{"ً":{"ٌ":23629,"ٍ":"لطائف الإشارات = تفسير القشيري","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"التفاسير/لطائف الإشارات - القشيري - ت بسيوني 1-3","files":["00_ltaesh.pdf|الغلاف","01_ltaesh.pdf","02_ltaesh.pdf","03_ltaesh.pdf"]},"ّ":"الكتاب: لطائف الإشارات = تفسير القشيري\nالمؤلف: عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك القشيري (ت ٤٦٥هـ)\nالمحقق: إبراهيم البسيوني\nالناشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب - مصر\nالطبعة: الثالثة\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":125,"ٕ":3,"ٖ":1770154015,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2","3"],"ٚ":[{"title":"الجزء الاول","level":1,"page":1},{"title":"مدخل","level":2,"page":1},{"title":"وصف عام للنسخة السوفيتية","level":3,"page":16},{"title":"تفسير أبو القاسم القشيري","level":3,"page":16},{"title":"النسخة المصرية","level":3,"page":20},{"title":"منهج القشيري فى تأليف الكتاب وأهميته","level":3,"page":20},{"title":"سورة فاتحة الكتاب","level":2,"page":39},{"title":"[سورة الفاتحة (١): آية ١]","level":3,"page":41},{"title":"[سورة الفاتحة (١): آية ٢]","level":3,"page":42},{"title":"[سورة الفاتحة (١): آية ٣]","level":3,"page":44},{"title":"[سورة الفاتحة (١): آية ٤]","level":3,"page":44},{"title":"[سورة الفاتحة (١): آية ٥]","level":3,"page":45},{"title":"[سورة الفاتحة (١): آية ٦]","level":3,"page":46},{"title":"[سورة الفاتحة (١): آية ٧]","level":3,"page":48},{"title":"السورة التي تذكر فيها البقرة","level":2,"page":49},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١]","level":3,"page":50},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢]","level":3,"page":51},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٣]","level":3,"page":52},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٤]","level":3,"page":55},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٥]","level":3,"page":55},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٦]","level":3,"page":56},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٧]","level":3,"page":57},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٨]","level":3,"page":57},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٩]","level":3,"page":58},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٠]","level":3,"page":58},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١١ إلى ١٢]","level":3,"page":60},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٣]","level":3,"page":60},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٤ إلى ١٥]","level":3,"page":61},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٦]","level":3,"page":62},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٧]","level":3,"page":62},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٨]","level":3,"page":63},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٩]","level":3,"page":63},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٠]","level":3,"page":64},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢١]","level":3,"page":64},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٢]","level":3,"page":65},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٣ إلى ٢٤]","level":3,"page":65},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٥]","level":3,"page":66},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٦]","level":3,"page":67},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٧]","level":3,"page":69},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٨]","level":3,"page":70},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٩]","level":3,"page":71},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٣٠]","level":3,"page":71},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٣١]","level":3,"page":73},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٣٢]","level":3,"page":74},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٣٣]","level":3,"page":75},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٣٤]","level":3,"page":76},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٣٥]","level":3,"page":77},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٣٦]","level":3,"page":78},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٣٧]","level":3,"page":79},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٣٨]","level":3,"page":80},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٣٩]","level":3,"page":80},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٤٠]","level":3,"page":80},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٤١]","level":3,"page":82},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٤٢]","level":3,"page":82},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٤٣]","level":3,"page":83},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٤٤]","level":3,"page":83},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٤٥]","level":3,"page":84},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٤٦]","level":3,"page":84},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٤٧]","level":3,"page":85},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٤٨]","level":3,"page":85},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٤٩]","level":3,"page":86},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٥٠]","level":3,"page":86},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٥١]","level":3,"page":87},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٥٢]","level":3,"page":88},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٥٣]","level":3,"page":88},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٥٤]","level":3,"page":88},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٥٥]","level":3,"page":89},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٥٦]","level":3,"page":90},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٥٧]","level":3,"page":90},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٥٨]","level":3,"page":90},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٥٩]","level":3,"page":91},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٦٠]","level":3,"page":91},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٦١]","level":3,"page":92},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٦٢]","level":3,"page":93},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٦٣ إلى ٦٤]","level":3,"page":93},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٦٥]","level":3,"page":93},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٦٦]","level":3,"page":94},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٦٧ إلى ٦٨]","level":3,"page":94},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٦٩ إلى ٧٠]","level":3,"page":95},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٧١]","level":3,"page":95},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٧٢]","level":3,"page":96},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٧٣]","level":3,"page":96},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٧٤]","level":3,"page":96},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٧٥ إلى ٧٦]","level":3,"page":97},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٧٧]","level":3,"page":97},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٧٨ إلى ٧٩]","level":3,"page":97},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٨٠]","level":3,"page":98},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٨١]","level":3,"page":98},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٨٢]","level":3,"page":99},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٨٥]","level":3,"page":99},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٨٦]","level":3,"page":100},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٨٧]","level":3,"page":101},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٨٨]","level":3,"page":101},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٨٩]","level":3,"page":102},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٩٠]","level":3,"page":102},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٩١]","level":3,"page":102},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٩٢]","level":3,"page":103},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٩٣]","level":3,"page":103},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٩٤ إلى ٩٥]","level":3,"page":104},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٩٦]","level":3,"page":104},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٩٧ إلى ٩٨]","level":3,"page":105},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٩٩ إلى ١٠٠]","level":3,"page":105},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٠١]","level":3,"page":106},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٠٢]","level":3,"page":106},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٠٣]","level":3,"page":107},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٠٤]","level":3,"page":108},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٠٥]","level":3,"page":108},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٠٦]","level":3,"page":108},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٠٧]","level":3,"page":109},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٠٨]","level":3,"page":109},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٠٩]","level":3,"page":110},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١١٠]","level":3,"page":111},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١١١]","level":3,"page":111},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١١٢]","level":3,"page":111},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١١٣]","level":3,"page":112},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١١٤]","level":3,"page":112},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١١٥]","level":3,"page":113},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١١٦]","level":3,"page":114},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١١٧]","level":3,"page":114},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١١٨]","level":3,"page":114},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١١٩]","level":3,"page":115},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٢٠]","level":3,"page":115},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٢١]","level":3,"page":116},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٢٢]","level":3,"page":116},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٢٣]","level":3,"page":116},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٢٤]","level":3,"page":117},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٢٥ إلى ١٢٦]","level":3,"page":119},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٢٧]","level":3,"page":122},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٢٨]","level":3,"page":122},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٢٩]","level":3,"page":122},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٣٠]","level":3,"page":123},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٣١]","level":3,"page":123},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٣٢]","level":3,"page":124},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٣٣]","level":3,"page":125},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٣٤]","level":3,"page":125},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٣٥]","level":3,"page":125},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٣٦]","level":3,"page":126},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٣٧]","level":3,"page":126},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٣٨]","level":3,"page":127},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٣٩]","level":3,"page":127},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٤٠]","level":3,"page":128},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٤١]","level":3,"page":128},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٤٢]","level":3,"page":129},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٤٣]","level":3,"page":129},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٤٤]","level":3,"page":130},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٤٥]","level":3,"page":131},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٤٦]","level":3,"page":132},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٤٧]","level":3,"page":132},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٤٨]","level":3,"page":132},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٤٩]","level":3,"page":133},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٥٠]","level":3,"page":133},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٥١]","level":3,"page":133},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٥٢]","level":3,"page":134},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٥٣]","level":3,"page":135},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٥٤]","level":3,"page":136},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٥٥]","level":3,"page":136},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٥٦]","level":3,"page":137},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٥٧]","level":3,"page":137},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٥٨]","level":3,"page":138},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٥٩]","level":3,"page":139},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٦٠]","level":3,"page":139},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٦١ إلى ١٦٢]","level":3,"page":139},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٦٣]","level":3,"page":140},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٦٤]","level":3,"page":140},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٦٥]","level":3,"page":141},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٦٦]","level":3,"page":142},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٦٧]","level":3,"page":143},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٦٨]","level":3,"page":143},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٦٩]","level":3,"page":143},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٧٠]","level":3,"page":144},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٧١]","level":3,"page":144},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٧٢]","level":3,"page":144},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٧٣]","level":3,"page":144},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٧٤]","level":3,"page":145},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٧٥ إلى ١٧٦]","level":3,"page":145},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٧٧]","level":3,"page":146},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٧٨]","level":3,"page":147},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٧٩]","level":3,"page":147},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٨٠]","level":3,"page":148},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٨١]","level":3,"page":148},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٨٢]","level":3,"page":149},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٨٣]","level":3,"page":149},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٨٤]","level":3,"page":150},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٨٥]","level":3,"page":151},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٨٦]","level":3,"page":152},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٨٧]","level":3,"page":154},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٨٨]","level":3,"page":155},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٨٩]","level":3,"page":156},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٩٠]","level":3,"page":156},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٩١]","level":3,"page":157},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٩٢]","level":3,"page":158},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٩٣]","level":3,"page":158},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٩٤]","level":3,"page":158},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٩٥]","level":3,"page":159},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٩٦]","level":3,"page":160},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٩٧]","level":3,"page":162},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٩٨]","level":3,"page":163},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٩٩]","level":3,"page":163},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٠٠]","level":3,"page":164},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٠١]","level":3,"page":165},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٠٢]","level":3,"page":166},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٠٣]","level":3,"page":166},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٠٤]","level":3,"page":166},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٠٥]","level":3,"page":167},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٠٦]","level":3,"page":167},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٠٧]","level":3,"page":168},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٠٨]","level":3,"page":168},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٠٩]","level":3,"page":169},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢١٠]","level":3,"page":169},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢١١]","level":3,"page":169},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢١٢]","level":3,"page":170},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢١٣]","level":3,"page":170},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢١٤]","level":3,"page":171},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢١٥]","level":3,"page":171},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢١٦]","level":3,"page":172},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢١٧]","level":3,"page":172},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢١٨]","level":3,"page":173},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢١٩]","level":3,"page":173},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٢٠]","level":3,"page":174},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٢١]","level":3,"page":174},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٢٢]","level":3,"page":175},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٢٣]","level":3,"page":176},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٢٤]","level":3,"page":176},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٢٥]","level":3,"page":176},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٢٦]","level":3,"page":177},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٢٧]","level":3,"page":177},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٢٨]","level":3,"page":177},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٢٩]","level":3,"page":178},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٣٠]","level":3,"page":179},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٣١]","level":3,"page":180},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٣٢]","level":3,"page":180},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٣٣]","level":3,"page":180},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٣٤]","level":3,"page":182},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٣٥]","level":3,"page":182},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٣٦]","level":3,"page":183},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٣٧]","level":3,"page":183},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٣٨]","level":3,"page":184},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٣٩]","level":3,"page":184},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٤٠]","level":3,"page":185},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٤١ إلى ٢٤٢]","level":3,"page":185},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٤٣]","level":3,"page":185},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٤٤]","level":3,"page":186},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٤٥]","level":3,"page":186},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٤٦]","level":3,"page":188},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٤٧]","level":3,"page":188},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٤٨]","level":3,"page":189},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٤٩]","level":3,"page":190},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٥٠]","level":3,"page":191},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٥١]","level":3,"page":191},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٥٢]","level":3,"page":192},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٥٣]","level":3,"page":192},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٥٤]","level":3,"page":193},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٥٥]","level":3,"page":193},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٥٦]","level":3,"page":195},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٥٧]","level":3,"page":195},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٥٨]","level":3,"page":196},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٥٩]","level":3,"page":197},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٦٠]","level":3,"page":198},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٦١]","level":3,"page":200},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٦٢]","level":3,"page":200},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٦٣]","level":3,"page":201},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٦٤]","level":3,"page":201},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٦٥ إلى ٢٦٦]","level":3,"page":202},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٦٧]","level":3,"page":203},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٦٨]","level":3,"page":203},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٦٩]","level":3,"page":204},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٧٠]","level":3,"page":205},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٧١]","level":3,"page":205},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٧٢]","level":3,"page":206},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٧٣]","level":3,"page":206},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٧٤]","level":3,"page":207},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٧٥]","level":3,"page":208},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٧٦]","level":3,"page":208},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٧٧]","level":3,"page":208},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٧٨]","level":3,"page":208},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٧٩]","level":3,"page":209},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٨٠ إلى ٢٨١]","level":3,"page":209},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٨٢]","level":3,"page":210},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٨٤]","level":3,"page":211},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٨٥]","level":3,"page":212},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٨٦]","level":3,"page":213},{"title":"السورة التي يذكر فيها آل عمران","level":2,"page":214},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١ إلى ٢]","level":3,"page":215},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ٣ إلى ٤]","level":3,"page":216},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٥]","level":3,"page":216},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٦]","level":3,"page":217},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٧]","level":3,"page":217},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٨]","level":3,"page":218},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٩]","level":3,"page":218},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٠]","level":3,"page":219},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١١]","level":3,"page":219},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٢]","level":3,"page":219},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٣]","level":3,"page":220},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٤]","level":3,"page":220},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٥]","level":3,"page":221},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٦]","level":3,"page":221},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٧]","level":3,"page":221},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٨]","level":3,"page":223},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٩]","level":3,"page":224},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٢٠]","level":3,"page":225},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٢١]","level":3,"page":225},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٢٢]","level":3,"page":226},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٢٣]","level":3,"page":226},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٢٤]","level":3,"page":226},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٢٥]","level":3,"page":227},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٢٦]","level":3,"page":227},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٢٧]","level":3,"page":228},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٢٨]","level":3,"page":229},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٢٩]","level":3,"page":230},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٣٠]","level":3,"page":231},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٣١]","level":3,"page":232},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٣٢]","level":3,"page":233},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ٣٣ إلى ٣٤]","level":3,"page":233},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ٣٥ إلى ٣٦]","level":3,"page":234},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٣٧]","level":3,"page":234},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٣٨]","level":3,"page":236},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٣٩]","level":3,"page":237},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٤٠]","level":3,"page":238},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٤١]","level":3,"page":238},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٤٢]","level":3,"page":239},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٤٣]","level":3,"page":239},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٤٤]","level":3,"page":239},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ٤٥ إلى ٤٦]","level":3,"page":240},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٤٧]","level":3,"page":241},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ٤٨ إلى ٤٩]","level":3,"page":241},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ٥٢ إلى ٥٣]","level":3,"page":242},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٥٥]","level":3,"page":242},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٥٨]","level":3,"page":243},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٥٩]","level":3,"page":243},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٦٠]","level":3,"page":243},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٦١]","level":3,"page":244},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ٦٢ إلى ٦٣]","level":3,"page":244},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٦٤]","level":3,"page":245},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٦٥]","level":3,"page":245},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٦٦]","level":3,"page":245},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٦٧]","level":3,"page":246},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٦٨]","level":3,"page":246},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٦٩]","level":3,"page":246},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٧٠]","level":3,"page":247},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٧١]","level":3,"page":247},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ٧٢ إلى ٧٣]","level":3,"page":247},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٧٤]","level":3,"page":248},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٧٥]","level":3,"page":248},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٧٧]","level":3,"page":249},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٧٨]","level":3,"page":249},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٧٩]","level":3,"page":250},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٨٠]","level":3,"page":251},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ٨١ إلى ٨٢]","level":3,"page":252},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٨٣]","level":3,"page":252},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٨٤]","level":3,"page":252},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٨٥]","level":3,"page":253},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٨٦]","level":3,"page":253},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ٨٧ إلى ٨٩]","level":3,"page":254},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٩٠]","level":3,"page":254},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٩١]","level":3,"page":255},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٩٢]","level":3,"page":255},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ٩٣ إلى ٩٤]","level":3,"page":256},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٩٥]","level":3,"page":256},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٩٦]","level":3,"page":256},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٩٧]","level":3,"page":259},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٩٨]","level":3,"page":262},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٩٩]","level":3,"page":262},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٠٠]","level":3,"page":262},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٠١]","level":3,"page":262},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٠٢]","level":3,"page":263},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٠٣]","level":3,"page":263},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٠٤]","level":3,"page":265},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٠٥]","level":3,"page":265},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٠٦ إلى ١٠٧]","level":3,"page":265},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٠٨ إلى ١٠٩]","level":3,"page":266},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١١٠]","level":3,"page":266},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١١١]","level":3,"page":267},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١١٢]","level":3,"page":267},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١١٣ إلى ١١٤]","level":3,"page":268},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١١٥]","level":3,"page":268},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١١٦]","level":3,"page":269},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١١٧]","level":3,"page":269},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١١٨]","level":3,"page":269},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١١٩]","level":3,"page":270},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٢٠]","level":3,"page":270},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٢١]","level":3,"page":271},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٢٢]","level":3,"page":271},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٢٣]","level":3,"page":271},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٢٤ إلى ١٢٥]","level":3,"page":271},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٢٦]","level":3,"page":272},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٢٧ إلى ١٢٩]","level":3,"page":272},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٣٠ إلى ١٣١]","level":3,"page":273},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٣٢]","level":3,"page":273},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٣٣]","level":3,"page":274},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٣٤]","level":3,"page":274},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٣٥ إلى ١٣٦]","level":3,"page":275},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٣٧ إلى ١٣٨]","level":3,"page":276},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٣٩]","level":3,"page":277},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٤٠]","level":3,"page":277},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٤١]","level":3,"page":277},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٤٢]","level":3,"page":278},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٤٣]","level":3,"page":278},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٤٤]","level":3,"page":278},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٤٥]","level":3,"page":279},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٤٦]","level":3,"page":280},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٤٧]","level":3,"page":280},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٤٨]","level":3,"page":280},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٤٩ إلى ١٥٠]","level":3,"page":281},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٥١]","level":3,"page":281},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٥٢]","level":3,"page":282},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٥٣ إلى ١٥٤]","level":3,"page":283},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٥٥]","level":3,"page":285},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٥٦]","level":3,"page":286},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٥٧ إلى ١٥٨]","level":3,"page":286},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٥٩]","level":3,"page":287},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٦٠]","level":3,"page":289},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٦١]","level":3,"page":290},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٦٢ إلى ١٦٣]","level":3,"page":290},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٦٤]","level":3,"page":291},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٦٥]","level":3,"page":291},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٦٦ إلى ١٦٧]","level":3,"page":291},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٦٨]","level":3,"page":292},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٦٩ إلى ١٧٠]","level":3,"page":293},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٧١]","level":3,"page":293},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٧٢]","level":3,"page":294},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٧٣]","level":3,"page":294},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٧٤]","level":3,"page":295},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٧٥]","level":3,"page":295},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٧٦]","level":3,"page":295},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٧٧]","level":3,"page":296},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٧٨]","level":3,"page":296},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٧٩]","level":3,"page":296},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٨٠]","level":3,"page":297},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٨١ إلى ١٨٢]","level":3,"page":297},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٨٣]","level":3,"page":298},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٨٤]","level":3,"page":298},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٨٥]","level":3,"page":299},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٨٦]","level":3,"page":299},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٨٧]","level":3,"page":299},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٨٨]","level":3,"page":300},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٨٩]","level":3,"page":300},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٩٠ إلى ١٩١]","level":3,"page":300},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٩٢]","level":3,"page":303},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٩٣]","level":3,"page":303},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٩٤]","level":3,"page":304},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٩٥]","level":3,"page":304},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٩٦ إلى ١٩٧]","level":3,"page":305},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٩٨]","level":3,"page":305},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٩٩]","level":3,"page":305},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٢٠٠]","level":3,"page":305},{"title":"السورة التي يذكر فيها النساء","level":2,"page":307},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١]","level":3,"page":308},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٢]","level":3,"page":310},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٣]","level":3,"page":310},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٤]","level":3,"page":310},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٥]","level":3,"page":311},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٦]","level":3,"page":311},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٧]","level":3,"page":312},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٨]","level":3,"page":312},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٩]","level":3,"page":313},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٠]","level":3,"page":313},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١١]","level":3,"page":313},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٢]","level":3,"page":314},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٣]","level":3,"page":315},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٤]","level":3,"page":316},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٥]","level":3,"page":316},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٦]","level":3,"page":317},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٧]","level":3,"page":317},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٨]","level":3,"page":318},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٩]","level":3,"page":318},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٢٠ إلى ٢١]","level":3,"page":319},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٢٢]","level":3,"page":320},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٢٣]","level":3,"page":320},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٢٤]","level":3,"page":321},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٢٥]","level":3,"page":321},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٢٦]","level":3,"page":322},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٢٧ إلى ٢٨]","level":3,"page":323},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٢٩ إلى ٣٠]","level":3,"page":324},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٣١]","level":3,"page":324},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٣٢]","level":3,"page":325},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٣٣]","level":3,"page":326},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٣٤]","level":3,"page":327},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٣٥]","level":3,"page":328},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٣٦]","level":3,"page":328},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٣٧]","level":3,"page":328},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٣٨]","level":3,"page":330},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٣٩]","level":3,"page":331},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٤٠]","level":3,"page":331},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٤١ إلى ٤٢]","level":3,"page":331},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٤٣]","level":3,"page":332},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٤٤ إلى ٤٦]","level":3,"page":333},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٤٧]","level":3,"page":334},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٤٨]","level":3,"page":334},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٤٩ إلى ٥٠]","level":3,"page":335},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٥١ إلى ٥٢]","level":3,"page":335},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٥٣ إلى ٥٤]","level":3,"page":336},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٥٦]","level":3,"page":337},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٥٧]","level":3,"page":337},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٥٨]","level":3,"page":338},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٥٩]","level":3,"page":338},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٦٠]","level":3,"page":339},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٦١]","level":3,"page":339},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٦٢]","level":3,"page":340},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٦٣]","level":3,"page":340},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٦٤]","level":3,"page":340},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٦٥]","level":3,"page":341},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٦٦ إلى ٦٨]","level":3,"page":341},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٦٩ إلى ٧٠]","level":3,"page":342},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٧١ إلى ٧٣]","level":3,"page":342},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٧٤]","level":3,"page":343},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٧٥]","level":3,"page":343},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٧٦]","level":3,"page":344},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٧٧]","level":3,"page":344},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٧٨]","level":3,"page":345},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٧٩]","level":3,"page":346},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٨٠]","level":3,"page":346},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٨١]","level":3,"page":346},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٨٢ إلى ٨٣]","level":3,"page":347},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٨٤]","level":3,"page":348},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٨٥]","level":3,"page":348},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٨٦]","level":3,"page":348},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٨٧]","level":3,"page":349},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٨٨]","level":3,"page":349},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٨٩ إلى ٩٠]","level":3,"page":349},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٩١]","level":3,"page":350},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٩٢]","level":3,"page":351},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٩٣]","level":3,"page":351},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٩٤]","level":3,"page":352},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٩٥ إلى ٩٦]","level":3,"page":352},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٩٧]","level":3,"page":353},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٩٨ إلى ٩٩]","level":3,"page":353},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٠٠]","level":3,"page":354},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٠١]","level":3,"page":354},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٠٢]","level":3,"page":355},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٠٣]","level":3,"page":355},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٠٤]","level":3,"page":356},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١٠٥ إلى ١٠٦]","level":3,"page":356},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١٠٧ إلى ١٠٨]","level":3,"page":357},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٠٩]","level":3,"page":357},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١١٠]","level":3,"page":358},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١١١]","level":3,"page":358},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١١٢]","level":3,"page":358},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١١٣]","level":3,"page":358},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١١٤]","level":3,"page":359},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١١٥]","level":3,"page":361},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١١٦]","level":3,"page":361},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١١٧ إلى ١٢٠]","level":3,"page":362},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٢١]","level":3,"page":362},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٢٢]","level":3,"page":363},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١٢٣ إلى ١٢٤]","level":3,"page":363},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٢٥]","level":3,"page":364},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٢٧]","level":3,"page":365},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٢٨]","level":3,"page":366},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٢٩]","level":3,"page":367},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٣٠]","level":3,"page":368},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٣١]","level":3,"page":368},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٣٢]","level":3,"page":368},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٣٣]","level":3,"page":368},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٣٤]","level":3,"page":369},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٣٥]","level":3,"page":369},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٣٦]","level":3,"page":370},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١٣٧ إلى ١٣٨]","level":3,"page":371},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١٣٩ إلى ١٤٠]","level":3,"page":371},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٤١]","level":3,"page":373},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١٤٢ إلى ١٤٣]","level":3,"page":373},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٤٤]","level":3,"page":374},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٤٥]","level":3,"page":375},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٤٦]","level":3,"page":376},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٤٧]","level":3,"page":377},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٤٨]","level":3,"page":378},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٤٩]","level":3,"page":379},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١٥٠ إلى ١٥١]","level":3,"page":380},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٥٢]","level":3,"page":381},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٥٣]","level":3,"page":381},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٥٤]","level":3,"page":383},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٥٥]","level":3,"page":383},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١٥٦ إلى ١٥٨]","level":3,"page":384},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٥٩]","level":3,"page":385},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١٦٠ إلى ١٦١]","level":3,"page":385},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٦٢]","level":3,"page":386},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٦٣]","level":3,"page":387},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٦٤]","level":3,"page":387},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٦٥]","level":3,"page":388},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٦٦]","level":3,"page":388},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١٦٧ إلى ١٦٩]","level":3,"page":388},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٧٠]","level":3,"page":389},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٧١]","level":3,"page":389},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٧٢]","level":3,"page":390},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٧٣]","level":3,"page":391},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٧٤]","level":3,"page":391},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٧٥]","level":3,"page":391},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٧٦]","level":3,"page":392},{"title":"السورة التي تذكر فيها المائدة","level":2,"page":393},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١]","level":3,"page":393},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٢]","level":3,"page":394},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٣]","level":3,"page":396},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٤]","level":3,"page":400},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٥]","level":3,"page":401},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٦]","level":3,"page":401},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٧]","level":3,"page":403},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٨]","level":3,"page":404},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٩]","level":3,"page":405},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١٠]","level":3,"page":405},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١١]","level":3,"page":405},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١٢]","level":3,"page":406},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١٣]","level":3,"page":407},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١٤]","level":3,"page":409},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ١٥ إلى ١٦]","level":3,"page":410},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١٧]","level":3,"page":410},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١٨]","level":3,"page":411},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١٩]","level":3,"page":411},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٢٠]","level":3,"page":412},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٢١]","level":3,"page":413},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٢٢]","level":3,"page":413},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٢٣]","level":3,"page":413},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٢٤]","level":3,"page":414},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٢٥]","level":3,"page":414},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٢٦]","level":3,"page":415},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٢٧]","level":3,"page":415},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٢٨]","level":3,"page":415},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٢٩]","level":3,"page":416},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٣٠]","level":3,"page":416},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٣١]","level":3,"page":416},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٣٢]","level":3,"page":417},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٣٣]","level":3,"page":417},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٣٤]","level":3,"page":418},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٣٥]","level":3,"page":418},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٣٦]","level":3,"page":419},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٣٧]","level":3,"page":419},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٣٨]","level":3,"page":419},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٣٩]","level":3,"page":419},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٤٠]","level":3,"page":420},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٤١]","level":3,"page":420},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٤٢]","level":3,"page":421},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٤٣]","level":3,"page":422},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٤٤]","level":3,"page":422},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٤٥]","level":3,"page":423},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٤٦]","level":3,"page":423},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٤٧]","level":3,"page":424},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٤٨]","level":3,"page":424},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٤٩]","level":3,"page":426},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٥٠]","level":3,"page":426},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٥١]","level":3,"page":427},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٥٢ إلى ٥٣]","level":3,"page":427},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٥٤]","level":3,"page":428},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٥٥]","level":3,"page":430},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٥٦]","level":3,"page":430},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٥٧]","level":3,"page":431},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٥٨]","level":3,"page":431},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٥٩]","level":3,"page":431},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٦٠]","level":3,"page":431},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٦١]","level":3,"page":432},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٦٢]","level":3,"page":432},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٦٣]","level":3,"page":432},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٦٤]","level":3,"page":433},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٦٥]","level":3,"page":434},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٦٦]","level":3,"page":434},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٦٧]","level":3,"page":435},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٦٨]","level":3,"page":435},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٦٩]","level":3,"page":436},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٧٠ إلى ٧١]","level":3,"page":436},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٧٢]","level":3,"page":436},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٧٣ إلى ٧٤]","level":3,"page":437},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٧٥]","level":3,"page":437},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٧٦]","level":3,"page":438},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٧٧]","level":3,"page":438},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٧٨]","level":3,"page":438},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٧٩]","level":3,"page":438},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٨٠]","level":3,"page":439},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٨١]","level":3,"page":439},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٨٢]","level":3,"page":439},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٨٣]","level":3,"page":440},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٨٤]","level":3,"page":440},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٨٥]","level":3,"page":440},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٨٦]","level":3,"page":441},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٨٧]","level":3,"page":441},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٨٨]","level":3,"page":441},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٨٩]","level":3,"page":441},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٩٠]","level":3,"page":442},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٩١]","level":3,"page":444},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٩٢]","level":3,"page":444},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٩٣]","level":3,"page":444},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٩٤ إلى ٩٥]","level":3,"page":445},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٩٦]","level":3,"page":446},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٩٧]","level":3,"page":446},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٩٨]","level":3,"page":447},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٩٩ إلى ١٠٠]","level":3,"page":447},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١٠١]","level":3,"page":447},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١٠٢]","level":3,"page":448},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١٠٣]","level":3,"page":448},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١٠٤]","level":3,"page":448},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١٠٥]","level":3,"page":449},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ١٠٦ إلى ١٠٨]","level":3,"page":449},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١٠٩]","level":3,"page":450},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١١٠]","level":3,"page":451},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١١١]","level":3,"page":451},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ١١٢ إلى ١١٣]","level":3,"page":452},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١١٤]","level":3,"page":452},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١١٥]","level":3,"page":453},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١١٦]","level":3,"page":453},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١١٧]","level":3,"page":454},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١١٨]","level":3,"page":454},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١١٩]","level":3,"page":455},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١٢٠]","level":3,"page":456},{"title":"السورة التي تذكر فيها الأنعام","level":2,"page":456},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١]","level":3,"page":456},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٢]","level":3,"page":457},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٣]","level":3,"page":457},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٤]","level":3,"page":458},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٥]","level":3,"page":458},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٦]","level":3,"page":458},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٧]","level":3,"page":459},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٨]","level":3,"page":459},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٩]","level":3,"page":459},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٠]","level":3,"page":459},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١١]","level":3,"page":459},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٢]","level":3,"page":460},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٣]","level":3,"page":460},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٤]","level":3,"page":460},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٥]","level":3,"page":461},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٦]","level":3,"page":461},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٧]","level":3,"page":461},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٨]","level":3,"page":461},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٩]","level":3,"page":461},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٢٠]","level":3,"page":462},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٢١]","level":3,"page":462},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٢٢]","level":3,"page":462},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٢٣]","level":3,"page":462},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٢٤]","level":3,"page":463},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٢٥]","level":3,"page":463},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٢٦]","level":3,"page":463},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٢٧]","level":3,"page":464},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٢٨]","level":3,"page":464},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٣٠]","level":3,"page":464},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٣١ إلى ٣٣]","level":3,"page":465},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٣٤]","level":3,"page":466},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٣٥]","level":3,"page":466},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٣٦]","level":3,"page":467},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٣٧]","level":3,"page":467},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٣٨]","level":3,"page":467},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٣٩]","level":3,"page":467},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٤٠ إلى ٤١]","level":3,"page":468},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٤٢]","level":3,"page":468},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٤٣ إلى ٤٤]","level":3,"page":469},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٤٥]","level":3,"page":469},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٤٦]","level":3,"page":470},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٤٧ إلى ٤٩]","level":3,"page":470},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٥٠]","level":3,"page":471},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٥١]","level":3,"page":471},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٥٢]","level":3,"page":472},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٥٣]","level":3,"page":473},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٥٤]","level":3,"page":474},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٥٥]","level":3,"page":474},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٥٦]","level":3,"page":475},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٥٧]","level":3,"page":475},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٥٨ إلى ٥٩]","level":3,"page":475},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٦٠]","level":3,"page":476},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٦١]","level":3,"page":476},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٦٢]","level":3,"page":477},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٦٣]","level":3,"page":477},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٦٤]","level":3,"page":477},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٦٥]","level":3,"page":477},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٦٦ إلى ٦٧]","level":3,"page":478},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٦٨]","level":3,"page":478},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٦٩]","level":3,"page":479},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٧٠]","level":3,"page":479},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٧١]","level":3,"page":479},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٧٢]","level":3,"page":480},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٧٣]","level":3,"page":480},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٧٤]","level":3,"page":481},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٧٥]","level":3,"page":481},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٧٦ إلى ٧٨]","level":3,"page":481},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٧٩]","level":3,"page":482},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٨٠]","level":3,"page":482},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٨١]","level":3,"page":483},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٨٢]","level":3,"page":483},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٨٣]","level":3,"page":483},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٨٤ إلى ٨٨]","level":3,"page":484},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٨٩]","level":3,"page":484},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٩٠]","level":3,"page":485},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٩١]","level":3,"page":485},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٩٢]","level":3,"page":486},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٩٣]","level":3,"page":486},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٩٤]","level":3,"page":487},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٩٥]","level":3,"page":487},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٩٦]","level":3,"page":487},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٩٧]","level":3,"page":488},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٩٨]","level":3,"page":488},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٩٩]","level":3,"page":488},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٠٠]","level":3,"page":489},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٠١]","level":3,"page":489},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٠٢]","level":3,"page":489},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٠٣]","level":3,"page":490},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٠٤]","level":3,"page":490},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٠٥]","level":3,"page":490},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٠٧]","level":3,"page":490},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٠٨]","level":3,"page":491},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٠٩]","level":3,"page":491},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١١٠]","level":3,"page":491},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١١١]","level":3,"page":492},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١١٢]","level":3,"page":492},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١١٣]","level":3,"page":492},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١١٤]","level":3,"page":492},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١١٥]","level":3,"page":493},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١١٦]","level":3,"page":493},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١١٧]","level":3,"page":493},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١١٨]","level":3,"page":493},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١١٩]","level":3,"page":494},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٢٠]","level":3,"page":494},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٢١]","level":3,"page":495},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٢٢]","level":3,"page":495},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٢٣]","level":3,"page":496},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٢٤]","level":3,"page":496},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٢٥]","level":3,"page":496},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٢٦]","level":3,"page":497},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٢٧]","level":3,"page":498},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٢٨]","level":3,"page":499},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٢٩]","level":3,"page":500},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٣٠]","level":3,"page":500},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٣١]","level":3,"page":500},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٣٢]","level":3,"page":501},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٣٣]","level":3,"page":501},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٣٤]","level":3,"page":501},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٣٥]","level":3,"page":501},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٣٦]","level":3,"page":501},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٣٧]","level":3,"page":502},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٣٨ إلى ١٣٩]","level":3,"page":502},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٤٠]","level":3,"page":503},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٤١]","level":3,"page":503},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٤٢ إلى ١٤٤]","level":3,"page":504},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٤٥]","level":3,"page":505},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٤٦]","level":3,"page":505},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٤٧]","level":3,"page":506},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٤٨]","level":3,"page":506},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٤٩]","level":3,"page":506},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٥٠]","level":3,"page":506},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٥١ إلى ١٥٣]","level":3,"page":507},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٥٤]","level":3,"page":508},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٥٥]","level":3,"page":509},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٥٦ إلى ١٥٧]","level":3,"page":509},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٥٨]","level":3,"page":509},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٥٩]","level":3,"page":510},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٦٠]","level":3,"page":510},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٦١]","level":3,"page":511},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٦٢ إلى ١٦٣]","level":3,"page":512},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٦٤]","level":3,"page":512},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٦٥]","level":3,"page":513},{"title":"السورة التي يذكر فيها الأعراف","level":2,"page":513},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١]","level":3,"page":514},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٢]","level":3,"page":515},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٣]","level":3,"page":516},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٤ إلى ٥]","level":3,"page":516},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٦]","level":3,"page":517},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٧]","level":3,"page":517},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٨ إلى ٩]","level":3,"page":517},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٠]","level":3,"page":518},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١١]","level":3,"page":518},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٢]","level":3,"page":518},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٣]","level":3,"page":519},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٤ إلى ١٥]","level":3,"page":519},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٦]","level":3,"page":519},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٧]","level":3,"page":520},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٨]","level":3,"page":520},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٩]","level":3,"page":520},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٢٠]","level":3,"page":520},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٢١ إلى ٢٢]","level":3,"page":522},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٢٣]","level":3,"page":523},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٢٤]","level":3,"page":524},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٢٥]","level":3,"page":524},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٢٦]","level":3,"page":524},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٢٧]","level":3,"page":525},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٢٨]","level":3,"page":525},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٢٩ إلى ٣٠]","level":3,"page":526},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٣١]","level":3,"page":527},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٣٢]","level":3,"page":527},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٣٣]","level":3,"page":528},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٣٤]","level":3,"page":529},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٣٥]","level":3,"page":529},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٣٦]","level":3,"page":530},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٣٧]","level":3,"page":530},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٣٨ إلى ٣٩]","level":3,"page":530},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٤٠]","level":3,"page":531},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٤١]","level":3,"page":531},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٤٢]","level":3,"page":532},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٤٣]","level":3,"page":532},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٤٤ إلى ٤٥]","level":3,"page":533},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٤٦]","level":3,"page":533},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٤٧]","level":3,"page":534},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٤٨ إلى ٤٩]","level":3,"page":534},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٥٠]","level":3,"page":535},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٥١]","level":3,"page":536},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٥٢]","level":3,"page":536},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٥٣]","level":3,"page":536},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٥٤]","level":3,"page":537},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٥٥]","level":3,"page":537},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٥٦]","level":3,"page":538},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٥٧]","level":3,"page":539},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٥٨]","level":3,"page":539},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٥٩]","level":3,"page":540},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٦٠ إلى ٦١]","level":3,"page":540},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٦٢]","level":3,"page":540},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٦٣]","level":3,"page":540},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٦٤]","level":3,"page":541},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٦٥ إلى ٦٩]","level":3,"page":541},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٧٠]","level":3,"page":542},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٧١]","level":3,"page":542},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٧٢]","level":3,"page":543},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٧٣]","level":3,"page":543},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٧٤]","level":3,"page":544},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٧٥ إلى ٧٩]","level":3,"page":544},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٨٠ إلى ٨٤]","level":3,"page":545},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٨٥]","level":3,"page":546},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٨٦ إلى ٨٧]","level":3,"page":546},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٨٨]","level":3,"page":547},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٨٩]","level":3,"page":547},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٩٠ إلى ٩٢]","level":3,"page":548},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٩٣]","level":3,"page":548},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٩٤ إلى ٩٥]","level":3,"page":549},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٩٦ إلى ٩٧]","level":3,"page":549},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٩٨]","level":3,"page":550},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٩٩]","level":3,"page":550},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٠٠]","level":3,"page":550},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٠١]","level":3,"page":551},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٠٢]","level":3,"page":551},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٠٣]","level":3,"page":551},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٠٤ إلى ١٠٦]","level":3,"page":552},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٠٧]","level":3,"page":552},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٠٨]","level":3,"page":553},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٠٩ إلى ١١٠]","level":3,"page":553},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١١١ إلى ١١٢]","level":3,"page":553},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١١٣ إلى ١١٦]","level":3,"page":554},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١١٧ إلى ١٢٢]","level":3,"page":554},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٢٣ إلى ١٢٤]","level":3,"page":555},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٢٥]","level":3,"page":555},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٢٦]","level":3,"page":555},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٢٧]","level":3,"page":555},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٢٨]","level":3,"page":556},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٢٩]","level":3,"page":556},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٣٠]","level":3,"page":556},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٣١]","level":3,"page":557},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٣٢]","level":3,"page":557},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٣٣]","level":3,"page":557},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٣٤]","level":3,"page":558},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٣٥ إلى ١٣٦]","level":3,"page":558},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٣٧]","level":3,"page":558},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٣٨ إلى ١٣٩]","level":3,"page":558},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٤٠]","level":3,"page":559},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٤١]","level":3,"page":559},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٤٢]","level":3,"page":559},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٤٣]","level":3,"page":561},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٤٤]","level":3,"page":565},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٤٥]","level":3,"page":565},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٤٦ إلى ١٤٧]","level":3,"page":566},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٤٨]","level":3,"page":567},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٤٩]","level":3,"page":569},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٥٠ إلى ١٥١]","level":3,"page":569},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٥٢]","level":3,"page":570},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٥٣]","level":3,"page":570},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٥٤]","level":3,"page":571},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٥٥]","level":3,"page":571},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٥٦]","level":3,"page":572},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٥٧]","level":3,"page":574},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٥٨]","level":3,"page":575},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٥٩]","level":3,"page":576},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٦٠]","level":3,"page":576},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٦١]","level":3,"page":576},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٦٢]","level":3,"page":577},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٦٣]","level":3,"page":577},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٦٤]","level":3,"page":578},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٦٥]","level":3,"page":578},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٦٦]","level":3,"page":578},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٦٧]","level":3,"page":578},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٦٨]","level":3,"page":579},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٦٩]","level":3,"page":579},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٧٠]","level":3,"page":580},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٧١]","level":3,"page":581},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٧٢ إلى ١٧٣]","level":3,"page":581},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٧٤]","level":3,"page":584},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٧٥]","level":3,"page":584},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٧٦]","level":3,"page":584},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٧٧]","level":3,"page":585},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٧٨]","level":3,"page":586},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٧٩]","level":3,"page":586},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٨٠]","level":3,"page":587},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٨١]","level":3,"page":588},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٨٢ إلى ١٨٣]","level":3,"page":589},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٨٤]","level":3,"page":589},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٨٥]","level":3,"page":590},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٨٦]","level":3,"page":590},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٨٧]","level":3,"page":590},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٨٨]","level":3,"page":591},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٨٩]","level":3,"page":591},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٩٠]","level":3,"page":592},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٩١]","level":3,"page":592},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٩٢]","level":3,"page":592},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٩٣]","level":3,"page":593},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٩٤]","level":3,"page":593},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٩٥]","level":3,"page":593},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٩٦ إلى ١٩٧]","level":3,"page":594},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٩٨]","level":3,"page":594},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٩٩]","level":3,"page":594},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٢٠٠]","level":3,"page":595},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٢٠١]","level":3,"page":595},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٢٠٢]","level":3,"page":596},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٢٠٣]","level":3,"page":596},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٢٠٤]","level":3,"page":597},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٢٠٥]","level":3,"page":597},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٢٠٦]","level":3,"page":598},{"title":"السورة التي تذكر فيها الأنفال","level":2,"page":598},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ١]","level":3,"page":598},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٢]","level":3,"page":599},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ٣ إلى ٤]","level":3,"page":600},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٥]","level":3,"page":600},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٦]","level":3,"page":601},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٧]","level":3,"page":601},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٨]","level":3,"page":602},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ٩ إلى ١٠]","level":3,"page":602},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ١١]","level":3,"page":603},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ١٢ إلى ١٣]","level":3,"page":604},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ١٤]","level":3,"page":605},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ١٥ إلى ١٦]","level":3,"page":605},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ١٧]","level":3,"page":606},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ١٨]","level":3,"page":609},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ١٩]","level":3,"page":609},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٢٠]","level":3,"page":610},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٢١]","level":3,"page":610},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٢٢]","level":3,"page":611},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٢٣]","level":3,"page":611},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٢٤]","level":3,"page":611},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٢٥]","level":3,"page":613},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٢٦]","level":3,"page":614},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٢٧]","level":3,"page":615},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٢٨]","level":3,"page":615},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٢٩]","level":3,"page":616},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٣٠]","level":3,"page":617},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٣١]","level":3,"page":617},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٣٢]","level":3,"page":618},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٣٣]","level":3,"page":618},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٣٤]","level":3,"page":619},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٣٥]","level":3,"page":620},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٣٦]","level":3,"page":620},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٣٧]","level":3,"page":620},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٣٨]","level":3,"page":621},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٣٩]","level":3,"page":621},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ٤٠ إلى ٤١]","level":3,"page":622},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٤٢]","level":3,"page":623},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ٤٣ إلى ٤٤]","level":3,"page":624},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٤٥]","level":3,"page":625},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٤٦]","level":3,"page":626},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٤٧]","level":3,"page":627},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٤٨]","level":3,"page":627},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٤٩]","level":3,"page":628},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٥٠]","level":3,"page":628},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٥١]","level":3,"page":629},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٥٢]","level":3,"page":629},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٥٣]","level":3,"page":629},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٥٤]","level":3,"page":630},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٥٥]","level":3,"page":630},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٥٦]","level":3,"page":630},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٥٧]","level":3,"page":631},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٥٨]","level":3,"page":631},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٥٩]","level":3,"page":632},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٦٠]","level":3,"page":632},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٦١]","level":3,"page":632},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ٦٢ إلى ٦٣]","level":3,"page":633},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٦٤]","level":3,"page":634},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ٦٥ إلى ٦٦]","level":3,"page":634},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٦٧]","level":3,"page":635},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٦٨]","level":3,"page":636},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٦٩]","level":3,"page":636},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٧٠]","level":3,"page":636},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٧١]","level":3,"page":636},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٧٢]","level":3,"page":637},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ٧٣ إلى ٧٤]","level":3,"page":638},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٧٥]","level":3,"page":638},{"title":"\"تنبيه\"","level":2,"page":639},{"title":"فهرس","level":2,"page":640},{"title":"الجزء الثاني","level":1,"page":644},{"title":"السورة التي تذكر فيها التوبة","level":2,"page":644},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١]","level":3,"page":644},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٢]","level":3,"page":645},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٣]","level":3,"page":646},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٤]","level":3,"page":646},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٥]","level":3,"page":647},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٦]","level":3,"page":648},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٧]","level":3,"page":648},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٨]","level":3,"page":649},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٩]","level":3,"page":649},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٠]","level":3,"page":650},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١١]","level":3,"page":650},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٢]","level":3,"page":650},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٣]","level":3,"page":650},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ١٤ إلى ١٥]","level":3,"page":651},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٦]","level":3,"page":651},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٧]","level":3,"page":652},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٨]","level":3,"page":653},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٩]","level":3,"page":653},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٢٠]","level":3,"page":654},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٢١ إلى ٢٢]","level":3,"page":654},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٢٣]","level":3,"page":656},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٢٤]","level":3,"page":656},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٢٥]","level":3,"page":657},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٢٦]","level":3,"page":658},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٢٧]","level":3,"page":658},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٢٨]","level":3,"page":659},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٢٩]","level":3,"page":659},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٣٠]","level":3,"page":660},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٣١]","level":3,"page":660},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٣٢]","level":3,"page":661},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٣٣]","level":3,"page":661},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٣٤]","level":3,"page":661},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٣٥]","level":3,"page":662},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٣٦]","level":3,"page":662},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٣٧]","level":3,"page":664},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٣٨]","level":3,"page":664},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٣٩]","level":3,"page":665},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٤٠]","level":3,"page":665},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٤١]","level":3,"page":668},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٤٢]","level":3,"page":668},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٤٣]","level":3,"page":669},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٤٤]","level":3,"page":670},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٤٥]","level":3,"page":670},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٤٦]","level":3,"page":670},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٤٧]","level":3,"page":671},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٤٨]","level":3,"page":671},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٤٩]","level":3,"page":671},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٥٠]","level":3,"page":672},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٥١]","level":3,"page":672},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٥٢]","level":3,"page":673},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٥٣]","level":3,"page":674},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٥٤]","level":3,"page":674},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٥٥]","level":3,"page":674},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٥٦]","level":3,"page":675},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٥٧]","level":3,"page":675},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٥٨]","level":3,"page":675},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٥٩]","level":3,"page":675},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٦٠]","level":3,"page":676},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٦١]","level":3,"page":679},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٦٢]","level":3,"page":680},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٦٣]","level":3,"page":680},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٦٤]","level":3,"page":681},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٦٥]","level":3,"page":681},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٦٦]","level":3,"page":681},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٦٧]","level":3,"page":682},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٦٨]","level":3,"page":683},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٦٩]","level":3,"page":683},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٧٠]","level":3,"page":683},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٧١]","level":3,"page":684},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٧٢]","level":3,"page":684},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٧٣]","level":3,"page":685},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٧٤]","level":3,"page":685},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٧٥ إلى ٧٦]","level":3,"page":686},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٧٧]","level":3,"page":687},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٧٨]","level":3,"page":687},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٧٩]","level":3,"page":688},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٨٠]","level":3,"page":688},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٨١]","level":3,"page":689},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٨٢]","level":3,"page":689},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٨٣]","level":3,"page":689},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٨٤]","level":3,"page":689},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٨٥]","level":3,"page":690},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٨٦]","level":3,"page":690},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٨٧]","level":3,"page":691},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٨٨]","level":3,"page":691},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٨٩]","level":3,"page":691},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٩٠]","level":3,"page":691},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٩١]","level":3,"page":692},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٩٢]","level":3,"page":693},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٩٣]","level":3,"page":694},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٩٤]","level":3,"page":694},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٩٥]","level":3,"page":695},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٩٦]","level":3,"page":695},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٩٧]","level":3,"page":695},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٩٨]","level":3,"page":696},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٩٩]","level":3,"page":696},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٠٠]","level":3,"page":696},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٠١]","level":3,"page":697},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٠٢]","level":3,"page":698},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٠٣]","level":3,"page":699},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٠٤]","level":3,"page":699},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٠٥]","level":3,"page":699},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٠٦]","level":3,"page":700},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٠٧]","level":3,"page":700},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٠٨]","level":3,"page":701},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٠٩]","level":3,"page":701},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١١٠]","level":3,"page":702},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١١١]","level":3,"page":702},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١١٢]","level":3,"page":704},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١١٣]","level":3,"page":707},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١١٤]","level":3,"page":707},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١١٥]","level":3,"page":708},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١١٦]","level":3,"page":708},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١١٧]","level":3,"page":709},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١١٨]","level":3,"page":710},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١١٩]","level":3,"page":710},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٢٠]","level":3,"page":711},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٢٢]","level":3,"page":711},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٢٣]","level":3,"page":712},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ١٢٤ إلى ١٢٥]","level":3,"page":713},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٢٦]","level":3,"page":714},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٢٧]","level":3,"page":714},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٢٨]","level":3,"page":714},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٢٩]","level":3,"page":715},{"title":"سورة يونس ﵇","level":2,"page":715},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ١]","level":3,"page":715},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٢]","level":3,"page":716},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٣]","level":3,"page":717},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٤]","level":3,"page":718},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٥]","level":3,"page":718},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٦]","level":3,"page":719},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٧ إلى ٨]","level":3,"page":720},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٩]","level":3,"page":720},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ١٠]","level":3,"page":721},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ١١]","level":3,"page":721},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ١٢]","level":3,"page":722},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ١٣]","level":3,"page":722},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ١٤]","level":3,"page":723},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ١٥]","level":3,"page":723},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ١٦]","level":3,"page":724},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ١٧]","level":3,"page":724},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ١٨]","level":3,"page":724},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ١٩]","level":3,"page":725},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٢٠]","level":3,"page":725},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٢١]","level":3,"page":726},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٢٢]","level":3,"page":726},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٢٣]","level":3,"page":727},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٢٤]","level":3,"page":727},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٢٥]","level":3,"page":729},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٢٦]","level":3,"page":730},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٢٧]","level":3,"page":731},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٢٨ إلى ٢٩]","level":3,"page":731},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٣٠]","level":3,"page":732},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٣١]","level":3,"page":732},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٣٢]","level":3,"page":733},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٣٣]","level":3,"page":733},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٣٤]","level":3,"page":733},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٣٥]","level":3,"page":733},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٣٦]","level":3,"page":734},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٣٧]","level":3,"page":735},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٣٨]","level":3,"page":735},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٣٩]","level":3,"page":735},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٤٠]","level":3,"page":736},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٤١]","level":3,"page":736},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٤٢]","level":3,"page":736},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٤٣]","level":3,"page":736},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٤٤]","level":3,"page":737},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٤٥]","level":3,"page":737},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٤٦]","level":3,"page":737},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٤٧]","level":3,"page":738},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٤٨]","level":3,"page":738},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٤٩]","level":3,"page":738},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٥٠]","level":3,"page":739},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٥١]","level":3,"page":739},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٥٢]","level":3,"page":739},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٥٣]","level":3,"page":739},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٥٤]","level":3,"page":740},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٥٥]","level":3,"page":740},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٥٦]","level":3,"page":740},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٥٧]","level":3,"page":740},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٥٨]","level":3,"page":741},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٥٩]","level":3,"page":742},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٦٠]","level":3,"page":742},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٦١]","level":3,"page":743},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٦٢]","level":3,"page":743},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٦٣]","level":3,"page":744},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٦٤]","level":3,"page":745},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٦٥]","level":3,"page":745},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٦٦]","level":3,"page":746},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٦٧]","level":3,"page":746},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٦٨ إلى ٦٩]","level":3,"page":746},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٧٠]","level":3,"page":747},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٧١]","level":3,"page":747},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٧٢]","level":3,"page":748},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٧٣]","level":3,"page":748},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٧٤ إلى ٧٥]","level":3,"page":748},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٧٦]","level":3,"page":749},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٧٨]","level":3,"page":749},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٧٩]","level":3,"page":749},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٨٠ إلى ٨١]","level":3,"page":750},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٨٢]","level":3,"page":750},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٨٣]","level":3,"page":750},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٨٤]","level":3,"page":751},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٨٥ إلى ٨٦]","level":3,"page":751},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٨٧]","level":3,"page":751},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٨٨]","level":3,"page":751},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٨٩]","level":3,"page":752},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٩٠]","level":3,"page":752},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٩١]","level":3,"page":753},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٩٢]","level":3,"page":753},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٩٣]","level":3,"page":753},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٩٤]","level":3,"page":754},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٩٥]","level":3,"page":754},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٩٦ إلى ٩٧]","level":3,"page":755},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٩٨]","level":3,"page":755},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٩٩]","level":3,"page":755},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ١٠٠]","level":3,"page":755},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ١٠١]","level":3,"page":756},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ١٠٢]","level":3,"page":756},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ١٠٣]","level":3,"page":756},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ١٠٤]","level":3,"page":757},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ١٠٥]","level":3,"page":757},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ١٠٦]","level":3,"page":757},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ١٠٧]","level":3,"page":758},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ١٠٨]","level":3,"page":758},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ١٠٩]","level":3,"page":759},{"title":"السورة التي يذكر فيها هود ﵇","level":2,"page":759},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١]","level":3,"page":759},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٢]","level":3,"page":760},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٣]","level":3,"page":760},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٤]","level":3,"page":761},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٥]","level":3,"page":762},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٦]","level":3,"page":762},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٧]","level":3,"page":763},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٨]","level":3,"page":764},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٩]","level":3,"page":764},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١٠]","level":3,"page":765},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١١]","level":3,"page":766},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١٢]","level":3,"page":766},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١٣]","level":3,"page":767},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١٤]","level":3,"page":767},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١٥]","level":3,"page":767},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١٦]","level":3,"page":768},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١٧]","level":3,"page":768},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١٨]","level":3,"page":768},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١٩]","level":3,"page":769},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٢٠ إلى ٢١]","level":3,"page":769},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٢٢]","level":3,"page":769},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٢٣]","level":3,"page":769},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٢٤]","level":3,"page":770},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٢٥ إلى ٢٦]","level":3,"page":770},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٢٧]","level":3,"page":771},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٢٨]","level":3,"page":771},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٢٩]","level":3,"page":772},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٣٠]","level":3,"page":772},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٣١]","level":3,"page":772},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٣٢]","level":3,"page":773},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٣٣]","level":3,"page":773},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٣٤]","level":3,"page":773},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٣٥]","level":3,"page":774},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٣٦]","level":3,"page":774},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٣٧]","level":3,"page":774},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٣٨]","level":3,"page":774},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٣٩]","level":3,"page":775},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٤٠]","level":3,"page":775},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٤١]","level":3,"page":776},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٤٢]","level":3,"page":776},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٤٣]","level":3,"page":776},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٤٤]","level":3,"page":777},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٤٥ إلى ٤٦]","level":3,"page":777},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٤٧]","level":3,"page":778},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٤٨]","level":3,"page":778},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٤٩]","level":3,"page":779},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٥٠]","level":3,"page":779},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٥١ إلى ٥٢]","level":3,"page":779},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٥٣]","level":3,"page":780},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٥٤]","level":3,"page":780},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٥٥]","level":3,"page":780},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٥٦]","level":3,"page":781},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٥٧]","level":3,"page":781},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٥٨]","level":3,"page":781},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٥٩]","level":3,"page":782},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٦٠]","level":3,"page":782},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٦١ إلى ٦٨]","level":3,"page":782},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٦٩ إلى ٧٠]","level":3,"page":784},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٧١ إلى ٧٣]","level":3,"page":785},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٧٤]","level":3,"page":786},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٧٥ إلى ٧٦]","level":3,"page":786},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٧٧]","level":3,"page":787},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٧٨]","level":3,"page":787},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٧٩]","level":3,"page":788},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٨٠]","level":3,"page":788},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٨١]","level":3,"page":788},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٨٢]","level":3,"page":789},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٨٣]","level":3,"page":789},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٨٤ إلى ٨٥]","level":3,"page":789},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٨٦]","level":3,"page":790},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٨٧]","level":3,"page":790},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٨٨]","level":3,"page":791},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٨٩]","level":3,"page":792},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٩٠]","level":3,"page":792},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٩١ إلى ٩٢]","level":3,"page":793},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٩٣ إلى ٩٥]","level":3,"page":793},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٩٦ إلى ٩٨]","level":3,"page":794},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٩٩]","level":3,"page":795},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١٠٠]","level":3,"page":795},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١٠١]","level":3,"page":795},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١٠٢]","level":3,"page":796},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١٠٣]","level":3,"page":796},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١٠٤]","level":3,"page":796},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١٠٥]","level":3,"page":796},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ١٠٦ إلى ١٠٧]","level":3,"page":797},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١٠٨]","level":3,"page":797},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١٠٩]","level":3,"page":798},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١١٠]","level":3,"page":798},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١١١]","level":3,"page":799},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١١٢]","level":3,"page":799},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١١٣]","level":3,"page":800},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١١٤]","level":3,"page":800},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١١٥]","level":3,"page":801},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١١٦]","level":3,"page":801},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١١٧]","level":3,"page":801},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ١١٨ إلى ١١٩]","level":3,"page":802},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١٢٠]","level":3,"page":802},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ١٢١ إلى ١٢٢]","level":3,"page":803},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١٢٣]","level":3,"page":803},{"title":"السورة التي يذكر فيها يوسف ﵇","level":2,"page":803},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ١]","level":3,"page":804},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٢]","level":3,"page":805},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٣]","level":3,"page":805},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٤]","level":3,"page":806},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٥]","level":3,"page":807},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٦]","level":3,"page":807},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٧]","level":3,"page":808},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٨]","level":3,"page":809},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٩]","level":3,"page":809},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ١٠]","level":3,"page":810},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ١١]","level":3,"page":810},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ١٢]","level":3,"page":811},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ١٣]","level":3,"page":811},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ١٤]","level":3,"page":812},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ١٥]","level":3,"page":812},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ١٦ إلى ١٧]","level":3,"page":812},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ١٨]","level":3,"page":812},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ١٩]","level":3,"page":813},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٢٠]","level":3,"page":813},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٢١]","level":3,"page":814},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٢٢]","level":3,"page":816},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٢٣]","level":3,"page":816},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٢٤]","level":3,"page":817},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٢٥]","level":3,"page":818},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ٢٦ إلى ٢٨]","level":3,"page":819},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٢٩]","level":3,"page":820},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٣٠]","level":3,"page":820},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ٣١ إلى ٣٢]","level":3,"page":821},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٣٣]","level":3,"page":822},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٣٤]","level":3,"page":822},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٣٥]","level":3,"page":823},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٣٦]","level":3,"page":823},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٣٧]","level":3,"page":824},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٣٨]","level":3,"page":824},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ٣٩ إلى ٤٠]","level":3,"page":824},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٤١]","level":3,"page":825},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٤٢]","level":3,"page":825},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٤٣]","level":3,"page":825},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٤٤]","level":3,"page":826},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٤٥]","level":3,"page":826},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ٤٧ إلى ٤٩]","level":3,"page":827},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٥٠]","level":3,"page":827},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٥١]","level":3,"page":827},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٥٢]","level":3,"page":828},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٥٣]","level":3,"page":829},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٥٤]","level":3,"page":829},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٥٥]","level":3,"page":829},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٥٦]","level":3,"page":830},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٥٧]","level":3,"page":830},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٥٨]","level":3,"page":830},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٥٩]","level":3,"page":830},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٦٠]","level":3,"page":831},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٦١]","level":3,"page":831},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٦٢]","level":3,"page":831},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٦٣]","level":3,"page":832},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٦٤]","level":3,"page":832},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٦٥]","level":3,"page":832},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٦٦]","level":3,"page":833},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٦٧]","level":3,"page":833},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٦٨]","level":3,"page":833},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٦٩]","level":3,"page":834},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٧٠]","level":3,"page":834},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٧٣]","level":3,"page":835},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ٧٤ إلى ٧٦]","level":3,"page":835},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٧٧]","level":3,"page":835},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٧٨]","level":3,"page":836},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٧٩]","level":3,"page":836},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٨٠]","level":3,"page":837},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٨١]","level":3,"page":837},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٨٢]","level":3,"page":837},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٨٣]","level":3,"page":838},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٨٤]","level":3,"page":838},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٨٥]","level":3,"page":839},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٨٦]","level":3,"page":839},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٨٧]","level":3,"page":840},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٨٨]","level":3,"page":840},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٨٩]","level":3,"page":841},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٩٠]","level":3,"page":842},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٩١]","level":3,"page":843},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٩٢]","level":3,"page":843},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٩٣]","level":3,"page":844},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ٩٤ إلى ٩٥]","level":3,"page":845},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٩٦]","level":3,"page":846},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٩٧]","level":3,"page":846},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٩٨]","level":3,"page":846},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٩٩]","level":3,"page":847},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ١٠٠]","level":3,"page":847},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ١٠١]","level":3,"page":848},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ١٠٢]","level":3,"page":850},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ١٠٣]","level":3,"page":850},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ١٠٤]","level":3,"page":850},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ١٠٥]","level":3,"page":851},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ١٠٦]","level":3,"page":851},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ١٠٧]","level":3,"page":851},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ١٠٨]","level":3,"page":852},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ١٠٩]","level":3,"page":852},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ١١٠]","level":3,"page":852},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ١١١]","level":3,"page":853},{"title":"السورة التي يذكر فيها\"الرعد\"","level":2,"page":854},{"title":"[سورة الرعد (١٣): الآيات ١ إلى ٢]","level":3,"page":854},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٣]","level":3,"page":855},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٤]","level":3,"page":855},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٥]","level":3,"page":856},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ١١]","level":3,"page":857},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ١٢]","level":3,"page":858},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ١٣]","level":3,"page":859},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ١٤]","level":3,"page":860},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ١٥]","level":3,"page":860},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ١٦]","level":3,"page":861},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ١٧]","level":3,"page":862},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ١٨]","level":3,"page":864},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ١٩]","level":3,"page":864},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٢٠]","level":3,"page":865},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٢١]","level":3,"page":865},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٢٢]","level":3,"page":865},{"title":"[سورة الرعد (١٣): الآيات ٢٣ إلى ٢٤]","level":3,"page":866},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٢٥]","level":3,"page":867},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٢٦]","level":3,"page":867},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٢٧]","level":3,"page":868},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٢٨]","level":3,"page":868},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٢٩]","level":3,"page":869},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٣٠]","level":3,"page":869},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٣١]","level":3,"page":870},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٣٢]","level":3,"page":870},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٣٣]","level":3,"page":871},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٣٥]","level":3,"page":871},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٣٦]","level":3,"page":872},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٣٧]","level":3,"page":872},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٣٨]","level":3,"page":873},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٣٩]","level":3,"page":873},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٤٠]","level":3,"page":875},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٤١]","level":3,"page":875},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٤٢]","level":3,"page":876},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٤٣]","level":3,"page":876},{"title":"السورة التي يذكر فيها إبراهيم ﵇","level":2,"page":877},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ١]","level":3,"page":877},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٢]","level":3,"page":877},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٣]","level":3,"page":878},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٤]","level":3,"page":878},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٥]","level":3,"page":878},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٦]","level":3,"page":879},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٧]","level":3,"page":880},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٨]","level":3,"page":880},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٩]","level":3,"page":881},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ١٠]","level":3,"page":881},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ١١]","level":3,"page":882},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ١٢]","level":3,"page":882},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ١٣]","level":3,"page":883},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ١٤]","level":3,"page":883},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ١٥]","level":3,"page":883},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ١٦ إلى ١٧]","level":3,"page":884},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ١٨]","level":3,"page":885},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ١٩ إلى ٢٠]","level":3,"page":885},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ٢١ إلى ٢٢]","level":3,"page":885},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٢٣]","level":3,"page":886},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ٢٤ إلى ٢٦]","level":3,"page":886},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٢٧]","level":3,"page":888},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٢٨]","level":3,"page":889},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٢٩]","level":3,"page":890},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٣٠]","level":3,"page":890},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٣١]","level":3,"page":890},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ٣٢ إلى ٣٣]","level":3,"page":891},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٣٤]","level":3,"page":892},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ٣٥ إلى ٣٦]","level":3,"page":894},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٣٧]","level":3,"page":895},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٣٨]","level":3,"page":896},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٣٩]","level":3,"page":896},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ٤٠ إلى ٤١]","level":3,"page":897},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ٤٢ إلى ٤٣]","level":3,"page":897},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٤٤]","level":3,"page":898},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٤٥]","level":3,"page":899},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٤٧]","level":3,"page":899},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٤٨]","level":3,"page":899},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ٤٩ إلى ٥١]","level":3,"page":900},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٥٢]","level":3,"page":900},{"title":"السورة التي يذكر فيها الحجر","level":2,"page":901},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ١]","level":3,"page":901},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٢]","level":3,"page":902},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٣]","level":3,"page":902},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٤ إلى ٥]","level":3,"page":902},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٦]","level":3,"page":902},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٧ إلى ٨]","level":3,"page":903},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٩]","level":3,"page":903},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ١٠ إلى ١٣]","level":3,"page":903},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ١٤ إلى ١٥]","level":3,"page":904},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ١٦ إلى ١٨]","level":3,"page":904},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ١٩ إلى ٢٠]","level":3,"page":904},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٢١]","level":3,"page":905},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٢٢]","level":3,"page":906},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٢٣]","level":3,"page":907},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٢٤]","level":3,"page":907},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٢٥]","level":3,"page":908},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٢٦ إلى ٢٧]","level":3,"page":908},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٢٨ إلى ٣١]","level":3,"page":908},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٣٢ إلى ٣٥]","level":3,"page":909},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٣٦ إلى ٣٨]","level":3,"page":909},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٣٩]","level":3,"page":910},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٤٠ إلى ٤١]","level":3,"page":910},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٤٢]","level":3,"page":910},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٤٣ إلى ٤٤]","level":3,"page":911},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٤٥]","level":3,"page":911},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٤٦]","level":3,"page":911},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٤٧]","level":3,"page":912},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٤٨]","level":3,"page":913},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٤٩]","level":3,"page":913},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٥٠]","level":3,"page":913},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٥١ إلى ٥٢]","level":3,"page":913},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٥٣]","level":3,"page":914},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٥٤ إلى ٥٦]","level":3,"page":914},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٥٧ إلى ٦٠]","level":3,"page":915},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٦٥ إلى ٦٦]","level":3,"page":915},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٦٧ إلى ٧١]","level":3,"page":915},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٧٢]","level":3,"page":916},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٧٣ إلى ٧٥]","level":3,"page":916},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٧٨ إلى ٨٤]","level":3,"page":917},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٨٥]","level":3,"page":918},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٨٦]","level":3,"page":918},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٨٧]","level":3,"page":918},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٨٨]","level":3,"page":919},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٨٩]","level":3,"page":920},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٩٠ إلى ٩١]","level":3,"page":920},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٩٢ إلى ٩٣]","level":3,"page":921},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٩٤]","level":3,"page":921},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٩٥ إلى ٩٦]","level":3,"page":921},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٩٧ إلى ٩٨]","level":3,"page":922},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٩٩]","level":3,"page":922},{"title":"السورة التي يذكر فيها النحل","level":2,"page":923},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١]","level":3,"page":923},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٢]","level":3,"page":924},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٣]","level":3,"page":924},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٤]","level":3,"page":924},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٥]","level":3,"page":925},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ٦ إلى ٧]","level":3,"page":925},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٨]","level":3,"page":925},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٩]","level":3,"page":926},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ١٠ إلى ١١]","level":3,"page":926},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٢]","level":3,"page":927},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٣]","level":3,"page":927},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٤]","level":3,"page":928},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٥]","level":3,"page":928},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٦]","level":3,"page":928},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٧]","level":3,"page":929},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٨]","level":3,"page":929},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٩]","level":3,"page":929},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٢٠]","level":3,"page":929},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٢١]","level":3,"page":930},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٢٢]","level":3,"page":930},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٢٣]","level":3,"page":930},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٢٤]","level":3,"page":930},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٢٥]","level":3,"page":931},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٢٦]","level":3,"page":931},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٢٧]","level":3,"page":931},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ٢٨ إلى ٢٩]","level":3,"page":932},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٣٠]","level":3,"page":933},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٣١]","level":3,"page":933},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٣٢]","level":3,"page":934},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ٣٣ إلى ٣٤]","level":3,"page":935},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٣٥]","level":3,"page":935},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٣٦]","level":3,"page":936},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٣٧]","level":3,"page":936},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٣٨]","level":3,"page":936},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٣٩]","level":3,"page":936},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٤٠]","level":3,"page":937},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٤١]","level":3,"page":937},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٤٢]","level":3,"page":938},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٤٣]","level":3,"page":938},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٤٤]","level":3,"page":938},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ٤٥ إلى ٤٧]","level":3,"page":939},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٤٨]","level":3,"page":939},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٤٩]","level":3,"page":939},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٥٠]","level":3,"page":939},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ٥١ إلى ٥٢]","level":3,"page":940},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٥٣]","level":3,"page":940},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٥٤]","level":3,"page":941},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٥٥]","level":3,"page":941},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٥٦]","level":3,"page":941},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٥٧]","level":3,"page":941},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ٥٨ إلى ٥٩]","level":3,"page":942},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ٦٠ إلى ٦١]","level":3,"page":942},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٦٢]","level":3,"page":943},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٦٣]","level":3,"page":943},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٦٤]","level":3,"page":944},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٦٥]","level":3,"page":944},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٦٦]","level":3,"page":944},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٦٧]","level":3,"page":944},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ٦٨ إلى ٦٩]","level":3,"page":945},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٧٠]","level":3,"page":946},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٧١]","level":3,"page":947},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٧٢]","level":3,"page":947},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٧٣]","level":3,"page":948},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٧٤]","level":3,"page":948},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٧٥]","level":3,"page":948},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٧٦]","level":3,"page":949},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٧٧]","level":3,"page":949},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٧٨]","level":3,"page":949},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٧٩]","level":3,"page":950},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٨٠]","level":3,"page":950},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٨١]","level":3,"page":950},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٨٢]","level":3,"page":951},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٨٣]","level":3,"page":951},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٨٤]","level":3,"page":952},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٨٥]","level":3,"page":952},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٨٦]","level":3,"page":952},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٨٧]","level":3,"page":952},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٨٩]","level":3,"page":953},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٩٠]","level":3,"page":953},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٩١]","level":3,"page":954},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٩٢]","level":3,"page":955},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٩٣]","level":3,"page":956},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٩٤]","level":3,"page":957},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٩٥]","level":3,"page":957},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٩٦]","level":3,"page":957},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٩٧]","level":3,"page":958},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٩٨]","level":3,"page":959},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٩٩]","level":3,"page":959},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٠٠]","level":3,"page":959},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ١٠١ إلى ١٠٢]","level":3,"page":960},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٠٣]","level":3,"page":960},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٠٤]","level":3,"page":961},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٠٥]","level":3,"page":961},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٠٦]","level":3,"page":961},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٠٧]","level":3,"page":962},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٠٨]","level":3,"page":962},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٠٩]","level":3,"page":962},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١١٠]","level":3,"page":963},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١١١]","level":3,"page":963},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١١٢]","level":3,"page":963},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١١٣]","level":3,"page":964},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١١٤]","level":3,"page":964},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١١٥]","level":3,"page":964},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ١١٦ إلى ١١٧]","level":3,"page":965},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١١٨]","level":3,"page":965},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١١٩]","level":3,"page":965},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٢٠]","level":3,"page":966},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٢١]","level":3,"page":966},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٢٢]","level":3,"page":966},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٢٣]","level":3,"page":967},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٢٤]","level":3,"page":967},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٢٥]","level":3,"page":967},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ١٢٦ إلى ١٢٧]","level":3,"page":968},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٢٨]","level":3,"page":969},{"title":"السورة التي يذكر فيها بنو إسرائيل","level":2,"page":971},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١]","level":3,"page":971},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٢]","level":3,"page":973},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٣]","level":3,"page":973},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٤]","level":3,"page":973},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٥]","level":3,"page":974},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٦]","level":3,"page":974},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٧]","level":3,"page":974},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٨]","level":3,"page":975},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٩]","level":3,"page":976},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١١]","level":3,"page":976},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١٢]","level":3,"page":977},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١٣]","level":3,"page":978},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١٤]","level":3,"page":978},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١٥]","level":3,"page":978},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١٦]","level":3,"page":979},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١٧]","level":3,"page":979},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١٨]","level":3,"page":979},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١٩]","level":3,"page":980},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٢٠]","level":3,"page":980},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٢١]","level":3,"page":980},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٢٢]","level":3,"page":981},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٢٣]","level":3,"page":981},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٢٤]","level":3,"page":982},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٢٥]","level":3,"page":982},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٢٦]","level":3,"page":982},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٢٧]","level":3,"page":983},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٢٨]","level":3,"page":983},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٢٩]","level":3,"page":983},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٣٠]","level":3,"page":983},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٣١]","level":3,"page":984},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٣٢]","level":3,"page":984},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٣٣]","level":3,"page":984},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٣٤]","level":3,"page":985},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٣٥]","level":3,"page":985},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٣٦]","level":3,"page":985},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٣٧]","level":3,"page":986},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٣٨ إلى ٣٩]","level":3,"page":987},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٤٠]","level":3,"page":987},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٤٢ إلى ٤٣]","level":3,"page":987},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٤٤]","level":3,"page":988},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٤٥]","level":3,"page":988},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٤٦]","level":3,"page":988},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٤٧]","level":3,"page":989},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٤٨]","level":3,"page":989},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٤٩]","level":3,"page":989},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٥٠ إلى ٥١]","level":3,"page":989},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٥٢]","level":3,"page":990},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٥٣]","level":3,"page":990},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٥٤]","level":3,"page":991},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٥٥]","level":3,"page":991},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٥٦]","level":3,"page":991},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٥٧]","level":3,"page":992},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٥٨]","level":3,"page":992},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٥٩]","level":3,"page":993},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٦٠]","level":3,"page":993},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٦١]","level":3,"page":994},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٦٢]","level":3,"page":994},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٦٣ إلى ٦٤]","level":3,"page":994},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٦٥]","level":3,"page":995},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٦٦]","level":3,"page":996},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٦٧]","level":3,"page":996},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٦٨ إلى ٦٩]","level":3,"page":997},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٧٠]","level":3,"page":997},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٧١]","level":3,"page":1000},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٧٢]","level":3,"page":1000},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٧٣]","level":3,"page":1000},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٧٤ إلى ٧٥]","level":3,"page":1001},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٧٦]","level":3,"page":1001},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٧٧]","level":3,"page":1002},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٧٨]","level":3,"page":1002},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٧٩]","level":3,"page":1002},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٨٠]","level":3,"page":1003},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٨١]","level":3,"page":1003},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٨٢]","level":3,"page":1003},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٨٣]","level":3,"page":1004},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٨٤]","level":3,"page":1004},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٨٥]","level":3,"page":1005},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٨٦]","level":3,"page":1005},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٨٧]","level":3,"page":1006},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٨٨]","level":3,"page":1006},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٨٩]","level":3,"page":1006},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٩٠ إلى ٩٣]","level":3,"page":1007},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٩٤]","level":3,"page":1007},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٩٥]","level":3,"page":1008},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٩٦]","level":3,"page":1008},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٩٧]","level":3,"page":1008},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٩٨]","level":3,"page":1009},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٩٩]","level":3,"page":1009},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١٠٠]","level":3,"page":1009},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ١٠١ إلى ١٠٢]","level":3,"page":1010},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١٠٣]","level":3,"page":1010},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١٠٤]","level":3,"page":1010},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ١٠٦ إلى ١٠٥]","level":3,"page":1011},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ١٠٨ إلى ١٠٧]","level":3,"page":1011},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١٠٩]","level":3,"page":1011},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١١٠]","level":3,"page":1012},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١١١]","level":3,"page":1013},{"title":"السورة التي يذكر فيها الكهف","level":2,"page":1013},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ١]","level":3,"page":1013},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٢]","level":3,"page":1014},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٣]","level":3,"page":1015},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٤ إلى ٥]","level":3,"page":1015},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٦]","level":3,"page":1015},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٧]","level":3,"page":1015},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٨]","level":3,"page":1016},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٩]","level":3,"page":1016},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ١٠]","level":3,"page":1017},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ١١]","level":3,"page":1017},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ١٢]","level":3,"page":1018},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ١٣ إلى ١٤]","level":3,"page":1018},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ١٥]","level":3,"page":1019},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ١٦]","level":3,"page":1020},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ١٧ إلى ١٨]","level":3,"page":1021},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ١٩]","level":3,"page":1024},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٢٠]","level":3,"page":1025},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٢١]","level":3,"page":1026},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٢٢]","level":3,"page":1026},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٢٣ إلى ٢٤]","level":3,"page":1027},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٢٥]","level":3,"page":1028},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٢٦]","level":3,"page":1028},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٢٧]","level":3,"page":1029},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٢٨]","level":3,"page":1029},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٢٩]","level":3,"page":1031},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٣٠ إلى ٣١]","level":3,"page":1031},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٣٢ إلى ٤١]","level":3,"page":1033},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٤٢ إلى ٤٣]","level":3,"page":1034},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٤٤]","level":3,"page":1035},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٤٥]","level":3,"page":1035},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٤٦]","level":3,"page":1036},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٤٧]","level":3,"page":1037},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٤٨]","level":3,"page":1037},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٤٩]","level":3,"page":1038},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٥٠]","level":3,"page":1039},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٥١]","level":3,"page":1040},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٥٢]","level":3,"page":1040},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٥٣]","level":3,"page":1041},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٥٤]","level":3,"page":1041},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٥٥]","level":3,"page":1042},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٥٦]","level":3,"page":1042},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٥٧]","level":3,"page":1042},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٥٨]","level":3,"page":1043},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٥٩]","level":3,"page":1043},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٦٠ إلى ٦١]","level":3,"page":1044},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٦٢]","level":3,"page":1044},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٦٣ إلى ٦٤]","level":3,"page":1044},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٦٥]","level":3,"page":1045},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٦٦]","level":3,"page":1046},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٦٧ إلى ٦٩]","level":3,"page":1046},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٧٠]","level":3,"page":1047},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٧١]","level":3,"page":1047},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٧٢]","level":3,"page":1047},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٧٣]","level":3,"page":1047},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٧٤]","level":3,"page":1048},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٧٥]","level":3,"page":1048},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٧٦]","level":3,"page":1048},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٧٧]","level":3,"page":1048},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٧٨]","level":3,"page":1049},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٧٩]","level":3,"page":1050},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٨٠ إلى ٨١]","level":3,"page":1050},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٨٢]","level":3,"page":1050},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٩٠ إلى ٩٢]","level":3,"page":1051},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٩٣ إلى ٩٥]","level":3,"page":1051},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٩٦]","level":3,"page":1051},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ١٠١]","level":3,"page":1052},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ١٠٢]","level":3,"page":1052},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ١٠٣ إلى ١٠٤]","level":3,"page":1053},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ١٠٥]","level":3,"page":1053},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ١٠٦]","level":3,"page":1053},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ١٠٧]","level":3,"page":1054},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ١٠٨]","level":3,"page":1054},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ١٠٩]","level":3,"page":1054},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ١١٠]","level":3,"page":1054},{"title":"سورة مريم ﵍","level":2,"page":1056},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ١]","level":3,"page":1056},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٢]","level":3,"page":1057},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٣]","level":3,"page":1057},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٤]","level":3,"page":1057},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٥ إلى ٦]","level":3,"page":1058},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٧]","level":3,"page":1058},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٨]","level":3,"page":1059},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٩]","level":3,"page":1059},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ١٠]","level":3,"page":1059},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ١١]","level":3,"page":1059},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ١٢ إلى ١٣]","level":3,"page":1060},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ١٤]","level":3,"page":1060},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ١٥]","level":3,"page":1060},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ١٦ إلى ١٧]","level":3,"page":1061},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ١٨]","level":3,"page":1061},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ١٩]","level":3,"page":1061},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٢٠ إلى ٢١]","level":3,"page":1061},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٢٢]","level":3,"page":1062},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٢٣]","level":3,"page":1062},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٢٤]","level":3,"page":1063},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٢٥ إلى ٢٦]","level":3,"page":1063},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٢٧ إلى ٢٨]","level":3,"page":1064},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٢٩]","level":3,"page":1064},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٣٠]","level":3,"page":1065},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٣١ إلى ٣٢]","level":3,"page":1065},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٣٣]","level":3,"page":1066},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٣٤]","level":3,"page":1066},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٣٥ إلى ٣٦]","level":3,"page":1066},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٣٧]","level":3,"page":1067},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٣٨]","level":3,"page":1067},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٣٩]","level":3,"page":1067},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٤٠]","level":3,"page":1068},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٤١]","level":3,"page":1068},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٤٢]","level":3,"page":1069},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٤٣]","level":3,"page":1069},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٤٤]","level":3,"page":1069},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٤٥]","level":3,"page":1069},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٤٦]","level":3,"page":1070},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٤٧]","level":3,"page":1070},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٤٨]","level":3,"page":1070},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٤٩]","level":3,"page":1070},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٥١]","level":3,"page":1071},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٥٢]","level":3,"page":1071},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٥٣]","level":3,"page":1071},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٥٤ إلى ٥٥]","level":3,"page":1071},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٥٦ إلى ٥٧]","level":3,"page":1072},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٥٨]","level":3,"page":1072},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٥٩]","level":3,"page":1072},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٦٠ إلى ٦٣]","level":3,"page":1073},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٦٤]","level":3,"page":1074},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٦٥]","level":3,"page":1074},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٦٦ إلى ٦٧]","level":3,"page":1075},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٦٨]","level":3,"page":1075},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٦٩ إلى ٧٠]","level":3,"page":1075},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٧١]","level":3,"page":1076},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٧٢]","level":3,"page":1076},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٧٣]","level":3,"page":1077},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٧٤]","level":3,"page":1077},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٧٥]","level":3,"page":1077},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٧٦]","level":3,"page":1078},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٧٧]","level":3,"page":1078},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٧٨]","level":3,"page":1078},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٧٩ إلى ٨٠]","level":3,"page":1079},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٨١ إلى ٨٢]","level":3,"page":1079},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٨٣]","level":3,"page":1079},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٨٤]","level":3,"page":1080},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٨٥]","level":3,"page":1080},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٨٦]","level":3,"page":1080},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٨٧]","level":3,"page":1080},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٨٨ إلى ٩١]","level":3,"page":1080},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٩٢ إلى ٩٥]","level":3,"page":1081},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٩٦]","level":3,"page":1081},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٩٧]","level":3,"page":1082},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٩٨]","level":3,"page":1082},{"title":"سورة طه","level":2,"page":1082},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ١ إلى ٢]","level":3,"page":1083},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٣]","level":3,"page":1083},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٤]","level":3,"page":1083},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٥]","level":3,"page":1084},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٦]","level":3,"page":1084},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٧]","level":3,"page":1084},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٨]","level":3,"page":1084},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٩ إلى ١٠]","level":3,"page":1085},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ١١ إلى ١٢]","level":3,"page":1086},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٣]","level":3,"page":1087},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٤]","level":3,"page":1087},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٥]","level":3,"page":1087},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٦]","level":3,"page":1088},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٧]","level":3,"page":1088},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ١٨ إلى ٢١]","level":3,"page":1088},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٢٢ إلى ٢٣]","level":3,"page":1090},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٢٤]","level":3,"page":1091},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٢٥ إلى ٢٨]","level":3,"page":1091},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٢٩ إلى ٣١]","level":3,"page":1091},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٣٣ إلى ٣٤]","level":3,"page":1092},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٣٦]","level":3,"page":1092},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٣٨ إلى ٣٩]","level":3,"page":1092},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٤٠]","level":3,"page":1094},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٤١]","level":3,"page":1096},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٤٢ إلى ٤٣]","level":3,"page":1096},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٤٤]","level":3,"page":1096},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٤٥]","level":3,"page":1098},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٤٦]","level":3,"page":1098},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٤٧]","level":3,"page":1098},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٤٨ إلى ٥٠]","level":3,"page":1099},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٥١ إلى ٥٢]","level":3,"page":1100},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٥٣]","level":3,"page":1100},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٥٤]","level":3,"page":1100},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٥٥]","level":3,"page":1101},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٥٦]","level":3,"page":1101},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٥٧ إلى ٥٨]","level":3,"page":1101},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٥٩]","level":3,"page":1102},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٦٠]","level":3,"page":1102},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٦١ إلى ٦٢]","level":3,"page":1102},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٦٣ إلى ٦٥]","level":3,"page":1102},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٦٦ إلى ٧١]","level":3,"page":1103},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٧٢]","level":3,"page":1104},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٧٣]","level":3,"page":1104},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٧٧ إلى ٧٩]","level":3,"page":1105},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٨٠]","level":3,"page":1105},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٨١]","level":3,"page":1106},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٨٢]","level":3,"page":1107},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٨٣]","level":3,"page":1108},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٨٤]","level":3,"page":1108},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٨٥]","level":3,"page":1108},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٨٦]","level":3,"page":1109},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٨٧]","level":3,"page":1109},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٨٨ إلى ٨٩]","level":3,"page":1110},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٩٠]","level":3,"page":1111},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٩١]","level":3,"page":1111},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٩٢ إلى ٩٣]","level":3,"page":1111},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٩٤]","level":3,"page":1112},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٩٥]","level":3,"page":1112},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٩٦]","level":3,"page":1112},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٩٧]","level":3,"page":1113},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٩٨]","level":3,"page":1113},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٩٩]","level":3,"page":1114},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٠٠]","level":3,"page":1114},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ١٠٢ إلى ١٠٣]","level":3,"page":1114},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ١٠٥ إلى ١٠٧]","level":3,"page":1115},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٠٨]","level":3,"page":1115},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٠٩]","level":3,"page":1115},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١١٠]","level":3,"page":1116},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١١١]","level":3,"page":1116},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١١٢]","level":3,"page":1117},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١١٣]","level":3,"page":1117},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١١٤]","level":3,"page":1117},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١١٥]","level":3,"page":1119},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١١٦]","level":3,"page":1119},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١١٧]","level":3,"page":1120},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ١١٨ إلى ١١٩]","level":3,"page":1120},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٢٠]","level":3,"page":1121},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٢١]","level":3,"page":1122},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٢٢]","level":3,"page":1123},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٢٣]","level":3,"page":1123},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ١٢٤ إلى ١٢٦]","level":3,"page":1123},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٢٧]","level":3,"page":1124},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٢٨]","level":3,"page":1125},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٢٩]","level":3,"page":1125},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٣٠]","level":3,"page":1125},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٣١]","level":3,"page":1126},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٣٢]","level":3,"page":1126},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٣٣]","level":3,"page":1127},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٣٤]","level":3,"page":1128},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٣٥]","level":3,"page":1128},{"title":"السورة التي يذكر فيها الأنبياء","level":2,"page":1129},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ١]","level":3,"page":1129},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٢]","level":3,"page":1129},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٣]","level":3,"page":1130},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٤]","level":3,"page":1130},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٥]","level":3,"page":1131},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٦]","level":3,"page":1131},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٧]","level":3,"page":1131},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٨]","level":3,"page":1132},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٩]","level":3,"page":1132},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٠]","level":3,"page":1133},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ١١]","level":3,"page":1133},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٢]","level":3,"page":1133},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٣]","level":3,"page":1133},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٤]","level":3,"page":1133},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٥]","level":3,"page":1134},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٦]","level":3,"page":1134},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٧]","level":3,"page":1134},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٨]","level":3,"page":1134},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٩]","level":3,"page":1134},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٢٠]","level":3,"page":1135},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٢١]","level":3,"page":1135},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٢٢]","level":3,"page":1135},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٢٣]","level":3,"page":1135},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٢٤]","level":3,"page":1135},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٢٥]","level":3,"page":1136},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٢٦]","level":3,"page":1136},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٢٧]","level":3,"page":1137},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٢٨]","level":3,"page":1137},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٢٩]","level":3,"page":1137},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٣٠]","level":3,"page":1138},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٣١]","level":3,"page":1138},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٣٢]","level":3,"page":1139},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٣٣]","level":3,"page":1139},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٣٤]","level":3,"page":1139},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٣٥]","level":3,"page":1140},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٣٦]","level":3,"page":1140},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٣٧]","level":3,"page":1140},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٣٨]","level":3,"page":1140},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٣٩]","level":3,"page":1140},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٤٠]","level":3,"page":1141},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٤١]","level":3,"page":1141},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٤٢]","level":3,"page":1141},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٤٣]","level":3,"page":1141},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٤٤]","level":3,"page":1141},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٤٥]","level":3,"page":1142},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٤٦]","level":3,"page":1142},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٤٧]","level":3,"page":1142},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٤٨]","level":3,"page":1143},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٤٩]","level":3,"page":1144},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٥٠]","level":3,"page":1144},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٥١]","level":3,"page":1144},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٥٢]","level":3,"page":1145},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٥٣ إلى ٥٥]","level":3,"page":1145},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٥٦ إلى ٦٠]","level":3,"page":1145},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٦٥]","level":3,"page":1146},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٦٩]","level":3,"page":1146},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٧٠]","level":3,"page":1147},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٧١]","level":3,"page":1148},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٧٢]","level":3,"page":1148},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٧٣]","level":3,"page":1148},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٧٤]","level":3,"page":1148},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٧٥]","level":3,"page":1148},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٧٦ إلى ٧٧]","level":3,"page":1149},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٧٨ إلى ٧٩]","level":3,"page":1149},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٨٠]","level":3,"page":1150},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٨١]","level":3,"page":1151},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٨٢]","level":3,"page":1151},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٨٣ إلى ٨٤]","level":3,"page":1152},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٨٥]","level":3,"page":1156},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٨٦]","level":3,"page":1156},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٨٧]","level":3,"page":1156},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٨٨]","level":3,"page":1158},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٨٩]","level":3,"page":1158},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٩٠]","level":3,"page":1159},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٩١]","level":3,"page":1159},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٩٢]","level":3,"page":1160},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٩٣]","level":3,"page":1160},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٩٤]","level":3,"page":1160},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٩٥]","level":3,"page":1161},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٩٦]","level":3,"page":1161},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٩٧]","level":3,"page":1161},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٩٨]","level":3,"page":1161},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٩٩]","level":3,"page":1162},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٠٠]","level":3,"page":1162},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٠١]","level":3,"page":1162},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٠٢]","level":3,"page":1162},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٠٣]","level":3,"page":1163},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٠٤]","level":3,"page":1163},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٠٥]","level":3,"page":1164},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٠٧]","level":3,"page":1164},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٠٨]","level":3,"page":1164},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٠٩]","level":3,"page":1164},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ١١٠]","level":3,"page":1165},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ١١١]","level":3,"page":1165},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ١١٢]","level":3,"page":1165},{"title":"السورة التي يذكر فيها\"الحج\"","level":2,"page":1165},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ١]","level":3,"page":1166},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٢]","level":3,"page":1166},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٣]","level":3,"page":1167},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٤]","level":3,"page":1167},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٥]","level":3,"page":1167},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٦]","level":3,"page":1169},{"title":"[سورة الحج (٢٢): الآيات ٨ إلى ٩]","level":3,"page":1169},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ١١]","level":3,"page":1170},{"title":"[سورة الحج (٢٢): الآيات ١٢ إلى ١٣]","level":3,"page":1170},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ١٤]","level":3,"page":1171},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ١٥]","level":3,"page":1171},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ١٦]","level":3,"page":1172},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ١٧]","level":3,"page":1172},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ١٨]","level":3,"page":1173},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ١٩]","level":3,"page":1173},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٢٣]","level":3,"page":1174},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٢٤]","level":3,"page":1174},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٢٥]","level":3,"page":1175},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٢٦]","level":3,"page":1176},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٢٧]","level":3,"page":1177},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٢٨]","level":3,"page":1178},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٢٩]","level":3,"page":1178},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٣٠]","level":3,"page":1179},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٣١]","level":3,"page":1179},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٣٢]","level":3,"page":1180},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٣٣]","level":3,"page":1181},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٣٤]","level":3,"page":1181},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٣٥]","level":3,"page":1182},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٣٦]","level":3,"page":1183},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٣٧]","level":3,"page":1184},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٣٨]","level":3,"page":1184},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٣٩]","level":3,"page":1186},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٤٠]","level":3,"page":1186},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٤١]","level":3,"page":1187},{"title":"[سورة الحج (٢٢): الآيات ٤٢ إلى ٤٤]","level":3,"page":1188},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٤٥]","level":3,"page":1189},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٤٦]","level":3,"page":1189},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٤٧]","level":3,"page":1190},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٤٨]","level":3,"page":1190},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٤٩]","level":3,"page":1191},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٥٠]","level":3,"page":1191},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٥١]","level":3,"page":1192},{"title":"[سورة الحج (٢٢): الآيات ٥٢ إلى ٥٣]","level":3,"page":1192},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٥٤]","level":3,"page":1193},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٥٦]","level":3,"page":1193},{"title":"[سورة الحج (٢٢): الآيات ٥٧ إلى ٥٨]","level":3,"page":1194},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٥٩]","level":3,"page":1194},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٦٠]","level":3,"page":1194},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٦١]","level":3,"page":1194},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٦٢]","level":3,"page":1195},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٦٣]","level":3,"page":1195},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٦٤]","level":3,"page":1196},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٦٥]","level":3,"page":1196},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٦٦]","level":3,"page":1197},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٦٧]","level":3,"page":1197},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٦٨]","level":3,"page":1198},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٦٩]","level":3,"page":1198},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٧٠]","level":3,"page":1198},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٧١]","level":3,"page":1198},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٧٢]","level":3,"page":1199},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٧٣]","level":3,"page":1199},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٧٤]","level":3,"page":1200},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٧٥]","level":3,"page":1201},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٧٦]","level":3,"page":1201},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٧٧]","level":3,"page":1201},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٧٨]","level":3,"page":1202},{"title":"السورة التي يذكر فيها المؤمنون","level":2,"page":1204},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ١ إلى ٢]","level":3,"page":1205},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٣]","level":3,"page":1205},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٤]","level":3,"page":1205},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٥ إلى ٦]","level":3,"page":1206},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٧]","level":3,"page":1206},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٨]","level":3,"page":1206},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٩]","level":3,"page":1206},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ١٠ إلى ١١]","level":3,"page":1206},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١٢]","level":3,"page":1207},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ١٣ إلى ١٤]","level":3,"page":1207},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١٥]","level":3,"page":1209},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١٦]","level":3,"page":1209},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١٧]","level":3,"page":1210},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١٨]","level":3,"page":1210},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١٩]","level":3,"page":1211},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٢١]","level":3,"page":1211},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٢٢]","level":3,"page":1212},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٢٣]","level":3,"page":1212},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٢٩]","level":3,"page":1214},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٣١]","level":3,"page":1214},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٥١]","level":3,"page":1214},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٥٢]","level":3,"page":1215},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٥٣]","level":3,"page":1215},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٥٤]","level":3,"page":1215},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٥٥ إلى ٥٦]","level":3,"page":1215},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٥٧]","level":3,"page":1216},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٥٨]","level":3,"page":1216},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٥٩]","level":3,"page":1216},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٦٠]","level":3,"page":1217},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٦١]","level":3,"page":1217},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٦٢]","level":3,"page":1217},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٦٣]","level":3,"page":1218},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٦٤]","level":3,"page":1218},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٦٥]","level":3,"page":1218},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٦٦ إلى ٦٧]","level":3,"page":1219},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٦٨]","level":3,"page":1219},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٦٩]","level":3,"page":1219},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٧١]","level":3,"page":1220},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٧٢]","level":3,"page":1220},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٧٣ إلى ٧٤]","level":3,"page":1220},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٧٥]","level":3,"page":1221},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٧٦]","level":3,"page":1221},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٧٧]","level":3,"page":1221},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٧٨]","level":3,"page":1221},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٧٩]","level":3,"page":1222},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٨٠]","level":3,"page":1222},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٨١ إلى ٨٣]","level":3,"page":1223},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٨٤ إلى ٨٩]","level":3,"page":1223},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٩٠]","level":3,"page":1224},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٩١ إلى ٩٢]","level":3,"page":1224},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٩٣]","level":3,"page":1225},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٩٥]","level":3,"page":1225},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٩٦]","level":3,"page":1225},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٩٧ إلى ٩٨]","level":3,"page":1226},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٩٩ إلى ١٠٠]","level":3,"page":1226},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١٠١]","level":3,"page":1227},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١٠٦]","level":3,"page":1227},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١٠٧]","level":3,"page":1227},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١٠٨]","level":3,"page":1227},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ١٠٩ إلى ١١١]","level":3,"page":1228},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ١١٢ إلى ١١٤]","level":3,"page":1228},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١١٥]","level":3,"page":1229},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١١٦]","level":3,"page":1229},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١١٧]","level":3,"page":1229},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١١٨]","level":3,"page":1230},{"title":"السورة التي يذكر فيها النور","level":2,"page":1230},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ١]","level":3,"page":1230},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٢]","level":3,"page":1231},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٣]","level":3,"page":1232},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٤]","level":3,"page":1232},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٥]","level":3,"page":1233},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٦]","level":3,"page":1233},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ١٠]","level":3,"page":1234},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ١١]","level":3,"page":1234},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ١٢]","level":3,"page":1235},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ١٤]","level":3,"page":1236},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ١٥]","level":3,"page":1236},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ١٦]","level":3,"page":1237},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ١٧]","level":3,"page":1237},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ١٩]","level":3,"page":1237},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٢٠]","level":3,"page":1238},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٢١]","level":3,"page":1238},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٢٢]","level":3,"page":1239},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٢٣]","level":3,"page":1240},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٢٤]","level":3,"page":1240},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٢٥]","level":3,"page":1241},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٢٦]","level":3,"page":1241},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٢٧]","level":3,"page":1242},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٢٨]","level":3,"page":1243},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٢٩]","level":3,"page":1244},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٣٠]","level":3,"page":1244},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٣١]","level":3,"page":1245},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٣٢]","level":3,"page":1246},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٣٣]","level":3,"page":1247},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٣٤]","level":3,"page":1248},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٣٥]","level":3,"page":1249},{"title":"[سورة النور (٢٤): الآيات ٣٦ إلى ٣٧]","level":3,"page":1252},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٣٨]","level":3,"page":1253},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٣٩]","level":3,"page":1253},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٤٠]","level":3,"page":1253},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٤١]","level":3,"page":1254},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٤٢]","level":3,"page":1254},{"title":"[سورة النور (٢٤): الآيات ٤٣ إلى ٤٤]","level":3,"page":1255},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٤٥]","level":3,"page":1256},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٤٦]","level":3,"page":1256},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٤٧]","level":3,"page":1256},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٤٨]","level":3,"page":1257},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٤٩]","level":3,"page":1257},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٥٠]","level":3,"page":1257},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٥١]","level":3,"page":1257},{"title":"[سورة النور (٢٤): الآيات ٥٣ إلى ٥٤]","level":3,"page":1258},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٥٥]","level":3,"page":1258},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٥٧]","level":3,"page":1259},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٥٨]","level":3,"page":1259},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٦٠]","level":3,"page":1260},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٦١]","level":3,"page":1260},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٦٢]","level":3,"page":1261},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٦٣]","level":3,"page":1262},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٦٤]","level":3,"page":1263},{"title":"سورة الفرقان","level":2,"page":1263},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ١]","level":3,"page":1264},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٢]","level":3,"page":1264},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٣]","level":3,"page":1264},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٤ إلى ٦]","level":3,"page":1265},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٧ إلى ١٠]","level":3,"page":1265},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ١١]","level":3,"page":1267},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ١٢]","level":3,"page":1267},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ١٣ إلى ١٤]","level":3,"page":1267},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ١٥]","level":3,"page":1268},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ١٦]","level":3,"page":1268},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ١٧]","level":3,"page":1268},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٢٠]","level":3,"page":1268},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٢١]","level":3,"page":1269},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٢٢]","level":3,"page":1270},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٢٣]","level":3,"page":1270},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٢٤]","level":3,"page":1271},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٢٥ إلى ٢٦]","level":3,"page":1271},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٢٧ إلى ٢٨]","level":3,"page":1271},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٣٠ إلى ٣١]","level":3,"page":1272},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٣٢]","level":3,"page":1273},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٣٣]","level":3,"page":1273},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٣٤]","level":3,"page":1273},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٣٥]","level":3,"page":1274},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٣٦]","level":3,"page":1274},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٣٧ إلى ٤٠]","level":3,"page":1274},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٤١]","level":3,"page":1275},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٤٣]","level":3,"page":1275},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٤٤]","level":3,"page":1275},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٤٥ إلى ٤٦]","level":3,"page":1276},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٤٧]","level":3,"page":1277},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٤٨ إلى ٤٩]","level":3,"page":1277},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٥١]","level":3,"page":1278},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٥٢]","level":3,"page":1279},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٥٣]","level":3,"page":1279},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٥٤]","level":3,"page":1280},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٥٥]","level":3,"page":1280},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٥٦]","level":3,"page":1281},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٥٧]","level":3,"page":1281},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٥٨]","level":3,"page":1281},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٥٩]","level":3,"page":1284},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٦٠]","level":3,"page":1285},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٦١]","level":3,"page":1285},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٦٢]","level":3,"page":1286},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٦٣]","level":3,"page":1286},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٦٤]","level":3,"page":1287},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٦٥ إلى ٦٦]","level":3,"page":1287},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٦٧]","level":3,"page":1288},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٦٨]","level":3,"page":1288},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٦٩]","level":3,"page":1289},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٧٠]","level":3,"page":1289},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٧٢ إلى ٧٣]","level":3,"page":1289},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٧٤]","level":3,"page":1290},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٧٥]","level":3,"page":1290},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٧٦]","level":3,"page":1291},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٧٧]","level":3,"page":1291},{"title":"فهرس","level":2,"page":1293},{"title":"الجزء الثالث","level":1,"page":1295},{"title":"السورة التي يذكر فيها الشعراء","level":2,"page":1295},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١]","level":3,"page":1295},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٣]","level":3,"page":1296},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٤]","level":3,"page":1296},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٥ إلى ٦]","level":3,"page":1296},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٧ إلى ٩]","level":3,"page":1297},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٠ إلى ١١]","level":3,"page":1297},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٢ إلى ١٥]","level":3,"page":1297},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٦ إلى ١٩]","level":3,"page":1298},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٢٠ إلى ٢١]","level":3,"page":1298},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢٢]","level":3,"page":1299},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢٣]","level":3,"page":1299},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢٤]","level":3,"page":1299},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٢٥ إلى ٢٦]","level":3,"page":1300},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢٧]","level":3,"page":1300},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢٨]","level":3,"page":1300},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢٩]","level":3,"page":1300},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٤٢]","level":3,"page":1301},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٦١ إلى ٦٢]","level":3,"page":1302},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٦٩ إلى ٧٤]","level":3,"page":1302},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٧٥ إلى ٧٧]","level":3,"page":1302},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٧٨]","level":3,"page":1303},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٧٩]","level":3,"page":1303},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٨٠]","level":3,"page":1303},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٨١]","level":3,"page":1304},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٨٢]","level":3,"page":1304},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٨٣]","level":3,"page":1304},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٨٤]","level":3,"page":1305},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٨٦]","level":3,"page":1305},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٨٧]","level":3,"page":1305},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٨٨ إلى ٨٩]","level":3,"page":1305},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٩٠ إلى ٩١]","level":3,"page":1306},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٩٧ إلى ٩٨]","level":3,"page":1306},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٠٠ إلى ١٠١]","level":3,"page":1306},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٠٥ إلى ١١١]","level":3,"page":1307},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٢٢]","level":3,"page":1307},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٢٧]","level":3,"page":1308},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٩٢ إلى ١٩٥]","level":3,"page":1308},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٩٦]","level":3,"page":1309},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٩٨ إلى ٢٠١]","level":3,"page":1309},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٢٠٥ إلى ٢٠٩]","level":3,"page":1309},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢١٢]","level":3,"page":1309},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢١٤]","level":3,"page":1310},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢١٥]","level":3,"page":1310},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢١٦]","level":3,"page":1310},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢١٧]","level":3,"page":1310},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢١٨]","level":3,"page":1311},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢١٩]","level":3,"page":1311},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢٢٠]","level":3,"page":1311},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٢٢١ إلى ٢٢٣]","level":3,"page":1312},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٢٢٤ إلى ٢٢٦]","level":3,"page":1312},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢٢٧]","level":3,"page":1312},{"title":"السورة التي يذكر فيها النمل","level":2,"page":1313},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ١]","level":3,"page":1313},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٢]","level":3,"page":1314},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٣]","level":3,"page":1314},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٤]","level":3,"page":1314},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٥]","level":3,"page":1314},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٦]","level":3,"page":1314},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٧]","level":3,"page":1315},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٨]","level":3,"page":1316},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٩]","level":3,"page":1316},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ١٠]","level":3,"page":1316},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ١١]","level":3,"page":1317},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ١٢]","level":3,"page":1317},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ١٣]","level":3,"page":1317},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ١٤]","level":3,"page":1318},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ١٥]","level":3,"page":1318},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ١٦]","level":3,"page":1319},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ١٧]","level":3,"page":1319},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ١٨]","level":3,"page":1320},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ١٩]","level":3,"page":1320},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٢٠]","level":3,"page":1321},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٢١]","level":3,"page":1322},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ٢٢ إلى ٢٣]","level":3,"page":1323},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٢٤]","level":3,"page":1324},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٢٧]","level":3,"page":1324},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٢٨]","level":3,"page":1324},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ٢٩ إلى ٣١]","level":3,"page":1325},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٣٢]","level":3,"page":1325},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٣٣]","level":3,"page":1326},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٣٤]","level":3,"page":1326},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٣٥]","level":3,"page":1327},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٣٦]","level":3,"page":1327},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٣٧]","level":3,"page":1328},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ٣٨ إلى ٤٠]","level":3,"page":1328},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ٤١ إلى ٤٤]","level":3,"page":1330},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٤٥]","level":3,"page":1331},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٥٠]","level":3,"page":1331},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ٥١ إلى ٥٢]","level":3,"page":1332},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ٥٤ إلى ٥٥]","level":3,"page":1332},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٥٩]","level":3,"page":1332},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٦٠]","level":3,"page":1333},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٦١]","level":3,"page":1333},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٦٢]","level":3,"page":1334},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٦٣]","level":3,"page":1336},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٦٤]","level":3,"page":1336},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٦٥]","level":3,"page":1337},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ٦٨ إلى ٦٦]","level":3,"page":1337},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٧١]","level":3,"page":1338},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٧٣]","level":3,"page":1338},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٧٤]","level":3,"page":1338},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٧٥]","level":3,"page":1339},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ٧٦ إلى ٧٨]","level":3,"page":1339},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ٧٩ إلى ٨١]","level":3,"page":1339},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٨٢]","level":3,"page":1340},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٨٣]","level":3,"page":1340},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ٨٥ إلى ٨٦]","level":3,"page":1341},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٨٧]","level":3,"page":1341},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٨٨]","level":3,"page":1341},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ٨٩ إلى ٩٠]","level":3,"page":1342},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ٩١ إلى ٩٢]","level":3,"page":1342},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٩٣]","level":3,"page":1342},{"title":"سورة القصص","level":2,"page":1343},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ١]","level":3,"page":1343},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٣]","level":3,"page":1343},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٤]","level":3,"page":1343},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ٥ إلى ٦]","level":3,"page":1344},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٧]","level":3,"page":1344},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ٨ إلى ١٠]","level":3,"page":1345},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ١١]","level":3,"page":1346},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ١٢ إلى ١٣]","level":3,"page":1346},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ١٤]","level":3,"page":1347},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ١٥]","level":3,"page":1347},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ١٦]","level":3,"page":1348},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ١٧]","level":3,"page":1348},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ١٨ إلى ١٩]","level":3,"page":1348},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ٢٠ إلى ٢١]","level":3,"page":1349},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٢٢]","level":3,"page":1349},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ٢٣ إلى ٢٥]","level":3,"page":1350},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٢٦]","level":3,"page":1353},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٢٧]","level":3,"page":1353},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٢٩]","level":3,"page":1354},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٣٠]","level":3,"page":1355},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٣١]","level":3,"page":1356},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٣٢]","level":3,"page":1357},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ٣٣ إلى ٣٧]","level":3,"page":1358},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ٣٨ إلى ٤٠]","level":3,"page":1358},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٤١]","level":3,"page":1359},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٤٢]","level":3,"page":1359},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٤٣]","level":3,"page":1359},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٤٤]","level":3,"page":1360},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٤٥]","level":3,"page":1361},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٤٦]","level":3,"page":1361},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ٤٧ إلى ٤٨]","level":3,"page":1361},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٥١]","level":3,"page":1362},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٥٢]","level":3,"page":1362},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ٥٣ إلى ٥٤]","level":3,"page":1362},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٥٥]","level":3,"page":1363},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٥٦]","level":3,"page":1363},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٥٧]","level":3,"page":1363},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٥٨]","level":3,"page":1364},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٥٩]","level":3,"page":1365},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٦٠]","level":3,"page":1365},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٦١]","level":3,"page":1365},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ٦٢ إلى ٦٣]","level":3,"page":1366},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٦٥]","level":3,"page":1366},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٦٦]","level":3,"page":1366},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ٦٧ إلى ٦٨]","level":3,"page":1366},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٦٩]","level":3,"page":1367},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٧٠]","level":3,"page":1367},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٧١]","level":3,"page":1368},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٧٢]","level":3,"page":1368},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٧٣]","level":3,"page":1368},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ٧٤ إلى ٧٥]","level":3,"page":1369},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٧٦]","level":3,"page":1369},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٧٧]","level":3,"page":1371},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٧٨]","level":3,"page":1371},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ٧٩ إلى ٨٢]","level":3,"page":1372},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٨٣]","level":3,"page":1372},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٨٤]","level":3,"page":1373},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٨٥]","level":3,"page":1373},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٨٦]","level":3,"page":1374},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٨٧]","level":3,"page":1374},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٨٨]","level":3,"page":1374},{"title":"السورة التي يذكر فيها العنكبوت","level":2,"page":1376},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ١ إلى ٢]","level":3,"page":1376},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٣]","level":3,"page":1377},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٤]","level":3,"page":1377},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٥]","level":3,"page":1378},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٦]","level":3,"page":1378},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٧ إلى ٨]","level":3,"page":1378},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٩]","level":3,"page":1379},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ١٠]","level":3,"page":1379},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ١١]","level":3,"page":1380},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ١٢]","level":3,"page":1380},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ١٣]","level":3,"page":1380},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ١٤ إلى ١٥]","level":3,"page":1381},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ١٦]","level":3,"page":1381},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ١٧]","level":3,"page":1381},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ١٨]","level":3,"page":1382},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ١٩]","level":3,"page":1382},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٢٠]","level":3,"page":1383},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٢١]","level":3,"page":1383},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٢٢]","level":3,"page":1384},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٢٣]","level":3,"page":1384},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٢٤]","level":3,"page":1384},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٢٦]","level":3,"page":1385},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٢٧]","level":3,"page":1385},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٢٨ إلى ٢٩]","level":3,"page":1385},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٣١ إلى ٣٢]","level":3,"page":1386},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٣٣]","level":3,"page":1386},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٣٥]","level":3,"page":1387},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٣٦ إلى ٤٠]","level":3,"page":1387},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٤١]","level":3,"page":1387},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٤٣]","level":3,"page":1388},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٤٤]","level":3,"page":1388},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٤٥]","level":3,"page":1388},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٤٦]","level":3,"page":1389},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٤٧]","level":3,"page":1390},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٤٨]","level":3,"page":1390},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٤٩]","level":3,"page":1390},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٥٠ إلى ٥١]","level":3,"page":1391},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٥٢]","level":3,"page":1391},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٥٣]","level":3,"page":1391},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٥٥]","level":3,"page":1392},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٥٦]","level":3,"page":1392},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٥٧]","level":3,"page":1392},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٥٨ إلى ٦٠]","level":3,"page":1393},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٦١]","level":3,"page":1394},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٦٢]","level":3,"page":1394},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٦٣]","level":3,"page":1394},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٦٤]","level":3,"page":1395},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٦٥]","level":3,"page":1395},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٦٧]","level":3,"page":1395},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٦٨]","level":3,"page":1396},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٦٩]","level":3,"page":1396},{"title":"السورة التي يذكر فيها الروم","level":2,"page":1397},{"title":"[سورة الروم (٣٠): الآيات ١ إلى ٥]","level":3,"page":1397},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٦]","level":3,"page":1398},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٧]","level":3,"page":1399},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٨]","level":3,"page":1399},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٩]","level":3,"page":1399},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ١٠]","level":3,"page":1400},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ١١]","level":3,"page":1400},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ١٢]","level":3,"page":1400},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ١٣]","level":3,"page":1400},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ١٤]","level":3,"page":1401},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ١٥]","level":3,"page":1401},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ١٦]","level":3,"page":1401},{"title":"[سورة الروم (٣٠): الآيات ١٧ إلى ١٨]","level":3,"page":1401},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ١٩]","level":3,"page":1402},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٢٠]","level":3,"page":1402},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٢١]","level":3,"page":1402},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٢٢]","level":3,"page":1403},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٢٣]","level":3,"page":1403},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٢٤]","level":3,"page":1404},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٢٥]","level":3,"page":1404},{"title":"[سورة الروم (٣٠): الآيات ٢٦ إلى ٢٧]","level":3,"page":1404},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٢٨]","level":3,"page":1405},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٢٩]","level":3,"page":1405},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٣٠]","level":3,"page":1406},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٣١]","level":3,"page":1407},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٣٢]","level":3,"page":1407},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٣٣]","level":3,"page":1407},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٣٤]","level":3,"page":1408},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٣٥]","level":3,"page":1408},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٣٦]","level":3,"page":1408},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٣٧]","level":3,"page":1409},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٣٨]","level":3,"page":1409},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٣٩]","level":3,"page":1409},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٤٠]","level":3,"page":1410},{"title":"[سورة الروم (٣٠): الآيات ٤١ إلى ٤٢]","level":3,"page":1411},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٤٣]","level":3,"page":1412},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٤٦]","level":3,"page":1412},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٤٧]","level":3,"page":1413},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٤٨]","level":3,"page":1413},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٥٠]","level":3,"page":1414},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٥١]","level":3,"page":1414},{"title":"[سورة الروم (٣٠): الآيات ٥٢ إلى ٥٣]","level":3,"page":1414},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٥٤]","level":3,"page":1415},{"title":"[سورة الروم (٣٠): الآيات ٥٥ إلى ٦٠]","level":3,"page":1415},{"title":"السورة التي يذكر فيها لقمان","level":2,"page":1417},{"title":"[سورة لقمان (٣١): الآيات ١ إلى ٢]","level":3,"page":1417},{"title":"[سورة لقمان (٣١): الآيات ٣ إلى ٤]","level":3,"page":1417},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ٥]","level":3,"page":1418},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ٦]","level":3,"page":1418},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ٧]","level":3,"page":1419},{"title":"[سورة لقمان (٣١): الآيات ٨ إلى ٩]","level":3,"page":1419},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ١٠]","level":3,"page":1419},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ١١]","level":3,"page":1420},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ١٢]","level":3,"page":1420},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ١٣]","level":3,"page":1420},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ١٤]","level":3,"page":1421},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ١٥]","level":3,"page":1421},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ١٦]","level":3,"page":1421},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ١٧]","level":3,"page":1422},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ١٨]","level":3,"page":1422},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ١٩]","level":3,"page":1422},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ٢٠]","level":3,"page":1423},{"title":"[سورة لقمان (٣١): الآيات ٢١ إلى ٢٣]","level":3,"page":1424},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ٢٦]","level":3,"page":1424},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ٢٧]","level":3,"page":1425},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ٢٨]","level":3,"page":1425},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ٣٠]","level":3,"page":1425},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ٣١]","level":3,"page":1426},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ٣٢]","level":3,"page":1426},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ٣٣]","level":3,"page":1426},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ٣٤]","level":3,"page":1427},{"title":"سورة السجدة","level":2,"page":1428},{"title":"[سورة السجده (٣٢): الآيات ١ إلى ٢]","level":3,"page":1428},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ٣]","level":3,"page":1428},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ٤]","level":3,"page":1429},{"title":"[سورة السجده (٣٢): الآيات ٥ إلى ٦]","level":3,"page":1429},{"title":"[سورة السجده (٣٢): الآيات ٧ إلى ٨]","level":3,"page":1430},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ١٠]","level":3,"page":1430},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ١١]","level":3,"page":1430},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ١٢]","level":3,"page":1431},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ١٣]","level":3,"page":1431},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ١٤]","level":3,"page":1432},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ١٥]","level":3,"page":1432},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ١٦]","level":3,"page":1432},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ١٧]","level":3,"page":1433},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ١٨]","level":3,"page":1434},{"title":"[سورة السجده (٣٢): الآيات ١٩ إلى ٢٠]","level":3,"page":1434},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ٢١]","level":3,"page":1435},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ٢٢]","level":3,"page":1435},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ٢٣]","level":3,"page":1436},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ٢٤]","level":3,"page":1436},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ٢٥]","level":3,"page":1436},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ٢٦]","level":3,"page":1437},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ٢٧]","level":3,"page":1437},{"title":"[سورة السجده (٣٢): الآيات ٢٨ إلى ٢٩]","level":3,"page":1437},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ٣٠]","level":3,"page":1438},{"title":"سورة الأحزاب","level":2,"page":1439},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ١]","level":3,"page":1439},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٢]","level":3,"page":1440},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٣]","level":3,"page":1440},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٤]","level":3,"page":1440},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٥]","level":3,"page":1441},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٦]","level":3,"page":1441},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٧]","level":3,"page":1442},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٨]","level":3,"page":1443},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٩]","level":3,"page":1444},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ١٠ إلى ١١]","level":3,"page":1444},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ١٢]","level":3,"page":1445},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ١٣]","level":3,"page":1445},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ١٥]","level":3,"page":1445},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ١٦]","level":3,"page":1445},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ١٧]","level":3,"page":1446},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ١٨ إلى ١٩]","level":3,"page":1446},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٢٠]","level":3,"page":1446},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٢١]","level":3,"page":1447},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٢٢]","level":3,"page":1447},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٢٣]","level":3,"page":1447},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٢٤]","level":3,"page":1448},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٢٥]","level":3,"page":1448},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٢٦ إلى ٢٧]","level":3,"page":1449},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٢٨ إلى ٢٩]","level":3,"page":1449},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٣٠ إلى ٣١]","level":3,"page":1449},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٣٢]","level":3,"page":1450},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٣٣]","level":3,"page":1450},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٣٤]","level":3,"page":1451},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٣٥]","level":3,"page":1451},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٣٦]","level":3,"page":1452},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٣٧]","level":3,"page":1452},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٣٨]","level":3,"page":1454},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٣٩]","level":3,"page":1454},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٤٠]","level":3,"page":1454},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٤١ إلى ٤٢]","level":3,"page":1454},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٤٣]","level":3,"page":1455},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٤٤]","level":3,"page":1455},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٤٥ إلى ٤٧]","level":3,"page":1456},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٤٨]","level":3,"page":1456},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٤٩]","level":3,"page":1456},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٥٠ إلى ٥١]","level":3,"page":1457},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٥٢]","level":3,"page":1458},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٥٣]","level":3,"page":1458},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٥٤]","level":3,"page":1459},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٥٥]","level":3,"page":1459},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٥٦]","level":3,"page":1460},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٥٧ إلى ٥٨]","level":3,"page":1460},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٥٩ إلى ٦٢]","level":3,"page":1460},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٦٩]","level":3,"page":1461},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٧٠ إلى ٧١]","level":3,"page":1462},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٧٢]","level":3,"page":1462},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٧٣]","level":3,"page":1464},{"title":"سورة سبأ","level":2,"page":1465},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ١]","level":3,"page":1465},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٢]","level":3,"page":1465},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٣]","level":3,"page":1466},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): الآيات ٤ إلى ٩]","level":3,"page":1466},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): الآيات ١٠ إلى ١١]","level":3,"page":1467},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): الآيات ١٢ إلى ١٤]","level":3,"page":1468},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ١٥]","level":3,"page":1470},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ١٦]","level":3,"page":1470},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): الآيات ١٧ إلى ١٩]","level":3,"page":1471},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): الآيات ٢٠ إلى ٢١]","level":3,"page":1471},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٢٤]","level":3,"page":1472},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): الآيات ٢٥ إلى ٢٦]","level":3,"page":1472},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٢٧]","level":3,"page":1473},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٢٨]","level":3,"page":1473},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): الآيات ٢٩ إلى ٣٠]","level":3,"page":1473},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٣١]","level":3,"page":1473},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): الآيات ٣٤ إلى ٣٥]","level":3,"page":1474},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٣٧]","level":3,"page":1475},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٣٨]","level":3,"page":1475},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٣٩]","level":3,"page":1475},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٤٠]","level":3,"page":1475},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٤٢]","level":3,"page":1476},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٤٣]","level":3,"page":1476},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٤٤]","level":3,"page":1477},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٤٦]","level":3,"page":1477},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٤٨]","level":3,"page":1478},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٤٩]","level":3,"page":1478},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٥٠]","level":3,"page":1478},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): الآيات ٥١ إلى ٥٢]","level":3,"page":1479},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٥٤]","level":3,"page":1479},{"title":"سورة فاطر","level":2,"page":1480},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ١]","level":3,"page":1480},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٢]","level":3,"page":1481},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٣]","level":3,"page":1481},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٤]","level":3,"page":1482},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٥]","level":3,"page":1482},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٦]","level":3,"page":1483},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٧]","level":3,"page":1483},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٨]","level":3,"page":1484},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٩]","level":3,"page":1485},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ١٠]","level":3,"page":1485},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ١١]","level":3,"page":1486},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ١٢]","level":3,"page":1487},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ١٣]","level":3,"page":1488},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ١٤]","level":3,"page":1488},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ١٥]","level":3,"page":1488},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): الآيات ١٦ إلى ١٧]","level":3,"page":1490},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ١٨]","level":3,"page":1490},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): الآيات ١٩ إلى ٢٢]","level":3,"page":1491},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): الآيات ٢٣ إلى ٢٤]","level":3,"page":1491},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٢٥]","level":3,"page":1492},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): الآيات ٢٧ إلى ٢٨]","level":3,"page":1492},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٢٩]","level":3,"page":1493},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٣١]","level":3,"page":1493},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٣٢]","level":3,"page":1493},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٣٣]","level":3,"page":1496},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٣٤]","level":3,"page":1497},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٣٥]","level":3,"page":1497},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): الآيات ٣٦ إلى ٣٧]","level":3,"page":1497},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٣٨]","level":3,"page":1498},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٣٩]","level":3,"page":1498},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٤٠]","level":3,"page":1499},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٤١]","level":3,"page":1499},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): الآيات ٤٢ إلى ٤٣]","level":3,"page":1499},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٤٤]","level":3,"page":1500},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٤٥]","level":3,"page":1500},{"title":"سورة يس","level":2,"page":1501},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ١ إلى ٥]","level":3,"page":1501},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٦]","level":3,"page":1501},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٧]","level":3,"page":1501},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ٨ إلى ٩]","level":3,"page":1502},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ١٠]","level":3,"page":1502},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ١١]","level":3,"page":1503},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ١٢]","level":3,"page":1503},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ١٣]","level":3,"page":1503},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ١٦ إلى ١٨]","level":3,"page":1504},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ٢٠ إلى ٢١]","level":3,"page":1504},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ٢٦ إلى ٢٧]","level":3,"page":1505},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ٢٨ إلى ٢٩]","level":3,"page":1505},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٣٠]","level":3,"page":1505},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ٣١ إلى ٣٢]","level":3,"page":1505},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٣٣]","level":3,"page":1505},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٣٦]","level":3,"page":1506},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٣٧]","level":3,"page":1507},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ٣٨ إلى ٤٠]","level":3,"page":1507},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ٤١ إلى ٤٢]","level":3,"page":1508},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ٤٣ إلى ٤٤]","level":3,"page":1508},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ٤٥ إلى ٤٧]","level":3,"page":1509},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ٤٨ إلى ٥٠]","level":3,"page":1509},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ٥١ إلى ٥٤]","level":3,"page":1509},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ٥٥ إلى ٥٧]","level":3,"page":1510},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٥٨]","level":3,"page":1512},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٥٩]","level":3,"page":1512},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ٦٠ إلى ٦١]","level":3,"page":1513},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٦٥]","level":3,"page":1513},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٦٨]","level":3,"page":1513},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٦٩]","level":3,"page":1514},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ٧١ إلى ٧٥]","level":3,"page":1514},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٧٦]","level":3,"page":1514},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٧٧]","level":3,"page":1515},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ٧٨ إلى ٨١]","level":3,"page":1515},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٨٢]","level":3,"page":1516},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٨٣]","level":3,"page":1516},{"title":"سورة الصافات","level":2,"page":1517},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١ إلى ٤]","level":3,"page":1517},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٥]","level":3,"page":1518},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٦ إلى ٧]","level":3,"page":1518},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٠]","level":3,"page":1518},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١١]","level":3,"page":1518},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٢]","level":3,"page":1519},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٣]","level":3,"page":1519},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٦ إلى ١٩]","level":3,"page":1519},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٢٠ إلى ٢١]","level":3,"page":1520},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٢٢ إلى ٢٧]","level":3,"page":1520},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٣٣ إلى ٣٤]","level":3,"page":1521},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٣٥]","level":3,"page":1521},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٣٦ إلى ٣٨]","level":3,"page":1521},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٣٩ إلى ٤٢]","level":3,"page":1522},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٤٣ إلى ٤٦]","level":3,"page":1523},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٤٧ إلى ٤٩]","level":3,"page":1523},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٥٠ إلى ٥٥]","level":3,"page":1523},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٥٦ إلى ٥٧]","level":3,"page":1523},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٦٠ إلى ٦١]","level":3,"page":1524},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٦٢]","level":3,"page":1524},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٧٥ إلى ٧٦]","level":3,"page":1524},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٧٧]","level":3,"page":1525},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٧٨]","level":3,"page":1525},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٨٣ إلى ٨٤]","level":3,"page":1525},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٨٥ إلى ٨٧]","level":3,"page":1525},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٨٨ إلى ٨٩]","level":3,"page":1526},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٩٧ إلى ٩٨]","level":3,"page":1526},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٩٩]","level":3,"page":1527},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٠٠ إلى ١٠١]","level":3,"page":1527},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٠٢]","level":3,"page":1528},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٠٣ إلى ١٠٧]","level":3,"page":1529},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١١٢]","level":3,"page":1530},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١١٤ إلى ١١٨]","level":3,"page":1530},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٢٣]","level":3,"page":1530},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٣٣]","level":3,"page":1531},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٣٩ إلى ١٤٦]","level":3,"page":1531},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٤٩]","level":3,"page":1532},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٦١ إلى ١٦٣]","level":3,"page":1532},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٦٤]","level":3,"page":1533},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٧١ إلى ١٧٣]","level":3,"page":1533},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٧٤ إلى ١٧٧]","level":3,"page":1533},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٨٠ إلى ١٨٢]","level":3,"page":1534},{"title":"سورة ص","level":2,"page":1535},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ١]","level":3,"page":1535},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٢]","level":3,"page":1535},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٣]","level":3,"page":1535},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٤]","level":3,"page":1535},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٥]","level":3,"page":1536},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٦]","level":3,"page":1536},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٧]","level":3,"page":1536},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٨]","level":3,"page":1536},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٩]","level":3,"page":1537},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ١١]","level":3,"page":1537},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ١٢ إلى ١٣]","level":3,"page":1537},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ١٤]","level":3,"page":1537},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ١٥]","level":3,"page":1537},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ١٦]","level":3,"page":1538},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ١٧]","level":3,"page":1538},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ١٨ إلى ١٩]","level":3,"page":1538},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٢٠]","level":3,"page":1539},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ٢١ إلى ٢٢]","level":3,"page":1540},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٢٣]","level":3,"page":1541},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٢٤]","level":3,"page":1541},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٢٥]","level":3,"page":1542},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٢٦]","level":3,"page":1542},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٢٧]","level":3,"page":1542},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٢٩]","level":3,"page":1543},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٣٠]","level":3,"page":1543},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٣١]","level":3,"page":1543},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ٣٢ إلى ٣٣]","level":3,"page":1544},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٣٤]","level":3,"page":1544},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٣٥]","level":3,"page":1546},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٣٦]","level":3,"page":1547},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ٣٧ إلى ٣٩]","level":3,"page":1547},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٤١]","level":3,"page":1547},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٤٢]","level":3,"page":1548},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٤٤]","level":3,"page":1548},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ٤٥ إلى ٤٧]","level":3,"page":1549},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٤٨]","level":3,"page":1549},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٤٩]","level":3,"page":1550},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ٥٠ إلى ٥٢]","level":3,"page":1550},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٥٣]","level":3,"page":1550},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٥٧]","level":3,"page":1550},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٥٨]","level":3,"page":1551},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ٥٩ إلى ٦١]","level":3,"page":1551},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ٦٢ إلى ٦٣]","level":3,"page":1551},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٦٤]","level":3,"page":1551},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٦٥]","level":3,"page":1551},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ٦٧ إلى ٧٠]","level":3,"page":1551},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٧١]","level":3,"page":1552},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ٧٢ إلى ٧٤]","level":3,"page":1553},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ٧٥ إلى ٧٦]","level":3,"page":1553},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ٧٧ إلى ٧٨]","level":3,"page":1553},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ٧٩ إلى ٨١]","level":3,"page":1554},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ٨٢ إلى ٨٣]","level":3,"page":1554},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ٨٤ إلى ٨٦]","level":3,"page":1554},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ٨٧ إلى ٨٨]","level":3,"page":1554},{"title":"سورة الزمر","level":2,"page":1556},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ١]","level":3,"page":1556},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٢]","level":3,"page":1556},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٣]","level":3,"page":1557},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٤]","level":3,"page":1558},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٥]","level":3,"page":1558},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٦]","level":3,"page":1559},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٧]","level":3,"page":1560},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٨]","level":3,"page":1561},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٩]","level":3,"page":1561},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ١٠]","level":3,"page":1562},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): الآيات ١١ إلى ١٢]","level":3,"page":1562},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ١٣]","level":3,"page":1563},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): الآيات ١٤ إلى ١٥]","level":3,"page":1563},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ١٦]","level":3,"page":1563},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ١٧]","level":3,"page":1564},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ١٨]","level":3,"page":1564},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ١٩]","level":3,"page":1565},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٢٠]","level":3,"page":1565},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٢١]","level":3,"page":1565},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٢٢]","level":3,"page":1566},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٢٣]","level":3,"page":1567},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٢٤]","level":3,"page":1568},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٢٥]","level":3,"page":1568},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٢٧ إلى ٢٨]","level":3,"page":1569},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٢٩]","level":3,"page":1569},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٣٠ إلى ٣١]","level":3,"page":1570},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٣٢]","level":3,"page":1571},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٣٣ إلى ٣٤]","level":3,"page":1571},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٣٥]","level":3,"page":1572},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٣٦ إلى ٣٧]","level":3,"page":1572},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٣٨]","level":3,"page":1572},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٣٩ إلى ٤٠]","level":3,"page":1573},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٤١]","level":3,"page":1573},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٤٢]","level":3,"page":1573},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٤٣]","level":3,"page":1574},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٤٥]","level":3,"page":1574},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٤٦]","level":3,"page":1575},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٤٧]","level":3,"page":1575},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٤٨]","level":3,"page":1576},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٤٩ إلى ٥١]","level":3,"page":1576},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٥٢]","level":3,"page":1576},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٥٣]","level":3,"page":1577},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٥٤ إلى ٥٥]","level":3,"page":1578},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٥٦ إلى ٥٨]","level":3,"page":1578},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٥٩]","level":3,"page":1579},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٦٠]","level":3,"page":1579},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٦١]","level":3,"page":1579},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٦٢]","level":3,"page":1579},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٦٣]","level":3,"page":1580},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٦٤]","level":3,"page":1580},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٦٥ إلى ٦٦]","level":3,"page":1580},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٦٧]","level":3,"page":1580},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٦٨]","level":3,"page":1581},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٦٩]","level":3,"page":1581},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٧٠]","level":3,"page":1582},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٧١]","level":3,"page":1582},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٧٣]","level":3,"page":1582},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٧٤]","level":3,"page":1583},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٧٥]","level":3,"page":1583},{"title":"سورة المؤمن","level":2,"page":1584},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ١]","level":3,"page":1584},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٢]","level":3,"page":1584},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٣]","level":3,"page":1585},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٤]","level":3,"page":1585},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٥]","level":3,"page":1586},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٦]","level":3,"page":1586},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٧]","level":3,"page":1586},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٩]","level":3,"page":1587},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ١٠]","level":3,"page":1587},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ١١]","level":3,"page":1588},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ١٢]","level":3,"page":1588},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ١٣]","level":3,"page":1589},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ١٤]","level":3,"page":1589},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ١٥]","level":3,"page":1590},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ١٦]","level":3,"page":1591},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ١٧]","level":3,"page":1591},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ١٨]","level":3,"page":1591},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ١٩]","level":3,"page":1592},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٢٠]","level":3,"page":1593},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٢١]","level":3,"page":1593},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٢٢]","level":3,"page":1594},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٢٣ إلى ٢٤]","level":3,"page":1594},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٢٥]","level":3,"page":1595},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٢٦ إلى ٢٧]","level":3,"page":1595},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٢٨]","level":3,"page":1595},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٣٤]","level":3,"page":1596},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٣٦ إلى ٣٧]","level":3,"page":1596},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٣٨ إلى ٣٩]","level":3,"page":1596},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٤٠]","level":3,"page":1597},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٤١]","level":3,"page":1597},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٤٢]","level":3,"page":1597},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٤٣]","level":3,"page":1598},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٤٤]","level":3,"page":1598},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٤٥ إلى ٤٦]","level":3,"page":1598},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٤٧ إلى ٤٨]","level":3,"page":1599},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٤٩ إلى ٥٠]","level":3,"page":1599},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٥١]","level":3,"page":1600},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٥٢]","level":3,"page":1600},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٥٣ إلى ٥٤]","level":3,"page":1600},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٥٥]","level":3,"page":1601},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٥٦]","level":3,"page":1601},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٥٧]","level":3,"page":1602},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٥٨]","level":3,"page":1602},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٥٩]","level":3,"page":1602},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٦٠]","level":3,"page":1602},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٦١ إلى ٦٢]","level":3,"page":1603},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٦٤]","level":3,"page":1604},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٦٥]","level":3,"page":1605},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٦٦]","level":3,"page":1605},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٦٧ إلى ٦٨]","level":3,"page":1605},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٦٩]","level":3,"page":1605},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٧١ إلى ٧٦]","level":3,"page":1606},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٧٧]","level":3,"page":1606},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٧٨]","level":3,"page":1606},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٧٩ إلى ٨١]","level":3,"page":1607},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٨٢ إلى ٨٥]","level":3,"page":1607},{"title":"سورة فصلت","level":2,"page":1609},{"title":"[سورة فصلت (٤١): الآيات ١ إلى ٢]","level":3,"page":1609},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٣]","level":3,"page":1609},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٤]","level":3,"page":1609},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٥]","level":3,"page":1610},{"title":"[سورة فصلت (٤١): الآيات ٦ إلى ٧]","level":3,"page":1610},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٨]","level":3,"page":1611},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٩]","level":3,"page":1611},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ١٠]","level":3,"page":1611},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ١١]","level":3,"page":1612},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ١٢]","level":3,"page":1612},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ١٣]","level":3,"page":1613},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ١٥]","level":3,"page":1613},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ١٦]","level":3,"page":1613},{"title":"[سورة فصلت (٤١): الآيات ١٧ إلى ١٨]","level":3,"page":1613},{"title":"[سورة فصلت (٤١): الآيات ١٩ إلى ٢٣]","level":3,"page":1614},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٢٤]","level":3,"page":1615},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٢٥]","level":3,"page":1615},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٢٦]","level":3,"page":1616},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٢٧]","level":3,"page":1616},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٢٨]","level":3,"page":1616},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٢٩]","level":3,"page":1616},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٣٠]","level":3,"page":1617},{"title":"[سورة فصلت (٤١): الآيات ٣١ إلى ٣٢]","level":3,"page":1619},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٣٣]","level":3,"page":1621},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٣٤]","level":3,"page":1621},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٣٥]","level":3,"page":1622},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٣٦]","level":3,"page":1622},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٣٧]","level":3,"page":1622},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٣٨]","level":3,"page":1623},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٣٩]","level":3,"page":1624},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٤٠]","level":3,"page":1624},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٤١]","level":3,"page":1625},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٤٢]","level":3,"page":1625},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٤٣]","level":3,"page":1625},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٤٤]","level":3,"page":1626},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٤٥]","level":3,"page":1626},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٤٦]","level":3,"page":1627},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٤٧]","level":3,"page":1627},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٤٩]","level":3,"page":1627},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٥٠]","level":3,"page":1628},{"title":"[سورة فصلت (٤١): الآيات ٥١ إلى ٥٢]","level":3,"page":1628},{"title":"[سورة فصلت (٤١): الآيات ٥٣ إلى ٥٤]","level":3,"page":1629},{"title":"سورة الشورى","level":2,"page":1631},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): الآيات ١ إلى ٢]","level":3,"page":1631},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٣]","level":3,"page":1631},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٤]","level":3,"page":1631},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٥]","level":3,"page":1632},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٦]","level":3,"page":1632},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٧]","level":3,"page":1633},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٨ إلى ٩]","level":3,"page":1633},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ١٠]","level":3,"page":1634},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ١١]","level":3,"page":1634},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ١٢]","level":3,"page":1635},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ١٣]","level":3,"page":1636},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ١٤]","level":3,"page":1636},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ١٥]","level":3,"page":1636},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ١٦]","level":3,"page":1637},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ١٧]","level":3,"page":1637},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ١٨]","level":3,"page":1638},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ١٩]","level":3,"page":1638},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٢٠]","level":3,"page":1639},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٢١]","level":3,"page":1640},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٢٢]","level":3,"page":1640},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٢٣]","level":3,"page":1640},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٢٤]","level":3,"page":1641},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٢٥]","level":3,"page":1642},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٢٦]","level":3,"page":1642},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٢٧]","level":3,"page":1643},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٢٨]","level":3,"page":1644},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٢٩]","level":3,"page":1644},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٣٠]","level":3,"page":1645},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٣٢]","level":3,"page":1646},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٣٦]","level":3,"page":1646},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٣٧]","level":3,"page":1646},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٣٨]","level":3,"page":1646},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٣٩]","level":3,"page":1647},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٤٠]","level":3,"page":1647},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٤١ إلى ٤٢]","level":3,"page":1647},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٤٣]","level":3,"page":1648},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٤٤ إلى ٤٦]","level":3,"page":1648},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٤٧]","level":3,"page":1648},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٤٨]","level":3,"page":1649},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٤٩ إلى ٥٠]","level":3,"page":1649},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٥١]","level":3,"page":1649},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٥٢ إلى ٥٣]","level":3,"page":1650},{"title":"سورة الزخرف","level":2,"page":1651},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ١ إلى ٣]","level":3,"page":1651},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٤]","level":3,"page":1651},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٥]","level":3,"page":1651},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٦ إلى ٧]","level":3,"page":1652},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٨]","level":3,"page":1652},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٩]","level":3,"page":1652},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ١٠]","level":3,"page":1652},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ١١]","level":3,"page":1653},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ١٢]","level":3,"page":1653},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ١٣]","level":3,"page":1653},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ١٥]","level":3,"page":1654},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ١٦]","level":3,"page":1654},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٢٠]","level":3,"page":1654},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٢١]","level":3,"page":1654},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٢٢]","level":3,"page":1654},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٢٣]","level":3,"page":1655},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٢٤ إلى ٢٥]","level":3,"page":1655},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٢٦ إلى ٢٨]","level":3,"page":1655},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٢٩]","level":3,"page":1655},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٣١]","level":3,"page":1655},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٣٢]","level":3,"page":1656},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٣٣]","level":3,"page":1657},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٣٦]","level":3,"page":1657},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٣٧ إلى ٣٩]","level":3,"page":1657},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٤٠]","level":3,"page":1658},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٤١]","level":3,"page":1658},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٤٢]","level":3,"page":1658},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٤٣]","level":3,"page":1659},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٤٤]","level":3,"page":1659},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٤٥]","level":3,"page":1659},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٤٦ إلى ٥٠]","level":3,"page":1659},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٥١]","level":3,"page":1660},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٥٢]","level":3,"page":1660},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٥٤]","level":3,"page":1660},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٥٥]","level":3,"page":1660},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٥٧]","level":3,"page":1661},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٥٨]","level":3,"page":1661},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٥٩ إلى ٦٠]","level":3,"page":1662},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٦١]","level":3,"page":1662},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٦٢]","level":3,"page":1662},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٦٣]","level":3,"page":1663},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٦٧]","level":3,"page":1663},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٦٨]","level":3,"page":1663},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٦٩]","level":3,"page":1664},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٧٠]","level":3,"page":1664},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٧١]","level":3,"page":1664},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٧٢]","level":3,"page":1665},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٧٣]","level":3,"page":1665},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٧٤ إلى ٧٥]","level":3,"page":1665},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٧٦]","level":3,"page":1666},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٧٧ إلى ٧٨]","level":3,"page":1666},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٧٩]","level":3,"page":1666},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٨٠]","level":3,"page":1666},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٨١]","level":3,"page":1666},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٨٢]","level":3,"page":1667},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٨٣]","level":3,"page":1667},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٨٤]","level":3,"page":1667},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٨٥]","level":3,"page":1667},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٨٦]","level":3,"page":1668},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٨٧ إلى ٨٩]","level":3,"page":1668},{"title":"سورة الدخان","level":2,"page":1669},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): الآيات ١ إلى ٢]","level":3,"page":1669},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٣ إلى ٤]","level":3,"page":1669},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٥ إلى ٦]","level":3,"page":1670},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ٧]","level":3,"page":1670},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ٨]","level":3,"page":1671},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ٩]","level":3,"page":1671},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ١٠]","level":3,"page":1671},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ١١]","level":3,"page":1671},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ١٢]","level":3,"page":1672},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ١٣]","level":3,"page":1672},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ١٥]","level":3,"page":1672},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): الآيات ١٧ إلى ٢٤]","level":3,"page":1673},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٢٥ إلى ٢٨]","level":3,"page":1673},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ٢٩]","level":3,"page":1673},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٣٠ إلى ٣٢]","level":3,"page":1674},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ٣٣]","level":3,"page":1674},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٣٤ إلى ٣٦]","level":3,"page":1674},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ٣٧]","level":3,"page":1675},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٣٨ إلى ٣٩]","level":3,"page":1675},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٤٠ إلى ٤٢]","level":3,"page":1675},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٤٣ إلى ٤٦]","level":3,"page":1676},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٤٧ إلى ٥٠]","level":3,"page":1676},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٥١ إلى ٥٣]","level":3,"page":1676},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ٥٤]","level":3,"page":1676},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٥٦ إلى ٥٧]","level":3,"page":1677},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٥٨ إلى ٥٩]","level":3,"page":1677},{"title":"سورة الجاثية","level":2,"page":1678},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): آية ٢]","level":3,"page":1678},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): آية ٣]","level":3,"page":1678},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): آية ٤]","level":3,"page":1678},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): آية ٥]","level":3,"page":1679},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): آية ٦]","level":3,"page":1679},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ٧ إلى ٨]","level":3,"page":1679},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): آية ٩]","level":3,"page":1680},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): آية ١٠]","level":3,"page":1680},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): آية ١٢]","level":3,"page":1680},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): آية ١٣]","level":3,"page":1681},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): آية ١٤]","level":3,"page":1681},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): آية ١٥]","level":3,"page":1682},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ١٦ إلى ١٨]","level":3,"page":1682},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): آية ١٩]","level":3,"page":1682},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): آية ٢٠]","level":3,"page":1682},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): آية ٢١]","level":3,"page":1683},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): آية ٢٣]","level":3,"page":1683},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): آية ٢٤]","level":3,"page":1684},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ٢٥ إلى ٢٨]","level":3,"page":1684},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ٣٠ إلى ٣٤]","level":3,"page":1684},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ٣٦ إلى ٣٧]","level":3,"page":1684},{"title":"سورة الأحقاف","level":2,"page":1685},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ١ إلى ٢]","level":3,"page":1685},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٣]","level":3,"page":1685},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٤]","level":3,"page":1686},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٥]","level":3,"page":1686},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٦]","level":3,"page":1686},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٧]","level":3,"page":1686},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٩]","level":3,"page":1686},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ١٠ إلى ١١]","level":3,"page":1687},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ١٣]","level":3,"page":1688},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ١٥]","level":3,"page":1688},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ١٦]","level":3,"page":1688},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٢٠]","level":3,"page":1689},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٢١]","level":3,"page":1689},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٢٦]","level":3,"page":1690},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٢٩]","level":3,"page":1690},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٣١]","level":3,"page":1690},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٣٣]","level":3,"page":1691},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٣٤]","level":3,"page":1691},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٣٥]","level":3,"page":1691},{"title":"سورة محمد\"ﷺ\"","level":2,"page":1693},{"title":"[سورة محمد (٤٧): الآيات ١ إلى ٢]","level":3,"page":1693},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ٣]","level":3,"page":1694},{"title":"[سورة محمد (٤٧): الآيات ٤ إلى ٦]","level":3,"page":1694},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ٧]","level":3,"page":1695},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ٨]","level":3,"page":1695},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ١٠]","level":3,"page":1696},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ١١]","level":3,"page":1696},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ١٢]","level":3,"page":1696},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ١٣]","level":3,"page":1697},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ١٤]","level":3,"page":1697},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ١٥]","level":3,"page":1698},{"title":"[سورة محمد (٤٧): الآيات ١٦ إلى ١٧]","level":3,"page":1698},{"title":"[سورة محمد (٤٧): الآيات ١٨ إلى ١٩]","level":3,"page":1699},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ٢٠]","level":3,"page":1701},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ٢١]","level":3,"page":1702},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ٢٢]","level":3,"page":1702},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ٢٣]","level":3,"page":1702},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ٢٤]","level":3,"page":1703},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ٢٥]","level":3,"page":1703},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ٢٩]","level":3,"page":1703},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ٣٠]","level":3,"page":1704},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ٣١]","level":3,"page":1704},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ٣٣]","level":3,"page":1704},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ٣٥]","level":3,"page":1705},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ٣٦]","level":3,"page":1705},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ٣٧]","level":3,"page":1705},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ٣٨]","level":3,"page":1706},{"title":"سورة الفتح","level":2,"page":1707},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ١]","level":3,"page":1707},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ٢]","level":3,"page":1707},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ٣]","level":3,"page":1708},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ٤]","level":3,"page":1709},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ٥]","level":3,"page":1710},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ٦]","level":3,"page":1710},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ٨]","level":3,"page":1710},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ٩]","level":3,"page":1711},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ١٠]","level":3,"page":1711},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ١١]","level":3,"page":1713},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ١٢]","level":3,"page":1713},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ١٣]","level":3,"page":1714},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ١٤]","level":3,"page":1714},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ١٥]","level":3,"page":1714},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ١٦]","level":3,"page":1715},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ١٧]","level":3,"page":1715},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): الآيات ١٨ إلى ٢٠]","level":3,"page":1716},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ٢١]","level":3,"page":1718},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ٢٢]","level":3,"page":1718},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ٢٣]","level":3,"page":1718},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ٢٤]","level":3,"page":1718},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ٢٥]","level":3,"page":1719},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ٢٦]","level":3,"page":1720},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ٢٧]","level":3,"page":1721},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ٢٨]","level":3,"page":1722},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ٢٩]","level":3,"page":1722},{"title":"سورة الحجرات","level":2,"page":1726},{"title":"[سورة الحجرات (٤٩): آية ١]","level":3,"page":1726},{"title":"[سورة الحجرات (٤٩): آية ٢]","level":3,"page":1726},{"title":"[سورة الحجرات (٤٩): آية ٣]","level":3,"page":1727},{"title":"[سورة الحجرات (٤٩): الآيات ٤ إلى ٥]","level":3,"page":1727},{"title":"[سورة الحجرات (٤٩): آية ٦]","level":3,"page":1728},{"title":"[سورة الحجرات (٤٩): الآيات ٧ إلى ٨]","level":3,"page":1728},{"title":"[سورة الحجرات (٤٩): آية ٩]","level":3,"page":1729},{"title":"[سورة الحجرات (٤٩): آية ١٠]","level":3,"page":1730},{"title":"[سورة الحجرات (٤٩): آية ١١]","level":3,"page":1731},{"title":"[سورة الحجرات (٤٩): آية ١٢]","level":3,"page":1731},{"title":"[سورة الحجرات (٤٩): آية ١٣]","level":3,"page":1732},{"title":"[سورة الحجرات (٤٩): آية ١٤]","level":3,"page":1733},{"title":"[سورة الحجرات (٤٩): آية ١٥]","level":3,"page":1733},{"title":"[سورة الحجرات (٤٩): آية ١٦]","level":3,"page":1734},{"title":"[سورة الحجرات (٤٩): آية ١٧]","level":3,"page":1734},{"title":"[سورة الحجرات (٤٩): آية ١٨]","level":3,"page":1734},{"title":"سورة ق","level":2,"page":1736},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ١]","level":3,"page":1736},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ٢]","level":3,"page":1736},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ٣]","level":3,"page":1736},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ٤]","level":3,"page":1737},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ٥]","level":3,"page":1737},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ٦]","level":3,"page":1737},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ٧]","level":3,"page":1737},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ٨]","level":3,"page":1738},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ٩]","level":3,"page":1738},{"title":"[سورة ق (٥٠): الآيات ١٠ إلى ١١]","level":3,"page":1738},{"title":"[سورة ق (٥٠): الآيات ١٢ إلى ١٤]","level":3,"page":1738},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ١٥]","level":3,"page":1739},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ١٦]","level":3,"page":1739},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ١٧]","level":3,"page":1739},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ١٩]","level":3,"page":1740},{"title":"[سورة ق (٥٠): الآيات ٢٠ إلى ٢١]","level":3,"page":1740},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ٢٢]","level":3,"page":1741},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ٢٣]","level":3,"page":1741},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ٢٥]","level":3,"page":1741},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ٢٧]","level":3,"page":1741},{"title":"[سورة ق (٥٠): الآيات ٢٨ إلى ٣٠]","level":3,"page":1742},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ٣١]","level":3,"page":1743},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ٣٢]","level":3,"page":1743},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ٣٣]","level":3,"page":1743},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ٣٤]","level":3,"page":1744},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ٣٥]","level":3,"page":1744},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ٣٦]","level":3,"page":1745},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ٣٧]","level":3,"page":1745},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ٣٨]","level":3,"page":1746},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ٣٩]","level":3,"page":1746},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ٤٠]","level":3,"page":1746},{"title":"[سورة ق (٥٠): الآيات ٤١ إلى ٤٢]","level":3,"page":1746},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ٤٣]","level":3,"page":1746},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ٤٤]","level":3,"page":1747},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ٤٥]","level":3,"page":1747},{"title":"سورة الذاريات","level":2,"page":1748},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): الآيات ١ إلى ٦]","level":3,"page":1748},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٧ إلى ٨]","level":3,"page":1749},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ٩]","level":3,"page":1750},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): الآيات ١٠ إلى ١١]","level":3,"page":1750},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): الآيات ١٢ إلى ١٤]","level":3,"page":1750},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): الآيات ١٥ إلى ١٦]","level":3,"page":1751},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): الآيات ١٧ إلى ١٨]","level":3,"page":1751},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ١٩]","level":3,"page":1752},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٢٠ إلى ٢٢]","level":3,"page":1753},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ٢٣]","level":3,"page":1754},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ٢٤]","level":3,"page":1754},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ٢٥]","level":3,"page":1755},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٢٦ إلى ٢٨]","level":3,"page":1755},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ٢٩]","level":3,"page":1756},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ٣٠]","level":3,"page":1756},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ٣١]","level":3,"page":1756},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٣٢ إلى ٣٦]","level":3,"page":1756},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ٣٧]","level":3,"page":1757},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٣٨ إلى ٤٧]","level":3,"page":1757},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ٤٨]","level":3,"page":1757},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ٤٩]","level":3,"page":1757},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ٥٠]","level":3,"page":1758},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٥١ إلى ٥٣]","level":3,"page":1758},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ٥٤]","level":3,"page":1758},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ٥٥]","level":3,"page":1758},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٥٦ إلى ٥٨]","level":3,"page":1759},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ٥٩]","level":3,"page":1759},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ٦٠]","level":3,"page":1759},{"title":"سورة الطور","level":2,"page":1760},{"title":"[سورة الطور (٥٢): الآيات ١ إلى ٣]","level":3,"page":1760},{"title":"[سورة الطور (٥٢): آية ٤]","level":3,"page":1761},{"title":"[سورة الطور (٥٢): آية ٥]","level":3,"page":1761},{"title":"[سورة الطور (٥٢): الآيات ٦ إلى ٧]","level":3,"page":1761},{"title":"[سورة الطور (٥٢): آية ٨]","level":3,"page":1761},{"title":"[سورة الطور (٥٢): الآيات ٩ إلى ١٠]","level":3,"page":1761},{"title":"[سورة الطور (٥٢): الآيات ١١ إلى ١٢]","level":3,"page":1761},{"title":"[سورة الطور (٥٢): الآيات ١٣ إلى ١٥]","level":3,"page":1762},{"title":"[سورة الطور (٥٢): آية ١٦]","level":3,"page":1762},{"title":"[سورة الطور (٥٢): الآيات ١٧ إلى ١٨]","level":3,"page":1762},{"title":"[سورة الطور (٥٢): آية ١٩]","level":3,"page":1762},{"title":"[سورة الطور (٥٢): آية ٢٠]","level":3,"page":1763},{"title":"[سورة الطور (٥٢): آية ٢١]","level":3,"page":1763},{"title":"[سورة الطور (٥٢): الآيات ٢٢ إلى ٢٣]","level":3,"page":1764},{"title":"[سورة الطور (٥٢): آية ٢٤]","level":3,"page":1764},{"title":"[سورة الطور (٥٢): الآيات ٢٥ إلى ٢٨]","level":3,"page":1765},{"title":"[سورة الطور (٥٢): آية ٢٩]","level":3,"page":1765},{"title":"[سورة الطور (٥٢): الآيات ٣٠ إلى ٣١]","level":3,"page":1765},{"title":"[سورة الطور (٥٢): آية ٣٢]","level":3,"page":1766},{"title":"[سورة الطور (٥٢): الآيات ٣٣ إلى ٣٤]","level":3,"page":1766},{"title":"[سورة الطور (٥٢): الآيات ٣٥ إلى ٣٨]","level":3,"page":1766},{"title":"[سورة الطور (٥٢): الآيات ٣٩ إلى ٤٣]","level":3,"page":1766},{"title":"[سورة الطور (٥٢): آية ٤٤]","level":3,"page":1767},{"title":"[سورة الطور (٥٢): الآيات ٤٥ إلى ٤٦]","level":3,"page":1767},{"title":"[سورة الطور (٥٢): آية ٤٧]","level":3,"page":1767},{"title":"[سورة الطور (٥٢): آية ٤٨]","level":3,"page":1767},{"title":"[سورة الطور (٥٢): آية ٤٩]","level":3,"page":1768},{"title":"سورة النجم","level":2,"page":1769},{"title":"[سورة النجم (٥٣): الآيات ١ إلى ٢]","level":3,"page":1769},{"title":"[سورة النجم (٥٣): الآيات ٣ إلى ٤]","level":3,"page":1770},{"title":"[سورة النجم (٥٣): الآيات ٥ إلى ٧]","level":3,"page":1770},{"title":"[سورة النجم (٥٣): الآيات ٨ إلى ٩]","level":3,"page":1770},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ١٠]","level":3,"page":1771},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ١١]","level":3,"page":1772},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ١٢]","level":3,"page":1772},{"title":"[سورة النجم (٥٣): الآيات ١٣ إلى ١٥]","level":3,"page":1772},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ١٦]","level":3,"page":1772},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ١٧]","level":3,"page":1773},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ١٨]","level":3,"page":1773},{"title":"[سورة النجم (٥٣): الآيات ١٩ إلى ٢٢]","level":3,"page":1773},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٢٣]","level":3,"page":1774},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٢٤]","level":3,"page":1774},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٢٥]","level":3,"page":1775},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٢٦]","level":3,"page":1775},{"title":"[سورة النجم (٥٣): الآيات ٢٧ إلى ٢٨]","level":3,"page":1775},{"title":"[سورة النجم (٥٣): الآيات ٢٩ إلى ٣٠]","level":3,"page":1775},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٣١]","level":3,"page":1776},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٣٢]","level":3,"page":1776},{"title":"[سورة النجم (٥٣): الآيات ٣٣ إلى ٣٤]","level":3,"page":1777},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٣٥]","level":3,"page":1777},{"title":"[سورة النجم (٥٣): الآيات ٣٦ إلى ٣٧]","level":3,"page":1777},{"title":"[سورة النجم (٥٣): الآيات ٣٨ إلى ٤١]","level":3,"page":1778},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٤٢]","level":3,"page":1778},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٤٣]","level":3,"page":1778},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٤٤]","level":3,"page":1779},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٤٥]","level":3,"page":1779},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٤٨]","level":3,"page":1779},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٤٩]","level":3,"page":1780},{"title":"[سورة النجم (٥٣): الآيات ٥٠ إلى ٥٢]","level":3,"page":1780},{"title":"[سورة النجم (٥٣): الآيات ٥٣ إلى ٥٤]","level":3,"page":1780},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٥٥]","level":3,"page":1780},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٥٦]","level":3,"page":1780},{"title":"[سورة النجم (٥٣): الآيات ٥٧ إلى ٥٨]","level":3,"page":1781},{"title":"[سورة النجم (٥٣): الآيات ٥٩ إلى ٦١]","level":3,"page":1781},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٦٢]","level":3,"page":1781},{"title":"سورة القمر","level":2,"page":1782},{"title":"[سورة القمر (٥٤): آية ١]","level":3,"page":1782},{"title":"[سورة القمر (٥٤): الآيات ٢ إلى ٣]","level":3,"page":1782},{"title":"[سورة القمر (٥٤): الآيات ٤ إلى ٥]","level":3,"page":1783},{"title":"[سورة القمر (٥٤): الآيات ٦ إلى ٧]","level":3,"page":1784},{"title":"[سورة القمر (٥٤): آية ٨]","level":3,"page":1784},{"title":"[سورة القمر (٥٤): الآيات ٩ إلى ١١]","level":3,"page":1784},{"title":"[سورة القمر (٥٤): آية ١٣]","level":3,"page":1785},{"title":"[سورة القمر (٥٤): آية ١٤]","level":3,"page":1785},{"title":"[سورة القمر (٥٤): آية ١٥]","level":3,"page":1785},{"title":"[سورة القمر (٥٤): آية ١٦]","level":3,"page":1785},{"title":"[سورة القمر (٥٤): آية ١٧]","level":3,"page":1786},{"title":"[سورة القمر (٥٤): الآيات ١٨ إلى ٢٠]","level":3,"page":1786},{"title":"[سورة القمر (٥٤): آية ٢٢]","level":3,"page":1787},{"title":"[سورة القمر (٥٤): الآيات ٢٣ إلى ٢٤]","level":3,"page":1787},{"title":"[سورة القمر (٥٤): الآيات ٣٤ إلى ٣٧]","level":3,"page":1787},{"title":"[سورة القمر (٥٤): آية ٤٥]","level":3,"page":1788},{"title":"[سورة القمر (٥٤): آية ٤٨]","level":3,"page":1788},{"title":"[سورة القمر (٥٤): آية ٤٩]","level":3,"page":1788},{"title":"[سورة القمر (٥٤): آية ٥٠]","level":3,"page":1788},{"title":"[سورة القمر (٥٤): آية ٥١]","level":3,"page":1789},{"title":"[سورة القمر (٥٤): آية ٥٢]","level":3,"page":1789},{"title":"[سورة القمر (٥٤): آية ٥٣]","level":3,"page":1789},{"title":"[سورة القمر (٥٤): الآيات ٥٤ إلى ٥٥]","level":3,"page":1789},{"title":"سورة الرحمن","level":2,"page":1791},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ١ إلى ٢]","level":3,"page":1791},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٣ إلى ٤]","level":3,"page":1792},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): آية ٥]","level":3,"page":1793},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): آية ٦]","level":3,"page":1793},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): آية ٧]","level":3,"page":1793},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): آية ٨]","level":3,"page":1793},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): آية ٩]","level":3,"page":1794},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ١٠ إلى ١٢]","level":3,"page":1794},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): آية ١٣]","level":3,"page":1795},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): آية ١٤]","level":3,"page":1795},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): آية ١٥]","level":3,"page":1795},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): آية ١٦]","level":3,"page":1795},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ١٧ إلى ١٨]","level":3,"page":1796},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ١٩ إلى ٢٠]","level":3,"page":1796},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): آية ٢٢]","level":3,"page":1796},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): آية ٢٤]","level":3,"page":1796},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٢٦ إلى ٢٧]","level":3,"page":1797},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): آية ٢٩]","level":3,"page":1797},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): آية ٣١]","level":3,"page":1798},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): آية ٣٣]","level":3,"page":1798},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): آية ٣٥]","level":3,"page":1799},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): آية ٣٧]","level":3,"page":1799},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): آية ٣٩]","level":3,"page":1799},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): آية ٤١]","level":3,"page":1800},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٤٣ إلى ٤٤]","level":3,"page":1800},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): آية ٤٦]","level":3,"page":1800},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٤٨ إلى ٥٠]","level":3,"page":1800},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): آية ٥٢]","level":3,"page":1801},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): آية ٥٤]","level":3,"page":1801},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): آية ٥٦]","level":3,"page":1801},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): آية ٥٨]","level":3,"page":1802},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): آية ٦٠]","level":3,"page":1802},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٦٢ إلى ٦٤]","level":3,"page":1803},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): آية ٦٦]","level":3,"page":1803},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): آية ٦٨]","level":3,"page":1803},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): آية ٧٠]","level":3,"page":1803},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): آية ٧٢]","level":3,"page":1804},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): آية ٧٦]","level":3,"page":1804},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): آية ٧٨]","level":3,"page":1804},{"title":"سورة الواقعة","level":2,"page":1805},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ١ إلى ٢]","level":3,"page":1805},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): آية ٣]","level":3,"page":1805},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): آية ٤]","level":3,"page":1806},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٥ إلى ٦]","level":3,"page":1806},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٨ إلى ١٠]","level":3,"page":1806},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): آية ١١]","level":3,"page":1807},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): آية ١٢]","level":3,"page":1807},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ١٣ إلى ١٤]","level":3,"page":1808},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): آية ١٥]","level":3,"page":1808},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): آية ١٦]","level":3,"page":1808},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): آية ١٧]","level":3,"page":1808},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ١٨ إلى ٢٠]","level":3,"page":1808},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٢١ إلى ٢٤]","level":3,"page":1808},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٢٥ إلى ٢٦]","level":3,"page":1809},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٢٧ إلى ٢٩]","level":3,"page":1809},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): آية ٣٠]","level":3,"page":1809},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٣١ إلى ٣٧]","level":3,"page":1809},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٣٨ إلى ٤٠]","level":3,"page":1809},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٤١ إلى ٤٣]","level":3,"page":1809},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٤٤ إلى ٤٧]","level":3,"page":1810},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٥١ إلى ٥٢]","level":3,"page":1810},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): آية ٥٣]","level":3,"page":1810},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٥٤ إلى ٥٥]","level":3,"page":1810},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٥٦ إلى ٥٧]","level":3,"page":1810},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٥٨ إلى ٥٩]","level":3,"page":1811},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٦٠ إلى ٦١]","level":3,"page":1811},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): آية ٦٢]","level":3,"page":1812},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٦٣ إلى ٦٤]","level":3,"page":1812},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): آية ٦٥]","level":3,"page":1812},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٦٦ إلى ٦٧]","level":3,"page":1812},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٦٨ إلى ٧٠]","level":3,"page":1813},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٧١ إلى ٧٣]","level":3,"page":1813},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): آية ٧٤]","level":3,"page":1814},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٧٥ إلى ٨٠]","level":3,"page":1814},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٨١ إلى ٨٢]","level":3,"page":1815},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٨٣ إلى ٨٥]","level":3,"page":1815},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٨٦ إلى ٨٧]","level":3,"page":1816},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٨٨ إلى ٨٩]","level":3,"page":1816},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٩٠ إلى ٩١]","level":3,"page":1817},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٩٢ إلى ٩٤]","level":3,"page":1817},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٩٥ إلى ٩٦]","level":3,"page":1818},{"title":"سورة الحديد","level":2,"page":1819},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ١]","level":3,"page":1819},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ٢]","level":3,"page":1820},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ٣]","level":3,"page":1820},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ٤]","level":3,"page":1822},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ٦]","level":3,"page":1823},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ٧]","level":3,"page":1823},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ٨]","level":3,"page":1823},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ٩]","level":3,"page":1824},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ١٠]","level":3,"page":1824},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ١١]","level":3,"page":1825},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ١٢]","level":3,"page":1826},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ١٣]","level":3,"page":1826},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ١٤]","level":3,"page":1827},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ١٥]","level":3,"page":1827},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ١٦]","level":3,"page":1827},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ١٧]","level":3,"page":1828},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ١٨]","level":3,"page":1829},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ١٩]","level":3,"page":1829},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ٢٠]","level":3,"page":1830},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ٢١]","level":3,"page":1831},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ٢٢]","level":3,"page":1831},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ٢٣]","level":3,"page":1832},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ٢٤]","level":3,"page":1833},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ٢٥]","level":3,"page":1833},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ٢٦]","level":3,"page":1834},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ٢٧]","level":3,"page":1834},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ٢٨]","level":3,"page":1835},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ٢٩]","level":3,"page":1835},{"title":"سورة المجادلة","level":2,"page":1837},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): آية ١]","level":3,"page":1837},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): آية ٢]","level":3,"page":1838},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): آية ٣]","level":3,"page":1838},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): آية ٥]","level":3,"page":1839},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): آية ٦]","level":3,"page":1839},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): آية ٧]","level":3,"page":1840},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): آية ٨]","level":3,"page":1841},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): آية ٩]","level":3,"page":1841},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): آية ١٠]","level":3,"page":1842},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): آية ١١]","level":3,"page":1842},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): آية ١٢]","level":3,"page":1842},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): الآيات ١٤ إلى ١٧]","level":3,"page":1843},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): آية ١٨]","level":3,"page":1843},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): آية ١٩]","level":3,"page":1844},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): آية ٢٠]","level":3,"page":1844},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): آية ٢١]","level":3,"page":1844},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): آية ٢٢]","level":3,"page":1844},{"title":"سورة الحشر","level":2,"page":1845},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): آية ١]","level":3,"page":1845},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): آية ٢]","level":3,"page":1845},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): آية ٣]","level":3,"page":1847},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): آية ٤]","level":3,"page":1847},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): آية ٥]","level":3,"page":1847},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): الآيات ٦ إلى ٧]","level":3,"page":1848},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): آية ٨]","level":3,"page":1849},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): آية ٩]","level":3,"page":1850},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): آية ١٠]","level":3,"page":1851},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): آية ١١]","level":3,"page":1851},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): آية ١٣]","level":3,"page":1852},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): آية ١٤]","level":3,"page":1852},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): آية ١٥]","level":3,"page":1853},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): آية ١٦]","level":3,"page":1853},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): آية ١٨]","level":3,"page":1853},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): آية ١٩]","level":3,"page":1854},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): آية ٢٠]","level":3,"page":1854},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): آية ٢١]","level":3,"page":1855},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): آية ٢٢]","level":3,"page":1855},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): آية ٢٣]","level":3,"page":1856},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): آية ٢٤]","level":3,"page":1856},{"title":"سورة الممتحنة","level":2,"page":1858},{"title":"[سورة الممتحنة (٦٠): آية ١]","level":3,"page":1858},{"title":"[سورة الممتحنة (٦٠): الآيات ٢ إلى ٣]","level":3,"page":1859},{"title":"[سورة الممتحنة (٦٠): آية ٤]","level":3,"page":1860},{"title":"[سورة الممتحنة (٦٠): آية ٥]","level":3,"page":1861},{"title":"[سورة الممتحنة (٦٠): آية ٧]","level":3,"page":1861},{"title":"[سورة الممتحنة (٦٠): الآيات ٨ إلى ٩]","level":3,"page":1861},{"title":"[سورة الممتحنة (٦٠): آية ١٠]","level":3,"page":1862},{"title":"[سورة الممتحنة (٦٠): آية ١٢]","level":3,"page":1862},{"title":"[سورة الممتحنة (٦٠): آية ١٣]","level":3,"page":1863},{"title":"سورة الصف","level":2,"page":1864},{"title":"[سورة الصف (٦١): آية ١]","level":3,"page":1864},{"title":"[سورة الصف (٦١): الآيات ٢ إلى ٣]","level":3,"page":1864},{"title":"[سورة الصف (٦١): آية ٤]","level":3,"page":1865},{"title":"[سورة الصف (٦١): آية ٥]","level":3,"page":1865},{"title":"[سورة الصف (٦١): آية ٦]","level":3,"page":1865},{"title":"[سورة الصف (٦١): آية ٨]","level":3,"page":1866},{"title":"[سورة الصف (٦١): آية ٩]","level":3,"page":1866},{"title":"[سورة الصف (٦١): الآيات ١٠ إلى ١١]","level":3,"page":1867},{"title":"[سورة الصف (٦١): آية ١٢]","level":3,"page":1867},{"title":"[سورة الصف (٦١): آية ١٣]","level":3,"page":1868},{"title":"[سورة الصف (٦١): آية ١٤]","level":3,"page":1868},{"title":"سورة الجمعة","level":2,"page":1870},{"title":"[سورة الجمعة (٦٢): آية ١]","level":3,"page":1870},{"title":"[سورة الجمعة (٦٢): آية ٢]","level":3,"page":1871},{"title":"[سورة الجمعة (٦٢): آية ٣]","level":3,"page":1871},{"title":"[سورة الجمعة (٦٢): آية ٤]","level":3,"page":1872},{"title":"[سورة الجمعة (٦٢): آية ٥]","level":3,"page":1872},{"title":"[سورة الجمعة (٦٢): الآيات ٦ إلى ٧]","level":3,"page":1873},{"title":"[سورة الجمعة (٦٢): آية ٨]","level":3,"page":1873},{"title":"[سورة الجمعة (٦٢): آية ٩]","level":3,"page":1874},{"title":"[سورة الجمعة (٦٢): آية ١٠]","level":3,"page":1874},{"title":"[سورة الجمعة (٦٢): آية ١١]","level":3,"page":1874},{"title":"سورة المنافقون","level":2,"page":1876},{"title":"[سورة المنافقون (٦٣): آية ١]","level":3,"page":1876},{"title":"[سورة المنافقون (٦٣): آية ٢]","level":3,"page":1877},{"title":"[سورة المنافقون (٦٣): آية ٣]","level":3,"page":1877},{"title":"[سورة المنافقون (٦٣): آية ٤]","level":3,"page":1877},{"title":"[سورة المنافقون (٦٣): آية ٥]","level":3,"page":1878},{"title":"[سورة المنافقون (٦٣): آية ٦]","level":3,"page":1878},{"title":"[سورة المنافقون (٦٣): آية ٧]","level":3,"page":1878},{"title":"[سورة المنافقون (٦٣): آية ٨]","level":3,"page":1879},{"title":"[سورة المنافقون (٦٣): آية ٩]","level":3,"page":1879},{"title":"[سورة المنافقون (٦٣): آية ١٠]","level":3,"page":1880},{"title":"سورة التغابن","level":2,"page":1881},{"title":"[سورة التغابن (٦٤): آية ١]","level":3,"page":1881},{"title":"[سورة التغابن (٦٤): آية ٢]","level":3,"page":1881},{"title":"[سورة التغابن (٦٤): آية ٣]","level":3,"page":1882},{"title":"[سورة التغابن (٦٤): آية ٤]","level":3,"page":1882},{"title":"[سورة التغابن (٦٤): الآيات ٥ إلى ٦]","level":3,"page":1882},{"title":"[سورة التغابن (٦٤): آية ٧]","level":3,"page":1883},{"title":"[سورة التغابن (٦٤): آية ٨]","level":3,"page":1883},{"title":"[سورة التغابن (٦٤): آية ٩]","level":3,"page":1884},{"title":"[سورة التغابن (٦٤): آية ١١]","level":3,"page":1884},{"title":"[سورة التغابن (٦٤): آية ١٢]","level":3,"page":1884},{"title":"[سورة التغابن (٦٤): آية ١٤]","level":3,"page":1885},{"title":"[سورة التغابن (٦٤): آية ١٥]","level":3,"page":1885},{"title":"[سورة التغابن (٦٤): آية ١٦]","level":3,"page":1885},{"title":"[سورة التغابن (٦٤): الآيات ١٧ إلى ١٨]","level":3,"page":1886},{"title":"سورة الطلاق","level":2,"page":1887},{"title":"[سورة الطلاق (٦٥): آية ١]","level":3,"page":1887},{"title":"[سورة الطلاق (٦٥): الآيات ٢ إلى ٣]","level":3,"page":1888},{"title":"[سورة الطلاق (٦٥): آية ٤]","level":3,"page":1889},{"title":"[سورة الطلاق (٦٥): آية ٧]","level":3,"page":1890},{"title":"[سورة الطلاق (٦٥): الآيات ٨ إلى ٩]","level":3,"page":1891},{"title":"[سورة الطلاق (٦٥): الآيات ١٠ إلى ١١]","level":3,"page":1891},{"title":"[سورة الطلاق (٦٥): آية ١٢]","level":3,"page":1892},{"title":"سورة التحريم","level":2,"page":1893},{"title":"[سورة التحريم (٦٦): آية ١]","level":3,"page":1893},{"title":"[سورة التحريم (٦٦): الآيات ٢ إلى ٣]","level":3,"page":1894},{"title":"[سورة التحريم (٦٦): آية ٤]","level":3,"page":1895},{"title":"[سورة التحريم (٦٦): الآيات ٥ إلى ٦]","level":3,"page":1896},{"title":"[سورة التحريم (٦٦): آية ٧]","level":3,"page":1896},{"title":"[سورة التحريم (٦٦): آية ٨]","level":3,"page":1897},{"title":"[سورة التحريم (٦٦): آية ٩]","level":3,"page":1897},{"title":"[سورة التحريم (٦٦): آية ١٠]","level":3,"page":1898},{"title":"[سورة التحريم (٦٦): آية ١١]","level":3,"page":1898},{"title":"[سورة التحريم (٦٦): آية ١٢]","level":3,"page":1898},{"title":"سورة الملك","level":2,"page":1899},{"title":"[سورة الملك (٦٧): الآيات ١ إلى ٣]","level":3,"page":1899},{"title":"[سورة الملك (٦٧): آية ٥]","level":3,"page":1900},{"title":"[سورة الملك (٦٧): الآيات ٦ إلى ١١]","level":3,"page":1901},{"title":"[سورة الملك (٦٧): الآيات ١٢ إلى ١٥]","level":3,"page":1902},{"title":"[سورة الملك (٦٧): الآيات ١٦ إلى ٢٠]","level":3,"page":1902},{"title":"[سورة الملك (٦٧): الآيات ٢٢ إلى ٣٠]","level":3,"page":1903},{"title":"سورة القلم","level":2,"page":1905},{"title":"[سورة القلم (٦٨): الآيات ١ إلى ٤]","level":3,"page":1905},{"title":"[سورة القلم (٦٨): الآيات ٦ إلى ١٦]","level":3,"page":1906},{"title":"[سورة القلم (٦٨): الآيات ١٧ إلى ٣٠]","level":3,"page":1908},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ٣٣]","level":3,"page":1909},{"title":"[سورة القلم (٦٨): الآيات ٣٤ إلى ٣٧]","level":3,"page":1910},{"title":"[سورة القلم (٦٨): الآيات ٤٢ إلى ٤٣]","level":3,"page":1910},{"title":"[سورة القلم (٦٨): الآيات ٤٤ إلى ٤٧]","level":3,"page":1911},{"title":"[سورة القلم (٦٨): الآيات ٤٨ إلى ٥٢]","level":3,"page":1912},{"title":"سورة الحاقة","level":2,"page":1913},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ١ إلى ٤]","level":3,"page":1913},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ١١ إلى ١٣]","level":3,"page":1914},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ١٨ إلى ٢١]","level":3,"page":1914},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ٢٤ إلى ٢٧]","level":3,"page":1915},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ٣٨ إلى ٤٦]","level":3,"page":1916},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ٤٨ إلى ٥١]","level":3,"page":1916},{"title":"سورة المعارج","level":2,"page":1917},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): الآيات ١ إلى ٤]","level":3,"page":1917},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): الآيات ٥ إلى ١٠]","level":3,"page":1918},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): الآيات ١١ إلى ١٩]","level":3,"page":1919},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): الآيات ٢٠ إلى ٢٥]","level":3,"page":1920},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): الآيات ٢٦ إلى ٣٣]","level":3,"page":1921},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): الآيات ٣٦ إلى ٤٣]","level":3,"page":1921},{"title":"سورة نوح","level":2,"page":1923},{"title":"[سورة نوح (٧١): الآيات ١ إلى ٢]","level":3,"page":1923},{"title":"[سورة نوح (٧١): الآيات ٤ إلى ٧]","level":3,"page":1923},{"title":"[سورة نوح (٧١): الآيات ٨ إلى ١١]","level":3,"page":1924},{"title":"[سورة نوح (٧١): آية ١٣]","level":3,"page":1925},{"title":"[سورة نوح (٧١): الآيات ١٥ إلى ٢١]","level":3,"page":1925},{"title":"[سورة نوح (٧١): آية ٢٢]","level":3,"page":1925},{"title":"[سورة نوح (٧١): آية ٢٦]","level":3,"page":1925},{"title":"سورة الجن","level":2,"page":1926},{"title":"[سورة الجن (٧٢): الآيات ١ إلى ١٦]","level":3,"page":1926},{"title":"[سورة الجن (٧٢): الآيات ١٨ إلى ١٩]","level":3,"page":1928},{"title":"[سورة الجن (٧٢): الآيات ٢١ إلى ٢٣]","level":3,"page":1928},{"title":"[سورة الجن (٧٢): الآيات ٢٥ إلى ٢٨]","level":3,"page":1929},{"title":"سورة المزمل","level":2,"page":1930},{"title":"[سورة المزمل (٧٣): الآيات ١ إلى ٥]","level":3,"page":1930},{"title":"[سورة المزمل (٧٣): الآيات ٦ إلى ٩]","level":3,"page":1932},{"title":"[سورة المزمل (٧٣): الآيات ١٠ إلى ١٣]","level":3,"page":1933},{"title":"[سورة المزمل (٧٣): الآيات ٢٠ إلى ١٥]","level":3,"page":1934},{"title":"سورة المدثر","level":2,"page":1936},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): الآيات ٧ إلى ١]","level":3,"page":1936},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): الآيات ٨ إلى ١٧]","level":3,"page":1937},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): الآيات ١٨ إلى ٢٠]","level":3,"page":1938},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): الآيات ٢٨ إلى ٣٠]","level":3,"page":1939},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): الآيات ٣١ إلى ٣٩]","level":3,"page":1939},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): الآيات ٤٠ إلى ٥٦]","level":3,"page":1941},{"title":"سورة القيامة","level":2,"page":1943},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): الآيات ٤ إلى ١]","level":3,"page":1943},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): الآيات ٥ إلى ١٠]","level":3,"page":1944},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): الآيات ١١ إلى ١٥]","level":3,"page":1945},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): الآيات ١٦ إلى ١٩]","level":3,"page":1945},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): الآيات ٢٠ إلى ٢٣]","level":3,"page":1946},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): الآيات ٢٤ إلى ٣٠]","level":3,"page":1946},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): الآيات ٣١ إلى ٣٦]","level":3,"page":1947},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): الآيات ٣٧ إلى ٤٠]","level":3,"page":1948},{"title":"سورة الإنسان","level":2,"page":1949},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): الآيات ١ إلى ٣]","level":3,"page":1949},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): الآيات ٤ إلى ٥]","level":3,"page":1950},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): الآيات ٦ إلى ١٠]","level":3,"page":1951},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): الآيات ١١ إلى ١٧]","level":3,"page":1952},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): الآيات ١٨ إلى ٢١]","level":3,"page":1954},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): الآيات ٢٢ إلى ٢٧]","level":3,"page":1957},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): الآيات ٢٨ إلى ٣١]","level":3,"page":1958},{"title":"سورة المرسلات","level":2,"page":1959},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): الآيات ١ إلى ١٥]","level":3,"page":1959},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): الآيات ١٦ إلى ٢٠]","level":3,"page":1960},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): الآيات ٢٥ إلى ٣١]","level":3,"page":1961},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): الآيات ٣٥ إلى ٣٨]","level":3,"page":1962},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): الآيات ٤١ إلى ٤٨]","level":3,"page":1962},{"title":"سورة النبإ","level":2,"page":1964},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): الآيات ١ إلى ١٧]","level":3,"page":1964},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): الآيات ١٨ إلى ٣٠]","level":3,"page":1966},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): الآيات ٣١ إلى ٣٨]","level":3,"page":1967},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): الآيات ٣٩ إلى ٤٠]","level":3,"page":1969},{"title":"سورة النازعات","level":2,"page":1970},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): الآيات ١ إلى ١٢]","level":3,"page":1970},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): الآيات ١٣ إلى ١٩]","level":3,"page":1972},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): الآيات ٢٠ إلى ٢٤]","level":3,"page":1973},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): الآيات ٢٦ إلى ٤١]","level":3,"page":1973},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): الآيات ٤٢ إلى ٤٦]","level":3,"page":1975},{"title":"سورة عبس","level":2,"page":1976},{"title":"[سورة عبس (٨٠): الآيات ١ إلى ٣]","level":3,"page":1976},{"title":"[سورة عبس (٨٠): الآيات ٥ إلى ٨]","level":3,"page":1977},{"title":"[سورة عبس (٨٠): الآيات ١١ إلى ١٢]","level":3,"page":1977},{"title":"[سورة عبس (٨٠): الآيات ١٣ إلى ٢٣]","level":3,"page":1977},{"title":"[سورة عبس (٨٠): الآيات ٢٥ إلى ٣٧]","level":3,"page":1979},{"title":"[سورة عبس (٨٠): الآيات ٣٨ إلى ٤١]","level":3,"page":1980},{"title":"سورة التكوير","level":2,"page":1981},{"title":"[سورة التكوير (٨١): الآيات ١ إلى ١٤]","level":3,"page":1981},{"title":"[سورة التكوير (٨١): الآيات ١٥ إلى ٢٤]","level":3,"page":1983},{"title":"[سورة التكوير (٨١): الآيات ٢٦ إلى ٢٩]","level":3,"page":1984},{"title":"سورة الانفطار","level":2,"page":1985},{"title":"[سورة الانفطار (٨٢): الآيات ١ إلى ٦]","level":3,"page":1985},{"title":"[سورة الانفطار (٨٢): الآيات ٧ إلى ١٢]","level":3,"page":1986},{"title":"[سورة الانفطار (٨٢): الآيات ١٣ إلى ١٩]","level":3,"page":1987},{"title":"سورة المطففين","level":2,"page":1988},{"title":"[سورة المطففين (٨٣): الآيات ١ إلى ٩]","level":3,"page":1988},{"title":"[سورة المطففين (٨٣): الآيات ١٠ إلى ٢١]","level":3,"page":1990},{"title":"[سورة المطففين (٨٣): الآيات ٢٢ إلى ٢٤]","level":3,"page":1991},{"title":"[سورة المطففين (٨٣): الآيات ٢٥ إلى ٢٨]","level":3,"page":1992},{"title":"[سورة المطففين (٨٣): الآيات ٢٩ إلى ٣٦]","level":3,"page":1993},{"title":"سورة الانشقاق","level":2,"page":1994},{"title":"[سورة الانشقاق (٨٤): الآيات ١ إلى ١٨]","level":3,"page":1994},{"title":"[سورة الانشقاق (٨٤): الآيات ١٩ إلى ٢٥]","level":3,"page":1996},{"title":"سورة البروج","level":2,"page":1998},{"title":"[سورة البروج (٨٥): الآيات ١ إلى ٧]","level":3,"page":1998},{"title":"[سورة البروج (٨٥): الآيات ٨ إلى ١٣]","level":3,"page":2000},{"title":"[سورة البروج (٨٥): الآيات ١٤ إلى ٢٢]","level":3,"page":2001},{"title":"سورة الطارق","level":2,"page":2003},{"title":"[سورة الطارق (٨٦): الآيات ١ إلى ١٧]","level":3,"page":2003},{"title":"سورة الأعلى","level":2,"page":2006},{"title":"[سورة الأعلى (٨٧): الآيات ١ إلى ٩]","level":3,"page":2006},{"title":"[سورة الأعلى (٨٧): الآيات ١٠ إلى ١٩]","level":3,"page":2008},{"title":"سورة الغاشية","level":2,"page":2009},{"title":"[سورة الغاشية (٨٨): الآيات ١ إلى ١٢]","level":3,"page":2009},{"title":"[سورة الغاشية (٨٨): الآيات ١٧ إلى ١٥]","level":3,"page":2011},{"title":"[سورة الغاشية (٨٨): الآيات ٢٦ إلى ٢١]","level":3,"page":2012},{"title":"سورة الفجر","level":2,"page":2013},{"title":"[سورة الفجر (٨٩): الآيات ١ إلى ١٣]","level":3,"page":2013},{"title":"[سورة الفجر (٨٩): الآيات ١٤ إلى ١٧]","level":3,"page":2015},{"title":"[سورة الفجر (٨٩): الآيات ١٩ إلى ٢٥]","level":3,"page":2015},{"title":"[سورة الفجر (٨٩): الآيات ٢٧ إلى ٣٠]","level":3,"page":2016},{"title":"سورة البلد","level":2,"page":2018},{"title":"[سورة البلد (٩٠): الآيات ١ إلى ١٠]","level":3,"page":2018},{"title":"[سورة البلد (٩٠): الآيات ١١ إلى ٢٠]","level":3,"page":2019},{"title":"سورة الشمس","level":2,"page":2021},{"title":"[سورة الشمس (٩١): الآيات ١ إلى ٨]","level":3,"page":2021},{"title":"[سورة الشمس (٩١): الآيات ٩ إلى ١٥]","level":3,"page":2022},{"title":"سورة الليل","level":2,"page":2024},{"title":"[سورة الليل (٩٢): الآيات ١ إلى ١٠]","level":3,"page":2024},{"title":"[سورة الليل (٩٢): الآيات ١١ إلى ٢١]","level":3,"page":2026},{"title":"سورة الضحى","level":2,"page":2028},{"title":"[سورة الضحى (٩٣): الآيات ١ إلى ٦]","level":3,"page":2028},{"title":"[سورة الضحى (٩٣): الآيات ٧ إلى ١١]","level":3,"page":2030},{"title":"سورة ألم نشرح","level":2,"page":2032},{"title":"[سورة الشرح (٩٤): الآيات ١ إلى ٨]","level":3,"page":2032},{"title":"سورة التين","level":2,"page":2034},{"title":"[سورة التين (٩٥): الآيات ١ إلى ٧]","level":3,"page":2034},{"title":"سورة العلق","level":2,"page":2036},{"title":"[سورة العلق (٩٦): الآيات ١ إلى ٥]","level":3,"page":2036},{"title":"[سورة العلق (٩٦): الآيات ٦ إلى ١٦]","level":3,"page":2037},{"title":"[سورة العلق (٩٦): الآيات ١٧ إلى ١٩]","level":3,"page":2038},{"title":"سورة القدر","level":2,"page":2039},{"title":"[سورة القدر (٩٧): الآيات ١ إلى ٥]","level":3,"page":2039},{"title":"سورة لم يكن","level":2,"page":2041},{"title":"[سورة البينة (٩٨): الآيات ١ إلى ٥]","level":3,"page":2041},{"title":"[سورة البينة (٩٨): الآيات ٦ إلى ٨]","level":3,"page":2042},{"title":"سورة الزلزلة","level":2,"page":2044},{"title":"[سورة الزلزلة (٩٩): الآيات ١ إلى ٨]","level":3,"page":2044},{"title":"سورة العاديات","level":2,"page":2046},{"title":"[سورة العاديات (١٠٠): الآيات ١ إلى ١١]","level":3,"page":2046},{"title":"سورة القارعة","level":2,"page":2049},{"title":"[سورة القارعة (١٠١): الآيات ١ إلى ١١]","level":3,"page":2049},{"title":"سورة التكاثر","level":2,"page":2051},{"title":"[سورة التكاثر (١٠٢): الآيات ١ إلى ٨]","level":3,"page":2051},{"title":"سورة العصر","level":2,"page":2053},{"title":"[سورة العصر (١٠٣): الآيات ١ إلى ٣]","level":3,"page":2053},{"title":"سورة الهمزة","level":2,"page":2055},{"title":"[سورة الهمزة (١٠٤): الآيات ١ إلى ٩]","level":3,"page":2055},{"title":"سورة الفيل","level":2,"page":2057},{"title":"[سورة الفيل (١٠٥): آية ١]","level":3,"page":2057},{"title":"[سورة الفيل (١٠٥): الآيات ٢ إلى ٥]","level":3,"page":2058},{"title":"سورة قريش","level":2,"page":2060},{"title":"[سورة قريش (١٠٦): الآيات ١ إلى ٤]","level":3,"page":2060},{"title":"سورة الدين","level":2,"page":2062},{"title":"[سورة الماعون (١٠٧): الآيات ١ إلى ٧]","level":3,"page":2062},{"title":"سورة الكوثر","level":2,"page":2064},{"title":"[سورة الكوثر (١٠٨): الآيات ١ إلى ٣]","level":3,"page":2064},{"title":"سورة الكافرون","level":2,"page":2066},{"title":"[سورة الكافرون (١٠٩): الآيات ١ إلى ٦]","level":3,"page":2066},{"title":"سورة النصر","level":2,"page":2068},{"title":"[سورة النصر (١١٠): الآيات ١ إلى ٣]","level":3,"page":2068},{"title":"سورة أبى لهب","level":2,"page":2069},{"title":"[سورة المسد (١١١): الآيات ١ إلى ٥]","level":3,"page":2069},{"title":"سورة الإخلاص","level":2,"page":2071},{"title":"[سورة الإخلاص (١١٢): الآيات ١ إلى ٤]","level":3,"page":2071},{"title":"سورة الفلق","level":2,"page":2074},{"title":"[سورة الفلق (١١٣): الآيات ١ إلى ٥]","level":3,"page":2074},{"title":"سورة الناس","level":2,"page":2076},{"title":"[سورة الناس (١١٤): الآيات ١ إلى ٦]","level":3,"page":2076},{"title":"خاتمة الكتاب","level":2,"page":2078},{"title":"الفهرس","level":2,"page":2080}],"ٛ":{"1,3":1,"1,4":2,"1,5":3,"1,6":4,"1,7":5,"1,8":6,"1,9":7,"1,10":8,"1,11":9,"1,12":10,"1,13":11,"1,14":12,"1,15":13,"1,16":14,"1,17":15,"1,18":16,"1,19":17,"1,20":18,"1,21":19,"1,22":20,"1,23":21,"1,24":22,"1,25":23,"1,26":24,"1,27":25,"1,28":26,"1,29":27,"1,30":28,"1,31":29,"1,32":30,"1,33":31,"1,34":32,"1,35":33,"1,36":34,"1,37":35,"1,38":36,"1,39":37,"1,41":38,"1,42":39,"1,43":40,"1,44":41,"1,45":42,"1,46":43,"1,47":44,"1,48":45,"1,49":46,"1,50":47,"1,51":48,"1,52":49,"1,53":50,"1,54":51,"1,55":52,"1,56":53,"1,57":54,"1,58":55,"1,59":56,"1,60":57,"1,61":58,"1,62":59,"1,63":60,"1,64":61,"1,65":62,"1,66":63,"1,67":64,"1,68":65,"1,69":66,"1,70":67,"1,71":68,"1,72":69,"1,73":70,"1,74":71,"1,75":72,"1,76":73,"1,77":74,"1,78":75,"1,79":76,"1,80":77,"1,81":78,"1,82":79,"1,83":80,"1,84":81,"1,85":82,"1,86":83,"1,87":84,"1,88":85,"1,89":86,"1,90":87,"1,91":88,"1,92":89,"1,93":90,"1,94":91,"1,95":92,"1,96":93,"1,97":94,"1,98":95,"1,99":96,"1,100":97,"1,101":98,"1,102":99,"1,103":100,"1,104":101,"1,105":102,"1,106":103,"1,107":104,"1,108":105,"1,109":106,"1,110":107,"1,111":108,"1,112":109,"1,113":110,"1,114":111,"1,115":112,"1,116":113,"1,117":114,"1,118":115,"1,119":116,"1,120":117,"1,121":118,"1,122":119,"1,123":120,"1,124":121,"1,125":122,"1,126":123,"1,127":124,"1,128":125,"1,129":126,"1,130":127,"1,131":128,"1,132":129,"1,133":130,"1,134":131,"1,135":132,"1,136":133,"1,137":134,"1,138":135,"1,139":136,"1,140":137,"1,141":138,"1,142":139,"1,143":140,"1,144":141,"1,145":142,"1,146":143,"1,147":144,"1,148":145,"1,149":146,"1,150":147,"1,151":148,"1,152":149,"1,153":150,"1,154":151,"1,155":152,"1,156":153,"1,157":154,"1,158":155,"1,159":156,"1,160":157,"1,161":158,"1,162":159,"1,163":160,"1,164":161,"1,165":162,"1,166":163,"1,167":164,"1,168":165,"1,169":166,"1,170":167,"1,171":168,"1,172":169,"1,173":170,"1,174":171,"1,175":172,"1,176":173,"1,177":174,"1,178":175,"1,179":176,"1,180":177,"1,181":178,"1,182":179,"1,183":180,"1,184":181,"1,185":182,"1,186":183,"1,187":184,"1,188":185,"1,189":186,"1,190":187,"1,191":188,"1,192":189,"1,193":190,"1,194":191,"1,195":192,"1,196":193,"1,197":194,"1,198":195,"1,199":196,"1,200":197,"1,201":198,"1,202":199,"1,203":200,"1,204":201,"1,205":202,"1,206":203,"1,207":204,"1,208":205,"1,209":206,"1,210":207,"1,211":208,"1,212":209,"1,213":210,"1,214":211,"1,215":212,"1,216":213,"1,217":214,"1,218":215,"1,219":216,"1,220":217,"1,221":218,"1,222":219,"1,223":220,"1,224":221,"1,225":222,"1,226":223,"1,227":224,"1,228":225,"1,229":226,"1,230":227,"1,231":228,"1,232":229,"1,233":230,"1,234":231,"1,235":232,"1,236":233,"1,237":234,"1,238":235,"1,239":236,"1,240":237,"1,241":238,"1,242":239,"1,243":240,"1,244":241,"1,245":242,"1,246":243,"1,247":244,"1,248":245,"1,249":246,"1,250":247,"1,251":248,"1,252":249,"1,253":250,"1,254":251,"1,255":252,"1,256":253,"1,257":254,"1,258":255,"1,259":256,"1,260":257,"1,261":258,"1,262":259,"1,263":260,"1,264":261,"1,265":262,"1,266":263,"1,267":264,"1,268":265,"1,269":266,"1,270":267,"1,271":268,"1,272":269,"1,273":270,"1,274":271,"1,275":272,"1,276":273,"1,277":274,"1,278":275,"1,279":276,"1,280":277,"1,281":278,"1,282":279,"1,283":280,"1,284":281,"1,285":282,"1,286":283,"1,287":284,"1,288":285,"1,289":286,"1,290":287,"1,291":288,"1,292":289,"1,293":290,"1,294":291,"1,295":292,"1,296":293,"1,297":294,"1,298":295,"1,299":296,"1,300":297,"1,301":298,"1,302":299,"1,303":300,"1,304":301,"1,305":302,"1,306":303,"1,307":304,"1,308":305,"1,309":306,"1,310":307,"1,311":308,"1,312":309,"1,313":310,"1,314":311,"1,315":312,"1,316":313,"1,317":314,"1,318":315,"1,319":316,"1,320":317,"1,321":318,"1,322":319,"1,323":320,"1,324":321,"1,325":322,"1,326":323,"1,327":324,"1,328":325,"1,329":326,"1,330":327,"1,331":328,"1,332":329,"1,333":330,"1,334":331,"1,335":332,"1,336":333,"1,337":334,"1,338":335,"1,339":336,"1,340":337,"1,341":338,"1,342":339,"1,343":340,"1,344":341,"1,345":342,"1,346":343,"1,347":344,"1,348":345,"1,349":346,"1,350":347,"1,351":348,"1,352":349,"1,353":350,"1,354":351,"1,355":352,"1,356":353,"1,357":354,"1,358":355,"1,359":356,"1,360":357,"1,361":358,"1,362":359,"1,363":360,"1,364":361,"1,365":362,"1,366":363,"1,367":364,"1,368":365,"1,369":366,"1,370":367,"1,371":368,"1,372":369,"1,373":370,"1,374":371,"1,375":372,"1,376":373,"1,377":374,"1,378":375,"1,379":376,"1,380":377,"1,381":378,"1,382":379,"1,383":380,"1,384":381,"1,385":382,"1,386":383,"1,387":384,"1,388":385,"1,389":386,"1,390":387,"1,391":388,"1,392":389,"1,393":390,"1,394":391,"1,395":392,"1,396":393,"1,397":394,"1,398":395,"1,399":396,"1,400":397,"1,401":398,"1,402":399,"1,403":400,"1,404":401,"1,405":402,"1,406":403,"1,407":404,"1,408":405,"1,409":406,"1,410":407,"1,411":408,"1,412":409,"1,413":410,"1,414":411,"1,415":412,"1,416":413,"1,417":414,"1,418":415,"1,419":416,"1,420":417,"1,421":418,"1,422":419,"1,423":420,"1,424":421,"1,425":422,"1,426":423,"1,427":424,"1,428":425,"1,429":426,"1,430":427,"1,431":428,"1,432":429,"1,433":430,"1,434":431,"1,435":432,"1,436":433,"1,437":434,"1,438":435,"1,439":436,"1,440":437,"1,441":438,"1,442":439,"1,443":440,"1,444":441,"1,445":442,"1,446":443,"1,447":444,"1,448":445,"1,449":446,"1,450":447,"1,451":448,"1,452":449,"1,453":450,"1,454":451,"1,455":452,"1,456":453,"1,457":454,"1,458":455,"1,459":456,"1,460":457,"1,461":458,"1,462":459,"1,463":460,"1,464":461,"1,465":462,"1,466":463,"1,467":464,"1,468":465,"1,469":466,"1,470":467,"1,471":468,"1,472":469,"1,473":470,"1,474":471,"1,475":472,"1,476":473,"1,477":474,"1,478":475,"1,479":476,"1,480":477,"1,481":478,"1,482":479,"1,483":480,"1,484":481,"1,485":482,"1,486":483,"1,487":484,"1,488":485,"1,489":486,"1,490":487,"1,491":488,"1,492":489,"1,493":490,"1,494":491,"1,495":492,"1,496":493,"1,497":494,"1,498":495,"1,499":496,"1,500":497,"1,501":498,"1,502":499,"1,503":500,"1,504":501,"1,505":502,"1,506":503,"1,507":504,"1,508":505,"1,509":506,"1,510":507,"1,511":508,"1,512":509,"1,513":510,"1,514":511,"1,515":512,"1,516":513,"1,517":514,"1,518":515,"1,519":516,"1,520":517,"1,521":518,"1,522":519,"1,523":520,"1,524":521,"1,525":522,"1,526":523,"1,527":524,"1,528":525,"1,529":526,"1,530":527,"1,531":528,"1,532":529,"1,533":530,"1,534":531,"1,535":532,"1,536":533,"1,537":534,"1,538":535,"1,539":536,"1,540":537,"1,541":538,"1,542":539,"1,543":540,"1,544":541,"1,545":542,"1,546":543,"1,547":544,"1,548":545,"1,549":546,"1,550":547,"1,551":548,"1,552":549,"1,553":550,"1,554":551,"1,555":552,"1,556":553,"1,557":554,"1,558":555,"1,559":556,"1,560":557,"1,561":558,"1,562":559,"1,563":560,"1,564":561,"1,565":562,"1,566":563,"1,567":564,"1,568":565,"1,569":566,"1,570":567,"1,571":568,"1,572":569,"1,573":570,"1,574":571,"1,575":572,"1,576":573,"1,577":574,"1,578":575,"1,579":576,"1,580":577,"1,581":578,"1,582":579,"1,583":580,"1,584":581,"1,585":582,"1,586":583,"1,587":584,"1,588":585,"1,589":586,"1,590":587,"1,591":588,"1,592":589,"1,593":590,"1,594":591,"1,595":592,"1,596":593,"1,597":594,"1,598":595,"1,599":596,"1,600":597,"1,601":598,"1,602":599,"1,603":600,"1,604":601,"1,605":602,"1,606":603,"1,607":604,"1,608":605,"1,609":606,"1,610":607,"1,611":608,"1,612":609,"1,613":610,"1,614":611,"1,615":612,"1,616":613,"1,617":614,"1,618":615,"1,619":616,"1,620":617,"1,621":618,"1,622":619,"1,623":620,"1,624":621,"1,625":622,"1,626":623,"1,627":624,"1,628":625,"1,629":626,"1,630":627,"1,631":628,"1,632":629,"1,633":630,"1,634":631,"1,635":632,"1,636":633,"1,637":634,"1,638":635,"1,639":636,"1,640":637,"1,641":638,"1,643":639,"1,645":640,"1,646":641,"2,3":642,"2,4":643,"2,5":644,"2,6":645,"2,7":646,"2,8":647,"2,9":648,"2,10":649,"2,11":650,"2,12":651,"2,13":652,"2,14":653,"2,15":654,"2,16":655,"2,17":656,"2,18":657,"2,19":658,"2,20":659,"2,21":660,"2,22":661,"2,23":662,"2,24":663,"2,25":664,"2,26":665,"2,27":666,"2,28":667,"2,29":668,"2,30":669,"2,31":670,"2,32":671,"2,33":672,"2,34":673,"2,35":674,"2,36":675,"2,37":676,"2,38":677,"2,39":678,"2,40":679,"2,41":680,"2,42":681,"2,43":682,"2,44":683,"2,45":684,"2,46":685,"2,47":686,"2,48":687,"2,49":688,"2,50":689,"2,51":690,"2,52":691,"2,53":692,"2,54":693,"2,55":694,"2,56":695,"2,57":696,"2,58":697,"2,59":698,"2,60":699,"2,61":700,"2,62":701,"2,63":702,"2,64":703,"2,65":704,"2,66":705,"2,67":706,"2,68":707,"2,69":708,"2,70":709,"2,71":710,"2,72":711,"2,73":712,"2,74":713,"2,75":714,"2,76":715,"2,77":716,"2,78":717,"2,79":718,"2,80":719,"2,81":720,"2,82":721,"2,83":722,"2,84":723,"2,85":724,"2,86":725,"2,87":726,"2,88":727,"2,89":728,"2,90":729,"2,91":730,"2,92":731,"2,93":732,"2,94":733,"2,95":734,"2,96":735,"2,97":736,"2,98":737,"2,99":738,"2,100":739,"2,101":740,"2,102":741,"2,103":742,"2,104":743,"2,105":744,"2,106":745,"2,107":746,"2,108":747,"2,109":748,"2,110":749,"2,111":750,"2,112":751,"2,113":752,"2,114":753,"2,115":754,"2,116":755,"2,117":756,"2,118":757,"2,119":758,"2,120":759,"2,121":760,"2,122":761,"2,123":762,"2,124":763,"2,125":764,"2,126":765,"2,127":766,"2,128":767,"2,129":768,"2,130":769,"2,131":770,"2,132":771,"2,133":772,"2,134":773,"2,135":774,"2,136":775,"2,137":776,"2,138":777,"2,139":778,"2,140":779,"2,141":780,"2,142":781,"2,143":782,"2,144":783,"2,145":784,"2,146":785,"2,147":786,"2,148":787,"2,149":788,"2,150":789,"2,151":790,"2,152":791,"2,153":792,"2,154":793,"2,155":794,"2,156":795,"2,157":796,"2,158":797,"2,159":798,"2,160":799,"2,161":800,"2,162":801,"2,163":802,"2,164":803,"2,165":804,"2,166":805,"2,167":806,"2,168":807,"2,169":808,"2,170":809,"2,171":810,"2,172":811,"2,173":812,"2,174":813,"2,175":814,"2,176":815,"2,177":816,"2,178":817,"2,179":818,"2,180":819,"2,181":820,"2,182":821,"2,183":822,"2,184":823,"2,185":824,"2,186":825,"2,187":826,"2,188":827,"2,189":828,"2,190":829,"2,191":830,"2,192":831,"2,193":832,"2,194":833,"2,195":834,"2,196":835,"2,197":836,"2,198":837,"2,199":838,"2,200":839,"2,201":840,"2,202":841,"2,203":842,"2,204":843,"2,205":844,"2,206":845,"2,207":846,"2,208":847,"2,209":848,"2,210":849,"2,211":850,"2,212":851,"2,213":852,"2,214":853,"2,215":854,"2,216":855,"2,217":856,"2,218":857,"2,219":858,"2,220":859,"2,221":860,"2,222":861,"2,223":862,"2,224":863,"2,225":864,"2,226":865,"2,227":866,"2,228":867,"2,229":868,"2,230":869,"2,231":870,"2,232":871,"2,233":872,"2,234":873,"2,235":874,"2,236":875,"2,237":876,"2,238":877,"2,239":878,"2,240":879,"2,241":880,"2,242":881,"2,243":882,"2,244":883,"2,245":884,"2,246":885,"2,247":886,"2,248":887,"2,249":888,"2,250":889,"2,251":890,"2,252":891,"2,253":892,"2,254":893,"2,255":894,"2,256":895,"2,257":896,"2,258":897,"2,259":898,"2,260":899,"2,261":900,"2,262":901,"2,263":902,"2,264":903,"2,265":904,"2,266":905,"2,267":906,"2,268":907,"2,269":908,"2,270":909,"2,271":910,"2,272":911,"2,273":912,"2,274":913,"2,275":914,"2,276":915,"2,277":916,"2,278":917,"2,279":918,"2,280":919,"2,281":920,"2,282":921,"2,283":922,"2,284":923,"2,285":924,"2,286":925,"2,287":926,"2,288":927,"2,289":928,"2,290":929,"2,291":930,"2,292":931,"2,293":932,"2,294":933,"2,295":934,"2,296":935,"2,297":936,"2,298":937,"2,299":938,"2,300":939,"2,301":940,"2,302":941,"2,303":942,"2,304":943,"2,305":944,"2,306":945,"2,307":946,"2,308":947,"2,309":948,"2,310":949,"2,311":950,"2,312":951,"2,313":952,"2,314":953,"2,315":954,"2,316":955,"2,317":956,"2,318":957,"2,319":958,"2,320":959,"2,321":960,"2,322":961,"2,323":962,"2,324":963,"2,325":964,"2,326":965,"2,327":966,"2,328":967,"2,329":968,"2,330":969,"2,331":970,"2,333":971,"2,334":972,"2,335":973,"2,336":974,"2,337":975,"2,338":976,"2,339":977,"2,340":978,"2,341":979,"2,342":980,"2,343":981,"2,344":982,"2,345":983,"2,346":984,"2,347":985,"2,348":986,"2,349":987,"2,350":988,"2,351":989,"2,352":990,"2,353":991,"2,354":992,"2,355":993,"2,356":994,"2,357":995,"2,358":996,"2,359":997,"2,360":998,"2,361":999,"2,362":1000,"2,363":1001,"2,364":1002,"2,365":1003,"2,366":1004,"2,367":1005,"2,368":1006,"2,369":1007,"2,370":1008,"2,371":1009,"2,372":1010,"2,373":1011,"2,374":1012,"2,375":1013,"2,376":1014,"2,377":1015,"2,378":1016,"2,379":1017,"2,380":1018,"2,381":1019,"2,382":1020,"2,383":1021,"2,384":1022,"2,385":1023,"2,386":1024,"2,387":1025,"2,388":1026,"2,389":1027,"2,390":1028,"2,391":1029,"2,392":1030,"2,393":1031,"2,394":1032,"2,395":1033,"2,396":1034,"2,397":1035,"2,398":1036,"2,399":1037,"2,400":1038,"2,401":1039,"2,402":1040,"2,403":1041,"2,404":1042,"2,405":1043,"2,406":1044,"2,407":1045,"2,408":1046,"2,409":1047,"2,410":1048,"2,411":1049,"2,412":1050,"2,413":1051,"2,414":1052,"2,415":1053,"2,416":1054,"2,417":1055,"2,418":1056,"2,419":1057,"2,420":1058,"2,421":1059,"2,422":1060,"2,423":1061,"2,424":1062,"2,425":1063,"2,426":1064,"2,427":1065,"2,428":1066,"2,429":1067,"2,430":1068,"2,431":1069,"2,432":1070,"2,433":1071,"2,434":1072,"2,435":1073,"2,436":1074,"2,437":1075,"2,438":1076,"2,439":1077,"2,440":1078,"2,441":1079,"2,442":1080,"2,443":1081,"2,444":1082,"2,445":1083,"2,446":1084,"2,447":1085,"2,448":1086,"2,449":1087,"2,450":1088,"2,451":1089,"2,452":1090,"2,453":1091,"2,454":1092,"2,455":1093,"2,456":1094,"2,457":1095,"2,458":1096,"2,459":1097,"2,460":1098,"2,461":1099,"2,462":1100,"2,463":1101,"2,464":1102,"2,465":1103,"2,466":1104,"2,467":1105,"2,468":1106,"2,469":1107,"2,470":1108,"2,471":1109,"2,472":1110,"2,473":1111,"2,474":1112,"2,475":1113,"2,476":1114,"2,477":1115,"2,478":1116,"2,479":1117,"2,480":1118,"2,481":1119,"2,482":1120,"2,483":1121,"2,484":1122,"2,485":1123,"2,486":1124,"2,487":1125,"2,488":1126,"2,489":1127,"2,490":1128,"2,491":1129,"2,492":1130,"2,493":1131,"2,494":1132,"2,495":1133,"2,496":1134,"2,497":1135,"2,498":1136,"2,499":1137,"2,500":1138,"2,501":1139,"2,502":1140,"2,503":1141,"2,504":1142,"2,505":1143,"2,506":1144,"2,507":1145,"2,508":1146,"2,509":1147,"2,510":1148,"2,511":1149,"2,512":1150,"2,513":1151,"2,514":1152,"2,515":1153,"2,516":1154,"2,517":1155,"2,518":1156,"2,519":1157,"2,520":1158,"2,521":1159,"2,522":1160,"2,523":1161,"2,524":1162,"2,525":1163,"2,526":1164,"2,527":1165,"2,528":1166,"2,529":1167,"2,530":1168,"2,531":1169,"2,532":1170,"2,533":1171,"2,534":1172,"2,535":1173,"2,536":1174,"2,537":1175,"2,538":1176,"2,539":1177,"2,540":1178,"2,541":1179,"2,542":1180,"2,543":1181,"2,544":1182,"2,545":1183,"2,546":1184,"2,547":1185,"2,548":1186,"2,549":1187,"2,550":1188,"2,551":1189,"2,552":1190,"2,553":1191,"2,554":1192,"2,555":1193,"2,556":1194,"2,557":1195,"2,558":1196,"2,559":1197,"2,560":1198,"2,561":1199,"2,562":1200,"2,563":1201,"2,564":1202,"2,565":1203,"2,566":1204,"2,567":1205,"2,568":1206,"2,569":1207,"2,570":1208,"2,571":1209,"2,572":1210,"2,573":1211,"2,574":1212,"2,575":1213,"2,576":1214,"2,577":1215,"2,578":1216,"2,579":1217,"2,580":1218,"2,581":1219,"2,582":1220,"2,583":1221,"2,584":1222,"2,585":1223,"2,586":1224,"2,587":1225,"2,588":1226,"2,589":1227,"2,590":1228,"2,591":1229,"2,592":1230,"2,593":1231,"2,594":1232,"2,595":1233,"2,596":1234,"2,597":1235,"2,598":1236,"2,599":1237,"2,600":1238,"2,601":1239,"2,602":1240,"2,603":1241,"2,604":1242,"2,605":1243,"2,606":1244,"2,607":1245,"2,608":1246,"2,609":1247,"2,610":1248,"2,611":1249,"2,612":1250,"2,613":1251,"2,614":1252,"2,615":1253,"2,616":1254,"2,617":1255,"2,618":1256,"2,619":1257,"2,620":1258,"2,621":1259,"2,622":1260,"2,623":1261,"2,624":1262,"2,625":1263,"2,626":1264,"2,627":1265,"2,628":1266,"2,629":1267,"2,630":1268,"2,631":1269,"2,632":1270,"2,633":1271,"2,634":1272,"2,635":1273,"2,636":1274,"2,637":1275,"2,638":1276,"2,639":1277,"2,640":1278,"2,641":1279,"2,642":1280,"2,643":1281,"2,644":1282,"2,645":1283,"2,646":1284,"2,647":1285,"2,648":1286,"2,649":1287,"2,650":1288,"2,651":1289,"2,652":1290,"2,653":1291,"2,654":1292,"2,655":1293,"3,3":1294,"3,5":1295,"3,6":1296,"3,7":1297,"3,8":1298,"3,9":1299,"3,10":1300,"3,11":1301,"3,12":1302,"3,13":1303,"3,14":1304,"3,15":1305,"3,16":1306,"3,17":1307,"3,18":1308,"3,19":1309,"3,20":1310,"3,21":1311,"3,22":1312,"3,23":1313,"3,24":1314,"3,25":1315,"3,26":1316,"3,27":1317,"3,28":1318,"3,29":1319,"3,30":1320,"3,31":1321,"3,32":1322,"3,33":1323,"3,34":1324,"3,35":1325,"3,36":1326,"3,37":1327,"3,38":1328,"3,39":1329,"3,40":1330,"3,41":1331,"3,42":1332,"3,43":1333,"3,44":1334,"3,45":1335,"3,46":1336,"3,47":1337,"3,48":1338,"3,49":1339,"3,50":1340,"3,51":1341,"3,52":1342,"3,53":1343,"3,54":1344,"3,55":1345,"3,56":1346,"3,57":1347,"3,58":1348,"3,59":1349,"3,60":1350,"3,61":1351,"3,62":1352,"3,63":1353,"3,64":1354,"3,65":1355,"3,66":1356,"3,67":1357,"3,68":1358,"3,69":1359,"3,70":1360,"3,71":1361,"3,72":1362,"3,73":1363,"3,74":1364,"3,75":1365,"3,76":1366,"3,77":1367,"3,78":1368,"3,79":1369,"3,80":1370,"3,81":1371,"3,82":1372,"3,83":1373,"3,84":1374,"3,85":1375,"3,86":1376,"3,87":1377,"3,88":1378,"3,89":1379,"3,90":1380,"3,91":1381,"3,92":1382,"3,93":1383,"3,94":1384,"3,95":1385,"3,96":1386,"3,97":1387,"3,98":1388,"3,99":1389,"3,100":1390,"3,101":1391,"3,102":1392,"3,103":1393,"3,104":1394,"3,105":1395,"3,106":1396,"3,107":1397,"3,108":1398,"3,109":1399,"3,110":1400,"3,111":1401,"3,112":1402,"3,113":1403,"3,114":1404,"3,115":1405,"3,116":1406,"3,117":1407,"3,118":1408,"3,119":1409,"3,120":1410,"3,121":1411,"3,122":1412,"3,123":1413,"3,124":1414,"3,125":1415,"3,126":1416,"3,127":1417,"3,128":1418,"3,129":1419,"3,130":1420,"3,131":1421,"3,132":1422,"3,133":1423,"3,134":1424,"3,135":1425,"3,136":1426,"3,137":1427,"3,138":1428,"3,139":1429,"3,140":1430,"3,141":1431,"3,142":1432,"3,143":1433,"3,144":1434,"3,145":1435,"3,146":1436,"3,147":1437,"3,148":1438,"3,149":1439,"3,150":1440,"3,151":1441,"3,152":1442,"3,153":1443,"3,154":1444,"3,155":1445,"3,156":1446,"3,157":1447,"3,158":1448,"3,159":1449,"3,160":1450,"3,161":1451,"3,162":1452,"3,163":1453,"3,164":1454,"3,165":1455,"3,166":1456,"3,167":1457,"3,168":1458,"3,169":1459,"3,170":1460,"3,171":1461,"3,172":1462,"3,173":1463,"3,174":1464,"3,175":1465,"3,176":1466,"3,177":1467,"3,178":1468,"3,179":1469,"3,180":1470,"3,181":1471,"3,182":1472,"3,183":1473,"3,184":1474,"3,185":1475,"3,186":1476,"3,187":1477,"3,188":1478,"3,189":1479,"3,190":1480,"3,191":1481,"3,192":1482,"3,193":1483,"3,194":1484,"3,195":1485,"3,196":1486,"3,197":1487,"3,198":1488,"3,199":1489,"3,200":1490,"3,201":1491,"3,202":1492,"3,203":1493,"3,204":1494,"3,205":1495,"3,206":1496,"3,207":1497,"3,208":1498,"3,209":1499,"3,210":1500,"3,211":1501,"3,212":1502,"3,213":1503,"3,214":1504,"3,215":1505,"3,216":1506,"3,217":1507,"3,218":1508,"3,219":1509,"3,220":1510,"3,221":1511,"3,222":1512,"3,223":1513,"3,224":1514,"3,225":1515,"3,226":1516,"3,227":1517,"3,228":1518,"3,229":1519,"3,230":1520,"3,231":1521,"3,232":1522,"3,233":1523,"3,234":1524,"3,235":1525,"3,236":1526,"3,237":1527,"3,238":1528,"3,239":1529,"3,240":1530,"3,241":1531,"3,242":1532,"3,243":1533,"3,244":1534,"3,245":1535,"3,246":1536,"3,247":1537,"3,248":1538,"3,249":1539,"3,250":1540,"3,251":1541,"3,252":1542,"3,253":1543,"3,254":1544,"3,255":1545,"3,256":1546,"3,257":1547,"3,258":1548,"3,259":1549,"3,260":1550,"3,261":1551,"3,262":1552,"3,263":1553,"3,264":1554,"3,265":1555,"3,266":1556,"3,267":1557,"3,268":1558,"3,269":1559,"3,270":1560,"3,271":1561,"3,272":1562,"3,273":1563,"3,274":1564,"3,275":1565,"3,276":1566,"3,277":1567,"3,278":1568,"3,279":1569,"3,280":1570,"3,281":1571,"3,282":1572,"3,283":1573,"3,284":1574,"3,285":1575,"3,286":1576,"3,287":1577,"3,288":1578,"3,289":1579,"3,290":1580,"3,291":1581,"3,292":1582,"3,293":1583,"3,294":1584,"3,295":1585,"3,296":1586,"3,297":1587,"3,298":1588,"3,299":1589,"3,300":1590,"3,301":1591,"3,302":1592,"3,303":1593,"3,304":1594,"3,305":1595,"3,306":1596,"3,307":1597,"3,308":1598,"3,309":1599,"3,310":1600,"3,311":1601,"3,312":1602,"3,313":1603,"3,314":1604,"3,315":1605,"3,316":1606,"3,317":1607,"3,318":1608,"3,319":1609,"3,320":1610,"3,321":1611,"3,322":1612,"3,323":1613,"3,324":1614,"3,325":1615,"3,326":1616,"3,327":1617,"3,328":1618,"3,329":1619,"3,330":1620,"3,331":1621,"3,332":1622,"3,333":1623,"3,334":1624,"3,335":1625,"3,336":1626,"3,337":1627,"3,338":1628,"3,339":1629,"3,340":1630,"3,341":1631,"3,342":1632,"3,343":1633,"3,344":1634,"3,345":1635,"3,346":1636,"3,347":1637,"3,348":1638,"3,349":1639,"3,350":1640,"3,351":1641,"3,352":1642,"3,353":1643,"3,354":1644,"3,355":1645,"3,356":1646,"3,357":1647,"3,358":1648,"3,359":1649,"3,360":1650,"3,361":1651,"3,362":1652,"3,363":1653,"3,364":1654,"3,365":1655,"3,366":1656,"3,367":1657,"3,368":1658,"3,369":1659,"3,370":1660,"3,371":1661,"3,372":1662,"3,373":1663,"3,374":1664,"3,375":1665,"3,376":1666,"3,377":1667,"3,378":1668,"3,379":1669,"3,380":1670,"3,381":1671,"3,382":1672,"3,383":1673,"3,384":1674,"3,385":1675,"3,386":1676,"3,387":1677,"3,388":1678,"3,389":1679,"3,390":1680,"3,391":1681,"3,392":1682,"3,393":1683,"3,394":1684,"3,395":1685,"3,396":1686,"3,397":1687,"3,398":1688,"3,399":1689,"3,400":1690,"3,401":1691,"3,402":1692,"3,403":1693,"3,404":1694,"3,405":1695,"3,406":1696,"3,407":1697,"3,408":1698,"3,409":1699,"3,410":1700,"3,411":1701,"3,412":1702,"3,413":1703,"3,414":1704,"3,415":1705,"3,416":1706,"3,417":1707,"3,418":1708,"3,419":1709,"3,420":1710,"3,421":1711,"3,422":1712,"3,423":1713,"3,424":1714,"3,425":1715,"3,426":1716,"3,427":1717,"3,428":1718,"3,429":1719,"3,430":1720,"3,431":1721,"3,432":1722,"3,433":1723,"3,434":1724,"3,435":1725,"3,437":1726,"3,438":1727,"3,439":1728,"3,440":1729,"3,441":1730,"3,442":1731,"3,443":1732,"3,444":1733,"3,445":1734,"3,446":1735,"3,447":1736,"3,448":1737,"3,449":1738,"3,450":1739,"3,451":1740,"3,452":1741,"3,453":1742,"3,454":1743,"3,455":1744,"3,456":1745,"3,457":1746,"3,458":1747,"3,459":1748,"3,460":1749,"3,461":1750,"3,462":1751,"3,463":1752,"3,464":1753,"3,465":1754,"3,466":1755,"3,467":1756,"3,468":1757,"3,469":1758,"3,470":1759,"3,471":1760,"3,472":1761,"3,473":1762,"3,474":1763,"3,475":1764,"3,476":1765,"3,477":1766,"3,478":1767,"3,479":1768,"3,480":1769,"3,481":1770,"3,482":1771,"3,483":1772,"3,484":1773,"3,485":1774,"3,486":1775,"3,487":1776,"3,488":1777,"3,489":1778,"3,490":1779,"3,491":1780,"3,492":1781,"3,493":1782,"3,494":1783,"3,495":1784,"3,496":1785,"3,497":1786,"3,498":1787,"3,499":1788,"3,500":1789,"3,501":1790,"3,502":1791,"3,503":1792,"3,504":1793,"3,505":1794,"3,506":1795,"3,507":1796,"3,508":1797,"3,509":1798,"3,510":1799,"3,511":1800,"3,512":1801,"3,513":1802,"3,514":1803,"3,515":1804,"3,516":1805,"3,517":1806,"3,518":1807,"3,519":1808,"3,520":1809,"3,521":1810,"3,522":1811,"3,523":1812,"3,524":1813,"3,525":1814,"3,526":1815,"3,527":1816,"3,528":1817,"3,529":1818,"3,530":1819,"3,531":1820,"3,532":1821,"3,533":1822,"3,534":1823,"3,535":1824,"3,536":1825,"3,537":1826,"3,538":1827,"3,539":1828,"3,540":1829,"3,541":1830,"3,542":1831,"3,543":1832,"3,544":1833,"3,545":1834,"3,546":1835,"3,547":1836,"3,548":1837,"3,549":1838,"3,550":1839,"3,551":1840,"3,552":1841,"3,553":1842,"3,554":1843,"3,555":1844,"3,556":1845,"3,557":1846,"3,558":1847,"3,559":1848,"3,560":1849,"3,561":1850,"3,562":1851,"3,563":1852,"3,564":1853,"3,565":1854,"3,566":1855,"3,567":1856,"3,568":1857,"3,569":1858,"3,570":1859,"3,571":1860,"3,572":1861,"3,573":1862,"3,574":1863,"3,575":1864,"3,576":1865,"3,577":1866,"3,578":1867,"3,579":1868,"3,580":1869,"3,581":1870,"3,582":1871,"3,583":1872,"3,584":1873,"3,585":1874,"3,586":1875,"3,587":1876,"3,588":1877,"3,589":1878,"3,590":1879,"3,591":1880,"3,592":1881,"3,593":1882,"3,594":1883,"3,595":1884,"3,596":1885,"3,597":1886,"3,598":1887,"3,599":1888,"3,600":1889,"3,601":1890,"3,602":1891,"3,603":1892,"3,604":1893,"3,605":1894,"3,606":1895,"3,607":1896,"3,608":1897,"3,609":1898,"3,610":1899,"3,611":1900,"3,612":1901,"3,613":1902,"3,614":1903,"3,615":1904,"3,616":1905,"3,617":1906,"3,618":1907,"3,619":1908,"3,620":1909,"3,621":1910,"3,622":1911,"3,623":1912,"3,624":1913,"3,625":1914,"3,626":1915,"3,627":1916,"3,628":1917,"3,629":1918,"3,630":1919,"3,631":1920,"3,632":1921,"3,633":1922,"3,634":1923,"3,635":1924,"3,636":1925,"3,637":1926,"3,638":1927,"3,639":1928,"3,640":1929,"3,641":1930,"3,642":1931,"3,643":1932,"3,644":1933,"3,645":1934,"3,646":1935,"3,647":1936,"3,648":1937,"3,649":1938,"3,650":1939,"3,651":1940,"3,652":1941,"3,653":1942,"3,654":1943,"3,655":1944,"3,656":1945,"3,657":1946,"3,658":1947,"3,659":1948,"3,660":1949,"3,661":1950,"3,662":1951,"3,663":1952,"3,664":1953,"3,665":1954,"3,666":1955,"3,667":1956,"3,668":1957,"3,669":1958,"3,670":1959,"3,671":1960,"3,672":1961,"3,673":1962,"3,674":1963,"3,675":1964,"3,676":1965,"3,677":1966,"3,678":1967,"3,679":1968,"3,680":1969,"3,681":1970,"3,682":1971,"3,683":1972,"3,684":1973,"3,685":1974,"3,686":1975,"3,687":1976,"3,688":1977,"3,689":1978,"3,690":1979,"3,691":1980,"3,692":1981,"3,693":1982,"3,694":1983,"3,695":1984,"3,696":1985,"3,697":1986,"3,698":1987,"3,699":1988,"3,700":1989,"3,701":1990,"3,702":1991,"3,703":1992,"3,704":1993,"3,705":1994,"3,706":1995,"3,707":1996,"3,708":1997,"3,709":1998,"3,710":1999,"3,711":2000,"3,712":2001,"3,713":2002,"3,714":2003,"3,715":2004,"3,716":2005,"3,717":2006,"3,718":2007,"3,719":2008,"3,720":2009,"3,721":2010,"3,722":2011,"3,723":2012,"3,724":2013,"3,725":2014,"3,726":2015,"3,727":2016,"3,728":2017,"3,729":2018,"3,730":2019,"3,731":2020,"3,732":2021,"3,733":2022,"3,734":2023,"3,735":2024,"3,736":2025,"3,737":2026,"3,738":2027,"3,739":2028,"3,740":2029,"3,741":2030,"3,742":2031,"3,743":2032,"3,744":2033,"3,745":2034,"3,746":2035,"3,747":2036,"3,748":2037,"3,749":2038,"3,750":2039,"3,751":2040,"3,752":2041,"3,753":2042,"3,754":2043,"3,755":2044,"3,756":2045,"3,757":2046,"3,758":2047,"3,759":2048,"3,760":2049,"3,761":2050,"3,762":2051,"3,763":2052,"3,764":2053,"3,765":2054,"3,766":2055,"3,767":2056,"3,768":2057,"3,769":2058,"3,770":2059,"3,771":2060,"3,772":2061,"3,773":2062,"3,774":2063,"3,775":2064,"3,776":2065,"3,777":2066,"3,778":2067,"3,779":2068,"3,780":2069,"3,781":2070,"3,782":2071,"3,783":2072,"3,784":2073,"3,785":2074,"3,786":2075,"3,787":2076,"3,788":2077,"3,789":2078,"3,790":2079,"3,791":2080,"3,792":2081,"3,793":2082,"3,794":2083},"ٜ":{"1":[3,646],"2":[3,655],"3":[3,794]},"ٝ":["1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,514","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,520","1,521","1,522","1,523","1,524","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529","1,530","1,531","1,532","1,533","1,534","1,535","1,536","1,537","1,538","1,539","1,540","1,541","1,542","1,543","1,544","1,545","1,546","1,547","1,548","1,549","1,550","1,551","1,552","1,553","1,554","1,555","1,556","1,557","1,558","1,559","1,560","1,561","1,562","1,563","1,564","1,565","1,566","1,567","1,568","1,569","1,570","1,571","1,572","1,573","1,574","1,575","1,576","1,577","1,578","1,579","1,580","1,581","1,582","1,583","1,584","1,585","1,586","1,587","1,588","1,589","1,590","1,591","1,592","1,593","1,594","1,595","1,596","1,597","1,598","1,599","1,600","1,601","1,602","1,603","1,604","1,605","1,606","1,607","1,608","1,609","1,610","1,611","1,612","1,613","1,614","1,615","1,616","1,617","1,618","1,619","1,620","1,621","1,622","1,623","1,624","1,625","1,626","1,627","1,628","1,629","1,630","1,631","1,632","1,633","1,634","1,635","1,636","1,637","1,638","1,639","1,640","1,641","1,643","1,645","1,646","2,3","2,4","2,5","2,6","2,7","2,8","2,9","2,10","2,11","2,12","2,13","2,14","2,15","2,16","2,17","2,18","2,19","2,20","2,21","2,22","2,23","2,24","2,25","2,26","2,27","2,28","2,29","2,30","2,31","2,32","2,33","2,34","2,35","2,36","2,37","2,38","2,39","2,40","2,41","2,42","2,43","2,44","2,45","2,46","2,47","2,48","2,49","2,50","2,51","2,52","2,53","2,54","2,55","2,56","2,57","2,58","2,59","2,60","2,61","2,62","2,63","2,64","2,65","2,66","2,67","2,68","2,69","2,70","2,71","2,72","2,73","2,74","2,75","2,76","2,77","2,78","2,79","2,80","2,81","2,82","2,83","2,84","2,85","2,86","2,87","2,88","2,89","2,90","2,91","2,92","2,93","2,94","2,95","2,96","2,97","2,98","2,99","2,100","2,101","2,102","2,103","2,104","2,105","2,106","2,107","2,108","2,109","2,110","2,111","2,112","2,113","2,114","2,115","2,116","2,117","2,118","2,119","2,120","2,121","2,122","2,123","2,124","2,125","2,126","2,127","2,128","2,129","2,130","2,131","2,132","2,133","2,134","2,135","2,136","2,137","2,138","2,139","2,140","2,141","2,142","2,143","2,144","2,145","2,146","2,147","2,148","2,149","2,150","2,151","2,152","2,153","2,154","2,155","2,156","2,157","2,158","2,159","2,160","2,161","2,162","2,163","2,164","2,165","2,166","2,167","2,168","2,169","2,170","2,171","2,172","2,173","2,174","2,175","2,176","2,177","2,178","2,179","2,180","2,181","2,182","2,183","2,184","2,185","2,186","2,187","2,188","2,189","2,190","2,191","2,192","2,193","2,194","2,195","2,196","2,197","2,198","2,199","2,200","2,201","2,202","2,203","2,204","2,205","2,206","2,207","2,208","2,209","2,210","2,211","2,212","2,213","2,214","2,215","2,216","2,217","2,218","2,219","2,220","2,221","2,222","2,223","2,224","2,225","2,226","2,227","2,228","2,229","2,230","2,231","2,232","2,233","2,234","2,235","2,236","2,237","2,238","2,239","2,240","2,241","2,242","2,243","2,244","2,245","2,246","2,247","2,248","2,249","2,250","2,251","2,252","2,253","2,254","2,255","2,256","2,257","2,258","2,259","2,260","2,261","2,262","2,263","2,264","2,265","2,266","2,267","2,268","2,269","2,270","2,271","2,272","2,273","2,274","2,275","2,276","2,277","2,278","2,279","2,280","2,281","2,282","2,283","2,284","2,285","2,286","2,287","2,288","2,289","2,290","2,291","2,292","2,293","2,294","2,295","2,296","2,297","2,298","2,299","2,300","2,301","2,302","2,303","2,304","2,305","2,306","2,307","2,308","2,309","2,310","2,311","2,312","2,313","2,314","2,315","2,316","2,317","2,318","2,319","2,320","2,321","2,322","2,323","2,324","2,325","2,326","2,327","2,328","2,329","2,330","2,331","2,333","2,334","2,335","2,336","2,337","2,338","2,339","2,340","2,341","2,342","2,343","2,344","2,345","2,346","2,347","2,348","2,349","2,350","2,351","2,352","2,353","2,354","2,355","2,356","2,357","2,358","2,359","2,360","2,361","2,362","2,363","2,364","2,365","2,366","2,367","2,368","2,369","2,370","2,371","2,372","2,373","2,374","2,375","2,376","2,377","2,378","2,379","2,380","2,381","2,382","2,383","2,384","2,385","2,386","2,387","2,388","2,389","2,390","2,391","2,392","2,393","2,394","2,395","2,396","2,397","2,398","2,399","2,400","2,401","2,402","2,403","2,404","2,405","2,406","2,407","2,408","2,409","2,410","2,411","2,412","2,413","2,414","2,415","2,416","2,417","2,418","2,419","2,420","2,421","2,422","2,423","2,424","2,425","2,426","2,427","2,428","2,429","2,430","2,431","2,432","2,433","2,434","2,435","2,436","2,437","2,438","2,439","2,440","2,441","2,442","2,443","2,444","2,445","2,446","2,447","2,448","2,449","2,450","2,451","2,452","2,453","2,454","2,455","2,456","2,457","2,458","2,459","2,460","2,461","2,462","2,463","2,464","2,465","2,466","2,467","2,468","2,469","2,470","2,471","2,472","2,473","2,474","2,475","2,476","2,477","2,478","2,479","2,480","2,481","2,482","2,483","2,484","2,485","2,486","2,487","2,488","2,489","2,490","2,491","2,492","2,493","2,494","2,495","2,496","2,497","2,498","2,499","2,500","2,501","2,502","2,503","2,504","2,505","2,506","2,507","2,508","2,509","2,510","2,511","2,512","2,513","2,514","2,515","2,516","2,517","2,518","2,519","2,520","2,521","2,522","2,523","2,524","2,525","2,526","2,527","2,528","2,529","2,530","2,531","2,532","2,533","2,534","2,535","2,536","2,537","2,538","2,539","2,540","2,541","2,542","2,543","2,544","2,545","2,546","2,547","2,548","2,549","2,550","2,551","2,552","2,553","2,554","2,555","2,556","2,557","2,558","2,559","2,560","2,561","2,562","2,563","2,564","2,565","2,566","2,567","2,568","2,569","2,570","2,571","2,572","2,573","2,574","2,575","2,576","2,577","2,578","2,579","2,580","2,581","2,582","2,583","2,584","2,585","2,586","2,587","2,588","2,589","2,590","2,591","2,592","2,593","2,594","2,595","2,596","2,597","2,598","2,599","2,600","2,601","2,602","2,603","2,604","2,605","2,606","2,607","2,608","2,609","2,610","2,611","2,612","2,613","2,614","2,615","2,616","2,617","2,618","2,619","2,620","2,621","2,622","2,623","2,624","2,625","2,626","2,627","2,628","2,629","2,630","2,631","2,632","2,633","2,634","2,635","2,636","2,637","2,638","2,639","2,640","2,641","2,642","2,643","2,644","2,645","2,646","2,647","2,648","2,649","2,650","2,651","2,652","2,653","2,654","2,655","3,3","3,5","3,6","3,7","3,8","3,9","3,10","3,11","3,12","3,13","3,14","3,15","3,16","3,17","3,18","3,19","3,20","3,21","3,22","3,23","3,24","3,25","3,26","3,27","3,28","3,29","3,30","3,31","3,32","3,33","3,34","3,35","3,36","3,37","3,38","3,39","3,40","3,41","3,42","3,43","3,44","3,45","3,46","3,47","3,48","3,49","3,50","3,51","3,52","3,53","3,54","3,55","3,56","3,57","3,58","3,59","3,60","3,61","3,62","3,63","3,64","3,65","3,66","3,67","3,68","3,69","3,70","3,71","3,72","3,73","3,74","3,75","3,76","3,77","3,78","3,79","3,80","3,81","3,82","3,83","3,84","3,85","3,86","3,87","3,88","3,89","3,90","3,91","3,92","3,93","3,94","3,95","3,96","3,97","3,98","3,99","3,100","3,101","3,102","3,103","3,104","3,105","3,106","3,107","3,108","3,109","3,110","3,111","3,112","3,113","3,114","3,115","3,116","3,117","3,118","3,119","3,120","3,121","3,122","3,123","3,124","3,125","3,126","3,127","3,128","3,129","3,130","3,131","3,132","3,133","3,134","3,135","3,136","3,137","3,138","3,139","3,140","3,141","3,142","3,143","3,144","3,145","3,146","3,147","3,148","3,149","3,150","3,151","3,152","3,153","3,154","3,155","3,156","3,157","3,158","3,159","3,160","3,161","3,162","3,163","3,164","3,165","3,166","3,167","3,168","3,169","3,170","3,171","3,172","3,173","3,174","3,175","3,176","3,177","3,178","3,179","3,180","3,181","3,182","3,183","3,184","3,185","3,186","3,187","3,188","3,189","3,190","3,191","3,192","3,193","3,194","3,195","3,196","3,197","3,198","3,199","3,200","3,201","3,202","3,203","3,204","3,205","3,206","3,207","3,208","3,209","3,210","3,211","3,212","3,213","3,214","3,215","3,216","3,217","3,218","3,219","3,220","3,221","3,222","3,223","3,224","3,225","3,226","3,227","3,228","3,229","3,230","3,231","3,232","3,233","3,234","3,235","3,236","3,237","3,238","3,239","3,240","3,241","3,242","3,243","3,244","3,245","3,246","3,247","3,248","3,249","3,250","3,251","3,252","3,253","3,254","3,255","3,256","3,257","3,258","3,259","3,260","3,261","3,262","3,263","3,264","3,265","3,266","3,267","3,268","3,269","3,270","3,271","3,272","3,273","3,274","3,275","3,276","3,277","3,278","3,279","3,280","3,281","3,282","3,283","3,284","3,285","3,286","3,287","3,288","3,289","3,290","3,291","3,292","3,293","3,294","3,295","3,296","3,297","3,298","3,299","3,300","3,301","3,302","3,303","3,304","3,305","3,306","3,307","3,308","3,309","3,310","3,311","3,312","3,313","3,314","3,315","3,316","3,317","3,318","3,319","3,320","3,321","3,322","3,323","3,324","3,325","3,326","3,327","3,328","3,329","3,330","3,331","3,332","3,333","3,334","3,335","3,336","3,337","3,338","3,339","3,340","3,341","3,342","3,343","3,344","3,345","3,346","3,347","3,348","3,349","3,350","3,351","3,352","3,353","3,354","3,355","3,356","3,357","3,358","3,359","3,360","3,361","3,362","3,363","3,364","3,365","3,366","3,367","3,368","3,369","3,370","3,371","3,372","3,373","3,374","3,375","3,376","3,377","3,378","3,379","3,380","3,381","3,382","3,383","3,384","3,385","3,386","3,387","3,388","3,389","3,390","3,391","3,392","3,393","3,394","3,395","3,396","3,397","3,398","3,399","3,400","3,401","3,402","3,403","3,404","3,405","3,406","3,407","3,408","3,409","3,410","3,411","3,412","3,413","3,414","3,415","3,416","3,417","3,418","3,419","3,420","3,421","3,422","3,423","3,424","3,425","3,426","3,427","3,428","3,429","3,430","3,431","3,432","3,433","3,434","3,435","3,437","3,438","3,439","3,440","3,441","3,442","3,443","3,444","3,445","3,446","3,447","3,448","3,449","3,450","3,451","3,452","3,453","3,454","3,455","3,456","3,457","3,458","3,459","3,460","3,461","3,462","3,463","3,464","3,465","3,466","3,467","3,468","3,469","3,470","3,471","3,472","3,473","3,474","3,475","3,476","3,477","3,478","3,479","3,480","3,481","3,482","3,483","3,484","3,485","3,486","3,487","3,488","3,489","3,490","3,491","3,492","3,493","3,494","3,495","3,496","3,497","3,498","3,499","3,500","3,501","3,502","3,503","3,504","3,505","3,506","3,507","3,508","3,509","3,510","3,511","3,512","3,513","3,514","3,515","3,516","3,517","3,518","3,519","3,520","3,521","3,522","3,523","3,524","3,525","3,526","3,527","3,528","3,529","3,530","3,531","3,532","3,533","3,534","3,535","3,536","3,537","3,538","3,539","3,540","3,541","3,542","3,543","3,544","3,545","3,546","3,547","3,548","3,549","3,550","3,551","3,552","3,553","3,554","3,555","3,556","3,557","3,558","3,559","3,560","3,561","3,562","3,563","3,564","3,565","3,566","3,567","3,568","3,569","3,570","3,571","3,572","3,573","3,574","3,575","3,576","3,577","3,578","3,579","3,580","3,581","3,582","3,583","3,584","3,585","3,586","3,587","3,588","3,589","3,590","3,591","3,592","3,593","3,594","3,595","3,596","3,597","3,598","3,599","3,600","3,601","3,602","3,603","3,604","3,605","3,606","3,607","3,608","3,609","3,610","3,611","3,612","3,613","3,614","3,615","3,616","3,617","3,618","3,619","3,620","3,621","3,622","3,623","3,624","3,625","3,626","3,627","3,628","3,629","3,630","3,631","3,632","3,633","3,634","3,635","3,636","3,637","3,638","3,639","3,640","3,641","3,642","3,643","3,644","3,645","3,646","3,647","3,648","3,649","3,650","3,651","3,652","3,653","3,654","3,655","3,656","3,657","3,658","3,659","3,660","3,661","3,662","3,663","3,664","3,665","3,666","3,667","3,668","3,669","3,670","3,671","3,672","3,673","3,674","3,675","3,676","3,677","3,678","3,679","3,680","3,681","3,682","3,683","3,684","3,685","3,686","3,687","3,688","3,689","3,690","3,691","3,692","3,693","3,694","3,695","3,696","3,697","3,698","3,699","3,700","3,701","3,702","3,703","3,704","3,705","3,706","3,707","3,708","3,709","3,710","3,711","3,712","3,713","3,714","3,715","3,716","3,717","3,718","3,719","3,720","3,721","3,722","3,723","3,724","3,725","3,726","3,727","3,728","3,729","3,730","3,731","3,732","3,733","3,734","3,735","3,736","3,737","3,738","3,739","3,740","3,741","3,742","3,743","3,744","3,745","3,746","3,747","3,748","3,749","3,750","3,751","3,752","3,753","3,754","3,755","3,756","3,757","3,758","3,759","3,760","3,761","3,762","3,763","3,764","3,765","3,766","3,767","3,768","3,769","3,770","3,771","3,772","3,773","3,774","3,775","3,776","3,777","3,778","3,779","3,780","3,781","3,782","3,783","3,784","3,785","3,786","3,787","3,788","3,789","3,790","3,791","3,792","3,793","3,794"],"ٞ":{"1":[1,2],"16":[3,4],"20":[5,6],"39":[7],"41":[8],"42":[9],"44":[10,11],"45":[12],"46":[13],"48":[14],"49":[15],"50":[16],"51":[17],"52":[18],"55":[19,20],"56":[21],"57":[22,23],"58":[24,25],"60":[26,27],"61":[28],"62":[29,30],"63":[31,32],"64":[33,34],"65":[35,36],"66":[37],"67":[38],"69":[39],"70":[40],"71":[41,42],"73":[43],"74":[44],"75":[45],"76":[46],"77":[47],"78":[48],"79":[49],"80":[50,51,52],"82":[53,54],"83":[55,56],"84":[57,58],"85":[59,60],"86":[61,62],"87":[63],"88":[64,65,66],"89":[67],"90":[68,69,70],"91":[71,72],"92":[73],"93":[74,75,76],"94":[77,78],"95":[79,80],"96":[81,82,83],"97":[84,85,86],"98":[87,88],"99":[89,90],"100":[91],"101":[92,93],"102":[94,95,96],"103":[97,98],"104":[99,100],"105":[101,102],"106":[103,104],"107":[105],"108":[106,107,108],"109":[109,110],"110":[111],"111":[112,113,114],"112":[115,116],"113":[117],"114":[118,119,120],"115":[121,122],"116":[123,124,125],"117":[126],"119":[127],"122":[128,129,130],"123":[131,132],"124":[133],"125":[134,135,136],"126":[137,138],"127":[139,140],"128":[141,142],"129":[143,144],"130":[145],"131":[146],"132":[147,148,149],"133":[150,151,152],"134":[153],"135":[154],"136":[155,156],"137":[157,158],"138":[159],"139":[160,161,162],"140":[163,164],"141":[165],"142":[166],"143":[167,168,169],"144":[170,171,172,173],"145":[174,175],"146":[176],"147":[177,178],"148":[179,180],"149":[181,182],"150":[183],"151":[184],"152":[185],"154":[186],"155":[187],"156":[188,189],"157":[190],"158":[191,192,193],"159":[194],"160":[195],"162":[196],"163":[197,198],"164":[199],"165":[200],"166":[201,202,203],"167":[204,205],"168":[206,207],"169":[208,209,210],"170":[211,212],"171":[213,214],"172":[215,216],"173":[217,218],"174":[219,220],"175":[221],"176":[222,223,224],"177":[225,226,227],"178":[228],"179":[229],"180":[230,231,232],"182":[233,234],"183":[235,236],"184":[237,238],"185":[239,240,241],"186":[242,243],"188":[244,245],"189":[246],"190":[247],"191":[248,249],"192":[250,251],"193":[252,253],"195":[254,255],"196":[256],"197":[257],"198":[258],"200":[259,260],"201":[261,262],"202":[263],"203":[264,265],"204":[266],"205":[267,268],"206":[269,270],"207":[271],"208":[272,273,274,275],"209":[276,277],"210":[278],"211":[279],"212":[280],"213":[281],"214":[282],"215":[283],"216":[284,285],"217":[286,287],"218":[288,289],"219":[290,291,292],"220":[293,294],"221":[295,296,297],"223":[298],"224":[299],"225":[300,301],"226":[302,303,304],"227":[305,306],"228":[307],"229":[308],"230":[309],"231":[310],"232":[311],"233":[312,313],"234":[314,315],"236":[316],"237":[317],"238":[318,319],"239":[320,321,322],"240":[323],"241":[324,325],"242":[326,327],"243":[328,329,330],"244":[331,332],"245":[333,334,335],"246":[336,337,338],"247":[339,340,341],"248":[342,343],"249":[344,345],"250":[346],"251":[347],"252":[348,349,350],"253":[351,352],"254":[353,354],"255":[355,356],"256":[357,358,359],"259":[360],"262":[361,362,363,364],"263":[365,366],"265":[367,368,369],"266":[370,371],"267":[372,373],"268":[374,375],"269":[376,377,378],"270":[379,380],"271":[381,382,383,384],"272":[385,386],"273":[387,388],"274":[389,390],"275":[391],"276":[392],"277":[393,394,395],"278":[396,397,398],"279":[399],"280":[400,401,402],"281":[403,404],"282":[405],"283":[406],"285":[407],"286":[408,409],"287":[410],"289":[411],"290":[412,413],"291":[414,415,416],"292":[417],"293":[418,419],"294":[420,421],"295":[422,423,424],"296":[425,426,427],"297":[428,429],"298":[430,431],"299":[432,433,434],"300":[435,436,437],"303":[438,439],"304":[440,441],"305":[442,443,444,445],"307":[446],"308":[447],"310":[448,449,450],"311":[451,452],"312":[453,454],"313":[455,456,457],"314":[458],"315":[459],"316":[460,461],"317":[462,463],"318":[464,465],"319":[466],"320":[467,468],"321":[469,470],"322":[471],"323":[472],"324":[473,474],"325":[475],"326":[476],"327":[477],"328":[478,479,480],"330":[481],"331":[482,483,484],"332":[485],"333":[486],"334":[487,488],"335":[489,490],"336":[491],"337":[492,493],"338":[494,495],"339":[496,497],"340":[498,499,500],"341":[501,502],"342":[503,504],"343":[505,506],"344":[507,508],"345":[509],"346":[510,511,512],"347":[513],"348":[514,515,516],"349":[517,518,519],"350":[520],"351":[521,522],"352":[523,524],"353":[525,526],"354":[527,528],"355":[529,530],"356":[531,532],"357":[533,534],"358":[535,536,537,538],"359":[539],"361":[540,541],"362":[542,543],"363":[544,545],"364":[546],"365":[547],"366":[548],"367":[549],"368":[550,551,552,553],"369":[554,555],"370":[556],"371":[557,558],"373":[559,560],"374":[561],"375":[562],"376":[563],"377":[564],"378":[565],"379":[566],"380":[567],"381":[568,569],"383":[570,571],"384":[572],"385":[573,574],"386":[575],"387":[576,577],"388":[578,579,580],"389":[581,582],"390":[583],"391":[584,585,586],"392":[587],"393":[588,589],"394":[590],"396":[591],"400":[592],"401":[593,594],"403":[595],"404":[596],"405":[597,598,599],"406":[600],"407":[601],"409":[602],"410":[603,604],"411":[605,606],"412":[607],"413":[608,609,610],"414":[611,612],"415":[613,614,615],"416":[616,617,618],"417":[619,620],"418":[621,622],"419":[623,624,625,626],"420":[627,628],"421":[629],"422":[630,631],"423":[632,633],"424":[634,635],"426":[636,637],"427":[638,639],"428":[640],"430":[641,642],"431":[643,644,645,646],"432":[647,648,649],"433":[650],"434":[651,652],"435":[653,654],"436":[655,656,657],"437":[658,659],"438":[660,661,662,663],"439":[664,665,666],"440":[667,668,669],"441":[670,671,672,673],"442":[674],"444":[675,676,677],"445":[678],"446":[679,680],"447":[681,682,683],"448":[684,685,686],"449":[687,688],"450":[689],"451":[690,691],"452":[692,693],"453":[694,695],"454":[696,697],"455":[698],"456":[699,700,701],"457":[702,703],"458":[704,705,706],"459":[707,708,709,710,711],"460":[712,713,714],"461":[715,716,717,718,719],"462":[720,721,722,723],"463":[724,725,726],"464":[727,728,729],"465":[730],"466":[731,732],"467":[733,734,735,736],"468":[737,738],"469":[739,740],"470":[741,742],"471":[743,744],"472":[745],"473":[746],"474":[747,748],"475":[749,750,751],"476":[752,753],"477":[754,755,756,757],"478":[758,759],"479":[760,761,762],"480":[763,764],"481":[765,766,767],"482":[768,769],"483":[770,771,772],"484":[773,774],"485":[775,776],"486":[777,778],"487":[779,780,781],"488":[782,783,784],"489":[785,786,787],"490":[788,789,790,791],"491":[792,793,794],"492":[795,796,797,798],"493":[799,800,801,802],"494":[803,804],"495":[805,806],"496":[807,808,809],"497":[810],"498":[811],"499":[812],"500":[813,814,815],"501":[816,817,818,819,820],"502":[821,822],"503":[823,824],"504":[825],"505":[826,827],"506":[828,829,830,831],"507":[832],"508":[833],"509":[834,835,836],"510":[837,838],"511":[839],"512":[840,841],"513":[842,843],"514":[844],"515":[845],"516":[846,847],"517":[848,849,850],"518":[851,852,853],"519":[854,855,856],"520":[857,858,859,860],"522":[861],"523":[862],"524":[863,864,865],"525":[866,867],"526":[868],"527":[869,870],"528":[871],"529":[872,873],"530":[874,875,876],"531":[877,878],"532":[879,880],"533":[881,882],"534":[883,884],"535":[885],"536":[886,887,888],"537":[889,890],"538":[891],"539":[892,893],"540":[894,895,896,897],"541":[898,899],"542":[900,901],"543":[902,903],"544":[904,905],"545":[906],"546":[907,908],"547":[909,910],"548":[911,912],"549":[913,914],"550":[915,916,917],"551":[918,919,920],"552":[921,922],"553":[923,924,925],"554":[926,927],"555":[928,929,930,931],"556":[932,933,934],"557":[935,936,937],"558":[938,939,940,941],"559":[942,943,944],"561":[945],"565":[946,947],"566":[948],"567":[949],"569":[950,951],"570":[952,953],"571":[954,955],"572":[956],"574":[957],"575":[958],"576":[959,960,961],"577":[962,963],"578":[964,965,966,967],"579":[968,969],"580":[970],"581":[971,972],"584":[973,974,975],"585":[976],"586":[977,978],"587":[979],"588":[980],"589":[981,982],"590":[983,984,985],"591":[986,987],"592":[988,989,990],"593":[991,992,993],"594":[994,995,996],"595":[997,998],"596":[999,1000],"597":[1001,1002],"598":[1003,1004,1005],"599":[1006],"600":[1007,1008],"601":[1009,1010],"602":[1011,1012],"603":[1013],"604":[1014],"605":[1015,1016],"606":[1017],"609":[1018,1019],"610":[1020,1021],"611":[1022,1023,1024],"613":[1025],"614":[1026],"615":[1027,1028],"616":[1029],"617":[1030,1031],"618":[1032,1033],"619":[1034],"620":[1035,1036,1037],"621":[1038,1039],"622":[1040],"623":[1041],"624":[1042],"625":[1043],"626":[1044],"627":[1045,1046],"628":[1047,1048],"629":[1049,1050,1051],"630":[1052,1053,1054],"631":[1055,1056],"632":[1057,1058,1059],"633":[1060],"634":[1061,1062],"635":[1063],"636":[1064,1065,1066,1067],"637":[1068],"638":[1069,1070],"639":[1071],"640":[1072],"644":[1073,1074,1075],"645":[1076],"646":[1077,1078],"647":[1079],"648":[1080,1081],"649":[1082,1083],"650":[1084,1085,1086,1087],"651":[1088,1089],"652":[1090],"653":[1091,1092],"654":[1093,1094],"656":[1095,1096],"657":[1097],"658":[1098,1099],"659":[1100,1101],"660":[1102,1103],"661":[1104,1105,1106],"662":[1107,1108],"664":[1109,1110],"665":[1111,1112],"668":[1113,1114],"669":[1115],"670":[1116,1117,1118],"671":[1119,1120,1121],"672":[1122,1123],"673":[1124],"674":[1125,1126,1127],"675":[1128,1129,1130,1131],"676":[1132],"679":[1133],"680":[1134,1135],"681":[1136,1137,1138],"682":[1139],"683":[1140,1141,1142],"684":[1143,1144],"685":[1145,1146],"686":[1147],"687":[1148,1149],"688":[1150,1151],"689":[1152,1153,1154,1155],"690":[1156,1157],"691":[1158,1159,1160,1161],"692":[1162],"693":[1163],"694":[1164,1165],"695":[1166,1167,1168],"696":[1169,1170,1171],"697":[1172],"698":[1173],"699":[1174,1175,1176],"700":[1177,1178],"701":[1179,1180],"702":[1181,1182],"704":[1183],"707":[1184,1185],"708":[1186,1187],"709":[1188],"710":[1189,1190],"711":[1191,1192],"712":[1193],"713":[1194],"714":[1195,1196,1197],"715":[1198,1199,1200],"716":[1201],"717":[1202],"718":[1203,1204],"719":[1205],"720":[1206,1207],"721":[1208,1209],"722":[1210,1211],"723":[1212,1213],"724":[1214,1215,1216],"725":[1217,1218],"726":[1219,1220],"727":[1221,1222],"729":[1223],"730":[1224],"731":[1225,1226],"732":[1227,1228],"733":[1229,1230,1231,1232],"734":[1233],"735":[1234,1235,1236],"736":[1237,1238,1239,1240],"737":[1241,1242,1243],"738":[1244,1245,1246],"739":[1247,1248,1249,1250],"740":[1251,1252,1253,1254],"741":[1255],"742":[1256,1257],"743":[1258,1259],"744":[1260],"745":[1261,1262],"746":[1263,1264,1265],"747":[1266,1267],"748":[1268,1269,1270],"749":[1271,1272,1273],"750":[1274,1275,1276],"751":[1277,1278,1279,1280],"752":[1281,1282],"753":[1283,1284,1285],"754":[1286,1287],"755":[1288,1289,1290,1291],"756":[1292,1293,1294],"757":[1295,1296,1297],"758":[1298,1299],"759":[1300,1301,1302],"760":[1303,1304],"761":[1305],"762":[1306,1307],"763":[1308],"764":[1309,1310],"765":[1311],"766":[1312,1313],"767":[1314,1315,1316],"768":[1317,1318,1319],"769":[1320,1321,1322,1323],"770":[1324,1325],"771":[1326,1327],"772":[1328,1329,1330],"773":[1331,1332,1333],"774":[1334,1335,1336,1337],"775":[1338,1339],"776":[1340,1341,1342],"777":[1343,1344],"778":[1345,1346],"779":[1347,1348,1349],"780":[1350,1351,1352],"781":[1353,1354,1355],"782":[1356,1357,1358],"784":[1359],"785":[1360],"786":[1361,1362],"787":[1363,1364],"788":[1365,1366,1367],"789":[1368,1369,1370],"790":[1371,1372],"791":[1373],"792":[1374,1375],"793":[1376,1377],"794":[1378],"795":[1379,1380,1381],"796":[1382,1383,1384,1385],"797":[1386,1387],"798":[1388,1389],"799":[1390,1391],"800":[1392,1393],"801":[1394,1395,1396],"802":[1397,1398],"803":[1399,1400,1401],"804":[1402],"805":[1403,1404],"806":[1405],"807":[1406,1407],"808":[1408],"809":[1409,1410],"810":[1411,1412],"811":[1413,1414],"812":[1415,1416,1417,1418],"813":[1419,1420],"814":[1421],"816":[1422,1423],"817":[1424],"818":[1425],"819":[1426],"820":[1427,1428],"821":[1429],"822":[1430,1431],"823":[1432,1433],"824":[1434,1435,1436],"825":[1437,1438,1439],"826":[1440,1441],"827":[1442,1443,1444],"828":[1445],"829":[1446,1447,1448],"830":[1449,1450,1451,1452],"831":[1453,1454,1455],"832":[1456,1457,1458],"833":[1459,1460,1461],"834":[1462,1463],"835":[1464,1465,1466],"836":[1467,1468],"837":[1469,1470,1471],"838":[1472,1473],"839":[1474,1475],"840":[1476,1477],"841":[1478],"842":[1479],"843":[1480,1481],"844":[1482],"845":[1483],"846":[1484,1485,1486],"847":[1487,1488],"848":[1489],"850":[1490,1491,1492],"851":[1493,1494,1495],"852":[1496,1497,1498],"853":[1499],"854":[1500,1501],"855":[1502,1503],"856":[1504],"857":[1505],"858":[1506],"859":[1507],"860":[1508,1509],"861":[1510],"862":[1511],"864":[1512,1513],"865":[1514,1515,1516],"866":[1517],"867":[1518,1519],"868":[1520,1521],"869":[1522,1523],"870":[1524,1525],"871":[1526,1527],"872":[1528,1529],"873":[1530,1531],"875":[1532,1533],"876":[1534,1535],"877":[1536,1537,1538],"878":[1539,1540,1541],"879":[1542],"880":[1543,1544],"881":[1545,1546],"882":[1547,1548],"883":[1549,1550,1551],"884":[1552],"885":[1553,1554,1555],"886":[1556,1557],"888":[1558],"889":[1559],"890":[1560,1561,1562],"891":[1563],"892":[1564],"894":[1565],"895":[1566],"896":[1567,1568],"897":[1569,1570],"898":[1571],"899":[1572,1573,1574],"900":[1575,1576],"901":[1577,1578],"902":[1579,1580,1581,1582],"903":[1583,1584,1585],"904":[1586,1587,1588],"905":[1589],"906":[1590],"907":[1591,1592],"908":[1593,1594,1595],"909":[1596,1597],"910":[1598,1599,1600],"911":[1601,1602,1603],"912":[1604],"913":[1605,1606,1607,1608],"914":[1609,1610],"915":[1611,1612,1613],"916":[1614,1615],"917":[1616],"918":[1617,1618,1619],"919":[1620],"920":[1621,1622],"921":[1623,1624,1625],"922":[1626,1627],"923":[1628,1629],"924":[1630,1631,1632],"925":[1633,1634,1635],"926":[1636,1637],"927":[1638,1639],"928":[1640,1641,1642],"929":[1643,1644,1645,1646],"930":[1647,1648,1649,1650],"931":[1651,1652,1653],"932":[1654],"933":[1655,1656],"934":[1657],"935":[1658,1659],"936":[1660,1661,1662,1663],"937":[1664,1665],"938":[1666,1667,1668],"939":[1669,1670,1671,1672],"940":[1673,1674],"941":[1675,1676,1677,1678],"942":[1679,1680],"943":[1681,1682],"944":[1683,1684,1685,1686],"945":[1687],"946":[1688],"947":[1689,1690],"948":[1691,1692,1693],"949":[1694,1695,1696],"950":[1697,1698,1699],"951":[1700,1701],"952":[1702,1703,1704,1705],"953":[1706,1707],"954":[1708],"955":[1709],"956":[1710],"957":[1711,1712,1713],"958":[1714],"959":[1715,1716,1717],"960":[1718,1719],"961":[1720,1721,1722],"962":[1723,1724,1725],"963":[1726,1727,1728],"964":[1729,1730,1731],"965":[1732,1733,1734],"966":[1735,1736,1737],"967":[1738,1739,1740],"968":[1741],"969":[1742],"971":[1743,1744],"973":[1745,1746,1747],"974":[1748,1749,1750],"975":[1751],"976":[1752,1753],"977":[1754],"978":[1755,1756,1757],"979":[1758,1759,1760],"980":[1761,1762,1763],"981":[1764,1765],"982":[1766,1767,1768],"983":[1769,1770,1771,1772],"984":[1773,1774,1775],"985":[1776,1777,1778],"986":[1779],"987":[1780,1781,1782],"988":[1783,1784,1785],"989":[1786,1787,1788,1789],"990":[1790,1791],"991":[1792,1793,1794],"992":[1795,1796],"993":[1797,1798],"994":[1799,1800,1801],"995":[1802],"996":[1803,1804],"997":[1805,1806],"1000":[1807,1808,1809],"1001":[1810,1811],"1002":[1812,1813,1814],"1003":[1815,1816,1817],"1004":[1818,1819],"1005":[1820,1821],"1006":[1822,1823,1824],"1007":[1825,1826],"1008":[1827,1828,1829],"1009":[1830,1831,1832],"1010":[1833,1834,1835],"1011":[1836,1837,1838],"1012":[1839],"1013":[1840,1841,1842],"1014":[1843],"1015":[1844,1845,1846,1847],"1016":[1848,1849],"1017":[1850,1851],"1018":[1852,1853],"1019":[1854],"1020":[1855],"1021":[1856],"1024":[1857],"1025":[1858],"1026":[1859,1860],"1027":[1861],"1028":[1862,1863],"1029":[1864,1865],"1031":[1866,1867],"1033":[1868],"1034":[1869],"1035":[1870,1871],"1036":[1872],"1037":[1873,1874],"1038":[1875],"1039":[1876],"1040":[1877,1878],"1041":[1879,1880],"1042":[1881,1882,1883],"1043":[1884,1885],"1044":[1886,1887,1888],"1045":[1889],"1046":[1890,1891],"1047":[1892,1893,1894,1895],"1048":[1896,1897,1898,1899],"1049":[1900],"1050":[1901,1902,1903],"1051":[1904,1905,1906],"1052":[1907,1908],"1053":[1909,1910,1911],"1054":[1912,1913,1914,1915],"1056":[1916,1917],"1057":[1918,1919,1920],"1058":[1921,1922],"1059":[1923,1924,1925,1926],"1060":[1927,1928,1929],"1061":[1930,1931,1932,1933],"1062":[1934,1935],"1063":[1936,1937],"1064":[1938,1939],"1065":[1940,1941],"1066":[1942,1943,1944],"1067":[1945,1946,1947],"1068":[1948,1949],"1069":[1950,1951,1952,1953],"1070":[1954,1955,1956,1957],"1071":[1958,1959,1960,1961],"1072":[1962,1963,1964],"1073":[1965],"1074":[1966,1967],"1075":[1968,1969,1970],"1076":[1971,1972],"1077":[1973,1974,1975],"1078":[1976,1977,1978],"1079":[1979,1980,1981],"1080":[1982,1983,1984,1985,1986],"1081":[1987,1988],"1082":[1989,1990,1991],"1083":[1992,1993,1994],"1084":[1995,1996,1997,1998],"1085":[1999],"1086":[2000],"1087":[2001,2002,2003],"1088":[2004,2005,2006],"1090":[2007],"1091":[2008,2009,2010],"1092":[2011,2012,2013],"1094":[2014],"1096":[2015,2016,2017],"1098":[2018,2019,2020],"1099":[2021],"1100":[2022,2023,2024],"1101":[2025,2026,2027],"1102":[2028,2029,2030,2031],"1103":[2032],"1104":[2033,2034],"1105":[2035,2036],"1106":[2037],"1107":[2038],"1108":[2039,2040,2041],"1109":[2042,2043],"1110":[2044],"1111":[2045,2046,2047],"1112":[2048,2049,2050],"1113":[2051,2052],"1114":[2053,2054,2055],"1115":[2056,2057,2058],"1116":[2059,2060],"1117":[2061,2062,2063],"1119":[2064,2065],"1120":[2066,2067],"1121":[2068],"1122":[2069],"1123":[2070,2071,2072],"1124":[2073],"1125":[2074,2075,2076],"1126":[2077,2078],"1127":[2079],"1128":[2080,2081],"1129":[2082,2083,2084],"1130":[2085,2086],"1131":[2087,2088,2089],"1132":[2090,2091],"1133":[2092,2093,2094,2095,2096],"1134":[2097,2098,2099,2100,2101],"1135":[2102,2103,2104,2105,2106],"1136":[2107,2108],"1137":[2109,2110,2111],"1138":[2112,2113],"1139":[2114,2115,2116],"1140":[2117,2118,2119,2120,2121],"1141":[2122,2123,2124,2125,2126],"1142":[2127,2128,2129],"1143":[2130],"1144":[2131,2132,2133],"1145":[2134,2135,2136],"1146":[2137,2138],"1147":[2139],"1148":[2140,2141,2142,2143,2144],"1149":[2145,2146],"1150":[2147],"1151":[2148,2149],"1152":[2150],"1156":[2151,2152,2153],"1158":[2154,2155],"1159":[2156,2157],"1160":[2158,2159,2160],"1161":[2161,2162,2163,2164],"1162":[2165,2166,2167,2168],"1163":[2169,2170],"1164":[2171,2172,2173,2174],"1165":[2175,2176,2177,2178],"1166":[2179,2180],"1167":[2181,2182,2183],"1169":[2184,2185],"1170":[2186,2187],"1171":[2188,2189],"1172":[2190,2191],"1173":[2192,2193],"1174":[2194,2195],"1175":[2196],"1176":[2197],"1177":[2198],"1178":[2199,2200],"1179":[2201,2202],"1180":[2203],"1181":[2204,2205],"1182":[2206],"1183":[2207],"1184":[2208,2209],"1186":[2210,2211],"1187":[2212],"1188":[2213],"1189":[2214,2215],"1190":[2216,2217],"1191":[2218,2219],"1192":[2220,2221],"1193":[2222,2223],"1194":[2224,2225,2226,2227],"1195":[2228,2229],"1196":[2230,2231],"1197":[2232,2233],"1198":[2234,2235,2236,2237],"1199":[2238,2239],"1200":[2240],"1201":[2241,2242,2243],"1202":[2244],"1204":[2245],"1205":[2246,2247,2248],"1206":[2249,2250,2251,2252,2253],"1207":[2254,2255],"1209":[2256,2257],"1210":[2258,2259],"1211":[2260,2261],"1212":[2262,2263],"1214":[2264,2265,2266],"1215":[2267,2268,2269,2270],"1216":[2271,2272,2273],"1217":[2274,2275,2276],"1218":[2277,2278,2279],"1219":[2280,2281,2282],"1220":[2283,2284,2285],"1221":[2286,2287,2288,2289],"1222":[2290,2291],"1223":[2292,2293],"1224":[2294,2295],"1225":[2296,2297,2298],"1226":[2299,2300],"1227":[2301,2302,2303,2304],"1228":[2305,2306],"1229":[2307,2308,2309],"1230":[2310,2311,2312],"1231":[2313],"1232":[2314,2315],"1233":[2316,2317],"1234":[2318,2319],"1235":[2320],"1236":[2321,2322],"1237":[2323,2324,2325],"1238":[2326,2327],"1239":[2328],"1240":[2329,2330],"1241":[2331,2332],"1242":[2333],"1243":[2334],"1244":[2335,2336],"1245":[2337],"1246":[2338],"1247":[2339],"1248":[2340],"1249":[2341],"1252":[2342],"1253":[2343,2344,2345],"1254":[2346,2347],"1255":[2348],"1256":[2349,2350,2351],"1257":[2352,2353,2354,2355],"1258":[2356,2357],"1259":[2358,2359],"1260":[2360,2361],"1261":[2362],"1262":[2363],"1263":[2364,2365],"1264":[2366,2367,2368],"1265":[2369,2370],"1267":[2371,2372,2373],"1268":[2374,2375,2376,2377],"1269":[2378],"1270":[2379,2380],"1271":[2381,2382,2383],"1272":[2384],"1273":[2385,2386,2387],"1274":[2388,2389,2390],"1275":[2391,2392,2393],"1276":[2394],"1277":[2395,2396],"1278":[2397],"1279":[2398,2399],"1280":[2400,2401],"1281":[2402,2403,2404],"1284":[2405],"1285":[2406,2407],"1286":[2408,2409],"1287":[2410,2411],"1288":[2412,2413],"1289":[2414,2415,2416],"1290":[2417,2418],"1291":[2419,2420],"1293":[2421],"1295":[2422,2423,2424],"1296":[2425,2426,2427],"1297":[2428,2429,2430],"1298":[2431,2432],"1299":[2433,2434,2435],"1300":[2436,2437,2438,2439],"1301":[2440],"1302":[2441,2442,2443],"1303":[2444,2445,2446],"1304":[2447,2448,2449],"1305":[2450,2451,2452,2453],"1306":[2454,2455,2456],"1307":[2457,2458],"1308":[2459,2460],"1309":[2461,2462,2463,2464],"1310":[2465,2466,2467,2468],"1311":[2469,2470,2471],"1312":[2472,2473,2474],"1313":[2475,2476],"1314":[2477,2478,2479,2480,2481],"1315":[2482],"1316":[2483,2484,2485],"1317":[2486,2487,2488],"1318":[2489,2490],"1319":[2491,2492],"1320":[2493,2494],"1321":[2495],"1322":[2496],"1323":[2497],"1324":[2498,2499,2500],"1325":[2501,2502],"1326":[2503,2504],"1327":[2505,2506],"1328":[2507,2508],"1330":[2509],"1331":[2510,2511],"1332":[2512,2513,2514],"1333":[2515,2516],"1334":[2517],"1336":[2518,2519],"1337":[2520,2521],"1338":[2522,2523,2524],"1339":[2525,2526,2527],"1340":[2528,2529],"1341":[2530,2531,2532],"1342":[2533,2534,2535],"1343":[2536,2537,2538,2539],"1344":[2540,2541],"1345":[2542],"1346":[2543,2544],"1347":[2545,2546],"1348":[2547,2548,2549],"1349":[2550,2551],"1350":[2552],"1353":[2553,2554],"1354":[2555],"1355":[2556],"1356":[2557],"1357":[2558],"1358":[2559,2560],"1359":[2561,2562,2563],"1360":[2564],"1361":[2565,2566,2567],"1362":[2568,2569,2570],"1363":[2571,2572,2573],"1364":[2574],"1365":[2575,2576,2577],"1366":[2578,2579,2580,2581],"1367":[2582,2583],"1368":[2584,2585,2586],"1369":[2587,2588],"1371":[2589,2590],"1372":[2591,2592],"1373":[2593,2594],"1374":[2595,2596,2597],"1376":[2598,2599],"1377":[2600,2601],"1378":[2602,2603,2604],"1379":[2605,2606],"1380":[2607,2608,2609],"1381":[2610,2611,2612],"1382":[2613,2614],"1383":[2615,2616],"1384":[2617,2618,2619],"1385":[2620,2621,2622],"1386":[2623,2624],"1387":[2625,2626,2627],"1388":[2628,2629,2630],"1389":[2631],"1390":[2632,2633,2634],"1391":[2635,2636,2637],"1392":[2638,2639,2640],"1393":[2641],"1394":[2642,2643,2644],"1395":[2645,2646,2647],"1396":[2648,2649],"1397":[2650,2651],"1398":[2652],"1399":[2653,2654,2655],"1400":[2656,2657,2658,2659],"1401":[2660,2661,2662,2663],"1402":[2664,2665,2666],"1403":[2667,2668],"1404":[2669,2670,2671],"1405":[2672,2673],"1406":[2674],"1407":[2675,2676,2677],"1408":[2678,2679,2680],"1409":[2681,2682,2683],"1410":[2684],"1411":[2685],"1412":[2686,2687],"1413":[2688,2689],"1414":[2690,2691,2692],"1415":[2693,2694],"1417":[2695,2696,2697],"1418":[2698,2699],"1419":[2700,2701,2702],"1420":[2703,2704,2705],"1421":[2706,2707,2708],"1422":[2709,2710,2711],"1423":[2712],"1424":[2713,2714],"1425":[2715,2716,2717],"1426":[2718,2719,2720],"1427":[2721],"1428":[2722,2723,2724],"1429":[2725,2726],"1430":[2727,2728,2729],"1431":[2730,2731],"1432":[2732,2733,2734],"1433":[2735],"1434":[2736,2737],"1435":[2738,2739],"1436":[2740,2741,2742],"1437":[2743,2744,2745],"1438":[2746],"1439":[2747,2748],"1440":[2749,2750,2751],"1441":[2752,2753],"1442":[2754],"1443":[2755],"1444":[2756,2757],"1445":[2758,2759,2760,2761],"1446":[2762,2763,2764],"1447":[2765,2766,2767],"1448":[2768,2769],"1449":[2770,2771,2772],"1450":[2773,2774],"1451":[2775,2776],"1452":[2777,2778],"1454":[2779,2780,2781,2782],"1455":[2783,2784],"1456":[2785,2786,2787],"1457":[2788],"1458":[2789,2790],"1459":[2791,2792],"1460":[2793,2794,2795],"1461":[2796],"1462":[2797,2798],"1464":[2799],"1465":[2800,2801,2802],"1466":[2803,2804],"1467":[2805],"1468":[2806],"1470":[2807,2808],"1471":[2809,2810],"1472":[2811,2812],"1473":[2813,2814,2815,2816],"1474":[2817],"1475":[2818,2819,2820,2821],"1476":[2822,2823],"1477":[2824,2825],"1478":[2826,2827,2828],"1479":[2829,2830],"1480":[2831,2832],"1481":[2833,2834],"1482":[2835,2836],"1483":[2837,2838],"1484":[2839],"1485":[2840,2841],"1486":[2842],"1487":[2843],"1488":[2844,2845,2846],"1490":[2847,2848],"1491":[2849,2850],"1492":[2851,2852],"1493":[2853,2854,2855],"1496":[2856],"1497":[2857,2858,2859],"1498":[2860,2861],"1499":[2862,2863,2864],"1500":[2865,2866],"1501":[2867,2868,2869,2870],"1502":[2871,2872],"1503":[2873,2874,2875],"1504":[2876,2877],"1505":[2878,2879,2880,2881,2882],"1506":[2883],"1507":[2884,2885],"1508":[2886,2887],"1509":[2888,2889,2890],"1510":[2891],"1512":[2892,2893],"1513":[2894,2895,2896],"1514":[2897,2898,2899],"1515":[2900,2901],"1516":[2902,2903],"1517":[2904,2905],"1518":[2906,2907,2908,2909],"1519":[2910,2911,2912],"1520":[2913,2914],"1521":[2915,2916,2917],"1522":[2918],"1523":[2919,2920,2921,2922],"1524":[2923,2924,2925],"1525":[2926,2927,2928,2929],"1526":[2930,2931],"1527":[2932,2933],"1528":[2934],"1529":[2935],"1530":[2936,2937,2938],"1531":[2939,2940],"1532":[2941,2942],"1533":[2943,2944,2945],"1534":[2946],"1535":[2947,2948,2949,2950,2951],"1536":[2952,2953,2954,2955],"1537":[2956,2957,2958,2959,2960],"1538":[2961,2962,2963],"1539":[2964],"1540":[2965],"1541":[2966,2967],"1542":[2968,2969,2970],"1543":[2971,2972,2973],"1544":[2974,2975],"1546":[2976],"1547":[2977,2978,2979],"1548":[2980,2981],"1549":[2982,2983],"1550":[2984,2985,2986,2987],"1551":[2988,2989,2990,2991,2992,2993],"1552":[2994],"1553":[2995,2996,2997],"1554":[2998,2999,3000,3001],"1556":[3002,3003,3004],"1557":[3005],"1558":[3006,3007],"1559":[3008],"1560":[3009],"1561":[3010,3011],"1562":[3012,3013],"1563":[3014,3015,3016],"1564":[3017,3018],"1565":[3019,3020,3021],"1566":[3022],"1567":[3023],"1568":[3024,3025],"1569":[3026,3027],"1570":[3028],"1571":[3029,3030],"1572":[3031,3032,3033],"1573":[3034,3035,3036],"1574":[3037,3038],"1575":[3039,3040],"1576":[3041,3042,3043],"1577":[3044],"1578":[3045,3046],"1579":[3047,3048,3049,3050],"1580":[3051,3052,3053,3054],"1581":[3055,3056],"1582":[3057,3058,3059],"1583":[3060,3061],"1584":[3062,3063,3064],"1585":[3065,3066],"1586":[3067,3068,3069],"1587":[3070,3071],"1588":[3072,3073],"1589":[3074,3075],"1590":[3076],"1591":[3077,3078,3079],"1592":[3080],"1593":[3081,3082],"1594":[3083,3084],"1595":[3085,3086,3087],"1596":[3088,3089,3090],"1597":[3091,3092,3093],"1598":[3094,3095,3096],"1599":[3097,3098],"1600":[3099,3100,3101],"1601":[3102,3103],"1602":[3104,3105,3106,3107],"1603":[3108],"1604":[3109],"1605":[3110,3111,3112,3113],"1606":[3114,3115,3116],"1607":[3117,3118],"1609":[3119,3120,3121,3122],"1610":[3123,3124],"1611":[3125,3126,3127],"1612":[3128,3129],"1613":[3130,3131,3132,3133],"1614":[3134],"1615":[3135,3136],"1616":[3137,3138,3139,3140],"1617":[3141],"1619":[3142],"1621":[3143,3144],"1622":[3145,3146,3147],"1623":[3148],"1624":[3149,3150],"1625":[3151,3152,3153],"1626":[3154,3155],"1627":[3156,3157,3158],"1628":[3159,3160],"1629":[3161],"1631":[3162,3163,3164,3165],"1632":[3166,3167],"1633":[3168,3169],"1634":[3170,3171],"1635":[3172],"1636":[3173,3174,3175],"1637":[3176,3177],"1638":[3178,3179],"1639":[3180],"1640":[3181,3182,3183],"1641":[3184],"1642":[3185,3186],"1643":[3187],"1644":[3188,3189],"1645":[3190],"1646":[3191,3192,3193,3194],"1647":[3195,3196,3197],"1648":[3198,3199,3200],"1649":[3201,3202,3203],"1650":[3204],"1651":[3205,3206,3207,3208],"1652":[3209,3210,3211,3212],"1653":[3213,3214,3215],"1654":[3216,3217,3218,3219,3220],"1655":[3221,3222,3223,3224,3225],"1656":[3226],"1657":[3227,3228,3229],"1658":[3230,3231,3232],"1659":[3233,3234,3235,3236],"1660":[3237,3238,3239,3240],"1661":[3241,3242],"1662":[3243,3244,3245],"1663":[3246,3247,3248],"1664":[3249,3250,3251],"1665":[3252,3253,3254],"1666":[3255,3256,3257,3258,3259],"1667":[3260,3261,3262,3263],"1668":[3264,3265],"1669":[3266,3267,3268],"1670":[3269,3270],"1671":[3271,3272,3273,3274],"1672":[3275,3276,3277],"1673":[3278,3279,3280],"1674":[3281,3282,3283],"1675":[3284,3285,3286],"1676":[3287,3288,3289,3290],"1677":[3291,3292],"1678":[3293,3294,3295,3296],"1679":[3297,3298,3299],"1680":[3300,3301,3302],"1681":[3303,3304],"1682":[3305,3306,3307,3308],"1683":[3309,3310],"1684":[3311,3312,3313,3314],"1685":[3315,3316,3317],"1686":[3318,3319,3320,3321,3322],"1687":[3323],"1688":[3324,3325,3326],"1689":[3327,3328],"1690":[3329,3330,3331],"1691":[3332,3333,3334],"1693":[3335,3336],"1694":[3337,3338],"1695":[3339,3340],"1696":[3341,3342,3343],"1697":[3344,3345],"1698":[3346,3347],"1699":[3348],"1701":[3349],"1702":[3350,3351,3352],"1703":[3353,3354,3355],"1704":[3356,3357,3358],"1705":[3359,3360,3361],"1706":[3362],"1707":[3363,3364,3365],"1708":[3366],"1709":[3367],"1710":[3368,3369,3370],"1711":[3371,3372],"1713":[3373,3374],"1714":[3375,3376,3377],"1715":[3378,3379],"1716":[3380],"1718":[3381,3382,3383,3384],"1719":[3385],"1720":[3386],"1721":[3387],"1722":[3388,3389],"1726":[3390,3391,3392],"1727":[3393,3394],"1728":[3395,3396],"1729":[3397],"1730":[3398],"1731":[3399,3400],"1732":[3401],"1733":[3402,3403],"1734":[3404,3405,3406],"1736":[3407,3408,3409,3410],"1737":[3411,3412,3413,3414],"1738":[3415,3416,3417,3418],"1739":[3419,3420,3421],"1740":[3422,3423],"1741":[3424,3425,3426,3427],"1742":[3428],"1743":[3429,3430,3431],"1744":[3432,3433],"1745":[3434,3435],"1746":[3436,3437,3438,3439,3440],"1747":[3441,3442],"1748":[3443,3444],"1749":[3445],"1750":[3446,3447,3448],"1751":[3449,3450],"1752":[3451],"1753":[3452],"1754":[3453,3454],"1755":[3455,3456],"1756":[3457,3458,3459,3460],"1757":[3461,3462,3463,3464],"1758":[3465,3466,3467,3468],"1759":[3469,3470,3471],"1760":[3472,3473],"1761":[3474,3475,3476,3477,3478,3479],"1762":[3480,3481,3482,3483],"1763":[3484,3485],"1764":[3486,3487],"1765":[3488,3489,3490],"1766":[3491,3492,3493,3494],"1767":[3495,3496,3497,3498],"1768":[3499],"1769":[3500,3501],"1770":[3502,3503,3504],"1771":[3505],"1772":[3506,3507,3508,3509],"1773":[3510,3511,3512],"1774":[3513,3514],"1775":[3515,3516,3517,3518],"1776":[3519,3520],"1777":[3521,3522,3523],"1778":[3524,3525,3526],"1779":[3527,3528,3529],"1780":[3530,3531,3532,3533,3534],"1781":[3535,3536,3537],"1782":[3538,3539,3540],"1783":[3541],"1784":[3542,3543,3544],"1785":[3545,3546,3547,3548],"1786":[3549,3550],"1787":[3551,3552,3553],"1788":[3554,3555,3556,3557],"1789":[3558,3559,3560,3561],"1791":[3562,3563],"1792":[3564],"1793":[3565,3566,3567,3568],"1794":[3569,3570],"1795":[3571,3572,3573,3574],"1796":[3575,3576,3577,3578],"1797":[3579,3580],"1798":[3581,3582],"1799":[3583,3584,3585],"1800":[3586,3587,3588,3589],"1801":[3590,3591,3592],"1802":[3593,3594],"1803":[3595,3596,3597,3598],"1804":[3599,3600,3601],"1805":[3602,3603,3604],"1806":[3605,3606,3607],"1807":[3608,3609],"1808":[3610,3611,3612,3613,3614,3615],"1809":[3616,3617,3618,3619,3620,3621],"1810":[3622,3623,3624,3625,3626],"1811":[3627,3628],"1812":[3629,3630,3631,3632],"1813":[3633,3634],"1814":[3635,3636],"1815":[3637,3638],"1816":[3639,3640],"1817":[3641,3642],"1818":[3643],"1819":[3644,3645],"1820":[3646,3647],"1822":[3648],"1823":[3649,3650,3651],"1824":[3652,3653],"1825":[3654],"1826":[3655,3656],"1827":[3657,3658,3659],"1828":[3660],"1829":[3661,3662],"1830":[3663],"1831":[3664,3665],"1832":[3666],"1833":[3667,3668],"1834":[3669,3670],"1835":[3671,3672],"1837":[3673,3674],"1838":[3675,3676],"1839":[3677,3678],"1840":[3679],"1841":[3680,3681],"1842":[3682,3683,3684],"1843":[3685,3686],"1844":[3687,3688,3689,3690],"1845":[3691,3692,3693],"1847":[3694,3695,3696],"1848":[3697],"1849":[3698],"1850":[3699],"1851":[3700,3701],"1852":[3702,3703],"1853":[3704,3705,3706],"1854":[3707,3708],"1855":[3709,3710],"1856":[3711,3712],"1858":[3713,3714],"1859":[3715],"1860":[3716],"1861":[3717,3718,3719],"1862":[3720,3721],"1863":[3722],"1864":[3723,3724,3725],"1865":[3726,3727,3728],"1866":[3729,3730],"1867":[3731,3732],"1868":[3733,3734],"1870":[3735,3736],"1871":[3737,3738],"1872":[3739,3740],"1873":[3741,3742],"1874":[3743,3744,3745],"1876":[3746,3747],"1877":[3748,3749,3750],"1878":[3751,3752,3753],"1879":[3754,3755],"1880":[3756],"1881":[3757,3758,3759],"1882":[3760,3761,3762],"1883":[3763,3764],"1884":[3765,3766,3767],"1885":[3768,3769,3770],"1886":[3771],"1887":[3772,3773],"1888":[3774],"1889":[3775],"1890":[3776],"1891":[3777,3778],"1892":[3779],"1893":[3780,3781],"1894":[3782],"1895":[3783],"1896":[3784,3785],"1897":[3786,3787],"1898":[3788,3789,3790],"1899":[3791,3792],"1900":[3793],"1901":[3794],"1902":[3795,3796],"1903":[3797],"1905":[3798,3799],"1906":[3800],"1908":[3801],"1909":[3802],"1910":[3803,3804],"1911":[3805],"1912":[3806],"1913":[3807,3808],"1914":[3809,3810],"1915":[3811],"1916":[3812,3813],"1917":[3814,3815],"1918":[3816],"1919":[3817],"1920":[3818],"1921":[3819,3820],"1923":[3821,3822,3823],"1924":[3824],"1925":[3825,3826,3827,3828],"1926":[3829,3830],"1928":[3831,3832],"1929":[3833],"1930":[3834,3835],"1932":[3836],"1933":[3837],"1934":[3838],"1936":[3839,3840],"1937":[3841],"1938":[3842],"1939":[3843,3844],"1941":[3845],"1943":[3846,3847],"1944":[3848],"1945":[3849,3850],"1946":[3851,3852],"1947":[3853],"1948":[3854],"1949":[3855,3856],"1950":[3857],"1951":[3858],"1952":[3859],"1954":[3860],"1957":[3861],"1958":[3862],"1959":[3863,3864],"1960":[3865],"1961":[3866],"1962":[3867,3868],"1964":[3869,3870],"1966":[3871],"1967":[3872],"1969":[3873],"1970":[3874,3875],"1972":[3876],"1973":[3877,3878],"1975":[3879],"1976":[3880,3881],"1977":[3882,3883,3884],"1979":[3885],"1980":[3886],"1981":[3887,3888],"1983":[3889],"1984":[3890],"1985":[3891,3892],"1986":[3893],"1987":[3894],"1988":[3895,3896],"1990":[3897],"1991":[3898],"1992":[3899],"1993":[3900],"1994":[3901,3902],"1996":[3903],"1998":[3904,3905],"2000":[3906],"2001":[3907],"2003":[3908,3909],"2006":[3910,3911],"2008":[3912],"2009":[3913,3914],"2011":[3915],"2012":[3916],"2013":[3917,3918],"2015":[3919,3920],"2016":[3921],"2018":[3922,3923],"2019":[3924],"2021":[3925,3926],"2022":[3927],"2024":[3928,3929],"2026":[3930],"2028":[3931,3932],"2030":[3933],"2032":[3934,3935],"2034":[3936,3937],"2036":[3938,3939],"2037":[3940],"2038":[3941],"2039":[3942,3943],"2041":[3944,3945],"2042":[3946],"2044":[3947,3948],"2046":[3949,3950],"2049":[3951,3952],"2051":[3953,3954],"2053":[3955,3956],"2055":[3957,3958],"2057":[3959,3960],"2058":[3961],"2060":[3962,3963],"2062":[3964,3965],"2064":[3966,3967],"2066":[3968,3969],"2068":[3970,3971],"2069":[3972,3973],"2071":[3974,3975],"2074":[3976,3977],"2076":[3978,3979],"2078":[3980],"2080":[3981]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>[الجزء الاول]</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2>مدخل</span>\nترجع أهمية نشر هذا الكتاب إلى ثلاثة عوامل رئيسية:\nأولا: أنه من الناحية الموضوعية يعالج قضية هامة وهى تفسير القرآن الكريم على طريقة أرباب المجاهدات والأحوال، وهذا منهج في التفسير نادر في المكتبة العربية، فأنت تستطيع أن تجد عددا غير قليل من التفاسير التي تتناول النص القرآنى فى ضوء اللغة العربية أو الإعراب أو البلاغة أو الفقه أو أسباب النزول أو التشريع أو القصص والأخبار أو نحو ذلك مما هو مألوف ومعروف منذ نزل القرآن ومنذ ظهرت الاتجاهات المختلفة فى دراسته، ويمكن أن تجد عدة مصنفات لعدة شخصيات فى كل لون من هذه الألوان بحيث يغنيك واحد أو اثنان منها عمّا سواهما.