةَ» «٣» ونزلت الآية في ذلك، قال صاحب «سلاح المؤمن»: الرجل الأنصاريّ\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (٢/ ٦٧١)، كتاب «الأدب» باب: في شكر المعروف (٤٨١٢)، والترمذي (٤/ ٦٥٣)، كتاب «صفة القيامة» باب: (٤٤) (٢٤٨٧)، والحاكم في «المستدرك» (٢/ ٦٣)، والبيهقي (٦/ ١٨٣)، كتاب «الهبات» باب: شكر المعروف.\nقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه.\nوقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.\n(٢) أخرجه الطبري (١٢/ ٤١)، برقم: (٣٣٨٧٥)، وذكره ابن عطية (٥/ ٢٨٧)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٣٣٧)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٢٨٨)، وعزاه لعبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر.\n(٣) أخرجه البخاري (٨/ ٥٠٠)، كتاب «التفسير» باب: «والذين تبوؤوا الدار والإيمان» (٤٨٨٩)، والحاكم (٤/ ١٣٠)، والبيهقي (٤/ ١٨٥)، كتاب «الزكاة» باب: ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، وابن الشجري في «أماليه» (١/ ٢٨٣) .\nقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. قلت: وهو وهم من الحاكم فقد أخرجه البخاري كما بينا.","vol":"5","page":409},{"text":"الذي أضاف هو، أبو طلحة انتهى، قال الترمذي الحكيم في كتاب «ختم الأولياء» له:\nحدثنا أبي قال: حدثنا عبد اللَّه بن عاصم: حدثنا الجمانيُّ: حدثنا صالح المُرِّيُّ عن أبي سعيدٍ الخدريِّ قال: قال رَسُولُ الله ﷺ: «إنَّ بُدَلاَءَ أُمَّتِي لَمْ يَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بكَثْرَةِ صَوْمٍ وَلاَ صَلاَةٍ إنَّما دَخَلُوهَا بِسَلاَمَةِ الصُّدُورِ، وَسَخَاوَةِ الأَنْفُسِ، وَحُسْنِ الخُلُقِ، والرَّحْمَةِ بِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ» «١» انتهى، والإيثار على النفس أكرم خلق، قال أبو يزيد البسطاميُّ: قدم علينا شاب من بَلْخٍ حاجًّا فقال لي: ما حَدُّ الزهد عندكم؟ فقلت: إذَا وَجَدْنَا أَكَلْنَا، وَإذَا فَقَدْنَا صَبَرْنَا، فقال: هكذا عندنا كلابُ بلخ! فقلت له: فما هو عندكم؟! فقال: إذا فقدنا صَبْرَنَا، وَإذَا وجدنا آثرنا، ورُوِيَ أَنَّ سبب هذه الآية أنّ النبي ﷺ، لَمَّا فَتَحَ هذه الْقُرَى قَالَ لِلاٌّنْصَارِ: «إنْ شِئْتُمْ قَسَمْتُمْ لِلْمُهَاجِرِينَ مِنْ أَمْوَالِكْمْ وَدِيَارِكُمْ وَشَارَكْتُمُوهُمْ في هذه الْغَنِيمَةِ، وَإنْ شِئْتُمْ أَمْسَكْتُمْ أَمْوَالَكُمْ وَتَرَكْتُمْ لَهُمْ هذه الغَنِيمَةَ فَقَالُوا: بَلْ نَقْسِمُ لَهُمْ مِنْ أَمْوَالِنَا، وَنَتْرُكُ لَهُمْ هذه الغَنِيمَةَ، فنزلت الآية، والخصاصة: الفاقَةُ والحاجةُ، وشُحُّ النفس: هو/ كثرةَ طَمَعِهَا. وضبطها على المال، والرغبةُ فيه، وامتدادُ الأمل هذا جماع شُحِّ النفس. وهو داعية كُلِّ خلق سوء، وقد قال رسول الله ﷺ: مَنْ أَدَّى الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَقَرَى الضَّيْفَ، وَأَعْطَى في النَّائِبَةِ- فَقَدْ بَرِىءَ من الشُّحِّ»، وَإلى هذا الذي قلناه ذهب الجمهور والعارفون بالكلام، وقيل في الشح غير هذا، قال ع «٢»: وشُحُّ النفس فَقْرٌ لا يذهبه غِنَى المالِ، بل يزيده، وينصب به ويُوقَ مِنْ وقى يَقِي، وقال الفخر:\nاعلم أَنَّ الفرق بين الشُّحِّ والبخل هو أَنَّ البخل نفس المنع، والشُّحُّ هو الحالة النفسانية التي تقتضي ذلك المَنْعَ، ولَمَّا كان الشُّحُّ من صفات النفس لا جَرَمَ، قال اللَّه تعالى: وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ أي: الظافرون بما أرادوا، قال ابن زيد: من لم يأخذ شيئًا نهاه اللَّه عن أخذه، ولم يمنع شيئًا أمره اللَّه تعالى بإعطائه- فقد وقي شحّ نفسه «٣»، انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1455>[سورة الحشر (٥٩): الآيات ١٠ الى ١٤]</span>\nوَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًاّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٠) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١١) لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ (١٢) لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (١٣) لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلاَّ فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ (١٤)\n_________\n(١) أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» (٧/ ٤٣٩)، (١٠٨٩٢)، وذكره الهندي في «كنز العمال» (١٢/ ١٨٨)، وزاد نسبته إلى الحكيم، وابن أبي الدنيا في كتاب «السخاء»، وذكره العجلوني في «كشف الخفاء» (٢/ ٢٥٩) (٢٢٠٢)، شاهدا. [.....]\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٢٨٨) .\n(٣) أخرجه الطبري (١٢/ ٤٢)، برقم: (٣٣٨٨٦)، وذكره البغوي (٤/ ٣٢٠)، وابن عطية (٥/ ٢٨٨) .","vol":"5","page":410},{"text":"وقوله تعالى: وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ ... الآية: قال جمهور العلماء: أراد مَنْ يجيء من التابعين وغيرهم إلى يوم القيامة، وقال الفرَّاءُ: أراد الفرقة الثالثة من الصحابة، وهي مَنْ آمن في آخر مُدَّةِ النبي ﷺ.\nوقوله: يَقُولُونَ: حال فيها الفائدة، والمعنى: والذين جاؤوا قائلين كذا، وروت أُمُّ الدرداء، وأبو الدرداء عن النبي ﷺ أَنَّهُ كان يقول: «دَعْوَةُ المُسْلِمِ لأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ مُسْتَجَابَةٌ، عِنْدَ رَأْسِهِ مَلَكٌ مَوَكَّلٌ، كُلَّمَا دَعَا لأَخِيهِ قَالَ المَلَكُ المُوَكَّلُ بِهِ: آمِينَ، وَلَكَ مِثْلُهُ» «١» رواه مسلم، انتهى، قال ع «٢»: ولهذه الآية قال مالك وغيره: إِنَّه مَنْ كان له في أحدٍ من/ الصحابة رأيُ سوءٍ أو بغض، فلا حَظَّ له في فَيْءِ المسلمين، وقال عبد اللَّه بن يزيد: قال الحسن: أدركت ثلاثمائةٍ مِنْ أصحاب النبي ﷺ منهم سبعون بَدْرِيًّا كُلُّهم يحدثني أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: «مَنْ فَارَقَ الجَمَاعَةَ قِيدَ شِبْرٍ، فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الإسْلاَمِ مِنْ عُنُقِهِ» «٣» فالجماعة أَلاَّ تَسُبّوا الصحابة، ولا تماروا في دينِ اللَّه، ولا تُكَفِّرُوا أَحدًا من أَهْلِ التوحيد بذنب، قال عبد اللَّه: فَلَقِيتُ أبا أمامة وأبا الدرداء وواثلةَ وأَنَسًا، فكلُّهم يحدثني عن النبي ﷺ بمثل حديث الحسن، والغِلُّ: الحقد والاعتقاد الرديء.\nوقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ ... الآية: نزلَتْ في عبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبيٍّ ابن سلول، ورفاعةَ بن التابوت وقومٍ من منافقي الأنصار كانوا بعثوا إلى بني النضير، وقالوا لهم: اثبتوا في معاقلكم، فإنَّا مَعَكُمْ كيفما تقلبت حالُكم، وكانوا في ذلك كاذبين، وإنَّما أرادوا بذلك أَنْ تقوى نُفُوسُهُمْ عسى أَنْ يثبتوا حَتَّى لا يقدر النبي ﷺ عليهم، فيتمَّ مرادهم، وجاءت الأفعال غيرَ مجزومة في قوله: لا يَخْرُجُونَ ولا يَنْصُرُونَهُمْ لأَنَّها راجعةٌ إلى حكم القسم، لا إلى حكم الشرط، والضمير في\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٤/ ٢٠٩٥) كتاب: الذكر والدعاء، باب: فضل الدعاء للمسلمين بظهر الغيب (٨٦، ٨٧/ ٢٧٣٢)، (٨٨/ ٢٧٣٣)، (٢٧٣٢/ مكرر)، وابن ماجه (٢/ ٩٦٦، ٩٧٧) كتاب: المناسك، باب فضل دعاء الحاج (٢٨٩٥) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٢٨٨) .\n(٣) أخرجه أبو داود (٢/ ٦٥٥)، كتاب «السنة» باب: الخوارج (٤٧٥٨) .","vol":"5","page":411},{"text":"صُدُورِهِمْ يعود على اليهود والمنافقين، والضمير في قوله: لاَ يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا لبني النضير وجميع اليهود، هذا قول جماعة المفسرين، ومعنى الآية: لا يبرزون لحربكم، وإنَّما/ يقاتلون متحصنين بالقُرَى والجدران للرعب والرهب الكائن في قلوبهم.\nوقوله تعالى: بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ أي: في غائلتهم وإحَنِهِمْ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا أي: مجتمعين وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى أي: متفرقة قال ع «١»: وهذه حال الجماعة المتخاذلة، وهي المغلوبةُ أبدًا في كُلِّ ما تحاول، واللفظة مأخوذة من الشتات، وهو التفرق ونحوه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1456>[سورة الحشر (٥٩): الآيات ١٥ الى ١٧]</span>\nكَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٥) كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ (١٦) فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النَّارِ خالِدَيْنِ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ (١٧)\nوقوله تعالى: كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قال ابن عباس «٢»: همْ بنو قينقاع، لأنَّ النبي ﷺ أجلاهم عن المدينة قبل بني النضير، والوَبَالُ: الشِّدَّةُ والمكروه، وعاقبة السوء والعذاب الأليم: هو في الآخرة.\nوقوله سبحانه: كَمَثَلِ الشَّيْطانِ معناه: أَنَّ هاتينِ الفرقتين من المنافقين وبني النضير، كمثل الشيطان مع الإنسان فالمنافقونَ مَثَلُهُمُ الشيطان، وبنو النضير مثلهم الإنسان، وذهب مجاهد وجمهور من المتأولين «٣» إلى أَنَّ الشيطانَ والإنسانَ في هذه الآية اسما جنس، فكما أَنَّ الشيطان يغوي الإنسان، ثم يَفِرُّ عنه بعد أَنْ يُوَرِّطَهُ كذلك أغوى المنافقون بني النضير وحَرَّضُوهم على الثبوت، ووعدوهم النصرَ، فَلَمَّا نَشَبَ بنو النضير، وكشفوا عن وجوههم- تركهم المنافقون في أسوأ حال، وذهب قوم من رواة القصص إلى أَنَّ هذا في شيطانٍ مخصوصٍ مع عابد مخصوص، اسمه «بَرْصِيصَا»، اسْتُودِعَ امرأة جميلةً، وقيل: سِيقَتْ إليه لِيَشْفِيهَا بدعائه من الجنون، فَسَوَّلَ له الشيطانُ الوقوعَ عليها، فحملت منه، فَخَشِيَ الفضيحة، فسَوَّلَ له قَتْلَهَا وَدَفْنَهَا، ففعل، ثم شهّره، فلمّا استخرجت المرأة،\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٢٩٠) .\n(٢) أخرجه الطبري (١٢/ ٤٦)، برقم: (٣٣٩٠٠)، وذكره البغوي (٤/ ٣٢٢)، وابن عطية (٥/ ٢٩٠)، وابن كثير (٤/ ٣٤٠) .\n(٣) أخرجه الطبري (١٢/ ٤٨)، برقم: (٣٣٩٠٦)، وابن عطية (٥/ ٢٩٠)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٢٩٧)، وعزاه لعبد بن حميد.","vol":"5","page":412},{"text":"وحُمِلَ العابدُ شَرَّ حَمْلٍ، / وَصُلِبَ- جَاءَهُ الشيطانُ فَقَالَ له: اسجد لي سجدةً وأنا أُخَلِّصُكَ، فسجد له، فقال له الشيطان: هذا الذي أردتُ منك أَنْ كفرتَ بربك، إنِّي بريء منك، فضرب اللَّه تعالى هذا المَثَلَ ليهودِ بني النضير والمنافقين، وهذا يحتاج إلى صِحَّةِ سَنَدٍ، والتأويل الأول هو وجه الكلام.\nت: قال السهيلي: وقد ذكر هذه القصةَ هكذا القاضي إسماعيلُ وغيره من طريق سفيان عن عمرو بن دينار، عن عُرْوَةَ بنِ عَامِرِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ الزُّرْقِيِّ، عنِ النبي ﷺ: «أنَّ رَاهِبًا كَانَ في بَنِي إسرائيل» «١» فذكر القصة بكمالها، ويقال: إنَّ اسمَ هذا الراهب «بَرْصِيصَا»، ولم يذكر اسمه القاضي إسماعيل، انتهى، قال ع «٢»: وقول الشيطان: إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رياءً من قوله، وليست على ذلك عقيدته، ولا يعرف اللَّه حَقَّ معرفته، ولا يحجزه خوفُه عن سُوءٍ يوقع فيه ابنَ آدم من أول إلى آخر فَكانَ عاقِبَتَهُما يعني: الشيطان والإنسان على ما تقدم من حملها على الجنس أو الخصوص.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1457>[سورة الحشر (٥٩): الآيات ١٨ الى ٢٠]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٨) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (١٩) لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ (٢٠)\nوقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ... الآية:\nهذه آية وعظ وتذكير، وتقريبٍ للآخرة، وتحذيرٍ مِمَّنْ لا تخفى عليه خافيةٌ، وقوله تعالى:\nلِغَدٍ: يريد يوم القيامة، والذين نسوا اللَّه: هم الكفار، والمعنى: تركوا اللَّه وغفلوا عنه، حَتَّى كانوا كالناسين، فعاقبهم بأَنْ [جعلهم] «٣» ينسون أنفسهم، وهذا هو الجزاء على الذنب بالذنب، قال سفيان «٤»: المعنى: حَظَّ أنفسهم، ويُعْطِي لفظُ الآية أَنَّ مَنْ عرف نفسه ولم يَنْسَهَا عَرَفَ رَبَّهُ تعالى، وقد قال عليُّ بن أبي طالبٍ «٥»، - ﵁-: اعْرِفْ نفسك تَعْرِفْ ربك، وروي عنه أَيضًا أَنَّه قال: مَنْ لم يعرفْ نفسه، لم يعْرف ربه.\n_________\n(١) ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٢٩٦)، وعزاه إلى ابن أبي الدنيا في «مكائد الشيطان»، وابن مردويه، والبيهقي في «شعب الإيمان» .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٢٩٠) .\n(٣) سقط في: د.\n(٤) أخرجه الطبري (١٢/ ٥٠)، برقم: (٣٣٩١١)، وابن عطية (٥/ ٢٩١) .\n(٥) ذكره ابن عطية (٥/ ٢٩١) .","vol":"5","page":413},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1458>[سورة الحشر (٥٩): الآيات ٢١ الى ٢٤]</span>\nلَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٢١) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)\nوقوله/ سبحانه: لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ ... الآية: موعظةٌ للإنسان، وَذَمٌّ لأخلاقه وإعراضه وغفلته عن تَدَبُّرِ كلام خالقه، وإذا كان الجبلُ، على عِظَمِهِ وقُوَّتِهِ، لو أُنْزِلَ عليه القرآن وفَهِمَ منه ما فَهِمَهُ الإنسان، لخشع واستكان، وتصدَّع، خشيةً للَّه تعالى-:\nفالإِنسانُ على حقارته وضَعْفِهِ أولى بذلك، وضرب اللَّه سبحانه هذا المثل ليتفكر فيه العاقلُ، ويخشعَ ويلينَ قلبُهُ.\nوقوله سبحانه: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ الآية: لما قال تعالى: مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، جاء بالأوصاف العَلِيَّةِ التي تُوجِبُ لمخلوقاته هذه الخشيةَ، وقرأ الجمهور «١»: «القُدُّوسُ» - بضم القاف- من تَقَدَّسَ إذا تطهَّرَ وتنزَّه.\nوقوله: السَّلامُ أي: ذو السلام لأَنَّ الإيمان به وتوحيدَه وأفعاله هي لمن آمنَ سلام كلّها، والْمُؤْمِنُ: اسم فاعل من آمن بمعنى أمن من الأمن، وقيل: معناه:\nالمصدّق عباده المؤمنين، والْمُهَيْمِنُ: معناه: الحفيظ والأمين قاله ابن عبّاس «٢»، والْجَبَّارُ: هو الذي لا يدانيه شيءٌ، ولا تُلْحَقُ رتبته، قال الفخر «٣»: وفي اسمه تعالى:\nالْجَبَّارُ وجوه:\nأحدها: أَنَّه فَعَّالٌ من جَبَرَ إذا أغنى الفقيرَ وجبر الكسير.\nوالثاني: أنْ يكون الجبار من جَبَرَهُ إذا أكرهه قال الأزهريُّ: وهي لغة تميم، وكثيرٌ من الحجازيين يقولونها بغير ألف في الإكراه، وكان الشافعيُّ ﵀ يقول: جَبَرَهُ السلطانُ على كذا بغير ألف، وجعل الفرَّاءُ الْجَبَّارُ بهذا المعنى من أجبر بالألف، وهي\n_________\n(١) وقرأ بها أبو السمال بفتح القاف، ورويت عن الكسائيّ. قال أبو الفتح: فعول في الصفة قليل، وذكر سيبويه في الصفة السّبّوح، والقدّوس.\nينظر: «المحتسب» (٢/ ٣١٧)، و«مختصر الشواذ» ص: (١٥٥)، وذكر ابن عطية في «المحرر الوجيز» (٥/ ٢٩٢) أنها رويت عن أبي ذر. وزاد أبو حيان (٨/ ٢٤٩) نسبتها إلى: أبي دينار الأعرابي. [.....]\n(٢) أخرجه الطبري (١٢/ ٥٣)، برقم: (٣٣٩٢٥)، وذكره ابن عطية (٥/ ٢٩٢) .\n(٣) ينظر: «تفسير الفخر الرازي» (٢٩/ ٢٥٥) .","vol":"5","page":414},{"text":"اللغة المعروفة في الإكراه، انتهى، والْمُتَكَبِّرُ: معناه: الذي له التكبّر حقّا والْبارِئُ بمعنى: الخالق، والْمُصَوِّرُ: هو الذي يوجد الصورَ، وباقي الآية بَيِّنٌ، وروى معقل بن يسار عن النبي ﷺ/ أَنَّه قال: مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ: أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، وَقَرَأَ ثَلاَثَ آياتٍ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْحَشْرِ-: وَكَّلَ اللَّهُ بِهِ سَبْعِينَ أَلْفَ مَلَكٍ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ، حَتَّى يُمْسِي، وَإنْ مَاتَ في ذَلِكَ الْيَوْمِ مَاتَ شَهِيدًا، وَمَنْ قَالَهَا حِينَ يُمْسِي كَانَ بِتَلْكَ الْمَنْزِلَةِ» «١» رواه الترمذي، وقال: حديث حسن غريب، انتهى.\n_________\n(١) أخرجه الترمذي (٥/ ١٨٢)، كتاب «فضائل القرآن» باب: (٢٢) (٢٩٢٢) .\nقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.","vol":"5","page":415},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1459>تفسير سورة الممتحنة</span>\nوهي مدنيّة بإجماع\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1460>[سورة الممتحنة (٦٠): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (١)\nقوله ﷿: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ ... الآية:\nالمراد بالعدو هاهنا: كُفَّارُ قريش، وسبب نزول هذه الآية حَاطِبُ بن أبي بلتعة وذلك أنّ النبيّ ﷺ أرادَ الخروجَ إلى مَكَّةَ عامَ الحديبية.\nت: بل عام فتح مَكَّةَ، فكتب حاطبٌ إلى قوم من كُفَّارِ مَكَّةَ يخبرهم بقصد رسول الله ﷺ ولم يكن ذلك منه ارتدادًا، فنزل الوحي مخبرا بما صنع حاطب، فبعث النبي ﷺ عَلِيًّا والزبيرَ وثالثًا- قيل هو المقداد- وقال: انطلقوا حَتَّى تأتُوا روضة خاخ، فإنَّ بها ظغينةً معها كتابٌ من حاطبٍ إلى المشركين، فخذوه منها، وخَلُّوا سبيلها، فانطلقوا حَتَّى وجدوا المرأة، فقالوا لها: أَخْرِجِي الكتابَ، فقالت: ما معي كتاب! ففتشوا رحلها فما وجدوا شيئًا فقال عليّ: ما كذب رسول الله ﷺ، ولا كُذِّب، واللَّهِ، لَتُخْرِجِنَّ الكِتَابَ أَوْ لَتُلْقِينَّ الثِّيَابَ، فقالَتْ: أَعْرِضُوا عَنِّي، فَحَلَّتْهُ مِنْ قُرُونِ رأسها، فجاؤوا به النبيّ ﷺ فَقَالَ لِحَاطِبٍ: مَنْ كَتَبَ هَذَا؟ فَقَالَ: أنا يا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: مَا حَمَلَكَ على مَا صَنَعْتَ؟ فَقَالَ:\nيَا رَسُولَ اللَّهِ، لاَ تعجل عليّ فو الله، مَا كَفَرْتُ مُنْذُ أَسْلَمْتُ، وَمَا/ فَعَلْتُ ذَلِكَ ارتدادا عَن دِينِي وَلاَ رَغْبَةً عَنْهُ وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ إلاَّ وَلَهُ «١» بِمَكَّةَ مَنْ يَمْنَعُ عَشِيرَتَهُ، وَكُنْتُ امرأ مُلْصَقًا فِيهِمْ، وَأَهْلِي بَيْنَ ظَهْرَانِيهِمْ، فَخَشِيتُ عَلَيْهِمْ فَأَرَدْتُ أن أتّخذ عندهم\n_________\n(١) في د: الأول.","vol":"5","page":416},{"text":"يدا، فصدّقه النبيّ ﷺ وقال: لاَ تَقُولُوا لِحَاطِبٍ إلاَّ خَيْرًا» «١» وروي أنّ حاطبا كتب: إنّ رسول الله ﷺ يُرِيدُ غَزْوَكُمْ في مِثْلِ اللَّيْلِ وَالسَّيْلِ، وَأُقْسِمُ بِاللَّهِ، لَوْ غَزَاكُمْ وَحْدَهُ، لَنُصِرَ عَلَيْكُمْ، فَكَيْفَ وهو في جمع كثير؟! - ص-: وتُلْقُونَ مفعوله محذوف، أي: تلقون إليهم أخبارَ الرسول وأسراره، وبِالْمَوَدَّةِ: الباء للسبب، انتهى.\nوقوله تعالى: أَنْ تُؤْمِنُوا: مفعول من أجله، أي: أخرجوكم من أجل أنْ آمنتم بربكم.\nوقوله تعالى: إِنْ كُنْتُمْ: شرط، جوابُهُ متقدم في معنى ما قبله، وجاز ذلك لما لم يظهر عمل الشرط، والتقدير: إنْ كنتم خرجتم جهادًا في سبيلي وابتغاءَ مرضاتي، فلا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياءَ، وجِهادًا منصوب على المصدر، وكذلك ابْتِغاءَ ويجوزُ أنْ يكونَ ذلك مفعولًا من أجله، والمرضاة: مصدر كالرضى وتُسِرُّونَ حال من تُلْقُونَ، ويجوز أنْ يكون في موضع خبر ابتداء، كأَنَّهُ قال: أنتم تُسِرُّونَ، ويصحّ أن يكون فعلا ابتدئ به القول.\nوقوله تعالى: أَعْلَمُ يحتمل أنْ يكون أفعل، ويحتمل أنْ يكون فعلًا لأَنَّكَ تقول:\nعلمت بكذا فتدخل الباء.\n- ص-: والظاهر أَنَّه أفعل تفضيل ولذلك عُدِّيَ بالباء، انتهى، وسَواءَ يجوز أنْ يكون مفعولًا ب ضَلَّ على تعدي «ضل»، ويجوز أنْ يكون ظرفًا/ على غير التعدي لأَنَّهُ يجيء بالوجهين، والأوَّلُ أحسن في المعنى، والسواء: الوسط، والسَّبِيلِ: هنا شرع الله وطريق دينه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1461>[سورة الممتحنة (٦٠): الآيات ٢ الى ٣]</span>\nإِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (٢) لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣)\nوقوله سبحانه: إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً ... الآية: أخبر تعالى أَنَّ مُدَارَاةَ هؤلاء الكفرة غيرُ نافعة في الدنيا، وأَنَّها ضارَّةٌ في الآخرة ليبين فساد رأي مصانعهم،\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٦/ ١٦٦)، كتاب «الجهاد والسير» باب: الجاسوس (٣٠٠٧)، وأطرافه (٣٠٨١، ٣٩٨٣، ٤٢٧٤، ٤٨٩٠، ٦٢٥٩، ٦٩٣٩)، ومسلم (٤/ ١٩٤١- ١٩٤٢)، كتاب «فضائل الصحابة» باب: من فضائل أهل بدر ﵃، وقصة حاطب من أبي بلتعة (١٦١، ١٦١/ ٢٤٩٤)، وأبو داود (٢/ ٥٤)، كتاب «الجهاد» باب: في حكم الجاسوس إذا كان مسلما (٢٦٥٠)، والترمذي (٥/ ٦٩٧)، كتاب «المناقب» باب: (٥٩) (٣٨٦٤) .","vol":"5","page":417},{"text":"فقال: إِنْ يَثْقَفُوكُمْ أي: إنْ يتمكنوا منكم وتحصلوا في ثقافهم ظهرت عداوتهم، وانبسطت إليكم أيديهم بِضَرَرِكُمْ وَقَتْلِكُمْ، وانبسطت ألسنتُهم بسبِّكم، وأَشَدُّ من هذا كله إنَّما يقنعهم أَنْ تكفروا، وهذا هو ودهم، ثم أخبر تعالى أنَّ هذه الأرحامَ التي رغبتم في وصلها، ليستْ بنافعة يومَ القيامة، فالعامل في يَوْمَ قوله تَنْفَعَكُمْ، وقيل: العامل فيه يَفْصِلُ وهو مِمَّا بعده لا مِمَّا قبله، وعبارةُ الثعلبيِّ لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ أي: قرابتكم منهم وَلا أَوْلادُكُمْ: الذين عندهم بمكة يَوْمَ الْقِيامَةِ: إذا عصيتم اللَّه من أجلهم يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ: فيدخل المؤمنون الجنة، والكافرون النارَ، انتهى.\nت: وهذه الآيةُ تُنظر إلى قوله تعالى: وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى ... [سبأ: ٣٧] الآية: واعلم أنَّ المال والسبب النافع يوم القيامة، ما كان لِلَّهِ وقُصِدَ به العونُ على طاعة اللَّه، وإلاَّ فهو على صاحبه وَبَالٌ وطولُ حساب، قال ابن المبارك في «رقائقه»: أخبرنا شعبة، عن عمرو بن مرة قال: سمعت عبد اللَّه بن الحارث يُحَدِّثُ عن أبي كثير، عن عبد اللَّه بن عمرو بن/ العاصي أَنَّه سمعه يقول: ويجمعون- يعني ليوم القيامة- فيقال: أين فقراء هذه الأمة ومساكينُها؟ فيبرزون، فَيُقَالُ: ما عندكم؟\nفيقولون: يا رَبَّنَا، ابْتُلِينَا فَصَبِرْنَا، وأنت أعلم، أحسبه، قال: ووليت الأموال والسلطانَ غَيْرَنا، فيقال: صدقتم، فيدخلون الجنة قبل سائر الناس بزمان، وتبقى شِدَّةُ الحساب على ذَوِي السلطان والأموال، قال: قلت: فأين المؤمنون يومئذ؟ قال: توضع لهم كراسيُّ من نور، ويُظَلِّلُ عليهم الغمامُ، ويكون ذلك اليومُ أقصرَ عليهم من ساعة من نهار، انتهى، وفي قوله تعالى: وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ: وعيد وتحذير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1462>[سورة الممتحنة (٦٠): الآيات ٤ الى ٥]</span>\nقَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنا بِكُمْ وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلاَّ قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وَإِلَيْكَ أَنَبْنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٤) رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنا رَبَّنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٥)\nوقوله تعالى: قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ أي: قدوة فِي إِبْراهِيمَ: الخليل وَالَّذِينَ مَعَهُ: قيل: مَنْ آمن به مِنَ الناس، وقال الطبريُّ وغيره «١»: الَّذِينَ مَعَهُ: هم الأنبياء المعاصرون له أو قريبًا من عصره، قال ع «٢»: وهذا أرجح لأَنَّهُ لم يرو أنّ لإبراهيم\n_________\n(١) ينظر: «تفسير الطبري» (١٢/ ٥٩) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٢٩٥) .","vol":"5","page":418},{"text":"أتباعًا مؤمنين في وقتِ مكافحته نمرودًا، وفي البخاريِّ: أنه قال لسارةَ حين رحل بها إلى الشام مهاجرًا من بلد النمرود: ما على الأرض مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ غيري وغيرُك، وهذه الأُسْوَةُ مُقَيَّدَةٌ في التبري من المشركين وإشراكهم، وهو مُطَّرِدٌ في كل مِلَّةٍ، وفي نبينا مُحَمَّدٍ﵇- أسوةٌ حسنةٌ على الإطلاق في العقائد وفي أحكام الشرع كُلِّها.\nوقوله: كَفَرْنا بِكُمْ: أي: كذبناكم في عبادتكم الأصنامَ.\nوقوله: إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ يعني: تأسوا بإبراهيم، إلاَّ في استغفاره لأبيه، فلا تتأسوا به فتستغفروا للمشركين، لأَنَّ استغفاره إنَّما كانَ عَنْ موعدةِ وعدها/ إيَّاهُ وهذا تأويل قتادة، ومجاهد، وعطاءِ الخُرَاسَانِيِّ وغيرهم «١» .\nوقوله: رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا إلى قوله: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ هو حكاية عن قول إبراهيم والذين معه، وهذه الألفاظ بَيِّنَةٌ مِمَّا تقدم في آي القرآن.\nوقوله: رَبَّنا لاَ تَجْعَلْنا فِتْنَةً قيل: المعنى: لا تغلبهم علينا، فنكونَ لهم فتنةً وسَبَبَ ضلالةٍ نحا هذا المنحى قتادةُ وأبو مِجْلَزٍ»\n، وقد تقدم مُسْتَوفًى في سورة يونس، وقال ابن عباس «٣»: المعنى: لا تسلِّطْهم علينا فيفتنونا عَنْ أدياننا، فكأَنَّه قال: لا تجعلنا مفتونين، فَعَبَّرَ عن ذلك بالمصدر، وهذا أرجح الأقوال لأَنَّهُمْ إنَّما دعوا لًاّنْفُسِهِم، وعلى منحى قتادة: إنما دعوا للكفار، أَمَّا أَنَّ مقصدَهم إنما هو أَنْ يندفع عنهم ظهورُ الكُفَّارِ الذي بسببه فِتَنُ الكُفَّارِ، فجاء في المعنى تحليق بليغ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1463>[سورة الممتحنة (٦٠): الآيات ٦ الى ٧]</span>\nلَقَدْ كانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦) عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧)\nوقوله تعالى: لَقَدْ كانَ لَكُمْ [فِيهِمْ] «٤» أي: في إبراهيم والذين معه، وباقي الآية\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٢/ ٦٠) عن مجاهد برقم: (٣٣٩٤١) وعن قتادة برقم: (٣٣٩٤٣)، وذكره ابن عطية (٥/ ٢٩٥)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٣٤٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٣٠٤)، وعزاه لعبد بن حميد.\n(٢) أخرجه الطبري (١٢/ ٦١)، برقم: (٣٣٩٤٧)، وذكره ابن عطية (٥/ ٢٩٦)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٣٤٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٣٠٤)، وعزاه لعبد بن حميد.\n(٣) أخرجه الطبري (١٢/ ٦١)، برقم: (٣٣٩٤٨)، وذكره ابن عطية (٥/ ٢٩٦)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٣٤٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٣٠٤)، وعزاه لابن المنذر، والحاكم وصححه.\n(٤) سقط في: د.","vol":"5","page":419},{"text":"بَيِّنٌ، وروي أَنَّ هذهِ الآياتِ لما نزلت، وَعَزَمَ المؤمنون على امتثالها، وَصَرْمِ حِبَالِ الكَفَرَةِ- لحقهم تَأَسُّفٌ وهمٌّ من أَجل قراباتهم إذ لم يؤمنوا، ولم يهتدوا، حَتَّى يكونَ بينهم التوادُدُ والتواصُلُ، فنزلت: عَسَى اللَّهُ ... الآية: مؤنسةً في ذلك، ومُرْجِيةً أَنْ يقعَ، فوقع ذلك بإسلامهم في الفتح، وصار الجميعُ إخوانًا، وعسى من اللَّه واجبةُ الوقوع.\nت: قد تقدم تحقيقُ القولِ في عَسَى في سورة القصص، فأغنى عن إعادته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1464>[سورة الممتحنة (٦٠): الآيات ٨ الى ١١]</span>\nلاَّ يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨) إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ ما أَنْفَقُوا وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا ذلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠) وَإِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْواجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْواجُهُمْ مِثْلَ ما أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (١١)\nوقوله تعالى: لاَّ يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ.... الآية: اختلف في هؤلاء الذين لم يَنْهَ عنهم أنْ يُبَرُّوا، فقيل: أراد المؤمنين التاركين للهجرة، وقيل: خُزَاعَةَ وقبائلَ من العرب، كانوا مظاهرين للنبي ﷺ/ ومُحِبِّينَ لظهوره، وقيل: أراد النساءَ والصبيان من الكَفَرَةِ، وقيل: أراد مِنْ كُفَّارِ قريش مَنْ لم يقاتلْ ولا أخرج، ولم يُظْهِرْ سُوءًا وعلى أَنَّها في الكفار فالآية منسوخةٌ بالقتال، والذين قاتلوا في الدين وأخرجوهم هم مَرَدَةُ قريش.\nوقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ الآيةُ نزلَتْ إثرَ صلح الحديبية وذلك أَنَّ ذلك الصلحَ تَضَمَّنَ أَنَّ مَنْ أتى مُسْلِمًا من أهل مَكَّةَ، رُدَّ إليهم، سَواءٌ كان رجلًا أو امرأةً، فَنَقَضَ اللَّهُ تعالى من ذلك أَمْرَ النساء بهذه الآية، وحكم بأَنَّ المهاجرة المؤمنةَ لا تردّ إلى دار الكفر، وفَامْتَحِنُوهُنَّ: معناه: جربوهن واستخبروا حقيقةَ ما عندهنَّ.\nوقوله تعالى: اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ إشارة إلى الاسترابة ببعضهنَّ.\nت: وقوله تعالى: فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ ... الآية: العلم هنا: بمعنى الظن، وذكر اللَّه تعالى العِلَّةَ في أَلاَّ يُرَدَّ النساءُ إلى الكُفَّارِ وهو امتناعُ الوطء وحُرْمَتُهُ.","vol":"5","page":420},{"text":"وقوله تعالى: وَآتُوهُمْ ما أَنْفَقُوا ... الآية: أمر بأَنْ يؤتى الكُفَّارُ مهورَ نسائهم التي هاجرنَ مؤمناتَ، ورفع سبحانه الجناحَ في أَنْ يتزوجنَ بصدقاتٍ هي أجورهِن، وأمر المسلمين بفراق الكافراتِ وأَلاَّ يتمسكوا بعصمهن، فقيل: الآية في عابداتِ الأوثان ومَنْ لا يجوزُ نكاحُها ابتداءً، وقيل: هي عامَّةٌ نُسِخَ منها نساءُ أهل الكتاب، والعِصَمُ: جمع عِصْمَة، وهي أسباب الصحبة والبقاء في الزوجية، وأمر تعالى أَنْ يسأل أيضًا المؤمنون: ما أنفقوا؟ فرُوِيَ عنِ ابن شهاب أَنَّ قريشًا لَمَّا/ بلغهم هذا الحكم، قالوا: نحن لا نرضى بهذا الحكم، ولا نَلْتَزِمُهُ، ولا ندفع لأحد صَدَاقًا، فنزلت بسبب ذلك هذه الآيةُ الأخرى: وَإِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْواجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ ... الآية: فأمر اللَّه تعالى المؤمنين أنْ يدفعوا إلى مَن فَرَّتْ زوجتُه ففاتتْ بنفسها إلى الكُفَّارِ صَدَاقَهُ الذي أنفق، واخْتُلِفَ: مِنْ أَيِّ مَالٍ يُدْفَعُ إليه الصَّدَاقُ؟ فقال ابن شهاب «١»: يُدْفَعُ إليه من الصدقات التي كانت تُدْفَعُ إلى الكفار بسبب مَنْ هاجر من أزواجهم، وأزال اللَّه دفعها إليهم حين لم يرضوا حكمه، قال ع «٢»: وهذا قول صحيح يقتضيه قوله: فَعاقَبْتُمْ وقال قتادة «٣» وغيره: يُدْفَعُ إليه من مغانم المغازي، وقال هؤلاء: التعقيب هو الغزو والمغنم، وقال ابن شهاب «٤» أيضًا: يدفع إليه مِنْ أيِّ وجوه الفيء أمكن، والمعاقبة في هذه الآية ليستْ بمعنى مجازاة السوء بسوءٍ، قال الثعلبي: وقرأ مجاهد: «فَأَعْقَبْتُمْ» «٥» وقال: المعنى: صنعتم بهم كما صنعوا بكم، انتهى، قال ع «٦»: أي: وذلك بأنْ يفوت إليكم شيء من أزواجهم، وهكذا هو التعاقب على الجَمَلِ والدَّوَابِّ أنْ يركبَ هذا عقبة وهذا عقبة، ويقال: عاقب الرجلُ صاحِبَه في كذا، أي: جاء فِعْلُ كُلِّ واحد منهما بعقب فعل الآخر، وهذه الآية كلّها قد ارتفع حكمها.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٢/ ٧١)، برقم: (٣٣٩٩٤)، وذكره ابن عطية (٥/ ٢٩٨)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٢٩٣)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٣٠٩)، وعزاه لعبد بن حميد، وأبي داود في «ناسخه»، وابن جرير، وابن المنذر.\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٢٩٨) .\n(٣) أخرجه الطبري (١٢/ ٧٢)، برقم: (٣٤٠٠٠)، وذكره ابن عطية (٥/ ٢٩٨)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٢٩٣)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٣٠٩)، وعزاه لابن أبي شيبة، وعبد بن حميد. [.....]\n(٤) أخرجه الطبري (١٢/ ٧٢)، برقم: (٣٤٠٠٣)، وذكره ابن عطية (٥/ ٢٩٨)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٣٥٢) .\n(٥) وقرأ بها الحسن.\nينظر: «مختصر الشواذ» ص: (١٥٦)، و«المحتسب» (٢/ ٣٢٠)، و«المحرر الوجيز» (٥/ ٢٩٨) .\n(٦) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٢٩٨) .","vol":"5","page":421},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1465>[سورة الممتحنة (٦٠): الآيات ١٢ الى ١٣]</span>\nيا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ (١٣)\nوقوله ﷿: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ ... الآية: هذه بيعة النساء في ثاني يوم الفتح على الصَفَا، وهي كانت في المعنى بَيْعَةِ الرجال قَبْلَ فرض القتال.\nت: وخرَّج البخَاريُّ بسنده عن عائشة أنّ النبي ﷺ كَانَ/ يَمْتَحِنُ مَنْ هَاجَرَ إلَيْهِ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ بهذه الآية: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ الآية «١» .\nوكذا روى البخاريُّ من طريق ابن عباس أَنَّهُ ع تَلاَ عَلَيْهِنَّ الآيةَ يَوْمَ الْفِطْرَ عَقِبَ الصَّلاَةِ «٢»، وَنَحْوُهُ عن أُمِّ عطيةَ في البخاري: «وَقَرَأَ عَلَيْهِنَّ الآيَةَ أيْضًا في ثَانِي يَوْمِ فَتْحِ مَكَّةَ» «٣» وكلام ع: يُوهِمُ أَنَّ الآيةَ نزلت في بيعة النساء يومَ الفتح، وليس كذلك وإنَّما يريد أَنَّه أعاد الآيةَ على مَنْ لم يبايعه من أهل مَكّة لِقُرْبِ عهدهم بالإسلام، واللَّه أعلم، والإتيان بالبهتان: قال أكثر المفسرين: معناه أنْ تَنْسِبَ إلى زوجها ولدًا ليس منه، قال ع «٤»: واللفظ أَعَمُّ من هذا التخصيص.\nوقوله تعالى: وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ: يعم جميع أوامر الشريعة، فَرْضَهَا وَنَدْبَهَا، وفي الحديث: «أَنَّ جَمَاعَةَ نُسْوَةٍ قُلْنَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نُبَايِعُكَ عَلَى كَذَا وَكَذَا الآية، فلمّا فرغن قال ﷺ: فِيمَا اسْتَطَعْتُنَّ وَأَطَقْتُنَّ، فَقُلْنَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَرْحَمُ بِنَا مِنَّا لأَنْفُسِنَا» «٥» .\nوقوله تعالى: فَبايِعْهُنَّ أي: أمض لَهُنَّ صفقة الإيمان بأنْ يُعْطِينَ ذلك من أنفسهن، ويُعْطَيْنَ عليه الجَنَّةَ، واخْتُلِفَ في هيئة مبايعته ﷺ النساءَ بعد الإجماع على أَنَّهُ لم تَمَسَّ يَدُهُ يَدَ امرأة أجنبيَّةٍ قَطُّ والمرويُّ عن عائشةَ وغيرِها: «أَنَّهُ بَايَعَ بِاللِّسَانِ قَوْلًا، وقال: إنّما قولي\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٨/ ٥٠٤)، كتاب «التفسير» باب: إذا جاءك المؤمنات مهاجرات (٤٨٩١)، (٧/ ٥٢)، كتاب «المغازي» باب: غزوة خيبر (٤١٨٢)، ومسلم (٣/ ١٤٨٩)، كتاب «الإمارة» باب: كيفية بيعة النساء (٨٨/ ١٨٦٦)، وابن ماجه (٢/ ٩٥٩- ٩٦٠)، كتاب «الجهاد» باب: بيعة النساء (٢٨٧٥)، وأحمد (٦/ ٢٧٠) .\n(٢) أخرجه البخاري (٤٨٩٥) .\n(٣) أخرجه البخاري (٤٨٩٢) .\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٢٩٩) .\n(٥) أخرجه ابن ماجه (٢/ ٩٥٩)، كتاب «الجهاد» باب: بيعة النساء (٢٨٧٤) .","vol":"5","page":422},{"text":"لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة» «١» .\nوقَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ: هم اليهود في قول ابن زيد وغيره «٢»، ويأسهم من الآخرة: هو يأسهم من نعيمها مع التصديق بها، وقال ابن عباس «٣»: قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ: في هذه الآية/ كُفَّارُ قريش.\nوقوله: كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ: على هذا التأويل هو على ظاهره في اعْتِقَادِ الكَفَرَةِ إذَا مَاتَ لَهُمْ حَمِيمٌ قَالوا: هَذَا آخِرُ العَهْدِ به لا يبعث أبدا.\n_________\n(١) ينظر: حديث عائشة السابق في المبايعة.\n(٢) ذكره ابن عطية (٥/ ٣٠٠) .\n(٣) ذكره ابن عطية (٥/ ٣٠٠) .","vol":"5","page":423},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1466>تفسير سورة الصفّ</span>\nوهي مدنيّة في قول الجمهور وقيل: مكّيّة والأوّل أصحّ: لأنّ معاني السّورة تعضده ويشبه أن يكون فيها المكّيّ والمدنيّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1467>[سورة الصف (٦١): الآيات ١ الى ٣]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nسَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ (٣)\nقوله تعالى: سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ قد تقدَّمَ تفسيرُه، واخْتُلِفَ في السببِ الذي نزلتْ فيه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ فقال ابن عباس وغيره: نزلتْ بسببِ قَوْمٍ قالوا: لَوْ عَلِمْنَا أَحَبَّ العَمَلِ إلى اللَّهِ تعالى لسَارَعْنَا إليه، ففرضَ اللَّهُ الجهادَ وأعلَمَهُمْ بفَضْلِه وأَنَّهُ يُحِبُّ المقَاتِلينَ في سبيله كالبنيانِ المَرْصُوصِ، فَكَرِهَهُ قَوْمٌ منهم، وفَرُّوا يومَ الغزوِ فَعَاتَبَهُمُ اللَّهُ تعالى بهذه الآية «١»، وقال قتادة والضحاك: نزلتْ بسببِ جماعةٍ من شبابِ المسلمينَ كانوا يَتَحَدَّثُونَ عن أنفسِهم في الغزو بما لم يفعلوا «٢»، قال ع «٣»: وحُكْمُ هذهِ الآيةِ بَاقٍ غَابِرَ الدهرِ، وكلَّ مَنْ يقولُ ما لا يفعلُ فهو مَمْقُوتُ الكلامِ، والقولُ الأولُ يَتَرَجَّح بِمَا يأتي [من أمْرِ] «٤» الجهادِ والقتالِ، والمقتُ البغضُ، مِن أجل ذنبٍ، أو رِيبَةٍ، أو دناءة يصنعها الممقوت، وقول المرء\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٢/ ٧٩)، برقم: (٣٤٠٤٣)، وذكره ابن عطية (٥/ ٣٠١)، وابن كثير (٤/ ٣٥٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٣١٧)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن مردويه.\n(٢) أخرجه الطبري (١٢/ ٧٩)، برقم: (٣٤٠٤٦)، (٣٤٠٤٨)، وذكره البغوي (٤/ ٣٣٧)، وابن كثير (٤/ ٣٥٨) .\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٣٠١) . [.....]\n(٤) في د: بأمر.","vol":"5","page":424},{"text":"مَا لا يفعلُ مُوجِبٌ مَقْتَ اللَّهِ تعالى، ولذلك فرَّ كثيرٌ من العلماءِ عَنِ الوَعْظِ والتذكيرِ وآثرُوا السكوتَ، /- قلت-: وهَذا بحسَبِ فِقْهِ الحالِ إنْ وَجَدَ الإنْسانُ مَنْ يكفِيه هذه المئونة في وقتهِ، فَقَدْ يَسَعُه السكوتُ وإلا فَلاَ يسعُه، قال الباجي في «سنن الصالحين» له: قال الأصمعي: بَلَغَنِي أَنَّ بَعْضَ الحكماءِ كَانَ يقول: إني لأَعظكُم وإنّي لَكَثيرُ الذنوبِ، وَلَوْ أن أحَدًا لاَ يَعِظُ أخاه حَتَّى يُحْكِمَ أَمْرَ نَفْسِهِ لتُرِكَ الأَمْرُ بالخيرِ، واقْتُصِرَ عَلى الشَّرِّ، ولكنَّ محادثةَ الإخوانِ حياةُ القلوبِ وجَلاَء النُّفُوسِ وتَذْكِيرٌ مِنَ النسيانِ، وقال أبو حازم: إني لأعظ الناسَ وما أنا بموضعٍ للوَعْظِ «١»، ولكنْ أريدُ به نَفْسِي، وقَالَ الحسنُ لمطرف: عِظْ أصْحَابَكَ، فَقَالَ: إنِّي أخافُ أنْ أقولَ ما لا أفعل فقالَ: رحمك اللَّه وأيُّنَا يَفْعَلُ ما يقول، وَدَّ الشيطانُ أنه لَو ظَفَرَ منكم بهذهِ فَلَمْ يأمُرْ أحدٌ منكم بمعروف، ولم ينه عن منكر، انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1468>[سورة الصف (٦١): الآيات ٤ الى ٩]</span>\nإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ (٤) وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٥) وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (٦) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعى إِلَى الْإِسْلامِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٧) يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (٨)\nهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٩)\nوقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ ... الآية، قال معاذ بن جبل: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَنْ قَاتَلَ في سَبِيلِ اللَّهِ فَوَاقَ نَاقَةٍ فَقَدْ وَجَبَتْ له الجنة، وَمَنْ سَأَلَ اللَّهَ القَتْلَ مِنْ نَفْسِهِ صَادِقًا، ثُمَّ مَاتَ أو قتل فإنّ له أجر شهيد» «٢»،\n_________\n(١) في د: للموعظ.\n(٢) أخرجه أبو داود (٢/ ٢٥)، كتاب «الجهاد» باب: فيمن سأل الله تعالى الشهادة (٢٥٤١)، والترمذي (٤/ ١٨٣)، كتاب «فضائل الجهاد» باب: ما جاء فيمن سأل الشهادة (١٦٥٤) مختصرا، والنسائي (٦/ ٢٥- ٢٦)، كتاب «الجهاد» باب: ثواب مَنْ قَاتَلَ في سَبِيلِ اللَّهِ فَوَاقَ نَاقَةٍ (٣١٤١)، وابن ماجه (٢/ ٩٣٣- ٩٣٤)، كتاب «الجهاد» باب: القتال في سبيل الله سبحانه (٢٧٩٢)، والحاكم (٢/ ٧٧)، وابن حبان (١٠/ ٤٧٨- ٤٧٩)، كتاب «السير» باب: فضل «الجهاد»: ذكر إيجاب الجنة لمن قاتل في سبيل الله قل ثباته فيه أو كثر (٤٦١٨) مختصرا، وأخرجه البيهقي (٩/ ١٧٠)، كتاب «السير» باب: تمني الشهادة ومسألتها، وأحمد (٥/ ٢٣٠- ٢٣١، ٢٣٥، ٢٤٣- ٢٤٤)، وعبد الرزاق في «المصنف» (٥/ ٢٥٥)، كتاب «الجهاد» باب: الفرار من الزحف (٩٥٣٤)، والدارمي (٢/ ٢٠١)، كتاب «الجهاد» باب: مَنْ قَاتَلَ في سَبِيلِ اللَّهِ فَوَاقَ نَاقَةٍ. -","vol":"5","page":425},{"text":"مختصر رواه أبو داود والترمذيُّ والنسائيُّ وابن ماجه، واللفظ لأبي داود، وقال الترمذي:\nهَذَا حديثٌ صحيحٌ انتهى من «السلاح»، ثُمَّ ذَكَرَ تعالى مقَالَةَ مُوسَى، وذلك ضربُ مَثَلٍ للمؤمنينَ ليحذَرُوا مَا وَقَعَ فيه هؤلاء من العصيانِ وقولِ الباطل.\nوقوله: لِمَ تُؤْذُونَنِي أي: بتعنيتِكم وعصيانِكم واقْتِرَاحَاتِكُم، وأسْنَدَ الزيغَ إليهم لكونهِ فعلَ حطيطَةٍ، وهذا بخلافِ قوله تعالى: ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا [التوبة: ١١٨] فَأَسْنَدَ التَّوْبَةَ إليه سبحانَه لِكَوْنِهَا فعلَ رِفْعَةٍ، و«زاغ» معناه مَالَ وصار عرفها في الميل عن الحق، وأَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ معناه طَبَعَ عليْهَا وكثُرَ مَيْلُها عنِ الحقِّ وهذهِ هي العُقُوبَةُ عَلَى الذَّنْبِ بِالذَّنْبِ.\nوقوله: وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ قال عياض في «الشفا»: سَمَّى اللَّه تعالى نبيَّه في كتابه محمدًا وأحمدَ فأما اسمه أحمد، ف «أَفْعَلُ» مبالغةً من صفةِ الحَمْدِ، ومُحَمَّد «مُفَعَّل» من كثرةِ الحمدِ، وسمى أمَّته في كتب أنبيائِه بالحمَّادينَ ثم في هذين الاسمين من عجائب خصائصِه سبحانه وبدائع آياته أنه سبحانه حَمَى أن يتسمَّى بهما أَحَدٌ قَبْلَ زمانِه، أما أحمد الذي أتى في الكتب وبشَّرَتْ به الأنبياء فمنع سبحانه أن يَتَسَمَّى به أحد غيرُه حتى لا يدخلَ بذلكَ لَبْسٌ عَلى ضعيفِ القلبِ وكذلك محمَّد أيضًا لم يَتَسَمَّ به أحد من العرب ولا غيرهم إلى أن شَاعَ قبيل وجوده ﷺ وميلادِه أَنَّ نبيًّا يبعثُ اسمهُ محمد فسمَّى قومٌ قليلٌ من العرب أبناءَهم بذلك رجاءَ أَنْ يكونَ أحدُهم هو، وهُم محمد بن أحيحة الأوسي، ومحمد بن مسلمة الأنصاري، ومحمد بن براء البكري، ومحمد بن سفيان باليمن، ويقولون: بل محمد بن اليحمد من الأزد، ومحمد بن سوادة منهم لا سابعَ لهم، ولم يَدَّعِ أحد من هؤلاء النبوَّة أو يظهرْ عليْهِ سببٌ يشكِّكُ الناس، انتهى، وروى أنس بن مالك عن النبي ﷺ أَنَّه قَالَ: «لاَ تُسَمُّوا أَوْلاَدَكُمْ مُحَمَّدًا ثُمَّ تَلْعَنُونَهُمْ» «١»، رواه الحاكم/ في «المستدركِ»، انتهى من «السلاح» .\nوقوله سبحانه: فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ ... الآية: يحتمل أن يريد «عيسى» ويحتمل\n_________\n- قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.\nوقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وله إسناد صحيح على شرط الشيخين مختصرا.\nوفي الباب: شاهد عن عمرو بن عنبسة، أخرجه أحمد (٤/ ٣٨٧)، (٦/ ٤٤٣- ٤٤٤) عن أبي الدرداء.\n(١) ذكره الهيثمي في «المجمع» (٨/ ٥١)، وقال: رواه أبو يعلى، والبزار، وفيه الحكم بن عطية، وثقه ابن معين، وضعفه غيره، وبقية رجاله رجال «الصحيح» .","vol":"5","page":426},{"text":"أن يريد محمّدا ﷺ لأنه تقدّم ذكره، ت: والأول أظهر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1469>[سورة الصف (٦١): الآيات ١٠ الى ١٢]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢)\nوقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ ... الآية: نَدْبٌ وَحَضٌّ على الجِهادِ بهذهِ التجارةِ التي بَيَّنَهَا سبحانه، وهي أن يبذلَ المرءُ نفسَه ومالَه، ويأخذ ثمنًا جنةَ الخلدِ، وقرأ ابن عامر «١» وحده: «تُنَجِّيكُمْ» - بفتحِ النونَ وَشَدِّ الجيم-.\nوقوله: تُؤْمِنُونَ معناه: الأمر، أي: آمنوا، قال الأخفش: ولذلكَ جاء «يَغْفِرْ» مجزُومًا، وفي مصحفِ ابن مسعودٍ: «آمِنُوا باللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجَاهِدُوا» . وقوله: ذلِكُمْ إشارة إلى الجهاد والإيمان، وخَيْرٌ هنا يحتملُ أَن يكونَ للتفضِيل، فالمَعْنَى: من كل عمل، ويحتملُ أن يكون إخبارًا أنَّ هذا خيرٌ في ذاتهِ، ومَساكِنَ عَطْفٌ عَلَى جَنَّاتٍ وَطِيبُ المسَاكِنِ، سِعَتُها وجمالُها، وقيل: طِيبُها المعرفة بدوام أمرها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1470>[سورة الصف (٦١): الآيات ١٣ الى ١٤]</span>\nوَأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١٣) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللَّهِ كَما قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ وَكَفَرَتْ طائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ (١٤)\nوقوله سبحانه: وَأُخْرى تُحِبُّونَها ... الآية، قال الأخفش، وَأُخْرى هي في موضع خَفْضٍ عطفًا على تِجارَةٍ، وهَذَا قَلِقٌ، وقد ردَّه الناس، لأنَّ هذه الأُخْرَى ليستْ مِمَّا دَلَّ عليه سبحانه إنما هي مما أُعْطِيَ ثمنًا وجزاءً على الإيمانِ والجهادِ بالنفس والمَالِ، وقَالَ الفَرَّاء: وَأُخْرى في موضِع رفعٍ، وقيل: في موضع نصبٍ بإضمار فعل تقديرُه:\nويدخلكم جناتٍ ويمنحْكُم أُخْرَى وهي النصرُ والفتحُ القريب، وقصةُ عِيسَى مع بني إسرائيل قد تقدَّمت.\nوقوله تعالى: فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ قِيلَ ذلك قبل محمد﵇-/ وَبَعْدَ فترةٍ منْ رفعِ عِيسَى رَدَّ اللَّهُ الكَرَّةَ لمنْ آمن بهِ فَغَلبُوا الكَافرينَ الذين قَتَلُوا صَاحِبَه الذي ألقيَ عَلَيْهِ الشَّبَهُ، وقيل: المعنى فأصبحوا ظاهرين بالحجةِ.\n_________\n(١) ينظر: القرطبي (١٨/ ٥٧)، وابن عطية (٥/ ٣٠٤)، و«البحر المحيط» (٨/ ٢٦٠) .","vol":"5","page":427},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1471>تفسير سورة الجمعة</span>\nوهي مدنيّة\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1472>[سورة الجمعة (٦٢): الآيات ١ الى ٥]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nيُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)\nمَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥)\nقوله تعالى: يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ تقدَّم القولُ في مثلِ ألفاظِ الآيةِ، والمرادُ بالأمِّيِّينَ جميعُ العربِ، واخْتُلِفَ في المعنيين بقوله تعالى: وَآخَرِينَ مِنْهُمْ فقال أبو هريرةَ وغيره: أراد فارس «١» «وقد سئل رسول الله ﷺ: مَنِ الآخَرُونَ؟ فَأَخَذَ بيدِ سُلَيْمَانَ، وقال: لَوْ كَانَ الدِّينُ في الثُّرَيَّا لَنَالَهُ رِجَالٌ مِنْ هَؤُلاَءِ» خرَّجه مسلم والبخاريّ «٢»، وقال ابن زيدٍ ومجاهدٌ والضحاكُ وغيرهم: أرادَ جميعَ طوائِفِ الناس «٣»، فقوله: مِنْهُمْ على هذين القولين إنما يُرِيدُ في البشريةِ والإيمانِ، وقال مجاهد أيضًا وغيره: أراد التابعين من أبناء العرب، فقوله: مِنْهُمْ يُرِيدُ في النَّسَبِ والإيمان.\nوقوله: لَمَّا يَلْحَقُوا نَفْيٌ لما قَرُبَ مِنَ الحَالِ، والمَعْنَى أنهم مُزْمِعُونَ أنْ يلحقوا، فهي «لَمْ» زِيدَتْ عَلَيْهَا «ما» تأكيدا.\nوالَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ هم بنو إسرائيل الأحبارُ المعاصرون للنبي ﷺ، وحُمِّلُوا معناه كُلِّفُوا القيامَ بأوامرِها ونواهيها، فهذا كما حُمِّلَ الإنسانُ الأمانَةَ، وذكر تعالى أنهم لم يحملوها، أي: لم يُطِيعُوا أمْرَها ويَقِفُوا عند حدودها حين كذّبوا نبيّه محمّدا ﷺ، والتوراة\n_________\n(١) أخرجه البخاري حديث (٤٨٩٧) .\n(٢) تقدم تخريجه.\n(٣) أخرجه الطبري (١٢/ ٩٠- ٩١)، برقم: (٣٤٠٨٨)، (٣٤٠٨٩) عن ابن زيد، ومجاهد، وغيرهم، وذكره ابن عطية (٥/ ٣٠٧)، والبغوي (٤/ ٣٣٩)، وابن كثير (٤/ ٣٦٣)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٣٢١)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن المنذر عن مجاهد، وعزاه لابن المنذر عن الضحاك.","vol":"5","page":428},{"text":"تنطقُ بنبوتهِ، فكان كلُّ حَبْرٍ لم ينتَفِعْ بما حُمِّلَ كَمَثَلِ حِمَارٍ عليه أسفارٌ، وفي مصحف ابن مسعود «١» «كَمَثَلِ حِمَارٍ» بِغَيْرِ تعريفٍ، والسِّفْرُ الكتَابُ المجتمعُ الأوراقِ منضدة.\nوقوله: بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ التقدير: بِئْسَ المثلُ مثلُ القومِ الذين كذبوا بآياتِ اللَّه، - ص-: وَرُدَّ بأَنَّ فيه حذف الفاعلِ ولا يجوزُ، والظاهرُ أنَّ مَثَلُ الْقَوْمِ فاعل بِئْسَ، والَّذِينَ كَذَّبُوا هو المخصوصُ بالذَّمِّ على حذف مضافٍ أي: مثل الذين كذّبوا، انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1473>[سورة الجمعة (٦٢): الآيات ٦ الى ٨]</span>\nقُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٦) وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٧) قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨)\nوقوله سبحانه: قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ ... الآية، رُوِيَ أنها نزلتْ بسبب أنَّ يهودَ المدينةِ لَمَّا ظَهَرَ رسول الله ﷺ، خَاطَبُوا يهودَ خيبرَ في أمره، وذكرُوا لهم نبوَّتَه، وقالوا إن رأيتم اتَّبَاعَهُ أطَعْنَاكُمْ وإنْ رأيتم خِلاَفَه خَالَفْنَاه معكم، فجاءهَم جوابُ أهْلِ خيبرَ يقولونَ: نحن أبناءُ إبراهيمَ خليلِ الرحمن وأبناءُ عزيرِ بنُ اللَّهِ ومنا الأنبياءُ، ومتى كَانَتْ النبوةُ في العرب؟، نحن أحقُّ بالنبوةِ من محمدِ، ولا سبيلَ إلى اتباعهِ، فنزلتِ الآيةَ بمعنى:\nأنكم إذا كنتم منَ اللَّهِ بهذه المنزلةِ فَقُرْبُهُ وفراقُ هذه الحياةِ الخسيسةِ أحبُّ إليكم، فَتَمَنَّوْا الموتَ إن كنتم تَعْتَقِدُون في أنفسِكم هذه المنزلة، ثم أخبر تعالى أنهم لا يتمنونه أبدًا لعلمِهم بسوءِ حالِهم، ورَوَى كثيرٌ من المفسرينَ أن اللَّه- جَلَّتْ قُدْرَتُه- جَعَلَ هذه الآيةَ معجزةً لمحمدٍ نبيِّه ﷺ فِيهم، فَهِيَ آيةٌ باهرةٌ وأعلَمَه أنه إن تمنى أحدٌ منهمُ الموتَ في أيام معدوداتٍ مات وفارق الدنيا، فقال رسول الله ﷺ تَمَنّوُا الموتَ، على جهةِ التعجيزِ وإظهار الآيةِ، فما تَمَنَّاهُ أحد منهم خَوْفًا/ من الموتِ وثقة بصدق نبيّنا محمّد ﷺ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1474>[سورة الجمعة (٦٢): الآيات ٩ الى ١١]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩) فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠) وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِمًا قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١)\nوقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ الآية، النداء: الأذانُ، وكان على الجِدَارِ في مسجدِ رسول الله ﷺ، وفي «مصنف أبي داودَ»: كَانَ بَيْنَ يَدَي النبيّ ﷺ\n_________\n(١) ينظر: «مختصر الشواذ» ص: (١٥٦)، و«المحرر الوجيز» (٥/ ٣٠٧)، و«البحر المحيط» (٨/ ٢٦٣)، و«الدر المصون» (٦/ ٣١٦) .","vol":"5","page":429},{"text":"وهو عَلى المنبر أذَانُ، ثم زادَ عثمانُ النداءَ عَلَى الزوراء ليسمعَ الناسُ.\nت: وفي البخاريّ والترمذيِّ وصححه عن السائبِ بن يزيد قَالَ: كَانَ النداءُ يومَ الجمعةِ أوَّلُه إذا جَلَسَ الإمام على المنبر على عهد النبي ﷺ وأبي بكرٍ وعمرَ، فلما تَوَلَّى عثمانُ وكثرَ الناسُ، زَادَ الأذَانَ الثالثَ فأَذَّنَ به على الزَّورَاءِ «١»، فَثَبَتَ الأَمْرُ على ذلك «٢»، قِيل: فقوله «الثالثَ» يَقْتَضِي أنَّهمُ كَانُوا ثلاثةً، وفي طريقٍ آخرَ «الثاني» بدَلَ «الثالث» وهو يَقْتَضِي أَنَّهُمَا اثنانِ، انتهى، وخرَّجَ مسلم عن أبي هريرةَ عن النبي ﷺ أنه قال: «من اغتسل، ثمَّ أَتَى الجُمُعَةَ، فصلى مَا قُدِّرَ لَهُ، ثم أَنْصَتَ لِلإمَامِ حتى يَفْرُغَ مِنْ خُطْبَتِهِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَعَهُ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجُمُعَةِ الأخرى، وَفَضَلُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ» «٣» انتهى، وخرَّجَهُ البخاريُّ من طريقِ سُلَيْمَان.\nوقوله: مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ قال ابن هشام: «من» مرادفةِ «في»، انتهى.\nوقوله تعالى: فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ ... الآية، السعِيُ في الآيةِ لاَ يُرَادُ به الإسْرَاعُ في المشي، وإنما هو بمعنى قوله: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا مَا سَعى [النجم: ٣٩] فالسَّعْيُ هو بالنِّيةِ والإرَادَةِ والعَمَلِ مِنْ وُضُوءٍ، وغُسْلٍ، وَمَشْيٍ، ولُبْسِ ثوبٍ كُلُّ ذلكَ سَعْيٌ، وَقَدْ قَالَ مالكٌ وغيره: إنما تُؤْتَى الصلاةُ بالسَّكِينَةِ، ت: وهو نصُّ الحديثِ الصحيحِ، وهو قوله ﷺ في الصلاة: / «فَلاَ تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ وَأْتُوهَا [و] عَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ»، ت:\nوالظاهرُ أنَّ المرادَ بالسعيِ هُنا المُضِيُّ إلى الجمعةِ، كما فسَّره الثعلبيُّ، ويدلُّ على ذلكَ إطلاقُ العلماءِ لفظَ الوجوبِ عَلَيْهِ، فيقولونَ السَّعْيُ إلَى الجمعةِ واجبٌ، ويدلُّ عَلَى ذلك قراءةُ عمرَ وعليٍّ وابنِ مسعودٍ وابن عمر وابنِ عباس وابن الزبير وجماعة من التابعين «٤»:\n_________\n(١) الزّوراء: دار عثمان بن عفان بالمدينة. وقيل: موضع عند سوق المدينة قرب المسجد.\nينظر: «مراصد الاطلاع» (٦٧٤) .\n(٢) أخرجه البخاري (٢/ ٤٦١)، كتاب «الجمعة» باب: التأذين عند الخطبة (٩١٦)، وأبو داود (١/ ٣٥٢- ٣٥٣)، كتاب «الصلاة» باب: النداء يوم الجمعة (١٠٨٧)، والترمذي (٢/ ٣٩٢)، كتاب «الصلاة» باب:\nما جاء في أذان الجمعة (٥١٦)، والنسائي (٣/ ١٠٠- ١٠١)، كتاب «الجمعة» باب: الأذان للجمعة (١٣٩٢)، (١٣٩٣- ١٣٩٤) نحوه، وابن ماجه (١/ ٣٥٩)، كتاب «إقامة الصلاة والسنة فيها» باب: ما جاء في الأذان يوم الجمعة (١١٣٥) .\nقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.\n(٣) تقدم تخريجه.\n(٤) ينظر: «مختصر الشواذ» ص: (١٥٧)، و«المحتسب» (٢/ ٣٢٢)، و«الكشاف» (٤/ ٥٣٤)، و«المحرر الوجيز» (٥/ ٣٠٩)، و«البحر المحيط» (٨/ ٢٦٥) . [.....]","vol":"5","page":430},{"text":"«فَامْضُوا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ» وقال ابن مسعود: لَوْ قَرَأْتُ: فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ لأَسْرَعْتُ حَتَّى يَقَع رِدَائي، وقال العِرَاقِيُّ: فَاسْعَوْا معناه بَادِروا، انتهى، وقوله: إِلى ذِكْرِ اللَّهِ هو وعظُ الخطبةِ قاله ابن المسيب، ويؤيدُه قوله ﷺ في الحديث الصحيح: «إذَا كَانَ يومُ الجمعةِ، كَانَ على كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ المَسْجِدِ ملائكة يكتبون الأوّل فالأوّل، فإذا جلس [الإما] م طَوُوُا الصُّحُفَ، وجَاؤُوا يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ» الحديثُ خَرَّجَهُ البخاريُّ ومسلم، واللفظُ لمسلمٍ، والخُطْبَةُ عِنْدَ الجمهورِ شَرْطٌ في انعقادِ الجمعةِ» «١»، وعن أبي موسى الأشعري أن رسول الله ﷺ قَالَ: «إنَّ اللَّهَ﷿- يَبْعَثُ الأيَّامَ يومَ القيامةِ على هَيْئَتِهَا، وَيْبَعَثُ الجُمُعَةَ زَهْرَاءَ مُنِيرَةً، أَهْلُهَا مُحِفُّونَ بِهَا كالْعَرُوسِ تهدى إلَى كرِيمَها، تُضِيءُ لهم يَمْشُونَ في ضَوْئِهَا أَلْوَانُهُمْ كالثَّلْجِ بَيَاضًا، وَرِيحُهُمْ يَسْطَعُ كَالْمِسْكِ، يَخُوضُونَ في جِبَالِ الكَافُورِ، يَنْظُرُ إلَيْهِمُ الثَّقَلاَنِ، مَا يَطْرِفُونَ تَعَجُّبًا، يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ لاَ يُخَالِطُهُمْ إلاَّ المُؤَذِّنُونَ المُحْتَسِبُونَ» خَرَّجَهُ القاضِي الشريفُ أبو الحسنِ علي بن عبد اللَّهِ بن إبراهيمَ الهاشميّ، قال صاحبُ «التذكرة» «٢»: وإسنادهُ صحيح، انتهى.\nوقوله سبحانه: ذلِكُمْ إشارةٌ إلى السعي وتَرْكِ/ البَيْعِ.\nوقوله: فَانْتَشِرُوا أجمعَ الناسُ على أنَّ مُقْتَضَى هذا الأمْرِ الإباحةُ، وكذلك قوله:\n«وابتَغُوا من فضل اللَّه» أنَّه الإبَاحَة في طلب المعاش، مثلَ قوله تعالى: وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا [المائدة: ٢] إلا ما روي عن أنس عن النبي ﷺ أنه قال: «ذلكَ الفضْلُ المُبْتَغى هو عيادةُ مريضٍ، أو صِلَةُ صديقٍ، أو اتِّباعُ جنازةٍ»، قال ع «٣»: وفي هذا ينبغي أنْ يكونَ المرءُ بقيةَ يومِ الجمعةِ، ونحوه عن جعفر بن محمد، وقال مكحول: الفضلُ المبْتَغَى: العلمُ فينبغي أن يطلب إثر الجمعة.\n_________\n(١) إنما اشترط تقديم الخطبتين، لأن النبيّ ﷺ لم يفعلها إلا كذلك مع خبر: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، ولإجماع السلف والخلف على ذلك.\nومخالفة الحسن البصري باجتهاده في جوازها بعد الصلاة، شاذة مردودة، لأنها بعد انعقاد الإجماع فهي غير معتبرة، ولأنها شرط، والشرط مقدم على المشروط، وقال الشيخ الرملي: وللتمييز بين الفرض والنفل، وليدرك الصلاة من يدرك الخطبة، ولظاهر قوله تعالى: فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ، أباح الانتشار بعدها، ولو جاز تأخيرها لما أباح الانتشار.\nوقال في «شرح المهذب»: ثبتت صلاته ﷺ بعد الخطبتين، وروى الشيخان عن ابن عمر قال: كان رسول الله ﷺ يخطب يوم الجمعة خطبتين يجلس بينهما.\n(٢) ينظر: «التذكرة» (١/ ٢٦٢) .\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٣٠٩) .","vol":"5","page":431},{"text":"وقوله تعالى: وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا ... الآية، قال معاذ بن جبل: مَا شَيْءٌ أنجى مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ «١»: رواه الترمذيُّ واللفظُ له، وابنُ ماجه، والحاكمُ في «المستدرك» وقال صحيح الإسناد، انتهى من «السلاح» .\nوقوله سبحانه: وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْوًا ... الآية، نزلت بسبب أن رسول الله ﷺ كانَ قائِمًا على المنبرِ يَخْطُبُ يومَ الجمعةِ، فأقبلت عِيرٌ مِنَ الشَامِ تحملُ مِيرةً، وصاحبُ أمْرِهَا دِحْيَةُ بن خليفةَ الكلبي، قال مجاهد: وكانَ مِن عُرْفِهِمْ أن تَدْخُلَ عِيرُ المدينةِ بالطَّبْلِ والمعازفِ، والصياحِ سرورًا بها، فدخلتْ العيرُ بمثلِ ذلكَ، فانْفَضَّ أهْلُ المسجدِ إلى رؤيةِ ذلك وسماعه وتركوا رسول الله ﷺ قائمًا عَلَى المنبرِ، ولم يَبْقَ معه غَيْر اثنَيْ عَشَرَ رَجُلًا «٢»، قال جابر بن عبد اللَّه: أنا أحَدُهُم، قال ع «٣»: ولم تَمُرَّ بِي تَسْمِيتُهم في ديوانٍ فيما أذْكُرُ الآنَ، إلا أنِّي سمعتُ أبي﵀- يقولُ: همُ العشرةُ المشهودُ لهم بالجنةِ، واخْتُلِفَ في الحادِيَ عَشَرَ، فقيل: عمارُ بن ياسر، وقيل: ابن مسعودٍ، ت: وفي تقييد أبي الحسنِ الصغير: والاثْنَا عَشَر الباقون «٤» همُ الصحابةُ العَشَرَةُ، والحادِيَ عَشَرَ: بلالٌ، واخْتُلِفَ في الثاني عشر، فقيل: عمار بن ياسر، وقيل:\nابن مسعود، انتهى، قال السهيلي: وجَاءَتْ تسميةُ الاثْنَي عَشَرَ في حديثِ مُرْسَلٍ رواه أسد بن عمرو والدُ موسى بن أسد، وفيه: أنَّ رسول الله ﷺ لَمْ يَبْقَ معه إلا أبو بكرٍ وعُمَرُ وعثمانُ حتى العشرةِ، وقَال: وبلالٌ وابن مسعود، وفي روايةٍ: عمارُ بَدلَ ابنِ مسعودٍ، وفي «مَرَاسِيلِ أبي داودَ» ذكر السببَ الذي من أجله تَرَخَّصُوا، فقال: إن الخطبةَ يوم الجمعةِ كَانَتْ بعدَ الصلاةِ فَتَأَوَّلُوا﵃- أنهم قَدْ قَضَوْا مَا عَلَيْهِمْ، فَحوِّلَتْ الخطبةُ بعد\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه (٢/ ١٢٤٥)، كتاب «الأدب» باب: فضل الذكر (٣٧٩٠)، عن أبي الدرداء أن النبي ﷺ قال: «ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأرضاها عِنْدَ مَلِيكِكُمْ، وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ، وَخَيْرٌ لَكُمْ من إعطاء الذهب والورق، ومن أَنْ تُلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ؟» قالوا: وما ذاك يا رسول الله! قال: «ذكر الله» .\nوقال معاذ بن جبل: «ما عمل امرؤ بعمل أنجى له من عذاب الله ﷿ من ذكر الله» .\nوأخرجه الترمذي (٥/ ٤٥٩) (٣٣٧٧) نحوه، قال الترمذي: وقد روى بعضهم هذا الحديث عن عبد الله بن سعيد مثل هذا الإسناد وروى بعضهم عنه فأرسله، وأخرجه الحاكم في «المستدرك» (١/ ٤٩٦)، وقال: هذا صحيح الإسناد ولم يخرجاه.\n(٢) أخرجه الطبري (١٢/ ٩٩)، برقم: (٣٤١٤٦)، وذكره ابن عطية (٥/ ٣٠٩)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٣٣١)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر.\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٣٠٩) .\n(٤) في د: الباقين.","vol":"5","page":432},{"text":"ذلك قبلَ الصلاةِ، فهذا الحديثُ وإن كانَ مرسلا فالظن الجميل بأصحاب النبي ﷺ يُوجِبُ أنْ يكونَ صحيحًا، واللَّه أعلم انتهى، وروي أنّ النبيّ ﷺ قَال: «لَوْلاَ هؤلاءِ لَقَدْ كَانَتِ الحِجَارَةُ سُوِّمَتْ على المُنَفضِّينَ من السماءِ»، وفي حديثٍ آخر: «والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ تَتَابَعْتُمْ حتى لاَ يبقى أَحَدٌ لسَالَ بِكُمُ الوَادِي نَارًا «١»، قَالَ البخاريُّ: انْفَضُّوا معناه تَفَرَّقُوا، انتهى، وقرأ ابن مسعود «٢»: «وَمِنَ التِّجَارَةِ لِلَّذِينَ اتقوا وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ» وإنما أعاد الضميرَ في قوله: إِلَيْها على التجارةِ وَحْدَهَا لأنَّهَا أهَمُّ، وهي كَانَتْ سَبَبَ اللَّهوِ، - ص-: وقرىء «٣» «إلَيْهِمَا» بالتثنيةِ.\n_________\n(١) أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» (٥/ ٢٣٥- ٢٣٦)، برقم: (٦٤٩٥) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٣١٠) .\n(٣) ينظر: «الكشاف» (٤/ ٥٣٧)، و«البحر المحيط» (٨/ ٢٦٥)، و«الدر المصون» (٦/ ٣١٨) .","vol":"5","page":433},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1475>تفسير سورة «المنافقون»</span>\nوهي مدنيّة بإجماع ونزلت في غزوة بني المصطلق، بسبب أنّ ابن أبيّ ابن سلول كانت له في تلك الغزوة أقوال منكرة، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1476>[سورة المنافقون (٦٣): الآيات ١ الى ٣]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nإِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ (١) اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ (٣)\n[بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ] «١» قوله ﷿: إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ... الآية/ فَضَحَ اللَّهُ سرائرَ المنافقين بهذهِ الآية، وذلك أنهم كانوا يقولون للنبي ﷺ: نَشْهَد إِنَّكَ لَرَسُولِ اللَّهِ وهم في إخبارِهم هَذَا كَاذِبُونَ لأَنَّ حَقِيقَةَ الكذبِ أن يُخْبِرَ الإنْسَانُ بِضِدِّ مَا في قَلْبِهِ، وهذِه كَانَتْ حالُهُم وقَرَأَ الناس: «أيْمَانِهِم» جمعُ يمينٍ، وقرأ الحسنُ «٢»:\n«إيَمَانَهُمْ» - بِكَسْرِ الهمزةِ-، والجُنَّةُ: مَا يُتَسَتَّرُ به في الأَجْرَامِ والمعَانِي.\nوقوله: ذلِكَ إشَارَةٌ إلى فعلِ اللَّهِ بِهِمْ في فَضْحِهُم وتَوْبِيخِهم، ويحتملُ أنْ تكونَ الإشارةُ إلى سوء ما عَمِلوا، فالمعنَى سَاءَ عَمَلُهُمْ بأنْ كَفَرُوا بَعْدَ إيمان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1477>[سورة المنافقون (٦٣): الآيات ٤ الى ٦]</span>\nوَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٤) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٥) سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٦)\n_________\n(١) سقط في: د.\n(٢) قال أبو الفتح: هذا على حذف المضاف، أي: اتخذوا إظهار إيمانهم جنة.\nينظر: «المحتسب» (٢/ ٣٢٢)، و«الكشاف» (٤/ ٥٣٩)، و«المحرر الوجيز» (٥/ ٣١١)، و«البحر المحيط» (٨/ ٢٦٧) .","vol":"5","page":434},{"text":"وقوله تعالى: وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ هذا توبيخٌ لهم إذ كَانَ مَنْظَرُهم يَرُوقُ جَمَالًا وقولُهُم يَخْلِبُ بَيَانًا لكنَّهم كالخشبِ المُسَنَّدَة إذْ لاَ أفْهَامَ لهم نافعةً، وكانَ عبدُ اللَّه بْنُ أُبَي ابن سَلُولَ مِنْ أبْهَى المنافقينَ، وأطولِهِم، ويدلّ على ذلك أنه لَمْ يوجَدْ قميصٌ يكْسُو العباسَ غيرُ قَميصِه، قال الثعلبيُّ: تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ لاسْتِوَاءِ خَلْقِهَا وطُول قَامَتِهَا وحُسْنِ صُورَتِها، قَال ابن عباس: وَكَانَ عَبْدُ اللَّه بن أُبَيٍّ جَسِيمًا صَبِيحًا فَصِيحًا ذَلِقَ اللِّسَانِ، فَإذَا قَالَ سَمِعَ النبيّ ﷺ قوله «١»، ووصفهم اللَّه تعالى بتمام الصورةِ وحُسْنِ الإبَانَةِ، ثم شبَّهَهُم بالخُشُبِ المسنَّدَةِ إلى الحائِط، لا يَسْمَعُونَ وَلاَ يَعْقِلُونَ أشْبَاحٌ بِلاَ أَرْوَاحٍ، وأجْسَامٌ بِلاَ أحْلاَم، انتهى.\nوقوله تعالى: يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هَذَا أيضًا فَضْحٌ لِمَا كَانُوا يُسِرُّونَه مِنَ الخَوْفِ/ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَوَقَّعَونَ أن يأمر النبيّ ﷺ عَنِ اللَّهِ بِقَتْلِهِمْ، قال مقاتل: فكانوا متَى سَمِعُوا نُشْدَانَ ضالةٍ، أو صِيَاحًا بأيِّ وَجْهِ، أو أُخْبِرُوا بِنُزُولِ وَحْيٍ طَارَتْ عقُولُهم حتَى يسْكُنَ ذِلَك ويكونَ في غَيْرِ شأنهم، ثم أخبرَ تعالى بأنهم همُ العدوُّ وحَذَّرَ منهم.\nوقوله تعالى: قاتَلَهُمُ اللَّهُ دُعَاء يَتَضَمَّنُ الإقْصَاءَ والمنابذة لهم، وأَنَّى يُؤْفَكُونَ معناهُ كَيْفَ يُصْرَفُونَ.\nوقوله تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ ... الآية، سبب نزولها أنّ النبيّ ﷺ غَزَا بني المُصْطَلِق، فَازْدَحَمَ أَجيرٌ لِعُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ يُقَالُ لَهُ «جَهْجَاهٌ» مَعَ سِنَانِ بْنِ وَبَرَةَ الجُهَنِيِّ، حَلِيفٌ لِلأَنْصَارِ، عَلَى الْمَاءِ فَكَسَعَ جهجاه سنانا فتثاورا، ودَعَا جَهْجَاهُ: يَا للْمُهَاجِرِينَ، وَدَعَا سِنَانٌ: يَا للأنصار، فخرج رسول الله ﷺ فَقَال: مَا بَالُ دَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ؟ فَلَمَا أُخْبِرَ بالقصةِ، قال: دَعُوهَا فَإنَّهَا مُنْتِنَةٌ، فقال عبد اللَّه بن أُبَيٍّ: أَوَقَدْ فَعَلُوهَا؟ واللَّهِ، مَا مَثَلُنَا وَمَثَلُ جَلاَبِيبِ قُرَيْشٍ إِلاَّ كَمَا قَالَ الأَوَّلُ: سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ، وقال: لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ، ثُمَّ قَال: لِمَنْ معه مِنَ المنافقينَ:\nإنَّما يُقيمُ هؤلاءِ المهاجرونَ مَعَ محمدٍ بِسَبَبِ مَعُونَتِكمْ لَهم، ولَوْ قَطَعْتُمْ ذَلِكَ عنهم لَفَرُّوا، فَسَمِعَهَا منه زيد بن أرقم، فأخبر النبيّ ﷺ بذلك، فعاتب رسول الله ﷺ عبدَ اللَّه بن أُبَيٍّ عِنْدَ رجالٍ مِنَ الأَنْصَارِ، فبلغَه ذلك، فَجَاءَ وَحَلَفَ مَا قَالَ ذلك، وحَلَفَ معَهُ قَوْمٌ مِنَ/ المُنَافِقِينَ، وكَذَّبُوا زيدا، فصدّقهم النبيّ ﷺ فَبَقِيَ زَيْدٌ في منزلهِ لاَ ينصرفُ حَيَاءً مِنَ الناسِ فَنَزَلَتْ هذهِ السورةُ عِنْد ذَلِكَ، فبعث النبيّ ﷺ إلَى زَيْدٍ وقال لهُ: لَقَدْ صَدَقَكَ اللَّهُ يا زيد،\n_________\n(١) ذكره البغوي (٤/ ٣٤٨) .","vol":"5","page":435},{"text":"فَخَزِيَ عِنْدَ ذَلِكَ عبدُ اللَّه بن أُبَيٍّ ومَقَتَه الناسُ ولاَمه المؤْمِنونَ من قومِه، وقال له بعضهم:\nامض إلى رسول الله ﷺ واعْتَرِفْ بذنبكَ يَسْتَغْفِرْ لَكَ، فلوى رَأْسَهُ إنْكَارًا لهذا الرَّأْيِ، وقال لهم: لقد أشَرْتُمْ علي بالإيمان فآمنتُ، وأَشَرْتُمْ علي بأنْ أعطِيَ زَكَاةَ مالِي فَفَعَلتُ، وَلَمْ يَبْقَ لكم إلا أن تأمروني بالسجود لِمحمَّدٍ، فهذا قَصَصُ هذه السورة مُوجَزًا، وقَرأَ نافعٌ والمفضَّل عن عاصم: «لَوَوْا» - بتخفيف الواوِ- وقرأ الباقون بتشديدِها.\nوقوله تعالى: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ ... الآية، رويَ أنه لما نزلتْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ [التوبة: ٨٠] قال رسول الله ﷺ: لأَزِيدَنَّ على السبعينَ، وفي حديثٍ آخَرَ: لَوْ عَلِمْتُ أنِّي لَوْ زِدْتُ على السبعينَ لَغَفَرَ لَهُمْ لَزِدْتُ، وفي هذا الحديثِ دليلٌ عَلَى رَفْضِ دليلِ الخطابِ، فَلَمَّا فعل ابْنُ أُبَيٍّ وأصحابهُ مَا فَعَلُوا شَدَّدَ اللَّه عليهم في هذه الآيةِ، وأَعْلَم أَنَّه لَنْ يَغْفِرَ لهم دون حدّ في الاستغفار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1478>[سورة المنافقون (٦٣): الآيات ٧ الى ٨]</span>\nهُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ (٧) يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ (٨)\nوقوله تعالى: هُمُ الَّذِينَ إشارةٌ إلى ابن أُبَيٍّ ومَنْ قَالَ بقوله، ثم سفه تعالى أحلامَهم في أن ظَنُّوا أنَّ إنْفَاقَهم هو سَبَبُ رزقِ المهاجرينَ، ونَسَوا أن جَرَيَانِ الرزقِ بِيَدِ اللَّهِ تعالى إذَا انْسَدَّ بابٌ انْفَتَحَ غَيْرُه ثم أعْلَمَ تعالى أنَّ العزةَ لِلَّهِ ولرسولهِ وللمؤمنِين، وفي ذلكَ وعيدٌ وَرُوِي/ أن عبدَ اللَّه بن عبدِ اللَّه بن أُبَيٍّ وكَانَ رَجُلًا صَالِحًا لَمَّا سَمِعَ الآيةَ، جَاءَ إلى أبيه فَقَالَ له: أنْتَ واللَّهِ يا أبَتِ الذليلُ، ورَسُولُ اللَّهِ العزيزُ، وَوَقَفَ عَلَى بَابِ السِّكَّةِ التي يَسْلُكُها أبوه، وجَرَّدَ السَّيْفَ وَمَنَعَهُ الدُّخُولَ، وقال: واللَّهِ لاَ دَخَلْتَ إلى مَنْزِلِكَ إلاَّ أنْ يأْذَنَ في ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ في أذَلِّ حال، وبلغ ذلك رسول الله ﷺ، فَبَعَثَ إلَيْهِ أنْ خَلِّهِ يَمْضِي إلى مَنْزِلِهِ، فقال: أمّا الآن، فنعم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1479>[سورة المنافقون (٦٣): الآيات ٩ الى ١١]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٩) وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذا جاءَ أَجَلُها وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١١)\nوقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ...\nالآية، الإلهاءُ: الاشْتِغَالُ بِمَلَذ وَشَهْوَةٍ، وذكرُ اللَّه هنا عامٌّ في الصلوات، والتوحيدِ،","vol":"5","page":436},{"text":"والدعاء، وغيرِ ذلكَ مِنْ مَفْرُوضٍ، ومنْدُوبٍ، وكذلك قوله تعالى: وَأَنْفِقُوا مِنْ مَّا رَزَقْناكُمْ عامٌّ من المفرُوضِ والمندوبِ قاله جماعة من المفسرينَ، قال الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي في كتاب «عيوب النفس»: وَمِنْ عيوبِها تضييعُ أوقاتِها بالاشْتِغَالِ بما لا يَعْنِي مِنْ أُمورِ الدُّنْيا، والخَوْضِ فيها مَعَ أهلِها، ومُدَاوَاتُها أنْ يَعْلَمَ أنَّ وَقْتَه أعزُّ الأشياءِ فَيَشْغَلَه بِأَعَزّ الأَشْيَاءِ، وهو ذِكْرُ اللَّهِ، والمُدَاوَمَةُ على الطاعةِ ومطالبةُ الإخْلاَصِ من نفسهِ فإنَّه رُوِيَ عنِ النبي ﷺ أنه قال: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يَعْنِيهِ» «١» وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ مَنْصُورٍ: عَلَيْكَ بنفسِكَ فَإنْ لَمْ تَشْغَلْها شَغَلَتْكَ، انتهى.\nوقولهُ: لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ طَلَبٌ لِلْكَرَّةِ والإمهَالِ، وسَمَّاه قَرِيبًا لأنّه آتٍ، وأيْضًا فإنَّما يتمنى ذلك لِيقْضِيَ فيه العملَ الصالحَ فَقَطْ/ وليس يتّسع الأمل حينئذ لطلب العيش ونظرته. وقوله: وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ ظاهرَه العمُومُ، وقال ابن عباس: هو الحج «٢» وَرَوَى الترمذيُّ عنه أنَّه قال: مَا مِنْ رَجُلٍ لاَ يُؤَدِّي الزَّكَاةَ وَلاَ يَحُجُّ إلاَّ طَلَبَ الْكَرَّةَ عِنْدَ مَوْتِهِ «٣»، قَال الثعلبيُّ: قَال ابن عباس: إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ يريدُ مِثْلَ آجالِنَا في الدنيا «٤»، انتهى، وقرأ أبو عمرو «٥»: «وَأَكُونَ»، وفي قوله تعالى: وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذا جاءَ أَجَلُها حَضٌّ عَلَى المُبَادَرَةِ ومُسَابَقَةِ الأَجَلِ بالعملِ الصالح.\n_________\n(١) تقدم تخريجه. [.....]\n(٢) أخرجه الطبري (١٢/ ١١٠- ١١١)، بأرقام (٣٤١٨١- ٣٤١٨٢، ٣٤١٨٥)، وذكره ابن عطية (٥/ ٣١٥)، والبغوي (٤/ ٣٥١)، وابن كثير (٤/ ٣٧٣)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٣٤١)، وعزاه لابن المنذر.\n(٣) أخرجه الترمذي (٥/ ٤١٨)، كتاب «التفسير» باب: ومن سورة المنافقون (٣٣١٦)، وابن جرير (١٢/ ١١٠) (٣٤١٨٢)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٣٤٠)، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني.\n(٤) ذكره الفخر الرازي (١٠/ ١٧) .\n(٥) ينظر: «السبعة» (٦٣٧)، و«إعراب القراءات» (٢/ ٣٦٩)، و«حجة القراءات» (٧١٠)، و«العنوان» (١٩١)، و«شرح الطيبة» (٦/ ٥٦)، و«شرح شعلة» (٦٠٣)، و«إتحاف» (٢/ ٥٤٠)، و«معاني القراءات» (٣/ ٧١) .","vol":"5","page":437},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1480>تفسير سورة «التّغابن»</span>\nوهي مدنيّة وقال آخرون: مكّيّة إلا من قوله﷿-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ إلى آخر السورة، فإنه مدنيّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1481>[سورة التغابن (٦٤): الآيات ١ الى ٤]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nيُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢) خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣) يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٤)\nقوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ أي: في أصْلِ الخِلْقَةِ «١»، وهذا يَجْرِي مع قول المَلَكِ: يَا رَبِّ، أَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ، الحَدِيثَ، وذَلِكَ في بطنِ أمهِ، وقيل: الآيةُ تعديدُ نِعَمٍ، فقولُه: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ هَذِهِ نعمةُ الإيجَاد، ثم قال: فَمِنْكُمْ كافِرٌ أي: بهذِه النِّعْمَةِ لجهلهِ باللَّهِ، وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ باللَّهِ، والإيمانُ بهِ شُكْرٌ لنعمتِه، فالإشَارةُ عَلى هذَا التأويلِ في الإيمانِ والكفرِ، هي إلى اكتسابِ العَبْدِ وهذا قولُ جماعة، وقيلَ غير هذا.\nوقوله تعالى: خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ أي: لم يخلقْها عَبَثًا ولاَ لغيرِ مَعْنى.\nوقوله تعالى: فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ هو تعديدُ نِعَمٍ، والمرادُ الصورةُ الظاهرة، وقيل:\nالمرادُ صورةُ الإنسانِ المعنويَّةِ من حيثُ هو إنسانٌ مُدْرِكٌ عاقلٌ، والأولُ أجْرَى على لغةِ العرب.\n_________\n(١) في د: الحقيقة.","vol":"5","page":438},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1482>[سورة التغابن (٦٤): الآيات ٥ الى ١٠]</span>\nأَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٥) ذلِكَ بِأَنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٦) زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وَذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧) فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٨) يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩)\nوَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ خالِدِينَ فِيها وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٠)\nوقوله تعالى: أَلَمْ يَأْتِكُمْ جَزْمٌ أصْلُه «يأتيكم» والخطابُ في هذهِ الآيةِ لقريشٍ، ذُكِّرُوا بِمَا حَلَّ بِعَادٍ وثمودَ، وغيرهم ممن سَمِعَتْ قريشٌ بِأخبارِهم، وَوَبَالُ الأمْرِ: مكروهُه وما يسوء منه.\nوقوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّهُ إشارة إلى ذَوْقِ الوَبَالِ، وباقي الآية بَيِّنٌ.\nوقوله تعالى: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا يريدُ قُريشًا، ثم هِي بَعْدُ تَعُمّ كلَّ كافرٍ بالبعثِ، ولا تُوجَدُ (زَعَمَ) مستعملةً في فصيحِ الكلامِ إلا عبَارَةً عَنِ الكَذِبِ، أو قولِ انْفَرَدَ به قائله.\nوقوله سبحانه: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا هذه الآيةُ دعاء من اللَّهِ، وتبليغٌ وتحذيرٌ مِنْ يَوْمِ القِيَامَةِ، والنُّورُ القرآنُ ومعانيه، ويومُ الجَمْعِ هو يومَ القيامَةِ، وهُو يومُ التغابُنِ يَغْبِنُ فِيهِ المؤمِنُونَ الكافرينَ، نَحا هذا المَنْحَى مُجَاهِد وغيره «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1483>[سورة التغابن (٦٤): الآيات ١١ الى ١٣]</span>\nما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (١٢) اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣)\nوقوله تعالى: مَا أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ يحتملُ أَنْ يريدَ المصائِبَ التي هي رَزَايا، ويحتملُ أنْ يريدَ جميعَ الحوادثِ من خيرِ وشر، والكلُّ بإذْنِ اللَّهِ، والإذنُ هنا عبارةٌ عَنِ العلم والإرادة وتمكين الوقوع.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٢/ ١١٥)، برقم: (٣٤١٩١)، وذكره ابن عطية (٥/ ٣١٩)، وابن كثير (٤/ ٣٧٥)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٣٣٤)، وعزاه للفريابي، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر عن مجاهد.","vol":"5","page":439},{"text":"وقوله سبحانه: وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ قال فيه المفسرون: المعنَى ومَنْ آمنَ وعَرَفَ أنَّ كلَّ شَيْءٍ بِقَضَاءِ اللَّه وقَدَرَه وَعِلْمِهِ، هانتْ عَلَيْهِ مصيبتُه وسلَّم لأمْرِ اللَّه تعالى.\nوقوله تعالى: فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ إلى آخر الآية، وعيد وتبرئة للنبي ﷺ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1484>[سورة التغابن (٦٤): الآيات ١٤ الى ١٥]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤) إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٥)\nوقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ إلى آخر السورةِ قرآنٌ مدنيٌّ واخْتُلِفَ في سَبَبهِ، فقال عطاء بن أبي ربَاح: إنَّه نَزَلَ في عَوْفِ بن مَالكٍ الأشّجَعِيِّ وذلك أَنَّهُ أراد غَزْوًا مع النبيّ ﷺ، فاجْتَمَعَ أَهْلُهُ وأولاده، وتَشَكَّوْا إلَيْه فِرَاقَهُ، فَرَقَّ لهُمْ فَثَبَّطُوهُ ولم/ يَغْزُ، ثم إنّه نَدِمَ وهَمَّ بمعاقبتِهم، فنزلتِ الآية «١» بسببه محذِّرةً مِن الأَزْوَاجِ والأولاد وفتنتِهم. ثم صَرَفَ تَعالَى عَنْ معاقبتهِم بقوله: وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وقال بعضُ المفسرينَ: سببُ الآيةِ أنَّ قومًا آمنُوا وثَبَّطَهُمْ أزْوَاجُهم وأولادُهم عَنْ الهِجرةِ فَلَمْ يُهَاجِروا إلا بَعْدَ مدةٍ، فَوَجَدُوا غيرَهم قد تَفَقَّه في الدين، فَنَدِمُوا وهَمُّوا بمعاقبةِ أزواجِهِم وأولادِهم، ثم أَخْبَرَ تعالى أن الأمْوَالَ والأولادَ فتنةٌ تَشْغَلُ المرءَ عَنْ مَرَاشِدِهِ، وتَحْمِلُه مِنَ الرَّغْبَةِ في الدنيا عَلَى مَا لاَ يَحْمَدُه في آخرتِه، ومنه قوله ﷺ: «الوَلَدُ مَبْخَلَةٌ مُجْبَنَةٌ» «٢»، وخَرَّجَ أبو داود حديثًا في مصنفه «أنّ رسول الله ﷺ كانَ يَخْطُبُ يَوْمَ الجمعةِ عَلى المِنْبَرِ حَتَّى جَاءَ الحَسَنُ والحسينُ عليهما قميصان أحمرانَ يجرانِهما، يعثران ويقومان، فنزل رسول الله ﷺ عَنِ المنبرِ حَتَّى أخَذَهُمَا، وصَعِدَ بِهِمَا، ثم قرأ: نَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ ...\nالآية، وقال: إني\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٢/ ١٧٧)، برقم: (٣٤٢٠١)، وذكره ابن عطية (٥/ ٣٢٠) .\n(٢) رواه ابن ماجه عن عبد الله بن سلام قال: جاء الحسن والحسين يستبقان إلى النبي ﷺ فضمهما إليه، وذكره، وللعسكري والحاكم عن الأسود بن خلف أنّ النبي ﷺ أخذ حسنا فقبله، ثم أقبل عليهم فقال:\nإن الولد مجبنة مبخلة، وأحسبه قال: مجهلة، وللعسكري أيضا: عن أشعث بن قيس قال: مررت على النبي ﷺ، فقال لي: «ما فعلت بنت عمّك» قلت: نفست بغلام، وو الله لوددت أن لي به سبعة، فقال:\n«أما لئن قلت إنهم لمجبنة مبخلة، وإنهم لقرة العين وثمرة الفؤاد»، وله أيضا عن عمر بن عبد العزيز، قال: زعمت المرأة الصالحة خولة ابنة حكيم، أن رسول الله ﷺ خرج وهو يحتضن حسنا أو حسينا، وهو يقول: «إنكم لتجبّنون وتجهّلون، وإنكم لمن ريحان الله»، وأخرجه أبو يعلى والبزار بسند ضعيف عن أبي سعيد بلفظ: «الولد ثمرة القلب، وإنه مبخلة مجبنة محزنة» .\nينظر: «كشف الخفاء» (٢/ ٤٧٠) .","vol":"5","page":440},{"text":"رأيتُ هذينِ فَلَمْ أصْبِرْ، ثم أخَذَ في خُطْبَتِهِ» «١»، قال ع «٢»: وهذهِ ونحوُها هِي فتنةُ الفُضَلاَءِ، فأما فتنةُ الجُهَّالِ الفَسَقَةِ فَمُؤَدِّيَةٌ إلى كلِ فعلٍ مُهْلِكٍ، وفي «صَحِيحَي البخاري ومسلم» عن أبي ذرٍ قال: انتهيتُ إلى النبيِّ ﷺ وَهُوَ يَقُول: «هم الأخْسَرُونَ، وَرَبِّ الكَعْبَةِ، هُمُ الأخْسَرُونَ، وَرَبِّ الكَعْبَةِ، قُلْتُ: مَا شَأْنِي أيرى فيَّ شَيْئًا؟ فَجَلَسْتُ وَهُوَ يَقُولُ فَمَا استطعت أنْ أسْكُتَ وتَغَشَّانيَ مَا شَاء اللَّهُ فَقُلْتُ: مَنْ هُمْ بأبي أنتَ وأمي يا رسولِ اللَّهِ؟\nقال: هُمُ الأكْثَرُونَ مَالًا إلاَّ مَنْ قَالَ هَكَذَا وهَكَذَا وَهَكَذَا» «٣» وفي رواية: «إن الأَكْثَرينَ هم الأقَلُّونَ يَوْمَ القِيَامَةِ إلاَّ مَنْ قال بالمال، هكذا وهكذا، - وأشار ابن شهاب بين يديه وعن يمينه وعن شماله-، وقليل ما هم» انتهى، واللفظ للبخاريّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1485>[سورة التغابن (٦٤): الآيات ١٦ الى ١٨]</span>\nفَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦) إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (١٧) عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)\nوقوله سبحانه: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ تَقَدَّمَ الخلافُ هَلْ هذه الآيةُ نَاسِخَةٌ لقوله تعالى: اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ [آل عمران: ١٠٢] أو ليست بناسخة، بل هي مبيّنة لها،\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (١/ ٣٥٨)، كتاب «الصلاة» باب: الإمام يقطع الخطبة للأمر يحدث (١١٠٩)، والترمذي (٥/ ٦٥٩)، كتاب «المناقب» باب: مناقب الحسن والحسين ﵉ (٣٧٧٤)، والنسائي (٣/ ١٠٨)، كتاب «الجمعة» باب: نزول الإمام عن المنبر قبل فراغه من خطبته وقطعه كلامه ورجوعه إليه يوم الجمعة (١٤١٣)، (٣/ ١٩٢)، كتاب «العيدين» باب: نزول الإمام عن المنبر قبل فراغه من الخطبة (١٥٨٥)، وابن ماجه (٢/ ١١٩٠)، كتاب «اللباس» باب: لبس الأحمر للرجال (٣٦٠٠)، وأحمد (٥/ ٣٥٤) .\nقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب.\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٣٢٠) .\n(٣) أخرجه البخاري (١١/ ٦٣)، كتاب «الاستئذان» باب: من أجاب بلبيك وسعديك (٦٢٦٨)، (١١/ ٥٣٣)، كتاب «الأيمان والنذور، باب: كيف كان يمين النبي ﷺ (٦٦٣٩)، ومسلم (٢/ ٦٨٦)، كتاب «الزكاة» باب: تغليظ عقوبة من لا يؤدي الزكاة (٣٠/ ٩٩٠)، والترمذي (٣/ ٣)، كتاب «الزكاة» باب: ما جاء عن رسول الله ﷺ في منع الزكاة من التشديد (٦١٧)، والنسائي (٥/ ١٠)، كتاب «الزكاة» باب:\nالتغليظ في حبس الزكاة (٢٤٤٠)، وأحمد (٥/ ١٥٢، ١٥٨- ١٥٩)، والبيهقي (٤/ ٩٧)، كتاب «الزكاة» باب: جماع أبواب صدقة البقر السائمة، (١٠/ ٢٧)، كتاب «الأيمان» باب: الحلف بالله ﷿ أو اسم من أسماء الله ﷿، وابن خزيمة (٤/ ٩)، كتاب «الزكاة» باب: صفات ألوان عذاب مانع الزكاة إلى يوم القيامة، قبل الفصل بين الخلق، نعوذ بالله من عذابه (٢٢٥١)، والحميدي (١/ ٧٧)، برقم:\n(١٤٠)، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (٧/ ٣٦٤) .\nقال الترمذي: حديث حسن صحيح.","vol":"5","page":441},{"text":"وأن المَعْنَى: اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ فِيمَا اسْتَطَعْتُمْ وهذا هو الصحيح، قال الثعلبي: قال الربيع بن أنس: مَا اسْتَطَعْتُمْ أيْ: جَهْدَكُمْ، وقيل: معناه: إذا أمْكَنَكُمْ الجهادُ والهجرةُ، فَلا يُفْتِنَنَّكُمُ المَيْلُ إلى الأمْوالِ والأوْلاَدِ، واسْمَعُوا ما تُوعظونَ به، وأطِيعُوا فيما تؤمَرُون به «١»، انتهى.