\nفإذا بحثت عن التفسير الصوفي ألفيته- على العكس من ذلك- نادرا، وألفيت الإنتاج فيه غير شاف، فإمّا أن يكون مقتضبا «كتفسير القرآن العظيم» لسهل بن عبد الله التستري (المتوفى سنة ٢٨٣ هـ) وقد طبعته السعادة فى عام ١٩٠٨ م فيما لا يزيد على مائتى صفحة، ويستطيع القارئ أن يتصور كيف يمكن لمائتى صفحة أن تعنى بدراسة القرآن على نحو مرض.\nوإمّا أن يكون مطعونا فيه كما هو الشأن فى «حقائق التفسير» لأبى عبد الرحمن السّلمى (المتوفى سنة ٤١٢ هـ) الذي يقول فى وصفه- ونحن نقتطف منه هذه الفقرة لنوضّح ما قلناه آنفا عن ندرة التفسير الصوفي: «لمّا رأيت المتوسمين بعلوم الظاهر قد سبقوا فى أنواع فرائد القرآن من قراءات وتفاسير ومشكلات وأحكام وإعراب ولغة ومجمل ومفضّل، وناسخ، ومنسوخ، ولم يشتغل أحد منهم بفهم الخطاب على لسان الحقيقة إلا آيات متفرقة أحببت أن أجمع حروفا أستحسنها من ذلك وأضمّ أقوال مشايخ أهل الحقيقة إلى ذلك وأرتبه على السور حسب وسعى وطاقتى» [حقائق التفسير للسلمى مخطوطة ١٥٠ تفسير دار الكتب ص ٢٢١] .","vol":"1","page":3},{"text":"وعند ما ظهر حقائق التفسير، أحدث ضجة كبرى، فقد لقى معارضات شديدة من معاصريه وممن أتوا بعده، فانّهم بالابتداع والتحريف والقرمطة والتشيع ووضع الأحاديث على الصوفية يقول ابن الصلاح: (وجدت عن الإمام الواحدي أنه قد صنّف أبو عبد الرحمن السلمى حقائق التفسير، فإن كان قد اعتقد أن ذلك تفسير فقد كفر) وقال الذهبي فى «تذكرته»: أتى السّلمى فى «حقائقه» بمصائب وتأويلات للباطنية نسأل الله العافية تذكرة الحفاظ ج ٣ ص ٢٤٩.\nووصفه ابن تيمية بالكذب: (منهاج السنة ج ٤ ص ١٥٥) .\nوعدّ السيوطي تفسيره ضمن التفاسير المبتدعة معللا لذلك بقوله: «.... وإنما أوردته فى هذا القسم لأنه غير محمود (طبقات المفسرين للسيوطى ط ليدن سنة ١٨٣٩ ص ٣١) .\nأما إخوان الصفا الذين يحشرهم جولد تسيهر ضمن مفسرى الصوفية فى كتابه (مذاهب التفسير الإسلامى)، فهم أولا غير صوفية وإنما هم جماعة من المشتغلين بالفلسفة ذوى أغراض بعيدة خبيثة، ضمت صفوفهم لفيفا من الناس مختلفى النزعات والثقافات حتى كان من بينهم ملاحدة، فإحالتهم على الصوفية تجن على الحقيقة وعلى التاريخ وعلى التصوف، ولسنا نبرىء جولد تسيهر من ذلك- مع تقديرنا لكتابه القيّم.\nوحتى القرن الخامس الهجري لا نجد كما يقول صاحب (تاريخ أدبيات در ايران): «أهمّ من حقائق السلمى ولطائف الإشارات للقشيرى وتفسير سورة الإخلاص للغزالى» [تاريخ أدبيات در ايران للدكتور ذبيح الله صفا (مكتوب بالفارسية) فصل التفسير صفحة ٢٥٦، ٢٥٧] .\nوبعد ذلك بنحو قرن نلتقى بتفسير ابن عربى الذي هو قبل كل شىء مطعون فى نسبته إليه، وفى ذلك يقول الشيخ محمد عبده (اشتبه على الناس فيه كلام الباطنية بكلام الصوفية، وينسبونه للشيخ الأكبر محيى الدين بن عربى، وإنما هو للقاشانى الباطني الشهير) ويضيف الأستاذ الإمام (وفيه من النزعات ما يتبرأ منه دين الله وكتابه العزيز) تفسير المنار ج ١ ص ١٨) .","vol":"1","page":4},{"text":"نعم صدق الأستاذ الإمام، فالكتاب مملوء بدعاوى وحدة الوجود، وما جرّه هذا المذهب من ويلات، ولسنا هنا بصدد دراسة تفصيلية له، ولكننا نشعر بالحاجة إلى أن نسوق شواهد قليلة تثبت مجانبة هذا التفسير للحق، وكيف أنه لا يصح أن يكون نموذجا للاتجاه الصوفي السديد- كما حلا لجولد تسيهر أن يظهره ويتحمس له، ليخرج من ذلك بأحكام عامة يصدرها عن التصوف الإسلامى- كأنما يروى غليله.\nففى سورة المزمل عند قوله تعالى (واذكر اسم ربك وتبتّل إليه تبتيلا، يقول: (واذكر اسم ربك الذي هو أنت..) !! ج ٢ ص ٣٥٢.\nوفى سورة الواقعة عند قوله تعالى (نحن خلقناكم فلولا تصدقون)، يقول: نحن خلقناكم بإظهاركم بوجودنا، وظهورنا فى صوركم) ج ٢ ص ٢٩١ وليس هذا التصوّر بمستغرب على من يقول إن عجل بنى إسرائيل أحد المظاهر التي اتّخذها الله وحلّ فيها!! وليس من الإنصاف أن يقال للناس هذا هو رأى الصوفية المسلمين ولا رأى بعده، بل يجب أن نضع فى اعتبارنا أن مذهب وحدة الوجود مذهب فلسفى يبتعد عن المنهج القلبي العرفانى الذي اختطه أرباب المجاهدات والأحوال للوصول إلى وحدة الشهود، وفى وحدة الشهود- ومهما قيل عنها من كلام ظاهره مستشنع وباطنه سليم على حدّ تعريف أبى نصر السراج الطوسي للشطح- يبقى دائما شىء هام قوى ناصع أن العبد عبد والرب رب ولا تداخل ولا امتزاج ولا حلول ولا اتحاد، بل بمقدار ما يصل العبد إلى تحقيق عبوديته يصل إلى التحقق من ربوبيته الرب وتنزيهه عن كل إفك وباطل ... تعالى الله علوّا كبيرا.\nولا ينبغى لنا أن نغض الطرف عن قيمة التفاسير المبعثرة فى المراجع الصوفية الكبرى لآيات بعينها من القرآن الكريم، فإن تبعثر هذه التفاسير لا يحول دون تقديرها حق قدرها، ذلك لأنها غالبا ما سيقت لتدعيم موقف أو لتشهد على استمداد فكرة أو لفظة، فهى من هذه الناحية لا تخرج عن كونها تفسيرا صوفيا غير مجموع.\nوفيما عدا ذلك يمكن القول إن أبرز التفاسير الصوفية التي نعرفها كتابان أولهما «عرائس البيان فى حقائق القرآن» لأبى محمد روزبهان بن أبى النصر البقلى الشيرازي المتوفى سنة ٦٠٦ هـ[كشف الظنون ج ٢ ص ٢١]","vol":"1","page":5},{"text":"وثانيهما التأويلات النجمية» لنجم الدين داية المتوفى سنة ٦٥٤ هـ وقد مات قبل أن يكمله فأكمله علاء الدولة السمناني المتوفى ٧٣٦ هـ (كشف الظنون ج ١ ص ٢٣٨) .\nلأجل هذا كله نحتفل «بلطائف الإشارات» فأغلب ما سقناه من تفاسير صوفية لا يسلم من النقد، ولا يصحّ أن يكون نموذجا صالحا لتمثيل الصوفية والتصوف بأمانة وصدق.\n«لطائف الإشارات» سفر نفيس كتبه صاحبه محاولا أن يوفّق بين علوم الحقيقة وعلوم الشريعة، وقاصدا إلى هدف بعيد أنه لا تعارض بين هذه وتلك، وأن أي كلام يناقض ذلك خروج على أىّ منهما وعلى كليهما (فكل شريعة غير مؤيدة بالحقيقة فغير مقبول، وكل حقيقة غير مقيدة بالشريعة فغير محصول، الشريعة أن تعبده والحقيقة أن تشهده) الرسالة القشيرية ص ٤٦.\nوهذا ما حدث فعلا.. فأنت خلال قراءة «اللطائف» تشعر أن كل صغيرة وكبيرة فى علوم الصوفية لها أصل من القرآن، ويتجلّى ذلك بصفة خاصة حيثما ورد المصطلح الصوفي صريحا فى النص القرآنى كالذكر والتوكل والرضا، والولي والولاية والحق والظاهر والباطن، والقبض والبسط ... إلخ فلا تملك إلا أن تحكم أن الصوفية قد استمدوا أصولهم وفروعهم من كتاب الله الكريم، وأن علومهم ليست غريبة ولا مستوردة كما يحلو لبعض الباحثين حين يتهمون التصوف الإسلامى بالتأثر بالتيارات الأجنبية: اليونانية والفارسية والهندية والمسيحية ونحوها.\nكذلك تلحظ عبقرية القشيري إزاء اللفظة أو الآية حيثما لا يكون فيها اصطلاح صوفى، فإنه يستخرج لك من آيات الطلاق إشارات فى الصحبة والصاحب، ومن علاقة النبي بأصحابه إشارات عن الشيخ ومريديه، ومن مظاهر الطبيعة كالشمس والقمر والمطر والجبال إشارات رائعة تتصل اتصالا وثيقا بالرياضيات والمجاهدات أو بالمواصلات والمكشوفات.\nوربما قيل إن صنيع القشيري مسبوق وملحوق، ولكن ها نحن منذ قليل أوضحنا مقدار ما أصاب التفاسير الصوفية من سهام النقد، وبقي أن نتعرف الأسباب التي جعلتنا نحكم بأن لطائف الإشارات، خير مناضل عن التفسير الصوفي بعامة، بل بأنه من أفضل الأعمال","vol":"1","page":6},{"text":"التي أنتجتها قرائح الصوفية فى شتى العصور، وربما يبدو فى ذلك بعض التعميم مع أن الأحكام العلمية ينبغى ألا تخضع للتعميم لأننا لا نستطيع أن ندّعى المعرفة الشاملة بكل التراث الصوفي، ونعترف أن عشرتنا مع الكتاب وصاحبه عشر سنوات كاملة أثناء إعداد بحثى الماجستير والدكتوراه فى الموضوعات الصوفية، ونعترف أن حماسنا لما نلحظه من الاعتدال عند القشيري دون سائر الباحثين، ونعترف أنّ ما كنا نشعر به من وجوه النقص فى سائر المصنّفات التي نهض بها غيره فى هذا الخصوص- كلّ ذلك ربما كان الدافع إلى لجوئنا إلى هذا الحكم الذي سقناه.\nومن أعجب الأمور أن القشيري يشتهر «بالرسالة» التي لا تخرج عن كونها مجموعة من الأسانيد المنسوبة إلى الشيوخ فى موضوعات بعينها، ومجموعة من التراجم لأبرز الشيوخ الذين ظهروا منذ نهاية القرن الثاني الهجري حتى بداية القرن الخامس فى صفحات قليلة ربّما أغنت عنها الكتب المطوّلة التي وضعت خصيصا لهذا الغرض مثل تذكرة العطار أو طبقات السلمى أو طبقات الشعراني ونحوها. ومع تقديرنا «للرسالة» إلا أننا لا نعتبرها بحال من الأحوال أفضل أعمال القشيري، وأنها ظلمته حين شهرته، وحين أوقفت اسمه عليها، وأصبح حتما منذ الآن أن يقول الناس «القشيري صاحب اللطائف» لا صاحب «الرسالة» . فاللطائف هى أبلغ أعماله التي تزيد على العشرين- فى نقل صورة واضحة لشخصيته، ولست أدرى لماذا لم يجد هذا الكتاب ما هو جدير به من الاهتمام فى العصور الماضية؟ لماذا حكم عليه دائما أن يبقى فى منطقة الظل؟ حتى صار ما نعرفه عن نسخه كما نفهم من «تذكرة النوادر» وكما يقول بروكلمان- محدودا ومبعثرا بين روما وبرلين واسطنبول وتونس والهند والقاهرة، ومعظمها كما سنذكر بعد قليل غير كامل.\nولكى ندرك أهمية هذا الكتاب فى تصحيح كثير من المقاييس العلمية عن التصوف والتفسير الصوفي لا بدّ لنا أن نلم بشىء من سيرة صاحبه، ونكتفى من معالم هذه السيرة بما يمكن أن يتبرر به وصول هذا العمل الجليل بتلك الأوصاف وإلى تلك النتائج. وذلكم هو العامل الثاني لأهمية نشر هذا الكتاب:\nثانيا: صاحب هذا الكتاب هو عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك بن طلحة بن محمد القشيري، ولقبه زين الإسلام، وشهرته القشيري.","vol":"1","page":7},{"text":"ولد فى ربيع الأول عام ٣٧٦ هـ الموافق يوليو ٩٨٦ م.\nوتوفى فى يوم الأحد السادس عشر من ربيع الآخر عام ٤٦٥ هـ وهو عربى النسب من جهة أبيه فهو من قبيلة قشير العدنانية المتصلة بهوازن، ويذكر ابن حزم أن سلالات من قشير اتجهت إلى المغرب نحو الأندلس إبّان الفتح الإسلامى زمن الأمويين، واتجه بعضها إلى المشرق وكان منها ولاة وقواد على خراسان ونيسابور. (جمهرة الأنساب ٢٧٣ و٤٥٩) كذلك فإن القشيري عربى النسب من جهة أمه فهى سلمية وأخوها أبو عقيل السلمى من وجوه دهاقين أستوا، واستوا هى الناحية التي ولد فيها القشيري وتلقى بها تعليمه الأولىّ.\nوحدث أن اجتاحت المنطقة ضائقة اقتصادية، ففكر الأهالى فى إرسال لفيف من أبنائهم إلى نيسابور لكى يتلقوا من دروس الحساب ما يمكّنهم- بعد عودتهم- من المشاركة فى تنظيم الأمور الاقتصادية، وكان القشيري أحد هؤلاء الأبناء.\nوبدأ القشيري فى نيسابور يتهيأ لهذا اللون من الدراسة، ولكنه ما لبث أن انصرف عنها عند ما اجتذبته مجالس الفقه والكلام والحديث والتفسير والأدب، ولم تبخل نيسابور عليه بزاد، فلقد كانت فى ذلك الوقت تعج بالنشاط الفكرى، وتحفل بكبار الشيوخ أمثال ابن فورك، ومحمد بن أبى بكر الطوسي، وأبى إسحق الاسفرايينى، وقد ظفر القشيري فى كنف هؤلاء الأئمة برعاية خاصة حينما أتيح له الاتصال بهم، وأتيح لهم معرفته عن قرب، ووضح لهم فيه حسن الاستعداد، والدأب، واستقامة الخلق.\nولم يكن القشيري يضيع فترة ما بعد الدرس هباء، بل كان ينكب على القراءة والاستذكار وكان شديد الولع بالعلوم العقلية، وبخاصة تلك التي تتناول المسائل التي طالما اشتجر الخلاف حولها بين الأشاعرة وأهل الاعتزال، واستوعب فى هذه الفترة معظم ما صنّف الباقلاني.\nوجاء يوم سأل فيه الإمام الاسفرايينى تلميذه القشيري- حين وجده لا يكتب كما يكتب سائر الطلاب: أما علمت يا بنى أن هذا العلم لا يحصل بالسماع؟\n(ولكن القشيري أعاد عليه كل ما سمعه، وقرره أحسن تقرير، من غير إخلال بشىء فتعجّب منه وأكرمه، وقال له ما كنت أدرى يا بنى أنك بلغت هذا المحل، فلست تحتاج إلى درس يكفيك أن تطالع مصنفاتى، وتنظر فى طريقتى، وإن أشكل عليك شىء طالعتنى به","vol":"1","page":8},{"text":"ففعل ذلك، وجمع بين طريقة الاسفرايينى وطريقة ابن فورك) طبقات الشافعية للسبكى ج ٣ ص ٢٤٣ وما بعدها.\nوبينما كان القشيري منصرفا بكل همته إلى هذا اللون من الدراسة، دائب الاتصال بهذا الطراز من الشيوخ ساقه القدر ذات يوم إلى مجلس من لون آخر يتصدره شيخ من طراز آخر. استمع القشيري إلى أبى على الدقاق وهو يعظ على طريقة الصوفية ويتحدث فى الرياضات والمجاهدات، والأحوال والمكشوفات، والأذواق والمواجيد، والمعارف العليا التي تنثال من الحق على عباده الذين اصطفاهم، وإذا بالرجل والحديث يستوليان عليه، ويملكان فيه كل ذرة، وإذا القشيري يحادث نفسه صامتا: إنى لهذا خلقت! وعند ما كان يتهيأ ليغشى ما اعتاد من مجالس كانت أقدامه تسوقه نحو الدقاق ومجلسه فكان أول من يجلس وآخر من ينهض.\nولمحه الشيخ، ورأى فيه إصغاء ملفتا للنظر، فقربه منه، وحباه بعطفه.\nوذات يوم تقدم الطالب- فى استحياء- من شيخه، فشكا إليه أمرا حزبه إنه لا يستطيع أن يجمع بين المواظبة على ما اعتاد من مجالس وبين مجلس الدقاق، وهو يؤثر أن ينصرف بكل همته وعزيمته إلى علم القلوب، وابتسم الشيخ للشاب، وتطلع إلى وجهه، وربت على كتفه قائلا:\n- إنما ينبغى لك أولا أن تتقن دراستك بقدر طاقتك! ومضى الشاب الطموح يجمع بين الدراستين، وساعده ذلك على أن يتكون تكوينا عقليا ووجدانيا فى مرحلة من أدق مراحل العمر، كما ساعده على أن يتجنّب كثيرا من المشاكل النفسية التي تلم بأمثاله نتيجة الاغتراب عن بلده، ونتيجة الملل.\nوأعجب الدقاق بمثابرته وطموحه واستقامته وتواضعه (فاختاره لكريمته فاطمة مؤثرا إياه على سائر أقربائها الذين تقدموا لخطبتها)، وفيات الأعيان ج ٢ ص ٣٧٥.\nوهكذا توثقت الصلة بين الشيخ والشاب، وصار الدقاق رائدة وملهمه الذي أعانه على مواجهة مشكلات الحياة، وبصّره بآفات النفس وأدوائها، وكشف له عن الكثير من الخفايا والدقائق.","vol":"1","page":9},{"text":"فكان هذا الاتصال عاملا جديدا من عوامل الاستقرار النفسي، وبداية لمرحلة جديدة من النضج الفكرى، لأنه أتاح له أن يجد فى صهره شيخا ورائدا وصديقا، وسهّل عليه أن يهرع إليه يستنصحه إزاء كل مسألة تعرض له أو أمر ينبهم عليه، فلم يقع تحت تأثير بلبلة، ولم يخضع لأزمة، ولم تتجاذبه ضغوط أو صراعات.\nكل ذلك ترك أثره فى شخصيته، فلسنا نجد فى مؤلفاته اضطرابا أو جموحا أو غموضا، ولسنا نشعر فيما وراء السطور بعقدة من العقد، ولسنا نحس بميل إلى ابتداع، إنما نجد أنفسنا أمام شخصية سويّة، يتميز الخط الفكرى لها بالاستقامة والاعتدال، والوضوح والصدق، والإخلاص والبذل.\nولعلّ أبسط دليل على وفاء القشيري لشيخه أنك لو تصفحت «رسالته» لما غاب اسم الدقاق عن عينك، وهو يذكر اسمه دائما مقرونا بالتكريم والترحم، ويكفيك أن تقرأ هذه الفقرة لتوضح لك أولا شيئا عن مسلك القشيري خلال حياته العلمية وتوضح لك ثانيا مدى ما ينبغى أن تكون عليه علاقة المريد بشيخه، فهذه وتلك تصوّر ما نرمى إليه من بعيد عن كشف جوانب فى سيرة الرجل الذي تقدّم لك كتابه.\nيقول القشيري: «لم أدخل على الأستاذ أبى على﵀- فى وقت بدايتى إلا صائما، وكنت أغتسل قبله، وكنت أحضر باب مدرسته غير مرة فأرجع من الباب احتشاما من أن أدخل عليه، فإذا تجاسرت مرة ودخلت، كنت إذا بلغت وسط المدرسة يصحبنى شبه خدر حتى لو غرز فىّ إبرة مثلا لعلّى كنت لا أحس بها. ثم إذا قعدت لواقعة وقعت لى لم أحتج أن أسأله بلساني عن المسألة فكلما كنت أجلس كان يبتدىء بشرح واقعتى، وغير مرة رأيت منه هذا عيانا، وكنت أفكر فى نفسى كثيرا إنه لو بعث الله ﷿ فى وقتى رسولا إلى الخلق هل يمكننى أن أزيد فى حشمته على قلبى فوق ما كان منه رحمه الله تعالى؟ فكان لا يتصور لى أن ذلك ممكن، ولا أذكر أنّى فى طول اختلافي إلى مجلسه ثم كونى معه بعد حصول الوصلة أن جرى فى قلبى أو خطر ببالي عليه قط اعتراض إلى أن خرج- رحمه الله تعالى- من الدنيا) الرسالة ص ١٤٧.\nوليس استطرادا أن نذكر لك كلمة موجزة عن رأى عبد الرءوف المناوى فى الدقاق،","vol":"1","page":10},{"text":"لأن هذه الكلمة على إيجازها لا تكشف لك عن سمات الدقاق وحسب إنما هى سمات، القشيري ذاته فى أدق التفاصيل.\nيقول المناوى «هو أبو على الحسن الدقاق النيسابورى الشافعي، كان لسان وقته وإمام عصره، فارها فى العلم، محمود السيرة، مجهود السريرة، جنيدى الطريقة، سرّىّ الحقيقة، أخذ مذهب الشافعي عن القفال والحصرى وغيرهما، وبرع فى الأصول وفى الفقه وفى العربية حتى شدّت إليه الرّحال فى ذلك، ثم أخذ فى العمل، وسلك طريق التصوف، وأخذ عن النصرآباذي، قال ابن شهبه: وزاد عليه حالا ومقاما ... وقد أخذ عنه القشيري صاحب «الرسالة» وله كرامات ظاهرة ومكاشفات باهرة ١٠٤ هـ كلام المناوى بعد أن أخذ يضرب أمثلته لأقواله المنثورة والمنظومة [الكواكب الدرية فى تراجم الصوفية ترجمة الدقاق] .\nأمّا فى مجال الصداقة فلعلّ أوثق من نعرف اتصالا به صديقه أبو عبد الرحمن السلمى وصديقه أبو المعالي الجويني إمام الحرمين.\nوترجع أهمية السّلمى فى حياة القشيري إلى أنه غزير الإنتاج فى العلوم الصوفية، وأن القشيري استفاد من علمه، وآية ذلك أنك تجد السلمى فى «الرسالة» حلقة اتصال بارزة فى العديد من الأسانيد والأخبار التي عليها يعتمد القشيري موصولة بالدارقطنى والسّراج والنصرآباذي وغيرهم، ولكن الأهم من ذلك- فى تقديرنا- أن القشيري استفاد من السّلمى فائدة أبعد أثرا، ذلك أنه تجنّب التورط فى المزالق التي أدّت بصديقه إلى أن يتّهم وأن يكون موضع نقد معاصريه ومن جاء بعده، وقد نوّهنا بشىء من ذلك عند كلامنا عن «حقائقه» .\nأمّا الجويني فقد كان- كالقشيرى- شافعيا من حيث المذهب الفقهي، أشعريا من حيث العقيدة الكلامية، وقد تعرّض- كالقشيرى- لآلام المحنة التي اكتوى بنارها الأشاعرة، والتي سنتحدث عنها بعد قليل، وهاجر البلاد وجاور الحرمين، ولم يعد إلى وطنه إلا بعد انجلاء الغمّة.\nوإذا كان السّلمى صديقا أقرب إلى الأستاذ فإن الجويني كان صديقا أقرب إلى التلميذ، فقد استفاد من علم القشيري، فإذا تذكرنا أن الجويني أستاذ الغزالي أمكن أن نقول إن","vol":"1","page":11},{"text":"القشيري موصول بالغزالي لا بطريق المصنفات التي خلّفها وحسب بل بطريق السّند الذي يمثله الجويني.\nوفى مجال الحياة العملية نجد القشيري يضطلع بأعمال تتفق واستعداده وثقافته، فقد اشتغل بالتدريس فى مسجد المطرز وهو فى الثلاثين من عمره ويتضح ذلك من هذا النص:\n«كنت فى ابتداء وصلتي بالاستاذ أبى علىّرضي الله عنه- عقد لى المجلس فى مسجد المطرز، فاستأذنته وقتا للخروج إلى «نسا»، فكنت أمشى معه يوما فى طريق مجلسه، فخطر ببالي: ليته ينوب عنّى فى مجالسى أيام غيبتى.... إلخ» الرسالة ص ١١٦.\nوإلى جوار ذلك كان القشيري يعكف على التأليف دون انقطاع فانتهى من التفسير الكبير المعروف (بالتيسير في التفسير) قبل عام ٤١٠ هـ، ومن اللطائف عام ٤٣٤، ومن الرسالة عام ٤٣٧ واستمر يمارس هذا النشاط فى دأب لا يعرف الكلال حتى وصلت كتبه إلى خمسة وعشرين كتابا أو نحوها، ومن أهمها إلى جوار ما سبق: ترتيب السلوك، والتحبير فى التذكير، والأربعون حديثا، وشكاية أهل السنة بحكاية ما نالهم من المحنة، واستفادات المرادات، والقصيدة الصوفية، والتوحيد النبوي، واللّمع، والفصول، والفتوّة، ونحو القلوب الصغير، والكبير، والمقامات الثلاثة، وفتوى، والمعراج.\nولم يطبع من هذه الكتب إلا النذر اليسير، وفى النية أن نقوم- بعون من الله- بإخراج ما وقع لنا منها خلال رحلات طويلة عديدة، حتى يزداد الناس علما به وتقديرا له.\nولم يسلم القشيري خلال حياته من المحن والآلام، وربّما كانت أشدها جميعا ما حدث له إبّان حكم السلطان طغرل ووزيره اللعين الكندري.\nكان السلطان طغرل سنيا حنفيا، ووزيره أبو نصر الكندري معتزليا رافضيا، خبيث العقيدة، ذا آراء مسرفة فى التشبيه وخلق الأفعال، والقدر، وكان متعصبا فى ذلك أشد التعصب.\nوفى هذا الوقت كان بنيسابور شخصية فذّة لها فى أوساط العامة والخاصة نفوذ كبير، ومحبة فائقة، ذلكم هو الأستاذ أبو سهل بن الموفق أحد رجال الطبقة الرابعة الشافعية،","vol":"1","page":12},{"text":"وكان كثير المال جوادا، وكان مرموقا بالوزارة، وداره مجتمع العلماء، وملتقى الأئمة، ونظرا لما عرف عنه من تعلّق بالمذهب الأشعري، وذود عنه، وسعى حثيث لنشره فقد ألهب ذلك حقد الكندري، خاصة وقد كان يخشى أن يقع اختيار السلطان عليه للوزارة من دونه، فمضى يلفق- لدى السلطان- عنه التهم. ولم يكتف بذلك بل لجأ إلى حيلة دنيئة حين حصل من السلطان على تفويض بسبّ المبتدعة على المنابر، فلم يجد السلطان فى ذلك بأسا، فوافق عليه، ولكن الكندري استغل هذه الموافقة فأقحم اسم أبى الحسن الأشعري ضمن المبتدعة الواجب سبّهم، وكل من كان يرفض الانصياع لذلك من الوعاظ والخطباء يفصل من عمله، ويطرد من البلاد، فنجم عن ذلك شر خطير، وفتنة كبرى امتد شررهما إلى سائر المشرق، وبات الأشاعرة فى حزن مقيم.\nوفى وسط هذه المحنة، وذات يوم كثيب أسود جاء الأمر من قبل السلطان بالقبض على القشيري وإمام الحرمين والرئيس الفراتي وأبى سهل الموفق، ونفيهم، ومنعهم من المحافل، وحين قرئ الكتاب هجم جماعة من الأوباش على الأستاذ الفراتي وعلى القشيري وأخذوا يجرونهما فى الطرقات، ويكيلون لهما أقذع أنواع التهكم والاستخفاف حتى وصل الشرطة بهما إلى محبس القهندر.\nأمّا إمام الحرمين فقد هرب من البلاد على طريق كرمان، واتجه إلى الحجاز، وهناك جاور، وأمّا أبو سهل. فقد كان لحسن الحظ غائبا فى بعض النواحي.\nوبقي السجينان الجليلان فى المحبس، وقامت جماعات كبيرة من الناس لإنقاذهما، وحدثت حرب دامية بينهم وبين رجال السلطان انتهت بهزيمة رجال السلطان، وأخرج السجينان الجليلان من سجنهما، ولكن كبار الأشاعرة اجتمعوا وقرروا أن جهاز الحكم لن يهدأ له قرار، وأن الخير فى رحيل أئمة المذهب إلى أماكن نائية عن المشرق.\nفترك القشيري وطنه وبيته وأهله وعشيرته، ومضى يضرب فى الأرض الواسعة عشر سنوات كاملة، كان خلالها موضع التكريم والتبجيل، وأقبل الناس عليه وعلى دروسه إقبالا عظيما، حتى لقد خصص الخليفة العباسي- القائم بأمر الله- له مجلسا خاصا فى مسجد قصره، وكان يواظب على شهود وعظه ومجلس حديثه، ويكرمه، ويحظى ببركته.","vol":"1","page":13},{"text":"وقد وصف الخطيب البغدادي (صاحب تاريخ بغداد) مقدار إعجاب الناس بالقشيري، وكان هو نفسه أحد تلاميذه حيث يقول (حدّثنا وكتبنا عنه وكان ثقة) .\n(تاريخ بغداد ج ١٠ ص ٨٣) .\nوذهب القشيري الحج، وهناك التقى بصديقه الجويني وبعدد كبير من الأئمة الذين شردتهم المحنة طوال سنوات عديدة، فاجتمعوا وتدارسوا أحوالهم ومستقبلهم، واستقر رأيهم على أن يطيعوا كلمة واحد منهم مهما كانت هذه الكلمة حتى يتم الاتفاق على مبدأ ثابت يسرى عليهم جميعا، ولم يكن ذلك الذي وقع عليه اختيار الجمع غير عبد الكريم القشيري.\nفصعد المنبر، وظل يتكلم، وهم يجدون لكلامه وقعا مؤثرا على قلوبهم وعقولهم، ثم مرّت لحظات صمت، بعدها شخص القشيري ببصره إلى السماء ضارعا ثم أطرق، والناس من حوله يتابعون أمره، ويتفرّسون ملامحه ... ثم قبض على لحيته وصاح بصوت عال:\n«يا أهل خراسان.. بلادكم بلادكم، إن الكندري غريمكم يقطّع الآن إربا إربا، وإنى أشاهده الساعة وقد تمزّقت أعضاؤه ثم أنشد:\nعميد الملك ساعدك الليالى ... على ما شئت من درك المعالي\nفلم يك منك شىء غير أمر ... بلعن المسلمين على التوالي\nفقابلك البلاء بما تلاقى ... فذق ما تستحق من الوبال\n(تبيين كذب المفترى لابن عساكر ليدن ص ٩٣) ويقول السبكى فى طبقاته: (وضبط التاريخ فكان ذلك اليوم بعينه وتلك الساعة بعينها قد أمر السلطان بأن يقطع الكندري إربا إربا. وأن يرسل عضو منه إلى كل مكان) السبكى فى «طبقات الشافعية» ج ٢ ص ٢٧٢.\nوهكذا عاد القشيري بعد هذه السنوات العشر الثّقال (من ٤٤٥ إلى ٤٥٥) إلى بلاده، وهى وإن كانت أقسى فترات عمره، وأشدها آلاما إلا أنها كانت حافلة بالتجارب، وأعانته على زيادة خبرته بالحياة والأحياء، وساعدت على توثيق الصلة بينه وبين الأوساط العلمية والأدبية خارج المشرق، ودفعته إلى أن يصنّف العديد من المصنفات المتصلة بالمذهب الأشعري","vol":"1","page":14},{"text":"وبخاصة كتابه الجليل القدر «شكاية أهل السنة بحكاية ما نالهم من المحنة»، وهى قبل كل شىء وبعد كل شىء آية ثباته على مبدئه، وأنه خليق أن يتصدّر المفكرين الأحرار فى جيله.\nوجاء السلطان ألب أرسلان خلفا لعمه طغرل، وبمجىء أرسلان ووزيره الهمام الفذ نظام الملك استقبل العالم الإسلامى كله والأشاعرة بوجه خاص والقشيري بوجه أخص عهدا زاهرا آمنا، وعاد القشيري إلى مدينته الحبيبة نيسابور حيث قضى بها بقية عمره، وقضى بها عشر سنوات (كان فيها مرفها محترما، ومطاعا معظما، وأكثر صفوه فى آخر أيامه التي شاهدناه فيها آخرا، وازداد من يقرأ عليه كتبه وتصانيفه والأحاديث المسموعة له، وما يؤول إليه من نصرة المذهب حتى بلغ المنتمون إليه آلافا، فأملوا تذكيره وتصانيفه أطراف) «تاريخ نيسابور لعبد الغافر الفارسي حفيد القشيري» .\nوكان نظام الملك أحد تلاميذه والمقربين إليه، وأعاد الوزير- بفضل توجيه القشيري- للأشاعرة وللزهاد وللعلماء كل ما فقدوه إبّان المحنة الأليمة من كرامة وحظوة.\nأمّا أبناء القشيري فلا نعرف له إلا بنتا واحدة هى أمة الرحيم أم عبد الغافر الفارسي (قاموس الأعلام باللغة الأوزبكية ط اسطانبول سنة ١٣١٤ ص ٣٠٨٠) .\nونعرف له ستة أبناء كلهم عبادلة وكلهم أئمة، سلكوا مسلك أبيهم وقد ترجم لهم السبكى فى طبقاته كما تحدّث عنهم ابن عساكر وابن خلكان.\nولهذا ينبغى أن نتحفظ فى نسبة الأقوال المنسوبة إلى القشيري فى بعض المراجع فقد تكون هذه الأقوال صادرة عن أحد أبنائه فهم جميعا أشاعرة وهم جميعا شافعية وهم جميعا سلكوا طريق الإرادة.\nلبث القشيري فى نيسابور فى أخريات حياته لم يكد يبرحها إلا لزيارة أقاربه فى البلاد المجاورة مثل نسا وأبيورد، ولكنه كان يعود مسرعا إلى نيسابور بعد كل زيارة.\nوقبل أن تبزغ شمس السادس عشر من ربيع الآخر من عام ٤٦٥ هـ، كانت روحه الطاهرة قد عادت إلى بارئها. فوورى جثمانه إلى جوار صهره وشيخه وملهمه وصديقه أبى على الدقاق فى مقبرة خاصة بالأسرة ما زالت قائمة حتى وقتنا الحاضر يزورها الناس للتبرك.","vol":"1","page":15},{"text":"من خلال هذه السيرة التي حاولنا إيجازها نستطيع أن ندرك أهمية الكتاب الذي نقدم له.\nفصاحب الكتاب رجل أوتى حظّا وفيرا من العلوم العقلية والنقلية قبل أن يلج باب الصوفية، وهذه فى حدّ ذاتها ظاهرة لها أهميتها، وقد رأينا كيف نصح الشيخ الدقاق له بالتعمق فى هذه الدراسات قيل البدء بالسير فى دروب الإرادة، وفى ذلك أبلغ رد على من يتخرّصون الاتهامات عن الصوفية فيقولون إنهم قوم يجانبون العقل، ويحتقرون العلم ويأمرون تلامذتهم بكسر محابرهم- كما يدعى ابن الجوزي غفر الله له.\nوالقشيري بعد ذلك كله أديب ينظم الشعر ويتذوق الأسلوب العربي تذوقا يعتمد على أسس قوية، وقد أوضحنا ذلك بتفصيل كبير فى الأطروحة التي أعددناها عنه ونلنا بها درجة الدكتوراه.\nفإذا جاء بعد ذلك ليدرس الأسلوب القرآنى، وليستخرج منه إشارات لطيفة فهو معدّ لذلك أحسن إعداد، وهو قمين بالوصول إلى نتائج باهرة، بقدر ما لديه من تهيؤ صالح مكتمل.\nثم هو شافعى أشعرى، وهو سنى متحفظ، وهو بهذه الأوصاف باحث متعمق منصف، لا يأخذ- وهو يستخرج إشارة من العبارة- إلا جانب الحذر والحيطة والاعتدال، وهو من أجل ذلك لم يخرج قيد أنملة عن هذا الخط، فلم ينصر الحقيقة على حساب الشريعة، ولم ينصر الشريعة على حساب الحقيقة، ولذلك لا نعجب إذا لم نجد عنده جموحا أو ميلا إلى جموح، ولا نعجب إذا ألفيناه لا يسخط أوساط أهل السّنّة حتى من تعصّب منهم ضدّ التّصوف وأهله فقد كان رائده دائما نصرة الحق، فليس غريبا أن يجىء «لطائف الإشارات» تعبيرا صادقا عن التصوف فى أفضل درجات الاعتدال، وأنقى صور التناول. فليس عند القشيري ما عند غيره من مساس بالألوهية، بل هو طالما يعلنها حربا لا هوادة فيها على المبتدعين والمضللين الذين أساءوا إلى التصوف وأهله تارة تحت ستار الثوب، وتارة بدعوى الفناء المغرق، ونحو ذلك من الأباطيل.\nوالتصوف عند القشيري ليس ثوبا مرقعا، أو خرقة بالية تفرد صاحبها عمن سواه، وتكون علما على تقواه، إنما هو صفاء النفس من كروراتها. وإنّ من كان صادقا فى طويته ونيّته سيكون محفوظا فى حالة انمحائه، سوف يردّ فى حالة الجمع إلى حالة الفرق الثاني","vol":"1","page":16},{"text":"ليؤدى الفرائض الواجبة عليه ثم يعود إلى حالة الجمع مرة أخرى، ويكون فى كل أحواله مصرّفا بإرادة مولاه. كذلك فإن من كان صادقا فى بدايته ووسيلته وغايته كان محفوظا- من قبل الحق- فى كل كلمة ينطق بها أو كل حركة تصدر عنه، فإذا نطق نطق بالله، وإذا تحرّك تحرّك بالله. ومثل هذا العبد لا ينتظر منه- وهو فى يد الله على هذا النحو- أن يكون غريب الأقوال أو غريب الأفعال. فالصدق هو عمدة الأمر فى هذا السبيل- كما يرى هذا الإمام الجليل.\nثالثا: ننتقل بعد ذلك إلى العامل الثالث فى أهمية إخراج هذا الكتاب، وهو فى هذه المرة يعود إلى النسخة أو النسختين اللتين نعتمد عليهما فى التحقيق.\nالنسخ الكاملة من «اللطائف» نادرة فهى حسبما تقول تذكرة النوادر لا تزيد على خمس إحداها فى خزانة بانكى پور مكتوبة فى القرن التاسع، والثانية فى المكتبة الحبيبية تاريخ كتابتها عام ٨٤٤ وهى ناقصة من أولها، والثالثة فى الخزانة الآصفية بخط قديم جدا، والرابعة فى مكتبة الجامعة العثمانية بحيدرآباد مكتوبة بخطوط مختلفة سنة ٧٢٦ والخامسة فى مكتبة محمد باشا باسطنبول.\nغير أننا نعتقد أن هناك عددا أكبر من النسخ يزيد عما ذكرت التذكرة وأنها منبثة فى أنحاء متفرقة من العالم، ونرجح أن النسخ الكاملة نادرة جدا كما يشير بروكلمان. وإنه لمن دواعى التوفيق أن يتاح لنا أن نحصل- لأول مرة- على الكتاب كاملا، فقد وجدنا فى مدينة طشقند عاصمة جمهوريات أوزبكستان السوفيتية فى المركز الديني لمسلمى آسيا الوسطى وقازاخستان نسخة شبه كاملة تحت رقم ١٣٠٢ تفسير تبدأ بمقدمة بقلم القشيري- وهى على جانب كبير من الأهمية- لأنها تكشف عن منهجه فى الدراسة، ثم بعدها الفاتحة والبقرة و.... حتى سورة قريش، ومعنى ذلك أنها تنقص فقط سور الماعون والكوثر والكافرون والنصر والمسد والإخلاص والفلق والناس. وهذه السور القصيرة موجودة فى النسخة الأخرى التي عندنا فى مصر ورقمها ٢٦٦ تفسير (أنظر فهرس الخزانة التيمورية ط تفسير ص ٢٣٠) والتي تبدأ بالآية (إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل ...) فى سورة الأنبياء وقد قمنا بنسخ هذه المخطوطة، كما قمنا بالتقاط صورة بالميكروفيلم للنسخة الطشقندية ثم أجرينا تصويرها","vol":"1","page":17},{"text":"وتكبيرها بحيث تسهل قراءتها وكانت النسختان المادة الأساسية التي اعتمدنا عليها أثناء إعداد الدكتوراه عند كلامنا عن القشيري المفسّر.\nالنسختان إذا تتكاملان، ويصبح هذا السفر النفيس كاملا، ويقع فى نحو ألف ومائتين صفحة، اخترنا أن نقسمها إلى أربعة أجزاء تصدر متلاحقة فى مدى عام أو عامين حسبما تساعدنا الظروف ويرزقنا الله العافية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>وصف عام للنسخة السوفيتية</span>\nتبلغ أوراقها ٥٩٧ ورقة، والأرقام التي كتبها الناسخ مطموسة فى كثير من الأحيان ولذا حرصنا عند تكبير الميكروفيلم والتصوير والطبع أن نرقمها نحن من خلف حتى لا تضطرب الأمور عند القراءة والدراسة.\nوعلى الورقة الأولى توجد تعليقة مكتبة الإدارة الدينية هكذا:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>تفسير أبو القاسم القشيري</span>\n٢٠٠- صو ا ١٣٠٢- II ٣٥ أما الورقة الثانية فيبدو أنها كانت خالية فملأها أحد القراء بأحاديث وشواهد شعرية وكتابة باللغة الفارسية.\nثم تبدأ مقدمة الكتاب بقلم القشيري منذ الورقة الثالثة.\nوقد وقع خطأ فى ترقيم الصفحات، فبينما نجد الحديث متصلا غير منقطع بعد الورقة ٢١٤ نجد رقم الورقة التالية هو ٢٢٥ بدلا من ٢١٥، وهناك خطأ آخر ربما حدث قبل تغليف الكتاب: فالأوراق من ٣٩٤ إلى ٤٠١ كلها موجودة عقب الورقة ٤٣١ دون أن يحدث خلل أو سقوط، ومعنى هذا أن الكتاب رغم هذا- كامل لم يضع منه شىء.\nكذلك يقع تفسير أواخر طه وأوائل الأنبياء- خطأ- ضمن تفسير الفرقان. وقد صححنا هذا الوضع.","vol":"1","page":18},{"text":"ونظرا لعدم اكتمال النسخة من آخرها- كما قلنا من قبل- فلقد كنا نخشى أن يغيب عنّا التذييل الذي يذكر فيه الناسخ اسم وتاريخ انتهائه من عمله كما جرت العادة، ولكن لحسن الحظ وجدناه قد قسّم الكتاب قسمين كبيرين ينتهى القسم الأول بنهاية تفسير سورة الكهف ورقة ٣٧٨، وعندها كتب هذه العبارة باللغة الفارسية المختلفة بالعربية:\n(تمّ بعون الله وحسن توفيقه نصف أول از تفسير محقق إمام أبو قاسم القشيري رحمة الله عليه بتاريخ شهر شوال سنة ١٢٢٤) .\nومن هذه العبارة يتضح أن الناسخ غير عربى، وأنه ربما كان فارسيا أو أفغانيا أو أوزبكيا أو أذربيجانيا، فكثرة من سكان أفغانستان وأزبكستان وأذربيجان يعتبرون الفارسية لغة اتصالهم بالعلوم الإسلامية حتى اليوم.\nوقد نجم عن كون الناسخ فارسيا جنسا أو لغة أن كتابته ومراعاته للإملاء لم تكونا جيدتين، وكان علينا أن نقرأ الكتاب قراءة متفحصة لنحاول أن نحدد الطريقة التي اتبعها، لأنها- بما فيها من خطأ أحيانا أو خروج على المألوف فى الرسم أحيانا أخرى- هى التي جرى عليها عند نقله من النسخة الأخرى التي يحتمل أنها تجرى على هذا النحو، وربما كان الناسخ ينقل على نحو يكون مفهوما لديه، وميسور القراءة له وحده.\nوهو لا يهتم بضبط الكلمات، ولا بترقيم العبارات فليس هناك ضبط أو فاصلة أو علامات استفهام أو أقواس أو علامات تعجب أو نحو ذلك. وقد وقع الناسخ فى أخطاء عديدة أثناء النسخ، وربّما كان مسئولا عن ذلك أو يحتمل أن النسخة التي نقل عنها بهذا الوصف.\nوهامش النسخة وبخاصة فى القسم الأول من الكتاب حافلة بالتعليقات، بعضها مكتوب بالفارسية قصد منها شرح المفردات وترجمتها.\nوهناك عناوين جزئية مكتوبة باللغة العربية بخط حسن تشير إلى موضوعات متنوعة ربما قصد بعض القراء إلى أن يجمعها ليستفيد منها، وليحدد موقف المصنّف إزاءها مثل (الروح- حقوق الوالدين- الدعاء- النّفس ... إلخ) .\nوعند ما كانت تسقط بعض الكلمات أو العبارات من الناسخ أثناء النقل كان يستدرك","vol":"1","page":19},{"text":"فيضع علامة مميزة على آخر كلمة فى المتن بدأ بعدها السقوط ويضع العلامة نفسها فى الهامش فوق الكلمة أو العبارة الساقطة، فإذا تكرر السقوط فى الصفحة الواحدة ميّز كل موضع وكل مستدرك بعلامة مباينة. كذلك فإنه كان يضع علامة خاصة عند ما يعيد كتابة كلمة أو عبارة أو سطر بدون داع حتى يلفت نظر القارئ إلى ما وقع فيه من سهو.\nولم يحدث أن وضع الناسخ ترجمة فارسية لكلمة داخل المتن بل كان يكتب الترجمة أسفل نظيرها، اللهم إلا فى حالة واحدة داخل شاهد شعرى:\nآن كه شاد شود در عطا دادن ومعناها: أصبح حينئذ مسرورا بالعطاء.\nونستبعد أن القشيري يفعل ذلك، فعلى الرغم من إتقانه للغة الفارسية إلا أنه حرص فيما نعرف له من مصنفات أن يكتب بالعربية خالصة.\nويبدو أن النسخة أتيح لها أن تراجع ذات مرة، فهناك تصحيحات مختلفة فى رسم الكتابة موجودة فى الهامش فى أماكن مقابلة لموضع التصحيح فى المتن. ومن أمثلة ذلك ما جاء فى الورقة ٣٥٠ أول سورة الإسراء (وتوحّد بعلو قعونه) تصحح فى المراجعة (وتوحّد بعلو نعوته) .\nوفى الورقة ٣٦١ (لبلاء أو شدة يقاليها) تصحح فى الهامش (لبلاء أو شدة يقاسيها) .\nوفى الورقة ٣٧٢ جاء فى سياق وصف الدنيا (نعمها مشوقة بنقمتها تصحح فى المراجعة (نعمها مشوبة بنقمها) .\nوقد كنا نحكّم الدقة عند الاستفادة من هذه المراجعة لأننا نفترض أنها قد تكون نوعا من الاجتهاد الشخصي وليست تصويبا على نسخه أفضل.\nبقي شىء هام جدا، وهو توضيح موقفنا من أخطاء الناسخ، ويمكن أن نقول إننا اتخذنا منها ثلاثة مواقف.\n(ا) موقفا نجد فيه الخطأ مؤكّدا ويتجلى ذلك عند كتابة بعض الآيات الكريمة حيث تسقط كلمة أو حرف أو تزيد كلمة أو حرف، فنصلح هذا الخطأ.","vol":"1","page":20},{"text":"(ب) موقفا فيه الخطأ شبه مؤكد وعند ذلك نكتب فى المتن ما نراه صوابا دون أن نترك الأمر على عواهنه بل نثبت فى الهامش ما جاء فى النسخة، موضحين أسباب رفضنا لما كتبه الناسخ حتى نضع أمام القارئ صورة أمينة لما نقوم به من عمل، وكان المفروض أن نكتب كل ما كتب الناسخ فى المتن وأن نصوّب ما نراه فى الهامش ولكن هذه الأخطاء كثيرة جدا بحيث تعوّق القراءة، وتشق على الدارس.\n(ح) موقفا فيه خطأ الناسخ محتمل، وعند ذلك ننقل عن الناسخ ما كتب فى المتن، ونشير إلى موقفنا إزاءه فى الهامش قائلين (ونرجح كذا ... أو لا نستبعد أنها فى الأصل كذا) تاركين الرأى للقارئ والدارس فى أن يختارا ما يريانه أقرب إلى الصواب.\nأمّا المشتبهات فنضع مكانها نقطا بين أقواس ونشير إليها فى الهامش، وليس لنا فيها حيلة إلا إذا ظهرت لنا نسخة من الكتاب أكثر وضوحا.\nوإذا تطلب السياق كلمة أو حرفا ليتماسك ويتضح وضعناها من عندنا بين قوسين مشيرين إليها فى الهامش.\nوتجب ملاحظة أننا لا نقحم أنفسنا فى تكملة أو ترجيح إلا بناء على معرفة بأسلوب القشيري الذي ترجع معاشرتنا له إلى سنوات تزيد على العشر، كذلك كثيرا ما نرجع إلى مصنفاته الأخرى لنتبيّن رأيه فى موضع مناظر ومع كل ذلك فإننا دائما نضع الأمر بين يدى القارئ لنترك له أن يشاركنا، وله أن يقتنع بما نقول أو يتقبل ما نقلناه عن الناسخ بحذافيره حسبما يحلو له، وله أن يرفض.\nومع أن الهوامش لا تخلو من تعليقات وشروح وتخريجات للحديث الشريف إلا أننا نشعر أنها مقتضبة وغير كافية، فحرصنا على تزويد الناس بالمتن كان رائدنا الأول فى هذه المرحلة، على أننا نعد- إن أعاننا الله- أن نتمم هذا العمل بشروح أكثر بسطة، فليس «اللطائف» بأقل حاجة إلى الشروح من «الرسالة» التي حظيت باهتمام الدارسين والباحثين طوال أجيال متعاقبة.","vol":"1","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>النسخة المصرية</span>\nتبدأ هذه النسخة كما قلنا من قبل بالآية (إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل ...) حتى نهاية الكتاب، وترجع أهمية هذه النسخة إلى أنها أولا أكملت ما ينقص النسخة السوفيتية من قصار السور، كما أنها ساعدت- نظرا لوضوح كتابتها أكثر من زميلتها- على التقليل من المشتبهات، وتتجلى أهمية ذلك فى المجلد الثاني.\nولسنا ندرى شيئا عن الناسخ الذي اضطلع بها ولا عن تاريخ نسخها نظرا لأنها ناقصة من بدايتها كما أن الناسخ لم يترك شيئا عنه فى نهايتها، ونرجح أنها أحدث عهدا من النسخة السابقة اعتمادا على رسم الكتابة وقواعد الإملاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>منهج القشيري فى تأليف الكتاب وأهميته</span>\nصدّر القشيري كتابه بمقدمة مفيدة أوضحت خطته فى تناول الأسلوب القرآنى، وهذه المقدمة لا تلقى ضوءا على الكتاب وحده إنما تقف بنا على المقصود بالتفسير الإشارى للقرآن، وسائله وغاياته.\nأطلق القشيري على كتابه اسم «لطائف الإشارات» وإذا فالتسمية التي زعمها صاحب كتاب (تاريخ أدبيات در ايران) ج ٢ ص ٢٥٧ ط ثالثة سنة ١٣٣٩ غير صحيحة حيث يقول:\n«لطائف الإشارات فى حقائق العبارات» .\nومن المقدمة نفهم أن هذا اللون من التفسير يعتمد على استبطان خفايا الألفاظ- مفردة أو مركبة- دون التوقف عند حدود ظواهرها المألوفة ومعانيها القاموسية، وإنما ينظر إلى اللفظة القرآنية على أنها ذات جوهر يدق على الفهم العادي، وأهل التجريد وحدهم هم الذين يتاح لهم- بفضل من الله- العلم الذي يكشفون به عن هذا الجوهر.\nوهناك رباط وثيق بين هذا العلم وبين العمل إذ لا يحظى به إلا من جرّد قلبه من كل سانحة، وصفّى نفسه من كل كدورة، وتهيأ بكل الهمة لهذه المهمة الجليلة: دراسة كلام الحق جلّ ذكره، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.","vol":"1","page":22},{"text":"وفى ذلك يقول القشيري فى مقدمته: «أكرم الأصفياء من عباده بفهم ما أودعه من لطائف أسراره وأنواره لاستبصار ما ضمنه من دقيق إشاراته وخفّى رموزه، بما لوّح لأسرارهم من مكنونات، فوقفوا بما خصوا به من أنوار الغيب على ما استتر عن أغيارهم، ثم نطقوا على مراتبهم وأقدارهم، والحق﷾- يلهمهم بما به يكرمهم، فهم به عنه ناطقون، وعن لطائفه مخبرون، وإليه يشيرون، وعنه يفصحون، والحكم إليه فى جميع ما يأتون به ويذرون» .\nويتضح- بادئ ذى بدء- أنّ هذا اللون من الدراسة يفترق عن سائر ألوان الفكر الإسلامى فى أمور كثيرة، لعلّ أهمها عنصر الاصطفاء من قبل الله، فليس يمكن لغير من اختصهم الله بفضله أن يخوضوا فيه. فأنت تستطيع أن تكون متكلما أو فيلسوفا أو نحويا أو أديبا إذا توفّرت لذلك، وكان لديك استعداد ملائم، وخصصته بعنايتك، أمّا أن تكون مستنبطا للإشارة من العبارة فهذه خصوصية فريدة لا بدّ أن يسبقها اجتباء إلهى. كذلك يمكنك أن تكون عالما فى أي فرع من فروع المعرفة دون أن يصحب ذلك عمل، أمّا أن تقبل على القرآن الكريم لتستشف الجواهر من وراء الظواهر فهذه مسألة ينبغى أن تقترن بجهود مضنية فى تصفية النفس والقلب من كل العلائق، وتخليتهما عن كل الشواغل الدنية، وتحليتهما بكل الأوصاف السنيّة.\nوربما كانت هذه الشروط المتصلة بالاجتباء المسبوق، والعمل المقترن بالعلم من أسباب ندرة ما وصلنا من هذا اللون من التفسير، كما أنها قد تكون أسباب خروج بعض ما يحشر فى نطاقه- زورا أو خطأ- عن التفسير الإشارى السديد.\nفرق آخر يفرق هذا اللون من التفسير عن غيره أنه لا يعتمد اعتمادا كليا أو مسرفا على العقل، إنما هو يعنى بالأمور العقلية بالقدر الذي يعني به الصوفية بالعقل، ونعني به أن الذهن آلة لتصحيح الإيمان فى مراحل البداية، أمّا فيما فوق ذلك وفيما هو حثيث الخطو نحو المعارف العليا فهناك ملكات أخرى يناط بها حمل هذا العبء، وهى فى مذهب القشيري تتدرج صعودا من القلب إلى الروح إلى السر ثم إلى سر السر أو عين السر. معنى هذا أن استنباط الإشارات اللطيفة من النص القرآنى ليس عملية عقلية صرفة إلا فى الحدود التي تضمن عدم","vol":"1","page":23},{"text":"افتيات الإشارة على العبارة، فلا تخرج بها عن مألوف ما ينسجم مع الأسلوب العربي سواء من حيث اللغة أو النحو أو الاشتقاق أو الفنون الأدبية، ولا تخرج بها عن الدلالات التي توافق أسباب النزول والأخبار الموثوقة وعلوم الحديث والأصول والفقه، فكأن الإشارة ليست انبعاثا تلقائيا محضا ولكنها مقيدة- منذ البداية- بالكثير من العلوم العقلية والنقلية فما أشبه موقف اللفظة القرآنية فى هذا المجال بموقف من يتهيأ لارتياد الطريق الصوفي فكلاهما يتعرّى عن ظاهره، وكلاهما يخضع لما تتطلبه المعارف العقلية والنقلية من شرائط البداية، وكلاهما يصبح صافيا رائقا يشف درجة بعد درجة كلما زاد الصعود وارتقى القصود..\nفاللفظة القرآنية فيها حياة وفيها نمو، وفيها عوالم مضيئة متألقة تشبه تلك العوالم التي يتدرج فيها العابد الزاهد المريد العارف المحب.\nقد يقال وأي فرق إذا بين التفسير الإشارى وغيره من التفاسير مادام يعنى بالأمور العقلية والنقلية؟ والجواب على ذلك أنه لا يعنى بهذه الأمور لذاتها، ولا يوقف نفسه داخل أسوارها، ولا يقطع العمر فى حزازاتها وخلافاتها، إنما هى وسيلة فى الابتداء يلجأ إليها المفسر بمقدار ما يسعفه حظه منها لكى يفض الأغلفة الظاهرية. وهذه العناية إن التزمت بذلك صارت وسيلة من وسائل إقناعنا بأن التفسير الإشارى ليس عشوائيا يخب فيه كل من هبّ ودبّ ولكنه خاضع لنواميس وقواعد.\nونستطيع بعد ذلك أن نميّز بين تفسير القشيري فى «لطائفه» وبين أولئك الذين ننسب تفاسيرهم إلى التصوف وأهله، أولئك الذين أسرفوا حين حمّلوا النص القرآنى فوق ما يحتمل، وبدلا من أن يخضعوا للنص القرآنى أخضعوا النصّ القرآنىّ لنصرة مذاهبهم، وساروا فى الدروب العقلية حتى جمحوا، وابتعدوا عن الخط الأصيل حتى صارت تفاسيرهم جديرة بالدرس فى مجالس الفلسفة والكلام لا في مجالس الرياضات والمجاهدات والأحوال. أمّا عند القشيري فليس هناك مذهب عقلى خبىء، ولا عقيدة باطنية مستورة، كلّ ما عنده من قصد أن يتمّ لقاء كامل بين الشريعة والحقيقة فى ظلال كلمات الله- جل ذكره، لأنه إذا لم يتم هذا اللقاء فى كنف كلام الله فأين يمكن أن يتم؟! وهنا تلتقى هذه المحاولة التي بذلها فى «اللطائف» مع المحاولة التي بذلها فى «الرسالة»","vol":"1","page":24},{"text":"فهو منذ الصفحة الأولى فى «رسالته» يحاول أن يعرّف بأن عقيدة الشيوخ «الذين بهم اقتداء» عقيدة سليمة لا تخرج في قليل أو كثير عن عقيدة التوحيد الرائقة الصافية، ثم يسير فى تراجم الشيوخ ليختار لك من أقوالهم وأخبارهم وأفعالهم ما يؤيد ذلك، ثم يبوّب رسالته إلى التوبة والزهد والتوكل والرضا والمحبة ... إلخ. ولا ينثنى عند استفتاح كل باب عن ذكر آيات من كتاب الله الكريم بعدها أحاديث وأخبار عن الرسول صلوات الله عليه..\nلماذا كل ذلك؟ لكى يثبت أن هناك لقاء بين الشريعة والحقيقة، وأنهما وجهان لشىء واحد..\nتلك هى الغاية القصوى التي يطمح إليها هذا الإمام الجليل، والتي من أجلها نذر عمره، وخصص جهده، ولم يضن عليها بشىء في استطاعته، ولم يفارقه الطموح إليها فى مصنّف من مصنفاته ... وما أعظمها وما أشرفها من غاية! فإذا كنّا أخرجنا من نطاق التفسير الإشارى هذه التفاسير المنسوبة لبعض المنتسبين للتصوف فأولى أن نخرج من هذه التأويلات الاعتزالية والشيعية والبدعية والإلحادية وغيرها مما تعتمد فى مباحثها على أن للقرآن ظاهرا وباطنا، ذلك لأن قضية الظاهر والباطن استغلت استغلالا سيئا لخدمة الكثير من العقائد الهدّامة، وارتكبت فى حق الظاهر القرآنى جرائم خطيرة حين أريد له أن يؤول لنصرة الأغراض المريضة والدعوات الجامحة، وفى ذلك يقول التفتازانيّ فى شرح العقائد النسفية: «سميت الملاحدة باطنية لا دعائهم أن النصوص ليست على ظواهرها بل لها معان باطنة لا يعرفها إلا المعلم، وقصدهم بذلك نفى الشريعة بالكلية»، ويستدرك التفتازانيّ قائلا: «وأمّا ما يذهب إليه بعض المحققين من أن النصوص على ظواهرها ومع ذلك فيها إشارات خفية إلى دقائق تنكشف على أرباب السلوك يمكن التطبيق بينها وبين الظواهر المرادة فهو من كمال العرفان ومحض الإيمان» (شرح العقائد النسفية ط الحلبي سنة ١٣٢ هـ) .\nوالذي نحمده للقشيرى وينبغى أن نشيد به فى هذا التقديم أنه حرص أشد الحرص على النص القرآنى، وأنه التزم بالنظر إليه نظرة اعتبار وتقديس، وكان عمله أشبه بمن يقبس قطفات من الضوء من مشكاة كبيرة ينير بها الطريق أمام الزهاد والعارفين، دون أن يتورط فى تعسّف أو ينزلق فى درب من دروب الشطط، والسبب الهام الذي يعود إليه هذا المنهج","vol":"1","page":25},{"text":"أنه سني حريص على سنيته بقدر ما هو صوفى حريص على صوفيته، فكان عليه أن يرضى أوساط أهل السنة فى الوقت الذي كان عليه أن ينفع الصوفية، وأن يوضح لكلا الطرفين أن الأصول والفروع فى الحالين مستمدة من كتاب الله الكريم.\nولقد أعان القشيري فى عمله أنه صنّف قبل «اللطائف» كتابا كاملا فى تفسير القرآن على نحو تقليدى هو «التيسير فى التفسير» - الذي حصلنا على مصورة للجزء الخامس منه من أكاديمية العلوم السوفيتية- ونجده فى «التيسير» يعنى أشد العناية باللغة والاشتقاق والنحو وأسباب النزول والأخبار والقصص. وقد صنّفه قبل أن يلتقى بشيخه الدقاق أي قبل أن يسلك المسلك الصوفي، فأعانه ذلك على أن يفقه العبارة من معظم زواياها المتصلة بالظاهر، حتى إذا بدأ يكتب «اللطائف» كان طريقه إلى الإشارة وإلى فقه الباطن ممهدا، ومناله ميسورا، وآفاقه مفتّحة.\nسار القشيري فى «اللطائف» على خطة واضحة محددة التزم بها من أول الكتاب إلى آخره، فهو يبدأ بتفسير البسملة كلمة كلمة، وأحيانا حرفا حرفا، والبسملة تتكرر بلفظها فى مفتتح كل سورة، ومع ذلك فإننا نجده يلجأ إلى تفسير كل بسملة على نحو ملفت للنظر إذ هى تختلف وتتنوع ولا تكاد تتشابه، ويزداد إعجابنا بالقشيري كلّما وجدنا تفسير البسملة يتمشى مع السياق العام للسورة كلّها، فالله والرحمن والرحيم لها دلالات خاصة فى سورة القارعة، ولها دلالات أخرى فى سورة النساء ولها دلالات خاصة فى الأنفال وهكذا ...\nونستنتج من ذلك عدّة نتائج:\nأولا: أنه يعتبر البسملة قرآنا وليست كما يقول البعض- شيئا يستفتح به للتبرك، شأن ما نصنع فى بداية أقوالنا وأفعالنا (انظر «المغني» للقاضى عبد الجبار المتوفى سنة ٤١٥ هـ ج ١١ ط وزارة الثقافة (تراثنا) ص ١٦١) .\nثانيا: أنه مادام يعتبر البسملة قرآنا، ومادام يجد لها مقاصد متجددة، فكأنه لا يؤمن بفكرة التكرار فى القرآن، وفى ذلك يقول فى الورقة الثالثة من","vol":"1","page":26},{"text":"اللطائف: «فلمّا أعاد الله﷾- هذه الآية- أعنى بسم الله الرّحمن الرّحيم- فى كل سورة، وثبت أنها منها أردنا أن نذكر فى كل سورة من إشارات هذه الآية كلمات غير مكررة وإشارات غير معادة» .\nثالثا: أن لدى القشيري قدرة غير عادية ونفسا طويلا عند استبطان الظاهر، لأننا نجده أمام أربع كلمات تتكرر بلفظها ومعناها من بداية القرآن إلى نهايته، فإذا أضفنا إلى ذلك أنه سار على هذه السّنّة فى «التيسير» ازداد إعجابنا به وعجبنا له.\nومن الخير أن نضرب هنا مثلين لما صنع فى بسملة «اللطائف» لنستوضح مقاصده من هذا الاتجاه.\nيقول فى بسملة سورة «الحجر»: «سقطت ألف الوصل من كتابة بسم الله وليس لإسقاطها علة، وزيد فى شكل الباء من بسم الله وليس لزيادتها علة، ليعلم أنّ الإثبات والإسقاط بلا علة فلا يقبل من قبل لاستحقاق علة، ولا ردّ من ردّ لاستيجاب (لاستحقاق) علة. فإن قيل العلة فى إسقاط الألف من بسم الله كثرة الاستعمال فى كتابتها أشكل بأن الباء فى بسم الله زيد فى كتابتها وكثرة الاستعمال موجودة. فإن قيل العلة في زيادة شكل الباء بركة أفضالها بسم الله أشكل بحذف ألف الوصل لأن الاتصال فيها موجود.\nفلم يبق إلا أن الإثبات والنفي ليس لهما علة يرفع من يشاء ويمنع من يشاء» .\nويتضح من هذا أن استنباط الإشارة ليس- كما قلنا من قبل- مسألة عشوائية إنما هو خاضع لقواعد وأصول، وإلى تفنيد لمختلف الآراء، ومحاولة للإقناع.\nوليس هذا فقط.. بل إنك لو تعمقت داخل السورة لأدهشك- كما أدهشنى- أن هناك صلة وثيقة محكمة بين هذا الذي فسرت به البسملة وبين كلام فى داخل السورة عن رفع الخلق بلا علة، وخفضهم بلا علة، وذلك كما ورد فى قصة خلق آدم، وكيف أن الملائكة (كانوا فى حال سترهم لأنهم نظروا إلى القوالب مع أن الاعتبار بالمعاني التي يودعها، فالملائكة استصغروا قدر آدم وحاله وتعجبوا من الأمر لهم بالسجود فكشف لهم شظيّة مما اختصه فسجدوا للأمر وكذا حال من ادّعى الخيرية) أما إبليس فلم يفطن للمشيئة الإلهية","vol":"1","page":27},{"text":"العليا، فسجد الملائكة كلهم أجمعون (بعد ما لاحت لهم المعرفة) وبقي هو على عناده متأبيا أن يسجد لبشر مخلوق من صلصال من حمأ مسنون (لأنه لا يعرف أن مشيئة الله تجرى على غير علة) .\nوفى سورة براءة- التي نعرف أنها السورة الفريدة فى القرآن الكريم التي تبدأ بدون بسملة نجد الأمر يستوقف نظر القشيري فلا يتركه كى يمردون استنباط إشارة، استمع إليه يقول: «الحقّ- سبحانه- جرّد هذه السورة عن ذكر البسملة ليعلم أنه يخصّ من يشاء وما يشاء بما يشاء، ويفرد من يشاء بما يشاء، لا لصنعه سبب، ولا فى أفعاله غرض ولا أرب. ومن قال إنه لم يذكرها لأن السورة مفتتحة بالبراءة عن الكفار فهو- وإن كان وجها فى الإشارة- إلا أنه ضعيف، وفى التحقيق كالبعيد، لأنه افتتح سورا من القرآن بذكر الكفار مثل قوله: «الَّذِينَ كَفَرُوا ...» ومثل قوله «وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ» وقوله: «تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ» وقوله: «قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ ...» فهذه كلها مفاتح السور، والبسملة مثبتة فى أوائلها، وهى متضمنة ذكر الكفار.\nوقد يقال إنها تضمنت ذكر الكفار دون ذكر صريح للبراءة، وإن تضمنته تلويحا هذه البراءة هنا فى ذكر البراءة من الكفار قطعا فلم تصدر بذلك الرحمة، وإذا كان تجرد السورة عن هذه الآية يشير إلى أنها لذكر الفراق فبالحرى أن يخشى أن تجرد الصلاة عنها يمنع كمال الوصلة والاستحقاق» .\n... ... وبعد أن ينتهى القشيري من بسط مذهبه فى كل بسملة على هذا النحو الطريف الممتع يبدأ فى تفسير السورة آية آية، ولم يتخلّ عن آية إلا فى مواضع نادرة، بل ربما تكون الآية طويلة نسبيا ومع ذلك لا يتركها دون إشارة حتى ولو كانت سريعة مقتضبة «على سبيل الإقلال خشية الملال» كما يقول فى مقدمته.\nولا بد أن القارئ يتوقع أن تسوق إليه موقف القشيري من الحروف المقطعة التي تلى البسملة فى عديد من السور نظرا لما دار حول هذه الحروف من جدل كثير، ونظرا لأنها لبعدها عن مألوف الكلام العادي أقرب ما تكون إلى الرموز وبمعنى آخر أقرب ما تكون إلى الإشارات أي أدخل فى عمل القشيري فى «لطائف الإشارات» . وربما كان أفضل","vol":"1","page":28},{"text":"ما يورده هنا قول القشيري فى (الم) التي افتتحت بها سورة البقرة لأنها كانت أول حروف مقطعة يقابلها أثناء عمله. يقول: «هذه الحروف المقطعة فى أوائل السور من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله عند قوم. ولكل كتاب سر، وسرّ الله فى القرآن هذه الحروف المقطعة.\nوعند قوم أنها مفاتيح أسمائه فالألف من اسم «الله» واللام يدل على اسم «اللطيف»، والميم يدل على اسم «المجيد» و«الملك» .\nوقيل أقسم الله بهذه الحروف لشرفها لأنها بسائط أسمائه وخطابه، وقيل إنها أسماء السور، وقيل الألف تدل على اسم «الله» واللام على اسم «جبريل» والميم تدل على اسم «محمد» ﷺ فهذا الكتاب نزل من الله على لسان جبريل إلى محمد (ص) .\nوالألف من بين سائر الحروف انفردت عن أشكالها بأنها لا تتصل بحرف فى الخط، وسائر الحروف يتصل بها إلا أحرف يسيرة، فلينتبه العبد عند تأمل هذه الصفة لاحتياج الخلق بجملتهم إليه واستغنائه عن الجميع.\nويقال «١» يتذكر العبد المخلص من حالة الألف تقدّس الحق﷾- عن التخصص ذلك أن سائر الحروف لها محل من الحلق والشفة واللسان إلى غيرها من المخارج، غير الألف فإنها هويته لا تضاف إلى محل.\nويقال الإشارة منها إلى انفراد العبد لله سبحانه فيكون كالألف لا يتصل بحرف، ولا يزول عن حالة الاستقامة والانتصاب بين يديه.\nويقال يطالب العبد فى سره عند مخاطبته بالألف بانفراد القلب إلى الله تعالى، وعند مخاطبته باللام بلين الجانب، وعند سماع الميم بموافقة أمره فيما يكلفه. وقد اختص كل حرف بصفة مخصوصة، وانفردت الألف باستواء القامة والتميز عن الاتصال بشىء من أضرابها من الحروف فجعل لها صدر الكتاب إشارة إلى أن من تجرّد عن الاتصال بالأمثال والأشغال حظى بالمرتبة العليا، وفاز بالدرجة القصوي، وصلح للتخاطب بالحروف المنفردة التي هى غير\n_________\n(١) عند ما يقول القشيري «ويقال ...» فليس معنى ذلك دائما أن يورد بعدئذ رأيا لغيره فربما- وهذا هو الغالب- أنه يقصد إلى توضيح وجهة نظره من زوايا مختلفة.","vol":"1","page":29},{"text":"مركبة على سنّة الأحباب فى ستر الحال، وإخفاء الأمر على الأجنبى من هذه القصة، قال شاعرهم:\nقلت لها قفى قالت قاف ولم يقل وقفت سترا عن الرقيب، ومراعاة لقلب الحبيب، وهكذا تكثر العبارات للعموم، والرموز والإشارات للخصوص أسمع موسى كلامه فى ألف موطن، وقال نبيّنا ﷺ: «أوتيت جوامع الكلم فاختصر لى الكلام اختصارا» وقال بعضهم:\nقال لى مولاى ما هذا الدنف ... قلت تهوانى قال: لام ألف\n... ... ويمضى القشيري بعد ذلك فيستخرج للصوفية إشارات ثمينة مما يصادفه فى الآية من حكم تشريعى يتصل بالقتال والغنيمة والأسر والكيل والميزان والدين والشهادة ونحو ذلك أو كلام فى العبادات كالصوم والصلاة والحج والزكاة أو ما يعود بالآية إلى أسباب نزولها والأخبار والقصص التي رويت من حولها، أو ما تحتوى من مظاهر قدرة المولى- جل وعلا- فى خلق الإنسان والكون.\nوينبغى ألا ننتظر من القشيري إسهابا فى الأحكام الفقهية والقواعد التعبدية والأسانيد ونحو ذلك فما لهذا ألّف كتابه، ولا يصح للقارئ أن يتوقع منه ذلك فهناك تفاسير مخصوصة وضعت للوفاء بهذه الأمور، إنما قصد القشيري إلى استمداد شىء نافع للصوفية يتدعم به رأى من آرائهم أو عمل من أعمالهم، فهذا هو مقصوده، وتلك مراميه، ونحن من أجل ذلك نقول بلا تحفظ إن «لطائف الإشارات» يمثل تمثيلا صادقا مذهب القشيري فى التصوف أكثر مما تمثله «الرسالة» فهو يغنى عنها وهى لا تغنى عنه.\nوعلينا الآن أن نسوق أمثلة قليلة توضح موقف القشيري فى تلك الأمور حتى يعرف القارئ منذ البداية أي نوع من التفسير ذلك الذي نضعه بين يديه. ففيما يختص بالأحكام التشريعية نراه مثلا عند الآية الكريمة «وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ» يقول:\nالغنيمة ما يحصل عليه المؤمنون من أموال الكفار إذا ظفروا عند الجهاد والقتال. ولمّا كان الجهاد قسمين: جهاد الظاهر مع الكفّار وجهاد الباطن مع النفس والشيطان، وكما أن للجهاد","vol":"1","page":30},{"text":"الأصغر غنيمة عند الظفر كذلك للجهاد الأكبر غنيمة وهو أن يملك نفسه التي كانت فى يد عدوّيه: الهوى والشيطان، وبعد أن كانت ظواهره مقرا للأعمال الذميمة وباطنه مستقرّا للأحوال الدنيئة يصير محلّ الهوى مسكن الرضا، ومقرّ الشهوات والمنى محلّا لما يرد عليه من مطالبات المولى، وتصير النّفس مستلبة من إصرار الشهوات، والقلب مختطفا من وصف الغفلات، والروح منزوعة من أيدى العلاقات، والسرّ مصونا من الملاحظات. وكما أنّ من جملة الغنيمة سهما لله وللرسول وهو الخمس فما هو غنيمة- على لسان الإشارة- سهم خالص لله وهو ما لا يكون للعبد فيه نصيب لا من كرائم العقبى ولا من ثمرات التقريب ولا من خصائص الإقبال، فيكون العبد عند ذلك محررا عن رقّ كل نصيب، خالصا لله بالله، يمحو ما سوى الله» .\nونلفت نظر القارئ إلى ما ورد فى هذا النص من ترتيب الملكات الباطنة للإنسان من أسفل إلى أعلى، وهى: النفس ثم القلب ثم الروح ثم السر، ولكل منها وظيفة ولكل وظيفة غاية، كما أن لكلّ منها آفات ولكن لكل علاج ... والكلام فى ذلك كله موزع فى الكتاب حسب السياق الذي توحى به آيات الكتاب الكريم. والقشيري مشكور أعظم الشكر حين التزم بهذا الترتيب، ولم يتخلّ عنه لا فى اللطائف وحده بل فى كل ما بين أيدينا من مصنفاته، حتى صار له مذهب واضح السمات بارز القسمات فى المعراج الروحي، وتفصيل ذلك موضح فى كتابنا عن «مذهبه فى التصوف» الذي هو القسم الأول من بحثنا للدكتوراه.\nويطابق القشيري بين ما يحدث من نسخ لبعض الأحكام وبين ما يحدث من نسخ فى السلوك الصوفي حيث يقول عند قوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ ...» «حكم هذه الآية كان ثابتا فى الشرع، ولكنه نسخ بعده. والنسخ هو الإزالة، ومعنى النسخ فى سلوك المريدين أنهم فى الابتداء فرضهم القيام بالظاهر من حيث المجاهدات، فإذا لاح لهم من أحوال القلوب شىء آلت أحوالهم إلى مراعاة القلوب فتسقط عنهم أوراد الظاهر» .\nأما فيما يختص بالعبادات فإننا نلحظ أن القشيري يغتنم كل فرصة كى يوضح ضرورة التزام العبد بأدائها مهما أوغل فى الفناء عن نفسه، فليس ثمة عذر لسقوطها عنه أو إعفائه","vol":"1","page":31},{"text":"منها، كذلك نراه يهتم اهتماما ملحوظا بالحث على التغلغل فى بواطنها، ومعرفة جواهرها، فهى ليست رسوما ظاهرية يؤديها البدن وحسب ولكنها ذات مقاصد بعيدة.\nفاستقبال القبلة عند الصلاة له عند القشيري إشارة: (لتكن القبلة مقصود نفسك، وسبحانه مقصود مشهود قلبك لا تعلّق قلبك بأحجار وآثار، وأفرد قلبك لى) وعند قوله تعالى «وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ» يقول: «إتمام الحج على لسان العلم القيام بأركانه وسننه وهيئته، وإراقة الدماء التي تجب فيه، وعلى لسان أهل الإشارة الحج هو القصد، فقصد إلى بيت الحق وقصد إلى الحق، فالأول حج العوام والثاني حج الخواص، وكما أن الذي يحج بنفسه يحرم ويقف ثم يطوف بالبيت ويسعى ثم يحلق، فكذلك من يحج بقلبه فإحرامه بعقد صحيح على قصد صحيح، ثم يتجرد عن لباس مخالفاته وشهواته ثم باشتماله بثوبي صبره وفقره، وإمساكه عن متابعة حظوظه من اتباع الهوى وإطلاق خواطر المنى، وما فى هذا المعنى، ثم الحاج أشعث أغبر تظهر عليه آثار الخشوع والخضوع والتلبية، وأفضل الحج الشجّ والعجّ فالشج صب الدم والعج رفع الصوت بالتلبية فكذلك سفك دم النفس بسكاكين مخالفتها، ورفع أصوات السر بدوام الاستغاثة وحسن الالتجاء والوقوف بساحات القربة باستكمال أوصاف الهيبة. وموقف النفوس عرفات وموقف القلوب الأسامى والصفات (أسماء الله الحسنى وصفاته)، وطواف القلوب حول مشاهد العز، والسعى بالأسرار بين صفى كشف الجلال ولطف الجمال، ثم التحلل بقطع أسباب الرغائب والاختيار والمنى والمعارضات بكل وجه» .\nوتسمع القشيري عند: «كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ ...» يقول: «الصوم على ضربين:\nصوم ظاهر وهو الإمساك عن المفطرات مصحوبا بالنية، وصوم باطن وهو صون القلب عن الآفات، ثم صون الروح عن المساكنات، ثم صون السر عن الملاحظات....\nونهاية الصوم إذا هجم الليل، ولكن من أمسك عن الأغيار فصومه نهايته أن يشهد الحقّ. والصوم لرؤية الهلال والإفطار لرؤيته كما يقول ﵇ فالرؤية عائدة على الهلال، وعند أهل التحقيق فالرؤية عائدة إلى الحق فصومهم لله حتى شهودهم، وفطرهم لله، وإقبالهم على الله، والغالب عليهم الله» .","vol":"1","page":32},{"text":"هذا عن العبادات أما عن أسباب النزول فينظر إليها القشيري كما ينظر إلى مورد المثل ومضربه، فالآية «ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ» يقول عندها القشيري: «نزلت حين أمر الله رسوله بقطع بعضها فقالت اليهود: أي فائدة فى هذا؟\nأمن الصلاح قطع النخل وعقر الشجر؟\nفوجد المسلمون فى أنفسهم من قولهم، فأنزل الله تعالى الآية، وأن ذلك بإذن الله، وانقطع الكلام وفى هذا دليل على أنّ الشريعة غير معلّلة، وأنه إذا جاء الأمر الشرعىّ بطل طلب التعليل، وسكتت الألسنة عن المطالبة: بلم؟ وهكذا من قال لأستاذه وشيخه:\nلم؟ لم يفلح، وكلّ مريد يكون لأمثال هذه الخواطر فى قلبه جولان لا يجىء منه شىء، ومن لم يتجرد قلبه عن طلب الاعلال ولم يباشر حسن الرضا لكل ما يجرى، واستحسان ما يبدو من الغيب من الله- بسرّه وقلبه- فليس من الله فى شىء» .\nوفى قوله تعالى: «إِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ» يقول: «نزلت هذه الآية فى أهل رجل من اليمن ترك لهم جنة متمرة، وكان يتصدّق منها للمساكين، فلما ورثه أهله قالوا: لن نفعل فعله، وأقسموا ألا يعطوا شيئا، فأهلك الله جنتهم. وندموا وتابوا» وهذه حال من له بداية حسنة، ويجد التوفيق على التوالي، ويجتنب المعاصي، فيعوضه الله فى الوقت نشاطا، وتلوح فى باطنه أحوال فإذا بدر منه سوء دعوى، وترك أدبا من آداب الخدمة تنسدّ عليه تلك الأحوال، ويقع فى فترة، فإذا حصل منه بالعبادات والفرائض إخلال انقلب حاله، وردّ عن الوصال إلى البعاد، ومن الاقتراب إلى الاغتراب عن الباب، وصارت صفوته قسوة، فإن كان له بعد ذلك توبة على ما سلف، وندامة على ما فات من أمره، فقلّما يصل إلى حاله، ولكن لا يبعد أن ينظر إليه الحق بأفضاله، فيقبله بعد ذلك، رعاية لما سلف منه فى البداية من أحواله، فإن الله تعالى رءوف بعباده» .\nومن مظاهر القدرة الإلهية فى الكون والحياة والإنسان لا يغيب عن القشيري أن يستمد إشارات مناسبة يوجهها نحو الموضوعات الصوفية فيقول مثلا عند «أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ»: «مهين أي حقير ذكّرهم أصل خلقتهم لئلا يعجبوا بأحوالهم، فإنه لا جنس من المخلوقات والمخلوقين أشد دعوى من بنى آدم، ومن الواجب أن يتفكر الإنسان فى أصله،","vol":"1","page":33},{"text":"كان نطفة وفى انتهائه إلى جيفة، وفى وسائط حاله كنيف فى قميص، فبالحرىّ ألا يدل ولا يفخر ... ثم صوّره فأحسن صورته فهو قادر على أن يرقيك من الأحوال الخسيسة إلى المنازل الشريفة النفيسة.\nوالإنسان أفضل من الجان لأن الجان من نار، والنار بالماء تنطفىء وتصبح رمادا ولا يجىء منها شىء. أمّا الطين (الإنسان) فإذا انكسر عاد به الماء إلى ما كان عليه، ولذلك العدو (إبليس) انطفأ ما كان يلوح عليه من سراج الطاعة، ولكن آدم ﵇ لما اغترّ جبره ماء العناية فقال تعالى: ثم اجتباه ربه» .\n«خلق الإنسان من طين ولكنه تعالى «يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ» خلق الإنسان من طين ولكنه تعالى «رضي الله عنهم ورضوا عنه» خلق الإنسان من طين ولكنه يقول «فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ» خلق الإنسان من طين ولكن:\nفكم أبصرت من حسن ولكن ... عليك من الورى وقع اختياري\nوبعد ... فهذه أمثلة سريعة أردنا أن نقدمها للتدليل على المواقف التي يتخذها القشيري فى ظلال القرآن من زوايا مختلفة وفى ظروف متنوعة، ومن مجموع هذه المواقف يتحصل مذهبه فى التصوف فضلا عن مذهبه فى الكلام، وهنا تجدر الإشارة إلى أنه حاول أن يحل بطريق العلم الصوفي ما عجز المتكلمون عن حلّه، فحين حلّ القلب محلّ العقل ليصعد ويقصد نحو الملأ الأعلى، وأصبح الحقّ مناط الأمل لم يعد هناك معنى لأى حديث فى الجبر والاختيار والحسن والقبيح والثواب والعقاب- على النحو الذي اشتجر من حوله الخلاف بين المتكلمين. الله- فى عرف هذا الصوفي وفى عرف الصوفية الخلّص- مشهود ومحبوب لا معبود فقط، وكلّ كلام عن جبر الحب وعذاب الحب يسمج ويسخف، وهل هناك أجمل من أن يتعذب الإنسان فى حبه حتى يهلك؟ ألا ما أروعها من غاية! وما أجدر من أن يضيع العمر بين فقد ووجد! وما أعظم أن يكون الحقّ خلفا لك عن كل حطام الدنيا وأن تكون مشاهدته بديلا لك عن كل نعيم الجنان!","vol":"1","page":34},{"text":"بقيت مسألة هامة لا أحب أن أنهى هذا التقديم دون أن أوضحها، وهى قيمة هذا الكتاب من الناحية الأدبية.\nوالواقع أن المسألة أكثر شمولا وأوسع أبعادا من أن تنصرف إلى «لطائف الإشارات» وحده أو حتى إلى أعمال القشيري كلها، إنها تتصل بقضية أعظم هى الطريقة التي يؤخذ بها الإنتاج الصوفي عموما، فما زلنا حتى الآن نكتفى بدراسة الأعمال الصوفية ضمن الدراسات الفلسفية والعقلية، فالتصوف فى جامعاتنا يدرس فى أقسام الفلسفة بينما لا يدرس فى أقسام اللغة العربية وآدابها، وإذا حدث شىء من ذلك فهو ينتقل إليها بطريق أساتذة الفلسفة.\nوإنى لأتساءل: إلى متى يظل الحال هكذا؟ إن الوضع مقلوب، فالمشتغلون بالأدب أولى باحتضان التصوف، لأن الإنتاج الصوفي- فى كثير من الأحوال- درر من المنظوم والمنثور، والصوفية أنفسهم قوم يصرحون أن مذهبهم لا يعنى بالعقل إلا فى مراحل البداية من أجل تصحيح الإيمان، أمّا طريقهم بعد ذلك فوثيق الصلة بالقلب والوجدان، فهم بذلك يقتربون من أهل الفن وينأون عن أهل العقل، هم فى حاجة إلى من يتذوق أقوالهم أكثر مما هم فى حاجة إلى من يتفكر فيها، وتجربتهم فى الفناء تدنو من تجربة الإلهام فى الفن، ومصطلحاتهم التي وضعوها لأنفسهم تنم عن بصر نافذ فى الأسلوب العربي والاشتقاق، وهكذا يفرض الإنتاج الصوفي نفسه على الدراسات الأدبية، بينما المشتغلون بهذه الدراسات لا يكادون يحركون ساكنا.\nوليس بمعقول أن أقنع القارئ بجدوى دراسة «اللطائف» من الناحية الأدبية بواسطة هذه السطور القليلة، فهذا له مكان آخر، إنما قصدت لأثير قضية عامة قد يؤدى الأخذ بها إلى تصحيح كثير من المقاييس التي تتصل بالتصوف وبالأدب على حدّ سواء.\nوفى تقديرنا أن منهج القشيري فى استخراج الإشارة من العبارة منهج أدبى، لأنه يعتمد على تذوق اللفظة- مفردة ومركبة- تذوقا ينبنى على أصول من اللغة والاشتقاق والإعراب والبلاغة، ثم إن التعبير الذي يفصح به القشيري تعبير أدبى له خصائص الأسلوب الأدبى والصياغة الفنية، ومعنى هذا أنه نظر للقرآن بمنظار أدبى وعبّر عن نظرته بطريقة أدبية، وليس أدخل فى التفسير الأدبى من منهج كهذا، حيث استكمل ناحيتين: أدب المفسّر وأدب المفسّر.","vol":"1","page":35},{"text":"حقا إن القرآن كتاب دين وهداية وتشريع وعلم وغير ذلك مما يمكن أن تحج إليه المقاصد الإنسانية تلتمس فيه زادا ينمى المعارف، ويثرى العلوم، ويفتح مغاليق الأمور. ولكنه قبل كل ذلك معجزة فنية بهرت سامعيها أول ما بهرتهم بالبيان، والنظم، والقول، فوجدوا لذلك حلاوة، وعليه طلاوة، وهم أهل لسن وفصاحة، فنحن نعلم أن المعجزة تكون من جنس معجزات المخاطبين ولكنها من حيث الدرجة أعلى قدرا وأصعب دركا وأعزّ منالا.\nتخرج من هذا إلى أن دراسة إعجاز القرآن إن أغفلت تفسيرا كاللطائف- راعى فيه صاحبه أدب المفسّر وأدب المفسّر- إنما تغفل عن رافد غنى من روافد الدراسات القرآنية.\nويمكن أن نضرب أمثلة سريعة توضح طريقة القشيري عند ما يتصدّى لبعض الجوانب فى الأسلوب القرآنى.\nفمن اللفظة المفردة تنبعث إيحاءات جميلة مؤثرة تزيد المعنى قوة وتأكيدا كأن يقول عند قوله تعالى: «بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ»: اللعب فعل يجرى على غير ترتيب، تشبيها باللّعاب الذي يسيل لا على نظام مخصوص، فوصف المنافق باللعاب تصويرا لتردده وتحيره وشكه فى عقيدته» .\nوالتسبيح عنده مرتبط «بالسباحة فى بحار التوحيد بلا شاطئ، فبعد ما حصلوا فيها فلا خروج ولا براح فحازت أيديهم جواهر التفريد، نظموها فى عقود الإيمان ورصعوها فى أطواق الوصلة» .\nوالفجر «انفجار الصبح كما يتفجّر الماء من الصخر» .\nومن القصة تنبعث إيحاءات ممتعة فمريم حين خوطبت «وهزّى إليك بجذع النخلة»:\nكان ذلك الجذع يابسا أخرج الله سبحانه فى الوقت الرّطب الجنىّ، وكان ذلك آية ودلالة على أن الذي قدر على فعل هذا قادر على خلق عيسى ﵇ من غير أب، وقد أمرت بهز النخلة اليابسة حينما جاءتها علاقة الولد بعد أن كانت لا تتكلف السعى إذ كان زكريا يدخل عليها المحراب فيجد عندها رزقا، أمرت بهز النخلة وهى فى أضعف حالها زمان قرب عهدها بوضع الولد ليعلم أن العلاقة توجب المشقة والعناء، أمرت بهز النخلة اليابسة وأمكنها ذلك وهى فى حال ضعفها وفى ذلك أوضح دلالة على صدقها ...» .","vol":"1","page":36},{"text":"وإذا ضرب القرآن مثلا بالكلب أو الذبابة أو البعوضة أو التي نقضت غزلها من بعد قوة، فإن هذا التصوير القرآنى الأخاذله على وجدان القشيري الأديب وقع مؤثر، يقول مثلا (.... وضرب المثل بالبعوضة لأنها إذا جاعت فرّت وطارت، وإذا شبعت تشققت وتلفت، كذلك الإنسان ليطغى أن رآه استغنى. «وما فوقها» أي الذباب، وجهة الإشارة فى أن للذباب وقاحة حيث يعود عند البلاغ فى الذبّ، والله سبحانه خلق القوة فى الأسد ولكنه خلق فيه النفور من الناس، وخلق الضعف فى الذباب، ولكنه خلق فيه الوقاحة، وتلك حكمة الله) .\nوالمظاهر الكونية فى القرآن مصادر إشارات لا تنتهى وهى من أقوى الوسائل التي استغلّها القشيري لتوضيح حقائق العلم الصوفي فالشمس والقمر، والليل والنهار، والجبال والبحار، والسحب والأمطار.... كلها توحى بمعان كثيرة لتوضيح الفروق الدقيقة بين الطوالع واللوامع واللوائح، وعلم اليقين وحق اليقين، وعلوم الإنسان العقلية والمعارف اللدنية....\nإلى آخره.\nيقول عند «كلا والقمر»: أقمار العلوم إذا أخذ هلالها فى الزيادة بزيادة البراهين فإنها تزداد حتى إذا صارت إلى حد التمام وبلغت الغاية تبدو أعلام المعرفة، ثم تأخذ علوم البراهين فى النقصان حين تطلع شموس المعرفة، وكما أن القمر كلما قرب من الشمس يزداد نقصانه حتى يصير محاقا كذلك إذا ظهر سلطان العرفان تأخذ أقمار العلوم فى النقصان بزيادة المعارف كالسراج فى ضوء الشمس) .\nوتوقف القشيري طويلا عند المواقف النفسية وعند الاستدلالات الوجدانية فى الأسلوب القرآنى فكشف الكثير من أسرار الإعجاز القرآنى كما أبان عن عبقريته فى التذوق الفنى، وليس ذلك غريبا بالنسبة لصوفىّ ذى بصيرة كاشفة، وشاعر له حس دقيق مرهف، وباحث متعمق فى أغوار النفس البشرية، وأديب يحسن التعبير عما يذوق ويجد.\nنفعنا الله بعلمه وبركته.\nدكتور ابراهيم بسيونى","vol":"1","page":37},{"text":"نرمز للنسخة السوفيتية المصوّرة بالحرف (ص) ونرمز للنسخة المصرية بالحرف (م) ونرمز للرسالة القشيرية ط الحلبي سنة ١٩٥٩ (بالرسالة)","vol":"1","page":38},{"text":"صورة لورقة من النسخة السوفيتية","vol":"1","page":39},{"text":"ربّ يسّر بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي شرح قلوب أوليائه بعرفانه، وأوضح نهج الحق بلائح برهانه، لمن أراد طريقه، وأتاح البصيرة لمن ابتغى تحقيقه، وأنزل الفرقان هدى وتبيانا، على صفيّه محمد ﷺ وعلى آله- معجزة وبيانا، وأودع صدور العلماء معرفته وتأويله، وأكرمهم بعلم قصصه ونزوله، ورزقهم الإيمان بمحكمه ومتشابهه وناسخه، ووعده ووعيده، وأكرم الأصفياء من عباده بفهم ما أودعه من لطائف أسراره وأن (واره) لاستبصار ما ضمنّه من دقيق إشاراته، وخفىّ رموزه، بما لوّح لأسرارهم من مكنونات، فوقفوا بما خصّوا به من أنوار الغيب على ما استتر عن أغيارهم، ثم نطقوا على مراتبهم وأقدارهم، والحق ﷾ يلهمهم بما به يكرمهم، فهم به عنه ناطقون وعن لطائفه مخبرون «١» وإليه يشيرون، وعنه يفصحون، والحكم إليه فى جميع ما يأتون به ويذرون.\nقال الإمام جمال الإسلام أبو القاسم القشيري ﵀: وكتابنا هذا يأتى على ذكر طرف من إشارات القرآن»\nعلى لسان أهل المعرفة، إما من معانى مقولهم، أو قضايا أصولهم، سلكنا فيه طريق الإقلا (ل) خشية الملال، مستمدين من الله تعالى عوائد المنّة، متبرئين من الحول والمنّة «٣» مستعصمين من الخطأ والخلل، مستوفقين لأصوب القول والعمل، ملتمسين أن يصلى على سيدنا محمد صلّى الله عليه و(سلّم)، ليختم لنا بالحسنى بمنّه وأفضاله. وتيسّر الأخذ\n_________\n(١) وردت فى ص (مخيرون) والسياق لا يتطلبها.\n(٢) ما تحته خط هو تكملة اعتمدنا فى إثباتها هنا على ما جاء فى (تذكرة النوادر) التي اقتبست بضع فقرات رجوعا إلى نسخة أخرى.\n(٣) المنّة بضم الميم القوة.","vol":"1","page":41},{"text":"فى ابتداء هذا الكتاب فى شهور سنة أربع وثلاثين وأربعمائة «١»، وعلى الله إتمامه إن شاء الله تعالى ﷿.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>سورة فاتحة الكتاب</span>\nهذه السورة بدا (ية) الكتاب، ومفاتحة الأحباب بالخطاب والكتاب منه أجلّ النّعمى، وأكرم الحسنى إذ هى (...) «٢» وابتداء وفى معناه قيل.\nأفديك بل أيام دهرى كلها ... تفدين أياما (.....)\nسقيا لمعهدك الذي لو لم يكن ... ما كان قلبى للصبابة معهدا «٣»\nولقد كان ﷺ غير مرتقب لهذا الشأن، وما كان هذا الحديث منه على بال، وحينما نزل عليه جبريل صلوات الله عليه وسلامه أخذ فى الفرار، وآثر التباعد لهذا الأمر آوى (...) قائلا: دثرونى دثرونى، زمّلونى زمّلونى، وكان يتحنّث فى حراء، ويخلو هنالك (....) فجأة، وصادفته القصة بغتة كما قيل:\nأتانى هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلبى فارغا فتمكّنا «٤»\nوكان صلوات الله عليه وسلم رضى بأن يقال له أجير خديجة ولكن (الحق ﷾ أراده لأن) «٥» يكون سيد الأولين والآخرين حيث قال. «يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ»، (رفعه إلى) أشرف المنازل وإن لم يسم إليه بطرف التأميل سنّة منه تعالى وتقدّس (...) إلا عند من تقاصرت الأوهام عن استحقاقه، ولذلك ما قصّوا العجب من شأنه (...) يتيم أبى طالب\n_________\n(١) اعتمدنا في استكمال رقمى الآحاد والعشرات من السنة على (تذكرة النوادر) حيث سقطا فى ص.\nوبهذا يبطل قول صاحب كشف الظنون (المجلد الثاني ص ١٥٥١) بأن القشيري ألف اللطائف قبل عام ٤١٠، ويبدو أن الأمر قد التبس على حاجى خليفة فظن تاريخ تأليف «التيسير فى التفسير» هو تاريخ تأليف «اللطائف» .\n(٢) ما بين الأقواس المفرغة ساقط فى ص ومن حسن الحظ أن السقوط الكثير على هذا النحو لا يتكرر بعد الورقتين الأولى والثانية من (ص) .\n(٣) اعتمدنا فى تكملة البيت على هذا النحو على وروده فى (م) كاملا عند تفسير سورة الحديد.\n(٤) الشطر الثاني من البيت ناقص فى (ص) ومكمل فى (م) عند تفسير آية: علم القرآن من سورة الرحمن.\n(٥) زيادة أضفناها ليستقيم المعنى\n.","vol":"1","page":42},{"text":"من بين البرية، ولقد كان صلوات الله عليه وسلم فى سابق (علمه) ﷾ مقدّما على الكافة من أشكاله وأضرابه، وفى معناه قيل:\nهذا (...) أطمار ... وكان فى فقر من السيار\nآثر عندى (بالإكبار) ... من أخى (ومن) جارى\nوصاحب الدرهم (والدينار) ... فإن صاحب الأمر مع الإكثار «١»\nولقد كان ﷺ قبل النبوة حميد الشأن، (محمود) الذكر، ممدوح الاسم، أمينا لكل واحد. وكانوا يسمونه محمدا الأمين، ولكن (الكافرين) (...) حالته، بدّلوا اسمه، وحرّفوا وصفه، وهجّنوا ذكره، فواحد كان يقول ساحر وآخر يقول (...)\nوثالث يقول كاذب، ورابع يقول شاعر:\nأشاعوا لنا فى الحي أشنع قصة ... وكانوا لنا سلما فصاروا لنا حربا\nوهكذا صفة المحبّ، لا ينفك عن الملام ولكن كما قيل\nأجد الملامة فى هواك لذيذة ... حبا لذكرك فليلمنى اللّوم «٢»\nوماذا عليه من قبيح قالة (من) يقول، (والحق سبحانه يقول): «وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ» أي استمع إلى ما يقال فيك بحسن الثناء علينا.\n[فصل] وتسمى هذه السورة أيضا أمّ الكتاب، وأم الشيء أصله، وإمام كل شىء مقدّمه. وهذه السورة لما تشتمل عليه من الأمر بالعبودية، والثناء على الله بجمال الربوبية، ثم «٣» كمالها من الفضائل- لا تصح الفرائض إلا بها. وقوله ﷺ مخبرا عنه ﷾: «قسمت الصلاة بينى وبين عبدى نصفين» يعنى قراءة هذه السورة، فصارت أمّ الكتاب، وأصلا لما تنبنى عليه من لطائف الكرامات وبدائع التقريب والإيجاب.\n_________\n(١) أضاع البياض الذي فى المصورة كثيرا من ألفاظ هذه الأبيات فحاولنا إضافة بعض الألفاظ.\nوإن كان وزن الشعر ما زال غير سليم.\n(٢) وردت خطأ فى (ص): فليسلمنى اللؤم.\n(٣) لا نستبعد أن تكون فى الأصل (تمّ) كمالها ...","vol":"1","page":43},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>[سورة الفاتحة (١): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (١)\nالباء فى «بسم الله» حرف التضمين أي بالله ظهرت الحادثات، وبه وجدت المخلوقات، فما من حادث مخلوق، وحاصل منسوق، من عين وأثر وغبر، وغير من حجر ومدر، ونجم وشجر، ورسم وطلل، وحكم وعلل- إلا بالحق وجوده، والحق ملكه، ومن الحق بدؤه، وإلى الحق عوده، فبه وجد من وحّد، وبه جحد من ألحد «١»، وبه عرف من اعترف، وبه تخلّف من اقترف.\nوقال «بسم الله» ولم يقل بالله على وجه التبرك بذكر اسمه عند قوم، وللفرق بين هذا وبين القسم عند الآخرين، ولأن الاسم هو المسمى عند العلماء، ولاستصفاء القلوب من العلائق ولاستخلاص الأسرار عن العوائق عند أهل العرفان، ليكون ورود قوله «الله» على قلب منقّى وسر مصفّى. وقوم عند ذكر هذه الآية يتذكرون من الباء (بره) «٢» بأوليائه ومن السين سره مع أصفيائه ومن الميم منته على أهل ولايته، فيعلمون أنهم ببره عرفوا سرّه، وبمنته عليهم حفظوا أمره، وبه ﷾ عرفوا قدره. وقوم عند سماع بسم الله تذكروا بالباء براءة الله ﷾ من كل سوء، وبالسين «٣» سلامته سبحانه عن كل عيب، وبالميم مجده سبحانه بعز وصفه، وآخرون يذكرون عند الباء بهاءه، وعند السين سناءه، وعند الميم ملكه، فلما أعاد الله ﷾ هذه الآية أعنى بسم الله الرحمن الرحيم فى كل سورة وثبت أنها منها أردنا أن نذكر فى كل سورة من إشارات هذه الآية «٤» كلمات غير مكررة «٥»، وإشارات غير معادة، فلذلك نستقصى القول هاهنا وبه الثقة.\n_________\n(١) وردت فى ص (اللحد) .\n(٢) سقطت فى ص وأثبتناها لأن ما بعدها يدل عليها. [.....]\n(٣) وردت فى ص (بالسنين) .\n(٤) من هنا ندرك أن القشيري يعتبر البسملة قرآنا خلافا لمن يعدونها من قبيل الاستفتاح والتبرك، فتبدأ بها القراءة كما يفعل فى سائر الأفعال (أنظر المغني للقاضى عبد الجبار ج ١١ ط وزارة الثقافة سلسلة تراثنا ص ١٦١) .\n(٥) من هنا ومما نعلم من مذهب القشيري نراه لا يعتقد فى فكرة التكرار فى القرآن لأن التكرار أليق بالمخلوقين ولأسباب أخرى لا محل لها هنا.","vol":"1","page":44},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>[سورة الفاتحة (١): آية ٢]</span>\nالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢)\nحقيقة الحمد الثناء على المحمود، بذكر نعوته الجليلة وأفعاله الجميلة، واللام هاهنا للجنس، ومقتضاها الاستغراق فجميع المحامد لله سبحانه إمّا وصفا وإمّا خلقا، فله الحمد لظهور سلطانه، وله الشكر لوفور إحسانه. والحمد لله لاستحقاقه لجلاله وجماله، والشكر لله لجزيل نواله وعزيز أفضاله، فحمده سبحانه له هو من صفات كماله وحوله، وحمد الخلق له على إنعامه وطوله، وجلاله وجماله استحقاقه لصفات العلو، واستيجابه لنعوت العز والسمو، فله الوجود (قدرة) «١» القديم، وله الجود الكريم، وله الثبوت الأحدى، والكون الصمدى، والبقاء الأزلى، والبهاء الأبدى، والثناء الديمومى، وله السمع والبصر، والقضاء والقدر، والكلام والقول، والعزة والطول، والرحمة والجود، والعين والوجه والجمال، والقدرة والجلال، وهو الواحد المتعال، كبرياؤه رداؤه، وعلاؤه سناؤه، ومجده عزه، وكونه ذاته، وأزله أبده، وقدمه سرمده، وحقه يقينه، وثبوته عينه، ودوامه بقاؤه، وقدره قضاؤه، وجلاله جماله، ونهيه أمره، وغضبه رحمته، وإرادته مشيئته، وهو الملك بجبروته، والأحد فى ملكوته. تبارك الله سبحانه!! فسبحانه ما أعظم شأنه! [فصل] علم الحق ﷾ شدة إرادة أوليائه بحمده وثنائه، وعجزهم عن القيام بحق مدحه على مقتضى عزه وسنائه فأخبرهم أنه حمد نفسه بما افتتح به خطابه بقوله: «الحمد لله» فانتعشوا بعد الذّلة، وعاشوا بعد الخمود، واستقلت أسرارهم بكمال التعزز حيث سمعوا ثناء الحق عن الحق بخطاب الحق، فنطقوا ببيان الرمز على قضية الأشكال. وقالوا:\nولوجهها من وجهها قمر ... ولعينها من عينها كحل\nهذا خطيب الأولين والآخرين، سيد الفصحاء، وإمام البلغاء، لمّا سمع حمده لنفسه، ومدحه سبحانه لحقّه، علم النبي أن تقاصر اللسان أليق به فى هذه الحالة فقال: «لا أحصى ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك» .\nداوود لو سمعت أذناه قالتها ... لما ترنّم بالألحان داوود\nغنت سعاد بصوتها فتخاذلت ... ألحان داوود من الخجل\n_________\n(١) هذه كلمة زائدة يمكن الاستغناء عنها، ويرجح ذلك نظم الأسلوب وسياق المعنى، أو ربما كانت (قدمه) .","vol":"1","page":45},{"text":"[فصل] وتتفاوت طبقات الحامدين لتباينهم فى أحوالهم فطائفة حمدوه على ما نالوا من إنعامه وإكرامه من نوعى صفة نفعه ودفعه، وإزاحته وإتاحته، وما عقلوا عنه من إحسانه بهم أكثره ما عرفوا من أفضاله معهم قال جل ذكره: «وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها»، وطائفة حمدوه على ما لاح لقلوبهم من عجائب لطائفه، وأودع سرائرهم من مكنونات بره، وكاشف أسرارهم به من خفى غيبه، وأفرد أرواحهم به من بواده مواجده. وقوم حمدوه عند شهود ما كاشفهم به من صفات القدم، ولم يردوا من ملاحظة العز والكرم إلى تصفح أقسام النعم، وتأمل خصائص القسم، و(فرق بين) «١» من يمدحه بعز جلاله وبين من يشكره على وجود أفضاله، كما قال قائلهم:\nوما الفقر عن أرض العشيرة ساقنا ... ولكننا جئنا بلقياك نسعد\nوقوم حمدوه مستهلكين عنهم فيما استنطقوا من عبارات تحميده، بما اصطلم أسرارهم من حقائق توحيده، فهم به منه يعبّرون، ومنه إليه يشيرون، يجرى عليهم أحكام التصريف، وظواهرهم «٢» بنعت التفرقة مرعية، وأسرارهم مأخوذة بحكم جمع «٣» الجمع، كما قالوا:\nبيان بيان الحق أنت بيانه ... وكل معانى الغيب أنت لسانه\nقوله جل ذكره: رَبِّ الْعالَمِينَ الرب هو السيد، والعالمون جميع المخلوقات، واختصاص هذا الجمع بلفظ العالمين لاشتماله على العقلاء والجمادات فهو مالك الأعيان ومنشيها، وموجد الرسوم والديار بما فيها.\nويدل اسم الرب أيضا على تربية الخلق، فهو مرب نفوس العابدين بالتأييد ومرب قلوب الطالبين بالتسديد، ومرب أرواح العارفين بالتوحيد، وهو مرب الأشباح بوجود النّعم، ومرب الأرواح بشهود الكرم.\nويدل اسم الرب أيضا على إصلاحه لأمور عباده من ربيت العديم أربه فهو مصلح أمور الزاهدين بجميل رعايته، ومصلح أمور العابدين بحسن كفايته، ومصلح أمور الواجدين\n_________\n(١) وردت (وفر ...) ثم بعدها بياض فأكملناها على هذا النحو ليتم المعنى.\n(٢) وردت (وظاهرهم) ولكن السياق يقتضى ما أثبتناه.\n(٣) وردت (جميع الجمع) ولكن الاصطلاح الصوفي هو جمع الجمع وهو درجة فوق الجمع وجمع الجمع هو الاستهلاك بالكلية وفناء الإحساس بما سوى الله (رسالة القشيري ط سنة ١٩٥٩ ص ٣٩) .","vol":"1","page":46},{"text":"بقديم عنايته، أصلح أمور قوم فاستغنوا بعطائه، وأصلح أمور آخرين فاشتاقوا للقائه، وثالث أصلح أمورهم فاستقاموا للقائه، قال قائلهم:\nمادام عزّك مسعودا طوالعه ... فلا أبالى أعاش الناس أم فقدوا\nقوله جلّ ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>[سورة الفاتحة (١): آية ٣]</span>\nالرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣)\nاسمان مشتقان من الرحمة، والرحمة صفة أزلية وهى إرادة النعمة وهما اسمان موضوعان للمبالغة ولا فضل بينهما عند أهل التحقيق.\nوقيل الرحمن أشد مبالغة وأتم فى الإفادة، وغير الحق سبحانه لا يسمى بالرحمن على الإطلاق، والرحيم ينعت به غيره، وبرحمته عرف العبد أنه الرحمن، ولولا رحمته لما عرف أحد أنه الرحمن، وإذا كانت الرحمة إرادة النعمة، أو نفس النعمة كما هى (عند قوم فالنعم فى أنفسها مختلفة، ومراتبها متفاوتة فنعمة هى) «١» نعمة الأشباح والظواهر، ونعمة هى نعمة الأرواح والأسرار.\nوعلى طريقة من فرّق بينهما فالرحمن خاص الاسم عام المعنى، والرحيم عام الاسم خاص المعنى فلأنه الرحمن رزق الجميع ما فيه راحة ظواهرهم، ولأنه الرحيم وفق المؤمنين لما به حياة سرائرهم، فالرحمن بما روّح، والرحيم بما لوّح فالترويح بالمبارّ، والتلويح بالأنوار:\nوالرحمن بكشف تجلّيه والرحيم بلطف تولّيه، والرحمن بما أولى من الإيمان والرحيم بما أسدى «٢» من العرفان، والرحمن بما أعطى من العرفان والرحيم بما تولّى من الغفران، بل الرحمن بما ينعم به من الغفران والرحيم بما يمنّ به من الرضوان، بل الرحمن بما يكتم به والرحيم بما ينعم به من الرؤية والعيان، بل الرحمن بما يوفق، والرحيم بما تحقق، والتوفيق للمعاملات، والتحقيق للمواصلات، فالمعاملات للقاصدين، والمواصلات للواجدين، والرحمن بما يصنع لهم والرحيم بما يدفع عنهم فالصنع بجميل الرعاية والدفع بحسن العناية.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>[سورة الفاتحة (١): آية ٤]</span>\nمالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)\nالمالك من له الملك، وملك الحق ﷾ قدرته على الإبداع، فالملك مبالغة من المالك وهو سبحانه الملك المالك، وله الملك. وكما لا إله إلا هو فلا قادر على الإبداع إلا هو، فهو بإلهيته متوحد، وبملكه متفرد، ملك نفوس العابدين فصرفها فى خدمته، وملك قلوب العارفين فشرّفها بمعرفته، وملك نفوس القاصدين\n_________\n(١) تكملة فى الهامش استدرك بها الناسخ فأثبتناها فى موضعها.\n(٢) وردت (أسرى) والأصح (أسدى) .","vol":"1","page":47},{"text":"فتيّمها، وملك قلوب الواجدين فهيّمها. ملك أشباح من عبده فلاطفها بنواله وأفضاله، وملك أرواح من أحبهم (....) «١» فكاشفها بنعت جلاله، ووصف جماله. ملك زمام أرباب التوحيد فصرفهم حيث شاء على ما شاء ووفّقهم حيث شاء على ما شاء كما شاء، ولم يكلهم إليهم لحظة، ولا ملّكهم من أمرهم سنّة ولا خطرة، وكان لهم عنهم، وأفناؤهم له منهم «٢» .\n[فصل] ملك قلوب العابدين إحسانه فطمعوا فى عطائه، وملك قلوب الموحدين سلطانه فقنعوا ببقائه. عرّف أرباب التوحيد أنه مالكهم فسقط عنهم اختيارهم، علموا أن العبد لا ملك له، ومن لا ملك له لا حكم له، ومن لا حكم له لا اختيار له، فلا لهم عن طاعته إعراض ولا على حكمه اعتراض، ولا فى اختياره معارضة، ولا لمخالفته تعرّض، «ويوم الدين» .\nيوم الجزاء والنشر، ويوم الحساب والحشر- الحق ﷾ يجزى كلّا بما يريد، فمن بين مقبول يوم الحشر بفضله ﷾ لا بفعلهم، ومن بين مردود بحكمه ﷾ لا بجرمهم. فأمّا الأعداء فيحاسبهم ثم يعذبهم وأمّا الأولياء فيعاتبهم ثم يقربهم:\nقوم إذا ظفروا بنا ... جادوا بعتق رقابنا\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>[سورة الفاتحة (١): آية ٥]</span>\nإِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)\nمعناه نعبدك ونستعين بك. والابتداء بذكر المعبود أتمّ من الابتداء بذكر صفته- التي هى عبادته واستعانته، وهذه الصيغة أجزل فى اللفظ، وأعذب فى السمع. والعبادة الإتيان بغاية ما فى (بابها) «٣» من الخضوع، ويكون ذلك بموافقة الأمر، والوقوف حيثما وقف الشرع.\nوالاستعانة طلب الإعانة من الحق.\nوالعبادة تشير إلى بذل الجهد والمنّة، والاستعانة تخبر عن استجلاب الطول والمنّة، فبالعبادة يظهر شرف العبد، وبالاستعانة يحصل اللطف للعبد. فى العبادة وجود شرفه، وبالاستعانة أمان تلفه. والعبادة ظاهرها تذلل، وحقيقتها تعزّز وتحمّل:\nوإذا تذللت الرقاب تقربا ... منّا إليك، فعزّها فى ذلّها\n_________\n(١) مشتبهة فى ص، وربما كانت (وأحبوه) .\n(٢) (له) هنا معناها لأجله اى أنه أفناهم من أنفسهم لأجله ليبقوا به، وكان الأسلم أن تكون العبارة:\nوأفناؤهم منهم له ولكن حرص المصنّف على مراعاة الانسجام بين عنهم ومنهم.\n(٣) وردت (بابه)","vol":"1","page":48},{"text":"وفى معناه:\nحين أسلمتني لذال ولام ... ألقيتنى فى عين وزاى «١»\n[فصل] العبادة نزهة القاصدين «٢»، ومستروح المريدين، ومربع الأنس للمحبين، ومرتع البهجة للعارفين. بها قرّة أعينهم، وفيها مسرة قلوبهم، ومنها راحة أرواحهم. وإليه «٣» أشار ﷺ بقوله: أرحنا بها يا بلال» . ولقد قال مخلوق فى مخلوق:\nيا قوم ثارى عند أسمائى ... يعرفه السامع والرائي\nلا تدعنى إلا بيا عبدها ... فإنه أصدق أسمائى\nوالاستعانة إجلالك لنعوت كرمه، ونزلك بساحة جوده، وتسليمك إلى يد حكمه، فتقصده بأمل فسيح، وتخطو إليه بخطو وسيع، وتأمل فيه برجاء قوى «٤»، وتثق بكرم أزلى، وتتكل على اختيار سابق، وتعتصم بسبب جوده (غير ضعف) «٥» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>[سورة الفاتحة (١): آية ٦]</span>\nاهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)\nالهداية الإرشاد، وأصلها الإمالة، والمهدىّ من عرف الحق سبحانه، وآثر رضاه، وآمن به. والأمر فى هذه الآية مضمر فمعنا اهدنا بنا «٦» - والمؤمنون على الهداية فى الحال- فمعنى السؤال الاستدامة والاستزادة. والصراط المستقيم الطريق الحق وهو ما عليه أهل التوحيد. ومعنى اهدنا أي مل بنا إليك، وخذنا لك، وكن علينا دليلنا، ويسّر إليك سبيلنا، وأقم لنا هممنا، واجمع بك همومنا.\n[فصل] اقطع أسرارنا عن شهود الأغيار، ولوّح فى قلوبنا طوالع الأنوار، وأفرد\n_________\n(١) وردت و(زار)\n(٢) وردت (القاصرين) [.....]\n(٣) أي وإلى ذلك أشار\n(٤) وردت (قومى) وهى غير مناسبة للمعنى.\n(٥) إما أن تكون زائدة أو ينقصها حرف الجر في فتكون (فى غير ضعف) أو تكون (غير ضعف) (أساس البلاغة ص ٥٦٣) أي غير متكثر بالأسباب لجلب المال.\n(٦) ويكون المعنى على هذا أقم فينا ما يجعلنا نهتدى به إليك، ولكن نرجح أن يكون قد وقع خطأ من الناسخ وأن الأصل (اهدنا بك) لأن ذلك يتفق مع مذهب القشيري وغيره من الصوفية حيث يعتبرون كل شىء يقع من العبد مرده إلى الحق سبحانه، فلا قدرة للعبد- وحده- على معرفة الله، ولا على الاهتداء إليه، وتدل الدلائل فيما بعد على ذلك مثل قوله (فنجدك بك) . واما أن يكون الأصل (اهد بنا) أي- كما جاء فيما بعد- مل بنا.","vol":"1","page":49},{"text":"قصودنا إليك عن دنس الآثار، ورقّنا عن منازل الطلب والاستدلال إلى جمع ساحات القرب والوصال.\n[فصل] حل بيننا وبين مساكنة «١» الأمثال والأشكال، بما تلاطفنا به من وجود الوصال، وتكاشفنا به من شهود الجلال والجمال.\n[فصل] أرشدنا إلى الحق لئلا نتكل على وسائط المعاملات، ويقع على وجه التوحيد غبار الظنون وحسبان الإعلال.\n«اهدنا الصراط المستقيم» أي: أزل عنّا ظلمات أحوالنا لنستضىء «٢» بأنوار قدسك عن التفيؤ بظلال طلبنا، وارفع عنا ظل جهدنا لنستبصر بنجوم جودك، فنجدك بك.\n[فصل] اهدنا الصراط المستقيم حتى لا يصحبنا قرين من نزغات الشيطان ووساوسه، ورفيق من خطرات النفوس وهواجسها، أو يصدنا عن الوصول تعريج فى أوطان التقليد، أو يحول بيننا وبين الاستبصار ركون لى معتاد من التلقين، وتستهوينا آفة من نشو أو هوادة، وظن أو عادة، وكلل أو ضعف إرادة، وطمع مال أو استزادة.\n[فصل] الصراط المستقيم ما عليه من الكتاب والسنة دليل، وليس للبدعة عليه سلطان ولا إليه سبيل. الصراط المستقيم ما شهدت بصحته دلائل التوحيد، ونبهت عليه شواهد التحقيق. الصراط المستقيم ما درج عليه سلف الأمة، ونطقت بصوابه دلائل العبرة.\nالصراط المستقيم ما باين الحظوظ سالكه، وفارق «٣» الحقوق قاصده. الصراط المستقيم ما يفضى بسالكه إلى ساحة التوحيد، ويشهد صاحبه أثر العناية والجود، لئلا يظنّه موجب (ببذل) «٤» المجهود.\n_________\n(١) وردت (ساكنة) والأصح بالميم فقد جاءت كذلك فى مواضع كثيرة أخرى.\n(٢) وردت خطأ (لنصتضىء) .\n(٣) وردت (وفارن) فى ص، والأصح أن تكون بالقاف فالحظوط للعبد والحقوق للحق.\n(٤) وردت (بذل) بدون باء والأقوى فى رأينا أن تكون بالباء وأن نقرأ موجب بفتح الجيم أي مستحق، وبذلك يتضح موقف القشيري من قضية هامة وهى هل يجب على الله أن يثيب المطيع؟ ولا يرى القشيري هذا الوجوب لأنه يربط كل عمل للعبد بالعناية الإلهية لا بالمجهود الإنسانى. وقد صدق الرسول (ص) حين قال: «ما منكم من أحد ينجيه عمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدنى الله برحمته» .","vol":"1","page":50},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>[سورة الفاتحة (١): آية ٧]</span>\nصِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ (٧)\nيعنى طريق من أنعمت عليهم بالهداية إلى الصراط المستقيم، وهم الأولياء والأصفياء.\nويقال طريق من (أفنيتهم) «١» عنهم، وأقمتهم بك لك، حتى لم يقفوا فى الطريق، ولم تصدهم عنك خفايا المكر. ويقال صراط من أنعمت عليهم بالقيام بحقوقك دون التعريج على استجلاب حظوظهم.\nويقال صراط من (طهرتهم) «٢» عن آثارهم حتى وصلوا إليك بك.\nويقال صراط من أنعمت عليهم حتى تحرروا من مكائد الشيطان، ومغاليط «٣» النفوس ومخاييل الظنون، وحسبانات الوصول قبل خمود آثار البشر (ية) .\nويقال صراط من أنعمت عليهم بالنظر والاستعانة بك، والتبري من الحول والقوة، وشهود ما سبق لهم من السعادة فى سابق الاختيار، والعلم بتوحيدك فيما تمضيه من المسار والمضار.\nويقال صراط الذين أنعمت عليهم بحفظ الأدب فى أوقات الخدمة، واستشعار نعت الهيبة.\nويقال صراط الذين أنعمت عليهم بأن حفظت عليهم آداب الشريعة وأحكامها عند غلبات (بواده) «٤» الحقائق حتى لم يخرجوا عن حد العلم، ولم يخلّوا بشىء من أحكام الشريعة.\nويقال صراط الذين أنعمت عليهم حتى لم تطفئ شموس معارفهم أنوار ورعهم ولم يضيّعوا شيئا من أحكام الشرع «٥» .\nويقال صراط الذين أنعمت عليهم بالعبودية عند ظهور سلطان الحقيقة.\nقوله جلّ ذكره: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ\n_________\n(١) وردت (أقنتهم) فى ص.\n(٢) وردت (ظهرتهم) فى ص.\n(٣) وردت (مغاليظ) فى ص.\n(٤) وردت (بواد) .\n(٥) نلاحظ أن القشيري يلح كثيرا على التزام آداب الشريعة مهما غلبت على العبد سطوة الانمحاء، واستلبه سلطان الفناء، ويحسن هنا أن نشير إلى اصطلاح فى مذهب القشيري وهو الفرق الثاني وهى حالة عزيزة يرد عندها العبد إلى الصحو لكى يؤدى ما يجب عليه من الفرائض فى أوقاتها، ويكون رجوعه لله بالله (انظر الرسالة القشيرية ص ٣٩) .","vol":"1","page":51},{"text":"المغضوب عليهم الذين صدمتهم هواجم الخذلان «١»، وأدركتهم مصائب الحرمان، وركبتهم سطوة الرد، وغلبتهم بواده الصد والطرد.\nويقال هم الذين لحقهم ذل الهوان، وأصابهم «٢» سوء الخسران، فشغلوا فى الحال باجتلاب الحظوظ- وهو فى التحقيق (شقاء) إذ يحسبون أنهم على شىء، وللحق فى شقائهم سر.\nويقال هم الذين أنسوا بنفحات التقريب زمانا ثم أظهر الحق سبحانه فى بابهم شانا بدّلوا بالوصول بعادا، وطمعوا فى القرب فلم يجدوا مرادا، أولئك الذين ضلّ سعيهم، وخاب ظنهم.\nويقال غير المغضوب عليهم بنسيان التوفيق، والتعامي عن رؤية التأييد. ولا الضالين عن شهود سابق الاختيار، وجريان التصاريف والأقدار.\nويقال غير المغضوب عليهم بتضييعهم آداب الخدمة، وتقصيرهم فى أداء شروط الطاعة.\nويقال غير المغضوب عليهم هم الذين تقطعوا فى مفاوز الغيبة، وتفرّقت بهم الهموم في أودية وجوه الحسبان.\n[فصل] ويقول العبد عند قراءة هذه السورة آمين، والتأمين سنّة، ومعناه يا رب افعل واستجب، وكأنه يستدعى بهذه القالة التوفيق للأعمال، والتحقيق للآمال، وتحط رجله بساحات الافتقار، ويناجى حضرة الكرم بلسان الابتهال، ويتوسل (بتبريه) «٣» عن الحول والطاقة والمنّة والاستطاعة إلى حضرة الجود. وإن أقوى وسيلة للفقير تعلقه بدوام الاستعانة لتحققه بصدق الاستغاثة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>السورة التي تذكر فيها البقرة</span>\nقوله تعالى:\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الاسم مشتق من السمو والسّمة، فسبيل من يذكر هذا الاسم أن يتسم بظاهره بأنواع المجاهدات، ويسمو بهمته إلى محالّ المشاهدات. فمن عدم سمة المعاملات على ظاهرة، وفقد\n_________\n(١) يقول القشيري في الرسالة (ومنهم من تغيرهم البواده وتصرفه الهواجم، ومنهم من يكون فوق ما يفجؤه حالا ووقتا.. أولئك هم سادات الوقت) ص ٤٤. [.....]\n(٢) وردت (أحبابهم) .\n(٣) وردت (ببريته) والصواب (بتبريه) .","vol":"1","page":52},{"text":"سموّ الهمّة للمواصلات بسرائره لم يجد لطائف الذكر عند قالته، ولا كرائم القرب فى صفاء حالته.\n[فصل] معنى الله: الذي له الإلهية، والإلهية استحقاق نعوت الجلال. فمعنى بسم الله:\nباسم من تفرّد بالقوة والقدرة. الرحمن الرحيم من توحّد فى ابتداء الفضل والنصرة. فسماع الإلهية يوجب الهيبة والاصطلام، وسماع الرحمة يوجب القربة والإكرام. وكلّ من لاطفه الحق سبحانه عند سماع هذه الآية ردّه بين صحو ومحو، وبقاء وفناء، فإذا كاشفه بنعت الإلهية أشهده جلاله، فحاله محو. وإذا كاشفه بنعت الرحمة أشهده جماله فحاله صحو:\nأغيب إذا شهدتك ثم أحيا ... فكم أحيا لديك وكم أبيد\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>[سورة البقرة (٢): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالم (١)\nهذه الحروف المقطعة فى أوائل السورة من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله- عند قوم، ويقولون لكل كتاب سر، وسر الله فى القرآن هذه الحروف المقطعة. وعند قوم إنها مفاتح أسمائه، فالألف من اسم «الله»، واللام يدل على اسمه «اللطيف»، والميم يدل على اسمه «المجيد» و«الملك» .\nوقيل أقسم الله بهذه الحروف لشرفها لأنها بسائط أسمائه وخطابه.\nوقيل إنها أسماء السور.\nوقيل الألف تدل على اسم «الله» واللام تدل على اسم «جبريل» والميم تدل على اسم «محمد» صلى عليه وسلم، فهذا الكتاب نزل من الله على لسان جبريل إلى محمد ﷺ.\nوالألف من بين سائر الحروف انفردت عن أشكالها بأنها لا تتصل بحرف فى الخط وسائر الحروف يتصل بها إلا حروف يسيرة، فينتبه العبد عند تأمل هذه الصفة إلى احتياج الخلق بجملتهم إليه، واستغنائه عن الجميع.\nويقال يتذكر العبد المخلص «١» من حالة الألف تقدّس الحق ﷾ عن التخصص\n_________\n(١) وردت في ص (المخلض) وهى خطأ من الناسخ.","vol":"1","page":53},{"text":"بالمكان فإن سائر الحروف لها محل من الحلق أو الشفة «١» أو اللسان إلى غيره من المدارج «٢» غير الألف فإنها هويته، لا تضاف إلى محل.\nويقال الإشارة منها إلى انفراد العبد لله ﷾ فيكون كالألف لا يتصل بحرف، ولا يزول عن حالة الاستقامة والانتصاب بين يديه.\nويقال يطالب العبد فى سره عند مخاطبته بالألف بانفراد القلب إلى الله تعالى، وعند مخاطبته باللام بلين جانبه فى (مراعاة) حقه، وعند سماع الميم بموافقة أمره فيما يكلفه.\nويقال اختص كل حرف بصيغة مخصوصة وانفردت الألف باستواء القامة، والتميز عن الاتصال بشىء من أضرابها من الحروف، فجعل لها صدر الكتاب إشارة إلى أن من تجرّد عن الاتصال بالأمثال والأشغال حظى بالرتبة العليا، وفاز بالدرجة القصوى، وصلح للتخاطب بالحروف المنفردة التي هى غير مركبة، على سنة الأحباب فى ستر الحال، وإخفاء الأمر على الأجنبى من القصة- قال شاعرهم:\nقلت لها قفى لنا قالت قاف لا تحسبى أنّا نسينا لا يخاف ولم يقل وقفت سترا على الرقيب ولم يقل لا أقف مراعاة لقلب الحبيب بل: «قالت قاف» .\nويقال تكثر العبارات «٣» للعموم والرموز والإشارات للخصوص، أسمع موسى كلامه فى ألف موطن، وقال لنبيّنا محمد ﷺ: ألف ... وقال ﵇: أوتيت جوامع الكلم «٤» فاختصر لى الكلام اختصارا» وقال بعضهم: قال لى مولاى: ما هذا الدنف؟\nقلت: تهوانى؟ قال: لام الف قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>[سورة البقرة (٢): آية ٢]</span>\nذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (٢)\n_________\n(١) وردت فى ص (الشفق) وهى خطأ من الناسخ.\n(٢) معناها المخارج- كما جاء فى الهامش.\n(٣) وردت فى ص (العبادات) والأصح بالراء لأن القشيري فى مواضع كثيرة يقابل بين العبارة والإشارة.\n(٤) وردت فى ص (القلم) وهى خطأ من الناسخ. وسيأتى تخريج الحديث فى هامش قريب.","vol":"1","page":54},{"text":"قيل ذلك الكتاب أي هذا الكتاب، وقيل إشارة إلى ما تقدم إنزاله من الخطاب، وقيل ذلك الكتاب الذي وعدتك إنزاله عليك يوم الميثاق.\nلا ريب فيه، فهذا وقت إنزاله. وقيل ذلك الكتاب الذي كتبت فيه الرحمة على نفسى لامتك- لا شك فيه، فتحقق بقولي.\nوقيل الكتاب الذي هو سابق حكمى، وقديم قضائى لمن حكمت له بالسعادة، أو ختمت عليه بالشقاوة لا شك فيه.\nوقيل (حكمى الذي أخبرت أن رحمتى سبقت على غضبى لا شك فيه «١») .\nوقيل إشارة إلى ما كتب فى قلوب أوليائه من الإيمان والعرفان، والمحبة والإحسان، وإن كتاب الأحباب عزيز على الأحباب، لا سيما عند فقد اللقاء، وبكتاب الأحباب سلوتهم وأنسهم، وفيه شفاؤهم وروحهم، وفى معناه أنشدوا:\nوكتبك حولى لا تفارق مضجعى ... وفيها شفاء للذى أنا كاتم\nوأنشدوا:\nورد الكتاب بما أقرّ عيوننا ... وشفى القلوب فنلن غايات المنى\nوتقاسم الناس المسرة بينهم ... قسما وكان أجلهم حظّا أنا «٢»\nقوله جل ذكره: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ أي بيانا وحجة، وضياء ومحجة، لمن وقاه الحق ﷾ من ظلمات الجهل، وبصّره بأنوار العقل، واستخلصه بحقائق الوصل. وهذا الكتاب للأولياء شفاء، وعلى الأعداء عمّى وبلاء. المتّقى من اتقى رؤية تقاه، ولم يستند إلى تقواه، ولم ير نجاته إلا بفضل مولاه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>[سورة البقرة (٢): آية ٣]</span>\nالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)\n_________\n(١) ما بين القوسين تكملة استدرك بها الناسخ فأثبتها فى هامش الصفحة.\n(٢) لم يكن الناسخ يظهر اهتماما بأبيات الشعر فوصلتنا رديئة الخط كثيرة الأخطاء فقمنا بتصحيحها بقدر الإمكان حتى تبدو ذات معنى، وذلك استنادا إلى حالة لها اكثر ضبطا إما في مواضع أخرى من هذا الكتاب أو من كتب القشيري الأخرى.","vol":"1","page":55},{"text":"حقيقة الإيمان التصديق ثم التحقيق، وموجب الأمرين التوفيق. والتصديق بالعقل والتحقيق ببذل الجهد، فى حفظ العهد، ومراعاة الحد. فالمؤمنون هم الذين صدّقوا باعتقادهم ثم الذين صدقوا فى اجتهادهم.\nوأمّا الغيب فما يعلمه «١» العبد مما خرج عن حد الاضطرار فكل أمر دينى أدركه العبد بضرب استدلال، ونوع فكر واستشهاد فالإيمان به غيبيّ. فالرب ﷾ غيب.\nوما أخبر الحق عنه من الحشر والنشر، والثواب والمآب، والحساب والعذاب- غيب.\nوقيل إنما يؤمن بالغيب من كان معه سراج الغيب، وأن من أيّدوا ببرهان العقول آمنوا بدلالة العلم وإشارة اليقين، فأوردهم صدق الاستدلال ساحات الاستبصار، وأوصلهم صائب الاستشهاد إلى مراتب السكون فإيمانهم بالغيب بمزاحمة علومهم دواعى الريب.\nومن كوشف بأنواع التعريف أسبل عليهم سجوف الأنوار، فأغناهم بلوائح البيان عن كل فكر وروية، وطلب بخواطر ذكية، وردّ وردع لدواع ردية، فطلعت شموس أسرارهم فاستغنوا عن مصابيح استدلالهم، وفى معناه أنشدوا:\nليلى من وجهك شمس الضحى ... وظلامه فى الناس سارى\nوالناس فى سدف الظلا ... م ونحن فى ضوء النهار\nوأنشدوا:\nطلعت شمس من أحبّك ليلا ... فاستضاءت ومالها من غروب\nإن شمس النهار تغرب بالليل ... وشمس القلوب ليست تغيب «٢»\nومن آمن بالغيب بشهود الغيب غاب فى شهود الغيب فصار غيبا يغيب.\nوأمّا إقامة الصلاة فالقيام بأركانها وسننها ثم الغيبة «٣» عن شهودها برؤية من يصلّى له «٤»\n_________\n(١) وردت (يعمله) والأرجح أن تكون (يعلمه) حتى تتلاءم مع طبيعة الغيب.\n(٢) وردت (مما لها)، (وتغيب بالليل)، (ليت تغيب) وقد صححنا ذلك بما يتلاءم مع الوزن والمعنى\n(٣) وردت (ثم الغيت) وهى خطأ من الناسخ والأصح (الغيبة) كما سنجد فى الهامش التالي.\n(٤) القشيري هنا متأثر بفكرة الواسطي حينما دخل نيسابور وسأل أصحاب أبى عثمان: بماذا كان يأمركم شيخكم؟ فقالوا: كان يأمرنا بالتزام الطاعات ورؤية التقصير فيها. فقال «.... هلا أمركم بالغيبة عنها برؤية منشئها ومجريها» الرسالة ص ٣٤.","vol":"1","page":56},{"text":"فيحفظ عليه أحكام الأمر بما يجرى عليه منه، وهو عن ملاحظتها محو، فنفوسهم مستقبلة القبلة، وقلوبهم مستغرقة فى حقائق الوصلة:\nأرانى إذا صلّيت يمّمت نحوها ... بوجهي وإن كان المصلّى ورائيا\nأصلى فلا أدرى إذا ما قضيتها ... أثنتين صليت الضحى أم ثمانيا؟\nوإن أصحاب العموم يجتهدون عند افتتاح الصلاة ليردوا قلوبهم إلى معرفة ما يؤدون من الفرض، ولكن عن أودية الغفلة ما يرجعون. أما أهل الخصوص فيردون قلوبهم إلى معرفة ما يؤدون ولكن عن حقائق الوصلة ما يرجعون فشتّان بين غائب يحضر أحكام الشرع ولكن عند أوطان الغفلة، وبين غائب يرجع إلى أحكام الشرع ولكن عند حقائق الوصلة.\nقوله جل ذكره: وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ الرزق ما تمكّن الإنسان من الانتفاع به، وعلى لسان التفسير أنهم ينفقون أموالهم إمّا نفلا وإما فرضا على موجب تفصيل «١» العلم. وبيان الإشارة أنهم لا يدخرون عن الله ﷾ شيئا من ميسورهم فينفقون نفوسهم فى آداب العبودية، وينفقون قلوبهم على دوام مشاهدة الربوبية. فإنفاق أصحاب الشريعة من حيث الأموال، وإنفاق أرباب الحقيقة من حيث الأحوال، فهؤلاء يكتفى منهم عشرين بنصف ومن المائتين بخمس «٢»، وعلى هذا السّنن جميع الأموال يعتبر فيه النّصاب. وأمّا أهل الحقائق فلو جعلوا من جميع أحوالهم- لأنفسهم ولحظوظهم- لحظة قامت عليهم القيامة.\n[فصل] الزاهدون أنفقوا فى طريقة متابعة هواهم، فآثروا رضاء الله على مناهم، والعابدون أنفقوا فى سبيل الله وسعهم وقواهم، فلازموا سرا وعلنا نفوسهم. والمريدون أنفقوا فى سبيله ما يشغلهم عن ذكر مولاهم فلم يلتفتوا إلى شىء من دنياهم وعقباهم. والعارفون أنفقوا فى سبيل الله ما هو سوى مولاهم فقرّبهم الحق سبحانه وأجزاهم، وبحكم الإفراد به لقّاهم.\n_________\n(١) وردت (تفضيل) ولا يرجحها السياق فالمقصود ما يفصله العلم من مقادير زكاة المال. [.....]\n(٢) إشارة إلى ان زكاة الأموال مقدارها ربع العشر.","vol":"1","page":57},{"text":"[فصل] الأغنياء أنفقوا من نعمهم على عاقبتهم. والفقراء أنفقوا من هممهم على منابتهم «١» ويقال العبد بقلبه وببدنه وبماله، فبإيمانهم بالغيب قاموا بقلوبهم، وبصلاتهم قاموا بنفوسهم، وبإنفاقهم قاموا بأموالهم، فاستحقوا خصائص القربة من معبودهم، وحين قاموا لحقّه بالكلية استوجبوا كمال الخصوصية.\nقوله جلّ ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>[سورة البقرة (٢): آية ٤]</span>\nوَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤)\nإيمانهم بالغيب اقتضى إيمانهم بالقرآن، وبما أنزل الله من الكتب قبل القرآن، ولكنه أعاد ذكر الإيمان هاهنا على جهة التخصيص والتأكيد، وتصديق الواسطة ﷺ فى بعض ما أخبر يوجب تصديقه فى جميع ما أخبر، فإن دلالة صدقه تشهد على الإطلاق دون التخصيص، وإنما أيقنوا بالآخرة لأنهم شهدوا على الغيب فإن حارثة لما قال له رسول الله ﷺ كيف أصبحت؟ قال: أصبحت مؤمنا بالله حقا، وكأنى بأهل الجنة يتزاورون وكأنى بأهل النار يتعاوون «٢» وكأنى بعرش ربى بارزا فقال رسول الله ﷺ: أصبت فالزم.\nوهذا عامر بن عبد القيس يقول: «لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا» . وحقيقة اليقين التخلص عن تردد التخمين، والتقصي عن مجوزات الظنون.\nقوله جلّ ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>[سورة البقرة (٢): آية ٥]</span>\nأُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)\nيعنى على بيان\n_________\n(١) من (أناب) وعند القشيري: التوبة بداية والأوبة نهاية والإنابة واسطتهما، فكل من تاب لخوف عقوبة فهو صاحب توبة ومن تاب طمعا فى الثواب فهو صاحب إنابة، ومن تاب مراعاة للأمر لا لرغبة في الثواب، او رهبة من العقاب فهو صاحب اوبة (الرسالة ص ٥٠) .\n(٢) وردت (وكانى بأهل النار تعاويون) ووردت فى موضع آخر من الكتاب عند تفسير الآية ٤٩ من سورة البقرة (يتعادون) . وبالرجوع إلى مصادر الحديث وجدناه على النحو التالي: «سأل النبي (ص) حارثة فقال: لكل حق حقيقة فما حقيقة إيمانك؟ فقال: عزفت نفسى عن الدنيا، فأسهرت ليلى، واظمأت نهارى، وكأنى انظر إلى عرش ربى بارزا، وكأنى انظر إلى اهل الجنة يتزاورون، وإلى اهل النار فى النار كيف يتعاوون. فقال له النبي (ص): عرفت فالزم.» .\nالبزاز بسند ضعيف عن انس، والطبراني فى الكبير من حديث الحارث بن مالك، وسنده ضعيف ايضا","vol":"1","page":58},{"text":"من ربهم ويقين وكشف وتحقيق، وذلك أنه تجلّى لقلوبهم أولا بآياته ثم تجلّى لها بصفاته ثم تجلى لها بحقه وذاته.\nوقوم «عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ» بدلائل العقول وضعوها فى موضعهما فوصلوا إلى حقائق العلوم، وقوم على بصيرة ملاطفات التقريب فبمشاهدة الرحمة والكرم وصلوا إلى بيان اليقين، وآخرون ظهرت الحقيقة لأسرارهم فشهدوا بالغيب حقيقة الصمدية، فوصلوا بحكم العرفان إلى عين الاستبصار.\n«وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» الفلاح الظفر بالبغية «١»، والفوز بالطلبة، ولقد نال القوم البقاء فى مشهد اللقاء فظفروا بقهر الأعداء، وهى غانمة «٢» النفوس من هواجسها، ثم زلات القلوب من خواطرها «٣»، فوقفوا بالحق للحق بلا واسطة من عقل، أو رجوع إلى ذكر وفكر.\nقوله جلّ ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>[سورة البقرة (٢): آية ٦]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٦)\nمن كان فى غطاء وصفه محجوبا عن شهود حقه فالإشارة لنعته أنه سيان عنده قول من دلّه على الحق، وقول من أعانه على استجلاب الحظ، بل هو إلى دواعى الغفلة أميل، وفى الإصغاء إليها أرغب. كيف لا؟ وهو بكىّ الفرقة موسوم، وفى سجن الغيبة محبوس، وعن محل القربة ممنوع، لا يحصل منهم إيمان، لأنه ليس لهم من الحق أمان فلمّا لم يؤمنوا لم يؤمنوا. حكم سبق من الله حتم، وقول له فصل، وإن القدرة لا تعارض، ومن زاحم الحق فى القضية «٤» كبسته سطوات العزة، وقصمته بواده «٥» الحكم.\nويقال إن الكافر لا يرعوى عن ضلالته لما سبق من شقاوته، وكذلك المربوط بأغلال نفسه محجوب عن شهود غيبه وحقه، فهو لا يبصر رشده، ولا يسلك قصده. ويقال إن\n_________\n(١) وردت فى ص (بالبغتة) وهى خطأ من الناسخ.\n(٢) الغاغة مرعى البهائم.\n(٣) يقول القشيري فى رسالته: إن الهاجس خاص بالنفس والخاطر خاص بالقلب ص ٤٦، ٤٧.\n(٤) القضية هنا معناها القضاء.\n(٥) البواده ما يفجأ القلب من الغيب على سبيل الوهلة (الرسالة ص ٤٤) .","vol":"1","page":59},{"text":"الذي بقي فى ظلمات رعونته سواء عنده نصح المرشدين وتسويلات المبطلين، لأن الله ﷾ نزع عن أحواله بركات الإنصاف، فلا يدرك بسمع القبول، ولا يصغى إلى داعى الرشاد، كما قيل:\nوعلى النصوح نصيحتى ... وعلىّ عصيان النصوح\nويقال من ضلّ عن شهود المنّة عليه فى سابق القسمة توهّم أن الأمر من حركاته وسكناته فاتّكل على أعماله، وتعامى عن شهود أفضاله.\nقوله جلّ ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>[سورة البقرة (٢): آية ٧]</span>\nخَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٧)\nالختم على الشيء يمنع ما ليس فيه أن يدخله وما فيه أن يخرج منه، وكذلك حكم الحقّ سبحانه بألا يفارق قلوب أعدائه ما فيها من الجهالة والضلالة، ولا يدخلها شىء من البصيرة والهداية. على أسماع قلوبهم غطاء الخذلان، سدّت تلك المسامع عن إدراك خطاب الحق من حيث الإيمان، فوساوس الشيطان وهواجس النفوس شغلتها عن استماع خواطر الحق.\nوأمّا الخواص فخواطر العلوم وجولان تحقيقات المسائل فى قلوبهم شغلت قلوبهم عن ورود أسرار الحق عليهم بلا واسطة، وإنما ذلك لخاص الخاص، لذا قال رسول الله ﷺ: «لقد كان فى الأمم محدّثون فإن يكن فى أمتى فعمر» «١» فهذا المحدّث مخصوص من الخواص كما أن صاحب العلوم مخصوص من بين العوام. وعلى بصائر الأجانب غشاوة فلا يشهدون لا ببصر العلوم ولا ببصيرة الحقائق، ولهم عذاب عظيم لحسبانهم أنهم على شىء، وغفلتهم عما منوا من المحنة (و...)»\nفى الحال والمال «٣»، فى العاجل فرقته، وفى الآجل حرقته.\nقوله جلّ ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>[سورة البقرة (٢): آية ٨]</span>\nوَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨)\n_________\n(١) للحديث صورة أخرى «إن من أمتى مكلّمين ومحدّثين وإن عمر منهم» .\n(٢) مشتبهة فى ص.\n(٣) والأرجح أنها (فى الحال والمآل) حتى تنسجم مع العاجل والآجل.","vol":"1","page":60},{"text":"ثبتوا على نفاقهم، ودأبوا على أن يلبّسوا على المسلمين، فهتك الله أستارهم بقوله: وما هم بمؤمنين كذا قيل:\nمن تحلى بغير ما هو فيه ... فضح الامتحان ما يدّعيه\nولما تجردت أقوالهم عن المعاني كان وبال ما حصلوه منها أكثر من النفع الذي توهموه فيها، لأنه تعالى قال: «إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ» ولولا نفاقهم لم يزدد عذابهم.\nويقال لما عدموا صدق الأحوال لم ينفعهم صدق الأقوال، فإن الله تعالى قال: «وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ» فكانوا يقولون نشهد إنك لرسول الله، وكذلك من أظهر من نفسه ما لم يتحقق به افتضح عند أرباب التحقيق فى الحال، وقيل:\nأيها المدعى سليمى هواها ... لست منها ولا قلامة ظفر\nإنما أنت فى هواها كواو ... ألصقت فى الهجاء ظلما بعمرو\nقوله جلّ ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>[سورة البقرة (٢): آية ٩]</span>\nيُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ (٩)\nعاد وبال خداعهم والعقوبة عليه «١» إلى أنفسهم فصاروا فى التحقيق كأنهم خادعوا أنفسهم، فما استهانوا إلا بأقدارهم، وما استخفّوا إلا بأنفسهم، وما ذاق وبال فعلهم سواهم، وما قطعوا إلا وتينهم. ومن كان عالما بحقائق المعلومات فمن رام خداعه إنما يخدع نفسه.\nوالإشارة فى هذه الآية أن من تناسى لطفه السابق وقال لى ربى ومنى وأنا يقع فى وهمه وظنه لك وبك ومنك وأنت، وهذا التوهم أصعب العقوبات «٢» لأنه يرى سرابا فيظنه شرابا حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوقّاه حسابه.\nقوله جلّ ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>[سورة البقرة (٢): آية ١٠]</span>\nفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ (١٠)\nفى قلوب المنافقين مرض الشك، ويزيدهم الله مرضا بتوهمهم أنهم نجوا بما لبّسوا\n_________\n(١) وردت فى ص (عليها) والأصح أن تكون عليه لأن الضمير يعود على الخداع وربما قصد القشيري عودة الضمير على مفهوم، وهو جريمة الخداع.\n(٢) جاء فى رسالة القشيري «التوحيد إسقاط الياءات فلا تقول لى وبي ومنى وإلى» ص ١٤٩","vol":"1","page":61},{"text":"على المسلمين، ثم لهم عذاب أليم مؤلم، يخلص وجعه إليهم فى المآل. (وفى) الإشارة يحصل لمن خلط قصده بحظّه، وشاب إرادته بهواه (أن) يتقدم فى الإرادة بقدم، ويتأخر بالحظوظ ومتابعة النفس بأخرى، فهو لا مريد صادق ولا عاقل متثبت. ولو أن المنافقين أخلصوا فى عقائدهم لأمنوا «١» فى الآخرة من العقوبة كما أمنوا فى الدنيا من نحو بذل الجزية وغير ذلك مما هو صفة أهل الشرك والذمة «٢»، كذلك لو صدق المريد فى إرادته لوصل بقلبه إلى حقائق الوصلة، ولأدركته بركات الصدق فيما رامه من الظفر بالبغية، ولكن حاله كما قيل:\nفما ثبتنا فيثبت لنا عدل بلا حنف ... ولو خلصنا تخلصنا من المحن «٣»\nوإن من سقمت عبادته حيل بينه وبين درجات الجنات، ومن سقمت إرادته حيل بينه وبين مواصلات القرب والمناجاة. وأمّا من ركن إلى الدنيا واتّبع الهوى فسكونهم «٤» إلى دار الغرور سقم لقلوبهم، والزيادة فى علتهم تكون بزيادة حرصهم كلما وجدوا منها شيئا- عجّل لهم العقوبة عليه- يتضاعف حرصهم على ما لم يجدوه.\nثم من العقوبات العاجلة لهم تشتت همومهم ثم تنغّص عيشهم فيبغون بها عن مولاهم، ولم يكن لهم استمتاع ولا راحة فيما آثروه من متابعة هواهم، وهذا جزاء من أعرض عن صحبة مولاه، وفى معناه قيل:\nتبدلت فتبدلنا وا حسرتا ... لمن ابتغى عوضا ليسلو فلم يجد «٥»\nوالإشارة فى العذاب الأليم بما كانوا يكذبون إنما هى الحسرة يوم الكشف إذا رأوا أشكالهم الذين صدقوا كيف وصلوا، ورأوا أنفسهم كيف خسروا.\n_________\n(١) وردت (لآمنوا) وهى خطأ من الناسخ. [.....]\n(٢) وردت (وألزمته) وهى خطأ فى الكتابة.\n(٣) أصلحنا قليلا فى البيت لكى يؤدى معنى، لأن ما فى البيت من اخطاء كتابية تفقده كل قيمة، وترجح أنها (حيف) لا (حنف) وإن كان الحنف معناه الميل إلا أن الحيف وهو الظلم أقرب.\n(٤) ويحتمل ايضا انها فى الأصل (فركونهم) حتى تتلاءم مع (ومن ركن ...)، وكلاهما مقبول.\n(٥) وزن البيت غير سليم وقد ورد فيه (وا خسرانا) و(ليلى) ويبدو أن الناسخ قد وقع فى اخطاء أخرى عند النقل.","vol":"1","page":62},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>[سورة البقرة (٢): الآيات ١١ الى ١٢]</span>\nوَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ (١٢)\nالإشارة منها: أنه إذا دعاهم واعظ فى قلوبهم من خفى خواطرهم إلى ما فيه رشدهم تتبعوا رخص التأويل، ولبّسوا على أنفسهم ما يشهد بقساوة قلوبهم، وحين جحدوا برهان الحق من خواطر قلوبهم نزع الله البركة من أحوالهم، وأبدلهم تصامما عن الحق، وابتلاهم بالاعتراض على الطريقة «١» وسلبهم الإيمان بها.\nوكما أن المرتد أشد على المسلمين عداوة كذلك من رجع عن الإرادة إلى الدنيا والعادة فهو أشد الناس إنكارا لهذه الطريقة، وأبعد من أهلها، وفى المثل: من اخترق كدسه «٢» تمنى أن يقع بجميع الناس ما أصابه.\nوإرفاق المرتدين عن طريق الإرادة- عند الصادقين منهم- غير مقبول كما أن رسول الله ﷺ لم يقبل زكاة ثعلبة.\nويقال كفى لصاحب الكذب فضيحة بأن يقال له فى وجهه كذبت، فهم لمّا قالوا إنما نحن مصلحون، أكذبهم الحق سبحانه فقال: «أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ»: إنّا نعلمهم فنفضحهم.\nقوله عز ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>[سورة البقرة (٢): آية ١٣]</span>\nوَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ (١٣)\nالإشارة منها أن المنافقين لما دعوا إلى الحق وصفوا المسلمين بالسّفه، وكذلك أصحاب الغنى إذا أمروا بترك الدنيا وصفوا أهل الرشد بالكسل والعجز، ويقولون إن الفقراء ليسوا على شىء، لأنه لا مال لهم ولا جاه ولا راحة ولا عيش، وفى الحقيقة هم الفقراء وهم أصحاب المحنة وقعوا فى الذل مخالفة الذل، ومارسوا الهوان خشية الهوان، شيّدوا القصور ولكن\n_________\n(١) يقصد القشيري طريقة الصوفية.\n(٢) الكدس بضم الكاف وتسكين الدال: المجتمع من كل شىء كالحب المحصود والتمر والدرام والرمل والجمع اكداس (الوسيط واللسان) .","vol":"1","page":63},{"text":"سكنوا القبور، زيّنوا المهد ولكن أدرجوا اللحد، ركضوا فى ميدان الغفلة ولكن عثروا فى أودية الحسرة، وعن قريب سيعلمون، ولكن حين لا ينفعهم علمهم، ولا يغنى عنهم شىء.\nسوف ترى إذا انجلى الغبار ... أفرس تحتك أم حمار\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٤ الى ١٥]</span>\nوَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥)\nأراد المنافقون أن يجمعوا بين عشرة الكفار وصحبة المسلمين، فإذا برزوا للمسلمين قالوا نحن معكم، وإذا خلوا بأضرابهم من الكفار أظهروا الإخلاص لهم، فأرادوا الجمع بين الأمرين فنفوا عنهما. قال الله تعالى: «مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ»، وكذلك من رام أن يجمع بين طريق الإرادة وما عليه أهل العادة لا يلتئم ذلك، فالضدان لا يجتمعان، و«المكاتب عبد ما بقي عليه درهم»، وإذا ادلهم الليل من هاهنا أدبر النهار من هاهنا، ومن كان له فى كل ناحية خليط، وفى زاوية من قلبه ربيط كان نهبا للطوارق، ينتابه كل قوم، وينزل فى قلبه كل (....) «١»، فقلبه أبدا خراب، لا يهنأ بعيش، ولا له فى التحقيق رزق من قلبه، قال قائلهم:\nأراك بقية من قوم موسى ... فهم لا يصبرون على طعام\nولما قال المنافقون إنما نحن مستهزئون قال الله تعالى: «اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ» أي يجازيهم على استهزائهم، كذلك لما ألقى القوم أزمّتهم فى أيدى الشهوات استهوتهم فى أودية التفرقة، فلم يستقر لهم قدم على مقام فتطوحوا فى متاهات الغيبة، وكما يمد المنافقين فى طغيانهم يعمهون يطيل مدة «٢» هؤلاء فى مخايل الأمل فيكونون عند اقتراب آجالهم أطول ما كانوا أملا، وأسوأ ما كانوا عملا، ذلك جزاء ما عملوا، ووبال ما صنعوا. وتحسين أعمالهم القبيحة فى أعينهم من\n_________\n(١) مشتبهة فى ص.\n(٢) وربما كانت يطيل (مد) والسياق يقبل كليهما.","vol":"1","page":64},{"text":"أشد العقوبات لهم، ورضاؤهم بما فيه من الفترة «١» أجلّ مصيبة لهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>[سورة البقرة (٢): آية ١٦]</span>\nأُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (١٦)\nالإشارة منها أن من بقي عن الحقوق بالبقاء فى أوطان الحظوظ خسرت صفقتهم:\nوما ربحت تجارتهم. والذي رضى بالدنيا عن العقبى لفى خسران ظاهر.\nومن آثر الدنيا أو العقبى على الحق تعالى لأشد خسرانا.\nوإذا كان المصاب «٢» بفوات النعيم مغبونا فالذى مني بالبعاد عن المناجاة وانحاز «٣» بقلبه عن مولاه، وبقي فى أسر الشهوات، لا إلى قلبه رسول، ولا لروحه وصول، ولا معه مناجاة، ولا عليه إقبال، ولا فى سرّه شهود- فهذا هو المصاب والممتحن.\nوإن من فاته وقت فقد فاته ربه، فالأوقات لا خلف عنها ولا بدل منها، ولقد قال بعضهم:\nكنت السواد لمقلتى ... فبكى عليك الناظر\nمن شاء بعدك فليمت ... فعليك كنت أحاذر\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>[سورة البقرة (٢): آية ١٧]</span>\nمَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ (١٧)\nهذا مثل ضربه الله سبحانه للمنافقين بمن استوقد نارا «٤» فى ابتداء ليلته ثم أطفئت النيران فبقى صاحبها فى الظلمة، كذلك المنافق ظهر عليه شىء من العوافي فى الدنيا بظاهره ثم امتحنوا فى الآخرة بأليم العقوبة، أو لاح شىء من إقرارهم ثم بقوا فى ظلمة إنكارهم.\nوالإشارة من هذه الآية لمن له بداية جميلة يسلك طريق الإرادة، ويتعنّي مدة، ويقاسى بعد الشدة شدة، ثم يرجع إلى الدنيا قبل الوصول إلى الحقيقة، ويعود إلى ما كان فيه من ظلمات البشرية. أورق عوده ثم لم يثمر، وأزهر غصنه ثم لم يدركه، وعجّل كسوف الفترة على\n_________\n(١) الفترة رجوع عن الإرادة وخروج منها، والوقفة سكون عن السير باستحلاء حالات الكسل، ووقفة المريد شر من فترته (الرسالة ص ١٩٩) .\n(٢) وردت (المصايب) فى ص وهى غير ملائمة.\n(٣) وردت (وأنجاز) والأرجح ما اخترنا.\n(٤) وردت (نارى) والأرجح ما اخترنا.","vol":"1","page":65},{"text":"أقمار حضوره، وردّته يد القهر بعد ما أحضره لسان اللطف، فوطن عن القرب قلبه، وغلّ من الطالبين نفسه، فكان كما قيل.\nحين قرّ الهوى وقلنا سررنا ... وحسبنا من الفراق أمنّا\nبعث البين رسله فى خفاء ... فأبادوا من شملنا ما جمعنا\nوكذلك تحصل الإشارة فى هذه الآية لمن له أدنى شىء من المعاني فيظهر الدعاوى فوق ما هو به، فإذا انقطع عنه (...) «١» ماله من أحواله بقي فى ظلمة دعاواه.\nوكذلك الذي يركن إلى حطام الدنيا وزخرفها، فإذا استتبت الأحوال وساعد الأمل وارتفع المراد- برز عليه الموت من مكامن المكر فيترك الكل ويحمل الكلّ.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>[سورة البقرة (٢): آية ١٨]</span>\nصُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ (١٨)\nصم عن سماع دواعى الحق بآذان قلوبهم، بكم عن مناجاة الحق بألسنة أسرارهم، عمى عن شهود جريان المقادير بعيون بصائرهم، فهم لا يرجعون عن تماديهم فى تهتكهم، ولا يرتدعون عن انهماكهم فى ضلالتهم.\nويقال صم عن السماع بالحق، بكم عن النطق بالحق، وعمى عن مطالعة الخلق بالحق.\nلم يسبق لهم الحكم بالإقلاع، ولم تساعدهم القسمة بالارتداع.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>[سورة البقرة (٢): آية ١٩]</span>\nأَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ (١٩)\nمعنى قوله أو لإباحته ضرب مثلهم إمّا بهذا وإما بذلك شبّه القرآن بمطر ينزل من السماء، وشبّه ما فى القرآن من الوعد والوعيد بما فى المطر من الرعد والبرق، وشبه التجاءهم إلى الفرار عند سماع أصوات الرعد. كذلك الإشارة لأصحاب الغفلات إذا طرق أسماعهم وعظ الواعظين، أو لاحت لقلوبهم أنوار السعادة ولو أقلعوا عمّاهم فيه من الغفلة لسعدوا، لكنهم ركنوا إلى التشاغل بآمالهم الكاذبة، وأصروا على طريقتهم الفاسدة، وتعللوا بأعذار واهية،\n_________\n(١) هنا كلمات زائدة وضع الناسخ عليها علامات مميزة توضح ضرورة الاستغناء عنها.","vol":"1","page":66},{"text":"ويحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم، يهلكون أنفسهم، ويسعون فى الخطر بأيمانهم «١»:\nإن الكريم إذا حباك بودّه ... ستر القبيح وأظهر الإحسانا\nوكذا الملول «٢» إذا أراد قطيعة ... ملّ «٣» الوصال وقال كان وكانا\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>[سورة البقرة (٢): آية ٢٠]</span>\nيَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠)\nمن تمام مثل المنافقين- كذلك أصحاب الغفلات- إذا حضروا مشاهد الوعظ، أو جنحت «٤» قلوبهم إلى الرقة، أو داخلهم شىء من الوهلة تقرب أحوالهم من التوبة، وتقوى رغبتهم فى الإنابة حتى إذا رجعوا إلى تدبرهم، وشاوروا إلى قرنائهم، أشار الأهل والولد عليهم بالعود إلى دنياهم، وبسطوا فيهم لسان النصح، وهدّدوهم بالضعف والعجز، فيضعف قصودهم، وتسقط إرادتهم، وصاروا كما قيل:\nإذا ارعوى، عاد إلى جهله ... كذى الضنى عاد إلى نكسة\nوقال: «ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم» يعني سمع المنافقين الظاهر وأبصارهم الظاهرة، كما أصمهم وأعماهم بالسر، فكذلك أرباب الغفلة، والقانعون من الإسلام بالظواهر- فالله تعالى قادر على سلبهم التوفيق فيما يستعملونه من ظاهر الطاعات، كما سلبهم التحقيق فيما يستبطنونه من صفاء الحالات.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-34>[سورة البقرة (٢): آية ٢١]</span>\nيا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)\nالعبادة موافقة الأمر، وهى استفراغ الطاقة فى مطالبات تحقيق الغيب، ويدخل فيه التوحيد بالقلب، والتجريد بالسر، والتفريد بالقصد، والخضوع بالنفس، والاستسلام للحكم.\nويقال اعبدوه بالتجرد عن المحظورات، والتجلد فى أداء الطاعات، ومقابلة الواجبات\n_________\n(١) جمع يمين ومعناها هنا اليد. [.....]\n(٢) وردت (الملوك) وهى خطأ فى النسخ.\n(٣) وردت (ملا) وهى خطأ فى النسخ.\n(٤) وردت في ص (جنهت) وهى خطأ فى النسخ.","vol":"1","page":67},{"text":"بالخشوع والاستكانة، والتجافي عن التعريج فى منازل الكسل والاستهانة.\nقوله: «لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ»: تقريب الأمر عليهم وتسهيله، ولقد وقفهم بهذه الكلمة- أعنى لعلّ- على حد الخوف والرجاء.\nوحقيقة التقوى التحرز والوفاء (بالطاعة) «١» عن متوعدات العقاب.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-35>[سورة البقرة (٢): آية ٢٢]</span>\nالَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشًا وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)\nتعرّف إليهم بذكر ما منّ به عليهم من خلق السماء لهم سقفا «٢» مرفوعا، وإنشاء الأرض لهم فرشا موضوعا، وإخراج النبات لهم بالمطر رزقا مجموعا. ويقال أعتقهم عن منّة الأمثال بما أزاح لهم من العلة فيما لا بدّ منه، فكافيهم السماء لهم غطاء، والأرض وطاء، والمباحات رزقا، والطاعة حرفة، والعبادة شغلا، والذكر مؤنسا، والرب وكيلا- فلا تجعلوا لله أندادا، ولا تعلّقوا قلوبكم بالأغيار فى طلب ما تحتاجون إليه فإن الحق ﷾ متوحّد بالإبداع، لا محدث سواه، فإذا توهمتم أن شيئا من الحادثات من نفع أو ضرر، أو خير أو شر يحدث من مخلوق كان ذلك- فى التحقيق شركا.\nوقوله ﷿: «وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ» أن من له حاجة فى نفسه لا يصلح أن ترفع حاجتك إليه.\nوتعلّق المحتاج بالمحتاج، واعتماد الضعيف على الضعيف يزيد فى الفقر، ولا يزيل هواجم الضر.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٣ الى ٢٤]</span>\nوَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (٢٤)\n_________\n(١) هذه كلمة احتاجها السياق فآضفناها مستفيدين من اقوال القشيري فى موقف مماثل فى الرسالة ص ٥٦ (وحقيقة الاتقاء التحرز......) .\n(٢) وردت (شقفا) وهى خطأ فى النسخ.","vol":"1","page":68},{"text":"لبّس على بصائر الأجانب حتى لم يشهدوا حبيبه صلوات الله عليه، فتاهوا فى أودية الظنون لما فقدوا نور العناية، فلم يزدد الرسول عليهم إتيانا بالآيات، وإظهارا من المعجزات إلا ازدادوا ريبا على ريب وشكّا على شك، وهكذا سبيل من أعرض عن الحق سبحانه، لا يزيده ضياء الحجج إلا عمى عن الحقيقة قال الله تعالى: «وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ»، وليبلغ عليهم فى إلزام الحجة عرّفهم عجزهم عن معارضة ما آتاهم من معجزة القرآن الذي قهر الأنام من أولهم إلى آخرهم، وقدّر عليهم أنهم لو تظاهروا فيما بينهم، واعتضدوا بأشكالهم، واستفرغوا كنه طاقتهم واحتيالهم لم يقدروا على الإتيان بسورة مثل سورة القرآن. ثم قال فإن لم تفعلوا- وأخبر أنهم قطعا لا يقدرون على ذلك ولا يفعلون فقال:\n«ولن تفعلوا»، فكان كما قال- فانظروا لأنفسكم، واحذروا الشّرك الذي يوجب لكم عقوبة النار التي من (سطوتها) «١» بحيث وقودها الناس والحجارة، فإذا كانت تلك النار التي لا تثبت لها الحجارة مع صلابتها () «٢» فكيف يطيقها الناس مع ضعفهم، وحين أشرفت «٣» قلوب المؤمنين على غاية الإشفاق من سماع ذكر النار تداركها بحكم التثبيت فقال: «أعدّت للكافرين، ففى ذلك بشارة للمؤمنين. وهذه سنّة من الحق سبحانه: إذا خوّف أعداءه «٤» بشّر مع ذلك أولياءه.\nوكما أنّ كيد الكافرين يضمحل فى مقابلة معجزات الرسل ﵈ فكذلك دعاوى الملبسين تتلاشى عند ظهور أنوار الصديقين، وأمارة المبطل فى دعواه رجوع الزجر منه إلى القلوب، وعلامة الصادق فى معناه وقوع القهر «٥» منه على القلوب. وعزيز من فصلّ وميّز بين رجوع الزجر وبين وقوع القهر.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>[سورة البقرة (٢): آية ٢٥]</span>\nوَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهًا وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٥)\n_________\n(١) وردت بالصاد وعند ذلك يكون الخطأ من الناسخ، وربما كانت فى الأصل (صفتها)، وقد تخيرنا (سطوتها) لأنها أقرب إلى الشكل الوارد ولتلاؤمها مع المعنى والسياق.\n(٢) هنا كلمة زائدة وضع الناسخ عليها علامة مميزة.\n(٣) وردت بالقاف وهى خطأ فى النسخ.\n(٤) وردت هكذا (اعداويه) وهى خطأ فى النسخ.\n(٥) وردت (التهم) ولكن ما جاء بعدها يثبت خطأ الناسخ، فضلا عن أنها غير ذات معنى هنا.","vol":"1","page":69},{"text":"هذه البشارة بالجنان تتضمن تعريفا بنعم مؤجلة لعموم المؤمنين على الوصف الذي يشرح بلسان التفسير. ويشير إلى البشارة للخواص بنعم معجّلة مضافة إلى تلك النعم يتيح (ها) الله لهم على التخصيص، فتلك المؤجلة «١» جنان المثوبة وهذه جنان القربة، وتلك رياض النزهة وهذه رياض الزّلفة، بل تلك حدائق الأفضال وهذه حقائق الوصال، وتلك رفع الدرجات وهذه روح المناجاة، وتلك قضية جوده، هذه الاشتعال بوجوده، وتلك راحة الأبشار وهذه نزهة الأسرار، وتلك لطف العطاء للظواهر وهذه كشف الغطاء عن السرائر، وتلك لطف نواله وأفضاله وهذه كشف جماله وجلاله.\nقوله جل ذكره: كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهًا وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ.\nكما أن أهل الجنة تتجدد «٢» عليهم النعم فى كل وقت، فالثانى عندهم- على ما يظنون- كالأول، فإذا ذاقوه وجدوه فوق ما تقدّم- فكذلك أهل الحقائق: أحوالهم فى السرائر أبدا فى الترقي، فإذا رقىّ أحدهم عن محلّه توهّم أن الذي سيلقاه فى هذا النّفس مثل ما تقدم فإذا ذاقه وجده فوق ذلك بأضعاف، كما قال قائلهم:\nمازلت أنزل من ودادك منزلا ... تتحيّر الألباب دون نزوله\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-38>[سورة البقرة (٢): آية ٢٦]</span>\nإِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَما يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفاسِقِينَ (٢٦)\nالاستحياء من الله تعالى بمعنى التّرك، فإذا وصف نفسه بأنه يستحى من شىء فمعناه أنه لا يفعل ذلك وإذا قيل لا يستحى فمعناه لا يبالى بفعل ذلك.\nوالخلق فى التحقيق- بالإضافة إلى وجود الحق- أقلّ من ذرة من الهباء فى الهواء،\n_________\n(١) وقع الناسخ فى خطأ فكتبها (المعجلة) والسياق يرفضها لأن الإشارة للبعيد بتلك وللقريب بهذه.\n(٢) وردت (يحدد) والسياق برفضها ويقبل (تتجدد) وربما كانت (يجدد) أي الحق ﷾ يجدد.","vol":"1","page":70},{"text":"لأن هذا استهلاك محدود فى محدود. فسيّان- فى قدرته»\n- العرش والبعوضة، فلا خلق العرش أشق وأعسر، ولا خلق البعوضة أخف عليه وأيسر، فإنه سبحانه متقدّس عن لحوق العسر واليسر.\nفإذا كان الأمر بذلك الوصف، فلا يستحى أن يضرب بالبعوضة مثلا كما لا يستحى أن يضرب بالعرش- فما دونه- مثلا.\nوقيل إن جهة ضرب المثل بالبعوضة أنها إذا جاعت فرّت «١» وطارت، وإذا شبعت تشققت فتلفت كذلك (إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى) .\nوقيل ما فوقها يعنى الذباب، وجهة الإشارة فيه إلى وقاحته، حتى إنه ليعود عند البلاغ فى الذب، ولو كان ذلك فى الأسد لم ينج منه أحد من الخلق، ولكنه لمّا خلق القوة فى الأسد خلق فيه تنافرا من الناس، ولمّا خلق الوقاحة فى الذباب خلق فيه الضعف، تنبيها منه سبحانه على كمال حكمته، ونفاذ قدرته.\nقوله جل ذكره: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ، وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا.\nفأمّا من فتحت أبصار سرائره فلا ينظر إلى الأغيار والآثار إلا بنظر الاعتبار، ولا يزداد إلا نفاذ الاستبصار. وأمّا الذين سكرت أبصارهم بحكم الغفلة فلا يزيدهم ضرب الأمثال إلا زيادة الجهل والإشكال والأنكال.\nقوله جل ذكره: يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ.\nهذا الكتاب لقوم شفاء ورحمة، ولآخرين شقاء وفتنة. فمن تعرّف إليه يوم الميثاق بأنوار العناية حين سمعوا قوله: «أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ» تذكّروا عند ورود الواسطة- صلوات الله عليه وعلى آله- قديم عهده، وسابق ودّه فازدادوا بصيرة على بصيرة، ومن رسمه بذلّ القطيعة، وأنطقه ذلك اليوم عن الحسبان والرهبة ما ازدادوا عند حصول الدعوة\n_________\n(١) وردت (فريت) وهى خطأ فى النسخ.\n(٣) وردت (قدرة) . [.....]","vol":"1","page":71},{"text":"النبوية إلا جحدا على جحد، وما خفى عليهم اليوم صادق الدلالة، إلا لما تقدم لهم سابق الضلالة. لذلك قال الله تعالى: «وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>[سورة البقرة (٢): آية ٢٧]</span>\nالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٢٧)\nالإشارة فيه إلى حال من سلك طريق الإرادة، ثم رجع إلى ما هو عليه أهل العادة، قال بترك نفسه ثم لم يصدق حين عزم الأمر، ونزل من إشارة الحقيقة إلى رخص الشريعة «١»، وكما أنّ من سلك الطريق بنفسه- مادام يبقى درهم فى كيسه- فغير محمود رجوعه فكذلك من قصد بقلبه- مادام يبقى نفس من روحه- فغير مرضىّ رجوعه:\nإن الألى ماتوا على دين الهدى ... وجدوا المنية منهلّا معلولا «٢»\nويقطعون ما أمر الله به أن يوصل: وصل أسباب الحق بقطع أسباب الخلق، ولا يتم وصل ماله إلا بقطع ما لك، فإذا كان الأمر بالعكس كان الحال بالضد.\nومما أمر العبد بوصله: حفظه ذمام أهل هذه الطريقة، والإنفاق على تحصيل ذلك بصدق الهمم لا ببذل النّعم، فهممهم على اتصال أسباب هذه الطريقة وانتظام أحوالها موقوفة، وقلوبهم إلى توقع الحراسة من الله تعالى لأهلها مصروفة. وفساد هذه الطريقة فى الأرض:\nأما من لهم حواشى أحوالهم، وإطراق أمورهم فيتشاغلون عن إرشاد مريد بكلامهم، وإشحاذ قاصد بهممهم وذلك مما لا يرضى به الحق سبحانه منهم.\nومن نقض العهد أيضا أن يحيد سرّك لحظة عن شهوده، ومن قطع ما أمرت بوصله\n_________\n(١) من عناصر المذهب الصوفي عند القشيري إلحاحه الدائم على ألا يلجأ الصوفي إلى الاسترخاص، ذلك لأن الرخصة- وإن كانت متاحة بأمر الشريعة- إلا أنها- أي الشريعة- للعموم، وفيها يؤخذ فى الاعتبار أمر المستضعفين وأصحاب الأشغال والحوائج أما «هؤلاء الطائفة فليس لهم شغل سوى القيام بحقه سبحانه، فإذا انحط الفقير عن درجة الحقيقة إلى رخصة الشريعة فقد فسخ عهده مع الله تعالى» .\nالرسالة ص ١٩٩.\n(٢) وردت (الهوى) وفى موضع آخر من اللطائف (و١٦٥) وردت: (منهلا معسولا) .","vol":"1","page":72},{"text":"أن يتخلل أوقاتك نفس لحظّك دون القيام بحقه، ومن فسادك فى الأرض ساعة تجرى عليك ولم تره فيها. ألا إن ذلك هو الخسران المبين، والمحنة العظمة، والرزية الكبرى.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>[سورة البقرة (٢): آية ٢٨]</span>\nكَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتًا فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٨)\nهذه كلمة تعجيب وتعظيم لما فيه العبد، أي لا ينبغى مع ظهور الآيات أن يجنح إلى الكفر قلبه.\nويقال تعرّف إلى الخلق بلوائح دلالاته، ولوامع آياته. فقال: «وَكُنْتُمْ أَمْواتًا» يعنى نطفة، أجزاؤها متساوية، «فَأَحْياكُمْ»: بشرا اختصّ بعض أجزاء النطفة بكونه عظما، وبعضها بكونه لحما، وبعضها بكونه شعرا، وبعضها بكونه جلدا ... إلى غير ذلك.\n«ثُمَّ يُمِيتُكُمْ» بأن يجعلكم عظاما ورفاتا، «ثُمَّ يُحْيِيكُمْ» بأن يحشركم بعد ما صرتم أمواتا، «ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ» أي إلى ما سبق به حكم من السعادة والشقاوة.\nويقال «كُنْتُمْ أَمْواتًا» بجهلكم عنّا، «فَأَحْياكُمْ» بمعرفتكم بنا، «ثُمَّ يُمِيتُكُمْ» عن شواهدكم، «ثُمَّ يُحْيِيكُمْ» به بأن يأخذكم عنكم، «ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ» أي بحفظ أحكام الشرع بإجراء الحق «١» .\nويقال «كُنْتُمْ أَمْواتًا» لبقاء نفوسكم فأحياكم بفناء نفوسكم ثم يميتكم عنكم عن شهود ذلك لئلا تلاحظوه فيفسد عليكم، ثم يحييكم بأن يأخذكم عنكم ثم إليه ترجعون بتقلبكم فى قبضته ﷾.\nويقال يحبس عليهم الأحوال فلا حياة بالدوام ولا فناء بالكلية، كلّما قالوا هذه حياة- وبيناهم كذلك- إذ أدال عليهم فأفناهم، فإذا صاروا إلى الفناء أثبتهم وأبقاهم، فهم أبدا بين نفى وإثبات، وبين بقاء وفناء، وبين صحو ومحو ... كذلك جرت سنته سبحانه معهم.\n_________\n(١) وردت (بأجزاء) وهى خطأ قطعا.\nوالمقصود بإجراء الحق هنا هو ما سبق ان نوّهنا به فى هامش سابق عن حالة الفرق الثاني حيث «يرد العبد إلى الصحو عند اوقات أداء الفرائض ليجرى عليه الفرائض فى أوقاتها فيكون رجوعا لله بالله.\nفالحق مجرى أفعاله وأحواله عليه» الرسالة ص ٣٩.","vol":"1","page":73},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>[سورة البقرة (٢): آية ٢٩]</span>\nهُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)\nسخّر لهم جميع المخلوقات على معنى حصول انتفاعهم بكل شىء منها، فعلى الأرض يستقرون وتحت السماء يسكنون، وبالنجم يهتدون، وبكل مخلوق بوجه آخر ينتفعون. لا بل ما من عين وأثر فكروا فيه إلا وكمال قدرته وظهور ربوبيته به يعرفون.\nويقال مهّد لهم سبيل العرفان، ونبّههم إلى ما خصّهم به من الإحسان، ثم علمهم علوّ الهمة حيث استخلص لنفسه أعمالهم وأحوالهم فقال «لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ» .\nقوله جل ذكره: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ، وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.\nفالأكوان بقدرته استوت، لا أن الحق سبحانه بذاته- على مخلوق- استوى، وأنّى بذلك! والأحدية والصمدية حقه وما توهموه من جواز التخصيص بمكان فمحال ما توهموه، إذ المكان به استوى، لا الحق سبحانه على مكان بذاته استوى.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>[سورة البقرة (٢): آية ٣٠]</span>\nوَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ (٣٠)\nهذا ابتداء إظهار سرّه فى آدم وذريته. أمر حتى سلّ من كل بقعة طينة ثم أمر بأن يخمر طينه أربعين صباحا، وكل واحد من الملائكة يفضى «١» العجب: ما حكم هذه الطينة؟ فلمّا ركب صورته لم يكونوا رأوا مثلها فى بديع الصنعة وعجيب الحكمة، فحين قال «إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ ...» ترجّمت الظنون، وتقسّمت القلوب، وتجنّت الأقاويل، وكان كما قيل:\nوكم أبصرت من حسن ولكن ... عليك من الورى وقع اختياري\nويقال إن الله ﷾ خلق ما خلق من الأشياء ولم يقل فى شأن شىء منه ما قال فى حديث آدم حيث قال: «إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً»، فظاهر هذا الخطاب يشبه المشاورة\n_________\n(١) وردت فى ص (يقصى) بالقاف والصواب أن تكون (يفضى) بالفاء.","vol":"1","page":74},{"text":"لو كان من المخلوقين. والحق ﷾ خلق الجنان بما فيها، والعرش بما هو عليه من انتظام الأجزاء وكمال الصورة، ولم يقل إنى خالق عرشا أو جنة أو ملكا، وإنما قال تشريفا وتخصيصا لآدم إنى جاعل فى الأرض خليفة.\n[فصل] ولم يكن قول الملائكة: «أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها» على وجه الاعتراض على التقدير ولكن على جهة الاستفهام، فإن حمل الخطاب على ما يوجب تنزيه الملائكة أولى لأنهم معصومون ... قال تعالى «لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ» .\nويقال استخرج الحق سبحانه منهم ما استكنّ فى قلوبهم من استعظام طاعاتهم والملاحظة إلى أفعالهم بهذا الخطاب فأفصحوا عن خفايا أسرارهم بقولهم: «وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ» . ثم إن الحق سبحانه عرّفهم أن الفضيلة بالعلم أتمّ من الفضيلة بالفعل، فهم كانوا أكثر فعلا وأقدمه، وآدم كان أكثر علما وأوفره، فظهرت فضيلته ومرتبته.\nويقال لم يقل الحق سبحانه أنتم لا تفسدون فيها ولا تسفكون الدماء بل قال: «إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ»، من غفرانى لهم.\nويقال: فى تسبيحهم إظهار فعلهم واشتهار خصائصهم وفضلهم «١»، ومن غفرانه لمعاصى بنى آدم إظهار كرمه سبحانه ورحمته، والحق سبحانه غنى عن طاعات كل مطيع، فلئن ظهر بتسبيحهم استحقاق تمدحهم ثبت بالغفران استحقاق تمدح الخالق سبحانه.\nويقال إنى أعلم ما لا تعلمون من صفاء عقائد المؤمنين منهم فى محبتنا، وذكاء سرائرهم فى حفظ عهودنا وإن تدنّس بالعصيان ظاهرهم، كما قيل:\nوإذا الحبيب أتى بذنب واحد ... جاءت محاسنه بألف «٢» شفيع\nويقال إنى أعلم ما لا تعلمون من محبتى لهم، وأنتم تظهرون أحوالكم، وأنا أخفى عليهم أسرارى فيهم، وفى معناه أنشدوا:\nما حطّك الواشون عن رتبة ... عندى ولا ضرك مغتاب\nكأنهم أثنوا- ولم يعلموا- ... عليك عندى بالذي عابوا «٣»\n_________\n(١) نلاحظ هنا تأثر القشيري بفكرة الملامة النيسابورية التي ظهرت فى موطنه، والتي من أصولها عدم إظهار الفعل، لأن فى ذلك ملاحظة واستجلاب، ملاحظة لفعل الإنسان وهو مهما بلغ تافه حقير، واستجلاب لرضاء الناس والاشتهار بينهم، وكلا الأمرين- فى نظر الملامتية- شرك خفى.\n(٢) وردت (بألفى) وبها ينكر الوزن.\n(٣) وردت أخطاء كثيرة فى البيتين مثل (ضربك) ولم (يعلموا علمك) .","vol":"1","page":75},{"text":"ويقال إنى أعلم ما لا تعلمون من انكسار قلوبهم وإن ارتكبوا قبيح أفعالهم، وصولة قلوبكم عند إظهار تسبيحكم وتقديسكم، فأنتم فى رتبة وفاقكم وفى عصمة أفعالكم، وفى تجميل تسبيحكم، وهم منكرون عن شواهدهم، متذللون بقلوبهم، وإن لانكسار قلوب العباد عندنا لذماما قويا.\nويقال أي خطر لتسبيحكم لولا فضلى، وأي ضرر من ذنوبهم إذا كان عفوى؟ ويقال لبّستكم طاعتكم ولبستهم رحمتى، فأنتم فى صدار «١» طاعتكم وفى حلّة تقديسكم وتسبيحكم، وهم فى تغمد عفوى وفى ستر رحمتى ألبستهم ثوب كرمى، وجللتهم رداء عفوى.\nويقال: إن أسعدتكم عصمتى فلقد أدركتهم رحمتى.\nوإيصال عصمتى بكم عنده وجودكم وتعلّق رحمتى بهم فى أزلى.\nويقال: لئن كان محسنكم عتيق العصمة فإن مجرمهم غريق الرحمة.\nويقال: اتكالهم علىّ زكّى أحوالهم فألجأهم إلى الاعتراف بالجهالة حتى يتبرأوا عن المعارف إلا بمقدار ما منّ به الحق عليهم فقالوا: «سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>[سورة البقرة (٢): آية ٣١]</span>\nوَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣١)\nعموم قوله الأسماء يقتضى الاستغراق، واقتران قوله سبحانه بكلها يوجب الشمول والتحقيق، وكما علّمه أسماء المخلوقات كلها- على ما نطق به تفسير ابن عباس وغيره- علّمه أسماء الحق سبحانه، ولكن إنما أظهر لهم «٢» محل تخصصه فى علمه أسماء المخلوقات وبذلك المقدار بان رجحانه عليهم، فأما انفراده بمعرفة أسمائه- سبحانه- فذلك سرّ لم يطّلع عليه ملك مقرّب. ومن ليس له رتبة مساواة آدم فى معرفة أسماء المخلوقات فأى طمع فى مداناته فى أسماء الحق، ووقوفه على أسرار الغيب؟\nوإذا كان التخصيص بمعرفة أسماء المخلوقات يتقضى أن يصحّ (به سجود) «٣» الملائكة\n_________\n(١) الصدار قميص صغير يلى الجسد، ولاحظ مقابلة القشيري بين الصدار للملائكة وبين الثوب والرداء للإنسان لتدرك مقاصده البعيدة.\n(٢) أي للملائكة.\n(٣) وردت فى ص (بسجود) ونرجح أنها كما أثبتنا.","vol":"1","page":76},{"text":"فما الظن بالتخصيص بمعرفة أسماء الحق سبحانه؟ ما الذي يوجب لمن أكرم به؟\nويقال خصوصية الملائكة بالتسبيح والتقديس وهذه طاعات تليق بالمخلوقين فإنّ الطاعة سمة العبيد ولا تتعداهم، والعلم فى الجملة صفة مدح يجب فى نعت الحق سبحانه واجبا لا يصحّ لغيره، فالذى يكرمه بما يتصف هو سبحانه (بيانه وإن كان للمساواة أتم من الكرام بما يكون مخلوقا على جنس المخلوقات) «١» .\nويقال أكرمه فى السر بما علّمه ثم بيّن تخصيصه يوم الجهر وقدّمه. ويقال قوله: «ثُمَّ عَرَضَهُمْ» ثم: حرف تراخ ومهلة.. إمّا على آدم فإنه أمهله من الوقت ما تقرر ذلك فى قلبه، وتحقق المعلوم له بحقه ثم حينئذ استخبره عما تحقّق به واستيقنه. وإمّا على الملائكة فقال لهم على وجه الوهلة: «أَنْبِئُونِي» فلمّا لم يتقدم لهم تعريف تحيّروا، ولمّا تقدم لآدم التعليم أجاب وأخبر، ونطق وأفلح، إظهارا لعنايته السابقة- سبحانه- بشأنه.\nوقوله: «إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» فيه إشارة إلى أنهم تعرّضوا لدعوى الخصوصية، والفضيلة والمزية على آدم، فعرّفهم أن الفضل ليس بتقديم تسبيحهم لكنه فى قديم تخصيصه. ولمّا علم الحقّ سبحانه تقاصر علومهم عن معرفة أسماء المخلوقات ثم كلّفهم الإنباء عنها صار فيه أوضح دلالة على أنّ الأمر أمره، والحكم حكمه، فله تكليف المستطيع، ردا على من توهّم أن أحكام الحق سبحانه معلّلة باستحسان أرباب الغفلة بما يدعونه من قضايا العقول، لا بل له أن يلزم ما يشاء لمن يشاء، الحسن ما حكم بتحسينه والقبيح ما حكم بتقبيحه «٢» .\nقوله جلّ ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>[سورة البقرة (٢): آية ٣٢]</span>\nقالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلاَّ ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢)\nقدّموا الثناء على ذكر ما اعتذروا به، ونزّهوا حقيقة حكمه عن أن يكون يعرض وهم المعترضون «٣»، يعنى لا علم لنا بما سألتنا عنه، ولا يتوجّه عليك لوم فى تكليف العاجز\n_________\n(١) هكذا جاءت العبارة فى ص وهى لا تخلو من غموض ولكننا آثرنا عدم التدخل فى إصلاحها نظرا لخطورة الموقف الذي تصفه، ونرجح أن الناسخ مخطئ فى نقله.\n(٢) يغمز القشيري هنا بالمعتزلة الذين يقيسون الأفعال الإلهية بمقاييس إنسانية عقلية (ولكنهم نزهوا الله من حيث العقل فأخطأوا ونزهه الصوفية من حيث العلم فأصابوا) الرسالة ص ٢٩.\n(٣) وردت (المعترضين)، ويعرض هنا مضارع عرض فى الآية السابقة.","vol":"1","page":77},{"text":"بما علمت أنه غير مستطيع له، إنك أنت العليم الحكيم أي ما تفعله فهو حقّ صدق ليس لأحد عليك حكم، ولا منك سفه وقبح.\nقوله جلّ ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-45>[سورة البقرة (٢): آية ٣٣]</span>\nقالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٣٣)\nمن آثار العناية بآدم ﵇ أنّه لمّا قال للملائكة: «أَنْبِئُونِي» داخلهم من هيبة الخطاب ما أخذهم عنهم، لا سيما حين طالبهم بإنبائهم إياه ما لم تحط به علومهم. ولما كان حديث آدم ﵇ ردّه فى الإنباء إليهم فقال: «أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ» ومخاطبة آدم ﵇ الملائكة لم يوجب له الاستغراق فى الهيبة. فلما أخبرهم آدم ﵇ بأسماء ما تقاصرت عنها علومهم ظهرت فضيلته عليهم فقال: «أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ» يعنى ما تقاصرت عنه علوم الخلق، وأعلم ما تبدون من الطاعات، وتكتمون من اعتقاد الخيرية على آدم ﵇ والصلاة.\n[فصل] ولمّا أراد الحق سبحانه أن ينجّى «١» آدم عصمه، وعلّمه، وأظهر عليه آثار الرعاية حتى أخبر بما أخبر به، وحين أراد إمضاء حكمه فيه أدخل عليه النسيان حتى نسى فى الحضرة عهده، وجاوز حدّه، فقال الله تعالى: «وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا» فالوقت الذي ساعدته العناية تقدم على الجملة بالعلم والإحسان، والوقت الذي أمضى عليه الحكم ردّه إلى حال النسيان والعصيان، كذا أحكام الحق سبحانه فيما تجرى وتمضى، ذلّ بحكمه العبيد، وهو فعّال لما يريد.\n[فصل] ولمّا توهموا حصول تفضيلهم بتسبيحهم وتقديسهم عرّفهم أن بساط العز مقدس عن التجمل بطاعة مطيع أو التدنس بزلة جاحد عنيد، فردّهم إلى السجود لآدم أظهر الغناء عن كل وفاق وخلاف «٢» .\n_________\n(١) وردت (ينجب) وهى بلا ريب خطأ فى النسخ ويمكن أن تكون ينجى آدم- كما أثبتنا- أو ينجو آدم، والأرجح ما اخترناه. [.....]\n(٢) وردت (وخلاق) وهى خطأ فى النسخ، وقد اخترنا ما يلائم السياق.","vol":"1","page":78},{"text":"قوله جلّ ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>[سورة البقرة (٢): آية ٣٤]</span>\nوَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ (٣٤)\nالسجود لا يكون عبادة لعينه «١» ولكن لموافقة أمره سبحانه، فكأن سجودهم لآدم عبادة لله لأنه كان بأمره، وتعظيما لآدم لأنه أمرهم به تشريفا لشأنه، فكأن ذلك النوع خضوع له ولكن لا يسمى عبادة، لأن حقيقة العبادة نهاية الخضوع وذلك لا يصحّ لغيره سبحانه.\nويقال بيّن أن تقدّسه- سبحانه- بجلاله لا بأفعالهم، وأن التجمّل بتقديسهم وتسبيحهم عائد إليهم، فهو الذي يجل من أجلّه بإجلاله لا بأفعالهم، ويعز من أعزّ قدره سبحانه بإعزازه، جلّ عن إجلال الخلق قدره، وعزّ عن إعزاز الخلق ذكره.\nقوله تعالى: «فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ» أبى بقلبه، واستكبر عن السجود بنفسه، وكان من الكافرين فى سابق حكمه وعلمه. ولقد كان إبليس مدة فى دلال طاعته يختال فى صدار موافقته، سلّموا له رتبة التقدم، واعتقدوا فيه استحقاق التخصيص، فصار أمره كما قيل:\nوكان سراج الوصل أزهر بيننا ... فهبّت به ريح من البين فانطفا\nكان يحسب لنفسه استيجاب الخيرية، ويحسب استحقاق الزلفة والخصوصية:\nفبات بخير والدنى «٢» مطمئنة ... وأصبح يوما والزمان تقلبا\nفلا سالف طاعة نفعه، ولا آنف رجعة رفعه، ولا شفاعة شفيع أدركته، ولا سابق عناية أمسكته. ومن غلبه القضاء لا ينفعه العناء.\nولقد حصلت من آدم هفوة بشرية، فتداركته رحمة أحدية، وأما إبليس فأدركته شقوة أزلية، وغلبته قسمة وقضية. خاب رجاؤه، وضلّ عناؤه.\n_________\n(١) الضمير عائد على آدم أي ليس السجود لآدم عينه، ويحتمل أنها (لغيره) بدليل قوله فيما بعد (وذلك لا يصح لغيره سبحانه)\n(٢) وردت (والزمان) وقد صححنا البيت طبقا لما ورد فى عيون الأخبار لابن قتيبة.","vol":"1","page":79},{"text":"قوله جلّ ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>[سورة البقرة (٢): آية ٣٥]</span>\nوَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥)\n«١» أسكنه الجنة ولكن أثبت مع دخوله شجرة المحنة، ولولا سابق التقدير لكان يبدل تلك الشجرة بالنضارة ذبولا، وبالخضرة يبسا، وبالوجود فقدا، وكانت لا تصل يد آدم إلى الأوراق ليخصفها على نفسه- ويقع منه ما يقع.\nولو تطاولت تلك الشجرة حتى كانت لا تصل إليها يده حين مدّها لم يقع فى شأنه كل ذلك التشويش ولكن بدا من التقدير ما سبق به الحكم.\nولا مكان أفضل من الجنة ولا بشر أكيس من آدم، ولا ناصح يقابل قولة إشارة الحق عليه، ولا غريبة (منه) قبل ارتكابه ما ارتكب، ولا عزيمة أشد من عزيمته- ولكنّ القدرة لا تكابر، والحكم لا يعارض.\nويقال لما قال له: «اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَدًا» كان فيه إشارة إلى أن الذي يليق بالخلق السكون إلى الخلق، والقيام باستجلاب الحظ، وآدم ﵇ وحده كان بكل خير وكل عافية، فلمّا جاء الشكل والزوج ظهرت أنياب الفتنة، وانفتح باب المحنة فحين ساكن حواء أطاعها فيما أشارت عليه بالأكل، فوقع فيما وقع، ولقد قيل:\nداء قديم فى بنى آدم ... صبوة إنسان بإنسان\n[فصل] وكلّ ما منع «٢» منه ابن آدم توفرت دواعيه إلى الاقتراب منه.\nفهذا آدم ﵇ أبيحت له الجنة بجملتها ونهى عن شجرة واحدة، فليس فى المنقول أنه مدّ يده إلى شىء من جملة ما أبيح، وكان عيل صبره حتى واقع ما نهى عنه- هكذا صفة الخلق.\n[فصل] وإنما نبّه على عاقبة دخول آدم الجنة من ارتكابه ما يوجب خروجه منها حين قال: «إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً» فإذا أخبر أنه جاعله خليفته فى الأرض كيف يمكن بقاؤه فى الجنة؟\n_________\n(١) وردت خطأ (فكلا)، والصحيح (وكلا) البقرة: ٣٥.\n(٢) وردت (امتنع) ثم استدرك الناسخ فصححها على هذا النحو فى الهامش.","vol":"1","page":80},{"text":"ويقال أصبح آدم ﵇ محمود الملائكة، مسجود الكافة، على رأسه تاج الوصلة، وعلى وسطه نطاق القربة، وفى جيده (....) «١» الزلفة، لا أحد فوقه فى الرتبة، ولا شخص مثله فى الرفعة، يتوالى عليه النداء فى كل لحظة يا آدم يا آدم. فلم يمس حتى نزع عنه لباسه، وسلب استئناسه، والملائكة يدفعونه بعنف أن اخرج بغير مكث:\nوأمنته فأتاح لى من مأمنى ... مكرا، كذا من يأمن الأحبابا\nولمّا تاه آدم ﵇ فى مشيته لم يلبث إلا ساعة حتى خرج بألف ألف عتاب، وكان كما قيل:\nلله درّهم من فتية بكروا ... مثل الملوك وراحوا كالمساكين\n[فصل] نهاه عن قرب الشجرة بأمره، وألقاه فيما نهاه عنه بقهره، ولبّس عليه ما أخفاه فيه من سرّه.\nقوله جلّ ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-48>[سورة البقرة (٢): آية ٣٦]</span>\nفَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (٣٦)\nأزلهما أي حملها على الزّلة، وفى التحقيق: ما صرّفتهما إلا القدرة «٢»، وما كان تقلبهما إلا فى القضية، أخرجهما عما كانا فيه من الرتبة والدرجة جهرا، ولكن ما ازداد- فى حكم الحق سبحانه- شأنهما إلا رفعة وقدرا.\nقوله جل ذكره: وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ.\nأوقع العداوة بينهما وبين الشيطان، ولكن كان سبحانه مع آدم (وحرب وهو معهم محالهم بالظفر «٣») .\n[فصل] لم يكن للشيطان من الخطر ما يكون لعداوته إثبات، فإن خصوصية الحق سبحانه عزيزه قال تعالى: «إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ» .\n[فصل] لو كان لإبليس سلطان على غواية غيره لكان له إمكان فى هداية نفسه،\n_________\n(١) مشتبهة ولكن يحتمل انها (نضار) فهى قريبة من ذلك فى الرسم.\n(٢) هذا رأى على جانب كبير من الأهمية.\n(٣) هكذا وردت العبارة فى ص وقد أثبتناها كما هى دون تصرف حتى فى رسم الحروف.","vol":"1","page":81},{"text":"وكيف يكون ذلك؟ والتفرد بالإبداع لكل شىء من خصائص نعته سبحانه.\nقوله جل ذكره: وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ.\nمشهد الأشباح ومألفها أقطار الأرض، ومعهد الأرواح ومرتعها رداء العرش، ولفظ الرداء استعارة وتوسع فكيف يكون للهمم بالحدثان تعلّق، ولصعود القصود إلى الحقائق على الأغيار وقوع.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>[سورة البقرة (٢): آية ٣٧]</span>\nفَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)\nجرت على لسان آدم مع الحق- سبحانه- كلمات، وأسمع الحقّ- سبحانه- آدم كلمات، وأنشدوا:\nوإذا خفنا من الرقباء عينا ... تكلمت السرائر فى القلوب\nوأجمل الحقّ سبحانه القول فى ذلك إجمالا ليبقى القصة مستورة، أو ليكون للاحتمال والظنون مساغ، ولما يحتمله الحال من التأويل مطرح «١» .\nويحتمل أن تكون كلمات آدم ﵇ اعتذارا وتنصلا، وكلمات الحق سبحانه قبولا وتفضلا. وعلى لسان التفسير أن قوله تعالى له: أفرارا منا يا آدم؟ كذلك قوله ﵇: ربنا ظلمنا أنفسنا. وقوله: أمخرجى أنت من الجنة؟ فقال: نعم، فقال أتردني إليها؟ فقال: نعم.\nويقال حين أمر بخروجه من الجنة جعل ما أسمعه إياه من عزيز خطابه زادا، ليكون له تذكرة وعتادا:\nوأذكر أيام الحمى ثم انثني على ... على كبدى «٢» من خشية أن تقطّعا\nومخاطبات الأحباب لا تحتمل الشرح، ولا يحيط الأجانب بها علما، وعلى طريق الإشارة لا على معنى التفسير والتأويل، والحكم على الغيب بأنه كان كذلك وأراد به الحق سبحانه\n_________\n(١) مطرح أي موضع.\n(٢) وردت على (كبد) . (والأصل فى البيت) (تصدعا) بدلا من (تقطعا) .","vol":"1","page":82},{"text":"ذلك يحتمل فى حال الأحباب عند المفارقة، وأوقات الوداع أن بقال إذا خرجت من عندى فلا تنس عهدى، وإن تقاصر عنك يوما خبرى فإياك أن تؤثر علىّ غيرى، ومن المحتمل أيضا أن يقال إن فاتنى وصولك فلا يتأخّرنّ عنى رسولك.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>[سورة البقرة (٢): آية ٣٨]</span>\nقُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨)\nسوء الأدب على البساط يوجب الرد إلى الباب، فلما أساء آدم ﵇ الأدب فى عين القربة قال الله تعالى: «اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ، بعد أن كان لكم فى محل القربة قرار وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ، يستمتعون يسيرا ولكن (فى) آخرهم يعودون إلى الفقر، وأنشدوا:\nإذا افتقروا عادوا إلى الفقر حسبة «١» ... وإن أيسروا عادوا سراعا إلى الفقر\nوحين أخرجه من الجنة وأنزله إلى الأرض بشّره بأنه يردّه إلى حاله لو جنح بقلبه إلى الرجوع فقال: «فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-51>[سورة البقرة (٢): آية ٣٩]</span>\nوَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٣٩)\nوالذين قابلوا النعمة بغير الشكر، وغفلوا عن التصديق والتحقيق فلهم عذاب أليم مؤجلّ، وفراق معجّل.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-52>[سورة البقرة (٢): آية ٤٠]</span>\nيا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠)\nحقيقة النعمة على لسان العلماء «٢» لذة خالصة عن الشوائب، وما يوجب مثلها فهى أيضا عندهم نعمة، وعند أهل الحقيقة النعمة ما أشهدك المنعم أو ما ذكّرك بالمنعم أو ما أوصلك إلى إلى المنعم أو ما لم يحجبك عن المنعم.\n_________\n(١) حسبة أي احتسابا- هكذا فى الهامش.\n(٢) واضح أن مقصود القشيري من (لسان العلماء) و(لسان التفسير) هو التفسير العادي، أما (عند أهل الحقيقة) و(الإشارة منه) ونحو ذلك فهو التفسير الصوفي.","vol":"1","page":83},{"text":"وتنقسم إلى نعمة أبشار وظواهر، ونعمة أرواح وسرائر، فالأولى وجوه الراحات والثانية صنوف المشاهدات والمكاشفات. فمن النعم الباطنة عرفان القلوب ومحاب الأرواح ومشاهدات السرائر «١» .\n[فصل] ويقال أمر بنى إسرائيل بذكر النّعم وأمر أمّة محمد ﷺ بذكر المنعم، وفرق بين من يقال له اذكر نعمتى وبين من يقال له: فاذكرونى أذكركم.\nقوله جل ذكره: وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ.\nعهده- سبحانه- حفظ المعرفة وعهدنا اتصال المغفرة، عهده حفظ محابه وعهدنا لطف ثوابه، عهده حضور الباب وعهدنا جزيل المآب.\nأوفوا بعهدي بحفظ السر أوف بعهدكم بجميل البر، أوفوا بعهدي الذي قبلتم يوم الميثاق أوف بعهدكم الذي ضمنت لكم يوم التلاق، أوفوا بعهدي فى ألا تؤثروا علىّ غيرى أوف بعهدكم فى ألا أمنع عنكم لطفى وخيرى، أوفوا بعهدي برعاية ما أثبتّ فيكم من الودائع أوف بعهدكم بما أديم لكم من شوارق اللوامع وزواهر الطوالع «٢»، أوفوا بعهدي بحفظ أسرارى أوف بعهدكم بجميل مبارّى، أوفوا بعهدي باستدامة عرفانى أوف بعهدكم فى إدامة إحسانى، أوفوا بعهدي فى القيام بخدمتي أوف بعهدكم فى المنّة عليكم بقبولها منكم، أوفوا بعهدي فى القيام بحسن المجاهدة والمعاملة أوف بعهدكم بدوام المواصلة والمشاهدة، أوفوا بعهدي بالتبري عن الحول والمنّة أوف بعهدكم بالإكرام بالطول والمنّة، أوفوا بعهدي بالتفضيل والتوكل أوف بعهدكم بالكفاية والتفضل، أوفوا بعهدي بصدق المحبة أوف بعهدكم بكمال القربة، أوفوا بعهدي اكتفوا منى بي أوف بعهدكم أرضى بكم عنكم، أوفوا بعهدي فى دار الغيبة على بساط الخدمة بشدّ نطاق الطاعة، وبذل الوسع والاستطاعة أوف بعهدكم فى دار القربة على بساط الوصلة بإدامة الأنس والرؤية وسماع الخطاب وتمام الزلفة، أوفوا بعهدي فى المطالبات بترك\n_________\n(١) نعرف من هذا ان الملكات الباطنة عند القشيري هى فضلا عن النفس التي هى محل المحظورات والمعلولات، والعقل الذي به تصحيح الإيمان فى البداية- القلب وهو مستودع المعرفة والروح وهى مستودع المحبة ثم السر وهو الذي يشاهد الحقائق، وله فوق ذلك ملكة أخرى هى سر السر أو عين السر لا يطلع عليها سوى الحق.\n(٢) اللوامع تسبق الطوالع فى الظهور، والطوالع أبقى وقتا وأقوم سلطانا وأدوم مكثا وأذهب للظلمة وانفى للتهمة (الرسالة ص ٤٣، ٤٤) . [.....]","vol":"1","page":84},{"text":"الشهوات أوف بعهدكم بكفايتكم تلك المطالبات، أوفوا بعهدي بأن تقولوا أبدا: ربى ربى أوف بعهدكم بأن أقول لكم عبدى عبدى. وإياى فارهبون، أي أفردونى بالخشية لانفرادى بالقدرة على الإيجاد فلا تصح الخشية ممن ليس له ذرة ولا منّة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-53>[سورة البقرة (٢): آية ٤١]</span>\nوَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (٤١)\nالإشارة أن يقرن (العبد) إيمانه من حيث البيان بإيمانه من حيث البرهان، وجمهور المؤمنين لهم إيمان برهان بشرط الاستدلال، وخواص المؤمنين لهم إيمان من حيث البيان بحق الإقبال، وأقبل الحق سبحانه عليهم فآمنوا بالله، وآخر أحوالهم الإيمان من حيث العيان، وذلك لخواص الخواص.\nولا تكونوا أول كافر به، ولا تسنّوا «١» الكفر سنّة فإن وزر المبتدئ فيما يسنّ أعظم من وزر المقتدى فيما يتابع.\n«ولا تشتروا بآياتى ثمنا قليلا» لا تؤثروا على عظيم حقى خسيس حظّكم. «وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ» كثير «٢» من يتقى عقوبته وعزيز من يهاب اطلاعه ورؤيته.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>[سورة البقرة (٢): آية ٤٢]</span>\nوَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢)\n«٣» لا تتوهموا أن يلتئم لكم جمع الضدين، والكون فى حالة واحدة فى محلين «٤»، (فالعبد) إما مبسوط بحق أو مربوط بحظ، وأمّا حصول الأمرين فمحال من الظن.\n«وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ» تدنيس، «وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ» تلبيس، «وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ» أن حق الحق تقديس، وأنشدوا:\nأيها المنكح الثريا سهيلا ... عمرك الله، كيف يلتقيان؟!\nهى شامية إذا ما استهلت ... وسهيل إذا استهل يمانى!\n_________\n(١) وردت (ولا تنسوا) وهى خطأ فى النسخ.\n(٢) وردت (كثيرا) وهى خطأ حيث يجب الرفع على تقدير (من يتقى عقوبته كثير) .\n(٣) أخطأ الناسخ إذ كتبها. (ولا تلبس) والصحيح ولا تلبسوا (البقرة: ٤١) .\n(٤) وردت فى (محلى) وهى خطأ فى النسخ.","vol":"1","page":85},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-55>[سورة البقرة (٢): آية ٤٣]</span>\nوَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)\nاحفظوا آداب الحضرة فحفظ الآداب أتمّ فى الخدمة من الخدمة، والإشارة فى إيتاء الزكاة إلى زكاة الهمم كما تؤدّى زكاة النّعم، قال قائلهم:\nكلّ شىء له زكاة تؤدّى ... وزكاة الجمال رحمة مثلى\nفيفيض من زوائد هممه ولطائف نظره على المتّبعين والمربين بما ينتعشون به و(...) «١»،\n«وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ»: تقتدى بآثار السلف فى الأحوال، وتجتنب سنن الانفراد فإن الكون فى غمار الجمع أسلم من الامتياز من الكافة «٢» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-56>[سورة البقرة (٢): آية ٤٤]</span>\nأَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٤٤)\nأتحرّضون الناس على البدار «٣» وترضون بالتخلّف؟ ويقال أتدعون الخلق إلينا وتقعدون عنّا؟ أتسرحون الوفود وتقصرون فى الورود «٤»؟ أتنافسون الخلق «٥» وتنافرونهم بدقائق الأحوال وترضون بإفلاسكم عن ظواهرها؟\nويقال أتبصرون من الحق مثقال الذّر ومقياس الحبّ وتساهمون لأنفسكم أمثال الرّمال والجبال؟ قال قائلهم:\nوتبصر فى العين منى القذى ... وفى عينك الجذع لا تبصر؟!\nويقال أتسقون بالنّجب «٦» ولا تشربون بالنّوب؟\n_________\n(١) هنا لفظتان مشتبهتان وفيهما شطب.\n(٢) الاشارة وإن كانت لصلاة الجماعة إلا أنها توضح أيضا حرص القشيري على الاهتمام بالإجماع كمصدر من مصادر الشريعة.\n(٣) وردت بالياء وهى خطأ فى النسخ.\n(٤) من ورد الماء أي ذهب ليستسقى.\n(٥) وردت أتنافسون (الحق) وواضح أنها خطا فى النسخ.\n(٦) نجب الأشياء وتجائبها لبابها وخالصها، وربما كانت النخب (بالخاء) ج نخب وهو الشربة العظيمة الوسيط ص ٩١٥.","vol":"1","page":86},{"text":"«وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ» ثم تعاندون بخفايا الدعاوى وتجحدون بما شام قلوبكم من فضيحات الخواطر وصريحات الزواجر.\n«أَفَلا تَعْقِلُونَ» إن ذلك ذميم من الخصال وقبيح من الفعال.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-57>[سورة البقرة (٢): آية ٤٥]</span>\nوَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخاشِعِينَ (٤٥)\nالصبر فطم النفس عن المألوفات، والصلاة التعرّض لحصول المواصلات، فالصبر يشير إلى هجران الغير، والصلاة تشير إلى دوام الوقوف بحضرة الغيب، وإن الاستعانة بهما لخصلة شديدة إلا على من تجلّى الحق لسرّه فإن فى الخبر المنقول: «إن الله تعالى إذا تجلّى لشىء «١» خشع له» . وإذا تجلّى الحق، خفّ وسهل ما توقّى الخلق لأن التوالي للطاعات يوجب التكليف بموجب مقاساة الكلفة، والتجلي بالمشاهدات- بحكم التحقيق- يوجب تمام الوصلة ودوام الزلفة.\nويقال استعينوا بي على الصبر معى، واستعينوا بحفظي لكم على صلاتكم لى، حتى لا تستغرقكم واردات الكشف والهيبة، فلا تقدرون على إقامة الخدمة.\nوإن تخفيف سطوات الوجود على القلب فى أوان الكشف حتى يقوى «٢» العبد على القيام بأحكام الفرق لمنّة عظيمة من الحق «٣» .\nوأقسام الصبر كلها محمودة الصبر فى الله، والصبر لله، والصبر بالله والصبر مع الله إلا صبرا واحدا وهو الصبر عن «٤» الله:\nوالصبر يخسن فى المواطن كلها ... إلا عليك فإنه مذموم «٥»\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-58>[سورة البقرة (٢): آية ٤٦]</span>\nالَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ (٤٦) .\n_________\n(١) وردت بدون اللام، والأصح بها.\n(٢) وردت حتى (يقول) وهى خطأ فى النسخ.\n(٣) يشير القشيري بذلك إلى الفرق الثاني، ويعتبر أن من علامة قبول العبد عند ربه أن يساعده على الرجوع إلى هذا الفرق حتى يستطيع أداء ما عليه من فريضة\n(٤) الأرجح أنها (على) بدليل ورودها فى البيت الشاهد، كذا في «الرسالة» فى سياق مماثل. [.....]\n(٥) ورد البيت فى الرسالة هكذا (والصبر يجمل) و(فإنه لا يجمل) ص ٩٣.","vol":"1","page":87},{"text":"الظن يذكر، ويقال المراد به اليقين، وهو الأظهر هاهنا.\nويذكر ويراد به الحسبان فمن ظنّ ظن يقين فصاحب وصلة.\nومن ظنّ ظن تخمين فصاحب فرقة. وملاقو ربهم، صيغة تصلح لماضى الزمان والحاضر وهم ملاقون ربهم فى المستقبل. ولكن القوم «١» لتحققهم بما يكون من أحكام الغيب صاروا كأن الوعد لهم تقرّر، والغيب لهم حضور.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-59>[سورة البقرة (٢): آية ٤٧]</span>\nيا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (٤٧)\nأشهد بنى إسرائيل فضل أنفسهم فقال: «وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ» .\nوأشهد المسلمين من أمة محمد ﷺ فضل نفسه فقال: «قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا» «٢» .\nفشتّان بين من مشهوده فضل نفسه، وبين من مشهوده فضل ربه فشهود العبد فضل نفسه يوجب له الشكر وهو خطر الإعجاب، وشهود العبد فضل الحق- الذي هو جلاله فى وصفه وجماله فى استحقاق نعته- يقتضى الثناء وهو يوجب الإيجاب «٣» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-60>[سورة البقرة (٢): آية ٤٨]</span>\nوَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٨)\nالعوام خوّفهم بأفعاله فقال: «وَاتَّقُوا يَوْمًا» «وَاتَّقُوا النَّارَ» .\nوالخواص خوّفهم بصفاته فقال: «وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ» وقال:\n«وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ ... إلى قوله إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا» «٤» .\nوخاص الخاص خوّفهم بنفسه فقال: «وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ» .\n_________\n(١) يقصد الصوفية.\n(٢) سورة يونس آية ٥٨.\n(٣) الإيجاب- الاستحقاق والقبول.\n(٤) يونس آية ٦١.","vol":"1","page":88},{"text":"والعدل الفداء.\nويوم القيامة لا تسمع الشفاعة إلا لمن أمر الحق بالشفاعة له، وأذن فيه، فهو الشفيع الأكبر- على التحقيق- وإن كان لا يطلق عليه لفظ الشفيع لعدم التوقيف «١» .\nوفى معناه قيل:\nالحمد لله شكرا ... فكلّ خير لديه\nصار الحبيب شفيعا ... إلى شفيع إليه\nوالذين أصابتهم نكبة القسمة لا تنفعهم شفاعة الشافعين، وما لهم من ناصرين، فلا يقبل منهم فداء، ولو افتدوا بملء السموات وملء الأرضين.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-61>[سورة البقرة (٢): آية ٤٩]</span>\nوَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٤٩)\nمن صبر فى الله على بلاء أعدائه عوّضه الله صحبة أوليائه، وأتاح «٢» له جميل عطائه فهؤلاء بنو إسرائيل صبروا على مقاساة الضر من فرعون وقومه فجعل منهم أنبياءهم، وجعلهم ملوكا، وآتاهم ما لم يؤت أحدا من العالمين. «وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ»: قيل نعمة عظيمة وقيل محنة شديدة. وفى الحقيقة ما كان من الله- فى الظاهر- محنة فهو- فى الحقيقة لمن عرفه- نعمة ومنّة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-62>[سورة البقرة (٢): آية ٥٠]</span>\nوَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْناكُمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٠)\nتقاصرت بصائر بنى إسرائيل فأراهم المعجزات عيانا، ونفذت بصائر هذه الأمة فكاشفهم بآياته سرا، وبذلك جرت سنّته سبحانه، وكل من كان أشحذ بصيرة كان الأمر عليه أغمض،\n_________\n(١) وردت (التوفيق) وهى خطأ فى النسخ، والقشيري- كغيره من الباحثين- يرى أنه لا ينبغى إضافة اسماء وصفات لما ورد فى الحديث المروىّ عن أبى هريرة والذي أبلغها تسعة وتسعين، فلا يصح أن يسمى الله عاقلا ولا ذكيا ونحو ذلك.\n(٢) وردت (بالخاء) وهى خطأ فى النسخ.","vol":"1","page":89},{"text":"والإشارات معه أوفر، قال ﷺ»: أوتيت جوامع الكلم واختصر لى الكلام اختصارا» «١» .\nوحين شاهدوا ظاهر تلك الآيات من فلق البحر وإغراق آل فرعون- داخلهم ريب فقالوا: إنه لم يغرق «٢» حتى قذفهم البحر، فنظر بنو إسرائيل إليهم وهم مغرقون. وهذه الأمة لفظ تصديقهم لرسول الله ﷺ وعلى آله، وقوة بصائرهم (أن) قال واحد من أفتاء «٣» الناس: «كأنى بأهل الجنة يتزاورون وكأنى بأهل النار يتعاوون وكأنى أنظر عرش ربى بارزا» «٤» فشتّان بين من يعاين فيرتاب مع عيانه، وبين من يسمع فكالعيان حاله من قوة إيمانه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-63>[سورة البقرة (٢): آية ٥١]</span>\nوَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ (٥١)\nشتّان بين أمة وأمة فأمّة موسى ﵇- غاب نبيّهم ﵇ أربعين يوما فاتخذوا العجل معبودهم، ورضوا بأن يكون لهم بمثل العجل معبودا، فقالوا:\n«هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ» «٥» وأمة محمد المصطفى ﷺ مضى من وقت نبيّهم سنون كثيرة فلو سمعوا واحدا يذكر فى وصف معبودهم ما يوجب تشبيها لما أبقوا على حشاشتهم ولو كان فى ذلك ذهاب أرواحهم «٦» .\n_________\n(١) «إنما بعثت فاتحا وخاتما وأعطيت جوامع الكلم وفواتحه واختصر لى الحديث اختصارا فلا يهلكنكم المتهوكون» البيهقي فى شعب الإيمان عن أبى قتادة مرسلا (المنتخب من كنز العمال ٤ ص ٣٠٢) .\nوالتهوك الاضطراب فى القول وأن يكون على غير استقامة.\n(٢) الفعل بالمفرد هنا لأنه عائد على لفظ آل أو على فرعون، ثم تحدث بعد ذلك بالجمع حين أعاده على المعنى\n(٣) إفتاء وفتاء جمع فتّى وهو الشاب من إنسان أو حيوان الوسيط ص ٦١٠.\n(٤) خرّجتا هذا الحديث المروي عن حارثة فى هامش سبق.\n(٥) سورة طه آية ٨٨.\n(٦) يغمز القشيري هنا بالمشبهة، فيلحق من يقول بالتشبيه بعيدة العجل، فكلاهما توقح ونسب للالوهية ما ينبغى أن تتنزه عنه. وأهل السنة يرفضون رفضا قاطعا كل ما يشين الذات الإلهية من تصورات مادية.","vol":"1","page":90},{"text":"ويقال إن موسى- صلوات الله عليه- سلّم أمته إلى أخيه فقال: اخلفني فى قومى، وحين رجع وجدهم وقعوا فى الفتنة، ونبيّنا- صلوات الله عليه- توكّل على الله فلم يشر على أحد فى أمر الأمة وكان يقول فى آخر حاله: الرفيق الأعلى. فانظر كيف تولّى الحق رعاية أمته فى حفظ التوحيد عليهم. لعمرى يضيّعون حدودهم ولكن لا ينقضون «١» توحيدهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-64>[سورة البقرة (٢): آية ٥٢]</span>\nثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٢)\nسرعة العفو على عظيم الجرم تدل على حقارة قدر المعفو عنه، يشهد لذلك قوله تعالى (مخاطبا أمهات المسلمين): «مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ»، هؤلاء بنو إسرائيل عبدوا العجل فقال الله تعالى: «ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ»، وقال لهذه الأمة (يقصد أمة محمد ﷺ): «وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ» قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-65>[سورة البقرة (٢): آية ٥٣]</span>\nوَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (٥٣)\nفرقان هذه الأمة الذي اختصّوا به نور فى قلوبهم، به يفرّقون بين الحق والباطل، قال النبي ﷺ لوابصة: «استفت قلبك» «٢» .\nوقال: «اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله» «٣» .\nوقال الله تعالى: «إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقانًا» وذلك الفرقان ميراث ما قدّموه من الإحسان.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-66>[سورة البقرة (٢): آية ٥٤]</span>\nوَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٥٤)\nأي ما أضررتم إلا بأنفسكم فيما ارتكبتم من ذنوبكم، فأمّا الحق سبحانه فعزيز الوصف، لا يعود إلى عزّه من ظلم الظالمين شىء، ومن وافق هواه واتّبع مناه فعجله ما علّق به همّه، وأفرد له قصده.\n_________\n(١) وردت (ينقصون) بالصاد والأقوى أن تكون بالضاد لأن المقصود هو تمسك أمة محمد (ص) بعدم (نقض) التوحيد. [.....]\n(٢) هكذا رواه أحمد فى مسنده والبخاري فى تاريخه والدارمي فى سننه وحسنه النووي فى رياض الصالحين بلفظ «استفت نفسك وإن أفتاك المفتون» .\n(٣) الترمذي والطبراني من حديث أبى أمامة والترمذي من حديث أبى سعد والطبراني وابو نعيم عن انس","vol":"1","page":91},{"text":"قوله جل ذكره: فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ.\nالإشارة إلى حقيقة التوبة بالخروج إلى الله بالكلية.\nقوله جل ذكره: فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ.\nالتوبة بقتل النفوس غير (...) «١» إلا أن بنى إسرائيل كان لهم قتل أنفسهم جهرا، وهذه الأمة توبتهم بقتل أنفسهم في أنفسهم سرا، فأوّل قدم فى القصد إلى الله الخروج عن النفس.\n[فصل] ولقد توهم الناس أن توبة بنى إسرائيل كانت أشق، ولا كما توهموا فإن ذلك كان مقاساة القتل مرة واحدة، وأمّا أهل الخصوص من هذه (الأمة) «٢» ففى كل لحظة قتل، ولهذا:\nليس من مات فاستراح بميت ... إنما الميت ميت الأحياء\nوقتل النفس فى الحقيقة التبري عن حولها وقوتها أو شهود شىء منها، ورد دعواها إليها، وتشويش تدبيرها عليها، وتسليم الأمور إلى الحق- سبحانه- بجملتها، وانسلاخها من اختيارها وإرادتها، وانمحاء آثار البشرية عنها، فأمّا بقاء الرسوم والهياكل فلا خطر له ولا عبرة به.\nقوله جل ذكره: ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ.\nكونه لكم عنكم أتمّ من كونكم لأنفسكم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-67>[سورة البقرة (٢): آية ٥٥]</span>\nوَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥)\nالتعرض بمطالعة الذات على غير نعمة إلهية إفصاح بترك الحرمة، وذلك من أمارات البعد والشقوة.\n_________\n(١) هنا كلمة مشتبهة.\n(٢) يقصد أمة المصطفى صلوات الله عليه وسلامه.","vol":"1","page":92},{"text":"وإثبات نعت التولي بمكاشفات العزة مقرونا بملاطفات القربة من علامات الوصلة دلالات السعادة.\nفلا جرم لما أطلقوا لسان الجهل بتقوية ترك الحشمة أخذتهم الرجفة والصعقة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-68>[سورة البقرة (٢): آية ٥٦]</span>\nثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦)\nأعادهم إلى حال الإحساس بعد ما استوفتهم سطوات العذاب إملاء لهم بمقتضى الحكم، وإجراء للسنّة فى الصفح عن الجرم، ومن قضايا الكرم إسبال الستر على هنات الخدم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-69>[سورة البقرة (٢): آية ٥٧]</span>\nوَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٥٧)\nلمّا طرحهم فى متاهات الغربة لم يرض إلا بأن ظلّلهم، وبلبسة الكفايات جلّلهم، وعن تكلف التكسّب أغناهم، وبجميل صنعه فيما احتاجوا إليه تولّاهم فلا شعورهم كانت تطول، ولا أظفارهم كانت تنبت، ولا ثيابهم كانت تتسخ، ولا شعاع الشمس عليهم كان ينبسط. وكذلك سنّته لمن حال بينه وبين اختياره، يكون ما يختاره سبحانه له خيرا مما يختاره لنفسه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-70>[سورة البقرة (٢): آية ٥٨]</span>\nوَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (٥٨)\n() «١» بنو إسرائيل على تضييع ما كانوا يؤمرون، حتى قالة أوصوا بحفظها فبدّلوها، وحالة من السجود أمروا بأن يدخلوا عليها فحوّلوها، وعرّضوا أنفسهم لهام الغيب، ثم لم يطيقوا الإصابة بقرعها «٢»، وتعرضوا لمفاجات العقوبة فلم يثبتوا عند صدمات وقعها.\n_________\n(١) كلمة مشتبهة فى ص.\n(٢) وردت بدون الباء فى ص وقد أضفناها ليستقيم المعنى.","vol":"1","page":93},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-71>[سورة البقرة (٢): آية ٥٩]</span>\nفَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (٥٩)\nلم يمكنهم أن يردوا باب السماء باحتيالهم، أو يصدوا من دونهم أسباب البلاء بما ركنوا إليه من أحوالهم، فزعوا من الندم لما عضّهم ناب»\nالألم، وهيهات أن ينفعهم ذلك لأنه محال من الحسبان.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-72>[سورة البقرة (٢): آية ٦٠]</span>\nوَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٦٠)\nإن الذي قدر عل إخراج الماء من الصخرة الصمّاء كان قادرا على إروائهم بغير ماء ولكن لإظهار أثر المعجزة فيه، وإيصال محل الاستغاثة إليه، وليكون على موسى ﵇- أيضا فى نقل الحجر- مع نفسه شغل، ولتكليفه أن يضرب بالعصا مقاساة نوع من معالجة ما أمضى حكمه عند استسقائه لقومه «٢» .\nثم أراد الحق سبحانه أن يكون كل قوم جاريا على سنّة، ملازما لحدّه، غير مزاحم لصاحبه فأفرد لكل سبطة علامة يعرفون بها مشربهم، فهؤلاء لا يردون مشرب الآخرين، والآخرون لا يردون مشرب الأولين.\nوحين كفاهم ما طلبوا أمرهم بالشكر، وحفظ الأمر، وترك اختيار الوزر، فقال:\nولا تعثوا فى الأرض مفسدين.\nوالمناهل مختلفة، والمشارب متفاوتة، وكلّ يرد مشربه فمشرب عذب فرات، ومشرب ملح أجاج، ومشرب صاف زلال، ومشرب رتق أوشال «٣» . وسائق كلّ قوم\n_________\n(١) وردت (تاب) بالتاء وهى خطأ فى النسخ.\n(٢) لاحظ هنا مذهب القشيري فى التوكل، وكيف أنه لا يتعارض مع السعى.\n(٣) أوشال: جمع وشل وهو الماء القليل يتحلّب من جبل أو صخرة ولا يتصل قطره الوسيط ص ١٠٤٧.","vol":"1","page":94},{"text":"يقودهم، ورائد كلّ طائفة يسوقهم فالنفوس ترد مناهل المنى والشهوات، والقلوب ترد مشارب التقوى والطاعات، والأرواح ترد مناهل الكشف والمشاهدات، والأسرار ترد مناهل الحقائق بالاختطاف عن الكون والمرسومات، ثم عن الإحساس والصفات ثم بالاستهلاك فى حقيقة الوجود والذات.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-73>[سورة البقرة (٢): آية ٦١]</span>\nوَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثَّائِها وَفُومِها وَعَدَسِها وَبَصَلِها قالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (٦١)\nلم يرضوا بحسن اختياره لهم، ولم يصبروا على قيامه بتولي ما كان يهمّهم من كفاية مأكولهم وملبوسهم، فنزلوا فى التحير إلى ما جرت «١» عليه عاداتهم من أكل الخسيس من الطعام، والرضا بالدون من الحال، فردّهم إلى مقاساة الهوان، وربطهم بإدامة الخذلان، حتى سفكوا دماء الأنبياء وهتكوا حرمة الأمر بقلّة الاستحياء، وترك الاروعاء، فعاقبهم على قبيح فعالهم، وردّهم إلى ما اختاره لأنفسهم من خسائس أحوالهم، وحين لم تنجح فيهم «٢» النصيحة، أدركتهم النقمة والفضيحة. ويقال كان بنو إسرائيل متفرقى الهموم مشتّتي القصود لم يرضوا لأنفسهم بطعام واحد، ولم يكتفوا فى تدينهم بمعبود واحد، حتى قالوا لموسى ﵇- لمّا رأوا قوما يعبدون الصنم «٣» - يا موسى: اجعل لنا إلها كما لهم إله،\n_________\n(١) وردت فى ص (مرت) وهى بالجيم أصوب.\n(٢) وردت (فهيم) وهى خطأ في النسخ.\n(٣) وردت (الضم) وهى خطأ فى النسخ.","vol":"1","page":95},{"text":"وهكذا صفة أرباب التفرقة. والصبر مع الواحد شديد، قال تعالى: «وإذا ذكرت ربك فى القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-74>[سورة البقرة (٢): آية ٦٢]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)\nاختلاف الطريق مع اتحاد الأصل لا يمنع من حسن القبول، فمن صدّق الحق سبحانه فى آياته، وآمن بما أخبر من حقه وصفاته، فتباين الشرع واختلاف وقوع الاسم غير قادح فى استحقاق الرضوان، لذلك «١» قال: «إن الذين آمنوا والذين هادوا» ثم قال: «من آمن منهم، أي إذا اتفقوا فى المعارف فالكلّ لهم حسن المآب، وجزيل الثواب. والمؤمن من كان فى أمان الحق سبحانه، ومن كان فى أمانه﷾- فبالحرىّ ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-75>[سورة البقرة (٢): الآيات ٦٣ الى ٦٤]</span>\nوَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٦٣) ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ (٦٤)\nأخذ سبحانه ميثاق جميع المكلّفين، ولكنّ قوما أجابوا طوعا لأنه تعرّف إليهم فوحّدوه وقوما أجابوه كرها لأنه ستر عليهم فجحدوه، ولا حجّة أقوى من عيان ما رفع فوقهم من الطور- وهو الجبل- ولكن عدموا نور البصيرة، فلا ينفعهم عيان البصر. قال الله تعالى «ثم توليتم من بعد ذلك»، أي رجعتم إلى العصيان بعد ما شاهدتم تلك الآيات بالعيان، ولولا حكمه بإمهاله، وحلمه بأفضاله لعاجلكم بالعقوبة، وأحلّ عليكم عظيم المصيبة ولخسرت صفقتكم بالكلّية.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-76>[سورة البقرة (٢): آية ٦٥]</span>\nوَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ (٦٥) .\n_________\n(١) وردت (كذلك) .","vol":"1","page":96},{"text":"مسخ هذه الأمة حصل على القلوب، فكما أنهم لما تركوا الأمر واستهانوا بما ألزموا به من الشرع- عجلت عقوبتهم بالخسف والمسخ وغير ذلك من ضروب ما ورد به النّصّ، فهذه الأمة من نقض العهد ورفض الحدّ عوقبت بمسخ القلوب، وتبديل الأحوال، قال تعالى: «وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ «١»» وعقوبات القلوب أنكى من عقوبات النفوس، وفى معناه أنشدوا:\nيا سائلى: كيف كنت بعده؟ ... لقيت ما ساءنى وسرّه\nما زلت أختال فى وصالى حتى ... أمنت من الزمان مكره «٢»\nطال علىّ الصدود حتى ... لم يبق مما شهدت ذرّة\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-77>[سورة البقرة (٢): آية ٦٦]</span>\nفَجَعَلْناها نَكالًا لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٦٦)\nهكذا من منى بالهجران، ووسم بالخذلان صارت أحواله عبرة، وتجرّع- من ملاحظته لحاله- عليه الحسرة، وصار المسكين- بعد عزّه لكلّ خسيس سخرة. هكذا آثار سخط الملوك وإعراض السادة عن الأصاغر:\nوقد أحدق الصبيان بي وتجمعوا ... علىّ وأشلوا بالكلاب ورائيا\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-78>[سورة البقرة (٢): الآيات ٦٧ الى ٦٨]</span>\nوَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُوًا قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ (٦٧) قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ (٦٨)\nكان الواجب عليهم استقبال الأمر بالاعتناق ولكنهم تعللوا ببقاء الأشكال توهما بأن يكون لهم (...) «٣» تفضى بالإخلاد إلى الاعتدال «٤» عن عهدة الإلزام فتضاعفت عليهم المشقة وحلّ بهم «٥» ما حذروه من الافتضاح.\n[فصل] ولما قال إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك، أي ليست بفتية ولا مسنّة بل هى بين السّنّين. حصلت الإشارة أن الذي يصلح لهذه الطريقة من لا يستهويه\n_________\n(١) سورة الأنعام آية ١١٠. [.....]\n(٢) ورد في البيت (أحتال) و(وجال) و(أتيت) من الزمان وقد أصلحنا ليستقيم المعنى والوزن.\n(٣) سقطت هنا لفظة من الناسخ وهو ينتقل من ورقة إلى أخرى\n(٤) الاعتدال هنا بمعنى العدول عن الشيء.\n(٥) وردت (وجلبهم) وهى غير ملائمة للمعنى والسياق.","vol":"1","page":97},{"text":"نزق الشباب وسكره، ولم يعطّله عجز المشيب وضعفه، بل هو صاح استفاق عن سكره، وبقيت له- بعد «١» - نضارة من عمره.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-79>[سورة البقرة (٢): الآيات ٦٩ الى ٧٠]</span>\nقالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (٦٩) قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (٧٠)\nكما كان يأخذ لونها الأبصار فالإشارة منها أن من كان من أهل القصة «٢» يستغرق شاهده القلوب لما ألبس من رداء الجبروت، وأقيم به من شاهد الغيب «٣» حتى أن من لاحظه تناسى أحوال البشرية، واستولى عليه ذكر الحق، كذا فى الخبر المنقول: أولياء الله الذين إذا رأوا ذكر الله (....) «٤»\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-80>[سورة البقرة (٢): آية ٧١]</span>\nقالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ (٧١)\n«٥» كما أن تلك البقرة لم يذللها العمل، ولم تبتذل فى المكاسب، لا لون فيها يخالف عظم لونها فالإشارة منه أن أهل الولاية «٦» الذين لم يتبذلوا بالأغيار لتحصيل ما طلبوا من الأسباب، ولم يركنوا بقلوبهم إلى الأشكال والأمثال، ولم يتكلوا على الاختيار والاحتيال، وليسوا نهبا لمطالبات المنى، ولا صيدا فى مخلب الدنيا، ولا حكم للشهوات عليهم، ولا سلطان للبشرية تملّكهم، ولم يسعوا قط فى تحصيل مرادهم، ولم يشقوا لدرك بغيتهم، وليس عليهم رقم الأغيار، ولا سمة الأسباب- فهم قائمون بالله، فانون عما سوى الله، بل هم محو، مصرّفهم الله. والغالب- على قلوبهم- الله.\nوكما أن معبودهم الله كذلك مقصودهم الله.\n_________\n(١) ربما صحت على هذا ويكون المعنى ما زالت فيه بقية من نضارة عمره، ويحتمل أن تكون فى الأصل (بعض) ويكون المعنى وبقيت له بعض نضارة من عمره.\n(٢) يقصد أهل التصوف.\n(٣) وردت (الغير) ولا معنى لها هنا لأن شهود الغيب هو الذي يحدث ذلك الأثر.\n(٤) فى (ص) علامات تدل على أن الكلام مبتور، ونرجح أن (ذاكر) بدل (ذكر) .\n(٥) أخطأ الناسخ عند كتابة هذه اللفظة من الآية الكريمة حيث وردت (قال) الآية ٧٠ من سورة البقرة.\n(٦) فى ص (ولاية) بدون تعريف والأصح بها.","vol":"1","page":98},{"text":"وكما أن مقصودهم الله كذلك مشهودهم الله، وموجودهم الله، بل هم محو بالله و(....) «١»\nعنهم الله، وأنشد قائلهم.\nإذا شئت أن أرضى وترضى وتملكى ... زمامى- ما عشنا معا- وعنانى\nإذن فارمقى الدنيا بعيني واسمعي ... بأذنى وانطقى بلساني\nقوله جل ذكره: قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ.\nطلبوا الحيلة ما أمكنهم فلما ضاقت بهم الحيل استسلموا للحكم فتخلصوا من شدائد المطالبات، ولو أنهم فعلوا ما أمروا به لما تضاعفت عليهم المشاق.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-81>[سورة البقرة (٢): آية ٧٢]</span>\nوَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيها وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢)\nالخائن خائف، ولخشية أن يظهر سرّه يركن إلى التلبيس والتدليس، والإنكار والجحود ولا محالة ينكشف عواره، وتتضح أسراره، وتهتك عن شين فعله أستاره. قال الله تعالى:\n«وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-82>[سورة البقرة (٢): آية ٧٣]</span>\nفَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٧٣)\nأراد الله سبحانه أن يحيى ميتهم ليفضح بالشهادة على قاتله فأمر بقتل حيوان لهم فجعل سبب حياة مقتولهم قتل حيوان لهم، صارت الإشارة منه:\nأن من أراد حياة قلبه لا يصل إليه إلا بذبح نفسه فمن ذبح نفسه بالمجاهدات حيى قلبه بأنوار المشاهدات، وكذلك من أراد الله حياة ذكره فى الأبدال «٢» أمات فى الدنيا ذكره بالخمول «٣» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-83>[سورة البقرة (٢): آية ٧٤]</span>\nثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٧٤) .\n_________\n(١) مشتبهة فى ص.\n(٢) ربما كانت فى الأصل (الأبد)\n(٣) أي منع عنه الاشتهار بين الخلق لأن المهم مرتبته لدى الحق.","vol":"1","page":99},{"text":"بيّن أنهم- وإن شاهدوا عظيم الآيات وطالعوا واضح البينات- فحين لم تساعدهم العناية ولم يخلق الله (لهم) الهداية، لم تزدهم كثرة الآيات إلا قسوة، ولم تبرز لهم من مكامن التقدير إلا شقوة (على شقوة، وشبّه قلوبهم بالحجارة لأنها لا تنبت ولا تزكو، وكذلك قلوبهم لا تفهم «١»، ولا تغنى «٢» . ثم بيّن أنها أشد (......) «٣» من الحجارة، فإنّ من الحجارة لما يتفجّر منه الأنهار، ومنها ما تظهر عليه آثار خشية الله «٤»، وأمّا قلوبهم فخالية عن كل خير، وكيف لا وفد منيت بإعراض الحقّ عنها، وخصّت بانتزاع الخيرات منها.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-84>[سورة البقرة (٢): الآيات ٧٥ الى ٧٦]</span>\nأَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥) وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ قالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٧٦)\nأنبأهم عن إيمانهم، وذكر أنهم بعد سماع الخطاب من الله- سبحانه- حرّفوا وبدّلوا فكيف يؤمنون لكم وإنما يسمعون بواسطة الرسالة، ومن لم يبق على الإيمان بعد العيان فكيف يؤمن بالبرهان، والذي لم يصلح للحق لا يصلح لكم، ومن لم (يحتشم من الحق) فكيف يحتشم منكم؟.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-85>[سورة البقرة (٢): آية ٧٧]</span>\nأَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ (٧٧)\nتواصوا فيما بينهم بإنكار الحق، وإخفاء الحال على المسلمين، ولم يعلموا أن الله يطلع رسوله ﵇ على أسرارهم، وأن نورا أظهره الغيب لا ينطفئ بمزاولة الأغيار. وموافقة اللّسان مع مخالفة العقيدة لا يزيد إلا زيادة الفرقة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-86>[سورة البقرة (٢): الآيات ٧٨ الى ٧٩]</span>\nوَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلاَّ أَمانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ (٧٨) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩) .\n_________\n(١) تكملة فى الهامش استدرك بها الناسخ أثبتناها فى موضعها. [.....]\n(٢) أي لا تغنى عنهم من الله شيئا، وربما كانت فى الأصل (ولا تعى) حتى تتلاءم مع (لا نفهم) .\n(٣) زيادة ميزها الناسخ- لا لزوم لها.\n(٤) إشارة إلى قوله تعالى: «لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ» .","vol":"1","page":100},{"text":"أخبر أنهم متفاوتون فى نقائص كفرهم، فقوم منهم أخسّ درجة وأكثر جهلا ركنوا إلى التقليد، ولم يملكهم استيلاء شبهة بل اغتروا بظنّ وتخمين، فهم الذين لا نصيب لهم من كتبهم إلا قراءتها، دون معرفة معانيها. ومنهم من أكثر شأنه ما يتمناه فى نفسه، ولا يساعده إمكان، ولا لظنونه قط تحقيق. ثم أخبر عن سوء عاقبتهم بقوله جل ذكره:\n«فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ» .\nأي خسروا فى الحال والمآل، والإشارة فى هذه الآية لمن عدم الإخلاص فى الصحبة فى طريق الحق ينضمّ إلى الأولياء ظاهرا ثم لا تصدق له إرادة فهو مع أهل الغفلة مصاحب، وله مع هذه الطريقة جانب، كلما دعته هواتف الحظوظ تسارع إلى الإجابة طوعا، وإذا قادته دواعى الحق- سبحانه- يتكلف شيئا، فبئست الحالة حين لم يخلص، وما أشد ندمه فيما ادّخر عن الله! ثم لا يفلح.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-87>[سورة البقرة (٢): آية ٨٠]</span>\nوَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٨٠)\nالإشارة فى هذه الآية لمن مرت على قلبه دعاواه العريضة، وغلب عليه حسبانه، فحكم لنفسه- لفرط غفلته- بأنه من أهل القصة «١»، ويخلد إلى هواجس مناه، فيحكم على الغيب بأنه يتجاوز عنه نسى قبائح ما أسلفه، ويذكر مغاليط ما ظنّه، فهو عبد نفسه، يغلب عليه حسن ظنه، وفى الحقيقة تعتريه نتائج غفلته ومكره، قال تعالى: «وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-88>[سورة البقرة (٢): آية ٨١]</span>\nبَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٨١)\nالذي أحاطت به خطيئته هو الكافر- على لسان العلم «٢» .\n_________\n(١) أي من أهل الطريق الصوفي.\n(٢) أي على لسان التفسير العادي أي غير الاشارى.","vol":"1","page":101},{"text":"ولكنّ الإشارة منه إلى من سكن قلبه على استغاثاته على وجه الدوام، فإن أصحاب الحقائق كالحبّ «١» على المقلى- فى أوقات صحوهم، فمن سكن فلفرط عزّته- لا يفترون «٢» .\nومن استند إلى طاعة يتوسّل بها ويظن أنه يقرب بها ينبغى أن يتباعد عن السكون إليها ومن تحقّق بالتوحيد علم ألا وسيلة إليه إلا به.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-89>[سورة البقرة (٢): آية ٨٢]</span>\nوَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٨٢)\nفى الحال جنان الوصل.........\n(..........)\n(..........)\n(.........) «٣» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-90>[سورة البقرة (٢): آية ٨٥]</span>\nثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥)\n... أضرابكم وقرنائكم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان، الإشارة فيه أن نصرتكم لإخوانكم على ما فيه بلاؤهم نصرة عليهم بما فيه شقاؤهم، فالأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو.\nقوله جل ذكره: وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى «٤» تُفادُوهُمْ، وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ، أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ.\nأي كما تراعون- بالفداء عنهم- حقوقهم، فكذلك يفترض عليكم كفّ أيديكم عنهم، وترك إزعاجهم عن أوطانهم، فإذا قمتم ببعض ما يجب عليكم فما الذي يقعدكم\n_________\n(١) وردت (كالحسب) وهى خطأ فى النسخ.\n(٢) من الفترة، وقد أوضحنا رأى المصنف فى الفترة والوقفة فى هامش سبق.\n(٣) حدث سقوط فيما بين (الوصل) و... (أضرابكم) وبذلك لم يصلنا تفسير الآيات الكريمة من رقم ٨٢ إلى ٨٤.\n(٤) يستخرج القشيري من لفظة أسارى إشارات معينة بعد قليل.","vol":"1","page":102},{"text":"عن الباقي، حتى تقوموا به كما أمرتم؟ أما علمتم أن من فرّق بين ما أمر به فآمن ببعض وكفر ببعض فقد حبط- بما ضيّعه- أجر ما عمله.\nقوله جل ذكره: فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ.\nأي ظنوا أن ما فعلوه نفعهم، فانكشف لهم فى الآخرة أن جميع ما فعلوه- لمّا مزجوه بالآفات وجرّدوه عن الصدق والإخلاص- غير مقبول منهم.\nوالأسراء أصناف: فمن أسير غرق فى بحار الهوى فإنقاذه بأن تدلّه على الهدى.\nومن أسير بقي فى أيدى الوساوس فافتداؤه أن ترشده إلى اليقين بلوائح البراهين لتنقذه من الشك والتخمين، وتخرجه عن ظلمات التقليد فيما تقوده إلى اليقين. ومن أسير تجده فى أسر هواجسه استأسرته غاغة نفسه، ففكّ أسره بأن تدلّه على شهود المنن، بتبرّيه عن حسبان كلّ حول يخلق وغير. ومن أسير تجده فى ربيطة ذاته ففكّ أسره إنشاده «١» إلى إقلاعه، وإنجاده على ارتداعه. ومن أسير تجده فى أسر صفاته ففكّ أسره أن تدله على الحق بما يحل عليه من وثائق الكون»\n، ومن أسير تجده فى قبضة الحق فتخبره أنه ليس لأسرائهم فداء، ولا لقتلاهم عود، ولا لربيطهم خلاص، ولا عنهم بدّ، ولا إليهم سبيل، ولا من دونهم حيلة، ولا مع سواهم راحة، ولا لحكمهم ردّ.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-91>[سورة البقرة (٢): آية ٨٦]</span>\nأُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٨٦)\nإن الذين آثروا عليه شيئا خسروا فى الدنيا والآخرة كما قالوا:\n_________\n(١) إنشاده إلى إقلاعه أي مطالبته والنصح له.\n(٢) وردت (المكون) والأصوب الكون لأن المقصود يقتضى ذلك.","vol":"1","page":103},{"text":"أناس أعرضوا عنّا ... بلا جرم ولا معنى\nفإن كانوا «١» قد استغنوا ... فإنّا عنهم أغنى\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-92>[سورة البقرة (٢): آية ٨٧]</span>\nوَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (٨٧)\nالإشارة: أوصلنا لهم الخطاب، وأردفنا رسولا بعد رسول، والجميع دعوا إلى واحد.\nولكنهم أصغوا إلى دعاء الداعين بسمع الهوى، فما استلذته النفوس قبلوه، وما استثقلته «٢» أهواؤهم جحدوه «٣»، فإذا كان الهوى «٤» صفتهم ثم عبدوه، صارت للمعبود «٥» صفات العابد، فلا جرم الويل لهم ثم الويل! قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-93>[سورة البقرة (٢): آية ٨٨]</span>\nوَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ (٨٨)\nلو كان منهم شىء بمجرد الدعوى لهان وجود المعاني، ولكن عند مطالبات التحقيق تفترّ أنياب المتلبّسين عن أسنان شاحذة بل (.....) «٦» وقيل:\nإذا انسكبت دموع فى خدود ... تبيّن من بكى ممن تباكى\n_________\n(١) اللفظة ناقصة فى المتن ومصححة فى الهامش على اليسار.\n(٢) وردت (استسقلته) وهى خطأ فى النسخ.\n(٣) وردت (هجدوه) ثم تصحيح لها فى الهامش (جهدوه) ولا يستبعد أنها: (جحدوه) على أساس نكرانهم للتوحيد. [.....]\n(٤) وردت (الهوا) والصحيح (الهوى) .\n(٥) وردت (المعبود) وهى خطأ فى النسخ.\n(٦) هنا كلمة مشتبهة.","vol":"1","page":104},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-94>[سورة البقرة (٢): آية ٨٩]</span>\nوَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ (٨٩)\nالإشارة فيه لمن عزم على الصفاء، ووعد من نفسه تحقيق الوفاء، ونشر أعلام النشاط عند البروز «١» إلى القتال، تنادى بالنّزال وصدق القتال- انهدم عند التفات «٢» الصفوف، وانجزل عن الجملة خشية هجوم المحذور، قال تعالى: «فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-95>[سورة البقرة (٢): آية ٩٠]</span>\nبِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ (٩٠)\nأنزلهم التحاسد عن مقر العزّ «٣» إلى حضيض الخزي، وسامهم ذلّ الصّغر حين لم يرضوا بمقتضى الحكم، فأضافوا استيجاب مقت آنف إلى استحقاق مقت سالف.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-96>[سورة البقرة (٢): آية ٩١]</span>\nوَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِما مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩١) .\n_________\n(١) وردت (البرود) وهى خطأ فى النسخ.\n(٢) وردت هكذا فى (ص)، وربما كانت فى الأصل (التقاء) الصفوف أو (التفاف) كذلك يحتمل (انهزم) بدلا من (انهدم) .\n(٣) وردت (العسر) وهى خطأ فى النسخ.","vol":"1","page":105},{"text":"الإشارة فيه: إذا قيل لهم حقّقوا ما أظهرتم من حكم الوفاق بتحقيق الحال وإقامة البرهان سمحت نفوسهم ببعض ما التبس عندهم لما يوافق أهواءهم، ثم يكفرون بما وراء حظوظهم، (....) «١» بعدا عن زمرة الخواص، غير معدودين فى جملة أرباب الاختصاص.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-97>[سورة البقرة (٢): آية ٩٢]</span>\nوَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ (٩٢)\n«٢» أي دعاكم إلى التوحيد، وإفراد المعبود عن كل معبود ومحدود، ولكنكم لم تجنحوا إلا إلى عبادة ما يليق بكم من عجل اتخذتموه، وصنم تمنيتموه. فرفع ذلك من بين أيديهم، لكن بقيت آثاره فى قلوبهم وقلوب أعقابهم، ولذلك يقول أكثر اليهود بالتشبيه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-98>[سورة البقرة (٢): آية ٩٣]</span>\nوَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قالُوا سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩٣)\nكرّر الإخبار عن غلوّهم فى حبّ العجل، ونبوّهم عن قبول الحق، و(.........) «٣»\nوتعريفهم معاجلتهم بالعقوبة على ما يسيئون من العمل، فلا النصح نجع فيهم، ولا العقوبة أوجبت إقلاعهم عن معاصيهم، ولا بالذم فيهم احتفلوا «٤»، ولا بموجب الأمر عملوا.\n_________\n(١) هنا لقطة مشتبهة.\n(٢) أخطأ الناسخ حين كتبها (جاءهم) فصححناها طبقا للاية ٩٢.\n(٣) هنا عبارة غامضة كتابة وبالتالى معنى.\n(٤) وردت (اختلفوا، والملائم للسياق (احتفلوا) أي أظهروا الاهتمام.","vol":"1","page":106},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-99>[سورة البقرة (٢): الآيات ٩٤ الى ٩٥]</span>\nقُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٩٤) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٩٥)\nمن علامات الاشتياق تمنى الموت على بساط العوافي فمن وثق بأن له الجنة قطعا- فلا محالة- يشتاق إليها، ولمّا لم يتمنوا الموت «١» - وأخبر الله سبحانه أنهم لن يتمنوه أبدا- صار هذا التعريف معجزة للرسول صلوات الله عليه وعلى آله إذ كان كما قال.\nوفى هذا بشارة «٢» للمؤمنين الذين يشتاقون إلى الموت أنهم مغفور لهم، ولا يرزقهم الاشتياق إلا وتحقق لهم الوصول إلى الجنة، وقديما قيل: كفى للمقصر الحياء يوم اللقاء.\nقال الله تعالى: «وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-100>[سورة البقرة (٢): آية ٩٦]</span>\nوَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (٩٦)\n«٣» حبّ الحياة فى الدنيا نتيجة الغفلة عن الله، وأشد منه غفلة أحبّهم للبقاء فى الدنيا. وحال المؤمن من هذا على الضدّ. وأما أهل الغفلة وأصحاب التهتك فإنما حرصهم على الحياة لعلمهم بما فقدوا فيها من طاعتهم فالعبد الآبق لا يريد رجوعا إلى سيّده. والانقلاب إلى من هو خيره مرجو خير للمؤمنين من البقاء مع من شرّه غير مأمون، ثم إن امتداد العمر مع يقين\n_________\n(١) فى النسخة (الجنة) ولكن الآية الكريمة والسياق يشيران إلى تمنى الموت ثم إن الضمير فيما بعد في (لن يتمنوه أبدا) ضمير مذكر وليس ضمير مؤنث.\n(٢) وردت (وفى هذا إشارة) والمعنى يتطلب (بشارة) مما يرجح هذه على تلك.\n(٣) أسقط الناسخ من الآية من أول (وما هو) إلى (أن يعمر) فأثبتناه.","vol":"1","page":107},{"text":"الموت (لا قيمة له) إذا فاجأ الأمر وانقطع العمر. وكلّ ما هو آت فقريب، وإذا انقضت المدّة فلا مردّ لهجوم الأجل على أكتاف الأمل.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-101>[سورة البقرة (٢): الآيات ٩٧ الى ٩٨]</span>\nقُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٩٧) مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ (٩٨)\nزعمت اليهود أن جبريل لا يأتى بالخير، وأنهم لا يحبونه، ولو كان ميكائيل لكانوا آمنوا به، فأكذبهم الحقّ سبحانه فقال: من كان عدوا لجبريل لأنه لا يأتى بالخير فأى خير أعظم مما نزل به من القرآن؟! ثم قال إن من عادى «١» جبريل وميكائيل فإن الله عدو له فإنّ رسول الحبيب إلى الحبيب العزيز المورد- كريم المنزلة، عظيم الشرف. وما ضرّت جبريل﵇- عداوة الكفار، والحق ﷾ وليّه، ومن عادى جبريل فالحقّ عدوّه، وما أعزز «٢» بهذا الشرف وما أجلّه! وما أكبر علوه! قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-102>[سورة البقرة (٢): الآيات ٩٩ الى ١٠٠]</span>\nوَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وَما يَكْفُرُ بِها إِلاَّ الْفاسِقُونَ (٩٩) أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (١٠٠)\nلم يكفر بواضح آياته إلا من سدّت عن الإدراك بصائره، وسبقت من الله بالشقاوة\n_________\n(١) وردت (عبادى) وهى خطأ في النسخ، فعادى مناسبة لعدم محبتهم لجبريل كما سبق. [.....]\n(٢) الصحيح ان يقال وأعزز بهذا الشرف أو: ما أعز هذا الشرف فليس فى التعجب ما أفعل به فما حدث هو خطأ من الناسخ لأن القشيري- كما تعلم من سيرته- حريص أشد الحرص على قواعد النحو.","vol":"1","page":108},{"text":"قسمته، ولا عقل لمن يجحد أنّ النهار نهار، وكذلك لا وصل لمن لم تساعده من الحق أنوار واستبصار. أو كلّما عاهدوا عهدا سابق التقدير لهم كان يشوّش عليهم، وينقض عهدهم لا حق التدبير منهم، والله غالب على أمره.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-103>[سورة البقرة (٢): آية ١٠١]</span>\nوَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٠١)\n«١» جحدوا رسل الحق إلى قلوبهم من حيث الخواطر، وكذّبوا رسلهم الذين أتوهم فى الظاهر، فيا جهلا ما فيه شظية من العرفان! ويا حرمانا قارنه خذلان! قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-104>[سورة البقرة (٢): آية ١٠٢]</span>\nوَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢)\nمن فرّقته الأهواء وقع فى كل مطرح من مطارح الغفلة، فيستقبله كل جنس من قضايا\n_________\n(١) أخطأ الناسخ فكتبها (مصدقا) والصحيح (مصدق) الآية ١٠١.","vol":"1","page":109},{"text":"الجهالة، ثم إن من طالت به الغيبة صار للناس عبرة، ولمن سلك طريقه فتنة، فمن اقتدى به فى غيّه انخرط فى سلكه، والتحقق بجنسه، هكذا صفة هاروت وماروت فيما استقبلهما، صارا للخلق فتنة بل عبرة، فمن أصغى إلى قيلهما، ولم يعتبر بجهلهما تعلّق به بلاؤهما، وأصابه فى الآخرة عناؤهما.\nوالإشارة من قصتهما إلى من مال فى هذه الطريقة إلى تمويه وتلبيس، وإظهار دعوى بتدليس، فهو يستهوى من اتّبعه «١»، ويلقيه فى جهنم بباطله، (............) «٢»\nومن تهتك بالجنوح إلى أباطيله تهتكت أستاره، وظهر لذوى البصائر عواره.\nوإن هاروت وماروت لما اغترّا بحاصل ما اعتاداه من المعصية بسطا لسان الملامة فى عصاة بنى آدم، فلما ركّب فيهما من نوازع الشهوات، ودواعى الفتن والآفات، اقتحما فى العصيان، وظهر منهما ما انتشر ذكره على ألسنة القصاص، وهما منكّسان إلى يوم القيامة ولولا الرفق بهما وبشأنهما لما انتهى فى القيامة عذابهما، ولكنّ لطف الله مع الكافة كثير. ولمّا قال الله تعالى: «وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ» علم أهل التحصيل أن العلم بكل معلوم- وإن كان صفة مدح- ففيه غير مرغوب فيه، بل هو مستعاذ منه قال النبي ﷺ: أعوذ بك من علم لا ينفع.\nقوله جل ذكره: وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ.\nلو علم المغبون ماذا أبقى وماذا أبلى لتقطعت أحشاؤه حسرات، ولكن سيعلم- يوم تبلى السرائر- الذي فاته من الكرائم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-105>[سورة البقرة (٢): آية ١٠٣]</span>\nوَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٣)\nولو آثروا الإقبال على الله على اشتغالهم عن الله، لحصّلوا ذخر الدارين، ووصلوا إلى\n_________\n(١) وردت (التبعة) وهى خطأ فى النسخ.\n(٢) هنا عبارة غامضة كتابة ومعنى، ويرجح أن الناسخ قد وقع فى أخطاء نقلية.","vol":"1","page":110},{"text":"عزّ الكونين، ولكن كبستهم سطوات القهر، فأثبتهم فى مواطن الهجر.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-106>[سورة البقرة (٢): آية ١٠٤]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا وَاسْمَعُوا وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٠٤)\nقصود الأعداء فى جميع أحوالهم- من أعمالهم وأقوالهم- قصود خبيثة فهم- على مناهجهم- يبنون فيما يأتون ويذرون. فسبيل الأولياء التّحرز عن مشابهتهم، والأخذ فى طريق غير طريقهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-107>[سورة البقرة (٢): آية ١٠٥]</span>\nما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (١٠٥)\nكراهية الأعداء لانتظام صلاح الأولياء متصلة مستدامة، ولكن الحسود لا يسود، ولا يحصل له مقصود وخصائص الرحمة للأولياء كافية- وإن زعم من الأعداء أفّاك أنه انهدمت من أوطان فرحهم أكناف وأطراف.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-108>[سورة البقرة (٢): آية ١٠٦]</span>\nما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦)\nالنسخ الإزالة أي ما ينقلك من حال إلى ما هى فوقها وأعلى منها، فغصن وصلك أبدا ناضر، ونجم عزّك أبدا ظاهر، فلا ننسخ من آثار العبادة شيئا إلا وأبدلنا عنه أشياء من أنوار العبودية، ولا نسخنا من أنوار العبودية أشياء إلا أقمنا مكانها أشياء من أقمار العبودة «١» .\n_________\n(١) وردت (من أقمار العبودية) وهى خطأ من الناسخ، لأن السياق هنا يتطلب (العبودة) -","vol":"1","page":111},{"text":"فأبدا «١» سرّك فى الترقي، وقدرك فى الزيادة بحسن التّولّي وقيل ما رقّاك عن محل العبودية إلا سلكك بساحات الحرية، وما رفع عنك شيئا من صفات «٢» البشرية إلا أقامك بشاهد من شواهد الألوهية.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-109>[سورة البقرة (٢): آية ١٠٧]</span>\nأَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (١٠٧)\nسنّته- سبحانه- أن يجذب أولياءه عن شهود ملكه إلى رؤية ملكه «٣»، ثم يأخذهم من مطالعة ملكه إلى شهود حقّه، فيأخذهم من رؤية آياته إلى رؤية صفاته، ومن رؤية صفاته إلى شهود ذاته.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-110>[سورة البقرة (٢): آية ١٠٨]</span>\nأَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (١٠٨)\nإنّ بنى إسرائيل آذوا موسى ﵇، فنهى المسلمون عن فعل ما أسلفوه، وأمروا\n_________\n- فنحن نعرف من مذهب القشيري ان العبادة للعوام من المؤمنين، والعبودية للخواص، والعبودة لخاص الخاص.\nالعبادة لأصحاب المجاهدات، والعبودية لأرباب المكابدات، والعبودة صفة أهل المشاهدات ...\nوهكذا- ومن أسانيد كثيرة فى باب العبودية فى «الرسالة» - نلحظ أن الدرجة القصوى في الأمر هى (العبودة)، والترتيب هنا يمشى هكذا آثار العبادة، أنوار العبودية، أقمار العبودية، وهو ترتيب فى غاية الدقة، يعطى كل درجة قدرها.\n(١) وردت (فأبد) بدون تنوين.\n(٢) تلقت النظر هنا إلى أهمية كلمة صفات البشرية، أي أن المقصود- حسب مذهب القشيري- ليس سقوط البشرية فى حد ذاتها، وإنما صفاتها المعلولة، وينبغى أن يكون واضحا تمام الوضوح أن التصوف الإسلامى الحق- والقشيري من أفضل المعبرين عنه- لا يقول بأدنى تداخل بين البشرية والألوهية فالعبد عبد والرب رب.\n(٣) ضبطنا ملك وملك مستفيدين من كلام القشيري فى كتابه «التحبير» ضمن اسم «الملك» .","vol":"1","page":112},{"text":"بمراعاة أن حشمة الرسول ﷺ بغاية ما يتسع فى الإمكان. فكانوا بحضرته كأنّ على رءوسهم الطير. قال تعالى: «تُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ» وحسن الأدب- فى الظاهر- عنوان حسن الأدب مع الله فى الباطن.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-111>[سورة البقرة (٢): آية ١٠٩]</span>\nوَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٩)\nمن لحقه خسران الفهم من أصحاب الغفلة ودّ ألا يطلع لأحد بالسلامة نجم، ومن اعتراه الحسد أراد ألا تنبسط على محسوده شمس.\nوكذلك كانت صفات الكفار، فأرغم الله أنفهم، وكبّهم على «١» وجوههم.\nوالإشارة من هذا إلى حال أصحاب الإرادة فى البداية إذا رغبوا فى السلوك، فمن لم يساعده التوفيق (فى الصحبة، وعاشر أناسا مترسّمين بالظواهر) «٢» فإنهم يمنعون هؤلاء من السلوك ولا يزالون يخاطبونهم بلسان النصح، والتخويف بالعجز والتهديد بالفقر حتى ينقلوهم إلى سبيل الغفلة، ويقطعوا عليهم طريق الإرادة، أولئك أعداء الله حقا، أدركهم مقت الوقت.\nوعقوبتهم حرمانهم من أن يشموا شيئا من روائح الصدق.\n«فاعفوا واصفحوا ...» فسبيل المريد أن يحفظ عن الأغيار سرّه، ويستعمل مع كل أحد ضلة «٣»، ويبذل فى الطلب رفعة «٤»، فعن قريب يفتح الحق عليه طريقه.\n_________\n(١) فى النسخة ص (وكبهم لوجوههم) وقد آثرنا عليها (على وجوههم) .\n(٢) أصلحنا فى هذه العبارة قليلا لكى يتضح معناها طبقا لوصايا القشيري للمريدين فى «رسالته»\n(٣) هكذا وردت فى (ص) وقد نقلناها كما جاءت، وربما كانت فى الأصل (خلة) بمعنى الصفة اى أن يحافظ على سره مع ربه عن طريق اتصافه مع صحبته بصفات ملائمة. تضمن أن يكون سره محفوظا\n(٤) ربما كانت فى الأصل (ويبذل فى الطلب وسعه) .","vol":"1","page":113},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-112>[سورة البقرة (٢): آية ١١٠]</span>\nوَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٠)\nالواجب على المريد إقامة المواصلات، وإدامة التوسل بفنون «١» القربات، واثقا بأن ما يقدمه من صدق المجاهدات تدرك «٢» ثمرته فى أواخر الحالات.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-113>[سورة البقرة (٢): آية ١١١]</span>\nوَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كانَ هُودًا أَوْ نَصارى تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١١١)\n«٣» كلّ حزب يمهّد الأمل لنفسه، ويظنّ النجاة لحاله، ويدعى الوسل «٤» من سهمه.\nولكنّ مجرد الحسبان دون تحقق البرهان لا يأتى بحاصل، ولا يحوز بطائل.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-114>[سورة البقرة (٢): آية ١١٢]</span>\nبَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (١١٢)\n«٥» أسلم وجهه أي أخلص لله قصده، وأفرد لله وجهه، وطهّر عن الشوائب عقله.\n«وهو محسن» . عالم بحقيقة ما يفعله وحقيقة ما يستعمله، وهو محسن فى المآل كما أنه مسلم فى الحال.\nويقال الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فتكون مستسلما بظاهرك، مشاهدا بسرائرك، فى الظاهر جهد وسجود وفى الباطن كشف ووجود.\n_________\n(١) جاءت هكذا فى ص (يقنون) ثم صححها الناسخ فى الهامش. [.....]\n(٢) جاءت فى ص (تدركوا) .\n(٣) أخطأ الناسخ إذ كتبها (يدخلوا) والصحيح (يدخل) الآية ١١١.\n(٤) الوسل والوسيلة والواسلة الوصلة والقربى من الله (الوسيط ص ١٠٤٤) .\n(٥) أسقط الناسخ (بلى) والصحيح وجودها الآية ١١٢.","vol":"1","page":114},{"text":"ويقال «أسلم وجهه» بالتزام الطاعات، «وهو محسن» قائم بآداب الخدمة بحسن آداب الحضور، فهؤلاء ليس عليهم خوف الهجر، ولا يلحقهم خفىّ المكر، فلا الدنيا تشغلهم عن المشاهدة ولا الآخرة تشغلهم غدا عن الرؤية.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-115>[سورة البقرة (٢): آية ١١٣]</span>\nوَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١١٣)\nالإشارة فى هذه الآية على العكس من حكم الظاهر فالأعداء يتبرأ بعضهم من بعض اليوم، والأولياء من وجه كذلك، ولذا قالوا: لا زالت الصوفية بخير ما تنافروا، ولا يقبل بعضهم بعضا لأنه لو قبل بعضهم بعضا بقي بعضهم مع بعض.\nلكنّ الأعداء كلهم على الباطل. عند تبرّى بعضهم من بعض أمّا الأولياء فكلّهم على الحق- وهذه ما ذكرنا من حكم العكس.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-116>[سورة البقرة (٢): آية ١١٤]</span>\nوَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعى فِي خَرابِها أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلاَّ خائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (١١٤)\nالإشارة فيه أن الظالم من خرّب أوطان العبادة بالشهوات، وأوطان العبادة نفوس العابدين. وخرّب أوطان المعرفة بالمنى والعلاقات، وأوطان المعرفة قلوب العارفين.\nوخرّب أوطان المحبة بالحظوظ والمساكنات، وهى أرواح الواجدين. وخرّب أوطان","vol":"1","page":115},{"text":"المشاهدات بالالتفات إلى القربات وهى أسرار الموحدين «١» .\nقوله جلّ ذكره: لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ.\nلأهل الإشارة خزى الدنيا بذل الحجاب، وعذاب الآخرة الامتناع بالدرجات.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-117>[سورة البقرة (٢): آية ١١٥]</span>\nوَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥)\nالإشارة منها إلى مشارق القلوب ومغاربها. وللقلوب شوارق وطوارق. وطوارقها هواجس النفوس تطرق فى ظلمات المنى والشهوات.\nوشوارقها نجوم العلوم وأقمار الحضور وشموس المعارف.\nفما دامت الشوارق طالعة فقبلة القلوب، واضحة ظاهرة، فإذا استولت «٢» الحقائق خفى سلطان الشوارق، كالنجوم تستتر عند طلوع الشمس، كذلك عند ظهور الحق يحصل اصطلام وقهر، فلا شهود رسم، ولا بقاء حسّ وفهم، ولا سلطان عقل وعلم، ولا ضياء عرفان.\nفإن وجدان «٣» هذه الجملة صفات لائقة ببقاء البشرية، وإذا صار الموصوف محوا فأنّى لهم ببقاء الصفة! قال تعالى: «فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ» مادام يبقى من الإحساس والتمييز بقية- ولو شظية- فالقبلة مقصودة، فإن لم تكن معلومة تكون مطلوبة. وعلى لسان العلم إذا اشتبهت الدلائل بكلّ وجهة، ولا معرفة بالقبلة تساوت الجهات فى جواز الصلاة إلى كل واحد منها إذا لم يكن للنية ترجيح.\n_________\n(١) نعرف من مذهب القشيري أن الأسرار (للموحدين) ولذا نرجح أن الناسخ أخطأ حينما كتبها (الواجدين) وقد أثبتناها هنا على هذا الترجيح.\n(٢) وردت (سولت) وهى خطأ فى النسخ.\n(٣) وجدان، ووجود مصدران لوجد، غير أن القشيري يؤثر استعمال لفظة (الوجود) بمعناها الاصطلاحي الدقيق فى موضعها للائم (التواجد بداية والوجد واسطة والوجود نهاية) .","vol":"1","page":116},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-118>[سورة البقرة (٢): آية ١١٦]</span>\nوَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحانَهُ بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ (١١٦)\nمكر بهم لم يفنهم- من الإفناء- فى الحال، بل جعل موجب اغترارهم طول الإمهال، فنطقوا بعظيم الفرية على الله، واستنبطوا عجيب المرية فى وصف الله، فوصفوه بالولد! وأنّي بالولد وهو أحدى الذات؟! لا حدّ لذاته، ولا تجوز الشهوة فى صفاته.\nقوله جل ذكره: بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ.\nأي ليس فى الكون شىء من الآثار المفتقرة أو الأعيان المستقلة إلا وتنادى عليه آثار الخلقة، وتفصح منه شواهد الفطرة، وكل صامت منها ناطق، وعلى وحدانيته- سبحانه- دليل وشاهد.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-119>[سورة البقرة (٢): آية ١١٧]</span>\nبَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِذا قَضى أَمْرًا فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (١١٧)\nالبديع عند العلماء موجد العين لا على مثل، وعند أهل الإشارة الذي ليس له شىء مثله. فهذا الاسم يشير إلى نفى المثل عن ذاته، ونفى المثال عن أفعاله، فهو الأحد الذي لا عدد يجمعه، والصمد الذي لا أمد يقطعه، والحق الذي لا وهم يصوّره، والموجود الذي لا فهم يقدره. وإذا قضى أمرا فلا يعارض «١» عليه مقدور، ولا ينفك من حكمه محظور.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-120>[سورة البقرة (٢): آية ١١٨]</span>\nوَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (١١٨)\n«٢» «٣»\n_________\n(١) الصواب أن تكون (فلا يعتاص)، فهكذا يعبر القشيري فى مثل هذا السياق.\n(٢) وردت (لولا يكلمهم) وهى خطأ، وقد صححناها طبقا للآية ١١٧.\n(٣) وردت خطأ (بيّن) والصحيح (بينا) الآية ١١٧.","vol":"1","page":117},{"text":"كلام الله سبحانه متعلق بجميع المخلوقات بأعيانها وآثارها، وأمر التكوين (يتناول المكلفين وأفعال المكلفين) «١»، لكن من عدم سمع الفهم تصامم «٢» عن استماع الحق، فإنه- سبحانه- خاطب قوما من أهل الكتاب، وأسمعهم خطابه «٣»، فلم يطيقوا سماعه، وبعد ما رأوا من عظيم الآيات حرّفوا وبدّلوا. وفى الآيات التي أظهرها ما يزيح العلّة من الأغيار، ويشفى الغلّة من الأخيار، ولكن ما تغني الدلائل- وإن وضحت- عمن حقّت لهم الشقاوة وسبقت؟\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-121>[سورة البقرة (٢): آية ١١٩]</span>\nإِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ (١١٩)\nأفردناك بخصائص لم نظهرها على غيرك فالجمهور والكافة تحت لوائك، والمقبول من وافقك، والمردود من خالفك، وليس عليك من أحوال الأغيار سؤال، ولا عنك لأحد (...) «٤» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-122>[سورة البقرة (٢): آية ١٢٠]</span>\nوَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (١٢٠)\nلا تبال برضاء الأعداء بعد ما حصل لك رضانا، فإنهم لا يرضون عنك إلا بمتابعة أديانهم، ودون ذلك لهم حظ القتال فأعلن «٥» التبري منهم، وأظهر الخلاف معهم، وانصب العداوة\n_________\n(١) العبارة التي فى (ص) مضطربة فى الخط والمعنى، وقد صحناها طبقا لما نعرف من آراء القشيري الكلامية: إن الله خالق العباد وأفعال العباد (فالله خالق كل شىء، أما الإنسان فليس له أن يوصف بذلك لأن كل من لحقه وصف التكوين لا يصح منه الإيجاد) .\n(٢) وردت (تصامح) وهى خطأ فى النسخ.\n(٣) وردت أسمعهم (خاطبهم) والأرجح أنها فى الأصل أسمعهم (خطابه) .\n(٤) مشتبهة. [.....]\n(٥) وردت (ما علف) وهى خطأ فى النسخ، وقد جعلناها (فأعلن) لتلائم (وأظهر) بعدها.","vol":"1","page":118},{"text":"لهم، وأعلم أن مساكنتهم إلى ما يرضون سبب الشقاوة المؤبدة، فاحرص ألا يخطر ذلك ببالك «١»، وادع- إلى البراءة عنهم وعن طريقتهم- أمّتك، وكن بنا لنا، متبرّيا عمن سوانا، واثقا بنصرتنا، فإنّك بنا ولنا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-123>[سورة البقرة (٢): آية ١٢١]</span>\nالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٢١)\nالذين فتحنا أبصارهم بشهود حقنا وكلنا أسماع قلوبهم بسماع خطابنا، وخصصناهم بإسبال نور العناية عليهم، وأيّدناهم بتحقيق التعريف فى أسرارهم، يقومون بحق التلاوة، ويتصفون بخصائص الإيمان والمعرفة فهم أهل التخصيص، ومن سواهم أصحاب الرد.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-124>[سورة البقرة (٢): آية ١٢٢]</span>\nيا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (١٢٢)\nجرت سنته- سبحانه- فى الخطاب مع قوم موسى ﵇ أن يناديهم بنداء العلامة فيقول: يا بنى إسرائيل اذكروا، أي يا بنى يعقوب، ومع هذه الأمة «٢» أن يخاطبهم بنداء الكرامة فيقول: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-125>[سورة البقرة (٢): آية ١٢٣]</span>\nوَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (١٢٣)\nأمّا الأعداء فلا يقبل منهم شيئا، وأما الأولياء فقال ﷺ: «اتقوا النار ولو بشقّ تمرة»، والكفار لا تنفعهم شفاعة الشافعين فهذا حكم كل أمة مع نبيّها، وأمّا المؤمنون- فعلى التخصيص- تنفعهم شفاعة نبيّهم ﷺ.\n_________\n(١) جاءت الجملة فى ص هكذا (فاحرس عن أخطار ذلك ببالك) وسمحنا لأنفسنا بشىء من التصرف يقبح فهم المعنى، وربما كان أقرب إلى الأصل.\n(٢) يقصد أمة المصطفى صلوات الله عليه وسلامه.","vol":"1","page":119},{"text":"وكلّ أحد يقول يومئذ نفسى نفسى ونبيّنا ﷺ يقول: أمتى أمتى «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-126>[سورة البقرة (٢): آية ١٢٤]</span>\nوَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمامًا قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)\nالبلاء تحقيق الولاء، فأصدقهم ولاء أشدّهم بلاء.\nولقد ابتلى الحق- سبحانه- خليله ﵇ بما فرض عليه وشرع له، فقام بشرط وجوبها، ووفّى بحكم مقتضاها، فأثنى عليه سبحانه بقوله: «وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى» - من التوقية- أي لم يقصّر بوجه البتة.\nيقال حمّله أعباء النبوة، وطالبه بأحكام الخلّة، وأشد بلاء له كان قيامه بشرائط الخلة، والانفراد له بالتجافي عن كل واحد وكل شىء، فقام بتصحيح ذلك مختليا عن جميع ما سواه، سرّا وعلنا. «٢»\nكذلك لم يلاحظ جبريل ﵇ حين تعرض له وهو يقذف فى لجة الهلاك، فقال:\nهل من حاجة؟ فقال: أمّا إليك.... فلا.\nومن كمال بلائه تعرض جبريل ﵇ فى تلك الحالة، وأي بقية كانت بقيت له منه حتى يكون لمخلوق فيه مساغ كائنا من كان؟!\n_________\n(١) أخطأ الناسخ حين نقلها «كل عهد يقول ... والصواب» كل أحد ... وقد سمع القشيري هذه العبارة من أستاذه الدقاق- كما يقول فى رسالته فى باب الفتوة.\n(٢) هذا هو رأى القشيري فى «الخلّة»، ونرى لزاما علينا أن ننبه إلى بعض الآراء الأخرى فيها.\nفالمعتزلة- الذين يبتعدون عن كل ما يحمل على التشبيه- يبذلون جهدهم فى الاستعانة باللغة للحصول على تأويلات للنص القرآنى تخدم هذه الغاية، فلما لم يرضهم حمل لفظة الخليل على ظاهرها فى الآية «وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا» (النساء: ١٢٥) استشهدوا ببيت من الشعر القديم لزهير وهو:\nوإن أتاه خليل يوم مسألة ... يقول لا غائب مالى ولا حرم\n(ديوان زهير نشر دار الكتب ص ١٥٣) وفيه خليل بمعنى محتاج، وقد أورد القشيري هذا الرأى ضمن تفسيره للآية ١٢٤ النساء، أي أنه لا يعارض أن تحتمل اللفظة هذا المعنى.\nويفسر دكتور عبد الرحمن بدوي قول أبى طالب المكي (إن رابعة قد ارتفعت إلى وصف معنى الخلة) بما يلى: (على أن مقام الخلة هذا يمكن أن يفسر على أساس أنه شعور بتجاوز الخير والشر، ذلك أن القيم الأخلاقية لا اعتبار لها إلا بالنسبة إلى بنى الإنسان والدنيا. أما- رابعة ورباح- فقد تجاوزا نطاق البشرية وصارا يلوذان بجوار الألوهية واطرحا الناسوت وشاع فيهما اللاهوت» .\nشهيد العشق الإلهي ص ٦٣، ٦٤","vol":"1","page":120},{"text":"وفى هذا إشارة دقيقة إلى الفرق بين حال نبيّنا ﷺ وحال إبراهيم ﵇، لأنه تعرض جبريل للخليل وعرض عليه نفسه:\nفقال: أمّا إليك.. فلا. ولم يطق جبريل صحبة النبي ﷺ فنطق بلسان العجز وقال:\nلو دنوت أنملة لاحترقت «١» .\nوشتّان بين حالة يكون فيها جبريل ﵇ من قوّته بحيث يعرض للخليل ﵇ نفسه، وبين حالة يعترف للحبيب- صلوات الله عليه- فيها بعجزه.\nقوله جل ذكره: إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمامًا، قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ: لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ. وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا.\nالإمام من يقتدى به، وقد حقّق له هذا حتى خاطب جميع الخلائق إلى يوم القيامة بالاقتداء به فقال: «ملة أبيكم إبراهيم» أي اتبعوا ملة إبراهيم يعنى التوحيد، وقال:\n«واتخذوا من مقام إبراهيم مصلّى» .\nهذا هو تحقيق الإمامة. ورتبة الإمامة أن يفهم عن الحق ثم يفهم الخلق فيكون واسطة بين الحق والخلق، يكون بظاهره مع الخلق لا يفتر عن تبليغ الرسالة، وبباطنه مشاهدا للحق، لا يتغير له صفاء الحالة، ويقول للخلق ما يقوله له الحق.\nقوله جل ذكره: وَمِنْ ذُرِّيَّتِي.\nنطق بمقتضى الشفقة عليهم، فطلب لهم ما أكرم به. فأخبره أن ذلك ليس باستحقاق نسب، أو باستيجاب سبب، وإنما هى أقسام مضت بها أحكام فقال له: «لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ»\n_________\n(١) يشير بهذا إلى ما حدث ليلة الاسراء والمعراج فى الملأ الأعلى (انظر كتاب المعراج) للقشيرى نشره دكتور على عبد القادر. ط. (الكتب الحديثة) سنة ١٩٦٤.","vol":"1","page":121},{"text":"وليس هذا كنعيم الدنيا وسعة الأرزاق فيها، فهى لا ادّخار لها عن أحد وإن كان كافرا، ولذلك:\nقال جلّ ذكره: وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ.\nفقال الله تعالى:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-127>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٢٥ الى ١٢٦]</span>\nوَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥) وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦)\nيعنى ليس للدنيا من الخطر ما يمنعها عن الكفار، ولكن عهدى لا يناله إلا من اخترته من خواص عبادى.\nأمّا الطعام والشراب فغير ممنوع من أحد.\nأمّا الإسلام والمحاب فغير مبذول لكل أحد.\nقوله جل ذكره: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا.\nواذكر يا محمد حين جعلنا البيت- يعنى الكعبة- مثابة للناس إليه يثوبون، ومأمنا لهم إليه يرجعون، وإياه من كل نحو يقصدون.\nهو بيت خلقته من الحجر ولكن أضفته إلى الأزل فمن نظر إلى البيت بعين الخلقة انفصل، ومن نظر إليه بعين الإضافة وصل واتصل «١»، وكلّ من التجأ إلى ذلك البيت أمن من عقوبة الآخرة إذا كان التجاؤه على جهة الإعظام والاحترام، والتوبة عن الآثام.\nويقال بنى البيت من الحجر لكنه حجر يجذب القلوب كحجر المغناطيس يجذب الحديد.\nبيت من وقع عليه ظلّه أناخ بعقوة «٢» الأمن.\n_________\n(١) قارن رأى القشيري الصوفي الحريص بآراء بعض الصوفية الذين أوتوا حظا من الجرأة فى التعبير.\nعن هذا الموضوع، من ذلك مثلا قول رابعة «لا أريد الكعبة بل رب الكعبة أما الكعبة فماذا أفعل بها ... ولم تشأ أن تنظر إليها (تذكرة الأولياء. العطار ج ١ ص ٦١) .\nوقول الحلاج: «إن شوقنا إلى الله يجب أن يمحو عقليا فى نفوسنا صورة الكعبة، كيما نجد من أقامها «شخصيات قلقة فى الإسلام. د. بدوي ص ٦٨.\n(٢) العقوة- الموضع المتسع أمام الدار أو المحلة أو حولهما (الوسيط ص ٦٢٤) .","vol":"1","page":122},{"text":"بيت من وقع عليه طرفه بشّر بتحقيق الغفران.\nبيت من طاف حوله طافت اللطائف بقلبه، فطوفة بطوفة، وشوطة بشوطة وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان.\nبيت ما خسر من أنفق على الوصول «١» إليه ماله.\nبيت ما ربح من ضنّ عليه بشىء من زاره نسى مزاره، وهجر دياره.\nبيت لا تستبعد إليه المسافة، بيت لا تترك زيارته لحصول مخافة، أو هجوم آفة، بيت ليس له بمهجة الفقراء آفة.\nبيت من قعد عن زيارته فلعدم فتوّته، أو لقلة محبته.\nبيت من صبر عنه فقلبه أقسى من الحجارة. بيت من وقع عليه شعاع أنواره تسلّى عن شموسه وأقماره.\nبيت ليس العجب ممن بقي (عنه) «٢» كيف يصبر، إنما العجب ممن حضره كيف يرجع! قوله جل ذكره: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى.\nعبد رفع لله سبحانه قدما فإلى القيامة جعل أثر قدمه قبلة لجميع المسلمين إكراما لا مدى له.\nقوله جل ذكره: وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ. وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ\n_________\n(١) وردت (الوصل) وهى خطا فى النسخ.\n(٢) (عنه) تكملة جاءت فى هامش الصفحة وهى تكملة ضرورية.","vol":"1","page":123},{"text":"قَلِيلًا، ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ.\nالأمر فى الظاهر بتطهير البيت، والإشارة من الآية إلى تطهير القلب.\nوتطهير البيت بصونه عن الأدناس والأوضار، وتطهير القلب بحفظه عن ملاحظة الأجناس والأغيار.\nوطواف الحجاج حول البيت معلوم بلسان الشرع، وطواف المعاني معلوم لأهل الحق فقلوب العارفين المعاني فيها طائفة، وقلوب الموحّدين الحقائق فيها عاكفة، فهؤلاء أصحاب التلوين «١» وهؤلاء أرباب التمكين.\nوقلوب القاصدين بملازمة الخضوع على باب الجود أبدا واقفة.\nوقلوب الموحّدين على بساط الوصل أبدا راكعة.\nوقلوب الواجدين على بساط القرب أبدا ساجدة.\nويقال صواعد نوازع الطالبين بباب الكرم أبدا واقفة، وسوامى قصود المريدين بمشهد الجود أبدا طائفة، ووفود همم العارفين بحضرة العزّ أبدا عاكفة.\nقوله جل ذكره: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَدًا آمِنًا.\nالسؤال إذا لم يكن مشوبا بحظّ العبد كان مستجابا، ولم يكن سؤال إبراهيم هذا لحظّ نفسه، وإنما كان لحقّ ربّه ﷿.\nولمّا حفظ شرط الأدب طلب الرزق لمن آمن منهم على الخصوص أجيب فيهم\n_________\n(١) وردت (التكوين) وهى خطأ من الناسخ، والصحيح أنها (التلوين) .\nوالتلوين والتمكين لفظان اصطلاحيان: (التلوين صفة ارباب الأحوال والتمكين صفة أهل الحقائق، فما دام العبد فى الطريق فهو صاحب تلوين لأنه يرتقى من حال إلى حال، وينتقل من وصف إلى وصف وهو أبدا فى الزيادة أما صاحب التمكين فوصل ثم اتصل، وأمارة أنه اتصل أنه بالكلية عن كليته بطل.\nوالتغير بما يرد على العبد إما لقوة الوارد او لضعف صاحبه، والسكون إما لقوته أو لضعف الوارد عليه) الرسالة ص ٤٤","vol":"1","page":124},{"text":"وفى الذين لم يؤمنوا. ولمّا قال فى حديث الإمامة: «ومن ذرّيتى» من غير إذن منع وقيل له:\n«لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-128>[سورة البقرة (٢): آية ١٢٧]</span>\nوَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧)\nنجح السؤال فى صدق الابتهال فلما فزعا إلى الخضوع فى الدعاء أتاهما المدد، وتحقيق السؤال.\n«إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ» لأقوالنا «الْعَلِيمُ» بأحوالنا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-129>[سورة البقرة (٢): آية ١٢٨]</span>\nرَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنا مَناسِكَنا وَتُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨)\n«مُسْلِمَيْنِ»: منقادين لحكمك حتى لا يتحرك منّا عرق بغير رضاك، واجعل من ذريتنا أمة مسلمة لك لتقوم بعدنا مقامنا فى القيام بحقوقك، وشتان بين من يطلب وارثا لماله، وبين من يطلب نائبا بعده يقوم بطاعته فى أحواله.\n«وَأَرِنا مَناسِكَنا» إذ لا سبيل إلى معرفة الموافقات إلا بطريق التوفيق والإعلام.\n«وَتُبْ عَلَيْنا»: بعد قيامنا بجميع ما أمرتنا حتى لا نلاحظ حركاتنا وسكناتنا، ونرجع إليك عن شهود أفعالنا لئلا يكون خطر الشّرك الخفىّ فى توهّم شىء منّا بنا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-130>[سورة البقرة (٢): آية ١٢٩]</span>\nرَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩)","vol":"1","page":125},{"text":"إن الواجبات لمّا كانت من قبل الرسل دون مجرد المعقول سأل ألا يتركهم سدى، وألا يخليهم عن رسول وشرع. وطلب فى ذلك الموقف أن يكون الرسول «مِنْهُمْ» ليكونوا أسكن إليه وأسهل عليهم، ويصحّ أن يكون معناه أنه لما عرّفه- سبحانه- حال نبيّنا ﷺ سأل إنجاز ما وعده على الوجه الذي به (أمره «١») .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-131>[سورة البقرة (٢): آية ١٣٠]</span>\nوَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠)\nأخبر أنه آثر الخليل صلوات الله عليه على البرية، فجعل الدين دينه، والتوحيد شعاره والمعرفة صفته فمن رغب عن دينه أو حاد عن سنّته فالباطل مطرحه، والكفر مهواه إذ ليست الأنوار بجملتها إلا مقتبسة من نوره.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-132>[سورة البقرة (٢): آية ١٣١]</span>\nإِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (١٣١)\nالإسلام هو الإخلاص وهو الاستسلام، وحقيقته الخروج عن أحوال البشرية بالكلية من منازعات الاختيار ومعارضات النفس، قال: «أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ»: قابلت الأمر بالسمع والطاعة، واعتنقت الحكم على حسب الاستطاعة. ولم يدخر شيئا من ماله وبدنه وولده، وحين أمر بذبح الولد قصد الذبح، وحين قال له خلّه من الأسر (عمل) «٢» ما أمر به، فلم يكن له فى الحالين «اختيار» ولا تدبير.\nويقال إن قوله: «أَسْلَمْتُ»: ليس بدعوى من قبله لأن حقيقة الإسلام إنما هو التّبرى من الحول والقوة، فإذا قال: «أَسْلَمْتُ» فكأنه قال أقمنى فيما كلفتنى، وحقّق منى ما به أمرتنى. فهو أحال الأمر عليه، لا لإظهار معنى أو ضمان شىء من قبل نفسه.\nويقال أمره بأن يستأثر بمطالبات القدرة فإن من حلّ فى الخلّة محلّه يحل به- لا محالة- ما حلّ به.\n_________\n(١) نرجح أنها فى الأصل (أخبره) حتى تتلاءم مع السياق وبذا يكون الناسخ مخطئا فى نقلها.\n(٢) فى ص (فعلم) ويمكن أن يحتملها المعنى، ولكن ترجيح (عمل) أقوى فى الدلالة على الامتثال.","vol":"1","page":126},{"text":"ويسأل هاهنا سؤال فيقال: كيف قال إبراهيم صلوات الله عليه: «أَسْلَمْتُ» ولم يقل نبيّنا ﷺ حينما قيل له اعلم «علمت»؟.\nوالجواب عن ذلك من وجوه: منها أن النبي ﷺ قال «أنا أعلمكم بالله «١»» ولكن لم يرد بعده شرع فكان يخبر عنه بأنه قال علمت.\nويقال: إن الله سبحانه أخبر عن الرسول ﵇ بقوله: «آمن الرسول» لأن الإيمان هو العلم بالله ﷾، وقول الحق وإخباره عنه أتمّ من إخباره﵇- عن نفسه.\nوالآخر أن إبراهيم لما أخبر بقوله: «أسلمت» اقترنت به البلوى، ونبيّناﷺ- يتحرز عما هو صورة الدعوى فحفظ وكفى.\nوالآخر أن إبراهيم ﵇ أمر بما يجرى مجرى الأفعال، فإن الاستسلام به إليه يشير. ونبينا ﷺ أمر بالعلم، (ولطائف العلم أقسام) «٢» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-133>[سورة البقرة (٢): آية ١٣٢]</span>\nوَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢)\nأخبر أن إبراهيم ﵇ وصّى بنيه، وكذلك يعقوب ﵇ قال لبنيه لا يصيبنكم الموت إلا وأنتم يوصف الإسلام. فشرائعهم- وإن اختلفت فى الأفعال- فالأصل واحد، ومشرب التوحيد لا ثانى- له فى التقسيم- وقوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ»\n_________\n(١) «أنا أعلمكم بالله وأخشاكم لله» .\nالبخارى عن أنس «والله إنى لأخشاكم وأتقاكم له» .\nوالشيخان عن عائشة «والله إنى لأعلمكم بالله وأشدكم له خشية» . [.....]\n(٢) هنا وضع الناسخ علامة تدل على أنه أخطأ فى الثقل، ولهذا فإن العبارة التى وردت فى (ص) مضطربة وقد آثرنا أن نلتقط منها ما نرجح أنه ملائم للمعنى. فالمقصود أن إبراهيم ﵇ عبّر بقوله «أسلمت» وهذا فعل إنسانى بينما لم يقل الرسول (ص) «علمت» لأن العلم ليس كسبا للعبد وإنما هو قسمة له أى أنه من عين الجود لا من قبيل المجهود، والله أعلم.","vol":"1","page":127},{"text":"بشارة بما تقوى به دواعيهم على الرغبة فيما يكلفهم من الإسلام، لأنهم إذا تحققوا أن الله سبحانه اصطفى لهم ذلك علموا أنه لا محالة يعينهم فيسهل عليهم القيام بحق الإسلام.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-134>[سورة البقرة (٢): آية ١٣٣]</span>\nأَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِلهًا واحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣)\nجروا كلهم- صلوات الله عليهم- على منهاج واحد فى التوحيد والإسلام، وتوارثوا ذلك خلفا عن سلف، فهم أهل بيت الزلفة، ومستحقو القربة، والمطهّرون من قبل الله- على الحقيقة.\nقوله جل ذكره: وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِلهًا واحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ.\nلم يقولوا إلهنا مراعاة لخصوصية قدره، حيث سلموا له المزية، ورأوا أنفسهم ملحقين بمقامه، ثم أخبروا عن أنفسهم أنهم طيّع له «١» بقولهم «وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-135>[سورة البقرة (٢): آية ١٣٤]</span>\nتِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٤)\nأنزل الحقّ- سبحانه- كلّا بمحلّه، وأفرد لكل واحد قدرا بموجب حكمه، فلا لهؤلاء عن أشكالهم خبر، ولا بما خصّ به كل طائفة إلى آخرين أثر، وكلّ فى إقليمه ملك، ولكل يدور بالسعادة فلك.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-136>[سورة البقرة (٢): آية ١٣٥]</span>\nوَقالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٣٥) .\n_________\n(١) وردت (طبع لهم) ونرجح أن الناسخ قد أخطأ فى النقل لأن «ونحن له مسلمون» معناه (ونحن طيّع له) وطيّع جمع طائع مثل ركّع وسجّد من راكع وساجد.","vol":"1","page":128},{"text":"معناه إذا تجاذبتك الفرق، واختلفت عليك المطالبات بالموافقة، فاحكم بتقابل دعاواهم، وأزد من توجهك إلينا، جاريا على منهاج الخليل ﵇ فى اعتزال الجملة، سواء كان أباه، أو كان ممن لا يوافق مولاه، ولذا قال «وأعتزلكم وما تدعون من دون الله» للحق بالحق.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-137>[سورة البقرة (٢): آية ١٣٦]</span>\nقُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦)\nلمّا آمن نبيّنا ﷺ بجميع ما أنزل من قبله أكرم بجميع ما أكرمه من قبله، فلمّا أظهر موافقة الجميع أمر الكلّ بالكون تحت لوائه فقال: «آدم ومن دونه تحت لوائى يوم القيامة»» .\nولمّا آمنت أمّته بجميع ما أنزل الله على رسله «٢»، ولم يفرقوا بين أحد فهم ضربوا فى التكريم بالسّهم الأعلى فتقدموا على كافة الأمم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-138>[سورة البقرة (٢): آية ١٣٧]</span>\nفَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣٧)\nإن سلكوا طريقتكم، وأخذوا بسبيلكم، أكرموا بما أكرمتم، ووصلوا إلى ما وصلتم، وإن أبوا إلا امتيازا أبينا إلا هوانهم. فإنّ نظرنا لمن خدمك يا محمد بالوصلة،\n_________\n(١) «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما نبى يومئذ آدم فمن سواه إلا تحت لوائى» .\nمن أحاديث الشفاعة رواه الترمذي (٧٩/ ٦ منتخب كنز العمال) .\n(٢) وردت رسوله، والأولى أن تكون رسله لأن السياق يقتضى ذلك.","vol":"1","page":129},{"text":"وإعراضنا عمن باينك وخالفك (...) «١»، من خالفك فهو فى شق الأعداء، ومن خدمك فهو فى شق «٢» الأولياء.\n«فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ»: كفاية الله متحققة لأن عناية الله بكم متعلقة، فمن نابذكم قصمته أيادى النصرة، ومن خالفكم قهرته قضايا القسمة، وهو السميع لمناجاة أسراركم معنا على وصف الدوام، العليم باستحقاقكم (منا) «٣» خصائص اللطف والإكرام.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-139>[سورة البقرة (٢): آية ١٣٨]</span>\nصِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ (١٣٨)\nمعناه الزموا صبغة الله، فهو نصب بإضمار فعل.\nوالإشارة أن العبرة بما وضع الحق لا بما جمع العبد، فما يتكلفه الخلق فإلى الزوال مآله، وما أثبت الحقّ عليه الفطرة فبإثباته العبرة.\nوللقلوب صبغة وللأرواح صبغة وللأسرار صبغة وللظواهر صبغة. صبغة الأشباح والظواهر بآثار التوفيق، وصبغة الأرواح والسرائر بأنوار التحقيق.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-140>[سورة البقرة (٢): آية ١٣٩]</span>\nقُلْ أَتُحَاجُّونَنا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ وَلَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (١٣٩)\n«٤» كيف تصحّ محاجة الأجانب «٥» وهم تحت غطاء الغيبة، وفى ظلال الحجبة. والأولياء فى ضياء الكشف وظهر الشهود؟\n_________\n(١) هنا كلمة (بالواجب) ونظن أنها فى الأصل (بالفرقة) او ما فى معناها لتقابل (الوصلة) .\n(٢) وردت (سك) والمعنى يرفضها تماما مما يدل على أنها خطأ من الناسخ وربما كانت (سلك) .\n(٣) وردت (من) وهى مقبولة، ولكن الأجمل أن تكون (منا) حتى تنسجم الموسيقى الداخلية- وهذه خصيصة فى أسلوب القشيري- مع (معنا) فى الجملة السابقة عليها، فضلا عن أن فيها إعادة كل فضل إلى الله.\n(٤) أخطأ الناسخ وكتبها (مصلحون) وصحة الآية (١٣٨) (.. مخلصون) .\n(٥) وردت (الاجابة) وهى خطأ من الناسخ.","vol":"1","page":130},{"text":"ومتى يستوى حال من هو بنعت الإفلاس بغيبته مع حال من هو فى حكم الاختصاص والإخلاص لانغراقه فى قربته؟ هيهات لا سواء! قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-141>[سورة البقرة (٢): آية ١٤٠]</span>\nأَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطَ كانُوا هُودًا أَوْ نَصارى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٠)\nمن نظر من نفسه إلى الخلق يتخيّل كلّا برقمه، ويحسب الجميع بنعت مثله فلمّا كانوا بحكم الأجنبيّة حكم الأنبياء﵈- بمثل حالتهم، فردّ الحقّ- سبحانه- عليهم ظنّهم و(...) «١» فيهم رأيهم. وهل يكون المجدوب عن شاهده كالمحجوب فى شاهده؟\nوهل يتساوى المختطف «٢» عن كلّه بالمردود إلى مثله؟\nذلك ظن الذين كفروا فتعسا «٣» لهم! قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-142>[سورة البقرة (٢): آية ١٤١]</span>\nتِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (١٤١)\nحالت بينكم وبينهم حواجز من القسمة فهم على الفرقة والغفلة أسسوا بنيانهم، وأنتم على الزلفة والوصلة ضربتم خيامكم. وعتيق فضلنا لا يشبه طريد قهرنا «٤» .\n_________\n(١) مشتبهة فى (ص) .\n(٢) وردت (المختلف) وهى خطأ من الناسخ، فمن معرفتنا بأسلوب القشيري نجزم أنها (المختطف) عن كله خذ مثلا قوله فى مستهل رسالته معبرا عن الفكرة ذاتها ... واختطفوا عنهم بالكلية) .\n(٣) وردت (فتعاسا) والصحيح (فتعسا) .\n(٤) أخطأ أحد قراء النسخة (ص) حينما فهم (عتيق) هنا على معنى قديم والمقصود هنا- حسب السياق العام- أنها بمعنى حر، فمعنى العبارة: إن من يتحرر فى أكناف فضل الله ليس كمن يشرد في متاهات قهره.","vol":"1","page":131},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-143>[سورة البقرة (٢): آية ١٤٢]</span>\nسَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢)\nسقمت بصائر الكفار فلم يلح لهم وجه الصواب فى جميع أحوال المؤمنين، فطالعوها بعين الاستقباح، وانطلقت ألسنتهم بالاعتراض «١» فى كل ما كان ويكون منهم، فلم يروا شيئا جديدا إلا أتوا عليه باعتراض جديد.\nفمن ذلك تغير أمر القبلة حينما حوّلت إلى الكعبة قالوا إن كانت قبلتهم حقا فما الذي ولّاهم «٢» عنها؟ فقال جل ذكره:\nقُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ.\nيتعبّد العباد إلى أي قطر و(...) ونحو شاءوا، وكذلك أصحاب الغيبة والحجبة- عن شهود تصريف الحق لأوليائه- يطلبون وجوها من الأمر، يحملون عليها أحوالهم، ولو طالعوا الجميع من عين واحدة لتخلصوا عن ألم توزّع الفكر، وشغل ترجّم الخاطر، ومطالبات تقسّم الظنون، ولكنّ الله يهدى لنوره من شاء.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-144>[سورة البقرة (٢): آية ١٤٣]</span>\nوَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)\nالوسط الخيار، فجعل هذه الأمة خيار الأمم، وجعل هذه الطائفة «٣» خيار هذه الأمة فهم خيار الخيار. فكما أن هذه الأمة شهداء على الأمم فى القيامة فهذه الطائفة هم الأصول، وعليهم المدار، وهم القطب، وبهم يحفظ الله جميع الأمة، وكلّ من قبلته قلوبهم فهو المقبول، ومن ردّته «٤» قلوبهم فهو المردود. فالحكم الصادق لفراستهم، والصحيح حكمهم، والصائب نظرهم\n_________\n(١) وردت (بالأعراض) وربما يقبلها المعنى، ولكن النطق (بالاعتراض) أكثر ملاءمة، خصوصا وقد جاءت (الاعتراض) بعد قليل. [.....]\n(٢) وردت (وليهم) وهى خطأ فى الكتابة.\n(٣) يقصد أهل الحقائق.\n(٤) فى النسخة (روية) ومصححة فى الهامش (ردّته) وهى الصحيحة.","vol":"1","page":132},{"text":"عصم جميع الأمة (عن) «١» الاجتماع على الخطأ، وعصم هذه الطائفة عن الخطأ فى النظر والحكم، والقبول والرد، ثم إن بناء أمرهم مستند إلى سنّة الرسول ﷺ. وكل ما لا يكون فيه اقتداء بالرسول «٢» ﵇ فهو عليه ردّ «٣»، وصاحبه على لا شىء.\nقوله جل ذكره: وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ، وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ، وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ.\nبيّن أن الحكم فى تقرير أمر القبلة إلى وقت التحويل، وتحويلها من وقت التبديل كان اختبارا لهم من الحق ليتميز الصادق من المارق «٤»، ومن نظر إلى الأمر بعين التفرقة لكبر عليه أمر التحويل، ومن نظر بعين الحقيقة ظهرت لبصيرته وجوه الصواب. ثم قال:\n«وما كان الله ليضيع إيمانكم» أي من كان مع الله فى جميع الأحوال على قلب واحد فالمختلفات من الأحوال له واحدة، فسواء غيّر أو قرّر، وأثبت أو بدّل، وحقّق أو حوّل فهم به له فى جميع الأحوال، قال قائلهم:\nكيفما دارت الزجاجة درنا ... يحسب الجاهلون أنّا جننّا\nفإن قابلوا شرقا أو واجهوا غربا، وإن استقبلوا حجرا أو قاربوا مدرا، فمقصود قلوبهم واحد، وما كان للواحد فحكم الجميع فيه واحد.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-145>[سورة البقرة (٢): آية ١٤٤]</span>\nقَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٤٤) .\n_________\n(١) وردت (على) والصحيح عصم (عن) وقد استعملت (عن) فى الجملة التالية فى المعنى نفسه.\n(٢) أخطأ الناسخ فكتبها (بالوصل) .\n(٣) جاءت (فهو عليهم رد) والصواب أن تكون (فهو عليه رد) .\n(٤) وردت (المارن) وقد جعلناها (المارق) لملاء منها للمعنى. ونرجح أنها كذلك فى الأصل.","vol":"1","page":133},{"text":"حفظ- صلوات الله عليه- الآداب حيث سكت بلسانه عن سؤال ما تمنّاه من أمر القبلة بقلبه، فلاحظ السماء لأنها طريق جبريل ﵇، فأنزل الله ﷿: «قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ» أي علمنا سؤلك عمّا لم تفصح عنه بلسان الدعاء، فلقد غيّرنا القبلة لأجلك، وهذه غاية ما يفعل الحبيب لأجل الحبيب.\nكلّ العبيد يجتهدون فى طلب رضائى وأنا أطلب رضاك: فلنولينك قبلة ترضاها» .\n«فولّ وجهك شطر المسجد الحرام»: ولكن لا تعلّق قلبك بالأحجار والآثار، وأفرد قلبك لى، ولتكن القبلة مقصود نفسك، والحقّ مشهود قلبك، وحيثما كنتم أيها المؤمنون فولوا وجوهكم شطره، ولكن أخلصوا قلوبكم لى وأفردوا شهودكم بي.\nقوله جل ذكره: وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ.\nولكنه علم لا يكون عليهم حجة، ولا تكون لهم فيه راحة أو منه زيادة، «وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ» تهويلا على الأعداء، وتأميلا على الأولياء.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-146>[سورة البقرة (٢): آية ١٤٥]</span>\nوَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٤٥)\n«١» سبق لكم من قديم الحكم (...) «٢» انفراد بطريق الحق، ووقوع أعدائكم فى شق\n_________\n(١) وقع الناسخ فى الخطأ حين وضع مكان (إنك إذا لمن الظالمين) مالك من الله من ولى ولا نصير، فأصلحناه.\n(٢) هنا كلمة (القرب) ثم استبعدها الناسخ لزيادتها.","vol":"1","page":134},{"text":"البعد، فبينكما برزخ لا يبغيان، فما هم بتابعى قبلتكم وإن أريتهم من الآثار ما هو أظهر من الشموس والأقمار، ولا أنت- بتابع قبلتهم وإن أتوا بكل احتيال، حكما من الله- سبحانه- بذلك فى سابق الأزل.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-147>[سورة البقرة (٢): آية ١٤٦]</span>\nالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦)\nحملتهم مستكنّات الحسد على مكابرة ما علموه بالاضطرار، فكذلك المغلوب فى ظلمات نفسه، ألقى «١» جلباب الحياء فلم ينجع فيه ملام، ولم يردعه عن انهماكه كلام.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-148>[سورة البقرة (٢): آية ١٤٧]</span>\nالْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١٤٧)\nأي بعد ما طلعت لك شموس اليقين فلا تذعن «٢» إلى مجوزات التخمين «٣» . والخطاب له والمراد به الأمة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-149>[سورة البقرة (٢): آية ١٤٨]</span>\nوَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٤٨)\nالإشارة منه: أنّ كل قوم اشتغلوا عنّا بشىء حال بينهم وبيننا، فكونوا أنتم أيها المؤمنون لنا وبنا، وأنشد بعضهم:\nإذا الأشغال ألهونى عنك بشغلهم ... جعلتك أشغالى فأنسيتنى شغلى\n_________\n(١) وردت (تلقى) وهى خطأ من الناسخ.\n(٢) وردت (فلا ترعن) . والصواب أن تكون (فلا تذعن) بالذال.\n(٣) يغمز القشيري هنا بما بين علوم أرباب الأحوال وبين العلوم العقلية، لأننا نعرف من مذهبه أنه مع احترامه للعقل فى البداية إلا أنه محتمل للإصابة بالتجويز والتخمين وغيرهما من الآفات التي لا تجعله جديرا- وحده- بالوصول إلى المعارف العليا.","vol":"1","page":135},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-150>[سورة البقرة (٢): آية ١٤٩]</span>\nوَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٩)\nكما تستقبلون أينما كنتم القبلة- قربتم منها أم بعدتم- فكذلك أقبلوا علينا بقلوبكم كيفما كنتم حظيتم منا أو منيتم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-151>[سورة البقرة (٢): آية ١٥٠]</span>\nوَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٠)\nإذا أردت ألا يكون لأحد عليك سبيل، ولا يقع لمخلوق عليك ظلّ، ولا تصل إليك بالسوء يد، فحيثما كنت وأينما كنت وكيفما كنت كن لنا وكن منّا، فإنّ من انقطع إلينا لا يتطرق إليه حدثان.\nقوله جل ذكره: فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي.\nإذا كانوا محوا عن كونهم رسوما تجرى عليهم أحكامنا- فأنّى بالخشية منهم!؟\nقوله جل ذكره: وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ.\nإتمام النعمة إضافة الكشف إلى اللطف، فإن من كفاه بمقتضى جوده دون من أغناه بحق وجوده، وفى معناه أنشدوا:\nنحن فى أكمل السرور ولكن ... ليس إلا بكم يتمّ السرور\nعيب ما نحن فيه- يا أهل ودّى- ... أنّكم غيّب ونحن الحضور\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-152>[سورة البقرة (٢): آية ١٥١]</span>\nكَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١)\n«١»\n_________\n(١) أخطأ الناسخ حين كتبها (يتلون) .","vol":"1","page":136},{"text":"إرسال الرسول مفاتحة لأبواب الوصول، فكان فى سابق علمه- سبحانه- أن قلوب أوليائه متعطشة إلى لقائه. ولا سبيل لأحد إليه إلا بواسطة الرسل فأقوام ألزمهم- بإرسال الرسل إليهم الكلف، وآخرون أكرمهم- بإرسال الرسل إليهم- بفنون القرب والزّلف، وشتّان بين قوم وقوم! قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-153>[سورة البقرة (٢): آية ١٥٢]</span>\nفَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ (١٥٢)\nالذكر استغراق الذاكر فى شهود المذكور، ثم استهلاكه فى وجود المذكور، حتى لا يبقى منك أثر يذكر، فيقال قد كان مرة فلان.\n«فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ» أي كونوا مستهلكين فى وجودنا، نذكركم بعد فنائكم عنكم، قال الله تعالى: «إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ» كانوا وقتا ولكنهم بانوا دائما «١»:\nأناس حديث حسن ... فكن حديثا حسنا لمن وعنى «٢»\nوطريقة أهل العبارة «٣» (فَاذْكُرُونِي) بالموافقات (أَذْكُرْكُمْ) بالكرامات، وطريقة أهل الإشارة (فَاذْكُرُونِي) بترك كل حظ (أَذْكُرْكُمْ) بأن أقيمكم بحقي بعد فنائكم عنكم.\n(فَاذْكُرُونِي) مكتفين بي «٤» عن عطائى وأفضالى (أَذْكُرْكُمْ) راضيا بكم دون أفعالكم.\n(فَاذْكُرُونِي) بذكرى لكم ما تذكرون، ولولا سابق ذكرى لما كان لاحق ذكركم.\n(فَاذْكُرُونِي) بقطع العلائق (أَذْكُرْكُمْ) بنعوت الحقائق.\nويقال اذكرني لكل من لقيته أذكرك لمن خاطبته، فمن ذكرنى فى ملأ ذكرته فى ملأ خير منهم.\n_________\n(١) يقول يحيى بن معاذ: العارف كائن بائن. ومرة قال: المعارف كان فبان (الرسالة ص ١٥٧) . [.....]\n(٢) البيت منقول كما جاء فى ص، لم نحاول أن نبدل فى كتابته وهو مضطرب وزنا ومعنى.\n(٣) وردت (العبادة) والأصوب أن يكون احتمال ورودها فى الأصل (العبارة) لتعبّر عن درجة أدنى من درجة أهل (الإشارة) .\n(٤) وردت (مكتفيا لى) والأقرب الى المعنى أن تجعلها فى صورة الجمع وأن يكون حرف الباء أولى من اللام حيث يقال اكتفيت بالله عن عطاء الله.","vol":"1","page":137},{"text":"ويقال (وَاشْكُرُوا لِي) على عظيم المنّة عليكم بأن قلت: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ) .\nويقال الشكر من قبيل الذكر، وقوله (وَلا تَكْفُرُونِ) النهى عن الكفران أمر بالشكر، الشكر ذكر، فكرر عليك الأمر بالذكر، والثلاث أول حدّ الكثرة، والأمر بالذكر الكثير أمر بالمحبة لأنّ فى الخبر: «من أحب شيئا أكثر ذكره» فهذا- فى الحقيقة- أمر بالمحبة أي أحببني أحبك «فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ» أي أحبونى أحببكم.\nويقال: (فَاذْكُرُونِي) بالتذلل (أَذْكُرْكُمْ) بالتفضّل.\n(فَاذْكُرُونِي) بالانكسار (أَذْكُرْكُمْ) بالمبار.\n(فَاذْكُرُونِي) باللسان (أَذْكُرْكُمْ) بالجنان.\n(فَاذْكُرُونِي) بقلوبكم (أَذْكُرْكُمْ) بتحقيق مطلوبكم.\n(فَاذْكُرُونِي) على الباب من حيث الخدمة (أَذْكُرْكُمْ) بالإيجاب على بساط القربة بإكمال النعمة.\n(فَاذْكُرُونِي) بتصفية السّر (أَذْكُرْكُمْ) بتوفية البرّ.\n(فَاذْكُرُونِي) بالجهد والعناء (أَذْكُرْكُمْ) بالجود والعطاء.\n(فَاذْكُرُونِي) بوصف السلامة (أَذْكُرْكُمْ) يوم القيامة يوم لا تنفع الندامة.\n(فَاذْكُرُونِي) بالرهبة (أَذْكُرْكُمْ) بتحقيق الرغبة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-154>[سورة البقرة (٢): آية ١٥٣]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣)\nاستعينوا بالصبر على الصلاة أي بصبركم- عند جريان أحكام الحق عليكم- استحقاقكم صلاة ربكم عليكم، ولذا فإنه تعالى بعد «وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ» يقول: «أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ» .\nويقال استوجب الصابرون نهاية الذخر، وعلو القدر حيث نالوا معيّة الله قال تعالى:\n«إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ» .","vol":"1","page":138},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-155>[سورة البقرة (٢): آية ١٥٤]</span>\nوَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ (١٥٤)\nفاتتهم الحياة فى الدنيا ولكن وصلوا إلى الحياة الأبدية فى العقبى، فهم فى الحقيقة أحياء، يجدون من الله فنون الكرامات.\nويقال هم أحياء لأن الخلف عنهم الله ومن كان الخلف عنه الله لا يكون ميتا، قال قائلهم فى مخلوق:\nإن يكن عنّا مضى بسبيله فما ... مات من يبقى له مثل خالد\nويقال هم أحياء بذكر الله لهم، والذي هو مذكور الحق بالجميل يذكره السرمدي ليس بميت.\nويقال إنّ أشباحهم وإن كانت متفرقة، فإنّ أرواحهم- بالحق سبحانه- متحققة.\nولئن فنيت بالله أشباحهم فلقد بقيت بالله أرواحهم لأنّ من كان فناؤه بالله كان بقاؤه بالله.\nويقال هم أحياء بشواهد التعظيم، عليهم رداء الهيبة وهم فى ظلال الأنس، يبسطهم جماله مرة، ويستغرقهم جلاله أخرى «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-156>[سورة البقرة (٢): آية ١٥٥]</span>\nوَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥)\nابتلاهم بالنعمة ليظهر شكرهم، وابتلاهم بالمحنة ليظهر صبرهم، فلما أدخل المعلوم من حالهم فى الوجود، ورسمهم بالرقم الذي قسمه، وأثبتهم على الوصف الذي علمه، ابتلاهم\n_________\n(١) شبيه بذلك ما يقوله القشيري فى كتابه «التحبير فى التذكير» حينما شرح «المحيي المميت» و«الجليل الجميل»: «من كاشفه بجلاله أفناه، ومن كاشفه بجماله أحياه، فكشف الجلال يوجب محوا وغيبة، وكشف الجمال يوجب صحوا وقربة» .","vol":"1","page":139},{"text":"بالخوف وفيه تصفية لصدورهم، وبالجوع وفيه تنقية لأبدانهم، وبنقص من الأموال تزكو به نفوسهم، وبمصائب النفوس يعظم بها عند الله أجرهم، وبآفة الثمرات يتضاعف من الله خلفهم.\n«وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ» يعنى الذين لا اعتراض لهم على تقديره فيما أمضاه.\nويقال طالبهم بالخوف (ابتعادا) عن عقوبته ثم بمقاساة الجوع ابتغاء قربته وكرامته، ونقص من الأموال بتصدّق الأموال والخروج عنها طلبا للخير منه بحصول معرفته.\n«وَالْأَنْفُسِ» تسليما لها إلى عبادته. «وَالثَّمَراتِ» القول بترك ما يأملونه من الزوائد فى نعمته «وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ» على استحسان قضيته، والانقياد لجريان قدرته.\nومطالبات الغيب إما أن تكون بالمال أو بالنفس أو بالأقارب فمن أوقف المال لله فله النجاة «١»، ومن بذل لحكمه النّفس فله الدرجات، ومن صبر عند مصائب الأقارب فله الخلف والقربات، ومن لم يدخر عنه الروح فله دوام المواصلات.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-157>[سورة البقرة (٢): آية ١٥٦]</span>\nالَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ (١٥٦)\n... الآية.\nقابلوا الأمر بالصبر لا بل بالشكر لا بل بالفرح والفخر.\nومن طالع الأشياء ملكا للحق رأى نفسه أجنبيا بينه وبين حكمه فمنشىء الخلق أولى بالخلق من الخلق.\nويقال من شهد المصائب شهد نفسه لله وإلى الله، ومن شاهد المبلى علم أن ما يكون من الله فهو عبد بالله، وشتان بين من كان لله وبين من كان بالله الذي كان لله فصابر واقف، والذي هو بالله فساقط الاختيار والحكم، إن أثبته ثبت، وإن محاه انمحى، وإن حرّكه تحرك، وإن سكّنه سكن، فهو عن اختياراته فان، وفى القبضة مصرّف.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-158>[سورة البقرة (٢): آية ١٥٧]</span>\nأُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧) .\n_________\n(١) ربما كانت فى الأصل (الجنات) .","vol":"1","page":140},{"text":"بصلواته «١» عليهم ابتداء وصلوا إلى صبرهم ووقوفهم عند مطالبات التقدير، لا بصبرهم ووقوفهم وصلوا إلى صلواته، فلولا رحمته الأزلية لما حصلت طاعتهم بشرط العبودية، فعنايته السابقة أوجبت لهم هداية خالصة «٢» .\nقال تعالى: «وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ» لما رحمهم فى البداية اهتدوا فى النهاية.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-159>[سورة البقرة (٢): آية ١٥٨]</span>\nإِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨)\nتلك المشاهد والرسوم، وتلك الأطلال والرقوم، تعظّم «٣» وتزار، وتشدّ إليها الرحال «٤» لأنها أطلال الأحباب، وهنالك تلوح الآثار:\nأهوى الديار لمن قد كان ساكنها ... وليس فى الدار هم ولا طرب «٥»\nوإن لتراب طريقهم بل لغبار آثارهم- عند حاجة الأحباب- أقدارا عظيمة، وكل غبرة تقع على (حافظات طريقهم) «٦» لأعزّ من المسك الأذفر:\nوما ذاك إلا أن مشت عليه أميمة ... فى تربها وجرّت به بردا\nقوله جل ذكره: فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ.\nحظى الصفا والمروة بجوار البيت فشرع السعى بينهما كما شرع للبيت الطواف، فكما أن الطواف ركن فى النّسك فالسعى أيضا ركن، والجار يكرم لأجل الجار.\n_________\n(١) وردت (بصلواتهم) وهى خطأ من الناسخ لأن السياق يؤدى إلى (صلاته) سبحانه عليهم فى سابق الأزل، كذلك تشير الآية الكريمة إلى صلاته لا إلى صلواتهم.\n(٢) لاحظ هنا معارضة القشيري لفكرة وجوب إثابة المطيع على الله. فالله فى رأى القشيري تنزه عن أن يجب عليه شىء، لأن طاعة المطيع أو لا فضل من الله، وليست بفضل العبد.\n(٣) وردت (تعظيم) وهى خطأ فى النسخ.\n(٤) وردت (الرجال) وهى خطأ فى النسخ.\n(٥) إما أن تكون (همّ) صحيحة، أي لا حزن ولا فرح، واما أنها فى الأصل (همس) لتناسب الطرب، وليتناسبا مع خلو الدار من أقل أثر للحياة.\n(٦) هكذا وردت فى (ص) .","vol":"1","page":141},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-160>[سورة البقرة (٢): آية ١٥٩]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ (١٥٩)\nالإشارة فى هذه الآية لمن كاشفه الحقّ سبحانه بعلم من آداب السلوك ثم ضنّ «١» بإظهاره للمريدين على وجه النصيحة والإرشاد استوجب المقت فى الوقت، ويخشى عليه نزع البركة عن علمه متى قصّر فيه لما أخّر من تعليم المستحق.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-161>[سورة البقرة (٢): آية ١٦٠]</span>\nإِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠)\nتداركوا ما سلف من تقصيرهم بحسن الرّجعى، والقيام للمريدين على وجه النصيحة، وبيّنوا لهم- بجميل البيان وإقامة البرهان على ما يقولون- حسن قيامهم بمعاملاتهم.\nفإنّ أظهر الحجج لبيان أفعالك وأصدق الشهادة لتصحيح ما تدعو به الخلق إلى الله- ألا يخالف بمعاملتك ما تشير إليه بمقالتك، قال الله تعالى: «وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-162>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٦١ الى ١٦٢]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١) خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (١٦٢)\nالإشارة فيه أن الذين بدا لهم بعد ما سلكوا طريق الإرادة (أن) يرجعوا إلى أحوال العادة، ثم فى تلك الوحشة قبضوا، وعلى تلك الحالة من الدنيا خرجوا، أولئك أصحاب الفرقة،\n_________\n(١) وردت (ضمن) وهى خطأ من الناسخ وقد استندنا فى الوصول إلى أنها (ضنّ) من كلمة (بخل) التي سجلها الناسخ تحتها. والسياق يؤيدها.","vol":"1","page":142},{"text":"فلا على أرواحهم إقبال ولا لمصيبتهم جبران، ولا لأحد عليهم ترحم، خسروا فى الدنيا والآخرة، يلعنهم البقّ فى الهواء والنقع على الماء.\nخالِدِينَ أي مقيمين أبدا فى هوانهم وصغرهم، لا تخفيف ولا إسعاف، ولا رفق ولا ألطاف.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-163>[سورة البقرة (٢): آية ١٦٣]</span>\nوَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)\nشرّفهم غاية التشريف بقوله وإلهكم. وإن شيوخ هذه الطائفة قالوا: علامة من يعدّه من خاصّ الخواص أن يقول له: عبدى، وذلك أتمّ من هذا بكثير لأن قوله:\n«وَإِلهُكُمْ»: وإضافة نعته أتمّ من إضافته إياك إلى نفسه لأن إلهيته لك بلا علّة، وكونك له عبد يعوّض كل نقصك وآفتك. ومتى قال لكم «وَإِلهُكُمْ»؟\nحين كانت طاعتك وحركاتك وسكناتك أو ذاتك وصفاتك لا بل قبل ذلك أزل الأزل حين لا حين ولا أوان، ولا رسم ولا حدثان.\nو«الواحد» من لا مثل له يدانيه، ولا شكل يلاقيه. لا قسيم يجانسه ولا قديم يؤانسه.\nلا شريك يعاضده ولا معين يساعده ولا منازع يعانده.\nأحدىّ الحق صمدىّ العين ديمومّى البقاء أبدىّ العز أزلىّ الذات.\nواحد فى عز سنائه فرد فى جلال بهائه، وتر فى جبروت كبريائه، قديم فى سلطان عزّه، مجيد فى جمال ملكوته. وكل من أطنب فى وصفه أصبح منسوبا إلى العمى «١» (ف) لولا أنه الرحمن الرحيم لتلاشى العبد إذا تعرّض لعرفانه عند أول ساطع من باديات عزّه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-164>[سورة البقرة (٢): آية ١٦٤]</span>\nإِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)\n_________\n(١) وردت (الأعمى) فى ص ويمكن قبولها على أنها اسم جنس.","vol":"1","page":143},{"text":"تعرّف إلى قلوب الطالبين من أصحاب الاستدلال وأرباب العقول بدلالات قدرته، وأمارات وجوده، وسمات ربوبيته التي هى أقسام أفعاله. ونبههم على وجود الحكمة ودلالات الوحدانية بما أثبت فيها من براهين تلطف عن العبارة، ووجوه من الدلالات تدقّ عن الإشارة، فما من عين من العدم محصولة- من شخص أو طلل، أو رسم أو أثر، أو سماء أو فضاء «١»، أو هواء أو ماء، أو شمس أو قمر، أو قطر أو مطر، أو رمل أو حجر، أو نجم أو شجر- إلا وهو على الوحدانية دليل، ولمن يقصد وجوده سبيل.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-165>[سورة البقرة (٢): آية ١٦٥]</span>\nوَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ (١٦٥)\nهؤلاء قوم لم يجعلهم الحق سبحانه أهل المحبة، فشغلهم بمحبة الأغيار حتى رضوا لأنفسهم أن يحبوا كل ما هوته أنفسهم، فرضوا بمعمول لهم أن يعبدوه، ومنحوت- من دونه- أن يحبوه.\nقوله جل ذكره: وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ.\nليس المقصود من هذا ذكر محبة الأغيار للأصنام، ولكن المراد منه مدح المؤمنين على محبتهم، ولا تحتاج إلى كثير محبة حتى تزيد على محبة الكفار للأصنام، ولكن من أحبّ حبيبا استكثر ذكره، بل استحسن كل شىء منه.\nويقال وجه رجحان محبة المؤمنين لله على محبة الكفار لأصنامهم أن (هذه) محبة الجنس\n_________\n(١) وردت (قضاء) فى ص. [.....]","vol":"1","page":144},{"text":"للجنس، وقد يميل الجنس إلى الجنس، وتلك محبة من ليس بجنس لهم فذلك أعزّ وأحق.\nويقال إنهم أحبوا ما شاهدوه، وليس بعجيب محبة ما هو لك مشهود، وأمّا المؤمنون فإنهم أحبوا من حال بينهم وبين (شهوده) رداء الكبرياء على وجهه.\nويقال الذين آمنوا أشد حبا لله لأنهم لا يتبرأون من الله سبحانه وإن عذّبهم. والكافر تبرأ من الصنم والصنم من الكافر كما قال تعالى: «إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا ...» الآية.\nويقال محبة المؤمنين حاصلة من محبة الله لهم فهى أتم، قال تعالى: «يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ» .\nومحبتهم للأصنام من قضايا هواهم.\nويقال محبة المؤمنين أتمّ وأشدّ لأنها على موافقة الأمر، ومحبة الكفار على موافقة الهوى والطبع، ويقال إنهم كانوا إذا صلحت أحوالهم، واتسعت ذات يدهم اتخذوا أصناما أحسن من التي كانوا يعبدونها قبل ذلك فى حال فقرهم فكانوا يتخذون من الفضة- عند غناهم- أصناما ويهجرون ما كان من الحديد ... وعلى هذا القياس! وأمّا المؤمنون فأشدّ حبا لله لأنهم عبدوا إلها واحدا فى السّرّاء والضراء.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-166>[سورة البقرة (٢): آية ١٦٦]</span>\nإِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ (١٦٦)\nإذا بدت لهم أوائل العذاب اتضح أنهم لم يقفوا من الصدق على قدم، وأمّا المؤمنون فيسلبهم أرواحهم وأملاكهم وأزواجهم وأولادهم، ويسكن (أولئك) «١» فى القبور سنين ثم يبتليهم فى القيامة بطول الآجال «٢» وسوء الأعمال ثم يلقيهم فى النار.\n_________\n(١) أضفنا (أولئك) ليمتنع اللبس.\n(٢) فى ص (طول الأحوال) ونرجح أنها فى الأصل (الآجال) لأن وصف الأحوال بالطول غير ملائم فضلا عن أننا نفترض أن القشيري لا يستعمل الأحوال الا لأرباب الأحوال. وطول الآجال فى جهنم معناه تأبيد العذاب.","vol":"1","page":145},{"text":"(أما المؤمنون) «١» فيأتى عليهم طول الأيام والأعمال فلا يزدادون إلا محبة (على محبة) «٢» ولذلك قال: والذين آمنوا أشدّ حبا لله.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-167>[سورة البقرة (٢): آية ١٦٧]</span>\nوَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧)\nعند «٣» ذلك يعرفون مرارة طعم صحبة المخلوقين ولكن لا يحصلون إلا على حسرات.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-168>[سورة البقرة (٢): آية ١٦٨]</span>\nيا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّبًا وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨)\nالحرام- وإن استلذّ فى الحال- فهو وبيء فى المآل، والحلال- وإن استكره فى الحال- فهو مرىء فى المآل.\nوالحلال الصافي ما لم ينس مكتسبه الحقّ فى حال اكتسابه «٤» .\nويقال الحلال ما حصله الجامع له والمكتسب على شهود الحق فى كل حال.\nوكلّ ما يحملك على نسيان الحق أو عصيان الحق فهو من خطوات الشيطان.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-169>[سورة البقرة (٢): آية ١٦٩]</span>\nإِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (١٦٩)\nلاجترائه على الله يدعوك به إلى افترائك على الله.\n_________\n(١) أضفناها ليستقيم السياق إذ يبدو أنها سقطت أثناء النسخ.\n(٢) فى الهامش مستدركة وعليها علامة بموضعها.\n(٣) وردت (عن) والأصح (عند) .\n(٤) القشيري هنا مستفيد من تعريف سهل بن عبد الله التستري للحلال الصافي (الرسالة ص ٥٩) .","vol":"1","page":146},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-170>[سورة البقرة (٢): آية ١٧٠]</span>\nوَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ (١٧٠)\nلا ترفع أبصارهم عن أشكالهم وأصنافهم، من أضرابهم وأسلافهم، فبنوا على منهاجهم، فلا جرم انخرطوا فى النار، وانسلكوا فى سلكهم، ولو علموا أن أسلافهم لا عقل يردعهم، ولا رشد يجمعهم لنابذوهم مناصبين، وعاندوهم مخالفين، ولكن سلبوا أنوار البصيرة، وحرموا دلائل اليقين.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-171>[سورة البقرة (٢): آية ١٧١]</span>\nوَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلاَّ دُعاءً وَنِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ (١٧١)\nعدموا سمع الفهم والقبول، فلم ينفعهم سمع الظاهر، فنزلوا منزلة البهائم فى الخلوّ عن التحصيل، ومن رضى أن يكون كالبهيمة لم يقع عليه كثير قيمة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-172>[سورة البقرة (٢): آية ١٧٢]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)\nالحلال ما لا تبعة عليه، والطيب الذي ليس لمخلوق فيه منّة، وإذا وجد العبد (طعاما) يجتمع فيه الوصفان فهو الحلال الطيب.\nوحقيقة الشكر عليه ألا تتنفس فى غير رضاء الحق ما دام تبقى فيك القوة لذلك الطعام.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-173>[سورة البقرة (٢): آية ١٧٣]</span>\nإِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)","vol":"1","page":147},{"text":"حرّم على الظواهر هذه المعدودات وهى ما أهل به لغير الله، وحرّم على السرائر صحبة.\nغير الله بل شهود غير الله، فمن اضطر- أي لم يجد إلى الاستهلاك فى حقائق الحق وصولا- فلا يسلكنّ غير سبيل الشرع سبيلا، فإما أن يكون محوا فى الله، أو يكون قائما بالله، أو عاملا لله، والرابع همج لا خطر له.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-174>[سورة البقرة (٢): آية ١٧٤]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٧٤)\nالعلماء مطالبون بنشر دلائل العلم، والأولياء مأمورون بحفظ ودائع السّر فإن كتم هؤلاء براهين العلوم ألجموا بلجام من النار، وإن أظهر هؤلاء شظية من السر عوجلوا ببعاد الأسرار، وسلب ما أوتوا «١» من الأنوار. ولكل حدّ، وعلى كل أمر قطيعة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-175>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٧٥ الى ١٧٦]</span>\nأُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى وَالْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (١٧٥) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (١٧٦)\nإن الذين آثروا الغير على الغيب، والخلق على الحقّ، والنفس على الأنس، ما أقسى قلوبهم، وما أوقح محبوبهم ومطلوبهم، وما أخسّ «٢» قدرهم، وما أفضح «٣» لذوى الأبصار أمرهم! ذلك بأن الله نزّل الكتاب بالحق، وأمضى القضاء والحكم فيه بالصدق، وأوصلهم إلى ما له أهّلهم، وأثبتهم على الوجه الذي عليه جبلهم.\n_________\n(١) وردت (أتوا) والصواب (أوتوا) لتناسب المعنى.\n(٢) وردت (أخص) والصواب أخس لتناسب المعنى.\n(٣) وردت ما (أفصح) ونرجح أنها فى الأصل ما (افضح) .","vol":"1","page":148},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-176>[سورة البقرة (٢): آية ١٧٧]</span>\nلَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧)\n«١» والإشارة أن الظواهر ليس لها كثير اعتبار إنما الخبر عن الله عزيز.\nوكثرة الأوراد- وإن جلّت- فحرفة العجائز، وإخلاص الطاعات- وإن عزّ- فصفة العوام، ووصل الليل بالنهار فى وظائف كثيرة ومجاهدات غزيرة عظيم الخطر فى استحقاق الثواب، ولكنّ معرفة الحق عزيزة.\nوما ذكر فى هذه الآية من فنون الإحسان، ووجوه قضايا الإيمان، وإيتاء المال، وتصفية الأعمال، وصلة الرحم، والتمسك بفنون الذّمم والعصم، والوفاء بالعهود، ومراعاة الحدود- عظيم الأثر، كثير الخطر، محبوب الحق شرعا، ومطلوبه أمرا لكنّ قيام الحق عنك بعد فنائك، وامتحانك من شاهدك، واستهلاكك فى وجود القدم، وتعطل رسومك عن مساكنات إحساسك- أتمّ وأعلى فى المعنى لأن التوحيد لا يبقى رسما ولا أثرا، ولا يغادر غيرا ولا غبرا «٢»\n_________\n(١) اخطأ الناسخ فكتها (وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة) .\n(٢) الغير السوي أما (الغبر) فمعروف.","vol":"1","page":149},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-177>[سورة البقرة (٢): آية ١٧٨]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٧٨)\nحق القصاص مشروع، والعفو خير، فمن جنح إلى استيفاء حقه فمسلّم له، ومن نزل عن ابتغاء حقه فمحسن، فالأول صاحب عبادة بل عبودية، والثاني صاحب فتوة بل حرية والدم المراق يجرى فيه القصاص على لسان أهل العلم، وأمّا على لسان الإشارة لأهل القصة «١» فدماؤهم مطلولة وأرواحهم هدرة قال:\nوإن فؤدا رعته لك حامد ... وإنّ دما أجريته بك فاخر\nوسفك دماء الأحباب (فوق) «٢» بساط «٣» القرب خلوف أهل الوصال، قال النبي\nﷺ: «اللون لون الدم ... والريح ريح المسك»\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-178>[سورة البقرة (٢): آية ١٧٩]</span>\nوَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)\nفى استيفاء القصاص حياة لأنه إذا علم أنه إذا قتل قتل أمسك عن القتل وفى ذلك حياة القاتل والمقتول.\nولكن ترك القصاص- على بيان الإشارة- فيه أعظم الحياة لأنه إذا تلف فيه (سبحانه)\n_________\n(١) أهل القصة هم أرباب الأحوال.\n(٢) وردت (فى) والأصوب فوق.\n(٣) وردت (سباط) وقد رجحنا (بساط) القرب لورودها فى مواضع أخرى هكذا. [.....]","vol":"1","page":150},{"text":"فهو الخلف عنه، وحياته عنه أتم له من بقائه بنفسه، وإذا كان الوارث عنهم الله والخلف عنهم الله فبقاء الخلف «١» أعزّ من حياة من ورد عليه التلف.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-179>[سورة البقرة (٢): آية ١٨٠]</span>\nكُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠)\nمن ترك مالا فالوصية له فى ماله مستحبة، ومن لم يترك شيئا فأنّى بالوصية!! فى حالة الأغنياء يوصون فى آخر أعمارهم بالثلث، أمّا الأولياء فيخرجون فى حياتهم عن الكلّ، فلا تبقى منهم إلا همة انفصلت عنهم ولم تتصل بشىء لأن الحق لا سبيل للهمة إليه، والهمة لا تعلّق لها بمخلوق، فبقيت وحيدة منفصلة غير متصلة، وأنشدوا:\nأحبكم ما دمت حيا فإن أمت ... يحبكم عظمى فى التراب رميم\nهذه وصيتهم: وقال بعضهم:\n(..............) «٢»\nلا بل كما قال قائلهم:\nوأتى الرسول فأخبر أنهم رحلوا قريبا ... رجعوا إلى أوطانهم فجرى له دمعى صبيبا\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-180>[سورة البقرة (٢): آية ١٨١]</span>\nفَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٨١)\nمن حرّف نطقا جرى بحقّه لحقه شؤم ذلك ووباله.\nوعقوبته أن يحرم رائحة الصدق أن يشمه. فمن أعان الدين أعانه الله، ومن أعان على الدين خذله الله.\n_________\n(١) وردت (الخلق) والصواب (الخلف) .\n(٢) هنا شاهد شعرى عجزنا تماما عن قراءته أو إصلاحه ... وما أكثر خطأ الناسخ فى نقل شواهد الشعر!!","vol":"1","page":151},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-181>[سورة البقرة (٢): آية ١٨٢]</span>\nفَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨٢)\nالإشارة فيه: أن من تفرّس «١» فى بعض المريدين ضعفا، أو رأى فى بعض «٢» أهل البداية رخاوة قصد أو وجد بعض الناصحين يتكلم بالصدق المحض على من لم يحتمله- فرأى أن يرفق بذلك المريد بما يكون ترخيصا له أو استمالة له أو مداراة أو رضا بتعاطى مباح- فلا بأس به فإن حمل الناس على الصدق المحض مما لم يثبت له كثير أجر. فالرّفق بأهل البداية- إذا لم يكن لهم صارم عزم، ولا صادق جهد- ركن فى ابتغاء الصلاح عظيم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-182>[سورة البقرة (٢): آية ١٨٣]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)\nالصوم على ضربين: صوم ظاهر وهو الإمساك عن المفطرات مصحوبا بالنية، وصوم باطن وهو صون القلب عن الآفات، ثم صون الروح عن المساكنات، ثم صون السّرّ عن الملاحظات.\nويقال صوم العابدين شرطه- حتى يكمل- صون اللسان عن الغيبة، وصون الطرف عن النظر بالريبة كما فى الخبر: (من صام فليصم سمعه وبصره ...) ... الخبر «٣»، وأما صوم العارفين فهو حفظ السر عن شهود كل غيره.\nوإن من أمسك عن المفطرات فنهاية صومه إذا هجم الليل، ومن أمسك عن الأغيار فنهاية صومه أن يشهد الحق، قال ﷺ: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته»: الهاء فى قوله\n_________\n(١) وردت بالصاد وهى خطأ من الناسخ.\n(٢) وردت (فى أهل بعض البداية) وواضح أنها خطأ من الناسخ.\n(٣) (إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك ويدك: معناه من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه) .\nرواه البخاري وأصحاب السنن عن أبى هريرة.","vol":"1","page":152},{"text":"﵇- لرؤيته- عائدة عند أهل التحقيق إلى الحق سبحانه، فالعلماء يقولون معناه عندهم صوموا إذا رأيتم هلال رمضان وأفطروا لرؤية هلال شوال، وأما الخواص فصومهم لله لأن شهودهم الله وفطرهم بالله وإقبالهم على الله والغالب عليهم الله، والذي «١» هم به محو- الله.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-183>[سورة البقرة (٢): آية ١٨٤]</span>\nأَيَّامًا مَعْدُوداتٍ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤)\nمن شهد الشهر صام لله، ومن شهد خالق الشهر صام بالله، فالصوم لله يوجب المثوبة، والصوم بالله يوجب القربة. الصوم لله تحقيق العبادة والصوم بالله تصحيح الإرادة. الصوم لله صفة كل عابد والصوم بالله نعت كل قاصد. الصوم لله قيام بالظواهر والصوم بالله قيام بالضمائر. الصوم لله إمساك من حيث عبادات الشريعة والصوم بالله إمساك بإشارات الحقيقة.\nمن شهد الشهر أمسك عن المفطرات ومن شهد الحق أمسك فى جميع أوقاته عن شهود المخلوقات.\nمن صام بنفسه سقى شراب السلسبيل والزنجبيل، ومن صام بقلبه سقى شراب المحاب بنعمة الإيجاب.\nومن صام بسرّه فهم الذين قال فيهم الله تعالى: «وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَرابًا طَهُورًا» .\nشراب يا له من شراب!! شراب لا يدار على الكف لكنه يبدو له من اللطف.\nشراب استئناس لا شراب كاس.\nقوله تعالى: «فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ» أي من أفطر لهذه الأعذار فعليه صوم عدة أيام بعدد ما أفطر قضاء لذلك. الإشارة لمن سقمت إرادته عن الصحة فيرجع إلى غيره إما لرخصة تأويل أو لقلة قوة واحتمال، أو عجز للقيام بأعباء أحكام الحقيقة\n_________\n(١) وردت (والذين) وهو خطأ من الناسخ.","vol":"1","page":153},{"text":"فليمهل حتى تقوى عزيمته وتشتد إرادته، فعند ذلك يستدرك منه ما رخّص له بالأخذ بالتأويل، وتلك سنّة الله ﷾ فى التسهيل على أهل البداية، ثم استيفاء ذلك منهم واجب فى آخر الحال.\nقوله جل ذكره: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ «١» ............ طَعامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ.\nالإشارة منه أنّ من فيه بقية من القوة للوقوف لمطالبات الحقيقة ويرجع إلى تسهيل الشريعة وينحط إلى رخصة التأويل فعليه الغرامة بواجب الحال وهو الخروج عما بقي له من معلوم مال أو مرسوم حال ويبقى مجردا للواحد.\n[فصل] ويقال إنه لما علم أن التكليف يقتضى المشقة خففه عليك ذلك بأن قلّل أيام الصوم فى قلبك فقال: «أياما معدودات» أي مدة هذا الصوم أيام قليلة فلا يهولنكم سماع ذكره، وهذا كقوله تعالى: وجاهدوا فى الله حق جهاده. ثم قال: «وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ أي لا يلحقكم كثير مشقة فى القيام بحق جهاده.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-184>[سورة البقرة (٢): آية ١٨٥]</span>\nشَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَرِيضًا أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥)\nرمضان يرمض ذنوب قوم ويرمض رسوم قوم، وشتان بين من تحرق ذنوبه رحمته وبين من تحرق رسومه حقيقته.\n_________\n(١) وقع الناسخ فى سهو حين أعاد ثلاثة أسطر مما سبق له أن كتبه، ووقعت هذه الأسطر المعادة بين كلمتى (فدية، وطعام) فى الآية الكريمة.","vol":"1","page":154},{"text":"شهر رمضان شهر مفاتحة الخطاب، شهر إنزال الكتاب، شهر حصول الثواب، شهر التقريب والإيجاب. شهر تخفيف الكلفة، شهر تحقيق الزلفة. شهر نزول الرحمة، شهر وفور النعمة.\nشهر النجاة، شهر المناجاة.\nقوله جل ذكره: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ.\nأراد بك اليسر (وأنت تظن) أنه أراد بك العسر.\nومن أمارات أنه أراد بعبده اليسر أنه (أقامه) «١» بطلب اليسر ولو لم يرد به اليسر لما جعله راغبا فى اليسر، قال قائلهم:\nلو لم ترد نيل ما أرجوا وأطلبه ... من فيض جودك ما علمتنى الطلبا\nحقّق الرجاء وأكّد الطمع وأوجب التحقيق حيث قال: «ولا يريد بكم العسر» لينفى عن حقيقة التخصيص مجوزات الظنون.\nقوله جل ذكره: وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ.\nعلى لسان العلم تكملوا مدة الصوم.\nوعلى لسان الإشارة لتقرنوا بصفاء الحال (وفاء) «٢» (المآل) «٣» ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون» فى النّفس الأخير، وتخرجوا من مدة عمركم بسلامة إيمانكم. والتوفيق فى أن تكمل صوم شهرك عظيم لكن تحقيق أنه يختم عمرك بالسعادة- أعظم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-185>[سورة البقرة (٢): آية ١٨٦]</span>\nوَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)\n_________\n(١) جاءت (أقام) وقد جعلناها (أقامه) ليزداد وضوح المعنى.\n(٢) جاءت (ووفاء) ونظن أن الواو الأولى زائدة من الناسخ.\n(٣) جاءت (المال) وقد اعتاد الناسخ أن يكتب المال مثل المآل أي بدون علامة على المد، وآثرنا هنا أن نضعها، فالمقصود الإعداد لليوم الآخر بالطاعات والعبادات، وغاية التمام أن تجمع بين الحقيقة والشريعة. هذا فضلا عن أن الإشارة للصوفية، والصوفية قوم لا مال لهم.","vol":"1","page":155},{"text":"سؤال كل أحد يدلّ على حاله لم يسألوا عن حكم ولا عن مخلوق ولا عن دين «١» ولا عن دنيا ولا عن عقبى بل سألوا عنه فقال تعالى: «وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي» . وليس هؤلاء من جملة من قال: «وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ»، ولا من جملة من قال: «وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى»، ولا من جملة من قال: «وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ»، ولا من جملة من قال: «وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ»، ولا من جملة من قال: «يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ»، و«يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ» .\nهؤلاء قوم مخصوصون: «وَإِذا سَأَلَكَ «٢» .... عِبادِي عَنِّي» .\nأي إذا سألك عبادى عنى فبماذا تجيبهم؟ ليس هذا الجواب بلسانك يا محمد، فأنت وإن كنت السفير بيننا وبين الخلق فهذا الجواب أنا أتولاه «فَإِنِّي قَرِيبٌ» (رفع الواسطة من الأغيار عن القربة فلم يقل قل لهم إنى قريب بل قال جل شأنه: فإنى قريب) «٣» .\nثم بيّن أن تلك القربة ما هى: حيث تقدّس الحقّ سبحانه عن كل اقتراب بجهة أو ابتعاد بجهة أو اختصاص ببقعة فقال: «أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ» وإن الحق سبحانه قريب- من الجملة والكافة- بالعلم والقدرة والسماع والرؤية، وهو قريب من المؤمنين على وجه التبرية والنصرة وإجابة الدعوة، وجلّ وتقدّس عن أن يكون قريبا من أحد بالذات والبقعة فإنه أحدىّ لا يتجه فى الأقطار، وعزيز لا يتصف بالكنه والمقدار.\nقوله جل ذكره: أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ.\nلم يعد إجابة من كان باستحقاق زهد أو فى زمان عبادة بل قال دعوة الداعي متى دعانى وكيفما دعانى وحيثما دعانى ثم قال: «فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي» هذا تكليف، وقوله:\n_________\n(١) تكررت كلمة (دنيا) مرتين فرجحنا أن تكون الأولى (دين) وتركنا الثانية (دنيا) لتتقابل مع (عقبى) .\n(٢) وضع الناسخ علامة تشعر بوجود كلمات زائدة بين (سألك) ... (وعبادى) فحذفنا الزائدة.\n(٣) ما بين القوسين تكملة من الهامش استدركها الناسخ فوضعناها فى موضعها.","vol":"1","page":156},{"text":"«أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ» تعريف وتخفيف، قدّم التخفيف على التكليف، وكأنه قال: إذا دعوتنى- عبدى- أجبتك، فأجبنى أيضا إذا دعوتك، أنا لا أرضى بردّ دعائك فلا ترض- عبدى- بردّى من نفسك. إجابتى لك بالخير تحملك- عبدى- على دعائى، ولا دعاؤك يحملنى على إجابتك. «فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي، وَلْيُؤْمِنُوا بِي»: وليثقوا فى، فإنى أجيب من دعانى، قال قائلهم:\nيا عزّ أقسم بالذي أنا عبده ... وله الحجيج وما حوت عرفات «١»\nلا أبتغى بدلا سواك خليلة ... فثقى بقولي والكرام ثقات\nثم قال فى آخر الآية: «لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ» أي ليس القصد من تكليفك ودعائك إلا وصولك إلى إرشادك.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-186>[سورة البقرة (٢): آية ١٨٧]</span>\nأُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧)\nأخبر أنه- فى الحقيقة- لا يعود إليه عائد من أوصاف الخلق إن كنت فى العبادة التي هى حق الحق أو فى أحكام العادة من صحبة جنسك التي هى غاية النفس والحظ، فسيّان فى حالك إذا أورد فيه الإذن.\n_________\n(١) جاءت (عرفان) وهى خطأ فى النسخ. [.....]","vol":"1","page":157},{"text":"نزلت الآية فى زلّة بدرت من الفاروق «١»، فجعل ذلك سبب رخصة لجميع «٢» المسلمين إلى القيامة. وهكذا أحكام العناية.\nويقال علم أنه لا بدّ للعبد عن الحظوظ فقسم الليل والنهار فى هذا الشهر بين حقه وحظّك، فقال أما حقى ف «أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ»، وأما حظك ف «كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ» .\nقوله جل ذكره: وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها، كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ.\nأخبر أن محل القدرة مقدّس عن اجتلاب الحظوظ، وقال إذا كنتم مشاغيل بنفوسكم كنتم محجوبين بكم فيكم، وإذا كنتم قائمين بنا فلا تعودوا منّا إليكم.\nويقال غيرة الحق سبحانه على الأوقات أن يمزج الجدّ بالهزل، قالت عائشة ﵂: يا رسول الله إنى أحبك وأحب قربك فقال ﵇: ذريتى يا ابنة أبى أبكر أتعبد ربى. وقال ﷺ لى وقت لا يسعنى غير ربى «٣» قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-187>[سورة البقرة (٢): آية ١٨٨]</span>\nوَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨) .\n_________\n(١) أي عمر بن الخطاب. قال هشام عن حصين بن عبد الرحمن عن عبد الرحمن بن أبى ليلى قال قام عمر ابن الخطاب ﵁ فقال: يا رسول الله إنى أردت أهلى البارحة على ما يريد الرجل أهله فقالت إنها قد نامت فظننتها تعتلّ فواقعتها فنزل فى عمر (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم) وهكذا روى عن مجاهد وعطاء وعكرمة وقتادة (تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج ١ ص ٢٢٠، ٢٢١ ط الحلبي) .\n(٢) وردت (جميع) .\n(٣) للحديث صورة أخرى «لى مع الله وقت لا يسعنى فيه شىء غير الله ﷿» والمعنى صحيح ولكن سنده غير معروف.","vol":"1","page":158},{"text":"إذا تحاكم إلى المخلوقين فاعلموا أن الله مطلع عليكم، وعلمه محيط بكم، فراقبوا موضع الاستحياء من الحق سبحانه، ولئن كان المخلوقون «١» عالمين بالظواهر فالحق﷾- متولى السرائر.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-188>[سورة البقرة (٢): آية ١٨٩]</span>\nيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٨٩)\nالأهلة- جمع هلال- مواقيت للناس لأشغالهم ومحاسباتهم.\nوهى مواقيت لأهل القصة فى تفاوت أحوالهم فللزاهدين مواقيت أورادهم، وأما أقوام مخصوصون فهى لهم مواقيت لحالاتهم، قال قائلهم.\nأعد الليالى ليلة بعد ليلة ... وقد كنت قدما لا أعد اللبالبا\nوقال آخر:\nثمان قد مضين بلا تلاق ... وما فى الصبر فضل عن ثمان\nوقال آخر:\nشهور ينقضين وما شعرنا ... بأنصاف لهن ولا سرار «٢»\nقوله جل ذكره: وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ.\nيعنى ليس البر مراعاة الأمور الظاهرة، بل البر تصفية السرائر وتنقية الضمائر.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-189>[سورة البقرة (٢): آية ١٩٠]</span>\nوَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠)\nلتكن نفوسكم عندكم ودائع الحق إن أمر بإمساكها أمسكوها وصونوها، وإن أمر\n_________\n(١) وردت (المخلوقين) وهى خطأ من الناسخ لأن اسم كان مرفوع بالواو.\n(٢) سرار النهر وسراره (بالكسر والفتح) آخر ليلة فيه (الوسيط ص ٤٢٨) .","vol":"1","page":159},{"text":"بتسليمها إلى القتل فلا تدّخروها عن أمره، وهذا معنى قوله: «وَلا تَعْتَدُوا» وهو أن تقف حيثما أوقفت، وتفعل ما به أمرت.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-190>[سورة البقرة (٢): آية ١٩١]</span>\nوَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ (١٩١)\nيعنى عليكم بنصب العداوة مع أعدائى- كما أن عليكم إثبات الولاية والموالاة مع أوليائى- فلا تشفقوا «١» عليهم وإن كان بينكم واصد «٢» الرحم ووشائج القرابة.\n«وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ» . أولا أخرجوا حبّهم وموالاتهم من قلوبكم، ثم (....) «٣» عن أوطان الإسلام ليكون الصغار جاريا عليهم.\nقوله جل ذكره: وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ.\nوالإشارة: أنّ المحنة التي ترد على القلوب من طوارق الحجب أشد من المحنة التي ترد على النفوس من بذل الروح، لأن فوات حياة القلب أشد من فوات حياة النّفس، إذ النفوس حياتها بمألوفاتها، ولكن حياة القلب لا تكون إلا بالله.\nويقال الفتنة أشد من القتل: أن «٤» تنأى عن الله أعظم من أن تنأى عن روحك وحياتك.\nقوله جل ذكره: وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ.\nالإشارة منه: لا تشوش وقتك «٥» مع الله إذا كان بوصف الصفات بما تدخله على نفسك\n_________\n(١) ووردت (فلا تشقوا) والمعنى والسياق يرفضانها رفضا قاطعا وقد صوبناها بما يتلاءم.\n(٢) الواصد والآصد العهد. مثل الورث والإرث والوحد والأحد وربما كانت أواصر.\n(٣) مشتبهة فى ص وربما كانت: ثم (أخرجوهم) .\n(٤) وردت (تنقى) والمعنى والسياق يرفضانها رفضا قاطعا وقد صوبناها بما يتلاءم.\n(٥) قال الدقاق- شيخ القشيري- فى تعريف الوقت: الوقت ما أنت فيه فإن كنت بالدنيا فوقتك الدنيا، وإن كنت بالعقبى فوقتك العقبى، وإن كنت بالسرور فوقتك السرور، وإن كنت بالحزن فوقتك الحزن.\nويعلّق القشيري على رأى أستاذه قائلا: يريد بهذا أن الوقت ما كان هو الغالب على الإنسان. ويقولون الصوفي ابن وقته يريدون بذلك أنه مشتغل بما هو أولى به فى الحال، قائم بما هو مطالب به فى الحين. وينبغى ألا يفرط العبد فيما يقتضيه حق الشرع.","vol":"1","page":160},{"text":"وإن كانت نوافل من الطاعات، فإن زاحمك مزاحم يشغلك عن الله فاقطع مادة ذلك عن نفسك بكل ما أمكنك لئلا تبقى لك علاقة تصدك «١» عن الله.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-191>[سورة البقرة (٢): آية ١٩٢]</span>\nفَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٢)\nالإشارة منه: إذا انقطعت عنك غاغة خواطرك وأعداء نفسك، مما يخرجك عنه ويزاحمك، فلم حديث النفس ودع مجاهداتها فإنّ من طولب بحفظ الأسرار لا يتفرغ إلى مجاهدات النفوس بفنون المخالفات «٢» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-192>[سورة البقرة (٢): آية ١٩٣]</span>\nوَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣)\nالإشارة من الآية إلى مجاهدات النفوس فإنّ أعدى عدوّك نفسك التي بين جنبيك.\nأي استوف أحكام الرياضات حتى لا يبقى للآثار البشرية شىء، وتسلم النّفس والقلب لله، فلا يكون معارض ولا منازع منك لا بالتوقي ولا بالتلقى، لا بالتدبير ولا بالاختيار- بحال من الأحوال تجرى عليك صروفه «٣» كما يريد، وتكون «٤» محوا عن الاختيارات، بخلاف ما يرد به الحكم، فاذا استسلمت النفس فلا عدوان إلا على أرباب التقصير، فأمّا من قام بحق الأمر تقصى عن عهدة الإلزام.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-193>[سورة البقرة (٢): آية ١٩٤]</span>\nالشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٩٤) .\n_________\n(١) وردت (تصدق) والمعنى والسياق يرفضانها رفضا قاطعا وقد صوبناها بما يتلاءم:\n(٢) يريد القشيري بهذه الفقرة أن تنزل على حكم المرحلة التي وصلت إليها، فإذا اجتاز بك فضل الله مرحلة جهادك مع نفسك إلى ما فوقها فلا تشغلنّ وقتك إلا بما صرت عليه، بمعنى أن تنزل على حكم الوقت.\n(٣) وردت (حروفه) والصواب صروفه، وقد جاء فى الرسالة هذا الشاهد:\nتجرى عليك صروفه ... وهموم سرك مطرقة (الرسالة ص ٦٣)\n(٤) وردت (يكون) وهى خطأ من الناسخ. [.....]","vol":"1","page":161},{"text":"الإشارة فيه: إذا تقابل حقان كلاهما لله فسلّم الوقت بحكم الوقت، ودل مع إشارات الوقت، وإياك أن ترجح أحدهما على الآخر بمالك من حظ- وإن قلّ- فتحجب عن شهود الحق، وتعمى بصيرة قلبك. وكلّ ما كان إلى خلاف هواك أقرب، وعن استجلابك وسكونك إليه أبعد- كان ذلك فى نفسه أصوب.\n«وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ»: الذين اتقوا إيثار هواهم على ما فيه رضاه، فإذا قاموا لله- فيما يأتون- لا لهم فإن الله تعالى بالنصرة معهم، قال تعالى: «إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ»\n- قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-194>[سورة البقرة (٢): آية ١٩٥]</span>\nوَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)\nإنفاق الأغنياء من أموالهم، وإنفاق العابدين بنفوسهم لا يدخرونها عن العبادات والوظائف، وإنفاق العارفين بقلوبهم لا يدخرونها عن أحكامه، وإنفاق المحبين بأرواحهم لا يدخرونها عن حبّه.\nإنفاق الأغنياء من النّعم وإنفاق الفقراء من الهمم.\nإنفاق الأغنياء إخراج المال من الكيس، وإنفاق الفقراء إخراج الروح عن أنفس النفيس، وإنفاق الموحّدين إخراج الخلق من السّر.\nقوله تعالى: «وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ» الإشارة فيه إلى إمساك يدك عن البذل فمن أمسك يده وادّخر شيئا لنفسه فقد ألقى بيده إلى التهلكة. ويقال: إلى إيثار هواك على رضاه.\nويقال «وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ» أي الغفلة عنه بالاختيار.\nويقال توهّم أنك تعيش من دون لطفه وإقباله لحظة.\nويقال الرضا بما أنت فيه من الفترة والحجاب.\nويقال إمساك اللسان عن دوام الاستغاثة فى كل نفس.\nقوله تعالى: «وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ» الإحسان أن ترفق مع كل أحد","vol":"1","page":162},{"text":"إلا معك فإحسانك إلى نفسك فى صورة إساءتك إليها فى ظن الاعتماد، وذلك لارتكابك كل شديدة، ومقاساتك فيه كل عظيمة. والإحسان أيضا ترك جميع حظوظك من غير بقية، والإحسان أيضا تفرغك الى قضاء حق كل أحد علّق عليك حديثه. والإحسان أن تعبده على غير غفلة. والإحسان أن تعبده وأنت بوصف المشاهدة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-195>[سورة البقرة (٢): آية ١٩٦]</span>\nوَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (١٩٦)\nإتمام الحج على لسان العلم القيام بأركانه وسننه وهيئته، وإراقة الدماء التي تجب فيها (دون) التقصير فى بعض أحوالها.\nوفى التفسير أن تحرم بهما من دويرة أهلك «١» .\nوعلى لسان الإشارة الحج هو القصد فقصد إلى بيت الحق وقصد إلى الحق، فالأول حج العوام والثاني حج الخواص.\nوكما أن الذي يحج بنفسه يحرم ويقف ثم يطوف بالبيت ويسعى ثم يحلق، فكذلك من يحج بقلبه فإحرامه بعقد صحيح على قصد صريح، ثم يتجرد عن لباس مخالفاته وشهواته، ثم باشتماله بثوبي صبره وفقره، وإمساكه عن متابعة حظوظه من اتباع الهوى، وإطلاق خواطر المنى، وما فى هذا المعنى. ثم الحاج أشعث أغبر تظهر عليه آثار الخشوع والخضوع، ثم تلبية الأسرار باستجابة كل جزء منك.\nوأفضل الحج الشجّ والعجّ الشّجّ صبّ الدّم والعجّ رفع الصوت بالتلبية، فكذلك سفك دم النفس بسكاكين الخلاف «٢»، ورفع أصوات السّر بدوام الاستغاثة، وحسن الاستجابة ثم الوقوف بساحات القربة باستكمال أوصاف الهيبة. وموقف النفوس عرفات وموقف\n_________\n(١) قال شعبة عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة عن على أنه قال فى هذه الآية (وأتموا الحج والعمرة لله) قال أن تحرم من دويرة أهلك، وكذا قال ابن عباس وسعيد بن جبير وطاوس.\n(تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج ١ ص ٢٣٠ ط الحلبي) .\n(٢) الخلاف هنا معناها (المخالفة) أي مخالفة النفس وأهوائها.","vol":"1","page":163},{"text":"القلوب الأسامى والصفات لعزّ الذات (عند) «١» المواصلات. ثم طواف القلوب حول (مشاهدة) «٢» العز، والسعى بالأسرار بين صفّىّ كشف الجلال ولطف الجمال.\nثم التحلل بقطع أسباب الرغائب والاختيارات، والمنى والمعارضات.. بكل وجه.\nقوله جل ذكره: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ.\nالحصر بأمرين بعدو أو مرض.\nوالإشارة فيه إن استولى عدو النفس فلم تجد بدا من الإناخة بعقوة الرّخص وتأويلات العلم فعند ذلك تتحلل بموجب العذر والاضطرار إذ لا مزاحمة مع الحكم. «والهدى» الذي يهدى به عند التحلل بالعذر، والخروج عن المعلوم، وتسليمه للفقراء، وانتظار أن يزول الحصر فيستأنف الأمر. وإن مرضت الواردات وسقمت القصود وآل الأمر إلى التكليف فليجتهد ألا ينصرف كما أنه فى الحج الظاهر يجتهد بألا ينصرف لكل مرض أو إن احتاج إلى اللبس والحلق وغير ذلك- بشرط الفدية.\nثم إن عجز، اشترط أن محله حيث حسبه فكذلك يقوم ويقعد فى أوصاف القصد وأحكام الإرادة، فإن رجع- والعياذ بالله- لم يقابل إلا بالردّ والصد، وقيل:\nفلا عن قلى كان التقرب بيننا ... ولكنه دهر يشتّ ويجمع\nوقال الآخر:\nولست- وإن أحببت من يسكن الفضا ... بأوّل راج حاجة لا ينالها\nقوله جل ذكره: وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ.\n_________\n(١) وردت (عن) فى ص، والأسامى والصفات مقصود بها أسماء الله الحسنى وصفاته.\n(٢) نرجح أنها فى الأصل (مشاهد) جمع مشهد لتناظر (مشاهد) الحج.","vol":"1","page":164},{"text":"يبذل ما أمكنه، ويخرج عن جميع ما يملكه، وعليه آثار الحسرة، واستشعار أحزان الحجبة.\n«فمن كان منكم مريضا ...» إلخ: الإشارة منه أن يبتهل ويجتهد بالطواف على الأولياء، والخدمة للفقراء، والتقرب بما أمكنه من وجود الاحتيال والدعاء.\nقوله جل ذكره: فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ، تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ. وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ.\nفإذا تجلت أقمار القصود عن كشوف التعزز، وانجلت غيابة الحجبة عن شموس الوصلة وأشرق نور الإقبال فى تضاعيف أيام الوقفة، فليستأنف للوصلة وقتا، وليفرش للقربة بساطا، وليجدد للقيام بحق السرور نشاطا، وليقل: حىّ على البهجة! فقد مضت أيام المحنة.\nوليكمل الحج والعمرة، وليستدم القيام بأحكام الصحبة والخدمة.\n«وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ» بالحجاب لمن لم يره أهلّة الوصلة والاقتراب.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-196>[سورة البقرة (٢): آية ١٩٧]</span>\nالْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ (١٩٧)\nكما أن الحج بالنفوس أشهر معلومات لا ينعقد الإحرام به إلا فيها، ولا يجوز فعل الحج فى جميع السّنة إلا فى وقت مخصوص، من فاته ذلك الوقت فاته الحج- فكذلك حج القلوب له أوقات معلومة لا يصح إلا فيها، وهى أيام الشباب فمن لم تكن له إرادة فى حال شبابه فليست له وصلة فى حال مشيبه، وكذلك من فاته وقت قصده وحال إرادته فلا يصلح إلا للعبادة التي آخرها الجنة، فأما الإرادة التي آخرها الوصلة.. فلا.\nقوله جل ذكره: فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ.","vol":"1","page":165},{"text":"كذلك الإشارة لمن سلك طريق الإرادة ألا يعرّج على شىء فى الطريق، ولا يمزج إرادته بشىء. فمن نازعه أو عارضه أو زاحمه- سلّم الكل للكل، فلا لأجل الدنيا مع أحد يخاصم، ولا لشىء من حظوظ النّفس والجاه مع أحد يزاحم، قال تعالى: «وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا» .\nقوله جل ذكره: وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ.\nتكتفى بعلمه وحكمه عن شهود خلقه وحكم خلقه وعلم خلقه.\nقوله جل ذكره: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ.\nتقوى العامة مجانبة الزلات، وتقوى الخواص مجانبة الأغيار بالسرائر.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-197>[سورة البقرة (٢): آية ١٩٨]</span>\nلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨)\nالإشارة فيه أن ما تبتغى من فضل الله مما يعنيك على قضاء حقّه، ويكون فيه نصيب للمسلمين أو قوة للدين- فهو محمود. وما تطلبه لاستيفاء حظك أو لما فيه نصيب لنفسك- فهو معلول.\nقوله جل ذكره: فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ.\nالإشارة فيه إذا وقفت حتى قمت بحق طلبه فاذكر فضله معك فلولا أنه أرادك لما أردته، ولولا أنه اختارك لما آثرت رضاه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-198>[سورة البقرة (٢): آية ١٩٩]</span>\nثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩)\nالإشارة فيه ألا تعلم نفسك بما تمتاز عن أشكالك فى الظاهر لا بلبسة ولا بخرقة ولا بصفة،","vol":"1","page":166},{"text":"بل تكون كواحد من الناس، وإذا خطر ببالك أنك فعلت شيئا، أو بك أو لك أو معك شىء فاستغفر الله، وجدّد إيمانك فإنه شرك خفى خامر قلبك.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-199>[سورة البقرة (٢): آية ٢٠٠]</span>\nفَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ (٢٠٠)\n«قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ» إشارة إلى القيام بحق العبودية.\n«فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ» إشارة إلى القيام بحق المحبة.\nقضاء المناسك قيام بالنفس.\n«فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ» قيام له بالقلب على استدامة الوقت واستغراق العمر.\nويقال كما أنّ الأغيار يفتخرون بآبائهم، ويستبشرون بأسلافهم فليكن افتخاركم بنا واستبشاركم بنا.\nويقال إن كان لآبائكم عليكم حقّ التربية فحقّنا عليكم أوجب، وأفضالنا عليكم أتم.\nويقال إن كان لأسلافكم مآثر ومناقب «١»، فاستحقاقنا لنعوت الجلال فوق ما لآبائكم من حسن الحال.\nويقال إنك لا تملّ ذكر أبيك ولا تنساه على غالب أحوالك، فاستدم ذكرنا، ولا تعترضنّك ملالة أو سآمة «٢» أو نسيان.\nويقال إن طعن فى نسبك طاعن لم ترض فكذلك ما تسمع من أقاويل أهل الضلال والبدع فذبّ عنّا.\nويقال الأب يذكر بالحرمة والحشمة فكذلك اذكرنا بالهيبة مع ذكر لطيف القربة بحسن التربية.\nوقال «كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ» ولم يقل أمهاتكم لأن الأب يذكر احتراما والأم تذكر شفقة عليها، والله يرحم ولا يرحم.\n_________\n(١) وردت (مثاقب) وهى خطأ فى النسخ.\n(٢) وردت (مسامة) وهى خطأ فى النسخ.","vol":"1","page":167},{"text":"«أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا» لأن الحقّ أحقّ، ولأنك قد تستوحش كثيرا عن أبيك، والحقّ سبحانه منزّه عن أن يخطر ببال من يعرفه أنه بخلاف ما يقتضى الواجب حتى إن كان ذرة.\nوقوله «كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ» الأب على ما يستحقه والرب على ما يستحقه.\nقوله جل ذكره: فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا «١» وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ.\nخطاب لوقاله مخلوق لك كان شاكرا «٢»، ولو أنه شكا منك كما شكا إليك لساءت الحالة، ولكن بفضله أحلّك محل أن يشكو إليك فقال: من الناس من لا يجنح قلبه إلينا، ويرضى بدوننا عنّا، فلا يبصر غير نفسه وحظّه، ولا يمكن إيمان له بربه وحقّه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-200>[سورة البقرة (٢): آية ٢٠١]</span>\nوَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ (٢٠١)\nإنما أراد بها حسنة تنتظم بوجودها جميع الحسنات، والحسنة التي بها تحصل جميع الحسنات فى الدنيا- حفظ الإيمان عليهم فى المآل فإنّ من خرج من الدنيا مؤمنا لا يخلد فى النار، وبفوات هذا لا يحصل شىء. والحسنة التي تنتظم بها حسنات الآخرة- المغفرة، فإذا غفر فبعدها ليس إلا كل خير.\nويقال الحسنة فى الدنيا العروف عنها، والحسنة فى الآخرة الصون عن مساكنتها.\nوالوقاية من النار ونيران الفرقة إذ اللام فى قوله «النار» لام جنس فتحصل الاستعاذة عن نيران الحرقة ونيران الفرقة جميعا.\nويقال الحسنة فى الدنيا شهود بالأسرار وفى الآخرة رؤية بالأبصار.\nويقال حسنة الدنيا ألا يغنيك عنك وحسنة الآخرة ألا يردك إليك.\n_________\n(١) التبس على الناسخ نقل هذه الآية بالآية التي تليها فوضع هنا (حسنة) وهى زائدة.\n(٢) نرجح أنها (شاكيا) فى الأصل.","vol":"1","page":168},{"text":"ويقال حسنة الدنيا توفيق الخدمة وحسنة الآخرة تحقيق الوصلة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-201>[سورة البقرة (٢): آية ٢٠٢]</span>\nأُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ (٢٠٢)\nإن كان خيرا فخير وإن كان غير فغير. «وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ» للعوام فى الفرصة، وللخواص فى كل نفس.\nويقال ذكر فريقين: منهم من يقول ربنا آتنا فى الدنيا، والثاني يقول فى الدنيا والعقبى، وثالث لم يذكرهم وهم الراضون بقضائه، المستسلمون لأمره، الساكنون عن كل دعاء واقتضاء.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-202>[سورة البقرة (٢): آية ٢٠٣]</span>\nوَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٠٣)\nهذه صفة أواخر النسك، وهو الرمي فى أيام مني لما قدموا بأركان الحج خفّف عنهم بأن خيّرهم فى المقام والإفاضة والتعجيل فى التفريق.\nوالإشارة منه أنّ من خمدت نفسه، وحبى قلبه، واستدام بحقائق الشهود (سرّه) «١» - فإن سقط عنه شىء من فروع الأوراد ففيما هو له مستديم من آداب الحضور عوض عن الذي يفوت.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-203>[سورة البقرة (٢): آية ٢٠٤]</span>\nوَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ (٢٠٤)\nأخبر أن قوما أعرض الحق ﷾ عن قلوبهم فأعطاهم فى الظاهر بسطة فى اللسان ولكن ربط على قلوبهم أسباب الحرمان فهم فى غطاء جهلهم، ليس وراءهم معنى، ولا على قولهم اعتماد، ولا على إيمانهم اتّكال، ولا بهم ثقة بوجه.\n_________\n(١) نعلم من مذهب القشيري أن حقائق الشهود متصلة بالسر، وما دام قد ذكر النفس والقلب فقد وجدنا من الضروري للتوضيح ذكر (سره) حيث نرجح أنها سقطت من الناسخ.","vol":"1","page":169},{"text":"والإشارة إلى أهل الظاهر الذين لم تساعدهم أنوار البصيرة فهم مربوطون بأحكام الظاهر لا لهم بهذا الحديث إيمان، ولا بهذه الجملة استبصار، فالواجب صون الأسرار عنهم فإنهم لا يقابلون هذا الحديث إلا بالإنكار «١»، وإن أهل الوداعة «٢» من العوام الذين فى قلوبهم تعظيم لهذه الطريقة، ولهم إيمان على الجملة بهذا الحديث لأقرب إلى هذه الطريقة من كثير ممن عدّ نفسه من الخواص وهو بمعزل عن الإيمان بهذا الأمر.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-204>[سورة البقرة (٢): آية ٢٠٥]</span>\nوَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ (٢٠٥)\nالإشارة لمن سعيه مقصور على استجلاب حظوظه، فهو لا يبالى بما ينحلّ من عرى الدين، ويهى من أسباب الإسلام، بعد ما تشتد حبال دنياهم، وتنتظم أسباب مناهم، من حرام جمعوه، وحطام حصّلوه. فإذا خلوا لوساوسهم وقصودهم الردية سعوا بالفساد بأحكام أسباب الدنيا، واستعمالهم من يستعينون بهم فى تمشية أمورهم من القوم الذين نزع الله البصيرة من قلوبهم.\n«والله لا يحب الفساد»: ما كان فيه خراب الأمور الدينية ونظام الأحوال الدنيوية فهو الفساد الظاهر.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-205>[سورة البقرة (٢): آية ٢٠٦]</span>\nوَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ (٢٠٦)\nهؤلاء أقوام استولى عليهم التكبّر، وزال عنهم خضوع الإنصاف فشمخت آنافهم عن قبول الحق فإذا أمرته بمعروف قال: ألمثلي يقال هذا؟!\n_________\n(١) هنا نلاحظ أن القشيري يرى عدم البوح باسرار الطريقة وأن الكتمان خير- وهذا موقف هام فى مسألة على جانب عظيم من الخطورة.\n(٢) وردت (الاوداعة) ونرجح أنها الوداعة لأنها أقرب إلى السياق.","vol":"1","page":170},{"text":"وأنا كذا وكذا! ثم يكبر عليك (...) «١» فيقول: وأنت أولى بأن تؤمر بالمعروف وتنهى عن المنكر فإن من حالك وقصتك كذا وكذا.\nأو لو ساعده التوفيق وأدركته الرحمة، وتقلّد المنة بمن هداه إلى رؤية خطئه، ونبهه على سوء «٢» وصفه، لم يطو على نصيحة جنبيه وتبقى فى القلب- إلى سنين- آثارها.\nقال تعالى «فحسبه جهنم» يعنى ما هو فيه فى الحال من الوحشة وظلمات النّفس وضيق الاختيار حتى لا يسعى فى شىء غير مراده، فيقع فى كل لحظة غير مرة فى العقوبة والمحنة، ثم إنه منقول من هذا العذاب إلى العذاب الأكبر، قال الله تعالى: «وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-206>[سورة البقرة (٢): آية ٢٠٧]</span>\nوَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (٢٠٧)\nأولئك الذين أدركتهم خصائص الرحمة، ونعتتهم سوابق القسمة، فآثروا رضاء الحق على أنفسهم، واستسلموا بالكلية لمولاهم، والله رءوف بالعباد: ولرأفته بهم وصلوا إلى هذه الأحوال، لا بهذه الأحوال استوجبوا رأفته.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-207>[سورة البقرة (٢): آية ٢٠٨]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨)\nكلّف المؤمن بأن يسالم كل أحد إلا نفسه فإنها لا تتحرك إلا بمخالفة سيده فإن من سالم نفسه فتر عن مجاهداته، وذلك سبب انقطاع كل قاصد، وموجب فترة كل مريد.\nو«خطوات الشيطان» ما يوسوسه إليك من عجزك عن القيام باستيفاء أحكام المعاملة، وترك نزعات لا عبرة بها، ولا ينبغى أن يلتفت إليها، بل كما قال الله تعالى: «فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ» ثم أبصر ما الذي فعل به حين ألقته، وكيف مدّه إليها بعد ما نجّاه.\n_________\n(١) مشتبهة.\n(٢) وردت (سواء) وهى خطأ فى النسخ.","vol":"1","page":171},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-208>[سورة البقرة (٢): آية ٢٠٩]</span>\nفَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٠٩)\nالزّلة الواحدة بعد كشف البرهان أقبح من كثير منها قبل ذلك، ومن عرف فى الخيانة لا يعتمد عليه فى الأمانة. ومحنة الأكابر «١» إذا حلّت كان فيها استئصالهم بالكلية.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-209>[سورة البقرة (٢): آية ٢١٠]</span>\nهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٢١٠)\nاستبطأ القوم قيام الساعة فأخبروا عن شدة الأمر إذا قامت الساعة بتفصيل ما ذكر.\nوتلك أفعال فى معنى الأحوال، يظهرها الله سبحانه بما يزيل عنهم الإشكال فى علو شأنه ﷾، ونفاذ قدرته فيما يريد. «وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ» أي انهتك ستر الغيب عن صريح التقدير السابق. ولقد استغنت قلوب الموحدين لما فيها من أنوار البصائر عن طلب التأويل لهذه الآية وأمثالها إذ الحق سبحانه منزّه عن كل انتقال وزوال، واختصاص بمكان أو زمان، تقدس عن كل حركة وإتيان «٢» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-210>[سورة البقرة (٢): آية ٢١١]</span>\nسَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٢١١)\nفائدة السؤال ليقرر عليهم بالسؤال الحجة، لا ليقرّر للرسول ﷺ بسؤالهم ما أشكل عليهم من واضح المحبة.\n«وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ» بزوال تلك النعمة. وعند ذلك يعرفون قدرها، ثم يندبونها ولا يصلون إليها قط، قال قائلهم:\nستهجرنى وتتركنى ... فتطلبنى فلا تجد\n_________\n(١) محنة الأكابر المقصود بها هنا زلات الأكابر، وعقوبتها أشد، وقد استدل القشيري على ذلك فى موضع سابق بأن من ترتكب فاحشة من أمهات المسلمين يضاعف لها العذاب ضعفين. [.....]\n(٢) إشارة إلى ما فى الآية الكريمة (يأتيهم الله) .","vol":"1","page":172},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-211>[سورة البقرة (٢): آية ٢١٢]</span>\nزُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٢١٢)\nمكروا «١» فلم يشعروا، وحملهم اشتداد الظلمة على بصائرهم على الوقيعة فى أوليائه سبحانه، والسخرية منهم، وحين تقشعت غواية الجهل عن قلوبهم (.....) «٢» علموا من الخاسر منهم من الذي كان فى ضلال بعيد.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-212>[سورة البقرة (٢): آية ٢١٣]</span>\nكانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣)\nيعنى الغيبة عن الحق جمعتهم، فلما أتتهم الرسل تباينوا على حسب ما رزقوا من أنوار البصيرة وحرموها. ويقال كانوا على ما سبق لهم من الاختيار القديم، وبمجىء الرسل تهود قوم وتنصّر قوم، ثم فى العاقبة يردّ كل واحد إلى ما سبق له من التقدير، وإن الناس اجتمعوا كلهم فى علمه سبحانه ثم تفرّقوا فى حكمه، فقوم هداهم وقوم أغواهم، وقوم حجهم وقوم\n_________\n(١) ربما كانت فى الأصل (مكر بهم) فلم يشعروا، فالآية تقول (زيّن للذين ...) فهم لم يشعروا بأن تزيين الدنيا لهم مكر من الله والله خير الماكرين.\n(٢) زائدة.","vol":"1","page":173},{"text":"جذبهم، وقوم ربطهم بالخذلان وقوم بسطهم بالإحسان، فلا من المقبولين أمر مكتسب، ولا لردّ المردودين سبب، بل هو حكم بتّ وقضاء جزم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-213>[سورة البقرة (٢): آية ٢١٤]</span>\nأَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤)\nخلق الله الجنة وحفّها بالمصائب، وخلق النار وحفّها بالشهوات والرغائب، فمن احتشم ركوب الأهوال بقي عن إدراك الآمال. ثم إن الحق سبحانه ابتلى الأولين بفنون من مقاساة الشدائد، وكلّ من ألحق بهم من خلف الأولياء أدخلهم فى سلكهم، وأدرجهم فى غمارهم، فمن ظنّ غير ذلك فسراب ظنّه ماء، وحكم لم يحصل على ما ظنه تأويلا. ولقد مضت سنّة الله سبحانه مع الأولياء أنهم لا ينيخون بعقوة الظفر إلا بعد إشرافهم على عرصات اليأس، فحين طال بهم الترقّب صادفهم اللطف بغتة وتحقق لهم المبتغى فجأة. قال تعالى «أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-214>[سورة البقرة (٢): آية ٢١٥]</span>\nيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢١٥)\nعلموا أن العبد غير منفرد بالفاعلية أن يفعل، فإنّ العبد ليس له فعل شىء إلا بإذن مولاه فتوقفوا فى الإنفاق على ما يشير إليه تفصيل الإذن، لأنّ العبوديّة الوقوف حيثما أوقفك الأمر.","vol":"1","page":174},{"text":"ويقال لم ينفقوا على إشارات الهوى. وإنّ ما طالعوه تفاصيل الأمر وإشارات الشرع والواو فى هذه الآية فى قوله: «وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى» تشير إلى نوع من الترتيب فالأولى بمعروفك والداك ثم أقاربك ثم على الترتيب الذي قاله.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-215>[سورة البقرة (٢): آية ٢١٦]</span>\nكُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٢١٦)\nصعبت على النفوس مباشرة القتال، فبيّن أن راحات النفوس مؤجلة لأنها فى حكم التأديب، وبالعكس من هذا راحات القلوب فإنها معجلة إذ هى فى وصف التقريب، فالسادة فى مخالفة النفوس فمن وافقها حاد عن المحبة المثلى، كما أن السعادة فى موافقة القلوب فمن خالفها زاغ عن السنّة العليا.\nوبشرى ضمان الحق باليسر أولى أن تقبل من محذرات هواجس النفوس فى حلول العسر وحصول الضر.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-216>[سورة البقرة (٢): آية ٢١٧]</span>\nيَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢١٧)\nمن المعاصي ما يكون أشد من غيره وأصعب فى المعنى، فسوء الأدب على الباب لا يوجب ما يوجبه على البساط فإذا حصلت الزلة بالنّفس فأثرها بالعقوبة المؤجلة وهى الاحتراق، وإذا زلّ «١» القلب فالعقوبة معجلة وهى بالفراق، وأثر الغفلة على القلوب أعظم من ضرر الزلة\n_________\n(١) وردت (زال) وهى قطعا خطأ فى النسخ.","vol":"1","page":175},{"text":"على النفوس، فإن النفس عن الحظ تبقى، والقلب عن الحق يبقى قوله جل ذكره: وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا، وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ.\nالإشارة من هذا أن أهل الغفلة إذا راودوك أرادوا صرفك إلى ما هم عليه من الغفلة، فلا يرضون إلا بأن تفسخ عقد إرادتك بما تعود إليه من سابق حالتك، ومن فسخ مع الله عهده مسخ قلبه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-217>[سورة البقرة (٢): آية ٢١٨]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢١٨)\nإن الذين صدقوا فى قصدهم، وأخلصوا فى عهدهم، ولم يرتدوا فى الإرادة على أعقابهم، أولئك الذين عاشوا فى روح الرجاء إلى أن يصلوا إلى كمال البقاء ودار اللقاء.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-218>[سورة البقرة (٢): آية ٢١٩]</span>\nيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩)\nالخمر ما خامر العقول، وكما أن الخمر حرام بعينها فالسكر حرام بقوله ﷺ:\n«حرّمت الخمر بعينها، والسكر من كل شراب»، فمن سكر من شراب الغفلة استحق ما يستحق شارب الخمر من حيث الإشارات، فكما أنّ السكران ممنوع من الصلاة فصاحب السكر بالغفلة محجوب عن المواصلات وأوضح شواهد الوجود، فمن لم يصدّق فليجرّب.","vol":"1","page":176},{"text":"ومعنى القمار موجود فى أكثر معاملات أهل الغفلة إذا سلكوا طريق الحيل والخداع والكذب فى المقال. وبذل الصدق والإنصاف عزيز.\nقوله جل ذكره: وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ.\nقيل العفو ما فضل عن حاجتك، وهذا للخواص يخرجون من فاضل أموالهم عن قدر كفاياتهم، فأمّا خواص الخواص فطريقهم الإيثار وهو أن يؤثر به غيره على نفسه وبه فاقة إلى ما يخرج وإن كان صاحبه الذي يؤثر به غيبا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-219>[سورة البقرة (٢): آية ٢٢٠]</span>\nفِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٠)\nإصلاح حالهم بما يكون فيه تأديبهم أتمّ من إصلاح مالهم، ثم الصبر على الاحتمال عنهم مع بذل النصح، و(مفارقة المال من من إرشادهم خير من الترخص بأن يقول إنه لا يتوجه على فرضيهم) «١» .\nقوله جل ذكره: وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ.\nفيعامل كلا على سواكن قلبه من القصود لا على ظواهر كسبه من جميع الفنون.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-220>[سورة البقرة (٢): آية ٢٢١]</span>\nوَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٢١)\n_________\n(١) فيما بين قوسين غموض ربما نتج عن خطأ فى النقل.","vol":"1","page":177},{"text":"صلة حبل الدين والتمسك بعصمة المسلمين أتم من الرضا بأن تنتهى إلى أحد يسلك إلى الكفر، ولئن كانت رخصة الشريعة حاصلة فى فعله فإشارة الحقيقة مانعة من حيث التبرئة عن اختياره، هذا فى الكتابيات اللاتي يجوز مواصلتهن، فأما أهل الشرك فحرام مواصلتهم قطعا، وأوجه مباينتهم فى هذا الباب حكم جزم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-221>[سورة البقرة (٢): آية ٢٢٢]</span>\nوَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)\nليس كل ما يكون موجب الاستحياء والنفور مما هو باختيار العبد، فقد يكون من النقائص ما ليس للعبد فيه كسب، وهو ابتداء حكم الحق، فمن ذلك ما كتب الله على بنات آدم من تلك الحالة، ثم أمرن باعتزال المصلّى فى أوان تلك الحالة، فالمصلّى مناج ربّه، فنحيّن عن محل المناجاة حكما من الله لا جرما لهن. وفى هذا إشارة فيقال: إنهن- وإن منعن عن الصلاة التي هى حضور بالبدن فلم يحجبن عن استدامة الذكر بالقلب واللسان، وذلك تعرض بساط القرب، قال ﷺ مخبرا عنه تعالى: «أنا جليس من ذكرنى» .\nقوله جل ذكره: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ.\nيقال يحب التوابين من الذنوب، والمتطهرين من العيوب.\nويقال التوابين من الزلة، والمتطهرين من التوهم أن نجاتهم بالتوبة.\nويقال التوّابين من ارتكاب المحظورات، والمتطهرين من المساكنات والملاحظات.\nويقال التوّابين بماء الاستغفار والمتطهرين بصوب ماء الخجل بنعت الانكسار.","vol":"1","page":178},{"text":"ويقال التوّابين من الزلة، والمتطهرين من الغفلة.\nويقال التوّابين من شهود التوبة، والمتطهرين من توهم أن شيئا بالزلة بل الحكم ابتداء من الله تعالى.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-222>[سورة البقرة (٢): آية ٢٢٣]</span>\nنِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٢٢٣)\nلمّا كانت النفوس بوصف الغيبة عن الحقيقة أباح لها السكون إلى أشكالها إذا كان على وصف الإذن، فلمّا كانت القلوب فى محل الحضور حرم عليها المساكنة إلى جميع الأغيار والمخلوقات.\n«وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ» من الأعمال الصالحة ما ينفعكم يوم إفلاسكم، لذلك قال:\n«وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ» فانظروا لأنفسكم بتقديم ما يسركم وجدانه عند ربكم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-223>[سورة البقرة (٢): آية ٢٢٤]</span>\nوَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٤)\nنزّهوا ذكر ربكم عن ابتذاله بأى حظ من الحظوظ.\nويقال لا تجعلوا ذكر الله شركا يصطاد به حطام الدنيا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-224>[سورة البقرة (٢): آية ٢٢٥]</span>\nلا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٢٥)\nما جرى به اللسان على مقتضى السهو فليس له كثير خطر فى الخير والشر، ولكن ما انطوت عليه الضمائر، واحتوت عليه السرائر، من قصود صحيحة، وعزائم قوية فذلك الذي يؤخذ به إن كان خيرا فجزاء جميل، وإن كان شرا فعناء طويل.","vol":"1","page":179},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-225>[سورة البقرة (٢): آية ٢٢٦]</span>\nلِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦)\nإذا كان حق صحبة الأشكال محفوظا عليك- حتى لو أخللت به- وأخذك بحكمه:\nفحقّ الحقّ أحقّ بأن تجب مراعاته. «فَإِنْ فاؤُ» أي رجعوا إلى إحياء ما أماتوا، واستدراك ما ضيّعوا «فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» فلما تقاصر لسان الزوجة- لكونها أسيرا فى يد الزوج- تولّى الله- سبحانه- الأمر بمراعاة حقها فأمر الزوج بالرجوع إليها أو تسريحها.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-226>[سورة البقرة (٢): آية ٢٢٧]</span>\nوَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧)\nإن ملّ حق صحبتها، وأكّد العزم على مفارقتها فإن الله مطلع على حاله وسره، فإن بدا له باد من ندم فلا يلبس بأركان الطلاق فإن الله سبحانه عليم أنه طلّقها.\nولمّا كان الفراق شديدا عزّى المرأة بأن قال إنه «سَمِيعٌ» أي سمعنا موحش تلك القالة، فهذا تعزية لها من الحق سبحانه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-227>[سورة البقرة (٢): آية ٢٢٨]</span>\nوَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٨)\nأمر المطلقات بالعدّة احتراما لصحبة الأزواج، يعنى إن انقطعت العلاقة بينكما فأقيموا على شرط الوفاء لما سلف من الصحبة، ولا تقيموا غيره مقامه بهذه السرعة فاصبروا حتى يمضى مقدار من المدة. ألا ترى أن غير المدخول بها لم تؤمر بالعدة حيث لم تقم بينهما صحبة؟\nثم قال جل ذكره: وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ.\nيعنى إن انقطع بينكما السبب فلا تقطعوا ما أثبت الله من النّسب.\nثم قال جل ذكره: وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ.","vol":"1","page":180},{"text":"يعنى من سبق له الصحبة فهو أحق بالرجعة لما وقع فى النكاح من الثلمة فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحًا.\nيعنى أن يكون القصد بالرجعة استدراك ما حصل من الجفاء لا تطويل العدة عليها بأن يعزم على طلاقها بعد ما أرجعها.\nوَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ.\nيعنى إن كان له عليها حق ما أنفق من المال فلها حق الخدمة لما سلف من الحال.\nوَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ.\nفى الفضيلة، ولهن مزية فى الضعف وعجز البشرية.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-228>[سورة البقرة (٢): آية ٢٢٩]</span>\nالطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَنْ يَخافا أَلاَّ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩)\nندب إلى تفريق الطلاق لئلا تسارع إلى إتمام الفراق، وقيل فى معناه:\nإن تبيّنت أنّ عزمك قتلى ... فذرينى أضنى قليلا قليلا\nثم قال جلّ ذكره: فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ.\nإمّا صحبة جميلة أو فرقة جميلة. فأمّا سوء العشرة وإذهاب لذة العيش بالأخلاق الذميمة فغير مرضى فى الطريقة، ولا محمود فى الشريعة.\nقوله جل ذكره: وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا.\nفإن فى الخبر «العائد فى هبته كالعائد فى قيئه» والرجوع فيما خرجت عنه خسّة.\nثم قال جل ذكره: إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ.","vol":"1","page":181},{"text":"يعنى إن أرادت المرأة أن تتخلص من زوجها فلا جناح عليها فيما تبذل من مال، فإنّ النفس تساوى لصاحبها كل شىء، والرجل إذا فاتته صحبة المرأة فلو اعتاض عنها شيئا فلا أقلّ من ذلك، حتى إذا فاتته راحة الحال يصل إلى يده شىء من المال.\nقوله جل ذكره: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ.\nهذه آداب يعلّمكمها الله ويسنّها لكم، فحافظوا على حدوده، وداوموا على معرفة حقوقه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-229>[سورة البقرة (٢): آية ٢٣٠]</span>\nفَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠)\nالرجل يشقّ عليه أن ينكح زوجته غيره فمنعه عن اختيار الفراق بغاية الفراق بغية المنع «١» لما بيّن أنها لا تحل له إن فارقها إلا بأن تفعل «٢» غاية ما يشق عليه وهو الزواج الثاني ليحذر الطلاق ما أمكنه. ثم قال «فَإِنْ طَلَّقَها» يعنى الزوج «فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا» يعنى تتزوج بالزوج الأول.\nوالإشارة فيه أن استيلاء المحبة على القلب يهوّن مقاساة كلّ شديدة فلو انطوى الزوجان بعد الفرقة على التحسّر على ما فاتهما من الوصلة، وندما على ذلك غاية الندامة فلا جناح عليهما أن يتراجعا، والمرأة فى هذه الحالة كأنها (...) «٣» من الزوج الأول بمكان الزوج الثاني والزوج كالآتى على نفسه فى احتمال ذلك.\nثم قال جل ذكره: إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ، وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ.\nيعنى لا يعودان بعد ذلك إلى الفراق ثانيا إذا علما حاجة أحدهما إلى صاحبه، قال قائلهم:\nولقد حلفت لئن لقيتك مرة ... ألا أعود إلى فراقك ثانية\n_________\n(١) وردت (بغاية المنع) والأرجح أنها (بغية المنع) فإن السياق يتطلب ذلك.\n(٢) وردت (يفعل) والأصوب أن تعود على المرأة لأنها هى التي ستتزوج ثانية وهذا هو ما يشق على الزوج الأول.\n(٣) هنا كلمة رسمها هكذا (الميشور) وربما كانت (المبتور) .","vol":"1","page":182},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-230>[سورة البقرة (٢): آية ٢٣١]</span>\nوَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٣١)\nتضمنت الآية الأمر بحسن العشرة، وترك المغايظة مع الزوجة، والمحك على وجه اللجاج فإمّا تخلية سبيل من غير جفاء أو قيام بحق الصحبة على شرط الوفاء.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-231>[سورة البقرة (٢): آية ٢٣٢]</span>\nوَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٢٣٢)\nتضمنت الآية نهى الأولياء «١» عن مضارتهن، وترك حمية الجاهلية، والانقياد لحكم الله فى تزويج النساء إن أردن النكاح من دون استشعار الأنفة والحمية.\nبل إذا رضيت بكفو يخطبها فحرام عليكم ظلمها. والتذويب عن أوصاف البشرية بقهر النفس أشدّ مجاهدة وأصدق معاملة لله.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-232>[سورة البقرة (٢): آية ٢٣٣]</span>\nوَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَها لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ فَإِنْ أَرادا فِصالًا عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٣) .\n_________\n(١) الأولياء هنا من ولاية الرجل على المرأة وليست من الولاية فى باب التصوف.","vol":"1","page":183},{"text":"غاية الرحمة التي يضرب بها المثل رحمة الأمهات فأمر الله سبحانه الأمهات بإكمال الرحمة بإرضاع المولود حولين كاملين، وقطع الرضاعة عنه قبل الحولين إشارة إلى أن رحمة الله بالعبد أتمّ من رحمة الأمهات.\nثم قال جل ذكره: وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ.\nيعنى الأب عليه رزقهن وكسوتهن- أي المرضعات- بالمعروف. لمّا ينبن عنك وجب حقّهن عليك، فإنّ من لك كله فعليك كله.\nثم قال جل ذكره: لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَها.\nادخار المستطاع بخل، والوقوف- عند العجز- عذر.\nثم قال جل ذكره: لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها.\nفى الإرضاع وما يجب عليه.\nوَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ.\nيعنى الوالد «١» بولده يعنى فيما يلزم من النفقة والشفقة. فكما يجب حق المولود على الوالدين يجب حق الوالدين على المولود.\nثم قوله جل ذكره: فَإِنْ أَرادا فِصالًا عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ، وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ.\nيعنى فطاما قبل الحولين، فلا جناح بعد ما كان القصد الصلاح. اشتملت الآية على تمهيد طريق الصحبة، وتعليم محاسن الأخلاق فى أحكام العسرة وإن من لا يرحم لا يرحم.\nوقال ﷺ لمن ذكر أنه لم يقبّل أولاده: «إن الله لا ينزع الرحمة إلا من قلب شقى» .\n_________\n(١) وردت (الولد) والسياق يقتضى أن تكون (الوالد) بعد أن تحدث عن (الوالدة) .","vol":"1","page":184},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-233>[سورة البقرة (٢): آية ٢٣٤]</span>\nوَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٣٤)\nلمّا كان حق الميت أعظم لأن فراقه لم يكن بالاختيار كانت مدة الوفاء له أطول. وكانت عدة الوفاة فى ابتداء الإسلام سنة، ثم ردت إلى أربعة أشهر وعشرة أيام لتتحق براءة الرحم عن ماء الزوج، ثم إذا انقضت العدة أبيح لها التزوج بزوج آخر. والميت لا يستديم وفاءه إلى آخر العمر أحد كما قيل:\nوكما تبلى وجوه فى الثرى ... فكذا يبلى عليهن الحزن\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-234>[سورة البقرة (٢): آية ٢٣٥]</span>\nوَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلاَّ أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٣٥)\nأبيح من ذلك ما كان فيه استجلاب للمودة، وتأسيس لحال الوصلة. وحرّم منه ما فيه ارتكاب المحظورات من إلمام بذنب أو عدة بجرم «١» .\nقوله جل ذكره: وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ.\n_________\n(١) وردت بالحاء والصحيح أن تكون بالجيم.","vol":"1","page":185},{"text":"أي تنقضى عدة الأول فإن حرمة الماضي لا تضيع.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-235>[سورة البقرة (٢): آية ٢٣٦]</span>\nلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦)\nإن ابتلاء تمّ بوصيلة «١» أشكالكم ثم بدا لكم فلا جناح «٢» عليكم فى اختيار الفرقة- إذا أردتم- فإن الذي لا يجوز اختيار فرقته- واحد فأمّا صحبة الخلق بعضهم مع بعض فليس بواجب، بل غاية وصفه أنه جائز.\nولمّا وقع عليهن اسمكم فنصف المسمّى يجب لهن، فإن الفراق- كيفما كان- فهو شديد، فجعل ما يستحق من العوض كالخلف لها عند تجرع كأس الفرقة.\nفإن لم يكن مسمّى فلا يخلو العقد من متعة فإن تجرع الفرقة- مجردا عن الراحة- بلاء عظيم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-236>[سورة البقرة (٢): آية ٢٣٧]</span>\nوَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٧)\nثم ذكر أن العفو أتم وأحسن، إمّا من جهة المرأة فى النصف المستحق لها، أو من قبل الزوج فى النصف العائد إليه.\n_________\n(١) وردت (بوصيلة) وربما كانت الياء زائدة وأنها (بوصلة) أشكالكم.\n(٢) وردت (فلاح جرح) وهى خطأ من الناسخ، وقد صححناها (فلا جناح) طبقا للآية، ويحتمل أيضا أنها فى الأصل (فلا جرم) .","vol":"1","page":186},{"text":"ثم قال جلّ ذكره: وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ.\nيقال من أخذ بالفضل واقتصر على الفرض فعن قريب يخل «١» بالفرض.\nويقال نسيان الفضل يقرب صاحبه من البخل، وإن من سنّة الكرام إذا خفيت عليهم مواضع الكرم أن يشحذوا بصائر الجود لتطالع لطائف الكرم فتتوفر دواعيهم فى اقتناء أسباب الفضل.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-237>[سورة البقرة (٢): آية ٢٣٨]</span>\nحافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ (٢٣٨)\nالمحافظة على الصلاة أن يدخلها بالهيبة، ويخرج بالتعظيم، ويستديم بدوام الشهود بنعت الأدب، والصلاة الوسطى (أيهم ذكرها على البيت) «٢» لتراعى الجميع اعتقادا منك لكل واحدة أنها هى لئلا يقع منك تقصير فى شىء منها.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-238>[سورة البقرة (٢): آية ٢٣٩]</span>\nفَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أَوْ رُكْبانًا فَإِذا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (٢٣٩)\nأي لا تخلّوا بمناجاتي لأوقاتها على الوصف الذي أمكنكم فان ما تحسونه «٣» من أعدائكم أنا سلّطتهم عليكم، فاذا خلوتم بي بقلوبكم قصرت أيديهم عنكم، وجعلت لكم الظفر عليهم، ثم إذا زال عنكم الخوف وأمنتم فعودوا إلى استقراركم باستفراغ أوقاتكم فى الاعتكاف بحضرتي سرا وجهرا.\n_________\n(١) يحتمل انها (بخل) و(يخلّ)، فإذا عرفنا أن الصوفية عموما يتشددون في التعبد ويتفوقون فيه على الكافة أمكن القول أن المعنى ممكن أن ينصرف إلى بخل بمعنى أن القشيري يحذر من أن الاكتفاء بالفرض قد يؤدى إلى البخل به، وهذا بدوره يؤدى إلى أن بخل بشأنه وقد وردت بخل وبخل فى السياق فيما بعد- والله أعلم. [.....]\n(٢) وردت هكذا وقد نقلناها من النص دون تعديل وربما كانت (أبهم ذكرها عن البت) .\n(٣) يحتمل أن تكون (تخشونه) من أعدائكم وكلاهما مقبول، وإن كنا نؤثر (تخشونه) لتناسب «فَإِنْ خِفْتُمْ» فى الآية.","vol":"1","page":187},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-239>[سورة البقرة (٢): آية ٢٤٠]</span>\nوَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجًا وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٤٠)\nكانت عدّة الوفاة فى ابتداء الإسلام سنة مستديمة كقول العرب وفعلهم ذلك حيث يقول قائلهم:\nإلى الحول ثم اسم السلام عليكم ... ومن لبّاك حولا كاملا فقد اعتذر\nثم نسخ ذلك إلى أربعة أشهر وعشرة أيام إذ لا بد من انتهاء مدة الحداد ولقد قال قائلهم:\nقال: لو متّ لم أعش ... قلت: نافقت فاسكت\nأي حى رأيته ... مات وجدا بميّت؟! «١»\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-240>[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٤١ الى ٢٤٢]</span>\nوَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١) كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢٤٢)\nالإشارة ألا تجمعوا عليهن الفراق والحرمان فيتضاعف عليهن البلاء.\nكَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ الدلائل، فتتأدبوا بما أشير عليكم، وتفلحوا بما تعقلون من إشارات حكمى.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-241>[سورة البقرة (٢): آية ٢٤٣]</span>\nأَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ (٢٤٣) .\n_________\n(١) فى الشعر أخطاء كثيرة وقع فيها الناسخ فحاولنا إصلاحها بقدر الممكن ليكون مفهوما.","vol":"1","page":188},{"text":"لمّا استبعدوا قدرة الله فى الإعادة أراهم فى أنفسهم عيانا، ثم لم ينفع إظهار ذلك لمن لم يشحذ بصيرته فى التوحيد. ومن قويت بصيرته لم يضره عدم تلك المشاهدات فإنهم تحققوا بما أخبروا، لما آمنوا به بالغيب.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-242>[سورة البقرة (٢): آية ٢٤٤]</span>\nوَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٤٤)\nيعنى إن مسّكم ألم فتصاعد «١» منكم أنين فاعلموا أن الله سميع لأنينكم، عليم بأحوالكم، بصير بأموركم. والآية توجب تسهيل ما يقاسونه من الألم، وقالوا:\nإذا ما تمنى الناس روحا وراحة ... تمنيت أن أشكو إليك فتسمع\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-243>[سورة البقرة (٢): آية ٢٤٥]</span>\nمَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٤٥)\nسمّى القرض قرضا لأنه يقطع «٢» من ماله شيئا ليعطيه للمقترض، والمتصدّق لما يقطع الصدقة من ماله سميت صدقته قرضا، فالقرض القطع، ولكن هذه التسمية لحفظ قلوب الأحباب حيث خاطبك فى باب الصدقة باسم القرض ولفظه.\nويقال دلّت الآية على عظم رتبة الغنيّ حيث سأل منه القرض، ولكن رتبة الفقير فى هذا أعظم لأنه سأل لأجله القرض، وقد يسأل القرض من «٣» كل أحد ولكن لا يسأل لأجل كل أحد. وفى الخبر «مات رسول الله ﷺ ودرعه مرهونة عند أبى شحمة اليهودي على شعير أخذه لقوت عياله «٤» أبصر ممّن اقترض ولأجل من اقترض! ويقال القرض الحسن ما لا تتطلع عليه لجزاء ولا تطلب بسببه العوض.\n_________\n(١) وردت (فقصاعد) وواضح أنها خطأ فى النسخ.\n(٢) أخطأ الناسخ فجاءت (يقع) وقد اخترنا (يقطع) لتناسب القرض ... القطع كما سيذكر بعد.\n(٣) وردت (عن) والصحيح والملائم للسياق أن يقال (من) .\n(٤) للحديث بقية (... ولم يترك دينارا ولا درهما، ولم يقسم له ميراث ولم يوجد له فى بيت أثاث) البخاري ومسلم والترمذي عن عائشة (توفي ودرعه مرهونة عند يهودى بثلاثين)، وعن البيهقي بثلاثين صاعا من الشعير، والترمذي والنسائي والبيهقي عن ابن عباس بعشرين صاعا من طعام أخذه لأهله. وسنده حسن، ولم يترك ولا درهما، مسلم عن عائشة.","vol":"1","page":189},{"text":"ويقال القرض الحسن ألا يعطى على الغفلة، وإنما يعطى عن شهود.\nويقال القرض الحسن من العلماء «١» إذا كان عند ظهر الغنى، ومن الأكابر إذا كان بشرط الإيثار يعطى ما لا بد منه.\nويقال القرض الحسن من العلماء عن مائتين خمسة «٢»، وعلى لسان القوم بذل الكل، وزيادة الروح على ما يبذل.\nقوله جل ذكره: وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ.\nيقبض الصدقة من الأغنياء قبض قبوله، ويبسط عليهم بسط خلفه.\nويقال يقبض الرزق أي يضيق، يبسط الرزق أي يوسّع يقبض على الفقراء ليمتحنهم بالصبر، ويبسط على الأغنياء ليطالبهم بالشكر.\nويقال يقبض تسلية للفقراء ليطالبهم حتى لا يروا من الأغنياء، ويبسط لئلا يتقلدوا المنّة من الأغنياء.\nويقال قال للأغنياء: إذا أنا قبضت الرزق على الفقراء فلا تذروهم، وإذا أنا بسطت عليكم فلا تروا ذلك لفضيلة لكم.\nويقال قبض القلوب بإعراضه وبسطها بإقباله.\nويقال القبض لما غلب القلوب من الخوف، والبسط لما يغلب عليها من الرجاء.\nويقال القبض لقهره والبسط لبرّه.\nويقال القبض لسرّه والبسط لكشفه.\nويقال القبض للمريدين والبسط للمرادين.\nويقال القبض للمتسابقين «٣» والبسط للعارفين.\nويقال يقبضك عنك ثم يبسطك به.\n_________\n(١) يقصد القشيري بالعلماء. على لسان الشريعة، وبالأكابر- على لسان الحقيقة.\n(٢) يشير بذلك إلى مقدار زكاة المال وهى ربع العشر.\n(٣) ربما كانت «للسابقين» إشارة إلى قوله تعالى: «وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ» .","vol":"1","page":190},{"text":"ويقال القبض حقه، والبسط حظك.\nويقال القبض لمن تولّى عن الحق، والبسط لمن تجلّى له الحق.\nويقال يقبض إذا أشهدك فعلك، ويبسط إذا أشهدك فضله.\nويقال يقبض بذكر العذاب ويبسط بذكر الإيجاب.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-244>[سورة البقرة (٢): آية ٢٤٦]</span>\nأَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكًا نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلاَّ تُقاتِلُوا قالُوا وَما لَنا أَلاَّ نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا إِلاَّ قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٢٤٦)\nاستقبلوا الأمر بالاختيار، واقترحوا على نبيّهم بسؤال الإذن لهم فى القتال، فلمّا أجيبوا إلى ما ضمنوه من أنفسهم ركنوا إلى التكاسل، وعرّجوا في أوطان التجادل والتغافل. ويقال إنهم أظهروا التصلب والجد فى القتال ذبّا عن أموالهم ومنازلهم حيث:\nقالُوا وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ.\nفلذلك لم يتم قصدهم لأنه لم يخلص- لحقّ الله- عزمهم، ولو أنهم قالوا وما لنا ألا نقاتل فى سبيل الله لأنه قد أمرنا، وأوجب علينا، فإنه سيدنا ومولانا، ويجب علينا أمره- لعلّهم وفّقوا لإتمام ما قصدوه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-245>[سورة البقرة (٢): آية ٢٤٧]</span>\nوَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكًا قالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ قالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٢٤٧)","vol":"1","page":191},{"text":"نسوا حق الاختيار فنظروا إلى الحال بعين الظاهر فاستبعدوا أن يكون طالوت ملكا لأنه «١» كان فقيرا لا مال له، فبيّن لهم أن الفضيلة باختيار الحق، وأنه وإن عدم المال فقد زاده الله علما ففضلكم بعلمه وجسمه، وقيل أراد أنه محمود خصال النفس ولم يرد عظيم البنية فإن فى المثل: «فلان اسم بلا جسم» أي ذكر بلا معنى.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-246>[سورة البقرة (٢): آية ٢٤٨]</span>\nوَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٤٨)\nإن الله سبحانه إذا أظهر نورا أمدّه بتأييد من قبله، فلما ملك طالوت عليهم أزال الإشكال عن صفته بما أظهر من آياته الدالة على صدق قول نبيّهم فى اختياره، فردّ عليهم التابوت الذي فيه السكينة، فاتضحت لهم آية ملكه، وأن نبيهم ﵇ صدقهم فيما أخبرهم.\nويقال إن الله تعالى جعل سكينة بنى إسرائيل فى التابوت الذي رضوا عن الألواح، وعصا موسى ﵇، وآثار صاحب نبوتهم. وجعل سكينة هذه الأمة «٢» فى قلوبهم، فقال: «هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ» ثم إن التابوت كان تتداوله أيدى الأعداء وغيرهم فمرّة كان يدفن ومرة كان يغلب عليه فيحمل، ومرة يرد ومرة ومرة ...\nوأما قلوب المؤمنين فحال بين أربابها وبينها، ولم يستودعها ملكا ولا نبيا، ولا سماء ولا هواء، ولا مكانا ولا شخصا، وقال ﷺ:\n_________\n(١) وردت (كأنه) وهى خطأ فى النسخ.\n(٢) يقصد أمة محمد ﷺ.","vol":"1","page":192},{"text":"«قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن» يعنى فى قبضة الحق سبحانه، وتحت تغليبه وتصريفه، والمراد منه «القدرة»، وشتّان بين أمة سكينتهم فيما للأعداء عليه تسلّط وأمة سكينتهم فيما ليس لمخلوق عليه سلطان.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-247>[سورة البقرة (٢): آية ٢٤٩]</span>\nفَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ قالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قالُوا لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩)\nالإشارة من هذه الآية أن الله سبحانه ابتلى الخلق بصحبة الخلق وبالدنيا وبالنّفس، ومن كانت صحبته مع هذه الأشياء على حدّ الاضطرار بمقدار القوام، وما لا بد منه نجا وسلم «١»، ومن جاوز حد الاضطرار وانبسط فى صحبته مع شىء من ذلك من الدنيا والنفس والخلق بموجب الشهادة «٢» والاختيار- فليس من الله فى شىء إن كان ارتكاب محظور، وليس من هذه الطريقة فى شىء إن كان على جهة الفضيلة وماله منه بد.\nثم قال جل ذكره: فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ.\nكذلك الخواص فى كل وقت يقل عددهم ولكن يجل قدرهم.\nقوله جل ذكره: فَلَمَّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قالُوا لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ.\nفنظروا إلى الحال بعين الظاهر فداخلهم شىء من رعب البشرية، فربط الله على قلوبهم بما ذكرهم من نصرة الحق سبحانه لأوليائه إذا شاء.\n_________\n(١) هذه درجة فى الاعتدال يتسم بها مذهب القشيري، يوفق بها بين الشريعة والحقيقة فى النظر إلى الدنيا والنفس والناس فى عرف أرباب القلوب.\n(٢) أي أن يشهد الدنيا والنفس والخلق في شىء من الأشياء والواجب أن يشهد الله فى كل شىء، غير أننا لا نستبعد أنها ربما كانت فى الأصل (الشهوة) أي أنه ليس من الله فى شىء من ينظر إلى هذه الأمور بشهوة واختيار. [.....]","vol":"1","page":193},{"text":"قوله جل ذكره: قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ.\nلا بهم ولكن بإذن الله، بمشيئته وعونه ونصرته، والله مع الصابرين بالنصرة والتأييد والقوة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-248>[سورة البقرة (٢): آية ٢٥٠]</span>\nوَلَمَّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٢٥٠)\nكان أهم أمورهم الصبر والوقوف للعدو، ثم بعده النصرة عليهم، فإن الصبر حق الحق، والنصرة نصيبهم، فقدّموا تحقيق حقه- سبحانه- وتوفيقه لهم، ثم وجود حظّهم من النصرة، ثم أشاروا إلى أنهم يطلبون النصرة عليهم- لا للانتقام منهم لأجل ما فاتهم من نصيبهم- ولكن لكونهم كافرين، أعداء الله.\nفقاموا بكل وجه لله بالله فلذلك نصروا ووجدوا الظفر.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-249>[سورة البقرة (٢): آية ٢٥١]</span>\nفَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ (٢٥١)\nهيّب الله الأعداء بطالوت لما زاده من البسطة فى الجسم ولكن عند القتال جعل الظفر على يدى داود. وكان كما فى القصة ربع القامة غير عظيم الجثة، مختصر الشخص، ولم يكن معه من السلاح إلا مقلاع، ولكن الظفر كان له لأن نصرة الله سبحانه كانت معه.\nقوله جل ذكره: فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ.\nفلم يبق منهم أثر ولا عين، وقتل داود جالوت. وداود بالإضافة إلى جالوت فى الضخامة والجسامة كان بحيث لا تتوهم غلبته إياه ولكن كما قال قائلهم.","vol":"1","page":194},{"text":"استقبلني وسيفه مسلول ... وقال لى واحدنا معذول «١»\nقوله جل ذكره: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ.\nلو تظاهر الخلق وتوافقوا بأجمعهم لهلك المستضعفون لغلبة الأقوياء ولكن شغل بعضهم ببعض ليدفع بتشاغلهم شرّهم عن قوم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-250>[سورة البقرة (٢): آية ٢٥٢]</span>\nتِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢٥٢)\nلم يكن فى علمك ولا فى وسع احتيالك الوقوف على هذه الغائبات من الكائنات التي سلفت، وإنما وقفت عليها بتعريف من قبل الله سبحانه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-251>[سورة البقرة (٢): آية ٢٥٣]</span>\nتِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ (٢٥٣)\nجمعتهم الرسالة ولكن تباينوا فى خصائص التفضيل، لكل واحد منهم أنوار، ولأنوارهم مطارح، فمنهم من هو أعلى نورا، وأتم من الرفعة وفورا. فلم تكن فضائلهم استحقاقهم على أفعالهم وأحوالهم، بل حكم بالحسنى أدركهم، وعاقبة بالجميل تداركتهم.\nقوله جل ذكره: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا، وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ.\n_________\n(١) ربما كانت (مخذول) .","vol":"1","page":195},{"text":"ولكنهم مصرّفون بالمشيئة الأزلية، ومسلوبون من الاختيار الذي عليه المدار وبه الاعتبار. والعبودية شدّ نطاق الخدمة وشهود سابق القسمة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-252>[سورة البقرة (٢): آية ٢٥٤]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤)\nيعنى اغتنموا مساعدة الإمكان فى تقديم الإحسان قبل فتور الجلد وانقضاء الأمل.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-253>[سورة البقرة (٢): آية ٢٥٥]</span>\nاللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِما شاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)\n«الله» اسم تفرّد به الحق- سبحانه فلا سمىّ له فيه. قال الله تعالى: «هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا» أي هل تعرف أحدا غيره تسمّى «الله»؟\nمن اعتبر فى هذا الاسم الاشتقاق فهو كالمتعارض، فهذا اسم يدل على استحقاق صفات الجلال لا على اشتقاق الألفاظ، فلا يعارض ما لا يعارض فيه من الأقوال.\nقوله «لا إله إلا هو»: إخبار عن نفى النظير والشبيه، بما استوجب من التقديس والتنزيه. ومن تحقق بهذه القالة لا يرى ذرّة من الإثبات بغيره أو من غيره فلا يرفع إلى غيره حاجته، ولا يشهد من غيره ذرة، فيصدق إليه انقطاعه، ويديم لوجوده انفراده، فلا يسمع إلا من الله وبالله، ولا يشهد إلا بالله، ولا يقبل إلا على الله، ولا يشتغل إلا بالله، فهو محو عما سوى الله، فما له شكوى ولا دعوى، ولا يتحرك منه لغيره عرق، فاذا استوفى الحق عبدا لم يبق للحظوظ- البتة- مساغ.\nثم إن هذه القالة تقتضى التحقق بها، والفناء عن الموسومات بجملتها، والتحقق بأنه لا سبيل لمخلوق إلى وجود الحق- سبحانه، فلا وصل ولا فصل ولا قرب ولا بعد، فإن ذلك أجمع آفات لا تليق بالقدم.\nوقوله «الحي القيوم»: المتولى لأمور عباده، القائم بكل حركة، و(المحوى) «١»، لكل عين وأثر.\n_________\n(١) وردت هكذا ويحتمل أن تكون فى الأصل إما (المحيي) لتتلاءم مع (الحي) أو أن تكون (المجرى) أي القائم أو (القيوم) على ملكه:","vol":"1","page":196},{"text":"«لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ» لأنه أحدى لا ترهقه غفلة، وصمد لا تمسه علة، وعزيز لا تقاربه قلة، وجبار لا تميزه عزلة، وفرد لا تضمه جثة، ووتر لا تحده جهة، وقديم لا تلحقه آفة، وعظيم لا تدركه مسافة.\nتقدّس من جماله جلاله، وجلاله جماله، وسناؤه بهاؤه، وبهاؤه سناؤه، وأزله أبده، وأبده سرمده، وسرمده قدمه، وقدمه وجوده قوله جل ذكره: لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ.\nملكا وإبداعا، وخلقا واختراعا.\nمَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ.\nمن ذا الذي يتنفس بنفس (...) «١» إلا بإجرائه، أو يتوسل إليه من دون إذنه وإبدائه. ومن ظنّ أنه يتوسل إليه باستحقاق أو عمل، أو تذلل أو أمل، أو قربة أو نسب، أو علة أو سبب- فالظنّ وطنه والجهل مألفه والغلط غايته والبعد قصاراه.\nقوله جل ذكره: يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ.\nلأنه لا يخرج عن علمه معلوم، ولا يلتبس عليه موجود ولا معدوم.\nوَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ.\nيعنى من معلوماته، أي تقاصرت العلوم عن الإحاطة بمعلوماته إلا باذنه.\nفأى طمع لها فى الإحاطة بذاته وحقه؟ وأنّى تجوز الإحاطة عليه وهو لا يقطعه فى عزّه أمد، ولا يدركه حدّ؟! قوله جل ذكره: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ.\nخطاب لهم على قدر فهمهم. وإلا فأى خطر للأكوان عند صفاته؟\nجلّ قدره عن التعزز بعرش أو كرسى، والتجمل بجن أو إنسى.\n_________\n(١) مشتبهة فى (ص) ويحتمل أن تكون مشطوبة لزيادتها فهناك شبه علامة على ذلك.","vol":"1","page":197},{"text":"قوله جل ذكره: وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ.\nكيف تتعب المخلوقات من خلق الذرة والكون بجملته- له سواء فلا من القليل له نيسّر، ولا من الكثير عليه تعسّر.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-254>[سورة البقرة (٢): آية ٢٥٦]</span>\nلا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لا انْفِصامَ لَها وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦)\nفإن الحجج لائحة، والبراهين ظاهرة واضحة.\nقَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ.\nوامتاز الليل بظلامه عن النهار بضيائه، والحقوق الأزلية معلومة، والحدود الأولية معلولة فهذا بنعت القدم وهذا بوصف العدم.\nفَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وطاغوت كلّ واحد ما يشغله عن ربه وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ والإيمان حياة القلب بالله فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى الاستمساك بالعروة الوثقى الوقوف عند الأمر والنهى، وهو سلوك طريق المصطفى ﷺ وعلى آله.\nلَا انْفِصامَ لَها وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ.\nفمن تحقق بها سرا، وتعلّق بها جهرا فاز فى الدارين وسعد فى الكونين.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-255>[سورة البقرة (٢): آية ٢٥٧]</span>\nاللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٥٧)\nالولي بمعنى المتولى لأمورهم، والمتفرد بإصلاح شئونهم، ويصح أن يكون الولي على وزن فعيل فى معنى المفعول فالمؤمنون يقولون «١» طاعته. وكلاهما حق: فالأول جمع والثاني فرق،\n_________\n(١) أخطا الناسخ فكتبها (يقولون) بالقاف ونرجح أنها (يتولون) بالتاء.","vol":"1","page":198},{"text":"وكلّ جمع لا يكون مقيدا بفرق وكلّ فرق لا يكون مؤيدا بجمع فذلك خطأ وصاحبه مبطل «١» والآية تحمل عليهما جميعا.\nيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ يعنى بحكمه الأزلى صانهم عن الظلمات التي هى الضلال والبدع، لأنهم «٢» ما كانوا فى الظلمات فط فى سابق علمه.\nوَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ ما استهواهم من دواعى الكفر يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ.\nباستيلاء الشبه على قلوبهم، فيجحدون الربوبية، أولئك الذين بقوا عن الحق بقاء أبديا.\nويقال يخرجهم من ظلمات تدبيرهم إلى سمة شهود تقديره.\nويقال يخرجهم من ظلمات ظنونهم أنهم يتوسلون أو يصلون إليه بشىء من سكناتهم وحركاتهم.\nويقال يخرجهم من ظلماتهم بأن يرفع عنهم ظلّ أنفسهم ويدخلهم في ظل عنايته.\nويقال يخلصهم عن حسبان النجاة بهم.\nويقال يحول بينهم وبين الاعتماد على أعمالهم والاستناد إلى أحوالهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-256>[سورة البقرة (٢): آية ٢٥٨]</span>\nأَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٢٥٨)\n_________\n(١) يقصد القشيري من ذلك أن الفرق ضرورى وهام إذ يتسنى للعبد خلاله أن يؤدى ما عليه من فرائض، وهذا ركن أساسى فى مذهب القشيري وغيره من الشيوخ الثقات.\n(٢) سقطت (ما) والمعنى يتطلبها.","vol":"1","page":199},{"text":"عجّل الحق سبحانه لاعدائه عقوبة الفرقة قبل أن يعاقبهم بالحرقة، وهذه العقوبة أشد أثرا فى التحقيق- لو كانت لهم عين البصيرة. وإن الحق سبحانه أخبر أن إبراهيم ﵇ انتقل مع العدو اللعين من الحجة الصحيحة إلى أخرى، أوضح منها- لا لخلل فى الحجة- ولكن لقصور فى فهم الكافر، ومحكّ من سدّت بصائره عن التحقيق تضييع الوقت بلا فائدة تجدى، لا بمقدار ما يكون من الحاجة لأمر لا بدّ منه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-257>[سورة البقرة (٢): آية ٢٥٩]</span>\nأَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٥٩)\nلم يكن ذلك سؤال جحد، ولا قضية جهل، ولا دلالة شك فى القدرة، فإن هذا الخبر عن عزير النبي ﵇، والأنبياء ﵈ لا يجوز عليهم الشّكّ والجهل، ولكنه كان سؤال تعجّب، وأراد بهذه المقالة زيادة اليقين، فأراه الله ذلك فى نفسه، بأن أماته","vol":"1","page":200},{"text":"ثم أحياه ثم بعث حماره وهو ينظر إليه، فازداد يقينا على يقين. وسؤال اليقين من الله، والحيلة فى ردّ الخواطر المشكلة، ديدن المتعرفين، ولذلك (.....) «١» الله سبحانه عزيرا فى هذه المقالة حتى قدّر عليه ما طلب من زيادة اليقين فيه. ثم قال «واعلم أن الله على كل شىء قدير» من الإحياء والإماتة أي ازددت معرفة بذلك، وأرانى من عظيم الآيات ما ازداد به يقينا فإنّ طعامه وشرابه لم يتغيرا فى طول تلك المدة، وحماره مات بلا عظام.\nوالطعام والشراب بالتغيير أولى.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-258>[سورة البقرة (٢): آية ٢٦٠]</span>\nوَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٦٠)\nقيل كان فى طلب فى زيادة اليقين، فأراد أن يقرن حق اليقين بما كان له حاصلا من عين اليقين «٢» .\nوقيل استجلب خطابه بهذه المقالة إلى قوله سبحانه: «أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى» كنت أومن ولكنى اشتقت إلى قولك لى أو لم تؤمن، فإن بقولك لى «أَوَلَمْ تُؤْمِنْ» تطمينا لقلبى.\nوالمحبّ أبدا يجتهد فى أن يجد خطاب حبيبه على أي وجه أمكنه.\n_________\n(١) مشتبهة.\n(٢) من أقوال القشيري التي تتناثر فى كتبه نجد أنه ينظر للمعرفة على أنها ثلاث درجات.\n١- عقلية ونورها البرهان أو علم اليقين.\n٢- قلبية ونورها البيان أو عين اليقين:\n٣- كشفية ونورها العرفان أو حق اليقين، ويقول: (علم اليقين كالنجوم يطلع عليها بدر عين اليقين، ولكن كل الأنوار تتبدد أمام شمس حق اليقين) .\nاللطائف- التحبير فى التذكير ص ٧٠- الرسالة ص ٤٣، ٤٤ والواقع أن القشيري التزم بهذا الترتيب التزاما دقيقا ولم يتخل عنه فى كل ما كتب.","vol":"1","page":201},{"text":"وقيل إنه طلب رؤية الحق سبحانه ولكن بالرمز والإشارة فمنع منها بالإشارة بقوله «وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» . وإن موسى﵇- لما سأل الرؤية جهرا وقال:\n«رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ» فردّ بالجهر صريحا وقيل له «لن ترانى» .\nوقيل إنما طلب حياة قلبه فأشير إليه بأن ذلك بذبح هذه الطيور، وفى الطيور الأربعة طاووس، والإشارة إلى ذبحه تعنى زينة الدنيا، وزهرتها، والغراب لحرصه، والديك لمشيته، والبط لطلبه لرزقه.\nولما قال إبراهيم ﵇: أرنى كيف تحيى الموتى؟ قيل له: وأرنى كيف تذبح الحي؟\nيعنى إسماعيل، مطالبة بمطالبة. فلمّا وفّى بما طولب به وفّى الحق سبحانه بحكم ما طلب.\nوقيل كان تحت ميعاد من الحق- سبحانه- أن يتخذه خليلا، وأمارة ذلك إحياء الموتى على يده، فجرى ما جرى.\nووصل بين «١» قصة الخليل ﷺ فيما أراه وأظهره على يده من إحياء الموتى وبين عزير إذ أراه فى نفسه لأن الخليل يرجح على عزير فى السؤال وفى الحال، فإن إبراهيم﵇- لم يردّ عليه فى شىء ولكنه تلطّف فى السؤال، وعزير كلمه كلام من يشبه قوله قول المستبعد، فأراد الحق أن يظهر له أقوى معجزة وأتمّ دلالة حيث أظهر إحياء الموتى على يده حين التبس على نمرود ما قال إبراهيم﵇- ربى الذي يحيى ويميت، فقال «أنا أحيى وأميت» أراد إبراهيم أن يريه الله سبحانه إحياء الموتى ليعلم أنه ليس هو الذي ادّعى.\nوفى هاتين الآيتين رخصة لمن طلب زيادة اليقين من الله ﷾ فى حال النظر «٢» .\nويقال إن إبراهيم أراد إحياء القلب بنور الوصلة بحكم التمام، فقيل له: «أَوَلَمْ تُؤْمِنْ» يعنى أما تذكر حال طلبك إيانا حين كنت تقول لكل شىء رأيته «هذا ربى» فلم تدر كيف بلّغناك إلى هذه الغاية، فكذلك يوصلك إلى ما سمعت إليه همّتك.\n_________\n(١) جميل من القشيري أن يوضح التماسك والالتئام فى السياق القرآنى بين قصة وقصة.\n(٢) خصوصا فى مرحلة البداية من أجل تصحيح الإيمان.","vol":"1","page":202},{"text":"والإشارة من هذا أن حياة القلب لا تكون إلا بذبح هذه الأشياء يعنى النفس فمن لم يذبح نفسه بالمجاهدات لم يحى قلبه بالله.\nوفيه إشارة أيضا وهو أنه قال قطّع بيدك هذه الطيور، وفرّق أجزاءها، ثم ادعهنّ يأتينك سعيا، فما كان مذبوحا بيد صاحب الخلة، مقطعا مفرّقا بيده- فإذا ناداه استجاب له كل جزء مفرّق.. كذلك الذي فرّقه الحق وشتّته فإذا ناداه استجاب:\nولو أنّ فوقى تربة ودعوتني ... لأجبت صوتك، والعظام رفات\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-259>[سورة البقرة (٢): آية ٢٦١]</span>\nمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١)\nفالخلف لهم الجنة، والذين ينفقون أرواحهم فى سبيل الله فالخلف عنهم الحقّ سبحانه، وشتان بين خلف من أنفق ماله فوجد مثوبته، ومن أنفق حاله فوجد قربته فإنفاق المال فى سبيله بالصدقة، وإنفاق الأحوال فى سبيله بملازمة الصدق، وبنفي كل حظ ونصيب، فترضى لجريان حكمه عليك من غير تعبيس القلب، قال قائلهم:\nأريد وصاله ويريد هجرى ... فأترك ما أريد لما يريد\nوالإنفاق على ضربين: إنفاق العابدين وإنفاق الواجدين. أمّا العابدون فاذا أنفقوا حبّة ضاعف لهم سبعين إلى ما ليس فيه حساب، وأما الواجدون فكما قيل:\nفلا حسن نأتى به يقبلونه ... ولا إن أسأنا كان عندهم محو\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-260>[سورة البقرة (٢): آية ٢٦٢]</span>\nالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢)\nالمنّ شهود ما تفعله، والأذى تذكيرك- لمن أحسنت إليه- إحسانك.","vol":"1","page":203},{"text":"ويقال ينفقون ما ينفقون ثم لا يشهدون البتة أفعالهم ولا أعمالهم.\nويقال كيف يمنون بشىء تستعذرونه وتستحقونه.\nويقال لا يمنون بفعلهم بل يشهدون المنة لله بتوفيق ذلك عليهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-261>[سورة البقرة (٢): آية ٢٦٣]</span>\nقَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (٢٦٣)\nيعنى قول- للفقير المجرد- يرد به من تعرض له بإظهار العذر خير وأتم من صدقة المعجب بفعله، وما يتبع من إلزام المنة فيه.\nويقال إقرار منك مع الله بعجزك وجرمك، وغفران الله لك على تلك القالة- خير من صدقة بالمنّ مشوبة، وبالأذى مصحوبة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-262>[سورة البقرة (٢): آية ٢٦٤]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (٢٦٤)\nإنما يحمل جميل المنة من الحق سبحانه، فأمّا من الخلق فليس لأحد على غيره منّة فإنّ تحمل المنن من المخلوقين أعظم محنة، وشهود المنة من الله أعظم نعمة، قال قائلهم:\nليس إجلالك الكبار بذلّ ... إنما الذّلّ أن تجلّ الصّغارا\nويقال أفقر الخلق من ظنّ نفسه موسرا فيبين له إفلاسه، كذلك أقل الخلق قدرا من ظن أنه على شىء فيبدو له من الله ما لم يكن يحتسبه.","vol":"1","page":204},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-263>[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٦٥ الى ٢٦٦]</span>\nوَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٦٥) أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَأَصابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢٦٦)\nهذه آيات كثيرة ذكرها الله تعالى على جهة ضرب المثل للمخلص والمنافق: لمن أنفق فى سبيل الله، ولمن أنفق ماله فى الباطل فهؤلاء يحصل لهم الشرف والخلف، وهؤلاء لا يحصل لهم فى الحال إلا الردّ، وفى المآل «١» إلا التلف. وهؤلاء ظلّ سعيهم مشكورا، وهؤلاء يدعون ثبورا ويصلون سعيرا هؤلاء تزكو أعمالهم وتنمو أموالهم وتعلو عند الله أحوالهم وتكون الوصلة مآلهم، وهؤلاء حبطت أعمالهم وخسرت أحوالهم وختم بالسوء آمالهم ويضاعف عليهم وبالهم.\nويقال مثل هؤلاء كالذى أنبت زرعا فزكا أصله ونما «٢» فصله، وعلا فرعه وكثر نفعه. ومثل هؤلاء كالذى خسرت صفقته وسرقت بضاعته وضاعت- على كبره «٣» -\n_________\n(١) وردت (المال) والصحيح أنها (المآل) على عادة القشيري فى المقابلة بين ما يحدث فى الدنيا وفى الآخرة بين الحال والمآل.\n(٢) وردت (نماء) والصحيح أنها فعل (نما) لينسجم التركيب الداخلى للأسلوب.\n(٣) إشارة إلى ما فى الآية: (وأصابه الكبر) .","vol":"1","page":205},{"text":"حيلته وتواترت من كل وجه وفى كل وقت محنته.... هل يستويان مثلا؟ وهل يتقاربان شبها؟\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-264>[سورة البقرة (٢): آية ٢٦٧]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧)\nلينظر كلّ واحد ما الذي ينفقه لأجل نفسه، وما الذي يخرجه بأمر ربه. والذي يخرج عليك من ديوانك: فما كان لحظّك فنفائس ملكك، وما كان لربك فخصائص مالك الذي لله (فاللّقمة لقمته) «١»، والذي لأجلك فأكثرها قيمة وأكملها نعمة.\nثم أبصر كيف يستر عليك بل كيف يقبله منك بل أبصر كيف يعوضك عليه، بل أبصر كيف يقبله منك، بل أبصر كيف بمدحك بل أبصر كيف ينسبه إليك الكلّ منه فضلا لكنه ينسبه إليك فعلا «٢»، ثم يونى عليك عطاءه ويسمى العطاء جزاء، يوسعك بتوفيقه برّا، ثم يملأ العالم منك شكرا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-265>[سورة البقرة (٢): آية ٢٦٨]</span>\nالشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦٨)\nيعد الشيطان الفقر لفقره، والله يعد المغفرة لكرمه.\n_________\n(١) وردت هكذا (فلقمته لقمته) ويحتمل أن تكون كما أثبتنا، أو أن تكون فالقيمة لقيمته بدليل ما بعدها. [.....]\n(٢) تأمل كيف يرى القشيري قيمة العمل الإنسانى: إنه على الحقيقة فضل من الله ولكن من الناحية النسبية فعل للانسان ... وهذه مسألة هامة تتفرع عنها قضايا كلامية كثيرة يختلف فيها عن المعتزلة.","vol":"1","page":206},{"text":"الشيطان يعدكم الفقر فيشير عليكم بإحراز المعلوم، ويقال يشير عليكم- بطاعته- بالحرص ولا فقر فوقه.\nيعدكم الفقر بالإحالة على تدبيركم واختياركم.\nيعدكم الفقر بنسيان ما تعوّدتموه من فضله- سبحانه «١» .\nويقال يعدكم الفقر بأنه لا يزيد شكايتك.\nويقال يعدكم الفقر بتعليق قلبك بما لا تحتاج إليه.\nويقال بالتلبيس عليك رؤية كفايته.\n«وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ» أي الرغبة فى الدنيا، ويقال بالأسباب التي تقوى الحرص، ويقال بكثرة الأمل ونسيان القناعة، ويقال بمتابعة الشهوات، ويقال بإيثار الحظوظ، ويقال بالنظر إلى غيره، ويقال بإخطار شىء سواه ببالك.\nويقال بالانحطاط إلى أوطان الرّخص والتأويلات بعد وضوح الحق.\nويقال بالرجوع إلى ما تركته لله.\n«وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا»: الفضل الموعود- فى العاجل- القناعة، وفى الآجل الثواب والجنان والرؤية والرضوان و(....) «٢» والغفران.\nويقال فى العاجل الظفر بالنفس، ويقال فتح باب العرفان، ونشر بساط القرب، والتلقي لمكاشفات الأنس.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-266>[سورة البقرة (٢): آية ٢٦٩]</span>\nيُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَما يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُوا الْأَلْبابِ (٢٦٩) .\n_________\n(١) أضفنا (سبحانه) ليمتنع اللبس وهى غير موجودة فى (ص) .\n(٢) هنا لفظة مشتبهة أقرب ما تكون إلى (العفو) ولكننا آثرنا عدم إثباتها فى النص لعدم التأكد.","vol":"1","page":207},{"text":"الحكمة: يحكم عليكم خاطر الحقّ لا داعى النفس، وتحكم عليكم قواهر الحق لا زواجر الشيطان.\nويقال الحكمة صواب الأمور.\nويقال هى ألا تحكم عليك رعونات البشرية.\n(ومن لا حكم له على نفسه لا حكم له على غيره) «١» .\nويقال الحكمة موافقة أمر الله تعالى، والسّفه مخالفة أمره.\nويقال الحكمة شهود الحق والسّفه شهود الغير قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-267>[سورة البقرة (٢): آية ٢٧٠]</span>\nوَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (٢٧٠)\nقوم توعّدهم بعقوبته، وآخرون توعدهم بمثوبته.. وآخرون توعدهم بعلمه فهؤلاء العوام «٢» وهؤلاء الخواص. قال تعالى: «وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا» فلا شىء يوجب سقوط العبد من عين الله كمخالفته لعهوده معه بقلبه، فليحذر المريد من إزلال «٣» نفسه فى ذلك غاية الحذر.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-268>[سورة البقرة (٢): آية ٢٧١]</span>\nإِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٧١) .\n_________\n(١) ربما وقع الناسخ فى خطأ حين وضع هذه الجملة فى هذا المكان، والأقرب أن تكون بعد كلمة (زواجر الشيطان) فنحن نعرف من مذهب القشيري أنه يرى أن الشيطان لا يملك أن يغرى الخلق (لأنه لو كان قادرا على ذلك لكان يمسك على الهداية نفسه، ومن عجز أن يحافظ على نفسه كان في إغراء غيره أشد عجزا) قال تعالى: «إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ» .\n(٢) العوام هنا تنصرف إلى الموعودين بالمثوبة والمتوعدين بالعقوبة.\n(٣) (إزلال) بالزاي معناها الإيقاع فى الزلة والتسبب فى ارتكابها، أوضحناها حتى لا تلتبس (بإذلال) ومع ذلك فيمكن قبول (إذلال) بالذال إذا فهمنا أن سقوط العبد من عين الله هو (ذلة) لنفسه.","vol":"1","page":208},{"text":"إن أظهرت صحبتك معنا وأعلنت فلقد جوّدت وأحسنت، وإن حفظت سرّنا عن دخول الوسائط بيننا صنت شروط الوداد، وشيّدت من بناء الوصلة العماد.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-269>[سورة البقرة (٢): آية ٢٧٢]</span>\nلَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَما تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (٢٧٢)\nلك المقام المحمود، واللواء المعقود، والرتب الشريفة، والمنازل العلية، والسنن المرضية.\nوأنت سيد الأولين والآخرين، ولا يدانيك أحد- فضلا عن أن يساميك، ولكن ليس عليك هداهم فالهداية من خصائص حقنا، وليس للأغيار منه شظية. يا محمد: أنت تدعوهم ولكن نحن نهديهم «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-270>[سورة البقرة (٢): آية ٢٧٣]</span>\nلِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافًا وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢٧٣)\nأخذ عليهم سلطان الحقيقة كل طريق، فلا لهم فى الشرق مذهب، ولا لهم فى الغرب مضرب. كيفما نظروا رأوا سرادقات التوحيد محدقة بهم:\nكأنّ فجاج الأرض ضاقت برحبها ... عليهم فما تزداد طولا ولا عرضا\n_________\n(١) من هذه الفقرة يتضح موقف التصوف الإسلامى الحق في نظرته إلى الرسول صلوات الله عليه وليس في الأمر- كما ترى- جموح أو شطط (قارن ذلك بنظرة ابن عربى وتلاميذه) .","vol":"1","page":209},{"text":"ولا يسلم لهم نفس مع الخلق، وأنّى بذلك ولا خلق!! وإذا لم يكن فإثبات ما ليس شرك (سقها) «١» فى التوحيد.\nوالفقير الصادق واقف مع الله بالله، لا إشراف للأجانب عليه، ولا سبيل لمخلوق إليه تنظره عين الأغيار فى لبسة سوى ما هو به قال تعالى: «يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ»، فأما من كان ذا بصيرة فلا إشكال عليه في شىء من أحوالهم. تعرفهم يا محمد- أنت- بسيماهم، فليست تلك السيماء مما يلوح للبصر ولكنها سيماء تدركها البصيرة. لا إشراف عليهم إلا بنور الأحدية.\nويقال «تعرفهم بسيماهم»: استبشار قلوبهم عند انكسار نفوسهم، وصياح أسرارهم إلى العرش (نشاطا عنه) عند ذبول ظاهرهم عن الانتعاش «٢» .\nويقال تكسر الظاهر عند تكسر الباطن وبالعكس من هذه لا يسألون الناس إلحافا، فإن جرى منهم من الخلق بدون الإلحاف سؤال- لما يشير إليه دليل الخطاب- فذلك صيانة لهم ولسر قصتهم، لئلا يلاحظهم الخلق بعين السؤال، وليس على سرّهم ذرة من الإثبات للأغيار «٣» .\nويقال: «أحصروا فى سبيل الله»: وقفوا على حكم الله، وأحصروا نفوسهم على طاعته وقلوبهم على معرفته، وأرواحهم على محبته، وأسرارهم على رؤيته.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-271>[سورة البقرة (٢): آية ٢٧٤]</span>\nالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤)\nما دام لهم مال لا يفترون ساعة عن إنفاقه ليلا ونهارا، فإذا تفد المال لا يفترون عن شهوده لحظة ليلا ونهارا.\n_________\n(١) مشتبهة وقد أثرنا أن ننقلها كما هى وربما كانت (سقما) أي علة فى التوحيد.\n(٢) العبارة فيها شىء من غموض نتيجة اشتباه ما بين القوسين ولكن المراد- والله أعلم- أنه بينما تبدوا ظواهرهم ذابلة بحكم التواضع والانكسار فإن أسرارهم جادة فى التسبيح من حول العرش.\n(٣) هنا يبدو القشيري متأثرا بتعاليم أهل الملامة النيسابورية.","vol":"1","page":210},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-272>[سورة البقرة (٢): آية ٢٧٥]</span>\nالَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عادَ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٧٥)\nمن أعرض عن الأمر، ورخّص لنفسه بما يسوّله له خاطره من التأويل فلا استقلال لهم فى الحال ولا انتعاش فى المآل خسروا فى عاجلهم ولم يربحوا فى آجلهم.\nومن انتبه بزواجر الوعظ، وكبح لجام الهوى، ولم يطلق عنان الإصرار فله الإمهال فى الحال، فإن عاد إلى مذموم تلك الأحوال فلينتظروا أوشك الاستئصال وفجاءة النّكال.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-273>[سورة البقرة (٢): آية ٢٧٦]</span>\nيَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦)\nما كان بإذن منه- سبحانه- من التصرّفات فمقرون بالخيرات، ومصحوب بالبركات.\nوما كان بمتابعة الهوى يسلّط عليه المحق، وكانت عاقبة أمره الخسران قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-274>[سورة البقرة (٢): آية ٢٧٧]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٧)\nإن الذين كانوا لنا يكفيهم ما يجدون منّا، لا نضيع أجر من أحسن عملا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-275>[سورة البقرة (٢): آية ٢٧٨]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨)","vol":"1","page":211},{"text":"الاكتفاء بموعود الربّ خير للمسلم من تعليق قلبه بمقصود نفسه.\nومقصودك من تسويلات النفس، وموعودك مما ضمنه الحق.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-276>[سورة البقرة (٢): آية ٢٧٩]</span>\nفَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ (٢٧٩)\nإن صاحب الإصرار ليس له عندنا وزن ولا مقدار، ولا قدر ولا أخطار.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-277>[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٨٠ الى ٢٨١]</span>\nوَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠) وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٨١)\nإذا تقرر عند القاضي إفلاس المحبوس فلا تحل له استدامة حبسه، وإن ظهرت لذى الحق حجة المفلس فذلك مرتهن بحق خصمه، ولكنه فى إمهال وإنظار. والرب لا يحكم بهذا علينا فمع علمه بإعسارنا وعجزنا، وصدق افتقارنا إليه وانقطاعنا له- يرحمنا.\nقوله «إلى ميسرة»: ليس للفقير المفلس وجه يحصل له منه شىء إلا من حيث ما جعل الله سبحانه من سهم الغارمين، فأمّا من جهة الغلات فالغلة تدخل من رقاب الأموال والعقد..\nوأنّى للمفلس به؟! وأمّا الربح فى التجارة من تقليب رأس المال والتصرّف فيه.. فأنّى للمفلس به؟! ما بقي للمفلس إلا قول من قال من الفقهاء (..........) «١» وإن كان ضعيفا، فذلك لمن بقيت له منة الحراك أما المفلس عن قوته- كما هو مفلس عن ماله- ما بقي له وجه إلا ما يسبب له مولاه.\nقوله جل ذكره: وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ.\n_________\n(١) هنا عبارة مطموسة.","vol":"1","page":212},{"text":"الرجوع على ضربين: بالأبشار والنفوس غدا عند التوفى، وبالأسرار والقلوب فى كل نفس محاسبة نقد ووعد، فنقد مطالبته أحقّ مما سيكون فى القيامة من وعده.\nوقال للعوام: «واتقوا يوما» وقال للخواص: «وإياى فاتقون» قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-278>[سورة البقرة (٢): آية ٢٨٢]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلى أَجَلِهِ ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلاَّ تَرْتابُوا إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوها وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢)","vol":"1","page":213},{"text":"أمر الله سبحانه الخلق بالقيام بالصدق، وعلّمهم كيفية معاملاتهم فيما بينهم، والأخذ بالاحتياط والاستشهاد لئلا يجرى- بعضهم على بعض- حيفا، وذلك من مقتضى رحمته سبحانه عليهم، وموجب رفقه بهم كيلا يتخاصموا. فأمر بتحصين الحقوق بالكتابة والإشهاد، وأمر الشهود بالتحمل ثم بالإقامة.\nومن شرع اليوم ما يقطع الخصومة بينهم فبالحرى أن يجرى ما يرفع فى الآخرة آثار الخصومة «١» بينهم، وفى الخبر المنقول: تواهبوا فيما بينكم فقد وهبت منكم مالى عليكم، فإن الكريم إذا قدر غفر.\nوفيما شرع من الدين «٢» رفق بأرباب الحاجات، لأن الحاجة تمس فيحمله الحال على الاحتيال، ويضيق به الصدر عن الاحتمال، ويمنعه حفظ التجمل عن الكدية والسؤال، فأذن له فى الاستدانة ليجبر أمره فى الحال، وينتظر فضل الله فى المآل، وقد وعد على الإدانة الثواب الكثير، وذلك من لطفه تعالى.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-279>[سورة البقرة (٢): آية ٢٨٤]</span>\nلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤)\n_________\n(١) وردت (الحكومة) ونظن أنها خطأ فى النسخ وأن الأصل (الخصومة) .\n(٢) ضبطناها هكذا وذلك هو الملائم للسياق.","vol":"1","page":214},{"text":"من المعاني والدعاوى، ويقال من القصود والرغائب، وفنون الحوائج والمطالب.\nويقال ما «تبديه»: العبادة، «وما تخفيه» الإرادة.\nويقال ما «تخفيه»: الخطرات و«ما تبديه»: «العبارات» .\nويقال ما «تخفيه»: السكنات والحركات «١» ويقال الإشارة فيه إلى استدامة المراقبة واستصحاب المحاسبة، فلا تغفل «٢» خطرة ولا تحمل وقتك نفسا «٣» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-280>[سورة البقرة (٢): آية ٢٨٥]</span>\nآمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)\nهذه شهادة الحق- سبحانه- لنبيّهﷺ وعلى آله- بالإيمان، وذلك أتمّ له من إخباره عن نفسه بشهادته.\nويقال آمن الخلق كلّهم من حيث البرهان وآمن الرسول﵇- من حيث العيان.\nويقال آمن الخلق بالوسائط وآمن محمدﷺ- بغير واسطة.\n_________\n(١) ربما كانت فى الأصل «تخفيه» السكنات «وتبديه» الحركات وسقطت تبديه من الناسخ. [.....]\n(٢) وردت (تعقل وربما صحت على أساس أن تعقل (بمعنى تحبس) أو بمعنى استخدام العقل، وهو فى هذه الحالة آفة تعترض الفناء الكامل.\n(٣) ضبطناها هكذا لأن الانتباه إلى (النّفس) أمارة عدم اكتمال الفناء.","vol":"1","page":215},{"text":"ويقال هذا خطاب الحق معه ليلة المعراج على جهة تعظيم القدر فقال «آمن الرسول»، ولم يقل آمنت، كما تقول لعظيم الشأن من الناس: قال الشيخ، وأنت تريد قلت.\nويقال آمن الرسول والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، ولكن شتان بين إيمان وإيمان، الكلّ آمنوا استدلالا، وأنت يا محمد آمنت وصالا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-281>[سورة البقرة (٢): آية ٢٨٦]</span>\nلا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْرًا كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٢٨٦)\nلكمال رحمته بهم وقفهم على حد وسعهم ودون ذلك بكثير، كل ذلك رفق منه وفضل.\nلَها ما كَسَبَتْ من الخيرات.\nوَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ ما تكسبه من التوبة التي تنجّى من كسب «١» .\nقوله جل ذكره: رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْرًا كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا، رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ كان إذا وقعت حاجة كلّموه بلسان الواسطة. قالوا «يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ» وهذه الأمة قال لهم: «وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ» .\nوكانت الأمم (السالفة) «٢» إذا أذنبوا احتاجوا إلى مضى مدة لقبول التوبة، وفى هذه الأمة قال ﷺ: «الندم توبة» .\nوكانت الأمم السالفة منهم من قال اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، وهذه الأمة اختصت بإشراق أنوار توحيدهم، وخصائصهم أكثر من أن يأتى عليه الشرح.\n_________\n(١) قد يبدو للوهلة الأولى ان القشيري فى استخراج إشارته من (لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت) يتجه اتجاها مخالفا للتفسير التقليدى، ولكن الواقع ان إشارة القشيري مرتبطة بمذهبه فى أن الله خالق كل شىء حتى أفعال العباد، فهو خالق التوبة وحين يتقبلها تعود (على) العبد، انظر مثلا تفسيره (ويتوب عليكم) من سورة النساء.. من هذا الكتاب) .\n(٢) (السالفة) موجودة فى الهوامش فأثبتناها فى موضعها من المتن.","vol":"1","page":216},{"text":"قوله جل ذكره: وَاعْفُ عَنَّا فى الحال وَاغْفِرْ لَنا فى المآل وَارْحَمْنا، أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ.\nفى جميع الأحوال إذ ليس لنا أحد سواك، فأنت مولانا فاجعل النصرة لنا على ما يشغلنا عنك.\nولما قالوا «وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْرًا كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا» خسف الله ذنوبهم بدل خسف المتقدمين، فأبدل ذنوبهم حسنات بدل مسخهم، وأمطر عليهم الرحمة بدل ما أمطر على المتقدمين من الحجارة.\nوالحمد الله رب العالمين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-282>السورة التي يذكر فيها آل عمران</span>\n«بسم الله الرحمن الرحيم» اختلف أهل التحقيق فى اسم «الله» هل هو مشتق من معنى أم لا؟ فكثير منهم قالوا إنه ليس بمشتق من مغني، وهو له سبحانه على جهة الاختصاص «١»، يجرى فى وضعه مجرى أسماء الأعلام فى صفة غيره، فاذا قرع بهذا اللفظ أسماء أهل المعرفة لم تذهب فهومهم ولا علومهم إلى معنى غير وجوده سبحانه وحقه. وحقّ هذه القالة أن تكون مقرونة بشهود القلب فاذا قال بلسانه «الله» أو سمع بآذانه شهد بقلبه «الله» .\nوكما لا تدل هذه الكلمة على معنى سوى «الله» لا يكون مشهود قائلها إلا «الله» فيقول بلسانه «الله»، ويعلم بفؤاده «الله»، ويعرف بقلبه «الله»، ويحب بروحه «الله»،\n_________\n(١) وردت (الاقتصاص) .","vol":"1","page":217},{"text":"ويشهد بسره «الله»، ويتملق «١» بظاهره بين يدى الله، ويتحقق بسرّه الله، ويخلو بأحواله لله وفى الله فلا يكون فيه نصيب لغير الله، وإذا أشرف على أن يصير محوا فى الله لله بالله تداركه الحق سبحانه برحمته فيكاشفه بقوله «٢» الرحمن الرحيم استبقاء لمهجتهم أن تتلف، وإرادة فى قلوبهم أن تنقى فالتلطف سنّة منه سبحانه لئلا يفنى أولياؤه بالكلية.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-283>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١ الى ٢]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالم (١) اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢)\nأشار بقوله ألف إلى قيامه بكفايتك على عموم أحوالك، فأنت فى أسر الغفلة لا تهتدى إلى صلاحك ورشدك، وهو مجر ما يجبرك، وكاف بما ينصرك، فبغير سؤالك- بل بغير علمك بحالك- يكفيك من حيث لا تشعر، ويعطيك من غير أن تطلب.\nوالإشارة من اللام إلى لطفه بك فى خفىّ السّر حتى أنه لا يظهر عليك محل المنة فيما يثبتك فيه. والإشارة من الميم لموافقة جريان التقدير بمتعلقات الطّلبة من الأولياء، فلا يتحرك فى العالم شىء، ولا تظهر ذرة إلا وهو بمحل الرضا منهم حتى أن قائلا لو قال فى قوله: «كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ» إن ذلك الشأن تحقيق مراد الأولياء- لم يكن ذلك ببعيد.\nويقال تفرّق عن القلوب- باستماع هذه الحروف المقطعة التي هى خلاف عادة الناس فى التخاطب- كلّ معلوم ومرسوم، ومعتاد وموهوم، من ضرورة أو حسّ أو اجتهاد، حتى إذا خلت القلوب عن الموهومات والمعلومات، وصفىّ الأسرار عن المعتادات والمعهودات يرد هذا الاسم وهو قوله: «الله» على قلب مقدّس من كل غير، وسرّ مصفىّ عن كل كيف فقال «الم اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ» .\nفهو الذي لا يلهو فيشتغل عنك، ولا يسهو فتبقى عنه، فهو على عموم أحوالك رقيب سرّك إن خلوت فهو رقيبك، وإن توسطت الخلق فهو رقيبك «٣»، وفى الجملة- كيفما دارت بك الأحوال- فهو حبيبك.\n_________\n(١) استخدم القشيري هذا الفعل فى موضع مماثل عند قوله (تذكير ما سلف من الإنعام فتح لباب التملق فى اقتضاء أمثاله فى المستقبل) وفى موضع آخر (فيحمله صدق الإرادة على التملق والتضرع ص ٢٤٨ من هذا الجزء.\n(٢) وردت (بقو) .\n(٣) وردت فهو (قريبك) والمعنى يحتملها ولكن الانسجام فى الأسلوب يتطلب (رقيبك) مكررة","vol":"1","page":218},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-284>[سورة آل عمران (٣): الآيات ٣ الى ٤]</span>\nنَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ (٤)\nوما كنت يا محمد تدرى ما الكتاب، ولا قصة الأحباب، ولكنما صادفك اختيار أزلىّ فألقاك فى أمر عجيب شانه، جلىّ برهانه، عزيز محلّه ومكانه.\nمُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ.\nأي محققا لموعوده لك فى الكتاب على ألسنة الرسل ﵈.\nوَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ.\nأي إنا وإن أنزلنا قبلك كتبنا على المرسلين فما أخلينا كتابا من ذكرك، قال قائلهم:\nوعندى لأحبابنا الغائبين ... صحائف ذكرك عنوانها\nوكما أتممنا بك أنوار الأنبياء زيّنا بذكرك جميع ما أنزلنا من الأذكار.\nقوله جل ذكره: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ.\nوهو ذلّ الحجاب، ولكنهم لا يشعرون.\n«وَاللَّهُ عَزِيزٌ» على أوليائه «ذُو انْتِقامٍ» من أعدائه، عزيز يطلبه كل أحد، ولكن لا يجده- كثيرا- أحد.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-285>[سورة آل عمران (٣): آية ٥]</span>\nإِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ (٥)\nلا يتنفس عبد نفسا إلا والله ﷾ محصيه «١»، ولا تحصل فى السماء والأرض ذرة لا وهو سبحانه محدثه ومبديه، ولا يكون أحد بوصف ولا نعت إلا هو متوليه.\nهذا على العموم، فأمّا على الخصوص: فلا رفع أحد إليه حاجة إلا وهو قاضيها، ولا رجع أحد إليه فى نازلة إلا وهو كافيها.\n_________\n(١) وردت (محيصة) وهى خطا من الناسخ.","vol":"1","page":219},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-286>[سورة آل عمران (٣): آية ٦]</span>\nهُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦)\nهذا فيما لا يزال من حيث الخلقة، وهو الذي قدّر أحوالكم فى الأزل كيف شاء، وهذا فيما لم يزل من حيث القضاء والقسمة.\nلا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.\nفلا يعقّب حكمه بالنقض، أو يعارض تقديره بالإهمال والرفض.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-287>[سورة آل عمران (٣): آية ٧]</span>\nهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُوا الْأَلْبابِ (٧)\nجنّس عليهم الخطاب فمن ظاهر واضح تنزيله، ومن غامض مشكل تأويله. القسم الأول لبسط الشرع واهتداء أهل الظاهر، والقسم الثاني لصيانة الأسرار عن اطلاع الأجانب عليها، فسبيل العلماء الرسوخ فى طلب معناه على ما يوافق الأصول، فما حصل عليه الموقوف فمقابل بالقبول، وما امتنع من التأثر فيه بمعلول الفكر سلّموه إلى عالم الغيب.\nوسبيل أهل الإشارة والفهم إلقاء السمع بحضور القلب، فما سنح لفهومهم من لائح التعريفات بنوا (عليه) «١» إشارات الكشف.\n_________\n(١) فى ص (بنوا على) والأصوب (بنوا عليه) حتى تتماسك العبارة لأن الإشارة تنبنى على التعريف.","vol":"1","page":220},{"text":"إن (طولبوا) «١» باستدامة الستر وطىّ السّر تخارسوا عن النطق، وإن أمروا بالإظهار والنشر أطلقوا بيان الحق، ونطقوا عن تعريفات الغيبة، فأمّا الذين أيّدوا بأنوار البصائر فمستضيئون بشعاع شموس الفهم، وأمّا الذين ألبسوا غطاء الريب، وحرموا لطائف التحقيق، فتنقسم بهم الأحوال وتترجّم بهم الظنون، ويطيحون فى أودية الرّيب والتلبيس، فلا يزدادون إلا جهلا على جهل، ونفورا على شك.\nقوله جل ذكره: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ.\nومن وجد علمه من الله فيكون إيمانهم بلا احتمال جولان خواطر التجويز بل عن صريحات الظهور، وصافيات اليقين. وأمّا أصحاب العقول الصاحية ففى صحبة التذكر، لظهور البراهين و(....) «٢» أحكام التحصيل.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-288>[سورة آل عمران (٣): آية ٨]</span>\nرَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)\nما ازدادوا قربا إلا ازدادوا أدبا، واللياذ إلى التباعد أقوى أسباب رعاية الأدب «٣» .\nويقال حين صدقوا فى حسن الاستغاثة أمدّوا بأنوار الكفاية.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-289>[سورة آل عمران (٣): آية ٩]</span>\nرَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ (٩)\nاليوم جمع الأحباب على بساط الاقتراب، وغدا جمع الكافة لمحل الثواب والعقاب،\n_________\n(١) فى ص (طالبوا) والأوفق أن تبنى للمجهول مثل (أمروا) التي بعدها، لأن فاعليتهم حينئذ مفقودة.\n(٢) مشتبهة.\n(٣) ربما يقصد القشيري من هذه العبارة أنهم أبدا طامعون فى الهداية محتاجون- لا لأعمالهم- بل لفضل الله، ومهما أسبغ عليهم يشعرون بأنهم ما زالوا بعيدين عن التمام، وعلى هذا التفسير تنسجم هذه العبارة مع سابقتها «ما ازدادوا قربا إلا ازدادوا أدبا» .","vol":"1","page":221},{"text":"اليوم جمع الأسرار لكشف الجلال والجمال، وغدا جمع الأبشار لشهود الأحوال، ومقاساة ما أخبر عنه من تلك الأحوال.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-290>[سورة آل عمران (٣): آية ١٠]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (١٠)\nفلا فداء ينفعهم، ولا غناء يدفعهم، ولا مال يقبل منهم، ولا حجاب يرفع عنهم، ولا مقال يسمع فيهم، بهم يسعّر الجحيم، ولهم الطرد الأليم، والبعد والحميم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-291>[سورة آل عمران (٣): آية ١١]</span>\nكَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ (١١)\nأصرّوا فى العتوّ على سننهم، وأدمنا لهم فى الانتقام سنننا، فلا عن الإصرار أقلعوا، ولا فى المبارّ طمعوا، ولعمرى إنهم هم الذين ندموا وتحسّروا على ما قدّموا- ولكن حينما وجدوا الباب مسدودا، والندم عليهم مردودا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-292>[سورة آل عمران (٣): آية ١٢]</span>\nقُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ (١٢)\nأخبرهم أنهم يفوتهم حديث الحق فى الآجل «١»، ولا تكون لهم لذة عيش فى العاجل، والذي يلقونه فى الآخرة من شدة العقوبة بالحرقة فوق ما يصيبهم فى الدنيا من الغيبة عن الله والفرقة «٢»، ولكن سقمت البصائر فلم يحسوا بأليم العقاب.\n_________\n(١) يشير القشيري بهذا إلى الآية الكريمة «لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ» . [.....]\n(٢) أما الخواص فيرون رؤية الله منتهى آمالهم، وصدّه عنهم أشد عليهم من عذاب السعير، يقول البسطامي: «لله خواص من عباده لو حجبهم فى الجنة عن رؤيته ساعة لاستغاثوا بالخروج من الجنة كما يستغيث أهل النار من النار» .","vol":"1","page":222},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-293>[سورة آل عمران (٣): آية ١٣]</span>\nقَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ (١٣)\nإذا أراد الله إمضاء أمر قلّل الكثير فى أعين قوم، وكثّر القليل فى أعين قوم، وإذا لبّس على بصيرة قوم لم ينفعهم نفاذ أبصارهم، وإذا فتح أسرار آخرين فلا يضرهم انسداد بصائرهم «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-294>[سورة آل عمران (٣): آية ١٤]</span>\nزُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤)\nيذكر بعض الشهوات على ما سواها مما هو فى معناها، وفى الجملة ما يحجبك عن الشهود فهو من جملتها. وأصعب العوائق فى هذه الطريق الشهوة الخفية. وأداء الطاعات على وجه الاستحلاء معدود عندهم فى جملة الشهوة الخفية. ومن المقاطع المشكلة السكون إلى ما يلقاك به من فنون تقريبك، وكأنه فى حال ما يناجيك يناغيك، فإنه بكل لطيفة يصفك (فيطريك) «٢» وتحتها خدع خافية. ومن أدركته السعادة كاشفه بشهود جلاله وجماله (لا) «٣» بإثباته فى لطيف أحواله وما يخصه به من أفضاله وإقباله.\n_________\n(١) من هذا نفهم أن ترتيب ملكات الاطلاع عند القشيري هو على هذا النحو: البصر ثم البصيرة ثم السر\n(٢) مستدركة فى الهامش فأثبتناها فى موضعها.\n(٣) نظن أن (لا) زائدة لأن السعادة التي تدرك العبد لا تتم إلا (بإثباته فى ...) .","vol":"1","page":223},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-295>[سورة آل عمران (٣): آية ١٥]</span>\nقُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (١٥)\nبيّن فضيلة أهل التقوى على أرباب الدنيا، فقال: هؤلاء لهم متابعة المنى وموافقة الهوى وأولئك لهم الدرجات العلى، والله بصير بالعباد أنزل كل قوم منزله، وأوصله إلى ما له أهلّه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-296>[سورة آل عمران (٣): آية ١٦]</span>\nالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَقِنا عَذابَ النَّارِ (١٦)\nأي ينقطعون إلينا بالكلية، ويتضرعون بين أيدينا بذكر المحن والرزية، أولئك ينالون منا القربة والخصوصية، والدرجات العليّة، والقسم المرضيّة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-297>[سورة آل عمران (٣): آية ١٧]</span>\nالصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ (١٧)\nالصبر حبس النّفس، وذلك على ثلاث مراتب:\nصبر على ما أمر به العبد، وصبر عما نهى عنه وصبر هو الوقوف تحت جريان حكمه على ما يريد إمّا فى فوات محبوبك أو هجوم ما لا تستطيعه «١» .\nفإذا ترقيت عن هذه الصفة- بألا تصيبك مشقة أو تنال راحة- فذلك رضا لا صبر «٢» .\nويقال الصابرين على أمر الله، والصادقين، فيما عاهدوا الله.\nو«القانتين»، بنفوسهم بالاستقامة فى محبة الله.\n_________\n(١) فوات المحبوب صدّه عنك وهجره لك، والهجوم الذي لا تستطيعه هو الذي (يرد على القلب بقوة الوقت من غير تصنع منك، ومنهم من تصرفه الهواجم ومنهم من يكون فوق ما يفجؤه حالا وقوة، أولئك سادات الوقت) الرسالة ص ٤٤.\n(٢) لاحظ الفرق بين الرضا والصبر.","vol":"1","page":224},{"text":"و«المستغفرين» عن جميع ما فعلوه لرؤية تقصيرهم فى الله «١» ويقال: «الصابرين» بقلوبهم و«الصادقين» بأرواحهم و«القانتين» بنفوسهم، و«المستغفرين» بألسنتهم.\nويقال «الصابرين» على صدق القصود و«الصادقين» فى العهود و«القانتين» بحفظ الحدود و«المستغفرين» عن أعمالهم وأحوالهم عند استيلاء سلطان التوحيد.\nويقال «الصابرين» الذين صبروا على الطلب ولم يتعللوا بالهرب ولم يحتشموا من التعب، وهجروا كل راحة وطلب. وصبروا على البلوى، ورفضوا الشكوى، حتى وصلوا إلى المولى، ولم يقطعهم «٢» شىء من الدنيا والعقبى.\nو«الصادقين» الذين صدقوا فى الطلب فقصدوا، ثم صدقوا حتى وردوا، ثم صدقوا حتى شهدوا، ثم صدقوا حتى وجدوا، ثم صدقوا حتى فقدوا ... فترتيبهم قصود ثم ورود ثم شهود ثم وجود ثم خمود «٣» .\nو«القانتين» الذين لازموا الباب، وداوموا على تجرّع الاكتئاب، وتركوا المحاب، ورفضوا الأصحاب إلى أن تحققوا بالاقتراب.\nو«المنفقين» الذين جادوا بنفوسهم من حيث الأعمال، (ثم جادوا بميسورهم من الأموال) «٤»، ثم جادوا بقلوبهم بصدق الأحوال، ثم جادوا بترك كل حظ لهم فى العاجل الآجل، استهلاكا عند القرب والوصال بما لقوا من الاصطلام والاستئصال «٥» .