\nوقوله سبحانه: وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ تَقَدَّم الكلامُ عليه، وأسْنَد أبو بكر بن الخطيب من طريقِ أبي هريرةَ وأبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: «السَّخَاءُ شَجَرَةٌ في الجَنَّةِ، وأَغْصَانُها في الدُّنْيَا، فَمَنْ كَانَ سَخِيًّا أَخَذَ بِغُصْنٍ مِنْهَا فَلَمْ يَتْرُكْهُ الغُصْنُ حتى يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، والشُّحُّ شَجَرَةٌ في النَّارِ وَأَغْصَانُهَا في الأَرْضِ، فَمَنْ كَانَ شَحِيحًا، أَخَذَ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا، فَلَمْ يَتْرُكْهُ الغُصْنُ حتى يُدْخِلَهُ النَّارَ» «٢» انتهى، وَباقِي الآية بيّن.\n_________\n(١) ذكره ابن كثير (٤/ ٣٧٧)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٣٤٦)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن المنذر.\n(٢) أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» (٧/ ٤٣٤- ٤٣٥) (١٠٨٧٥) عن جعفر بن محمّد عن أبيه عن جده، و(١٠٨٧٧) عن أبي هريرة، وذكره العجلوني في «كشف الخفاء» (١/ ٥٤٥)، وزاد نسبته إلى الديلمي في «الأفراد» .","vol":"5","page":442},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1486>تفسير سورة الطّلاق</span>\nوهي مدنيّة\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1487>[سورة الطلاق (٦٥): الآيات ١ الى ٣]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nيا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْرًا (١) فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ ذلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)\n[بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ] «١» قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ أي: إذا أرَدْتُم طلاقَهُنَّ قاله الثعلبيّ وغيره: فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وطَلاَقُ النساء حَلُّ/ عِصْمَتِهِنَّ، وصورَةُ ذلك وتَنْويعِه مِما لا يَخْتَصُّ بالتفسيرِ، ومعنى فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ أي: لاسْتِقْبَالِ عِدَّتِهِن، وعبارةُ الثعلبيِّ: أي:\nلِطُهْرِهِنَّ الذي يُحْصِينَه مِنْ عِدَّتِهِنَّ، وهُو طُهْرٌ لَمْ يجامعْهَا فيه، انتهى، قال ع «٢»:\nومعنى الآيةِ أنْ لاَ يُطَلِّقَ أحَدٌ امرأتَه إلا في طُهْرٍ لَمْ يَمَسَّها فِيهِ، وهَذَا على مَذْهَبِ مالكٍ ومن قال بقوله القائلينَ بأن الأَقْرَاءَ عندَهم هي الأطْهَارُ، فَيُطَلِّقُ عَنْدَهم المُطَلِّقُ في طُهْرٍ لم يمسَّ فيه، وتَعْتَدُّ به المرأةُ، ثم تَحِيضُ حَيْضَتَيْنِ تَعْتَدّ بالطهْرِ الذي بَيْنَهُمَا ثُمَّ تُقِيمُ في الطُّهْرِ الثَّالِثِ مُعَتَدَّةً بِهِ، فإذا رأت أوّلَ الحَيْضَةِ الثالثةِ حَلَّتْ، وَمَنْ قَالَ بأنَّ الأَقْرَاءَ: الحَيْضُ وَهُمْ العِرَاقِيُّونَ، قَالَ: لِعِدَّتِهِنَّ مَعْنَاهُ أنْ تُطَلَّقَ طَاهِرًا فَتَسْتَقْبِلُ بِثَلاَثِ حَيْضٍ كَوامِلٌ فإذَا رَأَتْ الطُّهْرَ بَعْدَ الثالثة، حَلَّتْ، والأَصْلُ في مَنْعَ طَلاَقِ الحَائِضِ حَدِيثِ ابنِ عمرَ، ثم أمر تَعَالى بإحْصَاء العِدَّةِ لِمَا يَلْحَقُ ذلك من أحكام الرَّجْعَةِ والسُّكْنَى، والميراثِ، وغيرُ ذلك، وعبارة الثعلبي: وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ أي: احْفَظُوا عَدَدَ قُرُوئِها الثلاثةِ وَنَحْوَه تفسيرُ ابن العربيّ قال:\n_________\n(١) سقط في: د. [.....]\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٣٢٣) .","vol":"5","page":443},{"text":"قوله تعالى: وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ معْنَاهُ احْفَظُوا الوَقْتَ الَّذِي وَقَعَ فِيه الطَّلاَقُ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذلكَ من الأحكامِ، انتهى من «أحكامه»، ثم أخبرَ تعالى بأنهنّ أحَقُّ بسكنى بيوتِهن التي طُلِّقْنَ فيها فَنَهَى سبحانَه عن إخراجِهنَّ وعَنْ خُروجِهنّ، وسنةُ ذلك ألا تَبِيتَ عَن بيتِها ولا تَغِيبَ عنهُ نهارًا إلا في ضرورةٍ ومَا لا خَطْبَ لَه من جائِز/ التصرُّفِ، وذلك لحفظِ النَّسَبِ والتحرُّزِ بالنسَاء، واختُلِفَ في معنى قوله تعالى: إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ فقال الحسن وغيره: ذلك الزِّنَا فَيُخْرَجْنَ للحَدِّ «١»، وقال ابن عباس: ذلك البَذَاءُ عَلَى الأَحْمَاءِ، فَتَخْرُجَ ويَسْقُطَ حَقُّها مِنَ المسكنِ، وتلزم الإقامَة في مسكنٍ تَتَّخِذُه حفظًا للنسبِ «٢»، وفي مصحف «٣» أبَيٍّ «إلا أنْ يَفْحُشْنَ عَلَيْكُمْ» وعبارةُ الثعلبيّ: عن ابن عباسٍ: «إلا أنْ تَبْذُوَ عَلَى أهْلِهَا فَيَحِلُّ لَهُمْ إخْرَاجُهَا»، انتهى، وهو معنى ما تقدم، وقرأ الجمهور: «مُبَيِّنَة» - بكسر الياءِ-، تقول بَانَ الشيءُ وَبَيَّنَ بمعنًى واحدٍ إلا أن التضعيفَ للمبَالَغَةِ، وقرأ عاصم «٤»:\n«مُبَيَّنة» - بفتح الياءِ-.\nوقوله سبحانه: وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ إشارَةٌ إلى جميع أوامِرِه في هذه الآيةِ.\nوقوله تعالى: لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْرًا قال قتادة وغيره: يريد به الرَّجْعَةَ، أي: أحْصُوا العدةَ وامْتَثِلُوا مَا أُمِرْتُمْ به تَجِدُوا المُخَلِّصَ إن ندمتم فإنكم لا تدرونَ لعلّ الرَّجْعَةَ تكونُ بَعْدُ «٥» .\nوقوله تعالى: فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ يريدُ به آخر القروء، فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وهُو حُسْنُ العِشْرَةِ، أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ [وهُو] أداء جَميعِ الحقوقِ، والوَفاءُ بالشُّروطِ حَسَبَ نَازِلَةٍ نَازِلَةٍ، وعبارة الثعلبي: فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ أي: أشْرَفْنَ على انْقِضَاء عدتهن، انتهى وهو حسن.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٢/ ١٢٥- ١٢٦)، برقم: (٣٤٢٥٢)، و(٣٤٢٥٥)، وذكره ابن عطية (٥/ ٣٢٣)، وابن كثير (٤/ ٣٧٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٣٥٢)، وعزاه لعبد بن حميد عن الحسن.\n(٢) ذكره ابن عطية (٥/ ٣٢٣)، وابن كثير (٤/ ٣٧٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٣٥٢)، وعزاه لعبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وابن راهويه، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن مردويه.\n(٣) ينظر: «الكشاف» (٤/ ٥٥٥)، و«المحرر الوجيز» (٥/ ٣٢٣) .\n(٤) ينظر: «العنوان» (١٩٢)، و«المحرر الوجيز» (٥/ ٣٢٣)، وإنما قرأ بها عاصم من رواية أبي بكر، وكذلك قرأ بها ابن كثير.\n(٥) أخرجه الطبري (١٢/ ١٢٨)، بأرقام (٣٤٢٦٤، ٣٤٢٦٦)، وذكره ابن عطية (٥/ ٣٢٣)، وابن كثير (٤/ ٣٧٨) .","vol":"5","page":444},{"text":"وقوله تعالى: وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ يريدُ: على الرَّجْعَةِ وذلك شَرْطٌ في صحة الرَّجْعَةِ، وتَمْنَعُ المرأةُ الزَّوْجَ مِنْ نَفْسِهَا حَتّى يُشْهِدَ، وقال ابن عباس: عَلَى الرَّجْعَةِ والطلاقِ مَعًَا «١»، قال النخعي: العَدْلُ مَنْ لم تظهرْ منه رِيبة «٢»، والعدلُ حَقِيقَة/ الذي لا يخاف إلا اللَّهَ.\nوقوله سبحانه: وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ أمْرٌ للشهودِ.\nوقوله: ذلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ إشارةٌ إلى إقامة الشهادةِ وذلك أنّ فُصُولَ الأَحْكَامِ تدور على إقامة الشهادةِ.\nوقوله سبحانه: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ قال بعض رواة الآثار، نزلتْ هذه الآيةُ في عَوْفِ بن مالك الأشجعي أُسِرَ ولدُه وقُدِرَ عليه رزقُه، فَشَكَا ذلكَ إلى النبي ﷺ، فَأَمَرَه بالتَّقْوَى، فلم يلبثْ أن تَفَلَّتَ ولدُه وأخَذَ قطيعَ غَنَمٍ للقومِ الذين أسَرُوه، فَسَأَلَ عوف النبيّ ﷺ: أتَطِيبُ لَهُ تِلْكَ الغَنَمُ؟ فقال: نَعَمْ «٣»، قال أبو عمر بن عَبْدِ البَرِّ: قال النبيُّ ﷺ: «أبى اللَّهُ﷿- أنْ يَجْعَلَ أرْزَاقَ عِبَادِهِ المُؤْمِنِينَ إلاَّ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُونَ» «٤» وقال ع لابن مسعود: «لاَ يَكْثَرْ هَمُّكَ، يَا عَبْدَ\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٢/ ١٢٩)، برقم: (٣٤٢٧٦)، وذكره ابن عطية (٥/ ٣٢٤) .\n(٢) ذكره ابن عطية (٥/ ٣٢٤)، والسيوطي في «الدر المنثور»، وعزاه لسعيد بن منصور، وعبد بن حميد.\n(٣) أخرجه الحاكم (٢/ ٤٩٢) .\nقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. اهـ.\nقال الذهبي- معقبا على كلام الحاكم-: بل منكر وعباد رافضي جبل، وعبيد متروك، قاله الأزدي. اهـ.\n(٤) ذكره العجلوني في «كشف الخفاء» (١/ ٣٤- ٣٥)، بلفظ: «أبى الله أن يرزق عبده المؤمن إلا من حيث لا يعلم»، وقال في «التمييز» تبعا للأصل: أخرجه الديلمي من حديث أبي هريرة من رواية عمر بن راشد وهو ضعيف جدا، وقال البيهقي: ضعيف بالمرة، وأورده ابن الجوزي في «الموضوعات»، وزاد في الأصل: ورواه القضاعي في «مسنده» فقال: اجتمع أبو بكر، وعمر، وأبو عبيدة، فتماروا في شيء، فقال لهم علي: انطلقوا بنا إلى رسول الله، فلما وقفوا عليه قالوا: يا رسول الله، جئنا نسألك عن شيء، فقال: «إن شئتم، فسألوا، وإن شئتم خبرتكم بما جئتم له»، فقال لهم: «جئتم تسألوني عن الرزق من أين يأتي؟ وكيف يأتي؟»، فذكر: أبي الله- الحديث المذكور-، ورواه الديلمي كما في «الدرر» عن أبي هريرة: بلفظ: «أبى الله أن يرزق عبده المؤمن إلا من حيث لا يحتسب»، ورواه العسكري، وابن ماجه بسند ضعيف عن علي رفعه إنما تكون الصنيعة إلى ذي دين أو حسب، وجهاد الضعفاء الحج، وجهاد المرأة حسن التّبعل لزوجها، والتودد نصف الإيمان، وما علل أمر على اقتصاد، واستنزلوا الرزق بالصدقة، وأبي الله إلا أن يجعل أرزاق عباده المؤمنين من حيث لا يحتسبوا. قال النجم: ولا يصح شيء منها انتهى. وأقول: الحديث بطرقه معناه صحيح وإن كان ضعيفا، ففي التنزيل: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ والمعنى: كما قال البيهقي وغيره: - أبي الله أن يجعل أرزاق","vol":"5","page":445},{"text":"الله ما يقدّر يكن وما ترزق يأتك «١»، وعنه ﷺ «اسْتَنْزِلُوا الرِّزْقَ بالصَّدَقَة» «٢»، انتهى من كتابه المسمى ب «بهجة المَجَالسِ وأنس المجالس» .\nوقوله تعالى: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ هذهِ الآياتُ كلُّها عِظةٌ لجميعِ الناسِ، ومعنى حَسْبُهُ: كَافِيهِ. وقال ابن مسعود: هذه أكْثَرَ الآيات حَضًّا على التفويضِ للَّه «٣» .\nوقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ بَيَانٌ، وَحَضٌّ عَلى التوكلِ، أي: لا بُدَّ مِنْ نفوذِ أمرِ اللَّهِ توكلتَ أيُّهَا المرءُ أوْ لَمْ تَتَوَكَّلْ قاله مسروق فإنْ توكلتَ على اللَّهِ كَفَاكَ وَتَعَجَّلَتِ الراحةُ والبَرَكةُ، وإن لم تتوكَّلْ وَكَلَكَ إلى عَجْزِكَ وَتَسَخَّطَكَ، وأمرُه سبحانَه في الوجهين نَافِذٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1488>[سورة الطلاق (٦٥): الآيات ٤ الى ٦]</span>\nوَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (٤) ذلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا (٥) أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى (٦)\nوقوله سبحانه: وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ ... الآية، «اللائي» جمعُ «التي» واليائساتُ من المحيض على مراتبَ مَحَلُّ بَسْطِها كُتُبُ الفِقْهِ، وروى إسماعيلُ بْنُ خالدٍ أنَّ قَوْمًا منهم أُبَيُّ بن كعبٍ وخَلاَّدُ بْنُ النُّعْمَانِ، لما سمعوا قوله تعالى: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [البقرة: ٢٢٨] قالوا: يا رسول الله\n_________\nعباده من حيث يحتسبون، وهو كذلك، فإن الله تعالى يرزق عباده على حيث يحتسبون تارة كالتجارة والحراثة، وتارة يرزقهم من حيث لا يحتسبون، كالرجل يصيب معدنا، أو ركازا، أو يرث قريبا له يموت، أو يعطيه أحد مالا من غير استشراف نفس ولا سؤال، وآية وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ ليس فيها حصر فليتأمل!!.\n(١) ذكره العجلوني في «كشف الخفاء» (٢/ ٥٢٣)، وقال: رواه أبو نعيم عن خالد بن رافع، وهو مختلف في صحبته، والأصبهاني في «ترغيبه» عن مالك بن عمرو المغافري مرسلا، ولأبي نعيم أيضا عن أنس قال: خدمت النبي ﷺ عشر سنين، فما لامني فيما نسيت ولا فيما ضيّعت، فإن لامني بعض أهله قال:\nدعوه، فما قدّر فهو كائن، وفي رواية: خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين، وكان بعض أهله إذا قال لي شيئا قال: دعوه، فما قدّر سيكون.\n(٢) انظر الحديث قبل السابق.\n(٣) أخرجه الطبري (١٢/ ١٣٢)، برقم: (٣٤٢٩٧)، وذكره ابن عطية (٥/ ٣٢٤) . [.....]","vol":"5","page":446},{"text":"فما عِدَّةُ مَنْ لاَ قَرْءَ لَهَا مِنْ صِغَرٍ أو كِبَرٍ «١»، فنزلَتْ هذه الآية، فقالَ قائلٌ منهم: فَمَا عِدَّةُ الحَامِلِ فنزلَتْ: وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وهُو لفظٌ يَعُمُّ الحواملَ المطلقاتِ والمعْتَدَّاتِ من الوَفَاةِ، والارتيابُ المذكورُ قيلَ: هو بأمر الحَمْلِ.\nوقوله سبحانه: أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ ... الآية، أمْرٌ بإسكانِ المطلقاتِ ولاَ خِلاَفَ في ذلك في التي لَمْ تُبَتَّ وأمَّا المَبْتُوتَةُ فَمَالكٌ يَرَى لَها السُّكْنَى لمكانِ حِفْظِ النسب، ولا يَرَى لها نَفَقَةً لأنَّ النفقةَ بإزَاء الاسْتِمْتَاعِ، وقال الثعلبيُّ: مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ أي: في مساكِنِكم التي طلقتموهنَّ فِيها، انتهى، والوُجْدُ السِّعَةُ في المالِ، وأما الحَامِلُ فَلا خِلاَفَ في وُجُوبِ سُكْنَاها ونفقتِها بُتَّتْ أوْ لَمْ تُبَتَّ لأَنَّها مُبَيَّنة في الآيةِ، وأَنما اخْتَلَفُوا في نفقةِ الحامِل المُتَوفَّى عَنْهَا زوجُها، هَلْ يُنْفَقُ عَلَيْهَا مِنْ التِّرْكَةِ، أمْ لاَ، وكذلكَ النَّفَقَةُ على المُرْضِعِ المطلقةِ وَاجِبَةٌ، وبَسْطُ ذلك في كتبِ الفقه.\nوقوله سبحانه: وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ أي ليأمُرْ كلُّ واحدٍ صاحبَه بخيرٍ، ولْيَقْبَلْ كلُّ أحَدٍ مَا أُمِرَ بهِ من المعروف.\nوقوله سبحانه: وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ أي: تَشَطَّطت «٢» المرأة في الحدِّ الذي يكونُ أُجْرَةً على الرِّضَاعِ، فللزَّوْجِ أن يسترضع/ بما فيه رفقه أَلاَّ يقبلَ المولودُ غَيْرَ أمِّه، فَتُجْبَرُ هِي حِينَئِذٍ عَلى رَضَاعِه بأجْرَةِ مثلها ومثل الزوجِ في حالهما وغناهما.\nت: وهذا كله في المطلقة البائِنِ، قال ابن عبد السلام من أصحابنا: الضمير في قوله تعالى: فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ عائِدٌ على المطلقاتِ وكَذَلِكَ قوله تعالى: وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ [البقرة: ٢٣٣] وأمَّا ذَاتُ الزوج أو الرَّجْعِية، فَيَجِبُ عليها أنْ ترضِعَ مِنْ غَيْر أجْرٍ إلا أنْ تكون شريفة فلا يلزمها ذلك، انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1489>[سورة الطلاق (٦٥): الآيات ٧ الى ١١]</span>\nلِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ ما آتاها سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (٧) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها وَرُسُلِهِ فَحاسَبْناها حِسابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْناها عَذابًا نُكْرًا (٨) فَذاقَتْ وَبالَ أَمْرِها وَكانَ عاقِبَةُ أَمْرِها خُسْرًا (٩) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذابًا شَدِيدًا فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (١٠) رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللَّهِ مُبَيِّناتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا (١١)\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٥/ ٣٢٥)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٣٥٨)، وعزاه لعبد الرزاق، وابن المنذر من طريق الثوري.\n(٢) الشّطط: مجاوزة القدر في بيع أو طلب أو احتكام أو غير ذلك من كلّ شيء.\nينظر: «لسان العرب» (٢٢٦٣) .","vol":"5","page":447},{"text":"وقوله سبحانه: لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ ... الآية، عَدَلَ بَيْنَ الأزواج لِئَلاَّ تَضِيعَ هي ولا يُكَلَّفَ هو ما لا يُطِيقُ، ثُم رجَّى تعالى باليُسْرِ تِسْهِيلًا على النفوس وتطييبًا لها.\nوقوله سبحانه: وَكَأَيِّنْ الثعلبي: وكأين، أي: وَكَمْ مِنْ قَرْيَة، عَتَتْ أي:\nعَصَتْ.\nوقوله: فَحاسَبْناها قال ع «١»: قال بعضُ المتأولينَ: الآيةُ في أحوالِ الآخِرَةِ، أي: ثمَّ هُو الحسابُ والتعذيبُ والذَوْقُ وخَسَارُ العَاقِبَةِ، وقال آخرونَ: ذلك في الدنيا، ومعنى فَحاسَبْناها حِسابًا شَدِيدًا أي: لم تُغْتَفَرْ لهم زَلَّةٌ، بل أُخِذَتْ بالدقائق من الذنوب، ثم نَدَبَ تعالى أولي الألباب إلى التقوى تحذيرًا.\nوقوله تعالى: قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا رَسُولًا اخْتُلِفَ في تقديرِه، وأبْيَنُ الأقوالِ فيه معنى أنْ يكونَ الذكرُ القرآن، والرسول محمّدا ﷺ، والمِعْنَى وأرْسَلَ رسولًا لكنَّ الإيجازَ اقتضَى اختصارَ الفعلِ الناصب للرسول ونحا هذا المنحى السدي، وسائر الآية بيّن «٢» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1490>[سورة الطلاق (٦٥): آية ١٢]</span>\nاللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)\nوقوله سبحانه: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ لا خلافَ بين العلماءِ أن السموات سَبْعٌ وأمّا/ الأرْضُ فالجمهورُ: على أنها سَبْع أَرْضِينَ، وهو ظاهرُ هذهِ الآيةِ، وإنما المماثلة في العدد، ويبيّنه قوله ﷺ في الحديثِ الصحيحِ: «مَنْ غَصَبَ شِبْرًا مِنْ أرْضٍ طَوَّقَه اللَّه مِنْ سَبْعِ أرضِينَ»، إلى غير هذا مما وردت به الرواياتُ، ورُوِيَ عن قومٍ مِنَ العلماءِ أنهم قَالوا: الأرضُ واحِدَةٌ وهي مماثلةٌ لكلِّ سَماءٍ بانْفِرَادِها في ارتفاع جُرْمِها، وفي أن فيها عَالمًا يعبُدُ اللَّهَ كما في كلِّ سَمَاءٍ عَالَمٌ يعبُد اللَّه.\nوقوله سبحانه: يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ الأمْرُ هنا يعُمُّ الوحيَ وجميعَ ما يأمُرُ به سبحانه\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٣٢٧) .\n(٢) أخرجه الطبري (١٢/ ١٤٤)، برقم: (٣٤٣٦٩)، وذكره ابن عطية (٥/ ٣٢٧) .","vol":"5","page":448},{"text":"من تَصْرِيف الرياحِ، والسحابِ، وغير ذلك من عجائب صنعه لاَ إله غيرُه، وبَاقِي السُّورَةِ وعظ وحضّ على توحيد الله﷿-.\nوقوله: عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ عُمُومٌ معناه الخُصُوصُ في المقدوراتِ.\nوقوله: بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا عموم على إطلاقه.","vol":"5","page":449},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1491>تفسير سورة التّحريم</span>\nوهي مدنيّة بإجماع\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1492>[سورة التحريم (٦٦): الآيات ١ الى ٥]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nيا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٢) وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَها بِهِ قالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هذا قالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (٣) إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ (٤)\nعَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ ثَيِّباتٍ وَأَبْكارًا (٥)\nقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ... الآية، وفي الحديثِ مِنْ طُرُقٍ ما معناه أنّ النبيّ ﷺ جاءَ إلى بيتِ حَفْصَةَ، فوجَدَها قد مرَّتْ لزيارة أبيها، فدعا ﷺ جاريَتَهُ مَارِيَّةَ، فَقَالَ مَعَها، فَجَاءَتْ حَفْصَةُ وَقَالَت: يا نبيَّ اللَّه! أفِي بَيْتِي وعلى فِرَاشِي؟\nفقال لها ﷺ: مترضِّيًا لها: «أيُرْضِيكِ أنْ أُحَرِّمَها؟ قَالَتْ: نَعَمْ فقال: إنِّي قَدْ حَرَّمْتُهَا»، قال ابن عباس: وقالَ مَعَ ذلكَ: واللَّهِ، لاَ أَطَؤُهَا أَبَدًا، ثم قال لها: لاَ تُخْبِرِي بِهَذَا أَحَدًا «١»، ثم إنَّ حَفْصَةَ قَرَعَتْ الجِدَارَ الَّذِي بَيْنَهَا وَبْيْنَ عَائِشَةَ، وَأَخْبَرَتْهَا لِتُسِرَّهَا بالأَمْرِ، وَلَمْ تَرَ في إفْشَائِهِ إلَيْهَا حَرَجًا، واستكتمتها، / فَأَوْحَى اللَّهُ بِذَلِكَ إلى نَبِيِّهِ، ونزلَتِ الآيةُ، وفي حديثٍ آخَرَ عن عائشةَ أنَّ هذا التحْرِيمَ المذكورَ في الآية إنَّما هُو بِسَبَبِ العَسَلِ الذي شربه ﷺ عِنْدَ زينبَ بِنْتِ جَحْشٍ، فَتَمالأتْ عائشةُ وحفصةُ وسَوْدَةُ عَلى أنْ تَقُولَ له مَنْ دَنَا مِنْهَا: إنّا نَجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغَافِيرَ، أأكَلْتَ مَغَافِيرَ يَا رَسُولَ اللَّه؟ والمَغَافِيرَ: صَمْغُ العُرْفُطِ، وَهُوَ حُلْوٌ كَرِيهُ الرَّائِحَةِ، فَفَعَلْنَ ذَلِكَ، فَقَالَ رسول الله ﷺ: ما أَكَلْتُ مَغَافِيرَ، وَلَكِنِّي شَرِبْتُ عَسَلًا، فقلْنَ له: جرست نحله العرفط «٢»؟ فقال: ﷺ لاَ أشْرَبُه أبَدًا، وكانَ يَكْرَهُ أنْ تُوجَدَ مِنْهُ رَائحةٌ كَرِيهةٌ، فدخلَ بعد ذلك على زينبَ فَقَالَتْ: أَلا أسْقِيكَ مِنْ ذَلِكَ العَسَلِ؟ فقال:\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٢/ ١٤٨- ١٤٩)، برقم: (٣٤٣٩٢)، (٣٤٣٩٧)، وذكره ابن كثير (٤/ ٣٨٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٣٦٧)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر.\n(٢) العرفط: شجر الطلح، وله صمغ كريه الرائحة، فإذا أكلته النحل حصل في عسلها من ريحه.\nينظر: «المنهاج» (٣/ ٢١٨) .","vol":"5","page":450},{"text":"لاَ حَاجَةَ لِي بِهِ، قالتْ عائشةُ: تَقُولُ سَوْدَةُ حِينَ بَلَغَنَا امتناعه: وَاللَّهِ، لَقَدْ حَرَمْنَاهُ، فَقُلْتُ لَها: اسكتي، قال ع «١»: والقولُ الأوَّلُ أن الآيةِ نزلتْ بسبب مارية أصَحُّ وأوْضَحُ، وعليه تَفَقَّه الناسُ في الآية، ومَتَى حَرَّمَ الرَّجُلُ مَالًا أو جاريةً فليسَ تحريمُه بشيءٍ ت: والحديثُ الثَّانِي هو الصحيحُ خَرَّجَه البخاريُّ ومسلمُ وغيرهما، ودَعَا اللَّهُ تعالى نبيَّه باسْم النبوَّةِ الذي هو دالٌّ على شَرَفِ مَنْزِلَتِه وَفَضِيلَتِه التي خَصَّهُ بِهَا، وقرَّره تعالى كالمُعَاتِبِ له على تحريمِه عَلى نفسِه مَا أحلَّ اللَّهُ له، ثم غَفَرَ لَه تَعَالَى مَا عَاتَبه فيه ورَحِمَه.\nوقوله تعالى: قَدْ فَرَضَ اللَّهُ أي: بيَّنَ وأثْبَتَ، فقال قوم من أهل العلم: هذه إشارَةٌ إلى تَكْفِيرِ التَّحْرِيمِ، وقال آخرونَ هي: إشارَةٌ إلى تكفيرِ اليمينِ المُقْتَرِنَةِ بالتحريمِ، والتَّحِلَّةُ مَصْدَرُ وزنها «تَفْعِلَة» وأدْغِمَ لاِجْتِمَاعِ/ المثلينِ، وأحالَ في هذه الآيةِ على الآيةِ التي فسَّر فِيها الإطْعَامَ في كفارةِ اليمينِ باللَّهِ تَعَالى، والمَوْلَى المُوَالِي النَّاصِرُ.\nوَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ يعني حَفْصَةَ حَدِيثًا قال الجمهورُ الحديثُ هو قولُهُ في أمر ماريةَ، وقال آخرونَ: بلْ هو قولُه: إنَّمَا شَرِبْتُ عَسَلًا.\nوقوله تعالى: عَرَّفَ بَعْضَهُ المَعْنَى مَعَ شَدِّ الراءِ: أعْلَمَ بِهِ وأَنَّب عليه وأعْرَض عن بعض، أي: تَكُرُّمًا وَحَيَاءً وحُسْنَ عشرةٍ، قال الحسن: ما اسْتَقْصَى كريمٌ قط «٢»، والمخاطبة بقوله: إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ هي لحفصةَ وعائشةَ، وفي حديثِ البخاريّ، وغيره عن ابن عباس قال: قلت لعمر: من اللتان تظاهرتا على رسول الله ﷺ؟ قال: حفصةُ وعائشةُ «٣» .\nوقوله: صَغَتْ قُلُوبُكُما معناه مَالَتْ، والصُّغْيُ الميلُ، ومنه أَصْغَى إليه بأُذُنِه، وأصْغَى الإنَاءَ، وفي قراءة ابن مسعود «٤»: «فَقَدْ زَاغَتْ قُلُوبُكُما» والزيغُ: الميلُ وعُرْفُه في خِلاَفِ الحَقّ، وجَمَعَ القلوبَ مِن حيثُ الاثنانِ جَمْعٌ، - ص-: قُلُوبُكُما القياسُ فيه:\nقلباكما مُثَنَّى، والجمعُ أكْثَرُ استعمالًا وحسْنُه إضافَتُه إلى مثنًى، وهو ضميرُهما لأنَّهُمْ كَرِهُوا اجتماعَ تَثْنِيَتَيْنِ، انتهى، ومعنى الآيةِ إن تُبْتُما فَقَدْ كَانَ مِنكُمَا مَا يَنْبَغِي أنْ يُتَابَ منه، وهذا الجوابُ الذي للشَّرْطِ هُو متقدمٌ في المعنى، وإنما تَرتَّبَ جَوَابًا في اللفظِ، وَإِنْ تَظاهَرا معناه: تَتَعَاوَنَا وأصل: تَظاهَرا تتظاهرا، ومَوْلاهُ أي: ناصره، وَجِبْرِيلُ\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٣٣٠) .\n(٢) ذكره البغوي (٤/ ٣٦٤)، وابن عطية (٥/ ٣٣١) .\n(٣) تقدم.\n(٤) ينظر: «الكشاف» (٤/ ٥٦٦)، و«المحرر الوجيز» (٥/ ٣٣١)، و«البحر المحيط» (٨/ ٢٨٦)، و«الدر المصون» (٦/ ٣٣٥) .","vol":"5","page":451},{"text":"ومَا بعدَه يحتملُ أنْ يكونَ عَطْفًا على اسمِ اللَّهِ، ويحتملُ أنْ يكونَ جبريلُ رَفْعًا بالابتداء وما بعده عطف عليه وظَهِيرٌ هُو الخَبَرُ، وخَرّجَ البخاريّ بسنده عن أنس قال: قال عمر:\nاجتمع نساء النبي ﷺ في الغِيرَةِ عليه فقلتُ لَهُنَّ: عسى ربُّه إنْ طَلَّقَكُنَّ أنْ يبدله أزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ، فنزلت هذه الآية «١»، انتهى، وقانِتاتٍ معناه مُطِيعَات، والسائحاتُ قِيل: معناه:\nصَائِمَاتٌ، وقيل: معناه: / مُهَاجِرَاتٌ، وقيل: معناه ذَاهِبَاتٌ في طَاعَةِ اللَّهِ، وشُبِّه الصَّائِمُ بالسائِحِ من حيثُ يَنْهَمِلُ السائِحُ وَلا يَنْظُرُ في زادٍ ولاَ مَطْعَمٍ، وكذلك الصائم يُمْسِك عن ذلك، فيستوي هو والسائِح في الامْتِنَاعِ، وشَظَفِ العَيْشِ لِفَقْدِ الطَّعَام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1493>[سورة التحريم (٦٦): الآيات ٦ الى ٩]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ (٦) يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يَوْمَ لاَ يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا وَاغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٨) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٩)\nوقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا ... الآيةُ، قُوا معناه اجْعَلُوا وِقَايَةً بينكم وبينَ النارِ، وقوله: وَأَهْلِيكُمْ معناه بالوَصِيَّةِ لهم والتقويم والحَمْلِ على طاعةِ اللَّه، وفي الحديثِ: «رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا قَال: يا أهْلاَهُ صَلاَتَكُمْ، صِيَامَكُمْ، [زَكَاتَكُمْ]، مِسْكِينَكُمْ، يَتِيمَكُمْ» «٢» ت: وفي «العتبية» عن مالكٍ أن النبي ﷺ قال: «إنَّ اللَّهَ أذِنَ لي أنْ أتَحَدَّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنَ المَلاَئِكَةِ، إنَّ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ وَعَاتِقِهِ لَمَخْفِقَ الطَّيْرِ سَبْعِينَ عَامًا» «٣»، انتهى، وباقي الآية في غَايَةِ الوضوحِ، نَجَانَا اللَّهُ مِنْ عَذَابه بِفَضْلِه، والتوبةُ فَرْضٌ على كلِّ مسلمٍ، وهي الندمُ على فَارِطِ المعصيةِ، والعَزْمُ عَلى تَرْكِ مِثلِها في المستقبل، هذا من المتمكن، وأما غيرُ المتمكِّنِ كالمَجْبُوبِ في الزِّنَا فالندمُ وحدَه يكفيه، والتوبةُ عِبادَةٌ كالصَّلاَةِ، وغيرها، فإذا تَابَ العبدُ وَحَصَلَتْ توبتُه بشروطِها وقبلت، ثم عَاوَدَ الذنبَ فتوبتُه الأولَى لا تفسدُها عَوْدَةٌ بل هي كسَائِرِ مَا تَحَصَّلَ من\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٦/ ١٥٥)، برقم: (٣٤٤٢٥)، (٣٤٤٢٧)، وذكره ابن عطية (٥/ ٣٣٢)، وذكره ابن كثير (٤/ ٣٩٠) .\n(٢) ذكره الزيلعي في «تخريج الأحاديث والآثار» (٤/ ٦٦)، وقال: غريب.\n(٣) تقدم تخريجه.","vol":"5","page":452},{"text":"العباداتِ، والنَّصُوح بناءَ مبالغةٍ من النُّصْحِ، أي: توبة نَصَحَتْ صَاحِبها، وأرْشَدَتْه، وعن عمرَ: التوبةَ النصوحُ: هي أن يتوبَ ثم لا يعودُ ولا يريدُ أن يعودَ «١»، وقال أبو بكر الوَرَّاق، هي أن تَضِيقَ عليكَ الأرْضُ بما رَحُبَتْ كتوبةِ الذين خُلِّفُوا. ورُوِيَ/ في معنى قولِه تعالى:\n«يَوْمَ لاَ يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ» أنّ النبيّ ﷺ تضرّع مرّة إلى الله﷿- في أمْرِ أُمَّتِهِ، فأوحَى اللَّه إلَيْهِ إنْ شِئْتَ جَعَلْتُ حِسَابَهُمْ إلَيْكَ، فَقَالَ: يَا رَبِّ، أَنْتَ أَرْحَمُ بِهِمْ، فَقَالَ اللَّهُ تعالى: إذَنْ لا أخزيك فيهم «٢» .\nوقوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ يَحْتَمِل: أن يكونَ معطوفًا عَلى النبيِّ فيخرجُ المؤمِنونَ من الخزي، ويحتملُ: أنْ يَكُونَ مبتدأ، ونُورُهُمْ يَسْعى: جملةٌ هِي خبرُه، وقولهم: أَتْمِمْ لَنا نُورَنا قال الحسنُ بن أبي الحسن: هو عند ما يَرَوْنَ مِنِ انْطِفَاءِ نورِ المنافقين «٣» حَسْبَمَا تقدم تفسيرُه، وقيل: يقوله من أُعْطِي منَ النور بقدر ما يَرَى موضعَ قدميه فقط، وباقي الآية بيَّن مما تقدم في غيرِ هذا الموضع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1494>[سورة التحريم (٦٦): الآيات ١٠ الى ١٢]</span>\nضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (١٠) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١١) وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ (١٢)\nوقوله سبحانه: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ ... الآية، هذَانِ المَثَلاَنِ اللذانِ للكفارِ والمؤمنينَ معناهما: أنَّ مَنْ كَفَرَ لا يُغْنِي عنه مِنَ اللَّهِ شيءٌ ولا ينفعُه سَبَبٌ، وإنَّ مَنْ آمنَ لا يدفعُه عَنْ رِضْوَانِ اللَّهِ دافعٌ وَلُوْ كَانَ في أسوأِ مَنْشَأٍ وأخسِّ حالٍ، وقول من قال: إنَّ في المثلين عبرة لأزواج النبي ﷺ بعيدٌ. قال ابن عباس وغيره: «خَانَتَاهُمَا»: أي في الكُفْرِ «٤»، وفي أن امرأةَ نوحٍ كانَتْ تقول للناس: إنَّه مجنُونٌ، وأن امرأةَ لوطٍ كانت تنمّ\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٦/ ١٥٦)، برقم: (٣٤٤٤٤)، والبغوي (٤/ ٣٦٧)، وابن عطية (٥/ ٣٣٤)، وابن كثير (٤/ ٣٩٢)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٣٧٦)، وعزاه لعبد الرزاق، والفريابي وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وهناد، وابن منيع، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه وابن مردويه، والبيهقي في «شعب الإيمان» . [.....]\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٣٣٤) .\n(٣) أخرجه الطبري (١٢/ ١٥٩)، برقم: (٣٤٤٥٧- ٣٤٤٥٨)، وذكره ابن عطية (٥/ ٣٣٤)، وابن كثير (٤/ ٣٩٢) .\n(٤) ذكره ابن عطية (٥/ ٣٣٥)، وابن كثير (٤/ ٣٩٣)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٣٧٧)، وعزاه","vol":"5","page":453},{"text":"إلى قَوْمِها خَبَر أضْيَافِه، قال ابن عباس: وَمَا بَغَتْ زَوْجَةُ نَبِيٍّ قَطُّ «١»، وامرأة فرعون اسمُها آسية، وقولها: وَعَمَلِهِ تعني كُفْرَهُ ومَا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ الضَّلاَلَةِ.\nوقوله: الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها الجمهورُ أنه فَرْجُ الدِّرْعِ، وقال قوم: هو الفَرْجُ الجَارِحَةُ وإحْصَانُه صَوْنُه.\nوقولُه سبحانه: فَنَفَخْنا فِيهِ عبارةٌ عَنْ فِعل جبريلَ، / ت: وقد عَكَسَ﵀- نَقْلَ ما نَسَبَهُ للجمهورِ في سورةِ الأنبياءِ فقال: المَعْنَى واذْكُرِ الَّتي أحصنتْ فَرْجَها وهو الجارِحَة المعروفةُ، هذا قولُ الجمهورِ، انظر بقيةَ الكلامِ هناك.\nوقوله سبحانه: مِنْ رُوحِنا إضافةُ مخلوقٍ إلى خالقٍ، ومملوك إلى مالكٍ، كما تقول بَيْتُ اللَّهِ، ونَاقَةُ اللَّهِ، وكذلك الرُّوحُ الجنسُ كلُّه هو روح اللَّه، وقرأ الجمهور «٢»:\nوَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها بالجَمْعِ فَيُقَوِّي أنْ يريدَ التوراةَ، ويحتملُ أنْ يريدَ أمْرَ عيسَى، وَقَرَأ الجحدري «٣»: «بِكَلِمِة» فَيُقَوِّي أنْ يريدَ أمْرَ عيسى، ويحتملُ أنْ يريدَ التوراةَ، فتكونُ الكلمةُ اسْمُ جنسٍ، وقرأ نافع «٤» وغيره: «وكِتَابِهِ» وقرأ أبو عمرو وغيره: «وَكُتُبِهِ» - بضم التاء- وَالجَمْعِ، وذلك كلَّه مرادٌ بهِ التوراةُ والإنْجِيلُ، قال الثعلبيُّ: واختار أبو حاتم قراءةَ أبي عمرٍو بالجَمْعِ لعمومِها، واختار أبو عبيدة قِراءَة الإفْرَادِ لأن الكتَابَ يُرَادُ به الجنسُ، انتهى وهو حَسَنٌ، وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ أي: من القوم القانتينَ وهم المطيعونَ العابِدونَ، وقد تقدّم بيانه.\n_________\nلعبد الرزاق، والفريابي، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن أبي الدنيا، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه من طرق عن ابن عبّاس.\n(١) أخرجه الطبري (١٢/ ١٦١)، برقم: (٣٤٤٦٢، ٣٤٤٦٤)، وذكره البغوي (٤/ ٣٦٨)، وابن عطية (٥/ ٣٣٥)، وابن كثير (٤/ ٣٩٣)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٣٧٧)، وعزاه لابن المنذر.\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٣٣٥- ٣٣٦)، و«البحر المحيط» (٨/ ٢٩٠)، و«الدر المصون» (٦/ ٣٣٩) .\n(٣) وقرأ بها مجاهد، والحسن.\nينظر: «مختصر الشواذ» ص: (١٥٩)، و«المحرر الوجيز» (٥/ ٣٣٦)، و«البحر المحيط» (٨/ ٢٩٠)، و«الدر المصون» (٦/ ٣٣٩) .\n(٤) وقرأ بها ابن كثير، وابن عامر، وعاصم في رواية أبي بكر، والكسائيّ، وحمزة. وقرأ بقراءة أبي عمرو- حفص عن عاصم، وخارجة عن نافع.\nينظر: «السبعة» (٦٤١)، و«الحجة» (٦/ ٣٠٤)، و«إعراب القراءات» (٢/ ٣٧٦)، و«حجة القراءات» (٧١٥)، و«العنوان» (١٩٣)، و«شرح الطيبة» (٦/ ٦١)، و«إتحاف» (٢/ ٥٤٩)، و«معاني القراءات» (٣/ ٧٨) .","vol":"5","page":454},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1495>تفسير سورة الملك</span>\n[وهي] مكّيّة بإجماع وكان النبيّ ﷺ يقرؤوها عند أخذ مضجعه رواه جماعة مرفوعا «١»، وروي أنّها تنجّي من عذاب القبر «٢»، وتجادل عن صاحبها، حتى لا يعذّب «٣»، وروى ابن عبّاس أن النبي ﷺ قال: «وددت أنّ سورة «تبارك الّذي بيده الملك» في قلب كلّ مؤمن» «٤»، ت: وقد خرّج مالك في «الموطّأ»: أنّها تجادل عن صاحبها وخرّج أبو داود/ والترمذيّ والنسائي، وأبو الحسن بن صخر، وأبو ذر الهرويّ، وغيرهم أحاديث في فضل هذه السورة نحو ما تقدّم، ولولا ما قصدته من الاختصار لنقلتها هنا، ولكن خشية الإطالة منعتني من جلب كثير من الآثار الصحيحة، في هذا المختصر، وانظر الغافقي فقد استوفى\n_________\n(١) ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٣٨١)، وعزاه إلى ابن مردويه.\n(٢) أخرج الترمذي في هذا المعنى حديثا (٥/ ١٦٤)، كتاب «فضائل القرآن» باب: ما جاء في فضل سورة الملك (٢٨٩٠) عن عبد الله بن عبّاس، بلفظ: ضرب بعض أصحاب النبيّ ﷺ خباءه على قبر وهو لا يحسب أنّه قبر، فإذا فيه إنسان يقرأ سورة: تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ حتّى ختمها، فأتى النبيّ ﷺ، فقال: يا رسول الله، إنّي ضربت خبائي على قبر، وأنا لا أحسب أنّه قبر، فإذا فيه إنسان يقرأ سورة تبارك الملك حتّى ختمها، فقال رسول الله ﷺ: «هي المانعة، هي المنجية تنجيه من عذاب القبر» .\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.\n(٣) أخرجه الحاكم في «المستدرك» (٢/ ٤٩٨) عن عبد الله بن عبّاس، بلفظ: «يؤتى الرجل في قبره، فتؤتى رجلاه فتقول رجلاه: ليس لكم على ما قبلي سبيل، كان يقوم يقرأ سورة الملك، ثم يؤتى من قبل صدره، أو قال: بطنه، فيقول: ليس لكم على ما قبلي سبيل، كان يقرأ بي سورة الملك، ثم يؤتى رأسه فيقول: ليس لكم على ما قبلي سبيل، كان يقرأ بي سورة الملك، قال: فهي المانعة تمنع من عذاب القبر، وهي في التوراة سورة الملك من قرأها في ليلة فقد أكثر وأطنب» .\nوالبيهقي في «شعب الإيمان» (٢/ ٤٩٤) (٢٥٠٩)، قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.\n(٤) أخرجه الحاكم في «المستدرك» (١/ ٥٦٥)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٣٨٠)، وزاد نسبته إلى ابن مردويه، وعبد بن حميد، والطبراني.\nقال الحاكم: هذا إسناد عند اليمانيين صحيح ولم يخرجاه، وتعقبه الذهبي في قوله ذلك، وقال: لحفص واه.","vol":"5","page":455},{"text":"نقل الآثار في فضل هذه السورة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1496>[سورة الملك (٦٧): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nتَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)\nقوله تعالى: تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ تَبارَكَ من البركة وهي التزيّد في الخيرات، قال الثعلبي: تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ أي: تَعَالَى وتَعَاظَمَ وَقَالَ الحسنُ:\nتَقَدَّسَ الذي بيده الملكُ في الدنيا والآخرة «١»، وقال ابن عباس: بِيَدِهِ الْمُلْكُ: يُعِزُّ مَنْ يَشاء ويذل من يشاء «٢» . انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1497>[سورة الملك (٦٧): الآيات ٢ الى ٥]</span>\nالَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (٢) الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا مَّا تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ (٤) وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ وَأَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابَ السَّعِيرِ (٥)\nوقوله سبحانه: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ ... الآية، الموتُ والحياةُ مَعْنَيَانِ يَتَعَاقَبَانِ جِسْمَ الحيوانِ، يَرْتَفِعُ أحدهما بحلُولِ الآخَرِ، وما جاء في الحديثِ الصحيح من قوله﵊-: «يُؤتَى بِالمَوْتِ يَوْمَ القِيَامَةِ في صُورَةِ كَبْشٍ أَمْلَحَ فَيُذْبَحُ عَلَى الصِّرَاطِ» «٣» الحديث، فقال أهْلُ العِلْمِ: إنَّما ذَلِكَ تِمْثَالُ كَبْشٍ يُوقِعُ اللَّهُ العِلْمَ الضَّرُورِيَّ لأَهْلِ الدَّارَيْنِ أَنَّه الموتُ الذي ذَاقُوه في الدنيا، ويكونُ ذلك التمثالُ حَامِلًا للموتِ، لاَ عَلى أنه يَحُلُّ الموتُ فيه فَتَذْهَبُ عنهُ حياةٌ، ثم يَقْرِنُ اللَّه تعالى في ذلك التمثالِ إعْدَامَ الموتِ.\nوقوله سبحانه: لِيَبْلُوَكُمْ أي: جَعَلَ لَكُمْ هاتينِ الحالتَيْنِ ليبلوَكم، أي: ليختبرَكم في حالِ الحياةِ ويُجَازِيكُم بَعْدَ الممات، وقال أبو قتادة، ونحوه عن ابن عمر، قلت:\nيا رسول اللَّه، مَا مَعْنى قولِه/ تعالى: لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا؟ فَقَال: يقول: أَيُّكُمْ أحْسَنُ عَقلًا، وأشَدُّكم للَّهِ خَوْفًا، وأحْسَنُكم في أمْرِه ونهيهِ نَظَرًا، وإن كَانُوا أقلَّكم تطوُّعًا «٤»، وقال ابن عباس وسفيان الثوري والحسن: أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا أزهدكم في\n_________\n(١) ذكره القرطبي (١٨/ ١٣٤) .\n(٢) ذكره القرطبي (١٨/ ١٣٤)، وابن عطية (٥/ ٣٣٧) . [.....]\n(٣) تقدم تخريجه.\n(٤) ذكره ابن عطية (٥/ ٣٣٧) .","vol":"5","page":456},{"text":"الدنيا «١»، قال القرطبي «٢»: وقال السدي: (أحْسَنُكُمْ عَمَلًا)، أي: أكثَركم للموت ذِكْرًا، وله أحْسَنُ استعدادًا، ومِنْه أشَدُّ خوفًا وحذَرًا، انتهى من «التذكرة»، وللَّه در القائل: [الطويل]\nوَفِي ذِكْرِ هَوْلِ المَوْتِ وَالقَبْرِ والبلى ... عَنِ الشُّغْلِ باللَّذَّاتِ لِلْمَرْءِ زَاجِرُ\nأَبَعْدَ اقتراب الأَرْبَعِينَ تَرَبُّصٌ ... وَشَيْبٌ فَذَاكَ مُنْذِرٌ لَكَ ذَاعِرُ\nفَكَمْ في بُطُونِ الأَرْضِ بَعْدَ ظُهُورِهَا ... مَحَاسِنُهُمْ فِيهَا بَوَالٍ دَوَاثِرُ\nوَأَنْتَ عَلَى الدّنْيَا مُكِبٌّ مُنَافِس ... لِخُطَّابِهَا فِيهَا حَرِيصٌ مُكَاثِرُ\nعلى خَطَرٍ تُمْسِي وَتُصْبِحُ لاَهِيًا ... أَتَدْرِي بِمَاذَا لَوْ عَقَلْتَ تُخَاطِرُ\nوَإنَّ امرأ يسعى لِدُنْيَاه جَاهِدًا ... وَيَذْهَلُ عَنْ أُخْرَاهُ لاَ شَكَّ خَاسِرُ\nكَأَنَّكَ مُغْتَرٌّ بِمَا أَنْتَ صَائِرٌ ... لِنَفْسِكَ عَمْدًا أوْ عَنِ الرُّشْدِ جَائِرُ\nفَجِدَّ وَلاَ تَغْفُلْ فَعَيْشُكَ زَائِلٌ ... وَأَنْتَ إلى دَارِ المَنِيَّةِ صَائِرُ\nوَلاَ تَطْلُبِ الدُّنْيَا فَإنَّ طِلاَبَهَا ... وَإنْ نِلْتَ مِنْهَا ثَرْوَةً لَكَ ضَائِرُ\nوَكَيْفَ يَلَذُّ العَيْشَ مَنْ هُوَ مُوقِنٌ ... بِمَوْقِفِ عَدْلٍ يَوْمَ «٣» تُبْلَى السَّرَائِرُ\nلَقَدْ خَضَعَتْ واستسلمت وَتَضَاءَلَتْ ... لِعِزَّةِ ذي العرش الملوك الجبابر\nانتهى،، وطِباقًا قال الزَّجَّاجُ: هو مصدرٌ، وقيل: جمعُ طَبَقَةٍ، أو جَمْعُ طَبَقِ، والمعنى: بعضُها فوق بعض، وقال إبان بن ثعلب: سمعتُ أعْرابيًا يذُمّ رَجُلًا فقال: شَرُّهُ طِبَاقُ/ وَخَيْرُه غَيْر باقٍ، وما ذَكره بعضُ المفسرينَ في السموات منْ أنَّ بعضَها مِن ذَهَبٍ وفضةٍ وياقوتٍ ونحوِ هذا، ضعيفٌ لم يَثْبُتْ بذلك حديث.\nوقوله سبحانه: مَّا تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ معناه من قِلَّةِ تَنَاسُبٍ، ومنْ خروجٍ عن إتقانٍ، قال بعض العلماء: خَلْقُ الرحمن، معنيٌّ بهِ السموات وإيَّاها أرادَ بقوله:\nهَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ وبقوله: يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ ... الآية، وقال آخرون: بلْ يعني بهِ جَميعَ مَا خَلَقَ سبحانه من الأشياء فإنَّها لاَ تَفَاوُتَ فيها، ولا فطورَ جاريةً عَلى غَيْرِ إتْقَانٍ، قال منذر بن سعيد: أمَرَ اللَّهُ تعالى بالنظرِ إلى السماءِ وخَلْقِها، ثم أمرَ بتكريرِ النظرِ، وكذلك جميعُ المخلوقاتِ مَتَى نَظَرَها ناظرٌ لِيَرَى فيها خَلَلًا أو نَقْصًا فإنَّ بصره ينقلب خاسئا\n_________\n(١) ذكره البغوي (٤/ ٣٦٩) عن الحسن.\n(٢) ينظر: «تفسير القرطبي» (١٨/ ١٣٥)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٣٨٢)، وعزاه لابن أبي الدنيا، والبيهقي في «شعب الإيمان» .\n(٣) في د: حين.","vol":"5","page":457},{"text":"حَسِيرًا، وَرَجْعُ البصرِ: ترديدُه في الشيءِ المبْصَرِ، وكَرَّتَيْنِ معناه مرتين، والخاسئ المبْعَدُ عن شيءٍ أرَادَه، وحَرَصَ عليه، ومنه قوله تعالى: اخْسَؤُا فِيها [المؤمنون:\n١٠٨] وكذلكَ البصرُ يحرصُ على رؤيةِ فطورٍ أو تفاوتٍ، فلا يَجِدُ ذلك، فينقلبَ خاسِئًا، والحسيرُ العَيِيُّ الكالُّ.\nوقوله تعالى: بِمَصابِيحَ يعني: النجومَ، قال الفخر «١»: ومعنى السَّماءَ الدُّنْيا أي: القريبةُ مِنَ الناسِ، وليسَ في هذهِ الآيةِ ما يدلُّ عَلى أنّ الكواكبَ مركوزةٌ في السماء الدنيا، وذلك لأَنَّ السموات إذا كَانَتْ شَفَّافَةً فالكواكبُ سَواءٌ كَانَتْ في السماءِ الدنيا، أو كانَتْ في سموات أخْرَى فَوقَها، فهي لا بد أنْ تَظْهَرَ في السماء الدنيا، وتَلُوحُ فِيها، فَعَلَى كِلاَ التَّقْدِيرَيْنِ فالسَّماء «٢» الدُّنْيَا مُزَيَّنَةٌ بها، انتهى.\nوقوله: وَجَعَلْناها معناه وجَعَلْنَا مِنْها ويُوجِبُ/ هذا التأويلُ في الآيةِ أنَّ الكواكبَ الثابتةَ، والبروجَ، وكلَّ ما يُهْتَدَى به في البرِّ والبحرِ لَيْسَت براجمةٍ، وهذا نصّ في حديثِ السير قال الثعلبي: رُجُومًا لِلشَّياطِينِ يُرْجَمُونَ بِها إذَا اسْتَرَقُوا السّمْعَ فلا تُخْطِئُهُم، فمنهم مَنْ يُقْتَلُ ومنهم من يُخْبَلُ، انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1498>[سورة الملك (٦٧): الآيات ٦ الى ١١]</span>\nوَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٦) إِذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ (٧) تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وَقُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ (٩) وَقالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ (١٠)\nفَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحابِ السَّعِيرِ (١١)\nوقوله تعالى: وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ قال ع «٣»: تضمنتِ الآيةُ أنَّ عذابَ جهنمَ للكفارِ المُخَلّدِينَ، وقد جاءَ في الأثر: أنه يَمُرُّ على جهنَم زَمانٌ تُخْفِق أبوابَها، قد أخْلَتْها الشفاعةُ، والذي يقال في هذا أن جهنَّمَ اسْمٌ تُخْتَصُّ به الطبقةُ العُلْيَا من النارِ، ثم قَدْ تُسَمَّى الطبقاتُ كلها باسْمِ بَعْضِها، فالتي في الأثرِ هي الطبقةُ العُلْيَا لأنَّها مَقَرُ العُصَاةِ من المؤمنينَ، وَالَّتي في هذهِ الآية هي جهنمَ بأسرها، أي: جميعُ الطبقاتِ، والشَّهِيقُ أقْبَحُ ما يكونُ من صوتِ الحمارِ، فاشْتِعَالُ النار وغَلَيَانُها يُصَوِّتُ مِثْل ذلك.\nوقوله: تَكادُ تَمَيَّزُ أي يُزَايِلُ بَعْضُها بَعْضًا لشدّة الاضطراب، ومِنَ الْغَيْظِ\n_________\n(١) ينظر: «الفخر الرازي» (٣٠/ ٥٣) .\n(٢) في د: في السماء.\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٣٣٩) .","vol":"5","page":458},{"text":"معناه: على الكَفَرَةِ باللَّهِ، والفَوْجُ: الفريقُ من الناس، وظاهر الآية أَنَّه لا يُلْقَى في جهنَّمَ أحَدٌ إلا سُئِلَ عَلى جهة التوبيخ.\nوقوله سبحانه: إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ يحتملُ أنْ يكونَ من قولِ الملائكةِ، ويحتملُ أنْ يكونَ من تمامِ كَلاَمِ الكفارِ للنُّذُرِ، قال الفخر «١»: وقوله- تعالى- عنهم: لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ قيل إنما جَمَعُوا بين السَّمْعِ والعَقْلِ [لأن مَدَارَ التكليف على أدلة السمع والعقل]، انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1499>[سورة الملك (٦٧): الآيات ١٢ الى ٢٠]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢) وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤) هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥) أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذا هِيَ تَمُورُ (١٦)\nأَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (١٧) وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (١٨) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرَّحْمنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ (١٩) أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ إِنِ الْكافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُورٍ (٢٠)\nوقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ يحتملُ معنيين: أحدُهما بالغَيْبِ الذي/ أُخْبِروا بهِ مِن النَّشْرِ والحشر والجنة والنار، فآمنوا بذلك وخَشُوا ربَّهم فيه ونحا إلى هذا قتادة «٢»، والمعنى الثاني: أنهم يَخْشَوْنَ ربهم إذا غَابُوا عن أعْيُنِ الناس، أي: في خلَواتِهم في صلاتهم وعباداتهم.\nوقوله تعالى: وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ ... الآية، خطاب لجميع الخلق، وذَلُولًا بمعنى مذلولة، ومَناكِبِها قال مجاهد: هي الطُّرُقُ والفجاجُ «٣»، وقال البخارِي: مَناكِبِها:\nجَوَانِبُها، قال الغزالي﵀-: جَعَلَ اللَّهُ سبحانَه الأَرْضَ ذَلُولًا لِعِبَادِه لاَ لِيَسْتَقِرُّوا في مناكِبها، بلْ لِيَتَّخِذُوهَا مَنْزِلًا فَيَتزَوَّدُونَ منها مُحْتَرِزِينَ من مصائدِها ومَعَاطبِها، ويتحقَّقُون أنّ العُمْرَ يَسِيرُ بهم سَيْرَ السفينةِ بِرَاكِبِها، فالناسُ في هَذَا العَالَمِ سُفْرُ وأوَّلُ منازلِهم المَهْدُ، وآخرُها اللحدُ، والوَطَنُ هو الجنَّةُ أو النَّارُ، والعُمْرُ مسافة السّفر، فسنوه مراحله، وشهوره\n_________\n(١) ينظر: «تفسير الرازي» (٣٠/ ٥٧) .\n(٢) ذكره ابن عطية (٥/ ٣٤٠) .\n(٣) أخرجه الطبري (١٢/ ١٦٩)، برقم: (٣٤٥٠٥)، وذكره البغوي (٤/ ٣٧١)، وابن عطية (٥/ ٣٤١)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٣٨٤)، وعزاه للفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر.","vol":"5","page":459},{"text":"فَرَاسِخُه، وأيامُه أمْيَالُه، وأنْفَاسُه خُطُواتُه، وطَاعَتُه بضاعتُه، وأوقَاتُه رؤوس أموالِه، وشَهَواتُه وأغْرَاضُه قطاع طريقِه، وربحه الفوز بلقاء الله﷿- في دار السلام مع المُلْكِ الكبيرِ والنَّعِيمِ المقيم، وخسرانه البعد من الله﷿- مع الأنْكَالِ والأَغْلاَلِ والعذاب الأليمِ في دَرَكَاتِ الجحيم، فالغافلُ عن نَفسِ واحدٍ من أنْفَاسِهِ، حتى يَنْقَضِيَ في غَيْرِ طاعةٍ تُقُرِّبُه إلى اللَّهِ تعالى زُلْفَى مُتَعَرِّضٌ في يوم التَّغابُن لغَبِينَةٍ وحَسْرَةٍ مَا لها مُنْتَهَى، ولهذا الخطرِ العظيمِ والخَطْبِ الهائلِ شَمَّر المُوفَّقُونَ عن ساقِ الجِدِّ، وَوَدَّعُوا بالكليةِ ملاذَّ النَّفْسِ، واغْتَنَمُوا بَقايَا العُمْرِ، فَعَمَّرُوها بالطاعاتِ، بِحَسَبِ تَكَرُّرِ الأوقَاتِ، انتهى، قال الشيخُ أبو مدين﵀-: عُمْرُكَ نَفَسٌ وَاحِدٌ فَاحْرِصْ [أنْ يَكُونَ] لَكَ/ لاَ عليك، انتهى، والله الموفّق بفضله، والنُّشُورُ: الحياة بعد الموت، وتَمُورُ معناه: تَذْهَبُ وتَجِيءُ، كما يَذْهَبُ التراب المَوَارُ في الرِّيحِ، والحَاصِبُ البَرْدُ ومَا جَرى مَجْرَاه، والنَّكِيرُ مَصْدَرٌ بمعنى الإنْكَارِ، والنَّذِيرُ كذَلِكَ ومنه قول حسان بن ثابت: [الوافر]\nفَأُنْذِرُ مِثْلَهَا نُصْحًا قُرَيْشًا ... مِنَ الرحمن إنْ قَبِلَتْ نَذِيرِي «١»\nثم أحال- سبحانه- على العِبْرَةِ في أمْرِ الطير وما أحكمَ من خِلْقَتِها، وذلك بيَّنَ عجز الأصنام والأوثان عنه، وصافَّاتٍ جَمْع صَافَّة، وهي التي تَبْسُطَ جَنَاحَها وتَصُفُّه، وقَبْضُ الجَنَاحِ ضَمُّه إلى الجنبِ، وهاتان حالتَان للطائر يستريح من إحداهما إلى الأخرى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1500>[سورة الملك (٦٧): الآيات ٢١ الى ٢٤]</span>\nأَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ (٢١) أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٢) قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ (٢٣) قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)\nوقوله سبحانه: أَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ هذا أيضًا توقيفٌ على أمْرٍ لاَ مَدْخَل للأصنامِ فيه.\nوقوله سبحانه: أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ قال ابن عباس والضحاك ومجاهد:\nنزلَتْ مثَلًا للمؤمنينَ والكافرين على العمومِ «٢»، وقال قتادةُ: نزلت مُخْبِرةً عن حال القِيَامَةِ، وأنَّ الكفارَ يَمْشُونَ على وجوهِهم، والمؤمنينَ يمشون على استقامة «٣»، كما جاء\n_________\n(١) البيت في «ديوانه» (٢٤٥)، وفيه فأردف بدل فأنذر.\n(٢) أخرجه الطبري (١٢/ ١٧١)، برقم: (٣٤٥١٠، ٣٤٥١٢)، وذكره ابن عطية (٥/ ٣٤٢) .\n(٣) أخرجه الطبري (١٢/ ١٧١- ١٧٢)، برقم: (٣٤٥١٣، ٣٤٥١٥)، وذكره البغوي (٤/ ٣٧٢)، وابن عطية (٥/ ٣٤٢)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٣٨٥)، وعزاه لعبد بن حميد، وعبد الرزاق، وابن المنذر. [.....]","vol":"5","page":460},{"text":"في الحديث، ويُقالُ: أكَبَّ الرجلُ إذا دَرَّ وجهه إلى الأرض، وكبّه غيره، قال﵊-: «وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلاَّ حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ» «١» فَهَذَا الفِعْلُ على خلافِ القَاعِدَة المعلومةِ لأَنَّ «أَفْعَلْ» هنا لا يتعدّى، و«فَعَلَ» يَتَعَدَّى، ونظيرُه قَشَعَتِ الرِّيحُ السَّحَابَ فانْقَشَعَ، وقال- ص-: مُكِبًّا حالٌ وهو مِنْ أَكَبَّ غَيْرَ مُتَعَدٍّ، وَكَبَّ متعدٍ، قال تعالى: فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ [النمل: ٩٠] والهَمْزَةُ فيه للدخولِ في الشيءِ، أو للصيرورَةِ، ومطاوع/ كَبَّ: انْكَبّ، تَقُولُ كَبَبْتُه فانْكَبَّ، قال بَعْضُ الناس:\nولاَ شَيْءَ من بناءِ «أفْعَلَ» مطاوعًا، انتهى، وأَهْدى في هذه الآية أفْعَلُ تَفْضِيلٍ مِنَ الهُدَى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1501>[سورة الملك (٦٧): الآيات ٢٥ الى ٣٠]</span>\nوَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٥) قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٦) فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ (٢٧) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنا فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (٢٨) قُلْ هُوَ الرَّحْمنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٩)\nقُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ (٣٠)\nوقوله تعالى: وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ يريدونَ أمْرَ القيامةِ والعذابِ المتوعَّدِ به، ثم أمرَ سبحانه نبيه ع أنْ يخبرَهم بأنَّ علمَ القيامةِ والوعدَ الصدقَ مما تفرَّدَ اللَّهُ- سبحانه- بعلمهِ.\nوقوله سبحانه: فَلَمَّا رَأَوْهُ الضميرُ للعَذَابِ الذي تَضَمَّنَه الوعدُ، وهذهِ حكايةُ حَالٍ تأتِي، والمَعْنى: فإذا رأوه.\nوزُلْفَةً معناه قريبا، قال الحسن: عيانا «٢» .\nوسِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا معناهُ: ظَهَرَ فيها السوءُ.\nوتَدَّعُونَ معناه: تَتَدَاعَوْنَ أمْرَه بينكم، وقال الحسن: تدعون أنَّه لاَ جَنَّةَ ولاَ نار «٣»، ورُوِيَ في تأويل قوله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ ... الآية، أنَّهم كانوا يدعون على محمّد ﷺ وأصحابَه بالهلاكِ، فقال اللَّه تعالى لنبيه: قلْ لهم: أرأيتم\n_________\n(١) تقدم تخريجه.\n(٢) أخرجه الطبري (١٢/ ١٧٢- ١٧٣)، برقم: (٣٤٥١٦- ٣٤٥١٧)، وذكره ابن عطية (٥/ ٣٤٣) .\n(٣) ذكره ابن عطية (٥/ ٣٤٣) .","vol":"5","page":461},{"text":"إنْ أهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ معي أو رحمَنا، فمن يُجِيرُكُم مِنْ العذاب الذي يُوجِبُه كفرُكم؟، ثم وَقَفَهم سبحانه على مِيَاهِهِم التي يَعيشُونَ منها، إنْ غَارَتْ، أي: ذَهَبَتْ في الأرضِ، مَنْ يَجِيئُهم بماءٍ كثيرٍ كافٍ؟ - ص-: والغَوْرُ: مَصْدَرٌ بمعنى الغَائِر، انتهى، والمَعِينُ: فَعِيلٌ مِنْ مَعَنَ المَاءُ إذا كَثُرَ، وقالَ ابن عباس: معين عذب «١»:\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٢/ ١٧٤)، برقم: (٣٤٥٢٤)، وذكره ابن عطية (٥/ ٣٤٤)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٣٨٦)، وعزاه لعبد بن حميد.","vol":"5","page":462},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1502>تفسير سورة القلم</span>\nوهي مكّيّة بلا خلاف\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1503>[سورة القلم (٦٨): الآيات ١ الى ٧]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ (١) ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣) وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)\nفَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٧)\nقوله ﷿: ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ ن حَرْفٌ مقطع في قول الجمهور، فيدخُلُه من الاخْتِلاَفِ ما يَدْخُلُ أوائِلَ السُّورِ، ويختصُّ هذَا الموضعُ مِنَ الأقوال، بأنْ قَالَ مُجاهِدٌ وابن عباس: ن اسْمُ الحوتِ الأعْظَمِ/ الَّذِي عَلَيْه الأَرضُونَ السَّبْعُ فِيما يُرْوَى «١»، وقال ابن عباس أيضًا وغيره: ن اسمُ الدَّوَاةِ «٢»، فَمَنْ قَال بأنه اسْمُ الحوتِ جَعَلَ [القَلَمَ] القَلَمَ الذي خلقَه اللَّهُ وأمَرَهُ بِكَتْبِ الكائناتِ، وجَعَلَ الضميرَ في يَسْطُرُونَ للملائِكَةِ، ومَنْ قَال بأنَّ ن اسْمٌ للدَّوَاةِ جَعَلَ القَلم هَذَا القلمَ المتعارفَ بأيْدِي الناسِ نَصَّ على ذَلِكَ ابنُ عَبّاسٍ وَجَعَل الضميرَ في يَسْطُرُونَ للنَّاسِ فَجَاء القَسَمُ على هذا بمجموع أمْرِ الكِتَابِ الذي هو قِوَامٌ للعلومِ والمعَارِفِ، وأمورِ الدنيا، والآخِرَةِ، فَإنَّ القَلَمَ أخُو اللسانِ، وعَضُدُ الإنْسَانِ، ومَطِيَّةُ الفِطْنَةِ، ونِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ عَامَّة، ورَوَى معاويةُ بن قرة أن النبي ﷺ قال: «ن لوح من نور» .\n_________\n(١) ذكره البغوي (٤/ ٣٧٤)، وابن عطية (٥/ ٣٤٥)، وابن كثير (٤/ ٤٠٠)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٣٨٧)، وعزاه لابن جرير، والطبراني، وابن مردويه عن ابن عبّاس، (٦/ ٣٨٨)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن المنذر عن مجاهد.\n(٢) أخرجه الطبري (١٢/ ١٧٦)، برقم: (٣٤٥٣٨- ٣٤٥٣٩)، وذكره ابن عطية (٥/ ٣٤٥)، وابن كثير (٤/ ٤٠١)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٣٨٨)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر","vol":"5","page":463},{"text":"وقالَ ابنُ عباسٍ أيضًا وغيره: ن هو حَرْفٌ من حروفِ الرحمن «١»، وقالوا إنَّه تَقَطَّع في القرآن الر وحم ون، ويَسْطُرُونَ: معناه: يكْتُبُونَ سُطُورًا، فإنْ أرَادَ الملائكةَ فهُوَ كَتْبُ الأَعْمَالِ وَمَا يؤْمَرُون به، وإنْ أرادَ بني آدم فهي الكُتُبُ المنزلةُ والعلومَ وما جَرَى مَجْرَاهَا، قال ابن العربي في «أحكامه»: رَوَى الوليدُ بن مُسْلِمٍ عَنْ مالكٍ عَنْ سُمَيٍّ مولى أبي بكر عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقولُ:\n«أوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ القَلَمَ، ثُمَّ خَلَق النّونَ، وهي الدوَّاةُ، وذَلِكَ قَوْلُه: ن وَالْقَلَمِ ثم قَالَ لَهُ: اكتب قَالَ: وَمَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: مَا كَانَ وَمَا هُو كَائِنٌ إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، قال: ثُمَّ خَتَمَ العَمَلَ، فَلَمْ يَنْطِقْ وَلاَ يَنْطِقُ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ، ثُمَّ خَلَقَ العَقْلَ، فَقَالَ الجَبَّارُ: مَا خَلَقْتُ خَلْقًا أعْجَبَ إليَّ مِنْكَ، وعِزَّتِي لأكَمِّلَنَّكَ فِيمَنْ أَحْبَبْتُ، وَلأَنْقُصَنَّكَ فِيمَنْ أَبْغَضْتُ، / قَالَ: ثُمَّ قَالَ رسول الله ﷺ: أَكْمَلُ النَّاسِ عَقْلًا أَطْوَعُهُمْ لِلَّهِ وأعْمَلُهُمْ بِطَاعَتِهِ» «٢»، انتهى، ت: وهذا الحديثُ هُوَ الذي يُعَوَّلُ عليهِ في تفسير الآيةِ، لصحته، واللَّه سبحانه أعلم.\nوقوله تعالى: مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ هو جواب القسم، وما هُنَا عَاملةٌ لها اسْمٌ وَخَبَرٌ، وكذلِك هي متَى دَخَلَتِ البَاءُ في الخَبَرِ، وقوله: بِنِعْمَةِ رَبِّكَ اعْتِرَاضٌ، كما تقولُ لإنْسَانٍ: أنْتَ بِحَمْدِ اللَّهِ فاضلٌ، وسَبَبُ الآيةِ هُوَ مَا كَانَ من قريش في رميهم النبيّ ﷺ بالجُنُونِ، فَنَفَى اللَّهُ تعالى ذلك عنه، وأخبره بأنَّ له الأَجْرَ، وأنَّه على الخُلُقِ العظيمِ تَشْريفًا له، وَمَدْحًا واخْتُلِفَ في معنى مَمْنُونٍ فَقَال أكْثَرُ المفسرينَ: هو الوَاهِنُ المنْقَطِعُ، يقال: حَبْل مَنِينُ أي: ضعيفٌ، وقال آخرون: معناه: غير مَمْنُونٍ عَلَيْكَ، أي: لا يُكَدِّرُه مَنٌّ بِه، وفي الصحيحِ: سُئِلَتْ عائشةُ﵂- عن خلق رسول الله ﷺ فقَالَتْ: «كَانَ خُلقُهُ القُرْآنَ»، وقال الجُنَيْدُ: سمّي خلقُه عَظِيمًا إذ لَمْ تَكُنْ له همةٌ سِوَى اللَّهِ تعالى عَاشَرَ الخَلْقَ بخُلُقِه، وزَايَلَهُمْ بِقَلْبهِ فكانَ ظاهرُه مَعَ الخلقِ، وباطِنهُ مع الحق، وفي وَصِيَّةِ بعض الحكماء: عليكَ بالخُلُقِ مَعَ الخَلْقِ، وبالصِّدقِ مَعَ الحقِّ، وحسْنُ الخلقِ\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٥/ ٣٤٥) .\n(٢) أخرجه الخطيب في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٤٠) .\nقال الشوكاني في «الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة» (٤٧٩) .\nقال ابن عدي: باطل منكر آفته محمّد بن وهب الدمشقي.\nوقال في الميزان: صدق ابن عدي في أن هذا الحديث باطل، وقد أخرجه الدارقطني في «الغرائب» من طريقه.\nورواه ابن عساكر عن أبي هريرة مرفوعا، والخطيب عن علي مرفوعا. اهـ من كلام الشوكاني.","vol":"5","page":464},{"text":"خير كلّه، وقال ع: «إنَّ المؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ قَائِمِ اللَّيْلِ، صَائِمِ النَّهَارِ» وَجَاءَ في حُسْنِ الخُلُقِ آثارٌ كثيرةٌ مَنَعَنَا مِنْ جَلْبِها خَشْيَةُ الإطَالةِ، وقد رَوَى الترمذيُّ عَنْ أبي هريرةَ قال: «سئل رسول الله ﷺ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ الجَنَّةَ؟ فقَال: تَقْوَى اللَّهِ وحُسْنُ الخُلُقِ، وسُئِلَ عَنْ أَكْثَرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ/ النَّارَ؟ فَقَالَ: الفَمُ وَالْفَرْجُ» «١»، قَالَ أبو عيسى:\nهذَا حديثٌ صحيحٌ غَرِيبٌ، انتهى، ورَوى الترمذيّ عن أبي الدرداء أن النبيّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ شَيْءٍ أَثْقَلَ في مِيزَانِ المُؤْمِنِ يَوْمَ القِيَامَةِ من خُلُقٍ حَسَنٍ، وإنَّ اللَّهَ لَيَبْغَضُ الفَاحِشَ البَذِيَّ» «٢»، قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ، انتهى، قَال أبو عمر في «التمهيد»:\nقال الله﷿- لنبيه ﷺ: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ قَال المفسرونَ: كان خلقُهُ مَا قَالَ اللَّهُ سبحانَه: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ [الأعراف: ١٩٩] انتهى.\nوقَوْلهُ تعالى: فَسَتُبْصِرُ أي: أنْتَ وأمَّتكَ، وَيُبْصِرُونَ أي: هم، بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ قال الأخفش: والعاملُ في الجملةِ المسْتَفْهَمُ عَنْها الإبصَارُ، وأمّا البَاءُ فقال أبو عبيدةَ معمر وقتادةُ: هي زائدةٌ والمعنى: أيكم المفتونُ «٣»، قال الثعلبيّ: المفْتُونُ المَجْنُونُ الذي فَتَنَهُ الشيطانُ، انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1504>[سورة القلم (٦٨): الآيات ٨ الى ١١]</span>\nفَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (٨) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩) وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١)\nوقوله تعالى: فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ يعني: قريشًا، وذلك أنهم قَالُوا في بعضِ الأوْقَاتِ للنبي ﷺ: لَوْ عَبَدْتَ آلهتَنَا وعَظَّمْتَها لَعَبَدْنَا إلهك وعظمناه، وودّوا أن يداهنهم النبي ﷺ ويميلَ إلى مَا قالوا، فَيمِيلُوا هُمْ أيضًا إلى قَولهِ ودِينِهِ، والإدْهَانُ الملايَنَةُ فيما لاَ\n_________\n(١) أخرجه الترمذي (٤/ ٣٦٣)، كتاب «البر والصلة» باب: ما جاء في حسن الخلق (٢٠٠٤)، وابن حبان (٦/ ٩٩) - الموارد، (١٩٢٣)، والحاكم في «المستدرك» (٤/ ٣٢٤)، وابن ماجه (٢/ ١٤١٨)، كتاب «الزهد» باب: ذكر الذنوب (٤٢٤٦)، والبخاري (٨٩) (٢٩٩١)، وأحمد (٢/ ٣٩٢) .\nقال الترمذي: هذا حديث صحيح غريب.\nوقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.\n(٢) أخرجه أبو داود (٢/ ٦٦٩)، كتاب «الأدب» باب: في حسن الخلق (٤٧٩٩) مختصرا، والترمذي (٤/ ٣٦٢)، كتاب «البر والصلة» باب: ما جاء في حسن الخلق (٢٠٠٢)، وأبو نعيم في «الحلية» (٥/ ٢٤٣) مختصرا.\nقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.\n(٣) ذكره ابن عطية (٥/ ٣٤٦) .","vol":"5","page":465},{"text":"يَحِلُّ، والمُدَارَاةُ الملاينة فيما يحل.\nوقوله: فَيُدْهِنُونَ معطوفٌ وليس بجَوابٍ، لأنَّه لَوْ كَانَ لَنُصِبَ، والحلاّفُ المردِّد لِحَلفِهِ الذي قد كثرَ منه، والمُهينُ الضَّعِيفُ الرأيِ، والعَقْلِ قاله مجاهد «١»، وقال ابن عباس: المهينُ الكذَّابُ «٢»، والهمَّازُ الذي يَقَعُ في النّاسِ بلسَانِه «٣»، قال منذر بن سعيد:\nوبعَيْنِهِ وإشارَتِه، / والنَّمِيمُ مَصْدَرٌ كالنَّمِيمَةِ، وهو نَقْلَ مَا يَسْمَعُ مما يسوءُ ويُحَرِّشُ النفوسَ، قال أبو عمر بن عبد البر في كتابهِ المسمّى ب «بهجة المجالس» قال النبي ﷺ: «مَنْ كَفَّ عَنْ أعْرَاضِ المُسْلِمِينَ لِسَانَه أقَالَه اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ عَثَرَتَه» «٤»، وقال﵊-:\n«شراركم أيّها الناس المشّاءون بالنَّمِيمَةِ، المُفَرِّقُونَ بَيْنَ الأَحِبَّةِ، البَاغُونَ لأَهْلِ البِرِّ العثرات» «٥» انتهى، وروى حذيفة أن النبي ﷺ قال: «لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَتَّاتٌ» «٦»، وهو النَّمَّامُ، وذَهَبَ كثيرٌ مِنَ المفسِّرِينَ إلى أنَّ هذهِ الأوْصَافَ هي أجْنَاس لَمْ يُرَدْ بها رجلٌ بعينهِ، وقالت طائفة: بَلْ نزلت في معيَّنٍ، واختلفوا فيه، فقال بعضهم: هو الوليدُ بن المغيرة،\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٥/ ٣٤٧)، وابن كثير (٤/ ٤٠٣)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٣٩٢)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن المنذر.\n(٢) أخرجه الطبري (١٢/ ١٨٣)، برقم: (٣٤٥٨١)، وذكره البغوي (٤/ ٣٧٧)، وذكره ابن عطية (٥/ ٣٤٧)، وابن كثير (٤/ ٤٠٣) .\n(٣) ذكره ابن عطية (٥/ ٣٤٧) . [.....]\n(٤) تقدم تخريجه.\n(٥) أخرجه أحمد (٤/ ٢٢٧) .\nقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٨/ ٩٦): رواه أحمد وفيه شهر بن حوشب، وقد وثقه غير واحد، وبقية رجال أحمد أسانيده رجال «الصحيح» .\n(٦) أخرجه مسلم (١/ ١٠١)، كتاب «الإيمان» باب: بيان غلظ تحريم النميمة، حديث (١٦٨/ ١٠٥)، وأحمد (٥/ ٣٩١، ٣٩٦، ٣٩٨، ٤٠٦) من طريق واصل الأحدب، عن أبي وائل عن حذيفة بن اليمان، أنه بلغه: أن رجلا كان ينم الحديث، فقال حذيفة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يدخل الجنة نمام» .\nوللحديث طريق آخر عن حذيفة، وفيه قتات بدل نمام، أخرجه البخاري (١٠/ ٤٨٧)، كتاب «الأدب» باب: ما يكره من النميمة، حديث (٦٠٥٦)، ومسلم (١/ ١١)، كتاب «الإيمان» باب: بيان غلظ تحريم النميمة (١٦٩/ ١٠٥)، وأبو داود (٢/ ٦٨٤)، كتاب «الأدب» باب: في القتات، حديث (٤٨٧١)، والترمذي (٤/ ٣٢٩)، كتاب «البر والصلة» باب: ما جاء في النمام، حديث (٢٠٢٦)، وأحمد (٥/ ٣٨٢، ٣٨٩، ٣٩٢، ٤٠٢، ٤٠٤)، والبيهقي (٨/ ١٦٦)، كتاب «قتال أهل البغي» باب: ما على من رفع إلى السلطان ما فيه ضرر، والبغوي في «شرح السنة» (٦/ ٥٢٣) - بتحقيقنا، والطبراني في «الصغير» (١/ ٢٠٣)، وفي «الكبير» (٣/ ١٨٦)، برقم: (٣٠٢٠)، وأبو نعيم في «الحلية» (٤/ ١٧٩)، والخطيب في «تاريخ بغداد» (١١/ ٢٣٧) من طريق همام بن الحارث عن حذيفة مرفوعا.","vol":"5","page":466},{"text":"وقيل هو: الأخْنَسُ بن شريق، ويؤيد ذلكَ أنه كانَتْ له زَنَمَةٌ في حَلْقِه كَزَنَمَةِ «١» الشَّاةِ، وأيضًا فكانَ من ثَقِيفٍ مُلْصَقًا في قُرَيْشٍ، وقيل: هو أبو جهلٍ، وقيل: هو الأسودُ بن عَبْدِ يَغُوثَ، قال ع «٢»: وظاهرُ اللفظ عمومُ مَنِ اتَّصَفَ بهذهِ الصفاتِ، والمخاطبَةُ بهذا المعنى مستمرة بَاقِيَ الزَّمانِ، لا سيما لولاة الأمور.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1505>[سورة القلم (٦٨): الآيات ١٢ الى ١٥]</span>\nمَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ (١٣) أَنْ كانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ (١٤) إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٥)\nوقوله تعالى: مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ قَالَ كثيرٌ مِنَ المفسرينَ: الخيرُ هُنَا المالُ فَوَصَفه بالشُّحِّ، وقال آخرونَ: بل هُوَ عَلى عُمُومهِ في الأموالِ والأَعْمَالِ الصالحاتِ، والمُعْتَدِي المتجاوِزُ لحدودِ الأَشْيَاءِ، والأثِيمُ فَعِيلٌ مِن الإثْمِ، والعُتُلُّ: القويُّ البنيةِ، الغَليظُ الأَعْضَاءِ، القَاسِي القَلْبِ، البَعيدُ الفَهْمِ، الأَكُولُ الشَّرُوبُ، الذي هو بالليلِ جِيفَةٌ وَبِالنَّهارِ حِمَارُ، وكلُّ ما عبر به المفسرونَ عَنه مِنْ خِلاَلِ النقصِ، فَعَنْ هذه الَّتِي ذَكَرْتُ/ تَصْدُرُ، وقد ذكر النقاش أنّ النبي ﷺ فَسَّر العتلَّ بِنَحْوِ هذا، وهذهِ الصفاتُ كثيرةُ التَّلازُمِ، والزَّنِيمُ في كلام العرب:\nالمُلْصَقُ في القومِ ولَيْسَ منهم ومنه قول حَسَّان: [الطويل]\nوَأَنْتَ زَنِيمٌ نِيطَ في آلِ هَاشِمٍ ... كَمَا نِيطَ خَلْفَ الرَّاكِبِ القَدَحُ الفَرْدُ\nفَقَالَ كثيرٌ من المفسرينَ: هو الأخْنَسُ بن شريقٍ، وقال ابن عباس: أرادَ بالزنيم أنَّ له زَنَمَةً في عُنُقِهِ «٣»، وكان الأَخنسُ بهذه الصفةِ، وقيل: الزّنيم: المريب القبيح الأفعال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1506>[سورة القلم (٦٨): الآيات ١٦ الى ٣٢]</span>\nسَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦) إِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ (١٧) وَلا يَسْتَثْنُونَ (١٨) فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ (١٩) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠)\nفَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ (٢١) أَنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ (٢٢) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخافَتُونَ (٢٣) أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (٢٤) وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ (٢٥)\nفَلَمَّا رَأَوْها قالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (٢٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٢٧) قالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ (٢٨) قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (٢٩) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ (٣٠)\nقالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا طاغِينَ (٣١) عَسى رَبُّنا أَنْ يُبْدِلَنا خَيْرًا مِنْها إِنَّا إِلى رَبِّنا راغِبُونَ (٣٢)\nوقوله: سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ معناه: على الأَنْفِ. قال ابن عبّاس: هو الضّرب\n_________\n(١) زنمة الشاة: هنة معلقة في حلقها تحت لحيتها، وخص بعضهم به العنز.\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٣٤٧) .\n(٣) أخرجه الطبري (١٢/ ١٨٦)، برقم: (٣٤٦١٤)، وذكره البغوي (٤/ ٣٧٨)، وذكره ابن عطية (٥/ ٣٤٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٣٩٤)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر.","vol":"5","page":467},{"text":"بالسَّيْفِ في وَجْهِهِ وعَلَى أنْفِه «١»، وَقَدْ حَلَّ ذَلِكَ به يومَ بَدْرٍ، وقيل: ذلك الوَسْمُ هو في الآخرةِ، وقال قتادة وغيره: معناه سَنَفْعَلُ به في الدنيا مِنَ الذَّمِّ لهُ والمَقْتِ والاشْتِهَارِ بالشر، ما يَبْقَى فِيه وَلاَ يَخْفَى به، فيكونُ ذلكَ كالْوَسِمِ عَلَى الأنف «٢» .\nوقوله سبحانه: إِنَّا بَلَوْناهُمْ يريد: قريشًا، أي: امتحنّاهم، وأَصْحابَ الْجَنَّةِ فيما ذُكِرَ كانوا إخوةً، وكانَ لأَبِيهم جَنَّةٌ وحَرْثٌ يَغْتَلُّه، فَكَان يُمْسِكُ منه قُوتَه، وَيَتَصَدَّقُ على المساكين بِبَاقِيهِ، وقيل: بلْ كَانَ يَحْمِلُ المساكِينَ مَعَه في وَقْتِ حَصَادِهِ وجَذِّه فَيُجْدِيهم منه، فماتَ الشيخُ، فقال ولدُه: نَحْنُ جَماعَةٌ وفِعْلُ أبينَا كَانَ خطأً فَلْنَذْهَبْ إلى جنَّتِنَا، ولا يَدْخُلَنَّها عَلَيْنَا مِسْكِينٌ، ولا نُعْطِي منها شيئًا، قَال: فَبَيَّتُوا أمْرَهُمْ وَعَزْمَهُمْ، فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهَا طائفًا من نارِ أو غيرِ ذلكَ، فاحْتَرَقَتْ، فقيلَ: فأصْبَحَتْ سَودَاء، وقيل: بَيْضَاء كالزَّرْعِ اليَابِسِ المَحْصُودِ، فلما أصْبَحوا إلى جنتهم لم يَرَوْهَا فَحسبوا أنهم قَد أَخْطَؤُوا الطريقَ، ثم تَبَيَّنُوها فعلموا أنَّ اللَّهَ/ أَصَابَهُم فِيها، فتَابوا حينئذٍ فَكَانُوا «٣» مُؤمنِينَ أهْلَ كِتَابٍ، فَشَبَّه اللَّهُ قُرَيْشًا بهم في أنّه امتحنهم بالمصَائِبِ، في دنياهم لعدم اتّباعهم للنبي ﷺ، ثُمَّ التوبةُ مُعَرَّضَةٌ لِمَنْ بَقِيَ منهم.\nوقوله تعالى: لَيَصْرِمُنَّها أي: ليجذّنّها، ومُصْبِحِينَ معناه: دَاخِلينَ في الصباح.\nوقوله تعالى: وَلا يَسْتَثْنُونَ [أي: لا يَنْثَنُونَ] «٤» عن رأْيِ مَنْعِ المساكين، وقَالَ مجاهد: معناه ولاَ يَقُولُونَ إنْ شَاءَ اللَّه «٥» . والصَّرِيمُ، قال جماعة: أرادَ بهِ اللَّيْلَ مِنْ حيثُ اسْوَدَّتْ جَنَّتُهم، وقَالَ ابن عباس: الصَّرِيمُ: الرَّمَادُ الأسْوَدُ بِلُغَةِ خُزَيْمَةَ، وقولهم: إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ يَحْتَمِلُ أنْ يكُونَ مِنْ صرام النخلِ، ويحتملُ أنْ يريدَ إنْ كُنْتُمْ أهْلَ عزم وإقْدَامٍ على رأيكم، من قولك سيف صارم «٦»، ويَتَخافَتُونَ: معناه يَتَكَلَّمُونَ كَلاَمًا خَفِيًّا، وكان هذا التخافتُ خَوْفًا مِنْ أنْ يَشْعُرَ بهمُ المساكينُ، وكان لفظُهم الذي يتخافتون به: أَنْ لاَّ يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٢/ ١٨٨)، برقم: (٣٤٦٢٨)، وذكره البغوي (٤/ ٣٧٩)، وابن عطية (٥/ ٣٤٩)، وابن كثير (٤/ ٤٠٥)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٣٩٤)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه.\n(٢) ذكره البغوي (٤/ ٣٧٩)، وابن عطية (٥/ ٣٤٩)، وابن كثير (٤/ ٤٠٥) .\n(٣) في ط: وكانوا.\n(٤) سقط في: د.\n(٥) ذكره ابن عطية (٥/ ٣٤٩) .\n(٦) ذكره البغوي (٤/ ٣٧٩)، وابن عطية (٥/ ٣٤٩)، وابن كثير (٤/ ٤٠٦) .","vol":"5","page":468},{"text":"وقوله: عَلى حَرْدٍ يَحْتَمِلُ أنْ يريدَ عَلى مَنْعٍ، من قولهم: حَارَدَتِ الإبِلُ إذا قَلَّتْ ألبانُها فمنَعتْهَا، وحَارَدَتِ السنةُ إذا كَانَتْ شَهْبَاء لاَ غَلَّةَ لها، ويحتملُ أن يريدَ بالحَرْدِ الغَضَبَ، يقال حَرَدَ الرجلُ حَرْدًا إذَا غَضِبَ، قال البخاريّ قَالَ قتادة: عَلى حَرْدٍ [أي:\nعلى جدٍّ] «١» في أنفسهم، انتهى «٢» .\nوقوله تعالى: قادِرِينَ يحتملُ أن يكون من القُدْرَةِ، أي: قادرون في زعمهِم ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِن التَّقْدِيرِ الذي هو تَضْيِيقٌ، كأنّهم قَدْ قَدَرُوا عَلَى المسَاكِينِ، أي ضَيَّقُوا عليهم، فَلَمَّا رَأَوْها أي: مُحْتَرِقَةً قالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ طريقَ جَنَّتِنَا فَلَما تَحقَّقُوها/ عَلِمُوا أَنها قَدْ أصيبتْ فقالوا: بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ أي: قَدْ حُرِمْنَا غَلَّتَها وبَرَكَتها، فقال لهم أعدلهُم قَوْلًا وعَقْلًا وخُلُقًا وهو الأوسَط أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ قِيلَ هي عبارةٌ عَنْ تعظيمِ اللَّهِ والعَمَلِ بطاعتهِ سبحانَه، فَبادَرَ القَوْمُ عَنْدَ ذَلِكَ وَتَابُوا وسبَّحُوا، واعترفُوا بظلمِهم في اعتقادهم مَنْعَ الفقراءِ، ولاَمَ بعضُهم بَعْضًا واعترفوا بأنهم طَغَوا، أي: تَعَدَّوْا مَا يَلْزَم مِنْ مُوَاسَاةِ المساكينِ، ثم انصرفوا إلى رَجَاءِ اللَّه سبحانَه وانتظارِ الفَضْلِ من لَدُنْهُ في أن يُبْدِلَهُمْ، بِسَبَبِ تَوْبَتِهم، وإنابتِهم خَيْرًا من تلك الجنة، قال الثعلبي: قال ابن مسعود: بلغني أن القومَ لما أخلصوا وعلم الله صدقهم أبدلهم الله﷿- بها جنةً يقال لها الحَيَوَانُ، فيها عِنَبٌ يَحْمِلُ البغلُ العنقُودَ منها «٣»، وعن أبي خالد اليماني أَنه رأَى تلكَ الجنةَ ورَأَى كُلَّ عُنْقُودٍ منها كالرَّجُلِ الأسْوَدِ القائِم، انتهى،، وقدرةُ اللَّه أعْظَمُ فلا يُسْتَغْرَبُ هذا إنْ صَحّ سنده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1507>[سورة القلم (٦٨): الآيات ٣٣ الى ٤٣]</span>\nكَذلِكَ الْعَذابُ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٣٣) إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٣٤) أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦) أَمْ لَكُمْ كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (٣٧)\nإِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ (٣٨) أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ (٣٩) سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ (٤٠) أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إِنْ كانُوا صادِقِينَ (٤١) يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢)\nخاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سالِمُونَ (٤٣)\nوقوله سبحانه: كَذلِكَ الْعَذابُ أي: كَفِعْلِنَا بأهْلِ الجنةِ نَفْعَلُ بِمَنْ تعدَّى حدودَنا.\nوَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ أي: أعْظَم مما أصَابَهُمْ، إنْ لَمْ يتوبوا في الدنيا.\n_________\n(١) سقط في: د.\n(٢) أخرجه الطبري (١٢/ ١٩١)، برقم: (٣٤٦٤٤)، وذكره البغوي (٤/ ٣٨٠)، وابن كثير (٤/ ٤٠٦) . [.....]\n(٣) ذكره البغوي (٤/ ٣٨١) .","vol":"5","page":469},{"text":"ثم أخْبَر تعالى ب إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ فَرُوِيَ أنه لما نزلت هذه الآيةُ قَالَتْ قريشٌ: إنْ كَانَ ثَمَّ جَنَّاتِ نعيمٍ فَلَنَا فِيها أكْبَرُ الحَظِّ، فنزلتْ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ الآية تَوْبِيخًا لهم.\nأَمْ لَكُمْ كِتابٌ مُنَزَّلٌ من عندِ اللَّهِ تَدْرُسُونَ فيه أنَّ لَكُمْ مَا تَخْتَارُونَ مِنَ النعيمِ، ف إِنَّ معمولة ل تَدْرُسُونَ وكُسِرَتِ الهمزَةُ مِنْ إِنَّ لدخولِ اللامِ في الخبرِ، وهي في معنى (أن) - بفتح الألِف- وقرىء شاذًا «١»: «أنَّ لَكُمْ» بالفتح، وقرأ الأعرج «٢»: «أنّ/ لَكُمْ فِيهِ» على الاستفهام، ثم خَاطَب تعالى الكفارَ بقولهِ: أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ كأنه يقُولُ هل أقْسَمْنَا لكم قَسَمًا فهو عَهْدٌ لكم بأنَّا نُنَعِّمُكُمْ في يومِ القيامة، وما بعدَه، وقرأ الأعرج «٣»: «آن لكم لما تحكمون» على الاستفهامِ، أيضًا.\nسَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ أي: ضَامِنٌ ت: قال الهروي: وقوله: أَيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ أي مُؤكَّدَة، انتهى.\nوقوله تعالى: فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ قيل: هو استدعاءٌ وتوقيفٌ في الدنيا، أي:\nلِيُحْضِرُوهُم حَتَّى يُرَى هلْ هُمْ بحالِ مَنْ يَضُرُّ وينفعُ أم لا؟ وقيلَ: هو استدعاءٌ وتوقيف على أن يأتوا بهم يومَ القيامةِ يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وقرأ ابن عباس «٤»: «تُكْشَفُ» - بضم التاء- على مَعْنَى: تُكْشَفُ القيامةُ والشدةُ والحالُ الحاضرة، وقرأ ابن عباس «٥» أيضًا:\n«تَكْشِفُ» - بفتح التاء- على أنَّ القيامةَ هي الكاشِفَةُ، وهذه القراءة مفسِّرَة لقراءَةِ الجماعةِ، فما وَرَدَ في الحديثِ والآيةِ مِنْ كَشْفِ الساقِ فهو عبارة عَنْ شدةِ الهول.\nوقوله- جلت عظمته-: وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ وفي الحديثِ الصحيحِ: «فَيَخِرُّونَ للَّهِ سُجّدًا أجْمَعونَ ولا يبقى أحَدٌ كَانَ يسجدُ في الدنيا رياءً ولا سمعةً ولاَ نِفَاقًا إلا صَارَ ظهرُهُ طَبَقًا وَاحِدًا كُلَّما أرَادَ أنْ يسجد خرّ على قفاه» «٦»، الحديث، وفي\n_________\n(١) قرأ بها الأعرج، كما ذكر ابن خالويه في «مختصر الشواذ» ص: (١٦٠)، وقرأ بها طلحة، والضحاك، كما في «الدر المصون» (٦/ ٣٥٧) .\n(٢) ينظر: «مختصر الشواذ» ص (١٦٠)، و«المحرر الوجيز» (٥/ ٣٥٢) و«البحر المحيط» (٨/ ٣٠٩)، و«الدر المصون» (٦/ ٣٥٧) .\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٣٥٢)، و«البحر المحيط» (٨/ ٣٠٩) .\n(٤) ينظر: «المحتسب» (٢/ ١٦٠)، و«المحرر الوجيز» (٥/ ٣٥٣) .\n(٥) ينظر: مصادر القراءة السابقة.\n(٦) أخرجه البخاري (٨/ ٥٣١)، كتاب «التفسير» باب: يوم يكشف عن ساق (٤٩١٩) نحوه. -","vol":"5","page":470},{"text":"الحديثِ: «فَيَسْجُدُ كُلُّ مُؤْمِنٍ، وَتَرْجِعُ أصْلاَبُ المُنَافِقِينَ والكُفَّارِ، كَصَيَاصِي البَقَرِ، عَظْمًا وَاحِدًا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سُجُودًا» الحديث.\nوقوله تعالى: وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ يريد في دَارِ الدنيا، وَهُمْ سالِمُونَ مما نالَ عَظَامَ ظهورِهم مِنَ الاتِّصَال والعتوّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1508>[سورة القلم (٦٨): الآيات ٤٤ الى ٥٢]</span>\nفَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (٤٤) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (٤٥) أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٦) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤٧) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ (٤٨)\nلَوْلا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (٤٩) فَاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٥٠) وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (٥١) وَما هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٥٢)\nوقوله سبحانه: فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ الآية، وَعِيدٌ وتهديدٌ والحديثُ المشَارُ إليه/ هو القرآن، وباقي الآية بيّن مِمّا ذُكِرَ في غير هذا الموضع، ثم أمَرَ اللَّه- تعالى- نبيَّه بالصَّبْرِ لِحُكْمِهِ وأنْ يَمْضِيَ لِمَا أُمِرَ بهِ من التبليغِ واحْتِمالِ الأذَى والمشقة، ونُهِيَ عَنِ الضَّجَرِ والعَجَلَةِ التي وَقَعَ فيها يونُسَ ﷺ ثم اقْتَضَبَ القصَّةَ وذَكَرَ ما وَقَعَ في آخرها من ندائِه من بطن الحوت، وَهُوَ مَكْظُومٌ أي: وَهُو كَاظِمٌ لحُزْنِه ونَدَمِه، وقال الثعلبيّ، ونحوُه في البخاري: وَهُوَ مَكْظُومٌ أي: مملوءٌ غَمًّا وكَرْبًَا، انتهى وهُوَ أقْرَبُ إلى المعنى، وقال النَّقَّاشُ: المكظومُ الذي أُخِذَ بِكَظْمِه، وهي مَجَارِي القلبِ، وقرأ ابن مسعود «١» وغيره: «لَوْلاَ أَنْ تَدَارَكَتْهُ نِعْمَةُ» والنعمة التي تداركته هي الصَّفْحُ والاجتباء الذي سَبَقَ له عَنْدَ الله﷿- لَنُبِذَ بِالْعَراءِ أي: لَطُرِحَ بالعرَاءِ وهُوَ الفَضَاءُ الَّذِي لاَ يُوارِي فيه جَبَلٌ ولاَ شَجَرٌ وقد نبذ يونس ع بالعَرَاءِ وَلَكِنْ غَيْر مَذْمُومٍ، وجاء في الحديث عن أسماء بِنْتِ عُمَيْسٍ قالَتْ: «عَلَّمَنِي رَسُولُ الله ﷺ كلمات أقولهنّ عند\n_________\n- ومن طريق أخرى غير هذه، أخرج الحاكم حديثا في هذا المعنى (٤/ ٥٨٩، ٥٩٢) في حديث طويل.\nقال الحاكم: رواة هذا الحديث عن آخرهم ثقات، غير أنهما لم يخرجا أبا خالد الدالاني في «الصحيحين»، لما ذكر في انحرافه عن السنة في ذكر الصحابة، فأما الأئمة المتقدمون فكلهم شهدوا لأبي خالد بالصدق، والإتقان، والحديث صحيح ولم يخرجاه، وأبو خالد الدالاني ممن يجمع حديثه في أئمة أهل الكوفة.\nقال الذهبي: ما أنكره حديثا على جودة إسناده!! وأبو خالد شيعي منحرف.\n(١) وقرأ بها ابن عبّاس وأبي بن كعب.\nينظر: «مختصر الشواذ» (ص: ١٦١)، و«الكشاف» (٤/ ٥٩٦)، و«البحر المحيط» (٨/ ٣١١)، و«المحرر الوجيز» (٥/ ٣٥٤)، و«الدر المصون» (٦/ ٣٥٩) .","vol":"5","page":471},{"text":"الكَرْبِ أَوْ في الكَرْبِ، اللَّه اللَّه رَبِّي لاَ أُشْرِكُ بِه شَيْئًا» «١» رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه، وأخرجَهُ الطبرانيُّ في كتاب «الدعاء»، انتهى من «السلاح»، ثم قال تعالى لنبيه:\nوَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ المعنى يكادُوْنَ مِنَ الغَيْظِ والعداوةِ يُزْلِقُونَه فَيُذْهِبُونَ قدمَه مِنْ مَكَانِها، ويُسْقِطُونَه، قال عياض: وقَدْ رُوِيَ عن ابن عباس أنه قال: كلُّ مَا في القرآن: «كاد» فَهُو مَا لاَ يَكُونُ، قال تعالى: يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ [النور: ٤٣] ولم يذهبها وأَكادُ أُخْفِيها [طه: ١٥] وَلَمْ يَفْعَلْ، انتهى ذكره إثرَ قَوْلِه تعالى: وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ [الإسراء: ٧٣] . وقرأ الجمهور: «لَيُزْلِقُونَكَ» /- بِضَمِّ اليَاءِ- مِنْ: أزْلَقَ، ونَافِعٌ بِفَتْحِها «٢»، من: زُلِقَتِ الرّجْلُ، وفي هذا المعنى قولُ الشاعر:\n[الكامل]\nيَتَقَارَضُونَ إذَا التقوا في مَجْلِس ... نَظَرًا يَزِلُّ مَوَاطِىءَ الأَقْدَامِ «٣»\nوَذَهَبَ قَوْمٌ من المفسرينَ على أن المعنى: يأخذونَك بالعَيْنِ، وقال الحسَنُ: دَوَاءُ مَنْ أَصَابَتْهُ العينُ أن يقرأَ هذهِ الآيةَ «٤»، والذِّكْرُ في الآيةِ: القرآنُ.\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (١/ ٤٧٧)، كتاب «الصلاة» باب: في الاستغفار (١٥٢٥)، والنسائي (٦/ ١٦٦) - «الكبرى»، كتاب «عمل اليوم والليلة» باب: ما يقول إذا غلبه أمر (١٠٤٨٤/ ٢٢- ١٠٤٨٥/ ٢٣)، وابن ماجه (٢/ ١٢٧٧)، كتاب «الدعاء» باب: الدعاء عند الكرب (٣٨٨٢)، وأحمد (٦/ ٣٦٩) .\n(٢) ينظر: «السبعة» (٦٤٧)، و«الحجة» للقراء السبعة (٦/ ٣١٢)، و«إعراب القراءات» (٢/ ٣٨٢)، و«حجة القراءات» (٧١٨) .\n(٣) البيت في «الكشاف» (٤/ ٥٩٧)، و«البحر المحيط» (٨/ ٣١١)، والقرطبي (١٨/ ١٦٦)، و«المحرر الوجيز» (٥/ ٣٥٤)، «اللسان» (زلق) .\n(٤) ذكره البغوي (٤/ ٣٨٥)، وابن عطية (٥/ ٣٥٥) .","vol":"5","page":472},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1509>تفسير سورة «الحاقّة»</span>\n[وهي] مكّيّة بإجماع\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1510>[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ١ الى ٤]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢) وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ (٣) كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ (٤)\nقوله ﷿: الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ المُرَادُ بالحاقَّةِ: القيامةُ، وهي اسْمُ فاعلٍ مِنْ حَقَّ الشَّيءُ يَحِقُّ لأنَها حَقَّتْ لِكُل عَامِلٍ عملَه، قال ابن عباس وغيره: سُمِّيَت القيامةَ حَاقَّةً لأنَّها تُبْدِي حَقَائِقَ الأشياء «١»، والْحَاقَّةُ: مبتدأ ومَا مبتدأُ ثانٍ، والحاقَّةُ الثانية خَبَرُ مَا والجملةُ خَبَرُ الأُولى، وهذا كما تقول: زَيْدٌ مَا زَيْدٌ على معنى التعظيمِ له، وإبْهام التعظيمِ أيضًا ليتخَيَّلَ السّامِعُ أقْصَى جُهْدَه.\nوقوله: وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ مبالغة في هذا المعنى: أي: أن فيها مَا لَمْ تَدْرِه مِنْ أهْوَالِها، وتَفَاصِيلِ صِفَاتِها، ثم ذكرَ تعالى تكذيبَ ثَمُودَ وَعَادٍ بهذَا الأَمْرِ الذي هو حَقُّ مشيرًا إلى أنْ مَنْ كَذَّبَ بِذَلِكَ يَنزلُ به ما نزل بأولئك، والقارعة: من أسماء القيامة أيضًا لأنها تَقْرَعُ القلوبَ بصدمتها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1511>[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ٥ الى ١٧]</span>\nفَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (٥) وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ (٦) سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ (٧) فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ (٨) وَجاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكاتُ بِالْخاطِئَةِ (٩)\nفَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً (١٠) إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ (١١) لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ (١٢) فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ (١٣) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً (١٤)\nفَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ (١٥) وَانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ (١٦) وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ (١٧)\nوقوله سبحانه: فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ قال قتادة: معناه: بالصَّيْحَةِ التي خَرَجَتْ عن حدِّ كل صيحةٍ «٢»، وقيل: المعنى بسَبَبِ الفِئَةِ الطاغيةِ، وقيل: بسببِ الفعلة الطاغية، وقال ابن زيد ما معناه: الطاغيةُ مصدرٌ كالعَاقِبة، فكأنه قال بطغيانهم «٣» وقاله أبو\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٥/ ٣٥٦) . [.....]\n(٢) ذكره البغوي (٤/ ٣٨٦)، وذكره ابن عطية (٥/ ٣٥٦)، وذكره ابن كثير (٤/ ٤١٢) .\n(٣) أخرجه الطبري (١٢/ ٢٠٧)، رقم: (٣٤٧٢٢) بنحوه، وذكره ابن عطية (٥/ ٣٥٧) .","vol":"5","page":473},{"text":"عبيدة، وَيُقَوِّي هذا قوله تعالى: كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها [الشمس: ١١] وأوْلَى الأقوال وأصوبُها الأوَّلُ، وباقي/ الآيةِ تقدم تفسيرُ نظيرهِ، وما في ذلك من القصص، والعَاتِيَةُ:\nمعناه الشديدةُ المخالِفَة، فكانت الريحُ قد عَتَتْ على خُزَّانِها بخلافِها، وعلى قومِ عادٍ بشدتها، ورُوِيَ عن عليٍّ وابن عباس أنهما قَالا: لَمْ ينزلْ من السماء قطرةُ ماءٍ قط إلا بمكيالٍ عَلَى يدِ مَلَكٍ، ولا هبتْ ريحٌ إلاَّ كذلك إلاَّ ما كَانَ مِنْ طوفانِ نوحٍ، وريحِ عادٍ، فإنَّ اللَّه أَذِنَ لهما في الخروج دونَ إذن الخزّان «١»، وحُسُومًا: قال ابن عباس وغيره:\nمعناه كَامِلَةً تِبَاعًا لم يتخللْها غيرُ ذلك «٢»، وقال ابن زيد: حُسُومًا جمعُ حَاسِمٍ، ومعناه أنَّ تلكَ الأَيامَ قطعَتْهُم بالإهلاكِ «٣»، ومنه حَسَمَ العِلَلَ، ومنه الحُسَامُ، والضميرُ في قوله:\nفِيها صَرْعى يُحتملُ عُوْدُه على الليالي والأيامِ، ويُحْتَمَلُ عودُه على ديارِهم، وقيل: على الريح، - ص-: «ومن قِبَلَه» النْحويانِ وعاصمٌ في روايةٍ- بكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الباء- أي:\nأجنادُه وأهلُ طاعتهِ، وقرأ الباقون «٤»: «قَبْلَه» ظَرْفَ زمانٍ، انتهى.\nوقوله: بِالْخاطِئَةِ صفةٌ لمحذوفٍ، أي: بالفعلةِ الخاطئةِ، وال «رابية» النَّامِيَة التي قد عَظُمَتْ جِدًّا، ومنه رِبَا المالِ، ومنه اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ [ٍالحج: ٥]، ثم عدد تعالى على الناس نعمه في قوله: إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ يعني في وقتِ الطوفانِ الذي كانَ على قوم نوح، والْجارِيَةِ سفينةُ نوحٍ قاله منذر بن سعيد «٥»، والضميرُ في: لِنَجْعَلَها\nعائِدٌ على الجاريةِ أو على الفعلة.\nوقوله تعالى: وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ\n: عبارةٌ عن الرجلِ الفَهِمِ المُنَوَّرِ القلبِ الذي يسمعُ القرآنَ فيتلقاه بِفَهْمٍ وتدبُّرٍ، قال أبو عمران الجوني: واعِيَةٌ\nعَقَلَتْ عَنِ اللَّهِ تعالى، وقال الثعلبيُّ: المعنى: لِتَحْفَظَهَا كلُّ أذُنٍ فتكونَ عِظَةً لِمَنْ يأتي بعدُ، تقول وَعَيْتَ العِلْمَ إذا\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٢/ ٢٠٧- ٢٠٨)، رقم: (٣٤٧٢٧)، (٣٤٧٢٨) بنحوه، وذكره ابن عطية (٥/ ٣٥٧)، وذكره ابن كثير (٤/ ٤١٣)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٤٠٥)، وعزاه للفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير عن ابن عبّاس.\n(٢) أخرجه الطبري (١٢/ ٢٠٨)، رقم: (٣٤٧٣٢) بنحوه، وذكره ابن عطية (٥/ ٣٥٧)، وذكره ابن كثير (٤/ ٤١٢)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٤٠٦)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير عن ابن عبّاس.\n(٣) أخرجه الطبري (١٢/ ٢٠٩)، رقم: (٣٤٧٤٥) بنحوه، وذكره ابن عطية (٥/ ٣٥٧) .\n(٤) ينظر: «السبعة» (٦٤٨)، و«الحجة» (٦/ ٣١٤)، و«إعراب القراءات» (٢/ ٣٨٥)، و«حجة القراءات» (٧١٨)، و«معاني القراءات» (٨٦)، و«العنوان» (١٩٦)، و«شرح شعلة» (٦٠٦)، و«شرح الطيبة» (٦/ ٦٦)، و«إتحاف» (٢/ ٥٥٧) .\n(٥) ذكره ابن عطية (٥/ ٣٥٨) .","vol":"5","page":474},{"text":"حَفِظْتَه، انتهى، ثم/ ذَكَّر تعالى بأمر القيامةِ، وقرأ الجمهور «١»: «وَحُمِلَتْ» بتخفيفِ الميمِ بمعنى: حَمَلَتْهَا الريح أو القدرة، وفَدُكَّتا معناه سُوِّيَ جميعُها، وانشقاقُ السماءِ هو تَفَطُّرُهَا وتميُّزُ بعضِها من بعضٍ، وذلك هو الوَهْيُ الذي ينالُها، كما يقال في الجدرات الباليةِ المتشققةِ واهيةٌ، والملَكُ اسْمُ الجنسِ يريدُ به الملائكةَ، وقال جمهور من المفسرين:\nالضميرُ في أَرْجائِها عائدٌ على السَّمَاءِ أي: الملائِكَة على نواحيها، والرجاء الجَانِبُ مِنْ البئر أو الحائط ونحوه، وقال الضحاكُ وابنُ جبير وغيرهما: الضميرُ في: أَرْجائِها عائدٌ عَلى الأرْضِ «٢»، وإنْ كان لم يتقدم لها ذكرٌ قريبٌ لأنَّ القصةَ واللفظَ يَقْتَضِي إفهَام ذلك، وفَسَّرُوا هذه الآيةَ بما رُوِيَ من أن اللَّه تعالى يأمر ملائِكَةَ سَمَاءِ الدنيا، فيقفونَ صَفًّا على حَافَّاتِ الأرضِ، ثم يأمرُ ملائكة السماءِ الثانية فَيَصُفُّونَ خلفَهم، ثم كذلك ملائكةُ كُلّ سماءٍ، فكلما نَدَّ أحدٌ من الجنِ أو الإنسِ، وَجَدَ الأرضَ قد أُحِيطَ بها، قالوا: فهذا تفسير هذه الآية وهو أيضًا معنى قوله: وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر: ٢٢] وهو تفسير: «يَوْمَ التناد يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ» [غافر: ٣٢- ٣٣] على قراءةِ من شَدَّدَ الدال، وهو تفسيرُ قوله: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ... [الرحمن: ٣٣] الآية، واختلفَ الناسُ في الثمانيةِ الحاملينَ للعرشِ، فقال ابن عباس: هي ثمانيةُ صفوفٍ مِنَ الملائكة لا يَعْلَم أَحَدٌ عِدَّتَهم «٣»، وقال ابن زيدِ: هُمْ ثمانيةُ أمْلاَكٍ على هيئةِ الوُعُولِ «٤»، وقال جماعة من المفسرين: هم على هيئة الناسِ أرجلُهم تَحْتَ الأرْضِ السابعةِ، ورؤوسهم وكواهلهم فَوْقَ السماءِ السابعةِ، قال الغَزَّالِيُّ في «الدرة الفاخرة»: هم ثمانيةُ أمْلاَكٍ قَدَمُ المَلَكِ منهم مسيرةُ عشرينَ ألْفَ سنةٍ، انتهى، والضميرُ في قوله: فَوْقَهُمْ قيل: هو للملائكَةِ/ الحَمَلَةِ، وقيل: للعالم كلّه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1512>[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ١٨ الى ٢٩]</span>\nيَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ (١٨) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ (٢٠) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ (٢١) فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ (٢٢)\nقُطُوفُها دانِيَةٌ (٢٣) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ (٢٤) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ (٢٦) يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ (٢٧)\nما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ (٢٩)\n_________\n(١) وقرأ ابن عبّاس، والأعمش، وابن أبي عبلة، وابن مقسم بتشديد الميم.\nينظر: «مختصر الشواذ» ص: (١٦١)، و«المحرر الوجيز» (٥/ ٣٧٩)، و«البحر المحيط» (٨/ ٣١٧)، و«الدر المصون» (٦/ ٣٦٣)، و«التخريجات النحوية» (٢٣٨) .\n(٢) ذكره ابن عطية (٥/ ٣٥٩) .\n(٣) أخرجه الطبري (١٢/ ٢١٥- ٢١٦)، رقم: (٣٤٧٨٨، ٣٤٧٩٠) بنحوه، وذكره البغوي (٤/ ٣٨٨)، وذكره ابن عطية (٥/ ٣٥٩)، وذكره ابن كثير (٤/ ٤١٤)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٤٠٩)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٤) أخرجه الطبري (١٢/ ٢١٦)، رقم: (٣٤٧٩٢) بنحوه. وذكره ابن عطية (٥/ ٣٥٩) .","vol":"5","page":475},{"text":"وقوله تعالى: يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ خطابٌ لجميعِ العَالَمِ، وفي الحديثِ الصحيحِ:\n«يُعْرَضُ النَّاسُ ثَلاَثَ عَرْضَاتٍ، فَأَمَّا عَرْضَتَانِ فَجِدَالٌ وَمَعَاذِيرُ، وَأَمَّا الثَّالِثَةُ، فَعِنْدَهَا تَتَطَايَرُ الصُّحُفُ في الأَيْدِي، فَآخِذٌ بِيَمِينِهِ، وآخِذٌ بِشِمَالِهِ» «١»، قال الغَزَّالِيُّ: يَجِبُ على كُلِّ مُسْلِمٍ البِدَارُ، إلى مُحَاسَبَةِ نفسِه كما قال عمرُ﵁-: حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا، وَزِنُوهَا قَبْلَ أَنْ تُوزَنُوا «٢»، وإنَّمَا حِسَابُهُ لِنَفْسِهِ، أَنْ يَتُوبَ مِنْ كُلِّ مَعْصِيَةٍ قَبْلَ المَوْتِ تَوْبَةً نَصُوحًا، وَيَتَدَارَكَ مَا فَرَّطَ فِيهِ مِنْ تَقْصِيرٍ في فَرَائِضِ اللَّهِ﷿- ويردَّ المظالمَ حَبَّةً حَبَّةً، ويستحلَّ كلَّ مَنْ تَعَرَّضَ له بلسانِه ويدِه، وسوء ظِنّه بقلبِه، ويُطَيِّبَ قلوبَهم حتى يموتَ، ولم يَبْقَ عليه فريضة ولا مظلمة، فهذا يدخل بغيرِ حِسَابٍ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تعالى، انتهى من آخِر «الإحياء»، ونَقَلَ القرطبيُّ في «تذكرَتِه» هذه الألفاظَ بعينها.\nوقوله: هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ معناه تَعَالُوا، وقَوْله: اقْرَؤُا كِتابِيَهْ هُو استبشارٌ وسرورٌ- ص-: هاؤُمُ «ها» بمعنَى خُذْ، قَالَ الكسائي: والعربُ تقول: هَاءِ يَا رَجُلُ، وللاثنين رجلين أو امرأتين: هَاؤُمَا، وللرجال: هَاؤُمْ، وللمرأَةِ: هَاءِ بهمزة مكسورة من غير ياء، وللنساء: هَاؤُنَّ، وزعم القُتَبِيُّ أَنَّ الهمزةَ بَدَلٌ من الكافِ، وهو ضعيفٌ، إلا أنْ يعني أنها تحلُّ محلَّها في لغةِ مَنْ قال: هَاكَ وهَاكِ، وهَاكُمَا وهَاكُمْ وَهَاكُنَّ، فذلكَ مُمْكِنٌ، لا أَنَّه بَدَلٌ صناعيٌّ لأَنّ الكافَ/ لاَ تُبْدَلُ من الهمزةِ ولا الهمزةُ منها. انتهى.\nوقوله: إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ عبارةٌ عن إيمانه بالبعث وغيره، وظَنَنْتُ هنا واقَعةٌ موقع: تَيَقَّنْتُ، وهي في مُتَيَقَّنٍ لم يقعْ بَعْدُ ولا خرج إلى الحسِّ، وهذا هُو باب الظنِّ الذي يوقع موقعَ اليقين، وراضِيَةٍ بمعنى مَرْضِيَّة، والقُطُوفُ: جمع قَطْفٍ وهو ما يُجْتَنَى من الثمارِ، ويقطفُ، ودنوُّها هُوَ أَنهَا تأتي طوع التّمنّي فيأكلها القائم والقاعد\n_________\n(١) أخرجه الترمذي (٤/ ٦١٧)، كتاب «صفة القيامة» باب: ما جاء في العرض (٢٤٢٥)، وابن ماجه (٢/ ١٤٣٠)، كتاب «الزهد» باب: ذكر البعث (٤٢٧٧)، وأحمد (٤/ ٤١٤) .\nقال الترمذي: ولا يصح هذا الحديث من قبل أن الحسن لم يسمع من أبي هريرة وقد رواه بعضهم عن علي الرفاعي عن الحسن عن أبي موسى عن النبي ﷺ.\n(٢) ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٤١٠)، وعزاه لابن المبارك.","vol":"5","page":476},{"text":"والمضطجع بفيه من شجرتها، وبِما أَسْلَفْتُمْ معناه بِمَا قَدَّمْتُمْ من الأَعْمَالِ الصالحةِ، والْأَيَّامِ الْخالِيَةِ هي أيام الدنيا، لأنها في الآخرة قَدْ خَلَتْ وذَهَبَتْ، وقال وكيع وغيره:\nالمرادُ بِما أَسْلَفْتُمْ من الصوم «١»، وعموم الآية في كل الأعمال أوْلى وأحسن، ت:\nويدلُّ على ذلك الآية الأخرى كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [المرسلات: ٤٣] قال ابن المبارك في «رقائقه»: أخبرنا مالك بن مغول أنّه بلغَه أنّ عمر بن الخطاب﵁- قال: حَاسِبُوا أنفُسَكم قبل أن تحاسَبُوا فإنَّه أهْونُ أو أيْسَرُ لحسابِكم، وزنوا أنفسَكم قبل أن تُوزَنُوا، وتجهَّزُوا للعرْضِ الأَكْبَرِ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ قال ابن المبارك: أخبرنا معمر عن يحيى بن المختارِ، عن الحسن قال: إن المؤمِنَ قَوَّامٌ على نفسه، يحاسبُ نفسَه للَّه، وإنما خَفَّ الحسابُ يوم القيامة عَلَى قومٍ حَاسَبُوا أنفسهم في الدنيا، وإنَّما شَقَّ الحسابُ يومَ القيامةِ على قومٍ أَخَذُوا هذا الأَمْرَ عن غير محاسبةٍ «٢»، انتهى، والذينَ يُؤتَوْنَ كتبَهم بشمائِلهم هم المخلَّدُونَ/ في النارِ أهلُ الكفرِ، فيتمنَّوْن أن لو كانوا معدومين.\nوقوله: يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ إشارة إلى موتة الدنيا، أي: ليتها لم يكن بعدها رجُوع، - ص-: مَا أَغْنى «ما» نافيةٌ أو استفهاميةٌ انتهى، والسلطانُ في الآيةِ الحجةُ، وقيل: إنه يَنْطِقُ بذلكَ مُلُوكُ الدنيا، والظاهر أنَّ سلطانَ كلِّ أحَدٍ حَالُه في الدنيا من عَدَدٍ وعدد، ومنه قوله ﷺ «لاَ يُؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ في سُلْطَانِهِ، وَلاَ يجلس على تكرمته إلّا بإذنه» «٣» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1513>[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ٣٠ الى ٣٣]</span>\nخُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا فَاسْلُكُوهُ (٣٢) إِنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣)\nوقوله سبحانه: خُذُوهُ فَغُلُّوهُ الآية، المعنى يقول الله تعالى، أو الملك بأمره\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٥/ ٣٦٠) . [.....]\n(٢) ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٤١٢)، وعزاه لابن المنذر عن ابن جريج.\n(٣) أخرجه مسلم، كتاب «المساجد» باب: من أحق بالإمامة، حديث (٢٩٠- ٢٩١)، وأبو داود (١/ ٢١٥)، كتاب «الصلاة» باب: في من أحق بالإمامة (٥٨٢)، والترمذي (١/ ٤٥٨- ٤٥٩)، كتاب «المواقيت» باب: من أحق بالإمامة (٢٣٠)، والنسائي (٢/ ٧٦)، كتاب «الإمامة» باب: من أحق بالإمامة (٧٨٠)، (٢/ ٧٧)، كتاب «الإمامة» باب: اجتماع القوم وفيهم الوالي (٧٨٣)، وابن ماجه (١/ ٣١٣، ٣١٤)، كتاب «إقامة الصلاة والسنة فيها» باب: من أحق بالإمامة (٩٨٠)، وأحمد (٤/ ١١٨، ١٢١- ١٢٢)، (٥/ ٢٧٢)، وهو في الترمذي أيضا (٥/ ٩٩)، كتاب «الأدب» باب: (٢٤) (٢٧٧٢) .\nقال الترمذي: حسن صحيح.","vol":"5","page":477},{"text":"للزبانيةِ: خذوه واجْعَلُوا في عنقه غلًاّ، قال ابن جُرَيْجٍ: نزلَتْ في أبي جَهْلٍ «١» .\nوقوله تعالى: فَاسْلُكُوهُ معناه: أدْخِلوه، ورُوِيَ أن هذه السلسلةَ تدخلُ في فَمِ الكافرِ وتخرجُ من دُبُرِه، فهي في الحقيقةِ التي تَسْلُكُ فيه، لكنَّ الكلامَ جَرَى مَجْرَى:\nأدْخَلْتُ القَلَنْسُوةَ في رَأْسِي، ورُوي أن هذه السلسلةَ تلوى حَوْلَ الكافرِ حتى تعمَّه وتَضْغَطَه، فالكلامُ على هذا على وجهه وهو المسلوك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1514>[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ٣٤ الى ٣٧]</span>\nوَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (٣٤) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ (٣٥) وَلا طَعامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦) لا يَأْكُلُهُ إِلاَّ الْخاطِؤُنَ (٣٧)\nوقوله تعالى: وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ خُصَّتْ هذه الخلةُ بالذكرِ، لأنَّها من أضَرِّ الخِلاَلِ بالبشر إذا كثُرَتْ في قوم هَلَكَ مساكينُهم، ت: ونَقَلَ الفخرُ «٢» عن بعض الناس أنه قال في قوله تعالى: وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ: دليلانِ قويَّانِ على عِظَمِ الجرْمِ في حِرْمَانِ المساكين، أحدهما: عَطْفُه على الكفرِ وجَعْلُه قرينًا له، والثاني: ذِكْرُ الحضِّ دُونَ الفِعْلِ ليعلمَ أنَّه إذا كانَ تاركَ الحضِّ بهذه المنزلةِ، فكيفَ بمن ترك الفِعْل، قال الفخر «٣»: ودلتِ الآية على أنَّ الكفارَ يُعَاقَبُونَ على ترك الصلاةِ والزكاةِ، وهو المرادُ من قولنا: إنهم مخاطَبُون بفروعِ الشريعة/ وعن أبي الدَّرْدَاءِ أنه: كانَ يَحُضُّ امرأتَه على تكثيرِ المَرَقِ لأجْلِ المساكينِ، ويقول: خَلَعْنَا نصفَ السلسلةِ بالإيمَانِ، أَفَلاَ نَخْلَعُ النصفَ الثاني «٤»، انتهى.\nوقوله: فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ أي صَدِيقٌ لطيفُ المودةِ قاله الجمهور، وقيلَ: الحميمُ الماءُ السُّخْنُ، فكأنه تعالى أخبرَ أنَّ الكافرَ ليس له ماءٌ ولا شيءٌ مائعٌ ولا طَعَامٌ إلا مِنْ غِسْلينٍ، وهو ما يَجْرِي من الجَرَاحِ، إذا غَسِلَتْ، وقال ابن عباس: الغسلينُ هو صَدِيدُ أهْلِ النار «٥»، وقال قَوم: الغسلينُ: شيءٌ يجري من ضَرِيع النارِ، - ص-:\nإِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ أبو البقاء: النونُ في (غسلين) زائدةٌ: لأنه غُسَالَةُ أهلِ النار، انتهى،\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٥/ ٣٦١) عن ابن جرير.\n(٢) ينظر: «الفخر الرازي» (٣٠/ ١٠٢) .\n(٣) ينظر: المصدر السابق.\n(٤) ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٤١٢)، وعزاه لأبي عبيد، وعبد بن حميد، وابن المنذر عن أبي الدرداء.\n(٥) أخرجه الطبري (١٢/ ٢٢١)، رقم (٣٤٨٢٥)، وابن عطية (٥/ ٣٦١)، وابن كثير (٤/ ٤١٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٤١٢)، وعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم.","vol":"5","page":478},{"text":"والخاطئ الذي يفعل ضدّ الصواب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1515>[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ٣٨ الى ٤٠]</span>\nفَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ (٣٨) وَما لا تُبْصِرُونَ (٣٩) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠)\nوقوله تعالى: فَلا أُقْسِمُ قيل: «لا» زائدةٌ وقيل: «لا» رَدٌّ لما تَقَدَّمَ من أَقوالِ الكفار، والبَدْأَة: أقْسِمُ.\nوقوله: بِما تُبْصِرُونَ وَما لاَ تُبْصِرُونَ قَال قتادة: أرادَ اللَّه تعالى أن يَعُمَّ بهذا القسمِ جميعَ مخلوقاتهِ «١»، والرسولُ الكريمُ قيل: هو جبريلٌ، وقيل: هو نبينا محمّد ﷺ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1516>[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ٤١ الى ٤٤]</span>\nوَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٣) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ (٤٤)\nوقوله تعالى: وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ نَفى سبحانه أن يكونَ القرآن من قولِ شاعرٍ كما زعمت قريش، وقَلِيلًا نَصْبٌ بفعلِ مَضْمَر يدل عليه تُؤْمِنُونَ و«ما» يحتملُ أنْ تكونَ نافيةً فينتفي إيمَانُهم أَلْبَتَّةَ، ويحتملُ أَن تكونَ مصدريةً فيتَّصِفُ إيمانهم بالقلةِ، ويكونُ إيمانًا لُغَوِيًّا لأنهم قَدْ صَدَّقُوا بأشياءَ يسيرةٍ لاَ تُغْنِي عَنْهم شيئًا، ثم أخبر سبحانه أن محمّدا ع لَوْ تَقَوَّلَ عليه لعَاقَبَه بما ذكر، - ص-: الأَقَاويلُ جمع أقوالٍ، وأقْوَالٌ جَمْعُ قَوْلٍ، فهو جمع الجمع، انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1517>[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ٤٥ الى ٥٢]</span>\nلَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ (٤٧) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (٤٩)\nوَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكافِرِينَ (٥٠) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (٥١) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٥٢)\nوقوله سبحانه: لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ قال ابن عباس: المعنى لأَخَذْنا منه بالقوةِ، أي لَنِلْنَا منه عقَابَه بقوةٍ/ منا «٢»، وقيل: معناه لأَخَذْنَا بيدهِ اليمنى على جهةِ الهَوانِ، كما يقال لِمَنْ يسجنُ أو يقامُ لعقوبةٍ: خُذُوا بيدِه أو بيمينه، والوَتِينُ نِيَاطُ القلبِ قاله ابن عباس، وهُو عِرْقٌ غَلِيظٌ تصادفُه شفرةُ الناحِرِ «٣»، فمعنى الآيةِ: لأَذْهَبْنَا حياتَه معجَّلًا، والحاجِزُ:\nالمانِعُ والضمير في قوله: وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ عائدٌ على القرآن، وقيل: على النبي ﷺ،\n_________\n(١) ذكره البغوي (٤/ ٣٩٠)، وذكره ابن عطية (٥/ ٣٦٢) .\n(٢) ذكره البغوي (٤/ ٣٩٠)، وذكره ابن عطية (٥/ ٣٦٣) .\n(٣) أخرجه الطبري (١٢/ ٢٢٣)، رقم: (٣٤٨٣٢- ٣٤٨٣٣، ٣٤٨٣٤) بنحوه، والبغوي (٤/ ٣٩١)، وابن عطية (٥/ ٣٦٣)، وابن كثير (٤/ ٤١٧)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٤١٣)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، عن ابن عبّاس.","vol":"5","page":479},{"text":"- ص-: وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ: ضمير (إنه) يعودُ على التكذيبِ المفهومِ من مُكَذِّبِينَ، انتهى، وقال الفخر «١»: الضميرُ في قوله: وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ فيه وجهانِ: أحدهما أنه يعودُ على القرآن، أي: هو على الكافرينَ حَسْرَةً، إمَّا يوم القيامةِ إذَا رَأَوا ثَوَابَ المصدِّقينَ به، أو في الدنيا إذا رأوا دَوْلَةَ المؤمنِين، والثاني: قال مقاتلٌ: وإنَّ تكذيبَهم بالقرآن لَحَسْرَةٌ عليهم يَدلُّ عَلَيْه قوله: أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ، انتهى، ثم أمَرَ تعالى نبيه بالتسبيحِ باسْمِه العظيم، ولمّا نَزَلت قال رسول الله ﷺ: اجعلوها في ركوعكم.\n_________\n(١) ينظر: «الفخر الرازي» (٣٠/ ١٠٦) .","vol":"5","page":480},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1518>تفسير سورة «المعارج»</span>\n[وهي] مكّيّة بلا خلاف\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1519>[سورة المعارج (٧٠): الآيات ١ الى ٣]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nسَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ (١) لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ (٢) مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعارِجِ (٣)\nقوله ﷿: سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ قرأ جمهور السبعة: سَأَلَ بهمزة محقَّقةٍ، قالوا: والمعنى دَعَا داعٍ، والإشارةُ إلى مَنْ قال من قريشٍ: اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ ... [الأنفال: ٣٢] الآية، وقولهم: عَجِّلْ لَنا قِطَّنا [ص: ١٦] ونحو ذلك، وقال بعضهم: المعنى بَحَثَ بَاحِثٌ واسْتَفْهَمَ مُسْتَفْهِم، قالوا: والإشارةُ إلى قول قريشٍ: مَتى هذَا الْوَعْدُ [الملك: ٢٥] وَمَا جَرى مَجْراه قاله الحسن وقتادة، والباء على هذا التأويل في قوله: بِعَذابٍ بمعنى «عن» وقرأ نافع وابن عامر «١»: «سَال سَائِلٌ» ساكنَةَ الأَلِفِ، واختلفَ القراء بها/ فقال بعضهم: هي «سأل» المهموزةُ إلاَّ أنَّ الهمزةَ سُهِّلَتْ، وقال بعضهم هي لغة من يقول: سَلْتُ أَسَالُ وَيَتَسَاوَلاَنِ، وهي لغةٌ مشهورة، وقال بعضهم في الآية: هي من سَالَ يَسِيلُ إذا جَرَى، وليست من معنى السؤال، قال زيد بن ثابت وغيره: في جهنمَ وادٍ يسمَّى سَائِلًا «٢» والإخبارُ هنا عنه، وقرأ ابن عباس «٣»: «سَال سيل» - بسكون الياءِ- وسؤَال الكفارِ عن العذابِ- حَسَبَ قراءة الجماعة- إنما كانَ على أنه كَذِبٌ، فوصفَه اللَّه تعالى بأنهُ وَاقِعٌ وعيدًا لهم.\nوقوله: لِلْكافِرينَ قال بعض النحاة: اللامُ بمعنى «على»، ورُويَ: أنه كذلِكَ في\n_________\n(١) ينظر: «السبعة» (٦٥٠)، و«الحجة» (٦/ ٣١٧)، و«إعراب القراءات» (٢/ ٣٨٩)، و«حجة القراءات» (٧٢٠)، و«معاني القراءات» (٣/ ٨٨)، و«شرح الطيبة» (٦/ ٦٨)، و«العنوان» (١٩٧)، و«شرح شعلة» (٦٠٨) . و«إتحاف» (٢/ ٥٦٠) .\n(٢) ذكره ابن عطية (٥/ ٣٦٤) .\n(٣) قال أبو الفتح: السيل هنا: الماء السائل، وأصله المصدر، من قولك: سال الماء سيلا، إلا أنه أوقع على الفاعل، كقوله: إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْرًا [الملك: ٣٠]، أي: غائرا.\nينظر: «المحتسب» (٢/ ٣٣٠)، و«مختصر الشواذ» ص: (١٦٢)، و«المحرر الوجيز» (٥/ ٣٦٥) . [.....]","vol":"5","page":481},{"text":"مصحف «١» أُبَيٍّ: «على الكافرين» والمعارجُ في اللُّغةِ الدَّرَجُ في الأجْرَام، وهي هنا مستَعارَةٌ في الرُّتَبِ والفضائِل، والصفاتِ الحميدة قاله ابن عباس وقتادة «٢»، وقال الحسن: هي المَرَاقي في السماء «٣»، قال عياض، في «مشارق الأنوار»: قوله ﷺ «فَعَرَجَ بي إلى السَّماء»، أي: ارْتَقَى بي، والمعراجُ الدَّرَجُ وقيل: سُلَّمٌ تَعْرُج فيه الأرواحُ، وقيل: هو أحْسَنُ شيءٍ لا تتمالكُ النفسُ إذا رأته أنْ تَخْرُجَ، وإليه يَشْخَصُ بَصَرُ الميْتِ مِنْ حُسْنِهِ، وقيل: هو الذي تَصْعَدُ فيه الأَعْمَالُ، وقيل: قوله: ذِي الْمَعارِجِ مَعَارِجِ الملائكة، وقيل: ذي الفواضل، انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1520>[سورة المعارج (٧٠): آية ٤]</span>\nتَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤)\nوقوله تعالى: تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ معناه تَصْعَدُ، والرُّوحُ عِنْدَ الجمهورِ هو جبريلُ ع وقال مجاهد: الرُّوحُ ملائِكَةٌ حَفَظَةٌ للملائِكَةِ الحافظين لبني آدم لا تَراهم الملائكةُ كَمَا لا نرى نحن الملائكة «٤»، وقال بعض المفسرين: هو اسم جنسِ لأرواحِ الحيوان.\nوقوله سبحانه: فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ قال ابن عباس وغيره: هو يومُ القيامةِ «٥»، ثم اختلفُوا فقال بعضُهم: قُدْرُه في الطولِ قَدْرَ/ خمسينَ ألفَ سَنَةٍ، وقال بعضهم: بل قَدْرُه في الشدّة، والأولُ هو الظاهر، وهو ظاهر قوله ﷺ: «ما مِنْ رجلٍ لا يؤَدِّي زكاةَ مالِه إلا جُعِلَ له صفائحُ مِن نارٍ يوم القيامةِ تكْوَى بها جَبْهَتُه وظهرُه وجَنْبَاه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة» . قال أبو سعيدِ الخدريُّ: «قيل: يا رسولَ اللَّه! مَا أطْوَلَ يَوْمًا مِقْدَارُهُ خَمْسُونَ أَلْفَ سَنَة! فقالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إنَّهُ لَيَخِفُّ عَلَى المُؤْمِنِ حَتَّى يَكُونَ أَخَفَّ عَلَيْهِ مِنْ صَلاَةٍ مَكْتُوبَةٍ» «٦»، قال ابن المبارك: أَخبرنا معمر عن قتادة عن\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٣٦٥) .\n(٢) أخرجه الطبري (٦/ ٢٢٦)، رقم: (٣٤٨٥٣- ٣٤٨٥٤) بنحوه، وذكره ابن عطية (٥/ ٣٦٥)، وابن كثير (٤/ ٤١٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٤١٦)، وعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عبّاس، وعزاه أيضا لعبد بن حميد.\n(٣) ذكره ابن عطية (٥/ ٣٦٥) .\n(٤) ذكره ابن عطية (٥/ ٣٦٥) .\n(٥) أخرجه الطبري (١٢/ ٢٢٧)، رقم: (٣٤٨٦٤) بنحوه، وذكره البغوي (٤/ ٣٩٢)، وابن عطية (٥/ ٣٦٥)، وابن كثير (٤/ ٤١٩)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٤١٦)، وعزاه لابن أبي حاتم، والبيهقي في «البعث» .\n(٦) أخرجه أحمد (٣/ ٧٥)، والطبري (١٢/ ٢٢٧) (٣٤٨٦٧) .","vol":"5","page":482},{"text":"زُرَارَةَ بْنِ أوفى عن أبي هريرةَ قال: يَقْصُرُ يومئذٍ على المؤْمِنِ حتى يكونَ كوقتِ الصَّلاَةِ «١»، انتهى، قال ع «٢»: وَقَدْ ورد في يوم القيامةِ أنه كألْفِ سنةٍ، وهذا يشبه أن يكونَ في طوائفَ دونَ طوائفَ، ت: قال عبد الحق في «العاقبة» له: اعْلَمْ رَحِمَكَ اللَّهُ أن يومَ القيامةِ لَيْسَ طولُه كما عَهِدْتَ من طول الأيامْ، بَلْ هو آلافٌ من الأعوامْ، يَتَصَرَّفُ فيه هذا الأنامْ، على الوُجُوهِ والأَقْدَامْ، حَتَّى يَنْفُذَ فيهم مَا كُتِبَ لَهُمْ وعليهم من الأَحْكَامِ، وليس يكونُ خَلاَصُه دفعةً وَاحِدَةً، ولا فراغُهم في مرةٍ واحدةٍ بل يَتَخَلَّصُونَ ويَفْرُغُونَ شَيْئًا بعد شيءٍ، لَكِنَّ طولَ ذلك اليومِ خمسون ألفَ سنة، فَيَفْرَغُونَ بِفَرَاغِ اليومِ، ويفرغُ اليومُ بِفَرَاغِهِم، فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يطولُ مقامُه وحبْسُه إلى آخر اليومِ، ومنهم من يكونُ انفصَالُه في ذلك اليوم في مقدار يَوْمٍ من أيام الدنيا، أو في ساعةٍ من ساعاتِه، أو في أقَلَّ من ذلك، ويكون رائحًا في ظلِّ كَسْبهِ وعَرْشِ ربه، ومنهم من يُؤْمَرُ به إلى الجنةِ بغير حسابٍ ولا عذاب، كما أنَّ منهم مَنْ يُؤمَرُ به إلى النارِ في أول الأمْر من غير وقوفٍ ولا انتظار، / أو بعدَ يسير من ذلك، انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1521>[سورة المعارج (٧٠): الآيات ٥ الى ١٨]</span>\nفَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (٥) إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَراهُ قَرِيبًا (٧) يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ (٨) وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ (٩)\nوَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (١٠) يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (١١) وَصاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (١٢) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (١٣) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ (١٤)\nكَلاَّ إِنَّها لَظى (١٥) نَزَّاعَةً لِلشَّوى (١٦) تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (١٧) وَجَمَعَ فَأَوْعى (١٨)\nوقوله سبحانه: فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا أمرٌ للنبيّ ﷺ بالصبرِ على أذَى قومِه، والصبرُ الجميلُ الذي لا يَلْحَقُه عَيْبٌ ولا شَكٌّ ولا قِلَّةُ رِضًى، ولا غيرُ ذلك، والأمْرُ بالصبرِ الجميلِ مُحْكَمٌ في كل حالة، أعني: لاَ نَسْخَ فيه، وقيل: إن الآيةَ نزلتْ قبل الأمْرِ بالقِتَالِ فهي منسوخة، ت: ولو قيلَ: هذا خطابٌ لجنسِ الإنْسَانِ في شَأْنِ هَوْلِ ذلكَ اليومِ مَا بَعُدَ.\nوقوله تعالى: إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا يعني يوم القيامة، والمهْلُ: عَكَرُ الزَّيْتِ قاله ابن\n_________\n- قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٣٤٠): رواه أحمد وأبو يعلى وإسناده حسن على ضعف في راويه.\n(١) أخرجه مسلم (١/ ٣٢٢)، وأبو داود (٢/ ٦٧٣)، كتاب «الأدب» باب: في التحلق (٤٨٢٣)، وأحمد (٥/ ٩٣، ١٠١، ١٠٧)، والبيهقي (٣/ ٢٣٤)، كتاب «الجمعة» باب: من كره التحلق في المسجد.\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٣٦٥) .","vol":"5","page":483},{"text":"عباس «١» وغيره، فَهِي لسوادِها وانكدارِ أَنوارِها، تشبهُ ذلكَ، والمهلُ أيضًا: ما أُذِيبَ من فضَّةٍ ونحوها قاله ابن مسعود وغيره «٢»، والعِهْنُ الصوفُ، وقيل: هو الصوفُ المصْبُوغ، أيَّ لَوْنٍ كَانَ، والحميمُ في هذا الموضع: القريبُ والوَليُّ، والمعنى: ولا يَسْأَلُهُ نصرةً ولا منفعةً، ولا يجدُها عنده، وقال قتادة: المعنى: ولا يَسْأَلُهُ عن حالِه لأَنَّها ظاهرةٌ قَدْ بَصُرَ كلُّ أحَدٍ حَالَةَ الجميعِ، وشُغِلَ بنفسهِ «٣»، قال الفخرُ «٤»: قوله تعالى: يُبَصَّرُونَهُمْ تقول:\nبَصَّرَني زيدٌ كَذَا، وبَصَّرَنيِ بِكَذَا، فإذا بَنَيْتَ الفِعل للمَفْعُولِ وحَذَفْتَ الجارَّ، قلتَ: بُصِّرْتُ زَيْدًا، وهكذا معنى: يُبَصَّرُونَهُمْ وكأَنَّه لما قال: وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا قيل: لعله لاَ يُبْصِرُه فَقَال: يُبَصَّرُونَهُمْ ولَكِنْ لاِشْتِغَالِهم بأنفسِهم لا يَتَمَكَّنُونَ من تساؤلهِم، انتهى، وقرأ ابن كثير «٥» بخلافٍ عنه: «ولاَ يُسْئَلُ» عَلَى بِنَاءِ الفعلِ للمفعول، فالمعنى: وَلاَ يُسْأَلُ إحْضَارَهُ لأنَّ كلَّ مُجْرِمٍ له سِيمَا يُعْرَفُ بها، كما أنَّ كُلَّ مُؤْمِنٍ لَهُ سِيمَا خَيْرٍ، والصَّاحِبَةُ هنا: الزوجةُ، والفصيلة هنا: قرابَةُ الرجل.\nوقوله تعالى: كَلَّا إِنَّها لَظى ردُّ لما وَدُّوه، أي: ليس الأَمْرُ كذلك، و«لَظَى» طَبَقَةٌ مِنْ طبقاتِ جهنم، والشَّوَى/ جلدُ الإنسانِ وقيل: جلدُ الرأس.\nتَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى يريدُ الكفارَ، قال ابن عباس وغيره: تدعوهُم بأسمائهم وأسماء آبائهم «٦»، وَجَمَعَ أي جمعَ المالَ وفَأَوْعى جَعَلَه في الأوْعِية، أي: جمعُوه من غيرِ حلٍّ ومَنَعُوه من حقوقِ اللَّهِ، وكان عبدُ اللَّهِ بن عكيم لاَ يَرْبِطُ كيسَه، ويقول:\nسمعت الله تعالى يقول: وَجَمَعَ فَأَوْعى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1522>[سورة المعارج (٧٠): الآيات ١٩ الى ٢١]</span>\nإِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١)\nوقوله تعالى: إِنَّ الْإِنْسانَ عمومٌ لاسْمِ الجنسِ، لكنّ الإشارة هنا إلى الكفار،\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٥/ ٣٦٦)، وابن كثير (٤/ ٤٢٠)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٤١٨)، وعزاه للطستي عن ابن عبّاس.\n(٢) ذكره ابن عطية (٥/ ٣٦٦) .\n(٣) أخرجه الطبري (١٢/ ٢٢٩)، رقم: (٣٤٨٧٦) بنحوه، وذكره ابن عطية (٥/ ٣٦٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٤١٨)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن المنذر.\n(٤) ينظر: «الفخر الرازي» (٣٠/ ١١١) .\n(٥) ينظر: «السبعة» (٦٥٠)، و«الحجة» (٦/ ٣٢٠)، و«إعراب القراءات» (٢/ ٣٩٢)، و«معاني القراءات» (٣/ ٨٩)، و«شرح الطيبة» (٦/ ٦٩)، و«إتحاف» (٢/ ٥٦١) . [.....]\n(٦) ذكره البغوي (٤/ ٣٩٤) بنحوه، وذكره ابن عطية (٥/ ٣٦٧) .","vol":"5","page":484},{"text":"والهَلَعُ فَزَعٌ واضْطِرَابٌ يعتري الإنسانَ عندَ المخاوفِ وعندَ المطامع.\nوقوله تعالى: إِذا مَسَّهُ ... الآية، مفسّر للهلع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1523>[سورة المعارج (٧٠): الآيات ٢٢ الى ٢٣]</span>\nإِلاَّ الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ (٢٣)\nوقوله تعالى: إِلَّا الْمُصَلِّينَ أي: إلا المؤمنينَ الذين أمْرُ الآخِرَةِ عليهم أوْكَدُ مِنْ أمْرِ الدنيا، والمعنى أن هذَا المعنى فِيهم يَقِلُّ لأنهم يُجَاهِدُونَه بالتقوى.\nوقوله: الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ أي: مواظبون، وقد قال ع «أَحَبُّ العَمَلِ إلَى اللَّه مَا دَامَ عليه صاحبُه» . ت: وقد تقدم في سورةِ «قَدْ أَفْلَحَ» ما جَاءَ في الخشوعِ، قَالَ الغزاليُّ: فَيَنْبَغِي لك أنْ تفهمَ ما تقرؤه في صلاتِك ولاَ تَغْفُلَ في قراءَتِك عن أمْرِه «١» سبحانَه، ونهيه، وَوَعْدِه، وَوَعِيده، ومواعظِه وأخبارِ أنبيائِه، وذِكْرِ مِنَّتِه وإحْسَانِه، فلكلِّ واحدٍ حَقٌّ فالرجَاءُ حق الوَعْدِ، والخَوْفُ حقُّ الوعيد، والعَزْمُ حق الأمْرِ والنّهي، والإتِّعاظُ حقُّ الموعِظَة، والشكرُ حقُّ ذكر المِنَّةِ، والاعتبارُ حق ذِكْر أخبارِ الأنبياء، قال الغزالي: وتكونُ هذه المعاني بِحَسَبِ دَرَجَاتِ الفَهْمِ، ويكونُ الفَهْمُ بِحَسَبِ وُفُورِ العلمِ. وصَفَاءِ القلب، ودَرَجَاتُ ذلكَ لاَ تَنْحَصِرُ، فهذا حقُّ القراءةِ وهُوَ حَقُّ الأَذْكَارِ، والتسبيحاتِ أيضًا، ثم يُرَاعى الهيئةَ في/ القراءةِ، فيرتِّلُ ولا يَسْرُدُ فإن ذلك أيْسَرُ للتأمُّلِ، ويُفَرِّقُ بَيْن نَغْمَاتِه في آياتِ الرحمةِ وآياتِ العذاب، والوعد والوعيد، والتحميدِ والتعظيمِ، انتهى من «الإحياء»، ورَوَى ابن المبارك في «رقائقه» قال: أخبرنا ابن لَهِيعَةَ عن يزيدَ بْنِ أبي حَبِيبٍ أنَّ أبا الخَيْرِ حدَّثَهُ قال: سَأَلْنَا عقبةَ بنَ عامرٍ الجهنيّ عن قوله﷿-:\nالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ أهُمُ الذين يصلُّون أبَدًا؟ قال: لا، ولكنَّه الذي إذا صلى لم يلتفتْ عن يمينهِ، ولا عن شماله، ولا خلفه «٢»، انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1524>[سورة المعارج (٧٠): الآيات ٢٤ الى ٣١]</span>\nوَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥) وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (٢٦) وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٢٧) إِنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (٢٨)\nوَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٢٩) إِلاَّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٣٠) فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ (٣١)\nوقوله سبحانه: وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ قال ابن عباس وغيره: هذه الآيةُ\n_________\n(١) في د: أمر الله.\n(٢) ذكره ابن عطية (٥/ ٣٦٨)، وابن كثير (٤/ ٤٢١)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٤٢٠)، وعزاه لابن المنذر.","vol":"5","page":485},{"text":"في الحقُوقِ التي في المَالِ سِوَى الزكاةِ «١»، وهي ما نَدَبَتْ إليه الشريعةُ من المواساة، وهذا هو الأصَحُّ في هذه الآية لأن السورَة مكيةٌ وفَرْضُ الزكاةِ وبيانُها إنما كَان بالمدينة، وباقي الآية تقدّم تفسير نظيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1525>[سورة المعارج (٧٠): الآيات ٣٢ الى ٣٥]</span>\nوَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ (٣٢) وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ (٣٣) وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ (٣٤) أُولئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ (٣٥)\nوقوله سبحانه: وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ جَمَع الأمَانَةَ مِنْ حَيْثُ إنَّها متنوعةٌ في الأمْوَال والأسْرَارِ، وفيما بينَ العَبْدِ وربِّه، فيما أمره به ونهاه عنه، والعَهْدُ كلُّ ما تَقَلَّدَه الإنْسَانُ من قَوْلٍ أو فعل، أو مَوَدَّةٍ، إذا كانَتْ هذه الأَشْيَاء على منهاج الشريعةِ فَهُو عَهْدٌ ينبغي رعيُه وحفظُه.\nوقوله سبحانه: وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ معناه في قول جماعة من المفسرين: أنهم يَحْفَظُون ما يَشْهَدُونَ فيه، ويُتْقِنُونَه، ويقومُونَ بمعانيه حتَى لاَ يكونَ لهم فيه تقصيرٌ وهَذَا هو وصفُ من يمتثل قول النبي ﷺ: «عَلَى مِثْلِ الشَّمْسِ فاشهد»، وقال آخرونَ: معناه: الذينَ إذا كَانَتْ عندَهم شهادةٌ وَرَأوْا حَقًا يُدْرَسُ أو حُرْمَةً للَّهِ تُنْتَهَكُ قامُوا للَّهِ بشهادتهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1526>[سورة المعارج (٧٠): الآيات ٣٦ الى ٣٧]</span>\nفَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (٣٦) عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ (٣٧)\nوقوله تعالى: فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ الآية نزلت بسبب/ أن النبي ﷺ كَانَ يصلي عندَ الكعبةِ أحيانًا ويقرأ القرآن، فكان كثيرٌ من الكفَّارِ يَقُومُونَ من مجَالِسِهم مسرعينَ إليه يستمعون قراءَتَه، ويقول بعضهم لبعض: شاعر وكاهن، ومفتر وغير ذلك، وقِبَلَكَ معناه فيما يليكَ، والمُهْطِعُ الذي يمشي مُسْرِعًا إلى شيء قد أقبل ببصره عليه، وعِزِينَ جَمْعُ عِزَةٍ، والعِزَةُ: الجَمْعُ اليسيرُ كأَنَّهم كَانُوا ثلاثةً ثَلاَثَةً وأَرْبَعَةً أرْبَعَةً، وفي حديثِ أَبِي هريرة قال: «خرج النبي ﷺ على أصحابه وهم حَلَقٌ متفرقونَ، فقالَ: مالي أراكم عزين» «٢» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1527>[سورة المعارج (٧٠): الآيات ٣٨ الى ٤٤]</span>\nأَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (٣٨) كَلاَّ إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ (٣٩) فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ إِنَّا لَقادِرُونَ (٤٠) عَلى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٤١) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٤٢)\nيَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعًا كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (٤٣) خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ (٤٤)\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٢/ ٢٣٦)، رقم: (٣٤٩١٨) بنحوه، وذكره ابن عطية (٥/ ٣٦٨) .\n(٢) أخرجه مسلم (١/ ٣٢٢)، كتاب «الصلاة» باب: الأمر بالسكون في الصلاة، حديث (١١٩/ ٤٣٠)، وأبو داود (٥/ ١٦٣)، كتاب «الأدب» باب: في التحلق، حديث (٤٨٢٣)، وأحمد (٥/ ٩٣) .","vol":"5","page":486},{"text":"وقوله تعالى: أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ نزلتْ لأَنَّ بعضَ الكفارِ قال: إنْ كَانَتْ ثَمَّ آخرةٌ وجنةٌ فنحنُ أهْلها لأَنَّ اللَّهَ تعالى لم يُنْعِمْ علينا في الدنيا بالمال والبنِين، وغيرِ ذلك إلا لرضَاه عنا.\nوقوله تعالى: كَلَّا رَدُّ لقولِهم وَطَمَعِهم، أي: ليس الأمْرُ كذلك، ثم أخبرَ تَعَالَى عَنْ خَلْقِهِم من نطفةٍ قدرة، وأحالَ في العبارةِ عَلى عِلْمِ الناسِ، أي: فمن خُلِقَ من ذلكَ فَلَيْسَ بنفسِ خَلْقِهِ يُعْطَى الجنةَ، بلْ بالإيمَانِ والأَعْمَالِ الصالحةِ، ورَوَى ابن المباركِ في «رقائقه» قال: أخبرنا مالك بن مغول قال: سمعت أبا ربيعة يحدِّثُ عن الحسن قال:\nقال رسول الله ﷺ: «كُلُّكُم يُحِبُّ أنْ يُدْخَلَ الجَنَّةُ؟ قَالُوا: نَعَمْ، جَعَلَنَا اللَّهُ فِدَاءَكَ، قَالَ:\nفَأَقْصِرُوا مِنَ الأَمَلِ، وثَبِّتُوا آجَالَكُمْ بَيْنَ أَبْصَارِكُمْ، واسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الحَيَاءِ، قَالُوا:\nيَا رَسُولَ اللَّهِ، كُلُّنَا نَسْتَحِي مِنَ اللَّهِ، قَالَ: لَيْسَ كَذَلِكَ الحَيَاءُ، ولكن الحَيَاءَ مِنَ اللَّهِ أَلاَّ تَنْسَوُا المَقَابِرَ والبلى، وَلاَ تَنْسَوُا الجَوْفَ وَمَا وعى، وَلاَ تَنْسَوُا الرَّأْسَ وَمَا حوى/، وَمَنْ يَشْتَهِي كَرَامَةَ الآخِرَةِ يَدَعُ زِينَةَ الدُّنْيَا، هُنَالِكَ استحيا الْعَبْدُ مِنَ اللَّهِ، هُنَالِكَ أصَابَ وِلاَيَةَ اللَّهِ» «١»، انتهى، وقد روِّينَا أكْثَرَ هَذا الحدِيثِ، من طريقِ أبي عيسى الترمذي، وباقي الآيةِ تَقَدَّم تفسيرُ نظيرِه، والأَجْدَاثُ القبُورَ، والنُّصُبُ: ما نُصِبَ للإنْسَانِ فهو يَقْصِدُه مسرعًا إليه من عَلَمٍ أو بناءٍ، وقال أبو العالية: إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ: معناه: إلى غايات يستبقون، ويُوفِضُونَ: معناه: يسرعون، وخاشِعَةً: أي: ذليلة منكسرة.\n_________\n(١) أخرجه ابن المبارك في «الزهد» ص: (١٠٧) (٣١٧) .","vol":"5","page":487},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1528>تفسير سورة نوح ﵇</span>\nوهي مكّيّة بإجماع\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1529>[سورة نوح (٧١): الآيات ١ الى ٤]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nإِنَّا أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١) قالَ يا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذا جاءَ لاَ يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤)\nقوله سبحانه: إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ هذا العذابُ الذي تَوَعَّدُوا بهِ، الأظْهَرُ أنَّه عذابُ الدنيا، ويُحْتَمَلُ أنْ يكونَ عذابَ الآخرةِ.\nوقوله: مِنْ ذُنُوبِكُمْ قال قوم: «من» زائدةٌ وهذا نحوٌ كوفيٌّ، وأما الخليلُ وسيبويهِ فلا يجوزُ عندَهم زِيادَةٌ «من» في المُوجَبِ «١»، وقال قومٌ: هي للتبعيضِ، قال ع «٢»: وهَذَا القولُ عندي أبْيَنُ الأقوالِ هنا وذلك أنه لَوْ قَالَ: يَغْفِرْ لَكُمْ ذنوبَكُم لَعَمَّ هذَا اللفظُ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الذنوبِ، ومَا تَأَخَّرَ عن إيمانِهم، والإسْلاَم إنَّما يَجُبُّ ما قبله.\nوقوله سبحانه: وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى كأنّ نوحا ع قال لهم:\nوآمنوا يَبِنْ لَنَا أَنَّكُمْ ممن قُضِيَ له بالإيمان والتأخيرِ، وإنْ بَقِيتُم عَلى كُفْرِكُمْ فَسَيَبينُ أنكم ممن قُضِيَ عليه بالكفرِ والمُعَاجَلَةِ، ثم تبيَّنَ هذا المعنى ولاَح بقوله تعالى: إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذا جاءَ لاَ يُؤَخَّرُ وجَوابُ لو مقدرٌ/ يقتضِيه المعنى، كأنَّه قال: فَمَا كَانَ أحْزَمَكُمْ أو أَسْرَعَكُمْ إلَى التّوبة لو كنتم تعلمون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1530>[سورة نوح (٧١): الآيات ٥ الى ١٠]</span>\nقالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهارًا (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلاَّ فِرارًا (٦) وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبارًا (٧) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهارًا (٨) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرارًا (٩)\nفَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّارًا (١٠)\n_________\n(١) في د: الواجب.\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٣٧٢) .","vol":"5","page":488},{"text":"وقوله تعالى: قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهارًا الآية، هذه المقالةُ قَالَها نوحٌ ع بَعْدَ طولِ عُمْرِهِ ويأسِه من قومه.\nوَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ: معناه: جعلوها أغشية على رؤوسهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1531>[سورة نوح (٧١): الآيات ١١ الى ١٢]</span>\nيُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْرارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهارًا (١٢)\nوقوله: يُرْسِلِ السَّماءَ الآية، رُوِيَ أن قومَ نوحٍ كانوا قَدْ أصَابَتْهُمْ قُحُوطٌ وأزْمَةٌ فلذلك بدأهم في وعده بأمر المطر، ومِدْرارًا من الدَّرِّ، ورَوَى ابنُ عباسٍ عن النبي ﷺ أَنَّه قال: «مَنْ لَزِمَ الاِسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرجًا، وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، ورَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ» «١» رواه أبو داود واللفظ له، والنسائيُّ وابن ماجه، ولفظ النسائيِّ «٢»: «من أكْثَرَ من الاستغفار»، انتهى من «السلاح» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1532>[سورة نوح (٧١): الآيات ١٣ الى ١٥]</span>\nما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقارًا (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوارًا (١٤) أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا (١٥)\nوقوله: مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقارًا قال أبو عبيدةَ وغيره: تَرْجُونَ معناه تَخَافُونَ «٣»، قالُوا: والوَقَارُ بمعنى العَظَمَةِ، فكأَنَّ الكلامَ عَلى هذا التأويلِ وَعِيدٌ وتخويفٌ، وقال بعض العلماء: تَرْجُونَ على بَابِها، وكأنه قال: مَا لَكُمْ لا تجعلون رجاءكم لله، ووَقارًا يكونُ على هذا التأويل منهم كأنه يقولُ: تَؤُدَةً مِنْكُمْ وتَمَكُّنًا في النظر.\nوقوله: وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوارًا قال ابن عباس وغيره: هي إشارة إلى التدريجِ الذي للإنْسَانِ في بطنِ أمه «٤»، وقال جماعة: هي إشارة إلى العِبْرَةِ في اختلاف خلق ألوان الناس\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (١/ ٤٧٦)، كتاب «الصلاة» باب: في الاستغفار (١٥١٨)، وابن ماجه (٢/ ١٢٥٤، ١٢٥٥)، كتاب «الأدب» باب: الاستغفار (٣٨١٩)، والبيهقي (٣/ ٣٥١)، كتاب «صلاة الاستسقاء» باب: ما يستحب من كثرة الاستغفار في خطبة الاستسقاء، وأبو نعيم في «الحلية» (٣/ ٢١١)، والنسائي في «الكبرى» (٦/ ١١٨)، كتاب «عمل اليوم والليلة» باب: ثواب ذلك (١٠٢٩٠/ ٢)، والحاكم في «المستدرك» (٤/ ٢٦٢) .\nقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.\nوتعقبه الذهبي قائلا: الحكم فيه جهالة.\n(٢) في د: وابن ماجه.\n(٣) ذكره ابن عطية (٥/ ٣٧٤) .\n(٤) أخرجه الطبري (١٢/ ٢٥١)، رقم: (٣٥٠١٢) بنحوه، وذكره ابن عطية (٥/ ٣٧٤)، وابن كثير (٤/ ٤٢٥) .","vol":"5","page":489},{"text":"وخلقهم، ومللهم، والأطوار: الأحوال المختلفة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1533>[سورة نوح (٧١): الآيات ١٦ الى ٢٤]</span>\nوَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجًا (١٦) وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتًا (١٧) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها وَيُخْرِجُكُمْ إِخْراجًا (١٨) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطًا (١٩) لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلًا فِجاجًا (٢٠)\nقالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسارًا (٢١) وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (٢٢) وَقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ ضَلالًا (٢٤)\nوقوله سبحانه: وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا ... الآية، قال عبدُ اللَّه بن عمرو بن العاص وابن عباس: إن الشَّمْسَ والقمر أقْفَاؤهما إلى الأرض، وإقبال/ نورهما وارتفاعُه في السماء «١» وهذا الذي يقتضيه لفظ السّراج.\nوأَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ: استعارَةٌ مِنْ حَيْثُ خُلِقَ آدم ع من الأرض.\nونَباتًا مصدرٌ جَاءَ على غير المصدر، التقديرُ: فَنَبَتُّم نَبَاتًا، والإعَادَةُ فيها بالدَّفْنِ، والإخراجُ هو بالبعثِ، وظاهر الآية: أنَّ الأرْضَ بسيطَةٌ غيرُ كُرِيَةً، واعتقادُ أحَدِ الأمْرَيْنِ غَيْرُ قَادِح في الشرْعِ بنفسِه، اللهمَّ إلاَّ أنْ يترتبَ «٢» على القولِ بالكُرِيَّةِ نَظَرٌ فاسِدٌ، وأما اعتقادُ كونِها بسيطةً، فهو ظاهِرُ كتابِ اللَّه تعالى، وهو الذي لاَ يَلْحَقُ عنه فسادٌ أَلْبَتَّةَ، واستدلَّ ابن مجاهد على صحَّة ذلك بماءِ البحر المُحِيطِ بالمَعْمُورِ فَقَال: لَوْ كانت الأرضُ كُرِيَّةً لَمَا اسْتَقَرَّ المَاءُ عَلَيْهَا «٣»، والسُّبُلُ الطرقُ، والفجاجُ الواسعةُ، وقولُ نوحٍ: وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ ... الآية، المعنى: اتّبعوا أشرافهم وغواتهم، وخَسارًا: معناه: خسرانا، وكُبَّارًا: بناءُ مبالغةٍ نَحْوَ: حُسَّانَ وُقُرِىءَ «٤» شاذًّا: «كِبَارًا» - بكسْرِ الكَافِ- قال ابن الأنباري: جَمْعُ كبير.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٢/ ٢٥٢)، رقم: (٣٥٠٢٠) بنحوه عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وذكره البغوي (٤/ ٣٩٨)، وابن عطية (٥/ ٣٧٥)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٤٢٥- ٤٢٦)، وعزاه لعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وأبي الشيخ في «العظمة» عن عبد الله بن عمرو، وعزاه أيضا لأبي الشيخ عن ابن عبّاس.\n(٢) في د: يتركب. [.....]\n(٣) ذكره ابن عطية (٥/ ٣٧٥) .\n(٤) قرأ بها ابن محيصن، وعيسى بن عمر.\nينظر: «مختصر الشواذ» ص: (١٦٢)، و«المحرر الوجيز» (٥/ ٣٧٦)، و«البحر المحيط» (٨/ ٣٣٥)، وزاد نسبتها إلى زيد بن علي، وهي في «الدر المصون» (٦/ ٣٨٥) .","vol":"5","page":490},{"text":"ووَدًّا ومَا عُطِفَ عليه أسْمَاءُ أصْنَامٍ، ورَوَى البخاريُّ وغيره عن ابن عباس: أنَّها كانتْ أسْمَاء رجالٍ صالحينَ، من قوم نوحٍ فَلَمَّا هَلَكُوا أوْحَى الشيطانُ إلى قومِهم أن انْصِبُوا إلى مجالسِهم التي كانُوا يَجْلِسُونَ أنْصَابًا وَسَمُّوهَا بأسمائهم، فَفَعَلُوا «١»، فلم تُعْبَدْ حتى إذا هَلَكَ أولئك وتُنُسِّخَ العِلْمُ عُبِدَتْ، قال ابن عباس: ثم صَارَتْ هذه الأوثانُ التي في قَوْمِ نُوحٍ في العَرَبِ بَعْد «٢»، انتهى.\nوقوله: وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا هو إخبارُ نُوحٍ عن الأَشْرَافِ، ثم دَعَا اللَّهَ عليهم ألاَّ يَزِيدَهم إلا ضَلالًا، وقال الحسن: أراد بقوله: وَقَدْ/ أَضَلُّوا الأَصْنَامَ المذكورة «٣» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1534>[سورة نوح (٧١): الآيات ٢٥ الى ٢٨]</span>\nمِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصارًا (٢٥) وَقالَ نُوحٌ رَبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلاَّ فاجِرًا كَفَّارًا (٢٧) رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ تَبارًا (٢٨)\nوقوله تعالى: مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا ابتداء إخْبَارٍ مِنَ اللَّهِ تعالى لمحمَّد﵇- و«ما» في قوله: مِمَّا: زائدةٌ فكأَنه قال: مِنْ خطِيئَاتِهِم، وهي لابتداءِ الغَايَةِ، - ص-: مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ من للسببِ، ع «٤»: لابتداءِ الغايةِ و«ما» زائِدة للتَوْكيد، انتهى، فَأُدْخِلُوا نَارًا يعني جَهَنَّمَ، وقول نوح: رَبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّارًا قال قتادة وغيره: لم يَدْعُ نوحٌ بهذهِ الدعوةِ إلاَّ مِنْ بَعْدِ أنْ أُوحِيَ إليه أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ «٥» [هود: ٣٦] ودَيَّارًا أصْله: دَيْوَارٌ من الدَّوَرانِ، أي: من يجيءُ ويذهب.\nوقوله: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ قال ابن عباس: لم يَكْفُرْ لنوحٍ أبٌ مَا بَيْنَه وبين آدم ﵇ «٦»، وقرأ أُبيُّ بن كعب «٧»: «ولأَبَوَيَّ»، وبيتُه المسجدُ فيما قاله ابن\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٢/ ٢٥٤)، رقم: (٣٥٠٣١) بنحوه، وذكره ابن كثير (٤/ ٤٢٦) .\n(٢) ذكره البغوي (٤/ ٣٩٩)، وابن كثير (٤/ ٤٢٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٤٢٧)، وعزاه للبخاري، وابن المنذر، وابن مردويه عن ابن عبّاس.\n(٣) ذكره ابن عطية (٥/ ٣٧٦) .\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٣٧٦) .\n(٥) ذكره ابن عطية (٥/ ٣٧٧)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٤٢٨)، وعزاه لعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر.\n(٦) ذكره ابن عطية (٥/ ٣٧٧) .\n(٧) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٣٧٧) .","vol":"5","page":491},{"text":"عباس «١»، وجمهورُ المفسرين، وقال ابن عباس أيضًا: بيتُه شريعتُه ودِينُه استعار لها بَيْتًا كما يقال قُبَّة الإسْلاَمِ وفُسْطَاطُ الدين «٢»، وقيل: أراد سفينتَه.\nوقوله: وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ تعميمٌ بالدعاء لمؤمِني كلِّ أمَّةٍ، وقال بعض العلماء: إن الذي استجاب لنوح ع فأغْرَق بدعوتِه أهْلَ الأرضِ الكفارِ، لجديرٌ أن يستجيبَ له فَيَرْحَمَ بدعوتِهِ المؤْمنينَ، والتَّبَارُ: الهَلاَك.\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٥/ ٣٧٧) .\n(٢) ذكره ابن عطية (٥/ ٣٧٧) .","vol":"5","page":492},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1535>تفسير سورة الجنّ</span>\nوهي مكّيّة بإجماع\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1536>[سورة الجن (٧٢): الآيات ١ الى ٣]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nقُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَدًا (٢) وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَدًا (٣)\nقوله ﷿: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ هؤلاءِ النفرُ من الجنِّ هم الذين صادفوا النبيّ ﷺ يقرأ ببطنِ نخلةٍ في صَلاَةِ الصِّبْحِ، وقد تَقَدَّمَ قَصَصَهم في سورةِ الأحقافِ، وقولُ الجن: إِنَّا سَمِعْنا ... الآيات، هو خطابٌ منهم لِقَوْمهم.\nوقُرْآنًا عَجَبًا: معناه: ذَا عَجَبٍ لأن العَجَبَ مصدرٌ يقعُ من سَامِعِ القرآن لبراعتِه/ وفصاحتِه ومُضَمَّناتِه.\nوقوله: وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا قَالَ الجمهورُ: معناه: عَظَمَةُ ربنا، وروي عن أنسٍ أنه قال: كان الرجلُ إذا قَرَأ البَقَرَةَ، وآلَ عمرانَ جَدَّ في أعيننا، أي: عَظُم «١»، وعن الحسن:\nجَدُّ رَبِّنا غِنَاهُ «٢» وقال مجاهد: ذِكْرُهُ «٣»، وقال بعضهم: جَلاَلُه، ومَنْ فَتَح الألِفَ من قوله: وَأَنَّهُ تَعالى اخْتَلَفُوا في تأويلِ ذلك، فقال بعضُهم: هو عَطْفٌ على أَنَّهُ اسْتَمَعَ فيجيءُ عَلَى هذا قولُه تعالى: وَأَنَّهُ تَعالى مما أُمِرَ أنْ يقولَ النبيَّ إنَّه أوحي إليه، ولَيْسَ هو من كلامِ الجنِّ، وفي هذا قَلَقٌ، وقال بعضهم: بل هو عطف على الضمير في بِهِ كأنه يقول: فآمنا به وبأنه تعالى، وهذا القول أبْيَنَ في المعنى، لكنّ فيه من جهة النحو\n_________\n(١) ذكره البغوي (٤/ ٤٠١)، وذكره ابن عطية (٥/ ٣٧٩) .\n(٢) أخرجه الطبري (١٢/ ٢٦٠)، رقم: (٣٥٠٥٦)، (٣٥٠٥٧)، (٣٥٠٥٨)، وذكره البغوي (٤/ ٤٠١)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٤٣٠)، وعزاه لعبد بن حميد.\n(٣) أخرجه الطبري (١٢/ ٢٦٠)، رقم: (٣٥٠٦١)، وذكره ابن عطية (٥/ ٣٧٩)، وابن كثير (٤/ ٤٢٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٤٣٠)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. [.....]","vol":"5","page":493},{"text":"العطفَ على الضميرِ المخفوضِ دُونَ إعَادَةِ الخَافِضِ، وذلك لاَ يَحْسن ت: بلْ هُوَ حَسَنٌ إذ قَدْ أتى في النظم والنَّثْرِ «١» الصحيحِ، مُثْبَتًا، وقرأ عكرمة «٢»: «تعالى جَدٌّ رَبُّنَا» - بِفَتْحِ الجيمِ وضَمِّ الدالِ وتَنْوِينِهِ ورفْعِ الرَّبِّ-، كأنه يقول: تعَالَى عَظِيمٌ هو ربُّنا، فَ «رَبُّنَا» بدَلٌ والجَدُّ: العَظِيمُ في اللغةِ، وقرأ أبو الدرداء: «تعالى ذِكْرُ رَبِّنَا» ورُوي عنه: «تعالى جلال ربّنا» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1537>[سورة الجن (٧٢): الآيات ٤ الى ٥]</span>\nوَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا (٤) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (٥)\nوقوله تعالى: وَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا لا خِلاَفَ أن هَذَا مِنْ قَوْلِ الجِنَّ، والسفيهُ:\nالمذكورُ قال جمهورٌ من المفسرينَ: هُو إبليسُ- لعنه اللَّه-، وقال آخرونَ: هو اسْمُ جنسٍ لكلِّ سفيهٍ مِنْهُمْ وَلاَ مَحَالَة أَنَّ إبليسَ صَدْرٌ في السفاهةِ، وهذا القول أحْسَنُ، والشَّطَطُ:\nالتَّعَدِّي وتجاوُزُ الحدّ بقولٍ أو فعل، - ص-: شَطَطًا أبو البقاءِ: نَعْتٌ لمصدَرٍ محذوفٍ، أي: قَوْلًا شَطَطَا، انتهى، ثم قال أولَئِكَ النفرُ: وَأَنَّا ظَنَنَّا قبلَ إيماننا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا في جِهَةِ الألوهية وما يتعلق بذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1538>[سورة الجن (٧٢): الآيات ٦ الى ١٠]</span>\nوَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقًا (٦) وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا (٧) وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (٨) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا (٩) وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (١٠)\n_________\n(١) في د: النثر والنظم.\n(٢) قال أبو الفتح: وغلّط الذي رواه (يعني عن عكرمة)، قال:\nفأما «جدّ ربّنا» فإنه على إنكار ابن مجاهد صحيح وذلك أنه أراد: وأنه تعالى جدّ جدّ ربّنا على البدل، ثم حذف الثاني، وأقام المضاف إليه مقامه. وهذا على قوله (سبحانه): إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ، أي: زينة الكواكب، ف «الكواكب» إذا بدل من «زينة» .\nفإن قلت: فإن الكواكب قد تسمى زينة، والربّ (تعالى) لا يسمى جدّا.\nقيل: الكواكب في الحقيقة ليست زينة، لكنها ذات الزينة. ألا ترى إلى القراءة بالإضافة وهي قوله:\n«بزينة الكواكب»؟ وأنت أيضا تقول: تعالى ربّنا، كما تقول: تعالى جدّ ربّنا. فالتعالي مستعمل معهما جميعا، كما يقال: يسرّني زيد قيامه، وأنت تقول: يسرني زيد ويسرّني قيامه. وهذا بيان ما أنكره ابن مجاهد.\nينظر: «المحتسب» (٢/ ٣٣٢)، و«مختصر الشواذ» ص: (١٦٣)، و«المحرر الوجيز» (٥/ ٣٧٩)، و«البحر المحيط» (٨/ ٣٤١)، و«الدر المصون» (٦/ ٣٩٠) .","vol":"5","page":494},{"text":"وقوله تعالى: وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ/ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ ... الآية، منَ القُرَّاءِ مَنْ كَسَرَ الهمزةَ مِنْ «إنَّهُ»، ومنهمْ من فَتَحَها «١»، والكسْرُ أوْجَهُ، والمعنى في الآيةِ: ما كَانَتِ العربُ تفعله في أسْفَارِها من أنَّ الرَّجُلَ إذا أرادَ المَبِيتَ بِوَادٍ، صاحَ بأعلى صوتِه: يا عزيزَ هذا الوَادِي إني أعوذُ بكَ مِنَ السُّفَهَاءِ الذين في طاعتِكَ، ويعتقدُ بذلكَ أنَّ الجِنِّيَّ يحميه ويمنعَه، قال قتادة: فكانت الجنُّ تحتقرُ بني آدمَ وتَزْدَرِيهم لِمَا تَرَى مِنْ جَهلِهِم، فكانوا يَزِيدُونَهمْ مخافةً، ويتعرضُون للتَّخَيُّلِ لهم، ويُغْوُونَهم، في إرادَتِهم، فهذا هو الرَّهَقُ الذي زادته الجنُّ بني آدم «٢»، وقال مجاهد وغيره: بنو آدمَ همُ الذينَ زَادُوا الجنّ رَهَقًا وهي الجَرَاءَةُ والطُّغْيان «٣» وقَدْ فَسَّر قوم الرَّهَقَ بالإثْم.\nوقوله: وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا يريدُ به بني آدم.\nوقوله: كَما ظَنَنْتُمْ مخاطبةٌ لقومِهم من الجنِّ وقولهم: أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا يحتملُ معنيين: أحَدُهُما بَعْثُ الحَشْرِ من القبورِ، والآخرُ بَعْثُ آدَمِيٍّ رَسُولًا، وذكر المَهدوي تأويلًا ثالثًا، أنَّ المعنى: وأنَّ الجنَّ ظَنُّوا كما ظَنَنْتُمْ أيها الإنْسُ، فهِي مخاطَبَةٌ من اللَّهِ تعالى، قال الثعلبيُّ: وقيل: إن قَولَه: وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ ... الآية، ابتداء إخْبارٍ مِنَ اللَّه تعالى، ليسَ هو من كلامِ الجنِّ، انتهى، فهو وِفَاقٌ لما ذكره المهدوي، وقولهم: وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ قال جمهورُ المتأولينَ: معناه الْتَمَسْنَا، والشُّهُبُ كواكبُ الرجْمِ والحَرَسُ يحتملُ أن يريدَ الرَّمْيَ بالشُّهُبِ، وكرَّرَ المعْنَى بلفظٍ مختلف، ويحتملُ أن يريدَ الملائكةَ، ومَقاعِدَ: جَمْع مَقْعَدِ وقَدْ تَقَدَّمَ بيانُ ذلِكَ في سورةِ الحِجْرِ، وقولهم:\nفَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ ... الآية، قَطْعٌ على أنَّ كلَّ مَنِ استمع الآنَ أحرقه شهاب [فليس هنا]\n_________\n(١) قرأ ابن كثير ونافع وأبو بكر: «وإنه تعالى جد ربنا» بكسر الهمزات، إلا قوله: «أنه استمع»، و«أن لو استقاموا»، و«أن المساجد لله»، فإنهم قرؤوا بالفتح. وزاد ابن كثير، وأبو عمرو عليهما: «وأنه لما قام عبد الله» .\nوقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائيّ كلّ ذلك بالفتح إلا ما جاء بعد قول، أو بعد فاء جزاء، وحفص عن عاصم مثل حمزة.\nينظر: «العنوان» (١٩٨)، و«شرح شعلة» (٦٠٩)، و«إتحاف» (٢/ ٥٦٥)، و«السبعة» (٦٥٦)، و«الحجة» (٦/ ٣٣٠)، و«إعراب القراءات» (٢/ ٤٠٠)، و«حجة القراءات» (٧٢٧)، و«معاني القراءات» (٣/ ٩٦)، و«شرح الطيبة» (٦/ ٧٣) .\n(٢) أخرجه الطبري (١٢/ ٢٦٤)، رقم: (٣٥٠٧٦) بنحوه. وذكره ابن عطية (٥/ ٣٨٠)، وابن كثير (٤/ ٤٢٨) .\n(٣) أخرجه الطبري (١٢/ ٢٦٤)، رقم: (٣٥٠٨٠) بنحوه، وذكره البغوي (٤/ ٤٠٢)، وابن كثير (٤/ ٤٢٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٤٣٢)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن المنذر.","vol":"5","page":495},{"text":"بَعْدُ سَمْعٌ إنَّما الإحراقُ عِنْدَ الاِستماعِ] «١»، وهذا يقتضي أنَّ الرَّجْمَ كَانَ في الجاهليةِ، ولكنَّه لم يكنْ بمُسْتأصِلٍ، فَلَمَّا جاءَ الإسْلاَمُ، اشْتَدَّ الأَمْرُ حتى لم يكُنْ فِيه وَلاَ/ يَسِيرُ سماحة، ورَصَدًا: نعتٌ ل «شِهَاب» ووصفَه بالمصْدَرِ، وقولهم: وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ ... الآية، معناه: لاَ نَدْرِي أَيُؤْمِنُ الناسُ بهذا النبيِّ فَيَرْشُدُوا، أمْ يَكْفُرُونَ بهِ فَيَنْزِلَ بهِمُ الشَّرُّ، وعبارة الثعلبي: «وأَنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض» حينَ حُرِسَتِ السماءُ ومُنِعْنَا السَّمْعَ، أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا، انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1539>[سورة الجن (٧٢): الآيات ١١ الى ١٥]</span>\nوَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ كُنَّا طَرائِقَ قِدَدًا (١١) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا (١٢) وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْسًا وَلا رَهَقًا (١٣) وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا (١٤) وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (١٥)\nوقولهم: وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ إلى آخرِ قولهم: وَمِنَّا الْقاسِطُونَ هُوَ من قولِ الجِنّ، وقولهم: وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ أي: غَيْرُ صالحين، - ص-: دُونَ ذلِكَ قِيل:\nبمعنى غَيْرُ ذلك، وقيلَ: دُونَ ذلكَ في الصلاحِ، ف «دون» في موضِع الصِّفَةِ لمحذوفٍ، أي: ومنَّا قومٌ دونَ ذلك، انتهى، والطرائقُ: السِّيَرُ المختلفَة، والقِدَدُ كذلكَ هي الأشْياء المختلفة كأنه قَدْ قُدَّ بعضُها من بعضٍ وفُصِلَ، قال ابن عباس وغيره: طَرائِقَ قِدَدًا أهواء مختلفةً «٢» . وقولهم: وَأَنَّا ظَنَنَّا أي: تَيَقَّنَّا، فالظِّنّ هنا بمعنى الْعِلْمِ أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ ... الآية، وهذا إخبارٌ منهم عَنْ حَالِهِمْ بَعْدِ إيمانِهم بما سمعوا من نبينا محمّد ﷺ، والْهُدى يريدونَ به القرآنَ، والبَخْسُ النَّقْصُ، والرَّهَقُ تَحْمِيلُ مَا لاَ يطاقُ، وما يَثْقُل، قال ابن عباس: البَخْسُ نَقْصُ الحسناتِ «٣»، والرَّهَقُ الزيادةُ في السيئات.\nوقوله تعالى: فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا الوجْهُ فيه أنْ يكونَ مخاطَبَةً من الله تعالى لنبيه محمّد ع ويؤيّده ما بعده من الآيات، وتَحَرَّوْا معناه: طلبوا باجتهادهم.\n_________\n(١) سقط في: د.\n(٢) أخرجه الطبري (١٢/ ٢٦٦)، رقم: (٣٥٠٨٩) بنحوه. وذكره ابن عطية (٥/ ٣٨٢)، وابن كثير (٤/ ٤٣٠)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٤٣٥)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم.\n(٣) أخرجه الطبري (١٢/ ٢٦٧)، رقم: (٣٥٠٩٥) بنحوه، وذكره ابن عطية (٥/ ٣٨٢)، وابن كثير (٤/ ٤٣٠)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٤٣٥)، وعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم.","vol":"5","page":496},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1540>[سورة الجن (٧٢): الآيات ١٦ الى ١٨]</span>\nوَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقًا (١٦) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذابًا صَعَدًا (١٧) وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨)\nوقوله سبحانه: وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ ... الآية، قال ابن عباس وقتادة ومجاهد وابن جبير: الضميرُ في قوله: اسْتَقامُوا عائِدٌ عَلى القاسِطينَ، والمعنى: لوِ اسْتَقَامُوا على طريقةِ الإسْلاَمِ والحَقِّ لأَنْعَمْنَا عليهم «١»، وهذا المعنى نحوُ قوله تعالى:\nوَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا ... [المائدة: ٦٥] الآية إلى قوله: لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ والقَاسِطُ الظَّالِم، والماء الغَدَقُ هو الماءُ الكثيرُ، ولِنَفْتِنَهُمْ: معناه: لنختبرَهم، قال عمر بن الخطاب﵁-: حيْثُ يكونُ الماءُ فَثَمَّ المالُ، وحَيْثُ المالُ فَثَمَّ الفِتْنَةُ «٢»، ونَزَعَ بهذه الآية، وقال الحسن وجماعة من التابعين: كانتِ الصحابَةُ﵃- سَامِعينَ مُطِيعينَ فَلَمَّا فُتِحْتْ كُنُوزُ كِسْرَى وقَيْصَرَ على الناس، ثَارَتِ الفِتَن «٣»، و«نسلكه» ندخله، وصَعَدًا: معناه: شَاقًّا، وقال ابن عباس وأبو سعيد الخدري: صَعَدًا جَبَلٌ في النارِ «٤»، وأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ قيل:\nأرادَ البيوتَ التي للعبادةِ والصلاةِ في كلِّ ملةٍ، وقال الحسن: أرادَ بها كلَّ موضِع يُسْجَدُ فيه إذ الأَرْضُ كلها جُعِلَتْ مَسْجِدًا لهذه الأمة «٥»، ورُوِيَ: أنّ هذه الآيةَ نَزَلَتْ بسبب تَغَلُّبِ قريشٍ عَلى الكعبةِ حينئذ، فقيل للنبي ﷺ: المواضعُ كلُّها لِلَّهِ فَاعْبُدْه حيثُ كنتَ، قال ع «٦»: والمسَاجِدُ المخصوصَةُ بَيِّنَةُ التَمَكُنِ في كونها لِلَّهِ تعالى، فيصلُحُ أنْ تُفْرَدَ للعبادةِ، وكلِّ مَا هُوَ خَالِصٌ لِلَّهِ تعالى، وأنْ لاَ يُتَحَدَّثَ بها في أمورِ الدنيا، ولا يُجْعَلُ فيها لغير الله نصيب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1541>[سورة الجن (٧٢): الآيات ١٩ الى ٢٢]</span>\nوَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (١٩) قُلْ إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا (٢٠) قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا (٢١) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٢)\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٢/ ٢٦٨- ٢٦٩)، أرقام: (٣٥١٠٤، ٣٥١٠٥)، (٣٥١٠٧- ٣٥١٠٨) بنحوه، وذكره ابن عطية (٥/ ٣٨٢)، وابن كثير (٤/ ٤٣١)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٤٣٥- ٤٣٦)، وعزاه لعبد بن حميد عن قتادة، وعزاه أيضا لابن أبي حاتم، عن ابن عبّاس، ولعبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد.\n(٢) أخرجه الطبري (١٢/ ٢٦٩)، رقم: (٣٥١١٧) بنحوه وذكره ابن عطية (٥/ ٣٨٣) .\n(٣) ذكره ابن عطية (٥/ ٣٨٣) .\n(٤) أخرجه الطبري (١٢/ ٢٧٠)، رقم: (٣٥١٢٣) بنحوه عن ابن عبّاس. وذكره ابن عطية (٥/ ٣٨٣)، وابن كثير (٤/ ٤٣١) .\n(٥) ذكره البغوي (٤/ ٤٠٤)، وذكره ابن عطية (٥/ ٣٨٣) .\n(٦) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٣٨٣) . [.....]","vol":"5","page":497},{"text":"وقوله تعالى: وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يحتملُ: أنْ يكونَ خِطَابًا مِنَ اللَّهِ تعالى، ويحتملُ: أنْ يَكُونَ إخبارًا عَنِ الجِنِّ، وَعَبْدُ الله هو محمّد ﷺ، والضميرُ في كادُوا يحتملُ: أنْ يكونَ لكفارِ قريشٍ، وغيرِهم في اجتماعهم على رَدِّ أمرِهِ ﷺ، وقيلَ: الضميرُ للجِنِّ، والمعنى أنهم كادوا يَتَقَصَّفُونَ عليه «١» لاسْتِماعِ القرآن، وقال ابن جبير: معنى الآيةِ أنَّها قَوْلُ الجِنِّ لقومِهم يحكُون لَهُم، والعبد محمّد ع «٢»، والضميرُ في كادُوا لأَصْحَابهِ الذينَ يُطِيعُونَ له ويَقْتَدُونَ بهِ في الصلاةِ فَهُمْ عليه لِبَدٌ، واللِبَدُ:\nالجماعاتُ شُبِّهَتْ بالشَّيءِ المُتَلبِّدِ، وقال البخاريُّ: قال ابن عبّاس: لِبَدًا أعوانا «٣»، انتهى، ويَدْعُوهُ معناه: يَعْبُدُه، وقيل: عبدُ اللَّهِ في الآيةِ المرادُ به نوحٌ، وقرأ جمهور السبعة: «قَالَ إِنَّمَا أَدْعُواْ رَبِّي» وقرأ حمزةُ وعاصمٌ وأبو عمرو بخلافٍ عنه «٤»: «قُلْ»، ثم أمَرَ اللَّهُ تعالى محمّدا ع بالتَّبَرِّي مِنَ القُدْرَةِ، وأنَّه لاَ يَمْلِكُ لأَحَدٍ ضَرًّا ولا نفعًا، والملتَحَدُ: المَلْجَأُ «٥» الذي يُمَال إليه، ومنه الإلحاد وهو الميل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1542>[سورة الجن (٧٢): الآيات ٢٣ الى ٢٤]</span>\nإِلاَّ بَلاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسالاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا (٢٣) حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا (٢٤)\nوقوله: إِلَّا بَلاغًا قال قتادة: التقدير: لا أمْلِكُ إلاَّ بَلاَغًا إلَيْكُمْ، فأمَّا الإيمانُ وَالكُفْرُ، فَلاَ أَمْلِكُهُ «٦»، وقال الحسن: ما معناه أَنَّه استثناء منقطع، والمعنى: لن يجيرني من\n_________\n(١) أي يزدحمون عليه. ينظر: «لسان العرب» (٣٦٥٥) .\n(٢) أخرجه الطبري (١٢/ ٢٧٢)، رقم: (٣٥١٣٣) بنحوه، وذكره البغوي (٤/ ٤٠٤)، وابن عطية (٥/ ٣٨٤)، وابن كثير (٤/ ٤٣٢) .\n(٣) أخرجه الطبري (١٢/ ٢٧٣)، رقم: (٣٥١٤١)، وذكره ابن عطية (٥/ ٣٨٤)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٤٣٧)، وعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٤) وحجة هؤلاء إجماع على ما بعده على الأمر فردّ ما اختلفوا فيه إلى ما أجمعوا عليه أولى. وحجة الباقين أن ذكر الغيبة قد تقدم، وهو قوله: «وأنه لما قام عبد الله»، وقوله: «قال إنما أدعو» .\nينظر: «السبعة» (٦٥٧)، و«الحجة» (٦/ ٣٣٣)، و«إعراب القراءات» (٢/ ٤٠٢)، و«حجة القراءات» (٧٢٩)، و«معاني القراءات» (٣/ ٩٨)، و«شرح الطيبة» (٦/ ٧٦)، و«العنوان» (١٩٨)، و«شرح شعلة» (٦١٠)، و«إتحاف» (٢/ ٥٦٧) .\n(٥) في د: الملتجأ.\n(٦) أخرجه الطبري (١٢/ ٢٧٥)، رقم: (٣٥١٥٠) .","vol":"5","page":498},{"text":"اللَّه أحَدٌ إلا بلاغًا «١» فإنّي إنْ بَلَّغْتُ، رَحِمَنِي بذلك، أي: بِسَبَبِ ذلك.\nوقوله تعالى: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ يريدُ: بالكفر، بدليلِ تَأبِيدِ الخلود.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1543>[سورة الجن (٧٢): الآيات ٢٥ الى ٢٨]</span>\nقُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا (٢٥) عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلاَّ مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (٢٨)\nوقوله تعالى: قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ يعني عَذَابَهم الذي وُعِدُوا به، والأمدُ المُدَّةُ والغايةُ.\nوقوله تعالى: إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ معناه فإنه يُظْهِرُه عَلَى ما شَاءَ مما هو قليلٌ من كثير، [ثم] يَبُثُّ تعالى حَوْلَ ذلك الملَكِ الرَّسُولِ حَفَظَةً رَصَدًا لإبليسَ وحِزْبِه من الجنِ والإنْس.\nوقوله تعالى: لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا ... الآية، قال ابنُ جُبَيْرٍ: لِيعْلَمَ محمدٌ أنَّ الملائِكَة الحَفَظَةَ الرَّصَد النازِلينَ بَيْنَ يدي جبريلَ وخَلْفَه قَدْ أبلغوا رسالاتِ رَبِّهم «٢»، وقال مجاهد: معناه لِيَعْلَمَ مَنْ كَذَّبَ أو أشْرَكَ أنَّ الرُّسُلَ قَدْ بَلَّغَتْ «٣»، وقيل: المعنى لِيَعْلَمَ اللَّهُ تَعَالَى رُسُلَه مُبَلِّغَةً خَارِجَةً إلى الوُجُودِ، لأَنَّ عِلْمَه بكلِّ شيء قد تقدّم، والضمير في أَحاطَ وأَحْصى لله سبحانه لا غير.\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٥/ ٣٨٤)، وذكره أبو حيان (٨/ ٣٤٦) .\n(٢) ذكره ابن عطية (٥/ ٣٨٥)، وابن كثير (٤/ ٤٣٣)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٤٣٨)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ في «العظمة» .\n(٣) أخرجه الطبري (١٢/ ٢٧٧)، رقم: (٣٥١٦٣) بنحوه، وابن عطية (٥/ ٣٨٥)، وابن كثير (٤/ ٤٣٣)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٤٣٩)، وعزاه لعبد بن حميد.","vol":"5","page":499},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1544>تفسير سورة المزّمّل</span>\nوهي مكّيّة في قول الجمهور إلا قوله: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ إلى آخر السورة فمدنيّ، وقال جماعة: هي مكية كلّها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1545>[سورة المزمل (٧٣): الآيات ١ الى ٤]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nيا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤)\nقوله ﷿: يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ نداء للنبيّ ﷺ، قال السهيلي: المُزَّمِّلُ اسمٌ مشتقٌ من حالتِه التي كان عليها ع حينَ الخطابِ، وكذلكَ المدَّثِّرُ، وفي خطابِه بهذَا الاسْمِ فائِدَتان: إحداهما: الملاطفةُ فإنَّ العربَ إذا قَصَدَتْ ملاطَفَةَ المخاطَبِ، وتَرْكَ معاتَبَتهِ سَمَّوْهُ باسم مشتق من حالته، كقوله ع لعلي حين غَاضَبَ فاطمةَ: قُمْ أبا تُرَابٍ، إشعارًا له أنه غَيْرُ عاتبٍ عليه، وملاطَفَةً له، والفائدة الثانية: التنبيهُ لكلِّ مُتَزَمِّلٍ راقدٍ ليلَه لينتبهَ إلى قيامِ الليل وذكرِ اللَّه فيه، لأنَّ الاسْمَ المشتق من الفعلِ، يَشْتَرِكُ فيه معَ المخاطَب كلُّ مَنْ عَمِلَ بذلك العملِ، واتَّصَفَ بتلك الصفةِ، انتهى، والتَزَمُّلُ الاِلْتِفَافُ في الثياب، قال جمهور المفسرين وهو في البخاري وغيره: إنّ النبي ﷺ لمَّا جَاءَه المَلَكُ في غار حراء وَحَاوَرَه بما حاوره به، رجع رسول الله ﷺ إلى خديجة فقال: زمّلوني زمّلوني فنزلت «يا أيها المدثر» و[على هذا نزلت «يا أيها المزمل»] «١» .\nوقوله تعالى: قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا قال جمهور العلماءِ: هو أمْرُ نَدْبٍ، وقيل كَانَ فَرْضًا وقْتَ نزول الآيةِ، وقال بعضهم: كان فرضا على النبي ﷺ خاصَّةً وبَقِيَ كذلك حتى تُوُفِّي، وقيل غير هذا.\n_________\n(١) سقط في: د.","vol":"5","page":500},{"text":"وقوله تعالى: نِصْفَهُ يحتملُ: أن يكونَ بَدَلًا من قوله قليلًا، - ص-: إِلَّا قَلِيلًا استثناءٌ من الليل، ونِصْفَهُ قيل: بَدَلٌ من الليل وعلى هذا يكون استثناءُ إِلَّا قَلِيلًا منه، أي: قم نصفَ الليل إلا قليلًا منه، والضميرُ في قوله: أَوِ انْقُصْ مِنْهُ، أَوْ زِدْ عَلَيْهِ عائدٌ على النصْفِ وقيل: نِصْفَهُ: بدل من قوله: إِلَّا قَلِيلًا قَالَ أبو البَقَاءِ وهو أشْبَهُ بظاهرِ الآيةِ، انتهى، قال ع «١»: وكَيْفَ مَا تَقَلَّبَ المعنى فإنه أمْر بقيامِ نصفِ الليلِ، أو أكْثَر شيئًا أو أقَلَّ شيئًا، فالأكْثر عند العلماء لا يُزِيدُ على الثُّلثَيْنِ، والأقَلُّ لاَ يَنْحَطُّ عَن الثلثِ، ويُقَوِّي هذا حديثُ ابنِ عَبَّاسٍ في مَبِيتهِ في بيت ميمونة قال:\nفلما انْتَصَفَ الليلُ أو قَبْلَه بقليلٍ أو بعده بقليل، قام رسول الله ﷺ، قال ع «٢»:\nويلزمُ على هذا البَدَلِ الذي ذَكَرْنَاه أن يكونَ نصفُ الليل قَدْ وَقَعَ عليه الوصفُ بقليلٍ، وقَدْ يحتملُ عندي قوله: إِلَّا قَلِيلًا أنْ يكون استثناءً من القيام، فنجعلُ الليلَ اسْم جِنْسٍ ثم قال: إِلَّا قَلِيلًا أي: إلا الليالي التي تُخِلُّ بقيامِها لعذرٍ، وَهَذَا [النظرُ يَحْسُنُ مَعَ القولِ بالنَّدْبِ جِدًّا، قال- ص-: وهذا [النَّظَرُ خلافُ ظاهرِ الآية، انتهى، والضمير في مِنْهُ وعَلَيْهِ عائِدَان على] «٣» النصف.\nوقوله سبحانه: وَرَتِّلِ: معناه في اللغةِ: تَمَهَّلْ وَفَرِّقْ بَيْنَ الحروفِ، لَتَبِينَ، والمقْصِدُ أنْ يَجِدَ الفِكْرُ فُسْحَةً للنَّظَرِ وفَهْمِ المعاني، وبذلكَ يَرِقُّ القَلْبُ، ويَفِيضُ عليه النُّورُ والرحمة، قال ابن كيسان: المُرادُ: تَفْهَمُه تاليًا له، ورُوِي في صحيح الحديث: أن قراءةَ رسول الله ﷺ كانَتْ بيِّنَةً مُتَرسِّلَةً، لو شاء أحَدُ أنْ يَعُدَّ الحروفَ لعَدَّها، قال الغزاليُّ في «الإحياء»: واعْلَمْ أنَّ التَرْتِيلَ والتَّؤُدَةَ أقْرَبُ إلى التوقير والاحترامِ، وأشَدُّ تأثيرًا في القلبِ من الهَدْرَمَةِ والاسْتِعْجَالِ، والمَقْصُودُ مِنَ القراءَةِ التفكُّرُ، والترتيلُ مُعِينٌ عَلَيْهِ، وللناس عاداتٌ مختلفة في الخَتْمِ، وأوْلَى مَا يُرْجَعُ إليه في التقديراتِ قَوْلُ النبي ﷺ، وَقَدْ قَال﵊-: «مَنْ قَرَأَ القُرْآنَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلاَثٍ، لَمْ يَفْقَهْهُ» وذلك لأَنَّ الزيادةَ عليهَا تمنعُ الترتيلَ المطلوبَ، وقَدْ كَرِهَ جماعةٌ الختمَ في يومٍ ولَيْلَةٍ، والتفصيلُ في مقدار القراءة أنَّه إنْ كَانَ التالي من العُبَّادِ السالكينَ طريقَ العَمَلِ، فلا يَنْبَغِي له أن يَنْقُصَ من خَتْمَتَيْنِ في الأُسْبُوعِ، وإنْ كانَ من السالكينَ بأعْمَالِ القَلْبِ وضرُوب الفِكْر، / أو من المشغولين بِنَشْرِ العلمِ فَلا بأسَ أنْ يَقْتَصِر في الأُسْبُوعِ على ختمةٍ، وإنْ كَانَ نَافِذَ الفِكْرِ في مَعَانِي القرآن فقد\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٣٨٧) .\n(٢) ينظر: المصدر السابق.\n(٣) سقط في: د.","vol":"5","page":501},{"text":"يكتفِي في الشهر بمرةٍ لحاجَتِهِ إلى كَثْرَةِ التَّرْدِيدِ والتأمُّل، انتهى، ورَوَى ابنُ المباركِ في «رقائقه»: قال: حدثنا إسماعيل عن أبي المتوكِّل الناجي: «أنّ النبيّ ﷺ قَامَ ذَاتَ لَيْلَةٍ بِآيَةٍ مِنَ القُرْآنِ يُكَرِّرُهَا على نفسه» «١»، انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1546>[سورة المزمل (٧٣): الآيات ٥ الى ١٠]</span>\nإِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥) إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (٦) إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحًا طَوِيلًا (٧) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (٨) رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (٩)\nوَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (١٠)\nوقوله تعالى: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا يعني القُرآن، واخْتُلِفَ لم سمّاه ثقيلًا، فقال جماعةٌ مِنَ المفسرينَ: لِمَا كَانَ يَحُلُّ برسولِ الله ﷺ مِنْ ثِقْلِ الجِسْمِ حَتَّى إنَّه كَانَ إذا أُوحي إليه وهُو على نَاقَتِهِ بَرَكَتْ بهِ وحَتَّى كَادَتْ فَخِذُه أنْ تَرُضُّ «٢» فَخِذَ زَيْدِ بن ثابت﵁-، وقيل: لثِقَلِهِ على الكفارِ والمنافقينَ بإعْجَازِه ووَعْدِه ووعيدهِ ونحو ذلك، وقال حُذَّاقُ العلماء: معناه: ثَقِيلُ المَعانِي من الأَمْرِ بالطاعاتِ، والتكاليفِ الشرعية من الجهاد، ومزاولةِ الأعمال الصالحاتِ دائمًا، قال الحسن: إنَّ الهَذَّ خَفِيفٌ ولَكِنَّ العَمَل ثقيل «٣» ت: والصوابُ عندي أَنْ يُقَالَ: أما ثِقَلُه باعتبارِ النبي ﷺ، فهو ما كان يجده ع من الثقل المَحْسُوسِ وأما ثِقَلُه باعتبارِ سائرِ الأمةِ فهو ما ذُكِرَ من ثقل المعاني، وقَدْ زَجَرَ مالكٌ سائِلًا سأله عن مسألةٍ وَقَالَ: يا أبا عَبْدِ اللَّه إنها مسألةٌ خفيفةٌ فغَضِبَ مالكٌ وقال: لَيْسَ في العِلم خَفِيفٌ أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ اللَّه تعالى: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا فَالْعِلْمُ كُلُّه ثقيلُ، انتهى من «المدارك» لعياضٍ.\nوقوله سبحانه: إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ قال ابن جُبَيْرٍ وغيره: هي لَفْظَةٌ حَبَشِيَّةٌ نَشَأَ الرجلُ إذا قَامَ من الليلِ «٤» ف ناشِئَةَ على هذا جَمْعُ ناشىء أي: قَائِمٌ، وأَشَدُّ وَطْئًا معناه:\nثُبُوتًا واسْتِقْلاَلًا بالقيام، وقرأ أبو عمرو وابن عامر وجماعة كابن عباس وابن الزبير\n_________\n(١) أخرجه ابن المبارك في «الزهد» ص: (٣٥)، رقم: (١٠٤) . [.....]\n(٢) الرّضّ: الدّقّ الجريش. ينظر: «النهاية» (٢/ ٢٢٩) .\n(٣) أخرجه الطبري (١٢/ ٢٨١)، رقم: (٣٥١٩٠) بنحوه، والبغوي (٤/ ٤٠٨) بنحوه، وابن عطية (٥/ ٣٨٧)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٤٤٣)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن نصر.\n(٤) أخرجه الطبري (١٢/ ٢٨٢)، رقم: (٣٥١٩٦) بنحوه عن ابن جبير عن ابن عبّاس. وذكره البغوي (٤/ ٤٠٨)، وابن عطية (٥/ ٣٨٧)، وابن كثير (٤/ ٤٣٥)،","vol":"5","page":502},{"text":"وغيرهم «١»: «وَطَاءً» - بكسر الواوِ- مَمْدُودًا عَلى وَزْنِ «فِعَالِ» على معنى المُوَاطَأَةِ والموَافَقَةِ، وهو أن يواطىء قلبَه لسانهُ، والموَاطأةُ هِي الموافَقَةُ، فهذه مواطأَةٌ صحيحة لخلو البَالِ من أشْغَالِ النَّهارِ، وبهذا المعنى فَسَّر اللفظَ مجاهدٌ «٢» وغيره، قال الثعلبيّ:\nواخْتَارَ هذه القراءةَ أبو عبيدِ وقال جماعة: ناشِئَةَ اللَّيْلِ سَاعَاتُه كلُّها، لأَنَّها تَنْشَأ شَيْئًا بعد شيءٍ، وقيل في تفسير ناشِئَةَ اللَّيْلِ غَيْرُ هذا، وقرأ أنس بن مالك «وأصْوَبُ قِيلًا» فقيل له: إنما هو أَقْوَمُ فَقَالَ: أقْوَمُ وأصْوَبُ وَاحِدٌ.\nوقوله تعالى: إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحًا طَوِيلًا أي: تَصَرُّفًا وَتَرَدُّدًا في أمُورِكَ، ومنه السِّبَاحةُ في الماء، وَتَبَتَّلْ معناه: انْقَطِعْ إليه انْقِطَاعًا هذا لفظ ابن عطاء على ما نقله الثعلبي، انتهى، وأما ع «٣» فقال: معناه انْقَطِعْ مِنْ كلِّ شيءٍ إلا مِنْهُ وأفْزَعْ إليه، قال زيد بن أسلم: التَبَتُّلُ: رَفْضُ الدُّنْيَا «٤»، ومنه بُتِلَ الحَبْلُ، وتَبْتِيلًا مَصْدر على غير الصَّدْرِ، قال أبو حيان «٥»: وحُسْنُه كونُه فاصلةً، انتهى، قال ابن العربي في «أحكامه»:\nفالتَبَتُّلُ المأمورُ بهِ في الآيةِ الاِنْقِطَاعُ إلى اللَّهِ تعالى بإخْلاَصِ العِبَادَةِ، وَهُوَ اختيارُ البخاريّ، والتَبَتُّلُ المنهي عنه في الحديثِ هُو سُلُوكُ مَسْلَكِ النصارى في تَرْكِ النِّكَاحِ والتَّرَهُّبِ في الصوامِع، انتهى، والوَكِيلُ القائم بالأمْرِ الذي تُوكَلُ إليه الأشياء.