\nو«المستغفرين» عن جميع ذلك إذا رجعوا إلى الصحو عند الاسحار يعنى ظهور الإسفار، وهو فجر القلوب لا فجر يظهر فى الأقطار.\n_________\n(١) قارن ذلك بما يحكيه المناوى في (طبقاته) وابن الجوزي فى (صفة الصفوة) عن رابعة أنها كانت تردد: (استغفارنا يحتاج إلى استغفار لعدم الصدق فيه) .\n(٢) قواطع الدنيا معروفة أما قواطع العقبى فهى تعليق العمل المبذول بالأجر، إما الطمع فى المثوبة أو الخوف من العقوبة.\n(٣) هذا تلخيص دقيق للمعراج الروحي ينبغى أن نتمهل عنده لحسن فهمه واستيعابه.\n(٤) مستدركة فيما بين السطور فأثبتناها فى موضعها.\n(٥) الاستئصال هو الذي عبر عنه القشيري فى رسالته بقوله: (كأس تصطمهم منهم وتفنيهم وتختطفهم ولا تبقهم، كأس لا تبقى ولا تذر، تمحوهم بالكلية، ولا تبقى شظية من آثار البشرية) الرسالة ص ٤٣","vol":"1","page":225},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-298>[سورة آل عمران (٣): آية ١٨]</span>\nشَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)\nأي علم الله وأخبر الله وحكم الله بأنه لا إله إلا هو، فهو شهادة الحق للحق بأنه الحق، وأوّل من شهد بأنه الله- الله، فشهد فى آزاله بقوله وكلامه وخطابه الأزلى، وأخبر عن وجوده الأحدى، وكونه الصمدى، وعونه القيومى، وذاته الدعومى، وجلاله السرمدي، وجماله الأبدى. فقال: «شَهِدَ اللَّهُ» ثم فى آباده، «شَهِدَ اللَّهُ» أي بيّن الله بما نصب من البراهين، وأثبت من دلائل اليقين، وأوضح من الآيات، وأبدى من البينات. فكلّ جزء من جميع ما خلق وفطر، ومن كتم العدم أظهر، وعلى ما شاء من الصفة الذاتية حصل، من أعيان مستقلة، وآثار فى (ثانى) «١» وجودها مضمحلة، وذوات للملاقاة قابلة، وصفات فى المحالّ متعاقبة- فهو لوجوده مفصح، ولربوبيته موضّح، وعلى قدمه شاهد، وللعقول مخبر بأنه واحد، عزيز ماجد، شهد سبحانه بجلال قدره، وكمال عزه، حين لا جحد ولا جهود «٢» ولا عرفان لمخلوق ولا عقل، ولا وفاق، ولا كفر، ولا حدثان، ولا غير، ولا إلحاد، ولا شرك، ولا فهم ولا فكر، ولا سماء ولا فضاء، ولا ظلام ولا ضياء، ولا وصول للمزدوجات «٣»، ولا فضول باختلاف الآفات.\nقوله جل ذكره: وَالْمَلائِكَةُ لم يؤيّد شهادته بوحدانيته بشهادة الملائكة بل أسعدهم وأيّدهم، حين وفّقهم بشهادته وسدّدهم، وإلى معرفة وجدانيته أرشدهم.\nقوله جل ذكره: وَأُولُوا الْعِلْمِ وهم أولياء بنى آدم إذ علموا جلال قدرته، وعرفوا نعت عزته فأكرمهم حيث قرن شهادته بشهادتهم، فشهدوا عن شهود وتعيين، لا عن ظن وتخمين، إن لم يدركوه- اليوم-\n_________\n(١) ربما كانت فى الأصل فى (شان) وجودها ... بتخفيف الهمز.\n(٢) ربما كانت فى الأصل (جحود)، ويحتمل أنها (جهود) فيكون المقصود الجهود الإنسانية الكسبية.\n(٣) ربما قصد منها كل شىء وضده، وربما كانت (للدرجات) . [.....]","vol":"1","page":226},{"text":"ضرورة وحسّا، لم يعتقدوه ظنّا وحدسا تعرّف إليهم فعرفوه، وأشهدهم فلذلك شهدوا، ولو لم يقل لهم إنه من هو لما عرفوا من هو.\nولكنّ العلماء يشهدون بصحو عقولهم، والموحّدون يشهدون بعد خمودهم فهم كما قيل:\nمستهلكون بقهر الحق قد همدوا ... واستنطقوا بعد افتنائهم بتوحيد\nفالمجرى عليهم ما يبدو منهم- سواهم، والقائم عنهم بما هم عليه وبه- غيرهم، ولقد كانوا لكنهم بانوا، قال قائلهم:\nكتابى إليكم بعد موتى بليلة ... ولم أدر أنّى بعد موتى أكتب\nوأولو العلم على مراتب: فمن عالم نعته وفاق ورهبانية، ومن عالم وصفه فناء وربّانية، وعالم يعرف أحكام حلاله وحرامه، وعالم يعلم أخباره وسننه وآثاره، وعالم يعلم كتابه ويعرف تفسيره وتأويله، ومحكمه وتنزيله، وعالم يعلم صفاته ونعوته ويستقوى حججه وتوحيده بحديث يخرجه (....) «١»، وعالم لاطفه حتى أحضره ثم كاشفه فقهره، فالاسم باق، والعين محو، والحكم طارق والعبد محق، قال قائلهم.\nبنو حق غدوا بالحق صرفا ... فنعت الخلق فيهمو مستور\nوليست الإشارة من هذا إلا إلى فنائهم عن إحساسهم، وعند علمهم بأنفسهم، فأما أعمالهم «٢» أعيانهم فمخلوقة، وما يفهم بذواتهم من أحوالهم فمسبوقة، وذات الحق لا توصف بقبول حدثان، وصفات ذاته لا تقبل اتصالا بالغير ولا انفصالا عن الذات، تقدّس الحق عن كل ضدّ وندّ، ووصل وفصل، وجمع وفرق، وعين وخلق، وملك وفلك، ورسم وأثر، وعبد وبشر، وشمس وقمر، وشخص وغبر.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-299>[سورة آل عمران (٣): آية ١٩]</span>\nإِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (١٩) .\n_________\n(١) مشتبهة.\n(٢) نرجح أنه فى الأصل (وأعيانهم) وأن الواو سقطت من الناسخ أي أنهم وما يصنعون- من خلق الله، وذلك الأصل من الأصول الكلامية عند القشيري.","vol":"1","page":227},{"text":"الدّين الذي يرتضيه، والذي حكم لصاحبه بأنه يجازيه ويعليه، وبالفضل يلقّيه- هو الإسلام.\nوالإسلام هو الإخلاص والاستسلام، وما سواه فمردود، وطريق النجاة على صاحبه مسدود.\nقوله جل ذكره: وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ، وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ.\nجاءهم العلم الذي عليهم حجة، لا المعرفة التي لها بيان ومحجة، فأصروا على الجحود، لأنهم حجبوا عن محل الشهود.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-300>[سورة آل عمران (٣): آية ٢٠]</span>\nفَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (٢٠)\nطالعهم بعين التصريف كيلا يفترق بك الحال فى شهود اختلافهم وتباين أطوارهم فإنّ من طالع الكائنات بعين القدرة علم أن المثبت للكلّ- على ما اختص به كل واحد من الكل- واحد.\nفادعهم جهرا بجهر، واشهد تصريفنا إياهم سرّا بسر، واشغل لسانك بنصحهم، وفرّغ قلبك عن حديثهم، وأفرد سرّك عن شهودهم، فليس الذي كلفناك من أمورهم إلا البلاغ، والمجرى للأمور والمبدى- نحن.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-301>[سورة آل عمران (٣): آية ٢١]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٢١)","vol":"1","page":228},{"text":"إن الذين ربطناهم بالخذلان ووسمناهم بوصف الحرمان- أخبرهم بأن إعراضنا عنهم مؤبد، وأن حكمنا سبق بنقلهم عن دار الجنان إلى دار الهوان، من الخذلان والحرمان إلى العقوبة والنيران.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-302>[سورة آل عمران (٣): آية ٢٢]</span>\nأُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٢٢)\nأولئك الذين ليس لهم- اليوم- توفيق بأعمالهم، ولا غدا تحقيق لآمالهم، وما ذلك إلا لأنهم فقدوا فى الدارين نصرتنا، ولم يشهدوا عزّنا وقدرتنا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-303>[سورة آل عمران (٣): آية ٢٣]</span>\nأَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)\nامتحناك بدعوة من سبق علمنا بأنهم لا يستجيبون، فاصبر على ما أمرت فيهم، واعلم سوء أحوالهم، فإنهم أهل التولّى عن الإجابة، لأنهم فقدوا منا حسن التجلي بسابق الإرادة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-304>[سورة آل عمران (٣): آية ٢٤]</span>\nذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَعْدُوداتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤)\nعاقبناهم فى الدنيا بالاستدراج حتى حكموا لأنفسهم بالنجاة وتخفيف العقاب، وسوف يعلمون تضاعف البلاء عليهم، ويحسبون أنهم على شىء ألا إنهم هم الكاذبون.\nظن المخطئون حكما ...","vol":"1","page":229},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-305>[سورة آل عمران (٣): آية ٢٥]</span>\nفَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٥)\nهذه كلمة تعجب لما أخبر به عن تعظيم الأمر، وتفخيم الشأن عند بهتة عقولهم ودهشة أسرارهم، وانقطاع دواعيهم، وانخلاع قلوبهم من مكامنها، وتراقيها إلى تراقيهم، ثم ما يلقونه من الحساب والعتاب، والعذاب والعقاب، وعدم الإكرام والإيجاب، وما فى هذا الباب.\nوقيامة الكفار يوم الحشر، وقيامة الأحباب فى الوقت، ولشرح هذا تفسير طويل «١» قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-306>[سورة آل عمران (٣): آية ٢٦]</span>\nقُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)\n«اللَّهُمَّ» معناها يا الله والميم فى آخرها بدل عن حرف النداء وهو يا. فهذا تعليم الحق كيفية الثناء على الحق، أي صفنى بما أستحقّه من جلال القدر فقل: يا مالك الملك لا شريك لك ولا معين، ولا ظهير ولا قرين، ولا مقاسم لك فى الذات، ولا مساهم فى الملك، ولا معارض فى الإبداع.\nتُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ.\nحتى نعلم أن الملك لك، والملك من المخلوقين من تذلّل له، ومنزوع الملك ممن تكبّر عليه فتجمّل الخلق فى تذللهم للحق، وعزّهم فى محوهم فيه، وبقاؤهم فى فنائهم به وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ بعز ذاتك.\nوَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ.\nبخذلانك.\nوتعز من تشاء بأن تهديه ليشهدك ويوحدك، وتذل من تشاء بأن يجحدك ويفقدك. وتعزّ\n_________\n(١) من كلام القشيري فى هذا الخصوص فى موضع آخر من هذا الكتاب:\n(والقيامة عند هؤلاء تقوم كل يوم غير مرة بالهجر والنوى والفراق، وليس لها كاشف غيره سبحانه)","vol":"1","page":230},{"text":"من تشاء بيمن إقبالك، وتذل من تشاء بوحشة إعراضك. وتعزّ من تشاء بأن تؤنسه بك، وتذل من تشاء بأن توحشه عنك. وتعز من تشاء بأن تشغله بك، وتذل من تشاء بأن تشغله عنك. وتعز من تشاء بسقوط أحكام نفسه، وتذل من تشاء بغلبة غاغة نفسه. وتعز من تشاء بطوالع أنسه وتذل من تشاء بطوارق «١» نفسه. وتعز من تشاء ببسطه بك، وتذل من تشاء بقبضه عنك.\nوتؤتى الملك من تشاء بشد نطاق خدمتك، وتنزع الملك ممن تشاء بنفيه عن بساط عبادتك «٢» . تؤتى الملك من تشاء بإفراد سرّه لك وتنزع الملك ممن تشاء بأن تربط قلبه بمخلوق، وتعز من تشاء بإقامته بالإرادة، وتذل من تشاء بردّه إلى ما عليه أهل العادة.\nبِيَدِكَ الْخَيْرُ.\nولم يذكر الشر حفظا لآداب الخطاب، وتفاؤلا بذكر الجميل، وتطيرا من ذكر السوء.\nإِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.\nمن الحجب والجذب، (والنصرة) «٣» والخذلان، والأخذ والرد، والفرق والجمع، والقبض والبسط.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-307>[سورة آل عمران (٣): آية ٢٧]</span>\nتُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٢٧) .\n_________\n(١) الطوارق فى اللغة ما يطرق بالليل، وروى عن النبي (ص) أنه كان يدعو: «وأعوذ بك من شر طوارق الليل والنهار إلا طارقا يطرق بخير» .\nوعن بعض المشايخ: يطرق سمعى علم من علوم أهل الحقائق فلا أدعه أن يدخل قلبى إلا بعد أن أعرضه على الكتاب والسّنة. (اللمع للطوسى ص ٤٢٢) .\n(٢) وردت (عبادك) والأصوب أن يقال (عبادتك) لأن العبودية لا تنتفى عن مخلوق، أما العبادة فهى حالة مخصوصة يعان عليها العبد أو لا يعان، فالعبد إما فى العبادة أو فى العادة:\n(٣) أضفنا هذه الكلمة من عندنا حتى يتم الانسجام الداخلى للأسلوب ويكون المعنى أوضح، ونحن فى هذه الإضافة- كدأبنا دائما- متمثلين النهج الذي يسلكه القشيري فى مثل هذا المواضع.","vol":"1","page":231},{"text":"تولج الليل فى النهار حتى يغلب سلطان ضياء التوحيد فلا يبقى من آثار النفس وظلماتها شىء، وتولج النهار فى الليل حتى كأن شموس القلوب كسفت، أو كأن الليل دام، وكأن الصبح فقد.\nوتخرج الحي من الميت حتى كأن الفترة لم تكن، وعهد الوصال رجع فتيّا، وعود القلوب صار غضا طريّا.\nوتخرج الميت من الحي حتى كأن شجرة البرم أو رقت شوكا وأزهرت شوكا، وكأن اليائس لم يجد خيرا، ولم يشم ريحا، وتقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة.\nوَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ.\nحتى لا (كدر) «١» ولا جهد ولا عرق جبين. ولا تعب يمين. ليله روح وراحة، ونهاره طرب وبهجة، وساعاته كرامات، ولحظاته قربات، وأجناس أفعاله على التفصيل لا يحصرها لسان، ولا يأتى على استقصاء كنهها عبارة ولا بيان.\nوفيما لوّحنا من ذلك تنبيه على طريق كيفية الإفصاح عنه.\nويقال لما قال: «وتنزع الملك ممن تشاء انكسر خمار كلّ ظانّ أنه ملك لأنه شاهد ملكه يعرض للزوال فعلم أن التذلل إليه فى استبقاء ملكه أولى به من الإعجاب والإدلال.\nويقال الملك فى الحقيقة- من لا يشغله شىء بالالتفات إليه عن شهود من هو الملك على الحقيقة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-308>[سورة آل عمران (٣): آية ٢٨]</span>\nلا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٢٨)\nمن حقائق الإيمان الموالاة فى الله والمعاداة فى الله.\nوأولى من تسومه الهجران والإعراض عن الكفار- نفسك فإنها مجبولة على\n_________\n(١) نرجح أنها (كدّ) بدون راء، ومع ذلك فالمعنى يتقبل كليهما.","vol":"1","page":232},{"text":"المجوسية حيث تقول: لى ومنى وبي «١»، وقال الله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ» «٢» .\nوإن الإيمان فى هذه الطريقة عزيز، ومن لا إيمان له بهذه الطريقة من العوام- وإن كانوا قد بلغوا من الزهد والجهد مبلغا عظيما- فليسوا بأهل لموالاتك، والشكل بالشكل أليق.\nقوله جل ذكره: وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ، وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ صحبة الحق سبحانه وقربته لا تكون مقرونة بصحبة الأضداد وقربتهم- البتة.\n«وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ»: هذا خطاب للخواص من أهل المعرفة، فأمّا الذين نزلت رتبتهم عن هذا فقال لهم: «وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي ...» وقال: «وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ ...» إلى غير ذلك من الآيات.\nويقال: «يُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ» أن يكون عندكم أنكم وصلتم فإن خفايا المكر تعترى الأكابر، قال قائلهم:\nوأمنته فأتاح لى من مأمنى ... مكرا، كذا من يأمن الأحبابا\nويقال: «يُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ» لأن يجرى فى وهم أحد أنه يصل إليه مخلوق، أو يطأ بساط العزّ قدم همة بشر، جلّت الأحدية وعزّت! وإنّ من ظن أنه أقربهم إليه ففى الحقيقة أنه أبعدهم عنه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-309>[سورة آل عمران (٣): آية ٢٩]</span>\nقُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٩)\n_________\n(١) وإلى هذا يشيرون حين يقولون (التوحيد إسقاط الياءات) الرسالة ص ١٤٩. لأن التوحيد الحق لا يقتضى شعورك بما سوى الموحّد، ولكن النفس مجبولة على الدعوى. وهذا شرك خفى.\n(٢) سورة التوبة آية ١٢٣.","vol":"1","page":233},{"text":"لا يعزب معلوم عن علمه، فلا تحتشم من نازلة بك تسوءك، فعن قريب سيأتيك الغوث والإجابة، وعن قريب سيزول البلاء والمحنة، ويعجّل المدد والكفاية.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-310>[سورة آل عمران (٣): آية ٣٠]</span>\nيَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (٣٠)\nودّ أهل الطاعات أن لو استكثروا منها، وودّ أهل المخالفات أن لو كبحوا لجامهم عن الركض فى ميادينهم، قال قائلهم:\nولو اننى أعطيت من دهرى المني ... وما كلّ من يعطى المنى بمسدّد\nلقلت لأيام مضين: ألا ارجعي ... وقلت لأيام أتين ألا ابعدي\nقوله جل ذكره: وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ.\nالإشارة من قوله: «وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ» للعارفين، ومن قوله «وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ» للمستأنفين، فهؤلاء أصحاب العنف والعنوة، وهؤلاء أصحاب التخفيف والسهولة.\nويقال لمّا قال: «وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ» اقتضى أسماع هذا الخطاب تحويلهم «١» فقال مقرونا به «وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ» لتحقيق تأميلهم، وكذلك سنّته يطمعهم «٢» فى عين ما يروعهم.\nويقال أفناهم بقوله «وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ» ثم أحياهم وأبقاهم بقوله «وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ»\n_________\n(١) ربما يقصد القشيري تحويلهم من الخوف إلى الرجاء، فبعد أن خوفهم نفسه أطمعهم فى رافته.\n(٢) وردت (يطعمهم) وواضح أنها خطا فى النسخ فأصلحناه بما يلائم السياق.","vol":"1","page":234},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-311>[سورة آل عمران (٣): آية ٣١]</span>\nقُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)\n«تُحِبُّونَ اللَّهَ» فرق، و«يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ» جمع.\n«تُحِبُّونَ اللَّهَ» مشوب بالعلة، و«يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ» بلا علّة، بل هو حقيقة الوصلة.\nومحبة العبد لله حالة لطيفة يجدها من نفسه، وتحمله تلك الحالة على موافقة أمره على الرضا دون الكراهية، وتقتضى منه تلك الحالة إيثاره- سبحانه- على كل شىء وعلى كل أحد.\nوشرط المحبة ألا يكون فيها حظّ بحال، فمن لم يفن عن حظوظه بالكلّية فليس له من المحبة شظيّة.\nومحبة الحق للعبد إرادته إحسانه إليه ولطفه به، وهى إرادة فضل مخصوص، وتكون بمعنى ثنائه سبحانه عليه ومدحه له، وتكون بمعنى فضله المخصوص معه، فعلى هذا تكون من صفات فعله.\nويقال شرط المحبة امتحاء كليتك عنك لاستهلاكك فى محبوبك، قال قائلهم.\nوما الحب حتى تنزف العين بالبكا ... وتخرس حتى لا تجيب المناديا\nوهذا فرق «١» بين الحبيب والخليل قال الخليل: «فمن تبعني فإنه منى» .\nوقال الحبيب: «فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ» .\nفإن كان متّبع الخليل «منه» إفضالا فإن متابع الحبيب محبوب الحقّ سبحانه، وكفى بذلك قربة وحالا.\nويقال قطع أطماع الكافة أن يسلم لأحد نفس إلا ومقتداهم وإمامهم سيد الأولين والآخرين محمد ﷺ.\nويقال فى هذه الآية إشارة إلى أن المحبة غير معلولة وليست باجتلاب طاعة، أو التجرد\n_________\n(١) وردت (فراق) وهى خطأ من الناسخ، إذ المراد التفرقة بين موقف المصطفى (ص) وإبراهيم ﵇.","vol":"1","page":235},{"text":"عن آفة لأنه قال يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم، بيّن أنه يجوز أن يكون عبد له فنون كثيرة ثم يحبّ الله ويحبّه الله.\nويقال قال أولا: «يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ» ثم قال: «وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ» والواو تقتضى الترتيب ليعلم أنّ المحبة سابقة على الغفران أولا يحبهم ويحبونه (وبعده) يغفر لهم ويستغفرونه، فالمحبة توجب الغفران لأن العفو يوجب المحبة.\nوالمحبة تشير إلى صفاء الأحوال ومنه حبب الأسنان «١» وهو صفاؤها.\nوالمحبة توجب الاعتكاف بحضرة المحبوب فى السر.\nويقال أحب البعير إذا استناخ فلا يبرح بالضرب.\nوالحبّ حرفان حاء وباء، والإشارة من الحاء إلى الروح ومن الباء إلى البدن، فالمحبّ لا يدّخر عن محبوبه لا قلبه ولا بدنه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-312>[سورة آل عمران (٣): آية ٣٢]</span>\nقُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ (٣٢)\nأمرهم بالطاعة ثم قال: «فَإِنْ تَوَلَّوْا» أي قصّروا فى الطاعة بأن خالفوا، ثم قال: «فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ» لم يقل العاصين بل قال الكافرين، ودليل الخطاب أنه يحب المؤمنين وإن كانوا عصاة «٢» قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-313>[سورة آل عمران (٣): الآيات ٣٣ الى ٣٤]</span>\nإِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣٤)\nاتفق آدم وذريته فى الطينة، وإنما الخصوصية بالاصطفاء الذي هو من قبله، لا بالنّسب ولا بالسبب.\n_________\n(١) وردت (الإنسان) وهى خطأ من الناسخ (أنظر الرسالة ص ١٥٨) .\n(٢) فالمؤمن العاصي منزلة بين المنزلتين: الإيمان والكفر- فى نظر القشيري المتكلم. [.....]","vol":"1","page":236},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-314>[سورة آل عمران (٣): الآيات ٣٥ الى ٣٦]</span>\nإِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥) فَلَمَّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (٣٦)\nالمحرّر الذي ليس فى رقّ شىء من المخلوقات، حرّره الحق سبحانه فى سابق حكمه عن رق الاشتغال بجميع الوجوه والأحوال. فلمّا نذرت أمّ مريم ذلك، ووضعتها أنثى خجلت، فلمّا رأتها قالت «رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى» وهى لا تصلح أن تكون محررا فقال تعالى:\n«وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ» ولعمرى ليس الذكر كالأنثى في الظاهر، ولكن إذا تقبّلها الحقّ﷾- طلع عنها كل أعجوبة.\nولما قالت «إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا» قالت «فَتَقَبَّلْ مِنِّي» فاستجاب، وظهرت آثار القبول عليها وعلى ابنها، ونجا بحديثها عالم وهلك بسببها عالم، ووقعت الفتنة لأجلهما فى عالم.\nقالت: «وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ» استجارت بالله من أن يكون للشيطان فى حديثها شىء بما هو الأسهل، لتمام ما هم به من أحكام القلوب.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-315>[سورة آل عمران (٣): آية ٣٧]</span>\nفَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقًا قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٣٧)\nحيث بلّغّها فوق ما تمنّت أمها، ويقال تقبّلها بقبول حس حتى أفردها لطاعته، وتولّاها بما تولّى به أولياءه، حتى أفضى جميع من فى عصرها العجب من حسن توليه أمرها، وإن كانت بنتا.","vol":"1","page":237},{"text":"ويقال القبول الحسن حسن تربيته لها مع علمه- سبحانه- بأنه يقال فيه بسببها ما يقال، فلم يبال بقبح مقال الأعداء.\nأجد الملامة فى هواك لذيذة ... حبّا لذكرك فليلمنى اللّوم\nوكما قيل:\nليقل من شاء ما ... شاء فإنى لا أبالى\nويقال القبول الحسن أن ربّاها على نعت العصمة حتى كانت تقول: «إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا» .\n«وأنبتها نباتا حسنا» حتى استقامت على الطاعة، وآثرت رضاه- سبحانه- فى جميع الأوقات، وحتى كانت الثمرة منها مثل عيسى ﵇، وهذا هو النبات الحسن، وكفلها زكريا. ومن القبول الحسن والنبات الحسن أن جعل كافلها والقيّم بأمرها وحفظها نبيا من الأنبياء مثل زكريا ﵇، وقد أوحى الله إلى داود ﵇: إن رأيت لى طالبا فكن له خادما.\nقوله جل ذكره: كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقًا، قالَ: يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا؟ قالَتْ: هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ.\nمن أمارات القبول الحسن أنها لم تكن توجد إلا فى المحراب، ومن كان مسكنه وموضعه الذي يتعبّد فيه وهناك يوجد المحراب- فذلك عبد عزيز.\nويقال من القبول الحسن أنه لم يطرح أمرها كلّه وشغلها على زكريا ﵇ فكان إذا دخل عليها زكريا ليتعهدها بطعام وجد عندها رزقا ليعلم العاملون أن الله- سبحانه- لا يلقى شغل أوليائه على غير «١»، ومن خدم وليا من أوليائه كان هو فى رفق الولي لا إنه\n_________\n(١) وردت على (عين) وهى خطأ فى النسخ.","vol":"1","page":238},{"text":"تكون عليه مشقة لأجل الأولياء. وفى هذا إشارة لمن يخدم الفقراء أن يعلم أنه فى رفق الفقراء.\nثم كان زكريا ﵇ يقول: أنّى لك هذا؟ لأنه لم يكن يعتقد فيها استحقاق تلك المنزلة، وكان يخاف أن غيره يغلبه وينتهز فرصة تعهدها ويسبقه بكفاية شغلها، فكان يسأل ويقول: أنّى لك هذا؟ ومن أتاك به؟\nوكانت مريم تقول: هو من عند الله لا من عند مخلوق، فيكون لزكريا فيه راحتان:\nإحداهما شهود مقامها وكرامتها عند الله تعالى، والثانية أنه لم يغلبه أحد على تعهدها، ولم يسبق به. قوله «كلما دخل عليها زكريا المحراب» فلفظة كلّما للتكرار «١» وفى هذا إشارة: وهو أن زكريا ﵇ لم يذر تعهّدها- وإن وجد عندها رزقا- بل كل يوم وكل وقت كان يتفقد حالها لأن كرامات الأولياء ليست مما يجب أن يدوم ذلك قطعا فيجوز أن يظهر الله ذلك عليهم دائما، ويجوز ألا يظهر، فما كان زكريا ﵇ يعتمد على ذلك فيترك تفقد حالها، ثم كان يجدّد السؤال عنها بقوله: «يا مريم أنّى لك هذا؟» لجواز أن يكون الذي هو اليوم لا على الوجه الذي كان بالأمس، فإنه لا واجب على الله سبحانه «٢» وقوله: «إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ» إيضاح عن عين التوحيد، وأن رزقه للعباد، وإحسانه إليهم بمقتضى مشيئته، دون أن يكون معلّلا بطاعاتهم ووسيلة عباداتهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-316>[سورة آل عمران (٣): آية ٣٨]</span>\nهُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ (٣٨)\nأي لما رأى كرامة الله سبحانه معها ازداد يقينا على يقين، ورجاء على رجاء فسأل الولد على كبر سنّه، وإجابته إلى ذلك كانت نقضا للعادة.\n_________\n(١) أي لتكرار زيارة زكريا لها مرة بعد مرة.\n(٢) هنا إشارة دقيقة تتصل بمذهب القشيري- الذي يخالف المعتزلة- أنه لا وجوب على الله فى إثابة المطيع، لأن طاعة المطيع ليست زيّنا لله، ومعصيته ليست شيئا لله، وإنما المعول عليه فضل الله وهذا لا علة له، ولا وجوب على الله فيه.","vol":"1","page":239},{"text":"ويقال إن زكريا ﵇ سأل الولد ليكون عونا له على الطاعة، ووارثا من نسله فى النبوة، ليكون قائما بحقّ الله، فلذلك استحق الإجابة فإن السؤال إذا كان لحقّ الحقّ- لا لحظّ النّفس- لا يكون له الرد «١» .\nوكان زكريا ﵇ يرى الفاكهة الصيفية عند مريم فى الشتاء، وفاكهة الشتاء عندها فى الصيف، فسأل الولد فى حال الكبر ليكون آية ومعجزة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-317>[سورة آل عمران (٣): آية ٣٩]</span>\nفَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩)\nلما سأل السؤال، ولازم الباب أتته الإجابة.\nوفيه إشارة إلى أن من له إلى الملوك حاجة فعليه بملازمة الباب إلى وقت الإجابة.\nويقال حكم الله- سبحانه- أنه إنما يقبل بالإجابة على من هو معانق لخدمته، فأمّا من أعرض عن الطاعة ألقاه فى ذلّ الوحشة.\nقوله جل ذكره: أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ.\nقيل سمّاه يحيى لحياة قلبه بالله، ولسان التفسير أنه حيى به عقر أمه.\nويقال إنه سبب حياة من آمن به بقلبه.\nقوله: مصدقا بكلمة من الله: أن تصديقه بكلمة «الله» فيما تعبده به أو هو مكوّن بكلمة الله.\nوقوله «وَسَيِّدًا»: السيّد من ليس فى رق مخلوق، تحرّر عن أسر هواه وعن كل مخلوق، ويقال السيد من تحقق بعلويته سبحانه، ويقال السيد من فاق أهل عصره، وكذلك كان يحيى ﵇.\n_________\n(١) الرد هنا معناها الرفض.","vol":"1","page":240},{"text":"ويقال سيد لأنه لم يطلب لنفسه مقاما، ولا شاهد لنفسه قدرا. ولما أخلص فى تواضعه لله بكل وجه رقّاه على الجملة، وجعله سيدا للجميع.\nوقوله «وَحَصُورًا» أي معتقا من الشهوات، مكفيا أحكام البشرية مع كونه من جملة البشر. ويقال متوقيا عن المطالبات، مانعا نفسه عن ذلك تعززا وتقربا، وقيل منعته استئصالات بواده الحقائق عليه فلم يبق فيه فضل لحظّ.\n«وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ» أي مستحقا لبلوغ رتبتهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-318>[سورة آل عمران (٣): آية ٤٠]</span>\nقالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ قالَ كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ (٤٠)\nقيل كان بين سؤاله وبين الإجابة مدة طويلة ولذلك قال: أنّى يكون لى غلام؟\nويحتمل أنه قال: بأى استحقاق منى تكون لى هذه الإجابة لولا فضلك؟\nويحتمل أنه قال أنّى يكون هذا: أعلى وجه التبني أم على وجه التناسل؟\nويحتمل أنه يكون من امرأة أخرى سوى هذه التي طعنت فى السن أو من جهة التّسرّى بمملوكة؟ أم من هذه؟\nفقيل له: لا بل من هذه فإنكما قاسيتما وحشة الانفراد معا، فكذلك تكون بشارة الولد لكما جميعا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-319>[سورة آل عمران (٣): آية ٤١]</span>\nقالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ (٤١)\nطلب الآية ليعلم الوقت الذي هو وقت الإجابة على التعيين لا لشك له فى أصل الإجابة.\nوجعل آية ولايته «١» فى إمساك لسانه عن المخلوقين مع انطلاقها مع الله بالتسبيح، أي لا تمتنع عن خطابى فإنى لا أمنع أوليائى من مناجاتى.\n_________\n(١) وردت (دلالته) وقد تكون مقبولة فى المعنى أيضا.","vol":"1","page":241},{"text":"قوله جل ذكره: وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا.\nبقلبك ولسانك فى جميع أوقاتك.\nوَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ.\nفى الصلاة الدائبة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-320>[سورة آل عمران (٣): آية ٤٢]</span>\nوَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ (٤٢)\nيجوز أن يكون هذا ابتداء خطاب من الملائكة على مريم من قبلهم رفعا بشأنها، ويجوز أن تكون قد سمعت كلامهم وشاهدتهم، ويجوز أنها لم تشاهدهم وأنهم هتفوا بها: إن الله اصطفاك بتفضيلك، وإفرادك من أشكالك وأندادك، وطهّرك من الفحشاء والمعاصي بجميل العصمة، وعن مباشرة الخلق «١»، واصطفاك على نساء العالمين فى وقتك.\nوفائدة تكرار «٢» ذكر الاصطفاء: الأول اصطفاك بالكرامة والمنزلة وعلو الحالة والثاني اصطفاك بأن حملت بعيسى ﵇ من غير أب، ولم تشبهك امرأة- ولن تشبهك- إلى يوم القيامة، ولذلك قال «عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-321>[سورة آل عمران (٣): آية ٤٣]</span>\nيا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)\nلازمى بساط العبادة، وداومى على الطاعة، ولا تقصّرى فى استدامة الخدمة، فكما أفردك الحقّ بمقامك، كونى فى عبادته أو حد زمانك.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-322>[سورة آل عمران (٣): آية ٤٤]</span>\nذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤)\n_________\n(١) ربما يقصد القشيري من ذلك أنه أبعدها عن أن يباشرها الزوج شأن نساء العالمين.\n(٢) لاحظ كيف يلتمس القشيري معنى متجددا لكلمة تتكرر بلفظها- لأنه لا يرى أن فى القرآن تكرارا إلا لداع متجدد.","vol":"1","page":242},{"text":"أي هذه القصص نحن عرفنا كهاو (خا) طبناك بمعانيها، وإن قصصنا نحن عليك هذا- فعزيز خطابنا، وأعزّ وأتم من أن لو كنت مشاهدا لها.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-323>[سورة آل عمران (٣): الآيات ٤٥ الى ٤٦]</span>\nإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦)\nلم يبشرها بنصيب لها فى الدنيا ولا فى الآخرة من حيث الحظوظ، ولكن بشّرها بما أثبت فى ذلك من عظيم الآية، وكونه نبيا لله مؤيّدا بالمعجزة.\nويقال عرّفها أن من وقع فى تغليب القدرة، وانتهى عند حكمه يلقى من عجائب القدرة ما لا عهد به لأحد. ولقد عاشت مريم مدة بجميل الصيت، والاشتهار بالعفة، فشوّش عليها ظاهر تلك الحال بما كان عند الناس بسبب استحقاق ملام، ولكن- فى التحقيق- ليس كما ظنّه الأغبياء «١» الذين سكرت أبصارهم من شهود جريان التقدير.\nوقيل إنه (........) «٢» عرّفها ذلك بالتدريج والتفصيل، فأخبرها أن ذلك الولد يعيش حتى يكلّم الناس صبيّا وكهلا، وأن كيد الأعداء لا يؤثر فيه.\nوقيل كهلا بعد نزوله من السماء.\nويقال ربط على قلبها بما عرّفها أنه إذا لم ينطق لسانها بذكر براءة ساحتها ينطق الله عيسى ﵇ بما يكون دلالة على صدقها وجلالتها.\n_________\n(١) وردت (الأغنياء) والمعنى والسياق يرفضاتها.\n(٢) مشتبهة.","vol":"1","page":243},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-324>[سورة آل عمران (٣): آية ٤٧]</span>\nقالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إِذا قَضى أَمْرًا فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٧)\nكما شاهدت ظهور أشياء ناقضة للعادة فى رزقنا فكذلك ننقض العادة فى خلق ولد من غير مسيس بشر.\nقوله جل ذكره: إِذا قَضى أَمْرًا.\nأي أراد إمضاء حكم.\nفَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ.\nفلا يتعسر عليه إبداء ولا إنشاء.\nولما بسطوا فيها لسان الملامة أنطق الله عيسى ﵇ وهو ابن يوم حتى قال:\nأَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-325>[سورة آل عمران (٣): الآيات ٤٨ الى ٤٩]</span>\nوَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨) وَرَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩)\nوتلك آياته الظاهرة، ودلالاته القاهرة الباهرة من إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، والإخبار عمّا عملوه مسرّين به، إلى غير ذلك من معجزاته. وأخبر أنه","vol":"1","page":244},{"text":"مصدّق لما تقدمه من الشرائع، ومختص بشريعة تنسخ بعض ما تقدمه، وأقرهم على البعض- على ما نطق به تفصيل القرآن.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-326>[سورة آل عمران (٣): الآيات ٥٢ الى ٥٣]</span>\nفَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٥٢) رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣)\nالآية.\nحين بلّغهم الرسالة واختلفوا- فمنهم من صدّقه ومنهم من كذّبه وهم الأكثرون- علم أن النبوة لا تنفك عن البلاء وتسليط الأعداء، فقطع عنهم قلبه، وصدق إلى الله قصده، وقال لقومه: من أنصارى إلى الله ليساعدونى على التجرد لحقّه والخلوص فى قصده؟ فقال من انبسطت عليهم آثار العناية، واستخلصوا بآثار التخصيص: نحن أنصار الله، آمنا بالله، واشهد علينا بالصدق، وليس يشكل عليك «١» شىء مما نحن فيه.\nرَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ وأما الباقون فجدّوا فى الشقاق، وبالغوا فى العداوة، ودسّوا له المكائد، ومكروا ولكن أذاقهم الله وبال مكرهم، فتوهموا أنهم صلبوا عيسى ﵇ وقتلوه، وذلك جهل منهم، ولبس عليهم. فالله- سبحانه- رفع عيسى ﵇ نبيّه ووليّه، وحقّ الطرد واللّعن على أعدائه، وهذا مكره بهم:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-327>[سورة آل عمران (٣): آية ٥٥]</span>\nإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥٥)\nقوله جل ذكره: إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ.\nالإشارة «٢» فيه إنى متوفيك عنك، وقابضك منك، ورافعك من نعوت البشرية، ومطهرك من إرادتك بالكلية، حتى تكون مصرّفا بنا لنا، ولا يكون عليك من\n_________\n(١) نرجح أنها فى الأصل: «يشكل (علينا) شىء مما نحن فيه»، لأن هذا الترجيح يقوى المعنى، إذ يفصح عن مدى صحة إيمانهم، أما إذا كانت (عليك) فيكون المعنى أن أنصاره طمأنوه عن أنفسهم، وطلبوا إليه ألا يستشكل (عليه) أمر من أمورهم، بدليل ما أفصحوا عنه فى الآية التالية.\n(٢) تخدم هذه الإشارة فى إبراز وتدعيم واحدة من أخطر قضايا الفكر الديني.","vol":"1","page":245},{"text":"اختيارك شىء، ويكون إسبال التولي عليك قائما عليك. وبهذا الوصف كان يظهر على يده إحياء الموتى، وما كانت تلك الأحداث حاصلة إلا بالقدرة- جلّت.\nويقال طهّر قلبه عن مطالعة الأغيار، ومشاهدة الأمثال والآثار، فى جميع الأحوال والأطوار.\nوَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ.\nبالنصرة والقهر والحجة.\nومتبعوه من لم يبدّل دينه ومن هو على عقيدته فى التوحيد- وهم المؤمنون، فهم على الحقّ، إلى يوم القيامة لهم النصرة، ثم إن الله سبحانه يحكم- يوم القيامة- بينه وبين أعدائه. فأمّا الكفار ففى الجحيم وأمّا المؤمنون ففى النعيم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-328>[سورة آل عمران (٣): آية ٥٨]</span>\nذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (٥٨)\nذلك نتلوه عليك يا محمد، نعرفك معانيه بما نوحى إليك، لا بتكلفك ما تصل إلى علمه، أو بتعلّمك من الأمثال، أو استنباطك ما تنزع من الاستدلال.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-329>[سورة آل عمران (٣): آية ٥٩]</span>\nإِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩)\nالآية خصّهما «١» بتطهير الروح عن التناسخ فى الأصلاب وأفرد آدم بصفة البدء وعيسى ﵇ بتخصيص نفخ الروح فيه على وجه الإعزاز، وهما وإن كانا كبيرى الشأن فنقص الحدثان والمخلوقية لازم لهما:\nثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-330>[سورة آل عمران (٣): آية ٦٠]</span>\nالْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠)\nالآية\n_________\n(١) وردت (خصها) والصحيح خصهما لعودة الفعل على آدم وعيسى ﵉.","vol":"1","page":246},{"text":"الحق من ربك يا محمد، فلا تشكّنّ فى أنه- سبحانه- لا يماثله فى الإيجاد أحد، ولا على إثبات بينه لمخلوق قدرة. والموجودات التي (.....) «١» وجودها عن كتم العدم- من الله مبدؤها وإليه عودها.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-331>[سورة آل عمران (٣): آية ٦١]</span>\nفَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ (٦١)\nالآية يعنى بعد ما ظهرت على صدق ما يقال لك، وتحقّقت بقلبك معرفة ما خاطبناك، فلا تحتشم من حملهم على المباهلة، وثق بأن لك القهر والنصرة، وأنّا توليناك، وفى كنف قربنا آويناك، ولو أنهم رغبوا فى هذه المباهلة لأحرقت الأودية عليهم نيرانا مؤججة، ولكن أخّر الله- سبحانه- ذلك عنهم لعلمه بمن فى أصلابهم من المؤمنين «٢» .\nوالإشارة فى هذه الآية لمن نزلت حالته عن أحوال الصديقين، فإنه إذا ظهرت أنوارهم انخنست آثار هؤلاء فلا إقرار، ولا عنهم آثار.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-332>[سورة آل عمران (٣): الآيات ٦٢ الى ٦٣]</span>\nإِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٢) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (٦٣)\nلا يتسلط على شواهد التوحيد غبار شبهة، ولا يدرك سر حكمه وهم «٣» مخلوق، ولا يدانيه معلوم يحصره الوجود، أو موهوم يصوره التقدير «٤» .\nفَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ فإن تولوا- يا محمد- فإنه لا ثبات عند شعاع أنوارك لشبهة مبطل.\n«فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ» إمّا يجتاحهم «٥»، أو يحلم «٦» حتى إذا استمكنت ظنونهم يأخذهم بغتة وهم لا ينصرون.\n_________\n(١) مشتبهة.\n(٢) هذا تعليل ممتع لإمهال المخالفين. [.....]\n(٣) وردت (وهو) وهى خطأ من الناسخ، ونظن أن الأصل (وهم) وهى مناسبة للسياق.\n(٤) للقشيرى عبارة فى نفس الموضوع وردت فى مستهل رسالته: «وكل ما تصوره الأوهام فالله بخلاف ذلك» .\n(٥) وردت (يحتاجهم) وهى خطأ من الناسخ.\n(٦) وردت (ويحكم) والملائم للمعنى (أو يحلم) من الحلم، ويكون المعنى على هذا الأساس أنه إما أن يعجل بانتقامه فيجتاحهم أو يمهلهم بحلمه ثم يبغتهم.","vol":"1","page":247},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-333>[سورة آل عمران (٣): آية ٦٤]</span>\nقُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤)\nالآية هى كلمة التوحيد وإفراد الحق سبحانه فى إنشاء الأشياء بالشهود.\nوقوله: «أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ»: لا تطالع بسرّك مخلوقا. وكما لا يكون غيره معبودك فينبغى ألا يكون غيره مقصودك ولا مشهودك، وهذا هو اتّقاء الشرك، وأنت أول الأغيار الذين يجب ألا تشهدهم.\n«وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أَرْبابًا» ويظهر صدق هذا بترك المدح والذم لهم.\nونفى الشكوى والشك عنهم، وتنظيف السر عن حسبان ذرة من المحو والإثبات منهم قال ﷺ «أصدق كلمة قالتها العرب قول لبيد» .\nألا كلّ شىء ما خلا الله باطل ... وكل نعيم لا محالة زائل «١»\nفإنّ الذي على قلوبهم من المشاق أشد. وأمّا أهل البداية فالأمر مضيّق عليهم فى الوظائف والأوراد، فسبيلهم الأخذ بما هو الأشق والأصعب، لفراغهم بقلوبهم من المعاني «٢»، فمن ظنّ بخلاف هذا فقد غلط.\nوالإشارة من هذه الآية أيضا فى قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-334>[سورة آل عمران (٣): آية ٦٥]</span>\nيا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلاَّ مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٦٥)\n... الآية.\nضرب على خليله- صلوات الله- نقاب الضنّة وحجاب الغيرة، فقطع سببه عن جميعهم بعد ادّعاء الكل فيه، وحكم بتعارض شبهاتهم، وكيف يكون إبراهيم﵇- على دين من أتى بعده؟! إن هذا تناقض من الظن.\nثم قال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-335>[سورة آل عمران (٣): آية ٦٦]</span>\nها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٦٦)\n_________\n(١) رواه الشيخان عن أبى هريرة.\n(٢) المقصود من (المعاني) هنا كل ما تميل إليه النفس، والنفس محل المعلولات.","vol":"1","page":248},{"text":"يعنى ما كان فى كتابكم له بيان، ويصح أن يكون لكم عليه برهان، فخصّهم فى ذلك إمّا بحق وإما بباطل، فالذى ليس لكم البتة عليه دليل ولا لكم إلى معرفته سبيل فكيف تصديتم للحكم فيه، وادّعاء الإحاطة به؟! قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-336>[سورة آل عمران (٣): آية ٦٧]</span>\nما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧)\nالحنيف المستقيم على الحق، والأحنف هو المستقيم فى حلقة الرّجل، ويسمى مائل القدم بذلك على التفاؤل «١» . وإبراهيم ﵇ كان حنيفا لا مائلا عن الحق، ولا زائغا عن الشرع، ولا معرّجا على شىء فيه نصيب للنفس، فقد سلّم ماله ونفسه وولده، وما كان له به جملة- إلى حكم الله وانتظار أمره.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-337>[سورة آل عمران (٣): آية ٦٨]</span>\nإِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (٦٨)\nلما تفرقت الأهواء والبدع وصار كل حزب إلى خطأ آخر، بقي أهل الحقّ فى كل عصر وكل حين ووقت على الحجة المثلى، فكانوا حزبا واحدا، فبعضهم أولى ببعض. وإبراهيم صاحب الحق، ومن دان بدينه- كمثل رسولنا ﷺ وأمته- على الدين الذي كان عليه إبراهيم ﵇ وهو توحيد الله ﷾.\n«وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ» لأنهم تولّوا دينه، ووافقوا توحيده، وولاية الله إنما تكون بالعون والنصرة والتخصيص والقربة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-338>[سورة آل عمران (٣): آية ٦٩]</span>\nوَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَما يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ (٦٩)\nمن حلّت به فتنة، وأصابته محنة، واستهوته غواية- رضى لجميع الناس ما حلّ به،\n_________\n(١) فكلمة حنيف من الأضداد مستقيم ومائل.","vol":"1","page":249},{"text":"فأهل الكتاب يريدون بالمؤمنين أن يزيغوا عن الحق، ولكن أبى الله إلا أن يتم نوره، وأن يعود إليهم وبال فعلهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-339>[سورة آل عمران (٣): آية ٧٠]</span>\nيا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٧٠)\nقبل «١» بعثهﷺ- على صحة نبوته «٢»، فما الذي يحملكم على غيكم حتى جحدتم ما علمتم؟\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-340>[سورة آل عمران (٣): آية ٧١]</span>\nيا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٧١)\nتكتمون الحق فى شأن محمد ﵇ وأنتم تعلمون أنه النبي الصادق، وهل هذا إلا حكم الخذلان وقضية الحرمان، ثم أخبر أنّ منهم من ينافق فى حالته، فيريد أن يدفع عنه أذى المسلمين، ولا يخالف إخوانه من الكافرين، فتواصوا فيما بينهم بموافقة الرسول ﵇ والمسلمين جهرا، والخلوص فى عقائدهم الفاسدة بعضهم مع بعض سرّا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-341>[سورة آل عمران (٣): الآيات ٧٢ الى ٧٣]</span>\nوَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢) وَلا تُؤْمِنُوا إِلاَّ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣)\nفبين الله سبحانه أن نفاقهم كشف للمسلمين، وأن ذلك لا ينفعهم أمّا فى الدنيا فلإطلاع الله نبيّه ﵇ والمؤمنين- عليه، وأمّا فى الآخرة فلفقد إخلاصهم فيه.\nقوله جل ذكره: وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ الآية.\n_________\n(١) فى ص (قيل) وهى خطأ في النسخ، ويكون المعنى أنتم- يا أهل الكتاب- تشهدون قبل بعثه على صحة نبوته ...\n(٢) فى ص (نبوية) وهى خطأ فى النسخ.","vol":"1","page":250},{"text":"يحتمل أن يكون هذا ابتداء أمر من الله سبحانه للمسلمين، والإشارة فيه ألا تعاشروا الأضداد، ولا تفشوا أسراركم للأجانب.\nقُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ.\nفهو الذي يختص من يشاء بأنوار التعريف، ويختص من يشاء بالخذلان والحرمان.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-342>[سورة آل عمران (٣): آية ٧٤]</span>\nيَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٧٤)\nيختص من يشاء بفنون إنعامه، فالرحمة على هذا سبب لتخصيص النعمة لمن أراده. ولا بدّ من إضمار فيحتمل أن يختص بالرحمة من يشاء فلا تجرى الرحمة مجرى السبب فالرحمة على هذا التأويل تكون بمعنى النبوة وتكون بمعنى الولاية.\nوبمعنى العصمة وجميع أقسام الخيرات التي يختصّ- بشىء منها- عبدا من عباده، فيدخل تحت قوله: يختص برحمته، أي بنعمته.\nفقوم اختصهم بنعمة الأخلاق وقوم اختصهم بنعمة الأرزاق، وقوم اختصهم بنعمة العبادة وآخرين بنعمة الإرادة، وآخرين بتوفيق الظواهر وآخرين بعطاء الأبشار، وآخرين بلقاء الأسرار، قال تعالى: «وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها» .\nويقال لمّا سمعوا قوله: «يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ»، علموا أن الوسائل ليست بهادية «١»، وإنما الأمر بالابتداء والمشيئة.\nويقال يختص برحمته من يشاء بالفهم عنه فيما يكاشفه به من الأسرار ويلقيه إليه من فنون التعريفات.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-343>[سورة آل عمران (٣): آية ٧٥]</span>\nوَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥)\n... الآية\n_________\n(١) وصدق الرسول الكريم حين قال: «إنه لن يدخل أحدكم الجنة عمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا. إلا أن يتغمدنى الله برحمته» رواه الشيخان عن عائشة","vol":"1","page":251},{"text":"أخبر أنهم- مع ضلالتهم وكفرهم- متفاوتون فى أخلاقهم، فكلّهم خونة فى أمانة الدّين، ولكنّ منهم من يرجع إلى سداد المعاملة ثم وإن كانت معاملتهم بالصدق فلا ينفعهم ذلك فى إيجاب الثواب ولكن ينفعهم من حيث تخفيف العذاب إذ الكفار مطالبون بتفصيل الشرائع، فإذا كانوا فى كفرهم أقلّ ذنبا كانوا بالإضافة إلى الأخسرين أقلّ عذابا، وإن كانت عقوبتهم أيضا مؤبّدة.\nثم بيّن أنه ليس الحكم إليهم حتى إذا:\nقالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ.\nفلا تجرى عليهم هذه الحالة، أو تنفعهم هذه القالة، بل الحكم لله تعالى.\nقوله جلّ ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-344>[سورة آل عمران (٣): آية ٧٧]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٧)\nالذين آثروا هواهم على عقباهم، وقدّموا مناهم على موافقة مولاهم أولئك لا نصيب لهم فى الآخرة فللاستماع بما اختاروا من العاجل خسروا فى الدارين.\nبقوا عن الحق، وما استمتعوا بحظّ، جمع عليهم فنون المحن ولكنهم لا يدرون ما أصابهم: لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم، ثم مع هذا يخلّدهم فى العقوبة الأبدية.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-345>[سورة آل عمران (٣): آية ٧٨]</span>\nوَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٨)","vol":"1","page":252},{"text":"الإشارة من هذه الآية إلى المبطلين فى الدعاوى فى هذه الطريقة.\nيزيّنون العبارات، ويطلقون ألسنتهم بما لا خبر فى قلوبهم منه، ولا لهم بذلك تحقيق، تلبيسا على الأغبياء والعوام وأهل البداية يوهمون أن لهم تحقيق ما يقولونه بألسنتهم.\nقال تعالى فى صفة هؤلاء «لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ»، كذلك أرباب التلبيس والتدليس، يروّجون قالتهم على المستضعفين، فأمّا أهل الحقائق فأسرارهم عندهم مكشوفة.\nقال الله تعالى «وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ»، أي يعلمون أنهم كاذبون، كذلك أهل الباطل والتلبيس فى هذه الطريقة يتكلمون عن قلوب خربة، وأسرار محجوبة، نعوذ بالله من استحقاق المقت! قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-346>[سورة آل عمران (٣): آية ٧٩]</span>\nما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)\nأي ليس من صفة من اخترناه للنبوة واصطفيناه للولاية أن يدعو الخلق إلى نفسه، أو يقول بإثبات نفسه وحظّه، لأن اختياره- سبحانه- إياهم للنبوة يتضمن عصمتهم عمّا لا يجوز، فتجويز ذلك فى وصفهم مناف لحالهم، وإنما دعاء الرسل والأولياء- للخلق- إلى الله ﷾، وهو معنى قوله تعالى: «وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ» أي إنما أشار بهم على الخلق بأن يكونوا ربانيين، والرّبانى منسوب إلى الرب كما يقال فلان دقيانى ولحيانى ... وبابه.\nوهم العلماء بالله الحلماء فى الله القائمون بفنائهم عن غير الله، المستهلكة حظوظهم، المستغرقون فى حقائق وجوده عن إحساسهم بأحوال أنفسهم، ينطقون بالله ويسمعون بالله، وينظرون بالله، فهم بالله محو عمّا سوى الله.","vol":"1","page":253},{"text":"ويقال الرباني من ارتفع عنه ظلّ نفسه، وعاش فى كنف ظلّه- سبحانه.\nويقال الربّاني الذي لا يثبت غير ربّه موحّدا، ولا يشهد ذرة من المحو والإثبات لغيره أو من غيره.\nويقال الربّاني من هو محق فى وجوده- سبحانه- ومحو عن شهوده، فالقائم عنه غيره، والمجرى لما عليه سواه.\nويقال الرّبانى الذي لا تؤثّر فيه تصاريف الأقدار على اختلافها.\nويقال الربّاني الذي لا تغيّره محنة ولا تضرّه نعمة- فهو على حالة واحدة فى اختلاف الطوارق.\nويقال الرّبانى الذي لا يتأثر بورود وارد عليه، فمن استنطقته رقة قلب، أو استماله هجوم أمر، أو تفاوتت عنده أخطار حادث- فليس بربانى.\nويقال إنّ الربّاني هو الذي لا يبالى بشىء من الحوادث بقلبه وسرّه، ومن كان لا يقصر فى شىء من الشرع بفعله.\n«بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ» من توالى إحسانى إليكم، وتضاعف نعمتى لديكم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-347>[سورة آل عمران (٣): آية ٨٠]</span>\nوَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠)\nأي لا تنسبون إليهم ذرة من الإثبات فى الخير والشر.\nويقال يعرفكم حدّ البشرية وحقّ الربوبية.\nويقال يأمركم بتوقيرهم من حيث الأمر والشريعة، وتحقير قدر الخلق- بالإضافة «١» إلى الربوبية. «أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ» أيأمركم بإثبات الخلق بعد شهود الحق؟\n_________\n(١) وتحقير قدر الخلق (بالإضافة إلى الربوبية) معناها (بالنسبة إلى) جلال الربوبية وعظمتها.","vol":"1","page":254},{"text":"ويقال «أيأمركم بمطالعة الأشكال، ونسبة الحدثان إلى الأمثال، بعد أن لاحت فى أسراركم أنوار التوحيد، وطلعت فى قلوبكم شموس التفريد.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-348>[سورة آل عمران (٣): الآيات ٨١ الى ٨٢]</span>\nوَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٨٢)\nالآية أخذ الله ميثاق محمد ﷺ على جميع الأنبياء ﵈، كما أخذ ميثاقهم فى الإقرار بربوبيته- سبحانه، وهذا غاية التشريف للرسول ﵇، فقد قرن اسمه باسم نفسه، وأثبت قدوه كما أثبت قدر نفسه، فهو أوحد الكافة فى الرتبة، ثم سهّل سبيل الكافة فى معرفة جلاله بما أظهر عليه من المعجزات.\nفَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ الإشارة فيه: فمن حاد عن سنّته، أو زاغ عن اتباع طريقته بعد ظهور دليله، ووضوح معجزته فأولئك هم الذين خبثت درجتهم، ووجب المقت عليهم لجحدهم، وسقوطهم عن تعلّق العناية بهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-349>[سورة آل عمران (٣): آية ٨٣]</span>\nأَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣)\nمن لاحظه على غير الحقيقة، أو طالع سواه فى توهم الأهلية «١» كراء السراب ظنّه ماء فلمّا أتاه وجده هباء. ومغاليط الحسبانات مقطّعة مشكلة فمن حلّ بها نزل بواد قفر.\n«وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا» لإجراء حكم الإلهية على وجه القهر عليهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-350>[سورة آل عمران (٣): آية ٨٤]</span>\nقُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٨٤)\n_________\n(١) الأهلية معناها الاستحقاق، استحقاق كل تقديس، ولا نستبعد أنها فى الأصل الألوهية لأن السياق يسير متحدثا عن البشر الذين يقولون للناس كونوا عبادا لنا، وعن الملائكة والنبيين ووجوب عدم اتخاذهم أربابا.","vol":"1","page":255},{"text":"آمنا بالله لا بنفوسنا أو حولنا أو قوتنا.\nوآمنا بما أنزل علينا بالله، وأنّا لا نفرّق بين أحد منهم- بالله سبحانه- لا بحولنا واختيارنا، وجهدنا «١» واكتسابنا، ولولا أنه عرّفنا أنه من هو ما عرفنا وإلا فمتى علمنا ذلك؟! «٢» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-351>[سورة آل عمران (٣): آية ٨٥]</span>\nوَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (٨٥)\nمن سلك غير الخمود تحت جريان حكمه سبيلا زلّت قدمه فى وهدة «٣» من المغاليط لا مدى لقعرها.\nويقال من توسّل إليه بشىء دون الاعتصام به فخسرانه أكثر من ربحه.\nويقال من لم يفن عن شهود الكل لم يصل إلى من به الكل.\nويقال من لم يمش تحت راية المصطفى ﷺ المعظّم فى قدره، المعلّى فى وصفه، لم يقبل منه شىء ولا ذرة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-352>[سورة آل عمران (٣): آية ٨٦]</span>\nكَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦)\n_________\n(١) وردت (وجحدتا) وهى خطأ من الناسخ.\n(٢) قارن ذلك بعبارة ذى النون المصري: عرفت ربى بربي ولولا ربى ما عرفت ربى. (الرسالة ص ١٥٦) . [.....]\n(٣) أخطأ الناسخ حين كتبها (وحدة) بالحاء.","vol":"1","page":256},{"text":"من أبعده عن استحقاق الوصلة فى سابق حكمه فمتى يقربه من بساط الخدمة بفعله فى وقته؟\nويقال: الذي أقصاه «١» حكم (الأول) «٢» متى أدناه صدق العمل؟ والله غالب على أمره.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-353>[سورة آل عمران (٣): الآيات ٨٧ الى ٨٩]</span>\nأُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٨٧) خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٨) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٨٩)\nأولئك قصارى حالهم ما سبق لهم من حكمه فى ابتداء أمرهم، ابتداؤهم ردّ القسمة، ووسائطهم الصدّ عن الخدمة، ونهايتهم المصير إلى الطرد والمذلة.\nخالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ خالدين فى تلك المذلة لا يفتر عنهم العذاب لحظة، ولا يخفف دونهم الفراق ساعة.\nإِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ أولئك هم الذين تداركتهم الرحمة، ولم يكونوا فى شق السبق من تلك الجملة، وإن كانوا فى توهم الخلق من تلك الزمرة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-354>[سورة آل عمران (٣): آية ٩٠]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (٩٠)\nالإشارة منه: أن الذين رجعوا إلى أحوال أهل العادة بعد سلوكهم طريق الإرادة،\n_________\n(١) وردت (أقضاه) ونحن نرجح أن تكون (أقصاه) بالصاد حتى تتلاءم مع (أدناه) التي جاءت بعدها- فذلك أقرب إلى طبيعة أسلوب القشيري فى هذا السياق.\n(٢) هكذا كتبها الناسخ، ونحن نميل إلى أنها فى الأصل (الأزل) .\nفالقشيرى يعتقد أن الأقسام سبقت فى الأزل وأن قيمة الإنسان مرتهنة بذلك.","vol":"1","page":257},{"text":"وآثروا الدنيا ومطاوعة الهوى على طلب الحق ﷾، ثم أنكروا على أهل الطريقة، وازدادوا فى وحشة ظلماتهم- لن تقبل توبتهم، «وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ» عن طريق الحق فإنه لا يقبل الأمانة بعد ظهور الخيانة. وعقوبتهم أنهم على ممر الأيام لا يزدادون إلا نفرة قلب عن الطريقة، ولا يتحسرون على ما فاتهم من صفاء الحالة. ولو أنهم رجعوا عن إصرارهم لها لقبلت توبتهم، ولكن الحق سبحانه أجرى سنته مع أصحاب الفترة فى هذه الطريقة إذا رجعوا إلى أصول العادة ألا يتأسّفوا على ما مضى من أوقاتهم.\nقال تعالى: «وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ» وإن المرتدّ عن الإسلام لأشدّ عداوة للمسلمين من الكافر الأصلى، فكذلك الراجع عن هذه الطريقة لأشد إنكارا لها وأكثر إعراضا عن أهلها من الأجنبىّ عنها.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-355>[سورة آل عمران (٣): آية ٩١]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدى بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٩١)\nالإشارة منه: لمن مات بعد فترته- وإن كانت له بداية حسنة- فلا يحشر فى الآخرة مع أهل هذه القصة، ولو تشفع له ألف عارف، بل من كمال المكر به أنه يلقى شبهه فى الآخرة على غيره حتى يتوهم معارفه من أهل المعرفة أنه هو- فلا يخطر ببال أحد أنه ينبغى أن يشفع له.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-356>[سورة آل عمران (٣): آية ٩٢]</span>\nلَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٩٢)\nلمّا كان وجود البرّ مطلوبا ذكر فيه «من» التي للتبعيض فقال: «مِمَّا تُحِبُّونَ» فمن أراد البر فلينفق مما يحبه أي البعض، ومن أراد البارّ فلينفق جميع ما يحبه. ومن أنفق محبوبه من الدنيا وجد مطلوبه من الحق تعالى، ومن كان مربوطا بحظوظ نفسه لم يحظ بقرب ربّه.\nويقال إذا كنت لا تصل إلى البر إلا بإنفاق محبوبك فمتى تصل إلى البارّ وأنت تؤثر عليه حظوظك. «وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ» منهم من ينفق على ملاحظة الجزاء","vol":"1","page":258},{"text":"والعوض، ومنهم من ينفق على مراقبة دفع البلاء والحزن، ومنهم من ينفق اكتفاء بعلمه، قال قائلهم:\nويهتز للمعروف فى طلب العلى ... لتذكر يوما- عند سلمى- شمائله\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-357>[سورة آل عمران (٣): الآيات ٩٣ الى ٩٤]</span>\nكُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًاّ لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلاَّ ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٩٣) فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩٤)\nالأصل فى الأشياء ألا يشرع فيها بالتحليل والتحريم، فما لا يوجد فيه حدّ فذلك من الحق- سبحانه- توسعة ورفقة إلى أن يحصل فيه أمر وشرع فإنّ الله- سبحانه- وسّع أحكام التكليف على أهل النهاية «١»، فسبيلهم الأخذ بما هو الأسهل لتمام ما هم به من أحكام القلوب، فإن الذي على قلوبهم من المشاق أشد. وأما أهل البداية فالأمر مضيّق عليهم فى الوظائف والأوراد فسبيلهم الأخذ بما هو الأشق والأصعب لفراغهم بقلوبهم من المعاني، فمن ظنّ بخلاف هذا فقد غلط.\nوالإشارة من هذه الآية أيضا فى قوله: «فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ»\nإلى أحوال أهل الدعاوى والمغاليط فإنهم يخلون بنفوسهم فينسبون إلى الله- سبحانه- هواجسها، والله برئ عنها. وعزيز عبد يفرّق بين الخواطر والهواجس.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-358>[سورة آل عمران (٣): آية ٩٥]</span>\nقُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٩٥)\nملّة إبراهيم الخروج إلى الله بالكلية، والتسليم لحكمه من غير أن تبقى بقية فإثبات ذرة فى الحسبان من الحدثان شرك- فى التحقيق.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-359>[سورة آل عمران (٣): آية ٩٦]</span>\nإِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا وَهُدىً لِلْعالَمِينَ (٩٦)\n_________\n(١) أهل النهاية هم العوام، وأهل البداية هم الخواص.","vol":"1","page":259},{"text":"البيت حجرة والعبد مدرة، فربط المدرة بالحجرة، فالمدر مع الحجر.\nوتعزّز وتقدّس من لم يزل.\nويقال البيت مطاف النفوس، والحق سبحانه مقصود القلوب! البيت أطلال وآثار وإنما هى رسوم وأحجار ولكن:\nتلك آثارنا تدلّ علينا ... فانظروا بعدنا إلى الآثار\nويقال البيت حجر، ولكن ليس كل حجر كالذى يجانسه من الحجر.\nحجر ولكن لقلوب الأحباب مزعج بل لأكباد الفقراء منفج «١»، لا بل لقلوب قوم مثلج مبهج، ولقلوب الآخرين منفج مزعج.\nوهم على أصناف: بيت هو مقصد الأحباب ومزارهم، وعنده يسمع أخبارهم ويشهد آثارهم.\nبيت من طالعه بعين التفرقة عاد بسر خراب، ومن لاحظه بعين الإضافة حظى بكل تقريب وإيجاب، كما قيل:\nإن الديار- وإن صمتت- فإنّ لها ... عهدا بأحبابنا إذ عندها نزلوا\nبيت من زاره بنفسه وجد ألطافه، ومن شهده بقلبه نال كشوفاته.\n_________\n(١) نفج الأرب أثاره والنافجة الربح الشديدة، فيكون معنى منفج شديد الإثارة.","vol":"1","page":260},{"text":"ويقال قال سبحانه: «وَطَهِّرْ بَيْتِيَ» وأضافه إلى نفسه، وقال هاهنا: «إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ» وفى هذا طرف من الإشارة إلى عين الجمع «١» .\nوسميت (بكة) لازدحام الناس، فالكلّ يتناجزون على البدار إليه، ويزدحمون فى الطواف حواليه، ويبذلون المهج فى الطريق ليصلوا إليه.\nوالبيت لم يخاطب أحدا منذ بنى بمنية، ولم يستقبل أحدا بحظوة، ولا راسل أحدا بسطر فى رسالة، فإذا كان البيت الذي خلقه من حجر- هذا وصفه فى التعزز «٢» فما ظنّك بمن البيت له. قال ﷺ مخبرا عنه سبحانه: «الكبرياء ردائى والعظمة إزارى» .\nويقال إذا كان البيت المنسوب إليه لا تصل إليه من ناحية من نواحيه إلا بقطع المفاوز والمتاهات فكيف تطمع أن تصل إلى ربّ البيت بالهوينى دون تحمّل المشقات ومفارقة الراحات؟! ويقال لا تعلّق قلبك بأول بيت وضع لك ولكن أفرد سرّك لأول حبيب آثرك.\nويقال شتّان بين عبد اعتكف عند أول بيت وضع له وبين عبد لازم حضرة أول عزيز كان له.\nويقال ازدحام الفقراء بهممهم حول البيت ليس بأقل من ازدحام الطائفين بقدمهم، فالأغنياء يزورون البيت، ويطوفون بقدمهم، والفقراء يبقون عنه فيطوفون حوله بهممهم.\nويقال الكعبة بيت الحق سبحانه فى الحجر، والقلب بيت الحق سبحانه فى السّر، قال قائلهم:\nلست من جملة المحبين إن لم ... أجعل القلب بيته والمقاما\nوطوافى إجالة السّر فيه ... وهو ركنى إذا أردت استلاما\nفاللطائف تطوف بقلوب العارفين، والحقائق تعتكف فى قلوب الموحّدين، والكعبة مقصود العبد بالحج، والقلب مقصود الحق بإفراده إياه بالتوحيد والوجد.\n_________\n(١) ربما كان فى الأصل (...... الإشارة إلى عين الجمع، «وأول بيت وضع للناس» إشارة إلى الفرق) في الأول نسب البيت إلى نفسه، وفى الثاني أشار إلى وضعه للناس.\nوسقطت هذه العبارة الأخيرة من الناسخ.\n(٢) وردت (التعذر) والسياق يتطلب (التعزز) .","vol":"1","page":261},{"text":"قوله جل ذكره: مُبارَكًا وَهُدىً لِلْعالَمِينَ.\nبركاته اتصال الألطاف والكشوفات، فمن قصده بهمته، ونزل عليه بقصده هداه إلى طريق رشده.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-360>[سورة آل عمران (٣): آية ٩٧]</span>\nفِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ (٩٧)\nولكن لا تدرك تلك الآيات بأبصار الرءوس ولكن ببصائر القلوب، ومقام إبراهيم- فى الظاهر- ما تأثر بقدمه، وفى الإشارة: ما وقف الخليل ﵇ بهممه.\nويقال إن شرف مقام إبراهيم لأنه أثر الخليل، ولأثر الخليل خطر عظيم.\nقوله جل ذكره: وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِنًا.\nيقال من دخل مقام إبراهيم كان آمنا، ومقام إبراهيم التسليم، ومن كان مسلما أموره إلى الله لم يبق له اختيار، وكان آمنا فالأمن ضده الخوف، والخوف إنما يكون على ألا يحصل مرادك على ما تريد، فإذا لم تكن للعبد إرادة واختيار فأىّ مساغ للخوف فى وصفه؟\nويقال إن الكناية «١» بقوله (دخله) راجعة إلى البيت، فمن دخل بيته- على الحقيقة- كان آمنا، وذلك بأن يكون دخوله على وصف الأدب، ولا محالة أدب دخول البيت تسليم الأمور إلى رب البيت، فإنّ من لم يكن صاحب تسليم فهو معارض للتقدير. ودخول البيت إنما الأدب فيه أن يكون دخولا على التسليم دون المعارضة والنزاع فيؤول إلى المعنى المتقدم.\nوإن جعلت الإشارة من البيت إلى القلب فمن دخل قلبه سلطان الحقيقة أمن من نوازع البشرية وهواجس غاغة النفس، فإنّ من التجأ إلى ظل الملك لم يمتط إليه محذورا.\nويقال لا يكون دخول البيت- على الحقيقة- إلا بخروجك عنك، فإذا خرجت عنك صحّ دخولك فى البيت، وإذا خرجت عنك أمنت.\nويقال دخول بيته لا يصحّ مع تعريجك فى أوطانك ومعاهدك، فإن الشخص الواحد\n_________\n(١) يقصد بها ضمير الغائب فى (دخله) .","vol":"1","page":262},{"text":"لا يكون فى حالة واحدة فى مكانين فمن دخل بيت ربّه فبالحرىّ أن يخرج عن معاهد «١» نفسه.\nقوله جل ذكره: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا.\nشرط الغنىّ ألا يدّخر عن البيت شيئا من ماله، وشرط الفقير ألا يدخر عن الوصول إلى بيته نفسا من روحه.\nويقال الاستطاعة فنون فمستطيع بنفسه وماله وهو الصحيح السليم، ومستطيع بغيره وهو الزّمن المعصوب، وثالث غفل الكثيرون عنه وهو مستطيع بربه وهذا نعت كل مخلص مستحق فإن بلاياه لا تحملها إلا مطايانا.\nويقال حج البيت فرض على أصحاب الأموال، وربّ البيت فرض على الفقراء فرض حتم فقد ينسدّ الطريق إلى البيت ولكن لا ينسدّ الطريق إلى رب البيت، ولا يمنع الفقير عن ربّ البيت.\nويقال الحج هو القصد إلى من تعظّمه: فقاصد بنفسه إلى زيارة البيت، وقاصد بقلبه إلى شهود رب البيت، فشتان بين حج وحج، هؤلاء تحللهم عن إحرامهم عند قضاء منسكهم وأداء فرضهم، وهؤلاء تحللهم عن إحرامهم عند «٢» شهود ربهم، فأمّا القاصدون بنفوسهم فأحرموا عن المعهودات من محرمات الإحرام، وأمّا القاصدون بقلوبهم فإنهم أحرموا عن المساكنات وشهود الغير وجميع الأنام.\nقوله جل ذكره: وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ ضرب رقم الكفر على من ترك حج البيت، ووقعت بسبب هذا القول قلوب العلماء فى كدّ التأويل، ثم قال: «فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ» وهذا زيادة تهديد تدل على زيادة تخصيص.\nويقال إن سبيل من حج البيت أن يقوم بآداب الحج، فإذا عقد بقلبه الإحرام يجب أن\n_________\n(١) أي مألوفات نفسه.\n(٢) وردت (عن) والصحيح (عند) .","vol":"1","page":263},{"text":"يفسخ كلّ عقد يصدّه عن هذا الطريق، وينقض كل عزم يرده عن هذا التحقيق، وإذا طهّر تطهّر عن كل دنس من آثار الأغيار بماء الخجل ثم بماء الحياء ثم بماء الوفاء ثم بماء الصفاء، فإذا تجرّد عن ثيابه تجرد عن كل ملبوس له من الأخلاق الذميمة، وإذا لبّي بلسانه وجب ألا تبقى شعرة من بدنه إلا وقد استجابت لله. فإذا بلغ الموقف وقف بقلبه وسرّه حيث وقفه الحق بلا اختيار مقام، ولا تعرض لتخصيص فإذا وقف بعرفات عرف الحق سبحانه، وعرف له تعالى حقّه على نفسه، ويتعرّف إلى الله تعالى بتبرّيه عن منّته «١» وحوله، والحقّ سبحانه يتعرّف إليه بمنّته وطوله، فإذا بلغ المشعر الحرام يذكر مولاه بنسيان نفسه، ولا يصحّ ذكره لربّه مع ذكره لنفسه، فإذا بلغ منّي نفى عن قلبه كل طلب ومنى، وكلّ شهوة وهوى.\nوإذا رمى الجمار رمى عن قلبه وقذف عن سره كل علاقة فى الدنيا والعقبى.\nوإذا ذبح ذبح هواه بالكلية، وتقرّب به إلى الحق سبحانه، فإذا دخل الحرم عزم على التباعد عن كل محرّم على لسان الشريعة وإشارة الحقيقة.\nوإذا وقع طرفه على البيت شهد بقلبه ربّ البيت، فإذا طاف بالبيت أخذ سرّه بالجولان فى الملكوت.\nفإذا سعى بين الصفا والمروة صفّى عنه كل كدورة بشرية وكل آفة إنسانية.\nفإذا حلق قطع كلّ علاقة بقيت له.\nوإذا تحلل من إحرام نفسه وقصده إلى بيت ربّه استأنف إحراما جديدا بقلبه، فكما خرج من بيت نفسه إلى بيت ربه يخرج من بيت ربه إلى ربه تعالى.\nفمن أكمل نسكه فإنما عمل لنفسه، ومن تكاسل فإنّ الله غنى عن العالمين وقال ﷺ: «الحاج أشعث أغبر»، فمن لم يتحقق بكمال الخضوع والذوبان عن كليته فليس بأشعث ولا أغبر.\n_________\n(١) ضبطناها هكذا لأن القشيري يميز بين (المنّة) للحق و(المنّة) للعبد.","vol":"1","page":264},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-361>[سورة آل عمران (٣): آية ٩٨]</span>\nقُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ (٩٨)\nالخطاب بهذه الآية لتأكيد الحجة عليهم، ومن حيث الحقيقة والقهر يسدّ الحجة عليهم، فهم مدعوون- شرعا وأمرا، مطرودون- حكما وقهرا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-362>[سورة آل عمران (٣): آية ٩٩]</span>\nقُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَداءُ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٩)\nكيف يصد غيره من هو مصدود فى نفسه؟ إنّ فى هذا لسرّا للربوبية.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-363>[سورة آل عمران (٣): آية ١٠٠]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ (١٠٠)\nالوحشة ليست بلازمة لأصحابها، بل هى متعدية إلى كل من يحوّم حول أهلها، فمن أطاع عدوّ الله إلى شؤم صحبة (الأعداء) «١» ألقاه فى وهدته.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-364>[سورة آل عمران (٣): آية ١٠١]</span>\nوَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٠١)\nلا ينبغى لمن أشرقت فى قلبه شموس العرفان أن يوقع الكفر عليه ظلّه، فإنه إذا أقبل النهار من هاهنا أدبر الليل من هاهنا.\nوقوله: «وَمَنْ يَعْتَصِمْ ...» الآية إنما يعتصم بالله من وجد العصمة من الله، فأمّا\n_________\n(١) مكتوبة (إلا) وسقطت بقية الكلمة فأكملناها (الأعداء) وربما (الأجانب) أو ما فى معناهما طبقا لما نعرفه عن اتجاه القشيري فى مواضع مماثلة.","vol":"1","page":265},{"text":"من لم يهده الله فمتى يعتصم بالله؟ فالهداية منه فى البداية توجب اعتصامك فى النهاية، لا الاعتصام منك يوجب الهداية.\nوحقيقة الاعتصام صدق اللّجوء إليه، ودوام الفرار إليه، واستصحاب الاستغاثة إليه.\nومن كشف عن سرّه غطاء التفرقة تحقق بأنه لا لغير الله ذرة أو منه سينة، فهذا الإنسان يعتصم به ممن يعتصم به قال سيد الأولين والآخرين صلوات الله عليه وعلى آله:\n«أعوذ بك منك» .\nومن اعتصم بنفسه دون أن يكون محوا عن حوله وقوته فى اعتصامه- فالشرك وطنه وليس يشعر.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-365>[سورة آل عمران (٣): آية ١٠٢]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)\nحقّ التقوى أن يكون على وفق الأمر لا يزيد من قبل نفسه ولا ينقص.\nهذا هو المعتمد من الأقاويل فيه، وأمره على وجهين: على وجه الحتم وعلى وجه الندب وكذلك القول فى النهى على قسمين: تحريم وتنزيه، فيدخل فى جملة هذا أن يكون حق تقاته أولا اجتناب الزلة ثم اجتناب الغفلة ثم التوقي عن كل خلة ثم التنقى من كل علّة، فإذا تقيت عن شهود تقواك بعد اتصافك بتقواك فقد اتّقيت حقّ تقواك.\nوحق التقوى رفض العصيان ونفى النسيان، وصون العهود، وحفظ الحدود، وشهود الإلهية، والانسلاخ عن أحكام البشرية، والخمود تحت جريان الحكم بعد اجتناب كل جرم وظلم، واستشعار الآنفة عن التوسل إليه بشىء من طاعتك دون صرف كرمه، والتحقق بأنه لا يقبل أحدا بعلّة ولا يردّ أحدا بعلة.\nقوله جل ذكره: وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ.\nلا تصادفنّكم الوفاة إلا وأنتم بشرط الوفاء.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-366>[سورة آل عمران (٣): آية ١٠٣]</span>\nوَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوانًا وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣)","vol":"1","page":266},{"text":"الاعتصام بحبله- سبحانه- التمسك بآثار الواسطة- العزيز صلوات الله عليه- وذلك بالتحقق والتعلّق بالكتاب والسّنّة.\nويصح أن يقال: الخواص يقال لهم «اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ»، وخاص الخاص قيل لهم «وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ»، ولمن رجع عند سوانحه إلى اختياره واحتياله، أو فكرته واستدلاله، أو معارفه وأشكاله، والتجأ إلى ظل تدبيره، واستضاء بنور عقله وتفكيره «١» - فمرفوع عنه ظل العناية، وموكول إلى سوء حاله.\nوقوله: «وَلا تَفَرَّقُوا»: التفرقة أشد العقوبات وهى قرينة الشرك.\nوقوله: «وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً» . وكانوا أعداء حين كانوا قائمين بحظوظهم، معرّجين على ضيق البشرية، متزاحمين بمقتضى شحّ النفوس.\n«فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ»: بالخلاص من أسر المكونات، ودفع الأخطار عن أسرارهم، فصار مقصودهم جميعا واحدا فلو ألّف ألف شخص فى طلب واحد- فهم فى الحقيقة واحد.\n«فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوانًا» نعمته التي هى عصمته إياكم، إخوانا متّفقى القصد والهمة، متفانين عن حظوظ النّفس وخفايا البخل والشحّ.\n«وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ»: بكونكم تحت أسر مناكم، ورباط حظوظكم وهواكم.\n_________\n(١) واضح أن القشيري يرى أن الالتجاء إلى العقل والفكر كوسيلة للوصول يعد قاطعا من القواطع، لأن للعقل آفات- ذكرها القشيري فى مواضع مختلفة- تجعله غير جدير بأن يعتمد عليه العبد فى معرفة الحقائق العليا إن مهمة العقل عند هذا الباحث لا تتجاوز منطقة البداية- عند تصحيح الإيمان.","vol":"1","page":267},{"text":"«فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها»: بنور الرضاء، والخمود عند جريان القضاء، وتلك حقا هى المكانة العظمى والدرجة الكبرى، ويدخل فى هذه الجملة ترك السكون إلى ما منك من المناقب والتّقى، ولعقل والحجا، والتحصيل والنّهى، والفرار إلى الله﷿- عن كل غير وسوى.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-367>[سورة آل عمران (٣): آية ١٠٤]</span>\nوَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)\nهذه إشارة إلى أقوام قاموا بالله لله، لا تأخذهم لومة لائم، ولا تقطعهم عن الله استنامة إلى علة، وقفوا جملتهم على دلالات أمره، وقصروا أنفاسهم واستغرقوا أعمارهم على تحصيل رضاه، عملوا لله، ونصحوا الدين لله، ودعوا خلق الله إلى الله، فربحت تجارتهم، وما خسرت صفقتهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-368>[سورة آل عمران (٣): آية ١٠٥]</span>\nوَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)\nهؤلاء أقوام أظهر عليهم فى الابتداء رقوم الطلب، ثم وسمهم «١» فى الانتهاء بكىّ الفرقة، فباتوا فى شق الأحباب، وأصبحوا فى زمرة الأجانب «٢» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-369>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٠٦ الى ١٠٧]</span>\nيَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١٠٧) .\n_________\n(١) الرقم نعت يجرى فى الابتداء والوسم نعت يجرى فى الأبد بما جرى فى الأزل. [.....]\n(٢) تأمل الدقة فى استعمال (باتوا) وكيف تعبر عن البداية ثم (أصبحوا) لتعبر عن النهاية.","vol":"1","page":268},{"text":"أرباب الدّعاوى تسودّ وجوههم، وأصحاب المعاني تبيض وجوههم، وأهل الكشوفات غدا تبيضّ بالإشراق وجوههم، وأصحاب الحجاب تسودّ بالحجبة وجوههم، فتعلوها غبرة، وترهقها قترة.\nويقال من ابيض- اليوم- قلبه ابيضّ- غدا- وجهه، ومن كان بالضد فحاله العكس.\nويقال من أعرض عن الخلق- عند سوانحه- ابيضّ وجهه بروح التفويض، ومن علّق بالأغيار قلبه عند الحوائج اسودّ محيّاه بغبار الطمع فأمّا الذين ابيضت وجوههم ففى أنس وروح، وأمّا الذين اسودّت وجوههم ففى محن ونوح.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-370>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٠٨ الى ١٠٩]</span>\nتِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعالَمِينَ (١٠٨) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (١٠٩)\nنديم مخاطبتنا معك على دوام الأوقات فى كل قليل وكثير، عمارة لسبيل الوداد:\nوَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعالَمِينَ وأنّى يجوز الظلم فى وصفه تقديرا ووجودا- والخلق كلّهم خلقه- والحكم عليهم حكمه؟\nولله ما فى السموات وما فى الأرض ملكا، وإلى الله ترجع الأمور حكما.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-371>[سورة آل عمران (٣): آية ١١٠]</span>\nكُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ (١١٠)\nلمّا كان المصطفى صلوات الله عليه أشرف الأنبياء كانت أمّته﵇- خير الأمم. ولمّا كانوا خير الأمم كانوا أشرف الأمم، ولمّا كانوا أشرف الأمم كانوا أشوق الأمم، فلمّا كانوا أشوق الأمم كانت أعمارهم أقصر الأعمار، وخلقهم آخر الخلائق لئلا يطول مكثهم تحت الأرض. وما حصلت خيريتهم بكثرة صلواتهم","vol":"1","page":269},{"text":"وعباداتهم، ولكن بزيادة إقبالهم، وتخصيصه إياهم. ولقد طال وقوف المتقدمين بالباب ولكن لما خرج الإذن بالدخول تقدّم المتأخرون.\nوكم باسطين إلى وصلنا ... أكفّهم لم ينالوا نصيبا\nقوله جل ذكره: تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ المعروف خدمه الحق، والمنكر صحبة النفس.\nالمعروف إيثار حقّ الحق، والمنكر اختيار حظ النفس.\nالمعروف ما يزلفك إليه، والمنكر ما يحجبك عنه.\nوشرط الآمر بالمعروف أن يكون متصفا بالمعروف، وحقّ النّاهى عن المنكر أن يكون منصرفا عن المنكر.\nوَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ، مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ لو دخل الكافة تحت أمرنا لوصلوا إلى حقيقة العزّ فى الدنيا والعقبى، ولكن بعدوا عن القبول فى سابق الاختيار فصار أكثرهم موسوما بالشّرك.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-372>[سورة آل عمران (٣): آية ١١١]</span>\nلَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذىً وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ (١١١)\nإن الحق ﷾ لا يسلط على أوليائه إلا بمقدار ما يصدق إلى الله فرارهم، فإذا حق فرارهم أكرم لديه قرارهم، وإن استطالوا على الأولياء بموجب حسبانهم انعكس الحال عليهم بالصغار والهوان.\nقال جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-373>[سورة آل عمران (٣): آية ١١٢]</span>\nضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلاَّ بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (١١٢)","vol":"1","page":270},{"text":"علم الهجران لا ينكتم، وسمة البعد لا تخفى، ودليل القطيعة لا يستتر فهم فى صغار الطرد، وذلّ الرد، يعتبر بهم أولوا الأبصار، ويغترّ بهم أضرابهم من الكفار الفجّار.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-374>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١١٣ الى ١١٤]</span>\nلَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَأُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٤)\nكما غاير بين النور والظلام مغايرة تضاد فكذلك أثبت منافاة بين أحوال الأولياء وأحوال الأعداء، ومتى يستوى الضياء والظلمة، واليقين والتّهمة، والوصلة والفرقة، والبعاد والألفة، والمعتكف على البساط والمنصرف عن الباب، والمتصف بالولاء والمنحرف عن الوفاء؟ هيهات يلتقيان! فكيف يتفقان أو يستويان؟! قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-375>[سورة آل عمران (٣): آية ١١٥]</span>\nوَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (١١٥)\nلن يخيب عن بابه قاصد، ولم يخسر عليه (تاجر) «١»، ولم يستوحش معه مصاحب، ولم يذلّ له طالب.\n_________\n(١) هكذا فى ص، وربما استوحاها القشيري من الآية (اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم) فيكون المعنى- والله أعلم- من آثر الله على كل شىء فقد ربحت تجارته وما خسر.","vol":"1","page":271},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-376>[سورة آل عمران (٣): آية ١١٦]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١١٦)\nلا فى الحال لهم بدل ولا فى المآل عنهم خلف. فى عاجلهم خسروا، وفى آجلهم فى قطع وهجر، وبلاء وخسر، وعذاب ونكر:\nتبدّلت وتبدلنا وا حسرة ... لمن ابتغى عوضا لسلمى فلم يجد\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-377>[سورة آل عمران (٣): آية ١١٧]</span>\nمَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٧)\nما وجدوا ميراث ما بذلوا لغير الله إلا حسرات متتابعة، وما حصلوا من حسباناتهم إلا على محن مترادفة، وذلك جزاء من أعرض وتولّى قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-378>[سورة آل عمران (٣): آية ١١٨]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا وَدُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨)\nالركون إلى الضد- بعد تبين المشاق- إعانة على الحال بما لا يبلغه كيد العدو، فأشار الحقّ- سبحانه- على المسلمين بالتحرز عن الاعتراض، وإظهار البراءة عن كل غير، ودوام الخلوص للحق- سبحانه- بالقلب والسر. وأخبر أن مضادات القوم للرسول","vol":"1","page":272},{"text":"ﷺ أصلية غير طارئة عليهم، وكيف لا؟ وهو صلوات الله عليه محلّ الإقبال وهم محل الإعراض. ومتى يجتمع الليل والنهار؟! قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-379>[سورة آل عمران (٣): آية ١١٩]</span>\nها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (١١٩)\nأنتم بقضية كرمكم تصفو- عن الكدورات- قلوبكم فتغلبكم الشفقة عليهم، وهم- لعتوّهم وخلفهم- يكيدون لكم ما استطاعوا، ولفرط وحشتهم لا تترشح منهم إلا قطرات غيظهم. ففرّغ- يا محمد- قلبك منهم.\nقُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ دعهم يتفردوا بمقاساة ما نداخلهم من الغيظ، واستريحوا بقلوبكم عمّا يحلّ بهم، فإنّ الله أولى بعباده يوصل إلى من يشاء ما يشاء.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-380>[سورة آل عمران (٣): آية ١٢٠]</span>\nإِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (١٢٠)\nالإشارة من هذه الآية إلى المنصرفين عن طريق الإرادة، الراجعين إلى أحوال أهل العادة لا يعجبهم «١» أن يكون لمريد نفاذ، وإذا رأوا فترة لقاصد استراحوا إلى ذلك. وإنّ الله- بفضله ومنّته- يتمّ نوره على أهل عنايته، ويذر الظالمين الزائغين «٢» عن سبيله فى عقوبة بعادهم، لا يبالى بما يستقبلهم.\n_________\n(١) أخطأ الناسخ إذ كتبها (لا يعجبكم) والسياق والمعنى يرفضانها.\n(٢) وردت (الذائقين) بالقاف وهى خطأ من الناسخ.","vol":"1","page":273},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-381>[سورة آل عمران (٣): آية ١٢١]</span>\nوَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٢١)\nأقامهﷺ- بتبوئه الأماكن للقتال، فانتدب لذلك بأمره ثم أظهر فى ذلك الباب مكنونات سرّه، فالمدار على قضائه وقدره، والاعتبار بإجرائه واختياره.\nقوله جلّت قدرته:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-382>[سورة آل عمران (٣): آية ١٢٢]</span>\nإِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُما وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٢٢)\nيبرز الجميع فى صدار الاختيار كأنّ الأمر إليهم فى نفيهم وإثباتهم، وفعلهم وتركهم، وفى الحقيقة لا يتقلبون إلا بتصريف القبضة، وتقليب القدرة «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-383>[سورة آل عمران (٣): آية ١٢٣]</span>\nوَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣)\nتذكير ما سلف من الإنعام فتح لباب التملق فى اقتضاء أمثاله فى المستأنف «٢» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-384>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٢٤ الى ١٢٥]</span>\nإِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥)\nكان تسكين الحقّ سبحانه لقلب المصطفىﷺ- بلا واسطة من الله\n_________\n(١) خلاصة معنى هذه العبارة التي قد تبدو غامضة- أن التعبير القرآنى ظاهره نسبة الأفعال للانسان- وهذا من وجهة نظر الصوفي تعبير بالفرق، والحقيقة أن كل شىء مرجعه إلى الله حيث يكون التعبير عنه بالجمع، وقد تقدم معنى الجمع والفرق فى هامش آخر.\n(٢) المستأنف- المستقبل.","vol":"1","page":274},{"text":"- سبحانه، والربط على قلوب المؤمنين بواسطة الرسول ﷺ- فلولا بقية بقيت عليهم ما ردّهم فى حديث النصرة إلى إنزال الملك، وأنّى بحديث الملك- والأمر كلّه بيد الملك؟!.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-385>[سورة آل عمران (٣): آية ١٢٦]</span>\nوَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١٢٦)\nأجرى الله- سبحانه- سنّته مع أوليائه أنه إذا ضعفت نيّاتهم، أو تناقصت «١» إرادتهم أو أشرفت «٢» قلوبهم على بعض فترة- أراهم من الألطاف، وفنون الكرامات ما يقوّى به أسباب عرفانهم، وتتأكد به حقائق يقينهم.\nفعلى هذه السّنّة أنزل هذا الخطاب. ثم قطع قلوبهم وأسرارهم عن الأغيار بالكلية فقال:\n«وما النصر إلا من عند الله» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-386>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٢٧ الى ١٢٩]</span>\nلِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ (١٢٧) لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ (١٢٨) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢٩)\nإنّ الله لا يشمت بأوليائه عدوا فالمؤمن وإن أصابته نكبة، فعدوّه لا محالة يكبّه «٣» الله فى الفتنة والعقوبة.\nقوله جل ذكره: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ، أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ، أَوْ يُعَذِّبَهُمْ، فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ، يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ.\n_________\n(١) وردت (تناقضت) ولا يمنع أن تكون بالصاد حتى ينسجم النقص مع الضعف.\n(٢) وردت بالقاف وهى خطأ فى النسخ.\n(٣) هكذا فى (ص) وهى صحيحة ولكننا لا نستبعد أن تكون فى الأصل (يكبته) حيث جاء هذا الفعل فى الآية الكريمة التي نحن بصددها.","vol":"1","page":275},{"text":"الإله من له الأمر والنهى، فلمّا لم يكن له فى الإلهية نظير لم يكن له- (ﷺ) «١» - من الأمر والنهى شىء.\nويقال جرّده- بما عرّفه وخاطبه- عن كلّ غير ونصيب ودعوى، حيث أخبر أنه ليس له من الأمر شىء، فإذا لم يجز أن يكون لسيّد الأولين والآخرين شىء من الأمر فمن نزلت رتبته عن منزلته فمتى يكون له شىء من الأمر؟\nويقال استأثر (بستر عباده فى حكمه «٢») فقال أنا الذي أتوب على من أشاء من عبادى وأعذّب من أشاء، والعواقب عليك مستورة، وإنك- يا محمد- لا تدرى سرى فيهم.\nويقال أقامه فى وقت مقاما فقال: «وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى» رمى بقبضة من التراب فأصاب جميع الوجوه، وقال له فى وقت آخر: «ليس لك من الأمر شىء» ثم زاد فى البيان فقال: «ولله ما فى السموات وما فى الأرض» . فإذا كان الملك ملكه، والأمر أمره، والحكم حكمه- فمن شاء عذّبه، ومن شاء قرّبه، ومن شاء هداه، ومن شاء أغواه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-387>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٣٠ الى ١٣١]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافًا مُضاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (١٣١)\nحرّم الربا على العباد ومنه إقراض الواحد باثنين تستردهما، وسأل منك القرض الواحد بسبعمائة إلى ما لا نهاية له، والإشارة فيه أن الكرم لا يليق بالخلق وإنما هو صفة الحق سبحانه.\nوَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ: دليل الخطاب أنّ المؤمن لا يعذّب بها، وإن عذّب بها مدّة فلا يخلّد فيها.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-388>[سورة آل عمران (٣): آية ١٣٢]</span>\nوَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)\n_________\n(١) أضفناها لتوضيح المعنى.\n(٢) ربما كانت فى الأصل هكذا (بسر حكمه فى عباده) لأنه بعد قليل يقول (لا تدرى سرى فيهم) أي أن المستأثر به هو السر، وكذلك كلمة (ستر عباده) مرفوضة فالأولى أنه يستر الحكم، أو العواقب كما جاء بعد قليل.","vol":"1","page":276},{"text":"قرن طاعة الرسول صلوات الله عليه بطاعة نفسه تشريفا لقدره، وتخفيفا على الأمة حيث ردّهم إلى صحبة شخص من أنفسهم، فإنّ الجنس إلى الجنس أسكن.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-389>[سورة آل عمران (٣): آية ١٣٣]</span>\nوَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣)\nمعناه سارعوا إلى عمل يوجب لكم المغفرة، فتقسمت القلوب وتوهمت أن ذلك أمر شديد فقال ﷺ: «الندم توبة» وإنما توجب المغفرة التوبة لأن العاصي هو الذي يحتاج إلى الغفران.\nوالناس فى المسارعة على أقسام: فالعابدون يسارعون بقدمهم فى الطاعات، والعارفون يسارعون بهممهم فى القربات، والعاصون يسارعون بندمهم بتجرّع الحسرات. فمن سارع بقدمه وجد مثوبته، ومن سارع بهممه وجد قربته، ومن سارع بندمه وجد رحمته.\nولمّا ذكر الجنة وصفها بسعة العرض، وفيه تنبيه على طولها لأن الطول فى مقابلة العرض، وحين ذكر المغفرة لم يذكر الطول والعرض، فقوم قالوا: المغفرة من صفات الذات وهى بمعنى الرحمة فعلى هذا فمغفرته حكمه بالتجاوز عن العبد وهو كلامه، وصفة الذات تتقدس عن الطول والعرض.\nومن قال: مغفرته من صفات فعله قال لكثرة الذنوب لم يصف الغفران بالنهاية، إشارة إلى استغراقه جميع الذنوب.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-390>[سورة آل عمران (٣): آية ١٣٤]</span>\nالَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)\nلا يدّخرون عن الله شيئا، ويؤثرونه على جميع الأشياء، ينفقون أبدانهم على الطاعات وفنون الأوراد والاجتهاد، وأموالهم فى إفشاء الخيرات وابتغاء القربات بوجوه الصدقات،","vol":"1","page":277},{"text":"وقلوبهم فى الطلب ثم دوام المراعاة، وأرواحهم على صفاء المحبّات والوفاء على عموم الحالات، وينفقون أسرارهم على المشاهدات فى جميع الأوقات «١» ينتظرون إشارات المطالبات، متشمرين للبدار إلى دقيق المطالعات «٢» قوله: «وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ»: يتجاوزون عن الخلق لملاحظاتهم إياهم بعين النسبة، وأقوام يحملون على الخلق علما بأن ذلك بسبب جرمهم فيشهدونهم بعين التسلط، وآخرون يكظمون الغيظ تحققا بأن الحق سبحانه يعلم ما يقاسون فيهون عليهم التحمل، وآخرون فنوا عن أحكام البشرية فوجدوا صافى الدرجات فى الذّلّ لأن نفوسهم ساقطة فانية، وآخرون لم يشهدوا ذرة من الأغيار فى الإنشاء والإجراء فعلموا أنّ المنشئ الله فزالت خصوماتهم ومنازعاتهم مع غير الله لأنهم لمّا أفردوه بالإبداع انقادوا لحكمه فلم يروا معه وجها غير التسليم لحكمه، فأكرمهم الحق سبحانه ببرد الرضاء، فقاموا له بشرط الموافقة.\nقوله «وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ» فرضا «٣» رأوه على أنفسهم لا فضلا منهم على الناس، قال قائلهم:\nربّ رام لى بأحجار الأذى ... لم أجد بدّا من العطف عليه\n«وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ» والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه.. هذا فى معاملة الحق، وأما فى معاملة الخلق فالإحسان أن تدع جميع حقّك بالكلية كم كان على من كان، وتقبل (....) «٤» منه ولا تقلده فى ذلك منّة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-391>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٣٥ الى ١٣٦]</span>\nوَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (١٣٦)\n_________\n(١) سقطت الواو فأثبتناها.\n(٢) أخطأ الناسخ إذ كتبها (المطالبات) أيضا، ونظرا لأن المطالعة مرتبطة بالكشف والكشف مرحلة متأخرة. فقد تركنا الأولى (المطالبات) وصوبنا الثانية (المطالعات) .\n(٣) وردت (قرضا) والصواب بالفاء فهكذا يرشدنا السياق، والشاهد الشعرى بعده. [.....]\n(٤) مشتبهة.","vol":"1","page":278},{"text":"أوحى الله تعالى إلى موسى ﵇ «قل للظّلمة حتى لا يذكرونى فإنى أوجبت أن أذكر من ذكرنى، وذكرى للظّلمة باللعنة» . وقال لظلمة هذه الأمة:\n«أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ» ثم قال فى آخر الآية: «وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ» .\nويقال فاحشة كلّ أحد على حسب حاله ومقامه، وكذلك ظلمهم. وإن خطور المخالفات ببال الأكابر كفعلها من الأغيار، قال قائلهم:\nأنت عينى وليس من حق عينى ... غضّ أجفانها على الأقذاء «١»\nفليس الجرم على البساط كالذّنب على الباب.\nويقال فعلوا فاحشة بركونهم إلى أفعالهم، أو ظلموا أنفسهم بملاحظة أحوالهم، فاستغفروا لذنوبهم بالتبري عن حركاتهم وسكناتهم علما منهم بأنه لا وسيلة إليه إلا به، فخلصهم من ظلمات نفوسهم. وإن رؤية الأحوال والأفعال لظلمات عند ظهور الحقائق، ومن طهّره الله بنور العناية صانه عن التورط فى المغاليط البشرية «٢» .\nأُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ بردّهم إلى شهود الربوبية، وما سبق لهم من الحسنى فى سابق القسمة.\n«وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ» مؤجلا من الفراديس، ومعجّلا فى روح المباحات وتمام الأنس.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-392>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٣٧ الى ١٣٨]</span>\nقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١٣٧) هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٨)\n_________\n(١) البيت لابن الرومي يعاتب صديقه أبا القاسم التوزى الشطرنجى.\n(٢) القشيري فى هذه الفقرة متأثر بتعاليم أهل الملامة النيسابورية الذين يعلنون حربا لا هوادة فيها على كل دعوى للنفس حتى ليحاولون ستر حياتهم الباطنية بفعل ما يوجب ملامة الناس، وكل ذلك فى سبيل كسر النفس وعدم استشعار العبد لأى فضل منه:","vol":"1","page":279},{"text":"يعنى اعتبروا بمن سلف، وانظروا كيف فعلنا بمن والى وكيف انتقمنا ممن عادى، وقوله تعالى هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ: بيان لقوم من حيث أدلة العقول، ولآخرين من حيث مكاشفات القلوب، ولآخرين من حيث تجلى الحق فى الأسرار.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-393>[سورة آل عمران (٣): آية ١٣٩]</span>\nوَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩)\nيعنى إذا قلتم بالله (ووصلتم «١») بالله فلا ينبغى أن تخافوا من غير الله، ولا تهنوا ولا تضعفوا فإن النصرة من عند الله، والغالب الله، وما سوى الله فليس منهم ذرة لا منهم سينة.\nقوله: «إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» أي ينبغى للمؤمن ألا تظله مهابة من غير الله.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-394>[سورة آل عمران (٣): آية ١٤٠]</span>\nإِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠)\nإن نالكم فينا مشقة فالذين تقدموكم لقوا مثل ما لقيتم، ومنوا بمثل ما به منيتم، فمن صبر منهم ظفر، ومن ضجر من حمل ما لقى خسر، والأيام نوب والحالات دول، ولا يخفى على الحق شىء.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-395>[سورة آل عمران (٣): آية ١٤١]</span>\nوَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ (١٤١) .\n_________\n(١) لا نستبعد أنها (وصلتم) من صال يصول، ويدعم ذلك حرف الجر بعده، وكذلك السياق.","vol":"1","page":280},{"text":"اختبارات الغيب سبك «١» للعبد فباختلاف الأطوار يخلصه من المشائب فيصير كالذهب الخالص لا خبث فيه، كذلك يصفو عن العلل فيتخلص لله.\n«وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ» فى أودية التفرقة. (وأما الزبد فيذهب جفاء) «٢» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-396>[سورة آل عمران (٣): آية ١٤٢]</span>\nأَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢)\nمن ظنّ أنه يصل إلى محل عظيم من دون مقاساة الشدائد ألقته أمانيه فى مهواة الهلاك، وإنّ من عرف قدر مطلوبه سهل عليه بذل مجهوده: (......) وهو بلذاته على من يظن يخلع العذار) «٣» وقال قائلهم:\nإذا شام الفتى برق المعاني ... فأهون فائت طيب الرقاد\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-397>[سورة آل عمران (٣): آية ١٤٣]</span>\nوَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (١٤٣)\nطوارق التمني بعد الصبر على احتمال المشاق ولكن:\nإذا انسكبت دموع فى خدود ... تبيّن من بكى «٤» ممن تباكى\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-398>[سورة آل عمران (٣): آية ١٤٤]</span>\nوَما مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤)\n_________\n(١) وردت (شبك) ونرجح أنها (سبك) فالسياق يدعم ذلك.\n(٢) ترجح أن هذه الآية موضوعة هنا خطا وأن مكانها عقب (لا خبث فيه) ليتماسك المعنى.\n(٣) هكذا فى (ص) والصحيح أنه:\nوما جاد دهر بلذاته ... على من يضنّ بخلع العذار\nوهو لأبى نواس فى ملاحاة له مع مسلم بن الوليد.\n(٤) جاءت فى الشطر (تبين من بقي) وهى خطأ فى النسخ.","vol":"1","page":281},{"text":"إن الرسل موقوفون حيثما وقفوا، ومخبرون عمّا عرّفوا بمقدار ما عرفوا فإذا أيّدوا بأنوار البصائر اطّلعوا على مكنونات السرائر بلطائف التلويح بمقدار ما أعطوا من الإشراق بوظائف البلوغ.\n«أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ» لما توفّى المصطفىﷺ- سقمت البصائر إلا بصيرة الصديق ﵁ فأمدّه الله بقوة السكينة، وأفرغ عليه قوة التولي فقال. «من كان يعبد محمدا فإنّ محمدا قد مات» فصار الكلّ مقهورين تحت سلطان قالته لما انبسط عليهم من نور حالته، كالشمس بطلوعها تندرج فى شعاعها أنوار الكواكب فيستتر فيها مقادير مطارح شعاع كل نجم.\nوإنما قال: «أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ» لأنه ﷺ مات. وقيل أيضا لأنه قال:\n«ما زالت أكلة خيبر تعاودنى فهذا أوان قطعت أبهرى» «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-399>[سورة آل عمران (٣): آية ١٤٥]</span>\nوَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ كِتابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (١٤٥)\n«٢» الأنفاس محصورة لا زيادة فيها، ولا نقصان منها.\n«وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها»: للصالحين العاقبة وللآخرين الغفلة.\n«وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها»: وثواب الآخرة أو له الغفران ثم الجنان ثم الرضوان.\n_________\n(١) وفى البخاري بلفظ «ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر فهذا أوان وجدت انقطاع أيهرى من ذلك السم» قال المقريزى: «وهذا قاله فى مرض موته» .\n(٢) أخطأ الناسخ إذ أضاف (وسيجزى الله) وقد التبس عليها ختام الآية السابقة.","vol":"1","page":282},{"text":"«وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ»: وجزاء الشكر الشكر.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-400>[سورة آل عمران (٣): آية ١٤٦]</span>\nوَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦)\nإنّ الذين درجوا على الوفاء، وقاموا بحق الصفاء، ولم يرجعوا عن الطريق، وطالبوا نفوسهم بالتحقيق، وأخذوا عليها بالتضييق والتدقيق- وجدوا محبة الحقّ سبحانه ميراث صبرهم، وكان الخلف عنهم الحقّ عند نهاية أمرهم، فما «١» زاغوا عن شرط الجهد، ولا زاغوا فى حفظ العهد، وسلّموا تسليما، وخرجوا عن الدنيا وكان كلّ منهم للعهد مقيما مستديما، وعلى شرط الخدمة والوداد مستقيما.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-401>[سورة آل عمران (٣): آية ١٤٧]</span>\nوَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (١٤٧)\nتحققوا بحقائق المعنى فخرسوا «٢» عن إظهار الدعوى، ثم نطقوا بلسان الاستغفار، ووقفوا فى موقف الاستحياء، كما قيل:\nيتجنّب الآثام ثم يخافها ... فكأنّما حسناته آثام\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-402>[سورة آل عمران (٣): آية ١٤٨]</span>\nفَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٤٨)\nوأقل ذلك القناعة ثم الرضا ثم العيش معه ثم الأنس فى الجلوس بين يديه ثم كمال الفرح بلقائه، ثم استقلال السرّ بوجوده.\n_________\n(١) أخطا الناسخ إذ نقلها (فلما زاغوا) وهذا يخالف المعنى المراد، والصحيح (فما)\n(٢) وردت بالحاء والصواب أن تكون بالخاء، فالمعنى يتطلب ذلك ويقوى به.","vol":"1","page":283},{"text":"وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ، وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ.\nيعنى دخولهم الجنة وهم محررون عنها، غير داخلين فى أسرها.\nويقال ثواب الدنيا والآخرة الغيبة عن الدارين برؤية خالفهما «١» .\nولمّا قال «ثواب الدنيا» قال فى الآخرة «وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ» فوجب أن يكون لثواب الآخرة مزية على ثواب الدنيا حيث خصّه بوصف الحسن، وتلك المزية دوامها وتمامها وثمارها، وأنها لا يشوبها ما ينافيها، ويوقع آفة فيها.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-403>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٤٩ الى ١٥٠]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ (١٤٩) بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (١٥٠)\nيعنى إن طاوعتم الأضداد جرّوكم إلى أحوالهم «٢»، فألقوكم فى ظلماتهم، بل الله مولاكم:\nناصركم ومعينكم وسيدكم ومصلح أموركم، «وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ»: لأنه يعينكم على أنفسكم ليكفيكم شرّها، ومن سواه يزيد فى بلائكم إذا ناصروكم لأنهم يعينون أنفسكم عليكم.\n«وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ» لأن من سواه يمن عليك بنصرته إياك، وهو يجازيك على استنصارك به.\nويقال كل من استنصرت به احتجت إلى أن تعطيه شيئا من كرائمك ثم قد ينصرك وقد لا ينصرك، فإذا استنصرته- سبحانه- يعطيك كلّ لطيفة، ولا يرضى بألا ينصرك.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-404>[سورة آل عمران (٣): آية ١٥١]</span>\nسَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِما أَشْرَكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وَمَأْواهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (١٥١)\n_________\n(١) الغيبة فى المصطلح الصوفي من مقوماتها ألا يحس العبد بوارد من تذكر ثواب أو تفكر فى عقاب، وعلى حسب الغيبة عن الخلق يكون (حضور) العبد بالحق.\n(٢) وردت (أحوالكم) وهذا خطأ فى النسخ. [.....]","vol":"1","page":284},{"text":"إنّ الله سبحانه خصّ نبيّناﷺ- بإلقاء الرعب منه فى قلوب أعدائه، قال ﵇: «نصرت بالرعب» . فكذلك أجرى هذه السّنّة مع أوليائه يطرح الهيبة منهم فى القلوب، فلا يكاد يكون محق إلا ومنه- على المبطلين وأصحاب الدعوى والتمويه- هيبة فى القلوب وقهر.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-405>[سورة آل عمران (٣): آية ١٥٢]</span>\nوَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (١٥٢)\n(إنه سبحانه يجازيك على استنصارك به، ويقال كل من استنصرت به احتجت إلى أن يعطيه شيئا من كرائمك ثم قد ينصرك وقد لا ينصرك، فاذا استنصرته- سبحانه- يعطيك كل لطيفة، ولا يرضى بألا ينصرك) . «١»\nالإشارة من هذه الآية إلى أن الحق سبحانه أقام أولياءه بحق حقه، وأقعدهم عن تحصيل حظوظهم، وقام سبحانه بكفايتهم بكل وجه، فمن لازم طريق الاستقامة، ولم يزغ عن حدّه ولم يزغ فى عهده، فإنه سبحانه يصدق وعده له بجميل الكفاية ودوامها، ومن ضلّ عن الاستقامة- ولو خطوة- عثر فى مشيته، واضطربت عليه- بمقدار جرمه- حاله وكفايته، فمن زاد زيد له، ومن نقص نقص له.\nقوله جل ذكره: مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ\n_________\n(١) ما بين القوسين سبق وروده عند تفسير «وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ» فى ختام الآية قبل السابقة ولا ندرى هل أعادها القشيري هنا لتفسير «وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ» أم أن الناسخ قد وقع فى التكرار سهوا أثناء الكتابة؟","vol":"1","page":285},{"text":"يُرِيدُ الْآخِرَةَ، ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ، وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ.\nقيمة كل أحد إرادته فمن كانت همته الدنيا فقيمته خسيسة حقيرة كالدنيا، ومن كانت همته الآخرة فشريف خطره، ومن كانت هممه ربانية فهو سيد وقته.\nويقال من صفا عن إرادته وصل إليه، ومن وصل إليه أقبل- بلطفه- عليه، وأزلفه بمحل الخصوصية لديه.\nقوله: «ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ»: الإشارة منه أنه صرف قوما عنه فشغلهم بغيره عنه، وآخرون صرفهم عن كل غير فأفردهم له فالزاهدون صرفهم عن الدنيا، والعابدون صرفهم عن اتباع الهوى، والمريدون صرفهم عن المنى، والموحّدون صرفهم عما هو غير وسوى.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-406>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٥٣ الى ١٥٤]</span>\nإِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا ما أَصابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٥٣) ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاسًا يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (١٥٤)","vol":"1","page":286},{"text":"قوله: «إِذْ تُصْعِدُونَ» الإشارة من هذه الآية لأقوام تقع لهم فترة، ودواعى الحق سبحانه- من أنفسهم، ومن جميع الأقطار حتى كأنّ الأحجار من الشوارع واللّبن من الجدران- تناديه: لا تفعل يا عبد الله! وهو مصرّ فى ليّه، مقيم على غيّه، جاحد لما يعلم أنه هو الأحقّ والأولى من حاله، فإذا قضى وطره واستوفى بهمته، فلا محالة يمسك من إرسال عنانه، ويقف عن ركضه فى ميدانه، فلا يحصل إلا على أنفاس متصاعدة، وحسرات متواترة فأورثه الحقّ- سبحانه- وحشة على وحشة. حتى إذا طال فى التحسّر مقامه تداركه الحق- سبحانه- بجميل لطفه، وأقبل عليه بحسن عطفه، وأنقذه من ضيق أسره، ونقله إلى سعة عفوه وفضله، وكثير من هؤلاء يصلون إلى محل الأكابر ثم يقفون بالله لله (......) «١» ويقومون بالله لله بلا انتظار تقريب ولا ملاحظة ترحيب.\nقال تعالى: ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاسًا يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ فأهل التحقيق والتوحيد يصلون بعد فتراتهم «٢» إلى القول بترك أنفسهم، وغسل أيديهم منهم، ورفع قلوبهم عنهم فيعيشون بالله لله، بلا ملاحظة طمع وطلبة، بل على عقيدة اليأس عن كل شىء. عليه أكّدوا العهد، وبدّلوا اللحظ «٣»، وتركوا كل نصيب وحظ، وهذه صفة من أنزل عليه الأمنة.\nفأمّا الطائفة التي أهمتهم أنفسهم- فبقوا فى وحشة نفوسهم، ومن عاجل عقوبتهم سوء\n_________\n(١) مشتبهة.\n(٢) وردت (فطراتهم) بالطاء والأصوب أن تكون بالتاء لأن الفترة وقت مقاساة ومعاناة فهى تتلاءم مع (وتجرع حسراتهم) .\n(٣) اللحظ هنا معناها الملاحظة، ملاحظة النفس أو ملاحظة العوض.","vol":"1","page":287},{"text":"عقيدتهم فى الطريقة بعد إيمانهم بها قال تعالى: «وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ» .\nوالإشارة فى قوله تعالى: «هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ» لهؤلاء أنهم يتحيّرون فى أمرهم فلا إقبال لهم على الصواب بالحقيقة، ولا إعراض بالكلية، يحيلون فترتهم على سوء اختيارهم، ويضيفون صفوة- لو كانت لقلوبهم- إلى اجتهادهم، وينسون ربّهم فى الحالين، فلا يبصرون تقدير الحق سبحانه. قال تعالى:\n«قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ»: فمن عرف أن المنشئ الله انسلخ عن اختياره وأحواله كانسلاخ الشّعر عن العجين، وسلّم أموره إلى الله بالكلية. وأمارة من تحقق بذلك أن يستريح من كدّ تدبيره، ويعيش فى سعة شهود تقديره.\nوقوله: «يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ»: لم يخلصوا فى عقائدهم، وأضمروا خلاف ما أظهروا، وأعلنوا غير ما ستروا، وأحالوا الكائنات على أسباب توهموها.\nقال تعالى: «قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ»:\nأخبر أن التقدير لا يزاحم «١»، والقدر لا يكابر، وأن الكائنات محتومة، وأن الله غالب على أمره.\nوقوله: «وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ»: فأمّا أهل الحقائق فإنه تعالى ينتزع من قلوبهم كل آفة وحجبة، ويستخلص أسرارهم بالإقبال والزلفة، فتصبح قلوبهم خالصة من الشوائب، صافية عن العلائق، منفردة للحق، مجرّدة عن الخلق، محرّرة عن الحظّ والنّفس، ظاهرة عليها آثار الإقبال، غالبا عليها حسن التّولّى، بادية فيها أنوار التجلي.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-407>[سورة آل عمران (٣): آية ١٥٥]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٥٥) .\n_________\n(١) وردت بالهاء والصواب أن تكون بالحاء.","vol":"1","page":288},{"text":"الإشارة من هذه الآية إلى أحوال من سقمت إرادتهم، وضعفت نيّاتهم، وقادهم الهوى، وملكتهم الفترة.\nقابلهم نصح الناصحين، ودعوة المنى، ووساوس الشياطين فركنوا إلى الغيبة، وآثروا الهوى على التّقى فبقوا عنه، ولم يتهنّوا بما آثروه عليه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-408>[سورة آل عمران (٣): آية ١٥٦]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١٥٦)\nمن تعوّد أن يتلهف على ماضيه وسالفه، أو يتدبر فى مستقبله وآنفه، فأقلّ عقوبة له ضيق قلبه فى تفرقة الهموم، وامتحاء نعت الحياة «١» عن قلبه لغفلته وقالته ليت كذا ولعلّ كذا، وثمرة الفكرة فى ليت ولعلّ- الوحشة والحسرة وضيق القلب والتفرقة.\nقوله جلّ ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-409>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٥٧ الى ١٥٨]</span>\nوَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (١٥٧) وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (١٥٨)\nبذل الروح فى الله خير من الحياة بغير الله، والرجوع إلى الله خير لمن عرف الله من البقاء مع غير الله، وما يؤثره العبد على الله فغير مبارك، إن شئت: والدنيا، وإن شئت: والعقبى.\nقوله وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ: إذا كان المصير إلى الله طاب المسير\n_________\n(١) حياة القلب عمارته بالله وقد وردت فى مطلع الإشارة التالية، ولا يستبعد أنها (الحياء) فهى مقبولة أيضا.","vol":"1","page":289},{"text":"إلى الله: وإنّ سفرة إليه بعدها نحطّ رحالنا لمقاساتها أحلى من العسل! قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-410>[سورة آل عمران (٣): آية ١٥٩]</span>\nفَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)\nجرّده عن أوصاف البشرية، وأفرده بما ألبسه من نعت الربوبية، وأخبر أن ما يلوح إليه فمن أنوار التولي، لا من آثار الوفاق والتبري، ولولا أنه استخلصه بما ألبسه وإلا متى كان بتلك الصفة؟! ويقال إن من خصائص رحمته- سبحانه- عليه أن قوّاه حتى صحبهم، وصبر على تبليغ الرسالة إليهم، وعلى ما كان يقاسيه من اختلافهم- مع سلطان ما كان مستغرقا له ولجميع أوقاته من استيلاء الحق عليه، فلولا قوة إلهية استأثره الحق بها وإلا متى أطاق صحبتهم؟! ألا ترى إلى موسى ﵇ لما كان قريب العهد بسماع كلامه كيف لم يصبر على مخاطبة أخيه فأخذ برأس أخيه يجرّه إليه؟\nويقال لولا أنه ﷺ شاهدهم محوا فيما كان يجرى عليهم من أحكام التصريف، وتحقّق أن منشئها الله- لما أطاق صحبتهم.\nقوله تعالى: «وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ»: لو سقيتهم صرف شراب التوحيد غير ممزوج بما فيه لهم حظّ لتفرقوا عنك، هائمين على وجوههم، غير مطيقين للوقوف لحظة، «فَاعْفُ عَنْهُمْ» فيما يكون تقصيرا منهم فى حقك وتوقيرك، وما عثرت عليه من تفريطهم فى خدمتنا وطاعتنا- فانتصب لهم شفيعا إلينا.\nويقال «فَاعْفُ عَنْهُمْ» فاعف- أنت- عنهم فإن حكمك حكمنا، فأنت لا تعفو إلا وقد عفونا. ثم ردّه عن هذه الصفة بما أثبته فى مقام العبودية، ونقله إلى وصف التفرقة","vol":"1","page":290},{"text":"فقال: ثم قف فى محل التذلل مبتهلا إلينا فى استغفارهم. وكذا سنّته- سبحانه- مع أنبيائه ﵈ وأوليائه، يردّهم من جمع إلى فرق ومن فرق إلى جمع، فقوله: «فَاعْفُ عَنْهُمْ» جمع، وقوله: «وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ» فرق.\nويقال «فَاعْفُ عَنْهُمْ» وتجاوز عنهم فى حقوقك، ولا تكتف بذلك ما لم تستغفر لهم إكمالا للكرم ولهذا كان يقول: «اللهم اهد قومى فإنهم لا يعلمون» .\nويقال ما يقصّرون فى حقّك تعلّق به حقّان: حقك وحقى، فاذا عفوت أنت فلا يكفى هذا القدر بل إن لم أتجاوز عنهم فى حقى كانوا مستوجبين للعقوبة فمن أرضى خصمه لا ينجبر حاله ما لم يغفر الله له فيما ترك من أمره.\nوقوله «وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ» أي أثبت لهم محلا فإنّ المعفو عنه فى صدار الخجلة لا يرى لنفسه مقام الكرامة، فإذا شاورتهم أزلت عنهم انكسارهم، وطيّبت لهم قلوبهم.\nويقال تجنّسوا فى أحوالهم: فمن مقصّر فى حقه أمر بالعفو عنه، ومن مرتكب لذنوبه أمر بالاستغفار له، ومن مطيع غير مقصر أمر بمشاورته.\nثم قال: «فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ» أي لا «١» تتكل على رأى مخلوق وكل الأمور إلىّ، فإنا لا نخليك عن تصريف القبضة بحال.\nوحقيقة التوكل شهود التقدير، واستراحة القلوب عن كد التدبير.\n«إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ» يذيقهم برد الكفاية ليزول عنهم كل لغب «٢» ونصب، وإنه يعامل كلا بما يستوجبه فقوم يغنيهم- عند توكلهم- بعطائه، وآخرون يكفيهم- عند توكلهم- بلقائه، وقوم يرضيهم فى عموم أحوالهم حتى يكتفون ببقائه، ويقفون معه به له- على تلوينات «٣» قدره وقضائه.\n_________\n(١) سقطت (لا) من الناسخ.\n(٢) وردت (لقب) بالقاف والصواب أن تكون (لغب) بالغين، وربما كانت فى الأصل (تعب)\n(٣) اللفظة رديئة الخط، ويحتمل أنها (تقلبات)، وتلوين الأحوال مصحوب- حسب الاصطلاح الصوفي- يتقلب الأحوال، ولهذا فالمعنى يتقبل كلا اللفظين.","vol":"1","page":291},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-411>[سورة آل عمران (٣): آية ١٦٠]</span>\nإِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٦٠)\nالمؤمنون نصرته لهم بالتوفيق للأشباح ثم بالتحقيق للأرواح.\nويقال ينصركم الله بتأييد الظواهر وتسديد «١» السرائر.\nويقال للنصرة إنما تكون على العدو، وأعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك.\nوالنصرة على النّفس بأن تهزم دواعى منّتها بعواصم رحمته حتى تنفضّ جنود الشهوات بهجوم وفود المنازلات فتبقى الولاية لله خالصة من شبهات الدواعي التي هى أوصاف البشرية، وشهوات النفوس وأمانيها، التي هى آثار الحجبة وموانع القربة.\n«إِنْ يَخْذُلْكُمْ» الخذلان التخلية مع المعاصي، فمن نصره قبض على يديه عن تعاطى المكروه، ومن خذله ألقى حبله على غاربه، ووكله إلى سوء اختياره، فيفترق عليه الحال فى أودية الشهوات، فمرة يشرّق غير محتشم، وتارة يغرّب غير محترم، ألا ومن سيّبه الحق فلا آخذ بيده، ومن أسلمه «٢» فلا مجير له.\n«وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ»: فى وجدان الأمان عند صدق الابتهال، وإسبال ثوب «٣» العفو على هناة الجرم عند خلوص الالتجاء، بالتبري من المنّة والحول.\nويقال لما كان حديث النصرة قال: «فَلا غالِبَ لَكُمْ»، ولما كان حديث الخذلان لم يقل «فلا ناصر لكم» بل قال بالتلويح والرمز: «فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ»:\nوفى هذا لطيفة فى مراعاة دقائق أحكام الخطاب.\n_________\n(١) من السداد.\n(٢) أي أسلمه إلى نفسه:\n(٣) وردت (ثواب)، والملائم للاسبال: (ثوب) ولذلك آثرناها.","vol":"1","page":292},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-412>[سورة آل عمران (٣): آية ١٦١]</span>\nوَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١٦١)\nنزّه «١» أحوال الأنبياء عن الدّنس بالخيانات، فمن حمّلناه من الرسالة إلى عبادنا يوصلها إلى مستحقيها واجبا، ولا يعتنى بشأن حميم له من دون أمرنا، ولا يمنع نصيب أحد أمرناه بإيصاله إليه، بحقد ينطوى عليه. ألا ترى كيف قال: «اذهب فواره» لأبى طالب لمّا قال له أمير المؤمنين علىّ ﵁: مات عمّك «٢» الضال. وكيف قبل الوحشىّ قاتل حمزة لمّا أسلم؟\nويقال ما كان لنبى من الأنبياء صلوات الله عليهم أن يضع أسرارنا فى غير أهلها، بل ينزلون كل أحد عند ما يستوجبه، وفى الأثر «أمرنا أن ننزل الناس منازلهم» قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-413>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٦٢ الى ١٦٣]</span>\nأَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦٢) هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (١٦٣)\nلا يستوى من رضى عنه فى آزاله ومن سخط عليه فخذله فى أحواله، وجعله متكلا على أعماله، ناسيا لشهود أفضاله، واتباع الرضوان بمفارقة ما زجر عنه، ومعانقة ما أمر به، فمن تجرّد عن المزجور، وتجلّد فى اعتناق المأمور فقد اتبع الرضوان، واستوجب الجنان.\n_________\n(١) أخطأ الناسخ فكتبها (نزح) بالحاء.\n(٢) «اذهب فغسله وكفنه وواره غفر الله له ورحمه» هكذا أخرجه ابن سعد وابن عساكر عن على ﵁:\nوفى السيرة الحلبية: إن هذا الحديث أخرجه أيضا أبو داود والنسائي وابن الجارود وابن خزيمة عن على قال: لما مات أبو طالب أخبرت النبي (ص) بموته فبكى وقال:\n«اذهب فغسله وكفنه وواره غفر الله له ورحمه» .\nوانظر أيضا «أسنى المطالب فى نجاة أبى طالب» لزينى دحلان ط طهران سنة ١٣٨٢ (ص ٤٤) . [.....]","vol":"1","page":293},{"text":"هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ: أي هم أصحاب درجات فى حكم الله، فمن سعيد مقرّب، ومن شقىّ مبعد.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-414>[سورة آل عمران (٣): آية ١٦٤]</span>\nلَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (١٦٤)\nأجزل لديهم العارفة، وأحسن إليهم النعم حيث أرسل إليهم مثل المصطفى سيد الورى صلوات الله عليه وعلى آله، وعرّفهم دينهم، وأوضح لهم براهينهم، وكان لهم بكل وجه فلا نعمه شكروا، ولا حقّه وقّروا، ولا بما أرشدهم استبصروا، ولا عن ضلالتهم أقصروا..\nهذا وصف أعدائه الذين جحدوا واستكبروا. وأمّا المؤمنون فتقلدوا المنّة فى الاختيار، وقابلوا الأمر بالسمع والطاعة عن كنه الاقتدار، فسعدوا فى الدنيا والعقبي، واستوجبوا من الله الكرامة والزّلفى.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-415>[سورة آل عمران (٣): آية ١٦٥]</span>\nأَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هذا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٦٥)\nعادة الخلق نسيان ما منهم من الخطأ والعصيان، والرجوع إلى الله بالتهمة فيما يتصل بهم من المحن والخسران، وفنون المكاره والافتتان، وإنّ من تعاطى (...) «١» الإجرام فحقيق بألا ينسى حلول الانتقام.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-416>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٦٦ الى ١٦٧]</span>\nوَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لاتَّبَعْناكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ (١٦٧)\n_________\n(١) مشتبهة.","vol":"1","page":294},{"text":"هوّن على المؤمنين وأصحاب البصائر ما لقوا من عظيم الفتنة يوم أحد، بأن قال إن ذلك أجمع كان بإذن الله، وإنّ بلاء يصيب بإذن الله لمن العسل أحلى، ومن كل نعيم أشهى.\nثم أخبر أن الذين لم يكن لهم فى الصحبة خلوص كيف تعللوا وكيف تكاسلوا:\nوكذا الملول إذا أراد قطيعة ... ملّ الوصال وقال كان وكانا\nقوله تعالى: «يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ» فلا جرم (سقوا العسل ودسّوا له فيه الحنظل) «١»، ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-417>[سورة آل عمران (٣): آية ١٦٨]</span>\nالَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٦٨)\nالذين ركنوا إلى ما سوّلت لهم نفوسهم من إيثار الهوى، ثم اعترضوا على من يصرف أحكام القضاء وقالوا لو تحرّزا عن البروز للقتال لم يسقطوا عن درجة السلامة.. لمذمومة تلك الظنون، ولذاهبة عن شهود التحقيق تلك القلوب.\n_________\n(١) هكذا يمكن أن تقرأ هذه العبارة لو بنى الفعلان فيها للمعلوم، أما لو بنيا للمجهول فإن الجزء الثاني منها يكون (ودس لهم فيه الحنظل) . فالفاعل فى الحالة الأولى يكون ضميرا يعود على المنافقين، ونائب الفاعل فى الحالة الثانية يكون المولى ﷿ وما جاء فى النسخة (ص) يرجح الثانية، وإن كنا نميل للأولى.","vol":"1","page":295},{"text":"قل لهم- يا محمد- استديموا لأنفسكم الحياة، وادفعوا عنها هجوم الوفاة! ومتى تقدرون على ذلك؟! هيهات هيهات! قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-418>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٦٩ الى ١٧٠]</span>\nوَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتًا بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠)\nالحياة بذكر الحق بعد ما تتلف النفوس فى رضاء الحق أتمّ من البقاء بنعمة الخلق مع الحجبة عن الحق.\nويقال إن الذي وارثه الحي الذي لم يزل فليس بميت- وإن قتل:\nوإن كانت العبدان للموت أنشئت ... فقتل امرئ فى الله- لا شكّ- أفضل\nقوله: وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ: من علم أن أحباءه ينتظرونه وهم فى الرّفة والنعمة لا يهنأ بعيش دون التأهب والإلمام بهم والنزول عليهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-419>[سورة آل عمران (٣): آية ١٧١]</span>\nيَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (١٧١)\nعلّة استبشارهم وموجبه فضل من الله ونعمة منه، أي لولا فضله ونعمته بهم وإلا متى استبشروا؟ فليس استبشارهم بالنعمة إنما استبشارهم بأنهم عباده وأنه مولاهم «١»، ولولا فضله ونعمته عليهم لما كانت لهم هذه الحالة.\n_________\n(١) يقول الدقاق- شيخ القشيري وصهره- ليس أشرف من العبودية، ولا اسم أتم للمؤمن من الاسم له بالعبودية، وقد وصف بها الرسول (ص) فى أشرف أوقاته فى الدنيا، قال تعالى «فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى»\nلا تدعنى إلا بيا عبدها ... فإنه أشرف أسمائى (الرسالة ص ١٠٠)","vol":"1","page":296},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-420>[سورة آل عمران (٣): آية ١٧٢]</span>\nالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢)\nللاستجابة مزية وفضيلة على الإجابة من حيث الإشارة لا من مقتضى العربية «١» وهو أنه يستجيب طوعا لا كرها، فهم استجابوا لله من غير انطواء على تحمل مشقة بل بإشارة القلب ومحبة الفؤاد واختيار الروح واستحلاء «٢» تحمّل الحكم. فالاستجابة للحق بوجوده، والاستجابة للرسول﵇- بالتخلّق بما شرع من حدوده.\nاستجابة الحق بالتحقق بالصفاء فى حق الربوبية، واستجابة الرسول ﵇ بالوفاء فى إقامة العبودية.\n«مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ»: فى ابتداء معاملاتهم قبل ظهور أنوار التجلي على قلوبهم، وابتسام الحقائق فى أسرارهم.\n«لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ»: «الإحسان أن تعبد الله كأنّك تراه ... - وهو المشاهدة والتقوى- ... فإن لم تكن تراه فإنه يراك «٣» - وهو المراقبة فى حال المجاهدة.\n«أَجْرٌ عَظِيمٌ» لأهل البداية مؤجّلا، ولأهل النهاية معجّلا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-421>[سورة آل عمران (٣): آية ١٧٣]</span>\nالَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيمانًا وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣)\nلم يلتبس على ظواهرهم شىء من أحوال الدنيا إلا انفتحت لهم- فى أسرارهم- طوالع من الكشوفات، فازدادوا يقينا على يقين.\n_________\n(١) أي على مقتضى صيغ الاشتقاق فى اللغة.\n(٢) فى ص (استجلاء) والصواب أن تكون بالحاء.\n(٣) «أعبد الله كأنك تراه ...» رواه الطبراني عن أبى الدرداء، وحسّن السيوطي سنده، وضعفه المنذرى. قال الحافظ العراقي: رجاله ثقات وفيه انقطاع «أعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، واحسب نفسك فى الموتى، واتق دعوة المظلوم» وفى الحلية عن زيد بن أرقم.","vol":"1","page":297},{"text":"ومن أمارات اليقين استقلال القلوب بالله عند انقطاع المني من الخلق فى توهم الإنجاد والإعانة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-422>[سورة آل عمران (٣): آية ١٧٤]</span>\nفَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (١٧٤)\nكذا سنّة الحق- سبحانه- مع من صدق فى التجائه إليه أن يمهد مقيله فى ظل كفايته فلا البلاء يمسه، ولا العناء يصيبه، ولا النّصب «١» يظلّه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-423>[سورة آل عمران (٣): آية ١٧٥]</span>\nإِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)\n«٢» الإشارة فى تسليط دواعى الشيطان على قلوب الأولياء صدق فرارهم إلى الله كالصبىّ الذي يخوّف بشىء يفزع الصبيان، فإذا خاف لم يهتد إلى غير أمه، فإذا أتى إليها آوته إلى نفسها، وضمّته إلى نحرها، وألصقت بخدّه خدّها.\nكذلك العبد إذا صدق فى ابتهاله إلى الله، ورجوعه إليه عن مخالفته، آواه إلى كنف قربته، وتداركه بحسن لطفه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-424>[سورة آل عمران (٣): آية ١٧٦]</span>\nوَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٧٦)\nزاد فى قوة قلبه بما جدّد له من تأكيد العهد، بأنه لا يشمت به عدوّا، ولا ى وصّل إليه من قبلهم سوءا.\n_________\n(١) فى ص (النصيب) والصواب (النصب) فالمعنى يتطلب ذلك.\n(٢) هنا أضاف الناسخ- سهوا- لفظة (الله) فحذفناها.","vol":"1","page":298},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-425>[سورة آل عمران (٣): آية ١٧٧]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٧٧)\nإن أضرّوا فما أضروا إلا بأنفسهم، وإن أصرّوا فما أصرّوا إلا على خسرانهم:\nفما نحن عذّبنا ببعد ديارهم ... ولا نحن ساقتنا إليهم نوازع\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-426>[سورة آل عمران (٣): آية ١٧٨]</span>\nوَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (١٧٨)\nمن تمام المكر بهم، والمبالغة فى عقوبتهم أنّا نعذّبهم وهم لا يشعرون، نستدرجهم من حيث لا يعلمون نملى لهم فيظنون ذلك إنعاما، ولا يحسبونه انتقاما، فإذا برزت لهم كوامن التقدير عند مغاراتها علموا أنهم لفى خسران، وقد اتّضح لكلّ ذى بصيرة أن ما يكون سبب العصيان وموجب النسيان غير معدود من جملة الإنعام.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-427>[سورة آل عمران (٣): آية ١٧٩]</span>\nما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٩)\nجمعهم اليوم من حيث الأشخاص والمبانى، ولكنه فرّقهم فى الحقائق والمعاني فمن طيّبة سجيته، ومن خبيئة طينته. وهم وإن كانوا مشائب «١» ففى بصيرة الخواص هم ممتازون «٢» .\n_________\n(١) مشائب أخلاط.\n(٢) ممتازون هنا مرتبطة بالفعل (يميز) الذي فى الآية الكريمة أي إنهم معلومون عندنا نميز طيبهم مهما كانوا أخلاطا.","vol":"1","page":299},{"text":"«وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ»: فإنّ أسرار الغيب لا تظهر للمتلوثين بأدناس البشرية، وإن الحق سبحانه مستأثر بعلم ما جلّ وقلّ، فيختص من يشاء من أنبيائه بمعرفة بعض أسراره:\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-428>[سورة آل عمران (٣): آية ١٨٠]</span>\nوَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٨٠)\nمن آثر شيئا على الله لم يبارك له فيه فلا يدوم له- فى الدنيا- بذلك استمتاع، ولا للعقوبة عليه- فى الآخرة- عنه دفاع.\nوالبخل- على لسان العلماء- منع الواجب، وعلى مقتضى الإشارة إبقاء شىء ولو ذرة من المال أو نفسا من الأحوال.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-429>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٨١ الى ١٨٢]</span>\nلَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ سَنَكْتُبُ ما قالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (١٨١) ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (١٨٢)\nهذا الخطاب لو كان بين المخلوقين لكان شكوى. والشكوى إلى الأولياء من الأعداء سنّة الأحباب.\nويقال علم أن فى المؤمنين من يغتاب الناس، وذلك قبيح من قالتهم، فأظهر قبحا فوق ذلك ليتصاغر قبح قول المؤمنين بالإضافة إلى قبح قول الكفار، فكأنه قال: لئن قبحت قالتهم فى الاغتياب فأقبح من قولهم قول الكفار حيث قالوا فى وصفنا ما لا يليق بنعمتنا.","vol":"1","page":300},{"text":"وفيه أيضا إشارة إلى الدعاء إلى الخلق، والتجاوز عن الخصم، فإن الله- سبحانه- لم يسلبهم ما أولاهم مع قبيح ما ارتكبوه من التقصير فى حقوقه.\nقوله: «سَنَكْتُبُ ما قالُوا»: هذه الكلمة من موجبات الخجلة لأهل التقصير بأدقّ إشارة يعنى أنهم وإن نسوا أحوالهم وأقوالهم فإنا ننشر لهم ما كتبنا عليهم قال قائلهم:\nصحائف عندى للعتاب طويتها ... ستنشر يوما والعتاب يطول\nسأصبر حتى يجمع الله بيننا ... فإن نلتق يوما فسوف أقول\nقوله: ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ هذا لو كان من مخلوق مع مخلوق لأشبه العذر مما عمله به، فكأنه- سبحانه- يقول: «عبدى: هذا الذي تلقاه- اليوم- من العقوبة لأن الذنب لك، ولو لم تفعله لما عذّبنك» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-430>[سورة آل عمران (٣): آية ١٨٣]</span>\nالَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٨٣)\nتقوّلوا على الله- سبحانه- فيما تعللوا به من ترك الإيمان، فقالوا: لقد أمرنا ألا نصدّق أحدا إلا لو أتانا بقربان يتقرب به إلى السماء، وتنزل نار من السماء، فتأخذ القربان عيانا ببصر، فقال تعالى: قل لهم إن من تقدّمنى من الأنبياء ﵈ أتوكم بما اقترحتم على من القربان، ثم لم تؤمنوا، فلو أجبتكم إليه لن تؤمنوا بي أيضا فإن من أقصته السوابق- فلو خاطبته الشمس بلسان فصيح، أو سجدت له الجبال فرآها بلحظ صحيح- لم يلج العرفان فى قلبه، وما ازداد إلا شكا على شك.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-431>[سورة آل عمران (٣): آية ١٨٤]</span>\nفَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جاؤُ بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ (١٨٤)","vol":"1","page":301},{"text":"أي عادة الكفار تكذيب الرسل: وعلى هذا النحو درج سلفهم، ويهديهم اقتدى خلفهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-432>[سورة آل عمران (٣): آية ١٨٥]</span>\nكُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ مَتاعُ الْغُرُورِ (١٨٥)\nأي كأس الموت توضع على كفّ كلّ حىّ فمن تحلّاها طيّبة نفسه أورثته سكر الوجد، ومن تجرّعها على وجه التعبس، وقع فى وهدة الرّدّ، ووسم بكىّ الصّدّ، ثم يوم القيامة:\nفمن أجير من النار وصل إلى الراحة الكبرى، ومن صلّى بالسعير وقع فى المحنة الكبرى.\n«وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ»: لأن ما هو آت فقريب.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-433>[سورة آل عمران (٣): آية ١٨٦]</span>\nلَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٨٦)\nكفاهم أكثر أسباب الضر بما أخبرهم عن حلولها بهم قبل الهجوم، وعرّفهم أن خير الأمرين لهم إيثار الصبر واختيار السكون تحت مجارى الأقدار.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-434>[سورة آل عمران (٣): آية ١٨٧]</span>\nوَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ (١٨٧)","vol":"1","page":302},{"text":"أخبر أنهم أبرموا عهودهم أن لا يزولوا «١» عن وفائه، ولكنهم نقضوا أسباب الذّمام بما صاروا إليه من الكفران، ثم تبيّن أنّ ما اعتاضوا من ذهاب الدين من أعراض يسيرة لم يبارك لهم فيه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-435>[سورة آل عمران (٣): آية ١٨٨]</span>\nلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٨٨)\nإن من باشر رؤية الخلق قلبه، ولاحظهم بسرّه فلا تظننّ أنّ عقوبتهم مؤخرة إلى يوم القيامة، بل ليسوا من العذاب- فى الحال- بمفازة، وأىّ عذاب أشدّ من الردّ إلى الخلق والحجاب عن الحق؟\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-436>[سورة آل عمران (٣): آية ١٨٩]</span>\nوَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٨٩)\nالإشارة من هذه الآية هاهنا إلى غناه- سبحانه- عمّا فى الكون، وكيف يحتاج إليهم؟! ولكنهم لا يجدون عنه خلفا، ولا عليه بدلا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-437>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٩٠ الى ١٩١]</span>\nإِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وَقُعُودًا وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ (١٩١)\nالآيات التي تعرّف الحق ﷾ بها إلى العوام هى التي فى الأقطار من العبر والآثار، والآيات التي تعرّف بها إلى الخواص فالتى فى أنفسهم. قال سبحانه:\n_________\n(١) وردت (ان لا يزالوا) ونرجح انها فى الأصل (ان لا يزولوا) لأن هذه مناسبة للمراد من الآية، ومن سياق المعنى، ولو كان حرف الجر (على) بعدها لقبلنا (لا يزالوا) .","vol":"1","page":303},{"text":"«سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ» فالآيات الظاهرة توجب علم اليقين، والآيات الباطنة توجب عين اليقين.\nوالإشارة من اختلاف الليل والنهار إلى اختلاف ليالى العباد فليالى أهل الوصلة قصيرة، وليالى أهل الفراق طويلة فهذا يقول:\nشهور ينقضين وما شعرنا ... بأنصاف لهن ولا سرار\nويقول:\nصباحك سكر والمساء خمار ... فنمت وأيام السرور قصار\nوالثاني يقول:\nليالى أقر الظاعنين (....) ... شكوت وليل العاشقين طويل\nوثالث ليس له خبر عن طول الليل ولا عن قصره فهو لما غلب عليه يقول:\nلست أدرى أطال ليلى أم لا؟ ... كيف يدرى بذاك من يتقلّى؟!\nلو تفرّغت لاستطالة ليلى ... ورعيت النجوم كنت محلّا\nقوله تعالى: «لِأُولِي الْأَلْبابِ»: أولو الألباب هم الذين صحت عقولهم عن سكر الغفلة.\nوأمارة من كان كذلك أن يكون نظره بالحق فإذا نظر من الحقّ إلى الحقّ استقام نظره، وإذا نظر من الخلق إلى الحق انتكست نعمته، وانقلبت أفكاره مورّثة للشبهة.\nقوله تعالى: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وَقُعُودًا ... الآية:\nاستغرق الذكر جميع أوقاتهم فإن قاموا فبذكره، وإن قعدوا أو ناموا أو سجدوا فجملة أحوالهم مستهلكة فى حقائق الذكر، فيقومون بحق ذكره ويقعدون عن إخلاف أمره، ويقومون بصفاء الأحوال ويقعدون عن ملاحظتها والدعوى فيها «١» .\nويذكرون الله قياما على بساط الخدمة ثم يقعدون على بساط القربة.\nومن لم يسلم فى بداية قيامه عن التقصير لم يسلم له قعود فى نهايته بوصف الحضور.\n_________\n(١) القشيري هنا مستفيد من رآى استاذه الإمام ابن فورك فى «قِيامًا وَقُعُودًا» فى الآية الكريمة (الرسالة ص ١١١) .","vol":"1","page":304},{"text":"والذكر طريق الحق- سبحانه- فما سلك المريدون طريقا أصحّ وأوضح من طريق الذكر، وإن لم يكن فيه سوى قوله: «أنا جليس من ذكرنى» لكان ذلك كافيا.\nوالذاكرون على أقسام، وذلك لتباين أحوالهم: فذكر يوجب قبض الذاكر لما يذكره من نقص سلف له، أو قبح حصل منه، فيمنعه خجله عن ذكره، فذلك ذكر قبض.\nوذكر يوجب بسط الذاكر لما يجد من لذائذ الذكر ثم من تقريب الحقّ إيّاه بجميل إقباله عليه.\nوذاكر هو محو فى شهود مذكوره فالذكر يجرى على لسانه عادة، وقلبه مصطلم فيما بدا له.\nوذاكر هو محل الإجلال يأنف من ذكره ويستقذر وصفه «١»، فكأنه لتصاغره عنه لا يريد أن يكون له فى الدنيا والآخرة (ثناء) «٢» ولا بقاء، ولا كون ولا بهاء، قال قائلهم:\nما إن ذكرتك إلا همّ يلعننى ... قلبى وروحى وسرى عند ذاكراكا\nحتى كأنّ رقيبا منك يهتف بي ... إياك ويحك والتذكار إياكا\nوالذكر عنوان الولاية، وبيان الوصلة، وتحقيق الإرادة، وعلامة صحة البداية، ودلالة صفاء النهاية، فليس وراء الذكر شىء، وجميع الخصال المحمودة راجعة إلى الذكر، ومنشأة عن الذكر.\nقوله جل ذكره: وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا.\nالتفكر نعمة كل طالب، وثمرته الوصال بشرط العلم، فإذا سلم الذكر عن الشوائب\n_________\n(١) هذا النوع من الذكر يلتقى بتعاليم أهل الملامة النيسابورية الذين لا ينظرون لأى عمل إلا من حيث رؤية التقصير فيه.\n(٢) ربما كانت (فناء) وإن كان المعنى يتقبل كليهما. [.....]","vol":"1","page":305},{"text":"ورد صاحبه على مناهل التحقيق، وإذا حصل الشهود والحضور سما صاحبه عن الفكر إلى حدود الذكر، فالذكر سرمد «١» .\nثم فكر الزاهدين فى فناء الدنيا وقلة وفائها لطلابّها فيزدادون بالفكرة زهدا فيها.\nوفكر العابدين فى جميل الثواب فيزدادون نشاطا عليه ورغبة فيه.\nوفكر العارفين فى الآلاء والنعم فيزدادون محبة للحق سبحانه.\nقوله جل ذكره: سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ.\nالتسبيح يشير إلى سبح الأسرار فى بحار التعظيم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-438>[سورة آل عمران (٣): آية ١٩٢]</span>\nرَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (١٩٢)\nمن ابتليته فى الآجل بالحرقة فقد أخزيته، ومن ابتليته بالفرقة فى العاجل فقد أشقيته، ومن أوليته بيمن الوصلة فقد آويته وأدنيته.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-439>[سورة آل عمران (٣): آية ١٩٣]</span>\nرَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ (١٩٣)\nيعنى أجبنا الداعي ولكن أنت الهادي، فلا تكلنا إلينا، ولا ترفع ظلّ عنايتك عنّا.\nوالإيمان الدخول فى موجبات الأمان، وإنما يؤمن بالحق من أمّنه الحق، فأمان الحق للعبد- الذي هو إجارته- يوجب إيمان العبد بالحق الذي هو تصديقه ومعرفته.\n_________\n(١) [سأل أبو عبد الرحمن السلمى الشيخ الدقاق. آلذكر أتم أم الفكر؟\nفقال الدقاق: ما الذي يقع لك منه؟\nفأجاب السلمى: عندى الذكر أتم من الفكر لأن الحق سبحانه يوصف بالذكر ولا يوصف بالفكر وما وصف به الحق سبحانه أتم مما اختص به الخلق فاستحسنه الدقاق] الرسالة ص ١١١.\nوقد ذكرنا هذه الرواية هنا: اولا لتوضح الفرق بين الذكر والفكر وثانيا لتبرز قول القشيري:\n(الذكر سرمد) أي مستدام.","vol":"1","page":306},{"text":"«وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ»: وهم المختصون بحقائق التوحيد، القائمون لله بشرائط التفريد، الواقفون مع الله بخصائص التجريد.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-440>[سورة آل عمران (٣): آية ١٩٤]</span>\nرَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ (١٩٤)\nحقّق لنا ما وعدتنا على ألسنة الوسائط «١» من إكمال النّعمى (.....) «٢» وغفران كل ما سبق منا من متابعات الهوى.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-441>[سورة آل عمران (٣): آية ١٩٥]</span>\nفَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ثَوابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ (١٩٥)\nكيف لا يستجيب لهم وهو الذي لقّنهم الدعاء، وهو الذي ضمن لهم الإجابة، ووعده جميل الثواب على الدعاء زائد على ما يدعون لأجل الحوائج.\n«فَالَّذِينَ هاجَرُوا»: يعنى الديار والمزار، وجميع المخالفين والموافقين من الأغيار.\n«وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ»: إلى مفارقة معاهدهم من مألوفاتهم.\n«وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي»: عيّروا بالفقر والملام، وفتنوا بفنون المحن والآلام.\n_________\n(١) يقصد الرسل ﵈.\n(٢) مشتبهة.","vol":"1","page":307},{"text":"«وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا»: ذاقوا من اختلاف الأطوار الحلو والمر.\n«لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ»: يعنى لنعطينّهم فوق آمالهم وأكثر، مما استوجبوه بأعمالهم وأحوالهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-442>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٩٦ الى ١٩٧]</span>\nلا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ (١٩٦) مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ (١٩٧)\nلا تتداخلنك تهمة بأنّ لهم عندنا قدرا وقيمة إنما هى أيام قلائل وأنفاس معدودة، ثم بعدها حسرات مترادفة، وأحزان متضاعفة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-443>[سورة آل عمران (٣): آية ١٩٨]</span>\nلكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ (١٩٨)\nالذين وسمناهم بذلّ الفرقة بئست حالتهم، والذين رفعوا قدما لأجلنا فنعمت الحالة والزلفة وصلوا إلى الثواب المقيم، وبقوا فى الوصلة والنعيم، وما عند الله مما ادّخرنا لهم خير مما أمّلوه باختيارهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-444>[سورة آل عمران (٣): آية ١٩٩]</span>\nوَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (١٩٩)\nيريد من ساعدتهم القسمة بالحسنى فهم مع أولياء الله نعمة كما كانوا معهم قسمة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-445>[سورة آل عمران (٣): آية ٢٠٠]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)","vol":"1","page":308},{"text":"الصبر فيما تفرد به العبد، والمصابرة مع العدو.\nوالرباط نوع من الصبر ولكن على وجه مخصوص.\nويقال أول الصبر التصبر، ثم الصبر ثم المصابرة ثم الاصطبار وهو نهاية «١» .\nويقال اصبروا على الطاعات وعن المخالفات، وتصابروا فى ترك الهوى والشهوات، وقطع المنى والعلاقات، ورابطوا بالاستقامة فى الصحبة فى عموم الأوقات والحالات.\nويقال اصبروا بنفوسكم وصابروا بقلوبكم، ورابطوا بأسراركم.\nويقال اصبروا على ملاحظة الثواب، وصابروا على ابتغاء القربة، ورابطوا فى محل الدنوّ والزلفة- على شهود الجمال والعزّة.\nوالصبر مرّ مذاقه إذا كان العبد يتحسّاه على الغيبة، وهو لذيذ طعمه إذا شربه على الشهود والرؤية.\n«وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ»: الفلاح الظّفر بالبغية، وهمّتهم اليوم الظفر بنفوسهم، فعند ذلك يتم خلاصهم، وإذا ظفروا بنفوسهم ذبحوها بسيوف المجاهدة، وصلبوها على عيدان المكابدة، وبعد فنائهم عنها يحصل بقاؤهم بالله.\n_________\n(١) يمكن أن يجد القارئ فى صنيع القشيري حول مادة (ص ب ر) انه- وهذا شأنه دائما- يحاول أن يؤسس المصطلح الصوفي على دعائم لغوية تعتمد على الفروق الدقيقة بين صيغ الاشتقاق المختلفة من المادة الواحدة فصيغة المفاعلة فيها المشاركة، وصيغة التفعل فيها تكلف يلائم البداية ... وهكذا.","vol":"1","page":309},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-446>السورة التي يذكر فيها النساء</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم اختلفوا فى الاسم عن ماذا اشتقّ فمنهم من قال إنه مشتق من السموّ وهو العلوّ. ومنهم من قال إنه مشتق من السّمة وهى الكيّة.\nوكلاهما فى الإشارة: فمن قال إنه مشتق من السمو فهو اسم من ذكره سمت رتبته، ومن عرفه سمت حالته، ومن صحبه سمت همّته فسمو الرتبة يوجب وفور المثوبات والمبارّ، وسمو الحالة يوجب ظهور الأنوار فى الأسرار، وسمو الهمة يوجب التحرز عن رقّ الأغبار.\nومن قال أصله من السّمة فهو اسم من قصده وسم بسمة العبادة «١»، ومن صحبه وسم بسمة الإرادة، ومن أحبّه وسم بسمة الخواص، ومن عرفه وسم بسمة الاختصاص. فسمة العبادة توجب هيبة النار أن ترمى صاحبها بشررها، وسمة الإرادة توجب حشمة الجنان أن تطمع فى استرقاق صاحبها- مع شرف خطرها، وسمة الخواص توجب سقوط العجب من استحقاق القربة للماء والطينة على الجملة «٢»، وسمة الاختصاص توجب امتحاء الحكم عند استيلاء سلطان الحقيقة.\nويقال اسم من واصله سما عنده (عن) الأوهام قدره (سبحانه) «٣» . ومن فاصله وسم بكىّ الفرقة قلبه.\n_________\n(١) هنا حدث اضطراب من الناسخ فاخطأ فى النقل وقد رتبنا الكلام فى النصف الأول من الفقرة حسب الترتيب الوارد فى النصف الثاني منها والذي يبدأ «قسمة العبادة توجب.... إلخ» .\nذلك الترتيب الذي يتمشى مع المذهب العام للقشيرى فى كل مصنفاته.\n(٢) يقصد تشريف الإنسان على جملة المخلوقات، فالانسان وحده- دون سائر الكائنات- هو الذي خوطب بتبادل الذكر والمحبة مع الحق جل شأنه.\n(٣) وضعنا (عن) و(سبحانه) ليمتنع اللبس، وهما غير موجودين فى النص (يقول القشيري فى رسالته:\nما يصوره وهمك فالله بخلاف ذلك) .","vol":"1","page":310},{"text":"وعلى هذه الجملة يدل اسمه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-447>[سورة النساء (٤): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nيا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيرًا وَنِساءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)\nالناس اسم جنس، والاشتقاق فيه غير قوى. وقيل سمى الإنس إنسا لظهوره «١» فعلى هذه الإشارة: يا من ظهرتم عن كتم العدم بحكم تكليفى، ثم خصصت من شئت منكم بتشريفى، وحرمت من شئت منكم هدايتى وتعريفى. ونقلتكم إلى ما شئت بل أوصلتكم إلى ما شئت بحكم تصريفى.\nويقال لم أظهر من العدم أمثالكم، ولم أظهر على أحد ما أظهرت عليكم من أحوالكم.\nويقال سمّيت إنسانا لنسيانك، فإن نسيتنى فلا شىء أخسّ «٢» منك، وإن نسيت ذكرى فلا أحد أحطّ «٣» منك.\nويقال من نسى الحق فلا غاية لمحنته، ومن نسى الخلق فلا نهاية لعلوّ حالته.\nويقال يقول للمذنبين: يا من أنسيت عهدى، ورفضت ودى، وتجاوزت حدّى حان لك أن ترجع إلى بابى، لتستحقّ لطفى وإيجابى. ويقول للعارفين، يا من نسيت فينا حظّك، وصت عن غيرنا لحظك ولفظك- لقد عظم علينا حقّك، ووجب لدينا نصرك «٤»، وجلّ عندنا قدرك..\n_________\n(١) حتى يقابل (الجن) لاختفائه. ربما كان قصد القشيري إلى ذلك.\n(٢) وردت (أخص) بالصاد، وربما نقبلها على أساس أن الله يعاتب عبده: إن نسيتنى فأنت رغم ذلك (أخص الكائنات بمحبتى) .\n(٣) وردت (أحض) بالضاد وربما كانت أحصن.\n(٤) وجب واستوجب والإيجاب عند القشيري ترد بمعنى الاستحقاق، وعلينا أن نتأمل الدقة فى استعمال (لدينا) ولم يقل (علينا) فلا وجوب على الله- بخلاف المعتزلة.","vol":"1","page":311},{"text":"ويقال يا من أنست «١» بنسيم قربى، واستروحت إلى شهود وجهى، واعتززت بجلال قدرى- فأنت أجلّ عبادى عندى.\nقوله: «اتَّقُوا رَبَّكُمُ»: التقوى جماع الطاعات، وأوله ترك الشّرك وآخره اتقاء كل غير، وأول الأغيار لك نفسك، ومن اتّقى نفسه وقف مع الله بلا مقام ولا شهود حال، و(وقف) لله ... لا لشهود حظّ فى الدنيا والعقبى.\nقوله: «الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ»: وهو آدم ﵇، وإذا كنا مخلوقين منه وهو مخلوق باليد فنحن أيضا كذلك، لمّا ظهرت مزية آدم ﵇ به على جميع المخلوقين والمخلوقات فكذلك وصفنا، قال تعالى: «أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ» .\nولفظ «النفس» للعموم والعموم يوجب الاستغراق.\nقوله: «وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها»: حكم الحقّ- سبحانه- بمساكنة الخلق مع الخلق لبقاء النسل، ولردّ المثل إلى المثل فربط الشكل بالشكل.\nقوله: «وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيرًا وَنِساءً»: تعرّف إلى العقلاء على كمال القدرة بما ألاح من براهين الربوبية ودلالات الحكمة حيث خلق جميع هذا الخلق من نسل شخص واحد، على اختلاف هيئتهم، وتفاوت صورهم، وتباين أخلاقهم، وإن اثنين منهم لا يتشابهان، فلكل وجه فى الصورة والخلق، والهمة والحالة، فسبحان من لا حدّ لمقدوراته ولا غاية لمعلوماته.\nثم قال: «وَاتَّقُوا اللَّهَ» تكرير الأمر بالتقوى يدلّ على تأكيد حكمه.\nوقوله: «تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ»: أي اتقوا الأرحام أن تقطعوها، فمن قطع الرحم قطع، ومن وصلها وصل.\n«إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا»: مطلعا شهيدا، يعد عليك أنفاسك، ويرى حواسك، وهو متوّل خطراتك، ومنشىء حركاتك وسكناتك. ومن علم أنه رقيب عليه فبالحرى أن يستحيى منه.\n_________\n(١) لاحظ كيف يربط القشيري بين الناس (والأنس) بعد أن ربطها (بالإنس) فمدار الكلام كله على لفظة (الناس) التي وردت فى الآية الكريمة.","vol":"1","page":312},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-448>[سورة النساء (٤): آية ٢]</span>\nوَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كانَ حُوبًا كَبِيرًا (٢)\nمن أقيم بمحلّ الرعاية فجاء على رعيّته فخصمه ربّه فإنه- سبحانه- ينتقم لعباده ما لا ينتقم لنفسه. فولىّ اليتيم إن أنصف وأحسن فحقّه على الله، وإن أساء وتعدّى فخصمه الله.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-449>[سورة النساء (٤): آية ٣]</span>\nوَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ذلِكَ أَدْنى أَلاَّ تَعُولُوا (٣)\nأباح الله للرجال الأحرار التزوج بأربع فى حالة واحدة، وأوجب العدل بينهن، فيجب على العبد أن يراعى الواجب فإن علم أنه يقوم بحق هذا الواجب آثر هذا المباح، وإن علم أنه يقصّر فى الواجب فلا يتعرّض لهذا المباح، فإنّ الواجب مسئول عنه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-450>[سورة النساء (٤): آية ٤]</span>\nوَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)\nدلّ هذا على أن طعام الفتيان «١» والأسخياء مرىء لأنهم لا يطعمون إلا عن طيب نفس، وطعام البخلاء ردىء «٢» لأنهم يرون أنفسهم، وإنما يطعمون عن تكلّف لا عن طيب نفس.\nقال ﷺ: «طعام السخىّ دواء وطعام البخيل داء» .\n_________\n(١) الفتيان جمع فتى. والفتوة أصل من أصول الصوفية عماده الإيثار والبذل والصفح والعفو، والأنفة عما فى الكونين إلى غير ذلك من محاسن السلوك التي ينبغى للنفس أن ترتاضها، وأن تتحلى بها حتى يتهيأ العبد لما هو أجل وأعظم، وأن يكون إيثاره لله وبذله لله وروحه لله، لأن من يؤمر بالتزام ذلك بالنسية للمخلوق لا يضن بأضعافه بالنسبة إلى الحق.\n(٢) مشتبهة ولكنها أقرب ما تكون إلى (ردىء) وقد وضعناها مع التحفظ، والمعنى بتقبلها. [.....]","vol":"1","page":313},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-451>[سورة النساء (٤): آية ٥]</span>\nوَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٥)\nالسّفيه من يمنعك عن الحقّ، ويشغلك عن الربّ.\nوالسّفيه من العيال والأولاد من تؤثر حظوظهم على حقوق الله تعالى.\nقوله: «الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيامًا»: حفظ التجمل فى الحال أجدى عليكم من التعرض للتبذل والسؤال، والكدية والاحتيال. وإنما يكون البذل خيرا من الإمساك عند تحرّر القلب والثقة بالصبر. فأمّا على نية الكدية وأن تجعل نفسك وعيالك كلّا على الناس فحفظك ما جعله الله كفاية لنفسك أولى، ثم الجود بفاضل كفايتك.\nقوله: «وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا»: إذا كان ذات يدك يتسع لكفاية يومهم ويفضل «١» فلا تدّخره عمّا تدعو إليه حاجتهم معلومك خشية فقر فى الغد، فإن ضاقت يدك عن الإنفاق فلا يتّسعنّ «٢» لسانك بالقبيح من المقال.\nويقال إذا دعتك نفسك إلى الإنفاق فى الباطل فأنت أسفه السفهاء فلا تطع نفسك.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-452>[سورة النساء (٤): آية ٦]</span>\nوَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافًا وَبِدارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٦) .\n_________\n(١) يفضل وفاضل هنا بمعنى يزيد وزيادة.\n(٢) لاحظ المقابلة الجميلة فى تعبير القشيري بين (ضاقت يدك) و(يتسع لسانك)","vol":"1","page":314},{"text":"إيناس الرشد العفة والديانة، والسخاء والصيانة، وصحبة الشيوخ، والحرص على مشاهدة الخير، وأداء العبادات على قضية الأمر.\nويقال الرشيد من اهتدى إلى ربّه، وعند ما تسنح له (حاجة) من حوائجه لا يتّكل على حوله وقوّته، وتدبيره واختياره.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-453>[سورة النساء (٤): آية ٧]</span>\nلِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (٧)\nحكم الميراث لا يختلف بالفضل والمنقبة، ولا يتفاوت بالعيب والنقص والذنب فلو مات رجل وخلف ابنين تساويا فى الاستحقاق وإن كان أحدهما برا تقيا والآخر فاجرا عصيّا، فلا للتقى زيادة لتقواه، ولا للفاجر بخس لفجوره، والمعنى فيه أن الميراث ابتداء عطيّة من قبل الله، فيتساوى فيه البر والفاجر. كذلك حكم الإيمان ابتداء عطية للمسلمين:\nقال الله تعالى: «ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا»، ثم قال: «فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ ...» الآية.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-454>[سورة النساء (٤): آية ٨]</span>\nوَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٨)\nيريد إذا حضر قسمة الميراث ذوو السهمان «١» والمستحقون، وحضر من لا نصيب لهم فى الميراث من المساكين فلا تحرموهم من ذلك. فإن كان المستحق مولّى عليه، فعدوهم وعدا جميلا وقولوا: «إذا بلغ الصبى قلنا له حتى يعطيك شيئا» وهذا معنى قوله: «وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا» . وفى هذا إشارة لطيفة للمذنبين إذا حضروا لعرصته غدا، والحق سبحانه يغفر للمطيعين ويعطيهم ثواب أعمالهم، فمن كان منكم من فقراء المسلمين لا يحرمهم الغفران\n_________\n(١) السهمان ج سهم.","vol":"1","page":315},{"text":"إن شاء الله بعد ما كانوا من أهل الإيمان، وكذلك يوم القسمة لم تكن حاضرا، ولا لك استحقاق سابق فبفضله ما أهّلك لمعرفته مع علمه بما يحصل منك فى مستأنف أحوالك من زلتك.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-455>[سورة النساء (٤): آية ٩]</span>\nوَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافًا خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٩)\nبيّن فى هذه الآية أن الذي ينبغى للمسلم أن يدخره لعياله «١» التقوى والصلاح لا المال لأنه لم يقل فليجمعوا المال وليكثروا لهم العقار وليخلفوا الأثاث بل قال: «فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ» فانه يتولى الصالحين.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-456>[سورة النساء (٤): آية ١٠]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْمًا إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)\nإنما تولّى الحق سبحانه خصمية اليتيم، لأنه لا أحد لليتيم غيره، وكلّ من وكل أمره إليه فتبرّأ من حوله وقوته فالحق سبحانه ينتقم له بما لا ينتقم لنفسه «٢» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-457>[سورة النساء (٤): آية ١١]</span>\nيُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١) .\n_________\n(١) وردت (العبارة) وهى خطأ فى النسخ.\n(٢) هذه إشارة موجهة إلى الأولياء، فهم لا سند لهم من جاء أو سلطان أو مخلوق فإذا تعرضوا للأذى تولى الله عنهم خصومة المؤذى.","vol":"1","page":316},{"text":"الوصية هاهنا بمعنى الأمر، فانه سبحانه جعل الميراث بين الورثة مستحقا بوجهين:\n١- الفرض ٢- التعصيب، والتعصيب أقوى من الفرض لأن العصبة قد تستغرق جميع المال أما أكثر الفروض فلا يزيد على الثلثين، ثم إن القسمة تبدأ بأصحاب الفروض وهم أضعف استحقاقا، ثم العصبة وهم أقوى استحقاقا. قال ﷺ:\n«ما أبقت الفرائض فلأولى عصبة ذكر» «١» كذلك أبدا سنته، كما فى قوله تعالى:\n«ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا» أعطاهم الكتاب بلفظ الميراث ثم قدّم الظالم على السابق، وهو أضعف استحقاقا إظهارا للكرم مع الظالم لأنه منكسر القلب ولا يحتمل وقته طول المدافعة.\nوقوله «لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ» . لو كان الأمر بالقياس لكانت الأنثى بالتفضيل أولى لضعفها، ولعجزها عن الحراك، ولكنّ حكمه- سبحانه- غير معلّل «٢» .\nقوله جل ذكره: آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا.\nالأبناء ينفعونكم بالخدمة، والآباء بالرحمة الآباء فى حال ضعفك فى بداية عمرك، والأبناء فى حال ضعفك فى نهاية عمرك.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-458>[سورة النساء (٤): آية ١٢]</span>\nوَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (١٢)\n_________\n(١) صحيح البخاري ج ٨ ص ٢٦٩ «ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فهو لأولى رجل ذكر»\n(٢) تحتاج هذه العبارة إلى بعض توضيح. وربما كان أفضل تحديد لها ما يذكره ذو النون المصري:\n«علة كل شىء صنعه، ولا علة لصنعه» ثم ما يوضحه أبو نصر السراج فى اللمع حيث يقول: «معنى هذا القول- والله أعلم- أن وجود النقصان فى كل شىء مصنوع كائن، لأنه لم يكن فكان، وليس فى صنع الصانع لمصنوعاته علة، وقال بعضهم:\nيا شقامى من السّقا ... م وإن كنت علّتى (اللمع ص ٤٤٠)","vol":"1","page":317},{"text":"الإشارة فى ثبوت الميراث للأقربين من الورثة بالنّسب والسبب أنّ الميت إذا مات تحمّل القريب أحزانه فعوّض الله الوارث على ما يقاسيه ويخامر قلبه من التوجّع مال الموروث..\nوكذا سنّته- سبحانه- التعويض على مقاساة الأذى- جودا منه لا وجوبا عليه «١» - كما توهّم قوم. وكلّ من كان أقرب نسبا أو أقوى سببا من الميت كان أكثر استحقاقا لميراثه، وفى معناه أنشدوا:\nوما بات مطويا على أريحية (.... ... ...) عقب النوى موت الفتى ظل مغرما «٢»\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-459>[سورة النساء (٤): آية ١٣]</span>\nتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣)\n_________\n(١) يلح القشيري دائما فى نفى كل وجوب على الله، كما لاحظنا ذلك فى مواضع شتى بينما لا يمنع المعتزلة من وجوب المثوبة للمطيع- عليه، ووجوب العقوبة للعاصى- عليه.\n(٢) توجد فى البيت كلمات فارسية (آنگه شاد شود در عطاء ادن) أصبح حينئذ مسرورا بالعطاء. ومعنى البيت غير واضح.","vol":"1","page":318},{"text":"حدوده: أوامره ونواهيه، وما تعبّد به عباده.\nوأصل العبودية حفظ الحدود، وصون العهود، ومن حفظ حدّه لم يصبه مكروه ولا آفة، وأصل كلّ بلاء مجاوزة الحدود.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-460>[سورة النساء (٤): آية ١٤]</span>\nوَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نارًا خالِدًا فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ (١٤)\nوإنما هما عقوبتان: معجلة ومؤجلة، ويقترن بهما جميعا الذّلّ فلو اجتهد الخلائق على إذلال المعاصي بمثل الذل الذي يلحقهم بارتكاب المعصية لم يقدموا «١» عليها: لذلك قال قائلهم:\nمن بات «٢» مسلما «٣» بذنب أصبح وعليه مذلته، فقلت ومن أصبح مبرّا ببر ظلّ وعليه مهابته.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-461>[سورة النساء (٤): آية ١٥]</span>\nوَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥)\nإنما اعتبر فى ثبوت الفاحشة- التي هى الزنا- زيادة الشهود إسبالا لستر الكرم\n_________\n(١) وردت (لم يقدروا) والملائم للمعنى أن تكون (لم يقدموا) مما يرجح أن الناسخ قد أخطا.\n(٢) وردت (من مات) والسياق يقتضى (بات)، (وأصبح)، وظلّ..\n(٣) وردت (مسلما) وهى خطأ من الناسخ.","vol":"1","page":319},{"text":"على إجرام العباد، فإنّ إقامة الشهود- على الوجه الذي فى الشرع لإثبات تلك الحالة- كالمتعذّر «١» .\nوفى قولهﷺ- لما عز لما قال له: يا رسول الله- صلوات الله عليك- إنّى زنيت فطهّرنى. فقال: لعلّك قبّلت.. ثم قال فى بعض المرات: «استنكهوه» «٢» .\nففى هذا أقوى دليل لما ذكرت من إسباله الستر على الأعمال القبيحة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-462>[سورة النساء (٤): آية ١٦]</span>\nوَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّابًا رَحِيمًا (١٦)\nالأمر بفنون العقوبات لهم على فعل ذلك أبلغ «٣» شىء فى الردع والمنع منه بالرفع، لعلّ العبد يحذر ذلك فلا يستحق التعذيب الأعظم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-463>[سورة النساء (٤): آية ١٧]</span>\nإِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧)\n. «٤»\nلا استغفار مع الإصرار «٥» فإن التوبة مع غير إقلاع سمه الكذّابين.\nوقوله: «السُّوءَ بِجَهالَةٍ»: يعنى عمل عمل الجهّال.\n_________\n(١) يدل هذا الرأى- فى نظرنا- أولا على فهم صائب لما وراء الحدود الشرعية من مرام بعيدة، ويدل ثانيا على سعة صدر الصوفية فى الصفح عن أرباب الخطايا، وستر معايب الخلائق، ولقد أحسن الحسن البصري حين قال: النصيحة على الملأ فضيحة.\n(٢) وفى صحيح البخاري ج ٨ ص ٢٩٨ عن ابن عباس: لما أنى ماعز بن مالك النبي (ص) قال له لعلك قبلت او غمزت أو نظرت ... إلخ قال نعم فعند ذلك أمر يرجمه (ومعنى استنكهوه: أي ابحثوا فى فمه عن نكهة الخمر فربما يكون ثملا) . [.....]\n(٣) وردت (بلغ) وهى خطأ فى النسخ.\n(٤) أخطأ الناسخ فى كتابة الآية فجاءت (من قريبة)، (السوء بحجالة) .\n(٥) أخطأ الناسخ فكتبها (الاسرار) بالسين والمعني يرفضها.","vol":"1","page":320},{"text":"وذنب كل أحد يليق بحاله، فالخواص ذنوبهم حسبانهم أنهم بطاعاتهم يستوجبون محلا وكرامة، وهذا وهن فى المكانة إذ لا وسيلة إليه إلا به.\nقوله «ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ»: على لسان أهل العلم: قبل الموت، وعلى لسان المعاملة:\nقبل أن تتعود النفس ذلك فيصير لها عادة، قال قائلهم:\nقلت للنّفس إن أردت رجوعا ... فارجعى قبل أن يسدّ الطريق\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-464>[سورة النساء (٤): آية ١٨]</span>\nوَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابًا أَلِيمًا (١٨)\nيعنى إذا كشف الغطاء وصارت المعارف ضروريه «١» أغلق باب التوبة فإن من شرط التكليف أن يكون الإيمان غيبيا. ثم إن فى هذه الطريقة إذا عرف بالخيانة لا يشم بعده حقيقة الصدق. قال داوود﵇- فى آخر بكائه لما قال الله تعالى لم تبكى يا داوود، وقد غفرت لك وأرضيت خصمك «٢» وقبلت توبتك؟\nفقال: إلهى، الوقت الذي كان بي ردّه إلىّ فقال: هيهات يا داوود، ذاك ودّ قد مصى!! وفى معناه أنشدوا:\nفخلّ سبيل العين بعدك للبكا ... فليس لأيام الصفاء رجوع\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-465>[سورة النساء (٤): آية ١٩]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (١٩)\n_________\n(١) المعرفة الضرورية- عند القشيري- هى التي تنال فى الانتهاء أما فى الابتداء فهى معرفة كسبية والأولى تشبه الشمس والثانية تشبه السراج، فإذا طلعت الشمس انبسط شعاعها على السراج (الرسالة ص ١٤٩) .\n(٢) وردت (حضك) ولكن الإرضاء حسبما نعلم من قصة داود كان لخصمه، لذلك رجحنا أن تكون (خصمك) فإرضاء الخصم ملائم لقبول التوبة والغفران.","vol":"1","page":321},{"text":"التلبيس على المستضعفين، والتدليس على أهل السلامة والوداعة من المسلمين- غير محمودين عند الله. فمن تعاط ذلك انتقم الله منه، ولم يبارك له فيما يختزل من أموال الناس بالباطل والاحتيال. ومن استصغر خصمه فى الله فأهون ما يعاقبه الله به أن يحرمه الوصول إلى ما يأمل من محبوبه.\nوقوله: «وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ»: أي بتعاليم الدين والتأدب بأخلاق المسلمين وحسن الصحبة على كراهة النفس، وأن تحتمل أذاهن ولا تحملهن كلف خدمتك، وتتعامى عن مواضع خجلتهن.\nقوله: «فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا ...» كل ما كان على نفسك أشقّ كانت عاقبته أهنأ وأمرأ.\nواعلم أن الحقّ سبحانه لم يطلع أحدا على غيبه، فأكثر ما يعافه الإنسان قد تكون الخيرة فيه أتم. وقد حكم الله- سبحانه- بأن مخالفة النفس توصل صاحبها إلى أعلى المنازل، وبعكس ذلك موافقتها، كما أن مخالفة القلوب توجب عمى البصيرة، وبعكس ذلك موافقتها.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-466>[سورة النساء (٤): الآيات ٢٠ الى ٢١]</span>\nوَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقًا غَلِيظًا (٢١)","vol":"1","page":322},{"text":"يعلمهم حسن العهد ونعت الكرم فى العشرة، فيقول لا تجمع الفرقة واسترداد المال عليها، فإن ذلك ترك الكرم فإن خوّلت واحدة مالا كثيرا ثم جفوتها بالفراق فما آتيتها يسير فى جنب ما أذقتها من الفراق.\nقوله: وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ ...: يعنى أن للصحبة السالفة حرمة أكيدة، فقفوا عند مراعاة الذمام، وأوفوا بموجب الميثاق.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-467>[سورة النساء (٤): آية ٢٢]</span>\nوَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلاَّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتًا وَساءَ سَبِيلًا (٢٢)\nتشير الآية إلى حفظ الذمام، والوقوف على حد الاحترام، فإن السّجيّة تتداخلها الأنفة من أن ينكح فراشه غيره، فنهى الأبناء عن تخطى حقوق الآباء فى استفراش منكوحة الأب.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-468>[سورة النساء (٤): آية ٢٣]</span>\nحُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلاَّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٣)","vol":"1","page":323},{"text":"تكلّف انتزاع المعاني التي لأجلها حصل هذا التحريم محال من الأمر لأن الشرع غير معلّل «١»، بل الحق تعالى حرّم ما شاء على من شاء، وكذلك الإباحة، ولا علّة للشرائع بحال، ولو كانت المحرّمات من هؤلاء محلّلات [محرمات] «٢» لكان ذلك سائغا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-469>[سورة النساء (٤): آية ٢٤]</span>\nوَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلاَّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٢٤)\nإذا حافظت الحدود، وراعيت العهود، وحصل التراضي بين النساء بحكم الشرع فما لا يكون فيه للخلق خصيمة، ولا من الحق سبحانه منه تبعة، فذلك مباح طلق.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-470>[سورة النساء (٤): آية ٢٥]</span>\nوَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥)\n_________\n(١) نظن أن هذه النظرة التي يأخذ بها القشيري أمور التشريع قابلة للمناقشة.\n(٢) هذه كلمة زائدة ولم ينبه الناسخ إلى زيادتها، وربما كانت فى الأصل: «والمحللات محرمات» وحدث سقوط.","vol":"1","page":324},{"text":"الرخص جعلت للمستضعفين، فأما الأقوياء فأمرهم الجدّ، والأخذ بالاحتياط والتضييق إذ لا شغل لهم سوى القيام بحق الحق، فإن كان أمر الظاهر يشغلهم عن مراعاة القلوب فالآخذ فى الأمور الظاهرة بالسهولة والأخف أولى من الاستقصاء فيما يمنع من مراعاة السر، لأنه ترك بعض الأمور لما هو الأهم والأجلّ، فمن نزلت درجته عن الأخذ بالأوثق والأحوط فمباح له الانحدار إلى وصف الترخص «١» .\nثم قال فى آخر الآية: «وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ»: يعنى على مقاساة ما فيه الشدة، وفى هذا نوع استمالة للعبيد حيث لم يقل اصبروا بل قال: «وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-471>[سورة النساء (٤): آية ٢٦]</span>\nيُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦)\nلما عرّف النبيﷺ- وأمّته أخبار من مضى من الأمم، وما عملوا، وما عاملهم به انتظروا ما الذي يفعل بهم فإن فيهم أيضا من ارتكب ما لا يجوز، فقالوا: ليت شعرنا بأيّ نوع يعاملنا ... أبا لخسف أو بالمسخ أو بالعذاب أو بماذا؟\nفقال تعالى: «وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ» نعرّفكم ما الذي عملنا بهم.\n_________\n(١) القاعدة «أن الله يحب أن تؤتى رخصه كما تؤتى عزائمه» ولكن القشيري يرى بالنسبة لأرباب الأحوال أن (الرخصة فى الشريعة للمستضعفين واصحاب الحوائج والأشغال، وهؤلاء الطائفة (الصوفية) ليس لهم شغل سوى القيام بحقه سبحانه، ولهذا قيل إذا انحطّ الفقير عن درجة الحقيقة إلى رخصة الشريعة فقد فسخ عقده مع الله تعالى، ونقض عهده فيما بينه وبينه سبحانه) الرسالة ص ١٩٩.","vol":"1","page":325},{"text":"«وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ» أمّا أنتم فأتوب عليكم، أمّا من تقدّم فلقد دمّرت عليهم.\nويقال «يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ»: أي يكاشفكم بأسراره فيظهر لكم ما خفى على غيركم.\nويقال يريد الله ليبيّن لكم انفراده- سبحانه- بالإيجاد والإبداع، وأنه ليس لأحد شىء.\n«وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ» طريقة الأنبياء والأولياء وهو التفويض والرضاء، والاستسلام للحكم والقضاء.\nوقيل «وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ» أي يتقبّل توبتكم بعد ما خلق توبتكم، ثم يثيبكم على ما خلق لكم من توبتكم «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-472>[سورة النساء (٤): الآيات ٢٧ الى ٢٨]</span>\nوَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفًا (٢٨)\nعزل بهذا الحديث حديث الأولين والآخرين.\nومن أراد الله توبته فلا يشمت به عدوّا، ولا يناله فى الدارين سوء.\n«وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ ...»: إرادتهم منكوسة، وهى عند إرادة الحق- سبحانه- ضائعة مردودة.\nويُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ: يعنى ثقل الأوزار بمواترة الأوراد إلى قلوبكم، ويقال يريد الله أن يخفف عنكم مقاساة المجاهدات بما يلج لقلوبكم من أنوار المشاهدات.\nويقال يريد الله أن يخفف عنكم أتعاب الخدمة بحلاوة الطاعات.\nويقال يخفف عنكم كلف الأمانة بحملها عنكم.\n_________\n(١) واضح من هذا الكلام أن الفضل كله لله هو الذي يخلق توبة العبد وهو الذي يثيبه على توبته، وقد ربطنا بين هذا وبين ما ذكره القشيري عند (لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت) التي جاء ذكرها فيما سبق (من هذا الكتاب ص ٢١٦)","vol":"1","page":326},{"text":"ويقال يخفف عنكم أتعاب الطلب بروح الوصول.\n«وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفًا»: وصف بهذا فقرهم وضرّهم، و(...) «١» بها عذرهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-473>[سورة النساء (٤): الآيات ٢٩ الى ٣٠]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩) وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْوانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نارًا وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠)\nكل نفقة كانت لغير الله فهى أكل مال بالباطل.\nويقال القبض إذا كان على غفلة، والبذل إذا لم يكن بمشهد الحقيقة «٢»، فكل ذلك باطل، «وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ»: يعنى بارتكاب الذنوب، ويقال تعريضها لمساخطته سبحانه.\nويقال بنظركم إليها وملاحظتكم إياها.\nويقال باستحسانكم شيئا منها بإيثارها دون رضاء الحق.\nومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فإنّا لا نخليه من عقوبة شديدة، وهو أن نكلها إلى صاحبها، ونلقى حبلها على غاربها.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-474>[سورة النساء (٤): آية ٣١]</span>\nإِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)\nالكبائر- على لسان العلم- هاهنا الشّرك بالله، وعلى بيان الإشارة أيضا الشّرك\n_________\n(١) مشتبهة.\n(٢) والبذل إذا لم يكن بمشهد الحقيقة، أي لو كان ما تبذله وأنت تشهد نفسك دون أن تشهد الحق، فهو عمل ضائع، لأنك حينئذ ستحسب قدرا لنفسك.","vol":"1","page":327},{"text":"الخفىّ. ومن جملة ذلك ملاحظة الخلق، واستحلاء قبولهم، والتودد إليهم، والإغماض على حق الله بسببهم «١» .\nويقال إذا سلم العهد فما حصل من مجاوزة «٢» الحد فهو بعيد عن التكفير.\nويقال أكبر الكبائر إثباتك نفسك فإذا شاهدت نفيها «٣» تخلّصت «٤» من أسر المحن. «وَنُدْخِلْكُمْ» فى أموركم «مُدْخَلًا كَرِيمًا» إدخالا حسنا لا ترون منكم دخولكم ولا خروجكم وإنما ترون المصرّف لكم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-475>[سورة النساء (٤): آية ٣٢]</span>\nوَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٣٢)\nلسان المعاملة أن الأمر بالتعنى لا بالتمني، ولسان التوحيد أن الأمر بالحكم والقضاء لا بالإرادة والمنى. ويقال اسلكوا سبيل من تقدّمكم فى قيامكم بحق الله، ولا تتعرضوا لنيل ما خصّوا به من فضل الله. قوموا بحقّ مولاكم ولا تقوموا بمتابعة هواكم واختيار مناكم.\nويقال لا تتمنوا «٥» مقام السادة دون أن تسلكوا سبلهم، وتلازموا سيرهم، وتعملوا عملهم.. فإن ذلك جور من الظن.\nويقال كن طالب حقوقه لا طالب نصيبك على أي وجه شئت: دنيا وآخرة (وإلّا) «٦» أشركت فى توحيدك من حيث لم تشعر.\n_________\n(١) ربما يشترك كثير من الباحثين فى هذا الرأي مع القشيري ولكنه عند أهل الملامة عنصر أساسى وخطير فى تعاليمهم، حيث يزيد إلى درجة استجلاب سخط الناس ولو مهم للعبد.\n(٢) وردت (بالراء) وهى خطأ فى النسخ، ويكون المعنى إن الله يغفر مجاوزة الحد على شرط سلامة العهد وعدم الشرك.\n(٣) وردت (ففيها) وهى خطأ فى النسخ. [.....]\n(٤) وردت بالتاء المربوطة لا المفتوحة وهى خطأ فى النسخ.\n(٥) وردت بالهاء لا بالميم والصحيح أنها بالميم ويتأيد ذلك بقوله بعد قليل (لا تتمنّ مقامات الرجال) .\n(٦) إضافة منا ليستقيم المعنى، إذ واضح أنها سقطت من الناسخ.","vol":"1","page":328},{"text":"ويقال لا تتمنّ مقامات الرجال فإنّ لكل مقام أهلا عند الله، وهم معدودون فما لم يمت واحد منهم لا يورث مكانه غيره، قال تعالى: «جَعَلَكُمْ خَلائِفَ» والخليفة من يخلف من تقدّمه، فإذا تمنّيت مقام ولىّ من الأولياء فكأنّك استعجلت وفاته على الجملة تمنيت أو على التفصيل، وذلك غير مسلّم.\nويقال خمودك تحت جريان حكمه- على ما سبق به اختياره- أحظى لك من تعرضك لوجود مناك، إذ قد يكون حتفك فى منيتك.\nويقال من لم يؤدّب ظاهره بفنون المعاملات، ولم يهذّب باطنه بوجوه «١» المنازلات فلا ينبغى أن يتصدّى لنيل المواصلات، وهيهات هيهات متى يكون ذلك! «وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ»: الفرق «٢» بين التمني وبين السؤال من فضله من وجوه:\nيكون التمني للشىء مع غفلتك عن ربك فتتمنى بقلبك وجود ذلك الشيء من غير توقعه من الله، فإذا سألت الله فلا محالة تذكره، والآخر أن السائل لا يرى استحقاق نفسه فيحمله صدق الإرادة على التملّق والتضرع، والمتمنى يخلو عن هذه الجملة.\nوالآخر أن الله نهى عن تمنى ما فضل الله به غيرك إذ معناه أن يسلب صاحبك ما أعطاه ويعطيك إياه، وأباح السؤال من فضله بأن يعطيك مثل ما أعطى صاحبك.\nويقال لا تتمنّ العطاء وسل الله أن يعطيك من فضله الرضا بفقد العطاء وذلك أتمّ من العطاء، فإنّ التّحرّر من رقّ الأشياء أتمّ من تملّكها.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-476>[سورة النساء (٤): آية ٣٣]</span>\nوَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (٣٣)\nجعل المعاقدة فى ابتداء الإسلام نظيرة النّسب فى ثبوت الميراث بها فنسخ حكم الميراث\n_________\n(١) وردت (بوجوده) والصواب أن الدال زائدة ليتلاءم المعنى مع (فنون) كذلك فإن (بوجوده المنازلات) غير مستقيمة.\n(٢) لاحظ كيف تثرى بحوث القشيري التي من هذا القبيل علوم اللغة والبلاغة.","vol":"1","page":329},{"text":"وبقي حكم الاحترام، فإذا كانت المعاقدة بين الناس بهذه المثابة فما ظنّك بالمعاهدة مع الله؟.\nقال الله تعالى: «رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ» وأنشدوا:\nإنّ الألى ماتوا على دين الهوى ... وجدوا المنيّة منهلا معسولا\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-477>[سورة النساء (٤): آية ٣٤]</span>\nالرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ وَاللاَّتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (٣٤)\nخصّ «١» الرجال بالقوة فزيد بالحمل عليهم فالحمل على حسب القوة. والعبرة بالقلوب والهمم لا بالنفوس والجثث.\nقوله: «وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ»: أي ارتقوا فى تهذيبهن بالتدريج والرفق، وإن صلح الأمر بالوعظ فلا تستعمل العصا بالضرب، فالآية تتضمن آداب العشرة.\nثم قال: «فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا»: يعنى إن وقفت فى الحال عن سوء العشرة (........) «٢» ورجعت إلى الطاعة فلا تنتقم منها عمّا سلف، ولا تمتنع من قبول عذرها والتأبّى عليها.\nيقال: «فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا» بمجاوزتك عن مقدار ما تستوجب «٣» من نقمتك.\n_________\n(١) جاءت (حضّ) أي أخطأ الناسخ فنقل نقطة الخاء إلى الضاد.\n(٢) هنا ثلاث كلمات زائدة وضع الناسخ علامة مميزة للتنبيه على ضرورة حذفها لتكرارها بدون داع.\n(٣) أي تستحق المرأة.","vol":"1","page":330},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-478>[سورة النساء (٤): آية ٣٥]</span>\nوَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِها إِنْ يُرِيدا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (٣٥)\nيقال لك عليها الطاعة بالبدن، فأمّا المحبة والميل إليك بالقلب فذلك إلى الله، فلا تكلّفها مالا يرزقك الله منها فإن القلوب بقدرة الله، يحبّب إليها من يشاء، ويبغّض إليها من يشاء.\nويقال «فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا» أي لا تنس وفاءها فى الماضي بنادر «١» جفاء يبدو فى الحال فربما يعود الأمر إلى الجميل.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-479>[سورة النساء (٤): آية ٣٦]</span>\nوَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا فَخُورًا (٣٦)\nقوله\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-480>[سورة النساء (٤): آية ٣٧]</span>\nالَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا (٣٧)\n: العبودية معانقة الأمر ومفارقة الزجر «٢» .\n«وَلا تُشْرِكُوا» الشّرك مجليّه اعتقاد معبود سواه، وخفيّه: ملاحظة موجود سواه،\n_________\n(١) لا نستبعد أنها ربما كانت فى الأصل (ببادر) والمعنى يتقبل (نادر) و(بادر) فكلاهما يدل على قدر من الحفاء لا يستحق الاهتمام ويستوجب العفو.\n(٢) أي طاعة ما أمرك به وترك ما نهاك عنه.","vol":"1","page":331},{"text":"والتوحيد أن تعرف أنّ الحادثات كلّها حاصلة بالله، قائمة به فهو مجريها ومنشيها ومبقيها، وليس لأحد ذرة ولا شظية ولا سينة ولا شمة من الإيجاد والإبداع.\nودقائق الرياء وخفايا المصانعات وكوامن الإعجاب والعمل على رؤية الخلق، واستحلاء مدحهم والذبول تحت ردّهم وذمّهم- كلّ ذلك من الشّرك الخفىّ.\nقوله: «وَبِالْوالِدَيْنِ» الإحسان إلى الوالدين على وجه التدريج إلى صحبة فإنك أمرت أولا بحقوقهما لأنهما من جنسك ومنهما تربيتك، ومنهما تصل إلى استحقاق زيادتك وتتحقق بمعرفتك. وإذا صلحت للصحبة والعشرة مع ذوى القربى والفقراء والمساكين واليتامى ومن فى طبقتهم- رقّيت عن ذلك إلى استيجاب صحبته- سبحانه.\nقوله: «وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ ...» الآية من جيرانك (....) «١» فلا تؤذهما بعصيانك، وراع حقهما بما تولى عليهما من إحسانك.\nفإذا كان جار دارك مستوجبا للإحسان إليه ومراعاة حقه فجار نفسك- وهو قلبك- أولى بألا تضيّعه ولا تغفل عنه، ولا تمكّن حلول الخواطر الرديئة به.\nوإذا كان جار نفسك هذا حكمه فجار قلبك- وهو روحك- أولى أن تحامى على حقّها، ولا تمكّن لما يخالفها من مساكنتها ومجاورتها. وجار روحك- وهو سرّك- أولى أن ترعى حقّه، فلا تمكنه من الغيبة عن أوطان الشهود على دوام الساعات.\nقوله: «وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ» الإشارة منه غير ملتبسة على قلوب ذوى التحقيق.\nقوله: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ... الآية: البخل على لسان العلم منع الواجب، وعلى بيان الإشارة ترك الإيثار فى زمان الاضطرار. وأمر الناس بالبخل معناه منعهم عن مطالبات الحقائق فى معرض الشفقة عليهم بموجب الشرع، وبيان هذا أن يقع بلسانك الانسلاخ عن العلائق وحذف فضولات الحالة فمن نصحه بأن يقول: «ربما لا تقوى على هذا، ولأن تكون مع معلومك الحلال أولى بأن تصير مكديا، وربما تخرج إلى سؤال الناس وأن تكون كلّا على\n_________\n(١) مشتبهة.","vol":"1","page":332},{"text":"المسلمين- ويروى له فى هذا الباب الأخبار والآثار أمثال هذا....» فلولا بخله «١» المستكن فى قلبه لأعانه بهمته فيما يسنح لقلبه «٢» بدل أن يمنع عنه ما (يجب ان) يقول فى معرض النصح. ومن كانت هذه صفته أدركه عاجل المقت حيث أطفأ شرر إرادة ذلك المستضعف بما هو عند نفسه أنه نصيحة وشفقة فى الشرع.\nوقوله: «وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ»: إن كان الله أغناهم عن طلب الفضيلة بما خوّلهم وآتاهم كتموا ذلك طمعا فى الزيادة على غير وجه الإذن.\nويقال يكتمون ما آتاهم الله من فضله إذا سألهم مريد شيئا عندهم فيه نجاته، وضنوا عليه بإرشاده.\nويقال بخل الأغنياء بمنع النعمة، وبخل الفقراء بمنع الهمة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-481>[سورة النساء (٤): آية ٣٨]</span>\nوَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِينًا فَساءَ قَرِينًا (٣٨)\nأدخل هؤلاء أيضا تحت قوله: «إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا فَخُورًا» فعقوبتهم فى العاجل أنهم ليسوا من جملة محبّيه، وكفى بذلك محنة.\nوالمختال الذي ينظر إلى نفسه والمرائى الذي ينظر إلى أبناء جنسه، وكلاهما مسوّمان بالشرك الخفىّ والله لا يحب المشركين. والفخور من الإبل كالمصراة من الغنم وهو الذي سدّت أخلافه ليجتمع فيها الدّرّ «٣» فيتوهم المشترى أن جميع ذلك معتاد لها وليس كذلك، فكذلك الذي يرى من نفسه حالا ورتبة وهو فى ذلك مدع وهو الفخور، والله لا يحبه، وكذلك المرائى الذي ينفق ماله رئاء الناس.\n_________\n(١) حاول بعضهم أن يصححها فى الهامش فطن أن صوابها (تجعله) والصحيح أنها (بخله) .\n(٢) يستعمل القشيري الفعل (يسنح) للدلالة على ما يرد القلب من خواطر قد تصبح هواجس فنشده نحو العلائق والخلائق، وقد تكون إلهاما من قبل الحق سبحانه فتهديه السبيل.\n(٣) الدّر- اللبن الغزير. [.....]","vol":"1","page":333},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-482>[سورة النساء (٤): آية ٣٩]</span>\nوَماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا (٣٩)\nليس فى إيمانهم بالله عليهم مشقة، بل لو آمنوا لوصلوا إلى عزّ الدنيا والآخرة، ولا يحملهم على الإعراض عنه إلا قلة الوفاء والحرمة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-483>[سورة النساء (٤): آية ٤٠]</span>\nإِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)\nلا ينقص من ثوابهم شيئا بل يبتدئهم- من غير استحقاقهم- بفضله، ويضاعف أجورهم على أعمالهم فأمّا الظلم فمحال تقديره فى وصفه لأن الخلق خلقه، والملك ملكه.\nوالظالم من يعتدى حدا رسم له- وهو فى وصفه محال لعزّه فى جلال قدره.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-484>[سورة النساء (٤): الآيات ٤١ الى ٤٢]</span>\nفَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيدًا (٤١) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (٤٢)\nإذا كان الرسولﷺ- الشهيد على أمته، وهو الشفيع لهم، فإنما يشهد بما يبقى للشفاعة موضعها.\nقوله تعالى: يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا ... الآية: يحصلون على ندم ثم لا ينفعهم، ويعضون على أناملهم ثم لا يسكن عنهم جزعهم، فيتقنعون بخمار الذّل، وينقلبون إلى أوطان المحن «١» والضر.\n_________\n(١) وردت (المحسن) والسين زيادة من الناسخ والصواب (المحن) .","vol":"1","page":334},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-485>[سورة النساء (٤): آية ٤٣]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلاَّ عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُورًا (٤٣)\nالنّهى عن موجب السكر من الشراب لا من الصلاة، أي لا تصادفنكم الصلاة وأنتم بصفة السّكر، أي امتنعوا عن شرب ما يسكر فإنكم إن شربتم سكرتم، ثم إذا صادفكم الصلاة على تلك الحالة لا تقبل منكم صلاتكم.\nوالسّكر ذهاب العقل والاستشعار، ولا تصحّ معه المناجاة مع الحق.\nالمصلّى يناجى ربّه فكلّ ما أوجب للقلب الذهول عن الله فهو ملحق بهذا من حيث الإشارة ولأجل هذه الجملة حصل، والسكر على أقسام:\nفسكر من الخمر وسكر من الغفلة لاستيلاء حب الدنيا.\nوأصعب السكر سكرك من نفسك فهو الذي يلقيك فى الفرقة عنه، فإنّ من سكر من الخمر فقصاراه الحرقة- إن لم يغفر له. ومن سكر من نفسه فحاله الفرقة- فى الوقت- عن الحقيقة.\nفأمّا السكر الذي يشير إليه القوم «١» فصاحبه محفوظ عليه وقته حتى يصلى والأمر مخفف عليه: (فإذا خرج عن الصلاة هجم عليه غالبه فاختطفه عنه ومن لم يكن محفوظا) «٢» عليه أحكام الشرع (فمشوب بحظّ) «٣» .\n_________\n(١) أي السكر عند الصوفية.\n(٢) هذا الذي بين قوسين مستدرك فى هامش الصفحة وضعناه فى موضعه من النص.\n(٣) (فمشوب بحظ) وضعنا هاتين اللفظتين هنا مستفيدين من أقوال القشيري فى مواضع مناظرة","vol":"1","page":335},{"text":"وقوله تعالى: «وَلا جُنُبًا إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ ...» الآية: أذن للمضطر أن يترخّص فى عبور المسجد وهو على وصف الجنابة، فإذا عرج زائدا على قدر الضرورة فمعاتب غير معذور، وكذلك فيما يحصل من معاذير الوقت فى القيام بشرائط الوقت فمرفوعة عن صاحبه المطالبة به.\nثم إنه- سبحانه- بفضله جعل التيمم بدلا من الطهارة بالماء عند عوز الماء كذلك النزول إلى ساحات الفرق عن ارتقاء ذرة «١» الجمع- بقدر ما يحصل من الضعف- بدل لأهل الحقائق.\nثم إن التيمم- الذي هو بدل الماء- أعمّ وجودا من الماء، وأقلّ استعمالا من الأصل، فإن كل من كان أقرب كانت المطالبات عليه أصعب.\nثم فى الظاهر أمرنا باستعمال التراب وفى الباطن باستشعار الخضوع واستدامة الذبول «٢» .\nوردّ التيمم إلى التقليل، وراعى فيه صيانة لرأسك عن التّراب ولقدمك فإنّ العزّ بالمؤمن- ومولاه باستحقاق الجلال- أولى من الذل لما هو مفلس فيه من الحال، ولئن كان إفلاسه عن أعماله يوجب له التذلّل فعرفانه بجلال سيّده يوجب كل تعزّز وتجمّل.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-486>[سورة النساء (٤): الآيات ٤٤ الى ٤٦]</span>\nأَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (٤٤) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ وَكَفى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفى بِاللَّهِ نَصِيرًا (٤٥) مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنا لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلًا (٤٦)\n_________\nفى مصنفاته الأخرى، وذلك نظرا لانبهام الكلمتين هنا لرداءة خط الناسخ (انظر حديث القشيري عن السكر فى الرسالة ص ٤١) .\n(١) نرجح أنها في الأصل (ذروة الجمع) وأن الواو قد سقطت من الناسخ.\n(٢) لأن فيه تذكيرا للانسان بأصله.","vol":"1","page":336},{"text":"ومكروا مكرا ولم يشعروا وجهة مكرهم أن أعطوا الكتاب ثم حرموا بركات الفهم حتى حرّفوا وأصرّوا.\nقوله: مِنَ الَّذِينَ هادُوا ... الآية: تركوا حشمة الرسولﷺ- ورفضوا حرمته، فعوقبوا بالشك فى أمره، ولذلك لم يترك أحد حشمته (محتشم) «١» إلا حيل بينه وبين نيل بركات صحبته وزوائد خدمته. ولو أنهم عاجلوا فى نفى ما داخلهم من الحسد وقابلوا حاله بالتبجيل والإعظام لوجدوا بركات متابعته، فأسعدوا به فى الدارين، وكيف لم يكونوا كذلك وقد أقصتهم السوابق فأقعدتهم القسمة عن بساط الخدمة؟ وإنّ من قعدت به الأقدار لم ينهض به الاحتيال.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-487>[سورة النساء (٤): آية ٤٧]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٤٧)\nصرف القلوب عن الإرادة إلى أحوال أهل العادة حتى كانت دواعيه يتوفر فى رفض الدنيا فعاد لا يصبر عن جمعها «٢» ومنعها.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-488>[سورة النساء (٤): آية ٤٨]</span>\nإِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)\n_________\n(١) نرجح أن هذه الكلمة زائدة من الناسخ، أو ربما كان الأصل (حشمة محتشم) .\n(٢) وردت (جميعها) وهى خطأ فى النسخ.","vol":"1","page":337},{"text":"العوام طولبوا بترك الشرك الجلىّ، والخواص طولبوا بترك الشرك الخفىّ، فمن توسّل إليه بعمله ويظنه منه، أو توهّم أن أحكامه- سبحانه- معلولة بحركاته وسكناته، أو راعى خلقا أو لاحظ نفسا فوطنه الشرك عند أهل الحقائق «١» .\nوالله لا يغفر أن يشرك به وكذلك من توّهم أن مخالفته حصلت من غير تقديره فهو ملتحق بهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-489>[سورة النساء (٤): الآيات ٤٩ الى ٥٠]</span>\nأَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٤٩) انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا (٥٠)\nمن ركن إلى تزكية الناس له، واستحلى قبول الخواص له- فضلا عن العوام- فهو من زكّى نفسه، ورؤية النّفس أعظم حجاب، ومن توّهم أنه بتكلّفه يزكّى نفسه: بأوراده أو اجتهاده، بحركاته أو سكناته- فهو فى غطاء جهله.\nقوله: انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ ... الآية: الإشارة إلى من أطلق لسان الدعوى من غير تحقيق، والمفترى- فى قالته فى هذا الأمر- لا ينطق بشىء إلا أجبّته الآذان وانزجرت له القلوب، فإذا سكت عاد إلى قلب خراب.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-490>[سورة النساء (٤): الآيات ٥١ الى ٥٢]</span>\nأَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١) أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (٥٢)\n_________\n(١) يقول زكريا الأنصاري شارح الرسالة: (من كانت أفعاله لله تعالى وشاهدها طاعة له تعالى فهو فى التفرقة ومن شاهدها جارية عليه فضلا من الله فقد شاهدها بالله فهو فى الجمع (هامش ٣٩) .","vol":"1","page":338},{"text":"طاغوت كلّ أحد نفسه وهواه وجبته و(.....) «١» مقصوده من الأغيار، فمن لاحظ شخصا أو طالع سببا أو عرّج على علّة أو أطاع هوى، فذلك جبته وطاغوته. وأصحاب الجبت والطاغوت يستوجبون اللعن وهو الطرد عن بساط العبودية، والحجاب عن شهود الربوبية.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-491>[سورة النساء (٤): الآيات ٥٣ الى ٥٤]</span>\nأَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (٥٣) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (٥٤)\nمن جبل على الشّحّ لا يزداد بسعة يده إلا تأسفا على راحة ينالها الخلق، كأنّ من شرب قطرة ماء قد تحسّى بل رشف من ماء حياته! قوله: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ ...: بل ينكرون تخصيص الحق سبحانه لأوليائه بما يشاء حسدا من عند أنفسهم فلا يقابلونهم بالإجلال، وسنّة الله سبحانه مع أوليائه مضت بالتعزيز والتوقير لهم. ودأب الكافرين جرى بالارتياب فى القدرة فمنهم من آمن بهم، ومنهم من ردّ ذلك وجحد، وكفى بعقوبة الله منتقما عنهم.\nقوله: «وَآتَيْناهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا»: الملك العظيم معرفة الملك، ويقال هو الملك على النّفس.\n_________\n(١) مشتبهة.","vol":"1","page":339},{"text":"ويقال الإشراف على أسرار المملكة حتى لا يخفى عليه شىء.\nويقال الاطلاع على أسرار الخلق.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-492>[سورة النساء (٤): آية ٥٦]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نارًا كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُودًا غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (٥٦)\nالإشارة منه إلى الجاحدين لآيات الأولياء يقيمهم بوصف الصغار ويبقيهم فى وحشة الإنكار «١» كلّما لاح لقلوبهم شىء من هذه القصة «٢» جرّهم إنكارهم إلى ترك الإيمان بها والإزراء بأهلها على وجه الاستبعاد، فهم مؤبدة عقوبتهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-493>[سورة النساء (٤): آية ٥٧]</span>\nوَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًاّ ظَلِيلًا (٥٧)\nهم اليوم فى ظل الرعاية، وغدا فى ظل الحماية والكفاية، بل هم فى الدنيا والعقبى فى ظل العناية.\nوالناس فى هذه الدنيا متفاوتون: فمنهم من هو فى ظل رحمته، ومنهم من هو فى ظل رعايته، ومنهم من هو فى ظل كرامته، ومنهم من هو فى ظل عنايته، ومنهم من هو فى ظل قربته.\n_________\n(١) وردت (الأفكار) بالفاء والصواب- حسب المعنى والسياق- وكما جاء بعد قليل فى (وجرهم إنكارهم) أن تكون (الإنكار) .\n(٢) يقصد من (القصة): التصوف وأهله.","vol":"1","page":340},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-494>[سورة النساء (٤): آية ٥٨]</span>\nإِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)\nردّ الأمانات إلى أهلها تسليم أموال «١» الخلق لهم بعد إشرافك عليها بحيث لا تفسد عليهم.\nويقال لله﷾- أمانات وضعها عندك فردّ الأمانة إلى أهلها تسليمها إلى الله- سبحانه- سالمة من خيانتك فيها فالخيانة فى أمانة القلب ادعاؤك فيها، والخيانة فى أمانة السّرّ ملاحظتك إياها.\nوالحكم بين الناس بالعدل تسوية القريب والبعيد فى العطاء والبذل، وألا تحملك مخامرة حقد على انتقام لنفس.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-495>[سورة النساء (٤): آية ٥٩]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)\nقرن طاعته بطاعة الرسولﷺ- تفخيما لشأنه ورفعا لقدره.\nوأمّا أولوا الأمر- فعلى لسان العلم- السلطان، وعلى بيان المعرفة العارف ذو الأمر على المستأنف، والشيخ أولو الأمر على المريد، وإمام كل طائفة ذو الأمر عليهم.\n_________\n(١) وردت (أحوال) والصواب أنها (أموال) لأن الأحوال لا تكون ودائع للناس عندك بل أموالهم [.....]","vol":"1","page":341},{"text":"ويقال الولي أولى بالمريد (من المريد) «١» للمريد.\nقوله: «فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ» على لسان العلم- إلى الكتاب والسّنّة، وعلى بيان التوحيد فوّض ذلك ووكل علمه إلى الله سبحانه، وإذا اختلف الخاطران فى قلب المؤمن فإن كان له اجتهاد العلماء تأمل ما يسنح لخاطره بإشارة فهمه، ومن كان صاحب قلب وكل ذلك إلى الحق- سبحانه- وراعى ما خوطب به فى سرائره، وألقى- بلا واسطة «٢» - فى قلبه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-496>[سورة النساء (٤): آية ٦٠]</span>\nأَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا (٦٠)\nأظهروا الإخلاص، ونافقوا فى السّر، ففضحهم- سبحانه- على لسان جبريل ﵇ بقوله: «يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ» أي يرفضوه.\nفمن حاد عن طريقه ورجع إلى غير أستاذه استوجب الحرمان والذم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-497>[سورة النساء (٤): آية ٦١]</span>\nوَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١)\nكل شىء سوى كلمة الحق فهو خفيف على المنافقين، فأمّا التوحيد فلا يسمع كلمته إلا مخلص، وأهل الفترة فى الله وأصحاب النفرة لا يسمعون ما هو الحق لأن خلاف الهوى يشقّ على غير الصديقين. وكما أن ناظر الخلق «٣» لا يقوى على مقابلة الشمس فكذلك\n_________\n(١) هذا استدراك موجود فى هامش الصفحة أثبتناه فى موضعه من النص.\n(٢) تأمل جيدا (بلا واسطة) فهذا وصف هام للمعرفة عند الصوفية، يميزها ويكشف جوهرها.\n(٣) أي العين.","vol":"1","page":342},{"text":"المنافقون لم يطيقوا الثبات لهﷺ- فلذلك كان صدودهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-498>[سورة النساء (٤): آية ٦٢]</span>\nفَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنا إِلاَّ إِحْسانًا وَتَوْفِيقًا (٦٢)\nتضرّع غير المخلص عند هجوم الضّر «١» لا أصل له، فلا ينبغى أن يكون به اعتبار لأن بقاءه إلى زوال المحنة، والمصيبة العظمى ترك المبالاة (بما يحصل من التقصير) «٢» .\nويقال من المصيبة أن يمحقك وقتك فيما لا يجدى عليك «٣» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-499>[سورة النساء (٤): آية ٦٣]</span>\nأُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (٦٣)\nأبسط لهم لسان الوعظ بمقتضى الشفقة عليهم، ولكن انقبض بقلبك عن المبالاة بهم والسكون إليهم، واعلم «٤» أن من لا نكون نحن له لا يغنى عنه أن تعينه «٥» شيئا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-500>[سورة النساء (٤): آية ٦٤]</span>\nوَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (٦٤)\nما أمرنا الرسل إلّا بدعوة الخلق إلينا.\n_________\n(١) وردت (الضرورة) والصواب (الضر) فالمعنى يقتضى ذلك ويؤيد أن الخطأ في النسخ.\n(٢) ما بين قوسين تكملة وجدناها ضرورية لتوضيح المعنى فاستفدنا مما جاء فى موقف مشابه فى الرسالة ص ٣٤ حيث يقول (وترك المبالاة بما يحصل منك من التقصير خروج عن الدين) .\n(٣) من أقوالهم فى الوقت: الوقت مبرد يستحقك ولا يمحقك، والوقت سيف فكما أن السيف قاطع فالوقت بما يمضيه الحق ويجريه غالب.\n(٤) وردت (ما علم) وهى خطأ فى النسخ، وربما كانت (فاعلم) فى الأصل واشتبهت على الناسخ.\n(٥) (أن تعينه) المصدر المؤول من ان والفعل (أي عونك له) يقع فاعلا للفعل (يغنى) .","vol":"1","page":343},{"text":"وقوله: «وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ» . لو جعلوك ذريعتهم لوصلوا إلينا، ويقال لو لازموا التذلل والافتقار وركبوا مطية الاستغفار لأناخوا بعقوة المبار.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-501>[سورة النساء (٤): آية ٦٥]</span>\nفَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)\nسدّ الطريق- إلى نفسه- على الكافة إلا بعد الإيمان بمحمد ﷺ، فمن لم يمش تحت رايته فليس له من الله نفس.\nثم جعل من شرط الإيمان زوال المعارضات بالكلية بقلبك.\nقوله: «ثُمَّ لا يَجِدُوا ...»: فلا بدّ لك من (...) «١» تلك المهالك بوجه ضاحك، كما قال بعضهم:\nوحبيب إن لم يكن منصفا كنت منصفا ... أتحسّى له الأمرّ وأسقيه ماصفا\nإن يقل لى انشقّ ... اخترت رضا لا تكلّفا\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-502>[سورة النساء (٤): الآيات ٦٦ الى ٦٨]</span>\nوَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) وَإِذًا لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطًا مُسْتَقِيمًا (٦٨)\nأخبر عن سقم إخلاصهم وقوة إفلاسهم، ثم أخبر الله بعلمه بتقصيرهم.\nخلاهم عن كثير من الامتحانات ثم قال ولو أنهم جنحوا إلى الخدمة، وشدّوا نطاق الطاعة\n_________\n(١) هنا كلمة ناقصة ربما كانت (مواجهة) أو (مقابلة) تلك المهالك بوجه ضاحك.","vol":"1","page":344},{"text":"لكان ذلك خيرا لهم من إصرارهم على كفرهم واستكبارهم. ولو أنهم فعلوا ذلك لآتيناهم من عندنا ثوابا عظيما، ولأرشدناهم صراطا مستقيما ولأوليناهم عطاء مقيما.\nوالأمر- على بيان الإشارة- يرجع إلى مخالفة الهوى وذبح النفوس بمنعها عن المألوفات، والخروج من ديار (تقبّل النّفس) «١»، ومفارقة أوطان (إرادة) «٢» الدنيا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-503>[سورة النساء (٤): الآيات ٦٩ الى ٧٠]</span>\nوَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠)\nجعل طاعة المصطفىﷺ- مفتاح الوصول إلى مقامات النبيين والصديقين والشهداء على الوجه الذي يصحّ للأمة وكفى له ﵇ بذلك شرفا.\nثم قال: «ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ»: جرّد عليهم محلّهم عن كل علة واستحقاق وسبب فإن ما لاح لهم وأصابهم صرف فضله وابتداء كرمه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-504>[سورة النساء (٤): الآيات ٧١ الى ٧٣]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا (٧١) وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا (٧٢) وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧٣) .\n_________\n(١) وضع الناسخ (تقبل النفس) فى مكان خاطئ يبهم المعنى إذ وضعها قبل (على بيان الإشارة) والصواب أن تكون في مكانها الذي اخترناه حتى يستقيم السياق.\n(٢) وردت (أراد) بدون همز للألف وبدون تاء مربوطة فاخترنا (إرادة) لملاءمتها للسياق.","vol":"1","page":345},{"text":"الفرار إلى الله من صفات القاصدين، والفرار مع الله من صفات الواصلين فلا يجد القرار مع الله إلا من صدق فى الفرار إلى الله. والفرار من كل غير شأن كل موحّد.\nقوله تعالى: وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ ... الآية: أي لم تستقر عقائدهم على وصف واحد، فكانوا مرتبطين بالحظوظ فإذا رأوا مكروها يظلّ المسلمين شكروا وقالوا: الحمد الله الذي حفظنا من متابعتهم فكان يصيبنا ما أصابهم، وإن كانت لكم نعمة وخير سكنوا إليكم، وتمنوا أن لو كانوا معكم، خسروا فى الدنيا والآخرة: فهم لا كافر قبيح ولا مؤمن مخلص.\nقوله: «كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ»: يعنى طرحوا حشمة الحياة فلم يراعوا حرمتكم.\nقوله جلّ ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-505>[سورة النساء (٤): آية ٧٤]</span>\nفَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (٧٤)\nمن لم يقتل نفسه فى نفسه لا يصحّ جهاده بنفسه فأولا (إخراج خطر الروح) «١» من القلب ثم تسليم النفس للقتل.\nوقوله «فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا» يعنى بقاؤنا بعده خير له من حياته بنفسه لنفسه، قال قائلهم:\nألست لى عوضا منى؟ كفى شرفا ... فما وراءك لى قصد ومطلوب\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-506>[سورة النساء (٤): آية ٧٥]</span>\nوَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا (٧٥) .\n_________\n(١) هكذا فى النسخة (ص) وربما كان المقصود أنك لا تستطيع أن تبذل نفسك إلا إذا قويت على قهرها والتهوين من خطرها.","vol":"1","page":346},{"text":"أي شىء يمنعكم عن القتال فى سبيل الله؟ وما الذي لا يرغّبكم فى بذل المهجة «١» لله؟\nوماذا عليكم لو بذلتم أرواحكم فى الله ولله؟ أتخافون أن تخسروا على الله؟ أم لا تعلمون أنكم تحشرون إلى الله؟ فلم لا تكتفون ببقائه بعد فنائكم فى الله؟\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-507>[سورة النساء (٤): آية ٧٦]</span>\nالَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفًا (٧٦)\nالمخلصون لله لا يؤثرون شيئا على الله، ولا يضنون بشىء عن الله، فهم أبدا على نفوسهم لأجل الله، والذين كفروا على العكس من أحوال المؤمنين. ثم قوّاهم وشجّعهم بقوله:\n«فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ» أي لا تضمروا لهم مخافة، فإنى متوليكم وكافيكم على أعدائكم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-508>[سورة النساء (٤): آية ٧٧]</span>\nأَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧٧)\nأخرجوا أيديكم عن أموركم، وكلوها إلى معبودكم.\nويقال اقصروها عن أخذ الحرام والتصرف فيه.\nويقال امتنعوا عن الشهوات.\nويقال «كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ» إلا عن رفعها إلى الله فى السؤال بوصف الابتهال.\n_________\n(١) وردت (المحجة) بالحاء وهذا خطا فى النسخ وصوابها (المهجة) لملاءمتها للسياق.","vol":"1","page":347},{"text":"فلمّا كتب عليهم القتال استثقلوا أمره، واستعجلوا لطفه. والعبودية فى ترك الاستثقال، ونفى الاستعجال، والتباعد عن التبرم والاستثقال.\nقوله جل ذكره: قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا.\nمكنّك من الدنيا ثم قال: «قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ»، فلم يعدّها شيئا لك ثم لو تصدّقت منها بشقّ تمرة لتخلّصت من النار، وحظيت بالجنة، وهذا غاية الكرم.\nواستقلال الكثير من نفسك- لأجل حبيبك- أقوى أمارات صحبتك.\nويقال لما زهّدهم فى الدنيا قلّلها فى أعينهم ليهون (عليها «١») تركها.\nويقال قل متاع الدنيا بجملتها قليل، والذي هو نصيبك منها أقلّ من القليل، فمتى يناقشك لأجلها (بالتخليل) «٢»، لو سلم عهدك من التبديل؟\nوإذا كانت قيمة الدنيا قليلة فأخسّ من الخسيس من رضى بالخسيس بدلا عن النفيس.\nوقد اختلع المؤمن من الكون بالتدريج. فقال أولا: «قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ» (فأحفظهم) «٣» عن الدنيا بالعقبى، ثم سلبهم عن الكونين بقوله: «وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقى» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-509>[سورة النساء (٤): آية ٧٨]</span>\nأَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨) .\n_________\n(١) الضمير فى (عليها) يعود على أعينهم، وربما كانت فى الأصل (عليهم) فيعود الضمير على الزهاد. [.....]\n(٢) نرجح أنها فى الأصل (التحليل) إشارة إلى قوله (ص) حلالها حساب وحرامها عقاب.\n(٣) نرجح أنها فى الأصل (فاختطفهم) عن الدنيا بالعقبى ثم سلبهم ... فهذا أقرب إلى مراحل تدرج الفناء الصوفي.","vol":"1","page":348},{"text":"الموت فرح للمؤمن، فالخبر عن قربه بشارة له، لأنه سبب يوصله إلى الحق، ومن أحبّ لقاء الله أحبّ الله لقاءه.\nويقال إذا كان الموت لا بد منه فالاستسلام لحكمه طوعا خير من أن يحمل كرها.\nثم أخبر أنهم- لضعف بصائرهم ومرض عقائدهم- إذا أصابتهم حسنة فرحوا بها، وأظهروا الشكر، وإن أصابتهم سيئة لم يهتدوا إلى الله فجرى فيهم العرق المجوسىّ «١» فأضافوه «٢» إلى المخلوق، فردّ عليهم وقال: قل لهم يا محمد كلّ من عند الله خلقا وإبداعا، وإنشاء واختراعا، وتقديرا وتيسيرا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-510>[سورة النساء (٤): آية ٧٩]</span>\nما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٧٩)\nما أصابك من حسنة فمن الله فضلا، وما أصابك من سيئة فمن نفسك كسبا وكلاهما من الله سبحانه خلقا «٣» قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-511>[سورة النساء (٤): آية ٨٠]</span>\nمَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (٨٠)\nهذه الآية تشير إلى الجمع لحال الرسولﷺ، فقال سبحانه طاعته طاعتنا، فمن تقرّب منه تقرّب منا، ومقبوله مقبولنا، ومردوده مردودنا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-512>[سورة النساء (٤): آية ٨١]</span>\nوَيَقُولُونَ طاعَةٌ فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٨١)\n_________\n(١) لعل القشيري يقصد بذلك إلى أنهم بنسبتهم شيئا لغير الله يشركون، وينأون عن التوحيد.\n(٢) أخطأ الناسخ فنقلها (فاذاقوه) فصوبناها بما يلائم السياق.\n(٣) هذا تلخيص دقيق لرأى القشيري فيما يصيب العباد.","vol":"1","page":349},{"text":"يعنى إذا حضروك «١» استسلموا فى مشاهدتك، فإذا خرجوا انقطع عنهم نور إقبالك، فعادوا إلى ظلمات، كما قالوا:\nإذا ارعوى عاد إلى جهله ... كذى الضنى عاد إلى نكسة\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-513>[سورة النساء (٤): الآيات ٨٢ الى ٨٣]</span>\nأَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا (٨٢) وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلاَّ قَلِيلًا (٨٣)\nتدبر إشارة المعاني بغوص الأفكار، واستخراج جواهر المعاني بدقائق الاستنباط.\nقوله: وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ ...: لمّا كانوا غافلين عن الحق لم يكن لهم من ينقل إليه أسرارهم فأظهروا السرّ بعضهم لبعض. فأمّا المؤمنون فعالم أسرارهم مولاهم، وما يسنح لهم خاطبوه فيه فلم يحتاجوا إلى إذاعة السّر لمخلوق فسامع نجواهم الله، وعالم خطابهم الله.\nقوله تعالى: «وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ ...» أي لو بثّوا «٢»\n_________\n(١) أخطأ الناسخ فنقلها (حقروك) فصوبناها بما يلائم السياق.\n(٢) كتبها الناسخ (ثبوا) فصوبناها بما يلائم السياق: (بثوا أسرارهم) .","vol":"1","page":350},{"text":"أسرارهم عند من هو (....) «١» ومن هو من أهل القصد لأزالوا عنهم الإشكال، وأمدوهم بنور الهداية والإرشاد «٢» .\n«وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ» مع أوليائه لهاموا فى كل واد من التفرقة كأشكالهم فى الوقت.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-514>[سورة النساء (٤): آية ٨٤]</span>\nفَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا (٨٤)\nاستقم معنا بتسليم الكلّ منك إلى أمرنا فإنّك- كما لا يقارنك أحد فى رتبتك لعلوّك على الكل- فنحن لا نكلّف غيرك بمثل ما تكلفت، ولا نحمّل غيرك ما تحملت لانفرادك عن أشكالك فى القدوة «٣» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-515>[سورة النساء (٤): آية ٨٥]</span>\nمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (٨٥)\nالشفيع يخلّص للمشفوع له حاله. ويستوجب الشفيع- من الله سبحانه على شفاعته- عظيم الرتبة، ومن سعى فى أمرنا بالفساد تحمّل الوزر واحتقب الإثم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-516>[سورة النساء (٤): آية ٨٦]</span>\nوَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (٨٦)\n_________\n(١) مشتبهة، وما بعدها قد يكفى عنها.\n(٢) فى هذا الخصوص بحث القشيري فى إحدى وصاياه على ألا يقضى المريد بذات نفسه إلا لأوباب الطريقة من الشيوخ إذ يقبح بالمريد أن ينتسب إلى مذهب غير هذه الطريقة. فحجج أهلها- فى مسائلهم- أظهر من حجج كل أحد، وقواعد مذاهبهم أقوى من قواعد كل مذهب، والذي للناس غيب فهو لهم ظهور فهم من أهل الوصال، والناس أهل استدلال الرسالة ص ١٩٧، ١٩٨.\n(٣) لا نستبعد أيضا أنها فى الأصل (القدرة) لتلائم التكليف والتحمل والمعنى يتقبل (القدوة) و(القدرة) .","vol":"1","page":351},{"text":"تعليم لهم حسن العشرة وآداب الصحبة. وإن من حمّلك فضلا صار ذلك- فى ذمتك- له قرضا، فإمّا زدت على فعله وإلّا فلا تنقص عن مثله.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-517>[سورة النساء (٤): آية ٨٧]</span>\nاللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (٨٧)\nهذا الخطاب يتضمن نفيا وإثباتا فالنفى يعود إلى الأغيار ويستحيل لغيره ما نفاه، والإثبات له بالإلهية ويستحيل له النفي فيما أثبته.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-518>[سورة النساء (٤): آية ٨٨]</span>\nفَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (٨٨)\n(....) «١» العهد فيهم أنهم أعدائى، لا ينالون منّى فى الدنيا والعقبى رضائى، وإنكم لا تنقذون بهممكم من أقمته بقسمتي «٢» فإن المدار على القسم دون (....) «٣» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-519>[سورة النساء (٤): الآيات ٨٩ الى ٩٠]</span>\nوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا (٨٩) إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (٩٠)\n_________\n(١) مشتبهة.\n(٢) أي ما قسمته له فى سابق الآزال لا قدرة لمخلوق على تغييره.\n(٣) سقطت كلمة من الناسخ ربما كانت (الاحتيال) وربما كانت (الهمم) فكلاهما يفيد أنه لا منجاة لإنسان بعمله وحده بل المدار على القسمة.","vol":"1","page":352},{"text":"الإشارة إلى أرباب التخليط والأحوال السقيمة يتمنون أن يكون الصديقون منهم، وهيهات أن يكون لمناهم تحقيق! ومادام المخالفون لكم غير موافقين فبائنوهم وخالفوهم ولا تطابقوهم بحال، ولا تعاشروهم، ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا وموافق لك فى قصدك خير لك من مخالف على الكره تعاشره.\nقوله: إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ ... الإشارة من هذه الآية أن عند الاعذار أذن فى معاشرة فى الظاهر «١» رفقا بالمستضعفين.\n«فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ ...» الإشارة منه أنه إذا عاشركم من ليس من أهل القصة معرجين فى أوطان نصيبهم فلا تدعوهم إلى طريقتكم وسلّموا لهم أحوالهم. فإن أمكنكم أن تلاحظوهم بعين الرحمة بحيث تؤثر فيهم همتكم «٢» وإلا فسلّموا لهم أحوالهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-520>[سورة النساء (٤): آية ٩١]</span>\nسَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطانًا مُبِينًا (٩١)\n_________\n(١) أي أن الصحبة والمعاشرة ينبغى ألا يصل أمرهما الى حد المساكنة، لأن صحبة الحق أولى من كل غير ... وهذا مبدأ نادى به القشيري وطبقه على نفسه إبان محنته الأليمة. [.....]\n(٢) وردت (همتهم) وهى خطأ من الناسخ لأن المعنى يتطلب (همتكم) .","vol":"1","page":353},{"text":"إن من رام الجمع بين الضدين خاب سعيه، ولم يرتفع عزمه، فكما لا يكون شخص واحد منافقا ومسلما لا يكون شخص واحد مريدا للحق ومقيما على أحكام أهل العادة. فإن الإرادة والعادة ضدان «١»، والواجب مباينة الأضداد، ومجانبة الأجانب.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-521>[سورة النساء (٤): آية ٩٢]</span>\nوَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٩٢)\nخفف أمر الخطأ على فاعله حتى حمّل موجب قتل الخطأ على العاقلة فالخواص عاقلة المستضعفين من الأمة، وأهل المعرفة عاقلة المريدين، والشيوخ عاقلة الفقراء فسبيلهم أن يحملوا أثقال المستضعفين فيما ينوبهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-522>[سورة النساء (٤): آية ٩٣]</span>\nوَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذابًا عَظِيمًا (٩٣)\nكما يحرّم قتل غيرك عليك يحرّم قتل نفسك عليك، ومن اتّبع هواه سعى فى دم نفسه، ومن لم ينصح مريدا بحسن وعظه ولم يعنه بهمته فقد سعى فى دمه، وهو مأخوذ بحاله\n_________\n(١) الناس- عند القشيري- إما أهل العادة أو أهل الإرادة.","vol":"1","page":354},{"text":"وخليق «١» بأن تكون له عقوبة الأذية بألا يتمتع بما ضنّ به على المريدين من أحواله: ولقد قال- سبحانه-: يا داود إذا رأيت لى طالبا فكن له (خادما) «٢» قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-523>[سورة النساء (٤): آية ٩٤]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٩٤)\n«٣» عاشروا الناس على ما يظهرون من أحوالهم، ولا تتفرّسوا فيهم بالبطلان فإنّ متولّى الأسرار الله «٤» . هذا إذا كان غرض فاسد يحملكم عليه من أحكام النّفس، فأمّا من كان نظره بالله ولم ينستر عليه شىء فليحفظ سرّ الله فيما كوشف به، ولا يظهر لصاحبه ما أراد الله فيه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-524>[سورة النساء (٤): الآيات ٩٥ الى ٩٦]</span>\nلا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًاّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) دَرَجاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٩٦)\n_________\n(١) وردت (وحقيقة بأن) وصوابها وحقيق بان ولكننا آثرنا (وخليق بأن) حتى يمتنع اللبس.\n(٢) مشتبهة هنا ولكنها واضحة فى موضع سبق (انظر تفسير آية وأنبتها نباتا حسنا ص ٢٣٧\n(٣) سقطت (آمنوا) من الناسخ فأثبتناها.\n(٤) تدل هذه النظرة على سماحة الصوفية واتساع صدورهم، فالأصل عندهم أن كل الناس طيبون، ويجب أن تحسن الظن بهم جميعا، ونتقبل ظواهرهم تاركين أسرارهم للمولى سبحانه.","vol":"1","page":355},{"text":"الحقّ سبحانه جمع جميع أوليائه فى أفضاله لكنه غابر بينهم فى الدرجات، فمن غنيّ ومن عبد هو أغنى منه «١»، ومن كبير ومن هو أكبر منه، هذه الكواكب درّية ولكن القمر فوقها، وإذا طلعت الشمس بهرت الجميع بنورها! قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-525>[سورة النساء (٤): آية ٩٧]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيرًا (٩٧)\nالإشارة منه إلى من أدركه الأجل وهو فى أسر نفسه وفى رقّ شهواته- ليس له عذر حيث لم يهاجر إلى ظلّ قربته ليتخلّص من هوى نفسه «٢» إذ لا حجاب بينك وبين هذا الحديث إلا هواك.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-526>[سورة النساء (٤): الآيات ٩٨ الى ٩٩]</span>\nإِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩)\nالإشارة منه إلى الذين ملكتهم المعاني فأفنتهم عنهم، فبقوا مصرّفين له، لا لهم حول ولا قوة، يبدو عليهم ما يجريه- سبحانه- عليهم، فهم بعد عود نفوسهم بحق الحقّ محو عنهم، فلا يهتدون إلى غيره سبيلا، ولا يتنفّسون لغيره نفسا.\n_________\n(١) واضح أن القشيري يقصد الغنى فى الأحوال لا الغنى فى الأموال فليس لهذه كبير قيمة.\n(٢) وردت هكذا (هوى نفسه) فصوبناها.","vol":"1","page":356},{"text":"ويقال على موجب ظاهر الآية إن الذين أقعدتهم الأعذار عن الاختيار فعسى أن يتفضّل الحقّ- سبحانه- عليهم بالعفو.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-527>[سورة النساء (٤): آية ١٠٠]</span>\nوَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٠)\nمن هاجر فى الله عما سوى الله، وصحح قصده إلى الله وجد فسحة فى عفوة الكرم، ومقيلا فى ذرى القبول، وحياة وسعة فى كنف القرب.\nوالمهاجر- فى الحقيقة- من هجر نفسه وهواه، ولا يصحّ ذلك إلا بانسلاخه عن جميع مراداته، ومن قصده ثم أدركه الأجل قبل وصوله فلا ينزل إلا بساحات وصله، ولا يكون محطّ روحه إلا أوطان قربه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-528>[سورة النساء (٤): آية ١٠١]</span>\nوَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١)\nالقصر فى الصلاة سنّة فى السفر، وكان فى ابتداء الشرع عند الخوف «١»، فأقرّ ذلك مع زوال الخوف رفقا بالعباد، فلما دخل الفرض القصر لأجل السفر عوضوا بإباحة النّفل فى السفر على الراحلة أينما توجهت به دابته من غير استقبال، فكذلك الماشي ليعلم أنّ الإذن\n_________\n(١) لأن فى مبدا الإسلام بعد الهجرة كان غالب أسفارهم مخوفة، بل ما كانوا ينهضون إلا إلى غزو عام، أو فى سرية خاصة، وسائر الأحيان حرب للإسلام وأهله ... ويرى ابن عمر أن هناك فرقا بين صلاة السفر وصلاة الخوف، وهو يحتج على قصر الصلاة فى السفر ويراه فى صلاة الخوف.\n(تفسير القرآن العظيم ج ١ ص ٥٤٦) لابن كثير.","vol":"1","page":357},{"text":"فى المناجاة مستديم فى كل وقت فإن أردت الدخول فمتى شئت، وإن أردت التباعد مترخصا فلك ما شئت، وهذا غاية الكرم، وحفظ سنّة الوفاء، وتحقق معنى الولاء.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-529>[سورة النساء (٤): آية ١٠٢]</span>\nوَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا (١٠٢)\nتدل هذه الآية على أن الصلاة لا ترتفع عن العبد مادام فيه نفس من الاختيار لا فى الخوف ولا فى الأمن، ولا عند غلبات أحكام الشرع إذا كنت بوصف التفرقة، ولا عند استيلاء سلطان الحقيقة إذا كنت بعين الجمع:\nقوله جلّ ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-530>[سورة النساء (٤): آية ١٠٣]</span>\nفَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيامًا وَقُعُودًا وَعَلى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا (١٠٣)\nالوظائف الظاهرة موقته «١»، وحضور القلب بالذكر مسرمد غير منقطع أمّا بالرسوم\n_________\n(١) أي حسب ميقات.","vol":"1","page":358},{"text":"فوقتا دون وقت، وأمّا بالقلوب فإياكم والغيبة عن الحقيقة لحظة كيفما اختلفت بكم الأحوال..\nالذكر كيفما كنتم وكما كنتم، وأما الصلاة فإذا اطمأننتم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-531>[سورة النساء (٤): آية ١٠٤]</span>\nوَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٠٤)\n: قوموا بالله وليكن «١» استنادكم فى جهادكم إلى الله.\n«إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ»: القوم شاركوكم فى إحساس الألم، ولكن خالفوكم فى شهود القلب، وأنتم تشهدون ما لا يشهدون، وتجدون لقلوبكم ما لا يجدون، فلا ينبغى أن تستأخروا عنهم فى الجد والجهد.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-532>[سورة النساء (٤): الآيات ١٠٥ الى ١٠٦]</span>\nإِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦)\n«٢» لم يأمرك «٣» بالحكم بينهم على عمّى ولكن بما أراك الله «٤» أي كاشفك به من أنوار البصيرة حتى وقفت عليه بتعريفنا إياك وتسديدنا لك، وكذلك من يحكم بالحق من أمتك.\nقوله: «وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا»: أي لا تناضل عن أرباب الحظوظ ولكن مع\n_________\n(١) أخطأ الناسخ إذ كتبها (ولا يكن) .\n(٢) أخطأ الناسخ إذ كتبها واستغفروا.\n(٣) وردت (لم يأمركم) والصواب (لم يأمرك) لأن الخطاب كله موجه إلى الرسول (ص) .\n(٤) يحتج من ذهب من علماء الأصول بهذه الآية على أنه ﷺ كان له أن يحكم بالاجتهاد، وفيما رواه أبو داود من حديث أسامة بن زيد عن رجلين من الأنصار اختصما إلى الرسول (ص) فى مواريث بينهما قد درست وليس عندهما بينة.. ينتهى الحديث على النحو التالي.\n«إنى إنما أقضى بينكما يرأى فيما لم ينزل علىّ فيه» . [.....]","vol":"1","page":359},{"text":"أبناء الحقوق، ومن جنح إلى الهوى خان فيما أودع نفسه من التقوى، ومن ركن إلى أنواع نوزاع المنى خان فيما طولب به من الحياء لاطلاع المولى «١» .\nوَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ لأمتك فإنا قد كفيناك حديثك بقولنا: ليغفر لك الله نما تقدم من ذنبك.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-533>[سورة النساء (٤): الآيات ١٠٧ الى ١٠٨]</span>\nوَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (١٠٧) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ وَكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (١٠٨)\nهم المؤثرون حظوظهم على حقوقه، والراضون بالتعريج فى أوطان هواهم دون النقلة إلى منازل الرضا، إن الله لا يحب أهل الخيانة فيذلهم- لا جرم- ولا يكرمهم.\nقوله: يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ\nالغالب على قلوبهم رؤية الخلق ولا يشعرون أنّ الحق مطّلع على قلوبهم أولئك الذين وسم الله قلوبهم بوسم الفرقة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-534>[سورة النساء (٤): آية ١٠٩]</span>\nها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فَمَنْ يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (١٠٩)\nأي ندفع عنهم- بحرمتك- لأنك فيهم، فكيف حالهم يوم القيامة إذ زالت عنهم بركاتكم أيها المؤمنون؟!\n_________\n(١) (يقال إن سبب نزول هذه الآية أن رجلا شكا أن طعمة بن أبيرق سرق درعه، فلما رأى السارق ذلك ألقى الدرع فى بيت رجل برىء، وقال لنفر من عشيرته إنى غيبت الدرع فى بيت فلان، فانطلقوا إلى النبي (ص) ليلا فقالوا: يا نبىّ الله إن صاحبنا برىء. وإن صاحب الدرع فلان وقد أحطنا بذلك علما فاعذر صاحبنا على رءوس الناس وجادل عنه، فإنه إن لم يعصمه الله بك يهلك. فقام رسول الله (ص) فبراه وعذره على رءوس الناس، فأنزل الله هذه الآية) وقد حرصنا على إثبات سبب نزولها لأن ما بعدها من الآي مرتبط بهذه الواقعة.","vol":"1","page":360},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-535>[سورة النساء (٤): آية ١١٠]</span>\nوَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)\n«ثُمَّ»\n: حرف يدل على التراخي أي يزجون «١» عمرهم فى البطالات والمخالفات ثم فى آخر أعمارهم يستغفرون الله.\nوقوله «يَجِدِ اللَّهَ»\n: الوجود غاية الحديث «٢»، والعاصي لا يطلب غير الغفران، ولكن الله- سبحانه يوصله إلى النهاية بفضله- إذا شاء، فسنّته تحقيق ما فوق المأمول لمن رجاه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-536>[سورة النساء (٤): آية ١١١]</span>\nوَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١١)\nالحقّ غنيّ عن طاعة المطيعين، وزلة «٣» العاصين، فمن أطاع فحظّه حصّل، ومن عصى فحظه أخذ.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-537>[سورة النساء (٤): آية ١١٢]</span>\nوَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (١١٢)\nمن نسب إلى برىء ما هو صفته من المخازي عكس الله عليه الحال، وألبس ذلك البريء ثواب محاسن راميه، وسحب ذيل العفو على مساويه، وقلب الحال على المتعدّى بما يفضحه بين أشكاله، فى عامة أحواله.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-538>[سورة النساء (٤): آية ١١٣]</span>\nوَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَما يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١١٣)\n_________\n(١) وردت (يرجون) بالراء والصواب بالزاي.\n(٢) (التواجد بداية والوجود نهاية والوجد واسطة، وسمعت الأستاذ أبا على الدقاق يقول:\nالتواجد يوجد استيعاب العبد، والوجد يوجب استغراق العبد، والوجود يوجب استهلاك العبد فهو كمن شهد البحر ثم ركب البحر ثم غرق فى البحر) الرسالة ص ٣٧.\n(٣) وردت (ذلة) بالذال والصواب أن تكون بالزاي لأن المناسب للسياق لفظ ضد الطاعة.","vol":"1","page":361},{"text":"الفضل إحسان غير مستحق «١»، والإشارة هاهنا- من الفضل- إلى عصمته إياه، فالحقّ- سبحانه- عصمه تخصيصا له بتلك العصمة، وكما عصمه عن ترك حقه- سبحانه- عصمه بأن كفّ عنه كيد خلقه فقال: «وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ..»\nالآية.\nكلّا، لن يكون لأحد سبيل إلى إضلالك فأنت فى قبضة العزة، وما يضلّون إلا أنفسهم، وما يضرونك بشىء، إذ المحفوظ منا محروس عن كل غير، وإنّ الله سبحانه قد اختصك بإنزال الكتاب، واستخلصك بوجوه الاختصاص والإيجاب، وعلّمك ما لم تكن تعلم، ولم يمن عليك بشىء بمثل ما منّ به على من خصّه به من العلم. ويحتمل أنه أراد به علمه- صلّى الله عليه- بالله بجلاله، وعلمه بعبودية نفسه، ومقدار حاله فى استحقاق عزّه وجماله.\nويقال علّمك ما لم تكن تعلم من آداب الخدمة إذ لم تكن ملتبسا عليك معرفة الحقيقة.\nويقال أغناك عن تعليم الأغيار حتى لا يكون لأحد نور إلا مقتبسا من نورك، ومن لم يمش تحت رايتك لا يصل إلى جميع برّنا، ولا يحظى بقربنا ووصلنا.\n«وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا»\n: فى الآباد أنّك كنت- لنا بشرف العز وكرم الربوبية فى الآزال- معلوما. ويقال وعلّمك ما لم تكن تعلم من علوّ رتبتك على الكافة.\nويقال «عَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ»\nأنّ أحدا لا يقدّر قدرنا إلا بمقدار موافقته لأمرنا قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-539>[سورة النساء (٤): آية ١١٤]</span>\nلا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)\n_________\n(١) لأن الفضل معناه الزيادة، فربما يرمى القشيري إلى أنه غير مستحق بسبب ذلك لأنه يفوق المستحق","vol":"1","page":362},{"text":"أفضل الأعمال ما كانت بركاته تتعدى صاحبه إلى غيره ففضيلة الصدقة يتعدى نفعها إلى من تصل إليه، والفتوة أن يكون سعيك لغيرك، ففى الخبر: «شرّ الناس من أكل وحده» وكلّ أصناف الإحسان ينطبق عليها لفظ الصدقة.\nقال ﷺ فى قصر الصلاة فى السفر: «هذه صدقة تصدّقها الله عليكم فاقبلوا صدقته» «١» والصدقة على أقسام: صدقتك على نفسك، وصدقتك على غيرك فأمّا صدقتك (على نفسك فحملها على أداء حقوقه تعالى، ومنعها عن مخالفة أمره، وقصر يدها عن أذية الخلق، وصون خواطرها وعقائدها عن السوء. وأمّا صدقتك) «٢» على الغير فصدقة بالمال وصدقة بالقلب وصدقة بالبدن.\nفصدقة بالمال بإنفاق النعمة، وصدقة بالبدن بالقيام بالخدمة، وصدقة بالقلب بحسن النية وتوكيد الهمة.\nوالصدقة على الفقراء ظاهرة لا إشكال فيها، أمّا الصدقة على الأغنياء فتكون بأن تجود عليهم بهم، فتقطع رجاءك عنهم فلا تطمع فيهم.\nوأمّا المعروف: فكلّ حسن فى الشرع فهو معروف، ومن ذلك إنجاد المسلمين وإسعادهم فيما لهم فيه قربة إلى الله، وزلفى عنده، وإعلاء النواصي بالطاعة.\n_________\n(١) هكذا رواه مسلم وأهل السنن من حديث ابن جريج عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبى عمار.\nوقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح. وقال على بن المديني هذا حديث حسن صحيح من حديث عمر بن الخطاب، ولا يحفظ الا من هذا الوجه ورجاله معروفون.\n(٢) ما بين القوسين استدراك فى الهامش وضعناه فى موضعه من النص حسب العلامة المميزة.","vol":"1","page":363},{"text":"ومن تصدّق بنفسه على طاعة ربه، وتصدّق بقلبه على الرضا بحكمه، ولم يخرج بالانتقام لنفسه، وحثّ الناس على ما فيه نجاتهم بالهداية إلى ربه، وأصلح بين الناس بصدقه فى حاله- فإنّ لسان فعله أبلغ فى الوعظ من لسان نطقه، فهو الصّديق فى وقته. ومن لم يؤدّب نفسه لم يتأدب به غيره، وكذلك من لم يهذّب حاله لم يتهذّب به غيره.\n«وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ» غير سائل به مالا أو حائز لنفسه به حالا فعن قريب يبلغ رتبة الإمامة فى طريق الله، وهذا هو الأجر الموعود فى هذه الآية «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-540>[سورة النساء (٤): آية ١١٥]</span>\nوَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيرًا (١١٥)\nخواطر الحق سفراؤه تعالى إلى العبد، فمن خالف إشارات ما طولب به من طريق الباطن استوجب عقوبات القلوب، ومنها أن يعمى عن إبصار رشده. وكما أن مخالف الإجماع عن الدين خارج فمخالف ما عرف من الحقيقة بعد ما تبين له الطريق- ساقط.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-541>[سورة النساء (٤): آية ١١٦]</span>\nإِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا (١١٦)\n_________\n(١) نلاحظ فى هذه الفقرة أن القشيري يوجه- بطريق غير مباشر- لومه إلى بعض الوعاظ المحترقين الذين ظهروا فى عصره وقبل عصره.","vol":"1","page":364},{"text":"قوله\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-542>[سورة النساء (٤): الآيات ١١٧ الى ١٢٠]</span>\nإِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ إِناثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطانًا مَرِيدًا (١١٧) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (١١٨) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرانًا مُبِينًا (١١٩) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاَّ غُرُورًا (١٢٠)\n: إثبات الغير فى توهم ذرة من الإبداع عين الشرك، فلا للعفو فيه مساغ. وما دون الشرك فللعفو فيه مساغ، ومن توسّل إليه سبحانه بما توهّم من نفسه فقد أشرك من حيث لم يعلم. كلّا، بل هو الله الواحد.\nقوله: وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطانًا مَرِيدًا لَعَنَهُ اللَّهُ: أوقعوا على الجمادات تسميات «١»، وانخرطوا فى سلك التوهم، وركنوا إلى مغاليط الحسبان، فضلّوا عن الحقيقة.\n«وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطانًا مَرِيدًا لَعَنَهُ اللَّهُ»، أي ما يدعون إلا إبليس الذي أبعده الحقّ عن رحمته، وأسحقه «٢» ببعده، وما إبليس إلا مقلّب فى القبضة على ما يريده المنشئ، ولو كان به ذرة من الإثبات لكان به شريكا فى الإلهية. كلّا، إنما يجرى الحقّ- سبحانه- على الخلق أحوالا، ويخلق «٣» عقيب وساوسه للخلق ضلالا، فهو الهادي والمضل، وهو- سبحانه- المصرّف للكل، فيخلق (....) «٤» فى قلوبهم عقيب وساوسه إليهم طول الآمال، ويحسّن فى أعينهم قبيح الأعمال، ثم لا يجعل لأمانيّهم تحقيقا، ولا يعقب لما أمّلوه تصديقا، فهو تعالى موجد تلك الآثار جملة، ويضيفها إلى الشيطان مرة، وإلى الكافر مرة، وهذا معنى قوله: «وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ» ... الآية ومعنى قوله تعالى «يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-543>[سورة النساء (٤): آية ١٢١]</span>\nأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصًا (١٢١) .\n_________\n(١) واضح من كلام القشيري أنه يفهم الإناث على أنها الأوثان، وهكذا عن عائشة. وروى عن بعض الصحابة أنها الملائكة إشارة إلى قوله تعالى فى موضع آخر (وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا) . وعن الحسن: الإناث كل شىء ميت ليس فيه روح.\n(٢) فى النسخة ص (استحقه) وهى خطأ فى النسخ.\n(٣) يؤكد القشيري نسبة خلق كل شىء لله، وتجريد الشيطان من كل سلطان.\n(٤) مشتبهة.","vol":"1","page":365},{"text":"الذين قسم لهم الضلالة فى الحال حكم عليهم بالعقوبة فى المآل «١»، ولولا أنه أظهر ما أظهر بقدرته وإلا متى كانت شظية من الضلالة والهداية لأربابها؟! والوقوف على صدق التوحيد عزيز، وأرباب التوحيد قليل.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-544>[سورة النساء (٤): آية ١٢٢]</span>\nوَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (١٢٢)\nالذين أسعدناهم حكما وقولا، أنجدناهم حين أوجدناهم كرما وطولا، ثم إنّا نحقّق لهم الموعود من الثواب، بما نكرمهم به من حسن المآب.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-545>[سورة النساء (٤): الآيات ١٢٣ الى ١٢٤]</span>\nلَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا (١٢٣) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (١٢٤)\nمن زرع الحنظل لم يجتن الورد والعبهر «٢»، ومن شرب السّمّ الزّعاف لم يجد طعم العسل، كذلك من ضيّع حقّ الخدمة لم يستمكن على بساط القربة، ومن وسم بالشّقوة لم يرزق الصفوة، ومن نفته القضية «٣» فلا ناصر له من البريّة.\nقوله: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ.... الآية. من تعنّي فى خدمتنا لم يبق عن نيل\n_________\n(١) وردت (المال) وصوابها (المآل) .\n(٢) العبهر- الياسمين وقيل النرجس (لسان العرب ج ٢٠ ص ٥٣٦) ط بيروت. [.....]\n(٣) القضية مقصود بها القضاء، قضاء الله.","vol":"1","page":366},{"text":"نعمتنا، بل من أغنيناه «١» فى طلبنا أكرمناه بوجودنا، بل من جرّعناه كأس اشتياقنا أنلناه أنس لقائنا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-546>[سورة النساء (٤): آية ١٢٥]</span>\nوَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥)\nلا أحد أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله يعنى أفرد قصده إلى الله، وأخلص عقده لله عما سوى الله، ثم استسلم فى عموم أحواله لله بالله، ولم يدّخر شيئا عن الله لا من ماله ولا من جسده، ولا من روحه ولا من جلده، ولا من أهله ولا من ولده، وكذلك كان حال إبراهيم ﵇.\nوقوله «وَهُوَ مُحْسِنٌ»: الإحسان- بشهادة الشرع- أن تعبد الله كأنّك تراه، ولا بد للعبد من بقية «٢» من عين الفرق حتى يصحّ قيامه بحقوقه- سبحانه- لأنه إذا حصل (مستوفى) «٣» بالحقيقة لم يصح إسلامه ولا إحسانه، وهذا اتّباع إبراهيم ﵇ الحنيف الذي لم يبق منه شىء على وصف الدوام.\nوقوله «وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا»: جرّد الحديث عن كل سعى وكد وطلب وجهد حيث قال: «وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا» فعلم أنّ الخلّة لبسة يلبسها الحقّ لا صفة يكتسبها العبد.\n_________\n(١) ربما كانت (عنيناه) بالعين أي من احتمل العناء فى سبيلنا لتلائم (جرعناه كأس) أما (أغنيناه) بالغين فيكون معناها أوجدنا فيه الغناء عما سوانا.\n(٢) أي لا بد أن يرد إلى القرق الثاني حتى يستطيع أن يقوم بالفرائض الواجبة عليه فى أوقاتها.\n(٣) هكذا جاءت فى النسخة ص وربما كانت فى الأصل (مساس) بالحقيقة، فنحن نعرف عن مذهب القشيري فى هذا الخصوص أن العبد ينبغى أن يحافظ على الشريعة مهما كانت الظروف، وأي مساس بالشريعة بدعوى الاصطلام أو الفناء- فمردود، وهو آية تقص فى صدق صاحبه.","vol":"1","page":367},{"text":"ويقال الخليل المحتاج «١» بالكلية إلى الحق فى كل نفس ليس له شىء منه بل هو بالله لله فى جميع أنفاسه وأحواله، اشتقاقا من الخلّة (التي هى الخصاصة وهى الحاجة) «٢» .\nويقال إنه من الخلة التي هى المحبة، والخلة أن تباشر المحبة جميع أجزائه، وتتخلل سرّه حتى لا يكون فيه مساغ للغير.\nفلمّا صفّاه الله- سبحانه- (﵇) عنه، وأخلاه منه نصبه للقيام بحقه بعد امتحائه «٣» عن كل شىء ليس الله سبحانه.\nثم قال: «وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا....» «٤»: لا يلبى الحاج إلا لله، وهذه إشارة إلى جمع الجمع «٥» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-547>[سورة النساء (٤): آية ١٢٧]</span>\nوَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ اللاَّتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيمًا (١٢٧)\nنهاهم عن الطمع الذي يحملهم على الحيف والظلم على المستضعفين من النّسوان واليتامى، وبيّن أنّ المنتقم به لهم الله، فمن راقب الله فيهم لم يخسر على الله بل يجد جميل الجزاء، ومن تجاسر عليهم قاسى لذلك أليم البلاء.\n_________\n(١) يشير القشيري بذلك إلى محاولة فريق من المعتزلة صرف الخلة عن كل ما يتطرق إليها من دلالة حسبة، والتماسهم ذلك فى الشعر القديم وقد نبهنا إلى ذلك فى هامش سبق.\n(٢) هذه العبارة مكررة خطأ من الناسخ.\n(٣) وردت (بعد امتحانه) بالنون وقد صوبناها إلى (امتحائه) أي بعد وصوله إلى المحو.\n(٤) آية ٢٧ سورة الحج\n(٥) وردت (جميع الجمع) والصواب (جمع الجمع)","vol":"1","page":368},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-548>[سورة النساء (٤): آية ١٢٨]</span>\nوَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزًا أَوْ إِعْراضًا فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٢٨)\nصحبة الخلق بعضهم مع بعض إن تجردت عن حديث الحق فإنها تتعرض للوحشة والملامة، وممازجة النفرة والسآمة. فمن أعرض عن الله بقلبه أعرض الخلق عن مراعاة حقه، وخرج الكافة عليه باستصغار أمره واستحقار قدره. ومن رجع إلى الله بقلبه، استوى له- فى الجملة والتفصيل- أمره، واتسع «١» لاحتمال ما يستقبل من سوء خلق الخلق صدره فهو يسحب «٢» ذيل العفو على هنات جميعهم، ويؤثر الصلح بترك نصيبه وتسليم نصيبهم قال الله تعالى: «وَالصُّلْحُ خَيْرٌ» .\nواتضاعك فى نفسك عن منافرة من يخاصمك أجدى عليك، وأخرى لك من تطاولك على خصمك باغيا الانتقام، وشهود مالك فى مزية المقام. وأكثر المنافقين فى أسر هذه المحنة.\nقوله تعالى: «وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ ...»: وشحّ النفس قيام العبد بحظّه.\nفلا محالة من حجب عن شهود الحق ردّ إلى شهود النّفس.\nقوله تعالى: «وَإِنْ تُحْسِنُوا»: يعنى يكن ذلك خيرا لكم. والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه.\n«وَتَتَّقُوا»: يعنى عن رؤيتكم مقام أنفسكم، وشهود قدركم، يعنى وأن تروا ربّكم، وتفنوا برؤيته عن رؤية قدركم.\n_________\n(١) وردت (والتسع) وهى خطأ فى النسخ.\n(٢) وردت (ويستحب) وهى خطأ النسخ.","vol":"1","page":369},{"text":"«فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا»: يعنى إذا فنيتم عنكم وعن عملكم، فكفى بالله عليما بعد فنائكم، وكفى به موجدا عقب امتحائكم «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-549>[سورة النساء (٤): آية ١٢٩]</span>\nوَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٢٩)\n«٢» يعنى أنّكم إذا (....) «٣» فى أموركم انعكس الحال عليكم، وانعكس صلاح ذات بينكم فسادا لكم، فإذا قمتم بالله فى أموركم استوى العيش لكم، وصفا عن الكدر وقتكم.\nويقال من حكم الله بنقصان عقله فى حاله «٤» فلا تقتدرون أن تجبروا نقصانهم بكفايتكم.\nقوله تعالى «فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ»: يعنى لا تزيغوا عن نهج الأمر. قفوا حيثما وقفتم، وأنفذوا فيما أمرتم.\nوقوله: «فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ» يعنى أنكم إذا منعتموهن عن صحبة أغياركم ثم قطعتم عنهن ما هو حظوظهن منكم أضررتم بهن من الوجهين لا منكم نصيب، ولا إلى غيركم سبيل، وإن هذا الحيف عظيم. والإشارة «٥» من هذا أنه إذا انسد عليك طريق حظوظك فتح- سبحانه- عليك شهود حقه، ووجود لطفه فإنّ من كان فى الله تلفه فالحق- سبحانه- خلفه، وإن تصلحوا ما بينكم وبين الخلق، وتثقوا فيما بينكم وبين الحق فإن الله غفور لعيوبكم، رحيم بالعفو عن ذنوبكم.\n_________\n(١) وردت (امتحانكم) وهى خطأ فى النسخ فالامتحاء يرادف الفناء.\n(٢) وردت (وان) وهى خطأ في النسخ.\n(٣) مشتبهة، ونرجح أنها كلمة تساوى فى المعنى (قمتم بأنفسكم) لتقابل ما جاء بعد (فإذا قمتم بالله) . [.....]\n(٤) يشير القشيري بذلك الى النساء.\n(٥) أسلوب القشيري في هذه الإشارة فى حاجة منا الى وعى وتيقظ، فالحظوظ للعبد، والحقوق للحق، والشهود للحق والوجود يكون للطف. والمغفرة- بمعنى التغطية- تكون للعيب، والعفو- الإزالة- يكون للذنب والعيب قد يبقى مغطى ولكن الذنب يزول.","vol":"1","page":370},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-550>[سورة النساء (٤): آية ١٣٠]</span>\nوَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًاّ مِنْ سَعَتِهِ وَكانَ اللَّهُ واسِعًا حَكِيمًا (١٣٠)\nالصحبة التي لا بدّ منها صحبة القلب مع دوام افتقار إلى الله إذ الحقّ لا بدّ منه. فأمّا الأغيار فلا حاجة لبعضهم إلى بعض إلا من حيث الظاهر، وذلك فى ظنون أصحاب التفرقة، فأمّا أهل التحقيق فلا تجرية لهم أن حاجة الخلق بجملتها إلى الله سبحانه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-551>[سورة النساء (٤): آية ١٣١]</span>\nوَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا (١٣١)\nكلّف الكافة بالرجوع إليه، ومجانبة من سواه، والوقوف على أمره، ولكن فريقا وفّق وفريقا خذل. ثم عرّف أهل التحقيق أنه غنىّ عن طاعة كلّ ولىّ، وبرىء عن «١» زلة «٢» كل غوىّ.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-552>[سورة النساء (٤): آية ١٣٢]</span>\nوَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا (١٣٢)\nقطع الأسرار عن التّعلّق بالأغيار بأن عرّفهم انفراده بملك ما فى السموات والأرض، ثم أطمعهم فى حسن تولّيه، وقيامه بما يحتاجون إليه بجميل اللطف وحسن الكفاية بقوله:\n«وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا» يصلح يملك حالك ولا يختزل مالك.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-553>[سورة النساء (٤): آية ١٣٣]</span>\nإِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكانَ اللَّهُ عَلى ذلِكَ قَدِيرًا (١٣٣) .\n_________\n(١) قبل (عن) واو زائدة فحذفناها\n(٢) وردت (ذلة) بالذال والصواب أن تكون هنا بالزاي.","vol":"1","page":371},{"text":"من استغنى عنه فى آزاله فلا حاجة له إليه فى آباده. ويقال لا يحتاج إلى أحد والعبد لا يستغنى عنه فى نفس.\nويقال لا نهاية للمقدورات فإن لم يكن عمرو فزيد، وإن لم يكن عبد فعبيد، والذي لا بدل عنه ولا خلف فهو الواحد الأحد.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-554>[سورة النساء (٤): آية ١٣٤]</span>\nمَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (١٣٤)\nلمّا علّقوا قلوبهم بالعاجل من الدنيا ذكّرهم حديث الآخرة، فقال «فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ» تعريفا لهم أنّ فوق هممهم من هذه الخسيسة «١» ما هو أعلى منها من نعيم الآخرة، فلمّا سمت إلى الآخرة قصودهم قطعهم عن كل مرسوم «٢» ومخلوق بقوله: «وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقى» «٣» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-555>[سورة النساء (٤): آية ١٣٥]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٣٥) .\n_________\n(١) يقصد الدنيا بهذا الوصف.\n(٢) الرسم- كما يقول أبو نصر السراج فى لمعه- هو ما رسم به ظاهر الخلق برسم العلم ورسم الخلق فيمتحى بإظهار سلطان الحق عليه.\nسئل الجنيد عن رجل غاب اسمه وذهب وصفه وامتحى رسمه فقال: نعم عند مشاهدته قيام الحق له بنفسه لنفسه فى ملكه، فيكون ذلك معنى قوله امتحى رسومه يعنى علمه وفعله المضاف إليه بنظره إلى قيام الله له فى قيامه (اللمع ص ٤٢٧) .\n(٣) آية ٧٣ سورة طه","vol":"1","page":372},{"text":"القسط العدل، والقيام بالله العدل بإيفاء حقوقه من نفسك، واستيفاء حقوقه من كلّ من هو لك عليه أمر، وإلى تحصيل ذلك الحق سبيل إمّا أمر بمعروف أو زجر عن مكروه أو وعظ بنصح أو إرشاد إلى شرع أو هداية إلى حق.\nومن بقي لله عليه حق لم يباشر خلاصة التحقيق سره لله.\nوأصل الدّين «١» إيثار حق الحق على حق الخلق، فمن آثر على الله- سبحانه أحدا إمّا والدا أو أمّا أو ولدا أو قريبا أو نسيبا، أو ادّخر عنه نصيبا فهو بمعزل عن القيام بالقسط.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-556>[سورة النساء (٤): آية ١٣٦]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا (١٣٦)\nيا أيها الذين آمنوا من حيث البرهان آمنوا من حيث البيان إلى أن تؤمنوا من حيث الكشف والعيان.\nويقال يا أيها الذين آمنوا تصديقا آمنوا تحقيقا بأن نجاتكم بفضله لا بإيمانكم.\nويقال يا أيها الذين آمنوا فى الحال آمنوا باستدامة الإيمان إلى المآل «٢» ويقال يا أيها الذين آمنوا آمنوا وراء كل وصل وفصل «٣» ووجد وفقد.\n_________\n(١) بهذا نستطيع أن نجد صلة رحم بين لفظتى (الدّين) و(الدّين) إذ يكون لكل منهما ارتباط- على نحو ما- بالحق وصاحب الحق.\n(٢) وردت (المال) وهى خطأ فى النسخ، فالمقصود بالحال: الدنيا، والمآل: العقبى\n(٣) الوصل معناه لحوق الغائب. وقال يحيى بن معاذ: «من لم يعمّ عينيه عن النظر إلى ما تحت العرش لم يصل إلى ما فوق العرش» . يعنى لم يلحق ما فاته من مراقبة الذي خلق العرش. وقال الشبلي:\nمن زعم أنه واصل فليس له حاصل.\nوالفصل فوت الشيء المرجو من المحبوب.\nقال بعضهم فرح الاتصال ممزوج بترح الانفصال (اللمع ص ٤٣٣)","vol":"1","page":373},{"text":"ويقال يا أيها الذين آمنوا باستعمال أدلة العقول آمنوا إذا أنختم بعقوة الوصول، واستمكنت منكم حيره البديهة «١» وغلبات الذهول «٢» ثم أفقتم عن تلك الغيبة فآمنوا أن الذي كان غالبا عليكم كان شاهد الحق لا حقيقة الذات «٣» فإن الصمدية منزهة متقدسة عن كل قرب وبعد، ووصل وفصل.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-557>[سورة النساء (٤): الآيات ١٣٧ الى ١٣٨]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا (١٣٧) بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذابًا أَلِيمًا (١٣٨)\nالذين تبدّلت بهم الأحوال فقاموا وسقطوا ثم انتعشوا ثم ختم بالسوء أحوالهم، أولئك الذين قصمتهم «٤» سطوة العزة حكما، وأدركتهم شقاوة القسمة خاتمة وحالا- فالحقّ سبحانه لا يهديهم لقصد، ولا يدلهم على رشد، فبشّرهم بالفرقة الأبدية، وأخبرهم بالعقوبة السرمدية.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-558>[سورة النساء (٤): الآيات ١٣٩ الى ١٤٠]</span>\nالَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (١٣٩) وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (١٤٠)\n_________\n(١) الحيرة بديهة ترد على قلوب العارفين عند تأملهم وحضورهم وتفكرهم تحجبهم عن التأمل والفكرة، وقال الواسطي: حيرة البديهة أجل من سكون التولي عن الحيرة (اللمع ص ٤٢١) .\n(٢) الغلبات عند قوة الرغبة والانفلات من دواعى الهوى والنفوس، عند قوة رغبة الطالب إذا لاح له أعلام المزيد فى حال طلبه المطلوب، فلو ظن أن مطلوبه وراء بحر سبحه أو فى تيه سلكه بالهجوم عند غلبات الإرادة وقوة سلطان المطالبة عليه (اللمع ص ٤١٧) .\n(٣) هذا تنبيه هام وخطير يدحض به المضللين والأدعياء، أولئك الذين شن عليهم القشيري هجومه العنيف فى مستهل «رسالته» والذين أساءوا إلى التصوف وأهله.\n(٤) القصم: الكسر. حكى عن الزقاق أنه قال: لو أن المعاصي كانت شيئا اخترته لنفسى ما أجزتنى ذلك لأن ذلك يشيهنى، وإنما قصم ظهرى حين سبق لى منه ذلك. (اللمع ص ٤٣٤) . [.....]","vol":"1","page":374},{"text":"من اعتصم بمخلوق فقد التجأ إلى غير مجير، واستند إلى غير كهف، وسقط فى مهواة من الغلط بعيد قعرها، شديد مكرها. أيبتغون العزّ عند الذي أصابه ذل التكوين؟! متى يكون له عزّ على التحقيق؟ ومن لا عزّ له يلزمه فكيف يكون له عز يتعدّى إلى غيره؟\nويقال لا ندرى أي حالتهم أقبح: طلب العز وهم فى ذل القهر وأسر القبضة أم حسبان ذلك وتوهمه من غير الله؟\nويقال من طلب الشيء من غير وجهه فالإخفاق «١» غاية جهده، ومن رام الغنى «٢» فى مواطن الفاقة فالإملاق قصارى كدّه.\nويقال لو هدوا بوجدان العزّ لما صرفت قصودهم إلى من ليس بيده شىء من الأمر.\nقوله: «فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا» العزّ على قسمين: عزّ قديم فهو لله وصفا، وعزّ حادث يختص به سبحانه من يشاء فهو له- تعالى- ملكا ومنه لطفا «٣» .\nقوله وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ.... الآية: لا تجاوروا أرباب الوحشة فإن ظلمات أنفسهم تتعدى إلى قلوبكم عند استنشاقكم ما يردّون من أنفاسهم، فمن كان بوصف ما متحققا شاركه حاضروه فيه فجليس من هو فى أنس مستأنس «٤»، وجليس من هو فى ظلمة مستوحش.\nويقال هجران أعداء الحقّ فرض، ومخالفة الأضداد ومفارقتهم دين، والركون إلى أصحاب الغفلة قرع باب الفرقة.\n_________\n(١) وردت (الأحقاف) وهى خطأ فى النسخ إذ المقصود الخيبة والإخفاق.\n(٢) أخطأ الناسخ فكتبها بالألف هكذا: (الغنا) .\n(٣) يتساءل القشيري فى كتابه «التحبير فى التذكير» تحت اسم «العزيز»: فإن قيل كيف الجمع بين قوله تعالى: «مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا» وقوله تعالى «وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ» ثم يجيب: لا تنافى بينهما فان العز الذي للرسول وللمؤمنين هو لله تعالى ملكا وخلقا، وعزه﷾- له وصفا، فاذا العز كله لله تعالى.\n(٤) أخطأ الناسخ إذ كتبها (مستأنف) ولا معنى لها هنا والصواب (مستأنس) لتقابل (مستوحش)","vol":"1","page":375},{"text":"قوله: «إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ»: أوضح برهان على سريرة (....) «١» صحبة من يقارنه «٢» وعشرة من يخادنه فالشكل مقيد بشكله، والفرع منتشر عن أصله.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-559>[سورة النساء (٤): آية ١٤١]</span>\nالَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١)\nلمّا عدموا الإخلاص فى الحقيقة، وما ذقوا فيما استشعروا من العقيدة، امتازوا «٣» عن المسلمين فى الحكم، وباينوا الكافرين فى الاسم، وواجب على أهل الحقّ التحرّز عنهم والتحفّظ منهم، ثم ضمن لهم- سبحانه- جميل الكفاية بقوله: «وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا» «٤» وهذا على العموم فإن وبال كيدهم إليهم مصروف، وجزاء مكرهم عليهم موقوف، والحقّ- من قبل الحقّ سبحانه- منصور أهله، والباطل- بنصر الحقّ سبحانه- مجتث أصله.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-560>[سورة النساء (٤): الآيات ١٤٢ الى ١٤٣]</span>\nإِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلًا (١٤٢) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (١٤٣)\n_________\n(١) مشتبهة ولا بد أنها كلمة بمعنى (المرء) أو (الشخص) ... ونحوهما.\n(٢) يقارنه هنا معناها أن يكون له قرين.\n(٣) امتازوا هنا معناها افترقوا بعلامات مخصوصة.\n(٤) قال على ﵁ لن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا يوم القيامة حين يحكم الله بينهم، فلا يكون للكافرين سبيل إلى حجة. ويرى غيره أن الله لن يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلا فى الدنيا فلن يستطيعوا عليهم نصرا بالكلية، ولكن قد يحصل لهم ظفر فى بعض الأحيان على بعض الناس ولكن العاقبة للمتقين فى الدنيا والآخرة. (ابن كثير ص ٥٦٧)","vol":"1","page":376},{"text":"خداع المنافقين: إظهار الوفاق فى الطريقة واستشعار الشرك فى العقيدة.\nوخداع الحق إياهم: ما توهموه من الخلاص، وحكموا به لأنفسهم من استحقاق الاختصاص، فإذا كشف الغطاء أيقنوا أن الذي ظنّوه شرابا كان سرابا، قال تعالى: «وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ» «١» وقوله: «وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا....»\nالآية: علامة النفاق وجود النشاط عند شهود الخلق، وفتور العزم عند فوات رؤية الخلق.\nوقوله: «مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ ...» الآية: أخسّ الخلق من يدع «٢» صدار العبودية، ولم يجد سبيلا إلى حقيقة الحرية «٣»، فلا له من العز شظية، ولا فى الغفلة عيشة هنية.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-561>[سورة النساء (٤): آية ١٤٤]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطانًا مُبِينًا (١٤٤) .\n_________\n(١) آية: ٤٧ سورة الزمر.\n(٢) وردت (تدع) والصواب (يدع) لأن الكلام ليس خطابا، ومعناها ترك.\n(٣) حقيقة الحرية إشارة إلى نهاية التحقق بالعبودية لله تعالى، وهو ألا يملكك شىء من المكونات وغيرها، فتكون حرا إذا كنت لله عبدا، كما قال بشر الحافى لسرى السقطي رحمهما الله فيما حكى عنه أنه قال:\nإن الله تعالى خلقك حرا فكن كما خلقك، لا تراء أهلك فى الحضر، ولا وفقتك فى السفر، اعمل لله، ودع الناس عنك.\nوقال الجنيد: آخر مقام العارف الحرية.\nوقال بعضهم: لا يكون العبد عبدا حقا ويكون لما سوى الله مسترقا (اللمع ص ٤٥٠)","vol":"1","page":377},{"text":"كرّر «١» عليهم الوعظ، وأكّد بمباينة الأعداء عليهم الأمر، إبلاغا فى الإنذار، وتغليظا فى الزجر، وإلزاما للحجة (....) «٢» موضع العذر.\nقوله: «أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطانًا مُبِينًا»: توعّدهم على موالاتهم للكفار بما لم يتوعّد على غيره من المخالفات، لما فيه من إيثار الغير على المعبود وإيثار الغير على المحبوب من أعظم الكبائر فى أحكام الوداد. فإذا شغل من قلبه محلا- كان للمؤمنين- بالأغيار استوجب ذلك العقوبة فكيف إذا شغل محلا من قلبه- هو للحق- بالغير؟! والعقوبة التي توعّدهم بها أن يكلهم وما اختاروه من موالاة الكفار، وبئس البدل! كذلك من بقي (عن) «٣» الحق تركه مع الخلق فيتضاعف عليه البلاء للبقاء عن الحق والبقاء مع الخلق، وكلاهما شديد من العقوبة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-562>[سورة النساء (٤): آية ١٤٥]</span>\nإِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥)\nدلّت الآية على أنّ المنافق ليس بمستأمن لأنّ الإيمان ما يوجب الأمان، فالمؤمن يتخلّص بإيمانه من النار، فما يكون سبب وقوعه فى الدرك الأسفل من النار لا يكون إيمانا، ويقال هذا تحقيق قوله: «وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ» أي مكره فوق كل مكر. لمّا أظهر المنافق ما هو مكر مع المؤمنين كانت عقوبتهم أشد من عقوبة من جاهر «٤» بكفره.\nويقال نقلهم «٥» فى آجلهم «٦» إلى أشد ما هم عليه فى عاجلهم، لما فى الخبر: «من كان\n_________\n(١) نعرف من مذهب القشيري أنه لا يميل إلى القول بالتكرار في القرآن الكريم، ولعل أبسط نتائج هذا المذهب أنه لا يرى فى البسملة التي تأنى فى مستهل كل سورة بلفظها- أي شىء من التكرار، بل هى عنده متجددة بما يتلاءم والسورة، لأجل هذا تستوقفنا هنا كلمة: «كرر» ونتدبر الأسباب القوية التي أرجع إليها التكرار.\n(٢) مشتبهة.\n(٣) وردت (من) ولكن المعنى يرفضها قطعا ويؤيد (عن) خصوصا وقد جاءت (عن) فى العبارة التالية التي هى بمثابة نتيجه للجزء الأول من الكلام. [.....]\n(٤) وردت (جاهد) بالدال والصواب ان تكون (جاهر) بالراء فالمعنى يقتضى ذلك.\n(٥) وردت هكذا (نقلهم) بنقطة محذوفة فوق الحرف الأول ثم ثلاث نقط فوق القاف وربما أراد الناسخ أن يحذف النقطة الثالثة فأخطا وحذف النقطة التي فوق النون.\n(٦) وردت (أجلهم) والصواب (آجلهم) .","vol":"1","page":378},{"text":"بحالة لقى الله بها» فالمنافق- اليوم- فى الدرك الأسفل من الحجر «١» فكذلك ينقلون إلى الدرك الأسفل من النار. والدرك الأسفل من الحجر- اليوم- لهم ما عليهم من اسم الإيمان وليس لهم من الله شظية وهذا هو البلاء الأكبر.\nويقال استوجبوا الدرك الأسفل من النار لأنهم صحبوا اليوم اسم الله الأعظم لا على طريقة الحرمة. ويقال استوجبوا ذلك لأنهم أساءوا الأدب فى حال حضورهم بألسنتهم، وسوء الأدب يوجب الطرد.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-563>[سورة النساء (٤): آية ١٤٦]</span>\nإِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (١٤٦)\nلم يشترط كل هذه الشرائط فى رجوع أحد عن جرمه ما اشترط فى رجوع المنافقين عن نفاقهم لصعوبة حالهم فى كفرهم. وبعد تحصيلهم هذه الشروط قال لهم: «فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ» ولم يقل من المؤمنين، وفى هذا إشارة أيضا إلى نقصان رتبتهم وإن تداركوا بإخلاصهم ما سبق من آفتهم، وفى معناه أنشدوا:\nوالعذر مبسوط ولكنما ... شتان بين العذر والشكر\nويقال إن حرف (مع) للمصاحبة، فإذا كانوا مع المؤمنين استوجبوا ما يستوجب جماعة المؤمنين، فالتوبة هاهنا أي رجعوا عن نفاقهم، وأصلحوا- بصدقهم فى إيمانهم، واعتصموا بالله بالتبرؤ من حولهم وقوتهم، وشاهدوا المنّة لله عليهم حيث هداهم، وعن نفاقهم نجّاهم.\nقوله: «وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ»: ونجاتهم بفضل ربهم لا بإيمانهم فى الحال، ورجوعهم عن نفاقهم فيما مضى عليهم من الأحوال.\nويقال أخلصوا دينهم لله وهو دوام الاستعانة بالله فى أن يثبتهم على الإيمان، ويعصمهم عن الرجوع إلى ما كانوا عليه من النفاق.\n_________\n(١) نرجح أنها (الهجر) بالهاء ويتأيد ذلك بقوله فيما بعد (ليس لهم من الله شظية) .","vol":"1","page":379},{"text":"ويقال تابوا عن النفاق، وأصلحوا بالإخلاص فى الاعتقاد، واعتصموا بالله باستدعاء التوفيق وأخلصوا دينهم لله فى أن نجاتهم بفضل الله ولطفه لا بإتيانهم بهذه الأشياء- فى التحقيق.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-564>[سورة النساء (٤): آية ١٤٧]</span>\nما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكانَ اللَّهُ شاكِرًا عَلِيمًا (١٤٧)\nهذه الآية من الآيات التي توجب حسن الرجاء وقوة الأمل، لأنه جعل من أمارات الأمان من العقوبات شيئين اثنين: الشكر والإيمان، وهما خصلتان يسيرتان خفيفتان فإن الشكر قالة، والإيمان حالة، ولقد هوّن السبيل على العبد حين «١» رضى منه بقالته وحالته. والشكر لا يصح إلا من المؤمنين فأمّا الكافر فلا يصح منه الشكر لأن الشكر طاعة والطاعة لا تصح من غير المؤمن.\nوقوله: «وَآمَنْتُمْ» يعنى فى المآل فكأنه بيّن أن النجاة إنما تكون لمن كانت عاقبته على الإيمان، فمعنى الآية لا يعذبكم الله عذاب التخليد «٢» إن شكرتم فى الحال وآمنتم فى المآل.\nويقال إن شكرتم وآمنتم صدقتم بأن نجاتكم بالله لا بشكركم وبإيمانكم.\nويقال الشكر شهود النعمة من الله والإيمان رؤية الله فى النعمة، فكأنه قال: إن شاهدتم النعمة من الله فلا يقطعنّكم شهودها عن شهود المنعم.\nوقوله: «وَكانَ اللَّهُ شاكِرًا عَلِيمًا» أي والله شاكر عليم، ومعنى كونه شاكرا أنه مادح للعبد ومشهد عليه فيما يفعله لأن حقيقة الشكر وحدّه الثناء على المحسن بذكر إحسانه فالعبد بشكر الله أي يثنى عليه بذكر إحسانه إليه الذي هو نعمته عليه، والربّ يشكر للعبد أن يثنى عليه بذكر إحسانه الذي هو طاعته له، فإن الله يثنى عليه بما يفعله من الطاعة مع علمه بأن له ذنوبا كثيرة.\nويقال يشكره- وإن علم أنه سيرجع فى المستأنف إلى قبيح أعماله.\n_________\n(١) وردت (من) ونرجح أنها فى الأصل (حين) .\n(٢) وردت (التخليل) ونرجح أنها (التخليد) فهو وصف عذاب جهنم.","vol":"1","page":380},{"text":"ويقال يشكره لأنه يعلم ضعفه، ويقال يشكره لأنه يعلم أنه لا يعصى وقصده مخالفة ربّه ولكنه يذنب لاستيلاء أحوال البشرية عليه من شهوات غالبة.\nويقال يشكره لأن العبد يعلم فى حالة ذنوبه أن له ربّا يغفر له.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-565>[سورة النساء (٤): آية ١٤٨]</span>\nلا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا (١٤٨)\nقول المظلوم فى ظالمه- على وجه الإذن له- ليس بسوء فى الحقيقة، لكنه يصح وقوع لفظة السوء عليه كقوله تعالى: «وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها» «١» والجزاء ليس بسيئة.\nويقال من علم أن مولاه يسمع استحيا من النطق بكثير مما تدعو نفسه إليه.\nويقال الجهر بالسوء هو ما تسمعه نفسك منك فيما تحدّث فى نفسك من مساءة الخلق فإن الخواص يحاسبون على ما يتحدثون فى أنفسهم «٢» بما (يعد) «٣» لا يطالب به كثير من العوام فيما يسمع منهم الناس.\nقوله: «إِلَّا مَنْ ظُلِمَ»: قيل ولا من ظلم. وقيل معناه ولكن من ظلم فله أن يذكر ظالمه بالسوء «٤» .\nويقال من لم يؤثر مدح الحقّ على القنح فى الخلق فهو المغبون فى الحال.\nويقال من طالع الخلق بعين الإضافة إلى الحق بأنهم عبيد الله لم ينبسط فيهم لسان اللوم\n_________\n(١) الآية ٤٠ سورة الشورى.\n(٢) من ذلك ما يحكيه القشيري فى كتابه «التحبير فى التذكير» عن الشبلي حيث يقول: «قال بعضهم كنت مع الشبلي﵀- ففتح له بمنديل حسن فمر بكلب ميت فقال لى: كفن هذا الكلب بهذا المنديل. وعدت إليه فقال لى فعلت ما أمرتك به؟ فقلت: لا. فلم يقل لى شيئا فقلت له: ما سبب ذلك الذي أمرتنى به؟ فقال: عند ما مررت به استقذرته واستقبحته، فنوديت في سرى: ألسنا نحن خلقناه؟ فأمرتك بذلك كفارة لما خطر لى» .\n(٣) ربما كانت هذه اللفظة (يعد) زائدة، أو سقطت (لا) قبلها فيكون معنى (لا يعد) لا يحسب ولا يعتبر.\n(٤) عن ابن عباس: إن الله لا يحب أن يدعو أحد على أحد إلا أن يكون مظلوما فإنه قد أرخص له.\nوعن الحسن البصري يكفى أن يقول المظلوم «اللهم أعنى عليه واستخرج حقى منه» وفى رواية عنه أنه قد أرخص له أن يدعو على من ظلمه من غير أن يعتدى عليه.","vol":"1","page":381},{"text":"يقول الرجل لصاحبه: «أنا أحتمل من (....) «١» خدمتك حرمة لك ما لا أحتمله من ولدي»، فإذا كان مثل هذا معهودا بين الخلق فالعبد بمراعاة هذا الأدب- بينه وبين مولاه- أولى.\nويقال لا يحب الله الجهر بالسوء من القول من العوام، ولا يحب ذلك بخطوره «٢» من الخواص.\nويقال الجهر بالسوء من القول من العوام أن يقول فى صفة الله ما لم يرد به الإذن والتوفيق.\nوالجهر بالسوء من القول فى صفة الخلق أن تقول ما ورد الشرع بالمنع منه، وتقول فى صفة الحق ما لا يتصف به فإنك تكون فيه كاذبا، وفى صفة الخلق عن الخواص ما اتصفوا به من النقصان- وإن كنت فيه صادقا.\nقوله «وَكانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا»: سميعا لأقوالكم، عليما بعيوبكم، يعنى لا تقولوا للأغيار ما تعلمون أنكم بمثابتهم.\nويقال سميعا لأقوالكم عليما ببراءة ساحة من تقوّلتم عليه، فيكون فيه تهديد للقائل- لبرىء الساحة- بما يتقوّل عليه.\nويقال سميعا: أيها الظالم، عليما: أيها المظلوم تهديد لهؤلاء وتبشير لهؤلاء.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-566>[سورة النساء (٤): آية ١٤٩]</span>\nإِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (١٤٩)\n«إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا» تخلقا بآداب الشريعة، وتخفوه تحققا بأحكام الحقيقة.\n«أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ» أخذا من الله ما ندبكم إليه من محاسن الخلق.\n«فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا» لعيوبكم «قَدِيرًا» على تحصيل محبوبكم وتحقيق مطلوبكم.\nويقال إن تبدوا خيرا لتكونوا للناس قدوة فيما تسنّون وما تعينون غيركم على ما يهدون به من سلوك سنّتكم، وإن تخفوه اكتفاء بعلمه، وصيانة لنفوسكم عن آفات التصنّع، وثقة\n_________\n(١) مشتبهة.\n(٢) أي (بأن يخطر عليهم خاطر) فعقوبة العوام على النطق والقول وعقوبة الخواص على (الخاطر)","vol":"1","page":382},{"text":"بأن «١» من تعملون «٢» له يرى ذلك ويعلمه منكم، وإن تعفوا عن سوء أي تتركوا ما تدعوكم إليه نفوسكم «٣» فالله يجازيكم بعفوه على ما تفعلون، وهو قادر على أن يبتليكم بما ابتلى به الظالم، فيكون تحذيرا لهم من أن يغفلوا عن شهود المنّة، وتنبيها على أن يستعيذوا أن يسلبوا العصمة، وأن يخذلوا حتى يقعوا فى الفتنة والمحنة.\nويقال إن تبدوا خيرا فتحسنوا إلى الناس، أو تخفوه بأن تدعوا لهم فى السرّ، أو تعفوا عن سوء إن ظلمتم.\nويقال من أحسن إليك فأبد معه خيرا جهرا، ومن كفاك شرّه فأخلص بالولاء والدعاء له سرّا، ومن أساء إليك فاعف عنه كرما وفضلا تجد من الله عفوه عنك عما ارتكبت، فإن ذنوبك أكثر، وهو قادر على أن يعطيك من الفضل والإنعام ما لا تصل إليه بالانتصاف من خصمك، وما تجده بالانتقام «٤» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-567>[سورة النساء (٤): الآيات ١٥٠ الى ١٥١]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا (١٥١)\nأخبر عنهم أنهم أضافوا إلى قبيح كفرهم ما عدّ من ذميم فعلهم، ثم بيّن أنه\n_________\n(١) أخطا الناسخ فكتبها (باب) .\n(٢) مستدركة في الهامش (تعلمون) لأنها فى المتن (تعلمون) والصواب ما جاء فى الهامش. [.....]\n(٣) إشارة القشيري هنا فى حاجة منا إلى تدبر، فهو يبدأ أولا بالنفس، ثم ينتقل إلى الناس، ذلك لأنه حسب ما نعرف عنه يعتبر صراعك مع نفسك هو الميدان الأول الذي ينبغى أن تحارب فيه أهواءك وأطماعك ودعواك هى أعدى أعدائك، ثم تأتى من بعد ذلك علاقاتك خارج نفسك أي مع الناس.\n(٤) واضح من هذا مقدار ما يتمتع به الصوفية من رحابة الصدر ولين الجانب وسماحة الطبع.","vol":"1","page":383},{"text":"ضاعف «١» من عذابهم ما كان جزاء جرمهم، لتعلم أنه لأهل الفساد بالمرصاد.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-568>[سورة النساء (٤): آية ١٥٢]</span>\nوَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٥٢)\nلما آمنوا بجميع الرسل، وصدقوا فى جميع ما أمروا به استوجبوا القبول وحسن الجزاء.\nوتقاصر الإيمان عن بعض الأعيان كتقاصره عن بعض الأزمان، فكما أنه لا يقبل إيمان من لم يستغرق إيمانه جميع (....) «٢» إلى آخر ما له- كذلك لا يقبل إيمان من لم يستغرق إيمانه جميع (من) «٣» أمر بالإيمان به إذ جعل ذلك شرط تحقيقه وكماله. فالإشارة فى هذا أن من لم يخرج عن عهدة الإلزام بالكلية فليس له من حقيقة الوصل شظية، قال ﷺ: «الحجّ عرفة» «٤» فمن قطع المسافة- وإن كان من فج عميق- ثم بقي عن عرفات بأدنى بقية لم يدرك الحج.\nوقال ﷺ: «المكاتب عبد ما بقي عليه درهم» «٥» قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-569>[سورة النساء (٤): آية ١٥٣]</span>\nيَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ وَآتَيْنا مُوسى سُلْطانًا مُبِينًا (١٥٣)\n_________\n(١) وردت (أضعف) وهى خطأ من الناسخ، ولا بد أن تكون (ضاعف) العذاب لأن جزاء الكافرين عذاب مهين وهو الذل الدنيوي الموصول بالذل الأخروى.\n(٢) مشتبهة.\n(٣) نرجح أنها في الأصل (ما) أمر بالإيمان به منعا للبس، ويمكن أن تقبل (من) على أنها مرتبطة بالرسل.\n(٤) «الحج عرفه من جاء قبل طلوع الفجر من ليلة فقد أدرك الحج أيام منى ثلاثة فمن تعجل فى يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه (الامام أحمد فى مسنده وأبو عدى فى الكامل والحاكم فى مستدركه والبيهقي فى السنن) ٣٥٨/ ٢ منتخب كنز العمال.\n(٥) «المكاتب عبد ما بقي عليه من كتابته شىء» .\nمفتاح كنوز السنة (مادة العتق) للدكتور ا. فنسنك ط لجنة ترجمة دائرة المعارف الاسلامية، ومراجعه سنن أبى داود كتاب ٢٨ باب ١ وسنن ابن ماجه كتاب ١٩ باب ٣ وموطأ مالك كتاب ٣٩ ومسند أحمد ج ٢ ص ١٧٨، ١٨٤.","vol":"1","page":384},{"text":"اشتملت الآية على جنسين من قبيح ما فعلوه: أحدهما سؤالهم الرؤية والثاني عبادة العجل بعد ما ظهرت لهم الآيات الباهرة.\nفأمّا سؤالهم الرؤية فذمّوا عليه لأنهم اقترحوا عليه ذلك بعد ما قطع عذرهم بإقامة المعجزات، ثم طلبوا الرؤية لا على وجه التعليم، أو على موجب التصديق به، أو على ما تحملهم عليه شدة الاشتياق، وكل ذلك سوء أدب.\nالإشارة فيه أيضا أن من يكتفى بأن يكون العجل معبوده- متى- يسلم له أن يكون الحقّ مشهوده؟\nويقال القوم لم يباشر العرفان أسرارهم فلذلك عكفوا بعقولهم «١» على ما يليق بهم من محدود جوّزوا أن يكون معبودهم.\nقوله جل ذكره: وَآتَيْنا مُوسى سُلْطانًا مُبِينًا.\nحجة ظاهرة، بل تفردا صانه من التمثيل والتعطيل.\nوالسلطان المبين التحصيل والتنزيه المانع من التعطيل والتشبيه.\nويقال السلطان المبين القوة بسماع الخطاب من غير واسطة.\n_________\n(١) هذا كلام له أهمية قصوى فى تحديد مدى تقدير القشيري لقيمة العقل.\nفنحن نعرف من مذهبه فى المعرفة أن العقل يعول عليه فقط فى البداية، يقول في رسالته ص ١٩٧ (تجب البداءة بتصحيح اعتقاد بين العبد وبين الله تعالى صاف عن الظنون والشبه خال من الضلال والبدع صادر عن البراهين والحجج) ولكن العقل بعدئذ غير جدير بمواصلة الصعود إلى ما هو أعلى من ذلك لأنه يصاب بآفات (التجويز والتحير والتوهم والتحدد) ويناط بغير العقل من الملكات الأخرى وهى القلب والروح والسر وعين السر أو سر السر أن تواصل القصود نحو الذرى العليا. فما أشبه الذين يريدون تطبيق الوسائل العقلية على الربوبية بمن عبدوا العجل! وعكفوا بعقولهم على المحدود!","vol":"1","page":385},{"text":"ويقال السلطان المبين لهذه الأمة غدا، وهو بقاؤهم فى حال لقائهم- قال ﷺ: «لا تضامون فى رؤيته» «١» - فى خبر الرؤية.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-570>[سورة النساء (٤): آية ١٥٤]</span>\nوَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ وَقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا وَقُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقًا غَلِيظًا (١٥٤)\nما زادهم فى الظاهر آية إلا زادوا فى قلوبهم جحدا ونكرا، فلم تنفعهم زيادة نصيب الإعلام لمّا لم تنفتح لشهودها بصائر قلوبهم، قال تعالى: «وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ» «٢» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-571>[سورة النساء (٤): آية ١٥٥]</span>\nفَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلًا (١٥٥)\nمعناه لارتكابهم هذه المناهي، ولا تصافهم بهذه المخازي، أحللناهم منازل الهوان، وأنزلنا بهم من العقوبة فنون الألوان.\nويقال لحقهم شؤم المخالفات حالة بعد حالة، لأن من عقوبات المعاصي الخذلان لغيرها من ارتكاب المناهي فبنقضهم الميثاق، ثم لم يتوبوا، جرّهم إلى كفرهم بالآيات، ثم لشؤم كفرهم خذلوا حتى قتلوا أنبياءهم﵈- بغير حق، ثم لشؤم ذلك تجاسروا حتى ادّعوا شدة التفهّم، وقالوا: قلوبنا أوعية العلوم، فردّ الله عليهم وقال: «بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ» فحجبهم عن محلّ العرفان، فعمهوا فى ضلالتهم.\n_________\n(١) «... إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر» البخاري كتاب ٩ باب ١٥ و٢٦ وكتاب ٦٥ سورة ٤ مفتاح كنوز السنة ص ٥٧.\n(٢) آية ١٠١ سورة يونس","vol":"1","page":386},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-572>[سورة النساء (٤): الآيات ١٥٦ الى ١٥٨]</span>\nوَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا (١٥٦) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّباعَ الظَّنِّ وَما قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨)\nمجاوزة الحدّ ضلال، كما أن النقصان والتقاصر عن الحقّ ضلال، فقوم «١» تقوّلوا على مريم ورموها بالزنا، وآخرون جاوزوا الحدّ فى تعظيمها فقالوا: ابنها ابن الله، وكلا الطائفتين وقعوا فى الضلال.\nويقال مريمرضي الله عنها- كانت وليّة الله، فشقى بها فرقتان: أهل الإفراط وأهل التفريط. وكذلك كان أولياؤه- سبحانه- فمنكرهم يشقى بترك احترامهم، والذين يعتقدون فيهم ما لا يستوجبونه يشقون بالزيادة فى إعظامهم، وعلى هذه الجملة درج الأكثرون من الأكابر.\nقوله تعالى: وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَما قَتَلُوهُ ... يَقِينًا بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ.\nقوله تعالى: «وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ.... عَزِيزًا حَكِيمًا» قيل أوقع الله شبهه «٢» على الساعي به فقتل وصلب مكانه، وقد قيل: من حفر بئرا لأخيه وقع فيها «٣»\n_________\n(١) أخطأ الناسخ فكتبها (فقوموا) .\n(٢) وردت (شبهة) بالتاء المربوطة والصواب (شبهه) .\n(٣) اختار ابن جرير أن شبه عيسى ألقى على جميع أصحابه، وكانوا اثنى عشر رجلا (ذكر أسماءهم) ومنهم ليودس زكريا يوطا. ويقول ابن اسحق (نقلا عن رواية نصرانية) أن ليودس مقابل ثلاثين درهما هو الذي دل الأعداء على عيسى بأن قبّله ساعة دخولهم فأخذوه فصلبوه. انتهت الرواية.\nتعليق: هذه الرواية التي اعتمد عليها ابن اسحق تتفق مع ما جاء فى الأناجيل الأربعة وليودس هذا هو يهوذا الاسخريوطى.","vol":"1","page":387},{"text":"وقيل إن عيسى ﵇ قال: من رضى بأن يلقى عليه شبهى فيقتل دونى فله الجنة، فرضى به بعض أصحابه «١»، فيقال لمّا صبر على مقاساة التلف لم يعدم من الله الخلف «٢»، قال الله تعالى: «إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا» «٣» .\nويقال لمّا صحّت صحبة الرجل مع عيسى﵇- بنفسه صحبه بروحه، فلمّا رفع عيسى﵇- إلى محل الزلفة، رفع روح هذا الذي فداه بنفسه إلى محل القربة «٤» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-573>[سورة النساء (٤): آية ١٥٩]</span>\nوَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩)\nلما حكم بأن لا أمان لهم فى وقت اليأس لم ينفعهم الإيمان فى تلك الحالة، فعلم أنّ العبرة بأمان الحقّ لا بإيمان العبد.\nقال جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-574>[سورة النساء (٤): الآيات ١٦٠ الى ١٦١]</span>\nفَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذابًا أَلِيمًا (١٦١) .\n_________\n(١) عن ابن اسحق عن رجل كان نصرانيا وأسلم أنه ذكر له أن عيسى حين جاءه من الله إنى رافعك قال يا معشر الحواريين: أيكم يحب أن يكون رفيقى في الجنة حتى يشبه للقوم فى صورتى فيقتلوه فى مكانى فقال أحدهم واسمه سرجس: أنا يا روح الله. قال: فاجلس فى مجلسى فجلس فيه، ورفع عيسى (عم) فدخلوا على سرجس وصلبوه.\nوفى رواية لسعيد بن جبير عن ابن عباس اتفاق كبير مع ذلك دون ذكر اسم (سرجس) . [.....]\n(٢) أخطأ الناسخ إذ نقلها (الخلق) بالقاف.\n(٣) آية ٣٠ سورة الكهف.\n(٤) فى تعبير القشيري ذكاء، ففى حالة عيسى قال (رفع) دون أن يحدد كيفية الرفع، أبا الجسد أم بالروح أم بهما معا، وفى حالة الثاني قال (رفع روحه)، ونفهم- من حيث المصطلح- أن الزلفة أقوى من القربة.","vol":"1","page":388},{"text":"يقال ارتكاب المحظورات يوجب تحريم المباحات.\nفمن ركب محظورا بظاهره حرم «١» ما كان يجده من الأحوال المباحة، والألطاف الحاصلة فى سرائره.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-575>[سورة النساء (٤): آية ١٦٢]</span>\nلكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا (١٦٢)\nالراسخ فى العلم هو ألا يكون فى الدليل مقلّدا، كما لا يكون فى الحكم مقلدا، بل يضع النظر موضعه إلى أن ينتهى إلى حد لا يكون للشكّ فى عقله مساغ.\nويقال الراسخ فى العلم من يرتقى عن حد تأمل البرهان «٢» ويصل إلى حقائق البيان.\nويقال الراسخ فى العلم أن يكون بعلمه عاملا حتى يفيد عمله علم ما خفى على غيره، ففى الخبر:\n«من عمل بما علمه ورّثه الله علم ما لم يعلم» «٣» .\nوخصّ «الْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ» فى الإعراب فنصب اللفظ بإضمار أعنى على المدح لما للصلاة من التخصيص من بين العبادات لأنها تالية الإيمان فى أكثر المواضع فى القرآن، ولأن الله\n_________\n(١) أخطأ الناسخ حين كتبها (جرم) بالجيم والصواب أن تكون بالحاء لارتباطها بتحريم المباحات فيما سبق.\n(٢) أي ينبغى ألا يعكف الإنسان على العقل وحده بل عليه أن يرتقى عن هذا الحد.\n(راجع الهامش الذي يتناول هذه القضية من هذا الكتاب)\n(٣) أورده أبو نعيم فى حلية الأولياء عن أنس بن مالك.\nويرى أبو نصر السراج أن هذا العلم الموروث هو علم الاشارة، فيكشف الله سبحانه لقلوب أصفيائه المعاني المذخورة، واللطائف والأسرار المخزونة وغرائب العلوم وطرائف الحكم فى معانى القرآن ... اللمع ص ١٤٧ (كتاب المستنبطات) .","vol":"1","page":389},{"text":"- سبحانه- أمر الرسول ﷺ (بها) «١» ليلة المعراج بغير واسطة جبريل ﵇ ... وغير هذا من الوجوه.\nقوله تعالى «أَجْرًا عَظِيمًا»: الأجر العظيم هو الذي يزيد على قدر الاستحقاق بالعمل.\nقال جلّ ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-576>[سورة النساء (٤): آية ١٦٣]</span>\nإِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا (١٦٣)\nإفراد النبي ﷺ من الأنبياء بالإيمان لإفرادهم بالتخصيص والفضيلة فأفرد نوحا على ما استحقه من المقام وأفرد رسولنا ﵇ على ما استحقه هو، فاشتركا فى الإفراد لكنهما تباينا فى الفضيلة على حسب المقام، فتفرّد واحد من بين أشكاله بغير فضائل، وتفرّد آخر من بين أضرابه «٢» بألف فضيلة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-577>[سورة النساء (٤): آية ١٦٤]</span>\nوَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا (١٦٤)\nسنّة الله فى أوليائه ستر قوم، وشهر قوم، وبذلك جرت سنّته أيضا فى الأنبياء﵈- أظهر أسماء قوم وأجمل تفصيل آخرين. والإيمان واجب بجميع الأنبياء جملة وتفصيلا، كما أن الاحترام واجب لجميع الأولياء جملة وتفصيلا، وكذلك أحوال العباد ستر عليهم بعضا وأظهر لهم بعضها، فما أظهرها لهم- طالبهم بالإخلاص فيها، وما سترها\n_________\n(١) إضافة وضعناها ليتماسك المعنى.\n(٢) وردت (أخرابه) بالخاء وهى خطأ فى النسخ والصواب (أضرابه) أي (أشكاله) التي سبقت، والفقرة كلها غير واضحة، وقد أثبتناها كما هى.","vol":"1","page":390},{"text":"عليهم- فلأنه غار «١» على قلوبهم من ملاحظة أحوالهم تأهيلا لهم للاختصاص بحقائق أفردهم بمعانيها.\n«وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا»: إخبار عن تخصيصه إياه باستماع كلامه بلا واسطة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-578>[سورة النساء (٤): آية ١٦٥]</span>\nرُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٦٥)\nوقف الخلق عند مقاديرهم وبيّن أنه أرسل إليهم الرسل فتفردوا عليهم إلى اجتباء ثوابهم، واجتناب ما فيه استحقاق عذابهم، وأنه ليس للخلق سبيل إلى راحة يطلبونها ولا إلى آفة يجتنبونها إما فى الحال أو فى المآل.\nقوله جل ذكره: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا.\nأنّى يكون لمن له إلى الله حاجة على الله حجّة؟! ولكنّ الله خاطبهم على حسب عقولهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-579>[سورة النساء (٤): آية ١٦٦]</span>\nلكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا (١٦٦)\nسلّاه الله عن تكذيب الخلق إياه بما ذكره من علم الله بصدقه، ولذلك قال: «وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-580>[سورة النساء (٤): الآيات ١٦٧ الى ١٦٩]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا (١٦٧) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (١٦٩) .\n_________\n(١) عن أبى هريرة قال: قال رسول الله (ص): إن الله يغار وإن المؤمن يغار وغيرة الله تعالى أن يأتي العبد المؤمن ما حرّم الله تعالى عليه، الرسالة ص ١٢٦ وقال القشيري: إذا وصف الحق سبحانه بالغيرة فمعناه أنه لا يرضى بمشاركة الغير معه فيما هو حق له من طاعة عبده. (الرسالة نفس الصفحة) .","vol":"1","page":391},{"text":"جعل صدّهم المؤمنين (من) «١» اتباع الحقّ نظير كفرهم بالله، والله تعالى عظّم حقوق أوليائه كتعظيم حقّ نفسه، ثم قال: «إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا» جعل ظلمهم سبيل كفرهم، فعلّق استحقاق العقوبة المؤبّدة عليها جميعا. والظلم- وإن لم يكن كالكفر فى استحقاق وعيد الأبد- فلشؤم الظلم لا يبعد أن يخذله الله حتى يوافى ربّه على الكفر.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-581>[سورة النساء (٤): آية ١٧٠]</span>\nيا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧٠)\n«يا أَهْلَ الْكِتابِ»: أخبر أنه سبحانه غنى عنهم، فإن آمنوا فحظوظ أنفسهم اكتسبوها وإن كفروا «٢» فبلاياهم لأنفسهم اجتلبوها. والحقّ- تعالى- منزّه الوصف عن (الجهل) «٣» لوفاق أحد، والنقص لخلاف أحد.\nقوله: «وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ» يعنى إن خرجوا عن استعمال العبودية- فعلا، لم يخرجوا عن حقيقة كونهم عبيده- خلقا، قال تعالى: «إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْدًا» «٤» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-582>[سورة النساء (٤): آية ١٧١]</span>\nيا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا (١٧١)\n_________\n(١) ربما كانت (عن) فهكذا فى الآية الكريمة.\n(٢) فى النسخة (وإن لم تكفروا) ولكنها مصححة باستدراك فى الهامش (وإن كفروا) وهو الأصوب.\n(٣) نظن أن الناسخ قد أخطأ فى نقل هذه الكلمة فان من عادة القشيري فى مثل هذا السياق أن يذكر أن طاعة المطيع ليست زينا للحق ومعصية العاصي ليست شينا له، لأجل هذا نرجح أن العبارة هنا تستقيم لو كانت (والحق تعالى منزه الوصف عن الكمال لوفاق أحد وعن النقص لخلاف أحد) .\n(٤) آية ٩٣ سورة مريم.","vol":"1","page":392},{"text":"غلوّهم فى دينهم جريهم على مقتضى حسبانهم حيث وصفوا- بمشابهة الخلق- معبودهم، ثم مناقضتهم حيث قالوا الواحد ثلاثة والثلاثة واحد «١»، والتمادي فى الباطل لا يزيد غير الباطل.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-583>[سورة النساء (٤): آية ١٧٢]</span>\nلَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (١٧٢)\nكيف يستنكف عن عبوديته وبالعبودية شرفه، وكيف يستكبر عن التذلّل وفى استكباره تلفه، ولهذا الشأن نطق المسيح أول ما نطق بقوله: إنى عبد الله، وتجمّل العبيد فى التذلل للسّادة، هذا معلوم لا تدخله ريبة» .\nوقوله: َ لَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ»\nلا يدل على أنهم أفضل من المسيح، لأنه إنما خاطبهم على حسب عقائدهم، والقوم اعتقدوا تفضيل الملائكة على بنى آدم.\n_________\n(١) الثلاثة إما أن يكون مقصودا منها: الله والمسيح ومريم، وإما- كما ورد فى الأناجيل- الأب والابن والروح القدس، وسواء انصرفت إلى هؤلاء أم إلى أولئك فانه شرك محض تولى القرآن الكريم تفنيده فى مواضع شتى. [.....]\n(٢) وردت (رتبة) ولا نحسب أن لها معنى هنا، ونرجح أنها فى الأصل (ريبة) أي هذا معلوم لا شك فيه.","vol":"1","page":393},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-584>[سورة النساء (٤): آية ١٧٣]</span>\nفَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذابًا أَلِيمًا وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا (١٧٣)\nالعذاب الأليم ألا يصلوا إليه «١» أبدا بعد ما عرفوا جلاله، فإذا صارت معارفهم ضرورية «٢» فإنهم يعرفون أنهم عنه بقوا «٣»، فحسراتهم حينئذ على ما فاتهم أشدّ عقوبة لهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-585>[سورة النساء (٤): آية ١٧٤]</span>\nيا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (١٧٤)\nالبرهان مالاح فى سرائرهم من شواهد الحق.\nقوله جل ذكره: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا.\nوهو خطابه الذي فى تأملهم معانيه حصول استبصارهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-586>[سورة النساء (٤): آية ١٧٥]</span>\nفَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطًا مُسْتَقِيمًا (١٧٥)\n«٤» «سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ»: والسين للاستقبال أي يحفظ عليهم إيمانهم فى المآل «٥» عند التوفى، كما أكرمهم بالعرفان والإيمان فى الحال.\nقوله جل ذكره: وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطًا مُسْتَقِيمًا.\n_________\n(١) أي يقطع بينهم وبين رؤيته سبحانه، وفى هذا يقول ذو النون (خوف النار إذا قيس إلى خوف القطع عن المحبوب كقطرة الماء تقذف فى أعظم المحيطات.\nويقول بعضهم: إلهى إذا شئت أن تعذبنى فألق بي إلى النار ولا تعذبنى بذل الحجاب.\n(٢) قلنا من قبل فى هامش سابق- نقلا عن مذهب القشيري: إن المعرفة فى البداية كسبية وفى الانتهاء ضرورية، ومعنى الكلام هنا أنهم يحرمون من أعظم الأشياء متعة بعد ما لاحت لهم بعض المعارف ... وذلك غاية فى التعذيب.\n(٣) (عنه بقوا) البقاء عن الله سبحانه أشد أنواع العقاب.\n(٤) سقطت (بالله) من الناسخ فأثبتناها فى موضعها.\n(٥) وردت (المال) ويلزم وضع المد على الألف لتكون (المآل) وقد تكرر هذا فى مواضع كثيرة فيما سبق.","vol":"1","page":394},{"text":"هذه الهداية هى إكرامهم بأن عرفوا أن هذه الهداية من الله لهم فضل لا لأنهم استوجبوها بطلبهم وجهدهم، ولا بتعبهم وكدّهم «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-587>[سورة النساء (٤): آية ١٧٦]</span>\nيَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالًا وَنِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦)\nقطع الخصومة بينهم فى قسمة «٢» الميراث فيما أظهر لهم من النصّ على الحكم، فإن المال محبّب إلى الإنسان، وجبلت النفوس على الشحّ فلو لم ينص على مقادير الاستحقاق (لقابلة الأشباه) «٣» فى الاجتهاد، فكان يؤدى ذلك إلى التجاذب والتواثب فحسم تلك الجملة بما نصّ على المقادير فى الميراث قطعا للخصام. ولتوريثه للنسوان- وإن لم يوجد منهن الذبّ عن العشيرة- دلالة على النظر لضعفهن. وفى تفضيل الذكور عليهن لما عليهم من حمل «٤» المؤن وكذا السعى فى تحصيل المال، والقيام عليهن.\n_________\n(١) يهدف القشيري دائما إلى أن يعود بكل شىء إلى فضل الله، وأن يشعر العبد دائما بأن عمله ليس وحده كافيا للنجاة، فاذا طالع العبد نفسه فى شىء ما ففى ذلك وبال عليه.\n(٢) وردت (بالصاد) والصواب أن تكون بالسين، وربما كانت (قضية) فى الأصل.\n(٣) هكذا فى النسخة (ص) ونرجح أنها فى الأصل (لقابله الاشتباه) فى الاجتهاد اى ان النص على المواريث أزال كل اشتباه ينجم عن الاجتهاد.\n(٤) وردت (يحمل) ونرجح أنها فى الأصل: (حمل) فقبلها جار.\n(حاشية) لم يتعرض القشيري لمعنى (الكلالة) ولقد كنا نود لو أوضح الرأى فيها، خصوصا وأن موضوعها منبهم، وتسمى هذه الآية الأخيرة من سورة النساء بآية الصيف، قال الإمام أحمد: حدثنا أبو نعيم حدثنا مالك يعنى ابن مغول يقول سمعت الفضل بن عمرو عن إبراهيم عن عمر بن الخطاب قال:\nسألت رسول الله ﷺ عن الكلالة فقال: «يكفيك آية الصيف» فقال لأن أكون سألت رسول الله ﷺ عنها أحب إلى من ان يكون لى حمر النعم.","vol":"1","page":395},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-588>السورة التي تذكر فيها المائدة</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم سماع اسم الله يوجب الهيبة، (والهيبة) «١» تتضمن الفناء والغيبة، وسماع الرحمن الرحيم يوجب الحضور والأوبة، والحضور يتضمن البقاء والقربة.\nفمن أسمعه «بِسْمِ اللَّهِ» أدهشه فى كشف جلاله، ومن أسمعه «الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» عيّشه بلطف أفضاله.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-589>[سورة المائدة (٥): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلاَّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ (١)\n«يا» حرف نداء، و«أي» اسم منادى، «ها» تنبيه، و«الَّذِينَ آمَنُوا» صلة المنادى. ناداهم قبل أن بداهم، وسمّاهم قبل أن براهم، وأهّلهم فى آزاله لما أوصلهم إليه فى آباده.\nشرّفهم بقوله: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا»، وكلّفهم بقوله «أَوْفُوا»، ولما علم أن التكليف يوجب المشقة قدّم التشريف بالثناء على التكليف الموجب للعناء.\nويقال الإيمان صنفان: أحدهما يشير إلى عين الجود، والثاني إلى بذل المجهود.\nفبذل المجهود خدمتك، وعين الجود قسمته فبخدمتك عناء الأشباح، وبقسمته ضياء الأرواح.\nوحقيقة الإيمان تحقق القلب بما أخبر من الغيب.\nويقال «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا»: يا من دخلوا فى إيمانى، ما وصلتم إلى أمانى إلا بسابق إحسانى.\nويقال يا من فتحت بصيرتهم لشهود حقى حتى لا يكونوا كمن أعرضت عنهم من خلقى.\n_________\n- وذكر الإمام أحمد بإسناد آخر أكثر صحة مما سبق.\nومن الأقوال التي ذكرت عن الكلالة انها مأخوذة من الإكليل الذي يحيط بالرأس من جوانبه ولهذا فسرها اكثر العلماء بمن يموت وليس له ولد، ومن الناس من يقول الكلالة من لا ولد له كما دلت عليه الآية (إن امرؤ هلك ليس له ولد) .\n(١) أضفناها لأن السياق يستدعيها، إذ نرجح أنها سقطت فى النسخ.","vol":"1","page":396},{"text":"قوله جل ذكره: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ.\nكلّ مكلّف مطالب بالوفاء بعقده، والعقد ما ألزمك بسابق إيجابه، ثم وفّقك- بعد ما أظهرك عند خطابه- بجوابه «١»، فانبرم العقد بحصول الخطاب، والقبول بالجواب.\nويدخل فى ذلك- بل يلتحق به- ما عقد القلب معه سرّا بسرّ من خلوص له أضمره، أو شىء تبيّنه، أو معنى كوشف به أو طولب به فقبله.\nويقال الوفاء بالعهد بصفاء القصد، ولا يكون ذلك إلا بالتبرّى من المنّة، والتحقق بتولي الحق- سبحانه- بلطائف المنّة «٢» .\nقوله جل ذكره: أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ.\nتحليل بعض الحيوانات وإباحتها من غير جرم سبق منها، وتحريم بعضها والمنع من ذبحها من غير طاعة حصلت منها- دليل على ألّا علّة لصنعه.\nوحرّم الصيد على المحرم خصوصا لأن المحرم متجرّد عن نصيب نفسه بقصده إليه، فالأليق بصفاته كفّ الأذى عن كل حيوان.\nقوله جل ذكره: إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ.\nلا حجر عليه فى أفعاله، فيخصّ من يشاء بالنّعماء، ويفرد من يشاء باليلوى فهو يمضى الأمور فى آباده على حسب ما أراد وأخبر وقضى فى آزاله.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-590>[سورة المائدة (٥): آية ٢]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوانًا وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٢)\nالشعائر معالم الدّين وتعظيم ذلك وإجلاله خلاصة الدين، ولا يكون ذلك إلا بالاستسلام عند هجوم التقدير، والتزام الأمر بجميل الاعتناق، وإخلال الشعائر (يكون) بالإخلال بالأوامر.\nقوله جل ذكره: وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلائِدَ.\n_________\n(١) يشير القشيري إلى قوله تعالى يوم الذر: «أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قالُوا بَلى» .\n(٢) يفرّق القشيري بين المنة للعبد والمنة للحق. [.....]","vol":"1","page":397},{"text":"تعظيم المكان الذي عظّمه الله، وإكرام الزمان الذي أكرمه الله. وتشريف الإعلام على ما أمر به الله- هو المطلوب من العبيد أمرا، والمحبوب منه حالا.\nقوله جل ذكره: وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوانًا.\nوبالحرىّ لمن يقصد البيت ألا يخالف ربّ البيت.\nوالابتغاء للفضل والرضوان بتوقّى موجبات السخط، ومجانبة العصيان.\nقوله جل ذكره: وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا.\nوإذا خرجتم عن أمر حقوقنا فارجعوا إلى استجلاب حظوظكم، فأمّا ما دمتم تحت قهر بطشنا فلا نصيب لكم منكم، وإنكم لنا.\nقوله «وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ ...» أي لا يحملكم بغض قوم لأنهم صدوكم عن المسجد الحرام على ألا تجاوزوا حدّ الإذن فى الانتقام، أي كونوا قائمين بنا، متجردين عن كل نصيب وحظّ لكم.\nقوله جل ذكره: وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى.\nالبرّ فعل ما أمرت به، والتقوى ترك ما زجرت عنه.\nويقال البرّ إيثار حقه- سبحانه، والتقوى ترك حظّك.\nويقال البرّ موافقة الشرع، والتقوى مخالفة النّفس.\nويقال المعاونة على البرّ بحسن النصيحة وجميل الإشارة للمؤمنين، والمعاونة على التقوى بالقبض على أيدى الخطائين بما يقتضيه الحال من جميل الوعظ، وبليغ الزجر، وتمام المنع على ما يقتضيه شرط العلم.\nوالمعاونة على الإثم والعدوان بأن تعمل شيئا مما يقتدى بك لا يرضاه الدّين، فيكون قولك الذي تفعله ويقتدى بك (فيه) سنّة تظهرها و(عليك) نبوّ وزرها. وكذلك المعاونة","vol":"1","page":398},{"text":"على البر والتقوى أي الاتصاف بجميل الخصال على الوجه الذي يقتدى بك فيه.\nقوله جل ذكره: وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ.\nالعقوبة ما تعقب الجرم بما يسوء صاحبه. وأشد العقوبة حجاب المعاقب عن شهود المعاقب فإنّ تجرّع كاسات البلاء بشهود المبلى أحلى من العسل والشهد.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-591>[سورة المائدة (٥): آية ٣]</span>\nحُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَما أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ ما ذَكَّيْتُمْ وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣)\nوأكل الميتة أن تتناول من عرض أخيك على وجه الغيبة «١»، وليس ذلك مما فيه رخصة بحال لا بالاضطرار ولا بالاختيار، وغير هذا من الميتة مباح فى حال الضرورة.\nويقال كما أنّ فى الحيوان ما يكون المزكى منه مباحا والميتة منه حراما فكذلك من ذبح نفسه بسكاكين المجاهدات وطهّر نفسه- مباح قربه، حلال صحبته. ومن ماتت نفسه فى ظلمة غفلته حتى لا إحساس له بالأمور الدينية فخبيثة نفسه، محظور قربه، حرام معاشرته، غير مباركة صحبته.\nوإنّ السلف سموا الدنيا خنزيرة، ورأوا أنّ ما يلهى قربه، وينسى المعبود ركونه، ويحمل على العصيان جنوحه- فهو محرّم على القلوب ففى طريقة القوم حبّ الدنيا حرام على القلوب، وإن كان إمساك بعضها حلالا على الأبدان والنفوس.\nقوله جل ذكره: وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ.\nكما أنّ المذبوح على غير اسمه ليس بطيّب فمن بذل روحه فيه وجد روحه منه، ومن تهارشته كلاب الدنيا، وقلته مخالب الأطماع، وأسرته مطالب الأغراض والأعراض- فحرام ماله على أهل الحقائق فى مذهب التعزز، فللشريعة الظرف والتقدير.\nوأمّا المنخنقة فالإشارة منه إلى الذي ارتبك فى حبال المنى والرغائب، وأخذه خناق\n_________\n(١) يشير القشيري بذلك إلى قوله تعالى: «أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا ...» .","vol":"1","page":399},{"text":"الطمع، وخنقته سلاسل (الحرص) «١» فحرام على السالكين سلوك خطتهم، ومحظور على المريدين متابعة مذهبهم.\nوأمّا الموقوذة فالإشارة منها إلى نفوس جبلت على طلب الخسائس حتى استملكتها كلها فهى التي ذهبت بلا عوض حصل منها، وأمثال ذلك حرام على أهل هذه القصة.\nوالإشارة من المتردية إلى من هلك فى أودية التفرقة، وعمى عن استبصار رشد الحقيقة فهو يهيم فى مفاوز الظنون، وينهك فى متاهات المنى.\nوالإشارة من النطيحة إلى من صارع الأمثال، وقارع الأشكال، وناطح كلاب الدنيا فحطموه بكلب حرصهم، وهزموه بزيادة تكلبهم، وكذلك الإشارة من:\nقوله جلّ ذكره: وَما أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ.\nوأكيلة السبع ما ولغت فيه كلاب الدنيا، فإن الدنيا جيفة، وأكلة الجيف الكلاب ويستثنى منه المزكى وهو ما تقرر من متاع الدنيا لله لأن زاد المؤمن من الدنيا: ما كان لله فهو محمود، وما كان للنّفس فهو مذموم.\nقوله جل ذكره: وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ.\nفهو ما أرصد لغير الله، ومقصود كلّ حريص- بموجب شرعه- معبوده من حيث هواه قال الله تعالى: «أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ» يعنى اتخذ هواه إلهه.\n«وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ»، الإشارة منه إلى كل معاملة ومصاحبة بنيت على استجلاب الحظوظ الدنيوية- لا على وجه الإذن- إذ القمار ذلك معناه. وقلّت المعاملات المجرّدة عن هذه الصفة فيما نحن فيه من الوقت.\nقوله جل ذكره: ذلِكُمْ فِسْقٌ.\nأي إيثار هذه الأشياء انسلاخ عن الدّين.\n_________\n(١) وردت (الحرس) وهى خطأ فى النسخ.","vol":"1","page":400},{"text":"قوله جل ذكره: الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ.\nأي بعد ما أزحتم عن قلوبكم آثار الحسبان، وتحققتم بأن المتفرد بالإبداع نحن، فلا تلاحظوا سواى، ولا يظلّلن قلوبكم إشفاق من غيرى.\nويقال إذا كانت البصائر متحققة بأن النّفع والضر، والخير والشر لا تحصل شظية منها إلا بقدرة الحق- سبحانه، فمن المحال أن تنطوى- من مخلوق- على رغب أو رهب.\nقوله جل ذكره: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ.\nإكماله الدين- وقد أضافه إلى نفسه- صونه العقيدة عن النقصان وهو أنه لما أزعج قلوب المتعرفين لطلب توحيده أمّلها بأنوار تأييده وتسديده، حتى وضعوا النظر موضعه من غير تقصير، وحتى وصلوا إلى كمال العرفان من غير قصور.\nويقال إكمال الدّين تحقيق القبول فى المآل، كما أن ابتداء الدّين توفيق الحصول فى الحال فلولا توفيقه لم يكن للدين حصول، ولولا تحقيقه لم يكن للدين قبول.\nويقال إكمال الدين أنه لم يبق شىء يعلمه الحق- سبحانه- من أوصافه وقد علّمك.\nويقال إكمال الدين أن ما تقاصر عنه عقلك من تعيين صفاته- على التفصيل- أكرمك بأن عرّفك ذلك من جهة الإخبار.\nوإنما أراد بذكر «الْيَوْمَ» وقت نزول الآية. وتقييد الوقت فى الخطاب بقوله «الْيَوْمَ» لا يعود إلى عين إكمال الدّين، ولكن إلى تعريفنا ذلك الوقت.\nوالدّين موهوب ومطلوب فالمطلوب ما أمكن تحصيله، والموهوب ما سبق منه حصوله.\nقوله جل ذكره: وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي.\nالنعمة- على الحقيقة- ما لا يقطعك عن المنعم بل يوصلك إليه، والنعمة المذكورة","vol":"1","page":401},{"text":"هاهنا نعمة الدّين، وإتمامها وفاء المآل، واقتران الغفران وحصوله. فإكمال الدين تحقيق المعرفة، وإتمام النعمة تحصيل المغفرة. وهذا خطاب لجماعة المسلمين، ولا شك فى مغفرة جميع المؤمنين، وإنما الشك يعترى فى الآحاد والأفراد هل يبقى على الإيمان؟\nقوله جل ذكره: وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا.\nوذلك لما قسم للخلق أديانهم فخصّ قوما باليهودية، وقوما بالنصرانية، إلى غير ذلك من النّحل والملل، وأفرد المسلمين بالتوحيد والغفران.\nوقدّم قوم الإكمال على الإتمام، فقالوا: الإتمام يقبل الزيادة، فلذلك وصف به النعمة لقبول النّعم للزيادة، ولا رتبة بعد الكمال فلذلك وصف به الدين.\nويقال لا فرق بين الدّين والنعمة المذكورة هاهنا، وإنما ذكر بلفظين على جهة التأكيد، ثم أضافه إلى نفسه فقال: «نِعْمَتِي» وإلى العبد فقال: «دِينِكُمْ» . فوجه إضافته إلى العبد من حيث الاكتساب، ووجه إضافته إلى نفسه من حيث الخلق. فالدين من الله عطاء، ومن العبد عناء «١»، وحقيقة الإسلام الإخلاص والانقياد والخضوع لجريان الحكم بلا نزاع فى السّرّ.\nقوله جل ذكره: فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.\nالإشارة من هذه الآية أنه لو وقع لسالك فترة، أو لمريد فى السلوك وقفة، ثم تنبّه لعظيم واقعه فبادر إلى جميع الرّجعة باستشعار التحسّر على ما جرى تداركته الرحمة، ونظر الله- سبحانه- إليه بقبول الرجعة.\nوالإشارة من قوله «غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ» أي غير معرّج على الفترة، ولا مستديم لعقدة الإصرار، ويحتمل أن يكون معناه من نزل عن مطالبات الحقائق إلى رخص العلم لضعف وجده فى الحال فربما تجرى معه مساهلة إذا لم يفسخ عقد الإرادة.\n_________\n(١) هذه العبارة تساوى فى المعنى ما سبق ذكره ان «الدين موهوب ومطلوب» والمقصود بالعناء أن الدين معاناة وممارسة من جانب العبد.","vol":"1","page":402},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-592>[سورة المائدة (٥): آية ٤]</span>\nيَسْئَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (٤)\nلما علموا أن الحسن من أفعالهم ما ورد به الأمر وحصل فيه الإذن تعرّفوا ذلك من تفصيل الشرع، فقال: «يَسْئَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ» ثم قال:\n«قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ» وهو الحلال الذي تحصل من تناوله طيبة القلوب فإنّ أكل الحرام يوجب قسوة القلب، والوحشة مقرونة بقسوة القلب، وضياء القلوب وطيب الأوقات متصل بصون الخلق عن تناول الحرام والشبهات.\nوقوله: «وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ»: ولمّا كان الكلب المعلّم ترك حظّه، وأمسك ما اصطاده على صاحبه حلت فريسته، وجاز اقتناؤه، واستغرق فى ذلك حكم خساسته فكذلك من كانت أعماله وأحواله لله- سبحانه- مختصة، ولا يشوبها حظّ تجلّ رتبته وتعلو حالته.\nويقال حسن الأدب يلحق الأخسّة برتبة الأكابر، وسوء الأدب يردّ الأعزّة إلى حالة الأصاغر.\nثم قال: «وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ»: بيّن أنّ الأكل- على الغفلة- غير مرضىّ عنه (فى القيمة) «١» «وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ» بحيث لا يشغله شأن عن شأن، وسريع الحساب- اليوم- مع الأحباب والأولياء، فهم لا يسامحون فى (الخطوة) «٢» ولا فى اللحظة، معجّل حسابهم، مضاعف- فى الوقت- ثوابهم وعقابهم.\n_________\n(١) وضعت (فى القيمة خطأ) بعد سريع الحساب وقد أثبتناها فى موضعها الصحيح.\n(٢) ربما كانت فى الأصل (الخطرة) بالراء فالأكابر يحاسبون على أدق خاطر يخطر على قلوبهم.","vol":"1","page":403},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-593>[سورة المائدة (٥): آية ٥]</span>\nالْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (٥)\nليس الطّيّب ما تستطيبه النفوس، ولكن الطيب ما يوجد فيه رضاء الحق- سبحانه- فتوجد عند ذلك راحة القلوب.\n«وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ»: القدر الذي بيننا وبينهم من الوفاق فى إثبات الربوبية لم يعر من أثر فى القربة فقال الله تعالى: «وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى» «١» وكذلك الأمر فى المحصنات من نسائهم. وأحل الطعام والذبيحة بيننا وبينهم من الوجهين فيحلّ لنا أكل ذبائحهم، ويجوز لنا أن نطعمهم من ذبائحنا، ولكن التزوج بنسائهم يجوز لنا، ولا يجوز تزوجهم بنسائنا لأن الإسلام يعلو ولا يعلى.\nثم قال «مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ» يعنى إنهم وإن كانوا كفارا فلا تجب صحبتهن بغير نكاح تعظيما «٢» لأمر السّفاح، وتنبيها على وجوب مراعاة الأمر من الحق. وكذلك «وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ» لأنه إذا لم يجز تعلق قلبك بالمؤمنين على وجه المخادنة فمتى يسلم ذلك مع الكفار الذين هم الأعداء؟\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-594>[سورة المائدة (٥): آية ٦]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦)\n_________\n(١) آية ٨٢ سورة المائدة.\n(٢) تعظيما هنا معناها تهويلا واستبشاعا.","vol":"1","page":404},{"text":"كما أنّ فى الشريعة لا تصحّ الصلاة بغير الطهور فلا تصحّ- فى الحقيقة- بغير طهور.\nوكما أن للظاهر طهارة فللسرائر أيضا طهارة، وطهارة الأبدان بماء السماء أي المطر، وطهارة القلوب بماء الندم والخجل، ثم بماء الحياء والوجل.\nوكما يجب غسل الوجه عند القيام إلى الصلاة يجب- فى بيان الإشارة- صيانة الوجه عن التبذّل للأشكال عن طلب خسائس الأعراض.\nوكما يجب غسل اليدين فى اليدين فى الطهارة يجب قصرهما عن الحرام والشبهة.\nوكما يجب مسح الرأس يجب صونه عن التواضع والخفض لكل أحد.\nوكما يجب غسل الرجلين فى الطهارة يجب صونهما فى الطهارة الباطنة عن التنقل فيما لا يجوز قوله جل ذكره: وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ.\nكما يقتضى غسل جميع البدن فى الطهارة، كذلك فى الطهارة الباطنة ما يوجب الاستقصاء وذلك عند ما تقع للمريد فترة فيقوم بتجديد عقد، وتأكيد عهد، والتزام عزامة، وتسليم وقت، واستدامة ندامة، واستشعار خجل.\nوكما أنه إذا لم يجد المتطهر الماء ففرضه التّيمم فكذلك إذا لم يجد المريد من يفيض عليه صوب همته، ويغسله ببركات إشارته، ويعينه بما يئوب به من زيادة حالته- اشتغل بما تيسّر له من اقتفاء آثارهم، والاستراحة إلى ما يجد من سالف سيرهم، وما ورد من حكاياتهم","vol":"1","page":405},{"text":"وكما أن فرض التيمم على الشطر والنقصان فكذلك المطالبات على إصفاء هذه الحالة تكون أخف لأنه وقت الفترة وزمان الضعف.\nقوله جل ذكره: ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ.\nوتلوح من هذه الجملة الإشارة إلى أنه إذا بقي المريد عن أحكام الإرادة فليحطط رجله بساحات العبادة، فإذا عدم اللطائف فى سرائره فليستدم الوظائف على ظاهره، وإذا لم يتحقّق بأحكام الحقيقة فليتخلق بآداب الشريعة، وإن لم يتحرج عن تركه الفضيلة فلا يدنس تصرفه بالحرام والشبهة.\nقوله جل ذكره: وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ.\nأي يطهر ظواهركم عن الزلة بعصمته، ويطهر قلوبكم عن الغفلة برحمته.\nويقال يطهر سرائركم عن ملاحظة الأشكال، ويطهر ظواهركم عن الوقوع فى شباك الأشغال.\nويقال يطهر عقائدكم عن أن تتوهموا تدنّس المقادير بالأعلال.\nقوله جل ذكره: وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.\nإتمام النعمة على قوم بنجاة نفوسهم، وعلى آخرين بنجاتهم عن نفوسهم، وشتّان بين قوم وقوم!.\nويقال إتمام النعمة فى وفاء العاقبة فإذا خرج من الدنيا على وصف العرفان والإيمان فقد تمّت سعادته، وصفت نعمته.\nويقال إتمام النعمة فى شهود المنعم فإنّ وجود النعمة لكل أحد ولكنّ إتمامها فى شهود المنعم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-595>[سورة المائدة (٥): آية ٧]</span>\nوَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٧)\nالإشارة منه إلى التعريف السابق الذي لولاه ما علمت أنه من هو.\nويقال أمرهم بتذكّر ما سبق لهم من القسم وهم فى كتم العدم، فلا للأغيار عنهم خبر،","vol":"1","page":406},{"text":"ولا لهم عين ولا أثر، ولا وقع عليهم بصيرة، وقد (سماهم) «١» بالإيمان، وحكم لهم بالغفران قبل حصول العصيان، ثم لما أظهرهم وأحياهم عرّفهم التوحيد قبل أن كلّفهم الحدود، وعرض عليهم بعد ذلك الأمانة وحذّرهم الخيانة، فقابلوا قوله بالتصديق، ووعدوا من أنفسهم الوفاء بشرط التحقيق، فأمدّهم بحسن التوفيق، وثبّتهم على الطريق، ثم شكرهم حيث أخبر عنهم بقوله جل ذكره: «إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا» .\nثم قال: «وَاتَّقُوا اللَّهَ»: يعنى فى نقض ما أبرمتم من العقود، والرجوع عمّا قدمتم من العهود، «إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ» لا يخفى عليه من خطرات قلوبكم ونيات صدوركم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-596>[سورة المائدة (٥): آية ٨]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (٨)\nلا يعوّقنّكم حصول نصيب لكم فى شىء عن الوفاء لنا، والقيام بما يتوجّب عليكم من حقنا.\nويقال من لم يقسط عند مواعد رغائبه، ولم يمح عنه نواجم شهواته ومطالبه لم يقم لله بحق ولم يف لواجباته بشرط.\nقوله جل ذكره: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ.\nأي لا تحملكم ضغائن صدوركم على الحلول بجنبات الحيف فإنّ مرتع الظلم وبيء، ومواضع الزيغ مهلكة.\nثم صرّح بالأمر بالعدل فقال: «اعْدِلُوا» ولا تكون حقيقة العدل إلا (بالعدول) «٢» عن كل حظ ونصيب.\n_________\n(١) نرجح أنها فى الأصل (وسمهم) فالوسم فى الاصطلاح تتعلق بالأزل وهذا يتفق مع السياق.\n(٢) وردت (بالعدوان) والصواب أن تكون (بالعدول) كما هو واضح.","vol":"1","page":407},{"text":"والعدل أقرب إلى التقوى، والجور أقرب من الرّدى، ويوقع عن قريب فى عظيم البلوى.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-597>[سورة المائدة (٥): آية ٩]</span>\nوَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٩)\nوالمغفرة لا تكون إلا للذنب، فوصفهم بالأعمال الصالحات، ثم وعدهم المغفرة ليعلم أن العبد تكون له أعمال صالحة وإن كانت له ذنوب تحتاج إلى غفرانها، بخلاف ما توهّم من قال إن المعاصي تحبط الطاعات.\nويقال بيّن أن العبد وإن كانت له أعمال صالحة فإنه يحتاج إلى عفوه وغفرانه، ولولا ذلك لهلك، خلافا لمن قال إنه لا يجوز أن يعذّب البريء ويجب أن يثيب المحسنين «١» .\nويقال لو كان ثواب المحسنين واجبا، وعقوبة البريء غير حسنة لكان التجاوز عنه واجبا عليه، ولم يكن حينئذ فضل يمن به عليهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-598>[سورة المائدة (٥): آية ١٠]</span>\nوَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (١٠)\nلهم عقوبتان: معجلة وهى الفراق، ومؤجلة وهى الاحتراق.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-599>[سورة المائدة (٥): آية ١١]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١)\nيذكّرهم ما سلف لهم من نعم الدفع «٢» وهو ما قصر عنهم أيدى الأعداء، وذلك من أمارات\n_________\n(١) يشير القشيري بذلك إلى أقوال المعتزلة بوجوب إثابة المطيع ومعاقبة العاصي- على الله، فلا وجوب- فى نظره- على الله، وإنما كل شىء منه فضل، ولا قيمة لعمل العبد بجانب هذا الفضل.\n(٢) يميز القشيري بين نعمتين: نعمة دفع ونعمة نفع.","vol":"1","page":408},{"text":"العناية. ولقد بالغ فى الإحسان إليك من كان يظهر لك الغيب من غير التماس أو سبق شفاعة فيك، أو رجاء نفع من المستأنف «١» منك، أو حصول ربح فى الحال عليك، أو وجود حق فى المستأنف لك.\nثم قال: «وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ» يعنى كما أحسنت إليكم فى السالف من غير استحقاق فانتظروا جميل إحسانى فى (الغابر) «٢» من غير (استيجاب) «٣» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-600>[سورة المائدة (٥): آية ١٢]</span>\nوَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (١٢)\nيذكرهم حسن أفضاله معهم، وقبح (فعلهم) «٤» فى مقابلة إحسانه بنقضهم عهدهم.\nوعرف المؤمنين- تحذيرا لهم- ألا ينزلوا منزلتهم فيستوجبوا مثل ما استوجبوه من عقوبتهم.\nقوله جل ذكره: لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ.\nأي لئن قمتم بحقي لأوصلن إليكم حظوظكم، ولئن أجللتم أمرى فى العاجل لأجلّن قدركم فى الآجل.\nوإقامة الصلاة أن تشهد من تعبده، ولذا قال النبي ﷺ: «اعبد الله كأنّك تراه» .\nويقال إقامة الصلاة شرطها أن تقبل على من تناجيه بأن تستقبل القطر الذي الكعبة فيه.\nوأمّا إيتاء الزكاة فحقّه أن تكسب المال من وجهه، وتصرفه فى حقه، ولا تمنع الحق\n_________\n(١) أي ما يمكن أن نقدمه من طاعات فى المستقبل، فالله غنى عنه.\n(٢) نرجح أنها (الحاضر) حتى ينسجم السياق فإن (الغابر) و(السالف) بمعنى (الماضي) .\n(٣) يعنى استحقاق. [.....]\n(٤) وردت (فعلهم) بميم زائدة من الناسخ.","vol":"1","page":409},{"text":"الواجب فيه عن أهله، ولا تؤخر الإيتاء عن وقته، ولا تحوج الفقير إلى طلبه فإنّ الواجب عليك أن توصل ذلك إلى مستحقه.\nوتعزير «١» الرسل الإيمان بهم على وجه الإجلال، واعتناق أمرهم بتمام الجد والاستقلال، وإيثارهم عليك فى جميع الأحوال.\nقوله جل ذكره: وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا.\nالأغنياء ينفقون أموالهم فى سبيل الله، والفقراء يبدلون مهجتهم وأرواحهم فى طلب الله، (فأولئك) «٢» عن مائتى درهم يخرجون خمسة، وهؤلاء لا يدخرون عن أمره نفسا ولا ذرّة.\nقوله جل ذكره: لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ.\nالتكفير هو الستر والتغطية، وإنه يستر الذنوب حتى عن (العاصي) «٣» فيمحو من ديوانه، وينسى الحفظة سوالف عصيانه. وينفى عن قلبه تذكر ما أسلفه، ولا يوقفه فى العرصة على ما قدّم من ذنبه، ثم بعد ذلك يدخله الجنة بفضله كما قال: «وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ»، كما قيل:\nولما رضوا بالعفو عن ذى زلة ... حتى أنالوا كفّه وازدادوا\nقوله جل ذكره: فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ.\nفمن جحد هذه الأيادى بعد اتضاحها فقد عدل عن نهج أهل الوفاء، وحاد عن سنن أصحاب الولاء.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-601>[سورة المائدة (٥): آية ١٣]</span>\nفَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣)\nجعل جزاء العصيان الخذلان للزيادة فى العصيان.\n_________\n(١) وردت (وتعزم) والصحيح (وتعزير) والعزر في اللغة الرد ومعناها هنا رددتم عنهم أعداءهم ونصرتموهم.\n(٢) وردت (فهؤلاء) وقد جعلناها أولئك إشارة إلى البعيد ليتميز كل فريق.\n(٣) وردت (المعاصي) بالميم والصواب بدونها فهكذا يتطلب السياق.","vol":"1","page":410},{"text":"قوله جل ذكره: وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ.\nوتحريفهم الكلم عن مواضعه نوع عصيان منهم، وإنما حرّفوا لقساوة قلوبهم. وقسوة القلب عقوبة لهم من قبل الله تعالى على ما نقضوه من العهود، ونقض العهد أعظم وزر يلم به العبد، والعقوبة عليه أشد عقوبة يعاقب بها العبد، وقسوة القلب عدم التوجع مما يمتحن به من الصدّ، وعن قريب يمتحن بمحنة الرد بعد الصدّ «١»، وذلك غاية الفراق، ونهاية البعد.\nويقال قسوة القلب أولها فقد الصفوة ثم استيلاء الشهوة ثم جريان الهفوة ثم استحكام القسوة، فإن لم يتفق إقلاع عن هذه الجملة فهو تمام الشقوة.\nومن تحريف الكلم- على بيان الإشارة- حمل الكلم على وجوه من التأويل مما تسوّل لصاحبه نفسه، ولا تشهد له دلائل العلم ولا أصله «٢» .\nقوله جل ذكره: وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ.\nأوّل آفاتهم نسيانهم، وما عصوا ربهم إلا بعد ما نسوا، فالنسيان أول العصيان، والنسيان حاصل من الخذلان.\nقوله جل ذكره: وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ.\nالخيانة أمرها شديد وهى من الكبار أبعد، وعليهم أشد وأصعب. ومن تعوّد اتباع الشهوات، وأشرب فى قلبه حبّ الخيانة فلا يزال يعيش بذلك الخلق إلى آخر عمره، اللهم إلا أن يجود الحقّ- سبحانه- عليه بجميل اللطف.\nقوله جل ذكره: فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ.\nقد يكون موجب العفو حقارة قدر المعفو عنه إذ ليس كل أحد أهلا للعقاب. وللصفح\n_________\n(١) من هذا نفهم أن (الرد) عند القشيري أقرب وأشد وقعا من (الصد) .\n(٢) هذا أصل من أصول التأويل المقبول فى نظر القشيري، وهو في الوقت نفسه يوضح صفة في التفسير الإشارى.","vol":"1","page":411},{"text":"على العفو مزية وهى أن فى العفو رفع الجناح، وفى الصفح إخراج ذكر الإثارة من القلب، فمن تجاوز عن الجاني، ولم يلاحظه- بعد التجاوز- بعين الاستحقار والازدراء فهو صاحب الصفح.\nوالإحسان تعميم- للجمهور- بإسداء الفضل.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-602>[سورة المائدة (٥): آية ١٤]</span>\nوَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ (١٤)\nالإشارة فى هذه الآية أن النصارى أثبت لهم الاسم بدعواهم فقال: «قالُوا إِنَّا نَصارى» .\nوسموا نصارى لتناصرهم، وبدعواهم حرّفوا وبدّلوا، وأما المسلمون فقال: «هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ» «١» .\nكما قال: «وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا» «٢» فلا جرم ألا يسموا بالتناصر. ولمّا سمّاهم الحقّ بالإسلام ورضى لهم به صانهم عن التبديل فعصموا.\nولما استمكن منهم النسيان أبدلوا بالعداوة فيما بينهم، وفساد ذات البين فأرباب الغفلة لا ألفة بينهم. وأهل الوفاء لا مباينة لبعضهم من بعض، قال ﷺ:\n«المؤمنون كنفس واحدة» «٣»، وقال تعالى فى صفة أهل الجنة: «إِخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ» «٤» .\n_________\n(١) آية ٧٨ سورة الحج.\n(٢) آية ٢ سورة المائدة.\n(٣) فى رواية الإمام مسلم عن النعمان بن بشير.\nالمؤمنون كرجل واحد إن اشتكى رأسه اشتكى كله، وإن اشتكى عينه اشتكى كله ...» صحيح مسلم ج ٤ ص ٢٧١.\n(٤) آية ٤٤ سورة الصافات.","vol":"1","page":412},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-603>[سورة المائدة (٥): الآيات ١٥ الى ١٦]</span>\nيا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)\nوصف الرسولﷺ- بإظهار بعض ما أخفوه، وذلك علامة على صدقه إذ لولا صدقه لما عرف ذلك. ووصفه بالعفو عن كثير من أفعالهم، وذلك من أمارات خلقه إذ لولا خلقه لما فعل ذلك فإظهار ما أبداه دليل علمه، والعفو عما أخفى برهان حلمه.\nقوله جل ذكره: قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ.\nأنوار التوحيد ظاهرة لكنها لا تغنى عند فقد البصيرة، فمن استخلصه بقديم العناية أخرجه من ظلمات التفرقة إلى ساحات الجمع فامتحى عن سرّه شواهد الأغيار، وذلك نعت كل من وقف على الحجة المثلى.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-604>[سورة المائدة (٥): آية ١٧]</span>\nلَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧)\nمن اشتملت عليه أرحام الطوامث متى يفارقه نقص الخلقة؟\nومن لاحت عليه شواهد التغيّر أنّى يليق به نعت الربوبية؟","vol":"1","page":413},{"text":"ولو قطع البقاء عن جميع ما أوجد فأى نقص يعود إلى الصمد؟\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-605>[سورة المائدة (٥): آية ١٨]</span>\nوَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٨)\nالبنوة «١» تقتضى المجانسة، والحقّ عنها منزّه، والمحبة بين المتجانسين تقتضى الاحتظاظ والمؤانسة، والحق سبحانه عن ذلك مقدّس.\nفردّ الله- سبحانه- عليهم فقال تعالى: «بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ» .\nوالمخلوق لا يصلح أن يكون بعضا للقديم فالقديم لا بعض له لأن الأحدية حقه، فإذا لم يكن له عدد لم يجز أن يكون له ولد. وإذا لم يجز له ولد لم تجز- على الوجه الذي اعتقدوه- بينهم وبينه محبة.\nويقال فى الآية بشارة لأهل المحبة بالأمان من العذاب والعقوبة به لأنه قال: «قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ» .\nويقال بيّن فى هذه الآية أن قصارى الخلق إمّا عذاب وإمّا غفران ولا سبيل إلى شىء وراء ذلك.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-606>[سورة المائدة (٥): آية ١٩]</span>\nيا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٩) .\n_________\n(١) وردت (النبوة) وهى خطا فى النسخ لأن الإشارة عائدة إلى ما جاء فى الآية:\n«نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ»","vol":"1","page":414},{"text":"يقال فى: كل زمان تقع فترة فى سبيل الله ثم تتجدد الحال، ويعمّ الطريق بإبداء السالكين من كتم العدم، ولقد كان زمان الرسولﷺ- أكثر الأزمنة بركة، فأحيا بظهوره ما اندرس من السبيل، وأضاء بنوره ما انطمس من الدليل، وبذلك منّ عليهم، وذكّرهم عظيم نعمته فيهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-607>[سورة المائدة (٥): آية ٢٠]</span>\nوَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعالَمِينَ (٢٠)\nكان الأمر لبنى إسرائيل- على لسان نبيّهم- بأن يتذكروا نعمة الله عليهم، وكان الأمر لهذه الأمة «١» - بخطاب الله لا على لسان مخلوق- بأن يذكروه فقال: «فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ» «٢» وشتان بين من أمره بذكره- سبحانه- وبين من أمره بذكر نعمته! ثم جعل جزاءهم ثوابه الذي هو فضله، وجعل جزاء هذه الأمة خطابه الذي هو قوله تعالى:\n«فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ» .\nقوله جل ذكره: وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا.\nالملك من المخلوقين من عبد الملك الحقيقي.\nويقال الملك من ملك هواه، والعبد من هو فى رقّ شهواته.\nويقال «جَعَلَكُمْ مُلُوكًا»: لم يخرجكم إلى أمثالكم، ولم يحجبكم عن نفسه بأشغالكم، وسهّل إليه سبيلكم فى عموم أحوالكم.\nقوله جل ذكره: وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعالَمِينَ.\nلئن آتى بنى إسرائيل بمقتضى جوده فقد أغنى عن الإيتاء هذه الأمة فاستقلوا بوجوده، والاستقلال بوجوده أتمّ من الاستغناء بمقتضى جوده.\n_________\n(١) يقصد أمة المصطفى ﷺ.\n(٢) آية ١٥٢ سورة البقرة.","vol":"1","page":415},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-608>[سورة المائدة (٥): آية ٢١]</span>\nيا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ (٢١)\nمن الفرق بين هذه الأمة وبين بنى إسرائيل أنه أباح لهم دخول الأرض المقدسة على الخصوص فقال: «يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ» ثم إنهم لم يدخلوها إلا بعد مدة، وبعد جهد وشدة، وقال فى شأن هذه الأمة «وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ» «١» فأولئك كتب لهم دخول الأرض كتابة تكليف ثم قصروا، وهذه الأمة كتب لهم جميع الأرض على جهة التشريف، ثم وصلوا إلى ما كتب لهم وما قصروا.\nوقال: «ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ.....» وقال لهذه الأمة: «هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ» «٢» فهؤلاء ذلّل لهم وسهّل عليهم، وأولئك صعّب عليهم الوصول إلى ما أمرهم فيما أنزل الله عليهم.\nقوله جل ذكره: وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ.\nالارتداد على قسمين: عن الشريعة وإقامة العبودية وذلك يوجب عقوبة النفوس بالقتل، وعن الإرادة وذلك يوجب الشّقوة- التي هى الفراق- على القلوب.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-609>[سورة المائدة (٥): آية ٢٢]</span>\nقالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ (٢٢)\nلاحظوا الأغيار بعين الحسبان فتوهموا أن شيئا من الحدثان، وداخلتهم هواجم الرعب فأصروا على ترك الأمر. ومن طالع الأغيار بأنوار البصائر شاهدهم فى أسر التقدير قوالب متعرية عن إمكان الإيجاد، ولم يقع على قلبه ظلّ التّوهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-610>[سورة المائدة (٥): آية ٢٣]</span>\nقالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣)\n_________\n(١) آية ١٠٥ سورة الأنبياء. [.....]\n(٢) آية ١٥ سورة الملك.","vol":"1","page":416},{"text":"أنعم الله (عليهما) «١» بأنوار العرفان فلم يحتشما من المخلوقين، وعلما أن من رجع إليه بنعت الاستكفاء تداركته عواجل الكفاية ثم قال:\n(وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) .\nأي من شأن المؤمنين أن يتوكلوا، وينبغى للمؤمن أن يتوكل.\nويحتمل أن يقال التوكل من شرط الإيمان. وظاهر التوكل الذي لعوام المؤمنين العلم بأن قضاءه لا رادّ له، وحقائق التوكل ولطائفه التي لخواص المؤمنين شهود الحادثات بالله ومن الله ولله، فإنّ من فقد ذلك انتفى عنه اسم الإيمان.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-611>[سورة المائدة (٥): آية ٢٤]</span>\nقالُوا يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَدًا ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ (٢٤)\nمن أقصته سوابق التقدير لم يزده تواتر (العظة) «٢» إلا نفورا وجحودا.\nقوله جل ذكره: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ.\nتركوا آداب الخطاب فصرّحوا ببيان الجحد ولم يحتشموا من مجاهرة الرد.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-612>[سورة المائدة (٥): آية ٢٥]</span>\nقالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (٢٥)\nلما ادّعى أنّه يملك نفسه عرف عجزه عن ملكه لنفسه حيث أخذ برأس أخيه يجرّه إليه.\nويقال لا أملك إلا نفسى أي لا أدخرها عن البذل فى أمرك. لا أملك إلا أخى فإنه لا يؤثر نفسه عن الذي أكلفه من قبلك.\n_________\n(١) (عليهما) زيادة أضفناها ليتضح المعنى.\n(٢) وردت (العظمة) والمعنى يرفضها ويتطلب (العظة) التي وردت فى الآيات السابقة.","vol":"1","page":417},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-613>[سورة المائدة (٥): آية ٢٦]</span>\nقالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (٢٦)\nمجاهرة الرد تعجّل العقوبة فإن من ماكر الحقيقة أبدت الحقيقة له من مكامن التقدير ما يلجئه إلى التطوّح فى أوطان الذّلّ.\nويقال حيّرهم فى مفاوزهم حتى عموا عن القصد فصاروا يبيتون حيث يصبحون، بعد طول التعب وإدامة السير، وكذلك من حيّره الله فى مفاوز القلب يتقلب ليلا ونهارا فى مطارح الظنون ثم لا يحصل إلا على مناهل الحيرة، فيحطون بحيث يرحلون عنها، فلا وجه للرأى الصائب يلوح لهم، ولا خلاص من بعده للتجويز يساعدهم، والذي التجأ إلى شهود الصمدية استراح عن نقلة فكره، ووقع فى روح الاستبصار بعد أتعاب التوهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-614>[سورة المائدة (٥): آية ٢٧]</span>\nوَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْبانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧)\nكانت الدنيا بحذافيرها فى أيديهما فحسد أحدهما صاحبه، فلم يصبر حتى أسرع فى شىء بإتلافه، وحين لم يقبل قربانه اشتد حسده على صاحبه، ورأى ذلك منه فهدّده بالقتل.\nفأجابه بنطق التوحيد.\nقوله جل ذكره: قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ.\nيعنى إنما يتقبّل القربان ممّن «١» طالع فى القربان مساعدة القدرة، وألقى توهّم كونه باستحقاقه واستيجابه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-615>[سورة المائدة (٥): آية ٢٨]</span>\nلَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ (٢٨) .\n_________\n(١) وردت (من) وهى خطأ فى النسخ.","vol":"1","page":418},{"text":"لئن بدأتنى بالإثارة «١» لم أقابلك كأوصاف أهل الجهل بل أكل أمرى إلى من بيده مقاليد الأمور.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-616>[سورة المائدة (٥): آية ٢٩]</span>\nإِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ (٢٩)\nتحقّق بأنّ العقوبة لاحقة به على ما يسلفه من الذّنب فرضى بانتقام الله دون انتقامه لنفسه.\nوقوله: «أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ» الذي تستوجبه بسبب قتلك إياى، فأضافه إلى نفسه، وإذا رأى المظلوم ما يحلّ بالظالم من أليم البلاء يهون عليه ما يقاسيه ويطيب قلبه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-617>[سورة المائدة (٥): آية ٣٠]</span>\nفَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ (٣٠)\nلا تستولى هواجس النفوس على صاحبها إلا بعد استتار مواعظ الحق، فإذا توالت العزائم الرديئة، واستحكمت القصود الفاسدة من العبد صارت دواعى الحق خفية مغمورة.\nوالنّفس لا تدعو إلا (إلى) «٢» اتباع الشهوات ومتابعة المعصية «٣»، وهى مجبولة على الأخلاق المجوسية. فمن تابع الشهوات لا يلبث أن ينزل بساحات الندم ثم لا ينفعه ذلك.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-618>[سورة المائدة (٥): آية ٣١]</span>\nفَبَعَثَ اللَّهُ غُرابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قالَ يا وَيْلَتى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (٣١) .\n_________\n(١) وردت (الإشارة) والملائم أن تكون (الإثارة) .\n(٢) سقطت (إلى) من الناسخ والمعنى يستلزمها.\n(٣) وردت (العصيبه) ولا معنى لها هنا وإنما الملائم (المعصية) .","vol":"1","page":419},{"text":"إرادة الحق- سبحانه- وصول الخلق إلى لطف الاحتياط فى أسباب التعيش، فإذا أشكل عليهم وجه من لطائف الحيلة سبّب الله شيئا يعرّفهم ذلك به.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-619>[سورة المائدة (٥): آية ٣٢]</span>\nمِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (٣٢)\nهذا قريب مما قال النبي ﷺ:\n«من سنّ حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سنّ سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة «١»» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-620>[سورة المائدة (٥): آية ٣٣]</span>\nإِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (٣٣)\nالسعى فى الفساد على ضربين: بالظاهر وعقوبته معلومة فى مسائل الفقه بلسان العلم، وفى الباطن وعقوبته واردة على الأسرار، وذلك بقطع ما كان متصلا من واردات الحق، وكسوف شمس العرفان، والستر بعد الكشف، والحجاب بعد البسط. والحجاب استشعار\n_________\n(١) فى رواية مسلم عن جرير بن عبد الله: (.. من سنّ فى الإسلام سنة حسنة فعمل بها كتب له مثل أجر من عمل بها ولا ينقص من أجورهم شيئا، ومن سن فى الإسلام سنة سيئة فعمل بها بعده كتب عليه مثل وزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيئا) ج ٤ ص ٢٠٥٩ ط ع الحلبي.","vol":"1","page":420},{"text":"الوحشة بعد الأنس، وتبديل توالى التوفيق بصنوف الخذلان، والنفي على بساط العبادة «١» .\nوالإخراج إلى متابعة النفوس، وذلك- والله- خزى عظيم وعذاب أليم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-621>[سورة المائدة (٥): آية ٣٤]</span>\nإِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)\nمن أقلع عن معاصيه، وارتدع عن ارتكاب مساويه، قبل أن يهتك عنه ستر السداد لا تقام عليه- في الظاهر- حدود الشريعة لاشتباهها على الإمام، ولا يؤاخذه الحق سبحانه بقضايا إجرامه أخذا بظاهر ما يثبت من حاله ماله فى استيجاب السداد، فإذا بدا للإمام «٢» جرمه أقيم عليه الحدّ وإن تقنّع بنقاب التقوى.\nوكذلك إذا سقط العبد عن عين الله لم يصل بعده إلى ما كان عليه من معاودة تقريب الحق- سبحانه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-622>[سورة المائدة (٥): آية ٣٥]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣٥)\nابتغاء الوسيلة التبري عن الحول والقوة، والتحقق بشهود الطول والمنّة.\nويقال ابتغاء الوسيلة هو التقريب إليه بما سبق لك من إحسانه.\nويقال الوسيلة ما سبق لك من العناية القديمة.\nويقال الوسيلة اختياره لك بالجميل.\nويقال الوسيلة خلوص (العقد) «٣» عن الشك.\nويقال ابتغاء الوسيلة استدامة الصدق فى الولاء إلى آخر العمر.\nويقال ابتغاء الوسيلة تجريد الأعمال عن الرياء، وتجريد الأحوال عن الإعجاب، وتخليص النّفس عن الحظوظ.\n_________\n(١) أي الإخراج من نطاق الارادة إلى نطاق العبادة.\n(٢) وردت (للايمان) وهى خطأ فى النسخ إذ الامام هو الذي يقيم الحد.\n(٣) وردت (العقد) وربما كانت (العقل) فهو الذي يصاب بآفة الشك، وكلاهما مقبول فى المعنى","vol":"1","page":421},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-623>[سورة المائدة (٥): آية ٣٦]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٣٦)\nاليوم- يقبل من الأحباب مثقال ذرة، وغدا- لا يقبل من الأعداء ملء الأرض ذهبا، كذا يكون الأمر.\nويقال إفراط العدو فى التقرب موجب للمقت، وتستر الولي «١» فى التودد إحكام لأسباب الحب.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-624>[سورة المائدة (٥): آية ٣٧]</span>\nيُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ (٣٧)\nكما أن الأعداء لا محيص لهم من النار كذلك المبعدون عن التوفيق كلما أرادوا إقلاعا عن التهتك أدركهم- من فجأة الخذلان- ما يركسهم فى وهدة العناء.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-625>[سورة المائدة (٥): آية ٣٨]</span>\nوَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)\nلو أنّ وليا من الأولياء سرق نصابا من جرد، ووجد فيه استحقاق القطع، أقيم عليه الحدّ كما يقام على المتهتك، ولا يسقط الحدّ لصلاحه. والإشارة فيه أن أمر الملك مقابل بالتعظيم، بل كل من كان أعلى رتبة فخطره أتمّ وأخفى، والمطالبة عليه أشدّ «٢» . فلا يستخفنّ أحد الإلمام بزلة «وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-626>[سورة المائدة (٥): آية ٣٩]</span>\nفَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩)\n_________\n(١) وردت (المولى والصواب أن تكون (الولي) ضد (العدو) حسبما نعرف من أسلوب القشيري\n(٢) لأن أصحاب الرتبة الكبيرة بهم اقتداء فعليهم وزرهم ووزر من تبعهم.","vol":"1","page":422},{"text":"من استوفى أحكام التوبة فتدارك ما ضيّعه، وندم على ما صنعه، وأصلح من أمره ما أفسده- أقبل الله عليه بفضله فغفره «١»، وعاد إليه باللطف فجبره.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-627>[سورة المائدة (٥): آية ٤٠]</span>\nأَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٠)\nبيّن أنه لا يعذّب من يعذّب بعلّة، ولا يرحم من يرحم بعلة، وإنما يتصرف فى عبده بحق ملكه، وأنّ الحكم حكمه، والأمر أمره.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-628>[سورة المائدة (٥): آية ٤١]</span>\nيا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (٤١)\nمن أقصاه الحقّ عن محلّ التقريب، وأرخى له عنان الإمهال وكله إلى مكره، ولبّس عليه حاله وسرّه، فهو ينهمك فى أودية حسبانه، وإنما يسعى فى أمر نفسه فيعمل بما يعود إليه وباله، فأمر نبيّهﷺ- بترك المبالاة بأمثالهم، وقلة الاهتمام بأحوالهم، وعرّفه أنهم بمعزل عن رحمته وإنّ من ردّته القسمة الأزلية لا تنفعه الأعلال\n_________\n(١) غفره أي غطاه وستر خطاياه. [.....]","vol":"1","page":423},{"text":"فى الاستقبال، فقال: «وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا» يعنى إن أهّله الله للحرمان، وقيّده بشباك الخذلان فشفاعة الأغيار فيه غير مقبولة، ولطائف القبول إليه غير موصولة.\nقوله جل ذكره: أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ.\nأولئك الذين لم تعجن طينتهم بماء السعادة فجبلوا على نجاسة الشرك فإن عدم الطهارة الأصلية لا يتنقّى بفنون المعاملات.\nويقال: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ»: من أرسل عليه غاغة الهوى، وسلّط عليه نوازع المنى، وأذلّه (...) «١» القضاء، فليس يلقى عليه غير الشقاء.\nقوله جل ذكره: لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ.\nوردوا من الهوان إلى الهوان، ووعدوا بالفراق، وردّوا إلى الاحتراق، فلا تدرى أي حاليهم أقرب من استيجاب الذل؟ بدايتهم فى الرد أم نهايتهم فى الشرك والجحد؟\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-629>[سورة المائدة (٥): آية ٤٢]</span>\nسَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٤٢)\nيعنى إنهم طرحوا حشمة الدّين، وقنعوا بالحظوظ الخسيسة واكتفوا (بالأعواض) «٢» (النذرة) «٣»، فإذا تحاكموا إليك فأحللهم من حلمك على ما يستحق أمثالهم من (الآزال) «٤»،\n_________\n(١) مشتبهة.\n(٢) الأعواض جمع عوض وربما كانت في الأصل (الأعراض) جمع عرض، وكلاهما مقبول.\n(٣) (النذرة) أي القليلة الهينة ولا نستبعد أنها (العذلة) أي الخسيسة وعند ذلك تكون الكلمة التالية رقم\n(٤) الأنذال جمع نذل، وليس بمستبعد أن تكون الانزال أي الاحلال فيكون السياق (فأحللهم من حلمك على ما يستحق أمثالهم من الاحلال الانزال. من قولهم خللت بالمكان أي نزلت به) .\nوربما كان المقصود بالآزال ما سبق لهم من القسمة.","vol":"1","page":424},{"text":"وأنت مخير فيما تريد فسواء أقبلت عليهم فحكمت أو أعرضت فرددت فالاختيار لك.\nقوله: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ»: الإقساط الوقوف على حدّ الأمر من غير (حنف) «١» إلى الحظ.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-630>[سورة المائدة (٥): آية ٤٣]</span>\nوَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٣)\nيعنى أنهم قارفوا الجحد، وأصرّوا على الغى، وتعودوا الإعراض عن الإيمان، فمتى تؤثّر فيهم دعوتك، وقد سدّت مسامعهم عن القبول، وطبع على قلوبهم سابق الحكم؟\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-631>[سورة المائدة (٥): آية ٤٤]</span>\nإِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ (٤٤)\nيخبر أنه استحفظ بنى إسرائيل التوراة فحرّفوها، فلما وكل إليهم حفظها ضيّعوها.\nوأمّا هذه الأمة فخصّهم بالقرآن، وتولّى- سبحانه- حفظه عليهم فقال: «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ» «٢» فلا جرم لو غيّر واحد حركة أو سكونا من القرآن لنادى الصبيان بتخطيئه.\nقوله جل ذكره: فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ.\nإنّ الخلق تجرى عليهم أحكام القدرة وأقسام التصريف فالخشية منهم فرع من المحال، فإنّ من ليس له شظية من الإيجاد فأنّى تصحّ منه الخشية؟!\n_________\n(١) حنف- ميل وليس بمستبعد أن تكون فى الأصل (حيف) إلى الحظ وكلاهما مقبول.\n(٢) آية ٩ سورة الحجر.","vol":"1","page":425},{"text":"قوله جل ذكره: وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ.\nلا تأخذوا على جحد «١» أوليائى والركون إلى ما فيه رضاء أعدائى عوضا يسيرا فتبقوا بذلك عنّى، ولا يبارك لكم فيما تأخذون من العوض.\n«وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ ...» فمن اتخذ بغيره حكما، ولم يجد- تحت جريان حكمه- رضى واستسلاما»\nففى شرك خامر قلبه، وكفر قارن سرّه. وهيهات أن يكون على سواء! قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-632>[سورة المائدة (٥): آية ٤٥]</span>\nوَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)\nبيّن أن اعتبار العدالة كان حتما فى شرعهم، ولمّا جنحوا إلى التضييع استوجبوا الملام.\n«فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ»، يعنى فمن آثر ترك ماله باعتناق العفو لم يخسر علينا باستيجاب الشكر، ومن أبى إلا تماديا فى إجابة دواعى الهوى فهم الذين وضعوا الشيء فى غير موضعه أي استبدلوا بلزوم الحقائق متابعة الحظوظ، وبإيثار الفتوة موافقة البشرية «٣» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-633>[سورة المائدة (٥): آية ٤٦]</span>\nوَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٤٦)\n_________\n(١) وردت (جهد) بالهاء والملائم أن تكون (جحد) فهكذا تشير الآية الكريمة، وكذلك السياق إن رضاء الأعداء يقابله جحد الأولياء.\n(٢) وردت (واستلاما) والصواب (استسلاما) أي أي انقيادا وطاعة.\n(٣) لأن من عناصر الفتوة- عند الصوفية- البذل والإيثار والتضحية.","vol":"1","page":426},{"text":"يعنى أتبعناهم بعيسى ابن مريم، وخصصناه بالإنجيل، وفى الإنجيل تصديق لما تقدّمه، وتحقيق لما أوجب الله وألزمه، فلا الدّين قضوا حقه، ولا الإنجيل عرفوا فرضه، ولا الرسول حفظوا أمره ففسقوا وضلوا، وظلموا وزلّوا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-634>[سورة المائدة (٥): آية ٤٧]</span>\nوَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٤٧)\nقال الله تعالى فى هذه السورة «١»: «وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ» .\nوقال فى موضع آخر «... فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ» وقال فى هذه الآية «... فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ» أمّا فى الأول فقال: «وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا ... فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ» لأن من لم يحكم بما أنزل الله فهو جاحد والجاحد كافر.\nوفى الثاني قال: «وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ... فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ» لأن من جاوز حدّ القصاص واعتبار المماثلة، وتعدى على خصمه فهو ظالم لأنه ظلم بعضهم على بعض.\nوأمّا هاهنا فقال: «وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ ... فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ» أراد به معصية دون الكفر والجحد «٢» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-635>[سورة المائدة (٥): آية ٤٨]</span>\nوَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجًا وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨) .\n_________\n(١) وردت فى هذه (الآية) والصواب أن تكون (السورة) لأن القشيري ألقى نظرة شاملة على آية واحدة ذات نهايات شتى فى السورة كلها.\n(٢) وهذه هى المنزلة بين الكفر والإيمان- كما يسميها بعض علماء الكلام.","vol":"1","page":427},{"text":"قدّم تعريفهﷺ- قصص الأولين على تكليفه باتباع ما أنزل الله عليه لئلا يسلك سبيل من تقدّمه فيستوجب ما استوجبوه.\nقوله جل ذكره: فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ، وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجًا، وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً، وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ.\nلا تتملكك مودة قريب أو حميم، واعتنق ملازمة أمر الله﵎- بترك كل نصيب لك.\nثم قال: «لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجًا» يعنى طريقة وسنّة أي أفردنا كلّ واحد منكم- معاشر الأنبياء- بطريقة، (وأمّا «١») أنت فلا يدانيك فى طريقتك أحد، وأنت المقدّم على الكافة، والمفضّل على الجملة، ولو شاء الله لسوّى مراتبكم، ولكن غاير بينكم ابتلاء، وفضّل بعضكم على بعض امتحانا.\nقوله جل ذكره: فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ.\nمسارعة كل أحد على ما يليق بوقته فالعابدون تقدمهم من حيث الأوراد، والعارفون همتهم من حيث المواجد «٢» .\nويقال استباق الزاهدين برفض الدنيا، واستباق العابدين بقطع الهوى، واستباق العارفين بنفي المنى، واستباق الموحدين بترك الورى، ونسيان الدنيا والعقبى.\n_________\n(١) وردت (ولما) وهى خطأ فى النسخ.\n(٢) وقع الناسخ فى تكرار عبارة (والعارفون..) فحذفناها","vol":"1","page":428},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-636>[سورة المائدة (٥): آية ٤٩]</span>\nوَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ (٤٩)\nقم بالله فيما تحكم بينهم، وأقم حقوقه فيما تؤخر وتقدم، ولا تلاحظ الأغيار فيما (تؤثر) «١» أو تذر، فإن الكلّ محو فى التحقيق.\nقوله جل ذكره: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ، وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ.\nيعنى (عظهم) «٢» بلسان العلم فإن أبوا قبولا فشاهدهم بعين الحكم. ويقال: أشدد عليهم باعتناق لوازم التكليف، فإن أعرضوا فعاينهم بعين التصريف فانّ الحقّ- سبحانه- بشرط التكليف يلزمهم وبحكم التصريف يؤخرهم ويقدمهم، فالتكليف فيما أوجب، والتصريف فيما أوجد، والعبرة بالإيجاد والإيجاب.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-637>[سورة المائدة (٥): آية ٥٠]</span>\nأَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)\nأيعودون فى ظلمة الحجاب ووحشة الالتباس بعد ما سطع فجر العرفان، وطلعت شموس التحقيق، وانهتكت أستار الريب؟\nويقال أيطلبون منك أن تحيد عن المحبة المثلى، وقد اتضحت لك البراهين وتجلّى اليقين؟\nويقال أيطمعون فى استتار الحقائق فى السرائر وقد تجلت شموس اليقين؟\n_________\n(١) وردت (تؤشر) بالشين وهى خطأ فى النسخ. [.....]\n(٢) وردت (عظمهم) بزيادة ميم وهى خطأ فى النسخ.","vol":"1","page":429},{"text":"ويقال أتحسبون أن (....) «١» ظلمة الشك لها سلطان، وقد متتع نهار الحقائق «٢» ... كلّا، فإن ذلك محال.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-638>[سورة المائدة (٥): آية ٥١]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١)\nلا تجنحوا إلى الموالاة مع أعدائه- سبحانه- إيثارا للسكون إلى الحظ، أو احتشاما من القيام للحق، أو ركونا إلى قرابة نسب، أو استحقاقا لمودة حميم، أو تهيبا من استيحاش صديق. بل صمموا عقودكم على التبرّى منهم بكل وجه فهم بعضهم أولياء بعض، والضدية بينكم وبينهم قائمة إلى الدين «٣» . «وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ» التحق بهم، وانخرط فى سلكهم، وعدّ فى جملتهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-639>[سورة المائدة (٥): الآيات ٥٢ الى ٥٣]</span>\nفَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ (٥٢) وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خاسِرِينَ (٥٣) .\n_________\n(١) مشتبهة\n(٢) متوع النهار اصطلاح صوفى تحدث القشيري عنه فى مواضع أخرى من هذا الكتاب ضمن اللوائح واللوامع والطوالع.\n(٣) قائمة إلى الدين اى راجعة إلى اختلاف دينهم عنكم، وربما سقطت من الناسخ كلمة يوم قبل (الدين) فيكون المعنى: إن العداوة بينكم وبينهم قائمة دائمة إلى يوم الدين.","vol":"1","page":430},{"text":"يعنى إن الذين سقمت ضمائرهم، وضعفت فى التحقيق بصائرهم تسبق إلى قلوبهم مداراة «١» الأعداء خوفا من معاداتهم، وطمعا فى المأمول من صحبتهم، ولو استيقنوا أنهم فى أسر العجز وذل الإعراض ونفى الطرد لأمّلوا الموعود من كفاية الحق، والمعهود من جميل رعايته، ولكنهم حجبوا عن محل التوحيد فتفرّقوا فى أودية الحسبان والظنون، وعن قريب يأتيكم الفرج- أيها المؤمنون، وترزقون الفتح بحسن الإقبال، والظفر بالمسئول لسابق الاختيار، فيشعرون الندم، ويقاسون الألم، وأنتم (تعلون) «٢» رءوسكم بعد الإطراق، وتصفو لكم مشارب الإكرام، وتضىء بزواهر القرب مشارق القلوب. حينئذ يقول الذين آمنوا هؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم يعاينون بأبصارهم ما تحققوه بالغيب فى أسرارهم، ويصلون من موعودهم إلى ما يوفى ويربو على مقصودهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-640>[سورة المائدة (٥): آية ٥٤]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤)\nجعل صفة من لا يرتدّ عن الدين أن الله يحبه ويحبّ الله، وفى ذلك بشارة عظيمة للمؤمنين لأنه يجب أن يعلم أن من كان غير مرتد فإنّ الله يحبه. وفيه إشارة دقيقة فإن من كان مؤمنا يجب أن يكون لله محبا، فإذا لم تكن له محبة فالخطر بصحة إيمانه. وفى الآية دليل على جواز محبة العبد لله وجواز محبة الله للعبد.\nومحبة الحق للعبد لا تخرج عن وجوه: إمّا أن تكون بمعنى الرحمة عليه أو بمعنى اللطف والإحسان إليه، والمدح والثناء عليه.\nأو يقال إنها بمعنى إرادته لتقريبه وتخصيص محله.\nوكما أن رحمته إرادته لإنعامه فمحبته إرادته لإكرامه، والفرق بين المحبة والرحمة على هذا القول أن المحبة إرادة إنعام مخصوص، والرحمة إرادة كل نعمة فتكون المحبة أخصّ من الرحمة،\n_________\n(١) وردت (هرارة)، وبالرجوع إلى كتب التفسير ساعدتنا على اختيار (مداراة) (انظر تفسير وجدي) .\n(٢) وردت (تعلمون) والملائم أن تكون (تعلون) رءوسكم بعد الإطراق.","vol":"1","page":431},{"text":"واللفظان يعودان إلى معنى واحد فإن إرادة الله تعالى واحدة وبها يريد سائر مراداته، وتختلف أسماء الإرادة باختلاف أوصاف المتعلق.\nوأمّا محبة العبد لله- سبحانه- فهى حالة لطيفة يجدها فى قلبه، وتحمله تلك الحالة على إيثار «١» موافقة أمره، وترك حظوظ نفسه، وإيثار حقوقه- سبحانه- بكل وجه.\nوتحصل العبارة عن تلك الحالة على قدر ما تكون صفة العبد فى الوقت الذي يعبّر عنه فيقال المحبة ارتياح القلب لوجود المحبوب، ويقال المحبة ذهاب المحبّ بالكلية فى ذكر المحبوب، ويقال المحبة خلوص المحب لمحبوبه بكل وجه، والمحبة بلاء كل كريم، والمحبة نتيجة الهمة فمن كانت همته أعلى فمحبته أصفى بل أوفى بل أعلى.\nويقال المحبة سكر لا صحو فيه ودهش فى لقاء المحبوب يوجب التعطّل عن التمييز، ويقال المحبة بلاء لا يرجى شفاؤه، وسقام لا يعرف دواؤه. ويقال المحبة غريم يلازمك لا يبرح، ورقيب من المحبوب يستوفى له منك دقائق الحقوق فى دوام الأحوال، ويقال المحبة قضية توجب المحبة فمحبة الحق أوجبت محبة العبد «٢» .\nقوله جل ذكره: يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ.\nلولا أنه يحبهم لما أحبوه، ولولا أنه أخبر عن المحبة فأنّى تكون للطينة ذكر المحبة؟\nثم بيّن الله تعالى صفة المحبين فقال «أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ» . يبذلون المهج فى المحبوب من غير كراهة، ويبذلون الأرواح فى الذبّ عن المحبوب من غير ادخار شظية من الميسور.\n_________\n(١) وردت خطأ (إيسار) بالسين\n(٢) كلام القشيري فى المحبة هنا لا يكاد يختلف كثيرا عن كلامه عنها فى (الرسالة)","vol":"1","page":432},{"text":"ثم قال تعالى فى صفتهم: «يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» أي يجاهدون بنفوسهم من حيث استدامة الطاعة، ويجاهدون بقلوبهم بقطع المنى والمطالبات، ويجاهدون بأرواحهم بحذف العلاقات، ويجاهدون بأسرارهم بالاستقامة على الشهود فى دوام الأوقات.\nثم قال: «لا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ» أي لا يلاحظون نصح حميم، ولا يركنون إلى استقلال حكم، ولا يجنحون إلى حظ ونصيب، ولا يزيغون عن سنن الوفاء بحال.\nثم بيّن- سبحانه- أن جميع ذلك إليه لا منهم فقال: و«ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ» متفضّل عليم بمن يخصّ بذلك من عبيده.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-641>[سورة المائدة (٥): آية ٥٥]</span>\nإِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ (٥٥)\nالولي أي الناصر، ولا موالاة بين المؤمنين وبين أعداء الحق- سبحانه- فأعداء الحقّ هم أعداء الدّين.\nو«إِنَّما» حرف يقتضى أن ما عداه بخلافه، وأعدى عدوّك نفسك- كما فى الخبر- ومن عادى نفسه لم يخرج بالمخاصمة عنها مع الخلق وبالمعارضة فيها مع الحق «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-642>[سورة المائدة (٥): آية ٥٦]</span>\nوَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ (٥٦)\nالفائزون على حظوظهم الذين هم خصم للحقّ على أنفسهم لا خصم لأنفسهم على مولاهم، والغلبة بالحجّة والبرهان دون اليد.\nويقال من قام لله بصدق انخنس دونه كلّ مبطل. ويقال إذا طلعت أنوار الحق أدبر ليل أهل الباطل.\n_________\n(١) أي إن من خاصم نفسه لم تقم بينه وبين الناس ولا بينه وبين الحق خصومة من أجل نفسه فقد، انتفت حظوظها بالكلية وأسلمها لربه بلا معارضة.","vol":"1","page":433},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-643>[سورة المائدة (٥): آية ٥٧]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِياءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٥٧)\nنبّههم على وجوب التحيز عنهم والتميز منهم، فإن المخالف فى العقيدة لا يكون موافقا فى الحقيقة.\nويقال أمرهم بأن يلاحظوهم بعين الاستصغار كما لاحظوا دين المسلمين بعين الاستحقار.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-644>[سورة المائدة (٥): آية ٥٨]</span>\nوَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُوًا وَلَعِبًا ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ (٥٨)\nالأذان دعاء إلى محلّ النجوى، فمن تحقّق بعلوّ المحلّ فسماع الأذان يوجب له روح القلب واسترواح الروح، ومن كان محجوبا عن حقيقة الحال لاحظ ذلك بعين اللعب وأدركه بسمع الاستهزاء، وذلك حكم الله: غاير بين عباده على ما يشاء.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-645>[سورة المائدة (٥): آية ٥٩]</span>\nقُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ (٥٩)\nما لنا عندكم عيب إلا أننا تحققنا أننا محو فى الله، (وأنّ الكائنات حاصلة بالله ولا نتقفى أثرا سوى لله فى الله) «١»، وهذا- والله- عيب زائل، ونقص ليس له- فى التحقيق- حاصل.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-646>[سورة المائدة (٥): آية ٦٠]</span>\nقُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولئِكَ شَرٌّ مَكانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ (٦٠)\n_________\n(١) ما بين القوسين موجود فى الهامش أثبتناه فى موضعه من النص حسب العلامة المميزة.","vol":"1","page":434},{"text":"يعنى أخسّ من المذكورين قدرا، وأقل منهم خطرا من سقط عن عين الله فأذلّه، وأبعده عن نعت التخصيص فأضلّه، ومنعه عن وصف التقريب وأبعده، وحجبه عن شهود الحقيقة وطرده.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-647>[سورة المائدة (٥): آية ٦١]</span>\nوَإِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ (٦١)\nأظهروا الصدق، وفى التحقيق نافقوا، وافتضحوا من حيث أوهموا ولبّسوا فلا حالهم بقيت مستورة، ولا أسرارهم كانت عند الله مكبوتة «١»، وهذا نعت كل مبطل. وعند أرباب الحقائق أحوالهم ظاهرة فى أنوار فراستهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-648>[سورة المائدة (٥): آية ٦٢]</span>\nوَتَرى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٦٢)\nتملكتهم الأطماع فاستهوتهم فى متاهات العناء، وذلك نعت كل (طالع) «٢» فى غير مطمع ذلّ حاضر، وصغار مستول.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-649>[سورة المائدة (٥): آية ٦٣]</span>\nلَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ (٦٣) .\n_________\n(١) وردت (مكتوبة) والصواب أن تكون مكبوتة لتلائم مستورة التي سبقت.\n(٢) ربما كانت (طامع) فى غير مطمع وربما كانت (ضالع)","vol":"1","page":435},{"text":"الربّانىّ من كان لله وبالله لم تبق منه بقية لغير الله.\nويقال الرّبانىّ الذي ارتقى عن الحدود.\nوالربانىّ من توقّى الآفات ثم ترقّى إلى الساحات، ثم تلقّى ما كوشف به من زوائد القربات، فخلا عن نفسه، وصفا عن وصفه، وقام لربّه وبربّه.\nوقد جعل الله الربانيين تالين للأنبياء الذين هم أولو الدّين، فهم خلفاء ينهون الخلق بممارسة أحوالهم أكثر مما ينهونهم بأقوالهم، فإنهم إذا أشاروا إلى الله حقق الله ما يؤمئون إليه، وتحقق ما علقوا هممهم به.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-650>[سورة المائدة (٥): آية ٦٤]</span>\nوَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ كُلَّما أَوْقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسادًا وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٦٤)\nصغّر سوء قالة الموحّدين- فى اغتياب بعضهم لبعض بعد ما كانوا بالتوحيد قائلين وبالشهادة ناطقين- بالإضافة إلى ما قاله الكفار من سوء القول فى الله يعنى أنهم وإن أساءوا قولا فلقد كان أسوأ قولا منهم من نسبنا إلى ما نحن عنه منزّه، وأطلق فى وصفنا ما نحن عنه مقدّس.\nثم إن الحق- سبحانه قال: «غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا» فلا ريح الصدق يشمون، ولا نفسا من الحقّ يجدون.","vol":"1","page":436},{"text":"ثم أثنى على نفسه فقال: «بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ» «١» أي بل قدرته بالغة ومشيئته نافذة، ونعمته سابغة وإرادته ماضية.\nويقال «بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ» أي يرفع ويضع، وينفع ويدفع، ولا يخلو أحد عن نعم النفع وإن خلا عن نعم الدفع.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-651>[سورة المائدة (٥): آية ٦٥]</span>\nوَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْناهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٦٥)\nإنما وعدهم الغفران بشرط التقوى ودليل الخطاب يقتضى أنه لا يغفر لمن لم يتق منهم.\nوقال لظالمى هذه الأمة: «ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ» «٢» ثم قال فى آخر الآية: «جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها» أي أهل التقوى لأنه هو أهل المغفرة، فإن تركتم التقوى فهو أهل لأن يغفر ويقال لو أنهم راعوا أمرنا أصلحنا لهم أمرهم، ولكنهم وقفوا فوقفوا.\nقوله جلّ ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-652>[سورة المائدة (٥): آية ٦٦]</span>\nوَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ (٦٦)\nأي لو سلكوا سبيل الطاعة لوسّعنا عليهم أسباب المعيشة وسهّلنا لهم الحال حتى إن ضربوا بيمين ما لقوا غير اليمن، وإن ذهبوا يسرة ما وجدوا إلا اليسر.\nقوله جل ذكره: مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ.\nالمقتصد الواقف على حدّ الأمر لا يقصّر فينقص، ولا يجاوز فيزيد.\n_________\n(١) لاحظ كيف يؤول القشيري (اليد) ليبعد عنها كل دلالة حسية ويجعلها من الأوصاف الالهية.\n(٢) آية ٣٢ سورة فاطر. [.....]","vol":"1","page":437},{"text":"ويقال المقتصد الذي تساوى فى همّته الفقد والوجود فى الحادثات.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-653>[سورة المائدة (٥): آية ٦٧]</span>\nيا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (٦٧)\nلا تكتم شيئا مما أوحينا إليك ملاحظة لغير، إذ لا غير- فى التحقيق- إلا رسوم موضعة، وأحكام القدرة عليها جارية.\nويقال بيّن للكافة أنك سيّد ولد آدم، وأنّ آدم دون لوائك.\nويقال بلّغ ما أنزل إليك أنّى أغفر للعصاة ولا أبالى، وأردّ من المطيعين من شئت ولا أبالى. «١»\nقوله جل ذكره: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ.\nيحفظ ظاهرك من أن يمسّك أذاهم، فلا يتسلط بعد هذا عليك عدوّ، أو يصون سرّك عنهم حتى لا يقع عليه احتشام منهم.\nويقال يعصمك من الناس حتى لا تغرق فى بحر التوهم بل تشاهدهم كما هم وجودا بين طرفى العدم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-654>[سورة المائدة (٥): آية ٦٨]</span>\nقُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيانًا وَكُفْرًا فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٦٨) .\n_________\n(١) يتضح من هذه الإشارة شيئان: أولهما مدى اتساع صدور الصوفية للتسامح وفطرتهم المتفائلة إلى سعة الرحمة الإلهية مما يطمئن العصاة ويحمس على التوبة، وثانيهما مدى مخالفة القشيري للمعتزلة فى مسألة وجوب المثوبة أو العقوبة على الله سبحانه، فلا وجوب- عنده- على الله بخلافهم.","vol":"1","page":438},{"text":"أي ليس انتعاشكم ولا نظام معاشكم، ولا قدركم فى الدنيا والعقبى، ولا مقداركم ولا منزلكم فى حال من حالاتكم إلا بمراعاة الأمر والنهى، والمحافظة على أحكام الشرع.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-655>[سورة المائدة (٥): آية ٦٩]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصارى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٩)\nبيّن أنهم- وإن نجنّست أحوالهم- فبعدما تجمعهم أصول التوحيد فلهم الأمان من الوعيد، والفوز بالمزيد.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-656>[سورة المائدة (٥): الآيات ٧٠ الى ٧١]</span>\nلَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَأَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ (٧٠) وَحَسِبُوا أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (٧١)\nداروا مع الهوى فوقعوا فى البلاء. ومن أمارات الشقاء الإصرار على متابعة الهوى، وحسبوا ألا تكون فتنة، فعموا وصموا. واغتروا بطول الإمهال فأصروا على قبيح الأعمال، فلما أخذتهم فجاءة الانتقام لم ينفعهم الندم، وبرّح بهم الألم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-657>[سورة المائدة (٥): آية ٧٢]</span>\nلَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْواهُ النَّارُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (٧٢)","vol":"1","page":439},{"text":"سقمت بصائرهم والتبست عليهم أمارات الحدوث، فخلطوا فى عقائدهم استحقاق أوصاف القدم بنعوت الحدوث! قوله جلّ ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-658>[سورة المائدة (٥): الآيات ٧٣ الى ٧٤]</span>\nلَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٣) أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤)\nبلغ الخذلان بهم حدا أن كابروا الضرورة فحكموا للواحد بأنه ثلاثة، ولا يخفى فساد هذا على مجنون.. فكيف على عاقل؟! قوله: أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ لم يغلق باب التوبة عليهم- مع قبيح أقوالهم، وفساد عقائدهم- تضعيفا «١» لآمال المؤمنين بخصائص رحمته.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-659>[سورة المائدة (٥): آية ٧٥]</span>\nمَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥)\nمن اشتملت عليه الأرحام، وتناوبته الآثار المتعاقبة أنّى يليق بوصف الإلهية؟\nثم من مسّته الحاجة حتى اتصف بالأكل وأصابته الضرورة إلى أن يخلص من بقايا الطعام فأنّى يليق به استيجاب العبادة والتسمية بالإلهية؟\nانظر- يا محمد- كيف نزيد فى إيضاح الحجة وكيف تلبّس عليهم سلوك المحجة؟\n_________\n(١) تضعيفا أي جعلها مضاعفة.","vol":"1","page":440},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-660>[سورة المائدة (٥): آية ٧٦]</span>\nقُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٧٦)\nتعليق القلوب- بدون الرب- فى استدفاع الشر واستجلاب الخير بمحيق للوقت فيما لا يجدى، وإذهاب للعمر فيما لا يغنى إذ المتفرد بالإيجاد برىء عن الأنداد.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-661>[سورة المائدة (٥): آية ٧٧]</span>\nقُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ (٧٧)\nالتعمق فى الباطل قطع لآمال الرجوع فكلما كان بعد المسافة من الحقّ أتمّ كان اليأس من الرجعة أوجب، ومتّبع الضلالة شرّ من مبتدعها لأن المبتدع يبنى والمتّبع يتمّ البناء، ومن به كمال الشرّ شرّ ممن منه ابتداء الشر.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-662>[سورة المائدة (٥): آية ٧٨]</span>\nلُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨)\nأمر الأنبياء﵈- حتى ذكروا الكفار بالسوء، وأمّا الأولياء فخصّهم بذكر نفسه فقال: «هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ» «١» فلعنة الكفار بلسان الأنبياء، وذكر المؤمنين بالجميل بلسان الحقّ- سبحانه، ولو كان ذلك ذكرا بالسوء لكان فيه استحقاق فضيلة، فكيف وهو ذكر بالجميل!؟ ولقد قال قائلهم:\nلئن ساءنى أن تلقني بمساءة ... فقد سرّنى أني خطرت ببالكا\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-663>[سورة المائدة (٥): آية ٧٩]</span>\nكانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)\n_________\n(١) آية ٤٣ سورة الأحزاب.","vol":"1","page":441},{"text":"«١» الرضاء بمخالفة أمر الحبيب موافقة للمخالف، ولا أنفة بعد تميز الخلاف. والسكوت عن جفاء تعامل به كرم، والإغضاء عما يقال فى محبوبك دناءة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-664>[سورة المائدة (٥): آية ٨٠]</span>\nتَرى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ (٨٠)\nشرّ خصال اللئام مطابقة من يضاد الصديق، فإذا كان سخط الله فى موالاة أعدائه، فرحمته- سبحانه فى معاداة أعدائه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-665>[سورة المائدة (٥): آية ٨١]</span>\nوَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِياءَ وَلكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فاسِقُونَ (٨١)\nصرّح بأنّ موافق من ناوءك «٢» آثر التباعد عنك إذ لو كانت بينكما شهرة غير منقطعة لأخلصت «٣» فى موالاته، وأخلص فى مصافاتك.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-666>[سورة المائدة (٥): آية ٨٢]</span>\nلَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢)\nبيّن أنّ صفة العداوة وإن كانت تجمعهم فمعاداة بعضهم تزيد على بعض، وبقدر\n_________\n(١) سقطت (فعلوه) من الناسخ فاثبتناها.\n(٢) وردت (ناولك) وربما كانت فى الأصل (ناواك) والتبست على الناسخ فظنها لاما.\n(٣) أخطأ الناسخ فكتبها (لأخصلت) .\n.","vol":"1","page":442},{"text":"ما للنصارى من التّرهّب أثر فيهم (بالمقاربة) «١» من أهل الحق فإنهم وإن لم ينتفعوا بهم من حيث الخلاص فقد ذكرهم الله سبحانه- بمقاربة أهل الاختصاص.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-667>[سورة المائدة (٥): آية ٨٣]</span>\nوَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣)\nهذه صفة من نظر إليه الحق نظر القبول، فإذا قرعت سمعهم دعوة الحقّ ابتسمت البصيرة فى قلوبهم، فسكنوا إلى المسموع لما وجدوا من التحقيق.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-668>[سورة المائدة (٥): آية ٨٤]</span>\nوَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤)\nوأي عذر لنا فى التعريج فى أوطان الارتياب، وقد تجلّت لقلوبنا الحجج؟ ثم ما نؤمله من حسن العاقبة. متى بدونه يمكن أن نطلبه؟\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-669>[سورة المائدة (٥): آية ٨٥]</span>\nفَأَثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ (٨٥)\nلمّا صدقت آمالهم قابلها بالتحقيق، سنّة منه- سبحانه- ألا يخيب راجيه، ولا يرد مؤمليه «٢»، وإنما علّق الثواب على قول القلب الذي هو شهادة عن شهوده، فأمّا النظر المنفرد عن البصيرة فلا ثواب عليه ولا إيجاب «٣» .\n_________\n(١) وردت (بالمقارنة) والصواب أن تكون (المقاربة) فقد وردت كذلك فيما بعد إشارة إلى ما فى الآية (أقربهم مودة ...) . وربما قبلنا (المقارنة) على أساس مقارنة النصارى باليهود.\n(٢) وردت (مؤلميه) وهى خطأ فى النسخ.\n(٣) لاحظ هنا قيمة الإيمان النظري بالقياس إلى الإيمان القلبي ومغزى ذلك فى التسامح الديني.","vol":"1","page":443},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-670>[سورة المائدة (٥): آية ٨٦]</span>\nوَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (٨٦)\n(هذا) أثر الإعراض عن الأعداء فى مقابلة أثر الإقبال على الأولياء معجّلا ومؤجلا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-671>[سورة المائدة (٥): آية ٨٧]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧)\nمن أمارات السعادة الوقوف على حد الأمر إن أباح الحقّ شيئا قبله، وقابله بالخشوع، وإن حظر شيئا وقف ولم يتعرض للجحود.\nومما أباحه من الطيبات الاسترواح إلى نسيم القرب فى أوطان الخلوة، وتحريم ذلك: إن استبدل تلك الحالة بالخلطة دون العزلة والعشرة دون الخلوة، وذلك هو العدوان العظيم والخسران المبين.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-672>[سورة المائدة (٥): آية ٨٨]</span>\nوَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٨٨)\nالحلال الصّافى بأن يأكل العبد ما يأكل على شهوده- سبحانه- فإن نزلت الحالة عن هذا فعلى ذكره- سبحانه- فإنّ الأكل على الغفلة حرام فى شريعة الإرادة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-673>[سورة المائدة (٥): آية ٨٩]</span>\nلا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩)","vol":"1","page":444},{"text":"الإشارة منه إلى وقت يغلب على قلبك التعطش إلى شىء من إقباله أو وصاله، فتقسم عليه بجماله أو جلاله أن يرزقك شظية من إقباله، فكذلك فى شريعة الرضا نوع من اليمين، فيعفو عنك رحمة عليك لضعف حالك. والأولى الذوبان والخمود بحسن الرضا تحت ما يجرى عليك من أحكامه فى الردّ والصد، وأن تؤثر استقامتك فى أداء حقوقه على إكرامك بحسن تقريبه وإقباله، كما قال قائلهم:\nأريد وصاله ويريد هجرى ... فأترك ما أريد لما يريد\nومن اللغو فى اليمين- عندهم- ما يجرى على لسانهم فى حال غلبات الوجد من تجريد العهد وتأكيد العقد، فيقول:\nوحقّك ما نظرت إلى سواكا، ولا قلت بغيرك.. ولا حلت عن عهدك، وأمثال هذا ...\nوكلّه فى حكم التوحيد لغو، وعن شهود عهد الأحدية سهو ... ومن أنت فى الرّفعة حتى تعدم نفسك؟ وأين فى الدار ديّار حتى تقول بتركه أو تتحقق بوصله أو هجره؟ كلا ... بل هو الله الواحد القهار «١» .\nوكما أن الكفّارة الشرعية إمّا عتق أو إطعام وإما كسوة فإن لم تستطع فصيام ثلاثة أيام: فكفّارتهم- على موجب الإشارة- إمّا بذل الروح بحكم الوجد، أو بذل القلب بصحة القصد، أو بذل النفس بدوام الجهد، فإن عجزت فإمساك وصيام عن المناهي والزواجر.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-674>[سورة المائدة (٥): آية ٩٠]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)\n_________\n(١) وشبيه بذلك قول الشبلي حين سئل عن التوحيد (من أجاب عن التوحيد بالعبارة فهو ملحد، ومن أشار إليه فهو ثنوى، ومن أومأ إليه فهو عابد وثن، ومن نطق فيه فهو غافل ... وكل ما ميزتموه بأوهامكم وأدركتموه بعقولكم فى أتم معانيكم فهو مصروف مردود إليكم، محدث مصنوع مثلكم» الرسالة ص ١٤٩.","vol":"1","page":445},{"text":"الخمر ما خامر العقول، والخمر حرام.\nوالإشارة فيه أنه يزيد نفاد العقل بما يوجب عليه من الالتباس.\nومن شرب من خمر الغفلة فسكره أصعب فشراب الغفلة يوجب البعد عن الحقيقة.\nوكما أن من سكر من خمر الدنيا ممنوع عن الصلاة فمن سكر من خمر الغفلة فهو محجوب عن المواصلات.\nوكما أنّ من شرب من خمر الدنيا وجب عليه الحدّ فكذلك من شرب شراب الغفلة فعليه الحدّ إذ يضرب بسياط الخوف.\nوكما أنّ السكران لا يقام عليه الحدّ ما لم يفق فالغافل لا ينجح فيه الوعظ ما لم ينته.\nوكما أن مفتاح الكبائر شرب الخمر (فالغفلة) «١» أصل كلّ زلّة، وسبب كلّ ذلّة وبدء كل بعد وحجبة عن الله تعالى.\nويقال لم يحرم عليه الشراب فى الدنيا إلا وأباح له شراب القلوب فشراب الكبائر محظور (وشراب الاستئناس مبذول، وعلى حسب المواجد حظى القوم بالشراب)»\n، وحيثما كان الشراب كان السكر، وفى معناه أنشدوا:\nفما ملّ ساقيها وما ملّ شارب ... عقار لحاظ كأسه يسكر اللّبّا\nفصحوك من لفظى هو الوصل كله ... وسكرك من لحظى يبيح لك الشربا\nوحرّم الميسر فى الشرع، وفى شريعة الحب القوم مقهورون فمن حيث الإشارة أبدانهم مطروحة فى شوارع التقدير، يطؤها كل عابر سبيل من الصادرين من عين المقادير، وأرواحهم مستباحة بحكم القهر، عليها خرجت القرعة من (...) «٣» الحكم، قال تعالى «فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ»\n«٤» .\n_________\n(١) أضفنا (الغفلة) وليست موجودة فى النص ليتضح المعنى.\n(٢) ما بين القوسين مثبت فى الهامش نقلناه إلى موضعه حسب العلامات.\n(٣) مشتبهة.\n(٤) آية ١٤١ سورة الصافات. [.....]","vol":"1","page":446},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-675>[سورة المائدة (٥): آية ٩١]</span>\nإِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)\nطال بعدهم عن الحقيقة فقاسوا الهوان فى مطارح الغربة، وصاروا سخرة للشيطان فبقوا الصلاة التي هى محل النجوى وكمال الراحة، وفسدت ذات بينهم بما تولد من الشحناء والبغضاء.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-676>[سورة المائدة (٥): آية ٩٢]</span>\nوَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٩٢)\nكلما كان العبد أعرف بربه كان أخوف من ربه، وإنما ينتفى الحذر عن العبد عند تحقيق الموعد بقوله: «أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ» «١» وذلك عند دخول الجنة. وحقيقة الحذر نهوض القلب بدوام الاستغاثة مع مجارى الأنفاس.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-677>[سورة المائدة (٥): آية ٩٣]</span>\nلَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣)\nمن حافظ على الأمر والنهى فليس للقمة يتناولها من الخطر ما يضايق فيها، وإنما المقصود من العبد التأدب بصحبة طريقه سبحانه، فإذا اتّقى الشرك تعرّف، ثم اتقى الحرام فما تصرّف، ثم اتقى الشحّ فآثر وما أسرف.\n_________\n(١) آية ٨٢ سورة الأنعام.","vol":"1","page":447},{"text":"وقوله «ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا ...» يعنى اتقوا المنع «١» وأحسنوا للخلق- وهذا للعموم. ثم اتقوا شهود الخلق فأحسن الشهود الحقّ، والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه- وهذا للخواص.\nوالله يحب المحسنين أعمالا والمحسنين (آمالا) «٢» والمحسنين أحوالا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-678>[سورة المائدة (٥): الآيات ٩٤ الى ٩٥]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ (٩٤) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِيامًا لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ (٩٥)\nأباح الصيد لمن كان حلّالا «٣»، وحرّم الصيد على المحرم الذي قصده زيارة البيت.\nوالإشارة فيه أن من قصد بيتنا فينبغى أن يكون الصيد منه فى الأمان، لا يتأذى منه حيوان بحال، لذا قالوا: البرّ من لا يؤذى الذر ولا يضمر الشر.\nويقال الإشارة فى هذا أن من قصدنا فعليه نبذ الأطماع جملة، ولا ينبغى أن تكون له مطالبة بحال من الأحوال.\n_________\n(١) أي منع الإحسان.\n(٢) نرجح أنها فى الأصل (أموالا) .\n(٣) الحلال- الخارج من الإحرام (المنجد: مادة حل) .","vol":"1","page":448},{"text":"وكما أنّ الصيد على المحرم حرام إلى أن يتحلل فكذلك الطلب والطمع والاختيار- على الواجد- حرام ما دام محرما بقلبه.\nويقال العارف صيد الحق، ولا يكون للصيد صيد.\nوإذا قتل المحرم الصيد فعليه الكفّارة، وإذا لاحظ العارف الأغيار، أو طمع أو رغب فى شىء أو اختار لزمته الكفّارة، ولكن لا يكتفى منه بجزاء المثل، ولا بأضعاف أمثال ما تصرّف فيه أو طمع، ولكن كفّارته تجرده- على الحقيقة- عن كل غير، قليل أو كثير، صغير أو كبير.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-679>[سورة المائدة (٥): آية ٩٦]</span>\nأُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩٦)\nحكم البحر خلاف حكم البر. وإذا غرق العبد فى بحار الحقائق سقط حكمه، فصيد البحر مباح له لأنه إذا غرق صار محوا، فما إليه ليس به ولا منه إذ هو محو، والله غالب على أمره.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-680>[سورة المائدة (٥): آية ٩٧]</span>\nجَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِيامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٩٧)\nحكم الله سبحانه- بأن يكون بيته- اليوم ملجأ يلوذ به كل مؤمّل، ويستقيم ببركات زيارته كلّ مائل عن نهج الاستقامة، ويستنجح بابتهاله هنا لك كلّ ذى أرب.\nوالبيت حجر والعبد مدر، والحق سبحانه ربط المدر بالحجر ليعلم أنه الذي لم يزل لا سبيل إليه للحدثان والغير.","vol":"1","page":449},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-681>[سورة المائدة (٥): آية ٩٨]</span>\nاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨)\nشديد العقاب للأعداء، غفور رحيم للأولياء.\nويقال شديد العقاب للخواص بتعجيل الحجاب إن زاغوا عن الشهود لحظة، غفور رحيم للعوام إن رجعوا إليه بتوبة وحسرة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-682>[سورة المائدة (٥): الآيات ٩٩ الى ١٠٠]</span>\nما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ (٩٩) قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠٠)\nالمتفرّد بالإلهية الله. والرسول- وإن جلّ قدره- فليس عليه إلا البلاغ وهو أيضا (بتسييره) «١» .\nقوله: قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ: الخبيث ما اكتسبه الغافل عن الله تعالى فى حالة اكتسابه، والطيب ما اكتسبه على شهود الحق.\nويقال الخبيث ما لم يخرج منه حقّ الله تعالى، والطيب ما أخرج منه حقه- سبحانه.\nويقال الخبيث ما ادخرته لنفسك، والطيب ما قدّمته لأمره.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-683>[سورة المائدة (٥): آية ١٠١]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْها وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١) .\n_________\n(١) لا نستبعد ايضا انها ربما كانت فى الأصل (بتيسيره)، وكلاهما مقبول فى السياق.","vol":"1","page":450},{"text":"إذا أسبل عليكم ستر اللطف فلا تتعرضوا لعلم أخفى عنكم، فيتنغص (بالتج ...) «١»\n- عليكم- عيشكم.\nويقال لا تتعرضوا للوقوف على محل الأكابر- حيث لا تستوجبون ذلك- فيسوءكم تقاصر رتبتكم.\nويقال إذا بدا من الإعراض علم فاطلبوا له عندكم وجها من (التفال) «٢» ولا تطلبوا أسرار الباري، واركنوا إلى روح المنى فى استدفاع ما (ظلكم) «٣» ولا تبحثوا عن سر ذلك، وراعوا الأمر مجملا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-684>[سورة المائدة (٥): آية ١٠٢]</span>\nقَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ (١٠٢)\nيعنى توهّم قوم أنهم محررون عن التأثر فيما يصادفهم من فجاءة التقدير، وذلك منهم ظنّ، كما يقول بعضهم:\nتبيّن يوم البين أنّ اعتزامه ... على الصبر من إحدى الظنون الكواذب\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-685>[سورة المائدة (٥): آية ١٠٣]</span>\nما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (١٠٣)\nهذه أحكام ابتدعوها، فردّهم الحقّ- سبحانه- عن الابتداع، وأمرهم بحسن الاتّباع، وأخبر أنّ ما صدر من عاداتهم لا يعدّ من جملة عباداتهم.\nقوله جل ذكره\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-686>[سورة المائدة (٥): آية ١٠٤]</span>\nوَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ (١٠٤)\n:\n_________\n(١) بقية الكلمة مشتبهة ولكنها أقرب ما تكون إلى (التجسس) وهى مقبولة هكذا فى السياق أي لا تجعلوا التجسس ومحاولة معرفة الأسرار ينغص عليكم عيشكم.\n(٢) هكذا فى النسخ ونرجح أنها فى الأصل (التأويل) وإن كانت بعيدة فى الرسم.\n(٣) أي ما غشيكم من سحب الإعراض.","vol":"1","page":451},{"text":"إذا هتفت بهم دواعى الحقّ بالجنوح إلى وصف الصدق صدّهم عن الإجابة ما مرنوا عليه من سهولة (التقليد) «١»، وإن أسلافهم الذين وافقوهم لم يكونوا إلّا فى ضلال.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-687>[سورة المائدة (٥): آية ١٠٥]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥)\nيكفى للفقير أن يمشى وقد جبر بعض (كسره) «٢»، فأمّا إذا ادّعى التقدم أو الطمع فى إنجاد من سواه فمحال من (الحدث) «٣» والظن.\nويقال من يفرغ إلى غيره يتشاغل عن نفسه، ومن اشتغل بنفسه لم يتفرّغ إلى غيره.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-688>[سورة المائدة (٥): الآيات ١٠٦ الى ١٠٨]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ (١٠٦) فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما وَمَا اعْتَدَيْنا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٧) ذلِكَ أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (١٠٨)\n_________\n(١) وردت (التقليل) والصواب (تقليد) ابائهم وأسلافهم كما فى الآية.\n(٢) وردت (كثره) بالثاء والصواب: جبر (كسره) بالسين.\n(٣) ربما كانت فى الأصل (الحدس) لتتمشى مع الظن.","vol":"1","page":452},{"text":"حكم هذه الآية كان ثابتا فى الشرع ونسخ، وفى بيان التفسير تفصيله.\nوالنسخ هو الإزالة، وذلك جائز فى العبادات.\nومعنى النسخ يوجد فى سلوك المريدين فهم فى الابتداء فرضهم القيام بالظواهر من حيث المجاهدات. فإذا لاح لهم من أحوال القلوب شىء آلت أحوالهم إلى مراعاة القلوب فتسقط عنهم أوراد الظاهر، فهو كالنسخ من حيث الصورة.\nقال تعالى: «ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها» «١» . واتصافهم بمراعاة الثلوب أتمّ بتأديبهم بأحكام المعاملات «٢» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-689>[سورة المائدة (٥): آية ١٠٩]</span>\nيَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (١٠٩)\nيكاشفهم بنعت الجلال فتنخنس فهومهم وعلومهم حتى ينطقوا بالبراءة عن التحقيق\n_________\n(١) آية ١٠٦ سورة البقرة.\n(٢) أي أن مراعاة الحقيقة تتم بمراعاة الشريعة.","vol":"1","page":453},{"text":"ويقولون: «لا عِلْمَ لَنا»، وهكذا تكون الحالة غدا: من قال لشىء، أو مال لشىء مما يكون نعتا بمخلوق فعند ظهور وابل التعزّز تتلاشى الجملة، فالملائكة يقولون: «ما عبدناك حق عبادتك» والأنبياء يقولون: «لا عِلْمَ لَنا» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-690>[سورة المائدة (٥): آية ١١٠]</span>\nإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (١١٠)\nالتذكير بوجوه النعم يستخرج خلاصة الحب والهيمان فى المذكور «١»، وكلّ وقت للأحباب يمضى يصير لهم حديثا يتلى من بعدهم: إما عليهم وإمّا عنهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-691>[سورة المائدة (٥): آية ١١١]</span>\nوَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ (١١١) .\n_________\n(١) أعلى درجات الذكر أن يفنى الذاكر فى المذكور وفيها ينتقل العبد من مرتبة ذكر النعم إلى ذكر المنعم. فكأن القشيري يقصد بإشارته إلى ان تذكير عيسى وامه بالنعم التي وردت فى الآية حث لهما على الارتقاء من مرحلة النظر إلى النعم إلى مرحلة النظر إلى صاحبها ﷾، وحبه والهيمان فيه. [.....]","vol":"1","page":454},{"text":"وإنما خصّهم بالوحى إليهم إلهاما وإكراما لانبساط ضياء عيسى عليهم «١»، وفى الأثر:\n«هم القوم لا يشقى بهم جليس» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-692>[سورة المائدة (٥): الآيات ١١٢ الى ١١٣]</span>\nإِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢) قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ (١١٣)\nطلبوا المائدة لتسكن قلوبهم بما يشاهدونه من عظيم الآية وعجيب المعجزة، فعذروا وأجيبوا إليها إذ كان مرادهم حصول اليقين وزيادة البصيرة.\nويقال كل يطلب سؤله على حسب ضرورته وحالته، فمنهم من كان سكونه فى مائدة من الطعام يجدها، ومنهم من يكون سكونه فى (فائدة) «٢» من الموارد يردها، وعزيز منهم من يجد الفناء «٣» عن برهان يتأمله، أو بيان دليل يطلبه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-693>[سورة المائدة (٥): آية ١١٤]</span>\nقالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيدًا لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١٤)\nشتّان بين أمة طلب لهم نبيّهم سكونا بإنزال المائدة عليهم، وبين إمة بدأهم- سبحانه-\n_________\n(١) وهذا يطابق فكرة القشيري فى الولاية وكيف انها ملحقة بالمعجزة، فما يظهر على الولي من كرامة هو بركة النبي الذي الولي من أمته وعصره.\n(٢) ربما كانت (مائدة) ليتم التقابل بين المائدتين الحسية والمعنوية.\n(٣) ربما كانت (الغناء) اى يجد الاستغناء عن كل برهان ودليل، وتصح (الفناء) بالفاء على معنى أن فناءه فى الله لا يحوجه إلى برهان أو دليل..","vol":"1","page":455},{"text":"بإنزال السكينة عليهم، من غير سؤال أحد، قال الله تعالى: «هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيمانًا مَعَ إِيمانِهِمْ» «١» وقال فى صفتهم «وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيمانًا» «٢» وفرق بين من زيادة إيمانه بآياته التي تتلى عليهم وبين من يكون سكونهم إلى كرامات وعطايا تباح لهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-694>[سورة المائدة (٥): آية ١١٥]</span>\nقالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعالَمِينَ (١١٥)\nأجابه إلى سؤاله لهم، ولكن توعدهم «٣» بأليم العقاب لو خالفوا بعده ليعلم السالكون أنّ المراد إذا حصل، وأن الكرامة إذا تحققت- فالخطر أشدّ والحال من الآفة أقرب، وكلما كانت الرتبة أعلى كانت الآفة أخفى، ومحن الأكابر إذا حلّت جلّت.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-695>[سورة المائدة (٥): آية ١١٦]</span>\nوَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (١١٦)\nالمراد من هذا السؤال إظهار براءة ساحته عما نسب إليه من الدعاء إلى القول بالتثليث، فهذا ليس خطاب تعنيف بل هو سؤال تشريف.\n_________\n(١) آية ٤ سورة الفتح.\n(٢) آية ٢ سورة الأنفال.\n(٣) وردت (يوعدهم) .","vol":"1","page":456},{"text":"ثم إن عيسى﵇- حفظ أدب الخطاب فلم يزكّ نفسه، بل بدأ بالثناء على الحق- سبحانه- فقال: تنزيها لك! إننى أنزهك عما لا يليق بوصفك.\nثم قال: «ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ» أي إنى إن كنت مخصوصا من قبلك بالرسالة- وشرط النبوة العصمة- فكيف يجوز أن أفعل ما لا يجوز لى؟.\nثم إنى «إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ» . كان واثقا بأن الحقّ- سبحانه- عليم بنزاهته من تلك القالة.\n«تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي»: أي علمك محيط بكل معلوم.\n«وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ» أي لا أطلع على غيبك إلا بقدر ما تعرّفني بإعلامك. «إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ» الذي لا يخرج معلوم عن علمك، ولا مقدور عن حكمك.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-696>[سورة المائدة (٥): آية ١١٧]</span>\nما قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧)\nما دعوتهم إلا لعبادتك، وما أمرتهم إلا بتوحيدك وتقديسك، وما دمت حيا فيهم كنت (....) «١» على هذه الجملة، فلما فارقتهم كان تصرفهم فى قبضتك على مقتضى مشيئتك، فأنت أعلم بما كانوا عليه من وصفي وفاقهم وخلافهم، ونعمتى اقتصادهم «٢» وإسرافهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-697>[سورة المائدة (٥): آية ١١٨]</span>\nإِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨) .\n_________\n(١) مشتبهة.\n(٢) الاقتصاد هنا معناها الاعتدال.","vol":"1","page":457},{"text":"بيّن أن حكم المولى فى عبيده نافذ بحكم إطلاق ملكه، فقال إن تعذبهم يحسن منك تعذيبهم وكان ذلك لأنهم عبادك، وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم أي المعز لهم بمغفرتك لهم.\nويقال أنت العزيز الحكيم الذي لا يضرك كفرهم.\nويقال «الْعَزِيزُ» القادر على الانتقام منهم فالعفو (عند) «١» القدرة سمة الكرم، وعند العجز أمارة الذّلّ.\nويقال إن تغفر لهم فإنك أعزّ من أن (تتجمل) «٢» بطاعة مطيع أو تنتقص «٣» بزلّة عاص. وقوله «الْحَكِيمُ» ردّ على من قال: غفران الشّرك ليس بصحيح فى الحكمة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-698>[سورة المائدة (٥): آية ١١٩]</span>\nقالَ اللَّهُ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١٩)\nمن تعجّل ميراث صدقه فى دنياه من قبول حصل له من الناس، أو رياسة عقدت له، أو نفع وصل إليه من جاه «٤» أو مال. فلا شىء له فى آجله من صواب صدقه، لأن الحقّ- سبحانه- نصّ بأنّ يوم القيامة ينفع فيه الصادقين صدقهم.\nقوله جل ذكره: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ.\nورضاء الحق- سبحانه- إثبات محلّ لهم، وثناؤه عليهم ومدحه لهم، وتخصيصهم بأفضاله وفنون نواله. ورضاؤهم عن الحق- سبحانه- فى الآخرة وصولهم إلى مناهم فهو الفوز العظيم والنجاة الكبرى.\n_________\n(١) وردت (عن) وهى خطأ فى النسخ.\n(٢) وردت (تتحمل) وهى خطأ فى النسخ.\n(٣) وردت (تنتقض) بالضاد وهى خطأ فى النسخ.\n(٤) وردت (جاره) وهى خطأ فى النسخ.","vol":"1","page":458},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-699>[سورة المائدة (٥): آية ١٢٠]</span>\nلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما فِيهِنَّ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠)\nتمدّح الحقّ- سبحانه- بقدرته القديمة الشاملة لجميع المقدورات، الصالحة لإيجاد المصنوعات، ولم يتجمل بإضافة غير إلى نفسه من اسم أو أثر، أو عين أو طلل.\nقوله جل ذكره: وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.\nمن الإبعاد والإسعاد، والصد والرد، والدفع والنفع، والقمع والمنع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-700>السورة التي تذكر فيها الأنعام</span>\n«بسم الله الرحمن الرحيم» باسمه استنارت القلوب واستقلّت، وباسمه زالت الكروب واضمحلت، وبرحمته عرفت الأرواح وارتاحت، وبا (...) «١» انخنست العقول فطاحت.\nويقال باسم الله نال كلّ مؤمّل مأموله، وبرحمة الله وجد كل واجد وصوله.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-701>[سورة الأنعام (٦): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)\nبدأ الله- سبحانه- بالثناء على نفسه، فحمد نفسه بثنائه الأزلىّ وأخبر عن سنائه الصمدى، وعلائه الأحدى فقال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ» .\nوقوله ﷿: «الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ»: ف «الَّذِي» إشارة و«خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ» عبارة. استقلت الأسرار بسماع «الَّذِي» لتحققها بوجوده، ودوامها لشهوده، واحتاجت القلوب عند سماع «الَّذِي» إلى سماع الصلة لأن «الَّذِي» من الأسماء الموصولة بكون القلوب تحت ستر الغيب فقال: «خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ» .\n_________\n(١) مشتبهة.","vol":"1","page":459},{"text":"قوله جل ذكره وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ.\nخلق ظلمة الليل وضياء النهار، ووحشة الكفر والشرك، ونور العرفان والاستبصار.\nويقال جعل الظلمات نصيب قوم لا لجرم سلف، والنور نصيب قوم لا لاستحقاق سبق، ولكنه حكم به جرى قضاؤه.\nويقال جعل ظلمات العصيان محنة قوم، ونور العرفان نزهة قوم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-702>[سورة الأنعام (٦): آية ٢]</span>\nهُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (٢)\nأثبت الأصل من الطين وأودعها عجائب (السير) «١»، وأظهر عليها ما لم يظهر على مخلوق، فالعبرة بالوصل لا بالأصل فالوصل قربة والأصل تربة، الأصل من حيث النّطفة والقطرة، والوصل من حيث القربة والنّصرة.\nقوله «ثُمَّ قَضى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ»: جعل للامتحان أجلا، ثم جعل للامتنان أجلا، فأجل الامتحان فى الدنيا، وأجل الامتنان فى العقبى.\nويقال ضرب للطلب أجلا وهو وقت المهلة، ثم عقبه بأجل بعده وهو وقت الوصلة فالمهلة لها مدى ومنتهى، والوصلة بلا مدى ولا منتهى فوقت الوجود له ابتداء وهو حين تطلع شموس التوحيد ثم يتسرمد «٢» فلا غروب لها بعد الطلوع.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-703>[سورة الأنعام (٦): آية ٣]</span>\nوَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ (٣) .\n_________\n(١) إما ان تكون (السير) جمع سيرة او تكون (السير) مصدر سار يسير، ولا نستبعد.\nانها فى الأصل (السر) فالسر- كما يقول صاحب اللمع- هو خفاء بين العدم والوجود (اللمع ص ٤٣٠) [.....]\n(٢) وفى ذلك يقول الشبلي:\nتسرمد وقتى فيك وهو مسرمد ... وأفنيتني عنى فصرت مجردا\n(اللمع ص ٤٤٢)","vol":"1","page":460},{"text":"وهو الذي هو معبود من فى السماء، مقصود من فى الأرض، وهو الموجود قبل كل سماء وفضاء، وظلام وضياء، وشمس وقمر، وعين وأثر، وغير وغبر.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-704>[سورة الأنعام (٦): آية ٤]</span>\nوَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (٤)\nأي لا يزيدهم كشفا ولطفا إلا قابلوه جحدا وكفرا، ولا يوليهم إقبالا إلا قابلوه بإعراض، ولا يلقاهم بسطا إلّا (....) «١» بانقباض.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-705>[سورة الأنعام (٦): آية ٥]</span>\nفَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٥)\nإنهم أصرّوا على الخلاف مستكبرين، وعن قريب يقاسون وبال أمرهم، ويذوقون غبّ جحدهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-706>[سورة الأنعام (٦): آية ٦]</span>\nأَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْرارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (٦)\nيعنى من تقدّمهم كانوا أشدّ تمكنا فى إمهالنا، وأكثر نصيبا- فى الظاهر- من أقوالنا سهّلنا لهم أسباب المعاش، ووسّعنا عليهم أبواب الانتعاش، فحين وطّنوا على كواذب المنى قلوبهم، وأدركوا من الدنيا محبوبهم ومطلوبهم فتحنا عليهم من مكامن التقدير، وأبرزنا لهم من غوامض الأمور ما فزعوا عليه من النّدم، وذاقوا دونه طعم الألم. ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين، وأورثناهم مساكنهم، وأسكناهم أماكنهم، فلمّا انخرطوا- في الغىّ- عن\n_________\n(١) مشتبهة.","vol":"1","page":461},{"text":"سلكهم، ألحقناهم فى الإهلاك بهم، سنّة منا فى الانتقام قضيناها على أعدائنا، وعادة فى الإكرام أجريناها لأوليائنا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-707>[سورة الأنعام (٦): آية ٧]</span>\nوَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (٧)\nيخبر عن كمال قدرته فى إبداء ما يريده بعد ما قضى لهم الضلال، فلو أشهدهم كلّ دليل، وأوضح لهم كل سبيل ما ازدادوا إلا تماديا فى الضلال والنفرة، وانهماكا فى الجهل والغىّ.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-708>[سورة الأنعام (٦): آية ٨]</span>\nوَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ (٨)\nبيّن أنّ العبرة بالقسمة دون الاعتبار بالحجة، وما يغنى السراج عند من فقد البصر؟\nكذلك ما تغنى الحجج عند من عدم عناية الأزل؟\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-709>[سورة الأنعام (٦): آية ٩]</span>\nوَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ (٩)\nمن لم يقدّس سرّه لبّس عليه أمره.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-710>[سورة الأنعام (٦): آية ١٠]</span>\nوَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (١٠)\nأي سبقك- يا محمد- من كذّب به كما كذّبت، فحقّ لهم نصرنا، فانتقمنا ممن ناوءهم، فعاد إليهم وبال كيدهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-711>[سورة الأنعام (٦): آية ١١]</span>\nقُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١١)","vol":"1","page":462},{"text":"قل دوخوا فى الأرض، وسيحوا فى سيركم فيها من الطول والعرض، ثم انظروا هل أفلت من حكمنا أحد، وهل وجد من دون أمرنا ملتحدا «١»؟\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-712>[سورة الأنعام (٦): آية ١٢]</span>\nقُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (١٢)\nسلهم هل فى الدار ديار؟ وهل للكون- فى التحقيق- عند الحق مقدار؟ فإن بقوا عن جواب يشفى، فقل: الله فى الربوبية يكفى.\nقوله: «كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ»: أخبر وحكم وأراد على حسب ما علم، فمن تعلّق بنجاته علمه سبق بدرجاته حكمه، ومن علمه فى آزاله أنه يشقى فبقدر شقائه فى البلاء يبقى.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-713>[سورة الأنعام (٦): آية ١٣]</span>\nوَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣)\nالحادثات لله ملكا، وبالله ظهورا، ومن الله بدءا، وإلى الله رجوعا. وهو «السَّمِيعُ» لأنين المشتاقين، «الْعَلِيمُ» بحنين الواجدين.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-714>[سورة الأنعام (٦): آية ١٤]</span>\nقُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٤)\nأبعد ما أكرمنى بجميل ولايته أتولى غيره؟ وبعد ما وقع علىّ ضيا عنايته أنظر فى الدارين إلى أحد؟ إنّ هذا محال فى الظنّ والتقدير.\nقوله جل ذكره: وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ.\nله نعت الكرم فلذلك يطعم، وله حقّ القدم فلذلك لا يطعم.\n_________\n(١) الملتحد- الملجأ لأن اللاجئ يلجأ إليه (المنجد) .","vol":"1","page":463},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-715>[سورة الأنعام (٦): آية ١٥]</span>\nقُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥)\nأي إنّى بعجزي متحقق، ومن عذاب ربى مشفق، وبمتابعة أمره متخلّق.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-716>[سورة الأنعام (٦): آية ١٦]</span>\nمَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (١٦)\nمن أدركه سابق عنايته صرف عنه لاحق عقوبته.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-717>[سورة الأنعام (٦): آية ١٧]</span>\nوَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧)\nإنّه من ينجيك من البلاء، ومن يلقيك فى العناء. وإذ المتفرّد بالإبلاغ واحد فالأغيار كلّهم أفعاله وإن الإيجاد لا يصلح من الأفعال.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-718>[سورة الأنعام (٦): آية ١٨]</span>\nوَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١٨)\nعلت رتبة الأحدية صفة البشرية، فهذا لم يزل وهذا لم يكن فحصل «١» . ومتى يكون بقاء للحدثان مع وضوح سلطان التوحيد؟\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-719>[سورة الأنعام (٦): آية ١٩]</span>\nقُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى قُلْ لا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (١٩) .\n_________\n(١) وبتعبير آخر هذا واجب الوجود وهذا ممكن الوجود- كما يقول أهل الفلسفة.","vol":"1","page":464},{"text":"غلبت شهادة الحقّ- سبحانه- كلّ شهادة، فهم إذا أقبلوا يشهدون فلا تحيط بحقائق الشيء علومهم، والحقّ- سبحانه- هو الذي لا يخفى عليه شىء، ثم أخبرهﷺ أنه مبعوث إلى الكافة ومن سيوجد إلى يوم القيامة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-720>[سورة الأنعام (٦): آية ٢٠]</span>\nالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٢٠)\nأحاط علمهم بصدق المصطفىﷺ- فى نبوّته، ولكن أدركتهم الشقاوة الأزلية فعقدت ألسنتهم عن الإقرار به فجحدوه جهرا، وعلموا صدقه سرّا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-721>[سورة الأنعام (٦): آية ٢١]</span>\nوَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢١)\nشؤم الخذلان بلغ بالنكاية فيهم ما جرّهم إلى الإصرار على الكذب على الله تعالى، ثم لم يستحيوا من اطلاعه، ولم يخشوا من عذابه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-722>[سورة الأنعام (٦): آية ٢٢]</span>\nوَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٢٢)\nيجمعهم ليوم الحشر والنشر، لكنه يفرقهم فى الحكم والأمر، فالبعث يجمعهم ولكن الحكم يفرقهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-723>[سورة الأنعام (٦): آية ٢٣]</span>\nثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)\n«١» هذا الذي أخبر عنهم غاية التمرد حيث جحدوا ما كذبوا فيه وأقسموا عليه، ولو كان لهم بالله علم لتحققوا بأنه يعلم سرّهم ونجواهم، ولا يخفى عليه شىء من أولاهم وعقباهم، لكن الجهل الغالب عليهم استنطقهم بما فيه فضائحهم.\n_________\n(١) أخطأ الناسخ فكتبها (مشرقين) بالقاف.","vol":"1","page":465},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-724>[سورة الأنعام (٦): آية ٢٤]</span>\nانْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤)\nهذه كلمة تعجب يعنى إنّ قصتهم منها ما هو محلّ التعجب لأمثالكم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-725>[سورة الأنعام (٦): آية ٢٥]</span>\nوَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٥)\nبيّن أن السمع- فى الحقيقة- سمع القبول، وذلك عن عين اليقين يصدر، فأما سمع الظاهر فلا عبرة به.\nويقال من ابتلاه الحقّ بقلب مطبق، ووضع فوق بصيرته غطاء التلبيس لم يزده ذلك إلا نفرة على نفرة.\nقوله جل ذكره: وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ.\nيعنى من أقصته القسمة الأزلية لم تنعشه الحيلة الأبدية «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-726>[سورة الأنعام (٦): آية ٢٦]</span>\nوَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ (٢٦)\n«٢» فى هذه الآية إشارة صعبة (لمن) «٣» يدعو إلى الحق جهرا ثم لا يأتى بذلك سرا.\nويقال خالفت أحوالهم قضايا أقوالهم، وجرى إجرامهم مجرى من ألقوا حبالهم على غاربهم، وكذلك من أبعده عن القسمة لم يقربه فعله.\n_________\n(١) تساوى هذه العبارة فى المعنى ما يأتى بعد قليل (وكذلك من أبعده عن القسمة لم يقربه فعله) .\n(٢) سقطت الواو من الناسخ فأثبتناها.\n(٣) وردت (لم) وهى خطأ فى النسخ.","vol":"1","page":466},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-727>[سورة الأنعام (٦): آية ٢٧]</span>\nوَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧)\nيعنى حين ينجز للعبد ما وعده له من القربة يشغل من شاء بنوع من العلة حتى لا يطلع أحد على محل الأسرار.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-728>[سورة الأنعام (٦): آية ٢٨]</span>\nبَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (٢٨)\nغدا يوم تنهتك الأستار، وتظهر الأسرار- فكم من مجلّل بثوب تقواه، ويحكم له معارفه بانه زاهد فى دنياه، راغب فى عقباه، محب لمولاه، مفارق لهواه، فيكشف الأمر عن خلاف ما فهموه، ويفتضح عندهم بغير ما ظنوه.\nوكم من متهتك ستر بما أظهر عليه! ظنّ الكلّ أنه خليع العذار هيّن الأعلال، مشوش الأسرار، فظهر لذوى البصائر جوهره، وبدت عن خفايا الستر حقيقته «١» .\nثم قال: «وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ» أخبر عما علم أنه لا يكون أنه لو كان كيف كان يكون فقال لو ردّ أهل العقوبة إلى دنياهم لعادوا إلى جحدهم وإنكارهم، وكذلك لو ردّ أهل الصفاء والوفاء إلى دنياهم لعادوا إلى أحسن أعمالهم:\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-729>[سورة الأنعام (٦): آية ٣٠]</span>\nوَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ قالَ أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٠)\n_________\n(١) لاحظ كيف ان القشيري متاثر إلى حد كبير بتعاليم الملامتية، فأهل الملامة يقومون بأعمال تستوجب ملامة الناس سترا لأسرارهم وصونا لأحوالهم قصدا إلى محاربة دعوى النفس، والاكتفاء بعلم الحق بأحوالهم وحقائقهم.","vol":"1","page":467},{"text":"يا حسرة عليهم من موقف الخجل، ومحل مقاساة الوجل، وتذكر تقصير العمل! فهم واقفون على أقدام الحسرة، يقرعون أسنان الندم حين لا ندم ينفعهم، ولا شكوى تسمع منهم، ولا رحمة تنزل عليهم.\nوحين يقول لهم: أليس هذا بالحق؟ يقرّون كارهين، ويصرخون بالتبري عن كل غير قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-730>[سورة الأنعام (٦): الآيات ٣١ الى ٣٣]</span>\nقَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قالُوا يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ (٣١) وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٣٢) قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣)\nخسران وأي خسران! لم يخسروا مالا، ولا مقاما ولا حالا، ولكن كما قيل:\nلعمرى لئن أنزفت دمعى فإنه ... لفرقة من أفنيت فى ذكره عمرى\nالمصيبة لهم والحسرة على غيرهم، ومن لم يعرف جلال قدره متى تأسّف على ما يفوته من حديثه وأمره؟! وقوله: «وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ»: ما كان للنفس فيه حظ ونصيب اليوم فهو من الدنيا، وما كان من الدنيا فإنه- لا محالة- يلهيك عن مولاك، وما يشغلك عن الحق ركونه فغير مبارك قربه.\nقوله: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ: هذه تعزية للرسولﷺ","vol":"1","page":468},{"text":"وتسلية. أي قد نعلم ما قالوا فيك وهم إنما قالوا ذلك بسببنا ولأجلنا. ولقد كنت عظيم الجاه فيهم قبل أن أوقعنا عليك هذا الرقم وكانوا يسمونك محمدا الأمين، فإن أصابك ما يصيبك فلأجل حديثنا، وغير ضائع لك هذا عندنا، وحالك فينا كما قيل:\nأشاعوا لنا فى الحىّ أشنع قصة ... وكانوا لنا سلما فصاروا لنا حربا\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-731>[سورة الأنعام (٦): آية ٣٤]</span>\nوَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤)\nيعنى إنّ من سلك سبيلنا صبر على ما أصابه من حديثنا، فلا خسرت فينا صفقته، ولا خفيت علينا حالته، وما قابل حكمنا من عرفنا إلا بالمهج، وما حملوا مالقوا فينا إلا على الحدق:\nإنّ الألى ماتوا على دين الهوى ... وجدوا المنية منهلا معسولا\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-732>[سورة الأنعام (٦): آية ٣٥]</span>\nوَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ (٣٥)\nلفرط شفقتهﷺ- استقصى فى التماس الرحمة من الله لهم، وحمل على قلبه العزيز بسبب ما علم من سوء أحوالهم ما أثّر فيه من فنون الأحزان. فعرّفه أنهم مبعدون عن التقريب، منكوبون بسالف القسمة.\nولو أراد الحقّ- سبحانه- لخفّف عنهم، ولو شاء أن يهديهم لكان لهم مقيل فى الصدور، ومثوى على النشاط، ولكن من كبسته العزّة لم تنعشه الحيلة.","vol":"1","page":469},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-733>[سورة الأنعام (٦): آية ٣٦]</span>\nإِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٣٦)\nمن فقد الاستماع فى سرائره عدم توفيق الاتّباع بظاهره، والاختيار السابق فى معلومه- سبحانه- غالب.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-734>[سورة الأنعام (٦): آية ٣٧]</span>\nوَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٣٧)\nاستزادوا من المعجزات وقد حصل من ذلك ما يذبح العذر، ولم يعلموا أن الله المانع لهم فلولا ما (...) «١» من بصائرهم لما تواهموا من عدم دلائلهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-735>[سورة الأنعام (٦): آية ٣٨]</span>\nوَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨)\nيعنى تساوت المخلوقات، وتماثلت المصنوعات فى الحاجة إلى المنشئ: فى حال الإبداع ثم فى حال البقاء، وكذلك جميع الصفات النفسية والنعوت الذاتية توقفت عن الإيجاد والاختيار، فما من شىء من عين وأثر، ورسم وطلل.. إلا وهو على وحدانيته شاهد، وعلى كون أنه مخلوق.. دليل ظاهر.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-736>[سورة الأنعام (٦): آية ٣٩]</span>\nوَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٩)\nالذين فاتتهم العناية الأزلية سدّ الحرمان أسماعهم، وغشّى الخذلان أبصارهم.\n_________\n(١) مشتبهة وربما كانت (سد) فهى فى الخط إلى ذلك أقرب.","vol":"1","page":470},{"text":"والإرادة لا تعارض، والمشيئة لا تزاحم «١»، والحقّ- سبحانه- فى جميع الأحوال غالب.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-737>[سورة الأنعام (٦): الآيات ٤٠ الى ٤١]</span>\nقُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٠) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ (٤١)\nإذا مسّكم الضرّ، ونابكم أمر فممّن ترومون كشفه؟ ومن الذي تؤملون لطفه؟\nأمخلوقا شرقيا أم شخصا غربيا؟ أم ملكا سماويا أم عبدا أرضيا؟\nثم قال: «بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ»: أي إنكم- إن تذللتم بنفوسكم أو فكرتم طويلا بقلوبكم- لن تجدوا من دونه أحدا، ولا عن حكمه ملتحدا، فتعودون إليه فى استكشاف الضر، واستلطاف الخير والبرّ، كما قيل:\nويرجعنى إليك- وإن تناءت ... ديارى عنك- معرفة الرجال\nوقد تركناك للذى تريد ... فعسى إن خبرته أن تعودا\nفإذا جرّبت الكل، وذقت الحلو والمرّ، أفضى بك الضرّ إلى بابه، فإذا رجعت بنعت الانكسار، وشواهد الذل والاضطرار، فإنه يفعل ما يريد: إن شاء أتاح اليسر وأزال العسر، وإن شاء ضاعف الضر وعوّض الأجر، وإن شاء ترك الحال على ما (قبل) «٢» السؤال والابتهال.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-738>[سورة الأنعام (٦): آية ٤٢]</span>\nوَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (٤٢) .\n_________\n(١) وردت (تزاهم) بالهاء وهى خطأ فى النسخ.\n(٢) وردت (قيل) وهى خطأ فى النسخ.","vol":"1","page":471},{"text":"يخبر عن سالف سنته فى أبداء الأمم وما أوجب لمن أطاعه منهم من النعم والكرم، وما أحلّ بمن خالفه من الألم وفنون النّقم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-739>[سورة الأنعام (٦): الآيات ٤٣ الى ٤٤]</span>\nفَلَوْلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٤٣) فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤)\nيعنى أنهم لما أظلّهم البلاء، فلو رجعوا بجميل التضرع وحسن الابتهال والتملق لكشفنا عنهم المحن، ولأتحنا لهم المنن، ولكن صدّهم الخذلان عن العقبى فأصروا على تمردهم، فقست قلوبهم وتضاعفت أسباب شقوتهم.\nقوله تعالى: فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ يخبر عن خفىّ مكره بهم، وكيف أنه استدرجهم، ثم أذاقهم وبال أمرهم فقال: لما طالت عن الحضرة غيبتهم، ولم تنجح مواعظنا فيهم سهّلنا لهم أسباب العوافي وصببنا عليهم عزالى «١» النّعم، وفتحنا لهم أبواب الرفاهية، فلما استمكن الرجاء من قلوبهم أخذناهم بغتة وعذبناهم فجأة، وأذقناهم حسرة فإذا هم من الرحمة قانطون، ولما خامر قلوبهم- من أسباب الوحشة عن الاستراحة بدوام المناجاة- آيسون.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-740>[سورة الأنعام (٦): آية ٤٥]</span>\nفَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٥)\nفلم يلبثوا إلا يسيرا حتى لم يبق منهم عين ولا أثر، ولم يرد حديث منهم أو خبر،\n_________\n(١) العزالي: يقال أنزلت السماء عزاليها إشارة إلى شدة وقع المطر","vol":"1","page":472},{"text":"والله﷾- بنعت العزّ واستحقاق الجلال لا عن فقدهم له استيحاش، ولا بوجودهم استرواح أو استبشار «١» قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-741>[سورة الأنعام (٦): آية ٤٦]</span>\nقُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (٤٦)\nعرّفهم محلّ عجزهم، وحقيقة حاجتهم إلى القدرة القديمة لدوام فقرهم.\nوحذّرهم فقال: إن لم يدم عليهم نعمة أسماعهم وأبصارهم، ولم يوجب لهم ما ألبسهم من العوافي- بكل وجه فى كل لحظة- فمن الذي يهب ما سلبه، أو يضع ما منعه، أو يعيد ما نفاه، أو يردّ ما أبداه؟ كلا ... بل هو الله تعالى.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-742>[سورة الأنعام (٦): الآيات ٤٧ الى ٤٩]</span>\nقُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (٤٧) وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٤٨) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ الْعَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (٤٩)\n«٢» يقول إن عجّل موعوده لكم من العقاب أفترون أن غير المستوجب يبتلى؟ أو أن المستحقّ له يجد من دونه مهربا ومنجى؟ إنّ هذا محال من الظن.\nقوله جل ذكره: وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ الْعَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ.\n_________\n(١) فالحق- سبحانه- لا يلحقه زين بطاعة المطيع ولا شين بمعصية العاصي. [.....]\n(٢) أخطأ الناسخ فكتبها (الظالمين)","vol":"1","page":473},{"text":"يعنى ليس أمرنا لهم إلا بالتزام ما فيه تجاتهم، ثم بجميل الوعد لهم، ومفارقة ما فيه هلاكهم، ثم بأليم العقوبة فى الآجل ما يحصل من خلافهم.\nفمن آمن وصدّق أنجزنا له الوعد، ومن كفر وجحد عارضنا عليه الأمر، وأدخلنا عليه الضّر.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-743>[سورة الأنعام (٦): آية ٥٠]</span>\nقُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ ما يُوحى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ (٥٠)\nيعنى قل لهم إنى لا أتخطى خطى، ولا أتعدّى حدّى، ولا أثبت من ذات نفسى شيئا، وإنما يقال لى أبلّغت؟ وأقول: أجل، أوصلت.\nثم قال: «قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ»: هل يتشاكل الضوء والظلام؟ وهل يتماثل الجحد والتوحيد؟ كلا ... لا يكون ذلك.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-744>[سورة الأنعام (٦): آية ٥١]</span>\nوَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٥١)\nالإنذار إعلام بمواضع الخوف، وإنما خص الخائفين بالإنذار كما خصّ المتقين بإضافة الهدى إليهم حيث قال: «هُدىً لِلْمُتَّقِينَ» لأن الانتفاع والاتّباع بالتقوى، والإنذار اختص بهم.\nويقال: الخوف هاهنا العلم، وإنما يخاف من علم، فأمّا القلوب التي هى تحت غطاء الجهل فلا تباشرها طوارق الخوف.\nقوله: «مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ» يعنى كما أنه لا ناصر لهم من الأغيار فلا معتمد لهم من أفعالهم، ولا مستند من أحوالهم، ولا (يؤمنون) «١» شيئا سوى صرف العناية وخصائص الرحمة.\n_________\n(١) الصواب أن تكون (يأمنون) لأن ما بعدها منصوب، ولو كانت يؤمنون لكان ما بعدها مجرورا، والسياق يقوى اختيار (يأمنون) .","vol":"1","page":474},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-745>[سورة الأنعام (٦): آية ٥٢]</span>\nوَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢)\nهذه وصية لهﷺ- فى باب الفقراء والمستضعفين، وذلك لما قصروا لسان المعارضة عن استدفاع ما كانوا بصدده من أمر إخلاء الرسول- صلوات الله عليه وسلامه- مجلسه منهم، وسكنوا متضرعين بقلوبهم بين يدى الله أراد أن يبيّن له أثر حسن الابتهال فتولّى- سبحانه- خصيمتهم.\nوقال: «وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ»: لا تنظر يا محمد إلى خرقتهم على ظاهرهم وانظر إلى حرقتهم فى سرائرهم «١» ويقال كانوا مستورين بحالتهم فشهرهم بأن أظهر قصتهم، ولولا أنه- سبحانه- قال «يُرِيدُونَ وَجْهَهُ» فشهد لهم بالإرادة وإلا فمن يتجاسر أن يقول إن شخصا مخلوقا يريد الحق سبحانه؟\nويقال إذا كانت الإرادة لا تتعلق- فى التحقيق- إلا بالحدوث، وحقيقة الصمدية متقدسة عن الاتصاف بالحدثان، فمن المعلوم أن هذه الإرادة ليست بمعنى المشيئة، ولا كاشتقاق أهل اللغة لها «٢» .\nفيقال تكلم الناس فى الإرادة: وأكثر تحقيقها أنها احتياج يحصل فى القلوب يسلب\n_________\n(١) واضح من كلام القشيري اتصاف هذا النفر بصفات كثيرة تدنو بهم من أهل التصوف، وهكذا نجد أن السهروردي فى مقدمة «عوارفه» يوضح أن سبب نزول هذه الآية فى أهل الصّفة الذين كانوا يلازمون صفة مسجد المدينة وليس لهم شغل سوى العبادة وتلاوة القرآن وكان أحدهم إذا ركع قبض بيديه مخافة أن تبدو عورته لتمزق ثوبه ... إلخ (عوارف المعارف ص ٤٧) .\n(٢) يقول القشيري فى هذا المعنى فى «رسالته»: المريد- على موجب الاشتقاق- من له إرادة كالعالم من له علم، لأنه من الأسماء المشتقة، ولكن المريد- في عرف هذه الطائفة من لا إرادة له، فمن لم يتجرد عن إرادته لا يكون مريدا (الرسالة ص ١٠١)","vol":"1","page":475},{"text":"القرار من العبد حتى يصل إلى الله فصاحب الإرادة لا يهدأ «١» ليلا ولا نهارا، ولا يجد من دون وصوله إليه- سبحانه- سكونا ولا قرارا، كما قال قائلهم:\nثم قطعت الليل فى مهمه ... لا أسدا أخشى ولا ذيبا\nيغلبنى شوقى فأطوى السّرى ... ولم يزل ذو الشوق مغلوبا\nويقال تقيّدت دعوتهم بالغداة والعشىّ لأنها من الأعمال الظاهرة، والأعمال الظاهرة مؤقتة، ودامت إرادتهم فاستغرقت جميع أوقاتهم لأنها من الأحوال الباطنة، والأحوال الباطنة مسرمدة غير مؤقتة، فقال: «يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ» ثم قال: «يُرِيدُونَ وَجْهَهُ» أي مريدين وجهه فهى فى موضع الحال «٢» .\nويقال أصبحوا ولا سؤال لهم من دنياهم، ولا مطالبة من عقباهم، ولا همّ سوى حديث مولاهم، فلما تجردوا لله تمحضت عناية الحق لهم، فتولّى حديثهم وقال: ولا تطردهم- يا محمد- ثم قال: ما عليك من حسابهم من شىء فالفقير خفيف الظهر لا يكون منه على أحد كثير مئونة قال تعالى: «ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ» .\nلا تطالب بحسابهم ولا يطالبون بحسابك، بل كلّ يتولى الحقّ- سبحانه- حسابه فإن كان أمره خيرا فهو ملاقيه، وإن كان شرا فهو مقاسيه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-746>[سورة الأنعام (٦): آية ٥٣]</span>\nوَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣)\nأمّا الفاضل فليشكر، وأمّا المفضول فليصبر.\nويقال سبيل المفضول على لسان المحبة الشكر، ولا يتقاصر شكره عن شكر الفاضل، قال قائلهم فى معناه:\nأتانى منك سبّك لى فسبّي ... أليس جرى بفيك اسمى؟ فحسبي\n_________\n(١) وردت (ولا يهدى) والصواب أن تكتب (ولا يهدأ) منعا للبس.\n(٢) أي إن الجملة الفعلية (يريدون وجهه) تعرب حالا","vol":"1","page":476},{"text":"وقال آخر:\nوإنّ فؤادا بعته- لك شاكر ... وإنّ دما أجريته- لك حامد\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-747>[سورة الأنعام (٦): آية ٥٤]</span>\nوَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٤)\nأحلّه محل الأكابر والسّادة، فإن السلام من شأن الجائى إلا فى صفة الأكابر فإن الجائى أو الآتي يسكت لهيبة المأتى حتى يبتدئ ذلك المقصود بالسؤال فعند ذلك يجيب الآتي.\nويقال إذا قاسوا تعب المجيء فأزل عنهم المشقة بأن قل: «سَلامٌ عَلَيْكُمْ» .\nويقال السلام هو السلامة أي فقل لهم سلام عليكم سلمتم فى الحال عن الفرقة وفى المآل عن الحرقة «١» .\nقوله جل ذكره: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ.\nإن وكل بك من كتب عليك الزلة فقد تولّى بنفسه لك كتابة الرحمة.\nويقال كتب بمعنى حكم، وإنه ما حكم إلا بما علم.\nويقال كتابته لك أزلية، وكتابته عليك وقتية، والوقتية لا تبطل الأزلية.\nقوله جل ذكره: أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ.\nيعنى من تعاطى شيئا من أعمال الجهّال ثم سوّف فى الرجوع والأوبة قابلناه، يعنى من تعاطى شيئا بحسن الإمهال وجميل الأفضال، فإذا عاد بتوبة وحسرة أقبلنا عليه بكلّ لطف وقبول.\nقوله جلّ ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-748>[سورة الأنعام (٦): آية ٥٥]</span>\nوَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (٥٥) .\n_________\n(١) اى سلمتم فى الدنيا من عذاب نأبه وهجره، وسلمتم فى الآخرة من عذاب جهنم ذات الحريق.","vol":"1","page":477},{"text":"نزيل الإشكال، ونفصح «١» طريق الاستدلال، ونطلع شموس التوحيد، ونمد أهله بحسن التأييد، ونسم قلوب الأعداء بوسم الخذلان، ونذيقهم شؤم الحرمان لئلا يبقى لأحد عذر، ولا فى الطريق إشكال.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-749>[سورة الأنعام (٦): آية ٥٦]</span>\nقُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (٥٦)\nيعنى صرّح بالاعتراف بجميل ما خصصناك به من وجوه العصمة والنعمة، وأخبرهم أنك فى كنف الإيواء متقلّب، وفى قبضة (الصون) مصرّف فلا للهوى عليك سلطان، ولا لك من محل التحقيق تباعد أو عن الحضور غيبة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-750>[سورة الأنعام (٦): آية ٥٧]</span>\nقُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ (٥٧)\nقل إنّ الله- سبحانه- لم يغادرنى فى قطر الطلب والتباس التحيّر، وأغنانى عن (كدّ) «٢» الاستدلال، وروّحنى بشموس الحقيقة. ولئن بقيتم فى ظلمة الالتباس فليس لى قدرة على إزالة ما مننيتم به من التحير، ونفى ما امتحنتم به من الجهالة والتردد.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-751>[سورة الأنعام (٦): الآيات ٥٨ الى ٥٩]</span>\nقُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ (٥٨) وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٥٩)\n_________\n(١) من الإفصاح وهو الإبانة والإيضاح.\n(٢) وردت (قد) والقصود عناء الاستدلال وكده- حسبما نعرف من أسلوب القشيري فى مثل هذا الموضع.","vol":"1","page":478},{"text":"لو قدرت على إبداء ما طلبتم من إقامة البراهين لأجبتكم إلى كل ما اقترحتم علىّ- شفقة عليكم، لكن المتفرّد بالحكم لا يعارض فيما يريد.\nوَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ: المفتاح ما به يرتفع الغلق، والذي يحصل مقصود كلّ أحد، وهو قدرة الحق- سبحانه فإنّ التأثير لها فى الإيجاد، والموصوف بقدرة الإيجاد هو الله:\nويقال أراد بهذا شمول علمه، أي هو المتفرّد بالإحاطة بكل معلوم، وقطعا لا يسأل عن شىء، ولا يخفى عليه شىء.\nويقال عندك مفاتح «١» الغيب وعنده مفاتح الغيب فان آمنت بغيبه مدّ الشمس على غيبك.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-752>[سورة الأنعام (٦): آية ٦٠]</span>\nوَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٦٠)\nإنه يتوفّى الأنفس فى حال النوم وفى حال الوفاة، وكما أنه لا يعاقبك بالليل فإنه لا يعذبك- إذا توفّاك- على ما جرحت بالنهار مع علمه بأفعالك، فبالحرىّ ألا يعذّبك غدا- إذا توفّاك- على ما علمه من قبيح أحوالك.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-753>[سورة الأنعام (٦): آية ٦١]</span>\nوَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ (٦١)\n_________\n(١) نسبة المفاتح إلى الإنسان- إن صحّ أن القشيري قالها- يمكن تأويلها على انها جمع مفتح مصدر ميمى بمعنى الفتح والفتوح وهما من فضل الله، ولكنهما بالنسبة إلى المفاتح الالهية كنسبة ضوء المصباح إلى ضوء الشمس، إذا ظهر شعاع الشمس غمر ضوء المصباح ... هكذا نفهم من السياق- والله أعلم.","vol":"1","page":479},{"text":"فوق عباده بالقهر والرفعة، وفوقهم بالقدرة على أن يعذّبهم من فوقهم بإنزال العقوبة عليهم والسخطة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-754>[سورة الأنعام (٦): آية ٦٢]</span>\nثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ (٦٢)\nردّهم إلى نفسه. وما غابوا عن القبضة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-755>[سورة الأنعام (٦): آية ٦٣]</span>\nقُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجانا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٣)\nتذكير النعمة يوجب الزيادة فى المحبة، فإنه إذا عرف جميلا أسداه تمكّن من قلبه الحبّ.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-756>[سورة الأنعام (٦): آية ٦٤]</span>\nقُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٦٤)\nالمتفرّد بالقدرة على إيجادكم الله، والذي هو (الخلف) «١» عما يفوتكم الله، والذي حكم بنجاتكم الله، والذي يأخذ بأيديكم كلما عثرتم الله.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-757>[سورة الأنعام (٦): آية ٦٥]</span>\nقُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (٦٥)\nإذا أراد الله هلاك قوم أمر البلاء حتى يحيط بهم سرادقه كما يحيط بالكفار غدا إذا\n_________\n(١) وردت (الخلق) بالقاف وهى خطأ فى النسخ.","vol":"1","page":480},{"text":"أدركتهم العقوبة، وخرج بعضهم على بعض حتى يتبرأ التابع من المتبوع، والمتبوع من التابع.\nقوله جل ذكره: وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ، انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ.\nلا طعم أردأ للإنسان من طعم الإنسان: إن شئت من الولاية والمحبة، وإن شئت فى العداوة والبغضة فمن مني بالبغضة مع أشكاله تنغّص عليه عيشه فى الدنيا، ومن منى بمحبة أمثاله تكدّر عليه حاله مع المولى، ومن صانه عن الخلق فهو المحفوظ (المعاني) «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-758>[سورة الأنعام (٦): الآيات ٦٦ الى ٦٧]</span>\nوَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (٦٦) لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٦٧)\nيعنى قل لهم إنما على تبليغ الرسالة، فأمّا تحقيق الوصلة بالوجود والحال فمن خصائص القدرة وأحكام المشيئة الأزلية.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-759>[سورة الأنعام (٦): آية ٦٨]</span>\nوَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٦٨)\nلا توافقهم فى الحالة، ولا ترد عليهم ببسط القالة. ذرهم ووحشتهم بحسن الإعراض عنهم، والبعد عن الإصغاء إلى تهاويشهم بحسن الانقباض.\nقوله جل ذكره: وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ.\n_________\n(١) المحفوظ (المعاني) اى محفوظة معانيه، وربما كانت فى الأصل (المعاني) بالفاء المفتوحة أي المصون عن كل أذى وعلة.","vol":"1","page":481},{"text":"أي إن بدر منك تغافل فتداركته بحسن التذكر وجميل التّنبّه، فاجتهد ألا (تزل «١») فى تلك الغلطة قدمك ثانية لئلا تقاسى أليم العقوبة منّا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-760>[سورة الأنعام (٦): آية ٦٩]</span>\nوَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلكِنْ ذِكْرى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٦٩)\nأي من كان نقىّ (الثوب) «٢» عن ارتكاب الإجرام يعزل يوم نشره عن ملاقاة تلك الآلام.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-761>[سورة الأنعام (٦): آية ٧٠]</span>\nوَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْها أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)\nأي كلهم وما اختاروه فإنّا أعتدنا لهم (من خفىّ المكر ما إذا أحللناه بهم كسرنا عليهم) «٣» خمار الوهم والغلظة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-762>[سورة الأنعام (٦): آية ٧١]</span>\nقُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ لَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (٧١)\n_________\n(١) وردت (تذل) بالذال والصواب أن تكون بالزاي (تزل) اى تقع فهذا هو الملائم للسياق.\n(٢) وردت (الثواب) والصواب أن تكون (الثوب) فهو الذي يوصف بالنقاء. [.....]\n(٣) ما بين القوسين موجود فى هامش الورقة أثبتناه فى موضعه حسب العلامة المميزة.","vol":"1","page":482},{"text":"أي كان الكفار يدعون المسلمين إلى الرجوع عن الدين والعود إلى الشرك، فقال لهم الله: قل لهم- يا محمد-: أنؤثر الضلال على الهدى بعد طلوع شمس البرهان؟\nوندع الطريقة المثلى بعد ظهور البيان؟ ونترك عقوة الجنّة وقد نزلناها؟ ونطلب الجحيم مثوى بعد ما كفيناها؟ إنّ هذا بعيد من المعقول، محال من الظنون.\nوكيف يساعد أتباع الشيطان من وجد الخلاص من صحبتهم، وأبصر الغىّ من صفتهم؟\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-763>[سورة الأنعام (٦): آية ٧٢]</span>\nوَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٢)\nأي أمرنا بملازمة محل المناجاة لأن اللسان إن تعوّد نجوى السلطان متى ينطق (بمكالمة) «١» الأخسّ؟! قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-764>[سورة الأنعام (٦): آية ٧٣]</span>\nوَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (٧٣)\nيعنى أنه لا يعترض على قدرته- سبحانه- حدوث مقصود، ولا يتقاصر حكمه عن تصريف موجود.\n_________\n(١) وردت (مكاملة) والأوفق بالنسبة للسان أن تكون (مكالمة) .","vol":"1","page":483},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-765>[سورة الأنعام (٦): آية ٧٤]</span>\nوَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنامًا آلِهَةً إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٧٤)\nالأصل متّهم فى الجحود، والنّسل متصّف بالتوحيد، والحقّ- سبحانه- يفعل ما يريد.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-766>[سورة الأنعام (٦): آية ٧٥]</span>\nوَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥)\nلاطفه بسابق العناية، ثم كاشفه بلاحق الهداية فأراه من دلالات توحيده ما لم يبق فى (قضاء) «١» سرّه شظية من غبار العيب، فلمّا صحا من غيم التجوز «٢» سما سرّه فقال بنفي الأغيار جملة، وتبرأ عن الجميع ولم يغادر منها تهمة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-767>[سورة الأنعام (٦): الآيات ٧٦ الى ٧٨]</span>\nفَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغًا قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) .\n_________\n(١) ربما كانت (فضاء) بالفاء فالغبار والغيم يعلقان بالفضاء.\n(٢) المقصود من ذلك ما أصاب إبراهيم من اضطراب، وهنا لفتة ذكية من القشيري حيث أراد وصم العقل بالتجويز لانحصار دائرته فى نطاق الحسّ، وعدم استطاعته تجاوز هذا النطاق لأنه معتمد عليه.","vol":"1","page":484},{"text":"يعنى أحاطت به (سجوف) «١» الطلب، ولم يتجل له بعد صباح الوجود، فطلع نجم العقول فشاهد الحق بسره بنور البرهان، فقال: هذا ربى ثم يزيد فى ضيائه فطلع له قمر العلم فطالعه بشرط البيان، «قالَ هذا رَبِّي» .\nثم (أسفر) «٢» الصبح ومتع النهار فطلعت شموس (العرفان) «٣» من برج شرفها فلم يبق للطلب مكان، ولا للتجويز حكم، ولا للتهمة قرار فقال: «يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ» إذ ليس بعد العيان ريب، ولا عقب الظهور ستر.\nويقال قوله- عند شهود الكواكب والشمس والقمر- «هذا رَبِّي» إنه كان يلاحظ الآثار والأغيار بالله، ثم كان يرى الأشياء لله ومن الله، ثم طالع الأغيار محوا فى الله.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-768>[سورة الأنعام (٦): آية ٧٩]</span>\nإِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩)\nأفردت قصدى لله، (وطهّرت) «٤» عقدى عن غير الله، وحفظت عهدى فى الله لله، وخلصت وجدي بالله، فإنى لله بالله، بل (محو) «٥» فى الله والله الله.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-769>[سورة الأنعام (٦): آية ٨٠]</span>\nوَحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أَتُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدانِ وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ (٨٠)\nيعنى قال لهم أترومون ستر الشموس بإسبال أكمامكم عليها أو تريدون أن تجروا ذيولكم وأن تسدلوا سجوفكم على ضياء النهار وقد تعالى سلطانه وتوالى بيانه؟\n_________\n(١) سجوف جمع سجف وسجف وهو الستر، وأرخى الليل سجوفه أي ظلمته.\n(٢) وردت (أصفر) والصواب أن تكون (أسفر) الصبح.\n(٣) لاحظ كيف طبق القشيري نظريته فى المعرفة على ندرج ابراهيم (عم) فى الوصول إلى حقيقة الألوهية من عقلية ونورها البرهان إلى قلبية ونورها البيان إلى كشفية ونورها العرفان،\n(٤) وردت (ظهرت) بالظاء والصواب أن تكون بالطاء\n(٥) وردت (مهو) بالهاء والصواب أن تكون بالحاء.","vol":"1","page":485},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-770>[سورة الأنعام (٦): آية ٨١]</span>\nوَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨١)\n«١» يعنى وأي خوف يقع على قلبى ظله ولم ألم بشرك ولم أجنح قطّ إلى جحد؟ وأنتم ما شممتم رائحة التوحيد فى طول عمركم، ولا ذقتم طعم الإيمان فى سالف دهركم! ثم بسوء ظنّكم تجاسرتم وما ارعويتم، وخسرتم وما باليتم. فأيّنا أولى أن يعلن بسرّه ما هو بصدده من سوء مكره وعاقبة أمره؟\nقوله جلت قدرته:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-771>[سورة الأنعام (٦): آية ٨٢]</span>\nالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)\nأي الذين أشاروا إلى الله ثم لم يرجعوا إلى غير الله فإن من قال «الله» ثم رجع بالتفضيل- عند حاجاته أو مطالباته أو شىء من حالاته إلى غير الله فخصمه- فى الدنيا والعقبى- الله.\nوالظلم- فى التحقيق- وضع الشيء في غير موضعه، وأصعبه حسبان أن من الحدثان ما لم يكن وكان فإنّ المنشئ الله، والمجرى الله، ولا إله إلا الله، وسقط ما سوى الله.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-772>[سورة الأنعام (٦): آية ٨٣]</span>\nوَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨٣)\nأشار إلى ترقّيه من شهود آياته إلى إثبات ذاته، وذلك ترتيب أهل السلوك فى وصولهم إلى الله، فالتحقق بالآيات التي هى أفعاله ومراعاة ذلك وهى الأولى ثم إثبات صفاته وهى الثانية، ثم التحقق بوجوده وذاته وهو غاية الوصول، فبرسومه يعرف العبد نعوته، وبنعوته يعرف ثبوته «٢» .\n_________\n(١) أخطأ الناسخ إذ كتبها (فكيف)\n(٢) للقشيرى كتابان (ترتيب السلوك) و(المقامات الثلاث) لم تصل بعد أيدينا إليها، أولهما توجد منه مخطوطة بالفاتيكان والثاني استعاره بعضهم من مكتبة جامعة القاهرة ولم يرده، فهل يمكن أن نحدس أن هذه الفقرة خلاصة مقتضية لوجهة نظره فى ترتيب مقامات السلوك وعددها.","vol":"1","page":486},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-773>[سورة الأنعام (٦): الآيات ٨٤ الى ٨٨]</span>\nوَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًاّ هَدَيْنا وَنُوحًا هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥) وَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكلًاّ فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ (٨٦) وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ وَاجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٨٧) ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٨٨)\nذكر عظيم المنّة على كافّتهم- صلوات الله عليهم، وبيّن أنه لولا تخصيصه إياهم بالتعريف، وتفضيله لهم على سواهم بغاية التشريف، وإلا لم يكن لهم استيجاب ولا استحقاق.\nثم قال: «ذلِكَ هُدَى اللَّهِ....... يَعْمَلُونَ» يعنى لولا حظوا غيرا، أو شاهدوا- من دوننا- شيئا، أو نسبوا شظية من الحدثان- إلى غير قدرتنا- فى الظهور لتلاشى ما أسلفوه من عرفانهم وإحسانهم، فإن الله- سبحانه- لا يغفر الشرك بحال، وإن كان (يغفر) «١» ما دونه لمن أراد.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-774>[سورة الأنعام (٦): آية ٨٩]</span>\nأُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ (٨٩) .\n_________\n(١) وردت (يفقر) والصواب (يغفر) طبقا للآية (إن الله لا يغفر أن يشرك به ... إلخ) .","vol":"1","page":487},{"text":"يعنى إن أعرض قومك- يا محمد- فليس كلّ من (.....) «١» على الجحود أظهرناهم، بل كثير من عبادنا نزّهنا- عن الجحود- قلوبهم، وعجنّا بماء السعادة طينتهم وهم لا يحيدون عن التوحيد لحظة، ولا يزيغون عن التحصيل شمّة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-775>[سورة الأنعام (٦): آية ٩٠]</span>\nأُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرى لِلْعالَمِينَ (٩٠)\nأولئك الذين طهّر الله عن الجحد أسرارهم، ورفع على الكافة أقدارهم، فاقتف- يا محمد- هداهم، فإنّ من سلك الجادّة أمن من العناء.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-776>[سورة الأنعام (٦): آية ٩١]</span>\nوَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُورًا وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (٩١)\nمن توهّم أن العلوم «٢» تحيط بجلاله فالإحاطة غير سائغة فى نعته، كما أنّ الإدراك غير جائز فى وصفه، وكما أن الإشراف محال على ذاته.\nثم قال: «قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُورًا» أي سلهم عن الأحوال، وخاطبهم فى معانى أحكام الرسوم والأطلال، فإن بقوا فى ظلمة (الحيرة) «٣» فقل: الله تعالى، ثم ذرهم. يعنى صرّح بالإخبار عن التوحيد، ولا يهولنّك نماديهم فى الباطل، فإنّ تمويهات الباطل لا تأثير لها فى الحقائق.\n_________\n(١) مشتبهة.\n(٢) يقصد بها علوم العقل. [.....]\n(٣) وردت (الجبرة) والخطأ فى النقط.","vol":"1","page":488},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-777>[سورة الأنعام (٦): آية ٩٢]</span>\nوَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ (٩٢)\nكتاب الأحباب عزيز الخطر جليل الأثر، فيه سلوة «١» عند غلبات الوجد، ومن بقي عن الوصول تذلّل للرسول، وقيل:\nوكتبك حولى لا تفارق مضجعى ... وفيها شفاء للذى أنا كاتم\nكأنى ملحوظ من الجنّ نظرة ... ومن حوالىّ الرّقى والتمائم\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-778>[سورة الأنعام (٦): آية ٩٣]</span>\nوَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (٩٣)\nيعنى إن الذين ينزلون منزلة المحدّثين، ولم تلق إلى أسرارهم خصائص الخطاب- فالحقّ- سبحانه عنهم برىء. والمتّبع بما لم ينل كلابس ثوبى زور، وفى معناه أنشدوا.\nإذا اشتبكت دموع فى خدود ... تبيّن من بكى ممن تباكى\n_________\n(١) وردت (صلوة) بالصاد وهى خطأ فى النسخ.","vol":"1","page":489},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-779>[سورة الأنعام (٦): آية ٩٤]</span>\nوَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٩٤)\nدخلت الدنيا بخرقة، وخرجت منها بخرقة، ألا وتلك الخرقة أيضا (.....) «١»،\nوما دخلت إلا بوصف التجرد، ولا خرجت إلا بحكم التفرد. ثم الأثقال والأوزار، والأحمال والأوضار لا يأتى عليها حصر ولا مقدار فلا مالكم أغنى عنكم ولا حالكم يرفع منكم، ولا لكم شفيع يخاطبنا فيكم فقد تقطّع بينكم، وتفرّق وصلكم، وتبدّد شملكم، وتلاشى ظنكم، وخانكم- فى التحقيق- وسعكم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-780>[سورة الأنعام (٦): آية ٩٥]</span>\nإِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٩٥)\nموجد ما فى العالم من الأعيان والآثار والرسوم والأطلال يسلّط العدم على ما يريد من مصنوعاته، ويحكم بالبقاء لما يريد من مخلوقاته، فلا لحكمه ردّ، ولا لحقّه جحد.