\nوقوله: وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا منسوخ بآية السيف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1547>[سورة المزمل (٧٣): الآيات ١١ الى ١٤]</span>\nوَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (١١) إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالًا وَجَحِيمًا (١٢) وَطَعامًا ذا غُصَّةٍ وَعَذابًا أَلِيمًا (١٣) يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيبًا مَهِيلًا (١٤)\nوقوله سبحانه: وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ الآية، وعيدٌ بيِّنٌ، والمعنى لاَ تَشْغَلْ بهِم فِكْرَك وكِلْهُمْ إليَّ، والنعمةُ: غَضَارَةُ العَيْشِ وكِثرةُ المالِ والمشارُ إليهم كفارُ قريشٍ أصحابُ/ القليب بِبدرِ، ولَدَيْنا بمنزلة «عِنْدِنَا» والأَنْكَال: جمع نَكْلٍ، وهو القَيْدُ\n_________\n(١) ينظر: «السبعة» (٦٥٨)، و«الحجة» (٦/ ٣٣٥)، و«إعراب القراءات» (٢/ ٤٠٥)، و«حجة القراءات» (٧٣٠)، و«معاني القراءات» (٣/ ٩٩)، و«شرح الطيبة» (٦/ ٧٧)، و«العنوان» (١٩٩)، و«شرح شعلة» (٦١١)، و«إتحاف» (٢/ ٥٦٨) .\n(٢) أخرجه الطبري (١٢/ ٢٨٤)، رقم: (٣٥٢١٩، ٣٥٢٢٠، ٣٥٢٢١)، وذكره ابن عطية (٥/ ٣٨٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٤٤٥)، وعزاه لعبد بن حميد.\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٣٨٨) .\n(٤) ينظر: ابن عطية (٥/ ٣٨٨) .\n(٥) ينظر: «البحر المحيط» (٨/ ٣٥٥) .","vol":"5","page":503},{"text":"من الحديدِ، ويُرْوَى أَنَّها قيودٌ سُودٌ مِن النار، والطَّعَامُ ذُو الغُصَّةِ شَجَرَةُ الزَّقُومِ، قَالَه مجاهد وغيره «١»، وقال ابن عباس: شَوْكٌ من نارِ يَعْتَرِضُ في حُلُوقِهِم «٢» وكلُّ مَطْعُومٍ هُنَالِكَ فهو ذو غصّة، وروي أنّ النبيّ ﷺ قَرَأَ هذهِ الآيةَ فَصَعِقَ «٣»، والرَّجَفَانُ الاهْتِزَازُ والاضْطِرَابُ مِنْ فَزَعٍ وَهَوْلٍ، و«المَهِيلُ»: اللَّيِّنُ الرّخْوُ الذي يَذْهَبُ بالرِّيحِ، وقال البخاريّ: كَثِيبًا مَهِيلًا رملا سائلا، انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1548>[سورة المزمل (٧٣): الآيات ١٥ الى ١٧]</span>\nإِنَّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شاهِدًا عَلَيْكُمْ كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْناهُ أَخْذًا وَبِيلًا (١٦) فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيبًا (١٧)\nوقوله تعالى: إِنَّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ ... الآية، خطابٌ للعالم لكن المواجهون قريش، وشاهِدًا عَلَيْكُمْ نَحْوُ قولهِ: وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيدًا [النساء: ٤١] والوَبِيلُ:\nالشَّدِيدُ الرَّدَى.\nوقوله تعالى: فَكَيْفَ تَتَّقُونَ معناه: كَيْفَ تَجْعَلُونَ وِقَايةً لأنفسِكم، ويَوْمًا مفعولٌ ب تَتَّقُونَ، وقِيلَ: هو مفعولٌ ب كَفَرْتُمْ ويكونُ كَفَرْتُمْ بمعنى: جَحَدْتم، ف تَتَّقُونَ على هذا منَ التقوى، أي: تتقونَ عذابَ اللَّهِ، ويجوزُ أن يكونَ يَوْمًا ظرفًا والمعنى: تتقونَ عِقَابَ اللَّه يومًا، وعبارةُ الثعلبي: فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ أي كيف تَتَحَصَّنُونَ من عذابِ يَوْمٍ يَشِيبُ فيه الطفلُ لهولِه إنْ كفرتُم، ثم ذَكَرَ نحو ما تقدم، انتهى، وحَكَى- ص-:، عن بعضِ الناسِ جَوازَ أنْ يكونَ يَوْمًا ظرفًَا أي: فكيفَ لَكُمْ بالتقوَى في يومِ القيامَةِ إنْ كفرتم في الدنيا، ت: وهَذَا هُوَ مُرَادُ ع «٤»، قَالَ أبو حيان «٥»: وشِيبًا مفعولٌ ثانٍ ل يَجْعَلُ وهُو جَمْع أشْيَب، انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1549>[سورة المزمل (٧٣): الآيات ١٨ الى ١٩]</span>\nالسَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا (١٨) إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا (١٩)\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٢/ ٢٨٩)، رقم: (٣٥٢٦٧)، وذكره ابن عطية (٥/ ٣٨٩)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٤٤٦)، وعزاه لعبد بن حميد.\n(٢) أخرجه الطبري (١٢/ ٢٨٩)، رقم: (٣٥٢٦٦)، وذكره ابن عطية (٥/ ٣٨٩)، وابن كثير (٤/ ٤٣٧)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٤٤٦)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن أبي الدنيا، في صفة النار، وعبد الله في «زوائد الزهد»، وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم، وصححه البيهقي في «البعث» .\n(٣) ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٤٤٦)، وعزاه إلى أحمد في «الزهد»، وهناد وعبد بن حميد، ومحمّد بن نصر عن حمران به.\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٣٨٩) .\n(٥) ينظر: «البحر المحيط» (٨/ ٣٥٧) .","vol":"5","page":504},{"text":"وقوله تعالى: السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ أي ذاتُ انْفِطارٍ، والانفطارُ التَّصَدُّعُ والانْشِقَاقُ، والضميرُ في بِهِ قال منذر وغيره: عائِدُ على اليومِ وكذا قَال- ص-: إن ضمير بِهِ يعودُ على اليومِ والباء سببيةٌ/ أو ظرفيةٌ، انتهى، وفي «صحيح مسلم» من رواية عبد الله بن عمرو: وذكر ﷺ: بَعْثُ النَّارِ مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُمِائَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ إلَى النَّارِ وَوَاحِدٌ إلَى الجَنَّةِ، قَالَ: فَذَلِكَ يَوْمَ يَجْعَلُ الوِلْدَانَ شِيبًا، وذلك يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ [القلم: ٤٢] الحديث «١»، انتهى، وقيل: عائدٌ على اللَّه، أي مُنْفَطِرٌ بأمْرِه وقُدْرَتهِ، والضميرُ في قوله: وَعْدُهُ الظاهر أنَّه يعود على اللَّه تعالى.\nوقوله تعالى: إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ ... الآية، الإشَارَةُ ب «هذه» تحتملُ: إلى ما ذُكِرَ من الأَنْكَالِ والجحيمِ، والأَخْذِ الوبيل، وتحتملُ: أنْ تَكُونَ إلى السورةِ بجُمْلَتِها، وتحتملُ: أنْ تَكُونَ إلى آياتِ القرآن بجُمْلَتِها.\nوقوله سبحانه: فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا لَيْسَ معناه إبَاحَةُ الأمْرِ وضِدِّه، بل الكلامُ يتضمَّنُ الوَعْدَ والوعيدَ، والسبيلُ هنا سبيلُ الخيرِ والطاعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1550>[سورة المزمل (٧٣): آية ٢٠]</span>\nإِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٠)\nوقوله سبحانه: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ ... الآية، المعنى أنَّ اللَّهَ تعالى يعلمُ أنَّكَ تَقُومُ أنْتَ وغيرك من أُمَّتِك قيامًا مختلفًا مَرَّةً يكْثُرُ ومرَّةً يَقلّ، ومرة أدْنَى من الثلثين،\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٦/ ٤٤٠)، كتاب «أحاديث الأنبياء» باب: قصة يأجوج ومأجوج (٣٣٤٨)، (٨/ ٢٩٥)، كتاب «التفسير» باب: وَتَرَى النَّاسَ سُكارى (٤٧٤١)، (١١/ ٣٩٦)، كتاب «الرقاق» باب:\nقول الله ﷿: إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (٦٥٣٠)، (١٣/ ٤٦٢)، كتاب «التوحيد» باب: قول الله تعالى: وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا مَاذَا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا. الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٧٤٨٣)، ومسلم (٢/ ٦٤٢- ٤٦٣) - الأبي، كتاب «الإيمان» باب: يقول الله لآدم: أخرج بَعْثُ النَّارِ مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُمِائَةٍ وَتِسْعَةٌ وتسعين (٣٧٩)، والنسائي (٦/ ٤٠٩) - «الكبرى»، كتاب «التفسير» باب: وَتَرَى النَّاسَ سُكارى، وَما هُمْ بِسُكارى\n(١١٣٣٩/ ١) .\nوفي الباب من حديث أبي هريرة في «الصحيح»:\nأخرجه البخاري (١١/ ٣٨٥)، كتاب «الرقاق» باب الحشر (٢٥٢٩) . [.....]","vol":"5","page":505},{"text":"ومرة أدنى من النصفِ، ومرة أدْنَى من الثلث، وذلك لِعَدَمِ تَحْصِيل البَشَرِ لِمَقَادِيرِ الزمان، مع عُذْرِ النَّوْمِ، وتقديرُ الزمان حقيقةٌ إنما هو للَّهِ تعالى، وأما البشَرُ فلا يُحْصِي ذلك، فتابَ اللَّه عليهمْ، أي: رَجَعَ بهم من الثِّقَلِ إلى الخِفَّةِ وأمرهم بقراءةِ ما تيسَّر، ونحوَ هذَا تُعْطِي عِبَارةُ الفراء، ومنذر فإنهما قالا: تُحْصُوه تَحْفَظُوه، وهذا التأويلُ هو على قراءة الخفضِ عَطْفًا على الثلثين وهي قراءة أبي عمرٍو ونافعٍ وابن عامر، وأمَّا مَنْ قَرأَ: «ونصفَه وثلثَه» بالنَّصْبِ عَطْفًا على أدْنَى وهي قراءة باقي السبعةِ «١»، فالمعنى عندَهم أنَّ اللَّه تعالى قَدْ عَلِمَ أنهم يَقْدِرُونَ الزمانَ على نحو مَا أَمَرَ بهِ تعالى، في قوله: نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ [المزمل: ٣- ٤] فلم يبقَ إلا قوله: أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فمعناه لَنْ يُطِيقُوا قيامَه/ لِكَثْرَتِهِ وشدتهِ، فَخَفَّفَ اللَّهُ عنهم فَضْلًا منه لا لِعِلَّةِ جهلهم بالتقدير وإحصاء الأوقاتِ، ونَحوَ هذا تُعْطي عبارةُ الحسن وابن جبير فإنهما قالا: تحصُوه: تُطِيقُوه «٢»، وعبارةُ الثعلبيِّ: ومَنْ قَرَأَ بالنَّصْبِ فالمعنى: وتَقُومُ نصْفَه وثلثَه، قال الفراء: وهو الأشْبَه بالصَّوَابِ لأنه قَالَ أَقَلَّ مِنَ الثلثينِ، ثم ذكر تفسيرَ القلةِ لا تَفْسِيرَ أَقَلِّ مِنَ القلةِ، انتهى، ولو عَبَّر الفَرَّاءُ بالأَرْجَحِ، لكانَ أحْسَنَ أدَبًا، وعَنْ عُبَادَةَ بن الصامت عن النبي ﷺ أنه قال:\n«مَنْ تَعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ، فَقَالَ: لا إله لا اللَّه وَحْده لاَ شَرِيكَ لَهُ لَهُ المُلْكُ وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، الحمد لله وسبحانه اللَّهِ وَلاَ إله إلاَّ اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إلاَّ بِاللَّهِ» «٣» ثم قال: «اللَّهُمَّ، اغفر لي، أوْ دَعَا، استجيب لَهُ، فإنْ تَوَضَّأَ، ثمَّ صلى قُبِلَتْ صَلاَتُهُ»، رواه الجماعة إلا مسلمًا، وَتَعَارَّ- بتشديدِ الرَّاءِ- مَعْنَاه: اسْتَيْقَظَ، انتهى من «السلاح» .\nوقوله تعالى: فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ قال الثعلبيُّ أي: مَا خَفَّ وَسَهُلَ بغير مِقْدَارٍ مِنَ القِرَاءَةِ، والمُدَّةِ، وقيل: المعنى فَصَلُّوا ما تيسَّر فَعَبَّر بالقراءةِ عنها. ت:\nوهذا هو الأصَحُّ عند ابن العربي، انتهى، قال ع «٤»: قوله: فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ\n_________\n(١) ينظر: «الحجة» (٦/ ٣٣٦)، و«إعراب القراآت» (٢/ ٤٠٧)، و«معاني القراآت» (٢/ ١٠٠)، و«شرح الطيبة» (٦/ ٧٧)، و«العنوان» (١٩٩)، و«حجة القراآت» (٧٣١)، و«شرح شعلة» (٦١٢)، و«إتحاف» (٢/ ٥٦٩) .\n(٢) أخرجه الطبري (١٢/ ٢٩٣- ٢٩٤)، رقم: (٣٥٢٩٢- ٣٥٢٩٣)، عن الحسن، ورقم (٣٥٢٩٤) عن سعيد، وذكره البغوي (٤/ ٤١١)، وابن عطية (٥/ ٣٩٠)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٤٤٨)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن المنذر.\n(٣) في د: بالله العلي العظيم.\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٣٩٠) .","vol":"5","page":506},{"text":"هو أمْرُ نَدْبٍ في قولِ الجمهور، وقال جماعة: هو فَرْضٌ لاَ بُدَّ منه ولو خَمْسِينَ آيةً، وقال الحسنُ وابن سيرين: قيامُ الليل فَرْضٌ «١» وَلَوْ قَدْرُ حَلْبِ شَاةٍ، إلا أنَّ الحسنَ قال: مَنْ قَرأَ مِائَة آيةٍ لَمْ يُحَاجَّهُ القرآن «٢» واسْتَحْسَنَ هذا جماعةٌ من العلماء قال بعضهم:\nوالركعتانِ بَعْدَ العشاءِ مَعَ الوِتْرِ دَاخِلَتَانِ في امتثالِ هذا الأَمْرِ ومن زَادَ زَادَهُ اللَّه ثوابًا، ت: ينبغي للعاقِل المبَادَرَةُ إلى تَحْصِيلِ الخَيْرَاتِ قَبْلَ هُجُومِ صَوْلَةِ المَمَاتِ، قَالَ البَاجِيُّ في «سنن الصالحين» له: قَالَتْ بنت الربيعِ بْنِ خُثَيْمٍ لأبيها: يا أبَتِ/ ما لِي أَرَى النَّاسَ يَنَامُونَ وأنْتَ لاَ تَنَامُ، قال: إنَّ أَبَاكِ يَخَافُ البَيَاتَ، قال الباجيُّ- رحمه اللَّه تعالى-:\nولي في هذا المعنى: [من الرجز]\nقَدْ أَفْلَحَ القَانِتُ في جُنْحِ الدجى ... يَتْلُو الْكِتَابَ العَرَبِيَّ النَّيِّرَا\n[فَقَائِمًا وَرَاكِعًا وَسَاجِدا ... مُبْتَهِلًا مُسْتَعْبِرًا مُسْتَغْفِرَا] «٣»\nلَهُ حَنِينٌ وَشَهِيقٌ وَبُكَا ... يَبُلُّ مِنْ أَدْمُعِهِ تُرْبَ الثرى\nإنَّا لَسَفْرٌ نَبْتَغِي نَيْلَ الهدى ... فَفِي السرى بُغْيَتُنَا لاَ في الْكَرَا\nمَنْ يَنْصَبِ اللَّيْلَ يَنَلْ رَاحَتَهُ ... عِنْد الصَّبَاحِ يَحْمَدُ القَوْمُ السرى\nانتهى، والضربُ في الأرضِ هو السَّفَرُ للتجارةِ ابتغاءَ فضلِ اللَّهِ سبحانه، فذكرَ اللَّه سبحانه أعْذَارَ بني آدمَ التي هي حائلةٌ بينَهم وبيْنَ قيامِ الليل، ثم كرَّر سبحانَه الأَمْرَ بقراءةِ ما تَيَسَّر منه تأكِيدًا، والصلاةُ والزكاة هنا هما المفروضَتَانِ، فمن قال: إن القِيَامَ من الليلِ غَيْرُ واجبٍ قال: معنى الآية خُذُوا من هذا النَّفْلِ بما تَيَسَّر وحَافِظُوا على فَرَائِضِكم، ومَنْ قال:\nإن شَيْئًا من القيامِ واجبٌ قال: قَدْ قَرَنَه اللَّهُ بالفرائِضِ لأنه فَرْضٌ وإقْراضُ اللَّه تعالى هو إسْلاَفُ العملِ الصالحِ عنده، وقرأ جمهورُ الناس «٤» «هو خيرًا» على أن يكونَ «هو» فَصْلًا، قال بعضُ العلماءِ: الاستِغفارُ بَعْدَ الصلاة مُسْتَنْبَطٌ من هذه الآيةِ، ومن قوله تعالى: كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الذاريات: ١٧- ١٨] قال\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٥/ ٣٩٠) .\n(٢) أخرجه الطبري (١٢/ ٢٩٤)، رقم: (٣٥٣٠١)، وذكره ابن عطية (٥/ ٣٩٠- ٣٩١) .\n(٣) سقط في: د.\n(٤) وقرأ محمّد بن السميفع، وأبو السمال: «هو خير» بالرفع.\nينظر: «مختصر الشواذ» ص: (١٦٤)، و«المحرر الوجيز» (٥/ ٣٩١)، و«البحر المحيط» (٨/ ٣٥٩)، و«الدر المصون» (٦/ ٤١٠) .","vol":"5","page":507},{"text":"ع «١»: وَعَهَدْتُ أبي﵀- يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ إثْرَ كل مكتُوبةٍ ثَلاَثًَا بِعَقِبِ السلام، ويأثر في ذلك حديثًا، فكان هذا الاستغفارُ من التقصيرِ وتَقَلُّبِ الفِكْرِ أثْنَاء الصلاة، وكان السلفُ الصالحُ يُصَلُّونَ إلى طلوع الفجر ثم يجلسُون للاسْتِغْفَارِ. ت: وما ذكره ع: ﵀- عَنْ أبيه رَوَاهُ مسلم وأبو داودَ والترمذيُّ والنسائي وابنُ ماجَه عن ثوبان قال: «كان رسول الله ﷺ إذا انصرف/ مِنْ صَلاَتِهِ، استغفر ثَلاَثًا وقَالَ: «اللهمّ، أنت السّلام ومنك السّلام تباركت ذَا الجَلاَلِ والاكرام» «٢»، قال الوليدُ: فقلتُ للأوزاعيِّ: كَيْفَ الاسْتِغْفَارُ؟ قال: تَقُولُ: أسْتَغْفِرُ اللَّهَ، أسْتَغْفِرُ اللَّهَ، أسْتَغْفِرُ اللَّهَ، وفي روايةٍ لمسلم من حديثِ عائشةَ: «يَا ذَا الجَلاَلِ والإكْرَامِ»، انتهى من «سلاح المؤمن» .\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٣٩١) .\n(٢) أخرجه مسلم (٥/ ٢٦/ ١٣٥- ١٣٦)، وأبو داود (١/ ٤٧٤)، كتاب «الصلاة» باب: ما يقول الرجل إذا سلّم (١٥١٢)، والترمذي (٢/ ٩٥- ٩٦)، كتاب «الصلاة» باب: ما جاء إذا سلّم من الصلاة (٢٩٨- ٢٩٩)، وابن ماجه (١/ ٢٩٨)، كتاب «إقامة الصلاة والسنة فيها» باب: ما يقال بعد التسليم (٩٢٤)، وابن حبان (٥/ ٣٤٠- ٣٤١)، كتاب «الصلاة» باب: فصل في القنوط (٢٠٠٠- ٢٠٠١)، وأحمد (٦/ ١٨٤)، والنسائي (٣/ ٦٩)، كتاب «السهو» باب: الذكر بعد الاستغفار (١٣٣٨)، وفي «الكبرى» (١/ ٣٩٧)، كتاب «صفة الصلاة» باب: الاستغفار بعد السلام (١٢٦١) .\nقال الترمذي: حديث عائشة، حديث حسن.\nوفي الباب من حديث ثوبان: أخرجه أبو داود (١/ ٤٧٥)، كتاب «الصلاة» باب: ما يقول الرجل إذا سلم (١٥١٣)، والنسائي (٣/ ٦٩)، كتاب «السهو» باب: الاستغفار بعد السلام (١٣٣٧)، وفي «الكبرى» (١/ ٣٩٧)، كتاب «صفة الصلاة» باب: الاستغفار بعد السلام (١٢٦١)، والطيالسي (١/ ١٠٥)، كتاب «الصلاة» باب: أذكار متنوعة تقال بعد الخروج من الصلاة (٤٧٦)، وابن حبان (٥/ ٣٤٣- ٣٤٤)، كتاب «الصلاة» باب: فصل في القنوت.","vol":"5","page":508},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1551>تفسير سورة المدّثّر</span>\nوهي مكّيّة بإجماع\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1552>[سورة المدثر (٧٤): الآيات ١ الى ٦]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nيا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ (٤)\nوَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦)\nقوله ﷿: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ الآيةَ، اخْتُلِفَ في أول ما نزل من القرآن، فقال الجمهورُ هو: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ وهذَا هو الأَصَحُّ، وقال جابر وجماعة هو:\nيا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ «١»، - ص-: والتَّدَثَّرُ: لُبْسُ الدِّثَارِ، وهو الثَّوْبُ الذي فَوْقَ الشِّعَارِ، والشِّعَارُ الثَّوبُ الذي يلي الجسد ومنه قوله: ع: «الأَنْصَارُ شِعَارٌ، وَالنَّاسُ دِثَارٌ» انتهى.\nوقوله تعالى: قُمْ فَأَنْذِرْ بَعْثَةٌ عامةٌ إلى جميع الخلق.\nوَرَبَّكَ فَكَبِّرْ أي: فعظمْ.\nوَثِيابَكَ فَطَهِّرْ قال ابنُ زيدٍ وجماعة: هو أمْرٌ بتطهيرِ الثيابِ حَقِيقةً «٢»، وذَهَبَ الشافعيُّ وغيرُه من هذه الآيةِ إلى: وجُوبِ غَسْلِ النَّجَاسَاتِ مِنَ الثيابِ، وقالَ الجُمْهُورُ:\nهَذِه الألْفَاظُ اسْتِعَارَةٌ في تنقيةِ الأفْعَالِ والنَّفْسِ، والعْرِضِ، وهذا كما تقول: فلانٌ طَاهِرُ الثوبِ، ويقال للفَاجِر: دَنِسُ الثَّوْبِ، قال ابن العربي في «أحكامه»: والذي يقول إنها الثيابُ المَجَازِيَّة أكْثَرَ، وكثيرًا ما تستعملُه العَرَبُ، قال أبو كبشة: [الطويل]\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٢/ ٢٩٧)، رقم: (٣٥٣٠٩)، وذكره البغوي (٤/ ٤١٢، ٤١٣)، وابن عطية (٥/ ٣٩٢)، وابن كثير (٤/ ٤٤٠)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٤٥٠)، وعزاه للطيالسي، وعبد الرزاق، وأحمد، وعبد بن حميد، والبخاري، ومسلم، والترمذي، وابن الضريس، وابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه، وابن الأنباري في المصاحف.\n(٢) أخرجه الطبري (١٢/ ٣٠٠)، رقم: (٣٥٣٣٧)، وذكره البغوي (٤/ ٤١٣)، وابن عطية (٥/ ٣٩٢)، وابن كثير (٤/ ٤٤١) بنحوه.","vol":"5","page":509},{"text":"ثِيَابُ بَنِي عَوْفٍ طهارى نَقِيَّةٌ ... وَأَوْجُهُهُمْ عِنْدَ المَشَاهِدِ غُرَّانُ «١»\nيعني: بطهارةِ ثيابهم وسلامَتَهم من الدَّنَاءَاتِ، وقال غَيْلاَنُ بْنُ سَلَمَةَ الثَّقَفِيُّ:\n[الطويل]\nفَإنِّي بِحَمْدِ اللَّهِ لاَ ثَوْبَ فَاجِرٍ ... لَبِسْتُ وَلاَ مِنْ غَدْرَةٍ أَتَقَنَّعُ «٢»\nولَيْسَ يمتنع أن تُحْمَلَ الآيةُ على عمومِ المرادِ فيها بالحقيقةِ «٣» والمجازِ «٤» على ما بيَّناه في أصولِ الفقه، وإذا حملنَاها على الثيابِ المعلومَة فهي تتناول معنيين: أحدهما:\nتَقْصِيرُ الأَذْيَالِ فإنَّها إذا أُرْسِلَتْ تَدَنَّسَتْ، وتَقْصِيرُ الذيلِ أَنْقى لثَوْبِه وأتْقَى لربِّه، المَعْنَى الثَّاني: غَسْلُها من النَّجاسَةِ فهو ظَاهِرٌ منها صحيحٌ فيها، انتهى، قال الشيخ أبو الحسن الشاذليُّ﵁-: رأَيْتُ النبيَّ ﷺ في المَنَامِ، فقالَ: يَا عَلِيُّ، طَهِّرْ ثِيَابَكَ مِنَ الدَّنَسِ، تَحْظَ بمَدَدِ اللَّهِ في كُلِّ نَفَسٍ، فَقُلْتُ: وَمَا ثِيَابي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: إنَّ اللَّهَ كَسَاكَ [حُلَّة المَعْرِفَةِ، ثُمَّ] «٥» حُلَّةَ المَحَبَّةِ، ثُمَّ حلةَ التَّوْحِيدِ، ثُمَّ حُلَّةَ الإيمان، ثمّ حلّة\n_________\n(١) البيت في «ديوانه» (٨٣)، و«المحكم» (٤/ ١٧٥)، و«العين» (٤/ ١٩)، و«الصحاح» (طهر)، و«البحر المحيط» (٨/ ٣٦٣) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٣٩٢)، «البحر المحيط» (٨/ ٣٦٣)، القرطبي (١٩/ ٤٢) . [.....]\n(٣) ينظر: «البحر المحيط» للزركشي (٢/ ١٥٢)، «سلاسل الذهب» له ص: (١٨٢)، «التمهيد» للأسنوي ص: (١٨٥)، «نهاية السول» له (٢/ ١٤٥)، «منهاج العقول» للبدخشي (١/ ٣٢٧)، «غاية الوصول» للشيخ زكريا الأنصاري ص: (٤٦)، «التحصيل من المحصول» للأرموي (١/ ٢٢١)، «المستصفى» للغزالي (١/ ٣٤١)، «حاشية البناني» (١/ ٣٠٠)، «الإبهاج» لابن السبكي (١/ ٢٧١)، «الآيات البينات» لابن القاسم العبادي (٢/ ١٥٢)، «تخريج الفروع على الأصول» للزنجاني ص: (٦٨)، «حاشية العطار على جمع الجوامع» (١/ ٣٩٣)، «المعتمد» لأبي الحسين (١/ ١٤، ٢/ ٤٠٥)، «الإحكام في أصول الأحكام» لابن حزم (٤/ ٤٣٧)، «التحرير» لابن الهمام ص: (١٦٠)، «تيسير التحرير» لأمير بادشاه (١/ ٧٢، ٢/ ٢) .\n(٤) ينظر: «البحر المحيط» للزركشي (٢/ ١٥٨)، «سلاسل الذهب» له ص: (١٩٠)، «التمهيد» للأسنوي ص: (١٨٥)، «نهاية السول» له (٢/ ١٤٥)، «منهاج العقول» للبدخشي (١/ ٣٥٤)، «غاية الوصول» للشيخ زكريا الأنصاري ص: (٤٧)، «التحصيل من المحصول» للأرموي (١/ ٢٢١)، «المستصفى» للغزالي (١/ ٣٤١)، «حاشية البناني» (١/ ٣٠٤)، «الإبهاج» لابن السبكي (١/ ٢٧١)، «الآيات البينات» لابن القاسم العبادي (٢/ ١٥٢)، «تخريج الفروع على الأصول» للزنجاني ص: (٣٨٧)، «حاشية العطار على جمع الجوامع» (١/ ٣٩٩)، «المعتمد» لأبي الحسين (١/ ١٤، ٢/ ٤٠٥)، «الإحكام في أصول الأحكام» لابن حزم (٤/ ٤٣٧)، «التحرير» لابن الهمام ص: (١٦٠)، «تيسير التحرير» لأمير بادشاه (١/ ٧٣، ٢/ ٣)، «كشف الأسرار» للنسفي (١/ ٢٢٦) .\n(٥) سقط في: د.","vol":"5","page":510},{"text":"الإسْلاَمِ، فَمَنْ عَرَفَ اللَّهَ صَغُرَ لديْهِ كُلُّ شَيْءٍ، ومَنْ أَحَبَّ اللَّهَ هَانَ عَلَيْهِ كُلُّ شَيْءٍ، وَمَنْ وَحَّدَ اللَّهَ، لَمْ يُشْرِكْ به شَيْئًا، ومَنْ آمَنَ بِاللَّهِ أَمِنَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَمَنْ أَسْلَمَ لِلَّهِ قَلَّمَا يَعْصِيهِ، وإنْ عَصَاهُ، اعتذر إلَيْهِ، وَإذَا اعتذر إليه، قَبِلَ عُذْرَه، قال: فَفَهِمْتُ حِينَئِذٍ معنى قولِهِ ﷿: وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ انتهى من «التنوير» لابن عطاء اللَّه.\nوَالرُّجْزَ يعني الأصْنَام والأَوثَانَ، وقال ابن عباس: الرُّجْزُ السَّخَط «١» يعني: اهْجُرْ ما يؤدي إليه ويوجبُه، واخْتُلِفَ في معنى قولهِ تعالى: وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ فقالَ ابن عباس وجماعة: معناه لاَ تَعْطِ عَطَاءً لِتُعْطَى أكْثَرَ منه «٢»، فكأَنه من قولهم: مَنَّ إذَا أَعْطَى، قال الضحاك: وهذا خاصّ بالنبيّ ﷺ ومُبَاحٌ لأُمَّتِه، لكنْ لاَ أجْرَ لهم فيه «٣»، وقال الحسن بن أبي الحسن: معناه ولاَ تَمْنُنْ على اللَّهِ بِجِدِّكَ، تَسْتَكْثِرْ أعْمَالَك، ويَقَعْ لَكَ بها إعْجَابٌ «٤»، قال ع «٥»: وهَذَا مِنَ المنِّ الذي هو تعديدُ اليَدِ وذكرُها، وقال مجاهد: معناه ولاَ تَضْعُفْ تَسْتَكْثِرْ مَا حَمَّلْنَاك من أعباء الرسالةِ، وتستكثرْ مِنَ الخَيْرِ وهَذَا من قولهم حبل منين أي: ضعيف «٦» .\n/ <span data-type=\"title\" id=toc-1553>[سورة المدثر (٧٤): الآيات ٧ الى ١٠]</span>\nوَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (٧) فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠)\nوَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ أي لوجهِ ربِّكَ وطَلَبِ رضَاهُ فاصْبِرْ على أذَى الكفارِ، وعلى العبادةِ وَعَنِ الشَّهَوَاتِ وعَلَى تَكَالِيفِ النُّبُوَّةِ، قال ابن زيدٍ: وعَلَى حَرْبِ الأَحْمَرِ، والأَسْوَدِ «٧»، ولَقَدْ حُمِّلَ أمْرًا عظيما ﷺ، والنَّاقُورُ: الذي يُنْفَخُ فيه، وهو الصُّور قاله ابن عبّاس\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٢/ ٣٠٠)، رقم: (٣٥٣٣٨)، وذكره ابن عطية (٥/ ٣٩٣) .\n(٢) أخرجه الطبري (١٢/ ٣٠١)، رقم: (٣٥٣٤٦) عن ابن عبّاس، وغيره رقم: (٣٥٣٤٧)، (٣٥٣٤٨)، (٣٥٣٤٩)، وذكره ابن عطية (٥/ ٣٩٣)، وابن كثير (٤/ ٤٤١)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٤٥٢)، وعزاه للطبراني.\n(٣) أخرجه الطبري (١٢/ ٣٠٢)، رقم: (٣٥٣٦٢)، وذكره البغوي (٤/ ٤١٤)، وابن عطية (٥/ ٣٩٣)، وابن كثير (٤/ ٤٤١)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٤٥٢)، وعزاه لعبد بن حميد.\n(٤) أخرجه الطبري (١٢/ ٣٠٢)، رقم: (٣٥٣٦٣)، (٣٥٣٦٤)، وذكره البغوي (٤/ ٤١٤)، وابن عطية (٥/ ٣٩٣) .\n(٥) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٣٩٣) .\n(٦) أخرجه الطبري (١٢/ ٣٠٣)، رقم: (٣٥٣٦٧)، وذكره البغوي (٤/ ٤١٤)، وابن عطية (٥/ ٣٩٣)، وابن كثير (٤/ ٤٤١) . والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٤٥٢)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن المنذر.\n(٧) أخرجه الطبري (١٢/ ٣٠٣)، رقم: (٣٥٣٧٠)، وذكره ابن عطية (٥/ ٣٩٣) .","vol":"5","page":511},{"text":"وعكرمة وهو فَاعُولُ مِنَ النَّقْرِ «١»، قال أبو حباب القصاب: أَمَّنَا زُرَارَةُ بنُ أَوْفَى فَلَمَّا بَلَغَ فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ خَرَّ مَيِّتًا، قال الفخر «٢»: قوله تعالى: فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ أي: على الكافرين، لأَنَّهُمْ يُنَاقَشُونَ غَيْرُ يَسِيرٍ أي: بلْ كَثِيرٌ شَدِيدٌ فأمَّا المؤمِنونَ فَإنَّه عليهم يَسِيرٌ لأَنَّهم لا يُنَاقَشُونَ، قال ابن عباس: ولما قال تعالى: عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ دَلَّ على أنه يسيرٌ على المؤمنينَ «٣»، وهذا هو دليلُ الخِطَابِ، ويحتملُ أَنْ يكونَ إنما وَصَفَه تعالى بالعُسْرِ لأنَّه في نفسِه كذلك للجميع من المؤمنين والكافرين، إلاَّ أَنَّه يكونُ هَوْلُ الكفار فيه أَكْثَرُ وَأَشَدُّ، وعلى هذا القولِ يَحْسُن الوَقْفَ على قوله: يَوْمٌ عَسِيرٌ انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1554>[سورة المدثر (٧٤): الآيات ١١ الى ١٥]</span>\nذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُودًا (١٢) وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (١٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥)\nوقوله تعالى: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا الآية، لا خلافَ بَيْنَ المفسرين أن هذه الآيةَ نزلتْ في الوليدِ بن المغيرةِ المخزومي، فَرُوِيَ أنَّه كَانَ يُلَقَّبُ الوحيدَ أي: لأنه لاَ نَظِيرَ له في مالهِ وشَرَفهِ في بيتِه، فَذَكَرَ الوَحِيدَ في جملة النِّعَمِ التي أُعْطِيَ، وإنْ لم يَثْبُتْ هذا فقوله تعالى: خَلَقْتُ وَحِيدًا معناه: منفَرِدًا قليلًا ذَلِيلًا، والمالُ الممدودُ قال مجاهد وابن جبير: هو ألْفُ دينار «٤»، وقال سفيان: بلغني أَنَّهُ أربَعة آلافٍ وقاله قتادة «٥»، وقيل عَشَرَةُ آلافِ دينار، قال ع «٦»: وهذا مَدّ في العدَدِ، وقال عمر بن الخطاب: المالُ الممدودُ:\nالرَّيْع المستغَلُّ مُشَاهَرةً «٧» .\nوَبَنِينَ شُهُودًا أي حُضُورًا، قيل عشَرَةٌ وقِيلَ ثَلاَثَةُ عَشَرَ، قال الثعلبيُّ/: أسْلَم منهم ثلاثةٌ خَالد بْن الوليدِ، وهِشَام، وعِمَارَة، قالوا: فما زال الوليدُ بَعْد نزولِ هذهِ الآيةِ في نُقْصَانٍ من ماله وولده حتى هلك، انتهى.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٢/ ٣٠٤)، رقم: (٣٥٣٧٦) عن عكرمة، ورقم: (٣٥٣٨٠) عن ابن عبّاس، وذكره ابن عطية (٥/ ٣٩٣)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٤٥٢)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه عن ابن عبّاس، وعزاه أيضا لعبد بن حميد عن عكرمة.\n(٢) ينظر: «الفخر الرازي» (٣٠/ ١٧٤) .\n(٣) ذكره الرازي (٣٠/ ١٧٤) .\n(٤) أخرجه الطبري (١٢/ ٣٠٦)، رقم: (٣٥٣٩٥- ٣٥٣٩٦)، وذكره البغوي (٤/ ٤١٤)، وابن عطية (٥/ ٣٩٤) . [.....]\n(٥) أخرجه الطبري (١٢/ ٣٠٦)، رقم: (٣٥٣٩٧)، وذكره البغوي (٤/ ٤١٤)، وابن عطية (٥/ ٣٩٤) .\n(٦) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٣٩٤) .\n(٧) أخرجه الطبري (١٢/ ٣٠٦- ٣٠٧)، رقم: (٣٥٤٠٠، ٣٥٤٠٣)، وذكره ابن عطية (٥/ ٣٩٤) .","vol":"5","page":512},{"text":"وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا قال سفيانُ: المعنى بَسَطْتُ له العيش بسطا «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1555>[سورة المدثر (٧٤): الآيات ١٦ الى ٢٨]</span>\nكَلاَّ إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيدًا (١٦) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠)\nثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقالَ إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هذا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥)\nسَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦) وَما أَدْراكَ ما سَقَرُ (٢٧) لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ (٢٨)\nوقوله تعالى: كَلَّا رَدْعٌ وَزَجْرٌ له على أمنيّته، وسَأُرْهِقُهُ معناه أُكَلِّفُه بمشقَةٍ وعُسْرُ، وصَعُودٌ عَقَبَةٌ في نَارِ جهنَّمَ، روى ذلك أبو سعيد الخدري عن النبي ﷺ: كُلَّما وُضِعَ عليها شَيءٌ مِن الإنْسَانِ ذَابَ، ثم يَعُودُ، والصَّعودُ في اللغة: العَقَبَةُ الشَّاقَة.\nوقوله تعالى مخبرًا عن الوليد: إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ الآية، رَوَى جمهورٌ من المفسرينَ:\nأن الوليدَ سَمِعَ من القرآن ما أعْجَبَه وَمَدحَه، ثم سمِعَ كذلك مرارًا، حتى كَادَ أنْ يُقَارِبَ الإسْلامِ، وقال: واللَّه لَقَدْ سمعتُ من محمدٍ كلامًا مَا هُو مِنْ كلامِ الإنْسِ، ولا هو مِنْ كَلامِ الجنِّ، إنَّ له الحلاوة، وإنَّ عليه لَطَلاَوَةً، وإنَّ أَعْلاَهُ لمثمرٌ، وإنَّ أسْفَلَه لَمُغْدِقٌ، وإِنَّه يَعْلُو، وَمَا يُعْلَى، فقالتْ قريشٌ: صَبَأَ الوليدُ واللَّه لتصبأَنَّ قريشٌ، فقال أبو جهل: أنا أكْفِيكُمُوه فَحاجَّه أبو جهل وجماعة حتَى غَضِبَ الوليدُ، وقال: تَزْعُمُون أَنَّ محمدًا مجنُونٌ، فَهَلْ رأيتمُوه يُخْنَقُ قَط؟ قالوا: لا، قال: تزعمُون أنه شاعر، فهل رأيتموه يَنْطِق بشعرٍ قط؟\nقالوا: لا، قال: تَزْعَمُونَ أَنّه كاهنٌ، فهل رأيتموه يتكهن قط؟ قالوا لا، قال: تَزْعمُونَ أَنَّه كذابٌ، فَهَلْ جَرَّبْتُمْ عليه شيئًا من الكذبِ قط؟ قالوا: لا، وكانوا يُسمُّونه قبلَ النبوةِ الأمِينُ لِصِدْقِهِ، فَقَالَتْ قريش: ما عندَك فيه؟ فتفكَّرَ في نفسه، فقال: ما أرى فيه شيئًا مما ذكرتمُوه فقالوا: هو ساحرٌ، فقال: أما هذا فُيُشْبِه، / وألفاظ الرواة هنا مُتَقَارِبَة المعاني مِنْ رواية الزهري وغيره.\nوقوله تعالى: فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ قَالَ الثعلبيُّ وغيرُه: قُتِلَ معناه: لُعِنَ، انتهى.\nوَبَسَرَ أي قَطَبَ مَا بَيْنَ عينيه واربد وَجْهُه ثم أدْبَر عَنْ الهُدَى بعد أن أقْبَلَ إليهِ، وقال: إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ أي: يُرْوَى، أي: يرويه محمدٌ عن غيره.\nوسَقَرُ هي الدَّرْكُ السادسِ منَ النَّارِ، لاَ تُبْقِي عَلَى مَنْ أُلْقي فيها وَلا تَذَرُ غايةً من العذاب إلا وصّلته إليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1556>[سورة المدثر (٧٤): الآيات ٢٩ الى ٣٥]</span>\nلَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩) عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠) وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلاَّ مَلائِكَةً وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمانًا وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكافِرُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ وَما هِيَ إِلاَّ ذِكْرى لِلْبَشَرِ (٣١) كَلاَّ وَالْقَمَرِ (٣٢) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣)\nوَالصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ (٣٤) إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ (٣٥)\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٢/ ٣٠٧)، رقم: (٣٥٤٠٥)، وذكره ابن عطية (٥/ ٣٩٤) .","vol":"5","page":513},{"text":"وقوله تعالى: لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ قال ابن عباس وجمهور الناس: معناه مُغَيِّرَةٌ للبَشَرَاتِ ومُحَرِّقَةٌ للجُلودِ مُسَوِّدَة لها «١»، فالبَشَرُ جَمْع بَشَرَةٍ، وقال الحسن وابن كَيْسَانَ: لَوَّاحَةٌ بِنَاء مبالغَةٍ من لاَحَ يَلُوحُ إذا ظَهَرَ، فالمعنى أنها تظهرُ للناسِ وهم البَشَرُ من مسيرةِ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، وذلك لعظمِها وهَوْلِهَا وزفيرها «٢» .\nوقولُه تعالى: عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ لاَ خِلاَفَ بينَ العلماءِ أنهم خَزَنَةُ جهنمَ المحيطونَ بأمْرِها الذين إليهم جِمَاع أمْرِ زبانِيَتِها، ورُوِي أن قريشًا لما سَمِعَتْ هذا كَثُرَ لَغَطُهم فيه، وقالوا: ولَوْ كَانَ هذا حقًا، فإن هَذَا العَدَدَ قليلٌ، وقالَ أبو جهل: هؤلاء تسعةَ عشَرَ، وأنْتُمْ الدُّهْمُ أي: الشُّجْعَانُ: أفَيَعْجَزُ عشرةٌ منا عن رجلٍ منهم إلى غير هذا من أقوالهم السخيفةِ.\nوقوله تعالى: وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً تَبْيينٌ لفسادِ أقوالِ قريشٍ، أي:\nإنا جَعَلْنَاهم خَلْقًا لا قِبَلَ لًاّحَدٍ من الناس بهم وجعلنا عِدَّتَهم هذا القدرَ فتنةً للكفارِ لِيَقَع منهم من التعاطِي والطَّمَعِ في المغالَبَةِ ما وقع، ولِيَسْتَيْقِنَ أهلُ الكتابِ- التوراةِ والإنجيلِ- أنَّ هذا القرآنَ مِنْ عندَ اللَّهِ، إذْ هُمْ يَجِدُونَ هذهِ العدةَ في كُتُبِهم المنزَّلةِ، قال هذا المعنى ابنُ عباسٍ وغيرُه «٣»، وبوُرُودِ الحقائقِ من عند الله﷿- يَزْدَادُ كلُّ ذِي إيمانٍ إيمَانًا، ويَزُولُ الرَّيْبُ عَنِ المُصَدِّقِينَ مِنْ أهْلِ الكتابِ ومِنَ المؤمنين.\n/ وقوله سبحانه: وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ.... الآية، نوعٌ من الفتنةِ لهذا الصِّنفِ المنافِق أو الكافرِ، أي حَارُوا وَلَمْ يَهْتَدُوا لِمَقْصِدِ الحقِ، فجعلَ بَعْضُهم يَسْتَفْهِمُ بَعْضًا عن مرادِ اللَّه بهذا المثل، استبعادًا أنْ يكونَ هذا مِنْ عِندِ اللَّهِ، قال الحسين بن الفضل: السورة مكيَّةٌ وَلَمْ يكن بمكةَ نِفَاقٌ وإنَّما المرض في هذه الآيةِ الاضْطِرَابُ وضَعْفُ الإيمانِ «٤»، ثم قَالَ تعالى: وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ إعْلامًا بأن الأمْرَ فَوْقَ ما يتوهّم،\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٢/ ٣١١)، رقم: (٣٥٤٣٤)، وذكره البغوي (٤/ ٤١٦)، وابن عطية (٥/ ٣٩٥)، وابن كثير (٤/ ٤٤٣)، والسيوطي في «الدر المنثور»، وعزاه لعبد بن حميد.\n(٢) ذكره البغوي (٤/ ٤١٦)، وابن عطية (٥/ ٣٩٦) .\n(٣) أخرجه الطبري (١٢/ ٣١٣)، رقم: (٣٥٤٤٧)، وذكره ابن عطية (٥/ ٣٩٦) .\n(٤) ذكره ابن عطية (٥/ ٣٩٦) .","vol":"5","page":514},{"text":"وأنَّ الخبرَ إنما هُو عَنْ بَعْضِ القدرةِ لاَ عَنْ كُلِّها، ت: صوابُه أنْ يقولَ عَنْ بَعْضِ المقدوراتِ لاَ عَنْ كُلِّها وهذا هو مُرَادُه، ألاَ تَرَاهُ قال في قوله تعالى: وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ [البقرة: ٢٥٥] قال: يعني بشيءٍ مِنْ مَعْلُومَاتِه لأنّ علمَه تعالى لاَ يَتَجَزَّأُ، فافْهم رَاشِدًا، والسموات كُلُّها عامرةٌ بأَنواعٍ من الملائِكَةِ كلُّهم في عبادَةٍ مُتَّصِلَةٍ وخُشُوعٍ دائمٍ، لا فَتْرَةَ في شيءٍ من ذلك، ولا دَقِيقَةً واحدة، قال مجاهد: والضميرُ في قوله: وَما هِيَ للنارِ المذكورةِ، أي: يُذَكَّرُ بهَا البشرُ فَيَخَافُونَها، فيطيعونَ اللَّه «١»، وقال بعضهم: قوله:\nوَما هِيَ يرادُ بها الحالُ والمخَاطبةُ والنِّذَارَةُ، وأقْسَمَ تعالى بالقَمَرِ وما بَعدَه تَنْبيهًا عَلَى النَّظَرِ في ذلكَ والفكرِ المؤدِّي إلى تعظيمهِ تعالَى وتحصيلِ معرفتِه تعالى مالك الكلّ وقوام الوجود، ونور السموات والأرضِ، لاَ إله إلاَّ هو العزيزُ القهارُ، وأدْبَرَ الليلُ معناه ولّى، وأسْفَرَ الصبح أضَاءَ وانتشرَ ضوؤه، قال ابن زيد وغيره: الضميرُ في قوله: إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ لجهنمَ، ويحتملُ أنْ يكُونَ الضميرُ للنِّذَارَةِ وأمْرِ الآخرة فهو للحالِ والقِصَّة «٢»، - ص-: والكُبَرُ جَمْعُ كُبْرى، وفي ع «٣»: جَمْعُ كبيرةٍ ولَعَلَّه وَهْمٌ من الناسِخ، انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1557>[سورة المدثر (٧٤): الآيات ٣٦ الى ٤١]</span>\nنَذِيرًا لِلْبَشَرِ (٣٦) لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (٣٧) كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلاَّ أَصْحابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَساءَلُونَ (٤٠)\nعَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١)\nوقوله سبحانه: نَذِيرًا لِلْبَشَرِ قال الحسن: لا نَذِيرَ أدْهَى مِنَ النارِ «٤»، وقال ابن زيد: نَذِيرًا لِلْبَشَرِ هو محمّد ﷺ «٥» .\nوقوله سبحانه: لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ قال الحسن: هو وعيد نحو قوله: فَمَنْ/ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ «٦» [الكهف: ٢٩]، ثم قوَّى سبحانه هذا المعنى بقوله: كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ: إذ لزم بهذا القول أنَّ المُقَصِّرَ مرتهن بسوءِ عمله، وقال الضَّحَّاكُ: المعنى: كل نفس حَقَّتْ عليها كلمة العذاب، ولا يرتهن تعالى أحدا\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٢/ ٣١٤)، رقم: (٣٥٤٥٧)، وذكره ابن عطية (٥/ ٣٩٧)، وابن كثير (٤/ ٤٤٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٤٥٧)، وعزاه لعبد بن حميد.\n(٢) أخرجه الطبري (١٢/ ٣١٦)، رقم: (٣٥٤٦٣) .\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٣٩٧) .\n(٤) أخرجه الطبري (١٢/ ٣١٦)، رقم: (٣٥٤٦٧)، وذكره البغوي (٤/ ٤١٨)، وابن عطية (٥/ ٣٩٨) .\n(٥) أخرجه الطبري (١٢/ ٣١٧)، رقم: (٣٥٤٦٩)، وذكره البغوي (٤/ ٤١٨)، وابن عطية (٥/ ٣٩٨) .\n(٦) ذكره ابن عطية (٥/ ٣٩٨) . [.....]","vol":"5","page":515},{"text":"من أهل الجنة إنْ شاء اللَّه «١» .\nوقوله تعالى: إِلَّا أَصْحابَ الْيَمِينِ استثناءٌ ظاهره الانفصال، تقديره: لكن أصحاب اليمين في جنات.\n- ص-: فِي جَنَّاتٍ أي: هم في جنات، فيكون خبر مبتدإ محذوف.\n- م-: وأعربه أبو البقاء حالًا من الضمير في يَتَساءَلُونَ، انتهى.\nقال ابن عباس: أَصْحابَ الْيَمِينِ هنا الملائكة «٢»، وقال الضَّحَّاكُ: هم الذين سبقت لهم من اللَّه الحسنى «٣»، وقال الحسن وابن كَيْسَانَ: هم المسلمون المخلصون ليسوا بمرتهنين «٤» .\nت: وأسند أبو عمر بن عبد البَرِّ عن علي بن أبي طالب في قوله تعالى: كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلَّا أَصْحابَ الْيَمِينِ قال: أصحاب اليمين: أطفال المسلمين «٥»، انتهى من «التمهيد» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1558>[سورة المدثر (٧٤): الآيات ٤٢ الى ٤٩]</span>\nما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦)\nحَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ (٤٧) فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨) فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩)\nوقولهم: مَا سَلَكَكُمْ أي: ما أدخلكم، فيحتمل أنْ يكون من قول أصحاب اليمين الآدميين أو من قول الملائكة.\nوقوله تعالى: قالُوا يعني الكفار لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ ... الآية، وفي نفي الصلاة يدخل الإيمان باللَّه، والمعرفة به، والخشوع له وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ يشمل الصدقة فرضًا كانت أو نفلًا، والخوض مع الخائضين: عَرَّفه في الباطل والتكذيب بيوم الدين كفر صراح حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ يعني الموت قاله المفسرون.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٢/ ٣١٨)، رقم: (٣٥٤٤٦)، وذكره ابن عطية (٥/ ٣٩٨) .\n(٢) ذكره البغوي (٤/ ٤١٨)، وابن عطية (٥/ ٣٩٨) .\n(٣) ذكره ابن عطية (٥/ ٤٩٨) .\n(٤) ذكره البغوي (٤/ ٤١٨)، وابن عطية (٥/ ٤٩٨) .\n(٥) أخرجه الطبري (١٢/ ٤١٨)، رقم: (٣٥٤٧٩)، وذكره البغوي (٤/ ٤١٨)، وابن عطية (٥/ ٤٩٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٤٥٩)، وعزاه لعبد الرزاق، والفريابي، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم.","vol":"5","page":516},{"text":"قال ع «١»: وعندي: أَنَّ اليقين صِحَّةُ ما كانوا يكذبون به من الرجوع إلى اللَّه والدار الآخرة، وقد تقدم ذكر أحاديث الشفاعة قال الفخر «٢»: واحتجَّ أصحابنا بهذه الآية على أَنَّ الكفار يُعَذَّبُونَ بترك فروع الشريعة، والاستقصاء فيه قد ذكرناه في المحصول، انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1559>[سورة المدثر (٧٤): الآيات ٥٠ الى ٥٦]</span>\nكَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (٥١) بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً (٥٢) كَلاَّ بَلْ لا يَخافُونَ الْآخِرَةَ (٥٣) كَلاَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (٥٤)\nفَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ (٥٥) وَما يَذْكُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (٥٦)\nوقوله تعالى في صفة الكفار/ المعرضين: كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ إثبات لجهلهم لأَنَّ الحمر من جاهل الحيوان جدًّا، وفي حَرْفِ ابن مسعود «٣»: «حُمُرٌ نَافِرَةٌ» قال ابن عباس وأبو هريرة وجمهور من اللغويين: القسورة: الأسد «٤»، وقيل غير هذا، بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أي: من هؤلاء أَنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً أي: يريد كل إنسان منهم أنْ ينزل عليه كتاب من اللَّه، ومنشرة، أي: منشورة غير مطوية.\nوقوله: كَلَّا رَدٌّ على إرادتهم، أي: ليس الأمر كذلك، ثم قال: بَلْ لاَّ يَخافُونَ الْآخِرَةَ المعنى: هذه هي العلة والسبب في إعراضهم، فكان جهلهم بالآخرة سَبَبَ امتناعهم من الهدى حتى هلكوا، ثم أعاد تعالى الرد والزجر بقوله: كَلَّا وأخبر أنَّ هذا القولَ والبيانَ وهذه المحاورة بجملتها تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ: ووفقه اللَّه لذلك، ذَكَرَ معادَه فعمل له، ثم أخبر سبحانه أنَّ ذكر الإنسان مَعَادَهُ وجريَه إلى فلاحه إنَّما هو كله بمشيئة اللَّه تعالى، وليس يكون شيء إلاَّ بها، وقرأ أبو عمرو وعاصم وابن كثير: «يَذْكُرُونَ» بالياء من تحت «٥» .\nوقوله سبحانه: هُوَ أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ خبر جزم معناه: أنّ الله ﷿\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٣٩٩) .\n(٢) ينظر: «الفخر الرازي» (٣٠/ ١٨٦) .\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٣٩٩) .\n(٤) أخرجه الطبري (١٢/ ٣٢٢)، رقم: (٣٥٥١٢، ٣٥٥١٥)، وذكره البغوي (٤/ ٤١٩) عن أبي هريرة فقط، وابن عطية (٥/ ٣٩٩)، وابن كثير (٤/ ٤٢٧)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٤٦١)، وعزاه لابن أبي حاتم عن ابن عبّاس ولعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن أبي هريرة.\n(٥) ينظر: «إعراب القراءات» (٢/ ٤١٣)، و«معاني القراءات» (٢/ ١٠٤)، و«شرح الطيبة» (٦/ ٨٠)، و«العنوان» (١٩٩)، و«شرح شعلة» (٦١٣)، و«حجة القراءات» (٦٣٥)، و«إتحاف» (٢/ ٥٧٢) .","vol":"5","page":517},{"text":"أَهْلٌ بصفاته العُلَى ونِعَمِهِ التي لا تحصى لأَنْ يتقى ويُطَاعَ أمره، ويُحْذَرَ عصيانه، وأَنَّه بفضله وكرمه أَهْلٌ أنْ يَغْفِرَ لعبادِهِ إذا اتقوه رَوَى ابْنُ مَاجَه عن أنَسٍ: «أَنَّ النبيّ ﷺ قَرَأَ هَذِهِ الآية: هُوَ أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ فَقَالَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا أَهْلٌ أَنْ أتقى، فَلاَ يُجْعَلَ مَعِيَ إله آخَرُ، فَمَنِ اتَّقَانِي فَلَمْ يَجْعَلْ مَعِيَ إلَهًا آخَرَ، فَأَنَا أَهْلٌ أنْ أَغْفِرَ لَهُ» وأخرجه أبو عيسى الترمذي بمعناه، وقال: حديث حسن «١»، انتهى.\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه (٢/ ١٤٣٧)، كتاب «الزهد» باب: ما يرجى من رحمة الله يوم القيامة (٤٢٩٩) .","vol":"5","page":518},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1560>تفسير سورة القيامة</span>\nوهي مكّيّة بإجماع\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1561>[سورة القيامة (٧٥): الآيات ١ الى ٩]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nلاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ (١) وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢) أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ (٣) بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ (٤)\nبَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ (٥) يَسْئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ (٦) فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩)\nقوله ﷿: لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ/ وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ هذه قراءة الجمهور، وقرأ ابن كثير «١»: «لأُقْسِمُ بِيَومِ الْقِيَامَةِ وَلأُقْسِمُ» فقيل: على قراءة الجمهور «لا» زائدة، وقال الفَرَّاءُ: «لا» نفيٌ لكلام الكفار، وزجر لهم، ورَدٌّ عليهم، وجمهور المتأوِّلين على أَنَّ اللَّه تعالى أقسم بيوم القيامة وبالنفس اللوامة، أقسم سبحانه بيوم القيامة تنبيهًا منه على عِظَمِهِ وهوله قال الحسن: النفس اللَّوَّامَةُ: هي اللوامة لصاحبها في ترك الطاعة ونحو ذلك «٢»، فهي على هذا ممدوحة ولذلك أقسم اللَّه بها، وقال ابن عباس وقتادة: اللوامة:\nهي الفاجرة، اللوامة لصاحبها على ما فاته من سعي الدنيا «٣» وأعراضها، وعلى هذا التأويل يحسن نفي القسم بها، والنفس في الآية اسم جنس.\nقال ع «٤»: وكل نفس متوسطة ليست بالمُطْمَئِنَّةِ ولا بالأَمَّارَةِ بالسوء فإنَّها لوَّامة في الطرفين، مرةً تلوم على ترك الطاعة، ومرةً تلوم على فوت ما تشتهي، فإذا اطمأنَّتْ خلصت وصفت، قال الثعلبيُّ: وجواب القسم محذوف تقديره: لَتُبْعَثُنَّ، دَلَّ عليه قوله:\nأَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ أي: للإحياء والبعث، والإنسان هنا الكافر المكذّب\n_________\n(١) ينظر: «السبعة» (٦٦١)، و«الحجة» (٦/ ٣٤٣)، و«إعراب القراءات» (٢/ ٤١٤)، و«حجة القراءات» (٧٣٥)، و«معاني القراءات» (٣/ ١٠٥)، و«العنوان» (٢٠٠)، و«إتحاف» (٢/ ٥٧٣) .\n(٢) ذكره البغوي (٤/ ٤٢١)، وذكره ابن عطية (٥/ ٤٠٢)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٤٦٤)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن أبي الدنيا.\n(٣) ذكره ابن عطية (٥/ ٤٠٢) . [.....]\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٤٠٢) .","vol":"5","page":519},{"text":"بالبعث، انتهى، والبنان: الأصابع، ونُسَوِّيَ بَنانَهُ معناه: نتقنها سَوِيَّةً قاله القتبي، وهذا كله عند البعث، وقال ابن عباس وجمهور المفسرين: المعنى: بل نحن قادرون أنْ نسوي بنانه، أي: نجعل أصابع يديه ورجليه شيئًا واحدًا كَخُفِّ البعير أو كحافر الحمار، لا يمكنه أنْ يعمل بها شيئًا، ففي هذا تَوَعُّدٌ ما، والقول الأول أجرى مع رصف الكلام «١» .\nبَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ معناه: أنَّ الإنسان إنَّما يريد شهواتِهِ ومعاصِيَه ليمضيَ فيها أبدًا راكبًا رأسه، ومطيعًا أمله، ومُسَوِّفًا توبته قال البخاريُّ: لِيَفْجُرَ أَمامَهُ يقول: سوف أتوب، سوف أعمل «٢»، انتهى.\n/ قال الفخر «٣»: قوله: لِيَفْجُرَ أَمامَهُ فيه قولان:\nالأَوَّل: ليدوم على فجوره فيما يستقبله من الزمان، لا ينزع عنه فَعَنِ ابن جُبَيْرٍ:\nيقدم الذنب، ويُؤَخِّرُ التوبة «٤»، يقول: سوف أتوب، سوف أتوب حتى يأتيه الموت على شر أحواله وأسوإ أعماله.\nالقول الثاني: لِيَفْجُرَ أَمامَهُ أي: يُكَذِّبُ بما أمامه من البعث والحساب لأَنَّ من كذب حَقًّا كان مفاجرًا، والدليل على هذا القول قوله تعالى: يَسْئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ أي:\nمتى يكون ذلك تكذيبًا له، انتهى.\nوسؤال الكفار أَيَّانَ هو على معنى التكذيب والهزء، وأَيَّانَ بمعنى: متى، وقرأ نافع وعاصم بخلافٍ: «بَرَقَ الْبَصَرُ» - بفتح الراء «٥» - بمعنى: لَمَعَ وصار له بريق، وحار عند الموت، وقرأ أبو عمرو وغيره بكسرها بمعنى: شَخَصَ، والمعنى متقارب، قال\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٢/ ٣٢٨)، رقم: (٣٥٥٤٠- ٣٥٥٤١)، وذكره ابن عطية (٥/ ٤٠٢)، وابن كثير (٤/ ٤٤٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٤٦٤)، وعزاه لعبد الرزاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٢) ينظر: «فتح الباري» (٨/ ٥٤٧)، كتاب «التفسير» .\n(٣) ينظر: «الفخر الرازي» (٣٠/ ١٩٢) .\n(٤) أخرجه الطبري (١٢/ ٣٣٠)، رقم: (٣٥٥٥٥)، وذكره البغوي (٤/ ٤٢١)، وابن عطية (٥/ ٤٠٢)، وابن كثير (٤/ ٤٤٨) .\n(٥) وعاصم قرأها هكذا من رواية أبان.\nينظر: «السبعة» (٦٦١)، و«الحجة» (٦/ ٣٤٥)، و«معاني القراءات» (٣/ ١٠٦)، و«إعراب القراءات» (٢/ ٤١٤)، و«شرح الطيبة» (٦/ ٨١)، و«العنوان» (٢٠٠)، و«حجة القراءات» (٧٣٦)، و«شرح شعلة» (٦١٣)، و«إتحاف» (٢/ ٥٧٤) .","vol":"5","page":520},{"text":"مجاهد: هذا عند الموت «١»، وقال الحسن: هذا في يوم القيامة «٢»، قال أبو عبيدة وجماعة من اللغويين: الخسوف والكسوف بمعنى واحد «٣»، وقال ابن أبي أُوَيْسٍ: الكسوف: ذهابُ بعض الضوء، والخسوف: ذهاب جميعه، وروى عروة وسفيان أَنَّ النبيّ ﷺ قَالَ: «لاَ تَقُولُوا كَسَفَتِ الشَّمْسُ، وَلَكِنْ قُولُوا: خَسَفَتْ» «٤» وقرأ ابن مسعود: «وَجُمِعَ «٥» بَيْنَ الشَّمْسِ وَالقَمَرِ» واختلف في معنى الجمع بينهما فقال عطاء: يجمعان فيقذفان في النار «٦»، وقيل:\nفي البحر فيصيرا نارَ اللَّه العُظْمَى، وقيل: يُجْمَعُ الضَّوْءانِ فيذهب بهما قال الثعلبيُّ: وقال علي وابن عباس: يجعلان في نور الحجب «٧»، انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1562>[سورة القيامة (٧٥): الآيات ١٠ الى ١٣]</span>\nيَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠) كَلاَّ لا وَزَرَ (١١) إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (١٢) يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣)\nيَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ أي: أين الفرار كَلَّا لاَ وَزَرَ أي: لا ملجأ، والْمُسْتَقَرُّ\nموضع الاستقرار.\nوقوله تعالى: يُنَبَّؤُا/ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ\n[أي]: يعلم بكل ما فعل، ويجده مُحَصَّلًا، وقال ابن عباس وابن مسعود: بما قَدَّم في حياته، وما أخّر من سنة بعد مماته «٨» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1563>[سورة القيامة (٧٥): الآيات ١٤ الى ١٩]</span>\nبَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ (١٥) لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨)\nثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ (١٩)\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٢/ ٣٣١)، رقم: (٣٥٥٦٣)، وذكره ابن عطية (٥/ ٤٠٣)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٤٦٥)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر.\n(٢) ذكره ابن عطية (٥/ ٤٠٣) .\n(٣) ذكره ابن عطية (٥/ ٤٠٣) .\n(٤) أخرجه مسلم (٢/ ٦٢٥)، كتاب «الكسوف» باب: ما عرض على النبي ﷺ في صلاة الكسوف من أمر الجنة والنار (١٣/ ٩٠٥) .\n(٥) هكذا في القرطبي (١٩/ ٦٣) . وذكر ابن عطية في «المحرر الوجيز» (٥/ ٤٠٣) أنها قراءة ابن أبي عبلة.\n(٦) أخرجه الطبري (١٢/ ٣٣٢)، رقم: (٣٥٥٦٩)، وذكره البغوي (٤/ ٤٢٢)، وابن عطية (٥/ ٤٠٣)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٤٦٥)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر.\n(٧) ذكره القرطبي (١٩/ ٦٣)، وذكره أبو حيان في «البحر المحيط» (٨/ ٣٧٧) .\n(٨) أخرجه الطبري (١٢/ ٣٣٥)، رقم: (٣٥٥٩١)، (٣٥٥٩٢)، وذكره البغوي (٤/ ٤٢٢)، وابن عطية (٥/ ٤٠٣)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٤٦٦)، وعزاه لعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن ابن مسعود، وعزاه أيضا لابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عبّاس. [.....]","vol":"5","page":521},{"text":"وقوله تعالى: بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ\nقال ابن عباس وغيره: أي: للإنسان على نفسه من نفسه بصيرةُ رقباءَ يشهدون عليه، وهم جوارحه وَحَفَظَتُه «١»، ويحتمل أنْ يكون المعنى: بل الإنسان على نفسه شاهد ودليله قوله تعالى: كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا [الإسراء: ١٤] قال الثعلبيّ: قال أبان بن ثعلب: البصيرةُ والبَيِّنَةُ والشاهد بمعنى واحد انتهى، ونحوه للهرويِّ قال ع «٢»: والمعنى على هذا التأويل الثاني: أَنَّ في الإنسان وفي عقله وفطرته حُجَّةً وشاهدًا مُبْصِرًا على نفسه.\nوَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ\nأي: ولو اعتذر عن قبيح أفعاله، فهو يعلمها، قال الجمهور:\nوالمعاذير هنا جمع مَعْذِرَةٌ، وقال الضَّحَّاكُ والسُّدِّيُّ: هي الستور بلغة اليمن يقولون للستر: المعذار «٣» .\nوقوله تعالى: لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ\nالآية، قال كثير من المفسرين، وهو في «صحيح البخاريِّ» عن ابن عبّاس قال: كان النبيّ ﷺ يُعَالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّةً وَكَانَ مِمَّا يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ مُخَافَةَ أَنْ يَذْهَبَ عَنْهُ مَا يُوحَى إلَيْهِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِ ذَلِكَ، وَأَعْلَمَهُ تَعَالَى أنّه يجمعه له في صدره «٤» .\nوقوله: وَقُرْآنَهُ\nيحتمل أنْ يريد وقراءته، أي: تقرأه أنت يا محمد.\nوقوله: فَإِذا قَرَأْناهُ\nأي: قرأه الملك الرسول عنّا فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ\n، قال البخاريُّ:\nقال ابن عباس: فَاتَّبِعْ\n، أي: اعمل به، وقال البخاريُّ أيضًا/ قوله: إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ\nأي: تأليف بعضه إلى بعض فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ\nأي: ما جمع فيه، فاعمل بما أمرك، وانته عَمَّا نهاك عنه انتهى.\nوقوله تعالى: ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ قال قتادة وجماعة: معناه: أنْ نُبَيِّنَهُ لك «٥»، وقال البخاريُّ: أنْ نبينه على لسانك.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٢/ ٣٣٦)، رقم: (٣٥٦٠١)، وذكره البغوي (٤/ ٤٢٣)، وابن كثير (٤/ ٤٤٩)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٤٦٧)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عبّاس.\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٤٠٤) .\n(٣) أخرجه الطبري (١٢/ ٣٣٨)، رقم: (٣٥٦١٢) عن السدي، وذكره البغوي (٤/ ٤٢٣)، وابن عطية (٥/ ٤٠٤)، والسيوطي (٦/ ٤٦٧)، وعزاه لابن المنذر عن الضحاك بنحوه.\n(٤) أخرجه البخاري (٨/ ٥٤٧- ٥٤٨)، كتاب «التفسير» باب: سورة القيامة (٤٩٢٧)، (٨/ ٥٤٩)، باب:\nإِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (٤٩٢٨) .\n(٥) ذكره ابن عطية (٥/ ٤٠٥)، وابن كثير (٤/ ٤٤٩) بنحوه.","vol":"5","page":522},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1564>[سورة القيامة (٧٥): الآيات ٢٠ الى ٢٥]</span>\nكَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ (٢٠) وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ (٢١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ (٢٢) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ (٢٣) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ (٢٤)\nتَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ (٢٥)\nوقوله تعالى: كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ أي: الدنيا وشهواتِها قال الغزاليُّ في «الإحياء»: اعلم أَنَّ رأس الخطايا المهلكة هو حُبُّ الدنيا، ورأسَ أسبابِ النجاة هو التجافي بالقلب عن دار الغرور، وقال ﵀: اعلم أَنَّهُ لا وصولَ إلى سعادة لقاء اللَّه سبحانه في الآخرة إلاَّ بتحصيل محبته والأُنْسِ به في الدنيا، ولا تحصلُ المحبة إلاَّ بالمعرفة، ولا تحصل المعرفةُ إلاَّ بدوام الفكر، ولا يحصل الأُنْسُ إلاَّ بالمحبة ودوام الذكر، ولا تتيسر المواظبة على الذكر والفكر إلاَّ بانقلاع حُبِّ الدنيا من القلب، ولا ينقلع ذلك إلاَّ بترك لَذَّاتِ الدنيا وشهواتها، ولا يمكن تركُ المشتهيات إلاَّ بقمع الشهوات، ولا تَنْقَمِعُ الشهواتُ بشيء كما تنقمعُ بنار الخوف المُحْرِقَة لِلشهوات، انتهى.\nوقرأ ابن كثير «١» وغيره: «يُحِبُّونَ» و«يَذَرُونَ» بالياء على ذكر الغائب، ولما ذكر سبحانه الآخرة، أخبر بشيء من حال أهلها فقال: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ أي: ناعمة، والنُّضْرَةُ: النعمة وجمال البشرة قال الحسن: وحُقَّ لها أن تُنَضَّر وهي تنظر إلى خالقها «٢» .\nوقوله تعالى: إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ حمل جميع أهل السُّنَّةِ هذه الآية على أَنَّها متضمنة رؤية المؤمنين لله ﷿ بلا تكييف ولا تحديد/ كما هو معلوم موجود، لا يشبه الموجودات، كذلك هو سبحانه مَرْئِيٌّ لا يشبه المَرْئِيَّاتِ في شيء فإِنَّه ليس كمثله شيء لا إله إلاَّ هو، وقد تقدم استيعاب الكلام على هذه المسألة، وما في ذلك من صحيح الأحاديث، والباسرة: العابسة المغمومة النفوس، والبسور: أشد العُبُوسِ، وإنَّما ذكر تعالى الوجوه لأَنَّهُ فيها يظهر ما في النفس من سرور أو غَمٍّ، والمراد أصحاب الوجوه، والفاقرة: المصيبة التي تكسر فَقَارِ الظهر وقال أبو عبيدة: هي من فَقَرْتُ [البعير] إذا وسمت أنفه بالنار «٣» .\n_________\n(١) وقرأ بها أبو عمرو، وابن عامر، ويعقوب.\nينظر: «إعراب القراءات» (٢/ ٤١٦)، و«معاني القراءات» (٣/ ١٠٦)، و«شرح الطيبة» (٦/ ٨١)، و«العنوان» (٢٠٠)، و«حجة القراءات» (٧٣٦)، و«شرح شعلة» (٦١٤)، و«إتحاف» (٢/ ٥٧٤) .\n(٢) أخرجه الطبري (١٢/ ٣٤٣) رقم (٣٥٦٥٤)، وذكره البغوي (٤/ ٤٢٤)، وابن عطية (٥/ ٤٠٥)، وابن كثير (٤/ ٤٥٠) .\n(٣) ذكره ابن عطية (٥/ ٤٠٥) .","vol":"5","page":523},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1565>[سورة القيامة (٧٥): الآيات ٢٦ الى ٣٠]</span>\nكَلاَّ إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ (٢٦) وَقِيلَ مَنْ راقٍ (٢٧) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ (٢٨) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩) إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ (٣٠)\nوقوله تعالى: كَلَّا إِذا بَلَغَتِ ... زجر وتذكير أيضًا بموطن من مواطن الهول، وهي حالة الموت الذي لا محيد عنه، وبَلَغَتِ يريد: النفس والتَّراقِيَ جمع تَرْقُوَةٍ، وهي عظام أعلى الصدر، ولكل أحد تَرْقُوَتَانِ، لكن جُمِعَ من حيثُ أَنَّ النفس المرادةَ اسمُ جنس، والتراقي هي موارية للحلاقيم، فالأمر كله كناية عن حال الحَشْرَجَةِ ونزع الموت- يَسَّرَهُ اللَّه علينا بِمَنِّهِ، وجعله لنا راحةً من كل شَرٍّ- واخْتُلِفَ في معنى قوله تعالى: وَقِيلَ مَنْ راقٍ\nفقال ابن عباس وجماعة: معناه: مَنْ يُرْقِي، ويَطُبُّ، ويَشْفِي «١»، ونحو هذا مِمَّا يتمناه أهل المريض، وقال ابن عباس أيضًا، وسليمانُ التَّيْمِيُّ، ومقاتل: هذا القول للملائكة، والمعنى: مَنْ يرقى بروحه، أي: يصعد بها إلى السماء أملائكة الرحمة، أم ملائكة العذاب «٢» .\nوَظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ أي: أيقن، وهذا يقين فيما لم يَقَعْ بعد ولذلك اسْتُعْمِلَتْ فيه لَفْظَةُ الظن.\nوقوله تعالى: وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ قال ابن المُسَيِّبِ، والحسن: هي حقيقة، والمراد: ساقا المَيِّتِ عند تكفينه، أي: لَفَّهُمَا الكَفَنُ «٣»، وقيل: هو التفافهما من شدة المرض، وقيل غير هذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1566>[سورة القيامة (٧٥): الآيات ٣١ الى ٣٣]</span>\nفَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى (٣١) وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٣٢) ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (٣٣)\nوقوله تعالى: فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى الآية: قال جمهور المتأولين: هذه الآية كلها إنَّما نزلت في أبي جهل قال﵇ «٤»: ثم كادت هذه الآية أَنْ تُصَرِّحَ به في قوله:\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٥/ ٤٠٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٤٧٧)، وعزاه لعبد بن حميد عن ابن عبّاس بنحوه.\n(٢) أخرجه الطبري (١٢/ ٣٤٦)، رقم: (٣٥٦٨٢)، وذكره ابن عطية (٥/ ٤٠٦)، وابن كثير (٤/ ٤٥١)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٤٧٧)، وعزاه لابن أبي الدنيا في ذكر الموت، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عبّاس بنحوه.\n(٣) أخرجه الطبري (١٢/ ٣٤٨)، رقم: (٣٥٧٠٦- ٣٥٧٠٧)، وذكره البغوي (٤/ ٤٢٥)، وابن عطية (٥/ ٤٠٦)، وابن كثير (٤/ ٤٥١)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٤٧٨)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن المنذر عن الحسن.\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٤٠٦) .","vol":"5","page":524},{"text":"يَتَمَطَّى فإنَّها كانت مشيته، وقوله: فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى تقديره: فلم يُصَدِّقْ ولم يُصَلِّ ف «لا» في الآية: نفي لا عاطفة.\n- ص-: فَلا صَدَّقَ فيه دليل على أَنَّ «لا» تدخل على الماضي فتنفيه كقول الراجز: [من الرجز]\nإنْ تَغْفِرِ اللَّهُمَّ تَغْفِر جَمَّا ... وَأَيُّ عَبْدٍ لَكَ لاَ أَلَمَّا «١»\nانتهى.\nوصَدَّقَ معناه: برسالة اللَّه ودينه، وذهب قوم إلى أنّه من الصدقة، والأول أصوب ويَتَمَطَّى معناه: يمشي المَطيطاء، وهي مشية بتبختر، وهي مؤخوذة من المَطا وهو الظهر لأَنَّهُ يتثنى فيها، زاد- ص-: وقيل: أصله يتمطط، أي: يتمدد في مشيه ومدّ منكبيه، انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1567>[سورة القيامة (٧٥): الآيات ٣٤ الى ٤٠]</span>\nأَوْلى لَكَ فَأَوْلى (٣٤) ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى (٣٥) أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى (٣٧) ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨)\nفَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٣٩) أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى (٤٠)\nوقوله: أَوْلى لَكَ: وعيد.\nفَأَوْلى وعيد ثانٍ، وكرَّر ذلك تأكيدًا، ومعنى أَوْلى لَكَ الازدجار والانتهار، والعرب تستعمل هذه الكلمة زجرًا ومنه فأولى لهم طاعة، ويروى أنّ النبيّ ﷺ لَبَّبَ أَبَا جَهْلٍ يَوْمًا في البَطْحَاءِ وَقَالَ لَهُ: «إنَّ اللَّهَ يَقُولُ لَكَ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى» فنزل القرآن على نحوها «٢» وفي شعر الخنساء: [المتقارب]\n_________\n(١) لأبي خراش في «الأزهية» ص: (١٥٨)، و«خزانة الأدب» (٧/ ١٩٠)، و«شرح أشعار الهذليين» (٣/ ١٣٤٦)، و«شرح شواهد المغني» ص: (٦٢٥)، و«لسان العرب» (١٢/ ١٠٤) (جمم)، و«المقاصد النحويّة» (٤/ ٢١٦)، ولأمية بن أبي الصلت في «الأغاني» (٤/ ١٣١، ١٣٥)، و«خزانة الأدب» (٤/ ٤)، و«لسان العرب» (١٢/ ٥٥٣) (لمم)، ولأمية أو لأبي خراش في «خزانة الأدب» (٢/ ٢٩٥)، و«لسان العرب» (١٢/ ٥٤٩) (لمم)، وبلا نسبة في «الإنصاف» ص: (٧٦)، و«جمهرة اللغة» ص: (٩٢)، و«الجنى الداني» ص: (٢٩٨)، و«لسان العرب» (١٥/ ٤٦٧) (لا) و«مغني اللبيب» (١/ ٢٤٤) .\n(٢) أخرجه النسائي في «الكبرى» (٦/ ٥٠٤)، كتاب «التفسير» باب: قوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ (١١٦٣٨/ ٢)، والحاكم (٢/ ٥١٠)، وابن جرير في «تفسيره» (١٢/ ٣٥١) (٣٥٧٣٤) نحوه، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٤٧٩)، وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، والطبراني.\nوقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. [.....]","vol":"5","page":525},{"text":"هَمَمْتُ بِنَفْسِيَ كُلَّ الْهُمُومِ ... فأولى لِنَفْسِيَ أولى لها «١»\nوقوله تعالى: أَيَحْسَبُ: توبيخ وسُدىً: معناه: مُهْمَلًا لا يُؤْمَرُ ولا يُنْهَى، ثم قَرَّر تعالى أحوال ابن آدم في بدايته التي إذا تأمّلت لَم/ يُنْكِرْ معها جوازَ البعث من القبور عاقلٌ، والعَلَقَةُ القطعة من الدم.\nفَخَلَقَ فَسَوَّى أي: فخلق اللَّه منه بشرًا مركبًا من أشياء مختلفة، فسواه شخصا مستقلا، والزَّوْجَيْنِ: النوعين، ثم وقف تعالى توقيفَ توبيخ بقوله: أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى روي: أنّ النبيّ ﷺ كان إذا قرأ هذه الآية قال: بَلَى، ورُوِيَ أَنَّه كَانَ يَقُولُ: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، بلى» «٢» انظر «سنن أبي داود» .\n_________\n(١) ينظر: البيت في «الديوان» (٨٢)، و«الدر المصون» (٦/ ٤٣٣) .\n(٢) تقدم تخريجه في أول التفسير.","vol":"5","page":526},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1568>تفسير سورة «الإنسان»</span>\nقيل: مكّيّة، وقيل: مدنيّة وقال الحسن وعكرمة: منها آية مكية «١»، وهي [قوله تعالى: وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا والباقي مدنيّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1569>[سورة الإنسان (٧٦): الآيات ١ الى ٥]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nهَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (١) إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣) إِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وَأَغْلالًا وَسَعِيرًا (٤)\nإِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُورًا (٥)\n[قوله تعالى: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ ... الآية، هَلْ في كلام العرب قد تجيء] «٢» بمعنى قَدْ حكاه سيبويه، لكنها لا تخلو من تقرير، وبابُها المشهورُ الاستفهام المَحْضُ، والتقرير أحيانًا قال ابن عباس: «هل» بمعنى «قد»، والإنسان يراد به آدم «٣»، وقال أكثر المتأولين: «هل» تقرير، الإنسان: اسم جنس، أي: إذا تَأَمَّلَ كُلُّ إنسان نفسه علم بِأَنَّه قد مَرَّ حِينٌ من الدهر عظيم لم يكن فيه شيئًا مذكورًا، وهذا هو القوي أَنَّ الإنسان اسم جنس، وأَنَّ الآية جُعِلَتْ عبرةً لكل أحد من الناس لِيُعْلَمَ أَنَّ الخالق له قادر على إِعادته.\n- ص-: لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا في موضع حال من الْإِنْسانِ أو في موضع صفة ل حِينٌ والعائد عليه محذوف، أي: لم يكن فيه، انتهى.\nوقوله تعالى: إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ ... الآية، الإنسان هنا: اسم جنس بلا خلافٍ، وأمشاج معناه: أخلاط قيل: هو أَمْشاجٍ ماءِ الرجل بماءِ المرأة، ونقل الفخر أنّ\n_________\n(١) ذكره البغوي (٤/ ٤٢٦)، وابن عطية (٥/ ٤٠٨) .\n(٢) سقط في: د.\n(٣) ذكره ابن عطية (٥/ ٤٠٨) .","vol":"5","page":527},{"text":"الأمشاج لفظٌ/ مفرد، وليس يُجْمَعُ، بدليل أَنَّه وقع صفةً للمفرد، وهو قوله: نُطْفَةٍ، انتهى.\nنَبْتَلِيهِ أي: نختبره بالإيجاد والكون في الدنيا، وهو حال من الضمير في خَلَقْنَا كأَنَّه قال: مختبرين له بذلك.\nوقوله تعالى: فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا عَطْفُ جملة نِعَم على جملة نِعَمٍ، وقيل:\nالمعنى: فلنبتليه جعلناه سميعًا بصيرًا وهَدَيْناهُ: يحتمل: أنْ يكون بمعنى أرشدناه، ويحتمل: أنْ يكون بمعنى أريناه، وليس الهدى في هذه الآية بمعنى خلق الهدى والإيمان، وعبارة الثَّعْلَبِيِّ: هَدَيْناهُ السَّبِيلَ بَيَّنَا له وَعَرَّفْنَاهُ طريقَ الهدى والضلال، والخير والشر كقوله: وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ [البلد: ١٠] انتهى.\nوقوله تعالى: إِمَّا شاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا حالان، وقسمتهما إِمَّا، والْأَبْرارَ:\nجمع بَارٍّ قال الحسن: هم الذين لا يؤذون الذَّرَّ، ولا يرضون الشرَّ «١»، قال قتادة: نعم قوم يمزجُ لهم بالكافور، ويُخْتَمُ لهم بالمسك «٢»، قال الفرَّاء: يقال إِنَّ في الجنة عينا تسمى كافورا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1570>[سورة الإنسان (٧٦): الآيات ٦ الى ٨]</span>\nعَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيرًا (٦) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخافُونَ يَوْمًا كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧) وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨)\nوقوله تعالى: عَيْنًا قيل: هو بدل من قوله: كافُورًا وقيل: هو مفعول بقوله:\nيَشْرَبُونَ أي: ماءُ هذه العين من كأس عَطِرَةٍ كالكافور، وقيل: نصب عَيْنًا على المدح أو بإضمار «أعني» .\nقوله تعالى: يَشْرَبُ بِها بمنزلة [يشربها]، فالباء زائدة قال الثعلبيُّ: قال الواسطي: لَمَّا اختلفت أحوالهم في الدنيا اختلفت أشربتهم في الآخرة، انتهى.\nقال- ص-: وقيل: الباء في بِها للإلصاق والاختلاط، أي: يشرب بها عباد اللَّه الخمرَ كما تقول: شَرِبْتُ الماءَ بالعسل، انتهى.\nوقوله تعالى: يُفَجِّرُونَها معناه: يفتقونها ويقودونها حيث شاؤوا/ من منازلهم\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٥/ ٤٠٩) .\n(٢) أخرجه الطبري (١٢/ ٣٥٧، ٣٥٨)، رقم: (٣٥٧٦٧)، وذكره البغوي (٤/ ٤٢٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٤٨٣)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن المنذر عن قتادة بنحوه.","vol":"5","page":528},{"text":"وقصورهم، فهي تجري عند كُلِّ أحد منهم، ورُدَّ بهذا الأثر، وقيل: عين في دار النبيّ ﷺ تفجر إلى دُورِ الأنبياء والمؤمنين قال ع «١»: وهذا قول حسن، ثم وصف تعالى حال الأبرار فقال: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخافُونَ يَوْمًا كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا أي: ممتدًّا مُتَّصِلًا شائعًا.\nوقوله تعالى: عَلى حُبِّهِ يحتمل أنْ يعودَ الضمير على الطعام، وهو قول ابن عباس «٢»، ويحتمل أنْ يعودَ على اللَّه تعالى قاله أبو سليمان الدَّارانيُّ «٣» .\nوقوله: وَأَسِيرًا قال الحسن: ما كان أسراهم إلاَّ مشركين لأَنَّ في كل ذي كبد رطبة أجرًا «٤» .\nت: وفي «العتبيةِ» سُئِلَ مالك عن الأسير في هذه الآية أمسلم هو أم مشرك، فقال: بل مشرك، وكان ببدر أسارى، فأنزلت فيهم هذه الآية فقال ابن رشد: والأظهر حمل الآية على كل أسير، مسلمًا كان أو كافرًا، انتهى يعني: وإنْ كان سبب نزولها ما ذكر فهي عامَّةٌ في كُلِّ أسير إلى يوم القيامة، وقال أبو سعيد الخُدْرِيُّ: قال النَّبِيُّ ﷺ:\n«مِسْكِينًا [قال:] فَقِيرًا وَيَتِيمًا قال: لا أَبَ لَهُ وَأَسِيرًا قال: المَمْلُوكُ والمَسْجُونُ» «٥»، وأسند القُشَيْرِيُّ في رسالته عن مالك، عن نافع، عنِ ابن عمر، عن عمر بن الخطاب﵁- قال: قال رسول الله ﷺ: «لِكُلِّ شَيْءٍ مِفْتَاحٌ، وَمِفْتَاحُ الجَنَّةِ حُبُّ المَسَاكِينِ، والفُقَرَاءُ الصُّبَّرُ هُمْ جُلَسَاءُ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» «٦» انتهى.\nوروى الترمذيُّ عن أنس أَنَّ النبيَّ ﷺ قال: «اللَّهُمَّ، أحْيِنِي مِسْكِينًا، وأَمِتْنِي مِسْكِينًا، واحشرني في زُمْرَةِ المَسَاكِينِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: لِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟! قالَ: إنَّهُمْ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ قَبْلَ أَغْنِيَائِهِمْ بِأَرْبَعِينَ خَرِيفًا، / يَا عَائِشَةُ، لاَ تَرُدِّي الْمِسْكِينَ، وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، يَا عَائِشَةُ، أَحِبِّي المَسَاكِينَ وَقَرِّبِيهِمْ، فَإنَّ اللَّهَ يُقَرِّبُكِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . قال أبو عيسى:\nهذا حديث غريب «٧»، انتهى.\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٤١٠) .\n(٢) ذكره ابن عطية (٥/ ٤١٠) .\n(٣) ذكره ابن عطية (٥/ ٤١٠) .\n(٤) أخرجه الطبري (١٢/ ٣٦٠)، رقم (٣٥٧٨٢)، وذكره البغوي (٤/ ٤٢٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٤٨٤)، وعزاه لسعيد بن المنصور، وابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن مردويه عن الحسن بنحوه.\n(٥) ينظر: «الدر المنثور» (٦/ ٤٨٥) .\n(٦) ينظر: «كنز العمال» (٦/ ٤٦٩)، رقم: (١٦٥٨٧) .\n(٧) أخرجه الترمذي (٤/ ٥٧٧، ٥٧٨)، كتاب «الزهد» باب: ما جاء أن فقراء المهاجرين يدخلون الجنة قبل [.....]","vol":"5","page":529},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1571>[سورة الإنسان (٧٦): الآيات ٩ الى ١٩]</span>\nإِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُورًا (٩) إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (١٠) فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (١١) وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (١٢) مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ لا يَرَوْنَ فِيها شَمْسًا وَلا زَمْهَرِيرًا (١٣)\nوَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا (١٤) وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرَا (١٥) قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيرًا (١٦) وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْسًا كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا (١٧) عَيْنًا فِيها تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا (١٨)\nوَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا (١٩)\n_________\nأغنيائهم (٢٣٥٢)، والبيهقي (٧/ ١٢)، كتاب «الصدقات» باب: ما يستدل به على أن الفقير أمسّ حاجة من المسكين.\nقال الترمذي: هذا حديث غريب- يعني: ضعيف، وهو مصطلح خاص به.\nوفي الباب من حديث أبي سعيد الخدري ﵁: أخرجه الحاكم (٤/ ٣٢٢)، وابن ماجه (٢/ ١٣٨١)، كتاب «الزهد» باب: مجالسة الفقراء (٤١٢٦)، والخطيب (٤/ ١١١) (١٧٧٠)، قال العجلوني في «كشف الخفاء» (١/ ٢٠٦- ٢٠٧): رواه الترمذي، وابن ماجه عن أبي سعيد الخدري، قال أحبوا المساكين، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقوله في دعائه، ورواه الطبراني عن عطاء بسند ضعيف بلفظ:\n«اللهم توفني إليك فقيرا، ولا توفني غنيا، واحشرني في زمرة المساكين يوم القيامة»، وأخرجه الحاكم في «مستدركه» بزيادة «وإن أشقى الأشقياء من اجتمع عليه فقر الدنيا وعذاب الآخرة»، وقال صحيح الإسناد، ورواه البيهقي في «الشعب» عن أبي سعيد بلفظ: «يا أيها الناس لا يحملنكم العسر على أن تطلبوا الرزق من غير حله»، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول، وذكره بالزيادة المذكورة، وله شواهد، فرواه الترمذي والبيهقي في «الشعب» بسند فيه منكر عند بعضهم عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: «اللهم أحيني مسكينا، وأمتني مسكينا، واحشرني في زمرة المساكين يوم القيامة»، فقالت عائشة: لم يا رسول الله؟ قال: «إنهم يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بأربعين خريفا، يا عائشة لا تردي المسكين ولو بشقّ تمرة، يا عائشة أحبي المساكين وقربيهم فإن الله يقربك يوم القيامة»، وقال: إنه غريب، ورواه الطبراني في «الدعاء» بسند رجاله ثقات عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ: «اللهم أحيني مسكينا، وتوفني مسكينا، واحشرني في زمرة المساكين»، ومع وجود هذه الطرق لا يحسن الحكم عليه بالوضع، وقال في «الدرر» رواه الترمذي عن أنس، وابن ماجه عن أبي سعيد عن أبي عبادة، وادعى ابن الجوزي، وابن تيمية أنه موضوع، وليس كما قالا انتهى، وقال ابن حجر في «التحفة» إن الحديث ضعيف ومعارض بما روي أنه ﷺ استعاذ من المسكنة، وفسّرت المسكنة المسئولة بسكون القلب، وفسر شيخ الإسلام زكريا هذا الحديث فقال معناه طلب التواضع والخضوع، وأن لا يكون من الجبابرة المتكبرين والأغنياء المترفين، وقال البوصيري في «الزوائد» (٣/ ٢٧٥) . هذا إسناد ضعيف، أبو المبارك لا يعرف اسمه وهو مجهول ويزيد بن سنان التيمي أبو فروة ضعيف رواه أبو بكر بن أبي شيبة في «مسنده» هكذا.\nورواه عبد بن حميد في «مسنده»، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا أبو خالد الأحمر فذكره بإسناده ومتنه.\nورواه الحاكم في «المستدرك» من طريق خالد بن يزيد بن أبي مالك عن أبيه به، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد.\nقلت: ورواه البيهقي في «سننه الكبرى» عن الحاكم به.\nوله شاهد من حديث عبادة بن الصامت، ومن حديث أنس بن مالك، رواه البيهقي في «الكبرى» .\nورواه ابن الجوزي في «الموضوعات» من طريق أبي خالد الأحمر.","vol":"5","page":530},{"text":"وقولَه: إِنَّما نُطْعِمُكُمْ ... الآية، قال مجاهد، وابن جبير: ما تكلموا به، ولكنه علمه اللَّه من قلوبهم، فأثنى عليهم ليرغب في ذلك راغب «١»، وَوَصْفُ اليوم بِعَبُوسٍ تَجُوُّزٌ، والقَمْطَرِيرُ: هو في معنى العبوس والإرْبِدَاد تقول: اقمطر الرَّجُلُ: إذا جمع ما بين عَيْنَيْهِ. غضبًا، وقال ابن عباس: يعبس الكافر يومئذ حتى يسيلَ ما بين عينيه كالقَطِرَانِ «٢»، وَعَبَّرَ ابن عباس عن القمطرير بالطويل «٣»، وعَبَّرَ عنه غيره بالشديد وذلك كله قريب في المعنى، والنضرة: جمال البشرة وذلك لا يكون إلاَّ مع فرح النفس وقرة العين.\nوقوله: بِما صَبَرُوا عامٌّ في الصبر عنِ الشهوات وعلى الطاعات والشدائد، وفي هذا يدخل كُلُّ ما خصص المفسرون من صوم، وفقر، ونحوه.\nوقوله سبحانه: لاَ يَرَوْنَ فِيها شَمْسًا ... الآية، عبارةٌ عن اعتدال هوائها وذَهَابِ ضَرَرِيِ الحَرِّ والقَرِّ، والزَّمْهَرِير: أَشَدُّ البرد، والقطوف: جمع قطف وهو العنقود من النخل والعنب ونحوه، والقوارير: الزجاج.\nوقوله تعالى: مِنْ فِضَّةٍ يقتضي أَنَّها من زجاج ومن فضة، وذلك متمكن لكونه من زجاج في شفوفه ومن فضة في جَوْهَرِهِ، وكذلك فضة الجنةِ شفَّافة، [قال القرطبيُّ في «تذكرته»: وذلك أَنَّ لكل قومٍ من تراب أرضهم قَوَارِيرَ، وأَنَّ ترابَ الجنة فضة، فهي قوارير من فضة قاله ابن عباس «٤»، انتهى] «٥» .\nوقوله تعالى: قَدَّرُوها تَقْدِيرًا أي: على قَدْرِ رِيِّهِمْ قاله مجاهد «٦»، أو على قدر الأَكُفِّ قاله الربيع «٧»، وضمير قَدَّرُوها يعود إمَّا على الملائكة، أو على الطائفين، أو على المنعمين.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٢/ ٣٦١)، رقم: (٣٥٧٨٧، ٣٥٧٨٨)، وذكره البغوي (٤/ ٤٢٨)، وابن كثير (٤/ ٤٥٥) بنحوه\n(٢) أخرجه الطبري (١٢/ ٣٦١)، رقم: (٣٥٧٨٩)، وذكره ابن عطية (٥/ ٤١١) .\n(٣) أخرجه الطبري (١٢/ ٣٦٢)، رقم: (٣٥٨٠٠)، وذكره ابن عطية (٥/ ٤١١) .\n(٤) أخرجه الطبري (١٢/ ٣٦٥)، رقم: (٣٥٨١٧)، وذكره ابن كثير (٤/ ٤٥٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٤٨٧)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي في «البعث» من طريق عكرمة، عن ابن عبّاس بنحوه.\n(٥) سقط في: د.\n(٦) أخرجه الطبري (١٢/ ٣٦٦)، رقم: (٣٥٨٣١)، وذكره ابن عطية (٥/ ٤١٢)، وابن كثير (٤/ ٤٥٦) .\n(٧) ذكره ابن عطية (٥/ ٤١٢)، وابن كثير (٤/ ٤٥٦) .","vol":"5","page":531},{"text":"وقوله سبحانه: عَيْنًا فِيها تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا «عينًا» بدل من «كأس» أو من «عين» على القول الثاني، وسَلْسَبِيلًا قيل: هو اسم بمعنى/ السَّلِسُ المنقاد الجرية، وقال مجاهد:\nحديدة الجرية «١»، وقال آخرون: سَلْسَبِيلًا صفة لقوله: عَيْنًا وتُسَمَّى بمعنى تُوْصَفُ وتشهر، وكونه مصروفًا مما يؤكد كونه صفة للعين لا اسمًا.\nوقوله تعالى: حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا قال الإمام الفخر «٢»: وفي كيفية التشبيه وجوه:\nأحدها: أَنَّهُم شُبِّهُوا في حسنهم، وصفاء ألوانهم، وانبثاثهم في مجالسهم ومنازلهم في أنواع الخدمة- باللؤلؤ المنثورِ، ولو كانوا صفًّا لَشُبِّهُوا باللؤلؤ المنظوم أَلاَ ترى أَنَّهُ تعالى قال: وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ فإذا كانوا يطوفون كانوا متناثرين.\nالثاني: أَنَّ هذا من التشبيه العجيب لأَنَّ اللؤلؤ إذا كان متفرقًا يكون أحسنَ في المنظر لوقوع شعاع بعضه على بعض.\nالثالث: أَنَّهم شُبِّهُوا باللؤلؤ الرطب إذا نثر من صدفه لأَنَّه أحسن وأجمل، انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1572>[سورة الإنسان (٧٦): الآيات ٢٠ الى ٢٢]</span>\nوَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (٢٠) عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَرابًا طَهُورًا (٢١) إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا (٢٢)\nوقوله تعالى: وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ قال الفَرَّاءُ: التقدير: وَإِذا رأيت ما ثَمَّ رأيت نعيمًا، فحُذِفَتْ «ما» وكُرِّرَتِ الرؤية مبالغةً وَمُلْكًا كَبِيرًا: وهو أَنَّ أدناهم منزلةً ينظر في ملكه مسيرة ألف عام، يرى أَقصاه كما يرى أدناه، وخرَّجَهُ الترمذيُّ، وفي التِّرْمِذِيِّ أيضًا من رواية أبي سعيدٍ الخدريِّ قال: قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أدنى أَهْلِ الجَنَّةِ الَّذِي لَهُ ثَمَانُونَ أَلْفَ خَادِمٍ وَاثْنَتَانِ وَسَبْعُونَ زَوْجَةً، وَتُنْصَبُ لَهُ قُبَّةٌ مِنْ لُؤلُؤٍ وَزَبَرْجَدٍ وَيَاقُوتٍ كَمَا بَيْنَ الجَابِيَةِ إلى صَنْعَاءَ» «٣» انتهى، وقال سفيان: الملك الكبير هو استئذان الملائكة، وتسليمهم عليهم،\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٢/ ٣٦٨)، رقم: (٣٥٨٤٣- ٣٥٨٤٤، ٣٥٨٤٦)، وذكره البغوي (٤/ ٤٣٠)، وابن عطية (٥/ ٤١٣)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٤٨٨)، وعزاه لعبد الرزاق وسعيد بن منصور، وهناد، وعبد بن حميد، وابن المنذر، والبيهقي عن مجاهد.\n(٢) ينظر: «الفخر الرازي» (٣٠/ ٢٢٢) .\n(٣) أخرجه الترمذي (٤/ ٦٩٥)، كتاب «صفة الجنة» باب: ما جاء ما لأدنى أهل الجنة من الكرامة (٢٥٦٢) .\nقال أبو عيسى: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث رشدين.","vol":"5","page":532},{"text":"وتعظيمُهم لهم، قال الثعلبيُّ: قَال محمد «١» بن علي الترمذي: يعني ملك التكوين إذا أرادوا شيئًا كان، انتهى.\nت: وجميع ما ذكر داخل في الملك/ الكبير، وقرأ نافع وحمزة: «عَالِيهِمْ» وقرأ الباقون «٢»: «عَالِيَهُمْ» بالنصب، والمعنى: فوقهم، قال الثعلبيُّ: وتفسير ابن عباس قال: أما رأيتَ الرجل عليه ثياب يعلوها أفضلُ منها «٣»، انتهى، وقرأ حمزة والكسائيُّ:\n«خُضْرٍ وَإسْتَبْرَقٍ» بالخفض فيهما «٤»، وباقي الآية بيّن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1573>[سورة الإنسان (٧٦): الآيات ٢٣ الى ٢٦]</span>\nإِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (٢٣) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا (٢٤) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٢٥) وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا (٢٦)\nوقوله سبحانه: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ ... الآية تثبيت للنبي ﷺ وتقوية لنفسه على أذى قريش، والآثم هنا هو الكفور، واللفظ أيضًا يقتضي نهيَ الإمام عن طاعة آثم من العُصَاةِ أو كفور باللَّه، ثم أمره تعالى بذكر ربه دأبًا بُكْرَةً وَأَصِيلًا وَمِنَ اللَّيْلِ:\nبالسجود والتسبيح الذي هو الصلاة، ويحتمل أنْ يريد قول: سبحانَ اللَّهِ، قال ابن زيد وغيره: كان هذا فرضًا ثم نُسِخَ «٥»، وقال آخرون: هو مُحْكَمٌ على وجه الندب، وقال ابن العربيِّ في «أحكامه»: أَمَّا قوله تعالى: وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا فإنَّهُ عبارة عن قيام الليل، وقد كان النبي ﷺ يفعله كما تقدم، وقد يحتمل أنْ يكون هذا خطابا للنبيّ ﷺ، والمراد الجميعُ، ثم نُسِخَ عَنَّا، وبَقِيَ عليه ﷺ، والأول أظهر، انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1574>[سورة الإنسان (٧٦): الآيات ٢٧ الى ٢٨]</span>\nإِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا (٢٧) نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ وَإِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلًا (٢٨)\n_________\n(١) في د: مجاهد.\n(٢) وقرأ بها أبان عن عاصم.\nينظر: «السبعة» (٦٦٤)، و«الحجة» (٦/ ٣٥٤)، و«إعراب القراءات» (٢/ ٤٢٢)، و«معاني القراءات» (٣/ ١٠٩)، و«شرح الطيبة» (٦/ ٨٨)، و«العنوان» (٢٠١)، و«حجة القراءات» (٧٣٩)، و«شرح شعلة» (٦١٦)، و«إتحاف» (٢/ ٥٧٨) .\n(٣) ذكره ابن عطية (٥/ ٤١٤) . [.....]\n(٤) ينظر: «السبعة» (٦٦٥)، و«الحجة» (٦/ ٣٥٧)، و«إعراب القراءات» (٢/ ٤٢٢)، و«معاني القراءات» (٢/ ١٠٩)، و«شرح الطيبة» (٦/ ٨٨- ٨٩)، و«حجة القراءات» (٧٤٠)، و«شرح شعلة» (٦١٦)، و«إتحاف» (٢/ ٥٧٨) .\n(٥) ذكره القرطبي (١٩/ ٩٧)، وأبو حيان في «البحر المحيط» (٨/ ٣٩٣)، وابن عطية (٥/ ٤١٤) .","vol":"5","page":533},{"text":"وقوله: إِنَّ هؤُلاءِ يعني كُفَّارَ قريشٍ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ يعني: الدنيا، واعلمْ أَنَّ حُبَّ الدنيا رأسُ كل خطيئة، وفي الحديث عن النبي ﷺ: «ازْهَدْ في الدُّنْيَا يُحِبَّكَ اللَّهُ، وازهد فِيمَا عِنْدَ النَّاسِ يُحِبَّكَ النَّاسُ» «١» رواه ابن ماجه وغيره بأسانيدَ حَسَنَةٍ، قال ابن الفاكهانيِّ: قال القاضي أبو الوليد بن رشد: وأَمَّا الباعث على الزهد فخمسة أشياء:\nأحدها: أنَّها فانية شاغلة للقلوب عن التفكر في أمر اللَّه تعالى.