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-781>[سورة الأنعام (٦): آية ٩٦]</span>\nفالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبانًا ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٩٦)\nوكما فلق صبح الكون فأشرقت الأنوار كذلك فلق صبح القلوب فاستنارت به الأسرار، وكما جعل الليل سكنا لتسكن فيه النفوس من كدّ التصرف عن أسباب المعاش\n_________\n(١) مشتبهة.","vol":"1","page":490},{"text":"كذلك جعل الليل سكنا للأحباب يسكنون فيه إلى روح المناجاة إذا هدأت العيون من الأغيار.\nوجعل الشمس والقمر يجريان بحسبان «١» معلوم على حد معلوم، فالشمس بوصفها مذ خلقت لم تنقص ولم تزد، والقمر لا يبقى ليلة واحدة على حالة واحدة فأبدا فى الزيادة والنقصان، ولا يزال ينمو حتى يصير بدرا، ثم يتناقص حتى لا يرى، ثم يأخذ فى الظهور، وكذلك دأبه دائما إلى أن تنقض عليه العادة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-782>[سورة الأنعام (٦): آية ٩٧]</span>\nوَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٩٧)\nكما أن نجوم السماء يهتدى بها فى الفلوات فكذلك نجوم القلوب يهتدى بها فى معرفة ربّ الأرضين والسموات.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-783>[سورة الأنعام (٦): آية ٩٨]</span>\nوَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (٩٨)\nذكّرهم وصفهم حين خلقهم من آدم ﵇. وكما أن للنفوس والأبشار مستقرا ومستودعا فللأسرار والضمائر مستقر ومستودع، فمن عبد مستقرّ قلبه أوطان الشهوات والمنى، ومن عبد مستقره موقع الزهد والتّقى، ومن عبد مستقره- حيث لا مسكن ولا مأوى- وراء الورى «٢» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-784>[سورة الأنعام (٦): آية ٩٩]</span>\nوَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٩٩)\n_________\n(١) وردت (بحسمان) بالميم والصواب أن تكون (بحسبان)\n(٢) أي فى حال الفناء يتلاشى فى الوجود الذي لا تحده حدود.","vol":"1","page":491},{"text":"تجانست أجزاء الأرض وتوافقت أقطار الكون، وتباين النبات فى اللون والطّعم واختلفت الأشياء، ودلّ كلّ مخلوق بلسان فصيح، وبيان صريح أنه بنفسه غير مستقل.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-785>[سورة الأنعام (٦): آية ١٠٠]</span>\nوَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَصِفُونَ (١٠٠)\n«١» سدّت بصائرهم فاكتفوا بكل منقوص أن يعبدوه، وتلك عقوبة لأرباب الغفلة عن الله تعالى عجّلت.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-786>[سورة الأنعام (٦): آية ١٠١]</span>\nبَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١)\nالبديع الذي لا مثل له، أو هو المنشئ لا على مثال، وكلاهما فى وصفه مستحق.\nوالواحد يستحيل له الولد لاقتضائه البعضية، والتوحيد ينافيه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-787>[سورة الأنعام (٦): آية ١٠٢]</span>\nذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)\n_________\n(١) خرق الإفك اختلقه، أو من خرق الثوب إذا شقه فيكون المعنى: (اشتقوا له) وإشارة القشيري تعتمد على المعنيين.","vol":"1","page":492},{"text":"تعرّف إليهم بآياته، ثم تعرّف إليهم بصفاته، ثم كاشفهم بحقائق ذاته.\nفقوله: «لا إِلهَ إِلَّا هُوَ» تعريف للسادات والأكابر، وقوله: «خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ» تعريف للعوام والأصاغر.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-788>[سورة الأنعام (٦): آية ١٠٣]</span>\nلا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)\nقدّس الصمدية عن كل لحوق ودرك، فأنّى بالإدراك ولا حدّ له ولا طرف؟! «وَهُوَ اللَّطِيفُ» الذي لا يخفى عليه شىء، «الْخَبِيرُ» الذي أحاط علمه بكل معلوم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-789>[سورة الأنعام (٦): آية ١٠٤]</span>\nقَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (١٠٤)\nأوضح البيان وألاح الدليل، وأزاح العلل وأنار السبيل، ولكن قيل:\nوما انتفاع أخى الدنيا بمقلته ... إذا استوت عنده الأنوار والظّلم\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-790>[سورة الأنعام (٦): آية ١٠٥]</span>\nوَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١٠٥)\nأوقع الفتنة فى قلوبهم فخنست عليهم الأحوال: فمن شبهة داخلتهم ومن حيرة ملكتهم.\nومن تحقيق أدركه قوم، وتعريف توقف على آخرين.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-791>[سورة الأنعام (٦): آية ١٠٧]</span>\nوَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (١٠٧)\nالعجب ممن أقرّ بقصور حاله عن استحقاق المدح ببقائه عن مراده، وكيف يصف معبوده بجواز ألا يرتفع فى ملكه مراده؟!","vol":"1","page":493},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-792>[سورة الأنعام (٦): آية ١٠٨]</span>\nوَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٠٨)\nيعنى خاطبهم بلسان الحجة والتزام الدلائل ونفى الشبهة، ولا تكلّمهم على موجب نوازع النّفس والعادة، فيحملهم ذلك على ترك الإجلال لذكر الله.\nويقال لا تطابقهم على قبيح ما يفعلون فيزدادوا جرأة فى غيّهم، فسيكون فعلك سببا وعلّة لزيادة كفرهم وفسقهم.\nقوله جل ذكره: كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ لبّسنا عليهم حقائق الأشياء حتى ظنوا القبيح جميلا، ولم يروا لسوء حالتهم تبديلا، فركنوا إلى الهوى، ولم يميزوا بين العوافي والبلا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-793>[سورة الأنعام (٦): آية ١٠٩]</span>\nوَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ (١٠٩)\nوعدوا من أنفسهم الإيمان لو شاهدوا البرهان، ولم يعلموا أنهم تحت قهر الحكم، وما يغنى وضوح الأدلة لمن لا تساعده سوابق الرحمة، ولواحق الحفظ بموجبات القسمة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-794>[سورة الأنعام (٦): آية ١١٠]</span>\nوَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠)\nالعجب ممن تبقى على قلبه شبهة فى مسألة القدر «١»، والحقّ- سبحانه- يقول:\n_________\n(١) يشير القشيري بذلك إلى القدرية الذين يقولون بخلق الأفعال، فسموا قدرية من قبيل تسمية الشيء بضده، بينما سمى خصومهم بالجبرية.\nويوصف القدرية بانهم مجوس هذه الأمة، لأنه كما أن أتباع زرادشت يعارضون خالق الخير بمبدإ ثان هو علة الشر كذلك هم- أي القدرية- يخرجون أعمال الإنسان السيئة من دائرة خلق الله، فالله ليس هو الذي يخلق المعصية بل إرادة الإنسان المستقلة.","vol":"1","page":494},{"text":"«وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ»، لا بل من حقائق التقليب بقاء إشكال هذا الأمر- مع وضوحه- على قلوب من هو من جملة العقلاء، فسبحان من يخفى هذا الأمر مع وضوحه! هذا هو قهر القادر وحكم الواحد.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-795>[سورة الأنعام (٦): آية ١١١]</span>\nوَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (١١١)\nلأن الآيات وإن توالت، وشموس البرهان وإن تعالت فمن قصمته العزّة وكبسته القسمة لم يزده ذلك إلا حيرة وضلالا، ولم يستنجز إلا للشقوة حالا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-796>[سورة الأنعام (٦): آية ١١٢]</span>\nوَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ (١١٢)\nكلّما كان المحلّ أعلى كانت البلايا أوفى، والمطالبات أقوى، فلمّا كانت رتب الأنبياء﵈- أشرف كانت العداوة معهم أشد وأصعب.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-797>[سورة الأنعام (٦): آية ١١٣]</span>\nوَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ (١١٣)\nوكلت أسماع الكفار باللغو وقلوبهم بالسوء فرضوا لأنفسهم أخسّ الأنصباء «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-798>[سورة الأنعام (٦): آية ١١٤]</span>\nأَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١١٤)\n_________\n(١) الأنصباء جمع نصيب وهو الحصة من الشيء (المنجد) .","vol":"1","page":495},{"text":"قل لهم أترون أنى- بعد ظهور البيان ووضوح البرهان- أذر اليقين، وأوتر التخمين وأفارق الحقّ، وأقارن «١» الحظ؟ إن هذا محال من الظن.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-799>[سورة الأنعام (٦): آية ١١٥]</span>\nوَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)\nتقدّست عن التغيير ذاته، وتنزهت عن التبديل صفاته. والتمام ينفى النقصان. وكلّ نقصان فمن الحدث أصله، وأنّى بالنقص- والقدم وصفه؟\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-800>[سورة الأنعام (٦): آية ١١٦]</span>\nوَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ (١١٦)\nأهل الله قليلون عددا وإن كانوا كثيرين وزنا وخطرا، وأمّا الأعداء ففيهم كثرة.\nفإن لاحظتهم- يا محمد- فتنوك، وإن صاحبتهم منعوك عن الحق وقلبوك.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-801>[سورة الأنعام (٦): آية ١١٧]</span>\nإِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١١٧)\nتقاصرت علوم الخلق عن إدراك غيبه إلا بقدر ما عرّفهم من أمره، والذي لا يخفى عليه شىء فهو الواحد- سبحانه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-802>[سورة الأنعام (٦): آية ١١٨]</span>\nفَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ (١١٨)\nهذا فى حكم التفسير مختص بالذبيحة، وفى معنى الإشارة منع الأكل على الغفلة، فإن من\n_________\n(١) ربما كانت فى الأصل (أقارف) بالفاء، وكلاهما صحيح فى السياق.","vol":"1","page":496},{"text":"أكل على الغفلة فما دامت تلك القوة باقية فيه فخواطره إما هواجس النّفس أو وساوس الشيطان.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-803>[سورة الأنعام (٦): آية ١١٩]</span>\nوَما لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (١١٩)\nيعنى أي شىء عليكم لو تركتم الغفلة؟ وما الذي يضركم لو استدمتم الذكر؟\nوقد تبيّن لكم الفرق بين أنس الذكر ووحشة الغفلة فى الحال والوقت، (ألا) «١» تعرفوا حكم الثواب والعقاب فى المآل.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-804>[سورة الأنعام (٦): آية ١٢٠]</span>\nوَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ (١٢٠)\nظاهر الإثم ما للأغيار عليه اطلاع، وباطن الإثم هو سر بينك وبين الله، لا وقوف لمخلوق عليه.\nويقال باطن الإثم خفىّ العقائد و(....) «٢» الألحاظ.\nويقال باطن الإثم ما تمليه عليك نفسك بنوع تأويل.\nويقال باطن الإثم- على لسان أهل المعرفة- الإغماض عمّا لك فيه حظ، ويقال باطن الإثم- على لسان أهل المحبة- دوام التغاضي عن مطالبات الحب وإنّ بناء مطالبات الحب على التجني والقهر «٣»، قال قائلهم:\n_________\n(١) وردت (إلى) وهى خطأ فى النسخ.\n(٢) مشتبهة.\n(٣) وفى هذا المعنى أنشدوا\nبنى الحب على القهر فلو ... عدل المحبوب يوما لسمج\nليس يستحسن في شرع الهوى ... عاشق بطلب تأليف الحجج","vol":"1","page":497},{"text":"إذا قلت: ما أذنبت؟ قالت مجيبة:\nحياتك ذنب لا يقاس به ذنب ويقال أسبغت عليكم النّعم ظاهرا وباطنا، فذروا الإثم ظاهرا وباطنا، فإنّ من شرط الشكر ترك استعمال النعمة فيما يكون إثما ومخالفة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-805>[سورة الأنعام (٦): آية ١٢١]</span>\nوَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)\nما كانت (....) «١» من الأحوال عاصيا ولربّه ناسيا فتوقّيه شرط عند أصحاب (...) «٢» .\nثم قال: «وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ» فهذا يدل على أنّ من توقّى ذلك اتحدت لله خواطره، وانقطعت عنه خواطر الشيطان. وأصل كل قسوة متابعة الشهوات، ومن تعوّد متابعتها فليودّع صفوة القلب.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-806>[سورة الأنعام (٦): آية ١٢٢]</span>\nأَوَمَنْ كانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)\nالإيمان عند هؤلاء القوم حياة القلب بالله. وأهل الغفلة إذ لهم الذكر فقد صاروا أحياء بعد ما كانوا أمواتا، وأرباب الذكر لو اعتراهم نسيان فقد ماتوا بعد الحياة. والذي هو فى أنوار القرب وتحت شعاع العرفان وفى روح الاستبصار لا يدانيه من هو فى (أسر) «٣» الظلمات، ولا يساويه من هو رهين الآفات.\n_________\n(١) مشتبهة.\n(٢) مشتبهة. [.....]\n(٣) وردت (أصر) بالصاد وقد آثرنا (أسر) لتلائم (رهين) الآفات.","vol":"1","page":498},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-807>[سورة الأنعام (٦): آية ١٢٣]</span>\nوَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها وَما يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنْفُسِهِمْ وَما يَشْعُرُونَ (١٢٣)\nلبّسنا عليهم حقائق التوحيد، وسوّلت لهم ظنونهم أن بهم شظية من المحو والإثبات فانهمكوا ظانين أنهم يمكرون، وهم فى التحقيق مخادعون، وسيعلمون حين لا ينفعهم علم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-808>[سورة الأنعام (٦): آية ١٢٤]</span>\nوَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ (١٢٤)\nبعد إزاحة العلة، وبيان الحجة، وزوال الشبهة (فالتعلّل) «١» باستزادة البصيرة (إعلام) «٢» عن سوء الأدب، وذلك منهم من التعدي لمساواة من جاء بالاستحقاق بمن جاء بنوع من تسويلات النّفس يوجب مقاساة الهوان. وملازمة الحدود، وترك التعدي على الحقّ قضية التوفيق.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-809>[سورة الأنعام (٦): آية ١٢٥]</span>\nفَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (١٢٥)\nالمسلم لا يتحرك فى باطنه عرق للمنازعة مع التقدير، فإن الإسلام يقتضى تسليم الكل بلا استئثار، ومن استثقل شيئا من التكليف أو بقي منه نفس لكراهية شىء فيعدّ غير مستسلم لحكمه.\nويقال نور فى البداية هو نور العقل، ونور فى الوسائط هو نور العلم ونور فى النهاية هو\n_________\n(١) وردت (فالتعليل) والسياق يتطلب (التعلل) فيها يقوى ويتضح.\n(٢) وردت (إقلام) ولا معنى لها، ونرجح أنها فى الأصل (إعلام) أي علامة.","vol":"1","page":499},{"text":"نور العرفان فصاحب العقل مع البرهان، وصاحب العلم مع البيان، وصاحب المعرفة فى حكم العيان.\nويقال من وجد أنوار الغيب ظهرت له خفايا الأمور فلا يشكل عليه شىء من ذوات الصدور عند ظهور النور، وقال ﷺ: «اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله تعالى» .\nويقال أول أثر لأنوار الغيب فى العبد ينبّهه إلى نقائص قدره ومساوئ غيّه، ثم يشغله عن شهود نفسه مما يلوح لقلبه من شهود ربه، ثم غلبات الأنوار على سرّه حتى لا يشهد السرّ بعد ما كان يشهد كالنّاظر فى قرص الشمس تستهلك أنوار بصره فى شعاع الشمس كذلك تستهلك أنوار البصيرة فى حقائق الشهود، فيكون العبد صاحب الوجود دون الشهود ثم بعده خمود العبد بالكلية، وبقاء الأحدية بنعت السرمدية.\nقوله جل ذكره: وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ.\nوذلك حتى لا يسعى فى غير مراد الحق سبحانه «١»، وحدّ البشرية ضيق القلب، وصاحبه فى أسر الحدثان والأعلال، ولا عقوبة أشدّ من عقوبة الغفلة عن الحق.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-810>[سورة الأنعام (٦): آية ١٢٦]</span>\nوَهذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦)\nالصراط المستقيم إقامة العبودية عند تحقق الربوبية فهو فرق مؤيّد بجمع، وجمع مقيد بشرع، وإثبات للعرفان بغاية الوسع، ونبو عن المخالفات بغاية الجهد، والتحقق بأنّ المجرى\n_________\n(١) تبدو فى هذه العبارة رائحة الحبرية ... نعم، ولكنها جبرية الحب، فالإرادة والمريد والمراد كلها تدور فى فلك الحب، وهذا فرق بين النزعتين الكلامية البحتة والصوفية، عند تصديهما لهذا الموضوع.","vol":"1","page":500},{"text":"واحد لا شريك له، ثم ترك الاعتماد ونفى الاستناد، لا على (حركاته) «١» يعتمد، ولا إلى سكناته يستند، (بل) «٢» ينتظر ما يفتح به التقدير، فإن زاغ صاحب الاستقامة لحظة، والتفت يمنة أو يسرة سقط سقوطا لا ينتعش.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-811>[سورة الأنعام (٦): آية ١٢٧]</span>\nلَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٧)\nدار السلام أي دار السلامة، ومن كان في رقّ شىء من (الأغراض) «٣» والمخلوقات لم يجد السلامة، وإنما يجد السلامة من تحرر عن رقّ المكوّنات، والآية تشير إلى أنّ القوم فى الجنة لكنهم ليسوا فى أسر الجنة، بل تحرروا من رقّ كل مكوّن.\nويقال من لم يسلّم- اليوم- على نفسه وروحه وكلّ ماله من كل كريمة وعظيمة تسليم وداع لا يجد- غدا- ذلك الفضل، فمن أراد أن يسلّم عليه ربّه- غدا- فليسلّم على (الكون) «٤» بجملته، وأولا على نفسه وروحه.\nويقال دار السلام غدا لمن سلم- اليوم- لسانه عن الغيبة، وجنانه عن الغيبة، وأبشاره وظواهره من الزّلّة، وأسراره وضمائره من الغفلة، وعقله من البدعة، ومعاملته من الحرام والشبهة، وأعماله من الرياء والمصانعة، وأحواله من الإعجاب.\nويقال شرف قدر تلك الدار لكونها فى محل الكرامة، واختصاصها بعندية الزّلفة، وإلا فالأقطار كلها ديار، ولكن قيمة الدار بالجار، قال قائلهم:\nإنّى لأحسد دارا فى جواركم ... طوبى لمن أضحى لدارك جارا\nيا ليت جارك يعطينى من داره شبرا ... إذا لأعطيه بشبر دارا»\nويقال: وإن كانت الدار منزهة عن قبول الجار، وليس القرب منه بتدانى الأقطار، فإطلاق هذا اللفظ لقلوب الأحباب مؤنس بل لو جاز القرب فى وصفه من حيث المسافة لم يكن لهذا\n_________\n(١) وردت (حرقاته) والصواب أن تكون (حركاته) لتتلاءم مع (سكتاته) .\n(٢) أضفنا (بل) ليتضح المعنى وهى غير موجودة فى النص.\n(٣) (الأغراض) جمع غرض، وليس بمستبعدان تكون (الأعراض) بالعين جمع عرض، وكلاهما مقول.\n(٤) وردت (السكون) وهى خطأ من الناسخ.\n(٥) البيت الثاني مكسور ولكننا حرصنا على إثباته كما جاء فى النسخة.","vol":"1","page":501},{"text":"كبير أثر، وإنما حياة القلوب بهذا، لأن حقيقته مقدسة عن هذه الصفات فهو لأجل قلوب الأحباب يطلق هذا ويقع العلماء فى كد التأويل، وهذا هو أمارة الحب، قال قائلهم:\nأنا من أجلك حمّلت الأ ... ذى الذي لا أستطيع\nقوله جل ذكره: وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ «١» .\nهذا شرف قدر تلك المنازل حيث قال: «وَهُوَ وَلِيُّهُمْ» لأنه إذا كان- سبحانه- هو وليّهم فإنّ المنازل بأسرها طابت كيفما كانت، قال قائلهم:\nأهوى هواها لمن قد كان ساكنها ... وليس فى الدار لى همّ ولا وطر\nهو وليّهم فى دنياهم، ووليّهم فى عقباهم، هو وليهم فى أولاهم وفى أخراهم وليهم الذي استولى حديثه على قلوبهم، فلم يدع فيها لغيره نصيبا ولا سوى وليهم الذي هو أولى بهم منهم وليّهم الذي آثرهم على أضرابهم وأشكالهم فآثروه فى جميع أحوالهم وليهم الذي تطلب رضاهم، وليهم الذي لم (يكلهم) «٢» إلى هواهم، ولا إلى دنياهم، ولا إلى عقباهم.\nوليهم الذي بأفضاله يلاطفهم، وبجماله وجلاله يكاشفهم.\nوليّهم الذي اختطفهم عن كل حظ ونصيب، وحال بينهم وبين كل حميم وقريب، فحرّرهم عن كل موصوف ومطلوب ومحبوب، وليّهم الذي هو مؤنس أسرارهم.\nمشاهده معتكف أبصارهم، وحضرته مرتع أرواحهم.\nوليّهم الذي ليس لهم سواه، وليهم الذي لا يشهدون إلا إياه، ولا يجدون إلا إياه، لا فى بدايتهم يقصدون غيره، ولا فى نهايتهم يجدون غيره، ولا فى وسائلهم يشهدون غيره «٣» قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-812>[سورة الأنعام (٦): آية ١٢٨]</span>\nوَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا قالَ النَّارُ مَثْواكُمْ خالِدِينَ فِيها إِلاَّ ما شاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٢٨)\n_________\n(١) وقع الناسخ فى ثلاثة أخطاء كتابية ونقلية فى هذه الآية إذ كتبها (فهو وليهم اليوم بما كانوا يكسبون) إذ التبست عليه مع آية اخرى.\n(٢) وردت (يكلمهم) بزيادة ميم وهى خطأ فى النسخ.\n(٣) لاحظ هنا هذا الترتيب: قصود تم شهود تم وجود.","vol":"1","page":502},{"text":"يعتذرون فلا يسمع، ويحتجون بما لا ينفع، ولقد كانوا من قبل لو أتوا بأقلّ منه قبل منهم، لكن سبقت القسمة فحقت لهم الشقوة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-813>[سورة الأنعام (٦): آية ١٢٩]</span>\nوَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٢٩)\nيعنى نجمع بين الأشكال، فالأولياء مجموعون يستمتع بعضهم ببعض، والأعداء مجموعون يفرّ بعضهم من بعض.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-814>[سورة الأنعام (٦): آية ١٣٠]</span>\nيا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ (١٣٠)\nعرّفهم أنه أزاح لهم العلل من حيث التزام الحجة، لكنه حكم لهم بالشقوة فى الأزل، (فلبّس) «١» عليهم المحجة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-815>[سورة الأنعام (٦): آية ١٣١]</span>\nذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها غافِلُونَ (١٣١)\nمتى يصحّ فى وصفه توهم الظلم والملك ملكه والخلق خلقه؟\nومتى يقبح منه تصرّف فى شخص بما أراد، والعبد عبده والحكم حكمه؟\n_________\n(١) وردت (فليس) وهى خطأ من الناسخ.","vol":"1","page":503},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-816>[سورة الأنعام (٦): آية ١٣٢]</span>\nوَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٣٢)\nالمحسن فى روح الثواب متنعّم، والمذنب فى نوح العذاب متألم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-817>[سورة الأنعام (٦): آية ١٣٣]</span>\nوَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ (١٣٣)\n«الْغَنِيُّ» يشير إلى كشفه، و«ذُو الرَّحْمَةِ» يشير إلى لطفه.\nأخبرهم بقوله «الْغَنِيُّ» عن جلاله، وبقوله: «ذُو الرَّحْمَةِ» عن أفضاله فبجلاله يكاشفهم فيفتيهم، وبأفضاله يلاطفهم فيحييهم.\nويقال سماع غناه يوجب محوهم، وسماع رحمته يوجب صحوهم، فهم فى سماع هذه الآية مترددون بين بقاء وبين فناء، وبين إكرام وبين اصطلام، وبين تقريب وبين تذويب، وبين اجتياح وبين ارتياح.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-818>[سورة الأنعام (٦): آية ١٣٤]</span>\nإِنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (١٣٤)\nالإشارة من هذه الآية إلى قصر الأمل، ومن قصر أمله حسن عمله، وكل ما هو آت فقريب أجله.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-819>[سورة الأنعام (٦): آية ١٣٥]</span>\nقُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (١٣٥)\nهذا غاية الزجر لأنه تهديد وإن كان فى صيغة الأمر.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-820>[سورة الأنعام (٦): آية ١٣٦]</span>\nوَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيبًا فَقالُوا هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَما كانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ (١٣٦)","vol":"1","page":504},{"text":"لما بنوا قاعدة أمرهم على موجب الهوى صارت فروعهم لائقة بأصولهم فهو كما قيل.\nإذا كان القضاء إلى ابن آوى ... فتعويل الشهود إلى القرود\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-821>[سورة الأنعام (٦): آية ١٣٧]</span>\nوَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ (١٣٧)\nوسوست إليهم شياطينهم بالباطل فقبلت نفوسهم ذلك إذ الأشكال يتناصرون، فالنّفس لا تدعو إلا إلى الأجنبية، لأنها مدّعية تتوهم أن منها شيئا، وأصل كلّ شرك الدعوى، والشيطان لا يوسوس إلا بالباطل والكفر، فهم أعوان يتناصرون.\nثم قال: «وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ» صرّح بأن المراد على المشيئة، والاعتبار (بسابق) «١» القضية.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-822>[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٣٨ الى ١٣٩]</span>\nوَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إِلاَّ مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وَأَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِراءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ (١٣٨) وَقالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٣٩) .\n_________\n(١) وردت (بسائق) وهى خطأ من الناسخ إذ المقصود بما سبق من القضاء. [.....]","vol":"1","page":505},{"text":"أخبر عن أشياء ابتدعوها على ما أرادوا، وأمور شرعوها على الوجه الذي اعتادوا، ثم أضافوا ذلك إلى الحق بغير دليل، وشرعوها بلا حجة من إذن رسول، والاشارة فيه أن من (نحانحوهم) «١» فى زيادة شىء فى الدين، أو نقصان شىء من شرع المسلمين فمضاه لهم فى البطلان، ينخرط فى سلكهم فى الطغيان.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-823>[سورة الأنعام (٦): آية ١٤٠]</span>\nقَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِراءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (١٤٠)\nفسدت عليهم طريقة الثقة بالله فحملتهم خشية الفقر على قتل الأولاد، ولذلك قال أهل التحقيق: من أمارات اليقين وحقائقه كثرة العيال على بساط التوكل.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-824>[سورة الأنعام (٦): آية ١٤١]</span>\nوَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشابِهًا وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (١٤١)\nيعنى كما أنشأ فى الظاهر جنات وبساتين كذلك أنشأ فى السّر جنات وبساتين، ونزهة القلوب أثم من جنات الظاهر فأزهار القلوب مونقة، وشموس الأسرار مشرقة، وأنهار المعارف زاخرة.\nويقال كما تتشابه الثمار كذلك تتماثل الأحوال، وكما تختلف طعومها وروائحها مع تشاكلها من وجه، فكذلك الأحوال مختلفة القضايا، وإن اشتركت فى كونها أحوالا.\nقوله جل ذكره: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ.\n_________\n(١) وردت (تجاتجوهم) وهى خطأ من الناسخ.","vol":"1","page":506},{"text":"حقّ الواجب يوم الحصاد إقامة الشكر، فأمّا إخراج البعض فبيانه على لسان العلم «١»، وشهود المنعم فى عين النعمة أتمّ من الشكر على وجود النعمة.\nقوله جل ذكره: وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ.\nالإسراف- على لسان العلم- مجاوزة الحد.\nوعلى بيان الإشارة فالإسراف كلّ ما أنفقته فى حظّ نفسك- ولو كانت سمسمة، وما أنفقته فى سبيله- سبحانه- فليس بإسراف، ولو أربى على الآلاف.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-825>[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٤٢ الى ١٤٤]</span>\nوَمِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٤٢) ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٤٣) وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهذا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٤٤)\nيعنى تسخير الحيوانات للإنسان آية مزية فى الفضيلة على المخلوقات. وكما سخّر الأعيان للإنسان كذلك سخّر الأزمان فى تصريف الحدثان لخواصّ الإنسان «٢» .\nقوله جل ذكره: كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ......\nإلى قوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ.\nالرزق لا يتخصص بالمأكولات بل هو شائع فى جميع ما يحصل به الانتفاع.\nوينقسم الرزق إلى رزق الظواهر ورزق السرائر، ذلك وجود النعم وهذا شهود الكرم بل الخمود فى وجود القدم.\nوللقلب رزق وهو التحقيق من حيث العرفان، وللروح رزق وهو المحبة بصدق التحرر عن الأكوان، وللسّر رزق وهو الشهود الذي يكون للعبد وهو قرين العيان.\n_________\n(١) أي إخراج مقدر على حسب المعروف فى الزكاة.\n(٢) يشير بذلك إلى ما يحدث على أيدى الأولياء من كرامات","vol":"1","page":507},{"text":"قوله ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ الإشارة من ذكر الضأن أن يتأدّب العبد باستدامة السكون والتزام حسن الخلق، فإنّ الضانية مستسلمة لمن يلى عليها، فلا بصياحها تؤذى «١» ولا (ب ... وها) «٢»، يعنى كذلك سبيل من وطئ هذا البساط.\nوكذلك «فى الإبل آيات» منها انقيادها لمن جرّ زمامها، واستناختها حيثما تناخ بلا نزاع ولا اختيار. ومنها ركوبها عند الحمل، ومنها صبرها على مقاساة العطش، وذوبانها فى السير.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-826>[سورة الأنعام (٦): آية ١٤٥]</span>\nقُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤٥)\nبيّن أنّ الشارع الله، والمانع عن الخلق هو الله، وما كان من غير الله فضائع باطل عند الله. بيّن أنه إذا جاء الاضطرار زال حكم الاختيار.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-827>[سورة الأنعام (٦): آية ١٤٦]</span>\nوَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلاَّ ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصادِقُونَ (١٤٦) .\n_________\n(١) فى هذه الإشارة الدقيقة نلمح أن القشيري يدعو إلى إيثار الكتمان وعدم البوح بالأسرار، وعلى ذلك كبار الشيوخ. يقول الشبلي. على أثر محنة الحلاج «كنت وابن منصور شيئا واحدا ولكنه أظهر وأنا كتمت» .\n(٢) مشتبهة، وربما كانت (بعدوّها)، وعندئذ قد تكون العبارة فلا بصاحبها تؤذى ولا بعدوها.","vol":"1","page":508},{"text":"بيّن أن ما حرّم عليهم ضيّعوه إذ لما لم يعاقبهم عليه لم يشهدوا مكره العظيم فيما ابتدعوه من قبل نفوسهم- فأهملوه ولم يحافظوا عليه، فاستوجبوا عظيم الوزر وأليم الهجر.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-828>[سورة الأنعام (٦): آية ١٤٧]</span>\nفَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١٤٧)\nالإشارة منه بيان تخصيص الأولياء بالرحمة، وتخصيص الأعداء بالطرد واللعنة. والصورة الإنسانية جامعة (لهم) «١» ولكن القسمة الأزلية فاصلة بينهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-829>[سورة الأنعام (٦): آية ١٤٨]</span>\nسَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ (١٤٨)\nكذبت قالتهم لأنها لم تصدر عن تصديق، فذمّوا على جهالتهم وإن كانت (....) «٢»\nفى التحقيق.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-830>[سورة الأنعام (٦): آية ١٤٩]</span>\nقُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩)\nصرّح بأن إرادته- سبحانه- لا تتقاصر عن مراد، وليس عليه اعتراض.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-831>[سورة الأنعام (٦): آية ١٥٠]</span>\nقُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هذا فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١٥٠)\n_________\n(١) وردت (له) والصواب أن تكون (لهم) لتشمل الأولياء والأعداء.\n(٢) مشتبهة.","vol":"1","page":509},{"text":"أشار إلى أنّ من تجرّد عن برهان يصرّحه وبيان (يوضّحه) «١» فغير مقبول من فاعله.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-832>[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٥١ الى ١٥٣]</span>\nقُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١) وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَها وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١٥٢) وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣) .\n_________\n(١) وردت (يوضعه) والصواب أن تكون بالحاء ليقوى المعنى والموسيقى اللفظية ونرجح أن الناسخ اشتبه عليه شكل الحاء فظنها عينا.","vol":"1","page":510},{"text":"هذه أشياء عشرة تضمنتها هذه الآية أولها الشرك فإنه رأس المحرمات، والذي لا يقبل معه شىء من الطاعات، وينقسم ذلك إلى شرك جلىّ وشرك خفىّ فالجلىّ عبادة الأصنام، والخفىّ ملاحظة الأنام، بعين استحقاق الإعظام.\nوالثاني من هذه الخصال ترك العقوق، وتوقير الوالدين بحفظ ما يجب من أكيدات الحقوق.\nوبعد ذلك قتل الأولاد خشية الإملاق، وإراقة دمائهم بغير استحقاق.\nثم ارتكاب الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وما بدا وما استتر، ويدخل فى ذلك جميع أقسام الآثام.\nثم قتل النّفس بغير الحق، وذلك إنما يكون لفقد شفقة الخلق.\nثم مجانبة مال اليتيم والنظر إليه بعين التكريم.\nثم بذل الإنصاف فى المعاملات والتوقي من جميع التبعات «١» ثم الصدق فى القول والعدل فى الفعل.\nثم متابعة السبيل بما تشير إليه لوائح الدليل.\nفمن قابل هذه الأوامر بجميل الاعتناق سعد فى داريه وحظى بعظائم منزلته.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-833>[سورة الأنعام (٦): آية ١٥٤]</span>\nثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَمامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (١٥٤)\nيهوّن عليهم مشقة مقاساة التكليف بما ذكر من التعريف بأنّ الذين كانوا قبلنا كانوا فى الضعف والعجز مثلنا، ثم صبروا فظفروا، وأخلصوا فخلصوا.\n_________\n(١) أي الاحتراز عما فيه تبعة.","vol":"1","page":511},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-834>[سورة الأنعام (٦): آية ١٥٥]</span>\nوَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥)\nإنزال الكتاب عليهم تحقيق للإيجاب، وإذا بقي العبد عن سماع الخطاب تسلى بقراءة الكتاب، ومن لم يجد فى قراءة القرآن كمال العيش والأنس فلأنّه يقرأ ترسما لا تحققا «١» قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-835>[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٥٦ الى ١٥٧]</span>\nأَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ (١٥٦) أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْها سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ الْعَذابِ بِما كانُوا يَصْدِفُونَ (١٥٧)\nأزاح كلّ علّة، وأبدى كل وصلة، فلم يبق لك تعللا، ولا فى آثار الالتجاء إلى العذر موضعا.\nقوله جل ذكره: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْها سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ الْعَذابِ بِما كانُوا يَصْدِفُونَ.\nعقوبة كلّ جرم مؤجلة، وعقوبة التكذيب معجلة، وهى ما يوجب بقاءهم فى أسر الشك حتى لا يستقر قلبهم على شىء.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-836>[سورة الأنعام (٦): آية ١٥٨]</span>\nهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٥٨)\n_________\n(١) يمكن ان يصلح هذا الرأى لتحديد موقف القشيري من قضية «السماع» ومدى تأثير القرآن والشعر فى الوجدان الصوفي. أنظر قصة يوسف بن الحسين الرازي (الرسالة ص ١٧١) .","vol":"1","page":512},{"text":"أخبر أنه بعد ما (أزاح) «١» لهم العلل اقترحوا ما ليس لهم، و(اغتروا) «٢» بطول السلامة لهم، ثم بيّن أنه إذا أمضى عقوبة عبد حكما فلا معارض لتقديره، ولا مناقض لتدبيره.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-837>[سورة الأنعام (٦): آية ١٥٩]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ (١٥٩)\nاتفقوا بأبدانهم وافترقوا بقلوبهم، (فكانوا) «٣» مجتمعين جهرا بجهر متفرقين- فى التحقيق- سرّا بسرّ.\nقوله: «لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ» . لا نجمعك وإياهم، يعنى شقّك شقّ الحقائق، وشقّهم شقّ الباطل، و(لا اجتماع) «٤» للضدين.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-838>[سورة الأنعام (٦): آية ١٦٠]</span>\nمَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلاَّ مِثْلَها وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١٦٠)\nهذه الحسنات للظاهر وأمّا حسنات القلوب فللواحد مائة إلى أضعاف مضاعفة.\nويقال الحسنة من فضله تعالى تصدر، وبلطفه تحصل، فهو يجرى، ثم يقبل ويثنى، ثم يجازى ويعطى.\nويقال إحسانه- الذي هو التوفيق- يوجب إحسانك الذي هو الوفاق، وإحسانه- الذي هو خلق الطاعة- يوجب لك نعت الإحسان الذي هو الطاعة فالعناء منك فعله والجزاء لك فضله «٥» .\n_________\n(١) وردت (ذبح) وذبج العلة وإزاحتها كلاهما مقبول ولكننا آثرنا أزاح لأنه استعملها فى هذا السياق قبل قليل.\n(٢) وردت (اعتروا) بالعين والصواب (اغتروا) بالغين.\n(٣) وردت (فكا ...) فأكملناها.\n(٤) وردت و(الاجتماع) والمعنى يرفضها ويقبل و(لا اجتماع) . [.....]\n(٥) تعبر هذه الفقرة عن موقف القشيري بالنسبة لقضية وجوب المثوبة والعقوبة على الله بالنسبة للمطيع والعاصي، فبينما يقول المعتزلة بهذا الوجوب، يرفض القشيري كل وجوب على الله، ويعود بالأمر كله إلى الفضل الإلهى.","vol":"1","page":513},{"text":"ويقال إحسان النفوس توفية الخدمة، وإحسان القلوب حفظ الحرمة، وإحسان الأرواح مراعاة آداب الحشمة.\nويقال إحسان الظاهر يوجب إحسانه فى السرائر، فالذى منك مجاهدتك، والذي إليك مشاهدتك.\nويقال إحسان الزاهدين ترك الدنيا، وإحسان المريدين رفض الهوى، وإحسان العارفين قطع المنى، وإحسان الموحدين التخلّي عن الدنيا والعقبى، والاكتفاء بوجود المولى.\nويقال إحسان المبتدئين الصدق فى الطلب، وإحسان أصحاب النهاية حفظ الأدب، فشرط الطلب ألا يبقى ميسور إلّا بذلته، وشرط الأدب ألا تسمو لك همّة إلى شىء إلا قطعته وتركته.\nويقال للزهاد والعبّاد، وأصحاب الأوراد وأرباب الاجتهاد جزاء محصور معدود، ولأهل المواجيد لقاء غير مقطوع ولا ممنوع.\nقوله جل ذكره: وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ.\nيعنى (يكال) «١» عليه بالكيل الذي يكيل، ويوقف حيث يرضى لنفسه بأن يكون له موقفا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-839>[سورة الأنعام (٦): آية ١٦١]</span>\nقُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١)\nأرشده إلى الطريق الصحيح. ولا يكون الإرشاد إليه إلا بانسداد الطرق أجمع إلى ما سواه.\nومن وجد سبيلا إلى مخلوق عرج في أوطان الحسبان لأن الأغيار ليس لها من الإبداع شظية، ومن سلك إلى مخلوق سبيلا وأبرم فيهم تأميلا أو قدّم عليهم تعويلا، فقد استشعر تسويلا، وجرّع تضليلا.\n_________\n(١) وردت (يقال) وهى خطأ فى النسخ.","vol":"1","page":514},{"text":"و«الصراط المستقيم» ألّا ترى من دونه مثبتا لذرة ولا سنة.\nو«الدين القيم» ما لا تمثيل فيه ولا تعطيل، ولا نفى للفرق الذي يشير إلى العبودية، ولا رد للجمع الذي هو شهود الربوبية «١» .\nوالحنيف المائل إلى الحق، الزائغ عن الباطل، الحائل عن ضد الحقيقة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-840>[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٦٢ الى ١٦٣]</span>\nقُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٦٢) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)\nمن كوشف بحقائق التوحيد شهد أن القائم عليه والمجرى عليه والممسك له والمنقّل إياه من وصف إلى وصف، و(....) «٢» عليه فنون الحدثان- واحد لا يشاركه قسيم، وماجد لا يضارعه نديم.\nويقال من علم أنه بالله علم أنه لله، فإذا علم أنه لله لم يبق فيه نصيب لغير الله فهو مستسلم لحكم الله، لا معترض على تقدير الله، ولا معارض لاختيار الله، ولا معرض عن اعتناق أمر الله.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-841>[سورة الأنعام (٦): آية ١٦٤]</span>\nقُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (١٦٤) .\n_________\n(١) من اقوال القشيري التي توضح مقصوده هنا: ما يكون كسبا للعبد من إقامة العبودية وما يليق بأحوال البشرية فهو فرق، وما يكون من قبل الحق من إبداء معان وإسداء لطف وإحسان فهو جمع، فمن أشهده الحق- سبحانه- أفعاله من طاعاته ومخالفاته فهو عبد بوصف التفرقة، ومن أشهده الحق- سبحانه- ما يوليه من أفعال نفسه- سبحانه- فهو عبد يشاهد الجمع فإثبات الخلق من باب التفرقة، واثبات الحق من نعت الجمع، ولا بد للعبد من الجمع والفرق، فإن من لا تفرقة له لا عبودية له، ومن لا جمع له لا معرفة له (الرسالة ص ٣٨) .\n(٢) مشتبهة وهى قريبة من (المجرى) .","vol":"1","page":515},{"text":"كيف أوثر عليه بدلا وإنى لا أجد عن حكمه حولا، وكيف أقول بغير أو ضد أو شريك؟ أو أقول يدونه معبود أو مقصود؟ وإن لاحظت يمنة ما شاهدت إلا ملكه، وإن طالعت يسرة ما عاينت إلا ملكه! بل إنى إن نظرت يمنة شهدت يمنه، وإن نظرت يسرة وجدت نحوى يسره «١» ! قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-842>[سورة الأنعام (٦): آية ١٦٥]</span>\nوَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٥)\nصير التوبة إليكم، وقصر حكم عصركم عليكم، فأنتم المقصودون اليوم دون من هو سواكم. ثم إنه جعلكم أصنافا، وخلقكم أخيافا «٢» فمن مسخّر له، مرفّه، مروّح، يتعب لأجله كثير. ومن معنّي، وذى مشقة أدير عليه رأسه. وجاء البلاء ليختبركم فيما آتاكم، ويمتحنكم فيما أعطاكم. إنّ حسابه لكم لاحق، وحكمه فيكم سابق. والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-843>السورة التي يذكر فيها الأعراف</span>\n«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» الباء مكسورة فى نفسها وعملها الخفض لأنها من الحروف الجارة للأسماء، وهى صغيرة القامة فى الخط، ونقطها الذي تتميز به عن غيرها واحد وهو نهاية القلّة، ثم موضع هذه النقطة أسفل الحرف، فهى تشير إلى التواضع والخضوع بكل وجه.\nوالسين «من بسم الله» حرف ساكن فالإشارة من الباء ألا تذر- فى الخضوع والتذلل، والجهد والتوسل- ميسورا، ثم تسكن منتظرا للتقدير، فإن منّ القبول بفضله\n_________\n(١) وردت (يمنه ويسره) بتاء مربوطة والصواب أن تكونا (اليمن واليسر) مضافتين لله- سبحانه.\n(٢) يقال هم إخوة أخياف: أي أنّ أمهم واحدة والآباء شتى فهم مختلفون (المنجد)","vol":"1","page":516},{"text":"فذلك المأمول، وإن ردّ بحكم فله الحكم، فتوافق تقديره بالموافقة فى الرضا به، إذا الميم تشبر إلى منته إن شاء، ثم إلى موافقتك لتقديره بالرضا به إن لم يمنّ.\nويقال الباء تشير إلى بيان قلوب أهل الحقائق بلطائف المكاشفات بما يختصهم الحق- سبحانه- بذلك من دون الخلق، فهم على بيان مما يخفى على الخلق، فالغيب لهم كشف، والخبر لهم عيان، وما للناس علم فلهم وجود.\nوالسين تشير إلى سرور قلوبهم عند تقريبات البسط بما (....) «١» فيه من وجوه المراعاة! وصنوف لطائف المناجاة، فهم فى جنات النعيم، وعيش بسط وتكريم، ودوام روح مقيم.\nوالميم تشير إلى محبة الحق- سبحانه- لهم بدءا فإنها هى الموجبة لمحابّهم، إذ عنها صدر كلّ حب فبمحبته لهم أحبوه، وبقصده إليهم طلبوه، وبإرادته لهم أرادوه.\nويقال نزهة أسرار الموحدين فى الإناخة بعقوة بسم الله، فمن حلّ تلك الساحة رتع فى حدائق القدس، واستروح إلى نسيم الأنس.\nويقال بسم الله موقف الفقراء بقلوبهم فللأغنياء موقفهم عرفات، وللفقراء موقفهم المكاشفات والمشاهدات.\nويقال قالة «بِسْمِ اللَّهِ» ربيع الأحباب أزهارها لطائف الوصلة، ونورها زوائد القربة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-844>[سورة الأعراف (٧): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالمص (١)\nهذه الحروف من المتشابه فى القرآن على طريقة قوم من السلف، والحق- سبحانه- مستأثر بعلمها دون خلقه. وعلى طريقة قوم فلها معان تعرف، وفيها إشارات إلى أشياء توصف: فالألف تشير إلى ألفة الأرواح العطرة أصابت الشكلية مع بعض الأرواح العطرة، فهى- فى التحقيق- فى ذلك المعنى كالمتحدة فمنه تقع الألفة بين المتشاكلين، ولأجل اتحاد المقصود يتفق القاصدون.\nويقال ألف القلب حديثه فلم يحتشم من بذل روحه.\n_________\n(١) مشتبهة.","vol":"1","page":517},{"text":"ويقال الألف تجرّد من قصده عن كل غير فلم يتصل بشىء، وحين استغنى عن كل شىء اتصل به كل شىء على جهة الاحتياج إليه.\nويقال صورة اللام كصورة الألف ولكن لما اتصلت بالحروف تعاقبتها الحركات كسائر الحروف فمرة أصبحت مفتوحة، ومرة (مسكونة) «١»، ومرة مرفوعة، وأمّا الألف التي هى بعيدة عن الاتصال بالعلاقات (فباقية على وصف التجرد عن تعاقب الحركات عليها فهى على سكونها الأصلى) «٢» .\nوأمّا الصاد فتشير إلى صدق أحوال المشتاقين فى القصد، وصدق أحوال العارفين فى الوجد، وتشير إلى صدق قلوب المريدين وأرباب الطلب، إذ العطش نعت كلّ قاصد، كما أن الدهشة وصف كل واجد.\nويقال الصاد تبدى محبة للصدور وهو بلاء الأحباب.\nويقال الصاد تطالبك بالصدق فى الود، وأمارة الصدق فى الود بلوغ النهاية والكمال، حتى لا يزيد بالبر، ولا ينقص بالمنع.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-845>[سورة الأعراف (٧): آية ٢]</span>\nكِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢)\nكتاب الأحباب تحفة الوقت، وشفاء لمقاساة ألم البعد، وهو لداء الضنى مزيل، ولشفاء الشكّ مقيل، وقال تعالى: «فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ» ولم يقل: فى قلبك فإن قلبه﵇- فى محل الشهود، ولذلك قال: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ» «٣» وكذلك قال موسى ﵇: «رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي» «٤» . وقال للمصطفى صلوات الله\n_________\n(١) وردت (مسكوه) بسقوط النون وهى خطأ فى النسخ.\n(٢) ما بين القوسين موجود فى الهامش أثبتناه فى موضعه من المتن حسب العلامة المميزة.\n(٣) آية ٩٧ سورة الحجر.\n(٤) آية ٢٥ سورة طه.","vol":"1","page":518},{"text":"عليه: «أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ» «١» . فإن القلب فى محل الشهود، وهو أبدا بدوام أنس القرب، قال ﷺ: «تنام عينى ولا ينام قلبى»»\nوقال: «أسألك لذة النظر» «٣» وصاحب اللذة لا يكون له حرج.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-846>[سورة الأعراف (٧): آية ٣]</span>\nاتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ (٣)\nاستسلموا لمطالبات التقدير، قفوا حيثما وقفتم، وتحققوا بما عرفتم، وطالعوا بما كوشفتم، ولا تلاحظوا غيرا، ولا تركنوا إلى علّة، ولا تظنوا أن لكم من دونه وسيلة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-847>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٤ الى ٥]</span>\nوَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتًا أَوْ هُمْ قائِلُونَ (٤) فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلاَّ أَنْ قالُوا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (٥)\nيعنى كم من قرية ركنوا إلى الغفلة، واغتروا بطول المهلة باتوا فى (خفض) «٤» الدعة وأصبحوا وقد صادفتهم البلايا بغتة، وأدركتهم القضية فجأة، فلا بلاء كشف عنهم، ولا دعاء سمع لهم، ولا فرار نفعهم، ولا صريخ أنقذهم. فما زالوا يفزعون إلى الابتهال، ويصيحون:\nالويل! ويدعون إلى كشف الضر، ويبكون من مسّ السوء؟! بادوا وكأنه لا عين ولا أثر، ولا لأحد منهم (خبر) «٥» . تلك سنّة الله فى الذين خلوا من الكافرين، وعادته فى الماضين من الماردين.\n_________\n(١) آية ١ سورة الشرح.\n(٢) فى رواية سعيد بن منصور فى سننه عن ابن سعد بن الحسن مرسلا: (تنام عيناى ولا ينام قلبى) ص ١٢٠ الجامع الصغير.\n(٣) وردت ضمن وعاء طويل رواه النسائي فى سننه والحاكم فى مستدركه عن عمار بن ياسر- هكذا (... وأسألك لذة النظر الى وجهك) . [.....]\n(٤) وردت (حفض) بالحاء والصواب أن تكون (خفض العيش) بالخاء.\n(٥) وردت (خير) بالياء والصواب أن تكون (خبر) بالباء.","vol":"1","page":519},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-848>[سورة الأعراف (٧): آية ٦]</span>\nفَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦)\n«فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ»: سؤال تعنيف وتعذيب.\n«وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ»: سؤال تشريف وتقريب.\n«فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ» عن القبول فيتقنّعون بذل الخجل.\n«وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ» عن البلاغ فيتكلمون ببيان الهيبة، فالكلّ بسمة العبودية والتوقير، والحقّ بنعت الكبرياء والتقدير.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-849>[سورة الأعراف (٧): آية ٧]</span>\nفَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَما كُنَّا غائِبِينَ (٧)\nفلنخبرنهم يوم الفصل ما هم عليه اليوم، ونوقفهم على ما أسلفوه، ونقيمنهم فى مقام الصّغار ومحل الخزي، وسيعلمون أنه لم يغب عن علمنا صغير ولا كبير.\nويقال أجرى الحقّ- سبحانه- سنّته بتخويف العباد بعلمه مرة كما خوّفهم بعقوبته تارة فقال تعالى: «وَاتَّقُوا يَوْمًا» «١» يعنى العذاب الواقع فى ذلك اليوم، وقال فى موضع آخر:\n«وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ» «٢» وهذا أبلغ فى التخويف، وقال «أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى» «٣» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-850>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٨ الى ٩]</span>\nوَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ (٩)\nيزن أعمالهم بميزان الإخلاص، وأحوالهم بميزان الصدق. فمن كانت أعمالهم بالرياء\n_________\n(١) آية ٤٨ سورة البقرة.\n(٢) آية ٢٨ سورة آل عمران.\n(٣) آية ١٤ سورة العلق.","vol":"1","page":520},{"text":"مصحوبة لم يقبل أعمالهم، ومن كانت أحوالهم بالاعجاب مشوبة لم يرفع أحوالهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-851>[سورة الأعراف (٧): آية ١٠]</span>\nوَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ (١٠)\nسهّلنا عليكم أسباب المعيشة، ويسّرنا لكم أحوال التصرف، ثم أراد منكم أن تتخذوا إليه سبيلا، ولم يعتص عليه مراد.\n«قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ» لاستعمالكم- فى الخلاف- أبدانكم، ولإنفاقكم- بالإسراف- أحوالكم، ولاستغراقكم- فى الحظوظ- أوقاتكم. فلا نعمة الفراغ شكرتم، ولا من مسّ العقوبة شكوتم ... خسرتم وما شعرتم! قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-852>[سورة الأعراف (٧): آية ١١]</span>\nوَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (١١)\nثبّتناكم على النعت الذي أردناكم، وأقمناكم فى الشواهد التي اخترنا لكم فمن قبيح صورته خلقا ومن مليح، ومن سقيم حالته خلقا «١»، ومن صحيح. ثم إنا نعرفكم سابق أيادينا إلى أبيكم، ثم لاحق خلافه بما بقي عرق منه فيكم، ثم ما علمنا به (من مكان يحسدكم) «٢» ويعاديكم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-853>[سورة الأعراف (٧): آية ١٢]</span>\nقالَ ما مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢)\nأي لولا قهر الربوبية جرى عليك وإلا فما موجب امتناعك عن السجود لآدم لو كنت تعظّم أمرى؟ فيتحقق الموحّدون أن موجب امتناعه عن السجود الخذلان الحاصل، ولو ساعده التوفيق لم يبرح بعد من السجود.\n_________\n(١) ضبطنا خلقا وخلقا حسبما يتطلبه السياق\n(٢) هكذا فى ص ونرجح أن الناسخ قد اخطأ فى النقل فما بين قوسين لا معنى له، وربما كانت فى الأصل (ثم ما علمنا بمن كان يحسدكم ويعاديكم) والمقصود إبليس كما فى الآية","vol":"1","page":521},{"text":"قال: «أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ» ادّعى الخيرية، وكان الواجب عليه- لولا الشقوة- أن يؤثر التذلّل على التكبّر، لا سيما والخطاب الوارد عليه من الحقّ.\nثم إنه وإن سلك طريق القياس فلا وجه له مع النّفس لأنه بحظ، فلم يزده قياسه إلا فى استحقاق نفيه إذ ادّعى الخيرية بجوهره «١»، ولم يعلم أن الخيرية بحكمه- سبحانه- وقسمته.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-854>[سورة الأعراف (٧): آية ١٣]</span>\nقالَ فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (١٣)\nفارق بساط القربة فإنّ التكبّر والترفّع على البساط ترك للأدب، وترك الأدب يوجب الطرد.\nويقال من رأى لنفسه محلا أو قيمة فهو متكبّر، والمتكبّر بعيد عن الحق سبحانه، ورؤية المقام قدح فى الربوبية إذ لا قدر لغيره تعالى، فمن ادّعى لنفسه محلا فقد نازع الربوبية.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-855>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٤ الى ١٥]</span>\nقالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤) قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (١٥)\nأجاب دعاءه فى الحال ولكن كان ذلك مكرا به لأنه مكّنه من مخالفة أمره إلى يوم القيامة، فلم يزده بذلك التمكين إلا شقوة. ليعلم الكافة أنه ليس كل إجابة للدعاء نعمة ولطفا بل قد تكون بلاء ومكرا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-856>[سورة الأعراف (٧): آية ١٦]</span>\nقالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦)\nجاهر الحقيقة بالخلاف بعد ما أظهر من نفسه غاية الخلوص فى العبودية، فعلم أن جميع ما كان منه فى (سالف) «٢» حاله لم يصدر عن الإخلاص والصدق.\n_________\n(١) حيث اعتبر النار خيرا من الطين.\n(٢) وردت (سالك) والصواب أن تكون (سالف) اى سابق عهده قبل عصيانه.","vol":"1","page":522},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-857>[سورة الأعراف (٧): آية ١٧]</span>\nثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ (١٧)\nأخبر أنه يأخذ عليهم جوانبهم، ويتسلط عليهم من جميع جهاتهم، ولم يعلم أن الحقّ سبحانه قادر على حفظهم عنه، فإنّ ما يكيد بهم من القدرة حصل، وبالمشيئة يوجد، ولو كان الأمر به أو إليه لكان أولى الخلق بأن يؤثّر فيه كدحه نفسه، وحيث لم ينفعه جهده فى سالف أحواله لم يضرهم كيده بما توعدهم به من سوء أفعاله.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-858>[سورة الأعراف (٧): آية ١٨]</span>\nقالَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُمًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (١٨)\nأخرجه من درجته، ومن حالته ورتبته، ونقله إلى ما استوجبه من طرده ولعنته، ثم تخليده أبدا فى عقوبته، ولا يذيقه ذرة من برد رحمته، فأصبح وهو مقدّم على الجملة، وأمسى وهو أبعد الزّمرة، وهذه آثار قهر العزّة. فأىّ كبد يسمع هذه القصة ثم لا يتفتت؟!.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-859>[سورة الأعراف (٧): آية ١٩]</span>\nوَيا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٩)\nلما أسكن آدم الجنة خلق معه سبب الفتنة، وهو ما أكرمه به من الزوجة. وأي نقص يكون فى الجنة لو لم يخلق فيها تلك الشجرة التي هى شجرة المحنة لولا ما أخفى من سرّ القسمة؟.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-860>[سورة الأعراف (٧): آية ٢٠]</span>\nفَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ (٢٠)\nنسبته ما حصل منهما إلى الشيطان من أمارات العناية، كانت الخطيئة منهما لكنّه تعالى قال: «فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ» .","vol":"1","page":523},{"text":"ويقال التقى آدم بإبليس بعد ذلك فقال له: يا شقىّ! وسوست إلىّ وفعلت!، فقال إبليس لآدم. يا آدم! هب أنّى كنت إبليسك فمن كان إبليسى!؟.\nقوله جل ذكره: لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما.\nوفى ذلك دلالة على عناية زائدة حيث قال: «لِيُبْدِيَ لَهُما» فلم يطلع على سوأتهما غيرهما.\nقوله جل ذكره: وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ.\nتاقت أنفسهما إلى أن يكونا ملكين- لا لأن رتبة الملائكة كانت أعلى من رتبة آدم ﵇- ولكن لانقطاع الشهوات والمنى عنهما.\nويقال لمّا طمعا فى الخلود وقعا فى الخمود، ووقعا فى البلاء والخوف وأصل كلّ محنة الطمع.\nويقال إذا كان الطمع فى الجنة- وهى دار الخلود- أوجب كلّ تلك المحن فالطمع فى الدنيا- التي هى دار الفناء- متى يسلم صاحبه من ذلك؟ ويقال إن يكونا إنما ركنا إلى الخلود فلا لنصيب أنفسهما، ولكن لأجل البقاء مع الله تعالى، وهذا أولى لأنه يوجب تنزيه محلّ النبوة. وقيل ساعات الوصال قصيرة وأيام الفراق طويلة، فما لبثا فى دار الوصلة إلّا بعضا من النهار دخلا ضحوة النهار وخرجا نصف النهار! ويقال إن الفراق عين تصيب أهل الوصلة، وفى معناه قال قائلهم:\nإن تكن عين أصابتك فما ... إلا لأنّ العين تصيب الحسنا\nويقال حين تمّت لهما أسباب الوصلة، ووطّنا نفوسهما على دوام القربة بدا الفراق من مكامنه فأباد من شملهما (ما) «١» انتظم، كما قيل:\n_________\n(١) وردت (فانتظم) والصواب (ما انتظم)","vol":"1","page":524},{"text":"حين تمّ الهوى وقلنا سررنا ... وحسبنا من الفراق أمنّا\nبعث البين رسله فى خفاء ... فأبادوا من شملنا ما جمعنا\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-861>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٢١ الى ٢٢]</span>\nوَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١) فَدَلاَّهُما بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَناداهُما رَبُّهُما أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٢)\n(حسن ظنّ آدم﵇- حمله على سكون قلبه إلى يمين العدو لأنه لم يخطر بباله أن يكذب فى يمينه بالله، ثم لمّا بان له أنه دلّاهما بغرور تاب إلى الله بصدق الندم، واعترف بأنه أساء وأجرم، فعلم- سبحانه- صدقه فيما ندم، فتداركه بجميل العفو والكرم) «١» قوله جل ذكره: فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما.\nلم يحصل استيفاء من الأكل والاستمتاع به للنفس حتى ظهرت تباشير العقاب، وتنغّص الحال، وكذا صفة من آثر على الحق- سبحانه- شيئا يبقيه عنه، فلا يكون له بما آثر استمتاع. وكذلك من ادّخر عن الله- سبحانه- نفسه أو ماله أو شيئا بوجه من الوجوه- لا يبارك الله فيه، قال تعالى فى صفة الأعداء: «خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ» .\nويقال لمّا بدت سوأتهما احتالا فى السّتر، وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة فبعدما كانت كسوتهما حلل الجنة ظلّا يستتران بورق الجنة، كما قيل:\nلله درّهم من فتية بكروا ... مثل الملوك، وراحوا كالمساكين\nوأنشدوا: لا تعجبوا لمذلتى فأنا الذي ... عبث الزمان بمهجتي فأذلّها\nثم إن آدم ﵇ لم يساعده الإمكان فى الاستتار بالورق إذ كانت الأشجار أجمع كلّها تتطاول وتأبى أن يأخذ آدم﵇- شيئا من أوراقها. وقبل ذلك كان لا يلاحظ الجنة فكان يتيه على الكون بأسره ولكنه صار كما يقال:\nوكانت- على الأيام- نفسى عزيزة ... فلمّا رأت صبرى على الذلّ ذلّت\n_________\n(١) ما بين القوسين موجود فى الهامش أثبتناه فى موضعه من المتن.","vol":"1","page":525},{"text":"ولمّا أخرج آدم من الجنة وأسكن الأرض كلّف العمل والسعى والزرع والغرس، وكان لا يتجدد له حال إلا تجدّد بكاؤه، وجبريل﵇- يأتيه ويقول: «أهذا الذي قيل لك: «إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى»؟\nفلم تعرف قدره. «فذق جزايا خلافك» فكان يسكن عن الجزع. ويقال بل الحكم بالخنوع كما قيل:\nوجاشت إلىّ النفس أوّل مرة ... وزيدت على مكروهها فاستقرت\nقوله جلّ ذكره: وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَناداهُما رَبُّهُما أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ.\nكانت لا تصل يده إلى الأوراق حين أراد قطافها ليخصفها على نفسه، فلو لم تصل يده إلى تلك الشجرة- التي هى شجرة المحنة- لكان ذلك عناية بشأنه، ولكن وصلت يده إلى شجرة المحنة، تتمة للبلاء والفتنة، ولو لم تصل يده إلى شجرة الستر- إبلاغا فى القهر- لما خالف الأمر، ولما حصل ما حصل.\n«وَناداهُما رَبُّهُما أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ»: فكان ما داخلهما من الخجل أشدّ من كل عقوبة لأنهما لو كانا فى الغيبة عند سماع النداء فإن الحضور يوجب الهيبة، فلما ناداهما بالعتاب حلّ بهما من الخجل ما حلّ، وفى معناه أنشدوا:\nواخجلتا من وقوفي وسط دارهم ... إذ قال لى مغضبا: من أنت يا رجل؟.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-862>[سورة الأعراف (٧): آية ٢٣]</span>\nقالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (٢٣)\nاعترفا بالظلم جهرا، وعرفا الحكم فى ذلك سرّا فقولهما: «رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا» اعتراف بالظلم من حيث الشريعة، وعرفان بأن المدار على الحكم من حيث الحقيقة، فمن لم يعترف بظلم الخلق طوى الشريعة «١»، ومن لم يعرف جريان حكم الحق فقد جحد الحقيقة،\n_________\n(١) حتى يكون الشر منسوبا للإنسان كسبا.","vol":"1","page":526},{"text":"فلمّا أقرّا بالظلم قالا: «وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ» نطقا على عين التوحيد حيث لم يقولا بظلمنا خسرنا، بل قالا: فعلنا فإن لم تغفر لنا خسرنا، فبترك غفرانك تخسر لارتكاب ظلمنا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-863>[سورة الأعراف (٧): آية ٢٤]</span>\nقالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (٢٤)\nأهبطهم، ولكنه أهبط إبليس عن رتبته فوقع فى اللعنة، وأهبط آدم عن بقعته فتداركته الرحمة.\nويقال لم يخرج آدم ﵇ من رتبة الفضيلة وإن أخرج عن دار الكرامة، فلذلك قال الله تعالى: «ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ» وأما إبليس- لعنة الله عليه- فإنه أخرج من الحالة والرتبة فلم ينتعش قط عن تلك السّقطة.\nقوله جل ذكره: وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ.\n«وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ» هذا عام «وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ»: أراد به إبليس على الخصوص.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-864>[سورة الأعراف (٧): آية ٢٥]</span>\nقالَ فِيها تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُونَ (٢٥)\nأخبر أنه يستقبلهم اختلاف الأحوال فى الدنيا، ويتعاقب عليهم تفاوت الأطوار، فمن عسر ومن يسر، ومن خير ومن شر، ومن حياة ومن موت، ومن ظفر ومن فوت ...\nإلى غير ذلك من الأحوال.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-865>[سورة الأعراف (٧): آية ٢٦]</span>\nيا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٢٦)\nسترناكم عن الأسباب الظاهرة، ويسّرنا لكم ما تدفعون به صنوف المضار عنكم بما مكّنّا لكم من وجوه المنافع.","vol":"1","page":527},{"text":"ثم قال: «وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ» فإن اللباس الظاهر بقي آفات الدنيا، ولباس التقوى يصون عن الآفات التي توجب سخط المولى، ولباس التقوى بجميع أجزاء العبد وأعضائه. وللنّفس لباس من التقوى وهو بذل الجهد والروح والقلب، لباس من التقوى وهو صدق القصد بنفي الطمع. وللروح لباس من التقوى وهو ترك العلائق وحذف العوائق.\nوللسرّ لباس من التقوى وهو نفى المساكنات والتصاون من الملاحظات.\nويقال تقوى العبّاد ترك الحرام، وتقوى العارفين نفى مساكنة الأنام. ويقال للعوام التقوى، وللخواص لباس التقوى عن شهود التقوى.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-866>[سورة الأعراف (٧): آية ٢٧]</span>\nيا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (٢٧)\nمن أصغى إلى وساوس نفسه بأسماع الهوى وجد الشكّ بين وسواس الشيطان وهاجس النّفس، ويتناصر الوسواس والهاجس وتصير خواطر القلب وزواجر العلم مغمورة مقهورة- فعن قريب تشمل تلك الهواجس والوساوس صاحبها، وينخرط فى سلك موافقة الهوى فيسقط فى مهواة الزلة، فإذا لم يحصل تدارك بوشيك التوبة صارت الحالة قسوة فى القلب، وإذا قسا القلب فارقته الحياة وتمّ له البلاء.\nقوله جل ذكره: إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ.\nلا يحصل للعبد احتراس من رؤية الشيطان إياه وهو عنه غائب إلا برؤية العبد للحق- سبحانه- بقلبه، فيستغيث إليه من كيده، فيدخله- سبحانه- فى كنف عنايته فيجد الخلاص من مكر الشيطان.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-867>[سورة الأعراف (٧): آية ٢٨]</span>\nوَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٢٨)","vol":"1","page":528},{"text":"استروحوا فى التعلل إلى سلوكهم نهج أسلافهم، فاستمسكوا بحبل واه فزلّت بهم أقدام الغرور، وقعوا فى وهدة المحنة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-868>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٢٩ الى ٣٠]</span>\nقُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقًا هَدى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٠)\nالقسط العدل، ويقع ذلك فى حق الله تعالى، وفى حق الخلق، وفى حق نفسك فالعدل فى حقّ الله الوقوف على حدّ الأمر من غير تقصير فى المأمور به أو إقدام على المنهىّ عنه، ثم ألا تدخر عنه شيئا مما خوّلك، ثم لا تؤثر عليه شيئا فيما أحلّ لك. وأمّا العدل مع الخلق- فعلى لسان العلم- بذل الإنصاف، وعلى موجب الفتوة ترك الانتصاف. وأمّا العدل فى حق نفسك فإدخال العتق عليها، وسدّ أبواب الراحة بكل وجه عليها، والنهوض بخلافها على عموم الأحوال فى كل نفس.\nقوله جل ذكره: وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ.\nالإشارة منه إلى استدامة (شهوده فى كل حالة، وألا تنساه لحظة فى كلّ ما تأتيه وتذره وتقدمه) «١» وتؤخره.\nقوله جل ذكره: كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ فَرِيقًا هَدى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ.\nمن كانت قسمته- سبحانه- له بالسعادة كانت فطرته على السعادة، وكانت حالته بنعت السعادة، ومن كانت حالته بنعت السعادة كانت عاقبته إلى السعادة، ومن كانت القسمة له بالعكس فالحالة بالضد، قال رسول الله ﷺ: «من كان بحالة لقى الله بها» .\n_________\n(١) ما بين القوسين موجود فى الهامش أثبتناه فى موضعه من النص.","vol":"1","page":529},{"text":"وجملة العلم بالقضاء والقدر أن يتحقق أنه علم ما يكون أنه كيف يكون، وأراد أن يكون كما علم. وما علم ألا يكون- مما جاز أن يكون أراده ألا يكون- أخبر أنه لا يكون.\nوهو على وجه الذي أخبر، وقضى على العبد وقدّر أجرى عليه ما سبق به الحكم، وعلى ما قضى عليه حصل العبد على ذلك الوصف..\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-869>[سورة الأعراف (٧): آية ٣١]</span>\nيا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١)\nعلى لسان العلم: يجب ستر العورة فى الصلاة، وعلى موجب الإشارة: زينة العبد بحضور الحضرة، ولزوم السّدّة، واستدامة شهود الحقيقة.\nويقال زينة نفوس العابدين آثار السجود، وزينة قلوب العارفين أنوار الوجود فالعابد على الباب بنعت العبودية، والعارف على البساط بحكم الحرية. وشتّان بين عبد وعبد! قوله جل ذكره: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ.\nالإسراف ما تناولته لك ولو بقدر سمسمة.\nويقال الإسراف هو التعدي عن حدّ الاضطرار فيما يتضمن نصيبا لك أو حظّا بأى وجه كان.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-870>[سورة الأعراف (٧): آية ٣٢]</span>\nقُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢)\nالإشارة منها إلى زينة السرائر فزينة العابدين آثار التوفيق، وزينة الواجدين أنوار التحقيق، وزينة القاصدين ترك العادة، وزينة العابدين حسن العبادة.","vol":"1","page":530},{"text":"ويقال زينة النفوس صدار الخدمة، وزينة القلوب حفظ الحرمة، وزينة الأرواح الإطراق بالحضرة باستدامة الهيبة والحشمة.\nويقال زينة اللسان الذكر وزينة القلب الشكر.\nويقال زينة الظاهر السجود وزينة الباطن الشهود.\nويقال زينة النفوس حسن المعاملة من حيث المجاهدات، وزينة القلوب دوام المواصلة من حيث المشاهدات.\nومعنى قوله: «قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي....» يعنى إن الله لم يمنع هذه الزينة عمن تعرض لوجدانها، فمن تصدى لطلبها فهى مباحة له من غير تأخير قصود.\nقوله جل ذكره: وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ.\nأرزاق النفوس بحكم أفضاله سبحانه، وأرزاق القلوب بموجب إقباله تعالى.\nويقال أرزاق المريدين إلهام ذكر الله، وأرزاق العارفين الإكرام بنسيان ما سوى الله.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-871>[سورة الأعراف (٧): آية ٣٣]</span>\nقُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٣٣)\nما ظهر منها الزّلّة، وما بطن منها الغفلة.\nويقال ما ظهر منها كان بنسيان الشريعة، وما بطن بإشارة الحقيقة.\nويقال لقوم ترك الرخص يكون علة، والأولى بهم والأفضل لهم الأخذ به. وقوم لو ركنوا إلى الرّخص لقامت عليهم القيامة.\nويقال فاحشة الخواص تتبع ما لأنفسهم فيه نصيب ولو بذرة أو سنّة.\nويقال فاحشة الأحباب الصبر على المحبوب «١»\n_________\n(١) لأنهم عندئذ يستطيعون الصبر بعيدا عن رضا محبوبهم ﷿. (الرسالة ص ١٦٢) [.....]","vol":"1","page":531},{"text":"ويقال فاحشة الأحباب أن تبقى حيّا وقد منيت بالفراق، قال قائلهم:\nلا عيش بعد فراقهم ... هدا هو الخطب الأجلّ\nويقال فاحشة قوم أن يلاحظوا غيرا بعين الاستحقاق، قال قائلهم:\nيا قرّة العين سل عينى هل اكتحلت ... بمنظر حسن مذغبت عن عينى؟\nويقال فاحشة قوم أن تبقى لهم قطرة من الدمع ولم يسكبوها للفرقة، أو يبقى لهم نفس لم يتنفّسوا به فى حسرة، وفى معناه أنشدوا:\nلئن بقيت فى العين منّى دمعة ... فإنى إذا فى العاشقين دخيل\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-872>[سورة الأعراف (٧): آية ٣٤]</span>\nوَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (٣٤)\nلكلّ قوم مدة مضروبة، فإذا تناهت تلك المدة زالت تلك الحالة فلنعمة المترفين مدّة، فإذا زالت فليس بعدها إلا الشدّة، ولمحنة المستضعفين مدة فإذا انقضت تلك المدة زالت تلك الشدة.\nويقال إذا سقط قرص الشمس زال سلطان النهار فلا يزداد بعده إلا تراكم الظلمة، فإذا ارتحلت عساكر الظلام بطلوع الفجر فبعد ذلك لا تبقى فيه للنهار تهمة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-873>[سورة الأعراف (٧): آية ٣٥]</span>\nيا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٥)\nإذا أتاكم الرّسل فلا تركنوا إلى مجوزات الظنون، واحملوا الأمر على الجدّ فإنّا- مع استغنائنا عن الأغيار، وتقدّسنا عن المنافع والمضار- نطالب بالقليل والكثير، ونحاسب على النقير والقطمير.","vol":"1","page":532},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-874>[سورة الأعراف (٧): آية ٣٦]</span>\nوَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٣٦)\nمن قابل ربوبيتنا بالجحد، وحكمنا بالرد، لقى الهوان، وقاسى الآلام والأحزان، ثم العجز يلجئه إلى الخنوع، ولكن بعد ألا ينفع ولا يسمع «١» قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-875>[سورة الأعراف (٧): آية ٣٧]</span>\nفَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قالُوا أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ (٣٧)\nيصيبهم من الكتاب ما سبق لهم به الحكم، فمن جرى بسعادته الحكم وقع عليه رقم السعادة، ومن سبق بشقاوته الحكم حقّ عليه علم الشقاوة.\nويقال من سبقت له قسمة السعادة فلو وقع فى قعر اللّظى تداركته العناية وأخرجته الرحمة، ومن سبقت له قسمة الشقاوة.. فلو نزل الفراديس تداركته السخطة وأخرجته اللعنة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-876>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٣٨ الى ٣٩]</span>\nقالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها جَمِيعًا قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ (٣٨) وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٣٩)\n_________\n(١) توضح هذه العبارة فى ضوء ما سيرد بعد قليل هكذا: (ولكن بعد الا ينفعهم بكاء ولا يسمع لهم دعاء) .","vol":"1","page":533},{"text":"آثار إعراض الحق عنهم أورثت لهم وحشة الوقت تبرّم بعضهم ببعض، وضاق كلّ واحد منهم عن كل شىء حتى عن نفسه، فدعا بعضهم على بعض، وتبرّأ بعضهم من بعض، وكذلك صفة المطرودين.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-877>[سورة الأعراف (٧): آية ٤٠]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (٤٠)\nفلا دعاؤهم يسمع، ولا بكاؤهم ينفع، ولا بلاؤهم يكشف، ولا عناؤهم يرفع.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-878>[سورة الأعراف (٧): آية ٤١]</span>\nلَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ وَكَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٤١)\nكما أحاطت العقوبات بهم فى الدنيا فتدنّس بالغفلة باطنهم، وتلوّث بالزّلة ظاهرهم «١»، فكذلك أحاطت العقوبات بجوانبهم فمن فوقهم عذاب ومن تحتهم عذاب، وكذلك من جوانبهم فى القلب من ضيق العيش واستيلاء الوحشة ما يفى ويزيد على الكل.\n_________\n(١) نذكّر أن القشيري منذ قليل أوضح أن (ما ظهر من الفواحش هى الزلة وما بطن منها هى الغفلة)","vol":"1","page":534},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-879>[سورة الأعراف (٧): آية ٤٢]</span>\nوَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَها أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٤٢)\nرفعنا عن ظاهرهم وباطنهم كلفة العمل فيسّرنا عليهم الطاعات بحسن التوفيق، وخفّفنا عنهم العبادات بتقليل التكليف.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-880>[سورة الأعراف (٧): آية ٤٣]</span>\nوَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)\nطهرنا قلوبهم من كل غش، واستخلصنا أسرارهم عن كل آفة. وطهّر قلوب العارفين من كل حظ وعلاقة، كما طهّر قلوب الزاهدين عن كل رغبة ومنية، وطهّر قلوب العابدين عن كل تهمة وشهوة، وطهّر قلوب المحبين عن محبة كل مخلوق وعن غل الصدر- كل واحد على قدر رتبته.\nويقال لمّا خلق الجنة وكل ترتيبها إلى رضوان، والعرش ولى حفظه إلى الجملة «١»، والكعبة سلّم مفتاحها إلى بنى شيبة، وأمّا تطهير صدور المؤمنين فتولّاه بنفسه.\nوقال: «وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ» .\nويقال إذا كان نزع الغل من الصدور من قبله فلا محلّ للغرم الذي لزمهم بسبب الخصوم حيث كان منه سبحانه وجه أدائه.\nقوله جل ذكره: وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ.\nفى قولهم اعتراف منهم وإقرار بأنهم لم يصلوا إلى ما وصلوا إليه من جزيل تلك العطيات،\n_________\n(١) هل المقصود بها جملة الملائكة إشارة إلى قوله تعالى: «وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ...؟","vol":"1","page":535},{"text":"وعظيم تلك الرتب والمقامات بجهدهم واستحقاق فعلهم، وإنما ذلك أجمع ابتداء فضل منه ولطف.\nقوله جل ذكره: وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ.\nتسكين لقلوبهم، وتطييب لهم، وإلا فإذا رأوا تلك الدرجات علموا أن أعمالهم المشوبة بالتقصير لم توجب لهم كل تلك الدرجات.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-881>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٤٤ الى ٤٥]</span>\nوَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (٤٤) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ (٤٥)\nاعترف أهل النار بحقيقة الدّين، وأقروا بسوء ما عملوا، ولكن حين لم ينفعهم إقرار بحال من الأحوال.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-882>[سورة الأعراف (٧): آية ٤٦]</span>\nوَبَيْنَهُما حِجابٌ وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًاّ بِسِيماهُمْ وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ (٤٦)\nذلك الحجاب الذي بينهما حصل من الحجاب السابق لمّا حجبوا فى الابتداء «١» فى سابق القسمة عما خصّ به المؤمنون من القربة والزلفة حجبوا فى الانتهاء عما خصّ به السعداء من المغفرة والرحمة.\nويقال حجاب وأي حجاب! لا يرفع بحيلة ولا تنفع معه وسيلة.\nحجاب سبق به الحكم قبل الطاعة والجرم.\n_________\n(١) وردت فى (الابتداع) والصواب أن سابق القسمة فى (الابتداء) قبل الطاعة والجرم- كما سيأتى بعد قليل، وكما نعرف من مذهب القشيري فى هذا الخصوص.","vol":"1","page":536},{"text":"قوله جل ذكره: وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ.\nهؤلاء الأشراف خصوا بأنوار البصائر اليوم فأشرفوا على مقادير الخلق بأسرارهم، ويشرفون غدا على مقامات الكل وطبقات الجميع بأبصارهم.\nويقال يعرفونهم غدا بسيماهم التي وجدوهم عليها فى دنياهم فأقوام موسومون بأنوار القرب، وآخرون موسومون «١» بأنوار الرد والحجب.\nقوله جل ذكره: وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ.\nسلموا اليوم عن النكرة والجحود، وأكرموا بالعرفان والتوحيد.\nوسلموا غدا من فنون الوعيد، وسعدوا بلطائف المزيد. وتحققوا أنهم بلغوا من الرتب ما لم يسم إليه طرف تأميلهم، ولم يحط بتفصيله كنه عقولهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-883>[سورة الأعراف (٧): آية ٤٧]</span>\nوَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٧)\nإنما يصرف أبصارهم اليوم تقديرا عليهم عظيم المنّة التي بها نجاتهم، فيزيدون فى الاستغاثة وصدق الابتهال، فتكمل بهم العارفة «٢» بإدامة ما لاطفهم به من الإيواء والحفظ.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-884>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٤٨ الى ٤٩]</span>\nوَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ قالُوا ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (٤٨) أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٤٩) .\n_________\n(١) قال أحمد بن عطاء: (الوسم يظهر على المقبولين والمطرودين) اللمع ص ٤٢٧.\n(٢) العارفة هى الفضل والمعروف والمنة.","vol":"1","page":537},{"text":"ذلك ما يرون عليهم من غبار الرد وأمارات البعد، وهى مما لا يخفى على ذى عينين، فيقولون لهم: هل يغني عنكم ما ركنتم إليه من أباطيلكم، وسكنتم إليه من فاسد ظنونكم، وباطل تأويلكم؟ فشاهدوا- اليوم- تخصيص الحق لمن ظننتم أنهم ضعفاؤكم، وانظروا هل يغنى عنكم الذين زعمتم أنهم أولياؤكم وشركاؤكم؟\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-885>[سورة الأعراف (٧): آية ٥٠]</span>\nوَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ (٥٠)\nدلّت الآية على أن من أواخر ما يبقى على الإنسان الأكل والشرب فإنهم فى تلك العقوبات الشديدة يقع عليهم الجوع والعطش حتى يتضرعون كلّ ذلك التضرع فيطلبون شربة ماء أو لقمة طعام وهم فى غاية الآلام، والعادة- اليوم- أن من كان فى ألم شديد لا يأكل ولا يشرب، وهذا شديد.\nثم أبصر كيف لا يسقيهم قطرة- مع استغنائه عن تعذيبهم، وقدرته على أن يعطيهم ما يريدون! ولكنه قهر الربوبية وعزّ الأحدية، وأنه فعّال لما يريد. فكما لم يرزقهم- اليوم- من عرفانه ذرة، لا يسقيهم غدا فى تلك الأحوال قطرة، وفى معناه أنشدوا:\nوأقسمن لا يسقيننا- الدهر- قطرة ... ولو فجّرت من أرضهن بحور\nويقال إنما يطلبون الماء ليبكوا به بعد ما نفدت دموعهم، وفى هذا المعنى قيل:\nيا نازحا نزفت دمعى قطيعته ... هب لى من الدمع ما أبكى عليك به.\nوفى هذا المعنى أنشدوا.\nجرف البكاء دموع عينك فاستعر ... عينا لغيرك دمعها مدرار","vol":"1","page":538},{"text":"من ذا يعيرك عينه تبكى بها ... أرأيت عينا للبكاء تعار؟\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-886>[سورة الأعراف (٧): آية ٥١]</span>\nالَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (٥١)\nكما تركوا أمره وضيّعوه تركهم فى العقوبة، ولا (...) «١» فيما يشكون، فتأتى عليهم الأحقاب، فلا كشف عذاب، ولا برد شراب، ولا حسن جواب، ولا إكرام بخطاب ذلك جزاء لمن لم يعرف قدر الوصلة فى أوقات المهلة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-887>[سورة الأعراف (٧): آية ٥٢]</span>\nوَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢)\nأنزلنا عليهم من الكتاب وأوحينا إليهم من الخطاب ما لو قابلوه بالتصديق وصاحبوه بالتحقيق لوجدوا الشفاء من محنة البعاد، ونالوا الضياء بقرب الوداد، ووصلوا فى الدنيا والعقبى إلى جميل المراد، ولكنه- سبحانه- أبى القسمة فى نصيبهم إلا الشّقوة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-888>[سورة الأعراف (٧): آية ٥٣]</span>\nهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٥٣)\nإذا كشف جلال الغيب، وانتفت عن قلوبهم أغطية الرّيب، فلا بكاء لهم ينفع، ولا دعاء منهم يسمع، ولا شكوى عنهم ترفع، ولا بلوى من دونهم تقطع\n_________\n(١) مشتبهة.","vol":"1","page":539},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-889>[سورة الأعراف (٧): آية ٥٤]</span>\nإِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٥٤)\nتعرّف إلى الخلق بآياته الظاهرة الدالة على قدرته وهى أفعاله، وتعرّف إلى الخواص منهم باياته الدالة على نصرته التي هى أفضاله وإقباله، وظهر لأسرار خواص الخواص بنعوته الذاتية «١» التي هى جماله وجلاله، فشتان بين قوم وقوم! ثم كما يدخل فى الظاهر الليل على النهار والنهار على الليل فكذلك يدخل القبض على البسط والبسط على القبض. ومنه الإشارة إلى ليل القلوب ونهار القلوب: فمن عبد أحواله أجمع قبض، ومن عبد أحواله أجمع بسط، ومن عبيد يكون مرة بعين القبض ومرة بعين البسط كما أن بعض أقطار العالم فيها نهار بلا ليل، وفى بعضها ليل بلا نهار، وفى بعضها ليل يدخل على نهار ونهار يدخل على ليل.\n«أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ»: فمنه الخير والشر، والنفع والضر، فإن له الخلق والأمر.\n«تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ» هذه الكلمة مجمع الدعاء لاشتمالها على إفادة معنى قدمه ودوام ثبوته من حيث يقال برك الطير على الماء.\nوأفادت معنى جلاله الذي هو استحقاقه لنعوت العزّ لأنه قد تبارك أي تعظّم. وأشارت إلى إسداد النّعم وإتاحة الإحسان من حيث إن البركة هى الزيادة فهى مجمع الثناء والمدح للحق سبحانه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-890>[سورة الأعراف (٧): آية ٥٥]</span>\nادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥)\n_________\n(١) لاحظ حرص القشيري الشديد حين يقرر أن أقصى حالات المشاهدة لا تكون مشاهدة الذات- فقد جلت الصمدية أن يستشرف من شهود ذاتها عبد، إنما هى مشاهدة نعوت الذات:\nالجمال والجلال.","vol":"1","page":540},{"text":"الأمر بالدعاء إذن- فى التسلّى- لأرباب المحنة، فإنهم إلى أن يصلوا إلى كشف المحنة ووجود المأمول استروحوا إلى روح المناجاة فى حال الدعاء والدعاء نزهة لأرباب الحوائج، وراحة.\nلأصحاب المطالبات، ومعجل من الأنس بما (....) «١» إلى القلب عاجل التقريب.\nوما أخلص عبد فى دعائه إلا روّح- سبحانه- فى الوقت قلبه.\nويقال علّمهم آداب الدعاء حيث قال: «تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً» وهذا أدب الدعاء أن يدعوا بوصف الافتقار والانكسار ونشر الاضطرار. ومن غاية ما تقرر لديك نعت كرمه بك أنه جعل إمساكك عن دعائه- الذي لا بد منه- اعتداء منك.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-891>[سورة الأعراف (٧): آية ٥٦]</span>\nوَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)\nمن الإفساد بعد الإصلاح إحمال النفس عن المجاهدات بخلع عذارها حتى تتبع هواها بعد ما كبحت لجامها مدة عن العدو فى ميدان الخلاف، ومن ذلك إرسال القلب فى أودية المنى بعد إمساكه على أوصاف الإرادة، ومن ذلك الرجوع إلى الحظوظ بعد القيام بالحقوق، ومن ذلك استشعار محبة المخلوق بعد تأكيد العقد معه بألا تحب سواه، ومن ذلك الجنوح إلى تتبع الرّخص فى طريق الطلب بعد حمل النّفس على ملازمة الأولى والأشق، ومن ذلك الانحطاط بحظّ إلى طلب مقام منه أو إكرام، بعد القيام معه بترك كل نصيب وفى الجملة: الرجوع من الأعلى إلى الأدنى إفساد فى الأرض بعد الإصلاح.\nقوله جل ذكره: إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ.\nيقال المحسنين عملا والمحسنين أملا، فالأول العابدون والثاني العاصون «٢» ويقال المحسن من كان حاضرا بقلبه غير لاه عن ربّه ولا ناسيا لحقّه.\nويقال المحسن القائم بما يلزم من الحقوق.\n_________\n(١) مشتبهة.\n(٢) تأمل كيف يفسح الصوفية صدورهم ويفتحون أبواب الأمل أمام العصاة","vol":"1","page":541},{"text":"ويقال المحسن الذي لم يخرج (....) «١» عن إحسانه بقدر الإمكان ولو بشطر كلمة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-892>[سورة الأعراف (٧): آية ٥٧]</span>\nوَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحابًا ثِقالًا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧)\nتباشير القرب تتقدم فيتأدى نسيمه إلى مشام الأسزار، وكذلك آثار الإعراض تتقدم فتوجد ظلمة القبض فى الباطن، فظلّ الوحشة يتقدمها، ونسيم الوصلة بعدها، وفى قريب منه قال قائلهم:\nولقد تشمّمت القضاء لحاجتى ... فإذا له من راحتيك نسيم\nقوله جل ذكره: حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحابًا ثِقالًا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ.\nالإشارة منه أنه يحصل بالمهجور ما يتأذى به الصدر ويبرّح به الوجد وينحل به الجسم، بل يبطل كلّه البعد، فيأتيه القرب فيعود عود وصاله بعد الذبول طريا، ويصير دارس حاله عقيب السقوط نديا، كما قال بعضهم:\nكنّا كمن ألبس أكفانه ... وقرّب النعش من اللّحد\nفجالت الروح فى جسمه ... وردّه الوصل إلى المولد\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-893>[سورة الأعراف (٧): آية ٥٨]</span>\nوَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (٥٨)\nإذا زكا الأصل نما الفرع، وإن خبث الجوهر لم يطب ما تحلّل منه، وإن طاب العنصر\n_________\n(١) مشتبهة.","vol":"1","page":542},{"text":"فالجزء يحاكى أصله، والأسرّة تدل على السريرة، فمن صفا باطن قلبه زكا ظاهر فعله، ومن كان بالعكس فحاله بالضد.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-894>[سورة الأعراف (٧): آية ٥٩]</span>\nلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٥٩)\nبلّغ الرسالة فلم ينجع فيهم ما أظهر من الآلاء، لأنّ محزوم القسمة لا ينفعه مجهود الحيلة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-895>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٦٠ الى ٦١]</span>\nقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٦٠) قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٦١)\nقوله لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ: نسبوا نوحا﵇- إلى الضلالة، فتولّى إجابتهم بنفسه فقال «يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ»، ونبيناﷺ- نسب إليه فتولّى الحق- سبحانه- الردّ عنه فقال: «ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى» «١» فشتّان بين من دافع عن نفسه، وبين من دافع عنه ونفى عنه ربّه «٢» ! قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-896>[سورة الأعراف (٧): آية ٦٢]</span>\nأُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٦٢)\nإنى أعلم أنّى وإن بالغت فى تبليغ الرسالة فمن سبقت له القسمة بالشقاوة لا ينفعه نصحى، ولا يؤثّر فيه قولى، فمن أسقطته القسمة لم تنعشه النصيحة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-897>[سورة الأعراف (٧): آية ٦٣]</span>\nأَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٦٣)\n_________\n(١) آية ٢ سورة النجم.\n(٢) من عادة القشيري أن يلتمس نوعا من المقارنة بين المصطفى صلوات الله عليه وبين سائر الأنبياء ﵈ ليظهر علو مقامه ورفعة مرتبته بينهم.","vol":"1","page":543},{"text":"عجبوا من كون شخص رسول الله، ولم يتعجبوا من كون الصنم شريكا لله، هذا فرط الجهالة وغاية الغباء! قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-898>[سورة الأعراف (٧): آية ٦٤]</span>\nفَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا عَمِينَ (٦٤)\nتسر بلوا غبّ التكذيب لمّا ذاقوا طعم العقوبة، فلم يسعدوا بما حملوه ولم يصلوا إلى ما أمّلوه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-899>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٦٥ الى ٦٩]</span>\nوَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُودًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٦٥) قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٦٦) قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٦٧) أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ (٦٨) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٦٩)\nأخبر أنهم سلكوا طريق أسلافهم وإخوانهم، فوقعوا فى وهدتهم، ومنوا بمثل حالتهم.\nفلا خير فيمن آثر هواه على رضاء الله، ولا ربح من قدّم هواه على حقّ الله.\nقوله جل ذكره: وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ","vol":"1","page":544},{"text":"جعل الله الخلق بعضهم خلفا عن بعض، فلا يفنى فوجا منهم من جنس إلا أقام فوجا منهم من ذلك الجنس. فأهل الغفلة إذا انقرضوا خلف عنهم قوم، وأهل الوصلة إذا درجوا خلف عنهم قوم، ولا ينبغى للعبد أن يسمو طرف «١» تأميله إلى محل الأكابر فإن ذلك المقام مشغول بأهله، فما لم تنته نوبة أولئك لا تنتهى النوبة إلى هؤلاء.\nقوله جل ذكره: وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً.\nكما زاد قوما على من تقدمهم فى بسطة الخلق زاد قوما على من تقدمهم فى بسطة الخلق، وكما أوقع التفاوت بين شخص وشخص فيما يعود إلى المبانى أوقع التباين بين قوم وقوم فيما يرجع إلى المعاني.\nقوله جل ذكره: فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ.\nالنّعماء عام، والآلاء خاص، فتلك تتضمن ترويح الظواهر، وهذه تتضمن التلويح فى السرائر، تلك بالترويح بوجود المبار، وهذه بالتلويح بشهود الأسرار.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-900>[سورة الأعراف (٧): آية ٧٠]</span>\nقالُوا أَجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧٠)\nطاحوا فى أودية التفرقة فلم يجدوا قرارا فى ساحات التوحيد، فشقّ عليهم الإعراض عن الأغيار، وفى معناه قال قائلهم:\nأراك بقية من قوم موسى ... فهم لا يبصرون على طعام\nويقال شخص لا يخرجه من غش التفرقة، وشخص لا يحيد لحظة عن سنن التوحيد [فهو لا يعبد إلا واحدا، وكما لا يعبد إلا واحدا لا يشهد إلا واحدا، قال قائلهم:\nلا يهتدى قلبى إلى غيركم ... لأنه سدّ عليه الطريق\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-901>[سورة الأعراف (٧): آية ٧١]</span>\nقالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٧١)\n_________\n(١) وردت (طرق) بالقاف وهى خطأ فى النسخ. [.....]","vol":"1","page":545},{"text":"إذا أراد الله هوان عبد طرحه فى مفازات التفرقة وإنّ من علامات غضبه وإعراضه ردّ العبد إلى شهود الأغيار، وتغريقه إياه فى بحار الظنون، إذ لا تحصيل للأغيار فى معنى الإثبات.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-902>[سورة الأعراف (٧): آية ٧٢]</span>\nفَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ (٧٢)\nلا رتبة فوق رتبة النبوة، ولا درجة أعلى من درجة الرسالة.\nوأخبر- سبحانه- أنه نجّى هودا برحمته، وكذلك نجّى الذين آمنوا معه برحمته، ليعلم أنّ النجاة لا تكون باستحقاق العمل، وإنما تكون بابتداء فضل من الله ورحمته فما نجا من نجا إلا بفضل الحق سبحانه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-903>[سورة الأعراف (٧): آية ٧٣]</span>\nوَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٣)\nغاير الحقّ- سبحانه- بين الرسل من حيث الشرائع، وجمع بينهم فى التوحيد فالشرائع «١»] التي هى العبادات مختلفة، ولكن الكل مأمورون بالتوحيد على وجه واحد.\n_________\n(١) كل هذه المساحة فيما بين القوسين موجودة فى الهامش بخط دقيق جدا.","vol":"1","page":546},{"text":"ثم أخبر عن إمضاء سنّته تعالى بإرسال الرسل ﵈، وإمهال أممهم ريثما ينظرون فى معجزات الرسل.\nثم أخبر عما درجوا عليه فى مقابلتهم الرسل بالتكذيب تسلية للمصطفى ﷺ وعلى آله- فيما كان يقاسى من بلاء قومه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-904>[سورة الأعراف (٧): آية ٧٤]</span>\nوَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٧٤)\nأزاح علتهم فى بسط الدلالة، ووسع عليهم حالتهم بتمكينهم من العطايا على ما دعت إليه حالتهم ... فلا الدليل تأمّلوه، ولا السبيل لازموه، ولا النعمة عرفوا قدرها، ولا المنّة قدّموا شكرها، فصادفهم من البلاء ما أدرك أشكالهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-905>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٧٥ الى ٧٩]</span>\nقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٧٥) قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (٧٦) فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقالُوا يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧٧) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (٧٨) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ (٧٩)","vol":"1","page":547},{"text":"أجرى الله- سبحانه- سنّته ألا يخص بأفضاله، وجميل صنعه وإقباله- فى الغالب من عباده- إلّا من يسمو إليه طرفه بالإجلال، وألّا يوضح له قدره بين الأضراب والأشكال فأنصار كلّ نبى إنما هم ضعفاء وقته، ويلاحظهم أهل الغفلة بعين الاحتقار، ولكن ليس الأمر كما تذهب إليه الأوهام، ولا كما يعتقد فيهم الأنام، بل الجواهر مستورة فى معادتها، وقيمة المحالّ بساكنيها، قال قائلهم:\nوما ضرّ نصل السيف إخلاق غمده ... إذا كان عضبا حيث وجهته وترا\nوقال رسول الله ﷺ: «كم من أشعث أغبر لو أقسم على الله لأبرّه» «١» قوله تعالى: «وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ» الحيلة تدعو إلى وفاق الهوى فتستثقل النّفس قول الناصحين، فيخرجون عليهم وكأن الناصحين هم العائبون، قال قائلهم:\nوكم سقت فى آثاركم من نصيحة ... وقد يستفيد البغضة المتنصح\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-906>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٨٠ الى ٨٤]</span>\nوَلُوطًا إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ (٨٠) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (٨١) وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٨٢) فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (٨٣) وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٨٤) .\n_________\n(١) فى رواية الترمذي (كم من أشعث أغبر ذى طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره منهم البراء ابن مالك) . الجامع الصغير ص ٢٣٧","vol":"1","page":548},{"text":"أباح الحقّ- سبحانه- فى الشرع ما أزاح به العذر، فمن تخطّ هذا الأمر وجرى على مقتضى الهوى استقبل هوانه، واستوجب إذلاله، واستجلب- باختياره- صغره.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-907>[سورة الأعراف (٧): آية ٨٥]</span>\nوَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْبًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨٥)\nخسّت همم قوم شعيب فقنعوا بالتطفيف فى المكيال والميزان عند معاملاتهم، ثم إن الحق- سبحانه- لم يساهلهم فى ذلك ليعلم أنّ الأقدار ليست من حيث الأخطار.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-908>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٨٦ الى ٨٧]</span>\nوَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَها عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (٨٦) وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (٨٧)\nمن المعاصي ما لا يكون لازما لصاحبه وحده بل يكون متعدّيا عنه إلى غيره. ثم بقدر الأثر فى التعدّى يحصل الضر للمبتدىء «١» قوله جل ذكره: وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا\n_________\n(١) مثلما يحدث فى حالة البدعة، فصاحب البدعة يحمل وزر ابتداعه ووزر من اقتدى به (انظر رأى القشيرى فى كتاب التحبير تحت «البديع») وهنا قد تكون (المبتدى) أى البادى بالابتداع وقد تكون (المقتدى) ويقصد بها من اقتدى به، فكلاهما يناله الضر هذا جزاء اتباعه وذاك لابتداعه.","vol":"1","page":549},{"text":"فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ.\nمنّ عليهم بتكثير العدد لأن بالتناصر والتعاون تمشى الأمور ويحصل المراد.\nويقال كما أن كل أمر بالأعوان والأنصار (خيرا أو شرا، فلا نعمة فوق اتفاق الأنصار فى الخير، ولا محنة فوق اتفاق الأعوان) «١» فى الشر.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-909>[سورة الأعراف (٧): آية ٨٨]</span>\nقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا قالَ أَوَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ (٨٨)\nكما أن (أهل) «٢» الخير لا يميلون إلا إلى أشكالهم فأهل الشر لا ينصرون إلا من رأوا بأنه يساعدهم على ما هم عليه من أحوالهم، والأوحد فى بابه من باين نهج أضرابه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-910>[سورة الأعراف (٧): آية ٨٩]</span>\nقَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ (٨٩)\nنطقوا عن صحة عزائمهم حيث قالوا: «قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ»، ثم أقروا بالشكر حيث قالوا: «بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها»، ثم تبرأوا عن حولهم وقوتهم حيث قالوا: «وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا» يعنى إن يلبسنا لباس الخذلان نردّ إلى الصغر والهوان.\nثم اشتاقوا إلى جميل التوكل فقالوا: «عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا» أي به وثقنا، ومنه الخير أمّلنا.\n_________\n(١) ما بين القوسين موجود فى الهامش أثبتناه فى موضعه من المتن.\n(٢) وضعنا (أهل) ليتضح المعنى وهى غير موجودة فى المتن.","vol":"1","page":550},{"text":"ثم فوضوا أمورهم إلى الله فقالوا: «رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ» فتداركهم الحقّ- سبحانه- عند ذلك بجميل العصمة وحسن الكفاية «١» قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-911>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٩٠ الى ٩٢]</span>\nوَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخاسِرُونَ (٩٠) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (٩١) الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ (٩٢)\nتواصوا فيما بينهم بتكذيب نبيّهم، وأشار بعضهم باستشعار وقوع الفتنة بمتابعته، وكانوا مخطئين فى حكمهم، مبطلين فى ظنهم، فعلم أنّ كل نصيحة لا يجب قبولها، وكل إشارة «٢» لا يحسن اتباعها.\nقوله تعالى: الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا كانت لهم غلبتهم فى وقتهم، ولكن لما اندرست أيامهم سقط صيتهم، و(خمد) «٣» ذكرهم، وانقشع سحاب من توهّم أنّ منهم شيئا.\nقوله جل ذكره: الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ.\nالحقّ غالب فى كل أمر، والباطل زاهق بكل وصف، وإذا كانت العزّة نعت من هو أزلىّ الوجود، وكان الجلال حقّ من هو الملك فأى أثر للكثرة مع القدرة؟ وأي خطر للعلل مع الأزل؟ ولقد أنشدوا فى قريب من هذا:\nاستقبلني وسيفه مسلول ... وقال لى واحدنا معذول\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-912>[سورة الأعراف (٧): آية ٩٣]</span>\nفَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ (٩٣)\n_________\n(١) لاحظ من هذه الفقرة ترتيب السلوك: صحة العزم ثم الشكر ثم التبري عن الحول والقوة ثم التوكل ثم التفويض.\n(٢) إشارة هنا معناها مشورة أي نصيحة.\n(٣) وردت (خمر) بالراء، وقد صوبناها (خمد) ذكرهم وليس بمستبعد أن تكون (خمل) ذكرهم فحمود الذكر وخموله بمعنى متقارب.","vol":"1","page":551},{"text":"«١» بيّن أنه راعى حدّ الأمر فإذا خرج عن عهدة التكليف فى التبليغ فما عليه من إقرارهم أو إنكارهم، من توحيدهم أو جحودهم إن أحسنوا فالميراث الجميل لهم، وإن أساءوا فالضرر بالتألم عائد عليهم، ومالك الأعيان أولى بها من الأغيار، فالخلق خلقه والملك ملكه إن شاء هداهم، وإن شاء أغواهم، فلا تأسّف على نفى وفقد، ولا أثر من كون ووجود «٢» قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-913>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٩٤ الى ٩٥]</span>\nوَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (٩٤) ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٩٥)\nحرّكهم بالبلاء الأهون تحذيرا من البلاء الأصعب، فإذا تمادوا فى غيهم، ولم ينتبهوا من غفلتهم مدّ عليهم ظلال الاستدراج، ووسّع عليهم أسباب التفرقة مكرا بهم فى الحال، فإذا وطّنوا- على مساعدة الدنيا- قلوبهم، وركنوا إلى ما سوّلت لهم من امتدادها، أبرز لهم من مكامن التقدير ما نغّص عليهم طيب الحياة، واندق بغتة عنق السرور، وشرفوا بما كانوا ينهلون من كاسات المنى، فتبدّل ضياء نهارهم بسدفة الوحشة، وتكدّر صافى مشربهم بيد النوائب، كما سبقت به القسمة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-914>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٩٦ الى ٩٧]</span>\nوَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦) أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتًا وَهُمْ نائِمُونَ (٩٧)\n_________\n(١) أخطأ الناسخ إذ كتبها (عسى) بالعين.\n(٢) ربما كان (ووجد) فالوجد يقابل الفقد، ولكن حيث هو هنا لا يتحدث عن طائفة الصوفية، وإنما يتحدث عموما، فالوجود مرادف للكون.","vol":"1","page":552},{"text":"لو آمنوا بالله، واتّقوا الشرك لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض بأسباب العطاء- ولكن «١» سبق بخلافه القضاء- وأبواب الرضاء، والرضاء أتمّ من العطاء.\nويقال ليست العبرة بالنعمة إنما العبرة بالبركة فى النعمة، ولذا لم يقل أضعفنا لهم النعمة ولكنه قال: باركنا لهم فيما خوّلنا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-915>[سورة الأعراف (٧): آية ٩٨]</span>\nأَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨)\nأكثر ما ينزل البلاء ينزل فجأة على غفلة من أهله، ويقال من حذر البيات لم يجد روح الرّقاد.\nويقال ربّ ليلة مفتتحة بالفرح مختتمة (بالترح) «٢» . ويقال ربّ يوم تطلع شمسه من أوج السعادة قامت ظهيرته على قيام الفتنة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-916>[سورة الأعراف (٧): آية ٩٩]</span>\nأَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ (٩٩)\nيقال من عرف علوّ قدره- سبحانه- خشى خفىّ مكره، ومن أمن خفىّ مكره نسى عظيم قدره.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-917>[سورة الأعراف (٧): آية ١٠٠]</span>\nأَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (١٠٠)\n_________\n(١) وردت (وإن سبق ...) وعند ذلك يضطرب السياق فوجدنا ان الأوفق ان تكون (ولكن سبق ...) لأنهم فى الآية كذبوا ...، ثم وضعنا الجملة المبدوءة بلكن بين علامتى جملة اعتراضية، فانتظم السياق، ونرجح ان ما صنعناه قريب من الأصل او هو الأصل.\n(٢) وردت (بالطرح) بالطاء، وهى خطأ من الناسخ فالترح ضد الفرح.","vol":"1","page":553},{"text":"أو لا يعلم المغترون بطول سترنا أن لو أردنا لعجّلنا لهم الانتقام، أو بلغنا فيهم الاصطلام، ثم لا ينفعهم ندم، ولا يشكى عنهم ألم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-918>[سورة الأعراف (٧): آية ١٠١]</span>\nتِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ (١٠١)\nسلكوا طريقا واحدا فى التمرد، واجتمعوا فى خط واحد فى الجحد والتّبلّد فلا للإيمان جنحوا، ولا عن العدوان رجعوا، وكذلك صفة من سبقت بالشقاء قسمته، وحقت بالعذاب عليه كلمته.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-919>[سورة الأعراف (٧): آية ١٠٢]</span>\nوَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ (١٠٢)\nنجم فى الغدر طارقهم، وأفل من سماء الوفاء شارقهم، فعدم أكثرهم رعاية العهد، وحقت من الحق لهم قسمة الرد والصد.\nويقال: شكا من أكثرهم إلى أقلّهم، فالأكثرون من ردّتهم القسمة، والأقلون من قبلتهم الوصلة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-920>[سورة الأعراف (٧): آية ١٠٣]</span>\nثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَظَلَمُوا بِها فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٠٣)\nلما انقرضت أيامهم، وتقاصر عن بساط الإجابة إقدامهم «١» بعث موسى نبيّه، وضمّ\n_________\n(١) ويجوز أن تكون (أقدامهم) فالقشيرى يستعمل وطء القدم للبساط كثيرا","vol":"1","page":554},{"text":"إليه هارون صفيّه، فقوبلا بالتكذيب والجحود، فسلك بهم مسلك إخوانهم فى التعذيب والتبعيد.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-921>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٠٤ الى ١٠٦]</span>\nوَقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٠٤) حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ (١٠٥) قالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٠٦)\nالرجوع إلى دعاء فرعون إلى الله بعد سماع كلام الله بلا واسطة صعب شديد، ولكنه لمّا ورد الأمر قابله بحسن القبول، فلما ترك اختيار نفسه أيّده الحق- سبحانه- بنور التأييد حتى شاهد فرعون محوا فى التقدير فقال: «حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ» .\nفإذا لم يصح له أن يقول على الخلق فالخلق محو فيما هو الوجود الأزلى فأىّ سلطان لآثار التفرقة فى حقائق الجمع؟\nقوله: قالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ: من المعلوم أن مجرّد الدعوى لا حجة فيه، ولكن إذا ظهر برهان لم يبق غير الانقياد لما هو الحق، فمن استسلم (...) «١»، ومن جحد الحقائق بعد لوح البيان سقط سقوطا لا ينتعش.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-922>[سورة الأعراف (٧): آية ١٠٧]</span>\nفَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ (١٠٧)\nإنما أظهر له المعجزة من عصاه لطول (مقارنته) «٢» إياها، فالإنسان إلى ما ألفه أسكن بقلبه. فلمّا رأى ما ظهر فى العصا من الانقلاب أخذ موسى ﵇ فى الفرار لتحققه بأن ذلك من قهر الحقائق، وفى هذا إشارة إلى أنّ السكون إلى شىء غرّة وغفلة (ايش) «٣»\n_________\n(١) لا بد ان كلمة هنا سقطت من الناسخ مثل (سلم) او (نجا) او نحوهما. [.....]\n(٢) (مقارنته) هنا معناها مصاحبته لها بدليل قوله فيما بعد (إلى ما ألفه) .\n(٣) (إيش) هذه كلمة دارجة استعملها القشيري كثيرا فى رسالته ومعناها (اى شىء) .","vol":"1","page":555},{"text":"ما كان، فإنّ تقلب العبد فى قبض القدرة، وهو فى أسر التقلّب، وليس للطمع فى الكون مساغ بحال.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-923>[سورة الأعراف (٧): آية ١٠٨]</span>\nوَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ (١٠٨)\nالعصا- وإن كانت معه من زمن- فيده أخص به لأنها عضو له، فكاشفه أولا «١» برسم من رسمه ثم أشهده من ذاته فى ذاته ما عرف أنه أولى به منه، فلما رأى انقلاب وصف فى يده علم أنه ليس بشىء من أمره بيده.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-924>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٠٩ الى ١١٠]</span>\nقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ (١٠٩) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَماذا تَأْمُرُونَ (١١٠)\nإذا أراد الله هوان عبد لا يزيد الحقّ حجّة إلا ويزيد لذلك المبطل فيه شبهة فكلّما زاد موسى﵇- فى إظهار المعجزات ازدادوا حيرة فى التأويلات.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-925>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١١١ الى ١١٢]</span>\nقالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (١١١) يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ (١١٢)\nتوهّم الناس أنهم بالتأخير، وتقديم التدبير، وبذل الجهد والتشمير يغيّرون شيئا من التقدير بالتقديم أو بالتأخير، ولم يعلموا أن القضاء غالب، وأنّ الحكم سابق، وعند حلول الحكم فلا سلطان للعلم والفهم، والتسرع «٢» والحلم.. كلا، بل هو الله الواحد القهار العلّام.\n_________\n(١) فى هذه الإشارة نلحظ تأثر القشيري بالمكاشفة، فالحق سبحانه يتجلى للعبد اولا بنعت من نعوت صفاته ثم يتجلى له بنعت من نعوت ذاته.\n(٢) وردت (التشرع) حيث التبست علامة التضعيف التي على السين على الناسخ، والتسرع مقبول فى السياق لأنه يقابل الحلم.","vol":"1","page":556},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-926>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١١٣ الى ١١٦]</span>\nوَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ (١١٣) قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (١١٤) قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (١١٥) قالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦)\nظنوا أنهم يغلبون بما يسحرون، ولم يعلموا أن تأثير القدرة فيهم أغلب من تأثير سحرهم، وأنه لا يرد عنهم ما زوّروه فى أنفسهم من فنون مكرهم فكادوا وكيد لهم، فهو كما قيل:\nورمانى بأسهم صائبات ... وتعمدته بسهم فطاشا\nفبيناهم فى توهّم أنّ الغلبة لهم فتح عليهم- من مكامن القدرة- جيش، فوجدوا أنفسهم- فى فتح القدرة- مقهورين بسيف المشيئة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-927>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١١٧ الى ١٢٢]</span>\nوَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ (١١٧) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١١٨) فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ (١١٩) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ (١٢٠) قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ (١٢١)\nرَبِّ مُوسى وَهارُونَ (١٢٢)\nموّهوا بسحرهم أنهم غلبوا، فأدخل الله- سبحانه- على تمويهاتهم قهر الحق وطاشت تلك الحيل، وخاب منهم الأمل، وجذب الحقّ- سبحانه- أسرارهم على الوهله فأصبحوا فى صدر العداوة، وكانوا- فى التحقيق- من أهل الود. فسبحان من يبرز","vol":"1","page":557},{"text":"العدوّ فى نعت الولي ثم يقلب الكتاب ويظهر الولىّ فى نعت العدو، ثم يأبى الحال إلا حصول المقضىّ.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-928>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٢٣ الى ١٢٤]</span>\nقالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (١٢٣) لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (١٢٤)\n«١» خاطبهم معتقدا أنهم هم الذين كانوا «٢»، وهم يعلمون أن تلك الأسرار قد خرجت عن رقّ الأشكال، وأن قلوبهم طهرت عن تو التفرقة، وأن شمس العرفان طلعت فى سماء أسرارهم، فأشهدوا الحقّ بنظر صحيح، ولم يبق لتخويفات النفس فيهم سلطان، ولا لشىء من العلل بينهم مساغ.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-929>[سورة الأعراف (٧): آية ١٢٥]</span>\nقالُوا إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ (١٢٥)\nلمّا كان مصيرهم إلى الله سهل عليهم ما لقوا فى مسيرهم إلى الله.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-930>[سورة الأعراف (٧): آية ١٢٦]</span>\nوَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ (١٢٦)\nلما عملوا لله، وأوذوا فى الله، صدقوا القصد إلى الله، وطلبوا المعونة من قبل الله، كذا سنّة من كان لله أن يكون كلّه على الله.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-931>[سورة الأعراف (٧): آية ١٢٧]</span>\nوَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قالَ سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ (١٢٧)\n_________\n(١) اخطأ الناسخ إذ كتبهما (أيديهم وأرجلهم) .\n(٢) نعرف من عبارات القشيري: «كانوا لكنهم بانوا» و«العارف كائن بائن» .","vol":"1","page":558},{"text":"لما استزادوا من فرعون فى التمكين من موسى وقومه استنكف أن يقر بعجزه، ويعترف بقصور قدرته، فتوعد موسى وقومه بما عكس الله عليه تدبيره، وغلب عليه تقديره.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-932>[سورة الأعراف (٧): آية ١٢٨]</span>\nقالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (١٢٨)\nأحالهم على الله فإن رجوعه إليه، فقال لهم: إن رجوعى- عند تحيري فى أمورى- إلى ربى، فليكن رجوعكم إليه، وتوكّلكم عليه، وتعرّضوا لنفحات يسره، فإنه حكم لأهل الصبر بجميل العقبى.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-933>[سورة الأعراف (٧): آية ١٢٩]</span>\nقالُوا أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا قالَ عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٢٩)\nخفى عليهم شهود الحقيقة، وغشى على أبصارهم حتى قالوا توالت علينا البلايا ففى حالك بلاء، وقبلك شقاء ... فما الفضل؟ فأجابهم موسى﵇- بما علق رجاءهم بكشف البلاء فقال: «عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ» فوقفهم على الانتظار. ومن شهد ببصر الأسرار شهد تصاريف الأقدار.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-934>[سورة الأعراف (٧): آية ١٣٠]</span>\nوَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٣٠)\nشدّد عليهم وطأة القدرة بعد ما ضاعف لديهم أسباب النعمة، فلا الوطأة أصلحتهم شدّتها ولا النعمة نبهتهم كثرتها، لا بل إن مسّهم يسر لاحظوه بعين الاستحقاق، وإن مسّهم عسر حملوه على التّطيّر بموسى﵇- بمقتضى الاغترار.","vol":"1","page":559},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-935>[سورة الأعراف (٧): آية ١٣١]</span>\nفَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٣١)\nالكفور لا يرى فضل المنعم فيلاحظ الإحسان بعين الاستحقاق، ثم إذا اتصل به شىء مما يكرهه تجنّي وحمل الأمر على ما يتمنّي:\nوكذا الملول إذا أراد قطيعة ... ملّ الوصال وقال كان وكانا\nإن الكريم إذا حباك بودّه ... ستر القبيح وأظهر الإحسانا\nقوله جل ذكره: أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ.\nالمتفرد بالإيجاد هو الواحد ولكن بصائرهم مسدودة، وعقولهم عن شهود الحقيقة مصدودة، وأفهامهم عن إدراك المعاني مردودة قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-936>[سورة الأعراف (٧): آية ١٣٢]</span>\nوَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (١٣٢)\n«١» جعلوا الإصرار على الاستكبار شعارهم، وهتكوا بألسنتهم- فى العتوّ- أستارهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-937>[سورة الأعراف (٧): آية ١٣٣]</span>\nفَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (١٣٣)\nجنّس عليهم العقوبات لمّا نوّعوا وجنّسوا فنون المخالفات، فلا إلى التكفير عادوا، ولا إلى التطهير تصدوا، وعوقبوا بصرف قلوبهم عن شهود الحقائق\n_________\n(١) سقطت (من) فى النسخ فأثبتناها.","vol":"1","page":560},{"text":"وذلك أبلغ مما اتصل بظواهرهم من فنون البلايا.... ونعوذ بالله من السقوط عن عين الله.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-938>[سورة الأعراف (٧): آية ١٣٤]</span>\nوَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ (١٣٤)\nلم يقولوا ادع لنا ربّنا، بل قالوا يا موسى ادع لنا ربك، فهم ما ازدادوا بزيادة تلك المحن إلا بعدا وأجنبية.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-939>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٣٥ الى ١٣٦]</span>\nفَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ (١٣٥) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ (١٣٦)\nأبرموا العهد ثم نقضوه، وقدموا العهد ثم رفضوه، وكما قيل:\nإذا ارعوى عاد إلى جهله ... كذى الضنى عاد إلى نكسه\nوالشيخ لا يترك أخلاقه ... حتى يوارى فى ثرى رمسه\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-940>[سورة الأعراف (٧): آية ١٣٧]</span>\nوَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ (١٣٧)\nمن صبر على مقاساة الذّلّ فى الله وضع الله على رأسه قلنسوة العرفان، فهو العزيز سبحانه، لا يشمت بأوليائه أعداءهم، ولا يضيع من جميل عهده جزاءهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-941>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٣٨ الى ١٣٩]</span>\nوَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهًا كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨) إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٩)","vol":"1","page":561},{"text":"لم تخلص فى قلوبهم حقائق التوحيد فتاقت نفوسهم إلى عبادة غير الله، حتى قالو لنبيّهم موسى﵇-: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة. وكذا صفة من لم يتحرر قلبه من إثبات الأشغال والأعلال، ومن المساكنة إلى الأشكال والأمثال.\nويقال من ابتغى بالصنم أن يكون معبوده متى يتوهّم فى وصفه أن يخلص إلى الله قصوده؟\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-942>[سورة الأعراف (٧): آية ١٤٠]</span>\nقالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (١٤٠)\nذكّرهم انفراده- سبحانه- بإنشائهم وإبداعهم، وأنه هو الإله المتفرد بالإيجاد، ونبّههم أيضا على عظيم نعمته عليهم، وأنه ليس حقّ إتمام النعمة عليهم مقابلتهم إياها بالتولّى لغيره والعبادة لمن سواه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-943>[سورة الأعراف (٧): آية ١٤١]</span>\nوَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (١٤١)\nما ازداد موسى﵇- فى تعديد إنعام الله عليهم، وتنبيهم على عظيم آلائه إلا ازدادوا جحدا على جحد، وبعدا بالقلوب- عن محل العرفان- على بعد، وهذه أمارة من بلاه- سبحانه- فى السابق بالقطع والرد.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-944>[سورة الأعراف (٧): آية ١٤٢]</span>\nوَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (١٤٢)","vol":"1","page":562},{"text":"عدة الأحباب عزيزة، فإذا حصلت المواعدة بين الأحباب، فهى عذبة حلوة كيفما كانت، وفى هذا المعنى أنشدوا:\nأمطلينا وسوّفى ... وعدينا ولا تفى\nويقال علّل الحقّ- سبحانه- موسى بالوعد الذي وعده بأن يسمعه مرة أخرى كلامه، وذلك أنه فى المرة الأولى ابتلاه بالإسماع من غير وعد، فلا انتظار ولا توقع ولا أمل، فأخذ سماع الخطاب بمجامع قلب موسى﵇- فعلّق قلبه بالميقات المعلوم ليكون تأميله تعليلا له، ثم إن وعد الحقّ لا يكون إلا صدقا، فاطمأن قلب موسى﵇- للميعاد، ثم لمّا مضت ثلاثون ليلة أتى كما سلف الوعد فزاد له عشرا فى الموعد. والمطل فى الإنجاز غير محبوب إلا فى سنّة الأحباب، فإن المطل عندهم أشهى من الإنجاز، وفى قريب من هذا المعنى أنشدوا:\nأقيمى لعمرك لا تهجرينا ... ومنّينا المنى، ثم امطلينا\nعدينا موعدا ما شئت إنّا ... نحبّ وإن مطلت تواعدينا\nفإما تنجزى وعدك أو فإنا ... نعيش نؤمل فيك حينا\nقوله جل ذكره: وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ.\nكان هارون﵇- حمولا بحسن الخلق لمّا كان المرور إلى فرعون استصحب موسى﵇- هارون، فقال الله- سبحانه-: «أَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي» بعد ما قال: «أَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسانًا» . ولمّا كان المرور إلى سماع الخطاب أفرده عن نفسه، فقال: «اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي» وهذا غاية لحمل من هارون ونهاية التصبر والرضاء، فلم يقل: لا أقيم فى قومك. ولم يقل: هلّا تحملني مع نفسك كما","vol":"1","page":563},{"text":"استصحبتنى حال المرور إلى فرعون؟ بل صبر ورضى بما لزم، وهذه من شديدات بلاء الأحباب، وفى قريب منه أنشدوا:\nقال لى من أحب والبين قد ... حلّ وفاقا لزفرتى وشهيقى\nما ترى فى الطريق تصنع بعدي ... قلت: أبكى عليك طول الطريق\nثم إن موسى لما رجع من سماع الخطاب، فرأى من قومه ما رأى من عبادة العجل أخذ برأس أخيه يجره إليه حتى استلطفه هارون﵇- فى الخطاب، فقال:\n«يا ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسى» .\nويقال لو قال هارون﵇: إن لم تعوضنى عما فاننى من الصحبة فلا تعاتبنى فيما لم أذنب فيه بحال ذرة ولا حبّة ... لكان موضع هذه القالة.\nويقال الذنب كان من بنى إسرائيل، والعتاب جرى مع هارون، وكذا الحديث والقصة، فما كلّ من عصى وجنى استوجب العتاب، فالعتاب ممنوع عن الأجانب.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-945>[سورة الأعراف (٧): آية ١٤٣]</span>\nوَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقًا فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣)\nجاء موسى مجىء المشتاقين مجىء المهيّمين، جاء موسى بلا موسى، جاء موسى ولم يبق من موسى شىء لموسى. آلاف الرجال قطعوا مسافات طويلة فلم يذكرهم أحد، وهذا موسى خطا خطوات فإلى القيامة يقرأ الصبيان: «وَلَمَّا جاءَ مُوسى» .\nويقال لما جاء موسى لميقات بأسطر الحقّ- سبحانه- سقط بسماع الخطاب، فلم يتمالك حتى قال: «أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ»، فإن غلبات الوجد عليه استنطقته بطلب كمال الوصلة من الشهود، وكذا قالوا:","vol":"1","page":564},{"text":"وأبرح ما يكون الشوق يوما ... إذا دنت الخيام من الخيام\nويقال صار موسى﵇- عند سماع الخطاب بعين السّكر فنطق ما نطق، والسكران لا يؤخذ بقوله، ألا ترى أنه ليس فى نص الكتاب معه عتاب بحرف؟\nويقال أخذته عزّة السّماع فخرج لسانه «١» عن طاعته جريا على مقتضى ما صحبه من الأريحيّة وبسط الوصلة.\nويقال جمع موسى﵇- كلمات كثيرة يتكلم بها فى تلك الحالة فإن فى القصص أنه كان يتحمل فى أيام الوعد كلمات الحق، ويقول لمعارفه: ألكم حاجة إلى الله؟\nألكم كلام معه؟ فإنى أريد أن أمضى إلى مناجاته.\nثم إنه لما جاء وسمع الخطاب لم يذكر- مما دبّره فى نفسه، وتحمله من قومه، وجمعه فى قلبه- شيئا ولا حرفا، بل نطق بما صار فى الوقت غالبا على قلبه، فقال: ربّ:\nأرنى أنظر إليك، وفى معناه أنشدوا:\nفيا ليل كم من حاجة لى مهمة ... إذا جئتكم ليلى فلم أدر ماهيا\nويقال أشدّ الخلق شوقا إلى الحبيب أقربهم من الحبيب هذا موسى ﵇، وكان عريق الوصلة، واقفا فى محل المناجاة، محدقة به سجوف التولي، غالبة عليه بواده الوجود، ثم فى عين ذلك كان يقول: «رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ» كأنه غائب عن الحقيقة.\nولكن ما ازداد القوم شربا إلا ازدادوا عطشا، ولا ازدادوا تيما إلا ازدادوا شوقا، لأنه لا سبيل إلى الوصلة إلا بالكمال، والحقّ- سبحانه- يصون أسرار أصفيائه عن مداخلة الملال «٢» .\nويقال نطق موسى ﵇ بلسان الافتقار فقال: «رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ» ولا أقلّ\n_________\n(١) تعليل القشيري لموقف الإفصاح الذي وقفه موسى يوضح كيف يلتمس هذا الباحث مبروا لشطحات الصوفية- بطريق غير مباشر، ويعزو ذلك تارة للسكر الروحي وتارة لوقوع العبد تحت تأثير العزة الإلهية، فيخرج اللسان عن طاعته.\n(٢) وفى ذلك أنشدوا:\nفما مل ساقينا وما مل شارب ... عقار لحاظ كأسه يسلب اللبا","vol":"1","page":565},{"text":"من نظرة- والعبد قتيل هذه القصة- فقوبل بالرّد، وقيل له: «لَنْ تَرانِي» وكذا قهر الأحباب ولذا قال قائلهم:\nجور الهوى أحسن من عدله ... وبخله أظرف من بذله\nويقال لمّا صرّح بسؤال الرؤية، وجهر صريحا ردّ صريحا فقيل له: «لَنْ تَرانِي»، ولما قال نبيّناﷺ- بسرّه فى هذا الباب، وأشار إلى السماء منتظرا الرد والجواب من حيث الرمز نزل قوله تعالى: «قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها» «١» فردّه إلى شهود الجهات والأطلال إشارة إلى أنه أعزّ من أن يطمح إلى شهوده- اليوم- طرف، بل الألحاظ مصروفة موقوفة- اليوم- على الأغيار «٢» .\nويقال لما سمت همّته إلى أسنى المطالب- وهى الرؤية- قوبل «بلن، ولمّا رجع إلى الخلق وقال للخضر «هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا»، قال الخضر: «إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا» «٣» فقابله بلن، فصار الردّ موقوفا على موسى﵇ من الحق ومن الخلق، ليكون موسى بلا موسى، ويكون موسى صافيا عن كل نصيب لموسى من موسى، وفى قريب منه أنشدوا:\n(.......) «٤» نحن أهل منازل ... أبدا غراب البين فينا ينعق\nويقال طلب موسى الرؤية وهو بوصف التفرقة فقال: «رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ» فأجيب بلن لأن عين الجمع أتم من عين الفرق. فزع موسى حتى خرّ صعقا، والجبل صار دكّا.\nثم الروح بعد وقوع الصعقة على القالب مكاشفته بما هو حقائق الأحدية، ويكون الحقّ- بعد امتحاء معالم موسى- خيرا لموسى من بقاء موسى لموسى، فعلى الحقيقة: شهود الحقائق بالحقّ أتم من بقاء الخلق بالخلق، كذا قال قائلهم:\n_________\n(١) آية ١٤٤ سورة البقرة.\n(٢) من هذا- ومما أوضحه فى رسالته- نعرف أن القشيري لا يرى بجواز رؤية الله بالبصر فى هذه الدنيا.\n(٣) آية ٦٧ سورة الكهف.\n(٤) هنا لفظتان مطموستان ونعرف أنهما «أبنى أبينا ...»","vol":"1","page":566},{"text":"ولوجهها من وجهها قمر ... ولعينها من عينها كحل\nويقال البلاء الذي ورد على موسى بقوله: «فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي» «فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا» أتمّ وأعظم منه قوله: «لَنْ تَرانِي» لأن ذلك صريح فى الرد، وفى اليأس راحة. لكنّه لما قال فسوف أطمعه فيما منعه فلما اشتد موقفه جعل الجبل دكا، وكان قادرا على إمساك الجبل، لكنه قهر الأحباب الذي به جرت سنّتهم.\nويقال فى قوله: «انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ» بلاء شديد لموسى لأنه نفي عن رؤية مقصوده ومني برؤية الجبل، ولو أذن له أن يغمض جفنه فلا ينظر إلى شىء بعد ما بقي عن مراده من رؤيته لكان الأمر أسهل عليه، ولكنه قال له: «لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ» .\nثم أشدّ من ذلك أنه أعطى الجبل التّجلى فالجبل رآه وموسى لم يره، ثم أمر موسى بالنظر إلى الجبل الذي قدم عليه فى هذا السؤال، وهذا- والله- لصعب شديد!! ولكن موسى لم ينازع، ولم يقل أنا أريد النظر إليك فإذا لم أرك لا أنظر إلى غيرك بل قال: لا أرفع بصرى عما أمرتنى بأن أنظر إليه، وفى معناه أنشدوا:\nأريد وصاله ويريد هجرى ... فأترك ما أريد لما يريد\nويقال بل الحق سبحانه أراد بقوله: «وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ» تداركه قلب موسى﵇- حيث لم يترك على صريح الرد بل علله برفق كما قيل:\nفذرينى أفنى قليلا قليلا ويقال لما ردّ موسى إلى حال الصحو وأفاق رجع إلى رأس الأمر فقال: «تُبْتُ إِلَيْكَ» .\nيعنى إن لم تكن الرؤية هى غاية المرتبة فلا أقل من التوبة، فقبله- تعالى- لسمو همته إلى الرتبة العلية.\nقوله جل ذكره: تُبْتُ إِلَيْكَ.\nهذه إناخة بعقوة العبودية، وشرط الإنصاف ألا تبرح محلّ الخدمة وإن حيل بينك وبين وجود القربة لأن القربة حظّ نفسك، والخدمة حقّ ربك، وهى تتم بألا تكون بحظ نفسك.","vol":"1","page":567},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-946>[سورة الأعراف (٧): آية ١٤٤]</span>\nقالَ يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٤٤)\nهذا الخطاب لتدارك قلب موسى﵇- بكل هذا الرّفق، كأنه قال:\nيا موسى، إنى منعتك عن شىء واحد وهو الرؤية، ولكنى خصصتك بكثير من الفضائل اصطفيتك بالرسالة، وأكرمتك بشرف الحالة، فاشكر هذه الجملة، واعرف هذه النعمة، وكن من الشاكرين، ولا تتعرض لمقام الشكوى، وفى معناه أنشدوا:\nإن أعرضوا فهم الذين تعطّفوا ... وإن جنوا فاصبر لهم إن أخلفوا\nوفى قوله سبحانه: «وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ» إشارة لطيفة كأنه قال: لا تكن من الشاكين، أي إن منعتك عن سؤلك، ولم أعطك مطلوبك فلا تشكى إذا انصرفت.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-947>[سورة الأعراف (٧): آية ١٤٥]</span>\nوَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ (١٤٥)\nوفى الأثر: أن موسى ﵇ كان يسمع صرير القلم، وفى هذا نوع لطف لأنه إن منع منه النظر أو منعه من النظر فقد علله بالأثر «١» .\nقوله جل ذكره: فَخُذْها بِقُوَّةٍ.\nفيه إشارة إلى أن الأخذ يشير إلى غاية القرب، والمراد هاهنا صفاء الحال، لأن قرب المكان لا يصحّ على الله سبحانه.\nقوله جل ذكره: وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها.\nفرق بين ما أمر به موسى من الأخذ وبين ما أمره أن يأمر به قومه من الأخذ، أخذ موسى ﵇ من الحق على وجه من تحقيق الزلفة وتأكيد الوصلة، وأخذهم أخذ قبول من حيث التزام الطاعة، وشتان ما هما!.\n_________\n(١) نلاحظ أن القشيري كان ممتعا أشد ما يكون الإمتاع حين استغل موقف شهود موسى استغلالا جميلا أوشك أن يحيط بكل جوانب هذه اللحظات الحاسمة فى الحياة الروحية، فاجتمعت إشاراته لتكون درسا في غاية الدقة والإفادة. [.....]","vol":"1","page":568},{"text":"قوله: «بِأَحْسَنِها» بمعنى بحسنها، ويحتمل أن تكون الهمزة للمبالغة يعنى: بأحسنها ألا تعرّج على تأويل وارجع إلى الأولى «١» .\nقوله جل ذكره: سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ.\nيعنى عليها غبرة العقوبة، خاوية على عروشها، ساقطة على سقوفها، منهدّ بنيانها، عليها قترة العقاب.\nوالإشارة من دار الفاسقين إلى النّفوس المتابعة للشهوات، والقلوب التي هى معادن المنى وفاسد الخطرات، فإنّ الفسق يوجب خراب المحل الذي يجرى فيه فمن جرى على نفسه فسق خربت نفسه. وآية خراب النفوس انتفاء ما كان عليها وفيها من سكان الطاعات، فكما تتعطل المنازل عن قطانها إذا تداعت للخراب فكذلك إذا خربت النفوس بعمل المعاصي فتنتفى عنها لوازم الطاعات ومعتادها، فبعد ما كان العبد يتيسر عليه فعل الطاعات لو ارتكب شيئا من المحظورات يشق عليه فعل العبادة، حتى لو خيّر بين ركعتى صلاة وبين مقاساة كثير من المشاق آثر تحمل المشاقّ على الطاعة.. وعلى هذا النحو ظلم القلوب وفسادها فى إيجاب خراب محالها.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-948>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٤٦ الى ١٤٧]</span>\nسَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ (١٤٦) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٤٧)\nسأحرم المتكبرين بركات الاتباع حتى لا يقابلوا الآيات التي يكاشفون بها بالقبول، ولا يسمعوا ما يخاطبون به بسمع الإيمان.\nوالتكبّر جحد الحق- على لسان العلم، فمن جحد حقائق الحقّ فجحوده تكبّره واعتراضه على التقدير مما يتحقق جحوده فى القلب.\n_________\n(١) يوجه القشيري هذه الإشارة نحو موضوع الرخص، فمن المعلوم أنه يرى ان من الأفضل الا يلجا المريد للرخصة، وفعل الأولى عنده هو ترك الرخصة لأنها للمستضعفين وأرباب الحوائج والأشغال من الكافة، والمريد لا حاجة له ولا شغل إلا لربه وبربه.","vol":"1","page":569},{"text":"ويقال التكبّر توهم استحقاق الحقّ لك.\nويقال من رأى لنفسه قيمة فى الدنيا والآخرة فهو متكبّر.\nويقال من ظنّ أنّ شيئا منه أو له أو إليه- من النفي والإثبات- إلا على وجه الاكتساب فهو متكبّر.\nقوله جل ذكره: وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ.\nتبيّن بهذا أنه لا يكفى شهود الحقّ حقا وشهود الباطل باطلا بل لا بدّ من شهود الحق من وجود التوفيق للحق، ومنع شهود الباطل من وجود العصمة من اتباع الباطل.\nويقال إنّ الجاحد للحقّ- مع تحققه به- أقبح حالة من الجاهل به المقصّر فى تعريفه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-949>[سورة الأعراف (٧): آية ١٤٨]</span>\nوَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكانُوا ظالِمِينَ (١٤٨)\nلم يطهّر قلوبهم- فى ابتداء أحوالهم- عن توهم الظنون، ولم يتحققوا بخصائص القدم وشروط الحدوث، فعثرت أقدام فكرهم فى وهاد المغاليط لما سلكوا المسير.\nويقال إن أقواما رضوا بالعجل أن يكون معبودهم متى تشم أسرارهم نسيم «١» التوحيد؟\nهيهات لا! لا ولا من لاحظ جبريل وميكائيل والعرش أو الثّرى، أو الجنّ أو الورى.\nوإنّ من لحقه ذلك أو وجد من قبيل ما يقبل نعوت الحدثان، أو صحّ فى التجويز أن ترتقى إليه صواعد التقدير وشرائط الكيفية فغير صالح لاستحقاق الإلهية.\n_________\n(١) وردت (تشيم) وهى خطأ فى النسخ.","vol":"1","page":570},{"text":"ويقال شتّان بين أمة وأمة! أمة خرج نبيهم ﵇ من بينهم أربعين يوما فعبدوا العجل، وأمة خرج نبيّهم﵇- من بينهم وأتى نيف وأربعمائة سنة فمن ذكر بين أيديهم أن الشموس والأقمار أو شيئا من الرسوم والأطلال تستحق الإلهية أحرقوه بهممهم ويقال لا فصل بين الجسم والجسد، فكما لا يصلح أن يكون المعبود جسما لا يصلح أن يكون متصفا بما فى معناه، ولا أن يكون له صوت فإن حقيقة الأصوات مصاكّة الأجرام الصلبة، والتوحيد الأزلى ينافى هذه الجملة.\nويقال أجهل بقوم آمنوا بأن يكون مصنوعهم معبودهم! ولولا قهر الربوبية وأنه تعالى يفعل ما يشاء- فأىّ عقل يقرّ مثل هذا التلبيس؟! قوله جل ذكره: أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكانُوا ظالِمِينَ.\nجعل من استحقاقه «١» نعوت الإلهية صحة الخطاب وأن تكون منه الهداية، وهذا يدل على استحقاق الحق بالنعوت «٢» بأنه متكلّم فى حقائق آزاله، وأنه متفرّد بهداية العبد لا هادى سواه. وفيه إشارة إلى مخاطبة الحق- سبحانه- وتكليمه مع العبد، وإنّ الملوك إذا جلّت رتبتهم استنكفوا أن يخاطبوا أحدا بلسانهم حتى قال قائلهم:\nوما عجب تناسى ذكر عبد ... على المولى إذا كثر العبيد\nوبخلاف هذا أجرى الحقّ- سبحانه- سنّته مع عباده المؤمنين، أما الأعداء فيقول لهم: «اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ» «٣» وأمّا المؤمنون فقال ﷺ: «ما منكم إلا يكلمه ربّه ليس بينه وبينه ترجمان» «٤»، وأنشدوا فى معناه.\nوما تزدهينا الكبرياء عليهم ... إذا كلّمونا أن نكلمهم مردّا\n_________\n(١) وردت (استحقاقهم) وهى خطأ فى النسخ.\n(٢) يشير القشيري بذلك إلى معارضة المعتزلة الذين ينفون الصفات الإلهية منعا للتعدد، واقتضاء حامل ومحمول.\n(٣) آية ١٠٨ سورة المؤمنون.\n(٤) في رواية مسلم عن عدى بن حاتم قال رسول الله (ص):\n«ما منكم من أحد إلا سيكلمه الله ليس بينه وبينه ترجمان) ص ٧٠٣ ح ٢ ط الحلبي.","vol":"1","page":571},{"text":"قال تعالى: «قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِدادًا لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَدًا» «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-950>[سورة الأعراف (٧): آية ١٤٩]</span>\nوَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (١٤٩)\nحين تحققوا بقبح صنيعهم تجرّعوا كاسات الأسف ندما، واعترفوا بأنهم خسروا إن لم يتداركهم من الله جميل لطفه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-951>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٥٠ الى ١٥١]</span>\nوَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفًا قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْواحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١٥٠) قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (١٥١)\nلو وجد موسى قومه بألف ألف وفاق لكان متنغّص العيش لما منى به من حرمان سماع الخطاب والرد إلى شهود الأغيار.. فكيف وقد وجد قومه قد ضلوا وعبدوا العجل؟! ولا يدرى أىّ المحن كانت أشدّ على موسى:\nأفقدان سماع الخطاب؟ أو بقاؤه عن سؤال الرؤية؟ أو ما شاهد من افتنان بنى إسرائيل، واستيلاء الشهوة على قلوبهم فى عبادة العجل؟ سبحان الله! ما أشدّ بلاءه على أوليائه! قوله جل ذكره: وَأَلْقَى الْأَلْواحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ.\n_________\n(١) آية ١٠٩ سورة الكهف.","vol":"1","page":572},{"text":"إن موسى ﵇ وإن كان سمع من الله فتن قومه فإنه لما شاهدهم أثّرت فيه المشاهدة بما لم يؤثر فيه السماع، وإن علم قطعا أنه تأثر بالسماع إلا أن للمعاينة تأثيرا آخر.\nثم إن موسى لما أخذ برأس أخيه يجره إليه استلطفه هارون فى الخطاب.\nفقال: يا «ابْنَ أُمَّ» فذكر الأمّ هنا للاسترفاق والاسترحام.\nوكذلك قوله: تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي»\nيريد بهذا أنه قد توالت المحن علىّ فذرنى وما أنا فيه، ولا تزد فى بلائي، خلفتنى فيهم فلم يستنصحونى. وتلك علىّ شديدة. ولقيت فى عتابى وجر رأسى وقصدت ضربى، وكنت أود منك تسليتى وتعزيتى. فرفقا بي ولا تشمت بي الأعداء، ولا تضاعف علىّ البلاء.\nوعند ذلك رقّ له موسى﵇، ورجع إلى الابتهال إلى الله والسؤال بنشر الافتقار فقال: «رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ» وفى هذا إشارة إلى وجوب الاستغفار على العبد فى عموم الأحوال، والتحقق بأنّ له- سبحانه- تعذيب البريء إذ الخلق كلّهم ملكه، وتصرّف المالك فى ملكه نافذ.\nويقال: ارتكاب الذّنب كان من بنى إسرائيل، والاعتذار كان من موسى وهارون ﵉، وكذا الشرط فى باب خلوص العبودية.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-952>[سورة الأعراف (٧): آية ١٥٢]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (١٥٢)\nيعنى إن الذين اتخذوا العجل معبودا سينالهم فى مستقبل أحوالهم جزاء أعمالهم. والسين فى قوله «سَيَنالُهُمْ» للاستقبال، ومن لا يضره عصيان العاصين لا يبالى بتأخير العقوبة عن الحال، وفرق بين الإمهال والإهمال، والحق- سبحانه- يمهل ولكنه لا يهمل، ولا ينبغى لمن يذنب ثم لا يؤاخذ فى الحال أن يغترّ بالإمهال.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-953>[سورة الأعراف (٧): آية ١٥٣]</span>\nوَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٥٣)","vol":"1","page":573},{"text":"وصفهم بالتوبة بعد عمل السيئات ثم بالإيمان بعدها، ثم قال: «مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ» .\nوالإيمان الذي هو بعد التوبة يحتمل آمنوا بأنه يقبل التوبة، أو آمنوا بأن الحق سبحانه لم يضرّه عصيان، أو آمنوا بأنهم لا ينجون بتوبتهم من دون فضل الله، أو آمنوا أي عدّوا ما سبق منهم من نقض العهد شركا.\nويقال استداموا للإيمان فكان موافاتهم على الإيمان.\nأو آمنوا بأنهم لو عادوا إلى ترك العهد وتضييع الأمر سقطوا من عين الله، إذ ليس كل مرة تسلم الجرة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-954>[سورة الأعراف (٧): آية ١٥٤]</span>\nوَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ وَفِي نُسْخَتِها هُدىً وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (١٥٤)\nتشير إلى حسن إمهاله- سبحانه- للعبد إذا تغيّر عن حدّ التمييز، وغلب عليه ما لا يطيق ردّه من بواده الغيب.\nوإذا كانت حالة الأنبياء﵈- أنه يغلبهم ما يعطلهم عن الاختيار فكيف الظن بمن دونهم «١»؟\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-955>[سورة الأعراف (٧): آية ١٥٥]</span>\nوَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ (١٥٥) .\n_________\n(١) يستشفع القشيري للواله إذا خرج عن حد التمييز إن كان صادقا وله عذر.","vol":"1","page":574},{"text":"شتّان بين أمة وأمة أمة يختارهم نبيّهم﵇، وبين أمة اختارها الحقّ- سبحانه، فقال: «وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْمٍ عَلَى الْعالَمِينَ» «١» .\nالذين اختارهم موسى قالوا: «أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ» والذين اختارهم الحق- سبحانه- قال الله تعالى فيهم: «وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ» «٢» .\nويقال إن موسى﵇- جاهر الحقّ- سبحانه- بنعت التحقيق وفارق الحشمة وقال صريحا: «إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ» ثم وكل «٣» الحكم إليه فقال: «تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ» ثم عقّبها ببيان التضرع فقال: «فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا»، ولقد قدّم الثناء على هذا الدعاء فقال: «أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-956>[سورة الأعراف (٧): آية ١٥٦]</span>\nوَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ (١٥٦)\nنطق بلسان التضرع والابتهال حيث صفّى إليه الحاجة، وأخلص له فى السؤال فقال:\n«وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ» أي اهدنا إليك.\nوفى هذه إشارة إلى تخصيص نبيّناﷺ- فى التبري من الحول والقوة والرجوع إلى الحقّ لأن موسى﵇ قال: «وَاكْتُبْ لَنا فِي....» ونبيّنا ﷺ قال: «لا تكلنى إلى نفسى طرفة عين» ولا أقلّ من ذلك، وقال:\n«واكفلنى كفالة الوليد» ثم زاد فى ذلك حيث قال: «لا أحصى ثناء عليك» «٤» .\n_________\n(١) آية ٣٢ سورة الدخان والمقصود أمة المصطفى ﷺ.\n(٢) آية ٢٢ سورة القيامة\n(٣) وردت (وقل) والصواب أن تكون (وكل) إليه الحكم.\n(٤) قال ﷺ: «اللهم اكفلنى كفالة الوليد، ولا تكلنى إلى نفسى طرفة عين، وجهت وجهى إليك، وألجأت ظهرى إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك» .\nاللهم اكفلنى كفالة الوليد ... علمها النبي (ص) لبعض أصحابه، للشيخين من حديث البراء. اللهم أمتعني بسمعى وبصرى: الترمذي، والحاكم عن أبى هريرة «ولا تكلنى إلى نفسى طرفة عين» الحاكم من حديث أنس قال: صحيح على شرط الشيخين، وعلّمه ﷺ لابنته الزهراء.","vol":"1","page":575},{"text":"قوله جل ذكره: إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ أي ملنا إلى دينك، وصرنا لك بالكلية، من غير أن نترك لأنفسنا بقية.\nقوله جل ذكره: قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ وفى هذا لطيفة حيث لم يقل: عذابى لا أخلى منه أحدا، بل علّقه على المشيئة.\nوفيه أيضا إشارة أن أفعاله- سبحانه- غير معلّلة بأكساب الخلق لأنه لم يقل:\nعذابى أصيب به العصاة بل قال: «مَنْ أَشاءُ» وفى ذلك إشارة إلى جواز الغفران لمن أراد لأنه قال: «أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ» فإذا شاء ألا يصيب به أحدا كان له ذلك، وإلا لم يكن حينئذ مختارا.\nثم لمّا انتهى إلى الرحمة قال: «وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ» لم يعلّقها بالمشيئة لأنها نفس المشيئة ولأنها قديمة، والإرادة لا تتعلق بالقديم. فلمّا كان العذاب من صفات الفعل علّقه بالمشيئة، بعكس الرحمة لأنها من صفات الذات.\nويقال فى قوله تعالى: «وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ» مجال لآمال العصاة لأنهم وإن لم يكونوا من جملة المطيعين والعابدين والعارفين فهم «شَيْءٍ» «١» .\nقوله جل ذكره: فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ.\nأي سأوجبها لهم، فيجب الثواب للمؤمنين من الله ولا يجب لأحد شىء على الله إذ لا يجب عليه شىء لعزّة فى ذاته «٢» .\nقوله هاهنا: «لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ» أي يجتنبون أن يروا الرحمة باستحقاقهم، فإذا اتقوا هذه الظنون، وتيقنوا أن أحكامه ليست معللة بأكسابهم- استوجبوا الرحمة، ويحكم بها لهم.\n_________\n(١) اى ضمن (شىء) التي فى الآية «وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ» .\n(٢) أي بخلاف المعتزلة الذين يقولون بالوجوب (على) الله، وشتان بين الوجوب (من) الله والوجوب (عليه) فالوجوب من الله فضل، والوجوب على الله إلزام. [.....]","vol":"1","page":576},{"text":"«وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ» أي بما يكاشفهم به فى الأنظار مما يقفون عليه بوجوه الاستدلال، وبما يلاطفهم به فى الأسرار مما يجدونه فى أنفسهم من فنون الأحوال.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-957>[سورة الأعراف (٧): آية ١٥٧]</span>\nالَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)\nأظهر شرف المصطفىﷺ- بقوله: «النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ» أي أنه لم يكن شىء من فضائله وكمال علمه وتهيؤه إلى تفصيل شرعه من قبل نفسه، أو من تعلّمه وتكلّفه، أو من اجتهاده وتصرّفه.. بل ظهر عليه كلّ ما ظهر من قبله- سبحانه- فقد كان هو أمّيا غير قارئ للكتب، ولا متتبّع للسّير.\nثم قال: «يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ»: والمعروف هو القيام بحق الله، والمنكر هو البقاء بوصف الحظوظ وأحكام الهوى، والتعريج فى أوطان المني، وما تصوّره للعبد تزويرات الدعوى «١» . والفاصل بين الجسمين، والمميّز بين القسمين- الشريعة، فالحسن من أفعال العباد ما كان بنعت الإذن من مالك الأعيان فلهم ذلك، والقبيح ما كان موافقا للنّهى «٢» والزجر فليس لهم فعل ذلك.\nقوله جل ذكره: وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ.\nالإصر الثّقل، ولا شىء أثقل من كدّ التدبير، فمن ترك كد التدبير إلى روح شهود التقدير، فقد وضع عنه كلّ إصر، وكفى كلّ وزر وأمر.\nوالأغلال التي كانت عليهم هى ما ابتدعوه من قبل أنفسهم باختيارهم فى التزام طاعات\n_________\n(١) يقصد بها دعوى النفس أنها على شىء وذلك زور وباطل.\n(٢) وردت (الهنى) وهى خطأ فى النسخ.","vol":"1","page":577},{"text":"الله ما لم يفترض عليهم، فوكلوا إلى حولهم ومنّتهم فيها فأهملوها، ونقضوا عهودهم.\nومن لقى- بخصائص الرضا- ما تجرى به المقادير، وشهد الحقّ فى أجناس الأحداث- فقد خصّ بكل نعمة وفضل.\nقوله جل ذكره: فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ.\nاعترف لهم «١» بنصرة الرسولﷺ- وإلا فالنبى ﷺ كان الله حسيبه، ومن كان استقلاله بالحق لم يقف انتعاشه على نصرة الخلق.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-958>[سورة الأعراف (٧): آية ١٥٨]</span>\nقُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)\nصرّح بما رقّيناك إليه من المقام، وأفصح عما لقيناك به من الإكرام، قل إنى إلى جماعتكم مرسل، وعلى كافتكم مفضّل، ودينى- لمن نظر واعتبر، وفكّر وسبر- مفصّل. فإلهى الذي لا شريك له ينازعه، ولا شبيه يضارعه له حقّ التصرف فى ملكه بما يريد من حكمه. ومن جملة ما حكم وقضى، ونفذ به التقدير وأمضى- إرسالى إليكم لتطيعوه فيما يأمركم، وتحذروا من ارتكاب ما يزجركم.\nوإنّ مما أمركم به أنه قال لكم: آمنوا بالنبيّ الأمّى، واتبعوه لتفلحوا فى الدنيا والعقبى، وتستوجبوا الزّلفى والحسنى، وتتخلصوا من البلوى والهوى.\n_________\n(١) (اعترف لهم) أي عرف لهم هذا العمل وأشاد به.","vol":"1","page":578},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-959>[سورة الأعراف (٧): آية ١٥٩]</span>\nوَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩)\nهم الذين سبقت لهم العناية، وصدقت فيهم الولاية فبقوا على الحق من غير تحريف ولا تحويل، وأدركتهم الرحمة السابقة، فلم تتطرق إليهم مفاجأة تغيير، ولا خفىّ تبديل.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-960>[سورة الأعراف (٧): آية ١٦٠]</span>\nوَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١٦٠)\nفرّقهم أصنافا، وجعلهم فى التحزب أخيافا، ثم كفاهم ما أهمّهم، وأعطاهم ما لم يكن لهم بدّ منه فيما نابهم فظللنا عليهم ما وقاهم أذى الحرّ والبرد، وأنزلنا عليهم المنّ والسّلوى مما نفى عنهم تعب الجوع والجهد والسعى والكد، وفجّرنا لهم العيون عند النزول حتى كانوا يشاهدونهم عيانا، وألقينا بقلوبهم من البراهين ما أوجب لهم قوة اليقين، ولكن ليست العبرة بأفعال الخلق ولا بأعمالهم إنما المدار على مشيئة الحق، ﷾ فيما يمضى عليهم من فنون أحوالهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-961>[سورة الأعراف (٧): آية ١٦١]</span>\nوَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (١٦١)","vol":"1","page":579},{"text":"يخبر عما ألزمهم من مراعاة الحدود، وما حصل منهم من نقض العهود. وعما ألزمهم من التكليف، ولقّاهم به من صنوف التعريف، وإكرامه من (شاء) «١» منهم بالتوفيق والتصديق، وإذلاله من شاء منهم بالخذلان وحرمان التحقيق، ثم ما عاقبهم به من فنون البلاء فما لقوا تعريفا، وأذاقهم من سوء الجزاء، حكما- من الله- حتما، وقضاء جزما.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-962>[سورة الأعراف (٧): آية ١٦٢]</span>\nفَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ (١٦٢)\n«٢» جاء فى التفسير أنهم زادوا حرفا فى الكلمة التي قيلت لهم فقالوا: حنطة بدل «حطّة» فلقوا من البلاء ما لقوا تعريفا أن الزيادة فى الدّين، والابتداع فى الشرع عظيم الخطر، ومجاوزة حدّ الأمر شديد الضرر.\nويقال إذا كان تغيير كلمة هى عبارة عن التوبة يوجب كل ذلك العذاب- فما الظنّ بتغيير ما هو خبر عن صفات المعبود؟\nويقال إنّ القول أنقص من العمل بكلّ وجه- فإذا كان التغيير فى القول يوجب كلّ هذا.. فكيف بالتبديل والتغيير فى الفعل؟\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-963>[سورة الأعراف (٧): آية ١٦٣]</span>\nوَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣)\nكان دينهم الأخذ بالتأويل، وذلك روغان- فى التحقيق «٣»، وإن الحقائق تأبى\n_________\n(١) سقطت (شاء) وقد أثبتناها قياسا على ما حدث فيما بعد.\n(٢) سقطت (من السماء) من الناسخ.\n(٣) تأمل مفهوم (التأويل) عند القشيري، وكيف يعارضه إذا كان باطلا.","vol":"1","page":580},{"text":"إلا الصدق، وإنّ التعريج فى أوطان الحظوظ والجنوح إلى محتملات الرّخص فسخ لأكيد مواثيق الحقيقة، ومن شاب شوّب له، ومن صفّى صفى له.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-964>[سورة الأعراف (٧): آية ١٦٤]</span>\nوَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذابًا شَدِيدًا قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤)\nالحقائق- وإن كانت لازمة- فليست للعبد عند لوازم الشرع عاذرة «١» بل الوجوب يفترض شرعا، وإن كان التقدير غالبا بكل وجه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-965>[سورة الأعراف (٧): آية ١٦٥]</span>\nفَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥)\nإذا تمادى العبد فى تهتّكه، ولم يبال بطول الإمهال والسّتر لم تهمل يد التقدير عن استئصال العين، ومحو الأثر، وسرعة الحساب، وتعجيل العذاب الأدنى قبل هجوم الأكبر.\nثم البريء فى فضاء السلامة، وتحت ظلّ الحفظ، ودوام روح التخصيص وبرد عيش التقريب.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-966>[سورة الأعراف (٧): آية ١٦٦]</span>\nفَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ (١٦٦)\nإذا انتهت مدة الإمهال فليس بعده إلا حقيقة الاستئصال، وإذا سقط العبد من عين الله لم ينتعش بعده أبدا، فمن أسقطه حكم الملوك فلا قبول له بعد الردّ، وفى معناه أنشدوا:\nإذا انصرفت نفسى عن الشيء لم تكد ... إليه بوجه آخر الدهر تقبل\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-967>[سورة الأعراف (٧): آية ١٦٧]</span>\nوَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٧)\n_________\n(١) أي لا ينبغى نصرة الحقيقة على حساب الشريعة بحال.","vol":"1","page":581},{"text":"إذا الحقّ- سبحانه- أمضى سنته بالإنذار وتقديم التعريف بما يستحقه كلّ أحد على ما يحصل منه من الآثار إبداء للعذر- وإن جلت «١» رتبته عن كل عذر- فإن ينجع فيهم القول وإلا دمّر عليهم بالعذاب.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-968>[سورة الأعراف (٧): آية ١٦٨]</span>\nوَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٦٨)\n«٢» أجراهم على ما علم أنهم يكونون عليه من صلاح وسداد، ومعاص وفساد. ثم ابتلاهم بفنون الأفعال من محن أزاحها، ومن منن أتاحها، وطالبهم بالشكر على ما أسدى، والصبر على ما أبلى، ليظهر للملائكة والخلائق أجمعين جواهرهم فى الخلاف والوفاق، والإخلاص والنفاق فأمّا الحسنات فهى ما يشهدهم المجرى، ولا يلهيهم عن المبدى، وأمّا السيئات فالتردد بين الإنجاز والتأخير، والإباحة والتقصير.\nويقال الحسنة أن ينسيك نفسك، والسيئة أن يشهدك نفسك.\nويقال الحسنات بتيسير وقت عن الغفلات خال، وتسهيل يوم عن الآفات بائن. والسيئات التي ابتلاهم بها خذلان حاصل وحرمان متواصل.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-969>[سورة الأعراف (٧): آية ١٦٩]</span>\nفَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُوا ما فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٦٩)\nاستوجبوا الذم بقوله- سبحانه: «فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ» لأنهم آثروا العرض «٣»\n_________\n(١) وردت (حلت) بالحاء وهى خطأ فى النسخ.\n(٢) أخطأ الناسخ إذ كتبها (لعلهم يرحمون)\n(٣) وردت (الأرض) وهى خطأ فى النسخ فلفظة (عرض) مذكورة فى الآية.","vol":"1","page":582},{"text":"الأدنى، وركنوا إلى عاجل الدنيا، وجعلوا نصيبهم من الآخرة المنى فقالوا: «سَيُغْفَرُ لَنا» .\nويقال من أمارات الاستدراج ارتكاب الزلة، والاغترار بزمان المهلة، وحمل تأخير العقوبة على استحقاق الوصلة.\nقوله جل ذكره: وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ.\nأخبر عن إصرارهم على الاغترار بالمنى، وإيثار متابعة الهوى.\nقوله جل ذكره: أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ.\nاستفهام فى معنى التقرير «١»، أي أمروا ألا يصفوا الحقّ إلا بنعت الجلال، واستحقاق صفات الكمال، وألا يتحاكموا عليه بما لم يأت منه خبر، ولم يشهد بصحته برهان ولا نظر.\nقوله جل ذكره: وَدَرَسُوا ما فِيهِ، وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ.\nيعنى تحققوا بمضمون الكتاب ثم جحدوا بعد لوح البيان وظهور البرهان. يعنى التعرض لنفحات فصله- سبحانه- خير لمن أمّل جوده من مقاساة التعب ممن بذل- فى تحصيل هواه- مجهوده.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-970>[سورة الأعراف (٧): آية ١٧٠]</span>\nوَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (١٧٠)\nيمسكون بالكتاب إيمانا، وأقاموا الصلاة إحسانا، فبالإيمان وجدوا الأمان، وبالإحسان وجدوا الرضوان فالأمان معجّل والرضوان مؤجل. ويقال «يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ» سبب النجاة، وإقامة الصلاة تحقق المناجاة. فالنجاة فى المآل والمناجاة فى الحال.\nويقال أفرد الصلاة هاهنا بالذكر عن جملة الطاعات ليعلم أنها أفضل العبادات بعد معرفة الذات والصفات.\n_________\n(١) وردت (التقدير) بالدال وهى خطأ فى النسخ لأن المعنى يرفضها، والاستفهام التقريرى مصطلح بلاغي.","vol":"1","page":583},{"text":"قوله جل ذكره: إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ.\nمن أمّل سبب إنعامنا لم تخسر له صفقة، ولم تخفق «١» له فى الرجاء رفقة، ويقال من نقل (....) «٢» إلى بابه قدمه لم يعدم فى الآجل نعمه، ومن رفع إلى ساحات جوده هممه نال فى الحال كرمه.\nويقال من توصّل إليه بجوده نال فى الدارين شرفه. ومن اكتفى بجوده «٣» كان الله عنه خلفه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-971>[سورة الأعراف (٧): آية ١٧١]</span>\nوَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧١)\nليس من يأتى طوعا كمن يأتى جبرا، فإن الذي يأتى قهرا لا يعرف للحق- سبحانه- قدرا، وفى معناه أنشدوا:\nإذا كان لا يرضيك إلا شفاعة ... فلا خير فى ود يكون لشافع\nوأنشدوا:\nإذا أنا عاتبت الملول فإنّما ... أخطّ بأقلامى على الماء أحرفا\nوهبه ارعوى بعد العتاب ... ألم يكن تودده طبعا، فصار تكلّفا؟\nويقال قصارى من أتى خيرا أن ينكص على عقبيه طوعا، كذلك لمّا قابلوا الكتاب بالإجبار ما لبثوا حتى قابلوه بالتحريف.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-972>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٧٢ الى ١٧٣]</span>\nوَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (١٧٣)\n_________\n(١) وردت (تحقق) وهى خطأ فى النسخ لأن المعنى يرفضها.\n(٢) مشتبهة وربما كانت (فى العاجل) .\n(٣) الأصوب أن تكون هذه (بوجوده) أي من فنى عن نفسه وبقي بالحق كان الحق عنه خلقه. [.....]","vol":"1","page":584},{"text":"أخبر بهذه الآية عن سابق عهده، وصادق وعده، وتأكيد عناج «١» ودّه، بتعريف عبده، وفى معناه أنشدوا:\nسقيا لليلى والليالى التي ... كنّا بليلى نلتقى فيها\nأفديك بل أيام دهرى كلها ... يفدين أياما عرفتك فيها\nويقال فأجابهم بتحقيق العرفان قبل أن يقع لمخلوق عليهم بصر، أو ظهر فى قلوبهم لمصنوع أثر، أو كان لهم من حميم أو قريب أو صديق أو شفيق خبر، وفى معناه أنشدوا:\nأتانى هواها قبل أن أعرف الهوى ... وصادف قلبى فارغا فتمكنّا\nويقال جمعهم فى الخطاب ولكنه فرّقهم فى الحال. وطائفة خاطبهم بوصف القربة فعرّفهم فى نفس ما خاطبهم، وفرقة أبقاهم فى أوطان الغيبة فأقصاهم عن نعت العرفان وحجبهم.\nويقال أقوام لاطفهم فى عين ما كاشفهم فأقروا بنعت التوحيد، وآخرون أبعدهم فى نفس ما أشهدهم فأقروا عن رأس الجحود.\nويقال وسم بالجهل قوما فألزمهم بالإشهاد ببيان الحجة فأكرمهم بالتوحيد، وآخرين أشهدهم واضح الحجة (......) «٢» .\n_________\n(١) العناج حبل يشد فى أسفل الدلو العظيمة (المنجد) .\n(٢) لا بد أن هنا عبارة ساقطة.","vol":"1","page":585},{"text":"ويقال تجلّى لقوم فتولّى تعريفهم فقالوا: «بَلى» عن حاصل يقين، وتعزّز عن آخرين فأثبتهم فى أوطان الجحد فقالوا: «بَلى» عن ظن وتخمين.\nويقال جمع المؤمنين فى الأسماء ولكن غاير بينهم فى الرتب فجدب قلوب قوم إلى الإقرار بما أطمعها فيه من المبارّ، وأنطق آخرين بصدق الإقرار بما أشهدهم من العيان وكاشفهم به من الأسرار.\nويقال فرقة ردّهم إلى الهيبة فهاموا، وفرقة لاطفهم بالقربة فاستقاموا.\nويقال عرّف الأولياء أنه من هو فتحققوا بتخليصهم، ولبّس على الأعداء فتوقفوا لحيرة عقولهم.\nويقال أسمعهم وفى نفس ما أسمعهم أحضرهم، ثم أخذهم عنهم فيما أحضرهم، وقام عنهم فأنطقهم بحكم التعريف، وحفظ عليهم- بحسن التولي- أحكام التكليف «١» وكان- سبحانه- لهم مكلّفا، وعلى ما أراده مصرّفا، وبما استخلصهم له معرّفا، وبما رقاهم إليه مشرّفا.\nويقال كاشف قوما- فى حال الخطاب- بجماله فطوحهم فى هيمان حبه، فاستمكنت محابّهم فى كوامن أسرارهم فإذا سمعوا- اليوم- سماعا تجددت (تلك الأحوال، فالانزعاج الذي يظهر فيهم لتذكّر ما سلف لهم) «٢» من العهد المتقدم «٣» .\nويقال أسمع قوما بشاهد الربوبية فأصحاهم عن عين الاستشهاد فأجابوا عن عين التحقيق، وأسمع آخرين بشاهد الربوبية فمحاهم عن التحصيل فأجابوا بوصف الجحود.\nويقال أظهر آثار العناية بدءا حين اختصّ بالأنوار التي رشت عليهم قوما، فمن حرمه تلك الأنوار لم يجعله أهلا للوصلة، ومن أصابته تلك الأنوار أفصح بما خصّ به من غير مقاساة كلفة.\n_________\n(١) لاحظ مدى إلحاح القشيري على التزام أحكام التكليف ما سنحت له مناسبة.\n(٢) ما بين القوسين مذكور فى الهامش أثبتناه في موضعه من النص حسب العلامات المميزة\n(٣) من هذا ومما ثلاه يتضح كيف ارتبطت الولاية بالفطرة والاجتباء والخصوصية منذ يوم الذر وكذلك الشأن فى العداوة.","vol":"1","page":586},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-973>[سورة الأعراف (٧): آية ١٧٤]</span>\nوَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٧٤)\nإذا سدّت «١» عيون البصائر فما ينفع وضوح الحجّة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-974>[سورة الأعراف (٧): آية ١٧٥]</span>\nوَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ (١٧٥)\nالحقّ- سبحانه- يظهر الأعداء فى صدار الخلّة ثم يردّهم إلى سابق القسمة، ويبرز الأولياء بنعت الخلاف والزّلّة، ثم يغلب عليهم مقسومات الوصلة.\nويقال أقامه فى محل القربة، ثم أبرز له من مكامن المكر ما أعدّ له من سابق التقدير فأصبح والكلّ دونه رتبة، وأمسى والكلب فوقه- مع خساسته: وفى معناه أنشدوا:\nفبينا بخير والدّنى مطمئنة ... وأصبح يوما- والزمان تقلّبا\nويقال ليست العبرة بما يلوح فى الحال، إنما العبرة بما يئول إليه فى المآل.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-975>[سورة الأعراف (٧): آية ١٧٦]</span>\nوَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦)\nلو ساعدته المشيئة بالسعادة الأزلية لم تلحقه الشقاوة الأبدية، ولكن من قصمته السوابق لم تنعشه اللواحق.\nقوله جل ذكره: وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ.\nإذا كانت مساكنة آدم للجنّة وطمعه فى الخلود فيها أوجبا خروجه عنها، فالركون إلى الدنيا- متى يوجب البقاء فيها؟\nقوله جل ذكره: وَاتَّبَعَ هَواهُ.\nموافقة الهوى تنزل صاحبها من سماء العزّ إلى تراب الذّل، وتلقيه فى وهدة الهوان ومن لم يصدّق علما فعن قريب يقاسيه وجودا.\n_________\n(١) وردت (شدت) والمعنى يرفضها ويبدو أن الناسخ قد حسب ضمة السين ثلاث نقط انظر (ولولا انسداد البصائر ص ٥٨٩ من هذا المجلد) .","vol":"1","page":587},{"text":"قوله جل ذكره: فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ.\nمن أخلاق الكلب التعرّض لمن لم يخفه على جهة الابتداء، ثم الرضاء عنه بلقمة..\nكذلك الذي ارتدّ عن طريق الإرادة يصير ضيق الصدر، سيىء الخلق، يبدأ بالجفاء كلّ برىء، ثم يهدأ طياشه بنيل كلّ عرض خسيس.\nقوله جل ذكره: إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ.\nالمحجوب عن الحقيقة عنده الإساءة والإحسان (سيان) «١»، فهو فى الحالين: إمّا صاحب ضجر أو صاحب بطر لا يحمل المحنة إلا على زوال الدولة، ولا يقابل «٢» النعمة إلا بالنهمة، فهو فى الحالين محجوب عن الحقيقة.\nويقال الكلب نجاسته أصلية، وخساسته كلية، كذلك المردود فى الصفة له نقصان القيمة وحرمان القسمة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-976>[سورة الأعراف (٧): آية ١٧٧]</span>\nساءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ (١٧٧)\n«٣» أي صفته أدنى من نعت من بلى بالإعراض الأزلىّ، وأىّ نعت أعلى من وصف من أكرم بالقبول الأيدىّ؟ وأىّ حيلة تنفع مع من يخلق الحيلة؟»\nوكيف تصحّ الوسيلة إلا لمن منه الوسيلة؟\n_________\n(١) (سيان) زياد أضفناها ليستقيم بها والمعنى ويقوى.\n(٢) وردت (ولا يقال) وهى خطأ فى النسخ والمعنى يتطلب (ولا يقابل) .\n(٣) أخطأ الناسخ إذ كتبها (مثلان) .\n(٤) نعرف من مذهب القشيري أن (الحيلة) تتصرف إلى الإنسان، وهو هنا يقرر أن الحيلة من خلق الحق، وبهذا يتاكد اتجاهه الكلامى نحو جعل الله خالق كل شىء حتى أكساب العباد.","vol":"1","page":588},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-977>[سورة الأعراف (٧): آية ١٧٨]</span>\nمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٧٨)\nليست الهداية من حيث السعاية، إنما الهداية من حيث البداية، وليست الهداية بفكر العبد ونظره، إنما الهداية بفضل الحق وجميل ذكره.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-978>[سورة الأعراف (٧): آية ١٧٩]</span>\nوَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ (١٧٩)\nمن خلقه لجهنم- متى يستوجب الجنّات؟\nومن أهّله للسخطة- أنّى يستحق الرضوان؟\nولولا انسداد البصائر وإلا فأىّ إشكال بقي بعد هذا الإيضاح؟ «١» ويقال هم- اليوم- فى جحيم الجحود، مقرّنين فى أصفاد الخذلان، ملبسين ثياب الحرمان، طعامهم ضريع الوحشة، وشرابهم حميم الفرقة، وغدا هم فى جحيم الحرقة «٢» ..\nكما فصّل فى الكتاب شرع تلك الحالة.\nقوله جل ذكره: لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ.\nأي لا يفقهون معانى الخطاب كما يفهم المحدّثون «٣»، وليس لهم تمييز بين خواطر الحق\n_________\n(١) يغمز القشيري هنا بمن يقول بحرية الإنسان فى اختطاط مصيره باختياره وإرادته، ويرجع الأمر كله للقسمة.\n(٢) لاحظ مفهوم الجحيم، فى تصور الصوفية، وهو جحيم الفراق- هنا فى هذه الدنيا. وبعده جحيم الاحتراق فى الدار الآخرة.\n(٣) يقول السراج فى شرح «المحدّث» التي وردت فى الحديث الشريف:\n«قد كان فى الأمم محدثون ومكلمون فان يك في هذه الأمة فعمر» المحدّث أعلى درجة من درجات الصديقين، ودلائل ذلك ظهرت عليه حين صاح في خطبه: يا سارية الجبل، وكان سارية فى نهاوند فسمع صوت عمر وأخذ نحو الجبل وظفر بالعدو (اللمع ص ١٧٣) .","vol":"1","page":589},{"text":"وبين هواجس النفس ووساوس الشيطان، ولهم أعين لا يبصرون بها شواهد التوحيد وعلامات اليقين فلا ينظرون إلا من حيث الغفلة، ولا يسمعون إلا دواعى الفتنة، ولا ينخرطون إلا مع سلك ركوب الشهوة.\n«أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ»: لأنّ الأنعام قد رفع عنها التكليف، وإن لم يكن لها وفاق الشرع فليس منها أيضا خلاف الأمر.\nوالأنعام لا يهمّها إلا الاعتلاف، وما تدعو الحيلة من مباشرة الجنس، فكذلك من أقيم بشواهد نفسه وكان من المربوطين بأحكام النّفس، وفى معناه أنشدوا:\nنهارك يا مغرور سهو وغفلة ... وليلك نوم والرّدى لك لازم\nوسعيك فيها سوف تكره غبّه ... كذلك فى الدنيا تعيش البهائم\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-979>[سورة الأعراف (٧): آية ١٨٠]</span>\nوَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)\n«١» سبحان من تعرّف إلى أوليائه بنعوته وأسمائه فعرّفهم أنه من هو، وبأى وصف هو، وما الواجب فى وصفه، وما الجائز فى نعته، وما الممتنع فى حقّه وحكمه فتجلى لقلوبهم بما يكاشفهم به من أسمائه وصفاته، فإن العقول محجوبة عن الهجوم بذواتها لما يصحّ إطلاقه فى وصفه، وإن كانت واقفة على الواجب والجائز والممتنع فى ذاته، فللعقل العرفان بالجملة، وبالشرع الإطلاق والبيان فى الإخبار، والقول فيما ورد به التوفيق يطلق، وما سكت عنه التوفيق يمنع. ويقال من كان الغالب عليه وصف من صفاته ذكره بما يقتضى هذا الوصف فمن كان مكاشفا بعطائه «٢»، مربوط القلب بأفضاله فالغالب على قالته الثناء عليه بأنه الوهاب والبار والمعطى وما جرى مجراه. ومن كان مجذوبا عن شهود الإنعام، مكاشفا بنعت الرحمة\n_________\n(١) أخطأ الناسخ إذ زاد واوا قبل (ما كانوا) والصواب بدونها. [.....]\n(٢) وردت (بغطائه) بالغين والصواب ان تكون (بعطائه) بدليل (افضاله) و(الإنعام) فيما بعد فضلا عن الأسماء والصفات الإلهية المختارة (الوهاب والبار والمعطى) .","vol":"1","page":590},{"text":"فالذى يغلب على ذكره وصفه بأنه الرحمن والرحيم والكريم وما فى معناه. ومن سمت همّته عن شهود وجوده، واستهلك فى حقائق وجوده فالغالب على لسانه الحق. ولذلك فأكثر أقوال العلماء فى الإخبار عنه: «البارئ» لأنهم فى الترقي فى شهود الفعل إلى شهود الفاعل.\nوأمّا أهل المعرفة فالغالب على لسانهم «الحق» لأنهم «١» مختطفون عن شهود الآثار، متحققون بحقائق الوجود.\nويقال إنّ الله- سبحانه- وقف الخلق بأسمائه فهم يذكرونها قالة، وتعزّز بذاته، والعقول- وإن صفت- لا تهجم على حقائق الإشراف، إذ الإدراك لا يجوز على الحق فالعقول عند بواده الحقائق متقنعة بنقاب الحيرة عند التعرض للإحاطة، والمعارف تائهة عند قصد الإشراف على حقيقة الذات، والأبصار حسيرة عند طلب الإدراك فى أحوال الرؤية، والحق سبحانه عزيز، وباستحقاق نعوت التعالي متفرّد «٢» .\nقوله «وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ»: الإلحاد هو الميل عن القصد، وذلك على وجهين بالزيادة والنقصان فأهل التمثيل زادوا فألحدوا، وأهل التعطيل نقصوا فألحدوا «٣» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-980>[سورة الأعراف (٧): آية ١٨١]</span>\nوَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٨١)\nأجرى الحقّ- سبحانه- سنّته بألا يخلى البسيطة من أهل لها هم الغياث وبهم دوام الحق فى الظهور، وفى معناه قالوا:\nإذا لم يكن قطب ... فمن ذا يديرها؟\nفهدايتهم بالحق أنهم يدعون إلى الحق، ويدلون على الحق، ويتحركون بالحق، ويسكنون\n_________\n(١) وردت (إليهم) ولا معنى لها فى السياق والصواب أن تكون (لأنهم)،\n(٢) يلح القشيري على هذا المعنى دائما فيقول فى تحديد العرفان (تنزه عن الدرك والوصول، ليس بين لخلق إلا عرفان الحقائق بنعت التعالي فى شهود أفعاله، فاما الوقوف على حقيقة إنيته فجلت الصمدية عن شراف عرفان عليه) اللطائف (م) ص ٣٩٨.\n(٣) (لا تمثيل ولا تعطيل) هذا أصل من أصول المذهب الكلامى عند هذا الإمام.","vol":"1","page":591},{"text":"للحق بالحق، وهم قائمون بالحق يصرفهم الحق بالحق أولئك هم غياث الخلق بهم يسقون إذا قحطوا، ويمطرون إذا أجدبوا، ويجابون إذا دعوا «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-981>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٨٢ الى ١٨٣]</span>\nوَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣)\nالاستدراج أن يلقى فى أوهامهم أنهم من أهل الوصلة، وفى الحقيقة: السابق لهم من القسمة حقائق الفرقة.\nويقال الاستدراج انتشار الصيت بالخير فى الخلق، والانطواء على الشر- فى السر- مع الحق.\nويقال الاستدراج ألا يزداد فى المستقبل صحبة إلا ازداد فى الاستحقاق نقصان رتبة.\nويقال الاستدراج الرجوع من توهم صفاء الحال إلى ركوب قبيح الأعمال، ولو كان صادقا فى حاله لكان معصوما فى أعماله.\nويقال الاستدراج دعاوى عريضة صدرت عن معان مريضة.\nويقال الاستدراج إفاضة البرّ مع (....) «٢» الشكر.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-982>[سورة الأعراف (٧): آية ١٨٤]</span>\nأَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ (١٨٤)\nأو لم يتأملوا بأنوار البصائر ليشهدوا أخلاق آثار التقريب بجملة أحواله﵇- ليعلموا أن ذلك الشاهد ليس بشاهد متخرص.\nويقال إن برود «٣» الواسطة- صلوات الله عليه وعلى آله- كانت بنسيم القربة\n_________\n(١) هذه نظرة القشيري الى الولاية والأولياء ومعنى القطب وأهميته.\n(٢) مشتبهة.\n(٣) جمع برد","vol":"1","page":592},{"text":"معطرة «١»، ولكن لا يدرك ذلك النّشر إلا بشمّ العرفان، فمن فقد ذلك- فأى خبر «٢» له عن حقيقة حاله- صلوات الله عليه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-983>[سورة الأعراف (٧): آية ١٨٥]</span>\nأَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (١٨٥)\nأطلع الله- سبحانه- أقمار الآيات، وأماط عن ضيائها سحاب الشبهات فمن استضاء بها ترقّى إلى شهود القدرة.\nويقال ألاح الله تعالى- لقلوب الناظرين بعيون الفكر- حقائق التحصيل فمن لم يعرّج فى أوطان التقصير أنزلته مراكب السّرّ بساحات التحقق.\nقوله جل ذكره: وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ.\nالناس فى مغاليط آمالهم ناسون لو شيك آجالهم، فكم من ناسج لأكفانه! وكم من بان لأعدائه! وكم من زارع لم يحصد زرعه! هيهات! الكبش يعتلف والقصّاب مستعدّ له! ويقال سرعة الأجل تنغّص لذة الأمل.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-984>[سورة الأعراف (٧): آية ١٨٦]</span>\nمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٨٦)\nمن حرمه أنوار التحقيق فهو فى ضباب الجهل، فهو يزلّ يمينا ويسقط شمالا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-985>[سورة الأعراف (٧): آية ١٨٧]</span>\nيَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (١٨٧)\n_________\n(١) وردت (مطرة) بدون عين، والسياق يتطلب (معطرة) لتناسب النسيم والشم والنشر\n(٢) وردت (خير) والمقصود فاى (خبر) أي فاى علم له عن حقيقة المصطفى (ص) .","vol":"1","page":593},{"text":"السائل عن الساعة رجلان منكر يتعجّب لفرط جهله، وعارف مشتاق يستعجل لفرط شوقه، والمتحقق بوجوده ساكن فى حاله فسيان عنده قيام القيامة ودوام السلامة.\nويقال الحق- سبحانه- استأثر بعلم الساعة فلم يطلع على وقتها نبيّا ولا صفيّا، فالإيمان بها غيبى، ويقين أهل التوحيد صادق «١» عن شوائب الرّيب. ثم معجّل قيامتهم يوجب الإيمان بمؤجّلها «٢» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-986>[سورة الأعراف (٧): آية ١٨٨]</span>\nقُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلاَّ ما شاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨)\nأمره بتصريح الإقرار بالتبري عن حوله ومنّته، وأن قيامه وأمره ونظامه بطول ربّه ومنّته ولذلك تتجنّس علىّ الأحوال، وتختلف الأطوار فمن عسر «٣» يمسّني، ومن يسر «٤» يخصنى، ولو كان الأمر بمرادى، ولم يكن بيد غيرى قيادى لتشابهت أحوالى فى اليسر، ولتشاكلت أوقاتى فى البعد من العسر.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-987>[سورة الأعراف (٧): آية ١٨٩]</span>\nهُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩)\nأخرج النّسمة من نفس واحدة وأخلاقهم مختلفة، وهممهم متباينة، كما أن الشخص من\n_________\n(١) ربما كانت (صاف) فى الأصل\n(٢) القيامة المعجلة التي يشير إليها هى (التي تقوم فى اليوم غير مرة بالهجر والنوى والفراق) اللطائف (م) ٣٥١، فالمقصود من العبارة إذا أن أهل الخصوص يؤمنون إيمان يقين بالقيامة المؤجلة لأنهم يشهدون ويذوقون القيامة المعجلة، وقد صدق القشيري إذ يقول فى رسالته: (فما للناس غيب فلهم ظهور) الرسالة ص ١٩٨.\n(٣) وردت (عصر) .\n(٤) وردت (يستر) وقد صوبناهما (عسر ويسر) فى ضوء ما قالاهما.","vol":"1","page":594},{"text":"نطفة واحدة وأعضاؤه وأجزاؤه مختلفة. فمن قدر على تنويع النطفة المتشاكلة أجزاؤها فهو القادر على تنويع أخلاق الخلق الذين أخرجهم من نفس واحدة.\nقوله جل ذكره: لِيَسْكُنَ إِلَيْها فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ.\nردّ المثل إلى المثل، وربط الشّكل بالشكل، ليعلم العالمون أن سكون الخلق مع الحقّ لا إلى الحق، وكذلك أنسل الخلق من الخلق لا من الحق، فالحقّ تعالى قدوس منه كل حظ للخلق خلقا، منزه عن رجوع شىء إلى حقيقته حقا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-988>[سورة الأعراف (٧): آية ١٩٠]</span>\nفَلَمَّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠)\nشرّ الناس من يبتهل إلى الله عند هجوم البلاء بخلوص الدعاء، وشدة التضرع والبكاء، فإذا أزيلت شكاته، ودفعت- بمنّته- آفاته ضيّع الوفاء، ونسى البلاء، وقابل الرّفد «١» بنقض العهد، وأبدل العقد برفض الود، أولئك الذين أبعدهم الله فى سابق الحكم، وخرطهم فى سلك أهل الرد «٢» قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-989>[سورة الأعراف (٧): آية ١٩١]</span>\nأَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١)\nكما لا يجوز أن يكون الربّ مخلوقا لا يجوز أن يكون غير الرب خالقا، فمن وصف الحقّ بخصائص وصف الخلق فقد ألحد، ومن نعت الخّلق بما هو من خصائص حق الحق فقد جحد.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-990>[سورة الأعراف (٧): آية ١٩٢]</span>\nوَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٢)\nمن حكم بأنه ليس فى مقدور الحق شىء (لو فعله اسم الجاهل طوعا إلا فعله «٣» فقد\n_________\n(١) (الرفد) هو العطاء. [.....]\n(٢) وردت (الود) وهى خطأ في النسخ.\n(٣) ما بين القوسين جاء فى النسخة المصورة هكذا، وفيه غموض ربما نشأ عن خطا فى النسخ.","vol":"1","page":595},{"text":"وصف بأنه لا يقدر على نصره فمضاه الذي يعبد الجماد، ونعوذ بالله من الضلالة عن الرشاد.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-991>[سورة الأعراف (٧): آية ١٩٣]</span>\nوَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ (١٩٣)\nالمعبود هو القادر على هداية داعيه، وعلم العبد بقدرة معبوده يوجب تبرّيه عن حوله وقوته، وإفراد الحق- سبحانه- بالقدرة على قضاء حاجته، وإزالة ضرورته فتتقاصر عن قصد الخلق خطاه «١»، وتنقطع آماله عن غير مولاه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-992>[سورة الأعراف (٧): آية ١٩٤]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٩٤)\nإذا قرنت الضرورة بالضرورة تضاعف البلاء، وترادف العناء فالمخلوق إذا استعان بمخلوق مثله ازداد بعد مراده عن النّجح. وكيف تشكو لمن هو ذو شكاية؟! هيهات! إن ذلك خطأ من الظن، وباطل من الحسبان.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-993>[سورة الأعراف (٧): آية ١٩٥]</span>\nأَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ (١٩٥)\nبيّن بهذه الآيات أن الأصنام التي عبدوها دونهم فيما اعتقدوا فيه صفة المدح، ثم لم يعبد بعضهم بعضا فكيف استجازوا عبادة ما فاقهم «٢» فى النقص؟\nقوله جل ذكره: قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ.\n_________\n(١) وردت (خطاؤه) والصواب أن تكون (خطاه)\n(٢) وردت (فوقهم) والأرجح أنها ما (فاقهم) فى النقص لأن الأصنام أقلّ قدرا من الإنسان، حيث لا تملك يدا او عينا أو أذنا، ولا تعى ولا تعقل ولا تضر ولا تنفع، فإذا كان الإنسان مع ذلك موصوفا بالنقص فالصنم أشد نقصا.","vol":"1","page":596},{"text":"صدق التوكل على الله يوجب ترك المبالاة بغير الله، كيف لا ... والمتفرّد بالقدرة- على النفع والضرر، والخير والشر- الله؟\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-994>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٩٦ الى ١٩٧]</span>\nإِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (١٩٦) وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٧)\nمن قام بحقّ الله تولّى أموره على وجه الكفاية، فلا يخرجه إلى أمثاله، ولا يدع شيئا من أحواله إلّا أجراه على ما يريده بحسن أفضاله، فإن لم يفعل ما يريده جعل العبد راضيا بما يفعل، وروح الرضا على الأسرار أتمّ من راحة العطاء على القلوب.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-995>[سورة الأعراف (٧): آية ١٩٨]</span>\nوَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (١٩٨)\nشاهدوه بأبصارهم لكنهم حجبوا عن رؤيته ببصائر أسرارهم وقلوبهم فلم يعتدّ برؤيتهم.\nويقال رؤية الأكابر ليست بشهود أشخاصهم، لكن بما يحصل للقلوب من مكاشفات الغيب، وذلك على مقادير الاحترام وحصول الإيمان.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-996>[سورة الأعراف (٧): آية ١٩٩]</span>\nخُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ (١٩٩)\nمن خصائص سنّة الله فى الكرم أنه أمر نبيّه- صلوات الله عليه وعلى آله- بالأخذ به، إذ الخبر ورد بأنّ المؤمن أخذ من الله خلقا حسنا. وكلما كان الجرم أكبر كان العفو عنه أجلّ وأكمل، وعلى قدر عظم رتبة العبد فى الكرم يتوقف العفو","vol":"1","page":597},{"text":"عن الأصاغر والخدم، قال النبي ﷺ فى الجراحات «١» التي أصابته فى حرب أحد:\n«اللهم اغفر لقومى فإنهم لا يعلمون» .\nقوله «وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ»: أفضل العرف أن يكون أكمل العطاء لأكثر أهل الجفاء، وبذلك عامل الرسول- صلّى الله عليه وعلى آله- الناس.\nقوله: «وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ»: الإعراض عن الأغيار بالإقبال على من «٢» لم يزل ولا يزال، وفى ذلك النجاة من الحجاب، والتحقق بما يتقاصر عن شرحه الخطاب.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-997>[سورة الأعراف (٧): آية ٢٠٠]</span>\nوَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠)\nإن سنح فى باطنك من الوساوس أثر فاستعذ بالله يدركك بحسن التوفيق، وإن هجس فى صدرك من الحظوظ خاطر فاستعذ بالله يدركك بإزالة كل نصيب، وإن لحقتك فى بذل الجهد فترة فاستعذ بالله يدركك بإدامة آلائه، وإن اعترتك فى الترقي إلى محل الوصول وقفة فاستعذ بالله يدركك بإدامة التحقيق، وإن تقاصر عنك شىء من خصائص القرب- صيانة لك عن شهود المحل- فاستعذ بالله يثبتك له بدلا من لك بك «٣» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-998>[سورة الأعراف (٧): آية ٢٠١]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١)\nإنما يمس المتقين طيف الشيطان فى ساعات غفلتهم عن ذكر الله، ولو أنهم استداموا\n_________\n(١) وردت (الجراهات) بالهاء وهى خطأ في النسخ.\n(٢) وردت (ما لم يزل) وقد آثرنا (من لم يزل) لأن (من) للعاقل\n(٣) تصلح هذه الفقرة وصية المريدين، وتبين عن أسلوب القشيري فى الوصية من الناحيتين الصوفية والأدبية.","vol":"1","page":598},{"text":"ذكر الله بقلوبهم لما مسّهم طائف الشيطان، فإن الشيطان لا يقرب قلبا فى حال شهوده الله لأنه ينخنس عند ذلك. ولكن لكل صارم نبوة، ولكلّ عالم هفوة، ولكل عابد شدة، ولكل قاصد فترة، ولكل سائر وقفة، ولكل عارف حجبة، قال ﷺ: «إنه ليغان على قلبى....» «١» أخبر أنه يعتريه ما يعترى غيره، وقال ﷺ: «الحدّة تعترى خيار أمتى» «٢»، فأخبر أنّ خيار الأمة- وإن جلت رتبتهم لا يتخلصون عن حدّة تعتريهم فى بعض أحوالهم، فتخرجهم عن دوام الحلم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-999>[سورة الأعراف (٧): آية ٢٠٢]</span>\nوَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ (٢٠٢)\nإخوان الشيطان أرباب دوام الغيبة فهم فى كمال الغفلة تدوم بهم الحجبة فمنهم بالزّلّة من لم يلم، أو ألمّ ولكن لم يصرّ فهم خياره «٣»، ومنهم من غفل واغترّ، وعلى دوام الغيبة أصرّ- فهم المحجوبون قطعا، والمبعدون «٤» - عن محلّ القرب- صدّا «٥» وردّا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1000>[سورة الأعراف (٧): آية ٢٠٣]</span>\nوَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٠٣)\n_________\n(١) «إنه ليغان على قلبى فاستغفر الله وأتوب إليه فى اليوم مائة مرة» أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي، وفى رواية لمسلم: «توبوا الى ربكم فو الله إنى لأتوب إلى ربى ﵎ فى اليوم مائة مرة» ويقول صاحب اللمع: الغين الذي كان يتوب منه الرسول مثله مثل المرآة إذا تنفس فيها الناظر فينقص من ضوئها ثم تعود إلى حالة ضوئها (اللمع ص ٤٥١)\n(٢) قال (ص) (انى بشر أغضب كما يغضب البشر) الشيخان عن أبى هريرة وأحمد ومسلم عن جابر\n(٣) من هذا يتضح مدى انفساح الأمل أمام العصاة، وكيف أن باب التوبة يتسع لآمالهم.\n(٤) وردت المعبودون وهى خطأ فى النسخ.\n(٥) وردت (صمد) وهى خطأ فى النسخ وقد تقدم معنى الصد والرد","vol":"1","page":599},{"text":"من شاهد الحقّ من حيث الخلق سقط فى مهواة المغاليط، فهو فى متاهات الشّكّ يجوب منازل الرّيب، ولا يزداد إلا عمىّ على عمى. ومن طالع الخلق بعين تصريف القدرة إياهم تحقق بأنهم لا يظهرون إلا فى معرض اختيار الحق لهم، فهو ينظر بنور البصيرة، ويستديم شهود التصريف بوصف السكينة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1001>[سورة الأعراف (٧): آية ٢٠٤]</span>\nوَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)\nاستمعوا بسمع الإيمان والتصديق، وأنصتوا (بصون) الخواطر عن معارضات الاعتراض، ومطالبات الاستكشاف. ومن باشر التحقيق سرّه لازم التصديق قلبه.\nوالإنصات- فى الظاهر- من آداب أهل الباب، والإنصات- بالسرائر- من آداب أهل البساط، قال الله تعالى فى نعت تواصى الجنّ بعضهم لبعض عند شهود الرسول ﷺ «فلما حضروه قالوا أنصتوا» «١» فإذا كان الحضور إلى الواسطة ﵇ يوجب هذه الهيبة فلزوم الهيبة وحفظ الأدب عند حضور القلب بشهود الربّ أولى وأحق، قال تعالى: «وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا» «٢» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1002>[سورة الأعراف (٧): آية ٢٠٥]</span>\nوَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ (٢٠٥)\n«٣» التضرع إذا كوشف العبد بوصف الجمال فى أوان البسط، والخيفة إذا كوشف بنعت الجلال فى أحوال الهيبة، وهذا للأكابر.\n_________\n(١) آية ٢٩ سورة الأحقاف.\n(٢) آية ١٠٨ سورة طه. [.....]\n(٣) أخطأ الناسخ إذ كتبها (الغافلون) .","vol":"1","page":600},{"text":"فأمّا من دونهم فتنوّع أحوالهم من حيث الخوف والرجاء، والرغبة والرهبة. ومن فوق الجميع فأصحاب البقاء والفناء، والصحو والمحو ووراءهم أرباب الحقائق مثبتون فى أوطان التمكين، فلا تلوّن لهم ولا تجنّس لقيامهم بالحق، وامتحائهم عن شواهدهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1003>[سورة الأعراف (٧): آية ٢٠٦]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (٢٠٦)\nأثبت لهم عندية الكرامة، وحفظ عليهم أحكام العبودية لئلا ينفك حال جمعهم عن نعت فرقهم «١»، وهذه سنّة الله تعالى مع خواص عباده يلقاهم بخصائص عين الجمع ويحفظ عليهم حقائق عين الفرق لئلا يخلّوا بآداب العبودية فى أوان وجود الحقيقة «٢» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1004>السورة التي تذكر فيها الأنفال</span>\nقال الله تعالى:\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ بسم الله إخبار عن قدرته على الإبداع والاختراع، الرحمن الرحيم إخبار عن تصرفه بالإقناع وحسن الدّفاع فبقدرته أوجد ما أوجد من مراده، وبنصرته وحّد من وحّد قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1005>[سورة الأنفال (٨): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١)\nالأنفال هاهنا ما آل إلى المسلمين من أموال المشركين، وكان سؤالهم عن حكمها، فقال الله تعالى: قل لهم إنها لله ملكا، ولرسوله﵇- الحكم فيها بما يقضى به أمرا وشرعا.\n_________\n(١) وردت فوقهم بالواو والصواب (فرقهم) بالراء، فالكلام عن الجمع والفرق.\n(٢) لاحظ هنا كيف يلح القشيري دائما على عدم الإخلال باى شرط من شروط الشريعة مهما أوغل العبد فى الفناء، بل يعتبر حفظ الله لعبده في هذه المرحلة الحاسمة علامة صدق العبد وآية خصوصيته.","vol":"1","page":601},{"text":"قوله جل ذكره: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ.\nأي أجيبوا لأمر الله، ولا تطيعوا دواعى مناكم والحكم بمقتضى أحوالكم، وابتغوا إيثار رضاء الحقّ على مراد النّفس، وأصلحوا ذات بينكم، وذلك بالانسلاخ عن شحّ النّفس، وإيثار حقّ الغير على ما لكم من النصيب والحظّ، وتنقية القلوب عن خفايا الحسد والحقد.\nقوله جل ذكره: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ:\nأي فى الإجابة إلى ما يأتيكم من الإرشاد.\nقوله جل ذكره: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ.\nأي سبيل المؤمن ألا يخالف هذه الجملة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1006>[سورة الأنفال (٨): آية ٢]</span>\nإِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيمانًا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)\nالوجل شدّة الخوف، ومعناه هاهنا أن يخرجهم الوجل عن أوطان الغفلة، ويزعجهم عن مساكن الغيبة. فإذا انفصلوا عن أودية التفرقة وفاءوا إلى مشاهد الذكر نالوا السكون إلى الله﷿ فيزيدهم ما يتلى عليهم من آياته تصديقا على تصديق، وتحقيقا على تحقيق.\nفإذا طالعوا جلال قدره، وأيقنوا قصورهم عن إدراكه، توكلوا عليه فى إمدادهم بالرعاية فى نهايتهم، كما استخلصهم بالعناية فى بدايتهم.\nويقال سنّة الحقّ- سبحانه- مع أهل العرفان أن يردّدهم بين كشف جلال ولطف جمال، فإذا كاشفهم بجلاله وجلت قلوبهم، (وإذا لاطفهم بجماله سكنت قلوبهم، قال الله تعالى: «وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بذكر الله» . ويقال وجلت قلوبهم) «١» بخوف فراقه، ثم تطمئن وتسكن أسرارهم بروح وصاله. وذكر الفراق يفنيهم وذكر الوصال يصحيهم ويحييهم.\n_________\n(١) ما بين القوسين مذكور فى الهامش أثبتناه فى موضعه من النص حسب العلامة المميزة.","vol":"1","page":602},{"text":"ويقال الطالبون فى نوح رهبتهم، والواصلون فى روح قربتهم، والموحّدون فى محو غيبتهم استولت عليهم الحقائق فلا لهم تطلع لوقت مستأنف فيستفزهم خوف أو يجرفهم طمع، ولا لهم إحساس فتملكهم لذة إذ لمّا «١» اصطلموا ببواده ما ملكهم فهم عنهم محو، والغالب عليهم سواهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1007>[سورة الأنفال (٨): الآيات ٣ الى ٤]</span>\nالَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)\nلا يرضون فى أعمالهم بإخلال، ولا يتصفون بجمع مال من غير حلال، ولا يعرّجون فى أوطان التقصير بحال، أولئك الذين صفتهم ألا يكون للشريعة عليهم نكير، ولا لهم عن أحكام الحقيقة مقيل.\nف «هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا» أي حققوا حقا وصدقوا صدقا. ويقال حق لهم ذلك حقا.\nقوله: «لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ» على حسب ما أهّلهم له من الرّتب فبسابق قسمته لهم استوجبوها، ثم بصادق خدمتهم- حين وفّقهم لها- بلغوها.\nولهم مغفرة فى المآل، والسّتر فى الحال لأكابرهم فالمغفرة الستر، والحق سبحانه يستر مثالب العاصين ولا يفضحهم لئلا يحجبوا عن مأمول أفضالهم، ويستر مناقب العارفين عليهم لئلا يعجبوا بأعمالهم وأحوالهم، وفرق بين ستر وستر، وشتّان ما هما! وأمّا الرزق الكريم فيحتمل أنه الذي يعطيه من حيث لا يحتسب، ويحتمل أنه الذي لا ينقص بإجرامهم، ويحتمل أنه ما لا يشغلهم بوجوده عن شهود الرزاق، ويحتمل أنه رزق الأسرار بما يكون استقلالها به من المكاشفات.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1008>[سورة الأنفال (٨): آية ٥]</span>\nكَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ (٥) .\n_________\n(١) وردت (لم) والسياق يقتضى (لما) .","vol":"1","page":603},{"text":"بيّن- سبحانه- أن الجدال منهم عادة وسجيّة، ففى كل شىء لهم جدال واختيار فكرهوا خروجه إلى بدر، كما جادلوا فى حديث الغنيمة، قال تعالى: «يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ» .\nوما يكون من خصال العبد غير متكرر ويكون على وجه الندرة كان أقرب إلى الصفح عنه والتجاوز، فأمّا إذا صار ذلك عادة فهو أصعب.\nويقال ما لم تباشر خلاصة الإيمان القلب لا يوجد كمال التسليم وترك الاختيار، ومادام يتحرك من العبد عرق فى الاختيار فهو بعيد عن راحة الإيمان.\nولقد أجرى الله سنّته مع أوليائه، وكذلك كانت سنّته مع أنبيائه ألا يفتح لهم كمال النّعمى إلا بعد مفارقة مألوفات الأوطان، والتجرد عن مساكنة ما فيه «١» حظ ونصيب من كل معهود ويقال إن فى هجرة الأنبياء﵈- عن أوطانهم أمانا لهم من عادية الأعادى، وإحياء لقلوب قوم تقاصرت أقدامهم عن المسير «٢» إليهم.\nوكذلك هجرة الأولياء من خواصه فيها لهم خلاص من البلايا، واستخلاص للكثيرين من البلايا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1009>[سورة الأنفال (٨): آية ٦]</span>\nيُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٦)\nجحود الحقّ بعد وضوح برهانه علم «٣» لاستكبار صاحبه، وهو- فى الحال- فى وحشة غيّه، معاقب بالصّد وتنغّص العيش، يملّ حياته ويتمنى وفاته «كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1010>[سورة الأنفال (٨): آية ٧]</span>\nوَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ (٧)\n_________\n(١) وردت (ما لم فيه) وربما كانت (ما لهم فيه)\n(٢) وردت (المصير) والصحيح (مسير) الذين لم تتح لهم فرصة الانتقال إلى أماكن الأنبياء.\n(٣) ضبطنا (علم) هكذا لكى تؤدى معنى (علامة) على الاستكبار، فهكذا يتطلب السياق.","vol":"1","page":604},{"text":"التعريج فى أوطان الكسل، ومساكنة مألوفات الراحة من خصائص أحكام النّفس.\nفهى بطبعها تؤثر فى كل حال نصيبها، وتتمجل لذّة حظّها. ولا يصل أحد إلى جلائل النّعم إلا بتجرّع كاسات الشدائد، والانسلاخ عن معهودات النصيب. «وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ» أي إذا أراد الله- سبحانه- تخصيص عبد بولايته قضى على طوارق نفسه بالأفول، وحكم لبعض شهواته بالذبول، وإلى طوالع الحقائق بإشراقها، ولجوامع الموانع باستحقاقها.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1011>[سورة الأنفال (٨): آية ٨]</span>\nلِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨)\nليحق الحقّ بالتوفيق فيما يحصل ببذل المجهود، والتحقيق لما يظهر من عين الجود.\nويقال ليحقّ الحقّ بنشر أعلام الوصل، ويبطل الباطل بقهر أقسام الهزل.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1012>[سورة الأنفال (٨): الآيات ٩ الى ١٠]</span>\nإِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠)\nالاستغاثة على حسب شهود الفاقة وعدم المنة والطاقة، والتحقق بانفراد الحق بالقدرة على إزالة الشكاة تيسير للمسئول وتحقيق للمأمول. فإذا صدقت الاستغاثة بتعجّل الإجابة حصلت الآمال وقضيت الحاجة.. بذلك جرت سنّته الكريمة.\nويقال بشّرهم بالإمداد بالملك، ثم رقّاهم عن هذه الحالة بإشهادهم أن الإنجاز من الملك، ولم يذرهم فى المساكنة إلى الإمداد بالملك فقال: «وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ» ثم قال:\n«إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ» فالنجاة من البلاء حاصلة، وفنون الإنجاز والإمداد بالطاقة متواصلة، والدعوات مسموعة، والإجابة غير ممنوعة، وزوائد الإحسان متاحة، ولكن الله عزير","vol":"1","page":605},{"text":"الطالب واجد ولكن بعطائه، والراغب واصل ولكن إلى مبارّه. والسبيل سهل ولكن إلى وجدان لطفه، فأمّا الحقّ فهو عزيز وراء كل وصل وفصل، وقرب وبعد، وما وصل أحد إلا إلى نصيبه، وما بقي أحد إلا عن حظه، وفى معناه أنشدوا:\nوقلن لنا نحن الأهلّة إنما ... نضىء لمن يسرى بليل ولا نقرى\nفلا بذل إلا ما تزوّد ناظر ... ولا وصل إلا بالجمال الذي يسرى\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1013>[سورة الأنفال (٨): آية ١١]</span>\nإِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ (١١)\nغشيهم النّعاس تلك الليلة فأزال عن ظواهرهم «١» ونفوسهم كدّ الأغيار والكلال، وأنزل على قلوبهم روح الأمن، وأمطرت السماء فاغتسلوا بعد ما لزمتهم الطهارة الكبرى بسبب الاحتلام، واشتدت الأرض بالمطر فلم ترسب الأقدام فى رملها، وانتفى عن قلوبهم ما كانت الشياطين توسوس به إليهم أنه سيصيبهم العناء بسلوك رملها وبالانتفاء عن الغسل، فلمّا (....) «٢» الإحساس، واستمكن منهم النّعاس، وتداركتهم الكفاية والنصرة استيقنوا بأن الإعانة من قبل الله لا بسكونهم وحركتهم، وأشهدهم صرف التأييد وإتمام الكفاية وكما طهّر ظواهرهم بماء السماء طهّر سرائرهم بماء التحقيق عن شهود كلّ غير وكلّ غير وكلّ علّة، وصان أسرارهم عن الإصغاء إلى الوساوس، وربط على قلوبهم بشهودهم جريان التقدير على حسب ما يجرى الحقّ من فنون التصريف.\nقوله جل ذكره: وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ.\n_________\n(١) وردت (زواهرهم) والصواب أن تكون (ظواهرهم) لتتلاءم مع (نفوسهم)\n(٢) مشتبهة وربما كانت (زايلهم)","vol":"1","page":606},{"text":"أقدام الظاهر فى مشاهد القتال، وأقدام السرائر على نهج الاستقامة بشهود مجارى التقدير.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1014>[سورة الأنفال (٨): الآيات ١٢ الى ١٣]</span>\nإِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ (١٢) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (١٣)\n«١» عرّفنا أنّ الملائكة محتاجون إلى تعريف الحق إياهم قضايا التوحيد وتثبيت الملائكة للمؤمنين: قيل كانوا يظهرون للمسلمين فى صور الرجال يخاطبونهم بالإخبار عن قلة عدد المشركين واستيلاء المسلمين عليهم، وهم لا يعرفون أنهم ملائكة.\nوقيل تثبيتهم إياهم بأن كانوا يلقون فى قلوبهم ذلك من جهة الخواطر، ثم إن الله يخلق لهم فيها ذلك، فكما يوصّل الحق سبحانه- وساوس الشيطان إلى القلوب يوصل خواطر الملك، وأيّدهم بإلقاء الخوف والرعب فى قلوب الكفار.\nقوله جل ذكره: فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ.\nوذلك بأمر الله وتعريفه من جهة الوحى والكتاب، ويكون معناه إباحة ضربهم ونيلهم على أي وجه كان كيفما أصابوا أسافلهم وأعاليهم. ويحتمل فاضربوا فوق الأعناق ضربا يوجب قتلهم لأنه لا حياة بعد ضرب العنق، ولفظ فوق يكون صلة.\n«وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ» أي ضربا يعجزهم عن الضرب ومقاتلة المسلمين لأنه لا مقاتلة تحصل بعد فوات الأطراف.\nِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ\nبيّن أنهم فى مغاليط حسبانهم وأكاذيب ظنونهم.\nوالمنشئ- بكلّ وجه- الله لانفراده بقدرة الإيجاد\n_________\n(١) أخطا الناسخ فكتبها (فثبت) .","vol":"1","page":607},{"text":"قوله جل ذكره: مَنْ يُشاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ.\nيمهل المجرم «١» أياما ثم لا يهمله، بل يذيقه بأس فعله، ويزيل عنه شبهة ظنّه قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1015>[سورة الأنفال (٨): آية ١٤]</span>\nذلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ (١٤)\n«٢» ذلكم العذاب فذوقوه- أيها المشركون- معجّلا، واعلموا أن للكافرين عذابا مؤجّلا، فللعاصين عقوبتان محصّل بنقد ومؤخّر بوعد.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1016>[سورة الأنفال (٨): الآيات ١٥ الى ١٦]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦)\n«٣» يقول إذا لقيتم الكفار فى المعركة زحفا مجتمعين فاثبتوا لقتالهم، ولا تنهزموا فالشجاعة ثبات القلوب، وكما قيل الشجاعة صبر على الطاعة وفى الجهاد مع العدو، فالواجب الثبات عند الصولة- هذا فى الظاهر، وفى الباطن جهاد مع الشيطان، والواجب فيه الوقوف عن دواعيه إلى الزّلة فمن وقف على حدّ الإمساك عن إجابته، بلا إنجاز لما يدعوه بوساوسه فقد وفّى الجهاد حقّه.\nوكذلك فى مجاهدة النّفس، فإذا وقف العبد عن إجابة النّفس فيما تدعوه بهواجسها،\n_________\n(١) وردت (المحرم) بالحاء وهى خطأ فى النسخ.\n(٢) أخطأ الناسخ إذ جعلها (عذابا أليما) .\n(٣) سقطت (آمنوا) من الناسخ فأثبتناها [.....]","vol":"1","page":608},{"text":"ولم يطع «١» شهوته فيما تحمله النفس عليه من البلاء إلى ابتغاء حظّه فقد وفّى الجهاد حقّه.\nوالإشارة فى قوله: «إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ» بإيثار بعض الرّخص ليتقوّى على ما هو أشد كأكله مثلا ما يقيم صلبه ليقوى على السّهر، وكترفقه بنفسه بإيثار بعض الراحة من إزالة عطش، أو نفى مقاساة جوع أو برد أو غيره لئلا يبقى عن مراعاة قلبه، ولاستدامة اتصال قلبه به، فإن ترك بعض أوراد الظاهر لئلا يبقى به عن الاستقامة فى أحكام واردات السرائر أخذ فى حقّ الجهاد بحزم.\nوالإشارة فى قوله: «أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلى فِئَةٍ» إلى اعتضاد المريد بصحبة أقرانه فيما يساعدونه فى المجاهدة، ويبقى شهود ما هم فيه من المكابدة من إقامته على مجاهدته. ثم باستمداده من همم الشيوخ فإن المريد ربيب همّة شيخه، فالأقوياء من الأغنياء ينفقون على خدمهم من نعمهم، والأصفياء من الأولياء ينفقون على مريديهم من هممهم يجبرون «٢» كسرهم، ويتوبون منهم، ويساعدونهم بحسن إرشادهم. ومن أهمل مريدا وهو يعرف صدقه، أو خالف شيخا وهو يعرف فضله وحقّه فقد باء من الله بسخط، والله تعالى حسيبه فى مكافأته على ما حصل من قبيح وصفه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1017>[سورة الأنفال (٨): آية ١٧]</span>\nفَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٧)\nالذي نفى عنهم من القتل هو إماتة الروح وإثبات الموت، وهو من خصائص قدرته- سبحانه، والذي يوصف به الخلق من القتل هو ما يفعلونه فى أنفسهم، ويحصل ذهاب الروح عقيبه.\nوفائدة الآية قطع دعاواهم فى قول كل واحد على جهة التفاخر قتلت فلانا، فقال:\n«فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ» أي لم تكن أفعالكم مما انفردتم بإيجادها بل المنشئ والمبدئ «٣» هو الله ﷿. وصانهم بهذه الآية وصان نبيّه﵇- عن ملاحظة أفعالهم وأحوالهم.\n_________\n(١) وردت (لم يطلع) وهى خطأ فى النسخ.\n(٢) وردت (يخبرون) والمناسب للكسر (يجبرون) .\n(٣) وردت (المهدى) بالهاء وقد جعلناها (المبدى) لأن الكلام متجه إلى الإنشاء والإيجاد والإبداع والخلق.","vol":"1","page":609},{"text":"وكذلك قال جل ذكره: وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى.\nأي ما رميت بنفسك ولكنك رميت بنا، فكان منه (صلوات الله عليه) «١» قبض التراب وإرساله من يده ولكن من حيث الكسب، وكسبه موجد من الله بقدرته، وكان التبليغ والإصابة من قبل الله خلقا وإبداعا، وليس الذي أثبت ما نفى ولا نفى ما أثبت إلا هو، والفعل فعل واحد ولكن التغاير فى جهة الفعل لا فى عينه.\nفقوله: «إِذْ رَمَيْتَ» فرق، وقوله: «وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى» جمع. والفرق صفة العبودية، والجمع نعت الربوبية، وكلّ فرق لم يكن مضمّنا بجمع وكلّ جمع لم يكن- فى صفة العبد- مؤيّدا بفرق فصاحبه غير سديد الوتيرة.\nوإن الحقّ- سبحانه- يكل الأغيار إلى ظنونهم، فيتيهون فى أودية الحسبان، ويتوهمون أنهم منفردون بإجراء ما منهم، وذلك منه مكر بهم.\nقال الله تعالى: «وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا» «٢» وأما أرباب التوحيد فيشهدهم مطالع التقدير، ويعرّفهم جريان الحكم، ويريهم أنفسهم فى أسر التصريف، وقهر الحكم.\nوأمّا الخواص من الأولياء وأصحاب العرفان فيجرى عليهم ما يجرى و(ما) «٣» لهم إحساس بذلك، مأخوذون يثبتهم بشواهد النظر والتقدير، ويتولّى حفظهم عن مخالفة الشرع.\nقوله جل ذكره: وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا.\nالبلاء الاختبار «٤»، فيختبرهم مرة «٥» بالنعم ليظهر شكرهم أو كفرانهم، ويختبرهم أخرى بالمحن ليظهر صبرهم، أو ذكرهم أو نسيانهم.\n_________\n(١) أضفنا (صلوات الله عليه) ليتضح اتجاه المعنى.\n(٢) آية ١٠٤ سورة الكهف.\n(٣) سقطت (ما) من الناسخ والمعنى يتطلبها إذ هم لا إحساس لهم بما يجرى عليهم من حكم وتصريف.\n(٤) وردت (الاختيار) بالياء وهى خطأ فى النسخ.\n(٥) وردت (مر) بدون تاء مربوطة والصواب أن تكون بها.","vol":"1","page":610},{"text":"«البلاء الحسن»: توفيق الشكر فى المنحة، وتحقيق الصبر فى المحنة، وكل ما يفعله الحقّ فهو حسن من الحقّ لأنّ له أن يفعله. وهذه حقيقة الحسن: وهو ما للفاعل أن يفعله «١» ويقال حسن البلاء لأنه منه و(...) «٢» البلاء لأنه فيه.\nويقال البلاء الحسن أن تشهد المبلى فى عين البلاء.\nويقال البلاء الحسن ما لا دعوى لصاحبه إن كان نعمة، ولا شكوى إن كان محنة.\nويقال البلاء الحسن ما ليس فيه ضجر إن كان عسرا، ولا بطر إن كان يسرا.\nويقال بلاء كلّ أحد على حسب حاله ومقامه فأصفاهم ولاء أوفاهم بلاء، قال ﵇:\n«أشدّ الناس بلاء الأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل» «٣» قوله جل ذكره: إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ.\nتنفيس لقوم وتهديد لقوم أصحاب الرّفق يقول لهم إن الله «سَمِيعٌ» لأنينكم فيروّح عليهم بهذا وقتهم، ويحمل عنهم ولاءهم «٤»، وأنشدوا:\nإذا ما تمنّى الناس روحا وراحة ... تمنيت أن أشكو إليك فتسمعا\nوقالوا:\nقل لى بألسنة التّنفس ... كيف أنت وكيف حالك؟\nوأمّا الأكابر فلا يؤذن لهم فى التّنفّس، وتكون المطالبة متوجّهة عليهم بالصبر، والوقوف تحت جريان التقدير من غير إظهار ولا شكوى، فيقول: لو ترشح منك ما كلّفت بشربه توجّهت عليك الملامة، فإن لم يكن منك بيان فإنّى سميع لقالتك، عليم بحالتك.\n_________\n(١) لاحظ الفرق بين (وهو ما للفاعل أن يفعله) في مسألة الحسن فقد جعل فعل الحسن حقا لله وبين (عليه أن يفعله) عند المعتزلة إذ جعلوه واجبا عليه.\n(٢) مشتبهة.\n(٣) رواه الترمذي، وقال حسن صحيح، وابن ماجه، والحاكم عن سعد بن أبى وقاص. والإمام أحمد والنسائي وابن ماجه والدارمي من حديث عاصم. والطبراني من حديث فاطمة.\n(٤) ربما كانت فى الأصل (بلاءهم) فذلك يناسب التنفيس والترويح والرفق.","vol":"1","page":611},{"text":"ويقال فى قوله «عَلِيمٌ» تسلية لأرباب البلاء لأنّ من علم أنّ مقصودة يعلم حاله سهل عليه ما يقاسيه فيه، قال- سبحانه- لنبيّه ﷺ: «وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ» «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1018>[سورة الأنفال (٨): آية ١٨]</span>\nذلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ (١٨)\nموهن كيدهم: بتقوية قلوب المؤمنين بنور اليقين، والثبات على انتظار الفضل من قبل الله، وموهن كيدهم: بأن يأخذ الكافرين من حيث لا يشعرون، ويظفر جند المسلمين عليهم.\nقوله جلّ ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1019>[سورة الأنفال (٨): آية ١٩]</span>\nإِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (١٩)\nقال المشركون- يوم بدر- اللهم انصر أحبّ الفئتين إليك، فاستجاب دعاءهم ونصر أحبّ الفئتين إليه. وهم المسلمون، فسألوا بألسنتهم هلاك أنفسهم، وذلك لانجرارهم فى مغاليط ما يعلّقون من ظنونهم، فهم توهّموا استحقاق القربة، وكانوا فى عين الفرقة وحكم الشّقوة، موسومين باستيجاب اللعنة بدعائهم، والوقوع فى شقائهم فباختيارهم منوا ببوارهم.\nويقال ظنوا أنهم من أهل الرحمة فزلّوا، فلما كشف الستر خابوا وذلّوا، فعند ذلك علموا أنهم زاغوا فى ظنهم وضلوا.\nقوله جل ذكره: وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ «٢» .\nفيغفر لكم ما قد سلف من خلاف محمد ﷺ.\n«فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ» ليس المراد منه المبالغة لأنه يقال هذا خير لك من هذا إذا كان الثاني ليس فيه شر، وترك موافقتهم للرسول ﷺ- بكل وجه- هو شرّ لهم، ولكنه أراد به فى الأحوال الدنيوية، وعلى موجب ظنّهم.\n_________\n(١) آية ٩٧ سورة الحجر.\n(٢) أخطا الناسخ فى كتابة الآية إذ جاءت هكذا و«إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ» . [.....]","vol":"1","page":612},{"text":"قوله جل ذكره: وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ.\nيعنى إن عدتم إلى الجميل من السيرة عدنا عليكم بجميل المنّة، وإن عاودتم الإقدام على الشّرّ أعدنا عليكم ما أذقناكم من الضّرّ.\nقوله جل ذكره: وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ.\nمن غلبته قدرة الأحد لم تغن عنه كثرة العدد.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1020>[سورة الأنفال (٨): آية ٢٠]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (٢٠)\nالناس فى طاعة الله على أقسام: فمطيع لخوف عقوبته، ومطيع طمعا فى مثوبته، وآخر تحققا بعبوديته، وآخر تشرفا بربوبيته.\nوكم بين مطيع ومطيع! وأنشدوا:\nأحبك يا شمس النهار وبدره ... وإن لامنى فيك السّها والفراقد\nوذاك لأنّ الفضل عندك زاخر ... وذاك لأنّ العيش عندك بارد\nقال تعالى: «أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ» ولم يقل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول، وفى ذلك نوع تخصيص، وحزب تفضيل يلطف عن العبارة ويبعد عن الإشارة «١» قوله جل ذكره: وَلا «٢» تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ.\nأي تسمعون دعاءه إياكم، وتسمعون ما أنزل عليه من دعائى إياكم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1021>[سورة الأنفال (٨): آية ٢١]</span>\nوَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (٢١)\nلا تكونوا ممن يشهد جهرا، ويجحد سرّا.\n_________\n(١) هذا من المواضع التي يشعر فيها القارئ أن القشيري يريد أن يقول شيئا ولكنه يتركه لفطنة القارئ يستشف ما وراء السطور.\n(٢) أخطأ الناسخ فكتبها (ولو تولوا) .","vol":"1","page":613},{"text":"ويقال لا تقرّوا بلسانكم، وتصرّوا على كفرانكم.\nويقال من نطق بتلبيسه تشهد الخبرة بتكذيبه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1022>[سورة الأنفال (٨): آية ٢٢]</span>\nإِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (٢٢)\nدواعى الحق بحسن البيان ناطقة، وألسنة البرهان فيما ورد به التكليف صادقة، وخواطر الغيب بكشف ظلم الريب مفصحة، وزواجر التحقيق عن متابعة التموية للقلوب ملازمة.\nفمن صمّ عن إدراك ما خوطب به سرّه، وعمى عن شهود ما كوشف به قلبه، وخرس- عن إجابة ما أرشد إليه من حجة- فهمه وعقله فدون رتبة البهائم قدره، وفوق كل (....) «١» من حكم الله ذلّه وصغره.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1023>[سورة الأنفال (٨): آية ٢٣]</span>\nوَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)\nمن أقصته سوابق القسمة لم تدنه لواحق الخدمة، ومن علمه الله بنعت الشّقوة حرمه ما يوجب عفوه.\nويقال لو كانوا فى متناولات الرحمة لألبسهم صدار العصمة، ولكن سبق بالحرمان حكمهم، فختم بالضلالة أمرهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1024>[سورة الأنفال (٨): آية ٢٤]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)\nأجاب واستجاب بمعنىّ مثل أوقد واستوقد، وقيل للاستجابة مزية وخصوصية «٢» بأنها تكون طوعا لا كرها، وفرق بين من يجيب لخوف أو طمع وبين من يستجيب لا بعوض ولا على ملاحظة غرض. وحقّ الاستجابة أن تجيب بالكلية من غير أن تذر من المستطاع بقية.\n_________\n(١) مشتبهة.\n(٢) لاحظ كيف يتفق مذهب القشيري فى المصطلح مع القاعدة اللغوية: زيادة المبنى فيها زيادة المعنى.","vol":"1","page":614},{"text":"والمستجيب لربه محو عن كلّه باستيلاء الحقيقة، والمستجيب للرسولﷺ وعلى آله- قائم بشريعته من غير إخلال بشىء من أحكامها. وقد أمر الله ﷾ بالاستجابة له- سبحانه، وبالاستجابة للرسول فالعبد المستجيب- على الحقيقة- من قام بالله سرّا، واتصف بالشرع جهرا، فيفرده الحقّ- سبحانه- بحقائق الجمع و(....) «١» فى مشاهدة الفرق، فلا يكون للحدثان فى مشرب حقائقه تكدير، ولا لمطالبات الشرع على أحواله نكير.\nقوله جل ذكره: لِما يُحْيِيكُمْ.\nإذ لمّا أفناهم عنهم أحياهم به.\nويقال العابدون أحياهم بطاعته بعد ما أفناهم عن مخالفته، وأما العالمون فأحياهم بدلائل ربوبيته، بعد ما أفناهم عن الجهل وظلمته. وأمّا المؤمنون فأحياهم بنور موافقته بعد ما أفناهم بسيوف مجاهدتهم. وأمّا الموحّدون فأحياهم بنور توحيده بعد ما أفناهم عن الإحساس بكل غير، والملاحظة لكل حدثان.\nقوله جل ذكره: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ.\nيصون القلوب عن تقليب أربابها فيقلّبها كما يشاء هو، من بيان هداية وضلال، وغيبة ووصال، وحجبة وقربة، ويقين ومرية، وأنس ووحشة.\nويقال صان قلوب العبّاد عن الجنوح إلى الكسل، فجدّوا فى معاملاتهم، وصان قلوب المريدين عن التعريج فى أوطان الفشل فصدقوا فى منازلاتهم، وصان قلوب العارفين- على حدّ الاستقامة- عن الميل فتحققوا بدوام مواصلاتهم.\nويقال حال بينهم وبين قلوبهم لئلا يكون لهم رجوع إلا إلى الله، فإذا سنح لهم أمر فليس لهم إلى الأغيار سبيل، ولا على قلوبهم تعويل. وكم بين من يرجع عند سوانحه إلى قلبه وبين من لا يهتدى إلى شىء إلا إلى ربّه! كما قيل:\n_________\n(١) مشتبهة، ولكن حسبما نعلم فى مواضع سبقت أن المقصود أن الحق (يتولى) العبد أثناء الفرق الثاني. حيث يعود بالعبد المأخوذ ليقوم بفرائض الشرع، حتى لا يكون فى تحققه مقصرا في شىء من مطالبات الشريعة، ولذا نرجح أن الكلمة الناقصة هى: (ولا يتركه) أو ما فى معناها.","vol":"1","page":615},{"text":"لا يهتدى قلبى إلى غيركم ... لأنه سدّ عليه الطريق\nويقال العلماء هم الذين وجدوا قلوبهم، قال تعالى: «إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ» .\nوالعارفون هم الذين فقدوا قلوبهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1025>[سورة الأنفال (٨): آية ٢٥]</span>\nوَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٢٥)\nاحذروا أن ترتكبوا زلّة توجب لكم عقوبة لا تخص مرتكبها، بل يعمّ شؤمها من تعاطاها ومن لم يتعاطها.\nوغير المجرم لا يؤخذ بجرم من أذنب، ولكن قد ينفرد أحد بجرم فيحمل أقوام من المختصين بفاعل هذا الجرم، كأن يتعصبوا له إذا أخذ بحكم ذلك الجرم فبعد أن لم يكونوا ظالمين يصيرون ظالمين بمعاونتهم وتعصبهم لهذا الظالم فتكون فتنة لا تختص بمن كان ظالما فى الحال بل إنها تصيب أيضا ظالما فى المستقبل بسبب تعصبه لهذا الظالم ومطابقته معه، ورضاه به، وهذا معنى التفسير من حيث الظاهر. فأمّا من جهة الإشارة: فإن العبد إذا باشر رلّة بنفسه عادت إلى القلب منها الفتنة وهى العقوبة المعجلة، وتصيب النّفس منها العقوبة المؤجلة، والقلب إذا حصلت منه فتنة الزلة- عند ما يهم بما لا يجوز- تعدّت فتنته إلى السّر وهى الحجبة.\nوالمقدّم فى شأنه إذا فعل ما لا يجوز انقطعت البركات التي كانت تتعدى منه إلى متّبعيه وتلامذته، وكان لهم نصيبهم من الفتنة وهم لم يعلموا ذنبا. ويقال إن الأكابر إذا سكتوا عن التنكير على الأصاغر عند تركهم الأذكار أصابتهم فتنة ما فعلوه فلقد قيل إنّ السفيه «١» إذا لم ينه مأمور. فعلى هذا تصيب فتنة الزّلة مرتكبها ومن ترك النّهى عن المنكر- مثل من ترك الأمر بالمعروف- يؤخذ بجرمه. «٢»\n_________\n(١) وردت (السفينة) وهى خطأ فى النسخ.\n(٢) وردت هذه العبارة حافلة بالكثير من الأخطاء التي سببت فى غموض المعنى فقومناها حسبما يقتضى السياق- دون أن يكون اقتحامنا خطيرا على النص.","vol":"1","page":616},{"text":"ويقال إنّ الزاهد إذا انحط إلى رخص الشرع فى أخذ الزيادة من الدنيا مما فوق الكفاية- وإن كان من وجه حلال- تؤدى فتنته إلى من يخرج به من المبتدئين، فبجملة ما أبدى من الرغبة فى الدنيا، وترك التقلل يؤدى إلى الانهماك فى أودية الغفلة والأشغال الدنيوية.\nوالعابد إذا جنح عن الأشقّ وترك الأولى «١» تعدّى ذلك إلى من كان ينشط فى المجاهدة فيستوطنون الكسل، ثم يحملهم الفراغ وترك المجاهدة على متابعة الشهوات فيصيرون كما قيل:\nإن الشباب والفراغ والجدة ... مفسدة للمرء أي مفسدة\nوهكذا يكون نصيبهم من الفتنة.\nوالعارف إذا رجع إلى ما فيه حظ له، نظر إليه المريد، فتتداخله فترة فيما هو به من صدق المنازلة، ويكون ذلك نصيبه من فتنة العارف.\nوفى الجملة إذا غفل الملك، وتشاغل عن سياسة رعيته تعطّل الجند والرعية، وعظم فيهم الخلل والبليّة، وفى معناه أنشدوا:\nرعاتك ضيّعوا- بالجهل منهم- ... غنيمات فساستها ذئاب\nو«اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ» بتعجيله ذلك، ومن شدة عقوبته أنه إذا أخذ عبدا ليعاقبه لا يمكّنه من تلافى موجب تلك العقوبة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1026>[سورة الأنفال (٨): آية ٢٦]</span>\nوَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٢٦)\nيذكرهم ما كانوا فيه من القلّة والذّلة وصنوف (...) «٢» ثم ما نقلهم إليه من الإمكان والبسطة، ووجوه الأمان والحيطة، وقرّبهم إلى إقامة الشكر على جزيل تلك القسم،\n_________\n(١) وردت (الأولاد) وهى خطأ فى النسخ، والجنوح عن الأشق وترك الأولى تعبيران مألوفان عند ما يتحدث القشيري عن إيثار الصوفي للرخص.\n(٢) مشتبهة وربما كانت (الحطّة) أي نقصان المنزلة، فإنها قريبة للسياق، ومنسجمة مع الموسيقى اللفظية.","vol":"1","page":617},{"text":"وإدامة الحمد على جميل تلك النّعم، فمهّد لهم فى ظل أبوابه مقيلا، ولم يجعل للعدوّ إليهم- بيمن رعايته- سبيلا.\nقوله جل ذكره: وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.\nرزق الأشباح والظواهر من طيبات الغذاء، ورزق الأرواح والسرائر من صنوف الضياء. وحقيقة الشكر على هذه النعم الغيبة عنها بالاستغراق فى شهود المنعم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1027>[سورة الأنفال (٨): آية ٢٧]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧)\nالخيانة الاستبطان بخلاف ما يؤمّل منك بحق التعويل، فخيانة الله بتضييع ما ائتمنك عليه، وذلك بمخالفة النّصح فى دينه، وخيانة الرسول بالاتصاف بمخالفة ما تبدى من مشايعته.\nوالخيانة فى الأمانات بترك الإنصاف، والاتصاف بغير الصدق.\nوخيانة كل أحد على حسب ما وضع عنده من الأمانة، فمن اؤتمن فى مال فتصرّف فيه بغير إذن صاحبه- خيانة، ومن اؤتمن على الحرم فملاحظته إياهن- خيانة. فعلى هذا:\nالخيانة فى الأعمال الدعوى فيها بأنها من قبلك دون التحقيق بأنّ منشئها الله.\nوالخيانة فى الأحوال ملاحظتك لها دون غيبتك عن شهودها باستغراقك فى شهود الحق، إن لم يكن استهلاكك فى وجود الحق. وإذا أخللت بسنّة من السّنن أو أدب من آداب الشّرع فتلك خيانة الرسول ﷺ.\nوالخيانة فى الأمانات- بينك وبين الخلق- تكون بإيثار نصيب نفسك على نصيب المسلمين، بإرادة القلب فضلا عن المعاملة بالفعل.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1028>[سورة الأنفال (٨): آية ٢٨]</span>\nوَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٨)","vol":"1","page":618},{"text":"أموالكم وأولادكم سبب فتنتكم لأن المرء- لأجل جمع ماله ولأجل أولاده- يرتكب ما هو خلاف الأمر، فيورثه فتنة العقوبة.\nويقال الفتنة الاختبار فيختبرك بالأموال.. هل تؤثرها على حقّ الله؟\nوبالأولاد.. هل تترك لأجلهم ما فيه رضاء الله؟\nفإن آثرتم حقّه على حقّكم ظهرت به فضيلتكم، وإن اتصفتم بضدّه عوملتم بما يوجبه العكس من محبوبكم.\nويقال المال فتنة إذا كان عن الله يشغلكم، والأولاد فتنة إذا لأجلهم قصّرتم فى حقّ الله أو فرّطتم.\nويقال المال- ما للكفاف والعفاف «١» - نعمة، وما للتقاصر والتفاخر فتنة، وفى الجملة ما يشغلك عن الله فهو فتنة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1029>[سورة الأنفال (٨): آية ٢٩]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)\n«٢» الفرقان ما به يفرق بين الحق والباطل من علم وافر وإلهام قاهر، فالعلماء فرقانهم مجلوب برهانهم، والعارفون فرقانهم موهوب «٣» عرفانهم فأولئك مع مجهود أنفسهم، وهؤلاء بمقتضى جود ربّهم.\nالعرفان تعريف من الله، والتكفير «٤» تخفيف من الله، والغفران تشريف للعبد من الله.\n_________\n(١) وردت (والعقاب) وهى خطا من الناسخ إذ لا تؤدى المراد، ونظن أن (العفاف) تنسجم مع السياق، ومع التركيب الداخلى للأسلوب.\n(٢) أخطأ الناسخ إذ جعل خاتمة الآية (والله سميع عليم) .\n(٣) وردت (موهوم) وهى خطأ من الناسخ، والصواب أن تكون (موهوب) فهكذا يتطلب السياق.\n(٤) (التكفير) هنا تشير الى ما ورد فى الآية: «وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ» .","vol":"1","page":619},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1030>[سورة الأنفال (٨): آية ٣٠]</span>\nوَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (٣٠)\nذكره عظيم منّته عليه حيث خلّصه من أعدائه حين خرج من مكة مهاجرا إلى المدينة، وهمّوا بقتله، وحاولوا أن يمكروا به فى السّر، فأعلمه الله ذلك.\nوالمكر إظهار الإحسان مع قصد الإساءة فى السّر، والمكر من الله الجزاء على المكر، ويكون المكر بهم أن يلقى فى قلوبهم أنه محسن إليهم ثم- فى التحقيق- يعذّبهم، وإذا شغل قوما بالدنيا صرف همومهم إليها حتى ينسوا أمر الآخرة، وذلك مكر بهم، إذ يوطّنون نفوسهم عليها، فيتيح لهم من مأمنهم سوءا، ويأخذهم بغتة.\nومن جملة مكره اغترار قوم بما يرزقهم من الصيت الجميل بين الناس، وإجراء كثير من الطاعات عليهم، فأسرارهم تكون بالأغيار منوطة، وهم عن الله غافلون، وعند الناس أنهم مكرمون، وفى معناه قيل:\nوقد حسدونى فى قرب دارى منكم ... وكم من قريب الدار وهو بعيد\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1031>[سورة الأنفال (٨): آية ٣١]</span>\nوَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٣١)\nفرط جهلهم، وشؤم جحدهم ستر على عقولهم قبح دعاويهم فى القدرة على معارضة القرآن فافتضحوا عند الامتحان بعدم البرهان، والعجز عما وصفوا به أنفسهم من الفصاحة والبيان، وقديما قيل:\nمن تحلّى بغير ما هو فيه ... فضح الامتحان «١» ما يدّعيه\n_________\n(١) وردت (الامتهان) بالهاء والصواب أن تكون بالحاء. [.....]","vol":"1","page":620},{"text":"ويقال لمّا لاحظوا القرآن بعين الاستصغار حرموا بركات الفهم فعدوه من جملة أساطير الأولين، وكذلك من لا يراعى حرمة الأولياء، يعاقب بأن تستر عليه أحوالهم، فيظنهم مثله فى استحقاق مثالبه، فيطلق فيهم لسان الوقيعة، وهو بذلك أحقّ، كما قيل:\n«رمتني بدائها وانسلّت» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1032>[سورة الأنفال (٨): آية ٣٢]</span>\nوَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٣٢)\nدلّ سؤالهم العذاب على تصميم عقدهم على تكذيب الرسول ﷺ، واستيقنوا عند أنفسهم بأنه لا يستجاب فيهم ما يدعونه على أنفسهم.\nوفى هذا أظهر دليل على أن سكون النّفس إلى الشيء ليس بعلم لأنه كما يوجد مع العلم يوجد مع الجهل.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1033>[سورة الأنفال (٨): آية ٣٣]</span>\nوَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)\nما كان الله معذبهم وأنت فيهم، وما كان الله ليعذّب أسلافهم وأنت فى أصلابهم، وليس يعذبهم اليوم وأنت فيما بينهم إجلالا لقدرك، وإكراما لمحلّك، وإذا خرجت من بينهم فلا يعذبهم وفيهم خدمك الذين يستغفرون، فالآية تدل على تشريف قدر الرسولﷺ.\nويقال للجوار حرمة، فجار الكرام فى ظل إنعامهم فالكفار إن لم ينعموا «١» بقرب الرسولﷺ- منهم فقد اندفع العذاب- بمجاورته- عنهم:\nوأحبها وأحبّ منزلها الذي ... نزلت به وأحبّ أهل المنزل\n_________\n(١) وردت (يمنعوا) والملائم للمعنى (ينعموا) لترتبط بالإنعام الذي جاء ذكره فى الجملة السابقة، ويؤكد اختيارنا أيضا وجود (الباء) فى (بقرب الرسول) إذ يقال (نعم بكذا) ولا يقال (منع بكذا) .","vol":"1","page":621},{"text":"ويقال إذا كان كون الرسولﷺ- فى الكفار يمنع العذاب عنهم فكون المعرفة فى القلوب أولى بدفع العذاب عنها.\nويقال إن العذاب- وإن تأخّر عنهم مدة مقامهم فى الدنيا مادام هو ﵇ فيهم- فلا محالة يصيبهم العذاب فى الآخرة، إذ الاعتبار بالعواقب لا بالأوقات والطوارق.\nقوله جل ذكره: وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ.\nعلم أنه﵇- لا يتأبّد مكثه فى أمته إذ قال له: «وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ» «١»، فقال إنى لا أضيع أمّته وإن قضى فيهم مدّته، فما دامت ألسنتهم بالاستغفار متطلّعة فصنوف العذاب عنهم مرتفعة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1034>[سورة الأنفال (٨): آية ٣٤]</span>\nوَما لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٣٤)\nنفى العذاب عنهم فى آية، وأثبته فى آية، فالمنفىّ فى الدنيا والمثبت فى الآخرة.\nثم بيّن إيصال العذاب إليهم فى الآخرة بقوله تعالى: «وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ» دليل الخطاب أن إعانة المسلمين على ما فيه قيام بحق الدين يوجب استحقاق القربة والثواب وفى الآية دليل على أنه لا يعذّب أولياءه بقوله: «وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ» فاذا عذّب من لم يكونوا أولياءه دلّ على أنه لا يعذّب من كان من جملة أوليائه. والمؤمنون كلّهم أولياء الله لأنه قال: «اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا» «٢» . والمؤمن- وإن عذّب بمقدار جرمه زمانا فإنه لا يخلّد فى دار العقوبة، فما يقاسون بالإضافة إلى تأبيد الخلاص جلل، وقيل:\nإذا سلم العهد الذي كان بيننا ... فودّى وإن شطّ المزار سليم\nقوله جل ذكره: إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ.\n_________\n(١) آية ٣٤ سورة الأنبياء.\n(٢) آية ٢٥٧ سورة البقرة.","vol":"1","page":622},{"text":"وليس أولياؤه إلا المتقون، وهم الذين اتقوا الشّرك.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1035>[سورة الأنفال (٨): آية ٣٥]</span>\nوَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٥)\nتجردت أعمالهم بظواهرهم عن خلوص عقائدهم، فلم يوجد﷾- لها احتسابا فزكاء القالة لا يكون إلا مع صفاء الحالة، وعناء الظاهر لا يقبل إلا مع ضياء السرائر.\nقوله جل ذكره: فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ.\nكان العذاب معجّلا وهو حسبانهم أنهم على شىء، قال الله تعالى:\n«وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا»، ومؤجّلا وهو كما قال الله تعالى: وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَقُ\n«١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1036>[سورة الأنفال (٨): آية ٣٦]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (٣٦)\nيرومون بإنفاقهم صنوف أموالهم صلاحا ونظاما لأحوالهم، ثم لا يحظون إلا بخسران، ولا يحصلون إلا على نقصان. خسروا وهم لا يشعرون، وخابوا وسوف يعلمون:\nسوف ترى إذا انجلى الغبار ... أفرس تحتك أم حمار؟\nقوله: «وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ» إنّهم وإن ألهتهم أموالهم فإلى الهوان والذلّة مآلهم، لم تغن عنهم أموالهم، ولم تنفعهم أعمالهم، بل ختمت بالشقاوة أحوالهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1037>[سورة الأنفال (٨): آية ٣٧]</span>\nلِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٣٧) .\n_________\n(١) آية ٣٤ سورة الرعد.","vol":"1","page":623},{"text":"الخبيث ما لا يصلح لله، والطيب ما يصلح لله.\nالخبيث ما حكم الشرع بقبحه وفساده، والطيب ما شهد العلم بحسنه وصلاحه.\nويقال الخبيث الكافر، والطيّب المؤمن.\nالخبيث ما شغل صاحبه عن الله، والطيّب ما أوصل صاحبه إلى الله.\nالخبيث ما يأخذه المرء وينفقه لحظّ نفسه، والطيب ما ينفقه بأمر ربه.\nالخبيث عمل الكافر يصوّر له ويعذّب بإلقائه عليه، والطيّب عمل المؤمن يصور له فى صورة جميلة فيحمل المؤمن عليه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1038>[سورة الأنفال (٨): آية ٣٨]</span>\nقُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (٣٨)\nإن كبحوا لجام التمرد، وأقلعوا عن الركض فى ميدان العناد والتّجبّر أزلنا عنهم صغار الهوان، وأوجبنا لهم روح الأمان.\nويقال إن حلّوا نطاق العناد أطلقنا عنهم عقال البعاد.\nويقال إن أبصروا قبح فعالهم جدنا عليهم بإصلاح أحوالهم.\nويقال إن جنحوا للاعتذار ألقينا عليهم حالة الاغتفار.\nويقال إن عادوا إلى التّنصّل «١» أبحنا لهم حسن التّفضّل:\nأناس أعرضوا عنّا ... بلا جرم ولا معنى\nأساءوا ظنّهم فينا ... فهلّا أحسنوا الظنّا\nفإن كانوا لنا- كنّا، ... وإن عادوا لنا عدنا\nوإن كانوا قد استغنوا ... فإنّا عنهم أغنى\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1039>[سورة الأنفال (٨): آية ٣٩]</span>\nوَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣٩)\n_________\n(١) تنصّل من ذنبه أي تبرّأ","vol":"1","page":624},{"text":"أمرهم بمقاتلة الكفار والإبلاغ فيها حتى تستأصل شأفتهم بحيث يأمن المسلمون مضرّتهم، ويكفون بالكلية فتنتهم.. وحيّة الوادي لا تؤمن ما دامت تبقى فيها حركة كذلك العدو إذا قهر فحقّه أن تقتلع جميع عروقه، وتنقّى زباع الإسلام من كل شكيرة «١» تنبت من الشرك.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1040>[سورة الأنفال (٨): الآيات ٤٠ الى ٤١]</span>\nوَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٤٠) وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤١)\nفإن أبوا إلّا عتوّا، وعن الإيمان إلا نبوّأ، فلا على قلوبكم ظلّ مخافة منهم فإن الله- سبحانه- ولىّ نصرتكم، ومتولّى كفايتكم إن لم تكونوا بحيث نعم العبيد فهو نعم المولى لكم ونعم الناصر لكم.\nويقال نعم المولى لكم يوم قسمة العرفان، ونعم الناصر لكم يوم نعمة الغفران.\nويقال نعم المولى لك حين لم تكن، ونعم الناصر لك حين كنت.\nويقال نعم المولى بالتعريف قبل التكليف، ونعم الناصر لكم بالتخفيف والتضعيف يخفّف عنكم السيئات ويضاعف الحسنات:\nوهواك أول ما عرفت من الهوى ... والقلب لا ينسى الحبيب الأوّلا\nقوله جل ذكره: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ، وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.\n_________\n(١) شكرت الشجرة أي خرجت منها الشكيرة وهى ما ينبت حولها من أصلها.","vol":"1","page":625},{"text":"الغنيمة ما أخذه المؤمنون من أموال الكفار إذا ظفروا عند المجاهدة والقتال معهم.\nفإذا لم يكن قتال- أو ما فى معناه- فهو فىء.\nوالجهاد قسمان: جهاد الظاهر مع الكفار، وجهاد الباطن مع النّفس والشيطان وهو الجهاد الأكبر- كما فى الخبر «١» وكما أن فى الجهاد الأصغر غنيمة عند الظّفر، ففى الجهاد الأكبر غنيمة، وهو أن يملك العبد نفسه التي كانت فى يد العدو: الهوى والشيطان. فبعد ما كانت ظواهره مقرّا للأعمال الذميمة، وباطنه مستقرا للأحوال الدّنيّة يصير محلّ الهوى مسكن الرّضا، ومقرّ الشهوات والمني مسلّما لما يرد عليه من مطالبات المولى وتصير النّفس مستلبة من أسر «٢» الشهوات، والقلب مختطفا من وصف الغفلات، والرّوح منتزعة من أيدى العلاقات، والسّرّ مصونا عن الملاحظات. وتصبح غاغة النّفس منهزمة، ورياسة الحقوق بالاستجابة لله خافقة.\nوكما أن من جملة الغنيمة سهما لله وللرسول، وهو الخمس فمما هو غنيمة- على لسان الإشارة- سهم خالص لله وهو ما لا يكون للعبد فيه نصيب، لا من كرائم العقبى، ولا من ثمرات التقريب، ولا من خصائص الإقبال، فيكون العبد عند ذلك محرّرا عن رقّ كل نصيب، خالصا لله بالله، يمحو ما سوى الله، كما قيل:\nمن لم يكن بك فانيا عن حظّه ... وعن الهوى والإنس والأحباب\nفكأنه- بين المراتب- واقف ... لمنال حظّ أو لحسن ثواب\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1041>[سورة الأنفال (٨): آية ٤٢]</span>\nإِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ وَلكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (٤٢)\n_________\n(١) إشارة إلى ما قاله الرسول بعد إحدى الغزوات: «رجعنا من الجهاد الأصغر الى الجهاد الأكبر جهاد النفس» .\n(٢) وردت (أسرار) وهى خطأ في النسخ.","vol":"1","page":626},{"text":"يخبر- سبحانه- أنّ ما جرى يوم بدر من القتال، وما حصل من فنون الأحوال كان بحكم التقدير، لا بما يحصل من الخلق من التدبير، أو بحكم تقتضيه رويّة التفكير. بل لو كان ذلك على اختيار وتواعد، كنتم عن تلك الجملة على استكراه وتباعد، فجرى على ما جرى ليقضى الله أمرا كان مقضيّا، وحصل من الأمور ما سبق به التقدير.\nقوله جل ذكره: لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ.\nأي ليضلّ من زاغ عن الحقّ بعد لزومه الحجبة، ويهتدى من أقام على الحقّ بعد وضوح الحجّة.\nويقال الحقّ أوضح السبيل ونصب الدليل، ولكن سدّ بصائر قوم عن شهود الرشد، وفتح بصائر آخرين لإدراك طرق الحق.\nالهالك من وقع فى أودية التفرقة، والحىّ من حيى بنور التعريف.\nويقال الهالك من كان بحظّه مربوطا، والحىّ من كان من أسر كلّ نصيب مستلبا مجذوبا «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1042>[سورة الأنفال (٨): الآيات ٤٣ الى ٤٤]</span>\nإِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٤٣) وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤٤)\n_________\n(١) كلمة (مجذوب) بهذا الاستعمال قد تؤدى المعنى الذي تطلق به فى أوساط الصوفية اليوم","vol":"1","page":627},{"text":"قيل أراه إياهم فى نومهﷺ- بوصف القلّة، وأخبر أصحابه بذلك فازدادوا جسارة عليهم.\nوقيل أراه فى منامه أي فى محل نومه أي فى عينيه، فمعناه قلّلهم فى عينيه لأنهم لو استكثروهم لفشلوا فى قتالهم، ولانكسرت بذلك قلوب المسلمين.\nوفى الجملة أراد الله جريان ما حصل بينهم من القتال يوم بدر، وإنّ الله إذا أراد أمرا هيّأ أسبابه فقلّل الكفار فى أعين المسلمين فزادوا جسارة، وقلّل المسلمين فى أعين الكفار فازدادوا- عند نشاطهم إلى القتال- صغرا فى حكم الله وخسارة.\nوالله «عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ»: وكيف لا؟ ومنه تصدر المقادير، وإليه ترجع الأمور.\nويقال إذا أراد الله نصرة عبد فلو كاد له جميع البشر، وأراده الكافة بكل ضرر، لا ينفع من شاء مضرّته كدّ، ويحصل بينه «١» وبين متاح لطفه به سدّ.\nوإذا أراد بعبد سوءا فليس له ردّ، ولا ينفعه كدّ، ولا ينعشه بعد ما سقط فى حكمه جهد.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1043>[سورة الأنفال (٨): آية ٤٥]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥)\nأراد إذا لقيتم فئة من المشركين فاثبتوا. والثبات إنما يكون بقوة القلب وشدة اليقين، ولا يكون ذلك إلا لنفاذ البصيرة، والتحقق بالله، وشهود الحادثات كلها منه، فعند ذلك يستسلم لله، ويرضى بحكمه، ويتوقع منه حسن الإعانة، ولهذا أحالهم على الذكر فقال:\n«وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا» .\nويقال إنّ جميع الخيرات فى ثبات القلب، وبه تبين أقدار الرجال، فإذا ورد على الإنسان خاطر يزعجه أو هاجس فى نفسه يهيجه.. فمن كان صاحب بصيرة توقف ريثما\n_________\n(١) الضمير فى (بينه) يعود على الضرر أو من شاء الضرر، والضمير في (به) يعود على العبد المنصور.","vol":"1","page":628},{"text":"تتبيّن له حقيقة الوارد، فيثبت لكونه رابط الجأش، ساكن القلب، صافى اللّب..\nوهذا نعت الأكابر.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1044>[سورة الأنفال (٨): آية ٤٦]</span>\nوَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦)\nالموافقة بين المسلمين أصل الدّين. وأول الفساد ورأس الزّلل الاختلاف. وكما تجب الموافقة فى الدين والعقيدة تجب الموافقة فى الرأى والعزيمة «١» .\nقال تعالى فى صفة الكفّار: «تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى»، وإنما تتحد عزائم المسلمين لأنهم كلّهم يجمعهم التبرّى من حولهم وقوّتّهم، ويتمحضون فى رجوعهم إلى الله، وشهودهم التقدير، فيتحدون فى هذه الحالة الواحدة.\nوأمّا الذين توهّموا الحادثات من أنفسهم فضلّوا فى ساحات حسبانهم، وأجروا الأمور على ما يسنح لرأيهم، فكلّ يبنى على ما يقع له ويختار، فإذا تنازعوا تشعّبت بهم الآراء، وافترقت بهم الطرق، فيضعفون، وتختلف طرقهم. وكما تجب فى الدين طاعة رسول اللهﷺ- تجب طاعة أولى الأمر، ولهذا يجب فى كل وقت نصب إمام للمسلمين، ثم لا تجوز مخالفته، قال النبيﷺ-: «أطيعوه ولو كان عبدا مجدعا» «٢» وكان الرسولﷺ- إذا بعث سريّة أمّر «٣» عليهم أميرا وقال: «عليكم بالسواد الأعظم» .\nوإجماع المسلمين حجة، وصلاة الجماعة سنّة مؤكّدة، والاتّباع محمود والابتداع ضلالة.\nقوله «وَاصْبِرُوا» الصبر حبس النّفس على الشيء، والمأمور به من الصبر ما يكون على خلاف هواك.\n_________\n(١) وردت (العظيمة) والملائم للرأى ولما جاء بعد قليل تتحد: (عزائم المسلمين) كلمة (العزيمة)\n(٢) فى رواية مسلم وابن ماجه عن أم الحصين: «إن أمر عليكم عبد مجدع أسود يقودكم بكتاب الله فاسمعوا له وأطيعوا» ص ١٤٦ ح ٢ من منتخب كنز العمال.\n(٣) وردت (اثر) والصواب (أمرّ) أميرا، وربما اشتبهت علامة التضعيف على الناسخ فحسبها نقطا لثاء.","vol":"1","page":629},{"text":"«إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ» يتولى بالكفاية إذا حصل منهم الثبات وحسن التفويض.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1045>[سورة الأنفال (٨): آية ٤٧]</span>\nوَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَرًا وَرِئاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٤٧)\nيريد أنّ أهل مكة لما خرجوا من مكة عام بدر لنصرة العير ملكتهم العزّة، واستمكن منهم البطر، وداخلهم رياء الناس، فارتكبوا فى شباك غلطهم، وحصلوا على ما لم يحتسبوه.\nوأمّا المؤمنون فنصرهم نصرا عزيزا، وأزال عن نبيّه﵇- ما أظلّه من الخوف وبصدق تبريه عن حوله ومنّته- حين قال: (لا تكلنى إلى نفسى) «١» - كفاه بحسن التولّى فقال (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى) .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1046>[سورة الأنفال (٨): آية ٤٨]</span>\nوَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ (٤٨)\nالشيطان إذا زيّن للانسان بوساوسه أمرا، والنّفس إذا سوّلت له شيئا عميت بصائر أرباب الغفلة عن شهود صواب الرّشد، فيبقى الغافل «٢» فى قياد وساوسه، ثم تلحقه هواجم\n_________\n(١) «لا تكلنى إلى نفسى طرفة عين» الحاكم من حديث أنس قال صحيح على شرط الشيخين، وهو في اليوم والليل، وعلمه ﷺ لابنته الزهراء ﵂. [.....]\n(٢) وردت (العاقل) وهى خطأ في النسخ فالكلام عن أرباب الغفلة.","vol":"1","page":630},{"text":"التقدير من كوامن المكر «١» من حيث لا يرتقب، فلا الشيطان يفى «٢» بما يعده، ولا النفس شيئا مما تتمنّاه تجده، وكما قال القائل:\nأحسنت ظنّك بالأيام إذ حسنت ... ولم تخف سوء ما يأتى به القدر\nوسالمتك الليالى فاغتررت بها ... وعند صفو الليالى يحدث الكدر\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1047>[سورة الأنفال (٨): آية ٤٩]</span>\nإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٩)\nإن أصحاب الغفلة وأرباب الغرّة إذا هبّت رياح صولتهم فى زمان غفلتهم يلاحظون أهل الحقيقة بعين الاستحقار، ويحكمون عليهم بضعف الحال، وينسبونهم إلى الضلال، ويعدونهم من جملة الجهّال، وذلك فى زمان الفترة ومدة مهلة أهل الغيبة.\nوالذين لهم قوة اليقين ونور البصيرة ساكنون تحت جريان الحكم، يرون الغائبات عن الحواس بعيون البصيرة من وراء ستر رقيق فلا الطوارق تهزمهم، ولا هواجم «٣» الوقت تستفزهم «٤»، وعن قريب يلوح علم اليسر، وتنجلى سحائب العسر، ويمحق الله كيد الكائدين.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1048>[سورة الأنفال (٨): آية ٥٠]</span>\nوَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (٥٠)\nيسلّيهم «٥» عند ما يقاسون من اختبارات التقدير بما يذكّرهم زوال المحنة، ووشك روح\n_________\n(١) هكذا فى المتن، وفى الهامش (كوامن المنكر) ولكن الصواب ما جاء بالمتن إذ المقصود ما يهجم على الغافل من (مكر) الله- سبحانه.\n(٢) وردت (يفنى) والملائم لما (يعده) كلمة (يفى) .\n(٣) وردت (هواهم) .\n(٤) وردت (تستقرهم) ويكون معنى الجملة بعد هذين التصويبين هو ما جاء فى الرسالة (ص ٤٤) [الهجوم ما يرد على القلب بقوة الوقت، وسادات الوقت لا تصرفهم الهواجم]\n(٥) وردت (يسلبهم) والمقصود (تسليته) المؤمنين فى أوقات الاختبار.","vol":"1","page":631},{"text":"اليسر، وسرعة حصول النصر، وحلول النّقم بمرتكبى الظلم. والمؤمن كثير الظّفر فإذا شاهد بأرباب الجرائم حلول الانتقام رقّ قلبه لهم، فلا ينخرط فى سلك الشماتة إذ يخلو قلبه من شهوة الانتقام، بل يجب أن يكون كل أحد بحسن الصفة، وكما قيل.\nقوم إذا ظفروا بنا ... جادوا بعتق رقابنا\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1049>[سورة الأنفال (٨): آية ٥١]</span>\nذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (٥١)\nيعرّفهم أنّ ما أصابهم من شدّة الوطأة جزاء لهم على ما أسلفوه من قبيح الزّلّة، كما قيل:\nسننت فينا سننا ... قذف البلايا عقبه\nيصبر على أهوالها ... من برّ يوما ربّه «١»\n«وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ» أي كيفما يعاملهم فى السّرّاء والضرّاء فذلك منه حسن وعدل، إذ الملك ملكه، والخلق خلقه، والحكم حكمه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1050>[سورة الأنفال (٨): آية ٥٢]</span>\nكَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ (٥٢)\nلمّا سلكوا مسلك أهل فرعون فى الضلال، سلكنا بهم مسلكهم فيما أذقناهم من العذاب وسوء الحال، وسنّة الله ألا تغيير فى الإنعام، وعادته ألا تبديل فى الانتقام، ومن لم يعتبر بما يشهد «٢» اعتبر بما يصنعه به.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1051>[سورة الأنفال (٨): آية ٥٣]</span>\nذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٥٣) .\n_________\n(١) فى الشعر اضطراب، ونرجح أن هناك خطأ فى النقل.\n(٢) أي بما يشهده يحدث لغيره.","vol":"1","page":632},{"text":"إذا أنعم الحقّ- سبحانه- على قوم نعمة وأراد إمهالهم أكرمهم بتوفيق الشكر، فإذا شكروا نعمته فبقدر الشكر دامت فيهم.\nوإذا أراد- سبحانه- إزالة نعمة عن عبد أذلّة بخذلان الكفر، فإذا حال «١» عن طريق الشكر عرّض النّعمة للزوال. فما دام العبد يشكر النعمة مقيما كان الحقّ فى إنعامه عليه مديما، فإذا قابل النعمة بالكفران انتثر سلك نظامه، فبقدر ما يزيد فى إصراره يزول الأمر عن قراره.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1052>[سورة الأنفال (٨): آية ٥٤]</span>\nكَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ (٥٤)\nتنوّعت من آل فرعون الذنوب فنوّع لهم العقوبة، وكذلك هؤلاء: عوقبوا بأنواع من العقوبة لمّا ارتكبوا أنواعا من الزّلة.\nوفائدة تكرار ذكرهم تأكيد فى التعريف أنه لا يهمل المكلّف أصلا، وإن أهمله حينا ودهرا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1053>[سورة الأنفال (٨): آية ٥٥]</span>\nإِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٥٥)\n«عِنْدَ اللَّهِ»: فى سابق علمه وصادق حكمه فإذا كانوا فى علمه شرّ الخلائق فكيف يسعدون باختلاف السعايات وصنوف الطوارق؟\nهيهات أن تتبدل الحقائق! وإذا قال: «فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ» - وكلامه صدق وقوله حقّ- فلم يبق للرجاء فيهم مساغ، ولا ينجع فيهم نصح وإبلاغ.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1054>[سورة الأنفال (٨): آية ٥٦]</span>\nالَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ (٥٦) .\n_________\n(١) (حال) اى تغير مقبولة فى المعنى، ولكن لا نستبعد أنها (حاد) فى الأصل.","vol":"1","page":633},{"text":"أي الذين صار نقض العهد لهم سجية فلم يذروا من استفراغ الوسع فى جهلهم بقية.\nوإن من الكبائر التي لا غفران لها فى هذه الطريق أن ينقض العبد عهدا، أو يترك عقدا التزمه بقلبه مع الله. أولئك الذين سقطوا عن (....) «١» الله، فرفع عنهم ظلّ العناية والعصمة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1055>[سورة الأنفال (٨): آية ٥٧]</span>\nفَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٥٧)\nيريد إن صادفت واحدا من هؤلاء الذين دأبهم نقض العهد فاجعلهم عبرة لمن يأتى بعدهم لئلا يسلكوا طريقهم فيستوجبوا عقوبتهم.\nكذلك من فسخ عقده مع «٢» الله بقلبه برجوعه إلى رخص التأويلات، ونزوله إلى السكون مع العادات «٣» يجعله الله نكالا لمن بعده، بحرمانه ما كان خوّله، وتنغيصه عليه ما من حظوظه أمّله، فيفوته حق الله، ولا يكون له امتناع عما آثره على حق الله:\nتبدّلت وتبدّلنا وا حسرتا لمن ... ابتغى عوضا لليلى فلم يجد\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1056>[سورة الأنفال (٨): آية ٥٨]</span>\nوَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ (٥٨)\nيريد إذا تحقّقت بخيانة قوم منهم فصرّح بأنه لا عهد بينك وبينهم، فإذا حصلت الخيانة زال سمت الأمانة، وخيانة كلّ أحد على ما يليق بحاله، ومن ضنّ «٤» بميسور له فقد خان فى عهده، وزاغ عن جده، وعقوبته معجّلة، فهو لا يحبّه الله، وتكون عقوبته بإذلاله وإهانته.\n_________\n(١) مشتبهة.\n(٢) وردت (من) والصواب عقده (مع) الله.\n(٣) وردت (العدالات) والصواب (العادات)\n. (٤) وردت (ظن) وهى خطأ فى النسخ.","vol":"1","page":634},{"text":"قوله جلّ ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1057>[سورة الأنفال (٨): آية ٥٩]</span>\nوَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ (٥٩)\nكيف يعارض الحقّ أو ينازعه من فى قبضته تقلّبه، وبقدرته تصرّفه، وبتصريفه إياه عدمه وثبوته.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1058>[سورة الأنفال (٨): آية ٦٠]</span>\nوَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (٦٠)\nأعدوا لقتال الأعداء ما يبلغ وسعكم ذلك من قوة، وأتمّها قوة القلب بالله، والناس فيها مختلفون: فواحد يقوى قلبه بموعود نصره، وآخر يقوى قلبه بأنّ الحقّ عالم بحاله، وآخر يقوى قلبه لتحققه بأن يشهد من ربه، قال تعالى: «وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا» «١»، وآخر يقوى قلبه بإيثار رضاء الله تعالى على مراد نفسه، وآخر يقوى قلبه برضاه بما يفعله مولاه به.\nويقال أقوى محبة للعبد فى مجاهدة العبد وتبرّيه عن حوله وقوّته.\nقوله جل ذكره: تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ، اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ، وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ.\nالإشارة فيه أنه لا يجاهد على رجاء غنيمة ينالها، أو لاشتفاء صدره من قضية حقد، بل قصده أن تكون كلمة الله هى العليا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1059>[سورة الأنفال (٨): آية ٦١]</span>\nوَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦١) .\n_________\n(١) آية ٤٨ سورة الطور. [.....]","vol":"1","page":635},{"text":"بعث الله نبيهﷺ- بالرحمة والشفقة على الخلق، وبمسالمة «١» الكفار رجاء أن يؤمنوا فى المستأنف فإن أبوا فليس يخرج أحد عن قبضة العزّة.\nويقال العبودية الوقوف حيثما وقفت إن أمرت بالقتال فلا تقصّر، وإن أمرت بالمواعدة فمرحبا بالمسالمة، «وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ» فى الحالين فإنه يختار لك ما فيه الخيرة، فيوفّقك لما فيه الأولى، ويختار لك ما فيه من قسمى الأمر- فى الحرب وفى الصّلح- ما هو الأعلى.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1060>[سورة الأنفال (٨): الآيات ٦٢ الى ٦٣]</span>\nوَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٣)\nأي إن لبّسوا عليك، وراموا خداعك بطلب الصّلح منك- وهم يستبطنون لك بخلاف ما يظهرونه- فإنّ الله كافيك، فلا تشغل قلبك بغفلتك عن شرّ ما يكيدونك فإنى أعلم ما لا تعلم، وأقدر على ما لا تقدر.\nهو الذي بنصره أفردك، وبلطفه أيّدك، وعن كل سوء ونصيب طهّرك، وعن رقّ الأشياء جرّدك «٢»، وفى جميع الأحوال كان لك.\nهو الذي أيّدك بمن آمن بك من المؤمنين، وهو الذي ألّف بين قلوبهم المختلفة فجمعها على الدّين، وإيثار رضاء الحق. ولو كان ذلك بحيل «٣» الخلق ما انتظمت هذه الجملة، ولو أبلغت بكلّ ميسور من الأفعال، وبذلت كلّ مستطاع من المال- لما وصلت إليه.\n_________\n(١) وردت (بمساملة) وهى خطأ فى النسخ.\n(٢) وردت (حررك) بالحاء وهى خطأ فى النسخ والصواب أن تكون بالجيم.\n(٣) وردت (يحيل) بياءين وهى خطأ فى النسخ فهى (حيل) جمع حيلة.","vol":"1","page":636},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1061>[سورة الأنفال (٨): آية ٦٤]</span>\nيا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤)\nأحسن التأويلات فى هذه الآية أن تكون «من» فى محل النّصب أي ومن اتبعك من المؤمنين يكفيهم الله.\nومن التأويلات فى العربية أن تكون «من» فى محل الرفع أي حسبك من اتبعك من المؤمنين.\nوقد علم أن استقلال الرسولﷺ- كان بالله لا بمن سوى الله، وكلّ من هو سوى الله فمحتاج إلى نصرة الله، كما أن رسول الله محتاج إلى نصرة الله «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1062>[سورة الأنفال (٨): الآيات ٦٥ الى ٦٦]</span>\nيا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (٦٥) الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٦٦)\nالمؤمن لا يزداد بنفسه ضعفا إلّا ازداد بقلبه قوة، لأن الاستقلال بقوة النّفس نتيجة الغفلة، وقوة القلب بالله- سبحانه- على الحقيقة.\nقوله جل ذكره: إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ، وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ.\nهذا لهم، فأمّا النبيﷺ- فهو بتوحيده كان مؤمّلا بأن يثبت لجميع الكفار لكمال قوّته بالله تعالى، قال ﵇: «بك أصول» «٢»، وفى تحريضه للمؤمنين\n_________\n(١) لاحظ كيف تؤثر النزعة الصوفية فى اختيار الفكرة النحوية.\n(٢) «اللهم بك أصول وبك أجول وبك أسير» .\nكان هذا من دعائه صلوات الله عليه- إذا أراد سفرا (الإمام أحمد والبزاز عن على كرم الله وجهه، وقال الحافظ البيهقي: رجاله ثقات) .","vol":"1","page":637},{"text":"على القتال كانت لهم قوة، وبأمر الله كانت لهم قوة فقوة الصحابة كانت بالنبي﵊، وتحريضه إياهم وقوتهم بذلك كانت بالله وبأمره إياه.. وشتّان ما هما! قوله: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا: والضّعف الذي علم فيهم كان ضعف الأشباح فخفّف عنهم، أما القلوب فلم يتداخلها الضعف فحمل من ممارسة القتال بالعذر المذكور فى الكتاب.\nوالعوام يحملون المشاقّ بنفوسهم وجسومهم، والخواص بقلوبهم وهممهم، وقالوا:\n«والقلب يحمل ما لا يحمل البدن» وقال آخر.\nوإن ترونى أعاديها فلا عجب ... على النفوس جنايات من الهمم\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1063>[سورة الأنفال (٨): آية ٦٧]</span>\nما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧)\nأي لا ينبغى لنبى من الأنبياء﵈- أن يأخذ أسارى من أعدائه ثم يرضى بأن يأخذ منهم الفداء، بل الواجب عليه أن يثخن فى الأرض أي يبالغ فى قتل أعدائه- إذ يقال أثخنه المرض إذا اشتدّ عليه. وقد أخذ النبيﷺ يوم بدر منهم الفداء، وكان ذلك جائزا لوجوب القول بعصمته، ولكن لو قاتلتم كان أولى. وأراد ب «عَرَضَ الدُّنْيا» أخذ الفداء، والله جعل الفداء، والله جعل رضاه فى أن يقاتلوهم، وحرمة «١» الشرع خلاف رحمة الطبع فشرط العبودية أن يؤثر العبد الله، وإذا كان الأمر بالغلظة فكما قال تعالى: «وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ» «٢» .\n_________\n(١) وردت (ورحمة) الشرع والصواب (وحرمة الشرع) والمعنى إن اتباع الأمر أولى من تحكيم عاطفة الرحمة بهم.\n(٢) آية ٢ سورة النور.","vol":"1","page":638},{"text":"«وَاللَّهُ عَزِيزٌ»: بالانتقام من أعدائه، «حَكِيمٌ»: فى جميع ما يصنع من التمليك والإملاك، والتيسير والتدبير.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1064>[سورة الأنفال (٨): آية ٦٨]</span>\nلَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٦٨)\nلولا أن الله حكم فى آزاله بإحلال الغنيمة لمحمد ﷺ وأمته لمسّكم- لأجل ما أخذتم من الفداء منهم يوم بدر- عذاب عظيم، ولكن الله أباح لكم الغنيمة فأزال عنكم العقوبة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1065>[سورة الأنفال (٨): آية ٦٩]</span>\nفَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٩)\nالحلال ما كان مأذونا فيه، والحلال الطيّب أن تعلم أن ذلك من قبل الله فضلا، وليس لك من قبلك استحقاقا.\nويقال الحلال الصافي ما لم ينس صاحبه فيه معبوده.\nويقال هو الذي لا يكون صاحبه عن شهود ربّه- عند أخذه- غافلا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1066>[سورة الأنفال (٨): آية ٧٠]</span>\nيا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٠)\nالذي يعطونه خير مما أخذ منهم. ويحتمل أن يكون ما فى الآخرة من حسن الثواب، ويحتمل أن يكون ما فى الدنيا من جميل العوض. ويقال هو ما بوصلهم إليه من توفيق الطاعات، وحلاوة الإيمان، وهو خير مما أخذ منهم.\nويقال ما أعطاهم من الرضاء بما هم فيه من الفقر، بعد ما كانوا أغنياء فى حال الشّرك.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1067>[سورة الأنفال (٨): آية ٧١]</span>\nوَإِنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٧١)","vol":"1","page":639},{"text":"يريد إن عادوا إلى قتالك بعد ما مننت عليهم بالإطلاق وخانوا عهدك، فالخيانة لهم دأب وطريقة، ثم إنّا نمكّنك منهم ثانيا كما أمكنّاك من أسرهم أولا، وقيل:\nإن عادت العقرب عدنا لها ... وكانت النّعل لها حاضرة\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1068>[سورة الأنفال (٨): آية ٧٢]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٧٢)\nذكر صفة المهاجرين مع الرسولﷺ- وصفتهم أنهم آمنوا ثم هاجروا مع الرسول صلوات الله عليه وسلامه، ثم «جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ» هؤلاء هم المهاجرون.\nأما الذين آووا فهم الأنصار آووا الرسول﵇- والمؤمنين.\nفهذان الفريقان بعضهم أولياء بعض فى النصرة والدين.\nوأما الذين آمنوا ولكن لم يهاجروا فليست لهم هذه الموالاة إلى أن يهاجروا، وإن استعانوا بكم فعليكم نصرهم.\n«إِلَّا عَلى قَوْمٍ» وهم المعاهدون معكم.\nوكمال الهجرة مفارقة الأخلاق الذميمة، وهجران النّفس فى ترك إجابتها إلى ما تدعو","vol":"1","page":640},{"text":"إليه من شهواتها. ومن ذلك هجران إخوان السوء، والتباعد عن الأوطان التي باشر العبد فيها الزّلة، ثم الهجرة من أوطان الحظوظ إلى أوطان رضاء الحق «١» .\nوأما قوله «وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا» فهم الذين يؤثرون إخوانهم على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، عوامّ هؤلاء فى الأمور الدنيوية، وخواصّهم فى الكرائم فى الآخرة، وخاصّ الخاصّ فى كل ما يصحّ به الإثبات من سنّى الأحوال إلى ما لا يدرك الوهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1069>[سورة الأنفال (٨): الآيات ٧٣ الى ٧٤]</span>\nوَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ (٧٣) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤)\nقطع العصمة بينهم وبين المؤمنين، فالمؤمن للأجانب مجانب، وللأقارب مقارب.\nوالكفّار بعضهم لبعضهم، كما قيل: «طير السماء على ألّافها تقع» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1070>[سورة الأنفال (٨): آية ٧٥]</span>\nوَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧٥)\nيريد من سلك مسلكهم فى الحال، ومن سيلحق بهم فى الاستقبال وآتى الأحوال فالالفة تجمعهم، والولاية تشملهم، فلهم من الله فى العقبى جزيل الثواب، والنجاة من العذاب.\nولهم فى الدنيا الولاية والتناصر، والمودة والتقارب، والله أعلم.\n_________\n(١) القشيري من الشيوخ القائلين بأهمية السفر إذا دعت الضرورة يشرط أن يصحب السفر عن المكان سفر عن النفس (انظر الرسالة ص ٢٠٠)","vol":"1","page":641},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1071>«تنبيه»</span>\nذكر السيد المحقق فى الصحيفة ٢٠ موقفه من أخطاء الناسخ بأنه اتخذ منها ثلاثة مواقف (ا) موقفا نجد فيه الخطأ مؤكدا» ويتجلى ذلك عند كتابة بعض الآيات الكريمة حيث تسقط كلمة أو حرف أو تزيد كلمة أو حرف، فنصلح هذا الخطأ.\nولما كانت الطبعة الأولى كثيرة الأخطاء خاصة فى الآيات القرآنية، فقد قمت بتصويبها وتصحيحها قبل هذه الطبعة الثانية (أفست) ..\nأما ما ورد فى ب. ج، فقد تركته كما هو حسب منهج السيد المحقق وسأقوم بمشيئة الله تعالى بتصويب المجلدين: الثاني، الثالث، على هذا النحو، وأرجوا الله التوفيق والعون.\nمتولى خليل عوض الله الباحث الأول- مركز تحقيق التراث","vol":"1","page":643},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1072>فهرس</span>\nالصفحة مدخل/ ٣ صورة لورقة من المخطوطة السوفيتية/ ٣٩ سورة فاتحة الكتاب/ ٤٢ سورة البقرة/ ٥٢ سورة آل عمران/ ٢١٧ سورة النساء/ ٣١٠ سورة المائدة/ ٣٩٦ سورة الأنعام/ ٤٥٩ سورة الأعراف/ ٥١٦ سورة الأنفال/ ٦٠١","vol":"1","page":645},{"text":"تم المجلد الأول ويليه المجلد الثاني وأوله سورة التوبة","vol":"1","page":646},{"text":"[الجزء الثاني]\nبسم الله الرحمن الرحيم «... أهل الجنة طابت لهم حدائقها، وأهل النار أحاط بهم سرادقها، والحقّ- سبحانه- منّزه عن أن تعود إليه من تعذيب هؤلاء عائدة، ولا من تنعيم هؤلاء فائدة..\nجلّت الأحدية، وتقدّست الصمدية.\nومن وقعت عليه غبرة فى طريقنا لم تقع عليه قترة فراقنا، ومن خطا خطوة إلينا وجد حظوة لدنيا، ومن نقل قدمه نحونا غفرنا له ما قدّمه، ومن رفع إلينا يدا أجز لنا له رغدا، ومن التجأ إلى سدّة كرمنا آويناه فى ظلّ نعمنا، ومن شكافينا غليلا، مهّدنا له فى دار فضلنا مقيلا» عبد الكريم القشيري عند سورة الكهف","vol":"2","page":3},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم ربّ يسّر تبرّأنا ممّا منّا من الحول والمنّة، وتحقّقنا بما منك من الطول والمنّة، فلا تجعلنا عرضة لسهام أحكامك، وارحمنا بلطفك وإكرامك، ونجّنا ممّن غضبت عليهم فأذللتهم، وبكىّ فراقك وسمتهم.\nعبد الكريم القشيري عند سورة اليونس","vol":"2","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1074>السورة التي تذكر فيها التوبة</span>\nجرّد الله- سبحانه- هذه السورة عن ذكر «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» ليعلم أنه يخصّ من يشاء وما يشاء بما يشاء، ويفرد من يشاء وما يشاء بما يشاء، ليس لصنعه سبب، وليس له فى أفعاله غرض ولا أرب، واتّضح للكافة أن هذه الآية أثبتت فى الكتاب لأنها منزّلة، وبالأمر هنا لك محصّلة.\nومن قال: إنه لم يذكر التسمية فى هذه السورة لأنها مفتتحة بالبراءة عن الكفار فهو- وإن كان وجها فى الإشارة- فضعيف، وفى التحقيق كالبعيد لأنه افتتح سورا من القرآن بذكر الكفار مثل: «لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا» «١» وقوله: «وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ» «٢» وقوله: «تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ» «٣» وقوله: «قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ» «٤» ...\nهذه كلها مفاتح للّسور ... وبسم الله الرحمن الرحيم مثبتة فى أوائلها- وإن كانت متضمّنة ذكر الكفار. على أنه يحتمل أن يقال إنها وإن كانت فى ذكر الكفار فليس ذكر البراءة فيها صريحا وإن تضمّنته تلويحا، وهذه السورة أو لها ذكر البراءة منهم قطعا، فلم تصدّر بذكر الرحمة.\nويقال إذا كان تجرّد السورة عن هذه الآية يشير إلى أنها لذكر الفراق فبالحرىّ أن يخشى أنّ تجرد الصلاة عنها يمنع عن كمال الوصلة والاستحقاق.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1075>[سورة التوبة (٩): آية ١]</span>\nبَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١)\n_________\n(١) آية ١ سورة البينة.\n(٢) آية ١ سورة الهمزة.\n(٣) آية ١ سورة المسد\n(٤) آية ١ سورة الكافرون","vol":"2","page":5},{"text":"الفراق شديد، وأشدّه ألا يعقبه وصال، وفراق المشركين كذلك لأنه قال: «إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ» «١» ويقال من منى بفراق أحبائه فبئست صحبته. وقد كان بين الرسول ﵇ وبين أولئك المشركين عهد، ولا شكّ أنهم كانوا قد وطّنوا نفوسهم عليه، فنزل الخبر من الغيب بغتة، وأتاهم الإعلام بالفرقة فجأة، فقال: «بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ»، أي هذه براءة من الله ورسوله، كما قيل:\nفبتّ بخير- والدّنى مطمئنة ... وأصبحت يوما والزمان تقلّبا\nوما أشدّ الفرقة- لا سيّما إذا كانت بغتة على غير ترقّب- قال تعالى: «وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ» «٢» وأنشدوا:\nوكان سراج الوصل أزهر بيننا ... فهبّت به ريح من البين فانطفا\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1076>[سورة التوبة (٩): آية ٢]</span>\nفَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ (٢)\nإن قطع عنهم الوصلة فقد ضرب لهم مدة على وجه المهلة، فأمّنهم فى الحال ليتأهبوا لتحمّل مقاساة البراءة فيما يستقبلونه فى المآل.\nوالإشارة فيه: أنهم إن أقلعوا فى هذه المهلة عن الغىّ والضلال وجدوا فى المآل ما فقدوا من الوصال، وإن أبوا إلا التمادي فى ترك الخدمة والحرمة انقطع ما بينه وبينهم من العصمة.\nثم قال: وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ» والإشارة فيه: إن أصررتم على قبيح آثاركم سعيتم إلى هلاككم بقدمكم. وندمتم فى عاجلكم على سعيكم، وحصلتم فى آجلكم على خسرانكم وما خسرتم إلا فى صفقتكم، وما ضرّ جزمكم سواكم وأنشدوا:\nتبدّلت وتبدّلنا وا حسرتا ... من ابتغى عوضا لليلى فلم يجد\n_________\n(١) آية ٤٨ سورة النساء\n(٢) آية ٣٩ سورة مريم [.....]","vol":"2","page":6},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1077>[سورة التوبة (٩): آية ٣]</span>\nوَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٣)\nأي ليكن إعلام من الله ورسوله للناس بنقض عهدهم، وإعلان عنهم بأنهم ما انقطعوا عن مألوفهم من الإهمال «١» ومعهودهم، وقد برح الخفاء من اليوم بأنهم ليس لهم ولاء، ولم يكن منهم بما عقدوا وفاء، فليعلم الكافة أنهم أعداء، وأنشدوا:\nأشاعوا لنا فى الحىّ أشنع قصة ... وكانوا لنا سلما فصاروا لنا حربا\nقوله جل ذكره: أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ.\nمن رأى من الأغيار- شظية من الآثار، ولم ير حصولها بتصريف الأقدار فقد أشرك- فى التحقيق- واستوجب هذه البراءة.\nومن لاحظ الخلق تصنّعا، أو طالع نفسه إعجابا فقد جعل ما لله لغير الله، وظنّ ما لله لغير الله، فهو على خطر من الشّرك بالله.\nقوله جل ذكره: فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ.\nإن عادوا إلى الباب لم يقطع رجاءهم، ومدّ إلى حدّ وضوح العذر إرجاءهم. وبيّن أنهم إن أصرّوا على عتوّهم فإلى مالا يطيقون من العذاب منقلبهم، وفى النار مثواهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1078>[سورة التوبة (٩): آية ٤]</span>\nإِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٤)\n:\n_________\n(١) وردت (الإمهال) والصواب أن تكون (الإهمال) لأن الإمهال لا يكون إلا من الحق، ومألوفهم ومعهودهم (الإهمال) .","vol":"2","page":7},{"text":"من وفّى الحقّ فى عقده فزده على حفظ عهده إذ لا يستوى من وفّاه ومن جفاه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1079>[سورة التوبة (٩): آية ٥]</span>\nفَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)\nيريد إذا انسلخ الحرم فاقتلوا من لا عهد له من المشركين، فإنّهم- وإن لم يكن لهم عهد وكانوا حرما- جعل لهم الأمان فى مدة هذه المهلة، (....) «١» فكرتم أن يأمر بترك قتال من أبى كيف يرضى بقطع وصال من أتى؟!.\nقوله جل ذكره: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ.\nأمرهم بمعالجة جميع أنواع القتال مع الأعداء.\nوأعدى عدوّك نفسك التي بين جنبيك فسبيل العهد فى مباشرة الجهاد الأكبر مع النّفس بالتضييق عليها بالمبالغة فى جميع أنواع الرياضات، واستفراغ الوسع «٢» فى القيام بصدق المعاملات. ومن تلك الجملة ألا ينزل بساحات الرّخص والتأويلات، ويأخذ بالأشقّ فى جميع الحالات قوله جل ذكره: فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.\nحقيقة التوبة الرجوع بالكلية من غير أن تترك بقية. فإذا أسلم الكافر بعد شركه، ولم يقصّر فى واجب عليه من قسمى فعله وتركه، حصل الإذن فى تخلية سبيله وفكّه:\nإن وجدنا لما ادّعيت شهودا ... لم نجد عندنا لحقّ حدودا\nوكذلك النّفس إذا انخنست، وآثار البشرية إذا اندرست، فلا حرج- فى التحقيق- فى المعاملات فى أوان مراعاة الخطرات مع الله عند حصول المكاشفات. والجلوس مع الله\n_________\n(١) مشتبهة\n(٢) وردت (الواسع) والصواب أن تكون الوسع.","vol":"2","page":8},{"text":"أولى من القيام بباب الله تعالى، قال تعالى فيما ورد به الخبر: «أنا جليس من ذكرنى» «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1080>[سورة التوبة (٩): آية ٦]</span>\nوَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ (٦)\nإذا استجار المشرك- اليوم- فلا يردّ حتى يسمع كلام الله، فإذا استجار المؤمن طول عمره من الفراق- متى يمنع من سماع كلام الله؟ ومتى يكون فى زمرة من يقال لهم:\n«اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ «٢»» .\nوإذ قال- اليوم- عن أعدائه: «فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ» فإن لم يؤمن بعد سماع كلامه نهى عن تعرضه حيث قال: «ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ» - أترى أنه لا يؤمّن أولياءه- غدا- من فراقه، وقد عاشوا اليوم على إيمانه ووفائه؟! كلا.. إنه يمتحنهم بذلك، قال تعالى: «لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ» «٣» .\nثم قال: «ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ» فإذا كان هذا برّه بمن لا يعلم فكيف برّه بمن يعلم؟\nومتى نضيّع من ينيخ ببابنا ... والمعرضون لهم نعيم وافر؟!\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1081>[سورة التوبة (٩): آية ٧]</span>\nكَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧) .\n_________\n(١) جاء فى الرسالة ص ١١١ قال محمد الفراء سمعت الشبلي يقول: (أليس الله تعالى يقول:\nأنا جليس من ذكرنى؟ ما الذي استفدتم من مجالسة الحق؟) .\n(٢) آية ١٠٨ سورة المؤمنون.\n(٣) آية ١٠٣ سورة الأنبياء.","vol":"2","page":9},{"text":"كيف يكون المفلس من عرفانه كالمخلص فى إيمانه؟\nوكيف يكون المحجوب عن شهوده كالمستهلك فى وجوده؟\nكيف يكون من يقول «أنا» كمن يقول «أنت»؟ وأنشدوا:\nوأحبابنا شتان: واف وناقص ... ولا يستوى قطّ محبّ وباغض\nقوله: «فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ»، إن تمسّكوا بحبل «١» وفائنا أحللناهم ولاءنا، وإن زاغوا عن عهدنا أبليناهم بصدّنا، ثم لم يربحوا فى بعدنا.\n«إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ»: المتّقى الذي يستحق محبة من يتّقى وذلك حين يتقى محبّة نفسه، وذلك بترك حظه والقيام بحقّ ربّه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1082>[سورة التوبة (٩): آية ٨]</span>\nكَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًاّ وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ (٨)\nوصفهم بلؤم الطبع فقال: كيف يكونون محافظين على عهودهم مع ما أضمروه لكم من سوء الرضاء؟ فلو ظفروا بكم واستولوا عليكم لم يراعوا لكم حرمة، ولم يحفظوا لكم قرابة أو ذمّة.\nوفى هذا إشارة إلى أنّ الكريم إذا ظفر غفر، وإذا قدر ما غدر، فيما أسرّ وجهر.\nقوله «يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ» أي لا عجب من طبعهم فإنهم فى حقّنا كذلك يفعلون: يظهرون لباس الإيمان ويضمرون الكفر. وإنهم لذلك يعيشون معكم فى زىّ الوفاق، ويستبطنون عين الشّقاق وسوء النّفاق.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1083>[سورة التوبة (٩): آية ٩]</span>\nاشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٩)\n_________\n(١) وردت (لجبل) وهى خطأ فى النسخ.","vol":"2","page":10},{"text":"من رضى من الله بغير الله أرخص فى صفقته ثم إنه خسر فى تجارته فلا له- وهو عن الله- أثر استمتاع، ولا له- فى دونه سبحانه- اقتناع بقي عن الله، ولم يستمتع عن الله. وهذا هو الخسران المبين.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1084>[سورة التوبة (٩): آية ١٠]</span>\nلا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًاّ وَلا ذِمَّةً وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (١٠)\nكيف يراعى حقّ المؤمنين من لا يراعى حقّ الله فى الله؟ أخلاقهم تشابهت فى ترك الحرمة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1085>[سورة التوبة (٩): آية ١١]</span>\nفَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١١)\nمعناه: وإن قبلناهم وصلحوا لولائنا فلحمة النّسب فى الدّين بينكم وبينهم وشيجة «١»، وإلا فليكن الأجانب منا على جانب منكم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1086>[سورة التوبة (٩): آية ١٢]</span>\nوَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (١٢)\nإذا جنحوا إلى الغدر، ونكثوا ما قدّموه من ضمان الوفاء بالعهد، وبسطوا ألسنتهم فيكم باللوم فاقصدوا من رحى الفتنة عليه تدور، وغصن الشّرّ من أصله يتشعّب، وهم سادة الكفار وقادتهم.\nوحقّ القتال إعداد القوة جهرا، والتبرّى عن الحول والقوة سرّا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1087>[سورة التوبة (٩): آية ١٣]</span>\nأَلا تُقاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣)\n_________\n(١) أي مشتبكة متصلة.","vol":"2","page":11},{"text":"حرّضهم على القتال- على ملاحظة أمر الله بذلك- لا على مقتضى الانطواء على الحقد لأحد، فإنّ من غضب لنفسه فمذموم الوصف، ومن غضب لله فإن نصر الله قريب.\nوقال «أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ»: فالخشية من الله بشير الوصلة، والخشية من غير الله نذير الفرقة. وحقيقة الخشية نفض السّرّ عن ارتكاب الزّجر ومخالفة الأمر.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1088>[سورة التوبة (٩): الآيات ١٤ الى ١٥]</span>\nقاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٥)\nهوّن عليهم كلفة المخاطرة بالمهجة بما وعدهم من الظفر والنصرة، فإنّ شهود خزى العدوّ مما يهوّن عليهم مقاساة السوء. والظّفر بالأرب يذهب تعب الطّلب.\nوشفاء صدور المؤمنين على حسب مراتبهم فى المقام والدرجات فمنهم من شفاء صدره فى قهر عدوّه، ومنهم من شفاء صدره فى نيل مرجوّه. ومنهم من شفاء صدره فى الظّفر بمطلوبه، ومنهم من شفاء صدره فى لقاء محبوبه. ومنهم من شفاء صدره فى درك مقصوده، ومنهم من شفاء صدره فى البقاء بمعبوده.\nوكذلك ذهاب غيظ قلوبهم تختلف أسبابه، وتتنوّع أبوابه، وفيما ذكرنا تلويح لما تركنا «١» .\n«وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَنْ يَشاءُ» حتى يكون استقلاله بمحوّل الأحوال.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1089>[سورة التوبة (٩): آية ١٦]</span>\nأَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٦)\n_________\n(١) توضح هذه العبارة ميل القشيري للإقلال خشية الملال- كما ذكر فى مقدمة كتابه.","vol":"2","page":12},{"text":"من ظنّ أنه يقنع منه بالدعوى- دون التحقق بالمعنى- فهو على غلط فى حسبانه.\nوالذي طالبهم به من حيث الأمر صدق المجاهدة فى الله، وترك الركون إلى غير الله، والتباعد عن مساكنة أعداء الله.. ثقة بالله، واكتفاء بالله، وتبرّيا من غير الله.\nوهذا الذي أمرهم به ألا يتخذوا من دون المؤمنين وليجة فالمعنى فيه: ألا يفشوا فى الكفار أسرار المؤمنين.\nوأول من يهجره المسلم- لئلا تطّلع على الأسرار- نفسه التي هى أعدى عدوّه، وفى هذا المعنى قال قائلهم:\nكتابى إليكم بعد موتى بليلة ... ولم أدر أنّى بعد موتى أكتب\nويقال: إن أبا يزيد «١» - فيما أخبر عنه- أنه قال للحقّ فى بعض أوقات مكاشفاته:\nكيف أطلبك؟ فقال له: فارق نفسك.\nويقال إن ذلك لا يتمّ، بل لا تحصل منه شظيّة إلا بكىّ عروق الأطماع والمطالبات لما فى الدنيا ولما فى العقبى ولما فى رؤية الحال والمقام- ولو بذرّة. والحرية عزيزة «٢» ..\nقال قائلهم:\nأتمنى على الزمان محالا ... أن ترى مقلتاى طلعة حرّ\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1090>[سورة التوبة (٩): آية ١٧]</span>\nما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ (١٧)\n_________\n(١) هو أبو يزيد البسطامي كان جده (سروشان) مجوسيا وأسلم، وهو أحد إخوة ثلاثة كانوا جميعا زهادا وأصحاب أحوال، مات سنة ٢٦١، وقيل سنة ٢٣٤ (طبقات السلمى) و(رسالة القشيري) .\n(٢) (والحرية عزيزة) هنا معناها نادرة الوجود.","vol":"2","page":13},{"text":"«١»\nعمارة المساجد بإقامة العبادة فيها، والعبادة لا تقبل إلا بالإخلاص، والمشرك فاقد الإخلاص، وشهادتهم على أنفسهم بالكفر دعواهم حصول بعض الحدثان بتأثير الأسباب، فمن أثبت فى عقده جواز ذرّة فى العالم من غير تقديره- سبحانه- شارك أرباب الشّرك فى المعنى الذي لزمتهم به هذه السّمة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1091>[سورة التوبة (٩): آية ١٨]</span>\nإِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨)\nلا تكون عمارة المساجد إلا بتخريب أوطان البشرية، فالعابد يعمّرها بتخريب أوطان شهوته، والزاهد يعمرها بتخريب أوطان منيته، والعارف يعمرها بتخريب أوطان علاقته، والموحّد يعمرها بتخريب أوطان ملاحظته ومساكنته. وكلّ واحد منهم واقف فى صفته فلصاحب كلّ موقف منهم وصف مخصوص.\nوكذلك رتبتهم فى الإيمان مختلفة فإيمان من حيث البرهان، وإيمان من حيث البيان، وإيمان من حيث العيان، وشتان ما هم! قال قائلهم:\nلا تعرضنّ بذكرنا فى ذكرهم ... ليس الصحيح- إذا مشى- كالمقعد\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1092>[سورة التوبة (٩): آية ١٩]</span>\nأَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٩)\n_________\n(١) أخطأ الناسخ إذ أنهى الآية: (هم فيها خالدون)","vol":"2","page":14},{"text":"ليس من قام بمعاملة ظاهره كمن استقام فى مواصلة سرائره، ولا من اقتبس من سراج علومه كمن استبصر بشموس معارفه، ولا من نصب بالباب من حيث الخدمة كمن مكّن من البساط من حيث القربة «١»، وليس نعت من تكلّف نفاقا كوصف من تحقّق وفاقا، بينهما بون بعيد! قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1093>[سورة التوبة (٩): آية ٢٠]</span>\nالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ (٢٠)\n«آمَنُوا» أي شاهدوا بأنوار بصائرهم حتى لم يبق فى سماء يقينهم سحاب ريب، ولا فى هواء «٢» معارفهم ضباب شك.\n«وَهاجَرُوا»: فلم يعرّجوا فى أوطان التفرقة فتمحّضت «٣» حركاتهم وسكناتهم بالله لله.\n«وَجاهَدُوا»: لا على ملاحظة عوض أو مطالعة عوض فلم يدّخروا لأنفسهم- من ميسورهم- شيئا إلا آثروا الحقّ عليه فظفروا بالنعمة فى قيامهم بالحقّ بعد فنائهم عن الخلق.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1094>[سورة التوبة (٩): الآيات ٢١ الى ٢٢]</span>\nيُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١) خالِدِينَ فِيها أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٢)\n_________\n(١) يتدرج الدخول عليه- حسبما نعرف من أسلوب القشيري- من الباب إلى البساط إلى العقوة أو الساحة ثم السدة.\n(٢) وردت (هؤلاء) وقد صوبناها (هواء) لتلائم (سماء) و(سحاب) و(ضباب) فضلا عن أنها أقرب فى الكتابة إليها. [.....]\n(٣) تمحضت أي صارت خالصة لله","vol":"2","page":15},{"text":"البشارة من الله تعالى على قسمين: بشارة بواسطة الملك، عند التوفى:\n«تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ» «١» .\nوبشارة بلا واسطة بقول الملك، إذ يبشّرهم ربّهم برحمة منه، وذلك عند الحساب.\nيبشرهم بلا واسطة بحسن التولّى فعاجل بشارتهم بنعمة الله، وآجل بشارتهم برحمة الله، وشتان ما هما! ويقال البشارة بالنعمة والجنة لأصحاب الإحسان، والبشارة بالرحمة لأرباب العصيان، فأصحاب الإحسان صلح أمرهم للشهرة فأظهر أمرهم للملك حتى بشّروهم جهرا، وأهل العصيان صلح حالهم للستر فتولّى بشارتهم- من غير واسطة- سرّا.\nويقال إن كانت للمطيع بشارة بالاختصاص فإنّ للعاصى بشارة بالخلاص. وإن كان للمطيع بشارة بالدرجات فإن للعاصى بشارة بالنجاة.\nويقال إنّ القلوب مجبولة على محبة من يبشّر بالخير فأراد الحقّ- سبحانه- أن تكون محبة العبد له- سبحانه- على الخصوص فتولّى بشارته بعزيز خطابه من غير واسطة، فقال: يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ» وفى معناه أنشدوا:\nلولا تمتّع مقلتى بلقائه ... لوهبتها بشرى بقرب إيابه\nويقال بشّر العاصي بالرحمة، والمطيع بالرضوان، ثم الكافة بالجنة فقدّم العاصي فى الذكر، وقدّم المطيع بالبرّ، فالذّكر قوله وهو قديم والبرّ طوله وهو عميم. وقوله الذي لم يزل أعزّ من طوله الذي حصل. قدّم العصاة على المطيعين لأنّ ضعف الضعيف أولى بالرّفق من القوى.\nويقال (قدّم أمر العاصي بالرحمة حتى إذا كان يوم العرض وحضور الجمع لا يفتضح العاصي) «٢» .\nويقال «يبشرهم ربّهم برحمته» يعرّفهم أنهم لم يصلوا إلى ما وصلوا إليه من تلك الدرجات\n_________\n(١) آية ٣٠ سورة فصلت.\n(٢) ما بين القوسين موجود فى الهامش أثبتناه فى موضعه من النص حسب العلامات المميزة، ولنتأمل مقدار انفساح صدور الصوفية بالنسبة للعصاة، وذلك نتيجة امتلاء قلوبهم بالأمل في المحبوب.","vol":"2","page":16},{"text":"بسعيهم وطاعتهم، ولكن برحمته- سبحانه- وصلوا إلى نعمته، قال رسول الله ﷺ: «ما منكم من أحد ينجّيه عمله. قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدنى الله برحمته» «١» .\nقوله: «لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ»: قوم نعيمهم عطاء ربّهم على وصف التمام، وقوم نعيمهم لقاء ربهم على نعت الدوام فالعابدون لهم تمام عطائه، والعارفون لهم دوام لقائه.\nثم قال: «خالِدِينَ فِيها أَبَدًا» والكناية فى قوله «فِيها» كما ترجع إلى الجنة تصلح أن ترجع إلى الحالة، سيما وقد ذكر الأجر بعدها فكما لا يقطع عطاءه عنهم فى الجنة لا يمنع عنهم لقاءه متى شاءوا فى الجنة، قال تعالى: «لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ» «٢» أي لا مقطوعة عنهم نعمته، ولا ممنوعة منهم رؤيته.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1095>[سورة التوبة (٩): آية ٢٣]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَإِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٣)\nمن لم يصلح بطاعته لربه لا تستخلصه لصحبة نفسك.\nويقال من آثر على الله شيئا يبارك له فيه فيبقى بذلك عن الله، ثم لا يبقى ذلك معه، فإن استبقاه بجهده- كيف يستبقى حياته إذا أذن الله فى ذهاب أجله؟ وفى معناه أنشدوا:\nمن لم تزل نعمته قبله ... زال مع النعمة بالموت\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1096>[سورة التوبة (٩): آية ٢٤]</span>\nقُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٢٤)\n_________\n(١) الشيخان عن عائشة مرفوعا: سددوا وقاربوا وأبشروا واعلموا أنه لن يدخل أحدكم الجنة عمله، قالوا ... إلخ\n(٢) آية ٣٣ سورة الواقعة","vol":"2","page":17},{"text":"ليس هذا تخييرا لهم، ولا إذنا فى إيثار الحظوظ على الحقوق، ولكنه غاية التحذير والزّجر عن إيثار شىء من الحظوظ على الدّين، ومرور الأيام حكم عدل يكشف فى العاقبة عن أسرار التقدير، قال قائلهم:\nسوف ترى إذا انجلى الغبار ... أفرس تحتك أم حمار؟\nويقال علامة الصدق فى التوحيد قطع العلاقات، ومفارقة العادات، وهجران المعهودات والاكتفاء بالله فى دوام الحالات.\nويقال من كسدت سوق دينه كسدت أسواق حظوظه، وما لم تخل منك منازل الحظوظ لا تعمر بك مشاهد الحقوق.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1097>[سورة التوبة (٩): آية ٢٥]</span>\nلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥)\nالنصرة من الله تعالى فى شهود القدرة، والمنصور من عصمه الله ﷿ عن التوهّم والحسبان، ولم يكله إلى تدبيره فى الأمور، وأثبته الحقّ- سبحانه- فى مقام الافتقار متبريا عن الحول والمنّة، متحقّقا بشهود تصاريف القدرة، يأخذ الحقّ- سبحانه- بيده فيخرجه عن مهواة تدبيره، ويوقفه على وصف التصبّر لقضاء تقديره.\nقوله جل ذكره: وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ.\nيعنى نصركم يوم حنين حين تفرّق أكثر الأصحاب، وافترت أنياب الكرّة عن نقاب القهر فاضطربت القلوب، وخانت القوى أصحابها، ولم تغن عنكم كثرتكم، فاستخلص الله أسراركم- عند صدق الرجوع إليه- بحسن السكينة النازلة عليكم، فقلب الله الأمر على","vol":"2","page":18},{"text":"الأعداء، وخفقت رايات النصرة، ووقعت الدائرة على الكفار، وارتدّت الهزيمة عليهم فرجعوا صاغرين.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1098>[سورة التوبة (٩): آية ٢٦]</span>\nثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْها وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ (٢٦)\nالسكينة ثلج القلب عند جريان حكم الربّ بنعت الطمأنينة، وخمود آثار البشرية بالكلية، والرضاء بالبادى من الغيب من غير معارضة اختيار.\nويقال السكينة القرار على بساط الشهود بشواهد الصحو، والتأدب بإقامة صفات العبودية من غير لحوق مشقة، وبلا تحرّك عرق لمعارضة حكم. والسكينة «١» المنزلة على «الْمُؤْمِنِينَ» خمودهم تحت جريان ما ورد من الغيب من غير كراهة بنوازع البشرية، واختطاف الحقّ إياهم عنهم حتى لم تستفزهم رهية من مخلوق فسكنت عنهم كلّ إرادة واختيار.\n«وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْها» من وفور اليقين وزوائد الاستبصار.\n«وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا» بالتطوح «٢» فى متاهات التفرقة، والسقوط فى وهدة «٣» ضيق التدبير، ومحنة الغفلة، والغيبة عن شهود التقدير.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1099>[سورة التوبة (٩): آية ٢٧]</span>\nثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٧)\nردهم من الجهل إلى حقائق العلم، ثم نقلهم من تلك المنازل إلى مشاهد اليقين، ثم رقّاهم عن تلك الجملة بما لقّاهم به من عين الجمع.\n_________\n(١) وردت (والسكين) وهى خطأ فى النسخ.\n(٢) وردت (والتطوع) بالعين وهى خطأ في النسخ.\n(٣) جاءت الواو فوق فاء (فى) واكتملت بعدها خطأ: (هذه)، والصواب ان تأخذ الواو مكانها بعد (في) وتصبح الكلمة (وهدة)","vol":"2","page":19},{"text":"قوله جل ذكره\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1100>[سورة التوبة (٩): آية ٢٨]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٨)\nفقدوا طهارة الأسرار بماء التوحيد فبقوا فى قذورات الظنون والأوهام، فمنعوا قربان المساجد التي هى مشاهد القرب. وأمّا المؤمنون فطهرهم عن التدنّس بشهود الأغيار، فطالعوا الحقّ فردا فيما يبيّنه من الأمر ويمضيه من الحكم.\nقوله جل ذكره: وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ توقّع الأرزاق من الأسباب من قضايا انغلاق باب التوحيد، فمن لم يفرد معبوده بالقسمة بقي فى فقر مسرمد.\nويقال من أناخ بعقوة كرم مولاه، واستمطر سحاب جوده أغناه عن كل سبب، وكفاه كلّ تعب، وقضى له كلّ سؤل وأرب، وأعطاه من غير طلب.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1101>[سورة التوبة (٩): آية ٢٩]</span>\nقاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ (٢٩)\nمن استوجب الهوان لا ينجيك من شرّه غير ما يستحقه من الإذلال على صغره، ومن داهن عدوّه فبالحرىّ أن يلقى سوءه.\nومن أشدّ النّاس لك عداوة، وأبعدهم عن الإيمان- نفسك المجبولة على الشرّ فلا تقلع إلّا بذبحها بمدية المجاهدات. وهى لا تؤمن بالتقدير، ولا يزول شكها قط، وكذلك تخلد إلى التدبير «١»،\n_________\n(١) أي تدبير الإنسان المناقض لتقدير الحق","vol":"2","page":20},{"text":"ولا تسكن إلا بوجود المعلوم «١»، ولا تقبل منك إلا كاذب المواعيد، ولذلك قالوا وأكذب النّفس إذا حدّثتها فإنّ صدق القول يذرى بالأمل قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1102>[سورة التوبة (٩): آية ٣٠]</span>\nوَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠)\nلو كان هذا فى تخاطب المخلوقين لكان عين الشكوى والشكوى إلى الأحباب تشير إلى تحقق الوصلة.\nشكا إليهم ما حصل من قبيح أعمالهم، وكم بين من تشكو منه وبين من تشكو إليه!! قوله جل ذكره: يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ، قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ الكفار قبلهم جحدوا الربوبية، وهؤلاء أقروا بالله، ثم لما أثبتوا له الولد نقضوا ما أقروا به من التوحيد، فصاروا كالكفار قبلهم.\nويحتمل أن تكون مضاهاة قولهم فى وصف المعبود بأنّ عيسى ابنه وعزيرا ابنه كقول الكفار قبلهم إنّ الملائكة بنات الله.\nويقال لمّا وصفوا المعبود بما يتعالى عن قولهم لم ينفعهم صدقهم فى الإقرار بربوبيته مما أضافوا إليه من سوء القالة. وكلّ من أطلق فى وصفه ما يتقدّس- سبحانه- عنه فهو للأعداء مشاكل فى استحقاق الندم والتوبيخ.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1103>[سورة التوبة (٩): آية ٣١]</span>\nاتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَما أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلهًا واحِدًا لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)\n_________\n(١) ربما كان المقصود بالمعلوم هنا ما يقع فى نطاق الحس وتقدير الحق غيبى لا يقع تحت حس الإنسان وعلم الإنسان.","vol":"2","page":21},{"text":"كما لا تجوز مجاوزة الحد فى وضع القدر لا تجوز مجاوزة الحد فى رفع القدر، وفى الخبر:\n«أمرنا أن ننزل الناس منازلهم» فمن رأى من المخلوقين شظية من الإبداع أنزلهم منزلة الأرباب، وذلك- فى التحقيق- شرك، وما أخلص فى التوحيد من لم ير جميع الحادثات بصفاتها (....) «١» من الله.\n«وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهًا واحِدًا: فمن رفع فى عقده مخلوقا فوق قدره فقد أشرك بربّه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1104>[سورة التوبة (٩): آية ٣٢]</span>\nيُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (٣٢)\nمن رام أن يستر شعاع الشمس بدخان يوجهه من نيرانه، أو عالج أن يمنع حكم السماء بحيلته وتدبيره، أو يسقط نجوم الفلك بسهام قوسه- أظهر رعونته ثم لم يحظ بمراده.\nكذلك من توهّم أن سنّة التوحيد يعلوها وهج الشّبه فقد خاب فى ظنّه، وافتضح فى وهمه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1105>[سورة التوبة (٩): آية ٣٣]</span>\nهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)\nأزاح العلل بما ألاح من الحجج، وأزال الشّبه بما أفصح من النهج فشموس الحقّ طالعة، وأدلة الشرع لامعة، كما قالوا:\nهى الشمس إلا أنّ للشمس غيبة وهذا الذي نعنيه ليس يغيب قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1106>[سورة التوبة (٩): آية ٣٤]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٣٤)\n_________\n(١) مشتبهة.","vol":"2","page":22},{"text":"العالم إذا ارتفق بأموال الناس عوضا عما يعلّمهم زالت بركات علمه، ولم يطب فى طريق الزهد مطعمه.\nوالعارف إذا انتفع بخدمة المريد، أو ارتفق بشىء من أحواله وأعماله زالت آثار همّته، ولم تجد فى حكم التوحيد حالته.\nقوله جل ذكره: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ.\nلهم فى الآجل عقوبة. والذين لا يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة فلهم فى العاجل حجبة. وقليل من عباده من سلم من الحجاب فى محتضره والعقاب فى منتظره «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1107>[سورة التوبة (٩): آية ٣٥]</span>\nيَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (٣٥)\nلمّا طلبوا الجاه عند الخلق بمالهم، وبخلوا بإخراج حقّ الله عنه شان وجوههم.\nولمّا أسندوا ظهورهم إلى أموالهم. قال تعالى: «فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ» .\nويقال: لمّا (عبسوا) فى وجوه العفاة «٢» وعقدوا حواجبهم وضعت الكيّة على تلك الجباه المقبوضة عند رؤية الفقراء، ولمّا طووا كشحهم دون الفقراء- إذا جالسوهم- وضع المكواة على جنوبهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1108>[سورة التوبة (٩): آية ٣٦]</span>\nإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (٣٦)\n_________\n(١) محتضره أي حاضره وعاجله، ومنتظره أي مستقبله وآجله.\n(٢) العفاة هم طالبو العطاء ومستحقوه","vol":"2","page":23},{"text":"لمّا علم أنهم لا يداومون على ملازمة القرب أفرد بعض الشهور بالتفضيل، ليخصّوها باستكثار الطاعة فيها. فأمّا الخواص من عباده فجميع الشهور لهم شعبان ورمضان، وكذلك جميع الأيام لهم جمعة، وجميع البقاع «١» لهم مسجد.... وفى معناه أنشد بعضهم.\nيا ربّ إنّ جهادى غير منقطع وكلّ أرض لى ثغر طرسوس قوله جل ذكره: فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ\nقال للعوام: لا تظلموا فى بعض الشهور أنفسكم، يعنى بارتكاب الزّلّة. وأمّا الخواص فمأمورون ألا يظلموا فى جميع الشهور قلوبهم باحتقاب الغفلة «٢» .\nويقال: الظلم على النّفس أن يجعل العبد زمامه بيد شهواته، فتورده مواطن الهلاك.\nويقال: الظلم على النّفس بخدمة المخلوقين بدل طاعة الحقّ.\nويقال: من ظلم على قلبه بالمضاجعات امتحن بعدم الصفوة فى مرور الأوقات.\n«وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً»: ولا سلاح أمضى على العدوّ من تبرّيك عن حولك وقوّتك.\n_________\n(١) وردت (البقاء) وهى خطأ فى النسخ [.....]\n(٢) وردت (العقد) والصواب أن تكون (الغفلة)، فالغفلة للقلب والزلة للنفس","vol":"2","page":24},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1109>[سورة التوبة (٩): آية ٣٧]</span>\nإِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عامًا لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (٣٧)\n«١» الدّين ملاحظة الأمر ومجانبة الوزر وترك التقدم «٢» بين يدى الله سبحانه- في جميع أحكام الشرع، فالآجال فى الطاعات مضروبة، والتوفيق فى عرفانه متّبع، والصلاح فى الأمور بالإقامة على نعت العبودية فالشهر ما سمّاه الله شهرا، والعام والحول ما أعلم الخلق أنه قدر ما بينّه شرعا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1110>[سورة التوبة (٩): آية ٣٨]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ (٣٨)\nعاتبهم على ترك البدار عند توجيه الأمر، وانتهاز فرصة الرّخصة.\nوأمرهم بالجد فى العزم، والقصد فى الفعل فالجنوح إلى التكاسل، والاسترواح إلى التثاقل أمارات ضعف الإيمان إذ الايمان غريم ملازم لا يرضى من العبد بغير ممارسة الأشقّ، وملابسة الأحقّ.\nقوله «أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا»: وهل يجمل بالعابد أن يختار دنياه على عقباه؟\nوهل يحسن بالعارف أن يؤثر هواه على رضا مولاه؟ وأنشدوا\n_________\n(١) النسيء- تأخير حرمة الشهر إلى شهر آخر، فقد كانوا إذا هل شهر حرام وهم محاربون أحلوه وحرموا مكانه شهرا آخر\n(٢) أي عدم استعجال شىء موقوت بامر الله وشرعه.. هذا ما نفهمه من السياق","vol":"2","page":25},{"text":"أيجمل بالأحباب ما قد فعلوا ... مضوا وانصرفوا يا ليتهم قفلوا\nإنّ غيبة يوم للزاهد عن الباب تعدل شهورا، وغيبة لحظة للعارف عن البساط تعدل دهورا، وأنشدوا:\nالإلف لا يصبر عن إلفه ... أكثر من طرفة عين\nوقد صبرنا عنكم ساعة ... ما هكذا فعل محبين\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1111>[سورة التوبة (٩): آية ٣٩]</span>\nإِلاَّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)\nالعذاب الأليم إذا أعرض العبد عن الطاعة ألا يبعث وراءه من جنود التوفيق ما يردّه إلى الباب.\nالعذاب الأليم أن يسلبه حلاوة النّجوى إذا آب.\nالعذاب الأليم الصدود يوم الورود، وقيل:\nواعدونى بالوصال- والوصال عذب- ورمونى بالصّدود والصدّ صعب العذاب الأليم الوعيد بالفراق، فأمّا نفس الفراق فهو تمام التّلف، وأنشدوا:\nوزعمت أنّ البين منك غدا ... هدّد بذلك من يعيش غدا\nقوله: «وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ» يصرف ما كان من إقباله عليه إلى غيره من أشكاله، وليس كلّ من حفر بئرا يشرب من معينها، وأنشدوا:\nتسقى رياحين الحفاظ مدامعى ... وسواى فى روض التواصل يرتع\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1112>[سورة التوبة (٩): آية ٤٠]</span>\nإِلاَّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠)","vol":"2","page":26},{"text":"من عزيز تلك النصرة أنه لم يستأنس بثانيه الذي كان معه بل رد الصّدّيق إلى الله، ونهاه عن مساكنته إياه، فقال: ما ظنّك باثنين الله ثالثهما؟\nقال تعالى: «إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا» .\nويقال من تلك النصرة إبقاؤه إياه فى كشوفاته فى تلك الحالة، ولولا نصرته لتلاشى تحت سطوات كشفه.\nويقال كان﵇- أمان أهل الأرض على الحقيقة، قال تعالى:\n«وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ» «١»، وجعله- فى الظاهر- فى أمان العنكبوت حين نسج خيطه على باب الغار فخلّصه من كيدهم.\nويقال لو دخل هذا الغار لا نشقّ نسيج العنكبوت.. فيا عجبا كيف ستر قصة حبيبه- صلوات الله عليه وعلى آله وسلم؟! ويقال صحيح ما قالوا: للبقاع دول، فما خطر ببال أحد أنّ تلك الغار تصير مأوى ذلك السيّدﷺ! ولكنه يختص بقسمته ما يشاء كما يختص برحمته من يشاء.\nويقال ليست الغيران «٢» كلها مأوى الحيّات، فمنها ما هو مأوى الأحباب. ويقال علقت قلوب قوم بالعرش فطلبوا الحق منه، وهو تعالى يقول:\n«إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا» فهو سبحانه- وإن تقدّس عن كل مكان- ولكن فى هذا الخطاب حياة لأسرار أرباب المواجيد، وأنشدوا:\nيا طالب الله فى العرش الرفيع به ... لا تطلب العرش إن المجد فى الغار\nوفى الآية دليل على تحقيق صحبة الصدّيقرضي الله عنه- حيث سمّاه الله سبحانه صاحبه، وعدّه ثانيه، فى الايمان ثانيه، وفى الغار ثانيه ثم فى القبر ضجيعه، وفى الجنة يكون رفيقه.\n_________\n(١) آيه ٣٣ سورة الأنفال.\n(٢) الغار يجمع على أغوار وغيران","vol":"2","page":27},{"text":"قوله جل ذكره: فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ الكناية فى الهاء من «عَلَيْهِ» تعود إلى الرسول ﵇، ويحتمل أن تكون عائدة إلى الصديق ﵁، فإن حملت على الصديق تكون خصوصية له من بين المؤمنين على الانفراد، فقد قال ﷿ لجميع المؤمنين: «هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ» «١» .\nوقال للصدّيق- على التخصيص- فأنزل الله سكينته عليه، كما قال النبي ﷺ: «إن الله يتجلّى للناس عامة ويتجلّى لأبى بكر خاصة» «٢» .\nوإنما كان حزن الصديق ذلك اليوم لأجل الرسولﷺ- إشفاقا عليه.. لا لأجل نفسه. ثم إنه﵇- نفى حزنه وسلّاه بأن قال: «لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا»، وحزن لا يذهب إلا لمعيّة الحقّ لا يكون إلّا «لحقّ الحق» «٣» .\nقوله جل ذكره: وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ يريد به النبي ﷺ. وتلك الجنود وفود زوائد اليقين على أسراره بتجلّى الكشوفات.\n«وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى» بإظهار حجج دينه، وتمهيد سبل حقّه ويقينه فرايات الحقّ إلى الأبد عالية، وتمويهات الباطل واهية، وحزب الحقّ منصورون، ووفد الباطل مقهورون.\n_________\n(١) آية ٤ سورة الفتح\n(٢) يتأيد كلام القشيري عن خصوصية أبى بكر بنزول السكينة على قلبه بما يروى عن يوم بدر، فحينما قال النبي ﵇ «اللهم ان تهلك هذه العصابة لم تعبد فى الأرض من بعد ذلك» قال له أبو بكر:\nدع عنك مناشدتك ربك فإنه والله منجز لك ما وعدك وهو قوله تعالى: «إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ [مسلم والترمذي عن ابن عباس عن عمر]\n(٣) لأنه ليس حزنا مرتبطا بحظ من حظوظ النفس ولكنه لحق الحق","vol":"2","page":28},{"text":"ويقال لما خلا الصديق بالرسول ﵇ فى الغار، وأشرقت على سرّه أنوار صحبة الرسول ﵇، ووقع عليه شعاع أنواره، واشتاق إلى الله تعالى لفقد قراره- أزال عنه لواعجه بما أخبره من قربه- سبحانه- فاستبدل بالقلق سكونا، وبالشوق أنسا، وأنزل عليه من السكينة ما كاشفه به من شهود الهيبة.\nويقال كان الرسولﷺ- ثانى اثنين فى الظاهر بشبهه «١» ولكن كان مستهلك الشاهد فى الواحد بسرّه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1113>[سورة التوبة (٩): آية ٤١]</span>\nانْفِرُوا خِفافًا وَثِقالًا وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤١)\nأمرهم بالقيام بحقه، والبدار إلى أداء أمره فى جميع أحوالهم.\n«خِفافًا» يعنى فى حال حضور قلوبكم، فلا يمسّكم نصب المجاهدات.\n«وَثِقالًا» إذا رددتم إليكم فى مقاساة تعب المكابدات. فإنّ البيعة أخذت عليكم فى (...) «٢» و(...) «٣» .\nويقال «خِفافًا» إذا تحررتم من رقّ المطالبات والاختيار، «وَثِقالًا» إذا كان على قلوبكم ثقل الحاجات، وأنتم تؤمّلون قضاء الحقّ ماربكم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1114>[سورة التوبة (٩): آية ٤٢]</span>\nلَوْ كانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قاصِدًا لاتَّبَعُوكَ وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (٤٢)\n_________\n(١) (بشبهه) هنا معناها بإنسان مثله، أي كان أنسه- فى الظاهر بصاحبه، وعلى الحقيقة كان أنسه بالله.\n(٢)، (٣) لفظتان مشتبهتان، وربما كانتا بمعنى (حضوركم وغيبتكم) أو (قربكم وبعدكم) أو نحو ذلك.. فهكذا نفهم من السياق.","vol":"2","page":29},{"text":"يريد به المتخلفين عنه فى غزوة «تبوك»، بيّن سبحانه أنه لو كانت المسافة قريبة، والأمر هيّنا لما تخلّفوا عنك لأنّ من كان غير متحقّق فى قصده كان غير بالغ فى جهده، يعيش على حرف، ويتصرّف بحرف، فإن أصابه خير اطمأنّ به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه. وقال تعالى: «فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ» «١» .\nفإذا رأيت المريد يتّبع الرّخص ويجنح إلى الكسل، ويتعلّل بالتأويلات.. فاعلم أنه منصرف عن الطريق، متخلّف عن السلوك، وأنشدوا:\nوكذا الملول إذا أراد قطيعة ... ملّ الوصال وقال: كان وكانا\nومن جدّ فى الطلب لم يعرّج فى أوطان الفشل، ويواصل السير والسّرى، ولا يحتشم من مقاساة الكدّ والعناء، وأنشدوا:\nثم قطعت الليل فى مهمة ... لا أسدا أخشى ولا ذيبا\nيغلبنى شوقى فأطوى السّرى ... ولم يزل ذو الشوق مغلوبا\nقوله: «وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ»: يمين المتعلّل والمتأوّل يمين فاجرة تشهد بكذبها عيون الفراسة، وتنفر منها القلوب، فلا تجد من القلوب محلا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1115>[سورة التوبة (٩): آية ٤٣]</span>\nعَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ (٤٣)\nلم يكن منه ﷺ خرق حدّ أو تعاطى محظور، وإنما (تذر) «٢» منه ترك ما هو الأولى. قدّم الله ذكر العفو على الخطاب الذي هو فى صورة العتاب بقوله: «لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ» .\nأو من جواز الزّلة على الأنبياء﵈- إذ لم يكن ذلك فى تبليغ أمر\n_________\n(١) آية ٢١ سورة محمد.\n(٢) هكذا فى (ص) وربما كانت (بدر) فى الأصل أي صدر عنه أما (نذر) فتفيد (قل) منه ترك ما هو الأولى، وكلاهما لا يرفضه السياق.","vol":"2","page":30},{"text":"أو تمهيد شرع (بقول قائله أنشدوا بالعفو قبل أن وقف للعذر) «١» وكذا سنّة الأحباب مع الأحباب، قال قائلهم:\nما حطّك الواشون عن رتبة ... عندى ولا ضرّك مغتاب\nكأنهم أثنوا- ولم يعلموا- ... عليك عندى بالذي عابوا\nويقال حسنات الأعداء- وإن كانت حسنات- فكالمردودة، وسيئات الأحباب- وإن كانت سيئات- فكالمغفورة:\nمن ذا يؤاخذ من يحبّ بذنبه ... وله شفيع فى الفؤاد مشفّع\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1116>[سورة التوبة (٩): آية ٤٤]</span>\nلا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (٤٤)\nالمخلص فى عقده غير مؤثر شيئا على أمره، ولا يدّخر مستطاعا فى استفراغ وسعه، وبذل جهده، ومقاساة كدّه، واستعمال جدّه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1117>[سورة التوبة (٩): آية ٤٥]</span>\nإِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (٤٥)\nمن رام عن عهدة الإلزام خروجا انتهز للتأخير والتخلّف فرصة لعدم إيمانه وتصديقه، ولاستمكان الريبة من قلبه وسرّه. أولئك الذين يتقلبون فى ريبهم، ويترددون فى شكّهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1118>[سورة التوبة (٩): آية ٤٦]</span>\nوَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ (٤٦)\nأي لو صدقوا فى الطاعة لاستجابوا ببذل الوسع والطاقة، ولكن سقمت إرادتهم، فحصلت دون الخروج بلادتهم، وكذلك قيل:\nلو صحّ منك الهوى أرشدت للحيل\n_________\n(١) ما بين القوسين منبت كما فى (ص) وفيه اضطراب ناشىء عن النسخ، وربما كان شاهدا شعريا معناه: (جاد بالعفو قبل الوقوف على العذر) .","vol":"2","page":31},{"text":"قوله جل ذكره: وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ ألزمهم الخروج من حيث التكليف، ولكن ثبّتهم فى بيوتهم بالخذلان فبالإلزام دعاهم، وبأمر التكوين أقصاهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1119>[سورة التوبة (٩): آية ٤٧]</span>\nلَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلاَّ خَبالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٤٧)\nأخبر عن سابق علمه بهم، وذكر ما علم أنه لا يكون أن لو كان كيف يكون فقال:\nولو ساعدوكم فى الخروج لكان ما يلحقكم من سوء سيرتهم فى الفتنة بينكم، والنميمة فيكم، والسعى فيما يسوؤكم أكثر مما نالكم بتخلّفهم من نقصان عددكم. ومن ضرره أكثر من نفعه فعدمه خير من وجوده، ومن لا يحصل منه شىء غير شروره فتخلّفه أنفع من حضوره.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1120>[سورة التوبة (٩): آية ٤٨]</span>\nلَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كارِهُونَ (٤٨)\nإنّهم وإن أظهروا وفاقكم فقد استبطنوا نفاقكم أعلنوا أنهم يؤازرونكم ولكن راموا بكيدهم تشويش أموركم، حتى كشف الله عوراتهم، وفضحهم، حتى تحذّرتم منهم بما تحققتم من أسرارهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1121>[سورة التوبة (٩): آية ٤٩]</span>\nوَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ (٤٩)","vol":"2","page":32},{"text":"أبرزوا قبيح فعالهم فى معرض التخرج، وراموا أن يلبّسوا على الرسول- صلى الله وسلم وعلى آله- وعلى المسلمين خبث «١» سيرتهم وسريرتهم، فبيّن الله أنّ الذين (...)»\nبزعمهم سقطوا فيه بفعلهم، وكذلك المتجلّة بما يهواه متطوح فى وادي بلواه، وسيلقى فى الآخرة من الهوان ما يغني عن الحاجة إلى البرهان.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1122>[سورة التوبة (٩): آية ٥٠]</span>\nإِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ (٥٠)\nهكذا صفة الحسود، يتصاعد أنين قلبه عند شهود الحسنى، ولا يسرّ قلبه غير حلول البلوى، ولا دواء، لجروح الحسود فإنه لا يرضى بغير زوال النعمة ولذا قالوا:\nكلّ العداوة قد ترجى إماتتها ... إلا عداوة من عاداك من حسد\nوإن الله تعالى عجّل عقوبة الحاسد، وذلك: حزن قلبه بسلامة محسوده فالنعمة للمحسود نقد والوحشة للحاسد نقد «٣» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1123>[سورة التوبة (٩): آية ٥١]</span>\nقُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلاَّ ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا هُوَ مَوْلانا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١)\nالمؤمن لا تلحقه شماتة عدوّه لأنه ليس يرى إلا مراد وليّه، فهو يتحقق أنّ ما يناله مراد مولاه فيسقط عن قلبه ما يهواه، ويستقبله بروح رضاه فيعذب عنده ما كان يصعب من بلواه، وفى معناه أنشدوا:\nإن كان سرّكم ما قال حاسدنا ... فما لجرح- إذا أرضاكم- ألم\n_________\n(١) وردت (حيث) وهى خطأ فى النسخ. [.....]\n(٢) مشتبهة.\n(٣) أي جزاء معجل فى هذه الدنيا فعند القشيري اصطلاحان: نقد (هنا في الدنيا)، ووعد (في الآخرة) والسياق يؤدى إلى أن الجزاءين نقد.","vol":"2","page":33},{"text":"ويقال شهود جريان التقدير يخفف على العبد تعب كلّ عسير.\nقوله: «هُوَ مَوْلانا»: تعريف للعبد أن له- سبحانه- أن يفعل ما يريد، لأنه تصرف مالك الأعيان فى ملكه، فهو يبدى ويجرى ما يريد بحقّ حكمه.\nثم قال: «وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ»: وأول التوكل الثقة بوعده، ثم الرضا باختياره، ثم نسيان أمورك بما يغلب على قلبك من أذكاره.\nويقال التوكل سكون السّرّ عند حلول الأمر ونهاية التفويض، وفيها يتساوى الحلوّ والمرّ، والنعمة والمحنة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1124>[سورة التوبة (٩): آية ٥٢]</span>\nقُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ (٥٢)\nبيّن الله فى هذه الآية الفرق بين المؤمنين وبين الكفار، فقال قل للذين ينتظرون:\nأيها الكفار (إن كان «١») من شأن المؤمنين وقوع الدائرة عليهم فى القتال، أو أنّ القتل ينالهم فأىّ واحد من الأمرين ينالهم فهو لهم من الله نعمة لأنّا إن ظفرنا بكم فنصر وغنيمة، وعزّ للدّين ورفعة، وإن قتلنا فشهادة ورحمة، ورضوان من الله وزلفى. وإن كان الذي يصيبنا فى الدنيا هزيمة ونكبة، فذلك موجب للأجر والمثوبة، فإذا لن يستقبلنا إلا ما هو حسني ونعمة.\nوأمّا أنتم، فإن ظفرنا بكم فتعجيل لذلّكم ومحنة، وإن قتلتم فعقوبة من الله وسخطة، وإن كانت اليد لكم فى الحال فخذلان من الله، وسبب عذاب وزيادة نقمة.\nويقال «هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ» إمّا قيام بحقّ الله فى الحال فنكون بوصف الرضاء وهو- فى التحقيق- الجنّة الكبرى، وإمّا وصول إلى الله تعالى فى المآل بوصف الشهادة، ووجدان الزلفى فى العقبى وهى الكرامة العظمى.\n_________\n(١) سقطت (إن كان) والمعنى يتطلبهما","vol":"2","page":34},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1125>[سورة التوبة (٩): آية ٥٣]</span>\nقُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فاسِقِينَ (٥٣)\nالمردود لا يقبل منه توصّل «١»، ولا يغيّر حكم شقاوته بتكثير التكلّف والتعمل.\nويقال تقرّب العدوّ يوجب زيادة المقت له، وتحبّب الحبيب يقتضى زيادة العطف عليه، قال تعالى: «فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ» «٢» قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1126>[سورة التوبة (٩): آية ٥٤]</span>\nوَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسالى وَلا يُنْفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كارِهُونَ (٥٤)\nفقدوا الإخلاص فى أموالهم فعدموا الاختصاص فى أحوالهم، وحرموا الخلاص فى عاجلهم وفى مآلهم.\nقوله: «وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسالى»: من أطاع من حيث العادة- من غير أن تحمله عليها لوعة الإرادة- لم يجد لطاعته راحة وزيادة.\nويقال من لاحظ الخلق فى الجهر من أعماله، وركن إلى الكسل فى السّرّ من أحواله فقد وسم بالخذلان، وختم بالحرمان، وهذه هى أمارة الفرقة والقطيعة، قال تعالى: «وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ» «٣» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1127>[سورة التوبة (٩): آية ٥٥]</span>\nفَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ (٥٥) .\n_________\n(١) لا نستبعد أنها تكون (توسل) بدليل ما بعدها، والمراد يحتمل كليهما.\n(٢) آية ٧٠ سورة الفرقان.\n(٣) آية ٥٤ سورة آل عمران","vol":"2","page":35},{"text":"بيّن أن ما حسبوه نعمة واعتدّوه من الله منّة فهو- فى التحقيق- محنّة، وسبب شقاء وفرقة، وإنما دسّ التقدير لهم سموم الصّاب، فيما استلذوه من الشراب «أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ» «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1128>[سورة التوبة (٩): آية ٥٦]</span>\nوَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَما هُمْ مِنْكُمْ وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (٥٦)\nالتّقرّب بالأيمان الفاجرة لا يوجب للقلوب إلا بعدا عن القبول.\nويقال إنّ إظهار التلبيس لا (...) «٢» الأسرار بردّ السكون، ولا يشفى البصائر بردّ الثقة واليقين.. فما لا يكون فلا يكون بحيلة أبدا، وما هو كائن سيكون.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1129>[سورة التوبة (٩): آية ٥٧]</span>\nلَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغاراتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (٥٧)\nإن المماذق «٣» فى الخلّة ينسلّ عن سلكها بأضعف خلّة، وإن وجد مهربا آوى إليه، ويأمل أن ينال فرصة ما يتعلّل بها عند ذلك.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1130>[سورة التوبة (٩): آية ٥٨]</span>\nوَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ (٥٨)\nأولئك أصحاب الأطماع يتملقون فى الظاهر ما دامت الأرفاق واصلة إليهم، فإن انقطعت انقلبوا كأن لم يكن بينكم وبينهم مودة.\nويقال من كان رضاؤه يوجدان سبب، وسخطه فى عدم ما يوصّله إلى نصيبه فهو ليس من أهل الولاء، إنما هو قائم بحظّه، غير صالح للصحبة، وأمّا المتحقّق فكما قيل:\nفسرت إليك فى طلب المعالي ... وسار سواى فى طلب المعاش\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1131>[سورة التوبة (٩): آية ٥٩]</span>\nوَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ راغِبُونَ (٥٩)\n_________\n(١) آية ٥٦ سورة المؤمنون\n(٢) مشتبهة.\n(٣) مذق فلان فى الود أي لم يخلص، والمذاق الكذوب الملول. والمقصود أن من لم يخلص فى مودته يتنصل بأضعف صفة ولأقل شىء.","vol":"2","page":36},{"text":"لو وقفوا مع الله بسرّ الرضا لأتتهم فنون العطاء وتحقيقات المنى، ولحفظوا مع الله- عند الوجدان «١» - ما لهم من الأدب، من غير معاناة تعب، ولا مقاساة نصب.. ولكنّهم عرّجوا فى أوطان الطمع فوقعوا فى الذّلّ والحرب.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1132>[سورة التوبة (٩): آية ٦٠]</span>\nإِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠)\n«٢» تكلّم الفقهاء فى صفة الفقير، والفرق بينه وبين المسكين لما احتاجوا إليه فى قسمة الزكاة المفروضة.. فأبو حنيفة رحمة الله عليه- يقول: المسكين الذي لا شىء له. والفقير الذي له بلغة من العيش.\nويقول الشافعي رحمة الله عليه: الفقير الذي لا شىء له، والمسكين الذي له بلغة من العيش- أي بالعكس.\nوأهل المعرفة اختلفوا فيه فمنهم من قال بالأول، ومنهم من قال بالقول الثاني، واختلافهم ليس كاختلاف الفقهاء وذلك لأن كلّ واحد منهم أشار إلى ما هو حاله ووقته ووجوده وشربه ومقامه. فمن أهل المعرفة من رأى أنّ أخذ الزكاة المفروضة أولى، قالوا إن الله تعالى جعل ذلك ملكا للفقير، فهو أحلّ له مما يتطّوع به عليه.\nومنهم من قال: الزكاة المفروضة مستحقة لأقوام، ورأوا الإيثار على الإخوان أولى من أن يزاحموا أرباب السهمان- مع احتياجهم أخذ الزكاة- وقالوا: نحن آثرنا الفقر اختيارا.\nفلم نأخذ الزكاة المفروضة؟\n_________\n(١) أي عند وجود النعمة\n(٢) نلفت النظر إلى أهمية موقف القشيري عند استخراج إشارات من هذه الآية الكريمة، فقد كانت فرصة جيدة لكى يقارن بين نظرة الفقهاء ونظرة الصوفية","vol":"2","page":37},{"text":"ثم على مقتضى أصولهم فى الجملة- لا فى أخذ الزكاة- للفقر مراتب:\nأوّلها الحاجة ثم الفقر ثم المسكنة فذو الحاجة من يرضى بدنياه وتسدّ الدنيا فقره، والفقير من يكتفى بعقباه وتجبر الجنة فقره، والمسكين من لا يرضى بغير مولاه لا إلى الدنيا يلتفت، ولا بالآخرة يشتغل، ولا بغير مولاه يكتفى قال رسول الله ﷺ «اللهم أحينى مسكينا وأمتنى مسكينا، واحشرنى فى زمرة المساكين» «١» وقال ﷺ «أعوذ بك من الفقر» لأن عليه بقية «٢» فهو ببقيته محجوب عن ربّه.\nويحسن أن يقال إن الفقر الذي استعاذ منه ألا يكون له منه شىء، والمسكنة المطلوبة أن تكون له بلغة ليتفرّغ بوجود تلك البلغة إلى العبادة لأنه إذا لم تكن له بلغة شغله فقره عن أداء حقّه، ولذلك استعاذ منه.\nوقوم سمت همهم عن هذا الاعتبار- وهذا أولى بأصولهم- فالفقير الصادق عندهم من لاسماء تظله ولا أرض تقلّه ولا معلوم يشغله، فهو عبد بالله لله، يردّه إلى التمييز فى أوان العبودية، وفى غير هذا الوقت فهو مصطلم عن شواهده، واقف بربّه، منشق عن جملته.\nويقال الفقير من كسرت فقاره- هذا فى العربية.\nوالفقير- عندهم «٣» - من سقط اختياره، وتعطلت عنه دياره، واندرست- لاستيلاء من اصطلمه- آثاره، فكأنه لم تبق منه إلا أخباره، وأنشدوا:\nأمّا الرسوم فخبّرت أنهم رحلوا قريبا ويقال المسكين هو الذي أسكنه حاله بباب مقصوده، لا يبرح عن سدّته، فهو معتكف بقلبه، لا يغفل لحظة عن ربّه.\n_________\n(١) الترمذي، وابن ماجة عن أبى سعيد الخدري، والحاكم وقال صحيح الإسناد، ورواه الطبراني بسند رجاله ثقات عن عبادة بن الصامت.\n(٢) التفت السهروردي إلى ذلك حين ميز بين الفقير والصوفي فقال إن الفقير يتطلع إلى الأعواض، أما الصوفي فيترك الأشياء لا للأعواض الموعودة بل للأحوال الموجودة فإنه ابن وقته، والفقير له إرادة فى اختيار فقره، أما الصوفي فلا إرادة بنفسه ولكن فيما يوقفه الحق (عوارف المعارف ص ٤٢) .\n(٣) أي عند أرباب الأحوال. [.....]","vol":"2","page":38},{"text":"وأمّا «العاملون عليها» فعلى لسان العلم: من يتولى جمع الزكاة على شرائطها المعلومة.\nوعلى لسان الإشارة: أولى الناس بالتصاون عن أخذ الزكاة من صدق فى أعماله لله، فإنهم لا يرجون على أعمالهم عوضا، ولا يتطلبون فى مقابلة أحوالهم عرضا، وأنشدوا:\nوما أنا بالباغى على الحب رشوة ... قبيح هوىّ يرجى عليه ثواب «١»\nوأمّا المؤلّفة قلوبهم- على لسان العلم- فمن يستمال قلبه بنوع إرفاق معه، ليتوفّر فى الدين نشاطه فلهم من الزكاة سهم استعطافا لهم، وبيان ذلك مشهور فى مسائل الفقه.\nوحاشا أن يكون فى القوم «٢» من يكون حضوره بسبب طمع أو لنيل ثواب أو لرؤية مقام أو لاطلاع حال.. فذلك فى صفة العوام، فأما الخواص فكما قالوا.\nمن لم يكن بك فانيا عن حظه ... وعن الهوى والإنس والأحباب\nأو تيمته صبابة جمعت له ... ما كان مفترقا من الأسباب.\nفلأنّه بين المراتب واقف ... لمنال حظّ أو لحسن مآب «٣»\nقوله جل ذكره: وَفِي الرِّقابِ وهم على لسان العلم: المكاتبون، وشرحه فى مسائل الفقه معلوم.\nوهؤلاء «٤» لا يتحررون ولهم تعريج على سبب، أو لهم فى الدنيا والعقبى أرب، فهم لا يستفزّهم طلب، فمن كان به بقية من هذه الجملة فهو عبد لم يتحرر، قال رسول الله ﷺ وعلى آله: «المكاتب عبد ما بقي عليه درهم، وأنشد بعضهم:\nأتمنى على الزمان محالا ... أن ترى مقلتاى طلعة حرّ\nقوله جل ذكره: وَالْغارِمِينَ وهم على لسان العلم: من عليهم دين فى غير معصية.\n_________\n(١) البيت للمتنبى من بائيته التي أولها: منى كن لى أن البياض خضاب.\n(٢) القوم هنا مقصود بها أرباب الأحوال.\n(٣) الأبيات لأبى على الروذبارى (اللمع ص ٤٣٥)\n(٤) وهؤلاء هنا مقصود بها أيضا ارباب الأحوال.","vol":"2","page":39},{"text":"وهؤلاء القوم لا يقضى عنهم ما لزمهم امتلاك الحق «١»، ولهذا قيل المعرفة غريم لا يقضى دينه.\nقوله جل ذكره: وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ.\nوعلى لسان العلم: من سلك سبيل الله وجب له فى الزكاة سهم على ما جاء بيانه فى مسائل الفقه.\nوفى هذه الطريقة: من سلك سبيل الله تتوجّب عليه المطالبات فيبذل أولا ماله ثم جاهه ثم نفسه ثم روحه.. وهذه أول قدم فى الطريق.\nقوله جل ذكره: وَابْنِ السَّبِيلِ وهو على لسان العلم: من وقع فى الغربة، وفارق وطنه على أوصاف مخصوصة.\nوعند القوم: إذا تغرّب العبد عن مألوفات أوطانه فهو فى قرى «٢» الحقّ فالجوع طعامه، والخلوة مجلسه، والمحبة شرابه، والأنس شهوده، والحقّ- تعالى- مشهوده.\nقال تعالى: «وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَرابًا طَهُورًا» «٣»: لقوم وعد فى الجنة، ولآخرين نقد فى الوقت اليوم شراب المحابّ وغدا شراب الثواب، وفى معناه أنشدوا:\nومقعد قوم قد مشى من شرابنا ... وأعمى سقيناه ثلاثا فأبصرا\nوأخرس لم ينطق ثلاثين حجّة ... أدرنا عليه الكأس يوما فأخبرا\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1133>[سورة التوبة (٩): آية ٦١]</span>\nوَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٦١)\nعين العداوة بالمساوئ موكّلة، وعين الرضا عن المعايب كليلة.\nبسطوا اللائمة فى رسول الله ﷺ فعابوه بما هو أمارة كرمه، ودلالة فضله،\n_________\n(١) أي أن دينهم ليس يقضى أبدا إذ أمرهم بيد مالكهم.\n(٢) القرى- الضيافة والإكرام.\n(٣) آية ٢١ سورة الإنسان","vol":"2","page":40},{"text":"فقالوا: إنه بحسن خلقه يسمع ما يقال له، فقال ﵇: «المؤمن غرّ كريم والمنافق خبّ لئيم» «١» قوله جل ذكره: قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وقيل: من العاقل؟ قالوا: الفطن المتغافل. وفى معناه أنشدوا:\nوإذا الكريم أتيته بخديعة ... ولقيته فيما تروم يسارع\nفاعلم بأنك لم تخادع جاهلا ... إنّ الكريم- بفضله- يتخادع\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1134>[سورة التوبة (٩): آية ٦٢]</span>\nيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ (٦٢)\nأخبر أنّ من تزيّن للخلق، وتقرّب إليهم وأدام رضاهم، واتّبع فى ذلك هواهم، فإن الله سبحانه يسقط به عن الخلق جاههم، ويشينهم فيما توهموا أنه يزينهم، والذي لا يضيع ما كان لله، فأمّا ما كان لغير الله فوبال لمن أصابه، ومحال ما طلبه.\nويقال إنّ الخلق لا يصدقونك وإن حلفت لهم، والحقّ يقبلك وإن تخلّفت عنه فالاشتغال بالخلق محنة أنت غير مأجور عليها، والإقبال على الحقّ نعمة أنت مشكور عليها.\nوالمغبون من ترك ما يشكر عليه ويؤثر ما لا يؤجر عليه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1135>[سورة التوبة (٩): آية ٦٣]</span>\nأَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدًا فِيها ذلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ (٦٣)\n_________\n(١) فى رواية الترمذي والحاكم عن أبى هريرة «المؤمن غر كريم والفاجر خب لئيم» (والخبّ- الخدع) وفى الحديث: «لا يدخل الجنة خب ولا خائن»","vol":"2","page":41},{"text":"من كفر بالله وأشرك فى توحيده بإثبات موهوم استحق ما هو حقّ لله: تعجّل عقوبته فى الحال بالفرقة، وفى المال بالخلود فى الحرقة.\nفليس كلّ من مني «١» بمصيبة يعلم ما ناله من المحنة، وأنشدوا:\nغدا يتفرّق أهل الهوى ... ويكثر باك ومسترجع\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1136>[سورة التوبة (٩): آية ٦٤]</span>\nيَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِؤُا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ (٦٤)\nظنّوا أنّ الحقّ- سبحانه- لا يفضحهم، فدلّوا عليكم، وأنكروا ما انطوت عليه سرائرهم، فأرخى «٢» الله- سبحانه- عنان إمهالهم، ثم هتك الستر عن نفاقهم ففضحهم عند أهل التحقيق، فتقنعوا بخمار الخجل، وكشف لأهل التحقيق مكامن الاعتبار. ونعوذ بالله من عقوبة أهل الاغترار! «وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ» «٣» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1137>[سورة التوبة (٩): آية ٦٥]</span>\nوَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ (٦٥)\nمن استهان بالدّين، ولم يحتشم من ترك حرمة الإسلام جعله الله فى الحال نكالا، وسامه فى الآخرة صغرا وإذلالا، والحقّ- سبحانه- لا يرضى دون أن يذيق العتاة بأسه، ويسقى كلا- على ما يستوجبه- كأسه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1138>[سورة التوبة (٩): آية ٦٦]</span>\nلا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طائِفَةً بِأَنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ (٦٦)\nلا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ\n_________\n(١) وردت (مسنى) وهى خطا فى النسخ وربما كانت (مسته)\n(٢) وردت (فأرضى) وهى خطأ فى النسخ.\n(٣) آية ٥٤ سورة آل عمران.","vol":"2","page":42},{"text":"«١»\nجرّد العفو والعذاب من علّة الجرم، وسبب الفعل من حجّة العبد حيث أحال الأمر على المشيئة.. إذ لو كان الموجب لعفوه أو تعذيبه صفة العبد لسوّى بينهم عند تساويهم فى الوصف، فلمّا اشتركوا فى الكفر بعد الإيمان، وعفا عن بعضهم وعذّب بعضهم دلّ على أنه يفعل ما يشاء، ويختصّ من يشاء بما يشاء «٢» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1139>[سورة التوبة (٩): آية ٦٧]</span>\nالْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٦٧)\nالمؤمن بالمؤمن يتقوّى، والمنافق بالمنافق يتعاضد، وطيور السماء على ألّافها تقع.\nفالمنافق لصاحبه أسّ «٣» به قوامه، وأصل به قيامه بعينه على فساده، ويعمّى عليه طريق رشاده.\nوالمؤمن ينصر المؤمن ويبّصره عيوبه، ويبّغض لديه ويقبّح- فى عينه- ذنوبه، وهو على السداد ينجده، وعن الفساد يبعده.\nقوله جل ذكره: وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ.\nعن طلب الحوائج من الله تعالى قوله جل ذكره: نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ.\nجازاهم على نسيانهم، فسمّى جزاء النسيان نسيانا.. تركوا طاعته، وآثروا مخالفته، فتركهم وما اختاروه لأنفسهم، قال تعالى: «وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ» .\n_________\n(١) أخطأ الناسخ إذ أنهى الآية: (بأنهم كانوا مجرمون) .\n(٢) هذه لفتة هامة تشير إلى المذهب الكلامى عند القشيري فيما يتصل بوجوب الإثابة أو العقوبة على الله وعدم وجوبهما.\n(٣) الأس بفتح الألف وضعها وكسرها: أصل البناء. [.....]","vol":"2","page":43},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1140>[سورة التوبة (٩): آية ٦٨]</span>\nوَعَدَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْكُفَّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ (٦٨)\nوعدهم النار فى الآخرة، ولهم العذاب المقيم فى الحاضرة، فمؤجّل عذابهم الحرقة، ومعجّله الفرقة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1141>[سورة التوبة (٩): آية ٦٩]</span>\nكَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوالًا وَأَوْلادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٦٩)\nيقال: سلكتم طريق من قبلكم من الكفار وأهل النفاق وقد كافأناهم. ويقال الذين تقدموكم زادوا عليكم فكافأناهم كما نكافئ أهل الشقاق والنفاق فى كثرة المدّة وقوة العدّة، والاستمتاع فى الدنيا، والاغترار بالانخراط فى سلك الهوى.. ولكن لم تدم فى الراحة مدّتهم، ولم تغن عنهم يوم الشدّة عدّتهم، وعما قريب يلحق بكم ما لحق بالذين هم قبلكم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1142>[سورة التوبة (٩): آية ٧٠]</span>\nأَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْراهِيمَ وَأَصْحابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٧٠)","vol":"2","page":44},{"text":"ألم ينته إليهم خبر القرون الماضية، ونبأ الأمم الخالية كيف دمّرنا عليهم جمعهم، وكيف بدّدنا شملهم؟ قضينا فيهم بالعدل، وحكمنا باستئصال الكلّ، فلم يبق منهم نافخ نار، ولم يحصلوا إلّا على عار وشنار.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1143>[سورة التوبة (٩): آية ٧١]</span>\nوَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١)\nيعين «١» بعضهم بعضا على الطاعات، ويتواصون بينهم بترك المحظورات فتحابّهم فى الله، وقيامهم بحقّ الله، وصحبتهم لله، وعداوتهم لأجل الله تركوا حظوظهم لحقّ الله، وآثروا على هواهم رضاء الله. أولئك الذين عصمهم الله فى الحال، وسيرحمهم فى المال.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1144>[سورة التوبة (٩): آية ٧٢]</span>\nوَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)\nوعدهم جميعا الجنة، ومساكن طيبة، ولا يطيب المسكن إلا برؤية المحبوب، وكلّ محب يطيب مسكنه برؤية محبوبه، ولكنهم مختلفون فى الهمم فمن مربوط بحظّ مردود إلى الخلق، ومن مجذوب بحقّ موصول بالحق، وفى الجملة الأمر كما يقال:\n_________\n(١) وردت (يعنى) وهى خطأ فى النسخ.","vol":"2","page":45},{"text":"أجيراننا ما أوحش الدار بعدكم ... إذا غبتم عنها ونحن حضور!\nويقال قوم يطيب مسكنهم بوجود عطائه، وقوم يطيب مسكنهم بشهود لقائه، وأنشدوا:\nوإنّى لأهوى الدار لا يستقرّ لى ... بها الودّ إلا أنّها من دياركا\nثم قال: «وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ»: وأمارة أهل الرضوان وجدان طعمه فهم فى روح الأنس، وروح الأنس لا يتقاصر عن راحة دار القدس بل هو أتمّ وأعظم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1145>[سورة التوبة (٩): آية ٧٣]</span>\nيا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٣)\nدعا نبيّناﷺ- كافة الخلق إلى حسن الخلق.\nقال لموسى ﵇: «فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا» «١» .\nوقال لنبيّناﷺ-: «وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ» «٢» ويقال إنما قال هذا بعد إظهار الحجج، وبعد ما أزاح عذرهم بأيام المهلة ففى الأول أمره بالرّفق حيث قال: «إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ»\n«٣»، فلما أصروا واستكبروا أمره بالغلظة عليهم. والمجاهدة أولها اللسان لشرح البرهان، وإيضاح الحجج والبيان، ثم إن حصل من العدوّ جحد بعد إزاحة العذر، فبالوعيد والزجر، ثم إن لم ينجع الكلام ولم ينفع الملام فالقتال والحرب وبذل الوسع فى الجهاد.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1146>[سورة التوبة (٩): آية ٧٤]</span>\nيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا وَما نَقَمُوا إِلاَّ أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (٧٤)\n_________\n(١) آية ٤٤ سورة طه.\n(٢) آية ٩ سورة التحريم.\n(٣) آية ٤٦ سورة سبأ.","vol":"2","page":46},{"text":"تستّروا بأيمانهم فهتك الله أستارهم وكشف أسرارهم.\nقوله: «وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ»: وهى طعنهم فى نبوّة رسول اللهﷺ. وكلّ من وصف المعبود بصفات الخلق أو أضاف إلى الخلق ما هو من خصائص نعت الحقّ فقد قال كلمة الكفر.\nقوله جل ذكره: وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا وَما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ أي أظهروا من شعار الكفر ما دلّ على جحدهم بقلوبهم بعد ما كانوا يظهرون الموافقة والاستسلام وهمّوا بما لم ينالوا من قتل لرسول الله ﷺ، وما سوّلت أنفسهم أنه يخرج الأعزّ منها الأذلّ، وغير ذلك.\nيقال تمنوا زوال دولة الإسلام فأبى الله إلا إعلاء أمرها.\nثم قال: «وَما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ»: أي ما عابوه إلا بما هو أجلّ خصاله، فلم يحصلوا من ذلك إلا على ظهور شأنهم للكافة بما لا عذر لهم فيه.\nقوله جل ذكره: فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ وأقوى أركان التوبة حلّ عقدة الإصرار عن القلب، ثم القيام بجميع حقّ الأمر على وجه الاستقصاء.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1147>[سورة التوبة (٩): الآيات ٧٥ الى ٧٦]</span>\nوَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦)","vol":"2","page":47},{"text":"منهم من أكّد العقد مع الله، ثم نقضه، فلحقه شؤم ذلك فبقى خالدا فى نفاقه.\nويقال تطلّب إحسان ربّه، وتقرّب إليه بإبرام عهده فلمّا حقّق الله مسئوله واستجاب مأموله، فسخ ما أبرمه، وانسلخ عما التزمه، واستولى عليه البخل، فضنّ بإخراج حقه، فلحقه شؤم نفاقه، بأن بقي إلى الأبد فى أسره.\nوحدّ البخل- على لسان العلم- منع الواجب. وبخل كلّ أحد على ما يليق بحاله، وكلّ من آثر شيئا من دون رضاء ربّه فقد اتصف ببخله، فمن يبخل بماله تزل عنه البركة حتى يئول إلى وارث أو يزول بحارث. ومن يبخل بنفسه ويتقاعس عن طاعته تفارقه الصحة حتى لا يستمتع بحياته. والذي يبخل بروحه عنه يعاقب بالخذلان حتى تكون حياته سببا لشقائه.\nقوله جلّ ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1148>[سورة التوبة (٩): آية ٧٧]</span>\nفَأَعْقَبَهُمْ نِفاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ (٧٧)\nأعقبهم ببخلهم نفاقا فى قلوبهم، ويصحّ أعقبهم الله نفاقا فى قلوبهم، وفى الجملة: من نقض عهده فى نفسه رفض الودّ من أصله، وكلّ من أظهر فى الجملة خيرا واستبطن شرا فقد نافق بقسطه. والمنافق فى الصف الأخير فى دنياه، وفى الدّرك الأسفل من النار فى عقباه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1149>[سورة التوبة (٩): آية ٧٨]</span>\nأَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (٧٨)\nخوّفهم بعلمه كما خوّفهم بفعله فى أكثر من موضع من كتابه.\nو«سِرَّهُمْ» مالا يطلع عليه غير الله.\nو«نَجْواهُمْ» ما يتسارّون بعضهم مع بعض. ويحتمل أن يكون ما لنفوسهم عليه إشراف من خواطرهم»\n_________\n(١) يقول القشيري فى رسالته فى معنى «السر» هو محل المشاهدة كما ان الأرواح محل للمحبة والقلوب محل للمعارف. وقالوا السر ما لك عليه إشراف، وسر السر ما لا اطلاع عليه لغير الحق.","vol":"2","page":48},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1150>[سورة التوبة (٩): آية ٧٩]</span>\nالَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٩)\nعابوا الذين قصرت أيديهم عن الإكثار فى الصدقة وجادوا بما وصلت إليه أيديهم، فشكر الله سعى من أخلص فى صدقته بعد ما علم صدقه فيها. وقليل أهل الإخلاص أفضل من كثير أهل النفاق.\nولمّا أوجدوا «١» المسلمين بسخريتهم وصف الله﷾- نفسه بما يستحيل فى وصفه- على التحقيق- وهو السخرية بأحد.. تطبيبا لقلوب أوليائه، فقد تقدّس عن ذلك لعزّة ربوبيته.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1151>[سورة التوبة (٩): آية ٨٠]</span>\nاسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٨٠)\nختم القضايا بأنّه لا يغفر لأهل الشرك والنفاق، فلا تنفعهم الوسائل، ولا ينتعش منهم الساقط.\nويقال من غلبته شقوتنا لم ينفعه (تضرعه) «٢» ودعوته.\nويقال صريع القدرة لا ينعشه الجهد والحيلة.\n_________\n(١) (أوجدوا) أي سببوا لهم حفيظة وألما.\n(٢) وردت (تضر) بعدها عين مغلقة وهاء ساقطة وقد أكملناها (تضرعه) لملاءمتها للسياق، ولانسجامها مع (دعوته) بمعنى دعائه واستغفاره لهم.","vol":"2","page":49},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1152>[سورة التوبة (٩): آية ٨١]</span>\nفَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ (٨١)\nاستحوذ عليهم سرورهم بتخلفهم، ولم يعلموا أن ثبورهم فى تأخرهم وما آثروه من راحة نفوسهم على أداء حق الله، والخروج فى صحبة رسول اللهﷺ، فنزع الله الراحة بما عاقبهم، وسيصلون سعيرا فى الآخرة بما قدّموه من نفاقهم، وسوف يتحسرّون ولات حين تحسّر.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1153>[سورة التوبة (٩): آية ٨٢]</span>\nفَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢)\nبدّل الله مسرّتهم بحسرة، وفرحتهم بترحة، وراحتهم بعبرة، حتى يكثر بكاؤهم فى العقبى كما كثر ضحكهم فى الدنيا، وذلك جزاء من كفر بربه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1154>[سورة التوبة (٩): آية ٨٣]</span>\nفَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ (٨٣)\nيقول: بعد ما ظهرت خيانتهم، وتقرر كذبهم ونفاقهم، لا تنخذع بتملقهم، ولا تثق بقولهم، ولا تمكّنهم من صحبتك فيما يظهرونه من وفاقك «١» . فإذا وهن سلك العهد فلا يحتمل بعده الشّدّ، وإذا اتسع الخرق لا ينفع بعده الرّقع.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1155>[سورة التوبة (٩): آية ٨٤]</span>\nوَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ (٨٤)\n_________\n(١) سقطت الواو من (وفاقك) .","vol":"2","page":50},{"text":"«١»\nليس بعد التّبرّى التولي، ولا بعد الفراق الوفاق، ولا بعد الحجبة قربة. مضى لهم من الزمان ما كان لأملهم فيه فسحة، أو لرجائهم مساغ، أو لظنّهم تحقيق، ولكن سبق لهم القضاء بالشقاوة، ونعوذ بالله من سوء الخاتمة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1156>[سورة التوبة (٩): آية ٨٥]</span>\nوَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ (٨٥)\nيقول لا تحسبنّ تمكين أهل النّفاق من تنفيذ مرادهم، وتكثير أموالهم إسداء معروف منّا إليهم، أو إسباغ إنعام من لدّنا عليهم، إنما ذلك مكر بهم، واستدراج لهم، وإمهال لا إهمال. وسيلقون غبّه «٢» عن قريب.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1157>[سورة التوبة (٩): آية ٨٦]</span>\nوَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ الْقاعِدِينَ (٨٦)\nإذا توجّه عليهم الأمر بالجهاد، واشتدّ عليهم حكم الإلزام، تعلّلوا إلى السّعة «٣»، وركنوا إلى اختيار الدّعة واحتالوا فى موجبات التّخلّف، أولئك الذين خصّهم «٤» بخذلانه، وصرف قلوبهم عن ابتغاء رضوانه.\n_________\n(١) وقع الناسخ فى خطأ حين نقل الآية إذ كتب بعد (ورسوله): (ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون) .\nوقد صوبنا حسب الآية (٨٤) .\n(٢) وردت (غيه) بالياء وهى خطأ فى النسخ، والصواب (غبه) أي عاقبته.\n(٣) أي إلى نقص وسعهم ومكنتهم.\n(٤) اشتبهت علامة التضعيف على الناسخ فظن الكلمة (خصتهم) بالتاء وهى غير ملائمة.","vol":"2","page":51},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1158>[سورة التوبة (٩): آية ٨٧]</span>\nرَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ (٨٧)\nبعدوا عن بساط العبادة فاستطابوا الدّعة، ورضوا بالتعريج فى منازل الفرقة، ولو أنهم رجعوا إلى الله تعالى بصدق النّدم لقابلهم بالفضل والكرم، ولكن القضاء غالب، والتكلف ساقط.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1159>[سورة التوبة (٩): آية ٨٨]</span>\nلكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨٨)\nليس من أقبل كمن أعرض وصدّ «١»، ولا من قبل أمره كمن ردّ، ولا من وحّد كمن جحد، ولا من عبد كمن عند، ولا من أتى كمن أبى ... فلا جرم ربحت تجارتهم، وجلت رتبتهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1160>[سورة التوبة (٩): آية ٨٩]</span>\nأَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٨٩)\nتشير الآية إلى أن راحاتهم موعودة، وإن كانت الأتعاب «٢» فى الحال موجودة مشهودة.\nويقال صادق يقينهم بالثواب يهوّن عليهم مقاساة ما يلقونه- فى الوقت- من الأتعاب.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1161>[سورة التوبة (٩): آية ٩٠]</span>\nوَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٩٠)\n_________\n(١) وردت (سد) بالسين والصواب (صد) لتلائم أعرض.\n(٢) اشتبهت على الناسخ فظنها (الألقاب) والصواب الأتعاب لتقابل (راحلتهم)، ثم إنها تكررت فيما بعد قليل. [.....]","vol":"2","page":52},{"text":"وهم أصحاب الأعذار- فى قول أهل التفسير- طلبوا الإذن فى التأخر عن رسول اللهﷺ- فى غزوة تبوك فسقط عنهم الّلوم.\nأما الذين تأخروا بغير عذر فقد توجّه عليهم اللوم، وهو لهم فى المستقبل الوعيد.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1162>[سورة التوبة (٩): آية ٩١]</span>\nلَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١)\nقيمة الفقر تظهر عند سقوط الأمر، ولو لم يكن فى القلة خير إلا هذا لكفى لهذا بهذا فضيلة بقوا فى أوطانهم ولم يتوجّه عليهم بالجهاد أمر، ولا بمفارقة المنزل امتحان. واكتفى منهم بنصيحة القلب، واعتقاد أن لو قدروا لخرجوا.\nوأصحاب الأموال امتحنوا- اليوم- يجمعها ثم بحفظها، ثم ملكتهم محنتها حتى شقّت عليهم الغيبة عنها، ثم توجّه اللوم عليهم فى ترك إنفاقها، ثم ما يعقبه- غدا- من الحساب والعذاب يربو على الجميع.\nوإنّما رفع الحرج عن أولئك «١» بشرط وهو قوله: «إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ» فإذا لم يوجد هذا الشرط فالحرج غير مرتفع عنهم.\nقوله: «ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ»: المحسن الذي لا تكون للشرع منه مطالبة لا فى حقّ الله ولا فى حقّ الخلق «٢» .\n_________\n(١) فى النسخة (هؤلاء) وقد آثرنا أن نضع (أولئك) لينصرف الكلام إلى الطائفة الأولى أي الضعفاء والمرضى وأصحاب العذر.\n(٢) لأنه قد استوفى جميع المطالبات ولم يتبق عليه شىء.","vol":"2","page":53},{"text":"ويقال هو الذي يعلم أنّ الحادثات كلّها من الله تعالى.\nويقال هو الذي يقوم بحقوق ما نيط به أمره فلو كان طير فى حكمه وقصّر فى علفه- لم يكن محسنا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1163>[سورة التوبة (٩): آية ٩٢]</span>\nوَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ (٩٢)\nمنعهم الفقر عن الحراك فالتمسوا من الرسولﷺ- أن يحملهم معه ويهبىء أسبابهم، ولم يكن فى الحال للرسول ﵇ سعة ليوافق سؤلهم، وفى حالة ضيق صدرهﷺ- حلف إنه لا يحملهم، ثم رآهم ﷺ يتأهبون للخروج، وقالوا فى ذلك، فقال ﵇: إنما يحملكم الله.\nفلمّا ردّهم الرسولﷺ- عن الإجابة فى أن يحملهم رجعوا عنه بوصف الخيبة كما قال تعالى: «تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ» كما قال قائلهم:\nقال لى من أحبّ والبين قد ... حلّ ودمعى مرافق لشهيقى\nما ترى فى الطريق تصنع بعدي؟ قلت: أبكى عليك طول الطريق قوله: «حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ» شقّ عليهم أن يكون على قلب الرسولﷺ- بسببهم شغل فتمنّوا أن لو أزيح هذا الشغل، لا ميلا إلى الدنيا ولكن لئلا تعود إلى قلبه﵇- من قبلهم كراهة، ولهذا قيل:\nمن عفّ خفّ على الصديق لقاؤه ... وأخو الحوائج ممجج مملول\nثم إنّ الحقّ- سبحانه- لمّا علم ذلك منهم، وتمحضت قلوبهم للتعلّق بالله، وخلت عقائدهم عن مساكنة مخلوق تدارك الله أحوالهم فأمر الله رسوله ﵇ أن يحملهم.. بذلك جرت سنّته، فقال: «وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا» «١»\n_________\n(١) آية ٢٨ سورة الشورى.","vol":"2","page":54},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1164>[سورة التوبة (٩): آية ٩٣]</span>\nإِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِياءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٩٣)\nيريد السبيل بالعقوبة والملامة على الذين يتأخرون عنك فى الخروج إلى الجهاد ولهم الأهبة والمكنة، وتساعدهم على الخروج الاستطاعة والقدرة فإذا استأذنوك للخروج وأظهروا «١» لم يصدقوا، فهم مستوجبون للنكير عليهم، لأنّ من صدق فى الولاء لا يحتشم من مقاساة العناء، والذي هو فى الولاء مماذق وللصدّق مفارق يتعلّل بما لا أصل له، لأنه حرم الخلوص فيما هو أهل له، وكذا قيل:\nإنّ الملول إذا أراد قطيعة ... ملّ الوصال وقال كان وكانا\nقوله جل ذكره: رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ قيل فى التفسير: مع النساء فى البيوت.\nوالإسلام يثنى على الشجاعة، وفى الخبر: إن الله تعالى يحب الشجاعة، ولو على قتل حية، وفى معناه أنشدوا.\nكتب القتل والقتال «٢» علينا وعلى المحصنات جرّ الذّيول ومن استوطن مركب الكسل، واكتسى لباس الفشل، وركن إلى مخاريق الحيل حرم استحقاق القربة. ومن أراد الله- تعالى- هو انه، وأذاقه خذلانه، فليس له عن حكم الله مناص.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1165>[سورة التوبة (٩): آية ٩٤]</span>\nيَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٤)\n_________\n(١) ربما سقطت هنا «العذر» فهى مطلوبة للسياق.\n(٢) وردت (القتل والقتل) والصواب (القتل والقتال) .","vol":"2","page":55},{"text":"أراد إذا تقوّلوا بما هم فيه كاذبون، وضللوا عما كانوا فى تخلفهم به يتّصفون- فأخبروهم أنّا عرّفنا الله كذبكم فيما تقولون، واتضحت لنا فضائحكم، وتميّز- بما أظهره الله لنا- سيّئكم وصالحكم، فإنّ الله تعالى لا يخفى عليه شىء من أحوالكم، وستلقون غبّ أعمالكم فى آجلكم «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1166>[سورة التوبة (٩): آية ٩٥]</span>\nسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥)\nيريد أنهم فى حلفهم بالله لكم أن يدفع السوء من قبلكم، وليس قصدهم بذلك خلوصا فى اعتذارهم، ولا ندامة على ما احتقبوه من أوزارهم، إنما ذلك لتعرضوا عنهم ...\nفأعرضوا عنهم فإنّ ذلك ليس بمنجيهم مما سيلقونه غدا من عقوبة الله لهم، فإنّ الله يمهل العاصي حتى يتوهّم أنه قد تجاوز عنه، وما ذلك إلا مكر عومل به، فإذا أذاقه ما يستوجبه علم أن الأمر بخلاف ما ظنه، وما ينفع ظاهر مغبوط، والحال- فى الحقيقة- يأس من الرحمة وقنوط، وفى معناه قالوا:\nوقد حسدونى فى قرب دارى منهم ... وكم من قريب الدار وهو بعيد!\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1167>[سورة التوبة (٩): آية ٩٦]</span>\nيَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (٩٦)\nمن كان مسخوط الحقّ لا ينفعه أن يكون مرضىّ الخلق، وليست العبرة بقول غير الله إنّما المدار على ما سبق من السعادة فى حكم الله.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1168>[سورة التوبة (٩): آية ٩٧]</span>\nالْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفاقًا وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٩٧)\n_________\n(١) وردت (غب أعمالكم فى أعمالكم) والصواب (فى آجلكم) لأن الآية تشير لذلك.","vol":"2","page":56},{"text":"جبلت قلوبهم على القسوة فلم تقرعها هواجم الصفوة، وكانوا عن أشكالهم فى الخلقة مستأخرين بما (...) «١» من سوء الخلق فهم من استبانة الحقائق أبعد، ومن استيجاب الهوان أقرب.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1169>[سورة التوبة (٩): آية ٩٨]</span>\nوَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٩٨)\nخبثت عقائدهم فانتظروا للمسلمين ما تعلقت به مناهم من حلول المحن بهم، فأبى الله إلا أن يحيق بهم مكرهم، ولهذا قيل فى المثل: إذا حفرت لأخيك فوسّع فربما يكون ذلك مقيلك! ويقال من نظر إلى ورائه يوفّق فى كثير من تدبيره ورأيه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1170>[سورة التوبة (٩): آية ٩٩]</span>\nوَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَواتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٩)\nتنوّعوا فمنهم من غشّ ولم يربح، ومنهم من نصح فلم ليخسر، فأمّا الذين مذقوا فهم فى مهواة هوانهم، وأما الذين صدقوا ففى روح إحسانهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1171>[سورة التوبة (٩): آية ١٠٠]</span>\nوَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)\n_________\n(١) مشتبهة.","vol":"2","page":57},{"text":"السابقون مختلفون فمن سابق بصدق قدمه، ومن سابق بصدق هممه.\nويقال السابق من ساعدته القسمة بالتوفيق، وأسعدته القضية بالتحقيق، فسبقت له من الله رحمته.\nويقال سبقهم بعنايته ثم سبقوا بطاعتهم له.\nويقال جمع الرّضاء صفّيهم: السابق منهم واللاحق بهم قال تعالى: «وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ ... رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ» .\nويقال ليس اللاحق كالسابق، فالسابق فى روح الطلب، واللاحق فى مقاساة التعب، ومعاناة النّصب، وأنشدوا:\nالسّباق السّباق قولا وفعلا ... حذّروا النّفس حسرة المسبوق\nويقال رضاهم عن الله قضية رضاء الله عنهم فلولا أنه رضى عنهم فى آزاله ...\nفمتى وصلوا إلى رضاهم عنه؟! قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1172>[سورة التوبة (٩): آية ١٠١]</span>\nوَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ (١٠١)\nتشاكل المخلص والمنافق فى الصورة فلم يتميّز بالمباني، وإن تنافيا فى الحقائق والمعاني وتقاصر علمهم عن العرفان فهتك الله لنبيّه أستارهم.. فعرفهم، وهم بإشرافه عليهم جاهلون، وعلى الإقامة فى أوطان نفاقهم مصروفون، فلم ينفعهم طول إمهاله لهم.","vol":"2","page":58},{"text":"«سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ»: الأولى فى الدنيا بالفضيحة فيما ينالهم من المحن والفتن والأمراض، ولا يحصل لهم عليها فى الآخرة عوض ولا أجر ولا مسرّة، والثانية عذاب القبر.\nوقيل المرة الأولى بقبض أرواحهم، والثانية عذاب القبر ثم يوم القيامة يمتحنون بالعذاب الأكبر.\nويقال المرة الأولى ظنّهم نهم على شىء، والمرة الثانية بخيبة آمالهم وظهور ما لم يحتسبوه لهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1173>[سورة التوبة (٩): آية ١٠٢]</span>\nوَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٠٢)\nإن اتصفوا بعيوبهم فلقد اعترفوا بذنوبهم. والإقرار توكيد الحقوق فيما بين الخلق فى مشاهد الحكم، ولكن الإقرار بحق الله- سبحانه- يوجب إسقاط الجرم فى مقتضى سنّة كرم الحقّ- سبحانه، وفى معناه أنشدوا:\nقيل لى: قد أساء فيك فلان ... وسكوت الفتى على الضيم عار\nقلت: قد جاءنى فأحسن عذرا ... دية الذّنب عندنا الاعتذار\n«خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا»: ففى قوله «وَآخَرَ سَيِّئًا» بعد قوله «صالِحًا» دليل على أن الزّلّة لا تحبط ثواب الطاعة إذ لو أحبطته لم يكن العمل صالحا.\nوكذلك قوله: «عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ»: وعسى تفيد أنه لا يجب على الله شىء فقد يتوب وقد لا يتوب. ولأنّ قوله صدق.. فإذا أخبر أنّه يجيب فإنه يفعل، فيجب منه لا يجب عليه «١» .\nويقال قوله: «خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا»: يحتمل معناه أنهم يتوبون فالتوبة عمل صالح.\nوقوله: «وَآخَرَ سَيِّئًا»: يحتمل أنه نقضهم التوبة، فتكون الإشارة فى قوله: «عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ» أنهم إن نقضوا توبتهم وعادوا إلى ما تركوه من زلّتهم فواجب منّا أن\n_________\n(١) واضح حرص القشيري على مقاومة المعتزلة فيما يتصل بنفي اى وجوب على الله فقد جلت الصمدية عن ذلك، وإن كان يرى أنه يجب منه- سبحانه- الفضل.","vol":"2","page":59},{"text":"نتوب عليهم، ولئن بطلت- بنقضهم- توبتهم.. لما اختلّت- بفضلنا- توبتنا عليهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1174>[سورة التوبة (٩): آية ١٠٣]</span>\nخُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣)\n: تطهرهم من طلب الأعواض عليها، وتزكيهم عن ملاحظتهم إياها.\nتطهرهم بها عن شحّ نفوسهم، وتزكيهم بها بألا يتكاثروا بأموالهم فيروا عظيم منّة الله عليهم بوجدان التجرّد منها.\n«وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ»: إن تعاشرهم بهمّتك معهم أثمن لهم من استقلالهم بأموالهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1175>[سورة التوبة (٩): آية ١٠٤]</span>\nأَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٠٤)\nتمدّح- سبحانه- بقبول توبة العاصين إذ بها يظهر كرمه، كما تمدّح بجلال عزّه ونبّههم على أن يعرفوا به جلاله وقدمه.\nوكما توحّد باستحقاق كبريائه وعظمته تفرّد بقبول توبة العبد عن جرمه وزلّته.\nفكما لا شبيه له فى جماله وجلاله لا شريك له فى أفضاله وإقباله يأخذ الصدقات- قلّت أو كثرت، فقدر الصّدقة وخطرها بأخذه لها لا بكثرتها وقلّتها قلّت فى الصورة صدقتهم ولكن لمّا أخذها وقبلها جلّت بقبوله لها، كما قيل:\nيكون أجاجا- دونكم، فإذا انتهى ... إليكم تلقى طيبكم فيطيب\nقوله تعالى:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1176>[سورة التوبة (٩): آية ١٠٥]</span>\nوَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥)","vol":"2","page":60},{"text":"خوّفهم برؤيته- سبحانه- لأعمالهم، فلمّا علم أنّ فيهم من تتقاصر حالته عن الاحتشام لأّطلاع الحقّ قال: «وَرَسُولُهُ»، ثم قال لمن نزلت رتبته: «وَالْمُؤْمِنُونَ» .\nوقد خسر من لا يمنعه الحياء، ولا يردعه الاحتشام، وسقط من عين الله من هتك جلباب الحياء، كما قيل:\nإذا قلّ ماء الوجه قلّ حياؤه ... ولا خير فى وجه إذا قلّ ماؤه\nومن لم يمنعه الحياء عن تعاطى المكروهات فى العاجل سيلقى غبّ ذلك، وخسرانه عن قريب فى الآجل.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1177>[سورة التوبة (٩): آية ١٠٦]</span>\nوَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠٦)\nلم يصرّح بقبول توبتهم، ولم يسمهم باليأس من غفرانه، فوقفوا على قدم الخجل، متميلين بين الرهبة والرغبة، متردّدين بين الخوف والرجاء. أخبر الله- سبحانه- أنّه إن عذّبهم فلا اعتراض يتوجّه عليه، وإن رحمهم فلا سبيل لأحد إليه، قال بعضهم:\nويشبعنى من الآمال وعد ... ومن علمى بتقصيري وعيد\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1178>[سورة التوبة (٩): آية ١٠٧]</span>\nوَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصادًا لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلاَّ الْحُسْنى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١٠٧)\nمن لم يكن مخلصا فى ولائه لم يأنس القلب بكدّه وعنائه، فتودّده فى الظاهر ينادى عليه بالتوائه، وبقوله بالتكلّف شهادة صدق على عدم صفائه:","vol":"2","page":61},{"text":"من لم يكن للوصال أهلا ... فكلّ إحسانه ذنوب\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1179>[سورة التوبة (٩): آية ١٠٨]</span>\nلا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (١٠٨)\nالمقام فى أماكن العصيان، والتعزيج فى أوطان أهل الجحود والطغيان- من علامات الممالأة مع أربابها، وسكّانها وقطّانها.\nوالتباعد عن مساكنهم، وهجران من جنح إلى مسالكهم علم لمن أشرب قلبه مخالفتهم، وباشرت سرّه عداوتهم.\n«فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا»: يتطهرون عن المعاصي وهذه سمة العابدين، ويتطهرون عن الشهوات والأمانى وتلك صفة الزاهدين، ويتطهرون عن محبة المخلوقين، ثم عن شهود أنفسهم بما يتصفون وتلك صفة العارفين.\nقوله «وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ»: أسرارهم «١» عن المساكنة إلى كل مخلوق، أو ملاحظة كل محدث مسبوق.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1180>[سورة التوبة (٩): آية ١٠٩]</span>\nأَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠٩)\nالمريد يجب أن يؤسّس بنيانه على يقين صادق فيما يعتقده، ثم على خلوص فى العزيمة ألا ينصرف قبل الوصول عن الطريق الذي يسلكه، ثم على انسلاخه عن جميع مناه وشهواته، وماربه ومطالبه، ثم يبنى أمره على دوام ذكره بحيث لا يعترضه نسيان، ثم على ملازمة حق المسلمين وتقديم مصالحهم ... بالإيثار على نفسه. والذي ضيّع الأصول\n_________\n(١) أسرارهم مفعول به لاسم الفاعل «الْمُطَّهِّرِينَ» .","vol":"2","page":62},{"text":"فى ابتدائه حرم الوصول فى انتهائه، والذي لم يحكم الأساس فى بنائه سقط السّقف على جدرانه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1181>[سورة التوبة (٩): آية ١١٠]</span>\nلا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١١٠)\nعروق النّفاق لا تقتلع من عرصات اليقين إلا بمنجل التّحقّق بصحيح البرهان فمن أيّد لإدامة المسير، ووفّق لتأمل البرهان وصل إلى ثلج الصدر وروح العرفان.\nومن أقام على معتاد التقليد لم يسترح قلبه من كدّ التردّد، وظلمة التجويز، وجولان الخواطر المشكلة فى القلب.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1182>[سورة التوبة (٩): آية ١١١]</span>\nإِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١١)\nلمّا كان من المؤمنين تسليم أنفسهم وأموالهم لحكم الله، وكان من الله الجزاء والثواب أي هناك عوض ومعوّض، فلما بين ذلك وبين التجارة من مشابهة أطلق لفظ الاشتراء، وقد قال تعالى: «هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ ...» «١»، وقال: «فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ» «٢» .\nوفى الحقيقة لا يصحّ فى وصف الحق- سبحانه- الاشتراء لأنه مالك سواه، وهو مالك الأعيان كلّها. كما أنّ من لم يستحدث ملكا لا يقال إنه- فى الحقيقة- باع.\n_________\n(١) آية ١٠ سورة الصف.\n(٢) آية ١٦ سورة البقرة.","vol":"2","page":63},{"text":"وللمقال فى هذه الآية مجال ... فيقال: البائع لا يستحقّ الثمن إذا امتنع عن تسليم المبيع، فكذلك لا يستحق العبد الجزاء الموعود إلا بعد تسليم النّفس والمال على موجب أوامر الشرع، فمن قعد أو فرّط فغير مستحق للجزاء.\nويقال لا يجوز فى الشرع أن يبيع الشخص ويشترى شيئا واحدا فيكون بائعا ومشتريا إلا إذا كان أبا وجدا! ولكن ذلك هنا بلفظ الشفقة فالحقّ بإذنه كانت رحمته بالعبد أتمّ، ونظره له أبلغ، وكان للمؤمن فيه من الغبطة ما لا يخفى، فصحّ ذلك وإن كان حكمه لا يقاس على حكم غيره.\nويقال إنما قال: «اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ» ولم يقل «قلوبهم» لأنّ النّفس محل الآفات فجعل الجنة فى مقابلتها، وجعل ثمن القلب أجلّ من الجنة، وهو ما يخصّ به أولياء فى الجنة من عزيز رؤيته «١» .\nويقال النّفس محلّ العيب، والكريم يرغب فى شراء ما يزهد فيه غيره.\nويقال من اشترى شيئا لينتفع به اشترى خير ما يجده، ومن اشترى شيئا لينتفع به غيره يشترى ما ردّ على صاحبه لينفعه بثمنه.\nوفى بعض الكتب المنزلة على بعض الأنبياء﵈-: يا بنى آدم، ما خلقتكم لأربح عليكم ولكن خلقتكم لتربحوا علىّ.\nويقال اشترى منهم نفوسهم فرهبوا على قلوبهم شكرا له حيث اشترى نفوسهم، وأمّا القلب فاستأثره قهرا، والقهر فى سنّة الأحباب أعزّ من الفضل، وفى معناه أنشدوا:\nبني الحبّ على القهر فلو ... عدل المحبوب يوما لسمج\nليس يستحسن فى حكم الهوى ... عاشق يطلب تأليف الحجج\nوكان الشيخ أو على الدقاق «٢» ﵀ يقول: «لم يقل اشترى قلوبهم لأن القلوب وقف على محبته، والوقف لا يشترى» .\n_________\n(١) أنظر كيف تحتل الجنة المرتبة الثانية بعد رؤية المحبوب- عند هذا الصوفي.\n(٢) الدقاق هو شيخ القشيري ورائده وأستاذه وصهره. وقد أشرنا إلى شىء من سيرته فى مدخل هذا الكتاب.","vol":"2","page":64},{"text":"ويقال الطير فى الهواء، والسّمك فى الماء لا يصحّ شراؤهما لأنه غير ممكن تسليمهما، كذلك القلب ... صاحبه لا يمكنه تسليمه، قال تعالى:\n«وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ» «١» وفى التوراة: «الجنّة جنتى والمال مالى فاشتروا جنتى بمالى فإن ربحتم فلكم وإن خسرتم فعلىّ» ويقال علم سوء خلقك فاشتراك قبل أن أوجدك، وغالى بثمنك لئلا يكون لك حقّ الاعتراض عند بلوغك.\nويقال ليس للمؤمن أن يتعصّب لنفسه بحال لأنها ليست له، والذي اشتراها أولى بها من صاحبها الذي هو أجنبي عنها.\nويقال أخبر أنه اشتراها لئلا يدّعى العبد فيها فلا يساكنها ولا يلاحظها ولا يعجب بها «٢» .\nقوله: «فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ» سيّان «٣» عندهم أن يقتلوا أو يقتلوا، قال قائلهم:\nوإنّ دما أجريته لك شاكر ... وإنّ فؤادا خرته لك حامد\nويقال قال: «فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ» ولم يقل بثمن مبيعكم لأنه لم يكن منّا بيع، وإنما أخبر عن نفسه بقوله «إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ» فجعل بيعه بيعنا، وهذا مثلما قال فى صفة نبيهﷺ-: «وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى» وهذا عين الجمع الذي أشار إليه القوم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1183>[سورة التوبة (٩): آية ١١٢]</span>\nالتَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٢)\nمدحهم بعد ما أوقع عليهم سمة الاشتراء بقوله «التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ ...» ومن رضى بما اشتراه فإنّ له حقّ الردّ إذا لم يعلم العيب وقت الشّراء، فأمّا إذا كان عالما به\n_________\n(١) آية ٢٤ سورة الأنفال. [.....]\n(٢) لاحظ مدى التقاء القشيري- فيما يتصل بالنفس- بتعاليم أهل الملامة النيسابورية.\n(٣) وردت (شتان) وهى- حسب ما هو واضح- خطأ فى النسخ.","vol":"2","page":65},{"text":"فليس له حقّ الردّ قال تعالى: «وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْمٍ عَلَى الْعالَمِينَ» «١» .\nويقال من اشترى شيئا فوجد به عيبا ردّه على من منه اشتراه ولكنه- سبحانه- اشترى نفوسنا منه، فإذا أراد الردّ فلا يردّ إلا على نفسه قال تعالى: «ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ» وكما أنّ الردّ إليه فلو ردّنا كان الردّ عليه.\nقوله تعالى: «التَّائِبُونَ» أي الراجعون إلى الله، فمن راجع يرجع عن زلّته إلى طاعته، ومن راجع يرجع عن متابعة هواه إلى موافقة رضاه، ومن راجع يرجع عن شهود نفسه إلى شهود لطفه، ومن راجع يرجع عن الإحساس بنفسه وأبناء جنسه إلى الاستغراق فى حقائق حقّه.\nويقال تائب يرجع عن أفعاله إلى تبديل أحواله فيجد غدا فنون أفضاله، وصنوف لطفه ونواله، وتائب يرجع عن كل غير وضد إلى ربّه بربّه لربّه بمحو كلّ أرب، وعدم الإحساس بكلّ طلب.\nوتائب يرجع لحظّ نفسه من جزيل ثوابه أو حذرا- على نفسه- من أليم عذابه، وتائب يرجع لأمره برجوعه وإيابه، وتائب يرجع طلبا لفرح نفسه حين ينجو من أوضاره، ويخلص من شؤم أوزاره، وتائب يرجع لمّا سمع أنه قال: إنّ الله أفرح بتوبة عبده من الأعرابى الذي وجد ضالّته- كما فى الخبر، وشتّان ما هما! وأنشدوا:\nأيا قادما من سفرة الهجر مرحبا ... أناديك لا أنساك ما هبّت الصّبا\nوأمّا قوله «الْعابِدُونَ»: فهم الخاضعون بكلّ وجه، الذين لا تسترقّهم كرائم الدنيا، ولا تستعبدهم عظائم العقبي. ولا يكون العبد عبد الله- على الحقيقة- إلا بعد تجرّده عن كل شىء حادث. وكلّ أحد فهو له عبد من حيث الخلقة قال تعالى: «إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْدًا» «٢» . ولكنّ صاحب العبودية خاصّ، وهو عزيز.\n_________\n(١) آية ٣٢ سورة الدخان.\n(٢) آية ٩٣ سورة مريم.","vol":"2","page":66},{"text":"قوله جل ذكره: الْحامِدُونَ هم الشاكرون له على وجود أفضاله، المثنون عليه عند شهود جلاله وجماله.\nويقال الحامدون بلا اعتراض على ما يحصل بقدرته، وبلا انقباض عما يجب من طاعته.\nويقال الحامدون له على منعه وبلائه كما يحمدونه على نفعه وعطائه.\nويقال الحامدون إذا اشتكى من لا فتوّة «١» له المادحون إذا بكى من لا مروءة له.\nويقال الشاكرون له إن أدناهم، الحامدون له إن أقصاهم.\nقوله جل ذكره: السَّائِحُونَ الصائمون ولكن عن شهود غير الله، الممتنعون عن خدمة غير الله، المكتفون من الله بالله.\nويقال السائحون الذين يسيحون فى الأرض على جهة الاعتبار طلبا للاستبصار، ويسيحون بقلوبهم فى مشارق الأرض ومغاربها بالتفكّر فى جوانبها ومناكبها، والاستدلال بتغيّرها على منشئها، والتحقق بحكمة خالقها بما يرون من الآيات فيها، ويسيحون بأسرارهم فى الملكوت فيجدون روح الوصال، ويعيشون بنسيم الانس بالتحقق بشهود الحق.\nقوله جل ذكره: الرَّاكِعُونَ الخاضعون لله فى جميع الأحوال بخمودهم تحت سلطان التجلّى، وفى الخبر. «إن الله ما تجلّى لشىء إلا خشع له» .\nوكما يكون- فى الظاهر- راكعا يكون فى الباطن خاشعا، ففى الظاهر بإحسان الحقّ إليه يحسن تولّيه، وفى الباطن كالعيان للعيان للحقّ بأنوار تجلّيه.\nقوله جل ذكره السَّاجِدُونَ فى الظاهر بنفوسهم على بساط العبودية، وفى الباطن بقلوبهم عند شهود الربوبية.\n_________\n(١) سأل شقيق البلخي جعفر بن محمد عن الفتوة فقال: ما تقول أنت؟ فقال شقيق: إن أعطينا شكرنا وإن منعنا صبرنا، فقال جعفر: الكلاب عندنا بالمدينة كذلك تفعل! فقال شقيق: وما الفتوة عندكم؟ فقال: إن أعطينا آثرنا، وإن منعفا شكرنا (الرسالة ص ١١٥) .","vol":"2","page":67},{"text":"والسجود على أقسام: سجود عند صحة القصود فيسجد بنعت التذلل على بساط الافتقار، ولا يرفع رأسه عن السجود إلا عند تباشير الوصال. وسجود عند الشهود إذا تجلّى الحقّ لقلبه سجد بقلبه، فلم ينظر بعده إلى غيره، وسجود فى حال الوجود وذلك بخموده عن كليته، وفنائه عن الإحساس بجميع أوصافه وجملته.\nقوله جل ذكره: الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ هم الذين يدعون الخلق إلى الله، ويحذّرونهم عن غير الله. يتواصون بالإقبال على الله وترك الاشتغال بغير الله. يأمرون أنفسهم بالتزام الطاعات بحملهم إياها على سنن الاستقامة، وينهون أنفسهم عن اتّباع المنى والشهوات بترك التعريج فى أوطان الغفلة، وما تعودوه من المساكنة والاستنامة.\nوالحافظون لحدود الله، هم الواقفون حيث وقفهم «١» الله، الذين لا يتحركون إلا إذا حرّكهم ولا يسكنون إلا إذا سكنهم، ويحفطون مع الله أنفاسهم «٢» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1184>[سورة التوبة (٩): آية ١١٣]</span>\nما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (١١٣)\nأصل الدين التبرّى من الأعداء، والتولّى للأولياء، والولىّ لا قريب له ولا حميم، ولا نسيب له ولا صديق إن والى فبأمر، وإن عادى فلزجر.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1185>[سورة التوبة (٩): آية ١١٤]</span>\nوَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (١١٤)\n_________\n(١) يكون الفعل (وقف) متعديا مثل: وقف فلانا على الأمر أي أطلعه عليه (الوسيط)\n(٢) مراعاة الأنفاس من الأمور التي شغل بها الصوفية دائما، يقول الجنيد:\nوما تنفست إلا كنت مع نفسى ... تجرى بك الروح منى في مجاريها","vol":"2","page":68},{"text":"لما أمر المسلمين بالتبرّى عن المشركين والإعراض عنهم والانقباض عن الاستغفار لهم بيّن أنّ هذا سبيل الأولياء، وطريق الأنبياء ﵈، وأنّ ابراهيم﵇- وإن استغفر لأبيه فإنما كان من قبل تحقّقه بأنه لا يؤمن، فلمّا علم أنه عدوّ لله أظهر البراءة منه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1186>[سورة التوبة (٩): آية ١١٥]</span>\nوَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١٥)\nإنّ الله لا يحكم بضلالكم وذهابكم عن طريق الحقّ باستغفاركم للمشركين إلا بعد ما تبيّن لكم أنكم منهيّون عنه، فإذا علمتم أنكم نهيتم عن استغفاركم لهم فإن أقدمتم على ذلك فحينئذ ضللتم عن الحقّ بفعلكم بعد ما نهيتم عنه ... هذا بيان التفسير للآية، والإشارة فيها أنه لا سلب لعطائه إلا بترك أدب منكم.\nويقال من أحلّه بساط الوصلة ما منى بعده بعذاب الفرقة، إلا لمن سلف منه ترك حرمة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1187>[سورة التوبة (٩): آية ١١٦]</span>\nإِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (١١٦)\nالحقّ لا يتجمّل بوجود مملوكاته، ولا يلحقه نقص بعدم «١» مخلوقاته، فقبل أن أوجد شيئا من الحادثات كان ملكا- والملك أكثر مبالغة من المالك- وملكه قدرته\n_________\n(١) سقطت الميم من (بعدم) فأثبتناها إذ بدونها يضطرب السياق فالمراد (وجود المملوكات وعدمها) .","vol":"2","page":69},{"text":"على الإبداع والمعدوم مقدوره ومملوكه، فإذا أوجده فهو فى حال حدوثه مقدوره ومملوكه، فإذا أعدمه خرج عن الوجود ولم يخرج عن كونه مقدورا له.\n«يُحْيِي وَيُمِيتُ» يحيى من يشاء بعرفانه وتوحيده، ويميت من يشاء بكفرانه وجحوده.\nويقال يحيى قلوب العارفين بأنوار المواصلات، ويميت نفوس العابدين بآثار المنازلات.\nويقال يحيى من أقبل عليه بتفضّله، ويميت من أعرض عنه بتكبّره.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1188>[سورة التوبة (٩): آية ١١٧]</span>\nلَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١١٧)\nقبل توبتهم، وتاب على نبيّهﷺ- فى إذنه للمنافقين فى التخلف عنه فى غزوة تبوك، وأمّا على المهاجرين والأنصار الذين قد خرجوا معه حين همّوا بالانصراف «١» لما أصابهم من العسرة من الجوع والعطش والإعياء «٢» فى غزوة تبوك، كما قال: «مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ»: وتوبته عليهم أنه تدارك قلوبهم حتى لم تزغ، وكذا سنّة الحقّ- سبحانه- مع أوليائه إذا أشرفوا على العطب، وقاربوا من التّلف، واستمكن اليأس فى قلوبهم من النصر، ووطّنوا أنفسهم على أن يذوقوا البأس- يمطر عليهم سحائب الجود، فيعود عود الحياة بعد يبسه طريّا، ويردّ ورد الأنس عقب ذبوله غضا جنيّا، وتصير أحوالهم كما قال بعضهم:\nكنّا كمن ألبس أكفانه ... وقرّب النّعش من اللّحد\nفجال ماء الرّوح فى وحشة ... وردّه الوصل إلى الورد\n_________\n(١) وردت (الإنصاف) وليس لها معنى فصوبناها (الانصراف) فهو المقصود.\n(٢) وردت (الأعياد) وهى خطأ فى النسخ إذ التبست الهمزة على الناسخ.","vol":"2","page":70},{"text":"تبارك الله سبحانه ما (...) «١» هو بالسرمد قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1189>[سورة التوبة (٩): آية ١١٨]</span>\nوَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨)\nلمّا صدق منهم اللجاء تداركهم بالشّفاء وأسقط عنهم البلاء، وكذلك الحقّ يكوّر نهار اليسر على ليالى العسر، ويطلع شموس المحنة على نحوس الفتنة، ويدير فلك السعادة «٢» فيمحق تأثير طوارق النكاية سنّة منه- تعالى- لا يبدّلها، وعادة منه فى الكرم يجريها ولا يحوّلها.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1190>[سورة التوبة (٩): آية ١١٩]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)\nيا أيها الذين آمنوا برسل الله، يا أيها الذين آمنوا من أهل الكتاب ... كونوا مع الصادقين المسلمين، يا أيها الذين آمنوا فى الحال كونوا فى آخر أحوالكم مع الصادقين أي استديموا الإيمان. استديموا فى الدنيا الصدق تكونوا غدا مع الصادقين فى الجنة.\nويقال الصادقون هم السابقون الأولون وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلى ﵃ وغيرهم.\nويقال الصدق نهاية الأحوال، وهو استواء السّرّ والعلانية، وذلك عزيز. وفى الزّبور:\n«كذب من ادّعى محبتى وإذا حبّه الليل نام عنّي» .\n_________\n(١) مشتبهة، والشطر الثاني من البيت الأخير مضطرب الوزن\n(٢) ربما كانت (العناية) لتنسجم مع (الشكاية) لأننا نلحظ اهتمام القشيري بالموسيقى الداخلية فى تركيب فقرات هذه الإشارة، وإن كانت «السعادة» مقبولة فى السياق.","vol":"2","page":71},{"text":"والصدق- كما يكون فى الأقوال يكون فى الأحوال، وهو أتمّ أقسامه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1191>[سورة التوبة (٩): آية ١٢٠]</span>\nما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١٢٠)\nلا يجوز لهم أن يؤثروا على النبىّﷺ- شيئا من نفس وروح، ومال وولد وأهل، وليسوا يخسرون على الله وأنّى ذلك..؟ وإنهم لا يرفعون لأجله خطوة إلّا قابلهم بألف خطوة، ولا ينقلون إليه قدما إلا لقّاهم لطفا وكرما، ولا يقاسون فيه عطشا إلا سقاهم من شراب محابّه كاسا، ولا يتحملون لأجله مشقة إلا لقّاهم لطفا وإيناسا، ولا ينالون من الأعداء أذىّ إلا شكر الله سعيهم بما يوجب لهم سعادة الدارين! قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1192>[سورة التوبة (٩): آية ١٢٢]</span>\nوَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)","vol":"2","page":72},{"text":"لو اشتغل الكلّ بالتّفقّه فى الدّين لتعطّل عليهم المعاش، ولبقى الكافة عن درك ذلك المطلوب، فجعل ذلك فرضا على الكفاية.\nويقال جعل المسلمين على مراتب: فعوامّهم كالرعية للملك «١»، وكتبة الحديث كخزّان الملك، وأهل القرآن كحفّاظ الدفاتر ونفائس الأموال، والفقهاء بمنزلة الوكلاء للملك إذ الفقيه (...) «٢» عن الله، وعلماء الأصول كالقوّاد وأمراء الجيوش، والأولياء كأركان الباب، وأرباب القلوب وأصحاب الصفاء كخواص الملك وجلسائه.\nفيشتغل قوم يحفظ أركان الشرع، وآخرون بإمضاء الأحكام، وآخرون بالرّد على المخالفين، وآخرون بالأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر، وقوم مفردون بحضور القلب وهم أصحاب الشهود، وليس لهم شغل، يراعون مع الله أنفاسهم وهم أصحاب الفراغ، لا يستفزّهم طلب ولا يهزّهم أرب، فهم بالله لله، وهم محو عما سوى الله «٣» .\nوأمّا الذين يتفقهون فى الدّين فهم الداعون إلى الله، وإنما يفهم الخلق عن الله من كان يفهم عن الله.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1193>[سورة التوبة (٩): آية ١٢٣]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٢٣)\nاقرب الأعداء إلى المسلم من الكفار، الذي يجب عليه منازعته هو أعدى عدوّه\n_________\n(١) فى الهامش (فالناس كلهم خدم للملك) . ولا توجد علامة توضح أنها من المتن، فربما كانت منه وسقطت العلامة، وربما كانت توضيحا من أحد القراء.\n(٢) مشتبهة أقرب ما تكون إلى (يرفع) أو (يوقع) ونرجح الثانية فقد وردت كذلك فى سياق مماثل. [.....]\n(٣) من هذا التصور ندرك شيئا هاما عند القشيري وعند الصوفية الخلص بعامة، فهم لا يتصورون التصوف مذهبا يسود المجتمع بعامة فيكون الناس جميعا متصوفة، بل إن دوره العضوى الهام فى كيان المجتمع محصور في طائفة مخصوصة يمتد اثرها إلى خارج نطاقها، والمقصود (بالشغل) و(الفراغ) أن يكونوا خالصين لله، وليس المقصود البطالة من العمل وعدم السعى للرزق.","vol":"2","page":73},{"text":"أي نفسه. فيجب أن يبدأ بمقاتلة «١» نفسه ثم بمجاهدة الكفار، قال ﵇: «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر» «٢» .\nقوله: «وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً» من حابى عدوّه قهره، وكذلك المريد الذي ينزل عن مطالبات الحقيقة إلى ما يتطلبه من التأويلات فيفسخ عهده، وينقض عقده، وذلك كالرّدّة «٣» لأهل الظاهر.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1194>[سورة التوبة (٩): الآيات ١٢٤ الى ١٢٥]</span>\nوَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيمانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيمانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ (١٢٥)\n«٤» جعل الله- سبحانه- إنزال القرآن لقوم شفاء. ولقوم شقاء فإذا أنزلت سورة جديدة زاد شكّهم وتحيّرهم، فاستعلم بعضهم حال بعض، ثم لم يزدادوا إلا تحسّرا قال تعالى: «وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى» «٥» وأمّا المؤمنون فزادتهم السورة إيمانا فارتقوا من حدّ تأمل البرهان إلى روح البيان، ثم من روح البيان إلى العيان، فالتجويز والتردد و(....) «٦» والتحيّر منتفى بأجمعه عن قلوبهم، وشموس العرفان طالعة على أسرارهم، وأنوار التحقيق مالكة أسرارهم، فلا لهم تعب الطلب، ولا لهم حاجة إلى التدبير،\n_________\n(١) وردت (مقابلة) والملائم بالنسبة للسياق (مقاتلة) هذا العدو.\n(٢) رواه الخطيب فى التاريخ عن جابر (ص ٣٢٥ ح ٢ منتخب كنز العمال بهامش مسند الإمام احمد) هكذا: (قدمتم خير مقدم وقدمتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر. مجاهدة العبد هواه) .\n(٣) وردت (الرد) والصواب أن تكون (الردة)، وقد أوضح القشيري ذلك فى موضع آخر من الكتاب إذ يقول وكما ان المرتد أشد على المسلمين عداوة فكذلك من رجع عن الإرادة الى الدنيا والعادة، فهو أشد الناس إنكارا لهذه الطريقة وابعد عن أهلها) المجلد الأول: ص ٧٥.\n(٤) ينبغى أن نلحق بهذه الآية الآية التي بعدها «وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ، وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ» لم ترد فى المتن مع أن المصنف يشير إليها فى شرحه.\n(٥) آية ٤٤ سورة فصلت.\n(٦) مشتبهة، ومصححة فى الهامش بطريقة مبهمة وهى فى الكتابة هكذا: (النجث)، ولا نعرف ضمن آفات العقل كلمة للقشيرى قريبة فى الخط منها، وربما كانت (التعب) .","vol":"2","page":74},{"text":"ولا عليهم سلطان الفكر. وأشعة شموس العرفان مستغرقة لأنوار نجوم العلم، يقول قائلهم:\nولما استبان الصبح أدرك ضوءه ... بإسفاره أنوار ضوء الكواكب\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1195>[سورة التوبة (٩): آية ١٢٦]</span>\nأَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦)\nلم يخل الحقّ- سبحانه- أرباب التكليف من دلائل التعريف، التعريف لهم فى كل وقت بنوع من البيان، والتكليف فى كل أوان بضرب من الامتحان فما لم يزد لهم فى إيضاح البرهان لم يتجدد لهم من الله إلا زيادة الخذلان والحجبة عن البيان.\nوأمّا أصحاب الحقائق فما للأغيار فى كل عام مرة أو مرتين فلهم فى كل نفس مرة، لا يخليهم الحقّ- سبحانه- من زواجر توجب بصائر، وخواطر تتضمن تكليفات وأوامر «٢» قال قائلهم:\nكأنّ رقيبا منك حلّ بمهجتي ... إذا رمت تسهيلا علىّ تصعّبا\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1196>[سورة التوبة (٩): آية ١٢٧]</span>\nوَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (١٢٧)\nتقنّعوا بخمار التلبيس ظانّين أنهم يبقون فى سرّ بتكلفهم والحقّ أبى إلا أن فضحهم، وكما وسمهم برقم النّكرة «١» أطلع أسرار الموحّدين على أحوالهم فعرفوهم على ما هم عليه من أوصافهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1197>[سورة التوبة (٩): آية ١٢٨]</span>\nلَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)\n_________\n(١) النكرة اسم من الإنكار يقال: كان لى أشد نكرة (الوسيط) .\n(٢) ذلك لأنهم بقيامهم بالحق فلما تبدر منهم أشياء تستدعى الزجر أو الأمر لأنهم دائما يختارون الأشق.","vol":"2","page":75},{"text":"جاءكم رسول يشاكلكم فى البشرية، فلما أفردناه به من الخصوصية ألبسناه لباس الرحمة عليكم، وأقمناه بشواهد العطف والشفقة على جملتكم، قد وكل هممه بشأنكم، وأكبر همّه إيمانكم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1198>[سورة التوبة (٩): آية ١٢٩]</span>\nفَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (١٢٩)\nأمره أن يدعو الخلق إلى التوحيد، ثم قال: فإنّ أعرضوا عن الإجابة فكن بنا بنعت التجريد.\nويقال قال له: يا أيها النبي حسبك الله، ثم أمره بأن يقول حسبى الله....\nوهذا عين الجمع، وقوله «فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ» فرق ... بل هو جمع الجمع أي: قل، ولكنك بنا تقول، ونحن المتولى عنك وأنت مستهلك فى عين التوحيد فأنت بنا، ومحو عن غيرنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1199>سورة يونس ﵇</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم كلمة سماعها يوجب شفاء كلّ عابد، وضياء كلّ قاصد، وعزاء كلّ فاقد، وبلاء كلّ واجد، وهدوّ كلّ خائف، وسلوّ كل عارف. وأمان كل تائب، وبيان كلّ طالب.\nقلوب العارفين لا تفرح إلا بسماع بسم الله، وكروب الخائفين لا تبرح إلا عند سماع بسم الله.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1200>[سورة يونس (١٠): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ (١)\nالألف مفتاح اسم «الله»، واللام مفتاح اسم «اللطيف» والراء مفتاح اسم «الرحيم» .","vol":"2","page":76},{"text":"أقسم بهذه الأسماء إن هذا الكتاب هو الموعود لكم يوم الميثاق. والإشارة فيه أنا حققنا لكم الميعاد، وأطلنا لكم عنان الوداد ... وانقضى زمان الميعاد، فالعصاة ملقاة، والأيام بالسرور متلقّاة، فبادروا إلى شرب كاسات المحابّ، واستقيموا على نهج الأحباب.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1201>[سورة يونس (١٠): آية ٢]</span>\nأَكانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ (٢)\nتعجبوا من ثلاثة أشياء: من جواز البعث بعد الموت، ومن إرسال الرسل إلى الخلق، ثم من تخصيص محمد ﷺ بالرسالة من بين الخلق. ولو عرفوا كمال ملكه لم ينكروا جواز البعث، ولو علموا كمال ملكه لم يجحدوا إرسال الرّسل إلى الخلق، ولو عرفوا أنّ له أن يفعل ما يريد لم يتعجبوا من تخصيص محمدﷺ- بالنبوة من بين الخلق، ولكن سدّت بصائرهم فتاهوا فى أودية الحيرة، وعثروا- من الضلالة- فى كل وهدة. وكان الأستاذ أبو على الدّقاق﵀-. يقول:\nجوّزوا أن يكون المنحوت من الخشب والمعمول من الصخر «١» إلها معبودا، وتعجبوا أن يكون مثل محمدﷺ- فى جلالة قدره رسولا..!! هذا هو الضلال البعيد.\nقوله جلّ ذكره: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ.\nوهو ما قدّموه لأنفسهم من طاعات أخلصوا فيها، وفنون عبادات صدقوا فى القيام بقضائها.\nويقال هو ما قدّم الحقّ لهم يوم القيامة من مقتضى العناية بشأنهم، وما حكم لهم من فنون إحسانه بهم، وصنوف ما أفردهم به من امتنانهم.\nويقال: «قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ»: هو ما رفعوه من أقدامهم فى بدايتهم فى زمان\n_________\n(١) وردت (الصفر) بالفاء وهى خطأ فى النسخ.","vol":"2","page":77},{"text":"إرادتهم، فإنّ لأقدام المريدين المرفوعة لأجل الله حرمة عند الله، ولأيامهم الخالية فى حال تردّدهم، ولياليهم الماضية فى طلبه وهم فى حرقة تحيّرهم.. مقادير عند الله. وقيل:\nمن ينس دارا قد تخونها ... ريب الزمان فإنى لست أنساكا\nوقيل:\nتلك العهود تشدّها لتحلّها ... عندى كما هى عقدها لم يحلل\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1202>[سورة يونس (١٠): آية ٣]</span>\nإِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ما مِنْ شَفِيعٍ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٣)\nلا يحتاج فعله إلى مدّة، وكيف ذلك ومن جملة أفعاله الزمان والمدة؟ فخلق السماوات والأرض فى ستة أيام، وتلك الأيام أيضا من جملة ما خلق الله ﷾.\n«ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ» أي توحّد بجلال الكبرياء بوصف الملكوت. وملوكنا إذا أرادوا التجلّى والظهور للحشم والرعية برزوا لهم على سرير ملكهم فى ألوان مشاهدهم.\nفأخبر الحقّ- سبحانه- بما يقرب من فهم الخلق ما ألقى إليهم من هذه الجملة: استوى على العرش، ومعناه اتصافه بعز «١» الصمدية وجلال الأحدية، وانفراده بنعت الجبروت وعلاء الربوبية، تقدّس الجبّار عن الأقطار، والمعبود عن الحدود.\n«يُدَبِّرُ الْأَمْرَ»: أي الحادثات صادرة عن تقديره، وحاصلة بتدبيره، فلا شريك يعضده، وما قضى فلا أحد يردّه. «ما مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ»: هو الذي ينطق من يخاطبه، وهو الذي يخلق ما يشاء على من يشاء إذا التمس يطالبه.\n«ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ»: تعريف وقوله: «فَاعْبُدُوهُ»: تكليف فحصول التعريف بتحقيقه، والوصول إلى ما ورد به التكليف بتوفيقه.\n_________\n(١) وردت (بغير) الصمدية وهى خطأ فى النسخ.","vol":"2","page":78},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1203>[سورة يونس (١٠): آية ٤]</span>\nإِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (٤)\nالرجوع يقتضى ابتداء الأرواح قبل حصولها فى الأشباح، فإن لها فى مواطن التسبيح والتقديس إقامة، والغائب إذا رجع إلى وطنه من سفره فلقدومه أثر عند محبّيه وذويه، كما قيل:\nأيا قادما من سفرة الهجر مرحبا ... أناديك لا أنساك ما هبّت الصّبا\nويقال المطيع إذا رجع إلى الله فله الزّلفى، والثواب والحسنى. والعاصي إذا رجع إلى ربّه فبنعت الإفلاس وخسران الطريق فيتلقى لباس الغفران، وحلّة الصفح والأمان، فرحمة مولاه خير له من نسكه وتقواه.\nقوله: «وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا»: موعود المطيع الفراديس العلى، وموعود العاصي الرحمة والرّضى. والجنّة لطف الحقّ والرّحمة وصف الحق فاللّطف فعل لم يكن ثم حصل، والنّعت لم يزل «١» .\nقوله: «إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ»: من كان له فى جميع عمره نفس على وصف ما ابتدأ الحقّ سبحانه به ففى الإشارة: تكون لذلك إعادة، وأنشدوا:\nكلّ نهر فيه ماء قد جرى فإليه الماء يوما سيعود قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1204>[سورة يونس (١٠): آية ٥]</span>\nهُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥)\n_________\n(١) يفرق القشيري في كتابه (التحبير فى التذكير) الذي قمنا بتحقيقه بين صفات الفعل وصفات الذات.","vol":"2","page":79},{"text":"أنوار العقول نجوم وهى للشياطين رجوم، وللعلوم «١» أقمار وهى أنوار واستبصار، وللمعارف شموس ولها على أسرار العارفين طلوع، كما قيل:\nإنّ شمس النهار تغرب بالليل ... وشمس القلوب ليست تغيب\nوكما أن فى السماء كوكبين شمسا وقمرا الشمس أبدا بضيائها، والقمر فى الزيادة والنقصان يستر بمحاقه ثم يكمل حتى يصير بدرا بنعت إشراقه، ثم يأخذ فى النقص إلى أن لا يبقى شىء منه لتمام امتحاقه، ثم يعود جديدا، وكل ليلة يجد مزيدا، فإذا صار بدرا تماما، لم يجد أكثر من ليلة لكماله مقاما، ثم يأخذ فى النقصان إلى أن يخفى شخصه ويتمّ نقصه.\nكذلك من النّاس من هو متردّد بين قبضه وبسطه، وصحوه ومحوه، وذهابه وإيابه لا فناء فيستريح، ولا بقاء له دوام صحيح، وقيل:\nكلّما قلت قد دنا حلّ قيدى ... كبلّونى فأوثقوا المسمارا\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1205>[سورة يونس (١٠): آية ٦]</span>\nإِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ (٦)\nاختصّ النهار بضيائه، وانفرد الليل بظلمائه، من غير استيجاب لذلك، ومن غير استحقاق عقاب لهذا، وفى هذا دليل على أنّ الردّ والقبول، والمنع والوصول، ليست معلولة بسبب، ولا حاصلة بأمر مكتسب كلّا.. إنها إرادة ومشيئة، وحكم وقضية.\nالنهار وقت حضور أهل الغفلة فى أوطان كسبهم، ووقت أرباب القربة والوصلة لانفرادهم بشهود ربّهم، قال قائلهم:\nهو الشمس، إلا أنّ للشمس غيبة ... وهذا الذي نعنيه ليس يغيب\nوالليل لأحد شخصين: أمّا للمحبّ قوقت النّجوى، وأمّا للعاصى فبثّ الشكوى.\n_________\n(١) وردت (العموم) وهى خطأ فى النسخ إذ المقصود نوع من المقابلة بين (العلوم) والمعارف.","vol":"2","page":80},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1206>[سورة يونس (١٠): الآيات ٧ الى ٨]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَاطْمَأَنُّوا بِها وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ (٧) أُولئِكَ مَأْواهُمُ النَّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٨)\nأنكروا جواز الرؤية فلم يرجوها، والمؤمنون آمنوا «١» بجواز الرؤية فأمّلوها.\nويقال: لا يرجون لقاءه لأنهم لم يشتاقوا إليه، ولم يشتاقوا إليه لأنهم لم يحبّوه لأنهم لم يعرفوه، ولم يعرفوه لأنهم لم يطلبوه ولن يطلبوه لأنه أراد ألّا يطلبوه، قال تعالى: «وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى» «٢» .\nويقال لو أراد أن يطلبوه لطلبوه، ولو طلبوا لعرفوا، ولو عرفوا لأحبّوا، ولو أحبّوا لاشتاقوا، ولو اشتاقوا لرجوا، ولو رجوا لأمّلوا لقاءه، قال تعالى: «وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها» «٣» قوله تعالى: «وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَاطْمَأَنُّوا بِها»: أصحاب الدنيا رضوا بالحياة الدنيا فحرموا الجنة، والزّهّاد والعّباد ركنوا إلى الجنة ورضوا بها فبقوا عن الوصلة، وقد علم كلّ أناس مشربهم، ولكلّ أحد مقام.\nويقال إذا كانوا لا يرجون لقاءه فمأواهم العذاب والفرقة، فدليل الخطاب أن الذي يرجو لقاءه رآه، ومآله ومنتهاه الوصلة واللقاء والزّلفة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1207>[سورة يونس (١٠): آية ٩]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٩)\nكما هداهم اليوم إلى معرفته من غير ذريعة يهديهم غدا إلى جنته ومثوبته من غير نصير من المخلوقين ولا وسيلة.\n_________\n(١) من هذا لفهم أن القشيري يؤمن بجواز رؤية الله فى الآخرة، أما رؤيته فى الدنيا فإنه يقول فى الرسالة ص ١٧٥: (الأقوى أنه لا تجوز رؤية الله بالأبصار في الدنيا- وقد حصل الإجماع فى ذلك) . [.....]\n(٢) آية ٤٢ سورة النجم.\n(٣) آية ١٣ سورة السجدة.","vol":"2","page":81},{"text":"ويقال أمّا المطيعون فنورهم يسعى بين أيديهم وهم على مراكب طاعاتهم، والملائكة تتلقّاهم والحقّ، قال تعالى: «يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْدًا» «١» نحشرهم، والعاصون يبقون منفردين متفرقين، لا يقف لهم العابدون، ويتطوحون فى مطاحات «٢» القيامة.\nوالحقّ- سبحانه- يقول لهم: عبادى، إنّ أصحاب الجنة- اليوم- فى شغل عنكم، إنهم فى الثواب لا يتفرّغون إليكم، وأصحاب النار من شدة العذاب لا يرقبون لكم معاشر المساكين.\nكيف أنتم إن كان أشكالكم وأصحابكم سبقوكم؟ وواحد منهم لأيهديكم فأنا أهديكم.\nلأنى إن عاملتكم بما تستوجبون ... فأين الكرم بحقنا إذا كنا فى الجفاء مثلهم وهجرناكم كما هجروكم؟\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1208>[سورة يونس (١٠): آية ١٠]</span>\nدَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٠)\nقالتهم الثناء على الله، وذلك فى حال لقائهم. وَتَحِيَّتُهُمْ فى تلك الحالة من الله:\n«سَلامٌ» عليكم «وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ»: والحمد هاهنا بمعنى المدح والثناء، فيثنون عليه ويحمدونه بحمد أبدىّ سرمدىّ، والحقّ- سبحانه- يحييّهم بسلام أزلىّ وكلام أبدى، وهو عزيز صمدى ومجيد أحدى.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1209>[سورة يونس (١٠): آية ١١]</span>\nوَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١)\nأي لو أجبناهم إذا دعوا على أنفسهم عند غيظهم وضجرهم لعجّلنا إهلاكهم، ولكن\n_________\n(١) آية ٨٥ سورة مريم.\n(٢) المطاح والمطاحة: اسما مكان من طاح، وهو المسلك الوعر المهلك.","vol":"2","page":82},{"text":"تحمّلنا ألا نجيبهم، وبرحمتنا عليهم لا نسمع منهم دعاءهم. وربما يشكو العبد بأن الربّ لا يجيب دعاءه، ولو علم أنه ترك إجابته لطفا منه وأنّ فى ذلك بلاء لو أجابه، كما قيل:\nأناس أعرضوا عنّا ... بلا جرم ولا معنى\nأساءوا ظنّهم فينا ... فهلّا أحسنوا الظّنا\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1210>[سورة يونس (١٠): آية ١٢]</span>\nوَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِدًا أَوْ قائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٢)\nإذا امتحن العبد وأصابه الضّرّ أزعجته الحال إلى أن يروم التخلّص مما ناله، فيعلم أنّ غير الله لا ينجيه، فتحمله الضرورة على صدق الالتجاء إلى الله، فإذا كشف الله عنه ما يدعو لأجله شغلته راحة الخلاص عن تلك الحالة، وزايله ذلك الالتياع، وصار كأنه لم يكن فى بلاء قط:\nكأنّ الفتى لم يعر يوما إذ اكتسى ... ولم يك صعلوكا إذا ما تموّلّا\nويقال بلاء يلجئك إلى الانتصاب بين يدى معبودك أجدى لك من عطاء ينسيك ويكفيك عنه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1211>[سورة يونس (١٠): آية ١٣]</span>\nوَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (١٣)\nأخبر الحقّ سبحانه بإهلاك الظالمين، كما فى الخبر: «لو كان الظلم بيتا فى الجنّة لسلّط الله عليه الخراب» . والظلم وضع الشيء فى غير موضعه، فإذا وضع العبد قصده- عند حوائجه- فى المخلوقين، وتعلّق قلبه بهم فى الاستعانة، وطلب المأمول فقد وضع الشيء فى غير موضعه،","vol":"2","page":83},{"text":"وهو ظلم فعقوبة هذا الظلم خراب القلب، وهو انسداد طريق رجوع ذلك القلب إلى الله لأنه لو رجع إلى الله لأعانة وكفاه، ولكنه يصرّ على تعليق قلبه بالمخلوق فيبقى عن الله، ولا ترتفع حاجته من غيره، وكان من فقره وحاجته فى مصرّة. فإن صار إلى مضرة المذلة والحاجة إلى اللئيم فتلك محنة عظيمة.\nوعلى هذا القياس إذا أحبّ مخلوقا فقد وضع محبته فى غير موضعها، وهذا ظلم وعقوبته خراب روحه لعدم صفاء ودّه ومحبته لله، وذهاب ما كان يجده من الأنس بالله، إذا بقي عن الله يذيقه الحقّ طعم المخلوقين، فلا له مع الخلق سلوة، ولا من الحقّ إلا الجفوة، وعدم الصفوة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1212>[سورة يونس (١٠): آية ١٤]</span>\nثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٤)\nعرّفناكم بسرّ من قبلكم، وما أصابهم بسبب ذنوبهم، فإذا اعتبرتم بهم نجوتم، ومن لم يعتبر بما سمعه اعتبر به من تبعه.\nويقال أحللنا بهم من العقوبة ما يعتريكم، ومن لم يعتبر بمن سبقه اعتبر به من لحقه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1213>[سورة يونس (١٠): آية ١٥]</span>\nوَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ ما يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥)\nإذا اقترحوا عليك بأن تأتيهم بما لم نأمرك به، أو تريّهم ما لم نظهر عليك من الآيات..\nفأخبرهم أنّك غير مستقل بك، ولا موكول إليك فنحن القائم عليك، المصرّف لك، وأنت المتّبع لما نجريه عليك غير مبتدع لما يحصل منك.","vol":"2","page":84},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1214>[سورة يونس (١٠): آية ١٦]</span>\nقُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٦)\nقد عشت فيكم زمانا، وعرفتم أحوالى فيما تطلبون منى عليه برهانا «١»، فما ألفيتمونى (...) «٢» بل وجدتمونى فى السداد مستقيما، وللرشاد مستديما، فلولا أنّ الله تعالى أرسلنى، ولما حمّلني من تكليفه أهّلني لما كنت بهذا الشرع آتيا ولا لهذا الكتاب تاليا.\n«أَفَلا تَعْقِلُونَ» ما لكم تعترضون؟ ولا لأنفسكم تنظرون؟\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1215>[سورة يونس (١٠): آية ١٧]</span>\nفَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ (١٧)\nالكذب فى الشرع قبيح، وإذا كان على الله فهو أقبح.\nومن المفترين على الله: الذين يظهرون من الأحوال ما ليسوا فيه صادقين، وجزاؤهم أن يحرموا ذلك أبدا، فلا يصلون إلى شىء.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1216>[سورة يونس (١٠): آية ١٨]</span>\nوَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨)\nذمّهم على عبادة ما ليس منه ضرّ ولا نفع.\nفدليل الخطاب يقتضى أن يكون المعبود منه الضّرّ والنفع، ومن فرط غباوتهم أنهم\n_________\n(١) أي لماذا تطلبون الآن منى برهانا على شىء أنتم عرفتموه عنى من قبل وهو صدقى؟\n(٢) مشتبهة.","vol":"2","page":85},{"text":"انتظروا فى المآل الشفاعة ممن لا يوجد منه الضّرّ والنّفع فى الحال. ثم أخبر أنهم يخبرون عما ليس على الوجه الذي قالوا معلوما، ولو كان كما قالوا لعلموا أنه سبحانه لا يعزب عن علمه «١» معلوم.\nومعنى قوله: «لا يَعْلَمُ»: خلافه. ومن تعلّق قلبه بالمخلوقين فى استدفاع المضارّ واستجلاب المسارّ فكالسالك سبيل من عبد الأصنام إذ المنشئ والموجد للشىء من العدم هو الله- سبحانه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1217>[سورة يونس (١٠): آية ١٩]</span>\nوَما كانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٩)\nوذلك من زمان آدم ﵇ إلى أن تحاربوا، والحق- سبحانه- سبق قضاؤه بتأخير حسابهم إلى الآخرة، ولذلك لا يجيبهم إلى ما يستعجلونه من قيام القيامة.\nوإنما اختلفوا لأنّ الله خصّ قوما بعنايته وقبوله، وآخرين بإهانته وإبعاده، ولولا ذلك لما كانت بينهم هذه المخالفة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1218>[سورة يونس (١٠): آية ٢٠]</span>\nوَيَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٢٠)\nأخبر أنه﵇- فى ستر الغيبة وخفاء الأمر عليه فى الجملة لتقاصر علمه عما سيحدث، فهو فى ذلك بمنزلتهم، إلا فى مواطن التخصيص بأنوار التعريف، فكما أنهم فى الانتظار لما يحدث فى المستأنف فهو أيضا فى انتظار ما يوجد- سبحانه- من المقادير.\nوالفرق بينه﵇- وبينهم أنه يشهد ما يحصل به- سبحانه- ومنه، وهم متطوّحون فى أودية الجهالة يحيلون الأمر مرة على الدّهر، ومرة على النجم «٢»، ومرّة على الطبع..\nوكلّ ذلك حيرة وعمى.\n_________\n(١) وردت (عمله) وهى خطأ فى النسخ.\n(٢) المقصود بالنجم هنا الطالع والحظ من نحس وسعود.","vol":"2","page":86},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1219>[سورة يونس (١٠): آية ٢١]</span>\nوَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ (٢١)\nيعنى إذا أصابهم ضرّ ومحنة فرحمناهم وكشفنا عنهم، أحالوا الأمر على غيرنا، وتوهموه مما هو سوانا مثل قولهم: مطرنا بنوء كذا، ومثل قولهم إن هذه سعادة نجم أو مساعدة دولة أو تأثير فلك أو خيرات دهر.\nفهذا كان مكرهم أما مكر الله- سبحانه- بهم فهو جزاؤهم على مكرهم. والإشارة فى هذا أنه ربما يكون للمريد أو للطالب حجبة أو فترة.. فإذا جاء الحقّ بكشف أو تجلّ أو إقبال فمن حقّهم ألا يلاحظوها فضلا عن أن يساكنوها «١»، لأنهم إذا لم يرتقوا عن ملاحظة أحوالهم إلى الغيبة بشهود الحقّ مكر الله بهم بأن شتّتهم فى تلك الأحوال من غير ترقّ عنها أو وجود زيادة عليها، وهذا مكره بخواصّهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1220>[سورة يونس (١٠): آية ٢٢]</span>\nهُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢)\nيريد أنهم يصبحون فى النّعم يجرّون أذيالهم، ثم يمسون يبكون لياليهم. وقد يبيتون والبهجة ملكتهم ثم يصبحون وخفايا التقدير أهلكتهم، وأنشدوا:\n_________\n(١) نفهم من هذا أن (الملاحظة) أخف من (المساكنة) وكلتاهما من آفات الطريق، يلح القشيري دائما على التحذير منهما، وقد بالغ أهل الملامة فى توضيح أضرارهما- كما تشهد بذلك النصوص التي رواها عنهم فى (رسالته) .","vol":"2","page":87},{"text":"أقمت زمانا والعيون قريرة ... وأصبحت يوما والجفون سوافك\nفإذا رجعوا إلى الله بإخلاص الدعاء يجود عليهم بكشف البلاء.\nفلمّا أنجاهم بالإجابة لدعائهم إذا هم إلى غيره «١» يرجعون، وعلى مناهجهم- فى تمردهم يسلكون.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1221>[سورة يونس (١٠): آية ٢٣]</span>\nفَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٣)\n«يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ» معناه: نمتّعكم أياما قلائل، ثم تلقون «٢» غبّ ذلك وتبدأون تقاسون عذابا طويلا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1222>[سورة يونس (١٠): آية ٢٤]</span>\nإِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهارًا فَجَعَلْناها حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢٤)\nشبّه الحياة الدنيا بالماء المنزّل من السماء ينبت به النبات وتخضرّ الأرض وتظهر الثمار، ويوطّن أربابها عليها نفوسهم، فتصيبهم جائحة سماوية بغتة، وتصير كأن لم تكن.\nكذلك الإنسان بعد كمال سنّه وتمام قوّته واستجماع الخصال المحمودة فيه تخترمه المنيّة، وكذلك أموره المنتظمة تبطل وتختلّ بوفاته، كما قيل:\n_________\n(١) وردت (غيرهم) والأكثر ملاءمة للسياق أن تكون (غيره) .\n(٢) وردت (يلقون) وهى خطأ فى النسخ لعدم اتفاقها مع أسلوب الخطاب.","vol":"2","page":88},{"text":"فقدناه لمّا تمّ واختمّ بالعلى ... كذاك كسوف البدر عند تمامه\nومن وجوه تشبيه الأحوال الدنيوية بالماء المنزّل من السماء أن المطر لا ينزل بالحيلة، كذلك الدنيا لا تساعدها إلا القسمة.\nثم إن المطر إن كان لا يجىء إلا بالتقدير فقد يستسقى.. كذلك الرزق- وإن كان بالقسمة- فقد يلتمس من الله ويستعطى.\nومنها أن الماء فى موضعه سبب حياة الناس، وفى غير موضعه سبب خراب الموضع، كذلك المال لمستحقه سبب سلامته، وانتفاع المتصلين به، وعند من لا يستحقه سبب طغيانه، وسبب بلاء من هو متصل به، كما قيل: نعم الله لا تعاب ولكنه ربما استعجم على إنسان، وكما قيل:\nيا دولة ليس فيها من المعالي شظيّة ... زولى فما أنت إلا على الكرام بليّة\nومنها أن الماء إذا كان بمقدار كان سبب الصلاح، وإذا جاوز الحدّ كان سبب الخراب..\nكذلك المال إذا كان بقدر الكفاية والكفاف فصاحبه منعّم، وإذا زاد وجاوز الحدّ أوجب الكفران والطغيان.\nومنها أن الماء ما دام جاريا كان طيبا، فإذا طال مكثه تغيّر.. كذلك المال إذا أنفقه صاحبه كان محمودا، فإذا ادّخره وأمسكه كان معلولا مذموما.\nومنها أن الماء إذا كان طاهرا كان حلالا يصلح للشرب ويصلح للطهور ولإزالة الأذى، وإذا كان غير طاهر فبالعكس.. كذلك المال إذا كان حلالا، وبعكسه لو كان حراما.\nويقال كما أن الربيع تنورد أشجاره، وتظهر أنواره، وتخضرّ رباعه، وتتزين بالنبات وهاده وتلاعه، لا يؤمن أن تصيبه آفة من غير ارتقاب، وينقلب الحال بما لم يكن فى الحساب. كذلك من الناس من تكون له أحوال صافية، وأعمال بشرط الخلوص زاكية غصون أنسه متدلّيه، ورياض قربه مونقه.. ثم تصيبه عين فيذبل عود وصاله، وتنسدّ أبواب عوائد إقباله، كما قيل:\nعين أصابتك إن العين صائبة ... والعين تسرع أحيانا إلى الحسد","vol":"2","page":89},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1223>[سورة يونس (١٠): آية ٢٥]</span>\nوَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥)\nدعاهم إلى دار السلام، وفى الحقيقة دعاهم إلى ما يوجب لهم الوصول إلى دار السلام وهو اعتناق أوامره والانتهاء عن زواجره. والدعاء من حيث التكليف، وتخصيص الهداية لأهلها من حيث التشريف.\nويقال الدعاء تكليف والهداية تعريف فالتكليف على العموم والتعريف على الخصوص.\nويقال التكلف بحقّ سلطانه، والتعريف بحكم إحسانه.\nويقال الدعاء قوله والهداية طوله دخل الكلّ تحت قوله، وانفرد الأولياء بتخصيص طوله. دار السلام دار السلام لأن السلام اسم من أسمائه.\nويكون السلام بمعنى السلامة فهى دار السلامة أي أهلها سالمون فيها سالمون من الحرقة وسالمون من الفرقة سلموا من الحرقة فحصلوا على لذة عطائه، وسلموا من الفرقة فوصلوا إلى عزيز لقائه.\nويقال لا يصل إلى دار السلام إلا من سلمت نفسه عن السجود للصنم، وسلم قلبه عن الشّرك والظلم.\nويقال تلك الدار درجات والذي سلم قلبه عن محبة الأغيار درجته أعلى من درجة من سلمت نفسه من الذنوب والأوضار.\nويقال قوم سلمت صدورهم من الغلّ والحسد والحقد وسلم الخلق منهم فليس بينهم وبين أحد محاسبة، وليس لهم على أحد شىء فالمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمحسن من سلم الخلق بأجمعهم من قلبه.\n«الصراط المستقيم»: طريق المسلمين، فهذا للعوام بشرط علم اليقين، ثم طريق المؤمنين وهو طريق الخواص بشرط عين اليقين، ثم طريق المحسنين وهو طريق خاص الخاص بشرط حق اليقين فهؤلاء بنور العقل أصحاب البرهان، وهؤلاء بكشف العلم أصحاب","vol":"2","page":90},{"text":"البيان، وهؤلاء بضياء المعرفة بالوصف «١» كالعيان، وهم الذين قال ﷺ فيهم:\n«الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1224>[سورة يونس (١٠): آية ٢٦]</span>\nلِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٦)\n«أَحْسَنُوا»: أي عملوا وأحسنوا إذ كانت أفعالهم على مقتضى الإذن.\nويقال «أَحْسَنُوا»: لم يقصّروا فى الواجبات، ولم يخلّوا بالمندوبات.\nويقال «أَحْسَنُوا»: أي لم يبق عليهم حقّ إلا قاموا به إن كان حقّ الحقّ فمن غير تقصير و، إن كان من حقّ الخلق فاذا من غير تأخير.\nويقال «أَحْسَنُوا»: فى المال كما أحسنوا فى الحال فاستداموا بما فيه واستقاموا، والحسنى التي لهم هى الجنة وما فيها من صنوف النّعم.\nويقال الحسنى فى الدنيا توفيق بدوام «٢»، وتحقيق بتمام، وفى الآخرة غفران معجّل، وعيان على التأبيد «٣» محصّل.\nقوله: «وَزِيادَةٌ»: فعلى موجب الخبر وإجماع السلف النظر إلى الله. ويحتمل أن تكون «الْحُسْنى»: الرّؤية، «والزيادة» . دوامها. ويحتمل أن تكون «الْحُسْنى»: اللقاء، «والزيادة»: البقاء فى حال اللقاء.\nويقال الحسنى عنهم لا مقطوعة ولا ممنوعة، والزيادة لهم لا عنهم محجوبة ولا مسلوبة.\nقوله جل ذكره: وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ.\nلا يقع عليهم غبار الحجاب، وبعكسه حديث الكفار حيث قال: «وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ» .\n_________\n(١) (المعرفة بالوصف) احتراز هام جدا، حتى لا يظن أن (العيان) يستشرف من (الذات) الصمدية، وإنما يقتصر الأمر على (عرفان الأوصاف) الإلهية كالجلال والجمال والكرم.. إلى آخره.\n(٢) قال ﷺ: «خير العمل أدومه وإن قل» .\n(٣) (التأبيد) معناه إلى الأبد فهم فى الجنة خالدون أبدا، وستأتى لفظة (التأبيد) فى العقوبة أيضا بعد قليل. [.....]","vol":"2","page":91},{"text":"«والذّلة» التي لا تصيبهم أي لا يردّوا من غير شهود إلى رؤية غيره، فهم فيها خالدون فى فنون أفضالهم، وفى جميع أحوالهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1225>[سورة يونس (١٠): آية ٢٧]</span>\nوَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٧)\nوالذين كسبوا السيئات وعملوا الزّلات لهم جزاء سيئة مثلها، والباء فى «بِمِثْلِها»:\nصلة أي للواحد واحد.\n«وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ»: هو تأبيد العقوبة.\n«ما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ» أي ما لهم من عذابه من عاصم، سيموا ذلّ الحجاب، ومنوا بتأبيد العذاب، وأصابهم هو ان البعاد. وآثار الحجاب على وجوههم لائحة فإنّ الأسرّة تدلّ على السريرة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1226>[سورة يونس (١٠): الآيات ٢٨ الى ٢٩]</span>\nوَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ ما كُنْتُمْ إِيَّانا تَعْبُدُونَ (٢٨) فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ (٢٩)\nيجمع بين الكفار والأصنام التي عبدوها من دون الله، فتقول الأصنام: ما أمرناكم بعبادتنا. فيدعون على الشياطين التي أطاعوها، وعلى الأصنام التي أمرتهم أن يعبدوها، وتقول الأصنام: كفى بالله شهيدا، على أنّا لم نأمركم بذلك إذ كنّا جمادا. وذلك لأنّ الله يحييها يوم القيامة وينطقها.","vol":"2","page":92},{"text":"وفى الجملة ... يتبرّأ بعضهم من بعض، ويذوق كلّ وبال فعله.\nوفائدة هذا التعريف أنه ما ليس لله فهو وبال عليهم فاشتغالهم- اليوم- بذلك محال «١»، ولهم فى المآل- من ذلك- وبال.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1227>[سورة يونس (١٠): آية ٣٠]</span>\nهُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٣٠)\nإنما يقفون على خسرانهم إذا ذاقوا طعم هوانهم فإذا ردّوا إلى الله لم يجدوا إلا البعد عن الله، والطرد من قبل الله، وذلك جزاء من آثر على الله غير الله. قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1228>[سورة يونس (١٠): آية ٣١]</span>\nقُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ (٣١)\nكما توحّد الحقّ- سبحانه- بكونه خالقا تفرّد بكونه رازقا، وكما لا خالق سواه فلا رازق سواه.\nثم الرزق على أقسام: فللأشباح رزق: وهو لقوم توفيق الطاعات، ولآخرين خذلان الزّلات. وللأرواح رزق: وهو لقوم حقائق الوصلة، ولآخرين- فى الدنيا- الغفلة وفى الآخرة العذاب والمهلة.\n«أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ»: فيكمل بعض الأبصار بالتوحيد، وبعضها يعميها عن التحقيق.\n_________\n(١) المحال هنا معناها ما عدل به عن وجهه (أنظر هذا المعنى فى الوسيط) .","vol":"2","page":93},{"text":"«وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ»: يخرج المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن.\n«فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ»: ولكن ظنّا ... لا عن بصيرة، ونطقا ... لا عن تصديق سريرة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1229>[سورة يونس (١٠): آية ٣٢]</span>\nفَذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢)\nما يكون من موضوعات الحق، ومتعلقات الإرادة، ومتناولات المشيئة، ومجنّسات التقدير، ومصرّفات القدرة- فهى أشباح خاوية، وأحكام التقدير عليها جارية.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1230>[سورة يونس (١٠): آية ٣٣]</span>\nكَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٣٣)\nسبق لهم الحكم، وصدق فيهم القول فلا لحكمه تحويل ولا لقوله تبديل، فإنّ العلل «١» لا تغيّر الأزل.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1231>[سورة يونس (١٠): آية ٣٤]</span>\nقُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٣٤)\nكشف قبيح ما انطوت عليه عقائدهم من عبادتهم ما لا يصحّ منه الخلق والإعادة، وأثبت أن المعبود من منه الخلق والإعادة.\nقوم جعلوا له فى الإيجاد شركاء بدعوى القدر، وقوم منعوا جواز قدرته على الإعادة.\nوكل هذا جنوح إلى الكفر وذهاب عن الدّين.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1232>[سورة يونس (١٠): آية ٣٥]</span>\nقُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٥)\n_________\n(١) أي- حسب مذهب القشيري- أحكام الله السابقة لا تخضع لعلة، غير أننا لا نستبعد أنها (الحيل) جمع حيلة، فليس بتدبير الإنسان يتغير الحكم السابق فى الأزل.","vol":"2","page":94},{"text":"الحقّ اسم من أسمائه سبحانه، ومعناه أنه موجود، وأنه ذو الحق، وأنه محق الحقّ.\nوالحقّ من أوصاف الخلق ما حسن فعله وصحّ اعتقاده وجاز النطق به.\n«والله يهدى للحق»: أي إلى الحق هدايته. وهداه له وهداه إليه بمعني فمن هداه الحقّ للحقّ وقفه على الحقّ، وعزيز من هداه الحقّ إلى الحقّ للحقّ، فماله نصيب وما له حظ.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1233>[سورة يونس (١٠): آية ٣٦]</span>\nوَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ (٣٦)\nالظّنّ ينافى اليقين، فإنه ترجيح أحد طرفى الحكم على الآخر من غير قطع.\nوأرباب الحقائق على بصيرة وقطع فالظنّ فى أوصاف الحقّ معلول، والقطع- فى أوصاف النّفس- لكل أحد معلول. والعبد يجب أن يكون فى الحال خاليا عن الظن إذ لا يعرف أحد غيب نفسه فى مآله.\nوفى صفة الحقّ يجب أن يكون العبد على قطع وبصيرة فالظنّ فى الله معلول، والظن فيما من الله غير محمود. ولا يجوز بوجه من الوجوه أن يكون أهل المعرفة به سبحانه- فيما يعود إلى صفته- على الظن، كيف وقد قال الله تعالى فيما أمر نبيّه﵇- أن يقول: «أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي» «١»؟ وكما قلنا «٢»:\nطلع الصباح فلات حين سراج ... وأتى اليقين فلات حين حجاج\nحصل الذي كنّا نؤمّل نيله ... من عقد ألوية وحلّ رتاج\n_________\n(١) آية ١٠٨ سورة يوسف.\n(٢) الشعر هنا للقشيرى نفسه كما يستفاد من عبارته.","vol":"2","page":95},{"text":"والبعد قوّض بالدّنو خيامه ... والوصل وكّد سجله بعناج «١»\nقد حان عهد للسرور فحيهلا ... لهواجم الأحزان بالإزعاج\nقوله جل ذكره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1234>[سورة يونس (١٠): آية ٣٧]</span>\nوَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٣٧)\nانسدّت بصائرهم فلا يزدادون بكثرة سماع القرآن إلا عمّى على عمى، كما أن أهل الحقيقة ما ازدادوا إلا هدى على هدى، فسبحان من جعل سماع خطابه لقوم سبب تحيّرهم، ولآخرين موجب تبصّرهم قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1235>[سورة يونس (١٠): آية ٣٨]</span>\nأَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣٨)\nكلّت القرائح، وخمدت نيران الفصاحة، واعترف كلّ خطيب مصقع بالعجز عن معارضة هذا الكتاب، فلم يتعرّض لمعارضته إلا من افتضح فى قالته.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1236>[سورة يونس (١٠): آية ٣٩]</span>\nبَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٣٩)\nقابلوا الحقّ بالتكذيب لتقاصر علومهم عن التحقيق، فالتحقيق من شرط التصديق، وإنما يؤمن بالغيب من لوّح- سبحانه- لقلبه حقائق البرهان، وصرف عنه دواعى الرّيب.\n_________\n(١) السجل- الدلو العظيمة، والعناج- حبل يشد فى أسفل الدلو العظيمة (المنجد) .","vol":"2","page":96},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1237>[سورة يونس (١٠): آية ٤٠]</span>\nوَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ (٤٠)\nفأمّا الذين آمنوا فهم الذين كحل الحقّ أبصار قلوبهم بنور اليقين، والذين لم يؤمنوا فهم الذين وسم قلوبهم بالعمى فزلّوا- بالضلالة- عن الهدى.. تلك سنّة الله فى الطائفتين، ولن تجد لسنّة الله تحويلا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1238>[سورة يونس (١٠): آية ٤١]</span>\nوَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٤١)\nبرح الخفاء، واستبانت الحقائق، وامتاز «١» الطريقان، فلا المحسن بجرم المسيء معاقب، ولا المسيء بجرم المحسن معاتب، كلّ على حدة بما يعمله وعلى ما يفعله محاسب.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1239>[سورة يونس (١٠): آية ٤٢]</span>\nوَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ (٤٢)\nمن استمع بتكلفه ازداد فى تخلّفه بزيادة تصرفه، ومن استمع الحقّ بتفضّله- سبحانه- استغنى فى إدراكه عن تعمّله. والحقّ- سبحانه- يسمع أولياءه ما يناجيهم به فى أسرارهم، فإذا سمعوا دعاء الواسطة «٢» قابلوه بالقبول لما سبق لهم من استماع الحقّ.\nومن عدم استماع الحقّ إياه من حيث التفهيم لم يزده سماع الخلق إلا جحدا على جحد، ولم يحظ به إلا بعدا على بعد.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1240>[سورة يونس (١٠): آية ٤٣]</span>\nوَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ (٤٣)\nمن سدّت بصيرته بالغفلة والغيبة لم يزده إدراك البصر إلا حجبة على حجية، ومن\n_________\n(١) (امتاز) هنا معناها اتضح الفرق بينهما.\n(٢) المقصود بالواسطة النبي ﵊.","vol":"2","page":97},{"text":"لم ينظر إلى الله بالله، ولم يسمع من الله بالله، فقصاراه العمى والصمم، «فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ» «١» وقال ﵇ فيما أخبر عن الله: «فى يسمع وبى يبصر» «٢» .\nوأنشد قائلهم:\nتأمّل بعين الحقّ إن كنت ناظرا ... إلى منظر منه إليه يعود\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1241>[سورة يونس (١٠): آية ٤٤]</span>\nإِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٤)\nنفى عن نفسه ما يستحيل تقديره فى نعته، وكيف يوصف بالظلم وكلّ ما يتوّهم أن لو فعله كان له ذلك؟ إذ الحقّ حقّه والملك ملكه. ومن لا يصحّ تقدير قبيح منه- أنّى يوصف بالظلم جوازا أو وجوبا؟! قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1242>[سورة يونس (١٠): آية ٤٥]</span>\nوَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (٤٥)\nالأيام والشهور، والأعوام والدهور بعد مضيها فى حكم اللحظة لمن تفكّر فيها، ومتى يكون لها أثر بعد تقضيها؟ والآتي من الوقت قريب، وكأنّ قدر الماضي من الدهر لم يعهد.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1243>[سورة يونس (١٠): آية ٤٦]</span>\nوَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ (٤٦) .\n_________\n(١) آية ٤٦ سورة الحج.\n(٢) «حتى أحبه فإذا أحببته كنت عينه التي يبصر بها وسمعه الذي يسمع به، ويده التي يبطش بها.\n- حديث قدسى رواه البخاري عن أبى هريرة، وأحمد عن عائشه.","vol":"2","page":98},{"text":"معناه أن خبره صدق، ووعده ووعيده حق و، بعد النّشرح حشر، وفى ذلك الوقت مطالبة وحساب، ثم على الأعمال ثواب وعقاب، وما أسرع ما يكون المعلوم مشاهدا موجودا! قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1244>[سورة يونس (١٠): آية ٤٧]</span>\nوَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٤٧)\nلم يخل زمانا من شرع، ولم يخل شرعا من حكم، ولم يخل حكما مما يعقبه من ثواب وعقاب.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1245>[سورة يونس (١٠): آية ٤٨]</span>\nوَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٨)\nالاستعجال بهجوم الموعود من أمارات أصحاب التكذيب، فأمّا أهل التحقيق فليس لهم لوارد يرد عليهم اشتغال قبل وجوده، أو استعجال على حين كونه، ولا إذا ورد استقبال لما تضمنه حكمه فهم مطروحون فى أسر الحكم، لا يتحرك منهم- باختيارهم- عرق.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1246>[سورة يونس (١٠): آية ٤٩]</span>\nقُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعًا إِلاَّ ما شاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (٤٩)\nالمملوك متى يكون له ملك؟! وإذا كان سيّد البرايا﵊- لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا..\nفمن نزلت رتبته، وتقاصرت حالته متى يملك ذرة أو تكون باختياره وإيثاره شمة؟\nطاح الذي لم يكن «١» - فى التحقيق، وتفرّد الجبار بنعت الملكوت.\n_________\n(١) (الذي لم يكن) يقصد بها الحادث من إنسان وحيوان وعين وأثر.. إلخ.","vol":"2","page":99},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1247>[سورة يونس (١٠): آية ٥٠]</span>\nقُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ بَياتًا أَوْ نَهارًا ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (٥٠)\nمن عرف كمال القدرة لم يأمن فجأة الأخذ بالشدة، ومن خاف البيات لم يستلذ السّبات.\nويقال من توسّد الغفلة أيقظته فجاءة العقوبة، ومن استوطن مركب الزّلّه عثر فى وهدة المحنة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1248>[سورة يونس (١٠): آية ٥١]</span>\nأَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (٥١)\nبعد انتهاك ستر الغيب لا يقبل تضرع المعاذير.\nويقال لا حجّة بعد إزاحة العلة، ولا عذر بعد وضوح الحجة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1249>[سورة يونس (١٠): آية ٥٢]</span>\nثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٥٢)\nلا تكلف نفس إلا تجرع ما منه سقت، ولا يحصد زارع غلّة إلا ما منه زرع، وفى معناه قالوا:\nسننت فينا سننا ... قذف البلايا عقبه\nيصبر على أهوالها ... من برّ يوما ربّه «١»\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1250>[سورة يونس (١٠): آية ٥٣]</span>\nوَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥٣)\nصرّح بالإخبار عند استخبارهم، وأعلم بما يزيل الشّبهة عمّا التبس على جهّالهم، وأكّد إخبارك بما تذكره من القسم واليمين، مضافا ذلك إلى ما تسلفه من التّبيين. على أنه لا ينفعهم\n_________\n(١) الشطر الثاني من هذا البيت مطموس غير واضح، ولكننا أكملناه حسبما ورد النص فى موضع سبق.","vol":"2","page":100},{"text":"نصحك، ولا يؤثّر فيهم وعظك.. كيف لا؟ وقد جرّعوا شراب الحجبة، ووسموا بكىّ الفرقة فلا بصيرة لهم ولا (...) «١» ولا فهم ولا حصافة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1251>[سورة يونس (١٠): آية ٥٤]</span>\nوَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما فِي الْأَرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٥٤)\nلا يقبل منهم عدل ولا سرف «٢»، ولا يحصل فيما سبق لهم من الوعيد خلف.\nولا ندامة تنفعهم وإن صدقوها، ولا كرامة تنالهم وإن طلبوها، ولا ظلم يجرى عليهم ولا حيف، كلا ... بل هو الله العدل فى قضائه، الفرد فى علائه بنعت كبريائه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1252>[سورة يونس (١٠): آية ٥٥]</span>\nأَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَلا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٥٥)\nالحادثات بأسرها لله ملكا، وبه ظهورا، ومنه ابتداء، وإليه انتهاء فقوله حقّ، ووعده صدق، وأمره حتم، وقضاؤه بات. وهو العلىّ، وعلى ما يشاء قوى.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1253>[سورة يونس (١٠): آية ٥٦]</span>\nهُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٥٦)\nيحيى القلوب بأنوار المشاهدة، ويميت النفوس بأنواع المجاهدة، فنفوس العابدين تلفها فنون المجاهدات، وقلوب العارفين شرفها عيون المشاهدات.\nويقال يحيى من أقبل عليه، ويميت من أعرض عنه.\nويقال يحيى قلوب قوم بجميل الرجاء، ويميت قلوب قوم بوسم القنوط.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1254>[سورة يونس (١٠): آية ٥٧]</span>\nيا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧)\n_________\n(١) مشتبهة.\n(٢) السرف هنا معناها مجاوزة الحد.","vol":"2","page":101},{"text":"الموعظة للكافة.. ولكنها لا تنجع في أقوام، وتنفع فى آخرين فمن أصغى إليها بسمع سرّه اتضح نور التحقيق فى قلبه، ومن استمع إليها بنعت غيبته ما اتصف إلا بدوام حجبته.\nويقال الموعظة لأرباب الغيبة ليئوبوا، والشّفاء لأصحاب الحضور ليطيبوا.\nويقال «الموعظة»: للعوام، «والشفاء»: للخواص، «والهدى» لخاص الخاص، «والرحمة» لجميعهم، وبرحمته وصلوا إلى ذلك.\nويقال شفاء كلّ أحد على حسب دائه، فشفاء المذنبين بوجود الرحمة، وشفاء المطيعين بوجود النعمة «١»، وشفاء العارفين بوجود القربة، وشفاء الواجدين بشهود الحقيقة.\nويقال شفاء العاصين بوجود النجاة، وشفاء المطيعين بوجود الدرجات، وشفاء العارفين بالقرب والمناجاة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1255>[سورة يونس (١٠): آية ٥٨]</span>\nقُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨)\n«الفضل»: الإحسان الذي ليس بواجب على فاعله، «والرحمة» إرادة النعمة وقيل هى النعمة.\nوالإحسان على أقسام وكذلك النعمة، ونعم الله أكثر من أن تحصى.\nويقال الفضل ما أتاح لهم من الخيرات، والرحمة ما أزاح عنهم من الآفات.\nويقال فضل الله ما أكرمهم من إجراء الطاعات، ورحمته ما عصمهم به من ارتكاب الزّلات. ويقال فضل الله دوام التوفيق ورحمته تمام التحقيق.\n_________\n(١) نعلم من مذهب القشيري أن (الرحمة) من أوصاف الذات، و(النعمة) من أوصاف الفعل..\nفتامل كيف يرتبط مصير (المذنبين) بوصف من أوصاف ذاته، ولاحظ كيف يفتح الصوفية بذلك أبواب الأمل أمام التائبين. [.....]","vol":"2","page":102},{"text":"ويقال فضل الله ما يخصّ به أهل الطاعات من صنوف إحسانه، ورحمته ما يخصّ به أهل الزلّات من وجوه غفرانه.\nويقال فضل الله الرؤية، ورحمته إبقاؤهم فى حالة الرؤية.\nويقال فضل الله المعرفة فى البداية، ورحمته المغفرة فى النهاية.\nويقال فضل الله أن أقامك بشهود الطلب، ورحمته أن أشهدك حقّه بحكم البيان إلى أن تراه غدا بكشف العيان.\nقوله: «فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا» أي بما أهّلهم له، لا بما يتكلّفون من حركاتهم وسكناتهم، أو يصلون إليه بنوع من تكلفهم وتعملهم. «هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ»: أي ما تتحفون به من الأحوال الزاكية خير ممّا تجمعون من الأموال الوافية.\nويقال الذي لك منه- فى سابق القسمة- خير مما تتكلّفه من صنوف الطاعة والخدمة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1256>[سورة يونس (١٠): آية ٥٩]</span>\nقُلْ أَرَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرامًا وَحَلالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩)\nيعنّفهم ويقرّعهم «١» على ما ابتدعوه من التحليل والتحريم، ويظهر كذبهم فيما تقوّلوه من نسبتهم ذلك إلى إذن وشرع.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1257>[سورة يونس (١٠): آية ٦٠]</span>\nوَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ (٦٠)\nهذا على جهة التهويل والتعظيم لما أسلفوه من الكذب.\n_________\n(١) قرع فلانا أي أوجعه باللوم والعتاب (المحيط)","vol":"2","page":103},{"text":"ثم قال: «إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ» فى إمهال من أجرم، والعصمة لمن لم يجرم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1258>[سورة يونس (١٠): آية ٦١]</span>\nوَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٦١)\nخوّفهم بما عرفهم من اطلاعه عليهم فى جميع أحوالهم، ورؤية ما سيفعلونه من فنون أعمالهم. والعلم بأنه يراهم يوجب استحياءهم منه، وهذه حال المراقبة، والعبد إذا علم أن مولاه يراه استحيى منه، وترك متابعة هواه، ولا يحوّم حول ما نهاه، وفى معناه أنشدوا:\nكأنّ رقيبا منك حال بمهجتي ... إذا رمت تسهيلا علىّ تصعّبا\nوأنشدوا:\nأعاتب عنك النّفس فى كلّ خصلة ... تعاتبنى فيها وأنت مقيم\n«وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ»: وكيف يخفى ذلك عليه، أو يتقاصر علمه عنه، وهو منشئه وموجده؟ وبعض أحكامه الجائزة مخصصة، وإنما قال: «إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ»:\nردّهم إلى كتابته ذلك عليهم- لعدم اكتفائهم فى الامتناع عمّا نهوا عنه- برؤيته وعلمه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1259>[سورة يونس (١٠): آية ٦٢]</span>\nأَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)\nالولىّ على وزن فعيل مبالغة من الفاعل، وهو من توالت طاعاته، من غير أن يتخللها عصيان.\nويجوز أن يكون فعيل بمعنى مفعول كجريح وقتيل بمعنى مجروح ومقتول فيكون الولىّ من يتوالى عليه إحسان الله وأفضاله، ويكون بمعنى كونه محفوظا فى عامة أحواله من المحن.","vol":"2","page":104},{"text":"وأشدّ المحن ارتكاب المعاصي فيعصمه الحقّ- سبحانه- على دوام أوقاته من الزّلّات.\nوكما أن النبيّ لا يكون إلا معصوما فالولىّ لا يكون إلا محفوظا.\nوالفرق بين المحفوظ والمعصوم أن المعصوم لا يلمّ بذنب البتّة، والمحفوظ قد تحصل منه هنات، وقد يكون له- فى الندرة- زلّات، ولكن لا يكون له إصرار: «أولئك الذين يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ» «١» .\nقوله جل ذكره: لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ.\nحسن ما قيل إنه «لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ»: فى الدنيا، «وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ»: فى العاقبة.\nولكن الأولى أن يقال إنّ الخواص منهم لا خوف عليهم فى الحال- لأنّ حقيقة الخوف توقّع محذور فى المستقبل، أو ترقّب محبوب يزول فى المستأنف.. وهم بحكم الوقت ليس لهم تطلّع إلى المستقبل. والحزن هو أن تنالهم حزونة فى الحال، وهم فى روح الرضا بكلّ ما يجرى فلا تكون لهم حزونة الوقت. فالولىّ لا خوف عليه فى الوقت، ولا له حزن بحال، فهو بحكم الوقت.\nولا يكون وليّا إلا إذا كان موفّقا لجميع ما يلزمه من الطاعات، معصوما بكل وجه عن جميع الزلات. وكلّ خصلة حميدة يمكن أن يعتبر بها فيقال هى صفة الأولياء. ويقال الولىّ من فيه هذه الخصلة.\nويقال الولىّ من لا يقصّر فى حقّ الحق، ولا يؤخرّ القيام بحق الخلق يطيع لا لخوف عقاب، ولا على ملاحظة حسن مآب، أو تطلع لعاجل اقتراب، ويقضى لكلّ أحد حقا يراه واجبا، ولا يقتضى من أحد حقّا له، ولا ينتقم، ولا ينتصف «٢» ولا يشمت ولا يحقد، ولا يقلد أحدا منة، ولا يرى لنفسه ولا لما يعمله قدرا ولا قيمة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1260>[سورة يونس (١٠): آية ٦٣]</span>\nالَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (٦٣)\nهذه صفة الأولياء آمنوا فى الحال، واتقوا الشرك فى المآل. ويقال «آمَنُوا» أي قاموا\n_________\n(١) آية ١٧ سورة النساء.\n(٢) أي إذا أساء إليه أحد لم يطلب من مخلوق إنصافا، وإنما عفا وتساهل، تاركا الأمر لله.","vol":"2","page":105},{"text":"بقلوبهم من حيث المعارف. «وَكانُوا يَتَّقُونَ»: استقاموا بنفوسهم بأداء الوظائف.\nويقال «آمَنُوا» بتلقى التعريف. «واتقوا»: بالتقوى عن المحرمات بالتكليف.\nقوله جلّ ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1261>[سورة يونس (١٠): آية ٦٤]</span>\nلَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤)\nالقيام بالأمر يدل على الصحة فإذا قاموا بما أمروا به، واستقاموا بترك ما زجروا عنه بشّرتهم الشريعة بالخروج عن عهدة الإلزام، وبشّرتهم الحقيقة باستيجاب الإكرام، بما كوشفوا به من الإعلام.. وهذه هى البشرى فى عاجلهم. وأما البشرى فى آجلهم: فالحقّ- سبحانه- يتولّى ذلك التعريف، قال تعالى: «يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ» «١» ويقال البشارة العظمى ما يجدون فى قلوبهم من ظفرهم بنفوسهم بسقوط مآربهم، وأىّ ملك أتمّ من سقوط المآرب، والرضا بالكائن «٢»؟ هذه هى النعمة العظمى، ووجدان هذه الحالة هو البشرى الكبرى.\nويقال الفرق بين هذه البشارة التي لهم وبين البشارة التي لخلق أنّ التي للخلق عدّة «٣» بالجميل، والذي لهم نقد ومحصول.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1262>[سورة يونس (١٠): آية ٦٥]</span>\nوَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٥)\nالعبد ما دام متفرقا يضيق صدره ويستوحش قلبه بما يسمع ويشهد من الأغيار والكفار ما تتقدّس عنه صفة الحقّ، فإن صار عارفا زالت عنه تلك الصفة لتحققه بأنّ الحقّ سبحانه وراء كلّ طاعة وزلّة، فلا له- سبحانه- من هذا استيحاش، ولا بذلك استئناس.\n_________\n(١) آية ٢١ سورة التوبة.\n(٢) الكائن هنا معناها الواقع، فلا يتطلعون إلى زيادة أو تغيير.\n(٣) عدة- وعد، وتذكر ما قلناه فى هامش سابق عن الوعد والنقد.","vol":"2","page":106},{"text":"ثم يتحقق العارف بأنّ المجرى لطاعة أرباب الوفاق- الله، والمنشئ لأحوال أهل الشّقاق- الله. لا يبالى الحقّ بما يجرى ولا يبالى العبد بشهود ما يجرى، كما قيل:\nبنو حقّ قضوا بالحقّ صرفا ... فنعت الخلق فيهم مستعار\nقوله جل ذكره\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1263>[سورة يونس (١٠): آية ٦٦]</span>\nأَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ (٦٦)\nلله من فى السماوات ومن فى الأرض ملكا، ويبدى عليهم ما يريد حكما جزما فلا لقبوله علّة، ولا موجب لردّه زلّة، كلا ... إنها أحكام سابقة، لم توجبها أجرام لاحقة، ولا طاعات وعبادت صادقة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1264>[سورة يونس (١٠): آية ٦٧]</span>\nهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٧)\nالليل لأهل الغفلة بعد وغيبة، ولأهل الندم «١» توبة وأوبة، وللمحبين زلفة وقربة فالليل بصورته غير مؤنس، لكنه وقت القربة لأهل الوصلة كما قيل:\nوكم لظلام الليل عندى من يد «٢» تخبّر أن المانوية تكذب قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1265>[سورة يونس (١٠): الآيات ٦٨ الى ٦٩]</span>\nقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٦٨) قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ (٦٩)\n_________\n(١) وردت (القوم) وهى خطأ فى النسخ إذ لا معني لها هنا والمناسب (الندم) .\n(٢) وردت (مزيد) وهى خطأ في النسخ.","vol":"2","page":107},{"text":"الولد بعض الوالد، والصمدية تجلّ عن البعضية، فنزّه الله نفسه عن ذلك بقوله «سُبْحانَهُ» .\nثم إنه لم يعجّل لهم العقوبة- مع قبيح قالتهم ومع قدرته على ذلك- تنبيها على طريق الحكمة لعباده.\nولا تجوز فى وصفه الولادة لتوحّده، فلا قسيم له، ولا يجوز فى نعته التبنّي أيضا لتفرّده وأنه لا شبيه له.\nقوله: «هُوَ الْغَنِيُّ»: الغني نفى الحاجة، وشهوة المباشرة حاجة، ويتعالى عنها سبحانه.\nقوله جل ذكره\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1266>[سورة يونس (١٠): آية ٧٠]</span>\nمَتاعٌ فِي الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)\nليس لهم بما هم فيه استمتاع، إنما هى أيام قليلة ثم تتبعها آلام طويلة، فلا قدم لهم بعد ذلك ترفع، ولا ندم ينفع.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1267>[سورة يونس (١٠): آية ٧١]</span>\nوَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ (٧١)\nأنزل الله هذه الآية على وجه التسلية لنبيّهﷺ- لما كان يمسّه من مقاساة الشّدّة من قومه، فإنّ أيام نوح- وإن طالت- فما لبثت كثيرا إلا وقد زالت، كما قيل:\nوأحسن شىء في النوائب أنها ... إذا هى نابت لم تكن خلدا\nثم بيّن أنه كان يتوكل على ربّه مهما فعلوا. ولم يحتشم عبد- ما وثق بربّه- من كلّ ما نزل به ثم إن نوحا﵇- قال: إنى توكلت على الله، وهذا عين التفرقة،","vol":"2","page":108},{"text":"وقال لنبيّه ﷺ: «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ» «١» وهذا عين الجمع فبانت المزية وظهرت الخصوصية.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1268>[سورة يونس (١٠): آية ٧٢]</span>\nفَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٧٢)\nإذا كان عمله لله لم يطلب الأجر عليه من غير الله، وهكذا سنّته فى جميع أولياء الله.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1269>[سورة يونس (١٠): آية ٧٣]</span>\nفَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣)\nأغرق قومه بأمواج القطرة، وفى الحقيقة أغرقهم بأمواج الأحكام والقدرة، وحفظ نوحا﵇- وقومه فى السفينة، وفى الحقيقة نجّاهم فى سفينة السلامة. كان نوح فى سابق حكمه من المحروسين، وكان قومه فى قديم قضائه من جملة المغرقين، فجرت الأحوال على ما جرت به القسمة فى الأزل.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1270>[سورة يونس (١٠): الآيات ٧٤ الى ٧٥]</span>\nثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ (٧٤) ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى وَهارُونَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ بِآياتِنا فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (٧٥)\n_________\n(١) آية ٦٤ سورة الأنفال","vol":"2","page":109},{"text":"قصّ عليه- صلوات الله عليه وسلامه- أنباء الأولين، وشرح له جميع أحوال الغابرين، ثم فضّله على كافتهم أجمعين، فكانوا نجوما وهو البدر، وكانوا أنهارا وهو البحر، ثم به انتظم عقدهم، وبنوره أشرق نهارهم، وبظهوره ختم عددهم «١»، كما قيل:\nيوم وحسب الدهر من أجله ... حيّا غد والتفت الأمس\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1271>[سورة يونس (١٠): آية ٧٦]</span>\nفَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ (٧٦)\nما زادهم الحقّ سبحانه بيانا إلا ازدادوا طغيانا، وذلك أنه تعالى أجرى سنّته فى المردودين عن معرفته أنه لا يزيد فى الحجج هدى إلا ويزيد فى قلوبهم عمّى، ثم خفى عليهم قصود النبيين صلوات الله عليهم أجمعين.\n«يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَماذا تَأْمُرُونَ»: نظروا من حيث كانوا لم يعرفوا طعما غير ما ذاقوا، وكذا صفة من أقصته السوابق، وردّته المشيئة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1272>[سورة يونس (١٠): آية ٧٨]</span>\nقالُوا أَجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ (٧٨)\nركنوا إلى تقليد آبائهم فيما عليه كانوا، واستحبّوا استدامة ما عليه كانوا ... فلحقهم شؤم العقيدة وسوء الطريقة حتى توهموا أن الأنبياء ﵈ إنما دعوهم إلى الله لتكون لهم الكبرياء على عباد الله، ولم يعلموا أنهم إنما دعوهم إلى الله بأمر الله.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1273>[سورة يونس (١٠): آية ٧٩]</span>\nوَقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ (٧٩)\nلما استعان فى استدفاع ما استقبله بغير الله لم يلبث إلا يسيرا حتى تبرّأ منهم وتوعّدهم\n_________\n(١) قارن ذلك بما يقوله الحلاج فى طواسينه وبما يقوله أصحاب «نظرية الإنسان الكامل» عن الحقيقة المحمدية لتلحظ مدى اعتدال هذا الامام السنى المتحفظ فى نظرته لشخصية الرسول عليه صلاة الله وسلامه.","vol":"2","page":110},{"text":"بقوله: لأفعلنّ ولأصنعنّ، وكذلك قصارى كل حجة وولاية إذا كانت فى غير الله فإنها تئول إلى العداوة والبغضة، قال تعالى: «الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ» «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1274>[سورة يونس (١٠): الآيات ٨٠ الى ٨١]</span>\nفَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٨٠) فَلَمَّا أَلْقَوْا قالَ مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (٨١)\nأمرهم أمرا يظهر به بطلانهم ليدخل الحقّ على ما أتوا به من التمويه، فلذلك قال موسى ﵇: «إن الله سيبطله» فلمّا التقمت عصا موسى- جميع ما جاءوا به من حبالهم وعصيّهم- حين قلبها الله حيّة.. علموا أنّ الله أبطل تلك الأعيان وأفناها.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1275>[سورة يونس (١٠): آية ٨٢]</span>\nوَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨٢)\nمن جملة ما أحقّه أن السّحرة كان عندهم أنهم ينصرون فرعون ويجيبونه فكانوا يقسمون بعزّته حيث قالوا «بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ» وقال الحقّ اغض سبحانه.\nبعزتي إنكم لمغلوبون، فكان على ما قال تعالى دون ما قالوه، وفى معناه قالوا:\nكم رمتني بأسهم صائبات ... وتعمّدتها بسهم فطاشا\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1276>[سورة يونس (١٠): آية ٨٣]</span>\nفَما آمَنَ لِمُوسى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (٨٣)\nأهل الحقيقة فى كل وقت قليل عددهم، كبير عند الله خطرهم.\n_________\n(١) آية ٦٧ سورة الزخرف.","vol":"2","page":111},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1277>[سورة يونس (١٠): آية ٨٤]</span>\nوَقالَ مُوسى يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (٨٤)\nبيّن أن الإيمان ليس من حيث الأقوال.. بل لا بد فيه من صدق الأحوال قصدا.\nوحقيقة التوكل توسّل تقديمه متّصل، ثم يعلم أنه بفضله- سبحانه- تحصل نجاته، لا بما يأتى به من التكلّف- هذه هى حقيقة التوكل «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1278>[سورة يونس (١٠): الآيات ٨٥ الى ٨٦]</span>\nفَقالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٨٥) وَنَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٨٦)\nتبرأنا مما منّا من الحول والمنّة، وتحققنا بما منك من الطول والمنّة.\nفلا تجعلنا عرضة لسهام أحكامك فى عقوبتك بانتقامك، وارحمنا بلطفك وإكرامك، ونجّنا ممّن غضبت عليهم فأذللتهم، وبكىّ فراقك وسمتهم قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1279>[سورة يونس (١٠): آية ٨٧]</span>\nوَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٨٧)\nمهّد إليهم لعبادتنا محالّ وهى نفوسهم، ولمعارفنا منازل وهى قلوبهم، ولمحبتنا مواضع وهى أرواحهم، ولمشاهدتنا معاهد وهى أسرارهم فنفوس العابدين بيوت الخدمة، وقلوب العارفين أوطان الحشمة، وأرواح المهيمين مشاهد المحبة، وأسرار الموحدين منازل الهيبة «٢» قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1280>[سورة يونس (١٠): آية ٨٨]</span>\nوَقالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالًا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (٨٨)\n_________\n(١) أي يفنى عن التوكل برؤية الوكيل.. كما يقول إبراهيم الخواص (ت ٢٩١)\n(٢) هذه الفقرة هامة فى توضيح الملكات الباطنية وترتيبها ووظائفها فى المعراج الروحي- فى مذهب هذا الصوفي.","vol":"2","page":112},{"text":"لما يئس من إجابتهم حين دعاهم إلى الله دعا عليهم بإنزال السّخطة وإذاقة الفرقة. ومن المعلوم أنّ الأنبياء﵈- من حقهم العصمة، فإذا دعا موسى عليهم بمثل هذه الجملة لم يكن ذلك إلا بإذن من قبل الله تعالى فى الحقيقة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1281>[سورة يونس (١٠): آية ٨٩]</span>\nقالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فَاسْتَقِيما وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (٨٩)\nالاستقامة فى الدعاء ترك الاستعجال فى حصول المقصود، ولا يسقط الاستعجال من القلب إلا بوجدان السكينة فيه، ولا تكون تلك السكينة إلا بحسن الرضاء بجميع ما يبدو من الغيب ويقال ينبغى للعبد أن يسقلّ بالله «١» ما أمكنه، فعند هذا يقلّ دعاؤه. ثم إذا دعاه بإشارة من الغيب- فى جوازه- فالواجب ألا يستعجل، وأن يكون ساكن الجأش.\nويقال من شرط الدعاء صدق الافتقار فى الابتداء، ثم حسن الانتظار فى الانتهاء، وكمال هذا الرضاء بجريان الأقدار بما يبدو من المسار والمضار.\nويقال الاستقامة فى الدعاء سقوط التقاضي «٢» على الغيب، والخمود عن الاستعجال بحسن الثقة، وجميل الظّن.\nويقال فى الآية تنبيه على أنّ للأمور آجالا معلومة، فإذا جاء الوقت فلا تأخير للمقسوم فى الوقت المعلوم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1282>[سورة يونس (١٠): آية ٩٠]</span>\nوَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠)\n_________\n(١) الاستقلال بالله الاكتفاء به وعدم النظر إلى النفس أو الأغيار. [.....]\n(٢) التقاضي على الغيب معناه النظر إلى ما يأتى من الغيب بعين التقليل أو التكثير، البطء أو السرعة..\nففى ذلك إقحام لحظوظ النفس فى حقوق الحق.","vol":"2","page":113},{"text":"حملت العزّة فرعون على تقحم البحر على إثرهم، فلمّا تحقّق الهلاك حملته ضرورة الحيلة على الاستعاذة، فلم ينفعه ذلك لفوات وقت الاختيار.\nويقال لما شهد صولة التقدير أفاق من سكر الغلطة «١»، لكن: «بعد شهود البأس لا ينفع التخاشع والابتئاس» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1283>[سورة يونس (١٠): آية ٩١]</span>\nآلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١)\n... أبعد طول الإمهال، والإصرار على ذميم الأفعال، والرّكض فى ميدان الاغترار، وانقضاء وقت الاعتذار؟! هيهات! لقد استوجبت أن تردّ فى وجهك، فلا لعذرك قبول، ولا لك إلى ما ترومه وصول.