\nوالثاني: أَنَّها تنقص عند اللَّه/ درجات من ركن إليها.\nوالثالث: أَنَّ تركها قربة من اللَّه تعالى وعلُوُّ مرتبة عنده في درجات الآخرة.\nوالرابع: طول الحبس والوقوف في القيامة للحساب والسؤال عن شكر النعيم.\nوالخامس: رضوان اللَّه تعالى والأمن من سخطه، وهو أكبرها قال الله ﷿:\nوَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ [التوبة: ٧٢] قال ابن الفاكهاني: ولو لم يكن في الزهد في الدنيا إلاَّ هذه الخصلة التي هي رضوانُ اللَّه تعالى- لكان ذلك كافيًا-، فنعوذ باللَّه من إيثار الدنيا على ذلك، وقد قيل: من سُمِّيَ باسم الزهد فقد سُمِّيَ بألف اسم ممدوح، هذا مع ما للزاهدين من راحة القلب والبدن في الدنيا والآخرة، فالزُّهَّادُ هم الملوك في الحقيقة، وهم العقلاء لإيثارهم الباقي على الفاني، وقد قال الشافعية: لو أوصى لأعْقَل الناس صُرِفَ إلى الزهاد، انتهى من «شرح الأربعين حديثًا»، ولفظ أبي الحسن الماوردِيِّ: وقد قيل: العاقل مَنْ عقل من اللَّه أمره ونهيه حتَّى قال أصحاب الشافعيِّ فيمن أوصى بثلث ماله: لأَعْقَلِ الناس أَنَّه يكون مصروفًا للزُّهَّادِ لأنهم انقادوا للعقل، ولم يغتروا بالأمل، انتهى، والأَسْر الخلقة واتساق الأعضاء والمفاصل، وعبارة البخاريِّ: أَسْرَهُمْ: شِدَّةُ الخلق، وكل شيء شددته من قتب أو غبيط فهو مأسور، والغبيط شيء يركبه النساء شبه المحفة، انتهى قال ع «٢»: ومن اللفظة: الإسارُ، وهو القيد الذي يُشَدُّ به الأسير، ثم تَوَعَّدَهُم سبحانه بالتبديل، وفي الوعيد بالتبديل احتجاج على مُنْكِرِي البعث، أي: مَنْ هذه قدرته في الإيجاد والتبديل فكيف تتعذر عليه الإعادة؟!.\nوقال الثعلبيُّ: بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلًا قال ابن عباس: يقول: أهلكناهم، / وجئنا بأطوعَ للَّهِ منهم، انتهى «٣» .\n_________\n(١) تقدم تخريجه.\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٤١٥) .\n(٣) ذكره القرطبي (١٩/ ٩٩) .","vol":"5","page":534},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1575>[سورة الإنسان (٧٦): الآيات ٢٩ الى ٣١]</span>\nإِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٩) وَما تَشاؤُنَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠) يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذابًا أَلِيمًا (٣١)\nوقوله تعالى: إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ القول فيها كالتي في سورة المزمل.\nوقوله سبحانه: فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا كلام واضح لا يفتقر إلى تفسير، جعلنا اللَّه ممن اهتدى بأنواره، وعَمَّتْ عليه بركتُه في أفعاله وأقواله قال الباجِيُّ: قال بعض أهل داود الطائيِّ: قلت له يومًا: إنَّك قد عرفت فأوصني، قال: فَدَمِعَتْ عيناه ثم قال: يا أخي، إنَّما الليلُ والنهار مراحلُ يرحلُها الناس مرحلةً مرحلةً، حَتَّى تنتهي بهم إِلى آخر سفرهم، فإنِ استطعت أَنْ تُقَدَّمَ من أَوَّلِ مرحلة زادًا لما بين يديك فافعل فإنَّ انقطاع السفر قريب، والأمر أعجل من ذلك فتزوَّدْ لسفرك، واقْضِ ما أنت قاضٍ من أمرك، فكأَنَّ بالأمر قد بَغَتَكَ، ثم قام وتركني، انتهى من «سنن الصالحين» .\nوقوله تعالى: وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ: نفي لقدرتهم على الاختراع وإيجاد المعاني في نفوسهم، ولا يَرُدُّ هذا وجود مالهم من الاكتساب، وقرأ عبد اللَّه «١»: «وَمَا تَشَاءُونَ إلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ» .\nوقوله تعالى: عَلِيمًا حَكِيمًا معناه: يعلم ما ينبغي أَنْ ييسر عبدَه إليه، وفي ذلك حكمة لا يعلمها إلّا هو سبحانه.\n_________\n(١) ينظر: «الشواذ» ص: (١٦٧)، و«الكشاف» (٤/ ٦٧٦)، و«المحرر الوجيز» (٥/ ٤١٥)، و«البحر المحيط» (٨/ ٣٩٣) .","vol":"5","page":535},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1576>تفسير سورة «المرسلات»</span>\n[وهي] مكّيّة في قول الجمهور وقيل: فيها من المدني قوله تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لاَ يَرْكَعُونَ قال ابن مسعود: نزلت هذه السورة ونحن مع النبي ﷺ بحراء ... الحديث «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1577>[سورة المرسلات (٧٧): الآيات ١ الى ٦]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nوَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا (١) فَالْعاصِفاتِ عَصْفًا (٢) وَالنَّاشِراتِ نَشْرًا (٣) فَالْفارِقاتِ فَرْقًا (٤)\nفَالْمُلْقِياتِ ذِكْرًا (٥) عُذْرًا أَوْ نُذْرًا (٦)\nقوله تعالى: وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا يعني: الرياح يَتْبَعُ بعضُها بعضًا، قاله ابن عباس، وابن مسعود، ومجاهد، وقتادة «٢»، وقيل: المرسلات: الملائكة، وقيل: جماعات الأنبياء، وعُرْفًا معناه: إفضالًا من اللَّه تعالى، ويحتمل أنْ يريدَ بقوله: عُرْفًا أي:\nمتتابعةً، ويحتمل أنْ يريد/ بالأمر المعروف، ويحتمل أنْ يكونَ عُرْفًا بمعنى، والمرسلات: الرياح التي يعرفها الناس ويعهدونها، ثم عَقَّبَ بذكر الصنف الضَّارِّ منها، وهي العاصفات الشديدة القاصفة للشجر وغيره، واخْتُلِفَ في قوله: وَالنَّاشِراتِ فقال ابن مسعود، والحسن، ومجاهد، وقتادة: هي الرياح تَنْشُرُ رحمة اللَّه ومطره «٣»، وقيل:\nالملائكة، وقيل غير هذا، والفارقات قال ابن عباس وغيره: هي الملائكة تَفْرُقُ بين الحقّ\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٥/ ٤١٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٤٩١)، وعزاه للحاكم، وصححه ابن مردويه عن ابن مسعود بنحوه.\n(٢) أخرجه الطبري (١٢/ ٣٧٧)، رقم: (٣٥٨٨٠- ٣٥٨٨١- ٣٥٨٨٢- ٣٥٨٨٣، ٣٥٨٨٥، ٣٥٨٨٨)، وذكره ابن عطية (٥/ ٤١٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٤٩٢)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن أبي العبيدين عن ابن مسعود، وعزاه لابن جرير عن ابن عبّاس، وعزاه لعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن قتادة بنحوه.\n(٣) أخرجه الطبري (١٢/ ٣٨٠)، رقم: (٣٥٩١٠، ٣٥٩١٤، ٣٥٩١٧)، وذكره البغوي (٤/ ٤٣٢)، وابن عطية (٥/ ٤١٧) .","vol":"5","page":536},{"text":"والباطل والحلال والحرام «١»، وقيل: هي آيات القرآن، وأَمَّا الملقيات ذكرًا فهي في قول الجمهور الملائكة، وقال آخرون: هي الرسل، والذكر: الكتب المُنَزَّلَةُ والشرائع ومضمناتها، والمعنى: أَنَّ الذكر يلقى بإعذار وإنذار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1578>[سورة المرسلات (٧٧): الآيات ٧ الى ١٥]</span>\nإِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ (٧) فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (٨) وَإِذَا السَّماءُ فُرِجَتْ (٩) وَإِذَا الْجِبالُ نُسِفَتْ (١٠) وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (١١)\nلِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢) لِيَوْمِ الْفَصْلِ (١٣) وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ (١٤) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٥)\nوقوله تعالى: إِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ هو الجواب الذي وقع عليه القَسَمُ، والإشارة إلى البعث وأحوال القيامة، والطَّمْسُ محو الأثر، فطمس النجوم: ذَهَابُ ضوءها، وفرج السماء: هو بانفطارها وانشقاقها.\nوَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ أي: جُمِعَتْ لميقاتِ يوم معلوم، وقرأ أبو عمرو وحده «٢»:\n«وُقِّتَتْ» والواو هي الأصل لأَنَّها من الوقت، والهمزة بدل قال الفَرَّاءُ: كل واو انضمت وكانت ضمتها لازمة، جاز أنْ تُبْدَلَ منها همزة، انتهى.\nوقوله تعالى: لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ تعجيب وتوقيف على عِظَمِ ذلك اليوم وهوله، ثم فسر ذلك بقوله: لِيَوْمِ الْفَصْلِ يعني: بين الخلق في منازعتهم وحسابهم ومنازلهم من جنة أو نار، ومن هذه الآية انتزع القضاة الآجالَ في الحكومات ليقعَ فصل القضاء عند تمامها، ثم عَظَّمَ تعالى يومَ الفصل بقوله: وَما أَدْراكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ على نحو قوله:\nوَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ [الحاقة: ٣] وغير ذلك، ثم أثبت الويل لِلْمُكَذِّبِينَ، والويل: هو الحرب والحزن على نوائب تحدث بالمرء، ويُرْوَى أَنَّه واد في جهنم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1579>[سورة المرسلات (٧٧): الآيات ١٦ الى ٣٧]</span>\nأَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (١٦) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (١٧) كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (١٨) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٩) أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ (٢٠)\nفَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ (٢١) إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢٢) فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ (٢٣) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٤) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتًا (٢٥)\nأَحْياءً وَأَمْواتًا (٢٦) وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتًا (٢٧) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٨) انْطَلِقُوا إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٩) انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ (٣٠)\nلا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (٣١) إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (٣٢) كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ (٣٣) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٤) هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ (٣٥)\nوَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٧)\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٢/ ٣٨١)، رقم: (٣٥٩٢٥) بنحوه، وذكره البغوي (٤/ ٤٣٢)، وابن عطية (٥/ ٤١٧)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٤٩٢)، وعزاه لابن المنذر عن ابن عبّاس.\n(٢) ينظر: «السبعة» (٦٦٦)، و«الحجة» (٦/ ٣٦٤)، و«إعراب القراءات» (٢/ ٤٢٨)، و«معاني القراءات» (٣/ ١١٢)، و«شرح الطيبة» (٦/ ٩٢)، و«العنوان» (٢٠٢)، و«حجة القراءات» (٧٤٢)، و«شرح شعلة» (٦١٧)، و«إتحاف» (٢/ ٥٨٠) .","vol":"5","page":537},{"text":"وقوله ﷿: أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ ... الآية، قرأ الجمهور: «نُتْبِعُهُمُ» - بضم العين- على استئناف الخبر، ورُوِيَ عن أبي «١» عمرو: «نُتْبِعْهُمُ» بجزم العين عطفًا على «نهلك» وهي قراءة الأعرج، فَمَنْ قرأ الأولى جعل الأولين الأُمَمَ التي تقدمت قريشًا بأجمعها، ثم أخبر أَنَّهُ يتبع الآخرين من قريش وغيرهم سنن أولئك إذا كفروا وسلكوا سبيلهم، ومَنْ قرأ الثانية جعل الأَوَّلِينَ قومَ نوحٍ وإبراهيمَ ومَنْ كان معهم، والآخرين قوم فرعونَ وكُلَّ مَنْ تأخَّرَ وقَرُبَ من مدّة النبي ﷺ ثم قال: كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ أي: في المستقبل، فيدخل هنا قريش وغيرها، وأَمَّا تكرار قوله تعالى: وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ في هذه السورة فقيل: ذلك لمعنى التأكيد فقط، وقيل: بل في كل آية منها ما يقتضي التصديقَ، فجاء الوعيد على التكذيب بذلك الذي في الآية، والماء المهين:\nمعناه الضعيف، والقرار المكين: الرَّحِمُ وبَطْنُ المرأة، والقدر «٢» المعلوم: هو وقت الولادة [ومعناه] معلوم عند اللَّه، وقرأ نافع والكسائيُّ: «فَقَدَّرْنَا» - بتشديد الدال-، والباقون بتخفيفها، وهما بمعنى من القدرة والقدر ومن التقدير والتوقيت.\nت: وفي كلام ع: تلفيف، وقال غيره: فَقَدَّرْنَا بالتشديد من التقدير وبالتخفيف من القدرة، وهو حسن.\nوقوله: الْقادِرُونَ يُرَجِّحُ قراءة الجماعة إلاَّ أَنَّ ابن مسعود رَوَى عنِ النبيّ ﷺ أَنَّهُ فَسَّرَ «القادرون» بالمقدرين، والكِفَاتُ: الستر والوعاء الجامع للشيء بإجماع تقول: كفت الرجلُ شعره إذا جمعه بخرقة، والأرضُ تكفت الأحياءَ على ظهرها، وتكفِتُ الأموات في بطنها، وخَرَجَ الشَّعْبِيُّ إلى جنازة فنظر إلى الجبَّانة فقال: هذه كفات الموتى، ثم نظر إلى البيوت فقال: وهذه كفات الأحياء.\nقال/ ع «٣»: ولما كان القبر كفاتًا كالبيت، قُطِعَ من سَرَقَ منه، والرواسي:\nالجبال، والشوامخ: المرتفعة، والفرات: الصافي العَذْبُ، والضمير في قوله: انْطَلِقُوا\n_________\n(١) وقرأ بها الأعرج كما في «المحتسب» (٢/ ٣٤٦) .\nوينظر: «مختصر الشواذ» ص: (١٦٧)، و«المحرر الوجيز» (٥/ ٤١٨)، و«البحر المحيط» (٨/ ٣٩٧)، و«الدر المصون» (٦/ ٤٥٦) .\n(٢) ينظر: «السبعة» (٦٦٦)، و«الحجة» (٦/ ٣٦٥)، و«إعراب القراءات» (٢/ ٤٢٨)، و«شرح الطيبة» (٦/ ٩٣)، و«العنوان» (٢٠٢)، و«حجة القراءات» (٧٤٣)، و«شرح شعلة» (٦١٧)، و«إتحاف» (٢/ ٥٨١) .\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٤١٩) . [.....]","vol":"5","page":538},{"text":"هو للمُكَذِّبِينَ الذين لهم الويل، ثم بَيَّنَ المُنْطَلَقَ إليه قال عطاء: الظل الذي له ثلاث شعب هو دُخَانُ جهنم «١»، وقال ابن عباس: هذه المخاطبة تقال يومئذ لِعَبَدَةِ الصليب «٢» إذا اتَّبَعَ كُلُّ أحد ما كان يعبد، فيكون المؤمنون في ظل اللَّه ولا ظل إلاَّ ظله، ويقال لعَبَدَةِ الصليب: انطلقوا إلى ظِلِّ معبودكم، وهو الصليب له ثلاث شعب، ثم نفى تعالى عنه محاسن الظل، والضميرُ في إِنَّها لجهنم تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ أي: مثل القصور من البنيان قاله ابن عباس وجماعة من المفسرين «٣»، وقال ابن عباس أيضًا: القصر خشب كُنَّا في الجاهلية نَدَّخِرُه للشتاء «٤»، وقرأ ابن عباس «٥»: «كالْقَصَر» - بفتح الصاد- جمع قَصَرَةِ وهي أعناق النخل والإبل، وقال ابن عباس: جذور النخل «٦»، واخْتُلِفَ في الجَمَالاَتِ:\nفقال جمهور من المفسرين: هي جمع جِمَالٍ كرجال ورِجالات، وقال آخرون: أراد بالصُّفْرِ السود، وقال جمهور الناس: بل الصفر: الفاقعة لأَنَّها أشبه بلون الشَّرَرِ، وقال ابن عباس: الجمالات: حبال السفن، وهي الحبال العظام إذا جُمِعَتْ مستديرةً بعضها إلى بعض «٧»، وقرأ ابن عباس «٨»: «جُمَالَةً» - بضم الجيم- من الجملة لا من الجمل، ثم\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٥/ ٤١٩) .\n(٢) ذكره ابن عطية (٥/ ٤١٩- ٤٢٠) .\n(٣) أخرجه الطبري (١٢/ ٣٨٧- ٣٨٨)، رقم: (٣٥٩٦٣- ٣٥٩٦٤- ٣٥٩٦٥)، وذكره البغوي (٤/ ٤٣٤)، وابن عطية (٥/ ٤٢٠) .\n(٤) أخرجه الطبري (١٢/ ٣٨٨)، رقم: (٣٥٩٦٦)، وذكره البغوي (٤/ ٤٣٤)، وابن عطية (٥/ ٤٢٠)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٤٩٥)، وعزاه لعبد الرزاق، والفريابي، والبخاري، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه، والحاكم عن عبد الرحمن بن عابس عن ابن عبّاس بنحوه.\n(٥) وقرأ بها سعيد بن جبير.\nينظر: «مختصر الشواذ» ص: (١٦٧)، و«المحتسب» (٢/ ٣٤٦)، و«المحرر الوجيز» (٥/ ٤٢٠)، و«البحر المحيط» (٨/ ٣٩٨)، وزاد نسبتها إلى مجاهد، والحسن، وابن مقسم. وهي في «الدر المصون» (٦/ ٤٥٨) .\n(٦) أخرجه الطبري (١٢/ ٣٨٨)، رقم (٣٥٩٧١)، وذكره ابن عطية (٥/ ٤٢٠)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٤٩٥)، وعزاه لسعيد بن منصور عن ابن عبّاس بنحوه.\n(٧) أخرجه الطبري (١٢/ ٣٩٠)، رقم: (٣٥٩٨٣- ٣٥٩٨٤- ٣٥٩٨٥)، وذكره البغوي (٤/ ٤٣٥)، وابن عطية (٥/ ٤٢٠)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٤٩٤)، وعزاه لعبد الرزاق، والفريابي، والبخاري، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه، والحاكم عن عبد الرحمن بن عابس عن ابن عبّاس بنحوه.\n(٨) وقرأ بها أبو حيوة، والسلمي، والأعمش، وأبو بحرية، وابن أبي عبلة، ورويس.\nينظر: «مختصر الشواذ» ص: (١٦٧)، و«المحرر الوجيز» (٥/ ٤٢٠)، و«البحر المحيط» (٨/ ٣٩٨)، و«المحتسب» (٢/ ٣٤٧)، و«الدر المصون» (٦/ ٤٥٩) .","vol":"5","page":539},{"text":"م خاطب تعالى نبيه ع بقوله: هذا يَوْمُ لاَ يَنْطِقُونَ ... الآية، وهذا في موطنٍ خاص إذ يومُ القيامَة هو مواطن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1580>[سورة المرسلات (٧٧): الآيات ٣٨ الى ٤٥]</span>\nهذا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (٣٨) فَإِنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ (٣٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٠) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ (٤١) وَفَواكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٤٢)\nكُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣) إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٤٤) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٥)\nوقوله تعالى: هذا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْناكُمْ ... مخاطبةٌ للكفار يومئذ، ثم وقَفَهُمْ بقوله: فَإِنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ أي: إنْ كَان لَكم حيلةٌ أو مكيدَةٌ تُنْجيكم فافعلوها، ثم ذَكر سبحانه حالةَ المتقينَ وما أعَدَّ لهم، والظلالُ في الجنة: عبارةٌ عن/ تَكَاثُفِ الأَشْجَارِ وجَوْدَة المباني وإلاَّ فلاَ شَمْسَ تؤذي هناكَ حتى يكون ظل يجير من حرّها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1581>[سورة المرسلات (٧٧): الآيات ٤٦ الى ٥٠]</span>\nكُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ (٤٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٧) وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ (٤٨) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٩) فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (٥٠)\nوقوله تعالى: كُلُوا وَتَمَتَّعُوا استئنافُ خطابٍ لقريشٍ على معنى: قل لهم يا محمد، وهذه صيغةُ أمْر معناها التهديدُ والوَعيدُ، ومن جعل هذه الآيةَ مدنيةً قَالَ هي في المنافقِينَ.\nوقوله تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لاَ يَرْكَعُونَ قال قتادة والجمهور «١»، هذه حالُ كفارِ قريش في الدنيا يدعوهم النبيّ ﷺ فلا يُجِيبُونَ، وذِكْرُ الرُّكُوعِ عبارةٌ عن جميعِ الصلاةِ، وقيلَ: هي حكايةُ حَالِ المنافِقِينَ في الآخرةِ يَوْمَ يُدْعَوْنَ إلى السجودِ فلا يَسْتَطِيعونَ على ما تقدَّم قاله ابنُ عَبَّاس وغيره «٢» .\nوقوله تعالى: فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ يؤيدُ أن الآيةَ كلَّها في قريشٍ، والمرادُ بالحديثِ هنا: القرآن، ورُوِيَ عَنْ يعقوبَ «٣» أنه قرأ: «تُؤْمِنُونَ» بالتاء مِنْ فَوْقٍ عَلى المواجهَة، ورُويتْ عن ابن عامر.\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٥/ ٤٢١) .\n(٢) ينظر: المصدر السابق.\n(٣) ورويت عن ابن عامر.\nينظر: «مختصر الشواذ» ص: (١٦٧)، و«المحرر الوجيز» (٥/ ٤٢٢) .","vol":"5","page":540},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1582>تفسير سورة النبأ</span>\nوهي مكّيّة بإجماع\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1583>[سورة النبإ (٧٨): الآيات ١ الى ٣]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nعَمَّ يَتَساءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (٣)\nقوله ﷿: عَمَّ يَتَساءَلُونَ أصل «عم»: «عَنْ مَا» ثُمَّ أُدْغمتِ النونُ بَعْدَ قَلْبِهَا [في الميم لاشْتِرَاكِهِما في الغُنَّة] فبقي «عما» في الخبرِ وفي الاستفهام، ثم حذفوا الألفَ في الاستفهامِ فرقًا بينَه وبين الخبر، ثم مِنَ العرب مَنْ يخففُ الميم فيقول: «عَمْ»، وهذا الاستفهامُ ب «عم» استفهام توقيف وتعجيب، والنَّبَإِ الْعَظِيمِ قال ابن عباس وقتادة: هو الشَّرعُ الذي جاء به محمّد ﷺ «١»، وقال مجاهد: هو القرآن «٢» خاصةً، وقال قتادة أيضًا:\nهو البعثُ من القبور «٣»، والضميرُ في: يَتَساءَلُونَ لكفارِ قريشٍ ومن نَحا نَحْوَهم، وأكْثَر النحاة أن قوله: عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ متعلقٌ ب يَتَساءَلُونَ، وقال الزجاج: الكلام تامُّ في قوله: عَمَّ يَتَساءَلُونَ ثُمَّ كان مقتضَى القولِ/ أن يجيبَ مجيبٌ فيقول: يتساءلونَ عن النبأ العظيم، وله أمثلة في القرآن اقتضَاها إيجازُ القرآن وبلاغتُه، واختلافُهم هو شكُّ بعضٍ وتكذيبُ بعضٍ، وقولهُم: سِحْرٌ وكهانةٌ إلى غير ذلك من باطلهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1584>[سورة النبإ (٧٨): الآيات ٤ الى ٧]</span>\nكَلاَّ سَيَعْلَمُونَ (٤) ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ (٥) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهادًا (٦) وَالْجِبالَ أَوْتادًا (٧)\nوقوله تعالى: كَلَّا سَيَعْلَمُونَ رَدّ على الكفارِ في تكذيبِهم ووعيدٌ لهم في المستقبلِ، وكَرَّرَ عليهمُ الزَّجْرَ والوعيدَ تأكيدًا، والمعنى: سيعلمون عاقبةَ تكذيبِهم، ثم وقفَهُم تعالى ودَلَّهم على آياتِه، وغرائبِ مخلوقاتِه، وقدرته التي تُوجِبُ للناظرِ فيها الإقْرَارَ بالبعثِ والإيمانَ باللَّه تعالى، ت: وفي ضِمْنِ ذلكَ تَعْدِيدُ نِعَمِهِ سبحانه التي يجب\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٥/ ٤٢٣) .\n(٢) ذكره ابن عطية (٥/ ٤٢٣)، والبغوي (٤/ ٤٣٦)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٤٦٢)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٤٩٨) بنحوه.\n(٣) أخرجه الطبري (١٢/ ٣٩٦)، (٣٦٠٠٠)، وذكره ابن عطية (٥/ ٤٢٣)، والبغوي (٤/ ٤٣٦)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٤٦٢) . [.....]","vol":"5","page":541},{"text":"شُكْرُها، والمِهادَ: الفراشُ المُمَهَّدُ، وشَبَّه الجبالَ بالأوتادِ لأنها تمنع الأرض أن تميد بهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1585>[سورة النبإ (٧٨): الآيات ٨ الى ٢٣]</span>\nوَخَلَقْناكُمْ أَزْواجًا (٨) وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتًا (٩) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشًا (١١) وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدادًا (١٢)\nوَجَعَلْنا سِراجًا وَهَّاجًا (١٣) وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجًا (١٤) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتًا (١٥) وَجَنَّاتٍ أَلْفافًا (١٦) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتًا (١٧)\nيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجًا (١٨) وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْوابًا (١٩) وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَرابًا (٢٠) إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصادًا (٢١) لِلطَّاغِينَ مَآبًا (٢٢)\nلابِثِينَ فِيها أَحْقابًا (٢٣)\nوَخَلَقْناكُمْ أَزْواجًا أي: أنواعًا، والسُّبَاتُ: السُّكُونُ، وسَبَتَ الرجلُ: معناه استراحَ، ورُوِّينَا في «سنن أبي داودَ» عن معاذِ بن جبلٍ عن النبي ﷺ قال: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَبِيتُ عَلَى ذِكْرِ [اللَّهِ] طَاهِرًا فَيَتَعَارُّ مِنَ الليلِ، فَيَسْأَلَ اللَّهَ تَعَالَى خَيْرًا مِنْ أمُورِ الدنيا والآخِرَةِ إلاَّ أعطَاهُ اللَّه إياه» ورَوَى أبو داودَ عن بعضِ آلِ أم سلمةَ قال: كان فراشُ النبي ﷺ نحوًا مِمَّا يوضَعُ الإنْسَانُ في قبره، وكانَ المسجد عند رأسه، انتهى، ولِباسًا مصدرٌ، وكأنَّ الليلَ كذلكَ مِنْ حيثُ يَغْشَى الأشخاص، فهي تلبسه وتتدرعه، والنَّهارَ مَعاشًا على حذفِ مضافٍ، أو على النَّسَبِ، والسبعُ الشدادُ: السمواتُ، والسراجُ: الشمسُ، والوهَّاج:\nالحارُّ المضْطَرِمُ الاتِّقادِ المُتَعَالِي اللهبِ، قالَ ابن عباس وغيره: الْمُعْصِراتِ السحائب القاطِرة «١»، وهو مَأْخوذٌ مِن العَصْرِ لأن السَحابَ يَنْعَصِرُ فيخرج/ منه الماءُ، وهذا قول الجمهور، والثَّجَاج: السريعُ الاندفاعِ، كما يَنْدَفِع الدمُ مِنْ عروقِ الذبيحةِ، ومنه قوله ﷺ وَقَدْ قِيلَ له ما أفْضَلُ الحَجِّ؟ فقال: «العَجُّ والثَجُّ» «٢» أرادَ التَّضَرّعُ إلى اللَّهِ تعالى بالدعاء\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٢/ ٣٩٩) (٣٦٠٢٢)، وذكره ابن عطية (٥/ ٤٢٤)، والبغوي (٤/ ٤٣٧)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٤٦٢) بنحوه.\n(٢) أخرجه الترمذي (٣/ ١٨٠)، كتاب «الحج» باب: ما جاء في فضل التلبية والنحر. (٨٢٧)، وابن ماجه (٢/ ٩٧٥)، كتاب «المناسك» باب: رفع الصوت بالتلبية (٢٩٢٤)، والبيهقي (٥/ ٤٢- ٤٣)، كتاب «الحج» باب: رفع الصوت بالتلبية، والحاكم في «المستدرك» (١/ ٤٥٠- ٤٥١) عن أبي بكر الصديق.\nقال الترمذي: حديث أبي بكر حديث غريب لا نعرفه.\nقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.\nوفي الباب من حديث عبد الله بن عمر: أخرجه الترمذي (٥/ ٢٢٥)، كتاب «تفسير القرآن» باب: ومن سورة آل عمران رقم: (٢٩٩٨)، وابن ماجه (٢/ ٩٦٧)، كتاب «المناسك» باب: ما يوجب الحج، رقم: (٢٨٩٦)، والدارقطني (٢/ ٢١٧)، كتاب «الحج» رقم: (١٠)، والبيهقي في «الكبرى» (٤/ ٣٣٠)، كتاب «الحج» باب: الرجل يطيق المشي.\nقال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه من حديث ابن عمر إلا من حديث إبراهيم بن يزيد الخوزي المكي، وقد تكلم بعض أهل الحديث في يزيد من قبل حفظه.","vol":"5","page":542},{"text":"الجهير، وذبح الهدي، وأَلْفافًا أي: ملتفّة الأغصان والأوراق، ويَوْمَ الْفَصْلِ هُو يوم القيامةِ، والأفواجُ: الجماعاتُ، يتلو بعضُها بعضًا، «وفُتِحَتِ السماء» بتشديد التَّاء قراءةُ نافعٍ وأبي عمرٍو وابن كثير وابن عامر، والباقون دون تشديد «١» .\nوقوله تعالى: فَكانَتْ أَبْوابًا قيل معناه: تَتَشَقَّقُ حتَى يكونَ فيها فُتُوحٌ كالأَبوابِ في الجدرات، وقيل: إنها تتقطعُ السماء قِطَعًا صغارًا حتى تكونَ كألواح الأَبواب، والقولُ الأول أحسَنُ، وقد قال بعض أهل العلم: تَنْفَتِح في السماء أبواب للملائِكَةِ من حيثُ ينزلونَ ويصعَدون.\nوقوله تعالى: فَكانَتْ سَرابًا عبارةٌ عن تلاشيها بعد كونها هباء منبثّا، ومِرْصادًا: مَوْضع الرصدِ، وقيل: مِرْصادًا بمعنى رَاصِدٍ، والأحقاب: جمع حُقُبٍ وهي المدةُ الطويلةُ من الدهر غيرَ محدودة، وقال ابن عباس وابن عمر الحُقْبُ: ثمانونَ سنةٍ «٢» . وقال أبو أمامة عن النبي ﷺ أنه ثلاثون ألفَ سَنَة، وقد أكثر الناسُ في هذا، واللازمُ أنّ اللَّه تعالى أخبرَ عن الكفارِ أنهم يلبثُونَ أحْقَابًا، كلما مَرَّ حُقْبٌ جَاءَ غيره إلى غير نهاية، نجانا اللَّه من سَخَطِه، قال الحسنُ: ليسَ للأحْقَابِ عدّة إلا الخلود في النار «٣» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1586>[سورة النبإ (٧٨): الآيات ٢٤ الى ٣٧]</span>\nلا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا وَلا شَرابًا (٢٤) إِلاَّ حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (٢٥) جَزاءً وِفاقًا (٢٦) إِنَّهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ حِسابًا (٢٧) وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّابًا (٢٨)\nوَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتابًا (٢٩) فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذابًا (٣٠) إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازًا (٣١) حَدائِقَ وَأَعْنابًا (٣٢) وَكَواعِبَ أَتْرابًا (٣٣)\nوَكَأْسًا دِهاقًا (٣٤) لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا وَلا كِذَّابًا (٣٥) جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِسابًا (٣٦) رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطابًا (٣٧)\nوقوله سبحانه: لاَّ يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا ... الآية، قال الجمهورُ: البَرْدُ في الآية مَسُّ الهَوَاءِ البَاردِ، أي: لا يمسُّهم منه مَا يُسْتَلَذُّ، وقال أبو عبيدة وغيره: البردُ في الآية النوم «٤»،\n_________\n(١) ينظر: «السبعة» (٦٦٨)، و«الحجة» (٦/ ٣٦٨)، و«إعراب القراءات» (٢/ ٤٣١)، و«معاني القراءات» (٦/ ١١٦)، و«العنوان» (٢٠٢)، و«حجة القراءات» (٧٤٥)، و«إتحاف فضلاء البشر» (٢/ ٥٨٣) .\n(٢) أخرجه الطبري (١٢/ ٤٠٤) (٣٦٠٥٣) عن ابن عبّاس، وذكره ابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٤٦٣)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٥٠٢) عن أبي هريرة، وعبد الله بن عمرو، وابن عبّاس.\n(٣) أخرجه الطبري (١٢/ ٤٠٥) (٣٦٠٥٨)، وذكره البغوي (٤/ ٤٣٨)، وابن عطية (٥/ ٤٢٦)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٤٦٤) .\n(٤) ذكره البغوي (٤/ ٤٣٨)، وابن عطية (٥/ ٤٢٦)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٤٦٤)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٥٠٣) .","vol":"5","page":543},{"text":"والعَرَبُ تُسَمِّيه/ بذلكَ لأنَّه يُبَرِّدُ سورَةَ العَطَشِ، وقال ابن عباس: البردُ الشرابُ البارد المستلذّ «١»، وقال قتادة وجماعة: الغَسَّاقُ: هو ما يسيل من أجْسَامِ أهل النارِ من صديدٍ ونحوِه «٢» .\nوقوله تعالى: وِفاقًا معناه لأعمالهم وكفرهم، ولا يَرْجُونَ قال أبو عبيدَة وغيره معناه: لا يَخافُونَ، وقال غيره: الرجاء هنا على بابه «٣»، وكِذَّابًا مصدرٌ، لغةٌ فصيحةٌ يَمَانِيَّة، وعن ابن عمرَ قال: ما نَزَلَتْ في أهل النار آية أشدَ مِن قوله تعالى: فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذابًا «٤» ورواه أبو هريرةَ عن النبي ﷺ، والحدائقُ: هي البساتينُ علَيها حَلَقٌ وحظائرُ وجدرات، في البخاريِّ: وَكَواعِبَ أي: نَوَاهد، انتهى، والدِّهَاقُ: المُتْرَعَة فيما قال الجمهورُ، وقيل: الصافيةُ، وقال مجاهد: متتابعةٌ «٥»، وعبارة البخاريِّ وقال ابن عباس: دِهاقًا: ممتلئة، انتهى «٦»، وكِذَّابًا: مصدرٌ وهو الكَذِبُ.\nوقوله: عَطاءً حِسابًا أي: كَافِيًا قاله الجمهور من قولهم، أحْسَبَنِي هذَا الأمْرُ، أي: كَفَاني، ومنه حَسْبِي اللَّهُ، وقال مجاهد: حِسابًا معناه: بتَقْسِيطٍ، فالحِسَابُ على هذا بمَوازنةِ أعمالِ القَومِ إذ منهم المُكْثِرُ مِنَ الأعمال، والمُقِلُّ ولكلٍ بحسْبِ عملهِ «٧» .\nوقوله تعالى: لاَّ يَمْلِكُونَ الضميرُ للكفارِ، أي: لاَ يَمْلِكُونَ منْ أفضالهِ وإجماله سبحانه أنْ يخاطبوه بمعذرةٍ ولا غيرها وهذا أيضًا في موطنٍ خاصٍّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1587>[سورة النبإ (٧٨): الآيات ٣٨ الى ٤٠]</span>\nيَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَوابًا (٣٨) ذلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مَآبًا (٣٩) إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا (٤٠)\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٥/ ٤٢٧) .\n(٢) أخرجه الطبري (١٢/ ٤٠٦) (٣٦٠٦٩)، وذكره ابن عطية (٥/ ٤٢٧)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٤٦٤) بنحوه.\n(٣) أخرجه الطبري (١٢/ ٤٠٩) (٣٦٠٩٤) عن قتادة، وذكره ابن عطية (٥/ ٤٢٧) .\n(٤) أخرجه الطبري (١٢/ ٤١٠) (٣٦٠٩٤) بنحوه عن عبد الله بن عمرو، وذكره ابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٤٦٤)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٥٠٤)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه عن الحسن بن دينار.\n(٥) أخرجه الطبري (١٢/ ٤١٢) (٣٦١٢١)، وذكره البغوي (٤/ ٤٣٨)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٤٦٥)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٥٠٥)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير عن مجاهد.\n(٦) أخرجه الطبري (١٢/ ٤١١) (٣٦١٠٩)، وذكره البغوي (٤/ ٤٣٩)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٤٦٥)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٥٠٥)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن ابن عبّاس.\n(٧) أخرجه الطبري (١٢/ ٤١٣) (٣٦١٢٦)، وذكره ابن عطية (٥/ ٤٢٨) .","vol":"5","page":544},{"text":"وقوله تعالى: يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ اخْتُلِفَ في الرُّوحِ المذكورِ هنا فقال الشعبي والضحاك: هو جبريلُ﵇ «١» - وقال ابن مسعودٍ: هو مَلَكٌ عظيم أكبرُ الملائكةِ خِلْقَةً يسمَى الرُّوح «٢»، وقال ابن زيد «٣»: هو القرآن، وقال مجاهدٌ: الروحُ خَلْقٌ على صورة بني آدمَ يأكلُون ويشربون «٤»، / وقال ابن عبّاس عن النبي ﷺ: «الرُّوحُ خَلْقٌ غَيْرُ المَلاَئِكَةِ هُمْ حَفَظَةٌ لِلْمَلاَئِكَةِ كَمَا المَلاَئِكَةُ حَفَظَةٌ لَنَا» «٥»، وقيلَ الرُّوح اسمُ جنسٍ لأرواحِ بني آدم، والمعنى: يوم تَقُوم الأرواحُ في أجسادها إثْرَ البَعْثِ، ويكونُ الجميعُ من الإنس والملائِكَةِ صفًّا ولاَ يتكلمُ أحدٌ منهم هَيْبَةً وفَزَعًا إلا مَنْ أذنَ له الرحمنُ مِنْ مَلَكٍ أو نبي وكان أهلًا أنْ يقولَ صوابًا في ذلك الموطنِ، وقال البخاريُّ: صَوابًا: حَقًّا في الدنيا وعَمِلَ به، انتهى،، وفي قوله: فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مَآبًا وعدٌ ووعيدٌ وتحريضٌ، والعذابُ القريبُ: هو عذاب الآخرةِ، إذ كلُّ آتٍ قريبٌ، وقال أبو هريرةَ وعبدُ اللَّه بن عمر: إن اللَّه تعالى يُحْضِرُ البهائم يَومَ القيامةِ فيقتصُّ لبعضها من بعضٍ، ثم يقول لَها بَعْدَ ذلكَ:\nكوني ترابًا فيعودُ جميعُها ترابًا فعند ذلك يقول الكافر: الَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا\n«٦»\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٢/ ٤١٥) (٣٦١٣٦) (٣٦١٣٧)، وذكره البغوي (٤/ ٤٤٠)، وابن عطية (٥/ ٤٢٨)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٤٦٥)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٥٠٦)، وعزاه لعبد بن حميد وأبي الشيخ عن الضحاك. [.....]\n(٢) أخرجه الطبري (١٢/ ٤١٥) (٣٦١٣٣)، (٣٦١٣٤) عن ابن عبّاس بنحوه، وذكره البغوي (٤/ ٤٤٠)، وابن عطية (٥/ ٤٢٨)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٤٦٥)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٥٠٦)، وعزاه لابن جرير.\n(٣) أخرجه الطبري (١٢/ ٤١٦) (٣٦١٤٧) عن ابن زيد عن أبيه، وذكره ابن عطية (٥/ ٤٢٩)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٤٦٥) .\n(٤) أخرجه الطبري (١٢/ ٤١٥) (٣٦١٣٨)، وذكره البغوي (٤/ ٤٤٠)، وابن عطية (٥/ ٤٢٩)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٤٦٥)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٥٠٥)، وعزاه لعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في «الأسماء والصفات» عن مجاهد.\n(٥) ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٥٠٥)، وعزاه لابن أبي حاتم، وأبي الشيخ في «العظمة»، وابن مردويه.\n(٦) أخرجه الطبري (١٢/ ٤١٨) عن عبد الله بن عمرو برقم: (٣٦١٦٠)، وعن أبي هريرة برقم: (٣٦١٦١) بنحوه، وذكره البغوي (٤/ ٤٤٠) عن عبد الله بن عمرو، وابن عطية (٥/ ٤٢٩)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٤٦٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٥٠٧)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر وابن أبي حاتم، والبيهقي في «البعث والنشور» عن أبي هريرة.","vol":"5","page":545},{"text":"قلت: وَاعْلَمْ رحمكَ اللَّه أَني لم أقفْ على حديثٍ صحيحٍ في عَوْدِها ترابًا، وقدْ نَقَلَ الشيخُ [أبُو العباسِ القَسْطَلاَّنِيُّ عن] الشيخ أبي الحكم بن أبي الرَّجَّالِ إنكارَ هذا القولِ، وقال: ما نُفِثَ روحُ الحياةِ في شَيْءٍ فَفَنِيَ بَعْدَ وجودِه، وقد نقَلَ الفَخْرُ هنا عن قَوْم بقاءَها وأن هذه الحيواناتِ إذا انْتَهَتْ مدةُ إعراضِها جعلَ اللَّه كلَّ ما كانَ مِنْهَا حَسَنَ الصُّورَةِ ثوابًا لأهلِ الجنةِ، وما كانَ قَبيحَ الصورةِ عقابًا لأَهْلِ النارِ، انتهى، والمُعَوَّلُ عليه في هذا: النقلُ فإن صحّ فيه شيء عن النبي ﷺ، وَجَبَ اعْتِقَادُه وصِيرَ إليه، وإلا فلا مدخلَ للعقل هنا، والله أعلم.","vol":"5","page":546},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1588>تفسير سورة «النّازعات»</span>\nوهي مكّيّة بإجماع\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1589>[سورة النازعات (٧٩): الآيات ١ الى ٩]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nوَالنَّازِعاتِ غَرْقًا (١) وَالنَّاشِطاتِ نَشْطًا (٢) وَالسَّابِحاتِ سَبْحًا (٣) فَالسَّابِقاتِ سَبْقًا (٤)\nفَالْمُدَبِّراتِ أَمْرًا (٥) يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ (٨) أَبْصارُها خاشِعَةٌ (٩)\nقوله ﷿: وَالنَّازِعاتِ غَرْقًا قال ابن عباس وابن مسعود: النَّازِعاتِ:\nالملائكة، تنزع نفوس بني آدم «١»، وغَرْقًا على هذا القول إما أن يكونَ مصدرًا بمعنى الإغْراقِ والمبالغةِ في الفعل، وإما أنْ يكونَ كما قال علي وابن عباس: تُغْرِقُ نفوسَ الكفرةِ في نار جهنم «٢»، وقيل غيرُ هذا، واخْتُلِفَ في النَّاشِطاتِ فقال ابن عباس ومجاهد: هي الملائكةُ تَنْشطُ النفوسَ عند الموتِ، أي: تَحُلُّها كَحَلِّ العِقَالِ، وتَنْشَطُ بأمْرِ اللَّه إلى حيثُ شَاء «٣»، وقال ابن عباس أيضًا: الناشطاتُ النفوسُ المؤمِنَة تَنْشَط عند الموتِ للخروج «٤»، ت: زاد الثعلبيُّ عنه: وذلك أنَّه ليسَ مؤمنٌ يَحْضُرُهُ الموتُ إلا عُرِضَتْ عليه الجنةُ قَبْلَ أَن يموتَ فَيَرى فيها أشْبَاهًَا من أهلِه وأزْواجهِ من الحُور العينِ، فَهُمْ يَدْعُونه إليها فَنَفْسُه إليهم نَشِيطَة أن تخرج فتأتيهم، انتهى، وقيل غيرُ هذا واخْتُلِف في السَّابِحاتِ هنا فقِيلَ:\nهي النجوُمُ، وقيل: هي الملائِكَةُ لأَنَّهَا تَتَصَّرفُ في الآفاقِ بأمْرِ اللَّه، وقيلَ: هي الخيلُ، وقيل: هي السفنُ، وقيل: هي الحيتانُ ودوابُّ البَحْرِ، واللَّه أعلم، واخْتُلِفَ في\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٢/ ٤٢٠) عن عبد الله برقم (٣٦١٦٦)، وذكره البغوي (٤/ ٤٤١)، وابن عطية (٥/ ٤٣٠)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٤٦٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٥٠٨)، وعزاه لسعيد بن منصور، وابن المنذر.\n(٢) ذكره ابن عطية (٥/ ٤٣٠)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٤٦٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٥٠٨)، وعزاه لابن أبي حاتم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عبّاس.\n(٣) أخرجه الطبري (١٢/ ٤٢١) عن ابن عبّاس، برقم: (٣٦١٧٨)، وذكره ابن عطية (٥/ ٤٣٠) .\n(٤) ذكره البغوي (٤/ ٤٤١)، وابن عطية (٥/ ٤٣١) .","vol":"5","page":547},{"text":"فَالسَّابِقاتِ، فقيلَ هي الملائكةُ، وقيل: الرياحُ «١»، وقيل: الخيلُ، وقيل: النُّجُوم، وقيل: المَنايَا تَسْبِقُ الآمالَ، وأما فَالْمُدَبِّراتِ فَهِي الملائكة قَولًا واحدًا فيما علمتُ، تدبّر الأمورَ التي سخَّرَها اللَّهُ لَها وصَرَّفَها فيها كالرياح والسحاب، وغير ذلك، والرَّاجِفَةُ النفخة الأولى، والرَّادِفَةُ النفخة الأخِيرَة، وقال ابن زيد: الرَّاجِفَةُ: الموتُ، والرَّادِفَةُ: الساعة «٢»، وفي «جَامِع الترمذي» عن أُبيِّ بن كعب قال: «كان رسول الله ﷺ: إذا ذهب ثلثا اللّيل قام، فقال: يا أيّها النَّاسُ، اذكروا اللَّهَ، اذكروا اللَّهَ، جَاءَتِ الرَّاجِفَةُ، تَتْبَعُها الرَّادِفَةُ، جَاءَ المَوْتُ بِمَا فِيه، [جَاءَ المَوْتُ بِمَا فِيهِ]» الحديثَ «٣»، قَال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ، انْتَهَى، وقد أتى به ع «٤» هنا وقال: إذا ذَهَبَ رُبُعُ الليل، والصوابُ ما تقدَّم، ثم أخبرَ تعالى عن قلوبٍ تَجِفُ [في] ذلكَ اليومِ، أي: تَرْتَعِدُ خوفًا وفَرَقًا من العذابِ، واخْتُلِفَ في جوابِ القسم: أين هو؟ فقال الزجاج والفراء: هو محذوفٌ دَلَّ عليهِ الظاهرُ تقديرُه: لَتَبْعَثُنَّ ونحوُه، وقال آخرونَ: هو موجودٌ في جملة قوله تعالى: يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ كأنه قَال لَتَجِفَنَّ قلوبُ قومٍ يوم كذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1590>[سورة النازعات (٧٩): الآيات ١٠ الى ٢٩]</span>\nيَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ (١٠) أَإِذا كُنَّا عِظامًا نَخِرَةً (١١) قالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خاسِرَةٌ (١٢) فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ (١٣) فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤)\nهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى (١٥) إِذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً (١٦) اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (١٧) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى (١٩)\nفَأَراهُ الْآيَةَ الْكُبْرى (٢٠) فَكَذَّبَ وَعَصى (٢١) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعى (٢٢) فَحَشَرَ فَنادى (٢٣) فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى (٢٤)\nفَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى (٢٥) إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى (٢٦) أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّماءُ بَناها (٢٧) رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها (٢٩)\nوقوله تعالى: يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ حكايةُ حالِهم في الدنيا، والمعنى: هم الذين يقولون، والْحافِرَةِ: قال مجاهد والخليل: هي الأرضُ، حافرة بمعنى محفورة، والمراد: القبور والمعنى: أإنا لمردودون أحياء في قبورنا؟، وقيل غير\n_________\n(١) في د: وهي الرياح.\n(٢) أخرجه الطبري (١٢/ ٤٢٥) (٣٦٢٠٧)، وذكره ابن عطية (٥/ ٤٣١) .\n(٣) أخرجه الترمذي (٤/ ٦٣٦- ٦٣٧)، كتاب «صفة القيامة» باب: (٢٣) (٢٤٥٧)، (٢/ ٤٢١)، وأحمد (٥/ ١٣٦)، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (١/ ٢٥٦) .\nقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.\nوقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٤٣١) .","vol":"5","page":548},{"text":"هذا «١»، ونَخِرَةً معناه بالية، وقرأ حمزة «نَاخِرَةٌ» بألف «٢»، والنَّاخِرةُ المصوِّتَةُ بالريحِ المُجَوَّفَة، وحُكِيَ عَنْ أبي عُبَيْدَة وغيره: أن الناخرةَ والنَّخِرَةَ بمعنًى واحد «٣»، وقولهم:\nتِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خاسِرَةٌ أي: إذ هي إلى النارِ لتكذيبِهم بالبعثِ، وقال الحسن: خاسِرَةٌ معناه عندَهم كاذبة، أي: ليست بكائِنةٍ «٤»، ثم أخبر تعالى عن حالِ القيامةِ فقال: «إنما هي زجرة واحدة» أي: نفخةٌ في الصور، فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ وهي أرضُ المحشر.\nوقوله: هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى اسْتِدْعَاءٌ حسنٌ، والتزكِّي: التَّطهرُ من النَقَائِص، والتلبُّسِ بالفَضَائِل، ثم فَسَّر لَه موسى التزكِّي الذِي دَعَاه إليه/ بقوله: وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى والعلمُ تابعٌ للهدى، والخَشْيَةُ تابعةٌ للعِلْمِ، إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ [فاطر: ٢٨] والْآيَةَ الْكُبْرى العصا واليد قاله مجاهد وغيره «٥»: وأَدْبَرَ: كِنَايَةً عن إعْرَاضِه، وقيل: حقيقةً قَامَ مُوَلِّيًا عن مُجَالَسَةِ موسى، فَحَشَرَ أي: جمع أهل مملكتِه، وقولُ فرعونَ: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى نهايةٌ في السِّخَافَةِ والمَخْرَقَةِ، قال ابن زيد: نَكالَ الْآخِرَةِ أي: الدار الآخرة، وَالْأُولى: يعني: الدنيا، أخَذَه اللَّهُ بعذابِ جهنَّمَ وبالغَرَقِ، وقيل غيرُ هذا «٦»، ثم وقفهم سبحانه مخاطبةً منه تعالى للعالم والمقصد الكفار فقال:\nأَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا ... الآية، والسَّمْكُ: الارْتِفَاعُ، الثعلبي: والمعنى: أأنتم أيها المنكرونَ للبعثِ أشَدُّ خلقًا أم السَّماءُ أشد خلقًا، ثم بيَّن كَيْفَ خَلَقَها، أي: فالذي قَدِرَ على خَلْقِها قادرٌ على إحيائكم بعد الموت، نظيره: أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ [يس:\n٨١] الآية، انتهى، وأَغْطَشَ معناه: أظلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1591>[سورة النازعات (٧٩): الآيات ٣٠ الى ٣٦]</span>\nوَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها (٣٠) أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها (٣١) وَالْجِبالَ أَرْساها (٣٢) مَتاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ (٣٣) فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى (٣٤)\nيَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ ما سَعى (٣٥) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى (٣٦)\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٢/ ٤٢٧) (٣٦٢٢٢) عن مجاهد، وذكره ابن عطية (٥/ ٤٣٢) . [.....]\n(٢) وهي قراءة عاصم في رواية أبي بكر.\nينظر: «السبعة» (٦٧٠- ٦٧١)، و«إعراب القراءات» (٢/ ٤٣٥)، وزاد نسبتها إلى الكسائيّ، و«معاني القراءات» (٣/ ١١٩)، و«حجة القراءات» (٧٤٨)، و«شرح الطيبة» (٦/ ٩٧)، و«شرح شعلة» (٦١٨)، و«إتحاف» (٢/ ٥٨٥) .\n(٣) ذكره ابن عطية (٥/ ٤٣٢) .\n(٤) ينظر: المصدر السابق.\n(٥) أخرجه الطبري (١٢/ ٤٣٢) (٣٦٢٥٧)، وذكره ابن عطية (٥/ ٤٣٣) .\n(٦) أخرجه الطبري (١٢/ ٤٣٤) (٣٦٢٧٠)، وذكره ابن عطية (٥/ ٤٣٤) .","vol":"5","page":549},{"text":"وقوله تعالى: وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها متوجِّه على أن اللَّهَ خلقَ الأرضَ ولم يَدْحُهَا ثم استوى إلى السَّمَاءِ وهي دُخَانُ فخلقَها، وبنَاها، ثم دَحَا الأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ، ودَحْوُها بسطها، وباقي الآية بيّن، والطَّامَّةُ الْكُبْرى هي يومُ القيامة قاله ابن عباس وغيره «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1592>[سورة النازعات (٧٩): الآيات ٣٧ الى ٤١]</span>\nفَأَمَّا مَنْ طَغى (٣٧) وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى (٣٩) وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى (٤١)\nفَأَمَّا مَنْ طَغى أي تجاوز الحدّ، وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا على الآخرة لتكذيبه [بالآخرة]، ومَقامَ رَبِّهِ هو يومُ القِيَامَةِ، وإنما المرادُ مَقَامُهُ بين يديه، والْهَوى هو شَهَواتُ النفسِ وما جرى مَجْرَاها المذمومة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1593>[سورة النازعات (٧٩): الآيات ٤٢ الى ٤٦]</span>\nيَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها (٤٣) إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها (٤٤) إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها (٤٥) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها (٤٦)\nوقوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ يعني: قريشًا، قال البخاري عن غيره: أَيَّانَ مُرْساها متَى مُنْتَهَاهَا، / ومُرْسَى السفينةِ حيثُ تَنْتَهِي، انتهى، ثم قال تعالى لنبيه على جهة التوقيفِ: فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها أي من ذِكْرِ تَحْدِيدِها ووقتِها، أي: لستَ من ذلك في شيء، إنما أنت منذر، وباقي الآيةِ بيِّنٌ، قَال الفخر «٢» قوله تعالى: كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها تفسيرُ هذه الآيةِ هُو كما «٣» ذَكَرَ في قوله: كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ [الأحقاف: ٣٥] والمعنى: أن ما أنكرُوه سَيَرَوْنَه حتَّى كأنَّهُمْ كَانُوا أبَدًا فيهِ، وكأَنَّهُمْ لَمْ يَلْبَثُوا في الدُّنْيَا إلا ساعة من نهارٍ، يريدُ لم يلبثوا إلا عشيَّةً أو ضحى يومها، انتهى.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٢/ ٤٤٠) (٣٦٣١١)، وذكره ابن عطية (٥/ ٤٣٤)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٤٦٩)، والسيوطي في «الدر المنثور»، وعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عبّاس بنحوه.\n(٢) ينظر: «الفخر الرازي» (٣١/ ٤٩) .\n(٣) في د: ما.","vol":"5","page":550},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1594>تفسير سورة «عبس»</span>\nوهي مكّيّة بإجماع\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1595>[سورة عبس (٨٠): الآيات ١ الى ٨]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nعَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى (٢) وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى (٤)\nأَمَّا مَنِ اسْتَغْنى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَما عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى (٨)\nقوله تعالى: عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى سببها: أنّ النبي ﷺ كَانَ يدعُو بعضَ صَنَادِيدِ قريشٍ ويقرأ عليه القرآن ويقول له: هل ترى بما أقولُ بأسًا، فكان ذلك الرجلُ يقول: لا والدمى يعني الأصْنَام إذ جَاء ابنُ أم مكتُومٍ فَقَالَ: يا رسول اللَّه! اسْتَدْنِنِي وَعَلِّمْنِي مما علَّمَك اللَّهُ فكان [في] ذلك كلِّه قطعٌ لحديث النبي ﷺ مع الرَّجُلِ، فلَما شَغَبَ عليه ابنُ أُم مكتوم عبس ﷺ وأعْرَضَ عنه فنزلتِ الآيةُ، قال سفيانُ الثوريّ:\nفكَانَ بعدَ ذلك إذَا رأَى ابنَ أم مكتومٍ قال: مَرْحَبًا بمن عَاتَبَنِي فيه ربِّي﷿- وبَسَطَ له رداءَه واسْتَخْلَفَه على المدينةِ مرتين «١»، ت: والكافرُ المشارُ إليه في الآيةِ هو:\nالوليدُ بن المغيرة قاله ابنُ إسْحَاق، انتهى، ثم أكَّد تعالى عَتْبَ نبيه بقوله: أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى أي بمالِه، فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى أي: تتعرّض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1596>[سورة عبس (٨٠): الآيات ٩ الى ١٢]</span>\nوَهُوَ يَخْشى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠) كَلاَّ إِنَّها تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ (١٢)\nوقوله: وَهُوَ يَخْشى أي: يخشَى اللَّه، فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى أي تَشْتَغِلُ، تَقُولُ لَهِيتُ عن الشيء ألْهَى إذا اشْتَغَلْتُ عنه، ولَيْسَ من اللَّهْوِ، وهذه الآيةُ السببُ فيها هذا ثم هِي بَعْدُ تَتَنَاولُ مَنْ شَارَكَهم في هذه الأوصافِ، فحمَلةُ الشَّرْعِ والعِلم مخاطبونَ بتقريبِ الضَّعِيفِ من أهلِ الخير وتقديمِه على الشريفِ العارِي من الخيرِ، مثلَ ما خُوطِبَ بهِ النبي ﷺ في هذه السورةِ، قال عياضٌ: وليسَ في قوله تعالى: عَبَسَ وَتَوَلَّى الآيةَ، ما يَقْتَضِي إثبات ذنب للنبي ﷺ، أو أنه خَالفَ أمْرَ ربِّه سبحانه، وإنَّما في الآية الإعلام بحال\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٢/ ٤٤٤) عن قتادة وغيره (٣٦٣٢٢)، وذكره ابن عطية (٥/ ٤٣٦) بنحوه.","vol":"5","page":551},{"text":"الرجلينِ، وتَوْهِينِ أَمْرِ الكافرِ، والإشارةُ إلى الإعراضِ عنه، انتهى، قال السهيلي: وانظرْ كيفَ نزلتِ الآيةُ بلفظِ الإخبارِ عن الغائبِ فقال: عَبَسَ وَتَوَلَّى ولم يقل: عَبَسْتَ وتولَّيْتَ، وهذا يُشْبِهُ حال العاتِب المُعْرِضِ، ثم أقبل عَلَيْهِ بمواجَهَةِ الخطابِ فقال: وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى الآية، عِلمًا منْه سبحانه أنَّه لَمْ يَقْصِدْ بالإعراضِ عن ابن أم مكتوم إلا الرغبةَ في الخيرُ ودخولِ ذلكَ المشركِ في الإسلام إذ كان مثلُه يُسْلِم بإسلامِه بَشَرٌ كثيرٌ، فكلَّمَ نبيَّهُ حينَ ابتدأَ الكلامَ بِمَا يشبه كلامَ المُعْرِضِ عنه العاتِب له، ثم واجَهَهُ بالخطابِ تأنيسا له ع، انتهى، ثم قال تعالى: كَلَّا يا مُحَمَّدُ، ليسَ الأَمْرُ كما فعلتَ، إنَّ هذه السُّورَةَ أو القراءةَ أو المعاتبةَ تَذْكِرَةٌ، وعبارةُ الثعلبي: إن هذه السورةَ، وقيل: هذه الموعظةَ، وقال مقاتلٌ: آياتُ القرآن «١» تذكرةٌ، أي: مَوْعِظَةٌ وتَبْصِرةٌ للخلقِ، فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ أي: اتَّعظَ بآي القرآن وبما وعظتُكَ/ وأدَّبتُكَ في هذه السورةِ، انتهى. - ص-:\nذَكَرَهُ ذكَّرَ الضمير لأنَّ التذكرةَ هي الذكرُ، انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1597>[سورة عبس (٨٠): الآيات ١٣ الى ١٦]</span>\nفِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرامٍ بَرَرَةٍ (١٦)\nوقوله تعالى: فِي صُحُفٍ متعلقٌ بقولهِ: إِنَّها تَذْكِرَةٌ وهذا يؤيد أن التذكرَة يراد بها جميعُ القرآن، والصحف هنا قيل إنه اللوحُ المحفوظُ: وقيلَ صحفُ الأنبياءِ المنزلةُ.\nقال ابن عبَّاسٍ: السَّفَرَةُ هم الملائِكَةُ، لأنَّهم كَتَبةٌ يقال: سَفَرْتُ، أي: كتبتُ، ومنه السِّفْرُ، وقال ابن عباس أيضًا: الملائكةُ سَفَرةَ لأنهم يَسْفِرُونَ بينَ اللَّه وبين أنبيائه «٢»، وفي البخاري: سَفَرةُ الملائكةِ [واحدُهم سَافِرٌ] «٣»، سَفَرَتْ أصْلَحَتْ بينهم وجُعِلَتِ الملائكةُ إذا نزلت بوحي الله﷿- وتأديته كالسَّفِيرِ الذي يُصْلِح بَيْنَ القوم، انتهى، قال ع «٤»: ومن اللفظةِ قول الشاعر: [الوافر]\nوَمَا أَدَعُ السِّفَارَةَ بَيْنَ قَوْمِي ... وَمَا أسعى بِغِشٍّ إنْ مَشَيْتُ «٥»\nوالصُّحُفُ على هذا: صحفٌ عند الملائكة أو اللوح.\n_________\n(١) ذكره البغوي في «معالم التنزيل» (٤/ ٤٤٧) .\n(٢) أخرجه الطبري (١٢/ ٤٤٦) (٣٦٣٣٠)، (٣٦٣٣٣)، وذكره البغوي (٤/ ٤٤٧)، وابن عطية (٥/ ٤٣٨)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٤٧١)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٥١٩)، وعزاه لابن أبي حاتم، وابن المنذر من طريق علي عن ابن عبّاس.\n(٣) سقط في: د.\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٤٣٨) .\n(٥) ينظر: البيت في «البحر» (٨/ ٤١٧)، و«المحرر الوجيز» (٥/ ٤٣٨)، والقرطبي (١٩/ ١٤١)، و«الدر المصون» (٦/ ٤٨٠)، و«فتح القدير» (٥/ ٣٨٣) . [.....]","vol":"5","page":552},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1598>[سورة عبس (٨٠): الآيات ١٧ الى ٢٢]</span>\nقُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١)\nثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢)\nوقوله تعالى: قُتِلَ الْإِنْسانُ مَا أَكْفَرَهُ: دعاء على اسْمِ الجنسِ، وهو عُمُومٌ يرادُ به الإنسانُ الكافِرُ، ومعنى قُتِلَ: أي: هو أهلٌ أنْ يُدْعَى عليْه بهذا، وقال مجاهد: قُتِلَ معناه: لُعِنَ وَهَذَا تَحَكُّمٌ ت: ليسَ بتحكمٍ وقد تقدم نحوُه عن غيرِ واحدٍ «١» .\nوقوله تعالى: مَا أَكْفَرَهُ يحتملُ معنى التعجبِ، ويحتملُ الاستفهامَ توبيخًا، وقيلَ:\nالآيةُ نَزَلَتْ في عُتْبَةَ بنِ أبي لهبٍ، وذلك أنَّه غَاضَبَ أبَاه فأتى النبي ﷺ فأسْلَم ثم إن أباه اسْتَصْلَحَه وأعطَاه مالًا وجهَّزَه إلى الشامِ، فبعث عتبةُ إلى النبي ﷺ وقال: إنِّي كافرٌ بربِّ النَّجْمِ إذَا هوى فدعا عليه النبي ﷺ وقال: «اللهمَّ ابْعَثْ عَلَيْهِ كَلْبَكَ حَتَّى يَأْكُلَهُ»، ثم إن عُتْبَةَ خَرَجَ في سُفْرَة/ فجاءَ الأسَدُ فأكلَه من بينْ الرُّفْقَةِ.\nوقوله تعالى: مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ استفهامٌ على معنى التقرير على تفاهةِ الشيءِ الذي خُلِقَ الإنسانُ منه، فَقَدَّرَهُ أي جعَلَه بقَدَرٍ وَحَدٍّ معلومٍ، ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ قال ابن عباس وغيره: هي سبيلُ الخُرُوجِ من بطن أمِّهِ «٢»، وقال الحسنُ، ما معناه أن السبيلَ هي سبيلُ النظرِ المؤدِّي إلى الإيمانِ «٣» .\nوقوله فَأَقْبَرَهُ معناه: أمَر أنْ يُجْعَلَ له قبرٌ، وفي ذلك تكريمٌ له لِئَلاَّ يطرحَ كسائرِ الحيوان.\nوقوله تعالى: ثُمَّ إِذا شاءَ يريدُ: إذا بَلَغَ الوقتَ الذي قَدْ شاءَه وهو يومُ القيامةِ، وأَنْشَرَهُ معناه: أحياه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1599>[سورة عبس (٨٠): الآيات ٢٣ الى ٣٣]</span>\nكَلاَّ لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ (٢٣) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا (٢٧)\nوَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ (٣٢)\nفَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣)\nوقوله تعالى: كَلَّا لَمَّا يَقْضِ أي لم يَقْضِ ما أمره، ثم أمَرَ اللَّهُ تعالى الإنسان\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٢/ ٤٤٦) (٣٦٣٣٥)، وذكره ابن عطية (٥/ ٤٣٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٥٢٠)، وعزاه لابن المنذر عن مجاهد.\n(٢) أخرجه الطبري (١٢/ ٤٤٧)، برقم: (٣٦٣٣٧)، وذكره ابن عطية (٥/ ٤٣٨)، وابن كثير (٤/ ٤٧٢)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٥٢١)، وعزاه للعوفي عن ابن عبّاس.\n(٣) أخرجه الطبري (١٢/ ٤٤٨)، رقم: (٣٦٣٤٦)، وذكره ابن عطية (٥/ ٤٣٨) .","vol":"5","page":553},{"text":"بالعبرةِ والنظرِ إلى طَعامِه والدليل فيهِ وكيفَ يسَّره له بهذهِ الوَسَائِط، والحَبُّ جمعُ حَبَّةٍ- بفتحِ الحاءِ-، وهو كل ما يتخذُهُ الناسُ ويربونه، والحِبَّةُ: بكسرِ الحاءِ كُلَّ مَا يَنْبُتُ من البزُور لا يُحْفَلُ به، ولا هو بمتَّخَذٍ، والقَضْبُ قِيلَ هي الفِصْفِصَة وهذا عندي ضعيف لأن الفِصْفِصَةَ للبهائِم وهي داخلةٌ في الأبِّ والذي أَقول به أن القضْبَ هنا هو كلُّ ما يقْضَبُ ليأكُلَه ابنُ آدم غَضَّا من النباتِ كالبقُولِ والهِلْيُونِ ونحوه فَإنَّه من المَطْعُوم جِزءٌ عظيمٌ ولاَ ذِكْرَ له في الآية إلاَّ في هذه اللفظةِ، والحديقةُ: الشجَرُ الذي قد أُحْدِقَ بجدار ونحوِه، والغُلْبُ: الغِلاظُ الناعِمَةُ، والأبُّ المَرْعَى والكلأ قاله ابن عباس وغيره «١»، وقد توقَّفَ في تفسيرِه أبو بكر وعمر﵄ «٢» - ومَتاعًا: نصْبٌ على المصدرِ، والمعنى:\nتَتَمَتَّعُونَ به أنتم وأنعامُكم فابن آدم في السَّبْعَةِ المذكورةِ، والأنْعَامُ في الأبّ، والصَّاخَّةُ: اسمٌ من أسماءِ يوم/ القيامة. - ص-: قالَ الخليلُ: الصَّاخَّةُ صَيْحَةٌ تَصُخُّ الآذانَ صَخَّا، أي: تصمّها لشدة وقعتها، انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1600>[سورة عبس (٨٠): الآيات ٣٤ الى ٤٢]</span>\nيَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨)\nضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُها قَتَرَةٌ (٤١) أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢)\nوقوله تعالى: يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ الآية، قال جمهورُ الناس: إنما ذلكَ لشدةِ الهَوْلِ كلٌ يقولُ نَفْسِي نَفْسِي، وقيل: فرارُهم خوفا من المطالبات، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ عن اللقاءِ معَ غيرهِ، ثم ذكر تعالى اختلافَ الوجوهِ من المؤمنينَ الواثقين برحمةِ اللَّه حين بَدَتْ لهم تباشيرها، ومن الكفار حين علاها قترها، ومُسْفِرَةٌ معناه:\nنَيِّرةٌ بادٍ ضَوْءُهَا وسرورُها، والغَبْرَة التي على الكفرة: هي من العُبُوسِ كما يُرَى على وجهِ المهمومِ والميِّتِ والمرِيض شبهُ الغُبَارِ، - ص-: والقَتَرُ سوادٌ كالدُّخَانِ، قال أبو عبيدةَ:\nهو الغُبار، انتهى، ثم فسَّرَ سبحانَه أصحابَ هذه الوجوه المغبرّة بأنهم الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٢/ ٤٥٢) (٣٦٣٧٥)، وذكره ابن كثير (٤/ ٤٧٣)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٥٢١)، وعزاه للعوفي عن ابن عبّاس.\n(٢) أخرجه الطبري (١٢/ ٤٥١)، رقم: (٣٦٣٦٧)، وذكره البغوي (٤/ ٤٤٩)، وابن عطية (٥/ ٤٣٩)، وابن كثير (٤/ ٤٧٣) .","vol":"5","page":554},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1601>تفسير سورة «التّكوير»</span>\n[وهي] مكّيّة بإجماع\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1602>[سورة التكوير (٨١): الآيات ١ الى ٥]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nإِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢) وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ (٤)\nوَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥)\nقوله سبحانه: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ هذه كلُّها أوصَافُ يومِ القيامةِ، وتكويرُ الشمسِ هو أن تُدَارَ كما يُدَارُ كَوْرُ العمامةِ ويُذْهَبُ بها إلى حيثُ شَاءَ اللَّه- تعالى-، وعبَّر المفسرونَ عن ذلك بعباراتٍ فمنهم مَنْ قال: ذهب نورُها قاله قتادة «١»، ومنهم من قال:\nرُمِي بها قاله الربيع بن خثيم «٢» وغير ذلك مما هو أسماءٌ توابعُ لتكْويرهِا،، وانْكِدَارُ النجومِ هو انْقِضَاضُها وهبوطُها من مواضِعها، وقال ابن عباس: انكدرتْ: تغيَّرَتْ من قولهم مَاءٌ كَدِرٌ «٣» والْعِشارُ: جمع عُشَرَاءَ وهي الناقة التي قَدْ مَرَّ لحملِها عَشَرَةُ أشهرٍ، وهي أنْفَسُ مَا عِنْدَ العرب، وإنما تعطّل عند أشدّ الأهوال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1603>[سورة التكوير (٨١): الآيات ٦ الى ١٤]</span>\nوَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ (٦) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧) وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩) وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠)\nوَإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ (١١) وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (١٣) عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ (١٤)\nوَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ قال أُبَيُّ بن كعب وابن عباس وغيرهما: / معناه أُضْرِمَتْ نارًا، كما يُسْجَرَ التَّنُّورُ «٤»، ويحتملُ أنْ يكونَ المعنى مُلِكَتْ وقيّدت، فتكون اللفظة مأخوذة\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٢/ ٤٥٧) (٣٦٤٠٢)، وذكره البغوي (٤/ ٤٥١)، وابن عطية (٥/ ٤٤١)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٤٧٥)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٥٢٦)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن أبي حاتم عن قتادة ﵁.\n(٢) أخرجه الطبري (١٢/ ٤٥٧) (٣٦٤١٠)، وذكره ابن عطية (٥/ ٤٤١)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٤٧٥) .\n(٣) أخرجه الطبري (١٢/ ٤٥٨) (٣٦٤١٧)، وذكره ابن عطية (٥/ ٤٤١)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٤٧٥) .\n(٤) أخرجه الطبري (١٢/ ٤٦٠)، عن أبي بن كعب، برقم: (٣٦٤٣٢) وعن ابن عبّاس برقم: (٣٦٤٣٤)، وذكره البغوي (٤/ ٤٥١)، وابن عطية (٥/ ٤٤٢)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٤٧٦) بنحوه.","vol":"5","page":555},{"text":"من سَاجُورِ الكَلْبِ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: «سُجِرَتْ» بتخفيفِ»\nالجيمِ، والباقون بتشديدها، وتزويجُ النفوسِ: هو تَنْوِيعُها لأن الأزواجَ هي الأنْواعُ، والمعنى: جَعْلُ الكافرِ مع الكافرِ والمؤمِنِ معَ المؤمِنِ، وكلِّ شكلٍ مع شكلِه رواه النعمان بن بشير عن النبي ﷺ وقاله عمرُ بن الخطاب وابن عباس «٢» وقال: هذا نظيرُ قوله تعالى: وَكُنْتُمْ أَزْواجًا ثَلاثَةً [الواقعة: ٧] وفي الآيةِ على هذا حضُّ عَلَى خَليلِ الخيرِ، فقد قال﵇-: «المَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ»، وقال: «فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ»، وعبارةُ الثعلبيِّ: قال النعمانُ بْنُ بَشِيرٍ: قال النبيّ ﷺ: وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ، قَالَ الضُّرَبَاء: كُلُّ رَجُلٍ مَعَ كُلِّ قَوْمٍ كَانُوا يَعْمَلُونَ عَمَلَه، انتهى، وقال مقاتل بن سُلَيْمَانَ معناه: زوجتْ نُفُوسُ المؤمنينَ بزوجاتهنَّ من الحُورِ، وغيرِهِنَّ «٣» .\nوقوله تعالى: وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ الموءودة اسم معناه المُثْقَلُ عليها بالتُّرَاب، وغيرِه حتى تموتَ وكان هذا صنيعُ بعضِ العَرَبِ ببناتِهم يدفِنُونَهن أحياءً، وقرأ الجمهور «٤»: «سِئلت» وهذا على جهةِ التوبيخِ للعربَ الفاعلينَ ذلك واستدلَّ ابن عَبَّاس بهذه الآيةِ على «٥» أنَّ أولادَ المشركينَ في الجَنَّةِ، لأنَّ اللَّهَ قَدِ انتصر لَهُمْ ممّن ظلمهم «٦» .\n_________\n(١) وحجتهما قوله سبحانه: وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ [الطور: ٦] ولم يقل المسجّر. وحجة الباقين قوله تعالى:\nوَإِذَا الْبِحارُ ولو كان واحدا لكان تخفيفا، والعرب تقول: سجرت التنور، وسجّرت التنانير.\nينظر: «حجة القراءات» (٧٥٠)، و«السبعة» (٦٧٣)، و«الحجة» (٦/ ٣٧٩)، و«إعراب القراءات» (٢/ ٤٤٤)، و«شرح الطيبة» (٦/ ١٠١)، و«معاني القراءات» (٣/ ١٢٣)، و«العنوان» (٢٠٤)، و«شرح شعلة» (٦١٩)، و«إتحاف» (٢/ ٥٩١) .\n(٢) أخرجه الطبري (١٢/ ٤٦٢) عن عمر برقم: (٣٦٤٤٩)، وعن ابن عبّاس برقم: (٣٦٤٥٢)، وذكره البغوي (٤/ ٤٥٢)، وابن عطية (٥/ ٤٤٢)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٤٧٧)، والسيوطي في «الدر المنثور»، وعزاه لابن مردويه.\n(٣) ذكره البغوي (٤/ ٤٥٢)، وابن عطية (٥/ ٤٤٢)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٥٢٨)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن المنذر عن الكلبي بنحوه.\n(٤) وقرأ ابن عبّاس، وأبي، وجابر بن زيد، وأبو الضحى، ومجاهد، وجماعة منهم: ابن مسعود، والربيع بن خيثم «سألت» .\nينظر: «مختصر الشواذ» ص: (١٦٩)، و«المحرر الوجيز» (٥/ ٤٤٢)، و«البحر المحيط» (٨/ ٤٢٤- ٤٢٥)، و«الدر المصون» (٦/ ٤٨٦) .\n(٥) في د: في. [.....]\n(٦) ذكره ابن عطية (٥/ ٤٤٢)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٤٧٧) .","vol":"5","page":556},{"text":"وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ قيل: هي صُحُفُ الأَعْمَالِ، وقيل: هي الصُّحُفُ التي تَتَطَايَرُ بالأَيْمَانِ والشَّمائلِ، والكَشْطُ: التقشيرُ وذلك كما يُكْشَطُ جلدُ الشاةِ حينَ تُسْلَخُ، وكَشْطُ السَّماءِ هُو طَيُّها/ كَطَيِّ السّجلّ، وسُعِّرَتْ معناه: أُضْرِمَتْ «١» نارُها، وأزلفت الجنة معناه: قُرِّبَتْ ليدخلَها المؤمنونَ، قال الثعلبي: قُرِّبَتْ لأهلها حتى يرونها، نظيرُه، وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ [ق: ٣١] . عَلِمَتْ نَفْسٌ عندَ ذلك مَّا أَحْضَرَتْ من خيرٍ أو شرٍ وهو جوابٌ لقولهِ إِذَا الشَّمْسُ وما بعدها، انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1604>[سورة التكوير (٨١): الآيات ١٥ الى ٢٣]</span>\nفَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوارِ الْكُنَّسِ (١٦) وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ (١٨) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩)\nذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١) وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢) وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣)\nوقوله تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ لا إمَّا زائدةٌ وإما أنْ تكونَ رَدًّا لِقَوْلِ قريشٍ في تكذيبهم نبوة نبينا محمّد ع، ثُمَّ أَقْسَمَ تعالى بالخُنَّسِ الجوارِ الكنَّسِ، وهي في قولِ الجمهور: الدَّرَارِي السَّبْعَةُ: الشَّمْسُ والقَمَرُ وزُحَلُ وعُطَارِدُ والمرِّيخُ والزُّهْرَةُ والمُشترِي، وقال عليّ: المرادُ الخمسةُ دونَ الشمسِ والقمر وذلك أنّ هذه الكواكبَ تَخْنِسُ في جَرْيها أي: تَتَقَهْقَرُ فيما ترى العين، وهي جَوارٍ في السماءِ، وهي تَكْنِسُ في أَبراجها أي: تَسْتَتر «٢»، الثعلبي: وقال ابن زيدِ تَخْنِسُ أي: تَتَأَخَّرُ عَنْ مَطَالِعِها كلَّ سَنَة، وتَكْنِسُ بالنَّهار، أي: تستترُ فلاَ تُرَى، انتهى «٣»، وعَسْعَسَ الليلُ في اللغةِ إذا كَان غَيْرَ مُسْتَحْكَمِ الإظْلاَمِ، قال الخليل: عَسْعَسَ الليلُ: إذا أَقْبَلَ وأَدْبَرَ، وقال الحَسَنُ: وقَعَ القَسَمُ بإقبالهِ «٤»، وقال ابن عباسٍ وغيره: بلْ وَقَعَ بإدبارهِ «٥»، وقال المبرد: أقسم بإقباله وإدباره «٦»\n_________\n(١) في د: ضرمت.\n(٢) أخرجه الطبري (١٢/ ٤٦٧) (٣٦٤٨٤)، وذكره البغوي (٤/ ٤٥٣)، وابن عطية (٥/ ٤٤٣)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٤٧٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٥٢٨)، وعزاه لسعيد بن منصور والفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه من طرق عن علي ﵁.\n(٣) أخرجه الطبري (١٢/ ٤٦٧) (٣٦٤٨٧) . والبغوي (٤/ ٤٥٣) .\n(٤) أخرجه الطبري (١٢/ ٤٧٠) (٣٦٥١٢)، وذكره البغوي (٤/ ٤٥٣)، وابن عطية (٥/ ٤٤٤)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٤٧٩) بنحوه.\n(٥) أخرجه الطبري (١٢/ ٤٦٩)، (٣٦٥٠٢)، وذكره ابن عطية (٥/ ٤٤٤)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٤٧٩)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٥٣٠)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عبّاس.\n(٦) ذكره ابن عطية (٥/ ٤٤٤) .","vol":"5","page":557},{"text":"معًا، وعبارةُ الثعلبي: قالَ الحسنُ عَسْعَسَ الليلُ: أقْبَلَ بظلامِه، وقال آخرون: أدْبَرَ بظلامِه، ثم قال: والمعنيانِ يَرْجِعَانِ إلى معنًى واحدٍ، وهو ابتداءُ الظلامِ في أوله وإدباره في آخرهِ، انتهى،، وتنفَّسَ الصبحُ، اتَّسَعَ ضوءهُ، والضميرُ في «إنه» للقرآن، والرسولُ الكريمُ في قولِ الجمهور هو جبريل ع وقال آخرون: هو النبي ﷺ في الآية كلّها، / والقول الأول أصحّ، وكَرِيمٍ صفة تقتضي رفع المذامّ، ومَكِينٍ معناه: له مكَانَة ورِفْعَة، وقال عياض في «الشفا» في قوله تعالى: مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ: أكثر المفسرين على أنّه نبيّنا محمّد ﷺ، انتهى، قال ع «١»: وأجمعَ المفسرونَ على أن قولَه تعالى: وَما صاحِبُكُمْ يرادُ به النبيُّ ﷺ، والضمير في رَآهُ لجبريل ع وهذه الرؤيةُ التي كانَتْ بعْدَ أمْرِ غارِ حِراءٍ، وقيل: هي الرؤية التي رآه عند سدرة المنتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1605>[سورة التكوير (٨١): الآيات ٢٤ الى ٢٩]</span>\nوَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (٢٤) وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ (٢٥) فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (٢٦) إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨)\nوَما تَشاؤُنَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٢٩)\nوقوله تعالى: وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ بالضادِ بمعنى: بِبَخِيلِ تَبْلِيغ مَا قِيل لهُ كما يَفْعَلُ الكاهِنُ حين يُعْطى حُلْوَانه، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي: «بظنين» بالظاءِ «٢»، أي: بمتَّهَمٍ، ثم نَفَى سبحانَهُ عن القرآن أنْ يكونَ كلامَ شيطانٍ على ما قالتْ قريش، ورَجِيمٍ أي: مرجُوم.\nوقوله تعالى: فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ توقيفٌ وتقريرٌ والمعنى: أين المذهبُ لأحَدٍ عن هذهِ الحقائقِ والبيانِ الذي فيه شفاءٌ، إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ أي: تذكرةٌ، ت: رَوَى الترمذيُّ عن ابن عمر قال: قال النبي ﷺ: «مَنْ سَرَّه أنْ يَنْظُرَ إلى يومِ القِيَامَةِ كأنَّه رَأْيُ عينٍ فَلْيَقْرَأْ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ وإِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ، وإِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ» قال أبو عيسى:\nهذا حديثٌ حسن، انتهى.\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٤٤٤) .\n(٢) ينظر: «السبعة» (٦٧٣)، و«الحجة» (٦/ ٣٨٠)، و«إعراب القراءات» (٢/ ٤٤٦)، و«معاني القراءات» (٣/ ١٢٤)، و«العنوان» (٢٠٤)، و«حجة القراءات» (٧٥٢)، و«شرح شعلة» (٦٢٠)، و«إتحاف» (٢/ ٥٩٢) .","vol":"5","page":558},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1606>تفسير سورة «الانفطار»</span>\nوهي مكّيّة بإجماع\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1607>[سورة الانفطار (٨٢): الآيات ١ الى ٤]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nإِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ (٢) وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤)\nقوله تعالى: إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ أي: انشقَّتْ، وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ أي:\nتساقَطَتْ، وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ قيل: فُجِّرَ بعضُها إلى بعضٍ، ويحتملُ أنْ يكونَ تَفَجَّرتْ من أعاليها، ويحتملُ أن يكون تفجيرَ تفريغٍ من قيعَانِها/ فَيُذْهِبُ اللَّهُ ماءَها حيث شاء، وبكلٍ قيل، وبعثرةُ القبورِ: نبشها عن الموتى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1608>[سورة الانفطار (٨٢): الآيات ٥ الى ٧]</span>\nعَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (٥) يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧)\nوقوله سبحانه: عَلِمَتْ نَفْسٌ هو جوابُ إِذَا ونَفْسٌ هنا اسمُ جنسٍ، وقال كثيرٌ من المفسرينَ في معنى قوله: مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ إنها عبارةٌ عن جميع الأعمالِ من طاعة أو معصية.\nيا أَيُّهَا الْإِنْسانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ رُوِيَ أَنَّ النبيّ ﷺ قَرَأَهَا، فقال: «غَرَّهُ جَهْلُهُ» «١»، فَسُبْحَانَ اللَّهِ مَا أَرْحَمَهُ بِعِبادِهِ، قال الثعلبيُّ: قال أَهْلُ الإشارةِ: إنّما قال:\n_________\n(١) قال الزيلعي في «تخريج الأحاديث والآثار» (٤/ ١٦٧) (١٤٦٤)، وقال: رواه الثعلبي: أخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه- واسمه الحسين بن محمّد- ثنا أبو علي بن حنش المقري، ثنا أبو القاسم بن الفضل المقري، ثنا علي بن الحسين المقدمي، وعلي بن هاشم قالا: ثنا كثير بن هشام، ثنا جعفر بن برقان، ثنا صالح بن مسمار قال: بلغني أن النبي ﷺ تلا هذه الآية: يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ قال: «غره جهله» .\nوعن الثعلبي رواه الواحدي في «تفسيره الوسيط» بسنده ومتنه.\nورواه أبو عبيد القاسم بن سلام، في كتاب «فضائل القرآن» حدثنا كثير بن هشام وذكره سواه إلا أنه قال:\n«غره حلمه»، والنسخة صحيحة.","vol":"5","page":559},{"text":"بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ، دونَ سائر أسمائِه تعالى وصفاته، كأنه لَقَّنَهُ جَوَابَهُ حتى يقولَ: غَرَّنِي كَرَمُكَ، انتهى، وقرأ الجمهور: «فعدّلك» وكان النبي ﷺ إذا نَظَر إلى الهلالِ قال: «آمنتُ بالذي خلقَك فسوَّاك فَعَدَلَك» وقرأ حمزة والكسائي وعاصم بتخفيفِ الدال «١»، والمعنى عَدَّلَ أعضَاءَك بعضَها ببعضٍ، أي: وازن بينها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1609>[سورة الانفطار (٨٢): الآيات ٨ الى ١٤]</span>\nفِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ (٨) كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ (١٠) كِرامًا كاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ (١٢)\nإِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤)\nوقوله تعالى: فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شاءَ رَكَّبَكَ ذهبَ الجمهورُ إلى أن «في» متعلِّقة ب «ركَّبك»، أي: في صورةٍ حسنةٍ أو قبيحةٍ، أو سليمةٍ، أو مشوهةٍ، ونَحْو هذا، و«ما» في قوله: مَّا شاءَ رَكَّبَكَ زائِدَةٌ فيها معنَى التأكيد، قال أبو حيان «٢»: كَلَّا رَدْعٌ وزَجْرٌ، انتهى، والدِّينُ هنا يحتمل أن يريدَ الشرعَ، ويحتملُ أن يريدَ الجزاءَ والحساب، وباقي الآية واضح لمتأمّله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1610>[سورة الانفطار (٨٢): الآيات ١٥ الى ١٩]</span>\nيَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ (١٥) وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ (١٦) وَما أَدْراكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩)\nوقوله تعالى: يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ أي: يوم الجزاءِ.\nوقوله تعالى: وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ [قال جماعة: معناه: ما هم عنها بغائبين] «٣»\n_________\n(١) قال الفراء: وجهه- والله أعلم- فصرفك إلى أي صورة شاء، إما حسن أو قبيح، أو طويل أو قصير. وعن أبي نجيح قال: (في صورة أب أو في صورة عمّ) . وليست في من صلة «عدلك» لأنك لا تقول:\n(عدلتك في كذا)، إنما تقول: (عدلتك إلى كذا) أي: صرفتك إليه وإنما هي متعلقة ب «ركّبك» . كأن المعنى: (في أي صورة شاء أن يركّبك) .\nوقال آخرون: (فعدلك: فسوّى خلقك) . قال محمّد بن يزيد (المبرد): فعدلك أي: قصد بك إلى الصورة المستوية ومنه العدل الذي هو الإنصاف، أي: هو قصد إلى الاستواء. فقولك: (عدل الله فلانا) أي: سوّى خلقه. فإن قيل: فأين الباء التي تصحب القصد حتى يصح ما تقول؟ قلت: إن العرب قد تحذف حروف الجر، قال الله ﷿: «وإذا كالوهم أو وزنوهم» فحذف اللامين، فكذلك «فعدلك» بمعنى: فعدل بك.\nينظر: «حجة القراءات» (٧٥٢- ٧٥٣)، و«السبعة» (٦٧٤)، و«حجة القراءات» (٦/ ٣٨٢)، و«إعراب القراءات» (٢/ ٤٤٨)، و«معاني القراءات» (٣/ ١٢٦)، و«شرح الطيبة» (٦/ ١٠٣)، و«العنوان» (٢٠٤)، و«شرح شعلة» (٦٢٠)، و«إتحاف» (٢/ ٥٩٤) .\n(٢) ينظر: «البحر المحيط» (٨/ ٤٢٨) .\n(٣) سقط في: د.","vol":"5","page":560},{"text":"في البَرْزَخِ، وذلك أنهم يرونَ مقاعِدَهم من النارِ غَدْوَةً وعشيَّةً فهم لم يزالُوا مشاهدينَ لَها نسألُ اللَّه العافيةَ في الدارينِ بجُودِه وكرمِه، ثم عظَّم تعالى قدرَ هولِ ذلكَ اليومِ بقوله:\nوَما أَدْراكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ الآية.","vol":"5","page":561},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1611>تفسير سورة «المطفّفين»</span>\nوهي مكّيّة في قول جماعة وقال ابن عبّاس وغيره: هي مدنية، وعنه: نزل بعضها بمكة ونزل أمر التطفيف بالمدينة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1612>[سورة المطففين (٨٣): الآيات ١ الى ٣]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nوَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣)\nقوله تعالى: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الآية، المُطَفِّفُ الذي يُنْقِصُ الناسَ حُقُوقَهم، والتطفيفُ: النُّقْصَانُ، أصله من الشيء الطفيف، وهو النَّزْرُ، والمطفِّفُ إنما يأخذ بالميزان أو بالمكيال شيئا خفيفا، واكْتالُوا عَلَى النَّاسِ معناه قبضوا منهم، وكالُوهُمْ معناه:\nقبّضوهم، ويُخْسِرُونَ معناه: ينقصون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1613>[سورة المطففين (٨٣): الآيات ٤ الى ٦]</span>\nأَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (٦)\nوقوله سبحانه: أَلا يَظُنُّ بمعنى: يَعْلَمُ ويتحقق، وقال- ص-: أَلا يَظُنُّ ذَكَر أبو البقاء أن «لا» هنا هي النافيةُ دَخَلَتْ عليها همزةُ الاستفهامِ، وليستْ «أَلاَ» التي للتنبيهِ والاستفتاح لأن مَا بَعْدَ «أَلاَ» التنبيهيَّةِ مُثْبَتٌ وهو هنا منفيٌّ، انتهى،، وقيامُ الناس لربِ العالمينَ يومئذٍ، يختلف الناسُ فيه بحَسْبِ منازِلهم، ورُوِيَ أنه يُخَفَّفُ عن المؤمنِ حتى يكونَ على قَدْرِ الصلاةِ المكتوبةِ، وفي هذا القيام هو إلجامُ العَرَقِ للناسِ كما صرَّح به النبي ﷺ في الحديثِ الصحيحِ، والناسُ أيضًا فيه مختلفون بالتخفيفِ والتشديدِ، قال ابنُ المُبَارَك في «رقائِقه»: أَخبرنا سُلَيْمَان التَّيْمِيُّ عن أبي عثمانَ النهدي عن سلمان، قال: تدنى الشمسُ من الناسِ يومَ القيامةِ حتى تكونَ من رُؤوسهم قَابَ قوسٍ أو قابَ قوسَينِ فتُعْطي حرَّ عَشْرَ سنين وليسَ على أحد يومئِذ طِحْرِبة ولا تُرَى فيه عورةُ مؤمِنٍ ولا مؤمنةٍ، ولا يَضّرُّ حرُّها يومئِذٍ مؤمنًا ولا مؤمنَة، وأما الآخرون أو قال الكفارُ فَتَطْبُخُهُمْ، فإنما تقولُ أجوافُهم غَقْ غَقْ، قال نعيم: الطحربةُ: الخِرْقة/ انتهى،، ونحوُ هذا للمحاسبي قال في «كتاب","vol":"5","page":562},{"text":"التوهُّم»: فإذَا وَافَى الموقفُ أهْلَ السمواتِ السبعِ والأرضين السبع كسيت الشمسُ حرَّ عَشْرَ سنينَ، ثم أدْنيتْ من الخلائقِ قَابَ قوسٍ أو قابَ قوسينِ، فَلاَ ظِلَّ في ذلك اليوم إلا ظلُّ عرشِ ربِّ العالمينَ، فكم بينَ مستظلِّ بظل العرشِ وبين واقفٍ لحرِّ الشمسِ قد أصْهَرَتْه واشتدَّ فيهَا كَرْبُه وقلقُه، فتوهَّمْ نفسَك في ذلكَ الموقفِ فإنك لا محالةَ واحدٌ منهم، انتهى، اللَّهُمَّ، عَامِلْنَا بِرَحْمَتِكَ وَفَضْلِكَ في الدَّارَيْنِ، فَإنَّهُ لاَ حَوْلَ لَنَا وَلاَ قُوَّةَ إلاَّ بِكَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1614>[سورة المطففين (٨٣): آية ٧]</span>\nكَلاَّ إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧)\nوقوله تعالى: كَلَّا إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ ... يعني: الكفارَ وكتابُهم يراد به الذي فيه تَحصيلُ أمرهم، وأفعالِهم، ويحتمل عندي أن يكونَ المعنَى وعِدَادُهُمْ وكِتَابُ كونِهم هو في سجينٍ أي: هنالِكَ كُتِبُوا في الأزلِ، واختُلِفَ في سِجِّينٍ ما هو؟ والجمهورُ أن سجينًا بناءُ مبالغة من السَّجْن، قال مجاهد: وذلك في صخرة تحت الأرض السابعة «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1615>[سورة المطففين (٨٣): الآيات ٨ الى ٢٦]</span>\nوَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ (٨) كِتابٌ مَرْقُومٌ (٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (١١) وَما يُكَذِّبُ بِهِ إِلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢)\nإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣) كَلاَّ بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ مَّا كانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ (١٦) ثُمَّ يُقالُ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (١٧)\nكَلاَّ إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨) وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ (١٩) كِتابٌ مَرْقُومٌ (٢٠) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (٢١) إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢)\nعَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ (٢٦)\nوقوله تعالى: وَما أَدْراكَ مَا سِجِّينٌ تعظيمٌ لأمر هذا السِّجِّينِ وتعجيبٌ منه، ويحتملُ أنْ يكونَ تقريرَ اسْتِفْهامٍ، أي: هذا مما لم تكن تعلمه قبل الوحي، وكِتابٌ مَرْقُومٌ على القول الأولِ: مرتفعٌ على خبر «إنَّ» وعلى القولِ الثاني مرتفعٌ على أنه خبرُ مبتدإٍ محذوف تقديرُه: هو كتاب مرقوم، ويكون هذا الكلامُ مفسِّرًا ل سِجِّينٌ ما هو؟، ومَرْقُومٌ معناه: مكتوبٌ لهم بِشَرٍّ، وباقي الآية بَيِّنٌ، ثم أوجَبَ أنَّ مَا كَسَبُوا من الكفرِ والعُتُو قَدْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ أي: غطى عليها فهُمْ مع ذلك لا يُبْصِرُون رشدًا، يقال:\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٢/ ٤٨٦) (٣٦٦٠٠)، وذكره البغوي (٤/ ٤٥٨)، وابن عطية (٥/ ٤٥١)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٥٣٨)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن المنذر عن مجاهد ﵁ بنحوه. [.....]","vol":"5","page":563},{"text":"رَانَتِ الخمرُ على قلبِ شاربِها، ورَانَ الغَشْيُ على قلبِ المريضِ، وكذلك الموتُ، / قال الحسنُ وقتادة: الرّينُ الذَّنبُ على الذنبِ حتى يموتَ القلب «١»، وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: «إنَّ الرجُلَ إذا أذْنَبَ نُكِتَتْ نكتةٌ سَوْدَاءُ في قلبهِ، ثم كذلك حتَّى يَتَغطَّى فَذَلِكَ الرَّانُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ تعالى: كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ مَّا كانُوا يَكْسِبُونَ، قال الفخرُ «٢»: قال أبو معاذ النَّحْوي: الرّينُ سَوَادُ القلبِ من الذنوبِ، والطَّبْعُ أن يُطْبَعَ على القلبِ، وهو أشَدُّ من الرينِ، والإقْفَالُ أشدُّ من الطبعِ وهو أن يُقْفَلَ على القلبِ، انتهى، والضميرُ في قوله تعالى: إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ للكفارِ أي: هم محجوبونَ لا يَرَوْنَ ربَّهم، قال الشافعي: لما حَجَبَ اللَّهُ قومًا بالسَّخْطِ دَلَّ عَلى أن قومًا يرَوْنَهُ بالرِّضَى، قال المحاسبي﵀- في كتابِ «توبيخ النفس»: وينبغِي للعبدِ المؤمنِ إذا رأى القسوةَ من قلبه أن يعلم أنها من الرّينِ في قلبه فيخافُ أن يكونَ اللَّهُ تعالى لمَّا حَجَبَ قلبَه عنه بالرّينِ والقسوةِ أنْ يحجبَه غَدًا عن النظرِ إليه قال تعالى: كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ مَّا كانُوا يَكْسِبُونَ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ إحداهُما تتلو الأخرى ليس بينهما معنًى ثالثٌ، فإنْ اعترضَ للمريدِ خَاطِرٌ من الشيطانِ ليقْتَطِعَه عن الخوفِ من اللَّه تعالى، حتى تحلَّ بهِ هاتانِ العقوبتانِ فَقَال إنما نَزَلَتَا في الكافرينَ فليقلْ فإنَّ اللَّهَ لم يؤَمِّنْ منهما كثيرًا مِنَ المؤمنينَ، وقد حذَّر سبحانَه المؤمنينَ أن يُعَاقِبَهُم بما يُعَاقِبُ به الكافرين فقال تعالى:\nوَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ [آل عمران: ١٣١] إلى غير ذلكَ من الآيات، انتهى، ولما ذَكَرَ اللَّهُ تعالى أمْرَ كتابِ الفجار، عَقَّبَ ذلكَ بذِكْرِ كِتَابِ ضدِّهِم ليبيِّنَ الفرقَ بين الصِّنْفَيْنِ، واخْتُلِفَ في المَوضِع المعروفِ ب عِلِّيِّينَ ما هو؟ فقال ابن عباس: السَّمَاءُ السَّابعَةُ تَحْتَ العَرْشِ «٣»، وَروي ذَلِكَ عن النبي ﷺ «٤»، وقال الضحاكُ: هو سِدْرَةُ المُنْتَهَى «٥»، وقال ابن عبّاس أيضا: عليون: الجنة «٦» .\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٢/ ٤٩٠) (٣٦٦٢٧) عن الحسن، وعن قتادة برقم: (٣٦٦٤٠)، وذكره البغوي (٤/ ٤٦٠)، وابن عطية (٥/ ٤٥٢)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٤٨٥)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٥٤٠)، وعزاه لعبد بن حميد.\n(٢) ينظر: «الفخر الرازي» (٣١/ ٨٦) .\n(٣) أخرجه الطبري (١٢/ ٤٩٣) عن ابن عبّاس وعن كعب برقم: (٣٦٦٥٧)، و(٣٦٦٤٩)، وذكره البغوي (٤/ ٤٦٠)، وابن عطية (٥/ ٤٥٢)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٤٨٦) بنحوه.\n(٤) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٤٥٢) .\n(٥) أخرجه الطبري (١٢/ ٤٩٤)، (٣٦٦٥٩)، وذكره البغوي (٤/ ٤٦٠)، وابن عطية (٥/ ٤٥٢)، والسيوطي في «الدر المنثور»، وعزاه لعبد بن حميد من طريق الأجلح عن الضحاك ﵁.\n(٦) أخرجه الطبري (١٢/ ٤٩٤)، (٣٦٦٥٨)، وذكره البغوي (٤/ ٤٦٠)، وابن عطية (٥/ ٤٥٢)، وابن كثير-","vol":"5","page":564},{"text":"وقوله تعالى: يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ يعني الملائِكة قاله ابن عبّاس وغيره «١»، ويَنْظُرُونَ معناه إلى ما عندَهم مِن النعيم، والنَّضْرةُ: النعمة والرونق، والرحيق: الخمر الصافية، ومَخْتُومٍ يحتملُ أنَّه يُخْتَمُ على كؤوسه التي يشْرَبُ بها تَهَمُّمًا وتنظفًا، والظاهر أنه مختُوم شربُه بالرائحةِ المِسْكِيةِ حَسْبَمَا فسَّره قوله: خِتامُهُ مِسْكٌ قال ابن عباس وغيره: خاتمة شربه مسك «٢»، [وقرأ الكسائي «٣»: «خَاتَمُهُ مِسْكٌ»]، ثم حرَّضَ تعالى على الجنةِ بقوله: وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1616>[سورة المطففين (٨٣): الآيات ٢٧ الى ٢٨]</span>\nوَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (٢٨)\nوقوله تعالى: وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ المِزَاجُ: الخلطُ، قال ابن عباس وغيره:\nتَسْنِيمٍ: أشْرَفُ شرابٍ في الجنةِ، وهو اسْمٌ مذكرٌ لِمَاءِ عينٍ في الجنةِ، وهي عين يشرب بها المقربون صرفًا ويُمْزَجُ رحيقُ الأبرارِ بها «٤» وهذا المعنى في «صحيح البخاري»، وقال مجاهد ما معناه: أن تسنيمًا مصدَرُ من سَنَّمْتُ: إذَا عَلَوْتُ، ومنه السَّنَامُ، فكأنه عينٌ قَدْ عَلِيَتْ على أهل الجنةِ فهي تَنْحَدِر، وقاله مقاتل «٥»، وجمهور المتأولينَ أنَّ منزلةَ الأبرار دونَ منزلة المقربينَ، وأن الأبرارَ هم أصحابُ اليمين، وأن المقربينَ هم السابقون.\nوقوله: يَشْرَبُ بِهَا بمعنى يْشَرَبُها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1617>[سورة المطففين (٨٣): الآيات ٢٩ الى ٣٤]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ (٣٠) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١) وَإِذا رَأَوْهُمْ قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ (٣٢) وَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ (٣٣)\nفَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤)\n_________\n- في «تفسيره» (٤/ ٤٨٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٥٤١)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن المنذر عن ابن عبّاس.\n(١) أخرجه الطبري (١٢/ ٤٩٥)، (٣٦٦٦٣) عن قتادة، وذكره ابن عطية (٥/ ٤٥٣) .\n(٢) أخرجه الطبري (١٢/ ٤٩٨)، (٣٦٦٨٣)، وذكره البغوي (٤/ ٤١٦)، وابن عطية (٥/ ٤٥٣)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٤٨٦) .\n(٣) ينظر: «الحجة» (٦/ ٣٨٦)، و«إعراب القراءات» (٢/ ٤٥١)، و«معاني القراءات» (٣/ ١٣١)، و«شرح الطيبة» (٦/ ١٠٤)، و«العنوان» (٢٠٥)، و«حجة القراءات» (٧٥٤)، و«إتحاف» (٢/ ٥٩٧) .\n(٤) أخرجه الطبري (١٢/ ٥٠٠)، (٣٦٧٠٠)، وعن أبي صالح برقم: (٣٦٧٠٣)، وذكره البغوي (٤/ ٤٦٢)، وابن عطية (٥/ ٤٥٣)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٤٨٧)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٥٤٤)، وعزاه لعبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي عن ابن عبّاس بنحوه.\n(٥) أخرجه الطبري (١٢/ ٤٩٩)، (٣٦٦٩١) عن مجاهد، وابن عطية (٥/ ٤٥٣) .","vol":"5","page":565},{"text":"وقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا يعني في الدنيا، يَضْحَكُونَ من المؤمنينَ، رُوِيَ أن هذه الآيةَ نَزَلَتْ في صناديدِ قريشٍ وضَعَفَةِ المؤمنين، والضميرُ في مَرُّوا\nللمؤمنينَ ويحتملُ أن يكونَ للكفارِ، وأما ضميرُ يَتَغامَزُونَ\nفهو للكفارِ لا يحتمل غير ذلك، وفَكِهِينَ أي: أصحابُ فُكَاهَةِ/ وَنَشَاطٍ وسرورٍ باسْتِخْفَافِهم بالمؤمنين، وأما الضميرُ في رَأَوْهُمْ وفي قالُوا فقال الطبريُّ «١» وغيره: هو للكفارِ، وقال بعضُهم: بل المعنى بالعَكْسِ، وإنمَا المعْنَى وإذا رأى المؤمنونَ الكفَّارَ قالوا: إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ، وما أُرْسِلَ المؤمِنونَ حافِظِينَ على الكفَّارِ، وهذا كلَّه مَنْسُوخٌ على هذا التأويل، ت: والأول أظهر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1618>[سورة المطففين (٨٣): الآيات ٣٥ الى ٣٦]</span>\nعَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦)\nوقوله تعالى: عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ أي: إلى أعدائهم في النار، قال كعب: لأهل الجنةِ كُوًى ينظرون منها «٢»، وقال غيره: بينهم جِسْمٌ عظيم شَفَّافٌ يرونَ معه حالَهم، ت: قال الهرويُّ: قوله تعالى: عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ، قال أحمد بن يحيى:\nالأريكَةُ: السريرُ في الحَجَلَةِ ولا يسمى مِنْفَرِدًا أريكةً، وسمعتُ الأزهريَّ يقولُ: كل ما اتّكئ عليه فهو أريكةٌ، انتهى، هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كانُوا يَفْعَلُونَ أي: جزاءَ ما كانوا يفعلون، وهَلْ ثُوِّبَ تقرير وتوقيف للنبي ﷺ وأمّته.\n_________\n(١) ينظر: «تفسير الطبري» (١٢/ ٥٠٢) .\n(٢) أخرجه الطبري (١٢/ ٥٠٢)، (٣٦٧١١)، وذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ٤٦٢)، وابن عطية (٥/ ٤٥٤)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٥٤٥)، وعزاه لعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر عن قتادة عن كعب. [.....]","vol":"5","page":566},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1619>تفسير سورة «الانشقاق»</span>\nوهي مكّيّة بلا خلاف\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1620>[سورة الانشقاق (٨٤): الآيات ١ الى ٥]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nإِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ مَا فِيها وَتَخَلَّتْ (٤)\nوَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ (٥)\nقوله تعالى: إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ الآية، هذه أوْصافُ يوم القيامةِ وأَذِنَتْ معناه:\nاسْتَمَعَتْ وسَمِعَتْ أمر ربّها ومنه قوله ﷺ: «ما أذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ أَذَنَهُ لِنَبِيٍّ يَتَغَنَّى بالقرآن»، وحُقَّتْ «١» قال ابن عباس: معناه: وحُقَّ لها أنْ تَسْمَع وتطيع «٢»، ويحتملُ أن يريدَ: وحُقَّ لها أن تنشقَ لشدةِ الهولِ وخوفِ اللَّه تعالى، ومدُّ الأرْضِ هي إزالةُ جبالِها حتى لا يبقى فيها عوجٌ ولا أمْتٌ، وفي الحديث: «تمدّ مدّ الأديم»، وأَلْقَتْ مَا فِيها يعني: من/ الموتَى قاله الجمهورُ. وخَرَّج الختلي أبو القاسمِ إسحاقُ بن إبراهيم في كتاب «الدّيباج» له بسندهِ عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ في قوله﷿-: إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ قال: فقال رسول الله ﷺ: «أَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقَّ عَنْهُ الأَرْضُ فَأَجْلِسُ جَالِسًا في قَبْرِي، فَيُقْتَحُ لِي بَابٌ إلَى السَّمَاءِ بِحِيَالِ رَأْسِي حتى أَنْظُرَ إلَى العَرْشِ، ثُمَّ يُفْتَحُ لي بَابٌ مِنْ تَحْتِي حتى أَنْظُرَ إلَى الأَرْضِ السَّابِعَةِ حتى أَنْظُرَ إلى الثرى، ثُمَّ يُفْتَحُ لي بَابٌ عَنْ يَمِينِي حتى أَنْظُرَ إلَى الجَنَّةِ وَمَنَازِلِ أَصْحَابِي، وَإنَّ الأَرْضَ تَحَرَّكَتْ تَحْتِي فَقُلْتُ: مَا لَكِ أَيَّتُهَا الأَرْضُ؟ قَالَتْ: إنَّ رَبِّي أَمَرَنِي أَنْ أُلْقِيَ مَا في جَوْفِي، وأنْ أَتَخَلَّى فَأَكُونَ كَمَا كُنْتُ إذْ لاَ شَيْءَ فِيَّ، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّه﷿-: وَأَلْقَتْ مَا فِيها وَتَخَلَّتْ، وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ أي: سَمِعَتْ وَأَطَاعَتْ، وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَسْمَعَ وَتُطِيعَ» «٣»، الحديثَ، انتهى من «التذكرة» «٤»، وتَخَلَّتْ معناه خَلَّتْ عَمَّا كَانَ فيها لَمْ تَتَمَسَّكْ منهم بشيء.\n_________\n(١) تقدم تخريجه.\n(٢) ذكره ابن عطية (٥/ ٤٥٦) .\n(٣) ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٥٤٧)، وعزاه إلى أبي القاسم الختلي في «الديباج» .\n(٤) ينظر: «التذكرة» (١/ ٢٥١) .","vol":"5","page":567},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1621>[سورة الانشقاق (٨٤): الآيات ٦ الى ١٢]</span>\nيا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ (٦) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (٩) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ (١٠)\nفَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُورًا (١١) وَيَصْلى سَعِيرًا (١٢)\nيا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ ... الآية، الكادحُ: العاملُ بشدّةٍ واجتهادٍ، والمعنى:\nإنَّك عامل خيرًا أو شرًا، وأنتَ لا محالةَ ملاقِيه، أي: فكنْ على حَذَرٍ من هذهِ الحالِ، واعملْ صالحًا تَجِدْه، وأما الضمير في فَمُلاقِيهِ فقال الجمهور: هو عائدٌ على الربّ تعالى، وقال بعضُهم: هو عائدٌ على الكَدْحِ ت: وهو ظاهرُ الآيةِ، والمعْنَى ملاقٍ جزاءَه، والحسابُ اليسيرُ: هو العَرْضُ ومن نُوقِشَ الحسابَ هَلَكَ كذا في الحديث الصحيح، وعن عائشةَ: هو أن يعرفَ ذنوبَه ثم يُتَجَاوَزَ عنْه، ونحوُه في الصحيح عن ابن عمر، انتهى، وفي الحديث/ عن عائشةَ قالتْ: سمعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ في بَعْضِ صَلاَتِهِ: «اللَّهُمَّ حَاسِبْنِي حِسَابًا يَسِيرًا، فَلَمَّا انصرف قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الْحِسَابُ اليَسِيرُ؟ قال: أَنْ يَنْظُرَ في كِتَابِهِ وَيَتَجَاوَزَ عَنْهُ إنَّهُ مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ- يَا عَائِشَةُ- يَوْمَئِذٍ هَلَكَ، وَكُلُّ مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ يُكَفِّرُ اللَّهُ عَنْهُ حَتَّى الشَّوْكَةَ تَشُوكُهُ» «١»، قال صاحب «السلاح»: رواه الحاكم في «المستَدْرَكِ»، وقال: صحيحٌ على شَرْطِ مُسْلِمٍ، انتهى، ورَوَى ابن عمر أن النبيّ ﷺ قال: «مَنْ حَاسَبَ نَفْسَهُ في الدُّنْيَا، هَوَّنَ اللَّهُ عَلَيْهِ حِسَابَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ» قال عزُّ الدينِ بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ في اختصاره ل «رعاية المحاسبي»: أجمع العلماءُ على وجوبِ محاسَبَةِ النفسِ فيما سَلَفَ من الأعمال وفيما يُسْتَقْبَلُ منها، «فالْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بعد الموت، والعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وتمنى عَلَى اللَّهِ»، انتهى.\nوَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ أي: الذين أعدَّهمُ اللَّه لهُ في الجنةِ، وأما الكافر فرُوِيَ أنَّ يَدَه تدخُلُ من صَدْرِه حتَّى تَخْرُجَ من وراءِ ظهرِه فيأخذَ كتابه بها.\nويَدْعُوا ثُبُورًا معناه: يصيحُ مُنْتَحِبًا: وا ثبوراه وا حزناه، ونحو هذا، والثبور اسم جامع للمكاره، كالويل.\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٦/ ٤٨)، وابن خزيمة (٢/ ٣٠)، جماع أبواب الكلام المباح في الصلاة والدعاء والذكر، ومسألة الرب ﷿- وما يضاهي هذا ويقاربه: باب مسألة الرب جل وعلا- في الصلاة محاسبة يسيرة، إذ المحاسبة بجميع ذنوبه والمناقشة به تهلك صاحبها (٨٤٩)، والحاكم (١/ ٥٧- ٢٥٥)، (٤/ ٢٤٩، ٥٨٠) .\nقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه بهذا اللفظ، إنما اتفقا على حديث أبي مليكة، ومن نوقش الحساب عذب، ووافقه الذهبي.","vol":"5","page":568},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1622>[سورة الانشقاق (٨٤): الآيات ١٣ الى ١٥]</span>\nإِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا (١٣) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (١٤) بَلى إِنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا (١٥)\nوقوله تعالى: إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ يريدُ في الدنيا، مَسْرُورًا أي: تَمَلَّكَهُ ذلكَ لاَ يدرِي إلا السرورَ بأهلهِ دونَ معرفةِ ربه.\nوقوله تعالى: إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ معناه: أن لن يرجِعَ إلى اللَّه مبعوثًا محشُورًا، قال ابن عباس: لم أعلم ما معنى يَحُورَ حتى سَمِعْتُ امرأة أَعْرَابِيَّةً تَقُولُ لِبُنَيَّةٍ لَهَا:\nحُورِي أي: ارجعي «١»، - ص-: بَلى إيجابٌ بَعْدَ النفي، أي: بلى لَيَحُورَنَّ أي:\nليرجعنّ، انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1623>[سورة الانشقاق (٨٤): الآيات ١٦ الى ٢٥]</span>\nفَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (١٦) وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ (١٧) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (١٨) لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩) فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٢٠)\nوَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ (٢١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (٢٢) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُوعُونَ (٢٣) فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٢٤) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٢٥)\nوقوله تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ «لا» / زائِدةٌ وقيل: «لا» ردّ على أقوال الكفار، وبِالشَّفَقِ الحُمْرَةُ التي تَعْقُبُ غَيْبُوبَةَ الشمسِ مع البياضِ التابع لها في الأغلب، ووَسَقَ معناه: جُمِعَ وَضُمَّ ومنه الوَسْقُ أي: الأَصْوُعُ المجموعةُ، والليل يَسِق الحيوانَ جملة أي:\nيجمَعَها وَيَضُمُّها، وكذلك جميعُ المخلوقاتِ التي في الأرض والهواء من البحار والجبال والرياح وغير ذلك، واتساقُ القمر كمالُه وتمامُه بدرًا، والمعنى امتلأَ من النور، وقرأ نافع وأبو عَمْرٍو وابن عامر: «لَتَرْكَبُنَّ» - بضم الباءِ «٢» - والمعنى: لتركبُنَّ الشدائِدَ: الموتَ والبعثَ والحسابَ حالًا بعد حالٍ، و«عن» تجيءُ بمعنى «بعد» كما يقال: ورثَ المجدَ كَابِرًا عن كابرٍ، وقيلَ: غير هذا، وقرأ حمزة والكسائي وابن كثير: «لَتَرْكَبَنَّ» «٣» - بفَتْحِ الباءِ- على معنى أنتَ يا محمد، فقيلَ: المعنى حالًا بعد حالٍ من معالَجةِ الكفارِ، وقال ابن عبّاس:\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٢/ ٥٠٩) (٣٦٧٤٦)، وذكره ابن عطية (٥/ ٤٥٨)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٤٨٩)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٥٤٨)، وعزاه لابن أبي حاتم من طريق الضحاك عن ابن عبّاس بنحوه.\n(٢) وقرأ بها عاصم.\nينظر: «السبعة» (٦٧٧)، و«الحجة» (٦/ ٣٩١)، و«إعراب القراءات» (٢/ ٤٥٥)، و«معاني القراءات» (٣/ ١٣٤)، و«شرح الطيبة» (٣/ ١٠٥)، و«العنوان» (٢٠٥)، و«حجة القراءات» (٧٥٦)، و«شرح شعلة» (٦٢١)، و«إتحاف» (٢/ ٦٠٠) .\n(٣) ينظر: مصادر القراءة السابقة.","vol":"5","page":569},{"text":"سماءً بعد سماءٍ في الإسراء «١»، وقيل: هي عِدَةٌ بالنَّصْرِ أي لتركبَنَّ أمْرَ العربِ قَبِيلًا بعد قَبِيل كما كان، وفي البخاري عن ابن عبَّاس: لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ حَالًا بعد حال هكذا قال نبيّكم ﷺ «٢»، انتهى، ثم قال تعالى: فَما لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ، أي: ما حجتُهم مع هذهِ البراهين الساطعة، ويُوعُونَ معناه: يَجْمَعُونَ من الأعمالِ والتكذيبِ كأنهم يجعلونَها أوعية، تقول وعيت العلم، وأوعيت المتاع، ومَمْنُونٍ معناه: مقطوع.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٢/ ٥١٥) عن الحسن، وأبي العالية، برقم: (٣٦٨٠٧)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٥٤٩)، وعزاه للطيالسي، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، والطبراني عن ابن عبّاس بنحوه.\n(٢) أخرجه الطبراني (١١/ ١٠١)، (١١١٧٣) .","vol":"5","page":570},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1624>تفسير سورة «البروج»</span>\nوهي مكّيّة بإجماع\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1625>[سورة البروج (٨٥): الآيات ١ الى ٣]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nوَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ (١) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢) وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (٣)\nالجمهور: أنّ «البروج» هي المنازلُ التي عَرَفَتْهَا العربُ، وقد تقدم الكلامُ عليها، وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ: هو يومُ القِيَامَةِ باتفاق كما جاء في الحديث، وإنما اختلفَ الناسُ في الشاهِد والمشهودِ اختلافًا كثيرًا، فقال ابن عباس: الشاهدُ: اللَّهُ/ والمشهودُ: يومُ القيامة «١»، وقال الترمذيُّ: الشاهدُ: الملائكةُ الحفظةُ، والمشهود [أي] عليه: الناسُ، وقال أبو هريرةَ عن النبي ﷺ: الشاهدُ يوم الجمعةِ، والمشهودُ يومُ عرفة، ت: ولو صحّ لوجب الوقوف عنده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1626>[سورة البروج (٨٥): الآيات ٤ الى ٩]</span>\nقُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ (٥) إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ (٦) وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٧) وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨)\nالَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٩)\nوقوله تعالى: قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ معناه فَعَلَ اللَّه بهم ذلكَ لأنَّهم أهل له فهو على جهة الدعاءِ بحسَبِ البشر، لا أنّ اللَّه يدعُو على أَحَدٍ، وقيل عن ابن عباس: معناه لُعِنَ وهذا تفسيرٌ بالمعنى، وقال الثعلبي: قال ابن عباس: كل شيء في القُرآن قُتِلَ فهو:\nلَعْن، انتهى «٢»، وقيلَ: هو إخبار بأنّ النار قتلتهم قاله ابن الربيع بن أنس «٣»، - ص-:\nوجوابُ القَسَمِ محذوفٌ أي: والسماءِ ذاتِ البروجِ لَتُبْعَثُنَّ، وقال المبردُ: الجوابُ: إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ، وقيل الجوابُ: قُتِلَ واللامُ محذوفةٌ أي: لَقُتِلَ، وإذا كانَ قُتِلَ\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٢/ ٥٢٢)، (٣٦٨٦٤)، وذكره البغوي (٤/ ٤٦٧)، وابن عطية (٥/ ٤٦٠)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٥٥٣)، وعزاه لابن جرير.\n(٢) ذكره ابن عطية (٥/ ٤٦١) .\n(٣) ذكره ابن عطية (٥/ ٤٦١) .","vol":"5","page":571},{"text":"هو الجوابُ فهو خَبَرٌ انتهى، وصَاحِبُ الأخدودِ: مذكورٌ في السِّيَرِ وغيرِها وحديثُه في مُسْلِمٍ مُطَوَّلٌ وهو مَلكٌ دَعَا المؤمنينَ باللَّهِ إلى الرجوعِ عن دينِهم إلى دينهِ، وخَدَّ لَهُمْ في الأرْضِ أخَادِيدَ طويلةً وأضْرَمَ لهم نارًا وجَعَلَ يَطْرَحُ فيها من لم يرجعْ عن دينه حتى جاءت امرأة معها صبيٌّ فَتَقَاعَسَتْ فقال لها الطفل: يا أُمَّهْ اصْبِرِي فِإنَّكِ عَلى الحق، فاقْتَحَمَتِ النارَ.\nوقوله: النَّارِ بدلٌ من الأخدودِ وهو بدلُ اشتمالٍ، قال ع «١»: وقال الربيع بن أنس وأبو إسحاق وأبو العالية: بعثَ اللَّهُ على أولئك المؤمنين ريحا فقبضت أرواحهم أبو نحوَ هذا، وخَرَجَتِ النارُ فأحْرَقَتِ الكافرينَ الذينَ كانُوا على حَافَّتَيِ الأخْدُودِ وعلى هذا يجيءُ قُتِلَ خبرا لا دعاء «٢» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1627>[سورة البروج (٨٥): الآيات ١٠ الى ١٢]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ (١٠) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ (١١) إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢)\nوقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ... الآية، فَتَنُوهُمْ، أي:\nأحرقوهم، ت: قال الهروي: قولُه تعالى: فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ أي: لهم/ عذابٌ لكفرِهم وعذابٌ بِإحْرَاقِهم المؤمنينَ، انتهى، قال ع «٣»:\nومَنْ قَال: إنَّ هذه الآياتِ الأواخِرَ في قريشٍ جَعلَ الفِتنةَ الامتحانَ والتعذيبَ، ويقوِّي هذا التأويلَ بعضَ التقويةِ قولُه تعالى: ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا، لأنَّ هذا اللفظُ في قريشٍ أشْبَهُ منه في أولئك، والبطش: الأخذ بقوة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1628>[سورة البروج (٨٥): الآيات ١٣ الى ٢٢]</span>\nإِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (١٣) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ (١٦) هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (١٧)\nفِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (١٨) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (١٩) وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ (٢٠) بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (٢٢)\nوقوله: إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ قال الضحاك وابن زيد: معناه: يُبْدِىءُ الخلقَ بالإنْشَاءِ، ويُعيدُهم بالحَشْرِ «٤»، وقال ابن عباس ما معناه: إنَّ ذلكَ عامُّ في جميع الأشياء،\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٤٦٢) . [.....]\n(٢) أخرجه الطبري (١٢/ ٥٢٥)، (٣٦٨٧٥) عن الربيع بن أنس، وذكره البغوي (٤/ ٤٧٠)، وابن عطية (٥/ ٤٦٢)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٤٩٦) .\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٤٦٢) .\n(٤) أخرجه الطبري (١٢/ ٥٢٨) عن الضحاك، برقم: (٣٦٨٨٥)، وعن ابن زيد برقم: (٣٦٨٨٦)، وذكره ابن عطية (٥/ ٤٦٢) .","vol":"5","page":572},{"text":"فهي عبارةٌ على أنَّه يفعلُ كلَّ شيءٍ، أي: يُبْدِىءُ كل ما يُبْدَأُ ويُعِيدُ كلَّ مَا يُعَادُ، وهذانِ قسمانِ يستوفيانِ جميعَ الأشياءِ «١»، والْجُنُودِ الجموع، وفِرْعَوْنَ وَثَمُودَ في موضعِ خفضٍ على البدلِ من الجنودِ، ثم تركَ القولَ بحالِهِ، وأضْرَبَ عنه إلى الإخبارِ بأن هؤلاء الكفارَ بمحمدٍ وشرعِه لا حجةَ لهم ولا برهانَ بلْ هُو تكذيبٌ مُجرَّدٌ سببُه الحسَدُ، ثم تَوَعَّدَهم سبحانَه بقوله: وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ أي: عذابُ اللَّهِ ونقمتُه مِن ورائهم، أي: يأتي بَعْدَ كفرِهم وعِصْيانهم، وقَرأ الجمهورُ: «في لوح محفوظٍ» بالخفضِ صفةً ل «لوح» وقرأ نافعٌ «٢»: «محفوظٌ» بالرفعِ، أي: محفوظ في القلوبِ لاَ يدركُه الخطأ والتبديل.\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٥/ ٤٦٢) .\n(٢) ينظر: «السبعة» (٦٧٨)، و«الحجة» (٦/ ٣٩٦)، و«إعراب القراءات» (٢/ ٤٥٨)، و«معاني القراءات» (٣/ ١٣٦)، و«شرح الطيبة» (٦/ ١٠٦)، و«العنوان» (٢٠٦)، و«حجة القراءات» (٧٥٧)، و«شرح شعلة» (٦٢١)، و«إتحاف» (٢/ ٦٠١) .","vol":"5","page":573},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1629>تفسير سورة «والطّارق»</span>\nوهي مكّيّة بلا خلاف\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1630>[سورة الطارق (٨٦): الآيات ١ الى ٤]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nوَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ (١) وَما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ (٢) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (٣) إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ (٤)\nأقسم اللَّهُ تعالى بالسماءِ المعروفةِ في قول الجمهور، وقِيل: السماءُ هنا هو المطرُ، وَالطَّارِقِ: الذي يأتي ليلًا، ثم فسَّر تعالى هذا الطارقَ بأنَّه: النَّجْمُ الثَّاقِبُ واخْتُلِفَ في النَّجْمُ الثَّاقِبُ فقال الحسنُ/ بن أبي الحسن ما معناه أنه اسمُ جنسٍ لأنها كلَّها ثاقِبة، أي: ظاهرة الضوء، يقال: ثَقُبَ النجمُ إذا أضاء «١»، وقال ابن زيد: أرادَ نَجمًا مخصوصًا وهو زُحَلُ «٢»، وقال ابن عباس: أراد الجَدْيَ «٣»، وقال ابن زيد أيضًا: هو الثُّرَيّا «٤»، وجَوابُ القسم في قوله: إِنْ كُلُّ نَفْسٍ ... الآية، و«إنْ» هي المخففةُ من الثقيلةِ، واللامُ في «لَمَّا» لامُ التأكيدِ الداخلةِ على الخبرِ هذا مذهبُ حُذَّاقِ البصريين، وقال الكوفيون «إنْ» بمعنى «ما» النافيةِ، واللامُ بمعنى «إلا» فالتقديرُ: ما كلُّ نفسٍ إلا عليها حافظٌ، ومعنى الآيةِ فيما قال قتادة وغيره: إنَّ على كل نفسٍ مكلَّفَةٍ حافظًا يُحْصِي أعمالَها ويُعِدُّهَا للجزاءِ عليها «٥»، وقال أبو أمامة قال النبي ﷺ في تفسير هذه الآية: «إنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ حَفَظَةً مِنَ اللَّهِ يَذُبُّونَ عَنْهَا كَمَا يُذَبُّ عَنْ قَصْعَةِ العَسَلِ الذُّبَابُ، وَلَوْ وُكِلَ المَرْءُ إلى نفسه طرفة عين لاختطفته الشياطين» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1631>[سورة الطارق (٨٦): الآيات ٥ الى ٧]</span>\nفَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ (٧)\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٥/ ٤٦٤) .\n(٢) أخرجه الطبري (١٢/ ٥٣٣)، (٣٦٩٠٦)، وذكره ابن عطية (٥/ ٤٦٤) .\n(٣) ذكره ابن عطية (٥/ ٤٦٤) .\n(٤) أخرجه الطبري (١٢/ ٥٣٣)، (٣٦٩٠٦)، وذكره البغوي (٤/ ٤٧٣)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٥٦٠)، وعزاه لابن جرير.\n(٥) أخرجه الطبري (١٢/ ٥٣٤)، (٣٦٩١٠)، وذكره ابن عطية (٥/ ٤٦٥)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٥٦٠)، وعزاه لعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر عن قتادة بنحوه.","vol":"5","page":574},{"text":"وقوله تعالى: فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ توقيفٌ لمنكرِي البعثِ على أصلِ الخِلْقَةِ الدالِّ على أن البعثَ جائزٌ ممكن، ثم بادَرَ اللفظَ إلى الجوابِ اقْتِضَابًا وإسْراعًا إلى إقامَةِ الحجة، فقال: خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ قال الحسن وغيره: معناه: من بينِ صلبِ كلِّ واحدٍ من الرجلِ والمرأةِ، وترائِبِه «١»، وقال جماعةُ: من بينِ صلبِ الرجل وترائب المرأةِ [والتَرِيبَةُ من الإنسان: ما بين التَّرْقُوةِ إلى الثدي، قال أبو عبيدة مُعَلَّقُ الحَلْيِ إلى الصَّدْرِ، وقيل غير هذا «٢» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1632>[سورة الطارق (٨٦): الآيات ٨ الى ١٧]</span>\nإِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ (٨) يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ (٩) فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا ناصِرٍ (١٠) وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ (١١) وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ (١٢)\nإِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (١٣) وَما هُوَ بِالْهَزْلِ (١٤) إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا (١٦) فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (١٧)\nوقوله تعالى: إِنَّهُ] «٣» عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ قال ابن عباس وقتادة: المعنى أن اللَّهَ عَلى ردِّ الإنسانِ حيًّا بعد موتهِ لقادرٌ «٤»، وهذا أظهر الأقوال هنا وأبينها، ودافِقٍ قال كثير من المفسرين: هو بمعنى مَدْفُوقٍ، والعاملُ في يَوْمَ الرَّجْع من قولهِ: عَلى رَجْعِهِ.\nوتُبْلَى السَّرائِرُ معناه تُخْتَبَرُ وتكشَفُ بواطنُها، ورَوَى أبو الدرداء عن النبي ﷺ: أن/ السرائرَ التي يَبْتَلِيهَا اللَّه من العباد: التوحيدُ، والصلاةُ، والزكاةُ، والغُسْلُ من الجنَابةِ، قال ع «٥»: وهذهِ معظَمُ الأمرِ، وقال قتادة: الوجهُ في الآيةِ العمومُ في جميعِ السرائرِ»\n، ونَقَلَ ابنُ العربي في «أحكامِه» عن ابن مسعود: أنَّ هذه المذكوراتِ [مِنَ] الصلاةِ والزكاةِ والوضوءِ والوديعةِ كلَّها أمَانَةٌ، قال: وأَشَدُّ ذلكَ الوديعةُ تَمْثُلُ له، أي: لمن خَانَها على هيئَتِها يوم أخَذَها فَتُرْمَى في قَعْر جهنمَ، فيقالُ له: أخْرِجْها، فيتبعُها فيجعلُها في عنقهِ فإذا أراد أن يخرجَ بهَا زَلَّتْ منه فيتبعُها فهو كذلكَ دَهْرَ الداهرينَ، انتهى، ت: قال أبو عبيد الهروي: قوله تعالى: يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ الواحدةُ سَرِيرَةٌ وهي الأعمالُ التي أسرَّهَا\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٥/ ٤٦٥) .\n(٢) ذكره ابن عطية (٥/ ٤٦٥) .\n(٣) سقط في: د.\n(٤) أخرجه الطبري (١٢/ ٥٣٧)، (٣٦٩٣٧) عن قتادة، وذكره البغوي (٤/ ٤٧٣)، وابن عطية (٥/ ٤٦٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٥٦١)، وعزاه لعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر عن قتادة بنحوه. [.....]\n(٥) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٤٦٦) .\n(٦) ذكره ابن عطية (٥/ ٤٦٦) .","vol":"5","page":575},{"text":"العباد، انتهى، والرَّجْعِ المطرُ وماؤُه، وقال ابن عباس: الرجعُ: السحابُ فيه المطرُ «١»، قال الحسنُ: لأنه يَرْجِعُ بالرزقِ كلَّ عامٍ «٢»، وقال غيرُه: لأنه يرجع إلى الأرض، والصَّدْعِ النباتُ لأن الأرضَ تَتَصَدَّعُ عنْه، والضمير في إِنَّهُ للقرآن، وفَصْلٌ معناه: جزم فصل الحقائق من الأباطيل، والهزل اللعِبُ الباطلُ، ثم أخبر تعالى عن قريش أنهم يكيدون في أفعالهم وأقوالهم بالنبي ع، وأَكِيدُ كَيْدًا وهذا على مَا مَرَّ من تسمية العقوبة باسم الذنب، ورُوَيْدًا معناه: قليلًا قاله قتادة «٣»، وهذهِ حالُ هذهِ اللفظة إذا تقدمَها شيءٌ تَصِفُه كقولك: سيرًا رويدًا، أو تقدمَها فعل يَعْملُ فيها كهذهِ، وأما إذا ابتدأتَ بها فقُلْتَ: رويدًا يا فلان فهي بمعنى الأمر بالتَمَاهُلِ، - ص-:\nرُوَيْدًا قال أبو البقاء: نَعْتٌ لمصدرٍ محذوفٍ، أي: إمْهَالًا رُوَيْدًا، و«رويدًا» تَصْغِيرُ «رَوْدٍ» وأنشَد أبو عُبَيْدَةَ: [البسيط]\nيَمْشِي ولاَ تَكْلِمُ البَطْحَاءَ مِشْيَتُهُ ... كَأَنَّهُ ثَمِلٌ يَمْشِي على رَوْدِ\nأي: على مَهْلٍ ورفق، انتهى.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٢/ ٥٣٨)، (٣٦٩٤٤)، وذكره ابن عطية (٥/ ٤٦٦)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٤٩٨) .\n(٢) أخرجه الطبري (١٢/ ٥٣٨)، (٣٦٩٤٧)، وذكره ابن عطية (٥/ ٤٦٦) .\n(٣) أخرجه الطبري (١٢/ ٥٤١)، (٣٦٩٦٧)، وذكره ابن عطية (٥/ ٤٦٧) .","vol":"5","page":576},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1633>تفسير سورة «الأعلى»</span>\nوهي مكّيّة في قول الجمهور\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1634>[سورة الأعلى (٨٧): الآيات ١ الى ٥]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى (٤)\nفَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى (٥)\nسَبِّحِ في هذه الآية بمعنى: نَزِّه وقَدِّسْ وَقُلْ: جَلَّ سبحانَه عن النقائِص والغَيْرِ جميعًا، وروى ابن عبّاس أن النبي ﷺ كان إذا قرأ هذه الآية، قالَ: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الأعلى» «١»، وكان ابن مسعودِ وابنُ عمرَ وابنُ الزبيرِ يفعلون ذلك، ولما نَزَلَتْ قال النبي ﷺ: «اجْعَلُوهَا في سُجُودِكُم» «٢»، وعن سلمةَ بنِ الأكوع قال: ما سمعت النبيّ ﷺ يَسْتَفْتِحُ دُعَاءً إلاَّ استفتحه ب «سُبْحَان رَبِّيَ الأعلى الوهَّاب» «٣» رواه الحاكم في «المستدركِ»، وقال: صحيحُ الإِسناد، انتهى من «سلاح المؤمن» .\nو«سُوًى» معناه: عَدَّلَ وأتْقَنَ.\nوقوله: فَهَدى عامٌّ لوجوهِ الهداياتِ في الإنسانِ والحيوانِ، وقال الفراء: معناه هَدَى وأضَلَّ والعمومُ في الآيةِ أصوبُ، والْمَرْعى: النباتُ، و«الغُثَاء»: مَا يَبِسَ وجَفَّ وتَحَطَّمَ من النباتِ وهو الذي يحمله السيلُ، و«الأَحْوَى» قيلَ هو الأَخْضَرُ الذي عليه سَوَادٌ من شدَّةِ الخُضْرَةِ والغَضَارة، فتقديرُ الآيةِ: الذي أخْرَجَ المَرْعى أحوَى أي أسْوَدَ من خضرتهِ وغَضَارَتِه فجعَله غُثَاءً عِنْدَ يُبْسِه ف أَحْوى: حالٌ، وقال ابن عباسٍ:\nالمعنى: فجعله غُثَاءً أحْوَى أي أسْوَدَ لأن الغُثَاءَ إذا قَدِمَ وأصابته الأمطار اسودّ وتعفّن\n_________\n(١) ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٥٦٦) .\n(٢) تقدم تخريجه.\n(٣) أخرجه الحاكم في «المستدرك» (١/ ٤٩٨) . قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.","vol":"5","page":577},{"text":"فصار أحوى، فهذا صفة «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1635>[سورة الأعلى (٨٧): الآيات ٦ الى ٧]</span>\nسَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى (٦) إِلاَّ ما شاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى (٧)\nوقولُهُ تعالى: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى قال الحسنُ وقتادة ومالك بن أنس: هذه الآيةُ في معنى قوله تعالى: لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ ...\n[القيامة: ١٦] الآية، وَعَدَهُ اللَّه أنْ يُقْرِئَه وأخبرَه أنه لاَ يَنْسى نِسْيانًا لا يكونُ بعدَه ذِكر «٢»، وقيل: بلِ المعنى: أنه أمره تعالى بأنْ لا يَنْسَى على معنى التَّثْبِيتِ والتأكيدِ، وقال الجنيد: معنى فَلا تَنْسى لاَ تَتْرُكِ العمَلَ/ بما تَضَمَّنَ مِنْ أمْرٍ ونهي.\nوقوله تعالى: إِلَّا مَا شاءَ اللَّهُ قال الحسنُ وغيرهُ: معناه: مما قَضَى اللَّهُ بِنَسْخِه ورَفْعِ تلاوتِه وحُكْمه «٣»، وقال ابن عباس: إِلَّا مَا شاءَ اللَّهُ: أنْ يُنْسِيَكَهُ لِيُسَنَّ بهِ «٤» على نَحْوِ قولِه﵊-: «إنِّي لأنسى أوْ أنسى لأَسُنَّ» . قَالَ ع «٥»:\nونسيان النبيّ ﷺ ممتنعٌ فيما أُمِرَ بتبليغهِ إذ هُو معصومٌ فإذا بَلغَهُ وَوَعَى عنه فالنسيانُ جائِزٌ على أن يَتَذَكَّرَ بعدَ ذلك، أو على أنْ يسنّ، أو على النسخ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1636>[سورة الأعلى (٨٧): الآيات ٨ الى ١٣]</span>\nوَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى (٨) فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى (٩) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى (١٠) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى (١٢)\nثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى (١٣)\nوقوله تعالى: وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى معناه: نَذْهَبُ بك نحوَ الأمورِ المُسْتَحْسَنَةِ في دنياكَ وَأُخْرَاكَ من النَّصْرِ والظَفَرِ، ورِفعةِ الرسالةِ وعلو المنزلةِ يومَ القيامةِ، والرفعةِ في الجنة، ثم أمرَه تعالى بالتَّذكيرِ، قال بعضُ الحذَّاقِ: قوله تعالى: إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى اعْتِرَاضٌ بَينَ الكلامينِ على جِهَةِ التوبِيخِ لقريشٍ، ثم أخبرَ تعالى أنّه سَيَذَّكَرُ مَنْ يَخْشَى اللَّهَ والدارَ الآخِرَةِ وهمُ العلماءُ والمؤمنونَ، كُلٌّ بقدْرِ ما وُفِّقَ له، ويَتَجَنَّبُ الذكرى ونفعها من سبقت له الشقاوة.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٢/ ٥٤٤)، (٣٦٩٧٧)، وذكره ابن عطية (٥/ ٤٦٨)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٥٠٠)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٥٦٦)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عبّاس بنحوه.\n(٢) أخرجه الطبري (١٢/ ٥٤٥) عن قتادة، برقم: (٣٦٩٨٢)، وابن عطية (٥/ ٤٦٩)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٥٠٠)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٥٦٧)، وعزاه لعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم عن قتادة.\n(٣) أخرجه الطبري (١٢/ ٥٤٥)، (٣٦٩٨١) عن مجاهد، وذكره ابن عطية (٥/ ٤٦٩) .\n(٤) ذكره أبو حيان (٨/ ٤٥٣)، وذكره ابن عطية (٥/ ٤٦٩) .\n(٥) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٤٦٩) .","vol":"5","page":578},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1637>[سورة الأعلى (٨٧): الآيات ١٤ الى ١٩]</span>\nقَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى (١٧) إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى (١٨)\nصُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى (١٩)\nوتَزَكَّى معناه: طَهَّرَ نَفْسَه ونماها بالخيرِ، ومِنَ «الأربعين حديثًا» المسندةِ لأبي بكر محمد بن الحسين الآجري الإمامِ المحدثِ قال في آخرها: وحديثُ تمامِ الأربعينَ حديثًا وهو حديثٌ كبيرٌ جامعٌ لكلِّ خيرٍ حدَّثنا أبو بكرٍ جعفرُ بنُ محمدٍ الفِرْيَابِيُّ إملاءً في شهر رجب سنةَ سبعٍ وتسعينَ ومائتين قال: حدثنا إبراهيمُ بنُ هشامِ بنِ يحيى الغسانيّ قال:\nحدثني أبي عن جَدِّي عن أبي إدريسَ الخَوْلاَنِيِّ عَن أَبي ذَرٍّ قال: «دَخَلْتُ المَسْجِدَ، فَإذَا رَسُولُ الله ﷺ جَالِسٌ، فَجَلَسْتُ إلَيْهِ فَقَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ، لِلْمَسْجِدِ تَحِيَّةٌ، وَتَحِيَّتُهُ رَكْعَتَانِ قُمْ فَارْكَعْهُمَا، قَالَ: فَلَمَّا رَكَعْتُهُما، جَلَسْتُ إلَيْهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّكَ أَمَرْتَنِي بِالصَّلاَةِ، فَمَا الصَّلاَةُ؟ / قالَ: خَيْرٌ مَوْضُوعٌ، فاستكثر أَوِ استقلل» الحديثَ، وفيهِ: «قلتُ:\nيَا رَسُولَ اللَّهِ، كَمْ كِتَابًا أَنْزَلَ اللَّهُ﷿-؟ قَالَ: مِائَةَ كِتَابٍ وَأَرْبَعَةَ كُتُبٍ أَنْزَلَ اللَّهُ:\nعَلَى شِيثَ خَمْسِينَ صَحِيفَةً، وَعَلَى خَانُوخَ ثَلاَثينَ صَحِيفَةً، وعلى إبْرَاهِيمَ عَشْرَ صَحَائِفَ، وأَنْزَلَ عَلَى موسى قَبْلَ التَّوْرَاةِ عَشْرَ صَحَائِفَ، وأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ، وَالإنْجِيلَ، والزَّبُورَ، وَالفُرْقَانَ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا كَانَتْ صُحُفُ إبْرَاهِيمَ؟ قَالَ: كَانَتْ أَمْثَالًا كُلُّها:\nأَيُّهَا المَلِكُ المُسَلَّطُ المُبْتَلَى المَغْرُورُ، إنِّي لَمْ أَبْعَثْكَ لِتَجْمَعَ الدُّنْيَا بَعْضَهَا على بَعْضٍ، ولكني بَعَثْتُكَ لِتَرُدَّ عَنِّي دَعْوَةَ المَظْلُومِ، فَإنِّي لاَ أَرُدُّهَا وَلَوْ من كافر، وكان فيها أمثال: وعلى بَعَثْتُكَ لِتَرُدَّ عَنِّي دَعْوَةَ المَظْلُومِ، فَإنِّي لاَ أَرُدُّهَا وَلَوْ مِنْ كَافِرٍ، وَكَانَ فِيهَا أَمْثَالٌ: وَعَلَى العَاقِلِ أَنْ تَكُونَ لَهُ سَاعَةٌ يُنَاجِي فِيهَا رَبَّهُ، وَسَاعَةٌ يُحَاسِبُ فِيهَا نَفْسَهُ، وَسَاعَةٌ يُفَكِّرُ في صُنْعِ اللَّهِ﷿- إلَيْهِ، وَسَاعَةٌ يَخْلُو فِيهَا لَحَاجَتِهِ مِنَ المَطْعَمِ وَالمَشْرَبِ، وَعَلَى العَاقِلِ أَلاَّ يَكُونَ ظَاعِنًا إلاَّ لِثَلاَثٍ: تَزَوُّدٍ لِمَعادٍ، أو مَؤُونَةٍ لِمَعَاشٍ، أَوْ لَذَّةٍ في غَيْرِ مُحَرَّمٍ، وَعَلَى العَاقِلِ أَنْ يَكُونَ بَصِيرًا بِزَمَانِهِ، مُقْبِلًا على شَانِهِ، حَافِظًا للِسَانِهِ، وَمَنْ حَسِبَ كَلاَمَهُ مِنْ عَمَلِهِ قَلَّ كَلاَمُهُ إلاَّ فِيمَا يَعْنِيهِ، قال: قُلْتُ: يَا رَسُولِ اللَّهِ، فَمَا كَانَتْ صُحُفُ مُوسَى؟\nقَالَ: كَانَتْ عِبَرًا كُلُّهَا: عَجِبْتُ لِمَنْ أَيْقَنَ بِالمَوْتِ كَيْفَ يَفْرَحُ، وَعَجِبْتُ لِمَنْ أَيْقَنَ بِالقَدَرِ، ثُمَّ هُوَ يَنْصَبُ، وَعَجِبْتُ لِمَن رَأَى الدُّنْيَا وَتَقَلُّبَها بِأَهْلِهَا ثُمَّ اطمأن إلَيْهَا، وَعَجِبْتُ لِمَنْ أَيْقَنَ بِالْحِسَابِ غدا ثمّ لا يعمل، قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَهَلْ في أَيْدِينَا شَيْءٌ مِمَّا كَانَ في أَيْدِي إبْرَاهِيمَ وموسى مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ ﷿ عَلَيْكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، اقْرأْ يَا أَبَا ذَرٍّ «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا إلى آخِرِ هذه/ [السورةِ- يعني: أنَّ ذِكْرَ هذه الآيَاتِ لَفِي صُحُفِ إبْرَاهِيمَ وموسى- قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَوْصِنِي، قَال: أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّه﷿- فَإنَّهُ رَأْسُ أَمْرِكَ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ زِدْنِي قَالَ: عَلَيْكَ بِتِلاَوَةِ القُرْآنَ وَذِكْرِ اللَّهِ﷿- فَإنَّهُ ذِكْرٌ لَكَ في السّماء","vol":"5","page":579},{"text":"وَنُورٌ لَكَ في الأَرْضِ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، زِدْنِي، قَالَ: وَإيَّاكَ وَكَثْرَةَ الضَّحِكِ فَإنَّهُ يُمِيْتُ القَلْبَ، ويَذْهَبَ بِنُورِ الْوَجْهِ، قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ زِدْنِي، قَالَ: عَلَيْكَ بِالجَهَادِ فِإنَّهُ رَهْبَانِيَّةُ أُمَّتِي، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ زِدْنِي، قَالَ: عَلَيْكَ بِالصَّمْتِ إلاَّ مِنْ خَيْرٍ فَإنَّهُ مَطْرَدَةٌ للشَّيْطَانِ وَعَوْنٌ لَكَ على أَمْرِ دِينِكَ» «١» انتهى.\nوقوله تعالى: وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ أي: وَحَّدَهُ وَصلَّى له الصلواتِ المفروضةَ وغيرَها، وقال أبو سعيد الخدري وغيره: هذه الآيةُ نزلتْ في صَبِيحَةِ يومِ الفِطْرِ «٢»، ف تَزَكَّى: أدَّى زكاةَ الفِطْرِ، وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ في طريق المُصَلَّى، وصَلَّى صلاةَ العِيد، ثم أخْبَرَ تعالى الناسَ أنهم يؤثِرُونَ الحياةَ الدنيا، وسَبَبُ الإيثارِ حُبُّ العَاجِلِ والجهلُ ببقاءِ الآخرةِ وفَضْلِها، ورَوِّينَا في كتابِ الترمذي عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «استحيوا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الحياءِ، قَالَ: فقلنا: يَا رسولَ اللَّهِ، إنَّا نَسْتَحِي وَالحَمْدُ للَّهِ، قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ، ولكن الاِسْتِحْيَاءَ مِنَ اللَّهِ حَقَّ الحَيَاءِ: أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وعى، وَتَحْفَظَ البَطْنَ وَمَا حوى، وَلْتَذْكُرِ المَوْتَ والبلى، وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ تَركَ زِينَةَ الدّنْيَا، فَمَنْ فَعَل ذَلكَ فَقَدْ استحيا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الحَيَاء» «٣» انتهى، قال الغَزَّاليُّ: وإيثارُ الحياةِ الدنيا طَبْعٌ غالبٌ على الإنسانِ ولذلك قال تعالى: بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا ثمَّ بَيَّنَ سبحانه أن الشَّرَّ قَدِيمٌ في الطباعِ وأن ذلكَ مذكورٌ في الكتُبِ السالِفَة فقال: إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى، انتهى من «الإحياء» .\n_________\n(١) تقدم تخريجه. [.....]\n(٢) ذكره ابن عطية (٥/ ٤٧٠) .\n(٣) أخرجه الترمذي (٤/ ٦٣٧)، كتاب «صفة القيامة» باب: (٢٤) (٢٤٥٨)، وأحمد (١/ ٣٨٧)، والحاكم (٤/ ٣٢٣)، وأبو نعيم في «الحلية» (٤/ ٢٠٩)، والشجري في «الأمالي» (٢/ ١٩٦- ١٩٧)، والطبراني في «معجمه الكبير» (١٠/ ١٠٢٩٠) عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁.\nقال الترمذي: هذا حديث إنما نعرفه من هذا الوجه من حديث أبان بن إسحاق عن الصباح بن محمّد اهـ.\nقال المزي في «تهذيب الكمال» (٢/ ٥): قال أحمد بن محمّد بن القاسم بن محرز البغدادي، عن يحيى بن معين: ليس به بأس، وقال أحمد بن عبد الله العجلي: ثقة.\nوقال أبو الفتح الأزدي: متروك اهـ من «تهذيب الكمال»، وقال أيضا عن الصباح بن محمّد بن أبي حازم البجليّ (١٣/ ١١٠) من «تهذيب الكمال»: روى له الترمذي حديثا واحدا عن مرة عن ابن مسعود:\n«استحيوا من الله حق الحياء» . وقال: غريب إنما نعرفه من هذا الوجه. اهـ.\nوقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وللحديث شاهد من حديث الحكم بن عمير، أخرجه الطبراني (٣/ ٢٤٦)، (٣١٩٢) .\nقال الهيثمي في «المجمع» (١٠/ ٢٧٨): رواه الطبراني وفيه عيسى بن إبراهيم القرشي، وهو متروك.","vol":"5","page":580},{"text":"وقوله تعالى: إِنَّ هذا قال ابن زيد: الإشارَة ب «هَذَا» إلى هذينِ الخبرينِ: إفْلاحِ مَنْ تَزكّى، وإيثارِ الناسِ للدنيا مَعَ فَضْلِ الآخرة عليها، وهذا هو الأرجَحُ لقرب المشارِ إليه «١»، وعن أُبيِّ بن كعب قال: كانَ رسول الله ﷺ يقرأُ في الْوِتْرِ ب «سبح اسم ربك الأعلى» و«قل يا أيها الكافرون» و«قل هو اللَّه أحد» فإذا سلم قال: سبحان الملك القدوس ثلاث مرات يَمُدُّ صَوْتَهُ في الثَّالِثَةِ، ويَرْفَعُ، رواه أبو داود والنسائي وهذا لفظه، ورَواهُ الدارقطني في سُنَنِهِ، ولفْظُه: «فَإذَا سَلَّمَ قَالَ: سُبْحَانَ المَلِكِ الْقُدُّوسِ، ثَلاَثَ مَرَّاتٍ يَمُدُّ بِهَا صَوْتَهُ في الأخِيرَةِ، وَيَقُولُ: رَبِّ المَلاَئِكَةِ وَالرُّوحِ»، انتهى من «السلاح»،، قالَ النووي ورُوِّينَا في «سُنَنِ أبي داود» و«الترمذي» و«النسائي» عن علي﵁- أنَّ النبي ﷺ كان يقول في آخر وِتْرِهِ: «اللهمَّ إني أعوذُ برضاكَ من سَخَطِكَ، وأعوذ بِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوْبَتِكَ، وأعوذ بك منكَ، لا أحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أنْتَ كَما أثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ» «٢» قال الترمذيّ: حديث حسن، انتهى.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٢/ ٥٤٩)، (٣٧٠٠١)، وذكره ابن عطية (٥/ ٤٧١)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٥٠٢) بنحوه.\n(٢) تقدم تخريجه.","vol":"5","page":581},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1638>تفسير سورة «الغاشية»</span>\nوهي مكّيّة بإجماع\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1639>[سورة الغاشية (٨٨): الآيات ١ الى ٢]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ (١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ (٢)\nقال بعض المفسرين: هَلْ بمعنى «قَدْ» وقال الحُذَّاق: هي على بابها توقيفٌ فائِدتُه تَحْرِيكُ نفس السامع إلى تلقّي الخبر، والْغاشِيَةِ القيامة، لأنها تَغْشَى العالَم كلَّه بهَوْلِها، والوجوهُ الخاشعةُ هي وجوهُ الكُفَّارِ وخشوعُها ذلُّها وتغييرُهَا بالعذاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1640>[سورة الغاشية (٨٨): الآيات ٣ الى ١٠]</span>\nعامِلَةٌ ناصِبَةٌ (٣) تَصْلى نارًا حامِيَةً (٤) تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (٥) لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلاَّ مِنْ ضَرِيعٍ (٦) لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (٧)\nوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ (٨) لِسَعْيِها راضِيَةٌ (٩) فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ (١٠)\nوقوله سبحانه: عامِلَةٌ ناصِبَةٌ قال الحسن وغيره: لم تعملْ للَّهِ في الدنيا فأعْمَلَهَا وأَنْصَبَها في النارِ، والنَّصَبُ التَّعبُ «١»، وقال ابن عباس وغيره: المعنى عاملَةٌ في الدنيا ناصِبَةٌ فِيها على غير هُدًى فَلا ثَمَرَةَ لَعملِها، إلا النَّصَبُ، وخاتمتُه النارُ «٢»، قالوا: والآية في القِسِّيسينَ وكلِّ مجتهدٍ في كُفْرٍ، وقرأ أبو بكر عن عاصم وأبو عمرو «تُصْلَى» - بضم التاءِ والباقونَ بفتحها «٣» - والآنيةُ: التي قد انتَهى حرُّها كما قال تعالى وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ [الرحمن: ٤٤] وقال ابن زيد: آنية: حَاضِرَة «٤»، والضريعُ: قال الحسن وجماعةً: هو الزَّقُّوم «٥»، وقال ابن عباسٍ وغيره: الضريع شبرق النار «٦»، وقال النبي ﷺ الضريع شوك\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٢/ ٥٥١) (٣٧٠١٠)، وذكره البغوي (٤/ ٤٧٨) بنحوه.\n(٢) ذكره البغوي (٤/ ٤٧٨) . وذكره ابن عطية (٥/ ٤٧٢) .\n(٣) ينظر: «السبعة» (٦٨١)، و«الحجة» (٦/ ٣٩٩)، و«إعراب القراءات» (٢/ ٤٦٩)، و«معاني القراءات» (٣/ ١٤٠)، و«شرح الطيبة» (٦/ ١٠٩)، و«العنوان» (٢٠)، و«حجة القراءات» (٧٥٩)، و«شرح شعلة» (٦٢٢)، و«إتحاف» (٢/ ٦٠٥) .\n(٤) أخرجه الطبري (١٢/ ٥٥٢)، (٣٧٠٢٠)، وذكره ابن عطية (٥/ ٤٧٣)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٥٧٣)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم.\n(٥) ذكره ابن عطية (٥/ ٤٧٣)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٥٧٣)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن أبي حاتم.\n(٦) أخرجه الطبري (١٢/ ٥٥٢)، (٣٧٠٢١)، وذكره البغوي (٤/ ٤٧٨)، وابن عطية (٥/ ٤٧٣)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٥٧٣)، وعزاه لعبد بن حميد عن ابن عبّاس.","vol":"5","page":582},{"text":"في النارِ، ت: وهذا إنْ صَحَّ فلا [يُعْدَلُ] عنه، وقيل غير هذا، ولما ذَكَر تعالى وجوهَ أهلِ النار عَقَّبَ ذلك بذكرِ وجوه أهل الجنة ليبيَّنَ الفرقَ، وقولُه تعالى: لِسَعْيِها يريدُ لَعَمَلِهَا في الدنيا وطاعتها، والمعنى لِثَوابِ سَعْيِها والتَّنْعِيمُ عليه، ووصفَ سبحانَه الجنةَ بالعُلُوِّ وذلك يصحُّ من جهة المسَافَةِ والمكانِ، ومن جهة المكانة والمنزلة أيضا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1641>[سورة الغاشية (٨٨): الآيات ١١ الى ١٣]</span>\nلا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً (١١) فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ (١٢) فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣)\nلاَّ تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً قيل: المعنى كلمةُ لاغيةٌ، وقيل جماعةٌ لاغية، أو فِئَة لاغيةٌ، واللَّغوُ سَقَطُ القَوْلِ، قال الفخر «١»: قوله تعالى: فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ أي عاليَة في الهواء وذلك لأجل أن يَرَى المؤمن إذا جلسَ عليها جميعَ ما أعطاه اللَّه تعالى في الجنةِ من النعيمِ والمُلْكِ، قال خارجة بن مصعب: بلغَنَا أن بعضَها فَوقَ بعضٍ فترتفعُ ما شاءَ اللَّه فإذا جَاء وليُّ اللَّهِ ليجلسَ عليها تَطَامَنَتْ له فإذا استَوَى عليهَا ارْتَفَعَتْ إلى حيثُ شاءَ اللَّه سبحانه، انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1642>[سورة الغاشية (٨٨): الآيات ١٤ الى ٢٢]</span>\nوَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ (١٤) وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ (١٥) وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (١٦) أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨)\nوَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠) فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢)\nوَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ أي: بِأَشْرِبتِها مُعَدَّةٌ، والنَمْرَقَةُ: الوسادةُ، والزَّرَابِيُّ: واحدها زُرْبِيَّةٌ، وهي كالطَّنَافِسِ لها خَمْلٌ قاله الفراء «٢»، وهي ملوّنات ومَبْثُوثَةٌ معناه كثيرةٌ متفرقة، ثم وقفَهم سبحانه على مواضع العبرة في مخلوقاته، والْإِبِلِ في هذه الآيةِ هي الجِمالُ المعروفةُ هذا قول الجمهور، وفي الجَمَلِ آياتٌ وعبر لِمَن تَأمَّلَ، / وكان شُرَيْحُ القاضي يقول لأصحَابِهِ: اخْرُجُوا بنا إلى الكِنَاسَةِ، حتى ننظرَ إلى الإبل كيف خلقتْ «٣»، وقال المبردُ: الإبلُ هُنَا السحابُ لأَنَّ العربَ قد تسميها بذلك، إذ تأتي أرسالا كالإبل، ونُصِبَتْ: معناه: أُثْبِتَتْ قائِمَةً في الهواءِ، وظاهرُ الآية أنّ الأرْضَ سَطْحٌ لا كرةٌ «٤»، وهو الذي عليه أهلُ العلمِ، وقد تقدم الكلامُ على هذا المعنى، ثم نَفَى أن يكونَ النبي ﷺ مُصَيْطِرًا على الناسِ، أي: قاهرًا جابرًا لهم مع تكبّر متسلّطا عليهم.\n_________\n(١) ينظر: «الفخر الرازي» (٣١/ ١٤٢) .\n(٢) ذكره البغوي (٤/ ٤٧٩)، وابن عطية (٥/ ٤٧٤) .\n(٣) أخرجه الطبري (١٢/ ٥٥٦)، (٣٧٠٤٤)، وذكره البغوي (٤/ ٤٨٠)، وابن عطية (٥/ ٤٧٤)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٥٠٣)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٥٧٥)، وعزاه لابن حميد عن شريح بنحوه.\n(٤) وهو الذي تراه العين ظاهرا، ولا يخفى أن حقيقة الأرض بيضاوية. [.....]","vol":"5","page":583},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1643>[سورة الغاشية (٨٨): الآيات ٢٣ الى ٢٦]</span>\nإِلاَّ مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذابَ الْأَكْبَرَ (٢٤) إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ (٢٦)\nوقوله تعالى: إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ قال بعض المتأولين: الاستثناءُ متصلٌ، والمعنى: إلا مَنْ تولى فإنَّكَ مُصَيْطِرٌ عليه، فالآيةُ على هذا لا نَسْخَ فيهَا، وقال آخرون:\nالاستثناء مُنْفَصِلٌ، والمعنى: لست عليهم بمصيطرٍ لَكِنَّ مَنْ تَولَّى وكفر فيعذبُه اللَّه، وهِي آيةُ مُوَادَعَةٍ مَنْسُوخَةٌ بالسَّيْفِ وهذا هُو القولُ الصحيحُ لأنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ والقِتَالُ إنَّما نَزَلَ بالمدينةِ- ص-: وقرأ زيد بن أسْلَم: «إلا من تولّى»: حرف تنبيه واستفتاحٍ، انتهى، وقال ابن العربيِّ في «أحكامه»: روى الترمذيُّ وغيره أنّ النبيّ ﷺ قال: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لاَ إله إلاَّ اللَّه، فإذَا قَالُوهَا، عَصَمُوا مِنِّي دَمَاءَهُمْ وأَمْوَالَهُمْ إلاَّ بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ» «١»، ثم قرأ: فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ مفسِّرًا معنى الآيةِ وكاشفًا خفاءَ الخفاءِ عنها، المعنى: إذا قال الناسُ: لا إله إلا اللَّه فَلَسْتَ بمسلَّطٍ على سَرَائرِهم وإنما عَلَيْكَ الظاهِرُ، وَكِلْ سرائرَهم إلى اللَّه تعالى، وهذا الحديثُ صحيحُ المعنى، واللَّه أعلم، انتهى،، وإِيابَهُمْ: مصدر من آب يؤوب: إذا رجع.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٢/ ٥٥٨)، (٣٧٠٥٧)، وذكره البغوي (٤/ ٤٨١)، وابن عطية (٥/ ٤٧٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٥٧٨)، وعزاه لابن جرير عن ابن عبّاس.","vol":"5","page":584},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1644>تفسير سورة «الفجر»</span>\nوهي مكّيّة عند الجمهور، وقيل: مدنيّة، والأوّل أصحّ وأشهر\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1645>[سورة الفجر (٨٩): الآيات ١ الى ٤]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nوَالْفَجْرِ (١) وَلَيالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣) وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ (٤)\nالفَجْرُ هنا عند الجمهور: هو المشهورُ المعروفُ الطالِعُ كلَّ يومٍ، وقال ابن عباس وغيره: الفجرُ الذي أقسَم اللَّه به صلاةُ الصبحِ، وقيل غيرُ هذا. [واخْتُلِفَ في الليالي العشرِ فقيلَ: العشرُ الأُوَلُ مِنْ رمضانَ، وقيلَ: العشرُ الأواخِر منه، وقيل: عَشْرُ ذي الحجةِ، وقيل: غيرُ هذا] «١» واللَّه أعلم بما أراد، فإن صحّ عن النبي ﷺ شيءٌ في هذا صِيْرَ إليْهِ، واخْتُلِفَ في «الشَّفْعِ وَالْوتر» ما هما؟ على أقوالٍ كثيرةٍ، وروى عمران بن حصين عن النبي ﷺ أنه قال: «هي الصلواتُ منها الشَّفْعُ ومنها الوَتْرُ» «٢»، وسري الليل: هو ذهابُه وانقراضُه هذا قولُ الجمهورِ، وقيل: المعنى: إذا يسرى فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1646>[سورة الفجر (٨٩): الآيات ٥ الى ١٤]</span>\nهَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (٥) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ (٦) إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ (٨) وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ (٩)\nوَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ (١٠) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ (١١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ (١٢) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ (١٣) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ (١٤)\nهَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ أي: هل في هذه الأقسامِ مُقْنِعٌ لذي عقل؟ ثم وقَفَ تعالى عَلى مصارِعِ الأُمَمَ الخاليةِ «وعاد»: قبيلة بِلاَ خلافٍ، واختلفَ في: «إرَمِ» فقال\n_________\n(١) سقط في: د.\n(٢) أخرجه الترمذي (٥/ ٤٤٠)، كتاب «تفسير القرآن» باب: ومن سورة الفجر (٢٣٤٢)، وأحمد (٤/ ٤٣٨)، (٤/ ٤٤٢)، والطبراني (١٨/ ٢٣٢)، والحاكم (٢/ ٥٢٢) .\nقال الترمذي: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث قتادة. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.","vol":"5","page":585},{"text":"مجاهدٌ: هي القبيلةُ بعَيْنِها «١»، وقال ابن إسحاق: إرم: هو أبو عادٍ كلِّها «٢»، وقال الجمهور: إرم: مدينةٌ لهم عظيمةٌ كانَتْ عَلَى وجهِ الدَّهْرِ باليَمَنِ، واخْتُلِفَ في قوله تعالى:\nذاتِ الْعِمادِ فمن قال: إرم مدينةٌ قال: العمادُ أَعْمِدَة الحجارةِ التي بُنِيَتْ بها، وقيلَ القُصورُ العالية، والأبراجُ يقال لها عِمَادٌ، ومَنْ قَال إرم قبيلةٌ قال: العماد إما أَعْمِدَةُ بنيانهم، وإما أَعْمِدَةُ بيوتِهم التي يَرْحَلُونَ بها قاله جماعةٌ والضميرُ في مِثْلُها يعودُ إما على المدينة وإما على القبيلة.\nوجابُوا الصَّخْرَ معناه: خَرَقُوه ونَحَتُوه، وكَانُوا في وادِيهم قد نحتوا بيوتهم في حجارة، وفِرْعَوْنَ هو فِرْعَونُ مُوسىَ، واختلِفَ في أوتادهِ فقيل: أبنيتُه العاليةُ، وقيلَ جنودُه الذينَ بهم يُثَبِّتُ ملكَه، وقيل/ المرادُ أوتادُ أخبيةِ عساكرهِ، وذُكِرَتْ لكثرتِها قاله ابن عباس «٣»، وقال مجاهد: كان يُوتِدُ الناس بأوتادِ حديدٍ، يَقْتلُهُم بذلك: يَضْرِبُها في أَبْدَانِهمْ حَتَّى تنْفُذَ إلى الأرضِ «٤»، وقيلَ: غيرُ هذا، والصَّبُّ مستعملٌ في السوطِ وإنما خُصَّ السوطُ بأنْ يُسْتَعَارَ للعذابِ لأنه يقتضِي من التَّكْرارِ والتَّرْداد ما لا يقتضيه السيفُ، ولاَ غيرُه وقال بعض اللَّغويينَ: السَّوْطُ هنا مصدرٌ من سَاطَ يَسُوطُ إذَا خَلَطَ فكأَنه قال خَلْطُ عَذَابٍ.\n- ص-: قال ابن الأنباري: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ هُو جوابُ القَسَمِ، وقيل:\nمحذوف، وقيل: الجواب، هَلْ فِي ذلِكَ وهَلْ بمعنى «إنّ» وليس بشيء، انتهى، والمرصاد والمَرْصَدُ: مَوْضِعُ الرَّصْدِ، قاله بعض اللغويين، أي: أَنَّه تعالى عنْدَ لسانِ كل قائلٍ ومَرْصَدٍ لكلِّ فاعلٍ، وإذا عَلِمَ العبدُ أَنَّ مولاه له بالمرصادِ ودَامَتْ مراقبتُه في الفؤادِ، حَضَره الخوفُ والحذُر لا محالةَ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ [البقرة:\n٢٣٥] قال أبو حامد في «الإحياء»: وبحسبِ معرفةِ العبد بِعيوبِ نفسهِ، ومعرفتهِ بجلالِ ربه وتعالِيه واستغنائِه، وأنه لا يُسْأَلُ عما يفعلُ تَكُونُ قوةُ خوفِه، فأخوفُ الناسِ لربه أعرفُهم بنفسِهِ وبربهِ، ولذا قال ﷺ: «أنا أخوفُكم للَّه»، ولذلكَ قال تعالى: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ [فاطر: ٢٨] ثم إذا كَمُلَتِ المعرفةُ أورثتِ الخوفَ واحْتراقَ القلبِ، ثم\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٥/ ٤٧٧) .\n(٢) أخرجه الطبري (١٢/ ٥٦٧)، (٣٧١٣٠)، وذكره البغوي (٤/ ٤٨٢)، وابن عطية (٥/ ٤٧٧)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٥٠٧)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٥٨٣)، وعزاه لابن المنذر عن السدي.\n(٣) ذكره ابن عطية (٥/ ٤٧٨) .\n(٤) أخرجه الطبري (١٢/ ٥٧٠)، (٣٧١٥٠)، وذكره ابن عطية (٥/ ٤٧٨)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٥٠٨) بنحوه.","vol":"5","page":586},{"text":"يُفِيضُ أَثَرُ الحُرْقَةِ من القلبِ على البَدَنِ فَتَنْقَمِعُ الشهواتُ، وتحترقُ بالخوفِ، ويحصُلُ في القلب الذبولُ والخشوعُ والذِّلَةُ والاستكانةُ، ويصيرُ العبدُ مستوعبَ الهَمِّ بخوفِه والنظرِ في خطرِ/ عاقبتِه فلا يتفرغُ لغيرهِ، ولا يكونُ له شُغْل إلا المراقبة والمحاسبة والمجاهدة والضّنّة بالأنفاس واللحظاتِ، ومؤاخَذَةِ النفسِ في الخَطَراتِ والخُطُواتِ والكلماتِ، ثم قال: واعْلَمْ أنه لاَ تَنْقَمِعُ الشهواتُ بشيء كما تنقمع بنار الخوف، انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1647>[سورة الفجر (٨٩): الآيات ١٥ الى ٢١]</span>\nفَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ (١٦) كَلاَّ بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (١٨) وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلًا لَمًّا (١٩)\nوَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠) كَلاَّ إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١)\nوقوله سبحانه: فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ ... الآية، ذَكَرَ تَعالى في هذهِ الآيةِ ما كانتْ قريشٌ تقولُهُ وتستدلُّ به على إكرامِ اللَّه وإهانَتِهِ لعبدهِ، وجَاءَ هذا التوبيخُ في الآيةِ لجنس الإنسان، إذ قد يقعُ بعضُ المؤمنينَ في شيء من هذا المَنْزَع، وابْتَلاهُ معناه:\nاختبره، ونَعَّمَهُ أي جعله ذا نعمة.\nو«قدر» بتخفيفِ الدال بمعنى: ضَيَّقَ، ثم قال تعالى: كَلَّا ردًّا على قولهِم ومعتقدهم، أي: ليس إكرامُ اللَّهِ تعالى وإهانتُه كذلِكَ، وإنما ذلك ابتلاءٌ فَحَقُّ من ابتلي بالغنى أن يشكرَ ويطيعَ، ومَنْ ابْتُلِيَ بالفَقْرِ أن يشكرَ ويصبرَ، وأما إكرامُ اللَّه فهو بالتقوى وإهانَتُهُ فبالمعصيةِ، وطَعامِ في هذهِ الآيةِ بمعْنَى: إطعام، ثم عدَّدَ عليهم جِدَّهم في أكل التراثِ، لأنهم كانوا لا يُورِّثُونَ النِّسَاءَ ولاَ صغارَ الأولادِ، وإنما كان يأخُذُ المالَ مَنْ يقاتِلُ ويَحْمِي الحَوْزَةَ، و«اللَّمُّ» الجَمْعُ واللَّفُّ، قال الحسن: هو أَن يأْخُذَ في الميراثِ حظَّه وحظَّ غيرِه «١»، والجَمُّ الكثيرُ الشديدُ ومنه قول الشاعر: [الرجز]\nإن تغفر اللهم تغفر جما ... وأي عبد لَكَ لاَ أَلَمَّا «٢»\nومنه الجَمُّ من الناس، ودكّ الأرض تسويتها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1648>[سورة الفجر (٨٩): الآيات ٢٢ الى ٢٣]</span>\nوَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى (٢٣)\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٢/ ٥٧٤)، (٣٧١٧١)، وذكره ابن عطية (٥/ ٤٨٠)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٥٨٦)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير عن الحسن بنحوه.\n(٢) تقدم.","vol":"5","page":587},{"text":"وقوله تعالى: وَجاءَ رَبُّكَ معناه جَاءَ أَمرُهُ وقضاؤه، وقال منذرُ بنُ سعيد: معناه ظهورُه للخَلْقِ، هنالك ليس مجيءَ نَقَلةٍ وكذلك مجيءُ الصاخَّةِ، ومجِيء الطامةِ «١»، والمَلَكُ اسم جنس يريد به جميع الملائكة، وصَفًّا أي صُفُوفًا حولَ الأَرْضِ يوم القيامة على ما تقدم في غير هذا الموضع، وجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ روي في قوله تعالى: وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ بأنها تساقُ إلى المحشر بسبعينَ ألفِ زمَامٍ يُمْسِكُ كلَّ زِمَامٍ سَبْعُونَ ألفَ ملك، فيخرج منها عنق فينتفي الجبابرةَ من الكفارِ، في حديثٍ طويلٍ باختلاف ألفاظ.\nوقوله تعالى: يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ معناه: يتذكر عصيانَه وما فاتَه من العمل الصالحِ، وقال الثعلبي: «يومئذ يتذكر الإنسان» أي يتَّعِظُ ويتوب، «وأنى له الذكرى»، انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1649>[سورة الفجر (٨٩): الآيات ٢٤ الى ٣٠]</span>\nيَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي (٢٤) فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ (٢٦) يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨)\nفَادْخُلِي فِي عِبادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)\nوقوله: يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي قال الجمهور: معناه لحياتي الباقيةِ يريدُ في الآخِرَةِ.\nفَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ أي لا يعذِّبُ كَعَذَابِ اللَّه أحَدٌ في الدنيا، ولا يُوثِقُ كَوَثَاقِه أحَد، ويحتمل المعنى أنَّ اللَّهَ تعالى لا يَكِلُ عذابَ الكافرِ يومئذ إلى أحد، وقرأ الكسائيُّ- بفتح الذالِ والثاءِ «٢» - أي: لا يعذَّبُ كعذَابِ الكافر أحَدٌ مِنَ الناسِ، ثم عقَّبَ تعالى بذكر نفوس المؤمنين وحالهم فقال: يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ الآية، والمطمئنةُ معناه: الموقِنَةُ غايةَ اليقين، ألا ترى قول إبراهيم ع وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة: ٢٦٠] فهي درجةٌ زائدةٌ على الإيمانِ، واخْتُلِفَ في هذا النداءِ: متى يقع؟ فقال جماعة: عند خروجِ رُوح المؤمِن، وروي في ذلك حديث، وفِي عِبادِي أي: في عِدَاد عِبَادي الصالحينَ، وقال قوم: النداءُ عند قيام الأجْسَادِ من القبور، فقولُه: ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ معناه بالبعثِ، و«ادْخُلِي في عِبَادي» أي في الأجْسَادِ، وقيل: النداء هو الآن\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٥/ ٤٨١) .\n(٢) ينظر: «السبعة» (٦٨٥)، و«الحجة» (٦/ ٤١١)، و«إعراب القراءات» (٢/ ٤٨٠)، و«معاني القراءات» (٣/ ١٤٥)، و«شرح الطيبة» (٦/ ١١١)، و«العنوان» (٢٠٩)، و«حجة القراءات» (٧٦٣)، و«شرح شعلة» (٦٢٤)، و«إتحاف» (٢/ ٦٠٩) .","vol":"5","page":588},{"text":"للمؤمنينَ، وقال آخرونَ: هذا النداء إنما هو في الموقف عند ما يُنْطَلَقُ بأهل النار إلى النار.\nت: ولا مانِع/ أن يكونَ النداءُ في جميعِ هذه المواطِنِ، ولما تكلَّمَ ابن عطاء اللَّه في مراعاة أحوال النفس قال: رُبَّ صاحبِ وِرْدٍ عَطَّلَه عن وِرْدِهِ والحضورِ فيه مع ربه هَمُّ التدبيرِ في المعيشةِ وغيرِها من مصالحِ النفسِ، وأنواعُ وَسَاوِسِ الشيطان في التدبيرِ لا تَنْحَصِرُ، ومتى أعطاكَ اللَّه سُبحانه الفَهْمَ عنه عرَّفَكَ كَيْفَ تَصْنَع، فَأَيُّ عبدٍ توفَّر عقلُه واتَّسَعَ نورُه نزلت عليه السكينةُ من ربّه فسكنَتْ نفسُهُ عن الاضْطِرَابِ، وَوَثِقَتْ بِوَلِيِّ الأسبابِ، فكانت مطمئنةً، أي: خامِدَةً ساكنةً مستسلمةً لأحكامِ اللَّهِ ثابتةً لأقدارِهِ وممدودةً بتأييدِه وأنوارِه، فاطمأنَّتْ لمولاَها لعلمِها بأنه يَرَاهَا: أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [فصلت: ٥٣] فاستحَقَّتْ أن يقال لها: يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً وفي الآية خصائصُ عظيمةٌ لَها مِنْها ترفيعُ شأنِها بتَكْنِيَتِها ومَدْحِها بالطَّمْأنينَةِ ثَنَاءً منه سبحانه عليها بالاستسلام إليه والتوكلِ عليه، والمطمئنُّ المنخفضُ من الأرضِ، فلما انخفضتْ بتَواضُعِهَا وانكسارِها أثْنَى عليها مولاَها، ومنها قوله: راضِيَةٍ أي: عن الله في الدنيا بأحكامه، ومَرْضِيَّةً في الآخرةِ بِجُودِهِ وإنعامِه، وفي ذلك إشارةٌ للعَبْدِ أَنَه لا يَحْصُل له أنْ يكونَ مَرْضِيًّا عند اللَّه في الآخرةِ حتى يكونَ راضِيًا عن اللَّهِ في الدنيا، انتهى من «التنوير» .","vol":"5","page":589},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1650>تفسير سورة «البلد»</span>\nوهي مكّيّة في قول الجمهور وقيل مدنيّة\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1651>[سورة البلد (٩٠): الآيات ١ الى ٢]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nلا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ (٢)\nقوله تعالى: لاَ أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ الكلامُ في لا تقدم في لاَ أُقْسِمُ [القيامة: ١] والبَلَدُ هو: «مكة» .\nوقوله تعالى: وَأَنْتَ حِلٌّ قال ابن عباس وجماعة: معناه وأنت حَلاَلٌ بهذا البلد، يحلُّ لك فيه قَتْلُ من شئتَ، وكان هذا يومُ فَتْحِ مكة، وعلى هذا يتركبُ قولُ مَنْ قال:\nالسورة مدنية نَزَلَتْ عَامَ الفتح «١»، وقال آخرون: المعنى وأنْتَ حال ساكن بهذا البلد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1652>[سورة البلد (٩٠): الآيات ٣ الى ١٠]</span>\nوَوالِدٍ وَما وَلَدَ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ (٤) أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (٥) يَقُولُ أَهْلَكْتُ مالًا لُبَدًا (٦) أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (٧)\nأَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (٨) وَلِسانًا وَشَفَتَيْنِ (٩) وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ (١٠)\nوقوله تعالى: وَوالِدٍ وَما وَلَدَ قال مجاهد: هو آدم وجميع ولدهِ «٢»، وقال ابن عباس: ما معناه أنّ الوالدَ والولدَ هنا على العمُومِ فهي أسماء جِنْسٍ يَدْخل فيها جميعُ الحيوانِ «٣»، والقَسَمُ واقع على قوله: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ قال الجمهور: الإنْسَانُ اسم جنسٍ والكَبَدُ المشقةُ والمكَابَدَةُ، أي: يُكَابِد أمرَ الدنيا والآخرة، ورُوِيَ: أَن سببَ نزولِ هذه الآية رَجُلٌ من قريشٍ يقال له أبو الأَشَدِّ، وقيل نزلتْ في عمرو بن عبد ود،\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٢/ ٥٨٥)، (٣٧٢٣١)، وذكره ابن عطية (٥/ ٤٨٣)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٥١١)، والسيوطي في «الدر المنثور»، وعزاه للحاكم وصححه من طريق مجاهد عن ابن عبّاس بنحوه.\n(٢) أخرجه الطبري (١٢/ ٥٨٦)، (٣٧٢٤٨)، وذكره ابن عطية (٥/ ٤٨٣)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٥١١)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٥٩٣)، وعزاه للفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد.\n(٣) أخرجه الطبري (١٢/ ٥٨٦)، (٣٧٢٤٧)، وذكره ابن عطية (٥/ ٤٨٣) . [.....]","vol":"5","page":590},{"text":"وقال: مقاتل: نَزَلَتْ في الحارثِ بن عامر بن نوفل أذنب فاستفتى النبي ﷺ فَأَمَرَهُ بِالكَفَّارَةِ، فَقَالَ: لَقَدْ أَهْلَكْتُ مَالًا في الكفارات وَالنفَقَاتِ، مُذْ تَبِعْتُ مُحَمَّدًا، وَكَانَ كُلُّ واحد منهم قد ادعى أَنَّهُ أَنْفَقَ مَالًا كَثِيرًا على إفْسَادِ أمر النبيّ ﷺ أَوْ في الكَفَّارَاتِ على مَا تَقَدَّمَ.\nوقوله: أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا أي: أنفقْتُ مالًا كثيرًا، ومن قال: أَن المرادَ اسمُ الجِنْسِ غيرُ معينٍ، جَعَلَ قولَه: أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ بمعنى: أيظُنُّ الإنسانُ أن لَيس عليه حفظةٌ يرون أعمالَه ويُحْصونَها إلى يوم الجزاء، قال السهيلي: وهذه الآيةُ وإن نزلتْ في أبي الأشد فإن الألفَ واللامَ في الإنسان للجنسِ، فيشتركُ مَعَهُ في الخِطابِ كلّ من ظن ظنه وفعل مثلَ فِعْلِه/ وعلى هذا أكثرُ القُرْآنَ، يَنْزِل في السَّبَبِ الخاصِّ بلفظِ عامٍ يتناولُ المَعْنَى العام انتهى، وخرَّج مسلم عن أبي برزة قَال: قال رسولُ اللَّه ﷺ: لاَ تَزُولُ قَدَمَا العَبْدِ يَوْمَ القِيَامَةِ حتى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعٍ: عَنْ عُمْرِه فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ جَسَدِهِ فِيمَا أَبْلاَهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ مَاذَا عَمِلَ به، وَعَنْ مَالِهِ، مِنْ أَيْنَ اكتسبه وَفِيمَ أَنْفَقَهُ» «١»، وخرَّجه أيضًا الترمذيُّ وقال فيه: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ «٢»، انتهى، وقرأ الجمهور «٣»: لُبَدًا أي: كثيرًا متلبِّدًا بعضُه فوقَ بعضٍ، ثم عدَّدَ تعالى علَى الإنسانِ نَعَمَه في جوارِحه، والنَّجْدَيْنِ: قال ابن عباس والناسُ: هما طريقَا الخَيْرِ والشرِّ، أي: عَرَضْنَا عليه طريقَهما، وليستِ الهداية هنا بمعنى الإرْشَادِ «٤»، وقال الضحاكُ: النَّجْدَانِ ثَدْيَا الأمّ، وهذا مثال، والنجد: الطريق المرتفع «٥» .\n_________\n(١) أخرجه الدارمي في «سننه» (١/ ١٣٥)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٢/ ٢٨٦) (١٧٨٥) .\nقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٣٤٩): رواه الطبراني والبزار بنحوه ورجال الطبراني رجال «الصحيح» غير صامت بن معاذ، وعدي بن عدي الكندي وهما ثقتان.\n(٢) أخرجه الترمذي (٤/ ٦١٢)، كتاب «صفة القيامة» باب: في القيامة (٢٤١٦)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٢/ ٢٧٦)، (١٧٨٤)، عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁.\nقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه من حديث ابن مسعود عن النبي ﷺ إلا من حديث الحسين بن قيس، وحسين بن قيس يضعف في الحديث من قبل حفظه.\nوفي الباب عن أبي برزة ﵁: أخرجه الترمذي (٤/ ٦١٢)، كتاب «صفة القيامة» باب: في القيامة (٢٤١٧)، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (١٠/ ٢٣٢)، وأبو يعلى (١٣/ ٤٢٨)، (٧٤٣٤) .\n(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٤٨٤)، و«البحر المحيط» (٨/ ٤٧٠)، و«الدر المصون» (٦/ ٥٢٥) .\n(٤) أخرجه الطبري (١٢/ ٥٩١)، (٣٧٢٩٣)، وذكره ابن عطية (٥/ ٤٨٤)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٥١٢) بنحوه.\n(٥) أخرجه الطبري (١٢/ ٥٩١) (٣٧٣٠٧)، وذكره البغوي (٤/ ٤٨٩)، وابن عطية (٥/ ٤٨٤)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٥٩٥)، وعزاه لعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عبّاس ﵁.","vol":"5","page":591},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1653>[سورة البلد (٩٠): الآيات ١١ الى ١٦]</span>\nفَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ (١٥)\nأَوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ (١٦)\nوقوله تعالى: فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ الآية، قولهُ «فَلاَ» هو عند الجمهورِ تحضيضٌ بمعنى: ألا اقتحم، والعقبةُ في هذه الآيةِ عَلى عُرْفِ كلامِ العَرَبِ استعارةٌ لهذا العمل الشاقِّ على النفسِ، من حيثُ هو بِذَلُ مالٍ، تشبيهٌ بعقبة الجبل، واقْتَحَمَ: معناه: دَخَلَهَا وجَاوَزَها بسرعةٍ وضَغْط وشدة، ثم عَظَّم تعالى أمر العقبةِ في النفوس بقولهِ: وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ ثمَّ فَسَر اقتحَامَ العقبةِ بقوله: فَكُّ رَقَبَةٍ الآية، وهذا على قراءةِ مَنْ قرأ: فَكُّ رَقَبَةٍ بالرفعِ على المَصْدَرِ وأما من قرأ: «فَكَّ رَقَبَةً أوْ أطْعَمَ» عَلَى الفعلِ، ونَصَبَ الرقبةَ، وهي قراءةُ أبي عمرِو «١»، فليسَ يحتاجُ أن يُقَدَّرَ: وما أدرَاكَ ما اقتحامٌ بلْ يكونُ التعظيمُ للعقَبةِ نَفْسِها ويجيءُ فَكُّ بَدَلًا من اقْتَحَمَ ومبيَّنًا لَه، وفَكُّ الرقَبةِ هو عَتْقُها من رِبْقَةِ الأسرِ أو الرِّقِّ، وفي الحديث/ عن النبي ﷺ: «مَنْ أعْتَقَ نَسَمَةً مؤمِنَةً أعْتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهَا عُضْوًا مِنْهُ مِنَ النَّارِ» «٢»، والمسْغَبَةُ: الجماعة، والساغب: الجائع وذا مَقْرَبَةٍ:\nمعناه: ذَا قَرَابَةٍ لتجتمعَ الصدقةُ والصلة، وذا مَتْرَبَةٍ: معناه: مُدْقَعًا قَدْ لَصِقَ بالترابِ وهذا ينْحو إلى أنّ المسكينَ أشَدَّ فاقةً مِنَ الفقيرِ، قال سفيانُ: هم المَطْرُوحُونَ على ظهرِ الطريقِ قُعُودًا على الترابِ لا بُيُوتَ لهم «٣»، وقال ابن عباس: هو الذي يَخْرُجُ من بيته ثم يَقْلِبُ وجهَه إلى بيته مستيقنًا أنه ليس فيه إلا التراب «٤» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1654>[سورة البلد (٩٠): الآيات ١٧ الى ٢٠]</span>\nثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧) أُولئِكَ أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ (١٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا هُمْ أَصْحابُ الْمَشْأَمَةِ (١٩) عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ (٢٠)\nوقوله تعالى: ثُمَّ كانَ معطوفٌ على قوله: اقْتَحَمَ والمعنى: ثم كان وقتَ اقتحامِه العقبةَ من الذين آمنوا.\n_________\n(١) وهي قراءة ابن كثير والكسائيّ.\nينظر: «السبعة» (٦٨٦)، و«الحجة» (٦/ ٤١٣)، و«معاني القراءات» (٣/ ١٤٧)، و«شرح الطيبة» (٦/ ١١٤)، و«العنوان» (٢١٠)، و«حجة القراءات» (٧٦)، و«شرح شعلة» (٦٢٤)، و«إتحاف» (٢/ ٦١٠) .\n(٢) تقدم تخريجه.\n(٣) أخرجه الطبري (١٢/ ٥٩٦)، (٣٧٣٤٤) عن ابن عبّاس، وذكره ابن عطية (٥/ ٤٨٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٥٩٧)، وعزاه للفريابي، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم عن ابن عبّاس ﵄.\n(٤) أخرجه الطبري (١٢/ ٥٩٦)، (٣٧٣٤٥)، وذكره ابن عطية (٥/ ٤٨٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٥٩٨)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر عن ابن عبّاس ﵄.","vol":"5","page":592},{"text":"وقوله تعالى: وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ معناه: على طاعةِ الله وبلائه وقضائه وعن الشهوات والمعاصي، وبِالْمَرْحَمَةِ قال ابن عباس: كلُّ ما يؤَدِّي إلى رحمةِ اللَّهِ تعالى «١»، وقال آخرون: هو التراحمُ والتعاطُفُ بينَ الناسِ، وفي ذلك قِوَامُ الناس ولو لم يتراحموا جملة لهلكوا، والْمَيْمَنَةِ، فيما رُوِيَ عن يمينِ العرشِ وهو موضِع الجنّة، ومكان المرحومين من الناس، والْمَشْأَمَةِ: الجانب الأشْأَمُ وهُو الأَيْسَرُ وفيه جهنَّم وهو طريق المعذبين، ومُؤْصَدَةٌ معناه: مطبقة مغلقة.\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٥/ ٤٨٦) .","vol":"5","page":593},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1655>تفسير سورة «الشمس»</span>\nوهي مكّيّة\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1656>[سورة الشمس (٩١): الآيات ١ الى ٢]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nوَالشَّمْسِ وَضُحاها (١) وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها (٢)\nأقْسَمَ اللَّهُ تعالى بالشمسِ: إما على التنبيهِ منها على الاعتبارِ المؤَدِّي إلى معرفةِ اللَّهِ تعالى، وإما على تقديرِ ورَبِّ الشمسِ، والضُّحَى- بالضم والقصرِ-: ارتفاعُ ضوء الشمسِ وإشراقُه، قاله مجاهد «١» وقال مقاتل: ضُحاها حَرُّها كقوله في طه: وَلا تَضْحى [طه: ١١٩]، والضَّحَاءُ- بفتح/ الضادِ والمَدِّ-: ما فَوْقَ ذلك إلى الزَّوالِ، والقَمَرُ يَتلو الشمسَ من أول الشّهرِ إلى نصفِه في الغروبِ تغربُ هي ثم يغربُ هو، ويتلُوها في النصفِ الآخر بنحو آخرَ وهو أن تغربَ هي فيطلعُ هو «٢»، وقَال الحسنُ: تَلاها معناه تَبَعها دَأْبًا في كل وقت لأَنّه يستضيءُ منها فهو يتلوها لذلك «٣»، وقال الزجاج وغيره: تلاها في المنزلةِ من الضياءِ والقَدْرِ: لأَنَّه ليس في الكواكبِ شيءٌ يتلو الشمس في هذا المعنى غير القمر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1657>[سورة الشمس (٩١): الآيات ٣ الى ٧]</span>\nوَالنَّهارِ إِذا جَلاَّها (٣) وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها (٤) وَالسَّماءِ وَما بَناها (٥) وَالْأَرْضِ وَما طَحاها (٦) وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها (٧)\nوقولهُ: وَالنَّهارِ ظاهرُ هذهِ السورةِ والتي بعدَها أن النَّهارَ من طلوعِ الشمسِ، وكذلك قال الزجاج في كتاب «الأنواء» وغيرُه، واليوم من طلوعِ الفجر، ولا يُخْتَلَفُ أَنَّ نِهَايَتَهُمَا مَغِيبُ الشَّمْسِ، والضمير في جَلَّاها يحتملُ أنْ يعودَ على الشمس، ويحتمل أن\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٢/ ٥٩٩)، (٣٧٣٥٨)، وذكره البغوي (٤/ ٤٩١)، وابن عطية (٥/ ٤٨٧)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٥١٥)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٥٩٨)، وعزاه للحاكم وصححه من طريق مجاهد عن ابن عبّاس بنحوه.\n(٢) ذكره البغوي (٤/ ٤٩١)، وابن عطية (٥/ ٤٨٧) .\n(٣) أخرجه الطبري (١٢/ ٦٠٠) عن مجاهد برقم: (٣٧٣٦٠)، وذكره ابن عطية (٥/ ٤٨٧)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٦٠٠)، وعزاه لابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عبّاس.","vol":"5","page":594},{"text":"يعودَ على الأَرْضِ، أو على الظُّلْمَةِ، وإنْ كان لم يَجْرِ لذلك ذِكْرٌ، فالمعنَى يقتضيه قاله الزجاج، و«جَلَّى» معناه كَشَفَ وضَوَى والفاعل ب «جَلَّى» على هذه التأويلاتِ النهارُ، ويحتمل أن يكونَ الفاعلَ اللَّهُ تعالى، كأنّه قال: والنهارِ، إذ جَلَّى اللَّهُ الشمسَ، فأقْسمَ بالنهار في أكملِ حالاتِه، و«يغْشَى» معناه: يُغَطِّي، والضميرُ للشمسِ على تجوُّزٍ في المعْنَى أو للأَرض.\nوقوله تعالى: وَما بَناها وكلُّ ما بعدَه من نظائرِه في السورةِ يحتملُ أَن تَكُوْنَ «ما» فيه بمعنى الذي قاله أبو عبيدة، أي: ومَنْ بَناهَا، وهو قولُ الحسن ومجاهد، فيجيءُ القسمُ باللَّه تعالى «١»، ويحتملُ أَنْ تَكُونَ مَا في جميعِ ذلك مصدرية قاله قتادةُ والمبردُ والزجاجُ، كأنَّه قالَ: والسماءِ وبنائِها «٢»، و«طحا» بمعنى: دَحَا، ت: قال الهروي:\nقوله تعالى: وَالْأَرْضِ وَما طَحاها أي بَسَطَها فأوسَعَها، ويقال طَحَا بِه الأمْرُ أي اتَّسَعَ به في المَذْهَبِ، انتهى، والنفسُ التي أقْسَمَ بِها سبحانه اسْمُ جنسٍ، وتسويتُها إكمالُ عقلها ونظرها.\nالثعلبيّ: وسَوَّاها أي: عدّل خلقها، انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1658>[سورة الشمس (٩١): الآيات ٨ الى ١٥]</span>\nفَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها (٩) وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها (١٠) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها (١١) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها (١٢)\nفَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ناقَةَ اللَّهِ وَسُقْياها (١٣) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاها (١٤) وَلا يَخافُ عُقْباها (١٥)\nوقوله سبحانه: فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها أي: عرَّفَها طرق «٣» ذلكَ، وجَعَلَ لها قوةً يصحُّ معها اكتسابُ الفُجُور أو اكتسابُ التقوى، وجوابُ القَسَمِ في قوله: قَدْ أَفْلَحَ والتقديرُ: لَقَدْ أفْلَحَ، زاد- ص-: وحُذِفَتْ اللامُ للطُولِ انتهى، والفاعلُ ب «زكى» يحتملُ أَن يكُونَ اللَّهُ تَعَالَى قاله ابن عباس وغيره «٤»، ويحتمل أن يكون الإنسان قاله\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٢/ ٦٠١) عن مجاهد، برقم: (٣٧٣٦٨)، وذكره ابن عطية (٥/ ٤٨٨)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٥١٥)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٥٩٩)، وعزاه للحاكم وصححه من طريق مجاهد عن ابن عبّاس بنحوه. [.....]\n(٢) أخرجه الطبري (١٢/ ٦٠١)، (٣٧٣٦٧) عن قتادة، وذكره البغوي (٤/ ٩٩٢)، وابن عطية (٥/ ٤٨٨)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٥١٥) عن قتادة.\n(٣) في د: طريق.\n(٤) أخرجه الطبري (١٢/ ٦٠٣)، (٣٧٣٨٣)، وذكره ابن عطية (٥/ ٤٨٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٦٠٢)، وعزاه لحسين في «الاستقامة»، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عبّاس.","vol":"5","page":595},{"text":"الحسن وغيره «١»، وزَكَّاها أي طهّرها ونمّاها بالخيرات ودَسَّاها معناه: أخْفَاهَا وحَقَّرَها وصَغَّرَ قدْرَها بالمعاصِي والبخلِ بما يَجِبُ وأَصلُ «دَسَّى»: دَسَّسَ ومنه قول الشاعر: [الطويل]\nوَدَسَّسْتَ عَمْرًا في التُّرَابِ فَأَصْبَحَت ... حَلائِلُهُ مِنْهُ أَرامِلَ ضُيَّعَا «٢»\nت: قال الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي: ومن عيوبِ النفس الشفقةُ عليها، والقيامُ بتَعَهُّدِها وتحصيلِ مآربِها، ومداواتُها الإعراضُ عَنْها وقلةُ الاشْتِغَالِ بها، كذلك سمعتُ جَدِّي يقول: مَنْ كَرُمَتْ عليه نفسهُ هَانَ عليه دينُه، انتهى من تأليفه في عيوب النفس، وروي: أن النبي ﷺ كان إذا قرأ هذه الآيةَ قال: «اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلاَهَا» «٣»، قال «صاحبُ الكَلِمُ الفَارِقِيَّةِ والْحِكَمِ الحقيقيَّةِ»: النفسُ الزكيَّةُ زِينَتُها نَزَاهَتُها، وعافيتُها عِفَّتُها، وطَهَارَتُها وَرَعُها، وغِنَاها ثِقَتُها بمولاها وعلمُها بأنَّه لا ينساها، انتهى، ولما ذَكَر تعالى خَيْبَة مَنْ دسَّى نفسَه ذكرَ فرقةً فَعَلَتْ ذلكَ ليعتبرَ بهم، وينتهى/ عن مثلِ فعلِهم، والطَّغْوَى: مصدرٌ وقال ابن عباس:\nالطغوى هنا العذابُ. كذَّبُوا به حتَّى نَزلَ بهِم ويؤيدُه قولُه تعالى: فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ»\n[الحاقة: ٥] وقال جمهورُ من المتأولين: الباءُ سببيةٌ والمعنى: كذّبت ثمود نبيّها بسبب طغيانها، وأَشْقاها: هو قدار بن سالف، وقد تقدم قصصُهم، ت:\nوناقَةَ اللَّهِ وَسُقْياها قيل: نَصْبٌ بفعلٍ مُضْمَرٍ تقديرُه احْفَظُوا أو ذَرُوا، وقال- ص-:\nناقَةَ اللَّهِ الجمهورُ: بنصبِ ناقَةَ على التحذيرِ أي احذرُوا ناقةَ اللَّهِ، وهو مما يجبُ إضمارُ عامِله، انتهى، وفَدَمْدَمَ معناه أنْزَلَ العذابَ مُقَلْقِلًا لهمْ مكرَّرًا ذلك، وهي الدَّمْدَمَةُ، الثعلبيُّ: قال مؤرج: الدمدمةُ أهلاكٌ باستئصالٍ، انتهى، وكذلكَ قال أبو حيانٍ «٥»، وقال الهروي: قال الأزهريُّ: فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ أي: أطبق عليهم العذاب، وقيل\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٢/ ٦٠٣) عن قتادة، برقم: (٣٧٣٨٦)، وذكره ابن عطية (٥/ ٤٨٨)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٥١٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٦٠١)، وعزاه لعبد بن حميد عن الحسن.\n(٢) البيت لرجل من طي.\nينظر: «اللسان» (دسا)، «البحر المحيط» (٨/ ٤٧٢)، و«الدر المصون» (٦/ ٥٣١)، و«المحرر الوجيز» (٥/ ٤٨٨) .\n(٣) تقدّم تخريجه.\n(٤) أخرجه الطبري (١٢/ ٦٠٥)، (٣٧٣٩٨)، وذكره ابن عطية (٥/ ٤٨٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٦٠٢)، وعزاه لابن جرير عن ابن عبّاس.\n(٥) ينظر: «البحر المحيط» (٨/ ٤٧٦) .","vol":"5","page":596},{"text":"فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ أي: غَضِبَ عليهم، انتهى.\nوقوله تعالى: فَسَوَّاها أي فَسَوَّى القبيلةَ في الهَلاَكِ لَم يَنْجُ مِنْهم أَحَدٌ، وقرأ نافع وابن عامر «١»: «فَلاَ يَخَافُ عُقْبَاهَا» والمعنى: فَلاَ دَرَكَ عَلَى اللَّهِ تعالى في فعلهِ بهم وهذا قول ابن عباس والحسن «٢»، ويحتملُ أنْ يكونَ الفاعل ب يَخافُ صالحا ع أي: لا يخاف عُقْبَى هذه الفعلةِ بهم إذ كَانَ قَدْ أنذَرهم، وقرأ الباقون: «ولاَ يَخَافُ» بالواوِ فَتَحْتَمِلُ الوجهينِ، وتحتملُ هذه القراءةُ وجْهًا ثالثًا: أنْ يكونَ الفاعلُ ب يَخافُ المنبعثَ قاله الزجاجُ والضحاكُ والسدي، وغيرُهم، وتكون الواوُ واوَ الحالِ، كأنّه قال: انْبَعَثَ لِعَقْرِهَا وهو لا يخاف عقبى فعله «٣» .\n_________\n(١) ينظر: «السبعة» (٦٨٩)، و«الحجة» (٦/ ٤٢٠)، و«إعراب القراءات» (٢/ ٤٩١)، و«معاني القراءات» (٣/ ١٥٠)، و«شرح الطيبة» (٦/ ١١٦)، و«العنوان» (٢١)، و«حجة القراءات» (٧٦٦)، و«شرح شعلة» (٦٢٥)، و«إتحاف» (٢/ ٦١٢) .\n(٢) أخرجه الطبري (١٢/ ٦٠٦) عن ابن عبّاس برقم: (٣٧٤٠٩)، وعن الحسن برقم: (٣٧٤١٠)، وذكره البغوي (٤/ ٤٩٤)، وابن عطية (٥/ ٤٨٩)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٥١٧)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٦٠٢)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن الحسن.\n(٣) أخرجه الطبري (١٢/ ٦٠٦) عن السدي برقم: (٣٧٤١٧)، وذكره البغوي (٤/ ٤٩٤)، وابن عطية (٥/ ٤٨٩)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٥١٧)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٦٠٢)، وعزاه لابن جرير عن الضحاك.","vol":"5","page":597},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1659>تفسير سورة «اللّيل»</span>\nوهي مكّيّة في قول الجمهور\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1660>[سورة الليل (٩٢): الآيات ١ الى ٢]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nوَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى (١) وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى (٢)\nأقسَمَ تعالى بالليل إذا غَشِيَ الأرضَ وجميعَ ما فيها، وبالنهارِ إذا تَجَلَّى، أي: ظهَرَ وضَوَّى الآفاقَ، وقال- ص-: يَغْشى: مفعولهُ محذوفٌ فيحتملُ أنْ يكونَ النهارَ كقوله: يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ [الأعراف: ٥٤] أو الشمس كقوله تعالى: وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها [الشمس: ٤] وقيل الأرض وما فيها، انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1661>[سورة الليل (٩٢): الآيات ٣ الى ١٤]</span>\nوَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٣) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤) فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى (٧)\nوَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى (١٠) وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدَّى (١١) إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى (١٢)\nوَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى (١٣) فَأَنْذَرْتُكُمْ نارًا تَلَظَّى (١٤)\nوقوله تعالى: وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى يحتملُ أنْ تكونَ «ما» بمعنى: «الذي» ويحتملُ أَنْ تكونَ مصدريةً، والذكرُ والأنثى هنا عامٌّ، وقال الحسن: المرادُ آدمُ وحواء «١»، والسَّعْيُ العَمَلُ، فأخبرَ تعالى مُقْسِمًا أَنَّ أعمالَ العبادِ شَتَّى، أي: متفرقة جدًّا بعضُها في رِضَى اللَّهِ، وبعضها في سَخَطِه، ثم قَسَّم تعالى الساعينَ فقال: فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى الآية، ويُروى أن هذهِ الآيَة نزلتْ في أبي بكرٍ الصديقِ﵁-.\nوقوله تعالى: وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى قيل هي: لا إله إلا اللَّه، وقيل: هي الخَلَفُ الذي وَعَدَ اللَّه بهِ، وقيل: هي الجنةُ، وقال كثيرٌ من المتأولينَ: الحسنى: الأجرُ والثوابُ مُجْمَلًا، والعُسْرَى: الحال السيئة في الدنيا والآخرة، ومن جَعل بَخِلَ في المالِ خَاصَّةً جَعَلَ اسْتَغْنى في المالِ أيضًا، لتَعْظُمَ المَذَمَّةُ، ومَنْ جَعَلَ بَخِلَ عَامًّا في جَمِيعِ مَا يَنْبَغِي أن يبْذَلَ، مِنْ قَولٍ أو فعلٍ قال: اسْتَغْنى عن اللَّهِ ورحمتهِ بِزَعْمِه، وظاهرُ قوله:\n_________\n(١) ذكره البغوي (٤/ ٤٩٤)، وابن عطية (٥/ ٤٩٠) .","vol":"5","page":598},{"text":"وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ أَنَّ الإعطاءَ والبخلَ المذكورين إنما هما في المال.\nوقوله تعالى: إِذا تَرَدَّى، قال قتادة وغيره: معناه تردَّى في جهنم «١» . وقال مجاهد: تَرَدَّى معناه: هَلَكَ من الردَّى «٢»، وخَرَّج البخاريُّ وغيرُه عن علي﵁- قال: «كُنَّا مع النبيِّ ﷺ في بَقِيعِ الغَرْقَدِ في جِنَازَةٍ، فقالَ: مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ، أوْ مَا/ مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إلاَّ وَقَدْ كُتِبَ مَكَانُهَا مِنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَإلاَّ قَدْ كُتِبَتْ شَقِيَّةً أَوْ سَعِيدَةً، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّه، أفَلاَ نتَّكِلُ على كِتَابِنَا، وَنَدَعُ الْعَمَلَ، فَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَسَيَصِيرُ إلى أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ الشَّقَاءِ فَسَيَصِيرُ إلى عَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاءِ؟ قال: أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ، فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ، فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ، ثُمَّ قَرَأَ: فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى إلى قوله:\nلِلْعُسْرى» وفي روايةٍ، لَمَا قيلَ له: أفَلاَ نتَّكِلُ على كِتَابِنَا، قال: لاَ بَلِ اعملوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ» الحديثَ، وخرَّجه الترمذيُّ أيضًا، انتهى، قال ابنُ العربيِّ في «أحكامه»:\n«وسأل شابّان رسول الله ﷺ فَقَالاَ: العَملُ فِيما جَفَّتْ بهِ الأَقْلاَمُ وجَرَتْ بهِ المَقَادِيرُ أَمْ في شَيْءٍ مُسْتَأْنَفٍ؟ فقال: بَلْ فِيمَا جَفَّتْ بِهِ الأَقْلاَمُ، وجَرَتْ بِهِ المَقَادِيرُ، قَالاَ: فَفِيمَ العَمَلُ إذَنْ: قَالَ: اعملوا فَكُلُّ مُيسَّر لِعَمَلِهِ الَّذِي خُلِقَ له» قالا: فالآنَ نَجِدُّ ونَعْمَلُ» «٣» انتهى، وقال قوم: معنى تردى، أي: بأكْفَانِهِ مِنَ الرِّدَاءِ ومنه قول الشاعر: [الطويل]\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٢/ ٦١٧)، (٣٧٤٨١)، وذكره البغوي (٤/ ٤٩٦)، وابن عطية (٥/ ٤٩١)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٥٢٠)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٦٠٦)، وعزاه لعبد الرزاق، وعبد بن حميد عن قتادة.\n(٢) أخرجه الطبري (١٢/ ٦١٧)، (٣٧٤٨٢)، وذكره البغوي (٤/ ٤٩٦)، وابن عطية (٥/ ٤٩١)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٥٢٠)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٦٠٦)، وعزاه للفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد. [.....]\n(٣) أخرجه البخاري (١١/ ٥٣٠)، كتاب «القدر» باب: وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا (٦٦٠٥)، (١٣/ ٥٣١)، كتاب «التوحيد» باب: قول الله تعالى: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٧٥٥٢)، ومسلم (٤/ ٢٠٣٩، ٢٠٤٠)، كتاب «القدر» باب: كيفية الخلق الآدمي في بطن أمه، وكتابة رزقه وأجله وعمله وشقاوته وسعادته (٦- ٧/ ٢٦٤٧)، وأبو داود (٢/ ٦٣٤- ٦٣٥)، كتاب «السنة» باب: في القدر (٤٦٩٤)، والترمذي (٤/ ٤٤٥)، كتاب «القدر» باب: ما جاء في الشقاوة والسعادة (٢١٣٦)، (٥/ ٤٤١)، كتاب «التفسير» باب: ومن سورة: وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى (٣٣٤٤)، وأحمد (١/ ٨٢، ١٢٩، ١٣٢- ١٣٣، ١٤٠، ١٥٧)، وابن حبان (٢/ ٤٣- ٤٤- ٤٥)، كتاب «البر والإحسان» باب: ما جاء في الطاعات وثوابها (٢٣٣- ٢٣٤)، والطيالسي (١/ ٣٢)، كتاب «القدر» باب: ما جاء في العمل مع القدر (٦١)، وابن ماجه (١/ ٣٠- ٣١)، «المقدمة» باب: في القدر (٧٨) .\nقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.","vol":"5","page":599},{"text":"نصيبك مما تجمع الدهر كله ... رداءان تلوى فِيهِمَا وَحَنُوطُ «١»\nثم أخبر تعالى أن عليه هدى الناس جميعًا، أي: تعريفَهم بالسُّبل كلِّها، وليستْ هذه الهدايةُ بالإرشَادِ إلى الإيمان، ولو كانَ ذلِك لَمْ يُوجَدْ كافرٌ، قال البخاريُّ: «تَلَظَّى»: تُوَهَّجٌ وقال الثعلبيَّ: تَتَوقَّدُ، وتتوهَّج، انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1662>[سورة الليل (٩٢): الآيات ١٥ الى ٢١]</span>\nلا يَصْلاها إِلاَّ الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى (١٨) وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى (١٩)\nإِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضى (٢١)\nوقوله سبحانه: لاَ يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى المعنى: لا يصْلاَها صَلْيَ خُلُودٍ، ومن هنا ضَلَّتْ المُرْجِئَةُ لأنها أخَذَتْ نَفْيَ الصَّلْيِ مُطْلَقًا، ولم يَخْتَلِفْ أَهلُ التأويلِ أن المرادَ بالأتْقَى إلى آخر السورة/ أبو بكرٍ الصديقِ، ثم هي تَتَنَاولُ كلَّ مَنْ دَخَلَ في هذِه الصفاتِ، وباقي الآيةِ بيِّنٌ، ثم وَعَدَه تعالى بالرِّضَى في الآخرةِ وهذه [عِدَةٌ] لأبي بكرٍ﵁-.\n_________\n(١) البيت في «البحر المحيط» (٨/ ٤٧٨)، و«المحرر الوجيز» (٥/ ٤٩١)، و«الدر المصون» (٦/ ٥٣٥) .","vol":"5","page":600},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1663>تفسير سورة «الضّحى»</span>\n[وهي] مكّيّة بلا خلاف\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1664>[سورة الضحى (٩٣): الآيات ١ الى ٦]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nوَالضُّحى (١) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى (٢) ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى (٣) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى (٤)\nوَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى (٥) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى (٦)\nتقدّم تفسير الضُّحى بأنه: سُطُوع الضوءِ وعِظَمُه، وقال قتادة: الضُّحى هنا النهار كلّه «١» وسَجى معناه سَكَنَ واستقَرَّ لَيْلًا تامًّا، وقيل: معناه أقْبَلَ، وقِيلَ: معناه أدْبَرَ، والأولُ أصحُّ، وعليه شواهِدُ، وقال البخاريُّ: قال مجاهد: إِذا سَجى اسْتَوَى «٢»، وقال غيره: أظلمَ وسكنَ، انتهى،، وقرأ الجمهور: مَا وَدَّعَكَ- بشدِ الدالِ- من التَّوْدِيع وقُرِىءَ «٣» بالتخفيفِ بمعنى: ما تَرَكَكَ، وقال البخاريُّ: مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ بالتشديدِ والتخفيفِ: ما تَرَكَكَ، انتهى.\nوقَلى أبْغَضَ، نزلتْ بسببِ إبطَاءِ الوَحْي مدَّة وَلَلْآخِرَةُ يعني: الدارَ الآخِرَةَ خيرُ لَكَ من الدنيا، وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى قيل: هي أرْجَى آية في القرآن لأنّه ﷺ لا يرضى، وواحدٌ من أمتهِ في النارِ، ورُوِي أنه﵊- قال لما نَزَلَتْ: «إِذنْ لاَ أرضى، وأَحدٌ مِنْ أُمَّتِي في النَّارِ» قال عِيَاضٌ: وهذه آيةٌ جامعةٌ لوجوه الكرامة وأنواع\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٢/ ٦٢١)، (٣٧٤٩٢)، وذكره البغوي (٤/ ٤٩٨)، وابن عطية (٥/ ٤٩٣)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٦٠٩)، وعزاه لعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن قتادة ﵁.\n(٢) أخرجه الطبري (١٢/ ٦٢٢)، (٣٧٤٩٦)، وذكره البغوي (٤/ ٤٩٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٦٠٩)، (٦/ ٦٠٩) وعزاه للفريابي وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد ﵁.\n(٣) حكيت عن النبي ﷺ، وكذلك عروة بن الزبير.\nينظر: «الشواذ» ص: (١٧٥)، و«المحتسب» (٢/ ٣٦٤)، و«الكشاف» (٤/ ٧٦٥)، و«المحرر الوجيز» (٥/ ٤٩٣)، و«البحر المحيط» (٨/ ٤٨٠)، و«الدر المصون» (٦/ ٥٣٧) .","vol":"5","page":601},{"text":"السعادةِ في الدارين، انتهى، [ت: وفي «صحيح مسلم» من رواية عبد اللَّه بن عمرو بن العَاصِي: أنَّ النبي ﷺ تلا قول الله﷿- في إبراهيمَ ﵇: رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [إبراهيم:\n٣٦] وقولُ عيسى ﵇: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [المائدة: ١١٨] فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ، أُمَّتِي أُمَّتِي، وبكى، فَقَالَ اللَّهُ- جَلَّ ثناؤُهُ- يَا جِبْرِيلُ اذهب إلى مُحَمَّدٍ فَقُلْ لَهُ: إنَّا سَنُرْضِيكَ في أمّتك ولا نسؤوك، انتهى مختصرًا] «١»، ثُمَّ وَقَفَ تَعَالَى نبيَّه على المراتبِ التي دَرَجَه عَنْها بإنعَامِهِ فقال: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1665>[سورة الضحى (٩٣): الآيات ٧ الى ١١]</span>\nوَوَجَدَكَ ضَالًاّ فَهَدى (٧) وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى (٨) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (١٠) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)\nوقوله تعالى: وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى اخْتَلَفَ الناسُ في تأويلِهِ، والضلالُ يَخْتَلِفُ، فمنه البعيدُ ومنه القريبُ فالبعيدُ ضلالُ الكفَّارِ، وهذا قَدْ عَصَمَ الله منه نبيّه فلم يعبد/ ﷺ صَنَمًا قط، ولا تَابعَ الكفارَ على شيءٍ مما هم عليه من الباطلِ، وإنما ضلالُه ﷺ هو كَوْنُهُ واقفًا لا يَميزُ المَهْيَعَ، بل يُدْبِرُ وَيَنْظُر، وقال الترمذي وعبد العزيز بن يحيى: ضَالًّا معناه: خاملُ الذِّكْرِ لا يعرفُك الناسُ فهداهُم إليكَ ربُّك، والصوابُ أنه ضلالُ من توقّف لا يدري، كما قال ﷿: مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ [الشورى: ٥٢] وقال الثعلبي: قال بعض المتكلمين: إذا وجَدَتِ العربُ شَجَرَةً مفردة في فلاةٍ سَمَوْها ضالةً فَيُهْتَدَى بها إلى الطريقِ، أي: فَوَجَدْتُكَ وَحيدًا ليس معَك نبيٌّ غيرَك فهديتُ بك الخلقَ إليَّ، انتهى، قال عياض: وقال الجنيد: المَعْنَى: وَوَجَدَكَ متحيِّرًا في بيانِ ما أُنْزِلَ إليكَ فهَدَاكَ لبيانِه، لقوله: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ ... [النحل: ٤٤] الآية، قال عياض: ولا أعلمُ أحدًا من المفسرينَ قَال فيها ضالًاّ عَنْ الإيمانِ، وكذلك في قصةِ موسى﵇- قوله: فَعَلْتُها إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ [الشعراء: ٢٠] أي المخطئينَ، وقال ابن عطاء: وَوَجَدَكَ ضَالًّا أي: مُحِبًّا لمعرفتِي، والضَّالُّ: المحِبُّ، كما قال تعالى: إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ [يوسف: ٩٥] أي: محبَّتِكَ القديمةِ، انتهى، والعَائِلُ: الفقيرُ فَأَغْنى أي: بالقناعَةِ والصَّبْرِ، ثم وصَّاه تَعالى بثلاثِ وصَايَا بإزاءِ هذه النعم الثلاث، والسَّائِلَ هنا قَال أبو الدرداء: هو السائلُ عن العلم «٢»، وقيل: هو سائل المال، وقال\n_________\n(١) سقط في: د.\n(٢) ذكره ابن عطية (٥/ ٤٩٥)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٦١٢)، وعزاه لابن أبي حاتم.","vol":"5","page":602},{"text":"إبراهيم بن أدهم: نعم القومُ السؤال يحملنا زادنا إلى الآخرة.\nوقوله تعالى: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ قال مجاهد وغيره: معناه بُثَّ القرآن وبلِّغْ ما أُرسلْتَ بهِ «١»، قال عياض: / وهذا الأمرُ يَعُمَّ الأمة، انتهى، وقال آخرونَ: بل هُوَ عُمُوم في جميعِ النِّعم، وفي «سنن أبي داود» عن النبي ﷺ قال: «أَعْطُوا الأَجِيرَ حَقَّهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ «٢»، وَأَعْطُوا السَّائِلَ، وَإنْ جَاءَ على فَرَسٍ» «٣» قال البغويُّ في «المصابيحِ»: هذا حديثٌ مُرْسَلٌ انتهى.\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٥/ ٤٩٥)، وذكره أبو حيان (٨/ ٤٨٢) .\n(٢) أخرجه ابن ماجه (٢/ ٨١٧)، كتاب «الرهون» باب: إجارة الأجير على طعام بطنه (٢٤٤٣)، قال البوصيري في «الزوائد» (٢/ ٢٥٩): هذا إسناد ضعيف، وهب بن سعيد هو: عبد الوهاب بن سعيد وعبد الرحمن بن زيد وهما ضعيفان، لكن نقل عبد العظيم المنذري الحافظ في كتاب «الترغيب» له:\nابن عبد الرحمن بن زيد وثق، وقال: قال ابن عدي: أحاديثه حسان قال: وهو محن احتمله الناس وصدقه بعضهم وهو ممن يكتب حديثه، قال: ووهب بن سعيد وثقه ابن حبان وغيره انتهى.\nفعلى هذا يكون الإسناد حسنا والله أعلم، وأصله في «صحيح البخاري» وغيره من حديث أبي هريرة.\n(٣) أخرجه مالك (٢/ ٩٩٦)، كتاب «الصدقة» باب: الترغيب في «الصدقة» (٣)، مرسلا.\nقال العجلوني في «كشف الخفا» (١/ ١٦١): رواه مالك في «الموطأ» مرسلا عن زيد بن أسلم، قال ابن حجر في خطبة «اللآلئ المنثورة» وهو أحد الأحاديث الخمسة التي قال فيها علي بن المديني:\nخمسة أحاديث يرونها عن رسول الله ﷺ ولا أصل لها عنه.","vol":"5","page":603},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1666>تفسير سورة «الشرح»</span>\nوهي مكّيّة بإجماع\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1667>[سورة الشرح (٩٤): الآيات ١ الى ٨]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nأَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ (٤)\nفَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦) فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨)\nعَدَّدَ اللَّه تعالى على نبيه نِعَمَه عليه في أنْ شَرَحَ صدرَه للنبوَّةِ، وهَيأَه لها، وذَهَبَ الجمهورُ إلى أنَّ شَرْحَ الصدرِ المذكورِ إنما هو تنويرُه بالحكمةِ، وتوسِيعُه لتلقي مَا يُوحى إليه، وقال ابن عباس وجماعة: هذه إشارة إلى شَرْحِه بشَقِّ جبريلَ عنه في وقْتِ صِغَرهِ، وفي وقْتِ الإسراء إذا التشريحُ شَقُّ اللحْمِ، والوِزْرُ الذي وضعَهُ اللَّه عنه هو عند بعض المتأولين الثِّقَلُ الذي كان يجده ﷺ في نفسهِ من أجل ما كانتْ قريشٌ فيه من عبادةِ الأصْنَامِ فَرَفَعَ اللَّهُ عنه ذلكَ الثِّقَلَ بنبوَّتِه وإرسالهِ، وقال أبو عبيدةَ وغيره: المعنى: خَفَّفْنَا عنك أثقَال النبوَّةِ وأعنَّاكَ على الناسِ «١»، وقيل الوِزْرُ هنا: الذنوبُ، نظيرَ قولهِ تعالى:\nلِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ [الفتح: ٢] وقد تقدم بيانُه، الثعلبيّ: وقيلَ: معناه:\nعَصَمْنَاكَ من احتمالِ الوِزْرِ، انتهى. وأَنْقَضَ معناه: جَعَلَهُ نَقْضًا، أي: هَزيلًا، من الثِّقَلِ، قال عياض: ومعنى أَنْقَضَ، أي: كَادَ يَنْقُضُه، انتهى، وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ أي نَوَّهْنَا باسمِك، قال ع «٢»: ورفعُ الذكرِ نعمةٌ على الرسولِ وكذلكَ هُوَ جميلٌ حسنٌ للقائمينَ بأمورِ الناس، وخمولُ الاسْمِ والذكرِ حَسَنٌ للمنفردِينَ للعبادة، / والمعنى في هذا: التَّعْدِيد:\nأَنَّا قد فعلنا جميعَ هذا بكَ فلا تَكْتَرِثْ بأذى قريشٍ فإن الذي فعلَ بكَ هذه النعمُ سَيُظَفِّرُكَ بهم، قال عياض: ورَوَى أبو سَعِيدٍ الخدريُّ أن النبيّ ﷺ قال: «أَتَانِي جِبْريلُ فَقَالَ إنَّ رَبِّي وَرَبَّكَ يَقُولُ: أَتَدْرِي كَيْفَ رَفَعْتُ ذِكْرَكَ؟ قُلْتُ: اللَّهُ تعالى أَعْلَمُ، قال: إذَا ذُكِرْتُ ذُكِرْتَ مَعِي»، انتهى، ثم قوَّى سُبْحَانه رجاءَه بقولهِ: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا وكرّر تعالى\n_________\n(١) ذكره البغوي (٤/ ٥٠٢)، وابن عطية (٥/ ٤٩٦) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٤٩٧) .","vol":"5","page":604},{"text":"ذلكَ مبالغةً، وذَهَبَ كثيرٌ من العلماءِ إلى أنَّ مع كلِّ عُسْرٍ يُسْرَيْنِ بهذه الآية، من حيثُ إنَّ العُسْرَ مُعَرَّفٌ للعَهْدِ واليسْرُ مُنَكَّرٌ فالأولُ غَيْرُ الثاني، وقَدْ جاء في هذا التأويل حديث عن النبي ﷺ أنه قَالَ: «لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ» «١»، ثم أمر تعالى نَبِيَّهُ إذا فَرَغَ مِن شُغْلِ مِنْ أَشْغَالِ النبوَّةِ والعبادةِ أن يَنْصَبَ في آخِرِه، والنَّصَبُ: التعبُ، والمعنى: أن يَدْأَبَ على مَا أُمِرَ به ولاَ يَفْتُرَ، وقال ابنُ عباسٍ: إذا فَرغْتَ مِنْ فَرْضِكَ فَانْصَبْ في التَّنفُّلِ عبادةً لربك «٢»، ونحوُه عن ابن مسعود وعن مجاهد: «فإذا فرغت من العبادةِ فانْصَبْ في الدعاء» «٣» .\nوَقَوْلُه تعالى: وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ: أمر بالتوكل على الله﷿- وصَرْفِ وُجُوهِ الرَّغَبَاتِ إليه لا إلى سواه.\n_________\n(١) تقدم.\n(٢) أخرجه الطبري (١٢/ ٦٢٨)، (٣٧٥٤٢)، وذكره ابن عطية (٥/ ٤٩٧)، وأبو حيان (٨/ ٤٨٤)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٦١٧)، وعزاه لابن المنذر وابن أبي حاتم. [.....]\n(٣) أخرجه الطبري (١٢/ ٦٢٨)، (٣٧٥٤١) عن ابن عبّاس، وذكره البغوي (٤/ ٥٠٣)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٥٢٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٦١٧)، وعزاه لابن أبي الدنيا.","vol":"5","page":605},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1668>تفسير سورة «التّين»</span>\nوهي مكّيّة\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1669>[سورة التين (٩٥): الآيات ١ الى ٨]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nوَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤)\nثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ (٥) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦) فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (٧) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ (٨)\nقال ابن عبّاس وغيره: «التين والزيتون» المقْسَمُ بهما هُما المعروفانِ، وقال السهيلي:\nأقْسَمَ تعالى بطور تينا، وطور زيتا، وهما جبلانِ عند بيتِ المقدس، وكذلك طور سيناء، ويقال: إن سيناءَ هي الحجارةُ، والطورُ عند أكثر الناسِ هو الجبلُ، وقال الماورديُّ: / ليس كلُّ جبلٍ يقال له: طورٌ إلا أنْ تكونَ فيه الأشجارُ والثمار، وإلا فهو جَبَلٌ فقط، انتهى، وَطُورِ سِينِينَ جبل بالشّام، والْبَلَدِ الْأَمِينِ مكةَ، والقَسَمُ واقع على قوله تعالى: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [أي: في أحسن تقويم] «١» ينبغي لَه، وقال بعضُ العلماءِ بالعموم، أي: الإنسانُ أحسنُ المخلوقَاتِ تقويمًا، ولَمْ يَرَ قومٌ الحِنْثَ على مَنْ حَلَفَ بالطلاقِ أنَّ زوجتَه أحسنُ من الشمس محتجين بهذهِ الآيةِ، وحسْنُ التقويمِ يشملُ جميعَ محاسنِ الإنسانِ الظاهرةِ والباطنةِ من حسن صورتهِ، وانتصابِ قامَتهِ، وكمالِ عقلهِ، وحسن تمييزِه، والإنسانُ هنا اسمُ جنسٍ، وتقديرُ الكلام: في تقويمِ أحسنَ تقويمٍ لأَن أَحْسَنِ صفةٌ لا بُدَّ أنْ تَجْرِي على موصوفٍ.\nثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ قال قتادةُ وغيره: معناه بالهَرَم وذهولِ العقلِ وهذهِ عِبْرة منصوبةٌ «٢»، وعبارةُ الثعلبيِّ: فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ قيل: اعتدالهُ واستواءُ شبابهِ، وهو أَحْسَنُ ما يكونُ، ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ بالهَرَمِ كما قال: إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ [الحج: ٥]، والسافلونَ: الهَرْمَى والزَّمْنَى والذين حَبَسَهُم عذرُهم عن الجهادِ في عهد النبي ﷺ، فأنزل\n_________\n(١) سقط في: د.\n(٢) أخرجه الطبري (١٢/ ٦٣٨)، (٣٧٦٢٤)، وذكره ابن عطية (٤/ ٥٠٠)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٦٢١)، وعزاه لابن أبي حاتم عن ابن عبّاس.","vol":"5","page":606},{"text":"اللَّه عُذرَهم وأخبرَهم أن لهم أجْرَهم الذي عَمِلُوا قبلَ أن تَذْهَبَ عقولهُم، انتهى، وفي البخاريّ عنه ﷺ «إذا مَرِضَ العبدُ أو سَافرَ كتبَ اللَّه له مثلَ ما كانَ يعملُ مقيمًا صحيحًا» وهكذا قال في الذين حَبَسَهُم العذرُ، انتهى، قال- ص-: إِلَّا الَّذِينَ قيلَ: منقطعٌ بناءً على أنَّ مَعْنَى أَسْفَلَ سافِلِينَ: بالهرَم وذهولِ العقْلِ، وقيل متصلٌ بِنَاءً عَلى أَنَّ معْناه في النارِ على كفرِه، انتهى، قال ع «١»: وفي حديثٍ/ عَنْ أنسٍ قال: قال رسولُ الله ﷺ: «إذا بَلَغَ المؤْمِنُ خمسينَ سَنَةً خَفَّفَ اللَّه حِسَابَه، فإذَا بَلَغَ سِتِّينَ رَزَقَه الإنَابَة إلَيه، فإذَا بلغَ سبعين أحَبّه أهلُ السَّماءِ، فَإذَا بلغ ثمانين كُتِبَتْ حَسَنَاتُه وتَجاوزَ اللَّهُ عن سيئاتِه، فإذا بلغ تسعينَ غُفِرَتْ ذنُوبُه وشَفَعَ في أهْل بَيْتِه وكَانَ أسيرَ اللَّهِ في أرْضِه، فإذا بلغَ مائةً وَلَمْ يَعْمَل شيئًا كُتِبَ له مثلُ مَا كان يَعْملُ في صحَّتِه ولم تُكْتَبْ عليه سيئة» «٢»، وفي حديث: «إن المؤمنَ إذا رُدَّ إلى أرذل العمر كُتِبَ له خيرُ ما كانَ يعملُ في قوّتهِ» «٣» . وذلكَ أجرٌ غير ممنون، ثم قال سبحانه إلزامًا للحُجَّةِ وتوبيخًا للكافرِ: فَما يُكَذِّبُكَ أيها الإنسانُ، أي: فما يَجْعَلُكَ أنْ تُكَذِّبَ بعدَ هذه الحجةِ بالدينِ، وقال قتادة: المعنَى: فمن يكذِّبُكَ يا محمد، فيما تُخْبِرُ به من الجزاءِ والحسابِ «٤»، وهو الدينُ، بَعْدَ هذه العبر، ويحتمل أن يريد بِالدِّينِ جميعَ دينه وشَرْعِه، ورُوِيَ عن قتادة أن النبي ﷺ كانَ إذا قَرَأَ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ قَال: بَلَى وأنَا عَلى ذَلِكَ مِنَ الشَّاهِدِينَ، قالَ ابن العربي في «أحكامه»: رَوَى الترمذيُّ وغيره عن أبي هريرة، أنّ النبي ﷺ قالَ: «إذا قَرأَ أحدُكم أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ فَلْيَقُلْ: بلى «٥» وَأَنَا عَلَى ذَلِكَ مِنَ الشَّاهِدِين» ومِنْ رواية عبد اللَّه: «إذَا قرأَ أَحَدُكُمْ أَوْ سَمِعَ: أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى [القيامة:\n٤٠] فَلْيقُلْ: بلى» «٦» انتهى، ت: وهذان الحديثانِ، وإنْ كَانَ قَدْ ضعَّفُهما ابنُ العربيِّ فهما مما ينبغي ذكرُهما في فضائل الأعمال، والله الموفق بفضله وكرمه.\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٥٠٠) .\n(٢) تقدم تخريجه.\n(٣) تقدم.\n(٤) ذكره ابن عطية (٥/ ٥٠٠) .\n(٥) تقدّم تخريجه.\n(٦) تقدّم تخريجه.","vol":"5","page":607},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1670>تفسير سورة «العلق»</span>\nوهي مكّيّة بإجماع\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1671>[سورة العلق (٩٦): الآيات ١ الى ٥]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nاقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤)\nعَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (٥)\n[قوله تعالى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ]: هو أولُ ما نَزَلَ من كِتَابِ اللَّه تعالى، نَزَلَ صَدْرُ [هذهِ الآية] إلى قوله: مَا لَمْ يَعْلَمْ في غارِ حِرَاء حَسْبَ ما ثَبَتَ في «صحيح البخاريِّ» وغيره، ومعنى قوله: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ أي: اقرأ هذَا القرآنَ باسمِ ربِك، أي: مبتدِئًا باسْمِ ربكَ، وَيُحْتَمَلُ أنْ يكونَ المقروءُ الذي أُمِرَ بقراءتِه هو بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ كأنه قيل له: اقرأْ هذا اللفظَ، والعلقُ: جمع عَلَقَةٍ وهي القِطْعَةُ اليَسِيرَةُ من الدَّمِ، والإنْسَانُ هنا اسمُ جنسٍ، ثم قال تعالى: اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ على جِهة التأنِيسِ كأنَّه يقول: امْضِ لِما أُمِرْتَ بهِ، وَرَبُّكَ ليسَ كهذهِ الأربابِ بلْ هُو الأكْرَمُ الذي لاَ يَلْحَقُه نقصٌ، ثم عدَّدَ تعالى نِعْمَةَ الكتابةِ بالقلم على الناسِ، وهي من أعظم النعم.\nوعَلَّمَ الْإِنْسانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ قيل: هو آدمُ وقيل: [هو] اسم جنس وهو الأظهر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1672>[سورة العلق (٩٦): الآيات ٦ الى ١٣]</span>\nكَلاَّ إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى (٧) إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى (٨) أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى (٩) عَبْدًا إِذا صَلَّى (١٠)\nأَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣)\nوقوله تعالى: كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى إلَى آخرِ السورةِ نَزَلَتْ في أبي جَهْلٍ، وذلكَ أنَّه طَغَى لِغِنَاهُ وكثرةِ مَنْ يَغْشَى نَادِيه، فناصب رسول الله ﷺ ونَهَاهُ عَنِ الصلاةِ في المسجدِ، وقال: لَئِنْ رأيتُ محمدًا يسجُدُ عند الكعبةِ لأَطأَنَّ عنقَه، فيروى أنّ النبي ﷺ ردّ عليه القول وانتهره، وعبارة الداوديّ: فتهدّده النبي ﷺ، فَقَال أبو جهل: أتُهَدِّدُني؟ أما واللَّه إني لأكْثَرُ أهْلِ الوادِي نَادِيًا فَنَزَلَتْ الآيةُ، انتهى.\nوكَلَّا ردُّ على أبي جهلٍ، ويتَّجِه أَنْ تَكُونَ بمعنى: حقّا، والضمير في رَآهُ للإنسانِ المذكورِ، كأنَّه قال: أن رأَى نفسَه غَنِيًّا وهِي رُؤْيَةٌ قَلْبِيَّةٌ ولذلكَ جازَ أن يعمل فعل","vol":"5","page":608},{"text":"الفاعِل في نفسِه كما تقول: وجَدْتُنِي/ وَظَنَنْتُنِي، ثم حقَّرَ تعالى غِنَى هذا الإنسانِ وحالَه بقولهِ: إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى\nأي: بالحَشْرِ والبعثِ يومَ القيامةِ، وفي هذا الخبرِ وعيدٌ للطاغينَ من الناسِ، ثم صرَّح بذكْرِ النَّاهِي لمحمّد ع، ولا خِلاَفَ أن الناهِيَ أبو جهلٍ، وأن العبد المصلّي هو محمّد ع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1673>[سورة العلق (٩٦): الآيات ١٤ الى ١٩]</span>\nأَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى (١٤) كَلاَّ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥) ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ (١٦) فَلْيَدْعُ نادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ (١٨)\nكَلاَّ لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (١٩)\nوقوله تعالى: أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى إكمال للتوبيخ والوعيد بحسب التوفيقات الثَّلاثِ، يَصْلُحُ مَعَ كلِّ وَاحدٍ منها، ت: وفي قوله تعالى: أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى مَا يُثِير الهِمَمَ الرَاكِدَةَ، وَيُسِيلُ العيونَ الجَامِدَةَ، ويَبْعَثُ على الحياء والمراقبةِ، قال الغزالي:\nاعلمْ أَنَّ اللَّهَ مُطَّلِعٌ على ضميرِكَ، ومشرفٌ على ظاهِرك وباطنِك، فَتَأَدَّبْ أيها المسكينُ ظَاهِرًا وباطِنًا بين يديه سبحانه واجتهدْ أن لا يَرَاكَ حيثُ نَهَاكَ وَلاَ يَفْقِدُكَ حَيْثُ أَمَرَكَ، ولاَ تَدَعْ عَنْكَ التفكرَ في قُرْبِ الأجلِ، وحلولِ الموتِ القاطِع للأملِ، وخروجِ الأمْرِ من الاختيَارِ، وحصولِ الحَسْرَةِ والنَّدَامةِ بطُولِ الاغترارِ، انتهى، ثم توعَّده تعالى لَئِنْ لم ينتَهِ لَيُؤْخَذَنَّ بناصيتهِ، فَيُجَرُّ إلى جَهَنَّمَ ذَلِيلًا، تقول العربُ: سَفَعْتُ بِيَدِي ناصية الفَرَسِ، والرَّجُلِ إذا جذبتُها مُذَلَّلَةً، وقال بعض العلماء بالتفسير: معناه لتُحْرَقَنَّ، من قولهم: سَفَعَتْه النارُ، واكْتَفَى بذكرِ الناصيةِ لِدلالتِها على الوَجْهِ والرأْسِ، والناصيةُ مُقَدَّمُ شَعْرِ الرأسِ، ثم أبْدَل النكرةَ من المعرفة في قوله: ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ ووصفَها بالكَذِبِ والخَطَإ من حيثُ هي صفاتٌ لصاحِبها.\nقوله: فَلْيَدْعُ نادِيَهُ أي أهْلَ مَجْلَسِهِ، والنَّادِي والنَّدي: المجلسُ، ومنه دَارُ النَّدْوَةِ، وقال البخاري قال مجاهد: نادِيَه: عشيرتَه «١» .\nوقوله: سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ أي: / ملائِكَة العَذابِ، ثم قال- تعالى- لنبيه﵇-: كَلَّا لاَ تُطِعْهُ أي: لا تَلْتَفِتْ إلى نَهْيِهِ وكلامه واسْجُدْ لربك واقْتَرِبْ إليه بسجودِك، وفي الحديث: «أَقْرَبُ ما يكونُ العبدُ من رَبّه إذا سَجَدَ، فَأَكْثِرُوا مِنَ الدُّعَاءِ في السجودِ، فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُم»، ورَوَى ابنُ وهب عَنْ جماعةٍ من أهل العلم: أنّ قوله: وَاسْجُدْ: خطاب للنبي ﷺ وَأَن قَوْلَه: وَاقْتَرِبْ: خطابٌ لأَبِي جَهْلٍ، أي: إن\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٢/ ٦٤٩)، (٣٧٦٩٠) عن ابن عبّاس، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٦٢٧)، وعزاه للفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد.","vol":"5","page":609},{"text":"تَجْتَرِىءُ حتى تَرَى كَيْفَ تَهْلَكُ، ت: والتأويلُ الأول أظهر يدل عليه قوله ﷺ:\n«أقربُ ما يكونُ العبدُ من ربه وهو ساجِدٌ» «١» وعنْ ربيعة بن كعب الأسلميِّ قال: كنت أبيت مع النبي ﷺ فآتيهِ بِوَضُوئِهِ وحَاجَتِه، فقال لي: سَلْ فقلتُ: أسألكَ مُرَافَقَتَكَ في الجنةِ، قالَ أوَ غَيْرَ ذَلِكَ؟ قُلْتُ: هُوَ ذَاكَ، قَال: فأعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ» «٢» رواه الجماعة إلا البخاريَّ، ولفظُ الترمذي: «كُنْتُ أَبِيتُ عِنْدَ بَابِ النبيِّ ﷺ فَأُعْطِيهِ وَضُوءَهُ، فَأَسْمَعُهُ الْهَوِيَّ مِنَ اللَّيْلِ يقول: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَه، وأَسْمَعُهُ الْهَوِيَّ مِنَ اللَّيْلِ يَقُولُ: الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ» «٣»، قال الترمذيُّ: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ، وليس لربيعةَ في الكتب الستَّةِ سوى هذا الحديثِ، انتهى من «السلاح»، ورُوِيَ أن أبا جَهْلٍ جاءَ والنبيّ ﷺ يُصَلِّي، فَهمَّ بِأَنْ يَصِلَ إلَيْهِ، وَيَمْنَعَهُ مِنَ الصلاة، ثمّ كعّ وَوَلَّى نَاكِصًا على عَقِبَيْهِ مُتَّقِيًا بِيَدَيْهِ، فَقِيلَ لَهُ: مَا هَذَا؟ فَقَالَ: لَقَدْ عَرَضَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ خَنْدَقٌ مِنْ نَارٍ، وَهَوْلٌ وَأَجْنِحَةٌ، فيروى: أنّ النبيّ ﷺ قَالَ: «لَوْ دَنَا مِنِّي لأَخَذَتْهُ المَلاَئِكَةُ عِيَانًا» «٤» ت: ولما لم يَنْتَهِ عَدُوُّ اللَّهِ أَخَذَهُ اللَّهُ يَوْمَ بَدْرٍ، وَأَمْكَنَ مِنْهُ، وذَكَرَ الوائليُّ الحَافِظُ في كتابِ «الإبَانَةِ» له مِنْ حَدِيثِ مَالِكِ بن مغول عن نافِع عن ابن عمر قال: «بَيْنَا أَنَا أَسِيرُ بِجَنَبَاتِ بَدْرٍ إذْ خَرَجَ رَجُلٌ مِنَ الأَرْضِ في عُنُقِهِ سِلْسِلَةٌ يُمْسِكُ طَرَفهَا أَسْوَدُ، فَقال: يَا عَبْدَ اللَّهِ، اسْقِنِي، فَقَالَ ابن عُمَرَ: لاَ أَدْرِي أَعَرَفَ اسمي، أَوْ كَمَا يَقُولُ الرَّجُلُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، فَقَالَ لي الأَسْوَدُ: لاَ تَسْقِهِ فَإنَّهُ كَافِرٌ، ثُمَّ اجتذبه، فَدَخَلَ الأرْضَ، قَالَ ابن عمر: فأتيت النبيّ ﷺ فَأَخْبَرْتُه، فقال: «أَوَ قَدْ رَأَيْتَهُ؟\nذَلِكَ عَدُوُّ اللَّهِ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ، وهُوَ عَذَابُهُ إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ» انتهى من «التَّذْكِرَة» للقرطبيِّ، وقد ذَكَرْتُ هذهِ الحكايةَ عَن أبي عمر بن عبد البر بأتَّم مِنْ هَذا عِنْد قوله تعالى:\nفَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذابًا شَدِيدًا ... [فصلت: ٢٧] الآية.\n_________\n(١) تقدّم تخريجه.\n(٢) أخرجه مسلم (٢/ ٣٧٩- ٣٨٠) - الأبي، كتاب «الصلاة» باب: فضل السجود والحث عليه (٢٢٦/ ٤٨٩)، وأبو داود (١/ ٤٢١)، كتاب «الصلاة» باب: وقت قيام النبي ﷺ من الليل (١٣٢٠)، والترمذي (٥/ ٤٨٠- ٤٨١)، كتاب «الدعوات» باب: منه (٣٤١٦)، والنسائي (٢/ ٢٢٧)، كتاب «الافتتاح» باب:\nفضل السجود (١١٣٨)، وابن ماجه (٢/ ١٢٧٦- ١٢٧٧)، كتاب «الدعاء» باب: ما يدعو به إذا تنبه من الليل (٣٨٧٩)، وأحمد (٤/ ٥٩) . قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.\n(٣) ينظر: الحديث السابق.\n(٤) أخرجه مسلم (٤/ ٢١٥٤)، كتاب «صفات المنافقين وأحكامهم» باب: قوله: إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى (٣٨/ ٢٧٩٧) . [.....]","vol":"5","page":610},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1674>تفسير سورة «القدر»</span>\nقال ابن عبّاس: هي مدنيّة وقال قتادة: هي مكّيّة\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1675>[سورة القدر (٩٧): الآيات ١ الى ٥]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nإِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤)\nسَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥)\nقَوْلُه تَعَالَى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ الضميرُ في أَنْزَلْناهُ للقرآن قَال الشعبيُّ وغيرُه: المعْنَى:\nإنا ابتدأْنا إنزالَ هذا القرآن إليكَ في ليلة القدر، وقد رُوِيَ: أن نزولَ المَلَكِ في حِراءٍ كَانَ في العشر الأواخِر من رمضان، فيستقيمُ هذا التأويل «١» وقالَ ابنُ عباسٍ وغيرُه: أَنزَلَه اللَّه تعالى ليلةَ القدرِ إلى سماءِ الدُّنْيَا جملة، ثم نجّمه على محمّد ﷺ عِشْرِينَ سنةً، وليلةُ القدرِ خَصَّها اللَّهُ تعالى بِفَضْلٍ عَظِيمٍ، وَجَعَلَها أفْضَل مِنْ ألْفِ شهرٍ لاَ لَيْلَةَ قَدْرٍ فِيها قاله مجاهدٌ وغيرُهُ «٢»، وخُصَّتْ هذه الأُمَّةُ بهذه الفضيلةِ لَمَّا رأى النبي ﷺ أعمارَ أُمَّتِه وتَقَاصُرَهَا/ وَخُشِيَ أَلاَّ يَبْلُغُوا مِنَ الأَعْمَالِ مِثْلَ الَّذِي بَلَغَ غَيْرُهُمْ في طُولِ العُمُرِ، فَأَعْطَاهُ اللَّهُ ﷿ لَيْلَةَ القَدْرِ خَيْرًا مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، قال ابن العربيِّ في «أحكامه»: وقد روى مالكٌ هذَا الحديثَ في «المُوَطَّأ» «٣»\nثَبَتَ ذلكَ مِنْ روايةِ ابنِ القَاسمِ وغيره، انتهى، ثم فَخَّمَها سبحانَه بقوله: وَما أَدْراكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ قال ابن عيينة في «صحيح البخاري»: ما كانَ في القرآن:\nوَما أَدْراكَ فَقَدْ أعْلَمَه، وَمَا قالَ: وَمَا يُدْرِيكَ فإنَّه لَمْ يُعْلِمْهُ، وذكر ابن عبَّاس وغيره:\nأنها سُمِّيَتْ ليلةَ القَدْرِ لأنّ اللَّهَ تعالى يُقَدِّرُ فيها الآجالَ والأرزاقَ وحوادثَ العام كلّها،\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٢/ ٦٥١)، (٣٧٧٠١)، وذكره ابن عطية (٥/ ٥٠٤) .\n(٢) أخرجه الطبري (١٢/ ٦٥١)، (٣٧٦٩٧)، وذكره ابن عطية (٥/ ٥٠٤)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٥٢٩)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٦٢٨)، وعزاه لابن الضريس، وابن جرير، وابن المنذر وابن أبي حاتم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في «الدلائل» عن ابن عبّاس.\n(٣) أخرجه مالك في «الموطأ» (١٦٥)، (٧٠٥) مرسلا.","vol":"5","page":611},{"text":"ويدفَعُ ذلك إلى الملائِكَة لتَمْتَثِلَه «١»، قال ع «٢»: وليلةُ القَدْرِ مستديرةٌ في أوتارِ العَشْرِ الأَواخِرِ من رمضانَ هذا هو الصحيحُ المُعَوَّلُ عليه، وهي في الأوْتَارِ بحسْبِ الكَمال والنقصان في الشَّهْرِ، فينبغي لمرتَقِبها أن يَرْتَقِبَها مِنْ ليلةِ عشرينَ في كل ليلةٍ إلى آخر الشهر، وصحَّ عن [أُبيِّ بن] كعب وغيرِه: أَنها ليلةُ سَبْعٍ وعشرينَ «٣»، ثم أخْبَر تعالى أن ليلةَ القَدْرِ خيرٌ مِن ألف شَهر وهي ثَمانُونَ سَنَةً وثَلاَثَةُ أَعْوَامٍ وثُلُثُ عامٍ، وفي الصحيح عن النبيّ ﷺ: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إيمَانًا واحتسابا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» «٤» وَالرُّوحُ: هو جبريل ع وقيل هو صِنْفٌ حَفَظَةٌ لِلْمَلاَئِكَةِ، قال الفخر «٥»: وذكروا في الرُّوح أقوالًا: أَحدُها: أنه ملَكٌ عظيم لو الْتَقَمَ السموات والأَرْضَ كانَ ذلكَ لَه لُقْمةً وَاحِدَةً، وقِيلَ: الرُّوحُ: طَائِفةٌ من الملائِكَةِ لاَ يَراهُمُ المَلاَئِكَةُ إلا ليلةَ القَدْرِ، كالزُّهَادِ الذين لا نَراهم إلا يَوْم العِيد، وقيل: خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ يأكُلُون [وَيَشْرَبُونَ] وَيَلْبَسُون لَيْسُوا من الملائِكَةِ ولا من/ الإنْسِ ولعلهم خَدَمُ أَهْلِ الجَنَّةِ، وقيل: الروحُ أشْرَفُ الملائِكَةِ، وقال ابن أبي نجيح الروحُ همُ الحفَظَةُ الكرامُ الكاتِبُونَ والأصَح أنَّ الروحَ هاهنا هو جبريلُ، وتخصيصُه بالذكر لزِيَادَةِ شرفِه، انتهى.\nوقوله تعالى: بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ الثعلبيُّ: أي: بكل أمْرٍ قدَّرَه اللَّهُ وقضاه في تلكَ السنةِ إلى قَابِل قاله ابن عبّاس، ثم تبتدئ فتقولُ: سَلامٌ هِيَ ويحتملُ أن يريدَ مِنْ كل فِتْنَةٍ سَلاَمَةٌ، انتهى، قال ع: وعلى التأويلِ الأولِ، يَجِيءُ سَلامٌ خَبَرَ ابتداءٍ مستأنَفًا، أي: سلامٌ هي هذه الليلةُ إلى أول يومِها، ثم ذكرَ ما تقدَم، وقال الشعبيُّ ومنصور: سَلامٌ بمعنى: التَّحِيَّةِ أي: تُسَلّمُ الملائكةُ على المؤمنين «٦» .\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٢/ ٦٥٢)، (٣٧٧٠٨) عن الحسن، وذكره ابن عطية (٥/ ٥٠٤) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٥٠٥) .\n(٣) ذكره البغوي (٤/ ٥١١) .\n(٤) تقدم.\n(٥) ينظر: «مفاتيح الغيب» (٣٢/ ٣٣) .\n(٦) ذكره البغوي (٤/ ٥١٢)، وابن عطية (٥/ ٥٠٥)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٥٣١)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٦٣٠)، وعزاه لسعيد بن منصور، وابن المنذر بنحوه.","vol":"5","page":612},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1676>تفسير سورة «البيّنة»</span>\nوهي مكّيّة في قول الجمهور وقيل: مدنيّة، والأوّل أشهر\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1677>[سورة البينة (٩٨): الآيات ١ الى ٨]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nلَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١) رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفًا مُطَهَّرَةً (٢) فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣) وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤)\nوَما أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨)\n[قوله تعالى: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا «١» وفي حرف ابن مسعودٍ «٢»: «لَمْ يَكُنِ المُشْرِكُونَ وَأَهْلُ الكِتَابِ مُنْفَكِّينَ» .\nوقوله تعالى: مُنْفَكِّينَ معناه: مُنْفَصِلِينَ متفرقينَ، تقول: انْفَكَّ الشيءُ عن الشيء إذا انفصلَ عنه، وأمَّا انفك التي هي مِنْ أخواتِ «كَانَ» فلا مَدْخَلَ لَها هنا، قال مجاهد وغيره: لَمْ يَكُونُوا مُنْفَكِّينَ عن الكفرِ والضلالِ حتى جَاءَتْهُم البينةُ «٣»، وأوقَعَ المستقبلَ موقِعَ الماضي في تأتيهم، والبينات: محمّد ﷺ وشرْعُهُ، قال الثعلبيُّ: وَالْمُشْرِكِينَ يعني: من العربِ وهم عَبَدةُ الأوثانِ، انتهى، وقال الفراء وغيره: لم يكونوا منفكِّينَ عَنْ معرفةِ صحةِ نبوةِ محمّد ﷺ والتَّوَكُّفِ لأمره حتى جاءتهم البينةُ فَتَفَرَّقُوا عند ذلك، / ويتَّجِهُ في معنى الآيةِ قولٌ ثالثٌ بارعُ المعنى وذلك أَنْ يكونَ المرادُ: لَمْ يكن هؤلاء القوم\n_________\n(١) سقط في: د.\n(٢) ينظر: «الشواذ» ص: (١٧٧)، و«المحرر الوجيز» (٥/ ٥٠٧) .\n(٣) أخرجه الطبري (١٢/ ٦٥٤)، (٣٧٧٢٢)، وذكره ابن عطية (٥/ ٥٠٧)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٥٣٧)، والسيوطي في «الدر المنثور»، وعزاه للفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد بنحوه.","vol":"5","page":613},{"text":"منفكينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ وَنَظَرِهِ لَهُمْ حَتَّى يبعثَ إليهمْ رَسُولًا تقومُ عليهم به الحجةُ، وتتمُّ عَلى مَنْ آمن بهِ النعمةُ فكأَنَّه قَالَ: ما كانوا لِيُتْرَكُوا سُدًى، والصحفُ المطهَّرة: القرآنُ في صحفهِ قاله قتادة والضحاك «١»، وقال الحسن: الصحفُ المطهَّرة في السماءِ «٢»، فِيها كُتُبٌ أي: أحكام كتب، وقَيِّمَةٌ معناه قَائِمة معتدلَة آخذةٌ للناسِ بالعَدْلِ، ثُمَّ ذَمّ تعالى أهْلَ الكتابِ في أنّهم لم يتفرّقوا في أمر محمّد ﷺ إلا مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الآياتِ الواضحةَ وكانوا مِنْ قَبْلُ مُتَّفِقِينَ على نُبُوَّتهِ وصفتهِ، وحُنَفاءَ: جَمْعُ حنيفٍ وهو المستقيمُ، وذِكْر الزكاةِ مَعَ ذِكْرِ بَنِي إسرائيل يُقَوِّي قَوْلَ من قَال: السورةُ مدنيةٌ لأنَّ الزكاةَ إنما فُرِضَتْ بالمدينةِ، ولأنّ النبيّ ﷺ إنَّما دُفِعَ إلى مناقَضَةِ أهْلِ الكتَابِ بالمدينةِ، وقرأ الجمهور:\n«وذلك دين القيمة» على معنى الجماعة والفِرْقَةِ القيمة، وقال- ص-: قراءة الجمهور:\n«وذلك دين القيمة» على تقديرِ الأمَّةِ القَيِّمَةِ أي: المستقيمةِ أو الكتُب القيمةِ، وقرأ عبد اللَّه «٣»: «وذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمَةُ» بتعريفِ الدِّينِ ورَفْعِ القيمة صفةً، والهاءُ فيه للمبالغَةِ أو عَلى تأويل أنّ الدّين بمعنى الملّة، انتهى، والْبَرِيَّةِ جميعُ الخَلْقِ لأن اللَّه تعالى براهُم أي: أوْجَدَهُمْ بَعْدَ العَدَم.\nوقوله تعالى: ﵃ قِيْلَ ذلك في الدنيا فَرِضاه عنهم هو ما أظْهَرَه عليهم من أمَارَاتِ رحمتهِ، ورضاهُم عنه هو رضَاهم بجميعِ مَا قَسَمَ لَهم من جميعِ الأرزاقِ والأقدارِ، وقال بعضُ الصالحين: / رَضَى العبادِ عن اللَّهِ رِضَاهُمْ بِما يَرِدُ من أحكامِه، ورِضَاه عنهم أن يُوَفِّقَهُمْ للرِّضَى عَنْهُ، وقال سري السقطي: إذَا كُنْتَ لاَ تَرْضَى عَنِ اللَّهِ فكَيْفَ تَطْلُبُ منْه أنْ يَرْضَى عَنْكَ، وقيل ذَلِكَ في الآخِرَةِ، وخَصَّ تعالى بالذكرِ أهْلَ الخَشْيَةِ لأنها رأْسُ كلِّ بَرَكَةٍ وهيَ الآمِرَةُ بالمعروفِ والناهِيَةُ عن المنكر.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٢/ ٦٥٦)، (٣٧٧٢٦) عن قتادة، وذكره ابن عطية (٥/ ٥٠٧)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٥٣٧)، والسيوطي في «الدر المنثور»، وعزاه لعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة بنحوه.\n(٢) ذكره ابن عطية (٥/ ٥٠٧) . [.....]\n(٣) ينظر: «مختصر الشواذ» (١٧٧)، و«البحر المحيط» (٨/ ٤٩٥)، و«الدر المصون» (٦/ ٥٥٢) .","vol":"5","page":614},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1678>تفسير سورة «الزلزلة»</span>\nوهي مكّيّة قاله ابن عبّاس وغيره، وقال قتادة، ومقاتل: هي مدنيّة\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1679>[سورة الزلزلة (٩٩): الآيات ١ الى ٤]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nإِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها (٢) وَقالَ الْإِنْسانُ ما لَها (٣) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها (٤)\n[قوله تعالى: إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ] قد تقدَّم معنى الزلزلةِ، والأثْقَالُ: الموتَى قاله ابن عباس «١»، وقيل أخْرَجَتْ موتَاها، وكنوزَها، وقول الإنسان: مَا لَها هو عَلَى مَعْنَى التعجُّبِ مِنْ هولِ ما يَرَى، قال الجمهور: الإنسانُ هنا الكافِرُ، وقيلَ عامٌّ في المؤمِنِ والكافِرِ، وإخْبَارُ الأَرْضِ قَالَ ابن مسعودٍ وغيره: هي شَهَادَتُها بِما عُمِلَ عليها مِنْ عَمَلٍ صالحٍ وفَاسدٍ «٢» ويؤيدُ هذا التأويل قوله ﷺ: «فَإنَّهُ لاَ يَسْمَعُ مدى صَوْتِ المُؤَذِّنِ إنْسٌ وَلاَ جِنٌّ وَلاَ شَيْءٌ إلاَّ شَهِدَ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ» .\nت: وخرَّج الترمذيُّ في «جامعِه» عن أبي هريرةَ قال: «قرأ رسول اللَّه ﷺ هذه الآيةُ: يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها قال: أتَدْرُونَ مَا أَخْبَارُهَا؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ:\nفَإنَّ أَخْبَارَهَا: أَنْ تَشْهَدَ على كُلِّ عَبْدٍ وَأَمَةٍ بِمَا عَمِلَ على ظَهْرِهَا، تَقُولُ: عَمِلَ عَلَيَّ يَوْمَ كَذَا- كَذَا فهذه أَخْبَارُها» «٣» قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح انتهى، وكَذَا رواه أبو بكر بن الخطيبِ، وفيه: عَمِلَ عَلَيَّ في يَوْمِ كَذَا وَكَذَا/ وَفِي يوم كذا وكذا.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٢/ ٦٥٩)، (٣٧٧٣٤)، وذكره ابن عطية (٥/ ٥١٠)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٥٣٩)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٦٤٥)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عبّاس.\n(٢) أخرجه الطبري (١٢/ ٦٦٠)، (٣٧٧٤٠) عن سفيان، وذكره ابن عطية (٥/ ٥١٠) .\n(٣) أخرجه الترمذي (٥/ ٤٤٦- ٤٤٧)، كتاب «التفسير» باب: ومن سورة: إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها (٣٣٥٣) .\nقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.","vol":"5","page":615},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1680>[سورة الزلزلة (٩٩): الآيات ٥ الى ٨]</span>\nبِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها (٥) يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتًا لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)\nوقوله تعالى: بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها الباءُ باءُ السببِ وقَالَ ابن عباس وغيرُه: المعنى أوحَى إليهَا «١»، قال- ص-: المشهورُ أنَّ أَوْحى يتعدى ب «إلى» وَعُدِّيَ هنا باللامِ مُرَاعَاةً للفَوَاصِل، وقال أَبو البقاء: لَها بِمَعْنَى إلَيْهَا، انتهى.\nوقوله سبحانه: يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتًا بمعنى: يَنْصَرِفُونَ مِنْ موضعِ وُرُودِهم مُختلِفي الأَحْوَالِ، قال الجمهور: وُرُوْدُهُمْ بالموت، وصدورُهُمْ هو القيامُ إلَى البَعْثِ والكلُّ سائرٌ إلى العَرْضِ ليرَى عَمَله، ويقفُ عليه، وقيل: الورودُ هو ورودُ المَحْشَرِ والصَّدَرُ أشْتَاتًَا هُو صَدَرُ قَوْمٍ إلى الجنةِ وقَوْمٍ إلى النَّارِ ليروا جَزَاء أعمالهم.\nوَقَوْلهِ- جلت عظمته-: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ الآية، كان النبي ﷺ يُسَمِّي هذه الآيَةَ الجِامِعَةَ الفَاذَّةَ، ويروى أَنَّهُ «لَمَّا نَزَلَتْ هذه السُّورَةُ بَكَى أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ:\nيَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوَ أُسْأَلُ عَنْ مثاقيل الذّرّ؟ فقال له النبيّ ﷺ: «يَا أبا بَكْرٍ، مَا رَأَيْتَهُ في الدُّنْيَا مِمَّا تَكْرَهُ فَبِمَثاقِيلِ ذَرِّ الشَّرِّ، وَيَدَّخِرُ لَكَ اللَّهُ مَثَاقِيلَ ذَرِّ الخَيْرِ إلَى الآخِرَةِ» «٢»، قال الداوديّ: بَيْنَمَا عُمَرُ بن الخَطَّابِ بِطَرِيقِ مَكَّةَ ليلًا، إذا ركب مقبلين من حهة، فَقَالَ لبعض مَنْ معه: سَلْهُمْ مِنْ أَيْنَ أقبلوا؟ فقال له أحدهم: من الفَجِّ العميقِ، نُرِيدُ البَلَدَ العَتِيقَ، فَأُخْبِرَ عَمَرُ بِذَلِكَ، فَقَالَ: أَوَقَعُوا في هذا؟ قُلْ لَهُمْ، فَمَا أَعْظَمُ، آيةٍ في كِتَابِ اللَّهِ، وأَحْكَمُ آيةٍ في كِتَابِ اللَّهِ، وَأَعْدَلُ آيةٍ في كِتَابِ اللَّهِ، وأرجى آيةٍ في كِتَابِ اللَّهِ، وَأَخْوَفُ آيةٍ في كِتَابِ اللَّهِ؟ فَقَالَ لَهُ قَائِلُهُمْ: أَعْظَمُ آيةٍ في/ كِتَابِ اللَّهِ آيَةُ الكُرْسِيِّ [البقرة: ٢٥٥]، وَأَحْكَمُ آيَةٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ [النحل: ٩٠] وَأعْدَلُ آيةٍ في كِتَابِ اللَّهِ:\nفَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ وأرجى آيَةٍ في كِتَابِ اللَّهِ: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء: ٤٠] وَأَخْوفُ آيةٍ في كِتَابِ اللَّه: مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ [النساء: ١٢٣] فأُخْبِرَ عمرَ بِذلكَ، فَقَالَ لَهُمْ عمرُ: أَفِيكُم ابنُ أُمِّ عَبْدٍ؟ فقالوا: نعم، وهو الّذي [كلّمك]، قال\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٢/ ٦٦١)، (٣٧٧٤٣)، وذكره البغوي (٤/ ٥١٥)، وابن عطية (٥/ ٥١١)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٥٣٩)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٦٤٥)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عبّاس.\n(٢) ينظر: «الدر المنثور» (٦/ ٦٥٤) .","vol":"5","page":616},{"text":"عُمَرُ: كُنَيْفٌ مُليءَ عِلْمًا آثرْنَا بِهِ أهْلَ القادسيّة على أنفسنا. قال الداوديّ، ومعْنَى أعظم آية يُرِيدُ في الثواب، انتهى «١» .\n_________\n(١) ذكره البغوي (٤/ ٥١٦) عن ابن مسعود قال: أحكم آيةٍ في كِتَابِ اللَّهِ: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ.","vol":"5","page":617},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1681>تفسير سورة «العاديات»</span>\nوهي مكّيّة في قول جماعة، وقيل: مدنيّة\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1682>[سورة العاديات (١٠٠): الآيات ١ الى ٦]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nوَالْعادِياتِ ضَبْحًا (١) فَالْمُورِياتِ قَدْحًا (٢) فَالْمُغِيراتِ صُبْحًا (٣) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (٤)\nفَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا (٥) إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦)\nقال ابن عبّاس وغيره: المراد ب الْعادِياتِ: الخيلُ لأَنها تَعْدُو بالفُرْسَانِ، وَتَضْبَحُ بأصْوَاتِها «١»، وعن ابن مسعود وعلي أن الْعادِياتِ هنا: الإبِلُ لأنها تَضْبَحُ في عَدْوِها «٢»، قال علي﵁-: والقَسَمُ بالإبل العادياتِ مِنْ عَرَفَةَ ومِنَ المُزْدَلِفَةِ، إذا دَفَعَ الحاجُّ، وبإبِل غَزْوَةِ بدرٍ «٣»، والضَّبْحُ تَصْوِيتٌ جَهِيرٌ عِنْدَ العَدْوِ، قال الداوديّ: وهو الصوتُ الذي يُسْمَعُ من أجوافِها وقتَ الرَّكْضِ، انتهى.\nوقوله تعالى: فَالْمُورِياتِ قَدْحًا قال علي وابن مسعود هي: الإبلُ وذلك بأنها [في] عَدْوِها تَرْجُمُ الحَصْبَاءَ بالحَصْبَاءِ فَتَتَطَايرُ منهَا النارُ، فذلك القَدْحُ، وقال ابن عباس:\nهي الخيلُ وذلكَ بِحَوَافِرِها في الحِجَارة، وقال ابن عباس أيضًا وجماعةٌ: الكلام/ عَامٌّ يَدْخُلُ في القَسَمِ كلُّ مَنْ يُظْهِرُ بِقَدْحِه نارًا. - ص-: قَدْحًا أبو البقاء: مصدر مؤكّد\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٢/ ٦٦٤)، (٣٧٧٦٣)، وذكره البغوي (٤/ ٥١٧)، وابن عطية (٥/ ٥١٣)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٥٤٢)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٦٥٠)، وعزاه للبزار، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والدارقطني في الأفراد، وابن مردويه عن ابن عبّاس.\n(٢) أخرجه الطبري (١٢/ ٦٦٧)، (٣٧٧٨٥)، وذكره البغوي (٤/ ٥١٧)، وابن عطية (٥/ ٥١٣)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٥٤١)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٦٥٢)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم.\n(٣) أخرجه الطبري (١٢/ ٦٦٦)، (٣٧٧٨١)، وذكره البغوي (٤/ ٥١٧)، وابن عطية (٥/ ٥١٣)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٥٤١)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٦٥٢)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن الأنباري في «المصاحف»، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن ابن عبّاس بنحوه.","vol":"5","page":618},{"text":"لأَن المُورِيَ هُوَ القَادِح، انتهى، فَالْمُغِيراتِ صُبْحًا قال علي وابن مسعود هي: الإبلُ مِنْ مزدلفةَ إلى مِنًى، وفي بدرٍ، وقال ابن عباس وجماعة كثيرة: هي الخيلُ، واللَّفْظَةُ منَ الغَارَةِ في سبيلِ اللَّهِ وغير ذلك من سير الأُمَمِ وعُرْفُ الغَارَاتِ أنَّها مَعَ الصَّبَاحِ، والنقع الغبارُ الساطِعُ المثَارُ، والضمير في بِهِ ظاهرُه أَنَّه للصُّبْحِ المذكورِ، ويحتملُ أنْ يكونَ للمكانِ والموْضِع الذي يقتضيه المعنى، ومشهورٌ إثارةُ النَّقْعِ هو للخيل، وقال علي: هو هنا للإبل.\nفَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا قال علي وابن مسعود هي: الإبل، وجَمْعًا هي المزدلفة، وقال ابن عباس وجماعة: هي الخيلُ، والمرادُ جَمْعٌ مِنَ الناسِ هم المَغْزُوُّونَ، والقَسَمُ واقِع على قوله: إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ وروي عن النبيّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا الكَنُودُ؟\nقَالُوا: لاَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: هُوَ الكَفُورُ الَّذِي يَأْكُلُ وَحْدَهُ، وَيَمْنَعُ رِفْدَهُ، وَيَضْرِبُ عَبْدَهُ»، وقد يَكُونُ في المؤمِنينَ الكَفُورُ بالنِّعْمَةِ فتقديرُ الآيةِ: إنَّ الإنْسَانَ لِنعمةِ ربِّه لَكَنُودٌ، وأَرْضٌ كَنُودٌ: لاَ تُنْبِتُ شَيْئًا، والكَنُودُ: العَاصِي بلُغَةِ كِنْدَة، ويقال للبخيل: كَنُودٌ، وفي البخاريِّ عن مجاهدٍ: الكنود الكفور، انتهى «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1683>[سورة العاديات (١٠٠): الآيات ٧ الى ١١]</span>\nوَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ (٧) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨) أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ (١٠) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (١١)\nوقوله تعالى: وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ يحتملُ الضميرُ أنْ يعودَ عَلَى اللَّهِ تعالى وقالَهُ قتادة «٢»، ويحتملُ أَنْ يَعُودَ على الإنسان أَنَّه شَاهِدٌ عَلى نَفْسِهِ بِذَلِكَ وهذا قول مجاهد وغيره» .\nوَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ أي: وإنَّ الإنسانَ لحبِّ الخَيْرِ، والمعنى من أجْلِ حبِّ الخَيْرِ، لَشَدِيدٌ أي: بَخِيلٌ بالمَالِ ضَابِطٌ له، والخيرُ هنا المالُ، ويحتملُ أن يُرَادُ هنا الخيرُ الدنيويُّ من مالٍ، وصحةٍ، وجاهٍ عندَ الملوك، ونحوه لأَنَّ الكفارَ والجُهَّال لا يعرفونَ غَيْرَ ذلكَ، وأَمَّا [الحُبُّ في خَيْرِ الآخرة فَمَمْدُوحٌ مَرّجُوٌّ لَه الفوزُ، وقَال الفراء: معنى الآية: أنّ\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٢/ ٦٧٢)، (٣٧٨٢٩)، وذكره البغوي (٤/ ٥١٨)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٥٤٢)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٦٥٣)، وعزاه للفريابي وعبد بن حميد عن مجاهد، وذكره البخاري (٨/ ٥٩٩)، كتاب «التفسير» معلقا.\n(٢) أخرجه الطبري (١٢/ ٦٧٣)، (٣٧٨٤٤)، وذكره ابن عطية (٥/ ٥١٤)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٥٤٢)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٦٥٤)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير عن قتادة.\n(٣) ذكره ابن عطية (٥/ ٥١٥)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٥٤٢)، والسيوطي في «الدر المنثور»، وعزاه لابن أبي حاتم.","vol":"5","page":619},{"text":"الإنسانَ لشديدُ الحبِّ لِلْخَيْرِ ولما تَقَدَّمَ] الخيرُ قَبْلَ «شديدٍ» حُذَف مِنْ آخِره لأَنه قَدْ جَرَى ذِكْرهُ ولرؤوسِ الآي، انتهى.\nوقوله تعالى: أَفَلا يَعْلَمُ تَوْقِيفٌ، أي: أفلا يعلم مآلَه ومصيرَه فيستعدّ لَهُ.\nوَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ، أي: مُيِّزَ وأبْرزَ مَا فِيها ليقعَ الجزاءُ عليه، ويفسّر هذا قوله ﷺ: «يُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ» وفي قولِه تعالى: إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ وَعِيدٌ، - ص-: والعَامِلُ في يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ على تضمينِه مَعْنى: لَمُجازٍ لأنّه تعالى خبير دائما، انتهى.","vol":"5","page":620},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1684>تفسير سورة «القارعة»</span>\nوهي مكّيّة بلا خلاف\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1685>[سورة القارعة (١٠١): الآيات ١ الى ١١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالْقارِعَةُ (١) مَا الْقارِعَةُ (٢) وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ (٣) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ (٤)\nوَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥) فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ (٩)\nوَما أَدْراكَ ما هِيَهْ (١٠) نارٌ حامِيَةٌ (١١)\nقَال الجُمْهُورُ: الْقارِعَةُ القيامةُ نَفْسُها، والفَرَاشُ: الطيرُ الذي يَتَسَاقَطُ في النارِ ولا يَزَال يتقحمُ على المصباحِ، وقال الفَرَّاءُ: هو صَغِيرُ الجَرَادِ الذي ينتشر في الأرضِ والهواءِ، وفي البخاريّ: كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ: كَغْوَغَاءِ الجَرَادِ يركبُ بعضُه بعضًا كذلكَ الناسُ يومئِذٍ يجولُ بعضُهم في بعض، انتهى، والْمَبْثُوثِ هنا معناه: المتفرِّقُ جمعُه وجملتُه مَوْجودةٌ متصلةٌ، والعِهْنُ هو: الصوفُ والنَّفْشُ خَلْخَلَةُ الأَجْزَاءِ وتفريقُها عَن تَرَاصِيها.\nوقوله تعالى: فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ قال كثير من المفسرين: المرادُ بالأُمِّ نَفْسُ الهَاوِيَةِ، وهذا كما يقال للأَرْضِ أم الناس لأنها تُؤوِيهِمْ، وقال أبو صالح/ وغيره: المُرَادُ أُم رأْسِه لأَنَّهُمْ يَهْوُونَ عَلى رُؤوسِهم «١» وَرَوى المبرِّدُ «أنّ النبيّ ﷺ: قَالَ لرَجُلٍ: لاَ أُمَّ لَكَ، فَقَالَ:\nيَا رَسُولَ اللَّهِ، تَدْعُوني إلَى الهدى وَتَقُولُ: لاَ أُمَّ لَكَ، فَقَالَ- عَلَيْهِ السَّلاَمُ-: إنَّما أَرَدْتُ لاَ نَارَ لَكَ، قال اللَّهُ تعالى: فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ» .\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٢/ ٦٧٧)، (٣٧٨٦٥)، وذكره البغوي (٤/ ٥١٩)، وابن عطية (٥/ ٥١٧)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٥٤٣)، والسيوطي في «الدر المنثور»، وعزاه لابن جرير. [.....]","vol":"5","page":621},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1686>تفسير سورة «التّكاثر»</span>\nوهي مكّيّة\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1687>[سورة التكاثر (١٠٢): الآيات ١ الى ٤]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nأَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ (٢) كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤)\nقوله تعالى: أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ أي: شَغَلَكُمْ المباهاةُ والمفاخرةُ بكثرةِ المالِ والأولادِ والعَدَدِ، وهذا هِجِّيرى أبناءِ الدنيا العربِ وغيرهم لا يتخلصُ منه إلا العلماء المتقون، قال الفخر: فالألفُ واللامُ في التَّكاثُرُ ليسَ للاسْتِغْرَاقِ بَلْ للمَعْهُودِ السَّابِقِ في الذِّهْنِ، وهو التكاثرُ في الدنيا ولذاتِها وعلائِقها فإنّه هُو الذي يَمْنَعُ عن طاعةِ اللَّه وعبوديَّتِه ولما كَان ذلك مُقَرَّرًا في العقولِ ومُتَّفَقًا عليه في الأديان لاَ جَرَمَ حَسُنَ دخولُ حرف التعريف عليه فالآيةُ دالَّةٌ على أن التكاثرَ والتفاخرَ بما ذُكِرَ مذمومٌ، انتهى.\nوقوله تعالى: حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ أي حتى مُتُّمْ فَدُفِنْتُم في المقابِر وهذا خبرٌ فيه تَقْرِيعٌ وتوبيخ وتحسُّرٌ، وفي الحديثِ الصحيحِ عنه ﷺ «يَقُولُ ابن آدَمَ: مَالِي مَالِي، وَهَلْ لَكَ يَا بْنَ آدَمَ مِنْ مَالِكَ إلاَّ مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ أو تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ» «١» قال- ص-: قرأ الجمهورُ: «الْهَاكُم» على الخبرِ، وابنُ عباسٍ بالمدِّ، والكسائي «٢» في روايةٍ\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٤/ ٢٢٧٣)، كتاب «الزهد والرقائق» باب: (٣/ ٢٩٥٨)، والترمذي (٥/ ٤٤٧)، كتاب «تفسير القرآن» باب: ومن سورة التكاثر (٣٣٥٤)، (٤/ ٥٧٢)، كتاب «الزهد» باب: منه (٢٣٤٢)، والنسائي (٦/ ٢٣٨)، كتاب «الوصايا» باب: الكراهية في تأخير الوصية (٣٦١٣)، وأحمد (٤/ ٢٤)، وأبو نعيم في «الحلية» (٢/ ٢١١) .\nقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.\nوفي الباب من حديث أبي هريرةَ ﵁ نحوه، أخرجه مسلم (٤/ ٢٢٧٣)، كتاب «الزهد والرقائق» باب: (٤/ ٢٩٥٩)، والبيهقي (٣/ ٣٦٩)، كتاب «الجنائز» باب: ما ينبغي لكل مسلم أن يستعمله من قعر الأمل، وابن حبان في «صحيحه» (٨/ ٣٥- ٣٦) كتاب «الزكاة» باب: ما جاء في الحرص وما يتعلق به (٣٢٤٤) .\n(٢) ينظر: «مختصر القراءات» (١٧٩)، و«البحر المحيط» (٨/ ٥٠٦) .","vol":"5","page":622},{"text":"بهمزَتَيْنِ، ومعنى الاستفهامِ التوبيخُ والتقريرُ، انتهى، قال الفخر: اعْلَمْ أنَّ أهم الأمور وأولاها بالرعايةِ تَرْقِيقُ القلبِ، وإزالَةُ حُبِّ الدنيا منه، ومُشَاهَدَةُ القبورِ تُورِثُ ذلكَ كما ورد/ به الخَبَرُ، انتهى.\nوقوله تعالى: كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ زَجْرٌ ووعيدٌ، ثم كُرِّرَ تَأكِيدًا، ويأخذ كل إنسانٍ من هذا الزجرِ والوعيدِ المُكَرَّرِ على قدر حظِّهِ من التوغُّلِ فيما يُكْرَه هذا تأويل الجمهور، وقال عليٌّ: كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ في القبرِ، ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ في البَعْثِ «١»، قال الفخر «٢»: وفي الآيةِ تَهْدِيدٌ عظيمٌ للعلماءِ فَإنها دالة على أنه لَوْ حَصَلَ اليقينُ لَتَرَكُوا التكاثُرَ والتَّفَاخُرَ فهذا يَقْتَضِي أنَّ مَنْ لا يتركُ التكاثرَ والتفاخرَ أنْ لاَ يكونَ اليقينُ حَاصِلًا له فالويلُ للعالمِ الذي لا يكون عاقلا ثم الويل له، انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1688>[سورة التكاثر (١٠٢): الآيات ٥ الى ٨]</span>\nكَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ (٧) ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)\nوقوله تعالى: كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ جوابُ «لو» محذوفٌ تقديرهُ لاَزْدُجِرْتُمْ، [وبَادَرْتُم] إنقاذَ أنفُسِكم من الهَلَكَةِ، واليقينُ أعلى مراتبِ العلم، ثم أخْبَرَ تعالى الناسَ أنَّهُم يَرَوْنَ الجحيمَ، وقال ابن عباس: هذا خطابٌ للمشركينَ والمَعْنَى على هذا التأويلِ: أنها رؤيةُ دخولٍ وصَلْيٍ وَهُوَ عينُ اليقينِ لَهُم «٣»، وقال آخرونَ: الخطابُ للناسِ كلِّهم، فهي كقوله تعالى: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها [مريم: ٧١] فالمعنى أنّ الجميعَ يَرَاها ويجوزُ النَّاجِي وَيَتَكَرْدَسُ فيها الكافرُ، - ص-: لَتَرَوُنَّ ابن عامر والكسائي- بضم التاء-، والباقون بفتحها «٤»، انتهى.\nوقوله تعالى: ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ تأكيدٌ في الخبرِ، وعينُ اليقينِ: حقيقتُه وغايتُه، ثم أخْبَر تعالى أنّ الناسَ مَسْؤولونَ يَوْمَئِذٍ عَنْ نعيمِهم في الدنيا كيفَ نالُوه ولِمَ آثَرُوهُ، وتَتَوَجَّهُ في هذا أسئلةٌ كَثِيرَةٌ بِحَسَبِ شَخْصٍ شَخْصٍ، وهِيَ مُنْقَادَةٌ لِمَنْ أُعْطِيَ فَهْمًا في كتاب الله﷿، - وقد قال ﷺ/ لأصحابه: «والّذي نفسي بيده، لتسألنّ عن\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٢/ ٦٧٩)، (٣٧٨٧٣) عن علي ﵁، وذكره ابن عطية (٥/ ٥١٩) .\n(٢) ينظر: «مفاتيح الغيب» (٣٢/ ٧٦) .\n(٣) أخرجه الطبري (١٢/ ٦٨٠)، (٣٧٨٧٨)، وابن عطية (٥/ ٥١٩) .\n(٤) ينظر: «السبعة» (٦٩٥)، و«الحجة» (٦/ ٤٣٤)، و«إعراب القراءات» (٢/ ٥٢٤)، و«معاني القراءات» (٣/ ١٦٠)، و«شرح الطيبة» (٦/ ١٣٣)، و«العنوان» (٢١٣)، و«حجة القراءات» (٧٧١)، و«شرح شعلة» (٦٢٦)، و«إتحاف» (٢/ ٦٢٦) .","vol":"5","page":623},{"text":"نَعِيمِ هذا الْيَوْمِ» «١»، الحديثُ في الصحيح إذْ ذَبَحَ لَهُمْ أبُو الهَيْثَمِ بْنُ التَّيِّهَانِ شَاةً وَأَطْعَمَهُمْ خُبْزًا وَرُطَبًا، واستعذب لَهُمْ مَاءً، وَعَنْ أبي هريرةَ في حديثهِ في مسيرِ النبيِّ ﷺ وأبي بكرٍ وعمرَ إلى بَيْتِ أبي الهَيْثَمِ، وأكلهم الرطب واللّحم وشربهم الماء، وقوله ﷺ هذا هُوَ النَّعِيمُ الَّذِي تُسْأَلُونَ عَنْهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، وإنَّ ذَلِكَ كَبُرَ على أصحابهِ، وإنَّ رسول الله ﷺ قَال: «إذا أَصَبْتُمْ مِثْلَ هذا وَضَرَبْتُمْ بِأَيْدِيكُمْ، فَقُولُوا: باسم اللَّهِ، وعلى بَرَكَةِ اللَّهِ، وَإذَا شَبِعْتُمْ، فَقُولُوا: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَشْبَعَنَا وَأَرْوَانَا، وَأَنْعَمَ عَلَيْنَا وَأَفْضَلَ، فَإنَّ هذا كَفَافٌ [بِذَاكَ]» هذا مختصرٌ «٢» رواه الحاكم في المستدركِ، انتهى من «سلاح المؤمن» قال الداوديُّ: وعن الحسنِ وقَتَادَة: ثَلاَثٌ لا يَسْأَلُ اللَّهُ عنهنّ ابنَ آدمَ ومَا عَدَاهُنَّ فيه الحسابُ والسؤال إلا مَا شَاءَ اللَّهُ: كسوةٌ يوارِي بها سوءَتَه، وكِسْرَةٌ يَشُدَّ بِهَا صلبَه، وبيتٌ يُكِنُّه مِنَ الحرّ والبرد، انتهى.\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٣/ ١٦٠٩- ١٦١٠)، كتاب «الأشربة» باب: جواز استتباعه غيره إلى دار من يثق برضاه بذلك، فيتحققه تحققا تاما، واستحباب الاجتماع على الطعام (١٤٠، ١٤٠/ ٢٠٣٨) .\n(٢) أخرجه الحاكم في «المستدرك» (٤/ ١٠٧) مختصرا. قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. قال الذهبي: صحيح.","vol":"5","page":624},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1689>تفسير سورة «العصر»</span>\nوهي مكّيّة\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1690>[سورة العصر (١٠٣): الآيات ١ الى ٣]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nوَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)\nقال ابن عبّاس: الْعَصْرِ الدهرُ «١»، وقال مقاتل: العَصْرُ هي صلاةُ العَصْرِ، وهي الوُسْطَى، أقْسَم اللَّهُ بها «٢»، وقال أُبَيُّ بن كعب: سألت النبيّ ﷺ عَن وَالْعَصْرِ فَقَالَ:\n«أقْسَمَ رَبُّكُمْ بآخِر النَّهَارِ»، والْإِنْسانَ هنا اسْمُ جنسٍ والخُسْرُ: النُّقْصَانُ وَسُوءُ الحالِ، وَمَنْ كَانَ مِنَ المؤمنينَ في مُدَّةِ عمره في التَّواصِي بالحقِّ، والصَّبْرِ، والعَمَلِ بِحَسَبِ الوَصَاةِ فَلاَ خُسْرَ مَعَه وَقَدْ جَمَعَ الخيرَ كلَّه.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٢/ ٦٨٥)، (٣٧٩٠٨) عن ابن عبّاس، وذكره البغوي (٤/ ٥٢٢)، وابن عطية (٥/ ٥٢٠) .\n(٢) ذكره البغوي (٤/ ٥٢٢)، وابن عطية (٥/ ٥٢٠) .","vol":"5","page":625},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1691>تفسير سورة «الهمزة»</span>\nوهي مكّيّة\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1692>[سورة الهمزة (١٠٤): الآيات ١ الى ٩]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nوَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١) الَّذِي جَمَعَ مالًا وَعَدَّدَهُ (٢) يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ (٣) كَلاَّ لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (٤)\nوَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ (٥) نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧) إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (٩)\nتقدم تفسير: وَيْلٌ وال هُمَزَةٍ: الذي يَهْمِزُ الناسَ بلسانهِ، أي: يَعيبُهم ويَغْتَابُهم، وال لُمَزَةٍ: قريبٌ في المعنَى مِنْ هَذَا، وَقَدْ تَقَدم بيانُه في قوله تعالى: وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ [الحجرات: ١١]، وفي قوله: الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ [التوبة: ٧٩] وغيرهِ، قيل: نَزَلَتْ هذه الآيةُ في الأَخْنَسِ بن شُرَيْق، وقِيلَ في جميل بن عامر، ثم هِي تتناولُ كلَّ منِ اتَّصَفَ بهذه الصفاتِ.\nوَعَدَّدَهُ معناه: أحْصَاهُ وحافظَ على عَدَدِهِ أن لا ينتقص، وقال الداوديّ:\nوَعَدَّدَهُ: أي: اسْتَعَدَّه، انتهى، لَيُنْبَذَنَّ: لَيُطْرَحَنَّ- ص-: نارُ اللَّهِ: خَبَرُ مبتدإٍ مَحْذُوفٍ، أي: هي نار الله، انتهى.\nوالَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ: أي: الَّتِي يَبْلُغَ إحْرَاقَها وألمهَا القلوبُ.\nو«موصدة»: أي مُطْبَقَة مُغْلَقَة.\nفِي عَمَدٍ جَمْعِ عَمُودٍ، وقرأ ابن مسعود «١»: «مُؤصَدَةٌ بِعَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ» وقال ابن زيد:\nالمعنى: في عمد حديد مغلولين بها، والكلّ من نار «٢»، عافانا الله من ذلك.\n_________\n(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٥٢٢) .\n(٢) أخرجه الطبري (١٢/ ٦٩٠)، (٣٧٩٤٧)، وذكره ابن عطية (٥/ ٥٢٢) .","vol":"5","page":626},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1693>تفسير سورة «الفيل»</span>\nوهي مكّيّة بإجماع\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1694>[سورة الفيل (١٠٥): الآيات ١ الى ٥]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nأَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤)\nفَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥)\nهذه السورةُ تنبيهٌ على العِبرَةِ في أخذِ اللَّهِ تعالى لأَبْرَهَةَ أميرِ الحَبَشَةِ، حينَ قَصَدَ الكعبةَ ليهدمَها، وكانَ صاحبَ فيلٍ يَرْكَبُه، وقصتُه شهيرةٌ في السِّيرَ فِيها تطويلٌ،، واختصارها أن أبرهَة بَنَى في اليمنِ بَيْتًا وأرادَ أن يَرِدَ إليه حجُّ العَرَبِ، فذهبَ أعرابي وأحْدَثَ في ذلك البيتِ، فَغَضِبَ أَبْرَهَةُ واحْتَفَلَ في جُمُوعِه، ورَكِبَ الفيلَ وقَصَدَ مكةَ، فَلمَّا قَرُبَ منها، فَرَّتْ قريشٌ إلى الجبالِ والشِّعَابِ من مَعَرَّةِ/ الجيْشِ، ثم تَهَيَّأ أبرهةُ لدخولِ مكةَ وَهَيَّأَ الفيلَ، فأخَذَ نُفَيْلُ بنُ حَبِيبٍ بِأُذُنِ الفيلِ وكان اسمه محمودًا، فقال له: ابْرُكْ، محمودُ فَإنَّكَ في حَرَمِ اللَّه، وارْجِعْ مِنْ حَيْثُ جئتَ رَاشِدًا، فَبَرَكَ الفِيلُ بِذِي الغَمِيسِ، فَبَعَثُوهُ فَأَبَى فَضَرَبُوا رأسه بالمِعْوَلِ، ورَامَوْهُ بِمَحَاجِنِهِمْ فَأَبَى، فَوَجَّهُوه رَاجِعًا إلى اليمنِ، فَقَام يُهَرْوِلُ، فبعثَ اللَّه عليهم طَيْرًا جماعاتٍ جماعاتٍ سُودًا مِنَ البَحْرِ، عِنْدَ كُلِّ طَائرٍ ثَلاَثَةُ أحْجَارٍ في منقارِه، ورِجْلَيْهِ، كلُّ حَجَرٍ فَوْقَ العَدَسَةِ ودون الْحمَّصَةِ، ترميهم بهَا، فَمَاتوا في طريقِهم متفرقينَ وتَقَطَّع أبْرَهَةُ أُنْمَلَةً أُنْمَلَةً حتى مات، وحَمَى اللَّهُ بيتَه، والأبابيلُ:\nالجماعاتُ تَجِيءُ شيئًا بَعْدَ شيءٍ، قال أبو عبيدةَ: لاَ وَاحِدَ له من لفظه «١»، قال الفخر «٢»:\nوفِي تَضْلِيلٍ مَعْنَاهُ: في تَضْيِيعٍ وإبْطَالٍ، يقال: ضَلَّلَ كيدَه، إذا جعَلَه ضَالًاّ ضَائِعًا، ونظيرُه قوله تعالى: وَما كَيْدُ الْكافِرِينَ [إِلَّا فِي ضَلالٍ] [غافر: ٢٥] انتهى، والعَصْفُ:\nوَرَقُ الحِنْطَةِ وتِبْنُه، والمعنى صَارُوا طَحِينًا ذَاهِبًا كَوَرَقِ حِنْطَةٍ أَكَلَتْهُ الدَّوابُّ، وراثته، فجمع\n_________\n(١) ذكره الطبري (١٢/ ٦٩٠)، والبغوي (٤/ ٥٢٨)، وابن عطية (٥/ ٥٢٣) .\n(٢) ينظر: «مفاتيح الغيب» (٣٢/ ٩٤) . [.....]","vol":"5","page":627},{"text":"لَهُمْ المهَانَةَ والخِسَّةَ والتَّلَفَ، قال الفخر: وقيل المعنى: كَعَصْفٍ صَالحٍ لِلأَكْلِ، والمعنى جَعَلَهُمْ كَتِبْنٍ تأكُلُه الدَّوَابُّ وهو قولُ عكرمةَ والضحاك، انتهى «١»، ومن كتاب «وسائل الحاجات وآداب المناجاة» للإمام أبي حامد الغزالي- رحمه اللَّه تعالى- قَال: وَقَدْ بَلَغَنَا عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ الصالحينَ وأربابِ القلُوب أنه من قَرأَ في رَكْعَتي الفَجْر في الأُولَى الفاتحةَ و«ألَمْ نَشْرَحْ»، وفي الثانيةِ الفاتحةَ و«أَلَمْ تَرَ كَيْفَ» قَصُرَتْ يَدُ كُلِّ عَدُوِّ عنه، ولم يُجْعَلْ لهم إليه سبيلٌ، قال الإمام أبو حامد: وهذا صحيح/ لاَ شَكَّ فِيه، انتهى.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (٦/ ٦٩٨)، (٣٧٩٩٥) عن الضحاك، وذكره البغوي (٤/ ٥٢٩)، وابن عطية (٥/ ٥٢٤)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٦٧٦)، وعزاه لعبد بن حميد عن عكرمة.","vol":"5","page":628},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1695>تفسير سورة «قريش»</span>\nوهي مكّيّة\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1696>[سورة قريش (١٠٦): الآيات ١ الى ٤]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nلِإِيلافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤)\nقريشٌ، ولدُ النَّضْرِ بن كنانةَ، والتَّقَرُّشُ: التَّكسُّبُ، والمعنى أن اللَّهَ تَعالى جَعَلَ قريشًا يألَفُونَ رِحْلَتَيْنِ في العامِ، واحدةً في الشتاءِ وأخْرَى في الصيفِ، قال ابن عباس:\nكانوا يَرْحلُونَ في الصيفِ إلى الطائفِ حيثُ الماءُ والظلُّ ويرحلونَ في الشِّتاءِ إلَى مكةَ «١»، قال الخليل: معنى الآيةِ لأنْ فَعَلَ اللَّهُ بقريشٍ هَذا ومكنَهم من إلْفِهِم هذه النعمةَ فَلْيَعْبُدُوا ربَّ هَذَا البيتِ.\nوقولُهُ تعالى: مِنْ جُوعٍ معناه أنَّ أهْلَ مكةَ قَاطِنُون بوادٍ غَيْرِ ذي زرعٍ عُرْضَةٍ للجوعِ والجَدْبِ لولا فضلُ اللَّه عليهم.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٢/ ٧٠٣)، (٣٨٠١٤)، وذكره البغوي (٤/ ٥٣٠)، وابن عطية (٥/ ٥٢٥)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٦٧٨)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عبّاس.","vol":"5","page":629},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1697>تفسير سورة «الماعون»</span>\nوهي مكّيّة\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1698>[سورة الماعون (١٠٧): الآيات ١ الى ٧]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nأَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢) وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (٣) فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤)\nالَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ (٧)\nقوله سبحانه: أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ الآية، توقيفٌ وتنبيهٌ لِتَتَذكَّرَ نَفْسُ السامعِ كلَّ من تعرفُه بهذه الصفةِ، والدينُ: الجزاءُ.\nودعُّ اليتيِمِ: دَفْعُه بعُنْفٍ إمَّا عن إطعامهِ والإحْسَانِ إليه، وإما عن حقِّه ومالِه، وهو أشد، ويُرْوَى أَن هذهِ الآيةَ نزلتْ في بعضِ المُضْطَرِبِينَ في الإسلام بمكةَ، لم يُحَقِّقُوا فيه، وفُتِنُوا فَافْتَتَنُوا، وربَّمَا كَانَ يصلى بعضُهم أحيانًا مع المسلمينَ مدافعَةً وحَيْرَةً، فقال تعالى فيهم: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الآية، ونقل الثعلبي عن ابن عباس وغيره أنَّ الآيةَ نزلتْ في العاصِ بن وائلٍ، انتهى «١»، وقال السهيليّ: قال أهل التفسير: نَزَلَ أولُ السورةِ بمكةَ في أبي جهلٍ، وهو الذي يكذِّبُ/ بالدينِ، ونزل آخرُها بالمدينةِ في عبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبيٍّ ابن سَلُولَ وأصحابه، وهم الذين يُرَاؤُونَ ويَمْنَعُونَ الماعون، انتهى، قال سعد بن أبي وقاصٍ: سألتُ النبيّ ﷺ عن الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ، فَقَالَ: «همُ الَّذِينَ يُؤَخِّرُونَهَا عَنْ وَقْتِها» «٢»، يريدُ- واللَّه أعلم- تَأْخِيرَ تَرْكٍ وإهْمَالٍ، وإلى هذَا نَحَا مجاهد «٣»، وقال\n_________\n(١) ذكره البغوي (٤/ ٥٣١) .\n(٢) أخرجه البيهقي (٢/ ٢١٤)، كتاب «الصلاة» باب: الترغيب في حفظ وقت الصلاة والتشديد على من أضاعه.\nقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ٣٣): رواه أبو يعلى وإسناده حسن.\nقال ابن أبي حاتم في «علل الحديث» (١/ ١٧٨)، فسمعت أبا زرعة يقول: هذا خطأ والصحيح موقوف.\n(٣) أخرجه الطبري (١٢/ ٧٠٧)، (٣٨٠٤٨)، وذكره ابن عطية (٥/ ٥٢٧) .","vol":"5","page":630},{"text":"عطاء بن يَسَارٍ: الحمدُ للَّهِ الَّذِي قَال: عَنْ صَلاتِهِمْ وَلَمْ يَقُلْ: في صَلاَتِهِمْ «١» .\nوقوله تعالى: الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ بيانُ أنَّ صلاةَ هؤلاءِ لَيْسَتْ للَّهِ تعالى بإيمانٍ، وإنَّمَا هي رياءٌ للبشر، فلاَ قَبُولَ لها.\nوقوله تعالى: وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ وصفٌ لهم بِقِلَّةِ النفعِ لعبادِ اللَّهِ، وتلكَ شَرُّ خِصْلَةٍ، وقال عليٌّ وابن عمر: الْماعُونَ: الزكاة «٢»، وقَالَ ابنُ مسعودٍ وابن عباس وجماعة: هُو مَا يَتَعَاطَاهُ النَّاسُ كَالفَأْسِ، والدَّلْوِ، والآنِيَةِ، والمقَصِّ ونحوه «٣»، وسئل النبي ﷺ: مَا الشَّيْءُ الَّذِي لاَ يَحِلُّ مَنْعُهُ فَقَالَ: المَاءُ وَالنَّارُ، والمِلْحُ، ورَوَتْهُ عَائِشَةُ﵂-، وفي بَعْضِ الطُّرُقِ زيادَة الإبْرَةِ، والخَمِيرِ، قال البخاريُّ:\nالمَاعُونُ: المعروفُ كلُّه، وقال بعضُ العربِ: الماعونُ: الماءُ، وقال عكرمةُ: أعلاه الزكاةُ المفروضة، وأدناه عاريّة المتاع، انتهى «٤» .\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٢/ ٧٠٨)، (٣٨٠٥٦)، وذكره ابن عطية (٥/ ٥٢٧)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٦٨٣)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٥٥٥) .\n(٢) أخرجه الطبري (١٢/ ٧١٠) عن علي برقم: (٣٨٠٧٢)، وعن ابن عمر برقم: (٣٨٠٧٣)، وذكره البغوي (٤/ ٥٣٢)، وابن عطية (٥/ ٥٢٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٦٨٥)، وعزاه للفريابي، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم، والبيهقي في «سننه» .\n(٣) أخرجه الطبري (١٢/ ٧١٠)، (٣٨٠٧٧)، عن ابن مسعود، وعن ابن عبّاس برقم: (٣٨١١٥)، وذكره البغوي (٤/ ٥٣٢)، وابن عطية (٥/ ٥٢٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٦٨٤)، وعزاه للطبراني عن ابن مسعود.\n(٤) ذكره البغوي (٤/ ٥٣٢)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٥٥٦)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٦٨٥)، وعزاه لابن أبي حاتم عن عكرمة.","vol":"5","page":631},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1699>تفسير سورة «الكوثر»</span>\nوهي مكّيّة\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1700>[سورة الكوثر (١٠٨): الآيات ١ الى ٣]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nإِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)\nقال جماعة من الصحابة والتابعين: الْكَوْثَرَ نَهْرٌ في الجنةِ حافَّتَاه قِبَابٌ مِنْ لُؤْلُؤٍ مجوَّفٍ، وطينُه مِسْكٌ وحَصْبَاؤه يَاقُوتٌ، ونحوُ هذا مِنْ صفاتِه، وإنِ اختلفتْ ألْفَاظُ رُوَاتِه، وقال ابن عباس: الكَوثَرُ: الخَيْرُ الكَثِيرُ/ قال ابن جُبَيْرٍ: النَّهْرُ الذي في الجنةِ هُو من الخيرِ الذي أعْطَاه اللَّهُ إياه «١» ت: وخَرَّجَ مسلمٌ عن أنس قال: «بينما رسول الله ﷺ ذَاتَ يومٍ بَيْنَ أَظْهُرِنَا إذْ أغفى إغْفَاءَةً ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مُتَبَسِّمًا، فَقَالَ: نَزَلَتْ عَلَيَّ آنِفًا سُورَةٌ، فَقَرَأَ: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ إلى آخِرِهَا، ثُمَّ قَالَ: أَتَدْرُونَ مَا الكَوْثَرُ؟ قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإنَّهُ نَهْرٌ وَعَدَنِيهِ رَبِّي عَلَيْهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ، هُو حَوْضٌ تَرِدُ عَلَيْهِ أُمَّتِي يَوْمَ القِيَامَةِ» الحديثُ، انتهى، وخَرَّج ابنُ ماجه من حديثِ ثَوْبَانَ عن النبي ﷺ قال: «أوَّلَ مَنْ يَرِدُ عَلى الحَوْضِ فُقَرَاءُ المُهَاجِرِينَ الدُّنْسُ ثِيابًا الشُّعْثُ رُؤوسًا، الَّذِينَ لاَ يَنْكِحُونَ المُتَنَعِّمَاتِ، وَلاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السُّدَدِ» «٢»، قال الراوي: فبكى عمرُ بن عبدِ العزيزِ حتى اخضل لِحْيَتُهُ، حِينَ بلغهُ الحديثُ، وقال: لاَ جَرَمَ، إنِّي لاَ أَغْسِلُ ثَوْبِي الَّذِي يَلِي جَسَدِي حتى يَتَّسِخَ، وَلاَ أَدْهِنُ رَأْسِي حتى يَشْعَثَ، وخَرَّجَه أبو عيسى الترمذيُّ عن ثوبان عن النبيّ ﷺ بمعناه «٣»، ونَقَلَ صاحبُ «التذكرة» «٤» عن أنس بن مالك قال: أَوَّلُ مَنْ يَرِدُ الحَوْضَ عَلَى النبيّ ﷺ\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٢/ ٧١٧)، (٣٨١٤٩)، وذكره البغوي (٤/ ٥٣٣)، وابن عطية (٥/ ٥٢٩)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٥٥٧) .\n(٢) أخرجه ابن ماجه (٢/ ١٤٣٨- ١٤٣٩)، كتاب «الزهد» باب: ذكر الحوض (٤٣٠٣)، وأحمد (٥/ ٢٧٥) .\n(٣) أخرجه الترمذي (٤/ ٦٢٩)، كتاب «صفة القيامة» باب: (١٥) (٢٤٤٤) .\nقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.\n(٤) ينظر: «التذكرة» (١/ ٤١٠) .","vol":"5","page":632},{"text":"الذَّابِلُونَ النَّاحِلُونَ السَّائِحُونَ الَّذِينَ إذَا أَجَنَّهُمُ اللَّيْلُ استقبلوه بِالحُزْنِ، انتهى من «التذكرة»، ورَوَى أبو داودَ في «سننِه» عن أبي حمزةَ عن زيد بن أرقم قال: كنا مع رَسُولِ الله ﷺ فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا، فَقَالَ: «مَا أَنْتُمْ جُزْءٌ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ جُزْءٍ مِمَّنْ يُرِدُ عَلَي الحَوْضِ، قَال: قُلْتُ:\nكَمْ كُنْتُمْ يَومَئِذٍ؟ قَالَ: سَبْعُمِائَةٍ، أَوْ ثَمَانِمِائَةٍ، انتهى «١» .\nوقوله تعالى: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ أمْرٌ بالصلاةِ على العمومِ، والنَّحْرُ/ نَحْرُ الهَدْيِ، والنُّسُكِ، والضَّحَايَا عَلى قول الجمهور.\nوقوله تعالى: إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ ردٌّ على مقالةِ بَعْضِ سفهاءِ قريشٍ كأبي جهل وغيرِه، قال عكرمة وغيره: مات ولد للنبيّ ﷺ، فقال أَبُو جَهْلٍ: بُتِرَ مُحَمَّدٌ، فنزلت السُّورةُ، وقال تعالى: إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ أي: المقطوع المبتور من رحمة «٢» الله، والشانئ المبغض، قال الداوديّ: كل شانىء لرسول الله ﷺ فهو أبْتَرُ، لَيْسَ له يَوْمَ القيامة شَفِيعٌ ولا حميم يطاع، انتهى.\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (٢/ ٦٥٠)، كتاب «السنة» باب: في الحوض (٤٧٤٦)، أخرجه أحمد (٤/ ٣٦٧، ٣٦٩، ٣٧١، ٣٧٢) عن زيد بن أرقم. [.....]\n(٢) ذكره ابن عطية (٥/ ٥٣٠)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٥٥٩)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٦٩١)، وعزاه لابن أبي حاتم عن عطاء بنحوه.","vol":"5","page":633},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1701>تفسير سورة «الكافرون»</span>\nوهي مكّيّة إجماعا\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1702>[سورة الكافرون (١٠٩): الآيات ١ الى ٦]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nقُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ (١) لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ (٢) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ (٣) وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ (٤)\nوَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)\nرُوِيَ في سَبَبِ نزولِ هذه السورةِ عن ابن عباس وغيرِه «١» أن جماعةً من صناديدِ قريش قالوا للنبي ﷺ: دَعْ مَا أَنْتَ فيه ونَحْنُ نُمَوِّلُكَ، ونُمَلِّكُكَ عَلَيْنَا، وإن لم تفعلْ هذا فلتعبدْ آلهتَنا، ونَعْبُدُ إلهك، حتى نشتركَ فَحَيْثُ كَانَ الخيرُ نِلْنَاه جميعًا، وَرُوِيَ: أنَّ هذه الجماعةَ المذكورةُ هم: الوليد بن المغيرة، والعاصي بن وائل، وأمية بن خلف، وأُبيُّ بن خلف، وأبو جهل، وأبناءُ الحجاج، ونظراؤهم ممن لم يُكْتَبْ له الإسلام، وحتّم بشقاوته، فأخبرهم ﷺ عن أمر الله﷿- أنه لا يعبدُ ما يعبدونَ وأنهم غيرُ عابدِي ما يَعْبُدُ، ولما كان قوله: لاَ أَعْبُدُ محتملًا أَن يُرَادَ بهِ الآنَ وَيَبْقَى المستأنَفُ منتظَرًا، ما يكونُ فيه من عبادتهِ، جاء البيانُ بقوله: وَلا أَنا عابِدٌ مَّا عَبَدْتُّمْ أي: أبدًا، ثمَّ جاء قوله: وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ مَا أَعْبُدُ الثاني حَتْمًا/ عليهمْ أنَّهم لاَ يؤمِنُونَ به أبدًا، كالَّذِي كَشَفَ الغيبَ، ثم زَادَ الأمْرَ بيانًا وتَبَرِّيًا منهم قولهُ: لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ\nوقَالَ بعضُ العلماءِ: في هذِه الألْفَاظِ مُهَادَنَةٌ ما وهِيَ منسوخة.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٢/ ٦٢٧)، (٣٨٢٢٥)، وذكره ابن عطية (٥/ ٥٣١)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٦٩٢)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني عن ابن عبّاس.","vol":"5","page":634},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1703>تفسير سورة «النّصر»</span>\nوهي مدنيّة بإجماع\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1704>[سورة النصر (١١٠): الآيات ١ الى ٣]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nإِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّابًا (٣)\nروت عائشة أنّ النبيّ ﷺ لَمَّا فَتَحَ مَكةَ وأسْلَمَتِ العَرَبُ، جَعَلَ يُكْثِرُ أنْ يقولَ:\n«سبحانَك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ اسْتَغْفِرُكَ وأَتُوبُ إلَيْكَ» يَتَأَوَّلُ القرآن في هذه السورةِ، وقال لها مرة: ما أراه إلا حضورَ أجَلي، وتأوّله عمر والعباس بحضرة النبي ﷺ فصدَّقَهُما، ونَزَع هذا المنزَعَ ابنُ عباسٍ وغيره، وَالْفَتْحُ هو فتح مكة كذا فسّره ﷺ في «صحيح مسلمٍ»، والأفْواجُ: الجَماعَةُ إثْرَ الجماعةِ، - ص-: بِحَمْدِ رَبِّكَ أي مُتَلَبِّسًا، فالباءُ للحالِ، انتهى.\nوقوله تعالى: إِنَّهُ كانَ تَوَّابًا بِعَقِبِ وَاسْتَغْفِرْهُ تَرْجِيَةٌ عَظِيمَةٌ للمُسْتَغْفِرِينَ، قال ابن عمر: نزلت هذه السورة على النبي ﷺ بِمِنى في أوْسَطِ أيام التَّشْرِيق في حِجَّة الوَدَاعِ وعَاشَ بَعْدَها ثَمَانِينَ يَوْمًا، أو نحوَها «١» .\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٥/ ٥٣٢)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٥٦١)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٦٩٦)، وعزاه لابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، والبزار، وأبي يعلى، وابن مردويه، والبيهقي في «الدلائل» عن ابن عمر بنحوه.","vol":"5","page":635},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1705>تفسير سورة «المسد»</span>\nوهي مكّيّة بإجماع\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1706>[سورة المسد (١١١): الآيات ١ الى ٥]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nتَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ (٢) سَيَصْلى نارًا ذاتَ لَهَبٍ (٣) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤)\nفِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (٥)\nفي «صحيح البخاري» وغيرِه عن ابن عباس: «لَمَّا نَزَلَتْ: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [الشعراء: ٢١٤] ورهطك منهم المخلصين خرج رسول الله ﷺ حتى صعد الصفا فهتف: يا صباحاه، فقالوا: من هذا؟ فاجتمعوا/ إليه، فقال: أرأيتم إن أخبرتكم أن خيلا تخرج من سفح هذا الْجَبَلِ، أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ قَالُوا: نَعَمْ مَا جَرَّبْنَا عليك كذبا، قال: فإني نذير لكم بين يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ، فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ، مَا جَمَعْتَنَا إلاَّ لِهَذَا، ثُمَّ قَامَ فَنَزَلَتْ: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ إلى آخرها» «١»، وتَبَّتْ معناه: خَسِرَتْ والتَّبابُ الخُسْرَانُ، والدَّمَارُ، وأسْنَدَ ذلك إلى اليدينِ من حيثُ إنَّ اليَدَ مَوضِعُ الكَسْبِ والرِّبْحِ، وضَمِّ مَا يُمْلَكُ، ثم أوْجَبَ عليه أنه قَدْ تَبَّ، أي: حُتِّمَ ذَلِكَ عَلَيْه، وفي قراءة ابن مسعود «٢»: «وقَدْ تَبَّ»، وأبو لَهَبٍ هو عَبْدُ العُزَّى بْنُ عَبْدِ المطّلب، وهو عمّ النبيّ ﷺ ولكن سَبَقَتْ له الشقاوةُ، قال السهيليّ: كَنَّاهُ اللَّه بأبي لهبٍ لَمَّا خَلَقَهُ سبحانَه لِلَّهَبِ وإليه مصيرُه ألا تَرَاهُ تعالى قال: سَيَصْلى نَارًا ذاتَ لَهَبٍ فَكَانَتْ كُنْيَتُه بأبي لَهَبٍ تَقَدَّمَتْ لِمَا يصيرُ إليه من اللهبِ، انتهى.\nوقوله سبحانه: مَا أَغْنى عَنْهُ مالُهُ يحتملُ أن تَكُونَ «ما» نافيةً عَلَى معنى الخبرِ، ويحتملُ أنْ تكون «ما» استفهاميةً عَلَى وَجْهِ التقريرِ أي: أينَ الغَنَاءُ الذي لِمَالِه وَكَسْبهِ،\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٨/ ٦٠٩)، كتاب «التفسير» باب: سورة: تبت حديث (٤٩٧١) .\n(٢) ينظر: «الكشاف» (٤/ ٨١٤)، و«المحرر الوجيز» (٥/ ٥٣٤)، و«البحر المحيط» (٨/ ٥٢٦)، و«الدر المصون» (٦/ ٥٨٥) .","vol":"5","page":636},{"text":"وَما كَسَبَ يُرَادُ به عَرَضُ الدنيا، من عَقَارٍ، ونحوه، وقيل: كَسْبُه بَنُوه.\nوقوله سبحانه: سَيَصْلى نَارًا ذاتَ لَهَبٍ حَتْمٌ عَلَيْهِ بِالنارِ وإعْلاَمٌ بأنه يَتَوَفَّى على كفرِه، نعوذُ باللَّهِ من سوءِ القَضَاءِ ودَرْكِ الشقاءِ.\nوقوله تعالى: وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ هي أمَّ جميلٍ أخْتُ أبي سفيانَ بن حرب، وكانت مؤْذِيةً/ للنبي ﷺ وللمؤمنينَ بلسانِها وغايةِ قُدْرَتِها، وكانَتْ تَطْرَحُ الشّوْكَ في طريق النبي ﷺ وطريق أصحابه لِيَعْقِرَهم فلذلكَ سُمِّيتْ حَمَّالَةَ الحَطَبِ قاله ابن عباس «١»، وقيل هو استعارةٌ لذنوبِها، قال عياض: وذكر عَبْدُ بن حُمَيْدٍ قال: كَانَتْ حمالَة الحطبِ تَضَعُ العِضَاهَ، وَهِي جَمْرٌ على طريق النبيّ ﷺ فكأنَّما يَطَؤُهَا كَثِيبًا أَهْيَلَ، انتهى، - ص-: وقُرِىءَ شاذًّا: «وَمُرَيْئَتُهُ» بالتصغيرِ «٢»، والجيدُ هُو العُنُقُ، انتهى.\nوقوله تعالى: فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ قال ابنُ عباس وجماعة: الإشَارَةُ إلى الحبلِ حَقِيقَةٌ، الذي رَبَطَتْ به الشوكَ «٣»، والمَسَدُ: الليفُ، وقِيلَ ليفُ المُقْلِ، وفي «صحيحِ البخاري»: يُقَالُ مِنْ مسد لِيف المُقْلِ وهي السلسلةُ الَّتِي في النارِ، انتهى، ورُوِي في الحديثِ أنَّ هذهِ السورةَ لما نزلتْ وقُرِئَتْ بَلَغَتْ أُمَّ جميلٍ فَجَاءَتْ أَبَا بَكْرٍ وَهُوَ جَالسٌ معَ النبي ﷺ في المسجدِ وَبِيَدِهَا فِهْرُ حَجَرٍ، فأخَذَ اللَّهُ بِبَصَرِهَا وقَالَتْ: يا أبا بكرٍ بَلَغَنِي أنَّ صَاحِبَكَ هَجَانِي، وَلَوْ وَجَدْتُه لَضَرَبْتُه بِهَذَا الفِهْرِ، وإنّي لَشَاعِرَة وَقْد قلت فيه: [منهوك الرجز]\nمُذَمَّمًا قَلَيْنَا ... وَدِينَهُ أَبَيْنَا «٤»\nفَسَكَتَ أبو بكرٍ، ومضت هي، فقال النبي ﷺ: لَقَدْ حَجَبَتْنِي عَنْهَا مَلاَئِكَةٌ فَمَا رَأَتْنِي وَكَفَانِيَ الله شرّها.\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٢/ ٧٣٥)، (٣٨٢٦٩)، وذكره البغوي (٤/ ٥٤٣)، وابن عطية (٥/ ٥٣٥)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٥٦٤)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٧٠٣)، وعزاه لابن جرير، والبيهقي في «الدلائل»، وابن عساكر عن ابن عبّاس ﵄.\n(٢) قرأ بها ابن مسعود، كما في «الشواذ» ص: (١٨٢)، و«المحتسب» (٢/ ٣٧٥)، وينظر: «الكشاف» (٤/ ٨١٥)، و«المحرر الوجيز» (٥/ ٥٣٥)، و«البحر المحيط» (٨/ ٥٢٧)، و«الدر المصون» (٦/ ٥٨٦) .\n(٣) ذكره البغوي (٤/ ٥٤٤)، وابن عطية (٥/ ٥٣٥) .\n(٤) تقدم وينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٥٣٥)، و«البحر المحيط» (٨/ ٥٢٨) .","vol":"5","page":637},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1707>تفسير سورة «الإخلاص»</span>\nقيل: مكّيّة وقال ابن عبّاس: مدنيّة\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1708>[سورة الإخلاص (١١٢): الآيات ١ الى ٤]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)\nروي أنّ اليهود دخلوا على النبي ﷺ فقالوا له: يا مُحَمَّدُ صِفْ لَنَا رَبَّك وانْسِبْه، فإنَّه وَصَفَ/ نَفْسَه في التوراةِ وَنَسَبها، فارتعد النبيّ ﷺ مِنْ قولِهِم حَتَّى خَرَّ مغشيًا عليه، ونَزَلَ جبريل بهذه السورة.\nوأَحَدٌ مَعناه: وَاحدٌ فَرْدٌ مِنْ جميعِ جِهَاتِ الوَحْدَانِيَّة، ليس كمثله شيء وهُوَ ابتداء، واللَّهُ ابتداء ثان، وأَحَدٌ خَبَرُه والجملةُ خَبَرُ الأوَّلِ، وقيلَ هو ابتداءُ واللَّهُ خبره وأَحَدٌ بَدَلٌ منه، وَقَرَأَ عمر بن الخطابِ وغَيْرُهُ: «قل هو الله الواحد الصمد» والصَّمَدُ في كلامِ العربِ السيدُ الذي يُصْمَدُ إليه في الأُمُورِ وَيَسْتَقِلُّ بها وأنْشَدُوا:\n[الطويل]\nلَقَدْ بَكَّرَ النَّاعِي بِخَيْرِ بَنِي أَسَدِ ... بِعَمْرِو بْنِ مَسْعَودٍ وَبِالسَّيِّدِ الصَّمَدْ\nوبهذا تَتَفَسَّرُ هذه الآيةُ لأَنَّ اللَّهَ تعالى- جلت قدرته- هُوَ مُوجِدُ المَوْجُودَاتِ وإليهِ تَصْمُدُ وبه قِوَامُها﷾-.\nوقوله تعالى: لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ رَدٌّ عَلى إشارَةِ الكفارِ في النَّسَبِ الذي سأَلُوه، وقال ابن عباس: تَفَكَّروا في كلّ شَيْءٍ ولا تتفكروا في ذاتِ اللَّه «١»، قال ع «٢»: لأنّ الأفهام تقف دون ذلك حسيرة.\n_________\n(١) ذكره ابن عطية (٥/ ٥٣٧) .\n(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٥/ ٥٣٧) .","vol":"5","page":638},{"text":"وقوله سبحانه: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ معناه ليسَ له ضِدٌّ، وَلاَ نِدٌّ ولا شبيهٌ، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: ١١]، والكفؤ النظير و«كفؤا» خبر كان واسمها أَحَدٌ. قال- ص-: وحَسُنَ تأخيرُ اسمها لِوُقُوعِه فاصلةً، وله مُتَعَلِّقٌ ب كُفُوًا أي: لَمْ يَكُنْ أحَدٌ كُفُؤًا لَهُ، وقُدَّمَ اهتمامًا بِه لاِشْتِمالِهِ على ضميرِ البَارِي سبحَانه، انتهى، وفي الحديث الصحيح عنه ﷺ إنَّ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ تَعْدِلُ ثُلُثَ القرآن «١»، قال ع: لِمَا فِيهَا مِنَ التوحيدِ، ورَوَى أبو محمدٍ الدارميّ في «مسندهِ» قال:\nحدثنا عبد اللَّه بن مزيد حدثنا حيوة/ قال: أخبرنا أبو عقيل، أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: إن النبي ﷺ قال: «مَنْ قَرَأَ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ إحْدَى عَشَرَةَ مَرَّةً بُنِيَ لهُ قصرٌ في الجنةِ، ومَنْ قَرَأَها عِشْرينَ مرةً، بُنِيَ له قَصْرَانِ في الجنةِ، ومَنْ قرأَها ثَلاثِينَ مرةً بُنِيَ له ثلاثةُ قصورٍ في الجنة. فقال عمر بن الخطاب: إذَنْ تَكْثُرُ قصورُنَا يا رسول الله فقال رسول الله ﷺ: اللَّهُ أوْسَعُ من ذلك» «٢» [أي: فَضْلُ اللَّهِ أوْسَعُ مِنْ ذَلك] «٣» . قال الدارمي:\nأبو عقيل هو زهرة بن معبد، وزعموا أنه من الأبدال، انتهى من «التذكرة» «٤» .\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٣/ ٣٥٥) - النووي، كتاب «صلاة المسافرين» باب: فضل قراءة: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (٢٦١- ٢٦٢/ ٨١٢)، والترمذي (٥/ ١٦٨)، كتاب «فضائل القرآن» باب: ما جاء في سورة الإخلاص (٢٨٩٩)، وابن ماجه (٢/ ١٢٤٤)، كتاب «الأدب» باب: ثواب القرآن (٣٧٨٧) عن أبي هريرة ﵁.\nوفي الباب من حديث عبد الله بن عمر ﵁، أخرجه أحمد (٢/ ١٧٣)، والطبراني (١٢/ ٤٠٥) (١٣٤٩٣) .\nقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٢/ ٢٢١): رواه الطبراني في «الكبير»، وأبو يعلى بنحوه، ورجال أبي يعلى ثقات. اهـ مختصرا.\nوفي الباب عن أنس بن مالك ﵁: أخرجه ابن ماجه (٢/ ١٢٤٤)، كتاب «الأدب» باب:\nثواب القرآن (٣٧٨٨) .\nوفي الباب عن امرأة أبي أيوب: أخرجه النسائي (٢/ ١٧٢)، كتاب «الافتتاح» باب: في قراءة: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (٩٩٦)، وأحمد (٥/ ٤١٨) عن أبي أيوب.\n(٢) ذكره الهندي في «كنز العمال» (١/ ٥٨٥)، (٢٦٥٧)، وعزاه إلى أحمد عن معاذ بن أنس مختصرا.\n(٣) سقط في: د. [.....]\n(٤) ينظر: «التذكرة» (٢/ ٦٢٢) .","vol":"5","page":639},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1709>تفسير سورة «الفلق»</span>\nقال ابن عبّاس: مدنيّة، وقال قتادة: مكّيّة\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1710>[سورة الفلق (١١٣): الآيات ١ الى ٥]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ (٣) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ (٤)\nوَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ (٥)\nقوله ﷿: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ الخطاب للنبي ﷺ والمُرَادُ هُوَ وآحادُ أمتِهِ، قَالَ ابن عباس وغيره: الفَلَقُ الصُّبْحُ «١»، وقال ابن عباس أيضًا وجماعةٌ من الصحابة: الفلقُ جُبُّ في جَهَنَّم «٢»، ورواه أبو هريرة عن النبي ﷺ.\nوقوله تعالى: مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ يَعُمُّ كلَّ مَوْجُودٍ له شر، واخْتُلِفَ في: «الغاسِقِ» فَقَال ابن عباس وغيره: الغَاسِقُ الليلُ وَوَقَبَ: أظْلَمَ، ودَخَل عَلى الناسِ «٣»، وفي الحديثِ الصحيح عن عائشة أنّ النبيّ ﷺ أشَارَ إلى القَمَرِ وقال: يا عائشة تَعَوَّذِي باللَّهِ مِنْ شَرِّ هَذَا الغَاسِقِ إذَا وَقَبَ، قال السهيلي: وهذا أصحُّ ما قِيل لِهذَا الحديثِ الصحيحِ، انتهى، ولفظ صاحبِ «سلاحِ المؤمِنِ»: عن عائشةَ﵂- أَنَّ النبيَّ ﷺ نَظَرَ إلَى القَمَرِ، فَقَالَ: يا عائشةُ اسْتَعِيذِي بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ هَذَا فإنَّ هَذَا الغَاسِقُ إذا وقب «٤»، رواه الترمذيّ\n_________\n(١) أخرجه الطبري (١٢/ ٧٤٧)، (٣٨٣٥١)، وذكره البغوي (٤/ ٥٤٧)، وابن عطية (٥/ ٥٣٨)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٥٧٣)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٧١٧)، وعزاه لابن جرير عن ابن عبّاس.\n(٢) أخرجه الطبري (١٢/ ٧٤٧)، (٣٨٣٤٥) عن السدي. وذكره ابن عطية (٥/ ٥٣٨) .\n(٣) أخرجه الطبري (١٢/ ٧٤٨)، (٣٨٣٦٤)، وذكره البغوي (٤/ ٥٤٧)، وابن عطية (٥/ ٥٣٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٧١٨)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر عن ابن عبّاس.\n(٤) أخرجه الترمذي (٥/ ٤٥٢)، كتاب «تفسير القرآن» باب: ومن سورة المعوذتين (٣٣٦٦)، وأحمد (٦/ ٢٠٦، ٢١٥، ٢٣٧، ٢٥٢)، والحاكم (٢/ ٥٤١) .\nقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.\nقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، قال الذهبي: صحيح.","vol":"5","page":640},{"text":"والنَّسَائِيُّ، والحَاكِمُ في «المستدرك»، واللفظُ للتِّرمذيِّ، وقَالَ حسنٌ صحيحٌ، وقال/ الحاكم: صحيحُ الإسنادِ، وَوَقَبَ القَمَر وُقُوبًا: دَخَلَ في الظِّلِّ الذي يَكْسِفُه قاله ابن سيدة، انتهى من «السلاح» .\nوالنَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ السَّوَاحِر، ويقال: إن الإشَارَة أوَّلًا إلى بَنَاتِ لَبِيدِ بن الأَعْصَمِ اليهودي كُنَّ سَاحِرَاتٍ، وهُنَّ اللواتي سَحَرْنَ مَعَ أبيهِنَّ رَسُولَ الله ﷺ، والنَّفْثُ شِبْهُ النَّفخِ دُونَ تَفلِ رِيقٍ، وهذا النَّفْثُ هُوَ عَلى عُقَدٍ تَعْقَدُ في خيوطٍ، ونحوِها على اسْمِ المَسْحُورِ فيؤذى بذلك.\nقال ع: وهَذَا الشَّأْنُ في زمانِنَا موجودٌ شائعٌ في صحراء المغرب، وحدَّثني ثقةٌ أنه رأى عنْدَ بعضهم خيطًا أحْمَرَ قَدْ عُقِدَتْ فِيهِ عُقَدٌ على فُصْلاَنٍ، فَمُنِعَتْ بذلك رَضَاعَ أمهاتِها فكان إذا حَلَّ عقدةً جرى ذلك الفصيلُ إلى أُمِّه في الحِينِ، فَرَضَعَ، أعاذنا اللَّه مِنْ شَرِّ السِّحْرِ والسَّحَرَةَ.\nوقوله تعالى: وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ قال قتادة: مِنْ شَرِّ عَيْنِهِ ونَفْسِهِ «١»، يريد ب «النَّفْس»: السعْيَ الخَبِيثَ، وقال الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ: ذكَر اللَّه تعالى الشُّرُور في هذه السُّورة، ثم ختمها بالحسد ليعلم أنّه أخسّ الطبائع.\n_________\n(١) أخرجه الطبري، وابن المنذر كما ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٧١٩) .","vol":"5","page":641},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1711>تفسير سورة الناس</span>\nقال ابن عبّاس وغيره: هي مدنيّة، وقال قتادة: مكّيّة\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1712>[سورة الناس (١١٤): الآيات ١ الى ٦]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلهِ النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ (٤)\nالَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)\nقوله ﷿: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلهِ النَّاسِ مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ: الْوَسْواسِ: اسم مِنْ أسماء الشيطانِ، وقولُه: الْخَنَّاسِ معناه:\nالرَّاجِعُ على عَقِبِهِ المُسْتَتِرُ أحيانًا، فإذَا ذكر العَبْدُ اللَّه تعالى وتعوَّذ، تذكَّر فأبْصَرَ كما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ ... [الأعراف: ٢٠١] الآية: قال النَّوَوِيُّ «١»:\nقال بعضُ العلماءِ: يُسْتَحَبُّ قَول: لا إله إلا اللَّهِ لِمَنِ ابتلي بالوَسْوَسَةِ في الوضوءِ والصلاةِ وشِبْهِهِمَا فإن الشيطان إذا سمع الذِّكرَ، خَنَسَ، أي: تأخَّر وبَعُدَ، و«لا إله إلا اللَّهُ»: رَأْسُ الذِّكْرِ ولذلك اختار السَّادَةُ الجِلَّةُ مِنْ صَفْوة هذه الأمة أهْلُ تربيةِ السَّالكين وتأدِيبِ المُرِيدِينَ- قَوْلَ «لا إله إلا اللَّه» لأَهْلِ الخَلْوَةِ-، وأمَرُوهم بالمداومة علَيْهَا، وقالوا: أنْفَعُ علاجٍ في دَفْعِ الوسوسةِ الإقبالُ على ذِكْرِ اللَّه تعالى والإكْثَارُ منْه، وقال السَّيِّدُ الجليلُ أحْمَدُ بْنُ أبي الحوارِيِّ: شَكَوْتُ إلى أبي سُلَيْمَانَ الدَّرَانِيِّ الوَسْوَاسَ، فقال: إذا أَرَدت أَنْ ينقطعَ عَنْكَ، فَأَيَّ وَقْتٍ أحْسَسْتَ به، فافرح، فإنك إذا فَرِحْتَ به، انقطع عنك لأنه ليْسَ شيءٌ أبْغَضُ إلى الشيطانِ مِنْ سرورِ المؤمن، وإن اغتممت بِه، زَادَكَ، ت: وهذا مما يؤيِّد ما قاله بَعْضُ الأئمة أنَّ الوسواس إنما يبتلى به مَنْ كَمُلَ إيمانه فإن اللِّصَّ لا يقصدُ بيتًا خَربًا.\nانتهى، ت: ورأيتُ في «مختصر الطبريِّ» نَحْوَ هذا.\nوقوله تعالى: مِنَ الْجِنَّةِ يعني: الشياطينَ، ويظهر أنْ يَكُونَ قولُهُ: وَالنَّاسِ يراد به: مَنْ يُوَسْوِسُ بخدعة مِنَ الشَّرِّ، ويدعو إلى الباطل، فهو في ذلك كَالشَّيْطان، قال أحْمَدُ بْنُ نَصْرٍ الداوديُّ: وعن ابن جُرَيْجٍ: مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ قَالَ: «إنهما وَسْوَاسَانِ، فَوَسْوَاسٌ من الجِنَّة، ووَسْوَاسٌ مِنْ نَفْسِ الإنسان» انتهى، وفي الحديث الصحيح، أنّ\n_________\n(١) ينظر: «الأذكار» ص: (١٦١) .","vol":"5","page":642},{"text":"النبيّ ﷺ كَانَ إذَا آوى إلى فِرَاشِهِ كُلَّ لَيْلَةٍ جَمَعَ كَفَّيْهِ، ثُمَّ نَفَثَ فِيهِمَا، فَقَرأَ: «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ»، و«قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ»، و«قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ» ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا مَا استطاع مِنْ جَسَدِهِ يَبْدَأ بِهِما مِنْ رَأْسه وَوَجْهِهِ، وَمَا أَقْبَلَ مِنْ جَسَدِهِ يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا «١» -.\nيَقُولُ العبد الفقير إلى الله تعالى: عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف الثعالبي لطف الله به في الدارين: قد يسر الله ﷿ في إِتمام تَِلْخِيصِ هذا المختَصَر وقَدْ أودَعتُهُ بحَوْلِ اللَّهِ جزيلًا من الدُّرَر، قد استوعبت فيه- بحمد الله- مهمات ابن عطية، وأسقطْتُ كَثيرًا من التَّكْرار، وما كان من الشَّواذِّ في غاية الوهي، وزدْتُ من غيره جَوَاهِرَ ونَفَائِسَ لا يستغنى عنها مميزةً معزوَّة لِمَحَالِّها مَنْقُولةً بألفاظِهَا، وتوخَّيْتُ في جميع ذلك الصِّدْقَ والصَّواب، وإلى اللَّه أَرْغَبُ في جَزِيلِ الثواب، وقد نَبَّهْتُ بَعْضَ تَنْبِيهٍ، وعرَّفْتُ بأيام رِحْلَتِي في طَلَبِ العِلْمِ بعْضَ تعريفٍ عِنْدَ خَتْمِي لتفسير سورة الشورى فَلْيَنْظُرْ هُنَاكَ، واللَّهُ المسئول أنْ يجعَلَ هذا السعْيَ منا خالصًا لوَجْهِهِ، وعملًا صالحًا يقرِّبنا إلى مرضاته، ومَنْ وَجَدَ في هذا الكتاب تَصْحِيفًا أو خَلَلًا فَأَرْغَبُ إِلَيْهِ أَنْ يُصْلِحَهُ مِنَ الأُمِّهاتِ المَنْقُولِ منها متثبِّتًا في ذلك لا برَأْيه وبديهةِ عَقْلِهِ: [من الوافر]\nفَكَمْ مِنْ عَائِبٍ قَوْلًا صَحِيحًا ... وَآفَتُهُ مِنَ الفَهْمِ السَّقِيمِ\nوكان الفراغُ من تألِيفه في الخامسَ عَشَرَ مِنْ رَبِيع الأَوَّلِ مِنْ عَامِ ثَلاَثَةٍ وثَلاَثِينَ وَثَمَانِمائَةٍ وَأَنَا أَرْغَبُ إِلى كُلِّ أَخ نَظَرَ فيه أنْ يُخْلِصَ لي وَلَهُ بِدَعْوَةٍ صالحةٍ، وهذا الكتابُ لاَ يَنْبَغِي أنْ يَخْلُوَ عنه مُتَدَيِّنٌ، ومُحِبٌّ لكلامِ رَبِّه، فإِنه يَطَّلِعُ فيه على فَهْمِ القرآن أجْمَعَ في أَقْرَبِ مُدَّةٍ، وليس الخَبَرُ كَالعِيَانِ هذا مع ما خصّ به من تَحْقِيقِ كَلامَ الأَئِمَّةِ المحقِّقينَ﵃- نَقَلْتُهُ عَنْهُمْ بألفاظِهِمْ متحرِّيًا لِلصَّوَابِ، ومِنَ اللَّهِ أَرْتَجِي حُسْنَ المَآب، وصَلَّى اللَّهُ على سَيِّدِنَا محمَّد خاتَمِ النبيِّينَ، وَعَلى آله وصَحْبِهِ أجمعين، وآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الحَمْدُ للَّهِ رَبِّ العالمين.\n_________\n(١) تقدم تخريجه.","vol":"5","page":643},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1713>محتوى الجزء الخامس من تفسير الثعالبي</span>\nسورة يس ٥ سورة الصافات ٢٢ سورة- ص- ٥٤ سورة الزمر ٧٨ سورة غافر ١٠٣ سورة فصّلت ١٢٥ سورة الشورى ١٤٨ سورة الزخرف ١٧٢ سورة الدّخان ١٩٤ سورة الجاثية ٢٠٤ سورة الأحقاف ٢١٢ سورة محمّد ٢٢٨ سورة الفتح ٢٤٨ سورة الحجرات ٢٦٧ سورة ق ٢٨٠ سورة الذاريات ٢٩٦ سورة الطور ٣٠٩ سورة النجم ٣٢١ سورة القمر ٣٣٦ سورة الرحمن ٣٤٥ سورة الواقعة ٣٦٠ سورة الحديد ٣٧٧ سورة المجادلة ٣٩٧ سورة الحشر ٤٠٦ سورة الممتحنة ٤١٦ سورة الصف ٤٢٤","vol":"5","page":644},{"text":"سورة الجمعة ٤٢٨ سورة المنافقون ٤٣٤ سورة التغابن ٤٣٨ سورة الطلاق ٤٣٧ سورة التحريم ٤٥٠ سورة الملك ٤٥٥ سورة القلم ٤٦٣ سورة الحاقة ٤٧٣ سورة المعارج ٤٨١ سورة نوح ٤٨٨ سورة الجنّ ٤٩٣ سورة المزمّل ٥٠٠ سورة المدثر ٥٠٩ سورة القيامة ٥١٩ سورة الإنسان ٥٢٧ سورة المرسلات ٥٣٦ سورة النبأ ٥٤١ سورة النازعات ٥٤٧ سورة عبس ٥٥١ سورة التكوير ٥٥٥ سورة الانفطار ٥٥٩ سورة المطففين ٥٦٢ سورة الانشقاق ٥٦٧ سورة البروج ٥٧١ سورة الطارق ٥٧٤ سورة الأعلى ٥٧٧ سورة الغاشية ٥٨٢ سورة الفجر ٥٨٥ سورة البلد ٥٩٠ سورة الشمس ٥٩٤","vol":"5","page":645},{"text":"سورة الليل ٥٩٨ سورة الضحى ٦٠١ سورة الشرح ٦٠٤ سورة التين ٦٠٦ سورة العلق ٦٠٨ سورة القدر ٦١١ سورة البيّنة ٦١٣ سورة الزلزلة ٦١٥ سورة العاديات ٦١٨ سورة القارعة ٦٢١ سورة التكاثر ٦٢٢ سورة العصر ٦٢٥ سورة الهمزة ٦٢٦ سورة الفيل ٦٢٧ سورة قريش ٦٢٩ سورة الماعون ٦٣٠ سورة الكوثر ٦٣٢ سورة الكافرون ٦٣٤ سورة النصر ٦٣٥ سورة المسد ٦٣٦ سورة الإخلاص ٦٣٨ سورة الفلق ٦٤٠ سورة الناس ٦٤٢","vol":"5","page":646},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1714>ثبت وبيان بأهم مراجع التحقيق</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1715>حرف الألف</span>\n١- آداب اللغة لجورجي زيدان، طبعة القاهرة ١٩٥٧ ٢- الآيات البينات لابن قاسم العبادي، طبعة بولاق ٣- الإبانة عن أصول الديانة للأشعري، طبع دار الأنصار ٤- الإبهاج في شرح المنهاج لعلي بن عبد الكافي السبكي (ت ٧٥٦ هـ)، دار الكتب العلمية- طبعة أولى ٥- إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين لمرتضى الزبيدي (ت ١٢٠٥ هـ)، تصوير دار الفكر.\n٦- إتحاف فضلاء البشر لأحمد بن محمّد البنا (ت ١١١٧ هـ)، تحقيق د. شعبان محمّد إسماعيل، عالم الكتب، مكتبة الكليات الأزهرية، طبعة أولى ٧- الإتقان في علوم القرآن تأليف: شيخ الإسلام جلال الدين عبد الرحمن السيوطي (المتوفى سنة ٩١١ هـ)، الطبعة الثالثة سنة ١٩٥١ م، ط. الحلبي ٨- الإحكام في أصول الأحكام تأليف الشيخ الإمام العلامة سيف الدين أبي الحسن علي بن أبي علي بن محمّد الآمدي- تحقيق أحد الأفاضل- ط زاهد القدسي طبع ونشر وتوزيع ٢٤ شارع طلعت حرب القاهرة ٩- إحياء علوم الدين، لأبي حامد الغزالي (ت ٥٠٥ هـ)، دار المعرفة- بيروت ١٠- أخبار أصبهان لأحمد بن عبد الله، أبي نعيم الأصبهاني (ت ٤٣٠ هـ)، تحقيق سيد كسروي حسن، دار الكتب العلمية- طبعة أولى ١١- أخبار النحويين البصريين لأبي سعيد الحسن السيرافي (ت ٣٦٨ هـ)، تحقيق طه محمّد الزيني ومحمّد عبد المنعم خفاجي، مصطفى البابي الحلبي ١٢- الاختيار لتعليل المختار تأليف عبد الله بن محمود بن مودود الموصلي، مطبعة الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية ١٤٠٧ هـ/ ١٩٨٧ م وطبعه دار الكتب العلمية- بيروت ١٣- الأدب المفرد للبخاري (ت ٢٥٦ هـ)، تحقيق كمال الحوت، عالم الكتب ١٤- الأذكار لمحيي الدين أبي زكريا النووي (ت ٦٧٦ هـ) المكتبة العلمية- بيروت ١٥- إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب المعروف بمعجم الأدباء، لياقوت الحموي، طبعة مرجليوث بمصر","vol":"5","page":647},{"text":"١٦- إرشاد الفحول لمحمّد بن علي الشوكاني (ت ١٢٥٥) - طبعة أولى، مطبعة مصطفى البابي الحلبي ١٣٥٦ هـ/ ١٩٣٧ م ١٧- الأزهية في علم الحروف تأليف: علي بن محمّد الهروي، تحقيق: عبد المعين الملوحي، مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق سنة ١٩٨٢ م.\n١٨- أساس البلاغة تأليف: جار الله أبي القاسم محمود بن عمر الزمخشري، ط. دار صادر- بيروت، سنة ١٩٧٩ م.\n١٩- أسباب النزول للإمام أبي الحسين علي بن أحمد بن الواحدي النيسابوري، ط. عالم الكتب بيروت.\n٢٠- الاستيعاب لابن عبد البر (ت ٤٦٣ هـ)، تحقيق الشيخ علي محمّد معوض وعادل أحمد عبد الموجود دار الكتب العلمية.\n٢١- أسد الغابة في معرفة الصحابة لعز الدين ابن الأثير أبي الحسن الجزري (ت ٦٣٠ هـ)، تحقيق الشيخ علي محمّد معوض وعادل أحمد عبد الموجود، دار المكتب العلمية- طبعة أولى ٢٢- الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير، لمحمّد بن محمّد أبو شهبة، مجمع البحوث الإسلامية- الأزهر ٢٣- إسعاف المبطأ برجال الموطأ لجلال الدين السيوطي (ت ٩١١ هـ)، مكتبة مصطفى البابي الحلبي.\n٢٤- الأسماء والصفات لأحمد بن الحسين بن علي البيهقي (ت ٤٥٨ هـ)، دار الكتب العلمية- بيروت ٢٥- الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى لأبي عبد الله القرطبي (ت ٦٧١ هـ)، تحقيق د. محمّد حسن جبل وآخرون، دار الصحابة للتراث- طبعة أولى ٢٦- أهل المدارك شرح إرشاد السالك لأبي بكر بن حسن الكشناوي، عيسى البابي الحلبي ٢٧- الأشباه والنظائر في النحو لجلال الدين السيوطي (ت ٩١١ هـ)، تحقيق د. عبد العال سالم مكرم مؤسسة الرسالة- طبعة أولى ٢٨- إصلاح المنطق لابن السكيت (ت ٢٤٤ هـ)، تحقيق أحمد محمّد شاكر وعبد السلام محمّد هارون، دار المعارف ٢٩- إعراب ثلاثين سورة من القرآن الكريم تأليف: أبي عبد الله الحسين بن أحمد، المعروف بابن خالويه (ت ٣٧٠ هـ)، مكتبة المثنى ٣٠- إعراب القراءات السبع وعللها لأبي عبد الله الحسن بن خالويه (ت ٣٧٠ هـ)، تحقيق د. عبد الرحمن بن سليمان بن عثيمين، مكتبة الخانجي- طبعة أولى ٣١- الأعلام للزركلي لخير الدين الزركلي ط ٣ مكتبة المتنبي- القاهرة","vol":"5","page":648},{"text":"٢- أعلام الموقعين عن رب العالمين لشمس الدين أبي عبد الله محمّد بن أبي بكر المعروف بابن قيم الجوزية (ت ٧٥١ هـ) طبعة الكليات الأزهرية ٣٣- أعلام النساء لعمر رضا كحالة، مؤسسة الرسالة- بيروت ٣٤- الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني، تحقيق علي النجدي ناصف دار الكتب المصرية ٣٥- الإقناع للخطيب الشربيني، دار الكتب العلمية- بيروت ٣٦- الإكمال في رفع الارتياب عن المؤتلف والمختلف في الأسماء والكنى والأنساب لعلي بن هبة الله أبي نصر بن ماكولا (ت ٤٧٥ هـ)، دار الكتب العلمية- طبعة أولى ٣٧- الأم لمحمّد بن إدريس الشافعي، دار المعرفة ٣٨- أمالي ابن الشجري ليحيى الشجري، عالم الكتب، طبعة ثالثة ٣٩- أمالي المرتضى للشريف المرتضى علي بن الحسين الموسوي العلوي (٣٥٥- ٤٣٦ هـ) تحقيق: محمّد أبو الفضل إبراهيم، ط. الحلبي- القاهرة ٤٠- إمتاع الأسماع للمقريزي، طبع في القاهرة ١٩٤١ م.\n٤١- إنباء الغمر بأبناء العمر للحافظ ابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢ هـ)، دائرة المعارف العثمانية- الهند، دار الكتب العلمية طبعة ثانية ٤٢- إنباه الرواة على أنباه النحاة للوزير جمال الدين أبي الحسن القفطي، تحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم، دار الفكر العربي- القاهرة ومؤسسة الكتب الثقافية- بيروت ٤٣- الأنساب للسمعاني- أبي سعيد عبد الكريم بن محمّد (ت ٥٦٢ هـ)، تصحيح عبد الرحمن بن يحيى- طبعة مجلس المعارف العثمانية حيدرآباد الدكن- الهند سنة (١٣٨٥ هـ) ٤٤- الإنصاف في مسائل الخلاف لابن الأنباري (٥١٣- ٥٧٧ هـ) ومعه كتاب «الانتصاف من الإنصاف» للمرحوم محمّد محيي الدين عبد الحميد، ط. دار الجيل سنة ١٩٨٢ م.\n٤٥- الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام أحمد بن حنبل لعلاء الدين أبي الحسن علي بن سليمان المرداوي الحنبلي (ت ٨٨٥ هـ) تحقيق محمّد حامد الفقي الطبعة الأولى سنة (١٣٧٤ هـ) / (١٩٥٥ م) مطبعة السنة المحمّدية- ١٧ شارع شريف باشا بالقاهرة ٤٦- أنيس الفقهاء لقاسم القونوي (ت ٩٧٨ هـ)، تحقيق د. أحمد بن عبد الرزاق الكبسي، دار الوفاء- جدة- طبعة ثانية ٤٧- الأوسط في السنن لأبي بكر محمّد بن إبراهيم بن المنذر (ت ٣١٨ هـ)، تحقيق د. أبو حماد صغير أحمد بن محمّد حنيف، دار طيبة.\n٤٨- أوضح المسالك إلى ألفيّة ابن مالك تأليف: أبي محمّد عبد الله جمال الدين بن يوسف بن هشام الأنصاري (ت سنة ٧٦١ هـ)، تحقيق الشيخ محمّد محيي الدين عبد الحميد، ط. دار","vol":"5","page":64932},{"text":"الجيل، الطبعة الخامسة سنة ١٩٧٩ م.\n٤٩- إيضاح الوقف والابتداء لمحمّد بن القاسم أبي بكر الأنباري (ت ٣٢٨ هـ) تحقيق محيي الدين رمضان، طبع دمشق- مجمع اللغة العربية ١٩٧١ م\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1716>حرف الباء</span>\n٥٠- البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي (ت ٧٤٥ هـ)، تحقيق الشيخ عادل أحمد عبد الموجود وعلي محمّد معوض دار الكتب العلمية- طبعة أولى ٥١- بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع لعلاء الدين أبي بكر الكاساني (ت ٥٨٧ هـ) مطبعة الإمام بالقاهرة ٥٢- بداية المجتهد ونهاية المقتصد للقاضي أبي الوليد محمّد بن أحمد بن محمّد بن أحمد بن رشد القرطبي الأندلسي الشهير «بابن رشد الحفيد» (ت ٥٩٥ هـ) ط الحلبي الطبعة الثانية سنة ٣٧٠ هـ/ سنة ١٩٥٠ م ونسخة المكتبة التجارية الكبرى.\n٥٣- البداية والنهاية للإمام عماد الدين أبي الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير المتوفى سنة (٧٧٤ هـ) الطبعة الثانية سنة ١٩٧٧ م مكتبة المعارف بيروت ٥٤- البدر الطالع لمحمّد بن علي الشوكاني (ت ١٢٥٠ هـ) مكتبة ابن تيمية- القاهرة ٥٥- البرهان في أصول الفقه لإمام الحرمين الجويني (ت ٤٧٨ هـ)، تحقيق د. عبد العظيم الديب دار الأنصار- طبعة ثانية ٥٦- البرهان في علوم القرآن للزركشي بدر الدين (ت ٧٩٤ هـ)، تحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم، دار المعرفة- بيروت- طبعة أولى ٥٧- البعث والنشور للبيهقي (ت ٤٥٨ هـ)، دار الجنان ٥٨- بغية الملتمس للحافظ صلاح الدين أبي سعد العلائي (ت ٧٦١ هـ)، تحقيق حمدي عبد المجيد السلفي عالم الكتب- طبعة أولى ٥٩- بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة تأليف: جلال الدين عبد الرحمن السيوطي (ت ٩١١ هـ)، تحقيق: محمّد أبو الفضل إبراهيم، ط. الحلبي، الطبعة الأولى سنة ١٩٦٤ م.\n٦٠- بهجة النفوس لابن أبي جمرة، دار الجيل- بيروت\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1717>حرف التاء</span>\n٦١- تاج العروس من جواهر القاموس لمحمّد مرتضى الزبيدي (ت ١٢٠٥ هـ)، الناشر دار ليبيا- للنشر والتوزيع بنغازي- ليبيا- ط المطبعة الخيرية القاهرة. ومطبعة الكويت بتحقيق نخبة من العلماء ٦٢- تاريخ الأدب العربي للدكتور شوقي ضيف، دار المعارف- مصر","vol":"5","page":650},{"text":"٦٣- تاريخ الأدب العربي لكارل بروكلمان، القاهرة- دار المعارف- الطبعة الخامسة ٦٤- تاريخ الإسلام للحافظ شمس الدين الذهبي (ت ٧٤٨ هـ)، تحقيق د. عمر عبد السلام تدمري دار الكتاب العربي- بيروت طبعة ثانية ٦٥- تاريخ بغداد للحافظ أبي بكر بن أحمد بن علي الخطيب البغدادي المتوفى سنة (٤٦٣ هـ) الناشر دار الكتاب العربي- بيروت- لبنان.\n٦٦- تاريخ الثقات للحافظ أحمد بن عبد الله بن صالح العجلي تحقيق د. عبد المعطي قلعجي، دار الكتب العلمية- طبعة أولى ٦٧- تاريخ جرجان للسهمي (ت ٤٢٧ هـ)، عالم الكتب- بيروت ٦٨- تاريخ الخلفاء للإمام الحافظ جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي المتوفى عام (٩١١ هـ) تحقيق محمّد محيي الدين عبد الحميد- الطبعة الثانية سنة ١٣٨٣ هـ/ ١٩٦٤ م- مطبعة المدني بالعباسية- القاهرة ٦٩- التاريخ الصغير لمحمّد بن إسماعيل البخاري (ت ٢٥٦ هـ)، تحقيق محمود إبراهيم زايد، دار المعرفة- طبعة أولى ٧٠- التاريخ الكبير لمحمّد بن إسماعيل البخاري (ت ٢٥٦ هـ)، تصحيح عبد الرحمن اليماني وجماعة حيدرآباد- الهند، دائرة المعارف العثمانية ٧١- تاريخ ابن النجار (ت ٦٤٣ هـ) دار الكتاب العربي ٧٢- تاريخ يحيى بن معين لأبي زكريا يحيى البغدادي (ت ٢٣٣ هـ)، مجمع اللغة العربية ٧٣- تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة، دار الكتب العلمية تحقيق السيد أحمد صقر، طبعة ثالثة ٧٤- التبصرة والتذكرة للحافظ العراقي (ت ٨٠٦ هـ)، دار الكتب العلمية- بيروت ٧٥- التبصرة والتذكرة لأبي محمّد عبد الله بن علي بن إسحاق الصيمري، تحقيق د. فتحي أحمد علي الدين دار الفكر- بيروت ٧٦- تبصير المنتبه بتحرير المشتبه لابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢ هـ)، تحقيق علي محمّد البجاوي، دار الكتب العلمية- بيروت ٧٧- التبيان في إعراب القرآن لأبي البقاء عبد الله بن الحسين العكبري (ت ٦١٦ هـ)، تحقيق علي محمّد البجاوي، دار الشام للتراث- بيروت ٧٨- تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق لعثمان بن علي الزيلعي (ت ٧٤٣ هـ)، المطبعة الأميرية ببولاق ٧٩- تبيين كذب المفتري لابن عساكر الدمشقي (ت ٥٧١ هـ)، دار الكتاب العربي ٨٠- تجريد أسماء الصحابة لشمس الدين أبي عبد الله بن قايماز الذهبي (ت ٧٤٨ هـ)، دار","vol":"5","page":651},{"text":"المعرفة- بيروت ٨١- تجريد التمهيد لأبي عمر، يوسف بن عبد البر (ت ٤٦٣ هـ)، دار الكتب العلمية بيروت ٨٢- التحبير في علم التفسير لجلال الدين السيوطي (ت ٩١١ هـ)، تحقيق د. فتحي عبد القادر فريد، دار المنار ٨٣- التحرير في أصول الفقه لكمال الدين محمّد الشهير بابن همام الإسكندري (ت ٨٦١ هـ)، مطبعة مصطفى البابي الحلبي ٨٤- التحصيل من المحصول لسراج الدين محمود الأرموي (ت ٦٨٢ هـ)، تحقيق د. عبد الحميد علي أبو زنيد، مؤسسة الرسالة- طبعة أولى ٨٥- التحفة اللطيفة لشمس الدين السخاوي (ت ٩٠٢ هـ)، تحقيق حامد الفقي، مطبعة السنة المحمّدية ٨٦- تخريج الفروع على الأصول لأبي المناقب شهاب الدين الزنجاني (ت ٦٥٦ هـ)، تحقيق د.\nمحمّد أديب صالح، مؤسسة الرسالة- طبعة رابعة ٨٧- تخريج الكشاف للحافظ جمال الدين الزيلعي (ت ٧٦٢ هـ)، دار ابن خزيمة ٨٨- تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي لجلال الدين السيوطي (ت ٩١١ هـ)، تحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف، المكتبة العلمية بالمدينة المنورة- دار التراث- القاهرة ٨٩- التذكرة لشمس الدين القرطبي (ت ٦٧١ هـ)، تحقيق. السيد الجميلي، دار ابن زيدون- بيروت، مكتبة مدبولي- القاهرة ٩٠- تذكرة الحفاظ للإمام أبي عبد الله شمس الدين الذهبي (ت سنة ٧٤٨ هـ)، ط. دار الفكر العربي- القاهرة ٩١- تذكرة النحاة لأبي حيان محمّد بن يوسف الغرناطي الأندلسي (ت ٧٤٥ هـ)، تحقيق د.\nعفيف عبد الرحمن، مؤسسة الرسالة- طبعة أولى ٩٢- ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك، للقاضي عياض اليحصبي السبتي، تحقيق الدكتور أحمد بكير، مكتبة الحياة بيروت، مكتبة الفكر طرابلس- ليبيا ١٣٨٧ هـ ٩٣- الترغيب والترهيب لعبد العظيم بن عبد القوي المنذري (ت ٦٥٦ هـ) تحقيق مصطفى محمّد عمارة، مكتبة مصطفى البابي الحلبي ٩٤- تسمية من أخرج لهم البخاري ومسلم للحاكم صاحب المستدرك (ت ٤٠٥ هـ)، تحقيق كمال الحوت، مؤسسة الكتب الثقافية، دار الجنان- طبعة أولى ٩٥- التعديل والتجريح فيمن روى عن البخاري في الصحيح لأبي الوليد الباجي (ت ٤٧٤ هـ)، تحقيق د. أبو لبابة حسين، دار اللواء- الرياض","vol":"5","page":652},{"text":"٩٦- التعليق المغني على الدارقطني لأبي الطيب شمس الحق آبادىّ بأسفل سنن الدارقطني، عالم الكتب ٩٧- تفسير بحر العلوم للسمرقندي، تحقيق علي محمّد معوض، عادل أحمد عبد الموجود. دار الكتب العلمية، طبعة أولى ٩٨- تفسير البغوي المسمى بمعالم التنزيل للحسين بن مسعود البغوي (ت ٥١٦ هـ)، تحقيق خالد العك ومروان سوار، دار المعرفة- بيروت- طبعة أولى ٩٩- تفسير الجامع لأحكام القرآن للعلامة محمّد بن أحمد الأنصاري القرطبي (٦٧١ هـ) طبعة دار الشعب بمصر ١٠٠- تفسير سفيان الثوري لسفيان الثوري (ت ٧٧٧ هـ)، دار الكتب العلمية- طبعة أولى ١٠١- تفسير عبد الرزاق لعبد الرزاق الصنعاني (ت ٢١١ هـ)، تحقيق د. مصطفى مسلم محمّد، مكتبة الرشد- طبعة أولى ١٠٢- تفسير ابن عطية- المحرر الوجيز للقاضي أبي محمّد عبد الحق بن عطية الأندلسي (ت ٥٤٦ هـ)، تحقيق عبد السلام عبد الشافي محمّد، دار الكتب العلمية- طبعة أولى ١٠٣- تفسير غريب القرآن لعبد الله بن مسلم بن قتيبة (ت ٢٧٦ هـ)، تحقيق السيد أحمد صقر، دار الكتب العلمية ١٠٤- تفسير ابن كثير لإسماعيل بن عمر بن كثير (ت ٧٧٤ هـ) القاهرة، مكتبة أسامة- ٢٣ ش الصنادقية بالأزهر ١٠٥- تفسير الماوردي لأبي الحسن علي بن محمّد الماوردي البصري (ت ٤٥٠ هـ)، تحقيق السيد بن عبد المقصود بن عبد الرحيم، دار الكتب العلمية- الطبعة الأولى ١٠٦- التفسير والمفسرون للدكتور محمّد حسين الذهبي، مكتبة وهبة- طبعة ثالثة ١٠٧- تقريب التهذيب تأليف: أحمد بن حجر العسقلاني (٧٧٣- ٨٥٢ هـ)، تحقيق الدكتور عبد الوهاب عبد اللطيف، ط. دار المعرفة للطبع والنشر، بيروت الطبعة الثانية سنة ١٩٧٥ م.\n١٠٨- تقريب الوصول لابن جزي، طبعة تونس ١٠٩- التقرير والتحبير لابن أمير الحاج (ت ٨٧٩ هـ)، دار الكتب العلمية- طبعة ثانية- التقصي لحديث الموطأ- ينظر التجريد ١١٠- تقييد العلم لأبي بكر الخطيب البغدادي (ت ٤٦٢ هـ)، تحقيق يوسف العش، دار إحياء السنة النبوية ١١١- تلقيح مفهوم أهل الأثر لعبد الرحمن بن الجوزي (ت ٥٩٧ هـ)، تحقيق مكتبة الآداب- القاهرة، مكتبة الآداب- القاهرة","vol":"5","page":653},{"text":"١١٢- التمهيد لأبي عمر، يوسف بن عبد البر (ت ٤٦٣ هـ)، تحقيق سعيد أحمد أعراب، مؤسسة قرطبة ١١٣- التمهيد في تخريج الفروع على الأصول لجمال الدين أبي محمّد الأسنوي (ت ٧٧٢ هـ)، تحقيق د، محمّد حسن هيتو، مؤسسة الرسالة، طبعة ثالثة ١١٤- تنزيه الشريعة لأبي الحسن ابن عراق الكناني (ت ٩٦٣ هـ)، تحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف وعبد الله محمّد الصديق، دار الكتب العلمية- طبعة ثانية ١١٥- تنوير الحوالك شرح على موطأ مالك، لجلال الدين السيوطي، طبعة عيسى البابي الحلبي ١١٦- تهذيب الأسماء واللغات لأبي زكريا محيي الدين بن شرف النووي المتوفى سنة (٦٧٦ هـ)، إدارة الطباعة المنيرية، دار الكتب العلمية بيروت لبنان.\n١١٧- تهذيب تاريخ دمشق الكبير لابن عساكر (ت ٥٧١ هـ)، دار المسيرة بيروت ١١٨- تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني (ت سنة ٨٥٢ هـ) ط. مطبعة مجلس المعارف النظامية في الهند، الطبعة الأولى ١١٩- تهذيب الكمال في أسماء الرجال تأليف: جمال الدين أبي الحجاج يوسف المزيّ (٦٥٤- ٧٤٢ هـ) تحقيق د/ بشار عواد معروف، ط. مؤسسة الرسالة، الطبعة الثانية سنة ١٩٨٥ م.\n٢٢٠- تيسير التحرير لمحمّد أمين المعروف بأمير بادشاه، مطبعة مصطفى البابي الحلبي\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1718>حرف الثاء</span>\n١٢١- الثقات للحافظ محمّد بن حبان (ت ٣٥٤ هـ)، دائرة المعارف العثمانية- حيدرآباد- الهند\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1719>حرف الجيم</span>\n١٢٢- جامع بيان العلم لأبي عمر، يوسف بن عبد البر (ت ٤٦٣ هـ)، تحقيق أبي الأشبال الزهيري، دار ابن الجوزي- طبعة أولى ١٢٣- جامع البيان في تفسير القرآن تأليف: أبي جعفر محمّد بن جرير الطبري (المتوفى سنة ٣١٠ هـ)، ط. دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت، الطبعة الرابعة سنة ١٩٨٠ م.\n١٢٤- جامع التحصيل في أحكام المراسيل للحافظ صلاح الدين أبي سعيد كيكلدي العلائي (ت ٧٦١ هـ)، تحقيق حمدي عبد المجيد السلفي، مكتبة النهضة العربية- بيروت ١٢٥- الجامع الصحيح وهو سنن الترمذي لأبي عيسى محمّد بن عيسى بن سورة (٢٠٩- ٢٧٩ هـ) تحقيق: أحمد محمّد شاكر، ط. الحلبي- الطبعة الثانية سنة ١٩٧٨ م.\n١٢٦- الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع لأبي بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب (ت ٤٦٣ هـ)، تحقيق محمود الطحان الطبعة الأولى مكتبة المعارف- الرياض ١٢٧- جذوة الاقتباس فيمن حل من الأعلام مدينة فاس لابن القاضي، طبع بفأس","vol":"5","page":654},{"text":"١٢٨- جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس للحميدي (ت ٤٨٨ هـ)، الدار المصرية للتأليف والترجمة ١٢٩- الجرح والتعديل لعبد الرحمن بن محمّد الرازي، طبع في حيدرآباد ١٩٥٢، ومصورة دار الكتب العلمية بيروت- لبنان ١٣٠- الجمع بين رجال الصحيحين لأبي الفضل محمّد بن طاهر المقدسي (ت ٥٠٧ هـ)، المعروف بابن القيسراني، دار الباز ١٣١- الجمل على المنهج لسليمان الجمل، المكتبة التجارية الكبرى بمصر.\n١٣٢- جمهرة الأمثال لأبي هلال العسكري، تحقيق: محمّد أبو الفضل إبراهيم، وعبد المجيد قطامش، ط. المؤسسة العربية الحديثة للطبع والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى سنة ١٩٦٤ م.\n١٣٣- جمهرة أنساب العرب لابن حزم المتوفى (٤٥٦ هـ)، تحقيق عبد السلام هارون، دار المعارف ١٣٤- الجني الداني للحسن بن قاسم المرادي، تحقيق د. فخر الدين قباوة والأستاذ محمّد نديم فاضل، دار الكتب العلمية ١٣٥- حاشية البناني على المحلي للبناني، طبعة الحلبي ١٣٦- حاشية التفتازاني والشريف لابن الحاجب المالكي (ت ٦٤٦ هـ)، المطبعة الأميرية ببولاق- طبعة أولى ١٣٧- حاشية الدسوقي على الشرح الكبير لشمس الدين محمّد عرفة الدسوقي، عيسى البابي الحلبي ١٣٨- حاشية الشرقاوي على تحفة الطلاب بشرح تحرير تنقيح اللباب للشيخ عبد الله بن حجازي بن إبراهيم الشهير بالشرقاوي (ت ١٢٢٦ هـ) على تحفة الطلاب بشرع تحرير تنقيح اللباب للشيخ أبي يحيى زكريا الأنصاري (ت ٩٢٥ هـ)، ط. عيسى الحلبي ١٣٩- حاشية الشيخ زاده على تفسير البيضاوي، المكتبة الإسلامية محمّد ازدمير ديار بكر- تركيا ١٤٠- حاشية العطار على جمع الجوامع تصوير دار الكتب العلمية بيروت ١٤١- حاشية نسمات الأسحار لابن عابدين مصطفى البابي الحلبي ١٤٢- الحاوي الكبير في فقه الإمام الشافعي، لأبي الحسن الماوردي، تحقيق الشيخ علي محمّد معوض، والشيخ عادل أحمد عبد الموجود دار الكتب العلمية- طبعة أولى ١٤٣- الحجة على أهل المدينة لأبي عبد الله محمّد بن الحسن الشيباني (ت ١٨٩ هـ) عالم الكتب- طبعة ثالثة","vol":"5","page":655},{"text":"١٤٤- حجة القراءات لأبي زرعة بن زنجلة، تحقيق سعيد الأفغاني، منشورات جامعة بنغازي طبعة أولى ١٤٥- الحجة للقراء السبعة لأبي علي الحسن بن عبد الغفار الفارسي (ت ٣٧٧ هـ)، تحقيق بدر الدين قهوجي وبشير جويجاتي، دار المأمون للتراث- دمشق طبعة ثانية.\n١٤٦- الحدود في الأصول لأبي الوليد سليمان الباجي (ت ٤٧٤ هـ) تحقيق د. نزيه حماد، مؤسسة الزغبي للطباعة والنشر- طبعة أولى ١٤٧- حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء لسيف الدين أبي بكر الشاشي القفال، دار الباز تحقيق د. ياسين أحمد إبراهيم درادكة، مكتبة الرسالة الحديثة طبعة أولى ١٤٨- حماسة البحتري (للوليد بن عبيد) بيروت ١٤٩- الحماسة البصرية لصدر الدين علي بن الحسن البصري (ت ٦٥٦ هـ)، تحقيق عادل جمال سليمان، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1720>حرف الخاء</span>\n١٥٠- خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب لعبد القادر بن عمر البغدادي تحقيق عبد السلام هارون، مكتبة الخانجي ١٥١- الخصائص لأبي الفتح عثمان بن جني، تحقيق: محمّد علي النجار، ط. دار الهدى للطباعة والنشر، بيروت: الطبعة الثانية ١٥٢- خلاصة تذهيب تهذيب الكمال في أسماء الرجال لصفي الدين أحمد بن عبد الله الخزرجي، تحقيق محمود عبد الوهاب فايد، مكتبة القاهرة\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1721>حرف الدال</span>\n١٥٣- دائرة المعارف الإسلامية إصدار دار الشعب- طبعة أولى ١٥٤- الدر المصون في علوم الكتاب المكنون لشهاب الدين أبي العياش السمين الحلبي، تحقيق الشيخ علي محمّد معوض وآخرون، دار الكتب العلمية ١٥٥- الدر المنثور لجلال الدين السيوطي (ت ٩١١ هـ)، دار الكتب العلمية ١٥٦- الدرر الكامنة، لأحمد بن حجر العسقلاني القاهرة: دار الكتب الحديثة بعابدين ١٥٧- الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب لابن فرحون المالكي القاضي برهان الدين إبراهيم بن علي بن محمّد بن فرهود المتوفى سنة (٧٩٩ هـ) تحقيق وتعليق الدكتور أحمد محمّد أبو النور مدرس الحديث بجامعة الأزهر دار التراث للطبع والنشر- ٢٢ شارع الجمهورية القاهرة.\n١٥٨- دلائل النبوة لأبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي (ت ٤٥٨ هـ)، تحقيق د. عبد المعطي","vol":"5","page":656},{"text":"القلعجي، دار الكتب العلمية- طبعة أولى ١٥٩- ديوان الإسلام لشمس الدين أبي المعالي ابن الغزي (ت ١١٦٧ هـ)، تحقيق سيد كسروي حسن دار الكتب العلمية- طبعة أولى ١٦٠- ديوان امرئ القيس تحقيق: محمّد أبو الفضل إبراهيم- ط. دار المعارف، الطبعة الثانية ١٦١- ديوان عمرو بن معد يكرب لمطاع الطرابيشي، مطبوعات مجلة اللغة العربية- دمشق- طبعة ثانية ١٦٢- ديوان المعاني لأبي هلال العسكري، مكتبة القدسي ١٦٣- ديوان الهذليين نسخة مصورة عن طبعة دار الكتب، الناشر: الدار القومية للطباعة والنشر، سنة ١٩٦٥ م\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1722>حرف الراء</span>\n١٦٤- الرسالة لمحمّد بن إدريس الشافعي، تحقيق أحمد محمّد شاكر، دار التراث- طبعة ثانية ١٦٥- الرسالة المستطرفة للسيد محمّد بن جعفر الكتاني، دار الكتب العلمية- طبعة ثانية ١٦٦- رصف المباني في شرح حروف المعاني لأحمد بن عبد النور المالقي (ت ٧٠٢ هـ)، تحقيق أحمد محمّد الخراط- مجمع اللغة العربية بدمشق.\n١٦٧- روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع الثاني تأليف: أبي الفضل شهاب الدين السيد محمود الألوسي (ت سنة ١٢٧٠ هـ)، ط. دار إحياء التراث العربي ١٦٨- روضات الجنات في أحوال العلماء والسادات، محمّد باقر الموسوي، طهران، المطبعة الحيدرية ١٦٩- روضة الطالبين لأبي زكريا يحيى بن شرف النووي (ت ٦٧٦ هـ)، تحقيق عادل أحمد عبد الموجود وعلي محمّد معوض، دار الكتب العلمية- طبعة أولى ١٧٠- روضة الناظر وجنّة المناظر لموفق الدين عبد الله بن قدامة المقدسي (ت ٦٢٠ هـ)، تحقيق د. عبد الكريم بن علي النملة، مكتبة الرشد- الرياض طبعة ثالثة\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1723>حرف الزاي</span>\n١٧١- زاد المسافر لصفوان بن إدريس التجيبي المرسي، طبع في بيروت ١٩٣٩ ١٧٢- زاد المعاد لابن قيم الجوزية (ت ٧٥١ هـ)، تحقيق شعيب الأناءوط، عبد القادر الأرناؤوط مؤسسة الرسالة- بيروت الطبعة الخامسة عشر ١٧٣- الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي لأبي منصور الأزهري، تحقيق د. محمّد جبر الألفي، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية- الكويت- طبعة أولى","vol":"5","page":657},{"text":"١٧٤- الزهد لعبد الله ابن المبارك (ت ١٨١ هـ)، تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي- دار الكتب العلمية ١٧٥- الزوائد للبوصيري (ت ٨٤٠ هـ)، تحقيق موسى محمّد علي ود. عزت علي عطية، دار الكتب الإسلامية- زوائد المسند لعبد الله بن أحمد بن حنبل- المسند أحمد بن حنبل\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1724>حرف السين</span>\n١٧٦- سبل السلام شرح بلوغ المرام من جمع أدلة الأحكام للإمام محمّد بن إسماعيل الكحلاني ثم الصنعاني (ت ١١٨٢ هـ) ط الحلبي الرابعة سنة ١٣٧٩ هـ/ ١٩٦٠ م وأيضا نسخة أخرى بتصحيح وتعليق محمّد عبد العزيز ١٧٧- سر صناعة الإعراب لأبي الفتح عثمان بن جنيّ (ت سنة ٣٩٢ هـ)، تحقيق الدكتور: حسن الهنداوي- ط. دار القلم، بدمشق- الطبعة الأولى ١٩٨٥ م ١٧٨- سلاسل الذهب لبدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ)، تحقيق محمّد المختار بن محمّد الأمين الشنقيطي، مكتبة ابن تيمية- طبعة أولى ١٧٩- سلسلة الأحاديث الصحيحة لمحمّد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي- طبعة رابعة ١٨٠- السلسلة الضعيفة لمحمّد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي ١٨١- سنن الحافظ أبي عبد الله محمّد بن يزيد القزويني ابن ماجه (٢٠٧- ٢٧٥ هـ) تحقيق:\nمحمّد فؤاد- ط. دار الفكر العربي ١٨٢- سنن الدارمي للإمام أبي محمّد عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن بهرام الدارمي (ت سنة ٢٥٥ هـ)، ط. دار الكتب العلمية، بيروت ١٨٣- سنن أبي داود للإمام أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني الأزدي (٢٠٢- ٢٧٥ هـ) تحقيق: المرحوم محمّد محيي الدين عبد الحميد- ط. دار الكتب العلمية- بيروت ١٨٤- سنن النسائي بشرح الحافظ جلال الدين السيوطي، وحاشية الإمام السندي- ط. المكتبة العلمية- بيروت ١٨٥- سؤالات البرذعي للبرذعي، تحقيق: د. سعدي الهاشمي، نشر الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة ١٨٦- سؤالات البرقاني للدارقطني للبرقاني، كتب خانه جميلي- باكستان ١٨٧- سير أعلاء النبلاء للحافظ شمس الدين الذهبي (ت ٧٤٨ هـ)، تحقيق شعيب الأرناؤوط وجماعة، مؤسسة الرسالة- طبعة أولى ١٨٨- السيرة الحلبية لعلي بن برهان الدين الحلبي، طبع مصر","vol":"5","page":658},{"text":"١٨٩- السيرة مع الروض الأنف لأبي القاسم عبد الرحمن الخثعمي (٥٨١ هـ)، مكتبة عبد السلام بن محمّد بن شقرون ١٩٠- سيرة ابن هشام لأبي محمّد عبد الملك بن هشام (ت ١٨٣ هـ)، تحقيق مجدي فتحي السيد، دار الصحابة للتراث- طبعة أولى\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1725>حرف الشين</span>\n١٩١- شجرة النور الزكية في طبقات المالكية لمحمّد بن محمّد مخلوف، دار الفكر ١٩٢- شذرات الذهب في أخبار من ذهب لأبي الفلاح ابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩ هـ)، دار الكتب العلمية ١٩٣- شرح أبيات سيبويه لأبي محمّد يوسف المرزبان السيرافي (ت ٣٨٥ هـ)، تحقيق محمّد علي الريح هاشم، مكتبة الكليات الأزهرية ودار الفكر ١٩٤- شرح أبيات مغني اللبيب لعبد القادر بن عمر البغدادي (ت ١٠٩٣ هـ)، تحقيق عبد العزيز رباح، أحمد يوسف دقاق دار البيان- دمشق ١٩٥- شرح الأشموني على ألفيّة ابن مالك فيصل عيسى البابي الحلبي ١٩٦- شرح البهجة لزكريا الأنصاري، المطبعة الميمنية بمصر ١٩٧- شرح التلويح على التوضيح لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني (ت ٧٩٢ هـ) دار الكتب العلمية ١٩٨- شرح تنقيح الفصول لشهاب الدين أبي العباس القرافي (ت ٦٨٤ هـ)، شركة الطباعة الفنية المتحدة- طبعة أولى ١٩٩- شرح الخريدة البهية لأبي البركات الشيخ أحمد بن محمّد الدردير العدوي (ت ١٢٠١ هـ)، تحقيق السيد علي بن السيد عبد الرحمن الهاشم، طبع الإمارات العربية المتحدة ٢٠٠- شرح ديوان جرير بشرح محمّد بن حبيب، دار المعارف تحقيق د. نعمان محمّد أمين طه، طبعة ثالثة ٢٠١- شرح ديوان الحماسة لأبي تمام شرح الإمام الشيخ أبي زكريا يحيى التبريزي، عالم الكتب ٢٠٢- شرح الزّرقاني على الموطأ لمحمّد بن عبد الباقي الزرقاني (ت ١١٢٢ هـ)، دار الكتب العلمية- طبعة أولى ٢٠٣- شرح السّنة لأبي محمّد الحسين بن مسعود البغوي (ت ٥١٦ هـ)، دار الكتب العلمية تحقيق علي محمّد معوض، عادل أحمد عبد الموجود ٢٠٤- شرح شعلة على الشاطبية لأبي عبد الله محمّد بن أحمد بن الحسين الموصلي (ت ٦٥٦ هـ)، الاتحاد العام لجماعة القراء","vol":"5","page":659},{"text":"٢٠٥- شرح شواهد المغني لجلال الدين عبد الرحمن السيوطي (ت ٩١١ هـ)، دار مكتبة الحياة بيروت ٢٠٦- شرح العضد على المختصر لعضد الدين عبد الرحمن بن أحمد الإيجي (ت ٧٥٦ هـ) دار الكتب العلمية- طبعة ثانية ٢٠٧- شرح فتح القدير للعاجز الفقير كمال الدين محمّد بن عبد الواحد المعروف بابن الهمام (ت ٦٨١ هـ)، دار إحياء التراث العربي ٢٠٨- شرح قطر الندى لجمال الدين بن هشام الأنصاري (ت ٧٦١ هـ)، مطبعة السعادة- الطبعة الثانية عشرة ٢٠٩- شرح الكافية لابن مالك، تحقيق عبد المنعم هريدي، طبعة دار المأمون للتراث ٢١٠- شرح مختصر المنار للكوراني، دار السلام- القاهرة ٢١١- شرح مسند أحمد بن حنبل تحقيق أحمد شاكر، طبعة دار المعارف القاهرة ٢١٢- شرح المفصل لموفق الدين يعيش النحوي (ت ٦٤٣ هـ)، عالم الكتب- بيروت ٢١٣- شرح منتهى الإرادات لمنصور بن يونس البهوتي (ت ١٠٥١ هـ)، عالم الكتب- طبعة أولى ٢١٤- شرح المهذب لأبي زكريا محيي الدين النووي، تحقيق محمّد نجيب المطيعي، مكتبة الإرشاد جدة ٢١٥- شرف أصحاب الحديث لأبي بكر أحمد الخطيب البغدادي (ت ٤٦٣ هـ)، تحقيق د. محمّد سعيد خطيب أوغلي، دار إحياء السنة النبوية ٢١٦- شعب الإيمان لأحمد بن الحسين البيهقي (ت ٤٥٨ هـ)، تحقيق أبو هاجر، دار الكتب العلمية ٢١٧- الشعر والشعراء لابن قتيبة الدينوري، دار المعارف- القاهرة تحقيق أحمد محمّد شاكر ٢١٨- الشفا بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عياض (ت ٥٤٤ هـ)، تحقيق علي محمّد البجاوي، مطبعة عيسى البابي الحلبي ٢١٩- شواذ القرآن لابن خالويه، مكتبة المتنبي\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1726>حرف الصاد</span>\n٢٢٠- صحيح البخاري، بحاشية السندي للعلامة أبي عبد الله محمّد بن إسماعيل البخاري- ط.\nالحلبي ٢٢١- صحيح ابن حبان لابن حبان (ت ٣٥٤ هـ)، تحقيق عبد الرحمن محمّد عثمان، المكتبة السلفية- المدينة المنورة ٢٢٢- صحيح ابن خزيمة لابن خزيمة (ت ٣١١ هـ)، تحقيق محمّد مصطفى الأعظمي، المكتب","vol":"5","page":660},{"text":"الإسلامي- بيروت طبعة أولى ٢٢٣- صحيح مسلم للإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري (٢٠٦- ٢٦١ هـ)، تحقيق: محمّد فؤاد عبد الباقي- ط. دار إحياء التراث العربي، بيروت ٢٢٤- صحيفة ابن أبي طلحة حقّقها راشد عبد المنعم الرجال مكتبة السنة ٢٢٥- صفة الصفوة لأبي الفرج بن الجوزي (ت ٥٩٧ هـ)، حيدرآباد- الهند ٢٢٦- صفة الكلام للشيخ الظوهري شيخ الجامع الأزهر، مطبعة الحلبي\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1727>حرف الضاد</span>\n٢٢٧- الضعفاء للبخاري (ت ٢٥٦ هـ)، تحقيق بوران ضناوي، عالم الكتب- بيروت- طبعة أولى ٢٢٨- الضعفاء لأبي جعفر العقيلي تحقيق د. عبد المعطي قلعجي دار الكتب العلمية- بيروت- طبعة أولى ٢٢٩- الضعفاء والمتروكين للنسائي (ت ٣٠٣ هـ)، تحقيق محمود إبراهيم زايد- دار الوعي- طبعة أولى ٢٣٠- الضوء اللامع لأهل القرن التاسع تأليف: شمس الدين محمّد بن عبد الرحمن السخاوي (ت ٩٠٢ هـ)، منشورات دار مكتبة الحياة\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1728>حرف الطاء</span>\n٢٣١- الطالع السعيد لجعفر الأدفوي (ت ٧٤٨ هـ) تحقيق سعد محمّد حسن- مطابع سجل العرب ٢٣٢- طبقات الأطباء لابن أبي أصيبعة، دار الثقافة- بيروت ٢٣٣- طبقات الخواص لأحمد بن أحمد الشرجي الزبيدي، طبع بمصر ٢٣٤- طبقات الشافعية لأبي بكر بن هداية الله الحسيني المتوفى سنة (١٠١٤ هـ)، حقّقه عادل نويهض- الطبعة الأولى سنة ١٣٩١ هـ/ ١٩٧١ م- دار الأوقاف الجديدة- بيروت لبنان.\n٢٣٥- طبقات الشافعية تأليف: جمال الدين عبد الرحيم الأسنوي- المتوفى سنة (٧٧٢ هـ) تحقيق عبد الله الجبوري، الجمهورية العراقية رئاسة ديوان الأوقاف، إحياء التراث الإسلامي بغداد سنة ١٣٩٠ هـ، ودار الكتب العلمية بيروت لبنان ٢٣٦- طبقات الشافعية الكبرى لتاج الدين أبي نصر عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي السبكي (٧٢٧- ٧٧١ هـ) تحقيق محمود محمّد وعبد الفتاح محمّد الحلو، الطبعة الأولى- مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاؤه سنة ١٣٨٣ هـ/ سنة ١٩٦٤ م ٢٣٧- طبقات الصوفية لأبي عبد الرحمن السلمي (ت ٤١٢ هـ)، تحقيق نور الدين شريبة، مكتبة الخانجي- القاهرة- طبعة ثالثة ٢٣٨- طبقات الفقهاء لأبي إسحق الشيرازي الشافعي (٣٩٣- ٤٧٦ هـ) تحقيق الدكتور إحسان","vol":"5","page":661},{"text":"عبّاس، الناشر دار الرائد العربي بيروت لبنان سنة ١٩٧٠ م ٢٣٩- طبقات الفقهاء الشافعية لأبي عاصم محمّد بن أحمد العبادي المتوفى سنة (٤٥٨ هـ)، طبعة ليدن سنة ١٩٦٤ م ٢٤٠- طبقات ابن قاضي شهبة لأبي بكر تقي الدين ابن قاضي شهبة (ت ٨٥١ هـ)، تحقيق د.\nالحافظ عبد العليم خان، عالم الكتب- طبعة أولى ٢٤١- طبقات القراء لابن الجزري، مكتبة المتنبي ٢٤٢- الطبقات الكبرى لابن سعد- دار بيروت للطباعة والنشر، دار صادر ١٣٧٧ هـ/ ١٩٥٧ م ٢٤٣- طبقات المفسرين للحافظ جلال الدين عبد الرحمن السيوطي (٨٤٩- ٩١١ هـ)، تحقيق:\nعلي محمّد عمر- الناشر: مكتبة وهبه- الطبعة الأولى سنة ١٩٧٦ م ٢٤٤- طبقات المفسرين تصنيف: الحافظ شمس الدين محمّد بن علي بن أحمد الداودي المتوفى سنة ٩٤٥ هـ، ط. دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى سنة ١٩٨٣ م ٢٤٥- طبقات النحويين واللغويين لأبي بكر محمّد بن الحسن الزبيدي، دار المعارف تحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم ٢٤٦- طيبة النشر في القراءات العشر لأبي القاسم النويري تحقيق عبد الفتاح السيد أبو سنة مجمع البحوث الإسلامية\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1729>حرف العين</span>\n٢٤٧- العبر في خبر من غبر للحافظ الذهبي (ت ٧٤٨ هـ)، تحقيق د. صلاح الدين المنجد، وزارة الإعلام- الكويت ٢٤٨- الاعتصام لأبي إسحاق اللخمي الشاطبي (ت ٧٩٠ هـ)، المكتبة التجارية الكبرى بمصر ٢٤٩- العظمة لأبي الشيخ الأصبهاني (ت ٣٦٩ هـ)، تحقيق رضاء الله بن محمّد إدريس المباركفوري، دار العاصمة- الرياض- طبعة أولى ٢٥٠- العلل لأبي محمّد عبد الرحمن الرازي ابن أبي حاتم (ت ٣٢٧ هـ) دار المعرفة ٢٥١- العلل المتناهية لأبي الفرج بن الجوزي (ت ٥٩٧ هـ)، تحقيق إرشاد الحق الأثري، دار الكتب العلمية- بيروت ٢٥٢- العلل الواردة في الأحاديث النبوية لأبي الحسن علي بن عمر الدارقطني (ت ٣٨٥ هـ) تحقيق محفوظ الرحمن زين الله السلفي (ت ٣٨٥ هـ) دار طيبة- طبعة أولى ٢٥٣- علوم الحديث للحاكم النيسابوري (ت ٤٠٥ هـ)، تحقيق د. السيد معظم حسين، مكتبة المتنبي- القاهرة","vol":"5","page":662},{"text":"٢٥٤- العلوم المستودعة في السبع المثاني للتجيبي الأقليشي، مخطوط تفسير بالأزهر [٢٥٥] ٤٢٥٣ ٢٥٥- عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ لأحمد بن يوسف السمين الحلبي، تحقيق الدكتور محمّد التونجي، عالم الكتب، طبعة أولى ٢٥٦- عمدة القاري شرح صحيح البخاري لبدر الدين العيني (ت ٨٥٥ هـ)، مكتبة مصطفى البابي الحلبي- طبعة أولى ٢٥٧- عمل اليوم والليلة لأبي بكر أحمد بن إسحاق الدينوري (ابن السّنّي) (ت ٣٦٤ هـ)، تحقيق عبد القادر أحمد عطا- دار المعرفة- بيروت ٢٥٨- العنوان في القراءات السبع لأبي طاهر إسماعيل بن خلف الأنصاري تحقيق الدكتور زهير زاهد والدكتور خليل العطية، عالم الكتب، بيروت- لبنان\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1730>حرف الغين</span>\n٢٥٩- غاية النهاية في طبقات القراء تأليف: شمس الدين أبي الخير محمّد بن محمّد بن الجزري (المتوفى سنة ٨٣٣ هـ)، عني بنشره ج. براجستراسر- ط. دار الكتب العلمية- بيروت- الطبعة الثالثة سنة ١٩٨٢ ٢٥٩- غاية الوصول شرح لب الأصول لزكريا بن محمّد الأنصاري (ت ٩٢٦ هـ)، مطبعة عيسى البابي الحلبي\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1731>حرف الفاء</span>\n٢٦١- فتاوى ابن تيمية لأحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية (ت ٧٢٨ هـ)، مطابع الرياض- الطبعة الأولى ٢٦٢- فتح الباري شرح صحيح البخاري للحافظ ابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢ هـ)، تحقيق محب الدين الخطيب، المطبعة السلفية- القاهرة- طبعة ثانية ٢٦٣- فتح العلام للشيخ زكريا الأنصاري، دار الكتب العلمية، تحقيق علي محمّد معوض وعادل أحمد عبد الموجود- طبعة أولى ٢٦٤- فتح الوهاب بشرح منهج الطلاب لأبي يحيى زكريا الأنصاري (ت ٩٣٥ هـ)، مكتبة مصطفى البابي الحلبي ٢٦٥- فضائل القرآن لأبي عبيد القاسم بن سلام، تحقيق أحمد بن عبد الواحد الخياطي، وزارة الأوقاف المملكة المغربية ٢٦٦- فقه اللغة وسر العربية لأبي منصور عبد الملك بن محمّد الثعالبي المكتبة التجارية الكبرى (١٣٤٦- ١٩٢٧)","vol":"5","page":663},{"text":"٢٦٧- الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي لمحمّد بن الحسن الحجوي الثعالبي، طبع في الرباط (١٣٤٠ هـ) ٢٦٨- الفهرست لابن النديم- الناشر: دار المعرفة للطباعة والنشر- بيروت ٢٦٩- فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت لعبد العلي محمّد الأنصاري (ت ١١٨٠ هـ)، المطبعة الأميرية- بولاق ٢٧٠- فيض القدير شرح الجامع الصغير للمناوي (ت ١٠٣١ هـ)، دار الفكر- طبعة ثانية\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1732>حرف القاف</span>\n٢٧١- القاموس المحيط لمجد الدين الفيروزآبادىّ (ت ٨١٧ هـ)، دار الفكر- بيروت\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1733>حرف الكاف</span>\n٢٧٢- الكاشف على المحصول للأصبهاني، مخطوط ٢٧٣- الكافي في فقه أهل المدينة المالكي لأبي عمر يوسف بن عبد البرّ، دار الكتب العلمية- طبعة أولى ٢٧٤- الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي (ت ٣٦٥ هـ)، دار الفكر- طبعة ثالثة ٢٧٥- الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل تأليف: أبي القاسم جار الله محمود بن عمر الزمخشري الخوارزمي (٤٦٧- ٥٣٨ هـ) الطبعة الأولى سنة ١٩٧٧ م ٢٧٦- كشاف القناع عن متن الإقناع للشيخ العلامة فقيه الحنابلة منصور بن يونس بن إدريس البهوتي- نشر المكتبة السلفية بالمدينة المنورة ٢٧٧- كشف الأسرار للنسفي، دار الكتب العلمية ٢٧٨- كشف الخفاء لإسماعيل بن محمّد العجلوني (ت ١١٦٢ هـ)، مؤسسة الرسالة- بيروت- طبعة ثالثة ٢٧٩- كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون للعالم الفاضل الأديب المؤرخ مصطفى بن عبد الله الشهير بحاجي خليفة، المكتبة الإسلامية بطهران- الطبعة الثالثة سنة ١٣٨٧ هـ/ ١٩٥٧ م ٢٨٠- الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي (ت ٤٦٣ هـ)، مطبعة السعادة- طبعة أولى ٢٨١- كنز العمال لعلاء الدين المتقي الهندي (ت ٩٧٥ هـ)، مؤسسة الرسالة ٢٨٢- الكنى والأسماء لمسلم بن الحجاج (ت ٢٦١ هـ)، تحقيق عبد الرحيم أحمد القشقري، الجامعة الإسلامية- المدينة المنورة- طبعة أولى ٢٨٣- الكوكب المنير لمحمّد بن أحمد الفتوحي (ت ٩٧٢ هـ)، تحقيق، د/ محمّد الزحيلي ود/ نزيه حماد- مكتبة العبيكان","vol":"5","page":664},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1734>حرف اللام</span>\n٢٨٤- لب اللباب في تحرير الأنساب لجلال الدين السيوطي (ت ٩١١ هـ)، تحقيق محمّد أحمد عبد العزيز وأشرف أحمد عبد العزيز دار الكتب العلمية- طبعة أولى ٢٨٥- اللباب في تهذيب الأنساب لعز الدين ابن الأثير الجزري، دار صادر- بيروت ٢٨٦- لسان العرب لابن منظور، تحقيق عبد الله علي الكبير، محمّد أحمد حسب الله، هاشم محمّد الشاذلي- دار المعارف- مصر ٢٨٧- لسان الميزان للإمام الحافظ شهاب الدين أبي الفضل أحمد بن عليّ بن حجر العسقلاني المتوفى سنة ٨٥٢ هـ، حيدرآباد الهند، تصوير ونشر مؤسسة الأعلمي للمطبوعات بيروت لبنان- الطبعة الثانية سنة ١٣٩٠ هـ/ سنة ١٩٧١ م ٢٨٨- اللمع في العربية لأبي الفتح عثمان بن جنّي، تحقيق حامد المؤمن، عالم الكتب، مكتبة النهضة العربية طبعة ثانية\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1735>حرف الميم</span>\n٢٨٩- المبسوط لشمس الدين السرخسي، دار المعرفة بيروت ٢٩٠- مجاز القرآن صنعة أبي عبيدة معمر بن المثنى التيمي (ت ٢١٠ هـ)، تحقيق: د/ محمّد فؤاد سزكين، الناشر: مكتبة الخانجي ٢٩١- مجمع الأنهر طبعة مصطفى البابي الحلبي ٢٩٢- مجمع الزوائد ومنبع الفوائد لنور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي (ت ٨٠٧ هـ)، مؤسسة المعارف بيروت ٢٩٣- المجيد في إعراب القرآن المجيد لإبراهيم محمّد الصفاقسي (ت ٧٤٢ هـ)، تحقيق موسى محمّد زنين، منشورات كلية الدعوة الإسلامية طرابلس ولجنة الحفاظ على الترث الإسلامي ٢٩٤- المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها لابن جنّي تحقيق: د/ عبد الفتاح شلبي وعلي النجدي ناصف- ط. المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية سنة ١٩٦٩ م ٢٩٥- المحدّث الفاصل بين الراوي والواعي للقاضي الرامهرمزيّ (ت ٣٦٠ هـ)، تحقيق محمّد عجاج الخطيب، دار الفكر ٢٩٦- المحلى لابن حزم (ت ٤٥٦ هـ)، طبعة: دار الفكر- تحقيق أحمد شاكر ٢٩٧- المحلى على المنهاج لجلال الدين المحلي مطبعة مصطفى البابي الحلبي ٢٩٨- مختار الصحاح للإمام محمّد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي، ط الهيئة المصرية العامة للكتاب سنة ١٩٧٦ م ٢٩٩- مختصر المنتهى لأبي عمر عثمان بن عمر المعروف بابن الحاجب (ت ٦٤٦ هـ) مطبعة","vol":"5","page":665},{"text":"كردستان بالقاهرة ٣٠٠- مختلف الرواية لعلاء الدين محمّد بن عبد الحميد أبي الفتح السمرقندي (ت ٥٥٢ هـ) تحقيق عيسى زكي عيسى- وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية- الكويت ٣٠١- المخصص تأليف: أبي الحسن علي بن إسماعيل النحوي، اللغوي، الأندلسي المعروف بابن سيده (ت ٤٥٨ هـ)، ط. دار الفكر ٣٠٢- المدخل للبيهقي (ت ٤٥٨ هـ) تحقيق د/ محمّد ضياء الرحمن الأعظمي، نشر دار الخلفاء بالكويت ٣٠٣- مرآة الجنان وعبرة اليقظان في معرفة ما يعتبر من حوادث الزمان تأليف الإمام أبي محمّد عبد الله بن أسعد بن علي بن سليمان اليافعي اليمني المكي المتوفى سنة ٧٦٨ هـ مطبوعات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت- لبنان، الطبعة الثانية، سنة ١٣٩٠ هـ/ سنة ١٩٧٠ م ٣٠٤- المراسيل للحافظ أبي داود سليمان السجستاني (ت ٢٧٥ هـ)، تحقيق شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة- طبعة أولى ٣٠٥- مراصد الاطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع تحقيق علي محمّد البجاوي، دار إحياء الكتب العربية عيسى البابي الحلبي ٣٠٦- المستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابوري (ت ٤٠٥ هـ)، دار المعرفة- بيروت ٣٠٧- المستصفى في علم الأصول لأبي حامد الغزالي، دار المعرفة- بيروت ٣٠٨- مسند البزار- كشف الأستار للهيثمي (ت ٨٠٧ هـ)، تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي، الطبعة الأولى، مؤسسة الرسالة بيروت ٣٠٩- مسند الحميدي للحافظ أبي بكر الحميدي (ت ٢١٩ هـ)، تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي، دار الكتب العلمية- طبعة أولى ٣١٠- مسند الشافعي لمحمّد بن إدريس الشافعي، تحقيق السيد يوسف الزواوي الحسيني، السيد عزت العطار الحسيني، دار الكتب العلمية ٣١١- مسند الشهاب للقاضي محمّد بن سلامة القضاعي (ت ٤٥٤ هـ)، تحقيق حمدي بن عبد المجيد السلفي، الطبعة الأولى (١٤٠٥ هـ)، مؤسسة الرسالة- بيروت ٣١٢- المسودة في أصول الفقه لآل تيمية، دار الكتاب العربي- بيروت ٣١٣- مشكل الآثار للطحاوي (ت ٣٢١ هـ)، حيدرآباد- الهند ٣١٤- مشيخة ابن الجوزي (ت ٥٩٧ هـ)، تحقيق محمّد محفوظ، الطبعة الثانية ١٤٠٠ هـ دار الغرب- بيروت ٣١٥- المصاحف لأبي بكر عبد الله بن أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني (ت ٣١٦ هـ)،","vol":"5","page":666},{"text":"الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية ٣١٦- المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي- أحمد بن محمّد بن علي المقري الفيومي (ت ٧٧٠ هـ) ط ١٣٩٧ هـ/ سنة ١٩٧٧ وأيضا ط المطبعة العلمية الطبعة الأولى سنة ١٣١٥ هـ ٣١٧- المصنف لعبد الله بن محمّد بن أبي شيبة (ت ٢٣٥ هـ)، حيدرآباد- الهند- طبعة أولى ٣١٨- المصنف للحافظ أبي بكر عبد الرزاق بن همام الصنعاني (ت ٢١١ هـ)، ط ١ سنة ١٣٩١ هـ/ ١٩٧٢ م طبعة المجلس العلمي- المكتب الإسلامي- بيروت- لبنان ٣١٩- المطالب العالية لابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢ هـ)، تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي، دار المعرفة- طبعة أولى ٣٢٠- المطلع على أبواب المقنع لشمس الدين محمّد بن أبي الفتح البعلي، المكتب الإسلامي ٣٢١- المعارف لعبد الله بن مسلم بن قتيبة، حققه دكتور ثروت عكاشة الهيئة المصرية العامة للكتاب ٣٢٢- معالم التنزيل لأبي محمّد الحسين بن مسعود البغوي (ت ٥١٦ هـ)، دار المعرفة تحقيق خالد عبد الرحمن العك ومروان سوار ٣٢٣- معاني القرآن وإعرابه لأبي إسحاق الزجاج (ت ٣١١ هـ)، شرح وتحقيق: د/ عبد الجليل شلبي- عالم الكتب- الطبعة الأولى سنة ١٩٨٨ م ٣٢٤- معاني القراءات لأبي منصور الأزهري (ت ٣٧٠ هـ)، تحقيق د/ عيد مصطفى درويش ود/ عوض بن حمد القوزي طبعة أولى ٣٢٥- معاهد التنصيص على شواهد التلخيص للشيخ عبد الرحيم بن أحمد العباسي (ت ٩٦٣ هـ)، عالم الكتب- بيروت ٣٢٦- المعتمد لأبي الحسين محمّد بن علي بن الطيب المعتزلي (ت ٤٣٦ هـ)، دار الكتب العلمية- طبعة أولى ٣٢٧- معجم الأدباء لياقوت- ط. الحلبي- الطبعة الأخيرة ٣٢٨- المعجم الأوسط لأبي القاسم الطبراني (ت ٣٦٠ هـ)، تحقيق د. محمود الطحان، مكتبة المعارف- الرياض- طبعة أولى ٣٢٩- معجم البلدان لياقوت الحموي (ت ٦٢٦ هـ)، تحقيق فريد عبد العزيز الجندي، دار الكتب العلمية- بيروت، طبعة أولى ٣٢٠- معجم الشعراء للمرزباني مكتبة القدسي- القاهرة طبعة ثانية ٣٣٠- معجم طبقات الحفاظ المفسرين لعبد العزيز عز الدين\nالسيروان، عالم الكتب","vol":"5","page":667},{"text":"٣٣٢- معجم قبائل العرب لعمر رضا كحالة، مؤسسة الرسالة- بيروت ٣٣٣- المعجم الكبير لأبي القاسم الطبراني (ت ٣٦٠ هـ)، تحقيق حمدي عبد المجيد السلفي بغداد- وزارة الأوقاف ٣٣٤- معجم المصطلحات النحوية والصرفية للدكتور محمّد سمير نجيب اللبدي، مؤسسة الرسالة، دار الفرقان ٣٣٥- معجم مقاييس اللغة لأبي الحسين أحمد بن فارس بن زكريا (ت ٣٩٥ هـ)، تحقيق شهاب الدين أبي عمرو، دار الفكر- بيروت- طبعة أولى ٣٣٦- المعرفة والتاريخ لأبي يوسف يعقوب الفسويّ، مكتبة الدار بالمدينة المنور تحقيق د. أكرم ضياء العمري ٣٣٧- المغني في أصول الفقه لعمر بن محمّد الخبازي (ت ٦٩١ هـ)، تحقيق محمّد مطهربقا ٣٣٨- مغني اللبيب لابن هشام (ت ٧٦١ هـ)، تحقيق: محمّد محيي الدين عبد الحميد- مطبعة المدني ٣٣٩- مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج لشمس الدين الخطيب الشربيني، تحقيق الشيخ علي محمّد معوض وعادل أحمد عبد الموجود، دار الكتب العلمية- طبعة أولى ٣٤٠- المغني والشرح الكبير لعبد الله بن أحمد بن قدامة (ت ٦٢٠ هـ) على مختصر الإمام أبي القاسم عمر بن الحسين بن عبد الله بن أحمد الخرقي، ومعه الشرح الكبير على متن المقنع تأليف الشيخ الإمام شمس الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن أبي عمر محمّد بن أحمد بن قدامة المقدسي (ت ٦٨٢ هـ) ط دار الكتاب العربي للنشر والتوزيع بيروت- لبنان سنة ١٣٩٢ هـ.\n٣٤١- مفاتيح الغيب لفخر الدين الرازي (ت ٦٠٤ هـ)، دار الكتب العلمية طبعة أولى ٣٤٢- مفتاح السعادة ومصباح السيادة لطاش كبري زاده، حيدرآباد- الهند ٣٤٣- المفضليات للمفضل الضبي- تحقيق: أحمد محمّد شاكر، وعبد السلام هارون، ط. دار المعارف- الطبعة السادسة ٣٤٤- المفهوم لشيخنا محمّد الخضراوي، مخطوط ٣٤٥- المقاصد النحوية في شرح شواهد الألفية لمحمود بن أحمد العيني، دار صادر ٣٤٦- المقتضب صنعة أبي العباس محمّد بن يزيد المبرّد (٢١٠- ٢٨٥ هـ) تحقيق: محمّد عبد الخالق عضيمة ط. المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية ٣٤٧- المقدمة لابن خلدون (ت ٨٠٨ هـ)، دار نهضة مصر طبعة ثالثة","vol":"5","page":668},{"text":"٣٤٨- مقدمة ابن الصلاح لابن الصلاح، تحقيق د. عائشة عبد الرحمن، الهيئة المصرية العامة للكتاب ٣٤٩- المغرب تأليف: علي بن مؤمن المعروف بابن عصفور (ت ٦٦٩ هـ) تحقيق: أحمد عبد الستار الجواري، وعبد الله الجبوريّ. مطبعة العاني، بغداد- الطبعة الأولى سنة ١٩٧٢ م.\n٣٥٠- المكتفي في الوقف والابتداء للداني تحقيق الدكتور يوسف عبد الرحمن مرعشلي- مؤسسة الرسالة بيروت ١٤٠٤ هـ، وطبعة أخرى قامت بنشرها مؤسسة الحلبي ملحق ديوان الأعشى- انظر ديوان الأعشى- ملحق ديوان كعب بن زهير- انظر ديوان كعب بن زهير ٣٥١- الممتع في التصريف- لابن عصفور الإشبيلي (٥٩٧- ٦٦٩ هـ)، تحقيق د/ فخر الدين قباوة- ط. منشورات دار الآفاق الجديدة- بيروت- الطبعة الرابعة سنة ١٩٧٩ م.\n٣٥٢- مناهج العقول لمحمّد بن الحسن البدخشي، دار الكتب العلمية- طبعة أولى ٣٥٣- مناهل العرفان في علوم القرآن لمحمّد عبد العظيم الزرقاني، مكتبة عيسى البابي الحلبي- طبعة ثالثة ٣٠٤- المنتخب من المسند لأبي محمّد عبد بن حميد (ت ٢٤٩ هـ) مكتبة السنة بالقاهرة تحقيق السيد صبحي البدري السامرائي، محمود محمّد خليل الصعيدي ٣٥٥- المنتقى شرح موطأ مالك للقاضي سليمان بن خلف الباجي (ت ٤٩٤ هـ) الطبعة الأولى مطبعة السعادة بالقاهرة سنة ١٣٣٢ هـ ٣٥٦- منتهى الإرادات لتقي الدين الفتوحي الحنبلي الشهير بابن النجار، تحقيق عبد الغني عبد الخالق، عالم الكتب ٣٥٧- المنخول من تعليقات الأصول لأبي حامد الغزالي (ت ٥٠٥ هـ)، تحقيق د. محمّد حسن هيتو، دار الفكر- دمشق- طبعة ثانية ٣٥٨- المؤتلف والمختلف في أسماء الشعراء للآمدي (الحسن بن بشر)، مكتبة القدسي ٣٥٩- موارد الظمآن إلى زوائد بن حبان لنور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي، (ت ٨٠٧ هـ) تحقيق حسين سليم أسد، عبده علي كوشك- دار الثقافة العربية طبعة أولى ٣٦٠- الموافقات في أصول الشريعة لأبي إسحاق الشاطبي (ت ٧٩٠ هـ)، تحقيق الشيخ عبد الله دراز دار المعرفة- بيروت- طبعة ثانية ٣٦١- الموضوعات لعبد الرحمن بن علي بن الجوزي (ت ٥٩٧ هـ)، تحقيق عبد الرحمن محمّد عثمان المكتبة السلفية بالمدينة المنورة، عام ١٣٨٦ هـ ٣٦٢- ميزان الأصول في نتائج العقول لعلاء الدين شمس النظر السمرقندي، تحقيق د. عبد الملك","vol":"5","page":669},{"text":"عبد الرحمن السعدي لجنة إحياء التراث العربي والإسلامي مكة المكرمة، طبعة أولى ١٩٨٧ ٣٦٣- ميزان الاعتدال في نقد الرجال تأليف: أبي عبد الله محمّد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ت ٧٤٨ هـ)، تحقيق: علي محمّد البجاوي- ط. دار المعارف- بيروت\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1736>حرف النون</span>\n٣٦٤- الناسخ المنسوخ في الحديث لابن شاهين (ت ٣٨٥ هـ)، تحقيق الشيخ علي محمّد معوض وعادل أحمد عبد الموجود دار الكتب العلمية- بيروت، طبعة أولى ٣٦٥- النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة تأليف جمال الدين أبي المحاسن يوسف بن تغري بردي (٨١٣- ٨٧٤ هـ)، وزارة الثقافة والإرشاد القومي المؤسسة المصرية العامة ٣٦٦- نزهة الألباء في طبقات الأدباء لأبي البركات كمال الدين عبد الرحمن بن محمّد بن الأنباري (ت ٥٧٧ هـ)، تحقيق: د/ إبراهيم السامرائي- مكتبة المنار بالأردن- الطبعة الثالثة سنة ١٩٨٥ م.\n٣٦٧- نزهة الجليس ومنية الأديب الأنيس للعباس بن علي الموسوي، طبع في مصر (١٢٩٣ هـ) ٣٦٨- نسيم الرياض في شرح شفاء القاضي عياض لأحمد شهاب الدين الخفاجي المصري، مكتبة المشهد الحسيني.\n٣٦٩- نشر البنود على مراقي السعود لعبد الله بن إبراهيم الشنقيطي، دار الكتب العلمية- طبعة أولى ٣٧٠- نشر الطوالع للعلامة المرعشي الشهير بساجقلي زادة مكتبة العلوم العصية- طبعة أولى ٣٧١- نصب الراية لأحاديث الهداية للإمام الحافظ البارع العلامة جمال الدين أبي محمّد عبد الله بن يوسف الحنفي الزيلعي (ت ٧٦٢ هـ) الناشر المكتبة الإسلامية، لصاحبها الحاج رياض الشيخ، الطبعة الثانية، سنة ١٣٩٣ هـ/ ١٩٧٣ م ٣٧٢- نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب للمقري (ت ١٠٤١ هـ)، طبع دار صادر، تعليق الدكتور إحسان عبّاس ٣٧٣- نقعة الصديان للحسن بن محمّد بن الحسن الصاغاني (ت ٦٥٠ هـ)، تحقيق سيد كسروي حسن، دار الكتب العلمية- طبعة أولى ٣٧٤- النكت الظراف لأحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢ هـ)، تصحيح عبد الصمد بن شرف، طبع بحاشية تحفة الأشراف للمزي، الطبعة الأولى، الدار القيمة الهند ٣٧٥- نكت الهيمان في نكت العميان لصلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي (ت ٧٦٤ هـ)، المطبعة الجمالية بمصر ٣٧٦- نهاية الأرب لشهاب الدين النويري، دار الكتب المصرية، (١٩٢٣ م)","vol":"5","page":670},{"text":"٣٧٧- نهاية السول في شرح منهاج الأصول لعبد الرحيم الأسنوي (ت ٧٧٢ هـ)، المطبعة السلفية- عالم الكتب- بيروت ٣٧٨- النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير- تحقيق: طاهر أحمد الزاوي ومحمود محمّد الطناحي- طبعة الحلبي- الطبعة الأولى سنة ١٩٦٣ م.\n٣٧٩- نيل الابتهاج بتطريز الديباج لأحمد بابا التنبكتي كلية الدعوة الإسلامية- طرابلس ليبيا- طبعة أولى ٣٨٠- نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار من أحاديث سيد الأخيار للإمام المجتهد قاضي قضاة القطر اليماني محمّد بن علي بن محمّد الشوكاني، طبعة الحلبي الأخيرة ونسخة أخرى طبعة المكتبة التوفيقية بالقاهرة\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1737>حرف الهاء</span>\n٣٨١- الهداية شرح بداية المبتدئ لبرهان الدين الميرغناني (ت ٥٩٣ هـ)، مكتبة مصطفى البابي الحلبي ٣٨٢- هدي الساري للحافظ ابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢ هـ)، تحقيق محب الدين الخطيب، المطبعة السلفية بالقاهرة- طبعة ثانية ٣٨٣- هدية العارفين من كشف الظنون لإسماعيل باشا البغدادي، دار الفكر ٣٨٤- همع الهوامع شرح جمع الجوامع تأليف: جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي (ت ٩١١ هـ)، عنّي بتصحيحه: السيد محمّد بدر الدين النعساني، ط. دار المعرفة للطباعة والنشر- بيروت\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1738>حرف الواو</span>\n٣٨٥- الوافي بالوفيات تأليف صلاح الدين خليل بن الصفدي ط ٢ دار النشر بقيسبادن النشرات الإسلامية (٣٨١ هـ/ ١٩٦٢ م) ٣٨٦- الوصول إلى الأصول لأحمد بن علي بن برهان (ت ٥١٨ هـ)، تحقيق عبد الحميد علي أبو زنيد، مكتبة المعارف- الرياض- طبعة أولى ٣٨٨- وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان لأبي العباس شمس الدين أحمد بن محمّد بن أبي بكر بن خلّكان سنة (٦٠٨- ٦٨١) حققه الدكتور/ إحسان عبّاس، دار صادر بيروت سنة ١٩٦٨ م","vol":"5","page":671}]}