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1284>[سورة يونس (١٠): آية ٩٢]</span>\nفَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ (٩٢)\nلنشهرنّ تعذيبك، ونظهرنّ- لمن استبصر- تأديبك، لتكون لمن خلفك عبرة، وتزداد حين أفقت أسفا وحسرة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1285>[سورة يونس (١٠): آية ٩٣]</span>\nوَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٩٣)\n_________\n(١) تصح أن تكون كذلك، وتصح أن تكون (الغلظة) بالظاء، وهى قسوة القلب من الكفر والعناد، ولا نستبعد أيضا أن تكون: أفاق من سكر (الغفلة) .","vol":"2","page":114},{"text":"أذللنا لهم الأيام، وأكثرنا لديهم الإنعام، وأكرمنا لهم المقام، وأتحنا لهم فنون الحسنات، وأدمنا لهم جميع الخيرات ... فلمّا قابلوا النعمة بالكفران، وأصرّوا على البغي والعدوان أذقناهم سوء العذاب، وسددنا عليهم أبواب ما فتحنا لهم من التكريم والإيجاب، وذلك جزاء من حاد عن طريق الوفاق، وجنح إلى جانب الشّقاق.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1286>[سورة يونس (١٠): آية ٩٤]</span>\nفَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ (٩٤)\nما شكّﷺ- فيما عليه أنزل، ولا عن أحد منهم ساءل، وإنما هذا الخطاب على جهة التهويل، والمقصود منه تنبيه القوم على ملازمة نهج السبيل.\nويقال صفة أهل الخصوص ملاحظة أنفسهم وأحوالهم بعين الاستصغار.\nويقال فإن تنزّلت منزلة أهل الأدب فى ترك الملاحظات فسل عمّن أرسلنا قبلك فهل بلّغنا أحدا منزلتك؟ وهل خصصنا أحدا بمثل تخصيصك؟\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1287>[سورة يونس (١٠): آية ٩٥]</span>\nوَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخاسِرِينَ (٩٥)\nما كان منهيا عنه، وكان قبيحا فبالشرع كان قبيحا، فلا بد من ورود الأمر به حتى تكون منه طاعة وعبادة. وإنما لم يجز فى صفتهﷺ- التكذيب بآيات الله لأنه نهى عنه لا لكونه قبيحا بالعقل «١» حتى يقال كيف نهى عنه وكان ذلك بعيدا منه؟\n_________\n(١) يغمز القشيري هنا بقول المعتزلة: إن القبيح ما رآه العقل قبيحا والحسن ما رآه العقل حسنا، ويرى القشيري التعويل على الشرع فى هذا الخصوص- كما هو واضح من إشارته.","vol":"2","page":115},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1288>[سورة يونس (١٠): الآيات ٩٦ الى ٩٧]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (٩٧)\nفالأعداء حقّت عليهم كلمة بالعقاب، والأولياء حقت عليهم كلمة بالثواب فالكلمة أزليّة، والأحكام سابقة، والأفعال فى المستأنف على ممر الأوقات على موجب القضية لاحقة، فالذين نصيبهم من القسمة الشقوة لا يؤمنون وإن شاهدوا كل دلالة، وعاينوا كل معجزة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1289>[سورة يونس (١٠): آية ٩٨]</span>\nفَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ (٩٨)\nقوم يونس تداركتهم الرحمة الأزلية فيما أجرى عليهم من توفيق التضرع، فكشف عنهم العذاب، وصرف عنهم ما أظلّ عليهم من العقوبة بعد ما عاينوا من تلك الأبواب فبرحمته وصلوا إلى تضرعهم، لا بتضرعهم وصلوا إلى رحمته «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1290>[سورة يونس (١٠): آية ٩٩]</span>\nوَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩)\nكيف يتعصى عليه سبحانه مراد- والذي يبقى شىء عن مراده ساه أو مغلوب؟ والذي يستحق جلال العزّة لا يفوته مطلوب.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1291>[سورة يونس (١٠): آية ١٠٠]</span>\nوَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (١٠٠) .\n_________\n(١) أي أن عمل الإنسان لا يكفى وحده للوصول إلا إذا ارتبط بتوفيق الله وفضله.","vol":"2","page":116},{"text":"لا يمكن حمل «١» الإذن فى هذه الآية إلا على معنى المشيئة لأنه للكافة بالإيمان، والذي هو مأمور بالشيء لا يقال إنه غير مأذون فيه. ولا يجوز حمل هذه الآية على معنى أنه لا يؤمن أحد إلا إذا ألجأه الحقّ إلى الإيمان واضطره- لأنّ موجب ذلك ألا يكون أحد فى العالم مؤمنا بالاختبار، وذلك خطأ، فدلّ على أنه أراد به إلا أن يشاء الله أن يؤمن هو طوعا. ولا يجوز بمقتضى هذا أنه يريد من أحد أن يؤمن طوعا ثم لا يؤمن لأنه يبطل فائدة الآية، فصحّ قول أهل السّنّة بأنّ ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن «٢» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1292>[سورة يونس (١٠): آية ١٠١]</span>\nقُلِ انْظُرُوا ماذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ (١٠١)\nالأدلة- وإن كانت ظاهرة- فما تغنى إذا كانت البصائر مسدودة، كما أن الشموس- وإن كانت طالعة- فما تغنى إذا كانت الأبصار عن الإدراك بالعمى مردودة، كما قيل:\nوما انتفاع أخى الدنيا بمقلته ... إذا استوت عنده الأنوار والظّلم؟\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1293>[سورة يونس (١٠): آية ١٠٢]</span>\nفَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (١٠٢)\nتمنّي ألطاف أنوار الحقيقة تعنّ فى تسويل، واستناد إلى غير تحصيل، وتماد فى تضليل.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1294>[سورة يونس (١٠): آية ١٠٣]</span>\nثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٣)\nحروف الصفات يقوم بعضها مقام بعض فقوله تعالى: «عَلَيْنا» هاهنا معناها «منا»،\n_________\n(١) وردت (حول) وهى خطا فى النسخ.\n(٢) هذا نموذج طيب لموقف القشيري متكلما سنيا- بالنسبة لقضية اختيار الإنسان.","vol":"2","page":117},{"text":"فلا شىء يجب على الله لكونه إلها ملكا، فيجب الشيء من الله- لصدقه- ولا يجب عليه- لعزّته «١» .\nوكما لا يجوز أن يدخل نبى من الأنبياء﵈- فى النار لا يجوز أن يخلّد واحد من المؤمنين فى النار لأنه أخبر أنه ينّجى الرسل والمؤمنين جميعا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1295>[سورة يونس (١٠): آية ١٠٤]</span>\nقُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٤)\nإن كنتم فى غطاء الرّيب فأنا فى ضياء من الغيب، إن كنتم فى ظلمة الجهل فأنا فى شموس الوصل، إن كنتم فى سدفة الضّلالة فأنا فى خلعة الرسالة وعلى أنوار الدلالة.\nويقال قد تميزنا على مفرق الطريق: فأنتم وقعتم فى وهدة العوج، وأنا ثابت على سواء «٢» النّهج.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1296>[سورة يونس (١٠): آية ١٠٥]</span>\nوَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٥)\nأي أخلص قلبك للدّين، وجرّد قلبك عن إثبات كلّ ما لحقه قهر التكوين، وكن مائلا عن الزيغ والبدع، داخلا فى جملة من أخلص فى الحقيقة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1297>[سورة يونس (١٠): آية ١٠٦]</span>\nوَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦)\n_________\n(١) تأمل هذا التخريج حتى ينسجم مذهبه الكلامى مع ظاهر النص القرآنى.\n(٢) وردت (سوء) وهى خطأ فى النسخ.","vol":"2","page":118},{"text":"لا تعبد ما لا تنفعك عبادته ولا تضرّك عبادته، وتلك صفة كل ما يعبد من دون الله.\nواستعانة الخلق بالخلق تمحيق للوقت بلا طائل فمن لا يملك لنفسه ضرّا ولا نفعا كيف يستعين به من هو فى مثل حاله؟ وإذا انضاف الضعيف إلى الضعيف ازداد الضعف.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1298>[سورة يونس (١٠): آية ١٠٧]</span>\nوَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٠٧)\nكما تفرّد بإبداع الضرّ واختراعه فلا شريك يعضّده.. كذلك توحّد بكشف الضرّ وصرفه فلا نصير ينجده.\nويقال هوّن على المؤمن الضرّ بقوله: «وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ» حيث أضافه إلى نفسه، والحنظل يستلذّ من كفّ من تحبه.\nوفرّق بين الضرّ والخير بإضافة الضرّ إليه فقال: وإن يمسسك الله بضرّ، ولم يقل:\nوإن يردك بضر- وإن كان ذلك الضرّ صادرا عن إرادته- وفى ذلك من حيث اللفظ دقّة.\nويقال: عذب الضرّ حيث كان نفعه فلمّا أوجب مقاساة الضّرّ من الحرب أبدل مكانه السرور والطّرب.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1299>[سورة يونس (١٠): آية ١٠٨]</span>\nقُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (١٠٨)\nمن استبصر ربح رشد نفسه، ومن ضلّ فقد زاغ عن قصده فهذا بلاء اكتسب، وذلك ضياء وشفاء اجتلب.","vol":"2","page":119},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1300>[سورة يونس (١٠): آية ١٠٩]</span>\nوَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (١٠٩)\nقف عند جريان أحكامنا، وانسلخ عن مرادك بالكلية، ليجرى عليك ما يريد، والله أعلم بالصواب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1301>السورة التي يذكر فيها هود ﵇</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ هذه كلمة استولت على عقول قوم فبصّرتها، وعلى قلوب آخرين فجّردتها، فالتى بصّرتها فبنور برهانه، والتي جرّدتها فبقهر سلطانه.. فعالم سلك سبيل بحثه واستدلاله فسكن لمّا طلعت نجوم عقله تحت ظلال إقباله، وعارف تعرّض إلى وصاله فطاح لمّا لاحت لمعة ممن تقدّس بالإعلام باستحقاق جلاله.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1302>[سورة هود (١١): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١)\nالألف إشارة إلى انفراده بالربوبية.\nواللام إشارة إلى لطفه بأهل التوحيد.\nوالراء إشارة إلى رحمته بكافة البريّة.\nوهى فى معنى القسم: أي أقسم بانفرادى بالربوبية ولطفى بمن عرفنى بالأحدية، ورحمتى على كافة البرية- إنّ هذا الكتاب أحكمت آياته.\nومعنى «أُحْكِمَتْ آياتُهُ»: أي حفظت عن التبديل والتغيير، ثم فصّلت ببيان نعوت الحقّ فيما يتصف به من جلال الصمدية، وتعبّد به الخلق من أحكام العبودية، ثم مالاح لقلوب الموحّدين والمحبين من لطائف القربة، فى عاجلهم البشرى بما وعدهم به من عزيز لقائه فى آجلهم، وخصائصهم التي امتازوا بها عمّن سواهم.","vol":"2","page":120},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1303>[سورة هود (١١): آية ٢]</span>\nأَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (٢)\nأي فصلت آياته بألا تعبدوا إلا الله.\nويقال معناه فى هذا الكتاب ألا تعبدوا إلا الله، إنى لكم منه «نَذِيرٌ» مبين بالفرقة، «وَبَشِيرٌ» بدوام الوصلة، (فالفرقة بل فى عاجله واحدا) «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1304>[سورة هود (١١): آية ٣]</span>\nوَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتاعًا حَسَنًا إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (٣)\nاستغفروا ربّكم أولا ثم توبوا إليه بعده.\nوالاستغفار طلب المغفرة، يعنى قبل أن تتوبوا اطلبوا منه المغفرة بحسن النّظرة، وحمل الرجاء والثقة بأنه لا يخلّد العاصي فى النار، فلا محالة يخرجه منها.. فابتدئوا باستغفاركم، ثم توبوا بترك أوزاركم، والتنقّى عن إصراركم.\nويقال استغفروا فى الحال مما سلف، ثم إن الممتم بزلّة أخرى فتوبوا.\nويقال استغفروا فى الحال ثم لا تعودوا إلى ارتكاب الزلة فاستديموا التوبة- إلى مآلكم- مما أسلفتم من قبيح أعمالكم.\nويقال «اسْتَغْفِرُوا»: الاستغفار هو التوبة، والتنقى من جميع الذنوب، ثم «تُوبُوا» من توهّم أنكم تجابون بتوبتكم، بل اعلموا أنه يجيبكم بكرمه لا بأعمالكم.\nويقال «الاستغفار»: طلب حظوظكم من عفونا.. فإذا فعلتم هذا فتوبوا عن طلب كل حظ ونصيب، وارجعوا إلينا، واكتفوا بنا، راضين بما تحوزونه من التجاوز عنكم أو غير ذلك مما يخرجكم به.\nقوله جل ذكره: يُمَتِّعْكُمْ مَتاعًا حَسَنًا إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى أي نعيّشكم عيشا طيبا حسنا مباركا.\nويقال هو إعطاء الكفاية مع زوال الحرص.\nويقال هو القناعة بالموجود.\n_________\n(١) هذه عبارة إما أنها زائدة نتيجة خطأ فى النسخ، أو أن بها اضطرابا فى الكتابة أفقدها المعنى.","vol":"2","page":121},{"text":"ويقال هو ألا يخرجه إلى مخلوق، ولا يجعل لأحد عليه منّة (لا سيما للئيم «١») .\nويقال هو أن يوفقه (لاصطناع المعروف إلى المستحقين.\nويقال هو أن تقضى على يديه) «٢» حوائج الناس.\nويقال هو ألا يلمّ فى حال شبابه بزلّة، وألا يتصف بأنه عن الله فى غفلة.\nويقال هو أن يكون راضيا بما يجرى عليه من نوعى العسر و، اليسر.\nقوله جل ذكره: وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ، وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ من زادت حسناته على سيئاته أعطاه جزاء ما فضل له من الطاعات، ومن زادت سيئاته على حسناته كافأه بما يستوجبه من زيادة السيئات ... هذا بيان التفسير.\nويقال من فضّله بحسن توفيقه أوصله إلى ما يستوجبه من لطفه ويزيده..\nويقال هو أن يستر عليه فضله حتى لا يلاحظ حاله ومقامه، بل ينظر إلى نفسه، وما منه وما له.. بعين الاستحقار والاستصغار.\nويقال هو أن يرقيه عن التعريج فى أوطان البشرية إلى طاعات شهود الأحدية، وينقّيه عن (....) «٣» البشرية، والتكدر بما يبدو من مفاجآت التقدير.\nويقال هو ألا يوحشه شىء بما يجرى فى الوقت.\nويقال هو أن يحقّق له ما تسموا إليه همّته، ويبلغّه فوق ما يستوجبه محلّه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1305>[سورة هود (١١): آية ٤]</span>\nإِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤)\n_________\n(١) ما بين القوسين فى أعلى الصفحة ومكتوب بخط ردئ جدا.\n(٢) ما بين القوسين فى هامش الصفحة بخط حسن ومن هذا وذاك يتضح أن النسخة قيض لها أن تراجع بواسطة قارئين مختلفين.\n(٣) مشتبهة.","vol":"2","page":122},{"text":"تنقطع الدعاوى عند الرجوع إلى الله، وتنتفى الظنون، ويحصل اليأس من غير الله بكل وجه، ويبقى العبد بنعت الاضطرار، والحقّ يجرى عليه ما سبقت به القسمة من أنواع الأقدار.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1306>[سورة هود (١١): آية ٥]</span>\nأَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٥)\nأي يسترون ما تنطوى عليه عقائدهم، ويضمرون للرسول﵇- وللمؤمنين خلاف ما يظهرون، والحقّ- سبحانه- مطّلع على قلوبهم، ويعلم خفايا صدورهم، فتلبيسهم لا يغني عنهم من الله شيئا، وكان الله- سبحانه- يطلع رسوله﵇- على ما أخفوه إمّا بتعريف الوحى، أو بإشهاد لقوّة نور، وكذلك المؤمنون كانوا مخصوصين بالفراسة، فكل مؤمن له بقدر حاله من الله هداية، قال ﷺ: «اتقوا فراسة المؤمن فإن المؤمن ينظر بنور الله» «١» ولقد قال قائلهم.\nأبعيني أراك أم بفؤادى؟ ... كلّ ما فى الفؤاد للعين باد\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1307>[سورة هود (١١): آية ٦]</span>\nوَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٦)\nأراح القلوب من حيرة التقسيم، والأفكار من نصب التفكير فى باب الرزق حيث قال:\n«إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها» فسكنت القلوب لمّا تحقّقت أنّ الرزق على الله.\nويقال إذا كان الرزق على الله فصاحب الحانوت فى غلط من حسبانه. ثم إن الله سبحانه\n_________\n(١) رواه الترمذي والطبراني.\nورواه القشيري فى رسالته (ص ١١٥) هكذا: أخبرنا الشيخ أبو عبد الرحمن السلمى قال أخبرنا أحمد ابن على الرازي قال أخبرنا محمد بن أحمد بن السكن قال حدثنا موسى بن داود قال حدثنا محمد بن كثير الكوفي قال حدثنا عمرو بن قيس عن عطية عن أبى سعيد قال قال رسول الله (ص): «واتقوا ...»","vol":"2","page":123},{"text":"بيّن أنّ الرزق الذي «عليه» ما حاله فقال: «وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ»، وما كان فى السماء لا يوجد فى السوق، ولا فى التّطواف فى الغرب والشرق «١» .\nويقال الأرزاق مختلفة فرزق كل حيوان على ما يليق بصفته.\nويقال للنفوس رزق هو غذاء طريقه الخلق، وللقلوب رزق وهو ضياء موجده الحق.\nويقال لم يقل ما يشتهيه أو مقدار ما يكفيه بل هو موكول إلى مشيئته فمن موسّع عليه ومن مقتّر.\nقوله جل ذكره: وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ قيل أراد به أصلاب الآباء وأرحام الأمهات، أو الدنيا والآخرة. ويقال مستقرّ المريد بباب شيخه كمستقرّ الصبيّ بباب والديه. ويقال مستقر العابدين المساجد، ومستقر العارفين المشاهد، فالمساجد مستقرّ نفوس العابدين، والمشاهد مستقرّ قلوب العارفين.\nويقال مستقرّ المحب رأس سكّة محبوبه لعلّه يشهده عند عبوره.\nويقال المساجد للعابدين مستقرّ القدم، والمشاهد للعارفين مستقرّ الهمم، والفقراء مستقرهم سدّة الكرم.\nويقال الكلّ له مثوى ومستقر، أما الموحّد فإنه لا مأوى له ولا مستقر ولا مثوى ولا منزل.\nويقال النفوس مستودع التوفيق من الله، والقلوب مستودع التحقيق من قبل الله.\nويقال القلوب مستودع المعرفة فالمعرفة وديعة فيها. والأرواح مستودع المحبة فالمحاب ودائع فيها. والأسرار مستودع المشاهدات فالمشاهدات ودائع فيها.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1308>[سورة هود (١١): آية ٧]</span>\nوَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (٧)\n_________\n(١) قد يبدو للوهلة الأولى أن كلام القشيري لا ينتظم مع قوله تعالى: «فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ» ولكن الواقع أنه يقصد بذلك رزق السرائر لا رزق الظواهر. [.....]","vol":"2","page":124},{"text":"وأحسن الأعمال موافقة الأمر، ولم يقل أكثر عملا.\nويقال أحسن الأعمال ما كان صاحبه أشدّ إخلاصا فيه.\nويقال أحسنهم عملا أبعدهم عن ملاحظة أعماله.\nويقال أحسن الأعمال ما ينظر إليه صاحبه بعين الاستصغار.\nويقال أحسن الأعمال ما لا يطلب صاحبه عليه عوضا.\nويقال أحسن الأعمال ما غاب عنه صاحبه لاستغراقه فى شهود المعبود.\nقوله: «لِيَبْلُوَكُمْ» الابتلاء من قبله تعريف الملائكة حال من يبتليه فى الشكر عند اليسر والصبر عند العسر.\nقوله جل ذكره: وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ استبعدوا النّشر لتقاصر علومهم عن التحقّق بكمال قدرة الحق، ولو عرفوا ذلك لأيقنوا أن البعث ليس بمعتاص فى الإيجاد ولا بمستحيل فى التقدير.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1309>[سورة هود (١١): آية ٨]</span>\nوَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٨)\nيقول: إنّ أمهلنا، وأخّرنا عليهم العذاب لا يرعوون، بل يستعجلون العقوبة. ولئن عجّلنا لهم العقوبة لا يتوبون ولا يستغفرون ... استولى عليهم الجهل فى الحالين، وعميت بصائرهم عن شهود التقدير والإيمان بالغيب فى النوعين. ويوم يأتيهم العذاب فلا مناص ولا منجاة ولا مراح لهم منه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1310>[سورة هود (١١): آية ٩]</span>\nوَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ (٩)","vol":"2","page":125},{"text":"تكدّر ما صفا من النّعم، وتغيّر ما أتيح من الإحسان والمنن حال معهودة وخطّة عامة، فلا أحد إلا وله منها خطّة «١» فمن لم يرجع بالتأسّف قلبه، ولم يتضاعف فى كل نفس تلهفه وكربه ففى ديوان النسيان، وأثبت اسمه فى جملة أهل الهجران. ومن استمسك بعروة التضرع، واعتكف بعقوة التذلل، احتسى كاسات الحسرة عللا بعد نهل طاعته للحق بنعت الرحمة، وجدّد له ما اندرس من أحوال القربة، وأطلع عليه شمس الإقبال بعد الأفول والغيبة، كما قيل\nتقشّع غيم الهجر عن قمر الحبّ ... وأشرق نور الصبح فى ظلمة الغيب\nوليس للأحوال الدنيوية خطر فى التحقيق، ولا يعدّ زوالها وتكدرها من جملة المحن عند أرباب التحصيل، لكنّ المحنة الكبرى والرزية العظمى ذبول غصن الوصال وتكدر مشرب القرب، وأفول شوارق الأنس، ورمد بصائر أرباب الشهود ... فعند ذلك تقوم قيامتهم، وهناك تسكب العبرات. ويقال إذا نعق فى ساحات هؤلاء غراب البين ارتفع إلى السماء نواح أسرارهم بالويل، ومن جملة ما يبثون من نحييهم ما قلت.\nقولا لمن سلب الفؤاد فراقه ... ولقد عهدنا أن يباح عتاقه\nبعد الفراق ... فبالذى هو بينا ... هلّا رحمتم من دنا إزهاقه؟\nعهدى بمن جحد الهوى أزمان ك ... نّا بالصبابة- لا يضيق نطاقه.\nوالآن مذ بخل الزمان بوصلنا ... ضاق البسيطة. حين دام فراقه.\nهل ترتجى من وصل عزّك رجعة ... تحنو على قمر يذوم محاقه؟\nإن كان ذاك كما تروم فأخبروا ... أنّى له أن يعود شروقه «٢»؟\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1311>[سورة هود (١١): آية ١٠]</span>\nوَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (١٠)\n_________\n(١) (الخطة) بضم الخاء الأمر والحالة، و(والخطة) بكسر الخاء ما يختطه الإنسان لنفسه من قدر معلوم من الأرض ونحوها.\n(٢) الأبيات فى هذا النص وصلتنا مضطربة الوزن سيئة الخط. مطموسة الكلمات فى كثير من المواضع وقد تدخلنا فيها بقدر يسمح بإظهار المعنى وتناسق السياق.","vol":"2","page":126},{"text":"إذا كشفنا الضرّ عنهم رحمة منّا عادوا إلى تهتكهم بدلا من أن يتقربوا إلينا، وأساءوا يخلع عذارهم بدل أن يقوموا بشكرنا، وكلما أتحنا لهم من إمهالنا أمنوا لمكرنا، ولم يخافوا أن نأخذهم فجأة بقهرنا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1312>[سورة هود (١١): آية ١١]</span>\nإِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١١)\nالإنسان فى الآية السابقة اسم جنس.\nوإلا للاستثناء منه، وقيل بمعنى «لكن»، يريد إذا أذقناهم نعمة بعد الشدة بطروا، إلا المؤمنين فإنهم بخلاف ذلك، أي لكنّ الذين آمنوا بخلاف ذلك، فإنهم لصبرهم على على ما به أمروا، وعما عنه زجروا، ولمعانقتهم للطاعات ومفارقتهم الزّلات.. فلهم مغفرة وأجر، مغفرة لعصيانهم، وأجر على إحسانهم. والفريقان لا يستويان، قال قائلهم.\nأحبابنا شتّان واف وناقص ... ولا يستوى قطّ محبّ وباغض\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1313>[سورة هود (١١): آية ١٢]</span>\nفَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٢)\nاقترحوا عليه أن يأتى بكتاب ليس فيه سبّ آلهتهم، وبيّن الله- سبحانه- له ألا يترك تبليغ ما أنزل عليه لأجل كراهتهم، ولا يبدّل ما يوحى إليه.\nقوله جل ذكره: وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ.\nوهذا على وجه الاستبعاد أي لا يكون منك ترك ما أوحى إليك، ولا يضيق صدرك","vol":"2","page":127},{"text":"بما يبدو من الغيب.. ومن شرح الله بالتوحيد صدره، ونوّر بشهود التقدير سرّه- متى يلحقه ضيق صدر أو استكراه أمر؟ ثم قال: «إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ»:\nأي أنت بالإرسال منصوب، وأحكام التقدير عليك مجراة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1314>[سورة هود (١١): آية ١٣]</span>\nأَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٣)\nفى الآية بيان أنّ المكلّف مزاح العلّة لما أقيم له من البرهان وأهّل له من التحقيق.\nوأنّ الإيمان بالواسطةﷺ وآله- واجب لما خصّ به من المعجزات التي أوضحها الكتاب المنزل والقرآن المفصّل الذي عجز الكفار عن معارضته.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1315>[سورة هود (١١): آية ١٤]</span>\nفَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٤)\nيعنى فإن لم يستجيبوا لكم يعنى إلى الإتيان بمثله- وهم أهل بلاغة- فتحققوا أنه من قبل الله، وليس على سنة التحقيق (....) «١» إنما العمى فى بصائر من ضلّوا عن الحقّ، وتاهوا فى صدفة الحيرة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1316>[سورة هود (١١): آية ١٥]</span>\nمَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ (١٥)\nمن قنع منهم بدنيا الدناءة صفتها وسّعنا عليه فى الاستمتاع بأيام فيها، ولكن عقب اكتمالها سيرى زوالها، ويذوق بعد غسلها حنظلها.\n_________\n(١) مشتبهة.","vol":"2","page":128},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1317>[سورة هود (١١): آية ١٦]</span>\nأُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٦)\nأولئك الذين خابت آمالهم، وظهرت لهم- بخلاف ما احتسبوا- آلامهم، حبطت أعمالهم، وحاق بهم سوء حالهم.\nقوله جل ذكره\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1318>[سورة هود (١١): آية ١٧]</span>\nأَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِمامًا وَرَحْمَةً أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (١٧)\nفيه إضمار «١» ومعناه أفمن كان على بينة كمن ليس على بينة.. لا يستويان.\nوالبيّنة لأقوام برهان العلم، ولآخرين بيان الأمر بالقطع والجزم يشهدهم الحقّ مالا يطلع عليه غيرهم، كما قلت:\nليلى من وجهك شمس الضحى ... ... فالناس فى الظلمة من ليلهم\nونحن من وجهك فى الضوء والشاهد\nفالذى يتولاه فهو مشاهد، وفى الخبر «أولياء الله الذين إذا أرادوا ذكر الله....» «٢» .\nقال تعالى: «وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1319>[سورة هود (١١): آية ١٨]</span>\nوَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهادُ هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٨)\n_________\n(١) إضمار هنا مستعملة لما يسمى فى علم البلاغة بإيجاز الحذف.\n(٢) سقطت بقية الخبر من الناسخ.","vol":"2","page":129},{"text":"من ادّعى على الله حالا لم يكن متحققا بها فقد افترى على الله كذبا، واستوجب المقت، وعقوبته ألّا يرزق بركة فى أحواله، ثم إنه يكشف للشهداء عيوبه، فيفضحه بين الخلق، والشهداء قلوب الأولياء، ومن شهدت القلوب عليه بالردّ فهو غير مقبول عند الحقّ قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1320>[سورة هود (١١): آية ١٩]</span>\nالَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (١٩)\nالآية.\nهذا من جملة صفات المفترين على الله الكذب، ومن صدّهم عن السبيل أن يظهروا من أنفسهم أحوالا تخلّ بأحكام الشريعة، ولا يرون ذلك كبيرة فى الطريقة، ويوهمون المستضعفين من أهل الاعتراض عليهم أنّ لهم فى ذلك رخصة، فيضلّون ويضلّون. ومن جملة صدّهم عن السبيل تغريرهم بالناس، وإيقاعهم فى الغلط، ويرتفقون بشىء مما فى أيديهم من حطام الدنيا، ولا يستحيون من أخذ شىء لا يستوجبونه بأى وجه حقّ، ويداهنون فى دين الله.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1321>[سورة هود (١١): الآيات ٢٠ الى ٢١]</span>\nأُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ (٢٠) أُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٢١)\nالآية.\nمن هذه صفتهم لا يربحون فى تجارتهم، ولا يلحقون غاية طلبوها فيبقون عن الحق، ولا يبارك لهم فيما اعتاضوا من صحبة الخلق.. خسرت صفقتهم، وبارت بضاعتهم، لقوا الهوان، وذاقوا اليأس والحرمان.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1322>[سورة هود (١١): آية ٢٢]</span>\nلا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٢٢)\nلا محالة أنهم فى الآخرة أشدّ خسرانا، وأوفر- من الخيرات- نقصانا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1323>[سورة هود (١١): آية ٢٣]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٣)\nالإخبات التخشع لله بالقلب بدوام الانكسار، ومن علامته الذبول تحت جريان المقادير بدوام الاستغاثة بالسر.","vol":"2","page":130},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1324>[سورة هود (١١): آية ٢٤]</span>\nمَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٢٤)\nالآية مثل الكافر فى كفره كالأعمى والأصم، ومثل المؤمن فى إيمانه كالسميع والبصير- هذا بيان التفسير.\nوالإشارة فيه أن الأعمى من عمى عن الإبصار بسرّه، والأصمّ الذي طرش بسمع قلبه فلا باستدلاله شهد سر تقديره فى أفعاله، ولا بنور فراسة توهم ما وقف عليه من مكاشفات الغيب لقلبه، ولا بسمع القبول استجاب لدواعى الشريعة، ولا بحكم الإنصاف انقاد لما يتوجّب عليه من مطالبات الوقت مما يلوح لسرّه من تلويحات الحقيقة.\nوأما البصير فهو الذي يشهد من الحق أفعاله بعلم اليقين، ويشهد صفاته بعين اليقين، ويشهد ذاته بحق اليقين، والغائبات له حضور، والمستورات له كشف. فالذى يسمع فصفته ألا يسمع هواجس النّفس ولا وساوس الشيطان فيسمع من دواعى العلم شرعا، ثم من خواطر التعريف قدرا، ثم يكاشف بخطاب من الحق سرّا «١» فهؤلاء لا يستويان، ولا فى طريق يلتقيان:\nراحت مشرّقة ورحت مغرّبا ... فمتى التقاء مشرّق ومغرّب؟!\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1325>[سورة هود (١١): الآيات ٢٥ الى ٢٦]</span>\nوَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٥) أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٢٦)\nكان نوح ﵇ أطول الأنبياء عمرا وأشدّهم بلاء، وسمى نوحا لكثرة نوحه على نفسه.. وسبب ذلك أنه مرّ بكلب فقال: ما أقبحه! فأوحى الله إليه أن اخلق أنت أحسن من هذا. فأخذ يبكى وينوح على نفسه كلّ ذلك النّوح. فكيف بحال من لم يذكر يوما مما مضى من عمره فى مدة تكليفه- ولم يحصل منه لله كثير من ولاية!؟\n_________\n(١) تفيد هذه الإشارة فى بيان أحكام «السماع» عند الصوفية.","vol":"2","page":131},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1326>[سورة هود (١١): آية ٢٧]</span>\nفَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما نَراكَ إِلاَّ بَشَرًا مِثْلَنا وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ (٢٧)\nأنكروا صحة كونه نبيّا لمشاكلته إياهم فى الصورة، ولم يعلموا أن المباينة بالسريرة لا بالصورة.\nثم قال: «وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ»: نظروا إلى أتباعه نظرة استصغار، ونسبوهم إلى قلّة التحصيل.. وما استصغر أحد أحدا من حيث رؤية الفضل عليه إلا سلّط الله عليه، وأذاقه ذلّ صغاره، فبالمعانى يحصل الامتياز لا بالمباني:\nترى الرجل النحيف فتزدريه ... وفى أثوابه أسد هصور\nفإن أك فى شراركم قليلا ... فإنى فى خياركم كثير\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1327>[سورة هود (١١): آية ٢٨]</span>\nقالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ (٢٨)\nالصّبح لا خلل فى ضيائه لكون الناظرين عميانا، والسيف لا خلل فى مضائه لكون الضاربين صبيانا ... وكيف لبشر من قدرة على هداية من أضلّه الله- ولو كان نبيّا؟ «١» .\nهيهات لا ينفع مع الجاهل نصح، ولا ينحح فى المصرّ وعظ!\n_________\n(١) الأفضل أن تكون (ولو كان نبيا) جملة اعتراضية تلى (لبشر) حتى يستقيم التركيب، ولكننا أثبتنا ما جاء في (ص) .","vol":"2","page":132},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1328>[سورة هود (١١): آية ٢٩]</span>\nوَيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالًا إِنْ أَجرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (٢٩)\nسنّة الأنبياء﵈- ألا يطلبوا على رسالتهم أجرا، وألّا يؤملوا لأنفسهم عند الخلق قدرا، وعملهم لله لا يطلبون شيئا من غير الله. فمن سلك من العلماء سبيلهم حشر فى زمرتهم، ومن أخذ على صلاحه من أحد عوضا، أو اكتسب بسداده جاها لم ير من الله إلا هوانا وصغارا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1329>[سورة هود (١١): آية ٣٠]</span>\nوَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٣٠)\nمجالسة الفقراء اليوم- وهم جلساء الحقّ غدا- أجدى من مجالسة قوم من الأغنياء هم من أهل الردّ.\nومن طرد من قرّبه الله وأدناه استوجب الخزي فى دنياه، والصّغار فى عقباه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1330>[سورة هود (١١): آية ٣١]</span>\nوَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٣١)\nلا أتخطّى خطّى عما أبلغت مما حملت من رسالتى، ولا أتعدّى ما كلّفت به، ولا أزيد عما أمرت، ولن أخرج عن الذي أنبئوني، بل أنتصب بشاهدى فيما أقامونى.\nقوله جل ذكره: وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا، اللَّهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ إن أولياء الله سبحانه فى أثوابهم ولا يراهم إلا من قاربهم فى معناهم. الله أعلم بأحوالهم، وفى الجملة: طير السماء على ألّافها تقع.","vol":"2","page":133},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1331>[سورة هود (١١): آية ٣٢]</span>\nقالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣٢)\nأوضح لهم من البراهين مالوا أمعنوا النظر فيه لتمّ لهم اليقين، ولكنهم أصروا على الجحود، ولم يقنعوا من الموعود بغير المشهود.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1332>[سورة هود (١١): آية ٣٣]</span>\nقالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شاءَ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٣٣)\nأقرّ بالعبودية، وتبرّأ عن الحول والقوة، وأحال الأمر على المشيئة. ولقد أنصف من لم يجاوز حدّه فى الدعوى. والأنبياء ﵈- وإن كانوا أصحاب التحدي للناس بمعجزاتهم فهم معترفون بأنهم موقوفون عند حدودهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1333>[سورة هود (١١): آية ٣٤]</span>\nوَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٣٤)\nمن لم يساعده تعريف الحقّ- بما له بحكم العناية- لم ينفعه نصح الخلق فى النهاية.\nويقال من لم يوصّله الحقّ للوصال فى آزاله «١» لم ينفعه نصح الخلق فى حاله ويقال من سبق الحكم له بالضلالة أنّى ينفعه النصح وبسط الدلالة؟\nويقال من لم تساعده قسمة السوابق لم ينفعه نصح الخلائق.\nقوله: «إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ»: من المحال اجتماع الهداية والغواية فإذا أراد الله بقوم الغواية لم يصح أن يقال إنهم من أهل الهداية.\nثم بيّن المعنى فى ذلك بأن قال «هُوَ رَبُّكُمْ» ليعلم العالمون أنّ الربّ تعالى له أن يفعل بعباده ما شاء بحكم الربوبية.\n_________\n(١) أي بما سبقت به القسمة- حسب تعبير القشيري فى مواضع أخرى.","vol":"2","page":134},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1334>[سورة هود (١١): آية ٣٥]</span>\nأَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ (٣٥)\nومهما وصفتمونى فإنى أجيب الله.. وكلّ مطالب بفعله دون فعل صاحبه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1335>[سورة هود (١١): آية ٣٦]</span>\nوَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦)\nعرّفه الحقّ أنّه غنيّ عن إيمانهم، فكشف له أحكامهم، وأنّ من لم يؤمن منهم قد سبق الحكم بشقائهم، فعند ذلك دعا عليهم نوح﵇- بالإهلاك.\nويقال لم يدع عليهم ما دام للمطمع فى إيمانهم مساغ، فلما حصل العكس نطق بالتماس هلاكهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1336>[سورة هود (١١): آية ٣٧]</span>\nوَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٣٧)\nأي قم- بشرط العبودية- بصنع السفينة بأمرنا، وتحقق بشهودنا، وأنّك بمرأى منا. ومن علم اطلاعه عليه لم يلاحظ نفسه ولا غيره، لا سيما وقد تحقق بأنّ المجرى هو سبحانه.\nوقال له: راع حدّ الأدب، فما لم يكن لك إذن منا فى الشفاعة لأحد فلا تخاطبنا فيهم.\nويقال سبق لهم الحكم بالغرق- وأمواج بحر التقدير تتلاطم- فكلّ فى بحار القدرة مغرقون إلا من أهّله الحقّ بحكمه فحمله فى سفينة العناية.\nويقال كان قوم نوح من الغرقى فى بحار القطرة، ومن قبل كانوا غرقى فى بحار القدرة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1337>[سورة هود (١١): آية ٣٨]</span>\nوَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ (٣٨)","vol":"2","page":135},{"text":"لما تحقّق بما أمر الله به لم يأبه عند إمضاء ما كلّف به بما سمع من القيل، ونظر إلى الموعود بطرف التصديق فكان كالمشاهد له قبل الوجود.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1338>[سورة هود (١١): آية ٣٩]</span>\nفَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ (٣٩)\nلا طاعة لمخلوق فى مقاساة تقديره- سبحانه- إلا من تحمل عنه بفضله ما يحمله بحكمه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1339>[سورة هود (١١): آية ٤٠]</span>\nحَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ (٤٠)\nطال انتظارهم لما كان يتوعّدهم به نوح ﵇ على وجه الاستبعاد، ولم يزدهم تطاول الأيام إلا كفرا، وصمّموا على عقد تكذيبهم.\nثم لمّا أتاهم الموعود إياهم بغتة، وظهر من الوضع الذي لم يحبّوه فار الماء من التنور المسجور، وجادت السماء بالمطر المعبور «١» .\n«قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ»: استبقاء للتناسل.\nويقال: قد يؤتى الحذر من مأمنه فإن إبليس جاء إلى نوح﵇-.\nوقال: احملني فى السفينة فأبى نوح ﵇، فقال له إبليس: أما علمت أنى من المنظرين إلى يوم معلوم، ولا مكان لى اليوم إلا فى سفينتك؟\nفأوحى الله إلى نوح أن يحمله معه.\nويقال لم يكن لابن نوح معه مكان، وأمر بحمل إبليس وهو أصعب الأعداء! وفى هذا إشارة إلى أن أسرار التقدير لا تجرى على قياس الخلق كأنه قيل له: يا نوح..\nابنك لا تحمله، وعدوك فأدخله، فالله سبحانه فعّال لما يريد «٢» .\n_________\n(١) أي الجاري.\n(٢) فى هذه الإشارة تلميح إلى قاعدة فى مذهب القشيري أن أفعال الله لا تخضع لما ألف الناس من مقاييس نسبية.","vol":"2","page":136},{"text":"قوله جل ذكره: إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ «إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ» بالشقاوة. وفيه تعريف بأن حكم الأزل لا يردّ، والحقّ- سبحانه- لا ينازع، والجبّار لا يخاصم، وأن من أقصاه ربّه لم يدنه تنبيه ولا برّ ولا وعظ.\n«وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ» ولكن بارك الحقّ- سبحانه- فى الذين نجّاهم من نسله، ولم يدخل خلل فى الكون بعد هلاك من أهلك من قومه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1340>[سورة هود (١١): آية ٤١]</span>\nوَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (٤١)\nعرف أنّ نجاته من القطرة لمّا تقاطرت ليست بالحيل- وإن تنوّعت وكثرت، فباسم الله سلامته، وبتوكله على الله نجاته وراحته، وبتفضله- سبحانه- صلاحه وعافيته.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1341>[سورة هود (١١): آية ٤٢]</span>\nوَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ وَكانَ فِي مَعْزِلٍ يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ (٤٢)\nوكان فى معزل بظاهره، وكان فى سرّ تقديره أيضا بمعزل عما سبق لنوح وقومه من سابق فضله. فحينما نطق بلسان الشفقة وقال: «يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ» - لم يقل له: ولا تكن من الكافرين لأن حالته كانت ملتبسة على نوح إذ كان ابنه ينافقه- فقيل له: يا نوح إنه مع الكافرين لأنه فى سابق حكمنا من الكافرين.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1342>[سورة هود (١١): آية ٤٣]</span>\nقالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (٤٣)","vol":"2","page":137},{"text":"أخطأ من وجهين: رأى الهلاك من الماء وكان من الله، ورأى النجاة والعصمة من الجبل وهما من الله، فقال له نوح: لا عاصم اليوم من أمر الله، قيل أراد لا معصوم اليوم من الله.\nوقيل لا أحد يعصم أحدا من أمر الله، لكن من رحمه ربّه فهو معصوم من ذلك، وله عاصم وهو الله.\nولقد كان نوح﵇- مع ابنه فى هذه المخاطبات فجاءت أمواج الماء وحالت بينهما وصار من المغرقين، فلا وعظه ونصحه نفعاه، ولا قوله وتذكيره نجيّاه وخلّصاه.\nويقال احتمل أن لو قيل له يا نوح عرّفنا العالم بدعائك ولا عليك إن عرف.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1343>[سورة هود (١١): آية ٤٤]</span>\nوَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٤)\nفلما غرق ابن نوح سكن الموج ونضب «١» الماء وأقلعت السماء، وكأنه كان المقصود من الطوفان أن يغرق ابن نوح﵇- وقيل:\nعجبت لسعى الدهر بينى وبينها ... فلما انقضى ما بيننا سكن الدهر\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1344>[سورة هود (١١): الآيات ٤٥ الى ٤٦]</span>\nوَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ (٤٥) قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ (٤٦)\n_________\n(١) وردت (نصب) بالصاد، وهى خطأ فى النسخ، والمراد (نضب) الماء أي غار وانحسر، فهى ملائمة لإقلاع السماء أي إمساكها عن المطر.","vol":"2","page":138},{"text":"خاطب الحقّ- سبحانه- فى باب ابنه، واستعطف فى السؤال فقال:\n«إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي»: فقال له: إنّه ليست من أهل الوصلة قسمته- وإن كان من أهلك نسبا ولحمة، وإنّ خطابك فى بابه عمل غير صالح، أو إنه أيضا عمل غير صالح «١» .\n«فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ»: أي سترت غيبى فى حال أوليائى وأعدائى، فلا يعلم سرّ تقديرى.\nقوله: «إِنِّي أَعِظُكَ»: وذلك لحرمة شيخوخته وكبره، ولأنه لم يستجب له فى ولده، فتدارك بحسن الخطاب قلبه.\nوقيل إن ابن نوح بنى من الزجاج بيتا وقت اشتغال أبيه باتخاذ السفينة، فلما ركب نوح السفينة دخل ابنه فى البيت الذي اتخذه من الزجاج، ثم إن الله تعالى سلّط عليه البول حتى امتلأ بيت الزجاج من بوله فغرق الكلّ فى ماء البحر، وغرق ابن نوح فى بوله! ليعلم أنه لا مفرّ من القدر.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1345>[سورة هود (١١): آية ٤٧]</span>\nقالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ (٤٧)\nنسى نوح﵇- حديث ابنه فى حديث نفسه، فاستعاذ بفضله واستجار بلطفه، فوجد السلامة من ربّه فى قوله جل ذكره\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1346>[سورة هود (١١): آية ٤٨]</span>\nقِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ (٤٨)\nطهّر وجه الأرض من أعدائه، وحفظ نوحا ﵇ من بلائه، هو ومن معه من أصدقائه وأقربائه.\n_________\n(١) وعلى هذا الرأى تكون نجاة قوم نوح بسبب عملهم الصالح لا بسبب قرابتهم له.","vol":"2","page":139},{"text":"والأمم التي أخبر أنه سيمتّعهم ثم يمسّهم العذاب هم الذين ليسوا من أهل السعادة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1347>[سورة هود (١١): آية ٤٩]</span>\nتِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (٤٩)\nأعلمناك بهذه الجملة، وأنبأناك بهذه القصص لما خصصناك من غير أن تتعلمه من شخص، أو من قراءة كتاب فإن قابلك قومك بالتكذيب فاصبر، فعن قريب تنقلب هذه الأمور.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1348>[سورة هود (١١): آية ٥٠]</span>\nوَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُودًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ (٥٠)\nكلّف الأنبياء﵈- بالذهاب إلى الخلق لا سيما وقد عاينوا- بالحق- من تقدّمهم من فترة الملأ، ولكنهم تحمّلوا ذلك حين أمرهم الحقّ بالتوجّه إليهم فرضوا، وأظهروا الدلالة، وأدّوا الرسالة، ولكن ما زاد الناس إلا نفرة على نفرة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1349>[سورة هود (١١): الآيات ٥١ الى ٥٢]</span>\nيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلا تَعْقِلُونَ (٥١) وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْرارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (٥٢)\nلم يأت نبىّ من الأنبياء﵈- إلّا وأخبر أنه ليس له أن يطلب فى الجملة أجرا إلّا من الله لا من غير الله.\nقوله جل ذكره: وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْرارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ.","vol":"2","page":140},{"text":"استغفروا ربكم ثم توبوا إليه بعد الاستغفار، من توهمكم أن نجاتكم باستغفاركم.\nبل تحقّقوا بأنكم لا تجدون نجاتكم إلا بفضل ربّكم فبفضله وبتوفيقه توصّلتم إلى استغفاركم لا باستغفاركم، وصلتم إلى نجاتكم، وبرحمته أهلكم إلى استغفاركم، وإلّا لما وصلتم إلى توبتكم ولا إلى استغفاركم.\nوالاستغفار قرع باب الرزق، فإذا رجع العبد إلى الله بحسن تضرعه، فتح عليه أبواب رحمته، ويسّر له أسباب نعمته.\nويقال ينزّل على ظواهركم أمطار النّعمة، وعلى ضمائركم وسرائركم ينزّل أنواع المنّة، ويزيدكم قوة على قوة قوة تحصلون بها توسعة أنواع الرزق، وقوة تحصلون بها تحسبن أصناف الخلق.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1350>[سورة هود (١١): آية ٥٣]</span>\nقالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (٥٣)\nما زادهم هود ﵇ بسطا فى الآية وإيضاحا فى المعجزة إلا زادهم الله تعالى عمى على عمى، ولم يرزقهم بصيرة ولا هدى، ولم يزيدوا فى خطابهم إلا بما دلّوا على فرط جهالتهم، وشدة ضلالتهم بعد إطنابهم وانتهابهم «١»، وقالوا:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1351>[سورة هود (١١): آية ٥٤]</span>\nإِنْ نَقُولُ إِلاَّ اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ قالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤)\nوكيف ظنّوا أنّ آلهتهم تمسّ أعداءهم بسوء وهى لا تضرّ أعداءها ولا تنفع أولياءها؟\nفهؤلاء الغواية عليهم مستولية. ثم إن هودا ﵇ أفصح عن فضل ربّه عليه وصرّح بإخلاصه وحسن يقينه فقال: إنى برىء مما تشركون، ثم قال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1352>[سورة هود (١١): آية ٥٥]</span>\nمِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ (٥٥) .\n_________\n(١) يقال نهب فلانا أي تناوله بلسانه وأغلظ له القول.","vol":"2","page":141},{"text":"فلم يحتج معهم إلى تضرع واستخذاء، ولا راودهم فى سلم واستمهال، ولم يتّصف فى ذلك بركون إلى حوله وملّته، ولم يستند إلى جده وقوّته بل قال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1353>[سورة هود (١١): آية ٥٦]</span>\nإِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)\nأخبر أنه بموعود الله له بنصرته واثق، وأنه فى خلوص طاعته لربّه وفى صفاء معرفته (غير مفارق) «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1354>[سورة هود (١١): آية ٥٧]</span>\nفَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٥٧)\nأوحينا إليه أن قل لهم: إن تولّوا ولم تؤمنوا بي فقد بلّغت ما حمّلت من رسالتى، وإنى واثق بأنّ الله إذا أهلككم يأت بأقوام آخرين سواكم أطوع له منكم، وإن أفناكم ما اختلّ ملكه إذ الحقّ- سبحانه- بوجود الأغيار لا يلحقه زين- وإن وحدوا، وبفقدهم لا يمّسه شين- وإن جحدوا وألحدوا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1355>[سورة هود (١١): آية ٥٨]</span>\nوَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ (٥٨)\nولما جاء أمرنا بإهلاكهم نجيّنا هودا والذين آمنوا برحمتنا، ولم يقل باستحقاقه النجاة بوسيلة نبوته، أو لجسامة طاعته ورسالته بل قال: «بِرَحْمَةٍ مِنَّا» ليعلم الكافة أنّ\n_________\n(١) بعد (معرفته) يوجد بياض مما يدل على سقوط خبر أن وقد أكملنا النقص بكلمة ملائمة من عندنا تنفق مع السياق والنسق حسبما نعلم من طريقة القشيري. [.....]","vol":"2","page":142},{"text":"الأنبياء﵈- ومن دونهم عتيق رحمته، وغريق منته، لا لاستحقاق أحد ولا لواجب على الله فى شىء.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1356>[سورة هود (١١): آية ٥٩]</span>\nوَتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (٥٩)\nفى إنزال قصصهم تسلية للرسولﷺ وآله- فيما كان يقاسى من العناء، وللمؤمنين فيما بذلوا من حسن البلاء، والعدة بتبديل- ما كانوا يلقونه من الشدّة- بالرجاء.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1357>[سورة هود (١١): آية ٦٠]</span>\nوَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ عادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْدًا لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ (٦٠)\nأخبر أنهم خسروا الدنيا والآخرة، أمّا فى هذه الدنيا فبالاستئصال بأليم الشدة وما تبعه من اللّعنة، ثم ما يلقونه فى الآخرة من تأبيد العقوبة. وبقاؤهم عن رحمة الله أصعب من صنوف كل تلك المحنة «١»، وكما قيل:\nتبدّلت وتبدلنا وا حسرتا ... لمن ابتغى عوضا لسلمى فلم يجد\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1358>[سورة هود (١١): الآيات ٦١ الى ٦٨]</span>\nوَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (٦١) قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا أَتَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٦٢) قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ (٦٣) وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ قَرِيبٌ (٦٤) فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (٦٥)\nفَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا صالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (٦٦) وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ (٦٧) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْدًا لِثَمُودَ (٦٨)\n_________\n(١) وردت (المحبة) وهى خطأ فى النسخ كما هو واضح.","vol":"2","page":143},{"text":"عقيب ما مضى من قصة عاد ذكر قصة ثمود، وثمودهم قوم صالح، وقد انخرطوا فى الغىّ فى سلك من سبقهم، فلحقت العقوبة بجميعهم. ثم أخبر أنهم قابلوا نبيّهم﵇- بالتكذيب، ولم يقفوا على ما نبّههم عليه من التوبة والتصديق، وأصرّوا على الإقرار أنهم فى شأنه لفى شك مريب.\nثم بيّن أنّ صالحا لم يعرّج- فى التبليغ- على تقصير.\nوبعد تمرّدهم وامتناعهم عن الإنابة، وإصرارهم على ترك الإجابة حقّ عليهم","vol":"2","page":144},{"text":"ما توعدهم به من عذاب غير مكذوب، ونجّى نبيّهم﵇-، ونجّى من اتّبعه من كل عقوبة.. سنّة منه- سبحانه- فى إنجاء أوليائه أمضاها، وعادة فى تلطفه ورحمته بالمستحقين أجراها.\nقوله جل ذكره\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1359>[سورة هود (١١): الآيات ٦٩ الى ٧٠]</span>\nوَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩) فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠)\nأخبر أن الملائكة أتوا إبراهيم﵇- بالبشارة، وأخبر أن إبراهيم﵇- أنكرهم، ولم يعرف أنهم ملائكة. فيحتمل أنّه- سبحانه- أراد أن تكون تلك البشارة فجأة من غير تنبيه لتكون أتمّ وأبلغ فى إيجاد السرور، ولا سيما وقد كانت بعد خوف لأنه قال: فأوجس منهم خيفة.\nويقال إن إبراهيم﵇- كان صاحب النبوة والخلّة والرسالة فلا بدّ أن تكون فراسته أعلى من فراسة كلّ أحد، ولكنه فى هذه الحالة لم يعرف الملائكة ليعلم أنّ الحقّ﷾- إذا أراد إمضاء حكم يدّ على من أراد عيون الفراسة، وإن كان صاحب الفراسة هو (خليل) «١» الله، كما سدّ الفراسة على نبيّناﷺ- فى قصة الإفك إلى الوقت الذي نزل فيه الوحى، وكذلك التبس على لوط﵇- إلى أن تبيّن له الأمر.\nوتكلموا في هذه «البشرى» ما كانت فقيل كانت البشارة بإسحاق، وبأنّه سيولد له ولد من نسله وسلالته قال تعالى: «وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ» .\nويقال بعلامة قومه- حيث كانوا مرسلين بإهلاك قوم لوط﵇.\n_________\n(١) سقطت كلمة (خليل) فأثبتناها لحاجة السياق إليها.","vol":"2","page":145},{"text":"ويقال بشارة بالخلّة وتمام الوصلة.\nويقال إن الخلّة والمحبة بناؤهما كتمان السّرّ فيعلم أنهم أرسلوا ببشارة ما ولم يكن للغير اطلاع، قال قائلهم:\nبين المحبين قول لست أفهمه\nويقال إن تلك البشارة هى قولهم: «سَلامًا» وأن ذلك كان من الله، وأىّ بشارة أتمّ من سلام الحبيب؟ وأىّ صباح يكون مفتتحا بسلام الحبيب فصباح مبارك، وكذلك المبيت بسلام الحبيب فهو مبارك.\nقوله: «فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ»: لمّا توهمهم أضيافا قام بحقّ الضيافة، فقدّم خير ما عنده ما شكره الحقّ عليه حيث قال فى موضع آخر: جاء بعجل سمين «١» . والمحبة توجب استكثار القليل من الحبيب واستقلال ما منك للحبيب، وفى هذا إشارة إلى أنه إذا نزل الضيف فالواجب المبادرة إلى تقديم السّفرة «٢» ممّا حضر فى الوقت.\nقوله: فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ تمام إحسان الضيف أن تتناول يده ما يقدّم إليه من الطعام، والامتناع عن أكل ما يقدّم إليه معدود فى جملة الجفاء فى مذهب أهل الظّرف «٣» . والأكل فى الدعوة واجب على أحد الوجهين.\n«وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً»: أي خاف أنه وقع له خلل فى حاله حيث امتنع الضّيفان عن أكل طعامه فأوجس الخيفة لهم لا منهم.\nوقيل إن الملائكة فى ذلك الوقت ما كانوا ينزلون جهرا إلا لعقوبة فلمّا امتنعوا عن الأكل، وعلم أنهم ملائكة خلف أن يكونوا قد أرسلوا لعقوبة قومه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1360>[سورة هود (١١): الآيات ٧١ الى ٧٣]</span>\nوَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ (٧١) قالَتْ يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢) قالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (٧٣)\n_________\n(١) آية ٢٦ سورة الذاريات.\n(٢) السفرة- طعام يصنع للمسافر، أو المائدة وما عليها من طعام (الوسيط) .\n(٣) الظرف: (يقال ظرف فلان ظرفا كان كيسا حاذقا، والظرف فى اللسان البلاغة، وفى الوجه الحسن، وفى القلب الذكاء) الوسيط.","vol":"2","page":146},{"text":"كانت امرأته قائمة يخدمة الأضياف، فضحكت تعّجبا من أن يكون لمثلها فى هذه السّنّ ولد.\nوقيل كان سرورها بالسلامة. ويحتمل أنها ضحكت تعجّبا من امتناع الضّيفان عن الأكل. أو تعجبت من كون الملائكة فى صورة البشر لمّا علمت أنهم ملائكة. ويحتمل أنها ضحكت لاستبشارها بالولد وقد بشّرت باستحقاقه ومن ورائه يعقوب، ثم أفصحت عما ينطوى عليه قلبها من التعجب فقالت: «أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخًا؟ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ» ! فأحال الملائكة خلق الولد على التقدير: «قالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ؟» فزال موضع التعجب، وقالوا: «رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ» فبقى الدعاء فى شريعتنا بآخر الآية حيث يقول الداعي: كما صلّيت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.\nوالبركة الزيادة فقد اتصل النّسل من الخليل، وبنو إسرائيل منهم- وهم خلق كثير، والعرب من أولاد إسماعيل- وهم الجمّ الغفير.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1361>[سورة هود (١١): آية ٧٤]</span>\nفَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ (٧٤)\nلما كانت مراجعته مع الله فى أمر قوم لوط بحقّ الله لا لحظّ نفسه سلم له الجدال، وهذا يدلّ على علوّ شأنه حيث تجاوز عنه ذلك.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1362>[سورة هود (١١): الآيات ٧٥ الى ٧٦]</span>\nإِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (٧٥) يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (٧٦)","vol":"2","page":147},{"text":"والإشارة فيه أنه كان يقابل ما ورد على ماله ونفسه وولده بالاحتمال، ولمّا كان حقّ الحقّ فى حديث قوم لوط أخذ فى الجدال إلى أن أبان له سلامة لوط﵇- وقال الله سبحانه: - يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ يا إبراهيم أعرض عن هذا فإنّ الحكم بعذابهم قد نزل، ووقت الانتقام منهم قد حصل.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1363>[سورة هود (١١): آية ٧٧]</span>\nوَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ (٧٧)\nأي أنه حزن بسبب خوفه عليهم أن يجرى عليهم من قومه ما لا يجوز فى دين الله فذلك الحزن كان لحقّ الله لا لنصيب له أو حظّ لنفسه، ولذلك حمد عليه لأنّ مقاساة الحزن لحقّ الله محمودة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1364>[سورة هود (١١): آية ٧٨]</span>\nوَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (٧٨)\nقوله «هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ»: قيل إنه أراد به نساء أمته، فنبىّ كلّ أمة مثل الوالد لأولاده فى الشفقة والنصيحة.\nويقال إنه أراد بناته من صلبه.","vol":"2","page":148},{"text":"«أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ» يرتدى جلبات الحشمة، ويؤثر حقّ الله على ما هو مقتضى البشرية، ويرعى حق الضيافة، ويترك معصية الله؟\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1365>[سورة هود (١١): آية ٧٩]</span>\nقالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ (٧٩)\nأصرّوا على عصيانهم، وزهدوا فى المأذون لهم شرعا، وانجرّوا إلى ما قادهم إليه الهوى طبعا، وهذه صفة البهائم لا يردعها عقل، قال تعالى: «أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ»\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1366>[سورة هود (١١): آية ٨٠]</span>\nقالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠)\nلو أن لى قوة فأمنعكم عن ارتكاب المعصية فإنّ أهمّ «١» الأشياء على الأولياء ألا يجرى من العصاة ما ليس لله فيه رضاء.\nويقال: لو كان لى قدرة لإيصال الرحمة إليكم- مع ارتكابكم المعاصي- لرحمتكم وتجاوزت عنكم.\nويقال لو أنّ لى قوة لهديتكم إلى الدّين، ولعصمتكم عن ارتكاب المخالفات.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1367>[سورة هود (١١): آية ٨١]</span>\nقالُوا يا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (٨١)\n«٢» لّما ضاق به الأمر كشف الله عنه الضرّ فعرّف إليه الملائكة وقالوا: لا عليك فإنهم لا يصلون إليك بسوء، وإنّا رسل ربك جئنا لإهلاكهم، فاخرج أنت وقومك من بينهم، واعلم أنّ من شاركهم فى عملهم بنوع فله من العذاب حصّة. ومن جملتهم امرأتك التي كانت تدل القوم على الملك لفعلة الفاحشة، وإن العقوبة لاحقة بها، مدركة لها.\nوالإشارة منه أن الجسارة على الزّلة وخيمة العاقبة- ولو بعد حين، ولا ينفع المرء اتصاله بالأنبياء والأولياء إذا كان فى الحكم والقضاء من جملة الأشقياء.\n_________\n(١) أفعل التفضيل هنا مأخوذ من الهم، أي (فإن أكثر ما يسبب الهم للأولياء) .\n(٢) مستثنى من (فأسر بأهلك) منصوب.","vol":"2","page":149},{"text":"قوله جل ذكره: إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ.\nما هو كائن فقريب، والبعيد ما لا يكون. وإنّ من أقدم على محظور ثم حوسب عليه- ولو بعد دهور خالية وأعوام غير محصورة ماضية- تصور له الحال كأنه وقت مباشرته لتلك الزّلة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1368>[سورة هود (١١): آية ٨٢]</span>\nفَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢)\nسنّة الله فى عباده قلب الأحوال عليهم، والانقلاب من سمات الحدوث، أمّا الذي لا يزول، ولا يحول فهو الذي لم يزل ولا يزال بنعوته الصمدية.\nوإنّ من عاش فى السرور دهرا ثم تبدل يسره عسرا فكمن لم ير قطّ خيرا، والذي قاسى طول عمره ثم أعطى يسرّا فكمن لم ير عسرا.\nقال تعالى: «وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ» «١» .\nقوله جل ذكره\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1369>[سورة هود (١١): آية ٨٣]</span>\nمُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣)\nذكر سبحانه ما نالهم من العقوبة على عصيانهم، ثم أخبر أنّ تلك العقوبة لاحقة بمن سلك سبيلهم تحذيرا لمن لم يعتبر بهم إذا عرف طريقهم، كما قيل:\nومن يرنى ولم يعتبر بعدي ... فإنّ لكلّ معصية عقابا\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1370>[سورة هود (١١): الآيات ٨٤ الى ٨٥]</span>\nوَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْبًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (٨٤) وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٨٥)\n_________\n(١) آية ١١٠ سورة الأنعام.","vol":"2","page":150},{"text":"أخبر سبحانه عن قصتهم، وما أصابهم من العذاب الأليم، وما نالهم من البلاء العظيم.\nوفى الظاهر لهم كانت أجرامهم كاليسيرة، ولعدم الفهم يعدون أمثالها صغيرة، ولا يقولون إنها كبيرة، وإن ذلك تطفيف فى المكيال.\nوليس قدر الأجرام «١» لأعيانها، ولكن لمخالفة الجبار عظم شأنها، قال تعالى:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1371>[سورة هود (١١): آية ٨٦]</span>\nبَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (٨٦)\n«٢» ولما أن قال لهم شعيب:\n«بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ» .\nيعنى القليل من الحلال أجدى من الكثير المعقب للوبال لم يقابلوا نصيحته لهم إلا بالعناد والتمادي فيما هو دائم من الجحد والكنود.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1372>[سورة هود (١١): آية ٨٧]</span>\nقالُوا يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (٨٧)\nاستوطئوا مركب الجهل، واستحلبوا مشرب التقليد، وأعفوا قلوبهم من استعمال الفكر، واستبصار طريق الرّشد.\n_________\n(١) جمع (جرم) وهو الذنب.\n(٢) آية ١٥ سورة النور.","vol":"2","page":151},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1373>[سورة هود (١١): آية ٨٨]</span>\nقالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَما تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)\nالبيّنة نور تستبصر به ما خفى عليك تحت غطاء الغفلة.\nوالرزق الحسن ما به دوام الاستقلال، وما ذلك إلا مقتضى عنايته الأزلية، وحسن توليه لشأنك- فى جميع ما فيه صلاحك- من إتمام النعمة ودوام العصمة.\nوقيل الرزق الحسن ما تعنّي صاحبه لطلبه، ولم يصبه نصب بسببه.\nوقيل الرزق الحسن ما يستوفيه بشهود الرزق ويحفظه عند التنعم بوجود الرّزّاق.\nويقال الرزق الحسن ما لا ينسى الرزّاق، ويحمل صاحبه على التوسعة والإنفاق.\nقوله جل ذكره: وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ.\nيمكن للواعظ أو الناصح أن يساهل المأمور فى كل ما يأمره به، ولكن يجب ألا يجيز له ما ينهاه عنه فإنّ الإتيان بجميع الطاعات غير ممكن، ولكنّ التجرّد عن جميع المحرّمات واجب.\nويقال من لم يكن له حكم على نفسه فى المنع عن الهوى لم يكن له حكم على غيره فيما يرشده إليه من الهدى.\nقوله جل ذكره: إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ.\nمدار الأمر على الأغراض المقضية حسن القصد بالإصلاح فيقرن الله به حسن التيسير، ومن انطوى على قصد بالسوء وكل الحقّ بشأنه التعويق.\nقوله جل ذكره: وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ.\nحقيقة التوفيق ما ينفق به الشيء، وفى الشريعة التوفيق ما تنفق به الطاعة، وهو قدرة الطاعة، ثم كل ما تقرب العبد به من الطاعة من توفير الدواعي وفنون المنهيات يعدّ من جملة التوفيق- على التوسّع.","vol":"2","page":152},{"text":"والتوفيق بالله ومن الله، وهو- سبحانه- بإعطائه متفضّل.\nقوله جل ذكره: عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ.\nالتوكل تفويض الأمر إلى الله، وأمارته ترك التدبير بشهود التقدير، والثقة بالموعود عند عدم الموجود. ويتبين ذلك بانتفاء الاضطراب عند عدم الأسباب.\nويقال التوكل السكون، والثقة بالمضمون.\nويقال التوكل سكون القلب بمضمون الرّبّ.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1374>[سورة هود (١١): آية ٨٩]</span>\nوَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صالِحٍ وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (٨٩)\nتورثكم مخالفتكم إياى فيما أدعوكم إليه من طاعة الله أن يلحقكم من أليم العقوبة ما أصاب من تقدّمكم من الذين سرتم على منهاجهم، وما عهدكم ببعيد بمن تحققتم كيف حلّت بهم العقوبة، وكيف أنهم ما زادتهم كثرة النصيحة إلّا غلوّا فى ضلالتهم، وعتوّا في جهالتهم، وكما قيل.\nوكم صغت فى آثاركم من نصيحة ... وقد يستفيد البغضة المتنصّح\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1375>[سورة هود (١١): آية ٩٠]</span>\nوَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (٩٠)\nالاستغفار هو التوبة.\nومعنى قوله «ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ» أي توبوا ثم لا تنقضوا توبتكم فهو أمر باستدامة التوبة فإذا لم يتصل وفاء المآل بصفاء الحال لم يحصل قبول، وكأن لم يكن لما سلف حصول.\n«إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ»: يرحم العصاة ويودّهم.\nويقال يرحمهم ولذلك يودونه فالودود يكون بمعنى المودود كحلوب بمعنى محلوب. والرحمة","vol":"2","page":153},{"text":"تكون للعاصى لأنّ المطيع بوصف استحقاقه للثواب على طاعاته، ثم ليس كلّ من يحبّ السلطان فى محلّ الأكابر، فالأصاغر من الجند قد يحبون الملك، وأنشدوا:\nألا ربّ من يدنو ويزعم أنه ... يودّك، والنائى أودّ وأقرب\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1376>[سورة هود (١١): الآيات ٩١ الى ٩٢]</span>\nقالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفًا وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ (٩١) قالَ يا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٩٢)\nلاحظوا شعيبا بعين الاستصغار فحرموا فهم معانى الخطاب، وأقرّوا على أنفسهم بالجهل، وأحالوا إعفاءهم إياه من الأذى على حشمتهم من رهطه وعشيرته، فعاتبهم عليه: - قالَ يا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ أترون من حقّ رهطى مالا ترون من حقّ ربى وإنّ ربى يكافئكم على أعمالكم بما تستوجبون فى جميع أحوالكم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1377>[سورة هود (١١): الآيات ٩٣ الى ٩٥]</span>\nوَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (٩٣) وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ (٩٤) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ (٩٥)","vol":"2","page":154},{"text":"أرخى لهم ستر الإمهال فلمّا أصرّوا على تماديهم فى الغواية حلّت بهم العقوبة، وصاروا وكأن لم يكن بينهم نافخ نار، ولا فى ديار الظالمين ديّار، قال تعالى: «فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ» قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1378>[سورة هود (١١): الآيات ٩٦ الى ٩٨]</span>\nوَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ (٩٦) إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (٩٧) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (٩٨)\nكرّر قصة موسى ﵇ تفخيما لشأنه، وتعظيما لأمره، وتنبيها على علوّ قدره عند الله وعلى مكانة الآيات التي أرسله بها، ومعجزاته الباهرة، وبراهينه القاهرة..\nويقال أصعب عدوّ قهره أولا نفسه، وقد دله- سبحانه- على ذلك لمّا قال: إلهى! كيف أطلبك؟\nفقال: عند المنكسرة قلوبهم من أجلى.\nفنبّهه إلى استصغاره لنفسه، وانكساره لله بقلبه، فزادت صولته لما صار معصوما عن شهود فضل لنفسه والسلطان الذي خصّه به استولى على قلوب من رآه، كما قال: «وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي» «١» فما رآه أحد إلا أحبّه، ثم إنه لم يأخذه فى الله ضعف، مثلما لطم وجه فرعون- وهو رضيع- كما فى القصة، ولطم وجه ملك الموت لمّا طالبه بقبض روحه..\nكما فى الخبر، وأخذ برأس أخيه يجرّه إليه لمّا رجع من سماع الخطاب عند المعاتبة، وأقدم بالجسارة على سؤال الرؤية، وقتل القبطىّ لما استعان به من وافقه فى العقيدة، وقال لله «إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ» «٢» لمّا أخبره الحق بما عمله قومه من عبادة العجل بحكم الضلالة ... ففى جميع هذا تجاوز الله عنه لما أعطاه من السلطان والقوة.\nقوله جل ذكره: فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ\n_________\n(١) آية ٣٩ سورة طه.\n(٢) آية ١٥٥ سورة الأعراف.","vol":"2","page":155},{"text":"رضوا بمتابعة فرعون، فاستحقوا ما استحقه. لم يشعروا بخطئهم، وكانوا يحسبون أنهم يحسنون صنعا. وإذا ما أوردهم النار فهو إمامهم، وسيعلمون ما أصابهم من الخسران حين لا ينفع تضرعهم وبكاؤهم ولا ينقطع عذابهم وعناؤهم، وتغلب خسارتهم وشقاؤهم- وذلك جزاء من كفر بمعبوده، وأسرف فى مجاوزة حدوده.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1379>[سورة هود (١١): آية ٩٩]</span>\nوَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (٩٩)\nبعدوا فى عاجلهم من الإيمان، وفى آجلهم من الغفران والجنان. والذي لهم فى الحال من الفرقة أعظم- فى التحقيق- من الذي لهم فى المآل من الحرقة، وهذه صفة من امتحنه الله باللعنة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1380>[سورة هود (١١): آية ١٠٠]</span>\nذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ (١٠٠)\nلم يكن فى جملة من قصّ عليه من الأنبياء﵈- من أكثر منه تبجيلا، ولا فيمن ذكره من الأمم أعظم من أمته تفضيلا، فكما تقدّم على الأنبياء﵈ تقدّمت أمته على الأمم، قال تعالى: «كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ» «١» قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1381>[سورة هود (١١): آية ١٠١]</span>\nوَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (١٠١)\nلا يجوز الظلم فى وصفه فتصرّفه فى ملكه بحقّ إلهيته- مطلق يحكم بحسب إرادته ومشيئته، ولا يتوجه حقّ عليه، فكيف يجوز الظلم فى وصفه؟\nويقال هذا الخطاب لو كان من مخلوق مع مخلوق لأشبه العذر، ولكن فى صفته لا يجوز العذر إذ الخلق خلقه، والملك ملكه، والحكم حكمه.\n_________\n(١) الآية ١١٠ سورة آل عمران.","vol":"2","page":156},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1382>[سورة هود (١١): آية ١٠٢]</span>\nوَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢)\nإنّ الحقّ- سبحانه- يمهل ولكن لا يهمل، ويحكم ولكن لا يعجّل، وهو لا يسأل عمّا يفعل.\nوقيل إذا أخذ النفوس بالتوفيق فلا سبيل للخذلان إليها، وإذا أخذ القلوب بالتحقيق فلا طريق للحرمان عليها. قال تعالى: «إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ» «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1383>[سورة هود (١١): آية ١٠٣]</span>\nإِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (١٠٣)\nمشهود يشهده من حشر من جميع الخلائق فى ذلك اليوم.\nويقال الأيام ثلاثة: يوم مفقود وهو أمس ليس بيدك منه شىء، ويوم مقصود وهو غد لا تدرى أتدركه أم لا، ويوم مشهود وهو اليوم الذي أنت فيه فالمفقود لا يرجع، والمقصود ربما لا تبلغ، والمشهود وقتك وهو معرّض للزوال ... فاستغله فيما ينفع.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1384>[سورة هود (١١): آية ١٠٤]</span>\nوَما نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (١٠٤)\nالأجل لا يتقدّم ولا يتأخر لكل (...) «٢»، والآجال على ما علمها الحقّ- سبحانه- وأرادها جارية فلا طلب يقدّم أو يؤخر وقتا إذا جاء أجله، وكذلك للوصول وقت، فلا طلب مع رجاء الوصول، ولا طلب مع خوف الزوال، ولقد قيل:\nعيب السلامة أنّ صاحبها ... متوقّع لقواصم الظّهر\nوفضيلة البلوى ترقب أهلها ... عقب البلاء- مسرّة الدهر\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1385>[سورة هود (١١): آية ١٠٥]</span>\nيَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥)\n_________\n(١) آية ١٢ سورة البروج. [.....]\n(٢) مشتبهة.","vol":"2","page":157},{"text":"الشقىّ من قسم له الحرمان فى حاله، والسعيد من رزق الإيمان فى مآله.\nويقال الشقاء على قسمين: قوم شقاؤهم غير مؤيد، وقوم شقاؤهم على التأبيد، وكذلك القول فى السعادة. الشقىّ من هو فى أسر التدبير ونسيان جريان التقدير، والسعيد من رجع من ظلمات التدبير، وحصل على وصف شهود التقدير.\nويقال الشقىّ من كان فى رق العبودية ظانّا أنّ منه طاعاته، والسعيد من تحرر عن رقّ البشرية وعلم أن الحادثات كلها لله سبحانه.\nوأمّا الأشقياء- على التأبيد- فهم أهل الخلود فى مقتضى الوعيد، والسعداء- على التأبيد- من قال الله تعالى فى صفتهم: «لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها وَلَدَيْنا مَزِيدٌ» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1386>[سورة هود (١١): الآيات ١٠٦ الى ١٠٧]</span>\nفَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلاَّ ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ (١٠٧)\n«إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ» أن يزيد على مدّة السماوات والأرض.\n«إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ» أن ينقلهم إلى نوع آخر من العذاب غير الزفير والشهيق.\n«إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ» ألا تلحقهم تلك العقوبة قبل أن يدخلهم النار فلا استثناء لبعض أوقاتهم من العقوبة لا قبل إدخالهم فيها ولا بعده.\n«إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ» من إخراج أهل التوحيد من النار فيكون شقاؤهم غير مؤبّد.\nقوله جل ذكره: إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ فيه إشارة إلى أن الذي يحصل لهم يحصل بمشيئته لا باستحقاق عمل.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1387>[سورة هود (١١): آية ١٠٨]</span>\nوَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلاَّ ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨)\nلهم اليوم جنّات القربة، ولهم غدا جنّات المثوبة.\nوالكفار اليوم فى عقوبة الفرقة، وغدا فى عقوبة الحرقة.","vol":"2","page":158},{"text":"«فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ» فلا استثناء لبعض أوقات أهل الجنة من أول أمرهم قبل دخولهم الجنّة أو بعده. أو يحتمل أنه يزيد على مدة السماوات والأرض.\nوفى قوله «عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ» - أي عطاء غير مقطوع- دليل على أن تلك النعم غير مقطوعة ولا ممنوعة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1388>[سورة هود (١١): آية ١٠٩]</span>\nفَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ ما يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ (١٠٩)\nلا يريد أنّه ﵇ فى شك، ولكنه أراد به تحقيق كونهم مضاهين لآبائهم، كما تقول: لا شكّ أنّ هذا نهار.\nويقال الخطاب له والمراد به لأمّته.\n«وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ»: نجازيهم على الخير بخير وعلى الشر بضر «١» قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1389>[سورة هود (١١): آية ١١٠]</span>\nوَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١١٠)\nاختلفوا فى الكتاب الذي أوتى، وهو التوراة.\nواختلفوا فى كونه رسولا، فمن مصدّق ومن مكذّب.\nثم أخبر أنه- سبحانه- حكم بتأخير العقوبة، ولولا حكمته لعجّل لهم العقوبة.\nوفائدة الآية من هذا التعريف التخفيف على المصطفىﷺ- فيما كان\n_________\n(١) لم يقل القشيري: وعلى الشر بشر، وإنما استعمل (الضر) تأدبا من نأحية، ولأنه- حسب مذهبه الكلامى- لا ينسب (الشر) لله، من ناحية أخرى، وكما سنرى بعد قليل فى تفسيره للحسنة وللسيئة","vol":"2","page":159},{"text":"يلقاه من قومه من التكذيب، ففى سماع قصة الأشكال- وبعضهم من بعض- سلوة، ولقد قيل:\nأجارتنا إنّا غريبان هاهنا ... وكلّ غريب للغريب نسيب\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1390>[سورة هود (١١): آية ١١١]</span>\nوَإِنَّ كُلًاّ لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ إِنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١١)\nأعاد ذكر الجزاء على الأعمال بالثواب والعقاب، وكرّر ذلك فى القرآن فى كثير من المواضع إبلاغا فى التحذير، وتنبيها على طريق الاعتبار بحسن التفكير.\nثم إن الجزاء على الأعمال معجّل ومؤجّل، وكلّ من أعرض عن الغفلة وجنح إلى وصف التيقظ وجد فى معاملاته- عاجلا- الربح لا الخسران، وآجلا الزيادة لا النقصان، وما يجده المرء فى نفسه أتمّ مما يدركه بعلمه بشواهد برهانه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1391>[سورة هود (١١): آية ١١٢]</span>\nفَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢)\nيحتمل أن تكون السين فى الاستقامة سين الطلب أي سل من الله الإقامة لك على الحقّ.\nويحتمل أن تكون الإقامة فى الأمر بمعنى أقام عليه.\nوحقيقة الاستقامة على الطاعة المداومة على القيام بحقّها من غير إخلال بها، فلا يكون فى سلوك نهج الوفاق انحراف عنه.\nويقال المستقيم من لا ينصرف عن طريقه، يواصل سيره بمسراه، وورعه بتقواه، ويتابع فى ترك هواه.\nويقال استقامة النفوس فى نفى الزّلّة، واستقامة القلوب فى نفى الغفلة، واستقامة الأرواح بنفي العلاقة، واستقامة الأسرار بنفي الملاحظة «١» .\nاستقامة العابدين ألا يدخروا نفوسهم عن العبادة وألا يخلّوا بأدائها، ويقضون عسيرها ويسيرها. واستقامة الزاهدين ألا يرجوا من دنياهم قليلها ولا كثيرها. واستقامة التائبين\n_________\n(١) تهمنا هذه العبارة عند تحديد الآفات التي تصيب الملكات الباطنة حسب مذهب القشيري.","vol":"2","page":160},{"text":"ألا يلمّوا بعقوبة زلة فيدعون صغيرها وكبيرها ... وعلى هذا النحو استقامة كلّ أحد.\nقوله «وَمَنْ تابَ مَعَكَ»: أي فليستقم أيضا من معك.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1392>[سورة هود (١١): آية ١١٣]</span>\nوَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ (١١٣)\nلا تعملوا أعمالهم، ولا ترضوا بأعمالهم، ولا تمدحوهم على أعمالهم، ولا تتركوا الأمر بالمعروف لهم، ولا تأخذوا شيئا من حرام أموالهم، ولا تساكنوهم بقلوبكم، ولا تخالطوهم، ولا تعاشروهم ... كل هذا يحتمله الأمر، ويدخل تحت الخطاب.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1393>[سورة هود (١١): آية ١١٤]</span>\nوَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤)\nأي استغرق جميع الأوقات بالعبادات، فإنّ إخلالك لحظة من الزمان بفرض تؤديه، أو نفل تأتيه حسرة عظيمة وخسران مبين.\nقوله «إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ» الحسنات ما يجود بها الحق، والسيئات ما يذنبها العبد، فإذا دخلت حسناته على قبائح العبد محتها وأبطلتها.\nويقال حسنات القربة تذهب بسيئات الزّلّة.\nويقال حسنات الندم تذهب بسيئات الجرم.\nويقال (انسكاب) «١» العبرة تذهب العثرة «٢» .\nويقال حسنات العرفان تذهب سيئات العصيان.\nويقال حسنات الاستغفار تذهب سيئات الإصرار.\nويقال حسنات العناية تذهب سيئات الجناية.\nويقال حسنات العفو عن الإخوان تذهب الحقد عليهم.\nويقال حسنات الكرم تذهب سيئات الخدم.\n_________\n(١) هكذا مصوبة فى الهامش وهى أصوب مما جاء فى المتن (ارتكاب) .\n(٢) وردت (العسرة) بالسين والأصوب (العثرة) لأنها تنسجم مع السياق.","vol":"2","page":161},{"text":"ويقال حسن الظنّ بالناس يذهب سوأتهم بكم «١» .\nويقال حسنات الفضل من الله تذهب سيئات حسبان الطاعة من أنفسكم.\nويقال حسنات الصدق تذهب بسيئات الإعجاب.\nويقال حسنات الإخلاص تذهب بسيئات الرياء.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1394>[سورة هود (١١): آية ١١٥]</span>\nوَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١١٥)\nالصبر تجرّع كاسات التقدير من غير تعبيس.\nويقال الصبر حسن الإقبال على معانقة الأمر ومفارقة الزجر.\n«فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ» المحسن: العامل الذي يعلم أنّ الأجر على الصبر والطاعة بفضله- سبحانه- لا باستحقاق عمل.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1395>[سورة هود (١١): آية ١١٦]</span>\nفَلَوْلا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ وَكانُوا مُجْرِمِينَ (١١٦)\nمعناه لم يكن فيكم من هؤلاء الذين كانوا ينهون عن القبائح إلا قليل.\nوقيل معناه لم يكن فيمن قبلكم من الأمم من ينهى عن الفساد، ويحفظ الدّين، ويطيعون أنبياءهم- إلا قليل.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1396>[سورة هود (١١): آية ١١٧]</span>\nوَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ (١١٧)\nأي لم يهلك الله أحدا كان مصلحا وإنما أهلك من كان ظالما.\n_________\n(١) ربما يقصد القشيري من هذه العبارة الحث على الصفح عن عثرات الناس.","vol":"2","page":162},{"text":"ويقال معناه: لو أهلك الله أهل القرى وهم مصلحون لم يكن ذلك ظلما من الله لأن الملك ملكه، والخلق عبيده.\nويقال «الْمُصْلِحِ» من قام بحقّ ربّه دون طلب حظّه.\nويقال: «الْمُصْلِحِ» من آثر نجاته على هلاكه.\nويقال مصلح تصلح نفسه طاعته، ومصلح تصلح قلبه معرفة سيّده، ومصلح تصلح سرّه مشاهدة سيّده.\nقوله جل ذكره\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1397>[سورة هود (١١): الآيات ١١٨ الى ١١٩]</span>\nوَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩)\nلو شاء لجعلهم أرباب الوفاق ثم لا يوجبون لملكه زينّا، ولو شاء لجعلهم أرباب الخلاف ثم لا يوجبون لملكه شينا.\nثم قال: «وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ» لأنه كذلك أراد بهم.\nإِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ فى سابق حكمه فعصمهم عن الخلاف فى حاصل أمورهم، وأقامهم به، ونصبهم له، وأثبتهم فى الوفاق والمحبة والتوحيد.\nقوله جل ذكره وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ أي لا تبديل لقوله، ولا تحويل لحكمه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1398>[سورة هود (١١): آية ١٢٠]</span>\nوَكُلًاّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (١٢٠)\nسكّن قلبه بما قصّ عليه من أنباء المرسلين، وعرّفه أنه لم يرقّ أحدا إلى المحلّ الذي رقّاه إليه، ولم ينعم على أحد بمثل ما أنعم عليه.\nويقال قصّ عليه قصص الجميع، ولم يذكر قصته لأحد تعريفا له وتخصيصا. ويقال لم يكن ثبات قلبه بما قصّ عليه ولكن لاستقلال قلبه بمن كان يقص عليه، وفرق بين من يعقل بما يسمع وبين من يستقل بمن منه يسمع، وأنشدوا:","vol":"2","page":163},{"text":"وحدّثتنى يا سعد عنها فزدتنى ... حنينا فزدنى من حديثك يا سعد\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1399>[سورة هود (١١): الآيات ١٢١ الى ١٢٢]</span>\nوَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنَّا عامِلُونَ (١٢١) وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٢٢)\nإن الذين يجحدون التوحيد، ويؤثرون على الحقّ غير الحق، ولم يصدّقوا الوعيد، يوشك أن ينصبّ عليهم الانتقام فيغرقون فى بحار العقوبة، ويسقطون فى وهاد الهوان، فلا لويلهم انتهاء، ولا لذلّهم انقضاء.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1400>[سورة هود (١١): آية ١٢٣]</span>\nوَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٢٣)\nعمّى عن قلوبهم العواقب، وأخفى دونهم السوابق، وألزمهم القيام بما كلّفهم فى الحال، فقال: «فَاعْبُدْهُ» فإن تقسّم القلب وترجّم الظّنّ وخيف سوء العاقبة.. فتوكّل عليه أي استدفع البلاء عنك بحسن الظّنّ، وجميل الأمل، ودوام الرجاء.\n«وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ»: أحاط بكل شىء علما، وأمضى فى كل أمر حكما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1401>السورة التي يذكر فيها يوسف ﵇</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الاسم «١» من وسم فمن وسم ظاهره بالعبودية، وسرائره بمشاهدة الربوبية فقد سمت همّته إلى المراتب العليّة، وأزلفت رتبته من المنازل السنيّة.\nأو أن الاسم مشتق من السّمة أو من السموّ\n_________\n(١) ربما كان القشيري فى شرحه لمعنى (الاسم) متأثرا بالجو العام للسورة، وما حدث لكل من يوسف وإخوته من أحداث.","vol":"2","page":164},{"text":"وقدّم الله- سبحانه- اسم الله فى هذا المحل على اسميه الرحمن والرحيم على وجه البيان والحكم، فبرحمته الدنيوية وصل العبد إلى معرفته الإلهية.\nوالإشارة من الباء- التي هى حرف التضمين والإلصاق- إلى أنّ «به» عرف من عرف، وبه وقف من وقف فالواصل إليه محمول بإحسانه، والواقف دونه مربوط بخذلانه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1402>[سورة يوسف (١٢): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (١)\nالتخاطب بالحروف المتفرقة غير المنظومة سنّة الأحباب فى ستر المحابّ فالقرآن- وإن كان المقصود منه الإيضاح والبيان- ففيه تلويح وتصريح، ومفصّل ومجمل، قال قائلهم:\nأبكى إلى الشرق إن كانت منازلكم ... مما يلى الغرب خوف القيل والقال\nويقال وقفت فهوم الخلق عن الوقوف على أسراره فيما خاطب به حبيبهﷺ، فهم تعبدوا به وآمنوا به على الجملة ولكنه أفرد الحبيب بفهمه، فهو سرّ الحبيب ﵇ بحيث لا يطلع عليه الرقيب، يقول قائلهم:\nبين المحبين سرّ ليس يفشيه ... قول، ولا قلم للخلق يحكيه\nوفى إنزال هذه الحروف المقطعة إشارة: وهى أنّ من كان بالعقل والصحو استنبط من اللفظ اليسير كثيرا من المعاني، ومن كان بالغيبة والمحو يسمع الكثير فلا يفهم منه اليسير ذاك لكمال عقله وهذا لتمام وصله فأنزل الله هذه الحروف التي لا سبيل إلى الوقوف على معانيها، ليكون للأحباب فرجة حينما لا يقفون على معانيها بعدم السبيل إليها فلا تتوجه عليهم مطالبة بالفهم، وكان ذلك لائقا بأحوالهم إذا كانوا مستغرقين فى عين الجمع، ولذا قيل:\nاستراح من العقل له «١» .\nوقوله تعالى: «تِلْكَ» يحتمل أن يكون إشارة إلى أن هذا خبر الوعد الذي وعدناك.\n_________\n(١) هكذا فى (ص) ونرجح أنها (استراح من لا عقل له) والعقل هنا معناه الوعى.","vol":"2","page":165},{"text":"وقيل هذا تعريفنا: إليك بالتخصيص، وإفرادنا لك بالتقريب- قد حقّقناه لك فهذه الحروف بيان للإنجاز ولتحقيق الموعود.\nوالإشارة من «الْكِتابِ الْمُبِينِ» هاهنا إلى حكمه السابق له بأنّ يرقّيه إلى الرتبة التي لا يبلغها غيره، وقد قال تعالى: «وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا..» «١» أي حين كلّمنا موسى ﵇، وأخبرناه بعلوّ قدرك، ولم تكن حاضرا، وأخبرناه بأننا نبلغّك هذا المقام الذي أنت فيه الآن. وكذلك كلّ من أوحينا إليه ذكرنا له قصتك، وشرحنا له خلقتك، فالآن وقت تحقيق ما أخبرنا به، وفى معناه أنشدوا:\nسقيا لمعهدك الذي لو لم يكن ... ما كان قلبى للصبابة معهدا\nقال الله تعالى: «وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ» يعنى بعد التوراة «أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ» «٢» يعنى أمة محمد.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1403>[سورة يوسف (١٢): آية ٢]</span>\nإِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢)\nفى إنزال الكتاب عليه، وإرسال الرسول «٣» إليه- تحقيق لأحكام المحبة، وتأكيد لأسباب الوصلة فإنّ من عدم حقيقة الوصول استأنس بالرسول، ومن بقي عن شهود الأحباب تسلّى بوجود الكتاب، قال قائلهم:\nوكتبك حولى لا تفارق مضجعى ... ففيها شفاء للذى أنا كاتم\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1404>[سورة يوسف (١٢): آية ٣]</span>\nنَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ (٣)\n«أَحْسَنَ الْقَصَصِ»: لخلوّه عن الأمر والنهى الذي سماعه يوجب اشتغال القلب بما هو يعرّض لوقوع التقصير.\n«أَحْسَنَ الْقَصَصِ»: ففيه ذكر الأحباب.\n_________\n(١) آية ٤٦ سورة القصص.\n(٢) آية ١٠٥ سورة الأنبياء.\n(٣) (الرسول) هنا مقصود به القرآن الكريم أو جبريل- كما هو واضح من السياق.","vol":"2","page":166},{"text":"«أَحْسَنَ الْقَصَصِ»: لأن فيه عفو يوسف عن جنايات إخوته.\n«أَحْسَنَ الْقَصَصِ»: لما فيه من ذكر ترك يوسف لامرأة العزيز وإعراضه عنها عند ما راودته عن نفسه.\n«أَحْسَنَ الْقَصَصِ»: بالإضافة إلى ما سألوه أن يقص عليهم من أحوال الناس.\n«أَحْسَنَ الْقَصَصِ»: لأنه غير مخلوق «١» .\nويقال لمّا أخبره الله- سبحانه- أن هذه القصة أحسن القصص وجد رسول اللهﷺ- لنفسه مزايا وزوائد لتخصيصه فعلم أن الله تعالى لم يرقّ أحدا إلى مثل مارّقاه.\nقوله جل ذكره: وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ أي الذاهبين عن فهم هذه القصة. أي ما كنت إلا من جملة الغافلين عنها قبل أن أوحينا إليك بها، أي إنك لم تصلّ إلى معرفتها بكدّك وجهدك، ولا بطلبك وجدّك ...\nبل هذه مواهب لا مكاسب فبعطائنا وجدّتها لا بعنائك، وبتفضّلنا لا بتعلّمك، وبتلطّفنا لا بتكلّفك، وبنا لا بك.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1405>[سورة يوسف (١٢): آية ٤]</span>\nإِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ (٤)\nلما ذكر يوسف﵇- رؤياه لأبيه علم يعقوب﵇ صدّق تعبيرها، ولذلك كان دائم التذكّر ليوسف مدة غيبته، وحين تطاولت كان يذّكره حتى قالوا:\n«تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ» فقال: «إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ» فهو كان على ثقة من صدّق رؤياه فإن قيل: فإذا كان الصبىّ لا حكم لفعله فكيف يكون حكم لرؤياه؟ وما الفرق؟\n_________\n(١) القرآن غير مخلوق.. هذا أصل من الأصول الكلامية الهامة عند الأشاعرة- ومنهم القشيري.","vol":"2","page":167},{"text":"فيقال: إن الفعل بتعمّد يحصل فيكون معرّضا لتقصير فاعله، أمّا الرؤيا فلا تكون بتعمد منه فتنسب إلى نقصان.\nويقال إنّ حقّ السّرّ الكتمان ولو كان على من هو قريب منك فإن يوسف لما أظهر سرّ رؤياه على أبيه اتصل به البلاء.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1406>[سورة يوسف (١٢): آية ٥]</span>\nقالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٥)\nإذا جاء القضاء لا ينفع الوعظ والحذر فإن النصيحة والحذر لا يزيدان على ما نصح يعقوب ليوسف ﵉، ولكن لمّا سبق التقدير فى أمر يوسف﵇- حصل ما حصل.\nويقال إن يوسف خالف وصية أبيه فى إظهار رؤياه إذ لو لم يظهرها لما كادوا له، فلا جرم بسبب مخالفته لأبيه- وإن كان صبيا صغيرا- لم يعر من البلايا.\nويقال لما رأى يوسف فى منامه ما كان تأويله سجود الإخوة له رأى ما تعبيره: وسجود أبيه وخالته حيث قال تعالى: «وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ» فدخل الإخوة الحسد «١» أما الأب فلم يدخله إلا بنفسه لفرط شفقة الأبوة.\nويقال صدق تعبيره فى الإخوة فسجدوا له حيث قال: «وَ، خَرُّوا لَهُ سُجَّدًا» ولم يسجد الأب ولا خالته حيث قال: «وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ» فإن يوسف صانهما عن ذلك مراعاة لحشمة الأبوة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1407>[سورة يوسف (١٢): آية ٦]</span>\nوَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦)\nأي كما أكرمك بهذه الرؤيا التي أراكها يجتبيك ويحسن إليك بتحقيق هذه الرؤيا، وكما أكرمك بوعد النعمة أكرمك بتحقيقها.\nويقال الاجتباء ما ليس للمخلوق فيه أثر، فما يحصل للعبد من الخيرات- لا بتكلفه ولا بتعمده- فهو قضية الاجتباء.\n_________\n(١) وردت (الحد) والصواب أن تكون الحسد (انظر توضيح ذلك بعد قليل صفحة ١٧٠) ودخول الأب كان بنفسه ولم يكن بقلبه، وكان سببه شدة الإشفاق على ولده.","vol":"2","page":168},{"text":"ويقال من الاجتباء المذكور أن عصمه عن ارتكاب ما راودته امرأة العزيز عن نفسه.\nويقال من قضية الاجتباء إسباله الستر على فعل إخوته حيث قال: «وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ»، ولم يذكر خلاصه من البئر. ومن قضية الاجتباء توفيقه لسرعة العفو عن إخوته حيث قال: «لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ» قوله جل ذكره: وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ أي لتعرف قدر كلّ أحد، وتقف على مقدار كلّ قائل بما تسمع من حديثه.. لا من قوله بل لحدّة كياستك وفرط فراستك.\nقوله جل ذكره: وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ من إتمام النعمة توفيق الشكر على النعمة، ومن إتمام النعمة صونها عن السّلب والتغيير، ومن إتمام النعمة التّحرز «١» منها حتى تسهل عليك السماحة بها.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1408>[سورة يوسف (١٢): آية ٧]</span>\nلَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ (٧)\nيعنى لكلّ ذى محنة حتى يعلم كيف يصبر، ولكلّ ذى نعمة حتى يعلم كيف يشكر.\nويقال فى قصتهم كيفية العفو عن الزلّة، وكيفية الخجلة لأهل الجفاء عند اللقاء.\nويقال فى قصتهم دلالات لطف الله سبحانه بأوليائه بالعصمة، وآيات على أنّ المحبة (...) «٢» من المحنة.\nويقال فيها آيات على أنّ من صدق فى رجائه يختصّ- يوما- ببلائه.\n_________\n(١) (التحرز) من النعمة التوقي منها، وإذا افترضنا أنها قد تكون (التحرر) بالراء فمعناها ألا يكون العبد أسيرا للنعمة حتى يسهل عليه أن يجود بها ... وكلاهما صحيح مقبول فى السياق. [.....]\n(٢) متشبهة","vol":"2","page":169},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1409>[سورة يوسف (١٢): آية ٨]</span>\nإِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٨)\nعرّفوا على ما ستروه من الحسد، ولم يحتالوا فى إخراج ذلك من قلوبهم بالوقيعة فى أبيهم حتى قالوا: «إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ» .\nويقال لمّا اعترضوا بقلوبهم على أبيهم فى تقديم يوسف فى المحبة عاقبهم بأن أمهلهم «١» حتى بسطوا فى أبيهم لسان الوقيعة فوصفوه بلفظ الضلال، وإن كان المراد منه الذهاب فى حديث يوسف ﵇. ولمّا حسدوا يوسف على تقديم أبيهم له لم يرض- سبحانه- حتى أقامهم بين يدى يوسف ﵇، وخرّوا له سجّدا ليعلموا أنّ الحسود لا يسود.\nويقال أطول الناس حزنا من لاقّى الناس عن مرارة، وأراد تأخير من قدّمه الله أو تقديم من أخّره الله فإخوة يوسف﵇- أرادوا أن يجعلوه فى أسفل الجبّ فرفعه الله فوق السرير! قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1410>[سورة يوسف (١٢): آية ٩]</span>\nاقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صالِحِينَ (٩)\nأي يخلص لكم إقبال أبيكم عليكم، وقديما قيل: من طلب الكلّ فاته الكلّ فلمّا أرادوا أن يكون إقبال يعقوب﵇- بالكليّة- عليهم قال تعالى:\n«فَتَوَلَّى عَنْهُمْ» .\nويقال كان قصّدهم ألا يكون يوسف أمام عينه فقالوا: إمّا القتل وإمّا النّفى، ولا بأس بما يكون بعد ألا يكون يوسف ﵇.\nقوله جل ذكره: وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صالِحِينَ عجّلوا بالحرام، وعلّقوا التوبة بالتسويف والعزم، فلم يمح ما أجّلوا من التوبة ما عجّلوا من الحوبة.\n_________\n(١) وردت (أهملهم) وهى خطأ في النسخ لأن الله لا يهمل ولكن يمهل، والسياق يقتضى (الإمهال) .","vol":"2","page":170},{"text":"ويقال لم تطبّ نفوسهم بأن يذهبوا عن باب الله بالكليّة فدبّروا لحسن الرجوع قبل ارتكاب مادعته إليه نفوسهم، وهذه صفة أهل العرفان بالله «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1411>[سورة يوسف (١٢): آية ١٠]</span>\nقالَ قائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (١٠)\nإخوة يوسف- وإن قابلوه بالجفاء- منعتهم شفقة النّسب وحرمة القرابة من الإقدام على قتله فقالوا لا تقتلوه وغيّبوا شخصه.\nويقال إنما حملهم على إلقائه مرادهم أن يخلو لهم وجه أبيهم، فلمّا أرادوا حصول مرادهم فى تغييبه لم يبالغوا فى تعذيبه.\nويقال لمّا كان المعلوم له- سبحانه- فى أمر يوسف تبليغه إياه تلك القربة ألقى الله فى قلب قائلهم حتى قال: «لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ» .\nثم إنه- وإن أبلاه فى الحال- سهّل عليه ذلك فى جنب ما رقّاه إليه فى المآل «٢»، قال قائلهم:\nكم مرة حفّت بك المكاره ... خار لك الله- وأنت كاره\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1412>[سورة يوسف (١٢): آية ١١]</span>\nقالُوا يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ (١١)\nكلام الحسود لا يسمع، ووعده لا يقبل- وإنّ كانا فى معرض النّصح فإنّه يطعم الشّهد ويسقى الصّاب.\nويقال العجب من قبول يعقوب﵇- ما أبدى بنوه له من حفظ يوسف ﵇ وقد تفرّس فيهم قلبه فقال ليوسف: «فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا» ولكن إذا جاء القضاء فالبصبرة تصير مسدودة.\n_________\n(١) واضح من هنا ومما جاء فى السياق أن القشيري- بتسامحه الصوفي الأصيل- ينظر إلى إخوة يوسف نظرة خالية من التحامل عليهم.\n(٢) كأنما ينصح القشيري أصحاب الإرادة: إن لقيتم اليوم فى الله شدة، فلكم غدا مثوبة. وكأنما يوضح لأهل الجدل: إن مقاييس الشر والخير الإنسانية خاطئة قاصرة.","vol":"2","page":171},{"text":"ويقال من قبل على محبوبه حديث أعدائه لقى ما لقى يعقوب فى يوسف.\n﵉- من بلائه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1413>[سورة يوسف (١٢): آية ١٢]</span>\nأَرْسِلْهُ مَعَنا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (١٢)\nيقال أطمعوا يعقوب ﵇ فى تمكينهم من يوسف بما فيه راحة نفس فى اللعب، فطابت نفس يعقوب لإذهابهم إياه من بين يديه- وإن كان يشقّ عليه فراقه، ولكنّ المحبّ يؤثر راحة محبوبه على محبة نفسه.\nويقال لما ركن إلى قولهم: «وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ» - أي من قبلهم «١» - حتى قالوا:\n«وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ» فمن أسلم حبيبه إلى أعدائه غصّ بتحسّى بلائه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1414>[سورة يوسف (١٢): آية ١٣]</span>\nقالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ (١٣)\nيحزننى أن تذهبوا به لأنى لا أصبر عن رؤيته، ولا أطيق على فرقته ... هذا إذا كان الحال سلامته.. فكيف ومع هذا أخاف أن يأكله الذئب؟! ويقال لما خاف عليه من الذئب امتحن بحديث الذئب، ففى الخبر ما معناه: إنما يسلط على ابن آدم ما يخافه. وكان من حقه أن يقول أخاف الله لا الذئب، وإن كانت محالّ الأنبياء ﵈- محروسة من الاعتراض عليها.\nويقال لمّا جرى على لسان يعقوب﵇- من حديث الذئب صار كالتلقين لهم، ولو لم يسمعوه ما اهتدوا إلى الذئب «٢» .\n_________\n(١) يرجع القشيري ما أصاب يعقوب من بلاء إلى ركونه إلى حفظ يوسف من قبل الخلق وأنه اطمأن لدعواهم مع أن الحفظ لا يكون إلا بالله.\n(٢) تفيد هذه النقطة فى إثبات كرامة الأولياء، وما يجرى على ألسنتهم من تنبؤ بما قد يحدث فى المستأنف على وجه الإجمال.","vol":"2","page":172},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1415>[سورة يوسف (١٢): آية ١٤]</span>\nقالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخاسِرُونَ (١٤)\nلحق إخوة يوسف ﵇ ما وصفوا به أنفسهم من الخسران حيث قالوا:\n«إِنَّا إِذًا لَخاسِرُونَ»: لأنّ من باع أخا مثل يوسف بمثل ذلك الثمن حقيق بأن يقال قد خسرت صفقته.\nويقال لمّا عدوّا القوة فى أنفسهم حين قالوا: «وَنَحْنُ عُصْبَةٌ» خذلوا حتى فعلوا «١» .\nويقال لمّا ركن يعقوب﵇- إلى قولهم: «وَنَحْنُ عُصْبَةٌ» لقى ما لقى.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1416>[سورة يوسف (١٢): آية ١٥]</span>\nفَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١٥)\nالجواب فيه مقدّر ومعناه فلما ذهبوا بيوسف وعزموا على أن يلقوه فى البئر فعلوا ما عزموا عليه. أو فلمّا ذهبوا به وألقوه فى غيابة الجبّ أوحينا إليه فتكون الواو صلة.\nوالإشارة فيه أنه لمّا حلّت به البلوى عجّلنا له التعريف بما ذكرنا من البشرى ليكون محمولا بالتعريف فما هو متحمّل له من البلاء العنيف.\nويقال حين انقطعت على يوسف ﵇ مراعاة أبيه حصل له الوحى من قبل مولاه، وكذا سنّته تعالى أنه لا يفتح على نفوس أوليائه بابا من البلاء إلا فتح على قلوبهم أبواب الصفاء، وفنون لطائف الولاء.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1417>[سورة يوسف (١٢): الآيات ١٦ الى ١٧]</span>\nوَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ (١٦) قالُوا يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ (١٧)\nتمكين الكذّاب من البكاء سمة خذلان الله تعالى إياه، وفى الخبر: إذا كمل نفاق المرء ملك عينه حتى يبكى ما شاء.\nويقال: لا يبعد أن يقال إنهم وإن جنوا على يوسف ﵇ فقد ندموا على ما فعلوا، فعلاهم البكاء لندمهم- وإن لم يظهروا لأبيهم- وتقوّلوا على الذّئب.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1418>[سورة يوسف (١٢): آية ١٨]</span>\nوَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ (١٨) .\n_________\n(١) فقد كانت من دعاوى النفس.","vol":"2","page":173},{"text":"لم يؤثّر تزوير قاليهم فى إيجاب تصديق يعقوب﵇ لكذبهم بل أخبره قلبه أنّ الأمر بخلاف ما يقولونه فقال:\nبَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ.\nفعلم على الجملة وإنّ لم يعلم على التفصيل.. وهكذا تقرع قلوب الصديقين عواقب الأمور على وجه الإجمال، إلى أنّ تتّضح لهم تفاصيلها فى المستأنف.\nويقال عوقبوا على ما فعلوه بأن أغفلوا عن تمزيق قميصه حتى علم يعقوب تقوّلهم فيما وصفوا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1419>[سورة يوسف (١٢): آية ١٩]</span>\nوَجاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ فَأَدْلى دَلْوَهُ قالَ يا بُشْرى هذا غُلامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ (١٩)\nليس كلّ من طلب شيئا يعطى مراده فقط بل ربما يعطى فوق مأموله كالسيارة كانوا يقنعون بوجود الماء فوجدوا يوسف ﵇.\nويقال ليس كل من وجد شيئا كان كما وجده السيارة توهموا أنهم وجدوا عبدا مملوكأ وكان يوسف- فى الحقيقة- حرّا «١» .\nويقال لمّا أراد الله تعالى خلاص يوسف﵇- من الجبّ أزعج خواطر السّيارة فى قصد السفر، وأعدمهم الماء حتى احتاجوا إلى الاستقاء ليصل يوسف ﵇ إلى الخلاص، ولهذا قيل: ألا ربّ تشويش يقع فى العالم والمقصود منه سكون واحد.\nكما قيل: ربّ ساع له قاعد.\nقوله جل ذكره\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1420>[سورة يوسف (١٢): آية ٢٠]</span>\nوَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (٢٠)\nلم يعرفوا خسرانهم فى الحال ولكنهم وقفوا عليه فى المآل.\n_________\n(١) أي ربما تكون حقيقة النعمة أعظم من ظاهرها.","vol":"2","page":174},{"text":"ويقال قد يباع مثل يوسف ﵇ بثمن بخس، ولكن إذا وقعت الحاجة إليه فعند ذلك يعلم ما يلحق من الغبن.\nويقال لم يحتشموا من يوسف﵇- يوم باعوه بثمن بخس، ولكن لمّا قال لهم: أنا يوسف- وقع عليهم الخجل. ولهذا قيل: كفى للمقصر الحياء يوم اللقاء.\nويقال لمّا خرّوا له سجّدا علموا أنّ ذلك جزاء من باع أخاه بثمن بخس.\nويقال لمّا وصل الناس إلى رفق يوسف عاشوا فى نعمته، واحتاجوا إلى أن يقفوا بين يديه فى مقام الذّلّ قائلين «مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ»، وفى معناه أنشدوا:\nستسمع بي وتذكرنى ... وتطلبنى فلا تجد\nويقال ليس العجب ممن يبيع مثل يوسف﵇- بثمن بخس إنما العجب ممن (...) «١» مثل يوسف﵇- بثمن بخس، لا سيّما «وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ» (الخرق لا غاية له، وكذا العجب لا نباته له) «٢» .\nويقال ليس العجب ممن يبيع يوسف﵇- بثمن بخس، إنّما العجب ممن يبيع وقته الذي أعزّ من الكبريت الأحمر بعرض حقير من أعراض الدنيا.\nويقال إنّ السيارة لم يعرفوا قيمته فزهدوا فى شرائه بدراهم، والذين وقفوا على جماله وشىء من أحواله غالوا- بمصر- فى ثمنه حتى اشتروه بزنته دراهم ودنانير مرات- كما فى القصة «٣»، وفى معناه أنشدوا:\nإنّ كنت عندك يا مولاى مطّرحا ... فعند غيرك محمول على الحدق «٤»\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1421>[سورة يوسف (١٢): آية ٢١]</span>\nوَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ لامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٢١)\n_________\n(١) هنا كلمة فى الكتابة هكذا (بحل) ولا ندرى كيف نصرفها إلى إنجاه يخدم المعنى.\n(٢) ما بين القوسين ورد هكذا فى (ص) وفيه التباس ناشىء عن سوء النسخ.\n(٣) يقال إن العزيز اشتراء بزنته ورقا وحريرا ومسكا.\n(تفسير النسفي ج ٢ ص ٢١٦ ط عيسى الحلبي)\n(٤) الحدق جمع حدقة وهى السواد المستدبر وسط للعين.","vol":"2","page":175},{"text":"لمّا نودى على يوسف فى مصر بالبيع لم يرض الحقّ- سبحانه- حتى أصابتهم الضرورة ومسّتهم الفاقة حتى باعوا من يوسف﵇- جميع أملاكهم، ثم باعوا كلّهم منه أنفسهم- كما فى القصة- وفى آخر أمرهم طلبوا الطعام، فصاروا بأجمعهم عبيده، ثم إنه ﵇ لما ملكهم منّ عليهم فأعتقهم «١» فلئن مرّ عليه بمصر يوم نودى فيه عليه بالبيع فقد أصبح بمصر يوما آخر وقد ملك جميع أملاكهم، وملك رقاب جميعهم فيوم بيوم، قال تعالى: «فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا» يومان شتّان بينهما! ثم إنه أعتقهم جميعا ... وكذا الكريم إذا قدر غفر.\nقوله جل ذكره: وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ، وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ أراد من حسده ألّا تكون له فضيلة على إخوته وذويه، وأراد الله أن يكون له ملك الأرض، وكان ما أراد الله لا ما أراد أعداؤه.\nقوله جل ذكره: وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ أرادوا أن يكون يوسف ﵇ فى الجبّ، وأراد الله- سبحانه- أن يكون يوسف على سرير الملك فكان ما أراد الله، والله غالب على أمره.\n_________\n(١) فى القصة «وباع من أهل مصر فى سنى القحط الطعام بالدراهم والدنانير فى السنة الأولى حتى لم يبق معهم شىء منها ثم بالحلى والجواهر فى الثانية تم بالدواب فى الثالثة تم بالعبيد والإماء فى الرابعة ثم بالدور والعقار فى الخامسة ثم باولادهم فى السادسة ثم برقابهم فى السابعة حتى استرقهم جميعا ثم أعتق أهل مصر ورد عليهم أملاكهم» النسفي ج ٢ ص ٢٢٨.","vol":"2","page":176},{"text":"وأرادوا أن يكون يوسف عبدا لمن ابتاعوه من السيارة، وأراد الله أن يكون عزيز مصر- وكان ما أراد الله.\nويقال العبرة لا ترى من الحقّ فى الحال، وإنما الاعتبار بما يظهر فى سرّ تقديره فى المآل.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1422>[سورة يوسف (١٢): آية ٢٢]</span>\nوَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٢٢)\nمن جملة الحكم الذي آتاه الله نفوذ حكمه على نفسه حتى غلب شهوته، وامتنع عما راودته تلك المرأة عن نفسه ومن لا حكم له على نفسه فلا حكم له على غيره.\nويقال إنما قال: «وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ» أي حين استوى شبابه واكتملت قوّته، وكان وقت استيلاء الشهوة، وتوفر دواعى مطالبات البشرية- آتاه الله الحكم الذي حبسه على الحقّ وصرفه عن الباطل، وعلم أنّ ما يعقب اتباع اللذات من هواجم النّدم أشدّ مقاساة من كلفة الصبر فى حال الامتناع عن دواعى الشهوة ... فآثر مشقّة الامتناع على لذّة الاتباع.\nوذلك الذي أشار إليه الحقّ- سبحانه- من جميل الجزاء الذي أعطاه هو إمداده بالتوفيق حتى استقام فى التقوى والورع على سواء الطريق، قال تعالى «وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا» «١»: أي الذين جاهدوا بسلوك طريق المعاملة لنهدينهم سبل الصبر على الاستقامة حتى تتبين لهم حقائق المواصلة.\nقوله جلّ ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1423>[سورة يوسف (١٢): آية ٢٣]</span>\nوَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢٣)\nلما غلّقت عليه أبواب المسكن فتح الله عليه باب العصمة «٢»، فلم يضرّه ما أغلق بعد إكرامه بما فتح.\n_________\n(١) آية ٦٩ سورة العنكبوت. [.....]\n(٢) نلفت النظر إلى جمال عبارة القشيري الناتج عن المقابلة بين (الإغلاق) و(الفتح) .","vol":"2","page":177},{"text":"وفى التفسير أنه حفظ حرمة الرجل الذي اشتراه، وهو العزيز.\nوفى الحقيقة أشار بقوله: «إِنَّهُ رَبِّي» إلى ربّه الحقّ تعالى: هو مولاى الحق تعالى، وهو الذي خلّصنى من الجب، وهو الذي جعل فى قلب العزيز لى محلّا كبيرا فأكرم مثواى فلا ينبغى أن أقدم على عصيانه- سبحانه- وقد غمرنى بجميل إحسانه.\nويقال إن يوسف ﵇ قال لها: إن العزيز أمرنى أن أنفعه. «عَسى أَنْ يَنْفَعَنا» فلا أخونه فى حرمته بظهر الغيب.\nويقال لمّا حفظ حرمة المخلوق بظهر الغيب أكرمه الحقّ سبحانه بالإمداد بالعصمة فى الحال ومكّنه من مواصلتها فى المآل على وجه الحلال.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1424>[سورة يوسف (١٢): آية ٢٤]</span>\nوَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤)\nما ليس بفعل الإنسان مما يعتريه- بغير اختياره ولا بكسبه- كان مرفوعا لأنه لا يدخل تحت التكليف، فلم يكن «الهم» «١» منه ولا منها زلّة، وإنما الزلّة من المرأة كانت من حيث عزمت على ما همّت، فأمّا نفس الهمّ فليس مما يكسبه العبد.\nويقال اشتركا فى الهمّ وأفرد- يوسف ﵇- بإشهاده البرهان.\nوفى تعيين ذلك البرهان- ما الذي كان؟ - تكلّف غير محمود إذ لا سبيل إليه إلا بالخبر المقطوع به.\nوفى الجملة كان البرهان تعريفا من الحقّ إياه بآية من آيات صنعه، قال تعالى: «سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ» «٢» .\n_________\n(١) واضح أن القشيري بهدف إلى نفى كل تهمة عن يوسف ولهذا يلجأ إلى تأويل لفظة «الهم» الذي اشترك فيه وامراة العزيز كما يعبر ظاهر اللفظ.\n(٢) آية ٥٣ سورة فصلت.","vol":"2","page":178},{"text":"وقوله: «كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ» صرف عنه السّوء حتى لم يوجد منه العزم على ذلك الفعل- وإن كان منه همّ- إلا أن ذلك لم يكن جرما كما ذكرنا.\nوالصّرف عن الطريق بعد حصول الهمّ- كشف، والسوء المصروف عنه هو العزم على الزنا والفحشاء أو نفس الزنا، وقد صرفهما الله تعالى عنه.\nقوله «إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ»: لم تكن نجاته فى خلاصه، ولكن فى صرف السوء عنه واستخلاصه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1425>[سورة يوسف (١٢): آية ٢٥]</span>\nوَاسْتَبَقَا الْبابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ قالَتْ ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلاَّ أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٢٥)\nاستبقا، هذا ليهرب، وهذه للفعلة التي كانت تطلب.\nولم يضر يوسف﵇- أن قدّت قميصه وهو لباس دنياه بعد ما صحّ عليه قميص تقواه.\nويقال «١» لم تقصد قدّ القميص وإنما تعلّقت به لتحبسه على نفسها، وكان قصدها بقاء يوسف﵇- معها، ولكن صار فعلها وبالا على نفسها، فكان بلاؤها من حيث طلبت راحتها وشفاءها.\nويقال تولّد انخراق القميص من قبضها عليه وكان فى ذلك افتضاح أمرها لأن قبضها على قميصه كان مزجورا عنه.. ليعلم أنّ الفاسد شجّه فاسد.\nويقال لشدة استيلاء الهوى عليها لم تعلم فى الحال أنها تقدّ قميصه من ورائه أو من قدّامه..\nكذلك صاحب البلاء فى الهوى مسلوب التمييز.\nويقال لمّا لم تصل ولم تتمكن من مرادها من يوسف خرقت قميصه ليكون لها فى إلقائها الذّنب على يوسف﵇- حجّة، فقلب الله الأمر حتى صار ذلك عليها حجة، وليوسف دلالة صدق، قال تعالى: «وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ» «٢»\n_________\n(١) فيما يلى من إشارات تلاحظ أن القشيري قد جعل من امرأة العزيز رمزا لطالب الدنيا وأسير الهوى ومن يوسف رمزا مقابلا لذلك.\n(٢) آية ٤٣ سورة فاطر.","vol":"2","page":179},{"text":"قوله تعالى: «وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ»: لمّا فتحا الباب وجدا سيدها لدى الباب، والإشارة فيه إلى أن ربك بالمرصاد إذا خرج العبد عن الذي هو عليه من التكليف فى الحال وقع فى ضيق السؤال.\nويقال قال: «أَلْفَيا سَيِّدَها» ولم يقل سيدهما لأن يوسف فى الحقيقة كان حرا ولم يكن العزيز له سيدا.\nقوله جل ذكره: قالَتْ ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ شغلته بإغرائها إياه بيوسف عن نفسها بأن سبقت إلى هذا الكلام.\nويقال لقنته حديث السجن أو العذاب الأليم لئلا يقصد قتله ففى عين ما سعت به نظرت له وأبقت عليه.\nويقال قالت ما جزاء من فعل هذا إلا السجن فإن لم ترض بذلك، وستزيد فالعذاب الأليم يعنى الضّرب المبرّح.. كأنما ذكرت حديث العقوبة بالتدريج.\nويقال أوقعت السجن الذي يبقى مؤجّلا فى مقابلة الضرب الأليم المعجل ليعلم أن السجن الطويل- وإن لم يكن فيه فى الظاهر ألم- فهو فى مقابلة الضرب الشديد الموجع لأنه- وإن اشتدّ فلا يقابله.\nويقال قالت: «ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا؟» فذكر الأهل هاهنا غاية تهييج الحميّة وتذكير بالأنفة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1426>[سورة يوسف (١٢): الآيات ٢٦ الى ٢٨]</span>\nقالَ هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧) فَلَمَّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨)","vol":"2","page":180},{"text":"أفصح يوسف ﵇ بجرمها إذ ليس للفاسق حرمة يجب حفظها، فلم يبال أن هتك سترها فقال. «هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي» فلمّا كان يوسف صادقا فى قوله، ولم يكن له شاهد أنطق الله الصبيّ الصغير الذي لم يبلغ أوان النطق «١» . ولهذا قيل إذا كان العبد صادقا فى نفسه لم يبال الله أن ينطق الحجر لأجله.\nقوله: فَلَمَّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ لما اتضح الأمر واستبان الحال وظهرت براءة ساحة يوسف ﵇ قال العزيز: «إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ»: دلّت الآية على أنّ الزنا كان محرّما فى شرعهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1427>[سورة يوسف (١٢): آية ٢٩]</span>\nيُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ (٢٩)\nلم يرد أن يهتك ستر امرأته فقال ليوسف: أعرض عن هذا الحديث، ثم قال لها:\n«وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ»: دلّ على أنه لم يكن فى شرعهم على الزنا حدّ- وإن كان محرّما حيث عدّه ذنبا.\nويقال ليس كلّ أحد أهلا للبلاء لأن البلاء من صفة أرباب الولاء، فأمّا الأجانب فيتجاوز عنهم ويخلى سبيلهم- لا لكرامة محلّهم- ولكن لحقارة قدرهم، فهذا يوسف ﵇ كان بريء السّاحة، وظهرت للكلّ سلامة جانبه وابتلى بالسجن. وامرأة العزيز فى سوء فعلها حيث قال: «إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ»، وقال لها: «وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ» ..\nثم لم تنزل بها شظية من البلاء.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1428>[سورة يوسف (١٢): آية ٣٠]</span>\nوَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَها حُبًّا إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٣٠)\n_________\n(١) قيل هو صبى فى المهد وهو ابن خال لها. وسمى قوله شهادة لأنه أدى مؤدى الشهادة فى أن ثبت به قول يوسف وبطل قولها (النسفي ج ٢ ص ٢١٨) .","vol":"2","page":181},{"text":"إنّ الهوى لا ينكتم، ولا تكون المحبة إلا وأبيح لها لسان عذول، فلما تحققت محبتها ليوسف بسطت النّسوة فيها لسان الملامة.\nولما كانت أحسن منهن قيمة- فقد كنّ من جملة خدمها- كانت أسرع إلى الملامة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1429>[سورة يوسف (١٢): الآيات ٣١ الى ٣٢]</span>\nفَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هذا بَشَرًا إِنْ هذا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ (٣١) قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ (٣٢)\nأرادت أن يغلب عليهن استحقاق الملامة، وتنفى عن نفسها أن تكون لها «١» أهلا، ففعلت بهن ما عملت، فلمّا رأينه تغيّرن وتحيّرن ونطقن بخلاف التمييز، فقلن: «ما هذا بَشَرًا»: وقد كان بشرا، وقلن «إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ»: ولم يكن ملكا.\nقوله: «فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ»: أثّرت رؤيتهن له فيهن فقطّعن أيديهن بدل الثمار، ولم يشعرن، وضعفن بذلك عندها فقالت: ألم أقل لكن؟ أنتن لم تتمالكن حتى قطّعتنّ أيديكنّ! فكيف أصبر وهو فى منزلى؟! وفى معناه أنشدوا:\n_________\n(١) أي أهلا للملامة.","vol":"2","page":182},{"text":"(أنت عند الخصام عدوى ... ... ............... ...........) «١»\nويقال «٢» إن امرأة العزيز كانت أتم فى حديث يوسف﵇- من النسوة فأثرت رؤيته فيهن ولم تؤثّر فيها، والتّغيّر صفة أهل الابتداء فى الأمر، فاذا دام المعنى زال التغيّر قال أبو بكر الصدّيقرضي الله عنه- لمن رآه يبكى وهو قريب العهد فى الإسلام:\nهكذا كنّا حتى قست القلوب. أي وقرت «٣» وصلبت. وكذا الحريق أول ما يطرح فيها الماء يسمع له صوت فإذا تعوّد شرب الماء سكن فلا يسمع له صوت.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1430>[سورة يوسف (١٢): آية ٣٣]</span>\nقالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ (٣٣)\nالاختبار مقرون بالاختيار ولو تمنّي العافية بدل ما كان يدعى إليه لعلّه كان يعافى، ولكنه لما قال: «السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ» طولب بصدق ما قال.\nويقال إن يوسف ﵇ نطق من عين التوحيد حيث قال: «وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ» فقد علم أن نجاته فى أن يصرف- سبحانه- البلاء عنه لا بتكلّفه ولا بتجنبه.\nويقال لمّا آثر يوسف﵇- لحوق المشقة فى الله على لذّة نفسه آثره عصره حتى قيل له: «تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا» «٤» قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1431>[سورة يوسف (١٢): آية ٣٤]</span>\nفَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٤)\n_________\n(١) بقية البيت مضطربة فى الكتابة، ومطموسة فى بعض المواضع.\n(٢) القشيري هنا مستفيد من رأى استاذه أبى على الدقاق.\n(انظر رأى الدقاق فى رسالة القشيري فى معنى التلوين والتمكين ص ٤٤)\n(٣) وقرت- أصابها الثقل.\n(٤) آية ٩١ من سورة يوسف.","vol":"2","page":183},{"text":"لمّا رجع إلى الله بصدق الاستغاثة تداركه الله سبحانه بوشيك الإغاثة ... كذلك ما اغيّر. لأحد- فى الله تعالى- قدم إلّا روّحه بكرمه وتولّاه بنعمه- إنه هو «السَّمِيعُ» لأقوال السائلين، «الْعَلِيمُ» بأحوالهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1432>[سورة يوسف (١٢): آية ٣٥]</span>\nثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (٣٥)\nلمّا سجن يوسف﵇- مع ظهور براءة ساحته اتقاء على امرأته أن يهتك سترها حوّل الله ملكه إليه، ثم فى آخر الأمر حكم الله بأن صارت امرأته بعد مقاساتها الضّر ... وهذا جزاء من صبر.\nويقال لمّا ظلم يوسف ﵇ بما نسب إليه أنطق الله تلك المرأة حتى قالت فى آخر أمرها بما كان فيه هتك سترها، فقالت: «الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1433>[سورة يوسف (١٢): آية ٣٦]</span>\nوَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ قالَ أَحَدُهُما إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٣٦)\nلصحبة السجن أثر يظهر ولو بعد حين فإنّ يوسف ﵇ لمّا قال لصاحبه اذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ربّه فبقى يوسف فى السجن زمانا، ثم إن خلاصه كان على لسانه حيث قال: فأرسلوا إلى يوسف وقيل له: «يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنا ...\nالآية» فالصحبة تعطى بركاتها وإن كانت تبطئ.\nقوله: «إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ»: الشهادة بالإحسان للمحسن ذريعة، بها يتوسّل إلى استجلاب إحسانه.","vol":"2","page":184},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1434>[سورة يوسف (١٢): آية ٣٧]</span>\nقالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (٣٧)\nالتّثبّت فى الجواب دون التسرع من أمارات أهل المكارم، كيوسف ﵇ وعدهما أن يجيبهما ولم يسرع الإجابة فى الوقت.\nويقال لمّا أخّر الإجابة علّق قلوبهما بالوعد وإذا لم يكن نقد فليكن وعد.\nويقال لمّا فاتحوه بسؤالهم قدّم على الجواب ما اقترحه عليهما من كلمة التوحيد فقال:\n«ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ ...» ثم قال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1435>[سورة يوسف (١٢): آية ٣٨]</span>\nوَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وَعَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ (٣٨)\nولما فرغ من تفسير التوحيد، والدعاء إلى الحق سبحانه أجابهما فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1436>[سورة يوسف (١٢): الآيات ٣٩ الى ٤٠]</span>\nيا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩) ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٤٠)","vol":"2","page":185},{"text":"هكذا كاد يوسف ﵇ ألا يسكت حين أخذ فى شرح التوحيد وذكر المعبود، وفى الخبر: من أحبّ شيئا أكثر من ذكره.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1437>[سورة يوسف (١٢): آية ٤١]</span>\nيا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ (٤١)\nاشتركا فى السؤال واشتركا فى الحكم وفى دخول السجن، ولكن تباينا في المآل واحد صلب، وواحد قرّب ووهب.. وكذا قضايا التوحيد واختيار الحق فمن مرفوع:\nفوق السّماك مطلعه، ومن مدفون: تحت التراب مضجعه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1438>[سورة يوسف (١٢): آية ٤٢]</span>\nوَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (٤٢)\nيتبيّن أنّ تعبير الرؤيا- وإن كان حقا- فهو بطريق غلبة الظّنّ دون القطع.\nثم إنه عاتب يوسف ﵇ لأنه نسى فى حديثه من يستعين به حين قال: «اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ» .\nويقال إنه طلب من بشر عوضا على ما علّمه، وفى بعض الكتب المنزلة: يا ابن آدم، علّم مجانا كما علّمت مجانا.\nولما استعان بالمخلوق طال مكثه فى السجن، كذلك يجازى الحقّ- سبحانه- من يعلّق قلبه بمخلوق.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1439>[سورة يوسف (١٢): آية ٤٣]</span>\nوَقالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ (٤٣)","vol":"2","page":186},{"text":"كان ابتداء بلاء يوسف﵇- بسبب رؤيا رآها فنشرها وأظهرها، وكان سبب نجاته أيضا رؤيا رآها الملك فأظهرها، ليعلم أنّ الله يفعل ما يريد فكما جعل بلاءه فى إظهار رؤيا جعل نجاته فى إظهار رؤيا «١» ليعلم الكافة أن الأمر بيد الله يفعل ما يشاء.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1440>[سورة يوسف (١٢): آية ٤٤]</span>\nقالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ (٤٤)\nحال الرؤيا لا يختلف بالخطأ فى التعبير، فإنّ القوم حكموا بأن رؤياه أضغاث أحلام فلم يضره ذلك، ولم يؤثّر فى صحة تأويلها.\nقوله: «وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ»: من طلب الشيء من غير موضعه لم ينل مطلوبه، ولم يسعد بمقصوده.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1441>[سورة يوسف (١٢): آية ٤٥]</span>\nوَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (٤٥)\nلمّا كان المعلوم لله والمحكوم أن يوسف ﵇ يكون فى ذلك الوقت هو من يعبّر الرؤيا- قبض القلوب حتى خفى عليها تعبير تلك الرؤيا، ولم يحصل للملك ثلج الصّدر إلا بتعبير يوسف «٢»، ليعلم أنّ الله- سبحانه- إذا أراد أمرا سهل أسبابه.\nويقال: إن الله تعالى أفرد يوسف ﵇ من بين أشكاله بشيئين: بحسن الخلقة وبزيادة العلم فكان جماله سبب بلائه، وصار علمه سبب نجاته، لتعلم مزيّة العلم على غيره، لهذا قيل: العلم يعطى وإن كان يبطى.\n_________\n(١) بهدف القشيري إلى شىء بعيد هو أن المقاييس الإنسانية نسبية ولا تؤدى حتما إلى الصواب، وبالتالى لا ينبغى تطبيقها على ما يجرى فى الكون من تصاريف إلهية.\n(٢) يصلح هذا التصور- على نحو ما- لتفسير كرامات الأولياء.","vol":"2","page":187},{"text":"ويقال إذا كان العلم بالرؤيا يوجب الدنيا فالعلم بالمولى أولى أن يوجب العقبى، قال تعالى:\n«وإذا رأيت ثمّ رأيت نعيما وملكا كبيرا» «١» قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1442>[سورة يوسف (١٢): الآيات ٤٧ الى ٤٩]</span>\nقالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (٤٧) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (٤٨) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (٤٩)\nلم يقدّم الدعاء إلى الله تعالى على تعبير هذه الرؤيا كما فعل فى المرة الأولى، لأن هذا السائل هو الذي دعاه فى المرة الأولى. فإمّا أنه قد قبل فى المرة الثانية، وإمّا أنه لم يقبل فيئس منه فأهمله.\nوصاحب الرؤيا الثانية كان الملك وكان غائبا، والوعظ والدعاء لا يكونا إلا فى المشاهدة دون المغايبة.\nويقال يحتمل أن يكون قد تفرّس فى الفتيان قبول التوحيد فإنّ الشباب ألين قلبا، أمّا فى هذا الموضع فقد كان الملك أصلب قلبا وأفظّ جانبا فلذلك لم يدعه إلى التوحيد لما تفرّس فيه من الغلظة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1443>[سورة يوسف (١٢): آية ٥٠]</span>\nوَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جاءَهُ الرَّسُولُ قالَ ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (٥٠)\nأراد ﵇ ألا يلاحظه الملك بعين الخيانة فيسقطه عيبه من قلبه فلا يؤثّر فيه قوله، فلذلك توقّف حتى يظهر أمره للملك وتنكشف براءة ساحته.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1444>[سورة يوسف (١٢): آية ٥١]</span>\nقالَ ما خَطْبُكُنَّ إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٥١)\n_________\n(١) آية ٢٠ سورة الإنسان. [.....]","vol":"2","page":188},{"text":"الحقائق لا تنكتم أصلا ولا بدّ من أن تبين ... ولو بعد حين.\nنسب يوسف إلى ما كان منه بريئا، وأنّب على ذلك مدة، وكان أمره فى ذلك خفيّا.\nثم إن الله تعالى دفع عنه التهمة ورفع عنه المظنّة، وأنطق عذّاله، وأظهر حاله، عما فرق به سرباله «١» فقلن: «حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ» .\nقوله جل ذكره: قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ لمّا كانت امرأة العزيز غير تامّة فى محبة يوسف تركت ذنبها عليه وقالت لزوجها:\n«ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ» ولم يكن ليوسف ﵇ ذنب. ثمّ لمّا تناهت فى محبتة أقرّت بالذنب على نفسها فقالت: «الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ ...»\nفالتناهى فى الحبّ يوجب هتك الستر، وقلة المبالاة بظهور الأمر والسّرّ «٢»، وقيل:\nليقل من شاء ما ... شاء فإنى لا أبالى\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1445>[سورة يوسف (١٢): آية ٥٢]</span>\nذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ (٥٢)\nإنما أراد الله أن يظهر براءة ساحة يوسف، لأنه علم أنهم يستحقون العقوبة على ما يبسطون فيه من لسان الملامة وذكر القبيح، ولم يرد يوسف أن يصيبهم بسببه- من قبل الله- عذاب\n_________\n(١) السربال- القميص.\n(٢) من هذه الإشارة نستطيع بطريق غير مباشر أن نعرف موقف القشيري من قضية هامة وهى:\nهل يفصح المحب الواله عن حبه المكنون أم يكتم؟ وهل تغتفر له شطحاته فى هذا الموقف أم لا؟","vol":"2","page":189},{"text":"شفقة منه عليهم، وهذه صفة الأولياء: أن يكونوا خصم أنفسهم، ولهذا قيل: الصوفي دمه هدر وملكه مباح «١» - ولذلك قال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1446>[سورة يوسف (١٢): آية ٥٣]</span>\nوَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣)\nلمّا تمدّح بقوله: «ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ» كأنه نودى فى سرّه: ولا حين هممت؟\nفقال: «وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي!» «٢» ويقال: قوله «لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ» بيان الشكر على ما عصمه الله، وقوله:\n«وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي» بيان العذر لما قصّر فى أمر الله، فاستوجب شكره زيادة الإحسان، واستحقّ بعذره العفو.\nوالعفو باد من قوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1447>[سورة يوسف (١٢): آية ٥٤]</span>\nوَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ (٥٤)\nلما اتضحت للملك طهارة فعله ونزاهة حاله استحضره لاستصفائه لنفسه، فلمّا كلمه وسمع بيانه رفع محلّه ومكانه، وضمنه برّه وإحسانه، فقال: «إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ» قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1448>[سورة يوسف (١٢): آية ٥٥]</span>\nقالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥)\nإنما سأل ذلك ليضع الحقّ موضعه، وليصل نصيب الفقراء إليهم، فطلب حقّ الله تعالى فى ذلك، ولم يطلب نصيبا لنفسه.\nويقال لم يقل إنى حسن جميل بل قال: إنى حفيظ عليم أي كاتب حاسب، ليعلم أنّ الفضل فى المعاني لا فى الصورة.\n_________\n(١) هذا تعريف الصوفي عند سهل بن عبد الله التستري (الرسالة ص ١٣٩) .\n(٢) هذا نموذج لمقاومة دعوى النفس ومحاربة اغترارها على الدوام، وعدم الاطمئنان إلى مصالحتها.","vol":"2","page":190},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1449>[سورة يوسف (١٢): آية ٥٦]</span>\nوَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)\nلمّا لم تكن له دواعى الشهوات من نفسه مكّنه الله من ملكه- قال تعالى: «وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها» «١» - فقال: «وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ» .\nثم أخبر عن حقيقة التوحيد، وبيّن أنه إنما يوفّى عباده من ألطافه بفضله لا بفعلهم، وبرحمته لا بخدمتهم فقال: «نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ» ثم يرقى همهم عما أولاهم من النّعم فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1450>[سورة يوسف (١٢): آية ٥٧]</span>\nوَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (٥٧)\nليعلم أنّه لا بدّ من التقوى ومخالفة الهوى.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1451>[سورة يوسف (١٢): آية ٥٨]</span>\nوَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٨)\nعرف يوسف﵇- إخوته وأنكروه، لأنهم اعتقدوا أنّه فى رقّ العبودية لمّا باعوه، بينما يوسف- فى ذلك الوقت- كان قاعدا بمكان الملك. فمن طلب الملك فى صفة العبيد متى يعرفه؟\nوكذلك من يعتقد فى صفات المعبود ما هو من صفات الخلق ... متى يكون عارفا؟\nهيهات هيهات لما يحسبون! ويقال لمّا أخفوه صار خفاؤه حجابا بينهم وبين معرفتهم إياه، كذلك العاصي ... بخطاياه وزلاته تقع غبرة على وجه معرفته.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1452>[سورة يوسف (١٢): آية ٥٩]</span>\nوَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ قالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٥٩)\n_________\n(١) آية ٦٣ سورة الشورى.","vol":"2","page":191},{"text":"المحبّ غيور فلمّا كان يعقوب ﵇ قد تسلّى عن يوسف برؤية ابنه بنيامين غار يوسف أن ينظر إليه يعقوب «١» .\nويقال تلطّف يوسف فى استحضار بنيامين بالترغيب والترهيب، وأما الترغيب ففى ماله الذي أوصله إليهم وهو يقول: «أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ» وفى إقباله عليهم وفى إكرامه لهم وهو يقول: «وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ» .\nوأمّا الترهيب فبمنع المال وهو يقول:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1453>[سورة يوسف (١٢): آية ٦٠]</span>\nفَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ (٦٠)\nأي فإن لم تؤامنونى عليه فلا كيل لكم عندى، وأمنع الإكرام والإقبال عنكم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1454>[سورة يوسف (١٢): آية ٦١]</span>\nقالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ وَإِنَّا لَفاعِلُونَ (٦١)\nلما علم يوسف من حالهم أنهم باعوه بثمن بخس علم أنهم يأتونه بأخيهم طمعا فى إيفاء الكيل، فلن يصعب عليهم الإتيان به.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1455>[سورة يوسف (١٢): آية ٦٢]</span>\nوَقالَ لِفِتْيانِهِ اجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ فِي رِحالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها إِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٦٢)\nجعل بضاعتهم فى رحالهم- فى باب الكرم- أتمّ من أن لو وهبها لهم جهرا لأنه يكون حينئذ فيه تقليد منه بالمواجهة، وفى تمليكها لهم بإشارة تجرّد من تكلّف تقليد منه بالمحاضرة «٢» .\nويقال علم أنهم لا يستحلّون مال الغير فدسّ بضاعتهم فى رحالهم، لكن إذا رأوها قالوا: هذا وقع فى رحالنا منهم بغلط، فالواجب علينا ردّها عليهم. وكانوا يرجعون بسبب ذلك شاءوا أم أبوا.\n_________\n(١) وكذلك فإن للحق غيرة على عبده المؤمن أن يساكن سواه.\n(٢) وكذلك نعمة الحق تأتى فى خفاء ... وقلّ من يفطن إليها.","vol":"2","page":192},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1456>[سورة يوسف (١٢): آية ٦٣]</span>\nفَلَمَّا رَجَعُوا إِلى أَبِيهِمْ قالُوا يا أَبانا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (٦٣)\nلم يمنع يوسف منهم الكيل، وكيف منع وقد قال: «أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ»؟\nولكنهم تجوزوا فى ذلك تفخيما للأمر حتى تسمح نفس يعقوب ﵇ بإرسال بنيامين معهم.\nويقال أرادوا بقولهم: «مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ» فى المستقبل إذا لم نحمله إليه.\nويقال إنهم تلطّفوا فى القول ليعقوب﵇- حيث قالوا: «أَخانا» إظهارا لشفقتهم عليه، ثم أكّدوا ذلك بقولهم: «وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1457>[سورة يوسف (١٢): آية ٦٤]</span>\nقالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٦٤)\nمن عرف الخيانة لا يلاحظ الأمانة، ولذا لم تسكن نفس يعقوب بضمانهم لما سبق إليه من شأنهم.\nقوله جل ذكره: فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ «فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظًا»: يحفظ بنيامين فلا يصيبه شىء من قبلهم.\nولم يقل يعقوب فالله خير من يردّه إلىّ، ولو قال ذلك لعلّه كان يرده إليه سريعا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1458>[سورة يوسف (١٢): آية ٦٥]</span>\nوَلَمَّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ وَجَدُوا بِضاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قالُوا يا أَبانا ما نَبْغِي هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا وَنَمِيرُ أَهْلَنا وَنَحْفَظُ أَخانا وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (٦٥)\nبيّن يوسف﵇- أنه حين عاملهم لم يحتج إلى عوض يأخذه منهم،","vol":"2","page":193},{"text":"فلمّا باعهم وجمع لهم الكيل ما أخذ منهم ثمنا، والإشارة من هذا إلى قوله تعالى: «إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ» .\nوكلّ منّ خطا للدّين خطوة كافأه الله تعالى وجازاه، فجمع له بين روح الطاعة ولذّة العيش من حيث الخدمة.\nقوله جلّ ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1459>[سورة يوسف (١٢): آية ٦٦]</span>\nقالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاَّ أَنْ يُحاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قالَ اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ (٦٦)\nإنّ الحذر لا يغنى من القدر. وقد عمل يعقوب﵇- معهم فى باب بنيامين ما أمكنه من الاحتياط، وأخذ الميثاق ولكن لم يغن عنه اجتهاده، وحصل ما حكم به الله.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1460>[سورة يوسف (١٢): آية ٦٧]</span>\nوَقالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (٦٧)\nيحتمل أن يكون أراد تفريقهم فى الدخول لعلّ واحدا منهم يقع بصره على يوسف، فإن.\nلم يره أحدهم قد يراه الآخر «١» .\nويقال ظنّ يعقوب أنهم فى أمر يوسف كانوا فى شدة العناية بشأنه، ولم يعلم أنهم كارهون لمكانه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1461>[سورة يوسف (١٢): آية ٦٨]</span>\nوَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٦٨)\n_________\n(١) نحسب أنه ربما كان الأمر بتفريقهم مرده إلى أنه فى الجماعة تختفى المسئولية الفردية إذ تذوب فى الكيان الجماعى، بينما يكبر الشعور بالمسئولية إذا كانوا آحادا، وقد قالوا ليعقوب من قبل (لئن أكله الذئب ونحن عصبة.)\n.","vol":"2","page":194},{"text":"إن لم يحصل مقصود يعقوب ﵇ فى المآل حصل مراده فى الحال، وفى ذلك القدر لأرباب القلوب استقلال.\nويقال على الأصاغر حفظ إشارات الأكابر، والقول فيما يأمرون به هل فيه فائدة أم لا- ترك للأدب.\nويقال إذا كان مثل يعقوب ﵇ يشير على أولاده، ويتمنّي به حصول مراده..\nثم لا يحصل مراده علم أنه لا ينبغى أن يعتقد فى الشيوخ أنّ جميع ما يريدون يتّفق كونه على ما أرادوا لأنّ الذي لا يكون إلا ما يريده واجبا وما أراده فهو كائن ... هو الله الواحد القهار قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1462>[سورة يوسف (١٢): آية ٦٩]</span>\nوَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَخاهُ قالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٦٩)\nحديث المحبة وأحكامها أقسام: اشتاق يعقوب إلى لقاء يوسف ﵉ فبقى سنين كثيرة، واشتاق يوسف إلى بنيامين فرزق رؤيته فى أوجز مدة.\nوهكذا الأمر فمنهم موقوف به، ومنهم صاحب بلاء.\nويقال لئن سخنت «١» عين يعقوب ﵇ بمفارقة بنيامين فلقد قرّت عين يوسف بلقائه. كذا الأمر: لا تغرب الشمس على قوم إلا وتطلع على آخرين.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1463>[سورة يوسف (١٢): آية ٧٠]</span>\nفَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ (٧٠)\n_________\n(١) سخنت العين أي لم تقرّ","vol":"2","page":195},{"text":"احتمل بنيامين ما قيل فيه من السرقة بعد ما التقى مع يوسف.\nويقال: ما نسب إليه من سوء الفعال هان عليه فى جنب ما وجد من الوصال.\nويقال لئن نسب يوسف أخاه للسرقة فقد تعرّف إليه بقوله: إنى أنا أخوك- سرّا، فكان متحملا لأعباء الملامة فى ظاهره، محمولا بوجدان الكرامة فى سره، وفى معناه أنشدوا:\nأجد الملامة فى هواك لذيذة ... حبّا لذكرك فليلمنى اللّوم\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1464>[سورة يوسف (١٢): آية ٧٣]</span>\nقالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَما كُنَّا سارِقِينَ (٧٣)\nيعنى حسن سيرتنا فى سير المعاملة يدلكم على حسن سريرتنا فى الحالة.\nويقال لو كنّا نسرق متاعكم لما رددناه عليكم ولما وجدتموه فى رحالنا بعد أن غبنا عنكم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1465>[سورة يوسف (١٢): الآيات ٧٤ الى ٧٦]</span>\nقالُوا فَما جَزاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ (٧٤) قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٧٥) فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (٧٦)\nتجاسر إخوة يوسف بجريان جزاء السّرقة عليهم ثقة بأنفسهم أنهم لم يباشروا الزّلّة، وكان بنيامين شريكهم فى براءة السّاحة، فلما استخرج الصّاع من وعائه بسط الإخوة فيه لسان الملامة، وبقي بنيامين «١» فلم يكن له جواب كأنّه أقرّ بالسرقة، ولم يكن ذلك صدقا إذ أنه لم يسرق، ولو قال: لم أفعل لأفشى سرّ يوسف ﵇ الذي احتال معهم ذلك لأجله حتى يبقيه معه، فسكت لسان بنيامين، وتحقّق بالحال قلبه.\nويقال لم يستصعب الملامة- وإن كان بريئا- مما قرن به، ولا يضرّ سوء المقالة بالمكاشفين بعد حسن الحالة مع الأحباب.\nويقال شىء بما أظهرت عليه المقالة، ولكن حصل له بذلك صفاء الحالة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1466>[سورة يوسف (١٢): آية ٧٧]</span>\nقالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِها لَهُمْ قالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ (٧٧)\n_________\n(١) يصلح بنيامين- كما يصوره القشيري- نموذجا لواحد من أهل الملامة، لو دققنا النظر فى إشارات القشيري بصدده.","vol":"2","page":196},{"text":"كان بنيامين بريئا مما رمى به من السرقة، فأنطقهم الله تعالى حتى رموا يوسف ﵇ بالسرقة، واحد بواحد ليعلم العالمون أنّ الجزاء واجب.\nويقال كان القرح بالقدح أوجع ما سمعه يوسف منهم «١» حيث قالوا:\n«إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ» فقد كان ذلك أشدّ تأثيرا فى قلبه من الجفاء الأول.\nويقال إذا حنق عليك الملك فلا تأمن غبّه- وإن طالت المدة- فإن يوسف ﵇ حنق عليهم فلقوا فى المستأنف منه ما ساءهم من حبس أخيه، وما صاحبهم من الخجل من أبيهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1467>[سورة يوسف (١٢): آية ٧٨]</span>\nقالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٧٨)\nلم تنفعهم كثرة التّنصّل، وما راموا به من ذكر أبيهم ابتغاء التوسّل، ولم ينفعهم ما قيل منهم حين عرضوا عليه أن يأخذ أحدهم فى البدل.. كذلك فكلّ مطالب بفعل نفسه:\nلا تزر وازرة وزر أخرى فلا الأب يؤخذ بدل الولد، ولا القريب يرضى به عوضا عن أحد لذلك قال يوسف ﵇:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1468>[سورة يوسف (١٢): آية ٧٩]</span>\nقالَ مَعاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلاَّ مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظالِمُونَ (٧٩)\nتوهموا أن الحديث معهم من حيث معاملة الأموال، فعرضوا أنفسهم كى يؤخذ واحد منهم بدل أخيهم، ولم يعلموا أن يوسف ﵇ كادهم فى ذلك، وأنّ مقصوده من\n_________\n(١) القرح- الجرح، والقدح- العيب فى عرض غيرك.","vol":"2","page":197},{"text":"ذلك ما استكنّ فى قلبه من حبّ لأخيه، وكلّا.. أن يكون عن المحبوب بدل أو لقوم مقام أحد.. وفى معناه أنشدوا:\nإذا أوصلتنا الخلد كيما تذيقنا ... أبينا وقلنا: أنت أولى إلى القلب\nوقيل:\nأحبّ ليلى وبغّضت إلىّ ... نساء ما لهنّ ذنوب\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1469>[سورة يوسف (١٢): آية ٨٠]</span>\nفَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (٨٠)\nلما علموا أن يوسف ﵇ ليس يبرح عن أخيه خلا بعضهم ببعض فعملت فيهم الخجلة، وعلموا أن يعقوب فى هذه الكرّة يتجدد له مثلما أسلفوه من تلك الفعلة، فلم يرجع، أكبرهم إلى أبيهم، وتناهى إلى يعقوب خبرهم، فاتهمهم وما صدّقهم، واستخونهم وما استوثقهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1470>[سورة يوسف (١٢): آية ٨١]</span>\nارْجِعُوا إِلى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يا أَبانا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَما شَهِدْنا إِلاَّ بِما عَلِمْنا وَما كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ (٨١)\nكان لهم فى هذه الكرّة حجة على ما قالوا، ولكن لم يسكن قلب يعقوب ﵇ إليها، فإنّ تعيّن الجرم فى المرة الأولى أوجب التّهمة فى الكرّة الأخرى.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1471>[سورة يوسف (١٢): آية ٨٢]</span>\nوَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها وَإِنَّا لَصادِقُونَ (٨٢)\nما ازدادوا إقامة حجّة إلا ازداد يعقوب﵇- فى قولهم شبهة.","vol":"2","page":198},{"text":"ويقال: فى مساءلة الأطلال أخذ لقلوب الأحباب، وسلوة لأسرارهم.. وهذا الباب مما للشرح فيه مجال.\nقوله جل ذكره\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1472>[سورة يوسف (١٢): آية ٨٣]</span>\nقالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٨٣)\nلجأ إلى قرب خلاصه من الضرّ بالصبر.\nويقال لما وعد من نفسه الصبر فلم يمس حتى قال: «يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ» ليعلم أنّ عزم الأحباب على الصبر منقوض غير محفوظ «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1473>[سورة يوسف (١٢): آية ٨٤]</span>\nوَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (٨٤)\nتولّى عن الجميع- وإن كانوا أولاده- ليعلم أنّ المحبة لا تبقى ولا تذر.\nويقال أراد إخوة يوسف أن يكون إقبال يعقوب عليهم بالكليّة فأعرض، وتولّى عنهم، وفاتهم ما كان لهم، ولهذا قيل: من طلب الكلّ فاته الكلّ.\nويقال لم يجد يعقوب مساعدا لنفسه على تأسفه على يوسف فتولّى عن الجميع، وانفرد بإظهار أسفه، وفى معناه أنشدوا:\nفريد عن الخلّان فى كل بلدة ... إذا عظم المطلوب قلّ المساعد\nويقال كان بكاء داود ﵇ أكثر من بكاء يعقوب ﵇، فلم يذهب بصر داود وذهب بصر يعقوب لأن يعقوب ﵇ بكى لأجل يوسف ولم يكن فى قدرة\n_________\n(١) يوضح القشيري هذا المعنى فى رسالته حيث يقول: [واعلم أن الصبر على ضربين: صبر العابدين وصبر المحبين، فصبر العابدين أحسنه أن يكون محفوظا وصبر المحبين أحسنه أن يكون مرفوضا، وفى هذا المعنى سمعت الأستاذ أبا على الدقاق يقول: أصبح يعقوب وقد وعد من نفسه- فصبر جميل- ثم لم يمس حتى قال. يا أسفا على يوسف] الرسالة ص ٩٥.","vol":"2","page":199},{"text":"يوسف أن يحفظ بصره من البكاء لأجله، وأمّا داود فقد كان يبكى لله، وفى قدرة الله- سبحانه- ما يحفظ بصر الباكي لأجله.\nسمعت الأستاذ أبا على الدقاق﵀- يقول ذلك، وقال ﵀: إن يعقوب بكى لأجل مخلوق فذهب بصره، وداود بكى لأجل الله فبقى بصره.\nوسمعته﵀- يقول: لم يقل الله: «عمى يعقوب» ولكن قال: «وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ»، لأنه لم يكن فى الحقيقة عمى، وإنما كان حجابا عن رؤية غير يوسف «١» .\nويقال كان ذهاب بصر يعقوب حتى لا يحتاج إلى أن يرى غير يوسف، لأنه لا شىء أشدّ على الأحباب من رؤية غير المحبوب فى حال فراقه، وفى معناه أنشدوا:\nلما تيقّنت أنى لست أبصركم ... أغمضت عينى فلم أنظر إلى أحد\nوسمعت الأستاذ أبا على الدقاق ﵀ يقول: كان يعقوب ﵇ يتسلّى برؤية بنيامين فى حال غيبة يوسف، فلما بقي عن رؤيته قال: «يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ» أي أنه لما منع من النظر كان يتسلى بالأثر، فلمّا بقي عن النظر قال: يا أسفا على يوسف.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1474>[سورة يوسف (١٢): آية ٨٥]</span>\nقالُوا تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ (٨٥)\nهددوه بأن يصير حرضا- أي مريضا مشرفا على الهلاك- وقد كان، وخوفّوه مما لم يبال أن يصيبه حيث قالوا «أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ» .\nويقال أطيب الأشياء فى الهلاك ما كان فى حكم الهوى- فكيف يخوّف بالهلاك من كان أحبّ الأشياء إليه الهلاك؟\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1475>[سورة يوسف (١٢): آية ٨٦]</span>\nقالَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٨٦)\nشكا إلى الله ولم يشك من الله، ومن شكا إلى الله وصل، ومن شكا من الله انفصل.\n_________\n(١) هذا نموذج من التذوق للنص القرآنى لا يفطن إليه إلا أرباب الذوق الصوفي.","vol":"2","page":200},{"text":"ويقال لمّا شكا إلى الله وجد الخلف من الله.\nويقال كان يعقوب﵇- متحمّلا بنفسه وقلبه، ومستريحا محمولا بسرّه وروحه لأنه علم من الله- سبحانه- صدق حاله فقال: َ أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ»\n، وفى معناه أنشدوا:\nإذا ما تمنّى الناس روحا وراحة ... تمنّيت أن أشكوا إليك فتسمعا\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1476>[سورة يوسف (١٢): آية ٨٧]</span>\nيا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكافِرُونَ (٨٧)\nكان يعقوب ﵇ يبعث بنيه فى طلب يوسف، وكان الإخوة يخرجون بطلب المسيرة وفى اعتقادهم هلاك يوسف.. وكلّ إنسان وهمّه.\nويقال قوله «فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ» أمر بطلب يوسف بجميع حواسّهم بالبصر لعلّهم تقع عليه أعينهم، وبالسّمع لعلّهم يسمعون ذكره، وبالشمّ لعلّهم يجدون ريحه وقد توهّم يعقوب أنهم مثله فى إرادة الوقوف على شأنه. ثم أحالهم على فضل الله حيث قال: «لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ» .\nويقال لم يكن ليعقوب أحد من الأولاد بمكان يوسف، فظهر من قلّة الصبر عليه ما ظهر، وآثر غيبة الباقين من الأولاد فى طلب يوسف على حضورهم عنده.. فشتّان بين حاله معهم وبين حاله مع يوسف! واحد لم يره فابيضّت عيناه من الحزن بفرقته، وآخرون أمرهم- باختياره- بغيبتهم عنه «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1477>[سورة يوسف (١٢): آية ٨٨]</span>\nفَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (٨٨)\n_________\n(١) هنا لفتة ذكية إلى أنثا قد نحب ونهلك في حب من لا تراه أعيننا.. فإذا صح هذا بالنسبة لمخلوق مثلنا فكيف بالنسبة لبارئنا وخالقنا!!؟\nثم إن التقريب والإبعاد يرتبطان بالاجتباء الإلهى وحده. [.....]","vol":"2","page":201},{"text":"لما دخلوا على يوسف خاطبوه بذكر الضّرّ، ومقاساة الجوع والفقر، ولم يذكروا حديث يوسف ﵇، وما لأجله وجّههم أبوهم.\nويقال استلطفوه بقولهم: «مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ» ثم ذكروا بعد ذلك حديث قلة بضاعتهم.\nويقال لمّا طالعوا فقرهم نطفوا بقدرهم فقالوا: وجئنا ببضاعة مزجاة- أي رديئة- ولما شاهدوا قدر يوسف سألوا على قدره فقالوا: أوف لنا الكيل.\nويقال قالوا كلنا كيلا يليق بفضلك لا بفقرنا، وبكرمك لا بعدمنا، ثم تركوا هذا اللسان وقالوا: «وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا»: نزلوا أوضع منزل كأنهم قالوا: إن لم نستوجب معاملة البيع والشراء فقد استحققنا بذل العطاء، على وجه المكافأة والجزاء.\nفإن قيل كيف قالوا وتصدّق علينا وكانوا أنبياء- والأنبياء لا تحل لهم الصدقة؟\nفيقال لم يكونوا بعد أنبياء، أو لعلّه فى شرعهم كانت الصدقة غير محرّمة على الأنبياء.\nويقال إنما أرادوا أنّ من ورائنا من تحلّ له الصدقة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1478>[سورة يوسف (١٢): آية ٨٩]</span>\nقالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ (٨٩)\nافتضحوا بحضرة يوسف ﵇ وقالوا: «فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ» فعرفهم فعلمهم ووقفهم عند أحدهم فقال: هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه؟ يعنى إنّ من عامل يوسف وأخا، بمثل معاملتكم فلا ينبغى له أن يتجاسر فى الخطاب كتجاسركم.\nويقال إن يوسف ﵇ قال لهم: أنهيتم كلامكم، وأكثرتم خطابكم، فما كان فى حديثكم إلا ذكر ضرورتكم.. أفلا يخطر ببالكم حديث أخيكم يوسف؟! وذلك فى باب العتاب أعظم من كلّ عقوبة","vol":"2","page":202},{"text":"ولمّا أخجلهم حديث العتاب لم يرض يوسف حتى بسط عندهم فقال: «إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ» «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1479>[سورة يوسف (١٢): آية ٩٠]</span>\nقالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠)\nفى الابتداء حين جهلوه كانوا يقولون له فى الخطاب: «يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ» فلمّا عرفوه قالوا:\n«إِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ» لأنّه لمّا ارتفعت الأجنبية سقط التكلّف فى المخاطبة، وفى معناه أنشدوا:\nإذا صفت المودّة بين قوم ... ودام ودادهم قبح الثناء\nويقال إنّ التفاصل والتفارق بين يوسف وإخوته سبقا التواصل بينه وبين يعقوب ﵉ فالإخوة خبره وعرفوه قبل أن عرفه أبوه ليعلم أن الحديث بلا شك.\nويقال لم يتقدموا على أبيهم فى استحقاق الخبر عن يوسف ومعرفته، بل إنهم- وإن عرفوه- فلم يلاحظوه بعين المحبة والخلة، وإنما كان غرضهم حديث الميرة والطعام فقط، فقال: «أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي»: يعنى إنى لأخ لمثل هذا لا لمثلكم ولذا قال:\n«أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي»، ولم يقل وأنتم إخوتى، كأنّه أشار إلى طرف من العتاب، يعنى ليس ما عاملتمونى به فعل الإخوة.\nويقال هوّن عليهم حال بداهة «٢» الخجلة حيث قال «أَنَا يُوسُفُ» بقوله: «وَهذا أَخِي»، وكأنه شغلهم بقوله: «وَهذا أَخِي» كما قيل فى قوله تعالى: «وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى» إنه سبحانه شغل موسى ﵇ باستماع: «وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى» بمطالعة العصا فى عين ما كوشف به من قوله: «إِنِّي أَنَا اللَّهُ» .\n_________\n(١) واضح أن القشيري يطبق فكرة القبض والبسط فى هذه الإشارة.\n(٢) بداهة الخجلة مفاجأتها","vol":"2","page":203},{"text":"ثم اعترف بوجدان الجزاء على الصبر فى مقاساة الجهد والعناء فقال: «إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ» .\nوسمعت الأستاذ أبا على الدقاق﵀- يقول لما قال يوسف: «إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ» أحال فى استحقاق الأجر على ما عمل من الصبر ... فأنطقهم الله حتى أجابوه بلسان التوحيد فقالوا: «تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا» يعنى ليس بصبرك يا يوسف ولا بتقواك، وإنما هو بإيثار الله إياك علينا فبه تقدمت علينا بحمدك وتقواك. فقال يوسف- على جهة الانقياد للحقّ: «لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ» فأسقط عنهم اللوم، لأنه لمّا لم يرتقواه من نفسه حيث نبّهوه عليه نطق عن التوحيد، وأخبر عن شهود التقدير «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1480>[سورة يوسف (١٢): آية ٩١]</span>\nقالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ (٩١)\nاعترفوا بالفضل ليوسف﵇- حيث قالوا: لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا، وأكّدوا إقرارهم بالقسم بقولهم «تَاللَّهِ» وذلك بعد ما جحدوا فضله بقولهم: «لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ»، وهكذا من جحد فلأنه ما شهد، ومن شهد فما جحد.\nويقال لمّا اعترفوا بفضله وأقرّوا بما اتصفوا به من جرمهم بقولهم: «وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ وجدوا التجاوز عنهم حين قال يوسف:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1481>[سورة يوسف (١٢): آية ٩٢]</span>\nقالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٩٢)\nأسرع يوسف فى التجاوز عنهم، ووعد يعقوب لهم بالاستغفار بقوله: «سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي» لأنه كان أشدّ حبا لهم فعاتبهم، وأما يوسف فلم يرهم أهلا للعتاب فتجاوز عنهم على الوهلة، وفى معناه أنشدوا:\nترك العتاب إذا استحق أخ ... منك العتاب ذريعة الهجر\n_________\n(١) خلاصة رأى الدقاق أنه ليس بعمل الإنسان يصل ولكن بفضل الله واختياره، وحتى عمل الإنسان فهو أيضا يتم بفضل الله واختياره.. وذلك أصل من أصول المذهب القشيري كما وضح فى مواضع متفرقة.","vol":"2","page":204},{"text":"ويقال أصابهم- فى الحال- من الخجلة ما قام مقام كلّ عقوبة، ولهذا قيل:\nكفى للمقصّر الحياء يوم اللقاء.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1482>[سورة يوسف (١٢): آية ٩٣]</span>\nاذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (٩٣)\nالبلاء إذا هجم هجم مرّة، وإذا زال زال بالتدريج حلّ البلاء بيعقوب مرة واحدة حيث قالوا: «فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ» ولما زال البلاء.. فأولّا وجد ريح يوسف ﵇، ثم قميص يوسف، ثم يوم الوصول بين يدى يوسف، ثم رؤية يوسف.\nويقال لمّا كان سبب البلاء، والعمى قميص يوسف أراد الله أن يكون به سبب الخلاص من البلاء «١» .\nويقال علم أن يعقوب ﵇- لما يلحقه من فرط السرور- لا يطيقه عند أخذ القميص فقال: «فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي» .\nويقال القميص لا يصلح إلا للباس إلا قميص الأحباب فإنه لا يصلح إلا لوجدان ريح الأحباب.\nويقال كان العمى فى العين فأمر بإلقاء القميص على الوجه ليجد الشفاء من العمى.\nويقال لمّا كان البكاء بالعين التي فى الوجه كان الشفاء فى الإلقاء على العين التي فى الوجه، وفى معناه أنشدوا:\nوما بات مطويا على أريحبة ... عقيب النوى إلا فتىّ ظلّ مغرما\nوقوله «وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ»: لما علم حزن جميع الأهل عليه أراد أن يشترك فى الفرح جميع من أصابهم الحزن.\n_________\n(١) ويضاف إلى ذلك أن عدم تمزق قميص يوسف كان دلالة على براءة الذئب، وأن تمزقه من دبر كان دلالة على براءة يوسف من تهمة زليخا، وبهذا وذاك يمكن أن يكون قميص يوسف رمزا لموحيات كثيرة فى القصة.","vol":"2","page":205},{"text":"ويقال علم يوسف أن يعقوب لن يطيق على القيام بكفاية أمور يوسف فاستحضره، إبقاء على حاله لا إخلالا لقدره وما وجب عليه من إجلاله.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1483>[سورة يوسف (١٢): الآيات ٩٤ الى ٩٥]</span>\nوَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ (٩٤) قالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ (٩٥)\nما دام البلاء مقبلا كان أمر يوسف وحديثه- على يعقوب- مشكلا، فلما زالت المحنة بعثرت بكل وجه حاله.\nويقال لم يكن يوسف بعيدا عن يعقوب حين ألقوه فى الجبّ ولكن اشتبه عليه خبره وحاله، فلما زال البلاء وجد ريحه وبينهما مسافة ثمانين فرسخا- من مصر إلى كنعان.\nويقال إنما انفرد يعقوب ﵇ بوجدان ريح يوسف لانفرداه بالأسف عند فقدان يوسف. وإنما يجد ريح يوسف من وجد على فراق يوسف «١» فلا يعرف ريح الأحباب إلا الأحباب، وأمّا على الأجانب فهذا حديث مشكل.. إذ أنّى يكون للإنسان ريح!؟.\nويقال لفظ الريح هاهنا توسع «٢»، فيقال هبّت رياح فلان، ويقال إنى لأجد ريح الفتنة..\nوغير ذلك.\nقوله جل ذكره: لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ تفرّس فيهم أنهم يبسطون لسان الملامة فلم ينجع فيهم قوله، فزادوا في الملامة فقالوا: - قالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ قرنوا كلامهم بالشتم، ولم يحتشموا أباهم، ولم يراعوا حقّه فى المخاطبة، فوضفوه بالضلال فى المحبة.\nويقال إن يعقوب ﵇ قد تعرّف من الريح نسيم يوسف ﵇، وخبر يوسف كثر حتى جاء الإذن للرياح، وهذه سنّه الأحباب: مساءلة الديار ومخاطبة الأطلال، وفى معناه أنشدوا:\n_________\n(١) لاحظ الجمال فى أسلوب القشيري فى (يجد) ريح يوسف و(وجد) على فراقه.\n(٢) كلمة (توسع) يستخدمها القشيري بمعنى (مجاز) - ذلك الاصطلاح البلاغى المعروف.","vol":"2","page":206},{"text":"وإنّى لأستهدى الرياح نسيمكم ... إذا هى أقبلت نحوكم بهبوب\nواسألها حمل السلام إليكم ... فإن هى يوما بلغت فأجيبوا\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1484>[سورة يوسف (١٢): آية ٩٦]</span>\nفَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٩٦)\nلو ألقى قميص يوسف على وجه من فى الأرض من العميان لم يرتد بصرهم، وإنما رجع بصر يعقوب بقميص يوسف على الخصوص فإنّ بصر يعقوب ذهب لفراق يوسف، ولمّا جاءوا بقميصه أنطق لسانه، وأوضح برهانه، فقال لهم: «أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ» عن حياة يوسف، وفى معناه أنشدوا:\nوجهك المأمول حجّتنا ... يوم يأتى النّاس بالحجج\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1485>[سورة يوسف (١٢): آية ٩٧]</span>\nقالُوا يا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ (٩٧)\nكلّ إنسان وهمّه وقع يعقوب ويوسف ﵍ فى السرور والاستبشار، وأخذ إخوة يوسف فى الاعتذار وطلب الاستغفار.\nويقال إخوة يوسف- وإن سلفت منهم الجفوة كلّموا أباهم بلسان الانبساط لتقديم شفقة الأبوة على ما سبق منهم من الخطيئة.\nويقال يوم بيوم اليوم الذي كان يعقوب محزونا بغيبة يوسف فلا جرم اليوم كان يعقوب مسرورا بقميص يوسف، وكان الإخوة فى الخجلة مما عملوا بيوسف.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1486>[سورة يوسف (١٢): آية ٩٨]</span>\nقالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٩٨)\nوعدهم الاستغفار لأنه لم يفرغ من استبشاره إلى الاستغفار.\nويقال لم يجبهم على الوهلة ليدلّهم على ما قدّموا من سوء الفعلة لأن يوسف كان غائبا","vol":"2","page":207},{"text":"وقتئذ، فوعدهم الاستغفار فى المستأنف- إذا رضى عنهم يوسف حيث كان الحقّ أكثره له، ولو كان كله ليعقوب لوهبهم على الفور.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1487>[سورة يوسف (١٢): آية ٩٩]</span>\nفَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (٩٩)\nاشتركوا فى الدخول ولكن تباينوا فى الإيواء، فانفرد الأبوان به لبعدهما عن الجفاء، كذلك غدا إذا وصلوا إلى الغفران يشتركون فى وجود الجنان، ولكنهم يتباينون فى بساط القربة فيختص به أهل الصفاء دون من اتصف اليوم بالاستواء.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1488>[سورة يوسف (١٢): آية ١٠٠]</span>\nوَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (١٠٠)\nأوقف كلّا بمحلّه فرفع أبويه على السرير، وترك الإخوة نازلين بأماكنهم.\nقوله: «وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا»: كان ذلك سجود تحية، فكذلك كانت عادتهم. ودخل الأبوان فى السجود- فى حقّ الظاهر- لأنّ قوله «خَرُّوا» إخبار عن الجميع، ولأنه كان عن رؤياه قد قال: إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ» وقال هاهنا: «هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا» .\nقوله جل ذكره: وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ","vol":"2","page":208},{"text":"شهد إحسانه فشكره.. كذلك من شهد النعمة شكر، ومن شهد المنعم حمده «١» وذكر حديث السجن- دون البئر- لطول مدة السجن وقلة مدة البئر.\nوقيل لأن فيه تذكيرا بجرم الإخوة وكانوا يخجلون. وقيل لأن «السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ» . وقيل لأنه كان فى البئر مرفوقا به والمبتدئ يرفق به وفى السجن فقد ذلك الرّفق لقوة حاله فالضعيف مرفوق به والقوىّ مشدّد عليه فى الحال، وفى معناه أنشدوا:\nوأسررتنى حتى إذا ما سببتني ... بقول يحل العصم سهل الأباطح\nتجافيت عنّي حين لا لى حيلة ... وغادرت ما غادرت بين الجوانح\nوفى قوله: «وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ» إشارة إلى أنه كما سرّ برؤية أبويه سرّ بإخوته- وإن كانوا أهل الجفاء، لأنّ الأخوّة سبقت الجفوة «٢» .\nقوله: «مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي» أظهر لهم أمرهم بما يشبه العذر، فقال كان الذي جرى منهم من نزغات الشيطان، ثم لم يرض بهذا حتى قال: «بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي» .\nيعنى إن وجد الشيطان سبيلا إليهم، فقد وجد أيضا إلىّ حيث قال: «بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي» .\nثم نطق عن عين التوحيد فقال: «إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ» فبلطفه عصمهم حتى لم يقتلونى.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1489>[سورة يوسف (١٢): آية ١٠١]</span>\nرَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١)\nمن حرف تبعيض لأن الملك- بالكمال- لله وحده.\nويقال الملك الذي أشار إليه قسمان: ملكه فى الظاهر من حيث الولاية، وملك على نفسه حتى لم يعمل ما همّ به من الزّلّة.\n_________\n(١) أي إن (الحمد) أعلى درجة من (الشكر) .. وهكذا تثرى البعوث الصوفية اللغة.\n(٢) ربما يرمى القشيري من بعيد إلى أن يشير إلى أن الحق- سبحانه- يتفضل بكرمه على عباده- حتى ولو كانت منهم جفوة- لأنهم عباده أولا.. وإلى هذا يشير فى موضع آخر من كتابه:\n«عبدى.. إن لم تكن لى. فأنا لك»","vol":"2","page":209},{"text":"ويقال ليس كلّ ملك المخلوقين الاستيلاء على الخلق، إنما الملك- على الحقيقة- صفاء الخلق.\nقوله: «وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ»: التأويل للخواص، وتفسير التنزيل للعوام «١» .\nقوله جل ذكره: فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ «فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ» - هذا ثناء، وقوله: «تَوَفَّنِي» - هذا دعاء.\nفقدّم الثناء على الدعاء، كذلك صفة أهل الولاء.\nثم قال: «أنت وليي فى الدنيا والآخرة، هذا إقرار بقطع الأسرار عن الأغيار.\nويقال معناه: الذي يتولّى فى الدنيا والآخرة بعرفانه أنت فليس لى غيرك فى الدارين.\nقوله: «تَوَفَّنِي مُسْلِمًا»: قيل علم أنه ليس بعد الكمال إلا الزوال فسأل الوفاة.\nوقيل من أمارات الاشتياق تمنّي الموت على بساط العوافي «٢» مثل يوسف ﵇ ألقى فى الجبّ فلم يقل توفنى مسلما، وأقيم فيمن يزيد «٣» فلم يقل توفنى مسلما، وحبس فى السجن سنين فلم يقل توفنى مسلما، ثم لما تمّ له الملك، واستقام الأمر، ولقى الإخوة سجّدا، وألفى أبويه معه على العرش قال:\n«تَوَفَّنِي مُسْلِمًا»، فعلم أنه كان يشتاق للقائه (سبحانه) .\nوسمعت الأستاذ أبا على الدقاق﵀ يقول. قال يوسف ليعقوب: علمت أنّا نلتقى فيما بعد الموت.. فلم بكيت كلّ هذا البكاء؟\n_________\n(١) تصلح هذه العبارة لتوضيح الفرق- فى نظر القشيري- بين كلمتى التأويل والتفسير.\n(٢) هذه العبارة والاستشهاد عليها من قصة يوسف أوردهما القشيري منسوبين لشيخه الدقاق فى الرسالة ص ١٦٣.\n(٣) (أقيم فيمن يزيد) لم ترد فى النص السابق بالرسالة. ومعناها: نودى عليه ليباع كالعبيد بعد إخراجه من البئر.","vol":"2","page":210},{"text":"فقال يعقوب، يا بنىّ إنّ هناك طرقا، خفت أن اسلك طريقا وأنت تسلك طريقا، فقال يوسف عند ذلك: «تَوَفَّنِي مُسْلِمًا» .\nويقال إن يوسف﵇- لما قال: توفنى مسلما، فلا يبعد من حال يعقوب أن لو قال: يا بنى دعني أشتفى بلقائك من الذي منيت به فى طول فراقك، فلا تسعنى- بهذه السرعة- قولك: توفّني مسلما.\nقوله جلّ ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1490>[سورة يوسف (١٢): آية ١٠٢]</span>\nذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (١٠٢)\nتبيّن للكافة أن مثل هذا البيان لهذه القصة على لسان رجل أمي لا يكون إلا بتعريف سماوىّ ويقال كون الرسولﷺ- أمّيّا فى أول أحواله علامة شرفه وعلوّ قدره فى آخر أحواله، لأنّ صدقه فى أن هذا من قبل الله إنما عرف بكونه أميا، ثم أتى بمثل هذه القصة من غير مدارسة كتاب.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1491>[سورة يوسف (١٢): آية ١٠٣]</span>\nوَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣)\nأخبر عن سابق علمه بهم، وصادق حكمه حكمته فيهم.\nويقال معناه: أقمتك شاهدا لإرادة إيمانهم، وشدّة الحرص على تحقّقهم بالدّين، وإيقانهم. ثم إنّى أعلم أنهم لا يؤمن أكثرهم، وأخبرتك بذلك، وفرض عليك تصديقى بذلك، وفرضت عليك إرادتى كون ما علمت أنه لا يكون من إيمانهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1492>[سورة يوسف (١٢): آية ١٠٤]</span>\nوَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (١٠٤)\nهذه سنّة الله- سبحانه- مع أنبيائه حيث أمرهم بألا يأخذوا على تبليغ الرسالة","vol":"2","page":211},{"text":"عوضا ولا أجرا، وكذلك أمره للعلماء- الذين هم ورثة الأنبياء ﵈- بألّا يأخذوا من الخلق عوضا على دعائهم إلى الله، فمن أخذ منهم حظا من الناس لم يبارك للمستمع فيما يسمع منه فلا له أيضا بركة فيما يأخذ منهم فتنقطع به.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1493>[سورة يوسف (١٢): آية ١٠٥]</span>\nوَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ (١٠٥)\nالآيات ظاهرة، والبراهين باهرة، وكلّ جزء من المخلوقات شاهد على أنّه واحد، ولكن كما أنّ من أغمض عينه لم يستمتع بضوء نهاره فكذلك من قصّر فى نظره واعتباره لم يحظ بعرفانه واستبصاره.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1494>[سورة يوسف (١٢): آية ١٠٦]</span>\nوَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)\nالشّرك الجلىّ أن يتّخذ من دونه- سبحانه- معبودا- والشّرك الخفىّ أن يتخذ بقلبه عند حوائجه من دونه- سبحانه- مقصودا.\nويقال شرك العارفين أن يتخذوا من دونه مشهودا، أو يطالعوا سواه موجودا «١» .\nويقال من الشّرك الخفىّ الإحالة على الأشكال فى تجنيس الأحوال، والإخلاد إلى الاختيار والاحتيال «٢» عند تزاحم الأشغال.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1495>[سورة يوسف (١٢): آية ١٠٧]</span>\nأَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غاشِيَةٌ مِنْ عَذابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١٠٧)\nأفأمن الذي اغترّ بطول الإمهال ألا يبتلى بالاستئصال، أفأمن من اغترّ بطول السلامة ألا يقوم البلاء عليه يوم القيامة.\n_________\n(١) أي (موجودا) على الحقيقة.\n(٢) (الاحتيال) معناها اللجوء إلى الحيلة أي التدبير الإنسانى بل ينبغى إسقاط التدبير واللجوء إلى التقدير الإلهى.","vol":"2","page":212},{"text":"ويقال الغاشية حجاب من القسوة يحصل فى القلب، لا يزول بالتضرع ولا ينقشع بالتخشع ويقال الغاشية من العذاب أن تزول من القلب سرعة الانقلاب إلى الله تعالى، حتى إذا تمادى صاحب الغفلة استقبله فى الطريق ما يوجب قنوطه من زواله، وفى معناه أنشدوا:\nقلت للنّفس إن أردت رجوعا ... فارجعى قبل أن يسدّ الطريق\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1496>[سورة يوسف (١٢): آية ١٠٨]</span>\nقُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحانَ اللَّهِ وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)\n«البصيرة»: اليقين الذي لا مرية فيه، والبيان الذي لا شك فيه. البصيرة يكون صاحبها ملاطفا بالتوفيق جهرا، ومكاشفا بالتحقيق سرّا.\nويقال البصيرة أن تطلع شموس العرفان فتندرج فيها أنوار نجوم العقل.\nقوله «أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي» أي ذلك سبيلى، وسبيل من اقتدى بهداي فهو أيضا على بصيرة قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1497>[سورة يوسف (١٢): آية ١٠٩]</span>\nوَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٠٩)\nتعجبوا أن يبعث الله إلى الخلق بشرا رسولا، فبيّن أنه أجرى سنّته- فيمن تقدّم من الأمم- ألا يكون الرسول إليهم إلا بشرا، فإما أن جحدوا جواز بعثة الرسول أصلا، أو أنهم استنكروا أن يبعث بشرا رسولا.\nثم أمرهم بالاستدلال والتفكر والاعتبار والنّظر فقال: «أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ..؟»\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1498>[سورة يوسف (١٢): آية ١١٠]</span>\nحَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١١٠)","vol":"2","page":213},{"text":"حتى إذا استيأس الرسل من إيمان قومهم، وتيقّنوا أنهم كذبوهم- والظن هاهنا بمعنى اليقين- فعند ذلك جاءهم نصرنا للرسل بالنجاة ولأقوامهم بالهلاك، ولا مردّ «١» لبأسنا ويقال حكم الله بأنه لا يفتح للمريدين «٢» شيئا من الأحوال إلا بعد يأسهم منها، قال تعالى: «وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ» «٣» فكما أنّه ينزّل المطر بعد اليأس فكذلك يفتح الأحوال بعد اليأس منها والرضا بالإفلاس عنها.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1499>[سورة يوسف (١٢): آية ١١١]</span>\nلَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ما كانَ حَدِيثًا يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١١١)\nعبرة منها للملوك فى بسط العدل كما بسط يوسف ﵇، وتأمينهم أحوال الرعية كما فعل يوسف حين أحسن إليهم، وأعتقهم حين ملكهم.\nوعبرة فى قصصهم لأرباب التقوى فإن يوسف لمّا ترك هواه رقّاه الله إلى ما رقّاه.\nوعبرة لأهل الهوى فيما فى اتباع الهوى من شدة البلاء، كامرأة العزيز لمّا تبعت هواها لقيت الضرّ والفقر.\nوعبرة للمماليك فى حضرة السادة، كيوسف لما حفظ حرمة زليخا ملك ملك العزيز، وصارت زليخا امرأته حلالا.\n_________\n(١) سقطت الدال من (لا مرد) فأثبتناها. [.....]\n(٢) وردت (المرتدين) وهى خطأ فى النسخ فالكلام عن أحوال (المريدين)، كذلك فإن الله لا يفتح على (المرتدين) شيئا فهم مغضوب عليهم.\n(٣) آية ٢٨ سورة الشورى.","vol":"2","page":214},{"text":"وعبرة فى العفو عند المقدرة، كيوسف ﵇ حين تجاوز عن إخوته.\nوعبرة فى ثمرة الصبر، فيعقوب لما صبر على مقاساة حزنه ظفر يوما بلقاء يوسف ﵇ «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1500>السورة التي يذكر فيها «الرَّعْدُ»</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ «بِسْمِ اللَّهِ» كلمة سماعها يورث لقوم طلبا ثم طربا، ولقوم. حزنا ثم هربا، فمن سمع بشاهد الرجاء طلب وجود رحمته فأذنه لها طرب، ومن سمع بشاهد الرهبة حزن من خوف عقوبته ثم إليه هرب.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1501>[سورة الرعد (١٣): الآيات ١ الى ٢]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالمر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (١) اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (٢)\nأقسم بما تدل عليه هذه الحروف من أسمائه إنّ هذه آيات الكتاب الذي أخبرت أنّى أنزّل عليك فالألف تشير إلى اسم «الله»، واللام تشير إلى اسم «اللطيف»، والميم تشير إلى اسم «المجيد»، والراء تشير إلى اسم «الرحيم» . فقال بسم الله اللطيف المجيد الرحيم إن هذه آيات الكتاب الذي أخبرت أنى أنزله على محمدﷺ. ثم عطف عليه بالواو قوله تعالى: «وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ» هو حق وصدق، لأنه أنزله على نبيّهﷺ.\nقوله جل ذكره: وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ أي ولكن الأكثر من الناس من أصناف الكفار لا يؤمنون به، فهم الأكثرون عددا، والأقلون قدرا وخطرا قوله جل ذكره: اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ\n_________\n(١) أحسن القشيري إذ جعل خاتمة السورة بمتشابة خلاصة دقيقة لها، وأوضح العبرة المستفادة من دور كل شخصية فيها.","vol":"2","page":215},{"text":"دلّ على صفاته وذاته بما أخبر به من آياته، ومن جملتها رفع السماوات وليس تحتها عماد يشدّها، ولا أوتاد تمسكها. وأخبر فى غير هذه المواضع أنه زيّن السماء بكواكبها، وخصّ الأرض بجوانبها ومناكبها.\n«ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ»: أي احتوى على ملكه احتواء قدرة وتدبير. والعرش هو الملك حيث يقال: اندكّ عرش فلان إذا زال ملكه.\nقوله جل ذكره: وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ...\nكلّ يجرى فى فلك. ويدلّ كل جزء من ذلك على أنه فعل ملك فى ملكه غير مشترك.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1502>[سورة الرعد (١٣): آية ٣]</span>\nوَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وَأَنْهارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٣)\nبسط الأرض ودحاها، والجبال أرساها، وفجّر عيونها، وأجرى أنهارها، وجنّس بحارها، ونوّع من الحيوانات ما جعل البحر قرارها، وأنبت أشجارها، وصنّف أزهارها وثمارها، وكوّر عليها ليلها ونهارها.. ذلك تقدير العزيز العليم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1503>[سورة الرعد (١٣): آية ٤]</span>\nوَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤)","vol":"2","page":216},{"text":"فمن سبخ «١» ومن حجر ومن رمل.. أنواع مختلفة، وأزواج متفقة. وزروع ونبات وأشجار أشتات، وأصل الكل واحد، فأجزاؤها متماثلة، وأبعاضها متشاكلة، ولكن جعل بعضها غدقا «٢»، وبعضها قشرا، وبعضها غصنا، وبعضها جذعا، وبعضها أزهارا، وبعضها أوراقا.. ثم الكلّ واحد، وإن كان لكلّ واحد طبع مخصوص وشكل مخصوص، ولون مخصوص وقشر مخصوص مع أنها تسقى بماء واحد إذ يصل إلى كل جزء من الشجر من الماء مقدار ما يحتاج إليه، «وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1504>[سورة الرعد (١٣): آية ٥]</span>\nوَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذا كُنَّا تُرابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٥)\nوإن تعجب- يا محمد- لقولهم فهذا موضع يتعجّب منه الخلق، فالعجب لا يجوز فى صفة الحقّ «٣»، إذ أن التعجب الاستبعاد والحقّ لا يستبعد شيئا، وإنما أثبت موضع التعجب للخلق، وحسن ما قالوا: «إنما تعجّب من حجب» لأنّ من ينل عيون البصيرة لا يتعجّب من شىء.\nوقوم أطلقوا اللفظ بأن هذا من باب الموافقة أي إنك إن تعجب فهذا عجب موافقتك له.\nوإطلاق هذا- وإن كان فيه إشارة إلى حالة لطيفة- لا يجوز، والأدب السكوت عن أمثال هذا. والقوم عبّروا عن ذلك فقالوا: أعجب العجب قول ما لا يجوز فى وصفه العجم.. وإن تعجّب.\nوقوله تعالى: «أَإِذا كُنَّا تُرابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ»: استبعادهم النشأة الثانية- مع إقرارهم بالخلق الأول وهما فى معنى واحد- موضع التعجب، إذ هو صريح\n_________\n(١) السبخ المكان يظهر فيه الملح وتسوخ فيه الأقدام (الوسيط) .\n(٢) الغدق من العشب بالله وريه (الوسيط)\n(٣) إشارة إلى ما في الآية (فعجب قولهم..) .","vol":"2","page":217},{"text":"فى المناقضة، وكان القوم أصحاب تمييز وتحصيل، فقياس مثل هذا يدعو إلى العجب. ولكن لولا أن الله- سبحانه- لبّس عليهم كما قال: «فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ» «١» - وإلا ما كان ينبغى أن يخفى عليهم جواز هذا مع وضوحه «٢» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1505>[سورة الرعد (١٣): آية ١١]</span>\nلَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ (١١)\nالكناية فى: «لَهُ مُعَقِّباتٌ» راجعة إلى العبد، أي أن الله وكل بكلّ واحد منهم معقبات وهم الملائكة الذين يعقب بعضهم بعضا بالليل والنهار يحفظون هذا المكلّف وذاك «٣» من أمر الله، أي من البلاء الذي بقدرة الله. يحفظونهم بأمر الله من أمر الله، وذلك أن الله- سبحانه- وكل لكلّ واحد من الخلق ملائكة يدفعون عنهم البلاء إذا ناموا وغفلو، أو إذا انتبهوا وقاموا ومشوا ... وفى جميع أحوالهم.\nقوله جل ذكره: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ، وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ إذا غيّروا ما بهم إلى الطاعات غيّر الله ما بهم منه من الإحسان والنعمة، وإذا كانوا فى نعمة فغيّروا ما بهم من الشكر لله تغيّر عليهم ما منّ به من الإنعام فيسلبهم ما وهبهم من ذلك، وإذا كانوا فى شدة لا يغير ما بهم من البلاء حتى يغيروا ما بأنفسهم، وإذا أخذوا فى التضرع، وأظهروا العجر غيّر ما بهم من المحنة بالتبديل والتحويل.\nويقال إذا غيروا ما بألسنتهم من الذّكر غير الله ما بقلوبهم من الحظوظ فأبدلهم به النسيان\n_________\n(١) آية ٩ سورة يس.\n(٢) هنا وضع الناسخ علامة على سقوط مساحة من النص، ومن المؤسف أنه لا يوجد استدراك لذلك فى الهامش ويقع فى هذه المساحة تفسير للآيات من (٥ إلى ١٠) من السورة.\n(٣) فى النسخة (وهذا) ولكننا آثرنا أن نجعلها (وذاك) حتى نزيد السياق إيضاحا ونمنع الليس إذ ربما يظن أن (وهذا) الثانية مبتدأ.","vol":"2","page":218},{"text":"والغفلة، فإذا كان العبد فى بسطة وتقريب، وكشف بالقلب وترقب.. فالله لا يغيّر ما بأنفسهم بترك أدب، أو إخلال بحق، أو إلمام بذنب.\nويقال لا يكفّ ما أتاحه للعبد من النعمة الظاهرة أو الباطنة حتى يترك ويغيّر ما هو به من الشكر والحمد. فإذا قابل النعمة بالكفران، وأبدل حضور «١» القلب بالنسيان وما يطيح به من العصيان. أبدل الله تعالى ما به من النعمة بالحرمان والخذلان، وسلبه ما كان يعطيه من الإحسان.\nويقال إذا توالت المحن وأراد العبد زوالها فلا يصل إليه النّفض «٢» منها إلّا بأن يغير ما هو به فيأخذ فى السؤال بعد السكوت، وفى إظهار الجزع بعد السكون، فإذا أخذ فى التضرع غيّر ما به من الصبر «٣» .\nقوله: «وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ»: يقال إذا أراد الله بقوم بلاء وفتنة فما تعلّقت به المشيئة لا محالة يجرى.\nويقال إذا أراد الله بقوم سوءا (...) «٤» أعينهم حتى يعملوا ويختاروا ما فيه بلاؤهم، فهم يمشون إلى هلاكهم بأقدامهم، ويسعون- فى الحقيقة- فى دمهم كما قال قائلهم:\nإلى حتفى مشى قدمى ... إذا قدمى أراق دمى\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1506>[سورة الرعد (١٣): آية ١٢]</span>\nهُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ (١٢)\nكما يريهم البرق- فى الظاهر- فيكونون بين خوف وطمع خوف من إحباس المطر وطمع فى مجيئه. أو خوف للمسافر من ضرر مجىء المطر، وطمع للمقيم فى نفعه..\nكذلك يريهم البرق فى أسرارهم بما يبدو فيها من اللوائح ثم اللوامع ثم كالبرق فى الصفاء، وهذه أنوار المحاضرة ثم أنوار المكاشفة.\n_________\n(١) وردت (حصول) وقد آثرنا أن تكون (حضور) القلب حتى تقابل (النسيان) .\n(٢) يقال نقض فلان من مرضه أي برىء منه (الوسيط)\n(٣) سيعود القشيري إلى الإجابة عن سؤالين: متى يجوز للعبد أن يشكو ويتضرع؟ وهل هذا آية نفاد صبره أم علامة ضعفه إزاء القوة الإلهية؟ .. عند حديثه عن أيوب فى سورة الأنبياء.\n(٤) مشتبهة وربما كانت لفظة بمعنى (أعمى)","vol":"2","page":219},{"text":"«خَوْفًا»: من أن ينقطع ولا يبقى، «وَطَمَعًا»: فى أن يدوم فيه نقل صاحبه من المحاضرة إلى المكاشفة، ثم من المكاشفة إلى المشاهدة، ثم إلى الوجود ثم دوام الوجود ثم إلى كمال الخمود.\nويقال «يُرِيكُمُ الْبَرْقَ»: من حيث البرهان، ثم يزيد فيصير كأقمار البيان، ثم بصير إلى نهار العرفان. فإذا طلعت شموس التوحيد فلا خفاء بعدها ولا استتار ولا غروب لتلك الشموس، كما قيل:\nهى الشمس إلا أنّ للشمس غيبة ... وهذا الذي نعنيه ليس يغيب\nويقال تبدو لهم أنوار الوصال فيخافون أن تجنّ «١» عليهم ليالى الفرقة، فقلّما تخلو فرحة الوصال من أن تعقبها موجة الفراق «٢»، كما قيل:\nأي يوم سررتنى بوصال ... لم «٣» تدعنى ثلاثة بصدود؟!\nقوله جل ذكره: وَيُنْشِئُ السَّحابَ «٤» الثِّقالَ إذا انتاب السحابة فى السماء ظلام فى وقت فإنه يعقبه بعد ذلك ضحك الرياض، فما لم تبك السماء لا يضحك الروض، كما قيل:\nومأتم فيه السماء تبكى ... والأرض من تحتها عروس\nكذلك تنشأ فى القلب سحابة الطلب، فيحصل للقلب تردد الخاطر، ثم يلوح وجه الحقيقة، فتضحك الروح لفنون راحات الأنس، وصنوف أزهار القرب.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1507>[سورة الرعد (١٣): آية ١٣]</span>\nوَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ (١٣)\nأي الملائكة أيضا تسبح من خوفه تعالى.\nقوله جل ذكره: وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ\n_________\n(١) مصوبة هكذا فى الهامش، والمعنى ينقبلها وبرفض (ثمن) التي فى المتن. [.....]\n(٢) وردت (القرآن) وهى خطأ فى النسخ.\n(٣) وردت (كم)\n(٤) وردت (الصحاب) بالصاد وهى خطأ.","vol":"2","page":220},{"text":"يَشاءُ، وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ قد يكون فى القلب حنين وأنين، وزفير وشهيق. والملائكة إذا حصل لهم على قلوب المريدين- خصوصا- اطلاع يبكون دما لأجلهم، لا سيّما إذا وقعت لواحد منهم فترة، والفترة فى هذه الطريقة الصواعق التي يصيب بها من يشاء، وكما قيل:\nما كان ما أوليت من وصلنا ... إلا سراجا لاح «١» ثم انطفا\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1508>[سورة الرعد (١٣): آية ١٤]</span>\nلَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلاَّ كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وَما هُوَ بِبالِغِهِ وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ (١٤)\nدواعى الحق تصير لائحة فى القلوب من حيث البرهان فمن استمع إليها بسمع الفهم، استجاب لبيان العلم. وفى مقابلتها دواعى الشيطان «٢» التي تهتف بالعبد بتزيين المعاصي، فمن أصغى إليها بسمع الغفلة استجاب لصوت «٣» الغىّ، ومعها دواعى النّفس وهى قائدة للعبد بزمام الحظوظ، فمن ركن إليها ولاحظها وقع فى هوان الحجاب.\nودواعى الحقّ تكون بلا واسطة ملك، ولا بدلالة عقل، ولا بإشارة علم، فمن أسمعه الحقّ ذلك استجاب لا محالة لله بالله.\nقوله جل ذكره: وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ هواجس النّفس ودواعيها تدعو- فى الطريقة- إلى الشّرك، وذلك بشهود شىء منك، وحسبان أمر لك، وتعريح فى أوطان الفرق، والعمى عن حقائق الجمع.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1509>[سورة الرعد (١٣): آية ١٥]</span>\nوَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ (١٥)\n_________\n(١) وردت (راح) بالراء والمعنى لا يتقلبها فاخترنا (لاح) لأنها أقرب فى المعنى والخط.\n(٢) وردت (السلطان) وهى خطأ في النسخ.\n(٣) وردت (لصورت) والراء زائدة كما هو واضح.","vol":"2","page":221},{"text":"المؤمن يسجد لله طوعا، وإذا نزل به ضر ألجأه إلى أن يتواضع ويسجد، وذلك معنى سجوده كرها- وهذا قول أهل التفسير. والكافر يسجد طائعا مختارا، ولكن لمّا كان سجوده لطلب كشف الضّرّ قال تعالى: إنه يسجد كرها وعلى مقتضى هذا كلّ من يسجد لابتغاء عوض أو لكشف محنة.\nويقال السجود على قسمين: ساجد بنفسه وساجد بقلبه فسجود النّفس معهود «١»، وسجود القلب من حيث الوجود.. وفرق بين من يكون بنفسه، وواجد بقلبه.\nويقال الكلّ يسجدون لله إمّا من حيث الأفعال بالاختيار، أو من حيث الأحوال بنعت الافتقار والاستبشار: سجود من حيث الدلالة على الوحدانية فكلّ جزء من عين أو أثر فعلى الوحدانية شاهد، وعلى هذا المعنى لله ساجد. وسجود من حيث الشهادة على قدرة الصانع واستحقاقه لصفات الجلال.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1510>[سورة الرعد (١٣): آية ١٦]</span>\nقُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (١٦)\nسلهم- يا محمد- من موجد السماوات والأرض ومقدّرها، ومخترع ما يحدث فيها ومدبّرها؟ فإن أسكتهم عن الجواب ما استكنّ فى قلوبهم من الجهل فقل الله منشيها ومجريها.\nثم قال: «أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ»: يعنى الأصنام، وهى جمادات لا تملك لنفسها نفعا ولا ضرّا، ويلتحق فى المعنى بها كلّ من هو موسوم برقم الحدوث، فمن علّق قلبه بالحدثان ساوى- من وجه- من عبد الأصنام، قال تعالى: «وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ» «٢» .\n_________\n(١) أي السجود فى الصلوات العادية بالنسبة للكافة، وأما سجود القلب فللخاصة.\n(٢) آية ١٠٦ سورة يوسف.","vol":"2","page":222},{"text":"قوله جل ذكره: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ الأعمى من على بصيرته غشاوة وحجبة، والبصير من كحلّ الحقّ بصيرة سرّه بنور التوحيد.. لا يستويان! ثم هل تستوى ظلمات الشّرك وأنوار التوحيد؟ ومن جملة النور الخروج إلى ضياء شهود التقدير.\nقوله جل ذكره: أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ أي لو كان له شريك لوجب أن يكون له ند مضاه، وفى جميع الأحكام له مواز، ولم يجد حينئذ التمييز بين فعليهما.\nوكذلك لو كان له ند.. فإنّ إثباتهما شيئين اثنين يوجب اشتراكهما فى استحقاق كل وصف، وأن يكون أحدهما كصاحبه أيضا مستحقا له، وهذا يؤدى إلى ألا يعرف المحلّ.. وذلك محال.\nقوله جل ذكره: قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ «كُلِّ شَيْءٍ» تدخل فيه المخلوقات بصفاتها وأفعالها، والمخاطب لا يدخل فى الخطاب.\n«وَهُوَ الْواحِدُ»: الذي لا خلف عنه ولا بدل «١»، الواحد الذي فى فضله منزه عن فضل كل أحد، فهو الكافي لكلّ أحد، ويستعين به كل أحد.\nو«الْقَهَّارُ»: الذي لا يجرى يخلاف حكمه- فى ملكه- نفس.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1511>[سورة الرعد (١٣): آية ١٧]</span>\nأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ (١٧)\n_________\n(١) وردت (يدل) بالياء وهى خطأ فى النسخ.","vol":"2","page":223},{"text":"هذه الآية تشتمل على أمثال ضربها الله لتشبيه القرآن المنزّل بالماء المنزّل من السماء، وشبّه القلوب بالأودية، وشبّه وساوس الشيطان وهواجس النّفس بالزّبد الذي يعلو الماء، وشبّه الخلق «١» بالجواهر الصافية من الخبث كالذهب والفضة والنحاس وغيرها، وشبّه الباطل بخبث هذه الجواهر. وكما أن الأودية مختلفة فى صغرها وكبرها وأن بقدرها تحتمل الماء فى القلة والكثرة- كذلك القلوب تختلف فى الاحتمال على حسب الضعف والقوة. وكما أن السيل إذا حصل فى الوادي يطهّر الوادي فكذلك القرآن إذا حصل حفظه فى القلوب نفى الوساوس والهوى عنها، وكما أنّ الماء، قد يصحبه ما يكدره، ويخلص بعضه مما يشوبه- فكذلك الإيمان وفهم القرآن فى قلوب المؤمنين حين تخلص من نزغات الشيطان ومن الخواطر الرّديّة، فالقلوب بين صاف وكدر.\nوكما أنّ الجواهر التي تتخذ منها الأوانى إذا أذيبت خلصت من الخبث كذلك الحق يتميز من الباطل، ويبقى الحقّ ويضمحل الباطل.\nويقال إن الأنوار إذا تلألأت فى القلوب نفت آثار الكلفة، ونور «٢» اليقين ينفى ظلمة الشك، والعلم ينفى تهمة الجهل، ونور المعرفة ينفى أثر النكرة، ونور المشاهدة ينفى آثار البشرية،\n_________\n(١) هكذا فى المصورة ونرجح أنها (الحق) ليقابل (الباطل) كما تقابل الجواهر الصوفية الخبث- ويزيد من قوة هذا الترجيح ما سيأتى بعد قليل عند (التمييز بين الحق والباطل) .\n(٢) وردت (ونون) وهى خطأ فى النسخ.","vol":"2","page":224},{"text":"وأنوار الجمع تنفى آثار التفرقة. وعند أنوار الحقائق تتلاشى آثار الحظوظ، وأنوار طلوع الشمس من حيث العرفان تنفى صدفة الليل من حيث حسبان أثر الأغيار.\nثم الجواهر التي تتخذ منها الأوانى مختلفة فمن إناء يتخذ من الذهب وآخر من الرصاص، إلى غيره- كذلك القلوب تختلف، وفى الخبر: إن لله تعالى أوانى وهى القلوب» فزاهد قاصد ومحب واجد، وعابد خائف وموحّد عارف، ومتعبّد متعفّف ومتهجّد متصوف، وأنشدوا:\nألوانها شتّي الفنون وإنما ... تسقى بماء واحد من منهل\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1512>[سورة الرعد (١٣): آية ١٨]</span>\nلِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ (١٨)\n«الْحُسْنى» «١»: الوعد بقبول استجابتهم، وذلك من أجلّ الأشياء عندهم فلا شىء أعزّ على المحبّ من قبول محبوبه منه شيئا.\nأما الذين لم يستجيبوا له فلو أنّ لهم جميع ما فى الأرض وأنفقوه عمدا لا يقبل منهم، ولهم سوء الحساب، وهو المناقشة فى الحساب، ثم مأواهم جهنم ودوام العذاب.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1513>[سورة الرعد (١٣): آية ١٩]</span>\nأَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ (١٩)\n«٢» استفهام فى معنى النفي، أي لا يستوى البصير والضرير، ولا المقبول بالمردود بالحجبة، ولا المؤمّل بالتقريب بالمعرّض للتعذيب، ولا الذي أقصيناه عن شهودنا بالذي هديناه\n_________\n(١) يرى النسفي أن (الحسنى) هنا صفة للمصدر أي استجابوا الاستجابة الحسنى.\n(٢) أخطأ الناسخ إذ جعلها (أفلم) .","vol":"2","page":225},{"text":"بوجودنا. إنما يتّعظ من عقله له تشريف، دون من عقله له سبب إقصاء وتعنيف.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1514>[سورة الرعد (١٣): آية ٢٠]</span>\nالَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ (٢٠)\n«١» الوفاء بالعهد باستدامة العرفان، والوفاء بشرط الإحسان، والتوقّى من ارتكاب العصيان بذلك أبرم العقد يوم الميثاق والضمان.\nوميثاق قوم ألا يعبدوا شيئا سواه، وميثاق قوم ألا يسألوا سواه قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1515>[سورة الرعد (١٣): آية ٢١]</span>\nوَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ (٢١)\n«٢» الذين يصلون الإيمان به بالإيمان بالأنبياء والرسل.\nويقال الذين يصلون أنفاسهم بعضا ببعض فلا يتخلّلها نفس لغير الله، ولا بغير الله، ولا فى شهود غير الله.\nويقال يصلون سيرهم بسراهم فى إقامة العبودية، والتبرّى من الحول والقوة.\nوقوله: «وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ»: الخشية لجام يوقف المؤمن عن الرّكض فى ميادين الهوى، وزمام يجرّ إلى استدامة حكم التّقى.\nوقوله: «وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ» هو أن يبدو من الله ما لم يكونوا يحتسبون قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1516>[سورة الرعد (١٣): آية ٢٢]</span>\nوَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (٢٢)\nالصبر يختلف باختلاف الأغراض التي لأجلها يصبر الصابر، فالعبّاد يصبرون لخوف العقوبة، والزهاد يصبرون طمعا فى المثوبة، وأصحاب الإرادة هم الذين صبروا ابتغاء وجه ربهم، وشرط هذا النوع من الصبر رفض ما يمنع من الوصول، واستدامة التوقي منه،\n_________\n(١) أخطأ النساخ إذ جعلها (والذين) . [.....]\n(٢) هذه الآية مستدركة فى هامش الورقة بعد أن سقطت من المتن.","vol":"2","page":226},{"text":"فيدخل فيه ترك الشهوات، والتجرد عن جميع الشواغل والعلاقات، فيصبر عن العلة والزّلة.\nوعن كل شىء يشغّل عن الله.\nومما يجب عليه الصبر الوقوف على حكم تعزّز الحق، فإنّه- سبحانه- يتفضّل على الكافة من المجتهدين، ويتعزز- خصوصا- على المريدين، فيمنحهم الصبر فى أيام إرادتهم، فإذا صدقوا فى صبرهم جاد عليهم بتحقيق ما طلبوا.\nقوله جل ذكره: وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً.\nالأغنياء ينفقون أموالهم. والعبّاد ينفقون نفوسهم ويتحملون صنوف الاجتهاد، ويصبرون على أداء الفرائض والأوراد. والمريدون ينفقون قلوبهم فيسرعون إلى أداء الفرائض والأوراد ويصبرون إلى أن يبوح علم من الإقبال عليهم. وأمّا المحبون فينفقون أرواحهم..\nوهى كما قيل:\nألست لى خلفا؟ كفى شرفا ... فما وراءك لى قصد ومطلوب.\nقوله جل ذكره: وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ يعاشرون الناس بحسن الخلق فيبدأون بالإنصاف ولا يطلبون الانتصاف، وإن عاملهم أحد بالجفاء قابلوه بالوفاء، وإن أذنب إليهم قوم اعتذروا عنهم، وإن مرضوا عادوهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1517>[سورة الرعد (١٣): الآيات ٢٣ الى ٢٤]</span>\nجَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ (٢٣) سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤)","vol":"2","page":227},{"text":"يتم النعمة عليهم بأن يجمع بينهم وبين من يحبون صحبتهم من أقاربهم وأزواجهم، وقد ورد فى الخبر: «المرء مع من أحبّ» فمن كان محبوبه أمثاله وأقاربه حشر معهم، ومن كان اليوم بقلبه مع الله، فهو غدا مع الله، وفى الخبر: «أنا جليس من ذكرنى»، وهذا فى العاجل، وأمّا فى الآجل، ففى الخبر: «الفقراء الصابرون جلساء الله يوم القيامة» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1518>[سورة الرعد (١٣): آية ٢٥]</span>\nوَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٢٥)\nمن كفر بعد إيمانه نقض عهد الإسلام فى الظاهر، ومن رجع إلى أحكام العادة بعد سلوكه طريق الإرادة، فقد نقض عهده فى السّرّاء ... فهذا مرتدّ جهرا، وهذا مرتدّ سرّا، والمرتد جهرا عقوبته قطع رأسه، والمرتد سرّا عقوبته قطع سرّه.\nوقوله: «وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ»، هو نقض قوله: «يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ» .\nويقال نقض العهد هو الاستعانة بالأغيار، وترك الاكتفاء بالله الجبّار.\nويقال نقض العهد الرجوع إلى الاختبار والتدبير بعد شهود الأقدار، وملاحظة التقدير.\nويقال نقض العهد بترك نفسه، ثم يعود إلى ما قال بتركه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1519>[سورة الرعد (١٣): آية ٢٦]</span>\nاللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ مَتاعٌ (٢٦)\nيبسط الرزق للأغنياء ويطالبهم بالشكر ويضيّق على الفقراء ويطالبهم بالصبر","vol":"2","page":228},{"text":"وعد الزيادة للشاكرين، ووعد المعيّة للصابرين. للأغنياء الأموال بمزيدها، وللفقراء التجرد فى الدارين عن طريقها وتليدها.\nقوله جل ذكره: وَفَرِحُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتاعٌ فرح الأغنياء بزكاء أموالهم، وفرح الفقراء بصفاء أحوالهم.\n«وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتاعٌ» قليل بالإضافة إلى ما وعدهم الله فأموال الأغنياء- وإن كثرت- قليلة بالإضافة إلى ما وعدهم من وجود أفضاله، وأحوال الفقراء- وإن صفت- قليلة بالإضافة إلى ما وعدهم من شهود جماله وجلاله.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1520>[سورة الرعد (١٣): آية ٢٧]</span>\nوَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ (٢٧)\n«يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ»: وهم الذين لم يشهدوا ما أعطى نبيناﷺ- من الشواهد والبرهان حتى (...) «١» الزيادة.\n«وَيَهْدِي من يشاء»: وهم الذين أبصروا بعيون أسرارهم ما خصّ به من الأنوار فسكنوا بنور استبصارهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1521>[سورة الرعد (١٣): آية ٢٨]</span>\nالَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)\nقوم اطمأنت قلوبهم بذكرهم الله، وفى الذكر وجدوا سلوتهم، وبالذكر وصلوا إلى صفوتهم. وقوم اطمأنت قلوبهم بذكر الله فذكرهم الله- سبحانه- بلطفه، وأثبت الطمأنينة فى قلوبهم على وجه التخصيص لهم.\n_________\n(١) مشتبهة.","vol":"2","page":229},{"text":"ويقال إذا ذكروا أنّ الله ذكرهم استروحت قلوبهم، واستبشرت أرواحهم، واستأنست أسرارهم، قال تعالى: «أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ» لما نالت بذكره من الحياة، وإذا كان العبد لا يطمئن قلبه بذكر الله، فذلك لخلل فى قلبه، فليس قلبه بين القلوب الصحيحة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1522>[سورة الرعد (١٣): آية ٢٩]</span>\nالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)\nطابت أوقاتهم وطابت نفوسهم.\nويقال طوبى لمن قال له الحقّ: طوبى.\nطوبى لهم فى الحال، وحسن المآب فى المآل.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1523>[سورة الرعد (١٣): آية ٣٠]</span>\nكَذلِكَ أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتابِ (٣٠)\nلئن أرسلناك بالنبوة إليهم فلقد أرسلنا قبلك كثيرا من الرسل، ولئن أصابك منهم بلاء فلقد أصاب من قبلك كثير من البلاء، فاصبر كما صبروا تؤجر كما أجروا.\nقوله جل ذكره: وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتابِ لئن كفروا بنا فآمن أنت، وإذا آمنت فلا تبال بمن جحد، فإنّك أنت المقصود من البريّة، والمخصوص بالرسالة والمحبة.\nلو كان يجوز فى وصفنا أن يكون لنا غرض فى أفعالنا.\nولو كان الغرض فى الخلقة فأنت سيد البشر، وأنت المخصوص من بين البشرية بحسن الإقبال «١»، فهذا مخلوق يقول فى مخلوق:\n_________\n(١) هذه أقصى درجة فى التصور لشخصية الرسول صلوات الله عليه- في نظر هذا الصوفي.. قارن ذلك بأقوال باحت آخر كابن عربى أو الجبلي عن «الإنسان الكامل»، لتلحظ الفرق الهائل بين الاتجاهين.","vol":"2","page":230},{"text":"وكنت أخّرت أو طارى لوقت ... فكان الوقت وقتك والسلام\nوكنت أطالب الدنيا بحبّ ... فكنت الحبّ.. وانقطع الكلام\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1524>[سورة الرعد (١٣): آية ٣١]</span>\nوَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ (٣١)\nلو كان شىء من المخلوقات يظهر بغيرنا فى الإيجاد لكان يحصل بهذا القرآن، ولكن المنشئ الله، والخير والشر جملة من الله، والأمر كله لله. فإذا لم يكن شىء من الحدثان بالقرآن- والقرآن كلام الله العزيز- فلا تكون ذرة من النفي والإثبات لمخلوق.. فإن ذلك محال.\nقوله جل ذكره: أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا معناه أفلم يعلم الذين آمنوا، ويقال أفلم ييأسوا من إيمانهم وقد علموا أنه من يهديه الحق فهو المهتدى؟\nقوله جل ذكره: وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ يعنى شؤم كفرهم لا يزال واصلا إليهم، ومقتص «١» فعلهم لاحق بهم أبدا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1525>[سورة الرعد (١٣): آية ٣٢]</span>\nوَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ (٣٢)\n_________\n(١) من (اقتص) والقصاص أن يوقع على الجاني مثل ماجنى.","vol":"2","page":231},{"text":"أنزل هذه الآية على جهة التسلية للرسولﷺ- عما كان يلاقيه منهم.\nوكما أن هؤلاء فى التكذيب جروا على نهجهم فنحن أدمنا سنّتنا فى التعذيب معهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1526>[سورة الرعد (١٣): آية ٣٣]</span>\nأَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٣٣)\nالجواب فيه مضمر أي أفمن هو مجرى ومنشئ الخلق والمطّلع عليهم، لا يخفى عليه منهم شىء كمن ليس كذلك؟ لا يستويان غدا أبدا.\nقوله جل ذكره: وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ قل لهم أرونى أي تأثير منهم، وأي نفع لكم فيهم، وأي ضرر لكم منهم؟ أتقولون ما يعلم الله بخلافه؟ وهذا معنى قوله: «بِما لا يَعْلَمُ» .\nقوله جل ذكره: بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ، وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ.\nأي قد تبين لكم أن ذلك من كيد الشيطان، وزين للذين كفروا مكرهم، وصاروا مصدودين عن الحق، مسدودة عليهم الطّرق، فإنّ من أضلّه حكمه- سبحانه- لا يهديه أحد قطعا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1527>[سورة الرعد (١٣): آية ٣٥]</span>\nمَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكافِرِينَ النَّارُ (٣٥)\nالمثل أي الصفة، فصفة الجنة التي وعد المتقون هى أنها جنة تجرى من تحتها الأنهار، وأكلها دائم وظلها دائم، أي أن اللذات فيها متصلة. وإنما لهم جنات معجلة ومؤجلة، فالمؤجّلة","vol":"2","page":232},{"text":"ما ذكره الله- سبحانه- فى نص القرآن، والمعجلة جنة الوقت «١» .. والدرجات- من حيث البسط- فيها متصلة، ونفحات الأنس لأربابها لا مقطوعة ولا ممنوعة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1528>[سورة الرعد (١٣): آية ٣٦]</span>\nوَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُوا وَإِلَيْهِ مَآبِ (٣٦)\nيريد بهم مؤمنى أهل الكتاب الذين كانوا يفرحون بما ينزل من القرآن لصدق يقينهم.\nوَمِنَ الْأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ أي الأحزاب الذين قالوا كان محمد يدعو إلى إله واحد، فالآن هو ذا يدعو إلى إلهين لمّا نزل: «قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ» «٢» .\nقُلْ إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ، إِلَيْهِ أَدْعُوا وَإِلَيْهِ مَآبِ.\nقل يا محمد: «إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ» . والعبودية المبادرة إلى ما أمرت به، والمحاذرة «٣» مما زجرت عنه، ثم التبرّى عن الحول والمنّة، والاعتراف بالطول والمنّة.\nوأصل العبودية القيام بالوظائف، ثم الاستقامة عند روح اللطائف.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1529>[سورة الرعد (١٣): آية ٣٧]</span>\nوَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا واقٍ (٣٧)\nأي حكما ببيان العرب لأنّ الله تعالى أرسل الرسل فى كلّ وقت كلا بلسان قومه ليهتدوا إليه.\nويقال من صفات العرب الشجاعة والسخاء ومراعاة الذّمام وهذه الأشياء مندوب إليها فى الشريعة.\n_________\n(١) أي جنة أرباب الأحوال ... هنا فى هذه الدنيا\n(٢) آية ١١٠ سورة الإسراء ومنهم كعب بن الأشرف والسيد والعاقب وأشياعهم.\n(٣) وردت (المحاضرة) بالضاد وهى خطا فى النسخ كما هو واضح من السياق.","vol":"2","page":233},{"text":"«وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ»: أي ولئن وافقتهم، ولم تعتصم بالله، ووقعت على قلبك حشمة من غير الله- فمالك من واق من الله.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1530>[سورة الرعد (١٣): آية ٣٨]</span>\nوَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجًا وَذُرِّيَّةً وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ (٣٨)\nأي أرسلنا رسلا من قبلك إلى قومهم، فلم يكونوا إلا من جنسك، وكما لكم أزواج وذرية كانت لهم أزواج وذرية، ولم يكن ذلك قادحا فى صحة رسالتهم، ولا تلك العلاقات كانت شاغلة لهم.\nويقال إن من اشتغل بالله فكثرة العيال وتراكم الأشغال لا تؤثر فى حاله ولا يضره ذلك.\nقوله جل ذكره: لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ.\nأي لكل شىء أجل مثبت فى كتاب الله وهو المحفوظ، وله وقت قسم له، وأنه لا اطلاع لأحد على علمه، ولا اعتراض لأحد على حكمه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1531>[سورة الرعد (١٣): آية ٣٩]</span>\nيَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ (٣٩)\nالمشيئة لا تتعلق بالحدوث، والمحو والإثبات متصلان بالحدوث.\nفصفات ذات الحق- سبحانه- من كلامه وعلمه، وقوله وحكمه لا تدخل تحت المحو والإثبات، وإنما يكون المحو والإثبات من صفات فعله المحو يرجع إلى العدم، والإثبات إلى الإحداث، فهو يمحو من قلوب الزّهاد حب الدنيا ويثبت بدله الزهد فيها، كما فى خبر حارثة: «عزفت نفسى عن الدنيا فاستوى عندى حجرها وذهبها» «١» .\n_________\n(١) سأل النبي (ص) حارثة. لكل حق حقيقة، فما حقيقة إيمانك؟ فقال: عزفت نفسى عن الدنيا......، خرجنا هذا الحديث فى هامش سابق.","vol":"2","page":234},{"text":"ويمحو عن قلوب العارفين الحظوظ، ويثبت بدلها حقوقه تعالى، ويمحو عن قلوب الموحّدين شهود غير الحق ويثبت بدله شهود الحق، ويمحو آثار البشرية ويثبت أنوار شهود الأحدية.\nويقال يمحو العارفين عن شواهدهم، ويثبتهم بشاهد الحق.\nويقال يمحو العبد عن أوصافه ويثبته بالحقّ فيكون محوا عن الخلق مثبتا بالحق للحق.\nويقال يمحو العبد فلا يجرى عليه حكم التدبير، ويكون محوا بحسب جريان أحكام التقدير، ويثبت سلطان التصديق والتقليب بإدخال ما لا يكون فيه اختيار عليه على ما يشاء.\nويقال يمحو عن قلوب الأجانب ذكر الحق، ويثبت بدله غلبات الغفلة وهواجم النسيان.\nويقال يمحو عن قلوب أهل الفترة ما كان يلوح فيها من لوامع الإرادة، ويثبت بدلها الرجوع إلى ما خرجوا عنه من أحكام العادة.\nويقال يمحو أو ضار الزّلّة عن نفوس العاصين، وآثار العصيان عن ديوان المذنبين (ويثبت) «١» يدل ذلك لوعة النّدم، وانكسار الحسرة، والخمود عن متابعة الشهوة.\nويقال يمحو عن ذنوبهم السيئة، ويثبت بدلها الحسنة، قال تعالى: «فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ» .\nويقال يمحو الله نضارة الشباب ويثبت ضعف المشيب.\nويقال يمحو عن قلوب الراغبين فى مودة أهل الدنيا ما كان يحملهم على إيثار صحبتهم، ويثبت بدلا منه الزهد فى صحبتهم والاشتتغال بعشرتهم.\nويقال يمحو الله ما يشاء من أيام صفت من الغيب «٢»، وليال كانت مضاءة بالزلفة والقربة ويثبت بدلا من ذلك أياما هى أشدّ ظلاما من الليالى الحنادس «٣»، وزمانا يجعل سعة الدنيا عليهم محابس.\n_________\n(١) سقطت هذه اللفظة من الناسخ.\n(٢) من (الغيب) يكون المعنى أن الأيام التي كانت تمنح لهم من الغيب صافية، ولكننا لا نستبعد أنها قد تكون (الغيم) على معنى خلو تلك الأيام من كل كدورة بدليل المقابلة التي وردت فيما بعد.\n(٣) جمع حندس أي شديد السواد.","vol":"2","page":235},{"text":"ويقال يمحو العارفين بكشف جلاله، ويثبتهم فى وقت آخر بلطف جماله.\nويقال يمحوهم إذا تجلّى لهم، ويثبتهم إذا تعزّز عليهم.\nويقال يمحوهم إذا ردّهم إلى أسباب التفرقة لأنهم يبصرون بنعت الافتقار والانكسار، ويثبتهم إذا تجلّى لقلوبهم فيبصرون بنعت الاستبشار، ويشهدون بحكم الافتخار.\nقوله جل ذكره: وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ قيل اللوح المحفوظ الذي أثبت فيه ما سبق به علمه وحكمه مما لا تبديل ولا تغيير فيه.\nويقال إنه إشارة إلى علمه الشامل لكل معلوم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1532>[سورة الرعد (١٣): آية ٤٠]</span>\nوَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ (٤٠)\nنفى عنه الاستعجال أمرا، و(....) «١» فى قلوبهم أنه يوشك أن يجعل الموعود جهرا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1533>[سورة الرعد (١٣): آية ٤١]</span>\nأَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ (٤١)\nفى التفاسير: بموت العلماء، وفى كلام أهل المعرفة بموت الأولياء، الذين إذا أصاب الناس بلاء ومحنة فزعوا إليهم فيدعون الله ليكشف البلاء عنهم.\nويقال هو ذهاب أهل المعرفة حتى إذا جاء مسترشد فى طريق الله لم يجد من يهديه إلى الله.\nويقال: فى كل زمان لسان ينطق عن الحقّ سبحانه «٢»، فإذا وقعت فترة سكن ذلك اللسان- وهذا هو النقصان فى الأطراف الذي تشير إليه الآية، وأنشد بعضهم:\nطوى العصران ما نشراه منى ... وأبلى جدتى نشر وطيّ\n_________\n(١) مشتبهة.\n(٢) يتصل ذلك بفكرة القطب والأوتاد والأبدال.","vol":"2","page":236},{"text":"أرانى كلّ يوم فى انتقاص ... ولا يبقى مع النقصان شىّ\nويقال ينقصها من أطرافها أي بفتح المدائن وأطراف ديار الكفار، وانتشار الإسلام، قال تعالى: «لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ» «١» .\nويقال ينقصها من أطرافها بخراب البلدان، قال تعالى: «كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ» «٢» وقال: «كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ» «٣» فموعود الحقّ خراب العالم وفناء أهله، ووعده حقّ لأن كلامه صدقّ، والله يحكم لا معقّب لحكمه، ولا ناقض لما أبرمه، ولا مبرم لما نقضه، ولا قابل لمن ردّه، ولا رادّ لمن قبله، ولا معزّ لمن أهانه، ولا مذلّ لمن أعزّه.\n«وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ»: لأن ما هو آت فقريب.\nويقال «سَرِيعُ الْحِسابِ» فى الدنيا لأنّ الأولياء إذا ألموا بشىء، أو همّوا لمزجور عوتبوا فى الوقت، وطولبوا بحسن الرّجعى.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1534>[سورة الرعد (١٣): آية ٤٢]</span>\nوَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ (٤٢)\nمكرهم إظهار الموافقة مع إسرارهم الكفر، ومكر الله بهم توّهمهم أنهم محسنون فى أعمالهم، وحسبانهم «٤» أنهم سنأ من أحوالهم، وظنّهم أنه لا يحيق بهم مكرهم، وتخليته إياهم- مع مكرهم- من أعظم مكره بهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1535>[سورة الرعد (١٣): آية ٤٣]</span>\nوَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ (٤٣)\n_________\n(١) آية ٢٨ سورة الفتح. [.....]\n(٢) آية ٨٨ سورة القصص.\n(٣) آية ٢٦ سورة الرحمن.\n(٤) وردت (وحسناتهم) وهى خطأ فى النسخ.","vol":"2","page":237},{"text":"وبال تكذيبهم عائد إليهم، فإنّ الله شهيد لك بصدقك. «وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ» هو الله ﷾ عنده علم جميع المؤمنين. فالمعنى كفى بالله شهيدا فعنده علم الكتاب وكفى بالمؤمنين شهيدا إذ المؤمنون يعلمون ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1536>السورة التي يذكر فيها إبراهيم ﵇</span>\nقوله جل ذكره: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ بسم الله معناه بالله فقلوب العارفين بالله إشراقها، وقلوب الوالهين بالله احتراقها، لهؤلاء فا (...) «١» محبته، ولهؤلاء شوقا إلى عزيز رؤيته.\nوأصحاب الوصول قالوا: بالله.. فوصل من الطالبين من وصل قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1537>[سورة إبراهيم (١٤): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالر كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١)\nأقسم بهذه الحروف: إنّه لكتاب أنزل إليك لتخرج الناس به من ظلمات الجهل إلى نور العلم، ومن ظلمات الشّكّ إلى نور اليقين، ومن ظلمات التدبير إلى فضاء شهود التقدير، ومن ظلمات الابتداع «٢» إلى نور الاتباع، ومن ظلمات دعاوى النّفس إلى نور معارف القلب، ومن ظلمات التفرقة إلى نور الجمع- بإذن ربهم، وبإرادته ومشيئته، وسابق حكمه وقضائه إلى صراط رحمته، وهو نهج التوحيد وشواهد التفريد.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1538>[سورة إبراهيم (١٤): آية ٢]</span>\nاللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ (٢)\nعرّف الخلق أنّ الله هو الذي له ما فى السماوات وما فى الأرض.\n_________\n(١) مشتبهة.\n(٢) وردت (الابتداء) بالهمزة وهى خطأ من الناسخ.","vol":"2","page":238},{"text":"فمن عرف فله المآب الحميد، ومن جحد فله العذاب الشديد وذلك العذاب هو جهله بأنه- سبحانه- من هو.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1539>[سورة إبراهيم (١٤): آية ٣]</span>\nالَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجًا أُولئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (٣)\nثم ذكر ذميم أخلاقهم، فقال: هم الذين يؤثرون اليسير من حطام الدنيا على الخطير من نعم الآخرة، وذلك من شدة جحدهم، ويبغون للدّين عوجا بكثرة جمعهم، أولئك لهم فى الدنيا الفراق وهو أشد عقوبة، وفى الآخرة الاحتراق وهو أجلّ محنة ومصيبة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1540>[سورة إبراهيم (١٤): آية ٤]</span>\nوَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤)\nإنما كان كذلك ليكون آكد فى إلزام الحجة، وأنّى ينفع ذلك إذا لم يوفّقوا لسلوك المحجّة؟ فأهل الهداية فازوا بالعناية السابقة، وأصحاب الغواية وقعوا فى ذلّ العداوة، فلا اعتراض عليه فيما يصنع، ولا يسأل عما يفعل أو لم يفعل.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1541>[سورة إبراهيم (١٤): آية ٥]</span>\nوَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٥)\nأخرج قومك بدعوتك من ظلمات شكهم إلى نور اليقين، ومن إشكال الجهل إلى روح العلم. وذكّرهم بأيام الله ما سلف لهم من وقت الميثاق، وما رفع عنهم من البلاء فى سابق أحوالهم.","vol":"2","page":239},{"text":"ويقال ذكّرهم بأيام الله وهى ما سبق لأهواحهم من الصفوة وتعريف التوحيد قبل حلولها فى الأشباح:\nسقيا لها ولطيبها ولحسنها وبهائها أيام لم (......) «١»\nويقال ذكّرهم بأيام الله وهى التي كان العبد فيها فى كتم العدم، والحق يتولّى عباده قبل أن يكون للعباد فعل فلا جهد للسابقين، ولا عناء ولا ترك للمقتصدين، ولا وقع من الظالم لنفسه ظلم «٢» .\nإذ كان متعلق العلم متناول القدرة، والحكم على الإرادة.. ولم يكن للعبد اختيار فى تلك الأيام.\nقوله: «... إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ» .\n«صَبَّارٍ»: راض بحكمه واقف عند كون لذيذ العيش يسرّه.\n«شَكُورٍ»: محجوب «٣» بشهود النّعم عن استغراقه فى ظهور حقه.. هذا واقف مع صبره وهذا واقف مع شكره، وكلّ ملزم بحدّه وقدره ... والله غالب على أمره، مقدّس فى نفسه متعزّز بجلال قدسه.\nقوله جل ذكره\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1542>[سورة إبراهيم (١٤): آية ٦]</span>\nوَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٦)\n_________\n(١) بقية الكلام غامضة فى الكتابة والمعنى، وتعجز المطبعة أن تنقل حروفها.\n(٢) يشير القشيري بذلك إلى الآية ٣٣ من سورة فاطر: «فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ» .\n(٣) فلا يزول الحجاب إلا إذا تجرد العبد عن شهود النعمة، وشاهد المنعم، ومن شاهد المنعم استقبل السراء والضراء بلا تمييز.","vol":"2","page":240},{"text":"تذكّر ما سلف من النّعم يوجب تجديد ما سبق من المحبة، وفى الخبر:\n«جبلت القلوب على حبّ من أحسن إليها» فالحقّ أمر موسى ﵇.\nبتذكير قومه ما سبق إليهم من فنون إنعامه، ولطائف إكرامه.. وفى بعض الكتب المنزلة على الأنبياء﵈: «عبدى، أنا لك محبّ فبحقى عليك كن لى محبا» قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1543>[سورة إبراهيم (١٤): آية ٧]</span>\nوَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ (٧)\nإن شكرتم لأزيدنكم من إنعامى وإكرامى، وإن كفرتم بإحسانى لأعذبنكم اليوم بامتحانى، وغدا بفراقى وهجرانى.\nلئن عرفتم وصالى لأزيدنكم من وجود نوالى إلى شهود جمالى وجلالى «١» .\nويقال لئن شكرتم وجوه توفيق العبادة لأزيدنكم بتحقيق الإرادة.\nويقال لئن شكرتم شهود المكافي لأزيدنكم بشهود أوصافى.\nويقال لئن شكرتم صنوف إنعامى لأزيدنكم بشهود إكرامى ثم إلى شهود إقدامى.\nويقال لئن شكرتم مختص نعمائى لأزيدنكم منتظر آلائي.\nويقال لئن شكرتم مخصوص نعمى لأزيدنكم مأمول كرمى.\nويقال لئن شكرتم ما خوّلناكم من عطائى لأزيدنكم ما وعدناكم من لقائى.\nويقال لئن شكرتم ما لوّحت فى سرائركم زدناكم ما ألبسنا من العصمة لظواهركم.\nويقال لئن كفرتم نعمتى بأن توهمتم استحقاقها «٢» لجرّعناكم ما تستمرّون مذاقها.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1544>[سورة إبراهيم (١٤): آية ٨]</span>\nوَقالَ مُوسى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (٨)\n_________\n(١) أي إن الوجود والشهود- عند هذا الصوفي- يرتبطان بالأوصاف لا بالذات، فقد جلت الصمدية عن أن يستشرف العبد من الذات.\n(٢) أي ينبغى أن تنظروا لأعمالكم بعين الاستصغار وأن ما تنالون من نعمة فضل من الله وليس نظير أعمالكم.","vol":"2","page":241},{"text":"إن اجتمعتم أنتم ومن عاضدكم، وكل من غاب عنكم وحضركم، والذين يقتفون أثركم- على أن تكفروا بالله جميعا، وأخذتم كل يوم شركاء قطيعا- ما أوجهتم لعزّنا شينا، كما لو شكرتم ما جعلتم بملكنا زينا. والحقّ بنعوته ووصف جبروته علىّ، وعن العالم بأسره غنىّ.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1545>[سورة إبراهيم (١٤): آية ٩]</span>\nأَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللَّهُ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ وَقالُوا إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٩)\nاستفهام فى معنى التقرير. أخبره أنه لما جاءتهم الرسل قابلوهم بالكنود، وعاملوهم بالجحود وردوا أيديهم فى أفواههم، وحذوا سبيل أمثالهم فى الكفر، وبنوا على الشك والريبة قواعدهم، وأسسوا على الشّرك والغىّ مذاهبهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1546>[سورة إبراهيم (١٤): آية ١٠]</span>\nقالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى قالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (١٠)\nاستفهام والمراد منه توبيخ ونفى. سبحانه لا يتحرك نفس إلا بتصريفه.\nوكيف يبصر جلال قدره إلا من كحلّه بنور برّه؟\nثم قال: «يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ»: ليس العجب ممن تكلف لسيده المشاق وتحمل ما لا يطاق، وألّا يهرب من خدمة أو يجنح إلى راحة.. إنما العجب من سيد عزيز كريم يدعو عبده ليغفر له وقد أخطأ، ويعامله بالإحسان وقد جفا.","vol":"2","page":242},{"text":"والذي لا يكفّ عن العناد، ولا يؤثر رضاء سيده على راحة نفسه فلا يحمل هذا إلا على قسمة بالشقاء سابقة.. وإن أحكام الله بردّه صادقة. ثم أخبر أنهم قالوا لرسلهم:\nقالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ نظروا إلى الرسل من ظواهرهم ولم يعرفوا سرائرهم، ومالوا إلى تقليد أسلافهم، وأصروا على ما اعتادوه من شقاقهم وخلافهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1547>[سورة إبراهيم (١٤): آية ١١]</span>\nقالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١)\nقالت لهم الرسل ما نحن إلا أمثالكم، والفرق بيننا أنه- سبحانه- منّ علينا بتعريفه، واستخلصنا بما أفردنا به من تشريفه. والذي اقترحتم علينا من ظهور الآيات فليس لنا إلى الإتيان به سبيل إلّا أن يظهره الله علينا إذا شاء بما شاء- وهو عليه قدير.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1548>[سورة إبراهيم (١٤): آية ١٢]</span>\nوَما لَنا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (١٢)\n«ما لَنا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ»: وقد رقّانا من حدّ التكليف بالبرهان إلى وجود روح البيان بكثرة ما أفاض علينا من جميل الإحسان، فكفانا من مهان الشان. «وَما لَنا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ»: وقد حقّق لنا ما سبق به الضمان من وجود الإحسان، وكفاية ما أظلّنا من الامتنان. «ما لَنا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ» ولم نخرج إلى التقاضي على الله فيما وعدنا الله.","vol":"2","page":243},{"text":"قوله: «وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا»: والصبر على البلاء يهون إذا كان على رؤية المبلى، وفى معناه أنشدوا:\nيستقدمون بلاياهم كأنهم ... لا ييأسون من الدنيا إذا قبلوا\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1549>[سورة إبراهيم (١٤): آية ١٣]</span>\nوَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (١٣)\nلما عجز الأعداء عن معارضة الأنبياء ﵈ فى الإتيان بمثل آياتهم أخذوا فى الجفاء معهم بأنواع الإنذار، والتهديد بفنون البلاء من الإخراج عن الأوطان، والتشريد فى البلدان.\nوبسط الله على قلوبهم بوعد نصره ولقائه ما أظلّهم من الأمر، ومكّن لهم من مساكن أعدائهم بما قوّى قلوبهم على الصبر على مقاساة بلائهم فقال:\n«لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ»، وقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1550>[سورة إبراهيم (١٤): آية ١٤]</span>\nوَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ (١٤)\n«وَخافَ وَعِيدِ»: أي خاف مقامه فى محل الحساب غدا فأناب إلى نفسه على وجه التخصيص.\nويقال خاف مقامى أي هاب اطلاعى عليه، فالأول تذكير المحاسبة فى الآجل، والثاني تحقيق المراقبة فى العاجل.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1551>[سورة إبراهيم (١٤): آية ١٥]</span>\nوَاسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (١٥)\nالاستفتاح طلب الفتح، والفتح القضاء، واستعجلوا حلول القضاء مثل قولهم: «إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ» «١» وغيره فلما نزل بهم البلاء، وتحقق لهم\n_________\n(١) آية ٣٢ سورة الأنفال.","vol":"2","page":244},{"text":"الأمر لم ينفعهم تضرعهم وبكاؤهم، ولم تقبل منهم صدقتهم وفداؤهم، وندموا حين لا ندامة، وجزعوا بعد ما عدموا السلامة.\nويقال: «وَاسْتَفْتَحُوا»: بغير الرسل، ولما وجد الرسل إصرار قومهم سألوا النصرة عليهم من الله كقول نوح﵇: «رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّارًا»، وقول موسى ﵇: «رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ» «١» فأجابهم الله بإهلاكهم.\nويقال إذا اشتد البلاء وصدق الدعاء قرب النّجاء.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1552>[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ١٦ الى ١٧]</span>\nمِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ (١٦) يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ (١٧)\nلفظ «وراء» يقع على ما بين يديه وعلى ما خلف، والوراء ما توارى عليك أي استتر يريد هذا الكافر يأتيه العذاب فيما بين يديه من الزمان، وعلى ما خلفه أي لأجل ما سلف من الماضي من قبيح أفعاله، ويسقى من النار ما يشربه جرعة بعد جرعة، فلصعوبته ومرارته لا يشربه مرة واحدة.\nقوله جل ذكره: وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ يرى العذاب- من شدته- فى كل عضو، وفى كل وقت، وفى كل مكان. وليس ذلك الموت لأنّ أهل النار لا يموتون، ولكنه فى الشدة كالموت. ثم «مِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ»: وهو الخلود فى النار، وهذا جزاء من اغترّ بأيام قلائل ساعدته المشيئة فيها، وانخدع فلم يشعر بما يليها.\n_________\n(١) الآية ٨٨ سورة يونس.","vol":"2","page":245},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1553>[سورة إبراهيم (١٤): آية ١٨]</span>\nمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ (١٨)\nأي وفيما يتلى عليك- يا محمد- مثل لأعمال الكفار فى تلاشيها، وكيف أنه لا يقبل شىء منها كرماد فى يوم عاصف، فإنه لا يبقى منه شىء- كذلك أعمالهم.\nومن كان كذلك فقد خاب فى الدارين، وحلّ عليه الويل.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1554>[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ١٩ الى ٢٠]</span>\nأَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٩) وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (٢٠)\nخلق السماوات والأرض بالحكم الحق، أي له ذلك بحقّ ملكه، وخلقهما بقوله الحق فجعل كلّ جزء منهما على وحدانيته دليلا، ولمن أراد الوصول إلى ربّه سبيلا.\nثم قال: إن يشأ يذهبكم بالإفناء، ويأت بخلق جديد فى الإنشاء، وليس ذلك عليه بعزيز ... وأنّى ذلك وهو على كل شىء قدير؟! قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1555>[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ٢١ الى ٢٢]</span>\nوَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقالَ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قالُوا لَوْ هَدانَا اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ (٢١) وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٢٢)\nلم يكونوا عن الحقّ- سبحانه- مستترين حتى يظهروا له، ولكن معناه صارت معارفهم ضرورية فحصلوا فى مواطن لم يكن لغير الله فيها حكم، فصاروا كأنهم ظهروا لله.\nفقال الضعفاء للذين استكبروا: «إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا» توهما أن يرفعوا عنهم شيئا من العناء، فأجابهم المتكبرون: إنّا جميعا فى العذاب مشتركون، ولو أمكننا أن نرفع عنكم من","vol":"2","page":246},{"text":"العذاب، وقدرنا على أن نهديكم إلى طريق النجاة لنجيناكم مما شكوتم، وأجبناكم إلى ما سألتم، ولكنكم لستم اليوم لنا بمصرخين، ولا نحن لكم بمغيثين، ولا لما تدعونا إليه بمستجيبين ...\nفلا تلومونا ولوموا أنفسكم، ولات حين ملام! إنما ينفع لوم النّفس فيما تتعاطاه من الإساءة فى زمان المهلة وأوقات التكليف فإنّ أبواب التوبة مفتوحة، ولكن لمن لم ينزع روحه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1556>[سورة إبراهيم (١٤): آية ٢٣]</span>\nوَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ (٢٣)\nذلك الذي مضى ذكره صفة الكفار والأعداء. وأمّا المؤمنون والأولياء، فقال:\n«وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا ...» والإيمان هو التصديق، «وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ» تحقيق التصديق.\nويدخل فى جملة الأعمال الصالحة ما قلّ أو كثر من وجوه الخيرات حتى القذر تميطه «١» عن الطريق.\nو«تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ» - وكذلك قال تعالى: «لَهُمْ دارُ السَّلامِ»، فالوصف العام والتحية لهم من الله السلام.\nويقال إن أحوالهم متفاوتة فى الرتبة فقوم سلموا من الاحتراق ثم من الفراق ثم من العذاب ثم من الحجاب.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1557>[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ٢٤ الى ٢٦]</span>\nأَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ (٢٦)\n_________\n(١) أماط الأذى أي نحاه وأبعده.","vol":"2","page":247},{"text":"هذا مثل ضربه الله للإيمان والمعرفة به سبحانه، فشبهه بشجرة طيبة، وأصل تلك الشجرة ثابت فى الأرض وفروعها باسقة وثمراتها وافية. تؤتى أكلها كل وقت، وينتفع بها أهلها كل حين.\nوأصل تلك الشجرة المعرفة، والإيمان مصحّحا بالأدلة والبراهين، وفروعها الأعمال الصالحة التي هى الفرائض ومجانبة المعاصي.\nوالواجب صيانة الشجرة مما يضرّ بها مثل كشف القشر وقطع العرق وإملاق الغصن «١» وما جرى مجراه.\nوأوراق تلك الشجرة القيام بآداب العبودية، وأزهارها الأخلاق الجميلة، وثمارها حلاوة الطاعة ولذة الخدمة.\nوكما أن الثمار تختلف فى الطّعم والطبع والرائحة والصورة.. كذلك ثمرات الطاعات، ومعانى الأشياء التي يجدها العبد فى قلبه تختلف من حلاوة الطاعة وهى صفة العابدين، والبسط الذي يجده العبد فى وقته وهو صفة العارفين، وراحة فى الضمير وهو صفة المريدين، وأنس يناله فى سرّه وهو صفة المحبين. وقلق واهتياج يجدهما ولا يعرف سببهما، ولا يجد سبيلا إلى سكونه وهو صفة المشتاقين. إلى ما لا يفى بشرحه نطق، ولا يستوفيه تكلّف قول. وذكر من لوائح ولوامع، وطوارق وشوارق، كما قيل.\nطوارق أنوار تلوح إذا بدت ... فتظهر كتمانا وتخبر عن جمع\nثم إن ثمرات الأشجار فى السنة مرة، وثمرات هذه الشجرة فى كل لحظة كذا كذا مرة.\nوكما قال الله تعالى فى ثواب الجنة: «لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ» كذا لطائف هذه الشجرة\n_________\n(١) أي إذهاب الفاسد منه. [.....]","vol":"2","page":248},{"text":"لا مقطوعة ولا ممنوعة، وقلوب أهل الحقائق عنها لا مصروفة ولا محجوبة، وهى فى كل وقت ونفس تبدو لهم غير محجوبة.\nوثمرات الشجرة أشرف الثمار، وأنوارها ألطف وأظرف الأنوار، وإشارات أهل هذه القصة وألفاظهم فى مراتبهم ومعانيهم كالرياحين والنّور.\nويقال الكلمة الطيبة هى الشهادة بالإلهية، وللرسولﷺ- بالنبوة.\nوإنما تكون طيبة إذا صدرت عن سرّ مخلص.\nوالشجرة الطيبة المعرفة، وأصلها ثابت فى أرض غير سبخة، والأرض السبخة قلب الكافر والمنافق، فالإيمان لا ينبت فى قلبيهما كما أن الشجرة فى الأرض السبخة لا تنبت.\nثم لا بدّ للشجرة من الماء، وماء هذه الشجرة دوام العناية، وإنما تورق بالكفاية، وتتورّد بالهداية.\nويقال ماء هذه الشجرة ماء الندم والحياء والتلهف والحسرة والأمانة والخشوع وإسبال «١» الدموع.\nويقال ثمرات هذه الشجرة مختلفة بحسب اختلاف أحوالهم فمنها التوكل والتفويض والتسليم، والمحبة والشوق، والرضا، والأحوال الصافية الوافية، والأخلاق العالية الزكية.\nومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة هى كلمة الكفر، وخبثها ما صحبها من نجاسة الشّرك، فخبث الكلمة لصدورها عن قلب هو مستقرّ الشّرك ومنبعه.\nوالشجرة الخبيثة هى الشّرك اجتثّ من فوق الأرض لأن الكفر متناقض متضاد، ليس له أصل صحيح، ولا برهان موجب، ولا دليل كاشف، ولا علة مقتضية، إنما هو شبه وأباطيل وضلال، تقتضى وساوس وتسويلات ما لها من قرار، لأنها حاصلة من شبه واهية وأصول فاسدة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1558>[سورة إبراهيم (١٤): آية ٢٧]</span>\nيُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ (٢٧)\n_________\n(١) أسبلت العين- سال دمها (الوسيط ج ١ ص ٤١٧) .","vol":"2","page":249},{"text":"بالقول الثابت وهو البقاء على الاستقامة، وترك العوج.\nويقال القول الثابت هو الشهادة الضرورية عن صفاء العقيدة وخلوص السريرة.\nويقال القول الثابت هو بنطق القلوب لا بذكر اللسان.\nويقال القول الثابت هو قول الله العزيز القديم الذي لا يجوز عليه الفناء والبطول «١» فهو بالثبوت أولى من قول العبد لأن قول العبد أثر، والآثار لا يجوز عليها الثبوت والبقاء وإنما يكون باقيا حكما ثبات العبد لقول الله وهو حكمه بالإيمان وإخباره أنه مؤمن وتسميته بالإيمان. وقول الله لا يزول ففى الدنيا يثبته حتى لا بدعة تعتريه، وفى الآخرة يثبته برسله من الملائكة، وفى القيامة يثبته عند السؤال والمحاسبة وفى الجنة يثبته لأنه لا يزول حمد العبد لله، ومعرفته به. وإذا تنوعت عليه الخواطر ورفع إليه- سبحانه- دعاءه ثبّته حتى لا يحيد عن النهج المستقيم والدين القويم.\nويقال إذا دعته الوساوس إلى متابعة الشيطان، وصيّرته الهواجس إلى موافقة النّفس فالحق يثبته على موافقة رضاه.\nويقال إذا دعته دواعى المحبة من كل جنس كمحبة الدنيا، أو محبة الأولاد والأقارب والأموال والأحباب أعانه الحقّ على اختيار النجاة منها، فيترك الجميع، ولا يتحسّس إلا دواعى الحقّ- سبحانه كما قيل:\nإذا ما دعتنا حاجة كى تردّنا ... أبينا وقلنا: مطلب الحقّ أوّلا\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1559>[سورة إبراهيم (١٤): آية ٢٨]</span>\nأَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ (٢٨)\n_________\n(١) بطل الشيء بطولا وبطلانا- ذهب ضياعا (الوسيط ج ١ ص ٦١) .","vol":"2","page":250},{"text":"وضعوا الكفران محل الشكر، فاستعملوا النعمة للكفر، بدلا من استعمالها فيما كان ينبغى لها من الشكر. واستعمال النعمة فى المعصية من هذه الجملة، فأعضاء العبد كلها نعم من الله على العبد، فإذا استعمل العاصي بدنه فى الزّلة بدلا من أن يستعملها فى الطاعة فقد بدّل النعمة كفرا، وكذلك إذا أودع الغفلة قلبه مكان المعرفة، والعلاقة فيه مكان الانقطاع إليه، وعلّق قلبه بالأغيار بدل الثقة به، ولطّخ لسانه بذكر المخلوقين ومدحهم بدل ذكر الله واشتغل بغير الله دون العناء فى ذكره ... كلّ هذا تبديل نعم الله كفرا. وإذا كان العبد منقطعا إلى الله، مكفيا من قبل الله.. وجد فى فراغه مع الله راحة عن الخلق، ومن إقباله عليه- سبحانه- كفاية، فإذا رجع إلى أسباب التفرقة، ووقع فى بحار الاشتغال ومعاملة الخلق ومدحهم وذمهم فقد أحلّ قومه دار البوار على معنى إيقاعه قلبه ونفسه وجوارحه فى المذلة من الخلق، والمضرة فى الحال، وشأنه كما قيل:\nولم أر قبلى من يفارق جنّة ... ويقرع بالتطفيل باب جهنم\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1560>[سورة إبراهيم (١٤): آية ٢٩]</span>\nجَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ (٢٩)\nوهى الجحيم المعجّل.. وعذابها الفرقة لا الحرقة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1561>[سورة إبراهيم (١٤): آية ٣٠]</span>\nوَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (٣٠)\nرضوا بأن يكون معمولهم معبودهم، ومنحوتهم مقصودهم، فضلّوا عن نهج الاستقامة، ونأوا عن مقر الكرامة، وسيلقون غبّ «١» ما صنعوا يوم القيامة كما قيل:\nقد تركناك والذي تريد ... فعسى أن تملّهم فتعودا\nقل تمتعوا أياما قليلة فأيام السرور قصار، ومتع الغفلة سريعة الانقضاء.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1562>[سورة إبراهيم (١٤): آية ٣١]</span>\nقُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ (٣١)\n_________\n(١) وردت (غير) وقد آثرنا أن تكون (غب) ليقوى المعنى أي عاقبة ما صنعوا.","vol":"2","page":251},{"text":"جعل الله راحة العبد- اليوم- بكمالها فى الصلاة فإنّها محلّ المناجاة، قال الرسول ﷺ: «أرحنا يا بلال بالصلاة» «١» والصلاة استفتاح باب الرزق، قال تعالى:\n«وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ، وَاصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ رِزْقًا» «٢» وفى الصلاة يبث «٣» العبد أسراره مع الحق فإذا كان لقاء الإخوان- كما قالوا- مسلاة لهم فكيف بمناجاتك مع الله، ونشر قصتك بين يديه؟ كما قيل:\nقل لى بألسنة التنفّس ... كيف أنت وكيف حالك؟\n«وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ»: أمرهم بإنفاق اللسان على ذكره، وإنفاق البدن على طاعته، والوقت «٤» على شكره، والقلب على عرفانه، والروح على حبه، والسّرّ على مشاهدته..\nولا يكلّف الله نفسا إلا ما آتاها، وإنما يطالب بأن تحضر إلى الباب، وتقف على البساط بالشاهد الذي آتاك ... يقول العبد المسكين: لو كان لى نفس أطوع من هذه لأتيت بها، ولو كان لى قلب أشدّ وفاء من هذا لجدت به، وكذلك بروحى وسرّى، وقيل:\nيفديك بالروح صبّ لو انّ له ... أعز من روحه شيئا فداك به\n«مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ»: وفى هذا المعنى أنشدوا:\nقلت للنّفس إن أردت رجوعا ... فارجعى قبل أن يسدّ الطريق\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1563>[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ٣٢ الى ٣٣]</span>\nاللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ (٣٢) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ (٣٣)\n_________\n(١) سبق تخريج هذا الحديث الشريف.\n(٢) آية ١٣٢ سورة طه.\n(٣) وردت (يثبت) والمعنى يقتضى (يبث) .\n(٤) وردت (الوقف) وهى- كما هو واضح- خطأ فى النسخ.","vol":"2","page":252},{"text":"فى الظاهر رفع السماء فأعلاها، والأرض من تحتها دحاها، وخلق فيها بحارا، وأجرى أنهارا، وأنبت أشجارا، وأثبت لها أنوارا وأزهارا، وأمطر من السماء ماء مدرارا. وأخرج من الثمرات أصنافا، ونوّع لها أوصافا، وأفرد لكلّ منها طعما مخصوصا، ولإدراكه وقتا معلوما.\nوأمّا فى الباطن فسماء القلوب زيّنها بمصابيح العقول، وأطلع فيها شمس التوحيد، وقمر العرفان. ومرج فى القلوب بحرى الخوف والرجاء، وجعل بينهما برزخا لا يبغيان فلا الخوف يقلب الرجاء ولا الرجاء يقلب الخوف، كما جاء فى الخبر: «لو وزنا لاعتدلا» «١» - هذا لعوام المؤمنين، فأمّا الخواص فالقبض والبسط، ولخاص الخاص فالهيبة والأنس والبقاء والفناء.\nوسخّر لهم الفلك فى هذه البحار ليعبروها بالسلامة، وهى فلك التوفيق والعصمة، وسفينة الأنوار والحفظ. وكذلك ليالى الطلب للمريدين، وليالى الطرب لأهل الأنس من المحبين، وليالى الحرب «٢» للتائبين، وكذلك نهار العارفين باستغنائهم عن سراج العلم عند متوع نهار اليقين.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1564>[سورة إبراهيم (١٤): آية ٣٤]</span>\nوَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)\nما سمت إليه هممكم، وتعلّق به سؤالكم، وخطر تحقيق ذلك ببالكم، أنلناكم\n_________\n(١) أورده السراج فى لمعه ص ٩١ (قال ﷺ: لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا)\n(٢) ربما يقصد القشيري بالحرب هنا جهاد التائب مع نفسه، وإظهار الحزن والتأسف.","vol":"2","page":253},{"text":"فوق ما تؤمّلون «١»، وأعطيناكم أكثر مما ترجون «٢»، قال تعالى: «ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ» .\nوقرأ بعض القراء «٣»: «مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ» فينوّن قوله: كل، ويجعل ما سألتموه (ما) للنفى أي كل شىء مما لم تسألوه.\nكذلك جاز أن يكون المعنى، قل يا أمة محمد أعطيتكم قبل أن تسألونى- وهذا لأرباب الطاعات، وغفرت لكم قبل أن تستغفرونى- وهذا لأصحاب الزلات. علم قصور لسان العاصي وما يمنعه من الخجل وما يقبض على لسانه إذا تذكّر ما عمله من الزلّات، فأعطاه غفرانه، وكفاه حشمة السؤال، والتفضل فقال: غفرت لكم قبل أن تستغفرونى.\nولكن متى يخطر على قلب العبد ما أهّله الحق- سبحانه- من العرفان؟ وكيف يكون ذلك الحديث؟ .. قبل أن كان له إمكان، أو معرفة وإحسان، أو طاعة أو عصيان، أو عبادة وعرفان، أو كان له أعضاء وأركان، أو كان العبد شيخا أو عينا أو أثرا..\nلا بل:\nأتانى هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلبا خاليا فتمكّنا\nقوله جل ذكره: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ كيف يكون شكركم كفاء نعمه..؟ وشكركم نزر يسير، وإنعامه وافر غزير.\nوكيف تكون قطرة الشكر بجوار بحار الإنعام؟\nإنّ نعمه علومكم عن تفصيلها متقاصرة، وفهومكم عن تحصيلها متأخّرة.\n_________\n(١) وردت (تؤمنون) وهى- كما هو واضح- لا يستقيم بها السياق فآثرنا تؤملون.\n(٢) وردت (ترجعون) وهى- كما هو واضح- لا يستقيم بها السياق فآثرنا ترجون.\n(٣) لا يهتم القشيري بالقراءات إلا نادوا، وحيثما وجد فى ذلك مجالا لإشارة نافعة للصوفية","vol":"2","page":254},{"text":"وإذا كان ما يدفع عن العبد من وجوه المحن «١» وفنون البلايا من مقدوراته لا نهاية له.\nفكيف يأتى الحصر والإحصاء على مالا يتناهى؟\nوكما أن النّفع من نعمه فالدفع أيضا من نعمه.\nويقال إن التوفيق للشكر من جملة ما ينعم به الحقّ على العبد فإذا أراد أن يشكره لم يمكنه إلا بتوفيق آخر فلا يبقى من النعم إلا ما يشكر عليه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1565>[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ٣٥ الى ٣٦]</span>\nوَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٦)\n«٢» كما سأل أن يجعل مكة بلدا آمنا طلب أن يجعل قلبه محلا آمنا أي لا يكون فيه شىء إلا بالله. «وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ»: والصنم ما يعبد من دونه، قال تعالى:\n«أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ» «٣» فصنم كلّ أحد ما يشغله عن الله تعالى من مال وولد وجاه وطاعة وعبادة.\nويقال إنه لمّا بنى البيت استعان بالله أن يجرّده من ملاحظة نفسه وفعله.\nويقال إنهﷺ- كان مترددا بين شهود فضل الله وشهود رفق نفسه، فلما لقى من فضله وجوده قال من كمال بسطه: «وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ» .\nولما نظر من حيث فقر نفسه قال: «وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ» .\nويقال شاهد غيره فقال: «وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ»، وشاهد فضله ورحمته ولطفه فقال: «وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ» .\n_________\n(١) وردت (المحسن) وهى خطأ فى النسخ.\n(٢) سقطت (وإذ) من الناسخ. [.....]\n(٣) آية ٢٣ سورة الجاثية.","vol":"2","page":255},{"text":"قوله جل ذكره: فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ «فَإِنَّهُ مِنِّي»: أي موافق لى ومن أهل ملّتى، ومن عصانى خالفنى وعصاك.\nقوله: «فَإِنَّكَ «١» غَفُورٌ رَحِيمٌ»: طلب للرحمة بالإشارة، أي فارحمهم.\nوقال: «وَمَنْ عَصانِي» .. ولم يقل: من عصاك، وإن كان من عصاه فقد عصى الله، ولكن اللفظ إنما لطلب الرحمة فيما كان نصيب من ترك حقه، ولم ينتصر لنفسه بل قابلهم بالرحمة.\nويقال إن قول نبينا ﷺ فى هذا الباب أتمّ فى معنى العفو حيث قال:\n«اللهم اغفر لقومى فإنهم لا يعلمون»، وإبراهيم﵇- عرّض وقال: «فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» .\nويقال لم يجزم السؤال لأنه بدعاء الأدب «٢» فقال: «وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1566>[سورة إبراهيم (١٤): آية ٣٧]</span>\nرَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧)\nأخبر عن صدق توكله وصدق تفويضه بقوله: «إِنِّي أَسْكَنْتُ ...» وإنما رأى الرّفق بهم فى الجوار لا فى المبارّ فقال: «عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ» ثم قال: «لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ»:\nأي أسكنتهم لإقامة حقّك لا لطلب حظوظهم.\nويقال اكتفى أن يكونوا فى ظلال عنايته عن أن يكونوا فى ظلال نعمته.\n_________\n(١) أخطأ الناسخ إذ جعلها «فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» .\n(٢) تفيد هذه الإشارة فى النواحي البلاغية حيث استبدل التعبير بالأسلوب الإنشائى بالأسلوب الخبرى.","vol":"2","page":256},{"text":"ثم قال: «فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ» أي ليشتغلوا بعبادتك، وأقم قومى- ما بقوا- بكفايتك، «وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ»: فإنّ من قام بحقّ الله أقام الله بحقّه قومه، واستجاب الله، دعاءه فيهم، وصارت القلوب من كل بر وبحر كالمجبولة على محبة تلك النسبة، وأولئك المتصلين به، وسكان ذلك البيت.\nويقال قوله: «بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ»: أي أسكنتهم بهذا الوادي حتى لا تتعلق بالأغيار قلوبهم، ولا تشتغل بشىء أفكارهم وأسرارهم فهم مطروحون ببابك، مصونون بحضرتك، مرتبطون بحكمك إن راعيتهم كفيتهم وكانوا أعزّ خلق الله، وإن أقصيتهم ونفيتهم كانوا أضعف وأذلّ خلق الله.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1567>[سورة إبراهيم (١٤): آية ٣٨]</span>\nرَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَما نُعْلِنُ وَما يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ (٣٨)\nاستأثرت بعلم الغيب فلا يعزب عن علمك معلوم، وحالى لا تخفى عليك، فهى كما عرفت، أنت تعلم سرّى وعلني ... ومن عرف هذه الجملة استراح من طوارق الأغيار، واستروح قلبه عن ترجّم الأفكار، والتّقّسم في كون الحوادث من الأغيار.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1568>[سورة إبراهيم (١٤): آية ٣٩]</span>\nالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ (٣٩)\nأسعده بمنحه الولد على الكبر، ويلتحق ذلك بوجه من المعجزات فحمد عليه.\nولمّا كان هذا القول عقيب سؤاله ما قدّم من ذكر نعمته- سبحانه- عليه، وإكرامه بأنواره، وهذا يكون بمعنى الملق «١»، ويكون استدعاء نعمة بنعمة، فكأنه قال: كما أكرمتنى بهبة الولد على الكبر فأكرمنى بهذه الأشياء التي سألتها.\nويقال الإشارة فى هذا أنه قال: كما مننت علىّ فوهبتنى على الكبر هذه الأولاد\n_________\n(١) الملق- الدعاء والتضرع (الوسيط) .","vol":"2","page":257},{"text":"فأجنبنا أن نعبد الأصنام لتكون النعمة كاملة. وفى قوله: «إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ» ..\nإشارة إلى هذه الجملة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1569>[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ٤٠ الى ٤١]</span>\nرَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ (٤٠) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ (٤١)\nفى قوله: «رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ..» إشارة إلى أن أفعال العباد مخلوقة، فمعناه اجعل صلاتى، والجعل والخلق بمعنى، فإذا جعله مقيم الصلاة فمعناه أن يجعل له صلاة.\nوقوله: «وَمِنْ ذُرِّيَّتِي»: أي اجعل منهم قوما يصلّون، لأنه أخبره فى موضع آخر بقوله: «لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ» «١» ثم قال: «رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ» وهذ قبل أن يعلم أنه لا يؤمن.\nويقال إن إجابة الدعاء ابتداء فضل منه. ولا ينبغى للعبد أن يتّكل على دعاء أحد وإن كان علىّ الشأن، بل يجب أنّ يعلق العبد قلبه بالله فلا دعاء أتمّ من دعاء إبراهيم ﵇، ولا عناية أتمّ من عنايته بشأن أبيه، ثم لم ينفعه ولا شفع الله له.\nويقال لا ينبغى للعبد أن يترك دعاءه أو يقطع رجاءه فى ألا يستجيب الله دعاءه، فإن إبراهيم الخليل ﵇ دعا لأبويه فلم يستجب له، ثم إنه لم يترك الدعاء، وسأل حينما لم يجب فيه.\nفلا غضاضة على العبد ولا تناله مذلّة إن لم يجبه مولاه فى شىء فإنّ الدعاء عبادة لا بدّ للعبد من فعلها، والإجابة من الحقّ فضل، وله أن يفعل وله ألا يفعل.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1570>[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ٤٢ الى ٤٣]</span>\nوَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ (٤٢) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ (٤٣)\nهذا وعيد للظالمين وتسلية للمظومين فالمظلوم إذا تحقّق بأنه- سبحانه- عالم بما يلاقيه من البلاء هانت على قلبه مقاساته، وحق عليه تحمله.\n_________\n(١) آية ١٢٤ سورة البقرة.","vol":"2","page":258},{"text":"والظلم على وجوه ظلم على النّفس بوضع الزّلّة مكان الطاعة، وظلم على القلب بتمكين الخواطر الردية منه، وظلم على الروح بجعلها لمحبة المخلوقين.\nويقال من جملة الظالمين الشيطان، فالعبد المؤمن مظلوم من جهته، والحقّ- سبحانه- ينتصف له منه غدا، وذلك إن لم يتّبعه اليوم، ودفعه عن نفسه بالمجاهدة وترك وساوسه.\nقوله جل ذكره: إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي ... الآية وهذا للعوام من المؤمنين، علّق قلوبهم بالانتقام منهم فى المستأنف، وأمّا الخواص فإذ علموا أنه- سبحانه- عالم بهم وبحالهم فإنهم يعفون ويكتفون بذلك، وأمّا خواص الخواص فإذ علموا أنهم عبيده فإنهم لا يرضون بالعفو عن ظلمهم حتى يستغفرلهم، كما قال النبيﷺ-: «اللهم اغفر لقومى فإنهم لا يعلمون»، وفى معناه أنشدوا:\nوما رضوا بالعفو عن ذى زلة ... حتى أنالوا كفّه وازدادوا\nوأما أصحاب التوحيد فإذ علموا أنه المنشئ، وألا مخترع سواه فليس بينهم وبين أحد محاسبة، ولا مع أحد معاتبة، ولا منه مطالبة، لأنه يعدّون إثبات الغير فى الظن والحسبان شركا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1571>[سورة إبراهيم (١٤): آية ٤٤]</span>\nوَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ (٤٤)\nأفسدوا فى أول أمورهم، وقصّروا فى الواجب عليهم، ولم يكن للخلل فى أحوالهم جبران، ولا لعذرهم قبول لتصحّ الحجة عليهم، فافتضح المجرم منهم، وخاب الكافر، وحقّ الحكم عليهم.","vol":"2","page":259},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1572>[سورة إبراهيم (١٤): آية ٤٥]</span>\nوَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ وَضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثالَ (٤٥)\nأحللنا بهم العقوبة، وأشهدناكم ذلك مما اعتبرتم، وجريتم على منهاجهم، وفعلتم مثل فعلهم، وبإمهالنا لكم اغتررتم.. فانتظروا منّا ما عاملناكم به جزاء لكم على ما أسلفتم.\nويقال إن معاشرة أهل الهوى والفسق ومجاورتهم مشاركة لهم فى فعلهم، فيستقبل فاعل ذلك استقبالهم، ومن سلكهم ينخرط فى التردّى نحو وهدة هلاكه مثلهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1573>[سورة إبراهيم (١٤): آية ٤٧]</span>\nفَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقامٍ (٤٧)\nأي لا تحسبنّه يخلف رسله وعده لأنه لا يخلف الوعد لصدقه فى قوله، وله أن يعذبهم بما وعدهم لحقّه فى ملكه، وهو «عَزِيزٌ» لا يصل إليه أحد، وإن كان وليا. «ذُو انتِقامٍ» لا يفوته أحد وإن كان (......) «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1574>[سورة إبراهيم (١٤): آية ٤٨]</span>\nيَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ (٤٨)\nلا يختلف عينها وإنما تختلف صورتها، وكذلك إذا انكدرت النجوم، وانشقت السماء يقال ما بدّل عينها وإنما بدّل الأزمان والمكان على الناس باختلاف أحوالهم فى السرور والمحن كمن صار من الرخاء إلى البلاء يقول: تغيّر الزمان والوقت.. وكذلك من صار من البلاء إلى الرخاء.\nويقال إن آدم لما قتل أحد ابنيه الآخر قال:\nتغيرت البلاد ومن عليها ... فوجه الأرض مغبرّ قبيح\nوفى هذه القصة «٢» من كان صاحب بسط فردّ إلى حال القبض، ومن كان صاحب أنس\n_________\n(١) وردت لفظتان هكذا (سهما قوما) .\n(٢) يشير القشيري إلى (بالقصة) إلى الحياة الصوفية.","vol":"2","page":260},{"text":"فصار صاحب حجاب- يصحّ أن يقال بدل له الأرض، قال بعضهم:\nما الناس بالناس الذي عهدى بهم ... ولا البلاد بتلك التي كنت أعرفها\nوكذلك العبد المريد إذا وقعت له وقفة أو فترة كانت الشمس له كاشفة، وكانت الأرض به راجفة، وكان النهار له ليلا، وكان الليل له ويلا، وكما قيل:\nفما كانت الدنيا بسهل ولا الضحى ... يطلق ولا ماء الحياة ببارد\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1575>[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ٤٩ الى ٥١]</span>\nوَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ (٤٩) سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ (٥٠) لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (٥١)\nالأصفاد الأغلال. الأصفاد تجمعهم، والسلاسل تقيدهم، والقطران سرابيلهم، والحميم شربهم، والنار محيطة بهم.. وذلك جزاء من خالف إلهه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1576>[سورة إبراهيم (١٤): آية ٥٢]</span>\nهذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (٥٢)\nالحجج ظاهرة، والأمارات لائحة، والدواعي واضحة، والمهلة متسعة، والرسول ﵇ مبلّغ، والتمكين من القيام بحق التكليف مساعد. ولكنّ القسمة سابقة، والتوفيق عن القيام ممنوع، والربّ- سبحانه- فعّال لما بريد، فمن اعتبر نجا، ومن غفل تردّى. ولله الأمر من قبل ومن بعد، والله أعلم.","vol":"2","page":261},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1577>السورة التي يذكر فيها الحجر</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم سقطت ألف الوصل من كتابة بسم الله وليس لإسقاطها علة، وزيد فى شكل الباء من بسم الله وليس لزيادتها علة، ليعلم أن الإثبات والإسقاط بلا علة فلم يقبل من قبل لاستحقاق علة، ولا ردّ من ردّ لاستيجاب علة. فإن قيل العلّة فى إسقاط الألف من بسم الله كثرة الاستعمال فى كتابتها أشكل بأن الباء من بسم الله زيد فى كتابتها وكثرة الاستعمال موجودة.\nفإن قيل العلة فى زيادة شكل الباء بركة أفضالها باسم الله أشكل بحذف ألف الوصل لأن الاتصال بها موجود، فلم يبق إلا أن الإثبات والنفي ليس لهما علة يرفع من يشاء ويمنع من يشاء.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1578>[سورة الحجر (١٥): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (١)\nأسمعهم هذه الحروف مقطّعة على خلاف ما كانوا يسمعون الحروف المنظومة فى الخطاب، فأعرضوا عن كل شىء وسمعوا لها. ونبههم القرآن إلى أن هذه التي يسمعونها آيات الكتاب، فقال لهم لما حضرت ألبابهم، واستعدت لسماع ما يقول آذانهم: «تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ» .\nووصف القرآن بأنه مبين لأنه يبين للمؤمنين ما يسكن قلوبهم، وللمريدين ما يقوى رجاءهم، وللمحسنين ما يهيج اشتياقهم، وللمشتاقين ما يثير لواعج أسرارهم، ويبيّن للمصطفىﷺ- تحقيق ما منع غيره بعد سؤاله.. ألم تر إلى ربك قال لموسى ﵇: «لَنْ تَرانِي» بعد سؤاله: «رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ» «١»\n_________\n(١) آية ١٤٣ سورة الأعراف","vol":"2","page":262},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1579>[سورة الحجر (١٥): آية ٢]</span>\nرُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ (٢)\nإذا عرفوا حالهم وحال المسلمين يوم القيامة لعلموا كيف شقوا، وأي كأس رشفوا.\nويقال إذا صارت المعارف ضرورية أحرقت نفوس أقوام العقوبة، وقطّعت قلوبهم الحسرة.\nويقال لو عرفوا حالهم وحال المؤمنين لعلموا أن العقوبة بإهلاكهم حاصلة لقوله تعالى بعدئذ:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1580>[سورة الحجر (١٥): آية ٣]</span>\nذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٣)\nقيمة كل امرئ على حسب همّته فإذا كانت الهمة مقصورة على الأكل والتمتع بالصفة البهيمية لا يحاسب، وعلى العقل لا يطالب فالتّكليف يتبعه التشريف! وغدا سوف يعلمون.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1581>[سورة الحجر (١٥): الآيات ٤ الى ٥]</span>\nوَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ (٤) ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ (٥)\nالآجال معلومة، والأحوال مقسومة والمشيئة فى الكائنات ماضية، ولا تخفى على الحق خافية.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1582>[سورة الحجر (١٥): آية ٦]</span>\nوَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦)\nالجنون معني يوجب إسناد ما ينكشف للعقلاء من التحصيل على صاحبه، فلمّا كانوا بوصف التباس الحقائق عليهم فهم أولى بما وصفوه به «١»، فهم كما فى المثل: رمتني بدائها وانسلّت.\n_________\n(١) لأنهم ليسوا عقلاء ولا تحصيل لهم.","vol":"2","page":263},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1583>[سورة الحجر (١٥): الآيات ٧ الى ٨]</span>\nلَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧) ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَما كانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ (٨)\nاقترحوا عليه الإتيان بالملائكة بعد ما أزيحت العلة عليهم بما أيّد به معجزاته، فيتوجب اللّوم عليهم لسوء أدبهم. وأخبر الحقّ- سبحانه- أنه أجرى عادته أنه إذا أظهر الملائكة لأبصار بنى آدم فيكون ذلك عند استبصارهم لأنه تصير المعرفة ضرورية. وفى المعلوم أنه لم يكن ذلك الوقت أوان هلاكهم لعلمه أنّ فى أصلابهم من يؤمن بالله سبحانه فى المستأنف.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1584>[سورة الحجر (١٥): آية ٩]</span>\nإِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (٩)\nأنزل التوراة وقد وكل حفظها إلى بنى إسرائيل بما استحفظوا من كتاب الله، فحرّفوا وبدّلوا، وأنزل الفرقان وأخبر أنه حافظه، وإنما يحفظه بقرائة فقلوب القرّاء خزائن كتابه، وهو لا يضيع كتابه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1585>[سورة الحجر (١٥): الآيات ١٠ الى ١٣]</span>\nوَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ (١٠) وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (١١) كَذلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (١٢) لا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ (١٣)\nأخبر أنه كانت عادتهم التكذيب، وأنه أدام سنّته معهم فى التعذيب. ثم قال:\n«كَذلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ»: وهم لا يؤمنون به لأنه أزاح قلوبهم عن شهود الحقيقة، وسدّ- بالحرمان- عليهم سلوك الطريقة، وبيّن أنه لو أراهم الآيات عيانا ما ازدادوا","vol":"2","page":264},{"text":"إلا عتوا وطغيانا، وأن من سبق له الحكم بالشقاء فلا يزداد على ممر الأيام إلا ما سبق به القضاء.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1586>[سورة الحجر (١٥): الآيات ١٤ الى ١٥]</span>\nوَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤) لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (١٥)\nمن عليه التقدير كان بأمر التكليف مدعوا، وبأمر التكوين مقضيا.. فمتى ينفع فيه النصح؟ ومتى يكون للوعظ فيه مساغ؟ كلا.. إن البصيرة له مسدودة، و(....) «١»\nالخذلان بقدمه مشدودة، فهو يحمل النصيحة له على الوقيعة، والحقيقة على الخديعة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1587>[سورة الحجر (١٥): الآيات ١٦ الى ١٨]</span>\nوَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاها لِلنَّاظِرِينَ (١٦) وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ (١٧) إِلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ (١٨)\nبروجا أي نجوما هى لها زينة، ثم تلك النجوم للشياطين رجوم.\nوَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ إذا رام الشياطين أن يسترقوا السمع كانت النجوم لها رجوما كذلك للقلوب نجوم وهى المعارف وهى فى الوقت ذاته رجوم على الشياطين فلو دنا إبليس وجنوده من قلب ولىّ من الأولياء أحرقته بل محقته نجوم عقله وأقمار علمه وشموس توحيده.\nوكما أنّ نجوم السماء زينة للناظرين إذا لاحظوها فقلوب العارفين إذا نظر إليها ملائكة السماء لهى زينة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1588>[سورة الحجر (١٥): الآيات ١٩ الى ٢٠]</span>\nوَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (١٩) وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ (٢٠)\n_________\n(١) مشتبهة وهى فى الخط هكذا (متقلاب) وربما كانت (مثقلات) بمعنى أثقال وقيود.","vol":"2","page":265},{"text":"النفوس أرض عبادة العابدين، وقلوب العارفين أرض المعرفة وأرواح المشتاقين أرض المحبة، والخوف والرجاء لها رواس. وكذلك الرغبة والرهبة.\nويقال من الرواسي التي أثبتها فى الأرض الأولياء فبهم يثبت الناس إذا وقع بهم الفزع.\nومن الرواسي العلماء الذين بهم قوام الشريعة فعلماء الأصول هم قوام أصل الدّين، والفقهاء بهم نظام الشرع، قال بعضهم:\nوا حسرتا من فراق قوم ... هم المصابيح والأمن والمزن.\nقوله جل ذكره: وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ كما أنبت فنونا من النبات ذات أنوار «١» أنبت فى القلوب صنوفا من الأنوار «٢»، منها نور اليقين ونور العرفان، ونور الحضور ونور الشهود، ونور التوحيد.. إلى غير ذلك من الأنوار.\nوَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ سبب عيش كلّ واحد مختلف فعيش المريدين من إقباله، وعيش العارفين التجمل بأفضاله «٣» قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1589>[سورة الحجر (١٥): آية ٢١]</span>\nوَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)\nخزائنه فى الحقيقة مقدوراته، وهو- سبحانه- قادر على كل ما هو مرسوم بالحدوث.\nويقال خزائنه فى الأرض قلوب العارفين بالله، وفى الخزانة جواهر من كل صنف فحقائق العقل جواهر وضعها فى قلوب قوم، ولطائف العلم جواهر بدائع المعرفة، وأسرار العارفين\n_________\n(١) أنوار النبات جمع نورة وهى الزهرة البيضاء.\n(٢) أنوار القلوب جمع نور.\n(٣) وردت (أفعاله) وقد رجحنا (أفضاله) لأنها أدق في المعنى، وإن كان كلاهما صحيحا","vol":"2","page":266},{"text":"مواضع سرّه، والنفوس خزائن توفيقه، والقلوب خزائن تحقيقه، واللسان خزانة ذكره.\nويقال من عرف أن خزائن الأشياء عند الله تقاصرت خطاه عن التردد على منازل الناس فى طلب الإرفاق منهم، وسعى فى الآفاق فى طلب الأرزاق منها، قاطعا أمله عن الخلق، مفردا قلبه لله متجردا عن التعلّق بغير الله.\nقوله: «وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ»: عرف القسمة من استراح عن كدّ الطلب فإنّ المعلوم لا يتغير، والمقسوم لا يزيد ولا ينقص، وإذا لم يجب عليه شىء لأحد فبقدرته على إجابة العبد إلى طلبته لا يتوجب عليه شىء.\nويقال أراح قلوب الفقراء من تحمّل المنّة من الأغنياء مما يعطونهم، وأراح الأغنياء من مطالبة الفقراء منهم شيئا، فليس للفقير صرف القلب عن الله سبحانه إلى مخلوق واعتقاد منّة لأحد، إذ الملك كله لله، والأمر بيد الله، ولا قادر على الإبداع إلا الله.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1590>[سورة الحجر (١٥): آية ٢٢]</span>\nوَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ (٢٢)\nكما أن الرياح فى الآفاق مقدّمات المطر كذلك الآمال فى القلوب، وما يقرب العبد مما يتوارد على قلبه من مبشرات الخواطر، ونسيم النجاة فى الطلب يحصل، فيستروح القلب إليه قبل حصول المأمول من الكفاية واللطف.\nقوله جل ذكره: فَأَسْقَيْناكُمُوهُ وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ أسقاه إذا جعل له السّقيا كذلك يجعل الحق- سبحانه- لأوليائه ألطافا معلومة فى أوقات محدودة! كما قال فى وصف أهل الجنة: «وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا» .\nكذلك يجعل من شراب القلوب لكلّ وردا معلوما، ثم قضايا ذلك تختلف:\nفمن شراب يسكر، ومن شراب يحضر، ومن شراب يزيل الإحساس، كما قيل:\nفصحوك من لفظى هو الصحو كله ... وسكرك من لحظى يبيح لك الشّربا\nويقال إذا هبت رياح التوحيد على الأسرار كنست آثار البشرية، فلا للأغيار فيها أثر، ولا عن الخلائق لهم خبر.","vol":"2","page":267},{"text":"ويقال إذا هبّت رياح القرب على قلوب العارفين عطّرتها بنفحات الأنس، فيسقون فى نسيمها على الدوام، وفى معناه أنشدوا:\nوهبّت شمال آخر الليل قرّة «١» ... ولا ثوب إلا بردة وردائيا\nوما زال بردى لينا من ردائها ... إلى الحول حتى أصبح البرد باليا\nويقال إذا هبّت رياح العناية على أحوال عبد عادت مساويه مناقبه ومثالبه محاسنه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1591>[سورة الحجر (١٥): آية ٢٣]</span>\nوَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوارِثُونَ (٢٣)\nنحيى قلوبهم بالمشاهدة، ونميت نفوسهم بالمجاهدة.\nويقال نحييهم بأن نفنيهم بالمشاهدة، ونميتهم بأن نأخذهم عن شواهدهم.\nويقال يحيى المريدين بذكره، ويميت الغافلين بهجره.\nويقال يحيى قوما بموافقة الأمر فى الطاعات، ويميت قوما بمتابعة الشهوات.\nويقال يحيى قوما بأن يلاطفهم بلطف جماله، ويميت قوما بأن يحجبهم عن أفضاله.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1592>[سورة الحجر (١٥): آية ٢٤]</span>\nوَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (٢٤)\nالعارفون مستقدمون بهممهم، والعابدون مستقدمون بقدمهم، والتائبون بندمهم.\nوأقوام مستأخرون بقدمهم وهم العصاة، وآخرون مستأخرون بهمومهم وهم الراضون بخسائس الحالات.\nويقال المستقدمون الذين يسارعون فى الخيرات، والمستأخرون المتكاسلون عن الخيرات.\nويقال المستقدمون الذين يستجيبون خواطر الحقّ- من غير تعريج إلى تفكر، والمستأخرون الذين يرجعون «٢» إلى الرّخص والتأويلات.\nويقال المستقدمون الذين يأتون على مراكب التوفيق، والمستأخرون الذين تثبطهم مشقة الخذلان.\n_________\n(١) قرة أي باردة. [.....]\n(٢) وردت (يرجون) وهى خطا فى النسخ- حسبما نعرف من رأى القشيري فى مثل هذا الموقف.","vol":"2","page":268},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1593>[سورة الحجر (١٥): آية ٢٥]</span>\nوَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٢٥)\nيبعث كلا على الوصف الذي خرجوا من الدنيا عليه: فمن منفرد القلب بربه، ومن متطوّح فى أودية التفرقة، ثم يحاسبهم على ما يستوجبونه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1594>[سورة الحجر (١٥): الآيات ٢٦ الى ٢٧]</span>\nوَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٦) وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ (٢٧)\nذكّرهم بخسّتهم لئلا يعجبوا بحالتهم.\nويقال القيمة فى القربة لا بالتّربة والنسب تربة ولكن النعت قربة.\nوَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ. وإذا انطفأت النار صارت رمادا لا يجىء منها شىء، والطين إذا انكسر عاد به الماء إلى ما كان عليه، كذلك العدو «١» لمّا انطفأ ما كان يلوح عليه من سراج الطاعة لم ينجبر بعده، وأمّا آدم﵇ فلمّا اغترّ جبره ماء العناية، قال تعالى: «ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ ...» «٢»\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1595>[سورة الحجر (١٥): الآيات ٢٨ الى ٣١]</span>\nوَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٨) فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ (٢٩) فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣١)\nأظهرهم بهذا القول، وفى عين ما أظهرهم سترهم.\nويقال ليست العبرة بقوالبهم، إنما الاعتبار بالمعاني التي أودعها فيهم.\n_________\n(١) يقصد إبليس.\n(٢) آية ١٢٢ سورة طه.","vol":"2","page":269},{"text":"ويقال الملائكة لا حظوه بعين الخلقة فاستصغروا قدره وحاله، ولهذا عجبوا من أمر الله- سبحانه- لهم بالسجود له، فكشف لهم شظية مما اختصّه به فسجدوا له.\nقوله: إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ: وكذا أمر من حجب عن أحواله ادّعى الخيرة وبقي فى ظلمة الحيرة.\nويقال بخل بسجدة واحدة، وقال: أستنكف أن أسجد لغير الله. ثم من شقاوته لا يبالى بكثرة معاصيه، فإنه لا يعصى أحد إلّا وهو سبب وسواسه، وداعيه إلى الزّلّة.\nوذلك هو عين الشّقوة وقضية الخذلان.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1596>[سورة الحجر (١٥): الآيات ٣٢ الى ٣٥]</span>\nقالَ يا إِبْلِيسُ ما لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣٢) قالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٣٣) قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٣٤) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ (٣٥)\nسأله ومعلوم له حاله، ولو ساعدته المعرفة لقال: قل لى مالك؟ وما منعك؟ ومن منعك حتى أقول. أنت ... حيث أشقيتني، وبقهرك أغويتني، ولو رحمتني، لهديتنى وفى كنف عصمتك آويتنى ... ولكنّ الحرمان أدركه حتى قال: «لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ» قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1597>[سورة الحجر (١٥): الآيات ٣٦ الى ٣٨]</span>\nقالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٣٨)\nولمّا أبعده الحقّ- سبحانه- عن معرفته، وأفرده باللعنة استنظره إلى يوم القيامة والبعث، فأجابه. وظنّ اللّعين أنه حصل فى الخبر مقصوده، ولم يعلم أنه أراد بذلك تعذيبه عذابا شديدا، فكأنه كان فى الحقيقة مكرا- وإن كان فى الحال فى صورة إجابة السؤال بما يشبه اللطف والبرّ.\nوبعض أهل الرجاء يقول: إن الحق- سبحانه- حينما يهين عدوّه لا يردّ دعاءه","vol":"2","page":270},{"text":"فى الإمهال ولا يمنعه من الاستنظار فالمؤمن- إذ أمره الاستغفار والسؤال بوصف الافتقار- أولى ألا يقنط من رحمته، لأنّ إنظار اللعين زيادة شقاء له لا تحقيق عطاء.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1598>[سورة الحجر (١٥): آية ٣٩]</span>\nقالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩)\nالباء فى: «بِما أَغْوَيْتَنِي» باء القسم، ولم يكن إغواؤه إياه مما يجب أن يقسم به لولا فرط جهله. ثم هو فى المعنى صحيح، لأنّ الإغواء مما يتفرّد الحق بالقدرة عليه، ولا يشاركه فيه أحد، ولكنّ اللّعين لا يعرف الله على الحقيقة، إذ لو عرفه لم يدع إلى الضلال، لأنه لو قدر على إضلال غيره لا ستبقى على الهداية نفسه. وعند أهل التحقيق إنه يقول جميع ذلك حدسا وهو لم يعرف الله- على الحقيقة- قطّ.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1599>[سورة الحجر (١٥): الآيات ٤٠ الى ٤١]</span>\nإِلاَّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) قالَ هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١)\nالإخلاص هو تصفية الأعمال عن الغين وعن الآفات المانعة من صالح الأعمال وقد علم اللعين أنه لا سبيل له إليهم بالإغواء لمّا تحقق من عناية الحقّ بشأنهم.\n«قالَ هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ» تهديد، كما تقول: افعل ما شئت.. وهذا طريقى.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1600>[سورة الحجر (١٥): آية ٤٢]</span>\nإِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ (٤٢)\nالسلطان الحجة، وهى لله على خلقه، وليس للعدوّ حجة على مخلوق، إذ لا تتعدّى مقدرته محلّه، فلا تسلّط- فى الحقيقة «١» - لمخلوق على مخلوق بالتأثير فيه.\n«إِنَّ عِبادِي ...»: إذا سمى الله واحدا عبدا فهو من جملة الخواص، فإذا أضافه إلى نفسه فهو خاص الخاص، وهم الذين محاهم عن شواهدهم، وحفظهم وصانهم عن أسباب التفرقة\n_________\n(١) نلاحظ أن القشيري يكثر فى هذا الموضوع من قوله (في الحقيقة، وعلى الحقيقة ... ونحو ذلك) والسبب فى ذلك راجع إلى أن ظاهر النصوص أن لابليس إرادة وفعلا، ولكن- فى الحقيقة- كل شىء مرده إلى الحق سبحانه.","vol":"2","page":271},{"text":"وجرّدهم عن حولهم وقوّتهم، وكان النائب عنهم فى جميع تصرفاتهم وحالاتهم، وحفظ عليهم آداب الشرع، وألبسهم صدار الاختيار فى أوان أداء التكليف، وأخذهم عنهم باستهلاكهم فى شهوده، واستغراقهم فى وجوده ... فأىّ سبيل للشيطان إليهم؟ وأي يد للعدو عليهم؟\nومن أشهده الحقّ حقائق التوحيد، ورأى العالم مصرّفا فى قبضة التقدير، ولم يكن نهبا للأغيار ... فمنى يكون للّعين عليه تسلط، وفى معناه قالوا:\nجحودى فيك تقديس ... وعقلى فيك تهويس\nفمن آدم إلّاك ... ومن فى البيت إبليس «١»\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1601>[سورة الحجر (١٥): الآيات ٤٣ الى ٤٤]</span>\nوَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣) لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (٤٤)\nاجتمعوا اليوم فى أصل الضلالة، ثم الكفر ملل مختلفة، ثم يجتمعون غدا فى العقوبة وهم زمر مختلفون، لكلّ دركة من دركات جهنم قوم مخصّون.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1602>[سورة الحجر (١٥): آية ٤٥]</span>\nإِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥)\nالمتقى من وقّاه الله بفضله لا من اتّقى بتكلّفه، بل إنه ما اتقى بتكلفه إلّا بعد أن وقّاه الحقّ- سبحانه- بفضله. هم اليوم فى جنات ولها درجات بعضها أرفع من بعض، كما أنهم غدا فى جنّات ولها درجات بعضها فوق بعض.\nاليوم لقوم درجة حلاوة الخدمة وتوفيق الطاعة، ولقوم درجة البسط والراحة، ولآخرين درجة الرجاء والرغبة، ولآخرين درجة الأنس والقربة، قد علم كلّ أناس مشربهم ولزم كلّ قوم مذهبهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1603>[سورة الحجر (١٥): آية ٤٦]</span>\nادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ (٤٦) .\n_________\n(١) هذان البيتان للحلاج (الطواسين ص ٤٣) والديوان المقطعة رقم ٢٨ ومعناهما: أننى لو سجدت لغيرك- حسبما أمرتنى- فأنا جاحد، ولكن- نظرا لمعرفتى بك- فإن جحودى عين تقديسى، لأننى أعلم أنه لا يستحق السجود على الحقيقة إلا أنت، فأنا راض باحتمال لعنتك ثمنا لعدم امتثالى لإرادتك.","vol":"2","page":272},{"text":"معناه: يقال لهم: «ادْخُلُوها»، وأجمل ذلك ولم يقل من الذي يقول لهم. ويرى قوم أن الملك يقول لهم: أدخلوها.\nويقال إذا وافوا الجنة وقد قطعوا المسافة البعيدة، وقاسوا الأمور الشديدة فمن حقّهم أن يدخلوا الجنة، خاصة وقد علموا أنّ الجنة مباحة لهم، ولعلهم لا يفقهون حتى يقال لهم ويقال يحتمل أنهم لا يدخلونها بقول الملك حتى يقول الحقّ: أدخلوها، كما قالوا:\nولا ألبس النّعمى وغيرك ملبس ... ولا أقبل الدنيا وغيرك واهب\nقوله: «بِسَلامٍ آمِنِينَ»: بمعنى السلامة، وهى الأمان، فيأمنون أنهم لا يخرجون منها ويقال كما لا يخرجون من الجنة لا يخرجون عما هم عليه من الحال فالرؤية لهم وما هم فيه من الأحوال الوافية- مديدة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1604>[سورة الحجر (١٥): آية ٤٧]</span>\nوَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ (٤٧)\nأمر الخليل ﵇ ببناء الكعبة وتطهيرها فقال: «وَطَهِّرْ بَيْتِيَ» «١»، وأمر جبريل ﵇ حتى غسل قلب المصطفىﷺ- فطهّره «٢» . وتولّى هو- سبحانه- بنفسه تطهير قلوب العاصين، فقال: «وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ» «٣» وذلك رفقا بهم، فقد يصنع الله بالضعيف ما يتعجّب منه القوى، ولو وكل تطهير قلوبهم إلى الملائكة لاشتهرت عيوبهم، فتولّى ذلك بنفسه رفقا بهم.\nويقال قال: «ما فِي صُدُورِهِمْ» ولم يقل ما فى قلوبهم لأن القلوب فى قبضته يقلبها، وفى الخبر: «قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن»: يريد بذلك قدرته، فاستعمل لفظ الإصبع لذلك توسعا. وقيل بين إصبعين أي نعمتين.\nقوله جل ذكره: إِخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ قابل بعضهم بعضا بالوجه، وحفظ كلّ واحد عن صاحبه سرّه وقلبه، فالنفوس متقابلة\n_________\n(١) آية ٢٦ سورة الحج.\n(٢) أنظر كتاب (المعراج) للقشيرى ففيه تفصيل ذلك\n(٣) عن على بن الحسين أن هذه الآية نزلت فى أبى بكر وعمر وعلى ﵃ وأن الغل غل الجاهلية الذي كان بين تيم وعد وبنى هاشم فلما أسلموا تحابوا.","vol":"2","page":273},{"text":"ولكنّ القلوب غير متقابلة إذ لا يشتغل بعضهم ببعض، قال تعالى: «وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ» «١» قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1605>[سورة الحجر (١٥): آية ٤٨]</span>\nلا يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ (٤٨)\nأي لا يلحقهم تعب لا بنفوسهم ولا بقلوبهم. وإذا أرادوا أمرا لا يحتاجون إلى أن ينتقلوا من مكان إلى مكان، ولا تحار أبصارهم، ولا يلحقهم دهش، ولا يتغير عليهم حال عما هم عليه من الأمر، ولا تشكل عليه صفة من صفات الحق.\n«وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ» أي لا يلحقهم «٢» ذلّ الإخراج بل هم بدوام الوصال.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1606>[سورة الحجر (١٥): آية ٤٩]</span>\nنَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩)\nلمّا ذكر حديث المتقين وما لهم من علوّ المنزلة انكسرت قلوب العاصين، فتدارك الله قلوبهم، وقال لنبيّهﷺ- أخبر عبادى العاصين أنى غفور رحيم، وأنى إن كنت الشكور الكريم بالمطيعين فأنا الغفور الرحيم بالعاصين.\nويقال من سمع قوله: «أَنِّي أَنَا» بسمع التحقيق لا يبقى فيه مساغ لسماع المغفرة والرحمة لأنه يكون عندئذ مختطفا عن شاهده، مستهلكا فى إنّيته.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1607>[سورة الحجر (١٥): آية ٥٠]</span>\nوَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ (٥٠)\nالعذاب الأليم هنا هو الفراق، ولا عذاب فوق الفراق فى الصعوبة والألم «٣» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1608>[سورة الحجر (١٥): الآيات ٥١ الى ٥٢]</span>\nوَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ (٥١) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلامًا قالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (٥٢)\nألا عرّفهم كيف كانت فتوة الخليل فى الضيافة، وقيامه بحقّ الضيفان، وكان الخليل\n_________\n(١) آية ٢٤ سورة الأنفال.\n(٢) هنا وقع الناسخ فى خطأ التكرار إذ أعاد كتابة عبارات سابقة مما ورد بعد (لا يلحقهم تعب ... إلخ):\n(٣) أي أن عذاب الفراق يفوق فى نظر الصوفية- عذاب الاحتراق.","vol":"2","page":274},{"text":"﵇ يقوم بنفسه بخدمة الضيفان، فلمّا سلموا من جانبهم وردّ عليهم وانفضّوا عن تناول طعامه:\nقالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ.\nوجلون أي خائفون، فإنّ الإمساك عن تناول طعام الكرام موضع للريبة. ولمّا علم أنهم ملائكة خاف أن يكونوا نزلوا لتعذيب قومه إذ كانوا مجرمين. ولكن سكن روعه عند ما قالوا له:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1609>[سورة الحجر (١٥): آية ٥٣]</span>\nقالُوا لا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ (٥٣)\nفليس لك موضع للوجل لكن موضع للفرج فإنا جئناك مبشّرين، وإن كنّا لغيرك معذّبين.\nنحن «نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ»: أي يعيش حتى يعلم، لأن الطفل ليس من أهل العلم، وكانت بشارتهم بالولد وببقاء الولد هى العجب فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1610>[سورة الحجر (١٥): الآيات ٥٤ الى ٥٦]</span>\nقالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (٥٤) قالُوا بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ (٥٥) قالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ (٥٦)\nقال أبشرتموني وقد مسّنى الكبر؟ وإنّ الكبير قد فاته الوقت الذي يفرح فيه من الدنيا بشىء. بماذا تبشروني وقد طعنت فى السنّ، وعن قريب أرتحل إلى الآخرة؟ قالوا:\nبشرناك بالحق فلا تكن من جملة من يقنط من رحمة الله، ولا يقنط من رحمة ربه إلا من كان ضالا.\nقال: كيف أخطأ ظنكم فىّ فتوهمتم أنى أقنط من رحمة ربى؟\nفلما فرغ قلبه من هذا الحديث، وعرف أنه لن يصيبه ضرر منهم سألهم عن حالهم:","vol":"2","page":275},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1611>[سورة الحجر (١٥): الآيات ٥٧ الى ٦٠]</span>\nقالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٥٧) قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٥٨) إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٩) إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ (٦٠)\nقال ما شأنكم؟ وإلى أين قصدكم؟\nقالوا: أرسلنا لعذاب قوم لوط، ولننجى أهله إلا امرأته لمشاركتها معهم فى الفساد، وكانت تدل قومه على أضافه، فاستوجبت العقوبة.\nفلمّا وافى المرسلون من آل لوط أنكرهم لأنه لم يجدهم على صورة البشر، وتفرّس فيهم على الجملة أنهم جاءوا لأمر عظيم، قالوا: بل جئناك بما كان قومك يشكّون فيه من تعديبنا إياهم، وآتيناك بالحق، أي بالحكم الحق:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1612>[سورة الحجر (١٥): الآيات ٦٥ الى ٦٦]</span>\nفَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبارَهُمْ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (٦٥) وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (٦٦)\nفأسر بأهلك بعد ما يمضى شىء من الليل، وامش خلفهم، وقدّمهم عليك، واتبع أدبارهم، ولا يلتفت منكم أحد لئلا يروا ما ينزل بقومهم من العذاب، وإنا ننقذك وأهلك إلا امرأتك، فإنا نعذبها لمشاركتها مع قومك فى العصيان. «وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ»:\nفلكم السلامة ولقومكم العقوبة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1613>[سورة الحجر (١٥): الآيات ٦٧ الى ٧١]</span>\nوَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (٦٧) قالَ إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ (٦٨) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ (٦٩) قالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ (٧٠) قالَ هؤُلاءِ بَناتِي إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (٧١)\nأي علّمناه وعرّفناه: «أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ» أي أنهم مهلكون ومستأصلون بالعقوبة.\nثم لما نزل الملائكة بلوط ﵇ قال لقومه إن هؤلاء أضيافى، فلا تتعرضوا لهم فتفضحونى، واتقوا الله، وذروا مخالفة أمره ولا تخجلوني. فقال قومه: ألم ننهك عن أن تحيى أحدا، وأمرناك ألا تمنع منّا أحدا؟ فقال: هؤلاء بناتي يعنى نساء أمتى. وقال قوم:","vol":"2","page":276},{"text":"أراد بناته من صلبه، عرضهن عليهم لئلا يلمّوا بتلك الغلطة الفحشاء، فلم تنجع فيهم نصيحة، ولم يقلعوا عن خبيث قصدهم.\nفأخبره الملائكة ألا يخاف عليهم، وسكنوا من روعه حين أخبروه بحقيقة أمرهم، وأنهم إنما أرسلوا للعقوبة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1614>[سورة الحجر (١٥): آية ٧٢]</span>\nلَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢)\nأقسم بحياته تخصيصا له فى شرفه، وتفضيلا له على سائر البرية، فقال وحياتك- يا محمد- إنهم لفى ضلالتهم وسكرة غفلتهم يتردّون، وإنهم عن شركهم لا يقلعون.\nويقال أقسم بحياته لأنه لم يكن فى وقته حياة أشرف من حياته- إنهم فى خمار سكرهم، وغفلة ضلالتهم لا يترقبون عقوبة، ولا يخافون سوءا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1615>[سورة الحجر (١٥): الآيات ٧٣ الى ٧٥]</span>\nفَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (٧٣) فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥)\nباتوا فى حبور وسرور، وأصبحوا فى محنة وثبور، وخرّت عليهم سقوفهم، وجعلنا مدنهم ومنازلهم عاليها سافلها، وأمطرنا عليهم من العقوبة مالم يبق عينا ولا أثرا، إنّ فى ذلك لعبرة لمن اعتبر، ودلالة ظاهرة لمن استبصر، «وَإِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ» لمن شاء أن يعتبر قوله جل ذكره: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ «١» جاء فى التفسير «المتفرسين»، والفراسة خاطر يحصل من غير أن يعارضه ما يخالفه عند ظهور برهان عليه، فيخرج من القلب عين ما يقع لصاحب الفراسة. مشتق من فريسة\n_________\n(١) أخر الناسخ تفسير هذه الآية عند النقل فوضعها بعد الآية ٨٦ (إن ربك هو الخلاق العليم) وقد صححنا هذا الوضع.","vol":"2","page":277},{"text":"الأسد إذ لفريسته يقهر. والحق- سبحانه- يطلع أولياءه على ما خفى على غيرهم.\nوصاحب الفراسة لا يكون بشرط التفرس فى جميع الأشياء وفى جميع الأوقات بل يجوز أن تسدّ عليه عيون الفراسة فى بعض الأوقات كالأنبياء ﵈ فنبيّناﷺ- كان يقول لعائشةرضي الله عنها- فى زمان الإفك: «إن كنت فعلت فتوبى إلى الله» . وكابراهيم ولوط﵉- لم يعرفا الرسل.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1616>[سورة الحجر (١٥): الآيات ٧٨ الى ٨٤]</span>\nوَإِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ لَظالِمِينَ (٧٨) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ وَإِنَّهُما لَبِإِمامٍ مُبِينٍ (٧٩) وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (٨٠) وَآتَيْناهُمْ آياتِنا فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (٨١) وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتًا آمِنِينَ (٨٢)\nفَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (٨٣) فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (٨٤)\nأصحاب الأيكة هم قوم شعيب، وكان شعيب﵇- مبعوثا لهم فكذّبوه، فانتقمنا منهم.\nقوله: «وَإِنَّهُما» يعنى مدين والأيكة ... «لَبِإِمامٍ مُبِينٍ»: أي بطريق واضح من قصده (...) «١»\nوكذلك أخبر أن أصحاب الحجر «٢» - وهم ثمود- كذبوا المرسلين إليهم، وأنهم أعرضوا عن الآيات التي هى المعجزات كناقة صالح وغيرها، وأنهم كانوا أخلدوا إلى الأرضين وكانوا مغترّين بطول إمهال الله إياهم من تأخير العقوبة عنهم، وكانوا يتخذون من الجبال بيوتا، ويظنون أنهم على أنفسهم آمنون من الموت والعذاب.\n_________\n(١) مشتبهة.\n(٢) الحجر واد بين المدينة، والشام. [.....]","vol":"2","page":278},{"text":"ثم أخبر أنهم أخذتهم الصيحة على بغتة، ولم تغن عنهم حيلتهم لمّا حلّ حينهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1617>[سورة الحجر (١٥): آية ٨٥]</span>\nوَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥)\nدلّت الآية على أنّ أكساب العباد مخلوقة لله لأنها بين السماوات والأرض.\nإِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ «إِلَّا بِالْحَقِّ»: أي وأنا محق فيه ويقال «بِالْحَقِّ»: بالأمر العظيم الكائن إن الساعة لآتية يعنى القيامة.\nفَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ يقال الصفح الجميل الذي تذكر الزّلّة فيه.\nويقال الصفح الجميل سحب ذيل الكرم على ما كان من غير عقد الزّلّة، بلا ذكر لما سلف من الذنب، كما قيل:\nتعالوا نصطلح ويكون منّا (.....) «١»\nويقال الصفح الجميل الاعتذار عن الجرم بلا عدّ الذنوب من المجرم، والإقرار بأن الذنب كان منك لا من العاصي، قال قائلهم:\n(وتذنبون فننسى ونعتذر) قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1618>[سورة الحجر (١٥): آية ٨٦]</span>\nإِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ (٨٦)\n«هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ» إذ لا يصح الفعل بوصف الانتظام والاتساق من غير عالم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1619>[سورة الحجر (١٥): آية ٨٧]</span>\nوَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧)\nأكثر المفسرين على أنها سورة الفاتحة، وسميت مثانى لأنها نزلت مرتين: مرة بمكة\n_________\n(١) الشطر الثاني مطموس غير واضح.","vol":"2","page":279},{"text":"ومرة بالمدينة، ولأنها شىء فى كل صلاة يتكرر، من «التثنية» وهى التكرير، أو لأن بعضها يضاف إلى الحق وبعضها يضاف إلى الخلق ... ومعنى هذا مذكور فى كتب التفاسير «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1620>[سورة الحجر (١٥): آية ٨٨]</span>\nلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجًا مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (٨٨)\nلم يسلّم له إشباع النظر إلى زهرة الدنيا وزينتها.\nويقال غار على عينيهﷺ- أن يستعملها فى النظر إلى المخلوقات.\nويقال أدّبه الله- سبحانه- بهذا التأديب حتى لا يعير طرفه من حيث الاستئناس به.\nويقال أمره بحفظ الوفاء لأنه لمّا لم يكن اليوم سبيل لأحد إلى رؤيته «٢»، فلا تمدن عينيك إلى ملاحظة شىء من جملة ما خوّلناهم، كما قال بعضهم:\nلمّا تيقّنت أنى لست أبصركم ... أغمضت عينى فلم أنظر إلى أحد\nويقال شتّان بينه وبين موسى﵇! قال له: لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ»، ونبيناﷺ- منعه من النظر إلى المخلوقات بوصف هو تمام النظر فقال: «وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ» .\nويقال إذا لم يلم له إشباع النظر بظاهره إلى الدنيا فكيف يسلم له السكون بقلبه إلى غير الله؟! ويقال لما أمر بغضّ بصره عما يتمتّع به الكفار فى الدنيا تأدّب﵇- فلم ينظر ليلة المعراج إلى شىء مما رأى فى الآخرة، فأثنى عليه الحقّ بقوله: «ما زاغَ الْبَصَرُ. وَما طَغى» وكان يقول لكل شىء رآه: «التحيات لله» أي الملك لله.\n_________\n(١) ويرى بعضهم أنها نسبع سور وهى الطوال، واختلف في السابعة فقيل الأنفال وبراءة لأنهما فى حكم سورة بدليل عدم التسمية بينهما، وقيل سورة يونس. أو أسباع القرآن.\n(٢) الضمير فى (رؤيته) يعود إلى الحق سبحانه، والمقصود حفظ العين- من قبيل الوفاء- لكى لا تعاين سواه سبحانه فيما بعد.","vol":"2","page":280},{"text":"قوله جل ذكره: وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ أدّبه حتى لا يتغير بصفة أحد، وهذه حال التمكين.\nقوله جل ذكره: وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ أي ألن لهم جانبك. وكان ﵇ إذا استعانت به الوليدة «١» فى الشفاعة إلى مواليها يمضى معها.. إلى غير ذلك من حسن خلقه- صلوات الله عليه- وكان فى الخبر: إنه كان يخدم بيته وكان فى (مهنة) أهله «٢» . وتولّى خدمة الوفد، وكان يقول: سيد القوم خادمهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1621>[سورة الحجر (١٥): آية ٨٩]</span>\nوَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (٨٩)\nلمّا لم يكن بنفسه وكان قائما بحقه﷾- سلّم له أن يقول: إنى وأنا.\nوفى الخبر: أن جابرا دقّ عليه الباب، فقال: من؟ قال: أنا ... فقال النبي ﵇:\n«أنا أنا» .. كأنه كرهها «٣» ويقال: قل لاحدّ لاستهلا كك فينا، سلّمنا أن تقول: إنى أنا، لما كنت بنا ولنا.\nقوله جل ذكره\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1622>[سورة الحجر (١٥): الآيات ٩٠ الى ٩١]</span>\nكَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (٩٠) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (٩١)\nأي قل إنى أنا لكم منذر بعذاب كالعذاب الذي عذّبنا به المقتسمين وهم الذين تقاسموا بالله لنبيّه فى قصه صالح ﵇. وقيل هم من أهل الكتاب الذين اقتسموا كتاب الله فآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه.\nويقال إنى لكم نذير أخوفكم عقوبة المقتسمين الذين اقتسموا الجبال والطرق بمكة فى الموسم، وصدوا الناس. وكان الواحد منهم يقول لمن مرّ به: لا تؤمن بمحمد فإنه ساحر، ويقول الآخر: إنه كاهن ويقول ثالث: إنه مجنون، فهم بأقسامهم:\nالَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ «٤»\n_________\n(١) الوليدة- الجارية، قال طرفة:\nفذالت كما ذالت وليدة مجلس ... ترى ربها أذيال سحل ممدد\n(٢) عن الأسود بن يزيد: قال سئلت عائشة ﵂ ما كان النبي (ص) يصنع فى بيته؟ قالت:\nكان يكون فى مهنة أهله فإذا حضرت الصلاة خرج إليها (رواه البخاري) .\n(٣) الحديث جاء مضطرب الكتابة في النسختين وقد صححناه كما أورد النووي فى رياض الصالحين ط بيروت ص ٣٥١\n(٤) عضين ج عضة وأصلها عضوة أي جزء، وعضوة فعلة من عضى الشاة إذا جعلها أعضاء وأجزاء وأقساما.","vol":"2","page":281},{"text":"ففرقوا القول فيه، فقال بعضهم إنه شعر، وقال بعضهم إنه سحر، وقال بعضهم إنه كهانه ... إلى غير ذلك.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1623>[سورة الحجر (١٥): الآيات ٩٢ الى ٩٣]</span>\nفَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)\nالعوام يسألهم عن تصحيح أعمالهم، والخواص يسألهم عن تصحيح أحوالهم.\nويقال يسأل قوما عن حركات ظواهرهم، ويسأل آخرين عن خطرات سرائرهم. ويسأل الصديقين عن تصحيح المعاني بفعالهم، ويسأل المدّعين عن تصحيح الدعاوى تعنيفا لهم.\nويقال سماع هذه الآية يوجب لقوم أنسا وسرورا حيث علموا أنه يكلّمهم ويسمعهم خطابه لاشتياقهم إليه، ولا عجب فى ذلك فالمخلوق يقول فى مخلوق:\nمن الخفرات البيض ودّ جليسها ... إذا ما انتهت أحدوثة لو تعيدها\nفلا أسعد من بشر يعرف أنّ مولاه غدا سيكلمه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1624>[سورة الحجر (١٥): آية ٩٤]</span>\nفَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤)\nكن بنا وقل بنا، وإذا كنت بنا ولنا فلا تجعل حسابا لغيرنا، وصرّح بما خاطبناك به، وأفصح عمّا نحن خصصناك به، وأعلن محبتنا لك:\nفسبّح «١» باسم من تهوى ودعنا من الكني ... فلا خير في اللّذات من بعدها ستر\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1625>[سورة الحجر (١٥): الآيات ٩٥ الى ٩٦]</span>\nإِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٩٦)\nالذين دفعنا عنك عادية «٢» شرّهم، ودرأنا عنك سوء مكرهم، ونصرناك بموجب\n_________\n(١) الأصل فى البيت (فصرح) والتصريح يقابل (الكناية) .\n(٢) وردت (عادية) بالغين، والملائم للسياق (عادية) بالعين. حيث يقال (دفعت عنك عادية فلان أي ظلمه وشره): الوسيط ص ٥٩٥.","vol":"2","page":282},{"text":"عنايتنا بشأنك.. فلا عليك فيما يقولون أو يفعلون، فما العقبى إلا لك بالنصر والظفر.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1626>[سورة الحجر (١٥): الآيات ٩٧ الى ٩٨]</span>\nوَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨)\nوقال: «يَضِيقُ صَدْرُكَ» ولم يقل يضيق قلبك لأنه كان فى محل الشهود، ولا راحة للمؤمن دون لقاء الله، ولا تكون مع اللقاء وحشة.\nويقال هوّن عليه ضيق الصدر بقوله: «وَلَقَدْ نَعْلَمُ» ويقال إن ضاق صدرك بسماع ما يقولون فيك من ذمّك فارتفع «١» بلسانك فى رياض تسبيحنا، والثناء علينا، فيكون ذلك سببا لزوال ضيق صدرك وسلوة لك بما تتذكر من جلال قدرنا وتقديسنا، واستحقاق عزّنا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1627>[سورة الحجر (١٥): آية ٩٩]</span>\nوَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)\nقف على بساط العبودية معتنقا للخدمة، إلى أن تجلس على بساط القربة، وتطالب بآداب الوصلة.\nويقال التزم شرائط العبودية إلى أن ترقى بل تكفى بصفات الحرية.\nويقال فى «وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ» «٢»: إن أشرف خصالك قيامك بحقّ العبودية.\n_________\n(١) وردت هكذا ونرجح أنها فى الأصل (فارتع) فهى أكثر ملائمة للمعنى. جاء فى رسالة القشيري ص ١١١ (وفى الخبر المشهور عن الرسول ﷺ: إذا رأيتم رياض الجنة فارتعوا فيها، فقيل له: وما رياض الجنة؟ فقال: مجالس الذكر.\n(٢) عن العلاقة بين العبودية واليقين ينقل القشيري عن شيخه الدقاق قوله: «العبادة لمن له علم اليقين، والعبودية لمن له عين اليقين والعبودة لمن له حق اليقين» الرسالة ص ٩٩.","vol":"2","page":283},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1628>السورة التي يذكر فيها النحل</span>\nقوله جل ذكره: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ألف الوصل فى «بِسْمِ اللَّهِ» لم يكن لها فى التحقيق أصل، جلبت للحاجة إليها للتوصل بها إلى النطق بالسّاكن، وإذ وقع ذلك أنفا عنها أسقطت فى الإدراج، ولكن كان لها بقاء فى الخط وإن لم يكن لها ظهور فى اللفظ، فلمّا صارت إلى «بِسْمِ اللَّهِ» أسقطت من الخط كذلك..\nوكذلك من ازداد صحبة استأخر «١» رتبة.\nويقال أي استحقاق لواو عمرو حتى ثبتت فى الخط؟ وأي استحقاق إلى الألف فى قولهم قتلوا وفعلوا؟ وأىّ موجب لحذف الألف من السماوات؟\nطاحت العلل فى الفروق، وليس إلا اتفاق الوضع ... كذلك الإشارة فى أرباب الردّ والقبول، قال تعالى «إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ» «٢» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1629>[سورة النحل (١٦): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nأَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١)\nصيغة أتى للماضى، والمراد منه الاستقبال لأنه بشأن ما كانوا يستعجلونه من أمر الساعة، والمعنى «سيأتى» أمر القيامة، والكائنات كلّها والحادثات بأسرها من جملة أمره أي حصل أمر تكوينه وهو أمر من أموره لأنه حاصل بتقديره وتيسيره، وقضائه وتدبيره فما يحصل من خير وشرّ، ونفع وضرّ، وحلو ومرّ.. فذلك من جملة أمره تعالى.\n«فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ» وأصحاب التوحيد لا يستعجلون شيئا باختيارهم لأنهم قد سقطت عنهم الإرادات والمطالبات، وهم خامدون تحت جريان تصريف الأقدار فليس لهم إيثار ولا اختيار فلا يستعجلون أمرا، وإذا أمّلوا شيئا، أو أخبروا بحصول شىء فلا استعجال لهم، بل شأنهم\n_________\n(١) إن صح نقل هذه الكلمة عن الأصل فلربما يقصد القشيري منها استخفى عن الظهور، وازداد ذبولا، وبعدا عن التظاهر والدعوى.\n(٢) آية ١٠٧ سورة هود.","vol":"2","page":284},{"text":"التأنّى والثبات والسكون. وإذا بدا من التقدير حكم فلا استعجال لهم لما يرد عليهم، بل يتقبلون مفاجأة التقدير بوجه ضاحك، ويستقبلون ما يبدو من الغيب من الردّ والقبول، والمنع والفتوح بوصف الرضاء، ويحمدون الحق﷾- على ذلك.\n«سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ»: تعالى عما يشركون بربهم، والكفار لم ييسر لهم حتى أنّه لا سكن لقلوبهم من حديثه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1630>[سورة النحل (١٦): آية ٢]</span>\nيُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاتَّقُونِ (٢)\nينزل الملائكة على الأنبياء﵈- بالوحى والرسالة، وبالتعريف والإلهام على أسرار أرباب التوحيد وهم المحدّثون. وإنزال الملائكة على قلوبهم غير مردود لكنهم لا يؤمرون أن يتكلموا بذلك، ولا يحملون رسالة إلى الخلق.\nويراد بالروح الوحى والقرآن، وفى الجملة الروح ما هو سبب الحياة إمّا حياة القلب أو حياة الدنيا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1631>[سورة النحل (١٦): آية ٣]</span>\nخَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣)\nخلقها بالحق، ويحكم فيها بالحق، فهو محقّ فى خلقها لأنّ له ذلك، ويدخل فى ذلك أمره بتكليف الخلق، وما يعقب ذلك التكليف من الحشر والنّشر، والثواب والعقاب.\n«تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ»: تقديسا وتشريفا له عن أن يكون له شريك أو معهم ليك قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1632>[سورة النحل (١٦): آية ٤]</span>\nخَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٤)\nتعرّف إلى العقلاء بكمال قدرته حيث أخبر أنه قدر على تصوير الإنسان على ما فيه من التركيب العجيب، والتأليف اللطيف من نطفة متماثلة الأجزاء، متشاكلة فى وقت الإنشاء، مختلفة الأعضاء وقت الإظهار والإبداء، والخروج من الخفاء. ثم ما ركّب فيه من تمييز وعقل،","vol":"2","page":285},{"text":"ويسّر له النطق والفعل، والتدبير فى الأمور، والاستيلاء على الحيوانات على وجه التسخير.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1633>[سورة النحل (١٦): آية ٥]</span>\nوَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (٥)\nذكّرهم بما تفضّل عليهم، وأخبرهم بما للحيوانات من النّعم، وما لهم فيها من وجوه الانتفاع فى جميع الأحوال، كالحمل وكالسفر عليها وقطع المسافات، والتوصّل على ظهورها إلى مآربهم، وما لنسلها ولدرّها من المنافع.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1634>[سورة النحل (١٦): الآيات ٦ الى ٧]</span>\nوَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦) وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٧)\nالغنيّ له جمال بماله، والفقير له استقلال بحاله.. وشتّان ماهما! فالأغنياء يتجملون بأنعامهم حين يريحون وحين يسرحون، والفقراء يستقلون بمولاهم حين يصبحون وحين يمسون. أولئك تحمل أثقالهم جمالهم، وهؤلاء يحمل الحقّ عن قلوبهم أثقالهم.\n«لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ»: قوم أحوالهم مقاساة الشدائد يصلون سيرهم بسراهم، وقوم فى حمل مولاهم بعيدون عن كدّ التدبير، مستريحون بشهود التقدير، راضون باختيار الحقّ فى العسير واليسير «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1635>[سورة النحل (١٦): آية ٨]</span>\nوَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ (٨)\nفالنفوس فى حملها كالدواب، والقلوب معتقة عن التعنّى فى الأسباب. «وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ»: كما أن أهل الجنة من المؤمنين يجدون فى الآخرة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر فكذلك أرباب الحقائق يجدون- اليوم- ما لم يخطر قطّ على بال، ولا قرأوا فى كتاب، ولا تلقنوه من أستاذ، ولا إحاطة بما أخبر الحق أنه\n_________\n(١) يطلق القشيري على الأول اصطلاح (متحمل) وعلى الثاني (محمول) . [.....]","vol":"2","page":286},{"text":"لا يعلم تفصيله «١» سواه.. وكيف يعلم من أخبر الحقّ- سبحانه- أنه لا يعلم؟\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1636>[سورة النحل (١٦): آية ٩]</span>\nوَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْها جائِرٌ وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ (٩)\nقوم هداهم السبيل، وعرّفهم الدليل، فصرف عن قلوبهم خواطر الشكّ، وعصمهم عن الجحد والشّرك، وأطلع فى قلوبهم شمس العرفان، وأفردهم بنور البيان. وآخرون أضلّهم وأغواهم، وعن شهود الحجج أعماهم، وفى سابق حكمه من غير سبب أذلّهم وقمعهم «٢»، ولو شاء لعرّفهم وهداهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1637>[سورة النحل (١٦): الآيات ١٠ الى ١١]</span>\nهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١)\nأنزل المطر وجعل به سقيا النبات، وأجرى العادة بأن يديم به الحياة، وينبت به الأشجار، ويخرج الثمار، ويجرى الأنهار.\nثم قال: «إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ» ثم قال بعده بآيات: «لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ»، ثم قال بعده: «لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ» . وعلى هذا الترتيب تحصل المعرفة «٣»، فأولا التفكر ثم العلم ثم التذكر، أولا يضع النظر موضعه فإذا لم يكن فى نظره خلل وجب له العلم لا محالة، ولا فرق بين العلم والعقل فى الحقيقة، ثم بعده استدامة النظر وهو التذكر.\nويقال إنما قال: «لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ»: على الجمع لأنه يحصل له كثير من العلوم حتى يصير\n_________\n(١) وردت (تفضله) وهى خطأ من الناسخ.\n(٢) (قمعهم) - قهرهم وذلهم. على أننا لا نستبعد- حسبما نعرف من كلف القشيري بالخوض على الموسيقى اللفظية- أنها ربما كانت (أقماهم) أي صغرهم وأذلهم (انظر آية ٤ سورة القصص المجلد الثالث) .\n(٣) هذه نقطة هامة إذا أردنا أن ندرس مذهب المعرفة عند الصوفية عموما، والقشيري بخاصة","vol":"2","page":287},{"text":"عارفا، وكل جزء من العلم تحصل له آية ودليل، فللعالم حتى يكون عارفا بربّه آيات ودلائل، لأن دليل هذه المسألة خلاف دليل تلك المسألة فبدليل واحد يعلم وجه النظر، وبأدلة كثيرة يصير عارفا بربه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1638>[سورة النحل (١٦): آية ١٢]</span>\nوَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٢)\nالليل والنهار ظرفا الفعل، والناس فى الأفعال مختلفون: فموفّق ومخذول فالموفّق يجرى وقته فى طاعة ربه، والمخذول يجرى وقته فى متابعة هواه.\nالعابد يكون فى فرض يقيمه أو نفل يديمه، والعارف فى ذكره وتحصيل أوراده بما يعود على قلبه فيؤنسه، وأما أرباب التوحيد فهم مختطفون عن الأحيان والأوقات بغلبة ما يرد عليهم من الأحوال كما قيل:\nلست أدرى أطال ليلى أم لا ... كيف يدرى بذاك من يتقلّى؟\nلو تفرّغت لاستطالة ليلى ... ورعيت النجوم كنت مخلّا\nقوله جل ذكره: وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ.\nهذا فى الظاهر، وفى الباطن نجوم العلم وأقمار المعرفة وشموس التوحيد.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1639>[سورة النحل (١٦): آية ١٣]</span>\nوَما ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوانُهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٣)\nأقوام خلق لهم فى الأرض الرياض والغياض «١»، والدور والقصور، والمساكن والمواطن، وفنون النّعم وصنوف القسم.. وآخرون لا يقع لهم طير على وكر، ولا لهم فى الأرض شبر لا ديار تملكهم، ولا علاقة تمسكهم- أولئك سادات الناس وضياء الحق.\n_________\n(١) الغياض جمع غيضة وهى الموضع يكثر فيه الشجر ويلتف.","vol":"2","page":288},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1640>[سورة النحل (١٦): آية ١٤]</span>\nوَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤)\nسخر البحر فى الظاهر، وسهّل ركوبه فى الفلك، ويسّر الانتفاع بما يستخرج منه من الحلىّ كاللؤلؤ والدّرّ، وما يقتات به من السمك وحيوان البحر.\nومن وجوه المعاني خلق صنوفا من البحر، فقوم غرقى فى بحار الشغل وآخرون فى بحار الحزن، وآخرون فى بحار اللهو.. فالسلامة من بحر الشغل فى ركوب سفينة التوكل، والنجاة من بحر الحزن فى ركوب سفينة الرضا، والسلامة من بحر اللهو من ركوب سفينة الذكر، وأنشد بعضهم «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1641>[سورة النحل (١٦): آية ١٥]</span>\nوَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥)\nالرواسي فى الظاهر الجبال، وفى الإشارة الأولياء الذين هم غياث الخلق، بهم يرحمهم، وبهم يغيثهم.. ومنهم أبدال ومنهم أوتاد ومنهم القطب. وفى الخبر: «الشيخ فى قومه كالنبى فى أمته» وقال تعالى: «وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ» «٢»، كما قال تعالى: «وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ» «٣»، وأنشد بعضهم:\nوا حسرتا من فراق قوم ... هم المصابيح والأمن والمزن\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1642>[سورة النحل (١٦): آية ١٦]</span>\nوَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦)\nالكواكب نجوم السماء ومنها رجوم للشياطين، والأولياء نجوم فى الأرض. وكذلك العلماء وهم أئمة فى التوحيد وهم رجوم للكفّار والملحدين.\n_________\n(١) سقط الشاهد الشعرى من الناسخ.\n(٢) آية ٣٣ سورة الأنفال.\n(٣) آية ٢٥ سورة الفتح.","vol":"2","page":289},{"text":"ويقال فرق بين نجوم يهتدى بها فى فجاج الدنيا، ونجوم يهتدى بهم إلى الله تعالى.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1643>[سورة النحل (١٦): آية ١٧]</span>\nأَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (١٧)\nتدل هذه الآية على نفى التشبيه بينه- سبحانه- وبين خلقه. وصفات القدم لله مستحقّة، وما هو من خصائص الحدثان وسمات الخلق يتقدّس الحقّ- سبحانه- عن جميع ذلك. ولا تشبّه ذات القديم بذوات المخلوقين، ولا صفاته بصفاتهم، ولا حكمه بحكمهم، وأصل كلّ ضلالة التشبيه، ومن قبح ذلك وفساده أنّ كلّ أحد يتبرّأ منه ويستنكف من انتحاله.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1644>[سورة النحل (١٦): آية ١٨]</span>\nوَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨)\nالموجودات لا تحصوها لتقاصر علومكم عنها، وما هو من نعم الدفع «١» فلا نهاية له. وهو غفور رحيم حيث يتجاوز عنكم إذا عجزتم عن شكره، ويرضى بمعرفتكم (...) «٢» لكم عن شكره.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1645>[سورة النحل (١٦): آية ١٩]</span>\nوَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ (١٩)\nما تسرّون من الإخلاص وملاحظة الأشخاص.. فلا يخفى عليه حسان، وما تعلنون من الوفاق والشقاق، والإحسان والعصيان. والآية توجب تخويف أرباب الزّلّات، وتشريف أصحاب الطاعات.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1646>[سورة النحل (١٦): آية ٢٠]</span>\nوَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠)\nأخبر أن الأصنام لا يصحّ منها الخلق لكونها مخلوقة، ودلّت الآية على أنّ من وجدت له سمة الخلق لا يصحّ منه الخلق، والخلق هو الإيجاد ففى الآية دليل على خلق الأعمال.\n_________\n(١) من قصور الإنسان أنه لا يشعر إلا بنعم المنح، ولكن نعم الدفع التي لا تتناهى لا يكاد الإنسان يشعر بها البتة وبالتالى لا يشكر عليها ... وما أكثرها!\n(٢) مشتبهة.","vol":"2","page":290},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1647>[سورة النحل (١٦): آية ٢١]</span>\nأَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٢١)\nلأنّ من لحقه وصف التكوين لا يصحّ منه الإيجاد. وفى التحقيق كلّ من علق قلبه بشىء، وتوهّم منه خيرا أو شرا فقد أشرك بالله بظنّه، وإنما التوحيد تجريد القلب عن حسبان شظيّة من النفي والإثبات من جميع المخلوقين والمخلوقات.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1648>[سورة النحل (١٦): آية ٢٢]</span>\nإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٢٢)\nلا قسيم لذاته جوازا أو وجوبا، ولا شبيه له ولا شريك. ومن لم يتحقق بهذه الجملة قطعا، وبشهادة البراهين له تفصيلا فهو فى دركات الشّرك واقع، وعن حقائق التوحيد بمعزل، قال تعالى فى صفة الكفار: «قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ» أي فى أسر الشّرك وغطاء الكفر، ثم ليس فيه اتصاف لطلب العرفان لأنّ العلة- لمن أراد المعرفة- متاحة، وأدلة الخلق لائحة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1649>[سورة النحل (١٦): آية ٢٣]</span>\nلا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ (٢٣)\nفيفضحهم ويبيّن نفاقهم، ويعلن للمؤمنين كفرهم وشقاقهم.\nقوله جل ذكره: إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ.\nدليل الخطاب أنه يحب المتواضعين المتخاشعين، ويكفيهم فضلا بشارة الحق لهم بمحبته لهم.\nقوله جلّ ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1650>[سورة النحل (١٦): آية ٢٤]</span>\nوَإِذا قِيلَ لَهُمْ ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٤)\nلحقهم شؤم تكذيبهم، فأصرّوا على إعراضهم عن النظر، وقست قلوبهم ولم تجنح","vol":"2","page":291},{"text":"إلى الإقرار بالحق، فلبّسوا على من يسائلهم، وقالوا: هذا الذي جاء به محمد من أكاذيب العجم، فضلّوا وأضلوا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1651>[سورة النحل (١٦): آية ٢٥]</span>\nلِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ (٢٥)\nلما سعوا فى الدنيا لغير الله لم تصف أعمالهم، وفى الآخرة حملوا معهم أوزارهم. أولئك الذين خسروا فى الدنيا والآخرة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1652>[سورة النحل (١٦): آية ٢٦]</span>\nقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (٢٦)\nاتصفوا بالمكر فحاق بهم مكرهم، ووقعوا فيما حفروه لغيرهم، واغتروا بطول الإمهال، فأخذهم العذاب من مأمنهم، واشتغلوا بلهوهم فنغّص عليهم أطيب عيشهم:\nفَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ.\nالذي وصف نفسه به فى كتابه من الإتيان فمنعاه العقوبة، وذلك على عادة العرب فى التوسع فى الخطاب.\nوهو سبحانه يكشف الليل ببدره ثم يأخذ الماكر بما يليق بمكره، وفى معناه قالوا:\nوأمته فأتاح لى من مأمنى ... مكرا، كذا من يأمن الأياما\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1653>[سورة النحل (١٦): آية ٢٧]</span>\nثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكافِرِينَ (٢٧)","vol":"2","page":292},{"text":"فى الدنيا عاجل بلائهم، وبين أيديهم آجله. وحسرة «١» المفلس تتضاعف إذا ما حوسب، وشاهد حاصله.\n«قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ..»: يسمع الكافرين قول المؤمنين، ويبيّن للكافة صدقهم.\nويقع الندم على جاهلهم «٢» . وأما اليوم فعليهم بالصبر والتحمّل، وعن قريب ينكشف الغطاء، وأنشد بعضهم:\nخليلىّ لو دارت على رأسى الرّحى ... من الذّلّ لم أجزع ولم أتكلّم\nوأطرقت حتى قيل لا أعرف الجفا ... ولكننى أفصحت يوم التكلّم\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1654>[سورة النحل (١٦): الآيات ٢٨ الى ٢٩]</span>\nالَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٢٩)\n«ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ»: بارتكاب المعاصي وهم الكفار.\n«فَأَلْقَوُا السَّلَمَ»: انقادوا واستسلموا لحكم الله.\n«ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ»: جحدوا وأنكروا ما عملوا من المخالفات.\n«بَلى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ»: هكذا قالت لهم الملائكة، ثم يقولون لهم:\n«فَادْخُلُوا أَبْوابَ..»: وكذلك الذين تقسو نفوسهم بإعراضهم عن الطاعات إذا نزلت بهم الوفاة يأخذون فى الجزع وفى التضرع، ثم لا تطيب نفوسهم بأن يقرّوا بتفاصيل أعمالهم عند الناس، فيما يتعلق بإرضاء خصومهم لما أخلّوا من معاملاتهم، ثم الله يؤاخذهم بالكبير والصغير، والنقير والقطمير، ثم يبقون أبدا فى وبال ما أحقبوه، لأن شؤم ذلك يلحقهم فى أخراهم.\n_________\n(١) وودت (مرة) بالميم (وهى خطأ فى النسخ كما هو واضح.\n(٢) وردت (جاهدهم) بالدال. وربما كانت فى الأصل (جاحدهم)، فالجهل والجحد من صفات الكافرين.","vol":"2","page":293},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1655>[سورة النحل (١٦): آية ٣٠]</span>\nوَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ (٣٠)\nأما المسلمون فإذا وردوا عليهم، وسألوهم عن أحوال محمدﷺ، وعما أنزل الله عليه، قالوا: دينه حقّ، والله أنزل عليه الحقّ.. والذين أحسنوا فى الدنيا يجدون الخير فى الآخرة.\nويقال فى هذه الدنيا حسنة، وهى ما لهم من حلاوة الطاعة بصفاء الوقت ويصحّ أن تكون تلك الحسنة زيادة التوفيق لهم فى الأعمال، وزيادة التوفيق لهم فى الأحوال.\nويصح أن يقال تلك الحسنة أن يوفّقهم بالاستقامة على ما هم عليه من الإحسان.\nويصح أن يقال تلك الحسنة أن يبلّغهم منازل الأكابر والسادة، قال تعالى: «وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا» «١» ويصح أن تكون تلك الحسنة ما يتعدّى منهم إلى غيرهم من بركات إرشادهم للمريدين، وما يجرى على من اتبعهم مما أخذوه وتعلموه منهم، قال النبي ﷺ: لأن يهتدى بهداك رجل خير لك من حمر النعم» «٢» .\nثم قال: «وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ»، لأن ما فيها يبقى، وليس فيها خطر الزوال. ولأن فى الدنيا مشاهدة وفى الآخرة معاينة «٣» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1656>[سورة النحل (١٦): آية ٣١]</span>\nجَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ كَذلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (٣١)\n_________\n(١) آية ٢٤ سورة السجدة.\n(٢) سبق تخريج هذا الحديث.\n(٣) نفهم من هذا أن المعاينة أعلى درجة من المشاهدة، ونفهم كذلك أن المشاهدة- وهى تنم فى هذه الدنيا- هى أقصى درجات المعراج الروحي عند أصحاب وحدة الشهود، وكل قول بما يزيد عن ذلك خروج عن أصول هذا المذهب، وقد نعى كثير من الباحثين على الغلاة والأدعياء والظالمين، فى هذا الخصوص. [.....]","vol":"2","page":294},{"text":"كما أن الإرادات والهمم تختلف فى الدنيا فكذلك فى الآخرة، وفى الخبر: «من كان بحالة لقى الله بها» فمن مريد يكتفى من الجنة بورودها، ومن مريد لا يكتفى من الجنة دون شهود ربّ الجنة.\nويقال إذا شاءوا أن يعودوا إلى ما فاتهم من قصورهم، وما وجدوا فى ذلك من صحبة اللّعين «١» فى سائر أحوالهم وأمورهم يسلم لهم ذلك، ومن شاء أن تدوم رؤيته، ويتأبّد سماع خطابه فلهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد، وهو ما لم يخطر ببال أحد.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1657>[سورة النحل (١٦): آية ٣٢]</span>\nالَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢)\nيقبض أرواحهم طيبة. أو يقال «طَيِّبِينَ» حال.\nوالأسباب التي تطيب بها قلوبهم وأرواحهم مختلفة، فمنهم من طاب وقته لأنه قد غفرت ذنوبه، وسترت عيوبه، ومنهم من طاب قلبه لأنه سلّم عليه محبوبه، ومنهم من طاب قلبه لأنه لم يفته مطلوبه.\nومنهم من طاب وقته لأنه يعود إلى ثوابه، ويصل إلى حسن مآبه.\nومنهم من يطيب قلبه لأنه أمن من زوال حاله، وحظى بسلامة مآله «٢»، ومنهم من يطيب قلبه لأنه وصل إلى أفضاله، وآخر لأنه وصل إلى لطف جماله، وثالث لأنه خصّ بكشف جلاله- قد علم كلّ أناس مشربهم.\nويقال «تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ» طيبة نفوسهم أي طاهرة من التدنّس بالمخالفات، وطاهرة قلوبهم عن العلاقات، وأسرارهم عن الالتفات إلى شىء من المخلوقات.\n_________\n(١) اللعين مقصود به إبليس.\n(٢) وردت (ماله) والملائم هنا أن تكون (مآله) .","vol":"2","page":295},{"text":"قوله تعالى: «سَلامٌ عَلَيْكُمْ» احظوا بالجنة، منهم من يخاطبه بذلك الملك، ومنهم من يكاشفه بذلك الملك.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1658>[سورة النحل (١٦): الآيات ٣٣ الى ٣٤]</span>\nهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٣٣) فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٣٤)\nالقوم ينتظرون مجىء الملك لأنهم لم يعرفوه ولم يعتقدوا كونه. ولكن لمّا كانوا يستعجلون معتقدين أن الرسل غير صادقين، ولمّا سلكوا «١» مسلك أضرابهم من المتقدمين- عوملوا بمثل ما لقى أسلافهم، وما كان ذلك من الله ظلما، لأنه يتصرف فى ملكه من غير حكم حاكم عليه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1659>[سورة النحل (١٦): آية ٣٥]</span>\nوَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٣٥)\nخبثت قصودهم فيما قالوا على وجه التكذيب والاستهزاء، وغلبت على نطقهم ظلمات جهلهم وجحدهم، وانكشف عدم صدقهم فى أحوالهم.\nوقولهم: «لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ..» يشبه قولهم: «أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ» «٢» . ولا خلاف أن الله لو شاء أن يطعمهم لكان ذلك.\n_________\n(١) وردت (سكنوا) وهى خطأ من الناسخ.\n(٢) آية ٤٧ سورة يس.","vol":"2","page":296},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1660>[سورة النحل (١٦): آية ٣٦]</span>\nوَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)\nلم يخل زمانا من الشرع توضيحا لحجته، ولكن فرّقهم فى سابق حكمه ففريقا هداهم، وفريقا حجبهم «١» وأعماهم «٢» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1661>[سورة النحل (١٦): آية ٣٧]</span>\nإِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٣٧)\nألزمهم الوقوف على حدّ العبودية فى إرادة هدايتهم ومعرفتهم حقائق الربوبية فقال:\nإنك وإن كنت بأمرنا لك حريصا على هدايتهم فإن من قسمت له الضلال لا يجرى عليه غير ما قسمت له.\nويقال من ألبسته صدار الضلال لا تنزعه وسيلة ولا شفاعة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1662>[سورة النحل (١٦): آية ٣٨]</span>\nوَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٣٨)\nالقسم يؤكّد الخبر، ولكنّ يمين الكاذب توجب ضعف قوله لأنه كلما زاد فى جحد الله ازداد القلب نفرة من قوله.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1663>[سورة النحل (١٦): آية ٣٩]</span>\nلِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ (٣٩)\n_________\n(١) وردت (حجتهم) وهى خطأ فى النسخ إذ ربما كانت النقطتان فوق الباء فتحة فى الأصل وتوهم الناسخ أنها نقطتان.\n(٢) وردت (وأعمالهم) والمعنى والسياق يرفضانها ويتقبلان (وأعماهم) .","vol":"2","page":297},{"text":"إذا بيّن الله صدق ما ورد به الشرع فى الآخرة بكشف الغيب زاد افتضاح أهل التكذيب فيكون فى ذلك زيادة لهم فى التعذيب.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1664>[سورة النحل (١٦): آية ٤٠]</span>\nإِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠)\nفيكون بالسمع علم تعلّق قوله بما يفعله. وحمله قوم على أن معناه أنه لا يتعسّر عليه فعل شىء أراده، فالآية على القولين جميعا.\nوالذي لا يحتاج فى فعله إلى مادة يخلق منها لا يفتقر إلى مدة يقع الفعل فيها.\nوتدل الآية على أنّ قوله ليس بمخلوق إذ لو كان مخلوقا لكان مقولا له: كن، وذلك القول يجب أن يكون مقولا له بقول آخر ... وهذا يؤدى إلى أن يتسلسل ما يحصل إلى ما لا نهاية له «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1665>[سورة النحل (١٦): آية ٤١]</span>\nوَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٤١)\nمن هاجر عن أوطان السوء- فى الله- أبدل له الله فى جوار أوليائه ما يكون له فى جوارهم معونة على الزيادة فى صفاء وقته. ومن هجر أوطان الغفلة مكّنه الله من مشاهد الوصلة. ومن فارق مجالسة المخلوقين، وانقطع بقلبه إليه- سبحانه- باستدامة ذكره- فكما فى الخبر: «أنا جليس من ذكرنى» . وبداية هؤلاء القوم نهاية أهل الجنة ففى الخير «الفقراء الصابرون جلساء الله يوم القيامة» . ويقال القلب مظلوم من جهة النّفس لما تدعوه إليه من شهواتها، فإذا هجرها أورث الله القلب أؤطان النّفس حتى تنقاد لما يطالب به القلب\n_________\n(١) كلام الله ليس بمخلوق- هذا أصل عام من أصول المذهب الأشعري الذي يعد القشيري من أعظم أنصاره. وقد ناقش هذه القضية بإسهاب فى كتابه القيم: «شكاية أهل السنة بحكاية ما نالهم من المحنة» . وانظر أيضا كتابنا (الإمام القشيري: تصوفه وأدبه- فصل: القشيري متكلما):","vol":"2","page":298},{"text":"من الطاعة فبعد ما تكون أوطان الزّلّة بدواعى الشهوة تصير أوطان الطاعة لسهولة أدائها.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1666>[سورة النحل (١٦): آية ٤٢]</span>\nالَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٤٢)\nالصبر الوقوف بحسب جريان القضاء، والتوكل التوقي بالله بحسن الرجاء.\nويقال صبروا فى الحال، وتوكلوا على الله فى تحقيق الآمال.\nويقال الصبر تحسّى كاسات المقدور، والتوكل الثقة فى الله فى استدفاع المحذور.\nويقال الصبر تجرّع ما يسقى، والتوكل الثقة بما يرجو.\nويقال إنما يقوون على الصبر بما حققوا من التوكل.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1667>[سورة النحل (١٦): آية ٤٣]</span>\nوَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٤٣)\nتعجبوا أن يكون من البشر رسلا، فأخبر أنّ الرسل كلّهم كانوا من البشر، وأنّ فيمن سبق من أقرّ بذلك. و«أَهْلَ الذِّكْرِ» هم العلماء والعلماء مختلفون: فالعلماء بالأحكام إليهم الرجوع فى الاستفتاء من قبل العوام فمن أشكل عليه شىء من أحكام الأمر والنهى يرجع إلى الفقهاء فى أحكام الله، ومن اشتبه عليه شىء من علم السلوك في طريق الله يرجع إلى العارفين بالله، فالفقيه يوقّع عن الله، والعارف ينطق- فى آداب الطلب وأحكام الإرادة وشرائط صحتها- عن الله، فهو كما قيل: (أليس حقا نطقت بين الورى فاشتهرت، كاشفها يعلم ما منّ عليها فجرت، فهى عناء به عينيه قد طهرت) «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1668>[سورة النحل (١٦): آية ٤٤]</span>\nبِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)\nأي إن البيان إليك، فأنت الواسطة بيننا وبينهم، وأنت الأمين على وحينا.\n_________\n(١) ما بين القوسين نقلناه كما هو من النص، وربما كان شاهدا شعريا مضطرب الكتابة.","vol":"2","page":299},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1669>[سورة النحل (١٦): الآيات ٤٥ الى ٤٧]</span>\nأَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (٤٥) أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٤٦) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٤٧)\nالعبد فى جميع أحواله عرضة لسهام التقدير، فينبغى أن يستشعر الخوف فى كلّ نفس من الإصابة بها، وألّا يأمن مكر الله فى أي وقت، وأكثر الأسنة تعمل فى الموطأة نفوسهم وقلوبهم على ما عوّدهم الحق من عوائد المنّة، ولكن كما قيل:\nيا راقد الليل مسرورا بأوّله ... إنّ الحوادث قد يطرقن أسحارا «١»\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1670>[سورة النحل (١٦): آية ٤٨]</span>\nأَوَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ داخِرُونَ (٤٨)\nكل مخلوق من عين أو أثر، من حجر أو مدر أو غبر فلله- من حيث البرهان- ساجد، ومن حيث البيان على الوحدانية شاهد.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1671>[سورة النحل (١٦): آية ٤٩]</span>\nوَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩)\nذلك سجود شهادة لا سجود عبادة، فإذا امتنعت عن إقامة الشهادة لقوم قالة، فقد شهد كل جزء منهم من حيث البرهان والدلالة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1672>[سورة النحل (١٦): آية ٥٠]</span>\nيَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ (٥٠)\nيخافون الله أن ينزل عليهم عذابا من فوق رءوسهم.\n_________\n(١) كان عبد الحميد المكفوف كثيرا ما يتمثل بهذا البيت في قصصه (الحيوان ج ٦ ص ٥٠٨) .","vol":"2","page":300},{"text":"«وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ» لا يعصونه ولا يحيدون عن طاعته.\nويقال خير شىء للعبد فى الدنيا والآخرة الخوف إذ يمنعه من الزّلة ويحمله على الطاعة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1673>[سورة النحل (١٦): الآيات ٥١ الى ٥٢]</span>\nوَقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٥١) وَلَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ واصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ (٥٢)\nالحاجة إلى إثبات صانع واحد داعية، وما زاد على الواحد (قالا ...) «١» فيه متساوية.\nويقال إثبات الواحد ضرورة، وقدرة الاثنين محصورة.\nقوله جل ذكره: وَلَهُ الدِّينُ واصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ له الدين خالصا وله الدين دائما، وله الدين ثابتا، فالطاعة له واجبة. فلا تتقوا غيره، وأطيعوا شرعه بخلاف هواكم، واعبدوه وحده، واستجيبوا له فى المسرّة والمضرّة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1674>[سورة النحل (١٦): آية ٥٣]</span>\nوَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ (٥٣)\nالنّعمة ما يقرّب العبد من الحق، فأمّا مالا يوجب النسيان والطغيان، والغفلة والعصيان فأولى أن يكون محبة.\nويقال ما للعبد فيه نفع، أو يحصل به للشر منع فهو على أصح القولين نعمة سواء كان دينيا أو دنيويا، فالعبد مأمور بالشكر على كل حال. وأكثر الناس يشكرون على نعم الإحسان، «وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ» «٢» على كل حال.\nوفائدة الآية قطع الأسرار عن الأغيار فى حالتى اليسر والعسر، والثقة بأن الخير والشر، والنفع والضر كلاهما من الله تعالى.\nقوله جل ذكره ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ إذ ليس لكم سواه فإذا أظلّت العبد هواجم الاضطرار التجأ إلى الله فى استدفاع\n_________\n(١) بقية الكلمة مشتبهة.\n(٢) آية ١٣ سورة سبأ.","vol":"2","page":301},{"text":"ما مسّه من البلاء ثم إذا منّ الحقّ عليه، وجاد عليه بكشف بلائه صار كأن لم يمسه سوء أو أصابه همّ كما قيل:\nكأنّ الفتى لم يعر يوما إذا اكتسى ... ولم يك صعلوكا إذا ما تموّلا «١»\nوقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1675>[سورة النحل (١٦): آية ٥٤]</span>\nثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤)\nالخطاب عام، وقوله «مِنْكُمْ»: لأنّ القوم منهم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1676>[سورة النحل (١٦): آية ٥٥]</span>\nلِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٥٥)\nفى هذا تهديد أي أنهم سوف يندمون حين لا تنفع لهم ندامة، ويعتذرون حين لا يقبل لهم عذر.. ومن زرع شرا فلن يحصد إلا جزاء عمله.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1677>[سورة النحل (١٦): آية ٥٦]</span>\nوَيَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْناهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ (٥٦)\nأي يجعلون لما لا يعلمون- وهى أصنامهم التي ليس لها استحقاق العلم- نصيبا من أرزاقهم فيقولون هذا لهم وهذا لشركائنا.\n«تَاللَّهِ» أقسم إنهم سيلقون عقوبة فعلهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1678>[سورة النحل (١٦): آية ٥٧]</span>\nوَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ (٥٧)\nمن فرط جهلهم وصفوا المعبود بالولد، ثم زاد الله فى خذلانهم حتى قالوا: الملائكة بنات الله. وكانوا يكرهون البنات، فرضوا لله بما لم يرضوا لأنفسهم. ويلتحق بهؤلاء فى استحقاق\n_________\n(١) تمول أي نما المال له.","vol":"2","page":302},{"text":"الذمّ كلّ من آثر حظّ نفسه على حقّ مولاه، فإذا فعل ماله فيه نصيب وغرض كان مذموم الوصف، ملوما على ما اختاره من الفعل.\nثم إنه عابهم على قبيح ما كانوا يفعلونه ويتصفون به من كراهة أن تولد لهم الإناث فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1679>[سورة النحل (١٦): الآيات ٥٨ الى ٥٩]</span>\nوَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ (٥٩)\nاستولت عليهم رؤية الخلق «١»، وملكتهم الحيرة، فحنقوا على البنات مما يلحقهم عند تزويجهن وتمكين البعل فيهن.. وهذه نتائج الإقامة فى أوطان التفرقة، والغيبة عن شهود الحقيقة.\nثم قال: «أَيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ» أي يحبس المولود إذا كان أنثى على مذلّة، «أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ» ليموت؟ وتلك الجفوة فى أحوالهم جعلت- من قساوة قلوبهم فى أحوالهم- العقوبة أشدّ ممّا كانت بتعجيلها لهم. وجعلهم فرط غيظهم، وفقد رضائهم، وشدة حنقهم على من لا ذنب له من أولادهم- من أهل النار فى دركات جهنم، وتكدّر عليهم الوقت، واستولت الوحشة.. ونعوذ بالله من المثل السوء! قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1680>[سورة النحل (١٦): الآيات ٦٠ الى ٦١]</span>\nلِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٠) وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (٦١)\n_________\n(١) أي تشتت رؤيتهم حين لم ينظروا إلى الخالق واستبدلوا ذلك بأن نظروا للمخلوق ... وهذه صفة هل التفرقة والغيبة- كما سيأتى بعد.","vol":"2","page":303},{"text":"مثل السوء للكفار الذين جحدوا توحيده فلهم صفة السوء.\nولله صفات الجلال ونعوت العزّ، ومن عرفه بنعت الإلهية تمّت سعادته فى الدارين، وتعجلت راحته، وتنزّه سرّه على الدوام فى رياض عرفانه، وطربت روحه أبدا فى هيجان وجده.\nأمّا الذين وسموا بالشّرك ففى عقوبة معجّلة وهموم محصّلة. «وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ ...»\nأي لو عاملهم بما استحقوا عاجلا لحلّ الاستئصال بهم، ولكنّ الحكم سبق بإمهالهم، وسيلقون غبّ أعمالهم فى مآلهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1681>[سورة النحل (١٦): آية ٦٢]</span>\nوَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ (٦٢)\nانخدعوا لمّا لان لهم العيش، فظنوا أنهم ينجون، وبما يؤمّلونه يحيطون فحسنت فى أعينهم مقابح صفاتهم، ويوم يكشف الغطاء عنهم يعضون بنواجذ الحسرة على أنامل الخيبة، فلا تسمع منهم دعوة، ولا تتعلق بأحدهم رحمة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1682>[سورة النحل (١٦): آية ٦٣]</span>\nتَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٦٣)\nأنزل هذه الآية على جهة التسلية للنبىﷺ وذلك أنه أخبر أن من تقدّمه من الأمم كانوا فى سلوك الضلالة، والانخراط فى سلك الجهالة كما كان من قومه، ولكن الله- سبحانه- لم يعجز عنهم. وكما سوّل الشيطان لأمّته، وكان وليا لهم، فهو ولىّ هؤلاء وأمّا المؤمنون فالله وليّهم، والكافرون لا مولى لهم.","vol":"2","page":304},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1683>[سورة النحل (١٦): آية ٦٤]</span>\nوَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٦٤)\nأنت «١» الواسطة بيننا وبين أوليائنا، ولك البرهان الأعلى والنور الأوفى تبلّغ عنّا وتؤدّى منّا، فأنت رحمة أرسلناك لأوليائنا.. فمن تبعك اهتدى، ومن عصاك ففى هلاكه سعى.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1684>[سورة النحل (١٦): آية ٦٥]</span>\nوَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٥)\nأحيا بماء التوفيق قلوب العابدين فجنحت إلى جانب الوفاق، وأحيا بماء التحقيق أرواح العارفين فاستروحت على بساط الوصال، وأحيا بماء التجريد أسرار الموحدين فتحررت من رقّ الآثار، وانفردت بحقائق الاتصال.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1685>[سورة النحل (١٦): آية ٦٦]</span>\nوَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خالِصًا سائِغًا لِلشَّارِبِينَ (٦٦)\nسخّرها لكم، وهيأها للانتفاع بلحمها وشحمها، وجلدها وشعرها ودرّها، وأصلها ونسلها. ثم عجيب ما أظهر من قدرته من إخراج اللبن- مع صفائه، وطعمه ونفعه- من بين الروث «٢» والدم، وذلك تقدير العزيز العليم. والذي يقدر على حفظ اللبن بين الروث والدم يقدر على حفظ المعرفة بين وحشة الزّلّة من وجوهها المختلفة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1686>[سورة النحل (١٦): آية ٦٧]</span>\nوَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٦٧)\n_________\n(١) وردت (آية) وهى خطأ فى النسخ. [.....]\n(٢) الفرث والروث بقايا الطعام.","vol":"2","page":305},{"text":"منّ على العباد بما خلق لهم من فنون الانتفاع بثمرات النخيل كالتمر والرطب واليابس..\nوغير ذلك.\nوالرزق الحسن ما كان حلالا. ويقال هو ما أتاك من حيث لا تحتسب، ويقال هو الذي لا منّة لمخلوق فيه ولا تبعة عليه.\nويقال هو ما لا يعصى الله مكتسبه فى حال اكتسابه.\nويقال هو ما لا ينسى الله فيه مكتسبه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1687>[سورة النحل (١٦): الآيات ٦٨ الى ٦٩]</span>\nوَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٦٩)\nأوحى إلى النحل: أراد به وحي إلهام.. ولما حفظ الأمر وأكل حلالا، طاب مأكله وجعل ما يخرج منه شفاء للناس.\nثم إن الله- سبحانه- عرّف الخلق أنّ التفضيل ليس من جهة القياس والاستحقاق إذ أن النحل ليس له خصوصية فى القامة أو الصورة أو الزينة، ومع ذلك جعل منه العسل الذي هو شفاء للناس.\nوالإنسان مع كمال صورته، وتمام عقله وفطنته، وما اختص به الأنبياء ﵈ والأولياء من الخصائص جعل فيهم من الوحشة ما لا يخفى.. فأىّ فضيلة للنحل؟ وأىّ ذنب للإنسان؟ ليس ذلك إلا اختياره- سبحانه.\nويقال إن الله- سبحانه- أجرى سنّته أن يخفى كلّ شىء عزيز فى شىء حقير","vol":"2","page":306},{"text":"فجعل الإبريسم «١» فى الدود وهو أضعف الحيوانات، وجعل العسل فى النحل وهو أضعف الطيور، وجعل الدّرّ فى الصدف وهو أوحش «٢» حيوان من حيوانات البحر، وكذلك أودع الذهب والفضة والفيروزج فى الحجر ... كذلك أودع المعرفة به والمحبة له فى قلوب المؤمنين وفيهم من يعصى وفيهم من يخطىء «٣» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1688>[سورة النحل (١٦): آية ٧٠]</span>\nوَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٧٠)\nخلق الإنسان فى أحسن تركيب، وأملح ترتيب، فى الأعضاء الظاهرة والأجزاء الباطنة، والنور والضياء، والفهم والذكاء. ورزقه من العقل والتفكر، والعلم والتبصر، وفنون المناقب التي خصّ بها من الرأى والتدبير، ثم فى آخر عمره يجعله إلى أرذل العمر مردودا، ويرى فى كل يوم ألما جديدا.\nويقال «مِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ»: وهو أن يرد إلى الخذلان بعد التوفيق فهو يكون فى أول أحوال عمره مطيعا ثم يصير فى آخر عمره عاصيا.\nويقال أرذل العمر أن يرغب فى عنفوان شبابه فى الإرادة، ويسلك طريق الله مدّة، ثم تقع له فترة، فيفسخ عقد إرادته، ويرجع إلى طلب الدنيا. وعند القوم هذه ردّة فى هذا الطريق.\nويقال أرذل العمر رغبة الشيخ فى طلب.\nويقال أرذل العمر حبّ المرء للرياسة.\n_________\n(١) الإبريسم- أحسن الحرير (معرب) (الوسيط ح ١ ص ٢) .\n(٢) هنا معناها أجوع الحيوان، من قولهم بات وحشا أي جائعا لم يأكل شيئا فحلا جوفه (الوسيط ج ٢ ص ٦، ١٠) .\n(٣) ينسجم اتجاه القشيري فى هذه الإشارة مع السياق القرآنى.. إذ يأتى بعد قليل: «وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ» .. وفضل الله بلا علة.","vol":"2","page":307},{"text":"ويقال أرذل العمر اجتماع المظالم على الرجل وألا يرضى خصومه.\nقوله جلّ ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1689>[سورة النحل (١٦): آية ٧١]</span>\nوَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٧١)\nأرزاق المخلوقات مختلفة فمن مضيّق عليه رزقه، ومن موسّع عليه رزقه، ومن أرزاق هى أرزاق النفوس، وأرزاق للقلوب وأرزاق للأرواح، وأرزاق للأسرار فأرزاق النفوس لقوم بتوفيق الطاعات، ولآخرين بخذلان المعاصي. وأرزاق القلوب لقوم حضور القلب باستدامة الفكر، ولآخرين باستيلاء الغفلة ودوام القسوة. وأرزاق الأرواح لقوم صفاء المحبة، ولآخرين اشتغال أرواحهم بالعلاقة بينهم وبين أشكالهم، فيكون بلاؤهم فى محبتهم لأمثالهم. وأرزاق الأسرار لا تكون إلا بمشاهدة الحقّ، فأمّا من لم يكن من هذه الجملة فليس من أصحاب الأسرار.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1690>[سورة النحل (١٦): آية ٧٢]</span>\nوَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (٧٢)\nشغل الخلق بالخلق لأنّ الجنس أولى بالجنس. ولمّا أراد الحقّ- سبحانه- بقاء الجنس هيّأ سبب التناسب والتناسل لاستيفاء مثل الأصل. ثم منّ على البعض بخلق البنين، وابتلى قوما بالبنات- كلّ بتقديره على ما يشاء.\nقوله جل ذكره: وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ والرزق الطيب لعبد ما تستطيبه نفسه، ولآخر ما يستطيبه سرّه.\nفمنهم من يستطيب مأكولا ومشروبا، ومنهم من يستطيب خلوة وصفوة ... إلى غير ذلك من الأرزاق.","vol":"2","page":308},{"text":"«أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ»، وهو حسبان حصول شىء من الأغيار، وتعلّق القلب بهم استكفاء منهم أو استدفاعا لمحذور أو استجلابا لمحبوب.\n«وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ» والنعمة التي كفروا بها هى الثقة بالله، وانتظار الفرج منه، وحسن التوكل عليه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1691>[سورة النحل (١٦): آية ٧٣]</span>\nوَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلا يَسْتَطِيعُونَ (٧٣)\nومن يتعلّق بشخص أو بسبب مضاه «١» لعبّاد الأصنام من حيث إنه يضيّع وقته فيما لا يعينه، فالرزق، من الله- فى التحقيق- مقدّر.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1692>[سورة النحل (١٦): آية ٧٤]</span>\nفَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٧٤)\nكيف تضرب الأمثال لمن (لا) «٢» يساويه أحد فى الذات والصفات وأحكام الأفعال؟\nومن نظر إلى الحقّ من حيث الخلق «٣» وقع فى ظلمات التشبيه، وبقي عن معرفة المعبود.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1693>[سورة النحل (١٦): آية ٧٥]</span>\nضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٧٥)\nشبّه الكافر بالعبد المملوك الذي لا يقدر على شىء ولا ملك له فى الشرع، والمؤمن المخلص بمن رزقه الخيرات ووفقه إلى الطاعات ثم وعده الثواب وحسن المآب على ما أنفقه.\n_________\n(١) فى الهامش هكذا، بينما هى فى النص (معناه)، والصواب ما جاء فى الهامش أي مماثل.\n(٢) سقطت (لا) والمعنى يتطلبها.\n(٣) أي من حيث مضاهاته بالخلق، ومناظرته بالحدثان.","vol":"2","page":309},{"text":"ثم نفى عنهما المساواة إذ ليس من كان بنفسه، ملاحظا لأبناء جنسه، متماديا فى حسبان مغاليطه كمن كان مدركا بربّه مصطلما «١» عن شاهده، غائبا عن غيره، والمجرى عليه ربّه ولا حول له إلا به.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1694>[سورة النحل (١٦): آية ٧٦]</span>\nوَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٦)\nهذا المثل أيضا للمؤمن والكافر فالكافر كالجاهل الأبكم الذي لا يجىء منه شىء، ولا يحصل منه نفع، والمؤمن على الصراط المستقيم يتبرأ عن حوله وقوّته، ولا يعترف إلا بطوله- سبحانه- ومنّته.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1695>[سورة النحل (١٦): آية ٧٧]</span>\nوَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٧٧)\nاستأثر الحقّ- سبحانه- بعلم الغيبيات، وسترها على الخلق فيخرج قوما فى الضّلالة ثم ينقلهم إلى صفة الولاية، ويقيم قوما برقم العداوة ثم يردهم إلى وصف الولاية.. فالعواقب مستورة، والخواتيم مبهمة، والخلق فى غفلة عما يراد بهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1696>[سورة النحل (١٦): آية ٧٨]</span>\nوَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)\n_________\n(١) الاصطلام: نعت غلبة ترد على المقول فيستلبها بقوة سلطانه وقهره (اللمع ص ٤٥٠) .","vol":"2","page":310},{"text":"خلقهم من غير أن شاورهم، وأثبتهم- على الوصف الذي أراده- دون أن خيّرهم، ولم يعلموا بماذا سبق حكمهم.. أبا لسعادة خلقهم أم على الشقاوة من العدم أخرجهم من من بطون أمهاتهم؟ فلا صلاح أنفسهم علموا، ولا صفة ربّهم عرفوا ثمّ بحكم الإلهام هداهم حتى قبل الصبيّ ثدى أمه وإن لم يكن قد تقدمه تعريف أو تخويف أو تكليف أو تعنيف.\n«وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ»: لتسمعوا خطابه، «وَالْأَبْصارَ» لتبصروا أفعاله، «وَالْأَفْئِدَةَ» لتعرفوا حقّه، ثم لتشكروا عظيم إنعامه عليكم بهذه الحواس.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1697>[سورة النحل (١٦): آية ٧٩]</span>\nأَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللَّهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٧٩)\nالطائر إذا حلق فى الهواء يبقى كالواقف ولا يسقط، وقد قامت الدلالة على أن الحقّ- سبحانه- متفرّد بالإيجاد، ولا يخرج حادث عن قدرته، وفى ذلك دلالة على كمال قدرته سبحانه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1698>[سورة النحل (١٦): آية ٨٠]</span>\nوَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها أَثاثًا وَمَتاعًا إِلى حِينٍ (٨٠)\nللنفوس وطن، وللقلوب وطن. والناس على قسمين مستوطن ومسافر: فكما أن الناس بنفوسهم مختلفون فكذلك بقلوبهم فالمريد أو الطالب مسافر بقلبه لأنه يتلوّن، ويرتقى من درجة إلى درجة، والعارف مقيم ومستوطن لأنه واصل متمكن والطريق منازل ومراحل، ولا تقطع تلك المنازل بالنفوس وإنما تقطع بالقلوب، والمريد سالك والعارف واصل.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1699>[سورة النحل (١٦): آية ٨١]</span>\nوَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْنانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ (٨١)","vol":"2","page":311},{"text":"فى الظاهر جعل لكم من الأشجار والسقوف ونحوها ظلالا.. كذلك جعل فى ظل عنايته لأوليائه مثوى وقرارا.\nوكما ستر ظواهركم بسرابيل تقيكم الحرّ وسرابيل تقيكم بأس عدوكم- كذلك ألبس سرائركم لباسا يلفكم به فى السراء والضراء، ولباس العصمة يحميكم من مخالفته، وأظلكم بظلال التوفيق مما يحملكم على ملازمة عبادته، وكساكم بحلل الوصل مما يؤهلكم لقربته، وصحبته.\nقوله: «كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ..»، إتمام النعمة بأن تكون عاقبتهم مختومة بالخير، ويكفيهم أمور الدين والدنيا، ويصونهم عن اتباع الهوى، ويسدّدهم حتى يؤثروا ما يوجب من الله الرضاء.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1700>[سورة النحل (١٦): آية ٨٢]</span>\nفَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٨٢)\nإذا بلّغت الرسالة فما جعلنا إليك «١» حكم الهداية والضلالة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1701>[سورة النحل (١٦): آية ٨٣]</span>\nيَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ (٨٣)\nيستوفقون إلى الطاعة، فإذا فعلوا أعجبوا بها «٢» .\n_________\n(١) وردت (إليكم) والخطاب موجه إلى المصطفى ﷺ فالصواب (إليك) .\n(٢) فى هذا الصدد ينقل القشيري عن شيخه الدقاق قوله (لما دخل الواسطي نيسابور سأل أصحاب أبى عثمان: بماذا كان يأمركم شيخكم؟.\nفقالوا: كان يأمرنا بالتزام الطاعات ورؤية التقصير فيها.\nفقال: هلا أمركم بالغيبة عنها برؤية منشيها ومجريها؟) الرسالة ص ٣٤.","vol":"2","page":312},{"text":"ويقال يستغيثون، فإذا أجابهم مقصّروا فى شكره.\nويقال إذا وقعت لهم محنة استجاروا بربهم، فإذا أزال عنهم تلك المحن نسوا ما كانوا فيه من الشدة، وعادوا إلى قبيح ما أسلفوه من أعمالهم التي أوجبت لهم تلك الحالة.\nويقال يعرفون فى حال توبتهم قبح ما كانوا فيه فى حال زلتهم، فإذا نقضوا توبتهم صاروا كأنهم لم يعرفوا تلك الحالة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1702>[سورة النحل (١٦): آية ٨٤]</span>\nوَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٨٤)\nإذا كان يوم الحشر سأل الرسل عن أحوال أممهم، فمن نطق بحجة أكرم، ومن لم يدل بحجة لا تراعى له حرمة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1703>[سورة النحل (١٦): آية ٨٥]</span>\nوَإِذا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٥)\nأي يشدّد عليهم الأمر ولا يسهّل.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1704>[سورة النحل (١٦): آية ٨٦]</span>\nوَإِذا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ قالُوا رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ (٨٦)\nتمنوا أن ينقموا من إخوانهم الذين عاشروهم، وحملوهم على الزّلّة، فيتبرأون من شركائهم، ويلعن بعضهم بعضا، وتضيق صدورهم من بعض.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1705>[سورة النحل (١٦): آية ٨٧]</span>\nوَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٨٧)\nاستسلموا لأمر الله وحكمه، ويومئذ لا تضرّع منهم يرى، ولا محنة- يصرخون من ويلها- عنهم تكشف","vol":"2","page":313},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1706>[سورة النحل (١٦): آية ٨٩]</span>\nوَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنا بِكَ شَهِيدًا عَلى هؤُلاءِ وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)\nتأتى- يوم القيامة- كلّ أمة مع رسولها، فلا أمة كهذه الأمة فضلا، ولا رسول كرسولنا ﷺ رتبة وقدرا.\n«وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ» أي القرآن تبيانا لكل شىء، فيه للمؤمنين شفاء، وهو لهم ضياء، وعلى الكافرين بلاء، وهو لهم سبب محنة وشقاء.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1707>[سورة النحل (١٦): آية ٩٠]</span>\nإِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)\nالعدل ما هو صواب وحسن، وهو نقيض الجور والظلم.\nأمر الله الإنسان بالعدل فيما بينه وبين نفسه، وفيما بينه وبين ربه، وفيما بينه وبين الخلق فالعدل الذي بينه وبين نفسه منعها عما فيه هلاكها، قال تعالى: «وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى» «١»، وكمال عدله مع نفسه كىّ عروق طمعه.\nوالعدل الذي بينه وبين ربّه إيثار حقّه تعالى على حظّ نفسه، وتقديم رضا مولاه على ما سواه، والتجرد عن جميع المزاجر، وملازمة جميع الأوامر.\nوالعدل الذي بينه وبين الخلق يكون ببذل النصيحة وترك الخيانة فيما قل «٢» أو كثر، والإنصاف بكل وجه وألا تشى إلى أحد بالقول أو بالفعل، ولا بالهمّ أو العزم.\n_________\n(١) آية ٤٠ سورة النازعات.\n(٢) وردت (كل) بالكاف وهى خطأ من الناسخ.","vol":"2","page":314},{"text":"وإذا كان نصيب العوام بذل الإنصاف وكفّ الأذى فإنّ صفة الخواص ترك الانتصاف، وإسداء الإنعام، وترك الانتقام، والصبر على تحمّل ما يصيبك من البلوى.\nوأما الإحسان فيكون بمعنى العلم- والعلم مأمور به- أي العلم بحدوث نفسه، وإثبات محدثه بصفات جلاله، ثم العلم بالأمور الدينية على حسب مراتبها. وأما الإحسان فى الفعل فالحسن منه ما أمر الله به، وأذن لنا فيه، وحكم بمدح فاعله.\nويقال الإحسان أن تقوم بكل حقّ وجب عليك حتى لو كان لطير فى ملكك، فلا تقصر فى شأنه.\nويقال أن تقضى ما عليك من الحقوق وألا تقتضى لك حقا من أحد.\nويقال الإحسان أن تترك كل مالك عند أحد، فأما غير ذلك فلا يكون إحسانا. وجاء فى الخبر: «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه» وهذه حال المشاهدة التي أشار إليها القوم.\nقوله: «وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى» إعطاء ذى القرابة، وهو صلة الرّحم، مع مقاساة ما منهم من الجور والجفاء والحسد.\nيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ»: وذلك كلّ قبيح مزجور عنه فى الشريعة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1708>[سورة النحل (١٦): آية ٩١]</span>\nوَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ (٩١)\nيفرض على كافة المسلمين الوفاء بعهد الله فى قبول الإسلام والإيمان، فتجب عليهم استدامة الإيمان. ثم لكلّ قوم منهم عهد مخصوص عاهدوا الله عليه، فهم مطالبون بالوفاء به فالزاهد عهده ألا يرجع إلى الدنيا، فإذا رجع إلى ما تركه منها فقد نقض عهده ولم يف به. والعابد عاهده فى ترك الهوى. والمريد عاهده فى ترك العادة، وآثره بكل وجه.\nوالعارف عهده التجرد له، وإنكار ما سواه. والمحب عهده ترك نفسه معه بكل وجه «١» .\n_________\n(١) إشارة إلى قوله ﷺ: «المرء مع من أحب» .","vol":"2","page":315},{"text":"والموحّد عهده الامتحاء «١» عنه، وإفراده إياه بجميع الوجوه والعبد منهىّ عن تقصير عهده، مأمور بالوفاء به.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1709>[سورة النحل (١٦): آية ٩٢]</span>\nوَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٩٢)\nمن نقض عهده أفسد بآخر أمره أوّله، وهدم بفعله ما أسّسه، وقلع بيده ما غرسه، وكان كمن نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا «٢»، أي من بعد ما أبرمت فتله.\nوإنّ السالك إذا وقعت له فترة، والمريد إذا حصلت له فى الطريق وقفة، والعارف إذا حصلت له حجبة «٣»، والمحبّ إذا استقبلته فرقة- فهذه محن عظيمة ومصائب فجيعة، فكما قيل:\nفلأبكينّ على الهلال تأسّفا ... خوف الكسوف عليه قبل تمامه\nفما هو إلا أن تكسف شمسهم، وينطفىء- فى الليلة الظلماء- سراجهم، ويتشتّت من السماء ضياء نجومهم، ويصيب أزهار أنسهم وربيع وصلهم إعصار فيه بلاء شديد، وعذاب أليم. فإنّ الحقّ- سبحانه إذا أراد بقوم بلاء فكما يقول: «وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ «٤»» فإنّ آثار سخط الملوك موجعة، وقصة إعراض السلطان موحشة وكما قيل:\nوالصبر يحسن فى المواطن كلها ... إلا عليك- فإنّه مذموم\n_________\n(١) القشيري مستفيد من قول بعض الشيوخ: المحبة محو المحب بصفاته وإثبات المحبوب بذاته.\n«الرسالة ص ١٥٨» [.....]\n(٢) أنكاثا جمع نكث وهو ما ينكث قتله، وقيل هى ربطة، وكانت حمقاء تغزل هى وجواريها من الغداة إلى الظهر ثم تأمرهن فينقضن غزلهن.\n(٣) وردت (محبة) وهى خطأ فى النسخ، وقد اخترنا (حجبة) لأنها أقرب إلى السياق، ومشابهة فى الكتابة لكلمة (محبة) حيث يحتمل أن يحدث الالتباس فى حرف الميم عند النقل.\n(٤) آية ١١٠ سورة الأنعام.","vol":"2","page":316},{"text":"هنالك تنسكب العبرات، وتشق الجيوب، وتلطم الخدود، وتعطّل العشار، وتخرّب المنازل، وتسودّ الأبواب، وينوح النائح:\nوأتى الرسول فأخ ... بر أنهم رحلوا قريبا\nرجعوا إلى أوطانهم ... فجرى لهم دمعى صبيبا\nوتركن نارا فى الضلوع ... وزر عن فى رأسى مشيبا\nقوله جل ذكره: إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ بلاء كلّ واحد على ما يليق بحاله فمن كان بلاؤه بحديث النّفس أو ببقائه عن هواه، وبحرمانه لكرائمه فى عقباه فاسم البلاء فى صفته مجاز، وإنما هذا بلاء العوام. ولكنّ بلاء الكرام غير هذا فهو كما قيل:\nمن لم يبت- والحبّ ملء فؤاده ... لم يدر كيف تفتّت الأكباد\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1710>[سورة النحل (١٦): آية ٩٣]</span>\nوَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَلَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٣)\nليست واقعة القوم بخسران يصيبهم فى أموالهم، أو من جهة تقصيرهم فى أعمالهم ولما ضيّعوه من أحوالهم.. فهذه- لعمرى- وجوه وأسباب، ولكنّ سرّ القصة كما قيل:\nأنا صب لمن هويت ولكن ... ما احتيالى بسوء رأى الموالي؟\nقوله: «وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً»: لو شاء الله سعادتهم لرحمهم، وعن المعاصي عصمهم، وبدوام الذكر- بدل الغفلة- ألهمهم.. ولكن سبقت القسمة فى ذلك، وما أحسن ما قالوا:\nشكا إليك ما وجد ... من خانه فيك الجلد\nحيران.. لو شئت اهتدى ... ظمآن ... نو شئت ورد","vol":"2","page":317},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1711>[سورة النحل (١٦): آية ٩٤]</span>\nوَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٩٤)\nأبعدكم عدم صدقكم فى إيمانكم عن تحققكم ببرهانكم، لأنكم وقفتم على حدّ التردد دون القطع والتعيين، فأفضى بكم تردّدكم إلى أوطان شرككم، إذ الشكّ فى الله والشّرك به قرينان فى الحكم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1712>[سورة النحل (١٦): آية ٩٥]</span>\nوَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إِنَّما عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩٥)\nلا تختاروا على القيام بحقّ الله والوفاء بعهده عوضا يسيرا مما تنتفعون به من حطام دنياكم من حلالكم وحرامكم، فإنّ ما أعدّ الله لكم فى جناته- بشرط وفائكم لإيمانكم- يوفى ويربو على ما تتعجلون به من حظوظكم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1713>[سورة النحل (١٦): آية ٩٦]</span>\nما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٩٦)\nالذي عندكم عرض حادت فان، والذي عند الله من ثوابكم فى مآلكم نعم مجموعة، لا مقطوعة ولا ممنوعة.\nويقال ما عندكم أو ما منكم أو ما لكم أفعال معلولة وأحوال مدخولة «١»، وما عند الله فثواب مقيم ونعيم عظيم ويقال ما منكم من معارفكم ومحابكم آثار متعاقبة، وأصناف متناوبة، أعيانها غير باقية وإن كانت أحكامها غير باطلة «٢»، والذي يتصف الحقّ به من رحمته بكم ومحبته لكم وثباته عليكم فصفات أزلية ونعوت سرمدية.\n_________\n(١) أي مصابة بالدّخل\n(٢) لأنها منكم فعلا ومن الله حكما.","vol":"2","page":318},{"text":"ويقال ما عندكم من اشتياقكم إلى لقائنا فمعرّض للزوال، وقابل للانقضاء، وما وصفنا به أنفسا من الإقبال لا يتناهى وأفضال لا تفنى، كما قيل:\nألا طال شوق الأبرار إلى لقائى ... وإنى للقائهم لأشدّ شوقا\nقوله: «وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا ...»: جزاء الصبر الفوز بالطّلبة، والظّفر بالبغية.\nومآلهم فى الطلبات يختلف: فمن صبر على مقاساة مشقة فى الله. فعوضه وثوابه عظيم من قبل الله، قال تعالى: «إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ» «١» .\nومن صبر عن اتباع شهوة لأجل الله، وعن ارتكاب هفوة مخافة لله فجزاؤه كما قال تعالى: أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَسَلامًا» «٢» .\nومن صبر تحت جريان حكم الله، متحققا بأنه بمرآة من الله فقد قال تعالى: «إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ» «٣» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1714>[سورة النحل (١٦): آية ٩٧]</span>\nمَنْ عَمِلَ صالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)\nالصالح ما يصلح للقبول، والذي يصلح للقبول ما كان على الوجه الذي أمر الله به. وقوله «مَنْ عَمِلَ صالِحًا»: فى الحال، «فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً»: فى المآل فصفاء الحال يستوجب وفاء المآل، والعمل الصالح لا يكون من غير إيمان، ولذا قال: «وَهُوَ مُؤْمِنٌ» .\nويقال «وَهُوَ مُؤْمِنٌ» أي مصدّق بأن إيمانه من فضل الله لا بعمله الصالح. ويقال «وَهُوَ مُؤْمِنٌ» أي مصدّق بأن عمله بتوفيق الله وإنشائه وإبدائه. قوله «فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً»:\n_________\n(١) آية ١٠ سورة الزمر.\n(٢) آية ٧٥ سورة الفرقان.\n(٣) صبر العبد مع الله أشد أنواع الصبر ويكون- كما يقول عمرو بن عثمان: بالثبات مع الله، وتلقى بلائه بالرحب والدعة.\nوصبر الله مع العبد يصفه الشيخ الدقاق بقوله: فاز الصابرون بعز الدارين لأنهم نالوا من الله تعالى معيته. (الرسالة ص ٩٣) .","vol":"2","page":319},{"text":"الفاء للتعقيب، «وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ ...» الواو للعطف ففى الأولى معجّل، وفى الثانية مؤجّل، ثم ما تلك الحياة الطيبة فإنه لا يعرف بالنطق، وإنما يعرف ذلك بالذوق فقوم قالوا إنه حلاوة الطاعة، وقوم قالوا إنه القناعة، وقوم قالوا إنه الرضا، وقوم قالوا إنه النجوى، وقوم قالوا إنه نسيم القرب ... والكل صحيح ولكلّ واحد أهل.\nويقال الحياة الطيبة ما يكون مع المحبوب، وفى معناه قالوا:\nنحن فى أكمل السرور ولكن ... ليس إلا بكم يتمّ السرور\nعيب ما نحن فيه يا أهل ودّى ... أنكم غيّب ونحن حضور\nويقال الحياة الطيبة للأولياء ألا تكون لهم حاجة ولا سؤال ولا أرب ولا مطالبة وفرق بين من له إرادة فترفع وبين من لا إرادة له فلا يريد شيئا «١»، الأولون قائمون بشرط العبودية، والآخرون معتقون بشرط الحرية.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1715>[سورة النحل (١٦): آية ٩٨]</span>\nفَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (٩٨)\nشيطان كلّ واحد ما يشغله عن ربه، فمن تسلّطت عليه نفسه حتى شغلته عن ربه ولو بشهود طاعة أو استحلاء عبادة أو ملاحظة حال- فذلك شيطانه. والواجب عليه أن يستعيذ بالله من شرّ نفسه، وشرّ كل ذى شر.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1716>[سورة النحل (١٦): آية ٩٩]</span>\nإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩)\nأنّى يكون للشيطان سلطان على العبد والحقّ- سبحانه- متفرّد بالإبداع، متوّحد بالاختراع؟.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1717>[سورة النحل (١٦): آية ١٠٠]</span>\nإِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠) .\n_________\n(١) فى هذا الصدد يقول القشيري فى رسالته: «والمريد- على موجب الاشتقاق- من له إرادة كالعالم من له علم لأنه من الأسماء المشتقة، ولكن المريد فى عرف هذه الطائفة من لا إرادة له فمن يتجرد عن إرادته لا يكون مريدا. (الرسالة ص ١٠١) .","vol":"2","page":320},{"text":"إنما سلطانه على الذين هم فى غطاء غفلهم، وسر ظنونهم ومشتبهاتهم فأمّا أصحاب التوحيد فإنهم يرون الحادثات بالله ظهورها، ومن الله ابتداؤها، وإلى الله مآلها وانتهاؤها.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1718>[سورة النحل (١٦): الآيات ١٠١ الى ١٠٢]</span>\nوَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٠١) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢)\nما ازدادوا فى طول مدتهم إلا شكا على شك، وجحدا على جحد، وجروا على منهاجهم فى التكذيب، فلم يصدّقوه ﷺ، وما زادوا فى ولايته إلا شكا ومرية:\nوكذا الملول إذا أراد قطيعة ... ملّ الوصال وقال كان وكانا\nقوله: قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ: ردّ على فرط جهلهم بربهم، وبعد رتبتهم عن التحصيل، فلمّا كانوا متفرقين فى شهود الملك ردّوا فى حين التعريف إليهم بذكر الملك.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1719>[سورة النحل (١٦): آية ١٠٣]</span>\nوَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣)\nلم يستوحش الرسولﷺ- من تكذيبهم، وخفاء حاله وقدره عليهم.. وأىّ ضرر يلحق من كانت مع السلطان مجالسته إذا خفيت على الأخسّ من الرعية حالته؟\nثم إنه أقام الحجة فى الردّ عليهم حيث قال: «لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ»: فمن فرط جهلهم توهموا أنّ هذا القرآن- الذي عجز كافة الخلق","vol":"2","page":321},{"text":"عن معارضته فى فصاحته وبلاغته- مقول وحاصل باتصاله بمن هو أعجمى النطق «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1720>[سورة النحل (١٦): آية ١٠٤]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٠٤)\nإنّ من سبقت بالشقاوة قسمته لم تتعلق من الحق- سبحانه- به رحمته، ومن لم يهده الله فى عاجله إلى معرفته لا يهديه الله فى آجله إلى جنته.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1721>[سورة النحل (١٦): آية ١٠٥]</span>\nإِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ (١٠٥)\nهذا من لطائف المعاريض إذ لمّا وصفوه﵇- بالافتراء أنار الحقّ- سبحانه- فى الجواب، فقال: لست أنت المفترى إنما المفترى من كذّب معبوده وجهل توحيده.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1722>[سورة النحل (١٦): آية ١٠٦]</span>\nمَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٠٦)\nإذا علم الله صدق عبده بقلبه، وإخلاصه فى عقده، ولحقته ضرورة فى حاله خفّف عنه حكمه، ودفع عنه عناءه فلا يلفظ بكلمة الكفر إلا مكرها- وهو موحّد، وهو مستحق العذر فيما بينه وبين الله تعالى «٢» ... وكذلك الذين عقدوا بقلوبهم،\n_________\n(١) أرادوا به غلاما كان لحويطب اسمه عائش أو يعيش وكان صاحب كتب، أو هو جبر غلام رومى لعامر بن الحضرمي وكان يقرأ التوراة والإنجيل، أو سلمان الفارسي.. وكلهم أعاجم.\n(٢) ومن أمثال ذلك عمار بن ياسر الذي جرت كلمة الكفر على لسانه مكرها وهو معتقد الإيمان، وأتى رسول الله وهو يبكى، فجعل الرسول بمسح عينيه ويقول: «إن عادوا لك فعد لهم بما قلت» .\nوكان يقول عنه: «إن عمارا ملىء إيمانا من قرنه إلى قدمه واختلط الإيمان بلحمه ودمه»","vol":"2","page":322},{"text":"وتجردوا لسلوك طريق الله ثم عرضت لهم أسباب، واتفقت لهم أعذار كأن يكون لهم ببعض الأسباب اشتغال أو إلى شىء من العلوم رجوع.. لم يكن ذلك قادحا فى صحة إرادتهم، ولا يعدّ ذلك فسخا لعهودهم، ولا ينفى بذلك عنهم سمة القصد إلى الله تعالى.\nأمّا «مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا»: فرجع باختياره، ووضع قدما- كان قد رفعه فى طريق الله- بحكم هواه فقد نقض عهد إرادته، وفسخ عقده، وهو مستوجب (...) «١»\nإلى (...) «٢» تتداركه الرحمة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1723>[سورة النحل (١٦): آية ١٠٧]</span>\nذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (١٠٧)\nالسالك إذا اثر (الحظوظ) «٣» على الحقوق بقي عن الله، ولم يبارك له فيما آثره على حقّ الله، ولقد قالوا:\nقد تركناك والذي تريد ... فعسى أن تملهم فتعود\nقوله جل ذكره\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1724>[سورة النحل (١٦): آية ١٠٨]</span>\nأُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ (١٠٨)\nإذا تمادى فى غفلته، ولم يتدارك حاله بملازمة حسرته، ازداد قسوة على قسوة، ولم يستمتع بما هو فيه من قوة، وكما قال جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1725>[سورة النحل (١٦): آية ١٠٩]</span>\nلا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٠٩)\nهم فى الآخرة محجوبون، وبذلّ البعد موسومون.\n_________\n(١) مشتبهة\n(٢) مشتبهة.\n(٣) سقطت هذه اللفظة والسياق يتطلبها، فأثبتناها حسبما نعرف من أسلوب القشيري فى المقابلة بين حظوظ النفس وحقوق الحق. [.....]","vol":"2","page":323},{"text":"قوله جل ذكره\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1726>[سورة النحل (١٦): آية ١١٠]</span>\nثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٠)\nومن صبر حين عزم الأمر، ولم يجنح إلى جانب الرّخص، وأخذ فى الأمور بالأشقّ أكرم الله حقّه، وقرّب مكانه، ولقّاه فى كل حالة بالزيادة، وربحت صفقته حين خسر أشكاله، وتقدّم على الجملة وإن قلّ احتياله.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1727>[سورة النحل (١٦): آية ١١١]</span>\nيَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١١١)\nغدا كلّ مشغول بنفسه، ليس له فراغ إلى غيره. وعزيز عبد لا يشتغل بنفسه، قال ﷺ: «من كان بحال لقى الله بها» . إنما يكون الفارغ غدا من كان اليوم فارغا، ويجادل عن نفسه من كان له اليوم اهتمام بنفسه. والمؤمن لا نفس له قال تعالى: «إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ» «١» اشتراها الحقّ منهم، وأودعها عندهم، فليس لهم فيها حق، وإنما يراعون فيها أمر الحق.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1728>[سورة النحل (١٦): آية ١١٢]</span>\nوَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢)\nفراغ القلب من الأشغال نعمة عظيمة، فإذا كفر عبد بهذه النعمة بأن فتح على نفسه باب الهوى، وانجرف فى فساد الشهوة، شوّش الله عليه قلبه، وسلبه ما كان يجده من صفاء وقته لأنّ طوارق النفس توجب عزوب شوارق القلب، وفى الخبر: إذا أقبل الليل من\n_________\n(١) آية ١١١ سورة التوبة","vol":"2","page":324},{"text":"هاهنا أدبر النهار من هاهنا» . وكذلك القلب إذا انقطع عنه معهود ما كان الحقّ أتاحه له أصابه عطش شديد ولهب عظيم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1729>[سورة النحل (١٦): آية ١١٣]</span>\nوَلَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ وَهُمْ ظالِمُونَ (١١٣)\nكما جاءهم الرسول جهرا فإنه تتأدّى إليهم من قبل خواطرهم إشارات تترى «١»، فمن لم يستجب لتلك الإشارات بالوفاق والإعتاق «٢» أخذه العذاب من حيث لا يشعر.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1730>[سورة النحل (١٦): آية ١١٤]</span>\nفَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١١٤)\nالحلال الطيب ما يتناوله العبد على شريطة الإذن بشاهد الذكر على قضية الأدب فى ترك الشبهة «٣»، وحقيقة الشكر على النعمة الغيبة عن شهود النعمة بالاستغراق فى شهود المنعم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1731>[سورة النحل (١٦): آية ١١٥]</span>\nإِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٥)\nيباح تناول المحرمات عند هجوم الضرورات حسب بيان الشرع، ولا يرخّص فى ذلك إلا على أوصاف مخصوصة، وبقدر ما يسدّ الرّمق، كذلك عند استهلاك العبد بغلبات الحقيقة لا بد من رجوعه إلى حال الصحو بقدر ما يؤدى الفرض الواجب عليه، ثم لا يمكّن من التعريج فى أوطان التفرقة والتمييز بعد مضى أوقات الصحو من أجل أداء الشرع «٤»، كما قيل:\n_________\n(١) تترى أي تتابع، وربما كانت (سرا) لتقابل جهرا\n(٢) أي إعتاق النفس وتحريرها من رق الشهوات\n(٣) وردت (الشدة) والصواب- حسب ما يقول القشيري في مواضع مماثلة- أن تكون (الشبهة)\n(٤) هذه هى حالة الفرق الثاني التي تتخلل حالة جمع الجمع، وفيها يرد العبد إلى الصحو عند أوقات الفرائض ويكون رجوعه لله بالله لا للعبد بالعبد.","vol":"2","page":325},{"text":"فإن تك منه غيبة بعد غيبة ... فإنّ إليه بالوجود إيابي\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1732>[سورة النحل (١٦): الآيات ١١٦ الى ١١٧]</span>\nوَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١١٧)\nالصدق فى كل شىء أولى «١» من الكذب، وكثير من أقوالهم فى الاعتراض عينّات «٢» من الكذب.\nوالصّدّيق لا يكذب صريحا، ولا يتداول أقوال كاذب مهين. وصاحب الكذب تظهر عليه المذلّة لما هو فيه من الزلّة، وله فى الآخرة عذاب أليم «٣» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1733>[سورة النحل (١٦): آية ١١٨]</span>\nوَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٨)\nبيّن أنه أوضح لمن تقدّم الحلال والحرام، فمنهم من أتى بما أمر به ومنهم من خالف..\nوكلّ عومل بما استوجبه فمن أطاع قلبه قرّبه، ومن عصى ردّه وحجبه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1734>[سورة النحل (١٦): آية ١١٩]</span>\nثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٩) .\n_________\n(١) وردت (أولا) وهى خطا فى النسخ.\n(٢) عينات جمع عينة وهى نموذج من أصل الشيء ومادته (الوسيط)\n(٣) قمنا هنا ببعض إصلاحات طفيفة نظرا لانبهام الخط ورداءته، ووجود بعض حروف تعجز المطبعة عن نقلها كما هى فى الرسم.","vol":"2","page":326},{"text":"إذا ندموا على قبيح ما قدّموا، وأسفوا على كثير مما أسلفوا وفيه أسرفوا، ومحا صدق عبرتهم آثار عثرتهم- نظر الله إليهم بالرحمة، فتاب عليهم إذا أصلحوا، ونجّاهم إذا تضرّعوا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1735>[سورة النحل (١٦): آية ١٢٠]</span>\nإِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠)\nقيل آمن بالله وحده فقام مقام الأمة، وفى التفسير: كان معلّما- للخير- لأمة.\nويقال اجتمع فيه من الخصال المحمودة ما يكون فى أمة متفرقا.\nويقال لمّا قال إبراهيم لكلّ ما رآه: «هذا رَبِّي» ولم ينظر إلى المخلوقات من حيث هى بل كان مستهلكا فى شهود الحقّ، ورأى الكون كلّه بالله، وما ذكر حين ذكر غير الله.. كذلك كان جزاء الحق فقال: أنت الذي تقوم مقام الكلّ، ففى القيام بحق الله منك على الدوام غنية عن الجميع.\nو«الحنيف»: المستقيم فى الدّين، أو المائل إلى الحق بالكلية «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1736>[سورة النحل (١٦): آية ١٢١]</span>\nشاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَباهُ وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١)\nالشاكر فى الحقيقة- من يرى عجزه عن شكره، ويرى شكره من الله ﷿، لتحقّقه أنه هو الذي خلقه، وهو الذي وفّقه لشكره، وهو الذي رزقه الشكر، وهو الذي اجتباه حتى كان بالكلية له- سبحانه.\n«وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» أي تحقّق بأنه عبده، وأنه رقّاه إلى محلّ الأكابر.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1737>[سورة النحل (١٦): آية ١٢٢]</span>\nوَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢)\nالحسنة التي آتاه الله هى دوام ما أتاه حتى لم تنقطع عنه.\n_________\n(١) الحنيف- فى اللغة- من الأضداد- المائل والمستقيم (ابن الأنباري فى كتاب الاضداد)","vol":"2","page":327},{"text":"ويقال هى الخلة. ويقال هى النبوة والرسالة.\nويقال آتيناه فى الدنيا حسنة حتى كان لنا بالكلية، ولم تكن فيه لغير بقية.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1738>[سورة النحل (١٦): آية ١٢٣]</span>\nثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣)\n«مِلَّةَ إِبْراهِيمَ» أي الكون بالحق، والامتحاء «١» عن شاهد نفسه فكان نبيناﷺ- فى اتباعه ابراهيم مؤتمرا بأمر الله. وكانت ملة إبراهيم﵇- الخلق والسخاء والإيثار والوفاء، فاتبعه الرسول ﷺ وزاد عليه، فقد زاد على الكافة شأنه، وبانت مزيّته.\nقوله جل ذكره\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1739>[سورة النحل (١٦): آية ١٢٤]</span>\nإِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٢٤)\nقوم حرّموا العمل فيه وقوم حللوه معصية منهم، وقيل جعل الجمعة لهم فقالوا: لا نريد إلا يوم السبت.. فهذا اختلافهم فيه.\nوالإشارة من ذلك أنهم حادوا «٢» عن موجب الأمر، ومالوا إلى جانب هواهم. ثم أنهم لم يراعوها حق رعايتها فصار سبب عصيانهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1740>[سورة النحل (١٦): آية ١٢٥]</span>\nادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥) .\n_________\n(١) وردت (الامتحان) وهى خطأ فى النسخ.\n(٢) وردت (جادوا) وهى خطأ فى النسخ.","vol":"2","page":328},{"text":"الدعاء إلى سبيل الله بحثّ «١» الناس على طاعة الله، وزجرهم عن مخالفة أمر الله.\nوالدعاء بالحكمة ألا يخالف بالفعل ما يأمر به الناس بالنطق.\nوالموعظة الحسنة ما يكون صادرا عن علم وصواب، ولا يكون فيها تعنيف.\n«وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ»: بالحجة الأقوى، والطريقة الأوضح. قال تعالى: «وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ» «٢»: فشرط الأمر بالمعروف استعمال ما تأمر به، والانتهاء عما تنهى عنه «٣» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1741>[سورة النحل (١٦): الآيات ١٢٦ الى ١٢٧]</span>\nوَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦) وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (١٢٧)\nإذا جرى عليكم ظلم من غيركم وأردتم الانتقام.. فلا تتجاوزوا حدّ الإذن بما هو فى حكم الشرع.\n«وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ»: فتركتم الانتصاف لأجل مولاكم فهو خير لكم إن فعلتم ذلك.\nوالأسباب التي قد يترك لأجلها المرء الانتصاف مختلفة فمنهم من يترك ذلك طمعا فى الثواب غدا فإنه أوفر وأكثر، ومنهم من يترك ذلك طمعا فى أن يتكفّل الله بخصومه، ومنهم من يترك ذلك لأنه مكتف بعلم الله تعالى بما يجرى عليه، ومنهم من يترك ذلك لكرم نفسه، وتحرّره عن الأخطار ولاستحبابه العفو عند الظّفر، ومنهم من لا يرى لنفسه حقا، ولا يعتقد أنّ لأحد هذا الحق فهو على عقد إرادته بترك نفسه فملكه مباح ودمه هدر. ومنهم من ينظر إلى خصمه- أي المتسلط عليه- على أنّ فعله جزاء على ما عمله هو من مخالفة أمر الله، قال تعالى: «وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ» «٤» . فاشتغاله باستغفاره عن جرمه يمنعه عن انتصافه من خصمه.\nقوله جل ذكره: وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ\n_________\n(١) وردت (بحيث) وهى خطأ فى النسخ.\n(٢) آية ٨٨ سورة هود.\n(٣) أي تكون أنت قدوة فيما تدعو إليه من أوامر وما تنهى عنه من زواجر. [.....]\n(٤) آية ٣٠ سورة الشورى.","vol":"2","page":329},{"text":"«وَاصْبِرْ» تكليف، «وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ»: تعريف. «وَاصْبِرْ» تحقق بالعبودية «وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ» إخبار عن الربوبية.\n«وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ..» أي طالع التقدير، فما لا نجعل له خطرا عندنا لا ينبغى أن يوجب أثرا فيك فمن أسقطنا قدره فاستصغر أمره. وإذا عرفت انفرادنا بالإيجاد فلا يضيق قلبك بشدة عداوتهم، فإنّا ضمنّا كفايتك، وألا نشمتهم بك، وألا نجعل لهم سبيلا إليك.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1742>[سورة النحل (١٦): آية ١٢٨]</span>\nإِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)\nإن الله معهم بالنصرة، ويحيطهم بالإحسان والبسطة.\n«الَّذِينَ اتَّقَوْا» رؤية النصرة من غيره، والذين هم أصحاب التبري من الحول والقوة.\nوالمحسن الذي يعبد الله كأنه يراه، وهذه حال المشاهدة.","vol":"2","page":330},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم «... أهل الجنة طابت لهم حدائقها، وأهل النار أحاط بهم سرادقها، والحقّ- سبحانه- منّزه عن أن تعود إليه من تعذيب هؤلاء عائدة، ولا من تنعيم هؤلاء فائدة..\nجلّت الأحدية، وتقدّست الصمدية.\nومن وقعت عليه غبرة فى طريقنا لم تقع عليه قترة فراقنا، ومن خطا خطوة إلينا وجد حظوة لدينا، ومن نقل قدمه نحونا غفرنا له ما قدّمه، ومن رفع إلينا يدا أجزلنا له رغدا، ومن التجأ إلى سدّة كرمنا آويناه فى ظلّ نعمنا، ومن شكا فينا غليلا، مهدّنا له فى دار فضلنا مقيلا» عبد الكريم القشيري عند سورة الكهف","vol":"2","page":331},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1743>السورة التي يذكر فيها بنو إسرائيل </span>«١»\nقوله تعالى وتقدّس: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ كلمة ما سمعها عابد إلّا شكر عصمته، وما سمعها مالك إلا وجد رحمته، وما تحقّقها عارف إلّا تعطر قلبه بنسيم قربته، وما شهدها موحّد إلا تقطّر دمه لخوف فرقته.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1744>[سورة الإسراء (١٧): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nسُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)\nافتتح السورة بذكر الثناء على نفسه فقال: «سُبْحانَ الَّذِي..»: الحقّ سبّح نفسه بعزيز خطابه، وأخبر عن استحقاقه لجلال قدره، وعن توحّده بعلوّ نعوته.\nولمّا أراد أن يعرف العباد ما خصّ به رسولهﷺ- ليلة المعراج من علوّ ما رقّاه إليه، وعظم ما لقّاه به أزال الأعجوبة بقوله: «أَسْرى»، ونفى عن نبيّه خطر الإعجاب بقوله: «بِعَبْدِهِ» لأنّ من عرف ألوهيته، واستحقاقه لكمال العزّ فلا يتعجّب منه أن يفعل ما يفعل. ومن عرف عبودية نفسه، وأنّه لا يملك شيئا من أمره فلا يعجب بحاله. فالآية أوضحت شيئين اثنين: نفى التعجّب من إظهار فعل الله ﷿، ونفى الإعجاب فى وصف رسول الله ﵇.\nويقال أخبر عن موسى ﵇- حين أكرمه بإسماعه كلامه من غير واسطة-\n_________\n(١) يقول السيوطي فى الإتقان: «وتسمى أيضا سورة الإسراء، وسورة سبحان وسورة بنى إسرائيل» الإتقان ط الحلبي سنة ١٩٥١ ح ١ ص ٥٤.\nأما القاضي البيضاوي (ص ٣٧٠) فيقول: سورة بنى إسرائيل أو سورة «أَسْرى»","vol":"2","page":333},{"text":"فقال: «وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا» «١»، وأخبر عن نبينا ﷺ بأنه «أَسْرى بِعَبْدِهِ» وليس من جاء بنفسه كمن أسرى به ربّه، فهذا متحمّل وهذا محمول، هذا بنعت الفرق وهذا بوصف الجمع، هذا مريد وهذا مراد.\nويقال جعل المعراج بالليل عند غفلة الرّقباء وغيبة الأجانب، ومن غير ميعاد، ومن غير تقديم أهبة واستعداد، كما قيل: «٢» ويقال جعل المعراج بالليل ليظهر تصديق من صدّق، وتكذيب من تعجّب وكذّب أو أنكر وجحد.\nويقال لما كان تعبّده ﷺ وتهجّده بالليل جعل الحقّ سبحانه المعراج بالليل ويقال:\nليلة الوصل أصفى ... من شهور ودهور سواها\nويقال أرسله الحقّ- سبحانه- ليتعلّم أهل الأرض منه العبادة، ثم رقّاه إلى السماء ليتعلّم الملائكة منه آداب العبادة، قال تعالى في وصفهﷺ-: «ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى» «٣»، فما التفت يمينا ولا شمالا، وما طمع فى مقام ولا فى إكرام تجرّد عن كلّ طلب وأرب.\nقوله: «لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا»: كان تعريفه بالآيات ثم بالصفات ثم كشف بالذات.\nويقال من الآيات التي أراها له تلك الليلة أنه ليس كمثله- سبحانه- شىء فى جلاله وجماله، وعزّه وكبريائه، ومجده وسنائه ثم أراه من آياته تلك الليلة ما عرف به صلوات الله عليه- أنه ليس أحد من الخلائق مثله فى نبوته ورسالته وعلوّ حالته وجلال رتبته.\n_________\n(١) آية ١٤٣ سورة الأعراف.\n(٢) هنا شاهد شعرى مضطرب فى الكتابة، وأكثر أجزائه سلامة هو: والناس عما نحن فيه بمعزل.\n(٣) آية ١٧ سورة النجم.","vol":"2","page":334},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1745>[سورة الإسراء (١٧): آية ٢]</span>\nوَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (٢)\nأرسل موسى ﵇ بالكتاب كما أرسل نبينا ﷺ، ولكنّ نبيّنا- صلوات الله عليه- كان أوفى- سماعا، فإنّ الشمس فى طلوعها وإشراقها تكون أقرب ممن طلعت له من حقائقها.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1746>[سورة الإسراء (١٧): آية ٣]</span>\nذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كانَ عَبْدًا شَكُورًا (٣)\nأي يا ذرية من حملنا مع نوح- على النداء.. إنه كان عبدا شكورا.\nوالشكور الكثير الشكر وكان نوح قد لبث فى قومه ألف سنة إلا خمسين عاما، وكان يضرب فى كل (...) «١» كما فى القصة- سبعين مرة، وكان يشكر. كما أنه كان يشكر الله ويصبر على قومه إلى أن أوحى الله إليه: أنه لن يؤمن إلا من قد آمن، وأمر حين دعا عليهم فقال: «رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّارًا «٢» .\nويقال الشكور هو الذي يكون شكره على توفيق الله له لشكره، ولا يتقاصر عن شكره لنعمه.\nويقال الشكور الذي يشكر بماله، ينفقه فى سبيل الله ولا يدّخره، ويشكر بنفسه فيستعملها فى طاعة الله، ولا يبقى شيئا من الخدمة يدخره، ويشكر بقلبه ربّه فلا تأتى عليه ساعة إلا وهو يذكره.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1747>[سورة الإسراء (١٧): آية ٤]</span>\nوَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤)\n_________\n(١) مشتبهة.\n(٢) آية ٢٦ سورة نوح ويكون المراد أنه لم يدع بإهلاكهم نتيجة نفاد صبره أو عدم شكره بل حسبما أمره الله، ولو وضعنا الفاصلة بعد (وأمر) يكون المعنى: إلا من قد آمن وأمر بالايمان. وهذا التأويل لا يتعارض مع المذهب العام للقشيرى، فكل شىء عنده بأمر الله وتوفيقه.","vol":"2","page":335},{"text":"القضاء هاهنا بمعنى الإعلام، والإشارة فى تعريفهم بما سيكون فى المستأنف منهم وما يستقبلهم، ليزدادوا يقينا إذا لقوا ما أخبروا به، وليكون أبلغ فى إلزام الحجّة عليهم، وليحترزوا من مخالفة الأمر بجحدهم، وليعلموا أن ما سبق به القضاء فلا محالة يحصل وإن ظنّ التباعد عنه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1748>[سورة الإسراء (١٧): آية ٥]</span>\nفَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَكانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (٥)\nإن الله سبحانه يعدّ أقواما لأحوال مخصوصة حتى إذا كان وقت إرادته فيهم كان هؤلاء موجودين.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1749>[سورة الإسراء (١٧): آية ٦]</span>\nثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (٦)\nيدلّ على أنه مقدّر أعمال العباد، ومدبّر أفعالهم فإنّ انتصارهم على أعدائهم من جملة أكسابهم، وقد أخبر الحقّ أنه هو الذي تولّاه بقوله: «رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ ...»\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1750>[سورة الإسراء (١٧): آية ٧]</span>\nإِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيرًا (٧)","vol":"2","page":336},{"text":"إن أحسنتم فثوابكم كسبتم، وإن أسأتم فعداءكم جلبتم- والحقّ أعزّ من أن يعود إليه من أفعال عباده زين أو يلحقه شين.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1751>[سورة الإسراء (١٧): آية ٨]</span>\nعَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيرًا (٨)\nكلمة «عَسى» فيها ترجية وإطماع، فهو- سبحانه- وقفهم على حد الرجاء والأمل، والخوف والوجل.\nوقوله «عَسى»: ليس فيه تصريح بغفرانهم ورحمتهم، وإنما فيه للرجاء موجب قوىّ فبلطفه وعد أن يرحمكم.\nقوله جل ذكره: وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيرًا أي إن عدتم إلى الزّلّة عدنا إلى العقوبة، وإن استقمتم فى التوبة عدنا إلى إدامة الفضل عليكم والمثوبة.\nويقال إن عدتم إلى نقض العهد عدنا إلى تشديد العذاب.\nويقال إن عدتم للاستجارة عدنا للإجارة.\nويقال إن عدتم إلى الصفاء عدنا إلى الوفاء.\nويقال إن عدتم إلى ما يليق بكم عدنا إلى ما يليق بكرمنا.\n«وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيرًا»، لأنهم (....) «١» وهم ناس كثير فهذه جهنم ومن يسكنها من الكافرين.\nو«حَصِيرًا» أي محبسا ومصيرا. فالمؤمن- وإن كان صاحب ذنوب وإن كانت كبيرة- فإنّ من خرج من دنياه على إيمانه فلا محالة يصل يوما إلى غفرانه.\n_________\n(١) هنا بياض فى النسخة.","vol":"2","page":337},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1752>[سورة الإسراء (١٧): آية ٩]</span>\nإِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (٩)\nالقرآن يدل على الحقّ والصواب. و«أَقْوَمُ»: هنا بمعنى المستقيم الصحيح كأكبر بمعنى الكبير فالقرآن يدل على الحق والصواب، ولكنّ الخلل من جهة المستدلّ لا الدليل، إذ قد يكون الدليل ظاهرا ولكنّ المستدلّ معرض، وبآداب النظر مخلّ، فيكون العيب فى تقصيره لا فى قصور الدليل «١» .\nالقرآن نور من استضاء به خلص من ظلمات جهله، وخرج من غمار شكّه. ومن رمدت عيون نظره التبس رشده.\nويقال الحول ضرره أشدّ من العمى لأنّ الأعمى يعلم أنه ليس يبصر فيتبع قائده، ولكن الأحوال يتوهّم الشيء شيئين، فهو بتخيّله وحسبانه يمارى من كان سليما.. كذلك المبتدع إذا سلك طريق الجدل، ولم يضع النظر موضعه بقي فى ظلمات جهله، وصال بباطل دعواه على خصمه، كما قيل:\nبأطراف المسائل كيف يأتى ... - ولا أدرى لعمرك- مبطلوها؟\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1753>[سورة الإسراء (١٧): آية ١١]</span>\nوَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا (١١)\nمن الأدب فى الدعاء ألّا يسأل العبد إلّا عند الحاجة «٢»، ثم ينظر فإنّ كان شىء لا يعنيه ألا يتعرّض له فإنّ فى الخبر «٣»: «من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه» . ثم من آداب الداعي إذا سأل من الله حاجته ورأى تأخيرا فى الإجابة ألا يتّهم الحقّ- سبحانه- ويجب أن يعلم\n_________\n(١) هذا نموذج مصغر لأسلوب القشيري الجدلي.\n(٢) وردت (نجاحه) وهى خطأ فى النسخ.\n(٣) وردت (الخير) بالياء","vol":"2","page":338},{"text":"أن الخير فى ألا يجيبه، والاستعجال- فيما يختاره العبد- غير محمود، وأولى الأشياء السكون والرضا بحكمه سبحانه، إن لم يساعده الصبر وسأل فالواجب ترك الاستعجال، والثقة بأنّ المقسوم لا يفوته، وأنّ اختيار الحقّ للعبد خير له من اختياره لنفسه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1754>[سورة الإسراء (١٧): آية ١٢]</span>\nوَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا (١٢)\nجعل الليل والنهار علامة على كمال قدرته، ودلالة على وجوب وحدانيته فى تعاقبهما وتناوبهما، وفى زيادتهما ونقصانهما.\nثم جعلهما وقتا صالحا لإقامة العبادة، والاستقامة على معرفة جلال إلهيته فالعبادة شرطها الدوام والاتصال، والوظائف حقّها التوفيق والاختصاص ولو وقع فى بعض العبادات تقصير أو حصل فى أداء بعضها تأخير تداركه بالقضاء حتى يتلافى التقصير.\nويقال من وجوه الآيات فى الليل والنهار إفراد النهار بالضياء من غير سبب، وتخصيص الليل بالظلام بغير أمر مكتسب «١»، ومن ذلك قوله تعالى: «فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً»: وهو اختلاف أحوال القمر فى إشراقه ومحاقه، فلا يبقى ليلتين على حال واحدة، بل هو فى كل ليلة فى منزل آخر، إما بزيادة أو بنقصان.\nوأمّا الشمس فحالها الدوام.. والناس كذلك أوصافهم فأرباب التمكين الدوام شرطهم، وأصحاب التلوين التنقل «٢» حقّهم، قال قائلهم:\nما زلت أنزل من ودادك منزلا ... تتحير الألباب دون نزوله\n_________\n(١) أي أن أفعال الله بمخلوقاته لا تخضع لعلة أو سبب، أو حيلة أو كسب.\n(٢) يقصد بالتنقل هنا التقلب فى الأحوال.. وليس التنقل من مكان إلى مكان.","vol":"2","page":339},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1755>[سورة الإسراء (١٧): آية ١٣]</span>\nوَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنْشُورًا (١٣)\nألزم كلّ أحد ما لبس بجيده. فالذين هم أهل السعادة أسرج لهم مركب التوفيق، فيسير بهم إلى ساحات النجاة، والذين هم أهل الشقاوة أركبهم مطيّة الخذلان فأقعدتهم عن النهوض نحو منهج الخلاص، فوقعوا فى وهدة الهلاك.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1756>[سورة الإسراء (١٧): آية ١٤]</span>\nاقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)\nمن ساعدته العناية الأزلية حفظ عند معاملاته مما يكون وبالا عليه يوم حسابه، ومن أبلاه بحكمه ردّه وأمهله، ثم تركه وعمله، فإذا استوفى أجله عرف ما ضيّعه وأهمله، ويومئذ يحكّمه فى حال نفسه، وهو لا محالة يحكم بنفسه باستحقاقه لعذابه عند ما يتحقق من قبيح أعماله..\nفكم من حسرة يتجرّعها، وكم من خيبة يتلقّاها! ويقال من حاسبه بكتابه فكتابه ملازمه فى حسابه فيقول: ربّ: لا تحاسبنى بكتابي..\nولكن حاسبني بما قلت: إنّك غافر الذّنب وقابل التوب.. لا تعاملنى بمقتضى كتابى ففيه بواري وهلاكى قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1757>[سورة الإسراء (١٧): آية ١٥]</span>\nمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)\nقضايا أعمال العبد مقصورة عليه إن كانت طاعة فضياؤها لأصحابها، وإن كانت زلّة فبلاؤها لأربابها. والحقّ غنىّ مقدّس، أحدى منزّه.\nقوله جل ذكره: وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا كلّ مطالب بجريرته. وكلّ نفس تحمل أوزارها لا وزر نفس أخرى.. «وَما كُنَّا","vol":"2","page":340},{"text":"مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا»\n: دلّ ذلك على أن الواجبات إنما تتوجّه من حيث السمع «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1758>[سورة الإسراء (١٧): آية ١٦]</span>\nوَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيرًا (١٦)\nإذا كثر أهل الفساد غلبوا، وقلّ أهل الصلاح وفقدوا فعند ذلك (يغمر) «٢» الله الخلق ببلائه، ولا يكون للناس ملجأ من أوليائه ليتكلموا فى بابهم، ولا فيهم من يبتهل إلى الله فيسمع دعاؤه، فيخترم «٣» أولياءه، ويبقى أرباب الفساد، وعند ذلك يشتدّ البلاء وتعظم المحن إلى أن ينظر الله تعالى إلى الخلق نظر الرحمة والمنّة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1759>[سورة الإسراء (١٧): آية ١٧]</span>\nوَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (١٧)\nفى الآية تسلية للمظلومين إذا استبطأوا هلاك الظالمين، و(...) «٤» قصر أيديهم عنهم. فإذا فكّروا فيما مضى من الأمم أمثالهم وكيف بنوا مشيدا، وأمّلوا بعيدا..\nفبادوا جميعا، يعلمون أنّ الآخرين- عن قريب- سينخرطون فى سلكهم، ويمتحلون بمثل شأنهم. وإذا أظلّتهم سحب الوحشة فاءوا إلى ظلّ شهود التقدير، فتزول عنهم الوحشة، وتطيب لهم الحياة، وتحصل الهيبة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1760>[سورة الإسراء (١٧): آية ١٨]</span>\nمَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨)\n_________\n(١) نظن أن القشيري يريد بذلك أن يرد على بعض أهل الكلام الذين يقولون إن الله يعذب الناس على ذنوبهم حتى ولو لم يبعث لهم رسولا لأن عقل الإنسان مطالب بالتكليف قبل سماع الرسل. [.....]\n(٢) وردت (يعمر) بالعين والصواب أن تكون بالغين لأن السياق يتطلب ذلك.\n(٣) وردت (فيحترم) بالحاء والسياق يتطلب أن الله (يخترم) أولياءه أي يأخذهم إليه.\n(٤) مشتبهة، وترجح أنها كلمة تؤدى إلى معنى (وأحسوا) قصر أيديهم عن الظالمين.","vol":"2","page":341},{"text":"من رضى بالحظ الخسيس من عاجل الدنيا بقي عن نفيس الآخرة، ثم لا يحظى إلا بقدر ما اشتمّه، ثم يكون آنس ما به قلبا وأشدّ ما يكون به سكونا.. ثم يختطف عن نعمته، ولا يخصه بشىء مما جمع من كرائمه، ويمنعه من قربه فى الآخرة.. ولقد قيل:\nيا غافلا عن سماع الصوت ... إن لم تبادر فهو الفوت\nمن لم تزل نعمته عاجلا ... أزاله عن نعمته الموت\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1761>[سورة الإسراء (١٧): آية ١٩]</span>\nوَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩)\nعلامة من أراد الآخرة- على الحقيقة- أن يسعى لها سعيها فإرادة الآخرة إذا تجرّدت عن العمل لها كانت مجرد إرادة، ولا يكون السعى مشكورا. قوله: «وَهُوَ مُؤْمِنٌ»: أي فى المآل كما أنه مؤمن فى الحال. ويقال وهو مؤمن أنّ نجاته بفضله لا بسببه.\n«فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا» أي مقبولا، ومع القبول يكون التضعيف والتكثير فكما أن الصدقة يربيها كذلك طاعة العبد يكثّرها وينّميها.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1762>[سورة الإسراء (١٧): آية ٢٠]</span>\nكُلًاّ نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (٢٠)\nيجازى كلا بقدرة فلقوم نحاة ولقوم درجات، ولقوم سلامة ولقوم كرامة، ولقوم مثوبته، ولقوم قربته.\nقوله جل ذكره\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1763>[سورة الإسراء (١٧): آية ٢١]</span>\nانْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (٢١)\nالتفضيل على أقسام، فالعبّاد فضّل بعضهم على بعض ولكن فى زكاء أعمالهم، والعارفون فضّل بعضهم على بعض ولكن فى صفاء أحوالهم، وزكاء الأعمال بالإخلاص، وصفاء الأحوال","vol":"2","page":342},{"text":"بالاستخلاص فقوم تفاضلوا بصدق القدم، وقوم تفاضلوا بعلوّ الهمم والتفضيل فى الآخرة أكبر: فالعبّاد تفاضلهم بالدرجات، قال ﷺ: «إنكم لترون أهل علّيين كما ترون الكوكب الدرىّ فى أفق السماء وإن أبا بكر وعمر منهم» وأهل الحضرة تفاضلهم بلطائفهم من الأنس بنسيم القربة بما لا بيان يصفه ولا عبارة، ولا رمز يدركه ولا إشارة. منهم من يشهده ويراه مرة فى الأسبوع، ومنهم من لا يغيب من الحضرة لحظة، فهم يجتمعون فى الرؤية ويتفاوتون فى نصيب كلّ أحد، وليس كلّ من يراه يراه بالعين التي بها يراه صاحبه، وأنشد بعضهم «١»:\nلو يسمعون- كما سمعت حديثها ... خرّوا لعزّة ركّعا وسجودا\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1764>[سورة الإسراء (١٧): آية ٢٢]</span>\nلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (٢٢)\nالذي أشرك بالله أصبح مذموما من قبل الله، ومخذولا من قبل (من) «٢» عبده من دون الله.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1765>[سورة الإسراء (١٧): آية ٢٣]</span>\nوَقَضى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣)\nأمر بإفراده- سبحانه- بالعبادة، وذلك بالإخلاص فيما يستعمله العبد منها، وأن يكون مغلوبا باستيلاء سلطان الحقيقة عليه بما يحفظه عن شهود عبادته «٣» وأمر بالإحسان إلى الوالدين ومراعاة حقّهما، والوقوف عند إشارتهما، والقيام بخدمتهما،\n_________\n(١) البيت لكثير صاحب عزة.\n(٢) سقطت (من) والسياق يتطلبها، والخذلان ناجم عن أنّ أي معبود غير الله لا يملك لمن يعبده نفعا ولا يدفع عنه ضرا.\n(٣) فاخلاص العبد فى التحقق يحفظه عن التقصير فى أمور الشريعة.","vol":"2","page":343},{"text":"وملازمة ما كان يعود إلى رضاهما وحسن عشرتهما ورعاية حرمتهما، وألا يبدى شواهد الكسل عند أوامرهما، وأن يبذل المكنة فيما يعود إلى حفظ قلوبهما ... هذا فى حال حياتهما، فأمّا بعد وفاتهما فبصدّق الدعاء لهما، وأداء الصدقة عنهما، وحفظ وصيتهما على الوجه الذي فعلاه، والإحسان إلى من كان من أهل ودّهما ومعارفهما.\nويقال إنّ الحقّ أمر العباد بمراعاة حقّ الوالدين وهما من جنس العبد.. فمن عجز عن القيام بحقّ جنسه أنّى له أن يقوم بحقّ ربه؟\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1766>[سورة الإسراء (١٧): آية ٢٤]</span>\nوَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا (٢٤)\nاخفض لهما جناح الذّلّ بحسن المداراة ولين المنطق، والبدار إلى الخدمة، وسرعة الإجابة، وترك البرم بمطالبهما، والصبر على أمرهما، وألا تدّخر عنهما ميسورا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1767>[سورة الإسراء (١٧): آية ٢٥]</span>\nرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا (٢٥)\nإذا علم الله صدق قلب عبد أمدّه بحسن الأمجاد، وأكرمه بجميل الامتداد «١»، ويسّر عليه العسير من الأمور، وحفظه عن الشرور، وعطف عليه قلوب الجمهور.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1768>[سورة الإسراء (١٧): آية ٢٦]</span>\nوَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦)\nإيتاء الحقّ يكون من المال ومن النّفس ومن القول ومن الفعل، ومن نزل على اقتضاء حقّه، وبذل الكلّ لأجل ما طالبه به من حقوق. فهو القائم بما ألزمه الحقّ سبحانه بأمره.\n_________\n(١) أي الاستدامة والاستمرار دون وقفة أو فترة- وتلك من أعظم المنن فى نظر القشيري، وقد قال الرسول (ص): «خير العمل أدومة وإن قل» .","vol":"2","page":344},{"text":"والتبذير مجاوزة الحدّ عمّا قدّره الأمر والإذن. وما يكون لحظّ النّفس- وإن كان سمسمة- فهو تبذير، وما كان له- وإن كان الوفاء بالنّفس- فهو تقصير.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1769>[سورة الإسراء (١٧): آية ٢٧]</span>\nإِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (٢٧)\nإنما كانوا إخوان الشياطين لأنهم أنفقوا على هواهم، وجروا فى طريقهم على دواعى الشياطين ووساوسهم، ولمّا أفضى بهم ذلك إلى المعاصي فقد دعاهم إخوان الشياطين.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1770>[سورة الإسراء (١٧): آية ٢٨]</span>\nوَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا (٢٨)\nإن لم يساعدك الإمكان على ما طالبوك من الإحسان فاصرفهم عنك بوعد جميل إن لم تسعفهم بنقد جزيل. وإنّ وعد الكرام أهنأ من نقد اللئام «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1771>[سورة الإسراء (١٧): آية ٢٩]</span>\nوَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (٢٩)\nلا تمسك عن الإعطاء فتكدى «٢»، ولا تسرف فى البذل بكثرة ما تسدى، واسلك بين الأمرين طريقا وسطا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1772>[سورة الإسراء (١٧): آية ٣٠]</span>\nإِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (٣٠)\nإذا بسط لا تبقى فاقة، وإذا قبض استنفد كلّ طاقة «٣» .\n_________\n(١) وردت (الأيام) وقد أثبتنا (اللئام) فيها يقوى المعنى وتستقيم المقابلة.\n(٢) تكدى أي تبخل، قال تعالى: «وَأَعْطى قَلِيلًا وَأَكْدى» .\n(٣) واضح أن القشيري يوجه الإشارة إلى رزق الأحوال.","vol":"2","page":345},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1773>[سورة الإسراء (١٧): آية ٣١]</span>\nوَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيرًا (٣١)\nمن عرف أنّ الرازق هو الله خفّ عن قلبه همّ العيال «١» - وإن كثروا، ومن خفى عليه أنه قسّم- قبل الخلق- أرزاقهم تطوح فى متاهات مغاليطه، فيقع فيها بالقلب والبدن ثم لا يكون غير ما سبق به التقدير.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1774>[سورة الإسراء (١٧): آية ٣٢]</span>\nوَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا (٣٢)\nترجّح «٢» الزنا على غيره من الفواحش لأن فيه تضييع حرمة الحقّ، وهتك حرمة الخلق، ثم لما فيه من الإخلال بالنّسب، وإفساد ذات البين «٣» من مقتضى الأنفة والغضب.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1775>[سورة الإسراء (١٧): آية ٣٣]</span>\nوَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُورًا (٣٣)\nلا يجوز قتل نفس الغير بغير الحق، ولا للمرء أن يقتل نفسه أيضا بغير الحق. وكما أنّ قتل النّفس بالحديد وما يقوم مقامه من الآلات محرّم فكذلك القصد إلى هلاك المرء محرّم.\nومن انهمك فى مخالفة ربه فقد سعى فى هلاك نفسه. «وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا»: أي تسلطا على القاتل فى الاقتصاص منه، وعلى معنى الإشارة: إن النصرة من قبل الله ومنصور الحقّ لا تنكسر سنانه، ولا تطيش سهامه «٤» .\n_________\n(١) وردت (القيال) بالقاف وهى خطأ فى النسخ.\n(٢) ترجح زاد وثقل.\n(٣) وردت (اليمين) وهى خطأ فى النسخ\n(٤) وردت (شهامه) بالشين وهى خطا فى النسخ [.....]","vol":"2","page":346},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1776>[سورة الإسراء (١٧): آية ٣٤]</span>\nوَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا (٣٤)\nلمّا لم يكن لليتيم من يهتم بشأنه أمر- سبحانه- الأجنبيّ الذي ليس بينه وبين اليتيم سبب أن يتولّى أمره، ويقوم بشأنه، وأوصاه فى بابه فالصبيّ قاعد بصفة الفراغ والهوينى «١»، والولىّ ساع بمقاساة العنا..\nفأمر الحقّ- سبحانه- للولىّ أحظى للصبيّ من شفقة آله عليه فى حال حياتهم «٢» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1777>[سورة الإسراء (١٧): آية ٣٥]</span>\nوَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٣٥)\nكما تدين تدان، وكما تعامل تجازى، وكما تكيل يكال لك، وكما تكونون يكون عليكم، ومن وفى وفوا له، ومن خان خانوا معه، وأنشدوا:\nأسأنا فساءوا.. عدل بلا حيف ... ولو عدلنا لخلّصنا من المحن\nقوله جل ذكره\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1778>[سورة الإسراء (١٧): آية ٣٦]</span>\nوَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا (٣٦)\nإذا غلبت عليك مجوّزات الظنون، ولم يطلعك الحقّ على اليقين فلا تتكلف الوقوف عليه من غير برهان، وإذا أشكل عليك شىء من أحكام الوقت فارجع إلى الله فإن لاح لقلبك وجه من الدليل على حدّ الالتباس فكل علمه إلى الله، وقف حيثما وقفت.\n_________\n(١) الهوينى- الخفض والدعة\n(٢) ما يقوله القشيري فى حالة اليتيم يتصرف- كما هو واضح- على حالة المريد بالنسبة لشيخه فالمريد يجد من شيخه مالا يجده عند ذويه، ذلك يربى الأرواح وهؤلاء يربون الأشباح.","vol":"2","page":347},{"text":"ويقال الفرق بين من قام بالعلم وبين من قام بالحق أنّ العلماء يعرفون الشيء أولا ثم يعلمون بعلمهم، وأصحاب الحقّ يجرى عليهم بحكم التصريف شىء لا علم لهم به على التفصيل، وبعد ذلك يكشف لهم وجهه، وربما يجرى على ألسنتهم شىء لا يدرون وجهه، ثم بعد فراغهم من النطق به يظهر لقلوبهم برهان ما قالوه، ودليل ما نطقوا به من شواهد العلم «١» .\nقوله: «إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ ...» هذه أمانة الحق- سبحانه- عند العبد، وقد تقدم فى بابها بما أوضحته ببراهين الشريعة.\nومن استعمل هذه الجوارح فى الطاعات، وصانها عن استعمالها فى المخالفات فقد سلّم الأمانة على وصف السلامة، واستحق المدح والكرامة. ومن دنّسها بالمخالفات فقد ظهرت عليه الخيانة، واستوجب الملامة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1779>[سورة الإسراء (١٧): آية ٣٧]</span>\nوَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا (٣٧)\nالخيلاء والتجبّر، والمدح والتكبّر- كل ذلك نتائج الغيبة عن الذكر، والحجبة عن شهود الحقّ فإنّ الله إذا تجلّى لشىء خشع له- بذلك ورد الخبر. فأمّا فى حال حضور القلب واستيلاء الذكر وسلطان الشهود. فالقلب مطرق، وحكم الهيبة غالب. ونعت المدح وصفة الزّهو وأسباب التفرقة- كل ذلك ساقط.\nوالناس- فى الخلاص من صفة التكبر- أصناف: فأصحاب الاعتبار إذ عرفوا أنهم مخلوقون من نطفة أمشاج، وما تحمله أبدانهم مما يترشح من مسامهم من بقايا طعامهم وشرابهم..\nتعلو هممهم عن التضييق والتدنيق «٢»، ويبعد عن قلوبهم قيام أخطار للأشياء، ولا يخطر على داخلهم إلا ما يزيل عنهم التكبر، وينزع عنهم لباس التجبّر.\n_________\n(١) من هذه الوصية وما جاء بعدها يتضح رأى القشيري فى التفرقة بين المعرفة عند أرباب العلوم والمعرفة عند أرباب الحقائق، ويذهب القشيري فى «رسالته» إلى أن باستطاعة كبار شيوخ أهل هذه الطريقة أن يفتوا في مسائل الفقه إفتاء يعتدّ به حتى لو كان أحدهم أميا (أنظر الرسالة ص ١٩٨ وقصة شيبان الراعي مع الشافعي وابن حنبل) .\n(٢) دنّق البخيل بالغ فى التضييق فى النفقة","vol":"2","page":348},{"text":"وأمّا أرباب الحضور فليس فى طلوع الحق إلا انخناس النّفس، وفى معناه قالوا:\nإذا ما بدا لى تعاظمته ... فأصدر فى حال من لم يرد\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1780>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٣٨ الى ٣٩]</span>\nكُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (٣٨) ذلِكَ مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا (٣٩)\nإذا سعدت الأقدام بحضور ساحات الشهود، وعطرت الأسرار بنسيم القرب تجرّدت الأوقات عن الحجبة، واستولى سلطان الحقيقة، فيحصل التنقّي من هذه الأوصاف المذمومة.\nوقال تعالى لنبيّه: «ذلِكَ مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ»: بالوحى والإعلام، ولأوليائه تعريف بحكم الإلهام.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1781>[سورة الإسراء (١٧): آية ٤٠]</span>\nأَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا (٤٠)\nجوّزوا أن يكون لله- سبحانه- ولد، وفكّروا فى ذلك، ثم لم يرضوا حتى جعلوا له ما استنكفوا منه لأنفسهم، فما زادوا فى تمرّدهم إلا عتوّا، وفى طغيانهم إلا غلوّا، وعن قبول الحقّ إلا نبوّا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1782>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٤٢ الى ٤٣]</span>\nقُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إِذًا لابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (٤٢) سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤٣)\nبيّن أنه لو كان الصانع أكثر من واحد لجرى بينهم تضادّ وتمانع، وصحّ عند ذلك فى صفتهم العجز، وذلك من سمات المحدثات.\nثم قال سبحانه- تنزيها له عن الشّريك والظهير، والمعين والنظير:","vol":"2","page":349},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1783>[سورة الإسراء (١٧): آية ٤٤]</span>\nتُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)\nالأحياء من أهل السماوات والأرض يسبّحون له تسبيح قالة «١»، وغير الأحياء يسبّح من حيث البرهان والدلالة. وما من جزء من الأعيان والآثار إلا وهو دليل على الربوبية، ولكنهم إذا استمعوا توحيدا للإله تعجبوا- لجهلهم وتعسّر إدراكهم- وأنكروا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1784>[سورة الإسراء (١٧): آية ٤٥]</span>\nوَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا (٤٥)\nأي أدخلناك فى إيواء حفظنا، وضربنا عليك سرادقات عصمتنا، ومنعنا الأيدى الخاطئة عنك بلطفنا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1785>[سورة الإسراء (١٧): آية ٤٦]</span>\nوَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْرًا وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُورًا (٤٦)\n«٢» صرّح بأنه خالق ضلالتهم، وهو المثبت فى قلوبهم ما استكنّ فيها من فرط غوايتهم «٣» «وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ..» أحبوا أن تذكر آلهتهم، قد ختم الله على قلوبهم، فلا حديث يعجبهم إلّا ممّن لهم شكل ومثل.\n_________\n(١) وردت (ماله) بالميم والصواب أن تكون (قالة) بمعنى أن تسبيح الأحياء بالقول والنطق.\n(٢) يمكن أن تكون (نفورا) مصدرا من نفر ينفر أي ولىّ، ويمكن أن تكون جمع نافر كقاعد وقعود.\n(٣) هذا رأى على جانب كبير عن الخطورة ينبنى على أصل فى مذهب القشيري- نوهنا به سابقا- وهو أن الله خالق كل شىء- على الحقيقة- حتى أكساب العباد، هى له حكما ولهم فعلا.","vol":"2","page":350},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1786>[سورة الإسراء (١٧): آية ٤٧]</span>\nنَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلًا مَسْحُورًا (٤٧)\nلبّسوا على رسول اللهﷺ- أحوالهم، وأظهروا الوفاق من أنفسهم، ففضحهم الله تعالى، وكشف أسرارهم، وبيّن مقابحهم، وهتك أستارهم، فما تنطوى عليه السريرة لا بدّ أن يظهر لأهل البصيرة بما يبدو على الأسرّة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1787>[سورة الإسراء (١٧): آية ٤٨]</span>\nانْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٤٨)\nعابوه بما ليس بنقيصة فى نفسه حيث قالوا: «إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا» أي ذا سحر. وأىّ نقيصة كانت له إذا كانﷺ- من جملة البشر؟\nوالحقّ ﷾ متول نصرته، ولم يكن تخصيصه ببنية، ولا بصورة، ولا بحرفة، ولم يكن منه شىء بسببه وإنما بان شرفه لجملة ما تعلّق به لطفه القديم- سبحانه- ورحمته.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1788>[سورة الإسراء (١٧): آية ٤٩]</span>\nوَقالُوا أَإِذا كُنَّا عِظامًا وَرُفاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٤٩)\nأقرّوا بأنّ الله خلقهم، ثم أنكروا قدرته على إعادتهم بعد عدمهم، ولكن.. كما جاز أن يوجدهم أولا وهم فى كتم العدم ولم يكن لهم عين ولا أثر، ولكنهم كانوا فى متناول القدرة ومتعلق الإرادة، فمن حقّ صاحب القدرة والإرادة أن يعيدهم إلى الوجود مرة أخرى..\nوهكذا إذا رمدت عين قلب لم يستبصر صاحبه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1789>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٥٠ الى ٥١]</span>\nقُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتى هُوَ قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا (٥١)","vol":"2","page":351},{"text":"«١» أخبر﷾- أنه لا يتعصّى عليه مقدور لأنه موصوف بقدرة أزلية، وقدرته عامّة التعلق فلا المشقة تجوز فى صفته ولا الرفاهية. فالخلق الأول والإعادة عليه سيّان لا من هذا عائد إليه ولا من ذاك، لأن قدمه يمنع تأثير الحدوث فيه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1790>[سورة الإسراء (١٧): آية ٥٢]</span>\nيَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلًا (٥٢)\nيدعوكم فتستجيبونه وأنتم حامدون. فالحمد بمعنى الشكر، وإنما يشكر العبد على النعمة والآية تدل على أنهم- وهم فى قبورهم- فى نعمته.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1791>[سورة الإسراء (١٧): آية ٥٣]</span>\nوَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوًّا مُبِينًا (٥٣)\nالقول الحسن ما يكون للقائل أن يقوله. ويجوز أن يكون الأحسن مبالغة من الحسن، فعلى هذا الأحسن من القول ما لا يجوز تركه. ويقال الأحسن من القول ما يخاف قائله من العقوبة على تركه. ويقال الأحسن من القول إقرار المحبّ بعبودية محبوبه.\nويقال أحسن قول من المذنبين الإقرار بالجرم، وأحسن قول من العارفين الإقرار بالعجز عن المعرفة، قال ﷺ: سبحانك لا أحصى ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك» .\n_________\n(١) يتغضون رءوسهم أي يحركونها تعجيا واستهزاء.","vol":"2","page":352},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1792>[سورة الإسراء (١٧): آية ٥٤]</span>\nرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (٥٤)\nسدّ على كلّ أحد طريق معرفته بنفسه ليتعلّق كلّ قلبه بربه. وجعل العواقب على أربابها مشتبهة، فقال «رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ» . ثم قدّم حديث الرحمة على حديث العذاب، فقال:\n«إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ» وفى ذلك ترجّ للأمل أن يقوى.\nويوصف العبد بالعلم ويوصف الربّ بالعلم، ولكن العبد يعلم ظاهر حاله، وعلم الرب يكون بحاله وبمآله، ولهذا فالواجب على العبد أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله تعالى، وهذا معنى: «إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ» بعد قوله: «أَعْلَمُ بِكُمْ» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1793>[سورة الإسراء (١٧): آية ٥٥]</span>\nوَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا (٥٥)\nفضّل بعض الأنبياء على بعض فى النبوة والدرجة، وفى الرسالة واللطائف والخصائص.\nوجعل نبيّناﷺ- أفضلهم فهم كالنجوم وهو بينهم بدر، وهم كالبدور وهو بينهم شمس، وهم شموس وهو شمس الشموس.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1794>[سورة الإسراء (١٧): آية ٥٦]</span>\nقُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا (٥٦)\nاستعينوا فيما يستقبلكم «١» بالأصنام التي عبدتموها من دون الله حتى تتحققوا أنه لا تنفعكم عبادة شىء من دون الله، ولا يضركم ترك ذلك، ولقد قيل فى الخبر: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» «٢»\n_________\n(١) أي ما يستقبلكم من البلايا\n(٢) رواه أحمد وأبو يعلى والترمذي وابن ماجه عن أبى هريرة، وأحمد عن الحسين بن على والعسكري عن علىّ، وأوضحه الشيخان فى تخريج الأربعين.","vol":"2","page":353},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1795>[سورة الإسراء (١٧): آية ٥٧]</span>\nأُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُورًا (٥٧)\nيعنى الذين يعبدونهم ويدعونهم- كالمسيح وعزير والملائكة- لا يملكون نفعا لأنفسهم ولا ضرّا، وهم يطلبون الوسيلة إلى الله أي يتقربون إلى الله بطاعتهم رجاء إحسان الله، وطمعا فى رحمته، ويخافون العذاب من الله ... فكيف يرفعون عنكم البلاء وهم يرجون الله ويخافونه فى أحوال أنفسهم؟\nويقال فى المثل: تعلّق الخلق بالخلق تعلّق مسجون بمسجون.\nويقال: إذا انضمّ الفقير إلى الفقير ازدادا فاقة.\nويقال إذا قاد الضرير ضريرا سقطا معا فى البئر، وفى معناه أنشدوا:\nإذا التقى فى حدب واحد ... سبعون أعمى بمقادير\nوسيّروا بعضهم قائدا ... فكلّهم يسقط فى البير\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1796>[سورة الإسراء (١٧): آية ٥٨]</span>\nوَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوها عَذابًا شَدِيدًا كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُورًا (٥٨)\nالعذاب على أقسام: فالألم الذي يرد على النفوس والظواهر يتصاغر بالإضافة إلى ما يرد على القلوب والسرائر فعذاب القلوب لأصحاب الحقائق أحدّ فى الشّدّة ممّا يصيب أصحاب الفقر والقلة.\nثم إن الحقّ سبحانه أجرى سنّته بأن من وصلت منه إلى غيره راحة انعكست الراحة إلى موصلها، وبخلاف ذلك من وصلت منه إلى غيره وحشة عادت الوحشة إلى موصلها","vol":"2","page":354},{"text":"ومن سام «١» الناس ظلما وخسفا فبقدر ظلمه يعذّبه الله﷾- فى الوقت بتنغيص العيش، واستيلاء الغضب من كلّ أحد عليه، وتترجّم ظنونه وتتقسّم أفكاره فى أحواله وأشغاله. ولو ذاق من راحة الفراغ وحلاوة الخلوة شظية لعلم ما طعم الحياة..\nولكنّ حرموا النّعم، وما علموا ما منوا به من النّقم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1797>[سورة الإسراء (١٧): آية ٥٩]</span>\nوَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلاَّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا (٥٩)\n«٢» أجرى الله سنّته أنه إذا أظهر آية اقترحتها أمّة من الأمم ثم لم تؤمن بها بعد إظهارها أن يعجّل لها العقوبة، وكان المعلوم والمحكوم به ألا يجتاح العذاب القوم الذين كانوا فى وقت الرسول﵇- لأجل من فى أصلابهم من الذين علم أنهم يؤمنون فلذلك أخّر عنهم العذاب الذي تعجّلوه «٣» .\nوَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفًا التخويف بالآيات ذلك من مقتضى تجمله فإنّ لم يخافوا وقع عليهم العذاب. ثم إنه علم أنه لا يفوته شىء بتأخير العقوبة عنهم فأخّر العذاب، وله أن يفعل ما يشاء بمقتضى حكمه وعلمه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1798>[سورة الإسراء (١٧): آية ٦٠]</span>\nوَإِذْ قُلْنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيانًا كَبِيرًا (٦٠)\n_________\n(١) وردت (صام) بالصاد وهى خطأ فى النسخ.\n(٢) اختار من الآيات التي اقترحها الأولون ناقة صالح (عم) لأن آثار هلاكهم قريبة من حدودهم يبصرها صادرهم وواردهم.\n(٣) عن عائشة ﵂ (... نادانى ملك الجبال فسلم علىّ ثم قال:\nيا محمد، إن الله قد سمع قول قومك لك، وقد بعثني ربى إليك لتأمرنى بأمرك فما شئت؟ إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين (جبلين يحيطان بمكة) فقال النبي (ص): بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا) .","vol":"2","page":355},{"text":"«١»\nالإيمان بما خصصناك به امتحان لهم وتكليف، ليتميز الصادق من المنافق، والمؤمن من الجاحد فالذين تداركتّهم الحماية وقفوا وثبتوا، وصدّقوا بما قيل لهم وحققوا. وأما الذين خامر الشكّ قلوبهم، ولم تباشر خلاصة التوحيد أسرارهم، فما ازدادوا بما امتحنوا به إلا تحيّرا وضلالا وتبلّدا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1799>[سورة الإسراء (١٧): آية ٦١]</span>\nوَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ قالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا (٦١)\nامتنع الشقىّ وقال: لا أسجد لغيرك بوجه سجدت لك به، وكان ذلك جهلا منه، ولو كان بالله عارفا لكان لأمره مؤثرا، ولمحيط نفسه تاركا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1800>[سورة الإسراء (١٧): آية ٦٢]</span>\nقالَ أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلًا (٦٢)\nلو علقت به ذرّة من المعرفة والتوحيد لم يحطب «٢» على نفسه بالإضلال والإغواء، لكنّه أقامه الحقّ بذلك المقام، وأنطقه بما هو لقلوب أهل التحقيق متّضح.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1801>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٦٣ الى ٦٤]</span>\nقالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُورًا (٦٣) وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاَّ غُرُورًا (٦٤)\n_________\n(١) الرؤيا المقصودة هى التي سبقت يوم بدر، وفيها بشر بالنصرة وبأنه سيهزم الجمع ويولون الدبر، فسخروا منه. وربما كانت رؤيا المعراج عند من قال إن المعراج كان فى المنام.\nوالشجرة الملعونة هى الزّقوم حيث قالوا كيف يزعم محمد أن الجحيم تحرق الحجارة ثم يقول إن بها تثبت شجرة! فجعلوها سخرية [.....]\n(٢) حسطب- جنى على نفسه لعدم تفقد أمره وكلامه","vol":"2","page":356},{"text":"هذا غاية التهديد، وفيه إشارة وبيان بألا مراء ولا تفويت، ولو، أخّر عقوبة قوم فإن ذلك إمهال لا إهمال، ومكر واستدراج لا إنعام وإكرام.\nوَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ: أي افعل ما أمكنك، فلا تأثير لفعلك فى أحد، فإنّ المنشئ والمبدع هو الله.. وهذا غاية التهديد.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1802>[سورة الإسراء (١٧): آية ٦٥]</span>\nإِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (٦٥)\nالسلطان الحجة، فالآية تدل على العموم «١»، ولا حجة للعذر على أحد، بل الحجة لله وحده.\nويقال السلطان هو التّسلّط، وليس لإبليس على أحد تسلط إذ المقدور بالقدرة الحادثة لا يخرج عن محل القدرة الإلهية، فالحادثات كلها تحدث بقدرة الله فلا لإبليس ولا لغيره من المخلوقين تسلط من حيث التأثير فى أحد، وعلى هذا أيضا فالآية للعموم.\nويقال أراد بقوله: «عِبادِي» الخواص من المؤمنين الذين هم أهل الحفظ والرحمة والرعاية من قبل الله فإن وساوس الشيطان لا تضرّهم لالتجائهم إلى الله، ودوام استجارتهم بالله، ولهذا فإن الشيطان إذا قرب من قلوب أهل المعرفة احترق بضياء معارفهم.\nويقال إنّ فرار «٢» الشيطان من المؤمنين أشدّ من فرار المؤمنين، من الشيطان.\nوالخواص من عباده هم الذين لا يكونون فى أسر غيره، وأمّا من استعبده هواه،\n_________\n(١) العموم هنا معناها الكافة أي الخواص وغير الخواص.\n(٢) وردت (قرار) بالقاف وهى خطأ فى النسخ كما هو واضح من السياق.","vol":"2","page":357},{"text":"واستمكنت منه الأطماع، واسترقته «١» كل خسيسة ونقيصة فلا يكون من جملة خواصه..\nوفى الخبز «تعس عبد الدرهم تعس عبد الدينار» «٢» ويقال فى «عِبادِي» هم المتفيّئون فى ظلال عنايته، والمتبرّون عن حولهم وقوّتهم، المتفرّدون بالله بحسن التوكل عليه ودوام التعلّق به.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1803>[سورة الإسراء (١٧): آية ٦٦]</span>\nرَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٦٦)\nتعرّف إلى عباده بخلقه وإنعامه، فما من حادث من عين أو أثر أو طلل أو غبر إلا وهو شاهد على وحدانيته، دالّ على ربوبيته.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1804>[سورة الإسراء (١٧): آية ٦٧]</span>\nوَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُورًا (٦٧)\nجبل الإنسان على أنه إذا أصابته نقمة، أو مسّته محنة فرع «٣» إلى الله لاستدفاعها، وقد يعتقد أنهم لن يعودوا بعدها إلى ما ليس فيه رضاء الله، فإذا أزال الله تلك النّقمة «٤» وكشف تلك المحنة عادوا إلى ما عنه تابوا، كأنهم لم يكونوا فى ضرّ مسّهم، وفى معناه أنشدوا:\nفكم قد جهلتم ثم عدنا بحلمنا ... أحباءنا كم تجهلون! وتحلم!\n_________\n(١) وردت (ويسرقة) ولا معنى لها هنا.\n(٢) فى رسالة القشيري ص ٩٩ جاء هذا الخبر مضافا إليه (.. تعس عبد الخميصة) .\n(٣) وردت (فرغ) بالراء والأفضل أن تكون بالزاي.\n(٤) وردت (النعمة) وهى خطأ فى النسخ.","vol":"2","page":358},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1805>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٦٨ الى ٦٩]</span>\nأَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِبًا ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا (٦٨) أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تارَةً أُخْرى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِما كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنا بِهِ تَبِيعًا (٦٩)\nالخوف ترقّب العقوبات مع مجارى الأنفاس- كذلك قال الشيوخ «١» . وأعرفهم بالله أخوفهم من الله. وصنوف العذاب كثيرة فكم من مسرور أوّل ليله أصبح فى شدّة! وكم من مهموم بات يتقلب على فراشه أصبح وقد جاءته البشرى بكمال النّعم! وفى معناه قالوا:\nإن من خاف البيات لا يأخذه السّبات. ووصفوا أهل المعرفة فقالوا:\nمستوفزون على رجل كأنهمو ... يريدون أن يمضوا ويرتحلوا\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1806>[سورة الإسراء (١٧): آية ٧٠]</span>\nوَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا (٧٠)\nالمراد من قوله: «بَنِي آدَمَ» هنا المؤمنون لأنه قال فى صفة الكفار: «وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ» «٢» . والتكريم التكثير من الإكرام، فإذا حرم الكافر الإكرام.\nفمتى يكون له التكريم؟.\nويقال إنما قال: «كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ» ولم يقل المؤمنين أو العابدين أو أصحاب الاجتهاد\n_________\n(١) هذه العبارة للجنيد كما جاء فى رسالة القشيري ص ٦٥ فى رواية أبى عبد الله الصوفي عن على بن ابراهيم العكبري.\n(٢) آية ١٨ سورة الحج.","vol":"2","page":359},{"text":"توضيحا بأن التكريم لا يكون مقابل فعل، أو معلّلا بعلة، أو مسببا باستحقاق يوجب ذلك التكريم.\nومن التكريم أنهم متى شاءوا وقفوا معه على بساط المناجاة.\nومن التكريم أنه على أي وصف كان من الطهارة وغيرها إذا أراد أن يخاطبه خاطبه، وإذا أراد أن يسأل شيئا سأله.\nومن التكريم أنه إذا تاب ثم نقض توبته ثم تاب يقبل توبته، فلو تكرر منه جرمه ثم توبته يضاعف له قبوله التوبة وعفوه.\nومن التكريم أنه إذا شرع فى التوبة أخذ بيده، وإذا قال: لا أعود- يقبل قوله وإن علم أنه ينقض توبته.\nومن التكريم أنه زيّن ظاهرهم بتوفيق المجاهدة، وحسّن باطنهم بتحقيق المشاهدة.\nومن التكريم أنه أعطاهم قبل سؤالهم، وغفر لهم قبل استغفارهم، كذا فى الأثر: «أعطيتكم قبل أن تسألونى، وغفرت لكم قبل أن تستغفرونى» .\nومن تكريم جملتهم أنه قال لهم: «فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ» «١» ولم يقل ذلك للملائكة ولا للجن.\nوكما خصّ بنى آدم بالتكريم خصّ أمة محمدﷺ- منهم بتكريم مخصوص، فمن ذلك قوله تعالى: «يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ» «٢» و«رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ» «٣» وقوله «وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ» «٤» .\nومن التكريم قوله: «وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا»\n«٥» .\n_________\n(١) آية ١٥٢ سورة البقرة.\n(٢) آية ٥٤ سورة المائدة.\n(٣) آية ١١٩ سورة المائدة.\n(٤) آية ١٦٥ سورة البقرة.\n(٥) آية ١١٠ سورة النساء. [.....]","vol":"2","page":360},{"text":"ومن التكريم ما ألقى عليهم من محبة الخالق حتى أحبوه.\nومن التكريم لقوم توفيق صدق القدم، ولقوم تحقيق علوّ الهمم. قوله: «وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ»: سخّر البحر لهم حتى ركبوا فى السفن، وسخّر البرّ لهم حتى قال:\n«لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ» .\nويقال محمول الكرام لا يقع، فإن وقع وجد من يأخذ بيده.\nويقال الإشارة فى حملهم فى البرّ ما أوصل إليهم جهرا «١»، والإشارة بحديث البحر ما أفردهم به من لطائف الأحوال سرّا.\nويقال لمّا حمل بنو آدم الأمانة «٢» حملناهم فى البر، فحمل هو جزاء حمل، حمل هو فعل من لم يكن «٣» وحمل هو فضل من لم يزل.\nقوله: «وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ»: الرزق الطيب ما كان على ذكر الرازق فمن لم يكن غائبا بقلبه «٤» ولا غافلا عن ربّه استطاب كلّ رزق، وأنشدوا:\nيا عاشقى إنى سعدت شرابا ... لو كان حتى علقما أو صابا\nقوله: «وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا»: أي الذين فضلناهم على خلق كثير، وليس يريد أن قوما بقوا لم يفضلهم عليهم، ولكن المعنى أنا فضلناهم على كلّ من خلقنا، وذلك التفضيل فى الخلقة. ثم فاضل بين بنى آدم فى شىء آخر هو الخلق الحسن، فجمعهم فى الخلقة- التي يفضلون بها سائر المخلوقات- ومايز بينهم فى الخلق.\nويقال: «كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ»: هذا اللفظ للعموم، والمراد منه الخصوص، وهم المؤمنون، وبذلك يفضل قوم على الباقين، ففضّل أولياءه على كثير ممن لم يبلغوا استحقاق الولاية.\n_________\n(١) وردت (خيرا) والصواب أن تكون (جهرا) لتقابل سرا) وبذلك يقوى السياق ويتماسك.\n(٢) وردت (الاهانة) بالهاء ومن المؤكد أن الميم التبست على الناسخ والمراد (الأمانة) إشارة إلى قوله تعالى: «إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ ... الآية» .\n(٣) (من لم يكن) هو الإنسان و(من لم يزل) هو الرب ﷾.\n(٤) غيبة القلب عن علم ما يجرى من أحوال الخلق لاشتغال الحس بما ورد عليه، ثم يغيب عن إحساسه بنفسه وغيره (الرسالة ص ٤٠) .","vol":"2","page":361},{"text":"ويقال فضّلهم بألّا ينظروا إلى نفوسهم بعين الاستقرار، وأن ينظروا إلى أعمالهم بعين الاستصغار.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1807>[سورة الإسراء (١٧): آية ٧١]</span>\nيَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧١)\nإمام كلّ أحد من يقتدى به، ولكن.. من إمام يهتدى به مقتديه، ومن إمام يتردّى به مقتديه.\n«فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ»: لكمال صحوهم وقيادة عقلهم، والذين لا يؤتون كتابهم بيمينهم فهم لخوفهم وتردّدهم لا يقرأون كتابهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1808>[سورة الإسراء (١٧): آية ٧٢]</span>\nوَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٧٢)\nفى الآخرة أعمى عن معاينته ببصيرته.\nفى الآخرة عذابه الفرقة وتضاف إليها الحرقة- لهذا فهو «أَضَلُّ سَبِيلًا» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1809>[سورة الإسراء (١٧): آية ٧٣]</span>\nوَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وَإِذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (٧٣)\nضربنا عليك سرادقات العصمة، وآويناك فى كنف الرعاية، وحفظناك عن خطر اتباعك هواك، فالزّلّة منك محال «١»، والافتراء فى نعتك لا يجوز.. ولو جنحت لحظة إلى الخلاف لتضاعفت عليك تشديدات البلاء، لكمال قدرك وعلوّ شأنك فإنّ من كان أعلى درجة فذنبه- لو حصل- أشدّ تأثيرا.\n_________\n(١) وردت (مجال) بالجيم وهى خطأ فى النسخ، ومن قول القشيري يتضح أنه يؤيد عصمة الأنبياء من الزلات.","vol":"2","page":362},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1810>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٧٤ الى ٧٥]</span>\nوَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤) إِذًا لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيرًا (٧٥)\nلو وكلناك ونفسك، ورفعنا عنك «١» ظلّ العصمة لألممت بشىء مما لا يجوز من مخالفة أمرنا، ولكننا أفردناك بالحفظ، فلا تتقاصر عنك آثاره، ولا تغرب عن ساحتك أنواره.\nقوله: «إِذًا لَأَذَقْناكَ ... الآية» هبوط الأكابر على حسب صعودهم، ومحن الأحبّة وإن قلّت جلّت، وفى معناه أنشدوا:\nأنت عينى وليس من حقّ عينى ... غضّ أجفانها على الأقذاء\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1811>[سورة الإسراء (١٧): آية ٧٦]</span>\nوَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها وَإِذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلًا (٧٦)\nمن ظنّ (أنه يستمتع بحياته بعد مضىّ الأعزّة) «٢» والأكابر غلط فى حسابه، وإن الحسود لا يسود:\nوفى تعب من يحسد الشمس ضوءها ... (ويجهد أن يأتى لها) «٣» بضريب\nوالأرض كلها ملك لنا، ونقلّب أولياءنا فى ترددهم فى البلاد وتطوافهم فى الأقطار، ترددا على بساطنا، وتقلبا فى ديارنا فالبقاع لهم سواء، وأنشدوا:\n(فسر أو أقم) «٤» وقف عليك محبتى ... مكانك من قلبى عليك مصون\n_________\n(١) وردت (عليك) والملائم للسياق أن تكون (عنك) .\n(٢) ما بين القوسين مستدرك فى الهامش بخط ردئ.\n(٣) ما بين القوسين مستدرك فى الهامش بخط ردئ.\n(٤) ما بين القوسين مستدرك فى الهامش بخط ردىء.","vol":"2","page":363},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1812>[سورة الإسراء (١٧): آية ٧٧]</span>\nسُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلًا (٧٧)\nالحقّ أمضى سنّته مع الأولياء بالإنعام، ومع أعدائه بالإدغام «١»، فلا لهذه أو هذه تحويل.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1813>[سورة الإسراء (١٧): آية ٧٨]</span>\nأَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا (٧٨)\nالصلاة قرع باب الرزق. والصلاة الوقوف فى محل المناجاة.\nوالصلاة اعتكاف القلب فى مشاهد التقدير.\nويقال هى الوقوف على بساط النجوى. وفرّق أوقات الصلاة ليكون للعبد عود إلى البساط فى اليوم والليلة مرات.\n«إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا»: تشهده ملائكة الليل والنهار- على لسان العلم.\nوأمّا على لسان القوم فإن قرآن الصبح- الذي هو وقت إتيانه- يبعد من النوم وكسل النفس فله هذه المزية.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1814>[سورة الإسراء (١٧): آية ٧٩]</span>\nوَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا (٧٩)\nالليل لأحد أقوام: لطالبى النجاة وهم العاصون من جنح «٢» منهم إلى التوبة، أو لأصحاب الدرجات وهم الذين يجدّون فى الطاعات، ويسارعون فى الخيرات، أو لأصحاب المناجاة مع المحبوب عند ما يكون الناس فيما هم فيه من الغفلة والغيبة.\nويقال الليل لأحد رجلين: للمطيع والعاصي: هذا فى احتيال أعماله، وهذا فى اعتذاره عن قبيح أفعاله.\n_________\n(١) أدغمه الله إدغاما أي سود وجهه وأذله (الوسيط) .\n(٢) وردت (نجح) وهى خطأ فى النسخ.","vol":"2","page":364},{"text":"والمقام المحمود هو المخاطبة فى حال الشهود، ويقال الشهود.\nويقال هو الشفاعة لأهل الكبائر. ويقال هو انفراده يوم القيامة بما خصّ بهﷺ «١» - بما لا يشاركه فيه أحد.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1815>[سورة الإسراء (١٧): آية ٨٠]</span>\nوَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا (٨٠)\nأي أدخلنى إدخال صدق وأخرجنى إخراج صدق. والصدق أن يكون دخوله فى الأشياء بالله لله لا لغيره، وخروجه عن الأشياء بالله لله لا لغيره.\n«وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا»: فلا ألاحظ دخولى ولا خروجى.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1816>[سورة الإسراء (١٧): آية ٨١]</span>\nوَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقًا (٨١)\nأراد بالحقّ هاهنا الإسلام والدين، وأراد بالباطل الكفر والشّرك، والحقّ المطلق هو الموجود الحق، والحق المقيد ما كان حسنا فى الاعتقاد والفعل والنطق، والباطل نقيض الحق.\nوالله حقّ: على معنى أنه موجود وأنه ذو الحق وأنه محقّ الحق «٢» .\nويقال الحقّ ما كان الله، والباطل ما كان لغير الله.\nويقال الحقّ من الخواطر ما دعا إلى الله، والباطل ما دعا إلى غير الله.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1817>[سورة الإسراء (١٧): آية ٨٢]</span>\nوَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسارًا (٨٢)\nالقرآن شفاء من داء الجهل للعلماء، وشفاء من داء الشّرك للمؤمنين، وشفاء من داء\n_________\n(١) إضافة من جانبنا حتى يتضح السياق.\n(٢) قارن ذلك بنظرية «وحدة الوجود» وما تراه في معنى «الوجود» و«الحق» .","vol":"2","page":365},{"text":"النكرة للعارفين، وشفاء من لواعج الشوق للمحبين، وشفاء من داء الشطط للمريدين والقاصدين، وأنشدوا:\nوكتبك حولى لا تفارق مضجعى ... وفيها شفاء للذى أنا كاتم\nقوله: «وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسارًا»: الخطاب خطاب واحد، والكتاب كتاب واحد، ولكنه لقوم رحمة وشفاء، ولقوم سخط وشقاء. قوم أنار بصائرهم بنور التوحيد فهو لهم شفاء، وقوم أغشى على بصائرهم بستر الجحود فهو لهم شقاء.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1818>[سورة الإسراء (١٧): آية ٨٣]</span>\nوَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَؤُسًا (٨٣)\nإذا نزعنا عنه موجبات الخوف، وأرخينا له حبل الإمهال، وهيّأنا له أسباب الرفاهية اعترته مغاليط النسيان، واستولت عليه دواعى العصيان، فأعرض عن الشكر، وتباعد عن بساط الوفاق.\nويقال إعراضه فى هذا الموضوع نسيانه، ورؤية الفضل منه لا من الحقّ، وتوهمه أنّ ما به من النّعم فباستحقاق طاعة أخلصها أو شدة قاساها.. وهذا فى التحقيق شرك.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1819>[سورة الإسراء (١٧): آية ٨٤]</span>\nقُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلًا (٨٤)\nكلّ يترشح بمودع باطنه، فالأسرّة تدل على السريرة، وما تكنّه الضمائر يلوح على السرائر، فمن صفا من الكدورة جوهره لا يفوح منه إلا نشر مناقبه، ومن طبعت على الكدورة طينته فلا يشمّ من يحوم حوله إلا ريح مثالبه.\nويقال حركات الظواهر تدلّ وتخبر عن بواطن السرائر.\nويقال حبّ (...) «١» لا ينبت غضّ العود.\n_________\n(١) مشتبهة. [.....]","vol":"2","page":366},{"text":"ويقال من عجنت بماء الشّقوة طينته، وطبعت على النكرة جبلّته لا تسمح بالتوحيد قريحته، ولا تنطق بالتوحيد عبارته.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1820>[سورة الإسراء (١٧): آية ٨٥]</span>\nوَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلًا (٨٥)\nأرادوا أن يجادلوه ويغلّطوه فأمره أن ينطق بلفظ يفصح عن أقسام الروح لأنّ ما يطلق عليه لفظ «الروح» يدخل تحت قوله تعالى:\nقُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ويقال إن روح العبد لطيفة أودعها الله سبحانه فى القالب، وجعلها محل الأحوال اللطيفة والأخلاق المحمودة، (وكما يصح أن يكون البصر محلّ الرؤية والأذن محلّ السمع.. إلى آخره، والبصير والسامع إنما هو الجملة- وهو الإنسان- فكذلك محل الأوصاف الحميدة الروح، ومحل الأوصاف المذمومة النّفس، والحكم أو الاسم راجع إلى الجملة) «١» وفى الجملة الروح مخلوقة، والحق أجرى العادة بأن يخلق الحياة للعبد ما دام الروح فى جسده.\nوالروح لطيفة تفررت للكافة طهارتها ولطافتها، وهى مخلوقة قبل الأجساد بألوف من السنين. وقيل إنه أدركها التكليف، وإن لها صفاء التسبيح، وصفاء المواصلات، والتعريف من الحق.\n«وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا»: لأن أحدا لم يشاهد الروح ببصره.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1821>[سورة الإسراء (١٧): آية ٨٦]</span>\nوَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكِيلًا (٨٦)\n_________\n(١) ما بين القوسين مضطرب اضطرابا شديدا فى النسخ، وقد عدنا إلى رسالة القشيري فاعتمدنا عليها فى تنظيم السياق بقدر الإمكان. (أنظر الرسالة ص ٤٨) .","vol":"2","page":367},{"text":"سنّة الحقّ- سبحانه- مع أحبائه وخواص عباده أن يديم لهم افتقارهم إليه، ليكونوا فى جميع الأحوال منقادين لجريان حكمه، وألا يتحرك فيهم عرق بخلاف اختياره، وعلى هذه الجملة خاطب حبيبه- صلوات الله عليه- بقوله: «وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ»: (فمن كان استقلاله بالله يقدّم) «١» مراد سيده- فى العزل والولاية- على مراد نفسه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1822>[سورة الإسراء (١٧): آية ٨٧]</span>\nإِلاَّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا (٨٧)\nوالمقصود (من هذا إدامة تفرّد سرّه) «٢» ﷺ به- سبحانه- دون غيره.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1823>[سورة الإسراء (١٧): آية ٨٨]</span>\nقُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)\n(سائر الأنبياء) «٣» معجزاتهم باقية حكما، ونبيّناﷺ- معجزته باقية عينا، وهى القرآن (الذي نتلوه، والذي لا يأتيه الباطل من بين يديه) «٤» ولا من خلفه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1824>[سورة الإسراء (١٧): آية ٨٩]</span>\nوَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا (٨٩)\nلا شىء أحظى عند الأحباب من كتاب الأحباب، فهو شفاء من داء الضنى، وضياء لأسرارهم عند اشتداد البلاء، وفى معناه أنشدوا:\nوكتبك حولى لا تفارق مضجعى ... وفيها شفاء للذى أنا كاتم\n_________\n(١)، (٢)، (٣)، (٤) مدونة في أعلى الورقة بعلامات مميزة لمكانها من النص، وقد أثبتنا كلا فى موضعه.","vol":"2","page":368},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1825>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٩٠ الى ٩٣]</span>\nوَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاَّ بَشَرًا رَسُولًا (٩٣)\nاقترحوا الآيات بعد إزاحة العلّة وزوال الحاجة، فركضوا فى مضمار سوء الأدب، وحرموا الوصلة والقربة. ولو أجيبوا إلى ما طلبوا ما ازدادوا إلا جحدا، ونكرة، وقد قيل:\nإنّ الكريم إذا حباك بودّه ... ستر القبيح وأظهر الإحسانا\nوكذا الملول إذا أراد قطيعة ... ملّ الوصال وقال كان وكانا\n«قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا»: قل يا محمد: سبحان ربى! من أين لى الإتيان بما سألتم من جهتى؟ فهل وصفي إلا العبودية؟ وهل أنا إلا بشر؟ قال تعالى:\nَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ»\n«١» قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1826>[سورة الإسراء (١٧): آية ٩٤]</span>\nوَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلاَّ أَنْ قالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤)\n_________\n(١) آية ١٧٢ سورة النساء.","vol":"2","page":369},{"text":"تعجّبوا «١» مما ليس بمحلّ شبهة، ولكن حملهم على ذلك فرط جهلهم، ثم أصرّوا على تكذيبهم وجحدهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1827>[سورة الإسراء (١٧): آية ٩٥]</span>\nقُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكًا رَسُولًا (٩٥)\nالجنس إلى الجنس أميل، والشكل بالشكل آنس، فقال سبحانه لو كان سكان الأرض ملائكة لجعلنا الرسول إليهم ملكا، فلمّا كانوا بشرا فلا ينبغى أن يستبعد إرسال البشر إلى البشر.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1828>[سورة الإسراء (١٧): آية ٩٦]</span>\nقُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (٩٦)\nالحقّ- سبحانه- هو الحاكم وهو الشاهد، ولا يقاس حكمه على حكم الخلق، ولا يجوز فى صفة المخلوق أن يكون الحاكم هو الشاهد، فكما لا تشبه ذاته ذات الخلق لا تشبه صفته صفة الخلق.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1829>[سورة الإسراء (١٧): آية ٩٧]</span>\nوَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيرًا (٩٧)\nمن أراده بالسعادة فى آزاله استخلصه فى آباده بأفضاله، ومن علمه فى الأزل بالشقاء وسمه فى أبده بسمة الأعداء. فلا لحكمه تحويل، ولا لقوله تبديل.\n_________\n(١) وردت (تعجلوا) والمعنى يقتضى (تعجبوا) .","vol":"2","page":370},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1830>[سورة الإسراء (١٧): آية ٩٨]</span>\nذلِكَ جَزاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآياتِنا وَقالُوا أَإِذا كُنَّا عِظامًا وَرُفاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٩٨)\nلمّا أصرّوا على تكذيبهم جازاهم الحقّ بإدامة تعذيبهم، ولو ساعدهم التوفيق لوجد منهم التحقيق، لكنهم عدموا التأييد فحرموا التوحيد.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1831>[سورة الإسراء (١٧): آية ٩٩]</span>\nأَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ قادِرٌ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلاَّ كُفُورًا (٩٩)\nمهد بهذه الآية طريق إثبات القياس «١»، فلم يغادر فى الكتاب شيئا من أحكام الدّين لم يؤيده بالدليل والبيان «٢»، فعلم الكلّ أن الركون إلى التقليد عين الخطأ والضلال.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1832>[سورة الإسراء (١٧): آية ١٠٠]</span>\nقُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُورًا (١٠٠)\nإذ البخل غريزة الإنسان، والشحّ سجيته [(...) «٣» المعروف لا يعرف الخلقة] «٤»\n_________\n(١) من هذا نعرف أن القشيري مؤمن بأهمية القياس العقلي ضمن ما هو معروف من مصادر الشريعة وفى هذا رد على من يتهم الصوفية بالتنكر للعقل، مع أنهم حريصون كل الحرص على تصحيح الإيمان فى مراحل البداية عن طريق الوسائل العقلية.\n(٢) ربما كانت (البرهان) بدل (البيان)، فالبرهان أقرب إلى (الدليل) وإلى (القياس) كما أن البيان- فى مذهب القشيري المعرفى- مرحلة قلبية وليست عقلية.\nومع ذلك فقد يكون المقصود أن كتاب الله لم يغادر شيئا إلا أيده (بالدليل العقلي) و(البيان) القلبي.\n(٣) هنا بياض فى الأصل.\n(٤) ما بين القوسين الكبيرين ورد هكذا وفيه غموض ناتج عن سقوط ما سبق.","vol":"2","page":371},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1833>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ١٠١ الى ١٠٢]</span>\nوَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ إِذْ جاءَهُمْ فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُورًا (١٠١) قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلاَّ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا (١٠٢)\n«١» هى أمارات كرامته وعلامات محبته.\nقوله جل ذكره: فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُورًا قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا أنت- يا فرعون- سلكت طريق الاستدلال فعلمت أن مثل هذه الأشياء لا يكون أمرها إلا من قبل الله، ولكنّك ركنت إلى الغفلة فى ظلمات الجهل.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1834>[سورة الإسراء (١٧): آية ١٠٣]</span>\nفَأَرادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْناهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا (١٠٣)\nأراد فرعون إهلاك بنى إسرائيل واستئصالهم، وأراد الحقّ- سبحانه- نصرتهم وبقاءهم، فكان ما أراد الحقّ لا ما كاد اللعين.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1835>[سورة الإسراء (١٧): آية ١٠٤]</span>\nوَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنا بِكُمْ لَفِيفًا (١٠٤)\nأورثهم منازل أعدائهم، ومكّنهم من ذخائرهم ومساكنهم، واستوصى بهم شكر نعمته، وعرّفهم أنهم إن سلكوا في العصيان مسلك من تقدّمهم ذاقوا من العقوبة مثل عقوبتهم.\n_________\n(١) عن ابن عباس أنها العصا واليد والجراد والقمل والضفادع والدم والحجر والبحر والطور الذي نتقه على بنى إسرائيل. وعن الحسن أنها الطوفان والسنون ونقص الثمرات مكان الحجر والبحر والطور.","vol":"2","page":372},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1836>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ١٠٦ الى ١٠٥]</span>\nالقرآن حقّ، ونزوله بحق، ومنزّله حق، والمنزّل عليه حق، فالقرآن بحقّ نزل ومن حقّ نزل وعلى حقّ نزل، وقد فرّق القرآن ليهوّن عليه- صلوات الله عليه- حفظه، وليكثر تردد الرسول من ربّه عليه، وليكون نزوله فى كل وقت وفى كل حادثة وواقعة دليلا على أنه ليس مما أعان عليه غيره.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1837>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ١٠٨ الى ١٠٧]</span>\nإن آمنتم حصل النفع لكم، وإن جحدتم ففى إيمان من آمن من أوليائنا عنكم خلف، وإنّ الضّرر عائد عليكم.\nوإنّ من أضأنا عليهم شموس إقبالنا لتشرق أنوار معارفهم فإذا تليت عليهم آياتنا سجدوا بدل جحدهم، واستجابوا بدل تمردهم، وقابلوا بالتصديق ما يقال لهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1838>[سورة الإسراء (١٧): آية ١٠٩]</span>\nوَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (١٠٩)\nتأثيره فى قلوب قوم يختلف فتأثير السماع فى قلوب العلماء بالتبصّر، وتأثير السماع","vol":"2","page":373},{"text":"فى أنوار الموحّدين بالتحير «١» تبصّر العلماء بصحة الاستدلال، وتحيّر الموحدين فى شهود الجمال والجلال.\nوبكاء كل واحد على حسب حاله: فالتائب يبكى لخوف عقوبته لما أسلفه من زلّته وحوبته، والمطيع يبكى لتقصيره فى طاعته، ولكيلا يفوته ما يأمله من منّته.\nوقوم يبكون لاستبهام عاقبتهم وسابقتهم عليهم.\nوآخرون بكاؤهم بلا سبب متعين. وآخرون يبكون تحسرا على ما يفوتهم من الحق.\nوالبكاء عند الأكابر معلول «٢»، وهو فى الجملة يدل على ضعف حال الرجل، وفى معناه أنشدوا:\nخلقنا رجالا للتجلد والأسى ... وتلك الغواني للبكا والمآتم\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1839>[سورة الإسراء (١٧): آية ١١٠]</span>\nقُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا (١١٠)\nمن عظيم نعمته- سبحانه- على أوليائه تنزّههم بأسرارهم فى رياض ذكره بتعداد أسمائه الحسنى من روضة إلى روضة، ومن مأنس إلى مأنس.\nويقال الأغنياء ترددهم فى بساتينهم، والأولياء تنزههم فى مشاهد تسبيحهم، يستروحون إلى ما يلوح لأسرارهم من كشوفات جلاله وجماله.\nقوله جل ذكره: وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا.\nلا تجهر بجميعها، ولا تخافت بكلّها، وارفع صوتك فى بعضها دون بعض.\nويقال ولا تجهر بها جهرا يسمعه الأعداء، ولا تخافت بها حيث لا يسمع الأولياء.\n«وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا»: يكون للأحباب مسموعا، وعن الأجانب ممنوعا.\n_________\n(١) ليس (التحير) هنا ناجما عن الشك، وإنما ناجم عن شدة الوله وعنف الأخذ.\n(٢) لأن الأكابر في حال التمكين لا التلوين.","vol":"2","page":374},{"text":"ويقال «وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ»: بالنهار، «وَلا تُخافِتْ بِها»: بالليل.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1840>[سورة الإسراء (١٧): آية ١١١]</span>\nوَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١)\nاحمده يذكر تقدسه عن الولد، وأنه لا شريك له ولا ولى له من الذلّ إما على أنه لم يذلّ فيحتاج إلى ولى، أو على أنه لم يوال أحدا من أجل مذلة به فيدفعها بموالاته. ويقال اشكره على نعمته العظيمة حيث عرّفك بذلك.\nويقال له الأولياء ولكن لا يعتريهم بذلّهم، إذ يصيرون بعبادته أعزّة.\n«وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا» بأن تعلم أنّك تصل إليه به لا بتكبيرك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1841>السورة التي يذكر فيها الكهف</span>\nقوله جل ذكره: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ما سعدت القلوب إلا بسماع اسم الله، وما استنارت الأسرار إلا بوجود الله، وما طربت الأرواح إلا بشهود جلال الله.\nسماع «بِسْمِ اللَّهِ» راحة القلوب وضياؤها، وشفاء الأرواح ودواؤها.\n«بِسْمِ اللَّهِ» قوت العارفين بها يزول كدّهم وعناؤهم، وبها استقلالهم وبقاؤهم «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1842>[سورة الكهف (١٨): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١)\n_________\n(١) لاحظ الربط بين تفسير البسملة فى أول هذه السورة وبين قصة أهل الكهف، الذين فنوا عن أنفسهم لبقائهم بالله.","vol":"2","page":375},{"text":"إذا حمل «الْحَمْدُ» هنا على معنى الشكر فإنزال الكتاب من أجلّ نعمه، وكتاب الحبيب لدى الحبيب. أجلّ موقع وأشرف محلّ، وهو من كمال إنعامه عليه، وإن سمّاه﵇- عبده فهو من جلائل نعمه عليه لأنّ من سمّاه عبده جعله من جملة خواصّه.\nوإذا حمل «الْحَمْدُ» فى هذه الآية على معنى المدح كان الأمر فيه بمعنى الثناء عليه- سبحانه، بأنّه الملك الذي له الأمر والنهى والحكم بما يريد، وأنه أعدّ الأحكام التي فى هذا الكتاب للعبيد، وسمّاه ﷺ عبده لمّا كان فانيا عن حظوظه، خالصا لله بقيامه بحقوقه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1843>[سورة الكهف (١٨): آية ٢]</span>\nقَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢)\n«قَيِّمًا»: أي صانه عن التعارض والتناقض، فهو كتاب عزيز من ربّ عزيز.\n«والبأس الشديد»: معجّله الفراق، ومؤجّله الاحتراق.\nويقال هو البقاء عن الله تعالى، والابتلاء بغضب الله.\nومعنى الآية لينذرهم ببأس شديد.\nقوله جل ذكره: وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا.\nوالعمل الصالح ما يصلح للقبول، وهو ما يؤدّى على الوجه الذي أمر به. ويقال العمل الصالح ما كان بنعت الخلوص، وصاحبه صادق فيه.\nويقال هو الذي لا يستعجل عليه صاحبه حظّا فى الدنيا من أخذ عوض، أو قبول جاه، أو انعقاد رياسة.. وما فى هذا المعنى.\nوحصلت البشارة بأنّ لهم أجرا حسنا، والأجر الحسن ما لا يجرى مع صاحبه استقصاء فى العمل.\nويقال الأجر الحسن ما يزيد على مقدار العمل.\nويقال الأجر الحسن ما لا يذكّر صاحبه تقصيره، ويستر عنه عيوب عمله.","vol":"2","page":376},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1844>[سورة الكهف (١٨): آية ٣]</span>\nماكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (٣)\nالبشارة منه أنّ تلك النّعم على الدوام غير منقطعة، وأعظم من البشارة بها قوله «١»:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1845>[سورة الكهف (١٨): الآيات ٤ الى ٥]</span>\nوَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤) ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا (٥)\nقالتهم القبيحة نتيجة جهلهم بوحدانية الله، ولقد توارثوا ذلك الجهل عن أسلافهم والحيّة لا تلد إلا حيّة! كبرت كلمتهم فى الإثم لمّا خسّت فى المعنى. ومن نطق بما لم يحصل له به إذن لحقه هذا الوصف. ومن تكلّم فى هذا الشأن قبل أوانه فقد دخل فى غمار هؤلاء «٢» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1846>[سورة الكهف (١٨): آية ٦]</span>\nفَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (٦)\nمن فرط شفقتهﷺ- داخله الحزن لامتناعهم عن الإيمان، فهوّن الله- سبحانه- عليه الحال، بما يشبه العتاب فى الظاهر كأنه قال له: لم كل هذا؟\nليس فى امتناعهم- فى عدّنا- أثر، ولا فى الدّين من ذلك ضرر.. فلا عليك من ذلك.\nويقال أشهده جريان التقدير، وعرّفه أنه- وإن كان كفرهم منهيّا عنه فى الشرع- فهو فى الحقيقة مراد الحق.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1847>[سورة الكهف (١٨): آية ٧]</span>\nإِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧)\n_________\n(١) البشارة بالآية التالية أعظم لأن المؤمن يعلم أن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء.\n(٢) فى هذه الإشارة غمزة بمن ينطقون- بدعوى المحو- بما لا يليق. [.....]","vol":"2","page":377},{"text":"ما على الأرض زينة لها تدرك بالأبصار، وممن على الأرض من هو زينة لها يعرف بالأسرار. وإنّ قيمة الأوطان لقطّانها، وزينة المساكن فى سكّانها.\nويقال العبّاد بهم زينة الدنيا، وأهل المعرفة بهم زينة الجنة.\nويقال الأولياء زينة الأرض وهم أمان من فى الأرض.\nويقال إذا تلألأت أنوار التوحيد فى أسرار الموحدين أشرقت جميع الآفاق بضيائهم.\nقوله جل ذكره: لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا أحسنهم عملا أصدقهم نيّة، وأخلصهم طوية.\nويقال أحسنهم عملا أكثرهم احتسابا إذ لا ثواب لمن لا حسبة له، وأعلى من هذا بل وأولى من هذا فأحسنهم عملا أشدّهم استصغار لفعله، وأكثرهم استحقارا لطاعته لشدة رؤيته لتقصيره فيما يعمله، ولانتقاصه أفعاله فى جنب ما يستوجبه الحقّ بحقّ أمره.\nويقال أحسن أعمال المرء نظره إلى أعماله بعين الاستحقار والاستصغار، لقول الشاعر:\nوأكبر من فعله وأعظمه ... تصغيره فعله الذي فعله\nمعناه: أكبر من فعله- الذي هو عطاؤه وبذله- تقليله واستصغاره لما يعطيه ويجود به.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1848>[سورة الكهف (١٨): آية ٨]</span>\nوَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيدًا جُرُزًا (٨)\nكون ما على الأرض زينة لها فى الحال سلب قدره بما أخبر أنه سيفنيه فى المآل.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1849>[سورة الكهف (١٨): آية ٩]</span>\nأَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَبًا (٩)\nأزال الأعجوبة عن أوصافهم بما أضافه إلى ربّه بقوله: «مِنْ آياتِنا» فقلب العادة من قبل الله غير مستنكر ولا مبتدع.","vol":"2","page":378},{"text":"ويقال مكثوا فى الكهف مدة فأضافهم إلى مستقرّهم فقال: «أَصْحابَ الْكَهْفِ»، وللنفوس محال، وللقلوب مقارّ، وللهم مجال، وحيثما يعتكف يطلب أبدا صاحبه «١» .\nويقال الإشارة فيه ألا تتعجّب من قصتهم فحالك أعجب فى ذهابك إلينا فى شطر من الليل حتى قاب قوسين أو أدنى «٢»، وهم قد بقوا فى الكهف سنين.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1850>[سورة الكهف (١٨): آية ١٠]</span>\nإِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَدًا (١٠)\nآواهم إلى الكهف بظاهرهم، وفى الباطن فهو مقيلهم فى ظلّ إقباله وعنايته، ثم أخذهم عنهم، وقام عنهم فأجرى عليهم الأحوال وهم غائبون عن شواهدهم «٣» .\nوأخبر عن ابتداء أمرهم بقوله. «رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَدًا»:\nأي أنهم أخذوا فى التبرّى من حولهم وقوّتهم، ورجعوا إلى الله بصدق فاقتهم، فاستجاب لهم دعوتهم، ودفع عنهم ضرورتهم «٤»، وبوّأهم فى كنف الإيواء مقيلا حسنا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1851>[سورة الكهف (١٨): آية ١١]</span>\nفَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (١١)\nأخذناهم عن إحساسهم بأنفسهم، واختطفناهم عن شواهدهم بما استغرقناهم فيه من حقائق ما كاشفناهم به من شهود الأحدية، وأطلعناهم عليه من دوام نعت الصمدية.\n_________\n(١) معنى العبارة يطلب صاحب المكان من حيث المكان الذي يعتكف فيه.\n(٢) يشير القشيري بذلك إلى المنزلة الرفيعة التي وصل إليها المصطفى- صلوات الله عليه- ليلة الإسراء والمعراج، وكيف أنه انتهى فى ليلة واحدة إلى ما لم يصل إليه أصحاب الكهف فى سنين.\n(٣) واضح أن القشيري يعالج قصة أهل الكهف في ضوء حال الفناء وحال البقاء.. وهذا من النماذج التي يقدمها التصوف لتفسير الظواهر العجيبة التي تقلب فيها العادة، وبحار فيها العقل.\n(٤) يقصد من الضرورة هنا ما يلزم الإنسان من طعام وشراب وتخلص من بقاياهما.. ونحو ذلك.","vol":"2","page":379},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1852>[سورة الكهف (١٨): آية ١٢]</span>\nثُمَّ بَعَثْناهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَدًا (١٢)\nأي رددناهم إلى حال صحوهم وأوصاف تمييزهم، وأقمناهم بشواهد التفرقة بعد ما محوناهم عن شواهدهم بما أقمناهم بوصف الجمع.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1853>[سورة الكهف (١٨): الآيات ١٣ الى ١٤]</span>\nنَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً (١٣) وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إِذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهًا لَقَدْ قُلْنا إِذًا شَطَطًا (١٤)\nلمّا كانوا مأخوذين عنهم تولّى الحق- سبحانه- أن قصّ عنهم، وفرق بين من كان عن نفسه وأوصافه قاصّا لبقائه فى شاهده وكونه غير منتف بجملته.. وبين من كان موصوفا بواسطة غيره لفنائه عنه وامتحائه منه وقيام غيره عنه.\nويقال لا تسمع قصة الأحباب أعلى وأجلّ مما تسمع من الأحباب، قال عزّ من قائل:\n«نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ»، وأنشدوا:\nوحدّثتني يا سعد عنها فزدتنى ... حنينا فزدنى من حديثك يا سعد\nقوله: «إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ»: يقال إنهم فتية لأنهم آمنوا- على الوهلة- بربّهم، آمنوا من غير مهلة، لمّا أتتهم دواعى الوصلة «١» .\nويقال فتية لأنهم قاموا لله، وما استقروا حتى وصلوا إلى الله.\nقوله جل ذكره: وَزِدْناهُمْ هُدىً وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ لاطفهم بإحضارهم، ثم كاشفهم فى أسرارهم، بما زاد من أنوارهم، فلقّاهم أولا التبيين، ثم رقاهم عن ذلك باليقين.\n_________\n(١) لاحظ أهمية ذلك فى فهم معنى (الفتوة) عند الصوفية.","vol":"2","page":380},{"text":"وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ: بزيادة اليقين حتى متع نهار «١» معارفهم، واستضاءت شموس تقديرهم، ولم يبق للتردد مجال فى خواطرهم، و(...) «٢» فى التجريد أسرارهم، وتمّت سكينة قلوبهم.\nويقال «رَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ»: بأن أفنيناهم عن الأغيار، وأغنيناهم عن التفكّر بما أوليناهم من أنوار التبصّر.\nويقال ربطنا على قلوبهم بما أسكنّا فيها من شواهد الغيب، فلم تسنح فيها هواجس التخمين ولا وساوس الشياطين.\nقوله جل ذكره: إِذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قاموا لله بالله، ومن قام بالله فقد عمّا سوى الله.\nويقال من قام لله، لم يقعد حتى يصل إلى الله.\nويقال قعدت عنهم الشهوات فصحّ قيامهم بالله.\nقوله جل ذكره: لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهًا، لَقَدْ قُلْنا إِذًا شَطَطًا.\nمن أحال الشيء على الحوادث فقد أشرك بالله، ومن قال إنّ الحوادث من غير الله فقد اتخذ إلها من دون الله.\nقوله جلّ ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1854>[سورة الكهف (١٨): آية ١٥]</span>\nهؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (١٥)\n_________\n(١) متوع النهار اصطلاح يأتى فى مذهب القشيري بعد اللوائح والطوالع واللوامع، وهو يلتقى مع المعنى من حيث اللغة (يقال متع النهار أي بلغ غاية ارتفاعه) .\n(٢) مشتبهة وهى قريبة فى الرسم من (واتخذوا) ومصوبة فى الهامش (وانحدروا) لأجل هذا لم نستطع أن نحسم فيها برأى، وهى على العموم كلمة تفيد خلوص أسرارهم فى التجريد وإلا لما حدثت سكينة قلوبهم.","vol":"2","page":381},{"text":"لمّا لم يكن لهم حجة اتضح فيما ادعوه كذبهم، فمن اكتفى بنفي القالة دون ما يشهد لقوله من أدلته فهو معلول فى نحلته.\n«فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا؟» فمن ذكر فى الدّين قولا لم يؤيّد ببرهان عقلى أو نقلى فهو مفتر، ومن أظهر من نفسه حالا لم يوجبه صدق مجاهدته أو منازلته فهو على الله مفتر. والذي يصدق فى قوله- فى هذه الطريقة- فهو الذي يسمع من الحق بسرّه، ثم ينطق بلفظه «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1855>[سورة الكهف (١٨): آية ١٦]</span>\nوَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا (١٦)\nالعزلة عن غير الله توجب الوصلة بالله. بل لا تحصل الوصلة بالله إلا بعد العزلة عن غير الله.\nويقال لما اعتزلوا ما عبد من دون الله آواهم الحقّ إلى كنف رعايته، ومهد لهم مثوى فى كهف عنايته.\nويقال من تبرّأ من اختياره فى احتياله، وصدق رجوعه إلى الله فى أحواله، ولم يستعن- بغير الله- من أشكاله وأمثاله آواه إلى كنف أفضاله، وكفاه جميع أشغاله، وهيّأ له محلّا يتفيؤ فيه فى برد ضلاله، بكمال إقباله.\nقوله جل ذكره: وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَتَزاوَرُ «٢» عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَإِذا غَرَبَتْ\n_________\n(١) هذا رأى على جانب كبير من الخطورة فى قضية هامة من قضايا التصوف، كانت لها في بعض الأحيان عواقب جسيمة: وهى هل يفصح الصوفي الواله أم يكتم؟ ونلاحظ أنى القشيري ربط القضية بعنصر أساسى هو الصدق ...\n(٢) نزاور من الزور وهو الميل، والزور الميل عن الصدق.","vol":"2","page":382},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1856>[سورة الكهف (١٨): الآيات ١٧ الى ١٨]</span>\nوَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَتَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا (١٧) وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا (١٨)\n«١» كانوا فى متّسع من الكهف، ولكن كان شعاع الشمس لا ينبسط عليهم مع هبوب الرياح عليهم.\nويقال أنوار الشمس تتقاصر وتتصاغر بالإضافة إلى أنوارهم «٢» .\nإن نور الشمس ضياء يستضىء به الخلق، ونور معارفهم أنوار يعرف بها الحق، فهذا نور يظهر فى الصورة، وهذا نور يلوح فى السريرة. وبنور الشمس يدرك الخلق وبنورهم كانوا يعرفون الحق.\nوفى قوله- عزّ اسمه: «ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ» فيه دلالة على أن فى الأمر شيئا بخلاف العادة، فيكون من جملة كرامات الأولياء ويحتمل أن يكون شعاع الشمس إذا انتهى إليهم ازورّ عنهم، ومضى دونهم بخلاف «٣» ما يقول أصحاب الهبة، ليكون فعلا ناقضا للعادة فلا يبعد أن يقال إن نور الشمس يستهلك فى النور الذي عليهم.\nقوله جل ذكره: مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا فالله يهدى قوما بالأدلة والبراهين، وقوما بكشف اليقين فمعارف الأولين قضية الاستدلال، ومعارف الآخرين حقيقة الوصال، فهؤلاء مع برهان، وهؤلاء على بيان كأنهم أصحاب عيان:\n«وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ»: أي من وسمه بسمة الحرمان فلا عرفان ولا علم ولا إيمان.\nقوله جل ذكره: وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ\n_________\n(١) تقرضهم أي تقطعهم أي تتركهم وتعدل عنهم.\n(٢) بالإضافة إلى أنوارهم أي إذا قيست بانوارهم.\n(٣) أي هذا على لسان أهل التفسير أما على لسان أهل الإشارة. وهذه أول مرة يطلق القشيري (أصحاب الهبة) هذا الوصف عليهم فى «لطائفه»، لهذا نبهنا إليه.","vol":"2","page":383},{"text":"هم مساوبون عنهم، مختطفون منهم، مستهلكون فيما كوشفوا به من وجود الحق فظاهرهم- فى رأى الخلق- أنهم بأنفسهم، وفى التحقيق: القائم عنهم غيرهم. وهم محو فيما كوشفوا به من الحقائق.\nثم قال: «وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ»: وهذا إخبار عن حسن إيوائه لهم فلا كشفقة الأمهات بل أتم، ولا كرحمة الآباء بل أعزّ ... وبالله التوفيق.\nويقال إن أهل التوحيد صفتهم ما قال الحقّ- سبحانه- فى صفة أصحاب الكهف:\n«وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظًا وَهُمْ رُقُودٌ» فهم بشواهد الفرق فى ظاهرهم، لكنهم بعين الجمع بما كوشفوا به فى سرائرهم، يجرى عليهم أحوالهم وهم غير متكلّفين، بل هم يثبتون- وهم خمود عما هم به- أن تصرفاتهم القائم بها عنهم سواهم، وكذلك فى نطقهم «١» .\nقوله جل ذكره: وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ. ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا كما ذكرهم ذكر كلبهم، ومن صدق فى محبة أحد أحبّ من انتسب إليه وما ينسب إليه.\nويقال كلب خطا مع أحبائه خطوات فإلى القيامة يقول الصبيان- بل الحق يقول بقوله العزيز-: «وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ....» فهل ترى أنّ مسلما يصحب أولياءه من وقت شبابه إلى وقت مشيبه يردّه يوم القيامة خائبا.؟ إنه لا يفعل ذلك.\nويقال فى التفاسير إنهم قالوا للراعى الذي تبعهم والكلب معه: اصرف هذا الكلب عنّا ... فقال الراعي: لا يمكننى، فإنى أنا دينه.\nويقال أنطق الله سبحانه- الكلب فقال لهم: لم تضربوننى؟\nفقالوا: لتنصرف عنّا.\nفقال: لا يمكننى أن أنصرف.. لأنه ربّانى.\nويقال كلب بسط يده على وصيد الأولياء فإلى القيامة يقال «وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ»\n_________\n(١) فنطق العبد الواله وتصرفه يكونان بالله.... تذكر قصة الحلاج.","vol":"2","page":384},{"text":"«بِالْوَصِيدِ» ... فهل إذا رفعها مسلم إليه خمسين سنة ترى يردّها خائبة؟ هذا لا يكون.\nويقال لما صحبهم الكلب لم تضره نجاسة صفته، ولا خساسة قيمته.\nويقال قال فى صفة أصحاب الكهف إن كانوا «سَيَقُولُونَ: ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ»، أو خمسة سادسهم كلبهم فقد قال فى صفة هذه الأمة: «ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ» ..\nوشتّان ما هما! ويقال كل يعامل بما يليق به من حالته ورتبته فالأولياء قال فى صفتهم: «وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ»، والكلب قال فى صفته: «وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ» .\nويقال كما كرّر ذكرهم، كرر ذكر كلبهم.\nوجاء فى القصة أن الكلب لما لم ينصرف عنهم قالوا: سبيلنا إذا لم يتصرف عنّا أن نحمله حتى لا يستدّل علينا بأثر قدمه فحملوه، فكانوا فى الابتداء (بل إياه) «١» وصاروا فى الانتهاء مطاياه.. كذا من اقتفى أثر الأحباب.\nويقال في القصة إن الله أنطق الكلب معهم، وبنطقه ربط على قلوبهم بأن ازدادوا يقينا بسماع نطقه، فقال: لم تضربونى؟ فقالوا: لتنصرف، فقال: أنتم تخافون بلاء يصيبكم فى المستقبل وأنتم بلائي فى الحال:\nثم إنّ بلاءكم الذي تخافون أن يصيبكم من الأعداء، وبلائي منكم وأنتم الأولياء.\nويقال لما لزم الكلب محلّه ولم يجاوز حدّه فوضع يديه على الوصيد بقي مع الأولياء ...\nكذا أدب الخدمة يوجب بقاء الوصلة.\nقوله جل ذكره: لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا\n_________\n(١) وردت هكذا ونرجح أنها (بلاياه) بدليل ما سيأتى بعد ذلك:\n(وأنتم بلائي فى الحال) . [.....]","vol":"2","page":385},{"text":"الخطاب لهﷺ. والمراد منه غيره.\nويقال لو اطلعت عليهم من حيث أنت لولّيت منهم فرارا، ولو شاهدتهم من حيث شهود تولّى الحق لهم لبقيت على حالك.\nويقال لو اطلعت عليهم وشاهدتهم لولّيت منهم فرارا من أن تردّ عن عالى منزلتك إلى منزلتهم والغنىّ إذا ردّ إلى منزلة الفقير فرّ منه، ولم تطب به نفسه. «وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا» بأن يسلب عظيم ما هو حالك، وتقام فى مثل حالهم النازلة عن حالك.\nويقال: «لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرارًا» لأنك لا تريد أن تشهد غيرنا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1857>[سورة الكهف (١٨): آية ١٩]</span>\nوَكَذلِكَ بَعَثْناهُمْ لِيَتَسائَلُوا بَيْنَهُمْ قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (١٩)\nاستقلوا مدة لبثهم وقد لبثوا (طويلا)، ولكنهم كانوا مأخوذين عنهم، ولم يكن لهم علم بتفصيل أحوالهم، قال قائلهم:\nلست أدرى أطال ليلى أم لا؟ ... كيف يدرى بذاك من يتقلّى؟\nلو تفرّغت لاستطالة ليلى ... ورعيت النجوم كنت مخلّا\nويقال أيام الوصال عندهم قليلة- وإن كانت طويلة، ولو كان الحال بالضدّ لكان الأمر بالعكس، وأنشدوا:\nصباحك سكر والمساء خمار «١» ... نعمت وأيام السرور قصار\nقوله جل ذكره: قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ لأنه هو الذي خصّكم بما به أقامكم.\n_________\n(١) الخمار ما خالط الإنسان من سكر الخمر.","vol":"2","page":386},{"text":"قوله جل ذكره: فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ ما داموا مأخوذين عنهم لم يكن لهم طلب لأكل ولا شرب ولا شىء من صفة النّفس، فلمّا ردّوا إلى التمييز أخذوا فى تدبير الأكل أوّل ما أحسوا بحالهم، وفى هذا دلالة على شدة «١» ابتداء الخلق بالأكل.\nقوله جل ذكره: وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا تواصوا فيما بينهم بحسن التّخلق وجميل الترفّق، أي ليتلطف مع من يشترى منه شيئا.\nويقال أوصوا من يشترى لهم الطعام أن يأتيهم بألطف شىء وأطيبه، ومن كان من أهل المعرفة لا يوافقه الخشن من الملبوس ولا المبتذل فى المطعم من المأكول.\nويقال أهل المجاهدات وأصحاب الرياضات طعامهم الخشن ولباسهم كذلك «٢» .\nوالذي بلغ المعرفة لا يوافقه إلا كل لطيف، ولا يستأنس إلا بكل مليح.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1858>[سورة الكهف (١٨): آية ٢٠]</span>\nإِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا (٢٠)\nتواصوا فيما بينهم بكتمان الأسرار عن الأجانب «٣» وأخبر أنهم إن اطلعوا عليهم وعلى أحوالهم بالغوا فى مخالفتهم إمّا بالقتل وإما بالضرب وبما أمكنهم من وجوه الفعل، ولا يرضون\n_________\n(١) شدة هنا معناها ضرورة.\n(٢) معنى هذا أن القشيري يميز بين مطعم وملبس أصحاب الرياضات ومطعم وملبس أهل المعرفة، وربما كان سبب ذلك أن أهل المعرفة الواجب عليهم ستر أحوالهم عن الخلق، بدليل قوله فيما بعد: «تواصوا فيما بينهم بكتمان الأسرار عن الأجانب» .\n(٣) من هذا نفيم ضرورة أن يكتم أرباب الأحوال أسرارهم، وإلا تعرضوا لأذى الذين لا يدركون حقائق أحوالهم، وقد يصل الأذى إلى حد الضرب والقتل (تذكر قصة الحلاج وغيره) .","vol":"2","page":387},{"text":"إلا بردّهم إلى ما منه تخلصوا، فمن احترق كدسه فما لم يحترق كدس غيره لا تطيب نفسه.\nويقال من شأن الأبرار حفظ الأسرار عن الأغيار.\nويقال من أظهر لأعدائه سرّه فقد جلب باختياره ضرّه، وفقد ما سرّه «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1859>[سورة الكهف (١٨): آية ٢١]</span>\nوَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا (٢١)\nجعل أحوالهم عبرة لمن جاء بعدهم حين كشف لأهل الوقت قصتهم، فعاينهم الناس، وازداد يقين من كان يؤمن بالله حين شاهدوا بالعيان ما كان نقضا للعادة المستمرة.\nثم إن الله تعالى ردّهم إلى ما كانوا عليه من الحالة، كانوا مأخوذين عن التمييز، متقلبين فى القبضة على ما أراده الحق، مستودعين فيما كوشفوا، مستهلكين عنهم فى وجود الحق- سبحانه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1860>[سورة الكهف (١٨): آية ٢٢]</span>\nسَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِراءً ظاهِرًا وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٢٢)\nأخبر أنّ علوم الناس متقاصرة عن عددهم فالأحوال التي لا يطلع عليها إلا الله فى أسرارهم وقلوبهم.. متى يكون للخلق عليها إشراف؟\nأشكل عليهم عددهم، وعددهم يعلم بالضرورة، وهم لا يدركون بالمشاهدة.\n_________\n(١) يقول الشبلي واصفا سبب محنة الحلاج: «كنت والحسين بن منصور شيئا واحدا ولكنه أظهر وأنا كتمت» .","vol":"2","page":388},{"text":"ويقال سعد الكلب حيث كرّر الحقّ- سبحانه- ذكرهم وذكر الكلب معهم على وجه التكرار، ولمّا ذكرهم عدّ الكلب فى جملتهم.\nقوله جل ذكره: قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ لما كانوا من أوليائه فلا يعلمهم إلا خواصّ عباده، ومن كان قريبا فى الحال منهم فهم فى كتم الغيرة وإيواء الستر لا يطّلع الأجانب عليهم ولا يعلمهم إلا قليل لأنّ الحق- سبحانه- يستر أولياءه عن الأجانب، فلا يعلمهم إلا أهل الحقيقة فالأجانب لا يعرفون الأقارب، ولا تشكل أحوال الأقارب على الأقارب كذلك قال شيوخ هذه الطائفة:\n«الصوفية أهل بيت واحد لا يدخل فيهم غيرهم» «١» .\nقوله جل ذكره: وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا كما لا يعرفهم من كان بمعزل عن حالتهم، ولا يهتدى إلى أحكامهم من لا يعرفهم..\nفلا يصحّ استفتاء من غاب علمهم عنه فى حالهم. ومن لم يكن قلبه محلا لمحبة الأحباب لا يكون لسانه مقرا لذكرهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1861>[سورة الكهف (١٨): الآيات ٢٣ الى ٢٤]</span>\nوَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَدًا (٢٣) إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَدًا (٢٤)\nإذا كانت الحوادث صادرة عن مشيئة الله فمن عرف الله لم يعدّ من نفسه ما علم أنه لا يتم إلا بالله.\nويقال من عرف الله سقط اختياره عند مشيئته، واندرجت أحكامه فى شهوده لحكم الله.\nويقال المؤمن يعزم على اعتناق الطاعة فى مستقبله بقلبه، لكنه يتبرأ عن حوله وقوّته\n_________\n(١) هذا القول للجنيد (ص ١٣٩) الرسالة","vol":"2","page":389},{"text":"بسرّه، والشرع يستدعى منه نهوض قلبه فى طاعته، والحقّ يقف سرّه عند شهود ما منه لمحبوبه تحت جريان قسمته «١» .\nقوله جل ذكره: وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَدًا إن طرأت عليك طوارق النسيان- لا بتعهدك- فجرّد بذكرك قصدك عن أوطان غفلتك.\nويقال «وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ»: فى الحقيقة نفسك تمنعك من استغراقك فى شهود ذكرك.\nويقال واذكر ربك إذا نسيت ذكرك لربّك: فإن العبد إذا كان ملاحظا لذكره كان ذلك آفة فى ذكره «٢» .\nويقال واذكر ربك إذا نسيت حظّك منه.\nويقال واذكر ربّك إذا نسيت غير ربّك.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1862>[سورة الكهف (١٨): آية ٢٥]</span>\nوَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (٢٥)\nكانوا مأخوذين عنهم فى إحساسهم بأنفسهم فلم يقفوا على تطاول مدتهم، وفى المثل:\n«أيام السرور قصار»، والدهور فى السرور شهور، والشهور فى المحن دهور، وفى معناه:\nأعدّ الليالى ليلة بعد ليلة ... وقد كنت قبلا لا أعد اللياليا\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1863>[سورة الكهف (١٨): آية ٢٦]</span>\nقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (٢٦)\n_________\n(١) معنى هذه الفقرة انه قد يبدو فى الظاهر ان للعبد إرادة فى الامتثال للطاعة وفي إجراء أحكام الشريعة، ولكن فى الحقيقة أن الحق سبحانه يتولى تبرئته من حوله وإرادته، وتهيئة سره للتجرد عن كل غير وسوى.\n(٢) لأن أعلى درجات الذكر أن يفنى الذاكر فى المذكور.","vol":"2","page":390},{"text":"من لم يعد أيامه لاشتغاله بالله أحصى الله أنفاسه التي لله، قال تعالى: «أَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1864>[سورة الكهف (١٨): آية ٢٧]</span>\nوَاتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٧)\nتسلّ- حينما تتنوع عليك الأحوال- بما نطلعك عليه من الأخبار وإنّ كتب الأحباب فيها شفاء لأنها خطاب الأحباب للأحباب.\nقوله جل ذكره: لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا أي لا تغيير لحكمه فمن أقصاه فلا قبول له، ومن أدناه فلا وصول له، ومن قبله فلا ردّ له، ومن قرّ به فلا صدّ له.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1865>[سورة الكهف (١٨): آية ٢٨]</span>\nوَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)\nقال: «وَاصْبِرْ نَفْسَكَ» ولم يقل: «قلبك» لأن قلبه كان مع الحقّ، فأمره بصحته جهرا يجهر، واستخلص قلبه لنفسه سرّا بسرّ.\nويقال «يُرِيدُونَ وَجْهَهُ»: معناها مريدين وجهه أي فى معنى الحال، وذلك يشير إلى دوام دعائهم ربهم بالغداة والعشىّ وكون الإرادة على الدوام.\nويقال «يُرِيدُونَ وَجْهَهُ»: فآويناهم فى دنياهم بعظائمنا، وفي عقباهم بكرائمنا.\nويقال «يُرِيدُونَ وَجْهَهُ»: فكشف قناعهم، وأظهر صفتهم، وشهرهم بعد ما كان قد سترهم، وأنشدوا:","vol":"2","page":391},{"text":"وكشفنا لك القناع وقلنا ... نعم وهتكنا لك المستورا\nويقال لما زالت التّهم سلمت لهم هذه الإرادة، وتحرروا عن إرادة كلّ مخلوق وعن محبة كل مخلوق.\nويقال لمّا تقاصر لسانهم عن سؤال هذه الجملة مراعاة منهم لهيبة الرسول ﷺ، وحرمة باب الحقّ- سبحانه- أمره بقوله: «وَاصْبِرْ نَفْسَكَ» وبقوله:\nوَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا أي لا ترفع بصرك عنهم، ولا تقلع «١» عنهم نظرك.\nويقال لما نظروا بقلوبهم إلى الله أمر رسوله﵇- بألا يرفع بصره عنهم، وهذا جزاء فى العاجل.\nوالإشارة فيه كأنه قال: جعلنا نظرك اليوم إليهم ذريعة لهم إلينا، وخلفا عما يفوتهم اليوم من نظرهم إلينا، فلا تقطع اليوم عنهم نظرك فإنا لا نمنع غدا نظرهم عنّا «٢» .\nقوله جل ذكره: وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطًا هم الذين سألوا منهﷺ- أن يخلى لهم مجلسه من الفقراء، وأن يطردهم يوم حضورهم من مجلسهﷺ وعلى آله.\nومعنى قوله: «أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا»: أي شغلناهم بما لا يعنيهم.\nويقال «أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا» أي شغلناهم حتى اشتغلوا بالنعمة عن شهود المنعم.\nويقال هم الذين طوّح قلوبهم فى التفرقة، فهم فى الخواطر الرّديّة مثبتون، وعن شهود مولاهم محجوبون.\n_________\n(١) لا تقلع عنهم نظرك أي لا تكف وتبعد.\n(٢) تهم هذه الإشارة فى تقدير مدى تصور الصوفية لشخصية محمد (ص) .","vol":"2","page":392},{"text":"ويقال أغفلنا عن ذكرنا الذين ابتلوا بنسيان الحقيقة ولا يتأسّفون «١» على ما منوا به ولا على ما فاتهم.\nويقال الغفلة تزجبة الوقت فى غير قضاء فرض أو أداء نفل.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1866>[سورة الكهف (١٨): آية ٢٩]</span>\nوَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ نارًا أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقًا (٢٩)\nقل يا محمد: ما يأتيكم من ربّكم فهو حقّ، وقوله صدق.. فمن شاء فليومن، ومن شاء فليكفر.. هذا غاية التهديد، أي إن آمنتم ففوائد إيمانكم عليكم مقصورة، وإن أبيتم فعذاب الجحود موقوف عليكم، والحقّ- سبحانه- عزيز لا يعود إليه بايمان الكافة- إذا وحّدوا- زين، ولا من كفر الجميع- إن جحدوا- شين.\nقوله جلّ ذكره: إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ نارًا أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقًا العقوبة الكبرى لهم أن يشغلهم بالألم حتى لا يتفرغوا عنه إلى الحسرة على مافاتهم من الحقّ، ولو علموا ذلك لعلّه كان يرحمهم. والحقّ- سبحانه- أكرم من أن يعذب أحدا يتّهم لأجله.\nويقال لو علموا من الذي يقول: «وَساءَتْ مُرْتَفَقًا» لعله كان لهم تسل ساعة، ولكنهم لا يعرفون قدر من يقول هذا، وإلا فهذا شبه مرتبة لهم، والعبارة عن هذا تدق.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1867>[سورة الكهف (١٨): الآيات ٣٠ الى ٣١]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (٣٠) أُولئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ نِعْمَ الثَّوابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا (٣١)\n_________\n(١) وردت (ولا ينافسون) والمعنى يرفضها مما يرجح خطأ الناسخ فى نقلها.","vol":"2","page":393},{"text":"أهل الجنة طابت لهم حدائقها، وأهل النار أحاط بهم سرادقها.\nوالحقّ- سبحانه- منزّه عن أن يعود إليه من تعذيب هؤلاء عائدة ولا من تنعيم هؤلاء فائدة ... جلّت الأحدية، وتقدّست الصمدية! ومن وقعت عليه غبرة فى طريقنا لم تقع عليه قترة فراقنا، ومن خطا خطوة إلينا وجد حظوة لدينا، ومن نقل قدمه نحونا غفرنا له ما قدّمه، ومن رفع إلينا يدا أجزلنا له رغدا، ومن التجأ إلى سدّة «١» كرمنا آويناه فى ظلّ نعمنا، ومن شكا فينا غليلا «٢» مهّدنا له- فى دار فضلنا- مقيلا.\n«أجر من أحسن عملا»: العمل أحسنه ما كان مضبوطا بشرائط الإخلاص.\nويقال «مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا» بأن غاب عن رؤية إحسانه.\nويقال من جرّد قصده عن كلّ حظّ ونصيب.\nويقال الإحسان فى العمل ألا ترى قضاء حاجتك إلا فى فضله، فإذا أخلصت فى توسلك إليه بفضله، وتوصّلك إلى ما موّلك من طوله بتبرّيك عن حولك وقوّتك استوجبت حسن إقباله، وجزيل نواله.\nقوله أُولئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ أولئك هم أصحاب الجنان، فى رغد العيش وسعادة الجدّ «٣» وكمال الرّفد «٤»، يلبسون حلل الوصلة، ويتوّجون بتاج القربة،\n_________\n(١) وردت (سيده) .\n(٢) وردت (عليلا) بالعين.\n(٣) الجد- الحظ. [.....]\n(٤) الرفد- العطاء والصلة.","vol":"2","page":394},{"text":"ويحملون على المباسط، ويتّكئون على الأرائك، ويشمون رياحين الأنس، ويقيمون فى مجال الزّلفة، ويسقون شراب المحبة، ويأخذون بيد الزلفة ما يتحفهم الحقّ به من غير واسطة، ويسقيهم شرابا طهورا يطهّر قلوبهم عن محبة كلّ مخلوق.\n«نِعْمَ الثَّوابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا»: نعم الثواب ثوابهم، ونعم الربّ ربّهم، ونعم الدار دارهم، ونعم الجار جارهم، ونعم الحال حالهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1868>[سورة الكهف (١٨): الآيات ٣٢ الى ٤١]</span>\nوَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعًا (٣٢) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا (٣٣) وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقالَ لِصاحِبِهِ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (٣٤) وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَدًا (٣٥) وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْها مُنْقَلَبًا (٣٦)\nقالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (٣٧) لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (٣٨) وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالًا وَوَلَدًا (٣٩) فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْها حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (٤٠) أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (٤١)","vol":"2","page":395},{"text":"أخبر أنه خلق رجلين جعل لهما جنتين على الوصف الذي ذكره، فشكر أحدهما لخالقه وكفر الآخر برازقه، فأصبح الكافر وجنّته أصابتها جائحة، وندم على ما ضيّعه من الشكر، وتوجّه عليه اللوم.\nوفى الإشارة يخلق عبدين يطيّب لهما الوقت، ويمهّد لهما بساط اللطف، ويمكّن لهما من البسط.. فيستقيم أحدهما فى الترقي إلى النهاية من مقامات البداية بحسن المنازلة وصدق المعاملة، فتميز له المجاهدة ثمرات أحسن الأخلاق فيعالجها بحسن الاستقامة، ثم يتحقق بخصائص الأحوال الصافية، ثم يختطف عنها بما يكاشف به من حقائق التوحيد، ويصبح منتفى عن جملته باستهلاكه فى وجود ما بان له من الحقائق.\nوالثاني لا يقدّر قدر ما أهّل له من حسن البداية فيرجع إلى مألوفاته، فينتكس أمره، بانحطاطه إلى ذميم عاداته، وفيرتدّ عن سلوك الطريقة ويتردّى «١» فى ظلمة الغفلة فيصير وقته ليلا مظلما، ويتطوح فى أودية التفرقة، ويوسم الطرد، ويسقى شراب الإهانة، وينخرط فى سلك الهجر.. وذلك جزاء من لم يرهم الحقّ لوصلته أهلا، ولم يجعل لولائهم فى التحقيق والقبول أصلا:\nتبدّلت وتبدلنا يا حسرة لمن ... ابتغى عوضا لسلمى فلم يجد\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1869>[سورة الكهف (١٨): الآيات ٤٢ الى ٤٣]</span>\nوَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (٤٢) وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مُنْتَصِرًا (٤٣)\n_________\n(١) وردت (ويرتدى) وهى خطأ فى النسخ كما هو واضح من السياق.","vol":"2","page":396},{"text":"إذا ظهر خسران من آثر حظّه على حقّ الله، قرع باب ندامته، ثم لا ينفعه.\nولو قرع باب كرمه فى الدنيا- حين وقعت له الفترة- لأشكاه «١» عند ضرورته، أنجاه من ورطته.. ولكنه ربط بالخذلان، ولبّس عليه الأمر بحكم الاستدراج.\nقوله: «وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ»: من اشتهر أمره بسخط السلطان عليه لم ينظر إليه أحد من الجند والرعية، كذلك من وسمه الحقّ بكىّ الهجر لم يرث له ملك ولا نبىّ، ولم يحمه صديق ولا ولىّ.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1870>[سورة الكهف (١٨): آية ٤٤]</span>\nهُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا (٤٤)\nهو الحقّ المتفرّد بنعت ملكوته، لا يشرك فى جلال سلطانه من الحدثان أحدا، وإذا بدا من سلطان الحقيقة شظية فلا دعوى ولا معنى لبشر، ولا وزن فيما هنا لك لحدثان ولا خطر، كلّا.. بل هو الله الخلّاق الواحد القهار.\nهنا لك الولاية لله أي القدرة- والواو هنا بالكسر، وهنا لك الولاية لله أي النصرة- والواو هنا بالفتح «٢» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1871>[سورة الكهف (١٨): آية ٤٥]</span>\nوَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (٤٥) .\n_________\n(١) أشكاه: أزال سبب شكواه، وأعانه.\n(٢) الولاية (بالكسر) بمعنى القدرة أي: السلطان والملك كله لله، ويتولى الله كل مضطر فيكون قوله: «لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا» كلمة ألجئ إليها فقالها جزعا من شؤم كفره- ولولا ذلك لم يقلها.\nأو على الولاية (بالفتح) بمعنى النصرة تقريرا لقوله: «وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ»","vol":"2","page":397},{"text":"من وطّن النّفس على الدنيا وبهجتها غرته بأمانيها، وخدعته بالأطماع فيها. ثم إنها تخفى الصّاب فى شرابها، والحنظل فى عسلها، والسراب فى مآربها تعد ولا تفى بعداتها، وتوفى آفاتها على خيراتها.. نعمها مشوبة بنقمها، وبؤسها مصحوب بمأنوسها، وبلاؤها فى ضمن عطائها. المغرور من اغترّ بها، والمغبون من انخدع فيها.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1872>[سورة الكهف (١٨): آية ٤٦]</span>\nالْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (٤٦)\nمن اعتضد بعتاده، واغترّ بأولاده، ونسى مولاه فى أوان غفلاته.. خسر فى حاله، وندم على ما فاته فى مآله.\nويقال زينة أهل الغفلة فى الدنيا بالمال والبنين، وزينة أهل الوصلة بالأعمال واليقين..\nفهؤلاء رتّبهم لظواهرهم.. وهؤلاء زينتهم لعبوديته، وافتخارهم بمعرفة ربوبيته.\nويقال ما كان للنّفس فيه حظّ فهو من زينة الحياة الدنيا، ويدخل فى ذلك الجاه وقبول المدح، وكذلك تدخل فيه جميع المألوفات والمعهودات على اختلافها وتفاوتها.\nويقال ما كان للإنسان فيه شرب ونصيب فهو معلول: إن شئت فى عاجله وإن شئت فى آجله.\nقوله جل ذكره: وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا.\nوهى الأعمال التي بشواهد الإخلاص والصدق.\nويقال «الْباقِياتُ الصَّالِحاتُ»: ما كان خالصا لله تعالى غير مشوب بطمع، ولا مصحوب بغرض.\nويقال «الْباقِياتُ الصَّالِحاتُ»: ما يلوح فى السرائر من تحلية العبد بالنعوت، ويفوح نشره فى سماء الملكوت.\nويقال هى التي سقت من الغيب لهم بالقربة وشريف الزلفة.","vol":"2","page":398},{"text":"ويقال هى ضياء شموس التوحيد المستكنّ (فى السرائر مما لا يتعرّض لكسوف الحجبة) «١» قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1873>[سورة الكهف (١٨): آية ٤٧]</span>\nوَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٤٧)\nكما تسيّر جبال الأرض «٢» يوم القيامة فإنها تقتلع بموت الأبدال الذين يديم بهم الحقّ- اليوم- إمساك الأرض، فهؤلاء السادة- فى الحقيقة- أوتاد العالم.\nقوله: «فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا»: الإشارة منه أنه ما من أحد إلا ويسقى كأس المنية، ولا يغادر الحقّ أحدا اليوم على البسيطة إلا وينخرط عن نظامه. وإنّ شرفهم فى الدرجات فى توقّيهم عن مساكنة الدنيا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1874>[سورة الكهف (١٨): آية ٤٨]</span>\nوَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا (٤٨)\nيقيم كلّ واحد يوم العرض فى شاهد مخصوص، ويلبس كلّا ما يؤهّله له فمن لباس تقوى، ومن قميص هوى، ومن صدار وجد، ومن صدرة محبة، ومن رداء شوق، ومن حلّة وصلة.\nويقال يجرّدهم عن كل صفة إلا ما عليه نظرهم يوم القيامة. وينادى المنادى على أجسادهم:\nهذا الذي أتى ووجد، وهذا الذي أبى وجحد. وهذا الذي خالف فأصرّ، وهذا الذي أنعمنا عليه فشكر، وهذا الذي أحسنّا إليه فذكر. وهذا الذي أسقيناه شرابنا، ورزقناه محابّتا، وشوّقناه إلى لقائنا، ولقّيناه خصائص رعائنا» .\nوهذا الذي وسمناه بحجبتنا، وحرمناه وجوه قربتنا. وألبسناه نطاق فراقنا، ومنعناه، توفيق وفاقنا، وهذا، وهذا ...\n_________\n(١) تكملة فى أسفل الصفحة موضحة فى المتن بالعلامة.\n(٢) نلاحظ كثيرا أن القشيري يتحدث عن الأوتاد والأبدال والقطب كلما ورد فى القرآن ذكر للجبال، فكما أن الله يمسك بها الأرض ويثبتها كذلك يقوم هؤلاء بحفظ الخلق، وبكرامتهم يندفع البلاء عنهم.\n(٣) الرعاء: المراعاة والمحافظة.","vol":"2","page":399},{"text":"وا خجلتي من وقوفي وسط دارهم! وقال لى مغضبا: من أنت يا رجل؟\nوقوله جل ذكره: قَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا\nجئتمونا بلا شفيع ولا ناصر، ولا معين ولا مظاهر.\nقوم يقال لهم: سلام عليكم ... كيف أنتم؟ وكيف وجدتم مقيلكم؟ وكم إلى لقائنا اشتقتم! وقوم يقال لهم: ما صنعتم، وما ضيّعتم؟ ما قدّمتم، وما أخرتم؟ ما أعلنتم، وما أسررتم؟\nقل لى بألسنة التنفّس «١» ... كيف أنت وكيف حالك؟\nويقال يجيب بعضهم عند السؤال فيفصحون عن مكنون قلوبهم، ويشرحون ما هم به من أحوال مع محبوبهم وآخرون تملكهم الحيرة وتسكتهم الدهشة، فلا لهم بيان، ولا ينطق عنهم لسان. وآخرون كما قيل:\nقالت سكينة من هذا فقلت لها: ... أنا الذي أنت من أعدائه زعموا\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1875>[سورة الكهف (١٨): آية ٤٩]</span>\nوَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)\nإنما يصيبهم ما كتب فى الكتاب الأول وهو المحفوظ، لا ما فى الكتاب الذي هو كتاب أعمالهم نسخه ما فى اللوح المحفوظ.\nويقال إن عامل عبدا بما فى الكتاب الذي أثبته الملك عليه فكثير من عباده يعاملهم بما فى كتاب الملك- سبحانه، وفرق بين من يعامل بما فى كتاب الحقّ من الرحمة «٢» والشفقة وبين من يحاسبه بما كتب عليه الملك من الزّلة «٣»\n_________\n(١) التنفس: الاستراحة من الكد والتعب\n(٢) يشير بذلك إلى قوله تعالى «كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ» (آية ١٢ سورة الأنعام) وإلى قوله تعالى:\n«فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ» (آية ٥٤ سورة الأنعام) .\n(٣) يشير بذلك إلى قوله تعالى: «بَلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ» (آية ٨٠ سورة الزخرف) .","vol":"2","page":400},{"text":"ويقال إذا حاسبهم فى القيامة يتصور لهم كأنهم فى الحال ما فارقوا الزّلة، وإن كانت مباشرة الزّلة قد مضت عليها سنون كثيرة.\nقوله جل ذكره: وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا يملك الحزن قلبه لأنه يعلم أنه يرى فى عمله سيئة فهو فى موضع الخجل لتقصيره. وإن رأى حسنة فهو فى موضع الخجل أيضا لقلة توقيره فخجلة أهل الصدق عند شهود حسناتهم توفى وتزيد على خجلة أهل الغفلة إذا عثروا على زلّاتهم.\nويقال أصحاب الطاعة إذا وجدوا ما قدّموا من العبادات فمآلهم السرور والبهجة وحياة القلب والراحة، وأمّا أصحاب المخالفات فإنما يجدون فيما قدّموا مجاوزة الحدّ ونقض العهد، وما فى هذا الباب من الزّلة وسوء القصد.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1876>[سورة الكهف (١٨): آية ٥٠]</span>\nوَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (٥٠)\nأظهر للملائكة شظيّة مما استخلص به آدم فسجدوا بتيسير من الله- سبحانه، وسكّر بصر اللعين فما شهد منه غير العين «١» فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ، ولا صدق فى قوله:\n«أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ» لمّا فسق عن الأمر، ولكن أدركته الشقاوة الأصيلة فلم تنفعه الوسيلة بالحيلة.\nقوله جل ذكره: أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ\n_________\n(١) أي نظر إبليس إلى الجسد المادي لآدم فقال: خلقتنى من نار وخلقته من طين، ولم ينظر إلى الجوهر، والسبب فى ذلك في رأى القشيري أن الله أغلق عليه.","vol":"2","page":401},{"text":"دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا فى الآية إشارة إلى أنّ من يفرده بالولاية فلا يقتفى غيره ولا يخاف غيره.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1877>[سورة الكهف (١٨): آية ٥١]</span>\nما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا (٥١)\nأكذب المنجمين والأطباء الذين يتكلمون فى الهيئات والطبائع بقوله: «ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ»: وبيّن أن ما يقولونه من إيجاب الطبائع لهذه الكائنات لا أصل له فى التحقيق.\n«وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا»: أي لم أجعل للذين يضلّون الناس عن دينهم بشبههم فى القول بالطبائع حجة، ولم أعطهم لتصحيح ما يقولونه برهانا.\nويقال إذا تقاصرت علوم الخلق عن العلم بأنفسهم فكيف تحيط علومهم بحقائق الصمدية، واستحقاقه لنعونه إلا بمقدار ما يخصّهم به من التعريف على ما يليق برتبة كل أحد بما جعله له أهلا؟\nويقال أخبر أنّ علومهم تتقاصر عن الإحاطة بجميع أوصافهم وجميع أحوالهم وعن كلّ ما فى الكون، ولا سبيل لهم إلى ذلك ولا حاجة بهم إلى الوقوف على ما قصرت علومهم عنه، إذ لا يتعلّق بذلك شىء من الأمور الدينية. فالإشارة فى هذا أن يصرفوا عنايتهم إلى طلب العلم بالله وبصفاته وبأحكامه، فإنه لا بدّ لهم- بحكم الديانة- من التحقق بها إذ الواجب على العابد معرفة معبوده بما يزيل التردد عن قلبه فى تفاصيل مسائل الصفات والأحكام «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1878>[سورة الكهف (١٨): آية ٥٢]</span>\nوَيَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا (٥٢)\n_________\n(١) فى هذا أبلغ رد على من يتهمون الصوفية بمجافاتهم للعلوم، وكيف يجافونها وطلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة؟","vol":"2","page":402},{"text":"علم الحقّ- سبحانه- أنّ الأصنام لا تغنى ولا تنفع ولا تضر، ولكن يعرّفهم فى العاقبة بما يصيّر معارفهم ضرورية «١» حسما لأوهام القوم حيث توهموا أنّ عبادتهم للأصنام فيها نوع تقرب إلى الله على وجه التعظيم له كما قالوا: «ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى» «٢» .\nفإذا تحققوا بذلك صدقوا فى الندم، وكان استيلاء الحسرة عليهم، وذلك من أشد العقوبات لهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1879>[سورة الكهف (١٨): آية ٥٣]</span>\nوَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفًا (٥٣)\nإذا صارت الأوهام منقطعة، والمعارف ضرورية، والنار معاينة استيقنوا أنهم واقعون فى النار، فلا يسمع لهم عذر، ولا تنفع لهم حيلة، ولا تقبل فيهم شفاعة، ولا يؤخذ منهم فداء ولا عدل.. لقد استمكنت الخيبة، وغلب اليأس، وحصل القنوط، وهذا هو العذاب الأكبر.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1880>[سورة الكهف (١٨): آية ٥٤]</span>\nوَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا (٥٤)\nأوضح للكافة الحجج، ولكن لبّس على قوم النهج فوقعوا فى العوج.\n«وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا» الجدل فى الله محمود مع أعدائه، والجدل مع الله شرك لأنه صرف إلى مخالفة توهم أن أحدا يعارض التقدير، وتجويز ذلك انسلاخ\n_________\n(١) المعارف إما ضرورية أو كسبية، والضرورية من الحق، والكسبية من الخلق.\n(٢) آية ٣ سورة الزمر. [.....]","vol":"2","page":403},{"text":"عن الدّين. ومن أمارات السعادة للمؤمن فتح باب العمل عليه، وإغلاق باب الجدل دونه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1881>[سورة الكهف (١٨): آية ٥٥]</span>\nوَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلًا (٥٥)\nلا عذر لهم إذا لجأوا إلى ما تعاطوه من العصيان وترك المبادرة إلى المأمور، ولا توفيق يساعدهم فيخرجهم عن حوار الداعي إلى عزم الفعل، فهم- وإن لم يكونوا بنعت الاستطاعة على ما ليسوا يفعلونه- ليسوا عاجزين عن ذلك ولكنهم بحيث لو أن العبد منهم أراد ما أمر به لتأبّى منه ذلك، وتعذّر عليه ففى الحال ليس بقادر على ما ليس يفعله ولا هو عاجز عنه، وهذا يسميه القوم حال التخلية وهى واسطة بين القدرة والعجز.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1882>[سورة الكهف (١٨): آية ٥٦]</span>\nوَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آياتِي وَما أُنْذِرُوا هُزُوًا (٥٦)\nأرسل الرسل﵈- تترى، وأيّدهم بالحجج والبراهين، وأمرهم بالإنذار والتخويف، والتشريف فى عين التكليف، وتضمين ذلك بالتحقيق، ولكن سعد قوم باتباعهم، وشقى آخرون بخلافهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1883>[سورة الكهف (١٨): آية ٥٧]</span>\nوَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا (٥٧)","vol":"2","page":404},{"text":"لا أحد أظلم ممّن ذكّر ووعظ بما لوّح له من الآيات، وبما شاهده وعرفه من أمر أصلح أو شغل كفى أو دعاء أجيب له، أو سوء أدب حصل منه، فأدّب بما يكون تنبيها له، أو حصلت منه طاعة وكوفىء فى العاجل إمّا بمعني وجده فى قلبه من بسط أو حلاوة أو أنس، وإمّا بكفاية شغل أو إصلاح أمر.. ثم إذا استقبله أمر نسى ما عومل به، أو أعرض عن تذكّره، ونسى ما قدّمت يداه من خيره وشرّه، فوجد فى الوقت موجبه..\nومن كانت هذه صفته جعل على قلبه سترا وغفلة وقسوة حتى تنقطع عنه بركات ما وهبه.\nويقال من أظلم ممن يستقبله أمر مجازاة لما أسلفه من ترك أربه فيتّهم ربّه، ويشكو مما يلاقيه، وينسى حرمة الذي بسببه أصابه ما أصابه؟ وكما قيل:\nوعاجز الرأى مضياع لفرصته ... حتى إذا فات أمر عاتب القدرا\nقوله جلّ ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1884>[سورة الكهف (١٨): آية ٥٨]</span>\nوَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا (٥٨)\n«غفور»: لأنه ذو الرحمة، ورحمته الأزلية أوجبت المغفرة لهم.\nويقال «الْغَفُورُ»: للعاصين من عباده، و«ذُو الرَّحْمَةِ» بجميعهم فيصلح أحوال كافتهم.\n«لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا»: لعجّل لهم العذاب أي عاملهم بما استوجبوه من عصيانهم، فعجّل لهم العقوبة، لكنه يؤخرها لمقتضى حكمته، ثم فى العاقبة يفعل ما يفعل على قضية إرادته وحكمه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1885>[سورة الكهف (١٨): آية ٥٩]</span>\nوَتِلْكَ الْقُرى أَهْلَكْناهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا (٥٩)\nلمّا لم يشكروا النّعم ولم يصبروا فى المحن عجّلنا لهم العقوبة.\nويقال لمّا غفلوا عن شهود التقدير، وحرموا روح الرضا وكّلناهم إلى ظلمات تدبيرهم، فطاحوا فى أودية غفلاتهم.","vol":"2","page":405},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1886>[سورة الكهف (١٨): الآيات ٦٠ الى ٦١]</span>\nوَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (٦٠) فَلَمَّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما نَسِيا حُوتَهُما فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا (٦١)\nلما صحّت صحبة يوشع مع موسى ﵉ استحقّ اسم الفتوة، ولذا قال:\n«وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ» وهو اسم كرامة لا اسم علامة.\nجعل دخول السمك الماء علامة لوجود الخضر هنالك «١»، ثم أدخل النسيان عليهما ليكون أبلغ فى الآية، وأبعد من اختيار البشر.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1887>[سورة الكهف (١٨): آية ٦٢]</span>\nفَلَمَّا جاوَزا قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَبًا (٦٢)\nكان موسى فى هذا السّفر متحمّلا، فقد كان سفر تأديب واحتمال مشقة، لأنه ذهب لاستكثار العلم. وحال طلب العلم حال تأديب ووقت تحمّل المشقة، ولهذا لحقه الجوع، فقال: «لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَبًا» .\nوحين صام فى مدة انتظار سماع الكلام من الله صبر ثلاثين يوما، ولم يلحقه الجوع ولا المشقة، لأن ذهابه فى هذا السفر كان إلى الله، فكان محمولا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1888>[سورة الكهف (١٨): الآيات ٦٣ الى ٦٤]</span>\nقالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَما أَنْسانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (٦٣) قالَ ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا (٦٤)\n_________\n(١) كان الحوت سمكة مملوحة، فنزلا ليلة على شاطىء عين الحياة ونام موسى، فلما أصاب السكة الماء عاشت ووقعت فى الماء (النسفي) .","vol":"2","page":406},{"text":"«١»\nطال عليهما السفر لأنهما احتاجا إلى الانصراف إلى مكانهما، ثم قال يوشع:\n«وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ»: الله- سبحانه- أدخل عليه النسيان ليكون الصّيد من تكلفه، ثم قال: «ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ»: يعنى دخول السمك الماء وكان مشويا فصار ذلك معجزة له، فلما انتهيا إلى الموضع الذي دخل السمك فيه الماء لقيا الخضر.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1889>[سورة الكهف (١٨): آية ٦٥]</span>\nفَوَجَدا عَبْدًا مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (٦٥)\nإذا سمى الله إنسانا بأنه عبده جعله من جملة الخواص فإذا قال: «عبدى» جعله من خاص الخواص.\n«آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا»: أي صار مرحوما من قبلنا بتلك الرحمة التي خصصناه بها من عندنا، فيكون الخضر بتلك الرحمة مرحوما، ويكون بها راحما على عبادنا.\n«وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا»: قيل العلم من لدن الله «٢» ما يتحصل بطريق الإلهام دون التكلف بالتّطلّب.\nويقال ما يعرّف به الحقّ- سبحانه- الخواص من عباده.\nويقال ما يعرّف به الحق أولياءه فيما فيه صلاح عباده.\n_________\n(١) قال الزجاج: القصص اتباع الأثر، فقص قصصا: اتبع الأثر.\n(٢) يتخذ الصوفية من قصة الخضر وموسى مصدرا ثريا لاستمداد كثير من أصولهم فيما يتصل بالعلم اللدني وعلم الوراثة، والولاية والنبوة، والعلاقة بين المريد والشيخ، وفكرة الظاهر والباطن، والملامة على ظاهر مستشنع باطنه سليم.. ونحو ذلك.\nوقد نجد خلال إشارات القشيري شيئا من ذلك.","vol":"2","page":407},{"text":"وقيل هو ما لا يعود منه نفع إلى صاحبه، بل يكون نفعه لعباده ممّا فيه حقّ الله- سبحانه.\nويقال هو ما لا يجد صاحبه سبيلا إلى جحده، وكان دليلا على صحة ما يجده قطعا، فلو سألته عن برهانه لم يجد عليه دليلا فأقوى العلوم أبعدها من الدليل «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1890>[سورة الكهف (١٨): آية ٦٦]</span>\nقالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (٦٦)\nتلطف فى الخطاب حيث سلك طريق الاستئذان، ثم صرّح بمقصوده من الصحبة بقوله: «عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا» .\nويقال إن الذي خصّ به الخضر من العلم لم يكن تعلمه من أستاذ ولا من شخص، فما لم يكن بتعليم أحد إياه.. متى كان يعلمه غيره؟\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1891>[سورة الكهف (١٨): الآيات ٦٧ الى ٦٩]</span>\nقالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٦٧) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (٦٨) قالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (٦٩)\nسؤال بذلك العطف وجواب بهذا العطف! ثم تدارك قلبه بقوله: «وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا؟»، فأجابه موسى:\n«قالَ سَتَجِدُنِي ...» وعد من نفس موسى بشيئين: الصبر، وبأن لا يعصيه فيما يأمر به، فأمّا الصبر فقرنه بالاستثناء بمشيئة الله فقال: «سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا» فصبر حتى وجد صابرا، فلم يقبض على يدى الخضر فيما كان منه من الفعل، والثاني قوله: «لا أَعْصِي»\n_________\n(١) وسر قوة العلم الذي يبعد عن الدليل أنه من الحق، وبقدر ما تختفى الجوانب الإنسانية فى العلم وتبرز المنن الإلهية فيه تكون نصاعة برهانه وقوة بيانه.","vol":"2","page":408},{"text":"«لَكَ أَمْرًا»: أطلقه ولم يقرنه بالاستنشاء، فما استنشأ لأجله لم يخالفه فيه، وما أطلقه وقع فيه الخلف «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1892>[سورة الكهف (١٨): آية ٧٠]</span>\nقالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (٧٠)\nفإنه ليس للمريد أن يقول: «لا» لشيخه، ولا التلميذ لأستاذه، ولا العامىّ، للعالم المفتى فيما يفتى ويحكم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1893>[سورة الكهف (١٨): آية ٧١]</span>\nفَانْطَلَقا حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها قالَ أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (٧١)\nلما ركبوا الفلك خرقها وكان ذلك إبقاء على صاحبها لئلا يرغب فى السفينة المخروقة الملك الطامع فى السفن.\nوقوله: «لِتُغْرِقَ أَهْلَها» أي لتؤدى عاقبة هذا الأمر إلى غرق أهلها لأنه علم أنه لم يكن قصد إغراق أهل السفينة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1894>[سورة الكهف (١٨): آية ٧٢]</span>\nقالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٢)\nأي أنت تنظر إلى هذا من حيث العلم، وإنّا نجريه من حيث الحكم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1895>[سورة الكهف (١٨): آية ٧٣]</span>\nقالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (٧٣)\nطالبه بما هو شرط العلم حيث قال: «لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ» لأن الناسي لا يدخل تحت التكليف، وأيّد ذلك بما قرن به قوله: «وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا» فالمتمكّن من حقه\n_________\n(١) الخلف- الإخلاف، فقد خالف موسى الأمر حين كان ينسى ويتساءل عقب كل حادثة فى القصة، وكان الحضر فى كل مرة يقول: «أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا» .","vol":"2","page":409},{"text":"التكليف، ومن لا يصحّ منه الفعل والترك لا يتوجه () «١» والناسي «٢» من جملتهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1896>[سورة الكهف (١٨): آية ٧٤]</span>\nفَانْطَلَقا حَتَّى إِذا لَقِيا غُلامًا فَقَتَلَهُ قالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (٧٤)\nكان بخلق العلم واجبا على موسى﵇- قصره حيث يرى فى الظاهر ظلما، ولكن فيما عرف من حال الخضر من حقه التوقف ريثما يعلم أنه ألمّ بمحظور أو مباح، ففى ذلك الوقت كان قلب العادة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1897>[سورة الكهف (١٨): آية ٧٥]</span>\nقالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٥)\nكرّر قوله: «إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ ...» لأنه واقف بشرط العلم، وأمّا فى محل الكشف فشرط عليه موسى ﵇ فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1898>[سورة الكهف (١٨): آية ٧٦]</span>\nقالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا (٧٦)\nبلغ عصيانه ثلاثا والثلاثة آخر حدّ القلّة وأوّل حدّ الكثرة، فلم يجد المسامحة بعد ذلك «٣» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1899>[سورة الكهف (١٨): آية ٧٧]</span>\nفَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِدارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ قالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (٧٧) .\n_________\n(١) بياض فى النسخة، ونرجح أن المفقود (عليه لوم) او مؤاخذة.\n(٢) وردت (والناس) والسياق يتطلب (والناسي) بالياء إذ جاء فى الآية (... بما نسيت) .\n(٣) قد تكشف هذه العبارة عن تصور القشيري لأقصى درجات الذنب القابل للتوبة.","vol":"2","page":410},{"text":"كان واجبا فى ملتهم على أهل القرية إطعامهما، ولم يعلم موسى أنه لا جدوى من النكير عليهم ولو كان أغضى على ذلك منهم لكان أحسن.\nفلمّا أقام الخضر جدارهم ولم يطلب عليه أجرا لم يقل موسى إنك قمت بمحظور، ولكنه قال له: «لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا» أي إن لم تأخذ بسببك فلو أخذت بسببنا لكان أخذك خيرا لنا من تركك ذلك، ولئن وجب حقّهم فلم أخللت بحقنا؟\nويقال إنّ سفره ذلك كان سفر تأديب فردّ إلى تحمّل المشقة، وإلّا فهو حين سقى لبنات شعيب فإنّ ما أصابه من التعب وما كان فيه من الجوع كان أكثر «١»، ولكنه كان فى ذلك الوقت محمولا وفى هذا الوقت متحمّلا. فلما قال موسى هذا قال له الخضر:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1900>[سورة الكهف (١٨): آية ٧٨]</span>\nقالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٧٨)\nأي بعد هذا فلا صحبة بيننا.\nويقال قال الخضر إنّك نبيّ.. وإنما أؤاخذك بما قلت، فأنت شرطت هذا الشرط وقلت: إن سألتك عن شىء بعدها فلا تصاحبنى وإنما أعاملك بقولك.\nويقال لمّا لم يصبر موسى معه فى ترك السؤال لم يصبر الخضر أيضا معه فى إدامة الصحبة فاختار الفراق.\nويقال ما دام موسى ﵇ سأله لأجل الغير- فى أمر السفينة التي كانت للمساكين، وقتل النّفس بغير حق- لم يفارقه الخضر، فلمّا صار فى الثالثة إلى القول فيما كان فيه حظّ لنفسه من طلب الطعام ابتلى بالفرقة، فقال الخضر: «هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ» .\nويقال كما أن موسى﵇- كان يحب صحبة الخضر لما له فى ذلك من غرض الاستزادة من العلم فإن الخضر كان يحب ترك صحبة موسى ﵇ إيثارا للخلوة بالله عن المخلوقين.\n_________\n(١) ومع ذلك لم يطلب اجرا، ولم يفكر في ذلك البتة.. لأنه كان بحق الله ولكنه فى هذا الموقف كان متكلفا، فهو يفكر بحظ نفسه، ولذا فكر فى الأجر وطلب الطعام.","vol":"2","page":411},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1901>[سورة الكهف (١٨): آية ٧٩]</span>\nأَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (٧٩)\nلما فارق الخضر موسى ﵇ لم يرد أن يبقى فى قلب موسى شبه اعتراض فأزال عن قلبه ذلك بما أوضح له من الحال، وكشف له أنّ السّرّ فى قصده من خرق السفينة سلامتها وبقاؤها لأهلها حيث لن يطمع فيها الملك الغاصب، فبقاء السفينة لأهلها- وهى مصيبة- كان خيرا لهم من سلامتها وهى مغضوبة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1902>[سورة الكهف (١٨): الآيات ٨٠ الى ٨١]</span>\nوَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وَكُفْرًا (٨٠) فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْرًا مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (٨١)\nبيّن له أن قتل الغلام لمّا سبق به العلم مضى من الله الحكم أنّ فى بقائه فتنة لوالديه، وفى إبدال الخلف عنه سعادة لهما.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1903>[سورة الكهف (١٨): آية ٨٢]</span>\nوَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وَكانَ أَبُوهُما صالِحًا فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٨٢)\nأما تسوية الجدار فلاستبقاء كنز الغلامين وترك طلب الرفق من الخلق.","vol":"2","page":412},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1904>[سورة الكهف (١٨): الآيات ٩٠ الى ٩٢]</span>\nحَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْرًا (٩٠) كَذلِكَ وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْرًا (٩١) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٩٢)\nأقوام هم أهل مطلع الشمس الغالب عليهم طول نهارهم، وآخرون كانوا من أهل مغرب الشمس الغالب عليهم استتار شمسهم.. كذلك الناس فى طلوع شمس التوحيد: منهم الغالب عليهم طلوع شموسهم، والحضور نعتهم والشهود وصفهم والتوحيد حقّهم، وآخرون لهم من شموس التوحيد النصيب الأقل والقسط الأرذل.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1905>[سورة الكهف (١٨): الآيات ٩٣ الى ٩٥]</span>\nحَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْمًا لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (٩٣) قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (٩٤) قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (٩٥)\nأي ما كانوا يهتدون إلا إلى لسان أنفسهم، وما كانوا يفقهون فقه غيرهم فلجئوا إلى عبراتهم فى شرح قصتهم، ورفعوا إليه- فى باب يأجوج وماجوج- مظلمتهم، وضمنوا له خراجا يدفعونه إليه، فأجابهم إلى سؤلهم، وحقّق لهم بغيتهم، ولم يأخذ منهم ما ضمنوا له من الجباية، لمّا رأى أنّ من الواجب عليه حق الحماية على حسب المكنة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1906>[سورة الكهف (١٨): آية ٩٦]</span>\nآتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذا جَعَلَهُ نارًا قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (٩٦)","vol":"2","page":413},{"text":"استعان بهم فى الذي احتاج إليه منهم من الإمداد بما قال: «آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ» فلمّا فعلوا ما أمرهم به، ونفخوا فيه النار جعل السد بين الصدفين أي جانبى الجبل. ثم أخبر أنه إنما يبقى ذلك إلى أن يأذن الله له فى الخروج، وتندفع عن الناس عادية (....) «١» إلى الوقت المضروب لهم فى التقدير.\nوبعد ذلك يكون من شأنهم ما يريد الله. وبيّن- سبحانه- أنّ خروجهم من وراء سدّهم من أشراط الساعة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1907>[سورة الكهف (١٨): آية ١٠١]</span>\nالَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا (١٠١)\nنظروا بأعين رءوسهم لأنهم فقدوا نظر القلب من حيث الاعتبار والاستدلال، ولم يكن لهم سمع الإجابة لما فقدوا من التوفيق، فتوجه عليهم التكليف ولم يساعدهم التعريف.\nقوله: «وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا»: لأنهم فقدوا من قبله- سبحانه- الإسماع فلم يستطيعوا لهم القبول.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1908>[سورة الكهف (١٨): آية ١٠٢]</span>\nأَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ إِنَّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا (١٠٢)\nأي توهموا أنه ينفعهم ما فعلوه حسب ظنهم، واعتقدوا فى أصنامهم استحقاق التعظيم، وكانوا يقولون: «ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى» «٢»، وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا» وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون.\n_________\n(١) مشتبهة.\n(٢) آيه ٣ سورة الزمر.","vol":"2","page":414},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1909>[سورة الكهف (١٨): الآيات ١٠٣ الى ١٠٤]</span>\nقُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤)\nضلّ سعيهم لأنهم عملوا لغير الله.. وما كان لغير الله فلا ينفع.\nويقال الذين ضلّ سعيهم هم الذين قرنوا أعمالهم بالرياء، ووصفوا أحوالهم بالإعجاب، وأبطلوا إحسانهم بالملاحظات أو بالمنّ.\nويقال هم الذين يلاحظون أعمالهم وما منهم بعين الاستكثار «١» .\nقوله جل ذكره: وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا لم يكونوا أصحاب التحقيق، فعملوا من غير علم، ولم يكونوا على وثيقة «٢» قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1910>[سورة الكهف (١٨): آية ١٠٥]</span>\nأُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْنًا (١٠٥)\nعموا عن شهود الحقيقة فبقوا فى ظلمة الجحد، فتفرقّت بهم الأوهام والظنون، ولم يكونوا على بصيرة، ولم تستقر قلوبهم على عقيدة مقطوع بها فليس لهم فى الآخرة وزن ولا خطر، اليوم هم كالأنعام، وغدا واقعون ساقطون (...) «٣» الأقدام.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1911>[سورة الكهف (١٨): آية ١٠٦]</span>\nذلِكَ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (١٠٦)\n_________\n(١) ملاحظة الأعمال واستكثارها من أخطر دعاوى النفس، كثيرا ما حذّر منهما أهل الملامة فى نيسابور- موطن القشيري.\n(٢) الوثيقة ما يضبط به الأمر ويحكم.\n(٣) مشتبهة، وقد ضبطنا (الأقدام) بفتح الهمزة مراعاة للانسجام مع (الأنعام) على عادة القشيري فى ضبط الموسيقى الداخلية للجمل والفقرات، ومع ذلك فإنّ صحة ضبطها تتوقف على معرفة الكلمة المشتبهة. [.....]","vol":"2","page":415},{"text":"هم اليوم فى عقوبة الجحد، وغدا فى عقوبه الردّ. اليوم هم فى ذلّ الفراق، وغدا فى أليم الاحتراق.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1912>[سورة الكهف (١٨): آية ١٠٧]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧)\nلهم جنات معجّلة سرا، ولهم جنان مؤجلة جهرا.\nاليوم جنان الوصل وغدا جنان الفضل.\nاليوم جنان العرفان وغدا جنان الرضوان.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1913>[سورة الكهف (١٨): آية ١٠٨]</span>\nخالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا (١٠٨)\nعرّفنا- سبحانه- أن ما يخوّله لهم غدا يكون على الدوام، فهم لا ينفكون عن أفضالهم، ولا يخرجون عن أحوالهم فهم أبدا فى الجنة، ولا إخراج لهم منها. وأبدا لهم الرؤية، ولا حجاب لهم عنها «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1914>[سورة الكهف (١٨): آية ١٠٩]</span>\nقُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِدادًا لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩)\nأي لا تعدّ معانى كلمات الله لأنه لا نهاية لها فإنّ متعلقات الصفة القديمة لا نهاية لها كمعلومات الحقّ- سبحانه- ومقدوراته وسائر متعلقات صفاته.\nوالذي هو مخلوق «٢» لا يستوفى ما هو غير متناه- وإن كثر ذلك.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1915>[سورة الكهف (١٨): آية ١١٠]</span>\nقُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)\n_________\n(١) القشيري من الباحثين الذين يصرحون بالرؤية بالأبصار فى الآخرة، أما فى الدنيا فيقول: الأقوى فيه أنه لا يجوز، الرسالة ص ١٧٥.\n(٢) يفصد (البحر) إذا صار مدادا فالبحر يتناهى. وكلمات الله لا تتناهى.","vol":"2","page":416},{"text":"أخبر أنّك لهم من حيث الصورة والجنسية مشاكل، والفرق بينك وبينهم تخصيص الله- سبحانه- إياك بالرسالة، وتركه إياهم فى الجهالة.\nويقال: قل اختصاصى بما لى من (الاصطفاء) «١»، وإن كنا- أنا وأنتم- فى الصورة أكفاء.\nقوله جل ذكره: فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا حمل الرجاء فى هذه الآية على خوف العقوبة ورجاء المثوبة حسن، ولكنّ ترك هذا على ظاهره أولى فالمؤمنون قاطبة يرجون لقاء الله.\nوالعارف بالله- سبحانه- يرجو لقاء الله والنظر إليه والعمل الصالح الذي بوجوده يصل إلى لقائه هو صبره على لواعج اشتياقه، وأن يخلص فى عمله.\n«وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ»: أي لا يلاحظ عمله، ولا يستكثر طاعته، ويتبرأ من حوله وقوّته.\nويقال العمل الصالح هنا اعتقاد (وجود الصراط ورؤيته وانتظار وقته) «٢»\n_________\n(١) هنا كلمة منبهمة فى الخط، فوضعنا كلمة (الاصطفاء) من عندنا فهى أليق بالمعنى والسياق.\n(٢) هكذا في ص وليس واضحا عودة الضمير فى (رؤيته) هل هى على الصراط أم على الحق. فنحن تعلم أن القشيري شافعىّ من حيث مذهبة الفقهي، ونعلم كذلك أن الشافعي يقول: لو علم ابن إدريس أنه لا يرى ربّه يوم القيامة ما عبده.\nانتهت سورة الكهف بهذا التذييل فى النسخة من.\n[تمّ بعون الله تعالى وحسن توفيقه نصف أول از تفسير محقق إمام أبو قاسم القشيري رحمة الله عليه بتاريخ ١٢ شهر شوال سنة ١١٣٤] .","vol":"2","page":417},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1916>سورة مريم ﵍</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ بسم الله، اسم عزيز من عبده واصل جهاده، ومن طلبه ودّع وساده، ومن عرفه أنكر أحبابه. ومن يسّر له أوقفه على محبته.\nمن ذكره نسى اسمه، ومن شهده فقد عقله ولبّه «١» .\nاسم عزيز جبلّت القلوب على محبته، وكل قلب ليس يوقفه على محبته، فليس بحيلة يصل.\nاسم ما اتصفت أشباح الأبرار إلا بعبادته، وما اعتكفت أرواح الأحرار إلا بمشاهدته.\nاسم عزيز من عرفه اعترف أنه وراء ما وصفه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1917>[سورة مريم (١٩): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nكهيعص (١)\nتعريف للأحباب بأسرار معانى الخطاب، حروف خصّ الحقّ المخاطب بها بفهم معانيها، وإذا كان للأخيار سماعها وذكرها، فللرسول﵇- فهمها وسرّها.\nويقال أشار بالكاف إلى أنه الكافي فى الإنعام والانتقام، والرفع والوضع على ما سبق به القضاء والحكم.\n_________\n(١) المقصود بفقد العقل واللب هنا غيبة التمييز فى حال الشهود.","vol":"2","page":418},{"text":"ويقال فى الكاف تعريف بكونه مع أوليائه، وتخويف بخفيّ مكره فى بلائه.\nويقال فى الكاف إشارة إلى كتابته الرحمة على نفسه قبل كتابة الملائكة الزّلّة على عباده.\nوالهاء تشير إلى هدايته المؤمنين إلى عرفانه، وتعريف خواصه باستحقاق جلال سلطانه، وماله من الحق بحكم إحسانه.\nوالياء إشارة إلى يسر نعمه بعد عسر محنه. وإلى يده المبسوطة بالرحمة للمؤمنين من عباده.\nوالعين تشير إلى علمه بأحوال عبده فى سرّه وجهره، وقلّه وكثره، وحاله ومآله، وقدر طاقته وحق فاقته.\nوفى الصاد إلى أنه الصادق فى وعده.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1918>[سورة مريم (١٩): آية ٢]</span>\nذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢)\nتخصيصه إياه بإجابته فى سؤال ولده، وما أراد أن يتصل بأعقابه من تخصيص القربة له ولجميع أهله.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1919>[سورة مريم (١٩): آية ٣]</span>\nإِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا (٣)\nوإنما ذلك لئلا يطّلع أحد على سرّ حاله فأخفى نداءه عن الأجانب وقد أمكنه أن يخفيه عن نفسه بالتعامي عن شهود محاسنه، والاعتقاد بالسّوء فى نفسه، ثم أخفى سرّه عن الخلق لئلا يقع لأحد إشراف على حاله، ولئلا يشمت بمقالته أعداؤه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1920>[سورة مريم (١٩): آية ٤]</span>\nقالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤)\nأي لقيت بضعفي عن خدمتك ما لا أحبّه فطعنت فى السنّ، ولا قوة بعد المشيب فهب لى ولدا ينوب عنى فى عبادتك.\nقوله جل ذكره: وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا.\nأي إنى أسألك واثقا بإجابتك لعلمى بأنى لا أشقى بدعائك فإنّك تحبّ أن تسأل.","vol":"2","page":419},{"text":"ويقال إنك عوّدتنى إجابة الدعاء، ولم تردّنى فى سالف أيامى إذا دعوتك.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1921>[سورة مريم (١٩): الآيات ٥ الى ٦]</span>\nوَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (٦)\nإنى خفت أن تذهب النبوة من أهل بيتي، وتنتقل إلى بنى أعمامى فهب لى ولدا يعبدك، ويكون من نسلى ومن أهلى.\nوهو لم يرد الولد بشهوتة الدنيا وأخذ الحظوظ منها، وإنما طلب الولد ليقوم بحقّ الله، وفى قوله: «يَرِثُنِي» دليل على أنه كما سأل الولد سأل بقاء ولده فقال: ولدا يكون وارثا لى أي يبقى بعدي، ويرث من آل يعقوب النبوة وتبليغ الرسالة.\nواجعله ربّ رضيا: رضى فعيل بمعنى مفعول أي ترضى عنه فيكون مرضيّا لك. ويحتمل أن يكون مبالغة من الفاعل أي راضيا منك، وراضيا بتقديرك.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1922>[سورة مريم (١٩): آية ٧]</span>\nيا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (٧)\nأي استجبنا لدعائك، ونرزقك ولدا ذكرا اسمه يحيى تحيا به عقرة أمّه، ويحيا به نسبك، ويحيا به ذكرك، وما سألته من أن يكون نائبا عنك فيحيا به محلّ العبادة والنبوة فى بيتك.\n«لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا»: انفراده﵇- بالتسمية يدل على انفراده بالفضيلة أي لم يكن له سمىّ قبله فلا أحد كفو له فى استجماع أوصاف فضله.\nويقال لم نجعل له من قبل نظيرا لأنه لم يكن أحد لا ذنب له قبل النبوة ولا بعدها غيره «١»\n_________\n(١) هذا رأى في مذهب القشيري الكلامى يتصل بقضية هامة: هل يكون من النبي ذنب؟","vol":"2","page":420},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1923>[سورة مريم (١٩): آية ٨]</span>\nقالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨)\nسأل الولد فلمّا أجيب قال أنّى يكون لى غلام؟ ومعنى ذلك- على ما جاء فى التفسير- أن بين سؤاله الولد وبين الإجابة مدة طويلة فكأنه سأل الولد فى ابتداء حال سنّه، واستجيبت دعوته بعد ما تناهى فى سنّه، فلذلك قال: «أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ؟» .\nويقال أراد أن يعرف ممن يكون هذا الولد.. أمن هذه المرأة وهى عاقر أم من امرأة أخرى أتزوج بها مملوكة أستفزشها؟ فالسؤال إنما كان لتعيين من منها يكون الولد. فقال تعالى:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1924>[سورة مريم (١٩): آية ٩]</span>\nقالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (٩)\nمعناه إجابة الولد لك فيها معجزة ودلالة فى هذا الوقت الذي فيه حسب مستقرّ العادة ولادة مثل هذه المرأة دلالة ومعجزة لك على قومك، فتكون للإجابة بالولد من وجه معجزة ومن وجه راحة وكرامة.\nقوله جل ذكره: وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا دلّت الآيه على أن المعدوم ليس بشىء لأنه نفى أن يكون قبل خلقه له كان شيئا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1925>[سورة مريم (١٩): آية ١٠]</span>\nقالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا (١٠)\nأراد علامة على علوق المرأة بالولد ولم يرد علامة يستدل بها على صدق ما يقال له.\nفأخبره تعالى: أنبئك علامة وقت إجابتك.. إنّ لسانك لا ينطق معهم بالمخاطبة- ولو اجتهدت كلّ الجهد- ثلاثة أيام، وعليك أن تخاطبني، وأن تقرأ الكتب المنزّلة التي كانت فى وقتك. فكان لا ينطق لسانه إذا أراد أن يكلّمهم، وإذا أراد أن يقرأ الكتب أو يسبّح الله انطلق مع الله لسانه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1926>[سورة مريم (١٩): آية ١١]</span>\nفَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (١١)","vol":"2","page":421},{"text":"أي فلمّا خرج عليهم عرّفهم- من طريق الإشارة «١» - أنّ اللسان الذي كان يخاطبهم به ليس الآن منطلقا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1927>[سورة مريم (١٩): الآيات ١٢ الى ١٣]</span>\nيا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢) وَحَنانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكاةً وَكانَ تَقِيًّا (١٣)\nأي قلنا له يا يحيى خذ الكتاب بقوة منّا، خصصناك بها.. لا قوة يد ولكن قوة قلب، وذلك خير خصّه الله تعالى به وهو النبوة.\nودلّت الآية على أنه كان من الله له كتاب.\n«وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا» أي النبوة، بعثه الله بها إلى قومه، وأوحى إليه وهو صبّى.\nويقال الحكم بالصواب والحقّ بين الناس.\nويقال الحكم هو إحكام الفعل على وجه الأمر.\nقوله وَحَنانًا مِنْ لَدُنَّا أي آتيناه رحمة من عندنا، وطهارة وتوفيقا لمجلوبات التقوى وتحقيقا لموهوباتها فإن التقوى على قسمين: مجموع ومجلوب يتوصّل إليه العبد بتكلّفه وتعلّمه، وموضوع من الله تعالى ومرهوب منه يصل إليه العبد ببذله سبحانه وبفضله.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1928>[سورة مريم (١٩): آية ١٤]</span>\nوَبَرًّا بِوالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (١٤)\n«بَرًّا بِوالِدَيْهِ»\nكأمر الله- سبحانه- له بذلك لا لمودّة البشر وموجب عادة الإنسانية.\nولم يكن متمردا عن الحق، جاحدا لربوبيته.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1929>[سورة مريم (١٩): آية ١٥]</span>\nوَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (١٥)\nأي له منّا أمان يوم القيامة، ويوم ولادته فى البداية، ويوم وفاته فى النهاية، وهو أن يصونه عن الزّيغ والعوج فى العقيدة بما يشهده على الدوام من حقيقة الإلهية.\n_________\n(١) كأنما يقصد القشيري إلى بيان أنّ الإشارة تغنى عن العبارة وأنها بأمر إلهى.","vol":"2","page":422},{"text":"وكذلك هو فى القيامة له منه- سبحانه- الأمان فهو فى الدنيا معصوم عن الزلة.\nمحفوظ عن الآفة. وفى الآخرة معصوم عن البلاء والمحنة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1930>[سورة مريم (١٩): الآيات ١٦ الى ١٧]</span>\nوَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكانًا شَرْقِيًّا (١٦) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجابًا فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا (١٧)\nاعتزلت عنهم لتحصيل يطهرها، فاستترت عن أبصارهم.\nفلمّا أبصرت جبريل فى صورة إنسان لم تتوقعه أحسّت فى نفسها رعبا، ولم تكن لها حيلة إلا تخويفه بالله، ورجوعها إلى الله.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1931>[سورة مريم (١٩): آية ١٨]</span>\nقالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨)\nقالت مريم لجبريل- وهى لم تعرفه- إنى أعوذ بالرحمن منك إن كنت ممن يجب أن يخاف ويتقّى منه أي إن كنت تقصد السوء. ومعنى قولها «بِالرَّحْمنِ»\nولم تقل:\n«بالله» - أي بالذي يرحمنى فيحفظنى منك.\nويقال يحتمل أن يكون معناه: إن كنت تعرف الله وتكون متقيا مخالفة أمره فإنّى أعوذ بالله منك وأحذر عقوبته.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1932>[سورة مريم (١٩): آية ١٩]</span>\nقالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا (١٩)\nتعرّف جبريل إليها بما سكّن روعها، وقرن مقالته بالتبشير لها بعيسى ﵇.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1933>[سورة مريم (١٩): الآيات ٢٠ الى ٢١]</span>\nقالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠) قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (٢١)","vol":"2","page":423},{"text":"قالت أنى يكون لى ولد ولم ألمّ بزلة ولا فاحشة؟ فقال جبريل﵇-:\nالأمر كما قلت لك فلا يتعصّى ذلك على الله تعالى إذ هو أقدر أن يجعل هذا الولد دلالة على كمال قدرته، ويكون هذا الولد رحمة منه- سبحانه- لمن آمن، وسبب جهل للآخرين.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1934>[سورة مريم (١٩): آية ٢٢]</span>\nفَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكانًا قَصِيًّا (٢٢)\nلمّا ظهر بها الحمل، وعلمت أنّ الناس يستبعدون ذلك، ولم تثق بأحد تفشى إليه سرّها.. مضت إلى مكان بعيد عن الخلق.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1935>[سورة مريم (١٩): آية ٢٣]</span>\nفَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (٢٣)\nألجأها وجع الولادة إلى الاعتماد إلى جذع النخلة. ولمّا أخذها الطلق، وداخلها الخجل من قومها نطقت بلسان العجز، وقالت: «يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا» .\nويقال يحتمل أنها قالتها إشفاقا من قومها، لأنها علمت أنّهم سيبسطون لسان الملامة فيها بلسان الفجر وينسبونها إلى الفحشاء.\nويقال قالتها شفقة على قومها لئلا تصيبهم بسببها عقوبة.\nويقال قالت: «يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا» حتى لم أسمع من قال فى الله تعالى بسببى إن عيسى ابن الله وابن مريم، وإن مريم زوجته ... تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا! ويقال «يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا»: فى الوقت الذي كنت مرفوقا بي، ولم تستقبلنى هذه الخشونة فى الحالة التي لحقتني.","vol":"2","page":424},{"text":"ويقال «يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا»: فى الوقت الذي لم يكن قلبى متعلقا بسبب.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1936>[سورة مريم (١٩): آية ٢٤]</span>\nفَناداها مِنْ تَحْتِها أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤)\n«١» فى التفسير أنّ المعنيّ بقوله «مِنْ تَحْتِها»: جبريل ﵇، وقيل عيسى ﵇.\nوالمقصود منه تسكين ما كان بها من الوحشة، والبشارة بعيسى ﵇، أي يرزقك الله ولدا سريا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1937>[سورة مريم (١٩): الآيات ٢٥ الى ٢٦]</span>\nوَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦)\nوكان جذعا يابسا أخرج الله تعالى منه فى الوقت الثمرة، وهى الرّطب الجنىّ، وكان فى ذلك آية ودلالة لها فالذى قدر على فعل مثل هذا قادر على خلق عيسى﵇- من غير أب.\nويقال عند ما كانت مجرّدة بلا علاقة، فقد كان زكريا﵇- يجد عندها رزقا من غير أن أمرت بتكلف، فلمّا جاءت علاقة الولد أمرت بهزّ النخلة اليابسة- وهى فى أضعف حالها زمان قرب عهدها بوضع الولد، ليعلم أنّ العلاقة توجب العناء والمشقة.\nويقال بل أمرت بهزّ النخلة اليابسة، وكان تمكنها من ذلك أوضح دلالة على صدقها فى حالها.\nويقال لمّا لم يكن لها فى هذه الحالة من يقوم بتعهدها تولّى الله تعالى كفايتها ليعلم العالمون أنه لا يضيع خواصّ عباده فى وقت حاجتهم.\nقوله جل ذكره:\n_________\n(١) السرى- السيد الكريم، وقيل هو نهر صعير أو جدول.","vol":"2","page":425},{"text":"كفاها أسباب ما احتاجت إليه من أكلها وشربها، وسكّن من خوفها، وطيّب قلبها.\n«فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا»: فلا تخاطبيهم وعرّفيهم- بالإشارة- أنّك نذرت للرحمن الصمت مع الخلق، وترك المخاطبة معهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1938>[سورة مريم (١٩): الآيات ٢٧ الى ٢٨]</span>\nفَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (٢٧) يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨)\nبسط قومها فيها لسان الملامة لما رأوها قد ولدت- وظاهر الحال كان معهم- فقالوا لها على سبيل الملامة: يا من كنا نعدّك فى الصلاح بمنزلة هارون المعروف بالسداد والصلاح.. من أين لك هذه الحالة الشنعاء؟\nويقال كان أخوها اسمه هارون: ويقال كان هارون رجلا فاسقا فى قومهم، فقالوا:\nيا شبيتهه فى الفساد.. ما هذا الولد؟\nويقال كان هارون رجلا صالحا فيهم فقالوا: يا أخت هارون، ويا من فى حسابنا وظنّنا ما كان أبواك فيهما سوء ولا فساد.. كيف أتيت بهذه الكبيرة الفظيعة؟! قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1939>[سورة مريم (١٩): آية ٢٩]</span>\nفَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩)\nفى الظاهر أشارت إلى الولد، وفى الباطن أشارت إلى الله، فأخذهم ما قرب وما بعد وقالوا: كيف نكلّم من هو أهل بأن ينوّم فى المهد؟!","vol":"2","page":426},{"text":"ف «كانَ» هاهنا فى اللفظ صلة.. وحملوا ذلك منها على الاستهانة بفعلتها.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1940>[سورة مريم (١٩): آية ٣٠]</span>\nقالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠)\nلما قالوا ذلك أنطق الله عيسى حتى قال: إنى عبد الله، فظهرت براءة ساحتها بكلام عيسى قبل أن يتكلم مثله. وجرى على لسانه حتى قال: إنى عبد الله ليقال للنصارى إن صدق عيسى أنه عبد الله بطل قولكم إنه ثالث ثلاثة، وإن كذب فالذى يكذب لا يكون ابنا لله، وإنما يكون عبدا لله، وإذا لم يكن عبد هواه، ولا فى أسر شىء سواه فمن تحرر من غيره فهو فى الحقيقة عبده.\nو«آتانِيَ الْكِتابَ»: أي سيؤتينى الكتاب أو آتاني فى سابق حكمه.\n«وَجَعَلَنِي نَبِيًّا» بفضله. وفى الآية ردّ على من يقول إن النبوة تستحقّ بكثرة الطاعة لأنه قال ذلك فى حال ولادته ولم تكن منه بعد عبادة وأخبر أن الله جعله نبيا «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1941>[سورة مريم (١٩): الآيات ٣١ الى ٣٢]</span>\nوَجَعَلَنِي مُبارَكًا أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢)\nأي نافعا للخلق يرشدهم إلى أمور دينهم، ويمنعهم من ارتكاب الزّلّة التي فيها هلاكهم، ومن استضاء بنوره نجا. فهذه بركاته التي كانت تصل إلى الخلق. ومن بركاته إغاثة الملهوف، وإعانة الضعيف، ونصرة المظلوم، ومواساة الفقير، وإرشاد الضال، والنصيحة للخلق، وكفّ الأذى عنهم وحمل الأذى منهم.\nوَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا أي لم يجعلنى غير قابل للنصيحة.\n_________\n(١) فى موضع آخر حاول القشيري ان يوضح ضرورة استقلال عمل الإنسان والنظر إليه بعين الاستصغار رغبة منه في ربط كل شىء بالفضل والاجتباء الإلهيين، فاستشهد بأن عيسى صار نبيا- وهو بعد لم تكن منه طاعة ولا عمل.","vol":"2","page":427},{"text":"ويقال «شَقِيًّا»: أي متكبرا متجبرا. ويقال مختوما بكفر.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1942>[سورة مريم (١٩): آية ٣٣]</span>\nوَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣)\nقال عيسى ﵇: «وَالسَّلامُ عَلَيَّ»، وقال لنبينا ﵇ ليلة المعراج:\n«السلام عليك أيها النبى ورحمة الله وبركاته» .. فشتان ما هما! والسلام بمعنى السلامة، أي سلامة لى يوم الولادة مما نسبوا إلىّ من قول النصارى في مجاوزة الحدّ فى المدح، ومما وصفنى به اليهود من الذمّ «١»، فلست كما قالت الطائفتان جميعا.\nوسلام علىّ يوم أموت ففى ذلك اليوم تكون لى سلامة حتى تكون بالسعادة وفاتي.\nوسلام علىّ يوم أبعث أي سلامة لى فى الأحوال ممّا يبتلى به غير أهل الوصال.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1943>[سورة مريم (١٩): آية ٣٤]</span>\nذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤)\nأي الذي قال ما أخبر الله عنه هو عيسى ابن مريم ... أيكون بقول إله؟\nوقد شكّ فيه أكثر الخلق فردّه قوم وقبله قوم، والفرق بينهما فى استحقاقه «٢» .\nوقوله: «قَوْلَ الْحَقِّ» أي يكون بقوله الحق وهو:\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1944>[سورة مريم (١٩): الآيات ٣٥ الى ٣٦]</span>\nما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ إِذا قَضى أَمْرًا فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٣٥) وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٣٦)\nلا يجوز أن يكون له ولد على الحقيقة لأنه واحد، والولد بعض والده.\n_________\n(١) فقد اتهم اليهود امه بالزنا.\n(٢) أي فى نصيبه من الحق الفارق بين الردّ والقبول.","vol":"2","page":428},{"text":"ولأنه لا داعى له إلى صحبة زوجة فيكون له ولد على الحقيقة. ولا يجوز عليه التبني لأحد لعدم الجنسية بينهما.\nوقوله: «وَإِذا قَضى أَمْرًا ...» إذا أراد إحداث شىء خلقه بقدرته، وخاطبه بأمر التكوين «١»، ولا يتعّصى عليه- فى التحقيق- مقدور.\n«وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ» أي أمرنى بأن تعلموا ذلك وأمرنى بتبليغ رسالتى، واتباع ما شرع الله من العبادات.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1945>[سورة مريم (١٩): آية ٣٧]</span>\nفَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٣٧)\nفمن عجنت بماء السعادة طينته أطاع فى عاجله وما ضاع فى آجله، ومن أقصته القسمة السابقة لم تدنه الخدمة اللاحقة، وسيلقون غبّ هذا الأمر.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1946>[سورة مريم (١٩): آية ٣٨]</span>\nأَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٣٨)\nصير معارفهم ضرورية، وأحوالهم كلّها معكوسة، والحجّة تتأكّد عليهم، والحاجة لا تسمع منهم، والرحمة لا تتعلّق بهم، فلا ترحم شكاتهم، ولا يسمع نداؤهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1947>[سورة مريم (١٩): آية ٣٩]</span>\nوَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٣٩)\nتقوم الساعة بغتة، وتصادفهم القيامة وهم غير مستعدين لها فيتحسّرون على ما فانهم.\nويقال يوم الحسرة يوم القسمة حين سبقت لقوم الشقاوة- وهم فى محو العدم، ولآخرين السعادة- وهم بنعت العدم، ولم يكن من أولئك جرم بعد، ولا من هؤلاء وفاق بعد.\n_________\n(١) أي كن فيكون.","vol":"2","page":429},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1948>[سورة مريم (١٩): آية ٤٠]</span>\nإِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ (٤٠)\nيريد به إذا قبض أرواح بنى آدم بجملتهم، ولم يبق على وجه الأرض منهم واحد، وليس يريد به استحداث ملكه، وهو اليوم مالك الأرض ومن عليها، ومالك الكون وما فيه.\nويقال إن زكريا قال- لمّا سأل الولد: «يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ» وقال تعالى فى صفة بنى إسرائيل: «كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ» «١» وقال: «إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ» «٢»، ولما انتهى إلى هذه الأمة «٣» قال: «إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها» .. فشتان بين من وارثه الولد وبين من وارثه الأحد! ويقال هان على العبد المسلم إذا مات إذا كان الحقّ وارثه.. وهذا مخلوق يقول فى صفة مخلوق:\nفإن يك عتّاب مضى لسبيله ... فما مات من يبقى له مثل خالد\nوقال تعالى: «وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتًا بَلْ أَحْياءٌ» «٤» لماذا؟ لأنّ وارثهم الله.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1949>[سورة مريم (١٩): آية ٤١]</span>\nوَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٤١)\nالصّديق الكثير الصدق، الذي لا يمازج صدقه شوب.\nويقال هو الصادق فى أقواله وأعماله وأحواله.\nويقال الصدّيق لا يناقض سرّه علنه.\n_________\n(١) آية ٥٩ سورة الشعراء.\n(٢) آية ١٢٨ سورة الأعراف. [.....]\n(٣) يقصد امة المصطفى صلوات الله عليه وسلامه.\n(٤) آية ١٦٨ سورة آل عمران.","vol":"2","page":430},{"text":"ويقال هو الذي لا يشهد غير الله مثبتا ولا نافيا.\nويقال هو المستجيب لما يطالب به جملة وتفصيلا.\nويقال هو الواقف مع الله فى عموم الأوقات على حدّ الصدق.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1950>[سورة مريم (١٩): آية ٤٢]</span>\nإِذْ قالَ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢)\nدلّت الآية على استحقاق المعبود الوصف بالسمع والبصر على الكمال دون نقصان فيه، وكذلك القول فى القدرة على الضّرّ والنفع.\nوإذا رجع العبد إلى التحقيق علم أن كلّ الخلق لا تصلح قدرة واحد منهم للإبداع والإحداث، فمن علّق قلبه بمخلوق، أو توهّم شظية منه من النفي والإثبات فقد ضاهى عبدة الأصنام.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1951>[سورة مريم (١٩): آية ٤٣]</span>\nيا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطًا سَوِيًّا (٤٣)\nأمره باتباعه لمّا ترجح عليه جانبه فى كون الحقّ معه- وإن كان أكبر منه سنّا، وبيّن أن الخلاص فى اتباع أهل الحقّ، وأنّ الهلاك فى الابتداع والتطوح فى مغاليط الطرق.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1952>[سورة مريم (١٩): آية ٤٤]</span>\nيا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا (٤٤)\nبيّن أنّ العلة فى منعه من عبادة الشيطان عصيانه للرحمن فبان أنّه لا ينبغى أن تكون طاعة لمن يعصى الله بحال.\nويقال أساس الدّين هجران أرباب العصيان.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1953>[سورة مريم (١٩): آية ٤٥]</span>\nيا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا (٤٥)","vol":"2","page":431},{"text":"لم يغادر الخليل شيئا من الشفقة على أبيه، ولم ينفعه جميل وعظه، ولم تنجع فيه كثرة نصحه فإنّ من أقصته سوابق التقدير لم تخلّصه لواحق التدبير.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1954>[سورة مريم (١٩): آية ٤٦]</span>\nقالَ أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦)\nمناه ابراهيم بجميل العقبي، فقابله بتوعّد العقوبة فقال:\nلَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا.\nفأجابه الخليل بمقتضى سكون البصيرة فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1955>[سورة مريم (١٩): آية ٤٧]</span>\nقالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا (٤٧)\nوهذا قبل أن ييأس من إيمانه، إذ كانت لديه بعد بقية من الرجاء فى شانه، فلمّا تحقق أنه مختوم له بالشقاوة قال له:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1956>[سورة مريم (١٩): آية ٤٨]</span>\nوَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُوا رَبِّي عَسى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا (٤٨)\n«ما تَدْعُونَ»: أي ما تعبدون، «وَأَدْعُوا رَبِّي»: أي أعبده.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1957>[سورة مريم (١٩): آية ٤٩]</span>\nفَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًاّ جَعَلْنا نَبِيًّا (٤٩)\nلما أيس من أصله آنسه الله بما أكرمه من نسله، فأنبتهم نباتا حسنا، ورزقهم النبوة، ولسان الصدق بالذكر لهم على الدوام «١» فقال:\n_________\n(١) ربما يشير القشيري بذلك إلى: (الصلاة على ابراهيم وعلى آل ابراهيم) فى تشيد كل صلاة،","vol":"2","page":432},{"text":"وَوَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1958>[سورة مريم (١٩): آية ٥١]</span>\nوَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مُوسى إِنَّهُ كانَ مُخْلَصًا وَكانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥١)\nمخلصا خالصا لله، ولم يكن لغيره بوجه فلم تأخذه فى الله لومة لائم، ولم يستفزه طمع نحو إيثار حظ، ولم يغض فى الله على شىء.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1959>[سورة مريم (١٩): آية ٥٢]</span>\nوَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا (٥٢)\nللنجوى مزية على النداء، فجمع له الوصفين: النداء فى بدايته، والسماع والنجوى فى نهايته فوقفه الحقّ وناداه، وفى جميع الحالين تولّاه.\n«مِنْ جانِبِ الطُّورِ»: ترجع إلى موسى فموسى كان بجانب الطور «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1960>[سورة مريم (١٩): آية ٥٣]</span>\nوَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا (٥٣)\nمن خصائص موسى أنه وهب له أخاه هارون نبّيّا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1961>[سورة مريم (١٩): الآيات ٥٤ الى ٥٥]</span>\nوَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ وَكانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥٤) وَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (٥٥)\nكان صادق الوعد إذ وعد من نفسه الصبر على ذبح أبيه «٢»، وصبر على ذلك إلى أن ظهر الفداء. وصدق الوعد لأنه حفظ العهد. وكان يأمر أهله بالصلاة- بأمر الله إياه- وبالزكاة، ويشتمل هذا على ما أمره إياهم بالعيادة البدنية والمالية حينما وكيفما كان.\n_________\n(١) بهذا يتجنب القشيري مزلقا خطرا فلا يكون النداء الإلهى من جهة. وعلى هذا تكون (وقربناه) تقريب مكانة لا مكان.\n(٢) من هذه الاشارة نعرف أن القشيري يرى أن إسماعيل- لا إسحاق- هو مدار قصة الذبح والفداء.","vol":"2","page":433},{"text":"«وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا» وكان هذا أشرف خصاله وأجلّ صفاته.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1962>[سورة مريم (١٩): الآيات ٥٦ الى ٥٧]</span>\nوَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٥٦) وَرَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا (٥٧)\nالصّدّيق كثير الصدق، لا يشوب صدقه مذق «١»، ويكون قائما بالحقّ للحق، ولا يكون فيه نفس لغير الله.\n«وَرَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا»: درجة عظيمة فى التربية لم يساوه فيها أحد.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1963>[سورة مريم (١٩): آية ٥٨]</span>\nأُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ وَإِسْرائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنا وَاجْتَبَيْنا إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (٥٨)\nأقامهم بشواهد الجمع، وأخبر أن منّته كامنة فى تخصيصهم بأحوالهم، وتأهيلهم لما رقّاهم إليه من المآل، وأنه بفضله اختارهم واجتباهم ومما أنعم به عليهم من الخصائص رقّة قلوبهم فهم إذا تتلى عليهم الآيات سجدوا، وسجود ظواهرهم يدل على سجود سرائرهم بما حقّق لهم من شواهد الجمع، وأمارة صحته ما وفقهم إليه من عين الفرق فبوصف التفرقة قاموا بحق آداب العبودية، وبنعت الجمع تحققوا بحقائق الربوبية «٢» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1964>[سورة مريم (١٩): آية ٥٩]</span>\nفَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)\n_________\n(١) مذق اللبن والشراب بالماء مذقا اى مزجه وخلطه، ومذق الود اى شابه ولم يخلصه.\n(٢) هذا من أشد البراهين نصاعة على تمسك القشيري بالشريعة فإن صدق العبد فى التوجه أمارته ان يكون محفوظا- من قبل الحق- كى يؤدى فرائض الشرع.","vol":"2","page":434},{"text":"الذين حادوا عن طريقهم، وضيّعوا حقّ الشرع، وتخطوا واجب الأمر، وزاغوا عن طريق الرشد، وأخلوا بآداب الشرع، وانخرطوا فى سلك متابعة الشهوات- سيلقون عن قريب ما يستوجبونه، ويعاملون بما يستحقونه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1965>[سورة مريم (١٩): الآيات ٦٠ الى ٦٣]</span>\nإِلاَّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا (٦٠) جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (٦١) لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا إِلاَّ سَلامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٦٢) تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا (٦٣)\nفأولئك الذين تداركتهم الرحمة الأزلية، وسيبقون فى النعم السرمدية. يستنجز الحقّ لهم عداتهم، ويوصّلهم إلى درجاتهم، ويحقّق لهم ما وعدهم.\n«إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا»: لأن ما أتيته فقد أتاك أو ما أتاك فقد أتيته «١» .\n«لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا»: فإن أسماعهم مصونة عن سماع الأغيار، لا يسمعون إلا من الله وبالله، فإن لم يكن ذلك فلا يسمعون إلا الله.\nقوله جل ذكره: وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا كانوا يعدّون من عنده طعام البكرة والعشية من جملة المياسير والأغنياء لكونهم فقراء إن وجدوا غداءهم ففى الغالب يعدمون عشاءهم، وإن وجدوا عشاءهم فقلّما كانوا يجدون غداءهم. ويقال فى «لَهُمْ ما يَشْتَهُونَ» فيها: بمقدار الغدو والعشى من الزمان فى الجنة أي كالوقت. ثم إن الأرزاق تختلف فى الجنة فللأشباح رزق من مطعوم ومشروب، وللأرواح رزق من سماع وشهود، ولكل- على قدر استحقاقه- قسط معلوم.\nقوله جل ذكره: تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا\n_________\n(١) أي أن (ماتيا) إما اسم مفعول، أو اسم مفعول بمعنى اسم الفاعل مثل مجروح وجريح.","vol":"2","page":435},{"text":"فالجنة للأتقياء من هذه الأمة معدّة لهم، والرحمة لعصاة المسلمين مدّخرة لهم. الجنة لطف من الله تعالى، والرحمة وصف لله تعالى. وقوله: «مِنْ عِبادِنا»: فعبده على الخصوصية من كان اليوم فى قيد أمره. وقوله: «مَنْ كانَ تَقِيًّا»: قوم يتقون المعاصي والمخالفات، وقوم يتقون الشهوات، وآخرون يتقون الغفلات، وآخرون يتقون شهود كلّ غير.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1966>[سورة مريم (١٩): آية ٦٤]</span>\nوَما نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤)\nإن الملائكة﵈- أبدا ينزلون بإذن الحقّ تعالى، فبعضهم بإنجاد المظلومين، وبعضهم بإغاثة الملهوفين، وبعضهم بتدمير الجاحدين، وبعضهم بنصرة المؤمنين، وبعضهم إلى ما لا يخصى من أمور الناس أجمعين. والله- سبحانه- لا يترك جاحدا ولا عابدا من حفظ وإنعام، أو إمهال ونكال ...\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1967>[سورة مريم (١٩): آية ٦٥]</span>\nرَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)\nبحق الإظهار يجب أن يكون هو ربّها، ويكون مالكها، ويكون قادرا عليها.\nوإذا وجدت فهو فاعلها، فمعنى كون فعل الشيء لفاعله أنه فى مقدوره وجوده.\nويقال إذا كان ربّ الأكبر من الأقوياء فهو أيضا ربّ الأصاغر من الضعفاء، وقيمة العبد بمالكه وقدره «١»، ولا بثمنه فى نفسه وخطوه.\nقوله: «فَاعْبُدْهُ» أي قف حيثما أمرك، ودع ما يقع لك، وخلّ رأيك وتدبيرك.\nقوله: «وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ»: الاصطبار غاية الصبر.\nقوله: «هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا»: أي كفوا ونظيرا. ويقال هل تعرف أحدا يسمى «الله» غير الله؟ ويقال أنّى بالنظير ... وهو بالقدم متوحد! والتشبيه يقتضى التسوية بين المتشابهين، ولا مثل له.. لا موجودا ولا موهوما.\n_________\n(١) أي قدر هذا المالك.","vol":"2","page":436},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1968>[سورة مريم (١٩): الآيات ٦٦ الى ٦٧]</span>\nوَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَإِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦) أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (٦٧)\nأنكروا حديث البعث غاية الإنكار، فأقام الحجّة عليهم بالنشأة الأولى فقال: إن الذي قدر على خلق الخلق فى الابتداء وهم نطف ضعفاء، وقبل كانوا فى أصلاب الآباء وأرحام الأمهات ففطرهم، وعلى ما شاء صوّرهم، وفى الوقت الذي أراد- عن «١» بطون أمهاتهم أخرجهم.\nقوله: «وَلَمْ يَكُ شَيْئًا» فيه دليل على صحة أهل البصائر أنّ المعدوم لم يك شيئا فى حال عدمه «٢» .\nويقال أبطل لهم كلّ دعوى حيث ذكّرهم نسبهم وكونهم من العدم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1969>[سورة مريم (١٩): آية ٦٨]</span>\nفَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (٦٨)\nنحشرهم جميعا فيجتمعون فى العرصة «٣» . ثم يختلف منقلبهم فيصير قوم إلى النار ثم إلى دركات بعضها أسفل من بعض- واسم جهنم يجمع أماكنهم. ويصير قوم إلى الجنة ثم هى درجات بعضها أعلى رتبة ودرجة من بعض- واسم الجنة يشتمل على جميع مساكنهم.\nويقال التفاوت فى الجنة بين الدرجات أكثر من التفاوت بين أهل الدارين.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1970>[سورة مريم (١٩): الآيات ٦٩ الى ٧٠]</span>\nثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا (٦٩) ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها صِلِيًّا (٧٠)\n_________\n(١) الأصوب أن تكون (من) كما ورد فى الآية ٧٨ سورة النحل: «وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا» .\n(٢) وفيه ردّ على القائلين بأن المادة لا تستحدث.\n(٣) العرصة ساحة الدار أو صفيحة من الحديد توضع فى التنور لينضج عليها الخبز وغيره (الوسيط)","vol":"2","page":437},{"text":"من تقدّم عليهم فى الإضلال والضلال ضوعف عليه غدا العذاب والأغلال.\nثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها صِلِيًّا ينزل فى كل دركة من دركاتها من هو أهل لها، فمن كان عتوّه اليوم أشدّ غلوا كان فى النار أبعد من الله وأشدّ عقوبة وإذلالا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1971>[سورة مريم (١٩): آية ٧١]</span>\nوَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١)\nكلّ يرد النار ولكن لا ضير منها ولا احتباس بها لأحد إلا بمقدار ما عليه من (...) «١»\nوالزلل فأشدّهم انهماكا أشدهم بالنار اشتعالا واحتراقا. وقوم يردونها- كما فى الخبر:\n«إن للنار عند مرورهم عليها إذوابة كإذوابة اللّبن، فيدخلونها ولا يحسون بها، فإذا عبروها قالوا: أو ليس وعدنا جهنم على طريق؟ فيقال لهم. عبرتم وما شعرتم «٢» ! قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1972>[سورة مريم (١٩): آية ٧٢]</span>\nثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا (٧٢)\nينجّى من كان مؤمنا، بعضهم قبل بعض، وبعضهم بعد بعض، ولكن لا يبقى من\n_________\n(١) مشتبهة وهى في الرسم هكذا (الالتبات) وربما كانت فى الأصل (الالتباس) أي الوقوع فى (اللبس) والالتباس مناسب (للزلل) .\n(٢) الإذواية: الزبد حين يوضع فى البرمة ليذاب (مقايبس اللغة لابن فارس ج ٢ ص ٣٦٢) .\nوعن جابر أنه ﵇ سئل عن ذلك فقال: إذا دخل أهل الجنة قال بعضهم لبعض: أليس قد وعدنا ربنا أن نرد النار؟ فيقال لهم قد ورد نموها وهى خامدة (القاضي البيضاوي ط الجسّال بجدة) ص ٤١٠.\nوعن جابر أيضا، الورود الدخول لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها فتكون على المؤمنين يردا وسلاما كما كانت على إبراهيم» [الجامع لأحكام القرآن للقرطبى ج ١١ ص ١٣٦ سلسلة التراث] .\nوعن الحسن «ليس الورود الدخول، إنما تقول وردت البصرة ولم أدخلها فالورود أن يمروا على الصراط «وقد استند كثير إلى رأى الحسن واحتجوا بقوله تعالى «إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ» فلا يدخل النار من ضمن الله أن يبعده عنها. [.....]","vol":"2","page":438},{"text":"المؤمنين من لا ينجيهم. ويترك الكفار فيها بنعت الخيبة عن الخروج منها، وعند ذلك يشتدّ عليهم البلاء، وتطبق عليهم أبواب جهنم، وينقطع منهم الرجاء والأمل.\nوإنما ينجو القوم بحسب تقواهم فزيادة التقوى توجب لهم التعجيل فى النجاة فمن سابق ومن لاحق، ومن منقطع، ومن محترق.. إلى كثير من الأصناف والألوان.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1973>[سورة مريم (١٩): آية ٧٣]</span>\nوَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (٧٣)\nيعنى إذا قرئت عليهم آيات القرآن قابلوها بالردّ والجحد والعتو والزيغ، ويدّعون أنهم على حق، ولا يعتمدون فى ذلك إلا على الحدس والظّن.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1974>[سورة مريم (١٩): آية ٧٤]</span>\nوَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثاثًا وَرِءْيًا (٧٤)\nأي إن هؤلاء ينخرطون فى سلك من تقدّمهم، كما سلكوا فى الريب منهاجهم، وسيلقون ما يستوجبونه على سوء أعمالهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1975>[سورة مريم (١٩): آية ٧٥]</span>\nقُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا (٧٥)\n«١» إن الله تعالى يمهل الكفار ليركنوا إلى أباطيل ظنونهم، ويغترّوا بسلامة أحوالهم، فينسونه فى غفلة الإمهال والاغترار بسلامة أحوالهم، ثم يغشاهم التقدير بما يستوجب حسبانهم قوله «حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ ...» أي يحل بهم موعود العقوبة عاجلا أو قيام\n_________\n(١) سقطت (قل) من الناسخ فأثبتناها.","vol":"2","page":439},{"text":"الساعة «١» آجلا، فعند ذلك يتضح لهم ما تعاموا عنه من شدة الانتقام، وسيعلمون عند ذلك ما فاتهم وما أصابهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1976>[سورة مريم (١٩): آية ٧٦]</span>\nوَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا (٧٦)\nأي يغنيهم بنور البدر عن الاستضاءة بنور النجم، ثم بطلوع الفجر قبل طلوع الشمس، فإذا متع نهار العرفان فلا ظلمة ولا تهمة.\nوَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا «الْباقِياتُ الصَّالِحاتُ»: الشهادة بالربوبية خير من غيرها مما لا يوجد فيه صدق الإخلاص.\nويقال «الْباقِياتُ الصَّالِحاتُ»: التي تبقى عند الله مقبولة.\nقوله تعالى: «خَيْرٌ» لأن فى استحقاق القبول زيادة للهدى فيصير علم اليقين عين اليقين، وعين يقينهم حق اليقين.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1977>[سورة مريم (١٩): آية ٧٧]</span>\nأَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَدًا (٧٧)\nأخبر بقصة ذلك الكافر «٢» الذي قال بيمين- من غير حجة- لأعطينّ مالا وولدا، ورأى أن يكون ليمينه تصديق، فهل هو:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1978>[سورة مريم (١٩): آية ٧٨]</span>\nأَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْدًا (٧٨)\n_________\n(١) وردت (السرعة) والصواب أن تكون (الساعة) فهكذا الآية:\n(٢) عن الحسن: أنها نزلت فى الوليد بن المغيرة. والمشهور انها فى العاص بن وائل فقد روى ان خباب ابن الأرت صاغ للعاصى حليا فاقتضاه الأجر فقال: إنكم تزعمون انكم تبعثون وان فى الجنة ذهبا وفضة فأنا أقضيك ثم فإنى اوتى مالا وولدا حينئذ! وقد ذكر الواحدي ثلاث وروايات تؤيد ذلك عن مسروق وعن الكلبي وعن مقاتل. (أسباب النزول ط مؤسسة الحلبي) ص ٢٠٤.\nورواه البخاري عن الحميدي عن سفيان، ورواه مسلم عن الأعمش.","vol":"2","page":440},{"text":"هل يقول ما يقول بتعريف منا؟ أم هل اتخذ مع الله عهدا؟ ليس الأمر كذلك.\nودليل الخطاب يقتضى أن المؤمن إذا ظن بالله تعالى ظنا جميلا، أو أمّل منه أشياء كثيرة فالله تعالى يحققها له، ويصدق ظنّه لأنه على عهد مع الله تعالى، والله تعالى لا يخلف عهده.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1979>[سورة مريم (١٩): الآيات ٧٩ الى ٨٠]</span>\nكَلاَّ سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا (٧٩) وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ وَيَأْتِينا فَرْدًا (٨٠)\nكلا.. ليس الأمر على ما يقول، وليس لقولهم تحقيق، بل سنمدلهم من العذاب مدا أي سنطيل فى العذاب مدتهم.\n«وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ ...» لن نمتّعه بأولاده وحشمه وخدمه وقومه، ويعود إلينا منفردا عنهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1980>[سورة مريم (١٩): الآيات ٨١ الى ٨٢]</span>\nوَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (٨٢)\nحكموا بظنهم الفاسد أنّ أصنامهم تمنعهم، وأنّ ما عبدوه من دون الله تعالى توجب عبادتهم لهم عند الله تعالى وسيلة.. وهيهات! هيهات أن تكون لمغاليط حسبانهم تحقيق، بل إذا حشروا وحشرت أصنامهم تبّرأت أصنامهم منهم، وما أمّلوا نفعا منها عاد ضررا عليهم.\nويقال طلبوا العزّ فى أماكن الذل، فأخفقوا فى الطلب، ونفوا عن المراد.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1981>[سورة مريم (١٩): آية ٨٣]</span>\nأَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣)\nتؤزهم أي تزعجهم، فخاطر الشيطان يكون بإزعاج وغمّة، وخاطر الحقّ يكون بروح وسكينة، وهذه إحدى الدلائل بينهما.","vol":"2","page":441},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1982>[سورة مريم (١٩): آية ٨٤]</span>\nفَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (٨٤)\nالأنفاس فى الحكم معدودة فمن لم يستوف فلا انقضاء لها. وإذا انتهى الأجل فلا تنفع بعد ذلك الحيل، وقبل انقضائه لا يزيد ولا ينقص بالعلل.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1983>[سورة مريم (١٩): آية ٨٥]</span>\nيَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْدًا (٨٥)\nقيل ركبانا على نجائب طاعاتهم، وهم مختلفون فمن راكب على صدور طاعاته، ومن راكب على مراكب هممه، ومن راكب على نجائب أنواره. ومن محمول يحمله الحقّ فى عقباه كما يحمله اليوم فى دنياه. وليس محمول الحقّ كمحمول الخلق! قوله جل ذكره\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1984>[سورة مريم (١٩): آية ٨٦]</span>\nوَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦)\nفأولئك يساقون بوصف العزّ، وهؤلاء يساقون بنعت الذّلّ، فيجمعهم فى السّوق، ولكن يغابر بينهم فى معانيه.. فشتّان ما هما!! قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1985>[سورة مريم (١٩): آية ٨٧]</span>\nلا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلاَّ مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْدًا (٨٧)\nوذلك العهد حفظهم فى دنياهم ما أخذ عليهم- يوم الميثاق- من القيام بالشهادة بوحدانية مولاهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1986>[سورة مريم (١٩): الآيات ٨٨ الى ٩١]</span>\nوَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَدًا (٩١)\nما أعظم بهتانهم فى مقالتهم! وما أشدّ جرأتهم فى قبيح حالتهم! لكنّ الصمدية متقدّسة عن عائد يعود إليها من زين بتوحيد موحّد، أو شين بإلحاد ملحد.. فما شاهت إلّا وجوههم بما خاضوا فيه من مقالهم، وما صاروا إليه من ضلالهم. كما لم يتجمّل بما قاله الآخرون إلا القائل، وما عاد إلا على القائل مقابل من عاجل أو آجل.","vol":"2","page":442},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1987>[سورة مريم (١٩): الآيات ٩٢ الى ٩٥]</span>\nوَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْدًا (٩٥)\nأنّى بالولد وهو واحد؟! وأنّى بالولادة ولا جنس له وجوبا «١» ولا جوازا؟! «لَقَدْ أَحْصاهُمْ..»: لا يعزب عن علمه معلوم، ولا ينفكّ عن قدرته- مما يصح أن يقال حدوثه- موهوم.\nوَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْدًا: لا خدم يصحبهم، ولا حشم يلحقهم، كلّ بنفسه مشتغل، وعن غيره منفرد.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1988>[سورة مريم (١٩): آية ٩٦]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا (٩٦)\nيجعل فى قلوبهم ودا لله نتيجة لأعمالهم الخالصة، وفى الخبر: «لا يزال العبد يتقرب إلىّ بالنوافل حتى يحبنى وأحبه» «٢» .\nويقال يجعل لهم الرحمن ودا فى قلوب عباده، وفى قلوب الملائكة، فأهل الخير والطاعة محبوبون من كلّ أحد من غير استحقاق بفعل «٣» .\n_________\n(١) وردت (وجودا) والأرجح ان تكون (وجوبا) لتتلاءم مع (جوازا) اى لا يجب عليه ولا يجوز فى وصفه- لتقدسه وتنزهه- ان يكون له جنس.\n(٢) (... فإذا أجبته كنت عينه التي يبصر بها، وسمعه الذي يسمع به، ويده التي يبطش بها) وهو حديث قدسى ورواه البخاري عن أبى هريرة، واحمد عن عائشة، والطبراني فى الكبير عن ابى امامة، وابن السنى عن ميمون، وقد اخطأ من زعم ان البخاري انفرد بروايته.\n(٣) اخرج مسلم والترمذي عن ابى هريرة ان النبي (ص) قال إذا أحب الله عبدا نادى جبريل إنى قد أحببت فلانا فأحبه، فينادى فى السماء ثم تنزل له المحبة فى الأرض.. وذلك قوله تعالى: «سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا» .\nالسيوطي فى إتقانه ص ١٩٩ ج ٢ ط مصطفى الحلبي.","vol":"2","page":443},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1989>[سورة مريم (١٩): آية ٩٧]</span>\nفَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا (٩٧)\n«١» الكلام واحد والخطاب واحد، وهو لقوم تيسير، ولآخرين تخويف وتحذير. فطوبى لمن يسّر لما وفّق به، والويل لمن خوّف بل خذل فيه. والقوم بين موفق ومخذول.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1990>[سورة مريم (١٩): آية ٩٨]</span>\nوَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا (٩٨)\nأثبتهم وأحياهم، وعلى ما شاء فطرهم وأبقاهم، ثم بعد ذلك- لما شاء- أماتهم وأفناهم، فبادوا بأجمعهم، وهلكوا عن آخرهم، فلا كبير منهم ولا صغير، ولا جليل ولا حقير، وسيطالبون- يوم النشور- بالنقير والقطمير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1991>سورة طه</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ بسم الله اسم عزيز من تحقّق بجلال عزّته تمحض «٢» فى خلوص عبوديته، وإذا وصل إلى ضياء صفوته نزل عن سيماء نعوته.\nاسم عزيز من عرفه سمت همّته، وإذا سمت همته سقطت عن الدارين طلبته.\nاسم من عرفه زال كربه وطاب قلبه دينه ربّه «٣» وجنّته حبّه.\nاسم عزيز من وسمه بعبوديته حرّره من رقّ شهواته، وأعتقه من أسر مطالبه فلا له لمحبوب طلب، ولا يستفزّه لمحذور هرب.\n_________\n(١) أخطأ الناسخ إذ جعلها (وإنما)\n(٢) المحض- اللبن الخالص، وتمحض- خلص من الشوائب.\n(٣) أي عبادته لربه لذاته لا طلبا لثواب ولا خوفا من عقاب كما هو الشأن فى العبادة التقليدية.","vol":"2","page":444},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1992>[سورة طه (٢٠): الآيات ١ الى ٢]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nطه (١) ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى (٢)\nالطاء إشارة إلى قلبه﵇- من غير الله، والهاء إشارة إلى اهتداء قلبه إلى الله.\nوقيل طأ بسرّك بساط القربة فأنت لا تهتدى إلى غيرنا.\nويقال طوينا عن سرّك ذكر غيرنا، وهديناك إلينا.\nويقال طوبى لمن اهتدى بك. ويقال طاب عيش من اهتدى بك.\n«ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى»: أي ليس المقصود من إيجابنا إليك تعبدك، وإنما هذا استفتاح الوصلة، والتمهيد لبساط القربة.\nويقال إنه لما قال له: «وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجًا مِنْهُمْ» «١» وقف بفرد قدم تباعدا وتنزها عن أن يقرب من الدنيا استمتاعا بها بوجه فقيل له: طأ الأرض بقدميك.\nلم كل هذا التعب الذي تتحمله؟ فزاد فى تعبده، ووقف، حتى تقدمت قدماه «٢» وقال:\n«أفلا أكون عبدا شكورا» أي لما أهلني من التوفيق حتى أعبده.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1993>[سورة طه (٢٠): آية ٣]</span>\nإِلاَّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى (٣)\nفالقرآن تبصرة لذوى العقول، تذكرة لذوى الوصول، فهؤلاء به يستبصرون فينالون به راحة النّفس فى آجلهم، وهؤلاء به يذكرون فيجدون روح الأنس فى عاجلهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1994>[سورة طه (٢٠): آية ٤]</span>\nتَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى (٤)\n_________\n(١) آية ٨٨ سورة الحجر.\n(٢) نرجح انها (تورمت قدماه) لأن السياق يذكرنا بالحديث:\n[انه كان يصلى حتى تورمت قدماه فقيل له: يا رسول الله» أليس قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبدا شكورا] الشيخان، والنسائي. والترمذي عن المغيرة بن شعبة.\n(وسيعود القشيري إلى فكرة «طأ بقدميك الأرض» فى آخر السورة عند تفسير آية: «وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ ... آية ١٣١) .","vol":"2","page":445},{"text":"جعل الأرض قرارا لعباده. ونفوس العابدين أرض وقرار لطاعتهم، وقلوب العارفين قرار لمعارفهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1995>[سورة طه (٢٠): آية ٥]</span>\nالرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى (٥)\nاستواء عرشه فى السماء معلوم، وعرشه فى الأرض قلوب أهل التوحيد.\nقال تعالى: «وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ» «١» وعرش القلوب: قال تعالى:\n«وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ» «٢» . أمّا عرش السماء فالرحمن عليه استوى، وعرش القلوب الرحمن عليه استولى. عرش السماء قبلة دعاء الخلق، وعرش القلب محلّ نظر الحق.\nفشتّان بين عرش وعرش! قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1996>[سورة طه (٢٠): آية ٦]</span>\nلَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى (٦)\nله الأشياء على العموم ملكا، والأولياء تخصيصا وتشريفا. له ما بين السماوات والأرض مما أظهر من العدم فالكلّ له إثباتا وخلقا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1997>[سورة طه (٢٠): آية ٧]</span>\nوَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى (٧)\nالنّفس لا تقف على ما فى القلب، والقلب لا يقف على أسرار الرّوح، والروح لا سبيل له إلى حقائق السرّ والذي هو أخفى من السّرّ فهو ما لا يطّلع عليه إلا الحق «٣» .\nويقال الذي هو أخفى من السر لا يفسده الشيطان، ولا يكتبه الملكان، ويستأثر بعلمه الجبّار، ولا تقف عليه الأغيار.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1998>[سورة طه (٢٠): آية ٨]</span>\nاللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى (٨)\n_________\n(١) آية ١٧ سورة الحاقة.\n(٢) آية ٧٠ سورة الإسراء.\n(٣) يسميه القشيري فى مواضع أخرى من مصنفاته (سر السر) أو (عين السر) الرسالة ص ٤٨ [.....]","vol":"2","page":446},{"text":"نفى كل موهوم من الحدثان بأن يكون شىء منه صالحا للإبداع، وأثبت كلّ ما فى الوجود له باستحقاق القدم.\n«لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى» أي صفاته، على انقسامها إلى صفة ذات وصفة معنى «١» ويقال «لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى»: تعريف للخلق بأنّ استحقاق العلو والتقدّس عن النقائص له على وصف التفرّد به.\nقوله جل ذكره\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1999>[سورة طه (٢٠): الآيات ٩ الى ١٠]</span>\nوَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى (٩) إِذْ رَأى نارًا فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً (١٠)\nسؤال فى صيغة الاستفهام والمراد منه التقرير «٢» والإثبات. وأجرى- تعالى- سنّته فى كتابه أن يذكر قصة موسى ﵇ فى أكثر المواقع التي يذكر فيها حديث نبينا ﷺ، فيعقبه بذكر موسى ﵇.\nإِذْ رَأى نارًا فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً ألاح له النار حتى أخرجه من أهله يطلبها، وكان المقصود إخراجه من بينهم، فكان موسى ﵇ يدنو والنار تنأى، وقال لأهله:\n«امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نارًا» فقال أهله: كيف تتركنا والوادي مسبع؟\nفقال: لأجلكم أفارقكم فلعلّى آتيكم من هذه النار بقبس.\nويقال استولى على موسى عند رؤيته النار الانزعاج، فلم يتمالك حتى خرج. ففى القصة أنه لما أتاها وجد شجرة تشتعل من أولها إلى آخرها، فجمع موسى﵇- حشائش ليأخذ من تلك النار، فعرف أن هذه النار لا تسمح نفسها بأن تعطى إلى أحد شعلة:\n_________\n(١) الأرجح- حسب الذي ذكره القشيري فى كتابه التحيير فى التذكير- أنها (وصفه فعل) .\n(٢) وردت (التقدير) والصواب أن تكون (التقرير) فهذا هو المصطلح البلاغى الذي يطلق على مثل هذا الاستفهام.","vol":"2","page":447},{"text":"وقلن لنا نحن الأهلّة إنما ... نضىء لمن يسرى بليل ولا نقرى\nيا موسى هذه النار تضىء ولكن لا تعطى لأحد منها شعلة. يا موسى هذه النار تحرق القلوب لا النفوس.\nويقال كان موسى ﵇ فى مزاولة قبس من النار فكان يحتال كيف يأخذ منها شيئا، فبينما هو فى حالته إذ سمع النداء من الحقّ.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2000>[سورة طه (٢٠): الآيات ١١ الى ١٢]</span>\nفَلَمَّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً (١٢)\nعلم موسى أنه كلام الحق- سبحانه- لمّا سمع فيه الترتيب والتنظيم والتركيب، فعلم أنه خطاب الحق.\nويقال إنما عرف موسى﵇- أنه كلام الله بتعريف خصّه الحق- سبحانه- به من حيث الإلهام دون نوع من الاستدلال.\n«قوله: «فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ..» فإن بساط حضرة الملوك لا يوطأ بنعل.\nويقال ألق عصاك يا موسى، واخلع نعليك، وأقم عندنا هذه الليلة ولا تبرح.\nويقال الإشارة فى الأمر بخلع النعلين تفريغ القلب من حديث الدارين، والتجرد للحقّ بنعت الانفراد.\nويقال «فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ»: تبرّأ عن نوعى أفعالك «١»، وامح عن الشهود جنسى أحوالك من قرب وبعد، ووصل وفصل، وارتياح واجتياح، وفناء وبقاء ... وكن بوصفنا فإنما أنت بحقنا.\nأثبته فى أحواله حتى كان كالمجرد عن جملته، المصطلم عن شواهده.\n_________\n(١) ربما حدث سقوط، فالكلام يحتاج إلى توضيح (نوعى أفعالك) قياسا على ما ذكر فى (جنسى أحوالك) ونرجح أن نوعى الفعل هما الأمر والنهى، أو المأمور به والمزجور عنه ... أو ما فى هذا المعنى.","vol":"2","page":448},{"text":"قوله: «إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً»: أي إنك بالوادي المقدس عن الأعلال وساحات الصمدية تجلّ عن كل شين، وإيمان وزين عن زين بإحسان وشين بعصيان لأنّ للربوبية سطعات عزّ تقهر كلّ شىء.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2001>[سورة طه (٢٠): آية ١٣]</span>\nوَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى (١٣)\nوعلى علم منى بك اصطفينك، وجرّدتك ونقّيتك عن دنس الأوهام وكلّ ما يكدّر صفوك.\nويقال بعد ما اخترتك فأنت لى وبي، وأنت محو فى فنائك عنك.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2002>[سورة طه (٢٠): آية ١٤]</span>\nإِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي (١٤)\nتقدّست عن الأعلال فى أزلى، وتنزهت (...) «١» والأشكال باستحقاقى لجلالى وجمالى.\nويقال «لا إِلهَ إِلَّا أَنَا»: الأغيار فى وجودى فقد، والرسوم والأطلال عند ثبوت حقّى محو قوله: «فَاعْبُدْنِي»: أي تذلّل لحكمى، وأنفذ أمرى، واخضع لجبروت سلطانى.\nقوله جل ذكره: وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي إقامتها من غير ملاحظة مجريها ومنشيها يورث الإعجاب. وإذا أقام العبد صلاته على نعت.\nالشهود والتحقق بأن مجريها غيره «٢» كانت الصلاة بهذا فتحا لباب المواصلة، والوقوف على محل النجوى، والتحقق بخصائص القرب والزلفة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2003>[سورة طه (٢٠): آية ١٥]</span>\nإِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى (١٥)\nالفائدة فى تعريف العباد بقرب الساعة أن يستفيقوا من غفلات التفرقة، فإذا حضروا\n_________\n(١) حدث هنا طمس أفقدنا بقية الجملة، وربما كانت (عن الأمثال) .\n(٢) الضمير فى (غيره) يعود على العبد والمقصود أن يتحقق العبد بأن الرب هو الذي يجرى عليه تعبده.","vol":"2","page":449},{"text":"بقلوبهم- ففى حال استدامة الذكر- فما هو موعود فى الآجل أكثره للحاضرين موجود فى العاجل والحاضرة لهم كالآخرة. وكذلك جعلوا من أمارات الاستقامة شهود الوقت قيامة «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2004>[سورة طه (٢٠): آية ١٦]</span>\nفَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَاتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى (١٦)\nإذا أكرمه الله بحسن التنبيه، وأحضره بنعت الشهود فلا ينبغى أن ينزل عن سماء صفاته إلى جحيم أهل الغفلة فى تطوحهم فى أودية التفرقة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2005>[سورة طه (٢٠): آية ١٧]</span>\nوَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى (١٧)\nكرّر عليه السؤال فى غير آية عن عصاه لمّا كان المعلوم له سبحانه فيها من إظهاره فيها عظيم المعجزة.\nويقال إنما قال ذلك لأنه صحبته هيبة المقام عند فجأة سماع الخطاب فليسكن بعض ما به من بواده الإجلال.. ردّه إلى سماع حديث العصا، وأراه ما فيها من الآيات.\nويقال لو تركه على ما كان عليه من غلبات الهيبة لعلّه كان لا يعى ولا يطيق ذلك..\nفقال له: وما تلك بيمينك يا موسى؟\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2006>[سورة طه (٢٠): الآيات ١٨ الى ٢١]</span>\nقالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى (١٨) قالَ أَلْقِها يا مُوسى (١٩) فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى (٢٠) قالَ خُذْها وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى (٢١)\nقال هى عصاى، وأخذ يعدّد ما له فيها من وجوه الانتفاع فقال له:\nقالَ أَلْقِها يا مُوسى\n_________\n(١) (فالقيامة عند هؤلاء تقوم كل يوم غير مرة بالهجر والنوى والفراق) و(جهنم الفراق أشد هولا من جهنم الاحتراق) . اللطائف فى مواضع أخرى.","vol":"2","page":450},{"text":"فإنّك بنعت التوحيد «١»، واقف على بساط التفريد، ومتى يصحّ ذلك، ومتى يسلم لك أن يكون لك معتمد تتوكأ عليه، ومستند عليه تستعين، وبه تنتفع؟\nثم قال: «وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى»: أوّل قدم فى الطريق ترك كلّ سبب، والتّنقّى عن كل طلب فكيف كان يسلم له أن يقول: أفعل بها، وأمتنع «٢»، ولى فيها مآرب أخرى.\nويقال ما ازداد موسى﵇- تفصيلا فى انتفاعه بعصاه إلا كان أقوى وأولى بأن يؤمن بإلقائها، والتنقى عن الانتفاع بها على موجب التفرّد لله.\nويقال التوحيد التجريد، وعلامة صحته سقوط الإضافات «٣» بأسرها فلا جرم لما ذكر موسى﵇- ذلك أمر بإلقائها فجعلها الله حيّة تسعى، وولّى موسى هاربا ولم يعقّب. وقيل له يا موسى هذه صفة العلاقة إذا كوشف صاحبها بسرّها يهرب منها.\nويقال لمّا باسطه الحقّ بسماع كلامه أخذته أريحية سماع الخطاب، فأجاب عما يسأل وعمّا لم يسأل فقال: «وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى»، وذكر وجوها من الانتفاع منها أنه قال تؤنسني «٤» فى حال وحدتي، وتضىء لى الليل إذا أظلم، وتحملني إذ عييت فى الطريق فأركبها، وأهشّ بها على غنمى، وتدفع عنى عدوّى. وأعظم مأرب لى فيها أنّك قلت: «وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ؟» وأية نعمة أو مأرب أو منفعة تكون أعظم من أن تقول لى: وما تلك؟ ويقال قال الحقّ- بعد ما عدّد موسى وجوه الآيات وصنوف انتفاعه بها- ولك يا موسى فيها أشياء أخرى أنت غافل عنها وهى انقلابها حية، وفى ذلك لك معجزة وبرهان صدق.\n_________\n(١) إذا صح نقل هذه العبارة عن الأصل فالقشيرى يقصد بها (فإنك موحد)، والموحد أعلى درجات العارفين.\n(٢) أي تكون لى بها منعة وقوة، وربما كانت (وأنتفع) وكلاهما صحيح فى المعنى.\n(٣) سقوط الإضافات أي لا يقول لى ولا بي ولا منى- وهذه آية صحة التوحيد عندهم (أنظر الرسالة ص ١٤٩) .\n(٤) وردت (تسعى)، وقد وجدنا (تؤنسني) أقرب إلى المعنى وإن كانت بعيدة فى الرسم، فآثرناها ونبهنا إلى الأصل. أو ربما سقطت (معى) بعد (تسعى) ويكون السياق آنذاك منسجما.","vol":"2","page":451},{"text":"ويقال جميع ما عدّد من المنافع فى العصا كان من قبل الله.. فكيف له أن ينسبها ويضيفها إلى نفسه، ولهذا قالوا:\nيا جنّة الخلد، والهدايا إذا ... تهدى إليك فما منك يهدى\nويقال قال موسى لما رآها حية تهتز: لقد علمت كلّ وصف بهذه العصا، أمّا هذه الواحدة فلم أعرفها.\nقوله جل ذكره: قالَ أَلْقِها يا مُوسى فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى قالَ خُذْها وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى لا عبرة بما يوهم ظاهر الأشياء فقد يوهم الظاهر بشىء ثم يبدو خلافه فى المستقبل فعصا موسى صارت حية.\nثم قال المقصود بذلك أن تكون لك آية ومعجزة لا بلاء وفتنة «١» .\nقوله: «قالَ خُذْها وَلا تَخَفْ ...»: أشهده- بانقلاب العصا من حال إلى حال مرة عصا ثم ثعبانا ثم عصا مرة أخرى- أنّه يثبّت عباده فى حال التلوين مرة ومرة فمن أخذ ومن ردّ، ومن جمع ومن فرق إلخ «٢» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2007>[سورة طه (٢٠): الآيات ٢٢ الى ٢٣]</span>\nوَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى (٢٢) لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى (٢٣)\nكما أراه آية من خارج أراه آية من نفسه، وهى قلب يده بيضاء إذ جعلها فى جيبه من غير البرص. قال تعالى: «سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ» «٣»\n_________\n(١) وهذا الكلام يتطبق. ذلك على الكرامة التي تظهر على يدى الولي، وهذا فرق بين المعجزة الكرامة من ناحية وبين السحر من ناحية أخرى.\n(٢) حتى يصلوا إلى حال (التمكين) .\n(٣) آية ٥٣ سورة فصلت.","vol":"2","page":452},{"text":"وإنما قال: أدخل يدك فى جيبك ولم يقل كمّك لانه لم يكن لما عليه من اللّباس كمّان.\nقوله: «لنريك «١» من آياتنا الكبرى»: الآية الكبرى هى ما كان يجده فى نفسه من الشهود والوجود، وما لا يكون بتكلّف العبد وتصرّفه من فنون الأحوال التي يدركها صاحبها ذوقا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2008>[سورة طه (٢٠): آية ٢٤]</span>\nاذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (٢٤)\nبعد ما أسمعه كلامه من غير واسطة، وشرّف مقامه، وأجزل إكرامه أمره بالذهاب ليدعو فرعون إلى الله- مع علمه بأنه لا يؤمن ولا يجيب ولا يسمع ولا يعرف- فشقّ على موسى ذهابه إلى فرعون، وسماع جحده منه، بعد ما سمع من الله كلامه سبحانه، ولكنه آثر أمر محنته على مراد نفسه.\nويقال لمّا أمره بالذهاب إلى فرعون سأل الله أهبة النّقل وما به يتمّ تبليغ ما حمل من الرسالة، ومن ذلك قوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2009>[سورة طه (٢٠): الآيات ٢٥ الى ٢٨]</span>\nقالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨)\nليعلم أنّ من شرط التكليف التّمكّن من أداء المأمور به.\nويقال إنّ موسى لم أخذ فى المخاطبة مع الله كاد لا يسكت من كثرة ما سأله فظل يدعو:\n«رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي، وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي ...» وهكذا إلى آخر الآيات والأسئلة.\nقوله «قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي»: حتى أطيق أن أسمع كلام غيرك بعد ما سمعت منك. «وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي»: حتى ينطلق بمخاطبة غيرك، وقوّنى حتى أردّ ما أردّ ... بك لا بي قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2010>[سورة طه (٢٠): الآيات ٢٩ الى ٣١]</span>\nوَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١)\n_________\n(١) أخطأ الناسخ إذ جعلها (لنريه) . [.....]","vol":"2","page":453},{"text":"سأل أن يصحب أخاه معه، ولما ذهب لسماع كلام الله حين قال تعالى: «وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً» «١» كان بمفرده، لأن الذهاب إلى الخلق يوجب الوحشة فطلب من أخيه الصحبة ليخفّف عليه كلفة المشقة.\nويقال إن المحبة توجب التجرّد والانفراد وألا يكون للغير مع المحبّ مساغ ففى ذهابه إلى فرعون استصحب أخاه، ولمّا كان الذهاب إلى الميقات لم يكن للغير سبيل إلى صحبته، إذ كان المقصود من ذهابه أن يكون مخصوصا بحاله.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2011>[سورة طه (٢٠): الآيات ٣٣ الى ٣٤]</span>\nكَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (٣٤)\nبيّن أنّ طلبه مشاركة أخيه له بحقّ ربه لا بحظّ نفسه حيث قال: «كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2012>[سورة طه (٢٠): آية ٣٦]</span>\nقالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى (٣٦)\nأعطيناك ما سألت، وتناسيت ابتداء حالك حين حفظناك فى اليمّ ونجّينا أمّك من ذلك الغمّ، وربّيناك فى حجر العدوّ.. فأين- حينذاك- كان سؤالك واختيارك ودعاؤك «٢»؟\nوأثبتنا فى قلب امرأة فرعون شفقتك، وألقينا عليك المحبة حتى أحبك عدوّك، وربّاك حتى قتل بسببك ما لا يحصى من الولدان، والذي بدأك بهذه المنن هو الذي آتاك سؤلك، وحقّق لك مأمولك.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2013>[سورة طه (٢٠): الآيات ٣٨ الى ٣٩]</span>\nإِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ ما يُوحى (٣٨) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي (٣٩)\n_________\n(١) آية ١٤٣ سورة الأعراف.\n(٢) أي أن فضل الله دائم، وسابق للدعاء، وغير مرتبط بالاختيار الإنسانى ولا بالعمل الإنسانى، وهذه نظرة فى الشمول قلما يفطن إليها غير الصوفية. فأين منهم المعتزلة الذين يوجبون على الله؟! ذلك أحد المرامى البعيدة التي يقصد إليها القشيري.","vol":"2","page":454},{"text":"كان ذلك وحي إلهام، ألقى الله فى قلبها أن تجعله فى تابوت، وتلقيه فى اليم يعنى نهر النيل، ففعلت، فألقاه النهر على الساحل، فحمل إلى فرعون. فلمّا وقع بصر امرأة فرعون عليه باشر حبّه قلبها، وكذلك وقعت محبته فى قلب فرعون، ولكنها كانت أضعف قلبا، فسبقت بقولها «قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ..» «١»، ولولا أنها علمت أنه أخذ شعبة من قلب فرعون ما أخذ من قلبها لم تقل: «قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ» .\nقوله: «يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ»: ربّاه فى حجر العدو، وكان قد قتل بسببه ألوفا من الولدان.. ولكن من مأمنه يؤتى الحذر! وبلاء كلّ أحد كان بعده إلا بلاء موسى ﵇ فإنه تقدّم عليه بسنين ففى اليوم الذي أخذ موسى فى حجره كان قد أمر بقتل كثير من الولدان، ثم إنه ربّاه ليكون إهلاك ملكه على يده.. ليعلم أنّ أسرار الأقدار لا يعلمها إلا الجبار.\nويقال كان فرعون يسمّى والد موسى وأباه- ولم يكن. وكان يقال لأمّ موسى ظئر «٢» موسى- ولم تكن فمن حيث الدعوى بالأبوة لم يكن لها تحقيق، ومن حيث كان المعنى والحقيقة لم يكن عند ذلك خبر ولا عند الآخر من ذلك معرفة.. هكذا الحديث والقصة «٣» .\nولقد جاء فى القصة أن موسى لمّا وضع فى حجر فرعون لطم وجهه فقال: إنّ هذا من أولاد الأعداء فيجب أن يقتل، فقالت امرأته: إنه صبيّ لا تمييز له، ويشهد لهذا أنه لا يميّز بين النار وبين غيرها من الجواهر والأشياء، وأرادت أن يصدّق زوجها قالتها، فاستحضرت شيئا من النار وشيئا من الجواهر، فأراد موسى ﵇ أن يمدّ يده إلى الجواهر فأخذ جبريل ﵇ بيده وصرفها إلى النار فأخذ جمرة بيده، وقرّبها من فيه فاحترق لسانه- ويقال إنّ العقدة التي كانت على لسانه كانت من ذلك الاحتراق- فعند ذلك قالت امرأة فرعون: ها قد تبينّ أن هذا لا تمييز له فقد أخذ الجمرة إلى فيه.\nوتخلّص موسى بهذا مما حصل منه من لطم فرعون.\n_________\n(١) آية ٩ سورة القصص.\n(٢) الظئر. المرضعة لغير ولدها.\n(٣) يقصد بالحديث والقصة التصوف وأهله فلقب العبد مرتبط بقلبه وحقيقة باطنه لا بما يستفاد من ظاهره ورأى الناس فيه، وهذا أصل من أصول أهل الملامة النيسابورية.","vol":"2","page":455},{"text":"ويقال إنهم شاهدوا ولم يشعروا أنه لم يحترق من أخذ الجمرة وهو صبي رضيع، ثم احترق لسانه، فعلم الكلّ أن هذا الأمر ليس بالقياس. فإنه سبحانه فعّال لما يريد.\nقوله جل ذكره: وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي أي أحببتك. ويقال فى لفظ الناس: فلان ألقى محبته على فلان أي أحبّه. ويقال «أَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي»: أي طرحت فى قلوب الناس محبة لك، فالحقّ إذا أحبّ عبدا فكلّ من شاهده أحبّه. ويقال لملاحة فى عينيه فكان لا يراه أحد إلا أحبّه.\nويقال «أَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي»: أي أثبتّ فى قلبك محبتى فإن محبه العبد لله لا تكون إلا بإثبات الحق- سبحانه- ذلك فى قلبه، وفى معناه أنشدوا:\nإنّ المحبة أمرها عجب ... تلقى عليك وما لها سبب\nقوله جل ذكره: وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي أي بمرأى منى ويقال لا أمكّن غيرى بأن يستبعدك عنى.\nويقال أحفظك من كل غير، ومن كلّ حديث سوى حديثنا. ويقال ما وكلنا حفظك إلى أحد.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2014>[سورة طه (٢٠): آية ٤٠]</span>\nإِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْناكَ إِلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى (٤٠)\nالبلاء على حسب قوة صاحبه وضعفه، فكلما كان المرء أقوى كان بلاؤه أوفى «١»، وكلما كان أضعف كان بلاؤه أخف. وكانت أمّ موسى ضعيفة فردّ إليها ولدها بعد أيام، وكان يعقوب أقوى فى حاله فلم يعد إليه يوسف إلا بعد سنين طويلة.\nقوله جل ذكره: وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِ\n_________\n(١) قال ﷺ «أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل» رواه الترمذي، وابن ماجه والحاكم عن سعد بن أبى وقاص.","vol":"2","page":456},{"text":"أجرى الله عليه ما هو فى صورة كبيرة من قتل النّفس بغير حق، ثم بيّن الله أنه لا يضره ذلك، فليست العبرة بفعل العبد فى قلّته وكثرته إنما العبرة بعناية الحقّ، بشأن أحد أو عداوته.\nويقال قد لا يموت كثير من الخلق بفنون من العذاب، وكم من أناس لا يموتون وقد ضربوا ألوفا من السياط! وصاحب موسى ﵇ ومقتوله مات بوكزة! إيش «١» الذي أوجب وفاته لولا أنه أراد به فتنة لموسى؟ وفى بعض الكتب أنه- سبحانه- أقام موسى كذا وكذا مقاما، وأسمعه كلامه كل مرة بإسماع آخر، وفى كل مرة كان يقول له:\n«وَقَتَلْتَ نَفْسًا» .\n«فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ»: أريناك عين الجمع حتى زال عنك ما داخلك من الغمّ بصفة مقتضى التفرقة، فلمّا أريناك سرّ جريان التقدير نجيّناك من الغم.\nقوله جل ذكره: وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا.\nاستخلصناك لنا حتى لا تكون لغيرنا. ويقال جنّسنا عليك البلاء ونوّعناه حتى جرّدناك عن كل اختيار وإرادة، ثم حينئذ رقّيناك إلى ما استوجبته من العلم الذي أهلناك له.\nقوله جل ذكره: فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ.\nوكنت عند الناس أنك أجير لشعيب، ولم يظهر لهم ما أودعنا فيك، وكان يكفى- عندهم- أن تكون ختنا «٢» لشعيب.\nثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى.\nأي عددنا أيام كونك فى مدين شعيب، وكان أهل حضرتنا من الملائكة الذين عرفوا شرفك ومحبّتك منتظرين لك فجئت على قدر.\n_________\n(١) أي (أي شىء) وهى لفظة ترد فى مصنفات القشيري من حين إلى آخر. وجاء فى الوسيط ج ١ ص ٣٤ أن العرب تكلمت بها.\n(٢) أي زوجا لابنته، وفي الحديث «علىّ ختن رسول الله»","vol":"2","page":457},{"text":"ويقال إنّ الأجل إذا جاء للأشياء فلا تأخير فيه ولا تقديم، وأنشدوا فى قريب من هذا المعنى:\nبينما خاطر المنى بالتلاقى ... سابح فى فؤاده وفؤادى\nجمع الله بيننا فالتقينا ... هكذا بغتة بلا ميعاد\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2015>[سورة طه (٢٠): آية ٤١]</span>\nوَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (٤١)\nاستخلصتك لى حتى لا تصلح لأحد غيرى، ولا يتأتّى شىء منك غير تبليغ رسالتى، وما هو مرادى منك.\nويقال أفردت سرّك لى، وجعلت إقبالك علىّ دون غيرى، وحلت بينك وبين كل أحد ممن هو دونى.\nويقال «وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي»: قطعه بهذا عن كلّ أحد، ثم قال له: «اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2016>[سورة طه (٢٠): الآيات ٤٢ الى ٤٣]</span>\nاذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي وَلا تَنِيا فِي ذِكْرِي (٤٢) اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (٤٣)\nتعلّل موسى ﵇ لمّا أرسله الحقّ إلى فرعون بوجوه من العلل مثل قوله:\n«يَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي» «١»، «إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ» «٢» .\nإلى غير ذلك من الوجوه، فلم ينفعه ذلك، وقال الله: «إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى»، فاستقل «٣» موسى ﵇ بذلك، وقال: الآن لا أبالى بعد ما أنت معى.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2017>[سورة طه (٢٠): آية ٤٤]</span>\nفَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى (٤٤) .\n_________\n(١) آية ١٣ سورة القصص.\n(٢) آية ٣٣ سورة القصص.\n(٣) الاستقلال هنا معناه الاكتفاء.","vol":"2","page":458},{"text":"إنما أمرهما بالملاينة معه فى الخطاب لأنه كان أول من دعوه إلى الدّين، وفى حال الدعوة يجب اللّين «١» فإنه وقت المهلة، فلا بدّ من الإمهال ريثما ينظر «٢» قال الله لنبينا ﷺ: «وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ «٣»»: وهو الإمهال حتى ينظروا ويستدلوا، وكذلك قال: «قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وَفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ» «٤» .\nثم إذا ظهر من الخصم التمرّد والإباء فحينئذ يقابل بالغلظة والحتف.\nويقال علّمهما خطاب الأكابر ذوى الحشمة ففرعون- وإن كان كافرا- إلا أنه كان سلطان وقته، والمتسلّط على عباد الله.\nويقال إذا كان الأمر فى مخاطبة الأعداء بالرّفق والملاينة.. فكيف مع المؤمن فى السؤال؟\nويقال فى هذا إشارة إلى سهولة سؤال الملكين فى القبر للمؤمن.\nويقال إذا كان رفقه بمن جحده فكيف رفقه بمن وحده؟\nويقال إذا كان رفقه بالكفّار فكيف رفقه بالأبرار؟\nويقال إذا كان رفقه بمن قال: أنا.. فكيف رفقه بمن قال: أنت؟\nويقال إنه «٥» أحسن تربية موسى ﵇ فأراده أن يرفق به اليوم فى الدنيا على جهة المكافأة.\nوقيل تفسير هذا ما قال فى آية أخرى «فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى» «٦» .\nوقوله: «لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى»: أي كونا على رجاء أن يؤمن. ولم يخبرهما أنه لا يؤمن\n_________\n(١) وردت (التمكين) وهى خطأ فى النسخ وقد انتبه أحد القراء إلى هذا الخطأ فوضع علامة استفهام صغيرة.\n(٢) النظر هنا معناها التفكر فى الأمر.\n(٣) آية ١٢٥ سورة النحل. [.....]\n(٤) آية ٤٦ سورة سبأ.\n(٥) أي فرعون.\n(٦) آية ١٨ سورة النازعات.","vol":"2","page":459},{"text":"لئلا تتداخلهما فترة فى تبليغ الرسالة علما منه «١» بأنه لا يؤمن ولا يقبل.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2018>[سورة طه (٢٠): آية ٤٥]</span>\nقالا رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى (٤٥)\nفى الآية دليل على أنّ الخوف «٢» الذي تقتضيه جبلة الإنسان غير ملوم صاحبه عليه، حيث قال مثل موسى ومثل هارون ﵉: «إِنَّنا نَخافُ» .\nثم إنّه سبحانه سكّن ما بهما من الخوف بوعد النصرة لهما.\nويقال لم يخافا على نفسيهما شفقة عليهما، ولكن قالا: إننا نخاف أن تحل بنا مكيدة من جهته، فلا يحصل فيما تأمرنا به قيام بأمرك، فكان ذلك الخوف لأجل حقّ الله لا لأجل حظوظ أنفسهما.\nويقال لم يخافا من فرعون، ولكن خافا من تسليط الله إياه عليهما، ولكنهما تأدّبا فى الخطاب.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2019>[سورة طه (٢٠): آية ٤٦]</span>\nقالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى (٤٦)\nتلطّف فى استجلاب هذا القول من الحق سبحانه، وهو قوله: «إِنَّنِي مَعَكُما» بقولهما:\n«إِنَّنا نَخافُ»، وكان المقصود لهما أن يقول الحق لهما: «إِنَّنِي مَعَكُما» وإلا فأنّى بالخوف لمن هو مخصوص بالنبوّة؟! ويقال سكّن فيهما الخوف بقوله: «إِنَّنِي مَعَكُما»، فقويا على الذهاب إليه إذ من شرط التكليف التمكين.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2020>[سورة طه (٢٠): آية ٤٧]</span>\nفَأْتِياهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى (٤٧)\n_________\n(١) وردت (منهم) وهى خطأ فى النسخ لأن المقصود: مع انه سبحانه عليم بانه لن يؤمن ولن يقبل.\n(٢) فى هذه الإشارة توضيح هام لاصطلاح (الخوف) .","vol":"2","page":460},{"text":"طال البلاء ببني إسرائيل من جهة فرعون، فتدراكهم الحقّ سبحانه ولو بعد حين، بذلك أجرى سنّته أنه يرخى عنان الظالم، ولكن إذا أخذه فإنّ أخذه أليم.\nقوله جل ذكره: قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ من شرط التكليف التمكين بالبيّنة والآية للرسول حتى يتّضّح ما يدلّ على صدقه فيما يدعو إليه من النبوة. ثم إن تلك الآية وتلك البيّنة ما نفعتهم، وإنما تأكدت بهما عليهم الحجّة فإذا عمى بصر القلب فأنّى تنفع بصيرة الحجة؟ وفى معناه قالوا:\nوفى نظر الصادي إلى الماء حسرة ... إذا كان ممنوعا سبيل الموارد\nقوله جل ذكره: وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى إنما يتّبع الهدى من كحلّ قلبه بنور العرفان، فأما من كانت على قلبه غشاوة الجهل..\nفمتى يستمع إلى الهدى؟\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2021>[سورة طه (٢٠): الآيات ٤٨ الى ٥٠]</span>\nإِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٤٨) قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى (٤٩) قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى (٥٠)\nما بعث الله نبيا إلّا وقد نذر قومه بالعذاب على ترك الأمر، وبشّرهم بالثواب على حفظ الأمر. والعذاب معجّل ومؤجّل فمؤجّله لا يوقف على تفصيله الأعداء، وكذلك مؤجّل الثواب، قال تعالى: «فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ» «١» .\nوأما معجّل العقوبة فأنواع، وعلى حسب مقام المرء تتوجّه عليه المطالبات، والزيادة فى العقوبة تدلّ على زيادة استحقاق الرّتبة كالحرّ والعبد فى الحدّ. وقسوة القلب نوع عقوبة، وما يتداخل الطاعة نوع عقوبة، وخسران نصيب فى المال والأنفس نوع عقوبة..\nإلى غير ذلك.\nقوله جل ذكره: قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى.\n_________\n(١) آية ١٧ سورة السجدة.","vol":"2","page":461},{"text":"«فَمَنْ رَبُّكُما» على التثنية، ثم قال: «يا مُوسى» فأفرده بالخطاب بعد ما قال: «فَمَنْ رَبُّكُما؟» . فيحتمل أن ذلك لمشاكلة رءوس الآي، ويحتمل أن موسى كان مقدّما على هارون فخصّه بالنداء.\nوإنما أجاب موسى عن هذا السؤال بالاستدلال على فعله- سبحانه فقال: «رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ» ليعلم أنّ الدليل على إثباته- سبحانه- ما دلّت عليه أفعاله.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2022>[سورة طه (٢٠): الآيات ٥١ الى ٥٢]</span>\nقالَ فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى (٥١) قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى (٥٢)\nلا يمكننى أن أخبركم إلا بما أخبرنى به ربى، فما عرّفنى عرّفت، وما ستره علىّ وقفت.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2023>[سورة طه (٢٠): آية ٥٣]</span>\nالَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجًا مِنْ نَباتٍ شَتَّى (٥٣)\nجعل الأرض مستقرا لأبدانهم، وجعل أبدانهم مستقرا لعبادته، وقلوبهم مستقرا لمعرفته «١»، وأرواحهم مستقرا لمحبته، وأسرارهم مستقرا لمشاهدته.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2024>[سورة طه (٢٠): آية ٥٤]</span>\nكُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى (٥٤)\nهيّأ لهم أسباب المعيشة، وكما انظر إليهم ورزقهم رزق دوابّهم التي ينتفعون بها،\n_________\n(١) وردت (وأرواحهم مستقرا لعبادته) والصواب ان تكون (وقلوبهم مستقرا لمعرفته) حسبما نعرف من مذهب القشيري فى ترتيب الملكات الباطنية (انظر بحثنا فى الدكتوراه عن الإمام القشيري وتصوفه) ط مؤسسة الحلبي.","vol":"2","page":462},{"text":"وأمرهم أن يتقووا بما تصل إليه أيديهم، وأن ينتفعوا- ما أمكنهم- بأنعامهم ليكمل لديهم إنعامهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2025>[سورة طه (٢٠): آية ٥٥]</span>\nمِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى (٥٥)\nإذ خلقنا آدم من التراب، وإذ أخرجناكم من صلبه.. فقد خلقناكم من التراب أيضا.\nوالأجساد قوالب والأرواح ودائع، والقوالب نسبتها التّربة «١»، والودائع صفتها القربة «٢»، فالقوالب يزيّنها بأفضاله، والودائع يحييها بكشف جلاله ولطف جماله. وللقوالب اليوم اعتكاف على بساط عبادته، وللودائع اتصاف بدوام معرفته.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2026>[سورة طه (٢٠): آية ٥٦]</span>\nوَلَقَدْ أَرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها فَكَذَّبَ وَأَبى (٥٦)\nأمره بجهره، وأعماه عن شهود ذلك بسره، فما نجع فيه كلامه، وما انتفع بما حذّره من انتقامه، ويسر له من إنعامه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2027>[سورة طه (٢٠): الآيات ٥٧ الى ٥٨]</span>\nقالَ أَجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى (٥٧) فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكانًا سُوىً (٥٨)\nدعاهم موسى إلى الله، وخاطبهم فى حديث الآخرة من تبشير بثواب، وإنذار بعذاب، فلم يجيبوا إلّا من حيث الدنيا، وما زادهم تذكيرا إلا ازدادوا غفلة وجهاله.\n_________\n(١)، (٢) وردتا (البرية) و(القوية) ولم نجد للجملتين معنى على ذلك- فى حدود ما نعرف- بينما لو صارت النسبة إلى (التربة) كما تشير الآية وكما يشير كلام المصنف فى بداية الفقرة، ثم لو جعلنا (القرية) بدل (القوية) لا نسجم السياق، ونحن فى هذا لا نصدر إلا عن استخدام القشيري لهذا الأسلوب فى مواضع مماثلة- والله اعلم.","vol":"2","page":463},{"text":"كذلك صفة من وسمه الحقّ بالإبعاد، لم يكن له عرفان، ولا بمال يقال إيمان، ولا يتأسّف على ما يفوته، ولا تصديق له بحقيقة ما هو بصدده.\nقوله: «فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لا نُخْلِفُهُ..» تأهّبوا لمناصبة الحقيقة وتشمّروا للمخالفة، فقصمتهم المشيئة وكبستهم القدرة، وكما قيل:\nاستقبلني وسيفه مسلول ... وقال لى واحدنا معذول\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2028>[سورة طه (٢٠): آية ٥٩]</span>\nقالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (٥٩)\nفكان فى ذلك اليوم افتضاحهم «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2029>[سورة طه (٢٠): آية ٦٠]</span>\nفَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتى (٦٠)\nكان فرعون فكيد له، وأراد فارتدّ إليه، ودعا للاستعداد فأذلّ وإذ يقال بأس.\nولم يدع موسى شيئا من الوعظ والرّفق، ولم يغادر فرعون شيئا من البله والحمق، ولكن:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2030>[سورة طه (٢٠): الآيات ٦١ الى ٦٢]</span>\nقالَ لَهُمْ مُوسى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ وَقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى (٦١) فَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوى (٦٢)\nاعلموا أنه لا طاقة لأحد مع الله- سبحانه- إذا عذّبه، فحملوا مقالته على الإفك، ورموا معجزته بالسحر فقالوا:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2031>[سورة طه (٢٠): الآيات ٦٣ الى ٦٥]</span>\nقالُوا إِنْ هذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أَنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِما وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى (٦٣) فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى (٦٤) قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى (٦٥)\n_________\n(١) يشير القشيري بذلك إلى شاهد شعرى سبق وروده:\nمن تحلى بغير ما هو فيه ... فضحته شواهد الامتحان\nويهدف إلى أن يثبت ان تزين الظاهر لا جدوى منه فى الحقيقة.","vol":"2","page":464},{"text":"هما فى دعواهما كاذبان يقصدان إلى إخراجكم من بلدكم، والتشويش عليكم فى معتقدكم.\nقالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى أظهروا من أنفسهم التجلّد ظنّا بأنّ النصرة لهم، وإخلادا إلى ما كان السّحرة يسوّلون لهم، فخيّروا موسى فى الابتداء بناء على ما توهموا من الإلقاء، فقال لهم موسى:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2032>[سورة طه (٢٠): الآيات ٦٦ الى ٧١]</span>\nقالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى (٦٦) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى (٦٧) قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى (٦٨) وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى (٦٩) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى (٧٠)\nقالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذابًا وَأَبْقى (٧١)","vol":"2","page":465},{"text":"قال لهم موسى بل ألقوا أنتم، وليس ذلك إذنا لهم فى السحر، ولكن أراد الحقّ إظهار تمويههم، فلمّا خيّلوا للناس بإلقاء الحبال أنها حيات ابتلعت عصا موسى جملة ما صنعوا، وتحقّق السّحرة أنّ ذلك أمر سماوىّ حيث تلاشى عين ما كان معهم من أوقار «١» الحبال، وصار الثعبان عصا كما كان، فسجدوا لله مؤمنين، وانقلب فرعون وقومه خائبين، وتوعّدهم بالقتل والصّلب، وفنون من العذاب الصعب، وبعد ما كانوا يقسمون بعزّة فرعون صاروا يحلفون بالله.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2033>[سورة طه (٢٠): آية ٧٢]</span>\nقالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالَّذِي فَطَرَنا فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا (٧٢)\nأي بالله الذي فطرنا إنّا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات. ولما طلعت فى أسرارهم شموس العرفان، وانبسطت عليهم أنوار العناية أبصروا الحقّ سبحانه بأسرارهم فنطقوا ببيان التصديق، وسجدوا بقلوبهم لمشهودهم، ولم يحتشموا مما توعدهم به من العقوبة، ورأوا ذلك من الله فاستعذبوا البلاء، وتحملوا اللأواء «٢»، فكانوا فى الغداة كفارا سحرة، وأمسوا أخيارا بررة «٣» .\nقوله «فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ ...» علموا أنّ البلاء فى الدنيا ينقضى- وإن تمادى، وينتهى وإن تناهى «٤» قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2034>[سورة طه (٢٠): آية ٧٣]</span>\nإِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقى (٧٣)\nأهمّ الأشياء- على من عرفه- مغفرته لخطاياه فهذا آدم﵇- لما\n_________\n(١) الأوقار جمع وقر- الحمل الثقيل.\n(٢) اللأواء- ضيق المعيشة وشدة المرض (الوسيط) .\n(٣) فى هذه الإشارة فتح الباب الأمل امام العصاة نظرا لقصر المسافة بين الكفر والايمان، فهى كما بين الغداة والمساء.\n(٤) أي وإن تناهى فى الشدة.","vol":"2","page":466},{"text":"استكشف «١» من حاله، وحلّ به ما حلّ قال: َبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ...»\n«٢» وقال لنبيناﷺ- «وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ» «٣» . وقال ﷺ: «إنه ليغان على قلبى فأستغفر الله فى اليوم سبعين مرة» «٤» . ومنّ عليه بقوله: «لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ» «٥» قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2035>[سورة طه (٢٠): الآيات ٧٧ الى ٧٩]</span>\nوَلَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لا تَخافُ دَرَكًا وَلا تَخْشى (٧٧) فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ (٧٨) وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى (٧٩)\nلما عبر موسى ببني إسرائيل البحر، وقرب منه فرعون، ورأى البحر منفلقا والطريق فيه يبسا عيّر قومه بتلبيسه فقال: «إنه بحشمتي انفلق، فأنا ربّكم الأعلى!» وحصل- كما فى القصة- من دخوله بعسكره البحر حتى دخل آخرهم، وهمّ أن يخرج أوّلهم، فأمر الله البحر حتى التطمت أمواجه فغرقوا بجملتهم، وآمن فرعون لما ظهر له اليأس «٦»، ولم ينفعه إقراره، وكان ينفعه لو لم يكن إصراره، وقد أدركته الشقاوة التي سبقت له من التقدير.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2036>[سورة طه (٢٠): آية ٨٠]</span>\nيا بَنِي إِسْرائِيلَ قَدْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى (٨٠)\n_________\n(١) يقصد القشيري حين (بدت لهما سوآتهما وانكشفت) وربما كانت فى الأصل (استنكف) اى خجل مما فعل فهى قريبة فى الكتابة وملائمة السياق. [.....]\n(٢) آية ١٦ سورة القصص\n(٣) آية ٥٥ سورة غافر.\n(٤) عن أغر مزينة ﵁ قال: قال رسول الله: إنه ليغان على قلبى حتى أستغفر الله تعالى فى اليوم والليل مائة مرة. أخرجه مسلم وأبو داود.\n(٥) آية ٢ سورة الفتح.\n(٦) ربما كانت (البأس) بالباء فهى ملائمة للسياق.","vol":"2","page":467},{"text":"يذكّرهم آلاءه، ويعدّ عليهم نعماءه، ويأمرهم بالتزام الطاعة والقيام بالشكر لما أسبغ عليهم من فنون النّعم، ثم يذكرهم ما منّ به على أسلافهم من إنزال المنّ والسلوى، وضروب المحن وفنون البلوى.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2037>[سورة طه (٢٠): آية ٨١]</span>\nكُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى (٨١)\nالطيب ما كان حلالا. ويقال الطيب من الرزق ما لا يعصى الله مكتسبه. ويقال الطيب من الرزق ما يكون على مشاهدة الرزاق. ويقال الطيب من الرزق ما حصل منه الشكر. ويقال الطيب من الرزق ما يأخذه العبد من الله فما لأهل الجنة مؤجّل فى عقباهم جهرا، معجّل لأصفيائه فى دنياهم سرّا، قال تعالى: «آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ «١»» .\nوالأرزاق مختلفة فلأقوام حظوظ النفوس ولآخرين حقوق القلوب، ولأقوام شهود الأسرار فرزق النفوس التوفيق، ورزق القلوب التصديق، ورزق الأرواح التحقيق «٢» .\nقوله: «وَلا تَطْغَوْا فِيهِ»: بمجاوزة الحلال إلى الحرام.\nويقال «لا تَطْغَوْا فِيهِ»: بالزيادة على الكفاف «٣»، وما لا بدّ منه مما زاد على سدّ الرمق.\nويقال «لا تَطْغَوْا فِيهِ»: بالأكل على الغفلة والنسيان.\nقوله جل ذكره: فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى.\nفيحل عليكم غضبى بالخذلان لمتابعة الزّلّة بعد الزّلّة.\nويقال فيحل عليكم غضبى لفقدكم التأسّف على ما فاتكم.\nويقال بالرضا بما أنتم فيه من نقصان الحال.\n_________\n(١) آية ١٦ سورة الذاريات.\n(٢) نضع ذلك فى اعتبارنا عند بحث الملكات الباطنية، ووظائفها وآفاتها ... وأرزاقها.\n(٣) الكفاف من الرزق ما كان على مقدار الحاجة من غير زيادة ولا نقصان.","vol":"2","page":468},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2038>[سورة طه (٢٠): آية ٨٢]</span>\nوَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا ثُمَّ اهْتَدى (٨٢)\nالغفّار كثير المغفرة فمنك التوبة عن زلّة واحدة ومنه المغفرة لذنوب كثيرة، ومنه السّرّية التي لا اطلاع لأحد غيره عليها وما للملائكة عليها اطلاع. وهو يغفر لمن عمل مثل عملك، وهو يغفر لمن قلبك مريد له بالخير والنعمة، وكما قالوا.\nإنى- على جفواتها- فبربّها ... وبكل متّصل بها متوسّل\nوأحبّها وأحبّ منزلها الذي ... نزلت به وأحبّ أهل المنزل\nقوله «وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ»: فلا تصحّ التوبة إلا لمن يكون مؤمنا.\nوقوله هنا: «وَآمَنَ»: أي آمن فى المآل كما هو مؤمن فى الحال.\nويقال آمن بأنه ليست نجاته بتوبته وبإيمانه وطاعته، إنما نجاته برحمته.\nويقال «وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ»: من الزّلّة «وَآمَنَ»: فلم ير أعماله من نفسه، وآمن بأن جميع الحوادث من الحقّ- سبحانه- «وَعَمِلَ صالِحًا»: فلم يخلّ بالفرائض ثم اهتدى للسّنّة والجماعة «١» .\nويقال «ثُمَّ»: للتراخى أي آمن فى الحال «ثُمَّ» اهتدى فى المآل.\nويقال من سمع منه «وَإِنِّي» لا يقول بعد ذلك: «إِنِّي» «٢» ويقال من شغله سماع قوله: «وَإِنِّي» استهلك فى استيلاء ما غلب عليه من ضياء القربة، فإذا جاءت «لَغَفَّارٌ» صار فيه بعين المحو، ولم يتعلق بذنوب أصحابه وأقاربه وكل من يعتنى بشأنه.\nويقال «إِنِّي لَغَفَّارٌ» كثير المغفرة لمن تاب مرة فيغفر له أنواعا من ذنوبه التي لم يتب منها سرّها وجهرها، صغيرها وكبيرها، وما يتذكر منها وما لا يتذكر. ولا ينبغى أن يقول:\n_________\n(١) واضح حرص القشيري السنى على التمسك بسنيته- وهذا أصل ثابت فى مذهبه سواء فى علم الكلام أو فى علم التصوف.\n(٢) فالتوحيد الصادق إسقاط الياءات ونفى كل دعوى للنفس.","vol":"2","page":469},{"text":"عملت «عملا صالِحًا»: بل يلاحظ عمله بعين الاستصغار، وحالته بغير الاستقرار.\nوقوله «ثُمَّ اهْتَدى»: أي اهتدى إلينا بنا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2039>[سورة طه (٢٠): آية ٨٣]</span>\nوَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى (٨٣)\nأخرجهم مع نفسه لمّا استصحبهم، ثم تقدّمهم «١» بخطوات فتأخروا عنه، فقيل له فى ذلك مراعاة لحقّ صحبتهم.\nويقال قوم يعاتبون لتأخرهم وآخرون لتقدمهم.. فشتان ماهما! قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2040>[سورة طه (٢٠): آية ٨٤]</span>\nقالَ هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى (٨٤)\nأي عجلت إليك شوقا إليك، فاستخرج منه هذا الخطاب، ولولا أنه استنطقه لما أخبر به موسى «٢» .\nقوله «هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي..» أي ما خلّفتهم لتصييعى أيامى، ولكنى عجلت إليك لترضى. قال: يا موسى إنّ رضائى فى أن تكون معهم وألّا تسبقهم، فكونك مع الضعفاء الذين استصحبتهم- فى معانى حصول رضائى- أبلغ من تقدّمك عليهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2041>[سورة طه (٢٠): آية ٨٥]</span>\nقالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (٨٥)\nفتنّا قومك فضلّوا وعبدوا العجل فأخبر الحقّ- سبحانه- أنّ ذلك منه تقدير، وفى هذا تكذيب لمن جحد القول بالقدر.\nويقال طلب موسى﵇- رضاء الحق، وقدّر الحقّ- سبحانه- فتنة.\nقومه فقال: «فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ»، ثم الحكم لله و، لم يكن بد لموسى ﵇ من الرضاء بقضاء الله- فلا اعتراض على الله- ومن العلم بحقّ الله فى أن يفعل ما يشاء، وأنشدوا:\nأريد وصاله ويريد هجرى ... فأترك ما أريد لما يريد\n_________\n(١) حين ذهب لميقات ربه.\n(٢) وإلا كان دعوى من النفس. ويفيدنا هذا الرأى في قضية الإفصاح والكتمان.","vol":"2","page":470},{"text":"قوله جل ذكره: وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ بدعائه إياهم إلى عبادة العجل، وهو نوع من التغرير، وحصل ما حصل، وظهر ما ظهر من (...) «١»\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2042>[سورة طه (٢٠): آية ٨٦]</span>\nفَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفًا قالَ يا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (٨٦)\nورجع نبيّناﷺ- من المعراج بنعت البسط، وجاء بالنجوى «٢» لأصحابه فيما أوجب الله عليهم من الصلاة، وأكرمهم به من القربة بالزلفة.. فشتان ماهما! ورجع موسى إلى قومه بوصف الغضب والأسف، وخاطبهم ببيان العتاب:\nقالَ يا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ؟ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي ظنوا بنبيّهم ظنّ السّوء فى خلفه الوعد، فلحقهم شؤم ذلك حتى زاغوا عن العهد، وأشركوا فى العقد.. وكذلك يكون الأمر إذا لم يف المرء بعقده، فإنه ينخرط فى هذا السّلك قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2043>[سورة طه (٢٠): آية ٨٧]</span>\nقالُوا ما أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا وَلكِنَّا حُمِّلْنا أَوْزارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْناها فَكَذلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (٨٧)\nقالوا لم نكن فى ابتداء حالنا قاصدين إلى ما حصل منّا، ولا عالمين بما آلت إليه عاقبة\n_________\n(١) مشتبهة، وهى قريبة فى الخط من (التعدية) وربما كانت صحيحة بمعنى التعدي لأنهم تركوا عبادة الله إلى عبادة العجل فظلموا أنفسهم وتجاوزوا حدودهم.\n(٢) ربما كانت (بالنجاة) حيث تتضح المقابلة بين أمة عاد إليها نبيها من عند ربه (بالنجاة) وأمة عاد إليها نبيها منذرا بالعقوبة ومع ذلك فقد قبلنا (النجوى) على أساس أنها جوهر الصلاة. [.....]","vol":"2","page":471},{"text":"حالنا، وإن الذي حملنا من حلّى القبط صاغ السامرىّ منه العجل.. وكذلك الحرام من حطام الدنيا لا يخلو من شؤم أثره. فلقد كانت الغنيمة وأموال المشركين حراما عليهم، فاستعاروا الحلىّ من القبط، وآل إليهم ما كان فى أيديهم من الملك، فكان سبب عبادتهم العجل.. كذلك من انهمك فى طلب الدنيا من غير وجه حلال يكون على خطر من رقّة دينه، قال تعالى: «أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ» «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2044>[سورة طه (٢٠): الآيات ٨٨ الى ٨٩]</span>\nفَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ (٨٨) أَفَلا يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا (٨٩)\nيقال إنهم لمّا مرّوا على قوم يعبدون أصناما لهم قالوا لموسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، وكان ذلك الصنم على صورة العجل فكان ميلهم إلى عبادته مستكنّا فى قلوبهم، فصاغ السامرىّ العجل على تلك الصورة. وفى هذه إشارة إلى أن خفايا الهوى إذا استكنّت فى القلب فما لم ينقش ذلك الشرك بمنقاش المنازلة يخشى أن يلقى صاحبه (...) «٢» .\nويقال إن موسى﵇- خرج من بين أمته أربعين يوما فرضى قومه بعبادة العجل، ونبيّنا﵇- خرج من بين أمته وأتت سنون كثيرة ولو ذكر واحد عند من أخلص من أمته فى التوحيد حديثا فى التشبيه لعدوا ذلك منه كبيرة ليس له منها مخلص «٣» .\nكذلك فإنهم استحفظوا كتابهم فبدّلوه تبديلا، بينما ضمن الحقّ- سبحانه- إعزاز هذا الكتاب بقوله: «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ» «٤» .\n_________\n(١) آية ٢٣ سورة الجاثية.\n(٢) مشتبهة وهى فى الرسم تقرب من (نعيبه) والنعيب صوت الغراب.. فهل يقصد القشيري- ما ذكره منذ قليل- أن صاحبه يلقى شؤم أثر ذلك؟ أم أن اللفظة فى الأصل غير ذلك؟ ربما كانت (نحبه) أو (نعيه) أو (مغبته) .\n(٣) لأن المشبهة يدنون بتصوراتهم المادية عن الألوهية من عيدة العجل.\n(٤) آية سورة الحجر.","vol":"2","page":472},{"text":"وقال: «لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ» «١» .\nقوله: «أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ...» بيّن أنّ من لا قول له لا يتكلم، ومن لا يملك الضر والنفع لا يستحق العبادة، وفيه رد على من لم يثبت له فى الأزل القول، ولم يصفه بالقدرة على الخير والشر:\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2045>[سورة طه (٢٠): آية ٩٠]</span>\nوَلَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (٩٠)\nإنهم لم يحفظوا أمر موسى وهو فوق هارون، والإشارة فى هذا أن من لم يحفظ أمر من هو أعلى رتبة كيف يحفظ أمر من هو أدنى منزلة؟ فمن ترك أمر الحقّ.. كيف يطمع فيه أن يحترم الشيوخ وأكل الناس؟ لهذا قيل: لا حرمة لفاسق لأنه إذا ترك حقّ الحقّ فمتى يحفظ حقّ الخلق؟\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2046>[سورة طه (٢٠): آية ٩١]</span>\nقالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى (٩١)\nكان ذلك تعلّلا منهم بالباطل، فقالوا إنهم كانوا عازمين على ترك عبادة العجل إذ به يتحققون أن موسى ﵇ دعاهم إلى التوحيد وترك عبادة غير الله.. ولكن كلّ متعلّل يستند إلى ما يحتج به من الباطل.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2047>[سورة طه (٢٠): الآيات ٩٢ الى ٩٣]</span>\nقالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩٣)\nضاق قلب موسى﵇- لمّا شاهد من قومه بالمعاينة عبادة العجل، ولقد كان سمع من الله أنّ السامرىّ أضلّهم حين قال: «فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ»، ولكن قديما قيل: ليس الخبر كالعيان، فلمّا عاين ذلك ضاق قلبه، فكان يقول لأخيه ذلك فظهر منه ما ظهر «٢»،\n_________\n(١) آية ٢٨ سورة الفتح.\n(٢) إشارة إلى أنه أخذ بشعر رأسه بيمينه، ولحيته بشماله غضبا، وغيرة فى الله.","vol":"2","page":473},{"text":"وقيل: من ضاق قلبه اتسع لسانه. ولما ظهر لموسى﵇- ما ظهر أخذ هارون يقابله بالرفق واللطف وحسن المداراة.. وكذلك الواجب فى الصحبة لئلا يرتقى الأمر إلى الوحشة، فاستلطفه فى الخطاب واستعطفه بقوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2048>[سورة طه (٢٠): آية ٩٤]</span>\nقالَ يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (٩٤)\nأنت أمرتنى ألّا أفارقهم. وقد يقال إن هارون لو قال لموسى: فى الوقت الذي احتجت أن تمضى إلى فرعون قلت: «وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسانًا»، وقلت: «فَأَرْسِلْهُ مَعِي»، وقلت حين مضيت إلى سماع كلام الحق: «اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي» .. فما اكتفيت بأن لم تستصحبنى.. وخلّفتنى! وقد علمت أنى برىء الساحة مما فعلوا فأخذت بلحيتي وبرأسى.. ألم ترض بما أنا فيه حتى تزيدنى حريا على حرى «١»؟! ... لو قال ذلك لكان موضعه، ولكن لحلمه، ولعلمه- بأنّ ذلك كلّه حكم ربّهم- فقد قابل كلّ شىء بالرضا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2049>[سورة طه (٢٠): آية ٩٥]</span>\nقالَ فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ (٩٥)\nسأل موسى كلّ واحد منهم بنوع آخر، وإن معاتبته مع قومه، ومطالبته لأخيه، وتغيّره فى نفسه، واستيلاء الغضب عليه- لم يغيّر التقدير، ولم يؤخّر المحكوم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2050>[سورة طه (٢٠): آية ٩٦]</span>\nقالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (٩٦)\nعلمت ما لم يعلمه بنو إسرائيل فرأيت جبريل، فقبضت التراب من موضع حافر\n_________\n(١) الحرى- الغضب (الوسيط ج ١ ص ١٦٩)","vol":"2","page":474},{"text":"دابته، وألقى فى روعى أن ذلك سبب حياة العجل فطرحتها فى جوفه.. هكذا زيّنت لى نفسى فاتّبعت هواها.\nثم كان هلاكه.. لئلا يأمن أحد حفىّ مكر التقدير، ولا يركن إلى ما فى الصورة من رفق فلعلّه- فى الحقيقة- يكون مكرا، ولقد أنشدوا:\nفأمنته فأتاح لى من مأمني ... مكرا، كذا من يأمن الأحبابا\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2051>[سورة طه (٢٠): آية ٩٧]</span>\nقالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا (٩٧)\nلم يخف على موسى﵇- تأثير التقدير وانفراد الحقّ بالإبداع، فلقد قال فى خطابه مع الحق: «إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ»، ولكنه لم يدع- مع ذلك- بإحلال العقوبة بالسامري والأمر فى بابه بما يستوجبه ليعلم أن الحكم فى الإبداع والإيجاد- وإن كان لله- فالمعاتبة والمطالبة تتوجهان على الخلق فى مقتضى التكليف، وإجراء الحقّ ما يجريه ليس حجّة للعبد ولا عذرا له.\nقوله جل ذكره: وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا كلّ ما تعلّق به القلب من دون الله ينسفه الحقّ- سبحانه بمحبّه «١» ولهذا يلقى الأصنام غدا فى النار مع الكفار، وليس لها جرم، ولا عليها تكليف، ولا لها علم ولا خبر.. وإنما هى جمادات.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2052>[سورة طه (٢٠): آية ٩٨]</span>\nإِنَّما إِلهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا (٩٨)\nإي إلهكم الذي تجب عليكم عبادته بحقّ أمره هو الله الذي لا إله إلا هو، وهو بوصف الجلال، والذي لا يخفى عليه شىء من المعلومات هو الله، وليس مثل الذي هو جماد لا يعلم\n_________\n(١) الباء هنا معناها (مع) .","vol":"2","page":475},{"text":"ولا يقدر، ولا يحيا ولا يسمع ولا يبصر. ويمكنه أن يسحق هذا الجماد ويحرقه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2053>[سورة طه (٢٠): آية ٩٩]</span>\nكَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْناكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا (٩٩)\nنعرّفك أحوال الأولين والآخرين لئلا يلتبس عليك شىء من طرقهم فتتأدب بآدابهم وتجتمع فيك متفرّقات مناقبهم.. ولكن اعلم أنّا لم نبلغ أحدا مبلغك، ولم يكن لأحد منّا مالك آتيناك من عندنا شرفا وفخرا لم يشركك فيهما أحد، وذكّرناك ما سلف لك من العهد معنا، وجدّدنا لك بينهم تخصيصنا إياك، وكريم إقبالنا عليك.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2054>[سورة طه (٢٠): آية ١٠٠]</span>\nمَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وِزْرًا (١٠٠)\nالمعرضون عنه شركا يحملون غدا وزرا وثقلا، أولئك بعدوا عن محلّ الخصوصية، ولم يكن لهم خطر فى التحقيق فعقوبتهم لا تزيد على آلام نفوسهم وإحراق أشباحهم، وأمّا أهل الخصوصية فلو غفلوا عنه ساعة، ونسوه لحظة لدار- فى الحال- على رؤوسهم البلا بحيث تتلاشى فى جهنّم عقوبة كلّ أحد (بالإضافة إلى هذه العقوبة) «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2055>[سورة طه (٢٠): الآيات ١٠٢ الى ١٠٣]</span>\nيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (١٠٢) يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْرًا (١٠٣)\nقوم يوم القيامة لهم مؤجّل، وهو بعد النفخ فى الصّور على ما ورد فى الكتاب وفى الخبر المأثور.\n_________\n(١) ما بين القوسين أضفناه من عندنا ليتضح المعنى المطلوب حسبما نعرف من مذهب الصوفية أن عذاب الفراق أشد من عذاب الاحتراق.","vol":"2","page":476},{"text":"وللآخرين قيامة معجّلة «١» فيها محاسبة وعليهم فيها مطالبة، وهو ان حاضر وعذاب حاصل، فكما ترد على ظواهر قوم فى الآخرة عقوبات، ترد على سرائر آخرين عقوبات فى الحياة الحاضرة، والمعاملة مع كلّ أحد تخالف المعاملة مع صاحبه.\nقوله «يتخافتون بينهم ...» من تفرّغ لعدّ الأوقات والتمييز بين اختلاف الحالات فنوع غير مستوف فى بلائه، وأمره سهل ... ومن كان يراد المعنى من حديثه لا يتفرغ إلى نعت الحال فالأحوال تخبر عنه وهو لا يسأل عن الخبر.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2056>[سورة طه (٢٠): الآيات ١٠٥ الى ١٠٧]</span>\nوَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لا تَرى فِيها عِوَجًا وَلا أَمْتًا (١٠٧)\nكما أنّ فى القيامة الموعودة تغيّر الجبال عن أحوالها فهى كالعهن المنفوش فكذلك فى القيامة الموجودة ... فلا يخبرك عنها إلا الأكابر الذين هم كالرواسى ثباتا فإنه يدخل عليهم من الأحوال ما يمحقهم عن شواهدهم، ويأخذهم عن أقرانهم ... كذا سنّته سبحانه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2057>[سورة طه (٢٠): آية ١٠٨]</span>\nيَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْسًا (١٠٨)\nتنقطع الأوهام، وتقف الأفهام، وتنخنس العقول، وتندرس العلوم، وتتحير المعارف، ويتلاشى ما هو نعت الخلق، ويستولى سلطان الحقيقة.. فعند ذلك لا عين ولا أثر، ولا رسم ولا طلل ولا غبر، فى الحضور خرس، وعلى البساط فناء، وللرسوم امتحاء، وإنما الصحة على الثبات.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2058>[سورة طه (٢٠): آية ١٠٩] </span>«٢»\nيَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (١٠٩)\n_________\n(١) أي القيامة التي تحل بأرباب القلوب فى هذه الحياة الدنيا.\n(٢) لأنه يكون فانيا عن نفسه، والقائم عنه ربّه.","vol":"2","page":477},{"text":"دليل الخطاب انّ من أذن له فى الشفاعة تنفعه الشفاعة، وإذا قبلت شفاعة أحد بإذن الرحمن فمن المحال ألّا تقبل شفاعة الرسولﷺ- وهو أفضل الكافة، وشفاعة الأكابر من صفوته مقبولة فى الأصاغر في المؤجّل وفى المعجّل. والحقّ سبحانه يشفّع الشيوخ فى مريديهم اليوم «١» ويقال شفاعة الرسول ﵇ غدا للمطيعين بزيادة الدرجة، وللعاصين بغفران الزّلّة، كذلك شفاعة الشيوخ- اليوم- للمريدين على قسمين: للذين هم أصحاب السلوك فبزيادة التحقيق والتوفيق، وللذين هم أصحاب التّخبّط والغرّة فبالتجاوز عنهم، وعلى هذا يحمل قول قائلهم:\nإذا مرضتم أتيناكم نعودكم ... وتذنبون فنأتيكم ونعتذر!\nوحكايات السّلف من الشيوخ مع مريديهم فى أوقات فترتهم معروفة، وهى مشاكلة لهذه الجملة، وإن شفاعتهم لا تكون إلا بتعريف من قبل الله فى الباطن، ويكون ذلك أدبا لهم فى ذلك قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2059>[سورة طه (٢٠): آية ١١٠]</span>\nيَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)\nلا يخفى على الحق شىء مما مضى من أحوالهم ولا من آتيها، ولا يحيطون به علما.\nوالكناية «٢» فى قوله: «بِهِ» يحتمل أن يعود إلى ما بين أيديهم وما خلفهم، ويحتمل أن يعود إلى الحقّ- سبحانه-، وهو طريقة السّلف يقولون. يعلم الخلق ولا يحيط به العلم كما قالوا: إنه يرى ولا يدرك.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2060>[سورة طه (٢٠): آية ١١١]</span>\nوَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا (١١١) .\n_________\n(١) بينما ينكر المعتزلة الشفاعة (أنظر الملل والنحل للشهرستانى) يثبت القشيري الشفاعة لا للرسول فقط بل للأولياء فى الدارين، وللشيوخ في هذه الحياة الدنيا.. على نحو ما هو واضح من إشارته.\n(٢) الكناية فى تعبير القشيري معناها (الضمير)، وهو هنا الهاء فى (به) .","vol":"2","page":478},{"text":"ذلّت له الرقاب واستسلم لحكمه الخلق، وخضعت له الجبابرة، ومن اقترف الظلم بقي فى ظلماته، وعلى حسب ذلك فى الزيادة والنقصان.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2061>[سورة طه (٢٠): آية ١١٢]</span>\nوَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا (١١٢)\nالعمل الصالح ما يصلح للقبول، فاعله هو المتجرّد عن الآفات الواقفة لحقيقة الأمر.\nويقال العمل الصالح ما لم يستعجل عليه صاحبه أجرا.\nقوله: «وَهُوَ مُؤْمِنٌ»: أي فى المآل كما هو مؤمن فى الحال.\nويقال هو مؤمن مصدّق لربّه أنه لا يعطى المؤمن لأجل إيمانه شيئا، ولكن بفضله، وإيمانه أمارة لذلك لا موجب له «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2062>[سورة طه (٢٠): آية ١١٣]</span>\nوَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا (١١٣)\nأتبعنا دليلا بعد دليل، وبعثنا رسولا بعد رسول، وحذّرناهم بوجوه من التعريفات، وإظهار كثير من الآيات قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2063>[سورة طه (٢٠): آية ١١٤]</span>\nفَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (١١٤)\nتعالى الله فى كبريائه وكبرياؤه: سناؤه وعلاه ومجده، ورفعته وعظمته، كل ذلك بمعنى واحد، وهو استحقاقه لأوصاف الجلال والتعظيم.\nو«الْمَلِكُ»: مبالغة من المالك، وحقيقة الملك القدرة على الإيجاد، والانفراد بذلك.\nو«الْحَقُّ»: فى وصفه- سبحانه- بمعنى الموجود، ومنه قوله ﵇:\n«العين حق» «٢» أي موجود.\n_________\n(١) على خلاف قول المعتزلة الذين يوجبون على الله أن يثبت من أطاع ويعاقب من أذنب. [.....]\n(٢) يقول القشيري فى تحبيره ص ٦٨ «الحق من أسمائه سبحانه بمعنى الموجود الكائن، وكذا معناه فى اللغة، ومنه قوله ﵇: «السحر حق» أي كائن موجود، وكذا يقال الجنة حق، والنار حق.","vol":"2","page":479},{"text":"ويكون الحق بمعنى ذى الحقّ، ويكون بمعنى محقّ الحق. كل ذلك صحيح.\nقوله جل ذكره: وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا.\nكان يتعجل بالتلقف من جبريل مخافة النسيان، فأمره بالتثبت فى التلقين، وأمّنه من طوارق النسيان، وعرّفه أن الذي يحفظ عليه ذلك هو الله.\nوالآية تشير إلى طرف من الاحتياط فى القضاء بالظواهر قبل عرضها على الأصول، ثم إن لم يوجد ما يوجب بالتحقيق أجراه على مقتضى العموم بحقّ اللفظ، بخلاف قول أهل التوقف.\nفالآية تشير إلى التثبت فى الأمور وضرورة التمكث واللبث قصدا للاحتياط «١» .\nقوله: (وقل ربّ زدنى علما): فإذا كان أعلم البشر، وسيّد العرب والعجم، ومن شهد له الحقّ بخصائص العلم حين قال «وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ»\n«٢» يقال له: «وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا» - علم أنّ ما يخصّ به الحقّ أولياءه من لطائف العلوم لا حصر له.\nويقال أحاله على نفسه «٣» فى استزادة العلم. وموسى ﵇ أحاله على الخضر حتى قال له: «هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا» فشتان بين عبد أحيل على عبد فى ذلك ثم قيل له: «إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا» ثم بعد كل ذلك التلطف قال له فى آخر الأمر:\n«هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ» ... وبين عبد أمره عند استزادة العلم بأن يطلبه من قبل ربه فقال: قل يا محمد: «وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا» ! ويقال لما قال ﵇: «أنا أعلمكم بالله وأخشاكم له» «٤»، قال له: «وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا» ليعلم أنّ أشرف خصال العبد الوقوف فى محلّ الافتقار، والاتصاف بنعت الدعاء دون الوقوف فى معرض الدعوى «٥» .\n_________\n(١) هذا يوضح مدى تحفظ المصنف واحتياطه في تناول النص النقلى.\n(٢) آية ١١٣ سورة النساء.\n(٣) (على نفسه) الضمير هنا يعود على الحق سبحانه كما سيتضح بعد قليل.\n(٤) البخاري عن أنس: (والله إنى لأخشاكم الله وأتقاكم له) .\nوالشيخان عن عائشة: (والله إنى لأعلمكم بالله وأشدكم له خشية) .\n(٥) أي أن يكون العبد داعيا لا دعيا.","vol":"2","page":480},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2064>[سورة طه (٢٠): آية ١١٥]</span>\nوَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥)\nلم نجد له قوة بالكمال، وانكماشا فى مراعاة الأمر حتى وقعت عليه سمة العصيان بقوله:\n«وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ» «١» .\nويقال «لَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا»: على الإصرار على المخالفة.\nويقال لم نجد له عزما فى القصد على الخلاف «٢»، وإن كان.. فذلك بمقتضى النسيان، قال تعالى «فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا» على خلاف الأمر، وإن كان منه اتباع لبعض مطالبات الأمر.\nويقال شرح قصة آدم﵇- لأولاده على حجة التسكين لقلوبهم حتى لا يقنطوا من رحمة الله فإن آدم ﵇ وقع عليه هذا الرقم، واستقبلته هذه الخطيئة، وقوله تعالى «فَنَسِيَ» من النسيان، ولم يكن فى وقته النسيان مرفوعا عن الناس.\nويقال عاتبه بقوله: «فَنَسِيَ» ثم أظهر عذره فقال: «وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2065>[سورة طه (٢٠): آية ١١٦]</span>\nوَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى (١١٦)\nالسجود نوع من التواضع وإكبار القدر، ولم تتقدم «٣» [من آدم ﵇ طاعة- ولا عبادة فخلقه الحقّ بيده، ورفع شأنه بعد ما علّمه، وحمل إلى الجنة، وأمر الملائكة فى كل سماء أن يسجدوا له تكريما له على الابتلاء، واختبارا لهم. فسجدوا بأجمعهم، وامتنع إبليس من بينهم، فلقى من الهوان ما سبق له فى حكم التقدير. والعجب ممن يخفى عليه أنّ مثل هذا يجرى من دون إرادة الحقّ ومشيئته وهو عالم بأنه كذلك يجرى، واعتبروا الحكمة فى أفعاله وأحكامه، ويزعمون أنه علم ما سيكون من حال إبليس وذريته، وكثرة مخالفات\n_________\n(١) آية ١٢١ من السورة نفسها.\n(٢) الخلاف- المخالفة.\n(٣) ابتداء من هذا الموضع وحتى ينتهى الكلام بين القوسين الكبيرين وضعه الناسخ خطأ فيما بين الورقة ٤١٨ والورقة ٤٢٢ عند تفسير سورة الفرقان أي فى مكان متأخر كثيرا وقد سمعنا وضعه، ونبهنا إلى ذلك فى مدخل هذا الكتاب (المجلد الأول) .","vol":"2","page":481},{"text":"أولاد آدم، وكيف أن الشيطان يوسوس لهم ... ثم يقولون إن الحقّ سبحانه أراد خلاف ما علم، وأجرى فى سلطانه ما يكرهه وهو عالم، وكان عالما بما سيكون! ثم خلق إبليس ومكّنه من هذه المعاصي مع إرادته ألا يكون ذلك! ويدّعون حسن ذلك فى الفعل اعتبارا انما هو الحكمة ... فسبحان من أعمى بصائرهم، وعمّى حقيقة التوحيد عليهم! قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2066>[سورة طه (٢٠): آية ١١٧]</span>\nفَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى (١١٧)\nوما كان ينفعهم النّصح وقد أراد بهم ما حذّرهم، وعلم أنهم سيلقون ما خوّفهم به.\nقوله: «فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى»: علم أنهم سيلقون ذلك الشقاء: وأمّا إنّه أضاف الشقاء إلى آدم وحده- وكلاهما لحقه شقاء الدنيا- فذلك لمضارعة رءوس الآي، أو لأن التعب على الرجال دون النساء. ومن أصغى إلى قول عدوّه فإنه يتجرّع النّدم ثم لا ينفعه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2067>[سورة طه (٢٠): الآيات ١١٨ الى ١١٩]</span>\nإِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى (١١٨) وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى (١١٩)\nلا تصديق أتمّ من تصديق آدم، ولا وعظ أشدّ رحمة من الله، ولا يقين أقوى من يقينه.. ولكن ما قاسى آدم الشقاء قبل ذلك، فلمّا استقبله الأمر وذاق ما خوّف به من العناء والكدّ ندم وأطال البكاء، ولكن بعد إبرام التقدير.\n«وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى» أوثر بكل وجه فلم يعرف قدر العافية والسلامة، إلى أن جرى ما هو محكوم به من سابق القسمة.\nويقال تنعّم آدم فى الجنة ولم يعرف قدر ذلك إلى حين استولى فى الدنيا عليه الجوع والعطش، والبلاء من كل (...) «١»\n_________\n(١) هنا طمس أخفى لفظة فى نهاية السطر وهى أقرب إلى أن تكون (فن) ونحن نتقبلها، فالقشيرى يستعملها فى مواضع مماثلة (أنظر مثلا استعماله (فنون الخذلان) عند تفسير الآية التي ستأتى بعد قليل: ومن اعرض عن ذكرى ...)، و(فن) تكون بمعنى (نوع) كما سيأتى فى العبارة التالية.","vol":"2","page":482},{"text":"وكان آدم ﵇ إذا تجدّد له نوع من البلاء أخذ فى البكاء، وجبريل ﵇ يأتى ويقول: «ربّك يقرئك السلام ويقول: لم تبكى؟ فكان يذكّر جبريل ﵇ وهو يقول: أهذا الذي قلت: «وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى» ..! وغير هذا من وجوه الضمان والأمن؟! قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2068>[سورة طه (٢٠): آية ١٢٠]</span>\nفَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى (١٢٠)\nوسوس إليه الشيطان وكان الحقّ يعلم ذلك ولم يذكر آدم فى الحال أن هذا من نزغات من قال له- سبحانه: «إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ» .\nويقال: لو عمّى على إبليس تلك الشجرة حتى لم يعرفها بعينها، ولو لم يكن (...) «١»\nحتى دلّه على تلك الشجرة (إيش) «٢» الذي كان يمنعه منه إلا أنّ الحكم منه بذلك سبق، والإرادة به تعلّقت؟\nويقال إن الشيطان ظهر لآدم ﵇ بعد ذلك فقال له: يا شقىّ، فعلت وصنعت..!\nفقال إبليس لآدم: إن كنت شيطانك فمن كان شيطانى «٣»؟\nويقال سمّى الشيطان شيطانا لبعده عن طاعة الله، فكلّ بعيد عن طاعة الله يبعد الناس عن طاعة الله فهو شيطان، ولذلك يقال: شياطين الإنس، وشياطين الإنس شرّ من شياطين الجن.\nويقال لما طمع آدم فى البقاء خالدا وجد الشيطان سبيلا إليه بوسوسته.\nوالناس تكلموا فى الشجرة: ما كانت؟ والصحيح أن يقال إنها كانت شجرة المحنة.\nويقال لو لم تخلق فى الجنة تلك الشجرة لما كان فى الجنة نقصان فى رتبتها «٤»\n_________\n(١) مشتبهة.\n(٢) معناها (فأى شىء؟) وهى هنا استفهامية.\n(٣) فى ذلك تنصل من اللعين أساسه المغالطة والتلبيس.\n(٤) أي أن الجنة فى عرف هذا المتكلم (مخلوقة) و(حادثة) . [.....]","vol":"2","page":483},{"text":"ويقال لولا أنه أراد لآدم ما كان لطالت تلك الشجرة حتى ما كانت لتصل إليها يده، ولكنه- كما فى القصة- كانت لا تصل إلى أوراقها يده- بعد ما أكل منها- حينما أراد أن يأخذ منها ليسترد عورته «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2069>[سورة طه (٢٠): آية ١٢١]</span>\nفَأَكَلا مِنْها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى (١٢١)\nلمّا ارتكبا المنهىّ عنه ظهر ما يستحي من ظهوره، ولكنّ الله- سبحانه- ألطف معهما فى هذه الحالة بقوله: فبدت لهما سوآتهما، ولم يقل- مطلقا- فبدت سوءتهما أي أنه لم يطلع على سوءتهما غيرهما.\nويقال لمّا تجرّدا عن لباس التقوى تناثر عنهما لباسهما الظاهر.\nقوله جل ذكره: وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ أول الحرف والصناعات- على مقتضى هذا- الخياطة، وخياطة الرّقاع بعضها على بعض للفقراء ميراث من أبينا آدم﵇ «٢» .\nويقال كان آدم﵇- قد أصبح وعليه من حلل الجنة وفنون اللّباس ما الله به أعلم، ثم لم يمس حتى كان يخصف على نفسه من ورق الجنة، وهكذا كان فى الابتداء ما هو موروث فى أولاده من هناء بعده بلاء.\nقوله تعالى: «وَناداهُما رَبُّهُما أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ» «٣»: عند ذلك وقعت عليهما الخجلة لمّا ورد عليهما خطاب الحقّ: «أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ ...» ولهذا قيل: كفى للمقصّر الحياء يوم اللقاء قوله تعالى: «قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا..» «٤»: لم يتكلما بلسان الحجة فقالا: «رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا»، ولم يقولا: بظلمنا صرنا من الخاسرين، بل قالا: «وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ»\n_________\n(١) وفى هذا تحذير ضمنى للأكابر من الوقوع فى الزلة، وكيف أن كرامة الولى تتلاشى بزلته.\n(٢) لاحظ أهمية ذلك عندما نؤرخ للخرقة والمرقعة عند الصوفية.\n(٣) آية ٢٢ سورة الأعراف.\n(٤) آية ٢٣ سورة الأعراف.","vol":"2","page":484},{"text":"ليعلم أنّ المدار على حكم الربّ لا على جرم الخلق.\nقوله جل ذكره: وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى لمّا وقعت عليه سمة العصيان- وهو أوّل البشر- كان فى ذكر هذا تنفيس لأولاده أن تجرى عليهم زلّة وهم بوصف الغيبة فى حين الفترة.\nويقال كانت تلك الأكلة شيئا واحدا، ولكن قصتها يحفظها ويرددها الصبيان إلى يوم القيامة.\nوعصى آدم ربّه ليعلما أن عظم الذنوب لمخالفة الآمر وعظم قدره.. لا لكثرة المخالفة فى نفسها.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2070>[سورة طه (٢٠): آية ١٢٢]</span>\nثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى (١٢٢)\nأخبر أنه بعد ما عصى، وبعد كلّ ما فعله اجتباه ربّه فالذى اصطفاه أوّلا بلا علّة «١» اجتباه ثانيا بعد الزّلّة، فتاب عليه، وغفر ذنبه، «وَهَدى»: أي هداه إليه حتى اعتذر واستغفر.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2071>[سورة طه (٢٠): آية ١٢٣]</span>\nقالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى (١٢٣)\nأوقع العداوة بين آدم وإبليس والحية، وقد توالت المحن على آدم وحواء بعد خروجهما من الجنة بسمة العصيان، ومفارقة الجنة، ودخول الدنيا، وعداوة الشيطان، والابتلاء بالشهوات. ثم قال:\n«فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ ...» وترك هواه، ولم يعمل بوسوسة العدوّ فله كلّ خير، ولا يلحقه ضير.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2072>[سورة طه (٢٠): الآيات ١٢٤ الى ١٢٦]</span>\nوَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى (١٢٤) قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى (١٢٦)\nالكافر إذا أعرض عن ذكره بالكلية فله المعيشة الضنك فى الدنيا، وفي القبر،\n_________\n(١) تفيد هذه العبارة فى بيان أهمية الاصطفاء الإلهى، وأن العمل الإنسانى له الدرجة الثانية فى الأهمية. ثم تفيد فى بيان الفرق فى الاصطلاح بين (الاصطفاء) و(الاجتباء) .","vol":"2","page":485},{"text":"وفى النار، وبالقلب من حيث وحشة الكفر، وبالوقت من حيث انغلاق الأمور.\nويقال من أعرض عن الانخراط فى قصايا الوفاق انثالت عليه فنون الخذلان، ومن أعرض عن استدامة ذكره- سبحانه- بالقلب توالت عليه من تفرقة القلب ما يسلب عنه كلّ روح.\nومن أعرض عن الاستئناس بذكره انفتحت عليه وساوس الشيطان وهواجس النّفس بما يوجب له وحشة الضمير، وانسداد أبواب الراحة والبسط.\nويقال من أعرض عن ذكر الله فى الخلوة قيّض الله له فى الظاهر من القرين السوء ما توجب رؤيته له قبض القلوب واستيلاء الوحشة.\nقوله جل ذكره: نَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى\nفى الخبر: «من كان بحالة لقى الله بها» فمن كان فى الدنيا أعمى القلب يحشر على حالته، ومن يعش على جهل يحشر على جهل، ولذا يقولون: «مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا؟» «١» إلى أن تصير معارفهم ضرورية.\nوكما يتركون- اليوم- التدبّر فى آياته يتركون غدا فى العقوبة من غير رحمة على ضعف حالاتهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2073>[سورة طه (٢٠): آية ١٢٧]</span>\nوَكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى (١٢٧)\nجرت سنّته بأن يجازى كلا بما يليق بحاله، فما أسلفه لنفسه سيلقى غبّه على الخير خيرا، وعلى الشرّ شرّا.\n_________\n(١) آية ٥٢ سورة يس.","vol":"2","page":486},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2074>[سورة طه (٢٠): آية ١٢٨]</span>\nأَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى (١٢٨)\nأي أفلا ينظرون فيتفكرون «١»؟ ثم إذا استبصروا أفلا يعتبرون؟ وإذا اعتبروا أفلا يزدجرون؟ أم على وجوههم- فى ميادين غفلاتهم يركضون، وعن سوء معاملاتهم لا يرجعون؟ ألا ساء ما يعملون! قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2075>[سورة طه (٢٠): آية ١٢٩]</span>\nوَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى (١٢٩)\nلولا أنّ كلمة الله سبقت بتأخير العقوبة عن هذه الأمة، وأنه لا يستأصلهم لأنّ جماعة من الأولياء فى أصلابهم لعجّل عقوبتهم، ولكن ... كما ذكر من الأحوال أمهلهم مدة معلومة، ولكنه لم يهملهم أصلا.\nوإذا كانت الكلمة بالسعادة لقوم والشقاوة لقوم قد سبقت، والعلم بالمحفوظ بجميع ما هو كائن قد جرى- فالسعى والجهد، والانكماش والجدّ.. متى تنفع؟ لكنه من القسمة أيضا ما ظهر.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2076>[سورة طه (٢٠): آية ١٣٠]</span>\nفَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى (١٣٠)\nسماع الأذى يوجب المشقة، فأزال عنه ما كان لحقه من المشقة عند سماع ما كانوا يقولون، وأمره: إن كان سماع ما يقولون يوحشك فتسبيحنا- الذي تثنى به علينا- يروّحك.\n«قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ»: أي فى صدر النهار ليبارك لك فى نهارك، وينعم صباحك.\n«وَقَبْلَ غُرُوبِها» أي عند نقصان النهار ليطيب ليلك، وينعم رواحك.\n_________\n(١) (الفاء) هنا حرف عطف لا (فاء) سبب، ولو اعتبرناها سببيه نقول (فيتفكروا) لوقوعها بعد أسلوب طلبى، ولكننا أثبتنا ما جاء فى النص لتكرار ذلك فيما تلاه.","vol":"2","page":487},{"text":"«وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ» أي فى ساعات الليل فإن كمال الصفوة فى ذكر الله فى حال الخلوة.\n«وَأَطْرافَ النَّهارِ» أي استدم ذكر الله فى جميع أحوالك.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2077>[سورة طه (٢٠): آية ١٣١]</span>\nوَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى (١٣١)\nفضل «١» الرؤية فيما لا يحتاج إليه معلول كفضل الكلام، والذي له عند الله منزل وقدر فللحقّ على جميع أحواله غيرة إذ لا يرضى منه أن يبذل شيئا من حركاته، وسكناته وجميع حالاته فيما ليس لله- سبحانه- فيه رضاء، وفى معناه أنشدوا:\nفعينى إذا استحسنت غيركم ... أمرت الدموع بتأديبها\nويقال لما أدّبه فى ألا ينظر إلى زينة الدنيا بكمال نظره وقف على وجه الأرض بفرد قدم تصاونا عنها حتى قيل له: «طه» أي طأ الأرض بقدمك.. ولم كلّ هذه المجاهدة وكل هذا التباعد حتى تقف بفرد قدم؟! طأ الأرض بقدميك.\n«زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا ...» الفتنة ما يشغل به عن الحقّ، ويستولى حبّه على القلب، ويجسّر وجوده على العصيان، ويحمل الاستمتاع به على البطر والأشر.\nقوله جل ذكره: وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى القليل من الحلال- وفيه رضاء الرحمن- خير من الكثير من الحرام والحطام.\nومعه سخطه. ويقال قليل يشهدك ربّك خير من كثير ينسيك ربّك.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2078>[سورة طه (٢٠): آية ١٣٢]</span>\nوَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى (١٣٢)\nالصلاة استفتاح باب الرزق، وعليها أحال فى تيسير الفتوح عند وقوع الحاجة إليه.\nويقال الصلاة رزق القلوب، وفيها شفاؤها، وإذا استأخر قوت النّفس قوى قوت القلب.\nوأمر- الرسول﵇- بأن يأمر أهله بالصلاة، وأن يصطبر عليها.\n_________\n(١) الفضل هنا معناه الزيادة (وفضل الرؤية) زيادة التطلع إلى أكثر من المباح.","vol":"2","page":488},{"text":"وللاصطبار مزية على الصبر وهو ألّا يجد صاحبه الألم بل يكون محمولا مروّحا.\nقوله جل ذكره: لا نَسْئَلُكَ رِزْقًا أي لا نكلفك برزق أحد فإنّ الرازق الله- سبحانه- دون تأثير الخلق، فنحن نرزقك ونرزق الجميع.\nقوله جل ذكره: نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى هما شيئان: وجود الأرزاق وشهود الرزاق فوجود الأرزاق يوجب قوة «١» النفوس، وشهود الرزاق يوجب قوة «٢» القلوب.\nويقال استقلال «٣» العامة بوجود الأرزاق، واستقلال الخواص بشهود الرزّاق.\nويقال نفى عن وقته الفرق بين أوصاف الرزق حين قال: «نَحْنُ نَرْزُقُكَ» فإنّ من شهد وتحقق بقوله: «نَحْنُ» سقط عنه التمييز بين رزق ورزق.\nويقال خفّف على الفقراء مقاساة قلّة الرزق وتأخّره عن وقت إلى وقت بقوله:\n«نَحْنُ» «٤» قوله: «وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى»: أي العاقبة بالحسنى لأهل التقوى.\nويقال المراد بالتقوى المتّقى، فقد يسمّى الموصوف بما هو المصدر «٥» قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2079>[سورة طه (٢٠): آية ١٣٣]</span>\nوَقالُوا لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى (١٣٣)\nعميت بصائرهم وادّعوا أنه لا برهان معه، ولم يكن القصور فى الأدلة بل كان الخلل فى بصائرهم، ولو جمع الله لهم كلّ آية اقترحت على رسول ثم لم يرد الله أن يؤمنوا لما\n_________\n(١)، (٢) ربما كانا (قوت النفوس، وقوت القلوب) بالتاء المفتوحة فقد سبقا هكذا منذ قليل، وإن كان السياق لا يمنع (قوة النفوس وقوة القلوب) .\n(٣) (استقلال) هنا بمعنى اكتفاء.\n(٤) لأن من عاش (نحن) اكتفى بها ولم يستعجل شيئا.\n(٥) كما يقال مثلا (رجل عدل) ونحو ذلك.","vol":"2","page":489},{"text":"ازدادوا إلا طغيانا وكفرا وخسرانا ... وتلك سنّة أسلافهم فى تكذيب أنبيائهم، ولذا قال:\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2080>[سورة طه (٢٠): آية ١٣٤]</span>\nوَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى (١٣٤)\nإن أرسلنا إليهم الرسل قابلوهم بفنون من الجحد، ووجوه من العلل مرّة يقولون فما بال هذا الرسول بشر؟ هلّا أرسله ملكا؟ ولو أرسلنا ملكا لقالوا هلّا أرسل إلينا مثلنا بشرا؟ ولو أظهر عليهم آية لقالوا: هذا سحر مفترى! ولو أخليناهم من رسول وعاملناهم بما استوجبوه من نكير لقالوا:\nهلّا بعث إلينا رسولا حتى كنا نؤمن؟ فليست تنقطع أغلالهم، ولا تنفك- عما لا يرضى- أحوالهم. وكذلك سبيل من لا يجنح إلى الوصال ولا يرغب فى الوداد، وفى معناه أنشدوا:\nوكذا الملول إذا أراد قطيعة ... سلّ الوصال وقال كان وكانا\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2081>[سورة طه (٢٠): آية ١٣٥]</span>\nقُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدى (١٣٥)\nالكل واقفون على التجويز غير حاصلين بوثيقة، ينتظرون ما سيبدو فى المستأنف، إلّا أنّ أرباب التفرقة ينتظرون ما سيبدو ممّا يقتضيه حكم الأفلاك، وما الذي توجبه الطبائع والنجوم. والمسلمون ينتظرون ما يبدو من المقادير فهم فى روح التوحيد، والباقون فى ظلمات الشّرك.","vol":"2","page":490},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2082>السورة التي يذكر فيها الأنبياء</span>\nقوله جل ذكره: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ.\nبسم الله اسم عزيز من توسّل إليه بطاعته تفضّل عليه بجميل نعمته إن أطاع فضّله، وإن أضاع أمهله، ثم إن آب وأقر.. ذكره، وإن عصى وعاب ستره، فإن تنصّل رحمه، وإن تكبر قصمه «١» .\nاسم عزيز ما استنارت الظواهر إلّا بآثار توفيقه، وما استضاءت السرائر إلا بأنوار تحقيقه بتوفيقه وصل العابدون إلى مجاهدتهم، وبتحقيقه وجد العارفون كمال مشاهدتهم، وبتمام مجاهدتهم وجدوا آجل مثوبتهم، وبدوام مشاهدتهم نالوا عاجل قربتهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2083>[سورة الأنبياء (٢١): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nاقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١)\nفالمطيعون منهم عظم لدينا ثوابهم، والعاصون منهم حقّ منّا عقابهم.\n«فِي غَفْلَةٍ» يقال الغفلة على قسمين: غافل عن حسابه باستغراقه فى دنياه وهواه، وغافل عن حسابه لاستهلاكه فى مولاه فالغفلة الأولى سمة الهجر والغفلة الثانية صفة الوصل فالأولون لا يستفيقون من غفلتهم إلا من سكرة الموت، وهؤلاء لا يرجعون عن غيبتهم أبد الأبد لفنائهم فى وجود الحق تعالى «٢» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2084>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٢]</span>\nما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٢)\n:\n_________\n(١) يمكن القول أن هناك نوعا من الترابط والانسجام بين إشارات البسملة- على هذا النحو- وبين جزئيات السورة، حيث انقسم الناس إزاء الأنبياء إلى مصدق ومكذب، ومؤمن وجاحد.. ونال كل جزاءه.\n(٢) تهمنا هذه الإشارة عند دراسة المصطلح الصوفي فالغفلة نوعان: مذمومة ومحمودة غفلة ناشئة عن الهجر وغفلة ناشئة عن الوصل. [.....]","vol":"2","page":491},{"text":"لم يجدد إليهم رسولا إلا ازدادوا نفورا، ولم ينزّل عليهم خطابا إلا ردّوه جحدا وتكذيبا، وما زدناهم فصلا إلا عدوّه هزلا، وما جددنا لهم نعمة إلا فعلوا ما استوجبوا نقمة، فكان الذي أكرمناهم به محنة بها بلوناهم.. وهذه صفة من أساء مع الله خلقه، وخسر عند الله حقّه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2085>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٣]</span>\nلاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٣)\nعميت بصائرهم وغامت أفهامهم، فهم فى غباوة لا يستبصرون، وفى أكنة عمّا أقيم لهم من البرهان فهم لا يعلمون.\nقوله: «وَأَسَرُّوا النَّجْوَى ...» لمّا عجزوا عن معارضته، وسقطوا عند التحدي، وظهرت عليهم حجّته رجّموا فيه الفكر، وقسّموا فيه الظن فمرة نسبوه إلى السحر، ومرة وصفوه بقول الشعر، ومرة رموه بالجنون وفنون من العيوب. وقبل ذلك كانوا يقولون عنه:\nهو محمد الأمين، كما قيل:\nأشاعوا لنا فى الحىّ أشنع قصة ... وكانوا لنا سلما فصاروا لنا حربا\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2086>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٤]</span>\nقالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٤)\nالأقاويل التي يسمعها الحقّ- سبحانه- مختلفة فمن خطاب بعضهم مع بعض، ومن بعضهم مع الحق. والذين يخاطبون الحقّ: فمن سائل يسأل الدنيا، ومن داع يطلب كرائم العقبي، ومن مثن يثنى على الله لا يقصد شيئا من الدنيا والعقبى.\nويقال يسمع أنين المذنبين سرا عن الخلق حذرا أن يفتضحوا، ويسمع مناجاة العابدين بنعت التسبيح إذا تهجدوا، ويسمع شكوى المحبين إذا مسّتهم البرحاء «١» فضجّوا من شدة الاشتياق.\n_________\n(١) البرحاء: الشدة.","vol":"2","page":492},{"text":"ويقال يسمع خطاب من يناجيه سرّا بسرّ، وكذلك تسبيح من يمدحه ويثنى عليه بلسان سرّه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2087>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٥]</span>\nبَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (٥)\nنوّعوا ما نسبوا إليه- بعد ما نزّلنا إليه الأمر- من حيث كانوا، ولم يشاهدوا هممه على الوصف الذي كانوا يصفونه به من صدق فى الحال والمقال، وكما قيل:\nرمتنى بدائها وأنسلت.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2088>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٦]</span>\nما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ (٦)\nأخبر أن الله تعالى أجرى سنّته أن يعذّب من كان المعلوم من شأنه أنه لا يؤمن لا فى الحال ولا فى المآل. وإنّ هؤلاء الذين كفروا فى عصر الرسول ﷺ أمثالهم فى الكفران، وقد حكم الحقّ لهم بالحرمان والخذلان.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2089>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٧]</span>\nوَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٧)\nلمّا قالوا لولا أنزل علينا الملائكة أخبر أنه لم يرسل إلى الناس رسولا فيما سبق من الأزمان الماضية والقرون الخالية إلا بشرا، وذكر أنّ الخصوصية لهم كانت بإرسال الله إياهم.\nثم قال: «فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ»: الخطاب للكلّ والمراد منه الأمة، وأهل الذكر العلماء من أكابر هذه الأمة والذين آمنوا بنبينا محمدﷺ.\nويقال هم أهل الفهم من الله أصحاب الإلهام الذين فى محل الإعلام من الحقّ- سبحانه- أو من يحسن الإفهام عن الحق.","vol":"2","page":493},{"text":"ويقال العالم يرجع إلى الله فى المعاملات والعبادات، وإذا اشتكلت الواقعة فيخبر عن اجتهاده، وشرطه ألا يكون مقلدا، ويكون من أهل الاجتهاد، فإذا لم يخالف النصّ وأدى اجتهاده إلى شىء ولم يخالف أصلا مقطوعا بصحته وجب قبول فتواه، وأمّا الحكيم فإذا تكلم فى المعاملة فإنما يقبل منه إذا سبقت منه المنازلة لما يفتي به فإن لم تتقدم له من قبله المنازلة فتواه فى هذا الطريق كفتوى المقلّد فى مسائل الشرع.\nفأمّا العارف فيجب أن يتكلم فى هذا الطريق عن وجده- إن كان- وإلا فلا تقبل فتواه، ولا تسمع «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2090>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٨]</span>\nوَما جَعَلْناهُمْ جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَما كانُوا خالِدِينَ (٨)\nلمّا عيّروا الرسول﵇- بقولهم: ما لهذا الرسول يأكل الطعام؟. أخبر أن أكل الطعام ليس بقادح فى المعنى الذي يختص به الأكابر، فلا منافاة بين أكل الطعام وما تكنّه القلوب والسرائر من وجوه التعريف.\nويقال النفوس لا خبر لها مما به القلوب، والقلب لا خبر له مما تتحقق به الروح وما فوق الروح وألطف منه وهو السرّ.\nقوله: «وَما كانُوا خالِدِينَ»: أي إنهم على ممر ومعبر، ولا سبيل اليوم لمخلوق إلى الخلد.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2091>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٩]</span>\nثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْناهُمْ وَمَنْ نَشاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ (٩)\nالحقّ- سبحانه- يحقّق وعده وإن تباطأ بتحقيقه الوقت فيما أخبر أنه يكون.\nوالموعود من نصرة الله لأهل الحق إنما هو بإعلاء كلمة الدّين، وإرغام من نابذ الحقّ من الجاحدين، وتحقيق ذلك بالبيان والحجة، وإيضاح وجه الدلالة، وبيان خطأ أهل الشبهة.\n_________\n(١) فهم هذه الإشارة فى توصية الشيوخ إذا استفتاهم المريدون، كما فهم فى توضيح ما يمكن أن نسميه «أصول الفقه عند الصوفية» .","vol":"2","page":494},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2092>[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٠]</span>\nلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٠)\nيريد بالكتاب القرآن، وقوله: «فِيهِ ذِكْرُكُمْ»: أي شرفكم ومحلّكم، فمن استبصر بما فيه من النور سعد فى دنياه وأخراه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2093>[سورة الأنبياء (٢١): آية ١١]</span>\nوَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً وَأَنْشَأْنا بَعْدَها قَوْمًا آخَرِينَ (١١)\nإنّ الله يمهل الظالم حينا لكنه يأخذه أخذ قهر وانتقام، وقد حكم الله بخراب مساكن الظالمين، وقد جاء الخبر: «لو كان الظلم بيتا فى الجنة لسلّط عليه الخراب» فإذا ظلم العبد نفسه حرّم الله أن يقطنها التوفيق وجعلها موطن الخذلان، فإذا ظلم قلبه بالغفلة سلّط عليه الخواطر الردية التي هى وساوس الشيطان ودواعى الفجور. وعلى هذا القياس فى القلة والكثرة إنّ الروح إذا خربت زايلتها الحقائق والمحابّ، واستولت عليها العلائق والمساكنات.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2094>[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٢]</span>\nفَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ (١٢)\nلمّا ذاقوا وبال أفعالهم اضطربوا فى أحوالهم فلم ينفعهم ندمهم، ولم تعد إلى محالّها أقدامهم، وبعد ظهور الخيانة لا تقبل الأمانة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2095>[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٣]</span>\nلا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ (١٣)\nوللخيانة سراية «١»، فإذا حصلت الخيانة لم تقف السراية، وإذا غرقت السفينة فليس بيد الملّاح إلا إظهار الأسف، وهيهات أن يجدى ذلك! قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2096>[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٤]</span>\nقالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (١٤)\n_________\n(١) سرى الجرح او السوء سراية. أي دام الألم منهما حتى حدث الموت. ويقال سرى التحريم وسرى العتق أي تعدى إلى غير المحرم أو المعتق (الوسيط) .","vol":"2","page":495},{"text":"للإقرار زمان فإذا فات وقته فكما فى المثل: يسبق الفريص الحريص. ووضع القوس بعد إرسال السهم لا قيمة له.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2097>[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٥]</span>\nفَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيدًا خامِدِينَ (١٥)\nإنّ من البلاء أن يشكو المرء فلا يسمع، ويبكى فلا ينفع، ويدنو فيقصى، ويمرض فلا يعاد، ويعتذر فلا يقبل.. وغاية البلاء التّلف.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2098>[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٦]</span>\nوَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ (١٦)\nاللّعب نعت من زال عن حدّ الصواب، واستجلب بفعله الالتذاذ، وانجرّ فى حبل السّفه. وحقّ الحقّ متقدّس عن هذه الجملة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2099>[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٧]</span>\nلَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ (١٧)\nيخاطبهم على حسب أفهامهم وإلا.. فالذى لا يعتريه سهو لا يستفزّه لهو، والحقّ لا يعتريه ولا يضاهيه كفو.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2100>[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٨]</span>\nبَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (١٨)\nندخل نهار التحقيق على ليالى الأوهام فينقشع سحاب الغيبة، وينجلى ضباب الأوهام، وتنير شمس اليقين، وتصحو سماء الحقائق عن كلّ غبار التّهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2101>[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٩]</span>\nوَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩)","vol":"2","page":496},{"text":"الحادثات له سبحانه ملكا والكائنات له حكما، وتعالى الله عن أن يتجمل بوفاق أو ينقص بخلاف، وبالقدر ظهور الجميع، وعلى حسب الاختيار «١» تنصرف الكلمة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2102>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٢٠]</span>\nيُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ (٢٠)\nالمطيع المختار يسبّحه بالقول الصدق، والكلّ من المخلوقات تسبيحها بدلالة الخلقة، وبرهان البيّنة «٢» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2103>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٢١]</span>\nأَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (٢١)\nتفرّد الحقّ بالإبداع والإيجاد، وتقدّس عن الأمثال «الأنداد، فالذين يعبدون من دونه أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ. وهم «٣» بالضرورة يعرفون.. أفلا يعتبرون وألا يزدجرون؟\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2104>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٢٢]</span>\nلَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢)\nأخبر أنّ كلّ أمر يناط بجماعة لا يجرى على النظام إذ ينشأ بينهم النزاع والخلاف.\nولمّا كانت أمور العالم فى الترتيب منسّقة فقد دلّ ذلك على أنها حاصلة بتقدير مدبّر حكيم فالسماء فى علوّها تدور على النظام أفلاكها، وليس لها عمد لإمساكها، والأرض مستقرة بأقطارها على ترتيب تعاقيب ليلها ونهارها. والشمس والقمر والنجوم السائرة تدور فى بروج، ورقعة السماء تتسع من غير فروج.. ذلك لتقدير العزيز العليم علامة، وعلى وحدانيته دلالة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2105>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٢٣]</span>\nلا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ (٢٣)\nلكون الخلق له، وهم يسألون للزوم حقه عليهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2106>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٢٤]</span>\nأَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٤)\n_________\n(١) الاختيار هنا مقصود به الاختيار الإلهى.\n(٢) عبر القشيري عن هذا المعنى فى موضع سابق حين ذكر ان كل الكائنات شاهدة على وحدانيته للناطق منها توحيد القالة، ولغير الناطق توحيد الدلالة.\n(٣) الضمير (هم) يعود على من يعبدون من دون الله آلهة.","vol":"2","page":497},{"text":"دلت الآية على فساد القول بالتقليد، ووجوب إقامة الحجة والدليل.\nودلّت الآية على توحيد المعبود، ودلّت الآية على إثبات الكسب للعبيد إذ لولاه لم يتوجه عليهم اللوم والعتب «١» . وكلّ من علّق قلبه بمخلوق، أو توهّم من غير الله حصول شىء فقد دخل فى غمار هؤلاء لأنّ الإله من يصحّ منه الإيجاد.\nقوله: «هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي»: الإشارة منه أن الدّين توحيد الحق، وإفراد الربّ على وصف التفرد ونعت الوحدانية.\nثم قال: «بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ» إنما عدموا العلم لإعراضهم عن النظر، ولو وضعوا النظر موضعه لوجب لهم العلم لا محالة، والأمر يدل على وجوب النظر، وأنّ العلوم الدينية كلّها كسبية «٢» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2107>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٢٥]</span>\nوَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)\nالتوحيد فى كل شريعة واحد، والتعبد- على من أرسل إليه الرسول- واجب، ولكنّ الأفعال للنسخ والتبديل معرّضة، أما التوحيد وطريق الوصول إليه فلا يجوز فى ذلك النسخ والتبديل.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2108>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٢٦]</span>\nوَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَدًا سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦)\nفى الآية رخصة فى ذكر أقاويل أهل الضلال والبدع على وجه الردّ عليهم، وكشف\n_________\n(١) هذا راى على جانب خطير من الأهمية فى علم الكلام، وصدوره عن باحث صوفى يعرف أن المريد- على الحقيقة- من لا إرادة له يزيد فى أهمية الأمر.\n(٢) فى هذا رد على من يتهمون الصوفية بإنكارهم للعلم.","vol":"2","page":498},{"text":"عوراتهم، والتنبيه على مواضع خطاياهم، وأنّه إن وسوس الشيطان إلى أحد بشئ منه كان فى ذلك حجة للانفصال عنه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2109>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٢٧]</span>\nلا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧)\nأخبر أن الملائكة معصومون عن مخالفة أمره- سبحانه، وأنهم لا يقصّرون فى واجب عليهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2110>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٢٨]</span>\nيَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨)\nعلمه القديم- سبحانه- لا يختصّ بمعلوم دون معلوم، وإنما هو شامل لجميع المعلومات، فلا يعزب عن علم الله معلوم.\nقوله: «لا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى» دلّ على أنهم يشفعون لقوم، وأنّ الله يتقبل شفاعتهم «١» .\nقوله: «وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ»: ليس لهم ذنب ثم هم خائفون ففى الآية دليل على أنه سبحانه يعذبهم وأن ذلك جائز، فإذا لم يجز أن يعذّب البريء لكانوا لا يخافونه لعلمهم أنهم لم يرتكبوا زلة «٢» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2111>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٢٩]</span>\nوَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٢٩)\nأخبر أنهم معرضون عن الزّلّة بكلّ وجه. ثم قال: «وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ»\n_________\n(١) أي أن القشيري يؤمن بالشفاعة- على عكس بعض فرق المتكلمين الذين ينكرونها.\n(٢) هذا رأى آخر له أهميته من الوجهة الكلامية، حيث يرى المعتزلة- وقد سموا أنفسهم أهل العدل- أن الله لا يعذب البريء.","vol":"2","page":499},{"text":"وقد علم أنهم لا يقولون ذلك، ولكن علم لو كان ذلك كيف كان يكون حكمه، فالحق- سبحانه- يعلم ما لا يكون كيف كان يكون.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2112>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٣٠]</span>\nأَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقًا فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ (٣٠)\nداخلتهم الشبهة فى إعادة الخلق والقيامة والنّشر، فأقام الله الحجة عليهم بأن قال:\nأليسوا قد علموا أنه خلق السماوات والأرض سمك السماء وبسط الأرض. فإذا قدر على ذلك فكيف لا يقدر على الإعادة بعد الإبادة؟\nقوله جل ذكره: وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ كلّ شىء مخلوق حىّ فمن الماء خلقه، فإنّ أصل الحيوان الذي حصل بالتناسل النطفة، وهى من جملة الماء.\nوحياة النفوس بماء السماء من حيث الغذاء، وحياة القلوب بماء الرحمة، وحياة الأسرار بماء التعظيم. وأقوام حياتهم بماء الحياء.. وعزيز هم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2113>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٣١]</span>\nوَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنا فِيها فِجاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣١)\nالأولياء هم الرواسي فى الأرض وبهم «١» يرزقون، وبهم يدفع عنهم البلاء، وبهم يوفى عليهم العطاء. وكما أنه لولا الجبال الرواسي لم تكن للأرض أوتاد.. فكذلك الشيوخ الذين هم أوتاد الأرض (فلولاهم) لنزلت بهم الشدة.\nوَجَعَلْنا فِيها فِجاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ كما أن فى الأرض سبلا يسلكونها ليصلوا إلى مقاصدهم كذلك جعل السبل إليه\n_________\n(١) الضمير فى (بهم) يعود على الخلق، ولم يكن القشيري بحاجة إلى ذكر (الخلق) هنا لكثرة ما أعاد فى هذا الموضوع من قبل.","vol":"2","page":500},{"text":"مسلوكة بما بيّن على ألسنتهم من هداية المريدين، وقيادة السالكين، كما يسّر بهداهم الاقتداء بهم فى سيرهم إلى الله.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2114>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٣٢]</span>\nوَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ (٣٢)\nفى ظاهر الكون السماء منيرة، والأرض مسكونة.. كذلك للنفوس أراض هى مساكن الطاعات، وفى سماء القلوب نجوم العقل وأقمار العلم وشموس التوحيد والعرفان. وكما جعلت النجوم رجوما للشياطين جعل من المعارف رجوما للشياطين. وكما أن الناس عن آياتها معرضون لا يتفكرون فالعوام عن آيات القلوب مما فيها من الأنوار غافلون، لا يكاد يعرفها إلا الخواص قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2115>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٣٣]</span>\nوَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٣٣)\nكما أن الحق- سبحانه- فى الظاهر يكوّر الليل على النهار، ويكور النهار على الليل فكذلك يدخل فى نهار البسط ليل القبض. والبسط فى الزيادة والنقصان. فكما أنّ الشمس أبدا فى برجها لا تزيد ولا تنقص، والقمر مرة فى المحاق، ومرة فى الإشراق.. فصاحب التوحيد بنعت التمكين- يرتقى عن حدّ تأمّل البرهان إلى روح البيان، ثم هو متحقق بما هو كالعيان. وصاحب العلم مرة يردّ إلى نجديد نظره وتذكّره، ومرة يغشاه غير فى حال غفلته فهو صاحب تلوين «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2116>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٣٤]</span>\nوَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ (٣٤)\nإنك فى هذه الدنيا عابر سبيل، لكننا لم نتركك فردا فى الدنيا، ولذلك قال ﵇ لصاحبه فى الغار: ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟!» .\n_________\n(١) فأهل التمكين كالشمس فى ثباتها، وأهل التلوين كالقمر في تدرجه وتغير أحواله.","vol":"2","page":501},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2117>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٣٥]</span>\nكُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ (٣٥)\nالموت به آفة قوم، وفيه راحة قوم لقوم انتهاء مدة الاشتياق، ولآخرين افتتاح باب الفراق، لقوم وقوع فتنتهم ولآخرين خلاص من محنتهم، لقوم بلاء وقيامة ولآخرين شفاء وسلامة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2118>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٣٦]</span>\nوَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُوًا أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ (٣٦)\nلو شهدوا بما هو به من أوصاف التخصيص وما رقّاه إليه من المنزلة لظلوا له خاضعين، ولكنهم حجبوا عن معانيه وسريرته، وعاينوا منه جسمه وصورته.\nقوله جلّ ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2119>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٣٧]</span>\nخُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ (٣٧)\nالعجلة مذمومة والمسارعة محمودة فالمسارعة البدار إلى الشيء فى أول وقته، والعجلة استقباله قبل وقته، والعجلة نتيجة وسوسة الشيطان، والمسارعة قضية التوفيق.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2120>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٣٨]</span>\nوَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣٨)\nاعتادوا تكذيب الأنبياء ﵈ فيما وعدوهم، فاستعجلوا حصول ما توعدوهم به.\nولو علموا ما ينالهم لكان السكون منهم، فالفزع يدلّ على استعجالهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2121>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٣٩]</span>\nلَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٣٩)\n... لأمسكوا اليوم عن الانخراط فى عذاب «١» الظنون، والاغترار بمواعيد الشيطان.\n_________\n(١) ضبطناها (عذاب) بكسر العين لتكون جمع (عذب) فقد غرهم ما هيأت لهم الظنون فاستعذبوها.","vol":"2","page":502},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2122>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٤٠]</span>\nبَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٤٠)\nالعقوبة إذا أتت فجأة كانت أنكى وأشد. وسنّة الله فى الانتقام أن يثير ريح البغتة فى حال الانغماس فى النّعمة والمنّة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2123>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٤١]</span>\nوَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٤١)\nتسلية له، وتعريف بوشك الانتصار على الذين كانوا يؤذونه من أعداء الذين أي عن قريب ستجدون وبال ما استوجبوه من العقوبة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2124>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٤٢]</span>\nقُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ (٤٢)\nتقرير عليهم بأن ليس بتداخل المخلوقين نجاتهم، وقد جرّبوا ذلك فى أحوال محنتهم، فكيف لا يتبرءون ممن ليس لهم شىء، ومما ليس منه نفع ولا ضرّ؟ وفى ذلك تنبيه للمؤمنين بأن مآربهم إلى الخيرات من نوعى النفع والدفع من الله ﷿، فالواجب دوام اعتكافهم بقلوبهم بعقوة كرمه وجوده.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2125>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٤٣]</span>\nأَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ (٤٣)\n.. بسط القول وكرره فى تعريفهم استحالة حصول الضر والنفع من الجمادات وأصنامهم التي عبدوها من تلك الجملة، ولم يرد منهم- على تكرار هذه الألفاظ- إلّا عجز وانقطاع قول.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2126>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٤٤]</span>\nبَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أَفَهُمُ الْغالِبُونَ (٤٤)\nطول الإمتاع إذا لم يكن مقرونا بالتوفيق، مشفوعا بالعصمة كان مكرا واستدراجا،","vol":"2","page":503},{"text":"وزيادة فى العقوبة. والحقّ كما يعاقب بالآلام والأهوال يعاقب بالإملاء والإمهال.\nوقال: أفلا يرون أنا نأتى الأرض ...» تتوالى القسوة حتى لا يبقى أثر للصفوة فيتعاقب الخذلان حتى يتواتر العصيان، ويتأدى ذلك إلى الحرمان الذي فيه ذهاب الايمان.\nويقال تنقص بذهاب الأكابر ويبقى الأراذل ويتعرض الأفاضل. وفى هذا أيضا إشارة إلى سقوط قوى العبد بمرور السنين وتطاول العمر، فإن آخر الأمر كما قيل]: «١»\nآخر الأمر ما ترى ... القبر واللّحد والثرى\nوكما قيل:\nطوى العصران «٢» ما نشراه منى ... وأبلى جدتى نشر وطيّ\nأرانى كلّ يوم فى انتقاص ... ولا يبقى- مع النقصان- شىّ\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2127>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٤٥]</span>\nقُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إِذا ما يُنْذَرُونَ (٤٥)\nأي بأمر الله أعلمكم بموضع المخافة، ويوحى إلىّ فى بابكم أن أخوّفكم بأليم عقابه، ولكنّ الذي عدم سمع التوفيق.. أنى ينفعه تكرار الأمر بالقبول عليه؟! قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2128>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٤٦]</span>\nوَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (٤٦)\nأي إنهم لا يصبرون على أقلّ شىء من العقوبة وإنّ الحقّ إذا شاء أن يؤلم أحدا فلا يحتاج إلى مدد وعون.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2129>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٤٧]</span>\nوَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ (٤٧)\n_________\n(١) هنا نهاية الجزء الذي أخطأ الناسخ في نقله من أواخر «طه» وأوائل «الأنبياء» إلى مكان آخر من «الفرقان» . [.....]\n(٢) العصران: الغداة والعشى، أو الليل والنهار.","vol":"2","page":504},{"text":"توزن الأعمال بميزان الإخلاص فما ليس فيه إخلاص لا يقبل، وتوزن الأحوال بميزان الصدق فما يكون فيه الإعجاب لا يقبل، وتوزن الأنفاس بميزان (...) «١» فما فيه حظوظ ومساكنات لا يقبل.\nويقال ينتصف المظلوم من الظالم، وينتقم الضعيف من القوى.\nويقال ما كان لغير الله لا يصلح للقبول.\nويقال يكافئ كلا بما يليق بعمله فمن لم يرحم عباده فى دنياه لا يرحمه الله، ومن لم يحسن إلى عباده تقاصر عنه إحسانه، ومن ظلم غيره كوفئ بما يليق بسوء فعله.\nقوله: «فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا»: أي يجازى المظلومين وينتقم من الظالمين، وينصف المظلوم من مثقال الذرة ومقياس الحبّة، وإن عمل خيرا بذلك المقدار فسيلقى جزاءه، ويجد عوضه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2130>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٤٨]</span>\nوَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ (٤٨)\nما آتاه الحق سبحانه للأنبياء ﵈ من الضياء والنّور، والحجّة والبرهان يشاركهم المستجيبون من أممهم فى الاستبصار به ...\nفكذلك الأكابر من هذه الأمة يشاركون نبيناﷺ- فى الاستبصار بنور اليقين.\nو«المتّقى» هو المجانب لما يشغله ويحجبه عن الله، فيتقى أسباب الحجاب وموجباتها.\n_________\n(١) نرى انه قد حدث سقوط للفظة فى هذا المكان، ولا بد انها بمعنى الخلوص لله والتجرد من كل العلائق، وربما كانت أيضا (الحقوق) أي حقوق الله.","vol":"2","page":505},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2131>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٤٩]</span>\nالَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (٤٩)\nصار لهم فى استحقاق هذه البصائر والخشية بالغيب إطراق السريرة، وفى أوان الحضور استشعار الوجل من جريان سوء الأدب، والحذر من أن يبدو من الغيب من خفايا التقدير ما يوجب حجبة العبد.\nوالإشفاق من الساعة على ضربين: خوف قيام الساعة الموعودة للعامة، وخوف قيام الساعة التي هى قيامة هؤلاء القوم «١» فإنّ ما يستأهل الكافة فى الحشر معجّل لهم فى الوقت من تقريب ومن تبعيد، ومن محو ومن إثبات.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2132>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٥٠]</span>\nوَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٠)\nوصف القرآن بأنه «مُبارَكٌ»، وهو إخبار عن دوامه «٢»، من قولهم: برك الطائر على الماء أي دام.\nوإنّ هذا الكتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وما لا ابتداء له- وهو كلامه القديم- فلا انتهاء للكتاب الدالّ عليه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2133>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٥١]</span>\nوَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ (٥١)\nأراد به ما تعرّف إليه من الهداية حتى لم يقل بما يجوز عليه الزوال والأفول «٣»، لولا أنّه خصّه فى الابتداء بالتعريف.. وإلّا متى اهتدى إلى التمييز بينه وبين خلقه لولا ما أضاء. «٤»\nعليه من أنوار التوحيد قبلما حصل منه من النظر فى المخلوق؟\nويقال هو ما كاشف به روحه قبل إبداعها من تجلّى الحقيقة.\n_________\n(١) اى أرباب الأحوال\n(٢) وردت (بيانه) وآثرنا- طبقا للسياق- أن نجمعها (دوامه)\n(٣) إشارة إلى أن إبراهيم لما رأى أفول الشمس والقمر والنجم قال: «إنى لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ» .\n(٤) (أضاء) مقبولة فى السياق ولكننا لا نستبعد أنها ربما كانت فى الأصل (أفاء) أي (أنعم) .","vol":"2","page":506},{"text":"قوله جل ذكره\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2134>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٥٢]</span>\nإِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ (٥٢)\nخاطب قومه وأباه «١» ببيان التنبيه طمعا فى استفاقتهم من سكرة الغفلة، ورجوعهم من ظلمة «٢» الغلظة، وخروجهم من ضيق الشّبهة.\nثم سأل الله إعانتهم بطلب الهداية لهم. فلمّا تبيّن له أنهم لا يؤمنون، وعلى كفرهم يصرّون تبرّأ منهم أجمعين.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2135>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٥٣ الى ٥٥]</span>\nقالُوا وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ (٥٣) قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٥٤) قالُوا أَجِئْتَنا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللاَّعِبِينَ (٥٥)\nما استروحوا فى الجواب إلا إلى التقليد، فكان من جوابه الحكم بالتسوية بينهم وبين آبائهم فى الضلال، والحجة المتوجهة على سلفهم لزموها وتوجهت عليهم، فلم يرضوا منه بتخطئة آبائهم حتى قالوا: «أَجِئْتَنا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ؟» فطالبوه بالبرهان إلى ما دعاهم إليه من الإيمان فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2136>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٥٦ الى ٦٠]</span>\nقالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٥٦) وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (٥٧) فَجَعَلَهُمْ جُذاذًا إِلاَّ كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (٥٨) قالُوا مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٥٩) قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ (٦٠)\nفأحالهم على النظر والاستدلال والتعرّف «٣» من حيث أدلة العقول «٤» لأنّ إثبات الصانع\n_________\n(١) وردت (وأتاه) والصواب أن تكون (أباه) كما فى الآية.\n(٢) وردت فى (ظلمة) وفى م (ظل) والصواب أن تكون (ظلمة) فالقشيرى يستعمل الظل للعناية وما فى معناها.\n(٣) فى ص (والتعريف) وفى م (التعرف) ونحن نرجح هذه.\n(٤) فى ص (القبول) ونحن نرجح (العقول) لتلاؤمها مع السياق.","vol":"2","page":507},{"text":"لا يعرف بالمعجزات، وإنما المعجزات علم بصدق الأنبياء ﵈، وذلك فرع لمعرفة الصانع.\nثم بيّن لهم أنّ ما عبدوه من دون الله لا يستحق العبادة، ثم إنه لم يحفل بما يصيبه من البلاء ثقة منه بأنّ الله هو المتفرّد بالإبداع، فلا أحد يملك له «١» ضرا من دون الله، فتساءلوا فيما بينهم وقالوا:\nقالُوا مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ أي يذكرهم بالسوء. ويحتمل أن يكون من فعله.. فاسألوه، فسألوه «٢» فقال: بل فعله كبيرهم.\nفقالوا كيف ندرك الذنب عليه؟ وكيف تحيلنا فى السؤال عليه- وهو جماد؟\nفقال: وكيف تستجيزون عبادة ما هو جماد لا يدفع عن نفسه السوء؟! قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2137>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٦٥]</span>\nثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ (٦٥)\nفقال: شرّ وأمرّ «٣» .. كيف تستحق أمثال هذه.. العبادة؟! فلمّا توجّهت الحجة عليهم ولم يكن لهم جواب داخلتهم الأنفة والحمية فقالوا: سبيلنا أن نقتله شرّ قتلة، وأن نعامله بما يخوفنا به من النار. فقالوا: «ابْنُوا لَهُ بُنْيانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ»، فلما رموه فى النار:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2138>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٦٩]</span>\nقُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلى إِبْراهِيمَ (٦٩)\n_________\n(١) الضمير فى (فسألوه) يعود على ابراهيم ﵇.\n(٢) أي أن فى الكلام كما يقول البلاغيون- إيجاز حذف.\n(٣) أي هذا عذر أقبح من الذنب.","vol":"2","page":508},{"text":"لو عصمه من نار «١» نمرود ولم يمكنه من رميه فى النار من المنجنيق لكان- فى الظاهر- أقرب من النصر، ولكنّ حفظه فى النار من غير أنّ يمسّه ألم أتمّ فى باب النصرة والمعجزة والكرامة.\nويقال إن ابراهيم﵇- كان كثيرا ما يقول: أواه من النار! قال تعالى: «إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ» «٢» فلمّا رمى فى النار، وجعل الله عليه النار بردا قيل له: لا تقل بعد هذا. أواه من النار! فالاستعاذة بالله من الله.. لا من غيره.\nقوله: «وَسَلامًا»: أي وسلامة عليه وله، فإنه إذا كان للعبد السلامة فالنار والبرد عنده سيان.\nويقال إن الذي يحرق فى النار من فى النار يقدر على حفظه فى النار.\nولمّا سلم قلبه من غير الله بكل وجه فى الاستنصار «٣» والاستعانة وسلم من طلب شىء بكلّ وجه.. تعرّض له جبريل﵇- فى الهواء وقد رمى من المنجنيق وقال له:\nهل من حاجة؟\nفقال: أمّا إليك.. فلا! فجعل الله النار عليه بردا وسلاما إذ لمّا كان سليم القلب من الأغيار وجد سلامة النّفس من البلايا والأعلال.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2139>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٧٠]</span>\nوَأَرادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ (٧٠)\nمن حفر لأوليائه وقع فيما حفر، ومن كان مشغولا بالله لم يتولّ الانتقام منه سوى الله.\n_________\n(١) فى م (يد) نمرود وكلاهما مقبول فى السياق. [.....]\n(٢) آية ١١٤ سورة التوبة.\n(٣) هكذا فى من وهى أصح من (الاستبصار) فى ص لانسجام (الاستنصار) مع (الاستعانة) .","vol":"2","page":509},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2140>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٧١]</span>\nوَنَجَّيْناهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ (٧١)\nمضت سنّة الله فى أنبيائه﵈- أنه إذا نجّى منهم واحدا أشرك معه من كان مساهما له فى ضرّه ومقاساة مشقته.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2141>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٧٢]</span>\nوَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً وَكُلًاّ جَعَلْنا صالِحِينَ (٧٢)\nمنّ عليه بأن أخرج من صلبه من كان عابدا لله، ذاكرا له، فإنّ مفاخر الأبناء مناقب للآباء، كما أنّ مناقب الآباء شرف للأبناء.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2142>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٧٣]</span>\nوَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ وَكانُوا لَنا عابِدِينَ (٧٣)\nالإمام مقدّم القوم، واستحقاق رتبة الإمامة باستجماع الخصال المحمودة التي فى الأمة فيه، فمن لم تتجمع فيه متفرّقات الخصال المحمودة لم يستحق منزلة الإمامة.\nقوله جل ذكره\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2143>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٧٤]</span>\nوَلُوطًا آتَيْناهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الْخَبائِثَ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ (٧٤)\nأكمل له الأنعام بعصمته من مثل ما امتحن به قومه، ثم بخلاصه منهم بإخراجه إيّاه من بينهم، فميزه عنهم ظاهرا وباطنا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2144>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٧٥]</span>\nوَأَدْخَلْناهُ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥)\nبيّن أنه أدخله فى رحمته ثم قال: «إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ» فلا محالة من أدخله فى رحمته كان صالحا.","vol":"2","page":510},{"text":"وقوله: «وَأَدْخَلْناهُ فِي رَحْمَتِنا» إخبار عن عين الجمع، وقوله: «إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ»:\nإخبار عن عين الفرق «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2145>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٧٦ الى ٧٧]</span>\nوَنُوحًا إِذْ نادى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ (٧٧)\nكان نوح﵇- أطولهم عمرا، وأكثرهم بلاء. ففى القصة أنه كان يضرب سبعين مرة، وكان الرجل الهرم يحمل حفيده إليه ويقول. لا تقبل قول هذا الشيخ وكان يوصيه بمخالفته. وكان نوح﵇- يصبر على مقاساة الأذى، ويدعوهم إلى الله، فلمّا أيس من إيمانهم، وأوحى إليه: «أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ» «٢» دعا عليهم فقال: «رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّارًا» «٣» فقال تعالى: «وَنُوحًا إِذْ نادى مِنْ قَبْلُ....» فأزهق الشّرك وأغرق أهله.\nسورة الكهف ...\nسورة مريم ...\nسوره طه ...\nقوله جل ذكره\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2146>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٧٨ الى ٧٩]</span>\nوَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلًاّ آتَيْنا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فاعِلِينَ (٧٩)\nأشركهم فى حكم النبوة وإن كان بين درجتيهما تفاوت.. ففى مسألة واحدة أثبت لسليمان﵇- بها خصوصية إذ منّ عليه بقوله: «فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ» ولم بمن عليه بشىء من الملك الذي أعطاه بمثل ما منّ عليه بذلك، وفى هذه المسألة دلالة على تصويب المجتهدين- وإن اختلفوا- إذا كان اختلافهم فى فروع الدّين حيث قال: «وَكُلًّا آتَيْنا\n_________\n(١) لأن الرحمة من صفات ذاته- سبحانه، وصلاح العبد فيه شىء من كسب العبد.\n(٢) آية ٣٦ سورة هود.\n(٣) آية ٢٦ سورة نوح.","vol":"2","page":511},{"text":"حُكْمًا وَعِلْمًا» ولمن قال بتصويب أحدهما وتخطئة الآخر فله تعلّق بقوله: «فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ» «١» قوله جل ذكره: وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فاعِلِينَ أمر الجبال وسخّرها لتساعد داود﵇- فى التسبيح، ففى الأثر: كان داود﵇- يمرّ وصفاح «٢» الجبال تجاويه، وكذلك الطيور كانت تساعده عند تأويبه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2147>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٨٠]</span>\nوَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ (٨٠)\nسخّر الله- سبحانه- لداود الحديد وألانه فى يده، فكان ينسج الدروع، قال تعالى:\n«وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ» ليتحصن من السهام فى الحروب، قال تعالى: «وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ» وأحكم الصنعة وأوثق المسامير.. ولكن لما قصدته سهام التقدير ما أصابت إلا حدقته حين نظر إلى امرأة أوريا- من غير قصد- فكان ما كان.\nولقد خلا ذلك اليوم، وأغلق على نفسه باب البيت، وأخذ يصلى ساعة، ويقرأ التوراة مرة، والزبور أخرى، حتى يمضى وينتهى ذلك اليوم بالسلامة. وكان قد أوحى إليه أنّه يوم فتنة، فأمر الحجّاب والبواب ألا يؤذن عليه أحد، فوقع من كوّة البيت طير لم ير مثله\n_________\n(١) هذا رأى القشيري فى (الاجتهاد) ومداه، ويجدر الاهتمام به إذا شئنا أن نبحث فى «أصول الفقه عند الصوفية» .\n(٢) صفاح جمع صفح، وصفح الشيء عرضه (مقاييس اللغة ج ٣ ص ٢٩٣) .\nويقول القرطبي (قال وهب: كان داود يمر بالجبال مسبحا، والجبال تجاوبه بالتسبيح، وكذلك الطير) ويضيف القرطبي شيئا هاما بالنسبة للتفسير الصوفي: (كان داود إذا وجد فترة أمر الجبال فسبحت حتى بشتاتى، ولهذا قال: «وَسَخَّرْنا» أي جعلناها بحيث تطيعه) .\n«الجامع لأحكام القرآن ج ١١ ص ٣١٩» وبهذه المناسبة نود أن نستدرك شيئا لم نشر إليه فى مدخل الكتاب، وهو أن القرطبي كثيرا ما يستفيد من آراء الصوفية، وبصفة خاصة من القشيري، وهو في معظم الأحيان عبد الرحمن القشيري أحد أبناء المصنف.","vol":"2","page":512},{"text":"فى الحسن، فهمّ أن يأخذه، فتباعد ولم يطر كالمطمع له فى أخذه، فلم يزل يستأخر قليلا قليلا حتى طار من كوّة البيت، فتبعه داود ينظر إليه من الكوة من ورائه، فوقع بصره على امرأة أوريا، وكانت قد تجرّدت من ثيابها تغتسل فى بستان خلف البيت الذي به داود، فحصل فى قلبه ما حصل، وأصاب سهم التقدير حدقته، ولم تنفعه صنعة اللّبوس التي كان تعلّمها لتحّصنه من بأسه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2148>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٨١]</span>\nوَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ (٨١)\nسخّر الله له الريح غدوّها شهر ورواحها شهر، ولو أراد أن يزيد فى قدر مسافتها شبرا لما استطاع، تعريفا بأنه موقوف على حكم التقدير، فشهود التقدير كان يمنعه عن الإعجاب بما أكرم به من التسخير، ولقد نبّه- سبحانه- من حيث الإشارة أن الذي ملكه سليمان كالريح إذا مرّ وفات، أو أنه لا يبقى باليد منه شىء «١» .\nوفى القصة أنه لا حظ ذلك يوما فمالت الريح ببساطه قليلا، فقال سليمان للريح: استو.\nفقالت له الريح: استو أنت. أي إنما ميلى ببساطك لميلك بقلبك بملاحظتك فإذا استويت أنت استويت أنا «٢» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2149>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٨٢]</span>\nوَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حافِظِينَ (٨٢)\nإنما كان ذلك أياما قلائل فى الحقيقة. ثم إنه أراد يوما أن يعود إلى مكانه فجاءه ملك الموت فطالبه بروحه، فقال: إلىّ حين أرجع إلى مكانى.\nفقال له: ولا وجه للتأخير، وقبضه وهو قائم يتكئ على عصاه وبقي بحالته، ولم تعلم الجنّ،\n_________\n(١) فهو كما قيل: باطل وقبض الريح.\n(٢) فى ذلك إشارة إلى أصحاب الأحوال بأنه إذا تغيرت أو تعذرت الأمور فالسبب كامن فى نفوسهم.","vol":"2","page":513},{"text":"إلى أن أكلت دابة الأرض- كما فى القصة- عصاه، فلما خرّ سليمان علمت الشياطين بموته، وتحققوا أنّ الذي بالعصا قيامه فقهر الموت يلحقه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2150>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٨٣ الى ٨٤]</span>\nوَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ (٨٤)\nأي واذكر أيوب «١» حين نادى ربّه. وسمّى أيوب لكثرة إيابه إلى الله فى جميع أحواله فى السرّاء والضرّاء، والشّدّة والرّخاء.\nولم يقل: ارحمني، بل حفظ أدب الخطاب فقال: «وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ» .\nومن علامات الولاية أن يكون العبد محفوظا عليه وقته في أوان البلاء.\nويقال إخباره عنه أنه قال: «مَسَّنِيَ الضُّرُّ» لم يسلبه اسم الصبر حيث أخبر عنه سبحانه بقوله: «إِنَّا وَجَدْناهُ صابِرًا» لأنّ الغالب كان من أحواله الصبر، فنادر قالته لم يسلب عنه الغالب من حالته. والإشارة من هذا إلى أنّ الغالب من حال المؤمن المعرفة، أو الإيمان بالله فهو الذي يستغرق جميع أوقاته، ولا يخلو منه لحظة ونادر زلّاته- مع دائم إيمانه- لا يزاحم الوصف الغالب.\nويقال لمّا لم يكن قوله: مسنى الضرّ على وجه الاعتراض على التقدير- بل كان على وجه إظهار العجز- فلم يكن ذلك منافى الصفة الصبر.\nويقال استخرج منه هذا القول ليكون فيه متنفّس للضعفاء فى هذه الأمة حتى إذا ضجّوا فى حال البلاء لم يكن ذلك منافى الصفة الصبر.\nويقال لم يكن هذا القول منه على جهة الشكوى، وإنما كان من حيث الشكر «أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ» الذي تخصّ به أولياءك، ولولا أنك أرحم الراحمين لما خصصتنى بهذا، ولكن برحمتك أهّلتنى لهذا.\n_________\n(١) فى تقدير با أن ما كتبه القشيري فى هذا الموضع عن أيوب ﵇ من أجمل ما كتب فى هذا الموضوع سواء من الناحية الأدبية أو من الناحية الإشارى ة.","vol":"2","page":514},{"text":"ويقال لم يكن هذا القول من أيوب ولكنه استغاثة البلاء منه، فلم يطق البلاء صحبته فضجّ منه البلاء لا أيوب ضجّ من البلاء.. وفى معناه أنشدوا.\nصابر الصبر فاستغاث به الصبر ... فصاح المحبّ بالصبر صبرا\nويقال همزة الاستفهام فيه مضمرة، ومعناه: أيمسني الضرّ وأنت أرحم الراحمين؟ كما قال «وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ» «١» أي أتلك نعمة تمنها علىّ أن عبدت بنى إسرائيل؟\nويقال إن جبريل﵇- أتى أيوب فقال: لم تسكت؟ فقال: ماذا أصنع؟\nفقال: إنّ الله سببان عنده بلاؤك وشفاؤك ... فاسأل الله العافية فقال أيوب: إنى مسنى الضّر، فقال تعالى: «فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ» والفاء تقتضى التعقيب، فكأنه قال:\nفعافيناه فى الوقت. وكأنه قال: يا أيوب، لو طلبت العافية قبل هذا لاستجبنا لك.\nويقال سقطت دودة كانت تأكل من بدنه على الأرض فرفعها أيوب ووضعها على موضعها، فعقرته عقرة عيل صبره فقال: مسنى الضر، فقيل له: يا أيوب: أتصبر معنا؟\nلولا أنى ضربت تحت كل شعرة من شعراتك كذاخيمة من الصبر.. ما صبرت ساعة! ويقال كانت الدودات التي تأكل منه أكلت ما علا بدنه، فلم يبق منه إلا لسانه وقلبه، فصعدت دودة إلى لسانه، وأخرى إلى قلبه فقال:\n«مَسَّنِيَ الضُّرُّ» ... فلم يبق لى إلا لسان به أذكرك، أو قلب به أعرفك، وإذ لم يبق لى ذلك فلا يمكننى أن أعيش وأصبر! ويقال استعجمت عليه جهة البلاء فلم يعلم أنه يصيبه بذلك تطهيرا أو تأديبا أو تعذيبا أو تقريبا أو تخصيصا أو تمحيصا ... وكذلك كانت صحبته «٢» .\nويقال قيل لأيوب ﵇ سل العافية فقال:\nعشت فى النّعم سبعين سنة فحتى يأتى علىّ سبعون سنة فى البلاء.. وعندئذ أسأل الله العافية!\n_________\n(١) آية ٢٢ سورة الشعراء.\n(٢) أي وهكذا كانت صحبة الحق لوليه دائما.","vol":"2","page":515},{"text":"وقيل لمّا كشف الله عنه البلاء قيل له: ما أشدّ مالقيت فى أيام البلاء؟ فقال شماتة الأعداء:\nوفى القصة أن تلامذة أيوب كسروا أقلامهم، وحرّقوا ما كتبوه عنه وقالوا: لو كان لك عند الله منزلة لما ابتلاك بكل هذا البلاء! وقيل لم يبق معه إلا زوجه، وكانت من أولاد يوسف النبي ﵇، فهى التي بقيت معه وكانت تخدمه وتتعهده.\nويقال إنما بقيت تلك المرأة معه لأنها كانت من أهل البلاء من آل يعقوب﵇.\nوقيل إنما قال: مسنى الضرّ لمّا قال لها الشيطان: إنّ أردت أن يشفى مريضك فاسجدى لى، ولم تعلم أنه إبليس لأنه ظهر لها فى صورة إنسان، فأخبرت أيوب بذلك فقال عندئذ:\n«مَسَّنِيَ الضُّرُّ» .\nويقال لمّا ظهر به البلاء اجتمع قومه وقالوا لها: أخرجى هذا المريض من قريتنا، فإننا نخاف العدوى وأن يمسنّا بلاؤه، وأن نعدى إلينا علّته، فأخرجته إلى باب القرية فقالوا:\nإنا إذا أصبحنا وقعت أبصارنا عليه، فنتشاءم به، فأبعديه عن أبصارنا، فحملته إلى أرض قفر، وكانت تدخل البلد، وتستأجر للخبز والعمل فى الدور، فتأخذ الأجرة وتحملها إليه، فلما علموا أنّها امرأته استقذروها ولم يستعملوها.\nويقال إنها كانت ذات ذوائب وقرون، وكان أيوب يأخذ بذوائبها عند نهوضه، فباعت ذوائبها برغيف أخذته لتحمله إليه، فوسوس له الشيطان بأنها فعلت الفحشاء، وأن شعرها جزّ فى ذلك فحلف أيوب أن يجلدها إذا صحّ حدسه، وكانت المحنة على قلب تلك المرأة أشدّ مما على بدن أيوب من كل المحن.\nوقيل إن امرأته غابت ودخلت البلد، فعافى الله أيوب ﵇، وعاد شابا طريا كما قال فى قصته قوله: «ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ» «١» . فلما رجعت\n_________\n(١) آية ٤٢ سورة ص","vol":"2","page":516},{"text":"امرأته ولم تره حسبت أنه أكله سبع أو أصابته آفة، فأخذت تبكى وتولول، فقال لها أيوب- وهى لم تعرفه لأنه عاد صحيحا- مالك يا امرأة؟\nقالت: كان لى هاهنا مريض ففقدته. فقال لها أيوب: أنا ذاك الذي تطلبينه! وفى بعض الأخبار المروية أنه بقي فى بلائه سبع سنين وسبعة أشهر وسبعة أيام وسبع ساعات.\nوقيل تعرّض له إبليس فقال: إن أردت العافية فاسجد لى سجدة، فقال:\n«مَسَّنِيَ الضُّرُّ» .\nويقال إن أيوب﵇- كان مكاشفا بالحقيقة، مأخوذا عنه، فكان لا يحسّ بالبلاء، فستر عليه مرة، وردّه إليه، فقال: مسّني الضّرّ «١» .\nويقال أدخل على أيوب تلك الحالة، واستخرج منه هذه القالة ليظهر عليه إقامة العبودية.\nويقال أوحى الله إلى أيوب﵇- أنّ هذا البلاء اختاره سبعون نبيا قبلك فما اخترته إلا لك، فلمّا أراد كشفه عنه قال: مسنّي الضرّ! وقيل كوشف بمعنيّ من المعاني فلم يجد ألم البلاء فقال: مسّنى الصرّ لفقدى ألم الضّرّ.\nوقال جعفر الصادق: حبس عنه الوحى أربعين يوما فقال: مسنى الضرّ لما لحقه من الضعف بقيام الطاعة فاستجاب إليه بأن ردّ عليه قوّته ليقوم بحقّ الطاعة.\nويقال طلب الزيادة فى الرضا فاستجيب له بكشف ما كان به من ضعف الرضا.\nويقال إن الضرّ الذي شكا منه أنه بقيت عليه بقية، وبليته كانت ببقيته، فلمّا أخذ عنه بالكلية زال البلاء، ولهذا قال «فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ» وكانت نفسه ضرّه، وردّ عليه السلامة والعافية والأمل- فى الظاهر- لمّا ضار مأخوذا بالكلية عنه، منقّى عن كل بقية، وعند ذلك يستوى البلاء والعافية، والوجود والفقد.\n_________\n(١) أي ان العبد الواله لا يحس بنفسه وهو فى حال الجمع، ويحس بها وهو فى حال الغرق. وقد حكى القشيري فى الرسالة أن بعضهم قطعت رجله حيث كانت بها غر غرينة فلم يشعر، بينما آلت بعضهم قملة..\nوهو في حال الفرق. [.....]","vol":"2","page":517},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2151>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٨٥]</span>\nوَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (٨٥)\nأي واذكر هؤلاء الأنبياء ثم قال: «كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ»، ثم قال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2152>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٨٦]</span>\nوَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٦)\nبيّن الحكم والمعنى الحكم صبرهم وصلاحهم، والمعنى إدخاله إياهم فى الرحمة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2153>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٨٧]</span>\nوَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧)\n«مُغاضِبًا»: على ملك وقته حيث اختاره للنبوة، وسأله: لم اخترتني؟ فقال: لقد أوحى الله إلى نبيّى: أن قل لفلان الملك حتى يختار واحدا ليرسل إلى نينوى بالرسالة.\nفثقل على ذى النون لما اختاره الملك لأنه علم أن النبوة مقرونة بالبلاء، فكان غضبه عليه لذلك «١» .\nويقال مغاضبا على قومه لمّا امتنعوا عن الإيمان وخرج من بينهم.\nويقال مغاضبا على نفسه أي شديد المخالفة لهواه، وشديدا على أعداء الدين من مخالفيه.\n«فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ» أي أن لن نضيّق عليه «٢» بطن الحوت، من قوله:\n«وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ» «٣» أي ضيّق.\n_________\n(١) عن ابن عباس: أراد شعيا النبي والملك حزقيا أن يبعثا يونس إلى ملك نينوى الذي كان قد غزا بنى إسرائيل وسبى الكثير منهم ليكلمه حتى يرسل معه بنى إسرائيل وكان الأنبياء فى ذلك الزمان يوحى إليهم، والأمر والسياسة الى ملك قد اختاروه، فيعمل على وحي ذلك النبي، وقد أوحى لشعيا: ان قل لحزقيا الملك أن يختار نبيا قويا من بنى إسرائيل إلى أهل نينوى.. فقال يونس لشعيا: هل أمرك الله بإخراجى؟\nقال: لا، قال: فهاهنا أنبياء أمناء أقوياء، فألحوا عليه.. فخرج مغاضبا للنبى والملك وقومه، حتى أنى بحر الروم.. وكان من قصته ما كان، وابتلى ببطن الحوت لتركه أمر شعبا.. قال تعالى «فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ»\n(٢) (ان لن نضيق عليه) مفقودة فى ص وموجودة فى م والسياق يقتضى وجودها.\n(٣) آية ١٦ سورة الفجر","vol":"2","page":518},{"text":"ويقال فظنّ أن لن نقدر عليه من حبسه فى بطن الحوت.\nوخرج من بين قومه لمّا أخبر بأنّ الله يعذّب قومه، وخرج بأهله.\nويقال إن السبع افترس أهله فى الطريق، وأخذ النّمر ابنا صغيرا له كان معه، وجاء موج البحر فأغرق ابنه الآخر، وركب السفينة، واضطرب البحر، وتلاطمت أمواجه، وأشرفت السفينة على الغرق، وأخذ الناس فى إلقاء الأمتعة فى البحر تخفيفا عن السفينة، وطلبا لسلامتها من الغرق، فقال لهم يونس: لا تلقوا أمتعتكم فى البحر بل اطرحوني فيه فأنا المجرم فيما بينكم لتخلصوا. فنظروا إليه وقالوا: نرى عليك سيماء الصلاح، وليست تسمح نفوسنا بإلقائك فى البحر، فقال تعالى مخبرا عنه: «فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ»\n«١» أي فقارعهم، فاستهموا، فوقعت القرعة عليه.\nوفى القصة أنه أتى حرف السفينة، وكان الحوت فاغزا فاه، فجاء إلى الجانب الآخر فجاء الحوت إليه كذلك، حتى جاز كل جانب. ثم لمّا علم أنه مراد بالبلاء ألقى نفسه فى الماء فابتلعه الحوت «وَهُوَ مُلِيمٌ»: أي أتى بما يلام عليه، قال تعالى: «فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ» «٢» .\nوأوحى الله إلى السمك: لا تخدش منه لحما ولا تكسر منه عظما، فهو وديعة عندك وليس بطعمة لك. فبقى فى بطنه- كما فى القصة- أربعين يوما.\nوقيل إن السمك الذي ابتلعه أمر بأن يطوف فى البحر، (وخلق الله له إدراك ما فى البحر) «٣»، وكان ينظر إلى ذلك.\nويقال إن يونس ﵇ صحب الحوت أياما قلائل فإلى القيامة يقال له: ذا النون، ولم تبطل عنه هذه النسبة.. فما ظنّك بعبد عبده- سبحانه- سبعين سنة، ولازم قلبه محبته ومعرفته طول عمره.. ترى أيبطل هذا؟ لا يظنّ بكرمه ذلك! «فَنادى فِي الظُّلُماتِ ...» يقال ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة بطن الحوت- هذا بيان\n_________\n(١) آية ١٤١ سورة الصافات\n(٢) آية ١٤٢ سورة الصافات\n(٣) موجودة فى م ومفقودة فى ص","vol":"2","page":519},{"text":"التفسير، ويحتمل «١» أن تكون الظلمات ما التبس عليه من وقته واستبهم عليه من حاله.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2154>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٨٨]</span>\nفَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)\nاستجبنا له ولم يجر منه دعاء لأنه لم يصدر عنه أكثر من قوله: «لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ»، ولم يقر بالظلم إلا وهو يستغفر منه.\nثم قال: «وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ ...» يعنى: كلّ من قال من المؤمنين- إذا أصابه غمّ، أو استقبله مهم- مثلما قال ذو النون نجيناه كما نجينا ذا النون.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2155>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٨٩]</span>\nوَزَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ (٨٩)\nسأل الولد، وإنما سأله ليكون له معينا على عبادة ربّه، وليقوم فى النبوة مقامه، ولئلا تنقطع بركة الرسالة من بيته «٢»، ولقد قاسى زكريا من البلاء ما قاسى حتى حاولوا قطعه بالمنشار، ولما التجأ إلى شجرة انشقت له وتوسّطها، والتأمت الشجرة، وفطنوا إلى ذلك فقطعوا الشجرة بالمنشار، وصبر لله، وسبحان الله! كان انشقاق الشجرة له معجزة، وفى الظاهر كان حفظا له منهم، ثم لو لم يطلعهم عليه لكان في ذلك سلامته، ولعلّهم- وقتلوه- لم يصبه من الألم القدر الذي لحقه من القطع بالمنشار طول إقامته، وإنما المعنى فيه أن انشقاق الشجرة كان له معجزة، فقوى بذلك يقينه لمّا رأى عجيب الأمر فيه من نقض العادة «٣»، ثم البلاء له بالقتل ليس ببلاء فى التحقيق، ولقد قال قائلهم: «إنما يستعذب الأولياء البلوى للمناجاة مع المولى» .\n_________\n(١) هذا النوع من الظلمات- وهو المرتبط بالنفس- متوقع صدوره عن مفسر صوفى علم بأحوال النفس.\n(٢) أي أنه لم يسال الولد لحظ نفسه بل لحق ربه، وهذه بشرى إجابة الدعاء.\n(٣) أي أن المعجزة ليست فقط من أجل القوم الذين فيهم النبي بل فى حسابها تثبيت قلب النبي وترسيخ يقينه.","vol":"2","page":520},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2156>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٩٠]</span>\nفَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ (٩٠)\nسمى يحيى لأنه حي به عقر أمه.\nوقوله: «وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ»: لتكون الكرامة لهم جميعا بالولد، ولئلا يستبدّ زكريا بفرح الولد دونها مراعاة لحقّ صحبتها.. وهذه سنّة الله فى باب إكرام أوليائه، وفى معناه أنشدوا:\nإنّ الكرام إذا ما أيسروا ذكروا ... من كان يألفهم فى المنزل الخشن\nثم قال: «إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا..» وفى هذا بشارة لجميع المؤمنين، لأن المؤمن لا يخلوا من حالة من أحوال الرغبة أو الرهبة إذ لو لم تكن رغبة لكان قنوطا والقنوط كفر «١»، ولو لم تكن رهبة لكان أمنا والأمن كفر «٢» .\nقوله: «وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ» الخشوع قشعريرة القلب عند اطلاع الرب، وكان لهم ذلك على الدوام.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2157>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٩١]</span>\nوَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ (٩١)\nيعنى مريم، وقد نفى عنها سمة الفحشاء وهجنة الذم.\nويقال فنفخنا فيها من روحنا، وكان النفخ من جبريل ﵇، ولكن لمّا كان بأمره- سبحانه- صحّت الإضافة إليه، وفى هذا دليل على تأويل خبر النزول، فإنه يكون بإنزال ملك فتصحّ الإضافة إلى الله إذ كان بأمره. وإضافة الروح إلى نفسه على جهة التخصيص.\nكقوله: (ناقة الله، وبيتي) .. ونحو ذلك. (وجعلنا وابنها آية للعالمين): ولم يقل آيتين\n_________\n(١) قال تعالى: «وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ» ٥٦ الحجر.\n(٢) قال تعالى: «فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ» ٩٩ الأعراف","vol":"2","page":521},{"text":"لأن أمرهما كان معجزة ودلالة، ويصح أن يراد أنّ كلّ واحد منهما آية- على طريقة العرب فى أمثال هذا.\nوفيه نفى لتهمة من قال إنها حبلت من الله ... تعالى الله عن قولهم! قوله (آية للعالمين): وإن لم يهتد بهما جميع الناس.. لكنهما كانا آية. ومن نظر فى أمرهما، ووضع النظر موضعه لاهتدى، وإذا أعرض ولم ينظر فالآية لا تخرج عن كونها حجّة ودلالة بتقصير المقصّر فى بابها.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2158>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٩٢]</span>\nإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢)\nأي كلكم خلقته، وكلكم اتفقتم فى الفقر، وفى الضعف، وفى الحاجة. «وَأَنَا رَبُّكُمْ»:\nوخالقكم على وصف التّفرّد.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2159>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٩٣]</span>\nوَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ (٩٣)\nاختلفوا وتنازعوا، واضطربت أمورهم، وتفرّقت أحوالهم، فاستأصلتهم البلايا.\nقوله: (كلّ إلينا راجعون): وكيف لا ... وهم ما يتقلبون إلّا فى قبضة التقدير؟\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2160>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٩٤]</span>\nفَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كاتِبُونَ (٩٤)\nمن تعنّى لله لم يخسر على الله، ومن تحمّل لله مشقة وجب حقّه (على) «١» الله: قوله: وهو مؤمن) بعد قوله: (يعمل من الصالحات) دليل على أن من لا يكون مؤمنا لا يكون عمله صالحا ففائدة قوله هاهنا: (وهو مؤمن) فى المآل والعاقبة، فقد يعمل الأعمال الصالحة من لا يختم له بالسعادة، فيكون فى الحال مؤمنا وعمله يكون على الوجه الذي آمن ثم لا ثواب له، فإذا كانت عاقبته على الإسلام والتوحيد فحينئذ لا يضيع سعيه.\n_________\n(١) نرجح أنها فى الأصل (من) لأن القشيري فى مواضع شتى عارض أي وجوب (على) الله..\nوطا لما أوضحنا ذلك فى الهوامش.","vol":"2","page":522},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2161>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٩٥]</span>\nوَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ (٩٥)\nأي لا نهلك قوما وإن تمادوا فى العصيان إلا إذا علمنا أنهم لا يؤمنون، وأنه بالشقاوة تختم أمورهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2162>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٩٦]</span>\nحَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦)\nأي يحق القول عليهم، ويتم الأجل المضروب لهم، فعند ذلك تظهر أيامهم، وإلى القدر المعلوم فى التقدير لا تحصل نجاة الناس من شرّهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2163>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٩٧]</span>\nوَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يا وَيْلَنا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا بَلْ كُنَّا ظالِمِينَ (٩٧)\nتأخذهم القيامة بغتة وتظهر أشراط الساعة فجأة، ويقرّ الكاذبون بأنّ الذنب عليهم، ولكن فى وقت لا تقبل فيه معذرتهم، وأوان لا ينفعهم فيه إيمانهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2164>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٩٨]</span>\nإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ (٩٨)\n«وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ»: أي الأصنام التي عبدوها، ولم تدخل فى الخطاب الملائكة التي عبدها قوم، ولا عيسى وإن عبده قوم لأنه قال:\n«إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ» ولم يقل إنكم ومن تعبدون «١» . فيحشر الكافرون فى النار، وتحشر أصنامهم معهم. والأصنام جمادات فلا جرم لها، ولا احتراقها عقوبة لها، ولكنه على جهة براءة ساحتها، فالذنب للكفار وما الأصنام إلا جمادات.\n_________\n(١) لأن (ما) اسم موصول لغير العاقل و(من) اسم موصول للعاقل.","vol":"2","page":523},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2165>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٩٩]</span>\nلَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ (٩٩)\nالقوم قالوا: «ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى» «١» فعلموا أن الأصنام جمادات، ولكن توهموا أن لها عند الله خطرا، وأنّ من عبدها يقرب بعبادتها من الله، فيبيّن الله لهم- غدا- بأنّها لو كانت تستحق العبادة، ولو كان لها عند الله خطر لما ألقيت فى النار، ولما أحرقت.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2166>[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٠٠]</span>\nلَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَهُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ (١٠٠)\n«لَهُمْ»: أي لعبدة الأصنام، «فِيها» أي فى النار، «زَفِيرٌ» لحسرتهم على ما فاتهم، «وَهُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ» من نداء يبشرهم بانقضاء عقوبتهم.\nوبعكس أحوالهم عصاة المسلمين «٢» فى النار فهم- وإن عذّبوا حينا- فإنهم يسمعون قول من يبشّرهم يوما بانقضاء عذابهم- وإن كان بعد مدة مديدة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2167>[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٠١]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ (١٠١)\n«سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى»: أي الكلمة بالحسنى، والمشيئة والإرادة بالحسنى، لأن الحسنى فعله، وقوله: «سَبَقَتْ» إخبار عن قدمه، والذي كان لهم فى القدم هو الكلمة التي هى صفة تعلّقت بهم فى معنى الإخبار بالسعادة.\nثم قال: «أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ» أي عن النار، ولم يقل متباعدون ليعلم العالمون أن المدار على التقدير، وسابق الحكم من الله، لا على تباعد العبد أو بتقرّبه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2168>[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٠٢]</span>\nلا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ (١٠٢)\n_________\n(١) آية ٣ سورة (الزمر) [.....]\n(٢) تسمى هذه فى علم الكلام: المنزلة بين المنزلتين وهى التي بين المؤمن والكافر، وليست عقوبة هؤلاء- كما هو شأن الكفار- على التأييد.. كما يرى القشيري.","vol":"2","page":524},{"text":"يدل ذلك على أنهم لا يعذّبون فيها بكل وجه. والمراد منه العباد من المؤمنين الذين لا جرم لهم.\n«وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ»: مقيمين لا يبرحون.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2169>[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٠٣]</span>\nلا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (١٠٣)\nقيل الفزع الأكبر قول الملك: «لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ» «١» ويقال إذا قيل: «وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ»»\nويقال إذا قيل: يا أهل الجنة.. خلودا لا موت فيه، ويا أهل النار. خلودا لا موت فيه! وقيل إذا: «قالَ اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ» «٣» وقيل الفزع الأكبر هو الفراق. وقيل هو اليأس من رحمة الله وتعريفهم ذلك.\nقوله «وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ» يقال لهم هذا يومكم الذي كنتم وعدتم فيه بالثواب فمنهم من يتلقّاه الملك، ومنهم من يرد عليه الخطاب والتعريف من الملك «٤» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2170>[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٠٤]</span>\nيَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ (١٠٤)\nإنما كانت السماء سقفا مرفوعا حين كان الأولياء تحتها، والأرض كانت فراشا إذ كانوا عليها، فإذا ارتحل الأحباب عنها تخرب ديارهم.. على العادة فيما بين الخلق من خراب الديار بعد مفارقة الأحباب.\n_________\n(١) آية ٢٢ سورة الفرقان\n(٢) آية ٥٩ سورة يس\n(٣) آية ١٠٨ سورة المؤمنون.\n(٤) أي من الله سبحانه- وهؤلاء هم صفوة الأخيار.","vol":"2","page":525},{"text":"ويقال نطوى السماء التي إليها عرجت دواوين العصاة من المسلمين لئلا تشهد عليهم بالإجرام، وتبدّل الأرض التي عصوا عليها غير تلك الأرض حتى لا تشهد عليهم بالإجرام.\nأو نطوى السماء لنقرّب قطع المسافات على الأحباب.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2171>[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٠٥]</span>\nوَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥)\n«الذِّكْرِ» هنا هو التوراة، و«كتب»: أي أخبر وحكم، و«الصَّالِحُونَ» أمة محمدﷺ: أنّ «الْأَرْضَ» هم الذين يرثونها.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2172>[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٠٧]</span>\nوَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ (١٠٧)\nأمّا من أسلم فبك ينجون، وأمّا من كفر فلا نعذبهم ما دمت فيهم فأنت رحمة منّا على الخلائق أجمعين.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2173>[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٠٨]</span>\nقُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٨)\nواحد فى ذاته، واحد فى صفاته، واحد فى أفعاله واحد بلا قسيم، واحد بلا شبيه، واحد بلا شريك.\n«فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ؟» مخلصون في عقد التوحيد بالتبرّى عن كل غير فى حسبان صلاحيّته للألوهية؟\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2174>[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٠٩]</span>\nفَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ (١٠٩)\nإن أعرضوا ولم يؤمنوا فقل: إنى بالالتزام أعلمتكم، ولكن للإكرام ما ألهتكم، فتوجّهت عليكم الحجة واستبهمت عليكم المحجة.","vol":"2","page":526},{"text":"قوله: «وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ..» إنّ علمى متقاصر عن تفصيل أحوالكم فى مآلكم، ووقت ما توعدون به فى القيامة من تحصيل أهوالكم، ولكنّ حكم الله غير مستأخر إذا أراد شيئا من تغيير أحوالكم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2175>[سورة الأنبياء (٢١): آية ١١٠]</span>\nإِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ (١١٠)\nلا يخفى عليه سرّكم ونجواكم، وحالكم ومآلكم، وظاهركم وباطنكم.. فعلى قدر استحقاقكم يجازيكم، وبموجب أفعالكم يحاسبكم ويكافيكم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2176>[سورة الأنبياء (٢١): آية ١١١]</span>\nوَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (١١١)\nليس يحيط علمى (إلا) «١» بما يعلمنى، وإعلامه إياى ليس باختياري، ولا هو مقصود على حسب مرادى وإيثارى.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2177>[سورة الأنبياء (٢١): آية ١١٢]</span>\nقالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ (١١٢)\nالرحمن كثير الرحمة عامة لكل أحد، ومنه يوجد العون والنصر حين يوجد وكيف يوجد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2178>السورة التي يذكر فيها «الحج»</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ سماع «بِسْمِ اللَّهِ» يوجب الهيبة والغيبة وذلك وقت محوهم. وسماع «الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» يوجب الأنس والقربة، وذلك وقت صحوهم.. فعند سماع هذه الآية انتظم لهم المحو والصحو فى سلك واحد.\nسماع «بِسْمِ اللَّهِ» يوجب انزعاج القلوب وعنده يحصل داء جنونهم «٢»، وسماع «الرَّحْمنِ»\n_________\n(١) سقطت (إلا) فى ص وموجودة فى م.\n(٢) ليس الجنون والفتون هنا مرتبطين بفساد العقل كما قد يتبادر للذهن إنما يرتبطان بذهاب العقل والوله فى المحبوب، وهذه هى المرة الأولى التي تصادف فيها هاتين اللفظتين فى مثل هذا السياق، وقد اعتدنا أن نسمع بدلا من (مجنون ومفتون) كلمات أخرى مثل (مهيم ومتيم) [انظر التحبير فى التذكير ص ٦٢] .","vol":"2","page":527},{"text":"«الرَّحِيمِ» يوجب ابتهاج القلوب وبه يحصل شفاء فتونهم، فعودة فتونهم فى لطف جماله كما أن موجب جنونهم فى كشف جلاله.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2179>[سورة الحج (٢٢): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nيا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١)\n«يا أَيُّهَا النَّاسُ» نداء علامة، و«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا» نداء كرامة، وبكلّ واحد من القسمين يفتتح الحقّ خطابه فى السّور وذلك لانقسام خطابه إلى صفة التحذير مرة، وصفة التبصير أخرى.\nوالتقوى هى التحرز والاتقاء وتجنب المحظورات. وتجنب المحظورات فرض، وتجنب الفضلات والشواغل- وإن كان من جملة المباحات- نفل، فثواب الأول أكثر ولكنه مؤجّل، وثواب النّفل أقلّ ولكنه معجّل «١» .\nويقال خوّفهم بقوله: «اتَّقُوا» . ثم سكن ما بهم من الخوف بقوله: «رَبَّكُمْ» فإنّ سماع الربوبية يوجب الاستدامة وجميل الكفاية.\nقوله: «إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ»: وتسمية المعدوم «شيئا» توسّع بدليل أنه ليس فى العدم زلزلة بالاتفاق وإن كان مطلق اللفظ يقتضيه، وكذلك القول فى تسميته «شيئا» هو توسّع.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2180>[سورة الحج (٢٢): آية ٢]</span>\nيَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢)\nلكل ذلك اليوم شغل يستوفيه، ويستغرقه، وترى الناس سكارى أي من هول ذلك\n_________\n- ومن المفيد أن نسوق نصا لإحدى المجانين:\nمعشر الناس ما جننت ولكن ... انا سكرانة وقلبى صاح\nأنا مفتونة بحب حبيب ... لست أبغى عن بابه من براح\n(الروض الفائق ص ٣٦٢) وكتابنا (نشأة التصوف الإسلامى ط المعارف ص ١٧٨) .\n(١) هذا أصل يضاف إلى أصول الفقه الصوفي عند القشيري.","vol":"2","page":528},{"text":"اليوم عقولهم ذاهبة، والأحوال فى القيامة وأهوالها غالبة. وكأنهم سكارى وما هم فى الحقيقة بسكارى، ولكن عذاب الله شديد، ولشدّته يحيرهم ولا يبقيهم على أحوالهم.\nوهم يتفقون فى تشابههم بأنهم سكارى، ولكنّ موجب ذلك يختلف فمنهم من سكره لما يصيبه من الأهوال، ومنهم من سكره لاستهلاكه فى عين الوصال.\nكذلك فسكرهم اليوم مختلف فمنهم من سكره سكر الشراب، ومنهم من سكره سكر المحاب.. وشتّان بين سكر وسكر! سكر هو سكر أهل الغفلة، وسكر هو سكر أهل الوصلة «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2181>[سورة الحج (٢٢): آية ٣]</span>\nوَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ (٣)\nالمجادلة لله- مع أعداء الحق وجاحدى الدّين- من موجبات القربة، والمجادلة فى الله، والمماراة مع أوليائه، والإصرار على الباطل بعد ظهور الدلائل من أمارات الشقوة، وما كان بوساوس الشيطان ونزغاته فقصاراه النار.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2182>[سورة الحج (٢٢): آية ٤]</span>\nكُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلاَّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ (٤)\nمن وافق الشيطان بمتابعة دواعيه لا يهديه إلّا إلى الضلال، ثم إنه فى الآخرة يتبرأ من موافقته، ويلعن جملة متّبعيه. فنعوذ بالله من الشيطان ونزغاته، ومن درك الشقاء وشؤم مفاجآته.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2183>[سورة الحج (٢٢): آية ٥]</span>\nيا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥)\n_________\n(١) حديث القشيري فى (السكر) هنا مفيد عند دراسة هذا المصطلح.","vol":"2","page":529},{"text":"التبس عليهم جواز (بعثه الخلق) «١» واستبعدوه غاية الاستبعاد، فلم ينكر الحق عليهم إلا بإعراضهم عن تأمل البرهان، واحتجّ عليهم فى ذلك بما قطع حجتهم، فمن تبع هداه رشد، ومن أصرّ على غيّه تردّى فى مهواة هلاكه.\nواحتجّ عليهم فى جواز البعث بما أقروا به فى الابتداء أن الله خلقهم وأنه ينقلهم من حال إلى حال أخرى فبدأهم من نطفة إلى علقة ومنها ومنها ... إلى أن نقلهم من حال شبابهم إلى زمان شيبهم، ومن ذلك الزمان إلى حين وفاتهم.\nواحتجّ أيضا عليهم بما أشهدهم كيف أنه يحيى الأرض- فى حال الربيع- بعد موتها، فتعود إلى ما كانت عليه فى الربيع من الخضرة والحياة. والذي يقدر على هذه الأشياء يقدر على خلق الحياة فى الرّمة البالية والعظام النخرة.\nقوله: «وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ»: زمان الفترة بعد المجاهدة، وحال الحجبة عقب المشاهدة.\nويقال أرذل العمر السعى للحظوظ بعد القيام بالحقوق.\nويقال أرذل العمر الزلة فى زمان المشيب.\nويقال أرذل العمر الإقامة فى منازل العصيان.\nويقال أرذل العمر التعريج فى (أوطان) «٢» المذلة.\nويقال أرذل العمر العشرة مع الأضداد.\nويقال أرذل العمر (عيش) «٣» المرء بحيث لا يعرف قدره.\nويقال أرذل العمر بأن يوكل إلى نفسه.\nويقال أرذل العمر التطوح فى أودية الحسبان أن شيئا بغير الله.\nويقال أرذل العمر الإخلاد إلى تدبير النّفس، والعمى عن شهود تقدير الحق.\n_________\n(١) هكذا فى م أما فى ص فهى (بعثهم الحق) ونرجح الأولى إذ الذي استبعدوه أن يبعث الله واحدا من الخلق.\n(٢) هكذا فى م وهى غير موجودة فى ص.\n(٣) فى م (عيش) المرء وفى ص (حبس) المرء. وقد رجحنا (عيش) على معنى أن الله يمنحه من العمر ما لا يكون خلاله تقدير من الخلق له.","vol":"2","page":530},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2184>[سورة الحج (٢٢): آية ٦]</span>\nذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦)\nالله هو الحقّ، والحق المطلق الوجود «١»، وهو الحق أي ذو الحق.\n«وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى» أي الأرض التي أصابتها وحشة الشتاء «٢» يحييها وقت الربيع.\nويقال يحيى النفوس بتوفيق العبادات، ويحيى القلوب بأنوار المشاهدات.\nويقال يحيى أحوال المريدين بحسن إقباله عليهم.\nويقال حياة الأوقات بموافقة الأمر، ثم بجميل الرضا وسكون الجأش عند جريان التقدير.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2185>[سورة الحج (٢٢): الآيات ٨ الى ٩]</span>\nوَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ (٨) ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ (٩)\nدليل الخطاب يقتضى جواز المجادلة فى الله إذا كان صاحب المجادلة على علم بالدليل والحجة ليستطيع المناضلة عن دينه، قال سبحانه لنبيّه: «وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ» ومن لم يحسن مذهب الخصم وما يتعلق به من الشبه لم يمكنه الانفصال عن شبهته، وإذا لم تكن له قوة الانفصال فلا يستحبّ له أن يجادل الأقوياء «٣» منهم، وهذا يدل على وجوب تعلم علم الأصول «٤»، وفى هذا رد على من جحد ذلك.\nقوله جل ذكره: ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ\n_________\n(١) (الحق المطلق الوجود) هذه عبارة لم تصادفنا من قبل فى أي مصنف القشيري، ونحن نعطيها أهمية خاصة إذا تذكرنا أن هذا اصطلاح لأرباب وحدة الوجود، فهم يعتبرون الوجود المطلق للحق وما عدا فوجوده نسبى متكثر متعدد، وهذا لا بأس به، ولكن النتائج التي رتبوها عليه خطيرة. ونظن أنها (الموجود) بدل (الوجود) بدليل ما سبق ذكره عند تفسير الآية «فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ» من سورة طه وكنا قد أيدنا ذلك بما ذكره فى كتابه «التحبير في التذكير» . [.....]\n(٢) هكذا فى م ولكنها فى ص (الشقاء) بالقاف ونحن نؤثر الأولى لأن المقصود المقابلة مبين الربيع و(الشتاء) .\n(٣) هكذا فى م ولكنها في ص (إلا قوما) .\n(٤) فى هذا وفيما بعده رد على من يتهمون الصوفية بمجافاتهم للعلم، وعدم احترامهم للعقل، كما أن فيه ردا على قضية أنارها بعض المتكلمين حول وجوب أو عدم وجوب تعلم المسلم أصول التوحيد كى يصح إيمانه، ومدى ما يكون عليه إيمان العامة الذين لا تتاح لهم فرصة هذا التعلم.","vol":"2","page":531},{"text":"له فى الدنيا خزى ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق يريد أنه متكبّر عن قبول الحق، زاهد فى التحصيل، غير واضع نظره موضعه إذ لو فعل ذلك لهان عليه التخلّص من شبهته.\nثم قال: «لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ» أي مذلة وهوان، وفى الآخرة عذاب الحريق.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2186>[سورة الحج (٢٢): آية ١١]</span>\nوَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ (١١)\nيعنى يكون على جانب، غير مخلص ... لا له استجابة توجب الوفاق، ولا جحدا يبين الشقاق فإن أصابه أمن وخير ولين اطمأن به وسكن إليه، وإن أصابته فتنة أو نالته محنة ارتدّ على عقبيه ناكسا، وصار لما أظهر من وفاقه عاكسا. ومن كانت هذه صفته فقد خسر فى الدارين، وأخفق فى المنزلتين.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2187>[سورة الحج (٢٢): الآيات ١٢ الى ١٣]</span>\nيَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُ وَما لا يَنْفَعُهُ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ (١٢) يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ (١٣)\nأي يعبد من المضرّة فى عبادته أكثر من النّفع منه، بل ليس فى عبادته النفع بحال، فالضّرّ المتيقّن فى عبادتهم الأصنام هو بيان ركاكة عقولهم، ورؤية الناس خطأ فعلهم.\nوالنفع الذي يتوهمونه فى هذه العبادة ليس له تحصيل ولا حقيقة.","vol":"2","page":532},{"text":"ثم قال: «لَبِئْسَ الْمَوْلى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ»: أي لبئس الناصر الصّنم لهم، ولبئس القوم هم للصنم، ولم لا.؟ ولأجله وقعوا فى عقوبة الأبد.\nقوله جل ذكره\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2188>[سورة الحج (٢٢): آية ١٤]</span>\nإِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ (١٤)\n«الَّذِينَ آمَنُوا»: أي صدّقوا ثم حقّقوا فالإيمان ظاهره التصديق وباطنه التحقيق، ولا يصل العبد إليهما إلا بالتوفيق.\nويقال الإيمان (انتسام) «١» الحق فى السّرّ.\nويقال الإيمان ما يوجب الأمان، ففى الحال يجب الإيمان وفى المآل يوجب الأمان، فمعجّل الإيمان من (...) «٢» المسلمين، ومؤجّله الخلاص من صحبة الكافرين الفاسقين.\nوقوله: «وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ»: العمل الصالح ما يصلح للقبول، ويصلح للثواب، وهو أن يكون على الوجه الذي تعلّق به الإيمان.\nوالجنان التي يدخل المؤمنين فيها مؤجلة ومعجلة فالمؤجّله ثواب وتوبة، والمعجّلة أحوال وقربة، قال تعالى: «وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ» «٣» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2189>[سورة الحج (٢٢): آية ١٥]</span>\nمَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ (١٥)\nأي أنّ الحقّ- سبحانه- يرغم أعداء رسول الله ﷺ، فمن لم تطب\n_________\n(١) فى م (ابتسام) وفى ص (انتسام)، ونحن نفضل هذه على تلك على أنها صيغة (انفعال) من (تنسم) فلان العلم أو الخبر أي تلطف فى التماسه حتى تبينه وتبعه.\n(٢) فى م (سيف) وفى ص (سلف) ونحن نؤثر الأولى إذ أن الذي يؤمن يأمن- فى الحال- من بطش المسلمين الذين أمروا بقتال أعدائهم جهادا فى سبيل إعلاء كلمة الإيمان.\n(٣) آية ٤٦ سورة الرحمن.","vol":"2","page":533},{"text":"نفسه بشهود تخصيص الله سبحانه بما أفرده به فليقتل نفسه من الغيظ خنقا، ثم لا ينفعه ذلك، كما قيل:\nإن كنت لا ترضى بما قد ترى ... فدونك الحبل به فاخنق\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2190>[سورة الحج (٢٢): آية ١٦]</span>\nوَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ (١٦)\n«آياتٍ بَيِّناتٍ»: أي دلالات وعلامات نصبها الحقّ سبحانه لعباده، فمن الآيات ما هو قضية العقل، ومنها ما هو قضية الخبر والنقل، ومنها ما هو تعريفات فى أوقات المعاملات «١» فما يجده العبد فى حالاته من انغلاق، واشتداد قبض، وحصول خسران، ووجوه امتحان..\nلا شكّ ولا مرية إذا أخلّ بواجب أو ألمّ بمحظور «٢» . أو تكون زيادة بسط أو حلاوة طاعة، أو تيسير عسير من الأمور، أو تجدد إنعام عند حصول شىء من طاعاته.\nثم قد يكون آيات فى الأسرار، هى خطاب الحقّ ومحادثة معه، كما فى الخبر:\n«لقد كان فى الأمم محدّثون فإن يك فى أمتى فعمر» «٣» ثم يقال الآيات ظاهرة، والحجج زاهرة، ولكن الشأن فيمن يستبصر.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2191>[سورة الحج (٢٢): آية ١٧]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١٧)\nأصناف الناس على اختلاف مراتبهم: الولىّ والعدوّ، والموحّد والجاحد يجمعون يوم الحشر، ثم الحقّ- سبحانه- يعامل كلا بما وعده إما بوصال بلا مدى، أو بأحوال\n_________\n(١) يمكن القول إن هذه هى المصادر الأساسية لما أطلقنا عليه من قبل (أصول الفقه الصوفي) ومنها يتضح اهتمام القشيري بالعقل ثم النقل ثم ما يحصل من العرفان نتيجة المجاهدات.\n(٢) فإن الإثم ما حاك فى صدرك ... كما قال المصطفى صلوات الله عليه وسلامه.\n(٣) وهى التي يطلق عليها القشيري (الفراسة) انظر الرسالة ص ١١٥ وما بعدها.","vol":"2","page":534},{"text":"بلا منتهى. الوقت واحد وكلّ واحد لما أعدّ له وافد، وعلى ما خلق له وارد..\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2192>[سورة الحج (٢٢): آية ١٨]</span>\nأَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ (١٨)\nأهل العرفان يسجدون له سجود عبادة، وأرباب الجحود كلّ جزء منهم يسجد له سجود دلالة وشهادة.\nوفى كل شىء له آية ... تدلّ على أنه واحد\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2193>[سورة الحج (٢٢): آية ١٩]</span>\nهذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩)\nأما الذين كفروا فلهم اليوم لباس الشرك وطرازه الحرمان، ثم صدار الإفك وطرازه الخذلان. وفى الآخرة لباسهم القطران وطرازه الهجران، قال تعالى: «اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ» .\nأمّا أصحاب الإيمان فلباسهم اليوم التقوى، وتنقسم إلى اجتناب الشّرك ثم مجانبة المخالفة، ثم مباينة الغفلة، ثم مجانبة السكون إلى غير الله والاستبشار إلى ما سوى الله.\nوفى الآخرة لباسهم فيها حرير، وآخرون لباسهم صدار المحبة، وآخرون لباسهم الانفراد به، وآخرون هم أصحاب التجريد فلا حال ولا مقام ولا منزلة ولا محل وهم الغرباء «١»، وهم الطبقة العليا، وهم أحرار من رقّ كل ما لحقه التكوين.\n_________\n(١) يقول ابن الجلاء فى تعريف الصوفي: فقير مجرد عن الأسباب، كان مع الله بلا مكان، ولا يمنعه الحق- سبحانه- من علم كل مكان (الرسالة ص ١٤٠) ويقول الحصرى: «الصوفى لا تقله أرض ولا تظله سماء» الرسالة (الصفحة ذاتها) .","vol":"2","page":535},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2194>[سورة الحج (٢٢): آية ٢٣]</span>\nإِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ (٢٣)\nالتحلية تحصين لهم، وستر لأحوالهم فهم للجنة زينة، وليس لهم بالجنة زينة:\nوإذا الدّرّ زان حسن وجوه ... كان للدّرّ حسن وجهك زينا\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2195>[سورة الحج (٢٢): آية ٢٤]</span>\nوَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ (٢٤)\nالطيب من القول ما صدر عن قلب خالص، وسرّ صاف (مما يرضى به علم التوحيد، فهو الذي لا اعتراض عليه للأصول) «١» ويقال الطيب من القول ما يكون وعظا للمسترشدين، ويقال الطيب من القول هو إرشاد المريدين إلى الله.\nويقال الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر.\nويقال الدعاء للمسلمين.\nويقال كلمه حق عند من يخاف ويرجى «٢» .\nويقال الشهادتان عن قلب مخلص.\nويقال ما كان قائله فيه مغفورا «٣» وهو مستنطق.\n_________\n(١) هكذا فى ص ولا فرق بين العبارة فى س، م إلا أنها جاءت فى الأخيرة (مما رضى به ...)\nوالمقصود أن أقوال أرباب القلوب ينبغى ألا تتعارض مع أقوال أرباب أصول التوحيد لأن الحقيقة لا تعارض الشريعة فى شىء. فالضمير (فهو) يعود على الطيب من القول الصادر من القلب الخالص والسر الصافي.\n(٢) أي عند صاحب سلطان، وقد عرف الصوفية بشجاعتهم الرائعة فى مواجهة أصحاب الأمر والنهى من الحكام وغيرهم.\n(٣) هكذا فى ص أما فى م فهى (مفقودا) وعلى الأول يكون المعنى أن قوله مسموح به- ظاهريا- حيث لا يستشنع فى الباطن، وعلى الثاني: أي يكون قائله فى حال الفقد فهو لا ينطق بنفسه بل بالله.","vol":"2","page":536},{"text":"ويقال هو بيان الاستغفار والعبد برىء من الذنوب.\nويقال الإقرار بقوله: «رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا» «١» .\nويقال أن تدعوا للمسلمين بما لا يكون لك فيه نصيب.\nوأمّا «صِراطِ الْحَمِيدِ»: فالإضافة فيه كالإضافة عند قولهم: مسجد الجامع (أي المسجد الجامع) والصراط الحميد: الطريق المرضى وهو ما شهدت له الشريعة بالصحة، وليس للحقيقة عليه نكير.\nويقال الصراط الحميد: ما كان طريق الاتباع دون الابتداع.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2196>[سورة الحج (٢٢): آية ٢٥]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (٢٥)\nالصدّ عن المسجد الحرام بإخافة السّبل، وبغصب المال الذي لو بقي فى يد صاحبه لوصل به إلى المسجد الحرام.\nقوله: «سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ «٢»» وإنما يعتبر فيه السبق والتقدم.\nومشهد الكرام يستوى فيه الإقدام، فمن وصل إلى تلك العقوة فلا ترتيب ولا ردّ، وبعد الوصول فلا زجر ولا صدّ، أمّا فى الطريق فربما يعتبر التقدم والتأخر قال تعالى:\n«وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ» «٣» ولكن فى الوصول فلا تفاوت ولا تباين، ثم إذا اجتمعت النفوس فالموضع الواحد يجمعهم، ولكن لكلّ حال ينفرد بها.\n_________\n(١) آية ٢٣ سورة الأعراف. [.....]\n(٢) البادي- غير المقيم.\n(٣) آية ٢٤ سورة الحجر.","vol":"2","page":537},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2197>[سورة الحج (٢٢): آية ٢٦]</span>\nوَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦)\nأصلحنا له مكان البيت ومسكّناه منه وأرشدناه له، وهديناه إليه، وأعنّاه عليه، وذلك أنه رفع البيت إلى السماء الرابعة فى زمن طوفان نوح ﵇، ثم أمر إبراهيم ﵇ ببناء البيت على أساسه القديم. قوله «أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا»، أي لا تلاحظ البيت ولا بناءك له.\n«وَطَهِّرْ بَيْتِيَ..» يعنى الكعبة- وذلك على لسان العلم، وعلى بيان الإشارة فرّغ قلبك عن الأشياء كلّها سوى ذكره- سبحانه.\nوفى بعض الكتب: «أوحى الله إلى بعض الأنبياء فرّغ لى بيّتا أسكنه، فقال ذلك الرسول: إلهى.. أى بيت تشغل؟ فأوحى الله إليه: ذلك قلب عبدى المؤمن» . والمراد منه ذكر الله تعالى فالإشارة فيه أن يفّرّغ قلبه لذكر الله. وتفريغ القلب على أقسام:\nأوله من الغفلة ثم من توهّم شىء من الحدثان من غير الله.\nويقال قد تكون المطالبة على قوم بصون القلب عن ملاحظة العمل، وتكون المطالبة على الآخرين بحراسة القلب عن المساكنة إلى الأحوال.\nويقال «وَطَهِّرْ بَيْتِيَ»: أي قلبك عن التطلع والاختيار بألا يكون لك عند الله حظّ فى الدنيا أو فى الآخرة حتى تكون عبدا له بكمال قيامك بحقائق العبودية.\n«ويقال طَهِّرْ بَيْتِيَ»: أي بإخراج كل نصيب لك فى الدنيا والآخرة من تطلع إكرام، أو تطلّب إنعام، أو إرادة مقام، أو سبب من الاختيار والاستقبال.\nويقال طهّر قلبك للطائفين فيه من موارد الأحوال على ما يختاره الحق. «وَالْقائِمِينَ» وهى الأشياء المقيمة من مستودعات «١» العرفان فى القلب من الأمور المغيبة عن البرهان،\n_________\n(١) هكذا فى م أما فى ص فهى (مستوطنات) .","vol":"2","page":538},{"text":"ويتطلع بما هو حقائق البيان التي هى كالعيان كما فى الخبر: «كأنك تراه» . «١»\n«وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ»: هى أركان الأحوال المتوالية من الرغبة والرهبة، والرجاء والمخافة والقبض والبسط، وفى معناه أنشدوا:\nلست من جملة المحبين إن لم ... أجعل القلب بيته والمقاما\nوطوافى إجالة السّرّ فيه ... وهو ركنى إذا أردت استلاما\nقوله: «لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا»: لا تلاحظ البيت ولا بناءك «٢» للبيت.\nويقال هو شهود البيت دون الاستغراق فى شهود ربّ البيت.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2198>[سورة الحج (٢٢): آية ٢٧]</span>\nوَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧)\nأذّن إبراهيم﵇- بالحج ونادى، وأسمع الله نداءه جميع الذرية فى أصلاب آبائهم، فاستجاب من المعلوم من حاله أنه يحج.\nوقدّم الرّجالة على الركبان لأنّ الحمل على المركوب أكثر «٣» .\nولتلك الجمال على الجمال خصوصية لأنها مركب الأحباب، وفى قريب من معناه أنشدوا:\nوإنّ جمالا قد علاها جمالكم ... - وإن قطّعت أكبادنا- لحبائب\nويقال «يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ» هذا على وجه المدح وسبيل الشكر منهم.\nوكم قدر مسافة الدنيا بجملتها!؟ ولكن لأجل قدر أفعالهم وتعظيم صنيعهم يقول ذلك إظهارا لفضله وكرمه.\n_________\n(١) إشارة إلى الحديث (أعبد الله كأنك تراه وعد نفسك من الموتى) .\nالطبراني عن أبى الدرداء، وحسن السيوطي سنده، ورواه البيهقي عن معاذ. وفى الحلية (أعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فهو يراك ...) .\n(٢) هكذا فى م أما فى ص فقد وردت (ولا تبال) ونحن نرجح ما جاء فى م.\n(٣) فتقديم الرجالة فيه تخصيص نظرا لما يبذلونه من جهد أكبر.","vol":"2","page":539},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2199>[سورة الحج (٢٢): آية ٢٨]</span>\nلِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨)\nأرباب الأموال منافعهم أموالهم، وأرباب الأعمال منافعهم حلاوة طاعتهم، وأصحاب الأحوال منافعهم صفاء أنفاسهم، وأهل التوحيد منافعهم رضاهم باختيار الحقّ ما يبدو من الغيب لهم.\nقوله جل ذكره: وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ «١» عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ لأقوام عند التقرّب بقرابينهم وسوق هديهم «٢» . وآخرون يذكرون اسمه عند ذبحهم أمانيهم واختيارهم بسكاكين اليأس.. حتى يقوموا بالله لله بمحو ما سوى الله.\nقوله جل ذكره: فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ.\nشاركوا الفقراء فى الأكل من ذبيحتكم- الذي ليس بواجب- لتلحقكم بركات الفقراء. والإشارة فيه أن ينزلوا «٣» ساحة الخضوع والتواضع، ومجانبة الزّهو والتكبّر.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2200>[سورة الحج (٢٢): آية ٢٩]</span>\nثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩)\nليقضوا حوائجهم وليحققوا عهودهم، وليوفوا نذورهم فيما عقدوه مع الله بقلوبهم، فمن كان عقده التوبة فوفاؤه ألا يرجع إلى العصيان. ومن كان عهده اعتناق الطاعة فشرط وفائه ترك تقصيره. ومن كان عهده ألا يرجع إلى طلب مقام وتطلّع إكرام فوفاؤه استقامته على الجملة فى هذا الطريق بألا يرجع إلى استعجال نصيب واقتضاء حظ.\nقوله جل ذكره: وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ الإشارة فى الطواف إلى أنه يطوف بنفسه حول البيت، وبقلبه فى ملكوت السماء، وبسرّه فى ساحات الملكوت.\n_________\n(١) أبو حنيفة: هى عشر ذى الحجة وآخرها يوم النحر. وأكثر المفسرين: هى أيام النحر.\n(٢) الهدى- ما يهدى إلى الحرم من النعم، قال تعالى: «وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ» .\n(٣) هكذا فى م وفى س (يتركوا) وربما كانت فى الأصل ألا يتركوا فهكذا يقتضى السياق.","vol":"2","page":540},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2201>[سورة الحج (٢٢): آية ٣٠]</span>\nذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ إِلاَّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠)\nتعظيم الحرمات «١» بتعظيم أمره وتعظيم أمره بترك مخالفته.\nويقال من طلب الرضا بغير رضى الله لم يبارك له فيما آثره من هواه على رضى مولاه، ولا محالة سيلقى سربعا غبّه «٢» .\nويقال تعظيم حرماته بالغيرة على إيمانه (وما فجر صاحب حرمة قط «٣») .\nويقال ترك الخدمة يوجب العقوبة، وترك الحرمة يوجب الفرقة.\nويقال كلّ شىء من المخالفات فللعفو فيه مساغ وللأمل إليه طريق، وترك الحرمة على خطر ألا يغفر.. وذلك بأن يؤدى ثبوته بصاحبه إلى أن يختلّ دينه وتوحيده.\nقوله جل ذكره: وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ.\nفالخنزير من جملة المحرمات، وكذلك النطيحة والموقوذة، وما يجىء تفصيله فى نصّ الشرع.\nقوله جل ذكره: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ.\n«مَنْ» هاهنا للجنس لا للتبعيض، وهوى كلّ من اتبعه معبوده، وصنم كلّ أحد نفسه.\n«وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ»: ومن جملة ذلك قول اللسان بما لا يساعده قول القلب ونطقه، ومن عاهد الله بقلبه ثم لا يفى بذلك فهو من جملة قول الزور.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2202>[سورة الحج (٢٢): آية ٣١]</span>\nحُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ (٣١)\n_________\n(١) هكذا في م وفى ص (الجهات) ونرجح الأول حيث وردت فى الآية.\n(٢) هكذا في م وفى ص (نحبه) ونرجح (غبه) بمعنى عاقبته.\n(٣) هكذا فى م وفى ص (وما فجر صاحب ظلمة فظ) والعبارة الأولى أقرب إلى المعنى.","vol":"2","page":541},{"text":"الحنيف المائل إلى الحق عن الباطل فى القلب والنّفس، فى الجهر وفى السّرّ، فى الأفعال وفى الأحوال وفى الأقوال «غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ»: الشّرك جلىّ وخفىّ «١» .\nقوله «وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما ...» كيف لا.. وهو يهوى فى جهنم وتتجاذبه ملائكة العذاب؟ أو تهوى به الريح من مكان سحيق.. وكذلك غدا فى صفة قوم يقول الله تعالى:\n«نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ» «٢» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2203>[سورة الحج (٢٢): آية ٣٢]</span>\nذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)\nيقف المؤمن على تعيين شعائر الله وتفصيلها بشهادة العلم جهرا، وبخواطر الإلهام سرّا.\nوكما لا تجوز مخالفة شهادة الشرع لا تجوز مخالفة شهادة خواطر الحق فإنّ خاطر الحقّ لا يكذب، وعزيز من له عليه وقوف. وكما أنّ النّفس لا تصدق فالقلب لا يكذب، وإذا خولف القلب عمى فى المستقبل، وانقطعت عنه تعريفات الحقيقة، والعبارة «٣» والشرح يتقاصران عن ذكر هذا على التعيين والتفسير. ويقوى القلب بتحقيق المنازلة فإذا خرست النفوس، وزالت هواجسها، فالقلوب تنطق بما تكاشف به من الأمور.\nومن الفرق بين ما يكون طريقه العلم وما طريقه من الحق أن الذي طريقه العلم يعلم صاحبه أولا ثم يعمل مختارا، وما كان من الحق يجرى ويحصل ثم بعده يعلم من جرى عليه\n_________\n(١) الشرك الجلى معروف أما الشرك الخفي فهو أن ينازعه منازع فى قلبك من هوى أو حظ أو علاقة تنأى بك عنه.\n(٢) آية ٦٧ سورة التوبة. [.....]\n(٣) فى م وص (والعبادة) وقد رأينا أن تكون (العبارة) بالراء أي أن التعبير عن ذلك بالكلام والشرح قاصر","vol":"2","page":542},{"text":"ذلك معناه، ولا يكون الذي يجرّى عليه ما يجرى مضطرا إلى ما يجرى. وليس يمكن أن يقال إنه ليس له اختيار «١»، بل يكون مختارا ولكنّ سببه عليه مشكل، والعجب من هذا أن العبارة عنه كالبعيد.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2204>[سورة الحج (٢٢): آية ٣٣]</span>\nلَكُمْ فِيها مَنافِعُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٣٣)\nلكلّ من تلك الجملة منفعة بقدره وحدّه «٢» فلأقوام بركات فى دفع البلايا عن نفوسهم وعن أموالهم، ولآخرين فى لذاذات بسطهم، ولآخرين فى حلاوة طاعاتهم، ولآخرين فى أنس أنفاسهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2205>[سورة الحج (٢٢): آية ٣٤]</span>\nوَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤)\nالشرائع مختلفة فيما كان من المعاملات، متفقة فيما كان من جملة المعارف، ثم هم فيها مختلفون: فقوم هم أصحاب التضعيف «٣» فيما أوجب عليهم وجعل لهم، وقوم هم أصحاب التخفيف فيما ألزموا وفيما وعد لهم. قوله «لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى..» وذكر اسم الله على ما رزقهم على أقسام: منها معرفتهم إنعام الله بذلك عليهم.. وذلك من حيث الشكر، ثم يذكرون اسمه على ما رفقهم لمعرفته بأنه هو الذي يتقبل منهم وهو الذي يثيبهم.\nقوله جل ذكره: فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ.\nأي استسلموا لحكمه بلا تعبيس ولا استكراه من داخل القلب.\n_________\n(١) هذه وجهة نظر باحث صوفى فيما يشغل المتكلمين عن الجبر والاختيار.\n(٢) أي بحسب ماله من قدر وهمة، وما هو واقف عنده من حد ورتبة.\n(٣) أصحاب التضعيف أي أصحاب التشدد الذين يأبون اتباع الرخص، لأن الرخص لا تكون إلا لأرباب الحوائج والأشغال وهؤلاء لا حاجة ولا شغل لهم إلا بالحق.","vol":"2","page":543},{"text":"والإسلام «١» يكون بمعنى الإخلاص، والإخلاص تصفية الأعمال من الآفات، ثم تصفية الأخلاق من الكدورات، ثم تصفية الأحوال، ثم تصفية الأنفاس. «وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ»:\nالإخبات استدامة الطاعة بشرط الاستقامة بقدر الاستطاعة. ومن أمارات الإخبات كمال الخضوع بشرط دوام الخشوع، وذلك بإطراق السريرة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2206>[سورة الحج (٢٢): آية ٣٥]</span>\nالَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلى ما أَصابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٥)\nالوجل الخوف من المخافة، والوجل عند الذكر على أقسام: إما لخوف عقوبة ستحصل أو لمخافة عاقبة بالسوء تختم، أو لخروج من الدنيا على غفلة من غير استعداد للموت، أو إصلاح أهبة، أو حياء من الله سبحانه فى أمور إذا ذكر اطلاعه- سبحانه- عليها لما بدرت منه تلك الأمور التي هى غير محبوبة.\nويقال الوجل على حسب تجلى الحق للقلب فإن القلوب فى حال المطالعة والتجلي تكون بوصف الوجل والهيبة.\nويقال وجل له سبب ووجل بلا سبب فالأول مخافة من تقصير، والثاني معدود فى جملة الهيبة «٢» .\nويقال الوجل خوف المكر والاستدراج، وأقربهم من الله قلبا أكثرهم من الله- على هذا الوجه- خوفا.\nقوله جل ذكره: وَالصَّابِرِينَ عَلى ما أَصابَهُمْ.\nأي خامدين تحت جريان الحكم من غير استكراه ولا تمنى خرجة، ولا روم فرجة بل يستسلم طوعا:\n_________\n(١) هكذا فى م ولكنها فى ص (السلام) والصواب الأولى ففى الآية (أسلموا) .\n(٢) فالخوف إذن أدنى منزلة من الهيبة، والترتيب هكذا: الخوف والرجاء ثم القبض والبسط ثم الهيبة والأنس (الرسالة ص ٣٥ وص ٣٦) .","vol":"2","page":544},{"text":"ويقال الصابرين على ما أصابهم. أي الحافظين معه أسرارهم، لا يطلبون السلوة باطلاع الخلق «١» على أحوالهم.\nقوله جل ذكره: وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ.\nأي إذا اشتدت بهم البلوى فزعوا إلى الوقوف فى محلّ النجوى:\nإذا ما تمنّي الناس روحا وراحة ... تمنّيت أن أشكو إليك فتسمعا\nقوله جل ذكره: وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ عند المعاملة من أموالهم، وفى قضايا المنازلة بالاستسلام، وتسليم النفس وكل ما منك وبك لطوارق التقدير فينفقون أبدانهم على تحمل مطالبات الشريعة، وينفقون قلوبهم على التسليم والخمود تحت جريان الاحكام بمطالبات الحقيقة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2207>[سورة الحج (٢٢): آية ٣٦]</span>\nوَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيها خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذلِكَ سَخَّرْناها لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦)\nأقسام الخير فيها كثيرة بالركوب والحمل عليها (وشرب ألبانها وأكل لحومها والانتفاع بوبرها ثم الاعتبار بخلقتها كيف سخّرت للناس على قوتها وصورتها، ثم كيف تنقاد للصبيان فى البروك عند الحمل عليها وركوبها والنزول منها ووضع الحمل عنها) «٢» وصبرها على العطش فى الأسفار، وعلى قليل العلف، ثم ما فى طبعها من لطف الطبع، وحيث تستريح بالحداء مع كثافة صورتها إلى غير ذلك.\n_________\n(١) هكذا فى ص ولكنها فى م (بإطلاق الحق) والصواب الأول لأنهم لا يفزعون للخلق طلبا للسلوة فيما يصيبهم من الحق وفى هذا حفظ لأسرارهم.\n(٢) ما بين القوسين موجود فى م وساقط من ص.","vol":"2","page":545},{"text":"«فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها»: أي سقطت على وجه الأرض فى حال النّحر فأطعموا القانع الذي ألقى جلباب الحياء وأظهر فقره للناس، والمعترّ الذي هو فى تحمّله متحمّل، ولمواضع فاقته كاتم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2208>[سورة الحج (٢٢): آية ٣٧]</span>\nلَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (٣٧)\nلا عبرة بأعيان الأفعال سواء كانت بدنية محضة، أو مالية صرفة، أو بما له تعلّق بالوجهين، ولكن العبرة باقترانها بالإخلاص «١»، فإذا انضاف إلى أكساب الجوارح إخلاص القصود، وتجرّدت عن ملاحظة أصحابها للأغيار صلحت للقبول «٢» .\nويقال التقوى شهود الحقّ بنعت التفرّد فلا يشاب تقرّبك بملاحظة أحد، ولا تأخذ عوضا على عمل من بشر.\n«لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ»: أي هداكم وأرشدكم إلى القيام بحقّ العبودية على قضية الشرع.\n«وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ»: والإحسان كما فى الخبر: «أن تعبد الله كأنك تراه..» .\nوأمارة صحته سقوط التعب بالقلب عن صاحبه، فلا يستثقل شيئا، ولا يتبرم بشىء.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2209>[سورة الحج (٢٢): آية ٣٨]</span>\nإِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (٣٨) .\n_________\n(١) يقال إن سبب نزول هذه الآية أن أهل الجاهلية كانوا إذا تحروا الإبل نضحوا الدماء- حبل البيت ولطخوه بالدم، فلما حج المسلمون أرادوا مثل ذلك فنزلت الآية.\n(٢) يرى القشيري ان هذا جوهر العبادات جميعا، أن تكون خالصة لله، وقد فصلنا ذلك عند بحثنا عن القشيري المفسر.\nانظر كتابنا (الإمام القشيري ومذهبه فى التصوف) ط مؤسسة الحلبي.","vol":"2","page":546},{"text":"يدفع عن صدورهم نزغات الشيطان، وعن قلوبهم خطرات العصيان، وعن أرواحهم طوارق النسيتان.\nوالخيانة على أقسام: خيانة فى الأموال تفصيلها فى المسائل الشرعية، وخيانة فى الأعمال، وخيانة فى الأحوال فخيانة الأعمال بالرياء والتصنع، وخيانة الأحوال بالملاحظة والإعجاب والمساكنة، وشرّها الإعجاب، ثم المساكنة وأخفاها الملاحظة «١» .\nويقال خيانة الزاهدين عزوفهم عن الدنيا (على) «٢» طلب الأعواض ليجدوا فى الآخرة حسن المآل.. وهذا إخلاص الصالحين. ولكنه عند خواص الزهاد خيانة لأنهم تركوا دنياهم لا لله ولكن لوجود العوض على تركهم ذلك من قبل الله.\nوخيانة العابدين أن يدعوا شهواتهم ثم يرجعون إلى الرّخص، فلو صدقوا فى مرماهم لما انحطّوا إلى الرخص بعد ترقيهم عنها.\nوخيانة العارفين جنوحهم إلى وجود مقام، وتطلعهم لمنال منزلة وإكرام من الحق ونوع تقريب.\nوخيانة المحبين روم فرحة «٣» مما يمسهم من برحاء المواجيد، وابتغاء خرجة مما يشتدّ عليهم «٤» من استيلاء صدّ، أو غلبات شوق، أو تمادى أيام هجر.\nوخيانة أرباب التوحيد أن يتحرك لهم للاختيار عرق، ورجوعهم- بعد امتحائهم عنهم- إلى شظية من أحكام الفرق، اللهم إلا أن يكون ذلك منهم موجودا، وهم عنه مفقودون «٥» .\n_________\n(١) نلفت النظر إلى أهمية ذلك عند دراسة المصطلح الصوفي، خاصة وأن القشيري لم يتكلم عن ذلك فى رسالته.\n(٢) (على) طلب الأعواض معناها لأجل طلب الأعواض.\n(٣) (روم) فى ص و(روح) فى م، ونظن أنها (فرجة) بالجيم كما سبق منذ قليل حين استعمل القشيري (فرجة، وخرجة) فى سياق مماثل.\n(٤) هكذا فى م وهى فى ص مما (يشق عليهم) وكلاهما مقبول فى السياق. [.....]\n(٥) معنى هذا أن القشيري يسلم بأنه قد يحدث من العبد الواله ما ينبغى أن يعذر فيه، إن صحّ صدقه فى التوجه، واشتد وقع المحو عليه.","vol":"2","page":547},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2210>[سورة الحج (٢٢): آية ٣٩]</span>\nأُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩)\nإذا أصابهم ضرّ أو مسّهم- ما هو فى الظاهر- ذلّ من الأعادى يجرى عليهم ضيم، أو يلحقهم من الأجانب استيلاء وظلم.. فالحقّ- سبحانه- ينتقم من أعدائهم لأجلهم، فهم بنعت التسليم والسكون فى أغلب الأحوال، وتفاصيل الأقدار جارية باستئصال من يناويهم، وبإحالة الدائرة على أعاديهم. وفى بعض الأحايين ينصبهم الحقّ سبحانه بنعت الغلبة والتمكين من نزولهم بساحات من يناوئهم بحسن الظّفر، وتمام حصول الدائرة على من ناصبهم، وأخزاهم بأيديهم، وكلّ ذلك يتفق، وأنواع النصرة من الله- سبحانه- حاصلة، والله- فى الجملة- غالب على أمره.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2211>[سورة الحج (٢٢): آية ٤٠]</span>\nالَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠)\nالمظلوم منصور ولو بعد حين، ودولة الحق تغلب دولة الباطل، والمظلوم حميد العقبى، والظالم وشيك الانتقام منه بشديد البلوى: «فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا» «١» .\nوقد يجرى من النّفس وهواجسها على القلوب لبعض الأولياء وأهل القصة- ظلم، ويحصل لسكّان القلوب من الأحوال الصافية عنها جلاء، وتستولى غاغة النّفس، فتعمل فى القلوب بالفساد بسبب استيطان الغفلة حتى تنداعى القلوب للخراب من «٢» طوارق الحقائق وشوارق الأحوال، كما قال قائلهم:\nأنى إليك قلوبا طالما هطلت ... سحائب الجود فيها أبحر الحكم\nفيهزم الحقّ- سبحانه- بجنود الإقبال أراذل الهواجس، وينصر عسكر التحقيق بأمداد الكشوفات. ويتجدّد دارس العهد، وتطلع شموس السّعد فى ليالى الستر، وتكنس القلوب وتتطهر من آثار ظلمة النّفس، كما قيل:\n_________\n(١) آية ٥٢ سورة النمل.\n(٢) (للخراب من طوارق الحقائق) أي بسبب خلوها من طوارق الحقائق","vol":"2","page":548},{"text":"أطلال سعدى باللّوى تتجدّد فإذا هبّت على تلك القلوب رياح العناية، وزال عنها وهج النسيان سقاها الله صوب «١» التجلّى، وأنبت فيها أزهار البسط فيتضح فيها نهار الوصل، ثم يوجد فيها نسيم القرب إلى أن تطلع شموس التوحيد.\nقوله جل ذكره: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ.\nيتجاوز عن الأصاغر لقدر الأكابر، ويعفو عن العوام لاحترام الكرام.. وتلك سنّة أجراها الله لاستنقاء «٢» منازل العبادة، واستصفاء من اهل العرفان. ولا تحويل لسنّته، ولا تبديل لكريم عادته.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2212>[سورة الحج (٢٢): آية ٤١]</span>\nالَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)\nإذا طالت بهم المدة، وساعدهم العمر لم يستفرغوا أعمالهم فى استجلاب حظوظهم، ولا فى اقتناء محبوبهم من الدنيا أو مطلوبهم، ولكن قاموا بأداء حقوقنا.\nوقوله: «أَقامُوا الصَّلاةَ»: فى الظاهر، واستداموا المواصلات فى الباطن.\n_________\n(١) الصوب- المطر بقدر ما ينفع ولا يؤذى (الوسيط) .\n(٢) هكذا فى م ولكنها فى س (لاستيفاء) . وقد آثرنا (استنقاء) لملاء منها (لاستصفاء) التي بعدها ولا نستبعد أنها قد تكون (لاستبقاء) فى الأصل على معنى: ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لما بقيت منازل العبادة لأن الكافرين إذا انتصروا لم يتركوا معابد.","vol":"2","page":549},{"text":"ويقال إقامة الصلاة الوفاء بأدائها فتعلم- بين يدى الله- من أنت، ومن تناجى، ومن الرقيب عليك، ومن القريب منك.\nوقوله: «وَآتَوُا الزَّكاةَ»: الأغنياء منهم يوفون بزكاة أموالهم، وفقراؤهم يؤتون زكاة أحوالهم فزكاة الأموال عن كل مائتين خمسة للفقراء والباقي لهم، وزكاة الأحوال أن يكون من مائتى نفس تسعة وتسعون ونصف جزء ومائة لله، ونصف جزء من نفس- من المائتين- لك.. وذلك أيضا علّة «١» قوله «وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ»: يبتدئون فى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر بأنفسهم ثم بأغيارهم، فإذا أخذوا فى ذلك لم يتفرغوا من أنفسهم إلى غيرهم.\nويقال «الأمر بالمعروف» حفظ الحواس عن مخالفة أمره، ومراعاة الأنفاس معه إجلالا لقدره.\nويقال الأمر بالمعروف على نفسك، ثم إذا فرغت من ذلك تأخذ فى نهيها عن المنكر ومن وجوه المنكر الرياء والإعجاب والمساكنة والملاحظة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2213>[سورة الحج (٢٢): الآيات ٤٢ الى ٤٤]</span>\nوَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَثَمُودُ (٤٢) وَقَوْمُ إِبْراهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (٤٣) وَأَصْحابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسى فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (٤٤)\nفى الآيات تسلية للنبىﷺ، وأمر حتم عليه بالصبر على مقاساة ما كان يلقاه من قومه من فنون البلاء وصنوف الأسواء «٢» .\n_________\n(١) لأنه ينبغى الا تكون لك فى نفسك بقية على الإطلاق، ويجب أن تكون بكليتك للحق.\n(٢) أسواء- جمع سوء.","vol":"2","page":550},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2214>[سورة الحج (٢٢): آية ٤٥]</span>\nفَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَهِيَ ظالِمَةٌ فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (٤٥)\nالظلم يوجب خراب أوطان الظالم، فتخرب أولا أوطان راحة الظالم وهو قلبه، فالوحشة التي هى غالبة على الظّلمة من ضيق صدورهم، وسوء أخلاقهم، وفرط غيظ من يظلمون عليهم.. كل ذلك من خراب أوطان راحاتهم، وهو فى الحقيقة من جملة العقوبات التي تلحقهم على ظلمهم.\nويقال خراب منازل الظّلمة ربما يتأخر وربما يتعجل. وخراب نفوسهم فى تعطلها عن العبادات لشؤم ظلمهم، وخراب قلوبهم باستيلاء الغفلة عليهم خصوصا فى أوقات صلواتهم وأوان خلواتهم.. نقد «١» غير مستأخر.\nقوله جل ذكره: وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ.\nالإشارة فى «بِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ»: إلى العيون المتفجرة التي كانت فى بواطنهم، وكانوا يستقون منها، وفى ذلك الاستقاء حياة أوقاتهم من غلبات الإرادة وقوة المواجيد، فإذا اتصفوا بظلمهم غلب غشاؤها «٢» وانقطع ماؤها بانسداد عيونها.\nوالإشارة فى «قَصْرٍ مَشِيدٍ» إلى تعطيل أسرارهم عن ساكنيها من الهيبة والأنس، وخلوّ أرواحهم من أنوار المحابّ، وسلطان الاشتياق، وصنوف المواجيد.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2215>[سورة الحج (٢٢): آية ٤٦]</span>\nأَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)\n_________\n(١) (نقد) هنا معناها معجّل، تقابل (وعد) فى المؤجّل.\n(٢) الغثاء- الفاسد من الماء، الممتلئ ببقايا الأشياء من وجه الأرض والرغوة القدرة.","vol":"2","page":551},{"text":"كانت لهم قلوب من حيث الخلقة، فلمّا زايلتها صفاتها المحمودة صارت كأنها لم تكن فى الحقيقة. ثم إنه أخير أن العمى عمى القلب وكذلك الصمم، وإذا صحّ وصف القلب بالسمع والبصر صحّ وصفه بسائر صفات الحىّ من وجوه الإدراكات فكما تبصر القلوب بنور اليقين يدرك نسيم الإقبال بمشامّ السّرّ، وفى الخبر:\n«إنى لأجد نفس ربكم من قبل اليمن» وقال تعالى مخبرا عن يعقوب ﵇:\n«إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ» «١» وما كان ذلك إلا بإدراك السرائر دون اشتمام ريح فى الظاهر.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2216>[سورة الحج (٢٢): آية ٤٧]</span>\nوَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٤٧)\nعدم تصديقهم حملهم على استعمال ما توعدهم به، قال تعالى: «يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها» «٢» ولو آمنوا لصدّقوا، ولو صدّقوا لسكنوا. «وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ»\n: أي إنّ الأيام عنده تتساوى، إذ لا استعجال له فى الأمور فسواء عنده يوم واحد وألف سنة إذ من لا يجرى عليه الزمان وهو يجرى الزمان فسواء عليه وجود الزمان، وعدم الزمان وقلة الزمان وكثرة الزمان.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2217>[سورة الحج (٢٢): آية ٤٨]</span>\nوَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَهِيَ ظالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُها وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (٤٨)\n: الإمهال يكون من الله﷾، والإمهال يكون بأن يدع الظالم فى ظلمه حينا، ويوسّع له الحبل «٣»، ويطيل به المهل، فيتوهم أنه انفلت من قبضة التقدير، وذلك ظنه الذي\n_________\n(١) آية ٩٤ سورة يوسف.\n(٢) آية ١٨ سورة الشورى.\n(٣) هكذا فى م ولكنها فى ص (الحيل) بالياء جمع حيلة، وربما تتأيد هذه بقوله فيما بعد (وكيف يستبقى بالحيلة ما حق فى لتقدير عدمه) .","vol":"2","page":552},{"text":"أراده، ثم يأخذه من حيث لا يرتقب، فيعلوه ندم، ولات حينه، وكيف يستبقى بالحيلة ما حق فى التقدير عدمه؟\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2218>[سورة الحج (٢٢): آية ٤٩]</span>\nقُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٤٩)\n: أشابهكم فى الصورة ولكنى أباينكم من حيث السريرة، وأنا لمحسنكم بشير، ولمسيئكم نذير، وقد أيّدت بإقامة البراهين ما جئتكم به من وجوه الأمر بالطاعة والإحسان.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2219>[سورة الحج (٢٢): آية ٥٠]</span>\nفَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٥٠)\nالناس- فى المغفرة- على أقسام: فمنهم من يستر «١» عليه زلّته، ومنهم من يستر عليه أعماله الصالحة صيانة له عن الملاحظة، ومنهم من يستر حاله لئلا تصيبه من الشهرة فتنة «٢»، وفى معناه قالوا:\nلا تنكرن جحدى هواك فإنما ... ذاك الجحود عليك ستر مسبل\nومنهم من يستره بين أوليائه، لذلك ورد فى الكتب: «أوليائى فى قبائى، لا يشهد أوليائى غيرى» .\n«والرزق الكريم» ما يكون من وجه الحلال. ويقال ما يكون من حيث لا يحتسب العبد.\nويقال هو الذي يبدو- من غير ارتقاب- على رفق فى وقت الحاجة إليه.\nويقال هو ما يحمل المرزوق على صرفه فى وجه القربة. ويقال ما فيه البركة.\nويقال الرزق الكريم الذي ينال من غير تعب «٣»، ولا يتقلد منّه مخلوق.\n_________\n(١) لأن غفر معناها فى اللغة ستر.\n(٢) وهذه إحدى الأفكار التي نشط أصحاب الملامة فى العمل بها، وحثّ أتباعهم عليها. [.....]\n(٣) (الذي ينال من غير تعب) هنا معناها من غير استعجال، ومن غير بعد عن التفويض والتوكل، ومن غير اعتماد على مخلوق. ونحو ذلك مما قد يهدم صرح الاستسلام الكامل للرازق الوهاب سبحانه.","vol":"2","page":553},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2220>[سورة الحج (٢٢): آية ٥١]</span>\nوَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (٥١)\nفى الحال فى معجّله الوحشة وانسداد أبواب الرشد، وتغص العيش، والابتلاء بمن لا يعطف عليه ممن لا يخافون الله.\nوفى الآخرة ما سيلقون من أليم العقوبة على حسب الاجرام.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2221>[سورة الحج (٢٢): الآيات ٥٢ الى ٥٣]</span>\nوَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاَّ إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢) لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (٥٣)\nالشياطين يتعرّضون للأنبياء ﵈ ولكن لا سلطان ولا تأثير فى أحوالهم منهم، ونبيّناﷺ- أفضل الجماعة.\nوإنما من الشيطان تخييل وتسويل (من التضليل) «١» . وكان لنبيّناﷺ- سكتات فى خلال قراءة القرآن عند انقضاء الآيات، فيتلفّظ الشيطان ببعض الألفاظ «٢»، فمن لم يكن له تحصيل توهّم أنه كان من ألفاظ الرسول﵊ وصار فتنة لقوم.\n_________\n(١) هكذا فى ص ولكن فى م وردت هكذا (وليس به شىء من التضليل) ونحسب ان هذا أكثر ملازمة للسياق حسبما يتضح من الهامش التالي.\n(٢) قيل كان الرسول صلوات الله عليه وسلامه يقرأ بين قومه سورة النجم حتى إذا وصل إلى (ومناة الثالثة الأخرى) جرى على لسانه. تلك الفرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى» فنبهه جبريل لما لم يفطن له، وحيث إن النبي معصوم من إجراء الشيطان عليه، ومعصوم من الغفلة، ولأنه لا يعقل أن يجرى على لسانه مدح للأصنام- فقد جاء لتحطيمها- فيرى بعض المفسرين انّ الشيطان تكلم بهذه الكلمات- وقد وقع ذلك يوم بدر ويوم أحد- وتداخلت الكلمات فى قراءة النبي (ص) أثناء سكتة من سكتاته- كما نبّه القشيري.","vol":"2","page":554},{"text":"أما- الذين أيدهم بقوة العصمة، وأدركتهم العناية فقد استبصروا ولم يضرهم «١» ذلك.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2222>[سورة الحج (٢٢): آية ٥٤]</span>\nوَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٤)\nإذا أراد الله بعبده خيرا أمدّه بنور التحقيق، وأيّده بحسن العصمة، فيميز بحسن البصيرة بين الحق والباطل فلا يظلّه غمام الرّيب، وينجلى عنه غطاء الغفلة، فلا تأثير لضباب الغداة فى شعاع الشمس عند متوع النهار، وهذا معنى قوله:\nوَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2223>[سورة الحج (٢٢): آية ٥٦]</span>\nالْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٥٦)\n: لم يتخصص ملكه- سبحانه- بيوم، ولم تتحدد له وقتية أمر، ولا لجلاله قدر «٢»، ولكنّ الدعاوى فى ذلك اليوم تنقطع، والظنون ترتفع، والتجويزات تتلاشى «٣» فللمؤمنين وأهل الوفاق نعم، وللكفار وأصحاب الشقاق نقم.\n_________\n(١) ضبطناها هكذا ولا بأس- من حيث المعنى- أن تضبط (ولم يضرهم ذلك) فما حدث من الفتنة لم يلحق بهم ضيرا ولا ضررا فقد أدركتهم العناية.\n(٢) أي أنه يجل عن التحدد بزمان وقدر فهو المطلق الذي لا يتناهى.\n(٣) الدعاوى والظنون والتجويزات هى تهم النفس والعقل.","vol":"2","page":555},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2224>[سورة الحج (٢٢): الآيات ٥٧ الى ٥٨]</span>\nوَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا فَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (٥٧) وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ ماتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٥٨)\nهؤلاء لهم عذاب مهين، وهؤلاء لهم فضل مبين.\n«وَالَّذِينَ هاجَرُوا ...»: للقلوب حلاوة العرفان، وللأرواح حلّة المحاب، وللأسرار دوام الشهود.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2225>[سورة الحج (٢٢): آية ٥٩]</span>\nلَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (٥٩)\nإدخالا فوق ما يتمنّونه، وإبقاء على الوصف الذي يهدونه.. ذلك فى أوان صحوهم لينالوا لطائف الأنس على وصف الكمال، ويتمكنوا من قضايا البسط على أعلى أحوال السرور.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2226>[سورة الحج (٢٢): آية ٦٠]</span>\nذلِكَ وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٦٠)\nنصره- سبحانه- للأولياء نصر عزيز، وانتقامه بتمام، واستئصاله بكمال، وإزهاقه أعداءه بتمحيق جملتهم، وألا يحتاج المنصور إلى الاحتيال أو الاعتضاد بأشكال «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2227>[سورة الحج (٢٢): آية ٦١]</span>\nذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٦١) .\n_________\n(١) أي لا يحتاج المنصور إلى حيلة أو أي تدبير إنسانى من جانبه، بل يسقط تدبيره لأن النصر له من عند الله، ولا يحتاج المنصور إلى أن يعتضد بأمثاله من المخلوقين فكفى الله له ناصرا ومعينا.","vol":"2","page":556},{"text":"كما فى أفق العالم ليل ونهار فكذلك للسرائر ليل ونهار فعند التجلي نهار وعند الستر ليل، ولليل السّرّ ونهاره زيادة ونقصان، فبمقدار القبض ليل وبمقدار البسط نهار، ويزيد أحدهما على الآخر وينقص.. وهذا للعارفين. فأمّا المحقّقون فلهم الأنس والهيبة مكان قبض قوم وبسطهم، وذلك فى حالى صحوهم ومحوهم، ويزيد أحدهما وينقص، ومنهم من يدوم نهاره ولا يدخل عليه ليل.. وذلك لأهل الأنس فقط «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2228>[سورة الحج (٢٢): آية ٦٢]</span>\nذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْباطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢)\nإذا بدا علم من الحقائق حصلت بمقداره شظية من الفناء لمن حصل له التجلي، ثم يزيد ظهور ما يبدو ويغلب، وتتناقص آثار التفرقة وتتلاشى، قال: ﷺ:\n«إذا أقبل النهار من هاهنا أدبر الليل من هاهنا» فإذا نأى العبد بالكلية عن الإحساس بما دون الله فلا يشهد أولا الأشياء إلا للحقّ، ثم لا يشهدها إلا بالحق، ثم لا يشهد إلا الحق..\nفلا إحساس له بغير الحق، ومن جملة ما ينساه.. نفسه والكون كله «٢» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2229>[سورة الحج (٢٢): آية ٦٣]</span>\nأَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (٦٣)\nماء السماء يحيى الأرض بعد موتها، وماء الرحمة يحيى أحوال أهل الزّلة بعد تركها، وماء العناية يحيى أحوال (...) «٣» بعد زوال رونقها، وماء الوصلة يحيى أهل القربة بعد لضوبها.\n_________\n(١) كثير من المصطلحات الصوفية لا يفهم فهما دقيقا إلّا بطريق المقارنة المعتمدة على مظاهر الطبيعة كالليل والنهار والجبال والبحار والسحب ... إلخ.\nوقد استغل القشيري- فى ظلال القرآن الكريم- هذا الجانب.\n(٢) تفيد هذه الفقرة فى توضيح مراتب الشهود.\n(٣) في م (الناس) وفى ص مكتوبة هكذا (المقاليس) .","vol":"2","page":557},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2230>[سورة الحج (٢٢): آية ٦٤]</span>\nلَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦٤)\nالملك له، وهو عن الجميع غنى، فهو لا يستغنى بملكه، بل ملكه بصير موجودا بخلقه إياه إذ المعدوم له مقدور والمقدور هو المملوك.\nويقال كما أنه «١» غنىّ عن الأجانب ممن أثبتهم فى شواهد الأعداء فهو غنى عن الأكابر وجميع الأولياء.\nويقال إذا كان الغىّ حميدا فمعنى ذلك أنه يعطى حتى يشكر.\nويقال الغنىّ الحميد المستحقّ للحمد: أعطى أو لم يعط فإنّ أعطى استحقّ الحمد الذي هو الشكر، وإن لم يعط استحق الحمد الذي هو المدح «٢» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2231>[سورة الحج (٢٢): آية ٦٥]</span>\nأَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٦٥)\nأراد به تسخير الانتفاع بها فما للخلق «٣» به انتفاع وميسّر له فى الاستمتاع به فهو كالمسّخّر له على معنى تمكينه منه، ثم يراعى فيه الإذن فمن استمتع بشىء على وجه الإباحة والإذن والدعاء إليه والأمر به فذلك إنعام وإكرام، ومن كان بالعكس فمكر واستدراج.\nوأمّا السفينة.. فإلهام العبد بصنعها ووجوه الانتفاع بها بالحمل فيها وركوبها فمن أعظم إحسان الله وإرفاقه بالعبد، ثم ما يحصل بها من قطع المسافات البعيدة، والتوصل بها إلى المضارب\n_________\n(١) هكذا في م وهى فى ص (أنت) وهى خطأ فى النسخ كما هو واضح.\n(٢) لاجل هذا نقول فى صلاتنا: «الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» أي نشكرك فى السراء، ونمدحك فى الضراء فالحمد أعم والشكر أو المدح أخص.\n(٣) وردت هكذا فى م وهى فى ص (للحق) وهى خطأ فى النسخ كما هو واضح.","vol":"2","page":558},{"text":"النائية، والتمكن من وجوه الانتفاع ففى ذلك أعظم نعمة، وأكمل عافية.\nوجعل الأرض للخلق قرارا من غير أن تميد، وجعل السماء بناء من غير وقوع، وجعل فيها من الكواكب ما يحصل به الاهتداء فى الظلام، ثم هى زينة السماء- وفى ذلك من الأدلة ما يوجب ثلج الصدر وبرد اليقين.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2232>[سورة الحج (٢٢): آية ٦٦]</span>\nوَهُوَ الَّذِي أَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ (٦٦)\nإحياء النفوس وإماتتها مرات محصورة، وإحياء أوقات العبّاد وإماتتها لا حصر له ولا عدّ، وفى معناه أنشدوا.\nأموت إذا ذكرتك ثم أحيا ... فكم أحيا عليك وكم أموت\nويقال يحي الآمال بإشهاد تفضله، ثم يميتها بالاطلاع على تعزّزه.\nويقال هذه صفة العوام منهم، فأمّا الأفاضل فحياتهم مسرمدة وانتعاشهم مؤبّد. وأنّى يحيا غيره وفى وجوده- سبحانه- غنية وخلف عن كل فائت «١» !؟\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2233>[سورة الحج (٢٢): آية ٦٧]</span>\nلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكًا هُمْ ناسِكُوهُ فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلى هُدىً مُسْتَقِيمٍ (٦٧)\nجعل لكلّ فريق شرعة هم واردوها، ولكلّ جماعة طريقة هم سالكوها.\nوجعل لكلّ مقام سكّانه، ولكلّ محلّ قطّانه، فقد ربط كلّا بما هو أهل له، وأوصل كلّا إلى ما جعله محلا له فبساط التّعبّد موطوء بأقدام العابدين، ومشاهد الاجتهاد معمورة بأصحاب التكلف من المجتهدين، ومجالس أصحاب المعارف مأنوسة بلزوم العارفين، ومنازل المحبين مأهوله بحضور الواجدين.\n_________\n(١) هكذا فى النسختين، ونحن لا نستبعد أن تكون في الأصل (فان) فسواء كان الفناء بالمعنى المعروف أو بالمعنى الصوفي فإنها منسجمة مع السياق. ولأن القشيري يستعمل هذا الأسلوب كثيرا: فكفى به خلفا لك عند فنائك عنك. [.....]","vol":"2","page":559},{"text":"قوله: «فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ ...» الأمر اشهد تصاريف الأقدار، واعمل بموجب التكليف، وانته دون ما أذنت له من المناهل.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2234>[سورة الحج (٢٢): آية ٦٨]</span>\nوَإِنْ جادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ (٦٨)\nكلهم إلينا عند ما راموا من الجدال، ولا تنكل على ما تختاره من الاحتيال، واحذر جنوح قلبك إلى الاستعانة بالأمثال والأشكال، فإنهم قوالب خاوية، وأشباح عن المعاني خالية.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2235>[سورة الحج (٢٢): آية ٦٩]</span>\nاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٦٩)\nأمّا الأجانب فيقول لهم: «كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا» «١»، وأمّا الأولياء فقوم منهم يحاسبهم حسابا يسيرا، وأقوام مخصوصون يقول لهم: بينى وبينكم حساب فلا جبريل يحكم بينهم ولا ميكائيل، ولا نبيّ مرسل، ولا ملك مقرّب.\n«اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ» يحكم بينهم فيسأل عن أعماله جميع خصمائه، ويأمر بإرضاء جميع غرمائه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2236>[سورة الحج (٢٢): آية ٧٠]</span>\nأَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذلِكَ فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧٠)\nيعلم السّرّ والنجوى، وما تكون حاجة العبد له أمس وأقوى، وبكلّ وجه هو بالعبد أولى، وله أن يحمل له النّعمى، ويزيل عنه البلوى، ولا يسمع منه الشكوى، فله الحكم ﵎.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2237>[سورة الحج (٢٢): آية ٧١]</span>\nوَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وَما لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٧١)\n_________\n(١) آية ١٤ سورة الإسراء.","vol":"2","page":560},{"text":"الآية تشير إلى أنّ من كان من جملة خواصّه أفرده- سبحانه- ببرهان، وأيّده ببيان، وأعزّه بسلطان. ومن لا سلطان له يمتد إليه قهره، ومن لا برهان له ينبسط عنه- إلى غيره- نوره، فهو بمعزل عن جملته.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2238>[سورة الحج (٢٢): آية ٧٢]</span>\nوَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٢)\nلسماع الخطاب أثر في القلوب من الاستبشار والبهجة، أو الإنكار «١» والوحشة.\nثم ما تخامره السرائر يلوح على الأسرّة فى الظاهر فكانت الآيات عند نزولها إذا تليت على الكفار يلوح على رجوههم دخان ما تنطوى عليه قلوبهم من ظلمات التكذيب، فما كان يقع عليهم طرف إلّا نبّأ عن جحودهم، وعادت إلى القلوب النّبوءة عن إقلاعهم.\nثم أخبر أنّ الذي هم بصدده فى الآخرة من أليم العقوبة شرّ بكل وجه لهم ممّا يعود إلى الرائين لهم عند شهودهم. وإنّ المناظر الوضيئة للرائين مبهجة، والمناظر المنكرة للناظرين إليها موحشة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2239>[سورة الحج (٢٢): آية ٧٣]</span>\nيا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣) .\n_________\n(١) هكذا فى م ولكنها فى ص (الانكسار) بالسين وهى خطأ لأن المقصود بيان المقابلة بين أثر القرآن على المؤمنين بالاستبشار والبهجة مع أثر القرآن على الكافرين (بالإنكار) والوحشة وظلمات التكذيب.","vol":"2","page":561},{"text":"نبه الأفكار المشتّتة، والخواطر المتفرقة على الاستجماع لسماع ما أراد تضمينه فيها فاستحضرها فقال: «ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ..»\nثم بيّن المعنى فقال إنّ الذين تدعون من دون الله، وتدعونها آلهة أي وتسمونها آلهة (وأنها للعبادة مستحقة) «١» لن يخلقوا بأجمعهم ذبابا، ولا دون ذلك. وإن يسلبهم الذباب شيئا بأن يقع على طعام لهم فليس فى وسعهم استنقاذهم ذلك منه، ومن كان بهذه الصفة فساء المثل مثلهم، وضعف وصفهم، وقلّ خطرهم.\nويقال إن الذي لا يقاوم ذبابا فيصير به مغلوبا فأهون بقدره! قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2240>[سورة الحج (٢٢): آية ٧٤]</span>\nما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٧٤)\nما عرفوه حقّ معرفته، ولا وصفوه بجلال ما يستحقه من النعوت. ومن لم يكن فى عقيدته نقص لما يستحيل فى وصفه- سبحانه- لم تباشر خلاصة التوحيد سرّه، وهو فى ترجّم فكر، وتجويز ظن، وخطر تعسّف، يقع فى كل وهدة من الضلال.\nويقال العوام اجتهادهم فى رفضهم الأعمال الخبيثة خوفا من الله، والخواص جهدهم فى نقض عقيدتهم للأوصاف التي تجلّ عنها الصمدية، وبينهما (...) «٢» بعيد.\n«إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ» قوى أي قادر على أن يخلق من هو فوقهم فى التحصيل وكمال العقول.\n«عَزِيزٌ»: أي لا يقدّر أحد قدره- إلا بما يليق بصفة البشر- بقدر من العرفان.\nويقال من وجد السبيل إليه فليس النعت له إلا بوصف القصور، ولكن كلّ بوجده مربوط، وبحدّه فى همته موقوف، والحق سبحانه عزيز «٣» .\n_________\n(١) ما بين القوسين موجود فى ص مفقود فى م\n(٢) فى ص جاءت (وفاق) وفى م جاءت (فرقان) والأولى مرفوضة، وفى مثل هذا الموضع يستعمل القشيري (فرق) أو (بون) بعيد.\n(٣) كلام القشيري هنا فى (قوى) وفى (عزيز) هام لأنه لم يرد فى مبحثه المستقل عن الأسماء والصفات الإلهية الذي ضمنه كتاب (التحبير فى التذكير) الذي حققناه ونشرته دار الكاتب العربي سنة ١٩٦٩.","vol":"2","page":562},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2241>[سورة الحج (٢٢): آية ٧٥]</span>\nاللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٧٥)\nالاجتباء والاصطفاء من الحق سبحانه بإثبات القدر، وتخصيص الطّول، وتقديمهم على أشكالهم فى المناقب والمواهب.\nثم بعضهم فوق بعض درجات فالفضيلة بحقّ المرسل، لا لخصوصية فى الخلقة فى المرسل.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2242>[سورة الحج (٢٢): آية ٧٦]</span>\nيَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٧٦)\nيعلم حالهم ومآلهم، وظاهرهم وباطنهم، ويومهم وغدهم، ويعلم نقضهم عهدهم فإليه منقلبهم، وفى قبضته تقلّبهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2243>[سورة الحج (٢٢): آية ٧٧]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)\nالركوع والسجود والعبادة كلّها بمعنى الصلاة لأنّ الصلاة تشتمل على هذه الأفعال جميعها، ولكن فرّقها فى الذكر «١» مراعاة لقلبك من الخوف عند الأمر بالصلاة فقسّمها ليكون مع كلّ لفظة ومعنى نوع من التخفيف والترفيه، ولقلوب أهل المعرفة فى كل لفظة راحة جديدة.\nويقال لوّن عليهم العبادة، وأمرهم بها، ثم جميعها عبادة واحدة، ووعد عليها من الثواب الكثير ما تقصر عن علمه البصائر.\nويقال علم أن الأحباب يحبّون سماع كلامه فطّول عليهم القول إلى آخر الآية ليزدادوا عند سماع ذلك أنسا على أنس، وروحا على روح، ومعاد خطاب الأحباب هو روح روحهم، وكمال راحتهم.\n_________\n(١) ما يلى من الكلام فى هذه الفقرة مفيد فى المباحث البلاغية فائدة كبيرة.","vol":"2","page":563},{"text":"ثم قال بعد هذا: «وَافْعَلُوا الْخَيْرَ» فأدخل فيه جميع أنواع القرب.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2244>[سورة الحج (٢٢): آية ٧٨]</span>\nوَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨)\n(«حَقَّ جِهادِهِ»: حق الجهاد ما وافق الأمر فى القدر والوقت والنوع، فإذا حصلت فى شىء منه مخالفة فليس حقّ جهاده) «١» .\nويقال المجاهدة على أقسام: مجاهدة بالنّفس، ومجاهدة بالقلب، ومجاهدة بالمال.\nفالمجاهدة بالنفس ألا يدّخر العبد ميسورا إلا بذله فى الطاعة بتحمل المشاق، ولا يطلب الرخص والإرفاق «٢» . والمجاهدة بالقلب صونه عن الخواطر الرديئة مثل الغفلة، والعزم على المخالفات، وتذكر ما سلف أيام الفترة والبطالات. والمجاهدة بالمال بالبذل والسخاء ثم بالجود والإيثار.\nويقال حق الجهاد الأخذ بالأشق، وتقديم الأشق على الأسهل- وإن كان فى الأخفّ أيضا حق.\nويقال حق الجهاد ألا يفتر العبد عن مجاهدة النّفس لحظة، قال قائلهم.\nيا ربّ إنّ جهادى غير منقطع ... فكلّ أرض لى ثغر طرسوس\nقوله جل ذكره: هُوَ اجْتَباكُمْ يحتمل أنه يقول من حقّ اجتبائه إياكم أنّ تعظّموا أمر مولاكم ويحتمل أن يقال هو الذي اجتباكم، ولولا أنه اجتباكم لما جاهدتم، فلاجتبائه إياك وفّقك حتى جاهدت.\nويقال علم ما كنت تفعله قبل أن خلقك ولم يمنعه ذلك من أن يجتبيك، وكذلك إن رأى ما فعلت فلا يمنعه ذلك أن يتجاوز عنك ولا يعاقبك\n_________\n(١) ما بين قوسين موجود فى م وناقص فى ص.\n(٢) إذا كانت (الإرفاق) فمعناه التسهيل، والقشيري لا يرضى به غالبا لأرباب الطريق لأنهم باحثون عن الأشق، وإذا كانت (الأرفاق) فهى جمع رفق وقد نهى القشيري فى نهاية رسالته عن وفق النسوان والصبيان فهم الأنتان والجيف ... إلخ. والسياق هنا بعيد عن ذلك مما يرجح أنها الإرفاق بكسر الهمزة.","vol":"2","page":564},{"text":"قوله جل ذكره: وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ.\nالشرع مبناه على السهولة، والذي به تصل إلى رضوانه وتستوجب جزيل فضله وإحسانه، وتتخلّص به من أليم عقابه وامتحانه- يسير «١» من الأمر لا يستغرق كنه إمكانك بمعنى أنّك إن أردت فعله لقدرت عليه، وإن لم توصف فى الحال بأنّك مستطيع ما ليس بموجود فيك.\nقوله جل ذكره: مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ.\nأي اتّبعوا والزموا ملّة أبيكم ابراهيم ﵇ فى البذل والسخاء والجود والخلة والإحسان.\nقوله جل ذكره: هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ.\nالله هو الذي اجتباكم، وهو الذي بالإسلام والعرفان سمّاكم المسلمين. وقيل ابراهيم هو الذي سماكم المسلمين بقوله: «وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ» «٢» .\nقوله: «لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ، نصب الرسول بالشهادة علينا، وأمره بالشفاعة لأمته، وإنما يشهد علينا بمقدار ما يبقى للشفاعة موضعا ومحلا.\nقوله جل ذكره: وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ.\nوتلك الشهادة إنما نؤديها لله، ومن كانت له شهادة عند أحد- وهو كريم- فلا يجرح شاهده، بل يسعى بما يعود إلى تزكية شهوده.\nقوله جل ذكره: فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ.\n_________\n(١) يسير خبر لاسم الموصول (والذي به ...)\n(٢) آية ١٢٨ سورة البقرة.","vol":"2","page":565},{"text":"أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة بحكم الإتمام، ونعت الاستدامة، وجميل الاستقامة.\nوالاعتصام بالله التبري من الحول والقوة، والنهوض بعبادة الله بالله لله. ويقال الاعتصام بالله التمسك بالكتاب والسنة. ويقال الاعتصام بالله حسن الاستقامة بدوام الاستعانة.\n«هُوَ مَوْلاكُمْ»: سيدكم وناصركم والذي لا خلف عنه.\n«فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ» نعم المولى: إخبار عن عظمته، ونعم النصير: إخبار عن رحمته.\nويقال إن قال لأيوب: «نِعْمَ الْعَبْدُ» «١» ولسليمان «نِعْمَ الْعَبْدُ» «٢» فلقد قال لنا «فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ»، ومدحه لنفسه أعزّ وأجلّ من مدحه لك.\nويقال «فَنِعْمَ الْمَوْلى»: بدأك بالمحبة قبل أن أحببته، وقبل أن عرفته أو طلبته أو عبدته.\n«وَنِعْمَ النَّصِيرُ»: إذا انصرف عنك جميع من لك فلا يدخل القبر معك أحد كان ناصرك، ولا عند السؤال أو عند الصراط.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2245>السورة التي يذكر فيها المؤمنون</span>\nقوله جل ذكره: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الاسم اشتقاقه من السمو، وللمسمى بهذا الاسم استحقاق العلو، فالاسم اسم لسموّه من القدم، والحقّ حقّ لعلوّه بحق القدم.\nويقال من عرف «بِسْمِ اللَّهِ» سمت همّته عن المرسومات، ومن أحبّ بسم الله صفت حالته عن مساكنة الموهومات..\nاسم من طلبه نسى من الدارين أربه، ومن عرفه وجد بقلبه مالا يعرف سببه.\n_________\n(١) «إِنَّا وَجَدْناهُ صابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ» آية ٤٤ سورة ص.\n(٢) «وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ» آية ٣٠ سورة ص.","vol":"2","page":566},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2246>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ١ الى ٢]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nقَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ (٢)\nظفر بالبغية وفاز بالطّلبة من آمن بالله.\nو«الفلاح»: الفوز بالمطلوب والظّفر بالمقصود.\nوالإيمان انتسام الحقّ فى السريرة، ومخامرة التصديق خلاصة القلب، واستمكان التحقيق من تأمور الفؤاد «١» .\nوالخشوع فى الصلاة إطراق السّرّ على بساط النّجوى باستكمال نعت الهيبة، والذوبان تحت سلطان الكشف، والامتحاء عند غلبات التّجلّي.\nويقال أدرك ثمرات القرب وفاز بكمال الأنس من وقف على بساط النجوى بنعت الهيبة، ومراعاة آداب الحضرة. ولا يكمل الأنس بلقاء المحبوب إلا عند فقد الرقيب.\nوأشدّ الرقباء وأكثرهم تنغيصا لأوان القرب النّفس فلا راحة للمصلّى مع حضور نفسه، (فإذا خنس عن نفسه) «٢» وشاهده عدم إحساسه بآفات نفسه، وطاب له العيش، وتمّت له النّعمى، وتجلّت له البشرى، ووجد لذّة الحياة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2247>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٣]</span>\nوَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣)\nما يشغل عن الله فهو سهو، وما ليس لله فهو حشو، وما ليس بمسموع من الله أو بمعقول مع الله فهو لغو، (وما هو غير الحق سبحانه فهو كفر، والتعريج على شىء من هذا بعد وهجر) «٣» .\nويقال ما ليس بتقريظ الله ومدحه من كلام خلقه فكل ذلك لغو.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2248>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٤]</span>\nوَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ (٤)\n_________\n(١) يقال اجعل هذا الأمر فى تأمورك أي داخل قلبك (الوسيط: مادة أم ر) .\n(٢) ما بين القوسين موجود فى م وغير موجود فى ص. [.....]\n(٣) موجود فى م وغير موجود فى ص.","vol":"2","page":567},{"text":"الزكاة النّماء، ومن عمله للنماء فأمارة ذلك أن يكون بنقصانه فى نفسه عن شواهده ولا يبلغ العبد إلى كمال الوصف فى العبودية إلا بذوبانه عن شاهده.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2249>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٥ الى ٦]</span>\nوَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٥) إِلاَّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦)\nلفروجهم حافظون ابتغاء نسل يقوم بحقّ الله، ويقال ذلك إذا كان مقصوده التعفف والتصاون عن مخالفات الإثم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2250>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٧]</span>\nفَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ (٧)\nأي من جاوز قصد إيثار الحقوق، وجنح إلى جانب استيفاء الحظوظ.. فقد تعدّى محلّ الأكابر، وخالف طريقتهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2251>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٨]</span>\nوَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ (٨)\nالأمانات مختلفة، وعند كلّ أحد أمانة أخرى، فقوم عندهم الوظائف بظواهرهم، وآخرون عندهم اللطائف فى سرائرهم، ولقوم معاملاتهم، ولآخرين منازلاتهم، ولآخرين مواصلاتهم.\nوكذلك عهودهم متفاوتة فمنهم من عاهده ألا يعبد سواه، ومنهم من عاهده ألا يشهد فى الكونين سواه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2252>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٩]</span>\nوَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ (٩)\nلا تصادفهم الأوقات، وهم غير مستعدين، ولا يدعوهم المنادى وهم ليسوا بالباب، فهم فى الصف الأول بظواهرهم، وكذلك فى الصف الأول بسرائرهم قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2253>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ١٠ الى ١١]</span>\nأُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١١)","vol":"2","page":568},{"text":"الإرث على حسب النّسب، وفى استحقاق الفردوس بوصف الإرث لنسب الإيمان فى الأصل، ثم الطاعات فى الفضل.\nوكما فى استحقاق الإرث تفاوت فى مقدار السهمان: بالفرض أو بالتعصيب- فكذلك فى الطاعات فمنهم من هم فى الفردوس بنفوسهم، وفى الأحوال اللطيفة بقلوبهم، ثم هم خالدون بنفوسهم وقلوبهم جميعا لا يبرحون عن منال نفوسهم ولا (...) «١» عن حالات قلوبهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2254>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١٢]</span>\nوَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢)\nعرّفهم أصلهم لئلا يعجبوا بفعلهم.\nويقال نسبهم لئلا يخرجوا عن حدّهم، ولا يغلطوا فى نفوسهم.\nويقال خلقهم من سلالة سلّت من كل بقعه فمنهم من طينته من جردة «٢» أو من سبخة «٣» أو من سهل، أو من وعر.. ولذلك اختلفت أخلاقهم.\nويقال بسط عذرهم عند الكافة فإنّ المخلوق من سلالة من طين ... ما الذي ينتظر منه؟! ويقال خلقهم من سلالة من طين، والقدر للتربية لا للتربة.\nويقال خلقهم من سلالة ولكنّ معدن المعرفة ومرتع المحبة، ومتعلق العناية منه لهم قال تعالى: «يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ» .\nويقال خلقهم، ثم من حال إلى حال نقلّهم، يغيّر بهم ما شاء تغييره.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2255>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ١٣ الى ١٤]</span>\nثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظامًا فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ (١٤)\n_________\n(١) مشتبهة فى ص، م وربما كانت (ولا ينفكون) .\n(٢) الأرض الجردة التي لا نبات فيها.\n(٣) السّبخة التي فيها ملح ونزّ ولا تكاد تنبت.","vol":"2","page":569},{"text":"قطرة أجزاؤها متماثلة، ونطفة أبعاضها متشاكلة، ثم جعل بعضها لحما وبعضها عظما، وبعضها شعرا، وبعضها ظفرا، وبعضها عصبا، وبعضها جلدا، وبعضها مخّا، وبعضها عرقا. ثم خصّ كلّ عضو بهيئة مخصوصة، وكلّ جزء بكيفية معلومة. ثم الصفات التي للإنسان خلقها متفاوتة، من السّمع والبصر والفكر والغضب والقدرة والعلم والإرادة والشجاعة والحقد والجود والأوصاف التي يتقاصر عنها الحصر والعدّ.\nقوله جل ذكره: ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ فى التفاسير أنه صورة الوجه، ويحتمل ما تركب فيه من الحياة، واختصّ به من السّمع والبصر والعقل والتمييز، وما تفرّد به بعض منهم بمزايا فى الإلهام العام للعقل وسائر الإدراكات.\nويقال «ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ»: وهو أن هيّأهم لأحوال عزيزة يظهرها عليهم بعد بلوغهم، إذا حصل لهم كمال التمييز من فنون الأحوال فلقوم تخصيص بزينة العبودية، ولقوم تحرّر من رقّ البشرية، ولآخرين تحقق بالصفات الصمدية بامتحائهم عن الإحساس بما هم عليه وبه من الأحوال التي هى أوصاف البشرية.\nقوله جل ذكره: فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ خلق السماوات والأرضين بجملتها، والعرش والكرسىّ، مع المخلوقات من الجنة والنار بكليتها- ثم لمّا أخبر بذلك لم يعقبه بهذا التمدح الذي ذكره بعد نعت خلقه بنى آدم تخصيصا لهم وتمييزا، وإفرادا لهم من بين المخلوقات.\nويقال إن لم يقل لك إنّك أحسن المخلوقات فى هذه الآية فلقد قال فى آية أخرى:\n«لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ» «١» .\n_________\n(١) الآية ٤ سورة التين.","vol":"2","page":570},{"text":"ويقال إن لم تكن أنت أحسن المخلوقات وأحسن المخلوقين- ولم يثن عليك بذلك فلقد أثنى على نفسه بقوله: «فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ»، وثناؤه على نفسه وتمدحه بذلك أعزّ وأجلّ من أن يثنى عليك.\nويقال لما ذكر نعتك، وتارات حالك فى ابتداء خلقك، ولم يكن منك لسان شكر ينطق، ولا بيان مدح ينطلق.. ناب عنك فى الثناء على نفسه، فقال: «فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2256>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١٥]</span>\nثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥)\nأنشدوا:\nآخر الأمر ما ترى ... القبر واللحد والثرى\nوأنشدوا:\nحياتنا عندنا قروض ... ونحن بعد الموت فى التقاضي\nلا بدّ من ردّ ما اقترضنا ... كلّ غريم بذاك راضى\nويقال نعاك إلى نفسك بقوله: «ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ» وكلّ ما هو آت فقريب.\nويقال كسر على أهل الغفلة سطوة غفلتهم، وفلّ دونهم سيف صولتهم بقوله: ثم إنكم بعد ذلك لميتون، وللجماد مضاهون، وعن المكنة والمقدرة والاستطاعة والقوة لمبعدون، وفى عداد ما لا خطر له من الأموات معدودون.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2257>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١٦]</span>\nثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦)\nفعند ذلك يتصل الحساب والعقاب، والسؤال والعقاب، ويتبين المقبول من المردود، والموصول من المهجور.\nويوم القيامة يوم خوّف به العالم حتى لو قيل للقيامة: ممن تخافين؟ لقالت من القيامة.\nوفى القيامة ترى الناس سكارى حيارى لا يعرفون أحوالهم ولا يتحققون بما تؤول إليه أمورهم، إلى أن يتبيّن لكلّ واحد أمره خيره وشرّه: فيثقل بالخيرات ميزانه، أو يخف","vol":"2","page":571},{"text":"عن الطاعات أو يخلو ديوانه. وما بين الموت والقيامة: فإمّا راحات متّصلة، أو آلام وآفات غير منفصلة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2258>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١٧]</span>\nوَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ وَما كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ (١٧)\nالحقّ- سبحانه- لا يستتر عن رؤيته مدرك، ولا تخفى عليه- من مخلوقاته- خافية. وإنما الحجب على أبصار الخلق وبصائرهم فالعادة جارية بأنه لا يخلق لنا الإدراك لما وراء الحجب. وكذلك إذا حلّت الغفلة القلوب استولى عليها الذهول، وانسدّت بصائرها، وانتفت فهومها وفوقنا حجب ظاهرة وباطنة ففى الظاهر السماوات حجب تحول بيننا وبين المنازل العالية، وعلى القلوب أغشية وأغطية كالمنية والشهوة، والإرادات الشاغلة، والغفلات المتراكمة.\nأمّا المريدون فإذا أظلّتهم سحائب الفترة، وسكن هيجان إرادتهم فذلك من الطرائق التي عليهم.\nوأما الزاهدون فإذا تحرّك بهم عرق الرغبة انفلّت «١» قوة زهدهم، وضعفت دعائم صبرهم، فيترخّصون بالجنوح إلى بعض التأويلات، فتعود رغباتهم قليلا قليلا، وتختلّ رتبة عزوفهم، وتنهدّ دعائم زهدهم، وبداية ذلك من الطرائق التي خلق فوقهم.\nوأما العارفون فربما تظلّهم فى بعض أحايينهم وقفة فى تصاعد سرّهم إلى ساحات الحقائق.\nفيصيرون موقفين ريثما يتفضّل الحقّ- سبحانه- عليهم بكفاية ذلك فيجدون نفاذا، ويرفع عنهم ما عاقهم من الطرائق.\nوفى جميع هذا فإنّ الحقّ سبحانه غير غافل عن الخلق، ولا تارك للعباد.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2259>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١٨]</span>\nوَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ (١٨) .\n_________\n(١) انفلّ السيف- انثلم حدّه، وانفلّ القوم- انهزموا.","vol":"2","page":572},{"text":"أنزل من السماء ماء المطر الذي هو سبب حياة الأرضين، وذلك بقدر معلوم. ثم..\nالبلاد مختلفة فى السّقى: فبعضها خصب، وبعضها جدب، وسنة يزيد وسنة ينقص، سنة يفيض وسنة يغيض.\nكذلك أنزلنا من السماء ماء الرحمة فيحيى القلوب، وهى مختلفة فى الشّرب: فمن موسّع عليه رزقه منه، ومن مضيّق مقتّر عليه. ومن وقت هو وقت سحّ، ومن وقت هو وقت حبس.\nويقال ماء هو صوب الرحمة يزيل به درن العصاة وآثار زلّتهم وأوضار عثرتهم، وماء هو سقى قلوبهم يزيل به عطش تحيرهم، ويحيى به موات أحوالهم فتنبت فى رياض قلوبهم فنون أزهار البسط، وصنوف أنوار الروح. وماء هو شراب المحبة فيخص به قلوبا بساحات القرب، فيزيل عنها به حشمة الوصف، ويسكن به قلوبا فيعطلها عن التمييز، ويحملها على التجاسر ببذل الرّوح فإذا شربوا طربوا، وإذا طربوا لم يبالوا بما وهبوا «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2260>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١٩]</span>\nفَأَنْشَأْنا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ لَكُمْ فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (١٩)\nكما يحيى بماء السماء الغياض والرياض، ويصنّف فيها الأزهار والأنوار، وتثمر الأشجار وتجرى الأنهار.. فكذلك يسقى القلوب بماء العرفان فتورق وتثمر بعد ما تزهر، وتؤتى أكلها: من طيب عيش، وكمال بسط، ثم وفور هيبة ثم روح أنس، ونتائج تجلّ، وعوائد قرب.. إلى ما تتقاصر العبارات عن شرحه، ولا تطمع الإشارات فى حصره.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2261>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٢١]</span>\nوَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِها وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (٢١)\nالإشارات منه أنّ الكدورات الهاجمة لا عبرة بها، ولا مبالاة فإنّ اللّبن الخالص السائغ يخرج من أخلاف الأنعام من بين ما تنطوى حواياها عليه من الوحشة، لكنه صاف لم يؤثر\n_________\n(١) حتى لو كان ما وهبوه أرواحهم.","vol":"2","page":573},{"text":"فيه منها بحكم الجوار، وكذلك الصفاء يوجد أكثره من عين الكدورة إذ الحقيقة لا يتعلق بها حقّ ولا باطل. ومن أشرف على (سرّ) «١» التوحيد تحقّق بأنّ ظهور جميع الحدثان من التقدير، فتسقط عنه كلفة التمييز، فالأسرار عند ذلك تصفو، والوقت لصاحبه لا يجفو.\n«وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ»: لازمة لكم، ومتعدية منكم إلى كلّ متصل بكم:\nإنّي- على جفواتها- بربّها ... وبكلّ متّصل بها متوسّل\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2262>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٢٢]</span>\nوَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٢٢)\nيحفظهم فى السفينة فى بحار القطرة، ويحفظهم فى سفينة السلامة والعصمة فى بحار القدرة، وإنّ بحار القدرة تتلاطم أمواجها، والناس فيها غرقى إلا من يحفظه الحقّ- سبحانه- فى سفينة العناية.\nوصفة أهل الفلك إذا مستهم شدّة خوف الغرق ما ذكر الله فى قوله: «فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ «٢»» كذلك من شاهد نفسه على شفا الهلاك والغرق، والتجأ إلى صدق الاستعانة ودوام الاستغاثة فعند ذلك يحميه الحقّ- سبحانه- من مخلوقات التقدير. ويقال إنّ وجه الأرض بحار الغفلة، وما عليه الناس من أسباب التفرقة بحار مهلكة والناس فيها غرقى، وكما قال بعضهم:\nالناس بحر عميق ... والبعد عنهم سفينة\nوقد نصحتك فانظر ... لنفسك المسكينة\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2263>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٢٣]</span>\nوَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٢٣) .\n_________\n(١) موجودة فى م وغير موجودة فى ص.\n(٢) آية ٦٥ سورة العنكبوت.","vol":"2","page":574},{"text":"كرّر قصة نوح لما فيها من عظيم الآيات من طول مقامه فى قومه، وشدة مقاساة البلاء منهم، وتمام صبره على ما استقبله فى طول عمره، ثم إهلاك الله جميع من أصرّ على كفرانه، ثم إهلاك الله جميع من أصرّ على كفرانه، ثم لم يغادر منهم أحدا، ولم يبال- سبحانه- بأن أهلك جملتهم. ولقد ذكر فى القصص أن امرأة من قومه لما أخذهم الطوفان كان لها مولود، فحملته وقامت حاملة له ترفعه عن الطوفان، فلمّا بلغ الماء إلى يدها رفعته إلى ما فوق رأسها- قدر ما أمكنها- إبقاء على ولدها، وإشفاقا عليه من الهلاك، إلى أن غلبها الماء وتلفت وولدها. فأوحى الله إلى نوح﵇- لو أنى كنت أرحم واحدا منهم لرحمت تلك المرأة وولدها.\nوفى الخبر أن نوحا كان اسمه يشكر ولكثرة ما كان يبكى أوحى الله إليه: يا نوح..\nإلى كم تنوح؟ فسمّاه نوحا. ويقال إنّ ذنبه أنه مرّ يوما بكلب فقال: ما أوحشه! فأوحى الله إليه: اخلق أنت أحسن من هذا! فكان يبكى معتذرا عن قالته تلك.\nوكان قومه يلاحظونه بعين الجنون، وما زاد لهم دعوة إلا ازدادوا عن إجابته نبوة، وما زاد لهم صفوة إلا ازدادوا على طول المدة قسوة على قسوة.\nولما عمل السفينة ظهر الطوفان، وأدخل فى السفينة أهله، تعرّض له إبليس- كما جاء فى القصة- وقال: احملنى معك فى السفينة، فأبى نوح وقال: يا شقّى.. تطمع فى حملى إياك وأنت رأس الكفرة؟! فقال إبليس: أما علمت- يا نوح- أنّ الله أنظرنى إلى يوم القيامة، وليس ينجو اليوم أحد إلّا فى هذه السفينة؟\nفأوحى الله إلى نوح أن احمله فكان إبليس مع نوح فى السفينة، ولم يكن لابنه معه مكان فى السفينة. (وفى هذا ظهور عين التوحيد وأن الحكم من الله غير معلول) «١» لأنه إن كان المعنى فى أن ابنه لم يكن معه له مكان لكفره فبإبليس يشكل.. ولكنها أحكام غير معلولة، وجاز له- سبحانه- أن يفعل ما يريد: يصل «٢» من شاء ويردّ من شاء\n_________\n(١) ما بين القوسين موجود في م وغير موجود فى ص.\n(٢) وردت فى م (يضل) بالضاد ونحن نجد (يصل) أكثر انسجاما مع المعنى لتقابل (يرد)","vol":"2","page":575},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2264>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٢٩]</span>\nوَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٢٩)\nالإنزال المبارك أن يكون بالله ولله، وعلى شهود الله من غير غفلة عن الله، ولا مخالفا لأمر الله ويقال الإنزال المبارك الاستيعاب بشهود الوصف عنك، ثم الاستغراق باستيلاء سلطان القرب عليك، ثم الاستهلاك بإحداق أنوار التجلّى حتى لا تبقى عين ولا أثر، فإذا تمّ هذا ودام هذا فهو نزول بساحات الحقيقة مبارك لأنك بلا أنت.. بكليتك من غير بقية أو أثر عنك.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2265>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٣١]</span>\nثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (٣١)\nتتابعت القرون على طريقة واحدة فى التكذيب، وغرّهم طول الامهال، وما مكنّهم من رفه العيش وخفض الدّعة، فلم يقيسوا إلا على أنفسهم، ولم يسم لهم طرف إلى من فوقهم فى الحال والمنزلة، فقالوا: أنؤمن بمن يتردد فى الأسواق، وينتفع مثلنا بوجوه الأرفاق؟\nولئن أطعنا بشرا مثلنا لسلكنا سبيل الغىّ، وتنكبنا سنّة الرّشد. فأجراهم الله فى الإهانة وإحلال العقوبة بهم مجرى واحدا، وأذاقهم عذاب الخزي. وأعظم ما داخلهم من الشّبهة والاستبعاد أمر الحشر والنشر، ولم يرتقوا للعلم بأنّ الإعادة كالابتداء فى الجواز وعدم الاستحالة، والله يهدى من يشاء ويغوى من يريد.\nثم إن الله فى هذه السورة ذكر قصة موسى ﵇، ثم بعده قصة عيسى ﵇، وخصّ كلّ واحد منهم بآياته الباهرة ومعجزاته الظاهرة «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2266>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٥١]</span>\nيا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحًا إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١)\nكلوا من الطيبات مما أحلّ لكم وأباح، وما هو محكوم بأنه طيب- على شريطة مطابقة\n_________\n(١) نلاحظ هنا أن القشيري قد اختصر الكلام فقفز إلى الآية ٥٠ دون تمهل أمام كل آية كما تعودنا منه","vol":"2","page":576},{"text":"رخصة الشريعة- مما كان حلالا فى وقتهم، مطلقا مأذونا لهم فيه. وكذلك أعمالهم الصالحة ما كان موافقا لأمر الله فى زمانهم بفنون طاعاتهم فى أفعالهم وعقائدهم وأحوالهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2267>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٥٢]</span>\nوَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (٥٢)\nمعبودكم واحد، ونبيّكم واحد، وشرعكم واحد فأنتم فى الأصول شرع سواء، فلا تسلكوا ثنيات الطرق «١» فتطيحوا فى أودية الضلالة. وعليكم باتباع سلّفكم، واحذروا موافقة ابتداع خلفكم.\n«وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ» خافوا مخالفة أمرى، واعرفوا عظيم قدرى، واحفظوا فى جريان التقدير سرّى، واستديموا بقلوبكم ذكرى، تجدوا فى مآلكم غفرى، وتحظوا بجميل برّى.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2268>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٥٣]</span>\nفَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣)\nفمستقيم على حقّه، وتائه فى غيّه، ومصرّ على عصيانه وفسقه، ومقيم على إحسانه وصدقه، كلّ مربوط بحدّه، موقوف بما قسم له فى البداية من شأنه، كلّ ينتحل طريقته ويدّعى بحسن طريقته حقيقة، وعند صحو سماء قلوب أرباب التوحيد لا غبار فى الطريق وهم على يقين معارفهم فلا ريب يتخالجهم ولا شبهة.\nوأهل الباطل فى عمى جهلهم، وغبار جحدهم، وظلمة تقليدهم، ومحنة شكهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2269>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٥٤]</span>\nفَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (٥٤)\nإنّ مدة أخذهم لقريبة، والعقوبة عليهم- إذا أخذوا- لشديدة، ولسوف يتبين لهم خطؤهم من صوابهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2270>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٥٥ الى ٥٦]</span>\nأَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ (٥٦) .\n_________\n(١) ثنية الطريق- منعطفه.","vol":"2","page":577},{"text":"هذا فى شأن أصحاب الاستدراج من مكر الحقّ بهم بتلبيس المنهاج رأو سرابا فظنوه شرابا، ودس لهم فى شهدهم صابا فتوهموه عذابا «١»، وحين لقوا عذابا علموا أنهم لم يفعلوا صوابا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2271>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٥٧]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧)\nأمارة الإشفاق من الخشية إطراق السريرة فى حال الوقوف بين يدى الله بشواهد الأدب، ومحاذرة بغتات الطّرد، لا يستقر بهم قرار لما داخلهم من الرّعب، واستولى عليهم من سلطان الهيبة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2272>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٥٨]</span>\nوَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨)\nتلك الآيات مختلفة فمنها ما يكاشفون به فى الأقطار من اختلاف الأدوار، وما فيه الناس من فنون الهمم وصنوف المنى والإرادات، فإذا آمن العبد بها، واعتبر بها اقتنع بما يرى نفسه مطالبا به.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2273>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٥٩]</span>\nوَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ (٥٩)\nيذرون جلّى الشّرك وخفيّه والشّرك الخفىّ ملاحظة الخلق فى أوان الطاعات، والاستبشار بمدح الخلق وقبولهم، والانكسار والذبول عند انقطاع رؤية الخلق.\nويقال الشّرك الخفىّ إحالة النادر من الحالات- فى المسارّ والمضارّ- على الأسباب كقول القائل. «لولا دعاء أبيك لهلكت» و«لولا همّة فلان لما أفلحت» ... وأمثال هذا قال الله تعالى «وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ» «٢» .\nوكذلك توّهم حصول الشّفاء من شرب الدواء.\nفاذا أيقن العبد بسرّه ألا شىء من الحدثان، ولم يتوهم ذلك، وأيقن ألّا شىء إلّا من التقدير فعند ذلك يبقى عن الشّرك «٣» .\n_________\n(١) العذاب جمع عذب وهو السائغ من الطعام والشراب ونحوهما (الوسيط) . [.....]\n(٢) آيه ١٠٦ سورة يوسف.\n(٣) أي أن القشيري لا ينكر الأسباب ولكن يعنى على من يتوهم أن من الحدثان شيئا.","vol":"2","page":578},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2274>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٦٠]</span>\nوَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ (٦٠)\nيخلصون فى الطاعات من غير إلمام بتقصير، أو تعريح فى أوطان الكسل، أو جنوح إلى الاسترواح بالرّخص. ثم يخافون كأنهم ألمّوا بالفواحش، ويلاحظون أحوالهم بعين الاستصغار، والاستحقار، ويخافون بغتات التقدير، وقضايا السخط، وكما قيل:\nيتجنّب الآثام ثم يخافها ... فكأنّما حسناته آثام\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2275>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٦١]</span>\nأُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ (٦١)\n«١» مسارع بقدمه من حيث الطاعات، ومسارع بهممه من حيث المواصلات، ومسارع بندمه من حيث تجرّع الحسرات، والكلّ مصيب، وللكلّ من إقباله- على ما يليق بحاله- نصيب.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2276>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٦٢]</span>\nوَلا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَها وَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٦٢)\nالمطالبات فى الشريعة مضمّنة بالسهولة، وأمّا مطالبات الحقيقة فكما قالوا: ليس إلّا بذل الروح، ولهذا فهم لا تشغلهم الترّهات «٢» . قال لأهل الرخص والمستضعفين فى الحال:\n«وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» «٣»، وأمّا أرباب الحقائق فقال: «وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ» «٤» وقال: «وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ» «٥»، وقال: «وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ «٦»» .\n_________\n(١) في س أخطأ الناسخ إذ زاد (لهم) بعد يسارعون.\n(٢) الترهات جمع ترهة وهى القول الباطل الذي لا نفع فيه، أو الطريق الصغيرة المتشعبة عن الطريق الأعظم.\n(٣) آية ٧٨ سورة الحج.\n(٤) آية ٢٨٤ سورة البقرة.\n(٥) آية ١٥ سورة النور.\n(٦) آية ٧٨ سورة الحج.","vol":"2","page":579},{"text":"قوله: «وَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ»: لولا غفلتهم عن مواضع الحقيقة لما خوّفهم بكتابة الملك، ولكن غفلوا عن شهود الحق فخوّفهم باطلاع الملائكة، وكتابتهم عليهم أعمالهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2277>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٦٣]</span>\nبَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هذا وَلَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ هُمْ لَها عامِلُونَ (٦٣)\nلا يصلح لهذا الشأن «١» إلا من كان فارغا من جميع الأعمال، لا شغل له فى الدنيا والآخرة، فأمّا من له شغل بدنياه، أو على قلبه حديث عقباه، فليس له نصيب من حديث مولاه، وفى الخبر «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ» .\nويقال أصحاب الدنيا مشغولون بدنياهم، وأرباب العقبى مشغولون بعقباهم، وأهل النار مشغولون بما ينالهم من بلواهم وإن الذي له فى الدنيا والآخرة غير مولاه- حين الفراغ- عزيز قال تعالى: «إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ» «٢» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2278>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٦٤]</span>\nحَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ (٦٤)\nإنه- سبحانه- يمهل ولكنّه لا يهمل فإذا أخذ فبطشه شديد، قال تعالى:\n«إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ» «٣» ... فإذا أخذ أصحاب الكبائر- حين يحل بهم الانتقام- فى الجواب ردّوا في الهوان، ويقال لهم:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2279>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٦٥]</span>\nلا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنْصَرُونَ (٦٥)\nفإذا انفصل من الغيب حكم فلا مردّ لتقديره.\n_________\n(١) (هذا الشأن) يقصد به طريق رباب الأحوال\n(٢) آية ٥٥ سورة يس.\n(٣) آية ١٢ سورة البروج.","vol":"2","page":580},{"text":"ويقال للجنابة سراية فإذا أمسك الجاني عن الجناية فلا ينفعه ذلك ما لم يمض حكم السراية.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2280>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٦٦ الى ٦٧]</span>\nقَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ (٦٦) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِرًا تَهْجُرُونَ (٦٧)\nذكر هذا من باب إملاء العذر، وإلزام الحجة، والقطع بألا ينفع- الآن- الجزع ولا يسمع العذر والملوك إذا أبرموا حكما، فالاستغاثة غير مؤثّرة فى الحاصل منهم، قال قائلهم:\nإذا انصرفت نفسى عن الشيء لم تكد ... إليه بوجه- آخر الدهر- تقبل\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2281>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٦٨]</span>\nأَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨)\nيعنى أنهم لو أنعموا النظر، وسلطوا على أحوالهم صائب الفكر لاستبصروا فى الحال، ولا نتفى عن قلوبهم الاستعجام والإشكال، ولكنهم استوطنوا مركب الكسل، وعرّجوا فى أوطان التغافل، فتعودوا الجهل، وأيسوا من الاستبصار.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2282>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٦٩]</span>\nأَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٦٩)\nذهلوا عن التحقيق فتطوّحوا فى أودية المغاليط، وترجّمت بهم الظنون الخاطئة، وملكتهم كواذب التقديرات «١»، فأخبر الله (الرسول) «٢» عن أحوالهم فمرة قابلوه بالتكذيب، ومرة رموه بالسّحر، ومرة عابوه بتعاطيه أفعال العادة بما عليه الناس من المآكل والمشارب، ومرة قدحوا فيه بما هو فيه من الفقر وقلّة ذات اليد ... فأخبر الله عن تشتّت أحوالهم، وتقسّم أفكارهم\n_________\n(١) هكذا فى م أما في ص فهى (التقدير) ونحن نرجه الأولى حتى يقتصر إطلاق (التقدير) بالمفرد على الفعل الإلهى أما هنا فهى (التقديرات الإنسانية) أي الظنون.\n(٢) السياق يتطلب وجود كلمة (الرسول) وهى غير موجودة فى التسخين فوضعناها من عندنا لينسجم الأسلوب.","vol":"2","page":581},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2283>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٧١]</span>\nوَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (٧١)\nوذلك لتضادّ مناهم وأهوائهم إذ هم متشاكسون فى السؤال والمراد، وتحصيل ذلك محال تقديره فى الوجود. فبيّن الله- سبحانه- أنه لو أجرى حكمه على وفق مرادهم لاختلّ أمر السماوات والأرض، ولخرج عن حدّ الإحكام والإتقان.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2284>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٧٢]</span>\nأَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٧٢)\nأي إنّك لا تطالبهم على تبليغ الرسالة بأجر، ولا بإعطاء عوض حتى تكون بموضع التهمة فيما تأتيهم به من الشريعة. أم لعلّك تريد أن يعقدوا لك الرياسة. ثم قال: والذي لك من الله سبحانه من جزيل الثواب وحسن المآب يغنيك عن التصدّى لنيل ما يكون فى حصوله منهم مطمع. وهذا كان سنّة الأنبياء والمرسلين عملوا لله ولم يطلبوا أجرا من غير الله.\nوالعلماء ورثة الأنبياء فسبيلهم التوقّى عن التّدنّس بالأطماع، والأكل بالدّين فإنه رياء مضرّ بالإيمان فإذا كان العمل لله فالأجر منتظر من الله، وهو موعود من قبل الله «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2285>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٧٣ الى ٧٤]</span>\nوَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٣) وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ (٧٤)\nالصراط المستقيم شهود الربّ بنعت الانفراد فى جميع الأشياء، وفى الإيجاد، والاستسلام لقضايا الإلزام بمواطأة القلب من غير استكراه الحكم.\nقوله جل ذكره: وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ.\n_________\n(١) القشيري هنا يغمز بانحراف كثير من الوعاظ المحترفين الذين امتلأ بهم عصره، ومنذ عهد الحسن البصري- الذي طالما نبه إلى خطورة هذا الأمر- ونحن نسمع هذه الصيحة ناعية ما آل إليه أمر المحترفين إلى التهافت والتهالك على أطماع الدنيا الزائلة. [.....]","vol":"2","page":582},{"text":"زاغوا عن الحجة المثلى بقلوبهم فوقعوا فى جحيم الفرقة، وستميل وتزل أقدامهم غدا عن الصراط، فيقعون فى نار الحرقة فهم ناكبون فى دنياهم وعقباهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2286>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٧٥]</span>\nوَلَوْ رَحِمْناهُمْ وَكَشَفْنا ما بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٥)\nأخبر عن صادق علمه بهم، وذلك صادر عن سابق حكمه فيهم، فقال: لو كشفنا عنهم فى الحال لم يفوا بما يعدون من أنفسهم من الإيمان فى المآل، ولقد علم أنهم سيكفرون، وحكم عليهم بأنهم يكفرون إذ لا يجوز أن يكون حكمه فيهم بخلاف علمه بهم «١» قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2287>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٧٦]</span>\nوَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وَما يَتَضَرَّعُونَ (٧٦)\nأذقناهم مقدمات العذاب دون شدائده.. تنبيها لهم، فما انتبهوا وما انزجروا، ولو أنهم إذ رأوا العذاب فزعوا إلى التضرع والابتهال لأسرع الله زواله عنهم، ولكنهم أصرّوا على باطلهم، ليقضى الله أمرا كان مفعولا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2288>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٧٧]</span>\nحَتَّى إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا ذا عَذابٍ شَدِيدٍ إِذا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٧)\nلما أجللنا بهم أشدّ العقوبات ضعفوا عن تحمّلها، وأخذوا بغتة، ولم ينفعهم ما قدّموا من الابتهال، فيئسوا عن الإجابة، وعرّجوا فى أوطان القنوط.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2289>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٧٨]</span>\nوَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ (٧٨)\nذكر عظيم منّته عليهم بأن خلق لهم هذه الأعضاء، وطالبهم بالشكر عليها.\nوشكرهم عليها استعمالها فى طاعته فشكر السّمع ألا تسمع إلا بالله ولله، وشكر البصر ألا تنظر إلا بالله لله، وشكر القلب ألّا تشهد غير الله، وألّا تحبّ به غير الله.\n_________\n(١) هذا التمييز بين الحكم والعلم له أهميته الكبيرة فى قضية القدر.","vol":"2","page":583},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2290>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٧٩]</span>\nوَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٩)\nالابتداء للحادثات من الله بدعا، والانتهاء إليه عودا، والتوحيد ينتظم هذه المعاني فتعرف أنّ الحادثات بالله ظهورا، ولله ملكا، ومن الله ابتداء، وإلى الله انتهاء.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2291>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٨٠]</span>\nوَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٨٠)\nيحيى النفوس ويميتها والمعنى فى ذلك معلوم، وكذلك يحيى القلوب ويميتها فموت القلب بالكفر والجحد، وحياة القلب بالإيمان والتوحيد، وكما أنّ للقلوب حياة وموتا فكذلك للأوقات موت وحياة، فحياة الأوقات بيمن إقباله، وموت الأوقات بمحنة إعراضه، وفى معناه أنشدوا:\nأموت إذا ذكرتك ثم أحيا ... فكم أحيا عليك وكم أموت\nقوله: «وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ» فليس كلّ اختلافها فى ضيائها وظلمتها، وطولها وقصرها، بل ليالى المحبين تختلف فى الطول والقصر، وفى الروح والنوح فمن الليالى ما هو أضوأ من اللآلى، ومن النهار ما هو أشدّ من الحنادس، يقول قائلهم: ليالىّ بعد الظاعنين شكول.\nويقول قائلهم:\nوكم لظلام الليل عندى من ... تخبّر أنّ المانوية تكذّب\nوقريب من هذا المعنى قالوا:\nليالى وصال قد مضين كأنّها ... لآلى عقود فى نحور الكواعب\nوأيام هجر أعقبتها كأنّها ... بياض مشيب فى سواد الذوائب","vol":"2","page":584},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2292>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٨١ الى ٨٣]</span>\nبَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الْأَوَّلُونَ (٨١) قالُوا أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُرابًا وَعِظامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٨٢) لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وَآباؤُنا هذا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٨٣)\nسلكوا فى التكذيب مسلك سلفهم، وأسرفوا فى العناد مثل سرفهم، فأصابهم ما أصاب الأولين من هلاكهم وتلفهم.\nقوله: «لَقَدْ وُعِدْنا ...» لمّا طال عليهم وقت الحشر، وما توعدهم به من العذاب بعد البعث والنّشر زاد ذلك فى ارتيابهم، وجعلوا ذلك حجّة فى لبسهم واضطرابهم، فقالوا: لقد وعدنا مثل هذا نحن وآباؤنا، ثم لم يكن لذلك تحقيق، فما نحن إلّا أمثالهم.\nفاحتجّ الله عليهم فى جواز الحشر بما أقروا به من ابتداء الخلق:\nفقال جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2293>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٨٤ الى ٨٩]</span>\nقُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨)\nسَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩)\nأمره﵇- أن يلوّن عليهم الأسئلة، وعقّب كلّ واحد من ذلك- مخبرا عنهم- أنهم سيقولون: لله، ثم لم يكتف منهم بقالتهم تلك، بل عاتبهم على","vol":"2","page":585},{"text":"تجرّد قولهم عن التّذكّر والفهم والعلم وتنبيها على أن القول- وإن كان فى نفسه صدقا- فلم تكن فيه غنية إذ لم يصدر عن علم ويقين.\nثم نبّههم على كمال قدرته، وأنّ القدرة القديمة إذا تعلّقت بمقدور له ضدّ تعلّقت بضدّه، ويتعلق بمثل متعلقه.\nوالعجب من اعترافهم بكمال أوصاف جلاله، ثم تجويزهم عبادة الأصنام التي هى جمادات لا تحيا، ولا تضرّ ولا تنفع.\nويقال أولا قال: «أَفَلا تَذَكَّرُونَ»، ثم قال بعده: «أَفَلا تَتَّقُونَ»، فقدّم التذكر على التقوى لأنهم بتذكرهم يصلون إلى المغفرة، ثم بعد أن يعرفوه فإنهم يجب عليهم اتقاء مخالفته.\nثم بعد ذلك قال: «فَأَنَّى تُسْحَرُونَ» أي بعد وضوح الحجة فأىّ شكّ بقي حتى تنسبوه إلى السّحر؟\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2294>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٩٠]</span>\nبَلْ أَتَيْناهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (٩٠)\nبيّن أنهم أصرّوا على جحودهم، وأقاموا على عتوّهم ونبوّهم، وبعد أن أزيحت العلل فلات حين عذر، وليس لتجويز المساهلة موجب بتا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2295>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٩١ الى ٩٢]</span>\nمَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١) عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٩٢)\nاتخاذ الأولاد لا يصحّ كاتخاذ الشريك، والأمران جميعا داخلان فى حدّ الاستحالة، لأن الولد أو الشريك يوجب المساواة فى القدر، والصمدية تتقدّس عن جواز أن يكون له مثل أو جنس.\nقوله جل ذكره: إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ","vol":"2","page":586},{"text":"كلّ أمر نيط باثنين فقد انتفى عنه النظام وصحة الترتيب، وأدلة التمانع مذكور فى مسائل الأصول.\n«سُبْحانَ اللَّهِ» تقديسا له، وتنزيها عما وصفوه به. «عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ»: تنزّه عن أوهام من أشرك، وظنون من أفك.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2296>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٩٣]</span>\nقُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ (٩٣)\nيقول إن عجلت لهم ما تتوعدهم به فلا تجعلنى فى جملتهم، ولا توصل إلىّ سوءا مثلما توصل إليهم من عقوبتهم. وفى هذا دليل على أنّ للحقّ أن يفعل ما يريد، ولو عذّب البريء لم يكن ذلك منه ظلما ولا قبيحا «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2297>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٩٥]</span>\nوَإِنَّا عَلى أَنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهُمْ لَقادِرُونَ (٩٥)\nتدل على صحة قدرته على خلاف ما علم فإنه أخبر أنه قادر على تعجيل عقوبتهم ثم لم يفعل ذلك، فصحّت القدرة على خلاف المعلوم «٢» قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2298>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٩٦]</span>\nادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ (٩٦)\nالهمزة فى «أَحْسَنُ» يجوز ألا تكون للمبالغة ويكون المعنى ادفع بالحسن السيئة.\nأو أن تكون للمبالغة فتكون المكافأة جائزة والعفو عنها- فى الحسن- أشدّ مبالغة.\nويقال ادفع الجفاء بالوفاء، وجرم أهل العصيان بحكم الإحسان.\nويقال ادفع ما هو حظك إذا حصل ما هو حق له.\nويقال اسلك مسلك الكرم، ولا تجنح إلى طريق المكافأة.\n_________\n(١) لأن أفعال الله تعالى لا تعلل بالأغراض، إذ لا يعود عليه سبحانه من هذا أو ذاك مصلحة.\n(٢) فى هذا ردّ ضمنى على المعتزلة القائلين بإنكار الصفات، إذ يتضح أن صفة العلم متميزة عن صفة القدرة. فالأشاعرة- ومنهم القشيري- حين يثبتون الصفات إنما يثبتون المعاني اللاثقة بذاته، وهى معان وإن تنوعت فليست طوارئ على الذات، وإنما الذات قائمة بها.","vol":"2","page":587},{"text":"ويقال الأحسن ما أشار إليه القلب، والسيئة ما تدعو إليه النّفس.\nويقال الأحسن ما كان بإشارة الحقيقة، والسيئة ما كان بوساوس الشيطان.\nويقال الأحسن نور الحقائق، والسيئة ظلمة الخلائق.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2299>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٩٧ الى ٩٨]</span>\nوَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨)\nالاستعاذة- على الحقيقة- تكون بالله من الله كما قال ﷺ:\n«أعوذ بك منك» «١»، ولكنه- سبحانه- أراد أن نعبده بالاستعاذة به من الشيطان، بل من كلّ ما هو مسلّط علينا، والحقّ عندئذ يوصل إلينا مضرتنا يجرى العادة.\nوإلّا.. فلو كان بالشيطان من إغواء الخلق شىء لكان يمسك على الهداية نفسه! فمن عجز عن أن يحفظ نفسه كان عن إغواء غيره أشدّ عجزا، وأنشدوا:\nجحودى فيك تلبيس ... وعقلى فيك تهويس\nفمن آدم إلّاك ... ومن فى (...) «٢» إبليس\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2300>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٩٩ الى ١٠٠]</span>\nحَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٠٠) .\n_________\n(١) من ذلك قوله ﷺ: «أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك» .\nمسلم، ومالك، وأبو داود، والنسائي، والترمذي.\n(٢) فى م (ألين) وفي ص (اللبن)، والبيتان للحلاج فى الطواسين ص ٤٣ وفى ديوانه (المقطعة الثامنة والعشرون) جاءت البين، والمعنى أن آدم الذي خلقته من طين هو سبب بلائي فسجودى له سجود لغيرك.\nوفى البيتين بعض الغموض والشطح، ولهذا نعجب من استشهاد القشيري بهما. ونحن نلاحظ أنه بينما لم يكتب القشيري فى رسالته شيئا عن سيرة الحسين بن منصور الحلاج إلا أنه طالما يستشهد بأقواله شعرا ونثرا..\nوقد عللنا لذلك في كتابنا «الإمام القشيرى وتصوفه» ط مؤسسة الحلبي.","vol":"2","page":588},{"text":"إذا أخذ البلاء بخناقهم، واستمكن الضّرّ من أحوالهم، وعلموا ألّا محيص ولا محيد أخذوا فى التضرّع والاستكانة، ودون ما يرومون خرط القتاد! ويقال لهم هلّا كان عشر عشر هذا قبل هذا؟ ولقد قيل:\nقلت للنفس: إن أردت رجوعا ... فارجعى قبل أن يسدّ الطريق\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2301>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١٠١]</span>\nفَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ (١٠١)\nيومئذ لا تنفع الأنساب وتنقطع الأسباب، ولا ينفع النّدم، وسيلقى كلّ غبّ ما اجترم فمن ثقلت بالخيرات موازينه لاح عليه تزيينه. ومن ظهر ما يشينه فله من البلاء فنونه تلفح وجوههم النار، وتلمح من شواهدهم الآثار، ويتوجه عليهم الحجاج، فلا جواب لهم يسمع، ولا عذر منهم يقبل، ولا عذاب عنهم يرفع، ولا عقاب عنهم يقطع.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2302>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١٠٦]</span>\nقالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَكُنَّا قَوْمًا ضالِّينَ (١٠٦)\nنطقوا بالحقّ ... ولكن فى يوم لا ينفع فيه الإقرار، ولا يقبل الاعتذار، ثم يقولون:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2303>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١٠٧]</span>\nرَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمُونَ (١٠٧)\nوالحقّ يقول: لو ردّوا لعادوا لما نهوا عنه. علم أنّ ردّهم إلى الدنيا لا يكون، ولكنه علم أنّه لو كان فكيف كان يكون.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2304>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١٠٨]</span>\nقالَ اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ (١٠٨)\nعند ذلك يتمّ عليهم البلاء، ويشتدّ عليهم العناء، لأنهم ما داموا يذكرون الله لم يحصل الفراق بالكلية، فإذا حيل بينهم وبين ذكره تتم لهم المحنة، وهو أحد ما قيل فى قوله.\n«لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ» «١» .\n_________\n(١) آية ١٠٣ سورة الأنبياء.","vol":"2","page":589},{"text":"وفى الخبر: أنهم ينصرفون بعد ذلك فإذا لهم عواء كعواء الذئب. وبعض الناس تغار من أحوالهم لأن الحق يقول لهم: «اخْسَؤُا فِيها»، فيقولون: يا ليتنا يقول لنا! أليس هو يخاطبنا بذلك؟! وهؤلاء يقولون: قدح الأحباب ألذّ من مدح الأجانب، وينشدون فى هذا المعنى:\nأتانى عنك سبّك لى.. فسبىّ ... أليس جرى بفيك اسمى؟ فحسبى\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2305>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ١٠٩ الى ١١١]</span>\nإِنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (١١٠) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفائِزُونَ (١١١)\nالحقّ- سبحانه- ينتقم من أعدائه بما يطيّب به قلوب أوليائه، وتلك خصومة الحق، فيقول: قد كان قوم من أوليائى يفصحون بمدحى وثنائى، ويتصفون بمدحى واطرائى، فاتخذتموهم سخريا ... فأنا اليوم أجازيهم، وأنتقم ممن كان يناويهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2306>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ١١٢ الى ١١٤]</span>\nقالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ الْعادِّينَ (١١٣) قالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١٤)\nعدد سنين الأشياء- وإن كانت كثيرة- فقد تقصر أو تقل بالإضافة إلى ما يوفى ويربى عليها، كذلك مدة مقامهم تحت الأرض إن كانوا فى الراحة فقد تقل بالإضافة إلى الراحات التي يلقونها فى القيامة، وإن كانت شدائد فتتلاشى في جنب ما يرونه ذلك اليوم من أليم تلك العقوبات المتوالية.","vol":"2","page":590},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2307>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١١٥]</span>\nأَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ (١١٥)\nالعبث اللهو، واللّعب والاشتغال بما يلهى عن الحقّ، والله لم يأمر العباد بذلك، ولم يدعهم إلى ذلك، ولم يندبهم إليه.\nوالعابث فى فعله من فعله على غير حدّ الاستقامة، ويكون هازلا مستجلبا بفعله أحكام اللهو إلى نفسه، متماديا فى سهوه، مستلذّ التفرقة فى قصده. وكلّ هذا من صفات ذوى البشرية، والحقّ- سبحانه- منزّه النّعت عن هذه الجملة، فلا هو بفعل شىء عابث، ولا بشىء من العبث آمر.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2308>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١١٦]</span>\nفَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦)\nالحقّ- بنعوت جلاله- متوحّد، وفى عزّ آزاله وعلّو أوصافه متفرّد، فذاته حقّ، وصفاته حقّ، وقوله صدق، ولا يتوجّه لمخلوق عليه حق، وما يفعله من إحسان بعباده فليس شىء منها بمستحق «١» .\n«لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ»: ما تجمّل بالعرش، ولكن تعزّز العرش بأنّه أضافه إلى نفسه إضافة خصوصية.\nوالكريم الحسن، والكرم نفى الدناءة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2309>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١١٧]</span>\nوَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ (١١٧)\nحسابه على الله فى آجله. وعذابه من الله له فى عاجله، وهو الجهل الذي أودع قلبه حتى رضى بأن يعبد معه غيره. وقولهم: «ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى» كلام\n_________\n(١) معنى هذه العبارة أنه لا يجب على الله شىء فى إحسانه لعباده، فهو إذا أحسن إليهم فهذا من فضله، وليس نتيجة وجوب على الله أو حق للعبد.","vol":"2","page":591},{"text":"حاصل من غير دليل عقل، ولا شهادة خبر أو نقل، فما هو إلا إفك وبهتان، وقول ليس يساعده برهان.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2310>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١١٨]</span>\nوَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١١٨)\nاغفر الذنوب، واستر العيوب، وأجزل الموهوب. وارحم حتى لا تستولى علينا هواجم التفرقة ونوازل الخطوب. والرحمة المطلوبة بالدعاء من صنوف النعمة، ويسمى الحاصل بالرحمة باسم الرحمة على وجه التوسع وحكم المجاز «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2311>السورة التي يذكر فيها النور</span>\nقوله جل ذكره: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ.\nبسم الله اسم نذير الوفاة فرقته، اسم بشير الحياة وصلته، اسم سبب الرّوح عرفانه، اسم راحة الرّوح إحسانه، اسم كمال الأنس إقباله، اسم، فتنة قلوب المهيّمين جماله، اسم من شهده دامت سلامته، اسم من وجده قامت قيامته، اسم لا إليه حظوة، ولا بدونه سلوة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2312>[سورة النور (٢٤): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nسُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١)\nسورة هى شرف لك- يا محمد- أنزلناها لأن أقلّ ما ورد به التحدي سورة «٢» فكلّ سورة شرف له ﵇ لأنها له معجزة، بيّناها وشرعنا فيها من الحلال والحرام، وبيّنا (فيها من الأحكام ما) «٣» لكم به اهتداء، وللقلوب من غمرة الاستعجام شفاء.\nأنزلنا فيها آيات بينات، ودلائل واضحات، وحججّا لائحات لتتذكروا تلك الآيات، وتعتبروا بما فيها من البراهين والبينات.\n_________\n(١) لأن الرحمة- فى الأصل- وصف للذات، والنعمة من صفات الفعل.\n(٢) إشارة إلى قوله تعالى فى سورة البقرة: «وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ»، وإلى قوله تعالى فى سورة يونس: «قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ» .\n(٣) ما بين القوسين موجود فى ص وغير موجود فى م.","vol":"2","page":592},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2313>[سورة النور (٢٤): آية ٢]</span>\nالزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)\nوالعقوبة على الزنا شديدة أكيدة، ولكن جعل إثبات أمره وتقرير حكمه والقطع بكونه على أكثر الناس خصلة عسيرة بعيدة إذ لا تقبل الشهادة عليه حتى يقول: رأيت ذلك منه فى ذلك منها! وذلك أمر ليس بالهّين، فسبحان من أعظم العقوبة على تلك الفعلة الفحشاء، ثم جعل الأمر فى إثباتها بغاية الكدّ والعناء! وحين اعترف واحد له بذلك قال له ﷺ: لعلّك قبّلت.. لعلّك لا مست، وقال لبعض أصحابه: «استنكهوه» «١» وكلّ ذلك روما لدرء الحدّ عنه، إلى أن ألحّ وأصرّ على الاعتراف.\nقوله جل ذكره: وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ما يأمر به الحقّ فالواجب مقابلته بالسمع والطوع.\nوالرحمة من موجب الشرع وهو المحمود، فأمّا ما يقتضيه الطّبع والعادة والسوء فمذموم غير محمود. ونهى عن الرحمة على من خرق الشرع، وترك الأمر، وأساء الأدب، وانتصب فى مواطن المخالفة.\nويقال نهانا عن الرحمة بهم، وهو يرحمهم بحيث لا يمحو عنهم- بتلك الفعلة الفحشاء- رقم الإيمان، قال رسول الله ﷺ: «لا يزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن» «٢» ولولا رحمته لما استبقى عليه حلّة إيمانه مع قبيح جرمه وعصيانه.\n_________\n(١) وردت الإشارة إلى حادث «ما عز» في هامش سبق، وقوله «استنكهوه» اى ابحثوا هل فى فمه ريح الخمر، وبعدها سأله النبي للمرة الأخيرة «أزتيت؟ فقال نعم. فأمر به فرجم» صحيح مسلم ط أولى سنة ١٩٣٠ م المصرية بالأزهر ج ١١ ص ١٩٩.\n(٢) عن أبى سلمة بن عبد الرحمن وسعيد بن المسيب أنهما قالا: عن أبى هريرة أن النبي (ص) قال (لا يزنى ... ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن) صحيح مسلم ج ٢ ص ٤١.","vol":"2","page":593},{"text":"قوله جل ذكره: وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أي ليكون عليهم أشدّ، وليكون تخويفا لمتعاطى ذلك الفعل، ثم من حقّ الذين يشهدون ذلك الموضع أن يتذكروا عظيم نعمة الله عليهم أنهم لم يفعلوا مثله، وكيف عصمهم من ذلك. وإن جرى منهم شىء من ذلك يذكروا عظيم نعمة الله عليهم كيف ستر عليهم ولم يفضحهم، ولم يقمهم فى الموضع الذي أقام فيه هذا المبتلى به. وسبيل من يشهد ذلك الموضع ألّا يعيّر صاحبه بذلك، وألا ينسى حكم الله تعالى فى إقدامه على جرمه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2314>[سورة النور (٢٤): آية ٣]</span>\nالزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلاَّ زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلاَّ زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣)\nالناس أشكال فكلّ نظير «١» مع شكله، وكلّ يساكن شكله، وأنشدوا:\nعن المرء لا تسأل وسل عن قرينه ... فكلّ قرين بالمقارن يقتدى\nفأهل الفساد الفساد يجمعهم- وإن تباعد مزارهم (وأهل السداد السداد يجمعهم- وإن تناءت ديارهم) «٢» قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2315>[سورة النور (٢٤): آية ٤]</span>\nوَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَدًا وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٤)\nلئلا يستبيحوا أعراض المسلمين، ولئلا يهتكوا أستار الناس أمر بتأديبهم، وإقامة الحدّ عليهم إذا لم يأتوا بالشهداء.\n_________\n(١) هكذا فى ص وهى فى م (وكل طير..) وربما كانت (وكلّ يطير) أو (فكل طير)، والمثل يقول: (الطيور على أشكالها تقع) .\n(٢) ما بين القوسين موجود فى م وغير موجود فى س. [.....]","vol":"2","page":594},{"text":"ثم بالغ فى عدد الشهود، وألّا تقبل تلك الشهادة إلّا بالتضرع التام، ثم أكمله بقوله «وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَدًا» . وفى الخبر المسند قوله ﵇: «من أتى منكم بشىء من هذه القاذورات فليستتر بستر الله، فإنّ من أبدى لنا صفحته، أقمنا عليه حدّ الله» «١» قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2316>[سورة النور (٢٤): آية ٥]</span>\nإِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)\nجعل من شرط قبول شهادته صحّة توبته، وجعل علامة صحة توبته إصلاحه، فقال:\n«وَأَصْلَحُوا»، وهو أن تأتى على توبته مدة تنشر فيها بالصلاح صفته، كما اشتهرت بهتك أعراض المسلمين قالته.. كلّ هذا تشديدا لمن يحفظ على المسلمين ظاهر صلاحه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2317>[سورة النور (٢٤): آية ٦]</span>\nوَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلاَّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦)\nلمّا ضاق الأمر على من رأى أهله على فاحشة، إذ أن فى ذلك قبول نسب غير صحيح- فقد نهى الشرع عن استلحاقه ولدا من غيره. وكان أمرا محظورا هتك عرض المرأة والشهادة عليها بالفحشاء، إذ يجوز أن يكون الأمر فى المعيب أي بخلاف ما يدّعيه الزوج.\nولأن ذلك أمر ذو خطر شرع الله حكم اللّعان «٢» ليكون للخصومة قاطعا، وللمقدم على\n_________\n(١) رواه البيهقي والحاكم عن ابن عمر بإسناد جيد بلفظ: «اجتنبوا هذه القاذورات التى نهى الله تعالى عنها، فمن ألم بشىء منها فليستتر بستر الله، وليتب إلى الله، فإنه من يبد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله» (ص ١٥٥ ج ١ فيض القدير شرح الجامع الصغير للمناوى الطبعة الأولى سنة ١٣٥٦ هـ) .\n(٢) اللعان فى الشريعة أن يقسم الزوج أربع مرات على صدقه فى قذف زوجته بالزنا، والخامسة باستحقاقه لعنة الله إن كان كاذبا وبذا يبرأ من حدّ القذف. ثم تقسم الزوجة أربع مرات على كذبه، والخامسة باستحقاقها غضب الله إن كان صادقا فتبرأ من حد الزنا. وقد نزلت آية اللعان في هلال بن أمية أو عويمر حيث قال وجدت على بطن امرأتى خولة شريك بن سحماء فكذبته، فلا عن النبي (ص) بينهما.\nفإذا قذف الزوج زوجته بالزنا- وهما من أهل الشهادة- صح اللعان بينهما، واختلف الفقهاء هل تقع الفرقة بينهما بالتلاعن أم بتفريق القاضي.","vol":"2","page":595},{"text":"الفاحشة زاجرا، ففى مثل هذه الأحوال عنها خرجة «١» . ولولا أنّ الله على كل شىء قدير وإلا ففى عادة الناس. من الذي يهتدى لمثل هذا الحكم لولا تعريف سماوى وأمر نبوى، من الوحى متلقّاه «٢»، ومن الله مبتداه وإليه منتهاه؟\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2318>[سورة النور (٢٤): آية ١٠]</span>\nوَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (١٠)\n... لبقيتم فى هذه الواقعة المعضلة، ولم تهتدوا للخروج من هذه الحالة المشكلة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2319>[سورة النور (٢٤): آية ١١]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ (١١)\nهذا قصة عائشة ﵂، وما كان من حديث الإفك.\nبيّن الله- سبحانه- أنه لا يخلى أحدا من المحنة والبلاء، فى المحبة والولاء فالامتحان من أقوى أركانه وأعظم برهانه وأصدق بيانه، كذلك قال ﷺ «يمتحن الرجل على قدر دينه»، وقال: «أشدّ الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل» «٣» .\nويقال إنّ الله- سبحانه- غيور على قلوب خواصّ عباده، فإذا حصلت مساكنة بعض إلى بعض يجرى الله ما يردّ كلّ واحد منهم عن صاحبه، ويردّه إلى نفسه، وأنشدوا:\nإذا علقت روحى بشىء، تعلّقت ... به غير الأيام كى تسلبنّيا\nوإن النبيﷺ- لمّا قيل له: أي الناس أحب إليك؟\n_________\n(١) الخرجة هى الخروج والخلاص من أمر شديد.\n(٢) هكذا فى ص وهى فى م (مستفاد) وكلاهما صحيح، ولكن الأولى أقوى مراعاة للموسيقى اللفظية، وربما كانت (مستقاه) .\n(٣) رواه الترمذي وقال حسن صحيح ... وقد سبق تخريج هذا الحديث.","vol":"2","page":596},{"text":"قال: عائشة. فساكنها.\nوفى بعض الأخبار أن عائشة قالت: «يا رسول الله إنى أحبك وأحب قربك» ..\nفأجرى الله حديث الافك حتى ردّ قلب رسول اللهﷺ- عنها إلى الله، وردّ قلب عائشة عنه إلى الله حيث قال- لما ظهرت براءة ساحتها: بحمد الله لا بحمدك كشف الله عنها به تلك المحقة، وأزال الشكّ، وأظهر صدقها وبراءة ساحتها.\nويقال إن النبي ﷺ قال: «اتقوا فراسة المؤمن فإنّ المؤمن ينظر بنور الله» «١»، فإذا كانت الفراسة صفة المؤمن فأولى الناس بالفراسة كان رسول الله ﷺ، ثم لم تظهر له بحكم الفراسة براءة ساحتها، حتى كان يقول: «إن فعلت فتوبى» .\nوالسبب فيه أنه فى أوقات البلاء يسدّ الله على أوليائه عيون الفراسة إكمالا للبلاء.\nوكذلك إبراهيم﵇- لم يميّز ولم يعرف الملائكة حيث قدّم إليهم العجل الحنيذ، وتوهمهم أضيافا. ولوط ﵇ لم يعرف أنهم ملائكة إلى أن أخبروه أنهم ملائكة.\nويقال إنه كانﷺ- يقول لعائشة: «يا حميراء» .\nفلما كان زمان الإفك، وأرسلها إلى بيت أبويها، واستوحش الأبوان معها، ومرضت عائشةرضي الله عنها- من الحزن والوجد، كان رسول اللهﷺ- إذا رأى واحدا من دار أبى بكر يقول:\nكيف بيتكم؟ لا عائشة ولا حميراء! فما كان يطيب بالتغافل عنها، فتعبيره- إن لم يفهم بالتصريح- فيفقه بالتلويح.\nثم إنه- سبحانه- قال: «لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ»: فبمقدار جرمهم احتمل كلّ واحد ما يخصّه من الوزر.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2320>[سورة النور (٢٤): آية ١٢]</span>\nلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ (١٢)\n_________\n(١) الترمذي والطبراني، الترمذي من حديث أبى سعد، والطبراني وأبو نعيم بسند حسن عن أنس.","vol":"2","page":597},{"text":"عاتبهم على المبادرة إلى الاعتراض وبسط ألسنتهم بالسوء عنها، وتركهم الإعراض عن حرم النبي صلى الله عليه. ثم قال: وهلّا جاءوا على ما قالوا بالشهداء؟ وإذا لم يجدوا ذلك فهلّا سكتوا عن بسط اللسان؟\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2321>[سورة النور (٢٤): آية ١٤]</span>\nوَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٤)\nلأنه أخبر أن جرمهم- وإن كان عظيما- فإنه فى علم الله عنهم غير مؤثّر، ولولا أن الله- سبحانه- ينتقم لأوليائه ما لا ينتقم لنفسه فلعلّه لم يذكر هذه المبالغة فى أمرهم فإنّ الذي يقوله الأجانب والكفار فى وصف الحق- سبحانه- بما يستحيل وجوده وكونه يوفى ويربى على كل سوء- ثم لا يقطع عنهم أرزاقهم، ولا يمنع عنهم أرفاقهم، ولكن ما تتعلّق به حقوق أوليائه- لا سيما حق الرسول ﷺ- فذاك عظيم عند الله.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2322>[سورة النور (٢٤): آية ١٥]</span>\nإِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (١٥)\nبالغ فى الشكاية منهم لما أقدموا عليه بما تأذّى به قلب الرسولﷺ- وقلوب جميع المخلصين من المسلمين.\nثم قال: «وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ»: وسبيل المؤمن ألا يستصغر فى الوفاق طاعة، ولا يستصغر فى الخلاف زلّة فإنّ تعظيم الأمر تعظيم للآمر. وأهل التحقيق لا ينظرون ما ذلك الفعل ولكن ينظرون من الآمر به.\nويقال: يسير الزّلّة- يلاحظها العبد بعين الاستحقار- فتحبط كثيرا من الأحوال، وتكدّر كثيرا من صافى المشارب.","vol":"2","page":598},{"text":"واليسير من الطاعة- ربما يستقلّها العبد- ثم فيها نجاته ونجاة عالم معه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2323>[سورة النور (٢٤): آية ١٦]</span>\nوَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ (١٦)\nاستماع الغيبة نوع من الغيبة، بل مستمع الغيبة شرّ المغتابين إذ بسماعة يتمّ قصد صاحبه. وإذا سمع المؤمن ما هو سوء قالة فى المسلمين- مما لا صحّة له فى التحقيق- فالواجب الردّ على قائله، ولا يكفى فى ذلك السكوت دون النكير، ويجب ردّ قائله بأحسن نصيحة، وأدقّ موعظة، ونوع تشاغل عن إظهار المشاركة له فيما يستطيب من نشره من إخجال لقائله موحش، فإن أبى إلا انهما كا فيما يقول فيرد عليه بما أمكن لأنه إن لم يستح فائله من قوله فلا ينبغى أن يستحى المستمع من الرّدّ عليه «١» .\nقوله جل ذكره\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2324>[سورة النور (٢٤): آية ١٧]</span>\nيَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧)\nيتعلّق هذا بأنّ من بسط لسانه فى عائشةرضي الله عنها- بعد ذلك لم يكن مؤمنا لظاهر هذه الآية، (ولعمرى قائل ذلك مرتكب كبيرة ولكن لا يخرج عن الإيمان بذلك) «٢» أي ينبغى للمؤمن ألا يتكلم فى هذا، وهذا كما يقول القائل: «إذا كنت أخى فواسنى عند شدّتى فإن لم تواسنى لم تخرج عن الأخوّة بذلك» .. ومعنى هذا القول أنّه ينبغى للأخ أن يواسى أخاه فى حال عثرته، وترك ذلك لا يبطل النّسب.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2325>[سورة النور (٢٤): آية ١٩]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (١٩)\n_________\n(١) فى هذه الوصية تتجلى نزعة القشيري فيما يمكن أن نسميه (آداب السلوك) ونزمع بعون الله أن نتجز بحثا شاملا عن «علم الأخلاق عند الصوفية» .\n(٢) ما بين القوسين موجود فى ص وغير موجود فى م، والعبارة هامة فى توضيح الرأى فى مرتكب الكبيرة، ورد على من يلصقون وصمة الكفر- دون حساب- بالكثير من الناس.","vol":"2","page":599},{"text":"هؤلاء فى استحقاق الذمّ أقبح منزلة، وأشدّ وزرا حيث أحبوا افتضاح المسلمين، ومن أركان الدين مظاهرة المسلمين، وإعانة أولى الدّين، وإرادة الخير لكافة المؤمنين.\nوالذي يودّ فتنة للمسلمين فهو شرّ الخلق، والله لا يرضى منه بحاله، ولا يؤهله لمنال خلاصة التوحيد.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2326>[سورة النور (٢٤): آية ٢٠]</span>\nوَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (٢٠)\nكرّر قوله: «وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ..» ليبيّن للجميع أنّ حسن الدفع عنهم كان بفضله ورحمته وجميل المنح لهم، وكلّ يشهد حسن المنح ويشكر عليه، وعزيز عبد يشهد حسن الدفع عنه فيحمده على ذلك «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2327>[سورة النور (٢٤): آية ٢١]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢١)\nإذا تنقى القلب عن الوساوس، وصفا عن الهواجس بدت فيه أنوار الخواطر، فإذا سما وقت العبد عن ذلك سقطت الخواطر، وبدت فيه أحاديث الحق- سبحانه- كما قال فى الخبر: «لقد كان فى الأمم محدّثون فإن يكن فى أمتى فعمر» . وإذا كان الحديث منه فذلك يكون تعريفا يبقى مع العبد، ولا يكون فيه احتمال ولا إشكال ولا إزعاج، وصاحبه يجب أن يكون أمينا، غير مظهر لسرّ ما كوشف به «٢» قوله جل ذكره: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ\n_________\n(١) أي يكثر فى الحياة من يشكر على نعمة المنح ويقل من يشكر على نعمة الدفع لأن الأولى تجرى بأثر ملموس، والثانية تجرى ولا يكاد يشعر بها المرء.\n(٢) هنا نجد القشيري يطالب بالكتمان دون الإفصاح ففى الكتمان حفظ للأمانة.","vol":"2","page":600},{"text":"ردّهم فى جميع أحوالهم إلى مشاهدة ما منّ الحقّ في قسمى النفع والدفع، وحالتى العسر واليسر، والزّكى «١» من الله، والنّعمى من الله، والآلاء من الله، قال تعالى: «وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2328>[سورة النور (٢٤): آية ٢٢]</span>\nوَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢)\nتحرّك فى أبى بكر عرق من البشرية فى وصف الانتقام من مسطح «٢» حين شرع وخاض فى ذلك الحديث، وكان فى رفق أبى بكر فقطع عنه ذلك، وأخبر به الرسولﷺ- وانتظر الأمر من الله فى ذلك، فأنزل الله تعالى: «وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ..» فلم يرض من الصديق ﵁ أن يتحرك فيه عرق من الأحكام النفسية والمطالبات البشرية، فأعاد أبو بكر له ما كان يفعله فى ماضى أيامه. والإحسان إلى المحسن مكافأة، وإلى من لا يسىء ولا يحسن فضل، وإلى الجاني فتوّة وكرم «٣»، وفى معناه أنشدوا:\nوما رضوا بالعفو عن كلّ زلة ... حتى أنالوا كفّه وأفادوا\nقوله: «وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا»: العفو والصفح بمعنى، فكررهما تأكيدا.\nويقال العفو فى الأفعال، والصفح فى جنايات القلوب «٤» .\n_________\n(١) الزكي والزكاء- النماء والزيادة، وزكى الشيء- أصلحه وظهره.\n(٢) مسطح ابن خالة أبى بكر، وكان مسكينا، بدريا مهاجرا، كان ينفق عليه أبو بكر، فلما قرأ الرسول عليه الآية قال: بلى: أحب أن يغفر الله لى، ورد إلى مسطح نفقته رغم ما خاض فى عائشة ﵂.\n(٣) يمكن أن يضاف هذا الشاهد إلى الباب الذي عقده القشيري «للفتوة» في رسالته.\n(٤) نعرف عن القشيري أنه لا يتحمس كثيرا للقول بأن بالقرآن تكرارا، لأجل ذلك نراه يسرع إلى التمييز بين العفو والصفح عقيب ذكره أنهما بمعنى. [.....]","vol":"2","page":601},{"text":"قوله جل ذكره: أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ هذا من كمال تلطفه- سبحانه. وفى الخبر: أن الله لما أنزل هذه الآية قال أبو بكررضي الله عنه: «بلى، أحبّ يا رب»، وعفا عن مسطح. وإن الله لا يغادر فى قلوب أوليائه كراهة من غيرهم، وأنّى بالكراهة من الخلق والمتفرّد بالإيجاد الله؟! وفى معناه أنشدوا:\nربّ رام لى بأحجار الأذى ... لم أجد بدّا من العطف عليه\nفعسى أنّ يطلع الله على ... قدح القوم فيدنينى إليه\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2329>[سورة النور (٢٤): آية ٢٣]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٢٣)\nبالغ فى توعده لهم حيث ذكر لفظ اللعنة فى شأنهم.\nووصف المحصنات بالغفلة: أي بالغفلة عما ينسبن إليه فليس الوصف على جهة الذمّ، ولكن لبيان تباعدهن عمّا قيل فيهن.\nواستحقاق القذفة للعنة- فى الدنيا والآخرة- يدل على أنه لشؤم زلتهم تتغير عواقبهم، فيخرجون من الدنيا لا على الإسلام «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2330>[سورة النور (٢٤): آية ٢٤]</span>\nيَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤)\nتشهد عليهم أعضاؤهم بما عملوا من غير اختيار منهم، ثم كما تشهد بعض أعضائهم عليهم تشهد بعض أعضائهم لهم، فالعين كما تشهد: أنه نظر بي، تشهد بأنه بكى بي.. وكذلك سائر الأعضاء.\n_________\n(١) عن ابن عباس ﵁: من أذنب ذنبا ثم تاب منه قبلت توبته إلا من خاض فى أمر عائشة.\nوهذا تعظيم ومبالغة في أمر الإفك.","vol":"2","page":602},{"text":"ويقال شهادة الأعضاء فى القيامة مؤجّلة، وشهادتها فى المحبة اليوم معجّلة من صفرة الوجه إذا بدا المحبوب، وشحوب اللون، ونحافة الجسم، وانسكاب الدموع، وخفقان القلب، وغير ذلك.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2331>[سورة النور (٢٤): آية ٢٥]</span>\nيَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (٢٥)\nيجازيهم على قدر استحقاقهم للعابدين بالجنان والمثوبة على توفية أعمالهم، وللعارفين بالوصلة والقربة على تصفية أحوالهم فهؤلاء لهم علوّ الدرجات، وهؤلاء لهم الأنس بعزيز المشاهدات ودوام المناجاة.\n«وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ»: فتصير المعرفة ضرورية فيجدون المعافاة من النّظر وتذكّره، ويستريح القلب من وصفي تردّده وتغيّره: (لاستغنائه ببصائره عن تبصّره) «١» .\nويقال لا يشهدون غدا إلا الحقّ فهم قائمون بالحق للحق مع الحق، يبيّن لهم أسرار التوحيد وحقائقه، ويكون القائم عنهم، والآخذ لهم منهم من غير أن يردّهم إليهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2332>[سورة النور (٢٤): آية ٢٦]</span>\nالْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٢٦)\n«الْخَبِيثاتُ»: من الأعمال وهى المحظورات «لِلْخَبِيثِينَ»: من الرجال المؤثرين لها طوعا، والذين يجنحون إلى مثل تلك الأعمال فهم لها، كلّ مربوط بما يليق به فالفعل لائق بفاعله، والفاعل بفعله فى الطهارة والقذارة، والنفاسة والخساسة، والشرف والسّرف.\nويقال «الْخَبِيثاتُ»: من الأحوال وهى الحظوظ والمني والشهوات لأصحابها والساعين لها. والساعون لمثلها لها، غير ممنوع أحدهما من صاحبه، فالصفة للموصوف ملازمة، والموصوف لصفته ملازم.\n_________\n(١) هكذا فى النسختين، ويكون مراد القشيري أنه لم يعد مجال للتبصر فقد أصبح الشهود عيانا، وتحققت لهم الرؤية البصرية التي لم ينالوها فى الدنيا، ونفهم أن القشيري لا يرى الرؤية العيانية إلا فى الآخرة.","vol":"2","page":603},{"text":"ويقال «الْخَبِيثاتُ»: من الأشياء للخبيثين من الأشخاص، وهم الراضون بالمنازل السحيقة ... وإنّ طعام الكلاب الجيف.\nويقال «الْخَبِيثاتُ»: من الأموال- وهى التي ليست بحلال- لمن بها رتبته، وعليها تعتكف همّته فالخبيثون من الرجال لا يميلون إلّا لمثل تلك الأموال، وتلك الأموال لا تساعد إلا مثل أولئك الرجال.\nقوله جل ذكره: وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ.\n«الطَّيِّباتُ»: من الأعمال هى الطاعات والقرب للطيبين، والطيبون هم المؤثرون لها والساعون فى تحصيلها.\n«وَالطَّيِّباتُ»: من الأحوال- وهى تحقيق المواصلات بما هو حقّ الحق، مجرّدا عن الحظوظ- «لِلطَّيِّبِينَ» من الرجال، وهم الذين سمت همّتهم عن كلّ مبتذل خسيس، ولهم نفوس تسمو إلى المعالي، وهى التجمّل بالتذلل لمن له العزّة.\nويقال الطيبات من الأموال- وهى التي لا نكير للشرع عليها، ولا منّة لمخلوق فيها- للطيبين من الرجال، وهم الأحرار الذين تخلّصوا من رقّ الكون.\nويقال «الطَّيِّباتُ» من الأشخاص وهن المبرّات من وهج الخطر، المتنقيات عن سفساف أخلاق البشرية، وعن التعريج فى أوطان الشهوات- «لِلطَّيِّبِينَ» من الرجال الذين هم قائمون بحقّ الحقّ لا يصحبون الخلق إلا للتعفّف، دون استجلاب الشهوات.\nلَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ لهم مغفرة فى المآل، ورزق. كريم فى الحال وهو ما ينالون من غير استشراف، ولا تطلب طمع، ولا ذلّ منّة «١»، ولا تقديم تعب «٢» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2333>[سورة النور (٢٤): آية ٢٧]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٢٧)\n_________\n(١) أي (منّة) من مخلوق.\n(٢) (التعب) الذي ينشأ عن الاستعجال وعدم التفويض ونقص الثقة.","vol":"2","page":604},{"text":"الخواص لا يرون لأنفسهم ملكا يتفردون به لا من الأموال المنقولة ولا من المساكن التي تصلح لأن تكون مدخولة، فمن فاتحهم بشىء منها فلا يكون منهم منع ولا زجر، ولا حجب لأحد ولا حظر.. هذا فيما نيط بهم. أمّا فيما ارتبط بغيرهم فلا يتعرّضون لمن هى فى أيديهم لا باستشراف طمع، ولا بطريق سؤال، ولا على وجه انبساط «١» . فإن كان حكم الوقت يقتضى شيئا من ذلك فالحقّ يلجىء من فى يده الشيء ليحمله إليه بحكم التواضع والتقرّب، والولىّ يأخذ ذلك بنعت التعزّز، ولا يليق معنى ذلك إلا بأحوال تلك القصة «٢»، وأنشد بعضهم فى هذا المعنى:\nوإنى لأستحى من الله أن أرى ... أسير بخيل ليس منه بعير\nوأن أسأل المرء اللئيم بعيره ... وبعران ربّى فى البلاد كثير\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2334>[سورة النور (٢٤): آية ٢٨]</span>\nفَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَدًا فَلا تَدْخُلُوها حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكى لَكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨)\nفى هذا حفظ أمر الله وحفظ حرمة صاحب الدار لأنّ من دخلها بغير إذن صاحبها ربما تكون فيها عورة منكشفة، وربما يكون لصاحب الدار أمر لا يريد أن يطّلع عليه غيره، فلا ينبغى أن يدخل عليه من غير استئذان.\nوَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكى لَكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ.\n_________\n(١) يقول السرى السقطي فى مثل هذا السياق: «أعرف طريقا مختصرا قصدا إلى الجنة. فقيل له ما هو؟ فقال: لا تسأل من أحد شيئا. ولا تأخذ من أحد شيئا، ولا يكن معك شىء تعطى منه أحدا «الرسالة ص ١١» .\n(٢) أي بأرباب الطريق الصوفي","vol":"2","page":605},{"text":"إن قيل لكم: ارجعوا.. فارجعوا فقد تكون الأعذار قائمة، وصاحب الملك بملكه أولى.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2335>[سورة النور (٢٤): آية ٢٩]</span>\nلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ (٢٩)\nرفع الله الجناح والحرج فى الانتفاع بما لا يستضرّ به صاحبه بغير إذنه كدخول أرض للداخل فيها أغراض لقضاء حاجته- ولا يجد طريقا غير ذلك- إذا لم يكن فى دخوله ضرر على صاحبها، وجرى هذا مجرى الاستظلال بظلّ حائط إذا لم يكن قاعدا فى ملكه، وكالنظر فى المرآة المنصوبة فى جدار غيره.. وكل هذا إنما يستباح بالشرع دون قضية العقل- على ما توهمه قوم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2336>[سورة النور (٢٤): آية ٣٠]</span>\nقُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ (٣٠)\n: «يَغُضُّوا»: من أبصار الظواهر عن المحرّمات، ومن أبصار القلوب عن الفكر الرّدّية، ومن تصوّر الغائبات عن المعاينة»\n، ولقد قالوا: إنّ العين سبب الحين، وفى معناه أنشدوا:\nوأنت إذا أرسلت طرفك رائدا ... لقلبك- يوما- أتعبتك المناظر\nوقالوا: من أرسل طرفه اقتضى حتفه.\nوإن النظر إلى الأشياء بالبصر يوجب تفرقة القلوب.\nويقال إن العدوّ إبليس يقول: قوسى القديم وسهمى الذي لا يخطىء النظر. وأرباب\n_________\n(١) ربما يقصد القشيري أن ينهى عن إقحام فكرة النظر بالعين فى الأمور الغيبية، وبمعنى آخر النهى عن إخضاع كل شىء للحس، فطبيعة الغيبيات تختلف عن ذلك وإلا كنت كمن يحاول عبور الماء فوق جواد، أو يعبر اليابسة وهو فى سفينة- على حد تعبير جلال الدين الرومي فى سياق مماثل.","vol":"2","page":606},{"text":"المجاهدات إذا أرادوا صون قلوبهم عن الخواطر الردية لم ينظروا إلى المحسّات- وهذا أصل كبير لهم فى المجاهدة فى أحوال الرياضة «١» .\nويقال قرن الله النهى عن النظر إلى المحارم بذكر حفظ الفرج فقال: «وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ» تنبيها على عظم خطر النظر فإنه يدعو إلى الإقدام على الفعل.\nويقال قوم لا ينظرون إلى الدنيا وهم الزّهّاد، وقوم لا ينظرون إلى الكون وهم أهل العرفان، وقوم هم أهل الحفاظ والهيبة كما لا ينظرون بقلوبهم إلى الأغيار لا يرون نفوسهم أهلا للشهود، ثم الحق- سبحانه- يكاشفهم من غير اختيار منهم أو تعرّض أو تكلف.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2337>[سورة النور (٢٤): آية ٣١]</span>\nوَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ ما ظَهَرَ مِنْها وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبائِهِنَّ أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنائِهِنَّ أَوْ أَبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَواتِهِنَّ أَوْ نِسائِهِنَّ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١)\nالمطالبة عليهن كالمطالبة على الرجال لشمول التكليف للجنسين، فالواجب عليهن ترك المحظورات، والندب والنّفل لهن صون القلب عن الشواغل والخواطر الردية، ثم إن ارتقين عن هذه الحالة فالتعامى بقلوبهن عن غير المعبود، والله يختص برحمته من يشاء.\nقوله: «وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها»: ما أباح الله- سبحانه- على بيان مسائل الفقه فمستثنّى من الحظر، وما وراء ذلك فالواجب عليهن حفظ أنفسهن عن العقوبات فى الآجل، والتصاون عن أن يكون سببا لفتنة قلوب عباده. والله سبحانه كما يحفظ أولياءه عما يضرهم فى الدّين يصونهم عما يكون سببا لفتنة غيرهم، فإن لم يتصل منهم نفع بالخلق فلا تصيب أحدا بهم فتتة.\nوفى الجملة ما فيه زينة العبد لا يجوز إظهاره فكما أنّ للنساء عورة ولا يجوز لهن إبداء زينتهن فكذلك من أظهر للخلق ما هو زينة سرائره «٢» من صفاء أحواله، وزكاء أعماله\n_________\n(١) سقطت (الرياضة) من النسخة ص.\n(٢) هنا يجدد القشيري رأيه بدقة فى قضية الإفصاح والكتمان. فالأصل عنده الكتمان، فإذا افصح العبد فلا يكون ذلك إلّا لاضطرار ويكون عندئذ غير مؤاخذ لأنه بعيد عن التعمل والتكلف.","vol":"2","page":607},{"text":"انقلب زينه شينا، إلا إذا ظهر على أحد شىء- لا بتعمله ولا بتكلّفه- فذلك مستثنى لأنه غير مؤاخذ بما لم يكن بتصرفه وتكلفه، فذوات المحارم على تفصيل بيان الشريعة يستثنى حكمهن عن الحظر «١» .\nقوله جل ذكره: أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ تراعى فى جميع ذلك آداب الشرع فى الإباحة والحظر.\nقوله جل ذكره وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ التوبة الرجوع عن المذمومات من الأفعال إلى أضدادها المحمودة، وجميع المؤمنين مأمورون بالتوبة، فتوبة عن الزّلّة وهى توبة العوام، وتوبة عن الغفلة وهى توبة الخواص.\nوتوبة على محاذرة العقوبة، وتوبة على ملاحظة الأمر.\nويقال أمر الكافة بالتوبة العاصين بالرجوع إلى الطاعة من المعصية، والمطيعين من رؤية الطاعة إلى رؤية التوفيق، وخاصّ الخاصّ من رؤية التوفيق إلى مشاهدة الموفّق.\nويقال أمر الكلّ بالتوبة لئلا يخجل العاصي من الرجوع بانفراده.\nويقال مساعدة الأقوياء مع الضعفاء- رفقا بهم- من أمارات الكرم.\nويقال فى قوله: «لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» يتبين أنّه أمرهم بالتوبة لينتفعوا هم بذلك، لا ليكون للحقّ- سبحانه- بتوبتهم وطاعتهم تجمّل.\nويقال أحوج الناس إلى التوبة من توهّم أنّه ليس يحتاج إلى التوبة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2338>[سورة النور (٢٤): آية ٣٢]</span>\nوَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢)\n_________\n(١) يصلح هذا نموذجا (للقياس) إن أردنا بحث ما اسميناه (الفقه الصوفي) .","vol":"2","page":608},{"text":"إذا كان القصد فى المناكحة التأدب بآداب الشرع يكفى الله ببركاته مطالبات النفس والطبع، وإنما يجب أن يكون القصد إلى التعفّف ثم رجاء نسل يقوم بحقّ الله «١» .\nقوله: «إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ: يغنيهم الله فى الحال، أولا بالنفس ثم غنى القلب وغنىّ القلب غني عن الشيء، فالغني عن الدنيا أتمّ من الغنى بالدنيا.\nويقال إن يكونوا فقراء فى الحال يغنهم الله فى المستأنف والمآل.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2339>[سورة النور (٢٤): آية ٣٣]</span>\nوَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٣)\nمن تقاصر وسعه عن الإنفاق على العيال فليصبر على مقاساة التحمل فى الحال، فعن قريب تجيبه نفسه إلى سقوط الأرب، أو الحق- سبحانه- يجود عليه بتسهيل السبب من حيث لا يحتسب، ولا تخلو حال المتعفّف عن هذه الوجوه.\nقوله جل ذكره: وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ أي إن سمحت نفوسكم بإزالة الرّقّ عن المماليك- الذين هم فى الدين إخوانكم- من غير عوض تلاحظون منهم فلن تخسروا على الله فى صفقتكم. وإن أبيتم إلا العوض ودعوا إلى الكتابة، وعلمتم بغالب ظنكم صحة الوفاء بمال الكتابة من قبلهم فكاتبوهم «٢»،\n_________\n(١) كذلك دعا الأنبياء ربهم حين طلبوا الذرية.\n(٢) المكاتبة أن يقول لمملوكه: «كاتبتك على ألف درهم» مثلا فإن أداها عتق، ومعناها كتبت عليك بالوفاء وكتبت على بالعتق، ويجوز أداء المال حالا ومؤجلا ومنجما وغير منجم لإطلاق الأمر.","vol":"2","page":609},{"text":"ثم تعاونوا على تحصيل المقصود بكل وجه من قدر يحط من مال الكتابة، وإعانة لهم من فروض الزكاة «١»، وإمهال بقدر ما يحتمل المكاتب ليكون ترفيها له.\nوإذا كنا فى الشرع مأمورين بكل هذا الرّفق حتى يصل المملوك المسكين إلى عتقه فبالحرىّ أن يسمو الرجاء إلى الله بجميل الظنّ أن يعتق العبد من النار بكثرة تضرعه، وقديم سعيه- بقدر وسعه- من عناء قاساه، وفضل من الله- عن قديم- رجاه «٢» .\nثم فى الخبر: «إن المكاتب عبد ما بقى عليه درهم»: والعبد يسعى بجهده ليصل إلى تحرر قلبه، وما دام تبقى عليه بقية من قيام الأخطار وبقية من الاختيار وإرادة شىء من الأغيار فهو بكمال رقّه وليس فى الحقيقة بحرّ.. فالمكاتب عبد ما بقي عليه درهم.\nقوله جل ذكره: وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا، وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ.\nحامل العاصي على زلّته، والداعي له إلى عثرته، والمعين له على مخالفته تتضاعف عليه العقوبة، وله من الوزر أكثر من غيره، وبعكسه لو كان الأمر فى الطاعة والإعانة على العبادة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2340>[سورة النور (٢٤): آية ٣٤]</span>\nوَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٣٤)\n_________\n(١) إشارة إلى قوله تعالى فى أسهم الزكاة: (وفى الرقاب) وعند الشافعي﵀- حطوا من بدل الكتابة ربعا.\n(٢) للنسفى كلام لطيف يصلح لتوضيح مقصد القشيري حيث يقول: العابد كالعبد فهو يشترى نفسه من ربه بنجوم مرتبة ليسعى فى فكاك رقبته خوفا من البقاء فى ربقة العبودية وطمعا فى فتح باب الحرية ليسرح فى رياض الجنة، فعليه فى اليوم والليلة خمس، وفى المائتي درهم خمسة، وفى السنة شهر، وفى العمر زورة إشارة إلى الصلاة والزكاة والصوم والحج على الترتيب. [.....]","vol":"2","page":610},{"text":"لم يغادر على وجه الدليل غبرة «١»، ولم يترك الحقّ- سبحانه- للإشكال محلا بل أوضح المنهاج وأضاء السّراج، وأنار السبيل وألاح الدليل، فمن أراد أن يستبصر فلا يلحقه نصب، ولا يمسّه تعب.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2341>[سورة النور (٢٤): آية ٣٥]</span>\nاللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥)\nأي هادى أهل السماوات والأرض، ومنه نورهما. والذي منه الشيء يسمى باسمه الشيء.\nومنه نور السماوات والأرض خلقا فنظام السماوات والأرض وإحكامها وترتيبها بوصف إتقانها حاصل بالله تعالى.\nويقال نور السماوات والأرض أي منوّرها وخالق ما فيها من الضياء والزينة، وموجد ما أودعها من الأدلة اللائحة.\nويقال نوّر الله السماء بنجومها فقال: «وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ» «٢» فكذلك زين القلوب بأنوار هى نور العقل ونور الفهم ونور العلم ونور اليقين ونور المعرفة ونور التوحيد «٣»، فلكلّ شىء من هذه الأنوار مطرح شعاع بقدره فى الزيادة والنقصان.\nقوله جل ذكره: مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.\nقوله «مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ..»: أراد بهذا نور قلب المؤمن وهو معرفته، فشبّه صدره\n_________\n(١) الغبرة- لطخ الغبار.\n(٢) آية ١٢ سورة فصلت.\n(٣) نلفت النظر إلى أهمية هذا الترتيب فى توضيح مراحل المعرفة عند الصوفية وهى تتدرج فى الضياء من السراج إلى النجم إلى القمر إلى البدر إلى الشمس إلى شمس الشموس.","vol":"2","page":611},{"text":"بالمشكاة، وشبّه قلبه فى صدره بالقنديل فى المشكاة، وشبّه القنديل- الذي هو قلبه- بالكوكب الدرىّ، وشبه إمداده بالمعرفة بالزيت الصافي الذي يمدّ السراج فى الاشتعال.\nثم وصف الزيت بأنّه على كمال إدراك زيتونه من غير نقصان أصابه، أو خلل مسّه. ثم وصف ذلك الزيت- فى صفوته- بأنه بحيث يكاد يضىء من غير أن تمسّه نار.\nويقال إن ضرب المثل لمعرفة المؤمن بالزيت أراد به شريعة المصطفىﷺ- ودينه الحنيفي، فما كان يهوديا- وهم الذين قبلتهم إلى جانب المغرب، ولا نصرانيا- وهم الذين قبلتهم فى ناحية المشرق.\nوقوله: «نُورٌ عَلى نُورٍ»: نور اكتسبوه بجهدهم بنظرهم واستدلالهم، ونور وجدوه بفضل الله فهو بيان أضافه إلى برهانهم، أو عيان أضافه إلى بيانهم، فهو نور على نور.\nويقال أراد به قلب محمدﷺ- ونور معرفته موقد من شجرة هى إبراهيم ﵇، فهو ﷺ على دين إبراهيم.\nقوله: «لا شَرْقِيَّةٍ» بحيث تصيبه الشمس بالعشي دون الغداة، ولا غربية بحيث تصيبه الشمس بالغداة دون العشى، بل تصيبه الشمس طول النهار ليتمّ نضج زيتونه، ويكمل صفاء زيته. والإشارة فيه أنه لا ينفرد خوف قلوبهم عن الرجاء فيقرب من اليأس، ولا ينفرد رجاؤهم عن الخوف فيقرب من الأمن، بل هما يعتدلان فلا يغلب أحدهما الآخر تقابل هيبتهم أنسهم، وقبضهم بسطهم، وصحوهم محوهم، وبقاؤهم فناءهم، وقيامهم بآداب الشريعة تحقّقهم بجوامع الحقيقة «١» .\nويقال «لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ»: أي أن هممهم لا تسكن شرقيا ولا غربيا، ولا علويا ولا سفليا، ولا جنيا ولا إنسيا، ولا عرشا ولا كرسيا، سطعت «٢» عن الأكوان، ولم تجد سبيلا إلى الحقيقة لأن الحقّ منزّه عن اللحوق والدرك، فبقيت عن الحق منفصلة، وبالحق غير\n_________\n(١) فالقلب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبه بين طرفى الأحوال حتى يصفو له.\n(٢) هكذا فى م وهى فى ص (شطحت) وربما قبلناها فالسياق لا يرفضها.","vol":"2","page":612},{"text":"متصلة «١» وهذه صفة الغرباء.. وإن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ.\nويقال نور القلب: ثم موجبه هو دوام الانزعاج فلا يذره يعرّج فى أقطار الكسل، فيصل سيره بسراه فى استعمال فكره، والحقّ يمده: بنور التوفيق حتى لا يصده عن عوارض الاجتهاد شىء من حبّ رياسة، أو ميل لسوء، أو هوادة. فإذا أسفر صبح غفلته، واستمكن النظر من موضعه حصل العلم لا محالة. ثم لا يزال يزداد يقينا على يقين مما يراه فى معاملته من القبض والبسط، والمكافأة والمجازاة فى زيادة الكشف عند زيادة الجهد، وحصول الوجد عند أداء الورد.\nثم بعده نور المعاملة، ثم نور المنازلة، ثم متوع نهار المواصلة. وشموس التوحيد مشرقة، وليس فى سماء أسرارهم سحاب ولا فى هوائها ضباب، قال تعالى: «نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ» .\nويقال نور المطالبة يحصل فى القلب فيحمل صاحبه على المحاسبة، فإذا نظر فى ديوانه، وما أسلفه من عصيانه يحصل له نور المعاينة، فيعود على نفسه باللائمة، ويتجرّع كاسات ندمه، فيرتقى عن هذا باستدامة قصده، والتّنقّى عما كان عليه فى أوقات فترته. فإذا استقام فى ذلك كوشف بنور المراقبة فيعلم أنّه- سبحانه- مطّلع عليه. وبعد هذا نور المحاضرة وهى لوائح تبدو فى السرائر. ثم بعد ذلك نور المكاشفة وذلك بتجلّى الصفات.\nثم بعده نور المشاهدة فيصير ليله نهارا، ونجومه أقمارا، وأقماره بدورا، وبدوره شموسا.\nثم بعد هذا أنوار التوحيد، وعند ذلك يتحقق التجريد بخصائص التفريد، ثم مالا تتناوله عبارة ولا تدركه إشارة، فالعبارات- عند ذلك- خرس، والشواهد طمس، وشهود الغير عند ذلك محال «٢» . عند ذلك: «إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ، وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ، وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ، وَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ» «٣»، و«إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ، وانْفَطَرَتْ..»\n_________\n(١) هذا نموذج للتصوف الإسلامى الحق الذي لا تشوبة شائبة حلول أو اتحاد أو امتزاج، فالرب رب والعبد عبد، ولا تداخل بينهما.\n(٢) لأنه لا وجود عندئذ للغير والسوي، فقد فنى العبد عن نفسه وعن الغير الله تماما فناء ذوقيا شهوديا، لا فناء طبيعيا كما هو الشأن فى بعض التصوفات الأخرى.\n(٣) سورة التكوير.","vol":"2","page":613},{"text":"فهذه كلها أقسام الكون. وما من العدم لهم صار إلى العدم. القائم عنهم غيرهم، والكائن عنهم سواهم. وجلّت الأحدية وعزّت الصمدية، وتقدّست الديمومية، وتنزهت الإلهية.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2342>[سورة النور (٢٤): الآيات ٣٦ الى ٣٧]</span>\nفِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ (٣٦) رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ (٣٧)\nالمساجد بيوته- سبحانه- وإنّ الله أذن أن ترفع الحوائج فيها إليه فيقضيها، ورفع أقدار تلك البيوت على غيرها من الأبنية والآثار. المساجد بيوت العبادة والقلوب بيوت الإرادة فالعابد يصل بعبادته إلى ثواب الله، والقاصد يصل بإرادته إلى الله.\nويقال القلوب بيوت المعرفة، والأرواح مشاهد المحبة، والأسرار محالّ المشاهدة.\nقوله: «يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ ...» لم يقل: لا يتجرون ولا يشترون ولا يبيعون، بل قال: لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، فإن أمكن الجمع بينهما فلا بأس- ولكنه كالمتعذر- إلّا على الأكابر الذين تجرى عليهم الأمور وهم عنها مأخوذون «١» .\nويقال هم الذين يؤثرون حقوق الحقّ على حظوظ النّفس.\nويقال إذا سمعوا صوت المؤذن: حىّ على الصلاة تركوا ما هم فيه من التجارة والبيع، وقاموا لأداء حقه.\nويقال هم الخواص والأكابر الذين لا يشغلهم قوله: «هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ» عن التحقق يذكره من غير ملاحظة عوض أو مطالعة سبب.\nقوله جل ذكره: يَخافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ\n_________\n(١) هذا رأى حاسم فى مدى وجوب السعى من أجل الرزق على طوائف أرباب الأحوال وتقدير لموقف من يعجزون عن ذلك.","vol":"2","page":614},{"text":"أقوام ذلك اليوم مؤجّل لهم، وآخرون: ذلك لهم معجّل وهو بحسب ما هم فيه من الوقت فانّ حقيقة الخوف ترقّب العقوبات مع مجارى الأنفاس.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2343>[سورة النور (٢٤): آية ٣٨]</span>\nلِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٣٨)\nمن رفع الحساب من الوسط يرفع معه الحساب «١»، ومن هو فى أسر مطالباته فالوزن يومئذ الحقّ.\nوالرزق بغير حساب فى أرزاق الأرواح، فأمّا أرزاق الأشباح فمحصورة معدودة لأن أرزاق الأشباح حظوظ وهى وجود أفضال وفنون نوال. وما حصره الوجود من الحوادث فلا بدّ أن يأتى عليه العدد، وأما مكاشفة الأرواح بشهود الجمال والجلال فذلك على الدوام.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2344>[سورة النور (٢٤): آية ٣٩]</span>\nوَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ (٣٩)\nوقال تعالى: «وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا» «٢»، وقال: «وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ» «٣» . ومن أمّل السراب شرابا فلا يلبث إلا قليلا حتى يعلم أنّه كان تخييلا فالعطش يزداد، والروح تدعو للخروج.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2345>[سورة النور (٢٤): آية ٤٠]</span>\nأَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠)\n_________\n(١) ربما يقصد القشيري من هذه العبارة أولئك الذين يعبدون الله لذاته دون حساب فى العلاقة لثواب أو عقاب، ويتأيد ذلك بقوله فى العبارة التالية (ومن هو فى أسر مطالباته..) أي من ابتغى العوض لأنه يكون على حد تعبير رابعة كالأجير السوء.\n(٢) آية ١٠٤ سورة الكهف.\n(٣) آية ١٨ سورة المجادلة.","vol":"2","page":615},{"text":"ظلمات الحسبان، وغيوم التفرقة، وليالى الجحد، وحنادس الشّكّ إذا اجتمعت فلا سراج لصاحبها، ولا نجوم، ولا أقمار ولا شموس.. فالويل ثم الويل! قوله: «وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِنْ نُورٍ»: إذا لم يسبق لعبد نور القسمة، ولم يساعده تعلّق فجهده وكدّه، وسعيه وجدّه عقيم من ثمراته، موئس من نيل بركاته.\nوالبدايات غالبة للنهايات فالقبول لأهله غير مجتلب، والردّ لأهله غير مكتسب.\nوسعيد من سعد بالسعادة فى علمه فى آزاله، وأراد كون ما علم من أفعاله يكون، وأخبر أن ذلك كذلك يكون، ثم أجرى ذلك على ما أخبر وأراد وعلم «١» .\nوهكذا القول فى الشقاوة فليس لأفعاله علّة، ولا تتوجّه عليه لأحد حجّة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2346>[سورة النور (٢٤): آية ٤١]</span>\nأَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ (٤١)\nالتسبيح على قسمين: تسبيح قول ونطق، وتسبيح دلالة وخلق فتسبيح الخلق عام من كل مخلوق وعين وأثر، منه تسبيح خاصّ بالحيوانات، وتسبيح خاص بالعقلاء وهذا منقسم إلى قسمين: تسبيح صادر عن بصيرة، وتسبيح حاصل من غير بصيرة فالذى قرينته البصيرة مقبول، والذي تجرّد عن العرفان مردود.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2347>[سورة النور (٢٤): آية ٤٢]</span>\nوَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٤٢)\n_________\n(١) هذا شرح جميل لفكرة القشيري عن: «الله خالق أفعال العباد» التي هى إحدى أصول عقيدته الكلامية.","vol":"2","page":616},{"text":"الملك مبالغة من الملك، والملك القدرة على الإيجاد فالمقدورات- قبل وجودها- للخالق مملوكة، كذلك فى أحوال حدوثها بعد عدمها عائدة إلى ما كانت عليه، فملكه لا يحدث ولا يزول ولا يئول شىء منه إلى البطول.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2348>[سورة النور (٢٤): الآيات ٤٣ الى ٤٤]</span>\nأَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ (٤٣) يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ (٤٤)\nتعرّف إلى قلوب العلماء بدلالات صنعه فى بديع حكمته، وبما يدل منها على كمال قدرته، وشمول علمه وحكمته، ونفوذ إرادته ومشيئته. فمن أنعم النظر وصل إلى برد اليقين، ومن أعرض بقي فى وهدة الجحد وظلمات الجهل.\nترتفع بقدرته بخارات البحر، وتصعد بتسيره «١» وتقديره إلى الهواء وهو السحاب، ثم يديرها إلى سمت يريد أن ينزل به المطر، ثم ينزل ما فى السحاب من ماء البحر قطرة قطرة ويكون الماء قبل حصول بخارات البحر غير عذب فيقلبه عذبا، ويسحّه السحاب سكبا، فيوصل إلى كلّ موضع قدرا يكون له مرادا معلوما، لا بالجهد من المخلوقين يمسك أو ينزّل، ولا بالحيلة يستنزل على المكان الذي لا يمطره «٢» .\n«يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ»: وكذلك جميع الأغيار من الرسوم والآثار.. ذلك تقدير العزيز العليم.\n_________\n(١) ربما كانت فى الأصل (بتيسيره) وكلاهما مقبول فى السياق. [.....]\n(٢) نفى الجهد والحيلة من أمارات الاعتماد على التقدير وإسقاط التدبير","vol":"2","page":617},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2349>[سورة النور (٢٤): آية ٤٥]</span>\nوَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٥)\nيريد خلق كلّ حيوان من ماء، يخرج من صلب الأب وتريبة «١» الأمّ. ثم أجزاء الماء متساوية متماثلة، ثم ينقسم إلى جوارح فى الظاهر وجوارح فى الباطن، فيختصّ كلّ عضو وينفرد كل شلو «٢» بنوع من الهيئة والصورة، وضرب من الشكل والبنية. ثم اختلاف هيئات الحيوانات فى الريش والصوف والوبر والظفر والحافر والمخلب، ثم فى القامة والمنظر، ثم انقسام ذلك إلى لحم وشحم وجلد وعظم وسنّ ومخّ وعصب وعرق وشعر.\nفالنظر فى هذا- مع العبرة به- يوجب سجود البصيرة وقوة التحصيل.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2350>[سورة النور (٢٤): آية ٤٦]</span>\nلَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٦)\nالآيات بيّنة ولكنّ الله يهدى إليها قوما ويلبّس على آخرين، والذي سدّ بصره أنّى ينفعه طلوع الشمس والنجوم؟ وكذلك الذي سدّت بصيرته أنّى تنفعه شواهد العلوم ودلائل الفهوم؟ وقالوا فى معناه:\nوما انتفاع أخى الدنيا بمقلته ... إذا استوت عنده الأنوار والظلم\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2351>[سورة النور (٢٤): آية ٤٧]</span>\nوَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٧) .\n_________\n(١) وردت (تربة) والصواب أن تكون (تريبة) الأم وهى عظمة الصدر مما يلى الترقوتين والجمع ترائب.\n(٢) الشلو- العضو.","vol":"2","page":618},{"text":"يستسلمون فى الظاهر ويقرّون باللسان، ثم المخلص يبقى على صدقه.\nوالذي قال لخوف سيف المسلمين، أو لغرض له آخر فاسد يتولّى بعد ذلك، وينحاز إلى جانب الكفرة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2352>[سورة النور (٢٤): آية ٤٨]</span>\nوَإِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨)\nعلموا أن افتضاحهم فى حكم نيتهم، فمن علم أنه قاسط فى خصومته لم يطب نفسا بحكمه.\nوكذلك المريب يهرب من الحقّ، ويجتهد فى الفرار «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2353>[سورة النور (٢٤): آية ٤٩]</span>\nوَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩)\nمنقادين يميلون مع الهوى، ولا يقبلون حكمه إيمانا. وكذلك شأن المريض الذي يميل بين الصحة والسقم فأرباب النفاق مترددون بين الشك والعلم، فليس منهم نفى بالقطع ولا إثبات بالعلم، فهم متطوّحون فى أودية الشك، وهذا معنى قوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2354>[سورة النور (٢٤): آية ٥٠]</span>\nأَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتابُوا أَمْ يَخافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٥٠)\nفلمّا انخرطوا فى سلك التجويز ما حصلوا إلا فى ظلم الشك، ولما لم يكن لهم يقين فى القلب لم يكن معهم لأهل القلوب ذكر.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2355>[سورة النور (٢٤): آية ٥١]</span>\nإِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١) .\n_________\n(١) ذكر الواحدي فى «أسباب النزول» ص ٢٢١ ان هذه الآية نزلت فى بشر المنافق وخصمه اليهودي حين اختصما فى أرض، فجعل اليهودي يجره إلى رسول الله (ص) ليحكم بينهما، وجعل المنافق يجره إلى كعب بن الأشرف ويقول: إن محمدا يحيف علينا ... إلخ.","vol":"2","page":619},{"text":"الذين إيمانهم حقيقة بحكم التصديق شأنهم قيامهم بإظهار ما ضمنوه من التحقيق.\nومن يقابل أمر الله بالطاعة، ويستقبل حكمه بالاستخذاء.. فأولئك هم الصادقون فى الحقيقة، السالكون فى الطريقة، الآخذون بالوثيقة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2356>[سورة النور (٢٤): الآيات ٥٣ الى ٥٤]</span>\nوَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لا تُقْسِمُوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (٥٣) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٥٤)\nأقسموا بالله غاية اليمين، ووعدوا من أنفسهم الطاعة لو أمرهم بالخروج فى المستقبل، فقال: لا تعدوا بما هو معلوم منكم ألا تفوا به فطاعة فى الوقت أولى من تسويف بالوعد.\nثم قال: قل يا محمد أطيعوا الله وأطيعوا الرسول.. فإن أجابوا سعدوا فى الدارين، وأحسنوا إلى أنفسهم. وإن تولّوا عن الإجابة فما أضرّوا إلا بأنفسهم ويكون الندم فى المستقبل عليهم، وسوف يلقون سوء عواقبهم، وليس على الرسل إلا حسن البلاغ. ويوم الحشر يعطى كلّ أحد كتابه، ويعامل بمقتضى حساب نفسه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2357>[سورة النور (٢٤): آية ٥٥]</span>\nوَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٥٥)\nوعد الله حقّ وكلامه صدق، والآية تدل على صحة الخلفاء الأربعة لأنه- بالإجماع-","vol":"2","page":620},{"text":"لم يتقدمهم فى الفضيلة- إلى يومنا- أحد «١» فأولئك مقطوع بإمامتهم، وصدق وعد الله فيهم، وهم على الدين المرضىّ من قبل الله، ولقد أمنوا بعد خوفهم، وقاموا بسياسة المسلمين، والذّبّ عن حوزة الإسلام أحسن قيام.\nوفى الآية إشارة إلى أئمة الدين الذين هم أركان الملّة ودعائم الإسلام، الناصحون لعباده، الهادون من يسترشد فى الله إذ الخلل فى أمر المسلمين من الولاة الظّلمة ضرره مقصور على ما يتعلّق بأحكام الدنيا، فأما حفّاظ الدين فهم الأئمة من العلماء وهم أصناف:\nقوم هم حفّاظ أخبار الرسول ﵇ وحفّاظ القرآن وهم بمنزلة الخزنة، وقوم هم علماء الأصول الرادّون على أهل العناد وأصحاب البدع بواضح الأدلة، وهم بطارقة الإسلام وشجعانه.\nوقوم هم الفقهاء المرجوع إليهم فى علوم الشريعة من العبادات وكيفية المعاملات وما يتعلق بأحكام المصاهرات وحكم الجراحات والدّيّات، وما فى معانى الأيمان والنذور والدعاوى، وفصل الحكم فى المنازعات وهم فى الدين بمنزلة الوكلاء والمتصرفين فى الملك.\nوقوم هم أهل المعرفة وأصحاب الحقائق وهم فى الدّين كخواصّ الملك وأعيان مجلس السلطان فالدين معمور بهؤلاء- على اختلافهم إلى يوم القيامة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2358>[سورة النور (٢٤): آية ٥٧]</span>\nلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْواهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٥٧)\nإنّ الباطل قد تكون له دولة ولكنها تخييل- وما لذلك بقاء- وأقلّ لبثا من عارض ينشأ عن الغيظ.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2359>[سورة النور (٢٤): آية ٥٨]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلى بَعْضٍ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٨)\n_________\n(١) فى م بعدها (وما بعدهم مختلف فيهم) .","vol":"2","page":621},{"text":"«١» ضيّق الأمر من وجه ووسّعه من وجه، وأمر بمراعاة الاحتياط وحسن السياسة لأحكام الدين ومراعاة أمر الحرم، والتحرر من مخاوف الفتنة، وإذا كانت الجوانب محروسة صارت المخاوف مأمونة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2360>[سورة النور (٢٤): آية ٦٠]</span>\nوَالْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللاَّتِي لا يَرْجُونَ نِكاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٦٠)\nيحدث تأثير بالمضرّة لبنات الصدور «٢» من دواعى الفتنة واستيلاء سلطان الشهوة فإذا سكنت تلك الثائرة سهل الباب، وأبيحت الرّخص وأمنت الفتنة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2361>[سورة النور (٢٤): آية ٦١]</span>\nلَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَواتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خالاتِكُمْ أَوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتاتًا فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦١)\nإذا جاءت الأعذار سهل الامتحان والاختيار، وإذا حصلت القرابة سقطت الحشمة، وإذا صدقت القرابة انتفت التفرقة والأجنبية فبشهادة هذه الآية إذا انتفت هذه الشروط صحّت المباسطة فى الارتفاق.\n_________\n(١) ذكر ابن عباس أن الرسول (ص) وجّه غلاما من الأنصار يقال له مدلج بن عمرو إلى عمر ابن الخطاب ﵁ وقت الظهيرة ليدعوه، فدخل فرأى عمر بحالة كره عمر رؤيته ذلك، فقال:\nيا رسول الله: وددت لو أن الله تعالى أمرنا ونهانا فى حال الاستئذان، فنزلت هذه الآية.\nوقال مقاتل نزلت فى أسماء بنت مرند حين دخل عليها غلام كبير فى وقت كرهته فشكت إلى رسول الله.\nفانزل الله هذه الآية.\n(٢) بنات الصدور تعبير بالكناية عن الأسرار والخواطر.","vol":"2","page":622},{"text":"ثم قال: «أَوْ صَدِيقِكُمْ»: وعزيز من يصدق فى الصداقة فيكون فى الباطن كما يرى فى الظاهر، ولا يكون فى الوجه كالمرآة ومن ورائك كالمقراض، وفى معناه ما قلت:\nمن لى بمن يثق الفؤاد بودّه ... فإذا ترحّل لم يزغ عن عهده\nيا بؤس نفسى من أخ لى باذل ... حسن الوفاء بوعده لا نقده\nيولى الصفاء بنطقه لا خلقه ... ويدسّ صابا فى حلاوة شهده\nفلسانه يبدى جواهر عقده ... وجنانه تغلى مراجل حقده\nلاهمّ إنى لا أطيق مراسه ... بك أستعيذ من الحسود وكيده\n(وقوله: «أَوْ صَدِيقِكُمْ» من تؤمن منه هذه الخصال وأمثالها) «١» .\nقوله جل ذكره: فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ السلام الأمان، وسبيل المؤمن إذا دخل بيتا أن يسلّم من الله على نفسه أي يطلب الأمان والسلامة من الله لتسلم نفسه من الإقدام على ما لا يرضاه الله، إذ لا يحل لمسلم أن يفتر لحظة عن الاستجارة بالله حتى لا يرفع عنه- سبحانه- ظلّ عصمته بإدامة حفظه عن الاتصاف بمكروه فى الشرع «٢» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2362>[سورة النور (٢٤): آية ٦٢]</span>\nإِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٢)\n_________\n(١) ما بين القوسين موجود في ص وغير موجود فى م.\n(٢) فى هذه الإشارة غمز بأصحاب البدع الذين يرتكبون ما يخالف الشرع بدعوى الوله والانمحاء","vol":"2","page":623},{"text":"شرط الاتباع موافقة المتبوع، وألا يتفرقوا فيصيروا أحزابا كما قال: «تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى» «١» والعلماء ورثة الأنبياء، والمريدون لشيوخهم كالأّمة لنبيّهم فشرط المريد ألا يتنفّس ينفس إلا بإذن شيخه، ومن خالف شيخه فى نفس- سرّا أو جهرا- فإنه يرى غبّه سريعا فى غير ما يحبّه. ومن خالفة الشيوخ فيما يستسرونه «٢» عنهم أشدّ ممّا يظهر بالجهر بكثير لأن هذا يلتحق بالخيانة. ومن خالف شيخه لا يشمّ رائحة الصّدق، فإن بدر منه شىء من ذلك فعليه بسرعة الاعتذار والإفصاح عمّا حصّل منه من المخالفة والخيانة، ليهديه شيخه إلى ما فيه كفّارة جرمه، ويلتزم فى الغرامة بما يحكم به عليه. وإذا رجع المريد إلى شيخه بالصدق وجب على شيخه جبران تقصيره بهمته فإن المريدين عيال على الشيوخ فرض عليهم أن ينفقوا عليهم من قوّة أحوالهم بما يكون جبرانا لتقصيرهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2363>[سورة النور (٢٤): آية ٦٣]</span>\nلا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٦٣)\nأي عظّموه فى الخطاب، واحفظوا فى خدمته الأدب، وعانقوا طاعته على مراعاة الهيبة والتوقير.\nقوله جل ذكره: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ «٣» أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ\n_________\n(١) آية ١٤ سورة الحشر.\n(٢) فى ص (يستبشرونه) وفى م (يستسترونه) ونحن نؤيد هذه حتى تتلاءم مع (ما يظهر بالجهر) فينتظم السياق بها.\n(٣) يقال خالفه عن الأمر إذا صد عنه دونه.","vol":"2","page":624},{"text":"سعادة الدارين فى متابعة السّنّة، وشقاوة المنزلين فى مخالفة السّنّة. ومن أيسر ما يصيب من خالف سنته حرمان الموافقة، وتعذّر المتابعة بعده، وسقوط حشمة الدارين عن قلبه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2364>[سورة النور (٢٤): آية ٦٤]</span>\nأَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٤)\n«١» «٢» إنّ لليوم غدا، ولمّا يفعل العبد حسابا، وسيطالب المكلّف بالصغير والكبير، والنقير والقطمير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2365>سورة الفرقان</span>\nقوله جل ذكره: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ بسم الله اسم جليل شهدت بجلاله أفعاله، ونطقت بجماله أفضاله. دلّت على إثباته آياته، وأخبرت عن صفاته مفعولاته.\nبسم الله اسم عزيز عرفت بفعله قدرته، اسم كريم شهدت بفضله نصرته.\nبسم الله اسم عزيز عرفه العقلاء بدلالات أفعاله، وعرفه الأصفياء باستحقاقه لجلاله وجماله فبلطف جماله عرفوا جوده، وبكشف جلاله عرفوا وجوده.\nبسم الله اسمه عزيز من دعاه لبّاه، ومن توكل عليه كفاه، ومن توسّل إليه أكرمه وآواه، ومن تنصّل إليه «٣» رحمه وأدناه، ومن شكا إليه أشكاه «٤»، ومن سأله خوّله وأعطاه.\n_________\n(١) وفى قراءة (يرجعون) بفتح الياء وكسر الجيم.\n(٢) يروى أن ابن عباس ﵁ قرأ سورة النور على المنبر فى الموسم وفسرها على وجه لو سمعت الروم به لأسلمت. [.....]\n(٣) تنصل إليه هنا معناها تبرأ من ذنبه وتاب.\n(٤) أشكى أي قبل الشكاة وأعان الشاكي.","vol":"2","page":625},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2366>[سورة الفرقان (٢٥): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nتَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا (١)\nيقال برك الطير على الماء إذا دام وقوفه على ظهر الماء. ومبارك الإبل مواضع إقامتها بالليل. وتبارك على وزن تفاعل تفيد دوام بقائه، واستحقاقه لقدم ثبوته وبقاء وجوده لا عن استفتاح ولا إلى انقطاع.\nوفى التفاسير «تَبارَكَ» أي تعظّم وتكبّر. وعند قوم أنه من البركة وهى الزيادة والنفع، فداومه وجوده، وتكبره ستحقاق ذاته لصفاته العلية، والبركة أو الزيادة تشير إلى فضله وإحسانه ولطفه.\nفوجوه الثناء عليه تنحصر بهذه الأوجه الثلاثة: ثناء عليه بذكر ذاته وحقّه، وثناء بذكر وصفه وعزّه، وثناء بذكر إحسانه وفضله فكلمة «تَبارَكَ» مجمع الثناء عليه- سبحانه.\n«الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ» وهو القرآن «عَلى عَبْدِهِ»: فأكرمه بأن نبّاه وفضّله، وإلى الخلق أرسله، وبيّن معجزته وأمارة صدقه بالقرآن الذي عليه أنزله، وجعله بشيرا ونذيرا، وسراجا منيرا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2367>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٢]</span>\nالَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢)\nتفرّد بالملك فلا شريك يساهمه، وتوحّد بالجلال فلا نظير يقاسمه فهو الواحد بلا قسيم فى ذاته، ولا شريك فى مخلوقاته، ولا شبيه فى حقّه ولا فى صفاته.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2368>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٣]</span>\nوَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَياةً وَلا نُشُورًا (٣)\nاتخذوا من دون الله آلهة لا يملكون قطميرا، ولا يخلقون نقيرا، ولا يدفعون عنهم","vol":"2","page":626},{"text":"كثيرا ولا يسيرا، ولا ينفعونهم ولا يسهّلون عليهم عسيرا، ولا يملكون لأحد موتا «١» ولا نشورا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2369>[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٤ الى ٦]</span>\nوَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلاَّ إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاؤُ ظُلْمًا وَزُورًا (٤) وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٦)\nظنّوه كما كانوا، ولمّا كانوا بأمثالهم قد استعانوا فيما عجزوا عنه من أمورهم، واستحدثوا لأمثالهم واستكانوا- فقد قالوا من غير حجّة وتقولوا، ولم يكن لقولهم تحصيل، ولأساطير الأولين ترّهاتهم «٢» التي لا يدرى هل كانت؟ وإن كانت فلا يعرف كيف كانت ومتى كانت؟\nثم قال: يا محمد، إن هذا الكتاب- الذي أنزله الذي يعلم السّرّ فى السماوات والأرض- لا يقدر أحد على الإتيان بمثله ولو تشاغلوا «٣» من الوقت الذي أتى به أعداء الدين، وهم على كثرتهم مجتهدون فى معارضته بما يوجب مساواته فادّعوا تكذيبه. وانقطعت الأعصار وانقضت الأعمار، ولم يأت أحد بسورة مثله، فانتفى الرّيب عن صدقه، ووجب الإقرار بحقّه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2370>[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٧ الى ١٠]</span>\nوَقالُوا مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧) أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها وَقالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلًا مَسْحُورًا (٨) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٩) تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا (١٠)\n_________\n(١) هكذا فى م وهى في ص (حياة ولا نشورا) والمعنى يتقبلهما أيضا.\n(٢) هكذا فى م وهى في ص (برهانهم الذي ...) ولكننا آثرنا (ترهانهم) بدليل التأنيث فى (كانت) مكررا.\n(٣) هكذا فى ص وهى فى س (ولو تساعدوا) .","vol":"2","page":627},{"text":"«١»\nلما عجزوا عن معارضته أخذوا يعيبونه بكونه بشرا من جنسهم يمشى فى الأسواق، ويأكل الطعام، وعابوه بالفقر وقالوا: هلّا نزّل عليه الملائكة فيرون عيانا؟ وهلّا جعل له الكنوز فاستكثر مالا؟ وهلّا خصّ بآيات- اقترحوها- فتقطع العذر وتزيل عنّا إشكالا؟! وما هذا الرجل إلا بشر تعتريه من دواعى الشهوات ما يعترى غيره! فأىّ خصوصية له حتى تلزمنا متابعته ولن يظهر لنا حجة؟ فأجاب الله عنهم وقال: إنّ الحقّ قادر على تمليك ما قالوا وأضعاف ذلك، وفى قدرته إظهار ما اقترحوه وأضعاف ذلك، ولكن ليس لهم هذا التخير «٢» بعد ما أزيح العذر بإظهار معجزة واحدة، واقتراح ما يهوون تحكّم على التقدير، وليس لهم ذلك. ثم أخبر أنه لو أظهر تفصيل ما قالوه وأضعافه لم يؤمنوا لأن حكم الله بالشقاوة سابق لهم، وقال:\n_________\n(١) يذكر ابن عباس أنه لم اعبر المشركون محمدا (ص) بالفاقة أقبل رضوان خازن الجنة عليه وقال:\nيا محمد، رب العزة يقرئك السلام ويقول لك: هذه مفاتيح خزائن الدنيا مع ما لا ينتقص لك مما عنده فى الآخرة مثل جناح بعوضة فقال النبي: يا رضوان لا حاجة لى فيها، لأحب إلى أن أكون عبدا صابرا شكورا فقال رضوان: أصبت أصابك الله. ورفع الرسول بصره فإذا منازله فوق منازل الأنبياء وغرفهم فدعا النبي: اللهم اجعل ما أردت أن تعطينى فى الدنيا ذخيرة عندك فى الشفاعة يوم القيامة.\n(٢) يمكن أن تكون (التحيز) لتنسجم مع (ما اقترحوه) ومع (ما يهوون) ولكننا لا نستبعد أن تكون (التحيز) بالحاء لكثرة جدلهم حول ما ينبغى- فى تصورهم- للرسول.","vol":"2","page":628},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2371>[سورة الفرقان (٢٥): آية ١١]</span>\nبَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا (١١)\nفهم فى حكم الله من جملة الكفار، والله أعدّ لهم ولأمثالهم من الكفار وعيد الأبد..\nفلا محالة يمتحنون به.\nقوله: «انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا»: دليل على جواز التكليف بما لا يقدر عليه العبد فى الحال لأنه أخبر أنهم لا يستطيعون سبيلا، وهم معاتبون مكلّفون.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2372>[سورة الفرقان (٢٥): آية ١٢]</span>\nإِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (١٢)\nفوحشة النار توجد من مسافة بعيدة قبل شهودها والامتحان بها، ونسيم الجنة يوجد قبل شهودها والدخول فيها، والنار تسجّر منذ سنين قبل المحترقين بها، والجنة تزيّن منذ سنين قبل المستمتعين بها. وكذب من أحال «١» وجودهما قبل كون سكانهما وقطانهما من المنتفعين أو المعاقبين، لأن الصادق أخبر عن صفاتهما التي لا تكون إلا بموجود حيث قال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2373>[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ١٣ الى ١٤]</span>\nوَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا (١٣) لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا واحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا (١٤)\nراحة الجنة مقرونة بسعتها، ووحشة النار مقرونة بضيقها، فيضيّق عليهم مكانهم، ويضيّق عليهم قلوبهم، ويضيق عليهم أوقاتهم. ولو كانت حياتهم تبطل وكانوا يتخلصون\n_________\n(١) لهذا الرأى أهميته حيث يرى كثير من المعتزلة أن الجنة والنار لا يوجدان الآن وإنما يوجدان فى الآخرة عند الجزاء، وأجمع المعتزلة- بخلاف جهم وحده- أنهما لا تفنيان ولا يفنى أهلهما، وهم في هذا يتفقون مع الأشاعرة. أما مخالفة جهم لذلك فقد ذكرها الشهرستاني فى (الملل والنحل ج ١ ص ١١١ ط الخانجى) بدعوى أن تلذذ أهل الجنة بنعيمها وتألم أهل النار بجحيمها حركات تتناهى مع أن نصوص القرآن صريحة فى دوامهما.. والقشيري الأشعري يصرح بذلك فى الآيات التالية.","vol":"2","page":629},{"text":"منها لم يكن البلاء كاملا، ولكنها آلام لا تتناهى، ومحن لا تنقضى كلما راموا فرجة قيل لهم:\nفلن تريدكم إلا عذابا.\nقوله جل ذكره\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2374>[سورة الفرقان (٢٥): آية ١٥]</span>\nقُلْ أَذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كانَتْ لَهُمْ جَزاءً وَمَصِيرًا (١٥)\nالمتقون أبدا فى النعيم المقيم حور وسرور وحبور، وروح وريحان، وبهجة وإحسان، ولطف جديد وفضل مزيد، وألذّ شراب وكاسات محابّ، وبسط قلب وطيب حال، وكمال أنس ودوام طرب وتمام جذل، لباسهم فيها حرير وفراشهم سندس وإستبرق. والأسماء أسماء فى الدنيا والأعيان بخلاف المعهودات فيها «١» . ثم فيها ما يشاءون، وهم أبدا مقيمون لا يبرحون، ولا هم عنها يخرجون.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2375>[سورة الفرقان (٢٥): آية ١٦]</span>\nلَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ خالِدِينَ كانَ عَلى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْؤُلًا (١٦)\nولكن لا يخلق فى قلوبهم إلا إرادة ما علم أنه سيفعله، فما هو المعلوم لله أنه لا يفعله لا تتعلق به إرادتهم، ويمنع من قلوبهم مشيئته.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2376>[سورة الفرقان (٢٥): آية ١٧]</span>\nوَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (١٧)\nالله يحشر الكفار ويحشر الأصنام التي عبدوها من دون الله، فيحييها ويقول لها:\nهل أمرتم هؤلاء بعبادتكم؟ فيتبرأون.. كلّه تهويل وتعظيم للشأن، وإلا فهو عليم بما كان وما لم يكن. فالأصنام تتبرأ منهم، وتقابلهم بالتكذيب، وهم ينادون على أنفسهم بالخطأ والضلال، فيلقون فى النار، ويبقون فى الوعيد إلى الأبد.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2377>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٢٠]</span>\nوَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (٢٠)\n:\n_________\n(١) هذا تنبيه هام جدا لتوضيح حقيقة النعم التي فى الآخرة.","vol":"2","page":630},{"text":"أخبر أن الذين تقدّموه من الرسل كانوا بشرا، ولم تكن الخصوصية لهم إلا ظهور المعجزات عليهم. وفى الجملة الفضائل بالمعاني لا بالصورة، ثم قال:\n«وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكانَ رَبُّكَ بَصِيرًا» .\n(فضّل بعضا على بعض، وأمر المفضول بالصبر والرضاء، والفاضل بالشكر على العطاء) «١» وخصّ قوما بالبلاء وجعلهم فتنة لأهل البلاء، وخصّ قوما بالعوافي، وآخرين بالأسقام والآلام، فلا لمن نعّمه مناقب، ولا لمن امتحنه معايب.. فبحكمه لا يجرمهم، وبفضله لا بفعلهم، وبإرادته لا بعبادتهم، وباختياره لا بأوضارهم، وبأقداره لا بأوزارهم، وبه لا بهم.\nقوله: «أَتَصْبِرُونَ؟» استفهام فى معنى الأمر، فمن ساعده التوفيق صبر وشكر، ومن قارنه الخذلان أبى وكفر.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2378>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٢١]</span>\nوَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (٢١)\n«لا يَرْجُونَ لِقاءَنا»: لا يؤمنون بالحشر والنشر والرجوع إلى الله فى القيامة من الدنيا.\nوكما كانوا لا يخافون العذاب، ولا ينتظرون الحشر كذلك كانوا لا يؤمنون لقاء الله.\nفمنّكر الرؤية من أهل القبلة- ممن يؤمن بالقيامة والحشر- مشارك لهؤلاء فى جحد ما ورد به الخبر والنقل لأن النّقل كما ورد بكون الحشر ورد بكون الرؤية لأهل الإيمان «٢» .\nفالذين لم يؤمنوا قالوه على جهة رؤية المقام لأنفسهم، وأنه مسلم لهم ما اقترحوه من نزول\n_________\n(١) ما بين القوسين فى م وغير موجود فى ص.\n(٢) يعود القشيري بعد قليل إلى شرح موضوع الرؤية عند تفسيره الآية: «وَكَفى بِرَبِّكَ هادِيًا وَنَصِيرًا»","vol":"2","page":631},{"text":"الملائكة عليهم ورؤية ربهم. وذلك وإن كان فى القدرة جائزا- إلا أنه لم يكن واجبا بعد إزاحة عذرهم بظهور معجزات الرسول ﵇، فلم يكن اقتراح ما قالوه جائزا لهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2379>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٢٢]</span>\nيَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا (٢٢)\nاقترحوا شيئين: رؤية الملائكة ورؤية الله، فأخبر أنهم يرون الملائكة عند التوفّى، ولكن تقول الملائكة لهم: «لا بشرى لكم!» .\n«حِجْرًا مَحْجُورًا»: أي حراما ممنوعا يعنى رؤية الله عنهم، فهذا يعود إلى ما جرى ذكره، وحمله على ذلك أولى من حمله على الجنة، ولم يجر لها هنا ذكر. ثم فيه بشارة للمؤمنين بالرؤية لأنهم يرون الملائكة ويبشرونهم بالجنة، قال تعالى: «تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ» «١» فكما لا تكون للكفار بشارة بالجنة وتكون للمؤمنين لا تكون الرؤية للكفار وتكون للمؤمنين.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2380>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٢٣]</span>\nوَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُورًا (٢٣)\nهذه آفة الكفار ضاع سعيهم وخاب جهدهم، وضاع عمرهم وخسرت صفقتهم وانقطع رجاؤهم، وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون، ويحسبون أنهم يحسنون صنعا.\nوأما أصحاب الحقائق وأرباب التوحيد فى لوح لقلوبهم من سماع هذه الآية ما يحصل به كمال روحهم، وتتأدّى إلى قلوبهم من الراحات ما يضيق عن وصفه شرحهم: ويتقاصر عن ثنائه نطقهم، حيث يسمعون قوله: «وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُورًا» ولقد ظهرت قيمة أعمالهم حيث قال الحقّ لأجله: «وَقَدِمْنا إِلى ...» فهم إذا سمعوا ذلك وجب لهم من الأريحية ما يشغلهم عن الاهتمام لقوله: «فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُورًا» ويقولون: يا ليت\n_________\n(١) آية ٣٠ سورة فصلت.","vol":"2","page":632},{"text":"لنا أعمال أهل الدارين ثم لا تقبل منها ذرة وهو يقول بسببها: وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ ...» ! لأنهم إذا تخلصوا من مواضع الخلل وموجبات الخجل من أعمالهم عدّوا ذلك من أجلّ ما ينالون من الإحسان إليهم «١»، وفى معناه أنشدوا:\nسأرجع من حجّ عامى مخجلا ... لأنّ الذي قد كان لا يتقبّل «٢»\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2381>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٢٤]</span>\nأَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)\nأصحاب الجنة هم الراضون بها، الواصلون إليها، والمكتفون بوجدانها، فحسنت لهم أوطانهم، وطاب لهم مستقرّهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2382>[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٢٥ الى ٢٦]</span>\nوَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا (٢٥) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ وَكانَ يَوْمًا عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيرًا (٢٦)\nيريد يوم القيامة إذا بدت أهوالها، وظهرت للمبعوثين أحوالها عملوا وتحققوا- ذلك اليوم- أنّ الملك للرحمن، ولم يتخصص ملكه بذلك اليوم، وإنما علمهم ويقينهم حصل لهم ذلك الوقت.\nويقال تنقطع دواعى الأغيار، وتنتفى أوهام الخلق فلا يتجدّد له- سبحانه- وصف ولكن تتلاشى للخلق أوصاف، وذلك يوم على الكافرين عسير، ودليل الخطاب يقتضى أنّ ذلك اليوم على المؤمنين يسير وإلا بطل الفرق فيجب ألا يكون مؤمن إلّا وذلك اليوم يكون عليه هينا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2383>[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٢٧ الى ٢٨]</span>\nوَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا (٢٨)\n«٣»\n_________\n(١) هذه إشارة دقيقة غاية الدقة، نأمل أن يفطن إليها القارئ ويستمتع بها.\n(٢) معنى البيت مرتبط بالفكرة الصوفية أن عمل الإنسان لا قيمة له، والأمل كله معقود على الفضل الإلهى، فكلما استصغر العابد عبادته بجانب هذا الفضل شعر بقصوره وارتقى فى التجريد والتفويض منزلة بعد منزلة.. وفى هذا تقول رابعة بعد عبادة ليلة كاملة: إن استغفارنا فى حاجة إلى استغفار. [.....]\n(٣) قيل نزلت هذه الآية فى أبى بن خلف، وقد قتله الرسول (ص) يوم أحد فى مبارزة، وقيل نزلت فى عقبة بن أبى محيط وكان محالفا لأبىّ.","vol":"2","page":633},{"text":"يندم الكافر على صحبة الكفار. ودليل الخطاب يقتضى سرور المؤمنين بمصاحبة أخدانهم وأحبائهم فى الله، وأمّا الكافر فيضلّ صاحبه فيقع معه فى الثبور، ولكن المؤمن يهدى صاحبه إلى الرشد فيصل به إلى السرور.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2384>[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٣٠ الى ٣١]</span>\nوَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (٣٠) وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفى بِرَبِّكَ هادِيًا وَنَصِيرًا (٣١)\nشكا إلى الله منهم، وتلك سنة المرسلين أخبر الله عن يعقوب﵇- أنه قال: ِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ»\nفمن شكا من الله فهو جاحد، ومن شكا إلى الله فهو عارف واجد.\nثم إنه أخبر أنه لم يخل نبيا من أنبيائه صلوات الله عليهم إلا سلّط عليه عدوّا فى وقته، إلا أنّه لم يغادر من أعدائهم أحدا، وأذاقهم وبال ما استوجبوه على كفرهم وغيّهم.\nقوله جل ذكره: وَكَفى بِرَبِّكَ هادِيًا وَنَصِيرًا.\nكفى بربك اليوم هاديا إلى معرفته، وغدا نصيرا على رؤيته.\nويقال آخر فتنة للمؤمنين ما ورد فى الخبر: أن كل أمة ترى فى القيامة الصنم الذي عبدوه يتبعونه فيحشرون إلى النار، فيلقون فيها ويبقى المؤمنون، فيقال لهم: ما وقفكم؟ فيقولون:\nإنهم رأوا معبودهم فتبعوه ونحن لم نر معبودنا! فيقال لهم: ولو رأيتموه.. فهل تعرفونه؟\nفيقولون: نعم. فيقال لهم: بم تعرفونه؟\nفيقولون: بيننا وبينه علامة. فيريهم شيئا فى صورة شخص فيقول لهم: أنا معبودكم فيقولون: معاذ الله.. نعوذ بالله منك! ما عبدناك. فيتجلّى الحقّ لهم فيسجدون له.","vol":"2","page":634},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2385>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٣٢]</span>\nوَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا (٣٢)\nأي إنما أنزلناه متفرقا ليسهل عليك حفظه فإنه كان أميا لا يقرأ الكتب، ولأنه لو كان دفعة واحدة لم يتكرر نزول جبريل ﵇ بالرسالة إليه فى كل وقت وكل حين..\nوكثرة نزوله كانت أوجب لسكون قلبه وكمال روحه ودوام أنسه «١»، فجبريل كان يأتى فى كل وقت بما كان يقتضيه ذلك الوقت من الكوائن والأمور الحادثة، وذلك أبلغ فى كونه معجزة، وأبعد عن التهمة من أن يكون من جهة غيره، أو أن يكون بالاستعانة بمن سواه حاصلا «٢» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2386>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٣٣]</span>\nوَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (٣٣)\nكان الجواب لما يوردونه على جهة الاحتجاج لهم مفحما، ولفساد ما يقولونه موضحا، ولكن الحقّ- سبحانه- أجرى السّنة بأنه لم يزد ذلك للمسلمين إلا شفاء وبصيرة، ولهم إلا عمى وشبهة.\nثم أخبر عن حالهم فى مآلهم فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2387>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٣٤]</span>\nالَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ أُوْلئِكَ شَرٌّ مَكانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٣٤)\nيحشرون على وجوههم وذلك أمارة لإهانتهم، وإن فى الخبر: «الذين أمشاهم اليوم»\n_________\n(١) لأنه كتاب يحمله رسول الحبيب من الحبيب إلى الحبيب.\n(٢) أي أن اتصال القرآن الكريم بحياة الناس وواقع أمورهم آية كونه معجزة بعكس ما يتخرص به المضللون الملحدون الذين يدعون أن محمدا كاتب هذا القرآن، وأنه أوتى ذكاء خارقا كان يجعله يكتب للناس ما يلي احتياجهم ويحل مشاكلهم.. خرست ألسنتهم إن يقولون إلا زورا.","vol":"2","page":635},{"text":"«على أقدامهم يمشيهم غدا على وجوههم» «١»، وهو على ذلك قادر، وذلك منه غير مستحيل.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2388>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٣٥]</span>\nوَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزِيرًا (٣٥)\nقلّما يجرى فى القرآن لنبيناﷺ- ذكر إلا ويذكر الله عقيبه موسى ﵇. وتكررت قصته فى القرآن فى غير موضع تنبيها على علو شأنه، لأنه كما أن التخصيص بالذكر يدل على شرف المذكور فالتكرير فى الذكر يوجب التفصيل فى الوصف لأن القصة الواحدة إذا أعيدت مرات كثيرة كانت فى باب البلاغة أتمّ لا سيما إذا كانت فى كل مرة فائدة زائدة «٢» .\nثم بيّن أنه قال لهما:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2389>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٣٦]</span>\nفَقُلْنَا اذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيرًا (٣٦)\nأي فذهبا فجحد القوم فدمرناهم تدميرا «٣» أي أهلكناهم إهلاكا، وفى ذلك تسلية للنبىﷺ- فيما كان يقاسيه من قومه من فنون البلاء، ووعد له بالجميل فى أنه سيهلك أعداءه كلّهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2390>[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٣٧ الى ٤٠]</span>\nوَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْناهُمْ وَجَعَلْناهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ عَذابًا أَلِيمًا (٣٧) وَعادًا وَثَمُودَ وَأَصْحابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذلِكَ كَثِيرًا (٣٨) وَكُلًاّ ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ وَكُلًاّ تَبَّرْنا تَتْبِيرًا (٣٩) وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا (٤٠)\nأحللنا بهم العقوبة كما أحللنا بأمثالهم، وعاملناهم بمثل معاملتنا لقرنائهم. ثم عقّب هذه الآيات بذكر عاد وثمود وأصحاب الرّسّ، ومن ذكرهم على الجملة من غير تفصيل، وما أهلك\n_________\n(١) القسم الأول من الخبر على النحو التالي: «يحشر الناس يوم القيامة على ثلاثة أصناف: صنف على الدواب وصنف على أرجلهم وصنف على وجوههم» قيل يا رسول الله: كيف يمشون على وجوههم فقال ﵇: الذين أمشاهم ...\n(٢) يضاف هذا إلى ما سبق أن نبهنا إليه عن موقف القشيري من التكرار.\n(٣) يلقت القشيري نظرنا إلى ما يعرف فى البلاغة بإيجاز الحذف، فقد اكتفى بذكر أول القصة وآخرها وقد أحسن القشيري حين وطأ لذلك بكلام فى القصة الواحدة التي تعاد أكثر من مرة.","vol":"2","page":636},{"text":"به قوم لوط حيث عملوا الخبائث ... كل ذلك تطييبا لقلبه ﷺ، وتسكينا لسرّه، وإعلاما وتعريفا بأنه سيهلك من يعاديه، ويدمّر من يناويه، وقد فعل من ذلك الكثير فى حال حياته، والباقي بعد مضيّه﵇- من الدنيا وذهابه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2391>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٤١]</span>\nوَإِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُوًا أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (٤١)\nكانت تكون له سلوة لو ذكر حالته وشكا إليه قصته، فإذا أخبر الله وقصّ عليه ما كان يلاقيه كان أوجب للسّلوة وأقرب من الأنس، وغاية سلوة أرباب المحن أن يذكروا لأحبائهم ما لقوا فى أيام امتحانهم كما قال قائلهم:\nيودّ بأن يمشى سقيما لعلّها ... إذا سمعت منه بشكوى تراسله\nويهتزّ للمعروف فى طلب العلى ... لتذكر يوما عند سلمى شمائله\nوأخبر أنهم كانوا ينظرون إليه﵇- بعين الإزدراء والتصغير لشأنه لأنهم كانوا لا يعرفون قدره، قال تعالى: «وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون» «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2392>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٤٣]</span>\nأَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣)\nكانوا يعبدون من الأصنام ما يهوون يستبدلون صنما بصنم، وكانوا يجرون على مقتضى ما يقع لهم. والمؤمن بحكم الله لا بحكم نفسه، وبهذا يتضح الفرقان «٢» بين رجل وبين رجل.\nوالذي يعيش على ما يقع له فعابد هواه، وملتحق بالذين ذكرهم الحقّ بالسوء فى هذه الآية.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2393>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٤٤]</span>\nأَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)\n_________\n(١) آية ١٩٨ سورة الأعراف.\n(٢) فرق بين الشيئين فرقا وفرقانا. والفرقان البرهان والحجة، وكل ما فرق به بين الحق والباطل.","vol":"2","page":637},{"text":"كالأنعام التي ليس لها همّ إلّا فى أكلة وشربة، ومن استجلب حظوظ نفسه فكالبهائم. وإنّ الله- سبحانه- خلق الملائكة وعلى العقل جبلهم، والبهائم وعلى الهوى فطرهم، وبنى آدم وركّب فيهم الأمرين فمن غلب هواه عقله فهو شرّ من البهائم، ومن غلب عقله هواه فهو خير من الملائكة.. كذلك قال المشايخ.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2394>[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٤٥ الى ٤٦]</span>\nأَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا (٤٥) ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضًا يَسِيرًا (٤٦)\nقيل نزل الرسولﷺ- فى بعض أسفاره وقت القيلولة فى ظل شجرة وكانوا خلقا كثيرا فمدّ الله ظلّ تلك الشجرة حتى وسع جميعهم وكانوا كثيرين، فأنزل الله هذه الآية، وكان ذلك من جملة معجزاته ﵇.\nوقيل إن الله فى ابتداء النهار قبل طلوع الشمس يجعل الأرض كلّها ظلا، ثم إذا طلعت الشمس، وانبسط على وجه الأرض شعاعها فكلّ شخص يبسط له ظلّ، ولا يصيب ذلك الموضع شعاع الشمس، ثم يتناقص إلى وقت الزوال، ثم يأخذ فى الزيادة وقت الزوال.\nوذلك من أمارات قدرة الله تعالى لأنه أجرى العادة بخلق الظلّ والضوء والفيء.\nقوله: «وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا»: أي دائما. «ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضًا يَسِيرًا» أي حال ارتفاع الشمس ونقصان الظّلّ.\nويقال: ألم تر إلى ربك كيف مدّ ظل العناية على أحوال أوليائه فقوم هم فى ظل الحماية، وآخرون فى ظل الرعاية، وآخرون فى ظل العناية، والفقراء فى ظل الكفاية، والأغنياء فى ظل الراحة من الشكاية.\nظل هو ظل العصمة، وظل هو ظل الرحمة فالعصمة للأنبياء ﵈ ثم للأولياء، والرحمة للمؤمنين، ثم فى الدنيا لكافة الخلائق أجمعين. ويقال قوله للنبى ﷺ:\n«أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ» ثم قوله: «كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ» سترا لما كان كاشفة به أولا، إجراء للسّنّة","vol":"2","page":638},{"text":"فى إخفاء الحال عن الرقيب. قال لموسى ﵇: «لَنْ تَرانِي» . وقال لنبينا ﵇:\n«أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ» وشتان ما هما! ويقال أحيا قلبه بقوله: «أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ» إلى أن قال: «كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ» فجعل استقلاله بقوله: «أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ» إلى أن سمع ذكر الظل. ويقال أحياه بقوله:\n«أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ» ثم أفناه بقوله: «كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ» وكذا سنّته مع عباده يردّدهم بين إفناء وإبقاء.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2395>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٤٧]</span>\nوَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباسًا وَالنَّوْمَ سُباتًا وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُورًا (٤٧)\n«١» جعل الليل وقتا لسكون قوم ووقتا لانزعاج آخرين فأرباب الغفلة يسكنون فى ليلهم، والمحبون يسهرون فى ليلهم إن كانوا فى روح الوصال، فلا يأخذهم النوم لكمال أنسهم، وإن كانوا فى ألم الفراق فلا يأخذهم النوم لكمال قلقهم، فالسّهر للأحباب صفة: إمّا لكمال السرور أو لهجوم الهموم. ويقال جعل النوم للأحباب وقت التجلّى بما لا سبيل إليه فى اليقظة، فإذا رأوا ربّهم فى المنام يؤثرون النوم على السّهر «٢»، قال قائلهم:\nوإنى لأستغفى وما بي نعسة ... لعلّ خيالا منك يلقى خياليا\nوقال قائلهم:\nرأيت سرور قلبى فى منامى ... فأحببت التّنعّس والمناما\nويقال النوم لأهل الغفلة عقوبة ولأهل الاجتهاد رحمة فإن الحقّ- سبحانه- يدخل عليهم النوم ضرورة رحمة منه بنفوسهم ليستريحوا من كدّ المجاهدة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2396>[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٤٨ الى ٤٩]</span>\nوَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُورًا (٤٨) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنا أَنْعامًا وَأَناسِيَّ كَثِيرًا (٤٩)\n_________\n(١) السبت- القطع. والنائم مسبوت لأنه انقطع عمله وحركته. وقيل السبات- الموت، والمسبوت الميت لأنه مقطوع الحياة. وهو كقوله تعالى: «وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ»، ويعضده ذكر النشور فى مقابلته.\n(٢) ذكر القشيري فى باب «رؤيا القوم» برسالته أمثلة كثيرة للكرامات التي تحققت للأولياء أثناء نومهم، وكان بعضها ذا تأثير عظيم فى مجرى حيواتهم. (الرسالة ص ١٩٢ وما بعدها) .","vol":"2","page":639},{"text":"يرسل رياح الكرم فتهب على قلوب ذوى الحاجات فتزعجها إلى طلب مبارّه، ويرسل رياح الولاية فتهب على قلوب الخواص فتطهرها من جميع الإرادات فتكفى بالله لله، ويرسل رياح الخوف على قلوب العصاة فتحملهم على النّدم، وتطهرها من الإصرار فترجع إلى التوبة، ويرسل رياح الاشتياق على قلوب الأحباب فتزعجها عن المساكنات، وتطهرها عن كل شىء إلا عن اللواعج فلا تستقرّ إلا بالكشف والتجلّى.\nويقال إذا تنسّم القلب نسيم القرب هام فى ملكوت الجلال، وامتحى عن كل مرسوم ومعهود.\nقوله جل ذكره: وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُورًا لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنا أَنْعامًا وَأَناسِيَّ كَثِيرًا وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا.\nأنزل من السماء ماء المطر فأحيا به الغياض والرياض، وأنبت به الأزهار والأنوار، وأنزل من السماء ماء الرحمة فغسل العصاة ما تلطخوا به من الأوضار، وما تدنّسوا به من الأوزار.\nو«الطّهور» هو الطاهر المطهّر، وماء الحياء يطهر قلوب العارفين عن الجنوح إلى المساكنات، وما يتداخلها فى بعض الأحيان من الغفلات. وماء الرعاية يحيي به قلوب المشتاقين بما يتداركها من أنوار التجلّى حتى يزول عنها عطش الاشتياق ويحصل فيها من سكينة الاستقلال، ويحيى به نفوسا ميتة باتباع «١» الشهوات فيردها إلى القيام بالعبادات.\nقوله جل ذكره\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2397>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٥١]</span>\nوَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (٥١)\n_________\n(١) الباء في (باتباع) معناها (بسبب) .","vol":"2","page":640},{"text":"إنّ الله- سبحانه- خصّ نبينا ﷺ بأن فضّله على الكافة، وأرسله إلى الجملة، وبالا ينسخ شرعه إلى الأبد. وبهذه الآية أدّبه بأدقّ إشارة، حيث قال:\n«وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا» وهذا كما قال: «وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ» «١» .\nوقصد الحقّ أن يكون خواصّ عباده أبدا معصومين عن شواهدهم.\nوفى القصة أن موسى ﵇ تبرّم وقتا بكثرة ما كان يسأل، فأوحى الله فى ليلة واحدة إلى ألف نبى من بنى إسرائيل فأصبحوا رسلا، وتفرّق الناس عن موسى ﵇ إليهم ﵈، فضاق قلب موسى وقال: يا رب، إنى لا أطيق ذلك! فقبض الله أرواحهم فى ذلك اليوم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2398>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٥٢]</span>\nفَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهادًا كَبِيرًا (٥٢)\nأي كن قائما بحقّنا من غير أن يكون منك جنوح إلى غيرنا أو مبالاة بمن سوانا، فإنّا نعصمك بكلّ، وجه، ولا نرفع عنك ظلّ عنايتنا بحال.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2399>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٥٣]</span>\nوَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا (٥٣)\nالبحر الملح لا عذوبة فيه، والعذب لا ملوحة فيه، وهما فى الجوهرية واحد، ولكنه سبحانه- بقدرته- غاير بينهما فى الصفة، كذلك خلق القلوب بعضها معدن اليقين والعرفان وبعضها محلّ الشكّ والكفران.\nويقال أثبت فى قلوب المؤمنين الخوف والرجاء، فلا الخوف يغلب الرجاء، ولا الرجاء يغلب الخوف.\n_________\n(١) آية ٨٦ سورة الإسراء.","vol":"2","page":641},{"text":"ويقال خلق القلوب على وصفين: قلب المؤمن مضيئا (مشرقا «١») وقلب الكافر أسود مظلما، هذا بنور الإيمان مزيّن، وهذا بظلمة الجحود معلّم.\nويقال قلوب العوام فى أسر المطالب ورغائب الحظوظ، وقلوب الخواصّ معتقة عن المطالب، مجرّدة عن رقّ الحظوظ.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2400>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٥٤]</span>\nوَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكانَ رَبُّكَ قَدِيرًا (٥٤)\nالخلق متشاكلون فى أصل الخلقة، متماثلون فى الجوهرية، متباينون فى الصفة، مختلفون فى الصورة فنفوس الأعداء مطاياهم تسوقهم إلى النار، ونفوس المؤمنين مطاياهم تحملهم إلى الجنة. والخلق بشر.. ولكن ليس كلّ بشر كبشر واحد عدوّ لا يسعى إلا فى مخالفته، ولا يعيش إلا بنصيبه وحظّه، ولا يحتمل الرياضة ولا يرتقى عن حدّ الوقاحة والخساسة، وواحد ولىّ لا يفتر عن طاعته، ولا ينزل عن همّته، فهو فى سماء تعززه بمعبوده.\nوبينهما للناس مناهل ومشارب فواحد يكون كما قال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2401>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٥٥]</span>\nوَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيرًا (٥٥)\nيكتفى بالمنحوت من الخشب، والمصنوع من الصّخر، والمتّخذ من النحاس، وكلّها جمادات لا تعقل ولا تسمع، ولا تضر ولا تنفع.\nأما المؤمن فإنّ من صفاته أنّه لا يلتفت إلى العرش- وإن علا، ولا ينقاد بقلبه لمخلوق- وإنّ اتصف بمناقب لا تحصى\n_________\n(١) وردت فى م ولم ترد فى ص.","vol":"2","page":642},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2402>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٥٦]</span>\nوَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٥٦)\nرسولا منّا، مأمورا بالإنذار والتبشير، واقفا حيث وقفناك على نعت التبليغ، غير طالب منهم أجرا، وغير طامع فى أن تجد منهم حظّا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2403>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٥٧]</span>\nقُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلاَّ مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا (٥٧)\n«إِلَّا» أداة استثناء منقطع إذ ابتغاؤهم السبيل إلى ربّهم ليس بأجر يأخذه منهم، فهو لمن أقبل بشير، ولمن أعرض نذير.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2404>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٥٨]</span>\nوَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا (٥٨)\nالتوكل تفويض الأمور إلى الله. وحقّه وأصله علم العبد بأنّ الحادثات كلّها حاصلة من الله تعالى، وأنه لا يقدر أحد على الإيجاد غيره.\nفإذا عرف هذا فهو فيما يحتاج إليه- إذا علم أن مراده لا يرتفع إلا من قبل الله- حصل له أصل التوكل. وهذا القدر فرض، وهو من شرائط الايمان، فإن الله تعالى يقول:\n«وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ»»\nوما زاد على هذا القدر- وهو سكون القلب وزوال الانزعاج والاضطرار- فهى أحوال تلحق بالتوكل على وجه كماله.\nفإن تقرّر هذا فالناس فى الاكتفاء والسكون على أقسام، ولكلّ درجة من هذه الأقسام اسم: إمّا من حيث الاشتقاق، أو من حيث الاصطلاح.\nفأول رتبة فيه أن يكتفى بما فى يده، ولا يطلب زيادة عليه، ويستريح قلبه من طلب الزيادة.. وتسمى هذه الحالة القناعة، وفيها يقف صاحيها حيث وقف، ويقنع بالحاصل له\n_________\n(١) آية ٢٣ سورة المائدة.\nوالمطلوب منا أن نلاحظ دائما ظاهرة هامة نبهنا إليها في مدخل هذا الكتاب، وهى أن القشيري يحاول أولا استمداد المصطلح الصوفي من كتاب الله، (فالتوكل) الذي هو ركن هام من أركان الطريق الصوفي له أصل فى القرآن. ثم تأتى من بعد ذلك مرحلة البحث فى تطور هذا الأصل ونموه في بينة المتصوفة. [.....]","vol":"2","page":643},{"text":"فلا يستزيد. ثم اكتفاء كلّ أحد يختلف فى القلة والكثرة، وراحة قلوب هؤلاء فى التخلص من الحرص وإرادة الزيادة.\nثم بعد هذا سكون القلب فى حالة عدم وجود الأسباب، فيكون مجردا عن الشيء، ويكون فى إرادته متوكلا على الله. وهؤلاء متباينون فى الرتبة، فواحد يكتفى بوعده لأنه صدقه فى ضمانه، فيسكن- عند فقد الأسباب- بقلبه ثقة منه بوعد ربه.. ويسمى هذا توكلا، ويقال على هذا: إن التوكل سكون القلب بضمان الربّ، أو سكون الجأش فى طلب المعاش، أو الاكتفاء بوعده عند عدم نقده، أو الاكتفاء بالوعد عند فقد النقد.\nوألطف من هذا أن يكتفى بعلم أنه يعلم حاله فيشتغل بما أمره الله ويعمل على طاعته ولا يراعى إنجاز ما وعده بل يكل أمره إلى الله.. وهذا هو التسليم.\nوفوق هذا التفويض «١»، وهو أن يكل أمره إلى الله، ولا يقترح على مولاه بحال، ولا يختار ويستوى عنده وجود الأسباب وعدمها فيشتغل بأداء ما ألزمه الله ولا يفكر فى حال نفسه ويعلم أنه مملوك لمولاه والسيّد أولى بعبده من العبد بنفسه «٢» .\nفإذا ارتقى عن هذه الحالة، وجد راحة فى المنع واستعذب ما يستقبله من الرّدّ.. وتلك هى مرتبة الرضا «٣» ويحصل له فى هذه الحالة من فوائد الرضا ولطائفه مالا يحصل لمن دونه من الحلاوة فى وجود المقصود.\n_________\n(١) الواقع أن القشيري هنا متأثر بالآراء الكثيرة التي أدلى بها الشيوخ فى هذا الموضوع، وعلى وجه الخصوص بشيخه الدقاق، الذي يقول: التوكل ثلاث درجات: التوكل ثم التسليم ثم التفويض فالمتوكل يسكن إلى وعده، وصاحب التسليم يكتفى بعلمه، وصاحب التفويض يرضى بحكمه، ويقول كذلك: التوكل بداية والتسليم واسطة، والتفويض نهاية. ويقول كذلك: التوكل صفة المؤمنين والتسليم صفة الأولياء والتفويض صفة الموحدين. (الرسالة ص ٨٥) .\n(٢) يروى فى هذا الباب أن جماعة سألوا الجنيد: أين نطلب الرزق؟\nفقال: إن علمتم فى أي موضع هو فاطلبوه. قالوا: فنسأل الله تعالى ذلك.\nفقال: إن علمتم أنه ينساكم فذكروه. فقالوا: ندخل البيت فنتوكل؟\nفقال: التجربة شك قالوا: فما الحيلة؟\nفقال: ترك الحيلة (الرسالة الصفحة ذاتها) .\n(٣) كذلك ربط السراج فى «لمعه» بين التوكل والرضا بوصفهما مقامين متتاليين فى مقامات الطريق (اللمع ص ٧٩ من أسفل) .","vol":"2","page":644},{"text":"وبعد هذا الموافقة وهى ألا يجد الراحة فى المنع، بل يجد بدل هذا عند نسيم القرب زوائد الأنس بنسيان كلّ أرب، ونسيان وجود سبب أو عدم وجود سبب فكما أن حلاوة الطاعة تتصاغر عند برد الرضا- وأصحاب الرضا يعدون ذلك حجابا- فكذلك أهل الأنس بالله.. بنسيان كلّ فقد ووجد، وبالتغافل عن أحوالهم فى الوجود والعدم يعدون النزول إلى استلذاذ المنع، والاستقلال بلطائف الرضا نقصانا فى الحال.\nثم بعد هذا استيلاء سلطان الحقيقة فيؤخذ العبد عن جملته بالكلية، والعبارة عن هذه الحالة أنه يحدث الخمود والاستهلاك والوجود والاصطلام والفناء.. وأمثال هذا، وذلك هو عين التوحيد، فعند ذلك لا أنس ولا هيبة، ولا لذة ولا راحة، ولا وحشة ولا آفة.\nهذا بيان ترتيبهم «١» . فأمّا ما دون ذلك فالخبر عن أحوال المتوكلين- على تباين شربهم- يختلف على حسب اختلاف محالّهم.\nفيقال شرط التوكل أن يكون كالطفل فى المهد لا شىء من قبله إلا أن يرضعه من هو فى حضانته «٢» .\nويقال التوكل زوال الاستشراف، وسقوط الطمع، وفراغ القلب من تعب الانتظار.\nويقال التوكل السكون عند مجارى الأقدار على اختلافها.\nويقال إذا وثق القلب يجريان القسمة لا يضره الكسب، ولا يقدح فى توكله «٣» .\nويقال عوام المتوكلين إذا أعطوا شكروا، وإذا منعوا صبروا. وخواصّهم إذا أعطوا آثروا، وإذا منعوا شكروا.\n_________\n(١) هذا الترتيب الذي ذكره القشيري على جانب كبير من الأهمية لأنه أولا يكشف عن التدرج في مراتب التوكل واحدة بعد الأخرى، والدقائق النفسية المرتبطة بكل منها، كما أنه يكشف عن مرحلة الانتقال من المقامات- التي هى جهود- إلى الأحوال التي هى من عين الجود. وواضح أن (الرضا) يحمل فى طياته طبيعة هذه المرحلة الانتقالية، وقد عالج القشيري هذه الظاهرة فى رسالته ص ٩٧.\n(٢) القشيري متأثر بأقوال الشيوخ فى ذلك: نحو (المتوكل كالطفل لا يعرف شيئا يأوى إليه إلا ثدى أمه (الرسالة ص ٨٥ وقولهم) (الصوفية أطفال فى حجر الحق) الرسالة ص ١٣٩.\n(٣) هذه نقطة هامة جدا توضح أن التوكل الصوفي الحق لا يتعارض مع الكسب، ولا يتعارض معه الكسب.. وقد كذب من ادعى التواكل وكذب من انهم الصوفية بالتكاسل.","vol":"2","page":645},{"text":"ويقال الحق يجود على الأولياء- إذا توكلوا- بتيسير السبب من حيث يحتسب ولا يحتسب، ويجود على الأصفياء بسقوط الأرب ... وإذا لم يكن الأرب فمتى يكون الطلب؟\nويقال التوكل فى الأسباب الدنيوية إلى حدّ، فأمّا التوكل على الله فى إصلاحه- سبحانه- أمور آخرة العبد فهذا أشدّ غموضا، وأكثر خفاء. فالواجب فى الأسباب الدنيوية أن يكون الشكون عن طلبها غالبا، والحركة تكون ضرورة أفأمّا فى أمور الآخرة وما يتعلّق بالطاعة فالواجب البدار والجدّ والانكماش، والخروج عن أوطان الكسل والجنوح إلى الفشل.\nوالذي يتّصف بالتواني فى العبادات، ويتباطؤ فى تلافى ما ضيّعه من إرضاء الخصوم والقيام بحقّ الواجبات، ثم يعتقد فى نفسه أنه متوكّل على الله وأنه- سبحانه- يعفو عنه فهو متّهم معلول الحال، ممكور مستدرج، بل يجب أن يبذل جهده، ويستفرغ وسعه.\nثم بعد ذلك لا يعتمد على طاعته، ولا يستند إلى سكونه وحركته، ويتبرّأ بسرّه من حوله وقوّته. ثم يكون حسن الظنّ بربّه، ومع حسن ظنه بربه لا ينبغى أن يخلو من مخافته، اللهم إلا أن يغلب على قلبهما يشغله فى الحال من كشوفات الحقائق عن الفكرة فى العواقب فإن ذلك- إذا حصل- فالوقت غالب، وهو أحد ما قيل فى معانى قولهم: الوقت سيف «١» قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2405>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٥٩]</span>\nالَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيرًا (٥٩)\nانتظم به الكون- والعرش من جملة الكون- ولم يتجمّل الحقّ- سبحانه- بشىء\n_________\n(١) فى هذا المعنى يقول القشيري «أي كما أن السيف قاطع فالوقت بما يمضيه الحق ويجريه غالب، وكما أن السيف لين مسه قاطع حده فمن لاينه سلم، ومن خاشنه اصطلم كذلك الوقت من استسلم لحكمه نجا، ومن عارضه انتكس وتردى، ومن ساعده الوقت فالوقت له وقت، ومن ناكده الوقت فالوقت عليه مقت.\nوسمعت الأستاذ أبا على الدقاق يقول: الوقت مبرد يسحقك ولا يمحقك» الرسالة ص ٣٤.","vol":"2","page":646},{"text":"من إظهار بريّته فعلوّه على العرش بقهره وقدرته، واستواؤه بفعل خص به العرش بتسوية أجزائه وصورته «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2406>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٦٠]</span>\nوَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ أَنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وَزادَهُمْ نُفُورًا (٦٠)\nأقبل الحقّ- سبحانه- بلطفه وبفضله على أقوام فلذلك وجدوه، وأعرض عن آخرين بتكبره وتعزّزه فلذلك جحدوه فطرهم على سمة البعد، وعجن طينتهم بماء الشقاوة والصدّ، فلما أظهرهم ألبسهم صدار الجهل والجحد.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2407>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٦١]</span>\nتَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيها سِراجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (٦١)\nزيّن السماء الدنيا بمصابيح، وخلق فيها البروج، وبثّ فيها الكواكب، وصان عن الفطور والتشويش أقطارها ومناكبها، وأدار بقدرته أفلاكها، وأدام على ما أراد إمساكها.\nوكما أثبت فى السماء بروجا (أثبت فى سماء قلوب أوليائه وأصفيائه بروجا) «٢» فبروج السماء معدودة وبروج القلب مشهودة.\nوبروج السماء (بيوت) «٣» شمسها وقمرها ونجومها، وبروج القلوب مطالع أنوارها ومشارق شموسها ونجومها. وتلك النجوم التي هى نجوم القلوب كالعقل، والفهم والبصيرة والعلم، وقمر القلوب المعرفة.\n_________\n(١) كانت هذه الآية وأمثالها فرصة لآراء كلامية خطيرة سواء من ناحية استواء الله- سبحانه- على العرش ومسألة تنزههه عن المكانية، أو من ناحية خلق الله ما بين السماوات والأرض وهل المقصود بذلك خلق أفعال الإنسان. وقد ناقش الباقلاني فى كتابه (التمهيد فى أصول الدين) كلا الأمرين، والواقع أن القشيري- تلميذ الباقلاني- متأثر بآراء أستاذه إلى حد كبير، وإن كان الباقلاني أقل تأويلا للصفات الخبرية منه.\n(٢) غير موجودة فى ص وموجودة فى م.\n(٣) فى ص (ثبوت) وفى م (بيوت) وقد رجحنا هذه لأن البرج (بيت يبنى على سور المدينة وفي أعلاها) كما جاء فى المعاجم.","vol":"2","page":647},{"text":"قمر السماء له نقصان ومحاق، وفى بعض الأحايين هو بدر بوصف الكمال، وقمر المعرفة أبدا له إشراق وليس له نقصان أو محاق، ولذا قال قائلهم:\nدع الأقمار تخبو أو تنير ... لها بدر تذلّ له البدور\nفأمّا شمس القلوب فهى التوحيد، وشمس السماء تغرب ولكن شمس القلوب لا تغيب ولا تغرب، وفى معناه قالوا:\nإن شمس النهار تغرب بالليل ... وشمس القلوب ليست تغيب\nويصحّ أن يقال إن شمس النهار تغرب بالليل، وشمس القلوب سلطانها فى الضوء والطلوع بالليل أتمّ.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2408>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٦٢]</span>\nوَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُورًا (٦٢)\nالأوقات متجانسة، وتفضيلها بعضها على بعض على معنى أنّ الطاعة فى البعض أفضل والثواب عليها أكثر. والليل خلف النهار والنهار خلف الليل، فمن وقع له فى طاعة الليل خلل فإذا حضر بالنهار فذلك وجود جبرانه، وإن حصل فى طاعة النهار خلل فإذا حضر بالليل ففى ذلك إتمام لنقصانه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2409>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٦٣]</span>\nوَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا (٦٣)\nالذين استوجبوا رحمة الرحمن هم الذين وفّقوا للطاعات، فبرحمته وصلوا إلى التوفيق للطاعة. وعباد الرحمن الذين يستحقون غدا رحمته هم القائمون برحمته فبرحمته وصلوا إلى طاعته.. هكذا بيان الحقيقة، وبطاعتهم وصلوا إلى جنّته.. هكذا لسان الشريعة.\nومعنى «هَوْنًا» متواضعين متخاشعين","vol":"2","page":648},{"text":"ويقال شرط التواضع وحده ألا يستحسن شيئا من أحواله، حتى قالوا «١»: إذا نظر إلى رجله لا يستحسن شسع نعله، وعلى هذا القياس لا يساكن أعماله، ولا يلاحظ أحواله.\nقوله: «وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا»: قيل سداد المنطق ويقال من خاطبهم بالقدح فهم يجاوبونه بالمدح له.\nويقال إذا خاطبهم الجاهلون بأحوالهم، الطاعنون فيهم، العائبون لهم قابلوا ذلك بالرّفق، وحسن الخلق، والقول الحسن والكلام الطيب.\nويقال يخبرون من جفاهم أنهم فى أمان من المجافاة «٢» قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2410>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٦٤]</span>\nوَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيامًا (٦٤)\nيبيتون لربهم ساجدين، ويصبحون واجدين فوجد صباحهم ثمرات سجود أرواحهم، كذا فى الخبر: «من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار» أي عظم ماء، وجهه عند الله، وأحسن الأشياء ظاهر بالسجود محسّن وباطن بالوجود مزيّن.\nويقال متصفين بالسجود قياما بآداب الوجود.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2411>[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٦٥ الى ٦٦]</span>\nوَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا (٦٥) إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقامًا (٦٦)\nيجتهدون غاية الاجتهاد، ويستفرغون نهاية الوسع، وعند السؤال ينزلون منزلة العصاة، ويقفون موقف أهل الاعتذار، ويخاطبون بلسان التنصّل «٣» كما قيل:\nوما رمت الدخول عليه حتى ... حللت محلة العبد الذليل\n_________\n(١) هذا القول سمعه القشيري من شيخه الدقاق (الرسالة ص ٧٤) .\n(٢) وردت (المكافاة) والصواب أن تكون (المجافاة) بمعنى أنهم لا يقابلون الجفاء بالجفاء، فمن عاداهم أمن من انتقامهم أو على معنى أن مجافاة الأعداء لا تصيبهم بأذى إذ ليس فى مقدور أحد أن يؤذى أولياء الله.\n(٣) وفى ذلك يقول الرسول صلوات الله عليه: «الَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ» رواه احمد عن عائشة، والترمذي وابن أبى حاتم، وقال الحاكم: صحيح الإسناد.","vol":"2","page":649},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2412>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٦٧]</span>\nوَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَوامًا (٦٧)\nالإسراف أن تنفق فى الهوى وفى نصيب النّفس، فأمّا ما كان لله فليس فيه إسراف، والإقتار ما كان ادخارا عن الله. فأمّا التضييق على النّفس منعا لها عن اتباع الشهوات ولتتعود الاجتزاء باليسير فليس بالإقتار المذموم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2413>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٦٨]</span>\nوَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثامًا (٦٨)\n«١» «إِلهًا آخَرَ»: فى الظاهر عبادة الأصنام المعمولة من الأحجار، المنحوتة من الأشجار.\nوكما تتصف بهذا النفوس والأبشار فكذلك توهّم المبارّ والمضارّ من الأغيار شرك.\n«وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ ...» من النفوس المحرّم قتلها على العبد نفسه المسكينة، قال تعالى: «وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ» «٢» . وقتل النّفس من غير حقّ تمكينك لها من اتباع ما فيه هلاكها فى الآخرة فإنّ العبد إذا لم ينه مأمور.\n_________\n(١) (عن ابن عباس أن ناسا من أهل الشرك قتلوا فأكثروا وزنوا فأكثروا، ثم أتوا محمدا ﵊ فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن لو نخبرنا أن لما عملنا كفارة فنزلت الآية: «وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ ... إلى قوله تعالى: غَفُورًا رَحِيمًا» رواه مسلم عن ابراهيم بن دينار عن حجاج. و(عن عبد الله بن مسعود قال: سألت رسول الله ﷺ: أي الذنب أعظم؟\nقال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك، قال: قلت ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك.\nقال قلت ثم أي؟\nقال: أن تزانى حليلة جارك. فأنزل الله هذه الآية وما بعدها تصديقا لذلك) رواه البخاري، ومسلم عن عثمان بن أبى شيبة، عن جرير.\nو(عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال: أتى وحشي إلى النبي (ص) فقال: يا محمد أتيتك مستجيرا فأجرنى حتى أسمع كلام الله، فقال الرسول: قد كنت أحب أن أراك على غير جوار، فأما إذ أتيتنى مستجيرا فأنت فى جوارى حتى تسمع كلام الله. قال: فإنى أشركت بالله وقتلت النفس التي حرم الله وزنيت، فهل يقبل الله منى توبة؟ فصمت رسول الله ﷺ حتى نزلت الآية.. وأسلم وحشي) . [.....]\n(٢) آية ٢٩ سورة النساء.","vol":"2","page":650},{"text":"ثم دليل الخطاب أن تقتلها بالحقّ «١»، وذلك بذبحها بسكين المخالفات، فما فلاحك إلا بقتل نفسك التي بين جنبيك.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2414>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٦٩]</span>\nيُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهانًا (٦٩)\nيضاعف لهم العذاب يوم القيامة بحسرات الفرقة وزفرات الحرقة. وآخرون يضاعف لهم العذاب اليوم بتراكم الخذلان ووشك الهجران ودوام الحرمان. بل من كان مضاعف العذاب فى عقباه فهو الذي يكون مضاعف العذاب فى دنياه جاء فى الخبر: من كان بحالة لقى الله بها.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2415>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٧٠]</span>\nإِلاَّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠)\nإِلَّا مَنْ تابَ من الذنب فى الحال وآمن فى المآل.\nويقال «وَآمَنَ» أن نجاته بفضل الله لا بتوبته، «وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا» لا ينقض توبته.\nويقال إن نقض توبته عمل صالحا أي جدّد توبته «فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ» . ويخلق لهم التوفيق بدلا من الخذلان «٢» .\nويقال يبدل الله سيئاتهم محسنات فيغفر لهم ويثيبهم على توبتهم.\nويقال يمحو ذلّة زلّاتهم، ويثبت بدلها الخيرات والحسنات، وفى معناه أنشدوا:\nولما رضوا بالعفو عن ذى زلة ... حتى أنالوا كفّه وأفادوا\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2416>[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٧٢ الى ٧٣]</span>\nوَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا (٧٢) وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْيانًا (٧٣)\n_________\n(١) تذكر كيف يفرق القشيري بين حظ النفس وحق الله، ولاحظ كيف أحسن استغلال الاستثناء هنا (قتل النفس إلا بالحق) أي ذبحها بسكين المجاهدات في سبيل حق الله.\n(٢) واضح من هذا الرأى مدى اتساع صدور الصوفية للأمل في الأخذ بيد العصاة، فرحمة الله- فى نظرهم- أكثر رجابة من أن تضيق في وجه من عثرت أقدامه.","vol":"2","page":651},{"text":"يستمكنون فى مواطن الصدق لا يبرحون عنها ليلا ونهارا، وقولا وفعلا. وإذا مروا بأصحاب الزلات ومساكن المخالفات مروا متمكنين معرضين لا بساكنون أهل تلك الحالة.\nويقال نزلت الآية فى أقوام مرّوا- لمّا دخلوا مكة بأبواب البيوت التي كانوا يعبدون فيها الأصنام مرة- متكرمين دون أن يلاحظوها أو يلتفتوا إليها فشكر الله لهم ذلك.\nثم قال فى صفتهم: «وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْيانًا»:\nبل قابلوها بالتفكير والتأمل، واستعمال النظر.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2417>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٧٤]</span>\nوَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِمامًا (٧٤)\nقرة العين من به حياة الروح، وإنما يكون كذلك إذا كان بحقّ الله قائما.\nويقال قرة العين من كان لطاعة ربه معانقا، ولمخالفة أمره مفارقا.\n«وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِمامًا» الإمام من يقتدى به ولا يبتدع.\nويقال إن الله مدح أقواما ذكروا رتبة الإمامة فسألوها بنوع تضرع، ولم يدّعوا فيها اختيارهم فالإمامة بالدعاء لا بالدعوى، فقالوا: «وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِمامًا» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2418>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٧٥]</span>\nأُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَسَلامًا (٧٥)\nيعطى- سبحانه- الكثير من عطائه ويعده قليلا، ويقبل اليسير من طاعة العبد ويعده كثيرا عظيما، يعطيهم الجنة قصورا وحورا ثم يقول: «أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ»، ويقبل اليسير من العبد فيقول: «فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ» «١» .\n_________\n(١) آية ٢٢ سورة الذاريات.","vol":"2","page":652},{"text":"قوله: «وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَسَلامًا»: يسمعون سلامه عليهم بلا واسطة، ويتجلّى لهم ليروه من غير تكلف نقل، ولا تحمل قطع مسافة «١» ويقال «هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ» «٢»: اليوم يحضر العبد بيته لأداء العبادة، وينقل أقدامه إلى المساجد، وغدا يجازيهم بأن يكفيهم قطع المسافة، فهم على أرائكهم- فى مستقرّ عزّهم- يسمعون كلام الله، وينظرون إلى الله.\nقوله: «بِما صَبَرُوا» أي صبروا عمّا نهوا عنه، وصبروا على الأحكام التي أجراها عليهم بترك اختيارهم، وحسن الرضا بتقديره.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2419>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٧٦]</span>\nخالِدِينَ فِيها حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقامًا (٧٦)\nمقيمين لا يبرحون منازلهم «٣»، وفى أحوالهم حسن مستقرهم مستقرا، وحسن مقامهم مقاما.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2420>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٧٧]</span>\nقُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزامًا (٧٧)\nلولا عبادتكم الأصنام ودعاؤكم إياها باستحقاق العبادة وتسميتكم لها آلهة.. متى كان يخلدكم فى النار؟.\nويقال لولا تضرعكم ودعاؤكم بوصف الابتهال لأدام بكم البلاء، ولكن لما أخذتم فى الاستكانة والدعاء، وتضرّعتم رحمكم وكشف الضرّ عنكم.\n_________\n(١) يضاف هذا الكلام إلى رأى القشيري فى موضوع الرؤية فى الآخرة\n(٢) آية: ٦٠ سورة الرحمن.\n(٣) يضاف هذا الكلام إلى رأى القشيري فى تأبيد تنعم أهل الجنة.","vol":"2","page":653},{"text":"تم المجلد الثاني ويلية المجلد الثالث وأوله سورة الشعراء","vol":"2","page":654},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2421>فهرس</span>\nسورة التوبة ٥ سورة يونس ٧٦ سورة هود ١٢٠ سورة يوسف ١٦٤ سورة الرعد ٢١٥ سورة إبراهيم ٢٣٨ سورة الحجر ٢٦٢ سورة النحل ٢٨٤ سورة بنى إسرائيل ٣٣٣ سورة الكهف ٣٧٥ سورة مريم ٤١٨ سورة طه ٤٤٤ سورة الأنبياء ٤٩١ سورة الحج ٥٢٧ سورة المؤمنون ٥٦٦ سورة النور ٥٩٢ سورة الفرقان ٦٢٥","vol":"2","page":655},{"text":"[الجزء الثالث]\nبسم الله الرّحمن الرّحيم «طس تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ وَكِتابٍ مُبِينٍ» ... تلك دلالات كرمنا، وأمارات فضلنا، وشواهد برّنا نبيّن لأوليائنا صدق وعدنا، ونحقق للأصفياء حفظ عهدنا.\nبطهارة قدسى وسناء عزّى لا أخيب أمل من أمّل لطفى، بوجود برّى تطيب قلوب أوليائى، وبشهود وجهى تغيب أسرار أصفيائى.\nطلب القاصدين مقابل بلطفي، وسعى العاملين مشكور بعطفى.\nهذا الكتاب بيان وشفاء، ونور وضياء، وبشرى ودليل لمن حقّقنا له الإيمان، وأكّدنا له الضمان، وكفلنا له الإحسان» عبد الكريم القشيري عند سورة النمل","vol":"3","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2423>السورة التي يذكر فيها الشعراء</span>\nبسم الله الرّحمن الرّحيم بسم الله اسم عزيز يرتضى من الزاهد ترك دنياه، ومن العابد مخالفة هواه، ومن القاصد قطع مناه، ولا يرضى من العارف أن يساكن شيئا غير مولاه. إن خرج عن كلّ مرسوم- بالكلية، وانسلخ عن كل معلوم- من غير أن تبقى له منه بقية فلعلّه يجد شظيّة. وإن عرّج على شىء، ولم يصف من الكدورات- حتى عن يسيرها- وإن دقّ- فإنه كما في الخبر: «المكاتب عبد ما بقى عليه درهم» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2424>[سورة الشعراء (٢٦): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nطسم (١)\nذكرنا فيما مضى اختلاف السّلف في الحروف المقطّعة فعند قوم: الطاء إشارة إلى طهارة عزّه وتقدّس علوّه، والسين إشارة ودلالة على سناء جبروته، والميم دلالة على مجد جلاله فى آزاله.\nويقال الطاء إشارة إلى شجرة طوبى، والسين إلى سدرة المنتهى، والميم إلى اسم محمد ﷺ أي ارتقى محمد ليلة الإسراء عن شهوده شجرة طوبى حتى بلغ سدرة المنتهى، فلم يساكن شيئا من المخلوقات في الدنيا والعقبى «١» .\n_________\n(١) أورد القشيري في كتابه «المعراج» طائفة كبيرة من الأخبار نفهم منها أن الرسول صلوات الله عليه وسلامه لم يتطلع إلى شىء مما رأى من عجائب المخلوقات وعظائم النعم في تلك الليلة، بل كان خالص القصد إلى الحق، وبعبارة صوفية دقيقة: كان فانيا بحقوق ربه عن حظوظ نفسه، فما زاغ البصر وما طغى. وفي ذلك يقول رويم: «لما أكرم المصطفى (ص) بأعظم الشرف في المسرى علت همته عن الالتفات إلى الآيات والكرامات، والجنة والنار، فما زاغ البصر أي ما أعار طرفه شيئا من الأكوان، ومن شاهد البحر استقلّ الأنهار والأودية.\n(المعراج ص ١١٢) ويقول القشيري في ص ١٠٢ من الكتاب نفسه: يروى في الخير أنه «لما ركب البراق لم يعرّج على شىء،","vol":"3","page":5},{"text":"ويقال الطاء طرب أرباب الوصلة على بساط القرب بوجدان كمال الروح، والسين سرور العارفين بما كوشفوا به من بقاء الأحدية باستقلالهم بوجوده «١» والميم إشارة إلى موافقتهم لله بترك التخيّر على الله، وحسن الرضا باختيار الحق لهم.\nويقال الطاء إشارة إلى طيب قلوب الفقراء عند فقد الأسباب لكمال العيش بمعرفة وجود الرزّاق بدل طيب قلوب العوام بوجود الأرفاق والأرزاق.\nويقال الطاء إشارة إلى طهارة أسرار أهل التوحيد، والسين إشارة إلى سلامة قلوبهم عن مساكنة كلّ مخلوق، والميم إشارة إلى منّة الحقّ عليهم بذلك.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2425>[سورة الشعراء (٢٦): آية ٣]</span>\nلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣)\nأي لحرصك على إيمانهم ولإشفاقك من امتناعهم عن الإيمان فأنت قريب من أن تقتل نفسك من الأسف على تركهم الإيمان.\nفلا عليك- يا محمد- فإنه لا تبديل لحكمنا فمن حكمنا له بالشقاوة لا يؤمن.\nليس عليك إلا البلاغ فإن آمنوا فبها، وإلّا فكلّهم «٢» سيرون يوم الدّين ما يستحقون.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2426>[سورة الشعراء (٢٦): آية ٤]</span>\nإِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ (٤)\nأخبر عن قدرته على تحصيل مراده من عباده، فهو قادر على أن يؤمنوا كرها لأن التقاصر عن تحصيل المراد يوجب النقص والقصور في الألوهية.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2427>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٥ الى ٦]</span>\nوَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلاَّ كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (٥) فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبؤُا ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٦) .\n_________\nكان ينادى من يمينه ومن يساره، ثم قال له جبريل ﵇: الذي ناداك من يمينك داعى اليهودية، والذي ناداك من يسارك داعى النصرانية، ولو التفتّ يا محمد لتهودت أو تنصرت أمتك» .\n(١) استقل الشيء رآه قليلا واستقل بالشيء لم يشتغل بسواه اكتفاء به.\n(٢) السياق مقبول على هذا النحو، ولكننا لا نستبعد أن يكون هناك سقوط لكلمة «لنا»، وعندئذ يكون السياق «فكلهم لنا....»:","vol":"3","page":6},{"text":"أي ما نجدّد لهم شرعا، وما نرسل لهم رسولا.. إلا أعرضوا عن تأمل برهانه، وقابلوه بالتكذيب. فلو أنهم أنعموا النظر في آيات الرسل لا تضح لهم صدقهم، ولكن المقسوم لهم من الخذلان في سابق الحكم يمنعهم من الإيملن والتصديق. فقد كذّبوا، وعلى تكذيبهم أصرّوا، فسوف تأتيهم عاقبة أعمالهم بالعقوبة الشديدة، فيذوقون وبال شركهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2428>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٧ الى ٩]</span>\nأَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (٧) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٩)\nفنون ما ينبت في الأرض وقت الربيع لا يأتى عليه الحصر، ثم اختصاص كلّ شىء منها بلون وطعم ورائحة مخصوصة، ولكلّ شكل وهيئة ونور مخصوص، وورق مخصوص ... إلى ما تلطف عنه العبارة، وتدق فيه الإشارة. وفي ذلك آيات لمن استبصر، ونظر وفكّر.\n«وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ»: القاهر الذي لا يقهر، القادر الذي لا يقدر، المنيع الذي لا يجبر.\n«الرَّحِيمُ»: المحسن لعباده، المريد لسعادة أوليائه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2429>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٠ الى ١١]</span>\nوَإِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ (١١)\nأخبر أنه لما أمره بالذهاب إلى فرعون لدعوته إلى الله علم أنه شديد الخصومة، قد غرّته نفسه فهو لا يبالى بما فعل. وأخذ (موسى) «١» يتعلّل- لا على جهة الإباء والمخالفة- ولكن على وجه الاستعفاء والإقالة إلى أن علم أنّ الأمر به جزم، والحكم به عليه حتم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2430>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٢ الى ١٥]</span>\nقالَ رَبِّ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (١٢) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ (١٣) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (١٤) قالَ كَلاَّ فَاذْهَبا بِآياتِنا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (١٥)\n_________\n(١) ليست موجودة في النص وقد وضعناها بين قوسين منعا للبس.","vol":"3","page":7},{"text":"سأل موسى﵇- أن يشفعه بهارون ويشركه في الرسالة. وأخبر أنه قتل نفسا، وأنه في حكم فرعون عليه دم، فقال: «فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ» إلى أن قال له الحقّ: - «قالَ كَلَّا فَاذْهَبا بِآياتِنا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ» «كَلَّا» حرف ردع وتنبيه أي كلا أن يكون ذلك كما توهمت، فارتدع عن تجويز ذلك، وانتبه لغيره. إنى معكما بالنصرة والقوة والكفاية والرحمة، واليد ستكون لكما، والسلطان سيكون لكما دون غيركما، فأنا أسمع ما تقولون وما يقال لكم، وأبصر ما يبصرون وما تبصرون أنتم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2431>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٦ الى ١٩]</span>\nفَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٦) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ (١٧) قالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (١٨) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ (١٩)\nويقال في القصة: إن موسى وهارون كانا يترددان على باب فرعون سنة كاملة ولم يجدا طريقا إليه: ثم بعد سنة عرضا الرسالة عليه، فقابلهما بالتكذيب، وكان من القصة ما كان..\nوقال فرعون لمّا رأى موسى:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2432>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٢٠ الى ٢١]</span>\nقالَ فَعَلْتُها إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (٢٠) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢١)\nفلم يكن لموسى﵇- جواب إلا الإقرار والاعتراف، فقال:\n«قالَ فَعَلْتُها إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ» قال: كل ذلك قد كان، وفررت منكم لمّا خفتكم، فأكرمنى الله بالنبوة، وبعثني رسولا إليكم..","vol":"3","page":8},{"text":"ويقال: لم يجحد حقّ تربيته، والإحسان إليه في الظاهر، ولكن بيّن أنه إذا أمر الله بشىء وجب اتباع أمره. ولكن إذا كانت تربية المخلوقين توجب حقّا فتربية الله أولى بأن يعظّم العبد قدرها «١» .\nقوله: «فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ»: يجوز حمله على ظاهره، وأنه خاف منهم على نفسه.\nوالفرار- عند عدم الطاقة- غير مذموم عند كلّ أحد «٢» .\nويقال: فررت منكم لمّا خفت أن تنزل بكم عقوبة من الله لشؤم شرككم، أو من قول فرعون: «ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي» «٣» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2433>[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢٢]</span>\nوَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ (٢٢)\nذكر فرعون- من جملة ما عدّ على موسى من وجوه الإحسان إليه- أنه استحياه بين بنى إسرائيل، ودفع عنه القتل، فقال موسى: أو تلك نعمة تمنها عليّ؟ هل استعبادك لبنى إسرائيل يعدّ نعمة؟ إنّ ذلك ليس بنعمة، ولا لك فيها منّة» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2434>[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢٣]</span>\nقالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ (٢٣)\nنظر اللعين بجهله، وسأل على النحو الذي يليق بغيّه فسأل بلفظ «ما» - و«ما» يستخبر بها عمّا لا يعقل، فقال: «وَما رَبُّ الْعالَمِينَ؟» .\nولكنّ موسى أعرض عن لفظه ومقتضاه، وأخبر عمّا يصحّ في وصفه تعالى فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2435>[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢٤]</span>\nقالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٢٤) .\n_________\n(١) هذه إشارة إلى قيمة تربية الشيوخ بالقياس إلى تربية الوالدين فالوالدان يربيان الأشباح والشيوخ يربون الأرواح.\n(٢) نتذكر كيف فر القشيري نفسه من المشرق الإسلامى عند ما أحدقت به الأخطار، وهدد السلطان الجائر حياته وعقيدته، فلم تلن قناته، وهرب بعقيدته إلى حيث يسلم هو ورفاقه (أنظر مدخل الكتاب) . [.....]\n(٣) آية ٣٨ سورة القصص.\n(٤) لأن تعبيدهم وذبح أبنائهم هما سببا حصوله عنده وتربيته له، ولو تركهم لرباه أبواه شأن أي طفل.. فليس هنا نعمة ولا منة، لأن القصد كان إذلال أهله لا الإحسان إليهم أو إليه.","vol":"3","page":9},{"text":"فذكر صفته﷾- بأنّه إله ما في السماوات والأرض، فأخذ فى التعجب، وقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2436>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٢٥ الى ٢٦]</span>\nقالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ (٢٥) قالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٢٦)\nقال موسى: «رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ» فحاد فرعون عن سنن الاستقامة في الخطاب، وأخذ في السفاهة قائلا:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2437>[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢٧]</span>\nقالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢٧)\nلأنه «١» يزعم أنّ هناك إلها غيره. ولم يكن في شىء مما يجرى من موسى﵇- أو مما يتعلّق به وصف جنون. ولم يشغل بمجاوبته في السفاهة فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2438>[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢٨]</span>\nقالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (٢٨)\nأي إن كنتم من جملة من له عقل وتمييز. فقال فرعون:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2439>[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢٩]</span>\nقالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهًَا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩)\nمضى فرعون يقول: لأفعلنّ، ولأصنعنّ ... إن اتخذت إلها غيرى. وجرى ما جرى ذكره وشرحه في غير موضع.\nثم إنه أظهر معجزته بإلقاء العصا، وقلبها- سبحانه- ثعبانا كاد يلتقم دار فرعون بمن فيها، ووثب فرعون هاربا، واختفى تحت سريره، وهو ينتفض من الخوف، وتلطّخت بزّته «٢»، وافتضح في دعواه، واتضحت حالته، فاستغاث بموسى واستجاره، وأخذ موسى الثعبان فردّه الله عصا.\n_________\n(١) أي موسى ﵇.\n(٢) البزة الهيئة أو الشارة.","vol":"3","page":10},{"text":"ولمّا فارقه موسى﵇- تداركته الشقاوة، وأدركه شؤم الكفر، واستولى عليه الحرمان، فجمع قومه وكلّمهم في أمره، وأجمعوا كلّهم على أنه سحرهم. وبعد ظهور تلك الآية عاد إلى غيّه.. كما قيل:\nإذا ارعوى عاد إلى جهله ... كذى الضّنى عاد إلى نكسه\nثم إنه جمع السّحرة، واستعان بهم، فلمّا اجتمعوا قالوا: «إِنَّ لَنا لَأَجْرًا» . فنطقوا بخساسة همّتهم، فضمن لهم أجرهم. وإنّ من يعمل لغيره بأجرة ليس كمن يكون عمله لله.\nومن لا يكون له ناصر إلّا بضمان الجعالة وبذل الرّشا فعن قريب سيخذل.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2440>[سورة الشعراء (٢٦): آية ٤٢]</span>\nقالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٢)\nقال فرعون: «وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ»، ومن طلب القربة عند مخلوق فإنّ ما يصل إليه من الذّلّ يزيد على ما أمّله من العزّ في ذلك التّقرّب. والمقرّبون من الله أوّل من يدخل عليه يوم اللقاء، فهم أول من لهم وصول. والمقرّبون من الله لهم على الله دخلة، والناس بوصف الغفلة والخلق في أسر الحجبة.\nثم لمّا اجتمع الناس، وجاء السّحرة بما موّهوا، التقمت عصا موسى جميع ما أتوا به، وعادت عصا، وتلاشت أعيان حبالهم «١» التي جاءوا بها، وكانت أوقارا، وألقى السحرة سجّدا، ولم يختلفوا «٢» بتهديد فرعون إياهم بالقتل والصّلب والقطع، فأصبحوا وهم يقسمون بعزّة فرعون، ولم يمسوا حتى كانوا يقولون: «لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ «٣»» .\nثم لمّا ساعدهم التوفيق، وآمنوا بالله كان أهمّ أمورهم الاستغفار لما سلف من ذنوبهم، وهذه هي غاية همّه الأولياء، أن يستجيروا بالله، وأن يستعيذوا من عقوبة الله، فأعرفهم بالله أخوفهم من الله.\n_________\n(١) يتصل ذلك برأى القشيري في المعجزة وأنها قد تكون قلب الأعيان، أما كرامة الولي فقد لا تكون كذلك، وهي مع ذلك متصلة بنبي الأمة التي يتبعها هذا الولي.\n(٢) وردت (يختلفوا) والسياق يرفضها ويؤيد (يحتلفوا) كما هو واضح.\n(٣) آية ٧٢ سورة طه.\nويقصد القشيري إلى أن يوضح أن العبرة بالخواتيم، وهو بهذا يحث- بطريق غير مباشر- على التوبة، وعدم القنوط من رحمة الله.","vol":"3","page":11},{"text":"ولمّا أمر الله موسى بإخراج بنى إسرائيل، وتبعهم فرعون بجمعه، وقال أصحاب موسى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2441>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٦١ الى ٦٢]</span>\nفَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢)\nفكان كما قال، إذ هداهم الله وأنجاهم، وأغرق فرعون وقومه وأقصاهم، وقد قال سبحانه: «وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ» «١»: ينجّيهم من كلّ بلاء، ويخصّهم بكل نعمة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2442>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٦٩ الى ٧٤]</span>\nوَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ (٦٩) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ (٧٠) قالُوا نَعْبُدُ أَصْنامًا فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ (٧١) قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣)\nقالُوا بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ (٧٤)\nعاتب «٢» ابراهيم أباه وقومه، وطالبهم بالحجة على ما عابهم به وقال لم تعبدون ما لا يسمع ولا يبصر ولا ينفع ولا يضرّ، ولا يحسّ ولا يشعر؟ فلم يرجعوا في الجواب إلا إلى تقليدهم أسلافهم، وقالوا:\nعلى هذه الجملة وجدنا أسلافنا. فنطق إبراهيم﵇- بعد إقامة الحجة عليهم والإخبار عن قبيح صنيعهم بمدح مولاه والإغراق في وصفه، وقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2443>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٧٥ الى ٧٧]</span>\nقالَ أَفَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعالَمِينَ (٧٧) .\n_________\n(١) آية ٣٦ سورة التوبة.\n(٢) ربما كانت (عاب) بدليل قوله بعد قليل (على ما عابهم)، لكن السياق يلتم ب (عاتب) أكثر، إذ العتاب أليق بالنسبة للأب، كذلك فإن ابراهيم لم يكن يدرى في ذلك الوقت أن أباه لن يؤمن.","vol":"3","page":12},{"text":"ذكرهم بأقلّ عبارة فلم يقل: فإنهم أعداء لى، بل وصفهم بالمصدر الذي يصلح أن يوصف به الواحد والجماعة فقال: «فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي» .\nثم قال: «إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ»، وهذا استثناء منقطع، وكأنه يضرب بلطف عن ذكرهم صفحا حتى يتوصّل إلى ذكر الله، ثم أخذ في شرح وصفه كأنه لا يكاد يسكت، إذ مضى يقول: والذي.. والذي.. والذي..، ومن أمارات المحبة كثرة ذكر محبوبك، والإعراض عن ذكر غيره، فتنزّه المحبين بتقلّبهم في رياض ذكر محبوبهم، والزهّاد يعددون أورادهم، وأرباب الحوائج يعددون مآربهم، فيطنبون في دعائهم، والمحبون يسهبون في الثناء على محبوبهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2444>[سورة الشعراء (٢٦): آية ٧٨]</span>\nالَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨)\nكان مهتديا، ولكنه يقصد بالهداية التي ذكرها فيما يستقبله من الوقت، أي: يهدينى إليه به، فإنّى محق في وجوده وليس لى خبر عنّى!.\nوالقوم حين يكونون مستغرقين في نفوسهم لا يهتدون من نفوسهم إلى معبودهم، فيهديهم عنهم إلى ربهم، ويصيرون في نهايتهم مستهلكين في وجوده، فانين عن أوصافهم، وتصير معارفهم- التي كانت لهم- واهية ضعيفة، فيهديهم إليه «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2445>[سورة الشعراء (٢٦): آية ٧٩]</span>\nوَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩)\nلم يشر إلى طعام معهود أو شراب مألوف ولكن أشار إلى استقلاله به من حيث المعرفة بدل استقلال غيره بطعامهم، وإلى شراب محبته الذي يقوم بدل استقلال غيره بشرابهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2446>[سورة الشعراء (٢٦): آية ٨٠]</span>\nوَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠)\nلم يقل: وإذا أمرضنى لأنه حفظ أدب الخطاب.\n_________\n(١) يشرح القشيري قول الواسطي: لا تصح المعرفة وفي العبد استغناء بالله وافتقار. فيقول: أراد الواسطي بهذا أن الافتقار والاستغناء من أمارات صحو العبد وبقاء رسومه لأنهما من صفاته. (الرسالة ص ١٥٥) ويقول ذو النون: عرفت ربى ولولا ربى ما عرفت ربى (الرسالة ص ١٥٦) .","vol":"3","page":13},{"text":"ويقال لم يكن ذلك مرضا معلوما، ولكنه أراد تمارضا، كما يتمارض الأحباب طمعا فى العيادة، قال بعضهم:\nإن كان يمنعك الوشاة زيارتى ... فادخل عليّ بعلّة العوّاد\nويقول آخر:\nيودّ بأن يمشى سقيما لعلّها ... إذا سمعت منه بشكوى تراسله\nويقال ذلك الشفاء الذي أشار إليه الخليل هو أن يبعث إليه جبريل ويقول له: يقول لك مولاك ... كيف كنت البارحة؟\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2447>[سورة الشعراء (٢٦): آية ٨١]</span>\nوَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١)\nأضاف الموت إلى الله فالموت فوق المرض لأن الموت لهم غنيمة ونعمة إذ يصلون إليه «١» بأرواحهم.\nويقال «يُمِيتُنِي» بإعراضه عنى وقت تعزّزه، «ثُمَّ يُحْيِينِ» بإقباله عليّ حين تفضّله. ويقال يميتنى عنى ويحيينى به.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2448>[سورة الشعراء (٢٦): آية ٨٢]</span>\nوَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢)\nخطيئة الأحباب شهودهم محنتهم، وتعنّيهم عند شدة البلاء عليهم، وشكواهم مما يمسّهم من برحاء الاشتياق، قال بعضهم:\nوإذا محاسنى- اللاتي أدلّ بها- كانت ذنوبى ... فقل لى: كيف أعتذر؟\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2449>[سورة الشعراء (٢٦): آية ٨٣]</span>\nرَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (٨٣)\n«هَبْ لِي حُكْمًا»: على نفسى، فإنّ من لا حكم له على نفسه لا حكم له على غيره.\n«وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ»: فأقوم بحقّك دون الرجوع إلى طلب الاستقلال بشىء دون حقك.\n_________\n(١) (إليه) الضمير هنا يعود إلى محبوبهم- سبحانه.","vol":"3","page":14},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2450>[سورة الشعراء (٢٦): آية ٨٤]</span>\nوَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤)\nفى التفاسير: «لِسانَ صِدْقٍ»: أي ثناء حسنا على لسان أمة محمد ﷺ.\nويقال لا أذكرك إلا بك، ولا أعرفك إلا بك.\nويقال أن أذكرك ببيان آلائك «١»، وأذكرك بعد قبض روحى إلى الأبد بذكر مسرمد.\nويقال أذكرنى على لسان المخبرين عنك.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2451>[سورة الشعراء (٢٦): آية ٨٦]</span>\nوَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ (٨٦)\nعلى لسان العلماء: قاله بعد يأسه من إيمان أبيه، وأمّا على لسان الإشارة فقد ذكره فى وقت غلبات البسط، ويتجاوز ذلك عنهم «٢» .\nوليست إجابة العبد واجبا على الله في كل شىء، فإذا لم يجب فإنّ للعبد سلوة في ذكر أمثال هذا الخطاب، وهذا لا يهتدى إليه كلّ أحد.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2452>[سورة الشعراء (٢٦): آية ٨٧]</span>\nوَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (٨٧)\nأي لا تخجلنى بتذكيرى خلّتى، فإنّ شهود ما من العبد- عند أرباب القلوب وأصحاب الخصوص- أشدّ عقوبة «٣» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2453>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٨٨ الى ٨٩]</span>\nيَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ (٨٨) إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)\nقيل: «القلب السليم» اللديغ.\nوقيل هو الذي سلم من الضلالة ثم من البدعة ثم من الغفلة ثم من الغيبة ثم من الحجبة ثم من المضاجعة ثم من المساكنة ثم من الملاحظة. هذه كلها آفات «٤»، والأكابر سلموا منها، والأصاغر امتحنوا بها.\n_________\n(١) وردت (الآية) ونرجح أن الناسخ قد أخطأ في النقل، فأثبتنا (آلائك) أي نعمك لأنها أقرب إلى السياق.\n(٢) معنى هذا أن القشيري يرى اغتفار ما ينطق به الصوفي من أقوال وهو في حال الانمحاء.\n(٣) لأن شهود ما من العبد معناه أن التوحيد مازال يشوبه كدر الغيرية. [.....]\n(٤) يفيد ذكر هذه الآفات على هذا النحو من الترتيب والدقة أجل فائدة عند دراسة المصطلح الصوفي- خصوصا وأن هذه المصطلحات لم ترد علىّ هذا النحو في الفصل الذي خصصه القشيري لهذا الموضوع في الرسالة.","vol":"3","page":15},{"text":"ويقال: «القلب السليم» الذي سلم من إرادة نفسه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2454>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٩٠ الى ٩١]</span>\nوَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (٩٠) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ (٩١)\n«أُزْلِفَتِ»: أي قرّبت وأدنيت في الوقت، فإنّ ماهو آت قريب، وبالعين أحضرت. وكما تجرّ النار إلى المحشر بالسلاسل فلا يبعد إدناء الجنة من المتقين.\n«وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ» أظهرت فتؤكّد الحجّة على أرباب الجحود، ويعرضون على النار، وتعرض عليهم منازل الأشرار، فيكبكبون فيها أجمعين، ويأخذون يقرّون بذنوبهم، ومن جملتها ما أخبر أنهم يقولون: -\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2455>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٩٧ الى ٩٨]</span>\nتَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ (٩٨)\nولا فضيحة أقبح ولا عيب فيهم أشنع مما يعترفون به على أنفسهم بقولهم: «إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ» فإنّ أقبح أبواب الشّرك وأشنع أنواع الكفر وأقبح أحوالهم- التشبيه فى صفة المعبود.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2456>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٠٠ الى ١٠١]</span>\nفَما لَنا مِنْ شافِعِينَ (١٠٠) وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١)\nفى بعض الأخبار «١»: يجىء- يوم القيامة- عبد يحاسب فتستوى حسناته وسيئاته ويحتاج إلى حسنة واحدة يرضى عنها خصومه، فيقول الله- سبحانه: عبدى.. بقيت لك حسنة واحدة، إن كانت أدخلتك الجنة.. أنظر.. وتطلّب من الناس لعلّ واحدا يهب لك حسنة واحدة. فيأتى العبد في الصفين، ويطلب من أبيه ثم من أمه ثم من أصحابه، ويقول لكلّ واحد في بابه فلا يجيبه أحد، فالكلّ يقول له: أنا اليوم فقير إلى حسنة واحدة، فيرجع إلى مكانه، فيسأله الحقّ- سبحانه: ماذا جئت به؟\n_________\n(١) فى م (فى بعض الأحيان) والأصوب أن تكون (فى بعض الأخبار) كما في ص.","vol":"3","page":16},{"text":"فيقول: يا ربّ.. لم يعطنى أحد حسنة من حسناته.\nفيقول الله- سبحانه: عبدى.. ألم يكن لك صديق (فيّ) «١»؟\nفيتذكر العبد ويقول: فلان كان صديقا لى.\nفيدله الحقّ عليه، فيأتيه ويكلّمه في بابه، فيقول: بلى، لى عبادات كثيرة قبلها اليوم فقد وهبتك منها، فيسير هذا العبد ويجىء إلى موضعه، ويخبر ربّه بذلك، فيقول الله- سبحانه: قد قبلتها منه، ولن أنقص من حقّه شيئا، وقد غفرت لك وله، وهذا معنى قوله:\n«فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ» قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2457>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٠٥ الى ١١١]</span>\nكَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٠٦) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٠٧) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٠٨) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٠٩)\nفَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١١٠) قالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١)\nذكر قصة نوح وما لقى من قومه، وأنهم قالوا: - «قالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ؟» إنّ أتباع كلّ رسول إنما هم الأضعفون، لكنهم- فى حكم الله- هم المتقدّمون الأكرمون. قال ﵇: «نصرت بضعفائكم» .\nوإنّ الله أغرق قومه لمّا أصرّوا واستكبروا.\nوكذلك فعل بمن ذكرتهم الآيات في هذه السورة من عاد وثمود وقوم لوط وأصحاب مدين.. كلّ منهم قابلوا رسلهم بالتكذيب، فدمّر الله عليهم أجمعين، ونصر رسوله على مقتضى سنّته الحميدة فيهم. وقد ذكر الله قصة كل واحد منهم ثم أعقبها بقوله: -\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2458>[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٢٢]</span>\nوَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٢٢)\n«الْعَزِيزُ»: القادر على استئصالهم، «الرَّحِيمُ» الذي أخّر العقوبة عنهم بإمهالهم، ولم يقطع الرزق مع قبح فعالهم.\n_________\n(١) هكذا في م وص وهي صحيحة مقبولة في المعنى والسياق غير أننا لا نستبعد أنها ربما كانت فى الأصل (صديق وفيّ) حيث تقابل ما جاء في الآية (صديق حميم) فالبحث يومئذ يكون عن الصديق الوفى الحميم.\nم (٢) لطائف الإشارات- ج ٣-","vol":"3","page":17},{"text":"وهو «عزيز» لم يستضرّ بقبيح أعمالهم، ولو كانوا أجمعوا على طاعته لمّا تجمّل بأفعالهم «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2459>[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٢٧]</span>\nوَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٢٧)\nأخبر عن كل واحد من الأنبياء أنه قال: «ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ» ليعلم الكافة أنّ من عمل لله فلا ينبغى أن يطلب الأجر من غير الله. وفي هذا تنبيه للعلماء- الذين هم ورثة الأنبياء- أن يتأدّبوا بأنبيائهم، وألّا يطلبوا من الناس شيئا في بثّ علومهم، ولا يرتفقون منهم بتعليمهم، والتذكير لهم أنه من ارتفق في بثّ ما يذكّر به من الدّين وما يعظ به المسلمين فلا يبارك الله للناس فيما منه يسمعون، ولا للعلماء أيضا بركة فيما من الناس يأخذون، إنهم يبيعون دينهم بعرض يسير، ثم لا بركة لهم فيه، إذ لا يبتغون به الله، وسيحصلون على سخط الله.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2460>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٩٢ الى ١٩٥]</span>\nوَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)\nكلام الله «٢» العزيز منزّل على قلب الرسولﷺ- فى الحقيقة بسفارة جبريل ﵇. والكلام من الله غير منفصل، وبغير الله غير متصل.. وهو- على الحقيقة لا على المجاز- منزّل. ومعناه أن جبريل﵇- كان على السماء. فسمع من الربّ، وحفظ، ونزل، وبلّغ الرسول. فمرّة كان يدخل عليه حالة تأخذه عنه «٣» عند\n_________\n(١) لأن الله- سبحانه- لا يلحقه زين بطاعة ولا شين بمعصية.\n(٢) ينبغى الاهتمام برأى القشيري هنا عند بحث قضية «خلق القرآن»، ومدى النظرة إلى ما بين دفّى المصحف، ومقارنة ذلك (بكلام) الله إلى موسى عند الشجرة.. موضوع هام ناقشه القشيري في كتابه (شكاية أهل السنة) .\n(٣) تأمل كيف ينظر الصوفية إلى حالة المصطفى (ص) عند تلقى الوحى على أنها حالة عرفانية، فالعرفان لا يتم إلا عند الامتحاء.","vol":"3","page":18},{"text":"نزول الوحى عليه. ثم يورد جبريل ذلك على قلبه. ومرة كان يتمثل له الملك فيسمعه.\nوالرسول- صلوات الله عليه- يحفظه ويؤدّيه. والله- سبحانه ضمن له أنه سيقرؤه حتى لا ينساه «١» . فكان يجمع الله الحفظ في قلبه. ويسهّل له القراءة عند لفظه. ولمّا عجز الناس بأجمعهم عن معارضته مع تحدّيه إياهم بالإتيان بمثله.. علم صدقه في أنّه من قبل الله.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2461>[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٩٦]</span>\nوَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (١٩٦)\nجميع ما في هذا الكتاب من الأخبار والقصص، وما في صفة الله من استحقاق جلاله- موافق لما في الكتب المنزّلة من قبل الله قبله، فمهما عارضوه فإنه كما قال جلّ شأنه:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2462>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٩٨ الى ٢٠١]</span>\nوَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (١٩٩) كَذلِكَ سَلَكْناهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (٢٠٠) لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (٢٠١)\n«٢» ثم أخبر أنه لو نزّل هذا الكتاب بغير لسانهم وبلغة غير لغتهم لم يهتدوا إلى ذلك، ولقالوا: لو كان بلساننا لعرفناه ولآمنّا به، فأزاح عنهم العلّة، وأكّد عليهم الحجّة.\nثم أخبر عن صادق علمه بهم، وسابق حكمه بالشقاوة عليهم، وهو أنهم لا يؤمنون به حتى يروا العذاب في القيامة، حين لا ينفعهم الإيمان ولا الندامة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2463>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٢٠٥ الى ٢٠٩]</span>\nأَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ (٢٠٧) وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ لَها مُنْذِرُونَ (٢٠٨) ذِكْرى وَما كُنَّا ظالِمِينَ (٢٠٩)\nإن أرخينا لهم المدّة، وأمهلناهم أزمنة كثيرة- وهم بوصف الغفلة- فما الذي كان ينفعهم إذا أخذهم العذاب بغتة؟!.\nثم أخبر أنه لم يهلك أهل قرية إلّا بعد أن جاءهم النذير وأظهر لهم البينات، فإذا أصرّوا على كفرهم عذّبهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2464>[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢١٢]</span>\nإِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (٢١٢) .\n_________\n(١) يشير بذلك إلى قوله تعالى: «سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى» آية ٦ سورة الأعلى.\n(٢) آية ٤٢ سورة فصلت.","vol":"3","page":19},{"text":"وجدوا السمع- الذي هو الإدراك- ولكن عدموا الفهم، فلم يستجيبوا لما دعوا إليه. فعند ذلك استوجبوا من الله سوء العاقبة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2465>[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢١٤]</span>\nوَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)\nوذلك تعريف له أنهم لا تنفعهم قرابتهم منه، ولا تقبل شفاعته- إن لم يؤمنوا- فيهم. فليس هذا الأمر من حيث النّسب، فهذا نوح لمّا كفر ابنه لم تنفعه بنوّته، وهذا الخليل إبراهيم ﵇ لما كفر أبوه لم تنفعه أبوّته، وهذا محمّد﵊- كثير من أقاربه كانوا أشدّ الناس عليه في العداوة فلم تنفعهم قرابتهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2466>[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢١٥]</span>\nوَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥)\nألن جانبك وقاربهم في الصحبة، واسحب ذيل التجاوز على ما يبدر منهم من التقصير، واحتمل منهم سوء الأحوال، وعاشرهم بجميل الأخلاق، وتحمّل عنهم كلّهم، وارحمهم كلّهم، فإن مرضوا فعدهم، وإن حرموك فأعطهم، وإن ظلموك فتجاوز عنهم، وإن قصّروا في حقى فاعف عنهم، واشفع لهم، واستغفر لهم «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2467>[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢١٦]</span>\nفَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢١٦)\nلا تفعل مثل فعلهم، وكل حسابهم إلينا إلا فيما أمرناك بأن تقيم فيه عليهم حدّا، فعند ذلك لا تأخذك رأفة تمنعك من إقامة حدّنا عليهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2468>[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢١٧]</span>\nوَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧)\nانقطع إلينا، واعتصم بنا، وتوسّل إلينا بنا، وكن على الدوام بنا، فإذا قلت فقل بنا، وإذا صلت فصل بنا، واشهد بقلبك- وهو في قبضتنا- تتحقق بأنك بنا ولنا.\nتوكّل على «الْعَزِيزِ» تجد العزّة بتوكلك عليه في الدارين، فإنّ العزيز من وثق بالعزيز.\n_________\n(١) تصلح هذه الإشارة لتكون دستورا فى (الصحبة) بصفة عامة. وللقشيرى فصل في الرسالة في هذا الخصوص.","vol":"3","page":20},{"text":"«الرَّحِيمِ» الذي يقرّب من تقرّب إليه، ويجزل البرّ لمن توسّل به إليه «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2469>[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢١٨]</span>\nالَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨)\nاقتطعه بهذه الآية عن شهود الخلق، فإنّ من علم أنه بمشهد من الحقّ راعى دقائق أحواله، وخفايا أموره مع الحقّ «٢» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2470>[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢١٩]</span>\nوَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩)\nهوّن عليه معاناة مشاقّ العبادة بإخباره برؤيته. ولا مشقّة لمن يعلم أنّه بمرأى من مولاه، وإنّ حمل الجبال الرواسي على شفر «٣» جفن العين ليهون عند من يشاهد ربّه «٤» .\nويقال «تَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ» بين أصحابك، فهم نجوم وأنت بينهم بدر، أو هم بدور وأنت بينهم شمس، أو هم شموس وأنت بينهم شمس الشموس.\nويقال: تقلبك في أصلاب آبائك من المسلمين الذين عرفوا الله، فسجدوا له دون من لم يعرفوه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2471>[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢٢٠]</span>\nإِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٢٢٠)\n«السَّمِيعُ» لأنين المحبين، «الْعَلِيمُ» بحنين العارفين.\n«السَّمِيعُ» لأنين المذنبين، «الْعَلِيمُ» بأحوال المطيعين.\n_________\n(١) هذه الإشارة نموذج طيب لعبقرية القشيري عند صياغة (وصاياه) للمريدين من الناحيتين الصوفية والأدبية.\n(٢) يقال إنه لما دخل ذو النون المصري بغداد اجتمع إليه الصوفية، ومعهم قوال، فاستأذنوا ذا النون أن يقول بين يديه شيئا، فأذن له، فابتدأ يقول، فقام ذو النون وسقط على وجهه والدم يقطر من جبينه ولا يسقط على الأرض. ثم قام رجل من القوم يتواجد، فقال له ذو النون: «الذي يراك حين تقوم» فجلس الرجل.\nويعلق الشيخ الدقاق على هذه القصة بأن ذا النون كان صاحب إشراف على هذا الرجل، وكان الرجل صاحب إنصاف حين قبل منه ذلك فرجع وقعد (الرسالة ص ١٧٠) .\n(٣) شفر الجفن- حرفه الذي ينبت عليه الهدب. (الوسيط) .\n(٤) يربط النسفي بين هذه الآية وبين الآيتين السابقة واللاحقة، فالمعنى عنده: أنه سبحانه (يراك حين تقوم) متهجدا، ويرى (تقلبك) فى المصلين يرى ما كنت تفعل في جوف الليل من قيامك للتهجد، وتقلبك في تصفح أحوال المتهجدين من أصحابك لتطلع عليهم من حيث لا يشعرون، ولتعلم كيف كانوا يعملون لآخرتهم.\nوهو (سميع) لما تقوله، (عليم) بما تنويه وبما تعمله، وبذلك هوّن عليه معاناة كل مشقة حيث أخبر برؤيته له في كل ما يقوم به.\n(تفسير النسفي ج ٣ ص ١٩٩) ط عيسى الحلبي.","vol":"3","page":21},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2472>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٢٢١ الى ٢٢٣]</span>\nهَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ (٢٢٣)\nبيّن أن الشياطين تتنزّل على الكفار والكهنة «١» فتوحى إليهم بوساوسهم الباطلة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2473>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٢٢٤ الى ٢٢٦]</span>\nوَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ (٢٢٦)\nلمّا ذكر الوحى وما يأتى به الملائكة من قبل الله ذكر ما يوسوس به الشياطين إلى أوليائه، وألحق بهم الشعراء الذين في الباطل يهيمون، وفي أعراض الناس يقعون، وفي التشبيهات- عن حدّ الاستقامة- يخرجون، ويعدون من أنفسهم بما لا يوفون، وسبيل الكذب يسلكون.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2474>[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢٢٧]</span>\nإِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (٢٢٧)\nفيكون شعره خاليا من هذه الوجوه المعلولة المذمومة «٢»، وهذا كما قيل: الشعر كلام إنسان فحسنه كحسنه وقبيحه كقبيحه.\nقوله جل ذكره: «وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ» .\nسيعلم الذين ظلموا سوء ما عملوا، ويندمون على ما أسلفوا، ويصدقون بما كذّبوا.\n_________\n(١) من أمثال سطيح وطليحة ومسيلمة.\nوإذا كان محمد (ص) يشم الأفاكين ويذمهم.. فكيف تنزل الشياطين عليه؟! [.....]\n(٢) من أمثال عبد الله بن رواحه وحسان بن ثابت وكعب بن زهير وكعب بن مالك ﵃، فشعرهم غلبت عليه الحكمة والموعظة والزهد، والدعوة إلى الفضيلة، ومؤازرة الدين الجديد، ورفع لواء التوحيد.","vol":"3","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2475>السورة التي يذكر فيها النمل</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ بسم الله اسم عزيز قصده العاصي لطلب التخفيف فصار وزره مغفورا، اسم كريم قصده العابد لطلب التضعيف فصار أجره موفورا، اسم جليل أمّه الوليّ لطلب التشريف فصار سعيه مشكورا، اسم عزيز إن تعرّض الفقير لوجوده محقته العزّة، وطوّحته السّطوة، فصار كأن لم يكن شيئا مذكورا.\nجلّت الأحدية.. فأنّى بالوصول! وتقدّست الصمدية.. فمن ذا الذي عليها يقف «١»؟.\n«كَلَّا.. إِنَّها تَذْكِرَةٌ. فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ» «٢»:\nوكم باسطين إلى وصلنا ... أكفّهمو.. لم ينالوا نصيبا!\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2476>[سورة النمل (٢٧): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nطس تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ وَكِتابٍ مُبِينٍ (١)\nبطهارة قدسى وسناء عزّى لا أخيّب أمل من أمّل لطفى.\nبوجود برّى تطيب قلوب أوليائى، وبشهود وجهى تغيب أسرار أصفيائى-.\nطلب القاصدين مقابل بلطفي، وسعى العاملين مشكور بعطفى «٣» .\n_________\n(١) التوحيد- فى نظر القشيري- هو أعلى درجات العرفان، وهذا التوحيد العرفانى- متأثرا التوحيد الإسلامى الأصيل- لا يشوبه كدر ولا تعقيد ولا تداخل ولا حلول ولا امتزاج. فعرفان الصوفي مهما عظم لا يتعدى كونه (عرفانا بنعت التعالي في شهود أفعال الحق، فأمّا الوقوف على حقيقة الإنية فقد جلّت الصمدية عن إشراف عرفان عليها) تفسير بسملة سورة الجمعة «من هذا المجلد» .\n(٢) آية ٥٤ سورة المدثر.\n(٣) غير خاف على القارئ أن يلحط تردد حرفى الطاء والسين في كلمات الأسطر الثلاثة، كأنما القشيري يريدنا أن نتفهم دقائق (طس) من بعيد.","vol":"3","page":23},{"text":"«تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ وَكِتابٍ مُبِينٍ»: هذه دلالات كرمنا، وأمارات فضلنا وشواهد برّنا، نبيّن لأوليائنا صدق وعدنا، وتحقق للأصفياء حفظ عهدنا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2477>[سورة النمل (٢٧): آية ٢]</span>\nهُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢)\nهذه الآيات وهذا الكتاب بيان وشفاء، ونور وضياء، وبشرى ودليل لمن حققنا لهم الإيمان، وأكّدنا لهم الضمان، وكفلنا لهم الإحسان.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2478>[سورة النمل (٢٧): آية ٣]</span>\nالَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٣)\nيديمون المواصلات، ويستقيمون في آداب المناجاة ويؤدون عن أموالهم وأحوالهم وحركاتهم وسكناتهم الزكاة، بما يقومون في حقوق المسلمين أحسن مقام، وينوبون عن ضعفائهم أحسن مناب.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2479>[سورة النمل (٢٧): آية ٤]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (٤)\nأغشيناهم فهم لا يبصرون، وعمّينا عليهم المسالك فهم عن الطريقة المثلى يعدلون، أولئك الذين في ضلالتهم يعمهون، وفي حيرتهم يتردّون.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2480>[سورة النمل (٢٧): آية ٥]</span>\nأُوْلئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٥)\n«سُوءُ الْعَذابِ» أن يجد الآلام ولا يجد التسلّى بمعرفة المسلّى، ويحمل البلاء ولا يحمل عنه ثقله وعذابه شهود المبلى.. وذلك للكفار، فأمّا المؤمنون فيخفّف عنهم العذاب في الآخرة حسن رجائهم في الله، ثم تضرّعهم إلى الله، ثم فضل الله معهم بالتخفيف في حال البلاء ثم ما وقع عليهم من الغشي والإفاقة- كما في الخبر- إلى وقت إخراجهم من النار.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2481>[سورة النمل (٢٧): آية ٦]</span>\nوَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (٦)","vol":"3","page":24},{"text":"أي أن الذي أكرمك بإنزال القرآن عليك هو الذي بحفظك عن الأسواء والأعداء وصنوف البلاء.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2482>[سورة النمل (٢٧): آية ٧]</span>\nإِذْ قالَ مُوسى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نارًا سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٧)\nسار موسى بأهله من مدين شعيب متوجها إلى مصر، ودجا عليه الليل، وأخذ امرأته الطّلق وهبّت الرياح الباردة، ولم يور الزّند، وضاق على موسى الأمر، واستبهم الوقت، وتشتتت به الهمة، واستولى على قلبه الشغل. ثم رأى نارا من بعيد، فقال لأهله: امكثوا إنّى أبصرت نارا. وفي القصة: إنه تشتت أغنامه، وكانت له بقور وثيران تحمل متاعه فشردت، فقالت امرأته:\nكيف تتركنا وتمضى والوادي مسبع؟!.\nفقال: امكثوا.. فإنى لأجلكم أمضى وأتعرف أمر هذه النار، لعلّى آتيكم منها إمّا بقبس أو شعلة، أو بخبر عن قوم نزول عليها تكون لنا بهم استعانة، ومن جهتهم انتفاع. وبدت لعينه تلك النار قريبة، فكان يمشى نحوها، وهي تتباعد حتى قرب منها، فرأى شجرة رطبة خضراء تشتعل كلّها من أولها إلى آخرها، وهي نار مضيئة، فجمع خشيبات وأراد أن يقتبس منها، فعند ذلك سمع النداء من الله لا من الشجرة كما توهّم المخالفون من أهل البدع. وحصل الإجماع أنّ موسى سمع تلك الليلة كلام الله، ولو كان النداء في الشجرة لكان المتكلم به الشجرة، ولأجل الإجماع قلنا: لم يكن النداء في الشجرة «١» . وإلا فنحن نجوّز أن يخلق الله نداء فى الشجرة ويكون تعريفا، ولكن حينئذ يكون المتكلم بذلك الشجرة.\n_________\n(١) أي أنه على هذا الرأى كلام غير مخلوق، لأن كلام الله صفته، وصفته- سبحانه- غير مخلوقة..\nوهذا هو نفس الرأى بالنسبة للقرآن، وهذا هو الجواب الذي دحض به السلف زعم الجهمية حينما أرادوا أن يثبتوا أن القرآن مخلوق، لأن القرآن شىء، «والله خالق كل شىء» (انظر مدارج السالكين لابن القيم ج ١ ص ٢٢٢) فيكون النداء الذي سمع من الشجرة كالكلام الذي بين دفتى المصحف.. كلاهما كلام الله- على الحقيقة، ولكن من حيث التجوز في التعبير يقال (فى الشجرة) و(فى المصحف) .","vol":"3","page":25},{"text":"ولا ينكر في الجواز أن يكون الله أسمع موسى كلامه بإسماع خلقه له، وخلق كلاما فى الشجرة أيضا، فموسى سمع كلامه القديم وسمع كلاما مخلوقا في الشجرة ... وهذا من طريق العقل جائز.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2483>[سورة النمل (٢٧): آية ٨]</span>\nفَلَمَّا جاءَها نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَها وَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٨)\nأي بورك من هو في طلب النار ومن هو حول النار «١» .\nومعنى بورك أي لحقته البركة أو أصابته البركة.. والبركة الزيادة والنّماء في الخير.\nوالدعاء من القديم- سبحانه- بهذا يكون تحقيقا له وتيسيرا به.\nقوله جل ذكره\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2484>[سورة النمل (٢٧): آية ٩]</span>\nيا مُوسى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩)\nالذي يخاطبك «أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ» فى استحقاق جلالى، «الْحَكِيمُ» فى جميع أفعالى.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2485>[سورة النمل (٢٧): آية ١٠]</span>\nوَأَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠)\nفي آية أخرى بيّن أنه سأله، وقال له على وجه التقرير: «وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى؟» وأجابه بقوله: «هِيَ عَصايَ» وذكر بعض ما له فيها من المآرب والمنافع، فقال الله: «وَأَلْقِ عَصاكَ»، وذلك لأنه أراد أن يريه فيها من عظيم البرهان ما يجعل له كمال اليقين.\nوألقاها موسى فقلبها الله ثعبانا، أولا حية صغيرة ثم صارت حية كبيرة، فأوجس في نفسه موسى خيفة وولّى مدبرا هاربا، وكان خوفه من أن يسلّطها عليه لمّا كان عارفا بأن الله يعذّب من يشاء بما يشاء، فقال له الحقّ:\n«يا مُوسى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ» .\nأي لا ينبغى لهم أن يخافوا.\n_________\n(١) يرى النسفي أن (من) فى مكان النار هم الملائكة، و(من حولها) هو موسى. (النسفي ح ٣ ص ٢٠٢) .","vol":"3","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2486>[سورة النمل (٢٧): آية ١١]</span>\nإِلاَّ مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١)\nوهذا يدلّ على جواز الذّنب على الأنبياء ﵈ فيما لا يتعلق بتبليغ الرسالة بشرط ترك الإصرار. فأمّا من لا يجيز عليهم الذنوب فيحمل هذا على ما قبل النبوة «١» .\nفلمّا رأى موسى انقلاب العصا علم أنّ الحقّ هو الذي يكاشفه بذلك.\nويقال: كيف علم موسى﵇- أنّ الذي سمعه كلام الله؟.\nوالجواب أنه بتعريف منه إياه، ويجوز أن يكون ذلك العلم ضروريا فيه، ويجوز أن يكون كسبيا، ويكون الدليل له الذي به علم صدقه في قوله: «إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ» هو ما ظهر على يده- فى الوقت- من المعجزة، من قلب العصا، وإخراج يده بيضاء «٢» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2487>[سورة النمل (٢٧): آية ١٢]</span>\nوَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آياتٍ إِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ (١٢)\nمن غير سوء أي برص. وفي القصة أن موسى ﵇ ذكر اشتغال قلبه بحديث امرأته، وما أصابه تلك الليلة من الأحوال التي أوجبت انزعاجه، وقصده في طلب النار، فقال الله تعالى: إنا قد كفيناك ذلك الأمر، ووكلنا بامرأتك وأسبابك، فجمعنا أغنامك وثيرانك، وسلمت لك المرأة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2488>[سورة النمل (٢٧): آية ١٣]</span>\nفَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) .\n_________\n(١) لا يستخدم فريق من الفقهاء تعبير (الذنب) بالنسبة للأنبياء ﵈ وإنما يطلق على ما يبدر منهم (فعل خلاف الأولى) تأدبا.\nوالنبي- على الوجوب- معصوم، والولىّ محفوظ أي قد تقع منه هنات أو زلات ولكنه لا يصر على ما فعل (الرسالة ص ١٧٥) .\n(٢) أي أن الأصل في المعجزة أنها دليل صدق النبي، فقد يستطيع السحرة والكهنة عمل أشياء عجيبة ولكنها لا تخرج عن كونها دليل مهارة أو ذكاء أو قدرة على الإيهام والانبهار.\nوالنبي مأمور بإظهار المعجزة أما الولي فمأمور بإخفاء الكرامة (الرسالة ص ١٧٤) .","vol":"3","page":27},{"text":"لم يظهر الله- سبحانه- آية على رسول من أنبيائه﵈- إلّا كانت فى الوضوح بحيث لو وضعوا النظر فيها موضعه لتوصّلوا إلى حصول العلم وثلج الصدور، ولكنهم قصّروا في بعضها بالإعراض عن النظر فيها، وفي بعضها الآخر عرفوها وقابلوها بالجحد. قال تعالى وقوله صدق:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2489>[سورة النمل (٢٧): آية ١٤]</span>\nوَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٤)\nوكما يحصل من الكافر الجحد «١» تحصل للعاصى عند الإلمام ببعض الذنوب حالة يعلم فيها- بالقطع- أن ما يفعله غير جائز، وتتوالى على قلبه الخواطر الزاجرة الداعية له عن فعلها من غير أن يكون متغافلا عنها أو ناسيا لها، ثم يقدم على ذلك غير محتفل بها موافقة لشهوته. وهذا الجنس من المعاصي أكثرها شؤما، وأشدّها في العقوبة، وأبعدها عن الغفران.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2490>[سورة النمل (٢٧): آية ١٥]</span>\nوَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْمًا وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (١٥)\nيقتضى حكم هذا الخطاب أنه أفردهما بجنس من العلم لم يشاركهما فيه أحد لأنه ذكره على وجه تخصيصهما به، ولا شكّ أنه كان من العلوم الدينية ويحتمل أنه كان بزيادة بيان لهما أغناهما عن إقامة البرهان عليه وتصحيحه بالاستدلال الذي هو معرّض للشك فيه «٢» .\n_________\n(١) ليس حتما أن يكون جحد الجاحد بعد المعرفة لأن (جحد) بمعنى أنكر، وقد يكون الإنكار نتيجة جهل بالشيء، ولكن الواضح أن القشيري يتجه إلى توضيح أسوأ ألوان الجحود، وهو الذي يحدث بعد المعرفة، وقد أحسن القشيري حين قابل بين ذلك وبين أسوأ أحوال العاصي، وهي تلك التي يقدم فيها على المعصية وهو عليم بعاقبتها، ومع ذلك يعقد النية عليها، ويفعلها.\n(٢) نعلم من مذهب القشيري أن البيان أرقى في المعراج العرفانى من البرهان، ونجد هنا سبب تفوق البيان على البرهان.","vol":"3","page":28},{"text":"ويحتمل أن يكون علمهما بأحوال أمتهما على وجه الإشراف على ما كانوا يستسرون به، فيكون إخبارهما عن ذلك معجزة لهما.\nويحتمل أن يكون قوله: «عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ» .\nويحتمل أن يكون علمهما بالله على وجه زيادة لهما في البيان.\nوفي الآية دليل على أن التفضيل الذي يحصل بالعلم لا يحصل بغيره من الصفات، فأخبر بأنهما شكرا الله على عظيم ما أنعم به عليهما «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2491>[سورة النمل (٢٧): آية ١٦]</span>\nوَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وَقالَ يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (١٦)\nورث أباه في النبوة، وورثه في أن أقامه مقامه.\nقوله: «عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ»: وكان ذلك معجزة له، أظهرها لقومه ليعلموا بها صدق إخباره عن نبوته. ومن كان صاحب بصيرة وحضور قلب بالله يشهد الأشياء كلّها بالله ومن الله. ويكون مكاشفا بها من حيث التفهيم، فكأنه يسمع من كل شيء تعريفات الحقّ- سبحانه- للعبد مما لا نهاية له، وذلك موجود فيهم محكيّ عنهم. وكما أنّ ضرب الطّبل مثلا دليل يعرف- بالمواضعة- عند سماعه وقت الرحيل والنزول فالحقّ- سبحانه- يخصّ أهل الحضور بفنون التعريفات، من سماع الأصوات وشهود أحوال المرئيات في اختلافها، كما قيل:\nإذا المرء كانت له فكرة ... ففى كل شىء له عبرة\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2492>[سورة النمل (٢٧): آية ١٧]</span>\nوَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٧) .\n_________\n(١) قال ﷺ: «العلماء ورثة الأنبياء» والعلم نعمة تحتاج إلى الشكر، ويلزم أن يعتقد العالم أنه إن فضّل على كثير فقد فضل عليه كثير أيضا، وما أحسن قول عمر ﵁: كل الناس أفقه من عمر.","vol":"3","page":29},{"text":"سخّر الله لسليمان﵇- الجنّ والطير، فكان الجنّ مكلّفين، والطير كانت مسخّرة إلا أنه كان عليها شرع، وكذلك الحيوانات التي كانت في وقته، حتى النمل كان سليمان يعرف. خطابهم وينفذ عليهم حكمه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2493>[سورة النمل (٢٧): آية ١٨]</span>\nحَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١٨)\nقيل إن سليمان استحضر أمير النمل الذي قال لقومه: «ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ» وقال له:\nأما علمت أنّى معصوم، وأنّى لن أمكّن عسكرى من أن يطئوكم؟ فأخبره أمير النمل أنّه لا يعلم ذلك لأنه ليس بواجب أن يكون النمل عالما بعصمة سليمان. ولو قال: لعلكم أبيح لكم ذلك.. لكان هذا أيضا جائزا.\nوقيل إن ذلك النمل قال لسليمان: إنى أحمل قومى على الزهد في الدنيا، وخشيت إن يروكم في ملككم أن يرغبوا فيها «١»، فأمرتهم بدخول مساكنهم لئلا يتشوّش عليهم زهدهم.\nولئن صحّ هذا ففيه دليل على وجوب سياسة الكبار لمن هو في رعيتهم. وفي الآية دليل على حسن الاحتراز ممّا يخشى وقوعه، وأنّ ذلك مما تقتضيه عادة النّفس وما فطروا عليه من التمييز.\nويقال إن ذلك النمل قال لسليمان: ما الذي أعطاك الله من الكرامة؟.\nفقال: سخّر لى الريح.\nفقال: أما علمت أنّ الإشارة فيه أنه ليس بيدك مما أعطيت إلا الريح؟ «٢» .\nوهكذا بيّنه الكبير على لسان الصغير!.\nقوله جلّ ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2494>[سورة النمل (٢٧): آية ١٩]</span>\nفَتَبَسَّمَ ضاحِكًا مِنْ قَوْلِها وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ (١٩) .\n_________\n(١) الضمير فى (فيها) يعود على الدنيا.\n(٢) أي أنه عطاء زائل لا مكث له ولا قرار.","vol":"3","page":30},{"text":"التبسّم من الملوك يندر لمراعاتهم حكم السياسة، وذلك يدلّ على رضاهم واستحسانهم لما منه يحصل التبسّم، فلقد استحسن سليمان من كبير النمل حسن سياسته لرعيته.\nوفي القصة أنه استعرض جنده ليراهم كم هم، فعرضهم عليه، وكانوا يأتون فوجا فوجا، حتى مضى شهر وسليمان واقف ينظر إليهم معتبرا فلم ينتهوا، ومرّ سليمان ﵇.\nوفي القصة: أن عظيم النمل كان مثل البغل في عظم الجثة، وله خرطوم. والله أعلم.\nقوله جل ذكره: «رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ» .\nفي ذلك دليل على أن نظره إليهم كان نظر اعتبار، وأنه رأى تعريف الله إياه ذلك، وتنبيهه عليه من جملة نعمه التي يجب عليها الشكر.\nوفي قوله: «وَعَلى والِدَيَّ» دليل على أنّ شكر الشاكر لله لا يختص بما أنعم به عليه على الخصوص، بل يجب على العبد أن يشكر الله على ما خصّ وعمّ من نعمه.\nقوله جلّ ذكره: «وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ» .\nسأل حسن العاقبة لأنّ الصالح من عباده من هو مختوم له بالسعادة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2495>[سورة النمل (٢٧): آية ٢٠]</span>\nوَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ (٢٠)\nتطلّبه فلمّا لم يره تعرّف ما سبب تأخره وغيبته.\nودلّ ذلك على تيقظ سليمان في مملكته، وحسن قيامه وتكفله بأمور أمته ورعيته، حيث لم تخف عليه غيبة طير هو من أصغر الطيور لم يحضر ساعة واحدة.. وهذا أحسن ما قيل.\nثم تهدّده إن لم يكن له عذر بعذاب شديد، وذلك يدلّ على كمال سياسته وعدله فى مملكته.","vol":"3","page":31},{"text":"وقال قوم إنما عرف أن الهدهد يعرف أعماق الماء بإلهام خصّ به، وأنّ سليمان كان قد نزل منزلا ليس به ماء، فطلب الهدهد ليديهم إلى مواضع الماء، وهذا ممكن لأن في الهدهد كثرة. وغيبة واحد منها لا يحصل منها خلل- اللهم إلّا إن كان ذلك الواحد مخصوصا بمعرفة مواضع وأعماق الماء.. والله أعلم.\nوروى أن ابن عباس سئل عن ذلك، وأنه قيل له: إن كان الهدهد يرى الماء تحت التراب ويعرفه فكيف لا يرى الفخّ مخفيّا تحت التراب؟.\nفقال: إذا جاء القضاء عمى البصر.\nويقال: إن الطير كانت تقف فوق رأس سليمان مصطفة، وكانت تستر انبساط الشمس وشعاعها بأجنحتها، فوقع شعاع الشمس على الأرض، فنظر سليمان فرأى موضع الهدهد خاليا منه، فعرف بذلك غيبته.. وهذا أيضا ممكن، ويدل على كمال تفقّده، وكمال تيقّظه- كما ذكرنا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2496>[سورة النمل (٢٧): آية ٢١]</span>\nلَأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (٢١)\nفى هذه الآية دليل على مقدار الجرم، وأنه لا عبرة بصغر الجثة وعظمها. وفيه دليل على أن الطير في زمانه كانت في جملة التكليف، ولا يبعد الآن أن يكون عليها شرع، وأنّ لهم من الله إلهاما وإعلاما وإن كان لا يعرف ذلك على وجه القطع.\nوتعيين «١» ذلك العذاب الشديد غير ممكن قطعا، إلا تجويزا واحتمالا.\nوعلى هذه الطريقة يحتمل كلّ ما قيل فيه.\nويمكن أن يقال فإن وجد في شىء نقل فهو متّبع.\nوقد قيل هو نتف ريشه وإلقاؤه في الشمس.\n_________\n(١) واضح هنا طريقة مناقشة القشيري لشىء لم يرد به النقل، وكيف يعطى النقل أهمية وتقديرا، فإذا لم يكن نقل فينبغى التجويز لا القطع.\nوواضح كذلك مدى استغلاله لهذا الموقف في توجيه كلامه للمريدين والطالبين بطريق غير مباشر. [.....]","vol":"3","page":32},{"text":"وقيل يفرّق بينه وبين أليفه.\nوقيل يشتّت عليه وقته.\nوقيل يلزمه خدمة أقرانه.\nوالأولى في هذا أن يقال من العذاب الشديد كيت وكيت، وألا يقطع بشىء دون غيره على وجه القطع.\nفمن العذاب الشديد أن يمنع حلاوة الخدمة فيجد ألم المشقة. ومن ذلك أن يقطع عنه حسن التولي لشأنه ويوكل إلى حوله ونفسه، ومن ذلك أن يمتحن بالحرص في الطلب ثم يحال بينه وبين مقصوده ومطلوبه. ومن العذاب الشديد الطمع في اسم العذر ثم لا يرتفع «١» .\nومن ذلك سلب القناعة، ومنه عدم الرضا بما يجرى. ومن ذلك توهم الحدثان وحسبان شىء من الخلق.\nومن ذلك الحاجة إلى الأخسّة من الناس. ومن ذلك ذلّ السؤال مع الغفلة عن شهود التقدير ومن ذلك صحبة الأضداد والابتلاء بمعاشرتهم. ومن ذلك ضعف اليقين وقلة الصبر.\nومن ذلك التباس طريق الرّشد. ومنه حسبان الباطل بصفة الحق، والتباس الحقّ في صورة الباطل. ومنه أن يطالب بما لا تتسع له ذات يده. ومنه الفقر في الغربة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2497>[سورة النمل (٢٧): الآيات ٢٢ الى ٢٣]</span>\nفَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (٢٢) إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٣)\nفلم يلبث الهدهد أن جاء، وعلم أن سليمان قد تهدّده، فقال: أحطت علما بما هو عليك خاف، «وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ» ثم ذكر حديث بلقيس، وأنها ملكتهم، وأن لها من المال والملك والسرير العظيم\n_________\n(١) عاد القشيري إلى الآية نفسها في رسالته حيث يقول: وقيل في قوله تعالى: لأعذبنه عذابا شديدا- يعنى لأسلبنه القناعة ولأبتلينّه بالطمع يعنى أسأل الله تعالى أن يفعل به ذلك (الرسالة- ص ٨٢) .","vol":"3","page":33},{"text":"ما عدّه، فلم يتغير سليمان﵇- لذلك، ولم يستفزّه الطمع فيما سمع عن هذا كما يحدث من عادة الملوك في الطمع في ملك غيرهم، فلما قال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2498>[سورة النمل (٢٧): آية ٢٤]</span>\nوَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ (٢٤)\nفعند ذلك غاظ هذا سليمان، وغضب في الله، و:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2499>[سورة النمل (٢٧): آية ٢٧]</span>\nقالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٢٧)\nوفي هذا دلالة على أن خبر الواحد لا يوجب العلم فيجب التوقف فيه على حدّ التجويز، وفيه دلالة على أنه لا يطرح بل يجب أن بتعرّف: هل هو صدق أم كذب؟ «١» ولمّا عرف سليمان هذا العذر ترك عقوبته وما توعّده به.. وكذلك سبيل الوالي فإنّ عدله يمنعه من الحيف على رعيته، ويقبل عذر من وجده في صورة المجرمين إذا صدق في اعتذاره.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2500>[سورة النمل (٢٧): آية ٢٨]</span>\nاذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ (٢٨)\nفى الآية إشارة إلى أنه لا ينبغى للإنسان أن يذكر بين يدى الملوك كلّ كلمة، فإنه يجرّ العناء بذلك إلى نفسه وقد كان لسليمان من الخدم والحشم ومن يأتمر بأمره الكثير، ولكنه لم يستعمل واحدا في هذا التكليف إلا الهدهد لأنه هو الذي قال ما قال، فلزمه الخروج من عهدة ما قال.\nويقال لمّا صدق فيما أخبر لملكه عوّض عليه فأهّل للسفارة والرسالة- على ضعف صورته «٢» .\n_________\n(١) يضاف هذا الرأى في أخبار الآحاد إلى مذهب القشيري في المسائل الحديثية والفقهية.\n(٢) هنا إشارة بعيدة إلى الرسل والأولياء، ودحض لما يقال عنهم من التهم.","vol":"3","page":34},{"text":"فمضى الهدهد، وألقى الكتاب إليها كما أمر، وانتحى إلى جانب ينتظر ماذا يفعلون وبماذا يجاب.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2501>[سورة النمل (٢٧): الآيات ٢٩ الى ٣١]</span>\nقالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ (٢٩) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣١)\n«كِتابٌ كَرِيمٌ» الكرم نفى الدناءة، وقيل لأنه كان مختوما «١»، وقيل لأنّ الرسول كان طيرا فعلمت أنّ من تكون الطير مسخّرة له لا بدّ أنه عظيم الشأن. وقيل:\nلأنه كان مصدّرا ببسم الله الرّحمن الرّحيم. وقيل لأنه كتب فيه اسم نفسه أولا ولم يقل:\nإنه من سليمان إلى فلانة. ويقال لم يكن في الكتاب ذكر الطمع في الملك بل كان دعاء إلى الله: «أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ» .\nويقال أخذ الكتاب بمجامع قلبها، وقهرها فلم يكن لها جواب، فقالت: «إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ» فلمّا عرفت قدر الكتاب وصلت باحترامها إلى بقاء ملكها، ورزقت الإسلام وصحبة سليمان.\nويقال إذا كان الكتاب كريما لما فيه من آية التسمية فالكريم من الصلاة ما لا يتجرّد عن التسمية، وإذا تجرّدت كان الأمر فيها بالعكس.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2502>[سورة النمل (٢٧): آية ٣٢]</span>\nقالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي ما كُنْتُ قاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ (٣٢)\n«٢» .\n_________\n(١) يقال إنه طبعه بالمسك وختمه بخاتمه. قال ﷺ: «كرم الكتاب ختمه» وقيل من كتب إلى أخيه كتابا ولم يختمه فقد استخفّ به.\n(٢) (حتى تشهدون) بكسر النون، أما الفتح فلحن لأن النون إنما تفتح في موضع الرفع وهذا في موضع النصب لأن ما سبق «حتى» أسلوب طلبى، فالفعل ينصب بعدها بأن مضمرة. وأصله «تشهدونى» فحذفت النون الأولى للنصب، والياء لدلالة الكسرة.","vol":"3","page":35},{"text":"أخذت في المشاورة كما تقتضيه الحال في الأمور العظام فإن الملك «١» لا ينبغى أن يكون مستبدا برأيه، ويجب أن يكون له قوم من أهل الرأى والبصيرة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2503>[سورة النمل (٢٧): آية ٣٣]</span>\nقالُوا نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ (٣٣)\nأجابوا على شرط الأدب، وقالوا: ليس منا إلّا بذل الوسع، وليس لنا إلّا إظهار النّصح، وما علينا إلا متابعة الأمر- وتمشية الأمر وإمضاؤه.. إليك.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2504>[سورة النمل (٢٧): آية ٣٤]</span>\nقالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ (٣٤)\nويقال إنّ: «وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ» من قولها.\nويقال: تغيير الملوك «٢» إذا دخلوا قرية- عن صفتها- معلوم، ثم ينظر.. فإن كان الداخل عادلا أزال سنّة الجور، وأثبت سنّة العدل، وإن كان الداخل جائرا أزال الحسن وأثبت الباطل. هذا معلوم فإنّ خراب البلاد بولاة السّوء، حيث يستولى أسافل الناس وأسقاطهم على الأعزة منهم، وكما قيل:\nيا دولة ليس فيها ... من المعالي شظيه\nزولى فما أنت إلّا ... على الكرام بليه\nوعمارة الدنيا بولاة الرّشد، يكسرون رقاب الغاغة، ويخلّصون الكرام من أسر السّفلة، (ويأخذ القوس باريها) «٣»، وتطلع شمس العدل من برج شرفها.. كذلك المعرفة\n_________\n(١) نعلم من سيرة القشيري أنه كانت بينه وبين أصحاب السلطة في موطنه خلافات في الرأى، فهو هنا يغمز بما ينبغى أن يكون عليه صاحب السلطان من آداب، سواء في اختيار أعوانه، أو في قبول النصح والشورى.\n(٢) كأنما القشيري ينفس عن نفسه مما قاساه في عهد السلطان طغرل ووزيره الكندري وكأنما يمجد ما ناله من الخير في عهد السلطان ألب أرسلان. ووزيره العظيم نظام الملك (انظر مدخل هذا الكتاب: المجلد الأول)\n(٣) هكذا في م وهي في ص (فتأخذ النفوس بأزمتها) .","vol":"3","page":36},{"text":"والخصال المحمودة إذا باشرت قلب عبد أخرجت عنه الشهوات والمنى، وسفاسف الأخلاق من الحقد والحسد والشحّ وصغر الهمة.. وغير ذلك من الأوصاف الذميمة وتثبت بدلها من الأحوال العليّة والأوصاف المرضيّة ما به نظام العبد وتمام سعادته. ومتى استولت على قلب غاغة النّفس والخصال المذمومة أزالت عنه عمارته، وأبطلت نضارته، فتخرب أوطان الحقائق، وتتداعى مساكن الأوصاف الحميدة للأفول، وعند ذلك، يعظم البلاء وتتراكم المحن.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2505>[سورة النمل (٢٧): آية ٣٥]</span>\nوَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (٣٥)\nجاء في القصة أنها بعثت إلى سليمان بهدايا، ومن جملتها لبنة مصنوعة من الفضة وأخرى من الذهب. وأن الله أخبر سليمان بذلك، وأوحى إليه في معناه. وأمر سليمان الشياطين حتى بنوا بساحة منزله ميدانا، وأمرهم أن يفرشوا الميدان بهيئة اللّبن المصنوع من الذهب والفضة من أوله إلى آخره. وأمر بأن توقف الدوابّ على ذلك وألا تنظّف آثارها من روث وغيره، وأن يترك موضعان للبنتين خاليين في ممرّ الدخول. وأقبل رسلها، وكانت معهم اللبنتان ملفوفتين، فلمّا رأوا الأمر، ووقعت أبصارهم على طريقهم، صغر في أعينهم ما كان معهم، وخجلوا من تقديم ذلك إلى سليمان ووقعوا في الفكرة.. كيف يتخلصون مما معهم؟.\nفلمّا رأوا موضع اللّبنتين فارغا ظنّوا أن ذلك سرق من بينها، فقالوا لو أظهرنا هذا نسبنا إلى أنّا سرقناهما من هذا الموضع، فطرحاهما في الموضع الخالي، ودخلا على سليمان:\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2506>[سورة النمل (٢٧): آية ٣٦]</span>\nفَلَمَّا جاءَ سُلَيْمانَ قالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (٣٦)\nأتهدوننى مالا؟! وهل مثلى يستمال بمثل هذه الأفعال؟ إنكم وأمثالكم تعاملون بمثل ما عوملتم «١» ! إرجع إليهم: -\n_________\n(١) أي أنتم قوم لا تعلمون إلا ظاهرا من الحياة الدنيا، فلذلك تفرحون بما تزدادون وبما يهدى إليكم لأن ذلك مبلغ همتكم- وحالى خلاف حالكم، فأنا- بما آتاني الله- غنى عن حظوظ الدنيا.","vol":"3","page":37},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2507>[سورة النمل (٢٧): آية ٣٧]</span>\nارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ (٣٧)\nفلمّا رجعوا إلى بلقيس، وأخبروها بما شاهدوا وسمعوا علمت أنه لا وجه لها سوى الاستسلام والطاعة، فعزمت على المسير إلى خدمته، وأوحى الله إلى سليمان بذلك، وأنها خرجت مستسلمة، فقال: أيكم يأتينى بعرشها؟.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2508>[سورة النمل (٢٧): الآيات ٣٨ الى ٤٠]</span>\nقالَ يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨) قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (٣٩) قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (٤٠)\nبسط الله- سبحانه- ملك سليمان، وكان في ملكه الجنّ والإنس والشياطين الجنّ على جهة التسخير، والإنس على حكم الطوع، والشياطين وكانوا على أقسام.\nولمّا قال: «أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها؟» قال عفريت من الجن- وكان أقواهم- «أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ»، فلم يرغب سليمان في قوله لأنه بنى القول فيه على دعوى قوّته «١» .\nقوله جل ذكره: «قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ» .\n_________\n(١) هذه نظرة ملامتية تعنمد على النفور من كل دعاوى النفس والتظاهر.","vol":"3","page":38},{"text":"«الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ» (قيل هو آصف) «١» وكان صاحب كرامة. وكرامات الأولياء ملتحقة بمعجزات الأنبياء، إذ لو لم يكن النبيّ صادقا في نبوته لم تكن الكرامة تظهر على من يصدّقه ويكون من جملة أمته.\nومعلوم أنه لا يكون في وسع البشر الإتيان بالعرش بهذه السرعة، وأن ذلك لا يحصل إلا بخصائص قدرة الله تعالى. وقطع المسافة البعيدة في لحظة لا يصح تقديره في الجواز إلا بأحد وجهين: إمّا بأن يقدّم «٢» الله المسافة بين (العرش وبين منزل سليمان) «٣»، وإمّا بأن يعدم العرش ثم يعيده في الوقت الثاني بحضرة سليمان. وأيّ واحد من القسمين كان- لم يكن إلّا من قبل الله، فالذى كان عنده علم من الكتاب دعا الله- سبحانه- واستجاب له في ذلك، وأحضر العرش، وأمر سليمان حتى غيّر صورته فجعل أعلاه أسفله، وأسفله أعلاه، وأثبته على تركيب آخر غير ما كان عليه.\nولمّا رأى سليمان ذلك أخذ في الشكر لله- سبحانه- والاعتراف بعظم نعمه، والاستحياء، والتواضع له، وقال: «هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي» لا باستحقاق منى، ولا باستطاعة من غيرى، بل أحمد النعمة لربّى حيث جعل في قومى ومن أمتى من له الجاه عنده فاستجاب دعاءه.\nوحقيقة الشكر- على لسان العلماء- الاعتراف بنعمة المنعم على جهة الخضوع والأحسن أن يقال الشكر هو الثناء على المحسن بذكر إحسانه، فيدخل في هذا شكر الله للعبد لأنه ثناء منه على العبد بذكر إحسان العبد، وشكر العبد ثناء على الله بذكر إحسانه..\nإلّا إنّ إحسان الحقّ هو إنعامه، وإحسان العبد طاعته وخدمته لله، وما هو الحميد من أفعاله.\nفأمّا على طريق أهل المعاملة وبيان الإشارة: فالشكر صرف النعمة في وجه الخدمة.\n_________\n(١) ما بين القوسين موجود في م وغير موجود في ص.\n(٢) فى م (يعدم) بالعين، وإعدام المسافة أي جعلها في حكم العدم مقبول في المعنى، وينسجم مع جعل العرش في حكم العدم وإعادة خلقه من جديد.. وكذلك تقديم المسافة (بالقاف) مقبول حتى يصبح نقله من مكان إلى مكان قريب ميسورا، فالإعدام أو التقديم كلاهما مقبول لأن القدرة الإلهية تشملهما.\n(٣) هكذا في م ولكنها في ص (بين القريتين) أي قرية سليمان وقرية بلقيس.","vol":"3","page":39},{"text":"ويقال الشكر ألّا تستعين بنعمته على معاصيه.\nويقال الشكر شهود المنعم من غير مساكنة إلى النعمة.\nويقال الشكر رؤية العجز عن الشكر.\nويقال أعظم الشكر الشكر على توفيق الشكر.\nويقال الشكر على قسمين: شكر العوام على شهود المزيد، قال تعالى: «لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ «١»»، وشكر الخواص يكون مجردا عن طلب المزيد، غير متعرض لمنال العوض.\nويقال حقيقة الشكر قيد النعم وارتباطها لأنّ بالشكر بقاءها ودوامها.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2509>[سورة النمل (٢٧): الآيات ٤١ الى ٤٤]</span>\nقالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ (٤١) فَلَمَّا جاءَتْ قِيلَ أَهكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِها وَكُنَّا مُسْلِمِينَ (٤٢) وَصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ (٤٣) قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها قالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوارِيرَ قالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٤)\nأراد سليمان أن يمتحنها وأن يختبر عقلها، فأمر بتغيير عرشها، فلمّا رأته: - «قِيلَ أَهكَذا عَرْشُكِ؟ قالَتْ: كَأَنَّهُ هُوَ» فاستدلّ بذلك على كمال عقلها، وكان ذلك أمرا ناقضا للعادة، فصار لها آية وعلامة على صحة نبوة سليمان﵇- وأسلمت: - «وَصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها قالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوارِيرَ قالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» كان ذلك امتحانا آخر لها. فقد أمر سليمان الشياطين أن يصنعوا من الزجاج شبه\n_________\n(١) آية ٧ سورة ابراهيم. [.....]","vol":"3","page":40},{"text":"طبق كبير صاف مضىء، ووضعه فوق بركة بها ماء كثير عميق، يرى الماء من أسفل الزجاج ولا يميّز بين الزجاج والماء، وأمرت أن تخوض تلك البركة، فكشفت عن ساقيها لأنها وصفت لسليمان بأنها جنّية النّسب، وأن رجليها كحوافر الدواب، فتقوّلوا عليها.\nولمّا توهّمت أنها تخوض الماء كشفت عن ساقيها، فرأى سليمان رجليها صحيحين. وقيل لها: ِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوارِيرَ»\n: فصار ذلك أيضا سببا وموجبا ليقينها. وآمنت وتزوج بها سليمان ﵇.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2510>[سورة النمل (٢٧): آية ٤٥]</span>\nوَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ (٤٥)\nذكر قصة ثمود، وقصة نبيّهم صالح ﵇، وما جرى بينه وبينهم من التكذيب، وطلبهم منه معجزة، وحديث الناقة وعقرها، وتبرمهم بالناقة بعد أن رأوا فيها من الفعل الذي كانت لهم فيه أعظم آية.. إلى قوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2511>[سورة النمل (٢٧): آية ٥٠]</span>\nوَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٥٠)\nومكرهم ما أظهروا في الظاهر من موافقة صالح، وعقرهم الناقة خفية، وتوريك الذّنب على غير جارمه «١»، والتبرّى من اختيارهم ذلك.\nوأمّا مكر الله فهو جزاؤهم على مكرهم بإخفاء ما أراد بهم من العقوبة عنهم، ثم إحلالها بهم بغتة. فالمكر من الله تخليته إياهم مع مكرهم بحيث لا يعصمهم، وتزيين ذلك في أعينهم، وتحبيب ذلك إليهم.. ولو شاء لعصمهم. ومن أليم مكره انتشار الصيت بالصلاح، والعمل في السّرّ بخلاف ما يتوهم بهم من الصلاح، وفي الآخرة لا يجوز في سوقها هذا النّقد! «٢» .\n_________\n(١) أي إلقاء الجرم على غير من اقترف الجرم.\n(٢) جميل من القشيري تعبيره عن أسلوب (التعامل) بين الخلق والمخلوق مكرا بمكر بلفظة (النقد) .. وفي لآخرة لا يسرى هذا النقد، فلا يجدى مكرهم فتيلا لأن التعامل فى (سوق) الآخرة يكون على نحو آخر.","vol":"3","page":41},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2512>[سورة النمل (٢٧): الآيات ٥١ الى ٥٢]</span>\nفَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْناهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥٢)\nأهلكهم ولم يغادر منهم أحدا: - «فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ» وفي الخبر: «لو كان الظلم بيتا في الجنة لسلّط الله عليه الخراب» فالنفوس إذا ظلمت بزلاتها خربت بلحوقها شؤم الذّلة حتى يتعود صاحبها الكسل، ويستوطن مركب الفشل، ويحرم التوفيق، ويتوالى عليه الخذلان وقسوة القلب وجحود العين «١» وانتفاء تعظيم الشريعة من القلب. وأصحاب القلوب إذا ظلموها بالغفلة ولم يحاولوا طردها عن قلوبهم.. خربت قلوبهم حتى تقسو بعد الرأفة، وتجف بعد الصفوة.\nفخراب النفوس باستيلاء الشهوة والهفوة، وخراب القلوب باستيلاء الغفلة والقسوة، وخراب الأرواح باستيلاء الحجبة والوقفة، وخراب الأسرار باستيلاء الغيبة والوحشة «٢» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2513>[سورة النمل (٢٧): الآيات ٥٤ الى ٥٥]</span>\nوَلُوطًا إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٥٤) أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (٥٥)\nذكر قصة لوط وأمته، وما أصرّوا عليه من الفاحشة، وما أحلّ الله بهم من العقوبة، وإحلال العقوبة بامرأته التي كانت تطابق القوم، وتخليص الحقّ لوطا من بينهم، وما كان من أمر الملائكة الذين بعثوا لإهلاكهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2514>[سورة النمل (٢٧): آية ٥٩]</span>\nقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (٥٩) .\n_________\n(١) أي لا تكون مقرا للاعتبار.\n(٢) هذه إشارة هامة توضح آفات الطريق في مراحله المختلفة.","vol":"3","page":42},{"text":"هم الذين سلّم عليهم في آزاله وهم في كتم العدم، وفي متناول علمه ومتعلق قدرته، ولم يكونوا أعيانا في العدم ولا أفادوا «١»، فلمّا أظهرهم في الوجود سلّم عليهم بذلك السلام، ويسمعهم في الآخرة ذلك السلام. والذين سلّم عليهم هم الذين سلموا اليوم من الشكوك والشّبه، ومن فنون البدع، ومن وجوه الألم، ثم من فنون الزّلل وصنوف الخلل، ثم من الغيبة والحجبة وما ينافى دوام القربة.\nويقال اصطفاهم، ثم هداهم، ثم آواهم، وسلّم عليهم قبل أن خلقهم وأبداهم، وبعد أن سلّم عليهم بودّه لقّاهم.\nويقال: اصطفاهم بنور اليقين وحلّة الوصل وكمال العيش.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2515>[سورة النمل (٢٧): آية ٦٠]</span>\nأَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠)\nفثمرات الظاهر غذاء النفوس، وثمرات الباطن والأسرار ضياء القلوب، وكما لا تبقى في وقت الربيع من وحشة الشتاء بقية فلا يبقى في قلوبهم وأوقاتهم من الغيبة والحجبة والنفرة والتهمة شظيّة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2516>[سورة النمل (٢٧): آية ٦١]</span>\nأَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرارًا وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهارًا وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزًا أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٦١)\nنفوس العابدين قرار طاعتهم، وقلوب العارفين قرار معرفتهم، وأرواح الواجدين قرار\n_________\n(١) ربما يقصد القشيري أنهم- وقد كانوا في كتم العدم- لم تصدر عنهم طاعة تفيدهم في استحقاق إثابة لهم واستيجاب تسليم عليهم.. والمقصود- إن صحّ هذا الرأى- أن عمل الإنسان لا قيمة له بجانب الفضل الإلهى والقسمة السابقة.","vol":"3","page":43},{"text":"محبتهم، وأسرار الموحّدين قرار مشاهدتهم «١»، فى أسرارهم أنوار الوصلة وعيون القربة، وبها يسكن ظلما اشتياقهم وهيجان قلقهم واحتراقهم.\n«وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ» من الخوف والرجاء، والرغبة والرهبة.\nويقال «جَعَلَ لَها رَواسِيَ» اليقين والتوكل.\nويقال الرواسي في الأرض الأبدال والأولياء والأوتاد «٢» بهم يديم إمساك الأرض، وببركاتهم يدفع عن أهلها البلاء.\nويقال الرواسي هم الأئمة الذين يهدون المسترشدين إلى الله.\nقوله جل ذكره: «وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزًا أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ» .\n«جَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزًا» بين القلب والنفس لئلا يغلب أحدهما صاحبه.\nويقال بين العبودية وأحكامها، والحقيقة وأحكامها، فلو غلبت العبودية كانت جحدا للحقيقة، ولو غلبت الحقيقة العبودية كانت طيّا للشريعة.\nويقال: ألسنة المريدين مقرّ ذكره، وأسماعهم محلّ الإدراك الموصّل إلى الفهم، والعيون مقر الاعتبار.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2517>[سورة النمل (٢٧): آية ٦٢]</span>\nأَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ (٦٢)\nفصل بين الإجابة وبين كشف السوء فالإجابة بالقول والكشف بالطّول، الإجابة بالكلام والكشف بالإنعام. ودعاء المضطر لا حجاب له، وكذلك دعاء المظلوم» ولكن لكلّ أجل كتاب» .\n_________\n(١) هكذا في م وهي في ص (مساعدتهم) ويبدو أن الهاء التبست على الناسخ، فالمعروف أن الاسرار محل المشاهدة.\n(٢) جاء في حلية الأولياء (ح ٨ ص ٣٦٧) حديث عن النبي (ص): «خيار أمتى في كل قرن خمسمائة والأبدال أربعون فلا الخمسمائة ينقصون ولا الأبدال، كلما مات رجل أبدل الله ﷿ من الخمسمائة مكانه وأدخل من الأربعين مكانهم) .\nويرى الجرجاني: أن الأبدال سبعة (التعريفات ص ٣٧ ط مصر سنة ١٩٣٨) ويرى ابن عساكر: أنهم ٢٢ بالشام ١٨ بالعراق (تاريخ دمشق لابن عساكر ح ١ ص ٢٧٨) .\nويرى الهجويرى: أن الأوتاد أربعة يطوفون العالم بجملته كل ليلة (كشف المحجوب ص ٢٦٩) .","vol":"3","page":44},{"text":"ويقال للجناية: سراية فمن كان في الجناية مختارا فليس تسلم له دعوى الاضطرار عند سراية جرمه الذي سلف منه وهو مختار فيه، فأكثر الناس يتوهمون أنهم مضطرون، وذلك الاضطرار سراية ما بدر منهم في حال اختيارهم.\nومادام العبد يتوهم من نفسه شيئا من الحول والحيلة، ويرى لنفسه شيئا من الأسباب يعتمد عليه أو يستند إليه- فليس بمضطر، فالمضطرّ يرى نفسه كالغريق في البحر، أو الضّالّ فى المتاهة، وهو يرى عنانه بيد سيّده، وزمامه في قبضته، فهو كالميت بين يدى غاسله، وهو لا يرى لنفسه استحقاقا للنجاة لاعتقاده في نفسه أنه من أهل السخط، ولا يقرأ اسمه إلا من ديوان الشقاوة «١» .\nولا ينبغى للمضطر أن يستعين بأحد في أن يدعو له لأنّ الله وعد الإجابة له..\nلا لمن يدعو له.\nثم كما وعد المضطرّ الإجابة وكشف السوء وعده بقوله: - «... وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ» .\nفإنّ مع العسر يسرا، ولم يقل: للعسر إزالة، ولكن قال: مع العسر يسر فنهار اليسر حاصل بعد ظلام العسر.\nثم قال: «أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ» لأنّ العبد إذا زال عسره، وكشف عنه ضرّه نسى ما كان فيه، وكما قال القائل:\nكأنّ الفتى لم يعر يوما إذا اكتسى ... ولم يك صعلوكا إذا ما تموّلا\n_________\n(١) إذا اطمأن العبد لنفسه، ولاحظ عمله فقد عنصرا هاما من عناصر السير فى هذا الطريق، وهو الإخلاص..\nوفي ذلك يقول أبو يعقوب السوسي: متى شهدوا في إخلاصهم الإخلاص احتاج إخلاصهم إلى إخلاص. ويرى أبو عثمان المغربي: أن إخلاص الخواص: هو ما يجرى عليهم لا بهم فتبدو منهم الطاعات وهم عنها بمعزل، ولا يقع لهم عليها رؤية، ولا بها اعتداد.","vol":"3","page":45},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2518>[سورة النمل (٢٧): آية ٦٣]</span>\nأَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ تَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٣)\nإذا أظلم الوقت على صاحبه في متعارض الخواطر عند استبهام وجه الصواب، وضاق الأمر بسبب وحشة التدبير وظلمات أحوال التجويز، والتحيّر عند طلب ترجيح بعض الخواطر على بعض بشواهد العقل.. فمن الذي يرشدكم لوجه الصواب بترك التدبير، وللاستسلام لحكم التقدير، وللخروج من ظلمات مجوّزات العقول إلى قضايا شهود التقدير، وتفويض الأمر إلى اختيار الحق، والاستسلام لما جرت به الأقسام، وسبقت به الأقدار؟.\n«.. وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ تَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ» .\nمن الذي يرسل رياح فضله بين يدى أنوار اختياره فيمحو آثار اختيار نفسك، ويعجّل بحسن الكفاية لك؟.\nويقال: يرسل رياح التوكل فيطهّر القلوب من آثار الاختيار وأوضار التدبير، ثم يطلع شموس الرضا فيحصل برد الكفاية فوق المأمول في حال سكينة القلب.. أإله مع الله؟\n«تَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ»: من إحالة المقادير على الأسباب.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2519>[سورة النمل (٢٧): آية ٦٤]</span>\nأَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٦٤)\nيظهر ما يظهر بقدرته على مقتضى سابق حكمه، ويخصص ما تعلقت به مشيئته وحقّ فيه قوله، وسبق به قضاؤه وقدره. فإذا زال وانتفى وانعدم بعض ما يظهر ويخصص.. فمن الذي يعيده مثلما بدأه؟ ومن الذي يضيّق الرزق ويوسّعه؟ ومن الذي يقبض في بعض الأوقات على","vol":"3","page":46},{"text":"بعض الأشخاص؟ وفي وقت آخر من الذي يبسط على قوم آخرين؟.\nهل في قدرة أحد غير الله ذلك؟.\nإن توهمتم شيئا من ذلك فأوضحوا عنه حجّتكم. وإذ قد عجزتم.. فهلّا صدّقتم؟\nوبالتوحيد أقررتم؟.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2520>[سورة النمل (٢٧): آية ٦٥]</span>\nقُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥)\n«الْغَيْبَ»: ما لا يطّلع عليه أحد، وليس عليه للخلق دليل، وهو الذي يستأثر بعلمه الحقّ «١»، وعلوم الخلق عنه متقاصرة، ثم ما يريد الله أن يخصّ قوما بعلمه أفردهم به.\n«وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ»: فإنه أخفى علم الساعة عن كل أحد.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2521>[سورة النمل (٢٧): الآيات ٦٨ الى ٦٦]</span>\n«٢» فهم في الجملة يشكّون فيه فلا ينفونه ولا بالقطع يجحدونه.. وهكذا حكم كلّ مريض القلب، فلا حياة له في الحقيقة، ولا راحة له من يأسه إذ هو من البعث في شكّ، ومن الحياة الثانية في استبعاد: - «وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذا كُنَّا تُرابًا وَآباؤُنا أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ لَقَدْ وُعِدْنا هذا نَحْنُ وَآباؤُنا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ» .\n_________\n(١) هكذا في م وهي في ص (الخلق) وهي خطأ في النسخ إذ الحق هو الذي يستأثر بعلم الغيب.\n(٢) يرى القرطبي أن القراءة هكذا والقراءة على (بل أدرك) معناهما واحد لأن أصل (ادّارك) تدارك وأدغمت الدال في التاء وجىء بألف الوصل (الجامع لأحكام القرآن ج ١٣ ص ٢٢٦) .","vol":"3","page":47},{"text":"وعد آباؤنا بذلك من قبل، ثم لم يكن لهم تحقيق، وما نحن إلا مثلهم، وكانوا يسألون متى الساعة؟:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2522>[سورة النمل (٢٧): آية ٧١]</span>\nوَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٧١)\nفقال الحقّ: إنه عن قريب سيحل بهم ميقاته: - «قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ «١» لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ» .\nثم قال جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2523>[سورة النمل (٢٧): آية ٧٣]</span>\nوَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ (٧٣)\nلأنهم لا يميّزون بين محنهم ومنحهم. وعزيز من يعرف الفرق بين ما هو نعمة من الله له وبين ما هو محنة فإذا تقاصر علم العبد عمّا فيه صلاحه، فعسى أن يحب شيئا ويظنّه خيرا وبلاؤه فيه، وربّ شىء يظنّه العبد نعمة فيشكر عليها ويستديمها، وهي محنة له يجب الصبر عليها والتضرع إلى الله في صرّفها! وبعكس هذا كم من شىء يظنه الإنسان بخلاف ما هو به!.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2524>[سورة النمل (٢٧): آية ٧٤]</span>\nوَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ (٧٤)\nلا تلتبس على الله أحوالهم فصادق يستوى ظاهره وباطنه يعلمه، ومنافق يخالف باطنه ظاهره يلبّس على الناس حاله.. وهو- سبحانه- يعلمه، وكافر يستوى في الجحد سرّه وعلنه يعلمه، وهو يجازى كلّا على ما علمه.. كيف لا.. وهو قدّره، وعلى ما عليه قضاه وقسمه؟:.\n_________\n(١) من أردف أي تبع، وقال الفراء: ردف لكم أي دنا.","vol":"3","page":48},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2525>[سورة النمل (٢٧): آية ٧٥]</span>\nوَما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٧٥)\nما من شىء إلّا مثبت في اللوح المحفوظ حكمه، ماضية فيه مشيئته، متعلّق به علمه قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2526>[سورة النمل (٢٧): الآيات ٧٦ الى ٧٨]</span>\nإِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٧٦) وَإِنَّهُ لَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧) إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٧٨)\nوهم يخفون بعضا، وبعضا يظهرون، ومع ما يهوون يدورون.\nوفي هذه الآية تخصيص لهذه الأمة بأن حفظ الله كتابهم، وعصم من التغيير والتبديل ما به يدينون. وهذه نعمة عظيمة قليل منهم من عليهم يشكرون فالقرآن هدى ورحمة للمؤمنين، وليس ككتابهم الذي أخبر الصادق أنهم له محرّفون مبدّلون.\n«إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ» هو «الْعَزِيزُ» المعزّ للمؤمنين، «الْعَلِيمُ» بما يستحقه كلّ أحد من الثواب العظيم والعذاب الأليم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2527>[سورة النمل (٢٧): الآيات ٧٩ الى ٨١]</span>\nفَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (٧٩) إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠) وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٨١)\nأي اجتهد في أداء فرضه، وثق بصدق وعده في نصره ورزقه، وكفايته وعونه.\nولا يهولنّك ما يجرى على ظواهرهم من أذى يتصل منهم بك، فإنما ذلك كلّه بتسليطنا إن كان محذورا، وبتقييضنا وتسهيلنا إن كان محبوبا. وإنك لعلى حقّ وضياء صدق، وهم على شكّ وظلمة شرك.\nقوله جل ذكره: «إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ» .","vol":"3","page":49},{"text":"الذين أمات الله قلوبهم بالشرك، وأصمّهم عن سماع الحق- فليس في قدرتك أن تهديهم للرّشد أو تنقذهم من أسر الشكّ.\n«وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ» أنت تهديهم من حيث الدعاء والدلالة، ولكنك لا تهدى أحدا من حيث إزالة الباطل من القلب وإمالته إلى العرفان، إذ ليست بقدرتك الإزالة أو الإمالة.\nأنت لا تسمع إلّا من يؤمن بآياتنا، فلا يسمع منك إلّا من أسعدناه من حيث التوفيق والإرشاد إلى الطريق.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2528>[سورة النمل (٢٧): آية ٨٢]</span>\nوَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ (٨٢)\nإذا حقّ الوعد بإقامة القيامة أوضحنا أشراطها في كلام الدّابة المخرجة من الأرض «١» .\nوغير ذلك من الآيات.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2529>[سورة النمل (٢٧): آية ٨٣]</span>\nوَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهُمْ يُوزَعُونَ (٨٣)\nوعند ذلك لا ينفع الإيمان ولا يقبل العذر: -\n_________\n(١) فى صحيح مسلم عن أبى هريرة قال قال ﷺ: «ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفسا إيمانها (لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا زيادة من صحيح مسلم) طلوع الشمس من مغربها والدجال ودابة الأرض» . ومن الأقوال في هذه الدابة: أنها فصيل ناقة صالح، ومنها أن هذه الدابة تكون إنسانا متكلما يناظر أهل البدع والكفر ويجادلهم لينقطعوا، ومنها أنها تخرج من جبل الصفا بمكة بعد أن يتصدع ... إلى غير ذلك من الأقوال المنسوبة للصحابة والتابعين والمفسرين.","vol":"3","page":50},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2530>[سورة النمل (٢٧): الآيات ٨٥ الى ٨٦]</span>\nوَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ (٨٥) أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٨٦)\nثم كرّر ذكر الليل والنهار واختلافهما: - «أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ» أي ليكون الليل وقت سكونهم، والنهار وقت طلب معاشهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2531>[سورة النمل (٢٧): آية ٨٧]</span>\nوَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ (٨٧)\nأخبر أن اليوم الذي ينفخ فيه في الصور هو يوم إزهاق الأرواح، وإخراجها عن الأجساد فمن روح ترقى إلى علّيين، ومن روح تذهب إلى سجّين. أولئك في حواصل طير تسرح فى الجنة تأوى بالليل إلى قناديل معلقة من تحت العرش صفتها التسبيح والرّوح والراحة، ولبعضها الشهود والرؤية ... على مقادير استحقاقهم لما كانوا عليه في دنياهم.\nوأمّا أرواح الكفار ففى النار تعذّب على مقادير أجرامهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2532>[سورة النمل (٢٧): آية ٨٨]</span>\nوَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ (٨٨)\nوكثير من الناس اليوم من أصحاب التمكين، هم ساكنون بنفوسهم «١» سائحون في الملكوت بأسرارهم.. قيل: إن الإشارة اليوم إليهم. كما قالوا: العارف كائن بائن كائن مع الناس بظاهره، بائن عن جميع الخلق بسرائره.\n_________\n(١) عرف الجنيد بسكونه وقلة اضطرابه عند السماع، فلما سئل في ذلك تلا: «وترى الجبال تحسبها جامده وهى....» (اللمع للسراج ص ١٢٨) .","vol":"3","page":51},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2533>[سورة النمل (٢٧): الآيات ٨٩ الى ٩٠]</span>\nمَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (٨٩) وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٠)\nيحتمل أن يكون «خَيْرٌ» هاهنا للمبالغة لأن الذي له في الآخرة من الثواب خير ممّا منه من القرب: ويحتمل فله نصيب خير أو عاقبة خير أو ثواب خير منها. وهم آمنون من فزع القيامة. ومن جاء بالسيئة: فكما أن حالهم اليوم من المطيعين بالعكس فحكمهم غدا فى الآخرة بالضدّ.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2534>[سورة النمل (٢٧): الآيات ٩١ الى ٩٢]</span>\nإِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١) وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ (٩٢)\nأخبر أنه أمره بالدين الحنيفىّ، والتبرّى من الشّرك الجلىّ منه والخفىّ، وبملازمة الطريق السّويّ. وأخبر أنّ من اتبعه وصدّقه أوجب الحقّ ذمامه وحقّه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2535>[سورة النمل (٢٧): آية ٩٣]</span>\nوَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٣)\nسيريكم- عن قريب- آياته، فطوبى لمن رجع قبل وفاته، والويل على من رجع بعد ذهاب الوقت وفواته!.","vol":"3","page":52},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2536>سورة القصص</span>\nقوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» بسم الله اسم عزيز من تعرض لجدواه يسّر له في دنياه وعقباه، اسم عزيز من اشتاق إلى لقياه استعذب فيه ما يلقاه من بلواه. ومن طلب غيره مؤنسا في دنياه أو عقباه «ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2537>[سورة القصص (٢٨): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nطسم (١)\n«الطاء» تشير إلى طهارة نفوس العابدين عن عبادة غير الله، وطهارة قلوب العارفين عن تعظيم غير الله، وطهارة أرواح الواجدين عن محبة غير الله، وطهارة أسرار الموحّدين عن شهود غير الله. «والسين» تشير إلى سرّ الله مع العاصين بالنجاة، ومع المطيعين بالدرجات، ومع المحبين بدوام المناجاة. «والميم» تشير إلى منّته على كافة المؤمنين بكفاية الأوقات والثبات فى سبيل الخيرات.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2538>[سورة القصص (٢٨): آية ٣]</span>\nنَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣)\nسماع قصة الحبيب من الحبيب يوجب سلوة القلب، وذهاب الكرب، وبهجة السّرّ، وثلج الفؤاد. وقد كرّر الحقّ ذكر قصة موسى تفخيما لشأنه وتعظيما لقدره، ثم زيادة في البيان لبلاغة القرآن، ثم إفادة لزوائد في المذكور قوله في كل موضع يتكرر فيه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2539>[سورة القصص (٢٨): آية ٤]</span>\nإِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤)","vol":"3","page":53},{"text":"تكبّر فرعون بغير حقّ فأقماه بحقّ، وتجبّر بغير استحقاق فأذلّه الله باستحقاق واستيجاب، وجعل أهلها شيعا يذبّح أبناءهم «١» بعد ما استضعفهم، ويستحى نساءهم، وأفنى منهم من كان (...) «٢»، وبالفساد حكم فيهم، والله لم يرض بترك إتلافهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2540>[سورة القصص (٢٨): الآيات ٥ الى ٦]</span>\nوَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ (٦)\nنريد أن نمنّ على المستضعفين بالخلاص من أيديهم، وأن نجعلهم أئمة، بهم يهتدى الخلق، ومنهم يتعلم الناس سلوك طريق الصدق، ونبارك في أعمارهم، فيصيرون وارثين لأعمار من يناويهم، وتصير إليهم مساكنهم ومنازلهم فهم هداة وأعلام، وسادة وقادة بهم يقتدى وبنورهم يهتدى.\n«وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ»: نزيل عنهم الخوف، ونرزقهم البسطة والاقتدار، ونمد لهم فى الأجل. ونرى فرعون وهامان وقومهما ما كانوا يحذرون من زوال ملكهم على أيديهم وأنّ الحقّ يعطى- وإن كان عند الخلق أنّه يبطى.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2541>[سورة القصص (٢٨): آية ٧]</span>\nوَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧) .\n_________\n(١) كان سبب سلوكه هذا السبيل مع بنى إسرائيل أن الكهنة قالوا له ان مولودا يولد في بنى إسرائيل يذهب ملكك على يديه، أو قال له المنجمون ذلك، أو رأى رؤيا فعبرت كذلك. قال الزجاج: العجب من حمقه لم يدر أن الكاهن إن صدق فالقتل لا ينفع، وإن كذب فلا معنى للقتل. [.....]\n(٢) مشتبهة.","vol":"3","page":54},{"text":"أي ألقينا في قلبها، وأوحينا إليها وحي إلهام، فاتّخذت خاطرها في ذلك، وجرى منها ذلك وهي مختارة باختيار أدخل عليها.\nلمّا وضعت أم موسى موسى كانت تخاف قتله، فإن فرعون قتل في ذلك اليوم كثيرا من الولدان المولودة لبنى إسرائيل، رجاء أن يقتل من رأى في النوم ما عبّر له أن ذهاب ملكه على يدى إسرائيلى.. فألقى الله في قلبها أن تفعل ذلك.\nثم إنه ربّاه في حجره ذلك اليوم- ليعلم أنّ الأقدار لا تغالب.\nجعلت أم موسى موسى في تابوت، وألقته في نيل مصر، فجاء الماء به إلى بركة كان فرعون جالسا على حافتها، فأخذوه وحملوه إليه، وفتحوا رأس التابوت. فلمّا رآه فرعون أخذت رؤيته بمجامع قلبه، وكذلك تمكّن حبّه من قلب امرأة فرعون قال تعالى:\n«وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي»: «١» حيث خلق الله ملاحة في عينى موسى فكان من يقع عليه بصره لا يتمالك من حبّه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2542>[سورة القصص (٢٨): الآيات ٨ الى ١٠]</span>\nفَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ (٨) وَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٩) وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغًا إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠)\nأخبر الله تعالى أنه كان عدوا لهم، وقالت امرأة فرعون:\n«قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ» .\nفلم يكن لهما ولد، وهم لا يشعرون إلى ماذا يئول أمره.\n«وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغًا إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ» .\n_________\n(١) آية ٣٩ سورة طه.","vol":"3","page":55},{"text":"لمّا ألقته في الماء سكّن الله قلبها، وربط عليه، وألهمها الصبر، وأصبح فؤادها فارغا إن كادت لتبدى به من حيث ضعف «١» البشرية، ولكن الله ربط على قلبها.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2543>[سورة القصص (٢٨): آية ١١]</span>\nوَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١١)\nأمرت أمّ موسى أخته أن تتبع أثره، وتنظر إلى ماذا يئول أمره، فلمّا وجدوه واستمكن حبّه من قلوبهم طلبوا من يرضعه:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2544>[سورة القصص (٢٨): الآيات ١٢ الى ١٣]</span>\nوَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ (١٢) فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٣)\nأبى موسى قبول ثدى واحدة ممن عرض عليهن.. فمن بالغداة كانوا في اهتمام كيف يقتلونه أمسوا- وهم في جهدهم- كيف يغذّونه «٢» ! فلمّا أعياهم أمره، قالت لهم أخته: «هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ؟» فقبلوا نصيحتها شفقة منهم عليه، وقالوا: نعم، فردّوه إلى أمّه «٣»، فلمّا وضعت ثديها في فمه ارتضعها موسى فسرّوا بذلك، وكانوا يدعون أمّه حاضنة ومرضعة.. ولم يضرها، وكانوا يقولون عن فوعون: إنه أبوه.. ولم ينفعه ذلك «٤» !\n_________\n(١) هكذا في م، وقد أخطأ الناسخ في ص حين أضاف لفظة (الله) بعد (ضعف) .\n(٢) هكذا في م، وفي ص (يعذبونه) وهي خطأ في النسخ كما هو واضح.\n(٣) هكذا في م، وفي ص (آمره) وهي خطأ في النسخ كما هو واضح.\n(٤) يقصد القشيري إلى شىء بعيد هو أن أحكام الناس ليست بالضرورة صائبة، وأن للأمور حقائق وجواهر وبواطن خافية، وأن أسماء الأشياء وظواهرها لا عبرة بها.","vol":"3","page":56},{"text":"ولمّا أخذته أمّه علمت بتصديق الله ظنها، وسكن عن الانزعاج قلبها، وجرى من قصة فرعون ما جرى.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2545>[سورة القصص (٢٨): آية ١٤]</span>\nوَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى آتَيْناهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٤)\nلمّا كملت سنّة وتمّ عقله، واستوى كمال خصاله «آتَيْناهُ حُكْمًا»: أي أتممنا له التحصيل، ووفّرنا له العلم، وبذلك جرت سنّتنا مع الأكابر والأنبياء.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2546>[سورة القصص (٢٨): آية ١٥]</span>\nوَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (١٥)\nالآية.\nقيل: دخل المدينة في وقت الهاجرة، وتفرّق الناس، فوجد فيها رجلين يتخاصمان: أحدهما إسرائيليّ من شيعة موسى وعلى دينه، والآخر قبطيّ مخالف لهما، فاستغاث الإسرائيليّ بموسى على القبطي، فوكزه موسى ليدفعه عن الإسرائيلى، فمات الرجل بذلك الوكز، ولم يكن موسى يقصد قتله، فقال موسى: - «هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ» .\nفقد تمنّى موسى أن لو دفعه عنه بأيسر مما دفعه، ولم ينسب القتل إلى الشيطان «١»، ولكنّ دفعه عنه بالغلظة نسبه إلى الشيطان بأن حمله على تلك الحدّة.\nوهكذا.. إذا أراد الله أمرا أجرى أسبابا ليحصل بها مراده، ولولا أنه أراد فتنة موسى لما قبض روح الرجل بمثل تلك الوكزة، فقد يضرب الرجل الكثير من الضّرب والسياط ثم لا يموت فموت القبطي بوكزة اجراء لما قضاه وأراده.\n_________\n(١) يتصل ذلك برأى القشيري: أن الشيطان ليس بيده شىء لأنه لو كان بيده شىء لأمسك على الهداية نفسه، وكل عمل الشيطان أنه يوسوس في صدور الناس.","vol":"3","page":57},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2547>[سورة القصص (٢٨): آية ١٦]</span>\nقالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٦)\nتاب موسى عمّا جرى على يده، واستغفر ربّه، وأخبر الله أنه غفر له، ولا عتاب «١» بعد المغفرة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2548>[سورة القصص (٢٨): آية ١٧]</span>\nقالَ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ (١٧)\nقال موسى ربّ بما أنعمت عليّ من توفيقك لى بالتوبة «٢» فلن أعود بعد ذلك إلى مثل ما سلف منى.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2549>[سورة القصص (٢٨): الآيات ١٨ الى ١٩]</span>\nفَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قالَ لَهُ مُوسى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (١٨) فَلَمَّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما قالَ يا مُوسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (١٩)\nأصبح في المدينة خائفا على نفسه من فرعون لأنه كان يدّعى أنه يحكم بالعدل، وخاف موسى أن ينسبه في قتل القبطيّ إلى العمد والقصد. فهو «يَتَرَقَّبُ» علم فرعون وأن يخبر بذلك في وقته.\n_________\n(١) هكذا في النسختين ولا نستبعد أن تكون (عقاب) بالقاف فالسياق يحتملها أيضا وإن كانت (عتاب) أليق بمقام النبوة.\n(٢) حقيقة التوبة أن يتوب الله عليك أولا، ويهيىء لك أسباب التوفيق لذلك، فإذا شكرت فاشكر له، فعملك لا يكفى ولا يغنى عن فضل الله.","vol":"3","page":58},{"text":"وقيل «خائِفًا» من الله مما جرى منه. ويقال «خائِفًا» على قومه حلول العذاب بهم.\nوقيل «يَتَرَقَّبُ» نصرة الله إياه. ويقال «يَتَرَقَّبُ» مؤنسا يأنس به.\nفإذا الذي استنصره بالأمس يخاصم إنسانا آخر، ويستعين به ليعينه، فهمّ موسى بأن يعين صاحبه، فقال الذي يخاصمه: «يا مُوسى، أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ؟»:\nقيل لم يعلم ذلك الرجل أن موسى هو الذي قتل الرجل بالأمس، ولكن لمّا قصد منعه عن صاحبه استدلّ على أن موسى هو الذي قتل الرجل بالأمس، فلما ذكر ذلك شاع في أفواه الناس أنّ موسى هو الذي قتل القبطيّ بالأمس، فأمسك موسى عن هذا الرجل.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2550>[سورة القصص (٢٨): الآيات ٢٠ الى ٢١]</span>\nوَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (٢٠) فَخَرَجَ مِنْها خائِفًا يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢١)\nجاء اسرائيليّ من معارف موسى يسعى، وقال إن القوم يريدون قتلك، وأنا واقف على تدبيرهم وقد أرادوا إعلام فرعون.. فاخرج من هذا البلد، إنى لك من الناصحين.\n«فَخَرَجَ مِنْها خائِفًا يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ» خرج «١» من مصر «خائِفًا» أن يقتفوا أثره، «يَتَرَقَّبُ» أن يدركه الطلب، وقيل «يَتَرَقَّبُ» الكفاية والنصرة من الله، ودعا الله فقال: «نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2551>[سورة القصص (٢٨): آية ٢٢]</span>\nوَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ (٢٢) .\n_________\n(١) ربما يذكرنا موقف موسى بقضية هامة في الطريق الصوفي هى «السفر»: وضرورته أو عدمها، وقد اختلف المشايخ في أمره (الرسالة ص ١٤٣)، ويرى القشيري ضرورة السفر. إن نبا المكان واشتد البلاء.\n(الرسالة ص ٢٠٢) وهو نفسه غادر بلاده عند إطباق المحنة عليه.","vol":"3","page":59},{"text":"توجّه بنفسه تلقاء مدين من غير قصد إلى مدين أو غيره، بل خرج على الفتوح «١»، وتوجّه بقلبه إلى ربّه ينتظر أن يهديه ربّه إلى النحو الذي هو خير له، فقال: عسى ربى أن يهدينى إلى أرشد سبيل لى.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2552>[سورة القصص (٢٨): الآيات ٢٣ الى ٢٥]</span>\nوَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ (٢٣) فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤) فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا فَلَمَّا جاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٥)\nلمّا وافى مدين شعيب كان وقت الهاجرة، وكانت لهم بئر يستقون منها، فيصبون الماء فى الحياض، ويسقون أغنامهم، وكانوا أهل ماشية.\nوكان شعيب النبيّ ﵇ قد كفّ بصره لكثرة بكائه ففى القصة أنه بكى فذهب بصره، ثم ردّ الله عليه بصره فبكى، فردّ الله بصره فبكى حتى ذهب بصره، فأوحى الله إليه:\nلم تبكى يا شعيب..؟ إن كان بكاؤك لخوف النار فقد أمنتك، وإن كان لأجل الجنة فقد أتحتها لك.\nفقال: ربّ.. إنما أبكى شوقا إليك. فأوحى الله إليه لأجل ذلك أخدمتك نبيّى وكليمى عشر حجج.\nوكانت لشعيب أغنام، ولم يكن لديه أجير، فكانت بنتاه تسوقان الغنم مكان الرعاة، ولم يكن لهما قدرة «٢» على استقاء الماء من البئر، وكان الرعاة يستقون، فإذا انقضوا «٣» فإن بقيت في الحوض بقية من الماء استقت بنات شعيب.\n_________\n(١) وهكذا سفر الأكابر.\n(٢) هكذا في ص وهي في م (قوة) .\n(٣) من الجائز أن تكون في الأصل (انفضوا) بالفاء فالسياق يحتملها بدليل قوله فيما بعد (فلما انصرف الرعاة)","vol":"3","page":60},{"text":"فلمّا وافى موسى ذلك اليوم وشاهد ذلك ورآهما يمنعان غنمهما عن الماء رقّ قلبه لهما وقال:\nما خطبكما؟ فقالتا: «لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ» وليس لدينا أجير.\nفلمّا انصرف الرعاة سقى لهما، ثم تولّى إلى ظلّ جدار بعد ذلك. كان الجوع قد أصابه خلال سفره، ولم يكن قد تعوّد قط الرحلة والغربة، ولم يكن معه مال، فدعا الله:\n«فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ» .\nقيل طلب قوة تزيل جوعه، وقيل طلب حالا يستقلّ بها. والأحسن أن يقال جاع فطلب كسرة يسدّ بها رمقه- والمعرفة توجب سؤال ما تحتاج إليه من الله قليلا أو كثيرا «١» . فلمّا انصرفت ابنتا شعيب خرج شعيب إلى ظاهر الصحراء على طريق الماشية لميسّها بيديه فوجد أثر الزيادة في تلك الكرّة، فسألهما فذكرتا له القصة، وما سمعتا منه حين قال: «رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ، فقال شعيب: إذا هو جائع. وبعث إحداهما لتدعوه: - «فجاءته إحداهما تمشى على استحياء قالت إنّ أبى يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا. فلمّا جاءه وقصّ عليه القصص قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين» قيل إنما استحيت لأنها كانت تخاطب من لم يكن لها محرما «٢» .\nوقيل لمّا دعته للضيافة تكلمت مستحيية- فالكريم يستحى من الضيافة.\nويقال لم تطب نفس شعيب لمّا أحسن موسى إليه وأنه «٣» لم يكافئه- وإن كان موسى\n_________\n(١) لاحظ كيف طبق القشيري (أدب السؤال) ومتى يجب؟ وكيف يجب؟ على موقف موسى الغريب المسافر الجائع المتعب، وهذه الإشارة موجهة من بعين إلى أرباب الطريق. [.....]\n(٢) المحرم من الرجال والنساء الذي يحرم التزوج به لرحمه وقرابته.\n(٣) الضمير فى (وأنه) يعود على شعيب كما هو واضح من السياق.","vol":"3","page":61},{"text":"لم يرد مكافأة منهم «فَلَمَّا جاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ»: لم يقل: فلما جاءه قدّم السّفرة «١» بل قال: وقصّ عليه القصص.. وهذا طرف من قصته.\nويقال: ورد بظاهره ماء مدين، وورد بقلبه موارد الأنس والرّوح. والموارد مختلفة فموارد القلب رياض البسط بكشوفات المحاضرة فيطربون بأنواع الملاطفة، وموارد الأرواح مشاهد الأرواح فيكاشفون بأنوار المشاهدة، فيغيبون عن كل إحساس بالنّفس، وموارد الأسرار ساحات التوحيد.. وعند ذلك الولاية لله فلا نفس ولا حسّ، ولا قلب ولا أنس..\nاستهلاك في الصمدية وفناء بالكلية!.\nويقال كانت الأجنبية والبعد عن المحرميّة يوجبان إمساكه عن مخاطبتهما، والإعراض والسكون عن سؤالهما.. ولكن الذي بينهما من المشاكلة والموافقة بالسّرّ استنطقه حتى سألهما عن قصتهما، كما قيل:\nأجارتنا إنّا غريبان هاهنا ... وكلّ غريب للغريب نسيب\nويقال: لمّا سألهما وأخبرتا عن ضعفهما لزمه القيام بأمرهما ليعلم أنّ من تفقّد أمر الضعفاء ووقف على موضع فاقتهم لزمه إشكاؤهم.\nويقال من كمال البلاء على موسى أنّه وافى الناس وكان جائعا، وكان مقتضى الرّفق أن يطعموه، ولكنه قبض القلوب عنه، واستقبله من موجبات حكم الوقت أن يعمل عمل أربعين رجلا لأن الصخرة التي نحّاها عن رأس البئر- وحده- كان ينقلها أربعون رجلا، فلمّا عمل عمل أربعين رجلا، تولّى إلى الظّلّ، وقال: إن رأيت أن تطعمنى بعد مقاساة اللتيا والتي.. فذلك فضلك!.\nقال ذلك بلسان الانبساط، ولا لسان أحلى من ذلك. وسنّة الشكوى أن تكون إليه لا منك.. بل منه إليه «٢» .\n_________\n(١) السفرة طعام يصنع للمسافر، أو مائدة وما عليها من طعام.\n(٢) لأنك بلا أنت، فبالضرورة ليس منك شكوى، فعل الحقيقة لا وجود إلا له، فاتركه ممسكا بعنانك، واستسلم لما يختار، ولن يكون إلا الخير.","vol":"3","page":62},{"text":"ويقال: تولّى إلى ظلّ الأنس وروح البسط واستقلال السّرّ بحقيقة الوجود.\nويقال قال: «رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ»: فزدنى فقرا فإنّ فقرى إليك يوجب استعانتى بك «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2553>[سورة القصص (٢٨): آية ٢٦]</span>\nقالَتْ إِحْداهُما يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦)\nكان شعيب ﵇ يحتاج إلى أجير، ولكن لا يسكن قلبه إلى أحد، فلمّا رأى موسى، وسمع من ابنته وصفه بالقوة والأمانة سأل:\nعرفت قوّته.. فكيف عرفت أمانته؟\nفقالت: كنت أمشى قدّامه فأخّرنى عنه في الطريق قائلا: سيرى ورائي واهدينى، لئلا يقع بصره عليّ.. فقال شعيب:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2554>[سورة القصص (٢٨): آية ٢٧]</span>\nقالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧)\nفرغب موسى وتزوجها على صداق أن يعمل عشر حجج لشعيب.\nوفي القصة أن شعيبا قال لموسى: ادخل هذا البيت وأخرج مما فيه من العصيّ عصا، وكان البيت مظلما، فدخل وأخرج العصا، تلك التي أظهر الله فيها معجزاته، ويقال: إنها كانت لآدم ﵇، ووقعت لشعيب من نبيّ إلى نبيّ. إذ يقال: إنه لما هبط آدم إلى الأرض صال عليه ما على وجهها من السّباع، فأنزل عليه الله عصا، وأمره جبريل أن يردّ السباع عن نفسه بتلك العصا.\n_________\n(١) إظهار الضعف آية العبودية فالدعاء هنا ليس من قبيل الشكوى، ولكنه تعبير عن ضعف العبد أمام عظمة الربوبية، فكأنه نوع من التعبد (راجع قصة أيوب إذ نادى ربه....)","vol":"3","page":63},{"text":"وتوارث الأنبياء واحدا بعد الآخر تلك العصا، فلمّا أخرج موسى تلك العصا، قال شعيب:\nردّها إلى البيت، واطرحها فيه، وأخرج عصا أخرى، ففعل غير مرة، ولم تحصل كلّ مرة فى يده إلا تلك العصا، فلمّا تكرّر ذلك علم شعيب أنّ له شأنا فأعطاه إياها، وفي القصة: أنه في اليوم الأول ساق غنمه، وقال له شعيب: إنّ طريقك يتشعب شعبين:\nعلى أحدهما كلا كثير.. فلا تسلكه في الرعي فإنّ فيه ثعبانا، واسلك الشّعب الآخر.\nفلمّا بلغ موسى مفرق الطريقين، تفرّقت أغنامه ولم تطاوعه، وسامت في الشّعب الكثير الكلأ، فتبعها، ووقع عليه النوم، فلمّا انتبه رأى الثعبان مقتولا، فإن العصا قتلته، ولمّا انصرف أخبر شعيبا بذلك فسرّ به. وهكذا كان يرى موسى في عصاه آيات كثيرة، ولذا قال: «وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2555>[سورة القصص (٢٨): آية ٢٩]</span>\nفَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ وَسارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ نارًا قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٢٩)\nمضت عشر حجج، وأراد موسى الخروج إلى مصر، فحمل ابنه شعيب، وسار بأهله متوجّها إلى مصر. فكان أهله في تسييره وكان هو في تسيير الحقّ، ولمّا ظهر ما ظهر بامرأته من أمر الطّلق استصعب عليه الوقت، وبينا هو كذلك إذ آنس من جانب الطور نارا- أي أبصر ورأى- فكأنه يشير إلى رؤية فيها نوع أنس: وإنّ الله إذا أراد أمرا أجرى ما يليق به، ولو لم تقع تلك الحالة لم يخرج موسى عندها بإيناس النار، وقد توهّم- أول الأمر- أنّ ما يستقبله في ذلك الوقت من جملة البلايا، ولكنه كان في الحقيقة سبب تحقيق النبوة. فلولا أسرار التقدير- التي لا يهتدى إليها الخلق- لما قال لأهله:\n«امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ» .","vol":"3","page":64},{"text":"ويقال: ألاح له نارا ثم لوّح له نورا، ثم بدا ما بدا، ولا كان المقصود النّار ولا النور وإنما سماع نداء: «إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2556>[سورة القصص (٢٨): آية ٣٠]</span>\nفَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٣٠)\nالآية أخفى تعيين قدم موسى على الظنون بهذا الخطاب حيث قال: «مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ»، ثم قال: «فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ» ثم قال «مِنَ الشَّجَرَةِ» .\nوأخلق بأن تكون تلك البقعة مباركة، فعندها سمع خطاب مولاه بلا واسطة وأعزّ الأماكن في العالم مشهد الأحباب:\nوإنى لأهوى الدار ما يستعزنى ... لها الود إلا أنها من دياركا\nويقال: كم قدم وطئت لك البقعة، ولكن لم يسمع أصحابها بها شيئا!. وكم ليلة جنّت تلك البقعة ولم يظهر من تلك النار فيها شعلة!.\nويقال: شتّان بين شجرة وشجرة شجرة آدم عندها ظهور محنته وفتنته، وشجرة موسى وعندها افتتاح نبوّته ورسالته!.\nويقال: لم يأت بالتفصيل نوع تلك الشجرة «١»، ولا يدرى ما الذي كانت تثمره، بل هي شجرة الوصلة وثمرتها القربة، وأصلها في أرض المحبة وفرعها باسق في سماء الصفوة، وأوراقها الزلفة، وأزهارها تنفتق عن نسيم الرّوح والبهجة:\nفلمّا سمع «٢» موسى تغيّر عليه الحال ففى القصة: أنه غشى عليه، وأرسل الله إليه الملائكة ليروّحوه بمراوح الأنس، وهذا كان في ابتداء الأمر، والمبتدئ مرفوق به. وفي المرة الأخرى خرّ موسى صعقا، وكان يفيق والملائكة تقول له: يا ابن الحيض. أمثلك من يسأل الرؤية؟!\n_________\n(١) قيل هي شجرة العليق وقيل العوسج والعوسج إذا عظم يقال له الغرقد (القرطبي) .\n(٢) معروف أن السماع عند الصوفية يصحبه- وخصوصا لدى المبتدئين- تأثيرات عضوية ونفسية حادة","vol":"3","page":65},{"text":"وكذا الحديث والقصة «١» فى البداية لطف وفي النهاية عنف، فى الأول ختل وفي الآخر قتل، كما قيل:\nفلمّا دارت الصهباء «٢» ... دعا بالنّطع والسيف\nكذا من يشرب الراح ... مع التّنّين في الصيف «٣»\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2557>[سورة القصص (٢٨): آية ٣١]</span>\nوَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (٣١)\nيا موسى.. اخلع نعليك والق عصاك، وأقم عندنا هذه الليلة، فلقد تعبت في الطريق- وذلك إن لم يكن في النقل والآثار فهو مما يليق بتلك الحال.\nيا موسى.. كيف كنت في الطريق؟ كيف صعّدت وكيف صوّبت «٤» وكيف شرّقت وكيف غرّبت؟ ما كنت في الطريق وحدك يا موسى! أحصينا خطاك- فقد أحصينا كلّ شىء عددا. يا موسى.. تعبت فاسترح، وبعد ما جئت فلا تبرح- كذلك العبد غدا إذا قطع المسافة في القيامة، وتبوّأ منزله من الجنة فأقوام إذا دخلوها رجعوا إلى منازلهم تم يوم اللقاء يستحضرون، وآخرون يمضون من الطريق إلى بساط الزلفة، وكذا العبد أو الخادم إذا دخل بلد سلطانه. يبتدئ أولا بخدمة السّدّة العليّة ثم بعدها ينصرف إلى منزله.\nوكذلك اليوم أمرنا «٥» إذا أصبحنا كلّ يوم: ألا نشتغل بشىء حتى نفتتح النهار بالخطاب مع الحقّ قبل أن نخاطب المخلوق، نحضر بساط الخدمة- أي الصلاة- بل نحضر بساط الدنوّ والقربة، قال تعالى: «وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ» «٦»: فالمصلّى مناج ربّه. ولو علم المصلّى من\n_________\n(١) يقصد حديث الحب وقصته\n(٢) الرواية الصحيحة «فلما دارت الكأس» .\n(٣) البيتان من المقطعة التي أنشدها الحلاج وهو يواجه مصرعه، وأولها:\nنديمى غير منسوب ... إلى شىء من الخوف\n(طبقات الشعراني ح ١ ص ١٢٠)\n(٤) هكذا في م وهى في ص (ضربت)، وضرب في الأرض أي جال وسار، وقد أثبتنا (صوّبت) لتتلاءم مع الأفعال المضعفة طبقا لما نعرف من حرص القشيري على الموسيقى اللفظية.\n(٥) من هذا نفهم أن القشيري يكتب كتابه أو يمليه من أجل الصوفية، فضمير المتكلمين يدل على نوع من التخصيص.\n(٦) آية ١٩ سورة العلق.","vol":"3","page":66},{"text":"يناجى ما التفت أي لم يخرج عن صلاته ولم يلتفت يمينا وشمالا في التسليم الذي هو التحليل «١» .\nقوله جل ذكره: «فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ» .\nعند ما انقلبت العصا حيّة ولّى موسى مدبرا ولم يعقب، وكان موضع ذلك أن يقول:\nحديث أوّله تسليط ثعبان! من ذا يطيق أوّله؟!.\nفقيل له: لا تخف يا موسى إن الذي يقدر أن يقلب العصا حية يقدر أن يخلق لك منها السلامة: «يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ»: ليس المقصود من هذا أنت، إنما أثبت هذا لأسلطه على عدوّك، فهذه معجزتك إلى قومك، وآيتك على عدوّك.\nويقال: شتان بين نبيّناﷺ- وبين موسى ﵇ رجع من سماع الخطاب وأتى بثعبان سلّطه على عدوّه، ونبيناﷺ- رجع بعد ما أسرى به إلى السماء، وأوحى إليه ما أوحى- ليوافى أمّته بالصلاة التي هي المناجاة، وقيل له:\nالسلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، فقال: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2558>[سورة القصص (٢٨): آية ٣٢]</span>\nاسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ (٣٢)\nقيل له: اسلك يدك في جيبك لأنّ المدرعة التي كانت عليه لم يكن لها كم.\nوفي هذا إشارة إلى أنه ينبغى على المرء للوصول إلى مراده ومقصوده أن يتشمّر، وأن يجدّ،\n_________\n(١) التحليل: الإباحة، والمقصود هنا أنه عقيب التسليم يحل له أن يخاطب الخلق وأن يشتغل بشىء بعد ما تمت مناجاته مع الحق، تلك المناجاة التي يؤثر القشيري دوامها واستمرارها. ومعلوم أن الصوفية إذا أنهوا صلاتهم يستمرون في الذكر والتأمل دون حدود. [.....]","vol":"3","page":67},{"text":"وأن يخرج يده من كمّه. وإنه قال لموسى: أدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء، وألق عصاك نجعلها ثعبانا، بلا ضربك بها، وبلا استعمالك لها يا موسى: الأمر بنا لا بك، وأنا لا أنت.\n«وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ»: يا موسى، فى وصف خضوعك تجدنى، وبتبرّيك عن حولك وقوّتك تصل إليّ.\nقوله جل ذكره\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2559>[سورة القصص (٢٨): الآيات ٣٣ الى ٣٧]</span>\nقالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (٣٣) وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (٣٤) قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطانًا فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما بِآياتِنا أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ (٣٥) فَلَمَّا جاءَهُمْ مُوسى بِآياتِنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُفْتَرىً وَما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ (٣٦) وَقالَ مُوسى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٣٧)\n: تعلّل بكلّ وجه رجاء أن يعافى من مشقة التبليغ ومقاساة البلاء لأنه علم أنّ النبوة فيها مشقة، فلم يجد الرّخصة والإعفاء ممّا كلّف، وأجاب سؤله في أخيه حيث سأله أن يجعل له ردءا، وضمن لهما النصرة.\nثم إنهما لمّا أتيا فرعون قابلهما بالتكذيب والجحد «١»، ورماهما بالخطأ والكذب والسحر «٢»، وجاوباه «٣» بالحجة، ودعواه إلى سواء المحجّة، فأبى إلّا الجحد.\nقوله جل ذكره\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2560>[سورة القصص (٢٨): الآيات ٣٨ الى ٤٠]</span>\nوَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ (٣٨) وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ (٣٩) فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٤٠)\nادّعى الانفراد بالإلهية فزاد في ضلاله على عبدة الأصنام الذين جعلوا أصنامهم شركاء، ثم قال لهامان: «فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى» وكان هذا من زيادة ضلاله،\n_________\n(١) (والجحد) موجودة في م وغير موجودة في ص.\n(٢) (والسحر) موجودة في ص وغير موجودة في م.\n(٣) هكذا في م وهي في ص (وحارباه) .","vol":"3","page":68},{"text":"حيث توهّم أن المعبود من جهة فوق، وأنه يمكن الوصول إليه. ولعمرى لو كان في جهة لأمكن تقدير الوصول إليه وتجويزه!.\n«وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ» أبى إلا أن يدوم جحوده، وعنوده، فأغرقه الله في البحر، كما أغرق قلبه في بحر الكفر.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2561>[سورة القصص (٢٨): آية ٤١]</span>\nوَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ (٤١)\nلا لشرفهم جعلهم أئمة ولكن لسبب تلفهم قدّمهم في الخزي والهوان على كلّ أمة، ولكن لم يرشدوا إلّا إلى الضلال. ولم يدلّوا الخلق إلّا على المحال، وما حصلوا إلا على سوء الحال، وما ذاقوا إلا خزى الوبال. أفاضوا على متّبعيهم من ظلمات قلوبهم فافتضحوا فى خسّة «١» مطلوبهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2562>[سورة القصص (٢٨): آية ٤٢]</span>\nوَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (٤٢)\nكانوا في الدنيا مبعدين عن معرفته، وفي الآخرة مبعدين عن مغفرته، فانقلبوا من طرد إلى طرد، ومن هجر إلى بعد، ومن فراق إلى احتراق.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2563>[سورة القصص (٢٨): آية ٤٣]</span>\nوَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى بَصائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٣)\n_________\n(١) هكذا في م وهي في ص (خيبة)","vol":"3","page":69},{"text":"إنما تطيب المنازل إذا خلت من الأجانب، وأطيب المساكن ما كانت زينتها بفقد الرّقباء وغيبتهم، فلمّا أهلك الله فرعون وقومه، وأورث بنى إسرائيل أموالهم وديارهم، ومحا عن جميعها آثارهم- طاب لهم العيش وطلعت عليهم شموس السعادة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2564>[سورة القصص (٢٨): آية ٤٤]</span>\nوَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٤٤)\nلم تكن حاضرا فتعرف ذلك مشاهدة، ولكنهم رأوا أنّ إخبارك عنهم بحيث لا يكذبك كتابهم. وبالضرورة عرفوا حالك، وكيف أنّك لم تعلم هذا من أحد، ولا قرأته من كتاب، لأنّك أمّيّ لا تحسن القراءة، وإذا فليس إخبارك إلا بتعريفنا إياك، واطلاعنا لك على ذلك.\nويقال: «وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ»: وما كنت بجانب الطور إذ نادينا موسى، وكلّمناه، وخاطبناه في بابك وباب أمّتك، ولم تقدح غيبتكم في الحال، وكونى لكم خير من كونكم لكم.\nويقال: لمّا خاطب موسى وكلّمه سأله موسى: إنّى أرى في التوراة أمّة صفتهم كذا وكذا.. من هم؟ وسأل عن أوصاف كثيرة، وعن الجميع كان يجاب بأنّها أمة أحمد «١»، فاشتاق موسى إلى لقائنا، فقال له: إنه ليس اليوم وقت ظهورهم، فإن شئت أسمعتك كلامهم، فأراد أن يسمع كلامنا، فنادانا وقال: يا أمة أحمد..، فأجاب الكلّ من أصلاب آبائهم، فسمع موسى كلامهم ولم يدركهم «٢» . والغنيّ إذا سأله فقير وأجابه لا يرضى بأن\n_________\n(١) هكذا في ص وهي في م (أمة محمد)، ونحسب أن الأرجح أن تكون أحمد طبقا للآية «ومبشرا برسول يأتى من بعدي اسمه أحمد»\n(٢) تنسب هذه الرواية إلى وهب (القرطبي ح ١٣ ص ٢٩٢) .","vol":"3","page":70},{"text":"يردّه من غير إحسان إليه. (وفي رواية عن ابن عباس) «١» أن الله قال: «يا أمة محمد قد أجبتكم قبل أن تدعونى وأعطيتكم قبل أن تسألونى، وغفرت لكم قبل أن تستغفرونى، ورحمتكم قبل أن تسترحمونى» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2565>[سورة القصص (٢٨): آية ٤٥]</span>\nوَلكِنَّا أَنْشَأْنا قُرُونًا فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَما كُنْتَ ثاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَلكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٤٥)\n«٢» ومما كان موسى ﵇ يتلوه عليهم من الآيات ذكر نبيّنا ﷺ بالجميل.\nوذكر أمته بحسن الثناء عليهم، فنحن في الوجود محدث مخلوق وفي ذكره متعلق لا باستفتاح.\nولم نكن في العدم أعيانا، ولا أشياء، ولكنا كنا في متعلق القدرة ومتناول العلم والمشيئة.\nوذكرنا في الخطاب الأزليّ والكلام الصمديّ والقول الأبديّ.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2566>[سورة القصص (٢٨): آية ٤٦]</span>\nوَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٦)\nما طلبه موسى لأمته جعلناه لأمتك، وكما نادينا موسى- وهو في الوجود والظهور- ناديناكم وأنتم في كتم العدم، أنشدوا:\nكن لى كما كنت ... فى حال لم أكن\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2567>[سورة القصص (٢٨): الآيات ٤٧ الى ٤٨]</span>\nوَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧) فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ قالُوا سِحْرانِ تَظاهَرا وَقالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كافِرُونَ (٤٨)\n_________\n(١) أضفنا ما بين قوسين من عندنا لنكتب الرواية بكاملها فهى ناقصة في المتن.\n(٢) ثاويا «مقيما.. قال المجاج: فبات حيث يدخل الثوى: أي الضيف المقيم»","vol":"3","page":71},{"text":"تمنوا في زمان الفترة أن يبعث الله إليهم رسولا ليهتدوا به، ووعدوا من أنفسهم الإيمان والإجابة، فلمّا أتاهم الرسول كذّبوه، وقالوا: هلّا خصّ بمثل معجزات موسى في الظهور، وكان ذلك منهم خطأ، واقتراحا في غير موضع الحاجة، وتحكّما بعد إزاحة العلّة:\nوكذا الملول إذا أراد قطيعة ... ملّ الوصال وقال كان وكانا\nثم قال: أفلا تذكرون كيف كفروا بموسى وأخيه ورموهما بالسحر؟.\nوقال: إن ارتبتم أنّ هذا الكتاب من عند الله فأتوا بكتاب مثله، واستعينوا بشركائكم. ومن وقته إلى يومنا هذا لم يأت أحد بسورة مثله، وإلى القيامة لا يأتون بكتاب مثله.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2568>[سورة القصص (٢٨): آية ٥١]</span>\nوَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥١)\nأتبعنا رسولا بعد رسول، وأردفنا كتابا بعد كتاب، فما ازدادوا إلا كفرا وثبورا، وجحدا وعتوا.. فلا إلى الحقّ رجعوا، ولا إلى الاستقامة جنحوا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2569>[سورة القصص (٢٨): آية ٥٢]</span>\nالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢)\nمن أكحلنا بصيرتهم بنور الهداية صدّقوا بمقتضى مساعدة العناية، ومن أعميناه عن شهود التحقيق ولم تساعده لطائف التوفيق انتكس في غوايته، وانهمك في ضلالته.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2570>[سورة القصص (٢٨): الآيات ٥٣ الى ٥٤]</span>\nوَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣) أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٥٤)","vol":"3","page":72},{"text":"إذا سمعوا دعوتنا قابلوها بالتصديق، وانقادوا بحسن الاستسلام، فلا جرم يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا على الأوامر وصبروا على المحارم في عاجلهم وآجلهم، مرة في الآخرة وهي المثوبة وأخرى في الدنيا وهي لطائف القربة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2571>[سورة القصص (٢٨): آية ٥٥]</span>\nوَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ (٥٥)\n«اللَّغْوَ»: ما يلهى عن الله. ويقال «اللَّغْوَ» ما لا يوجب وسيلة عند الله، ويقال ما لا يكون بالحقّ للحقّ، ويقال هو ما صدر عن قلب غافل، ويقال هو ما يوجب سماعه السّهو.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2572>[سورة القصص (٢٨): آية ٥٦]</span>\nإِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦)\n«١» الهداية في الحقيقة إمالة القلب من الباطل إلى الحقّ، وذلك من خصائص قدرة الحقّ- سبحانه- وتطلق الهداية بمعنى الدعاء إلى الحق- توسّعا، وذلك جائز بل واجب فى صفته ﷺ، قال تعالى: «وإنك تهدى إلى صراط مستقيم» .\nويقال: لك شرف النبوّة، ومنزلة الرسالة، وجمال السفارة، والمقام المحمود، والحوض المورود، (وأنت سيد ولد آدم.. ولكنك لا تهدى من أحببت فخصائص الربوبية لا تصلح) «٢» لمن وصفه البشرية.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2573>[سورة القصص (٢٨): آية ٥٧]</span>\nوَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٥٧)\n_________\n(١) قال ابو إسحاق الزجاج: أجمع المفسرون أن هذه الآية نزلت في أبى طالب حين أبى أن ينطق الشهادة وقال: أنا على ملة عبد المطلب فقال الرسول (ص): لأستغفرن لك ما لم أنه عنك (أسباب النزول للواحدى ص ٢٢٨)\n(٢) ما بين القوسين موجود في م وساقط في ص.","vol":"3","page":73},{"text":"قالوا نخاف الأعراب على أنفسنا إن صدّقناك، وآمنّا بك، (لإجماعهم على خلافنا ولا طاقة لنا بهم) «١» فقال الله تعالى: وكيف تخافونهم وترون الله أظفركم على عدوّكم، وحكمنا بتعظيم بيتكم، وجعلنا مكة تجبى إليها ثمرات كل شىء من أقطار الدنيا؟\nويقال من قام بحقّ الله- سبحانه- سخّر له الكون بجملته، ومن اشتغل برعاية سرّه لله، وقام بحقّ الله، واستفرغ أوقاته في عبادة الله مكّن من التصرّف بهمته في مملكة الله فالخلق مسخّر له، والوقت طوع أمره، والحقّ- سبحانه- متول «٢» أيامه وأعماله يحقّق ظنّه، ولا يضيّع حقّه.\nأمّا الذي لا يطيعه فيهلك في أودية ضلاله، ويتيه «٣» فى مفازات خزيه، ويبوء بوزر هواه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2574>[سورة القصص (٢٨): آية ٥٨]</span>\nوَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ (٥٨)\nلم يعرفوا قدر نعمتهم، ولم يشكروا سلامة أحوالهم، وانتظام أمورهم، فهاموا في أودية الكفران على وجوههم، فخرّوا في أودية الصغار على أذقانهم، وأذاقهم الله من كاسات الهوان ما كسر خمار بطرهم فأماكنهم منهم خالية، وسقوفها عليهم خاوية، وغربان الدمار فيها ناعية.\n_________\n(١) ما بين القوسين غير موجود في النص، ولكنها تتمه لسبب نزول الآية كما أورده الواحدي، حيث ذكر أن الآية نزلت في الحارث بن عثمان بن عبد مناف الذي قال النبي (ص): إنا لنعلم أن الذي تقول حق ولكن يمنعنا من اتباعك أنا نخاف.... إلخ (أسباب النزول الواحدي ص ٢٢٨) .\n(٢) ومن هذا المنطلق يصدر القشيري رأيه فى (الولاية) وما يتصل بها من (الكرامة) .\n(٣) هكذا في الأصل وهي تحمل معنيين: التكبّر، والضلال في الأرض.","vol":"3","page":74},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2575>[سورة القصص (٢٨): آية ٥٩]</span>\nوَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلاَّ وَأَهْلُها ظالِمُونَ (٥٩)\n«وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولًا»: بالتكليف يأمرهم. ويأمر التكوين- على ما يريد- يقفهم. وهو- سبحانه- يبعث الرسل إنذارا ويعمى السّبل عليهم اقتدارا يوضّح الحجة بحيث لا شبهة، ولكنه لا يهدى إلا من سبقت له السعادة بحكم القسمة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2576>[سورة القصص (٢٨): آية ٦٠]</span>\nوَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى أَفَلا تَعْقِلُونَ (٦٠)\nالدنيا حلوة خضرة، ولكنها في التحقيق مرّة مذرة «١»، فبشرها يوهم أنها صفو ولكن من وراء صفوها حسو «٢»، وما عند الله خير وأبقى.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2577>[سورة القصص (٢٨): آية ٦١]</span>\nأَفَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٦١)\n«٣» الدنيا سموم حنظلها تتلو طعوم عسلها، وتلف ما يحصل من شربها يغلب لطف ما يظهر\n_________\n(١) مذرت البيضة مذرا فسدت، فهى مذرة، ومذرت معدته أي خبثت وفسدت (الوسيط) . [.....]\n(٢) يقال يوم كحسو الطائر أي قصير جدا، ونوم كحسو الطائر أي قليل متقطع.\n(٣) عن مجاهد أن هذه الآية نزلت في على وحمزة وأبى جهل.\nوقال السدى: نزلت في عمار والوليد بن المغيرة وقيل نزلت في النبي (ص) وأبى جهل.","vol":"3","page":75},{"text":"من أربها، وليس من أكرم بوجدان نعيم عقباه كمن منى بالوقوع في جحيم دنياه قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2578>[سورة القصص (٢٨): الآيات ٦٢ الى ٦٣]</span>\nوَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٦٢) قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ ما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ (٦٣)\nإنما يكون ذلك على جهة التهويل وإبطال كيد أهل التضليل.. وإلّا فمن أين لهم الجواب فضلا عن الصواب! والذي يسألهم هو الذي على ما شاء جعلهم فما ورد فعل إلا على فعله، وما صدر ما صدر إلا من أصله. وإذ تبرّأ بعضهم من بعض بيّن أنه لم يكن للأصنام استحقاق العبودية، ولا لأحد من النفي والإثبات بالإيجاد والإحداث ذرّة أو منه شظيّة..\nكلا بل هو الواحد القهار.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2579>[سورة القصص (٢٨): آية ٦٥]</span>\nوَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (٦٥)\nيسألهم سؤال هيبة فلا يبقى لهم تمييز، ولا قوة عقل، ولا مكنة جواب، قال جلّ ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2580>[سورة القصص (٢٨): آية ٦٦]</span>\nفَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ (٦٦)\nإذ استولت عليهم الحيرة، واستمكن منهم الدهش فلا نطق ولا عقل ولا تمييز ولا فهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2581>[سورة القصص (٢٨): الآيات ٦٧ الى ٦٨]</span>\nفَأَمَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ (٦٧) وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحانَ اللَّهِ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٨)","vol":"3","page":76},{"text":"يختار ما يشاء ومن يشاء من جملة ما يخلق. ومن ليس إليه شىء من الخلق.\nفما له والاختيار؟! الاختيار للحقّ استحقاق عزّ يوجب أن يكون ذلك له، لأنّه لو لم ينفّذ مشيئته واختياره لم يكن بوصف العزّ، فمن بقي عن مراده لا يكون إلّا ذليلا فالاختيار للحقّ نعت عزّ، والاختيار للخلق صفة نقص ونعت بلاء وقصور فاختيار العبد غير مبارك عليه لأنّه صفة هو غير مستحقّ لها، ومن اتصف بما لا يليق به افتضح في نفسه، قال قائلهم:\nومعال إذا ادّعاها سواه ... لزمته جناية السّرّاق\nوالطينة إذا ادّعت ما هو صفة الحقّ أظهرت رعونتها، فما للإنسان والاختيار؟! وما للمملوك والملك؟! وما للعبيد والتصدّر في دست «١» الملوك؟! قال تعالى: «ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحانَ اللَّهِ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ» «٢» قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2582>[سورة القصص (٢٨): آية ٦٩]</span>\nوَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ (٦٩)\nولم لا وقد قال: «أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ»؟ فالعلم- الذي لا يعزب عنه معلوم- نعت من لم يزل، والإبداع من العدم إلى الوجود يتفرّد بالقدرة عليه لم يزل.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2583>[سورة القصص (٢٨): آية ٧٠]</span>\nوَهُوَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٧٠)\n«لا إِلهَ إِلَّا هُوَ»: توحّد بعزّ هيبته، وتفرّد بجلال ربوبيته، لا شبيه يساويه،\n_________\n(١) هكذا في م وهي الصواب، أما في ص فقد وردت (درس) وهي خطأ في النسخ.\n(٢) واضح من مذهب القشيري شىء هام جدا أنه يقف عند (ويختار) وتكون (ما) فى هذه الحالة نافية، وهو بهذا ينسجم مع مذهب أهل السنة في أن الله خالق كل شىء حتى أكساب العباد.\nأما الزمخشري فيرى (ما كان لهم الخيرة) بيانا لقوله (ويختار) ولهذا لم يدخل العاطف. ويرفض الطبري أن تكون (ما) نافية لئلا يكون المعنى إنهم لم تكن لهم الخيرة فيما مضى وهي لهم فيما يستقبل، ويرد عليه بأن (ما) تصلح لنفى الحال والاستقبال.","vol":"3","page":77},{"text":"ولا نظير يضاهيه. «لَهُ الْحَمْدُ» استحقاقا على عطيّته، وله الشكر استيجابا على نعمته ففى الدنيا المحمود الله، وفي العقبى المشكور الله فالإحسان من الله لأن السلطان لله، والنعمة من الله لأنّ الرحمة لله، والنصرة من الله لأنّ القدرة لله.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2584>[سورة القصص (٢٨): آية ٧١]</span>\nقُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ (٧١)\nإن دامت ليالى الفترة فمن الذي يأتى بنهار التوبة غير الله؟\nوإن دامت ليالى الطّلب فمن الذي يأتى بصبح الوجود غير الله؟\nوإن دامت ليالى القبض فمن الذي يأتى بصبح البسط غير الله؟\nوإن دام ليل الفراق فمن الذي يأتى بصبح الوصال غير الله؟\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2585>[سورة القصص (٢٨): آية ٧٢]</span>\nقُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَدًا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ (٧٢)\nإن دام في الوصلة نهاركم فأيّ سبيل للواشين إلى تنغيص سروركم؟\nوإن دام نهار معاشكم ووقت اشتغالكم بحظوظكم فمن إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه إلى الله إلا الله، وتستريحون من أشغالكم بالخلوة مع الله إلا الله «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2586>[سورة القصص (٢٨): آية ٧٣]</span>\nوَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٣)\n_________\n(١) منذ أشرقت على القشيري آية: «وَهُوَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ..»\nولفظ الجلالة لا يكاد بغيب عنا في إشاراته، مما يدل- والله أعلم- على أن الرجل ذاكر أخذته حالة انمحاء فى المذكور.. وقد حرصنا أن نلفت نظر القارئ إلى هذا الملحظ ليشعر بالفرق بين المفسر التقليدى والمفسر الإشارى.. إن الكلمات هنا أشبه بالتسابيح الوافدة من عالم بعيد!","vol":"3","page":78},{"text":"الأوقات ظروف لما يحصل فيها من الأفعال والأحوال فالظروف من الزمان متجانسة، وإنما الاختلاف راجع إلى أعيان ما يحصل فيها فليالى أهل الوصال سادات الليالى، وليالى أهل الفراق أسوأ الليالى فأهل القرب لياليهم قصار وكذلك أيامهم، وأرباب الفراق لياليهم طوال وكذلك جميع أوقاتهم في ليلهم ونهارهم، يقول قائلهم:\nوالليالى إذا نأيت طوال ... وأراها إذا دنوت قصار\nوقال آخر:\nوالليل أطول وقت حين أفقدها ... والليل أقصر وقت حين ألقاها\nوقال ثالث:\nيطول اليوم لا ألقاك فيه ... وحول نلتقى فيه- قصير\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2587>[سورة القصص (٢٨): الآيات ٧٤ الى ٧٥]</span>\nوَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٧٤) وَنَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٧٥)\nكلا.. لا حجّة لهم، ولا جواب يعذرهم، ولا شفيع يرحمهم، ولا ناصر يعينهم.\nاشتهرت ضلالتهم، واتضحت للكافة جهالتهم فدام بهم عذاب الأبد، وحاق بهم وبال السّرمد.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2588>[سورة القصص (٢٨): آية ٧٦]</span>\nإِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٧٦)\nجاء في القصص أنه كان ابن عمّ موسى، وكان من أعبد بنى إسرائيل، وكان قد اعتزل الناس، وانفرد في صومعته يتعبّد، فتصوّر له إبليس في صورة بشر، وأخذ في الظاهر يتعبّد معه في صومعته حتى تعجّب قارون من كثرة عبادته، فقال له يوما: لسنا في شىء عيوننا","vol":"3","page":79},{"text":"على أيدى الناس حتى يدفعوا إلينا شيئا هو ضرورتنا، ولا بدّ لنا من أخذه، فقال له قارون:\nوكيف يجب أن نفعله؟\nفقال له: أن ندخل في الأسبوع يوما السوق، ونكتسب، وننفق ذلك القدر في الأسبوع، فأجابه إليه. فكانا يحضران السوق في الأسبوع يوما، ثم قال له: لست أنا وأنت فى شىء، فقال: وما الذي يجب أن نعمله؟\nفقال له: نكتسب في الأسبوع يوما لأنفسنا، ويوما نكتسب ونتصدّق به، فأجابه إليه.\nثم قال له يوما آخر: لسنا في شىء، فقال: وما ذاك؟\nقال: إن مرضنا أو وقع لنا شغل لا نملك قوت يوم، فقال: وما نفعل؟\nقال: نكتسب في الأسبوع ثلاثة أيام يوما للنفقة ويوما للصدقة ويوما للادخار، فأجابه إليه.. فلمّا علم أن حبّ الدنيا استمكن من قلبه ودّعه، وقال:\nإنّى مفارقك.. فدم على ما أنت عليه، فصار من أمره وماله ما صار، وحمله حبّ الدنيا على جمعها، وحمله جمعها على حبّها، وحمله حبّها على البنى عليهم، وصارت كثرة ماله سبب هلاكه، وكم وعظ بترك الفرح بوجود الدنيا، وبترك الاستمتاع بها! وكان لا يأبى إلّا ضلالا.\nويقال خسف الله به الأرض بدعاء موسى ﵇، فقد كان موسى يقول:\nيا أرض خذيه.. وبينما كانت الأرض تخسف به كان يستعين بموسى بحقّ القرابة، ولكن موسى كان يقول: يا أرض خذيه.\nوفيما أوحى الله إلى موسى: لقد ناداك بحقّ القرابة وأنت تقول: يا أرض خذيه! وأنا أقول: يا عبد، نادنى فأنا أقرب منه إليك، ولكنه لم يقل.\nوفي القصة أنه كان يخسف به كل يوم بزيادة معلومة، فلمّا حبس الله يونس في بطن الحوت أمر الحوت أن يطوف به في البحار لئلا يضيق قلب يونس، حتى انتهى إلى قارون، فسأله قارون عن موسى وحاله، فأوحى الله إلى الملك:","vol":"3","page":80},{"text":"لا تزد في خسفه لحرمة أنه سأل عن ابن عمه، ووصل به رحمه «١» قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2589>[سورة القصص (٢٨): آية ٧٧]</span>\nوَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧)\nوعظ من حرم القبول كمثل البذر في الأرض السّبخة ولذا لم ينفعه نصحهم إياه، ولم يكن للقبول فيه مساغ.\n«وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا»: ليس النصيب من الدنيا جمعها ولا منعها، إنما النصيب منها ما تكون فيه فائدة بحيث لا يعقب ندما، ولا يوجب في الآخرة عقوبة ويقال النصيب من الدنيا ما يحمل على طاعته بالنّفس، وعلى معرفته بالقلب، وعلى ذكره باللسان، وعلى مشاهدته بالسّرّ.\n«وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ»: إنما كان يكون منه حسنة لو آمن بالله لأنّ الكافر لا حسنة له. والآية تدل على أن لله على الكافر نعما دنيوية.\nوالإحسان الذي أمر به إنفاق النعمة في وجوه الطاعة والخدمة، ومقابلته بالشكران لا بالكفران.\nويقال الإحسان رؤية الفضل دون توهّم الاستحقاق.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2590>[سورة القصص (٢٨): آية ٧٨]</span>\nقالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (٧٨)\nما لا حظ أحد نفسه إلا هلك بإعجابه.\nويقال السّمّ القاتل، والذي يطفئ السراج المضيء النظر إلى النّفس بعين الإثبات،\n_________\n(١) الواقع أن القصص والأخبار والروايات التي تدور حول موضوعات سورة القصص كثيرة جدا، خصوصا عند ابن عباس ومدرسته، ولكن الملاحظ أن القشيري يختار منها- فى ظلال القرآن- عينات خاصة تحقق مقاصده البعيدة من أجل إبراز الموضوعات الصوفية سواء من ناحية الرياضات أو المجاهدات أو من ناحية الأذواق والأحوال.","vol":"3","page":81},{"text":"وتوهّم أنّ منك شيئا من النفي أو الإثبات «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2591>[سورة القصص (٢٨): الآيات ٧٩ الى ٨٢]</span>\nفَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٧٩) وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا وَلا يُلَقَّاها إِلاَّ الصَّابِرُونَ (٨٠) فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ (٨١) وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ (٨٢)\nتمنّى من رآه ممّن كان في حبّ الدنيا ساواه أن يعطيه الله مثل ما أعطاه.\nأمّا من كان صاحيا عن خمار غفلته، متيقّظا بنور بصيرته فكان موقفهم: - «وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا وَلا يُلَقَّاها إِلَّا الصَّابِرُونَ» وبعد أن كان ما كان، وخسفنا به وبداره الأرض قال هؤلاء:\n«لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ» منّ الله علينا فلم ننجرف في نهجه، ولم ننخرط في سلكه، وإذا لوقع بنا الهلاك.\nأمّا المتمنّون مكانه فقد ندموا، وأمّا الراضون بقسمته- سبحانه- فقد سلموا سلموا في العاجل إلى أن تظهر سعادتهم في الآجل.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2592>[سورة القصص (٢٨): آية ٨٣]</span>\nتِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَسادًا وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣)\nقيل «العلو في الدنيا» أن تتوهّم أنّ على البسيطة أحدا هو شرّ منك.\nو«الفساد» أن تتحرك لحظّ نفسك ونصيبك ولو بنفس أو خطوة.. وهذا للأكابر،\n_________\n(١) هذه نظرة عامة نجدها عند جميع الصوفية ولكنها أصل هام في تعاليم أهل الملامة تترتب عليه مناهج فى السلوك.","vol":"3","page":82},{"text":"فأمّا للأصاغر والعوام فتلك الدار الآخرة «نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ» كعلوّ فرعون «وَلا فَسادًا» كفساد قارون «١» .\nويقال الزهاد لا يريدون في الأرض علوّا، والعارفون لا يريدون في الآخرة والجنة علوّا.\nويقال «تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ» للعبّاد والزّهاد، وهذه الرحمة الحاضرة لأرباب الافتقار والانكسار.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2593>[سورة القصص (٢٨): آية ٨٤]</span>\nمَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إِلاَّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٨٤)\nثواب الحسنة في التضعيف، وأمر السيئة بناؤه على التخفيف.\nوالمؤمن- وإن كان صاحب كبائر- فسيئاته تقصر في جنب حسناته التي هي إيمانه ومعرفته.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2594>[سورة القصص (٢٨): آية ٨٥]</span>\nإِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٨٥)\n«لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ»: فى الظاهر إلى مكة.. وكان يقول كثيرا: «الوطن الوطن» «٢»، فحقّق الله سؤله. وأمّا في السّرّ والإشارة فإنه «فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ» أي يسّر لك قراءة القرآن، والمعاد هو الوصف الذي كانت عليه روحك قبل حلول شجّك «٣» من ملادغات القرب ومطالعات الحقّ.\n_________\n(١) أحسن القشيري إذ جعل وظيفة هذه الآية التعقيب على القصتين السابقتين فأبان تماسك الأسلوب القرآنى.\n(٢) ولهذا يرى ابن عباس أن هذه الآية لا مكية ولا مدنية وإنما نزلت في الجحفة.\n(٣) هكذا في النسختين، فإن صحت في النقل من الأصل فربما كان المقصود (ما أصابك من جراحات الحب)، ويتأيد فهمنا بما يلى ذلك وربما كانت (شجنك) أي لوعة حبك- والله أعلم.","vol":"3","page":83},{"text":"وقيل الذي ينصبك بأوصاف التفرقة بالتبليغ وبسط الشريعة لرادّك إلى عين الجمع بالتحقّق بالحقّ والفناء عن الخلق.\nويقال إن الذي أقامك بشواهد العبودية فيما أثبتك به لرادّك إلى الفناء عنك بمحقك في وجود الحقيقة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2595>[سورة القصص (٢٨): آية ٨٦]</span>\nوَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلاَّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكافِرِينَ (٨٦)\nما كنت تؤمّل محلّ النبوة وشرف الرسالة وتأهيل مخاطبتنا إليك، ولا ما أظهرنا عليك من أحوال الوجد وحقائق التوحيد.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2596>[سورة القصص (٢٨): آية ٨٧]</span>\nوَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٨٧)\nلا يصدنّك بعد إذ أنزلت إليك الآيات ما وجدته بحكم الذّوب والشهود، والإدراك والوجود. لا تتداخلنّك تهمة التجويز وسؤالات العلماء بما يدّعون من أحكام العقول فما يدرك في شعاع الشمس لا يحكم ببطلانه خفاؤه في نور السراج.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2597>[سورة القصص (٢٨): آية ٨٨]</span>\nوَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٨)\nكلّ عمل باطل إلا ما كان لوجه الله وللتقرب به إلى الله.\nكلّ حيّ ميت إلا هو، قال تعالى: «إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ»: أي مات فكلّ شىء معدّ لجواز الهلاك والعدم، ولا يبقى إلا «وَجْهَهُ»: ووجهه صفة من صفاته لا تستقل إلا به،","vol":"3","page":84},{"text":"فإذا يقى وجهه فمن شرط بقاء وجهه بقاء ذاته لأن الصفة لا تقوم إلا بموجود، ولا يكون هو باقيا إلا بوجود أوصافه الذاتية الواجبة له ففى بقاء وجهه بقاء ذاته وبقاء صفاته.\nوفائدة تخصيص الوجه بالذكر هنا أنه لا يعرف وجوب وجهه إلا بالخبر والنقل دون «١» العقل فخصّ الوجه بالذكر لأنّ في بقاء الوجه بقاء الحقّ بصفاته.\n_________\n(١) هكذا في م أما في ص فهى (نور)، وتأويل الوجه على أنه صفة فيه رد على المشبهة.","vol":"3","page":85},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2598>السورة التي يذكر فيها العنكبوت</span>\nقوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» بسم الله اسم يوجب حظوة العابدين وعدا، وسماعه يوجب سلوة الواجدين نقدا «١» .\nاسم من ذكره وصل إلى مثوبته في آجله، ومن سمعه «٢» حظى بقربته في عاجله.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2599>[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ١ الى ٢]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ (٢)\n«الألف» إشارة إلى تفرّده عن كل غير بوجه الغنى، وباحتياج كل شىء إليه كالألف تتصل بها كل الحروف ولكنها لا تتصل بحرف.\n«واللام» تشير إلى معنى أنه ما من حرف إلا وفي آخره صورة تعويج ما، واللام أقرب الحروف شبها بالألف- فهى منتصبة القامة مثلها، والفرق بينهما أن الألف لا يتصل بها شىء ولكن اللام تتصل بغيرها- فلا جرم لا يكون في الحروف حرف واحد متكون من حرفين إلا اللام والألف ويسمى لام ألف ويكتب على شكل الاقتناع مثل صورة لام.\nأمّا «الميم» فالإشارة فيه إلى الحرف «من» فمن الربّ الخلق، ومن العبد خدمة الحق، ومن الربّ الطّول والفضل ...\n«أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا..» بمجرد الدعوى في الإيمان دون المطالبة بالبلوى، وهذا لا يكون، فقيمة كلّ أحد ببلواه، فمن زاد قدر معناه زاد قدر بلواه فعلى النفوس بلاء وهو\n_________\n(١) النقد مكافاة في الدنيا وهي المواصلات والمكاشفات، والوعد مكافأة في الآخرة وهي الجنة.\n(٢) المقصود بالسماع هنا ما يوجب الهيمان.","vol":"3","page":86},{"text":"المطالبة عليها بإخراجها عن أوطان الكسل وتصريفها في أحسن العمل. وعلى القلوب بلاء وهو مطالبتها بالطلب والفكر الصادق بتطلّع البرهان على التوحيد والتحقق بالعلم. وعلى الأرواح بلاء وهو التجرّد عن محبة كلّ أحد والتفرّد عن كل سبب، والتباعد عن كل المساكنة لشىء من المخلوقات. وعلى الأسرار بلاء وهو الاعتكاف بمشاهد الكشف بالصبر على آثار التجلّى إلى أن تصير مستهلكا فيه.\nويقال فتنة العوام في أيام النظر والاستدلال، وفتنة الخواص في حفظ آداب الوصول فى أوان المشاهدات. وأشدّ الفتن حفظ وجود التوحيد لئلا يجرى عليك مكر في أوقات غلبات شاهد الحقّ فيظن أنه الحق، ولا يدرى أنّه من الحقّ، وأنّه لا يقال إنّه الحقّ- وعزيز من يهتدى إلى ذلك «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2600>[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٣]</span>\nوَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ (٣)\nلم يخلهم من البلاء والمحن ليظهر صبرهم في البلاء أو ضدّه من الضجر، وشكرهم فى الرخاء أو ضدة من الكفر والبطر. وهم في البلاء ضروب: فمنهم من يصبر في حال البلاء، ويشكر في حال النّعماء.. وهذة صفة الصادقين. ومنهم من يضجّ ولا يصبر في البلاء، ولا يشكر في النعماء.. فهو من الكاذبين. ومنهم من يؤثر في حال الرخاء ألّا يستمتع بالعطاء، وبستروح إلى البلاء فيستعذب مقاساة الضّرّ والعناء.. وهذا أجلّهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2601>[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٤]</span>\nأَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ (٤)\nيرتكبون المخالفات ثم يحكمون لأنفسهم بالنجاة.. ساء حكمهم! فمتى ينجو من العذاب من ألقى جلباب التّقى؟! ويقال توهموا أنه لا حشر ولا نشر، ولا محاسبة ولا مطالبة.\nويقال اغتروا بإمهالنا اليوم، وتوهّموا أنهم منّا قد أفتلوا، وظنوا أنهم قد أمنوا.\n_________\n(١) يفيد هذا الكلام عند البحث في قضية الحلاج الذي قال وهو غائب في غلبات الشهود: «أنا الحق» [.....]","vol":"3","page":87},{"text":"ويقال ظنوا أنهم باجتراحهم السيئات أن جرى التقدير لهم بالسعادة، وأنّ ذلك يؤخر حكمنا.. كلا، فلا يشقى من جرت قستنا له بالسعادة، وهيهات أن يتحول من سبق له الحكم بالشقاوة! قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2602>[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٥]</span>\nمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٥)\nمن خاف عذابه يوم الحساب فسيلقى يوم الحشر الأمان الموعود منّا لأهل الخوف اليوم. ومن أمّل الثواب يوم البعث فسوف يرى ثواب ما أسلفه من العمل. ومن زجّى عمره في رجاء لقائنا فسوف نبيح له النّظر إلينا، وسوف يتخلص من الغيبة والفرقة.\n«وَهُوَ السَّمِيعُ» لأنين المشتاقين، «الْعَلِيمُ» بحنين المحبين الوالهين.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2603>[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٦]</span>\nوَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ (٦)\nمن أحسن فنجاة نفسه طلبها، وسعادة حالة حصّلها. ومن أساء فعقوبة نفسه جلبها، وشقاوة جدّه اكتسبها.\nويقال ثواب المطيعين إليهم مصروف، وعذاب العاصين عليهم موقوف.. والحقّ عزيز لا يلحقه بالوفاق زين، ولا يمسّه من الشّقاق شين..\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2604>[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٧ الى ٨]</span>\nوَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (٧) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨)\nمن رفع إلينا خطوة نال منّا خطوة، ومن ترك فينا شهوة وجد منّا صفوة، فنصيبهم من الخيرات موفور، وعملهم في الزلّات مغفور.. بذلك أجرينا سنّتنا، وهو متناول حكمنا وقضيتنا.\nقوله جل ذكره: «وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا» .","vol":"3","page":88},{"text":"أمر الله العباد برعاية حقّ الوالدين تنبيها على عظم حق التربية. وإذا كانت تربية الوالدين- وهي إن حسنت- فالى حدّ يوجب رعايتهما فما الظنّ برعاية حق الله تعالى، والإحسان العميم بالعبد والامتنان القديم الذي خصّه به من قبل ومن بعد؟! قوله جل ذكره: «وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» .\nإن جاهداك على أن تشرك بالله فإياك أن تطيعهما، ولكن ردّ بلطف، وخالف برفق.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2605>[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٩]</span>\nوَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ (٩)\nأي لنلحقنهم بالذين أصلحوا من قبلهم، فإن المعهود من سنّتنا إلحاق الشكل بشكله، وإجراء المثل على حكم مثله.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2606>[سورة العنكبوت (٢٩): آية ١٠]</span>\nوَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ (١٠)\n...\nالمحن تظهر جواهر الرجال، وهي تدلّ على قيمهم وأقدارهم فقدر كلّ أحد وقيمته يظهر عند محنته فمن كانت محنته من فوات الدنيا ونقصان نصيبه منها، أو كانت محنته بموت قريب من الناس، أو فقد حبيب من الخلق فحقير قدره، وكثير في الناس مثله. ومن كانت محنته في الله ولله فعزيز قدره، وقليل من كان مثله، فهم في العدد قليل ولكن في القدر والخطر جليل: وبقدر الوقوف في البلاء تظهر جواهر الرجال، وتصفو عن الخبث نفوسهم.\nوالمؤمن من يكفّ الأذى، ويتحمل من الخلق الأذى، ويتشرب ولا يترشح بغير","vol":"3","page":89},{"text":"شكوى ولا إظهار كالأرض يلقى عليها كلّ خبيث فتنبت كلّ خضرة وكل نزهة «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2607>[سورة العنكبوت (٢٩): آية ١١]</span>\nوَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ (١١)\nإذا اشتبكت دموع في خدود ... تبيّن من بكى ممن تباكى\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2608>[سورة العنكبوت (٢٩): آية ١٢]</span>\nوَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ وَما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١٢)\nضمنوا بما لم يفوا به، وأخلفوا فيما وعدوا فما حملوا من خطاياهم عنهم شيئا، بل زادوا على حمل نفوسهم فاحتقبوا وزر ما عملوا، وطولبوا بوزر ما به أمروا «٢»، فضاعف عليهم العقوبة، ولم يصل أحد من جهتهم إلى راحة، وما مواعيدهم للمسلمين إلا مواعيد عرقوب أخاه بيثرب.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2609>[سورة العنكبوت (٢٩): آية ١٣]</span>\nوَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمَّا كانُوا يَفْتَرُونَ (١٣)\nوسيلحق بهؤلاء أصحاب الدعاوى والمتشبّهون بأهل الحقائق:\nمن تحلّى بغير ما هو فيه ... فضح الامتحان ما يدّعيه\nوقال تعالى: «قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» «٣» .. وهيهات هيهات!\n_________\n(١) القشيري هنا مستفيد من قول الجنيد: (الصوفي كالأرض يطرح عليها كل قبيح ولا يخرج منها إلا كل مليح) الرسالة ص ١٣٩.\n(٢) رأينا بناء (أمروا) المعلوم حتى يتضح أن وزرهم أشد نتيجة قولهم الذين آمنوا: (اتبعوا سبيلنا) فالداعى إلى السوء يحمل وزر نفسه ووزر من يقتدى به. ومن الجائز أن تبنى المجهول فتكون (أمروا) ولكن المعنى يكون أقل تأثيرا وأداء.\n(٣) آية ١١١ سورة البقرة.","vol":"3","page":90},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2610>[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ١٤ الى ١٥]</span>\nوَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ وَهُمْ ظالِمُونَ (١٤) فَأَنْجَيْناهُ وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْناها آيَةً لِلْعالَمِينَ (١٥)\nالآية ما زادهم طول مقامه فيهم إلا شكا في أمره، وجهلا بحاله، ومرية في صدقه، ولم يزدد نوح﵇- لهم إلّا نصحا، وفي الله إلا صبرا. ولقد عرّفه الله أنه لن يؤمن منهم إلا الشّر ذمة اليسيرة الذين كانوا قد آمنوا، وأمره باتخاذ السفينة، وأغرق الكفار ولم يغادر منهم أحدا، وصدق وعده، ونصر عبده.. فلا تبديل لسنّته في نصرة دينه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2611>[سورة العنكبوت (٢٩): آية ١٦]</span>\nوَإِبْراهِيمَ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٦)\nكرّر ذكر ابراهيم في هذا الموضع، وكيف أقام على قومه الحجّة، وأرشدهم إلى سواء المحجة، ولكنهم أصروا على ما جحدوا، وتعصبوا لما من الأصنام عبدوا، وكادوا لابراهيم كيدا.. ولكن انقلب ذلك عليهم من الله مكرا بهم واستدراجا. ولم ينجع فيهم نصحه، ولا وجد منهم مساغا وعظه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2612>[سورة العنكبوت (٢٩): آية ١٧]</span>\nإِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١٧)\nلا يدرى أيهما أقبح.. هل أعمالكم في عبادة هذه الجمادات أم أقوالكم- فيما تزعمون كذبا- عن هذه الجمادات؟ وهي لا تملك لكم نفعا ولا تدفع عنكم ضرا، ولا تملك لكم خيرا ولا شرا، ولا تقدر أن تصيبكم بهذا أو ذاك.","vol":"3","page":91},{"text":"وبيّن أنهم في هذا لم يكونوا خالين عن ملاحظة الحظوظ وطلب الأرزاق «١» فقال:\n«فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ» لتصلوا إلى خير الدارين.\nوابتغاء الرزق من الله إدامة الصلاة فإن الصلاة استفتاح باب الرزق، قال تعالى:\n«وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ رِزْقًا» «٢» ويقال ابتغاء الرزق بشهود موضع الفاقة فعند ذلك تتوجه الرغبة إلى الله تعالى فى استجلاب الرزق.\nوفي الآية تقديم لابتغاء الرزق على الأمر بالعبادة لأنه لا يمكنه القيام بالعبادة إلا بعد كفاية الأمر فبالقوة يمكنه أداء العبادة، وبالرزق يجد القوة، قالوا:\nإذا المرء لم يطلب معاشا لنفسه ... فمكروه ما يلقى يكون جزاؤه\n«وَاشْكُرُوا لَهُ»: حيث كفاكم أمر الرزق حتى تفرغتم لعبادته «٣» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2613>[سورة العنكبوت (٢٩): آية ١٨]</span>\nوَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (١٨)\nوبال التكذيب عائد على المكذّب، وليس على الرسول- بعد تبليغه الرسالة بحيث لا يكون فيه تقصير كى يكون مبيّنا- شىء آخر. وإلا يكون قد خرج عن عهدة الإلزام.\nوفيما حلّ بالمكذّبين من العقوبة ما ينبغى أن يكون عبرة لمن بعدهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2614>[سورة العنكبوت (٢٩): آية ١٩]</span>\nأَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١٩)\n_________\n(١) فالعبادة الخالصة علامتها أن تكون خالصة للمعبود بلا تطلع لعوض أو غرض والغيبة عن أي (وارد من تذكر ثواب أو تفكر عقاب) الرسالة ص ٤٠.\n(٢) آية ١٣٢ سورة طه.\n(٣) عنى القشيري بتوضيح النسق في الأسلوب القرآنى حين ناقش ترتيب الكلام على نحو مقنع أخاذ.","vol":"3","page":92},{"text":"الذي داخلهم فيه الشّكّ كان بعث الخلق، فاحتجّ عليهم بما أراهم من إعادة فصول السّنة بعد تقضّيها على الوجه الذي كان في العام الماضي. وبيّن أن جمع أجزاء المكلّفين بعد انقضاض البنية كإعادة فصول السنة فكما أن ذلك سائغ في قدرته غير مستنكر فكذلك بعث الخلق.\nوكما في فصول السنة تتكرر أحوال العبادة في الأحوال العامة المشتركة بين الكافة، وفي خواص أحوال المؤمنين من استيلاء شهوات النفوس، ثم زوالها، إلى موالاة الطاعات، ثم حصول الفترة، والعود إلى مثل الحالة الأولى، ثم بعد ذلك الانتباه بالتوبة.. كذلك تتكرر عليهم الأحوال.\nوأرباب القلوب تتعاقب أحوالهم في القبض والبسط ثم في الهيبة والأنس، ثم في التجلي والسّتر، ثم في البقاء والفناء، ثم في السكر «١» والصحو.. وأمثال هذا كثير. وفي هذا المعنى قوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2615>[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٢٠]</span>\nقُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠)\nوفي معنى تكرير الأحوال ما أنشدوا:\nكلّ نهر فيه ماء قد جرى ... فإليه الماء يوما سيعود\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2616>[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٢١]</span>\nيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (٢١)\nأجناس ما يعذّب به عباده وأنواع ما يرجم به عباده.. لا نهاية لها ولا حصر فمن ذلك أنه يعذّب من يشاء بالخذلان، ويرحم من يشاء بالإيمان. يعذّب من يشاء بالجحود والعنود،\n_________\n(١) وردت في ص (الشك) وفي م (السكر) والصواب هذه لأنها تلاثم السياق.. فالسكر والصحو حالان من أحوال الفناء.","vol":"3","page":93},{"text":"ويرحم من يشاء بالتوحيد والوجود. يعذب من يشاء بالحرص ويرحم من يشاء بالقناعة.\nيعذّب من يشاء بتفرقة الهمّ ويرحم من يشاء بجمع الهمّة. يعذب من يشاء بإلقائه في ظلمة التدبير، ويرحم من يشاء بإشهاده جريان التقدير. يعذب من يشاء بالاختيار من نفسه، ويرحم من يشاء برضاه بحكم ربّه. يعذب من يشاء بإعراضه عنه، ويرحم من يشاء بإقباله عليه. يعذب من يشاء بأن يكله ونفسه، ويرحم من يشاء بأن يقوم بحسن تولّيه.\nيعذب من يشاء بحبّ الدنيا ويمنعها عنه، ويرحم من يشاء بتزهيده فيها وبسطها عليه.\nيعذب من يشاء بأن يثبته في أوطان العادة، ويرحم من يشاء بأن يقيمه بأداء العبادة ...\nوأمثال هذا كثير.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2617>[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٢٢]</span>\nوَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (٢٢)\nنقلّب الجملة في القبضة، ونجرى عليهم أحكام التقدير: جحدوا أم وحّدوا، أقبلوا أم أعرضوا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2618>[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٢٣]</span>\nوَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ وَلِقائِهِ أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٢٣)\nتعجلت عقوبتهم بأن يئسوا من رحمته.. ولا عقوبة أشدّ من هذا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2619>[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٢٤]</span>\nفَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٤)\nلمّا عجزوا عن جوابه ولم يساعدهم التوفيق بالإجابة أخذوا في معارضته بالتهديد والوعيد، والسفاهة والتوبيخ، والله تعالى صرف عنه كيدهم، وكفاه مكرهم، وأفلج عليهم عليهم حجّته «١»،\n_________\n(١) أفلج الله عليهم حجته أي أظهرها وأثبتها.","vol":"3","page":94},{"text":"وأظهر للكافة عجزهم، وأخبر عما يلحقهم في مآلهم من استحقاق اللّعن والطرد، وفنون الهوان والخزي.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2620>[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٢٦]</span>\nفَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٦)\nلا تصحّ الهجرة إلى الله إلّا بالتبرّى- بالكمال- بالقلب عن غير الله. والهجرة بالنّفس يسيرة بالإضافة إلى الهجرة بالقلب- وهي هجرة الخواص وهي الخروج عن أوطان التفرقة إلى ساحات الجمع. والجمع بين التعريج في أوطان التفرقة والكون في مشاهد الجمع متناف «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2621>[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٢٧]</span>\nوَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧)\nلمّا لم يجب قومه، وبذل لهم النصح «٢»، ولم يدّخر عنهم شيئا من الشفقة- حقّق الله مراده في نسله، فوهب له أولاده، وبارك فيهم، وجعل في ذريته الكتاب والنبوة، واستخلصهم للخيرات حتى صلحت أعمالهم للقبول، وأحوالهم للإقبال عليها، ونفوسهم للقيام بعبادته، وأسرارهم لمشاهدته، وقلوبهم لمعرفته.\n«وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ» للدنوّ والزلفة والتخصيص بالقربة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2622>[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٢٨ الى ٢٩]</span>\nوَلُوطًا إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ (٢٨) أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٩) .\n_________\n(١) ما يكون كسبا للعبد وما يليق بأحوال البشرية فهو فرق وما يكون من قبل الحق من إبداء معان وإسداء لطف وإحسان فهو جمع فإثبات الخلق من باب التفرقة وإثبات الحق من نعت الجمع (الرسالة ص ٣٨) .\n(٢) فى ص زاد الناسخ (فى أوطان) وهي غير موجودة في م والسياق يستغنى عنها.","vol":"3","page":95},{"text":"لامهم على خصلتهم الشنعاء، وما كانوا يتعاطونه على الله من الاجتراء، وما يضيّعونه من المعروف ويأتون من المنكر الذي جملته تخليته الفسّاق مع فسقهم، وترك القبض على أيديهم، وقلة الاحتشام من اطّلاع الناس على قبائح أعمالهم. ومن ذلك قلة احترام الشيوخ والأكابر، ومنها التسويف في التوبة، ومنها التفاخر بالزلّة.\nفما كان جوابهم إلا استعجال العقوبة، فحلّ بهم من ذلك ما أهلكهم وأهلك من شاركهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2623>[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٣١ الى ٣٢]</span>\nوَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ (٣١) قالَ إِنَّ فِيها لُوطًا قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (٣٢)\nالتبس على إبراهيم أمرهم فظنّهم أضيافا فتكلّف لهم تقديم العجل الحنيذ جريا على سنّته فى إكرام الضيف. فلما أخبروه مقصودهم من إهلاك قوم لوط تكلّم في باب لوط ... إلى أن قالوا: إنّا منجّوه. وكان ذلك دليلا على أن الله تعالى لو أراد إهلاك لوط- وإن كان بريئا- لم يكن ظلما إذ لو كان قبيحا لما كان إبراهيم ﵇- مع وفرة علمه- يشكل عليه حتى كان يجادل عنه. بل لله أن يعذّب من يعذّب، ويعافى من يعافى «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2624>[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٣٣]</span>\nوَلَمَّا أَنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقالُوا لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلاَّ امْرَأَتَكَ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (٣٣)\nلمّا أن رآهم لوط ضاق بهم قلبه لأنه لم يعلم أنهم ملائكة، فخاف عليهم من فساد قومه فكان ضيق قلبه لأجل الله- سبحانه، فأخبروه بأنهم ملائكة، وأنّ قومه لن يصلوا إليهم، فعند ذلك سكن قلبه، وزال ضيق صدره.\n_________\n(١) أي أبرأه من العلل والبلايا وأصحّه.","vol":"3","page":96},{"text":"ويقال أقرب ما يكون العبد في البلاء من الفرج إذا اشتدّ عليه البلاء فعند ذلك يكون زوال البلاء، لأنه يصير مضطّرا، والله سبحانه وعد المضطرين وشيك الاجابة «١» . كذلك كان لوط في تلك الليلة، فقد ضاق بهم ذرعا ثم لم يلبث أن وجد الخلاص من ضيقه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2625>[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٣٥]</span>\nوَلَقَدْ تَرَكْنا مِنْها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٣٥)\nفمن أراد الاعتبار فله في قصتها عبرة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2626>[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٣٦ الى ٤٠]</span>\nوَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْبًا فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٣٦) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (٣٧) وَعادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (٣٨) وَقارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهامانَ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَما كانُوا سابِقِينَ (٣٩) فَكُلًاّ أَخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)\nالآيات.\nذكر قصة شعيب وقصة عاد وثمود وقصة فرعون، وقصة قارون.. وكلهم نسج بعضهم على منوال بعض، وسلك مسلكهم، ولم يقبلوا النصح، ولم يبالوا بمخالفة رسلهم، ثم إن الله تعالى أهلكهم بأجمعهم، إمضاء لسنّته في نصرة الضعفاء وقهر الظالمين.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2627>[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٤١]</span>\nمَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٤١)\nالعنكبوت يتخذ لنفسه بيتا، ولكن كلما زاد نسجا في بيته ازداد بعدا في الخروج منه فهو بينى ولكن على نفسه بينى.. كذلك الكافر يسعى ولكن على نفسه يجنى.\nوبيت العنكبوت أكثره في الزوايا من الجدران، كذلك الكافر أمره على التّقيّة «٢» والكتمان، وأمّا المؤمن فظاهر المعاملة، لا يستر ولا يدخمس «٣» .\n_________\n(١) يشير إلى قوله تعالى: «أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ» آية ٦٢ سورة النمل.\n(٢) التقية عند بعض الفرق الإسلامية معناها إخفاء الحق ومصانعة الناس في غير دولتهم.\n(٣) دخمس عليه لم يبيّن له ما يريد، ودخمس الشيء ستره. [.....]","vol":"3","page":97},{"text":"وبيت العنكبوت أوهن البيوت لأنه بلا أساس ولا جدران ولا سقف ولا يمسك على أدون «١» دفع.. كذلك الكافر لا أصل لشأنه، ولا أساس لبنيانه، يرى شيئا ولكن بالتخييل، فأمّا في التحقيق.. فلا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2628>[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٤٣]</span>\nوَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلاَّ الْعالِمُونَ (٤٣)\nالكلّ يشتركون في سماع الأمثال، ولكن لا يصغى إليها من كان نفور القلب، كنود الحال، متعودا الكسل، معرّجا في أوطان الفشل.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2629>[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٤٤]</span>\nخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٤٤)\n«بِالْحَقِّ»: أي بالقول الحق والأمر الحق.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2630>[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٤٥]</span>\nاتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ (٤٥)\nأي من شأن المؤمن وسبيله أن ينتهى عن الفحشاء والمنكر، أي على معنى ينبغى للمؤمن أن ينتهى عن الفحشاء والمنكر، كقوله: «وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» أي ينبغى للمؤمن أن يتوكل على الله، فإن قدّر أن واحدا منهم لا يتوكل فلا يخرج به ذلك عن الايمان- كذلك من لم ينته عن الفحشاء والمنكر فليست تخرج صلاته عن كونها صلاة.\nويقال بل الصلاة الحقيقة ما تكون ناهية لصاحبها عن الفحشاء والمنكر فإن لم يكن من العبد انتهاء فالصلاة ناهية على معنى ورود الزواجر على قلبه بألا يفعل، ولكنه يصرّ ولا يطيع تلك الخواطر.\n_________\n(١) أي على أضعف دفع","vol":"3","page":98},{"text":"ويقال بل الصلاة الحقيقية ما تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر. فإن كان- وإلا فصورة الصلاة لا حقيقتها ويقال الفحشاء هي الدنيا، والمنكر هو النّفس.\nويقال الفحشاء هي المعاصي، والمنكر هو الحظوظ.\nويقال الفحشاء الأعمال، والمنكر حسبان النجاة بها، وقيل ملاحظته الأعواض عليها، والسرور والفرح بمدح الناس لها.\nويقال الفحشاء رؤيتها، والمنكر طلب العوض عليها.\n«وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ» «١»: ذكر الله أكبر من ذكر المخلوقين لأن ذكره قديم وذكر الخلق محدث.\nويقال ذكر العبد لله أكبر من ذكره للأشياء الأخرى لأن ذكره لله طاعة، وذكره لغيره لا يكون طاعة.\nويقال ولذكر الله لك أكبر من ذكرك له.\nويقال ذكره لك بالسعادة أكبر من ذكرك له بالعبادة.\nويقال ذكر الله أكبر من أن تبقى معه وحشة.\nويقال ذكر الله أكبر من أن يبقى للذاكر معه ذكر مخلوق.\nويقال ذكر الله أكبر من أن يبقى للزّلة معلوما أو مرسوما.\nويقال ذكر الله أكبر من أن يعيش أحد من المخلوقين بغيره.\nويقال ولذكر الله أكبر من أن يبقى معه للفحشاء والمنكر سلطانا فلحرمة ذكره زلّات الذاكر مغفورة، وعيوبه مستورة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2631>[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٤٦]</span>\nوَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٤٦)\n_________\n(١) رأى القشيري فى «وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ»، ليس فيه كما يلحظ القارئ تقليل من قيمة الصلاة العادية التي وردت في الآية نفسها، كما قد يدعى بعض من يتهمون الصوفية بأنهم يرفعون «ذكرهم» ويخفضون قيمة «الصلاة» وبالتالى لأ يأبهون بها-.. وهذا- كما هو واضح- اتهام باطل.","vol":"3","page":99},{"text":"ينبغى أن يكون منك للخصم تبيين، وفي خطابك تليين، وفي قبول الحق إنصاف، واعتقاد النصرة- لما رآه صحيحا- بالحجة، وترك الميل إلى الشيء بالهوى.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2632>[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٤٧]</span>\nوَكَذلِكَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ الْكافِرُونَ (٤٧)\nيعنى أنهم على أنواع: فمرحومّ نظرنا إليه بالعناية، ومحروم وسمناه بالشقاوة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2633>[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٤٨]</span>\nوَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨)\nأي تجرّد قلبك عن المعلومات، وتقدّس سرّك عن المرسومات، فصادفك من غير ممازجة طبع ومشاركة كسب وتكلف بشرية «١»، فلما خلا قلبك وسرّك عن كل معلوم ومرسوم ورد عليك خطابنا وتفهيمنا غير مقرون بهما ما ليس منّا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2634>[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٤٩]</span>\nبَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ الظَّالِمُونَ (٤٩)\nقلوب الخواص من العلماء بالله خزائن الغيب، فيها أودع براهين حقه، وبينات سرّه، ودلائل توحيده، وشواهد ربوبيته فقانون «٢» الحقائق قلوبهم، وكلّ شىء يطلب من موطنه\n_________\n(١) أي أن هذه الآفات تلحق علوم الإنسان حينما لا تكون خالصة.\n(٢) من معانى كلمة (القانون) طريق الشيء وأصله.","vol":"3","page":100},{"text":"ومحله فالدرّ يطلب من الصدف لأن ذلك مسكنه، والشمس تطلب من البروج لأنها مطلعها، والشهد يطلب من النحل لأنه عشه. كذلك المعرفة «١» تطلب من قلوب خواصه لأن ذلك قانون معرفته، ومنها (...) «٢»\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2635>[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٥٠ الى ٥١]</span>\nوَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١)\nخفيت عليهم حالتك- يا محمد- فطالبوك بإقامة الشواهد، وقالوا: «لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ ...» أولم يكفهم ما أوضحنا عليك من السبيل، وألحنا لك من الدليل يتلى عليهم ذلك، ولا يمكنهم معارضته ولا الإتيان بشىء من مثله؟! هذا هو الجحود وغاية الكنود! قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2636>[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٥٢]</span>\nقُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٥٢)\nأنا على حقّ والله- سبحانه- يعلمه، وأنتم لستم على حق والله يعلمه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2637>[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٥٣]</span>\nوَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ الْعَذابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٥٣)\nلولا أنى ضربت لكلّ شىء أجلا لعجّلت لهم ذلك، وليأتينّهم العذاب- حين يأتيهم- بغتة وفجأة.\n_________\n(١) ورد في ص بعد كلمة المعرفة (وصف الحق) وربما كانت (بوصف الحق) وهي غير موجودة في م، ونرجح أنها موجودة في الأصل بدليل اقتران الضمير ب (خواصه) .\n(٢) فى ص (توقع نسخة توحيده) وفي م (يرفع نسخة توحيده) وكلاهما غامض في الكتابة وإن كنا نستطيع أن نفهم أن التوحيد- وهو أقصى درجات المعرفة- محله قلوب الخواص.","vol":"3","page":101},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2638>[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٥٥]</span>\nيَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٥)\nوإذا أحاطت بهم في جهم سرادقات العذاب فلا صريخ لهم، كذلك- اليوم- من أحاط به العذاب من فوقه اللّعن ومن تحته الخسف، ومن حوله الخزي، ويلبس لباس الخذلان، ويوسم بكيّ الحرمان، ويسقى شراب القنوط، ويتوّج بتاج الخيبة، ويقيّد بقيد السّخط، ويغلّ بغلّ العداوة، فهم يسحبون في جهنم الفراق حكما، إلى أن يلقوا في جحيم الاحتراق عينا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2639>[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٥٦]</span>\nيا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (٥٦)\nالدنيا أوسع رقعة من أن يضيق بمريد مكان، فإذا نبا به منزل- لوجه من الوجوه- إمّا لمعلوم حصل، أو لقبول من الناس، أو جاه، أو لعلاقة أو لقريب أو لبلاء ضدّ، أو لوجه من الوجوه الضارة ... فسبيله أن يرتحل عن ذلك الموضع وينتقل إلى غيره، كما قالوا «١»:\nوإذا ما جفيت كنت حريّا ... أن أرى غير مصبح حيث أمسى\nوكذلك العارف إذا لم يوافق وقته مكان انتقل إلى غيره من الأماكن «٢» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2640>[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٥٧]</span>\nكُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ (٥٧)\nإذا كان الأمر كذلك فالراحة معطوفة على تهوين الأمور فسبيل المؤمن أن يوطّن نفسه\n_________\n(١) البحنرى في السينية.\n(٢) تعبر هذه الفقرة عن رأى القشيري فيما يعرف عند الصوفية (بالسّفر) فهو يجيزه للعارف، أما بالنسبة للمريد فإنه يرى عدم السفر لأن ثبات المريد في مكان به ابتلاء هروب من مواجهة الابتلاء وذلك آية ضعف في الإرادة:\n(ومن آداب المريد بل من فرائض حاله أن يلازم موضع إرادته وألا يسافر قبل أن تقبله الطريق وقبل الوصول بالقلب إلى الرب، فإن السفر للمريد في غير وقتله سم قاتل (الرسالة ص ٢٠٠) .","vol":"3","page":102},{"text":"على الخروج مستعدا له، ثم إذا لم يحصل الأجل فلا يستعجل، وإذا حضر فلا يستثقل، ويكون بحكم الوقت، كما قالوا:\nلو قال لى مت متّ سمعا وطاعة ... وقلت لداعى الموت: أهلا ومرحبا\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2641>[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٥٨ الى ٦٠]</span>\nوَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (٥٨) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٥٩) وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٠)\nهم- اليوم- فى غرف معارفهم على أسرّة وصلهم، متوّجون بتيجان سيادتهم، يسقون كاسات الوجد، ويجبرون في جنان القرب، وعدا كما قال: - «الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» والصبر الوقوف مع الله بشرط سقوط الفكرة.\nالصبر العكوف في أوطان الوفاء، الصبر حبس النّفس على فطامها.\nالصبر تجرّع كاسات التقدير من غير تعبيس.\nالصبر صفة توجب معيّة الحقّ.. وأعزز بها! وأول الصبر تصبّر بتكلف، ثم صبر بسهولة، ثم اصطبار وهو ممزوج بالراحة، ثم تحقّق بوصف الرضا فيصير العبد فيه محمولا بعد أن كان متحمّلا.\nوالتوكل انتظار مع استبشار، والتوكل سكون السّرّ إلى الله، التوكل استقلال بحقيقة التوكل فلا تتبرّم في الخلوة بانقطاع الأغيار عنك. التوكل إعراض القلب عن غير الربّ.\nقوله جل ذكره: «وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ» .","vol":"3","page":103},{"text":"«لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا» أي لا تدخره، فمن لم يدخر رزقه في كيسه أو خزائنه فالله يرزقه من غير مقاساة تعب منه.\nويقال «لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا» المقصود بها الطيور والسباع إذ ليس لها معلوم، وليس لها بيت تجمع فيه القوت، وليس لها خازن ولا وكيل.. الله يرزقها وإياكم.\nويقال إرادة الله في أن يستبقيك ولا يقبض روحك أقوى وأتمّ وأكبر من تعنّيك لأجل بقائك.. فلا ينبغى أن يكون اهتمامك بسبب عيشك أتمّ وأكبر من تدبير صانعك لأجل بقائك.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2642>[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٦١]</span>\nوَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٦١)\nإذا سئلوا عن الخالق أقروا بالله، وإذا سئلوا عن الرزاق لم يستقروا مع الله.. هذه مناقضة ظاهرة! قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2643>[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٦٢]</span>\nاللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٢)\nالرزق على قسمين: رزق الظواهر ومنه الطعام والشراب، ورزق السرائر ومنه الاستقلال بالمعاني بحيث لا يحصره تكلف الكلام، والناس فيهم مرزوق ومرفه عليه، وفيهم مرزوق ولكن مضيّق عليه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2644>[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٦٣]</span>\nوَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (٦٣)","vol":"3","page":104},{"text":"كما علموا أنّ حياة الأرض بعد موتها بالمطر من قبل الله فليعلموا أنّ حياة النفوس بعد موتها- عند النّشر والبعث- بقدرة الله. وكما علموا ذلك فليعلموا أنّ حياة الأوقات بعد نفرتها، وحياة القلوب بعد فترتها ... بماء الرحمة بالله.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2645>[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٦٤]</span>\nوَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤)\nالدنيا كالأحلام، وعند الخروج منها انتباه من النوم. والآخرة هنالك العيش بكماله، والتخلص- من الوحشة- بتمامه ودوامه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2646>[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٦٥]</span>\nفَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥)\nالإخلاص تفريغ القلب عن الكلّ، والثقة بأن الإخلاص ليس إلا به- سبحانه، والتحقق بأنه لا يستكبر حالا في المحمودات ولا في المذمومات، فعند ذلك يعبدونه مخلصين له الدّين. وإذا توالت عليهم الضرورات، وانقطع عنه الرجاء أذعنوا الله متضرعين (فإذا كشف الضّرّ عنهم عادوا إلى الغفلة، ونسوا ما كانوا فيه من الحال كما قيل) «١»:\nإذا ارعوى عاد إلى جهله ... كذى الضنى عاد إلى نكسه\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2647>[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٦٧]</span>\nأَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ (٦٧)\nمنّ عليهم بدفع المحن عنهم وكون الحرم آمنا. وذكّرهم عظيم إحسانه عليهم، ثم إعراضهم عن شكر ذلك.\n_________\n(١) ما بين القوسين موجود في م وغير موجود في ص، والسياق يتطلبه لأن الشاهد الشعرى الموجود فى النسختين يؤيد معناه.","vol":"3","page":105},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2648>[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٦٨]</span>\nوَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ (٦٨)\nأي لا أحد أشدّ ظلما ممن افترى على الله الكذب، وعدل عن الصدق، وآثر البهتان ولم يتصرف بالتحقق، أولئك هم السّقّاط في الدنيا والآخرة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2649>[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٦٩]</span>\nوَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)\nالذين زيّنوا ظواهرهم بالمجاهدات حسنت سرائرهم بالمشاهدات. الذين شغلوا ظواهرهم بالوظائف أوصلنا إلى سرائرهم اللطائف. الذين قاسوا فينا التعب من حيث الصلوات جازيناهم بالطرب من حيث المواصلات.\nويقال الجهاد فيه: أولا بترك المحرّمات، ثم بترك الشّبهات، ثم بترك الفضلات، ثم بقطع العلاقات، والتنقّى من الشواغل في جميع الأوقات.\nويقال بحفظ الحواسّ لله، وبعدّ الأنفاس مع الله.","vol":"3","page":106},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2650>السورة التي يذكر فيها الروم</span>\nقوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» .\nبسم الله اسم عزيز شفيع المذنبين جوده، بلاء المتهمين قصوده، ضياء الموحّدين عهوده.\nوسلوة المحزونين ذكره، وحرفة «١» الممتحنين شكره.\nاسم عزيز رداؤه كبرياؤه، وجبّار سناؤه بهاؤه، وبهاؤه علاؤه.\nالعابدون حسبهم عطاؤه، والواجدون حسبهم بقاؤه «٢» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2651>[سورة الروم (٣٠): الآيات ١ الى ٥]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤)\nبِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٥)\nالإشارة فى «الألف» إلى أنه ألف صحبتنا من عرف عظمتنا، وأنّه ألف بلاءنا من عرف كبرياءنا.\nوالإشارة فى «اللام» إلى أنه لزم بابنا من ذاق محابّنا، ولزم بساطنا من شهد جمالنا.\nوالإشارة فى «الميم» إلى أنه مكّن من قربنا من قام على خدمتنا، ومات على وفاتنا من تحقق بولائنا.\nقوله: «غُلِبَتِ الرُّومُ»: سرّ المسلمون بظفر الروم على العجم- وإن كان الكفر يجمعهم- إلا أن الروم اختصوا بالإيمان ببعض الأنبياء، فشكر الله لهم، وأنزل فيهم الآية..\nفكيف بمن يكون سروره لدين الله، وحزنه واهتمامه لدين الله؟\n_________\n(١) الحرفة هنا معناها دأبه وديدنه (الوسيط) .\n(٢) لأن بقاءهم به خلف لهم عن كل شىء، فكل شىء زائل.","vol":"3","page":107},{"text":"قوله جل ذكره: «لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ» .\n«قَبْلُ» إذا أطلق انتظم الأزل، و«بَعْدُ» إذا أطلق دلّ على الأبد فالمعنى الأمر الأزليّ لله، والأمر الأبديّ لله لأنّ الرّبّ الأزليّ والسّيّد الأبديّ الله.\nلله الأمر يوم العرفان «١»، ولله الأمر يوم الغفران.\nلله الأمر حين القسمة ولا حين، ولله الأمر عند النعمة وليس أي معين «٢» .\nويقال: لى الأمر «مِنْ قَبْلُ» وقد علمت ما تفعلون، فلا يمنعنى أحد من تحقيق عرفانكم، ولى الأمر «مِنْ بَعْدُ» وقد رأيت ما فعلتم، فلا يمنعنى أحد من غفرانكم.\nوقيل «لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ» بتحقيق ودّكم، ولله الأمر من بعد بحفظ عهدكم:\nإنى- على جفواتها- وبربّها ... وبكلّ متصل بها متوسل «٣»\n«وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ»:\nاليوم إرجاف السرور وإنما ... يوم اللّقاء حقيقة الإرجاف\nاليوم ترح وغدا فرح، اليوم عبرة وغدا حبرة، اليوم أسف وغدا لطف، اليوم بكاء وغدا لقاء.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2652>[سورة الروم (٣٠): آية ٦]</span>\nوَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٦)\n_________\n(١) هكذا في م وهي في ص يوم (القربان)، والمعرفة والقرب يجريان في هذه الحياة الدنيا، أما الغفران فهو في الآخرة يوم الحساب.\n(٢) هكذا في وهي في ص: (ولله الأمر عند النقمة وليس في معسر) وهي غامضة في الكتابة والمعنى، وقد آثرنا ما جاء في م لوضوحه.\n(٣) فى موضع آخر من هذا المجلد...... نجد هذا البيت متبوعا بالبيت التالي (الذي فيه خبر إن):\nلأحبها وأحب منزلها الذي ... نزلت به وأحب أهل المنزل\n[.....]","vol":"3","page":108},{"text":"الكريم لا يخلف وعده لا سيما والصدق نعته.\nيقول المؤمنون: منا يوم الميثاق وعد بالطاعة، ومنه ذلك اليوم وعد بالجنة، فإن وقع في وعدنا تقصير لا يقع في وعده قصور.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2653>[سورة الروم (٣٠): آية ٧]</span>\nيَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ (٧)\nاستغراقهم في الاشتغال بالدنيا، وانهما كهم في تعليق القلب بها.. منعهم عن العلم بالآخرة. وقيمة كلّ امرئ علمه بالله ففى الأثر عن عليّرضي الله عنه- أنه قال: أهل الدنيا على غفلة من الآخرة، والمشتغلون بعلم الآخرة كذلك بوجودها فى غفلة عن الله.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2654>[سورة الروم (٣٠): آية ٨]</span>\nأَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ (٨)\nإنّ من نظر حقّ النظر، ووضع النظر موضعه أثمر له العلم واجبا، فإذا استبصر بنور اليقين أحكام الغائبات، وعلم موعوده الصادق في المستأنف- نجا عن كدّ التردد والتجويز «١» .\nفسبيل من صحا عقله ألا يجنح إلى التقصير فيما به كمال سكونه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2655>[سورة الروم (٣٠): آية ٩]</span>\nأَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٩)\n_________\n(١) التردد والتجويز آفتان تصيبان- فى نظر القشيري- العقل، بينما القلب والروح والسر وعين السر لا تصاب بهما.","vol":"3","page":109},{"text":"سير النفوس في أقطار الأرض ومنا كها لأداء العبادات، وسير القلوب بجولان الفكر فى جميع المخلوقات، وغايته الظّفر بحقائق العلوم التي توجب ثلج الصدر- ثم تلك العلوم على درجات. وسير الأرواح في ميادين الغيب بنعت خرق سرادقات الملكوت، وقصاراه الوصول إلى محلّ الشهود واستيلاء سلطان الحقيقة. وسير الأسرار بالترقي عن الحدثان «١» بأسرها، والتحقق أولا بالصفات، ثم بالخمود بالكلية عمّا سوى الحقّ» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2656>[سورة الروم (٣٠): آية ١٠]</span>\nثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ (١٠)\nمن زرع الشوك لم يحصد الورد، ومن استنبت الحشيش لم يقطف الثمار، ومن سلك طريق الغيّ لم يحلل بساحة الرشد.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2657>[سورة الروم (٣٠): آية ١١]</span>\nاللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١١)\nيبدأ الخلق على ما يشاء، ثم يعيده إذا ما شاء على ما يشاء.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2658>[سورة الروم (٣٠): آية ١٢]</span>\nوَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (١٢)\nشهودهم ما جحدوه في الدنيا عيانا، ثم ما ينضاف إلى ذلك من اليأس بعد ما يعرفون قطعا «٣» هو الذي يفتت أكبادهم، وبه تتمّ محنتهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2659>[سورة الروم (٣٠): آية ١٣]</span>\nوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ وَكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ (١٣) .\n_________\n(١) المقصود بالحدثان المخلوقات إذ لها أول وابتداء ولها آخر وانتهاء.\n(٢) انظر بخصوص هذا الترقي صقحة ٤٨٦ (المجلد الأول من هذا الكتاب) .\n(٣) لأن معرفتهم العينية تقطع كل شك كان يراودهم في الحياة الدنيا، فلا مجال يومئذ لأمل زائف.","vol":"3","page":110},{"text":"تغلب العداوة من بعض على بعض.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2660>[سورة الروم (٣٠): آية ١٤]</span>\nوَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤)\nفريق منهم أهل الوصلة، وفريق هم أهل الفرقة. فريق للجنة والمنّة، وفريق للعذاب والمحنة. فريق في السعير، وفريق في السرور. فريق في الثواب، وفريق في العذاب.\nفريق في الفراق، وفريق في التلاقي.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2661>[سورة الروم (٣٠): آية ١٥]</span>\nفَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥)\nفهم في رياض وغياض\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2662>[سورة الروم (٣٠): آية ١٦]</span>\nوَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ فَأُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ (١٦)\nفهم في بوار وهلاك.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2663>[سورة الروم (٣٠): الآيات ١٧ الى ١٨]</span>\nفَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨)\nمن كان صباحه لله بورك له في يومه، ومن كان مساؤه بالله بورك له في ليله:\nوإنّ صباحا نلتقى في مسائه ... صباح على قلب الغريب حبيب\nشتّان بين عبد صباحه مفتتح بعبادته ومساؤه مختتم بطاعته، وبين عبد صباحه مفتتح بمشاهدته ورواحه مفتتح بعزيز قربته! ويقال الآية تتضمن الأمر بتسبيحه في هذه الأوقات، والآية تتضمن الصلوات الخمس «١»،\n_________\n(١) قيل لابن عباس: هل تجد الصلوات الخمس في القرآن؟ فقال: نعم وتلا هذه الآية. ف (حين تمسون) صلاة المغرب والعشاء، (وحين) تصبحون صلاة الفجر، (وعشيا) صلاة العصر، (وحين تظهرون) صلاة الظهر.","vol":"3","page":111},{"text":"وإرادة الحقّ من أوليائه بأن يجددوا العهد في اليوم والليلة خمس مرات فتقف على بساط المناجاة، وتستدرك ما فاتك فيما بين الصلاتين من طوارق الزلات.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2664>[سورة الروم (٣٠): آية ١٩]</span>\nيُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ (١٩)\n«يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ»: الطير من البيض، والحيوان من النّطفة.\nو«يُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ»: البيض من الطير، والنطفة من الحيوان.\nوالمؤمن من الكافر والكافر من المؤمن.\nويظهر أوقاتا من بين أوقات كالقبض من بين أوقات البسط، والبسط من بين أوقات القبض.\n«وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها»: يحييها بالمطر، ويأتى بالربيع بعد وحشة الشتاء كذلك يوم النشور يحيى الخلق بعد الموت.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2665>[سورة الروم (٣٠): آية ٢٠]</span>\nوَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٢٠)\nخلق آدم من التراب، ثم من آدم الذّرّية. فذكّرهم نسبتهم لئلا يعجبوا بأحوالهم.\nويقال الأصل تربة ولكن العبرة بالتربية لا بالتربة، القيمة لما منه لا لأعيان المخلوقات.\nاصطفى واختار الكعبة فهى أفضل من الجنة الجنة جواهر ويواقيت، والبيت حجر! ولكن البيت مختاره وهذا المختار حجر! واختار الإنسان، وهذا المختار مدر! والغنيّ غنيّ لذاته، غنيّ عن كلّ غير من رسم وأثر.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2666>[سورة الروم (٣٠): آية ٢١]</span>\nوَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١)","vol":"3","page":112},{"text":"ردّ المثل إلى المثل، وربط الشكل بالشكل، وجعل سكون البعض إلى البعض، ولكنّ ذلك للأشباح والصّور، أمّا الأرواح فصحبتها للأشباح كره لا طوع «١» .\nوأمّا الأسرار فمعتقة لا تساكن الأطلال ولا تتدنس بالأعلال.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2667>[سورة الروم (٣٠): آية ٢٢]</span>\nوَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ (٢٢)\nخلق السماوات في علوّها والأرض في دنوّها هذه بنجومها وكواكبها، وهذه بأقطارها ومناكبها. وهذه بشمسها وقمرها، وهذه بمائها ومدرها.\nومن آياته اختلاف لغات أهل الأرض، واختلاف تسبيحات الملائكة الذين هم سكان السماء. وإنّ اختصاص كلّ شىء منها بحكم- شاهد عدل، ودليل صدق على أنها تناجى أفكار المتيقظين، وتنادى على أنفسها.. أنها جميعها من تقدير العزيز العليم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2668>[سورة الروم (٣٠): آية ٢٣]</span>\nوَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٢٣)\nغلبة النوم بغير اختيار صاحبه ثم انتباهه من غير اكتساب له بوسعه يدلّ على موته وبعثه بعد ذلك وقت نشوره. ثم في حال منامه يرى ما يسرّه وما يضرّه، وعلى أوصاف كثيرة أمره.. كذلك الميت في قبره.. الله أعلم كيف حاله في أمره، وما يلقاه من خيره وشرّه، ونفعه وضرّه؟\n_________\n(١) فكرة اغتراب الروح عن مصدرها الأصيل، ولبثها في داخل البدن، ذلك القفص المادي أو السجن الترابي- تحتل اهتماما كبيرا عند شعراء الصوفية (أنظر كتابنا «نشأة التصوف الإسلامى» فصل الفطرية) .","vol":"3","page":113},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2669>[سورة الروم (٣٠): آية ٢٤]</span>\nوَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٤)\nيلقى في القلوب من الرجاء والتوقع في الأمور، ثم يختلف بهم الحال فمن عبد يحصل مقصوده، ومن آخر لا يتفق مراده.\nوالأحوال اللطيفة كالبروق، وقالوا: إنها لوائح ثم لوامع ثم طوالع ثم شوارق ثم متوع النهار «١»، فاللوائح في أوائل العلوم، واللوامع من حيث الفهوم، والطوالع من حيث المعارف «٢»، والشوارق من حيث التوحيد.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2670>[سورة الروم (٣٠): آية ٢٥]</span>\nوَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (٢٥)\nيفنى هذه الأدوار، ويغيّر هذه الأطوار، ويبدّل أحوالا غير هذه الأحوال إماتة ثم إحياء، وإعادة وقبلها إبداء، وقبر ثم نشر، ومعاتبة في القبر ثم محاسبة بعد النّشر.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2671>[سورة الروم (٣٠): الآيات ٢٦ الى ٢٧]</span>\nوَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ (٢٦) وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧)\nله ذلك ملكا، ومنه تلك الأشياء بدءا، وبه إيجادا، وإليه رجوعا.\nقوله جل ذكره: «وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» .\n_________\n(١) يتفق موقف القشيري من هذه المصطلحات هنا مع ما ذكره فى «الرسالة» وإن كان قد زاد عليها هنا (متوع النهار) .\n(٢) نفهم من هذا أن القشيري يرى هذا الترتيب: العلم ثم الفهم ثم المعرفة أو العرفان، ونفهم أن التوحيد أعلى درجات العرفان.","vol":"3","page":114},{"text":"«وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ» أي في ظنّكم وتقديركم «١» .\nوفي الحقيقة السهولة والوعورة على الحقّ لا تجوز.\n«وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى»: له الصفة العليا في الوجود بحقّ القدم، وفي الجود بنعت الكرم، وفي القدرة بوصف الشمول، وفي النصرة بوصف الكمال، وفي العلم بعموم التعلّق، وفي الحكم بوجوب التحقق، وفي المشيئة بوصف البلوغ، وفي القضية «٢» بحكم النفوذ، وفي الجبروت بعين العزّ والجلال، وفي الملكوت بنعت المجد والجمال.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2672>[سورة الروم (٣٠): آية ٢٨]</span>\nضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٨)\nأي إذا كان لكم مماليك لا ترضون بالمساواة بينكم وبينهم، وأنتم متشاكلون «٣» بكلّ وجه- إلا أنكم بحكم الشرع مالكوهم- فما تقولون في الذي لم يزل، ولا يزال كما لم يزل؟.\nهل يجوز أن يقدّر في وصفه أن يساويه عبيده؟ وهل يجوز أن يكون مملوكه شريكه؟\nتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا!.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2673>[سورة الروم (٣٠): آية ٢٩]</span>\nبَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْواءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٢٩) .\n_________\n(١) معنى هذه العبارة: حسب ظنكم وتقديركم الإعادة أسهل من الإنشاء.. فلم أنكرتم الإعادة؟ فضلا عن أنه ليس عند الله سهل ولا عسير.\n(٢) القضية: هى قضاء الله.\n(٣) متشاكلون معناها: متشابهون ومتساوون ولا فرق في الجوهرية بينكم وبينهم.","vol":"3","page":115},{"text":"أشدّ الظلم متابعة الهوى لأنه قريب من الشّرك، قال تعالى: «أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ» «١» . فمن اتّبع هواه خالف رضا مولاه فهو بوضعه الشيء غير موضعه صار ظالما، كما أنّ العاصي بوضعه المعصية موضع الطاعة ظالم.. كذلك هذا بمتابعة هواه بدلا عن موافقة ومتابعة رضا مولاه صار في الظلم متماديا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2674>[سورة الروم (٣٠): آية ٣٠]</span>\nفَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٣٠)\nأخلص قصدك إلى الله، واحفظ عهدك مع الله، وأفرد عملك في سكناتك وحركاتك وجميع تصرفاتك لله.\n«حَنِيفًا»: أي مستقيما في دينه، مائلا إليه، معرضا عن غيره «٢» . والزم «فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها» أي أثبتهم عليها قبل أن يوجد منهم فعل ولا كسب، ولا شرك ولا كفر، وكما ليس منهم إيمان وإحسان فليس منهم كفران ولا عصيان. فاعرف بهذه الجملة، ثم افعل ما أمرت به، واحذر ما نهيت عنه.\nفعلى هذا التأويل فإن معنى قوله: «فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها» أي اعرف واعلم أن فطرة الله التي فطر الناس عليها: تجرّدهم عن أفعالهم، ثم اتصافهم بما يكسبون- وإن كان هذا أيضا بتقدير الله «٣» .\nوعلى هذا تكون «فِطْرَتَ» الله منصوبة بإضمار اعلم- كما قلنا.\n_________\n(١) آية ٢٣ سورة الجاثية.\n(٢) فكلمة «حنيف» من الأضداد.\n(٣) يذكرنا هذا بتفسير أبى طالب المكي لقول رابعة «أحبك حبين..» فالحب الأول فطرى تفضل الله به، والحب الثاني عانته هي بكسبها ولكنها حتى في هذا الحب الكسبي لا فضل لها، ولذلك استدركت:\nفلا الحمد في ذا ولا ذاك لى ... ولكن لك الحمد في ذا وذاكا\nأنظر (قوت القلوب المكي ح ٢ ص ٥٦ وماتلاها) وانظر أيضا كتابنا (نشأة التصوف الإسلامى) ط دار المعارف. [.....]","vol":"3","page":116},{"text":"سبحانه فطر كلّ أحد على ما علم أنه يكون في السعادة أو الشقاوة، ولا تبديل لحكمه، ولا تحويل لما عليه فطره. فمن علم أنه يكون سعيدا أراد سعادته وأخبر عن سعادته، وخلقه في حكمه سعيدا. ومن علم شقاوته أراد أن يكون شقيا وأخبر عن شقاوته وخلقه فى حكمه شقيا.. ولا تبديل لحكمه، هذا هو الدين المستقيم والحقّ الصحيح «١» قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2675>[سورة الروم (٣٠): آية ٣١]</span>\nمُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١)\nأي راجعين إلى الله بالكلية من غير أن تبقى بقية، متصفين بوفاقه، منحرفين بكل وجه عن خلافه، متقّين صغير الإثم وكبيره، قليله وكثيره، مؤثرين يسير وفاقه وعسيره، مقيمين الصلاة بأركانها وسننها وآدابها جهرا، متحققين بمراعاة فضائلها سرا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2676>[سورة الروم (٣٠): آية ٣٢]</span>\nمِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢)\nأقاموا في دنياهم في خمار الغفلة، وعناد الجهل والفترة فركنوا إلى ظنونهم، واستوطنوا مركب أوهامهم، وتموّلوا من كيس غيرهم، وظنوا أنهم على شىء.\nفإذا انكشف ضباب وقتهم، وانقشع سحاب جحدهم.. انقلب فرحهم ترحا، واستيقنوا أنهم كانوا في ضلالة، ولم يعرّجوا إلّا في أوطان الجهالة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2677>[سورة الروم (٣٠): آية ٣٣]</span>\nوَإِذا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا أَذاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٣٣) .\n_________\n(١) نحسب أن القشيري قد حاول إيضاح مشكلة هامة من مشاكل علم الكلام، فليست الجبرية عنده بناقضة لحرية الإنسان واختياره، ما دامت الأمور كلها مرتبطة بعلم الله الذي سبق كل شىء، وبفضل الله الذي فطر على ما علم.","vol":"3","page":117},{"text":"إذا أظلتهم المحنة ونالتهم الفتنة ومسّتهم البليّة رجعوا إلى الله بأجمعهم مستعينين، وبلطفه مستجيرين، وعن محنتهم مستكشفين «١» .\nفإذا جاد عليهم بكشف ما نالهم، ونظر إليهم باللطف فيما أصابهم: إذا فريق منهم- لا كلّهم- بل فريق منهم بربهم يشركون يعودون إلى عاداتهم المذمومة فى الكفران، ويقابلون إحسانه بالنسيان، هؤلاء ليس لهم عهد ولا وفاء، ولا فى مودتهم صفاء.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2678>[سورة الروم (٣٠): آية ٣٤]</span>\nلِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٤)\nأي عن قريب سيحدث بهم مثلما أصابهم، ثم إنهم يعودون إلى التضرع، ويأخذون فيما كانوا عليه بدءا من التخشع، فإذا أشكاهم وعافاهم رجعوا إلى رأس خطاياهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2679>[سورة الروم (٣٠): آية ٣٥]</span>\nأَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ (٣٥)\nبين أنهم بنوا على غير أصل طريقهم، واتبعوا فيما ابتدعوه أهواءهم، وعلى غير شرع من الله أو حجة أو بيان أسّسوا مذاهبهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2680>[سورة الروم (٣٠): آية ٣٦]</span>\nوَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ (٣٦)\nتستميلهم طوارق أحوالهم فإن كانت نعمة فإلى فرح، وإن كانت شدة فإلى قنوط وترح.. وليس وصف الأكابر كذلك قال تعالى: «لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ» «٢» .\n_________\n(١) أي راجين كشف الغمة عنهم.\n(٢) آية ٢٣ سورة الحديد.","vol":"3","page":118},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2681>[سورة الروم (٣٠): آية ٣٧]</span>\nأَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣٧)\nالإشارة فيها إلى أن العبد لا يعلّق قلبه إلا بالله لأنّ ما يسوءهم ليس زواله إلا بالله، وما يسرّهم ليس وجوده إلا من الله، فالبسط الذي يسرّهم ويؤنسهم منه وجوده، والقبض الذي يسوءهم ويوحشهم منه حصوله، فالواجب لزوم عقوة «١» الأسرار، وقطع الأفكار عن الأغيار.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2682>[سورة الروم (٣٠): آية ٣٨]</span>\nفَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٣٨)\nالقرابة على قسمين: قرابة النسب وقرابة الدّين، وقرابة الدين أمسّ، وبالمواساة أحقّ وإذا كان الرجل مشتغلا بالعبادة، غير متفرّغ لطلب المعيشة فالذين لهم إيمان بحاله، وإشراف على وقته يجب عليهم القيام بشأنه بقدر ما يمكنهم، مما يكون له عون على الطاعة وفراغ القلب من كل علة فاشتغال الرجل بمراعاة القلب يجعل حقّه آكد، وتفقّده أوجب.\n«ذلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ»: المريد هو الذي يؤثر حقّ الله على حظّ نفسه فإيثار المريد وجه الله أتمّ من مراعاته حال نفسه، فهمّته في الإحسان إلى ذوى القربى والمساكين تتقدم على نظره لنفسه وعياله وما يهمه من خاصته.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2683>[سورة الروم (٣٠): آية ٣٩]</span>\nوَما آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (٣٩)\nإيتاء الزكاة بأن تريد بها وجه الله، وألا تستخدم الفقير لما تبرّه به من رافقة «٢»،\n_________\n(١) العقوة الموضع المتسع أمام الدار.\n(٢) الرافقة الرفق واللطف، تقول: أولاه رافقة (الوسيط) .","vol":"3","page":119},{"text":"بل أفضل الصدقة على ذى رحم كاشح «١» حتى يكون إعطاؤه لله مجردا عن كل نصيب لك فيه، فهؤلاء هم الذين يضاعف أجرهم: قهرهم لأنفسهم حيث يخالفونها، وفوزهم بالعوض من قبل الله.\nثم الزكاة هي التطهير، وتطهير المال معلوم ببيان الشريعة في كيفية إخراج الزكاة، وأصناف المال وأوصافه.\nوزكاة البدن وزكاة القلب وزكاة السّرّ.. كلّ ذلك يجب القيام به.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2684>[سورة الروم (٣٠): آية ٤٠]</span>\nاللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٠)\n«ثُمَّ» حرف يقتضى التراخي وفي ذلك إشارة إلى أنه ليس من ضرورة خلقه إياك أن يرزقك كنت في ضعف أحوالك ابتداء ما خلقك، فأنبتك وأحياك من غير حاجة لك إلى رزق فإلى أن خرجت من بطن أمّك: إمّا أن كان يغنيك عن الرزق وأنت جنين فى بطن الأم ولم يكن لك أكل ولا شرب، وإمّا أن كان يعطيك ما يكفيك من الرزق- إن حقّ ما قالوا: إن الجنين يتغذّى بدم الطمث. وإذا أخرجك من بطن أمك رزقك على الوجه المعهود في الوقت المعلوم، فيسّر لك أسباب الأكل والشرب من لبن الأم، ثم من فنون الطعام، ثم أرزاق القلوب والسرائر من الإيمان والعرفان وأرزاق التوفيق من الطاعات والعبادات، وأرزاق اللسان من الأذكار وغير ذلك مما جرى ذكره «ثُمَّ يُمِيتُكُمْ» بسقوط شهواتكم، ويميتكم عن شواهدكم.\n«ثُمَّ يُحْيِيكُمْ» بحياة قلوبكم ثم بأن يحييكم بربّكم.\n_________\n(١) كاشح أي مبغض. وربما كان خير مثل التصدق على ذى رحم مبغض، ما حدث من أبى بكر حينما امتنع عن تقديم الزكاة لمسطح على أثر قيامه بدوره المعروف في قصة الإفك، فعوتب أبو بكر في ذلك ونزلت فيه «وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى» آية ٢٢ سورة النور.","vol":"3","page":120},{"text":"ويقال: من الأرزاق ما هو وجود الأرزاق ومنها ما هو شهود الرزاق.\nويقال: لا مكنة لك في تبديل خلقك، وكذلك لا قدرة لك على تعسّر رزقك، فالموسّع عليه رزقه- بفضله سبحانه.. لا بمناقب نفسه، والمقترّ عليه رزقه بحكمه سبحانه.. لا بمعايب نفسه.\n«هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ هل من شركائكم الذين أثبتموهم أى من الأصنام أو توهمتموهم من جملة الأنام.. من يفعل شيئا من ذلك؟ «﷾» تنزيها له وتقديسا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2685>[سورة الروم (٣٠): الآيات ٤١ الى ٤٢]</span>\nظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ (٤٢)\nالإشارة من البرّ إلى النّفس، ومن البحر إلى القلب.\nوفساد البرّ بأكل الحرام وارتكاب المحظورات، وفساد البحر من الغفلة والأوصاف الذميمة مثل سوء العزم والحسد والحقد وإرادة الشّرّ والفسق.. وغير ذلك. وعقد الإصرار على المخالفات من أعظم فساد القلب، كما أنّ العزم على الخيرات قبل فعلها من أعظم الخيرات.\nومن جملة الفساد التأويلات بغير حقّ، والانحطاط إلى الرّخص في غير قيام بجد، والإغراق في الدعاوى من غير استحياء من الله تعالى.\n«لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ»: بعض الذي عملوا من سقوط تعظيم الشرع من القلب، وعدم التأسّف على مافاته من الحقّ.\nقوله جل ذكره: «قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ» .","vol":"3","page":121},{"text":"«سِيرُوا» بالاعتبار، واطلبوا الحقّ بنعت الأفكار.\n«فَانْظُرُوا» كيف كانت حال من تقدّمكم من الأشكال والأمثال، وقيسوا عليها حكمكم في جميع الأحوال. «كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ» كانوا أكثرهم عددا، ولكن كانوا في التحقيق أقلّهم وزنا وقدرا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2686>[سورة الروم (٣٠): آية ٤٣]</span>\nفَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ (٤٣)\nأخلص قصدك وصدق عزمك للدين القيّم بالموافقة والاتباع دون الاستبداد بالأمر على وجه الابتداع. فمن لم يتأدب بمن هو لسان وقته ولم يتلقف الأذكار ممن هو لسان وقته كان خسرانه أتمّ من ربحه، ونقصانه أعم من نفعه «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2687>[سورة الروم (٣٠): آية ٤٦]</span>\nوَمِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٤٦)\nيرسل رياح الرجاء على قلوب العباد فتكنس عن قلوبهم غبار الخوف وغثاء اليأس، ثم يرسل عليها أمطار التوفيق فتحملهم إلى بساط الجهد، وتكرمهم بقوى النشاط.\nويرسل رياح البسط على أرواح الأولياء فيطهرها من وحشة القبض، وينشر فيها إرادة الوصال.\nويرسل رياح التوحيد فتهب على أسرار الأصفياء فيطهرها من آثار العناء، ويبشرها بدوام الوصال.. فذلك ارتياح به ولكن بعد اجتياح عنك.\n_________\n(١) يرى كبار الصوفية- والقشيري منهم- أن التأدب يشيخ أمر ضرورى في الطريق الصوفي كى يكبح جماح المريد، ويهديه إلى ربه عند رعونة نفسه، ويبعد به عن الزهو عند ما تلوح له بوادر الكشوفات، ويشير عليه بالسفر إن دعت الحاجة إلى ذلك ... ونحو هذا.","vol":"3","page":122},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2688>[سورة الروم (٣٠): آية ٤٧]</span>\nوَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)\nأرسلنا من قبلك رسلا إلى عبادنا، فمن قابلهم بالتصديق وصل إلى خلاصة التحقيق، ومن عارضهم بالجحود أذقناهم عذاب الخلود، فانتقمنا من الذين أجرموا، وأخذناهم من حيث لم يحتسبوا، وشوّشنا عليهم ما أمّلوا، ونقضنا عليهم ما استطابوا وتنعّموا، وأخذنا بخناقهم فحاق بهم ما مكروا.\nَ كانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ»\nبتوطئتهم بأعقاب أعدائهم، ولم يلبثوا إلا يسيرا حتى رقيناهم فوق رقابهم، وخرّبنا أوطان أعدائهم، وهدّمنا بنيانهم، وأخمدنا نيرانهم، وعطّلنا عنهم ديارهم، ومحونا بقهر التدمير آثارهم، فظلّت شموسهم كاسفة، ومكيدة قهرنا لهم بأجمعهم خاسفة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2689>[سورة الروم (٣٠): آية ٤٨]</span>\nاللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ فَإِذا أَصابَ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٨)\nيرسل رياح عطفه وجوده مبشرات بوصله وجوده، ثم يمطر جود غيبه على على أسرارهم بلطفه، ويطوى بساط الحشمة عن ساحات قربه، ويضرب قباب الهيبة بمشاهد كشفه، وينشر عليهم أزهار أنسه، ثم يتجلّى لهم بحقائق قدسه، ويسقيهم بيده شراب حبّه، وبعد ما محاهم عن أوصافهم أصحاهم- لا بهم- ولكن بنفسه، فالعبارات عن ذلك خرس، والإشارات دونها طمس","vol":"3","page":123},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2690>[سورة الروم (٣٠): آية ٥٠]</span>\nفَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ ذلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٥٠)\nيحيى الأرض بأزهارها وأنوارها عند مجىء الأمطار ليخرج زرعها وثمارها، ويحيى النفوس بعد نفرتها، ويوفقها للخيرات بعد فترتها، فتعمر أوطان الرّفاق بصادق إقدامهم، وتندفع البلايا عن الأنام ببركات أيامهم، ويحيى القلوب بعد غفلتها بأنوار المحاضرات، فتعود إلى استدامة الذكر بحسن المراعاة، ويهتدى بأنوار أهلها أهل العسر من أصحاب الإرادات، ويحيى الأرواح بعد حجبتها- بأنوار المشاهدات، فتطلع شموسها عن برج السعادة، ويتصل بمشامّ أسرار الكافة نسيم ما يفيض عليهم من الزيادات، فلا يبقى صاحب نفس إلا حظى منه بنصيب، ويحيى الأسرار- وقد تكون لها وقفة في بعض الحالات- فتنتفى بالكلية آثار الغيرية، ولا يبقى في الدار ديّار ولا من سكانها آثار فسطوات الحقائق لا تثبت لها ذرّة من صفات الخلائق، هنالك الولاية لله.. سقط الماء والقطرة، وطاحت الرسوم والجملة «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2691>[سورة الروم (٣٠): آية ٥١]</span>\nوَلَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ (٥١)\nإذا انسدّت البصيرة عن الإدراك دام العمى على عموم الأوقات.. كذلك من حقّت عليهم الشقاوة جرّته إلى نفسها- وإن تبوّأ الجنة منزلا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2692>[سورة الروم (٣٠): الآيات ٥٢ الى ٥٣]</span>\nفَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٥٢) وَما أَنْتَ بِهادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٥٣)\nمن فقد الحياة الأصلية لم يعش بالرّقى والتمائم، وإذا كان في السريرة طرش عن سماع الحقيقة فسمع الظاهر لا يفيده آكد الحجّة. وكما لا يسمع «٢» الصّمّ الدعاء فكذلك لا يمكنه أن يهدى العمى عن ضلالتهم.\n_________\n(١) أي انتفت آثار البشرية، وصار العبد مستهلكا بالكلية.\n(٢) الفاعل ضمير مستتر تقديره «هو» يعود على الرسول صلوات الله عليه، فإن الخطاب في الآية الكريمة موجه إليه.","vol":"3","page":124},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2693>[سورة الروم (٣٠): آية ٥٤]</span>\nاللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (٥٤)\nأظهرهم على ضعف الصغر والطفولية «١» ثم بعده قوة الشباب ثم ضعف الشيب ثم:\nآخر الأمر ما ترى ... القبر واللحد والثرى\nكذلك في ابتداء أمرهم يظهرهم على وصف ضعف البداية في نعت التردد والحيرة في الطلب، ثم بعد قوة الوصل في ضعف التوحيد.\nويقال أولا ضعف العقل لأنه بشرط البرهان وتأمله، ثم قوة البيان في حال العرفان لأنه بسطوة الوجود ثم بعده ضعف الخمود لأن الخمود يتلو الوجود ولا يبقى معه أثر.\nويقال «خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ»: أي حال ضعف من حيث الحاجة ثم بعده قوة الوجود ثم بعده ضعف المسكنة، قال ﷺ: «أحينى مسكينا وأمتنى مسكينا واحشرنى فى زمرة المساكين» «٢» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2694>[سورة الروم (٣٠): الآيات ٥٥ الى ٦٠]</span>\nوَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ (٥٥) وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٥٦) فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٥٧) وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ (٥٨) كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (٥٩)\nفَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ (٦٠)\nإنما كان ذلك لأحد أمرين: إمّا لأنهم كانوا أمواتا.. والميت لا إحساس له، أو لأنهم عدّوا ما لقوا من عذاب القبر بالإضافة إلى ما يرون ذلك اليوم يسيرا. وإن أهل التحقيق يخبرونهم عن طول لبثهم تحت الأرض. وإن ذلك الذي يقولونه من جملة ما كانوا يظهرون من جحدهم على موجب جهلهم، ثم لا يسمع عذرهم، ولا يدفع ضرّهم.\n_________\n(١) الطفولية الطفولة.\n(٢) رواه الترمذي وابن ماجه عن أبى سعيد الخدري والحاكم، وقال صحيح الإسناد. ورواه الطبراني بسند رجال ثقات عن عبادة بن الصامت. وادعى ابن الجوزي وابن تيمية أنه موضوع، وأبطل ذلك الحافظ بن حجر.","vol":"3","page":125},{"text":"وأخبر بعد هذا في آخر السورة عن إصرارهم وانهما كهم في غيّهم، وأن ذلك نصيبهم من القسمة إلى آخر أعمارهم.\nثم ختم السورة بأمر الرسول ﵊ باصطباره على مقاساة مسارهم ومضارهم.\n«فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ» .","vol":"3","page":126},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2695>السورة التي يذكر فيها لقمان</span>\nقوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» «بِسْمِ اللَّهِ» كلمة من سمعها أقرّ أنّه لا يسمع مثلها، ومن عرفها أنف أن يسمع غيرها. كلمة من سمعها طابت قصّته، وزالت بكل وجه غصّته، وتمّت من النّعم في الدنيا والعقبى حصّته، وزهد في دنياه من غير رغبة في عقباه لأنّها- وإن جلّت- غير مولاه «١» كلمة من سمعها لم يرغب في عمارة فنائه، ولم يتحشم «٢» سرعة وفائه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2696>[سورة لقمان (٣١): الآيات ١ الى ٢]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالم (١) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ (٢)\nالألف تشير إلى آلائه، واللام تشير إلى لطفه وعطائه، والميم تشير إلى مجده وسنائه فبآلائه يرفع الجحد عن قلوب أوليائه، وبلطفه وعطائه يثبت المحبة في أسرار أصفيائه، وبمجده وسنائه مستغن عن جميع خلقه بوصف كبريائه.\n«تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ»: المحروس عن التغيير والتبديل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2697>[سورة لقمان (٣١): الآيات ٣ الى ٤]</span>\nهُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (٣) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤)\nهو هدى وبيان، ورحمة وبرهان للمحسنين العارفين بالله، والمقيمين عبادة الله كأنهم\n_________\n(١) فالحب الخالص منتف عن الغيرية.\n(٢) لم يتحشم أي: لم يتجنب","vol":"3","page":127},{"text":"ينظرون إلى الله. وشرط المحسن أن يكون محسنا إلى عباد الله: دانيهم وقاصيهم، ومطيعهم وعاصيهم.\n«الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ»: يأتون بشرائطها في الظاهر من ستر العورة، وتقديم الطهارة، واستقبال القبلة، والعلم بدخول الوقت، والوقوف في مكان طاهر.\nوفي الباطن يأتون بشرائطها من طهارة السّرّ عن العلائق، وستر عورة الباطن بتنقيته عن العيوب، لأنها مهما تكن فالله يراها فإذا أردت ألا يرى الله عيوبك فاحذرها حتى لا تكون. والوقوف في مكان طاهر، وهو وقوف القلب على الحدّ الذي أذنت في الوقوف فيه مما لا تكون دعوى بلا تحقيق، ورحم الله من وقف عند حدّه. والمعرفة بدخول الوقت فتعلم وقت التذلّل والاستكانة، وتميز بينه وبين وقت السرور والبسط، وتستقبل القبلة بنفسك، وتعلّق قلبك بالله من غير تخصيص بقطر أو مكان.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2698>[سورة لقمان (٣١): آية ٥]</span>\nأُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)\nالذين يقومون بشرط صلاتهم وحقّ آداب عبادتهم هم الذين اهتدوا فى الدنيا والعقبى فسلموا ونجوا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2699>[سورة لقمان (٣١): آية ٦]</span>\nوَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَها هُزُوًا أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (٦)\n«لَهْوَ الْحَدِيثِ»: ما يشغل عن ذكر الله «١»، ويحجب عن الله سماعه. ويقال: هو لغو الظاهر الموجب سهو الضمائر، وهو ما يكون خوضا في الباطل، وأخذا بما لا يعنيك.\n_________\n(١) اعتاد كثير من المفسرين أن يفسروا اللهو هنا (بالغناء)، لأجل هذا نلفت النظر إلى عدم صرف القشيري المعنى في هذا الاتجاه، لأننا نعلم من مذهبه أنه لا يرى بأسا في سماع الغناء ولكن بشرط أن يحرك الوجدان نحو غاية سامية في السماع، وألا يبعث فيها الهوى والمجون، وألا يكون مصحوبا بشىء محرّم. (أنظر كتابنا: الإمام القشيري ونزعته في التصوف) ط مؤسسة الحلبي. [.....]","vol":"3","page":128},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2700>[سورة لقمان (٣١): آية ٧]</span>\nوَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٧)\nالمفترق بهمّه، والمتشتّت بقلبه لا تزيده كثرة الوعظ إلا نفورا ونبوّا فسماعه كلا سماع، ووعظه هباء وضياع، كما قيل:\nإذا أنا عاتبت الملول فإنما ... أخطّ بأقلامى على الماء أحرفا\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2701>[سورة لقمان (٣١): الآيات ٨ الى ٩]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (٨) خالِدِينَ فِيها وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩)\n«آمَنُوا»: صدّقوا «وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ»: تحقّقوا فاتصاف تحقيقهم راجع إلى تصديقهم، فنجوا وسلموا فهم في راحاتهم مقيمون، دائمون لا يبرحون.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2702>[سورة لقمان (٣١): آية ١٠]</span>\nخَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دابَّةٍ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (١٠)\nأمسك السماوات بقدرته بغير عماد، وحفظها لا إلى سناد أو مشدودة إلى أوتاد، بل بحكم الله وبتقديره، ومشيئته وتدبيره.\n«وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ..» فى الظاهر الجبال، وفي الحقيقة الأبدال والأوتاد الذين هم غياث الخلق، بهم يقيهم، وبهم يصرف البلاء عن قريبهم وقاصيهم.\n«وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً..» المطر من سماء الظاهر في رياض الخضرة ومن سماء الباطن فى رياض أهل الدنوّ والحضرة.","vol":"3","page":129},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2703>[سورة لقمان (٣١): آية ١١]</span>\nهذا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (١١)\nهذا خلق الله العزيز في كبريائه، فأرونى ماذا خلق الذين عبدتم من دونه في أرضه وسمائه؟\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2704>[سورة لقمان (٣١): آية ١٢]</span>\nوَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (١٢)\n«الْحِكْمَةَ» الإصابة في العقل والعقد والنطق. ويقال «الْحِكْمَةَ» متابعة الطريق من حيث توفيق الحق لا من حيث همة النفس. ويقال «الْحِكْمَةَ» ألا تكون تحت سلطان الهوى.\nويقال «الْحِكْمَةَ» الكون بحكم من له الحكم. ويقال «الْحِكْمَةَ» معرفة قدر نفسك حتى لا تمدّ رجليك خارجا عن كسائك. ويقال «الْحِكْمَةَ» ألا تستعصى على من تعلم أنك لا تقاومه.\n«أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ»: حقيقة الشكر انفراج عين القلب بشهود ملاطفات الرّبّ. فهو مقلوب قولهم: كشرت عن أنيابها الداية فيقال شكر وكشر مثل جذب وجبذ.\nويقال الشكر تحققك بعجزك عن شكره. ويقال الشكر ما به يحصل كمال استلذاذ النعمة.\nويقال الشكر فضلة تظهر على اللسان من امتلاء القلب بالسرور فينطلق بمدح المشكور.\nويقال الشكر نعت كلّ غنىّ كما أن الكفران وصف كلّ لئيم. ويقال الشكر قرع باب الزيادة «١» . ويقال الشكر قيد الإنعام. ويقال الشكر قصة يميلها صميم الفؤاد بنشر صحيفة الأفضال.\n«وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ» «٢»: لأنه في صلاحها ونصيبها يسعى.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2705>[سورة لقمان (٣١): آية ١٣]</span>\nوَإِذْ قالَ لُقْمانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣) .\n_________\n(١) إشارة إلى قوله تعالى «لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ» آية ٧ سورة ابراهيم.\n(٢) آية ٤٠ سورة النمل.","vol":"3","page":130},{"text":"الشّرك على ضربين: جلىّ وخفيّ فالجلىّ عبادة الأصنام، والخفىّ حسبان شىء من الحدثان من الأنام. ويقال الشّرك إثبات غير مع شهود الغيب. ويقال الشرك ظلم على القلب، والمعاصي ظلم على النفس، وظلم النفوس معرّض للغفران، ولكنّ ظلم القلوب لا سبيل إليه للغفران.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2706>[سورة لقمان (٣١): آية ١٤]</span>\nوَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلى وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤)\nأوجب الله شكر نفسه وشكر الوالدين. ولما حصل الإجماع على أن شكر الوالدين بدوام طاعتهما، وألا يكتفى فيه بمجرد النطق بالثناء عليهما علم أنّ شكر الحقّ لا يكفى فيه مجرّد القول ما لم تكن فيه موافقه العقل وذلك بالتزام الطاعة، واستعمال النعمة في وجه الطاعة دون صرفها في الزّلّة فشكر الحقّ بالتعظيم والتكبير، وشكر الوالدين بالإنفاق والتوفير.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2707>[سورة لقمان (٣١): آية ١٥]</span>\nوَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٥)\nإن جاهداك على أن تشرك بالله، أو تسعى بما هو زلة في أمر الله- فلا تطعهما، ولكن عاشرهما بالجميل تخشين في تليين، فاجعل لهما ظاهرك فيما ليس فيه حرج، وانفرد بسرّك لله، «وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ»: وهو المنيب إليه حقا من غير أن تبقى بقية في النفس.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2708>[سورة لقمان (٣١): آية ١٦]</span>\nيا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦)","vol":"3","page":131},{"text":"إذا كانت ذرة أو أقل من ذلك وسبقت بها القسمة فلا محالة تصل إلى المقسوم له بغير مرية.. «إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ»: عالم بدقائق الأمور وخفاياها.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2709>[سورة لقمان (٣١): آية ١٧]</span>\nيا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٧)\nالأمر بالمعروف يكون بالقول، وأبلغه أن يكون بامتناعك بنفسك عما تنهى عنه، واشتغالك واتصافك بنفسك بما تأمر به غيرك، ومن لا حكم له على نفسه لا ينفذ حكمه على غيره.\nوالمعروف الذي يجب الأمر به هو ما يوصّل العبد إلى الله، والمنكر الذي يجب النهى عنه هو ما يشغل العبد عن الله.\n«وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ» تنبيه على أنّ من قام لله بحقّ امتحن في الله فسبيله أن يصبر لله- فإنّ من صبر لله لا يخسر على الله.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2710>[سورة لقمان (٣١): آية ١٨]</span>\nوَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ (١٨)\nيعنى لا تتكبر على الناس، وطالعهم من حيث النسبة والتحقق بأنك بمشهد من مولاك.\nومن علم أنّ مولاه ينظر إليه لا يتكبر ولا يتطاول بل يتخاضع ويتضاءل.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2711>[سورة لقمان (٣١): آية ١٩]</span>\nوَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (١٩)\nكن فانيا عن شواهدك، مصطلما عن صولتك، مأخوذا عن حولك وقوتك، منتشقا «١» مما استولى عليك من كشوفات سرّك.\n_________\n(١) (انتشق) الماء وغيره: جذب منه بالنّفس في أنفه، ورجل نشق إذا دخل في أمر لا يكاد يخلص منه (الوسيط) .","vol":"3","page":132},{"text":"وانظر من الذي يسمع صوتك حتى تستفيق من خمار غفلتك «إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ»: فى الإشارة هو الذي يتكلم في لسان المعرفة من غير إذن من الحقّ. وقالوا:\nإنه الصوفيّ يتكلم قبل أوانه.\nويقال إنما ينهق الحمار عند رؤية الشيطان فلذلك كان صوته أنكر الأصوات.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2712>[سورة لقمان (٣١): آية ٢٠]</span>\nأَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ (٢٠)\nأثبت في كل شىء منها نفعا لكم، فالسماء لتكون لكم سقفا، والأرض لتكون لكم فراشا، والشمس لتكون لكم سراجا، والقمر لتعلموا به عدد السنين والحساب، والنجوم لتهتدوا بها.\n«وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً»: الإسباغ ما يفضل عن قدرة الحاجة ولا تحتاج معه إلى الزيادة.\nقوله: «نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً»: تكلموا فيه فأكثروا. فالظاهرة وجود النعمة، والباطنة شهود المنعم. والظاهرة الدنيوية، والباطنة الدينية. والظاهرة حسن الخلق، والباطنة حسن الخلق. الظاهرة نفس بلا زلّة، والباطنة قلب بلا غفلة. الظاهرة العطاء، والباطنة الرضاء. الظاهرة في الأموال ونمائها، والباطنة في الأحوال وصفائها. الظاهرة النعمة، والباطنة العصمة. الظاهرة توفيق الطاعات، والباطنة قبولها. الظاهرة تسوية الخلق، والباطنة تصفية الخلق. الظاهرة صحبة الصالحين، والباطنة حفظ حرمتهم. الظاهرة الزهد في الدنيا، والباطنة الاكتفاء بالمولى من الدنيا والعقبى «١» . الظاهرة الزهد، والباطنة الوجد. الظاهرة توفيق\n_________\n(١) هذه أعلى درجات الزهد، وهي تهمنا ونحن نؤرخ للتطور التأريخي الذي حدث عند ما تطور الزهد إلى تصوف (أنظر كتابنا نشأة التصوف الإسلامى (ط دار المعارف) .","vol":"3","page":133},{"text":"المجاهدة والباطنة تحقيق المشاهدة. الظاهرة وظائف النّفس، والباطنة لطائف القلب. الظاهرة اشتغالك بنفسك عن الخلق، والباطنة اشتغالك بربّك عن نفسك. الظاهرة طلبه، الباطنة وجوده «١» . الظاهرة أن تصل إليه، الباطنة أن تبقى معه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2713>[سورة لقمان (٣١): الآيات ٢١ الى ٢٣]</span>\nوَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ (٢١) وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى وَإِلَى اللَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ (٢٢) وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٢٣)\nلم يتخطوا منهم ولا من أمثالهم، ولم يهتدوا إلى محوّل أحوالهم. فأمّا من سمت نفسه، وخلص في الله قصده فقد استمسك بالعروة الوثقى، وسلك المحجّة المثلى: - «وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى وَإِلَى اللَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ» وعلى العكس: - «وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ» .\nإلينا إيابهم، ومنّا عذابهم، وعلينا حسابهم. ولئن سألتهم عن خالقهم لأقرّوا، ولكن إذا عادوا إلى غيّهم نقضوا وأصروا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2714>[سورة لقمان (٣١): آية ٢٦]</span>\nلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٦)\nلله ما في السماوات والأرض ملكا، ويحرى فيهم حكمه حقّا، وإليه مرجعهم حتما.\n_________\n(١) الوجود مرحلة تأتى بعد التواجد والوجد.","vol":"3","page":134},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2715>[سورة لقمان (٣١): آية ٢٧]</span>\nوَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧)\nلو أنّ ما في الأرض من الأشجار أقلام والبحار كانت مدادا، وبمقدار ما يقابله تنفق القراطيس، ويتكلّف الكتّاب حتى تتكسر الأقلام، وتفنى البحار، وتستوفى القراطيس، وتفنى أعمار الكتّاب.. ما نفدت معانى مالنا معك من الكلام، والذي نسمعك فيما نخاطبك به لأنك معنا أبد الأبد، والأبديّ من الوصف لا يتناهى.\nويقال إن كان لك معكم كلام كثير فما عندكم ينفذ وما عند الله باق:\nصحائف عندى للعتاب طويتها ستنشر يوما والعتاب يطول قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2716>[سورة لقمان (٣١): آية ٢٨]</span>\nما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٢٨)\nإيجاد القليل أو الكثير عليه وعنده سيّان فلا من الكثير مشقة وعسر، ولا من القليل راحة ويسر، إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له: «كُنْ فَيَكُونُ» «١» يقوله بكلمته ولكنه يكوّنه بقدرته، لا بمزاولة جهد، ولا باستفراغ وسع، ولا بدعاء خاطر، ولا بطروء غرض.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2717>[سورة لقمان (٣١): آية ٣٠]</span>\nذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْباطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٣٠)\n«اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ»: الكائن الموجود، محقّ الحقّ «٢»، وما يدعون من دونه الباطل:\nمن العدم ظهر ومعه جواز العدم «٣» .\n_________\n(١) آية ٨٢ سورة يس.\n(٢) فى ص جاء بعدها (وما يدعونه هو التلاوة) ويقول مجاهد، إنه الشيطان. ويقال: ما أشركوا به الله تعالى من الأصنام والأوثان..\n(٣) شغلت قضية (الحق والباطل) أصحاب وحدة الوجود. ورأى القشيري هنا يصلح عند المقارنة بين أرباب وحدة الشهود وأرباب وحدة الوجود في شأن هذين الاصطلاحين.","vol":"3","page":135},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2718>[سورة لقمان (٣١): آية ٣١]</span>\nأَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣١)\nفى الظاهر سلامتهم في السفينة، وفي الباطن سلامتهم من حدثان الكون، ونجاتهم في سفائن العصمة في بحار القدرة.\n«إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ» وقوف لا ينهزم من البلايا، شكور على ما يصيبه من تصاريف التقدير من جنسى البلايا والعطايا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2719>[سورة لقمان (٣١): آية ٣٢]</span>\nوَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ (٣٢)\nإذا تلاطمت عليهم أمواج بحار التقدير تمنوا أن تلفظهم تلك البحار إلى سواحل السلامة، فإذا جاد الحقّ بتحقيق مناهم عادوا إلى رأس خطاياهم:\nوكم قد جهلتم ثم عدنا بحلمنا ... أحباءنا: كم تجهلون ونحلم!\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2720>[سورة لقمان (٣١): آية ٣٣]</span>\nيا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٣٣)\nيخوّفهم مرة بأفعاله فيقول: «اتَّقُوا يَوْمًا»، ومرة بصفاته فيقول: «أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى» ومرة بذاته فيقول: «وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ» .","vol":"3","page":136},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2721>[سورة لقمان (٣١): آية ٣٤]</span>\nإِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَدًا وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)\nيتفرّد بعلم القيامة، ويعلم ما في الأرحام ذكورها وإناثها، شقيها وسعيدها، وحسنها وقبيحها ويعلم متى ينزّل الغيث، وكم قطرة ينزلها، وبأى بقعة يمطرها.\n«وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَدًا وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ» «١» .\nما تدرى نفس ماذا تكسب غدا من خير وشر، ووفاق وشقاق، وما تدرى نفس بأى أرض تموت أتدرك مرادها أم يفوت؟.\n_________\n(١) قال ابن عباس: هذه الخمسة لا يعلمها إلا الله تعالى، ولا يعلمها ملك مقرب ولا نبى مرسل.","vol":"3","page":137},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2722>سورة السّجدة</span>\nقوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» كلمة سماعها ربيع الجميع، من العاصي والمطيع، والشريف والوضيع. من أصغى إليها بسمع الخضوع ترك طيّب الهجوع، ومن أصغى إليها بسمع المحابّ ترك لذيذ الطعام والشراب.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2723>[سورة السجده (٣٢): الآيات ١ الى ٢]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢)\nالإشارة من الألف إلى أنه ألف المحبون قربتى فلا يصبرون عنى، وألف العارفون تمجيدى فلا يستأنسون بغيري.\nوالإشارة في اللام إلى لقائى المدّخر لأحبّائى، فلا أبالى أقاموا على ولائى أم قصّروا فى وفائى.\nوالإشارة في الميم: أي ترك أوليائى مرادهم لمرادى.. فلذلك آثرتهم على جميع عبادى.\n«تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ»: إذا تعذّر لقاء الأحباب فأعزّ شىء على الأحباب كتاب الأحباب أنزلت على أحبابى كتابى، وحملت إليهم الرسالة خطابى، ولا عليهم إن قرع أسماعهم عتابى، فهم في أمان من عذابى.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2724>[سورة السجده (٣٢): آية ٣]</span>\nأَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣)\nالذي لكم منا حقيقة، وإن التبس على الأعداء فليس يضيركم، ولا عليكم، فإنّ","vol":"3","page":138},{"text":"صحبة الجيب مع الحبيب ألذّها ما كان مقرونا بفقد الرقيب.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2725>[سورة السجده (٣٢): آية ٤]</span>\nاللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ (٤)\nوتلك الأيام خلقها من خلق غير الأيام، فليس من شرط المخلوق ولا من ضرورته أن يخلقه في وقت إذ الوقت مخلوق في غير الوقت «١» . وكما يستغنى في كونه مخلوقا عن الوقت استغنى الوقت عن الوقت.\n«ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ» ليس للعرش من هذا الحديث إلا هذا الخبر استوى على العرش ولكن القديم ليس له حدّ، استوى على العرش لكن لا يجوز عليه القرب بالذات ولا البعد، واستوى على العرش ولكنه أشدّ الأشياء تعطّشا إلى شظية من الوصال لو كان للعرش حياة؟، ولكنّ العرش جماد.. وأنّى يكون للجماد مراد؟! استوى على العرش لكنه صمد بلا ندّ، أحد بلا حدّ.\n«ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ»: إذا لم يرد بكم خيرا فلا سماء عنه تظلّكم، ولا أرض بغير رضاه تقلّكم، ولا بالجواهر أحد يناصركم، ولا أحد- إذا لم يعن بشأنكم في الدنيا والآخرة- ينظر إليكم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2726>[سورة السجده (٣٢): الآيات ٥ الى ٦]</span>\nيُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٥) ذلِكَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦)\nخاطب الخلق- على مقدار أفهامهم ويجوز لهم- عن الحقائق التي اعتادوا في تخاطبهم.\n«ذلِكَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ» «الْعَزِيزُ» مع المطيعين «الرَّحِيمُ» على العاصين.\n«الْعَزِيزُ» للمطيعين ليكسر صولتهم «الرَّحِيمُ» للعاصين ليرفع زلّتهم.\n_________\n(١) لأن الزمان سرمد لا يرتبط بالوقت ولا يقتطع به.","vol":"3","page":139},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2727>[سورة السجده (٣٢): الآيات ٧ الى ٨]</span>\nالَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ (٨)\nأحسن صورة كلّ أحد فالعرش ياقوتة حمراء، والملائكة أولو أجنحة مثنى وثلاث ورباع، وجبريل طاووس الملائكة، والحور العين- كما في الخبر- فى جمالها وأشكالها، والجنان- كما في الأخبار ونص القرآن. فإذا انتهى إلى الإنسان قال: «خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ. ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ» «١» .. كل هذا ولكن:\nوكم أبصرت من حسن ولكن ... عليك من الورى وقع اختياري\nخلق الإنسان من طين ولكن «يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ» «٢»، وخلق الإنسان من طين ولكن: «فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ» «٣»، وخلق الإنسان من طين ولكن «رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ» ! قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2728>[سورة السجده (٣٢): آية ١٠]</span>\nوَقالُوا أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ (١٠)\nلو كانت لهم ذرّة من العرفان، وشمّة من الاشتياق، ونسمة من المحبة لما تعصّبوا كلّ هذا التعصب في إنكار جواز الرجوع إلى الله ولكن قال: «بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2729>[سورة السجده (٣٢): آية ١١]</span>\nقُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١١)\nلولا غفلة قلوبهم وإلا لما أحال قبض أرواحهم على ملك الموت فإنّ ملك الموت لا أثر منه في أحد، ولا له تصرفات في نفسه، وما يحصل من التوفّى فمن خصائص قدرة\n_________\n(١) آية ٥٤ سورة المائدة.\n(٢) آية ١٥٢ سورة البقرة.\n(٣) آية ٨ سورة البينة.","vol":"3","page":140},{"text":"الحق. ولكنهم غفلوا عن شهود حقائق الربّ فخاطبهم على مقدار فهمهم، وعلّق بالأغيار قلوبهم، وكلّ يخاطب بما يحتمل على قدر قوّته وضعفه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2730>[سورة السجده (٣٢): آية ١٢]</span>\nوَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (١٢)\nملكتهم الدهشة وغلبتهم الخجلة، فاعتذروا حين لا عذر، واعترفوا ولا حين اعتراف.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2731>[سورة السجده (٣٢): آية ١٣]</span>\nوَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣)\nلو «١» شئنا لسهّلنا سبيل الاستدلال، وأدمنا التوفيق لكلّ أحد، ولكن تعلّقت المشيئة بإغواء قوم، كما تعلّقت بإدناء قوم، وأردنا أن يكون للنار قطّان، كما أردنا أن يكون للجنّة سكان، ولأنّا علمنا يوم خلقنا الجنّة أنه يسكنها قوم، ويوم خلقنا النار أنه ينزلها قوم، فمن المحال أن نريد ألا يقع معلومنا، ولو لم يحصل لم يكن علما، ولو لم يكن ذلك علما لم نكن إلها ... ومن المحال أن نريد ألا نكون إلها.\nويقال: من لم يتسلّط عليه من يحبه لم يجر في ملكه ما يكرهه.\nويقال: يا مسكين أفنيت عمرك في الكدّ والعناء، وأمضيت أيامك في الجهد والرجاء، غيّرت صفتك، وأكثرت مجاهدتك.. فما تفعل في قضائى كيف تبدّله؟ وما تصنع في مشيئتى بأيّ وسع تردّها؟ وفي معناه أنشدوا:\nشكا إليك ما وجد ... من خانه فيك الجلد\nحيران لو شئت اهتدى ... ظمان لو شئت ورد\n_________\n(١) هذه الإشارة المستوحاة من الآية تمثل أقصى درجات الجبرية في مذهب هذا الباحث الصوفي، ولكن القارئ لا يعزب عنه أن يجدها جبرية ممتزجة بالحب.. ويكفى أنها مرتبطة بمشيئة الخالق. [.....]","vol":"3","page":141},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2732>[سورة السجده (٣٢): آية ١٤]</span>\nفَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا إِنَّا نَسِيناكُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٤)\nقاس من الهوان ما استوجبته بعصيانك، واخلد في دار الخزي لما أسلفته من كفرانك.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2733>[سورة السجده (٣٢): آية ١٥]</span>\nإِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥)\nالتصديق والتكذيب ضدان- والضدان لا يجتمعان التكذيب هو جحود واستكبار، والتصديق هو سجود وتحقيق، فمن اتّصف بأحد القسمين امّحى عنه الثاني.\n«خَرُّوا سُجَّدًا»: سجدوا بظواهرهم في المحراب، وفي سرائرهم على تراب الخضوع وبساط الخشوع بنعت الذبول وحكم الخمود.\nويقال: كيف يستكبر من لا يجد كمال راحته ولا حقيقة أنسه إلا في تذلله بين يدى معبوده، ولا يؤثر آجل جحيمه على نعيمه، ولا شقاءه على شفائه؟! قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2734>[سورة السجده (٣٢): آية ١٦]</span>\nتَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦)\nفى الظاهر: عن الفراش قياما بحقّ العبادة والجهد والتهجد، وفي الباطن: تتباعد قلوبهم عن مضاجعات الأحوال، ورؤية قدّر النفس، وتوّهم المقام- فإن ذلك بجملته حجاب عن الحقيقة، وهو للعبد سمّ قاتل- فلا يساكنون أعمالهم ولا يلاحظون أحوالهم. ويفارقون مالفهم، ويهجرون في الله معارفهم.\nوالليل زمان الأحباب، قال تعالى: «لِتَسْكُنُوا فِيهِ»: يعنى عن كلّ شغل وحديث سوى حديث محبوبكم. والنهار زمان أهل الدنيا، قال تعالى: «وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشًا»، أولئك قال لهم: «فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ»:","vol":"3","page":142},{"text":"إذا ناجيتمونا في ركعتين في الجمعة فعودوا إلى متجركم، واشتغلوا بحرفتكم.\nوأما الأحباب فالليل لهم إمّا في طرب التلاقي وإما في حرب الفراق، فإن كانوا في أنس القربة فليلهم أقصر من لحظة، كما قالوا:\nزارنى من هويت بعد بعاد ... بوصال مجدّد ووداد\nليلة كاد يلتقى طرفاها ... قصرا وهى ليلة الميعاد\nوكما قالوا:\nوليلة زين ليالى الدهر ... قابلت فيها بدرها ببدر\nلم تستبن عن شقق وفجر ... حتى تولّت وهي بكر الدهر\nوأمّا إن كان الوقت وقت مقاساة فرقة وانفراد بكربة فليلهم طويل، كما قالوا:\nكم ليلة فيك لا صباح لها ... أفنيتها قابضا على كبدى\nقد غصّت العين بالدموع وقد ... وضعت خدى على بنان يدى\nقوله: «يدعون ربهم خوفا وطمعا»: قوم خوفا من العذاب وطمعا في الثواب، وآخرون خوفا من الفراق وطمعا في التلاقي، وآخرون خوفا من المكر وطمعا في الوصل.\n«وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ»: يأتون بالشاهد الذي خصصناهم به فإن طهّرنا أحوالهم عن الكدورات حضروا بأحوال مقدّسة، وإن دنّسّنا أوقاتهم بالآفات شهدوا بحالات مدنّسة، «وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ» فالعبد إنما يتجر في البضاعة التي يودعها لديه سيّده:\nيفديك بالروح صبّ لو يكون له ... أعزّ من روحه شىء فداك به\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2735>[سورة السجده (٣٢): آية ١٧]</span>\nفَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)","vol":"3","page":143},{"text":"إنما تقرّ عينك برؤية من تحبه، أو ما تحبه فطالب قلبك وراع حالك: فيحصل اليوم سرورك، وكذلك غدا.. وعلى ذلك تحشر ففى الخبر:\n«من كان بحالة لقى الله بها» .\nثم إنّ وصف ما قال الله سبحانه إنه لا يعلمه أحد- محال، اللهم أن يقال: إنها حال عزيزة، وصفة جليلة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2736>[سورة السجده (٣٢): آية ١٨]</span>\nأَفَمَنْ كانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كانَ فاسِقًا لا يَسْتَوُونَ (١٨)\n«١» أفمن كان في حال الوصال يجرّ أذياله كمن هو في مذلة الفراق يقاسى وباله؟\nأفمن كان في روح القربة ونسيم الزلفة كمن هو في هول العقوبة يعانى مشقة الكلفة؟\nأفمن هو في روح إقبالنا عليه كمن هو في محنة إعراضنا عنه؟\nأفمن بقي معنا كمن بقي عنّا؟\nأفمن هو في نهار العرفان وضياء الإحسان كمن هو في ليالى الكفران ووحشة العصيان؟\nأفمن أيّد بنور البرهان وطلعت عليه شموس العرفان كمن ربط بالخذلان ووسم بالحرمان؟ لا يستويان ولا يلتقيان! قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2737>[سورة السجده (٣٢): الآيات ١٩ الى ٢٠]</span>\nأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوى نُزُلًا بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٩) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النَّارُ كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠)\n«الَّذِينَ آمَنُوا»: صدّقوا، «وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ»: بما حققّوا- فلهم حسن الحال، وحميد المآل وجزيل المنال، وأما الذين كدّوا وجحدوا، وفي معاملاتهم أساءوا\n_________\n(١) عن ابن عباس: أن الوليد بن عقبة قال لعل بن أبى طالب: أنا أحدّ منك سنانا، وأبسط منك لسانا، وأملأ للكتيبة منك، فقال عليّ: اسكت فإنما أنت فاسق ... فنزلت الآية (الواحدي ص ٢٣٦) .","vol":"3","page":144},{"text":"وأفسدوا، فقصاراهم الخزي والهوان، وفنون من المحن وألوان ... كلما راموا من محنتهم خلاصا ازدادوا فيها انتكاسا، وكلما أمّلوا نجاة جرّعوا وزيدوا يأسا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2738>[سورة السجده (٣٢): آية ٢١]</span>\nوَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢١)\nقوم عذابهم الأدنى محن الدنيا، والعذاب الأكبر لهم عقوبة العنبي.\nوقوم العذاب الأدنى لهم فترة تتداخلهم في عبادتهم، والعذاب الأكبر لهم قسوة في قلوبهم تصيبهم.\nوقوم العذاب الأدنى لهم وقفة في سلوكهم تنيبهم، والعذاب الأكبر لهم حجبة عن مشاهدهم تنالهم، قال قائلهم:\nأدّبتنى بانصراف قلبك عنّى ... فانظر إليّ فقد أحسنت تأديبى «١»\nويقال العذاب الأدنى الخذلان في الزلة، والأكبر الهجران في الوصلة.\nويقال العذاب الأدنى تكدّر مشاربهم بعد صفوها، كما قالوا:\nلقد كان ما بينى زمانا وبينه ... كما بين ريح المسك والعنبر الورد\nويقال العذاب الأكبر لهم تطاول أيام الغياب من غير تبين آخر لها، كما قيل:\nتطاول نأينا يا نور حتى ... كأن نسجت عليه العنكبوت\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2739>[سورة السجده (٣٢): آية ٢٢]</span>\nوَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْها إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (٢٢)\nإذا نبّه العبد بأنواع الزّجر، وحرّك- لتركه حدود الوقاق- بصنوف من التأديب\n_________\n(١) الشطر الأول غير موزون، والشطر الثاني من البسيط.","vol":"3","page":145},{"text":"ثم لم يرتدع عن فعله، واغترّ بطول سلامته، وأمن من هواجم مكره، وخفايا سرّه..\nأخذه بغتة بحيث لا يجد خرجة من أخذته، قال تعالى: «لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنْصَرُونَ» «١» قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2740>[سورة السجده (٣٢): آية ٢٣]</span>\nوَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِهِ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ (٢٣)\nفلا تكن في مرية من لقائه غدا لنا ورؤيته لنا «٢» .\n«وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ»:\nوهذا محمد ﷺ جعل رحمة للعالمين.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2741>[سورة السجده (٣٢): آية ٢٤]</span>\nوَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ (٢٤)\nلمّا صبروا على طلبنا سعدوا بوجودنا، وتعدّى مانالوا من أفضالنا إلى متبعيهم، وانبسط شعاع شموسهم على جميع أهلهم فهم للخلق هداة، وفي الدين عيون، وللمسترشدين نجوم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2742>[سورة السجده (٣٢): آية ٢٥]</span>\nإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٢٥)\nيحكم بينهم، وعند ذلك يتبين المردود من المقبول، والمهجور من الموصول، والرضى من\n_________\n(١) آية ٦٥ سورة المؤمنون.\n(٢) صرف القشيري الرؤية واللقاء إلى موسى ﵇، وأنه سيلقى ربه ويراه. بينما يرى قتادة أن المقصود:\nفلا تكن في شك من لقاء موسى في القيامة وستلقاه- أي محمد- فيها، كما لقيته ليلة الإسراء. وعن الحسن: فلا تكن- يا محمد- فى شك من أنك ستلقى ما لقيه من التكذيب والأذى، فالهاء عائدة على محذوف.\nوقيل إن الكلام متصل بقوله تعالى: قل يتوفاكم ملك الموت» ... فلا تكن في مرية من لقائه، وجاءت «ولقد آتينا موسى» اعتراضا.","vol":"3","page":146},{"text":"الغوي، والعدو من الوليّ ... فكم من بهجة دامت هنالك! وكم من مهجة ذابت عند ذلك! قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2743>[سورة السجده (٣٢): آية ٢٦]</span>\nأَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ أَفَلا يَسْمَعُونَ (٢٦)\nأو لم يعتبروا بمنازل أقوام كانوا في حبرة فصاروا عبرة، كانوا في سرور فآلوا إلى ثبور فجميع ديارهم ومزارهم صارت لأغيارهم، وصنوف أموالهم عادت إلى أشكالهم، سكنوا فى ظلالهم ولم يعتبروا بمن مضى من أمثالهم، وكما قيل:\nنعمة كانت على قو ... م زمانا تم بانت\nهكذا النعمة والإح ... سان مذ كان وكانت\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2744>[سورة السجده (٣٢): آية ٢٧]</span>\nأَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ (٢٧)\n«١» الإشارة فيه: تسقى حدائق وصلهم بعد جفاف عودها، وزوال المأنوس من معهودها، فيعود عودها مورقا بعد ذبوله، حاكيا بحاله حال حصوله.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2745>[سورة السجده (٣٢): الآيات ٢٨ الى ٢٩]</span>\nوَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٨) قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٢٩) .\n_________\n(١) يقول الزمخشري (الجرز) الأرض التي جزر نباتها أي قطع، إما لعدم الماء وإما لأنه رعى وأزيل، ولا يقال التي لا تنبت كالسباخ جرز، ويدل عليه قوله تعالى «فنخرج به زرعا» .\nوقال عكرمة: هى الأرض الظمأى.\nويحاول بعضهم أن يطلقها على مكان بعينه (ابن عباس: أرض باليمن) ومجاهد: (أرض النيل) .","vol":"3","page":147},{"text":"استبعدوا يوم التلاقي وجحدوه، فأخبرهم أنه ليس لهم إلا الحسرة والمحنة إذا شهدوه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2746>[سورة السجده (٣٢): آية ٣٠]</span>\nفَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ (٣٠)\nأعرض عنهم باشتغالك بنا، وإقبالك علينا، وانقطاعك إلينا.\n«وَانْتَظِرْ» زوائد وصلنا، وعوائد لطفنا.\n«إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ» هواجم مقتنا وخفايا مكرنا.. وعن قريب يجد كلّ منتظره محتضرا.","vol":"3","page":148},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2747>سورة الأحزاب</span>\nقوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» بسم الله شهود وجوده يوجب لك تلفا في تلف، ووجود جوده يوجب لك شرفا فى شرف، ففى تلفك يكون (هو) «١» عنك الخلف، وفي شرفك تصل إلى كلّ لطف.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2748>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nيا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١)\nيا أيها المشرّف حالا، المفخّم قدرا منّا، المعلّى رتبة من قبلنا.. يا أيها المرقّى إلى أعلى الرّتب بأسنى القرب.. يا أيها المخبّر عنا، المأمون على أسرارنا، المبلّغ خطابنا إلى أحبابنا ...\nاتق الله أن تلاحظ غيرا معنا، أو تساكن شيئا من دوننا، أو تثبت أحدا سوانا، أو تتوهّم شظية من الحدثان من سوانا. «وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ» إشفاقا منك عليهم، وطمعا في إيمانهم بنا لو وافقتهم في شىء أرادوه منك «٢» .\nوالتقوى رقيب على قلوب أوليائه يمنعهم في أنفاسهم، وسكناتهم، وحركاتهم أن ينظروا إلى غيره- أو يثبتوا معه غيره- إلا منصوبا لقدرته، مصرّفا بمشيئته، نافذا فيه حكم قضيته.\n_________\n(١) وضعنا (هو) من عندنا ليتضح المعنى كما نفهم من أسلوب القشيري في مثل هذا المجال.\n(٢) يقال نزلت هذه الآية حينما دخل أبو سفيان وأبو جهل وأبو الأعور السلمى على النبي (ص) بعد قتال أحد، وطلبوا الأمان، وقالوا للرسول: «أرفض ذكر آلهتنا، وقل إن لها شفاعة ومنعة وندعك وربك» فشق على النبي (ص) قولهم، فقال عمر بن الخطاب- وكان بصحبة النبي: ائذن لى يا رسول الله في قتلهم، فقال النبي: إنى قد أعطيتهم الأمان ... وأمر بإخراجهم من المدينة. (الواحدي ص ٣٦) .","vol":"3","page":149},{"text":"التقوى لجام يكبحك عمّا لا يجوز، زمام يقودك إلى ما تحب، سوط يسوقك إلى ما أمرت به، شاخص يحملك على القيام بحقّ الله، حرز يعصمك من توصل أعدائك إليك، عوذة تشفيك من داء الخطأ.\nالتقوى وسيلة إلى ساحات كرمه، ذريعة تتوسل بها إلى عقوة جوده.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2749>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٢]</span>\nوَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٢)\nاتبع ولا تبتدع، واقتد بما نأمرك به، ولا تهتد باختيارك غير ما نختار لك، ولا تعرّج في أوطان الكسل، ولا تجنحّ إلى ناحية التواني، وكن لنا لا لك، وقم بنا لا بك.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2750>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٣]</span>\nوَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٣)\nانسلخ عن إمابك، واصدق في إيابك إلينا، وتشاغل عن حسبانك معنا، واحذر ذهابك عنا، ولا تقصّر في خطابك معنا.\nويقال التوكل تحقّق ثم تخلّق ثم توثق ثم تملق تحقق في العقيدة، وتخلق بإقامة الشريعة، وتوثق بالمقسوم من القضية، وتملّق بين يديه بحسن العبودية.\nويقال التوكل تحقّق وتعلق وتخلق: تحقّق بالله وتعلّق بالله ثم تخلق بأوامر الله.\nويقال التوكل استواء القلب في العدم والوجود.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2751>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٤]</span>\nما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللاَّئِي تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤)\nالقلب إذا اشتغل بشىء شغل عما سواه، فالمشتغل بما من العدم منفصل عمن له القدم، وللتصل بقلبه بمن نعته القدم مشتغل عمّا من العدم.. والليل والنهار لا يجتمعان، والغيب والغير لا يلتقيان.\n«وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللَّائِي تُظاهِرُونَ","vol":"3","page":150},{"text":"مِنْهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ» .\nاللائي تظاهرتم «١» منهن لسن أمهاتكم، والذين تبنيتم ليسوا بأبنائكم، وإن الذي صرتم إليه من افترائكم، وما نسبتم إلينا من آرائكم فذلك مردود عليكم، غير مقبول منكم، وإن أمسكتم عنه بعد البيان نجوتم، وإن تماديتم بعد ما أعلمتم أطلت المحنة عليكم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2752>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٥]</span>\nادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥)\nراعوا أنسابهم، فإن أردتم غير النسبة فالأخوّة في الدّين تجمعكم، وقرابة الدّين والشكلية أولى من قرابة النّسب، كما قالوا:\nوقالوا قريب من أب وعمومة ... فقلت: وإخوان الصفاء الأقارب\nنناسبهم شكلا وعلما وألفة ... وإن باعدتهم في الأصول المناسب\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2753>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٦]</span>\nالنَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ إِلاَّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفًا كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُورًا (٦)\n_________\n(١) يعنى أن يقول الرجل لامرأته: أنت عليّ كظهر أمي، وسيأتى تفصيل ذلك في سورة المجادلة (المجلد الثالث.)","vol":"3","page":151},{"text":"الإشارة من هذا: تقديم سنته على هواك، والوقوف عند إشارته دون ما يتعلق به مناك، وإيثار من تتوسل به سببا ونسبا على أعزّتك ومن والاك.\n«وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ»:\nليكن الأجانب منك على جانب، ولتكن صلتك بالأقارب. وصلة الرحم ليست بمقاربة الديار وتعاقب المزار، ولكن بموافقة القلوب، والمساعدة في حالتى المكروه والمحبوب:\nأرواحنا في مكان واحد وغدت ... أشباحنا بشام «١» أو خراسان\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2754>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٧]</span>\nوَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقًا غَلِيظًا (٧)\nأخذ ميثاق النبيين وقت استخراج الذرية من صلب آدم- فهو الميثاق الأول، وكذلك ميثاق الكلّ. ثم عند بعث كلّ رسول ونبوّة كلّ نبيّ أخذ ميثاقه، وذلك على لسان جبريل ﵇، وقد استخلص الله سبحانه نبيّنا ﵇، فأسمعه كلامه- بلا واسطة- ليلة المعراج. وكذلك موسى ﵇- أخذ الميثاق منه بلا واسطة ولكن كان لنبيناﷺ- زيادة حال فقد كان له مع سماع الخطاب كشف الرؤية «٢» .\nثم أخذ المواثيق من العبّاد بقلوبهم وأسرارهم بما يخصهم من خطابه، فلكلّ من الأنبياء والأولياء والأكابر على ما يؤهلهم له، قال ﷺ «لقد كان في الأمم\n_________\n(١) هكذا في ص وهي في م (بعراق)\n(٢) فى كتاب الرؤية الكبير يرى الأشعري جواز ذلك، أما القشيري: فبينما يشير هنا إلى ذلك إذ به كما سيأتى فى بسملة سورة البروج يقول: «بسم الله اسم لم يره بصر إلّا واحد، وهو أيضا مختلف فيه» المجلد الثالث","vol":"3","page":152},{"text":"محدّثون فإن يكن في أمتى فعمر» وغير عمر مشارك لعمر في خواص كثيرة، وذلك شىء يتمّ بينهم وبين ربّهم.\nقوله جلّ ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2755>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٨]</span>\nلِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا أَلِيمًا (٨)\nيسألهم سؤال تشريف لا سؤال تعنيف، وسؤال إيجاب لا سؤال عتاب. والصدق ألّا يكون في أحوالك شوب ولا في اعتقادك ريب، ولا في أعمالك عيب. ويقال من أمارات الصدق في المعاملة وجود الإخلاص من غير ملاحظة مخلوق. والصدق في الأحوال تصفيتها من غير مداخلة إعجاب.\nوالصدق في الأقوال سلامتها من المعاريض فيما بينك وبين نفسك، وفيما بينك وبين الناس التباعد عن التلبيس، وفيما بينك وبين الله بإدامة التبرّى من الحول والقوة، ومواصلة الاستعانة «١»، وحفظ العهود معه على الدوام.\nوالصدق في التوكل عدم الانزعاج عند الفقد، وزوال الاستبشار بالوجود «٢» .\nوالصدق في الأمر بالمعروف التحرّز من قليل المداهنة وكثيرها، وألا تترك ذلك لفزع أو لطمع، وأن تشرب مما تسفى، وتتصف بما تأمر، وتنهى (نفسك) «٣» عما تزجر.\nويقال الصدق أن يهتدى إليك كلّ أحد، ويكون عليك فيما تقول وتظهر اعتماد. ويقال الصدق ألا تجنح إلى التأويلات «٤» .\n_________\n(١) هكذا في ص وهي في م (الاستغاثة) وكلاهما مقبول في السياق.\n(٢) هكذا في ص وم وربما كلتت (الموجود) إذ نحسب أن مقصد القشيري أن تكون راضيا إذا فقدت أو وجدت، وفي ذلك يقول عبد الله بن خفيف: القناعة ترك التشوف إلى المفقود والاستغناء (بالموجود) الرسالة ص ٨١ والشاكر الذي يشكر على (الموجود) والشكور الذي يشكر على المفقود (الرسالة ص ٨٩) . ومع ذلك فقد وردت (الوجود) فى قول النوري: الصوفي نعته السكون عند العدم والإيثار عند الوجود ... فالوجود بهذا المعنى ضد العدم أي وجود الأشياء وفقدانها. ولكننا نفضل أن يقتصر اصطلاح (الوجود) على الدرجة القصوى بعد التواجد والوجد، وهو للحق. (الرسالة ص ٣٦ و٣٧) وأنظر أيضا تفسير القشيري للآية ٣٩ سورة سبأ (فى هذا المجلد)\n(٣) وضعنا (نفسك) من عندنا ليتضح المعنى.\n(٤) معروف أن القشيري يكره التأويلات المؤدية إلى الاسترخاص بالنسبة للصوفية. [.....]","vol":"3","page":153},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2756>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٩]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْها وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٩)\nذكر نعمة الله مقابلتها بالشكر، ولو تذكرت ما دفع عنك فيما سلف لهانت عليك مقاساة البلاء في الحال، ولو تذكرت ما أولاك في الماضي لقربت من قلبك الثقة في إيصال ما تؤمّله في المستقبل.\nومن جملة ما ذكّرهم به: «١» «إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ ...» كم بلاء صرفه عن العبد وهو لم يشعر! وكم شغل كان يقصده فصدّه عنه ولم يعلم! وكم أمر عوّقه والعبد يضجّ وهو-- (سبحانه) - يعلم أن في تيسيره له هلاك العبد فمنعه منه رحمة به، والعبد يتّهم ويضيق صدره بذلك! قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2757>[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ١٠ الى ١١]</span>\nإِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيدًا (١١)\nأحاط بهم سرادق البلاء، وأحدق بهم عسكر العدوّ، واستسلموا للاجتياح، وبلغت القلوب الحناجر، وتقسّمت الظنون، وداخلتهم كوامن الارتياب، وبدا في سويدائهم جولان الشكّ.\n«هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيدًا» ثم أزال عنهم جملتها، وقشع عنهم شدّتها، فانجاب عنهم سحابها، وتفرّقت عن قلوبهم همومها، وتفجّرت ينابيع سكينتهم.\n_________\n(١) يوضح القشيري هنا ما يسمى عنده (نعم المنع) وهي صنف آخر يختلف عن (نعم المنح)، والعبد- لقصر نظره- يشكر على هذه، وتخفى عليه تلك.","vol":"3","page":154},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2758>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ١٢]</span>\nوَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُورًا (١٢)\nصرّحوا بالتكذيب- لما انطوت عليه قلوبهم- حين وجدوا للمقال مجالا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2759>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ١٣]</span>\nوَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرارًا (١٣)\nتواصوا فيما بينهم بالفرار عند ما سوّلت لهم شياطينهم من وشك ظفر الأعداء. قوله:\n«وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ ...»: يتعلّلون «١» بانكشاف بيوتهم وضياع مخلّفاتهم، ويكذبون فيما أظهروه عذرا، وهم لم يحملهم على فعلهم غير جبنهم وقلة يقينهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2760>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ١٥]</span>\nوَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ وَكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُلًا (١٥)\nولكن لما عزم الأمر، وظهر الجدّ لم يساعدهم الصدق، ولم يذكروا أنهم سيسألون عن عهدهم، ويعاقبون على ما أسلفوه من ذنبهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2761>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ١٦]</span>\nقُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لا تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلًا (١٦)\nلأنّ الآجال لا تأخير لها ولا تقديم عليها، وكما قالوا: «إنّ الهارب عمّا هو كائن في كفّ الطالب يتقلب» .\n«وَإِذًا لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا»: فإنّ ما يدّخره العبد عن الله من مال أو جاه أو نفيس أو قريب لا يبارك له فيه، ولا يجد به منعة، ولا يرزق منة غبطة.\n_________\n(١) يغمز القشيري هنا- من بعيد- بالمتعللين في الطريق بعلل الاسترخاص ودعاوى النفس.","vol":"3","page":155},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2762>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ١٧]</span>\nقُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا (١٧)\nمن الذي يحقق لكم من دونه مرجوّا؟ ومن الذي يصرف عنكم دونه عدوّا؟.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2763>[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ١٨ الى ١٩]</span>\nقَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلاَّ قَلِيلًا (١٨) أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (١٩)\nهم الذين كانوا يمتنعون بأنفسهم عن نصرة النبي ﵇، ويمنعون غيرهم ليكون جمعهم أكثر وكيدهم أخفى، وهم لا يعلمون أنّ الله يطلع رسوله ﵇ عليهم ثم ذكر وصفهم فقال: - «أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ» إذا جاء الخوف طاشت من الرعب عقولهم، وطاحت بصائرهم، وتعطلت عن النصرة جميع أعضائهم. وإذا ذهب الخوف زيّنوا كلامهم، وقدّموا خداعهم، واحتالوا في أحقاد خستهم ... أولئك هذه صفاتهم لم يباشر الإيمان قلوبهم، ولا صدقوا فيما أظهروا من ادعائهم واستسلامهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2764>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٢٠]</span>\nيَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ ما قاتَلُوا إِلاَّ قَلِيلًا (٢٠)\nيحسبون الأحزاب لم يذهبوا، ويخافون من عودهم، ويفزعون من ظلّ أنفسهم","vol":"3","page":156},{"text":"إذا وقعوا على آثارهم، ولو اتفق هجوم الأعداء عليكم ما كانوا إلا في حرز سيوفهم ودرية «١» رماحهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2765>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٢١]</span>\nلَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)\n«كانَ» صلة ومعناها: لكم في رسول الله أسوة حسنة، به قدوتكم، ويجب عليكم متابعته فيما يرسمه لكم. وأقوال الرسول (ض) وأفعاله على الوجوب إلى أن يقوم دليل التخصيص، فأما أحواله فلا سبيل لأحد إلى الإشراف عليها، فإن ظهر شىء من ذلك بإخباره أو بدلالة أقواله وأفعاله عليه فإن كان ذلك مكتسبا من قبله فيلحق في الظاهر بالوجوب بأفعاله وأقواله، وإن كان غير مكتسب له فهى خصوصية له لا ينبغى لأحد أن يتعرّض لمقابلته لاختصاصهﷺ- بعلوّ رتبته «٢» .\nقوله جلّ ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2766>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٢٢]</span>\nوَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَما زادَهُمْ إِلاَّ إِيمانًا وَتَسْلِيمًا (٢٢)\nكما أنّ المنافقين اضطربت عقائدهم عند رؤية الأعداء، فالمؤمنون وأهل اليقين ازدادوا ثقة، وعلى الأعداء جرأة، ولحكم الله استسلاما، ومن الله قوة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2767>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٢٣]</span>\nمِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (٢٣)\nشكر صنيعهم في المراس، ومدح يقينهم عند شهود البأس، وسماهم رجالا إثباتا\n_________\n(١) الدرية ما يستتر به الصائد من الصيد فيرميه إذا أمكنه.\n(٢) يفيد هذا الكلام في توضيح نظرة هذا الباحث إلى السنّة كمصدر أساسى من مصادر التشريع، فالسّنّة أقوال وأفعال وأحوال، منها ما يصلح العموم، ومنها ما يختص به الرسول نفسه.","vol":"3","page":157},{"text":"لخصوصية رتبتهم «١»، وتمييزا لهم من بين أشكالهم بعلوّ الحالة والمنزلة، فمنهم من خرج من دنياه على صدقه «٢»، ومنهم من ينتظر حكم الله في الحياة والممات، ولم يزيغوا عن عهدهم، ولم يراوغوا في مراعاة حدّهم فحقيقة الصدق حفظ العهد وترك مجاوزة الحدّ.\nويقال: الصدق استواء الجهر والسّرّ.\nويقال: هو الثبات عند ما يكون الأمر جدّا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2768>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٢٤]</span>\nلِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٤)\nفى الدنيا يجزى الصادقين بالتمكين والنصرة على العدو وإعلاء الراية، وفي الآخرة بجميل الثواب وجزيل المآب والخلود في النعيم المقيم والتقديم على الأمثال بالتكريم والتعظيم..\n«وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ» على الوجه الذي سبق به العلم، وتعلّقت به المشيئة.\nويقال: إذا لم يجزم بعقوبة المنافق وعلّق القول فيه بالرجاء فبالحريّ ألا يخيّب المؤمن فى رجائه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2769>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٢٥]</span>\nوَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (٢٥)\nلم يشمت بالمسلمين عدوّا، ولم يوصّل إليهم من كيدهم سوءا، ووضع كيدهم في نحورهم، واجتثّهم من أصولهم، وبيّن بذلك جواهر صدقهم وغير صدقهم، وشكر من استوجب شكره من جملتهم، وفضح من استحقّ الذمّ من المدلسين منهم.\n_________\n(١) «من المؤمنين رجال..»: عن أنس أنها نزلت في عمه أنس بن النضير الذي أبلى يوم أحد بلاء عظيما، حتى قتل وبه ثمانون جراحة بين ضربة بالسيف وطعنة بالرمح ورمية بالسهم.. رواه البخاري عن بندار، ومسلم عن محمد بن حاتم.\n(٢) «فمنهم من قضى نحبه» نزلت في طلحة بن عبيد الذي ثبت بجانب الرسول يوم أحد حتى دعا له الرسول (ص):\nاللهم أوجب لطلحة الجنة. (الواحدي ص ٢٣٨) .","vol":"3","page":158},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2770>[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٢٦ الى ٢٧]</span>\nوَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (٢٦) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَؤُها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (٢٧)\nإنّ الحقّ- سبحانه- إذا أجمل أكمل، وإذا شفى كفى، وإذا وفي أوفى..\nفأظفر المسلمين عليهم، وأورثهم معاقلهم، وأذلّ متعزّزهم، وكفاهم بكلّ وجه أمرهم، ومكّنهم من قتلهم وأسرهم ونهب أموالهم، وسبى ذراربهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2771>[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٢٨ الى ٢٩]</span>\nيا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحًا جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)\nلم يرد أن يكون قلب أحد من المؤمنين والمؤمنات منه في شغل، أو يعود إلى أحد منه أذى أو تعب، فخيّرﷺ- نساءه «١»، ووفق الله سبحانه عائشة أمّ المؤمنينرضي الله عنها- حتى أخبرت عن صدق «٢» قلبها، وكمال دينها ويقينها، (وبما هو المنتظر من أصلها وتربيتها) «٣»، والباقي جرين على منهاجها، ونسجن على منوالها.\nقوله جلّ ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2772>[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٣٠ الى ٣١]</span>\nيا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠) وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحًا نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنا لَها رِزْقًا كَرِيمًا (٣١)\n_________\n(١) يقال إنه قال لعائشة: إنى ذاكر لك أمرا ولا عليك أن لا تعجلى فيه حتى تستأمرى أبويك، ثم قرأ عليها القرآن، فقالت: أفي هذا أستأمر أبويّ؟ فإنى أريد الله ورسوله والدار الآخرة. فرؤى الفرح في وجهه ﷺ.\n(٢) هكذا في م وهي في ص (كذب) وهي خطا قطعا.\n(٣) ما بين القوسين موجود في م وغير موجود في ص.","vol":"3","page":159},{"text":"زيادة العقوبة على الجرم من أمارات الفضيلة، ولذا فضل حدّ الأحرار على العبيد وتقليل ذلك من أمارات النقص فلما كانت منزلتهن في الشرف تزيد على منزلة جميع النساء ضاعف عقوبتهن على أجرامهن، وضاعف ثوابهن على طاعاتهن. وقال:\n«وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحًا نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنا لَها رِزْقًا كَرِيمًا» .\nثم قال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2773>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٣٢]</span>\nيا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢)\nنهاهن عن التبذّل، وأمرهنّ بمراعاة حرمة الرسول (ص)، والتصاون عن تطمّع المنافقين في ملاينتهن.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2774>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٣٣]</span>\nوَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣)\n«الرِّجْسَ»: الأفعال الخبيثة والأخلاق الدنيئة فالأفعال الخبيثة الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وما قلّ وما جلّ. والأخلاق الدنيئة الأهواء والبدع كالبخل والشحّ","vol":"3","page":160},{"text":"وقطع الرّحم، ويريد بهم الأخلاق الكريمة كالجود والإيثار والسخاء وصلة الرّحم، ويديم لهم التوفيق والعصمة والتسديد، ويطهرهم من الذنوب والعيوب.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2775>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٣٤]</span>\nوَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفًا خَبِيرًا (٣٤)\nإذ كرن عظيم النعمة وجليل الحالة التي تجرى في بيوتكن من نزول الوحى ومجىء الملائكة، وحرمة الرسولﷺ- والنور الذي يقتبس في الآفاق، ونور الشمس الذي ينبسط على العالم، فاعرفن «١» هذه النعمة، وارعين هذه الحرمة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2776>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٣٥]</span>\nإِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَالْقانِتِينَ وَالْقانِتاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِراتِ وَالْخاشِعِينَ وَالْخاشِعاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِماتِ وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحافِظاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِراتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٣٥)\nالإسلام هو الاستسلام، والإخلاص، والمبالغة في المجاهدة والمكابدة.\n«وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ...»\nالإيمان هو التصديق وهو مجمع الطاعات، ويقال هو التصديق والتحقيق، ويقال هو انتسام الحقيقة في القلب. ويقال هو حياة القلب أولا بالعقل، ولقوم بالعلم، ولآخرين، بالفهم عن الله، ولآخرين بالتوحيد، ولآخرين بالمعرفة، ولآخرين إيمانهم حياة قلوبهم بالله.\n«وَالْقانِتِينَ وَالْقانِتاتِ ...»\nالقنوت طول العبادة.\n«وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقاتِ ...»\nفى عهودهم وعقودهم ورعاية حدودهم.\n_________\n(١) عرف هنا بمعنى ذكر الفضل.. وبهذه المناسبة أكشف للقارىء عن شىء حيرنى دهرا طويلا حينما كنت أقرأ فائية ابن الفارض التي أولها:\nقلبى يحدثنى بأنك متلغى ... روحى فداك عرفت أم لم تعرف\nفطالما أزعجنى الشطر التالي من هذا البيت لأنى كنت أربط بين عرف وبين علم. فكنت أسائل لغمى كيف يخاطب ابن الفارض ربه على هذا النحو؟ حق اهتديت الى أن المعنى: التي سأفتديك بروحى حتى ولو ثلفت فى ذلك، وسأبق عليه، سواء ذكرت لى ما أصنع، واحتسبته.. أم لم تفعل.","vol":"3","page":161},{"text":"«وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِراتِ..»\nعلى الخصال الحميدة، وعن الصفات الذميمة، وعند جريان مفاجآت القضية.\n«وَالْخاشِعِينَ وَالْخاشِعاتِ..» .\nالخشوع إطراق السريرة عند بواده الحقيقة.\n«وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقاتِ..»\nبأموالهم وأنفسهم حتى لا يكون لهم مع أحد خصومة فيما نالوا منهم، أو قالوا فيهم «١» «وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِماتِ..»\nالمسكين عمّا لا يجوز في الشريعة والطريقة.\n«وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحافِظاتِ..»\nفى الظاهر عن الحرام، وفي الإشارة عن جميع الآثام.\n«وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِراتِ..»\nبألسنتهم وقلوبهم وفي عموم أحوالهم لا يفترون، ولا يتداخلهم نسيان.\n«أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا» .\nفهؤلاء لهم جميل الحسنى، وجزيل العقبى.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2777>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٣٦]</span>\nوَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا (٣٦)\nالافتيات عليه في أمره والاعتراض عليه في حكمه وترك الانقياد لإشارته.. قرع لباب الشّرك فمن لم يمسك عنه سريعا وقع في وهدته.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2778>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٣٧]</span>\nوَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَرًا زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٣٧)\n_________\n(١) وهذا من أمارات الفتوّة (أنظر الرسالة ص ١١٣)","vol":"3","page":162},{"text":"أنعم الله عليه بأن ذكره وأفرده من بين الصحابة باسمه.\nويقال: أنعم الله عليه بإقبالك عليه وتبنّيك له. ويقال: بأن أعتقته، ويقال: بالإيمان والمعرفة. وأنعمت عليه بالعتق وبأن تبنّيته. «أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ» إقامة للشريعة مع علمك بأن الأمر في العاقبة إلى ماذا يئول فإنّ الله أطلعك عليه، وقلت له: «اتَّقِ..» .\nقوله: «وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ»: أي لم تظهر لهم أنّ الله عرّفك ما يكون من الأمر فى المستأنف.\n«وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ..» من ميلك ومحبتك لها لا على وجه لا يحلّ. «وَتَخْشَى النَّاسَ..»\nأي وتخشى عليهم أن يقعوا في الفتنة من قصة زيد، وكانت تلك الخشية إشفاقا منك عليهم، ورحمة بهم.\nويقال: وتستحى من الناس- والله أحقّ أن تستحى منه.\nويقال: تخشى الناس ألا يطيقوا سماع هذه الحالة ولا يقووا على تحمّلها، فربما يخطر ببالهم ما ينفى عنهم وسعهم..\n«فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَرًا زَوَّجْناكَها..» لكى لا يكون عليك حرج، ولكى لا يكون على المؤمنين حرج في الزواج بزوجات أدعيائهم، فإنما ذلك يحرّم في الابن إذا كان من الصّلب.","vol":"3","page":163},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2779>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٣٨]</span>\nما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا (٣٨)\nلا يعارض ولا يناقض، ولا يردّ ولا يجحد. وما كان على النبيّ من حرج بوجه لكونه معصوما.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2780>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٣٩]</span>\nالَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلاَّ اللَّهَ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٣٩)\n«وَيَخْشَوْنَهُ»: علما منهم بأنه لا يصيب أحدا ضرر ولا محذور ولا مكروه إلا بتقديره فيفردونه بالخشية إذ علموا أنه لا شىء لأحد من دونه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2781>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٤٠]</span>\nما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٤٠)\nلم يكن مضافا إلى ولد فله عليكم شفقة الآباء.. ولكن ليس بأبيكم.\nويقال نسبه ظاهر.. ولكن إنما يعرف بي لا بنسبه فقلّما يقال: محمد بن عبد الله، ولكن إلى أبد الأبد يقال: محمد رسول الله. وشعار الإيمان وكلمة التوحيد- بعد لا إله إلا الله- محمد رسول الله.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2782>[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٤١ الى ٤٢]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢)\nالإشارة فيه أحبّوا الله لأنّ النبيﷺ- قال: «من أحبّ شيئا.\nأكثر من ذكره» فيجب أن تقول: الله، ثم لا تنس الله بعد ذكرك الله.\nويقال: اذكروا الله بقلوبكم فإنّ الذكر الذي تمكن استدامته ذكر القلب فأمّا ذكر اللسان فإدامته مسرمدا كالمتعذر.","vol":"3","page":164},{"text":"«وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا»: التسبيح من قبيل الذكر، ولكنه ذكره بلفظين لئلا تعتريك سآمة «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2783>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٤٣]</span>\nهُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣)\nالصلاة في الأصل الدعاء «٢» فصلاته- سبحانه- دعاؤه لنا بالتقريب، وصلاة الملائكة دعاؤهم إليه لنا: بالغفران للعاصى، وبالإحسان للمطيع.\nويقال الصلاة من الله بمعنى الرحمة، ومن الملائكة بمعنى الشفاعة.\n«لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ»: من الظلمات الكفر إلى نور الإيمان.\nويقال ليخرجكم من الظلمات إلى النور أي يعصمكم من الضلال بروح الوصال.\nويقال ليخرجكم من ظلمات التدبير إلى فضاء شهود التقدير.\nويقال ليخرجكم من ظلمات نفوسكم إلى أنوار البصائر في قلوبكم.\nويقال ليخرجكم من أسباب التفرقة إلى شهود عين التوفيق، والتحقق بأوصاف الجمع.\nويقال يصونكم من الشّرك، ويثبتكم بشواهد الإيمان.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2784>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٤٤]</span>\nتَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا (٤٤)\nالتحية إذا قرنت بالرؤية، واللقاء إذا قرن بالتحية فلا يكون ذلك إلا بمعنى رؤية البصر.\nوالسلام خطاب يفاتح به الملوك إخبارا عن علوّ شأنهم ورتبتهم، فإلقاؤه حاصل وخطابه\n_________\n(١) هذه لفتة هامة تهم البلاغيين.\n(٢) يوضح القشيري هنا ما يسمى عنه (نعم المنع)، وهي صنف آخر يختلف عن (نعم المنح)، والعبد-- لقصر نظره- يشكر على هذه، وتخفى عليه تلك.","vol":"3","page":165},{"text":"مسموع، ولا يكون ذلك إلا برؤية البصر «١» .\n«أَجْرًا كَرِيمًا»: الكرم نفى الدناءة، وكريما أي حسنا.\nوفي الإشارة أجرهم موفور على عمل يسير فإنّ الكريم لا يستقصى عند البيع والشراء فى الأعداد، وذلك تعريف بالإحسان السابق في وقت غيبتك «٢» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2785>[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٤٥ الى ٤٧]</span>\nيا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَداعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجًا مُنِيرًا (٤٦) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٤٧)\nيا أيها المشرّف من قبلنا إنّا أرسلناك شاهدا بوحدانيتنا، وشاهدا تبشّر بمتابعتنا، وتحذّر من مخالفة أمرنا، وتعلم الناس مواضع الخوف منّا، وداعيا إلينا بنا، وسراجا يستضيئون به، وشمسا بنبسط شعاعها على جميع من صدّقك، وآمن بك، فلا يصل إلينا إلّا من اتّبعك وخدمك، وصدّقك وقدّمك.\n«وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ» بفضلنا معهم، ونيلهم طولنا عليهم، وإحساننا إليهم. ومن لم تؤثر فيه بركة إيمانه بك فلا قدر له عندنا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2786>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٤٨]</span>\nوَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ وَدَعْ أَذاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٤٨)\nلا توافق من أعرضنا عنه، وأضللنا به من أهل الكفر والنفاق، وأهل البدع والشّقاق.\nوتوكل على الله بدوام الانقطاع إليه، وكفى بالله وكيلا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2787>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٤٩]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَراحًا جَمِيلًا (٤٩)\n_________\n(١) يضاف هذا الكلام إلى المبدأ الذي يتحمس له القشيري وهو الرؤية العيانية للحق في الآخرة. [.....]\n(٢) يقصد القشيري: أولئك الذين أحسن الله إليهم في سابق علمه، وهم مازالوا في كتم العدم- على حد تعبيره في مواضع مناظرة.","vol":"3","page":166},{"text":"إذا آثرتم فراقهنّ فتمتّعوهن ليكون لهن عنكم تذكرة في أيام الفرقة في أوائلها إلى أن تتوطّن نفوسهن على الفرقة.\n«وَسَرِّحُوهُنَّ سَراحًا جَمِيلًا»: لا تذكروهن بعد الفراق إلا بخير، ولا تستردوا منهن شيئا تخلّفتم به معهن، فلا تجمعوا عليهن الفراق بالحال والإضرار من جهة المال.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2788>[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٥٠ الى ٥١]</span>\nيا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللاَّتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَناتِ عَمِّكَ وَبَناتِ عَمَّاتِكَ وَبَناتِ خالِكَ وَبَناتِ خالاتِكَ اللاَّتِي هاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ فِي أَزْواجِهِمْ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٠) تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ ذلِكَ أَدْنى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا (٥١)\nوسّعنا الأمر عليك في باب النكاح بكم شئت فإنك مأمون من عيب عدم التسوية بينهن وعدم مراعاة حقوقهن، ومن الحيف عليهن. والتّوسعة في باب النكاح تدلّ على الفضيلة كالحرّ والعبد.\n«تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ ذلِكَ أَدْنى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ...»\n«مَنْ تَشاءُ»: على ما تتعلّق به إرادتك، ويقع عليه اختيارك، فلا حرج عليك ولا جناح.","vol":"3","page":167},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2789>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٥٢]</span>\nلا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلاَّ ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا (٥٢)\nلما اخترتهنّ أثبت الله لهن حرمة، فقال: «لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ» فكما اخترنك فلا تختر عليهن امرأة أخرى تطبيبا لقلوبهن، ونوعا للمعادلة بينه وبينهن، وهذا يدل على كرمه- والحفاظ كرم ودين «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2790>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٥٣]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعًا فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (٥٣)\nالآية.\nأمرهم بحفظ الأدب في الاستئذان، ومراعاة الوقت، ووجوب الاحترام فإذا أذن لكم فادخلوا على وجه الأدب، وحفظ أحكام تلك الحضرة، وإذا انتهت حوائجكم فاخرجوا، ولا تتغافلوا عنكم، ولا يمنعنّكم حسن خلقه من حفظ الأدب، ولا يحملنّكم فرط احتشامه على إبرامه «٢» .\n«فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ»:\nحسن خلقهﷺ- جرّهم إلى المباسطة معه، حتى أنزل الله هذه الآية.\n«وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعًا فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ»: نقلهم عن مألوف العادة إلى معروف الشريعة ومفروض العبادة، وبيّن أن البشر بشر- وإن كانوا من الصحابة، فقال:\n«ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ»\n_________\n(١) ضبطناها هكذا (دين) بفتح الدال وتسكين الياء فبها يستقيم المعنى ويقوى السياق.\n(٢) أي إضجاره وإملاله.","vol":"3","page":168},{"text":"فلا ينبغى لأحد أن يأمن نفسه- ولهذا يشدّد الأمر في الشريعة بألا يخلو رجل بامرأة ليس بينهما محرمة.\n«وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا» «١» .\nوهذا من خصائصهﷺ، وفي هذا شبه رخصة لمن يلاحظ شيئا من هذا، فيهتم بالاتصال من له ميل إليهنّ بغيرهن بعد وفاته- وإن كان التحرّز عنه- وعن أمثال هذا من ترك الحظوظ- أتمّ وأعلى.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2791>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٥٤]</span>\nإِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٥٤)\nحفظ القلب مع الله، ومراعاة الأمر- بينه وبين الله- على الصّحة في دوام الأوقات لا يقوى عليه إلا الخواصّ من أهل الحضور.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2792>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٥٥]</span>\nلا جُناحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبائِهِنَّ وَلا أَبْنائِهِنَّ وَلا إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ أَخَواتِهِنَّ وَلا نِسائِهِنَّ وَلا ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (٥٥)\nالآية.\nلما نزلت آية الحجاب شقّ عليهن وعلى النسوان وعلى الرجال في الاستتار، فأنزل الله ﷿ هذه الآية للرخصة في نظر هؤلاء إلى النساء، ورؤية النساء لهم على تفصيل الشريعة.\n_________\n(١) يستند القرطبي إلى رواية نقلها أبو نصر عبد الرحمن القشيري- ابن القشيري صاحب هذا الكتاب- عن ابن عباس الذي يقول: قال رجل من سادات قريش من العشرة الذين كانوا مع الرسول على حراء- فى نفسه- لو توفى الرسول لتزوجت عائشة، وهي بنت عمى. قال مقاتل: هو طلحة بن عبيد الله. ولكن هذا الرجل ندم على ما حدثت به نفسه، فمشى إلى مكة على رجليه وكفّر بالتصدق وعتق الرقيق. (القرطبي ج ١٤ ص ٢٢٨) .","vol":"3","page":169},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2793>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٥٦]</span>\nإِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)\nأراد الله- سبحانه- أن تكون للأمة عندهﷺ- يد خدمة كما له بالشفاعة عليهم يد نعمة، فأمرهم بالصلاة عليه، ثم كافأ- سبحانه عنه فقال ﷺ: من صلّى عليّ مرة صلى الله عليه عشر مرات. وفي هذا إشارة إلى أن العبد لا يستغنى عن الزيادة من الله في وقت من الأوقات إذ لا رتبة فوق رتبة الرسول، وقد احتاج إلى زيادة صلوات الأمّة عليه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2794>[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٥٧ الى ٥٨]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذابًا مُهِينًا (٥٧) وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨)\nيؤذون الله ورسوله بعمل المعاصي التي يستحقون بها العقوبة، ويؤذون أولياءه. ولمّا قال:\nمن يطع الرسول فقد أطاع الله، فكذلك من آذى رسوله وأنبياءه ﵈ والمؤمنين فقد آذاه، ومعناه تخصيص حالتهم وإثبات رتبتهم.\nثم ذكر قوله: «وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ..» وذكر عقوبتهم، فجعل إيذاء الرسول مقرونا بما ذكر من إيذاء الله، ثم ذكر إيذاء المؤمنين، ويدلّ ذلك على أن رتبة المؤمنين دون رتبة الرسول ﷺ «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2795>[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٥٩ الى ٦٢]</span>\nيا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٩) لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلاَّ قَلِيلًا (٦٠) مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (٦١) سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (٦٢)\n_________\n(١) فى هذا رد ضمنى على من يدعى الوصول، ويجهر بأن لواء الأنبياء يعقد له في معاريجه، وأن الأنبياء أدنى من الأولياء.","vol":"3","page":170},{"text":"هذا تنبيه لهن على حفظ الحرمة وإثبات الرّتبة، وصيانة لهن، وأمر لهن بالتصاون والتعفّف. وقرن بذلك تهديده للمنافقين في تعاطيهم ما كان يشغل قلب الرسول ﷺ من الإرجاف في المدينة: - «لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلَّا قَلِيلًا مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا» .\nإنهم لم يمتنعوا عن الإرجاف وأمثال ذلك لأجرينا معهم سنّتنا في التدمير على من سلف من الكفار «١» .\nثم ذكر مسألة القوم عن قيام الساعة وتكذيبهم ذلك، ثم استعجالهم قيامها من غير استعداد لها، ثم أخبر بصعوبة العقوبة التي علم أنه يعذّبهم بها، وما يقع عليهم من الندامة على ما فرّطوا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2796>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٦٩]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا وَكانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (٦٩)\nنسبوه إلى الأدرة «٢»، وأنّ به عيبا في الخلقة، ولكنه كان رجلا حييّا، وكان إذا اغتسل لا يتجرّد (من ثوبه) «٣»، فتوهموا به ذلك. وذات يوم خلا ليفسله، ووضع ثيابه\n_________\n(١) هكذا في م وهى في ص (الكبائر) .\n(٢) الأدرة (على وزن الغرفة) - انتفاخ الخصية، والآدر- المصاب بذلك.\n(٣) ما بين قوسين من عندنا ليتضح السياق.","vol":"3","page":171},{"text":"على حجر فأمشى الله الحجر بثيابه، وموسى يعدو خلفه حتى توسّط بنى إسرائيل، وشاهدو خلقته سليمة، فوقف الحجر، وأخذ موسى ثيابه ولبسها «١»، وهذا معنى قوله: «فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا وَكانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا» فى القدر والمنزلة. والوجاهة النافعة ما كان عند الله لا عند الناس، فقبول الناس لا عبرة به ولا خطر له، ولا سيما العوام فإنهم يقبلون بلا شىء، ويردّون بلا شىء قال قائلهم:\nإن كنت عندك يا مولاى مطرحا ... فعند غيرك محمول على الحدق\nوقالوا: فإن أك في شراركم قليلا ... فإنى في خياركم كثير\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2797>[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٧٠ الى ٧١]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)\nالقول السديد كلمة الإخلاص، وهي الشهادتان عن ضمير صادق.\nويقال سداد أقوالكم سداد أعمالكم، ولقد هوّن عليكم الأمر فمن رضى بالقالة- وهي الشهادة بأن ترك الشّرك- وقالها بصدق أصلح الله له أعماله الدنيوية من الخلل، وغفر له في الآخرة الزّلل أي حصلت له سعادة الدارين.\nويقال ذكر «أَعْمالَكُمْ» بالجمع «٢»، وقدّمها على الغفران لأنه ما لم يصلح لك في حالك أعمالك وإن لم يكفك ما أهمّك من أشغالك.. لم تتفرغ إلى حديث آخرتك.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2798>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٧٢]</span>\nإِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢)\n_________\n(١) هذه رواية ابن عباس.. وفي رواية أخرى: اتهم بقتل أخيه هارون.\n(٢) أي أن الله بفضله ينظر منك إلى القليل فيعتبره كثيرا.","vol":"3","page":172},{"text":"هنا إضمار أي: أهل السماوات والأرض والجبال.\nوقيل أحياها وأعقلها، وهو كقوله: «ائْتِيا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ» «١» .\n«فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها»: أي أبين أن تخنّ فيها، «وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ»: أي خان فيها.\nوهم مراتب: فالكفار خانوا في الأصل الأمانة- وهي المعرفة- فكفروا. ومن دونهم خانوا بالمعاصي، وبعضهم أشدّ وبعضهم أهون، وكلّ احتقب من الوزر مقداره.\nويقال «فَأَبَيْنَ» إباء إشفاق لا إباء استكبار، واستعفين ... فعفا عنهن، وأعفاهن من حملها.\n«وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ»: قبلها ثم ما رعوها حقّ رعايتها.. كلّ بقدره.\n«إِنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا» بصعوبة حمل الأمانة في الحال، والعقوبة التي عليها في المآل. وقوم قالوا عرض الأمانة على السماوات والأرض وعرضها على الإنسان، فهن استعفين وهؤلاء «٢» لم يستعفوا ولم يراعوا.\nويقال: الأمانة القيام بالواجبات أصولها وفروعها.\nويقال: الأمانة التوحيد عقدا وحفظ الحدود جهدا.\nويقال: لمّا حمل آدم الأمانة وأولاده قال تعالى: «وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ» «٣» .. وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟\nويقال حمل الإنسان بالله لا بنفسه. ويقال ظلم نفسه حيث لم يشفق مما أشفقت منه السماوات والأرضون. والظلم وضع الشيء في غير موضعه.\nويقال كاشف السماوات والأرض بوصف الربوبية والعظمة فأشفقوا، وكاشف آدم\n_________\n(١) آية ١١ سورة فصلت.\n(٢) الإنسان هنا اسم جنس.\n(٣) آية ٧٠ سورة الإسراء.","vol":"3","page":173},{"text":"وذرّيته بوصف اللطف فقبلوا وحملوا، وفي حال بقاء العبد بالله يحمل السماوات والأرض بشعرة من جفنه. ويقال كانت السماوات والأرض أصحاب الجثت والمبانى فأشفقوا من حمل الأمانة.\nوالحمل إنما تحمله القلوب. وآدم كان صاحب معنى فحمل، وأنشدوا:\nحملت جبال الحكم فوقى وإننى ... لأعجز عن حمل القميص وأضعف\nويقال لما عرض الحقّ الأمانة على الخلق علّق آدم بها همّته، فصرف بهمته جميع المخلوقات عنها، فلمّا أبوا وأشفقوا حملها الإنسان طوعا لا كرها.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2799>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٧٣]</span>\nلِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٣)\nاللام فى «لِيُعَذِّبَ» للصيرورة والعاقبة أي صارت عاقبة هذا الأمر عذاب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات، ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات بالمغفرة والتجاوز (تمّت السورة) «١» قد يقال: المنافقون والمنافقات والمشركون والمشركات والعاصون من المؤمنين والمؤمنات ورد ذكرهم.. فأين العابدون وذكرهم؟\nولكنهم في جملة من مضى ذكرهم، وليسوا في المشركين ولا في المنافقين، فلا محالة فى جملة العاصين الذين تاب عليهم.\nفيا أيها العاصي، كنت تحذر أن يخرجك العابدون من جملتهم، فاشهد الجبّار- فى هذا الخطاب- كيف أدرجك في جملتهم «٢»؟!\n_________\n(١) هكذا في الأصل، وهذه أول مرة يستدرك بها المصنف شيئا عقب خاتمة سورة. [.....]\n(٢) هذا الاستدراك لافت للنظر من حيث يدل على رحابة صدر الصوفية، وشدة حرصهم على فتح أبواب الأمل أمام العصاة الراغبين في التوبة، «لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا» .","vol":"3","page":174},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2800>سورة سبأ</span>\nقوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» .\n«بسم الله كلمة سلّابة غلّابة، نهّابة وهابة تسلب القلوب.. ولكن لا كل قلب، وتغلب الألباب ولكن ليس كل لب، وتنهب الأرواح ولكن من الأحباب، وتهب الارتياح.. ولكن لقوم مخصوصين من الطلّاب.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2801>[سورة سبإ (٣٤): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١)\nافتتح السورة بذكر الثناء على نفسه، ومدحه لنفسه إخبار عن جلاله، واستحقاقه لنعوت عزّه وجماله، فهو في الأزل حامد لنفسه محمود، وواحد موجود، فى الآزال معبود، وبالطلبات مقصود.\n«الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ»: الملك لا يكون بالشركة فلا ملك إلا الله.\nوإن أجرى هذا الاسم على مخلوق فالزنجيّ لا يتغير لونه وإنّ سمّى كافورا! «وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ» من الذين أعتقهم، وفي النعمة أغرقهم.\n«وَهُوَ الْحَكِيمُ» بتخليد قوم في الجنة، وتأبيد قوم في النار.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2802>[سورة سبإ (٣٤): آية ٢]</span>\nيَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ (٢)\n«يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ» من الحبّ تحت الأرض، والماء يرسب فيها،","vol":"3","page":175},{"text":"والأشياء التي تلقى عليها، والناس يقبرون في الأرض.\n«وَما يَخْرُجُ مِنْها» من النبات والأزهار، والموتى يبعثون.\n«وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ» من القطر والملك، والبركة والرزق، والحكم «وَما يَعْرُجُ فِيها» من الصحف، وحوائج الناس: وهمم الأولياء.\n«وَهُوَ الرَّحِيمُ» بعباده، «الْغَفُورُ» لجميع المذنبين من المسلمين.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2803>[سورة سبإ (٣٤): آية ٣]</span>\nوَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٣)\nكرّر في القرآن تكذيبهم بالساعة، واستبعادهم لذلك، والردّ عليهم. وأخبر عن سابق علمه بهم، وأنه لا يخرج شىء من معلوماته عن علمه، فأثبت علمه بكل شىء وشموله لكل شىء.. لأنه لو لم يكن له علم لكان نقصا، ولأنه لو خرج معلوم واحد عن علمه لكان بقدرته نقص، والنقص- بأى وصف كان- لا يجوز في صفته بحال.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2804>[سورة سبإ (٣٤): الآيات ٤ الى ٩]</span>\nلِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (٥) وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٦) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (٧) أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ (٨)\nأَفَلَمْ يَرَوْا إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٩)\nالآيات..\nالمحسنون منهم يجازيهم بالخيرات المتصلة، والكافرون منهم يكافئهم على كفرهم بالعقوبات غير منفصلة.\nويرى الذين أوتوا العلم كتابك الذي أتيت به حقا وصدقا. والذين كفروا قال بعضهم لبعض: إنّهم يرون أن هذا الذي تقول به من النشر والحساب والبعث كذب، أو أنّ بك جنّة، ثم أقام عليهم حجة التجويز بما أجرى به سنّته في الخلق والإبداع.. فما زادهم ذلك إلا جحودا، وما قابلوه إلا عنودا.","vol":"3","page":176},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2805>[سورة سبإ (٣٤): الآيات ١٠ الى ١١]</span>\nوَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠) أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صالِحًا إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١)\n«داوُدَ» اسم أعجمى، وقيل سمى داود لأنه داوى (جرحه، ورد في القصة أنه قال في إحدى مناجاته: يا رب، إنى أرى في التوراة ما أعطيت لأوليائك وأنبيائك من الرتب فأعطنيها) «١» فقال: إنى ابتليتهم فصبروا، فقال: إنى أصبر على بلائك، فأعطنى ما أعطيتهم، فأبلاه، فوقف، فأعطاه ما أعطاهم.\n«وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا»: تكلموا في هذا الفضل فمنهم من أراد ما ذكره بعده وهو قوله للطير: «أَوِّبِي مَعَهُ»، وكذلك الجبال، وكان في ذلك تنفيس في وقت حزنه وبكائه. وقيل ذلك الفضل رجوعه إلى الله- فى حال ما وقع له «٢» - بالتنصل والاعتذار. ويقال هو شهوده موضع ضرورته وأنه لا يصلح أمره غيره. ويقال طيب صوته عند قراءة الزبور حتى كان ليرغب في متابعته من يسمع إليه «٣» . ويقال حلاوة صوته فى المناجاة. ويقال حسن خلقه مع أمته الذين اتبعوه، ويقال توفيقه للحكم بين أمته بالعدل ...\nقوله: «يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ» أمر الجبال والطير بمجاوبته حتى خرج إلى الجبال والصحارى ينوح على نفسه.\nويقال أوحى الله له: يا داود، كانت تلك الزّلّة مباركة عليك! فقال. يا رب، وكيف؟ فقال: كنت تجىء قبلها (كما يجىء المطيعون والآن) «٤» تجىء كما يجىء أهل الذنوب!\n_________\n(١) ما بين القوسين ساقط من ص موجود في م.\n(٢) يشير القشيري بذلك إلى قصة داود مع زوجة أوريا، وكيف تاب وأناب.\n(٣) يقول القرطبي: كان قد أعطى من الصوت ما يتزاحم الوحوش من الجبال على حسن صوته، وكانت الجبال تتجاوب صداه، والماء الجاري ينقطع جريه. ويضيف القرطبي: «أيد بمساعدة الجبال والطير لئلا يجد فترة، فإذا دخلت الفترة اهتاج أي ثار وتحرّك، وقوى بمساعدة الجبال والطير.\n(٤) موجودة في ص وغير موجودة في م.","vol":"3","page":177},{"text":"يا داود، إن أنين المذنبين أحبّ إلى من صراخ العابدين! ويقال، كان داود يقول. اللهم لا تغفر للخاطئين، غيرة منه وصلابة في الدين ...\nفلما وقع له ما وقع كان يقول. اللهم اغفر للمذنبين، فعسى أن تغفر لداود فيما بينهم.\nويقال لمّا تاب الله عليه، واجتمع الإنس والجنّ والطير بمجلسه، ورفع صوته، وأداره فى حنكه على حسب ما كان من عادته تفرّقت الطيور وقالوا: الصوت صوت داود والحال ليست تلك! فأوحى الله إليه هذه وحشة الزّلة، وتلك كانت أنس الطاعة.. فكان داود يبكى وينوح ويصيح والطير والجبال معه.\nويقال ليس كلّ من صاح وراءه معنى «١»، فالمعنى كان مع داود لا مع الجبال والطير ...\n«أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صالِحًا» . ألان له الحديد، وجعل ذلك معجزة له، وجعل فيه توسعة رزقه، ليجد في ذلك مكسبا، ليقطع طمعه عن أمته في ارتفاقه بهم ليبارك لهم في اتّباعه «٢» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2806>[سورة سبإ (٣٤): الآيات ١٢ الى ١٤]</span>\nوَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ (١٢) يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ (١٣) فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ (١٤)\nأي آتينا سليمان الريح أي سخّر ناها له، فكانت تحمل بساطة بالغدو مسيرة شهر وبالرواح مسيرة شهر.\nوفي القصة أنه لا حظ يوما ملكه، فمال الريح ببساطه، فقال سليمان للريح: استو، فقالت الريح: استو أنت، فما دمت مستويا بقلبك كنت مستويا بك، فلما ملت ملت.\n«وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ»\n_________\n(١) هذه غمزة بمن يتظاهرون بالتواجد في مجالس السماع الصوفية، إذ ينبغى الصدق ليتحول التواجد إلى وجد ثم إلى وجود.\n(٢) هذا تنبيه لمن يتصدر منزلة الإمامة: ألا يرتفق، وألا يطلب عوضا، وألا يطمع في الذين يتبعونه.","vol":"3","page":178},{"text":"أي وآتيناه ذلك، فكانت الشياطين مسخّرة له، يعملون ما يشاء من الأشياء التي ذكرها سبحانه.\nقوله جل ذكره: «اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ» «١» .\nأي اعملوا يا آل داود للشكر، فقوله: «شُكْرًا» منصوب لأنه مفعول له.\nويقال شكرا منصوب لأنه مفعول به مثل قوله تعالى: «وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ» «٢» .\nوقد مضى طرف من القول في الشكر. والشكور كثير الشكر، والأصل في الشكر الزيادة، والشكيرة اسم لما ينبت تحت الأشجار منها، ودابة شكور إذا أظهرت من السّمن فوق ما تعطى من العلف فالشكور الذي يشكر على النعمة فوق ما يشكر أمثاله وأضرابه. وإذا كان الناس يشكرونه على الرخاء فالشكور يشكره في البلاء.\nوالشاكر يشكر على البذل، والشكور على المنع «٣» ... فكيف بالبذل؟\nوالشكور يشكر بقلبه ولسانه وجوارحه وماله، والشاكر ببعض هذه.\nويقال فى «وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ» قليل من يأخذ النعمة منى ولا يحملها على الأسباب فلا يشكر الوسائط ويشكرنى. والأكثرون يأخذون النعمة من الله، ويجدون الخير من قبله ثم يتقلدون المنّة من غير الله، ويشكرون غير الله.\nقوله جل ذكره: «فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ» .\n_________\n(١) يقول السهروردي في عوارفه: «فى أخبار داود ﵇: إلهى كيف أشكرك وأنا لا أستطيع أن أشكرك إلا بنعمة ثانية من نعمك؟ فأوحى إليه إذا عرفت هذا فقد شكرتنى. (عوارف المعارف ص ٣٤٤)»\n(٢) آية ٤ سورة المؤمنين.\n(٣) وردت العبارة في الرسالة هكذا: الشاكر يشكر عند البذل والشكور عند المطل (الرسالة ص ٨٩) .","vol":"3","page":179},{"text":"كان سليمان﵇- يتكىء على عصاه وقتما قبض، وبقي على ذلك الوصف مدة، والشياطين كانوا مسخّرين يعملون ما أمرهم به، ويتصرفون على الوجه الذي رسم لهم، وينتهون عمّا زجرهم، فقد كانوا يتوهمّون أنه حيّ. ثم إنّ الأرضة «١» أكلت عصاه فخرّ سليمان فعلم الشياطين عندئذ أنه مات، فرجعوا إلى أعمالهم الخبيثة، وانفكّ عنهم ما كانوا عليه من التسخير وهكذا الملك الذي يقوم ملكه بغيره، ويكون استمساكه بعصا.. فإنه إذا سقط سقط بسقوطه، ومن قام بغيره زال بزواله.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2807>[سورة سبإ (٣٤): آية ١٥]</span>\nلَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (١٥)\nكانوا في رغد من العيش وسلامة الحال ورفاهته، فأمروا بالصبر على العافية والشكر على النعمة، وهذا أمر سهل يسير، ولكنهم أعرضوا عن الوفاق، وكفروا بالنعمة، وضيّعوا الشكر، فبدّلوا وبدّل بهم الحال، كما قالوا:\nتبدلت وتبدلنا يا حسرة لمن ... ابتغى عوضا لسلمى فلم يجد\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2808>[سورة سبإ (٣٤): آية ١٦]</span>\nفَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (١٦)\nكذلك من الناس من يكون في رغد من الحال، واتصال من التوفيق، وطرب من القلب، ومساعدة من الوقت، فيرتكب زلّة أو يسىء أدبا أو يتبع شهوة، ولا يعرف قدر ما هو به، فيتغير عليه الحال فلا وقت ولا حال، ولا طرب ولا وصال يظلم عليه النهار وقد كانت لياليه مضيئة، كما قلنا «٢»:\n_________\n(١) الأرضة- دودة تأكل الخشب.\n(٢) هكذا في ولكنها في ص: كما قالوا.","vol":"3","page":180},{"text":"ما زلت أختال في زمان وحال ... حتى أمنت الزمان مكره\nحال عليّ الصدود حتى ... لم تبق مما شهدت ذرّة\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2809>[سورة سبإ (٣٤): الآيات ١٧ الى ١٩]</span>\nذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلاَّ الْكَفُورَ (١٧) وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ (١٨) فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (١٩)\nما عوملوا إلا بما استوجبوا، ولا سقوا إلّا ممّا ثبطوا «١»، وما وقعوا إلّا في الوهدة التي حفروا، وما قتلوا إلا بالسيف الذي صنعوا! «وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى..»: ما كان من شأنهم إلا التمادي في عصيانهم، والإصرار على غيهم وطغيانهم.\n«فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ» فرّقناهم تفريقا حتى اتخذهم الناس مثلا مضروبا يقولون. ذهبوا أيدى سبأ، وتفرّقوا أيادى سبأ. وفي قصتهم آيات لكل صبّار على العاقبة، شكور على النعمة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2810>[سورة سبإ (٣٤): الآيات ٢٠ الى ٢١]</span>\nوَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠) وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٢١)\n. صدّق عليهم إبليس ظنّه- وإن كان لا يملك لنفسه أمرا، فإبليس مسلّط على أتباعه\n_________\n(١) ثبط- حمق في عمله.","vol":"3","page":181},{"text":"من الجنّ والإنس، وليس به من الإضلال شىء، ولو أمكنه أن يضرّ غيره لأمكنه أن يمسك على الهداية نفسه، قال تعالى: إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ «١»» .\n«وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ»: يهدى من يشاء ويضل من يشاء. ثم أخبر﷾- أنه بملكه متفرّد، وفي الألوهية متوحّد، وعن الأضداد والأنداد متعزّز، وأنهم لا يملكون مثقال ذرّة، ولا مقياس حبّة، وليس منهم نصير، ولا شريك ولا ظهير، لا في الدنيا ولا في الآخرة، وأن الملائكة في السماء بوصف الهيبة فزعون، وفي الموقف الذي أثبتهم الحقّ واقفون، لا يفترون عن عبادته ولا يعضون.\nثم قال جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2811>[سورة سبإ (٣٤): آية ٢٤]</span>\nقُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٤)\nلم يقل أحد- مع شركه- إنه يحيل في الرزق على أحد غيره، فكما لا شريك له فى الرزق ولا شريك له في الخلق فلا شريك له في استحقاق العبادة والتعظيم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2812>[سورة سبإ (٣٤): الآيات ٢٥ الى ٢٦]</span>\nقُلْ لا تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنا وَلا نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٢٥) قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ (٢٦)\nولا تسألون عما أجرمنا ولا نحن نسأل عن إجرامكم.. ويوم الجمع يحاسب الله كلّا على أعماله، ويطالب كلا بشأنه، لا يؤاخذ أحدا بعمل غيره، وكلّ يعطى كتابه، ويطلب الله من كلّ واحد حسابه.\nوقد أجرى الله سنّته بأن يجمع بين عباده، ثم يعاملهم في حال اجتماعهم بغير ما يعاملهم فى حال افتراقهم. فللاجتماع أثر كبير في الشريعة، وللصلاة بالجماعة أثر مخصوص. وقد عاتب الله- سبحانه- الذين يتفرقون عن النبي ﷺ، ومدح من لا يتفرّق إلا عن استئذان.\n_________\n(١) آية ٦٥ سورة الإسراء. [.....]","vol":"3","page":182},{"text":"والشيوخ ينتظرون في الاجتماع زوائد، ويستروحون إلى هذه الآية:\n«قُلْ يَجْمَعُ ...»\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2813>[سورة سبإ (٣٤): آية ٢٧]</span>\nقُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكاءَ كَلاَّ بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧)\nكانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك، هو لك، تملكه وما ملك «١»، لانهما كهم فى ضلالتهم. وبعد تحققهم بأنها جمادات لا تفقه ولا تقدر، ولا تسمع ولا تبصر، وقعت لهم شهة استحقاقها العبادة، فإذا طولبوا بالحجة لم يذكروا غير أنهم يقلدون أسلافهم ...\nوهذا هو الضلال البعيد والخسران المبين.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2814>[سورة سبإ (٣٤): آية ٢٨]</span>\nوَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٢٨)\nأرسلناك مؤيّدا بالمعجزات، مشرّفا بجميع الصفات، سيدا في الأرضين والسماوات، ظاهرا لأهل الإيمان، مستورا عن بصائر أهل الكفران- وإن كنت ظاهرا لهم من حيث العيان، قال تعالى: «وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ» «٢» قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2815>[سورة سبإ (٣٤): الآيات ٢٩ الى ٣٠]</span>\nوَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٩) قُلْ لَكُمْ مِيعادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ (٣٠)\nلكثرة ما يقولون هذا كرّره الله في كتابه خبرا عنهم، والجواب إن لكم ميعاد يوم، وفي هذا الميعاد لا تستأخرون ساعة ولا تستقدمون.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2816>[سورة سبإ (٣٤): آية ٣١]</span>\nوَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (٣١)\n_________\n(١) وردت التلبية مضطربة الكتابة وقد صححناها طبقا لما جاء في المحبر لابن حبيب.\n(٢) آية ١٩٨ سورة الأعراف.","vol":"3","page":183},{"text":"لو رأيتهم يومذاك لرأيت منظرا فظيعا يرجع بعضهم إلى بعض القول، ويحيل بعضهم على بعض الجرم يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا: أنتم أضللتمونا، وينكر الذين استكبروا ويقولون: بل أنتم اتبعتمونا.. وهكذا أصحاب الزلات الأخلاء في الفساد، قال تعالى: «بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ» «١» .\nوكذلك الجوارح والأعضاء غدا يشهد بعضها على بعض فاليد تقول للجملة أخذت، والعين تقول أبصرت، والاختلاف في الجملة عقوبة، ومن عمل بالمعاصي أخرج الله عليه كل من هو أطوع له، ولكنهم لا يعلمون ذلك، ولو علموا لا عتبروا، ولو اعتبروا لتابوا ووفّقوا.. ولكن ليقضى الله أمرا كان مفعولا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2817>[سورة سبإ (٣٤): الآيات ٣٤ الى ٣٥]</span>\nوَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (٣٤) وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلادًا وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٣٥)\nأي قابلوا رسلنا بالتكذيب، وصبر رسلنا.. وماذا على هؤلاء الكفار لو آمنوا بهم؟\nفهم لنجاتهم أرسلوا، ولصلاحهم دعوا وبلّغوا، ولو وافقوهم لسعدوا.. ولكنّ أقساما سبقت، وأحكاما حقت، والله غالب على أمره.\n«وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلادًا وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ» ليس هذا بكثرة الأموال والأولاد، وإنما هي بصائر مفتوحة لقوم، وأخرى مسدودة لقوم.\n_________\n(١) آية ٦٧ سورة الزخرف.","vol":"3","page":184},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2818>[سورة سبإ (٣٤): آية ٣٧]</span>\nوَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ (٣٧)\nلا تستحقّ الزّلفى عند الله بالمال والأولاد، ولكن بالأعمال الصالحة والأحوال الصافية والأنفاس الزاكية، بل بالعناية السابقة، والهداية اللاحقة، والرعاية الصادقة، فأولئك لهم جزاء الضعف: يضاعف على ما كان لمن تقدمهم من الأمم «وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ» من تكدر الصفوة والإخراج من الجنة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2819>[سورة سبإ (٣٤): آية ٣٨]</span>\nوَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ (٣٨)\nهم الذين لا يحترمون الأولياء، ولا يراعون حقّ الله في السرّ، فهم في عذاب الاعتراض على أولياء الله، وعذاب الوقوع بشؤم ذلك في ارتكاب محارم الله، ثم في عذاب السقوط من عين الله.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2820>[سورة سبإ (٣٤): آية ٣٩]</span>\nقُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٣٩)\nمن الخلف في الدنيا الرضا بالعدم والفقد، وهو أتمّ من السرور بالموجود «١» ومن ذلك الأنس بالله في الخلوة ولا يكون ذلك إلا مع التجريد.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2821>[سورة سبإ (٣٤): آية ٤٠]</span>\nوَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠)\nقوم كانوا يعبدون الملائكة فيختبرهم عنهم فيتبرأون منهم وينزّهون الله ويسبحونه،\n_________\n(١) استعمل القشيري هنا كلمة (الموجود) بالميم وكان المفروض حسب السياق أن يستعمل (الوجود)، وبهذا يتأيد رأينا في هامش سابق أن من الخير قصر اصطلاح (الوجود) على الوجود الحق.","vol":"3","page":185},{"text":"فيفتضح هؤلاء- والافتضاح عند السؤال من شديد العقوبة، وفي بعض الأخبار:\nأن غدا من يسألهم الحقّ فيقع عليهم من الخجل ما يجعلهم يقولون: عذّبنا ربنا بما شئت من ألوان العقوبة ولا تعذبنا بهذا السؤال! قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2822>[سورة سبإ (٣٤): آية ٤٢]</span>\nفَالْيَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ (٤٢)\nالإشارة في هذا أنّ من علق قلبه بالأغيار وظنّ صلاح حاله بالاحتيال «١» والاستعانة بالأمثال والأشكال ينزع الله الرحمة من قلوبهم ويتركهم، ويشوش أحوالهم، فلا لهم من الأمثال والأشكال معونة. ولا لهم من عقولهم في أمورهم استبصار، ولا إلى الله رجوع، وإن رجعوا لا يرحمهم ولا يجيبهم، ويقول لهم: ذوقوا وبال ما به استوجبتم هذه العقوبة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2823>[سورة سبإ (٣٤): آية ٤٣]</span>\nوَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلاَّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ وَقالُوا ما هذا إِلاَّ إِفْكٌ مُفْتَرىً وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (٤٣)\nالحكماء، والأولياء- الذين هم الأئمة في هذه الطريقة- إذا دلوا الناس على الله.\nقال بعض إخوان السوء- مثل بعض المتنصحين من أهل الغفلة وأبناء الدنيا «٢» لمريد:\nما هذا؟ من الذي يطيق كل هذا؟ ربما لا تتمّم الطريق! لا بد من الدنيا ما دمت تعيش! ... وأمثال ذلك، حتى يميل هذا المسكين عند قبول النصح، وربما كان له هذا من خواطره الدنية ... فيهلك ويضلّ.\n_________\n(١) الاحتيال هنا معناه الاعتماد على جهده الإنسانى، وتفريغ الوسع فيه دون التعويل على فضل الله ومنته، فالواجب إسقاط التدبير والاعتماد على التقدير.\n(٢) يشبههم القشيري في موضع آخر بمن كان يعوق المجاهدين قبيل القتال.","vol":"3","page":186},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2824>[سورة سبإ (٣٤): آية ٤٤]</span>\nوَما آتَيْناهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَها وَما أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ (٤٤)\nالإشارة من هذا إلى أهل الغفلة يعارضون أصحاب القلوب فيما يجرى من الأمور، بما تشوّش إليهم نفوسهم، ويخطر ببالهم من هواجسهم عن مقتضى تفرقة قلوبهم- على قياس ما يقع لهم- من غير استناد إلى إلهام، أو اعتماد على تقدير من الله وإفهام.\nوأهل الحقائق- الذين هم لسان الوقت- إذا قالوا شيئا أو أطلقوا حديثا، فلو طولبوا بإقامة البرهان عليه لم يمكنهم لأن الذي يتكلم عن الفراسة أو عن الإلهام، أو كان مستنطقا فليس يمكن لهؤلاء إقامة الحجة على أقوالهم «١» . وأصحاب الغفلة ليس لهم إيمان بذلك، فإذا سمعوا شيئا منه عارضوهم فيهلكون، فسبيل هؤلاء الأكابر عند ذلك أن يسكتوا، ثم الأيام «٢» تجيب أولئك.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2825>[سورة سبإ (٣٤): آية ٤٦]</span>\nقُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وَفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ (٤٦)\nيقول: إذا سوّلت لكم أنفسكم تكذيب الرسول فأنعموا النظر.. هل ترون فيه آثار ما رميتوه به؟ هذا محمد ﷺ.. قلتم إنه ساحر- فأين آثار السحر\n_________\n(١) انظر ص ٣٤٨ من المجلد الثاني من هذا الكتاب.\nوقد يظن أن هذا محل طعن فيما يصدر عن المعارف من أقوال وأحوال، والواقع أن مرد عجز العارف عن إقامة الحجة إلى أن ما ينثال عليه من كشوفات ليس من تدبيره أو احتياله، ولا نتيجة مهارته أو ذكائه ... وإلا كان مطلوبا منه أن يسوق حجة أو يقدم برهانا.. إنما هي أنوار إلهية تنبجس في عالمه الباطن.. وليست تجربة الإمام الغزالي إلا نموذجا للعارف الذي نهل من العلوم العقلية قدرا عظيما، ولكن ذلك لم يهدىء سورة غليله، ولم يقده إلى الراحة والسكينة.. حتى قيض الله له في علوم القوم ما شفاه وكفاه (انظر الصفحات الأولى من: «المنقذ من الضلال» للإمام الغزالي) .\n(٢) هكذا في م وهي في ص (الأنام) ونحن نرجح (الأيام) على معنى أن الدهر كفيل بتوضيح الحقيقة- وإن خفيت زمنا.","vol":"3","page":187},{"text":"على أحواله وأفعاله وأقواله؟ قلتم إنه شاعر- فمن أي قسم من أقسام الشعر كلامه؟ قلتم إنه مجنون- فأى جنون ظهر منه؟\nوإذ قد عجزتم عن ذلك ... فهلّا عرفتم أنه صادق؟! قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2826>[سورة سبإ (٣٤): آية ٤٨]</span>\nقُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (٤٨)\nيقذف بالحقّ على باطل أهل الغفلة فتزول حيلهم، ويظهر عجزهم. ويقذف بالحقّ على أحوال أهل الخلاف فيضمحل اجتراؤهم، ويحيق بهم شؤم معاصيهم.\nويقذف بالحقّ- إذا حضر أصحاب المعاني- على ظلمات أصحاب الدعاوى فيخمد ثائرتهم، ويفضحهم في الحال، ويفضح عوارهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2827>[سورة سبإ (٣٤): آية ٤٩]</span>\nقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ (٤٩)\nالباطل على ممرّ الأيام لا يزيد إلا زهوقا، والحقّ على ممرّ الأيام لا يزداد إلا قوة وظهورا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2828>[سورة سبإ (٣٤): آية ٥٠]</span>\nقُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ (٥٠)\nإن كنت مهتديا فبربّى لا بجهدي. وإن كنت عندكم من أهل الضلال فوبال ضلالتى عائد عليّ، ولن يضرّكم ذلك. فانظروا أنتم إلى أنفسكم.. أين وقعتم؟ وأي ضرر يعود عليكم لو أطعتمونى؟ لا في الحال تخسرون، ولا في أنفسكم تتعبون، ولا في جاهكم تنقصون.\nوما أخبركم به عن نقص أصنامكم فبالضرورة «١» أنتم تعلمون! فما لكم لا تبصرون؟\nولا لأنفسكم تنظرون؟\n_________\n(١) أي لا جدال في أنكم تجدونها لا تنفع ولا تضر ولا تستطيع أن تدفع عنها مكروها، فهى لا تليق بتأليه ولا تقديس.","vol":"3","page":188},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2829>[سورة سبإ (٣٤): الآيات ٥١ الى ٥٢]</span>\nوَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ (٥١) وَقالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (٥٢)\nأي لو رأيت ذلك لرأيت منظرا فظيعا، وأمرا عظيما إذا أخذهم بعد الإمهال فليس إلا الاستئصال.\n«وَقالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ» إذا تابوا- وقد أغلقت الأبواب، وندموا- وقد تقطّعت الأسباب.. فليس إلا الحسرات والندم، ولات حين ندامة! كذلك من استهان بتفاصيل فترته، ولم يستفق من غفلته يتجاوز عنه مرة، ويعفى عنه كرّة، فإذا استمكنت منه القسوة وتجاوز سوء الأدب حدّ الغفلة، وزاد على مقدار الكثيرة «١» .. يحصل له من الحقّ ردّ، ويستقبله حجاب، وبعد ذلك لا يسمع له دعاء، ولا يرحم له بكاء، كما قيل:\nفخلّ سبيل العين بعدك للبكا ... فليس لأيام الصفاء رجوع\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2830>[سورة سبإ (٣٤): آية ٥٤]</span>\nوَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ (٥٤)\nالتوبة يشتهونها في آخر الأمر وقد فات الوقت، والخصم يريد إرضاءه فيستحيى أن يذكر فى ذلك الوقت، وينسدّ لسانه ويعتقل فلا يمكنه أن يفصح بما في قلبه، ويودّ أن لو كان بينه وبين ما أسلفه بعد بعيد، ويتمنى أن يطيع فلا تساعده القوة، ويتمنى أن يكون له- قبل خروجه من الدنيا- نفس.. ثم لا يتفق.\n_________\n(١) فى رأى القشيري: الثلاثة- آخر حد القلة، وأول حد الكثرة-.","vol":"3","page":189},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2831>سورة فاطر</span>\nقوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» «بِسْمِ اللَّهِ» كلمة سماعها يوجب روحا لمن كان يشاهد الإتقان، ويوجب لوحا لمن كان بوصف البيان فالرّوح من وجود الإحسان، واللوح من شهود السلطان، وكلّ مصيب، ولكلّ من الحقّ نصيب.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2832>[سورة فاطر (٣٥): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)\nاستحق المدح والثناء على انفراده «١» بالقدرة على خلق السماوات والأرض.\n«جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ»:\nتعرّف إلى العباد بأفعاله، وندبهم إلى الاعتبار بها، فمنها ما نعلم منه ذلك معاينة كالسموات والأرض وغيرها، ومنها ما سبيل الإيمان به الخبر والنقل- لا بدليل العقل- والملائكة من ذلك فلا نتحقق كيفيّة صورهم وأجنحتهم، وكيف يطيرون بأجنحتهم الثلاثة أو الأربعة، ولكن على الجملة نعلم كمال قدرته، وصدق كلمته.\nقوله: «يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ»: قيل الخلق الحسن، وقيل الصوت الحسن، وقيل الصوت الحسن وقيل ملاحة العينين، وقيل الكياسة في الخيرة «٢»، وقيل الفصاحة في المنطق، وقيل الفهم عن الله، ويقال السخاء والجود، ويقال الرضا بالتقدير، ويقال علو الهمة، ويقال التواضع، ويقال العفة عند الفقر، ويقال الظرف في الشمائل، ويقال أن تكون محببّا إلى القلوب، ويقال خفة الروح، ويقال سلامة الصدر من الشرور، ويقال المعرفة بالله بلا تأمّل\n_________\n(١) هكذا في م. وهي في ص (إرشاده) .\n(٢) اسم من الاختيار.","vol":"3","page":190},{"text":"برهان «١»، ويقال الشوق إلى الله، ويقال التعطّف على الخلق بجملتهم، ويقال تحرّر القلوب من رقّ الحدثان بجملته، ويقال ألا يطلب لنفسه منزلة في الدارين «٢» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2833>[سورة فاطر (٣٥): آية ٢]</span>\nما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢)\nالموسّع عليه رزقه لا يضيّق عليه غير الله، والمحروم لا يوسّع عليه غير الله.\nويقال: ما يلج في قلوب العارفين من أنوار التحقيق لا سحاب يستره، ولا ضياء يقهره.\nويقال: ما يلزم قلوب أوليائه من اليقين فلا مزيل له، وما يغلق على قلوب الأعداء من أبواب الذكر فلا فاتح له غيره- سبحانه.\nويقال الذي يقرنه بقلوب أوليائه وأحوالهم من التيسير فلا ممسك له، والذي يمنعه عن أعدائه- بما يلقيهم فيه من انغلاق الأمور واستصعابها- فلا ميّسر له من دونه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2834>[سورة فاطر (٣٥): آية ٣]</span>\nيا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٣)\nمن ذكر النّعمة فصاحب عبادة، ونائل زيادة، ومن ذكر المنعم فصاحب إرادة، ونائل زيادة.. ولكن فرق بين زيادة وزيادة ذلك زيادته في الدارين عطاؤه، وهذا زيادته لقاؤه:\nاليوم سرّا بسرّ من حيث المشاهدة، وغدا جهرا بجهر من حيث المعاينة.\nوالنعمة على قسمين «٣»: ما دفع عنه من المحن، وما نفع به من المنن فذكره لما دفع عنه يوجب دوام العصمة، وذكره لما نفعه به يوجب تمام النعمة.\n_________\n(١) من اختاره الله لمعرفته لا يتركه يتعنّى في الأدلة والبراهين بعد اجتيازه مرحلة البداية المصححة بالعقل.\nبل يفك أسره من هذه القيود لينطلق في رحلة العرفان بالقلب، ثم الروح، ثم السر، ثم عين السر.\n(٢) يرى الزمخشري أن الآية مطلقة تتناول كل زيادة في الخلق وميزة فيه.. وتلك أمور لا يحيط بها وصف. [.....]\n(٣) مرة أخرى يعود القشيري إلى ذكر نعم الدفع، ونعم النفع، وواضح أن الذكر والشكر لا زمان على الدوام.. هذا هو المقصد الذي يطمح إليه القشيري.","vol":"3","page":191},{"text":"«هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ..؟» وفائدة هذا التعريف أنه إذا عرف أنه لا رازق غيره لم يعلّق قلبه بأحد في طلب شىء، ولم يتذلل في ارتفاق لمخلوق، وكما لا يرى رزقه من مخلوق لا يراه من نفسه أيضا فيتخلّص من ظلمات تدبيره واحتياله «١»، ومن توّهم شىء من أمثاله وأشكاله، ويستريح لشهود تقديره، ولا محالة يخلص في توكله وتفويضه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2835>[سورة فاطر (٣٥): آية ٤]</span>\nوَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤)\nهذه تسلية للرسول ﷺ، وتسهيل للصبر عليه فإذا علم أن الأنبياء ﵈ استقبلهم مثلما استقبله، وأنّهم صبروا وأنّ الله كفاهم، فهو يسلك سبيلهم ويقتدى بهم، وكما كفاهم علم أنه أيضا يكفيه. وفي هذا إشارة للحكماء وأرباب القلوب في موقفهم من العوامّ والأجانب عن هذه الطريقة، فإنهم لا يقبلون منهم إلا القليل، بينما أهل الحقائق أبدا منهم في مقاساة الأذى إلا بستر حالهم عنهم «٢» .\nوالعوامّ أقرب إلى هذه الطريقة من القرّاء «٣» المتقشفين، ومن العلماء الذين هم لهذه الأصول ينكرون.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2836>[سورة فاطر (٣٥): آية ٥]</span>\nيا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٥)\n_________\n(١) فالواجب إسقاط التدبير وشهود التقدير- كما قلنا في الهامش منذ قليل.\n(٢) لجأ «ملامتية» نيسابور إلى هذا الستر، واكتفوا بعلم الله بأسرار هم وصلاح باطنهم، ولم يأبهوا بالمخلوقين.\nبل رغبة في تأكيد علاقتهم بالله، وإمعانا في إخفاء حقائقهم كانوا يقومون بأشياء تستوجب الملامة.. نقول ذلك رغبة في توضيح أن أفكار هذا المذهب كانت معروفة في مدينة نيسابور موطن القشيري، كما كان السلمى جد أبى عبد الرحمن صديقه الحميم واحدا من رواد هذا المذهب وأئمته.\n(٣) القراء جماعة من قراء القرآن ظهروا منذ عهد مبكر (ولازموا الأعمدة في الليل يتهجدون، حتى إذا جاء النهار استقوا الماء واحتطبوا للنبى وكانوا في صحبته (ابن سعد ح ٣ ق ١ ص ٣٦، ٣٧)، ولكن اللفظة أطلقت فيما بعد بصفة عامة على (الذين يزورون عن الدنيا ويخصصون أنفسهم للعمل الصالح والزهد والتأمل) ابن سعد ج ٦ ص ٢٥٥. (ويقال تقرى بتسهيل الهمزة أي تنسك) (أمالى القالي ح ٣ ص ٤٧) .. ولقد نبه عمر بن الخطاب إلى ضرورة تنقية هذا اللون من التعبد من كل الأغراض والأمراض حيث يقول: «يا أيها الناس إنه أتى على حين وأنا أحسب أنه من قرأ القرآن إنما يريد به الله وما عنده، ألا وقد خيل إلى أن أقواما يقرءون القرآن يريدون به ما عند الله، ألا فأريدوا الله بقراءتكم وبأعمالكم» البيان والتبيين ح ٣ ص ١٣٨. ولكن يبدو أن الزمن قد فعل فعله في خروج طوائف من القراء عن هذا الخط ... الأمر الذي جعل القشيري- وقد عاش في القرنين الرابع والخامس- يتحفظ في الحكم عليهم.","vol":"3","page":192},{"text":"وعد الله حقّ في كل ما أخبر به أنه يكون، فوعده في القيامة حقّ، ووعده لمن أطاعه بكفاية الأمور والسلامة حقّ، ووعده للمطيعين في الآخرة بوجود الكرامة حقّ، وللعاصين بالندامة حقّ، فإذا علم العبد ذلك استعدّ للموت، ولم يهتم بالرزق، فيكفيه الله شغله، فينشط العبد في استكثار الطاعة ثقة بالوعد، ولا يلمّ بالمخالفات خوفا من الوعيد.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2837>[سورة فاطر (٣٥): آية ٦]</span>\nإِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ (٦)\nعداوة الشيطان بدوام مخالفته فإنّ من الناس من يعاونه بالقول ولكن يوافقه بالفعل، ولن تقوى على عداوته إلا بدوام الاستغاثة بالربّ، وتلك الاستغاثة تكون بصدق الاستعانة، والشيطان لا يفتر في عداوتك، فلا تغفل أنت عن مولاك لحظة فيبرز لك عدوّك فإنه أبدا متمكّن لك.\n«إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ» وحزبه هم المعرضون عن الله، المشتغلون بغير الله، الغافلون عن لله. ودليل هذا الخطاب: إن الشيطان عدوّكم فأبغضوه واتخذوه عدوا، وأنا وليّكم وحبيبكم فأحبّونى وارضوا بي حبيبا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2838>[سورة فاطر (٣٥): آية ٧]</span>\nالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (٧)\nالذين كفروا لهم عذاب معجل وعذاب مؤجّل، فمعجّله تفرقة قلوبهم وانسداد بصائرهم ووقاحة همّتهم حتى أنهم يرضون بأن يكون الصنم معبودهم. وأمّا عذاب الآخرة فهو ما لا تخفى على مسلم- على الجملة- صعوبته.","vol":"3","page":193},{"text":"وأمّا «الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ» فلهم مغفرة أي ستر لذنوبهم اليوم، ولولا ذلك لا فتضحوا، ولولا ذلك لهلكوا.\n«وَأَجْرٌ كَبِيرٌ»: والأجر الكبير اليوم سهولة العبادة ودوام المعرفة، وما يناله في القلب من زوائد اليقين وخصائص الأحوال. وفي الآخرة: تحقيق السّؤل ونيل ما فوق المأمول.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2839>[سورة فاطر (٣٥): آية ٨]</span>\nأَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ (٨)\nمعنى الآية: أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا كمن ليس كذلك؟ لا يستويان! ومعنى «زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ» أن الكافر يتوهّم أنّ عمله حسن، قال تعالى: «وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا» «١» .\nثم الراغب في الدنيا يجمع حلالها وحرامها، ويحوّش «٢» حطامها، ولا يفكر في زوالها، ولا في ارتحاله عنها قبل كما لها فلقد زين له سوء عمله (والذي يتبع شهواته ويبيع مؤبّد راحاته فى الجنة بساعة فلقد زين له سوء عمله) «٣» . وإن الذي يؤثر على ربّه شيئا من المخلوقات لهو من جملتهم. والذي يتوهّم أنه إذا وجد نجاته ودرجاته في الجنة- وأنّ هذا يكفيه ... فقد زيّن له سوء عمله حيث يتغافل عن حلاوة المناجاة. والذي هو في صحبة حظوظه ولا يؤثر حقوق الله فلقد زين له سوء عمله فرآه حسنا.\n«فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ»: يعنى إذا عرفت حقّ «٤» التقدير، وعلمت أنهم سقطوا من عين الله، ودعوتهم جهرا، وبذلت لهم نصحا، فاستجابتهم ليست لك، فلا تجعل على قلبك من ذلك مشقة ولا عناء.\n_________\n(١) آية ١٠٤ سورة الكهف.\n(٢) حوش المال ونحوه- جمعه وادخره (الوسيط) .\n(٣) ما بين القوسين موجود في م وغير موجود في ص.\n(٤) هكذا في م وهي في ص (سرّ) التقدير.","vol":"3","page":194},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2840>[سورة فاطر (٣٥): آية ٩]</span>\nوَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذلِكَ النُّشُورُ (٩)\nأجرى سنّته بأنه يظهر فضله في إحياء الأرض بالتدريج فأولا يرسل الرياح ثم يأتى بالسحاب، ثم يوجّه ذلك السحاب إلى الموضع الذي يريد له تخصيصا كيف يشاء، ويمطر هناك كيف يشاء. كذلك إذا أراد إحياء قلب عبد بما يسقيه وينزل عليه من أمطار عنايته، فيرسل أولا رياح الرجاء، ويزعج بها كوامن الإرادة، ثم ينشىء فيها سحب الاهتياج، ولوعة الانزعاج، ثم يجود بمطر ينبت في القلب أزهار البسط، وأنوار «١» الرّوح، فيطيب لصاحبه العيش إلى أن تتمّ لطائف الأنس.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2841>[سورة فاطر (٣٥): آية ١٠]</span>\nمَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ (١٠)\nمن كان يريد العزة بنفسه فليعلم أنّ العزة بجملتها لله، فليس للمخلوق شىء من العزّة.\nويقال من كان يريد العزة لنفسه فلله العزّة جميعا، أي فليطلبها من الله، وفي آية أخرى أثبت العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، وقال هاهنا «فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا» ووجه الجمع بينهما أن عزّ الربوبية لله وصفا، وعزّ الرسول، وعزّ المؤمنين لهم فضلا من الله ولطفا فإذا العزّة لله جميعا.\nوعزّه سبحانه- قدرته. أو ويقال العزيز هو القاهر الذي لا يقهر فيكون من صفات فعله على أول القولين.. ومن صفات ذاته على القول الآخر. ويقال العزيز هو الذي لا يوصل إليه من قولهم: أرض عزاز إذا لم تستقر عليها الأقدام، فيرجع معناه إلى جلال سلطانه.\nويقال العزيز الذي لا مثل له من قولهم: عزّ الطعام في اليد، فيرجع إلى استحقاقه لصفات المجد والعلو.\n_________\n(١) أنوار هنا جمع نورة وهي الزهرة البيضاء.","vol":"3","page":195},{"text":"قوله: «إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ»: الكلم الطيب هو الصادر عن عقيدة طيبة- يعنى الشهادتين- عن إخلاص. وأراد به صعود قبول لأنّ حقيقة الصعود في اللغة بمعنى الخروج- ولا يجوز في صفة الكلام «١» .\n«وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ»: أي يقبله. ويقال العمل الصالح يرفع الكلم الطيب. ويقال الكلم الطيب ما يكون موافقا للسّنّة، ويقال هو ما يشهد بصحّته الإذن والتوقيف. ويقال هو نطق القلب بالثناء على ما يستوجبه الربّ. ويقال هو ما يكون دعاء للمسلمين. ويقال ما يتجرد حقّا للحقّ ولا يكون فيه حظّ للعبد. ويقال ما هو مستخرج من العبد وهو فيه مفقود «٢» . ويقال هو بيان التنصّل وكلمة الاستغفار.\nويقال العمل الصالح ما يصلح للقبول، ويقال الذي ليس فيه آفة ولا يطلب عليه عوض قوله جل ذكره: «وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ» .\nأي يقلب عليهم مكرهم فما يتوهمونه من خير لهم يقلبه محنة عليهم. ويقال: تخليته إياهم ومكرهم «٣» - مع قدرته على عصمتهم، وكونه لا يعصمهم هي عذابهم الشديد.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2842>[سورة فاطر (٣٥): آية ١١]</span>\nوَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْواجًا وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١١)\nذكّرهم نسبتهم لئلا يعجبوا بحالتهم، ثم إن ما يتّخذ من الطين سريع التغيّر، قليل\n_________\n(١) لأن الخروج يقتضى محلا.. والألوهية تتنزه عنه.\n(٢) أي ما يصدر عن العبد وهو مأخوذ مستلب عن نفسه- من المعارف.\n(٣) نصبنا الراء فى (ومكرهم) لتكون مفعولا معه فهكذا نفهم السياق.","vol":"3","page":196},{"text":"القوة في المكث، لكنه يقبل الانجبار بالماء إذ تنجبر به طينته فإذا جاد الحقّ عليه بماء الجود أعاده بعد انكساره بالذنوب «١» .\nوإذا كان لا يخفى عليه- سبحانه- شىء من أحوالهم في ابتداء خلقتهم، فمن يبال أن يخلق من يعلم أنه يعصى فلا يبالى أن يغفر لمن رآه يعصى «٢» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2843>[سورة فاطر (٣٥): آية ١٢]</span>\nوَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢)\nلا تستوى الحالتان: هذه إقبال على الله، واشتغال بطاعته، واستقلال بمعرفته.. وهذه إعراض عن الله، وانقباض عن عبادته، واعتراض- على الله- فى قسمته وقبضته. هذه سبب وصاله، وهذه سبب هجره وانفصاله، وفي كلّ واحدة من الحالتين يعيش أهلها، ويزجى أصحابها وقتها. ولا يستوى الوقتان: هذا بسط وصاحبه في روح، وهذا قبض وصاحبه في نوح. هذا خوف وصاحبه في اجتياح، وهذا رجاء وصاحبه في ارتياح. هذا فرق وصاحبه بوصف العبودية، وهذا جمع وصاحبه في شهود الربوبية.\n«وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها»: كذلك كلّ يتقرّب فى حالته لربّه ويتزيّن على بابه، وهو حليته التي بها يتحلى من طرب أو حرب، من شرف أو تلف.\n_________\n(١) عرض القشيري فيما سبق لهذه النقطة عند ما تحدث عن خلق آدم وإبليس، وكيف أن ماء العناية جبر آدم حين أظهر العذر فاجتباه ربه وتاب عليه، وكيف أن الماء أطفأ نار إبليس فأنظره إلى يوم يبعثون، ليدل القشيري بذلك على أن الطين أفضل من النار، وأن إبليس أخطأ في دعوى أفضليته على آدم.\n(٢) أي أن معصية العبد من العبد عملا- وفي هذا إثبات لحرية الإنسان واختياره- وإن كانت من الله علما ...\nوهو من قبل ومن بعد غافر الذنب وقابل التوب. [.....]","vol":"3","page":197},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2844>[سورة فاطر (٣٥): آية ١٣]</span>\nيُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣)\nتغلب النّفس مرة على القلب، ويغلب القلب مرة على النّفس. وكذلك القبض والبسط فقد يستويان، ومرة يغلب القبض على البسط، ومرة يغلب البسط على القبض، وكذلك الصحو والسّكر، وكذلك الفناء والبقاء.\nوسخّر شموس التوحيد وأقمار المعرفة على ما يريد من إظهاره على القلوب.\n«ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ»: فأرونى شظية من النفي أو الإثبات لما تدعونه من دونه! وإذ لم يمكنكم ذلك.. فهلّا أقررتم، وفي عبادته أخلصتم، وعن الأصنام تبرّأتم؟.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2845>[سورة فاطر (٣٥): آية ١٤]</span>\nإِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)\nإن استعنتم بأصنامكم لا يعينوكم، وإن دعوتموهم لا يسمعوا دعاءكم، ولو سمعوا- على جهة ضرب المثل- لا يستجببون لكم لأنهم لا يملكون نفع أنفسهم.. فكيف يملكون نفع غيرهم؟! «وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ»: لا يؤمنون إلا في ذلك الوقت، ولكن لا ينفعهم الإيمان بعد زوال التكليف.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2846>[سورة فاطر (٣٥): آية ١٥]</span>\nيا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)\nالفقر على ضربين: فقر الخلقة وفقر الصفة فأمّا فقر الخلقة فهو عامّ لكلّ أحد فكلّ مخلوق مفتقر إلى خالقه، فهو قد حصل من العدم، فهو مفتقر إليه ليبديه وينشيه، ثم بعد","vol":"3","page":198},{"text":"ذلك مفتقر- فى حال بقائه إليه- ليديمه ويقيه. فالله- سبحانه- غنيّ، والعبد فقير العبد فقير بعينه والله غنيّ بعينه «١» .\nوأمّا فقر الصفة فهو التجرّد ففقر العوام التجرّد من المال، وفقر الخواص التجرد من الأعلال ليسلم لهم الفقر.\nوالفقر على أقسام: فقر إلى الله، وفقر إلى شىء هو من الله معلوم أو مرسوم وغير ذلك.\nومن افتقر إلى شىء استغنى بوجود ذلك الشيء فالفقير إلى الله هو الغنيّ بالله، والافتقار إلى الله لا يخلو من الاستغناء بالله، فالمفتقر إلى الله مستغن بالله، والمستغنى بالله مفتقر إلى الله «٢» .\nومن شرف الفقر اقترانه بالتواضع والخضوع، ومن آفات الغنى امتزاجه بالتكبّر.\nوشرف العبد في فقره، وكذلك ذلّه في توهمه أنه غنيّ: -\nوإذا تذلّلت الرّقاب تقرّبا ... منّا إليك فعزّها في ذلّها «٣»\nومن الفقر المذموم، أن يستر الحقّ على صاحبه مواضع فقره إلى ربّه، ومن الفقر المحمود أن يشهده الحقّ مواضع فقره إليه.\nومن شرط الفقير المخلص ألا يملك شيئا ويملك كلّ شىء.\nويقال: الفقير الصادق الذي لا يملكه شىء «٤» .\nومن آداب الفقير الصادق إظهار التّشكّر عند كمال التكسّر. ومن آداب الفقر كمال المعنى وزوال الدعوى. ويقال الشكر على البلوى والبعد عن الشكوى.\n_________\n(١) أي أن العبد- كذات مستقلة- فقير لأنه مخلوق يحتاج إلى خالقه، والحق- كذات مستقلة- غنى لأنه خالق فهو في غير حاجة إلى مخلوقه.\n(٢) من أقوال الجنيد في هذا الصدد وقد سئل عن الافتقار إلى الله: أهو أتم أم الاستغناء بالله قال: إذا صح الافتقار إلى الله فقد صح الاستغناء بالله، وإذا صح الاستغناء بالله كمل الغنى به فلا يقال أيهما أتم لأنهما حالتان لا تتم إحداهما إلا بالأخرى (الرسالة ص ١٣٥) .\n(٣) من أقوالهم في هذا الصدد: لو علم أبناء الملوك ما نحن فيه من عز لجالدونا عليه.\n(٤) أي لا يكون أسيرا لغرض أو لعرض، فتلك آفة الدنيا والنفس.","vol":"3","page":199},{"text":"وحقيقة الفقر المحمود تجرّد السّرّ عن المعلولات وإفراد القلب بالله.\nويقال: الفقر المحمود العيش مع الله براحة الفراغ على سرمد الوقت من غير استكراه شىء منه بكلّ وجه.\nقوله: «وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ»: الإشارة منه أن يعطى حتى يحمد.\nويقال الغنىّ إذا أظهر غناه لأحد فإمّا للمفاخرة أو للمكاثرة- وجلّ قدر الحقّ عن ذلك- وإمّا ليجود ويتفضّل على أحد.\nويقال: لا يقول لنا أنتم الفقراء للإزراء بنا- فإنّ كرمه يتقدّس عن ذلك- وإنما المقصود أنه إذا قال: والله الغنى، وأنتم الفقراء أنه يجود علينا.\nويقال إذا لم تدّع ما هو صفته- من استحقاق الغنى- أولاك ما يغنيك، وأعطاك فوق ما يكفيك.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2847>[سورة فاطر (٣٥): الآيات ١٦ الى ١٧]</span>\nإِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦) وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (١٧)\nعرّفك أنه غنيّ عنك، وأشهدك موضع فقرك إليه، وأنه لا بدّ لك منه، فما القصد من هذا إلا إرادته لإكرامك وإيوائك في كنف إنعامه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2848>[سورة فاطر (٣٥): آية ١٨]</span>\nوَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّما يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (١٨)\nكلّ مطالب بعمله، وكلّ محاسب عن ديوانه، ولكلّ معه شأن، وله مع كلّ أحد شأن. ومن العبادات ما تجرى فيه النيابة ولكن في المعارف لا تجرى النيابة فلو أن عبدا عاصيا منهمكا في غوايته فاتته صلاة مفروضة، فلو قضى عنه ألف ولىّ وألف صفيّ تلك الصلاة الواحدة عن كل ركعة ألف ركعة لم تقبل منه إلّا أن يجىء هو: معاذ الله أن نأخذ إلا ممّن وجدنا متاعنا عنده! فعتابك لا يحرى مع غيرك، والخطاب الذي معك لا يسمعه غيرك:\nفسر أو أقم وقف عليك محبتى ... مكانك من قلبى عليك مصون\n«إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ","vol":"3","page":200},{"text":"بِالْغَيْبِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّما يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ» .\nالإنذار هو الإعلام بموضع المخافة، والخشية هي المخافة فمعنى الآية، لا ينفع التخويف إلّا لمن صاحب الخوف- وطير السماء على أشكالها تقع.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2849>[سورة فاطر (٣٥): الآيات ١٩ الى ٢٢]</span>\nوَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلا الظُّلُماتُ وَلا النُّورُ (٢٠) وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ (٢١) وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلا الْأَمْواتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢)\nكما لا يستوى الأعمى والبصير لا تستوى الظلمات والنور، ولا يستوى الظلّ والحرور، ولا الأحياء والأموات.. وكذلك لا يستوى الموصول بنا والمشغول عنّا، والمجذوب إلينا، والمحجوب عنّا، ولا يستوى من اصطفيناه في الأزل ومن أشقيناه بحكم الأزل، ولا يستوى من أشهدناه حقّنا ومن أغفلنا قلبه عن ذكرنا:\nأحبابنا شتان: واف وناقض ولا يستوى قطّ محبّ وباغض قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2850>[سورة فاطر (٣٥): الآيات ٢٣ الى ٢٤]</span>\nإِنْ أَنْتَ إِلاَّ نَذِيرٌ (٢٣) إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلا فِيها نَذِيرٌ (٢٤)\nأي وما من أمة ممن كانوا من قبلك إلّا بعثنا فيهم نذيرا، وفي وقتك أرسلناك إلى جميع الأمم كافة بالحقّ.\n«بَشِيرًا وَنَذِيرًا»: تضمنت الآية بيان أنه لم يخل زمانا ولا قوما من شرع.\nوفي وقته ﷺ أفرده بأن أرسله إلى كافة الخلائق، ثم قال على جهة التسلية والتعزية له:","vol":"3","page":201},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2851>[سورة فاطر (٣٥): آية ٢٥]</span>\nوَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتابِ الْمُنِيرِ (٢٥)\nأي لو قابلوك بالتكذيب فتلك سنّتهم مع كلّ نبىّ، وإن أصرّوا على سنّتهم في الغيّ فلن تجد لسنّة الله تبديلا في الانتقام والخزي.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2852>[سورة فاطر (٣٥): الآيات ٢٧ الى ٢٨]</span>\nأَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوانُها وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَغَرابِيبُ سُودٌ (٢٧) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ كَذلِكَ إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)\nبيّن في هذه الآية وأمثالها أن تخصيص الفعل بهيئاته وألوانه من أدلة قصد الفاعل وبرهانه، وفي إتقان الفعل وإحكامه شهادة على علم الصانع وإعلامه.\nوكذلك أيضا «مِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ»: بل جميع المخلوقات متجانس الأعيان مختلف، وهو دليل ثبوت منشها بنعت الجلال.\nقوله جل ذكره: «إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ» .\n«إِنَّما» كلمة تحقيق تجرى من وجه مجرى التحديد أي التخصيص والقصر، فمن فقد العلم بالله فلا خشية له من الله.\nوالفرق بين الخشية والرهبة أنّ الرهبة خوف يوجب هرب صاحبه فيجرى في هربه، والخشية إذا حصلت كبحت جماح صاحبها فيبقى مع الله، فقدمت الخشية على الرهبة في الجملة «١» .\nوالخوف قضية الإيمان، قال تعالى: «وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» «٢» فالخشية قضية العلم، والهيبة توجب المعرفة.\n_________\n(١) يفيد هذا الكلام في التفرقة بينهما عند بحث المصطلح الصوفي.\n(٢) آية ١٧٥ سورة آل عمران.","vol":"3","page":202},{"text":"ويقال خشية العلماء من تقصيرهم في أداء حقّه. ويقال من استحيائهم من اطلاع الحق.\nويقال حذرا من أن يحصل لهم سوء أدب وترك احترام، وانبساط في غير وقته بإطلاق لفظ، أو ترخّص بترك الأولى.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2853>[سورة فاطر (٣٥): آية ٢٩]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩)\nالذين يستغرق جميع أوقاتهم قيامهم بذكر الله وبحقّه، وإتيانهم بأنواع العبادات وصنوف القرب فلهم القدر الأجلّ من التقريب، والنصيب الأوفر من الترحيب. وأما الذين أحوالهم بالضدّ فمنالهم على العكس. أولئك هم الأولياء الأعزّة، وهؤلاء هم الأعداء الأذلّة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2854>[سورة فاطر (٣٥): آية ٣١]</span>\nوَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ (٣١)\nما عرّفناك- من اختيارنا لك وتخصيصنا إياك، وتقديمنا لك على الكافة- فعلى ما أخبرناك، وأنشدوا:\nلا أبتغى بدلا سواك خليلة ... فثقى بقولي والكرام ثقات\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2855>[سورة فاطر (٣٥): آية ٣٢]</span>\nثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢)\n«أَوْرَثْنَا»: أي أعطينا الكتاب- أي القرآن- الذين اصطفينا من عبادنا، وذكر الإعطاء بلفظ الإرث توسّعا.\n«اصْطَفَيْنا»: أي اخترنا. ثم ذكر أقسامهم، وفي الخبر أنه لمّا نزلت هذه الآية قال ﵇: «أمتى وربّ الكعبة» ثلاث مرات.","vol":"3","page":203},{"text":"وفي الآية وجوه من الإشارة: فمنها أنه لمّا ذكر هذا بلفظ الميراث فالميراث يقتضى صحة النّسب على وجه مخصوص، فمن لا سبب له فلا نسب له، ولا ميراث له.\nومحلّ النّسب هاهنا المعرفة، ومحلّ السبب الطاعة. وإن قيل محلّ النّسب فضله، ومحل السبب فعلك «١» .. فهو وجه. ويصحّ أن يقال محلّ النسب اختياره لك بدءا ومحلّ السبب إحسانه لك تاليا.\nويقال أهل النسب على أقسام: - الأقوى، والأدنى كذلك في الاستحقاق.\nويقال جميع وجوه التملّك لا بدّ فيها من فعل للعبد كالبيع، أمّا ما يملك بالهبة فلا يحصل إلا بالقبول والقسمة، ولا يحصل الاستحقاق إلا بالحضور والمجاهدة وغير ذلك: والوصية لا تستحقّ إلا بالقبول، وفي الزكاة لا بدّ من قبول أهل السّهمان، والميراث لا يكون فيه شىء من جهة الوارث وفعله، والنّسب ليس من جملة أفعاله.\nويقال الميراث يستحقّ بوجهين: بالفرض والتعصيب، والتعصيب أقوى من الفرض لأنه قد يستحق به جميع المال، ثم الميراث يبدأ بذوي الفروض ثم ما يتبقى فللعصبة «٢» .\n«فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ»: تكلموا في الظالم، فمنهم من قال هو الأفضل، وأرادوا به من ظلم نفسه لكثرة ما حمّلها من الطاعة.\nوالأكثرون: إنّ السابق هو الأفضل، وقالوا: التقديم في الذكر لا يقتضى التقديم في الرتبة، ولهذا نظائر كثيرة «٣» .\nويقال قرن باسم الظالم قرينة وهي قوله: «لِنَفْسِهِ»، وقرن باسم السابق قرينة وهي قوله:\n_________\n(١) فالنسب وهبى والفعل كسبى كما أن المعرفة وهبية والطاعة كسية وإن كان الصوفية يرون أن الكسب والاجتلاب والتصرف والتكلف كلها لا تتم إلا بفضل من الله (أنظر شرح المكي لأبيات رابعة المبدوءة ب «أحبك حبين ...» فى قوت القلوب» . وهذا المعنى واضح هنا أيضا في تفسير القشيري.\n(٢) العصبة واحدة العصب، وعصبة الرجل (فى الفرائض) من ليست له فريضة مسماة في الميراث، وإنما يأخذ ما أبقى ذو والفروض. أنظر رأى القشيري في تفضيل التعصيب على الفرض (المجلد الأول من هذا الكتاب ص ٣١٧)\n(٣) على نحو ما يذكره البلاغيون في ذكر الخاص بعد العام.","vol":"3","page":204},{"text":"«بِإِذْنِ اللَّهِ» فالظالم كانت له زلّة، والسابق كانت له صولة، فالظالم رفع زلّته بقوله:\nلنفسه، والسابق كسر صولته بقوله: بإذن الله.\nكأنه قال: يا ظالم ارفع رأسك، ظلمت ولكن على نفسك، ويا سابق اخفض «١» رأسك سبقت- ولكن بإذن الله.\nويقال إنّ العزيز إذا رأى ظالما قصمه، والكريم إذا رأى مظلوما أخذ بيده، كأنه قال:\nيا ظالم، إن كان كونك ظالما يوجب قهرك، فكونك مظلوما يوجب الأخذ بيدك «٢» .\nويقال الظالم من غلبت زلّاته، والمقتصد من استوت حالاته، والسابق من زادت حسناته.\nويقال الظالم من زهد في دنياه، والمقتصد من رغب في عقباه، والسابق من آثر على الدارين مولاه.\nويقال الظالم من نجم كوكب عقله، والمقتصد من طلع بدر علمه، والسابق من ذرّت «٣» شمس معرفته.\nويقال الظالم من طلبه، والمقتصد من وجده، والسابق من بقي معه.\nويقال الظالم من ترك المعصية، والمقتصد من ترك الغفلة، والسابق من ترك العلاقة «٤» .\nويقال الظالم من جاد بماله، والمقتصد من لم يبخل بنفسه، والسابق من جاد بروحه.\nويقال الظالم من له علم اليقين، والمقتصد من له عين اليقين، والسابق من له حق اليقين.\nويقال الظالم صاحب المودة، والمقتصد صاحب الخلّة، والسابق صاحب المحبة.\nويقال الظالم يترك الحرام، والمقتصد يترك الشّبهة، والسابق يترك الفضل «٥» فى الجملة.\n_________\n(١) وردت في ص (احفظ) والسياق يتطلب (اخفض) رأسك فما سبقت إليه ليس إلا بإذن الله.\n(٢) فآية كرم المولى سبحانه أنه ينظر إلى الظالم على أنه مظلوم مظلوم من قبل نفسه التي دعته إلى أن يظلم غيره.... ولعمرى إنها غاية الكرم كما يتصورها هذا الصوفي الجليل.\n(٣) ذرت الشمس ذروا أي ظهرت أول شروقها (الوسيط) .\n(٤) أي العلاقة بالدنيا والنفس وما يتصل بهما.\n(٥) الفضل هنا معناه ما زاد عن الحاجة الضرورية اتقاء للحرام والشبهة، يقول سهل التّسترى: «إذا كان الحلال في التدين هو ما لا يعصى الله فيه فإن الحلال عند الصوفي مالا ينسى الله فيه» . [.....]","vol":"3","page":205},{"text":"ويقال الظالم صاحب سخاء، والمقتصد صاحب جود، والسابق صاحب إيثار «١» .\nويقال الظالم صاحب رجاء، والمقتصد صاحب بسط، والسابق صاحب أنس.\nويقال الظالم صاحب خوف، والمقتصد صاحب خشية، والسابق صاحب هيبة.\nويقال الظالم له المغفرة، والمقتصد له الرحمة والرضوان، والسابق له القربة والمحبة.\nويقال الظالم صاحب الدنيا، والمقتصد طالب العقبى، والسابق طالب المولى.\nويقال الظالم طالب النجاة، والمقتصد طالب الدرجات، والسابق صاحب المناجاة.\nويقال الظالم أمن من العقوبة، والمقتصد فاز بالمثوبة، والسابق متحقق بالقربة.\nويقال الظالم مضروب بسوط الحرص، مقتول بسيف الرغبة، مضطجع على باب الحسرة.\nوالمقتصد مضروب بسوط الندامة، مقتول بسيف الأسف، مضطجع على باب الجود.\nوالسابق مضروب بسوط التواجد، مقتول بسيف المحبة، مضطجع على باب الاشتياق.\nويقال الظالم صاحب التوكل، والمقتصد صاحب التسليم، والسابق صاحب التفويض.\nويقال الظالم صاحب تواجد، والمقتصد صاحب وجد، والسابق صاحب وجود.\nويقال الظالم صاحب المحاضرة، والمقتصد صاحب المكاشفة، والسابق صاحب المشاهدة.\nويقال الظالم يراه في الآخرة بمقدار أيام الدنيا في كل جمعة مرة، والمقتصد يراه في كل يوم مرة، والسابق غير محجوب عنه البتة.\nويقال الظالم مجذوب إلى فعله الذي هو فضله، والمقتصد مكاشف بوصفه الذي هو عزّه، والسابق المستهلك في حقّه الذي هو وجوده.\nقوله: «ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ» لأنه ذكر الظالم مع السابق «٢» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2856>[سورة فاطر (٣٥): آية ٣٣]</span>\nجَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ (٣٣)\n_________\n(١) يفيد هذا التقسيم في بحث لغوى عن ترتيب: السخاء والجود والإيثار.\n(٢) أعجب القرطبي بمنهج الصوفية في تفسير «الظالم والمقتصد والسابق» على هذا النحو فأورد طائفة كبيرة من أقوالهم استغرقت نحو صفحة ونصف الصفحة (ح ١٤ ص ٣٤٨) .","vol":"3","page":206},{"text":"نبّه على أن دخولهم الجنة لا باستحقاق بل بفضله، وليس في الفضل تمييز.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2857>[سورة فاطر (٣٥): آية ٣٤]</span>\nوَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤)\nتحققوا بحقائق الرضا، والحزن سمّى حزنا لخزونة «١» الوقت على صاحبه وليس في الجنة حزونة وإنما هو رضا واستبشار.\nويقال ذلك الحزن حزن خوف العاقبة. ويقال هو دوام المراعاة خشية أن يحصل سوء الأدب. ويقال هو سياسة النفس.\n«إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ» للعصاة، «شَكُورٌ» للمطيعين. قدّم ما للعاصين رفقا بهم لضعف أحوالهم «٢» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2858>[سورة فاطر (٣٥): آية ٣٥]</span>\nالَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ (٣٥)\n«دارَ الْمُقامَةِ»: أي دار الإقامة، لا يبغون عنها حولا، ولا يتمنون منها خروجا.\n«لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ»: إذا أرادوا أن يروا «٣» مولاهم لا يحتاجون إلى قطع مسافة، بل في غرفهم يلقون فيها تحية وسلاما، فإذا رأوه لم يحتاجوا إلى تقليب حدقة أو تحديق مقلة في جهة «٤» يرونه كماهم بلا كيفية.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2859>[سورة فاطر (٣٥): الآيات ٣٦ الى ٣٧]</span>\nوَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها كَذلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦) وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٣٧)\n_________\n(١) حزن المكان حزونة أي حزن أي خشن وغلظ، وحزن الرجل اغتم.\n(٢) يتجلى هنا ما يتمتع به هذا الصوفي من نزعة الأمل وفتح الباب أمام العصاة.\n(٣) يضاف هذا الرأى إلى موضوع «رؤية الله في الآخرة» كما يتصوره القشيري.\n(٤) هكذا في م وهي في ص (وجهة) وكلاهما صحيح إذ المقصود تنزيه من يرونه- سبحانه- عن التقيد بالمكانية.. جلت الصمدية عن التقيد بمحل.","vol":"3","page":207},{"text":"لا حياة يتمتعّون بها، ولا موت يستريحون به، وهم مقيمون في العذاب والحجاب، لا يفتر عنهم العذاب، ولا ترفع عنهم العقوبة.\n«وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ» يقولون: «رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ»، فيقال لهم أو لم نعمركم ...؟\nأما جاءكم النذير قبل أن تبلغوا زمان المشيب؟\nويقال: ألم تستوفوا مدة الإمهال في النظر؟\n«وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ»: الرسل، ويقال ضعف الشيخوخة، ويقال سقوط السّنّ، ويقال تقوّس الظّهر.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2860>[سورة فاطر (٣٥): آية ٣٨]</span>\nإِنَّ اللَّهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٣٨)\nأي عالم بإخلاص المخلصين، وصدق الصادقين، ونفاق المنافقين، وجحد الكافرين.\nعالم بمن يريد بالناس السوء وبمن يحسن بالله الظنّ.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2861>[سورة فاطر (٣٥): آية ٣٩]</span>\nهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلاَّ مَقْتًا وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلاَّ خَسارًا (٣٩)\nأهل كلّ عصر خليف عمن تقدمهم فمن قوم هم لسلفهم حمال «١»، ومن قوم هم أراذل وأنذال فالأفاضل زمانهم لهم محنة، والأراذل هم لزمانهم محنة. وقد قالوا:\n_________\n(١) الحمال الدية أو الغرامة يحملها قوم عن قوم (الوسيط) .","vol":"3","page":208},{"text":"يوم وحسب الدهر من أجله ... حيّا غد والتفت الأمس\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2862>[سورة فاطر (٣٥): آية ٤٠]</span>\nقُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ أَمْ آتَيْناهُمْ كِتابًا فَهُمْ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلاَّ غُرُورًا (٤٠)\nكرّر إشهادهم عجز أصنامهم، ونقص من اتخذوهم آلهة من أوثانهم ليسفّه بذلك آراءهم، ولينبّههم إلى ذميم أحوالهم وأفعالهم، وخسّة هممهم، ونقصان عقولهم.\nثم أخبر أنهم لا يأتون بشىء مما به يطالبون، وليس لهم صواب عمّا يسألون.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2863>[سورة فاطر (٣٥): آية ٤١]</span>\nإِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤١)\nأمسكها بقدرته، وأتقنهما بحكمته، ورتّبهما بمشيئته، وخلق أهلهما على موجب قضيته، فلا شبيه في إبقائهما وإفنائهما يساهمه، ولا شريك في وجودهما ونظامهما يقاسمه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2864>[سورة فاطر (٣٥): الآيات ٤٢ الى ٤٣]</span>\nوَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلاَّ نُفُورًا (٤٢) اسْتِكْبارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (٤٣)\nليس لقولهم تحقيق، ولا لعهدهم وضمانهم توثيق، وما يعدون من أنفسهم فصريح زور، وما يوهمون من وفائهم فصرف تغرير.. وكذلك المريد في أوان نشاطه تمنيه نفسه م (١٤) لطائف الإشارات- ج ٣-","vol":"3","page":209},{"text":"فتظاهر أمام من تقدّمه حالا بانه عاهد الله، وأنه أكد عقده مع الله.. فإذا عضّته شهوته، وأراد الشيطان أن يكذبه صرعه بكيده، وأركسه في هوة غيّه، ومنية نفسه فيسودّ وجهه، وتذهب عند الله وجاهته «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2865>[سورة فاطر (٣٥): آية ٤٤]</span>\nأَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَما كانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ عَلِيمًا قَدِيرًا (٤٤)\nفى الجملة ما خاب له وليّ، وما ربح له عدوّ، ولا ينال الحقيقة من انعكس قصده، بل يرتدّ عليه كيده وهو سبحانه يدمّر على أعدائه تدميرا، ويوسع لأوليائه فضلا كبيرا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2866>[سورة فاطر (٣٥): آية ٤٥]</span>\nوَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيرًا (٤٥)\nلو عجّل لهم ما يستوجبونه من الثواب والعقاب لم تف أعمارهم القليلة به، وما اتسعت أيامهم القصيرة له، فأخّر ذلك ليوم الحشر.. فإنّه طويل. والله على كل شىء قدير، وبأمور عباده خبير بصير.\n_________\n(١) هكذا في م وهي في ص (ماء وجهه) أي حياؤه، وقد آثرنا ما جاء في م لملاءتها السياق.","vol":"3","page":210},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2867>سورة يس</span>\nقوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» «بِسْمِ اللَّهِ» آية افتتح بها خطابه فمن علمها أجزل ثوابه، ومن عرفها أكثر إيجابه، ومن أكبر قدرها أكرم مآبه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2868>[سورة يس (٣٦): الآيات ١ الى ٥]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nيس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤)\nتَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٥)\nيقال معناه: يا سيد. ويقال: الياء تشير إلى يوم الميثاق، والسين تشير إلى سرّه مع الأحباب فيقال بحقّ يوم الميثاق وسرّى مع الأحباب، وبالقرآن الحكيم: - «إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» أي إنّك- يا محمد لمن المرسلين، وإنّك لعلى صراط مستقيم.\n«تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ» أي هذا الكتاب تنزيل (العزيز): المتكبر الغنى عن طاعة المطيعين، (الرحيم):\nالمتفضّل على عباده المؤمنين.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2869>[سورة يس (٣٦): آية ٦]</span>\nلِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ (٦)\nأي خصصناك بهذا القرآن، وأنزلنا عليك هذا الفرقان لتنذر به قوما حصلوا في أيام الفترة، وانقرض أسلافهم على هذه الصّفة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2870>[سورة يس (٣٦): آية ٧]</span>\nلَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٧)","vol":"3","page":211},{"text":"أي حقّ القول بالعقوبة على أكثرهم لأنهم أصرّوا على جحدهم، وانهمكوا في جهلهم، فالمعلوم منهم والمحكوم عليهم أنّهم لا يؤمنون «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2871>[سورة يس (٣٦): الآيات ٨ الى ٩]</span>\nإِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (٨) وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (٩)\nسنجرّهم إلى هوانهم وصغرهم، وسنذيقهم وبال أمرهم.\n«وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ» أغرقناهم اليوم في بحار الضلالة، وأحطنا بهم سرادقات الجهالة. وفي الآخرة سنغرقهم فى النار والأنكال، ونضيّق عليهم الحال، بالسلاسل والأغلال.\n«فَأَغْشَيْناهُمْ»: أعميناهم اليوم عن شهود الحجّة، ونلبّس عليهم في الآخرة سبيل المحجّة، فيتعثّرون في وهدات جهنم داخرين، ويبقون في حرقاتها مهجورين، مطرودين ملعونين، لا نقطع عنهم ما به يعذّبون «٢»، ولا نرحمهم مما منه يشكون تمادى بهم حرمان الكفر، وأحاطت بهم سرادقات الشقاء، ووقعت عليهم السّمة بالفراق.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2872>[سورة يس (٣٦): آية ١٠]</span>\nوَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (١٠)\nمهجور الحقّ لا يصله أحد، ومردود الحقّ لا يقبله أحد. والذي قصمته المشيئة وأقمته القضية لا تنجع فيه النصيحة.\n_________\n(١) أريد أن أنبه دائما إلى أن الجبرية عند الشيخ لا تتعارض مع الحرية الإنسانية، فالإنسان حسرّ فيما يفعل ولكن في دائرة ما حددته له القضية السابقة التي ترتبط بالعلم الإلهى السابق للإبداء والإنشاء.. نحن نعلم ما حسدث ولكن العلم الإلهى يسجل بدءا كل ما سيحدث.\n(٢) من هذا نفهم أن القشيري لا يؤمن بأبدية الجنة وحسب، بل يؤمن بأبدية النار أيضا.. على خلاف جهم الذي يرى أن حركاتهم تتناهى، فهما ليستا أبديتين- كما قلنا من قبل. وعلى خلاف ابن القيم الذي يرى أبدية الجنة فقط حيث بستوقفه الاستثناء في قوله تعالى «لهم فيها زفير وشهيق. خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك» فيقول: إذا فعذابها ينقطع (حادى الأرواح ص ٢٦٣ وشفاه الغليل ص ٢٦٢) ولكن يردّ على ابن القيم أن المقصود في الآية هم عصاة المؤمنين وليس الكفار الذين هم- طبقا لنصوص كثيرة- خالدون فيها أبدا «لا يجدون وليا ولا نصيرا» .","vol":"3","page":212},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2873>[سورة يس (٣٦): آية ١١]</span>\nإِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (١١)\nأي إنما ينتفع بإنذارك من اتّبع الذّكر فإنّ إنذارك- وإن كان عاما في الكلّ وللكلّ- فإنّ الذين كفروا على غيّهم يصرّون.. ألا ساء ما يحكمون، وإن كانوا لا يعلمون قبح ما يفعلون. أمّا الذين اتبعوا الذكر، واستبصروا، وانتفعوا بالذي سمعوه منك، وبه عملوا- فقد استوجبوا أن تبشّرهم فبشّرهم، وأخبرهم على وجه يظهر السرور بمضمون خبرك عليهم.\n«وَأَجْرٍ كَرِيمٍ»: كبير وافر على أعمالهم- وإن كان فيها خلل.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2874>[سورة يس (٣٦): آية ١٢]</span>\nإِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ (١٢)\nنحيى قلوبا ماتت بالقسوة بما نمطر عليها من صوب الإقبال والزلفة، ونكتب ما قدّموا.\n«وَآثارَهُمْ»: خطاهم إلى المساجد «١»، ووقوفهم على بساط المناجاة معنا، وترقرق دموعهم على عرصات خدودهم، وتصاعد أنفاسهم.\n«وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ» أثبتنا تفصيله في اللوح المحفوظ.. لا لتناسينا لها- وكيف وقد أحصينا كل شىء عددا؟ - ولكننا أحببنا إثبات آثار أحبائنا في المكنون من كتابنا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2875>[سورة يس (٣٦): آية ١٣]</span>\nوَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣)\nانقرض زمانهم، ونسى أوانهم وشأنهم! ولكننا نتذكر أحوالهم بعد فوات أوقاتهم، ولا نرضى بألا يجرى بين أحبائنا وعلى ألسنة أوليائنا ذكر الغائبين والماضين، وهذا مخلوق يقول في صفة مخلوق:\n_________\n(١) قال أبو سعيد الخدري: كان بنو سلمة في ناحية من المدينة، فأرادوا أن ينتقلوا إلى قرب المسجد، فأنزل الله الآية، وقال لهم النبيّ (ص): «إن آثاركم تكتب فسلم تنتقلون» أسباب النزول للواحدى ص ٢٤٥.","vol":"3","page":213},{"text":"إذا نسى الناس إخوانهم ... وخان المودّة خلّانها\nفعندى لإخوانى الغائبين ... صحائف ذكرك عنوانها\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2876>[سورة يس (٣٦): الآيات ١٦ الى ١٨]</span>\nقالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (١٦) وَما عَلَيْنا إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (١٧) قالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ (١٨)\nقال الرسل: «رَبُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ» وليس علمنا إلّا بما أمرنا به من التبليغ والإنذار.\n«قالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ» لنرجمنّكم، ولنصنعنّ، ولنفعلنّ ... فأجابهم الرسل: إنكم لجهلكم ولجحدكم سوف تلقون ما توعدون.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2877>[سورة يس (٣٦): الآيات ٢٠ الى ٢١]</span>\nوَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١)\nفى القصة أنه جاء من قرية فسّماها مدينة، وقال من أقصى المدينة، ولم يكن أقصاها وأدناها ليتفاوتا بكثير، ولكنه- سبحانه- أجرى سنّته في استكثار القليل من فعل عبده إذا كان يرضاه، ويستنزر الكثير من فضله إذا بذله وأعطاه.\n«اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْرًا..» فأبلغ الوعظ وصدق النّصح.. ولكن كما قالوا:\nوكم سقت في آثاركم من نصيحة ... وقد يستفيد البغضة المتنصّح\nفلمّا صدق في حاله، وصبر على ما لقى من قومه، ورجع إلى التوبة، لقّاه حسن أفضاله، وآواه إلى كنف إقباله، ووجد ما وعده ربّه من لطف أفضاله.","vol":"3","page":214},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2878>[سورة يس (٣٦): الآيات ٢٦ الى ٢٧]</span>\nقِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (٢٧)\nتمنّى أن يعلم قومه حاله، فحقّق الله مناه، وأخبر عن حاله، وأنزل به خطابه، وعرف قومه ذلك. وإنما تمنّى وأراد ذلك إشفاقا عليهم، ليعملوا مثلما عمل ليجدوا مثلما وجد.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2879>[سورة يس (٣٦): الآيات ٢٨ الى ٢٩]</span>\nوَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ (٢٨) إِنْ كانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ خامِدُونَ (٢٩)\nما كانت إلا قضية منّا بعقوبتهم، وتغييرا لما كانوا به من السلامة إلى وصف البلاء.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2880>[سورة يس (٣٦): آية ٣٠]</span>\nيا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٣٠)\nإن لم يتحسّروا هم اليوم فلهم موضع التحسّر وذلك لانخراطهم في سلك واحد من التكذيب ومخالفة الرسل، ومناوءة أوليائه- سبحانه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2881>[سورة يس (٣٦): الآيات ٣١ الى ٣٢]</span>\nأَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ (٣١) وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ (٣٢)\nألم يروا ما فعلنا بمن قبلهم من القرون الماضية، وما عاملنا به الأمم الخالية، فلم يرجع إليهم أحد، فكلّهم في قبضة القدرة، ولم يفتنا أحد، ولم يكن لواحد منهم علينا عون ولا مدد، ولا عن حكمنا ملتحد قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2882>[سورة يس (٣٦): آية ٣٣]</span>\nوَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣)\nلمّا كان أمر البعث أعظم شبههم، وكثر فيه إنكارهم كان تكرار الله سبحانه لحديث","vol":"3","page":215},{"text":"البعث، وقد ضرب- سبحانه- المثل له بإحياء الأرض بالنبات في الكثير من الآيات.\nوالعجب ممّن ينكر علوم الأصول ويقول ليس في الكتاب عليها دليل! وكيف يشكل ذلك وأكثر ما في القرآن من الآيات يحت على سبيل الاستدلال، وتحكيم أدلة العقول «١»؟\nولكن يهدى الله لنوره من يشاء. ولو أنهم أنصفوا من أنفسهم، واشتغلوا بأهم شىء عندهم لما ضيّعوا أصول الدّين، ولكنهم رضوا فيها بالتقليد، وادّعوا في الفروع رتبة الإمامة والتصدّر.. ويقال في معناه:\nيا من تصدّر في دست الإمامة فى ... مسائل الفقه إملاء وتدريسا\nغفلت عن حجج التوحيد تحكمها ... شيّدت فرعا وما مهّدت تأسيسا!\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2883>[سورة يس (٣٦): آية ٣٦]</span>\nسُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ (٣٦)\nتنبّه هذه الاية على التفكّر في بديع صنعه فقال: تنزيها لمن خلق الأشياء المتشاكلة فى الأجزاء والأعضاء، من النبات، ومن أنفسهم، ومن الأشياء الأخرى التي لا يعلمون تفصيلها، كيف جعل أوصافها في الطعوم والروائح، فى الشكل والهيئة، فى اختلاف الأشجار فى أوراقها وفنون أغصانها وجذوعها وأصناف أنوارها وأزهارها، واختلاف أشكال تمارها فى تفرّقها واجتماعها، ثم ما نيط بها من الانتفاع على مجرى العادة مما يسميه قوم: الطبائع فى الحرارة والبرودة، والرطوبة واليبوسة، واختلاف الأحداث التي يخلقها الله عقيب شراب هذه الأدوية وتناول هذه الأطعمة على مجرى العادة من التأثيرات التي تحصل في الأبدان. ثم اختلاف صور هذه الأعضاء الظاهرة والأجزاء الباطنة، فالأوقات متجانسة، والأزمان متماثلة، والجواهر متشاكلة.. وهذه الأحكام مختلفة، ولولا تخصيص حكم لكل شىء بما اختصّ به لم يكن تخصيص بغير ذلك أولى منه. وإنّ من كحّل الله عيون بصيرته بيمن التعريف، وقرن أوقاته بالتوفيق، وأتم نظره، ولم يصده مانع.. فما أقوى في المسائل حجّته! وما أوضح فى السلوك نهجه!.\n_________\n(١) فى هذا ردّ على من يتهم الصوفية بمجافاتهم للعقل والعلم.","vol":"3","page":216},{"text":"إنّها لأقسام سبقت على من شاءه الحقّ بما شاء.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2884>[سورة يس (٣٦): آية ٣٧]</span>\nوَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧)\nنبطل ضوء النهار بهجوم الليل عليه، وتزيل ظلام الليل بهجوم النهار عليه، كذلك نهار الوجود يدخل على ليالى التوقف، ويقود بيد كرمه عصا من عمى عن سلوك رشده فيهديه إلى سواء الطريق.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2885>[سورة يس (٣٦): الآيات ٣٨ الى ٤٠]</span>\nوَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠)\nعلى ترتيب معلوم لا يتفاوت في فصول السنة، وكل يوم لها مشرق جديد ولها مغرب جديد.. وكل هذا بتقدير العزيز العليم.\n«وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ» الإشارة منه أن العبد في أوان الطلب رقيق الحال، ضعيف، مختصر الفهم.. ثم يفكّر حتى تزداد بصيرته ... إنه كالقمر يصير كاملا، ثم يتناقص، ويدنو من الشمس قليلا قليلا، وكلّما ازداد من الشمس دنوّا ازداد في نفسه نقصانا حتى يتلاشى ويختفى ولا يرى ...\nثم يبعد عن الشمس فلا يزال يتباعد ويتباعد حتى يعود بدرا- من الذي يصرّفه في ذلك إلّا أنه تقدير العزيز العليم؟ وشبيه الشمس عارف أبدا في ضياء معرفته، صاحب تمكين غير متلوّن «١»، يشرق من برج سعادته دائما، لا يأخذه كسوف، ولا يستره سحاب.\nوشبيه القمر عبد تتلون أحواله في تنقله فهو في حال من البسط يترقّى إلى حدّ الوصال، ثم يردّ إلى الفترة، ويقع في القبض مما كان به من صفاء الحال، فيتناقص، ويرجع إلى نقصان أمره إلى أن يرفع قلبه عن وقته، ثم يجود الحقّ- سبحانه- فيوفّقه لرجوعه عن فترته،\n_________\n(١) سبق أن أوضحنا الفرق بين حالى التلوين والتمكين.","vol":"3","page":217},{"text":"وإفاقته عن سكرته، فلا يزال يصفو حاله إلى أن يقرب من الوصال، ويرزق صفة الكمال، ثم بعد ذلك يأخذ في النقص والزوال.. كذلك حاله إلى أن يحقّ له بالمقسوم ارتحاله، كما قالوا:\nما كنت أشكو ما على بدني ... من كثرة التلوين من بدّته «١»\nوأنشدوا: كلّ يوم تتلون ... غير هذا بك أجمل\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2886>[سورة يس (٣٦): الآيات ٤١ الى ٤٢]</span>\nوَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١) وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ (٤٢)\nالإشارة فيه إلى حمل الخلق في سفينة السلامة في بحار التقدير عند تلاطم أمواجها بفنون من التغيير والتأثير. فكم من عبد غرق في اشتغاله في ليله ونهاره، لا يستريح لحظة من كدّ أفعاله ومقاساة التعب في أعماله، وجمع ماله.\nفجرّه ذلك إلى نسيان عاقبته ومآله، واستيلاء شغله بولده وعياله على فكره وباله- وما سعيه إلّا في وباله! وكم من عبد غرق في لجّة هواه، فجرّته مناه إلى تحمّل بلواه، وخسيس من أمر مطلوبه ومبتغاه.. ثم لا يصل قط إلى منتهاه، خسر دنياه وعقباه، وبقي عن مولاه! ومن أمثال هذا وذاك ما لا يحصى، وعلى عقل من فكّر واعتبر لا يخفى.\nأمّا إذا حفظ عبدا في سفينة العناية أفرده- سبحانة- بالتحرّر من رقّ خسائس الأمور، وشغله بظاهره بالقيام بحقّه، وأكرمه في سرائره بفراغ القلب مع ربّه، ورقّاه إلى ما قال: «أنا جليس من ذكرنى» .. وقل في علوّ شأن من هذه صفته.. ولا حرج! قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2887>[سورة يس (٣٦): الآيات ٤٣ الى ٤٤]</span>\nوَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ (٤٣) إِلاَّ رَحْمَةً مِنَّا وَمَتاعًا إِلى حِينٍ (٤٤) .\n_________\n(١) البدة النصيب والقسمة (اللسان) . [.....]","vol":"3","page":218},{"text":"لولا جوده وفضله لحلّ بهم من البلاء ما حلّ بأمثالهم، لكنه بحسن الأفضال، يحفظهم فى جميع الأحوال.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2888>[سورة يس (٣٦): الآيات ٤٥ الى ٤٧]</span>\nوَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٥) وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (٤٦) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٤٧)\nالآيات هذه صفات من سيّبهم «١» فى أودية الخذلان، ووسمهم بسمة الحرمان، وأصمّهم عن سماع الرّشد، وصدّهم بالخذلان عن سلوك القصد، فلا تأتيهم آية في الزّجر إلا قابلوها بإعراضهم، وتجافوا عن الاعتبار بها على دوام انقباضهم، وإذا أمروا بالإنفاق والإطعام عارضوا بأنّ الله رازق الأنام، وإن يشأ نظر إليهم بالإنعام: - «وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ» ثم قال جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2889>[سورة يس (٣٦): الآيات ٤٨ الى ٥٠]</span>\nوَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٨) ما يَنْظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (٤٩) فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (٥٠)\nيستعجلون هجوم الساعة، ويستبطئون قيام القيامة- لا عن تصديق يريحهم من شكّهم، أو عن خوف يمنعهم عن غيّهم، ولكن تكذيبا لدعوة الرسل، وإنكارا لصحة النبوة، واستبعادا للنشر والحشر.\nويوم القيامة هم في العذاب محضرون، ولا يكشف عنهم، ولا ينصرون.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2890>[سورة يس (٣٦): الآيات ٥١ الى ٥٤]</span>\nوَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١) قالُوا يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢) إِنْ كانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ (٥٣) فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلا تُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٤)\n_________\n(١) سيبه تركه وخلّاه يسيب حيث شاء (الوسيط) .","vol":"3","page":219},{"text":"يموتون قهرا، ويحشرون جبرا، ويلقون أمرا، ولا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا.\n«قالُوا يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا «١» مِنْ مَرْقَدِنا؟» يموتون على جهل، لا يعرفون ربّهم، ويبعثون على مثل حالهم، لا يعرفون من بعثهم، ويعدون ما كانوا فيه في قبورهم من العقوبة الشديدة- بالإضافة إلى ما سيلقون من الآلام الجديدة- نوما ورقادا، وسيطئون من الفراق المبرح والاحتراق العظيم الضخم مهادا، لا يذوقون بردا ولا شرابا إلا حميما وغسّاقا، ولقد عوملوا بذلك استحقاقا: فقد قال جل ذكره: - «فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2891>[سورة يس (٣٦): الآيات ٥٥ الى ٥٧]</span>\nإِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ (٥٥) هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ (٥٦) لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ (٥٧)\nإنما يضاف العبد إلى ما كان الغالب عليه ذكره والآخذ بمجامع قلبه، فصاحب الدنيا من فى أسرها، وأصحاب الجنة من هم طلّابها والساعون لها والعاملون لنيلها قال تعالى مخبرا عن أقوالهم وأخوالهم: «لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ» «٢» . وهذه الأحوال- وإن جلّت منهم ولهم- فهى بالإضافة إلى أحوال السادة والأكابر تتقاصر، قال ﷺ: «أكثر أهل الجنة البله» «٣» ومن كان في الدنيا عن الدنيا حرّا فلا يبعد أن يكون في الجنة عن الجنة حرا، والله يختص برحمته من يشاء.\nوقيل إنما يقول هذا الخطاب لأقوام فارغين، فيقول لهم: «إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ»\n_________\n(١) سقطت (بعثنا) من الناسخ في ص.\n(٢) آية ٦١ سورة الصافات.\n(٣) جاء في اللسان أن الأبله من تغلب عليه سلامة الصدر، وحسن الظنّ بالناس لأنه يغفل أمر دنياه، ويقبل على آخرته ويشغل نفسه بها، قال ﷺ «أكثر أهل الجنة البله» فهم أكياس في أمر الآخرة (اللسان ح ١٩ ص ٤٧٧) ط بيروت.","vol":"3","page":220},{"text":"وهم أهل الحضرة والدنو، لا تشغلهم الجنة عن أنس القربة، وراحات الوصلة، والفراغ للرؤية «١» ويقال: لو علموا عمّن شغلوا لما تهنّأوا بما شغلوا.\nويقال بل إنما يقول لأهل الجنة: «إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ..» كأنه يخاطبهم مخاطبة المعاينة إجلالا لهم كما يقال: الشيخ يفعل كذا، ويراد به: أنت تفعل كذا.\nويقال: إنما يقول هذا لأقوام في العرصة أصحاب ذنوب لم يدخلوا النار، ولم يدخلوا الجنة بعد لعصيانهم فيقول الحق: عبدى.. أهل النار لا يتفرغون إليك لأهوالهم، وما هم فيه من صعوبة أحوالهم، وأهل الجنة وأصحابها اليوم في شغل عنك لأنهم في لذّاتهم، وما وجدوا من أفضالهم مع أهلهم وأشكالهم فليس لك اليوم إلا نحن! وقيل شغلهم تأهبهم لرؤية مولاهم، وذلك من أتمّ الأشغال، وهي أشغال مؤنسة مريحة لا متعبة موحشة.\nويقال: الحقّ لا يتعلّق به حقّ ولا باطل فلا تنافى بين اشتغالهم بأبدانهم مع أهلهم، وشهودهم مولاهم، كما أنهم اليوم مشغولون مستديمون لمعرفته بأى حالة هم، ولا يقدح اشتغالهم- باستيفاء حظوظهم- فى معارفهم.\nويقال شغل نفوسهم بشهواتها «٢» حتى يخلص الشهود لأسرارهم على غيبة من إحساس النّفس الذي هو أصعب الرّقباء، ولا شىء أعلى من رؤية الحبيب مع فقد الرقيب.\nقوله جل ذكره: «هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ» .\n_________\n(١) هكذا فى م وهي في ص (لله وبه)، وقد آثرنا (الرؤية) متأثرين برواية القرطبي عن الثعلبي والقشيري-- ابن المصنف- حيث تقول هذه الرواية: «فينظر إليهم الحق وينظرون إليه، فلا يلتفتون إلى شىء من النعيم ماداموا ينظرون إليه» القرطبي ح ١٥ ص ٤٥.\n(٢) قال ابن مسعود وابن عباس وقتادة ومجاهد: شغلهم افتضاض العذارى.\nوفي الخبر عن أبى سعيد الخدري قال (ص): «إن أهل الجنة كلما جامعوا نساءهم عدن أبكارا» . ذكر ابن عباس: كلما أتى الرجل من أهل الجنة الحوراء وجدها بكرا، وكلما رجع إليها عادت إليه شهوته، ولا يكون بينهما منى، منه أو منها. (القرطبي ح ١٥ ص ٤٥) .","vol":"3","page":221},{"text":"«أَزْواجُهُمْ»: قيل أشكالهم في الحال والمنزلة، كقوله: «احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ» «١» وقيل حظاياهم «٢» من زوجاتهم.\n«لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ» «لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ»: أي نصيب أنفسهم. ويقال الإشارة فيها إلى راحات الوقت دون حظوظ النفس.\n«لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ»: ما يريدون، ويقال تسلم لهم دواعيهم، والدعوى- إذا كانت بغير حقّ- معلولة.\nقوله تعالى:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2892>[سورة يس (٣٦): آية ٥٨]</span>\nسَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨)\nيسمعون كلامه وسلامه بلا واسطة، وأكّد ذلك بقوله: «قَوْلًا» .\nوبقوله: «مِنْ رَبٍّ» ليعلم أنه ليس سلاما على لسان سفير.\n«مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ» . والرحمة في تلك الحالة أن يرزقهم الرؤية في حال ما يسلّم عليهم لتكمل لهم النعمة. ويقال الرحمة في ذلك الوقت أن ينقّيهم في حال سماع السلام وحال اللقاء لئلا يصحبهم دهش، ولا تلحقهم حيرة.\nويقال إنما قال: «مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ» ليكون للعصاة من المؤمنين فيه نفس، ولرجائهم مساغ فإن الذي يحتاج إلى الرحمة العاصي.\nويقال: قال ذلك ليعلم العبد أنه لم يصل إليه بفعله واستحقاقه، وإنما وصل إليه برحمة ربه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2893>[سورة يس (٣٦): آية ٥٩]</span>\nوَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (٥٩)\nغيبة الرقيب أتمّ نعمة، وإبعاد العدوّ «٣» من أجلّ العوارف «٤» فالأولياء في إيجاب القربة، والأعداء في العذاب والحجبة.\n_________\n(١) آية ٢٢ سورة الصافات.\n(٢) جمع حظية وهي المرأة التي تفضل على غيرها في المحبة.\n(٣) يقول قتادة فى «امتازوا» إنها بمعنى عزلوا عن كل خير.\n(٤) العوارف جمع عارفة وهي الفضل والإحسان.","vol":"3","page":222},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2894>[سورة يس (٣٦): الآيات ٦٠ الى ٦١]</span>\nأَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١)\nلو كان هذا القول من مخلوق إلى مخلوق لكان شبه اعتذار أي لقد نصحتكم ووعظتكم، ومن هذا حذّرتكم، وكم أوصلت لكم القول، وذكّرتكم فلم تقبلوا وعظي، ولم تعملوا بأمرى، فأنتم خالفتم، وعلى أنفسكم ظلمتم، وبذلك سبقت القضية منّا لكم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2895>[سورة يس (٣٦): آية ٦٥]</span>\nالْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٦٥)\nاليوم سخّر الله أعضاء بدن الإنسان بعضها لبعض، وغدا ينقض هذه العادة، فتخرج بمض الأعضاء على بعض، وتجرى بينها الخصومة والنزاع فأمّا الكفار فشهادة أعضائهم عليهم مبيدة، وأمّا العصاة من المؤمنين فقد تشهد عليهم بعض أعضائهم بالعصيان، ولكن تشهد لهم بعض أعضائهم أيضا بالإحسان، وكما قيل:\nبينى وبينك يا ظلوم الموقف ... والحاكم العدل الجواد المنصف\nوفي بعض الأخبار المروية المسندة أنّ عبدا تشهد عليه أعضاؤه بالزّلّة فيتطاير شعره من جفن عينيه، فيستأذن بالشهادة له فيقول الحق: تكلمى يا شعرة جفن عبدى واحتجّى عن عبدى، فتشهد له بالبكاء من خوفه، فيغفر له، وينادى مناد: هذا عتيق الله بشعرة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2896>[سورة يس (٣٦): آية ٦٨]</span>\nوَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ (٦٨)\n؟ يردّه إذا استوى شبابه وقوّته إلى العكس، فكما كان يزداد في القوة يأخذ في النقصان إلى أن يبلغ أرذل العمر في السن فيصير إلى مثل حال الطفولية في الضعف، ثم لا يبقى بعد النقصان شىء، كما قيل:\nطوى العصران ما نشراه منى ... وأبلى جدنى نشر وطيّ","vol":"3","page":223},{"text":"أرانى كلّ يوم في انتقاص ... ولا يبقى مع النقصان شيّ\nهذا في الجثث والمبانى دون الأحوال والمعاني فإن الأحوال في الزيادة إلى أن يبلغ حدّ الخرف «١» فيختلّ رأيه وعقله. وأهل الحقائق تشيب ذوائبهم ولكنّ محابّهم ومعانيهم فى عنفوان شبابها، وطراوة جدّتها.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2897>[سورة يس (٣٦): آية ٦٩]</span>\nوَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩)\nكلامه ﷺ كان خارجا عن أوزان الشّعر، والذي أتاهم به من القرآن لم يكن من أنواع الشعر، ولا من طرق الخطباء.\nتحيّر القوم في بابه ولم تكتحل بصائرهم بكحل التوحيد فعموا عن شهود الحقائق.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2898>[سورة يس (٣٦): الآيات ٧١ الى ٧٥]</span>\nأَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعامًا فَهُمْ لَها مالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْناها لَهُمْ فَمِنْها رَكُوبُهُمْ وَمِنْها يَأْكُلُونَ (٧٢) وَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ وَمَشارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ (٧٣) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (٧٤) لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (٧٥)\nذكر عظيم منّته عليهم، وجميل نعمته لديهم بما سخر لهم من الأنعام التي ينتفعون بها بوجوه الانتفاع.\nولفظ «أَيْدِينا» توسّع. أي مما عملنا وخلقنا، وذلك أنهم ينتفعون بركوبها وبأكل لحومها وشحومها، وبشرب ألبانها، وبالحمل عليها، وقطع المسافات بها، ثم بأصوافها وأوبارها وشعرها ثم بعظم بعضها.. فطالبهم بالشكر عليها، ووصفهم بالتقصير في شكرهم.\nثم أظهر- ما إذا كان في صفة المخلوقين لكان شكاية- أنهم مع كل هذه الوجوه من الإحسان: -\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2899>[سورة يس (٣٦): آية ٧٦]</span>\nفَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ (٧٦)\n_________\n(١) الخرف فساد العقل من الكبر.","vol":"3","page":224},{"text":"اكتفوا بأمثالهم «١» معبودات لهم، ثم سلّى نبيّهﷺ بأن قال له: - «فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ» وإذا علم العبد أنّه بمرأى من الحقّ هان عليه ما يقاسيه، ولا سيما إذا كان في الله.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2900>[سورة يس (٣٦): آية ٧٧]</span>\nأَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧)\nأي شددنا أسرهم، وجمعنا نشرهم، وسوّينا أعضاءهم، وركّببنا أجزاءهم، وأودعناهم العقل والتمييز.. ثم إنه «خَصِيمٌ مُبِينٌ»: ينازعنا في خطابه، ويعترض علينا في أحكامنا بزعمه واستصوابه، وكما قيل:\nأعلّمه الرماية كلّ يوم ... فلمّا اشتدّ ساعده رمانى\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2901>[سورة يس (٣٦): الآيات ٧٨ الى ٨١] </span>«٢»\nوَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نارًا فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ (٨١)\nمهّد لهم سبيل الاستدلال، وقال إن الإعادة في معنى الإبداء، فأى إشكال بقي في جواز الإعادة في الانتهاء؟ وإنّ الذي قدر على خلق النار في الأغصان الرّطبة من المرخ والعفار «٣» قادر على خلق الحياة في الرّمة البالية، ثم زاد في البيان بأن قال: إن القدرة على مثل الشيء\n_________\n(١) أي أمثالهم من المخلوقين والمخلوقات.\n(٢) نزلت حين سأل أبى بن خلف الجمحي رسول الله (ص) وقد جاءه بعظم حائل قائلا: يا محمد، أترى الله يحيى هذا بعد ما رم؟ فقال: نعم، ويبعثك ويدخلك في النار. (أسباب النزول للواحدى ص ٢٤٦) .\n(٣) المرخ شجر طويل ليس له ورق ولا شوك، سريع الورى، يقتدح به. والعفار الجوز المأكول.\nوفي المثل: «فى كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار» (الوسيط) .\nم (١٥) لطائف الإشارات- ح ٣ [.....]","vol":"3","page":225},{"text":"كالقدرة عليه لاستوائهما بكلّ وجه، وإنه يحيى النفوس بعد موتها في العرصة كما يحى الإنسان من النطفة، والطير «١» من البيضة، ويحيى القلوب بالعرفان لأهل الإيمان كما يميت نفوس أهل الكفر بالهوى والطغيان.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2902>[سورة يس (٣٦): آية ٨٢]</span>\nإِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)\n«إِذا أَرادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» بخلقه وقدرته. وأخبرنا أنه تتعلّق بالمكوّن كلمته على ما يجب في صفته، وسيّان عنده خلق الكثير في كثرته والقليل في قلّته.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2903>[سورة يس (٣٦): آية ٨٣]</span>\nفَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)\nأي بقدرته ظهور كلّ شىء: فلا يحدث شىء- قلّ أو كثر- إلا بإبداعه وإنشائه، ولا يبقى منها شىء إلا بإبقائه، فمنه ظهور ما يحدث، وإليه مصير ما يخلق\n_________\n(١) وردت (والطين) والصواب أن تكون (والطير) .","vol":"3","page":226},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2904>سورة الصّافّات</span>\nقوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» «بِسْمِ اللَّهِ» كلمة إذا استولت على قلب أزالت عنه أولا من الدارين أربه، ثم ألزمت على وجه التبعية حربه، ثم شرّفت من حيث الهمة طلبه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2905>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١ الى ٤]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nوَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١) فَالزَّاجِراتِ زَجْرًا (٢) فَالتَّالِياتِ ذِكْرًا (٣) إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ (٤)\nافتتح الله هذه السورة بالقسم بالصافات، وهم الملائكة المصطفّة في السماء وفي الهواء، وفي أماكنهم على ما أمرهم الحق- سبحانه- من المكان يلازموته، والأمر يعانقون يسبّحونه ويقدّسونه، وبما يأمرهم به يطيعونه.\n«فَالزَّاجِراتِ زَجْرًا» عطفهم على ما تقدّم بحرف الفاء وهم الملائكة الذين يزجرون السحاب. ويقال يزجرون الناس عن المعاصي. ويقال هي الخواطر الزاجرة عن المناهي.\n«فَالتَّالِياتِ ذِكْرًا» يقال «الصَّافَّاتِ» الطيور المصطفّة في السماء، «فَالتَّالِياتِ ذِكْرًا» الملائكة يتلون كتاب الله، ويتلون الوحى على الأنبياء ﵈.\n«إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ» هذا هو المقسوم عليه.\nأخبر أنه سبحانه واحد في ملكه، وذلك لأنهم تعجّبوا أن يقوم الواحد بجميع أحوال العالم. ومعنى كونه واحدا تفرّده في حقّه عن القسمة، وتقدّسه في وجوده عن الشبيه، وتنزّهه فى","vol":"3","page":227},{"text":"ملكه عن الشريك واحد في جلاله، واحد في استحقاق جماله، واحد في أفعاله، واحد في كبريائه بنعت علائه، ووصف سنائه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2906>[سورة الصافات (٣٧): آية ٥]</span>\nرَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَرَبُّ الْمَشارِقِ (٥)\nمالك السماوات والأرض وما بينهما، وخالقهما، وأكساب العباد داخلة في هذا «١» .\n«وَرَبُّ الْمَشارِقِ» مشارق النجوم والشمس والقمر، ومشارق القلوب بشموسها وأقمارها ونجومها.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2907>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٦ الى ٧]</span>\nإِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ (٦) وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ (٧)\nزيّن السماء الدنيا بالنجوم، وقلوب أوليائه بنجوم المعارف والأحوال، وحفظ السماوات بأن جعل النجوم للشياطين رجوما، وكذلك زيّن القلوب بأنوار التوحيد، فإذا قرب منها الشيطان رجمها بنجوم معارفهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2908>[سورة الصافات (٣٧): آية ١٠]</span>\nإِلاَّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ (١٠)\nكذلك إذا اغتنم الشيطان من الأولياء أن يلقى إليهم شيئا من وساوسه تذكّروا، فإذا هم مبصرون، ورجعوا.. قال تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا «٢»» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2909>[سورة الصافات (٣٧): آية ١١]</span>\nفَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنا إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ (١١)\n_________\n(١) هذا الرأى على جانب كبير من الأهمية من الوجهة الكلامية، وخلق أكساب العباد من الله حكما وعلما، لأن الإرادة الإنسانية لا يمكن أن تخرج عن نطاق الحكم والعلم الإلهين- هكذا أو قفنا القشيري في مواضع مختلفة.\n(٢) آية ٢٠١ سورة الأعراف.","vol":"3","page":228},{"text":"عرّفهم عجزهم عن الإثبات، وضعفهم في كل حال، ثم ذكرهم نسبتهم أنها إلى الطين اللازب «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2910>[سورة الصافات (٣٧): آية ١٢]</span>\nبَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (١٢)\nحقيقة التعجب تغير النفس مما لم تجر العادة بحدوث مثله. وتقرأ «٢» «عَجِبْتَ» بالفتح خطابا للرسول ﷺ- وبالضم فكأن الحقّ يقول ذلك من قبل نفسه بل عجبت، ويقال ذلك بمعنى إكبار ذلك الشيء، إما في القدر، أو الإكثار في الذمّ أو في المدح.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2911>[سورة الصافات (٣٧): آية ١٣]</span>\nوَإِذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ (١٣)\nإذا ذكروا بآياته يعرضون عن الإيمان بها والتفكّر فيها، ويقولون: ليس هذا الذي أتى به محمد إلا سحرا ظاهرا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2912>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٦ الى ١٩]</span>\nأَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُرابًا وَعِظامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦) أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ (١٧) قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ داخِرُونَ (١٨) فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإِذا هُمْ يَنْظُرُونَ (١٩)\nقالوا: أئذا متنا، تفرّقت أجزاؤنا، وصرنا رميما.. أإنا لمبعوثون؟ أو آباؤنا الأولون يبعثون كذلك؟ قالوه على جهة الاستبعاد فالمعرفة لهم مفقودة، والبصائر لهم مسدودة، وقلوبهم عن التوحيد مصدودة.\n«قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ داخِرُونَ فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإِذا هُمْ يَنْظُرُونَ» قل لهم يا محمد نعم، وعلى وصف الصغر ما يبعثكم، وبزجرة واحدة يحشركم، بعد أن يقيم القيامة على جميعكم.\n_________\n(١) لازب أي لاصق لصق بعضه ببعض، أو لازق يلتزق بما أصابه، وقال مجاهد والضحاك هو المنتن (القرطبي) ح ١٥ ص ٦٨، ٦٩.\n(٢) بالفتح قراءة أهل المدينة وأبى عمرو وعاصم. وبالضم قرامة عبد الله بن مسعود، والكوفين إلا عاصما.\nوالذين ينكرون الضم يرون أن الله لا يعجب من شىء، ولكن تخريج القشيري لذلك يكاد يكون سائغا، وقد اختاره بعض الأئمة كالبيهقى.","vol":"3","page":229},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2913>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٢٠ الى ٢١]</span>\nوَقالُوا يا وَيْلَنا هذا يَوْمُ الدِّينِ (٢٠) هذا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢١)\nدعوا بالويل على أنفسهم! ويقال لهم: هذا يوم الفصل الذي كنتم تكذبون به، وقد عاينتموه اليوم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2914>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٢٢ الى ٢٧]</span>\nاحْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ وَما كانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ (٢٣) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ (٢٤) ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ (٢٥) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (٢٦)\nوَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (٢٧)\nأراد بأزواجهم قرناءهم وأشكالهم ومن عمل مثل أعمالهم، ومن أعانهم على ظلمهم بقليل أو كثير.. وكذلك في هذه الطريقة: من أعان صاحب فترة في فترته، أو صاحب زلة على زلته- كان مشاركا له في عقوبته، واستحقاق طرده وإهانته.\nقوله: «وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ»: مقام السؤال مقام صعب قوم يسألهم الملك وقوم يسألهم الملك فالذين تسألهم الملائكة أقوام لهم أعمال صالحة تصلح للعرض والكشف، وأقوام لهم أعمال لا تصلح للكشف، وهم قسمان: الخواصّ يسترهم الحقّ عن اطلاع الخلق عليهم في الدنيا والآخرة، وأقوام هم أرباب الزلات يرحمهم الله فلا يفضحهم، ثم إنهم يكونون في بعض أحوالهم بنعت الهيبة، وفي بعض أحوالهم بنعت البسط والقربة، وفي الخبر: «أن قوما يسترهم بيده ويقول تذكر غدا ربك» وهؤلاء أصحاب الخصوص في التحقيق: فأما الأغيار والأجانب والكفار فيقال لهم: «كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا» «١»، فإذا قرءوا كتابهم يقال لهم. من عمل هذا؟ وما جزاؤه؟\nفيقولون: جزاؤه النار. فيقال لهم: أدخلوها بحكمكم.\nثم يقال لهم في بعض أحوال استيلاء الفزع عليهم:\n_________\n(١) آية ١٤ سورة الإسراء.","vol":"3","page":230},{"text":"ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ يورّك بعضهم الذنب على بعض فهذا يتبرأ من صاحبه، وصاحبه يتبرأ منه، إلى أن يحكم الله عليهم بالخزي والهوان، ويجمعهم في اللعن والإبعاد.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2915>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٣٣ الى ٣٤]</span>\nفَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٣) إِنَّا كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (٣٤)\nيشتركون في العذاب ولكن تتفاوت أنصباؤهم، كما أنهم يشتركون في الزّلة ولكن تختلف مقادير زلاتهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2916>[سورة الصافات (٣٧): آية ٣٥]</span>\nإِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥)\nاحتجابهم بقلوبهم أوقعهم في وهدة عذابهم ذلك لأنهم استكبروا عن الإقرار بربوبيته.\nولو عرفوه لافتخروا بعبوديته قال تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ» «١»، وقال: َنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ»\n«٢» فإنّ من عرف الله فلا لذة له إلا في طاعته، قال قائلهم.\nويظهر في الهوى عزّ الموالي ... فيلزمنى له ذلّ العبيد\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2917>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٣٦ الى ٣٨]</span>\nوَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦) بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (٣٧) إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ (٣٨) .\n_________\n(١) آية ٢٠٦ سورة الأعراف.\n(٢) آية ١٧٣ سورة النساء.","vol":"3","page":231},{"text":"لمّا لم يحتشموا من وصفه- سبحانه- بما لا يليق بحلاله لم يبالوا بما أطلقوه من المثالب في وصف أنبيائه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2918>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٣٩ الى ٤٢]</span>\nوَما تُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٩) إِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (٤١) فَواكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ (٤٢)\nالاستثناء راجع إلى قوله: إنكم لذائقوا العذاب الأليم ويقال الإخلاص إفراد الحقّ- سبحانه- بالعبودية، والذي يشوب عمله رياء فليس بمخلص.\nويقال: الإخلاص تصفية العمل عن ملاحظة المخلوقين، وفي الخبر: يا معاذ، أخلص العمل يكفيك القليل منه.\nويقال: الإخلاص فقد رؤية الأشخاص «١» .\nويقال: هو أن يلاحظ محل الاختصاص.\nويقال: هو أن تنظر إلى نفسك بعين الانتقاص.\nقوله جل ذكره: أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ فَواكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ لهم رزق معلوم لأوقات معينة، وفي وقت الرسول ﵇ من كان له رزق معلوم كان من جملة المياسير، وهذه صفة أهل الجنة فلهم في الآخرة رزق معلوم لأبشارهم ولأسرارهم، فالأغنياء لهم رزق معلوم لأنفسهم «٢»، والفقراء «٣» لهم رزق معلوم لقلوبهم وأسرارهم.\nفواكه وهم مكرمون: من ذلك ورود الرسول عليهم من قبل الله في كل وقت، وكذلك اليوم الخطاب وارد من الله على قلوب الخواص في كل وقت بكلّ أمر.\n_________\n(١) أي لا يكون هناك حساب للمخلوقين.\n(٢) رزق النفوس لأغنياء الأموال.\n(٣) وزرق القلوب لأرباب الأحوال.","vol":"3","page":232},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2919>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٤٣ الى ٤٦]</span>\nفِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٤٣) عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ (٤٤) يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (٤٥) بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (٤٦)\nيستأنس بعضهم برؤية بعض، ويستروح بعضهم إلى لقاء بعض.\n«يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ» شراب يوجب لهم الطّرب ولا وحشة هناك، شرابا يحضرهم ولا يسكرهم، لأنه قال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2920>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٤٧ الى ٤٩]</span>\nلا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ (٤٧) وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩)\nفلا تغتال عقولهم، ولا تزيل حشمتهم، ولا ترفع عنهم هيبتهم فقوم يشربون وهم بوصف الستر، وآخرون يسقون في الحضور- وهم على نعت القرب.\n«وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ» لا ينظرن إلى غير الوليّ «١»، ثم الوليّ قد ينظر إليهن، وفيهم من لا ينظر إليهن:\nجننّا بليلى وهي جنّت بغيرنا ... وأخرى بنا مجنونة لا نريدها\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2921>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٥٠ الى ٥٥]</span>\nفَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (٥٠) قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢) أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُرابًا وَعِظامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (٥٣) قالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (٥٤)\nفَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ (٥٥)\nيتذاكرون فيما بينهم، ويذكرون من معارفهم من لا يؤمن بالله، وما آمن به المؤمنون فيخلق الله لهم إطلاعا عليه وهم في النار يحترقون.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2922>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٥٦ الى ٥٧]</span>\nقالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧)\n_________\n(١) المقصود به هنا الزوج، أي نساء قد قعسرن طرفهن على أزواجهن.","vol":"3","page":233},{"text":"نطق الوليّ بالحقّ ولكنه لم يصرّح يعين التوحيد إذ جعل الفضل واسطة، والأولى أن يقول: ولولا ربى لكنت من المحضرين «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2923>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٦٠ الى ٦١]</span>\nإِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٠) لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ (٦١)\nيقال: بل الملائكة يقولون لهم هذا، ويقال: الحقّ- سبحانه- إذا أراهم مقامهم في الجنة يقول لهم: «لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ» .\nويقال إن كان العابد يقول هذا، أو يقال له هذا إذا ظهرت الجنة فإنه إذا بدت شظية من الحقائق وتباشير الوصلة، أو ذرّة من نسيم القربة فبالحريّ أن يقول القائلون: لمثل هذه الحالة تبذل الأرواح.\nعلى مثل سلمى يقتل المرء نفسه ... وإن بات من سلمى على اليأس طاويا\nوهاهنا تضيق العبارات، وتتقاصر الإشارات.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2924>[سورة الصافات (٣٧): آية ٦٢]</span>\nأَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢)\nذكر صفة هوان الأعداء، وما هم به من صفة المذلة والعذاب في النار من أكل الضريع، ومن شراب الزقوم التي هي في قبح صورة الشياطين، ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم ...\nإلى آخر القصة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2925>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٧٥ الى ٧٦]</span>\nوَلَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٧٥) وَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦)\n_________\n(١) أي نطق بعين الفرق ولو كان بعين الجمع لقال: «ولولا ربى ...» .","vol":"3","page":234},{"text":"لمّا أصابه من الأذى من قومه حين كذّبوه، ولم يسمعوا منه ما كان يقول من حديثنا..\nرجع إلينا، فخاطبنا وخاطبناه، وكلمنا وكلمناه، ونادانا فناديناه، وكان لنا فكّنا له، وأجابنا فأجبناه.. فلنعم المجيب كان لنا ولنعم المجيبون كنّا له! «مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ»: شتان بين كرب نوح وبين كرب أهله!\nوما يبكون مثل أخى ولكن ... أعزّى النّفس عنه بالتأسى\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2926>[سورة الصافات (٣٧): آية ٧٧]</span>\nوَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ (٧٧)\nلأنّ الناس كلهم من أولاد نوح، فإنّ من كان معه في السفينة لم يتناسلوا «١»\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2927>[سورة الصافات (٣٧): آية ٧٨]</span>\nوَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨)\nيريد به قول الناس عنه إلى يوم القيامة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2928>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٨٣ الى ٨٤]</span>\nوَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ (٨٣) إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤)\nيعنى أنّ إبراهيم من شيعة نوح ﵇ في التوحيد- وإن اختلفا في فروع شرعيهما.\n«بِقَلْبٍ سَلِيمٍ»: لا آفة فيه. ويقال لديغ من المحبة. ويقال: سليم من محبة الأغيار. ويقال سليم من حظوظ نفسه وإرادته. ويقال: مستسلم لله في قضائه واختياره.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2929>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٨٥ الى ٨٧]</span>\nإِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ (٨٥) أَإِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ (٨٧)\nسألهم على جهة الإنكار عليهم، والتنبيه لهم على موضع غلطتهم.\n«فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ؟»\n_________\n(١) قال ابن عباس: لما خرج نوح من السفينة مات من معه من الرجال والنساء إلا ولده ونساءه. [.....]","vol":"3","page":235},{"text":"إذا لقيتموه- وقد عبدتم غيره.. فما الذي تقولون له؟ وكيف بكم في مقام الخجلة مما بين أيديكم وإن كنتم اليوم- غافلين عنه؟\nقوله جلّ ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2930>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٨٨ الى ٨٩]</span>\nفَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩)\nقيل أراد «إلى» النجوم فأقام «فِي» مقام «إلى» «١» .\n«إِنِّي سَقِيمٌ»: كانت تأتيه الحمىّ في وقت معلوم، فقال: قرب الوقت الذي أسقم فيه من أخذ الحمىّ إياى، فكأنه تعلل بذلك ليتأخر عنهم عند ذهابهم إلى عيدهم لتمشية ما كان في نفسه من كسر الأصنام.\nويقال كان ذلك من جملة المعاريض. وقيل أرى من نفسه موافقة قولهم في القول بالنجوم لأنهم كانوا يقولون بالنجوم، فتأخر بهذا السبب عنهم «٢» .\nوكان إبراهيم في زمان النبوة فلا يبعد أنّ الله﷿- قد عرّفه بطريق الوحى أنه يخلق- سبحانه- باختياره أفعالا عند حركات الكواكب.\nثم لمّا ذهبوا إلى عيدهم كسّر أصنامهم، فلمّا رجعوا قالوا ما قالوا، وأجابهم بما أجابهم به إلى قوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2931>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٩٧ الى ٩٨]</span>\nقالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧) فَأَرادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ (٩٨)\nردّ الله كيدهم إلى نحورهم. وقد تعرّض له جبريل﵇- وهو في\n_________\n(١) ربما نعترض على هذا ... فمع تسليمنا بجواز نيابة حروف الجر بعضها عن بعض إلا أننا نرى أن استعمال «فى» أدق ... فالمقصود من أن ابراهيم «نظر فى» النجوم أنه تأمل وتفكر. بينما لا تؤدى «نظر إلى» أكثر من التطلع بالعين وفرق بين التأمل بالفكر والبصيرة وبين التطلع بالبصر- والله أعلم.\n(٢) أرسل إليه ملكهم إن غدا عيدنا فاخرج معنا، فنظر إلى نجم طالع وقال: إن هذا يطلع مع سقمى- وكان علم النجوم مستعملا عندهم- فأراهم من معتقدهم عذرا لنفسه. وذلك أنهم كانوا أهل وعاية وفلاحة، وهاتان المعيشتان يحتاج فيهما إلى نظر في النجوم (القرطبي ص ٩٢ ج ١٥) .","vol":"3","page":236},{"text":"الهواء وقد رمى من المنجنيق فعرض عليه نفسه قائلا: هل من حاجة؟\nفأجاب: أمّا إليك.. فلا! قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2932>[سورة الصافات (٣٧): آية ٩٩]</span>\nوَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩)\nيقال إنه طلب هداية مخصوصة لأنه كان صاحب هداية، إذ لو لم تكن له هداية لما ذهب إلى ربّه. ويحتمل أنه كان صاحب هداية في الحال وطلب الهداية في الاستقبال أي زيادة في الهداية، ويقال طلب الهداية على كيفية مراعاة الأدب في الحضور، ويقال طلب الهداية إلى نفسه لأنه فقد فيه قلبه ونفسه فقال سيهدينى إلىّ لأقوم بحقّ عبوديته فإن المستهلك في حقائق الجمع لا يصحّ منه أداء العبادة إلّا بأن يردّ إلى حالة التفرقة والتمييز.\nومعنى «إِلى رَبِّي» أي إلى المكان الذي يعبد فيه ربى.\nويقال أخبر عن إبراهيم أنه قال: «إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي»: فأخبر عن قوله.\nوأخبر عن موسى فقال: «وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا»، فأخبر عن صفته لا عن قوله..\nوقال في صفة نبينا ﷺ: «سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ ...»\n[فأخبر عن ذاته سبحانه «١»] وفصل بين هذه المقامات فإبراهيم كان بعين الفرق، وموسى بعين الجمع ونبينا كان بعين جمع الجمع.\nقوله جلّ ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2933>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٠٠ الى ١٠١]</span>\nرَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠) فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ (١٠١)\nلمّا قال «حَلِيمٍ» نبّه على أنه سيلقى من البلاء ما يحتاج إلى الحلم في تحمله..\n_________\n(١) ما بين القوسين من عندنا أضفناه للتوضيح.","vol":"3","page":237},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2934>[سورة الصافات (٣٧): آية ١٠٢]</span>\nفَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢)\n«فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ» إشارة إلى وقت توطين القلب على الولد، رأى إبراهيم﵇- أنه يؤمر بذبح ابنه إسماعيل «١» ليلة التروية، وسميت كذلك لأنه كان يروّى فى ذلك طول يومه. هل هو حقّ أم لا «٢»؟. ثم إنه رأى في الليلة التالية مثل ذلك فعرف أن رؤياه حق، فسمى يوم عرفة.\nوكان إسماعيل ابن ثلاث عشرة سنة، ويقال إنه رأى ذلك في النوم ثلاث مرات «٣»:\nأن اذبح ابنك، فقال لإسماعيل: «يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى؟» فقال إسماعيل: «يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ»: أي لا تحكم فيه بحكم الرؤيا، فإنها قد تصيب وقد يكون لها تأويل، فإن كان هذا أمرا فافعل بمقتضاه، وإن كان لها تأويل فتثبت «٤»، فقد يمكنك ذبح ابنك كلّ وقت ولكن لا يمكنك تلافيه.\nويقال بل قال: أترك حديث الرؤيا واحمله على الأمر، واحمل الأمر على الوجوب، ثم احمله على الفور ولا تقصّر.\nويقال قال له: إن كان يطيب قلبك بأن تذبح ابنك لأجل الله فأنا يطيب قلبى أن يذبحنى أبى لأجل الله.\n_________\n(١) اختلف الناس في الذبيح فقال قوم إنه إسحاق وآخرون إنه إسماعيل. وفريق ثالث يقول: الله أعلم به.\n«وعن الأصمعى أنه قال: سألت أبا عمرو بن العلاء عن الذبيح، فقال: يا أصمعى. أين عزب عنك عقلك! ومنى كان إسحاق بمكة؟ وإنما كان إسماعيل بمكة وهو الذي بنى البيت مع أبيه والمنحر بمكة» . اه أما إسحق فكان ببيت المقدس.\n(٢) مع أن ابراهيم أخذ يتساءل بينه وبين نفسه عن ذلك إلا أنه من الثابت أن الرسل يأتيهم الوحى أيقاظا ورقودا، فقلوبهم لا تنام، قال ﷺ: «إنا معاشر الأنبياء تنام أعيننا ولا تنام قلوبنا» .\n(٣) لأجل ذلك سميت الأيام الثلاثة على التوالي يو التروية ويوم عرفة ويوم النحر.\n(٤) هكذا في م وهي في ص (قبلت) ونحن نرجح (فتثبت) بدليل ما بعدها لأنه بعد الذبح يكون قد قضى الأمر. ويأسى ابراهيم إن كان ذلك غير المراد.","vol":"3","page":238},{"text":"ويقال قال إسماعيل لأبيه: أنت خليل الله وتنام.. ألم تعلم أن الخليل إذا نام عن خليله يؤمر بذبح ابنه؟ مالك يا أبت والنوم؟\nويقال في القصة: إنه رآه ذات يوم راكبا على فرس أشهب فاستحسنه، ونظر إليه قلبه، فأمر بذبحه، فلمّا أخرجه عن قلبه، واستسلم لذبحه ظهر الفداء، وقيل له كان المقصود من هذا فراغ قلبك عنه.\nويقال في القصة: أمر إسماعيل أباه أن يشدّ يديه ورجليه لئلا يضطرب إذا مسّه ألم الذّبح فيعاتب، ثم لمّا همّ بذبحه قال: افتح القيد عنى حتى لا يقال لى: أمشدود اليد جئتنى؟\nوإنى لن أتحرك:\nولو بيد الحبيب سقيت سمّا ... لكان السّمّ من يده يطيب\nويقال أيهما كان أشدّ بلاء؟ قيل: إسماعيل لأنه وجد الذّبح من يد أبيه، ولم يتعوّد من يده إلا التربية بالجميل، وكان البلاء عليه أشدّ لأنه لم يتوقع منه ذلك.\nويقال بل كان إبراهيم أشدّ بلاء لأنه كان يحتاج أن يذبح ابنه بيده ويعيش بعده.\n«سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ» فلم يأت إسماعيل بالدعوى «١» بل تأدّب بلفظ الاستنشاء.\nويقال لو قال إسماعيل إمّا لا تقل: «يا بُنَيَّ» بهذه اللطافة، وإمّا لا تقل: «أَنِّي أَذْبَحُكَ» فإنّ الجمع بينهما عجيب! قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2935>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٠٣ الى ١٠٧]</span>\nفَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧)\nقيل في التفاسير إنه كان يمرّ بالسكين على حلقه والسكين لا يقطع، فتعجّب ابراهيم، فنودى: يا إبراهيم كان المقصود من هذا استسلامكما.\nويقال إن الله ستر عليهما علم ما أريد منهما في حال البلاء، وإنما كشف عنهما بعد مضىّ وقت المحنة لئلا يبطل معنى الابتلاء ... وهكذا يكون الأمر عند البلاء تنسدّ الوجوه\n_________\n(١) أي دعوى النفس بالمكنة دون تقديم المشيئة الإلهية.","vol":"3","page":239},{"text":"فى الحال وكذلك كانت حالة النبيّ ﷺ في حال حديث الإفك، وكذلك حالة أيوب ﵇ وإنما يتبيّن الأمر بعد ظهور آخر المحنة وزوالها، وإلّا لم تكن حينئذ محنة [إلّا أنه يكون في حال البلاء إسبال يولى مع مخامرة المحنة]»\nولكن مع استعجام الحال واستبهامه، إذ لو كشف الأمر على صاحبه لم يكن حينئذ بلاء قال تعالى: - «إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ» قيل كان فداء الذبيح يربّى في الجنة قبله بأربعين خريفا.\nوالناس فى «الْبَلاءُ» على أقسام: فبلاء مستعصب وذلك صفة العوام، وبلاء مستعذب وذلك صفة من يستعذبون بلاياهم، كأنهم لا ييأسون حتى إذا قتلوا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2936>[سورة الصافات (٣٧): آية ١١٢]</span>\nوَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢)\nوكلّ هذا بعد البلاء قال تعالى: «إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2937>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١١٤ الى ١١٨]</span>\nوَلَقَدْ مَنَنَّا عَلى مُوسى وَهارُونَ (١١٤) وَنَجَّيْناهُما وَقَوْمَهُما مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (١١٥) وَنَصَرْناهُمْ فَكانُوا هُمُ الْغالِبِينَ (١١٦) وَآتَيْناهُمَا الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ (١١٧) وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (١١٨)\nمنّ عليهما بالنبوة، وبالنجاة من فرعون وقومه، وبنصرته عليهم.\n«وَآتَيْناهُمَا الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ» يعنى التوراة.\n«وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ» بالتبري عن الحوّل والقوة، وشهود عين التوحيد.\n«وَتَرَكْنا عَلَيْهِما فِي الْآخِرِينَ سَلامٌ عَلى مُوسى وَهارُونَ» .\nثم قال جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2938>[سورة الصافات (٣٧): آية ١٢٣]</span>\nوَإِنَّ إِلْياسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣)\n«إِلْياسَ»: قيل هو إدريس، وقيل غيره، وكان بالشام، واسم صنمهم «بعل»،\n_________\n(١) ما بين القوسين موجود في ص وساقط في م.","vol":"3","page":240},{"text":"ومدينتهم بعلبك.. أنذر قومه فكذّبوه، ووعظهم فما صدّقوه، فأهلك قومه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2939>[سورة الصافات (٣٧): آية ١٣٣]</span>\nوَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٣)\nمضت قصته وكيف نجّى أهله إلا امرأته التي شاركتهم في عصيانهم، فحقّ العذاب عليها مثلما عليهم «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2940>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٣٩ الى ١٤٦]</span>\nوَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠) فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (١٤٢) فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣)\nلَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤) فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (١٤٥) وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (١٤٦)\nفكان في أول أمره يطلب الاستعفاء من النبوة، ولكن لم يعف، ثم استقبله ما استقبله، فلم يلبث حتى رأى نفسه في بطن الحوت في الظلمة: - «فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ» أي بما يلام عليه، والحقّ- سبحانه- منزّه عن الحيف في حكمه إذ الخلق خلقه، ثم الله راعى حقّ تعبّده، وحفظ ذمام ما سلف له في أداء حقّه فقال: - «فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ» فإن كرم العهد فينا من الإيمان، وهو منّا من جملة الإحسان، «فالمؤمن قد أخذ من الله خلقا حسنا» - بذلك ورد الخبر.\n«فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ وَهُوَ سَقِيمٌ» «سَقِيمٌ»: فى ضعف من الحال لما أثّر من كونه قضى وقتا في بطن الحوت.\n«وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ» لتظلّه، فإنه كان في الصحراء وشماع الشمس كان يضرّه، وقيّض له الله ظبية ذات ولد كانت تجيء فيرضع من لبنها، فكأنّ الحقّ أعاده إلى حال الطفولية. ثم إنه رحمه، ورجع إلى قومه، فأكرموه وآمنوا به، وكان الله قد كشف عنهم العذاب، لأنهم حينما خرج يونس من بينهم ندموا وتضرّعوا إلى الله لمّا رأوا أوائل العذاب قد أظلّتهم،\n_________\n(١) تلاحظ أن القشيري يمر سريعا إزاء قصص الأنبياء هنا لأنه توقف طويلا عند كل منها في مواضع سبقت.","vol":"3","page":241},{"text":"فكشف الله عنهم العذاب، وآمنوا بالله، وكانوا يقولون: لو رأينا يونس لو قرّناه، وعظّمناه، فرجع يونس إليهم بعد نجاته من بطن الحوت، فاستقبله قومه، وأدخلوه بلدهم مسكّرّما.\nويقال: الذّنب والجرم كانا من قومه، فهم قد توعّدوا بالعذاب. وأمّا يونس فلم يكن قد أذنب ولا ألمّ بمحظور، وخرج من بينهم، وكشف الله العذاب عنهم، وسلموا.. واستقبل يونس ما استقبله بل أنه قاسى اللتيا والتي بعد نجاته ويا عجبا من سرّ تقديره! فقد جاء في القصة أن الله سبحانه- أوحى إلى يونس بعد نجاته أن قل لفلان الفخّار حتى يكسر الجرار التي عملها في هذه السنة كلّها! فقال يونس: يا رب، إنه قطع مدة في إنجاز ذلك، فكيف آمره بأن يكسرها كلّها؟\nفقال له: يا يونس، يرقّ قلبك لخزّاف يتلف عمل سنة.. وتريدنى أن أهلك مائة ألف من عبادى؟! يا يونس، إنك لم تخلقهم، ولو خلقتهم لرحمتهم «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2941>[سورة الصافات (٣٧): آية ١٤٩]</span>\nفَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (١٤٩)\nلمّا قالوا في صفة الملائكة إنهم بنات الله بيّن الله قبح قولهم، فقال: سلهم من أين قالوا؟ وبأى حجّة حكموا بما زعموا؟ وأي شبهة داخلتهم. ثم إنهم كانوا يستنكفون من البنات، ويؤثرون البنين عليهن.. ومع كفرهم وقبيح قولهم وصفوا القديم- سبحانه- بما استنكفوا منه لأنفسهم! قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2942>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٦١ الى ١٦٣]</span>\nفَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ (١٦١) ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ (١٦٢) إِلاَّ مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ (١٦٣) .\n_________\n(١) تتجلى براعة القشيري في التقاط نماذج من القصص تخدم فكرته العامة بخصوص تأميل العصاة، وإفساح باب التوبة أمامهم ... على عكس بعض الباحثين الذين لا يهمهم إلا التخويف والتبشيع، والتهويل والإقناط.","vol":"3","page":242},{"text":"[أي ما أنتم بفاتنين من الناس إلّا من أغويته بحكمي، فبه ضلّوا لا بإضلالكم «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2943>[سورة الصافات (٣٧): آية ١٦٤]</span>\nوَما مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤)\nالملائكة لهم مقام معلوم لا يتخطّون مقامهم، ولا يتعدّون حدّهم، والأولياء لهم مقام] «٢» مستور بينهم وبين الله لا يطلع عليه أحدا، والأنبياء لهم مقام مشهور مؤيّد بالمعجزات الظاهرة لأنهم للخلق قدوة فأمرهم على الشّهر، وأمر الأولياء على السّتر.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2944>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٧١ الى ١٧٣]</span>\nوَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ (١٧٣)\nأي سبقت كلمتنا لهم بالسعادة، وتقدّم حكمنا لهم بالولاية والرعاية، فهم من قبلنا منصورون: - «إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ» من نصره لا يغلب، ومن قهره لا يغلب.\nوجنده الذين نصبهم لنشر دينه، وأقامهم لنصر الحقّ وتبيينه ... من أراد إذلالهم فعلى أذقانه يخرّ، وفي حبل هلاكه ينجرّ.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2945>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٧٤ الى ١٧٧]</span>\nفَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٤) وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٥) أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦) فَإِذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٧)\nتولّ عنهم- يا محمد- إلى أن تنقضى آجالهم، وتنتهى أحوالهم. وانتظر انقضاء أيامهم، فإنه سينصرم حديثهم وشيكا: - «أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ» .\n_________\n(١) فى هذا الرأى رد على القدرية كما هو واضح.\n(٢) ما بين القوسين الكبيرين جاء في م وسقط في ص.","vol":"3","page":243},{"text":"وإنما قال ذلك فيما كانوا يتمنون قيام الساعة، وكانوا يستعجلون ذلك لفرط جهلهم، ثم لقلة تصديقهم. فإذا نزل العذاب بساحتهم، وأناخ البلاء بعقوتهم فساء صباحهم. فتولّ عنهم فعن قريب سيحصل ما منه يحذرون.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2946>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٨٠ الى ١٨٢]</span>\nسُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٨٢)\n«سُبْحانَ رَبِّكَ»: تقديسا له، وسلام على أنبيائنا، «وَالْحَمْدُ لِلَّهِ»: أي هو المحمود على ما ساء أم سرّ، نفع أم ضرّ.","vol":"3","page":244},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2947>سورة ص</span>\nقوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» .\nاسم عزيز اعترفت المعارف بالقصور عن إدراكه، اسم جليل تقنّعت العلوم خجلا من الطمع في إحاطته، اسم كريم صغرت الحوائج عند ساحات جوده، اسم رحيم تلاشت قطرات زلّات عباده في تلاطم أمواج رحمته.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2948>[سورة ص (٣٨): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١)\nالصّاد مفتاح اسمه الصادق والصبور والصمد والصانع.. أقسم بهذه الأشياء وبالقرآن.\nوجواب القسم: «إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ» .\nويقال: أقسم بصفاء مودة أحبابه والقرآن ذى الذكر أي: ذى الشرف.. وشرفه أنه ليس بمخلوق «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2949>[سورة ص (٣٨): آية ٢]</span>\nبَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ (٢)\nفى صلابة ظاهرة، وعداوة بيّنة، وإعراض عن البحث للأدلة، والسّرّ للشواهد.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2950>[سورة ص (٣٨): آية ٣]</span>\nكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنادَوْا وَلاتَ حِينَ مَناصٍ (٣)\nبادوا حين هجم البلاء مستغيثين، وقد فات وقت الإشكاء والإجابة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2951>[سورة ص (٣٨): آية ٤]</span>\nوَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ (٤)\nعجبوا أن جاءهم منذر منهم، ولم يعجبوا أن تكون المنحوتات آلهة، وهذه مناقضة ظاهرة. فلمّا تحيّروا في شأن أنبيائهم رموهم بالسحر، وقسّموا فيهم القول.\n_________\n(١) وهذا رأى أهل السّنّة بخلاف ما براه المعتزلة. [.....]","vol":"3","page":245},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2952>[سورة ص (٣٨): آية ٥]</span>\nأَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهًا واحِدًا إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ (٥)\nلم تباشر خلاصة التوحيد قلوبهم، وبعدوا عن ذلك تجويزا، فضلا عن أن يكون إثباتا وحكما، فلا عرفوا الإله ولا معنى الإلهية فإنّ الإلهية هي القدرة على الاختراع. وتقدير قادرين على الاختراع غير صحيح لما يجب من وجود التمانع بينهما وجوازه، ثم إنّ ذلك يمنع من كمالهما، ولو لم يكونا كاملى الوصف لم يكونا إلهين، وكلّ أمر جرى ثبوت سقوطه فهو مطروح باطل.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2953>[سورة ص (٣٨): آية ٦]</span>\nوَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ (٦)\nإذا تواصى الكفار فيما بينهم بالصبر على آلهتهم، فالمؤمنون أولى بالصبر على عبادة معبودهم والاستقامة في دينهم.\nقوله جلّ ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2954>[سورة ص (٣٨): آية ٧]</span>\nما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هذا إِلاَّ اخْتِلاقٌ (٧)\nركنوا إلى السوء والعادة، وما وجدوا عليه أسلافهم من الضلالة، واستناموا إلى التقليد والهوادة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2955>[سورة ص (٣٨): آية ٨]</span>\nأَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ (٨)\nأي لو استبصروا في دينهم لما أقدموا على ما أسرفوا فيه من جحودهم، ولولا أنّا أدمنا لهم العوافي لما تفرّغوا إلى طغيانهم «١» .\n_________\n(١) قال تعالى: الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون وقال تعالى: «مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ» تلك هي الحكمة الإلهية في إمهالهم.","vol":"3","page":246},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2956>[سورة ص (٣٨): آية ٩]</span>\nأَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (٩)\nأي: هؤلاء الكفار الذين عارضوا أو نازعوا، وكذّبوا واحتجّوا.. أعندهم شىء من هذه الأشياء؟ أم هل هم يقدرون على شىء من هذه الأشياء فيفعلوا ما أرادوا، ويعطوا من شاءوا، أو يرتقوا إلى السماء فيأتوا بالوحى على من أرادوا؟\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2957>[سورة ص (٣٨): آية ١١]</span>\nجُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ (١١)\nبل هم جند من الأحزاب المتحزبين. كلّهم عجزة لا يقدرون على ذلك، مهزومون.\nشبّههم في بقائهم عن مرادهم بالمهزومين فإن هؤلاء الكفار ليس معهم حجّة، ولا لهم قوة، ولا لأصنامهم أيضا من النفع والضر مكنة، ولا في الردّ والدفع عن أنفسهم قدرة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2958>[سورة ص (٣٨): الآيات ١٢ الى ١٣]</span>\nكَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتادِ (١٢) وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ أُولئِكَ الْأَحْزابُ (١٣)\nالآيات.\nذكر هؤلاء الأقوام في هذا الموضع على الجمع، وفي غير هذا الموضع على الإفراد «١»، وفي كل موضع فائدة زائدة في الفصاحة والإفادة بكل وجه. ثم قال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2959>[سورة ص (٣٨): آية ١٤]</span>\nإِنْ كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ (١٤)\nأي ما كان منهم أحد إلّا كذّب الرسل فحقّت العقوبة عليه، واستوجب العذاب.\nثم قال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2960>[سورة ص (٣٨): آية ١٥]</span>\nوَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِنْ فَواقٍ (١٥)\nأي ليسوا ينتظرون إلا القيامة، وما هي إلا صيحة واحدة، وإذا قامت فإنها لا تسكن.\n_________\n(١) المقصود بالجمع والإفراد هنا الجملة والتفصيل.","vol":"3","page":247},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2961>[سورة ص (٣٨): آية ١٦]</span>\nوَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ (١٦)\nاصبر- يا محمد- على ما يقولون، فإنه لن تطول مدّتهم، ولن نمدّ- فى مقاساتك أذاهم- لبثك ومكثك، وعن قريب سينزل الله نصره، ويصدق لك بالتحقيق وعده.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2962>[سورة ص (٣٨): آية ١٧]</span>\nاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧)\n«ذَا الْأَيْدِ» أي ذا القوة، ولم تكن قوّته قوة نفس، وإنما كانت قوته قوة فعل كان يصوم يوما ويفطر يوما- وهو أشدّ الصوم، وكان قويا في دين الله بنفسه وقلبه وهمته.\n«أَوَّابٌ» رجّاع «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2963>[سورة ص (٣٨): الآيات ١٨ الى ١٩]</span>\nإِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ (١٨) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (١٩)\n«٢» كان داود يسبّح، والجبال تسبّح، وكان داود يفهم تسبيح الجبال على وجه تخصيص له بالكرامة والمعجزة.\nوكذلك الطير كانت تجتمع له فتسبّح الله، وداود كان يعرف تسبيح الطير وكلّ من تحّقق بحاله ساعده كلّ شىء كان بقربه، ويصير غير جنسه بحكمه، وفي معناه أنشدوا:\nربّ ورقاء هتوف بالضّحى ... ذات شجو صرخت في فنن\nذكرت إلفا ودهرا صالحا ... وبكت شوقا فهاجت حزنى\nفبكائى ربّما أرّقها ... وبكاها ربما أرّقنى\nولقد تشكو فما أفهمها ... ولقد أشكو فما تفهمنى\nغير أنى بالجوى أعرفها ... وهي أيضا بالجوى تعرفنى\n_________\n(١) من (آب) يثوب إذا رجع، فكان داود رجّاعا إلى طاعة الله ورضاه في كل أمر فهو أهل لأن يقتدى به (القرطبي ج ١٥ ص ١٥٩) .\n(٢) يرى ابن عباس أن (الإشراق) معناه صلاة الضحى إذ هي بعد طلوع الشمس.","vol":"3","page":248},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2964>[سورة ص (٣٨): آية ٢٠]</span>\nوَشَدَدْنا مُلْكَهُ وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ (٢٠)\nأي قوّينا ملكه بأنصاره، وفي التفسير: كان يحفظ ملكه كلّ ليلة ثلاثة وثلاثون ألف رجل.\nقوله جل ذكره: «وَشَدَدْنا مُلْكَهُ وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ» .\nأي شددنا ملكه بنصرنا له «١» ودفعنا البلاء عنه.\nويقال شددنا ملكه بالعدل في القضية، وحسن السيرة في الرعية.\nويقال شددنا ملكه بقبض أيدى الظّلمة.\nويقال شددنا ملكه بدعاء المستضعفين.\nويقال شددنا ملكه بأن رأى النصرة منّا، وتبرّأ من حوله وقوّته.\nويقال بوزراء ناصحين كانوا يدلّونه على ما فيه صلاح ملكه.\nويقال بتيقّظه وحسن سياسته. ويقال بقبوله الحق من كلّ أحد.\nويقال برجوعه إلينا في عموم الأوقات.\n«وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ»: أي أعطيناه الرّشد والصواب، والفهم والإصابة.\nويقال العلم بنفسه وكيفية سياسة أمته.\nويقال الثبات في الأمور والحكمة، وإحكام الرأى والتدبّر.\nويقال صحبة الأبرار، ومجانبة الأشرار.\nوأمّا «فَصْلَ الْخِطابِ» فهو الحكم بالحق، وقيل: البينة على من ادّعى واليمين على من أنكر. ويقال: القضاء بين الخصوم.\n_________\n(١) يغمز القشيري هنا بأصحاب السلطان الذين لا يحسنون سياسة الرعية ولا اختيار الوزراء والأعوان ...\nونحن نعلم أنه ابتلى في عهد طغرل بمحنة كبرى.","vol":"3","page":249},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2965>[سورة ص (٣٨): الآيات ٢١ الى ٢٢]</span>\nوَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ (٢١) إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ (٢٢)\n.. الآيات أرسل الله إلى داود ﵇ ملكين من السماء على صورة رجلين فتحا كما إليه تنبيها له على ما كان منه من تزوّجه بامرأة أوريا، وكان ترك ذلك أولى- هذا على طريق من رأى تنزيه الأنبياء ﵈ من جميع الذنوب.\nوأمّا من جوّز عليهم الصغائر فقال: هذا من جملته. وكنّى الخصمان باسم النعجة عن النساء.\nوكان داود ﵇ قال لله ﷾: إنّى لأجد في التوراة أنّك أعطيت الأنبياء الرّتب فأعطنيها، فقال: إنهم صبروا فيما ابتليتهم به، فوعد داود من نفسه الصبر إذا ابتلاه طمعا في نيل الدرجات، فأخبر الله تعالى أنه يبتليه يوم كذا، فجعل داود ذلك اليوم يوم عبادة، واختلى في بيته، وأمر حرّاسه ألا يؤذيه أحد بالدخول عليه، وأغلق على نفسه الباب، وأخذ يصلّى زمانا، ويقرأ التوراة زمانا يتعبّد. أغلق على نفسه الباب ولكن لم يمكنه غلق باب السماء. وأمر حرسه أن يدفعوا عنه الناس وكانوا ثلاثين ألف رجل- ويقال أربعة آلاف- ولكن لم يمكنهم أن يدفعوا عنه حكم القضاء، ولقد قال الحكماء: الهارب مما هو كائن في كفّ الطالب يتقلب.\nوكانت في البيت كوّة يدخل منها الضوء، فدخل طير صغير من الذهب، ووقع قريبا منه، وكان لداود ابن صغير فهمّ أن يأخذه ليدفعه إلى ابنه «١»، فتباعد عنه. وجاء في التفاسير:\nأنه كان إبليس، قد تصوّر له في صورة طير، فتبعه داود، ولم يزل الطائر يتباعد قليلا قليلا، وداود يتبعه حتى خرج من الكوة، ونظر داود في إثره فوقع بصره على امرأة أوريا وهي تغتسل متجردة، فعاد إلى قلبه منها شىء، فكان هذا السبب.\nويقال لم يرع الاهتمام بسبب ولده حتى فعل به ما فعل، وفي ذلك لأولى الأبصار عبرة «٢» .\n_________\n(١) نقل القرطبي هذه الرواية منسوبة إلى القشيري ج ١٥ ص ١٨٢.\n(٢) يحاول القشيري في تلمسه لسبب محنة داود أن يوضح المريدين أنه حتى الأكابر قد تحل بهم البلوى نتيجة المساكنة إلى غيره، فيغار الحق عليهم وينزل بهم من الأمر ما يردهم إلى الحق ... وذلك فضل الله سبحانه.","vol":"3","page":250},{"text":"ويقال لم يكن أوريا قد تزوّج بها بعد، وقد كان خطبها، وأجابته في التزوج به، فخطب داود على خطبته. وقيل بل كانت امرأته وسأله أن ينزل عنها، فنزل على أمره وتزوجها. وقيل بل أرسل أوريا إلى قتال الأعداء فقتل وتزوّج بها. فلمّا تسوّر الخصمان عليه، وقيل دخلا من سور المحراب أي أعلاه ولذلك: - «فَفَزِعَ مِنْهُمْ قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ» نحن خصمان ظلم بعضنا بعضا، فاحكم بيننا بالعدل:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2966>[سورة ص (٣٨): آية ٢٣]</span>\nإِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أَكْفِلْنِيها وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ (٢٣)\n«أَكْفِلْنِيها» أي انزل عنها حتى أكفلها أنا، «وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ» . أي غلبنى، فقال داود:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2967>[سورة ص (٣٨): آية ٢٤]</span>\nقالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَقَلِيلٌ ما هُمْ وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعًا وَأَنابَ (٢٤)\nفضحك أحدهما في وجه صاحبه، وصعد إلى السماء بين يديه، فعلم داود عند ذلك أنه تنبيه له وعتاب فيما سلف منه، وظنّ واستيقن أنه جاءته الفتنة الموعودة:\nأخذ في التضرع، وجاء في التفسير أنه سجد أربعين يوما لا يرفع رأسه من السجود إلا (للصلاة) «١» المكتوبة عليه، وأخذ يبكى حتى نبت العشب من دموعه، ولم يأكل ولم\n_________\n(١) (الصلاة) غير واردة في النسختين وقد استعنا بالقرطبي في هذه التكملة (ج ١٥ ص ١٨٥) وقد وجدناها-","vol":"3","page":251},{"text":"يشرب في تلك المدة، حتى أوحى الله إليه بالمغفرة، فقال: يا رب، فكيف بحديث الخصم؟\nفقال: إنى استوهبتك «١» منه، وقال تعالى:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2968>[سورة ص (٣٨): آية ٢٥]</span>\nفَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ (٢٥)\nإن له عندنا لقربة وحسن رجوع، وقيل: كان لا يشرب الماء إلا ممزوجا بدموعه.\nويقال لمّا التجأ داود ﵇ في أوائل البلاء إلى التوبة والبكاء والتضرع والاستخذاء وجد المغفرة والتجاوز.. وهكذا من رجع في أوائل الشدائد إلى الله فالله يكفيه مما ينوبه، وكذلك من صبر إلى حين طالت عليه المحنة. ويقال إنّ زلّة أسفك عليها يوصلك إلى ربّك أجدى عليك من طاعة إعجابك بها يقصيك عن ربّك «٢» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2969>[سورة ص (٣٨): آية ٢٦]</span>\nيا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ (٢٦)\n«جَعَلْناكَ خَلِيفَةً» أي بعد من تقدّمك من الأنبياء ﵈. وقيل حاكما من قبلى لتحكم بين عبادى بالحقّ، وأوصاه بألا يتبع في الحكم هواه تنبيها على أنّ أعظم جنايات العبد وأقبح خطاياه متابعة الهوى.\nولما ذكر الله هذه القصة أعقبها بقوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2970>[سورة ص (٣٨): آية ٢٧]</span>\nوَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧)\n_________\n- ضرورية لنوضح كيف أن التعبد الفائق الذي يمارسه الخاصة لا يمنع من رجوعهم في حال الفرق الثاني إلى أن يقوموا بالتعبد الذي تفرضه الشريعة. وربما كان ذلك مقصد القشيري من اختيار هذه الرواية ... والواقع أن القشيري يجيد اختيار الشواهد من القصص والأخبار، واضعا في الاعتبار خدمة التصوف وأهله.\n(١) أي استوهبتك منه بثواب الجنة (القرطبي ج ١٥ ص ١٨٥) .\n(٢) هكذا يفتح القشيري أبواب الأمل أمام العصاة، ويدفع عنهم القنوط من رحمة الله.","vol":"3","page":252},{"text":"«باطِلًا» أي وأنا مبطل في خلقهما، بل كان لى ما فعلت وأنا فيه محقّ.\nويقال ما خلقتهما للبطلان بل لأمرهما بالحقّ.\nثم أخبر أنه لا يجعل المفسدين كالمحسنين قط، ثم قال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2971>[سورة ص (٣٨): آية ٢٩]</span>\nكِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (٢٩)\n«١» «مُبارَكٌ» وهو القرآن، ومبارك أي كبير النّفع، ويقال مبارك أي دائم باق لا ينسخه كتاب من قولهم برك الطير على الماء. ويقال مبارك لمن آمن به وصدّق. ثم إنه بيّن أنّ البركة في تدبّره والتفكّر في معانيه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2972>[سورة ص (٣٨): آية ٣٠]</span>\nوَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٣٠)\n«نِعْمَ الْعَبْدُ» لأنه كان أوّابا إلى الله، راجعا إليه في جميع الأحوال فى النعمة بالشكر، وفي المحنة بالصبر.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2973>[سورة ص (٣٨): آية ٣١]</span>\nإِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِناتُ الْجِيادُ (٣١)\n«الصَّافِناتُ» جمع صافنة وهي القائمة، وفي التفاسير هي التي تقوم على ثلاث قوائم إذ ترفع إحدى اليدين على سنبكها «٢» . وجاء في التفاسير أن سليمان كان قد غزا أهل\n_________\n(١) فى الآلوسى أن عليا قرأ «ليتدبروا» بتاء بعد الياء، وكذا فى «البحر» لأبى حيان.\n(٢) السنبك طرف الحافر، والصفون في اللغة إدامة القيام، قال ﷺ: «من سره أن يقوم له الرجال صفونا فليتبوا مقعده من النار» وقال الشاعر:\nألف الصفون فما يزال كأنه ... مما يقوم على الثلاث كسيرا\n(اللسان: مادة صفن)","vol":"3","page":253},{"text":"دمشق، وأصابها منهم «١»، وقيل ورثها عن أبيه داود وكان قد أصابها من العمالقة «٢»، وقيل كانت خيلا لها أجنحة خرجت من البحر «٣» .\nوفي بعض التفاسير عرض عليه عشرون ألف فرص فشغلته عن بعض أذكاره لله.\n«بِالْعَشِيِّ»: فى آخر النهار، وقيل كان ذلك صلاة العصر «٤» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2974>[سورة ص (٣٨): الآيات ٣٢ الى ٣٣]</span>\nفَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ (٣٢) رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ (٣٣)\nقيل أقبل يمسح سوقها وأعناقها بيده إكراما منه لها بعد أن فرغ من صلاته.\nوقيل عرقبها (ليذبحها فحبسها بالعرقبة عن النفار) «٥»، وقيل وضع عليها الكىّ فسبّلها «٦» . وإيش ما كان فكلّ ذلك كان جائزا في شرعه.\nقوله جل ذكره: «فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ» «٧» .\nأي لصقت بالأرض لحبّ المال. ويقال لمّا سبّل هذه الأفراس عوّضه «٨» الله- سبحانه- بأن سخّر له الريح، وهذا أبلغ، وكلّ من ترك شيئا لله لم يخسر على الله.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2975>[سورة ص (٣٨): آية ٣٤]</span>\nوَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنابَ (٣٤) .\n_________\n(١) هذه رواية الكلبي. [.....]\n(٢) هذه رواية مقاتل.\n(٣) هذه رواية الحسن والضحاك.\n(٤) ينقل القرطبي عن أبى نصر القشيري بن عبد الكريم القشيري قوله: ما كان في ذلك الوقت صلاة ظهر ولا صلاة عصر وإنما كانت تلك الصلاة نافلة، وشغل عنها ثم تذكرها.\n(٥) ما بين القوسين زيادة أضفناها، اقتبسناها من القرطبي من الموضع نفسه حتى يتضح المعنى الذي يتجه إليه القشيري (ج ١٥ ص ١٩٦) .\n(٦) سبل الشيء أي أباحه وجعله في سبيل الله.\n(٧) اختلف في التي «توارت بالحجاب» فقيل هي الشمس، وقيل هي الخيل وقد استعرضها حتى توارت الجهاد.\n(٨) هكذا في م وهي في ص (عرضه) بالراء والصحيح ما أثبتناه عن م.","vol":"3","page":254},{"text":"اختلف الناس في هذه الفتنة ومنها أنه كانت له مائة امرأة فقال: لأطوفنّ على هؤلاء فيولد من كل واحدة منهن غلام يقاتل في سبيل الله» «١» ولم يقل إن شاء الله، ولم تحمل إلا امرأة واحدة جاءت بشق مولود، فألقته على كرسيّه، فاستغفر ربه من ترك الاستنشاء، وكان ذلك ترك ما هو الأولى.\nوقيل كان له ابن، وخافت الشياطين أن يبقى بعد موت أبيه فيرثه، فهمّوا بقتله، فاستودعه الريح في الهواء لئلا تصل إليه الشياطين، فمات الولد، وألقته الريح على كرسيه ميتا.\nفالفتنة كانت في خوفه من الشياطين وتسليمه إلى الهواء، وكان الأولى به التوكل وترك الاستعانة بالريح.\nوقيل في التفاسير: إنه تزوج بامرأة «٢» كانت زوجة ملك قهره سليمان، وسباها، فقالت له: إن أذنت لى أن اتّخذ تمثالا على صورة لأبى لأتسلّى بنظري إليه؟ فأذن لها، فكانت (تعظمه وتسجد له مع جواريها أربعين يوما)، وكانت تعبده سرّا، فعوقب عليه «٣» .\nوقيل كان سبب بلائه أن امرأة كانت من أحبّ نسائه إليه، وكان إذا أراد دخول الخلاء نزع خاتمه ودفعه إليها، وهي على باب الخلاء، فإذا خرج استردّه. وجاء يوما شيطان يقال له «صخر» على صورة سليمان وقال لامرأته: ادفعي إليّ الخاتم فدفعته، ولبسه، وقعد على كرسيه، يمشّى أموره- إلا التصرف في نسائه- فقد منعه الله عن ذلك. فلمّا خرج سليمان طالب المرأة بالخاتم، فقالت: الساعة دفعته إليك. فظنّ أنه فتن، وكان إذا أخبر الناس أنه سليمان لا يصدّقونه، فخرج (هاربا إلى ساحل البحر)، وأصابته شدائد، وحمل سمك الصيادين بأجرة حتى يجد قوتا.\nولما اتهم (بنو إسرائيل) الشيطان (واستنكروا حكمه) نشروا التوراة بين يديه،\n_________\n(١) فى صحيح البخاري ومسلم عن أبى هريرة أن رسول الله (ص) قال: «قال سليمان لأطوفن الليلة على تسعين امرأة كلهن تأتى بفارس يجاهد في سبيل الله، فقال له صاحبه: قل إن شاء الله، فلم يقل إن شاء الله، فطاف عليهن جميعا فلم تحمل منهن إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل، وأيم الذي نفسى محمد بيده لو قال إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرسانا أجمعون» .\n(٢) هذه المرأة- كما يقول الزمخشري- هى «جرادة ابنة ملك جزيرة في البحر يقال لها صيدون.\n(٣) وكانت عقوبته حرمانه من ملكه أربعين يوما- هى مدة عبادة الصنم في بيته.","vol":"3","page":255},{"text":"ففرّ ورمى بالخاتم في البحر، وطار في الهواء. ولمّا أذن الله ردّ ملك سليمان إليه، ابتلعت سمكة خاتمه، ووقعت في حبال الصيادين، ودفعوها إلى سليمان في أجرته، فلمّا شقّ بطنها ورأى خاتمه لبسه، وسجد له الملاحون، وعاد إلى سرير ملكه «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2976>[سورة ص (٣٨): آية ٣٥]</span>\nقالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٣٥)\nأي ملكا لا يسلبه أحد منى بعد هذا كما سلب منى في هذه المرة.\nوقيل أراد انفراده به ليكون معجزة له على قومه.\nوقيل أراد أنه لا ينبغى لأحد من بعدي أن يسأل الملك، بل يجب أن يكل أمره إلى الله فى اختياره له.\nويقال لم يقصد الأنبياء، ولكن قال لا ينبغى من بعدي لأحد من الملوك.\nوإنما سأل الملك لسياسة الناس، وإنصاف بعضهم من بعض، والقيام بحقّ الله، ولم يسأله لأجل ميله إلى الدنيا.. وهو كقول يوسف: «اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ» «٢» .\nويقال لم يطلب الملك الظاهر، وإنما أراد به أن يملك نفسه، فإن الملك- على الحقيقة- من يملك نفسه، ومن ملك نفسه لم يتّبع هواه.\nويقال أراد به كل حاله في شهود ربّه حتى لا يرى معه غيره.\nويقال سأل القناعة التي لا يبقى معها اختيار.\nويقال علم أن سرّ نبيّناﷺ- ألا يلاحظ الدنيا ولا ملكها\n_________\n(١) تلاحظ أن القشيري- وإن تجنب الوقوع في كثير من الروايات السخيفة مثل اجتماع سليمان بالنساء فى حيضهن، ومثل قضائه في الناس بغير الحق ونحو ذلك- إلا أنه لم يستطع التخلص من الروايات المتأثرة بالإسرائيليات لأننا لا نستطيع أن نتصور وقوع نبى كسليمان أو كداود في مثل هذه المزالق التي لا ينحدر إليها نبى.\n(٢) آية ٥٥ سورة يوسف.","vol":"3","page":256},{"text":"فقال: «لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي» لا لأنه بخل به على نبيّنا ﷺ ولكن لعلمه أنه لا ينظر إلى ذلك.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2977>[سورة ص (٣٨): آية ٣٦]</span>\nفَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ (٣٦)\nشكر الله سعيه، وسخّر له الريح بدلا من الأفراس فلا يحتاج في إمساكها إلى العلف والمؤن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2978>[سورة ص (٣٨): الآيات ٣٧ الى ٣٩]</span>\nوَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ (٣٨) هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ (٣٩)\nكما سخّرنا له الشياطين.\nثم قال: «هذا عَطاؤُنا..» أي فأعط أو أمسك، واحفظ وليس عليك حساب.\nوالمشي في الهواء للأولياء، وقطع المسافات البعيدة في مدة يسيرة مما يعلم وجوده قطعا في هذه الأمة- وإن لم يعلمه الأفراد والآحاد على التعيين. وإظهاره على خدم رسول الله ﷺ لشرفه يدلّ على أن مقامهﷺ- أشرف «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2979>[سورة ص (٣٨): آية ٤١]</span>\nوَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ (٤١)\nأي بما كان يوسوس إليه بتذكيره إياه ما كان به من البليّة، وقيل لما كان قال (أي الشيطان) لامرأته: اسجدي لى حتى أردّ عليكم ما سلبتكم.\nويقال إن سبب ابتلائه أنه استعان به مظلوم فلم ينصره.. فابتلى.\nويقال استضاف الناس يوما فلمّا جاءه ابن فقير منعه من الدخول.\n_________\n(١) من مبادئ نظرية القشيري في الكرامة: أن كرامة الولي فرع لمعجزة النبي الذي ينتمى الولي إلى أمته، فكل شرف للولى هو في الأصل شرف للنبى وآية حظوته ورتبته.","vol":"3","page":257},{"text":"ويقال كان يغزو ملكا كافرا، وكان لأيوب غنم في ولايته، فداهنه لأجل غنمه فى القتال.\nويقال حسده إبليس، فقال: لئن سلّطتنى عليه لم يشكر لك.\nويقال كان له سبع بنات وثلاثة بنين في مكتب واحد، فجرّ الشيطان الاسطوانة فانهدم البيت عليهم.\nويقال لبث أيوب في البلاء ثمانى عشرة سنة، وقيل أربعين سنة، وقيل «١» سبع سنين وسبعة أشهر وسبعة أيام وسبع ساعات.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2980>[سورة ص (٣٨): آية ٤٢]</span>\nارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ (٤٢)\n«٢» لمّا أراد الله كشف البلاء عنه قال له: «ارْكُضْ بِرِجْلِكَ»، فركض، فظهرت عين ماء بارد فاغتسل به، فعاد إليه جماله وكماله. وقيل الأولى كانت عينا حارة والثانية باردة، واغتسل، وردّ الله لحمه وشعره وبشره، وأحيا أولاده وأهله، وقيل بل يردّهم إليه في الجنة فى الآخرة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2981>[سورة ص (٣٨): آية ٤٤]</span>\nوَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْناهُ صابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٤٤)\nالضّغث الحزمة من القضبان، وقيل كانت مائة، وأمر بأن يضرب بها دفعة على امرأته لئلا يحنث في يمينه، فإنه كان قد حلف أن يضربها مائة خشبة إن صحّ (أنها أخطأت) . فشكر\n_________\n(١) الرواية الأخيرة منسوبة إلى ابن عباس. [.....]\n(٢) رفض أبو الفرج الجوزي احتجاج بعض المتصوفة بهذه الآية على إباحة الرقص. والواقع أن ذلك يمنح القشيري تقديرا خاصا لأنه لو كان يؤيد ذلك الاحتجاج لقال به، بل لم يشر إليه، كما لم يشر عند الآية التي سبقت في هذه السورة: «ردوها على فطفق ...» إلى ما يحتج به بعض المتصوفة من تمزيق الخرقة وتقطيع الثياب، فهذه في رأيه استدلالات فاسدة يلجأ إليها الطغام.","vol":"3","page":258},{"text":"الله لها لبراءة ساحتها، وصبرها على خدمته. وسبب يمينه أنه لما قال لها إبليس: اسجدي لى أخبرت أيوب بذلك، فغاظه حيث سمعت من إبليس ذلك وظنّت أنه صادق. وقيل باعث ذوائبها برغيفين حملتهما إليه فتوهّم في ذلك ريبة، وكان أيوب يتعلّق بذوائبها (إذا أراد القيام) . وقيل رابه شىء منها فحلف (أن يضربها بعد شفائه) .\n«إِنَّا وَجَدْناهُ صابِرًا..»: والصبر ألا تعترض على التقدير.\nويقال الصبر الوقوف تحت الحكم. ويقال التلذّذ بالبلاء، واستعذابه دون استصعابه.\nويقال الصبر الوقوف مع الله بحسن الأدب.\nولم ينف قوله «مَسَّنِيَ الضُّرُّ» اسم الصبر عنه لأنّ ذلك لم يكن على وجه الشكوى، ولأنه كان مرة واحدة، وقد وقف الكثير من الوقت ولم يقل مسّنى الضّرّ فكان الحكم للغالب.\n«نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ» لم يشغله البلاء عن المبلى. ونعم العبد لأنه خرج من البلاء على الوجه الذي دخل فيه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2982>[سورة ص (٣٨): الآيات ٤٥ الى ٤٧]</span>\nوَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ (٤٥) إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (٤٦) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ (٤٧)\n«أُولِي الْأَيْدِي»: أي القوة «١» . «وَالْأَبْصارِ» أي البصائر.\n«إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ»: أي بفضيلة خالصة وهي ذكر الجنة والنار، أو بدعاء الناس إلى الجنة والهرب من النار. ويقال بسلامة القلب من ذكر الدارين فلا يكون العمل على ملاحظة جزاء. ويقال تجردوا لنا بقلوبهم عن ذكرى الدار، «وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2983>[سورة ص (٣٨): آية ٤٨]</span>\nوَاذْكُرْ إِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيارِ (٤٨)\n_________\n(١) يرى الطبري أن (الأيدى هنا معناها: النعم والإحسان لأنهم قد أحسنوا وقدموا الخير) .","vol":"3","page":259},{"text":"«وَذَا الْكِفْلِ»: قيل كان تكفّل لله بعمل رجل صالح مات في وقته، وقيل كفل مائة من بنى إسرائيل هربوا من أمير لهم ظالم، فكان ينفق عليهم.\nويقال كان اليسع وذو الكفل أخوين.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2984>[سورة ص (٣٨): آية ٤٩]</span>\nهذا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (٤٩)\nأي هذا القرآن فيه ذكر ما كان، وذكر الأنبياء والقصص.\nويقال إنّه شرف لك لأنه معجزة تدل على صدقك، وإن للذين يتّقون المعاصي لحسن المنقلب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2985>[سورة ص (٣٨): الآيات ٥٠ الى ٥٢]</span>\nجَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ (٥٠) مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرابٍ (٥١) وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ أَتْرابٌ (٥٢)\nأي إذا جاءوها لا يلحقهم ذلّ الحجاب، ولا كلفة الاستئذان، تستقبلهم الملائكة بالترحاب «١» والتبجيل. متكئين فيها على أرائكهم، يدعون فيها بفاكهة كثيرة وشراب على ما يشتهون، وعندهم حور عين قاصرات الطّرف عن غير أزواجهن، «أَتْرابٌ»: لدات مستويات في الحسن والجمال والشكل.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2986>[سورة ص (٣٨): آية ٥٣]</span>\nهذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسابِ (٥٣)\nلشرّ مرجع ومنقلب وهي جهنم يدخلونها فيبقون معذّبين فيها، وبئس المكان ذلك!\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2987>[سورة ص (٣٨): آية ٥٧]</span>\nهذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (٥٧)\n«حَمِيمٌ»: هو الماء الحار، و«غَسَّاقٌ» هو عصارة أهل النار «٢»، ويقال هو زمهرير جهنم «٣» .\n_________\n(١) هكذا في م وهي في ص (بالإيجاب) ونحن نؤثر (بالترحاب) لتقابل ما يقال لأهل النار فيما بعد (لا مرحبا بهم)\n(٢) هذا قول محمد بن كعب.\n(٣) هذا قول ابن عباس. وقال عبد الله بن عمرو: هو قيح غليظ نتن. وقال قتاده: هو ما يسيل من فروج الزناة، ومن نتن لحوم الكفرة وجلودهم من الصديد والقيح. وقال آخرون إنه يحرق ببرده كما يحرق الحميم بحره (القرطبي ح ١٥ ص ٢٢٢) .","vol":"3","page":260},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2988>[سورة ص (٣٨): آية ٥٨]</span>\nوَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ (٥٨)\nأي فنون أخرى من مثل ذلك العذاب.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2989>[سورة ص (٣٨): الآيات ٥٩ الى ٦١]</span>\nهذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صالُوا النَّارِ (٥٩) قالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا فَبِئْسَ الْقَرارُ (٦٠) قالُوا رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ (٦١)\nهؤلاء قوم يقتحمون النار معكم وهم أتباعكم، ويقول الأتباع للمتبوعين:\nلا مرحبا بكم أنتم قدمتموه لنا بأمركم فوافقناكم، ويقولون: رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ فيقال لهم كلّكم فيها، ولن يفتر العذاب عنكم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2990>[سورة ص (٣٨): الآيات ٦٢ الى ٦٣]</span>\nوَقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ (٦٢) أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ (٦٣)\n؟. يقول الكفار عند ما يدخلون النار: ما لنا لا نرى رجالا كنّا نعدهم في الدنيا من الأشرار والمستضعفين.. فلسنا نراهم هاهنا؟ أهم ليسوا هنا أم زاغت عنهم أبصارنا؟ يقوله أبو جهل وأصحابه يعنون بلالا والمستضعفين، فيعرّفون بأنهم في الفردوس، فتزداد حسراتهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2991>[سورة ص (٣٨): آية ٦٤]</span>\nإِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (٦٤)\nأي إن مخاصمة أهل النار في النار لحقّ.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2992>[سورة ص (٣٨): آية ٦٥]</span>\nقُلْ إِنَّما أَنَا مُنْذِرٌ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (٦٥)\nقل يا محمد: إنما أنا منذر مخوّف، مبلّغ رسالة ربى، وما من إله إلا الله الواحد الذي لا شريك له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2993>[سورة ص (٣٨): الآيات ٦٧ الى ٧٠]</span>\nقُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (٦٨) ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٦٩) إِنْ يُوحى إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٧٠)","vol":"3","page":261},{"text":"أي الذي أتيتكم به من الأخبار عن القيامة والحشر، والجنة والنار، وما أخبرتكم به عن نبوّتى وصدقى هو نبأ عظيم، وأنتم أعرضتم عنه.\nوما كان لى من علم بالملأ الأعلى واختصامهم فيه لولا أنّ الله عرّفنى، وإلا ما كنت علمته. والملأ الأعلى قوم من الملائكة في السماء العليا، واختصامهم كان في شأن آدم حيث قالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها؟\nوقد ورد في الخبر: «أن جبريل سأل الرسول ﷺ عن هذا الاختصام فقال: لا أدرى. فقال جبريل: فى الكفارات والدرجات فالكفارات إسباغ الوضوء فى السّبرات «١»، ونقل الأقدام إلى الجماعات، وأما الدرجات فإفشاء السلام، وإطعام الطعام، والصلاة بالليل والناس نيام» «٢» . وإنما اختلفوا في بيان الأجر وكمية الفضيلة فيها- فيجتهدون ويقولون إن هذا أفضل من هذا، ولكنهم في الأصل لا يجحدون.\n.. وهذا إنما يوحى إليّ وأنا منذر مبين.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2994>[سورة ص (٣٨): آية ٧١]</span>\nإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (٧١)\nإخباره الملائكة بذلك إنما يدلّ على تفخيم شأن آدم لأنه خلق ما خلق من الكونين «٣»،\n_________\n(١) السبرات جمع سبرة بسكون الباء وهي الغداة الباردة.\n(٢) روى الخبر أبو الأشهب عن الحسن هكذا: «سألنى ربى فقال: يا محمد، فيم اختصم الملأ الأعلى؟\nقلت في الكفارات والدرجات، قال: ما الكفارات؟ قلت:\nالمشي على الأقدام إلى الجماعات....» أخرجه الترمذي بمعناه عن ابن عباس، وقال فيه حديث غريب. وعن معاذ بن جبل أيضا وقال: حديث حسن صحيح.\n(٣) هكذا في م وهى في ص (المكذبين) وهي خطأ في النسخ كما هو واضح.","vol":"3","page":262},{"text":"والجنة والنار، والعرش والكرسي، والملائكة، ولم يقل في صفة شىء منها ما قال في صفة آدم وأولاده. ولم يأمر بالسجود لأحد ولا لشىء إلا لآدم، وسبحان الله! خلق أعزّ خلقه من أذلّ شىء وأخسّه وهو التراب والطين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2995>[سورة ص (٣٨): الآيات ٧٢ الى ٧٤]</span>\nفَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ (٧٢) فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣) إِلاَّ إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ (٧٤)\nروح آدم- وإن كانت مخلوقة- فلها شرف على الأرواح لإفرادها بالذكر، فلمّا سوّى خلق آدم، وركّب فيه الروح جلّله بأنوار التخصيص، فوقعت هيبته على الملائكة، فسجدوا لأمره، وظهرت لإبليس شقاوته، ووقع- بامتناعه- فى اللعنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2996>[سورة ص (٣٨): الآيات ٧٥ الى ٧٦]</span>\nقالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ (٧٥) قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (٧٦)\nمن هنا وقع في الغلط توهّم أنّ التفضيل من حيث البنية والجوهرية، ولم يعلم أن التفضيل من حيث القسمة دون الخلقة.\nويقال ما أودع الله- سبحانه- عند آدم لم يوجد عند غيره، ففيه ظهرت الخصوصية.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2997>[سورة ص (٣٨): الآيات ٧٧ الى ٧٨]</span>\nقالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٧٧) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ (٧٨)\nقال فاخرج من الجنة، ومن الصورة التي كنت فيها، ومن الحالة التي كنت عليها، «فَإِنَّكَ رَجِيمٌ» مرميّ باللّعن منى، وبالشّهب من السماء، وبالرجوم من قلوب الأولياء إن تعرّضت لهم.","vol":"3","page":263},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2998>[سورة ص (٣٨): الآيات ٧٩ الى ٨١]</span>\nقالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٧٩) قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٨٠) إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٨١)\nمن كمال شقاوته أنه جرى على لسانه «١»، وتعلّقت إرادته بسؤال إنظاره، فازداد إلى القيامة في سبب عقوبته، فأنظره الله، وأجابه، لأنه بلسانه سأل تمام شقاوته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2999>[سورة ص (٣٨): الآيات ٨٢ الى ٨٣]</span>\nقالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلاَّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)\nولو عرف عزّته لما أقسم بها على مخالفته.\nويقال تجاسره في مخاطبة الحقّ- حيث أصرّ على الخلاف وأقسم عليه- أقبح وأولى فى استحقاق اللعنة من امتناعه للسجود لآدم «٢» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3000>[سورة ص (٣٨): الآيات ٨٤ الى ٨٦]</span>\nقالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٥) قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦)\nوختم الله سبحانه السورة بخطابه إلى الرسول ﷺ:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3001>[سورة ص (٣٨): الآيات ٨٧ الى ٨٨]</span>\nإِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٨٧) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (٨٨)\n_________\n(١) فى هذه الإشارة دقة تحتاج إلى تأمل، فقول القشيري «جرى على لسانه» تفيد أن مأساة إبليس ترجع إلى مشيئة عليا، وإن كان ظاهر اللفظ أنه بلسانه اختار طريقه، وبإرادته سعى إلى إنظاره.\nوهكذا يغمز القشيري بمن يحاولون نسبة الحرية للإنسان- مع أن الحرية وبال ونكال.\nويذكّرنا هذا الموقف بقولة ابن عربى فى (شجرة الكون) عند شرح «كن فيكون» أن فى «كن» كل شىء فى الكاف كمال الدين والكفر، وفي النون النعمة والنقمة ... فالله خالق كل شىء حين خاطب الكون: «كن»\n(٢) فى هذه الإشارة لفتة إلى مقصد بعيد: أن الوقوع في الذنب أمر قبيح ولكن الإصرار على الذنب أقبح.\nوهذا حث للعصاة على الإقلاع عن المعاصي، وعدم اليأس من رحمة الله. وتطالعنا سماحة القشيري في هذا الخصوص فى مواضع مختلفة من هذا الكتاب، وكذلك أنظر باب «التوبة» فى الرسالة.","vol":"3","page":264},{"text":"ما جئتكم من حيث أنا «١»، ولا باختياري، وإنما أرسلت إليكم.\n«إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ» يعنى القرآن، عظة لكم.\n«وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ» وعلم صدقه بعد ما استمرت شريعته، فإن مثل ذلك إذا كان باطلا لا يدوم «٢» .\n_________\n(١) أي من طرفى أو من جهتى.\n(٢) أي أن دوام الشريعة وخلودها من آيات صحتها وصدقها.","vol":"3","page":265},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3002>سورة الزمر</span>\nقوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» بسم الله كلمة سماعها يوجب للقلوب شفاءها، وللأرواح ضياءها، وللأسرار سناءها وعلاءها.\nكلمة من سمعها بسمع العلم ازداد بصيرة على بصيرة، ثم بلطائف من التعريف غير محصورة.\nومن سمعها بسمع الوجد ظلّت ألبابه مبهورة، وأسراره بقهر الكشوفات منشورة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3003>[سورة الزمر (٣٩): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nتَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١)\nأي هذا كتاب عزيز نزل من ربّ عزيز على عبد عزيز بلسان ملك عزيز في شأن أمة عزيزة بأمر عزيز. وفي ورود الرسول به من الحبيب الأول نزهة لقلوب الأحباب بعد ذبول غصن سرورها، وارتياح عند قراءة فصولها.\nوكتاب موسى في الألواح التي كان منها يقرأ موسى، وكتاب نبيّنا ﷺ نزل به الروح الأمين على قلب المصطفى صلوات الله عليه.. وفصل بين من يكون كتاب ربّه مكتوبا في ألواحه، وبين من يكون خطاب ربّه محفوظا في قلبه، وكذلك أمته، قال تعالى:\n«بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ «١»» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3004>[سورة الزمر (٣٩): آية ٢]</span>\nإِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢)\nأي أنزلنا عليك القرآن بالدين الحق والشرع الحق، وأنا محقّ في إنزاله.\n_________\n(١) آية ٤٩ سورة العنكبوت.","vol":"3","page":266},{"text":"والعبادة الخالصة معانقة الأمر على غاية الخشوع. وتكون بالنّفس والقلب والروح فالتى بالنفس فالإخلاص فيها التباعد عن الانتقاص، والتي بالقلب فالإخلاص فيها العمى عن رؤية الأشخاص، والتي بالروح فالإخلاص فيها التنقّى عن طلب الاختصاص «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3005>[سورة الزمر (٣٩): آية ٣]</span>\nأَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي ما هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ (٣)\nالدين الخالص ما تكون جملته لله فما للعبد فيه نصيب فهو من الإخلاص بعيد، اللهم أن يكون بأمره فإنه إذا أمر العبد أن يحتسب الأجر على طاعته فإطاعته لا تخرجه عن الإخلاص باحتسابه ما أمره به، ولولا هذا لما صحّ أن يكون في العالم مخلص.\n«وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ...» أي الذين عبدوا الأصنام قالوا: «ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى»، ولم يقولوا هذا من قبل الله ولا بأمره ولا بإذنه، وإنما حكموا بذلك من ذات أنفسهم، فردّ الله عليهم. وفي هذا إشارة إلى أن ما يفعله العبد من القرب بنشاط نفسه من غير أن يقتضيه حكم الوقت، وما يعقد بينه وبين الله من عقود ثم لا يفى بها.. فكل ذلك اتباع هوى، قال تعالى: «وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها «٢»» .\nقوله جل ذكره: إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ لا تهديهم اليوم لدينه، ولا في الآخرة إلى ثوابه. والإشارة فيه إلى تهديد من يتعرّض لغير مقامه، ويدّعى شيئا ليس بصادق فيه، فالله لا يهديه قط إلى ما فيه سداده ورشده.\nوعقوبته أن يحرمه ذلك الشيء الذي تصدّى له بدعواه قبل تحققه بوجوده وذوقه.\n_________\n(١) تصلح هذه الفقرة لتوضيح درجات العبادة ودرجات الإخلاص، والآفات التي تلحق كل درجة منها، وكيفية التنقى عن هذه الآفات- وبمعنى آخر فإنها تهمنا عند ما نبحث أصول ما أطلقنا عليه: علم النفس الصوفي. [.....]\n(٢) آية ٢٧ سورة الحديد.","vol":"3","page":267},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3006>[سورة الزمر (٣٩): آية ٤]</span>\nلَوْ أَرادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لاصْطَفى مِمَّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هُوَ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (٤)\nخاطبهم على قدر عقولهم وعقائدهم حيث قالوا: المسيح ابن الله، وعزيز ولد الله فقال:\nلو أراد أن يتّخذ ولدا للتبنّى والكرامة لاختار من الملائكة الذين هم منزّهون عن الأكل والشرب وأوصاف الخلق.\nثم أخبر عن تقدّسه عن ذلك فقال: «سُبْحانَهُ هُوَ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ» تنزيها له عن اتخاذ الأولاد.. لا في الحقيقة لاستحالة معناه في نعته، ولا بالتبنى لتقدّسه عن الجنسية والمحالات، وإنما يذكر ذلك على جهة استبعاد إذ لو كان ذلك فكيف كان يكون حكمه؟ كقوله تعالى: «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا «١»» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3007>[سورة الزمر (٣٩): آية ٥]</span>\nخَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٥)\nأي خلقهما وهو محقّ في خلقهما.\nيُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يدخل الليل على النهار، ويدخل النهار على الليل في الزيادة والنقصان، وسخّر الشمس والقمر. وقد مضى فيما تقدم اختلاف أحوال العبد في القبض والبسط، والجمع والفرق، والأخذ والرد، والصحو والسّكر، ونجوم العقل وأقمار العلم، وشموس المعرفة ونهار التوحيد، وليالى الشّكّ والجحد ونهار الوصل، وليالى الهجر والفراق وكيفية اختلافها، وزيادتها ونقصانها.\nأَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ «الْعَزِيزُ» المتعزّز على المحبين، «الْغَفَّارُ» للمذنبين.\n_________\n(١) آية ٢٢ سورة الأنبياء.","vol":"3","page":268},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3008>[سورة الزمر (٣٩): آية ٦]</span>\nخَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٦)\n«مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها» يعنى آدم وحواء.\n«وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ» أي خلق لكم، «ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ» فمن الإبل اثنين، ومن البقر اثنين، ومن الضأن اثنين، ومن المواشي اثنين.\n«يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ»: أي يصوّركم، ويركّب أحوالكم.\n«فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ»: ظلمة البطن، وظلمة الرّحم، وظلمة المشيمة «١» . ذكّرهم نسبتهم لئلا يعجبوا بأحوالهم.\nويقال بيّن آثار أفعاله الحكيمة في كيفية خلقتك- من قطرتين- أمشاجا متشاكلة الأجزاء، مختلفة الصّور في الأعضاء، سخّر بعضها محالّ للصفات الحميدة كالعلم والقدرة والحياة.. وغير ذلك من أحوال القلوب، وسخّر بعضها محالّ للحواس كالسمع والبصر والشّمّ وغيرها.\nويقال هذه كلها نعم أنعم الله بها علينا فذكّرنا بها- والنفوس مجبولة، وكذلك القلوب على حبّ من أحسن إليها- استجلابا لمحبتنا له.\n«ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ ...» «٢» أي إن الذي أحسن إليكم بجميع هذه الوجوه هو ربّكم.\n_________\n(١) هكذا في م وهي الصواب أما في ص فهى (البشيمة) والظلمات الثلاث التي أوردها القشيري على هذا النحو قالها ابن عباس وعكرمة ومجاهد وقتادة والضحاك.\nوقال أبو عبيدة: ظلمة صلب الرجل، وظلمة بطن المرأة، وظلمة الرحم (القرطبي ج ١٥ ص ٢٣٦) .\n(٢) يبدو أن القشيري منذ هذه اللحظة وحتى الاية الكريمة التالية انتابته حالة من حالات الذكر، فجاءت كلماته أشبه بالتسبيح والنجوى.","vol":"3","page":269},{"text":"أي: أنا خلقتكم وأنا رزقتكم وأنا صوّرتكم فأحسنت صوركم، وأنا الذي أسبغت عليكم إنعامى، وخصعتكم بجميل إكرامى، وأغرقتكم في بحار أفضالى، وعرفتكم استحقاق جمالى وجلالى، وهديتم إلى توحيدى، وألزمتكم رعاية حدودى ... فما لكم لا تنقطعون بالكلية إليّ؟ ولا ترجون ما وعدتكم لديّ؟ وما لكم في الوقت بقلوبكم لا تنظرون إليّ؟\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3009>[سورة الزمر (٣٩): آية ٧]</span>\nإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٧)\nإن أعرضتم وأبيتم، وفي جحودكم تماديتم.. فما نفتقر إليكم إذ نحن أغنياء عنكم، ولكنّى لا أرضى لكم أن تبقوا عنى! يا مسكين ... أنت إن لم تكن لى فأنا عنك غنيّ، وأنا إن لم أكن لك فمن تكون أنت؟ ومن يكون لك؟ من الذي يحسن إليك؟ من الذي ينظر إليك؟ من الذي يرحمك؟\nمن الذي ينثر التراب على جراحك؟\nمن الذي يهتم بشأنك؟ بمن تسلو إذا بقيت عنّى؟ من الذي يبيعك رغيفا بمثاقيل ذهب؟!.\nعبدى.. أنا لا أرضى ألا تكون لى وأنت ترضى بألا تكون لى! يا قليل الوفاء، يا كثير التجنّى! إن أطعتنى شكرتك، وإن ذكرتنى ذكرتك، وإن خطوت لأجلى خطوة ملأت السماوات والأرضين من شكرك:\nلو علمنا أنّ الزيارة حقّ ... لفرشنا الخدود أرضا لترضى","vol":"3","page":270},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3010>[سورة الزمر (٣٩): آية ٨]</span>\nوَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ (٨)\nإذا مسّه ضرّ خشع وخضع، وإلى قربه فزع، وتملّق بين يديه وتضرع. فإذا أزال عنه ضرّه، وكفاه أمره، وأصلح شغله نسى ما كان يدعو إليه من قبل، وجعل لله أندادا، فيعود إلى رأس كفرانه، وينهمك في كبائر عصيانه، ويشرك بمعبوده. هذه صفته ... فسحقا له وبعدا، ولسوف يلقى عذابا وخزيا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3011>[سورة الزمر (٣٩): آية ٩]</span>\nأَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وَقائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ (٩)\n«١» «قانِتًا»: القنوت هو القيام، وقيل طول القيام. والمراد هو الذي يقوم بحقوق الطاعة أوقات الليل والنهار أي في جميع الأوقات.\nوالهمزة للاستفهام أي أمن هو قانت كمن ليس بقانت؟ أمن هو قانت كالكافر الذي جرى ذكره؟ أي ليس كذلك.\nويقال القنوت القيام بآداب الخدمة ظاهرا وباطنا من غير فتور ولا تقصير. «يَحْذَرُ» العذاب الموعود في الآخرة، «وَيَرْجُوا» الثواب الموعود. وأراد بالحذر الخوف.\nقُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ\n_________\n(١) قال ابن عباس في رواية عطاء: نزلت في أبى بكر الصديق ﵁.\nوقال ابن عمر: نزلت في عثمان بن عفان.\nوقال مقاتل: نزلت في عمار بن ياسر.\n(اسباب النزول للواحدى ص ٢٤٧)","vol":"3","page":271},{"text":"أي هل يستويان؟ هذا في أعلى الفضائل وهذا في سوء الرذائل! «الَّذِينَ يَعْلَمُونَ»: العلم فى وصف المخلوق على ضربين: مجلوب مكتسب للعبد، وموهوب من قبل الربّ. ويقال مصنوع وموضوع. ويقال علم برهان وعلم بيان فالعلوم الدينية كلّها برهانية إلّا ما يحصل بشرط الإلهام.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3012>[سورة الزمر (٣٩): آية ١٠]</span>\nقُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ (١٠)\nأطيعوه واحذروا مخالفة أمره. «لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا» بأداء الطاعات، (والإحسان هو الإتيان بجميع وجوه الإمكان) «١» .\n«وَأَرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ»: أي لا تتعلّلوا بأذى الأعداء إن نبا بكم منزل فتعلّلكم بمعاداة قوم ومنعهم إياكم- لا يسمع، فأرض الله واسعة، فاخرجوا منها إلى موضع آخر تتم لكم فيه عبادتكم «٢» .\n«إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ» . والصبر حبس النّفس على ما تكرهه.\nويقال هو تجرّع كاسات التقدير من غير استكراه ولا تعبيس.\nويقال هو التهدّف «٣» لسهام البلاء.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3013>[سورة الزمر (٣٩): الآيات ١١ الى ١٢]</span>\nقُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (١٢)\n_________\n(١) تأخر ما بين قوسين فجاء بعد (السهام البلاء) فوضعناه في هذا المكان لأنه يوضح المقصود بتوضيح «أحسنوا» .\n(٢) يقول القشيري في إحدى وصاياه للمريدين حاثا على السفر: «إن ابتلى مريد بجاه أو معلوم أو صحبة حدث أو ميل إلى امرأة أو استنامة إلى معلوم وليس هناك شيخ يدله على ما به يتخلص من ذلك فعند ذلك حل له السفر والتحول عن ذلك الموضع ليشوش على نفسه تلك الحالة» (الرسالة ص ٢٠٢) .\n(٣) التهدف- الدنو والاستقبال.","vol":"3","page":272},{"text":"مضى القول في معنى الإخلاص. وفي الخبر: إن الله يقول: «الإخلاص سرّ بين الله وعبده» «١» .\nويقال الإخلاص لا يفسده الشيطان، ولا يطّلع علية الملكان.\n«أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ..» أمرت لأن أكون أول المسلمين في وقتى وفي شرعى. والإسلام الانقياد لله بكل وجه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3014>[سورة الزمر (٣٩): آية ١٣]</span>\nقُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣)\nأخاف أصناف العذاب التي تحصل في ذلك اليوم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3015>[سورة الزمر (٣٩): الآيات ١٤ الى ١٥]</span>\nقُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ (١٥)\nهذا غاية الزجر والتهديد، ثم بيّن أن ذلك غاية الخسران، وهو الخزي والهوان. والخاسر- على الحقيقة- من خسر دنياه بمتابعة الهوى، وخسر عقباه بارتكابه ما الربّ عنه نهى، وخسر مولاه فلم يستح منه فيما رأى.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3016>[سورة الزمر (٣٩): آية ١٦]</span>\nلَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فَاتَّقُونِ (١٦)\nأحاط بهم سرادقها فهم لا يخرجون منها، ولا يفترون عنها. كما أنهم اليوم في جهنم\n_________\n(١) أخطأ الناسخ في ص إذ جعلها (ستر) بالتاء والصواب هى (سر)، وقد ورد الخبر في الرسالة هكذا:\nأخبر النبي (ص) عن جبريل عن الله سبحانه أنه قال: «الإخلاص سر من سرى استودعته قلب من أحببته من عبادى» (الرسالة ص ١٠٤) .","vol":"3","page":273},{"text":"عقائدهم يستديم حجابهم، ولا ينقطع عنهم عقابهم «١» .\n«ذلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ ...» إن خفت اليوم كفيت خوف ذلك اليوم وإلّا فبين يديك عقبة كوود.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3017>[سورة الزمر (٣٩): آية ١٧]</span>\nوَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها وَأَنابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِ (١٧)\n«٢» طاغوت كلّ إنسان نفسه وإنما يجتنب الطاغوت من خالف هواه، وعانق رضا مولاه.\nوعبادة النّفس بموافقة الهوى- وقليل من لا يعبد هواه، ويجتنب حديث النّفس.\n«وَأَنابُوا إِلَى اللَّهِ»: أي رجعوا إليه في كل شىء.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3018>[سورة الزمر (٣٩): آية ١٨]</span>\nالَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ (١٨)\n«٣» «يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ» يقتضى أن يكون الاستماع لكل شىء، ولكن الاتباع يكون للأحسن. «أَحْسَنَهُ»: وفيه قولان أحدهما أن يكون بمعنى الحسن ولا تكون الهمزة للمبالغة، كما يقال ملك أعزّ أي عزيز. والثاني: والأحسن على المبالغة، والحسن ما كان مأذونا فيه في صفة الخلق ويعلم ذلك بشهادة العلم «٤»، والأحسن هو الأولى والأصوب. ويقال الأحسن ما كان لله دون غيره، ويقال الأحسن هو ذكر الله خالصا له. ويقال من عرف الله لا يسمع إلا بالله.\n_________\n(١) إن استيلاء الحب على قلب الصوفي يجعله ينظر إلى العقوبة في الآخرة على أنها أقل تعذيبا إذا قيست بعذاب الهجر والنأى، أو على حد تعبيرهم جهنم الاحتراق أخف من جهنم الفراق.. ولهم في ذلك أقوال جريئة كثيرة (انظر كتابنا: نشأة التصوف الإسلامى ط دار المعارف ص ٢٤٨) .\n(٢) قال ابن زيد: نزلت هذه الآية في ثلاثة أنفار كانوا في الجاهلية يقولون: لا إله إلا الله، وهم زيد بن عمرو وأبو ذر الغفاري وسلمان الفارسي (الواحدي ص ٢٤٧) .\n(٣) نزلت في عثمان وعبد الرحمن بن عوف وطلحة وسعيد بن زيد وسعد بن أبى وقاص وكان استماعهم لأبى بكر وهو يخبرهم بإيمانه (الواحدي ص ٢٤٧، ٢٤٨) .\n(٤) استخدم القشيري هذا المفهوم في تأييد وترخيص «السماع» بالمعنى الصوفي (الرسالة ص ١٦٦) .","vol":"3","page":274},{"text":"ويقال إن للعبد دواعى من باطنه هي هواجس النفس ووساوس الشيطان وخواطر الملك وخطاب الحقّ يلقى في الرّوع فوساوس الشيطان تدعو إلى المعاصي، وهواجس النفس تدعو إلى ثبوت الأشياء من النّفس وأنّ لها في شىء نصيبا، وخواطر الملك تدعو إلى الطاعات والقرب، وخطاب الحقّ في حقائق التوحيد.\n«أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ»: - أولئك الذين هداهم الله لتوحيده، وأولئك الذين عقولهم غير معقولة «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3019>[سورة الزمر (٣٩): آية ١٩]</span>\nأَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (١٩)\n؟ الذين حقّت عليهم كلمة العذاب فريقان: فريق حقت عليهم كلمة بعذابهم في النار، وفريق حقت عليهم كلمة العذاب بالحجاب اليوم، فهم اليوم لا يخرجون عن حجاب قلوبهم، ولا يكون لهم بهذه الطريقة إيمان- وإن كانوا من أهل الإيمان» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3020>[سورة الزمر (٣٩): آية ٢٠]</span>\nلكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعادَ (٢٠)\nوعد المطيعين بالجنّة- ولا محالة لا يخلف، ووعد التائبين بالمغفرة- ولا محالة يغفر لهم، ووعد المريدين بالوجود والوصول- وإذا لم تقع لهم فترة فلا محالة مصدق وعده.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3021>[سورة الزمر (٣٩): آية ٢١]</span>\nأَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطامًا إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ (٢١)\n_________\n(١) (عقولهم غير معقولة) أي غير حبيسة أو ممنوعة عن الإدراك وتصحيح الإيمان، فهذه هي المهمة الأساسية العقل في نظر المصنف- كما نوهنا بذلك. وربما كانت في الأصل (مقفولة) فيها أيضا يستقيم المعنى. [.....]\n(٢) نعلم أن كثيرين في أوساط أهل السّتّة يعارضون العديد من مسائل التصوف، ومن أمثالهم ابن تيميه وابن الجوزي.","vol":"3","page":275},{"text":"أخبر أنه ينزل من السماء المطر فيخرج به الزرع فيخضرّ، ثم يأخذ في الجفاف، ثم يصير هشيما ... والإشارة من هذا إلى الإنسان، يكون طفلا ثم شابا ثم كهلا ثم شيخا ثم يصير إلى أرذل العمر ثم في آخره يخترم.\nويقال إن الزّرع ما لم يأخذ في الجفاف لا يؤخذ منه الحبّ، فالحبّ هو المقصود منه..\nكذلك الإنسان ما لم يحصل من نفسه وصول لا يكون له قدر ولا قيمة.\nويقال إن كون المؤمن بقوة عقله يوجب استفادة له بعلمه إلى أن يبدو منه كمال يمكّن من أنوار بصيرته، ثم إذا بدت لائحة من سلطان المعارف تصير تلك الأنوار مغمورة. فإذا بدت أنوار التوحيد استهلكت تلك الجملة، قالوا:\nفلمّا استبان الصبح أدرج «١» ضوءه ... بأنواره أنوار تلك الكواكب\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3022>[سورة الزمر (٣٩): آية ٢٢]</span>\nأَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٢)\nجواب هذا الخطاب محذوف ... أي أفمن شرح الله صدره للإسلام كمن ليس كذلك؟\nلمّا نزلت هذه الآية سئل الرسولﷺ- عن الشرح المذكور فيها، فقال: «ذلك نور يقذف فى القلب، فقيل: وهل لذلك أمارة؟\n_________\n(١) أدرج الشيء أي أفناه (الوسيط) . والمقصود أن أنوار مصابيح المعرفة الإنسانية تتلاشى وتفنى عند سطوع شمس الحقيقة. وقد وردت في ص ٤٣ من الرسالة (أدرك) والصواب في نظرنا (أدرج) .","vol":"3","page":276},{"text":"قال: نعم التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل نزوله «١»» .\nوالنور الذي من قبله- سبحانه- نور الّلوائح بنجوم العلم، ثم نور اللوامع ببيان الفهم، ثم نور المحاضرة بزوائد اليقين، ثم نور المكاشفة بتجلى الصفات، ثم نور المشاهدة بظهور الذات، ثم أنوار الصمدية بحقائق التوحيد.. وعند ذلك فلا وجد ولا فقد «٢»، ولا قرب «٣» ولا بعد ... كلّا بل هو الله الواحد القهار «٤» .\n«فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ» «٥»: أي الصلبة قلوبهم، لم تقرعها خواطر التعريف فبقيت على نكرة الجحد.. أولئك في الضلالة الباقية، والجهالة الدائمة..\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3023>[سورة الزمر (٣٩): آية ٢٣]</span>\nاللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٢٣)\n«٦»\n_________\n(١) أورد الغزالي هذا الخبر في منقذه، وشرح مهمة هذا النور بأنه الذي يطلب منه الكشف: وأنه ينبجس من النور الإلهى (المنقذ من الضلال ط القاهرة ص ٢٥٥) .\n(٢) هكذا في م وهي في ص (قصد) بالصاد وهي خطأ في النسخ، فالوجد يقابله الفقد.\n(٣) فى ص (ولا فرق) والصواب أن تكون (ولا قرب) لتقابل (ولا بعد) لأنه لو قال (ولا فرق) لكان قد قال (ولا جمع) مع أن الموقف هنا موقف (جمع) .. والمقصود اختفاء تقلبات التلوين، والوصول إلى مرتبة التمكين، أي الوصول إلى حال (جمع الجمع) .\n(٤) تفيد هذه الفقرة في فهم كثير من المصطلحات، وهذه أول مرة نصادف للقشيرى عبارة (بظهور الذات) لأنه في مواضع كثيرة يلح على أن المشاهدة (للصفات كالجمال أو الجلال أو ... إلخ) أما (الذات) فقد جلّت الصمدية- كما يقول- عن أن يستشرف منها مخلوق.\n(٥) نزلت في أبى لهب وأولاده الذين قست قلوبهم عن ذكر الله. (الواحدي ص ٢٤٨) واختار الطبري القول بأن (من) فى الآية بمعنى (عن) أي قست قلوبهم عن ذكر الله.\n(٦) قال سعد بن أبى وقاص: قال أصحاب رسول الله (ص): لو حدّثتنا.. فانزل الله ﷿ «الله نزّل أحسن الحديث» فقالوا: لو قصصت علينا.. فنزل «نحن نقص عليك أحسن القصص»","vol":"3","page":277},{"text":"«أَحْسَنَ الْحَدِيثِ» لأنه غير مخلوق «١» «كِتابًا مُتَشابِهًا» فى الإعجاز والبلاغة.\n«مَثانِيَ»: يثنى فيها الحكم ولا يملّ بتكرار القراءة، ويشتمل على نوعين:\nالثناء عليه بذكر سلطانه وإحسانه، وصفات الجنة والنار والوعد والوعيد.\n«تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ» إذا سمعوا آيات الوعيد.\n«ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ» إذا سمعوا آيات الوعد.\nويقال: تقشعر وتلين بالخوف والرجاء، ويقال بالقبض والبسط، ويقال بالهيبة والأنس، ويقال بالتجلّى والاستتار «٢» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3024>[سورة الزمر (٣٩): آية ٢٤]</span>\nأَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٢٤)\nأي فمن يتقى بوجهه سوء العذاب كمن ليس كذلك؟ وقيل إنّ الكافر يلقى النار أوّل ما يلقاها بوجهه لأنه يرمى فيها منكوسا. فأمّا المؤمن فيوقى ذلك وإنما يلقّى النضرة والسرور والكرامة فوجهه ضاحك مستبشر.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3025>[سورة الزمر (٣٩): آية ٢٥]</span>\nكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (٢٥) .\n_________\n(١) سمّى القرآن حديثا لأن الرسول (ص) كان يحدّث به أصحابه وقومه، وهو كقوله: «فبأى حديث بعده يؤمنون» وقوله: «أفمن هذا الحديث تعجبون» ويخطّىء أهل السّنّة من يستند في أن القرآن مخلوق إلى أن «الحديث» من الحدوث فالكلام محدث فقالوا: الحدوث يرجع إلى التلاوة لا إلى المتلو، كالذكر مع المذكور إذا ذكرنا أسماء الله وصفاته الحسنى.\n(٢) يستفيد الصوفية من هذه الآية في تدعيم نظريتهم فى «السماع» والتأثرات النفسية والعضوية الناجمة عن تقلب الأحوال.","vol":"3","page":278},{"text":"أشدّ العذاب ما يكون بغتة، كما أنّ أتمّ السرور ما يكون فلتة.\nومن الهجران والفراق ما يكون بغتة غير متوقع، وهو أنكى للفؤاد وأشدّ وأوجع تأثيرا في القلب، وفي معناه قلنا:\nفبتّ بخير والدّنى مطمئنة ... وأصبحت يوما والزمان تقلّبا\nوأتمّ السرور وأعظمه تأثيرا ما يكون فجأة، قال قائلهم:\nبينما خاطر المنى بالتلاقى ... سابح في فؤاده وفؤادى\nجمع الله بيننا فالتقينا هكذا صدفة بلا ميعاد قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3026>[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٢٧ الى ٢٨]</span>\nوَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٧) قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٢٨)\nأي أوضحنا لهم الآيات، ووقفناهم على حقائق الأشياء.\n«غَيْرَ ذِي عِوَجٍ»: فلا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3027>[سورة الزمر (٣٩): آية ٢٩]</span>\nضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٢٩)\nمثّل الكافر ومعبوديه يعبد اشترك فيه متنازعون.\n«فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ»: فالصنم يدعى فيه قوم وقوم آخرون فهذا يقول:\nأنا صنعته، وذلك يقول: أنا استعملته، وثالث يقول: أنا عبدته.","vol":"3","page":279},{"text":"أمّا المؤمن فهو خالص لله ﷿، يشبه «عبدا سلما لرجل» أي ذا سلامة من التنازع والاختلاف.\nويقال «رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ» تتجاذبه أشغال الدّنيا، شغل الولد وشغل العيال، وغير ذلك من الأشغال المختلفة والخواطر المشتّتة.\nأمّا المؤمن فهو خالص لله ليس لأحد فيه نصيب ولا للدنيا معه سبب إذ ليس منها شىء، ولا للرضوان معه شغل «١»، إذ ليس له طاعات يدلّ بها، وعلى الجملة فهو خالص لله، قال تعالى لموسى: «وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي» «٢» أي أبقيتك لى حتى لا تصلح لغيرى.\n«الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ»: الثناء له، وهو مستحقّ لصفات الجلال.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3028>[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٣٠ الى ٣١]</span>\nإِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (٣١)\nنعاه﵇- إليه. ونعى المسلمين إليهم ففزعوا بأجمعهم من ماثمهم «٣»، ولا تعزية في العادة بعد ثلاث. ومن لم يتفرّغ من مآثم نفسه وأنواع همومه، فليس له من هذا الحديث «٤» شمّة، فإذا فرغ قلبه من حديث نفسه، وعن الكون بجملته فحينئذ يجد الخير من ربّه، وليس هذا الحديث إلا بعد فنائهم عنهم، وأنشد بعضهم:\n_________\n(١) لقيت الجنة من كبار الشيوخ مواقف لا يخلو التعبير عنها- عند من لا يفقهونها- الكثير من الاستغراب، من ذلك ما يقوله أبو يزيد البسطامي: ما الجنة؟ لعبة صبيان! ويقول: الجنة هي الحجاب الأكبر لأن أهل الجنة سكنوا إلى الجنة، وكلّ من سكن إلى الجنة سكن إلى سواه فهو محجوب.\n(٢) آية ٤١ سورة طه.\n(٣) هكذا في ص وهي مقبولة لتناسب الخصومة التي سيترتب عليها في الآخرة الاختصام.\n(٤) يقصد حديث الفناء عن كل أرب وسيب، أي الفناء بالمعنى الصوفي. [.....]","vol":"3","page":280},{"text":"كتابى إليكم بعد موتى بليلة ... ولم أدر أنى بعد موتى أكتب\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3029>[سورة الزمر (٣٩): آية ٣٢]</span>\nفَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ (٣٢)\nالإشارة فيه إلى من أشار إلى أشياء لم يبلغها، وادّعى وجود أشياء لم يذق شيئا منها، قال تعالى: «وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ «١»» .\nويقال: لا بل هؤلاء هم الكفار، وأمّا المدّعى الذي لم يبلغ ما يدّعيه فليس يكذب على ربّه إنما يكذب على نفسه حيث ادّعى لها أحوالا لم يذقها ولم يجدها، فأمّا غير المتحقق الذي يكذب على الله فهو الجاحد والمبتدع الذي يقول في صفة الحقّ- سبحانه- ما يتقدّس ويتعالى عنه «٢» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3030>[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٣٣ الى ٣٤]</span>\nوَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣) لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ (٣٤)\nالذي جاء بالصدق في أفعاله من حيث الإخلاص، وفي أحواله من حيث الصدق، وفي أسراره من حيث الحقيقة.\n«ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ»: الإحسان- كما جاء في الخبر- أن تعبد الله كأنك تراه.\nفمن كانت- اليوم- مشاهدته على الدوام كانت رؤيته غدا على الدوام، ومن لا فلا «٣» .\n_________\n(١) آية ٦٠ من هذه السورة.\n(٢) وإلى أمثال هؤلاء أشار القشيري في مستهل رسالته قائلا «.. ثم لم يرضوا بما تعاطوه من سوء الأفعال، حتى أشاروا إلى أعلى الحقائق والأحوال، وادّعوا أنهم تحرروا عن رق الاغلال، وتحققوا بحقائق الوصال، وأنهم قائمون بالحق تجرى عليهم أحكامه وهم محو، وأنهم كوشفوا بأسرار الأحدية وزالت عنهم أحكام البشرية، والقائل عنهم غيرهم إذا نطقوا ...» الرسالة ص ٣.\n(٣) روى مسلم عن جابر ويبعث كل عبد على مامات عليه» ٦/ ٤٥٧ فيض القدير للمناوى «ومن كان مجالة لقى الله عليها» .","vol":"3","page":281},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3031>[سورة الزمر (٣٩): آية ٣٥]</span>\nلِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (٣٥)\nمن لا يكون مؤمنا فليس من أهل هذه الجملة. ومن كان معه إيمان: فإذا كفّر عنه أسوأ ما عمله فأسوأ أعماله كبائره فإن غفرت يجزهم بأحسن أعمالهم. وأحسن أعمال المؤمن الإيمان والمعرفة، فإن كان الإيمان مؤقتا كان ثوابه مؤقتا، وإن كان الإيمان على الدوام فثوابه على الدوام. ثم أحسن الأعمال عليها أحسن الثواب، وأحسن الثواب الرؤية فيجب أن تكون على الدوام «١» - وهذا استدلال قوى.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3032>[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٣٦ الى ٣٧]</span>\nأَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٣٦) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ (٣٧)\nاستفهام والمراد منه التقرير فالله كاف عبده اليوم في عرفانه بتصحيح إيمانه ومنع الشّرك عنه، وغدا في غفرانه بتأخير العذاب عنه، وما بينهما فكفايته تامة وسلامته عامة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3033>[سورة الزمر (٣٩): آية ٣٨]</span>\nوَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (٣٨)\nقرّر عليهم علوّ صفاته، وما هو عليه من استحقاق جلاله فأقرّوا بذلك، ثم طالبهم بذكر صفات الأصنام التي عبدوها من دونه، فلم يمكنهم في وصفها إلا بالجمادية، والبعد عن الحياة والعلم والقدرة والتمكّن من الخلق، فيقول: كيف أشركتم به هذه الأشياء؟ وهلّا استحييتم من إطلاق أمثال ذلك في صفته؟.\n_________\n(١) «فيجب أن تكون الرؤية على الدوام» نلاحظ إلحاح القشيري على هذا الرأى في خاتمة تفسيره للآية السابقة وفي هذه الآية، ولهذا الرأى أهميته في مسألتين: خلود الجنة والرؤية.. مسألتان كان حولهما جدل كثير أشرنا إلى بعضه في تعليقات سابقة.","vol":"3","page":282},{"text":"قل- يا محمد- حسبى الله، عليه يتوكل المتوكلون كافيّ الله المتفرّد بالجلال، القادر على ما يشاء، المتفضّل عليّ بما يشاء.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3034>[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٣٩ الى ٤٠]</span>\nقُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٩) مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ (٤٠)\nسوف ينكشف ربحنا وخسرانكم، وسوف تظهر زيادتنا ونقصانكم، وسوف نطالبكم فلا جواب لكم، ونعذّبكم فلا شفيع لكم، وندمّر عليكم فلا صريخ لكم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3035>[سورة الزمر (٣٩): آية ٤١]</span>\nإِنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٤١)\nمن أحسن فإحسانه إلى نفسه اكتسبه «١»، ومن أساء فبلاؤه على نفسه جلبه- والحقّ غنيّ عن التجمّل بطاعة من أقبل والتنقّص بزلّة من أعرض.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3036>[سورة الزمر (٣٩): آية ٤٢]</span>\nاللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٤٢)\nيقبض الأرواح «٢» حين موتها، والتي لم تمت من النفوس في حال نومها، فإذا نامت\n_________\n(١) (اكتسبه) موجودة في م وسقطت في ص.\n(٢) واضح هنا أن القشيري لا يكاد يميز بين (النفس) و(الروح) مع أنه في الرسالة ص ٤٨ يميز بينهما فيقول (يحتمل أن تكون النفس لطيفة مودعة في القالب) - البدن وهي محل الأخلاق المعلولة (موجودة في الرسالة خطأ المعلومة) كما أن الروح لطيفة في القالب هي محل الأخلاق المحمودة.. والجميع إنسان واحد، وكونهما بصفة-","vol":"3","page":283},{"text":"فيقبض أرواحها «١» . وقبض الأرواح في حال الموت بإخراج اللطيفة التي في البدن وهي الروح، ويخلق بدل الاستشعار والعلم الغفلة والغيبة في محالّ الإحساس والإدراك. ثم إذا قبض الأرواح عند الموت خلق في الأجزاء الموت بدل الحياة، والموت ينافى الإحساس والعلم. وإذا ردّ الأرواح بعد النوم إلى الأجساد خلق الإدراك في محل الاستشعار فيصير الإنسان متيقظا، وقبض الله الأرواح في حال النوم وردت به الأخبار، وذلك على مراتب فإنّ روحا تقبض على الطهارة ترفع إلى العرش وتسجد لله تعالى، وتكون لها تعريفات، ومعها مخاطبات «والله أعلم» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3037>[سورة الزمر (٣٩): آية ٤٣]</span>\nأَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ قُلْ أَوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ (٤٣)\nأي أنهم- وإن اتخذوا على زعمهم من دون الله شفعاء بحكمهم لا بتعريف من قبل الله أو إخبار- فإنّ الله تعالى لا يقبل الشفاعة من أحد إلّا إذا أذن بها، وإنّ الذي يقولونه إنما هو افتراء على الله.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3038>[سورة الزمر (٣٩): آية ٤٥]</span>\nوَإِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٥)\n_________\nاللطافة في الصورة ككون الملائكة والشياطين بصفة اللطافة» ثم يعود بعد قليل متحدثا عن الروح فيقول: الأرواح مختلف فيها عند أهل التحقيق من أهل السنة فمنهم من يقول إنها الحياة، ومنهم من يقول إنها أعيان مودعة في القالب (اللطائف ح ٢ ص ٣٦٧) وفي تقديرنا أن المسألة ذات جانبين: فإذا نظرنا إلى الموضوع خارج دائرة التصوف فالروح والنفس بمعنى واحد متصل بالحياة، وقبضهما معناه موت البدن بدليل ما ورد عن الرسول (ص)، فهو مرة يقول (كما في حديث أم سلمة): دخل رسول الله (ص) على أبى سلمة وقد شق (- انفتح) بصره فأغمضه ثم قال: «إن الروح إذا قبض تبعه البصر» وفي مرة أخرى يقول (ص) فى حديث صحيح خرجه ابن ماجه: «تحضر الملائكة فإذا كان الرجل صالحا قالوا اخرجى أيتها النفس الطيبة ...» وفي صحيح مسلم: قال «ص»: «إذا خرجت روح المؤمن تلقاها ملكان يصعدان بها» .\nأما الجانب الآخر للمسألة فهو كونهما مصطلحين صوفيين فالنفس محل المعلولات والروح محل المحمودات..\nوذلك ركن هام في مذهب القشيري لم يتخل عنه في كتاب من كتبه، كما هو مذهب كثيرين من المتصوفة.\n(١) قبض الروح عند النوم معناه ترقيها (الرسالة ص ٤٨) .","vol":"3","page":284},{"text":"اشمأزّت قلوب الذين جحدوا ولم تسكن نفوسهم إلى التوحيد، وإذا ذكر الذين من دونه استأنسوا إلى سماعه:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3039>[سورة الزمر (٣٩): آية ٤٦]</span>\nقُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٤٦)\n- علّمهﷺ- كيف يثنى عليه- سبحانه «١» .\nوتشتمل الآية على الإشارة إلى بيان ما ينبغى من التنصّل والتذلّل، وابتغاء العفو والتفضّل، وتحقيق الالتجاء بحسن التوكل. ثم أخبر عن أحوالهم في الآخرة فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3040>[سورة الزمر (٣٩): آية ٤٧]</span>\nوَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (٤٧)\nلا فتدوا به.. ولكن لا يقبل منهم، واليوم لو تصدّقوا بمثقال ذرة لقبل منهم. كما أنهم لو بكوا في الآخرة بالدماء لا يرحم بكاؤهم، ولكنهم بدمعة واحدة- اليوم- يمحى الكثير من دواوينهم.\nقوله جل ذكره: وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ فى سماع هذه الآية حرات لأصحاب الانتباه.\n_________\n(١) فى صحيح مسلم: أن عائشة سئلت بأى شىء كان النبي ﷺ يستفتح صلاته إذا قام من الليل؟ قالت: كان إذا قام من الليل افتتح صلاته: «اللهم رب جبريل وميكائيل واسرافيل، فاطر السماوات والأرض.\n.. يختلفون»، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدى من تشاء إلى صراط مستقيم» .\nوقال سعيد بن جبير: إنى لأعرف آية ما قرأها أحد قط وسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه قوله تعالى: «قل اللهم فاطر...... يختلفون» .","vol":"3","page":285},{"text":"وفي بعض الأخبار أن قوما من المسلمين من أصحاب الذنوب يؤمر بهم إلى النار [فإذا وافوها يقول لهم مالك: من أنتم؟ إن الذين جاءوا قبلكم من أهل النار وجوهم كانت مسودّة، وعيونهم «١»] كانت مزرقّة.. وأنتم لستم بتلك الصفة، فيقولون: ونحن لم نتوقع أن نلقاك، وإنما انتظرنا شيئا آخر! قال تعالى «وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ»\n«٢» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3041>[سورة الزمر (٣٩): آية ٤٨]</span>\nوَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٤٨)\nحاق بهم وبال استهزائهم وجزاء مكرهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3042>[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٤٩ الى ٥١]</span>\nفَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنَّا قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٤٩) قَدْ قالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (٥٠) فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥١)\nفى حال الضّرّ يتبرّءون من الاستحقاق والحول والقوة، فإذا كشف عنهم البلاء وقعوا فى مغاليطهم، وقالوا: إنما أوتينا هذا باستحقاق منّا، قال تعالى: «بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ» ولكنهم لم يعلموا، ثم أخبر أن الذين من قبلهم مثل هذا قالوا وحسبوا، ولم يحصلوا إلا على مغاليطهم، فأصابهم شؤم ما قالوا، وهؤلاء سيصيبهم أيضا مثل ما أصاب أولئك.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3043>[سورة الزمر (٣٩): آية ٥٢]</span>\nأَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢) .\n_________\n(١) ما بين القوسين مستدرك في هامش الورقة ٤٩٦ من النسخة ص\n(٢) عن مجاهد قال: إنهم عملوا أعمالا توهموا أنها حسنات فإذا هي سيئات.\nوقيل عملوا أعمالا توهموا أنهم يتوبون منها قبل الموت فأدركهم الموت قبل أن يتوبوا.\nأما القشيري فيصرفها إلى المؤمنين العصاة، وواضح أنه يميز بين حالة ورودهم إلى النار، وورود الكفار، فهؤلاء على التأبيد وأولئك إلى حين.","vol":"3","page":286},{"text":"أو لم يروا كيف خالف بين أحوال الناس في الرزق: فمن موسّع عليه رزقه، ومن مضيّق عليه، وليس لواحد منهم شىء ممّا خصّ به من التقليل أو التكثير.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3044>[سورة الزمر (٣٩): آية ٥٣]</span>\nقُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)\n«١» التسمية ب «يا عِبادِيَ» مدح «٢»، والوصف بأنهم «أَسْرَفُوا» ذم. فلمّا قال:\n«يا عِبادِيَ» طمع المطيعون في أن يكونوا هم المقصودين بالآية، فرفعوا رءوسهم، ونكّس العصاة رءوسهم وقالوا: من نحن.. حتى يقول لنا هذا؟! فقال تعالى: «الَّذِينَ أَسْرَفُوا» فانقلب الحال فهؤلاء الذين نكّسوا رءوسهم انتعشوا وزالت ذلّتهم، والذين رفعوا رءوسهم أطرقوا وزالت صولتهم «٣» .\nثم أزال الأعجوبة عن القسمة بما قوّى رجاءهم بقوله: «عَلى أَنْفُسِهِمْ» يعنى إن أسرفت فعلى نفسك أسرفت.\n«لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ»: بعد ما قطعت اختلافك إلى بابنا فلا ترفع قلبك عنّا.\n«إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا» الألف واللام فى «الذُّنُوبَ» للاستغراق والعموم، والذنوب جمع ذنب، وجاءت «جَمِيعًا» للتأكيد فكأنه قال: أغفر ولا أترك، وأعفو ولا أبقى.\n_________\n(١) أورد الواحدي في أسباب النزول عدة اقوال بشأن من نزلت فيهم هذه الآية الكريمة، ومن هذه الروايات:\nعن ابن عباس قال: نزلت في أهل مكة حين قالوا: يزعم محمد أن من عبد الأوثان وقتل النفس التي حرم الله لم يغفر له، فكيف نهاجر ونسلم وقد عبدنا مع الله إلها آخر وقتلنا النفس التي حرم الله.\nوقال ابن عمر: نزلت في عياش بن ربيعة والوليد بن الوليد ونفر من المسلمين كانوا قد أسلموا ثم فتنوا وعذبوا فتركوا دينهم.\nويروى أنها نزلت في وحشي قاتل حمزة. (الواحدي ص ٢٤٨، ٢٤٩) .\n(٢) يقول الدقاق: ليس شىء أشرف من العبودية، وقد سمى بها الحق نبيه (ص) فقال: سبحان الذي أسرى بعبده، وقال: فأوحى إلى عبده ما أوحى- ولو كان اسم أجل من العبودية لسماه به. (الرسالة ص ١٠٠) .\n(٣) راجع ما قاله القشيري في قصة داود: (إنّ زلّة أسفك عليها يوصلك إلى ربك أجدى عليك من طاعة إعجابك بها يقصيك عن ربك) . ويقول على بن أبى طالب: ما في القرآن أوسع من هذه الآية. ويقول عبد الله ابن عمر: هذه أرجى آية في القرآن. [.....]","vol":"3","page":287},{"text":"ويقال إن كانت لكم جناية كثيرة عميمة فلى بشأنكم عناية قديمة «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3045>[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٥٤ الى ٥٥]</span>\nوَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ (٥٤) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (٥٥)\nالإنابة الرجوع بالكلية. وقيل الفرق بين الإنابة وبين التوبة أن التائب يرجع من خوف العقوبة، وصاحب الإنابة يرجع استحياء لكرمه «٢» .\n«وَأَسْلِمُوا لَهُ»: وأخلصوا في طاعتكم، والإسلام- الذي هو بعد الإنابة- أن يعلم أنّ نجاته بفضله لا بإنابته فبفضله يصل إلى إنابته.. لا بإنابته يصل إلى فضله.\n«مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ» قبل الفراق. ويقال هو أن يفوته وقت الرجوع بشهود الناس ثم لا ينصرف عن ذلك.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3046>[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٥٦ الى ٥٨]</span>\nأَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (٥٦) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٨)\nيقال هذا في أقوام يرون أمثالهم تقدموا عليهم في أحوالهم، فيتذكرون ما سلف من تقصيرهم، ويرون ما وفّق إليه أولئك من المراتب فيعضون بنواجذ الحسرة على أنامل الخيبة.\n_________\n(١) واضح أن القشيري يحاول بطرق شتى أن يفتح كل أبواب الأمل أمام اليائسين، فمهما كانت الذنوب كثيرة فعفو الله أكبر وأشمل، وبدا أن النص القرآنى يحتمل كل المحاولات التي يبذلها القشيري بسماحته الصوفية الأصيلة.\n(٢) ينقل القشيري عن شيخه الدقاق قوله في هذا الخصوص: «أولها توبة وأوسطها إنابة وآخرها أوبة» .\nثم يعلق على ذلك قائلا: فكل من تاب لخوف العقوبة فهو صاحب توبة، ومن تاب طمعا في الثواب فهو صاحب إنابة، ومن تاب مراعاة للأمر- لا لرغبة في ثواب أو رهبة من عقاب- فهو صاحب أوبة. ويقال التوبة صفة المؤمنين (وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون)، والإنابة صفة الأولياء والمقربين (وجاء بقلب منيب)، والأوبة صفة الأنبياء والمرسلين (نعم العبد إنه أواب) الرسالة ص ٥٠.","vol":"3","page":288},{"text":"أو يقول: لو أنّ الله هدانى لكنت كذا، ويقول آخر: لو أنّ لى كرّة فأكون كذا، فيقول الحقّ- سبحانه:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3047>[سورة الزمر (٣٩): آية ٥٩]</span>\nبَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ (٥٩)\nفذق من العذاب ما على جرمك استوجبت.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3048>[سورة الزمر (٣٩): آية ٦٠]</span>\nوَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ (٦٠)\nهؤلاء الذين ادّعوا أحوالا ولم يصدقوا فيها، وأظهروا المحبة لله ولم يتحققوا بها، وكفاهم افتضاحا بذلك! وأنشدوا:\nولمّا ادّعيت الحبّ قالت كذبتنى ... فمالى أرى الأعضاء منك كواسيا؟!\nفما الحبّ حتى تنزف العين بالبكا ... وتخرس حتى لا تجيب المناديا «١»\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3049>[سورة الزمر (٣٩): آية ٦١]</span>\nوَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦١)\nكما وقاهم- اليوم- عن المخالفات، حماهم- غدا- من العقوبات، فالمتقون فازوا بسعادة الدارين اليوم عصمة، وغدا نعمة. اليوم عناية وغدا حماية وكفاية.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3050>[سورة الزمر (٣٩): آية ٦٢]</span>\nاللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) .\n_________\n(١) ورد الشاهد الشعرى في الرسالة ص ١٦٠ هكذا: البيت الأول مطابق، والثاني هكذا ومتبوعا بثالث: -\nفما الحب حتى يلصق القلب بالحشا ... وتذبل حتى لا تجيب المناديا\nوتنحل حتى لا يبقى لك الهوى ... سوى مقلة تبكى بها وتناجيا\nوقد أورده صاحب اللمع على هذا النحو (اللمع ص ٣٢١) .","vol":"3","page":289},{"text":"تدخل أكساب العباد في هذه الجملة، ولا يدخل كلامه فيه لأن المخاطب لا يدخل تحت الخطاب ولا صفاته «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3051>[سورة الزمر (٣٩): آية ٦٣]</span>\nلَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٦٣)\n«مَقالِيدُ» أي مفاتيح، والمراد منه أنه قادر على جميع المقدورات، فما يريد أن يوجده أوجده.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3052>[سورة الزمر (٣٩): آية ٦٤]</span>\nقُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ (٦٤)\nأي متى يكون لكم طمع في أن أعبد غيره.. وبتوحيده ربّانى، وبتفريده غذانى، وبشراب حبّه سقانى؟! «٢» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3053>[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٦٥ الى ٦٦]</span>\nوَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)\nلئن لا حظت غيرى، وأثبت معى في الإبداع سواى أحبطت عملك، وأبطلت سعيك، بل الله- يا محمد- فاعبد، وكن من جملة عبادى الشاكرين.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3054>[سورة الزمر (٣٩): آية ٦٧]</span>\nوَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧) .\n_________\n(١) هذه إشارة خطيرة في شأن الموضوعات الكلامية المصلة بالفعل الإنسانى، وبمسألة خلق القرآن (أنظر كتابنا: الإمام القشيري: تصوفه وأدبه ط مؤسسة الحلبي للنشر) .\n(٢) هذه هي التربية التي عناها القشيري في موضع سابق حين قال: «ليس الاعتبار بالتربة بل بالتربية» .","vol":"3","page":290},{"text":"ما عرفوه حقّ معرفته «١»، وما وصفوه حقّ وصفه، وما عظّموه حقّ تعظيمه فمن اتصف بتمثيل، أو جنح إلى تعطيل «٢» حاد عن السّنّة المثلى وانحرف عن الطريقة الحسنى. وصفوا الحقّ بالأعضاء، وتوهّموا في نعته الأجزاء، فما قدروه حقّ قدره فالخلق في قبضة قدرته، والسماوات مطويات بيمينه، ويمينه قدرته «٣» . ولأنه أقسم أن يفنى السماوات ويطويها فهو قادر على ذلك.\n«﷾» تنزيها له عما أشركوا في وصفه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3055>[سورة الزمر (٣٩): آية ٦٨]</span>\nوَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨)\nفى النفخة الأولى تموتون، ثم في النفخة الثانية تحشرون، والنفختان متجانستان ولكنه يخلق عند إحداهما إزهاق الأرواح، وفي الأخرى حياة النفوس ليعلم أن النفخة لا تعمل شيئا لعينها «٤»، وإنما الجبّار بقدرته يخلق ما يشاء.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3056>[سورة الزمر (٣٩): آية ٦٩]</span>\nوَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها وَوُضِعَ الْكِتابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٦٩)\n_________\n(١) أتى النبي ﷺ رجل من أهل الكتاب فقال: يا أبا القاسم بلغك أن الله يحمل الخلائق على أصبع والأرضين على أصبع والشجرة على أصبع والثرى على أصبع! فضحك رسول الله (ص) حتى بدت نواجذه، فأنزل الله تعالى: «وما قدروا الله حق قدره» (الواحدي ص ٢٥٠) .\n(٢) (التعطيل على ثلاثة أقسام: تعطيل المصنوع عن صانعه وخالقه، وتعطيل الصانع- سبحانه- عن كماله المقدس بتعطيل أسمائه وصفاته وأفعاله، وتعطيل معاملته عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد.. ومن هذا شرك طائفة أهل وحده الوجود الذين يقولون ما ثم خالق ولا مخلوق (الجواب الكافي ص ٩٠ لابن القيم ط التقدم) .\n(٣) نحسب أن من دواعى التأويل أن الله ﷾ قد يخاطبنا عن ذاته وصفاته بما نتخاطب به فيما بيننا حتى نفهم، والآية تشير إلى ذلك في وضوح فقد عبر عن قدرته مرة بالقبضة ومرة باليمين، ومعنى هذا أن الله يقدر على قبض الأرض وجميع ما فيها قدرة أحدنا على ما يحمل بأصبعه.\n(٤) كلام القشيري عن تجانس النفختين واختلاف تأثيريهما، ثم كلامه بعد قليل عن تجانس السوقين واختلاف وجهتيهما.. مقصود منه- كما نظن- أن القياس الإنسانى ليس دائما على صواب، مثال ذلك قوله تعالى: «مطويات بيمينه»، ونسبة الوجه واليد والعين.. ونحو ذلك لله سبحانه ليس بالضرورة أن يكون على نحو ما يفهم الإنسان من هذه الماديات، فالكلمة هي الكلمة.. ولكن شتان بين الدلالة هنا والدلالة هناك.. والله أعلم بمقصود القشيري..\nولكن هكذا نظن.","vol":"3","page":291},{"text":"نور يخلقه في القيامة فتشرق القيامة به، وذلك عند تكوير الشمس وانكدار النجوم، ويستضىء بذلك النور والإشراق قوم دون قوم. الكفّار يبقون في الظلمات، والمؤمنون نورهم يسعى بين أيديهم.\nويقال اليوم إشراق، وغدا إشراق، اليوم إشراق القلب بحضوره، وغدا إشراق الأرض بنور ربها. ويقال غدا أنوار التولّى للمؤمنين، واليوم أنوار التجلّى للعارفين.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3057>[سورة الزمر (٣٩): آية ٧٠]</span>\nوَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ (٧٠)\nإن كان خيرا فخير، وإن كان غير خير فغير خير.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3058>[سورة الزمر (٣٩): آية ٧١]</span>\nوَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا بَلى وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ (٧١)\nالكفار يساقون إلى النار عنفا، والمؤمنون يساقون إلى الجنة لطفا فالسّوق يجمع الجنسين.. ولكن شتان بين سوق وسوق!.\nفإذا جاء الكفار قابلهم خزنة النار بالتوبيخ والعتاب والتأنيب فلا تكريم ولا تعظيم، ولا سؤال ولا استقبال.. بل خزى وهوان، ومن كل جنس من العذاب ألوان.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3059>[سورة الزمر (٣٩): آية ٧٣]</span>\nوَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ (٧٣)","vol":"3","page":292},{"text":"سوّق ولكن بغير تعب ولا نصب، سوق ولكن بروح وطرب.\n«زُمَرًا» جماعات، وهؤلاء هم عوامّ أهل الجنة، وفوق هؤلاء: «يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْدًا» «١» وفوقهم من قال فيهم: «وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ» «٢» وفرق بين من يساق إلى الجنة، وبين من تقرّب منه الجنة.. هؤلاء الظالمون، والآخرون المقتصدون، والآخرون السابقون «٣» .\n«حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها ...» وإذا وافوا الجنة تكون الأبواب مفتّحة لئلا يصيبهم نصب الانتظار.\nويقال إذا كان حديث الجنة فالواجب أن يبادر إليها ولا يحتاج أن يساق، ولعلّ هؤلاء لا رغبة لهم في الجنة بكثير فلهم معه في الطريق قول «طِبْتُمْ» أي أنهم يساقون إلى الجنة بلطف دون عنف.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3060>[سورة الزمر (٣٩): آية ٧٤]</span>\nوَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (٧٤)\nصدقنا وعده بإدخالنا الجنة، وإكمال المنّة.\n«وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ» أي أرض الجنة نَتَبَوَّأُ منها حَيْثُ نَشاءُ. وهؤلاء قوم مخصوصون، والذين هم قوم «الغرف» أقوام آخرون.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3061>[سورة الزمر (٣٩): آية ٧٥]</span>\nوَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٧٥)\nيسبّحون بحمد ربهم في عموم الأوقات.. هذا هو عمل الملائكة الذين من حول العرش.\nوقضى بين أهل الجنة وأهل النار بالحقّ، لهؤلاء دركات ولأولئك درجات.. إلى غير ذلك من فنون الحالات. وقضى بين الملائكة أيضا في مقاماتهم على ما أراده الحقّ في عباداتهم.\n_________\n(١) آية ٨٥ سورة مريم.\n(٢) آية ٣١ سورة ق.\n(٣) إشارة إلى الآية: «فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ» (آية ٣٣ سورة فاطر) .","vol":"3","page":293},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3062>سورة المؤمن</span>\n«١» قوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» «بِسْمِ اللَّهِ» كلمة من تحقّق بها شرف من الحقّ مناله، وصفت عنده أحواله، وخلع على نفسه رداء الأفضال، وألبس قلبه جلال الإقبال، وأفرد روحه بروح لطف الجمال، واستخلص سرّه بكشف وصف الجلال.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3063>[سورة غافر (٤٠): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nحم (١)\nأي حمّ أمر كائن «٢» .\nويقال «الحاء» إشارة إلى حلمه، «والميم» إشارة إلى مجده أي: بحلمي ومجدى لا أخلّد في النار من آمن بي.\nويقال هذه الحروف (مفاتح أسمائه) «٣» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3064>[سورة غافر (٤٠): آية ٢]</span>\nتَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢)\n_________\n(١) تسمى سورة غافر، وسورة الطّمول، وسورة المؤمن لقوله تعالى فيها: «وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ» (السيوطي:\nالإتقان ح ١ ص ٥٤) .\n(٢) أي قضى ووقع، قال كعب بن مالك:\nفلمّا تلاقيناهم ودارت بنا الرّحى ... وليس لأمر حمّه الله مدفع\nأو تكون بمعنى قرب كما قال الشاعر\nقد حمّ يوى فسرّ قوم ... قوم بهم غفلة ونوم\n[.....]\n(٣) ما بين القوسين سقط من ص، وهي موجودة في م.\nعن أنس أن أعرابيا سأل النبي (ص) ما حم؟ فإنا لا نعرفها في لساننا، فقال النبي (ص): «بده أسماء وفواتح سور» .","vol":"3","page":294},{"text":"«الْعَزِيزِ»: المعزّ لأوليائه، «الْعَلِيمِ» بما كان ويكون منهم، فلا يمنعه علمه بما سلف منهم عن قضائه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3065>[سورة غافر (٤٠): آية ٣]</span>\nغافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣)\nكتاب معنون بقبول توبته لعباده علم أنّ العاصي منكسر القلب فأزال عنه الانكسار بأن قدّم نصيبه، فقدّم اسمه على قبول التوبة. فسكّن نفوسهم وقلوبهم باسمين يوجبان الرجاء وهما قوله: «غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ» .\nثم عقبهما بقوله: «شَدِيدِ الْعِقابِ» ثم لم يرض حتى قال بعدئذ «ذِي الطَّوْلِ» .\nفيقابل قوله: «شَدِيدِ الْعِقابِ» قوله: «ذِي الطَّوْلِ» .\n(ويقال: غافر الذنب لمن أصرّ واجترم، وقابل التوب لمن أقرّ وندم، شديد العقاب لمن جحد وعند، ذى الطول لمن عرف ووحد) «١» .\nويقال غافر الذنب للظالمين، وقابل التوب للمقتصدين، شديد العقاب للمشركين، ذى الطول للسابقين.\nويقال: سنّة الله أنه إذا خوّف العباد باسم أو لفظ تدارك قلوبهم بأن يبشّرهم باسمين أو بوصفين «٢» .\n«إِلَيْهِ الْمَصِيرُ»: وإذا كان إليه المصير فقد طاب إليه المسير.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3066>[سورة غافر (٤٠): آية ٤]</span>\nما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ إِلاَّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ (٤) .\n_________\n(١) ما بين القوسين بأجمعه ساقط من ص وموجود في م.\n(٢) وهذه آية كرمه سبحانه.","vol":"3","page":295},{"text":"إذا ظهر البرهان واتّضح البيان استسلمت الألباب الصاحية للاستجابة والإيمان.\nفأمّا أهل الكفر فلهم على الجمود إصرار، وشؤم شركهم يحول بينهم وبين الإنصاف ... وكذلك من لا يحترمون أولياء الله، ويصرّون على إنكارهم، ويعترضون عليهم بقلوبهم، ويجادلون في جحد الكرامات، وما يخصّ الله به عباده من الآيات ... فهؤلاء لا يميزون بين رجحانهم ونقصانهم، وسيفتضحون كثيرا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3067>[سورة غافر (٤٠): آية ٥]</span>\nكَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ (٥)\nكذلك من انقرض من الكفار كان تكذيب الرّسل دأبهم، ولكنّ الله- سبحانه- انتقم منهم، وعلى كفرهم اخترمهم.\nوالمنكر لهذا الطريق «١» يدين بإنكاره، ويتقرّب إلى الله به، ويعد وقيعته في أولياء الله من جملة إحسانه وخيراته، ولكن الله- سبحانه- يعذبهم في العاجل بتخليتهم فيما هم فيه، وصدّ قلوبهم عن هذه المعاني، وحرمانهم منها.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3068>[سورة غافر (٤٠): آية ٦]</span>\nوَكَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحابُ النَّارِ (٦)\nإذا انختم على عبد حكم الله بشقاوته فلا تنفعه كثرة ما يورد عليه من النّصح..\nوالله على أمره غالب.. ومن أسرته يد الشقاوة فلا يخلّصه من مخالها جهد ولا سعاية.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3069>[سورة غافر (٤٠): آية ٧]</span>\nالَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (٧)\n_________\n(١) يقصد الطريق الصوفي.","vol":"3","page":296},{"text":"حملة العرش من حول العرش من خواص الملائكة «١»، مأمورون بالتسبيح لله، ثم بالاستغفار للعاصين- لأنّ الاستغفار للذنب والتوبة إنما تحصل من الذنب- ويجتهدون في الدعاء لهم على نحو ما في هذه الآية وما بعدها فيدعون لهم بالنجاة، ثم برفع الدرجات، ويحيلون الأمر في كل ذلك على رحمة الله.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3070>[سورة غافر (٤٠): آية ٩]</span>\nوَقِهِمُ السَّيِّئاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩)\n«وَمَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ»: فلئن سلّط عليك أراذل من خلقه- وهم الشياطين- فلقد قيّض بالشفاعة أفاضل من خلقه ومن الملائكة المقرّبين قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3071>[سورة غافر (٤٠): آية ١٠]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمانِ فَتَكْفُرُونَ (١٠)\nأشدّ العقوبات التي يوصلها الحقّ إليهم آثار سخطه وغضبه، وأجلّ النّعم\n_________\n(١) عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال قال رسول الله (ص): «أذن لى أن أحدّث عن مسلك من ملائكة الله من حملة العرش ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام» ذكره البيهقي، وقال: هو أعظم المخلوقات.","vol":"3","page":297},{"text":"التي يغروهم بها آثار رضاه عنهم. فإذا عرف الكافر في الآخرة أنّ ربّه عليه غضبان فلا شىء أصعب على قلبه من ذلك لأنه علم أنه لا بكاء ينفعه، ولا عناء يزيل عنه ما هو فيه ويدفعه، ولا يسمع له تضرّع، ولا ترجى له حيلة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3072>[سورة غافر (٤٠): آية ١١]</span>\nقالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (١١)\nالإماتة الأولى إماتتهم في الدنيا ثم في القبر يحييهم، ثم يميتهم فهى الإماتة الثانية.\nوالإحياء الأول في القبر والثاني عند النشر «١» .\n«فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا»: أقروا بذنوبهم- ولكن في وقت لا ينفعهم الإقرار.\n«فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ» مما نحن فيه من العقوبة، وإنما يقولون ذلك حين لا ينفعهم الندم والإقرار. فيقال لهم:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3073>[سورة غافر (٤٠): آية ١٢]</span>\nذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (١٢)\n- أي تصدّقوا المشركين لكفرهم. [وهؤلاء إماتتهم محصورة، فأمّا أهل المحبة فلهم في كلّ وقت حياة وموت، قال قائلهم:\nأموت إذا فقدتك ثم أحيا ... فكم أحيا عليك وكم أموت!\nفإنّ الحقّ- سبحانه- يردّد أبدا الخواصّ من عباده بين الفناء والبقاء،\n_________\n(١) هذا الرأى يذهب إليه السّدّى أيضا، وإنما إحياؤهم في القبور للمسألة، ومن هذا استدل العلماء على سؤال القبر.\nواستدل من الآية كذلك على إحياء الأجساد، لأن الروح- عند من يقصر أحكام الآخرة على الأرواح- لا تموت ولا تتغير ولا تفسد، فلو كان الثواب والعقاب للروح- دون الجسد- فما معنى الإحياء والإماتة؟\nويذهب ابن عباس وابن مسعود وقتادة والضحاك إلى أنهم كانوا أمواتا في أصلاب آبائهم، ثم أحياهم. ثم أماتهم الموتة التي لا بد منها في الدنيا، ثم أحياهم البعث والقيامة، فهاتان حياتان وموتتان.","vol":"3","page":298},{"text":"والحياة والموت، والمحو والإثبات] «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3074>[سورة غافر (٤٠): آية ١٣]</span>\nهُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقًا وَما يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَنْ يُنِيبُ (١٣)\nيريهم آيات فضله فيما يلاطفهم، ويريهم آيات قهره فيما يكاشفهم، ويريهم آيات عفوه إذا تنصّلوا «٢»، وآيات جوده إذا توسّلوا، وآيات جلاله إذا هابوا فغابوا، وآيات جماله إذا آبوا واستجابوا. «وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقًا» لأبدانكم وهو توفيق المجاهدات، ولقلوبكم وهو تحقيق المشاهدات، (ولأسراركم وهو فنون المواصلات والزيادات) «٣» .\n«وَما يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ»: يرجع من العادة إلى العبادة، ومن الشّكّ إلى اليقين، ومن الخلق إلى الحقّ، ومن الجهل إلى العلم، ومن النّكرة إلى العرفان.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3075>[سورة غافر (٤٠): آية ١٤]</span>\nفَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (١٤)\nشرط الدعاء تقديم المعرفة لتعرف من الذي تدعوه، ثم تدعو بما تحتاج إليه ممّا لا بدّ لك منه، ثم تنظر هل أعطاك ما تطلب وأنت لا تدرى؟ والواجب ألا تطلب شيئا تكون فيه مخالفة لأمره، وأن تتباعد عن سؤالك الأشياء الدّنيّة والدنيوية، وأن ترضى بما يختاره لك مولاك. ومن الإخلاص في الدعاء ألا ترى الإجابة إلّا منه، وألا ترى لنفسك استحقاقا إلا بفضله، وأن تعلم أنه إن بقيت في سؤالك عن مطلوبك- الذي هو حظّك- لا تبق عن عبادة ربّك- التي هي حقّه فإنّ الدعاء مخّ العبادة، ومن الإخلاص في الدعاء أن\n_________\n(١) فالموت بالقبض والفناء والمحو، والحياة بالبسط والبقاء والإثبات. ونحسب أن الكلام الموجود بين القوسين الكبيرين يتصل بالآية السابقة نظرا لتلاؤم تقليب الأحوال مع الإماتة والإحياء وكنا نريد أن نضعه في مكانه حسبما رأينا لولا أنه موضوع هنا في م وص. ويبدو أن القشيري اعتبر الآيتين كيانا عضويا واحدا، فجاءت الإشارة منها جميعا.\n(٢) أي تنصلوا من ذنوبهم.\n(٣) ما بين القوسين موجود في م وساقط في ص.","vol":"3","page":299},{"text":"تكون في حال الاضطرار لما لا يكون ابتداؤه جرما لك، وتكون ضرورتك لسراية جنايتك.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3076>[سورة غافر (٤٠): آية ١٥]</span>\nرَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ (١٥)\nرافع الدرجات للعصاة بالنجاة «١»، وللمطيعين بالمثوبات، وللأصفياء والأولياء بالكرامات، ولذوى الحاجات بالكفايات، وللعارفين بتنقيبهم عن جميع أنواع الإرادات.\nويقال درجات المطيعين بظواهرهم في الجنة، ودرجات العارفين بقلوبهم في الدنيا فيرفع درجاتهم عن النظر إلى الكونين دون المساكنة إلهما. وأمّا المحبون فيرفع درجاتهم عن أن يطلبوا في الدنيا والعقبى شيئا غير رضاء محبوبهم «٢» .\n«ذُو الْعَرْشِ»: ذو الملك الرفيع. ويقال العرش الذي هو قبلة الدعاء، خلقه أرفع المخلوقات وأعظمها جثة «٣» .\n«يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ» روح بها ضياء أبدانهم- وهو سلطان عقولهم، وروح بهاء ضياء قلوبهم- وهو شفاء علومهم، وروح بها ضياء أرواحهم\n_________\n(١) واضح أن القشيري لا يكاد يترك فرصة دون أن يفتح أبواب الأمل أمام العصاة حتى لا يقنطوا من رحمة الله.. وهذا نابع من سياحته الصوفية الأصيلة.\n(٢) هنا نلاحظ أن القشيري جعل المحب أعلى درجة من العارف- مع أن العرفان الذي غايته التوحيد- هو أعلى مراتب الطريق الصوفي. ولكن نظرا لأن الحب والفناء والمعرفة كلها من الحب وإلى الحب فكثيرا ما نجد كتاب التصوف كالقشيرى والغزالي وغيرهما لا يتقيدون تقيدا حرفيا بهذا الترتيب الذي يفيد في الدراسة فقط، وقد تناولنا هذه النقطة بالتفصيل في كتابنا «نشأة التصوف الإسلامى ط دار المعارف» فى مقدمة باب «المذاقات» .\n(٣) نلاحظ أن القشيري هنا يصف (العرش) مرة بأنه الملك أو قبلة الدعاء ثم يعود فيقول (.... وأعظمها جثة) بمعنى أن يجرد العرش مرة من المادية ثم يعود ليخلع عليه النسبة المادية، فإذا كان ذلك بقصد مخاطبة الناس على قدر فهومهم- كما قلنا من قبل فهذا جائز.. ولكن الواقع أن القشيري يعبر عن شىء من الاضطراب الذي أصاب الأشاعرة إزاء المتشابهات، وهو أمر تحدثنا عنه بالتفصيل في كتابنا (لإمام القشيري- تصوفه وأدبه) ... ولعل خير ما انتهى إليه الرازي قوله «حاصل مذهب السلف أن هذه المتشابهات يجب القطع فيها بأن مراد الله منها شىء غير ظواهرها، ثم يجب تفويض معناها إلى الله، ولا يجوز الخوض في تفسيرها» (أساس التقديس للرازى ط الكردي ص ٢٢٣):","vol":"3","page":300},{"text":"- والذي هو للرّوح روح- بقاؤهم بالله.\nويقال: روح هو روح إلهام، وروح هو روح إعلام، وروح هو روح إكرام.\nويقال: روح النبوة، وروح الرسالة، وروح الولاية، وروح المعرفة.\nويقال: روح بها بقاء الخلق، وروح بها ضياء الحق.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3077>[سورة غافر (٤٠): آية ١٦]</span>\nيَوْمَ هُمْ بارِزُونَ لا يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ (١٦)\nيعلم الحاصل الموجود، ويعلم المعدوم المفقود، والذي كان والذي يكون، والذي لا يكون مما علم أنه لا يجوز أن يكون، والذي جاز أن يكون أن لو كان كيف كان يكون.\nلِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ لا يتقيد ملكه بيوم، ولا يختصّ ملكه بوقت، ولكنّ دعاوى الخلق- اليوم- لا أصل لها إذ غدا تنقطع تلك الدعاوى وترتفع تلك الأوهام.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3078>[سورة غافر (٤٠): آية ١٧]</span>\nالْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (١٧)\nيجازيهم على أعمالهم بالجنان، وعلى أحوالهم بالرضوان، وعلى أنفاسهم بالقربة، وعلى محبتهم بالرؤية.\nويجازى المذنبين على توبتهم بالغفران، وعلى بكائهم بالضياء والشفاء.\n«لا ظُلْمَ الْيَوْمَ»: أي أنه يستحيل تقدير الظلم منه، وكل ما يفعل فله أن يفعله. «وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ» مع عباده لا يشغله شأن عن شأن، وسريع الحساب مع أوليائه في الحال يطالبهم بالصغير والكبير، والنقير والقطمير.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3079>[سورة غافر (٤٠): آية ١٨]</span>\nوَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ كاظِمِينَ ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ (١٨)","vol":"3","page":301},{"text":"قيامه الكلّ مؤجلّة، وقيامة المحبين معجّلة فلهم في كلّ نفس قيامة من العقاب والعذاب والثواب، والبعاد والاقتراب، وما لم يكن لهم في حساب «١»، وتشهد عليهم الأعضاء فالدمع يشهد، وخفقان القلب ينطق، والنحول يخبر، واللون يفصح ... والعبد يستر ولكن البلاء يظهر:\nيا من تغيّر صورتى لمّا بدا ... لجميع ما ظنّوا بنا تصديقا «٢»\nوأنشدوا:\nلى في محبته شهود أربع ... وشهود كلّ قضية اثنان\nذوبان جسمى وارتعاد مفاصلى ... وخفوق قلبى واعتقال لسانى\nوقلوبهم- إذا أزف الرحيل بلغت الحناجر، وعيونهم شرقت بدموعها إذا نودى بالرحيل وشدّت الرواحل.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3080>[سورة غافر (٤٠): آية ١٩]</span>\nيَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ (١٩)\nفحائنة أعين المحبين استحسانهم شيئا، ولهذا قالوا:\nيا قرّة العين: سل عينى هل اكتحلت ... بمنظر حسن مذ غبت عن بصرى؟\nولذلك قالوا:\nفعينى إذا استحسنت غيركم ... أمرت السّهاد بتعذيبها\n_________\n(١) أي وما لم يخطر لهم ببال.\n(٢) معنى الشاهد الشعرى فيما نظن: يا أيها الذي تتغير صورتى عند تجليه عليّ، فينكشف أمرى رغم محاولتى ستر حالى، وبذا تصدق ظنون العاذلين واللائمين. [.....]","vol":"3","page":302},{"text":"ومن خائنة أعينهم أن تأخذهم السّنة والسّبات في أوقات المناجاة وقد جاء في قصة داود ﵇: كذب من ادّعى محبتى، فإذا جنّة الليل نام عنّى! ومن خائنة أعين العارفين أن يكون لهم خبر بقلوبهم عمّا تقع عليه عيونهم.\nومن خائنة أعين الموحّدين أن تخرج منها قطرة دمع تأسّفا على مخلوق يفوت في الدنيا والآخرة، ولا على أنفسهم.\nومن خائنة أعين المحبين النظر إلى غير المحبوب بأى وجه كان، ففى الخبر: «حبّك الشىء يعمى ويضم» .\n«وَما تُخْفِي الصُّدُورُ»: فالحقّ به خبير «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3081>[سورة غافر (٤٠): آية ٢٠]</span>\nوَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٢٠)\nيقضى للأجانب بالبعاد، ولأهل الوصال بالوداد، ويقضى يوم القدوم بعزل عمال الصدود، وإذا ذبح الموت غدا بين الجنة والنار على صورة كبش أملح فلا غرابة أن يذبح الفراق على رأس سكّة «٢» الأحباب في صورة شخص منكر ويصلب على جذوع العبرة لينظر إليه أهل الحضرة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3082>[سورة غافر (٤٠): آية ٢١]</span>\nأَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَما كانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ (٢١)\n_________\n(١) كان عبد الله بن أبى سرح يكتب الوحى لرسول الله (ص) ثم ارتد ولحق بالمشركين فأمر رسول الله (ص) بقتله يوم فتح مكة.\nويروى أنه لما جىء به إلى الرسول (ص) بعد ما اطمأن أهل مكة، وطلب عثمان ﵁ له الأمان صمت الرسول طويلا ثم قال: «نعم»، فلما انصرف قال الرسول (ص) لمن حوله: «ما صمت إلا ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه» فقال رجل من الأنصار: فهلا أو مأت إلى يا رسول الله؟ فقال: إن النبي لا تكون له خائنة أعين»\n(٢) السكة الطريق المستوي.","vol":"3","page":303},{"text":"أو لم يسيروا في أقطار الأرض بنفوسهم، ويطوفوا مشارقها ومغاربها ليعتبروا بها فيزهدوا فيها؟ أو لم يسيروا بقلوبهم في الملكوت بجولان الفكر ليشهدوا أنوار التجلّى فيستبصروا بها؟\nأو لم يسيروا بأسرارهم في ساحات الصمدية ليستهلكوا في سلطان الحقائق، وليتخّلصوا من جميع المخلوقات قاصيها ودانيها؟.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3083>[سورة غافر (٤٠): آية ٢٢]</span>\nذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ (٢٢)\nإن بنى من أهل السلوك قاصد لم يصل إلى مقصوده فليعلم أنّ موجب حجبه اعتراض خامر قلبه على بعض شيوخه في بعض أوقاته فإنّ الشيوخ بمحلّ السفراء للمريدين. وفي الخبر:\n«الشيخ في قومه كالنبىّ في أمته» «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3084>[سورة غافر (٤٠): الآيات ٢٣ الى ٢٤]</span>\nوَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ (٢٣) إِلى فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَقارُونَ فَقالُوا ساحِرٌ كَذَّابٌ (٢٤)\nأكرم خلقه في وقته كان موسى ﵇، وأخسّ خلقه وأذلّهم في حكمه وأشدّهم كفرا كان فرعون فما قال أحد غيره: «ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي» «٢» .\nفبعث الله- أخصّ عباده إلى أخسّ عباده، فقابله بالتكذيب، ونسبه إلى السّحر،\n_________\n(١) يقول السهروردي في عوارفه: «وأخلاق المشايخ مهذبة بحسن الاقتداء برسول الله (ص) وهم أحق الناس بإحياء سنته في كل ما أمر وندب وأنكر وأوجب (ص ٢٩٣) عوارف المعارف، وفي موضع آخر يقول: «فليعلم المريد أن الشيخ عنده تذكرة من الله ورسوله وأن الذي يعتمده مع الشيخ عوض ما لو كان في زمن رسول الله ﵊. ص ٢٨٥.\n(٢) آية ٣٨ سورة القصص.","vol":"3","page":304},{"text":"وأنّبه بكل أنواع التأنيب. ثم لم يعجّل الله عقوبته، وأمهله إلى أن أوصل إليه شقوته- إنه سبحانه حليم بعباده.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3085>[سورة غافر (٤٠): آية ٢٥]</span>\nفَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا اقْتُلُوا أَبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِساءَهُمْ وَما كَيْدُ الْكافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ (٢٥)\nعزم على إهلاكه وإهلاك قومه، واستعان على ذلك بجنده وخيله ورجله، ولكن كان كما قال الله: «وَما كَيْدُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ»، لأنه إذا حفر أحد لوليّ من أولياء الله تعالى حفرة ما وقع فيها غير حافرها ... بذلك أجرى الحقّ سنّته.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3086>[سورة غافر (٤٠): الآيات ٢٦ الى ٢٧]</span>\nوَقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ (٢٦) وَقالَ مُوسى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ (٢٧)\n«وَلْيَدْعُ رَبَّهُ» أي ليستعن بربه، وإنى أخاف أن يبدّل دينكم، وأخاف أن يفسد فى الأرض، وكان المفسد هو فرعون، وهو كما قيل في المثل: «رمتنى بدائها وانسلّت» .\nولكن كادله له الكيد، والكائد لا يتخلص من كيده.\nفاستعاذ موسى بربه، وانتدب في الردّ عليهم مؤمن بالله وبموسى كان يكتم إيمانه عن فرعون وقومه:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3087>[سورة غافر (٤٠): آية ٢٨]</span>\nوَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (٢٨)\n- م (٢٠) لطائف الإشارات- ج ٣-","vol":"3","page":305},{"text":"نصحهم واحتجّ عليهم فلم ينجع فيهم نصح ولا قول. وكم كرّر ذلك المؤمن من آل فرعون القول وأعاد لهم النّصح! فلم يستمعوا له، وكان كما قيل:\nوكم سقت في آثاركم من نصيحة ... وقد يستفيد البغضة المتنصّح\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3088>[سورة غافر (٤٠): آية ٣٤]</span>\nوَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ (٣٤)\nبيّن أنّ تكذيبهم كتكذيب آبائهم وأسلافهم من قبل، وكما أهلك أولئك قديما كذلك يفعل بهؤلاء.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3089>[سورة غافر (٤٠): الآيات ٣٦ الى ٣٧]</span>\nوَقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ (٣٦) أَسْبابَ السَّماواتِ فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كاذِبًا وَكَذلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاَّ فِي تَبابٍ (٣٧)\nالسبب ما يتوصّل به إلى الشيء أي لعلّى أصل إلى السماء فأطّلع إلى إله موسى. ولو لم يكن من المضاهاة بين من قال إن المعبود في السماء وبين الكافر إلا هذا لكفى به خزيا لمذهبهم «١» .\nوقد غلط فرعون حين توهّم أنّ المعبود في السماء، ولو كان في السماء لكان فرعون مصيبا فى طلبه من السماء.\nقوله جل ذكره: «وَكَذلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبابٍ» .\nأخبر أنّ اعتقاده بأنّ المعبود في السماء خطأ، وأنّه بذلك مصدود عن سبيل الله.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3090>[سورة غافر (٤٠): الآيات ٣٨ الى ٣٩]</span>\nوَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ (٣٨) يا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ (٣٩)\n_________\n(١) هنا يغمز القشيري بالمشبهة غمزة قاسية (انظر ص ٣٤٥ من هذا المجلد) .","vol":"3","page":306},{"text":"أصرّ على دعائه لهم وأصرّوا على جحودهم وعنودهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3091>[سورة غافر (٤٠): آية ٤٠]</span>\nمَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إِلاَّ مِثْلَها وَمَنْ عَمِلَ صالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ (٤٠)\n«فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها»: فى المقدار لا في الصفة لأن الأولى سيئة، والمكافأة من الله عليها حسنة وليست بسئة.\n«وَهُوَ مُؤْمِنٌ» يعنى في الحال «١»، لأنّ من لا يكون مؤمنا في الحال لا يكون منه العمل الصالح، «فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ»: أي رزقا مؤبّدا مخّلدا، لا يخرجون من الجنة ولا ممّا هم عليه من المآل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3092>[سورة غافر (٤٠): آية ٤١]</span>\nوَيا قَوْمِ ما لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (٤١)\nوهذا كلّه من قول مؤمن آل فرعون، يقوله على جهة الاحتجاج لقومه، ويلزمهم الحجة به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3093>[سورة غافر (٤٠): آية ٤٢]</span>\nتَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ (٤٢)\nتدعوننى لأكفر بالله وأشرك به من غير علم لى بصحة قولكم، وأنا أدعوكم إلى الله وإلى ما أوضحه بالبرهان، وأقيم عليه البيان.\n_________\n(١) فى الحال هنا معناها في هذه الحياة الدنيا.","vol":"3","page":307},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3094>[سورة غافر (٤٠): آية ٤٣]</span>\nلا جَرَمَ أَنَّما تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيا وَلا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحابُ النَّارِ (٤٣)\nلا جرم أنّ ما تدعوننى إليه باطل فليس لتلك الأصنام حياة ولا علم ولا قدرة، وهي لا تنفع ولا تضرّ. ولقد علمنا- بقول الذين ظهر صدقهم بالمعجزات- كذبكم فيما تقولون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3095>[سورة غافر (٤٠): آية ٤٤]</span>\nفَسَتَذْكُرُونَ ما أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (٤٤)\nأفوض أمرى إلى الله، وأتوكل عليه، ولا أخاف منكم، ولا من كيدكم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3096>[سورة غافر (٤٠): الآيات ٤٥ الى ٤٦]</span>\nفَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ (٤٥) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ (٤٦)\nوالآية تدلّ على عذاب القبر «١» .\nويقال إنّ أرواح الكفار في حواصل طير سود تعرض على النار غدوا وعشيا إلى يوم القيامة حيث تدخل النار «٢» .\n«أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ»: أي يا آل فرعون أدخلوا أشدّ العذاب، فنصبه على النداء المضاف. ويقرأ «أَدْخِلُوا» على الأمر «٣» .\n_________\n(١) بدليل قوله تعالى فيما بعد عن عذاب الآخرة: «وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ» وممن استنتج هذه النتيجة مجاهد وعكرمه ومقاتل ومحمد بن كعب.\n(٢) أي هذا دأبها في الدنيا تذهب في الغداة أفواجا بيضا صغارا ثم تعود في العشاء سودا قد احترقت رياشها (الأوزاعى- والنص عند القرطبي ح ١٥ ص ٣١٩)\n(٣) فيكون الأمر عندئذ لملائكة العذاب.","vol":"3","page":308},{"text":"«أَشَدَّ الْعَذابِ»: أي أصعبه، وأصعب عذاب للكفار في النار يأسهم من الخروج عنها.\nأمّا العصاة من المؤمنين فأشدّ عذابهم في النار إذا علموا أن هذا يوم لقاء المؤمنين، فإذا عرفوا ذلك فذلك اليوم أشدّ أيام عذابهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3097>[سورة غافر (٤٠): الآيات ٤٧ الى ٤٨]</span>\nوَإِذْ يَتَحاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ (٤٧) قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيها إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ (٤٨)\nيقول الضعفاء للذين استكبروا: أنتم أضللتمونا، ويقول لهم المستكبرون: أنتم وافقتمونا باختياركم «١» فمحاجة بعضهم لبعض تزيد في غيظ قلوبهم، فكما يعذّبون بنفوسهم يعذبون بضيق صدورهم وببغض بعضهم لبعض.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3098>[سورة غافر (٤٠): الآيات ٤٩ الى ٥٠]</span>\nوَقالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذابِ (٤٩) قالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا بَلى قالُوا فَادْعُوا وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ (٥٠)\nوهذه أيضا من أمارات الأجنبية، فهم يدخلون واسطة بينهم وبين ربّهم «٢» . ثم إن الله ينزع الرحمة عن قلوب الملائكة كى لا يستشفعوا لهم.\n_________\n(١) لإحظ هنا كيف يحرص القشيري على إبراز عنصر الاختيار لدى الإنسان، مع معرفتنا السابقة بأنه ينادى بأن الله خالق كل شىء حتى أكساب العباد، وقد حاول أن يوفق بين الاتجاهين فقال: يجرى هذا من العبد فعلا ومن الله حكما.\n(٢) من ذلك نفهم أن القشيري لا يرى بالواسطة عند الدعاء، بل ينبغى أن تدعو الله مباشرة.","vol":"3","page":309},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3099>[سورة غافر (٤٠): آية ٥١]</span>\nإِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ (٥١)\nننصرهم بالآيات وفنون التعريفات حتى يعرفوا ويشهدوا أن الظّفر وضدّه من الله، والخير والشرّ من الله.\nويقال ننصرهم على أعدائهم بكيد خفّى ولطف غير مرئيّ، من حيث يحتسبون ومن حيث لا يحتسبون ننصرهم في الدنيا بالمعرفة «١» وباليقين بأنّ الكائنات من الله، وننصرهم فى الآخرة بأن يشهدوا ذلك، ويعرفوا- بالاضطرار «٢» - أنّ التأثير من الله، وغاية النصرة أن يقتل الناصر عدوّ من ينصره، فإذا أراد حتفه «٣» تحقّق بأن لا عدوّ على الحقيقة، وأنّ الخلق أشباح تجرى عليهم أحكام القدرة فالوليّ لا عدوّ له، ولا صديق له إلا الله، قال تعالى: «اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا» «٤» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3100>[سورة غافر (٤٠): آية ٥٢]</span>\nيَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٥٢)\nدليل الخطاب أن المؤمنين ينفعهم تنصّلهم، ولهم من الله الرحمة، ولهم حسن الدار، وما بقي من هذه الدنيا إلا اليسير قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3101>[سورة غافر (٤٠): الآيات ٥٣ الى ٥٤]</span>\nوَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْهُدى وَأَوْرَثْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ (٥٣) هُدىً وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ (٥٤)\nمضى طرف من البيان في قصة موسى.\n_________\n(١) فى ص (بالمغفرة) والملاثم للسياق (بالمعرفة واليقين) كما جاء في م.\n(٢) أي تكون معرفة ضرورية، ونحن نعلم من مذهب القشيري أن المعرفة في الابتداء كسبية (من العبد) وفي الانتهاء ضرورية (من الرب) .\n(٣) فى ص (حققه) والملائم للسياق أنه يريه (حتف) عدوه. [.....]\n(٤) آية ٢٥٧ سورة البقرة.","vol":"3","page":310},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3102>[سورة غافر (٤٠): آية ٥٥]</span>\nفَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ (٥٥)\nالصبر في انتظار الموعود من الحقّ على حسب الإيمان والتصديق فمن كان تصديقه ويقينه أتمّ وأقوى كان صبره أتمّ وأوفى.\n«إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ»: وهو- سبحانه- يعطى وإن توهّم العبد أنه يبطى.\nويقال الصبر على قسمين: صبر على العافية، وصبر على البلاء، والصبر على العافية أشدّ من الصبر على البلاء، فصبر الرجال على العافية وهو أتمّ الصبر «١» .\n«وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ» . وفي هذا دليل على أنه كانت له ذنوب، ولم يكن جميع استغفاره لأمته لأنه قال في موضع آخر «وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ» «٢» وهنا لم يذكر ذلك. ويمكن حمل الذّنب على ما كان قبل النبوة إذ يجوز أن يكون العبد قد تاب من الزّلّة ثم يجب عليه الاستغفار منها كلما ذكرها، فإن تجديد التوبة يجب كما يجب أصل التوبة «٣» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3103>[سورة غافر (٤٠): آية ٥٦]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ ما هُمْ بِبالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٥٦)\n«بِغَيْرِ سُلْطانٍ»: أي بغير حجة.\n«إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ» أي ليس في صدورهم إلا كبر يمنعهم عن الانقياد للحق، ويبقون به عن الله، ولا يصلون إلى مرادهم.\n_________\n(١) لأن قوة الإنسان قد تنسيه ذكر المنعم فيصبر عنه- وهذا جفاء، ولكن ضعف الإنسان في البلاء يدعوه إلى الصبر في الله، قال قائلهم:\nوالصبر عنك فمذموم عواقبه ... والصبر في سائر الأشياء محمود\n(٢) آية ١٩ سورة محمد.\n(٣) تفيد هذه الآراء عند بحث قضية كلامية هى: عصمة الأنبياء.","vol":"3","page":311},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3104>[سورة غافر (٤٠): آية ٥٧]</span>\nلَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٥٧)\nأي خلق السماوات والأرض أكبر من بعثهم وخلقهم مرة أخرى بعد أن صاروا رميما فالقوم كانوا يقرّون بخلق السماوات والأرض، وينكرون أمر البعث.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3105>[سورة غافر (٤٠): آية ٥٨]</span>\nوَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَلا الْمُسِيءُ قَلِيلًا ما تَتَذَكَّرُونَ (٥٨)\nأراد به: ما يستوى المؤمن والكافر، ولا المربوط بشهوته كالمبسوط بصفوته، ولا المجذوب بقربته كالمحجوب بعقوبته، ولا المرقى إلى مشاهدته كالمبقّى في شاهده، ولا المجدود «١» بسعادته كالمردود لشقاوته.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3106>[سورة غافر (٤٠): آية ٥٩]</span>\nإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (٥٩)\nإنّ ميقات الحساب لكائن وإن وقعت المدة في أوانه «٢» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3107>[سورة غافر (٤٠): آية ٦٠]</span>\nوَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ (٦٠)\nمعناه: أدعونى أستجب لكم إن شئت لأنه قال في آية أخرى: «فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ» «٣» .\n_________\n(١) جدّ فهو مجدود أي كان له حظ.\n(٢) أي إن وقت الحساب لكائن مهما طالت المدة بيننا وبين وقت حصوله.\n(٣) آية ٤١ سورة الأنعام.","vol":"3","page":312},{"text":"ويقال ادعوني بشرط الدعاء، وشرط الدعاء الأكل من الحلال إذ يقال الدعاء مفتاحه الحاجة، وأسبابه اللقمة الحلال.\nويقال كلّ من دعاه استجاب له إمّا بما يشاء له، أو بشىء آخر هو خير له منه.\nويقال الكافر ليس يدعوه لأنه إنما يدعو من له شريك، وهو لا شريك له.\nويقال: إذا ثبت أن هذا الخطاب للمؤمنين فما من مؤمن يدعو الله ويسأله شيئا.\nإلا أعطاه في الدنيا، فأما في الآخرة فيقول له: هذا ما طلبته في الدنيا، وقد ادخرته لك لهذا اليوم حتى ليتمنى العبد أنه ليته لم يعط شيئا في الدنيا قط.\nويقال أدعونى بالطاعات استجب لكم بالثواب والدرجات.\nويقال أدعونى بلا غفلة أستجب لكم بلا مهلة. ويقال ادعوني بالتنصل أستجب لكم بالتفضّل. ويقال ادعوني بحسب الطاقة أستحب لكم بكشف الفاقة ويقال ادعوني بالسؤال أستجب لكم بالنّوال والأفضال.\n«إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي..» أي يستكبرون عن دعائى، سيدخلون جهنم صاغرين.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3108>[سورة غافر (٤٠): الآيات ٦١ الى ٦٢]</span>\nاللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ (٦١) ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٦٢)\n... الآيات سكون الناس في الليل على أقسام: أهل الغفلة يسكنون إلى غفلتهم، وأهل المحة يسكنون بحكم وصلتهم، وشتّان بين سكون غفلة وسكون وصلة! قوم يسكنون إلى أمثالهم وأشكالهم، وقوم يسكنون إلى حلاوة أعمالهم لبسطهم واستقلالهم، وقوم يعدمون القرار في ليلهم ونهارهم وأولئك أصحاب الاشقاق ...\nأبدا في الاحتراق.","vol":"3","page":313},{"text":"«ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ» الذي جعل سكونكم معه، وانزعاجكم له، واشتياقكم إليه، ومحبتكم فيه، وانقطاعكم إليه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3109>[سورة غافر (٤٠): آية ٦٤]</span>\nاللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرارًا وَالسَّماءَ بِناءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٦٤)\n«صَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ»: خلق العرش والكرسيّ والسماوات والأرضين وجميع المخلوقات ولم يقل هذا الخطاب، وإنما قال لنا: «وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ» وليس الحسن ما يستحسنه الناس بل الحسن ما يستحسنه الحبيب:\nما حطك الواشون عن رتبة ... عندى ولا ضرّك مغتاب\nكأنهم أثنوا- ولم يعلموا- عليك عندى بالذي عابوا لم يقل للشموس في علائها، ولا للأقمار في ضيائها: «وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ» .\nولمّا انتهى إلينا قال ذلك، وقال: «لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ» «١» ويقال إن الواشين قبّحوا صورتكم عندنا «٢»، بل الملائكة كتبوا في صحائفكم قبيح ما ارتكبتم.. ومولاكم أحسن صوركم، بأن محا من ديوانكم الزّلّات، وأثبت بدلا منها الحسنات، قال تعالى: «يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ» «٣»، وقال:\n«فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ» «٤» .\nقوله جل ذكره: «وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ» .\nليس الطيب ما تستطيبه النفس إنما الطيب ما يستطيبه القلب، فالخبز\n_________\n(١) آية ٤ سورة التين.\n(٢) ربما يقصد القشيري بذلك إبليس الذي استعلى بكونه مخلوقا من نار على آدم المخلوق من الطين.\n(٣) آية ٣٩ سورة الرعد.\n(٤) آية ٧٠ سورة الفرقان.","vol":"3","page":314},{"text":"القفار أطيب للفقير الشاكر من الحلواء للغنىّ المتسخّط.\nورزق النفوس الطعام والشراب، ورزق القلوب لذاذات الطاعات.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3110>[سورة غافر (٤٠): آية ٦٥]</span>\nهُوَ الْحَيُّ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٦٥)\n«هُوَ الْحَيُّ»: الذي لا يموت، ولا فضله يفوت، فادعوه بلسان القوت، وذلك عليه لا يفوت.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3111>[سورة غافر (٤٠): آية ٦٦]</span>\nقُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جاءَنِي الْبَيِّناتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (٦٦)\nقل- يا محمد- إنى نهيت عن عبادة ما تدعون من دون الله أي أمرت بالتبرّى عمّا عبدتم، والإعراض عمّا به اشتغلتم، والاستسلام للذى خلقنى، وبالنبوة استخصّني.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3112>[سورة غافر (٤٠): الآيات ٦٧ الى ٦٨]</span>\nهُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦٧) هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذا قَضى أَمْرًا فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٦٨)\nفمن تربة إلى قطرة ومن قطرة إلى علقة.. ثم من بطون أمهاتكم إلى ظهوركم في دنياكم.. ثم من حال كونكم طفلا ثم شابا ثم شيخا..\nوهو الذي يحيى ويميت، ثم يبعث في أخرى الدارين.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3113>[سورة غافر (٤٠): آية ٦٩]</span>\nأَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ (٦٩)","vol":"3","page":315},{"text":"فى آيات الله يتبلّدون فلا حجة يوردون، ولا عذاب عن أنفسهم يردّون، سيعلمون حين لا ينفعهم علمهم، ويعتذرون حين لا يسمع عذرهم، وذلك عند ما:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3114>[سورة غافر (٤٠): الآيات ٧١ الى ٧٦]</span>\nإِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (٧٢) ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكافِرِينَ (٧٤) ذلِكُمْ بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ (٧٥)\nادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٦)\n.. الآيات.\nيسحبون في النار والأغلال في أعناقهم، ثم يذاقون ألوان العذاب.. فإذا أقرّوا بكفرهم وذنوبهم يقال لهم: أدخلوا أبواب جهم خالدين فيها، فبئس مثواهم ومصيرهم، وساء ذهابهم ومسيرهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3115>[سورة غافر (٤٠): آية ٧٧]</span>\nفَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ (٧٧)\nكن بقلبك فارغا عنهم، وانظر من بعد إلى ما يفعل بهم، واستيقن بأنه لا بقاء لجولة باطلهم.. فإن لقيت بعض ما نتوعدهم به وإلّا فلا تك في ريب من مقاساتهم ذلك بعد. ثم أكّد تسليته إياه وتجديد تصبيره وتعريفه بقوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3116>[سورة غافر (٤٠): آية ٧٨]</span>\nوَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْمُبْطِلُونَ (٧٨)","vol":"3","page":316},{"text":"قصصنا عليك قصص بعضهم، ولم نخبرك عن قصص الآخرين.\nولم يكن في وسع أحد الإتيان بمعجزة إلا إذا أظهرنا نحن عليه ما أردنا إذا ما أردنا. فكذلك إن طالبوك بآية فقد أظهرنا عليك من الآيات ما أزحنا به العذر، وأوضحنا صحّة الأمر.. وما اقترحوه ... فإن شئنا أظهرنا، وإن شئنا تركنا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3117>[سورة غافر (٤٠): الآيات ٧٩ الى ٨١]</span>\nاللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعامَ لِتَرْكَبُوا مِنْها وَمِنْها تَأْكُلُونَ (٧٩) وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٨٠) وَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَأَيَّ آياتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ (٨١)\nذكّرهم عظيم إنعامه بتسخير الأنعام فقال جعلها لكم لتنتفعوا بها بالركوب والحمل والعمل، ولتستقوا ألبانها، ولتأكلوا لحومها وشحومها، ولتنتفعوا بأصوافها وأوبارها وأشعارها، ولتقطعوا مسافة بعيدة عليها ... فعلى الأنعام وفي الفلك تنتقلون من صقع إلى صقع.. وأنا الذي يسّرت لكم هذا، وأنا الذي ألهمتكم الانتفاع به فثقوا في ذلك واعرفوه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3118>[سورة غافر (٤٠): الآيات ٨٢ الى ٨٥]</span>\nأَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثارًا فِي الْأَرْضِ فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢) فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٨٣) فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ (٨٥)\n.. الآيات أمرهم بالاعتبار بمن كانوا قبلهم كانوا أشدّ قوة وأكثر أموالا وأطول أعمارا، فانجرّوا في حبال آمالهم، فوقعوا في وهدة غرورهم، وما بقي الحقّ","vol":"3","page":317},{"text":"عن مراده فيهم، واغتروا بسلامتهم في مدّة ما أرخينا لهم عنان إمهالهم، ثم فاجأناهم بالعقوبة، فلم يعجزوا لله في مراده منهم.\nفلمّا رأوا شدّة البأس، ووقعوا في مذلّة الخيبة واليأس تمنّوا أن لو أعيدوا إلى الدنيا من الرأس.. فقابلهم الله بالخيبة «١»\nوخرطهم في سلك من أبادهم من أهل الشّرك والسّخط.\n_________\n(١) لأن التوبة لا تكون بعد حصول العلم الضروري ورؤية العذاب، فإن أوانها يكون قد انقضى.","vol":"3","page":318},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3119>سورة فصلت</span>\nقوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» أفلج من عرف «بِسْمِ اللَّهِ»، وما ربح من بقي عن «بِسْمِ اللَّهِ» .\nمن صحب لسانه «بِسْمِ اللَّهِ» وصحب جنانه «بِسْمِ اللَّهِ» كفى له شفيعا «بِسْمِ اللَّهِ» إلى من يعيذنا بذكر «بِسْمِ اللَّهِ» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3120>[سورة فصلت (٤١): الآيات ١ الى ٢]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nحم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٢)\nبحقي وحياتى، ومجدى في صفاتى وذاتى.. هذا تنزيل من الرحمن الرحيم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3121>[سورة فصلت (٤١): آية ٣]</span>\nكِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣)\nبينّت آياته ودلالاته.\n«قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ»: الدليل منصوب للكافة ولكنّ الاستبصار به للعالمين- دون المعرضين الجاحدين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3122>[سورة فصلت (٤١): آية ٤]</span>\nبَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (٤)\n«بَشِيرًا»: لمن اخترناهم واصطفيناهم.\n«وَنَذِيرًا»: لمن أقميناهم، وعن شهود آياتنا أعميناهم.\n«فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ..» عند دعائنا إياهم، فهم مثبتون فيما أردناهم، وعلى ذلك","vol":"3","page":319},{"text":"(الوصف) «١»\nعلمناهم «٢»\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3123>[سورة فصلت (٤١): آية ٥]</span>\nوَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ (٥)\nقالوا ذلك على الاستهانة والاستهزاء، ولو قالوه عن بصيرة لكان ذلك منهم توحيدا «٣»\n، فمنوا بالمقت لما فقدوا من تحقيق القلب.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3124>[سورة فصلت (٤١): الآيات ٦ الى ٧]</span>\nقُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (٧)\nإنما أنا بشر مثلكم في الصورة والبنية، والذات والخلقة. والفرقان بينى وبينكم أنّه يوحى إليّ أنما إلهكم إله واحد فالخصوصية من قبله لا من قبلى، ولقد بقيت فيكم عمرا، ولقيتمونى دهرا.. فما عثرتم منى على غير صواب، ولا وجدتم في قولى شوب كذاب. وأمرى إليكم أن استقيموا في طاعته، واستسلموا لأمره.. وطوبى لمن أجاب، والويل لمن أصرّ وعاب!.\n_________\n(١) سقطت (الوصف) من ص وهي موجودة في م.\n(٢) روى أن قريشا اختارت عتبة بن ربيعة كى يعرض على النبي (ص) أن يكف عن سب آلهتها وتسفيه أحلامها مقابل رياسة أو مال.. إلخ وظل يتحدث، فى ذلك حتى انتهى، وعندئذ سأله النبي (ص): أفرغت يا أبا الوليد؟\nقال: نعم.. فقال: اسمع.. بسم الله الرّحمن الرّحيم. حم تنزيل من الرحمن الرحيم. كتاب فصلت....»\nإلى قوله تعالى: فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود» فوثب عتبة، ووضع يده على فم النبي وناشده ليسكتن ... ثم مضى إلى قريش فأنبأها بما سمع، وأقسم ألا يكلم محمدا أبدا، لأن ما سمعه ما هو بشعر ولا كهانة ولا سحر.. ثم أردف: ولقد علمتم أن محمدا إذا قال شيئا لا يكذب.. [.....]\n(٣) لأنه يكون حينئذ اعترافا منهم بوجود غطاء من ظلمة البشرية يحجبهم عن حقيقة الأحدية، ويكون اعترافهم بقصورهم بداية لاستمدادهم لفضل من الله.","vol":"3","page":320},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3125>[سورة فصلت (٤١): آية ٨]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٨)\n«آمَنُوا»: شاهدوا، «وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ»: لازموا بساط العبودية.\n«آمَنُوا»: شهدوا الحضرة، «وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ»: وقفوا بالباب.\n«آمَنُوا»: حضروا، «وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ»: بعد ما حضروا لم ينصرفوا.\n«لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ»: غير منقوص «١»\nفأجر النفوس الجنة، وأجر القلوب الرضا بالله، وأجر الأرواح الاستئناس بالله، وأجر الأسرار دوام المشاهدة لله.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3126>[سورة فصلت (٤١): آية ٩]</span>\nقُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدادًا ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ (٩)\nخلق الزمان ولم يكن قبله زمان، وخلق المكان، ولم يكن قبله مكان فالحقّ- سبحانه- كان ولا مكان ولا زمان فهو عزيز لا يدركه المكان، ولا يملكه الزمان.\n«وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدادًا» .. وكيف يكون الذي لم يكن ثم حصل «٢»\nندّا للذى لم يزل..\nولا يزال كما لم يزل؟ ذلك ربّ العالمين.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3127>[سورة فصلت (٤١): آية ١٠]</span>\nوَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ (١٠)\nالجبال أوتاد الأرض في الصورة، والأولياء أوتاد ورواس للأرض في الحقيقة.\n_________\n(١) يقال مننت الحبل إذا قطعته، ومنه قول ذى الإصبع:\nإنى لعمرك ما بابى بذي غلق ... على الصديق ولا خيرى بمنون\nوقيل نزلت الآية في المرضى والزمنى والهرمى إذا عجزوا عن الطاعة كتب لهم الأجر كأصح ما كانوا يعملون.\n(٢) الذي لم يكن ثم حصل هو الحادث، المخلوق من العدم.. كيف يكون ندا للقديم الأزلى السرمدي؟!\nم (٢١) لطائف الإشارات- ج ٣-","vol":"3","page":321},{"text":"«وَبارَكَ فِيها»: البركة الزيادة.. فيأتيهم المطر ببركات الأولياء، ويندفع عنهم البلاء ببركات الأولياء.\n«وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها»: وجعلها مختلفة في الطّعم والصورة والمقدار. وأرزاق القلوب والسرائر كما مضى ذكره فيما تقدم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3128>[سورة فصلت (٤١): آية ١١]</span>\nثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ (١١)\n«اسْتَوى» أي قصد، وقيل فعل فعلا هو الذي يعلم تعيينه «١» .\nويقال رتّب أقطارها، وركّب فيها نجومها وأزهارها.\n«فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ»: هذا على ضرب المثل أي لا يتعسّر عليه شىء مما خلقه، فله من خلقه ما أراده. وقيل بل أحياهما وأعقلهما وأنطقهما فقالتا ذلك. وجعل نفوس العابدين أرضا لطاعته وعبادته، وجعل قلوبهم فلكا لنجوم علمه وشموس معرفته.\nوأوتاد النفوس الخوف والرجاء، والرغبة والرهبة. وفي القلوب ضياء العرفان، وشموس التوحيد، ونجوم العلوم والعقول والنفوس. والقلوب بيده يصرّفها على ما أراد من أحكامه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3129>[سورة فصلت (٤١): آية ١٢]</span>\nفَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظًا ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢) .\n_________\n(١) تقول الغرب: فعل فلان كذا ثم استوى إلى عمل كذا يريدون أنه أكمل الأول وابتدأ الثاني، ويفهم منه أن خلق السماء كان بعد خلق الأرض (النسفي ح ٤ ص ٨٩) .\nومن قال إنه صفة ذاتية زائدة تكون على معنى استوى في الأزل بصفاته (القرطبي ح ١٥ ص ٣٤٣) وعلى الرأى الأول يكون الاستواء من صفات الفعل وعلى الثاني يكون من صفات الذات.","vol":"3","page":322},{"text":"زيّن السماء الدنيا بمصابيح، وزيّن وجه الأرض بمصابيح هي قلوب الأحباب فأهل السماء إذا نظروا إلى قلوب الأولياء بالليل فذلك متنزههم كما أن أهل الأرض إذا نظروا إلى السماء استأنسوا برؤية الكواكب.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3130>[سورة فصلت (٤١): آية ١٣]</span>\nفَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ (١٣)\nأي أخبر المكذّبين لك أنّ لكم سلفا.. فإن سلكتم طريقهم في العناد، وأبيتم إلّا الإصرار ألحقناكم بأمثالكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3131>[سورة فصلت (٤١): آية ١٥]</span>\nفَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (١٥)\nركنوا إلى قوة نفوسهم فخانتهم قواهم، واستمكنت منهم بلواهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3132>[سورة فصلت (٤١): آية ١٦]</span>\nفَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ (١٦)\n«١»\nفلم يغادر منهم أحدا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3133>[سورة فصلت (٤١): الآيات ١٧ الى ١٨]</span>\nوَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٧) وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (١٨) .\n_________\n(١) فى قراءة أبى عمرو «نحسات» وبإسكان الحاء على أنها جمع المصدر «نحس» مستدلا بقوله تعالى:\n«فى يوم نحس مستمر» ولو كان صفة لم يضف اليوم إليه.","vol":"3","page":323},{"text":"قيل إنهم في الابتداء آمنوا وصدّقوا، ثم ارتدّوا وكذّبوا، فأجراهم مجرى إخوانهم فى الاستئصال.\n«وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا..»: منهم من نجّاهم من غير أن رأوا النار فعبروا القنطرة ولم يعلموا، وقوم كالبرق الخاطف وهم أعلاهم، وقوم كالراكض.. وهم أيضا من الأكابر، وقوم على الصراط يسقطون ويردّهم الملائكة على الصراط. فبعد وبعد.. قوم بعد ما دخلوا النار فمنهم من تأخذه إلى كعبيه ثم إلى ركبتيه ثم إلى حقويه «١»\n، فإذا ما بلغت النار القلب قال الحقّ لها: (لا تحرقى قلبه) «٢»\nفإنه محترق فيّ. وقوم يخرجون من النار بعد ما امتحشوا «٣»\nفصاروا حمما «٤»\n:\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3134>[سورة فصلت (٤١): الآيات ١٩ الى ٢٣]</span>\nوَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٩) حَتَّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠) وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢١) وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢) وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ (٢٣)\n_________\n(١) الحقو الخصر.\n(٢) ما بين القوسين موجود في ص وغير موجود في م.\n(٣) أمحش الخر أو النار جلده أي أحرقه وقشره عن اللحم. ويقال هذه سنة أمحشت كل شىء إذا كانت جدبة.\n(٤) الحمم الفحم أو الرماد.. وكل ما احترق من النار.","vol":"3","page":324},{"text":"شهدت عليهم أجزاؤهم، ولم يكن في حسابهم أن الله سينطقها وهو الذي أنطق كلّ شىء، ولم يدر بخلدهم ما استقبلهم من المصير الأليم.\n«ذلِكُمْ ظَنُّكُمُ ...»: وكذا من قعد في وصف الأقوال، ووسم موضعه، وحكم لنفسه أنه مقدّم بلده. فلا يسمع منه إلا ببرهان ودليل من حاله، فإن خالف الحال قوله فلا يعتمد عليه بعد ذلك «١» .\nوالظنّ بالله إذا كان جميلا فلعمرى يقابل بالتحقيق، أمّا إذا كان نتيجة الغرور وغير مأذون به في الشرع فإنه يردى صاحبه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3135>[سورة فصلت (٤١): آية ٢٤]</span>\nفَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (٢٤)\nفإن يصبروا على موضع الخسف فسينقلبون إلى النار. وإن يستعتبوا- فعلى ما قال- فما هم بمعتبين «٢» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3136>[سورة فصلت (٤١): آية ٢٥]</span>\nوَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ (٢٥)\nإذا أراد الله بعبد خيرا قيّض له قرناء خير يعينونه على الطاعات، ويحملونه عليها، ويدعونه إليها. وإذا كانوا إخوان سوء حملوه على المخالفات، ودعوه إليها.. ومن ذلك الشيطان فإنه مقيّض مسلّط على الإنسان يوسوس إليه بالمخالفات.. وشرّ من ذلك النّفس.\nفإنها بئس القرين!! فهى تدعو العبد- اليوم- إلى ما فيه هلاكه، وتشهد عليه غدا بفعل الزلّة. فالنفس- وشرّ قرين للمرء نفسه- والشياطين وشياطين الإنس.. كلها تزيّن لهم\n_________\n(١) يعود القشيري بعد قليل إلى هذا المعنى نفسه حين يتحدث عمن يكلفون بالقالة دون صفاء الحالة.\n(٢) أي أن النار مثوى لهم في الحالين، ولا مهرب لهم منها فلا صبرهم بنافع، ولا طلب الرضا عنهم بنافع، ولا بد لهم من النار.","vol":"3","page":325},{"text":"«ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ» من طول الأمل، «وَما خَلْفَهُمْ» من نسيان الزّلل، والتسويف في التوبة، والتقصير في الطاعة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3137>[سورة فصلت (٤١): آية ٢٦]</span>\nوَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٢٦)\nاستولى على قلوبهم الجحد والإنكار، ودام على العداوة فيهم الإصرار فاحتالوا بكل وجه، وتواصوا فيما بينهم بألا يستمعوا لهذا القرآن لأنه يغلب القلوب، ويسلب العقول، وكل من استمع إليه صبا إليه.\nوقالوا: إذا أخذ محمد في القرآن فأكثروا عند قراءته اللّغو واللغط حتى يقع في السهو والغلط.\nولم يعلموا أن الذي نوّر قلبه بالإيمان، وأيّد بالفهم، وأمدّ بالنصرة، وكوشف بسماع السّرّ من الغيب هو الذي يسمع ويؤمن. والذي هو في ظلمات جهله لا يدخل الإيمان قلبه، ولا يباشر السماع سرّه «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3138>[سورة فصلت (٤١): آية ٢٧]</span>\nفَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٧)\nاليوم بإدامة الحرمان الذي هو الفراق، وغدا بالتخليد في النار التي هي الاحتراق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3139>[سورة فصلت (٤١): آية ٢٨]</span>\nذلِكَ جَزاءُ أَعْداءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ جَزاءً بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (٢٨)\nلهم فيها الخزي والهوان بلا انقطاع ولا انصرام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3140>[سورة فصلت (٤١): آية ٢٩]</span>\nوَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلاَّنا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ (٢٩)\n_________\n(١) إذا تذكرنا أن السر أعلى من القلب ومن الروح عرفنا أن «السماع» عند الشيخ ذو مرتبة عالية على عكس ما يظنه المغرضون","vol":"3","page":326},{"text":"من الجنّ إبليس. ومن الإنس قابيل بن آدم فهو أول من سنّ المعصية (حين قتل أخاه) «١» .\n«نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا» هذه الإرادة وهذا التمني زيادة في عقوبتهم أيضا لأنهم يتأذون بتلك الإرادة وهذا التمني فهم يجدون أنه لا نفع لهم من ذلك إذ لن يجابوا في شىء، ولن يمنع عنهم العذاب.\nويفيد هذا الإخبار عنهم عن وقوع التبرّى فيما بينهم، فبعضهم يتبرأ من بعض، كما يفيد بأن الندم في غير وقته لا جدوى منه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3141>[سورة فصلت (٤١): آية ٣٠]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠)\n«ثُمَّ» استقاموا: ثم حرف يقتضى التراخي، فهو لا يدل على أنهم في الحال لا يكونون مستقيمين، ولكن معناه استقاموا في الحال، ثم استقاموا في المآل بأن استداموا إيمانهم إلى وقت خروجهم من الدنيا، وهو آخر أحوال كونهم مكلّفين.\nويقال: قالوا بشرط الاستجابة أولا، ثم استبصروا بموجب الحجة، ولم يثبتوا على وصف التقليد، ولم يكتفوا بالقالة دون صفاء الحالة.\n«اسْتَقامُوا»: الاستقامة هي الثبات على شرائط الإيمان بجملتها من غير إخلال بشىء من أقسامها. ويقال: هم على قسمين:\n_________\n(١) زيادة من عندنا للتوضيح وليست موجودة بالمتن.","vol":"3","page":327},{"text":"مستقيم (فى أصول) «١»\nالتوحيد والمعرفة.. وهذه صفة جميع المؤمنين «٢» .\nومستقيم في الفروع من غير عصيان.. وهؤلاء مختلفون فمنهم.. ومنهم، ومنهم.\n«وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ»: الذين لهم البشارة هم كل من استقام في التوحيد، ولم يشرك.. فله الأمان من الخلود «٣»\n. ويقال: من كان له أصل الاستقامة أمن «٤»\nمن الخلود في النار، ومن له كمال الاستقامة أمن من الوعيد من غير أن يلحقة سوء بحال.. ثم الاستقامة لهم على حسب أحوالهم فمستقيم في عهده. ومستقيم في عقده، ومستقيم في جهده ومراعاة حدّه، ومستقيم فى عقده وجهده وحدّه وحبّه وودّه.. وهذا أتمّهم.\nويقال: استقاموا على دوام الشهود وعلى انفراد القلب بالله.\nويقال: استقاموا في تصفية العقد ثم في توفية العهد ثم في صحة القصد بدوام الوجد.\nويقال: استقاموا بأقوالهم ثم بأعمالهم، ثم بصفاء أحوالهم في وقتهم وفي مآلهم.\nويقال: أقاموا على طاعته، واستقاموا في معرفته، وهاموا في محبته، وقاموا بشرائط خدمته.\nويقال: استقامة الزاهد ألا يرجع إلى الدنيا، وألا يمنعه الجاه بين الناس عن الله. واستقامة العارف ألا يشوب معرفته حظّ في الدارين فيحجبه عن مولاه. واستقامة العابد ألا يعود إلى فترته واتباع شهوته، ولا يتداخله رياء وتصنّع. واستقامة «٥»\nالمحبّ ألا يكون له أرب من محبوبه، بل يكتفى من عطائه ببقائه، ومن مقتضى جوده بدوام عزّه ووجوده.\n«أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا»: إنما يكون الخوف في المستقبل من الوقت، من حلول مكروه أو فوات محبوب، فالملائكة يبشرونهم بأن كل مطلوب لهم سيكون، وكل محذور لهم لا يكون.\n_________\n(١) هكذا في م وهي في ص (على أصل) وهي مقبولة حسب قوله تعالى في موضع آخر (استقاموا على الطريقة) ولكننا آثرنا (فى أصول) لتنسجم مع الفروع. [.....]\n(٢) عن أنس قال: لمّا نزلت هذه الآية قال النبي (ص): «هم أمتى ورب الكعبة» .\n(٣) أي التخليد في النار.. ويقصد بهم أصحاب المنزلة بين المنزلتين.\n(٤) لاحظ الربط بين الأمن والأمان من ناحية والإيمان من ناحية أخرى.\n(٥) أي أن مجرد ذكر المحب لله (الباقي) يكفيه عن تذكر أي عطاء أو منع، فحسبه الله.","vol":"3","page":328},{"text":"والحزن من حزونة الوقت، ومن كان راضيا بما يجرى فلا حزن له في عيشه. والملائكة يبشرونهم بأنهم لا حزونة في أحوالهم، وإنما هم في الرّوح والراحة.\n«وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ»: أي بحسن المآب، وبما وعد الله من جميل الثواب.\nوالذي هو موعود للأولياء بسفارة الملك موجود اليوم لخواص عباده بعطاء الملك فلا يكون لأحدهم مطالعة في المستقبل من حاله بل يكون بحكم الوقت فلا يكون له خوف لأن الخوف- كما قلنا من قبل- ينشأ من تطلع إلى المستقبل إمّا من زوال محبوب أو حصول مكروه، وإن الذي بصفة الرضا «١»\nلا حزونة في حاله ووقته.\nويمكن القول: «أَلَّا تَخافُوا» من العذاب، «وَلا تَحْزَنُوا» على ما خلفتم من الأسباب، «وَأَبْشِرُوا» بحسن الثواب في المآب.\nويقال: «أَلَّا تَخافُوا» من عزل الولاية، «وَلا تَحْزَنُوا» على ما أسفلتم من الجناية، «وَأَبْشِرُوا» بحسن العناية في البداية.\nويقال: «أَلَّا تَخافُوا» مما أسلفتم، «وَلا تَحْزَنُوا» على ما خلّفتم، «وَأَبْشِرُوا» بالجنة التي لها تكلفتم.\nويقال: «أَلَّا تَخافُوا» المذلّة، «وَلا تَحْزَنُوا» على ما أسلفتم من الزلّة، «وَأَبْشِرُوا» بدوام الوصلة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3142>[سورة فصلت (٤١): الآيات ٣١ الى ٣٢]</span>\nنَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)\nالولاية من الله بمعنى المحبة، وتكون بمعنى النصرة.\n_________\n(١) هذا من أدق الشروح لمعنى «الرضا» الذي كما نعرف من مذهب القشيري مرحلة انتقال من المقامات إلى الأحوال.","vol":"3","page":329},{"text":"وهذا الخطاب يحتمل أن يكون من قبل الملائكة الذين تنزلوا عليهم، ويحتمل أن يكون ابتداء خطاب من الله.\nوالنصرة تصدر من المحبة فلو لم تكن المحبة الأزلية لم تحصل النصرة في الحال.\nويقال: «نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا»\nبتحقيق المعرفة، «وَفِي الْآخِرَةِ»\nبتحصيل المغفرة.\nويقال «نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا»\nبالعناية، «وَفِي الْآخِرَةِ»\nبحسن الكفاية وجميل الرعاية.\n«فِي الْحَياةِ الدُّنْيا»\nبالمشاهدة، «وَفِي الْآخِرَةِ»\nبالمعاينة.\nفى الدنيا بالرضاء بالقضاء، وفي الآخرة باللقاء في دار البقاء.\nفى الدنيا بالإيمان، وفي الآخرة بالغفران.\nفى الدنيا بالمحبة، وفي الآخرة بالقربة.\n«وَلَكُمْ فِيها»\nأي في الجنة «ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ»\n: الولاية نقد، وتحصيل الشهوات وعد، فمن يشتغل بنقده قلّما يشتغل بوعده «١» .\n«وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ»\n: أي ما تريدون، وتدعون الله ليعطيكم.\n«نُزُلًا»: أي فضلا وعطاء، وتقدمة لما يستديم إلى الأبد من فنون الأفضال ووجوه المبارّ «٢» .\n_________\n(١) تفيد هذه الإشارة الممتعة حقا في توضيح الفكرة الصوفية الشائعة التي تقول إن العبادة الحقة هي المجردة عن الطمع في الثواب والخوف من العقاب.. وهي عند القشيري من أمارات الولاية والمحبة الصافية.. ويمعن بعض الصوفية في ذلك فيدفعهم طلب الله لذاته إلى القول:\nأريدك لا أريدك للثواب ... ولكنى أريدك للعقاب\nفكل مآربى قد نلت منها ... سوى ملذوذ وجدى بالعذاب\n(٢) فتكون (نزلا) منصوب على المصدر أي أنزلناه نزلا. وقيل: على الحال. وقيل هو جمع نازل أي لكم ما تدعون نازلين.","vol":"3","page":330},{"text":"«مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ»: وفي ذلك مساغ لآمال المذنبين لأنهم هم الذين يحتاجون إلى المغفرة، ولولا رحمته لما وصلوا إلى مغفرته.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3143>[سورة فصلت (٤١): آية ٣٣]</span>\nوَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحًا وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)\nأي لا أحد أحسن قولا منه، ويكون المراد منه النبي ﷺ. ويحتمل أن يكون جميع الأنبياء ﵈.\nويقال هم المؤمنون. ويقال هم الأئمة الذين يدعون الناس إلى الله.\nوقيل هم المؤذنون. ويقال الداعي إلى الله هو الذي يدعو الناس إلى الاكتفاء بالله وترك طلب العوض من الله، ويكل أمره إلى الله، ويرضى من الله بقسمة الله.\n«وَعَمِلَ صالِحًا»: أي كما يدعو الخلق إلى الله يأتى بما يدعوهم إليه.\nويقال هم الذين عرفوا طريق الله، ثم سلكوا طريق الله، ثم دعوا الناس إلى الله.\nويقال بل سلكوا طريق الله فبسلوكهم وبمنازلاتهم عرفوا الطريق إلى الله، ثم دعوا الخلق إليه بعد ما عرفوا الطريق إليه.\n«وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ»: المسلمون لحكمه هم الراضون بقضائه وتقديره.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3144>[سورة فصلت (٤١): آية ٣٤]</span>\nوَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤)\nادفع بالخصلة التي هي أحسن السيئة يعنى بالعفو عن المكافأة، وبالتجاوز والصفح عن الزلة، وترك الانتصاف «١» .\n«فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ» يشبه الوليّ الحميم- ولم يصر وليا مخلصا.. وهذا من جملة حسن الأدب في الخدمة في حقّ صحبتك مع الله تحلم مع عباده لأجله.\n_________\n(١) هذه الأوصاف التي ذكرها القشيري من أمارات الفتوة- كما ورد في الفصل الذي عقده لها فى «رسالته» .","vol":"3","page":331},{"text":"ومن جملة حسن الخلق في الصحبة مع الخلق ألا تنتقم لنفسك، وأن تعفو عن خصمك.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3145>[سورة فصلت (٤١): آية ٣٥]</span>\nوَما يُلَقَّاها إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)\nلا يقوم بحق هذه الأخلاق إلّا من أكرم بتوفيق الصبر، ورقّى عن سفساف الشيم إلى معالى الأخلاق. ولا يصل أحسن الدرجات إلا من صبر على مقاساة الشدائد.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3146>[سورة فصلت (٤١): آية ٣٦]</span>\nوَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦)\nإذا اتصلت بقلبك نزغات الشيطان فبادر بذكر ربّك، وارجع إليه قبل أية خطوة «١»\n..\nفإنك إن لم تخالف أول هاجس من هواجس الشيطان صار فكرة، ثم بعد ذلك يحصل العزم على ما يدعو إليه الشيطان.. فإذا لم تتدارك ذلك تجرى الزلّة، وإذا لم تتدارك ذلك بحسن الرّجعى صار فسقا.. وبتمادي الوقت تصبح في خطر كل آفة.\nولا يتخلص العبد من نزغات الشيطان إلا بصدق الاستعانة وصدق الاستغاثة وبذلك ينجو من الشيطان، وقد قال تعالى: «إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ» «٢»\nفكلما ازداد العبد في تبرّيه من حوله وقوته «٣»\n، وأخلص بين يدى الله بتضرعه واستعانته واستعاذته زاد الله في حفظه، ودفع الشيطان عنه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3147>[سورة فصلت (٤١): آية ٣٧]</span>\nوَمِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧) .\n_________\n(١) هكذا في م وهي في ص (خطرة) بالراء، ونحن لا نرفض ذلك إذ يقول القشيري في رسالته ص ٤٦:\n«الخواطر خطاب يرد على الضمائر وقد يكون الخاطر بإلقاء مسلك، وأو بإلقاء الشيطان، وقد يكون حديث النفس» ..\nويقول في نفس الموضع: كل خاطر لا يشهد الظاهر فهو باطل.\n(٢) آية ٦٥ سورة الإسراء.\n(٣) لانه كلما ازداد في ذلك ازدادت عبوديته، فدخل في زمرة «عبادى» الذين ليس الشيطان عليهم سلطان وبهذا الفهم يتأيد السياق ويتماسك في ظل الشاهد القرآنى.","vol":"3","page":332},{"text":"أوضح الآيات، وألاح البينات، وأزاح علّة من رام الوصول. واختلاف الليل والنهار، ودوران الشمس والقمر من جملة أمارات قدرته، ودلالات توحيده.\n«لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ» فى علائها، «وَلا لِلْقَمَرِ» فى ضيائه، «وَاسْجُدُوا لِلَّهِ» فقد غار «١»\nعليك أن تسجد لغيره.\nوالشمس- وإن علت، والقمر- وإن حسن.. فلأجلك خلقناهما، فلا تسجد لهما، واسجد لنا.\nويقال: خلق الملائكة- ومع كثرة عبادتهم، ومع تقدمهم في الطاعة- قال لهم:\nاسجدوا لآدم، وحين امتنع واحد منهم لعن إلى الأبد. وقال لأولاد آدم العصاة المذنبين: «لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ ...» فشتّان ما هما!! والحقّ﷾- يأمرك بصيانة وجهك عن الشمس والقمر.. وأنت لأجل كلّ حظّ خسيس تنقل قدمك إلى كلّ أحد وتدخل بمحياك على كلّ أحد!! قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3148>[سورة فصلت (٤١): آية ٣٨]</span>\nفَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ (٣٨)\n«٢»\nأي إن ترفّع الكفار فلا خلل لأن الحقّ غنىّ عن كل أحد، ثم إن الملائكة- الذين هم سكان الآخرة- يسجدون له بالليل والنهار، وهم لا يسأمون من عبادته.\n_________\n(١) يقول القشيري في رسالته ص ١٢٦ «الغيرة كراهية مشاركة الغير، وإذا وصف الحق سبحانه بالغيرة فمعناه أنه لا يرضى بمشاركة الغير معه فيما هو حق له من طاعة عبده» .\n(٢) هذه آية سجدة، واختلف في موضع السجود منها.. فقال مالك إن موضعه «إن كنتم إياه تعبدون» «لأنه متصل بالأمر» .. وقال الشافعي إنه: «وهم لا يسأمون» لأنه تمام الكلام وغاية العبادة والامتثال.\nوقد تضمنت الآية صلاة الكسوف، وذلك أن العرب كانت تقول: إن الشمس والقمر لا يكسفان إلا لموت عظيم.. فصلّى النبي (ص) صلاة الكسوف (القرطبي ح ١٥ ص ٣٦٤) .","vol":"3","page":333},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3149>[سورة فصلت (٤١): آية ٣٩]</span>\nوَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)\nالأرض تكون جدبة يابسة في الشتاء، فإذا نزل عليها المطر اهتزت بالنبات واخضرّت وكذلك القلوب إذا خشعت لاستشعارها بما ألّمت به من الذنوب أقبل عليها الحق سبحانه، فظهرت فيها بركات الندم، وعفا عن أربابها ما قصروا في صدق القدم. وكذلك إذا وقعت للعبد فترة في معاملاته، أو غيبة عن بساط طاعاته، ثم تغمّده الحقّ- سبحانه- بما يدخل عليه من التذكر تظهر في القلب أنوار الوفاق، فيعود إلى مألوف مقامه، ويرجع عود سداده غضّا طريا، ويصير شجر وفاقه- بعد ما أصابته الجدوبة- بماء العناية مستقيا.\nوكذلك إذا بدت لأهل العرفان وقفة، أو حدثت لهم من جرّاء سوء أدب بدر منهم حجبة ثم نظر الحقّ- سبحانه- إليهم بالرعاية.. اهتزّت رياض أنسهم، واخضرّت مشاهد قربهم، وانهزمت وفود وقفتهم.\n«إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ»: إن الذي أحيا الأرض بعد موتها قادر على إحياء النفوس بالحشر والنشر. وكذلك هو قادر على إحياء القلوب بنور العناية بعد الفترة والحجبة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3150>[سورة فصلت (٤١): آية ٤٠]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا أَفَمَنْ يُلْقى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيامَةِ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤٠)\nسيلقون من العذاب ما يستوجبونه.. فليعملوا ما شاءوا.. فليسوا يسعون إلّا في ذمهم، وليسوا يمشون إلا إلى هلاكهم بأقدامهم.","vol":"3","page":334},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3151>[سورة فصلت (٤١): آية ٤١]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ (٤١)\nالجواب محذوف ومعناه: بقوا عنّا، ووقعوا في هوانهم وشقوا إلى الأبد.\n«وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ»: كتاب عزيز لا مثل له حيث قد عجزوا عن الإتيان بمثله.\nكتاب عزيز غالب لشبه المبتدعين والكفار.\nعزيز لا يقدر على معارضته أحد.. من قولهم أرض عزاز «١» .\nكتاب عزيز لأنه كلام ربّ عزيز إلى رسول عزيز بسفارة ملك عزيز إلى أمّة عزيزة.\nكتاب عزيز على المؤمنين لأنه كتاب حبيبهم.. وكتاب الحبيب إلى الحبيب عزيز.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3152>[سورة فصلت (٤١): آية ٤٢]</span>\nلا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)\nأي لا ينقضه كتاب آخر لا مما تقدّمه من الكتب، ولا مما يأتى من بعده.. أي لا كتاب بعده، ولا نسخ له.\nويقال لا يدفع «٢» معناه لفظه، ولا يخالف لفظه معناه..\nويقال لا يقدر أحد أن يأتى بمثله.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3153>[سورة فصلت (٤١): آية ٤٣]</span>\nما يُقالُ لَكَ إِلاَّ ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقابٍ أَلِيمٍ (٤٣)\nأصول التوحيد لا تختلف بالشرائع فجوهرها في الأحكام واحد: هو أنه تجب موافقة أوامره، واجتناب مزاجره. ثم إن الله تعالى قال في كل كتاب، وشرع لكل أمة أن يعرفوا\n_________\n(١) الأرض العزاز الأرض الصلبة السريعة السيل (الوسيط) . [.....]\n(٢) دفع الشيء نحمّاه وأزاله، قال تعالى: «ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض» .","vol":"3","page":335},{"text":"أنه للمطيعين مثيب، وللكافرين ذو عذاب شديد.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3154>[سورة فصلت (٤١): آية ٤٤]</span>\nوَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (٤٤)\nأخبر أنه أزاح العلّة لمن أراد أن يعرف صدق الدعوة، وصحة الشريعة.\nثم وصف الكتاب بأنه شفاء للمؤمنين، وسبب شقاء للكافرين.\nوهو شفاء للعلماء حيث استراحوا به عن كدّ الفكر وتحيّر الخواطر.\nوهو شفاء لضيق صدور المريدين لما فيه من التنعم بقراءته، والتلذّد بالتفكّر فيه.\nوهو شفاء لقلوب المحبين من لواعج الاشتياق لما به من لطف المواجيد.\nوهو شفاء لقلوب العارفين بما يتوالى عليها من أنوار التحقيق، وآثار خطاب الرب العزيز.\n«وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى»: هم لا يسمعون بقلوبهم من الحق، ولا يستجيبون.. بقوا في ظلمات الجحد والجهل.\n«وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى»: لا يزدادون على مر الأيام إلا ضلالا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3155>[سورة فصلت (٤١): آية ٤٥]</span>\nوَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (٤٥)\nآتينا موسى التوراة، وأرسلناه إلى قومه، فاختلفوا في أمره.. فمن كحّلنا سرّه بنور التوحيد صدّقه، ومن أعميناه عن مواقع البيان قابله بالتكذيب وجحده.\n«وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ» وهي أن عقوبتهم في النار بعد قيام القيامة لعجّلنا","vol":"3","page":336},{"text":"استئصالهم، ولأذقناهم في الحال وبالهم «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3156>[سورة فصلت (٤١): آية ٤٦]</span>\nمَنْ عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وَما رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦)\n«فَلِنَفْسِهِ» لأن النفع عائد إليه. ومن عمل عملا سيئا فإنما ظلم نفسه، وأساء إليها لأنه هو الذي يقاسى ضرّه ويلاقى شرّه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3157>[سورة فصلت (٤١): آية ٤٧]</span>\nإِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَما تَخْرُجُ مِنْ ثَمَراتٍ مِنْ أَكْمامِها وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكائِي قالُوا آذَنَّاكَ ما مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ (٤٧)\nلمّا استعجلوا وقالوا: متى تقوم هذه القيامة التي يتوعّدنا بها؟ قال الله تعالى: إنّ علم القيامة ينفرد به الحقّ فلا يعلمه غيره، فكما لا يعلم أحد ما الذي يخرج من الأشجار من الثمار، وما الذي تنطوى عليه أرحام النساء من أولادها ذكورا وإناثا، وما هم عليه من أوصاف الخلقة، وما يحصل من الحيوانات من نتاجها- فلا يعلم هذه الأشياء إلا الله- فكذلك لا يعلم أحد متى تقوم القيامة.\n«وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكائِي..»: يتبرءون من شركائهم، ولكن في وقت لا تنفعهم كثرة ندمهم وبكائهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3158>[سورة فصلت (٤١): آية ٤٩]</span>\nلا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ (٤٩) .\n_________\n(١) فى موضع سبق أوضح القشيري أنه ربما كان من أسباب الحكمة الإلهية في تأخير عقوبة أمة النبي «ص» - كما حدث للأمم السابقة- هو تأخير العذاب بسبب ما يخرج من أصلابهم من المؤمنين.","vol":"3","page":337},{"text":"لا يملّ الإنسان من إرادة النفع والسلامة، وإن مسّه الشرّ فيئوس لا يرجو زواله لعدم علمه بربه، وانسداد الطريق على قلبه في الرجوع إليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3159>[سورة فصلت (٤١): آية ٥٠]</span>\nوَلَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هذا لِي وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ (٥٠)\nلئن كشفنا عنه البلاء، وأوجبنا له الرجاء لادّعاه استحقاقا أو اتفاقا، وما اعتقد أن ذلك منّا فضل وإيجاب.\nويقول: لو كان لى حشر ونشر لكان لى من الله لطف وخير، وغدا يعلم الأمر، وأنه بخلاف ما توهّم.. وذلك عند ما نذيقه ما يستوجبه من عذاب.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3160>[سورة فصلت (٤١): الآيات ٥١ الى ٥٢]</span>\nوَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ (٥١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (٥٢)\nهو لا يميز بين البلاء والعطاء فكثير مما يتوهمه عطاء هو مكر واستدراج.. وهو يستديمه. وكثير مما هو فضل وصرف «١» وعطاء يظنه من البلاء فيعافه «٢» ويكرهه.\nويقال إذا أنعمنا عليه صاحبه بالبطر، وإذا أبليناه قابله بالضجر.\nويقال إذا أنعمنا عليه أعجب بنفسه، وتكبّر مختالا في زهوه، لا يشكر ربّه، ولا يذكر فضله، ويتباعد عن بساط طاعته.\n_________\n(١) صرف الله المكاره صرفا أي أبعدها.\n(٢) فى م (فيعافيه) وهي خطأ في النسخ.","vol":"3","page":338},{"text":"والمستغنى عنّا يهيم على وجهه، وإذا مسّه الشرّ فذو دعاء كثير، وتضرّع عريض، وابتهال شديد، واستكشاف «١» دائم.\nثم إذا كشفنا عنه ذلك فله إلى عتوّه ونبوّه عود، ولسوء طريقته في الجحود إعادة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3161>[سورة فصلت (٤١): الآيات ٥٣ الى ٥٤]</span>\nسَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣) أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (٥٤)\n«سَنُرِيهِمْ»: السين للاستقبال أي سيظهر لهم من الآيات، ومن الأحداث التي تجرى فى أحوال العالم، وما سيحلّ بهم من اختلاف الأمور ما يتبيّن لهم من خلاله أنّ هذا الدّين حقّ، وأنّ هذا الكتاب حقّ، وأن محمداﷺ- حقّ، وأن المجرى لهذه الآيات والأحداث والأمور والمنشئ له هو الحقّ- سبحانه.\nومن تلك الآيات ما كان من قهر الكفار، وعلوّ الإسلام، وتلاشى أعداء الدين.\nويقال من تلك الآيات في الأفاق اختلاف أحكام الأعين مع اتفاق جواهرها في التجانس..\nوهذه آيات حدوث العالم، واقتضاء المحدث لصفاته.\n«وَفِي أَنْفُسِهِمْ»: من أمارات الحدوث واختلاف الأوصاف ما يمكنهم إدراكه.\nويقال: «فِي الْآفاقِ» للعلماء، «وَفِي أَنْفُسِهِمْ» لأهل المعرفة مما يجدونه من العقاب إذا ألمّوا بذنب، ومن الثواب إذا أخلصوا في طاعة.\nوكذلك ما يحصل لهم من اختلاف الأحوال من قبض وبسط، وجمع وفرق، وحجب\n_________\n(١) الاستكشاف والاستصراف طلب كشف الغمّة وصرفها","vol":"3","page":339},{"text":"وجذب.. وما يجدونه بالضرورة فى معاملاتهم ومنازلاتهم «١» .\n«أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ»: هو الكافي، ولكنهم- أي الكفار- فى مرية من لقاء ربهم في القيامة. والإشارة فيه: أن العوامّ لفى شك من تجويز ما يكاشف به أهل الحضور من تعريفات السرّ.\n«أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ»: عالم لا يخفى عليه شىء.\n_________\n(١) يتفق هذا مع ما يذهب إليه جمهور الصوفية حين يميزون الأحوال والمقامات، فالأحوال مواهب من الحق، والمقامات مكاسب للعبد- وإن كانت هذه المكاسب تتم هي الأخرى بفضل الله وعونه.","vol":"3","page":340},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3162>سورة الشّورى</span>\nقوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» سلوة العاصين في سماع رحمة الله، وحظوة العابدين في رجائهم نعمة الله، وراحة الفقراء فى رضاهم بقسمة الله.. لكل من حاله نصيب، وكلّ في متنفسّه مصيب.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3163>[سورة الشورى (٤٢): الآيات ١ الى ٢]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nحم (١) عسق (٢)\nالحاء مفتاح اسمه: حليم وحافظ وحكيم، والميم مفتاح اسمه: ملك وماجد ومجيد ومنّان ومؤمن ومهيمن، والعين مفتاح اسمه: عالم وعدل وعال، والعين مفتاح اسمه: سيّد وسميع وسريع الحساب، والقاف مفتاح اسمه قادر وقاهر وقريب وقدير وقدوس «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3164>[سورة الشورى (٤٢): آية ٣]</span>\nكَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣)\nأقسم بهذه الأسماء وهذه الحروف إنه كما أوحى إلى الذين من قبلك كذلك يوحى إليك العزيز الحكيم، كما أوحى إليهم العزيز الحكيم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3165>[سورة الشورى (٤٢): آية ٤]</span>\nلَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٤)\nله ما في السماوات وما في الأرض ملكا.\n«وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ»: علوّه وعظمته استحقاقه لأوصاف المجد أي وجوب أن يكون بصفات المجد والجلال.\n_________\n(١) ربما يتأيد اتجاه القشيري في تفسير هذه الحروف المقطعة هنا بالأسماء والأوصاف الإلهية بختام الآيات التالية بالعزيز الحكيم والعلى العظيم والغفور الرحيم.. كأن هذا هو المناخ الذي توحى به افتتاحية السورة.","vol":"3","page":341},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3166>[سورة الشورى (٤٢): آية ٥]</span>\nتَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥)\nأي تكاد السماوات تتشقق من عظمة من فوقهن وهو الله تعالى، والفوقية هنا فوقية رتبة «١» وذلك من شدة هيبتهن من الله.\nويقال من ثقل الملائكة الذين هم فوق السماوات لكثرتهم. وفي الخبر: «أطت «٢» السماء أطا وحق لها أن تئط ما من موضع قدم في السماوات إلا وعليه قائم أو راكع أو ساجد» .\nويقال إنه على عادة العرب إذا أخبروا عن شىء قالوا كادت السماوات تنشقّ له.. وهنا لقبح قول المشركين ولجرأتهم على الله تعالى، ولعظم قولهم كادت السماوات تنشقّ.. قال تعالى: «لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا. تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا. أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَدًا» «٣» وعلى هذا التأويل: «يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ» أي إلى أسفلهن، أي تتفطر جملتها «٤» .\nومع أنّ أولاد آدم بهذه الصفة إلا أن الملائكة يسبحون بحمد ربهم لا يفترون، ويستغفرون لمن في الأرض.. ثم قال: «أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ»: أي يغفر لهم مع كثرة عصيانهم. وفي الوقت الذي يرتكب فيه الكفار هذا الجرم العظيم بسبب شركهم فإنه- سبحانه- لا يقطع رزقه ونفعه عنهم- وإن كان يريد أن يعذّبهم في الآخرة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3167>[سورة الشورى (٤٢): آية ٦]</span>\nوَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٦)\n_________\n(١) لجأ القشيري إلى التأويل كى يتفادى نسبة المكانية إلى الألوهية.\n(٢) أطّ الظّهر- صوّت من ثقل الحمل (الوسيط) .\n(٣) آيات ٨٩، ٩٠، ٩١ سورة مريم.\n(٤) يقول النسفي: كان القياس أن يقال يتفطرن من نحتهن من الجهة التي جاءت منها كلمة الكفر، ولكنه بولغ في ذلك فجعلت مؤثرة في جهة الفوق كأنه قيل: كدن يتفطرن من الجهة التي فوقهن دع الجهة التي تحتهن.\n(النسفي ح ٤ ص ١٠٠) .","vol":"3","page":342},{"text":"المشركون اتخذوا الشياطين أولياء من دونه، وذلك بموافقتهم لها فيما توسوس به إليهم.\nوليس يخفى على الله أمرهم، وسيعذبهم بما يستوجبونه. ولست- يا محمد- بمسلّط عليهم.\nوفي الإشارة: كلّ من يعمل بمتابعة هواه ويترك لله حدّا أو ينقض له عهدا فهو يتخذ الشياطين أولياء، والله يعلمه، ولا يخفى عليه أمره، وعلى الله حسابه.. ثم إن شاء عذّبه، وإن شاء غفر له.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3168>[سورة الشورى (٤٢): آية ٧]</span>\nوَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (٧)\nأنزلنا عليك قرآنا يتلى بلغة العرب لتخوّف به أهل مكة والذين حولها. وجميع العالم محدق بالكعبة ومكة لأنها سرّة الأرض.\n«وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ»: تنذرهم بيوم القيامة. والإنذار الإعلام بموضع المخافة. ويوم الجمع- وهو اليوم الذي يجمع فيه الخلق كلّهم، ويجمع بين المرء وعمله، وبين الجسد وروحه «١»، وبين المرء وشكله في الخير والشرّ- لا شكّ في كونه. وفي ذلك اليوم فريق يبعث إلى الجنة وفريق يحصل في السعير. وكما أنهم اليوم فريقان فريق في راحة الطاعات وحلاوة العبادات، وفريق في ظلمة الشّرك وعقوبة الجحد.. فكذلك غدا فريق هم أهل اللقاء، وفريق هم أهل الشقاء والبلاء.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3169>[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٨ الى ٩]</span>\nوَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ ما لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (٨) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٩)\nإن أراد أن يجمعهم كلّهم على الهدى والرشاد لم يكن مانع.. وإذا لا زين لهم. ولو شاء\n_________\n(١) من هذا نفهم أن القشيري يؤمن بالبعث الكامل أي بعودة الجسد والروح معا إلى الحياة مرة أخرى.","vol":"3","page":343},{"text":"أن يجمعهم كلّهم على الفساد والعناد لم يكن دافع- وإذا لاشين منه. وحيث خلقهم مختلفين- على ما أراد- فلا مبالاة بهم.. إنه إله واحد جبّار غير مأمور، متول جميع الأمور من الخير والشر، والنفع والضر. هو الذي يحيى النفوس والقلوب اليوم وغدا، ويميت النفوس والقلوب اليوم وغدا «١» .. وهو على كل شىء قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3170>[سورة الشورى (٤٢): آية ١٠]</span>\nوَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (١٠)\n«فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ»: أي إلى كتاب الله، وسنّة نبّيه ﷺ، وإجماع الأئمة، وشواهد القياس. والعبرة بهذه الأشياء فهى قانون الشريعة، وجملتها من كتاب الله فإنّ الكتاب هو الذي يدلّ على صحة هذه الجملة «٢» .\nويقال: إذا لم تهتدوا إلى شىء وتعارضت منكم الخواطر فدعوا تدبيركم، والتجئوا إلى ظلّ شهود تقديره، وانتظروا ما ينبغى لكم أن تفعلوه بحكم تيسيره «٣» .\nويقال إذا اشتغلت قلوبكم بحديث أنفسكم لا تدرون أبا لسعادة جرى حكمكم أم بالشقاوة مضى اسمكم؟ فكلوا الأمر فيه إلى الله، واشتغلوا في الوقت بأمر الله دون التفكّر فيما ليس لكم سبيل إلى علمه عن عواقبكم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3171>[سورة الشورى (٤٢): آية ١١]</span>\nفاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)\nخلق لكم من أنفسكم «أزواجا: أي أشكالا فخلق حواء من آدم وخلق\n_________\n(١) الإحياء والإماتة اليوم مرتبطان بالمعاني الصوفية من صفاء وكدورة ونحو ذلك.\n(٢) هذا ردّ على من يتهمون الصوفية بعدم الاحتفال بالمصادر الأساسية للشريعة، فضلا عن أننا نشعر باهتمامهم بالجانب العقلي حين يبرزون «القياس» كمصدر من مصادر التشريع. [.....]\n(٣) وهذا المصدر الأخير خاصة بالسادة الأولياء الأصفياء- يهمنا أمره حين ندرس مصادر الفقه الصوفي.","vol":"3","page":344},{"text":"- بسبب بقاء التناسل- جميع الحيوانات أجناسا.\n«يَذْرَؤُكُمْ»: يكثر خلقكم. «فِيهِ» الهاء تعود إلى البطن أي في البطن، وقيل:\nفى الرّحم، وقيل: فى التزويج «١» .\n«لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ»: لأنه فاطر السماوات والأرض، ولأنه لا مثل يضارعه، ولا شكل يشاكله. والكاف في ليس «كَمِثْلِهِ» صلة أي ليس مثله شىء. ويقال: لفظ «مثل» صلة ومعناه ليس كهو شىء. ويقال معناه ليس له مثل إذ لو كان له مثل لكان كمثله شىء وهو هو، فلما قال: «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ» فمعناه ليس له مثل، والحقّ لا شيبه له في ذاته ولا في صفاته ولا في أحكامه.\nوقد وقع قوم في تشبيه ذاته بذات المخلوقين فوصفوه بالحدّ والنهاية والكون في المكان، وأقبح قولا منهم من وصفوه بالجوارح والآلات فظنوا أن بصره في حدقة، وسمعه في عضو، وقدرته في يد.. إلى غير ذلك.\nوقوم قاسوا حكمه على حكم عباده فقالوا: ما يكون من الخلق قبيحا فمنه قبيح، وما يكون من الخلق حسنا فمنه حسن!! وهؤلاء كلهم أصحاب التشبيه- والحقّ مستحقّ للتنزيه دون التشبيه، مستحق للتوحيد دون التحديد، مستحق للتحصيل دون التعطيل والتمثيل.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3172>[سورة الشورى (٤٢): آية ١٢]</span>\nلَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٢)\n«مَقالِيدُ» أي مفاتيح، والمفاتيح للخزائن، وخزائنه مقدوراته. وكما أن في الموجودات معادن مختلفة فكذلك القلوب معادن جواهر الأحوال فبعض القلوب معادن المعرفة، وبعضها معادن المحبة، وبعضها للشوق، ويعضها للأنس.. وغير ذلك من الأحوال كالتوحيد والتفريد والهيبة والرضا. وفائدة التعريف بأن المقاليد له: أن يقطع العبد أفكاره عن الخلق، ويتوجّه\n_________\n(١) يقول النسفي: اختير «فيه» على «به» لأنه جعل هذا التدبير كالمنبع أو المعدن للبث والتكثير.","vol":"3","page":345},{"text":"فى طلب ما يريد من الله الذي «يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ»، والذي هو «بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ»:\nيوسّع ويضيّق أرزاق النفوس وأرزاق القلوب حسبما شاء وحكم وعلم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3173>[سورة الشورى (٤٢): آية ١٣]</span>\nشَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣)\n«شَرَعَ»: أي بيّن وأظهر. «مِنَ الدِّينِ» أراد به أصول الدين فإنها لا تختلف في جميع الشرائع، وأمّا الفروع فمختلفة، فالآية تدلّ على مسائل أحكامها في جميع الشرائع واحدة.\nثم بيّن ذلك بقوله: «أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ» .. وفي القصة أن تحريم البنات والأخوات إنما شرع في زمان نوح ﵇.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3174>[سورة الشورى (٤٢): آية ١٤]</span>\nوَما تَفَرَّقُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١٤)\nيعنى أنهم أصرّوا على باطلهم بعد وضوح البيان وظهور البرهان حين لا عذر ولا شكّ «وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ» .. وهو أنه حكم بتأخير العقوبة إلى يوم القيامة لعجّل لهم ما يتمنونه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3175>[سورة الشورى (٤٢): آية ١٥]</span>\nفَلِذلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٥)","vol":"3","page":346},{"text":"أي ادع إلى هذا القرآن، وإلى الدين الحنيفي، واستقم في الدعاء، وفي الطاعة. أمر الكلّ من الخلق بالاستقامة، وأفرده بذكر التزام الاستقامة.\nويقال: الألف والسين والتاء في الاستقامة للسؤال والرغبة أي سل منى أن أقيمك، «وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ، وَقُلْ: آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتابٍ، وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ»: أمرت بالعدل في القضية، وبأن أعلم أنّ الله إله الجميع، وأنّه يحاسب غدا كلّا بعمله، وبأن الحجة لله على خلقه، وبأن الحاجة لهم إلى مولاهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3176>[سورة الشورى (٤٢): آية ١٦]</span>\nوَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ (١٦)\nيجادلون في الله من بعد ما استجيب لدعاء محمد ﷺ يوم بدر على المشركين.\nحجّة هؤلاء الكفار داحضة عند ربهم لأنهم يحتجون بالباطل، وهم من الله مستوجبون للعنة والعقاب «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3177>[سورة الشورى (٤٢): آية ١٧]</span>\nاللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزانَ وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (١٧)\nأنزل الكتاب، وأنزل الحكم بالميزان أي بالحق.\nويقال ألهمهم وزن الأشياء بالميزان، ومراعاة العدل في الأحوال.\n«وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ»: يزجرهم عن طول الأمل، وينبههم إلى انتظار هجوم الأجل.\n_________\n(١) سماها حجة حسب زعمهم- وإن كانت شبهة في حقيقة أمرها. ومن أمثلة حجج أهل الكتاب أنهم كانوا يقولون للمؤمنين: كتابنا قبل كتابكم، ونبينا قبل نبيكم، فنحن خير منكم وأولى بالحق.. وكل هذه الحجج داحضة بعد ما دخل الناس في الإسلام، وتركوا الجاهلية وآثامها، استجابة لدعاء الرسول: اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن نعبد في الأرض.","vol":"3","page":347},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3178>[سورة الشورى (٤٢): آية ١٨]</span>\nيَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (١٨)\nالمؤمنون يؤمنون بالبعث وما بعده من أحكام الآخرة، ويكلون أمورهم إلى الله فلا يتمنون الموت حذر الابتلاء، ولكن إذا ورد الموت لم يكرهوه، وكانوا مستعدين له «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3179>[سورة الشورى (٤٢): آية ١٩]</span>\nاللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (١٩)\n«لَطِيفٌ» «٢» أي عالم بدقائق الأمور وغوامضها. واللطيف هو الملطف المحسن..\nوكلاهما في وصفه صحيح. واللطف في الحقيقة قدرة الطاعة، وما يكون سبب إحسانه للعبد اليوم هو لطف منه به.\nوأكثر ما يستعمل اللطف- فى وصفه- فى الإحسان بالأمور الدينية.\nويقال: خاطب العابدين بقوله: «لَطِيفٌ بِعِبادِهِ»: أي يعلم غوامض أحوالهم من دقيق الرياء والتصنّع لئلا يعجبوا بأحوالهم وأعمالهم. وخاطب العصاة بقوله: «لَطِيفٌ»: لئلا ييأسوا من إحسانه.\nويقال: خاطب الأغنياء بقوله: «لَطِيفٌ»: ليعلموا أنه يعلم دقائق معاملاتهم في جمع المال من غير وجهه بنوع تأويل، وخاطب الفقراء. بقوله: «لَطِيفٌ» أي أنه محسن يرزق من يشاء.\nويقال: سماع قوله: «اللَّهُ» يوجب الهيبة والفزع، وسماع «لَطِيفٌ» يوجب السكون\n_________\n(١) لأن الموت يقربهم من اللقاء.. لقاء المحبوب.\n(٢) تضاف أقوال القشيري هنا فى «اللطيف» إلى ما ذكره في كتاب التحبير في التذكير (تحقيق بسيونى) وما ذكره في كتاب: شرح أسماء الله الحسنى (تحقيق الحلواني) صدر بالقاهرة سنة ١٩٦٩ ص ١٧٦ وما بعدها.","vol":"3","page":348},{"text":"والطمأنينة. فسماع قوله: «اللَّهُ» أوجب لهم تهويلا، وسماع قوله: «لَطِيفٌ» أوجب لهم تأميلا.\nويقال: اللطيف من يعطى قدر الكفاية وفوق ما يحتاج العبد إليه.\nويقال: من لطفه بالعبد علمه بأنه لطيف، ولولا لطفه لما عرف أنه لطيف.\nويقال: من لطفه أنه أعطاه فوق الكفاية، وكلفّه دون الطاقة.\nويقال: من لطفه بالعبد إبهام عاقبته عليه لأنه لو علم سعادته لاتّكل عليه، وأقلّ عمله.\nولو علم شقاوته لأيس ولترك عمله.. فأراده أن يستكثر في الوقت من الطاعة.\nويقال: من لطفه بالعبد إخفاء أجله عنه لئلا يستوحش إن كان قد دنا أجله.\nويقال: من لطفه بالعبد أنه ينسيه ما عمله في الدنيا من الزّلة لئلا يتنغّص عليه العيش فى الجنة.\nويقال: اللطيف من نوّر الأسرار «١»، وحفظ على عبده ما أودع قلبه من الأسرار «٢»، وغفر له ما عمل من ذنوب في الإعلان والإسرار.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3180>[سورة الشورى (٤٢): آية ٢٠]</span>\nمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (٢٠)\n«مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ»: نزده- اليوم- فى الطاعات توفيقا، وفي المعارف وصفاء الحالات تحقيقا. ونزده في الآخرة ثوابا واقترابا وفنون نجاة وصنوف درجات.\n«وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا»: مكتفيا به نؤته منها ما يريد، وليس له في الآخرة نصيب.\n_________\n(١) هذه (الأسرار) جمع السر وهو الملكة الباطنية التي تعلو الروح- كما نعرف من المذهب العرفانى للقشيرى.\n(٢) وأما (الأسرار) الثانية فهى جمع السر كما نعرفه- بمعنى الشأن الخفي.","vol":"3","page":349},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3181>[سورة الشورى (٤٢): آية ٢١]</span>\nأَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٢١)\n«ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ»: أي ليس ذلك مما أمر به، وإنما هو افتراء منهم.\n«وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ» .. أي ما سبق به الحكم بتأخير العقوبة إلى القيامة..\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3182>[سورة الشورى (٤٢): آية ٢٢]</span>\nتَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي رَوْضاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٢٢)\nإذا حصل الإجرام فإلى وقت ما لا يعذّبهم الله في الغالب، ولكنه لا محالة يعذبهم وربما يثبت ذلك لبعض أصحاب القلوب فيتأسفون، ويعلمون أنّ ذلك من الله لهم معجّلّ قد أصابهم، أمّا الكفار..\nفغدا يشفقون مما يقع بهم عند ما يقرءونه في كتابهم، لأنّ العذاب- لا محالة- واقع بهم.\n«وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي رَوْضاتِ الْجَنَّاتِ»: فى الدنيا جنان الوصلة، ولذاذة الطاعة والعبادة، وطيب الأنس في أوقات الخلوة. وفي الآخرة في روضات الجنة: «لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ»: إن أرادوا دوام اللطف دام لهم، وإن أرادوا تمام الكشف كان لهم.. ذلك هو الفضل الكبير.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3183>[سورة الشورى (٤٢): آية ٢٣]</span>\nذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ (٢٣)\nذلك الذي يبشّر الله عباده قد مضى ذكره في القرآن متفرقا من أوصاف الجنة وأطايبها، وما وعد الله من المثوبة.. ونحو ذلك.\n«قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى» .\nقل- يا محمد- لا أسألكم عليه أجرا. من بشّر أحدا بالخير طلب عليه أجرا، ولكنّ الله- وقد بشّر المؤمنين على لسان نبيّه بما لهم من الكرامات الأبدية- لم يطلب عليه أجرا","vol":"3","page":350},{"text":"فالله- سبحانه- لا يطلب عوضا، وكذلك نبيّهﷺ- لا يسأل أجرا فإن المؤمن قد أخذ من الله خلقا حسنا.. فمتى يطلب الرسول منهم أجرا؟! وهو- صلوات الله عليه- يشفع لكلّ من آمن به، والله- سبحانه- يعطى الثواب لكل من آمن به.\n«إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى»: أراد أن تثبت مودتك في القربى فتودّ من يتقرّب إلى الله فى طاعته «١» .\n«وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ» .\nتضعيف الثواب في الآخرة للواحد من عشرة إلى سبعمائة.. هذه هي الزيادة.\nويقال: الزيادة هي زيادة التوفيق في الدنيا.\nويقال: إذا أتى زيادة في المجاهدة تفضّلنا بزيادة.. وهي تحقيق المشاهدة.\nويقال من يقترف حسنة الوظائف «٢» نزد له فيها حسن اللطائف.\nويقال: تلك الزيادة لا يصل إليها العبد بوسعه فهى مما لا يدخل تحت طوق «٣» البشر.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3184>[سورة الشورى (٤٢): آية ٢٤]</span>\nأَمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٢٤)\nأي أنّك إن افتريته ختم الله على قلبك، ولكنك لم تكذب على ربّك.\nومعنى الآية أنّ الله يتصرّف في عباده بما يشاء: من إبعاد وتقريب، وإدناء وتبعيد «٤» .\n_________\n(١) استغلت هذه الآية الكريمة استغلالا عقديا وسياسيا في عصور متأخرة خصوصا من جانب المتشيعين لعلى كرم الله وجهه وبيته.. وواضح أن القشيري أطلق القرابة على كل من يتقرب إلى الله بالطاعة فهى عنده قرابة في الله، وربما كان ذلك نتيجة سنيته وحرصه على سنيته. (أنظر مدخل اللطائف ح ١ ص ٢٥) .\n(٢) المقصود بالوظائف أداء العبادات والتزام آداب الشريعة.\n(٣) فى ص وردت (طرق) بالراء وهي خطأ في النسخ.\n(٤) يقول مجاهد: «يختم على قلبك» أي يربط عليه بالصبر على أذاهم واتهامهم له بالافتراء والكذب لئلا تدخله شقة بسبب تكذيبهم.","vol":"3","page":351},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3185>[سورة الشورى (٤٢): آية ٢٥]</span>\nوَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ وَيَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ (٢٥)\n«وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ» الألف واللام للجنس مطلقا، وهي هنا للعهد أي تلك السيئات التي تكفى التوبة المذكورة في الشريعة لقبولها فإنه يعفو عنها إذا شاء «١» . «وَيَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ»:\nمن الأعمال على اختلافها «٢» .\nوهو «الَّذِي» ..: الذي من الأسماء الموصولة التي لا يتم معناها إلا بصلة، فهو قد تعرّف إلى عباده على جهة المدح لنفسه بأنه يقبل توبة العبد فالزّلّة- وإن كانت توجب للعبد ذميم الصّفة- فإنّ قبولها يوجب للحقّ حميد الاسم.\nويقال: قوله: «عِبادِهِ» اسم يقتضى الخصوصية (لأنه أضافه إلى نفسه) «٣» حتى تمنّى كثير من الشيوخ أن يحاسبه حساب الأولين والآخرين لعلّه يقول له: عبدى. ولكن ما طلبوه فيما قالوه موجود فى «التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ» وإذا فلا ينبغى لهم أن يتمنوا كذلك، وعليهم أن أن يتوبوا لكى يصلوا إلى ذلك.\nويقال لمّا كان حديث العفو عن السيئات ذكرها على الجمع والتصريح «٤» فقال: «وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ» . ثم لمّا كان حديث التهديد قال: «وَيَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ» فذكره على التلويح فلم يقل: ويعلم زلّتك- بل قال ويعلم «ما» تفعلون، وتدخل في ذلك الطاعة والزّلة جميعا «٥» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3186>[سورة الشورى (٤٢): آية ٢٦]</span>\nوَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكافِرُونَ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ (٢٦)\n_________\n(١) يشير القشيري إلى الآية الكريمة «إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء» .\n(٢) ويدخل في ذلك- كما سيأتى بعد قليل- المعاصي والطاعات.\n(٣) ما بين القوسين إضافة من عندنا طبقا لما نعرفه من أسلوب القشيري في مثل هذا الموضع. [.....]\n(٤) هكذا في م وهي في ص (والتضرع) وهي خطأ في النسخ لعدم ملامتها السياق فالتصريح يقابل «التلويح» المذكور فيما بعد.\n(٥) فى هذه الإشارة وما تلاها يبدو انفتاح باب الأمل أمام العصاة، وكيف يحثهم هذا الإمام الجليل على التوبة الآملة والرجاء الوطيد في رحمة الله.","vol":"3","page":352},{"text":"(أي إذا دعوه استجاب لهم) «١» بعظيم الثواب في الآخرة.\n«وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ»: يقول المفسرون من أهل السّنّة في هذه الزيادة إنها الرؤية.\nذكر التوبة وأهلها، وذكر العاصين بوصفهم، ثم ذكر المطيعين الذين آمنوا وعملوا الصالحات.. فلمّا وصل إلى الزيادة- التي هي الرؤية- قال: «وَيَزِيدُهُمْ» على الجمع والكناية «٢» إذا تلمت مذكورات رجعت إليها جميعا فيكون المعنى أن الطاعات في مقابلها الدرجات، وتكون بمقدارها في الزيادة والنقصان، وأمّا الرؤية فسبيلها الزيادة والفضل..\nوالفضل ليس فيه تمييز.\nويقال: لمّا ذكر أنّ التائبين تقبل توبتهم، ومن لم يتب غفر زلّته «٣»، وأنّ المطيعين لهم الجنة.. فلربما خطر ببال أحد: وإذا فهذه النار لمن هى؟! فقال جل ذكره:\n«وَالْكافِرُونَ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ» .\nفالعصاة من المؤمنين لهم عذاب.. أمّا الكافرون فلهم عذاب شديد لأنّ دليل الخطاب يقتضى هذا وذاك يقتضى أن المؤمنين لهم عذاب.. ولكن ليس بشديد، وأمّا عذاب الكافرين فشديد.\nويقال: إن لم يتب العبد خوفا من النار، ولا طمعا في الجنة لكان من حقّه أن يتوب ليقبل الحقّ- سبحانه.\nويقال إن العاصي يكون أبدا منكسر القلب، فإذا علم أن الله يقبل الطاعة من المطيعين يتمنى أن ليت له طاعة ميسّرة ليقبلها، فيقول الحقّ: عبدى، إن لم تكن لك طاعة تصلح للقبول فلك توبة إن أتيت بها تصلح لقبولها.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3187>[سورة الشورى (٤٢): آية ٢٧]</span>\nوَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (٢٧)\n_________\n(١) ما بين القوسين زيادة من عندنا وجدناها ضرورية لتوضيح العبارة.\n(٢) يقصد القشيري بالكناية الضمير فى «ويزيدهم» .\n(٣) لأنه ربط ذلك بمشيئته- سبحانه- فقال «ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء» .","vol":"3","page":353},{"text":"هذا الخطاب في الظاهر يشبه الاعتذار في تخاطب الآدميين. والمعنى: أننى لم أبسط عليك أيها الفقير في الدنيا لما كان لى من العلم أننى لو قسمت عليك الدنيا لطغيت، ولسعيت فى الأرض بالفساد.\nويقال: قوله: «وَلكِنْ..»: لكن كلمة استدراك، فالمعنى: لم أوسّع عليك الرزق بمقدار ما تريد ولم أمنع عنك (الكلّ) «١» لأنّ أنزّل بقدر ما أشاء.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3188>[سورة الشورى (٤٢): آية ٢٨]</span>\nوَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (٢٨)\nالله- سبحانه محيى القلوب فكما أنه «هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ»، فبعدما أصابت الأرض جدوبة، وأبطأ نزول الغيث، وقنط الناس من مجىء المطر، وأشرف الوقت على حدّ الفوات ينزّل الله بفضله الغيث، ويحيى الأرض بعد قنوط أهلها.. فكذلك العبد إذا ذبل غصن وقته، وتكدّر صفو ودّه، (وكسفت) «٢» شمس أنسه، (وبعد) «٣» عن الحضرة وساحات القرب عهده فلربما ينظر إليه الحقّ برحمته فينزل على سرّه أمطار الرحمة، ويعود عوده طريّا، وينبت في مشاهد أنسه وردا جنيّا..\nوأنشدوا:\nإن راعنى منك الصدود ... فلعلّ أيامى تعود\nولعلّ عهدك باللّوى ... يحيا فقد تحيا العهود\nوالغصن ييبس تارة ... وتراه مخضرّا يميد\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3189>[سورة الشورى (٤٢): آية ٢٩]</span>\nوَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَثَّ فِيهِما مِنْ دابَّةٍ وَهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إِذا يَشاءُ قَدِيرٌ (٢٩)\n_________\n(١) هكذا في م، وهي في ص (الكيل) وهي خطأ في النسخ كما هو واضح من السياق.\n(٢) هكذا في ص، وهي في م (كشفت) بالشين وهي خطأ في النسخ كما هو واضح.\n(٣) سقطت في ص وموجودة في م والسياق يتطلبها.","vol":"3","page":354},{"text":"جعل الله في كلّ شىء من المخلوقات دلالة على توحّده في جلاله، وتفرّده بنعت كبريائه وجماله «١» .\n«وَهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إِذا يَشاءُ قَدِيرٌ»: والإشارة منها أنّ الحقّ- سبحانه- يغار على أوليائه أن يسكن بعضهم بقلبه إلى بعض فأبدا يبدّد شملهم، ولا تكاد الجماعة من أهل القلوب تتفق في موضع واحد إلا نادرا، وذلك لمدة يسيرة.. كما قالوا:\nرمى الدهر بالفتيان حتى كأنّهم ... بأكناف أطراف السماء نجوم\nوفي بعض الأحايين قد يتفضّل الحقّ عليهم فتدنو بهم الديار، ويحصل بينهم- فى الظاهر- اجتماع والتقاء، فيكون في ذلك الوقت قد نظر الحقّ- سبحانه- بفضله إلى أنّ في اجتماعهم بركات لحياة العالم.\nوهذا- وإن كان نادرا- فإنه على جمعهم- إذا يشاء- قدير.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3190>[سورة الشورى (٤٢): آية ٣٠]</span>\nوَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)\nإذا تحقّق العبد بهذه الآية فإنه إذا أصابته شظية أو حالة مما يسوءه، وعلم أن ذلك جزاء له، وعقاب على ما بدر منه من سوء الأدب لاستحيى بخجلته من فعله، ولشغله ذلك عن رؤية الناس، فلا يحاول أن ينتقم منهم أو يكافئهم أو يدعو عليهم، وإنما يشغله تلافى ما بدر منه من سوء الفعل عن محاولة الانتصاف لنفسه ممن يتسلّط عليه من الخلق.. تاركا الأمر كلّه لربّه.\nويقال: إذا كثرت الأسباب من البلايا على العبد، وتوالى عليه ذلك.. فليفكّر فى أفعاله للذمومة.. كم يحصل منه حتى يبلغ جزاء ما يفعله- مع العفو الكثير- هذا المبلغ؟! فعند ذلك يزداد حزنه وتأسّفه لعلمه بكثرة ذنوبه ومعاصيه.\n_________\n(١) سبق أن نبا القشيري إلى توحيد القالة وتوحيد الدلالة.","vol":"3","page":355},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3191>[سورة الشورى (٤٢): آية ٣٢]</span>\nوَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ (٣٢)\nيريد بها السفن التي تجرى في البحار يرسل الله الريح فتسيّرها مرة، ويسكّنها أخرى، وما يريهم خلال ذلك من الهلاك أو السلامة.. وهو بهذا يحثّهم على التفكّر والتنبّه دائما.\nوالإشارة في هذا إلى إمساك الناس «١» فى خلال فترة الوقت عن الأنواء المختلفة، وحفظهم في إيواء السلامة، فالواجب الشكر في كل حالة، وإذا خلص الشكر استوجب جزيل المزيد.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3192>[سورة الشورى (٤٢): آية ٣٦]</span>\nفَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٣٦)\nيعنى أنّ الراحات في الدنيا لا تصفو، ومن المشائب لا تخلو. وإن اتفق وجود البعض منها في أحايين فإنها سريعة (الزوال) «٢»، (وشيكة) «٣» الارتحال.\n«وَما عِنْدَ اللَّهِ» من الثواب الموعود «خَيْرٌ» من هذا القليل الموجود.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3193>[سورة الشورى (٤٢): آية ٣٧]</span>\nوَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (٣٧)\n«كَبائِرَ الْإِثْمِ»: الشرك. و«الْفَواحِشَ»: ما دون ذلك من الزلّات. فإذا تركوها لا يتجرّعون كاسات الغضب بل تسكن لديهم سورة النّفس لأنهم يتوكلون على ربهم فى عموم الأحوال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3194>[سورة الشورى (٤٢): آية ٣٨]</span>\nوَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٨)\n_________\n(١) المقصود بإمساك الناس هنا حفظ الله ﷾ لهم.\n(٢) وردت (العذاب) فى ص وهي خطأ في النسخ.\n(٣) وردت (وسكية) فى ص وهي خطأ في النسخ.","vol":"3","page":356},{"text":"«اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ»: فيما دعاهم إليه وما أمرهم به من فنون الطاعات فهؤلاء هم الذين لهم حسن الثواب وحميد المآب.\nوالمستجيب لربّه هو الذي لا يبقى له نفس إلا على موافقة رضاه «١»، ولا تبقى منه لنفسه بقية.\n«وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ»: لا يستبدّ أحدهم برأيه لأنه يتّهم أمره ورأيه أبدا «٢» .\nثم إذا أراد القطع بشىء يتوكل على الله.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3195>[سورة الشورى (٤٢): آية ٣٩]</span>\nوَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩)\n«الْبَغْيُ»: الظلم، فيعلم أحدهم أن الظلم الذي أصابه هو من قبل نفسه، فينتصر على الظالم وهو نفسه بأن يكبح عنانها عن الركض في ميدان المخالفات.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3196>[سورة الشورى (٤٢): آية ٤٠]</span>\nوَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٤٠)\n(يعنى لا تجاوزوا حدّ ما جنى الجاني عليكم في المكافأة أو الانتقام) «٣» .\n«فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ»: من عفا عن الجاني، وأصلح ما بينه وبين الله- أصلح الله ما بينه وبين الناس. «فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ»: فالذى للعبد من الله وعلى الله، وعند الله خير مما يعمله باختياره.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3197>[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٤١ الى ٤٢]</span>\nوَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٤٢) .\n_________\n(١) هذا ما يعرف عند الصوفية بمراعاة الأنفاس.\n(٢) هذا أصل من أصول أهل الملامة النيسابورية. [.....]\n(٣) ما بين القوسين سقط في ص وموجود في م.","vol":"3","page":357},{"text":"علم الله أن الكلّ من عباده لا يجد التحرر من أحكام النّفس، ولا يتمكن من محاسن الخلق فرخّص لهم في المكافأة على سبيل العدل والقسط- وإن كان الأولى بهم الصفح والعفو.\n«إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ..»: السبيل بالملامة لمن جاوز الحدّ، (وعدا الطّور) «١»، وأتى غير المأذون له من الفعل.. فهؤلاء لهم عذاب أليم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3198>[سورة الشورى (٤٢): آية ٤٣]</span>\nوَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلك لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣)\nصبر على البلاء من غير شكوى، وغفر- بالتجاوز عن الخصم- ولم تبق لنفسه عليه دعوى، بل يبرىء خصمه من كل دعوى، فى الدنيا والعقبى.. فذلك من عزم الأمور.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3199>[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٤٤ الى ٤٦]</span>\nوَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ (٤٤) وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذابٍ مُقِيمٍ (٤٥) وَما كانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِياءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ سَبِيلٍ (٤٦)\nإنّ الذين أضلّهم الله، وأعمى أبصارهم وبصائرهم، وأوقعهم في كدّ عقوبتهم، وحرمهم برد الرضا لحكم ربّهم ليس لهم وليّ من دون الله، ولا مانع لهم من عذابه. وتراهم إذا رأوا العذاب يطلبون منه النجاة فلا ينالونها.\nوتراهم يعرضون على النار وهم خاشعون من الذّلّ لا تنفعهم ندامة، ولا تسمع منهم دعوة، ويعيّرهم المؤمنون بما ذكّروهم به فلا يسمعون، فاليوم لا ناصر ينصرهم، ولا راحم يرحمهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3200>[سورة الشورى (٤٢): آية ٤٧]</span>\nاسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ ما لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَما لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ (٤٧)\nالاستجابة لله الوفاء بعهده، والقيام بحقّه، والرجوع عن مخالفته إلى موافقته، والاستسلام\n_________\n(١) فى ص (وعد) وهي خطأ في النسخ. ويقال عدا وتعدى الطور أي جاوز حدّه وقدره (الوسيط) .","vol":"3","page":358},{"text":"فى كل وقت لحكمه. والطريق اليوم إلى الاستجابة مفتوح. وعن قريب سيغلق الباب على القلب بغتة، ويؤخذ فلتة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3201>[سورة الشورى (٤٢): آية ٤٨]</span>\nفَإِنْ أَعْرَضُوا فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاغُ وَإِنَّا إِذا أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسانَ كَفُورٌ (٤٨)\nفإن أعرضوا عن الإجابة فليس عليك إلا تبليغ الرسالة، ثم نحن أعلم بما نعاملهم به.\n«وَإِنَّا إِذا أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها، وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسانَ كَفُورٌ» .\nإذا أذقنا الإنسان منّا رفاهية ونعمة فرح بتلك الحالة، وقابلها بالبطر، وتوصّل بتمام عافيته إلى المخالفة، وجعل السلامة ذريعة للمخالفة. وإن أصابته فتنة وبلية، ومسّته مصيبة ورزية فإنه كفور بنعمائنا، جحود لآياتنا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3202>[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٤٩ الى ٥٠]</span>\nلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ ما يَشاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرانًا وَإِناثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٥٠)\n«١» ...\nيهب لمن يشاء الذكور، ولمن يشاء الإناث، ولمن يشاء الجنين، ويجعل من يشاء عقيما، فلا اعتراض عليه في تقديره، ولا افتيات في اختياره، فهو أولى بعباده من عباده.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3203>[سورة الشورى (٤٢): آية ٥١]</span>\nوَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (٥١)\nلله بحقّ ملكه أن يفعل ما يشاء، ويعطى من يشاء من عباده ما يشاء، ولكن أجرى\n_________\n(١) يرى النسفي أنه قدم الإناث على الذكور هنا ليوضح أنه فاعل لما يشاؤه لا لما يشاء الإنسان، فكان تقديم الإناث اللاتي من جملة مالا يشاؤه الإنسان أهم، والأهم واجب التقديم. ح ٤ ص ١١١.","vol":"3","page":359},{"text":"العادة وحكم بأنه لا يفعل إلا ما ورد في هذه الآية فلم يكلّم أحدا إلا بالوحى، أو من وراء حجاب يعنى وهو لا يرى الحقّ، فالمحجوب هو العبد لا الرب، والحجاب أن يخلق فى محل الرؤية ضد الرؤية.. تعالى الله عن أن يكون من وراء حجاب لأن ذلك صفة الأجسام المحدودة التي يسبل عليها ستر. إنه «عَلِيٌّ»: فى شأنه وقدره، «حَكِيمٌ»: فى أفعاله.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3204>[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٥٢ الى ٥٣]</span>\nوَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (٥٣)\nأي ذلك مثلما أوحينا إليك «رُوحًا» من أمرنا يعنى القرآن سمّاه روحا لأنه من آمن به صار به قلبه حيّا.\nويقال «رُوحًا مِنْ أَمْرِنا»: أي جبريل ﵇، ويسمى جبريل روح القدس.\n«ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ..»: ما كنت تدرى قبل هذا ما القرآن، «وَلَا الْإِيمانُ»:\nأي تفصيل هذه الشرائع.\n«وَلكِنْ جَعَلْناهُ»: أي القرآن «نُورًا» نهدى به من نشاء من عبادنا المؤمنين.\n«أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ»: لأن منه ابتداء الأمور.","vol":"3","page":360},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3205>سورة الزّخرف</span>\nقوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» بسم «الله: اسم عزيز من وثق بجوده وكرمه لم يعلّق بغيره صواعد هممه، ولم يقف على سدّة مخلوق بقدمه في ابتغاء كرمه. اسم عزيز من عوّده خفايا لطفه «١» لم يتذلّل «٢» فى طلب شىء من غيره، ولم يرجع إلى غيره في شرّه وخيره.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3206>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ١ الى ٣]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nحم (١) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣)\nالحاء تدل على حياته والميم على مجده.. وهذا قسم ومعناه: وحياتى ومجدى وهذا القرآن إنّ الذي أخبرت عن رحمتى بعبادي المؤمنين حق وصدق. وجعلناه قرآنا عربيا ليتيسّر عليكم فهم معناه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3207>[سورة الزخرف (٤٣): آية ٤]</span>\nوَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (٤)\n«فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا»: أي أنه مكتوب في اللّوح المحفوظ.\n«لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ» لعليّ القدر، حكيم الوصف لا تبديل له ولا تحويل.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3208>[سورة الزخرف (٤٣): آية ٥]</span>\nأَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ (٥)\nأي أننا لا نفعل ذلك (فيكون معنى الاستفهام) «٣» أفنقطع عنكم خطابنا وتعريفنا\n_________\n(١) هكذا في م وهي في ص (خفاء حكمه) . وقد آثرنا الأولى لأنها أكثر تدعيما للسياق.\n(٢) هكذا في م وهي في ص (لم تبدلل) وواضح الخطأ الناسخ.\n(٣) ما بين القوسين إضافة من عندنا ليتماسك السياق. والاستفهام في الآية يفيد الإنكار.","vol":"3","page":361},{"text":"إن أسرفتم في خلافكم؟ لا ... إننا لا نرفع التكليف بأن خالفتم، ولا نهجركم- بقطع الكلام عنكم- إن أسرقتم.\nوفي هذا إشارة لطيفة وهو أنه لا يقطع الكلام- اليوم- عمّن تمادى في عصيانه، وأسرف في أكثر شانه. فأحرى أنّ من لم يقصّر في إيمانه- وإن تلطّخ بعصيانه، ولم يدخل خلل في عرفانه- ألا يمنع عنه لطائف غفرانه «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3209>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٦ الى ٧]</span>\nوَكَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (٦) وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٧)\nما أتاهم من رسول فقابلوه بالتصديق، بل كذّب به الأكثرون وجحدوا، وعلى غيّهم أصرّوا ...\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3210>[سورة الزخرف (٤٣): آية ٨]</span>\nفَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ (٨)\nأي لم يعجزنا أحد منهم، ولم نغادر منهم أحدا، وانتقمنا من الذين أساءوا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3211>[سورة الزخرف (٤٣): آية ٩]</span>\nوَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩)\nكانوا يقرّون بأنّ الله خالقهم، وأنّه خلق السماوات والأرض، وإنما جحدوا حديث الأنبياء، وحديث البعث وجوازه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3212>[سورة الزخرف (٤٣): آية ١٠]</span>\nالَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠)\nكما جعل الأرض قرارا لأشباحهم جعل الأشباح قرارا لأرواحهم فالخلق سكّان الأرض، فإذا انتهت المدة- مدة كون النفوس على الأرض- حكم الله بخرابها..\nكذلك إذا فارقت الأرواح الأشباح بالكليّة قضى الله بخرابها.\n_________\n(١) هكذا تتجلى نزعة الأمل والتفاؤل عند هذا الصوفي حيث يحاول في إشارته أن يبين كيف أن رحمة الله تمتد لتشمل المؤمنين العصاة حتى من أسرف منهم على نفسه.","vol":"3","page":362},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3213>[سورة الزخرف (٤٣): آية ١١]</span>\nوَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذلِكَ تُخْرَجُونَ (١١)\nيعنى كما يحيى الأرض بالمطر يحيى القلوب بحسن النّظر.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3214>[سورة الزخرف (٤٣): آية ١٢]</span>\nوَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ (١٢)\nأي الأصناف من الخلق «وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ» كذلك جنّس عليكم الأحوال كلها فمن رغبة في الخيرات إلى رهبة مما توعدّكم به من العقوبات. ومن خوف يحملكم على ترك الزلّات إلى رجاء يبعثكم على فعل الطاعات طمعا فى المثوبات.. وغير ذلك من فنون الصفات\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3215>[سورة الزخرف (٤٣): آية ١٣]</span>\nلِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣)\nيعنى الفلك والأنعام..\n«ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ» مطيعين، وكما سخّر لهم الفلك في البحر، والدوابّ للركوب، وأعظم عليهم المنة بذلك فكذلك (سهّل للمؤمنين مركب التوفيق فحملهم عليه إلى بساط الطاعة) «١»، وسهّل للمريدين مركب الإرادة فحملهم عليه إلى عرصات الجود، وسهّل للعارفين مركب الهمم فأناخوا بعقوة العزّة. وعند ذلك محطّ الكافة إذ لم تخرق سرادقات العزّة همّة مخلوق: سواء كان ملكا مقرّبا أو نبيّا مرسلا أو وليّا مكرّما، فعند سطوات العزّة يتلاشى كلّ مخلوق، ويقف وراءها كلّ محدث مسبوق «٢» .\n_________\n(١) ما بين القوسين موجود في ص وغير موجود في م فأثبتناه في هذا الموضع لأن مرتبة المؤمنين عامة تليها مرتبة المريدين وهي خاصة، ثم العارفين وهم خواص الخواص.\n(٢) يرتبط ذلك بمذهب القشيري فى «الفناء»، وكيف أن الصمدية تجل عن الاستشراف.. ناهيك بما يزعمه آخرون من حلول واتحاد.. وغير ذلك.","vol":"3","page":363},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3216>[سورة الزخرف (٤٣): آية ١٥]</span>\nوَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (١٥)\nهم الذين قالوا: الملائكة بنات الله فجعلوا البنات لله جزءا على التخصيص من جملة مخلوقاته.. تعسا لهم في قولهم ذلك وخزيا «١» !! فردّ عليهم ذلك قائلا:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3217>[سورة الزخرف (٤٣): آية ١٦]</span>\nأَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ وَأَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ (١٦)\nقال لهم على جهة التوبيخ، وعابهم بما قالوا إذ- على حدّ قولهم- كيف يؤثرهم بالبنين ويجعل لنفسه البنات؟! ففى قولهم ضلال إذ حكموا للقديم بالولد. وفيه جهل إذ حكموا له بالبنات ولهم بالبنين- وهم يستنكفون من البنات.. ثم.. أي عيب في البنات؟\nثم.. كيف يحكمون بأن الملائكة إناث- وهم لم يشاهدوا خلقتهم؟\nكلّ ذلك كان منهم خطأ محظورا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3218>[سورة الزخرف (٤٣): آية ٢٠]</span>\nوَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ (٢٠)\nإنما قالوا ذلك استهزاء واستبعادا لا إيمانا وإخلاصا، فقال تعالى: «ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ» ولو علموا ذلك وقالوه على وجه التصديق لم يكن ذلك منهم معلولا.\nثم قال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3219>[سورة الزخرف (٤٣): آية ٢١]</span>\nأَمْ آتَيْناهُمْ كِتابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (٢١)\nأي ليس كذلك، حتى أخبر أنهم ركنوا إلى تقليد لا يفضى إلى العلم، فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3220>[سورة الزخرف (٤٣): آية ٢٢]</span>\nبَلْ قالُوا إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢)\n_________\n(١) في م (وحزنا) وهي غير ملائمة- كما هو واضح.","vol":"3","page":364},{"text":"فنحن نقتدى بهم، ثم قال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3221>[سورة الزخرف (٤٣): آية ٢٣]</span>\nوَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣)\nسلكوا طريق هؤلاء في التقليد لأسلافهم، ولاستنامة إلى ما اعتادوه من السّيرة والعادة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3222>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٢٤ الى ٢٥]</span>\nقالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (٢٤) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٢٥)\nفلم ينجع فيهم قوله، ولم ينفعهم وعظه، وأصرّوا على تكذيبهم، فانتقم الحقّ- سبحانه- منهم كما فعل بالذين من قبلهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3223>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٢٦ الى ٢٨]</span>\nوَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧) وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٨)\nأخبر أنّ إبراهيم لمّا دعا أباه وقومه إلى الله وتوحيده أبوا إلّا تكذيبه فتبرّأ منهم بأجمعهم، وجعل الله كلمة التوحيد باقية في عقبه وقومه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3224>[سورة الزخرف (٤٣): آية ٢٩]</span>\nبَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ (٢٩)\nأرخينا عنان إمهالهم مدة، ثم كان أمرهم «١» أن انتصرنا منهم، ودمّرناهم أجمعين.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3225>[سورة الزخرف (٤٣): آية ٣١]</span>\nوَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١)\n_________\n(١) هكذا في ص وهي في م (آخرهم) وهي مقبولة في السياق على معنى (آخر أمرهم) أو (آخر شأنهم) .","vol":"3","page":365},{"text":"إمّا أبى مسعود الثقفي «١» أو أبى جهل، وهذا أيضا من فرط جهلهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3226>[سورة الزخرف (٤٣): آية ٣٢]</span>\nأَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٣٢)\nأهم يقسمون- يا محمد- رحمة ربك في التخصيص بالنبوة؟ أيكون اختيار الله- سبحانه- على مقتضى هواهم؟ بئس ما يحكمون! «نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ.....» فلم نجعل القسمة في الحياة الدنيا لهم.... فكيف نجعل قسمة النبوة إلى هؤلاء؟! .....\nوالإشارة من هذا: أن الحقّ- سبحانه- لم يجعل قسمة السعادة والشقاوة إلى أحد، وإنما المردود من ردّه بحكمه وقضائه وقدره، والمقبول- من جملة عباده- من أراده وقبله ... لا لعلّة أو سبب، وليس الردّ أو القبول لأمر مكتسب «٢» ...\nثم إنه قسم لبعض عباده النعمة والغنى، وللبعض القلّة والفقر، وجعل لكلّ واحد منهم سكنا يسكنون إليه يستقلون به فللأغنياء وجود الإنعام وجزيل الأقسام.. فشكروا واستبشروا، وللفقراء شهود المنعم والقسّام.. فحمدوا وافتخروا.\nالأغنياء وحدوا النعمة فاستغنوا وانشغلوا، والفقراء سمعوا قوله: «نَحْنُ» فاشتغلوا «٣» .\n_________\n(١) هو أبو مسعود عروة بن مسعود الثقفي من الطائف، وأبو جهل من مكة فالقريتان هما الطائف ومكة.\nوروى أن الوليد بن المغيرة- وكان يسمى ريحانه قريش- كان يقول: لو كان ما يقوله محمد حقا لنزل عليّ أو على أبى مسعود.\n(٢) مرة أخرى ينبه القشيري إلى أن المعول عليه في الأمر فضل الله وقسمته، ولهذا الرأى شأنه في مسألة الثواب والعقاب التي اتخذها المعتزلة وسيلة من وسائل تبرير الحرية الإنسانية- كما نبهنا إلى ذلك في هوامش كثيرة من الكتاب.\n(٣) أي (اشتغلوا) بالله وطاعته دون غاية غيريه أو مطمع زائل. ونحن لا نستبعد أنها قد تكون في الأصل (فاستقلوا) فهذا هو تعبير الشيخ المألوف في مثل هذا السياق. [.....]","vol":"3","page":366},{"text":"وفي الخبر أن النبي ﷺ قال للأنصار: أما ترضون أن يرجع الناس بالغنى وأنتم ترجعون بالنبي إلى أهليكم؟\n«لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا..»: لو كانت المقادير متساوية لتعطلّت المعايش، ولبقى كلّ عند حاله فجعل بعضهم مخصوصين بالرّفه والمال، وآخرين مخصوصين بالفقر ورقة الحال.. حتى احتاج الفقير في جبر حاجته إلى أن يعمل للغنيّ كى يرتفق من جهته بأجرته فيصلح بذلك أمر الغنيّ والفقير جميعا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3227>[سورة الزخرف (٤٣): آية ٣٣]</span>\nوَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ (٣٣)\nمعنى الآية أنه ليس للدنيا عندنا خطر فالذى يبقى عنّا لو صببنا عليه الدنيا بحذافيرها لم يكن ذلك جبرانا لمصيبته. ولولا فتنة قلوب المؤمنين لجعلنا لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج من فضة، وكذلك ما يكون شبيها بهذا.\nولو فعلنا.. لم يكن لما أعطيناه خطر لأنّ الدنيا بأسرها ليس لها عندنا خطر.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3228>[سورة الزخرف (٤٣): آية ٣٦]</span>\nوَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦)\nمن لم يعرف قدر الخلوة مع الله فحاد عن ذكره، وأخلد إلى الخواطر الرديّة قيّض الله له من يشغله عن الله- وهذا جزاء من ترك الأدب في الخلوة. وإذا اشتغل العبد في خلوته بربّه.. فلو تعرّض له من يشغله عن ربه صرفه الحق عنه بأى وجه كان، وصرف دواعيه عن مفاتحته بما يشغله عن الله.\nويقال: أصعب الشياطين نفسك والعبد إذا لم يعرف خطر فراغ قلبه، واتّبع شهوته، وفتح ذلك الباب على نفسه بقي في يد هواه أسيرا لا يكاد يتخلّص عنه إلا بعد مدّة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3229>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٣٧ الى ٣٩]</span>\nوَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧) حَتَّى إِذا جاءَنا قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (٣٨) وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٩)","vol":"3","page":367},{"text":"الذي سوّلت له نفسه أمرا يتوهّم أنه على صواب، ثم يحمل صاحبه على موافقته في باطله، ويدّعى أنه على حقّ. وهو بهذا يضر بنفسه ويضر بغيره. ثم إذا ما انكشف- غدا- الغطاء تبيّن صاحبه خيانته، وندم على صحبته، ويقول: «يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا» «١» و«يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ» . ولكنّ هذه الندامة لا تنفع حينئذ لأنّ الوقت يكون قد فات، لهذا قال تعالى:\nوَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3230>[سورة الزخرف (٤٣): آية ٤٠]</span>\nأَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٤٠)\nهذا الاستفهام فيه معنى النفي أي أنه ليس يمكنك هداية من سددنا بصيرته، ولبّسنا عليه رشده، ومن صببنا في مسامع فهمه رصاص الشقاء والحرمان.. فكيف يمكنك إسماعه؟! قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3231>[سورة الزخرف (٤٣): آية ٤١]</span>\nفَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (٤١)\nيعنى: إن انقضى أجلك ولم يتفق لك شهود ما نتوعّدهم به فلا تتوهّم أنّ صدق كلامنا يشوبه مين «٢»، فإنّ ما أخبرناك عنه- لا محالة- سيكون.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3232>[سورة الزخرف (٤٣): آية ٤٢]</span>\nأَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْناهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ (٤٢)\nأثبته على حدّ الخوف «٣» والرجاء، ووقفه على وصف التجويز لاستبداده «٤» - سبحانه\n_________\n(١) آية ٢٨ سورة الفرقان.\n(٢) في م (مبين) وهي خطأ في النسخ إذ الصواب (المين) أي الكذب.\n(٣) فى ص (الحزن): لكننا آثرنا عليها ما جاء في م فالخوف- لا الحزن- يقابل الرجاء في المصطلح الصوفي (أنظر رسالة القشيري ص ٣٥) .\n(٤) استبد بالأمر- انفرد به (الوسيط) .","vol":"3","page":368},{"text":"بعلم الغيب. والمقصود كذلك أن يكون كلّ أحد بالنسبة لأمر الله من جملة نظارة التقدير- فالله يفعل ما يريد.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3233>[سورة الزخرف (٤٣): آية ٤٣]</span>\nفَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٣)\nاجتهد من غير تقصير وتوكّل على الله من غير فتور، وقف حيثما أمرت، وثق بأنك على صراط مستقيم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3234>[سورة الزخرف (٤٣): آية ٤٤]</span>\nوَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ (٤٤)\nأي إنّ هذا القرآن لذكر لك أي شرف لك، وحسن صيت، واستحقاق منزلة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3235>[سورة الزخرف (٤٣): آية ٤٥]</span>\nوَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)\nحشر أرواح الأنبياء﵈- ليلة الإسراء، وقيل لهﷺ:\nسلهم: هل أمرنا أحدا بعبادة غيرنا؟ فلم يشكّ النبيﷺ- ولم يسأل «١» ويقال: الخطاب له، والمراد به غيره.. فمن يرتاب في ذلك؟ (ويقال: المراد منه سل أقوامهم، لكى إذا قالوا إن الله لم يأمر بذلك كان هذا أبلغ في إبرام الحجة عليهم) «٢» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3236>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٤٦ الى ٥٠]</span>\nوَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَقالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٦) فَلَمَّا جاءَهُمْ بِآياتِنا إِذا هُمْ مِنْها يَضْحَكُونَ (٤٧) وَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها وَأَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤٨) وَقالُوا يا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ (٤٩) فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ (٥٠)\nكرّر قصة موسى غير مرة في القرآن، وأعادها هنا مجملة أرسلناه بدلائلنا، أرسلناه بحجة ظاهرة قاهرة، أرسلناه بالمعجزات إلى فرعون وقومه من القبط، فقوبل بالهزء والضحك\n_________\n(١) عن ابن عباس أنه قال: «لا أسأل قد اكتفيت» وعنه أيضا: أنه لم يسأل لأنه كان أعلم بالله منهم.\n(٢) ما بين القوسين ساقط في ص وموجود في م، والمقصود بها: اسأل مؤمنى أهل الكتابين التوراة والإنجيل- وعلى هذا الرأى جمهور من المفسرين منهم مجاهد والضحاك وقتادة.","vol":"3","page":369},{"text":"والتكذيب. ومع أنّ الله سبحانه لم يجر عليه من البيّنات شيئا إلا كان أوضح مما قبله إلا أنهم لم يقابلوه إلا بجفاء أوحش مما قبله. فلمّا عضّهم الأمر قالوا: يا أيها الساحر، ادع لنا ربّك ليكشف عنّا البليّة لنؤمن بك، فدعا موسى.. فكشف الله عنهم، فعادوا إلى كفرهم، ونقضوا عهدهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3237>[سورة الزخرف (٤٣): آية ٥١]</span>\nوَنادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قالَ يا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ (٥١)\nتعزّز بملك مصر، وجرى النيل بأمره! وكان في ذلك هلاكه ليعلم أنّ من تعزّز بشىء من دون الله فحتفه وهلاكه في ذلك الشيء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3238>[سورة الزخرف (٤٣): آية ٥٢]</span>\nأَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكادُ يُبِينُ (٥٢)\nاستصغر موسى وحديثه، وعابه بالفقر.. فسلّطه الله عليه، وكان هلاكه بيديه، فما استصغر أحد أحدا إلا سلّطه الله عليه «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3239>[سورة الزخرف (٤٣): آية ٥٤]</span>\nفَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ (٥٤)\nأطاعوه طاعة الرهبة، وطاعة الرهبة لا تكون مخلصة، وإنما تكون الطاعة صادقة إذا صدرت عن الرغبة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3240>[سورة الزخرف (٤٣): آية ٥٥]</span>\nفَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥)\n«آسَفُونا» أغضبونا، وإنما أراد أغضبوا أولياءنا، فانتقمنا منهم. وهذا له أصل في باب\n_________\n(١) يحاول القشيري أن يغمز بأولئك الذين يتعرضون للأولياء والعارفين، وكيف أن الحق- سبحانه- يتولى عنهم ردّ كيد الكائدين.","vol":"3","page":370},{"text":"الجمع «١» حيث أضاف إيسافهم لأوليائه إلى نفسه.. وفي الخبر: أنه يقول: «مرضت فلم تعدنى «٢» .\nوقال في قصة ابراهيم عليه: «يَأْتُوكَ رِجالًا..» «٣»\nوقال في قصة نبيّناﷺ: «مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ» «٤» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3241>[سورة الزخرف (٤٣): آية ٥٧]</span>\nوَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧)\nوضرب المثل بعيسى هو قوله: «إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ» «٥» خلق عيسى بلا أب كما خلق آدم بلا أبوين. فجحدوا بهذه الآية.\nوقيل هو قوله: «إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ» «٦»، فقالوا: رضينا بأن نكون في النار مع عيسى وعزيز والملائكة، وليس لهم في الآية موضع ذكر لأنه سبحانه قال: «وَما» تعبدون، ولم يقل «ومن» تعبدون «٧» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3242>[سورة الزخرف (٤٣): آية ٥٨]</span>\nوَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨)\nما ضربوه لك إلا جدلا: وذلك أنهم قالوا: إن قال آلهتكم خير فقد أقرّ بأنها معبودة، وإن قال: عيسى خير من آلهتكم فقد أقرّ بأن عيسى يصلح لأن يعبد، وإن قال: ليس واحد منهم\n_________\n(١) عند ما يضاف الفعل إلى الحق يكون المعنى منصرفا إلى حال الجمع، وعند ما ينسب إلى الخلق يكون منصرفا إلى حال الفرق، مثلما أوضح القشيري هنا، ومثلما أوضح عند قوله تعالى: «وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى» .\n(٢) أصل الحديث: أنه تعالى يقول: «يا ابن آدم، مرضت فلم تعدنى، واستسقيتك فلم تسقنى، واستطعمتك فلم تطعمنى» القرطبي: ج ٢٠، ص ٥٥.\n(٣) آية ٢٧ سورة الحج. والخطاب في الآية لابرهيم في مقام الفرق، ولنبينا في مقام الجمع.\n(٤) آية ٨٠ سورة النساء.\n(٥) آية ٥٩ سورة آل عمران.\n(٦) آية ٩٨ سورة الأنبياء.\n(٧) لأن «من» للعاقل و«ما» لغير العاقل فالمقصود الأصنام. [.....]","vol":"3","page":371},{"text":"خيرا فقد نفى ذلك عن عيسى ﵇. هم راموا بهذا الكلام أن يجادلوه، ولم يكن سؤالهم للاستفادة. فكان جواب النبي ﷺ عليهم: أن عيسى ﵇ خير من آلهتكم ولكنه لا يستحق أن يعبد إذ ليس كلّ ما هو خير من الأصنام بمستحق أن يكون معبودا من دون الله. وهكذا بيّن الله- سبحانه- لنبيّه أنهم قوم جدلون «١»، وأنّ حجتهم داحضة عند ربهم قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3243>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٥٩ الى ٦٠]</span>\nإِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرائِيلَ (٥٩) وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (٦٠)\nفليس عيسى إلا عبد أنعمنا عليه بالنبوّة.\n«وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ» ولو شئنا لأنزلنا ملائكة من السماء حتى يكونوا سكّان الأرض بدلكم.\nثم قال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3244>[سورة الزخرف (٤٣): آية ٦١]</span>\nوَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها وَاتَّبِعُونِ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١)\n«وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ»: يعنى به عيسى ﵇ إذا أنزله من السماء فهو علامة للساعة، «فَلا تَمْتَرُنَّ» بنزوله بين يديّ القيامة «٢» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3245>[سورة الزخرف (٤٣): آية ٦٢]</span>\nوَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٢)\nولا يصدنكم الشيطان عن الإيمان بالساعة، وعن اتّباع الإيمان بهداى.\n_________\n(١) سبب نزول هذه الآية وما سبقها تلك المناظرة التي حاول بها عبد الله بن الزبعرى السهمي أن يستهوى قريشا بإثارة اعتراضات باطلة، فأفحمه المنطق القرآنى، وأخرس لجاجه.\nيقول معروف الكرخي: إذا أراد الله بعبد خيرا فتح له باب العمل وأغلق عليه باب الجدل، وإذا أراد الله بعبد شرا أغلق عليه باب العمل وفتح عليه باب الجدل (الروض الفائق، ج ١، ص ١٣٩) .\n(٢) عن أبى هريرة- كما ثبت في صحيح مسلم وابن ماجه- قال قال رسول الله (ص): لينزلن عيسى ابن مريم حكما عادلا فليكسرن الصليب وليقتلن الخنزير وليضعن الجزية ولتتركن القلاص فلا يسعى إليها، ولتذهبن الشحناء والتباغض والتحاسد وليدعون إلى المال فلا يقبله أحد» .","vol":"3","page":372},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3246>[سورة الزخرف (٤٣): آية ٦٣]</span>\nوَلَمَّا جاءَ عِيسى بِالْبَيِّناتِ قالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٦٣)\nذكر مجىء عيسى ﵇ أول مرة حيث أتى قومه بالشرائع الواضحة، ودعاهم إلى دين الله، ولكنهم تحزّبوا عليه «١»، وإن الذين كفروا به لمستحقون للعقوبة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3247>[سورة الزخرف (٤٣): آية ٦٧]</span>\nالْأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ (٦٧)\nما كان لغير الله فمآله إلى الضياع. والأخلاء الذين اصطحبوا على مقتضى الهوى بعضهم لبعض عدو يتبرّأ بعضهم من بعض، فلا ينفع أحد أحدا.\nوأمّا الأخلاء في الله فيشفع بعضهم في بعض، ويتكلم بعضهم في شأن بعض، أولئك هم المتقون الذين استثناهم الله بقوله: «إِلَّا الْمُتَّقِينَ» .\nوشرط الخلّة «٢» فى الله ألا يستعمل بعضهم بعضا في الأمور الدنيوية، ولا يرتفق بعضهم ببعض حتى تكون الصحبة خالصة لله لا لنصيب في الدنيا، ويكون قبول بعضهم بعض لأجل الله، ولا تجرى بينهم مداهنة، وبقدر ما يرى أحدهم في صاحبه من قبول لطريق الله يقبله، فإن علم منه شيئا لا يرضاه الله لا يرضى ذلك من صاحبه، فإذا عاد إلى تركه غاد هذا إلى مودته، وإلّا فلا ينبغى أن يساعده على معصيته، كما ينبغى أن يتقيه بقلبه، وألا يسكن إليه لغرض دنيوى أو لطمع أو لعوض.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3248>[سورة الزخرف (٤٣): آية ٦٨]</span>\nيا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٦٨)\nيقال لهم غدا: «يا عِبادِ «٣» لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ» مما يلقاه أهل\n_________\n(١) كان تحزبهم إلى فرق متعددة هم: اليعقوبية والنسطورية والملكانية والشمعونية.\n(٢) تضاف هذه الآراء إلى ما ذكره القشيري في رسالته في باب «الصحبة» .\n(٣) بالياء في الوصل والوقف مدنى وشامى وأبو عمرو، وبفتح الياء أبوبكر، والباقون بحذف الياء.","vol":"3","page":373},{"text":"الجمع «١» من الأهوال، ولا أنتم تحزنون فيما قصّرتم من الأعمال ...\nأمّا الذنوب.. فقد غفرناها، وأمّا الأهوال ... فكفيناها، وأمّا المظالم.. فقضيناها.\nفإذا قال المنادى: هذا الخطاب يطمع الكلّ قالوا: نحن عباده، فإذا قال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3249>[سورة الزخرف (٤٣): آية ٦٩]</span>\nالَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وَكانُوا مُسْلِمِينَ (٦٩)\nأيس الكفار، وقوى رجاء المسلمين «٢» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3250>[سورة الزخرف (٤٣): آية ٧٠]</span>\nادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْواجُكُمْ تُحْبَرُونَ (٧٠)\n«٣» فى رياض الجنة، وترتعون.\nويقال: «تُحْبَرُونَ» من لذة السماع.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3251>[سورة الزخرف (٤٣): آية ٧١]</span>\nيُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوابٍ وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ (٧١)\nالعبّاد لهم فيها ما تشتهى أنفسهم لأنهم قاسوا في الدنيا- بحكم المجاهدات- الجوع والعطش، وتحمّلوا وجوه المشاقّ، فيجازون في الجنة بوجوه من الثواب.\nوأمّا أهل المعرفة والمحبّون فلهم ما يلذ أعينهم من النظر إلى الله «٤» لطول ما قاسوه من فرط الاشتياق بقلوبهم وما عالجوه من الاحتراق لشدة غليلهم.\n_________\n(١) يفسر النسفي أهل الجمع بأنهم أهل مكة (آية ٤٥ سورة القمر) .\n(٢) قريب مما ذكره القشيري ما أورده الحارث المحاسبى في رعابته: (ينادى المنادى يوم القيامة «يا عبادى لا خوف عليكم اليوم ...» فيرفع الخلائق وموسهم، ويقولون: نحن عباد الله. ثم ينادى الثانية: «الذين آمنوا ...»\nثم ينادى الثالثة: «الذين آمنوا وكانوا يتقون» فينكس أهل الكبائر رءوسهم، ويبقى أهل التقوى رافعى رءوسهم، قد أزال عنهم الخوف والحزن كما وعدهم) .\n(٣) تحبرون أي تسرون سرورا يظهر حباره (أثره) على وجوهكم.\n(٤) الجنة الحقيقية عند أرباب الأحوال رؤية الله، ورد في الخبر: أسألك لذة النظر إلى وجهك.»","vol":"3","page":374},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3252>[سورة الزخرف (٤٣): آية ٧٢]</span>\nوَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢)\nأي يقال لهم- والخطاب للمطيعين غدا-: أنتم يا أصحاب الإخلاص في أعمالكم والصدق في أحوالكم:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3253>[سورة الزخرف (٤٣): آية ٧٣]</span>\nلَكُمْ فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْها تَأْكُلُونَ (٧٣)\nمن الفاكهة الكثيرة تأكلون، وفي الأنس تتقبلون.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3254>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٧٤ الى ٧٥]</span>\nإِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ (٧٤) لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٥)\nهؤلاء هم الكفار المشركون، فهم أهل الخلود «١»، لا يفتّر عنهم العذاب ولا يخفف.\nوأمّا أهل التوحيد: فقد يكون منهم قوم في النار. ولكن لا يخلدون فيها.\nودليل الخطاب يقتضى أنه يفتّر عنهم العذاب. ورد فى الخبر الصحيح: أنه يميتهم الحقّ- سبحانه- إماتة إلى أن يخرجهم من النار- والميت لا يحسّ ولا يتألم «٢» .\n«لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ» الإبلاس «٣» من الخيبة، ويدل ذلك على أن المؤمنين لا يأس لهم فيها، وإن كانوا في بلائهم فهم على وصف رجائهم يعدون أيامهم إلى أن ينتهى حسابهم.\nولقد قال الشيوخ: إنّ حال المؤمن في النار- من وجه- أروح لقلبه من حاله في الدنيا فاليوم- خوف الهلاك، وغدا- يقين النجاة، وأنشدوا:\nعيب السلامة أنّ صاحبها ... متوقّع لقواصم الظّهر\nوفضيلة البلوى ترقّب أهلها ... - عقب الرجاء- مودة الدهر\n_________\n(١) يضاف هذا الكلام إلى رأى القشيري في أبدية النار، على خلاف ما يذهب إليه بعض الباحثين من أن القوة الجسمانية متناهية فلا به من فنائها، ولأن دوام الإحراق مع بتاء الحياة خروج عن حكم العقل (انظر شرح المواقف، ج ٨، ص ٣٠٧ وشرح المقاصد، ج ٢، ص ٢٢٨.\n(٢) روى أحمد في مسنده: «.. أماتهم إماتة حتى إذا كانوا فحما أذن بالشفاعة، فجىء بهم بنائر بضائر، فبثوا على أنهار الجنة، ثم قبل: يا أهل الجنة أفيضوا عليهم فلون لبات الجنة..\n(٣) أبلس: سكت لمرئه وانقطاع حجته.","vol":"3","page":375},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3255>[سورة الزخرف (٤٣): آية ٧٦]</span>\nوَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ (٧٦)\nهذا الخطاب يشبه كلمة العذر- وإن جلّ قدره- سبحانه- عن ذلك.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3256>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٧٧ الى ٧٨]</span>\nوَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إِنَّكُمْ ماكِثُونَ (٧٧) لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ (٧٨)\nلو قالوا: «يا مالِكُ» لعلّ أقوالهم «١» كانت أقرب إلى الإجابة، ولكنّ الأجنبية حالت بينهم وبين ذلك «٢»، فكان الجواب عليهم:\n«إِنَّكُمْ ماكِثُونَ» فيها.. نصحتم فلم تنتصحوا، ولم تقبلوا القول في حينه، وكان أكثرهم للحق كارهين.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3257>[سورة الزخرف (٤٣): آية ٧٩]</span>\nأَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (٧٩)\n«٣» بل أمورهم منتقضة عليهم فلا يتمشى لهم شىء مما دبّروه، ولا يرتفع لهم أمر على نحو ما قدّروه- وهذه الحال أوضح دليل على إثبات الصانع.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3258>[سورة الزخرف (٤٣): آية ٨٠]</span>\nأَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ بَلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠)\nإنما خوّفهم بسماع الملك، وبكتابتهم أعمالهم عليهم لغفلتهم عن الله- سبحانه، ولو كان لهم خير عن الله لما خوّفهم بغير الله، ومن علم أنّ أعماله تكتب عليه، وأنه يطالب بمقتضى ذلك- قلّ إلمامه بما يخاف أن يسأل عنه..\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3259>[سورة الزخرف (٤٣): آية ٨١]</span>\nقُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ (٨١) .\n_________\n(١) فى ص (أحوالكم) وقد آثرنا عليها (أقوالكم) التي في م كما يتضح من السياق القرآنى والسياق التفسيري.\n(٢) يلفت القشيري نظرنا- من بعيد- إلى أن الدعاء ينبغى أن يتجه بالكلية إلى الرب سبحانه، وقد يكون لذلك أهميته في فكرة الاستشفاع بالوسيلة- كما يتصورها هذا الإمام. [.....]\n(٣) يقال إن الآية نزلت في تدبير الكائدين المكر بالنبي (ص) فى دار الندوة حين استقر أمرهم- حسب مشورة أبى جهل- على أن يبرز من كل قبيلة رجل، ثم يشتركون في قتله فتضعف المطالبة بدمه صلوات الله عليه. وكانت النتيجة أن قتلوا جميعا يوم بدر.","vol":"3","page":376},{"text":"أي إن كان في ضميركم وفي حكمكم وفي اعتقادكم أنّ للرحمن ولدا فأنا أوّل من يستنكف من هذه القالة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3260>[سورة الزخرف (٤٣): آية ٨٢]</span>\nسُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٨٢)\nتنزّه الله تنزيها، وتقدّس تقديسا عمّا قالوه. وفي هذه الآيات وأمثالها دليل على جواز حكاية قول المبتدعة- فيما أخطأوا فيه من وصف المعبود- قصدا للردّ عليهم، وإخبارا بتقبيح أقوالهم، وبطلان مزاعمهم.\nثم قال جلّ ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3261>[سورة الزخرف (٤٣): آية ٨٣]</span>\nفَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٨٣)\nإذ ليس يفوت أمرهم، وهم لا محالة سيلقون صغرهم.\nوفي هذا دليل على أنه لا ينبغى للعبد أن يغترّ بطول السلامة فإنّ العواقب غير مأمونة.\nقوله جل ذكره\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3262>[سورة الزخرف (٤٣): آية ٨٤]</span>\nوَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٨٤)\nالمعبود- فى السماء- الله، والمقصود- فى طلب الحوائج في الأرض- الله.\nأهل السماء لا يعبدون غير الله، وأهل الأرض لا يقضى حوائجهم غير الله.\n«وَهُوَ الْحَكِيمُ» فى إمهاله للعصاة، «الْعَلِيمُ» بأحوال العباد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3263>[سورة الزخرف (٤٣): آية ٨٥]</span>\nوَتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٥)\nتعالى وتقدّس وتنزّه وتكبّر الذي له ملك السماوات والأرض.\nالسماوات والأرض بقدرته تظهر.. لا هو بظهورها يتعزّز «١» .\n_________\n(١) الصوفية يستدلون بالخالق على ما خلق، لأنه حاضر ومشهود، وهو قديم قامت به الحادثات..\nيقول ابن عطاء الله السكندرى: «متى غبت حتى تكون الأكوان شاهدة عليك؟»","vol":"3","page":377},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3264>[سورة الزخرف (٤٣): آية ٨٦]</span>\nوَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفاعَةَ إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦)\nأي شهد- اليوم- بالتوحيد، فيثبت له الحقّ حقّ الشفاعة. وفي الآية دليل على أن جميع المسلمين شفاعتهم تكون غدا مقبولة «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3265>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٨٧ الى ٨٩]</span>\nوَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٨٧) وَقِيلِهِ يا رَبِّ إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ (٨٨) فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٨٩)\nفكيف لا يعتبرون؟ وكيف يتكبّرون عن طاعة الله.\n«وَقِيلِهِ يا رَبِّ إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ» أي يعلم علم الساعة ويعلم «٢» «قِيلِهِ يا رَبِّ» «فَاصْفَحْ عَنْهُمْ.. أي أمهلهم، وقل لكم منى سلام.. ولكن سوف تعلمون عقوبة ما تستوجبون.\n_________\n(١) واضح أن القشيري يصرف الآية إلى المسلمين عامة ويخرج المشركين، وتذهب بعض التفاسير إلى أن معنى «الذين من دونه» هم عيسى وعزيز والملائكة، فهم لا يملكون الشفاعة.\n(٢) عاصم وحمزة يجران (قيله) على الإضافة وعنده علم الساعة وعلم قيله يا رب، والسبعة على النصب:\nويعلم قيله ...","vol":"3","page":378},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3266>سورة الدّخان</span>\nقوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» «بِسْمِ اللَّهِ» كلمة من ذكرها نال في الدنيا والعقبى بهجته، ومن عرفها بذل فى طلبها مهجته.\nكلمة إذا استولت على قلب عطّلته عن كلّ شغل، كلمة إذا واظب على ذكرها عبد أمّنته من كلّ هول.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3267>[سورة الدخان (٤٤): الآيات ١ الى ٢]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nحم (١) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ (٢)\nالحاء تشير إلى حقّه والميم تشير إلى محبته. ومعناه: بحقي وبمحبتى لعبادى، وبكتابي العزيز إليهم: إنّى لا أعذّب أهل معرفتى بفرقتى «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3268>[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٣ الى ٤]</span>\nإِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤)\n«فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ»: قيل هي ليلة القدر، وقيل هي النصف من شعبان وهي ليلة الصّك «٢» .\nأنزل القرآن من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا كلّ سنة بمقدار ما كان جبريل ينزل به على الرسول ﷺ «٣» .\nوسمّاها: «لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ» لأنها ليلة افتتاح الوصلة. وأشدّ الليالى بركة ليلة يكون العبد فيها حاضرا بقلبه، مشاهدا لربّه، يتنعّم فيها بأنوار الوصلة، ويجد فيها نسيم القربة.\n_________\n(١) يبدو أن القشيري لم يعتبر «إنا أنزلناه ...» جوابا للقسم، وإلى هذا يذهب بعض النحاة الذين يعتبرون ذلك صفة المقسم به، ولا تكون صفة المقسم به جوابا القسم (انظر الجامع لأحكام القرآن القرطبي ج ١٦ ص ١٢٥) .\n(٢) من أسماء هذه الليلة: الليلة المباركة، وليلة البراءة، وليلة الصك.\n(٣) أي على مدى ثلاث وعشرين سنة.","vol":"3","page":379},{"text":"وأحوال هذه الطائفة «١» فى لياليهم مختلفة، كما قالوا:\nلا أظلم الليل ولا ادّعى ... أنّ نجوم الليل ليست تزول\nليلى كما شاءت: قصير إذا ... جادت، وإن ضنّت فليلى طويل\n«فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ» يكتب من أمّ الكتاب في هذه الليلة ما يحصل في السنة كلّها من أقسام الحوادث في الخير والشرّ، فى المحن والمنن، فى النصر والهزيمة، فى الخصب والقحط.\nولهؤلاء القوم (يعنى الصوفية) أحوال من الخصب والجدب، والوصل والفصل، والوفاق والخلاف، والتوفيق والخذلان، والقبض والبسط.. فكم من عبد ينزل له الحكم والقضاء بالبعد والشقاء، وآخر ينزل حكمه بالرّفد والوفاء.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3269>[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٥ الى ٦]</span>\nأَمْرًا مِنْ عِنْدِنا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٥) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦)\n«رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ»: وهي الرسولﷺ، قال صلوات الله عليه:\n«أنا رحمة مهداة» ويقال: «إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ» رحمة لنفوس أوليائنا بالتوفيق، ولقلوبهم بالتحقيق.\n«إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ»: «السَّمِيعُ» لأنين المشتاقين، «الْعَلِيمُ» بحنين المحبين.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3270>[سورة الدخان (٤٤): آية ٧]</span>\nرَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٧)\nمالك السماوات والأرضين، ومالك ما بينهما- وتدخل في ذلك أكساب العباد.\nوتملّكها بمعنى القدرة عليها، وإذا حصل مقدور في الوجود دلّ على أنه مفعوله لأن معنى الفعل مقدور وجد «٢» .\n_________\n(١) يقصد طائفة الصوفية.\n(٢) لا حظ كيف يحاول القشيري أن يدخل في «وما بينهما» أفعال العباد، فحتى أكساب العباد- فى نظر هذا المتكلم داخلة- من حيث هي مقدورة- فى نطاق الخلق المنسوب إلى الله.","vol":"3","page":380},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3271>[سورة الدخان (٤٤): آية ٨]</span>\nلا إِلهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٨)\nهذه الكلمة فيها نفى ما أثبتوه بجهلهم، وإثبات ما نفوه بجحدهم.\n«رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ»: مربّى «١» أصلكم ونسلكم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3272>[سورة الدخان (٤٤): آية ٩]</span>\nبَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ (٩)\nاللّعب فعل يجرى على غير ترتيب تشبيها باللّعاب الذي يسيل لا «٢» على نظام مخصوص فوصف المنافق باللّعب وذلك لتردّده وتحيّره نتيجة شكّه في عقيدته.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3273>[سورة الدخان (٤٤): آية ١٠]</span>\nفَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ (١٠)\nهذا من أشراط الساعة إذ يتقدم عليها «٣» .\nوقيامة هؤلاء (يقصد الصوفية) معجّلة (أي تتم هنا في هذه الدنيا) فيومهم الذي تأتى السماء فيه بدخان مبين هو يوم غيبة الأحباب، وانسداد ما كان مفتوحا من الأبواب، أبواب الأنس بالأحباب وفي معناه قالوا:\nفما جانب الدنيا بسهل ولا الضّحى ... يطلق ولا ماء الحياة ببارد\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3274>[سورة الدخان (٤٤): آية ١١]</span>\nيَغْشَى النَّاسَ هذا عَذابٌ أَلِيمٌ (١١) .\n_________\n(١) لاحظ كيف يربط القشيري بين «التربية» و«الرب» .\n(٢) سقطت (لا) من ص.. وهي ضرورية كما هو واضح من السياق، وهي موجودة في م، ولا تخفى على القارئ روعة الربط بين «اللعب» و«اللعاب»، ومدى السخرية من دماغ المنافق وقد ماثلت فما تتحرك فيه الشكوك تحرّك اللعاب.\n(٣) هناك اتجاهان في معنى «الدخان» فى هذه الآية: أحدهما أنه- كما يذكر القشيري أنه من أشراط الساعة، خرّج الثعلبي عن حذيفة أنه سأل النبي (ص): «يا نبى الله، ما الدخان في هذه الآية؟ فقال: هو دخان يملأ ما بين المشرق والمغرب يمكث أربعين ليلة ويوما، فأما المؤمن فيصيبه منه شبه الزكام، وأمّا الكافر فيكون بمنزلة السكران يخرج الدخان من فمه ومنخره وعينيه وأذنيه ودبره» . وأما الاتجاه الثاني فهو ما أصاب قريشا من الجوع بدعاء النبي عليهم، وقد كشفه الله عنهم. ويؤيد ابن مسعود هذا القول الثاني بهذا الكشف، لأنه لو كان قبل يوم القيامة ما كشفه الله عن الناس.","vol":"3","page":381},{"text":"وعذاب هؤلاء (يقصد الصوفية) مقيم في الغالب، وهو عذاب مستعذب، أولئك يقولون:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3275>[سورة الدخان (٤٤): آية ١٢]</span>\nرَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢)\nوهؤلاء يستزيدون- على العكس من الخلق- العذاب، وفي ذلك يقول قائلهم:\nفكلّ مآربى قد نلت منها ... سوى ملذوذ وجدي بالعذاب «١»\nفهم يسألون البلاء والخلق يستكشفونه، ويقولون:\nأنت البلاء فكيف أرجو كشفه ... إنّ البلاء إذا فقدت بلائي\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3276>[سورة الدخان (٤٤): آية ١٣]</span>\nأَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (١٣)\nإن خالفوا دواعى قلوبهم من الخواطر «٢» التي ترد من الحقّ عليهم عوقبوا- فى الوقت بما لا يتّسع لهم ويسعفهم، فاذا أخذوا في الاستغاثة «٣» يقال لهم: أنّى لكم الذكرى وقد جاءكم الرسول «٤» على قلوبكم فخالفتم؟! قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3277>[سورة الدخان (٤٤): آية ١٥]</span>\nإِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عائِدُونَ (١٥) .\n_________\n(١) البيت للحلاج مسبوق بهذا البيت:\nأريدك، لا أريدك للثواب ... ولكنى أريدك للعقاب\n(ديوان الحلاج المقطعة السابعة)\n(٢) الخواطر من الحق، والهواجس والوساوس من الشيطان. [.....]\n(٣) هكذا في م وهي في ص (الاستعانة) وكلاهما مقبول في السياق.\n(٤) الرسول هنا- لأن الحديث هنا عن الصوفية- مقصود به ما يرد على قلوبهم من لدن الحقّ من الكشوفات والمواصلات.","vol":"3","page":382},{"text":"حيث نورثكم حزنا طويلا، ولا تجدون في ظلال انتقامنا مقيلا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3278>[سورة الدخان (٤٤): الآيات ١٧ الى ٢٤]</span>\nوَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ (١٧) أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٨) وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (١٩) وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ (٢٠) وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ (٢١)\nفَدَعا رَبَّهُ أَنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ (٢٢) فَأَسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٢٣) وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (٢٤)\nفتنهم «١» بعد ما أصرّوا على جحودهم ولم يرجعوا إلى طريق الرشد من نفرة عنودهم «٢» .\n«وَجاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ»: يطالبهم بازالة الظلم عن بنى إسرائيل، وأن يستبصروا، واستنفرهم لله، وأظهر الحجّة من قبل الله.\n«فَأَسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ» أمره بأن يسرى بعباده المؤمنين، وعرّفهم أنهم سينقذون، وأنّ عدوّهم «جُنْدٌ مُغْرَقُونَ» قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3279>[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٢٥ الى ٢٨]</span>\nكَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ (٢٧) كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْمًا آخَرِينَ (٢٨)\nما خلفوه من أحوالهم ومن رياشهم، وما تركوه من أسباب معاشهم استلبناه عنهم.\n«كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْمًا آخَرِينَ» وأسكنّا قوما آخرين في منازلهم ودورهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3280>[سورة الدخان (٤٤): آية ٢٩]</span>\nفَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ (٢٩)\nلم يكن لهم من القدر والخطر ما يتحرك في العالم بسببهم ساكن، أو يسكن متحرك\n_________\n(١) هكذا في ص وهي مقبولة في السياق إشارة إلى ما في الآية الكريمة: «ولقد فتنا ...» أما في م فهى (فثبتهم) وواضح فيها خطا الناسخ.\n(٢) نفر الجلد: ورم وتجافي عن اللحم، ونفرت المرأة عن زوجها: أعرضت وصدّت، ونفر من الشيء:\nفزع منه وانقبض غير راض به.","vol":"3","page":383},{"text":"فلا الخضراء بسببهم اغبرّت، ولا الغبراء لغيبتهم اخضرّت. لم يبق منهم عين ولا أثر، ولم يظهر من قبلهم على قلب أحد من عبادنا أثر. وكيف تبكى السماء لفقد من لم تستبشر به من قبل؟ بعكس المؤمن الذي تسرّ السماء بصعود عمله إليها، فإنها تبكى عند غيابه وفقده «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3281>[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٣٠ الى ٣٢]</span>\nوَلَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مِنَ الْعَذابِ الْمُهِينِ (٣٠) مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كانَ عالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ (٣١) وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْمٍ عَلَى الْعالَمِينَ (٣٢)\nنجّاهم، وأقمى عدوّهم، وأهلكه.\n«وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ ...» أي علمنا ما يحتقبون من أوزارهم «٢»، فرفعنا- باختيارنا- من أقدارهم ما وضعه فعلهم وتدنسّهم بأوضارهم.\nويقال: «عَلى عِلْمٍ» منا بأحوالهم أنهم يؤثرون أمرنا على كل شىء.\nويقال: «عَلى عِلْمٍ» منا بمحبة قلوبهم لنا مع كثرة ذنوبهم فينا.\nويقال: «عَلى عِلْمٍ» منا بما نودع عندهم من أسرارنا، وما نكاشفهم به من حقائق حقّنا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3282>[سورة الدخان (٤٤): آية ٣٣]</span>\nوَآتَيْناهُمْ مِنَ الْآياتِ ما فِيهِ بَلؤُا مُبِينٌ (٣٣)\nمن مطالبته بالشكر عند الرخاء، والصبر عند الكدر والعناء «٣» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3283>[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٣٤ الى ٣٦]</span>\nإِنَّ هؤُلاءِ لَيَقُولُونَ (٣٤) إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (٣٥) فَأْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣٦)\n_________\n(١) عن شريح الحضرمي: قال النبي (ص): «ألا لا غربة على مؤمن، فما مات مؤمن في غربة غائبا عنه بواكيه إلا بكت عليه السماء والأرض» .\n(٢) في ص (إنذارهم) والسياق يرفضها، والصواب ما في م.\n(٣) لأن البلاء يكون بالنعمة والنقمة، قال تعالى: «وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً» .","vol":"3","page":384},{"text":"اقترح أبو جهل على النبيﷺ- أن يحيى لهم نفسا «١»:\n«لتخبرنا: هل أنت صادق أم لا؟» فأخبر الله- سبحانه- أنهم اقترحوا هذا بعد قيام الحجّة عليهم، وإظهار ما أزاح لهم من العذر: ثم قال جلّ ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3284>[سورة الدخان (٤٤): آية ٣٧]</span>\nأَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْناهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ (٣٧)\n«تُبَّعٍ» هو ملك لليمن، وكان مسلما، وكان في قومه كثرة، وأهلك الله سبحانه قومه على كثرة عددهم، وكمال قوّتهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3285>[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٣٨ الى ٣٩]</span>\nوَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ (٣٨) ما خَلَقْناهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٣٩)\nما خلقناهما إلا بالحقّ، بالحكم الحقّ وبالأمر الحقّ ... «فأنا محقّ في خلقهما»: أي كان لى خلقهما.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3286>[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٤٠ الى ٤٢]</span>\nإِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٠) يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤١) إِلاَّ مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٤٢)\n_________\n(١) حدّد أبو جهل ذلك حين قال النبي: ابعث لنا- إن كنت صادقا- رجلا مثل قصيّ بن كلاب لنسأله عمّا يكون بعد الموت.\nوهذا القول من أبى جهل فيه ضعف لأن البعث يكون للجزاء لا للتكليف.","vol":"3","page":385},{"text":"يومئذ لا يغنى ناصر عن ناصر ولا حميم عن حميم، ولا نسيب عن نسيب ... شيئا.\nولا ينالهم نصر إلا من ﵀ وبفضله ونعمته.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3287>[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٤٣ الى ٤٦]</span>\nإِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (٤٦)\n«الْأَثِيمِ» مرتكب الذنوب. «المهل»: النحاس المذاب. «الْحَمِيمِ»: الماء الحار.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3288>[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٤٧ الى ٥٠]</span>\nخُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ (٤٧) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩) إِنَّ هذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ (٥٠)\nادفعوا به إلى وسط الحميم. ويقال له:\n«ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ»:\nأنت كذلك عند قومك، ولكنك عندنا ذليل مهين.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3289>[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٥١ الى ٥٣]</span>\nإِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ (٥١) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٢) يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقابِلِينَ (٥٣)\nآمنين من المجن من جميع الوجوه، لباسهم من حرير، وفراشهم من سندس وإستبرق، «مُتَقابِلِينَ»: لا يبرحون ولا يبغون عنها حولا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3290>[سورة الدخان (٤٤): آية ٥٤]</span>\nكَذلِكَ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٥٤)\nتباح لهم صحبتهن، ولا يكون في الجنة عقد تزويج ولا طلاق، ويمكّن الوليّ بهذه الأوصاف من هذه الألطاف. ثم قد يختطف قوم من بين هذه الأسباب، فيتحررون عن هذه الجملة فكما أنهم في الدنيا مختطفون عن كلّ العلائق فإنهم في الآخرة تطمع الحور العين فى صحبتهم فيستلبهم الحقّ عن كلّ شىء. «١»\n_________\n(١) الصوفية الخلّص يعبدون الله لا طمعا في جنة ولا خوفا من عذاب، فرؤية الله جنتهم، واحتجابه عنهم جهنهم الكبرى. ومبعث ذلك أنهم يحبون الله لذاته، وفي ذلك يقول قائلهم:\nإن ذا الحب لمن يفنى له ... لا لدار ذات لهو وطرف\nلا ولا الفردوس- لا يألفها ... لا ولا الحوراء من فوق غرف","vol":"3","page":386},{"text":"الزاهد في الدنيا يحميه منها، والعارف في الجنة يحميه من الجنة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3291>[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٥٦ الى ٥٧]</span>\nلا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الْأُولى وَوَقاهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (٥٦) فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٥٧)\nالموتة الأولى هي بقبض أرواحهم في الدنيا، ويقيهم الله في الآخرة العذاب بفضله، وذلك هو الظّفر بالبغية، ونجاح السّؤل.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3292>[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٥٨ الى ٥٩]</span>\nفَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥٨) فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ (٥٩)\nيا محمد، ليتذكر به أهلك، فارتقب العواقب تر العجائب. إنهم يرتقبون، ولكن لا يرون إلا ما يكرهون.","vol":"3","page":387},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3293>سورة الجاثية</span>\nقوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» «بِسْمِ اللَّهِ» باسم ملك لا يستظهر بجيشه، أحد لا يستمسك بعيشه «١»، جبار ارتدى بكبريائه، قهّار اتصف بعزّ سنائه.\n«بِسْمِ اللَّهِ» باسم كريم صمد، لا يستغرق وجوده أمد، أبدىّ عظيم أحد، لا يوجد من دونه مفرّ ولا ملتحد.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3294>[سورة الجاثية (٤٥): آية ٢]</span>\nتَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢)\n«الْعَزِيزِ»: فى جلاله، «الْحَكِيمِ»: فى أفعاله.\n«الْعَزِيزِ»: فى آزاله، «الْحَكِيمِ»: فى لطفه بالعبد بوصف إقباله.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3295>[سورة الجاثية (٤٥): آية ٣]</span>\nإِنَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣)\nشواهد الربوبية لائحة، وأدلة الإلهية واضحة فمن صحا من سكرة الغفلة، ووضع سرّه في محالّ العبرة «٢» حظى- لا محالة- بحقائق الوصلة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3296>[سورة الجاثية (٤٥): آية ٤]</span>\nوَفِي خَلْقِكُمْ وَما يَبُثُّ مِنْ دابَّةٍ آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٤) .\n_________\n(١) هكذا في ص، وفي م.. ولو صح أنها هكذا عن القشيري فربما كان قصده أن الله سبحانه- حى بدون عوامل استمساك تثبت هذه الحياة.. فهو حى لا بسبب أو عارض لأنه لا يفتقر إلى ذلك، أما المحدث فإنه يعتمد فى حياته على ما يحفظ حياته، وتزول هذه الحياة بزوال عوامل هذا الحفظ.\n(٢) هكذا في م وهي في ص (بعزه) ونحن تؤثر الأولى لملاءمة الاعتبار لسياق التدبر في المخلوقات.","vol":"3","page":388},{"text":"إذا أنعم العبد نظره في استواء قدّه وقامته، واستكمال عقله وتمام تمييزه، وما هو مخصوص به في جوارحه وحوائجه، ثم فكّر فيما عداه من الدواب فى أجزائها وأعضائها.. ثم وقف على اختصاص وامتياز بنى آدم من بين البريّة من الحيوانات في الفهم والعقل والتمييز والعلم، ثم في الإيمان والعرفان ووجوه خصائص أهل الصفوة من هذه الطائفة في فنون الإحسان- عرف تخصّصهم بمناقبهم، وانفرادهم بفضائلهم، فاستيقن أن الله كرّمهم، وعلى كثير من المخلوقات قدّمهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3297>[سورة الجاثية (٤٥): آية ٥]</span>\nوَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٥)\nجعل الله العلوم الدينية كسبية مصحّحة بالدلائل، محقّقة بالشواهد. فمن لم يستبصر بها زلّت قدمه عن الصراط المستقيم «١»، ووقع في عذاب الجحيم فاليوم في ظلمة الحيرة والتقليد، وفي الآخرة في التخليد في الوعيد.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3298>[سورة الجاثية (٤٥): آية ٦]</span>\nتِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآياتِهِ يُؤْمِنُونَ (٦)\nفمن لا يؤمن بها فبأى حديث يؤمن؟ ومن أي أصل يستمد بعده؟ ومن أي بحر فى التحقيق يغترف؟ هيهات! ما بقي للإشكال في هذا مجال.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3299>[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ٧ الى ٨]</span>\nوَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٧) يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٨) .\n_________\n(١) فى هذا ردّ على من يزعمون أن الصوفية يتنكرون العلوم الكسبية فهى كما هو واضح ذات أهمية قصوى في تثبيت الإيمان. هذا في الوقت الذي يقر القشيري بالعلوم الوهبية كما يتضح من الهامش رقم (٢) فى الصفحة التالية.","vol":"3","page":389},{"text":"كلّ صامت ناطق يصمت عن الكلام والقول وينطق بالبرهان في الحكم «١» .\nفمن استمع بسمع الفهم، واستبصر بنور التوحيد فاز بذخر الدارين، وتصدّى لعزّ المنزلين. ومن تصامم بحكم الغفلة وقع في وهدة الجهل، ووسم بكيّ الهجر.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3300>[سورة الجاثية (٤٥): آية ٩]</span>\nوَإِذا عَلِمَ مِنْ آياتِنا شَيْئًا اتَّخَذَها هُزُوًا أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (٩)\nقابله بالعناد، وتأوّله على ما يقع له من وجوه المراد من دون تصحيح بإسناد ...\nفهؤلاء «لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ»: مذلّ.\nوقد يكاشف العبد من بواطن القلب بتعريفات لا يتداخله فيها ريب، ولا يتخالجه منها شكّ فيما هو به من حاله ... فإذا استهان بها وقع في ذلّ الحجبة وهوان الفرقة «٢» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3301>[سورة الجاثية (٤٥): آية ١٠]</span>\nمِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ ما كَسَبُوا شَيْئًا وَلا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٠)\nفعند هذه الفترة، وفي وقت هذه المحنة فلا عذر يقبل منهم، ولا خطاب يسمع عنهم، ولهم عذاب متصل، ولا يردّون إلى ما كانوا عليه من الكشف:\nفخلّ سبيل العين بعدك للبكا ... فليس لأيام الصفاء رجوع\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3302>[سورة الجاثية (٤٥): آية ١٢]</span>\nاللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢)\nعند ما يركبون البحر فلربما تسلم السفينة ولربما تغرق.\n_________\n(١) يشير القشيري بذلك إلى أن كل شىء ناطق بالوحدانية ... إما نطق قالة- كما في حال الإنسان، وإما نطق دلالة- كما في حال الجمادات.\n(٢) يشير القشيري بذلك إلى العلوم الوهبية، وضرورة اعتبارها رافدا هاما من روافد الإيمان الكشفى والتوحيد الشهودى. [.....]","vol":"3","page":390},{"text":"وكذلك العبد في فلك الاعتصام في بحار التقدير، تمشى به رياح العناية، وأشرعة التوكل مرفوعة، والسّبل في بحر اليقين واضحة. وطالما تهب رياح السلامة فالسفينة ناجية. أمّا إن هبّت نكبات الفتنة فعندئذ لا يبقى بيد الملّاح شىء، والمقادير غالبة، وسرعان ما تبلغ قلوب أهل السفينة الحناجر.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3303>[سورة الجاثية (٤٥): آية ١٣]</span>\nوَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١٣)\n«جَمِيعًا مِنْهُ»: كلّ ما خلق من وجوه الانتفاع بها- كلّه منه سبحانه فما من شىء من الأعيان الظاهرة إلّا- ومن وجه- للانسان به انتفاع.. وكلها منه سبحانه فالسماء لهم بناء، والأرض لهم مهاد.. إلى غير ذلك. ومن الغبن أن يستسخرك ما هو مسخّر لك! «١» وليتأمل العبد كلّ شىء.. كيف إن كان خلل في شىء منها ماذا يمكن أن يكون؟! فلولا الشمس.. كيف كان يمكن أن يتصرّف في النهار؟ «٢» ولو لم يكن الليل كيف كان يسكن بالليل؟ ولو لم يكن القمر ... كيف كان يهتدى إلى الحساب والآجال؟ ...\nإلى غير ذلك من جميع المخلوقات.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3304>[سورة الجاثية (٤٥): آية ١٤]</span>\nقُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)\n«٣» ندبهم إلى حسن الخلق، وجميل العشرة، والتجاوز عن الجهل، والتنقى من كدورات البشرية. ومقتضيات الشّحّ.\n_________\n(١) هذا الكلام ينصرف إلى الدنيا بأسرها.. فلا ينبغى أن يسترقك ما هو هبة لك.\n(٢) بحثا عن معاشه.\n(٣) يقال إن الآية نزلت بسبب أن رجلا من قريش شتم عمر بن الخطاب فهمّ أن يبطش به. ويقال نزلت فى عمر حينما أراد أن يبطش بغلام عبد الله بن أبيّ حين ذهب ليستقى فمنعه حتى ملئت قرب النبي وقرب أبى بكر، فلما بلغ ذلك عبد الله قال: ما مثلنا ومثل هؤلاء إلا كما قيل: سمن كلبك يأكلك، فلما بلغ عمر ذلك اشتمل سيفه وأراد التوجه لقتله، فأنزل الله هذه الآية.","vol":"3","page":391},{"text":"وبيّن أنّ الله- سبحانه- لا يفوته أحد. فمن أراد أن يعرف كيف يحفظ أولياءه، وكيف يدمّر أعداءه. فليصبر أياما قلائل ليعلم كيف صارت عواقبهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3305>[سورة الجاثية (٤٥): آية ١٥]</span>\nمَنْ عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١٥)\nمن عمل صالحا فله مهناه، ومن ارتكب سيئة قاسى بلواه ... ثم مرجعه إلى مولاه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3306>[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ١٦ الى ١٨]</span>\nوَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (١٦) وَآتَيْناهُمْ بَيِّناتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٧) ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (١٨)\nكرّر في غير موضع ذكر موسى وذكر بنى إسرائيل.. بعضه على الجملة وبعضه على التفصيل. وهنا أجمل في هذا الموضع، ثم عقبه حديث نبيّنا ﷺ، فقال:\n«ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ» أفردناك بلطائف فاعرفها، وسننّا لك طرائق فاسلكها، وأثبتنا لك حقائق فلا تتجاوزها، ولا تجنح إلى متابعة غيرك:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3307>[سورة الجاثية (٤٥): آية ١٩]</span>\nإِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (١٩)\nإن أراد بك نعمة فلا يمنعها أحد، وإن أراد بك فتنة فلا يصرفها عنك أحد.\nفلا تعلّق بمخلوق فكرك، ولا تتوجه بضميرك إلى شىء وثق بربّك، وتوكّل عليه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3308>[سورة الجاثية (٤٥): آية ٢٠]</span>\nهذا بَصائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٢٠)\nأنوار البصيرة إذا تلألأت انكشفت دونها تهمة التجويز.\nونظر الناس على مراتب «١»: فمن ناظر بنور نجومه «٢» - وهو صاحب عقل،\n_________\n(١) هكذا في م وهي في ص (مراكب) بكاف وهي خطأ من الناسخ.\n(٢) هكذا في م وهي في ص (وما هو) وهي خطأ من الناسخ.","vol":"3","page":392},{"text":"ومن ناظر بنور فراسته وهو صاحب ظنّ يقوّيه لوح- ولكنه من وراء السّرّ «١»، ومن ناظر بيقين علم بحكم برهان وشرط فكر، ومن ناظر بعين إيمان بوصف اتّباع، ومن ناظر بنور بصيرة هو على نهار، وشمسه طالعة وسماؤه من السحاب «٢» مصحية «٣» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3309>[سورة الجاثية (٤٥): آية ٢١]</span>\nأَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ (٢١)\nأمن خفضناه في حضيض الضّعة كمن رفعناه إلى أعالى المنعة؟\nأمن أخذنا بيده ورحمناه كمن داسه الخذلان فرجمناه؟\nأمن وهبناه بسط وقت وأنس حال وروح لطف حتى خصصناه ورقيناه، ثم قرّبناه وأدنيناه كمن ترك جهده واستفراغ وسعه وإسبال دمعه واحتراق قلبه.. فما أنعشناه؟.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3310>[سورة الجاثية (٤٥): آية ٢٣]</span>\nأَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٢٣)\nمن لم يسلك سبيل الاتباع، ولم يستوف أحكام الرياضة، ولم ينسلخ عن هواه بالكلّيه، ولم يؤدّبه إمام مقتدى فهو ينجرف في كل وهدة، ويهيم في كلّ ضلالة، ويضلّ فى كل فجّ، خسرانه أكثر من ربحه!! أولئك في ضلال بعيد يعملون القرب على ما يقع لهم من نشاط نفوسهم «٤»، زمامهم بيد هواهم، أولئك أهل «٥» المكر.. استدرجوا وما يشعرون!.\n_________\n(١) الفراسة مما يخلقه الله في قلب العبد من غير كسب منه، وهي من ثمرات الإيمان الكامل، وما يسميه القشيري هنا (لوحا) يسميه في موضع آخر (سواطع) أنوار تلمع في القلب تدرك بها المعاني (الرسالة ص ١١٦) .\nولمعرفة الفرق بين اللوائح واللوامع أنظر الرسالة ص ٤٣. ويعرف الجنيد الفراسة فيقول: هى مصادفة الإصابة، ثم يذكر أنها موهبة كائنة دائمة (التعرف الكلاباذى ص ١٥٧) .\n(٢) هكذا في م وهي في ص (الصحاب) بالصاد وواضح في ذلك خطأ الناسخ.\n(٣) هذه الدرجة الأخيرة- كما هو واضح- أعلى درجات النظر لخلوها من الآفات.\n(٤) لأن النفس محل المعلومات، فعملهم مرتهن بنفوسهم وأهوائهم.\n(٥) هكذا فى (ص) وهي في م (أصل) وهي خطأ من الناسخ لأنهم «أهل» المكر إشارة إلى قوله تعالى:\n«وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ» .","vol":"3","page":393},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3311>[سورة الجاثية (٤٥): آية ٢٤]</span>\nوَقالُوا ما هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلاَّ الدَّهْرُ وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ (٢٤)\nلم يعتبروا بما وجدوا عليه خلفهم وسلفهم، وأزجوا في البهيمية عيشهم وعمرهم، وأعفوا عن كدّ الفكرة قلوبهم ... فلا بالعلم استبصروا، ولا من التحقيق استمدوا. رأس مالهم الظنّ- وهم غافلون.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3312>[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ٢٥ الى ٢٨]</span>\nوَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٥) قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٢٦) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ (٢٧) وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨)\nطلبوا إحياء موتاهم، وسوف يرون ما استبعدوا.\nثم أخبر أنّ ملك السماوات والأرض لله، وإذا أقام القيامة يحشر أصحاب البطلان، فإذا جاءهم يوم الخصام:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3313>[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ٣٠ الى ٣٤]</span>\nفَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (٣٠) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ (٣١) وَإِذا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها قُلْتُمْ ما نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلاَّ ظَنًّا وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (٣٢) وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٣٣) وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْساكُمْ كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا وَمَأْواكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٣٤)\nكلّ بحسابه «١» مطالب ... فأمّا الذين آمنوا فلقد فازوا وسادوا، وأمّا الذين كفروا فهلكوا وبادوا «٢» .. ويقال لهم: أأنتم الذين إذا قيل لكم حديث عقباكم كذّبتم مولاكم؟\nفاليوم- كما نسيتمونا- ننساكم، والنار مأواكم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3314>[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ٣٦ الى ٣٧]</span>\nفَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّماواتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِياءُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)\nلله الحمد على ما يبدى وينشى، ويحيى ويفنى، ويجرى ويمضى.. إذ الحكم لله، والكبرياء لله، والعظمة والسّناء لله، والرفعة والبهاء لله.\n_________\n(١) هذا أيضا رأى يحيى بن سلام، وقيل «كتابها» المنزّل عليها لينظر هل عملوا بما فيه. وقيل: الكتاب هنا هو اللوح المحفوظ.\n(٢) هكذا في م، وهي في ص (ونادوا) وهي خطأ من الناسخ.","vol":"3","page":394},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3315>سورة الأحقاف</span>\nقوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» .\n«بِسْمِ اللَّهِ» كلمة للقلوب سالبة، للعقول غالبة، للمطيعين واهبة، للعارفين ناهبة.. فالذين يهبهم فلهم لطفه، والذين ينهبهم فمن محقه فهو عنه خلفه «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3316>[سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ١ الى ٢]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nحم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢)\nحميت قلوب أهل عنايتى فصرفت عنها خواطر التجويز، وثبّتها في مشاهد اليقين بنور التحقيق فلاحت فيها شواهد البرهان فأضفنا إليها لطائف الإحسان فكمل منالها من عين الوصلة، وغذيناهم بنسيم الأنس في ساحات القربة.\n«الْعَزِيزِ»: المعزّ للمؤمنين بإنزال الكتاب عليهم.\n«الْحَكِيمِ»، المحكم لكتابه عن التبديل والتحويل.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3317>[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٣]</span>\nما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ (٣)\nالكافرون معرضون عن موضع الإنذار، مقيمون على حدّ الإصرار\n_________\n(١) وفي ذلك يقول شاعرهم:\nألست لى خلفا؟ كفى شرفا ... فما وراءك لى قصد ولا أمل\nويقول أبو حمزة موضحا كيف أن هذا الموت في سبيل محبوبه عين الحياة:\nوتحيى محبا أنت في الحب حتفه ... وذا عجب.. كون الحياة مع الحتف!\n(اللمع السراج ص ٣٢٥) .","vol":"3","page":395},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3318>[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٤]</span>\nقُلْ أَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤)\nأرونى.. أي أثر فيهم في الملك، أو القدرة على النفع والضر؟ إن كانت لكم حجّة فأظهروها، أو دلالة فبيّنوها.. وإذ قد عجزتم عن ذلك فهلّا رجعتم عن غيّكم وأقلعتم؟\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3319>[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٥]</span>\nوَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ (٥)\nمن أشدّ ضلالا ممّن عبد الجماد الذي ليس له حياة ولا له في النفع أو الضر إثبات؟\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3320>[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٦]</span>\nوَإِذا حُشِرَ النَّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ (٦)\nإذا حشر الناس للحساب وقعت العداوة بين الأصنام وعابديها.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3321>[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٧]</span>\nوَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧)\nرموا رسلنا بالسّحر ثم بالافتراء والمكر.. قل- يا محمد- كفى بالله بينى وبينكم شهيدا أنتم أشركتم به، وأنا أخلصت له توحيدا. وما كنت بدعا من الرسل فلست بأول رسول أرسل، ولا بغير ما جاءوا به من أصول التوحيد جئت، إنما أمرتكم بالإخلاص في التوحيد، والصدق في العبودية، والدعاء إلى محاسن الأخلاق.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3322>[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٩]</span>\nقُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ ما يُوحى إِلَيَّ وَما أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٩)","vol":"3","page":396},{"text":"وهذا قبل أن نزل قوله تعالى: «لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ» «١» .\nوفي الآية دليل على فساد قول أهل القدر والبدع حيث قالوا: «إيلام البرىء قبيح في العقل» . لأنه لو لم يجز ذلك لكان يقول: أعلم- قطعا- أنى رسول الله، وأنى معصوم..\nفلا محالة يغفر لى، ولكنه قال: وما أدرى ما يفعل بي ولا بكم ليعلم أن الأمر أمره، والحكم حكمه، وله أن يفعل بعباده ما يريد «٢» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3323>[سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ١٠ الى ١١]</span>\nقُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ (١١)\n«٣» تبيّن له أنه لا عذر لهم بحال، ولا أمان لهم من عقوبة الله. وما يستروحون إليه من حججهم عند أنفسهم كلّها- في التحقيق- باطل. وأخبر أن الكفار قالوا: لو كان هذا الذي يقوله\n_________\n(١) آية (٢) سورة الفتح وبنزولها نسخت هذه الآية، وزال فرح المشركين واليهود والمنافقين الذين كانوا يقولون: كيف نتبع نبيا لا يدرى ما يفعل به ولا بنا وأنه لا فضل له علينا، ولولا أنه ابتدع الذي يقوله من تلقاء نفسه لأخبره الذي بعثه بما يفعل به- وبنزول هذه الآية أرغم الله أنوفهم، وقالت الصحابة: هنيئا لك يا رسول الله! وهنيئا لنا! [.....]\n(٢) القشيري ينكر أن يذهب البشر إلى التماس تعليلات للأفعال الإلهية لأن أفعال الله سبحانه لا تخضع للأغراض، فهو لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، فهو يعود بالأمر كله إلى الحكمة والإرادة الإلهيتين، وطالما هما في غير نطاق الإنسانية فلا ينبغى إخضاعهما للمفاهيم الإنسانية من حسن وقبح، وخير وشر لأن هذه المفاهيم متأثرة بالمصلحة والغرض.. والله منزه عن ذلك، فله أن يفعل بعباده ما يشاء، وإذا كان رب الأسرة لا يقودها إلا إلى الخير فما ظنك برب البرية وخالق كل شىء؟!\n(٣) هو عبد الله بن سلام عند الجمهور، ولهذا قيل إن هذه الآية مدنية لأن إسلامه كان بالمدينة. وروى أنه سأل النبي عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبى: ما أول أشراط الساعة وما أول طعام يأكله أهل الجنة، وما بال الولد ينزع إلى أبيه أو إلى أمه.؟ فقال الرسول (ص): أول أشراط الساعة نار تحشرهم من المشرق إلى المغرب، وأول طعام أهل الجنة زيادة كبد حوت، وأما الولد فاذا سبق ماء الرجل نزعه وإن سبق ماء المرأة نزعته. فقال: أشهد أنك رسول الله حقا. (صحيح البخاري ح ٢ ص ٢٢٦) .","vol":"3","page":397},{"text":"من الحشر والنشر حقّا لم تتقاصر رتبتنا عند الله عن رتبة أحد، ولتقدّمنا- فى الاستحقاق- على الكلّ. ولمّا لم يجدوا لهذا القول دليلا صرّحوا:\n«فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ» .\nولقد بعث الله أنبياءه﵈- وأنزل عليهم الكتب، وبيّن في كلّ كتاب، وعلى لسان كلّ رسول بأنه يبعث محمدا رسولا، ولكن القوم الذين في عصر نبيّناﷺ- كتموه، وحسدوه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3324>[سورة الأحقاف (٤٦): آية ١٣]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣)\nمضى تفسير الاستقامة. وإنّ من خرج على الإيمان والاستقامة حظى بكلّ كرامة، ووصل إلى جزيل السلامة.\nوقيل: السين فى «الاستقامة» سين الطّلب وإن المستقيم هو الذي يبتهل إلى الله تعالى فى أن يقيمه على الحق، ويثبّته على الصدق.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3325>[سورة الأحقاف (٤٦): آية ١٥]</span>\nوَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْسانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥)\n.. أمر الإنسان برعاية حقّ والديه على جهة الاحترام، لما لهما عليه من حق التربية والإنعام، وإذا لم يحسن الإنسان حرمة من هو من جنسه فهو عن حسن مراعاة سيّده أبعد. ولو لم يكن فى هذا الباب إلا قولهﷺ: «رضا الرب من رضا الوالدين، وسخطه في سخطهما» لكان ذلك كافيا. ورعاية حق الوالد من حيث الاحترام، ورعاية حق الأم من حيث الشفقة والإكرام. ووعد الله على برّ الوالدين قبول الطاعة بقوله جلّ ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3326>[سورة الأحقاف (٤٦): آية ١٦]</span>\nأُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ (١٦)\nفقبول الطاعة وغفران الزّلّة مشروطان ببرّ الوالدين. وقد ذمّ الله- سبحانه- الذي","vol":"3","page":398},{"text":"يتصف في حقهما بالتأفّف، وفي ذلك تنبيه على ما وراء ذلك من أي تعنّف، وعلى أنّ الذي يسلك ذلك يكون من أهل الخسران، وبالتالى يكون ناقص الإيمان.\nوسبيل العبد في رعاية حق الوالدين أن يصلح ما بينه وبين الله، فحينئذ يصلح ما بينه وبين غيره- على العموم، وأهله- على الخصوص.\nوشرّ خصال الولد في رعاية حق والديه أن يتبرّم بطول حياتهما، ويتأذّى بما يحفظ من حقهما. وعن قريب يموت الأصل ويبقى النسل، ولا بدّ من أن يتبع النسل الأصل «١»، وقد قالوا في هذا المعنى.\nرويدك إن الدهر فيه كفاية ... لتفريق ذات البين.. فانتظر الدهرا «٢»\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3327>[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٢٠]</span>\nوَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ (٢٠)\nسبيل العبد ألا ينسى في كل حال معبوده، وأن يتذكر أنه معه في همّه وسروره، وفي مناجاته عند رخائه وبلائه. فإن اتفق أن حصل له أنس، وغلب عليه رجاء وبسط ثم هجم على قلبه قبض أو مسّه خوف.. فليخاطب ربّه حتى لا يكون من جملة من قيل له: «أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا ...»\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3328>[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٢١]</span>\nوَاذْكُرْ أَخا عادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٢١)\n«٣»\n_________\n(١) أي أن أولاده سوف يعاملونه بالكيفية التي عامل بها أبويه.\n(٢) إذا لا حظنا اهتمام القشيري هنا برعاية حقوق الأبوين، وإذا نذكرنا أنه في موضع آخر يرى أن حقوق الشيوخ والمربين لا تقل عن ذلك «لأن الوالدين يربون الأشباح، والشيوخ يربون الأرواح» علمنا أن هذه الإشارة موجهة إلى المريدين بنفس الدرجة الموجهة إلى العموم.\n(٣) الأحقاف- ج حقف وهي رمال عظام معوجة لا تبلغ أن تكون جبالا. وقال الكلبي: أحقاف الجبل ما نضب عنه الماء زمن الغرق. وهناك اختلاف في مكان ديار عاد يرجع إليه في كتب التفسير.","vol":"3","page":399},{"text":"أخبر بالشرح عن قصة هود وقومه عاد وما جرى بينهم من الخطاب، وتوجّه عليهم من العتاب، وأخذهم بأليم العذاب.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3329>[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٢٦]</span>\nوَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصارًا وَأَفْئِدَةً فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٢٦)\nفلم يغن عنهم ما آتيناهم ... وانظروا كيف أهلكناهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3330>[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٢٩]</span>\nوَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩)\nكان رسول الله ﷺ مبعوثا إلى الجنّ كما كان مبعوثا إلى الإنس. وإن قوما أتوه ليلة الجن «١» وآمنوا به، ورجعوا إلى قومهم فأخبروهم، وآمن قوم منهم فاليوم في الجن مؤمنون، وفيهم كافرون.\n«فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا ...» الصيحة على الباب وفوق البساط غيبة ولهذا لما حضر الجنّ بساط خدمتهﷺ- تواصوا فيما بينهم بحفظ الأدب، وقالوا لما حضروا بساطه: «أَنْصِتُوا»، فأهل الحضور صفتهم الذبول والسكون، والهيبة والوقار. والثوران أو الانزعاج يدل على غيبة أو قلّة تيقّظ أو نقصان اطلاع «٢» . «فَلَمَّا قُضِيَ..» يعنى الوحى «وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ» وأخبروهم بما رأوه وسمعوه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3331>[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٣١]</span>\nيا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (٣١)\n_________\n(١) حدث ابن مسعود عن هذه الليلة، وأبان كيف سمع- وقد كان وحده بصحبة النبي وهو يقرأ القرآن- لغطا وغمغمة، وشاهد أمثال النسور تهوى وتمشى في رفرفها ... إلخ.\n(٢) هنا نجد القشيري ينصح بالكتمان ولا يرى الإفصاح، وقد سئل الجنيد في ذلك فأجاب: «وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ (أنظر بحث هذه القضية في كتابنا «نشأة التصوف الإسلامى» ط المعارف ص ٢٢٩) .","vol":"3","page":400},{"text":"يقال الإجابة على ضربين: إجابة لله، وإجابة للداعى فإجابة الداعي بشهود الواسطة- وهو الرسول ﷺ. وإجابة الله بالجهر إذا بلغته الرسالة على لسان السفير، وبالسّرّ إذا حصلت التعريفات من الواردات على القلب فمستجيب بنفسه ومستجيب بقلبه ومستجيب بروحه ومستجيب بسرّه. ومن توقف عن دعاء الداعي إيّاه، ولم يبادر بالاستجابة هجر فيما كان يخاطب به «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3332>[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٣٣]</span>\nأَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٣)\nالرؤية هنا بمعنى العلم.\n«وَلَمْ يَعْيَ» أي ولم يعجز ولم يضعف.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3333>[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٣٤]</span>\nوَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٤)\nثم يقال لهم على سبيل تأكيد إلزام الحجة:\n«أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ؟ قالُوا: بَلى وَرَبِّنا. قالَ: فَذُوقُوا الْعَذابَ ...»\nجزاء لكم على كفركم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3334>[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٣٥]</span>\nفَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ ساعَةً مِنْ نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ (٣٥)\n_________\n(١) هكذا في م وهي في ص (يطالب به) وكلاهما مقبول في السياق فالدعاء خطاب ومطالبة للمدعو.\nم (٢٦) لطائف الإشارات- ج ٣-","vol":"3","page":401},{"text":"أو لو الجد والصبر والحزم. وجاء في التفسير أنهم: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد صلى الله عليهم وسلم. وقيل: هود وصالح وشعيب ومحمد ﵈. وقيل: منهم يعقوب وأيوب ويونس.\nوالصبر هو الوقوف لحكم الله، والثبات من غير بثّ ولا استكراه.\nقوله جل ذكره: «كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ» .\nويقال مدّة الخلق: من مبتدأ وقتهم إلى منتهى آجالهم بالإضافة إلى الأزليّة «١» كلحظة بل هي أقلّ إذ الأزل لا ابتداء له ولا انتهاء.. وأي خطر لما حصل في لحظة.. خيرا كان أو شرّا؟!\n_________\n(١) بالإضافة إلى- بالنسبة إلى.","vol":"3","page":402},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3335>سورة محمّد «ﷺ» </span>«١»\nقوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» من ذكر «بِسْمِ اللَّهِ» جلّت رتبته، ومن عرف «بِسْمِ اللَّهِ» صفت حالته، ومن أحبّ «بِسْمِ اللَّهِ» أشكلت قصته «٢»، ومن صحب «بِسْمِ اللَّهِ» امتحقت إنّيته «٣»، وتلاشت- بالكلية- جملته.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3336>[سورة محمد (٤٧): الآيات ١ الى ٢]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ (١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بالَهُمْ (٢)\n«الَّذِينَ كَفَرُوا»: امتنعوا، وصدّوا فمنعوا فلأنهم امتنعوا عن سبيل الله استوجبوا الحجبة والغيبة.\n«أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ»: أي أحبطها.\n«وَالَّذِينَ آمَنُوا ...» بما نزّل على محمد، «وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ...»\n_________\n(١) وتسمى عند بعض المفسرين «سورة القتال» .\n(٢) الكلام في هذه النقطة كتير لا يتسع له هامش ضيق، ومن أراد أن يعرف كيف أن قصة المحبين الإلهيين مشكلة فيكفى أن يعلم أن قمة هذه القصة الوصول إلى التوحيد.. أن يختفى الموحّد في الموحّد فلا يكون هناك إلا واحد، إن تحدث فبالله، وإن تحرك فبالله. هو بين الناس كائن وعنهم بائن، يقضى عمره بين وجد وفقد ... (أنظر قصة هذا الحب بتفاصيلها الدقيقة في كتابنا: نشأة التصوف الإسلامى» باب الحب والفناء والمعرفة.\n(٣) تلاشت آثار بشريته لا بشريته.","vol":"3","page":403},{"text":"أصلح حالهم، فالكفر للأعمال محبط، والإيمان للتخليد «١» مسقط.\nويقال: الذين اشتغلوا بطاعة الله، ولم يعملوا «٢» شيئا مما خالف الله- فلا محالة- نقوم بكفاية اشتغالهم بالله.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3337>[سورة محمد (٤٧): آية ٣]</span>\nذلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْباطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثالَهُمْ (٣)\nأي يضرب أمثال هؤلاء لحسناتهم، وأمثال هؤلاء لسيئاتهم.\nويكون اتباع الحقّ بموافقة السّنّة، ورعاية حقوق الله، وإيثار رضاه، والقيام بطاعته.\nويكون اتباع الباطل بالابتداع، والعمل بالهوى، وإيثار الحظوظ، وارتكاب المعصية.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3338>[سورة محمد (٤٧): الآيات ٤ الى ٦]</span>\nفَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها ذلِكَ وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ (٦)\nإذا حصل الظّفر بالعدوّ فالعفو عنهم وترك المبالغة في التشديد عليهم- للندم موجب، وللفرصة تضييع بل الواجب إزهاق نفوسهم، واستئصال أصولهم، واقتلاع شجرهم من أصله.\nوكذلك العبد إذا ظفر بنفسه فلا ينبغى أن يبقى بعد انتفاش شوكها بقية من الحياة، فمن وضع عليها إصبعا بثّت سمّها فيه «٣» .\n«فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً» ذلك إذا رجا المسلمون في ذلك غبطة أو فائدة مثل إفراج\n_________\n(١) العذاب المؤيد.\n(٢) هكذا في م وهي في ص (ولم يعلموا) وهي خطأ من الناسخ. [.....]\n(٣) ذلك لأن نفسك التي بين حنبيك هي أعدى أعدائك، وجهادها هو الجهاد الأكبر ... لأنها تقودك إلى دواعى الهوى، وفي ذلك عند الصوفية شرك خفى.","vol":"3","page":404},{"text":"الكفّار عن قوم من المسلمين، أو بسبب ما يؤخذ من الفداء.. وأمثال هذا، فحينئذ ذلك مسلّم على ما يراه الإمام «١» .\nكذلك حال المجاهدة مع النّفس: حيث يكون في إغفاء ساعة أو في إفطار يوم ترويح للنفس من الكدّ، وتقوية على الجهد فيما يستقبل من الأمر- فذلك مطلوب حسبما يحصل به الاستصواب من شيخ المريد، أو فتوى لسان الوقت، أو فراسة صاحب المجاهدة «٢» .\nقوله جل ذكره: وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ إذا قتل أحد في سبيل الحقّ توّلى ورثة المقتول بأحسن من تولية المقتول.\nوكذلك يرفع درجاته فيعظم ثوابه، ويكرم مآبه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3339>[سورة محمد (٤٧): آية ٧]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ (٧)\nنصرة الله من العبد نصرة دينه بإيضاح الدليل وتبيينه.\nونصرة الله للعبد بإعلاء كلمته، وقمع أعداء الدين ببركات سعيه وهمّته.\n«وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ» بإدامة التوفيق لئلا ينهزم من صولة أعداء الدين.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3340>[سورة محمد (٤٧): آية ٨]</span>\nوَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ (٨) .\n_________\n(١) للإمام الحق في أن يقبل أو يمن أو يفادى أو يسترق. والرسول نفسه. قتل عقبة بن معيط والنضر ابن الحارث يوم بدر، وفادى سائر أسارى بدر، ومنّ على ثمامة الحنفي وهو أسير، ومن على سبى هوازن، وأخذ من سلمة بن الأكوع جارية ففدى بها أناسا من المسلمين.. هذه كلها ثابتة في الصحيح- وهذه الأربعة إليها مذهب الشافعي.\n(٢) تهمنا هذه الفقرة إذا تذكرنا أن القشيري متشدد في الرخص، وقياس الرخصة هنا على آية القتال وعلى حرب المشركين وعل تصرف الإمام ... فيها دقة تحتاج إلى تدبر. ثم تهمنا في معرفة من الذي يمنح الرخصة للمريد؟","vol":"3","page":405},{"text":"تعسا لهم: لعنا وطردا، وقمعا وبعدا! «أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ»: هتك أستارهم، وأظهر للمؤمنين أسرارهم، وأخمد نارهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3341>[سورة محمد (٤٧): آية ١٠]</span>\nأَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها (١٠)\nوكيف أهلكهم وأبادهم وأقماهم؟\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3342>[سورة محمد (٤٧): آية ١١]</span>\nذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ (١١)\nالمولى «١» هنا بمعنى الناصر «٢» فالله ناصر للذين آمنوا، وأمّا الكافرون فلا ناصر لهم.\nأو المولى من الموالاة وهي ضد المعاداة، فيكون بمعنى المحب فهو مولى الذين آمنوا أي محبّهم، وأما الكافرون فلا يحبهم الله.\nويقول تعالى في آية أخرى: «وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ» «٣» .\nويصح أن يقال إنّ هذه أرجى «٤» آية في القرآن ذلك بأنه سبحانه يقول: «بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا» ولم يقل: مولى الزهّاد والعبّاد وأصحاب الأوراد والاجتهاد فالمؤمن- وإن كان عاصيا- من جملة الذين آمنوا، (لا سيما و«آمَنُوا» فعل، والفعل لا عموم له) «٥» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3343>[سورة محمد (٤٧): آية ١٢]</span>\nإِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ (١٢)\n_________\n(١) تضاف أقوال القشيري هنا فى (المولى) إلى حديثه عن ذلك الاسم في كتاب «التحبير في التذكير» وإلى حديثه في (الولاية والولي) في مواضع متفرقة من مصنفاته.\n(٢) جاءت (الناظر) في ص وهي خطأنى النسخ.\n(٣) آية ٢٥٧ سورة البقرة.\n(٤) جاءت (أوحى) فى ص وهي خصأ في النسخ.\n(٥) سقطت العبارة بين القوسين من ص وجاءت في م. والقشيري مستفيد من السياق القرآنى إذ عبّر عن الإيمان بالفعل وهو «آمَنُوا» وعبر عن الكفر بالاسم فقال: «وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ» .","vol":"3","page":406},{"text":"مضى الكلام في هذه الآية.\nوَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ الأنعام تأكل من أي موضع بلا تمييز، وكذلك الكافر لا تمييز له بين الحلال والحرام.\n[كذلك الأنعام ليس لها وقت لأكلها بل في كل وقت تقتات وتأكل، وكذلك الكافر، وفي الخبر: «إنه يأكل في سبعة أمعاء» . أمّا المؤمن فيكتفى بالقليل كما في الخبر: «إن كان ولا بد فثلث للطعام وثلث للشراب وثلث للنفس» و«ما ملأ ابن آدم وعاء شرّا من بطنه»] «١» .\nويقال: الأنعام تأكل على الغفلة فمن كان في حال أكله ناسيا ربّه فأكله كأكل الأنعام.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3344>[سورة محمد (٤٧): آية ١٣]</span>\nوَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْناهُمْ فَلا ناصِرَ لَهُمْ (١٣)\n«٢» .\n«أَهْلَكْناهُمْ»: يعنى بها من أهلكهم من القرون الماضية في الأعصر الخالية.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3345>[سورة محمد (٤٧): آية ١٤]</span>\nأَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ (١٤)\n«البينة»: الضياء والحجّة، والاستبصار بواضح المحجة: فالعلماء في ضياء برهانهم، والعارفون في ضياء بيانهم «٣» فهؤلاء بأحكام أدلة الأصول يبصرون، وهؤلاء بحكم الإلهام والوصول يستبصرون.\n_________\n(١) ما بين القوسين الكبيرين ساقط بتمامه من ص وثابت في م، وهذه الأخبار موجودة في الجامع الصغير ح ٢ ص ١٥٣ وفي كتاب «الأطعمة» بالجزء الثالث من صحيح البخاري، «والأذكار» للنووى. وتكملة الخبر الأول:\nعن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله (ص): يأكل المسلم في معى واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاء، وروى كذلك عن ابن عمر.\n(٢) عن ابن عباس قال: لما خرج النبي (ص) من مكة إلى الغار التفت إلى مكة وقال: «اللهم أنت أحب البلاد إلى الله وأنت احب البلاد إليّ ولولا المشركون أهلك أخرجونى لما خرجت منك» فنزلت الآية- ذكره الثعلبي، وهو حديث صحيح.\n(٣) هكذا في ص وهي في م (ثباتهم) ولكن ما في ص هو الأصوب لأننا نعرف من مذهب القشيري أن (البيان) للمعارفين والبرهان لأرباب العلم.","vol":"3","page":407},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3346>[سورة محمد (٤٧): آية ١٥]</span>\nمَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا ماءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ (١٥)\nكذلك اليوم شأن الأولياء، فلهم شراب الوفاء، ثم شراب الصفاء، ثم شراب الولاء، ثم شراب حال اللقاء.\nولكلّ من هذه الأشربة عمل، ولصاحبه سكر وصحو فمن تحسّى شراب الوفاء لم ينظر إلى أحد في أيام غيبته عن أحبابه:\nوما سرّ صدرى منذ شطّ بك النوى ... أنيس ولا كأس ولا متصرف\nومن شرب كأس الصفاء خلص له عن كل شوب، فلا كدورة في عهده، وهو في كلّ وقت صاف عن نفسه، خال من مطالباته «١»، قائم بلا شغل- فى الدنيا والآخرة- ولا أرب.\nومن شرب كأس الولاء عدم فيه القرار، ولم يغب بسرّه لحظة في ليل أو نهار.\nومن شرب في حال اللقاء أنس على الدوام ببقائه فلم يطلب- مع بقائه- شيئا آخر من عطائه لاستهلاكه في علائه عند سطوات كبريائه «٢» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3347>[سورة محمد (٤٧): الآيات ١٦ الى ١٧]</span>\nوَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ماذا قالَ آنِفًا أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ (١٦) وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ (١٧)\n_________\n(١) أي مطالبات الحظوظ حظوظ النفس.\n(٢) تنبه إلى أهمية هذه الفقرة التي أطال فيها القشيري حديثه عن الأشربة حيث لم يتاولها بفصيل في رسالته عند بحث مصطلح السّكر.","vol":"3","page":408},{"text":"هم المنافقون الذين كرهوا ما أنزل الله لما فيه من افتضاحهم.\n«وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ» «اهْتَدَوْا»: بأنواع المجاهدات، ف «زادَهُمْ هُدىً»: بأنوار المشاهدات.\n«اهْتَدَوْا»: بتأمل البرهان، ف «زادَهُمْ هُدىً» بروح البيان.\n«اهْتَدَوْا»: بعلم اليقين، ف «زادَهُمْ هُدىً»: بحقّ اليقين.\n[«اهْتَدَوْا»: بآداب المناجاة، ف «زادَهُمْ هُدىً»: بالنجاة ورفع الدرجات.\n«اهْتَدَوْا»: إلى ما فيه من الحقّ ولم يختلفوا في أنه الحق، ف «زادَهُمْ هُدىً» بالاستقامة على طريق الحق] «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3348>[سورة محمد (٤٧): الآيات ١٨ الى ١٩]</span>\nفَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها فَأَنَّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ (١٨) فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْواكُمْ (١٩)\nكان عالما بأنه: «لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ» فأمره بالثبات عليها قال (ص): «أنا أعلمكم بالله، وأخشاكم له «٢»» .\nويقال: كيف قيل له: «فَاعْلَمْ ...» ولم يقل: علمت، وإبراهيم قيل له: «أَسْلَمَ «٣» ..»\nفقال: «أَسْلَمْتُ ...»؟ فيجاب بأنّ إبراهيم لمّا قال: «أَسْلَمْتُ» ابتلى، ونبيّنا ﷺ لم يقل: علمت فعوفى.\n_________\n(١) ما بين القوسين الكبيرين ساقط في ص وموجود في م. [.....]\n(٢) البخاري عن أنس: (والله إنى لأخشاكم لله وأتقاكم له) والشيخان عن عائشة: (والله إنى لأعلمكم بالله وأشدكم له خشية) .\n(٣) آية ١٣١ سورة البقرة: «قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ» .","vol":"3","page":409},{"text":"وإبراهيم ﵇ أتى بعده شرع كشف سرّه، ونبيّنا ﷺ لم يأت بعده شرع.\nويقال: نبيّنا ﷺ أخبر الحقّ عنه بقوله: «آمَنَ الرَّسُولُ «١» ...» والإيمان هو العلم- وإخبار الحقّ سبحانه عنه أتمّ من إخباره بنفسه عن نفسه: «عَلِمْتَ» .\nويقال: فرق بين موسى ﵇ لمّا احتاج إلى زيادة العلم فأحيل على الخضر، ونبيّنا ﷺ قال له: «وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا «٢»» ... فكم بين من أحيل في استزادة العلم على عبد وبين من أمر باستزادة العلم من الحق!!.\nويقال لمّا قال له «فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ «٣»» كان يأمره بالانقطاع إليه عن الخلق، ثم بالانقطاع منه- أي من الرسول- إليه.. أي إلى الحق سبحانه. والعبد إذا قال هذه الكلمة على سبيل العادة والغفلة عن الحقيقة- أي كان بصفة النسيان- فليس لقوله كثير قيمة كأن تقال عند التعجب من شىء.. فليس لهذا قدر. أمّا إذا قالها مخلصا فيها، ذاكرا لمعناها، متحققا بحقيقتها.. فإن كان بنفسه فهو في وطن التفرقة.. وعندهم «٤» هذا من الشّرك الخفيّ، وإن قالها بحقّ فهو الإخلاص. فالعبد يعلم أولا ربّه بدليل وحجّة فعلمه بنفسه كسبيّ.. وهو أصل الأصول، وعليه ينبنى كل علم استدلالى «٥» ! ثم تزداد قوة علمه بزيادة البيان وزيادة الحجج، ويتناقص علمه بنفسه لغلبات ذكر الله على القلب. فإذا انتهى إلى حال المشاهدة، واستيلاء سلطان الحقيقة عليه صار علمه في تلك الحالة ضروريا. ويقلّ إحساسه بنفسه حتى يصير علمه بنفسه كالاستدلاليّ وكأنه غافل «٦» عن نفسه أو ناس لنفسه.\n_________\n(١) آية ٢٨٥ سورة البقرة: «آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ» .\n(٢) آية ١١٤ سورة طه.\n(٣) هنا يفرق القشيري بين التوحيد المنطوق باللسان، والتوحيد عند أرباب الحقيقة.\n(٤) أي عند أرباب الحقائق، لأن أي شعور بالغيرية نتيجة عدم الإخلاص نقص في التوحيد.\n(٥) من هذا يتضح أن الصوفية لا يهملون العقل تماما بل يحترمونه في مرحلة البداية من أجل تصحيح الإيمان، ولكنهم لا يعولون عليه تماما في بقية معراجهم الروحي. وهذا رد حاسم على من ينكرون على الصوفية علاقتهم بالعقل والعلوم العقلية.\n(٦) في ص (وكأنه قال) وهي خطأ من الناسخ كما هو واضح من السياق بعده.","vol":"3","page":410},{"text":"ويقال: الذي على البحر يغلب عليه ما يأخذه من رؤية البحر، فإذا ركب البحر قويت هذه الحالة، حتى إذا غرق في البحر فلا إحساس له بشىء سوى ما هو مستغرق فيه ومستهلك «١» .\n«وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ»: اى إذا علمت أنك علمت فاستغفر لذنبك من هذا فإن الحقّ- على جلال قدره- لا يعلمه غيره «٢» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3349>[سورة محمد (٤٧): آية ٢٠]</span>\nوَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلى لَهُمْ (٢٠)\nكان المسلمون تضيق قلوبهم بتباطؤ الوحى، وكانوا يتمنون أن ينزل الوحى بسرعة فقال تعالى: «فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ «٣» وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ» رأيت المنافقين يكرهون ذلك لما كان يشق عليهم من القتال، فكانوا يفتضحون عندئذ، وكانوا ينظرون إلى النبي ﷺ- بغاية الكراهة.\n... فَأَوْلى لَهُمْ» .\n_________\n(١) القشيري هنا مستفيد من شيخه أبى على الدقاق حين أوضح مراحل التواجد فالوجد فالوجود قائلا:\n«التواجد يوجب استيعاب العبد، والوجد يوجب استغراق العبد، والوجود يوجب استهلاك العبد، فهو كن شهد البحر ثم ركب البحر ثم غرق في البحر» الرسالة ص ٣٧.\n(٢) يذكرنا هذا بقول رابعة بعد ليال قضتها في الصلاة والاستغفار: «إن صلاتنا في حاجة إلى صلاة، واستغفارنا في حاجة إلى استغفار» كما يذكرنا بقول القشيري في موضع مماثل: «... جلت الصمدية عن أن يستشرف من إدراكها بشر»، وفي ذلك يقول أبو عبد الله الجلاء (ت ٣٠٦ هـ):\nكيفية المرء ليس المرء يدركها ... فكيف كيفية الجبار في القدم؟\nهو الذي أحدث الأشياء مبتدعا ... فكيف يدركه مستحدث النسم؟\n(شذرات الذهب ح ٢ ص ٢٤٩) .\n(٣) قال قتادة: كل سورة ذكر فيها الجهاد فهى محكمة. وقيل معناها مبينة غير متشابهة، لا نحتمل وجها إلا وجوب القتال.","vol":"3","page":411},{"text":"تهديد «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3350>[سورة محمد (٤٧): آية ٢١]</span>\nطاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ (٢١)\nوهو قولهم: «لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ ...» .\nويقال: فأولى لهم طاعة منهم لله ولرسوله. «وقول معروف» بالإجابة لما أمروا به من الجهاد.\nويقال: طاعة وقول معروف أمثل بهم.\nقوله جل ذكره «فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ» .\nإذا عزم الأمر- أي جدّ وفرض القتال- فالصدق والإجابة خير لهم من كذبهم ونفاقهم وتقاعدهم عن الجهاد.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3351>[سورة محمد (٤٧): آية ٢٢]</span>\nفَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ (٢٢)\nأي فلعلكم إن أعرضتم عن الإيمان- بمحمد ﷺ- ورجعتم إلى ما كنتم عليه أن تفسدوا في الأرض، وتسفكوا الدماء الحرام، وتقطعوا أرحامكم، وتعودوا إلى جاهليتكم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3352>[سورة محمد (٤٧): آية ٢٣]</span>\nأُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ (٢٣)\nأصمّهم عن سماع الحقّ وقبوله بقلوبهم، وأعمى بصائرهم.\n_________\n(١) يقول الشاعر:\nفأولى ثم أولى ثم أولى ... وهل الدّرّ يحلب من مردّ\nوقال الأصمعى معناها: قاربه ما يهلكه وأقشد:\nفعادى بين هاديتين منها ... وأولى أن يزيد على الثلاث\nوقال المبرد: يقال لمن همّ بالعطب: أولى لك! أي: قاربت العطب.","vol":"3","page":412},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3353>[سورة محمد (٤٧): آية ٢٤]</span>\nأَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها (٢٤)\nأي إن تدّبروا القرآن أفضى بهم إلى العرفان، وأراحهم من ظلمة التحيّر.\n«أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها»: أقفل الحقّ عل قلوب الكفار فلا يداخلها زاجر التنبيه، ولا ينبسط عليها شعاع العلم، فلا يحصل لهم فهم الخطاب فالباب إذا كان مقفلا ... فكما لا ينخل فيه شىء لا يخرج منه شىء كذلك قلوب الكفار مقفلة، فلا الكفر الذي فيها يخرج، ولا الإيمان الذي هم يدعون إليه يدخل في قلوبهم.\nوأهل الشّرك والكفر قد سدّت بصائرهم وغطّيت أسرارهم، ولبّس عليهم وجه التحقيق.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3354>[سورة محمد (٤٧): آية ٢٥]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلى لَهُمْ (٢٥)\nالذي يطلع فجر قلبه، ويتلألأ نور التوحيد فيه، ثم قبل متوع نهار إيمانه انكسفت شمس يومه، وأظلم نهار عرفانه، ودجا ليل شكّه، وغابت هجوم عقله ... فحدّث عن ظلماته ... ! ولاحرج! «١» [ذلك جزاؤهم على مما لأئهم مع المنافقين، وتظاهرهم ... فإذا توّفتهم الملائكة تتصل آلامهم، ولا تنقطع بعد ذلك عقوباتهم.] «٢» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3355>[سورة محمد (٤٧): آية ٢٩]</span>\nأَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغانَهُمْ (٢٩)\n. ليس الأمر كما توهّمموه، بل الله يفضحهم ويكشف تلبيسهم، ولقد أخبر الرسول عنهم، وعرّفه أعيانهم.\n_________\n(١) القشيري هنا يغمز بمن ينتمون إلى طريقة الصوفية ثم يفسخون عقدهم مع الله، ويتخلون عن طريق الإرادة بعد قطعهم مسافة قصيرة.\n(٢) ما بين القوسين الكبيرين ساقط في م وثابت في ص. [.....]","vol":"3","page":413},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3356>[سورة محمد (٤٧): آية ٣٠]</span>\nوَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ (٣٠)\nأي في معنى الخطاب، فالأسرّة تدلّ على السريرة، وما يخامر القلوب فعلى الوجوه يلوح أثره:\nلست ممن ليس يدرى ... ما هوان من كرامة\nإنّ للحبّ ... وللبغض على الوجه علامة\nوالمؤمن ينظر بنور الفراسة «١»، والعارف ينظر بنور التحقيق، والموحّد ينظر بالله فلا يستتر عليه شىء «٢» .\nويقال: بصائر الصديقين غير مغطّاة، قال رسول الله ﷺ: «سدوا كل خوخة غير خوخة أبى بكر» «٣» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3357>[سورة محمد (٤٧): آية ٣١]</span>\nوَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ (٣١)\nبالابتلاء والامتحان تتبين جواهر الرجال، فيظهر المخلص، ويفتضح المماذق، وينكشف المنافق، فالذين آمنوا وأخلصوا نجوا وتخلصوا، والذين كفروا ونافقوا وقعوا «٤» فى الهوان وأذلّوا، ووسموا بالشقاوة وقطعوا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3358>[سورة محمد (٤٧): آية ٣٣]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ (٣٣)\n_________\n(١) هكذا في م وهي في ص (بعين الفراسة) . روى الترمذي والطبراني من حديث أبى أمامة، والترمذي من حديث أبى سعد، والطبراني وأبو نعيم والبزاز بسند صحيح عن أنس «اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله» .\n(٢) يفيد هذا الكلام في ترتيب القوم: مؤمن ثم عارف ثم موحد فالموحدون أعلى درجات السائرين.\n(٣) يقول القشيري في كتابه «المعراج» ص ٧٢: (كان الصديق مخصوصا من البصيرة بما لم يخص به غيره قال (ص): «سدوا كل خوخة غير خوخه أبى بكر» . وذلك لما فتحوا في المسجد من كل دار خوخة، والإشارة فيه أن الصديق ليس بممنوع من الإبصار بحال)\n. (٤) سقطت (وقعوا) فى ص، وموجودة في م.","vol":"3","page":414},{"text":"«لا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ»: بالرياء والإعجاب والملاحظة.\n«لا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ»: بالمساكنة إليها. «وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ» بطلب الأعواض عليها.\n«لا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ»: بتوهمكم أنه يجب بها شىء دون فضل الله «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3359>[سورة محمد (٤٧): آية ٣٥]</span>\nفَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ (٣٥)\nأي لا تميلوا إلى الصلح مع الكفار وأنتم الأعلون بالحجة «٢» .\nأنتم الأعلون بالنصرة. قوله «وَاللَّهُ مَعَكُمْ» . أي بالنصرة ويقال: لا تضعفوا بقلوبكم، وقوموا بالله لأنكم- والله معكم- لا يخفى عليه شىء منكم، فهو على الدوام يراكم.\nومن علم أنّ سيّده يراه يتحمل كلّ مشقة مشتغلا برؤيته:\n«وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ» أي لا ينقصكم أجر أعمالكم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3360>[سورة محمد (٤٧): آية ٣٦]</span>\nإِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ (٣٦)\nتجنبوا الشّرك والمعاصي حتى يفيكم أجوركم.\nوالله لا يسألكم من أموالكم إلا اليسير منها وهو مقدار الزكاة «٣» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3361>[سورة محمد (٤٧): آية ٣٧]</span>\nإِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ (٣٧)\n_________\n(١) هذه الإشارة موجهة إلى الذين يزعمون أن الطاعة توجب على الله الثواب. ويرى القشيري أنه لا وجوب على الله فكل شىء من فضله لأن طاعة العبد لا توجب لله زينا، ومعصيته لا تلحق به سبحانه شينا. والله «يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ» .\n(٢) عند هذا الحد انتهت النسخة م، ولذا فإننا نعتمد على النسخة ص في بقية السورة، وهي مساحة كبيرة.\n(٣) وهي على حد تعبير سفيان بن عيينه: غيض من فيض.","vol":"3","page":415},{"text":"«الإحفاء» الإلحاح في المسألة ... وهذا إنما يقوله لمن لم يوق شحّ نفسه، فأمّا الإخوان ومن علت رتبتهم في باب حرية القلب فلا يسامحون في استيفاء ذرّة، ويطالبون ببذل الرّوح، والتزام الغرامات.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3362>[سورة محمد (٤٧): آية ٣٨]</span>\nها أَنْتُمْ هؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ (٣٨)\nالبخل منع الواجب، وإذا بخل فإنما يبخل عن نفسه لأنه لو لم يفعل ذلك لحصل له الثراء- هكذا يظن.\nقوله جل ذكره: «وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ» .\n«غنى» بنفسه على قول، وغنيّ بوصفه على القول الثاني «١» . وغناه كونه لا تتقيد مراداته. أمّا العبد فهو فقير بنفسه لأنه لا يستغنى عن مولاه فى الابتداء منذ خلقه إلى الانتهاء، وهو في دوام الأوقات مفتقر إلى مولاه.\nوالفقير الصادق من يشهد افتقاره إلى الله. وصدق الفقير في شهود فقره إلى الله. ومن افتقر إلى الله استغنى بالله، ومن افتقر إلى غير الله وقع في الذّلّ والهوان.\nويقال: الله غنيّ عن طاعتكم، وأنتم الفقراء إلى رحمته.\nويقال: الله غنيّ لا يحتاج إليكم، وأنتم الفقراء لأنكم لا بديل لكم عنه.\nقوله جل ذكره: «وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ» .\nيستبدل قوما غيركم يكونون أشدّ منكم طاعة، وأصدق منكم وفاء فهو قادر على خلق أمثالكم ثم لا يكونون أمثالكم في العصيان والإعراض وترك الشكر والوفاء ...\nبل سيكونون خيرا منكم.\n_________\n(١) أي يمكن أن تكون من صفات الذات أو من صفات الفعل انظر «الغني» فى كتاب «التحبير في التذكير» للإمام القشيري تحقيق د. بسيونى.","vol":"3","page":416},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3363>سورة الفتح</span>\nقوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» «بِسْمِ اللَّهِ» تشير إلى سموّه في أزله، وعلوّه في أبده وسموّه في أزله نفى البداية عنه بحقّ القدم، وعلوّه في أبده نفى الانتهاء عنه باستحالة العدم فمعرفة سموّه توجب للعبد سموّا، ومعرفة علوّه توجب للعبد علوّا «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3364>[سورة الفتح (٤٨): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nإِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١)\nقضينا لك قضاء بيّنا، وحكمنا لك بتقوية دين الإسلام، والنصرة على عدوّك، وأكرمناك بفتح ما انغلق على قلب من هو غيرك- من قبلك- بتفصيل شرائع الإسلام، وغير ذلك من فتوحات قلبه صلوات الله عليه.\nنزلت الآية في فتح مكة، ويقال في فتح الحديبية «٢» .\nويقال: هديناك إلى شرائع الإسلام، ويسّرنا لك أمور الدين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3365>[سورة الفتح (٤٨): آية ٢]</span>\nلِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا (٢)\n_________\n(١) واضح أن مذهب القشيري في معرفة أسماء الله سبحانه لا يقتصر على المعرفة الكلامية النظرية بل يتجاوز ذلك إلى التأدب بها، والتخلق بأخلاق الله.. فالعمل مترتب على العلم (انظر مقدمتنا لكتاب التحبير في التذكير) .\n(٢) يقال نزلت هذه السورة بين مكة والمدينة (رواية محمد بن إسحاق عن الزهري عن عروة عن المسور ابن مخرمة ومروان بن الحكم) وأنها نزلت في شأن الحديبية. (كذلك في البخاري في سماع قتادة عن أنس) . وقال الضحاك: «مبينا» أي بغير قتال. وقال مجاهد: كان فتح الحديبية آية عظيمة إذ نزح ماؤها فمج فيها فدرت بالماء حتى شرب جميع من كان معه. وقال الشعبي: هو فتح الحديبية فقد أصاب فيها ما لم يصب في غزوة: غفر الله له ذنبه، وبويع بيعة الرضوان، وأطعموا نخل خيبر، وبلغ الهدى محله، وظهرت الروم على الفرس.\nم (٢٧) لطائف الإشارات- ج ٣-","vol":"3","page":417},{"text":"كلا القسمين- المتقدّم والمتأخّر- كان قبل النبوة «١» .\nويقال «ما تَقَدَّمَ» من ذنب آدم بحرمتك، «وَما تَأَخَّرَ»: من ذنوب أمّتك «٢» .\nوإذا حمل على ترك الأولى «٣» فقد غفر له جميع ما فعل من قبيل ذلك، قبل النبوة وبعدها «٤» .\nولمّا نزلت هذه الآية قالوا: هنيئا لك! فأنزل الله تعالى:\n«لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها» .. ويقال:\nحسنات الأبرار سيئات المقربين.\nوَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا يتم نعمته عليك بالنبوة، وبوفاء العاقبة، وببسط الشريعة، وبشفاعته لأمته، وبرؤية الله غدا، [وبإظهار دينه على الأديان، وبأنه سيد ولد آدم، وبأنه أقسم بحياته، وخصّه بالعيان] «٥» .\nوبسماع كلامه سبحانه ليلة المعراج، وبأن بعثه إلى سائر الأمم.. وغير ذلك من مناقبه.\n«وَيَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا» يثبتك على الصراط المستقيم، ويزيدك هداية على هداية، ويهدى بك الخلق إلى الحقّ.\nويقال: يهديك صراطا مستقيما بترك حظّك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3366>[سورة الفتح (٤٨): آية ٣]</span>\nوَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (٣)\n_________\n(١) نصّ القشيري على «قبل النبوة» لأن الأنبياء معصومون من الذنب.\n(٢) هذا أيضا قول عطاء الخراسانى.\n(٣) ترك الأولى تعبير أدبى مهذب عن «الذنب» . ويقال: كان الذنب المتقدم على يوم بدر قوله ﷺ: «اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض» . والذنب المتأخر كان يوم حنين حيث رمى جمرات فى وجوه المشركين قائلا: «شاهت الوجوه.. حم. لا ينصرون» . فانهزم القوم عن آخرهم، ولم يبق أحد إلا امتلأت عيناه رملا وحصباء. وعند عودة النبي مع أصحابه قال لهم: لو لم أرمهم لم ينهزموا! فأنزل الله ﷿:\nوما رميت إذ رميت ولكن الله رمى.\n(٤) روى الترمذي عن أنس أن النبي فرح بهذه الآية فرحا شديدا وقال: لقد أنزلت على آية أحب إلى ما على وجه الأرض» . [.....]\n(٥) ما بين القوسين الكبيرين موجود في ص وغير موجود في م.","vol":"3","page":418},{"text":"لا ذلّ فيه، وتكون غالبا لا يغلبك أحد.\nويقال: ينصرك على هواك ونفسك، وينصرك بحسن خلقك ومقاساة الأذى من قومك.\nويقال نصرا عزيزا: معزا لك ولمن آمن بك.\nوهكذا اشتملت هذه الآية على وجوه من الأفضال أكرم بها نبيّهﷺ- وخصّه بها من الفتح والظّفر على النّفس والعدو، وتيسير ما انغلق على غيره، والمغفرة، وإتمام النعمة والهداية والنصرة.. ولكلّ من هذه الأشياء خصائص عظيمة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3367>[سورة الفتح (٤٨): آية ٤]</span>\nهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيمانًا مَعَ إِيمانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٤)\n.. السكينة ما يسكن إليه القلب من البصائر والحجج، فيرتقى القلب بوجودها عن حدّ الفكرة إلى روح اليقين وثلج الفؤاد، فتصير العلوم ضرورية «١» .. وهذا للخواصّ.\nفأمّا عوامّ المسلمين فالمراد منها: السكون والطمأنينة واليقين.\nويقال: من أوصاف القلب في اليقين المعارف والبصائر والسكينة.\nوفي التفاسير: السكينة ريح هفّافة. وقالوا: لها وجه كوجه الإنسان. وقيل لها جناحان.\n«لِيَزْدادُوا إِيمانًا مَعَ إِيمانِهِمْ» أي يقينا مع يقينهم وسكونا مع سكونهم. تطلع أقمار عين اليقين على نجوم علم اليقين.\nثم تطلع شمس حقّ اليقين على بدر عين اليقين.\n«وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا» .\n«جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ»: قيل: هى جميع القلوب الدالّة على وحدانية الله.\nويقال: ملك السماوات والأرض وما به من قوّى تقهر أعداء الله.\n_________\n(١) أي لا نعوذ كسبيه حيث لم يعد للإنسان من نفسه لنفسه شىء.","vol":"3","page":419},{"text":"ويقال: هم أنصار دينه.\nويقال: ما سلّطه الحقّ علي شىء فهو من جنوده، سواء سلّطه على وليّه في الشدة والرخاء، أو سلّطه على عدوّه في الراحة والبلاء.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3368>[سورة الفتح (٤٨): آية ٥]</span>\nلِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَكانَ ذلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا (٥)\nيستر ذنوبهم ويحطها عنهم.. وذلك فوز عظيم، وهو الظّفر بالبغية «١» .\nوسؤل كلّ أحد ومأموله، ومبتغاه ومقصوده مختلف.. وقد وعد الجميع ظفرا به.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3369>[سورة الفتح (٤٨): آية ٦]</span>\nوَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيرًا (٦)\nيعذبهم في الآجل بعذابهم وسوء عقابهم.\nو«ظَنَّ السَّوْءِ»: هو ما كان بغير الإذن ظنوا أنّ الله لا ينصر دينه ونبيّه ﵇.\n«عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ»: عاقبته تدور عليهم وتحيق بهم.\n«وَلَعَنَهُمْ»: أبعدهم عن فضله، وحقت فيهم كلمته، وما سبقت لهم- من الله سبحانه- قسمته.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3370>[سورة الفتح (٤٨): آية ٨]</span>\nإِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٨)\n«أَرْسَلْناكَ شاهِدًا»: على أمّتك يوم القيامة. ويقال: شاهدا على الرّسل والكتب.\nويقال: شاهدا بوحدانيتنا وربوبيتنا. ويقال: شاهدا لأمتك بتوحيدنا. «وَمُبَشِّرًا»:\nلهم منّا بالثواب،. «وَنَذِيرًا» للخلق زاجرا ومحذّرا من المعاصي والمخالفات.\n_________\n(١) هكذا في م وهي في ص بالنعمة.","vol":"3","page":420},{"text":"ويقال: شاهدا من قبلنا، ومبشّرا بأمرنا، ونذيرا من لدنّا ولنا ومنا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3371>[سورة الفتح (٤٨): آية ٩]</span>\nلِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٩)\nقرىء «١»: «ليؤمنوا» بالياء لأن ذكر المؤمنين جرى، أي ليؤمن المؤمنون بالله ورسوله ويعزروه وينصروه أي الرسول، ويؤقروه: أي يعظّموا الرسول. وتسبّحوه: أي تسبّحوا الله وتنزهوه بكرة وأصيلا «٢» .\nوقرىء: «لِتُؤْمِنُوا» - بالتاء- أيها المؤمنون بالله ورسوله وتعزروه- على المخاطبة.\nوتعزيره يكون بإيثاره بكلّ وجه على نفسك، وتقديم حكمه على حكمك. وتوقيره يكون باتباع سنّته، والعلم بأنه سيّد بريّته «٣» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3372>[سورة الفتح (٤٨): آية ١٠]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١٠)\nوهذه البيعة هي بيعة الرضوان بالحديبية تحت سمرة «٤» .\nوذلك أن رسول اللهﷺ- بعث عثمان ﵁ إلى قريش ليكلّمهم فأرجفوا بقتله. وأتى عروة بن مسعود «٥» إلى النبي ﷺ وقال:\nجئت بأوشاب الناس لتفضّ بيضتك بيدك، وقد استعدت قريش لقتالك، وكأنّى بأصحابك\n_________\n(١) قراءة ابن كثير وابن محيصن وأبى عمرو ... وكذلك «يسبحوه» بالياء، والباقون بالتاء على الخطاب\n(٢) ونلاحظ أن القشيري قد توقف قبل تسبحوه فجعلها بالتاء، وهناك من المفسرين من يرى ذلك أيضا (انظر القرطبي ح ١٦ ص ٢٦٧) .\n(٣) عزرت الرجل أي رددت عنه ونصرته وأيّدته- وهو من الأضداد- لأنه قد يأتى بمعنى أدّبته ولسته.\n(٤) إشارة إلى قوله تعالى: «لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ» والسمرة: شجرة الطلح.\n(٥) جاء في السيرة لابن إسحاق- ٣ ص ٧٧٨.\nبعد أن خرج الرسول ﷺ عام الحديبية يريد زيارة البيت، فلما سمعت قريش بذلك استعدت لقتاله مع أنه لم يكن ينوى قتالا وتعاقبت السفراء بينه وبينهم، وكان كل سفير من قريش يذهب إلى النبي ثم يعود ليقنع قريش بحقيقة نية النبي ولكنهم كانوا لا يرضون بما جاء به، حتى جاء دور عروة بن مسعود الثقفي- وهو عند قريش غير متهم وقال للنبى «إن قريش قد خرجت معها العوذ المطافيل، قد لبسوا جلود النمور، يعاهدون الله لا تدخلها أبدا عليهم عنوة. وحينما قال عروة: وايم الله لكأنى بهؤلاء- يريد أصحاب الرسول- قد انكشفوا عنك غدا. فانبرى أبوبكر قائلا: أنحن ننكشف عنه ... إلخ.","vol":"3","page":421},{"text":"قد انكشفوا عنك إذا مسّهم حرّ السلاح! فقال أبو بكر: أتظن أنّا نسلم رسول الله ﷺ؟\nفبايعهم النبيّ ﷺ على أن يقاتلوا وألا يهربوا «١»، فأنزل الله تعالى:\n«إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ»: أي عقدك عليهم هو عقد الله.\nقوله جل ذكره: «يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ» .\nأي «يَدُ اللَّهِ»: فى المنة عليهم بالتوفيق والهداية «٢»: «فَوْقَ أَيْدِيهِمْ» بالوفاء حين بايعوك.\nويقال: قدرة الله وقوته في نصرة دينه ونصرة نبيّه ﷺ فوق نصرهم لدين الله ولرسوله.\nوفي هذه الآية تصريح بعين الجمع «٣» كما قال: «وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى» قوله جل ذكره: «فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ» أي عذاب النكث عائد عليه.\n«وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا» .\nأي من قام بما عاهد الله عليه على التمام فسيؤتيه أجرا عظيما.\nوإذا كان العبد بوصف إخلاصه، بعامل الله في شىء هو به متحقّق، وله بقلبه شاهد فإنّ الوسائط التي تظهرها أمارات التعريفات تجعله محوا في أسراره ... والحكم عندئذ راجع إلى الواحد- جلّ شأنه «٤» .\n_________\n(١) قال جابر بن عبد الله بايعنا رسول الله (ص) تحت الشجرة على الموت وعلى ألا نفر فما نكث أحد منا البيعة إلّا جد بن قيس وكان مناففا اختبأ تحت بطن بعيره ولم يسر مع القوم.\n(٢) نلاحظ أن القشيري هنا يؤول اليد حتى ينفى عن الله الاتصاف بالجارحة.\n(٣) أنت حين بايعت أو حين رميت فأنت من حيث الظاهر تقوم بعمل وأنت في حال الفرق، ولكن الحقيقة أنه لا فاعل إلا الله فمنه التوفيق والسداد والإصابة.. وهذا هو حال الجمع. وبمقدار ما يكون العبد في منزلة التمكين وبعيدا عن التلوين يكون دنوه من حال الجمع، التي بعدها حال جمع الجمع.. ونبينا ﷺ كان عندها إذ هو صلوات الله عليه محمول لا متحمل اى بربه لا بنفسه.\n(٤) أي إذا أفضى العبد بشىء من العرفان عندئذ فيكون نطقة وما يظهر عليه من الله وبالله.","vol":"3","page":422},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3373>[سورة الفتح (٤٨): آية ١١]</span>\nسَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا فَاسْتَغْفِرْ لَنا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١١)\nلمّا قصد رسول الله عليه وسلم التوجه إلى الحديبية تخلّف قوم من الأعراب عنه. قيل: هم أسلم وجهينة وغفار ومزينة وأشجع، وقالوا: «شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا» وليس لنا من يقوم بشأننا وقالوا: انتظروا ماذا يكون فماهم في قريش إلّا أكلة رأس «١» . فلما رجع رسول الله ﷺ جاءوه معتذرين بأنه لم يكن لهم أحد يقوم بأمورهم! وقالوا: استغفر لنا.\nفأطلعه الله- سبحانه- على كذبهم ونفاقهم وأنهم لا يقولون ذلك إخلاصا، وعندهم سواء عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم، فإنهم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم.\n«قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا» فضحهم. ويقال: ما شغل العبد عن الله شؤم عليه.\nويقال: عذر المماذق وتوبة المنافق كلاهما ليس حقائق.\nقوله جل ذكره\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3374>[سورة الفتح (٤٨): آية ١٢]</span>\nبَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا (١٢)\nحسبتم أن لن يرجع الرسول والمؤمنون من هذه السفرة إلى أهليهم أبدا، وزيّنت لكم الأمانى ألا يعودوا، وأنّ الله لن ينصرهم. «وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا» أي هالكين فاسدين.\n_________\n(١) أي هم قليل.","vol":"3","page":423},{"text":"ويقال: إنّ العدوّ إذا لم يقدر أن يكيد بيده يتمنّى ما تتقاصر عنه مكنته، وتلك صفة كلّ عاجز، ونعت كلّ لئيم. ثم إن الله- سبحانه- بعكس ذلك عليه حتى لا يرتفع مراده «وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ «١»» .\nويقال: من العقوبات الشديدة التي يعاقب الله بها المبطل أن يتصّور شيئا يتمنّاه ويوطّن نفسه عليه لفرط جهله. ويلقى الحقّ في قلبه ذلك التمني حتى تسول له نفسه أن ذلك كالكائن..\nثم يعذبه الله بامتناعه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3375>[سورة الفتح (٤٨): آية ١٣]</span>\nوَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَعِيرًا (١٣)\nوما هو آت فقريب.. وإنّ الله ليرخى عنان الظّلمة ثم لا يفلتون من عقابه.. وكيف- وفي الحقيقة- ما يحصل منهم هو الذي يجريه «٢» عليهم؟\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3376>[سورة الفتح (٤٨): آية ١٤]</span>\nوَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٤)\nيغفر- وليس له شريك يقول له: لا تفعل، ويعذّب من يشاء- وليس هناك مانع عن فعله يقول له: لا تفعل.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3377>[سورة الفتح (٤٨): آية ١٥]</span>\nسَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلاَّ قَلِيلًا (١٥)\nوذلك أن النبي ﷺ والمؤمنين لما رجعوا من الحديبية وعدهم الله خيبر،\n_________\n(١) آية ٤٣ سورة فاطر. [.....]\n(٢) هكذا في ص وهي في م (يحزيه) بالزاي وقد رجحنا (يجريه) أولا لاتصالها بمذهب القشيري وكون الله- على الحقيقة- فاعل كل شىء حتى أكساب العباد. وثانيا لأنها لو كانت بالزاي لقال: يجزيهم عليه.","vol":"3","page":424},{"text":"وأنّ فيها سيظفر بأعدائه، فلمّا همّ بالخروج أراد هؤلاء المخلفون أن يتبعوه لما علموا في ذلك من الغنيمة، فقال النبي ﷺ: «إنما يخرج معى إلى خيبر من خرج إلى الحديبية، والله بذلك حكم ألا يخرجوا معنا» فقال المتخلفون: إنما يقول المؤمنون ذلك حسدا لنا وليس هذا من قول الله! فأنزل الله تعالى ذلك لتكذيبهم، ولبيان حكمه ألا يستصحبهم فهم أهل طمع، وكانت عاقبتهم أنهم لم يجدوا مرادهم، وردّوا بالمذلة وافتضح أمرهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3378>[سورة الفتح (٤٨): آية ١٦]</span>\nقُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذابًا أَلِيمًا (١٦)\nجاء في التفاسير أنهم أهل اليمامة أصحاب مسيلمة- وقد دعاهم أبوبكر وحاربهم، فالآية تدل على إمامته ... وقيل هم أهل فارس- وقد دعاهم عمر بن الخطاب وحاربهم فالآية تدل على صحة إمامته. وصحة إمامته تدل على صحة إمامة أبى بكر. «١» «أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ» أولى شدّة.\nفإن أطعتم استوجبتم الثواب، وإن تخّلفتم استحققتم العقاب. ودلت الآية على أنه يجوز أن تكون للعبد بداية غير مرضية ثم يتغير بعدها إلى الصلاح- كما كان لهؤلاء وأنشدوا:\nإذا فسد الإنسان بعد صلاحه ... فرجّ له عود الصلاح.. لعلّه\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3379>[سورة الفتح (٤٨): آية ١٧]</span>\nلَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذابًا أَلِيمًا (١٧)\n_________\n(١) العبارات التي وردت في إثبات صحة الإمامين جاءت في م ولم ترد في ص.","vol":"3","page":425},{"text":"هؤلاء أصحاب الأعذار.. رفع عنهم الحرج في تخلفهم عن الوقعة في قتال المشركين.\nوكذلك من كان له عذر في المجاهدة مع النفس.. فإنّ الله يحبّ أن تؤتى رخصه كما كما يحب أن تؤتى عزائمه «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3380>[سورة الفتح (٤٨): الآيات ١٨ الى ٢٠]</span>\nلَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨) وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها وَكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٩) وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِراطًا مُسْتَقِيمًا (٢٠)\nهذه بيعة الرضوان، وهي البيعة تحت الشجرة بالحديبية، وسميت بيعة الرضوان لقوله تعالى «لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ ...» .\nوكانوا ألفا وخمسمائة وقيل وثلاثمائة وقيل وأربعمائة. وكانوا قصدوا دخول مكة، فلما بلغ ذلك المشركين قابلوهم صادّين لهم عن المسجد الحرام مع أنه لم يكن خارجا لحرب، فقصده المشركون، ثم صالحوه على أن ينصرف هذا العام، ويقيم بها ثلاثا ثم يخرج، (وأن يكون بينه وبينهم صلح عشرة أعوام بتداخل فيها الناس ويأمن بعضهم بعضا) «٢» وكان النبي قد رأى في منامه أنهم يدخلون المسجد الحرام آمنين، فبشر بذلك أصحابه، فلما صدهم المشركون خامر قلوبهم شىء، وعادت إلى قلوب بعضهم تهمة حتى قال الصّدّيق: لم يقل العام! فسكنت قلوبهم بنزول الآية لأن الله سبحانه علم ما في قلوبهم من الاضطراب والتشكك. فأنزل السكينة في قلوبهم،\n_________\n(١) هذه لفتة هامة جدا، حيث لم نتعود من القشيري في سائر مصنفاته أن يستجيز الرخصة. وربما هو يتحدث هنا عن عامة المسلمين، ولكن حينما يتحدث عن الصوفية يعتبر اللجوء إلى الرخصة بمثابة فسخ عقد الإرادة (أنظر الرسالة ص ١٩٩) .\n(٢) ما بين الأقواس تكملة من عندنا اعتمدنا فيها على المصادر المختلفة. أوردناها ليتضح الساق","vol":"3","page":426},{"text":"وثبّتهم باليقين. «وَأَثابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا» هو فتح خيبر بعد مدة يسيرة، وما حصلوا عليه من مغانم كثيرة من خيبر. وقيل ما يأخذونه إلى يوم القيامة «١» .\nوفي الآية دليل على أنه قد تخطر ببال الإنسان خواطر مشكّكة، وفي الرّيب موقعة، ولكن لا عبرة بها فإنّ الله سبحانه إذا أراد بعبد خيرا لازم التوحيد قلبه، وقارن التحقيق سرّه فلا يضرّه كيد الشيطان، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ» «٢» .\nوَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها ويدخل في ذلك جميع ما يغنمه المسلمون إلى القيامة فعجّل لكم هذه- يعنى خيبر «٣»، وقيل: الحديبية.\n«وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ» لما خرجوا من المدينة حرسهم الله، وحفظ عيالهم، وحمى بيضتهم حين هبّ اليهود «٤» فى المدينة بعد خروج المسلمين، فمنعهم الله عنهم.\nأو يقال: كفّ أيدى الناس من أهل الحديبية.\n«وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِراطًا مُسْتَقِيمًا» لتكون هذه آية للمؤمنين وعلامة يستدّلون بها على حراسة الله لهم.\n«وَيَهْدِيَكُمْ صِراطًا مُسْتَقِيمًا»: فى التوكل على الله والثقة به.\nويقال: كفّ أيدى الناس عن العبد هو أن يرزقه من حيث لا يحتسب، لئلا يحتاج إلى أن يتكفّف الناس.\nويقال: أن يرفع عنه أيدى الظّلمة.\n_________\n(١) هذا أيضا قول ابن عباس ومجاهد.\n(٢) آية ٢٠١ سورة الأعراف.\n(٣) يرجح أنها خيبر، لأن الحديبية كان فيها صلح.\n(٤) يرجح الطبري ذلك، لأن كف أيدى المشركين في الحديبية مذكور في قوله تعالى:\n«وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ»","vol":"3","page":427},{"text":"ويقال: ألا تحمله المطالبة بسبب كثرة العيال ونفقتهم الكبيرة على الخطر بدينه فيأخذ من الأشياء- برخصة التأويل- ما ليس بطيّب «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3381>[سورة الفتح (٤٨): آية ٢١]</span>\nوَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (٢١)\nقيل: فتح الروم وفارس «٢» . وقيل: فتح مكة «٣» .\nوكان الله على كل شىء قديرا: فلا تعلقوا بغيره قلوبكم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3382>[سورة الفتح (٤٨): آية ٢٢]</span>\nوَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا (٢٢)\nيعنى: خيبر وأسد وغطفان وغيرهم- لو قاتلوكم لانهزموا، ولا يجدون من دون الله ناصرا قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3383>[سورة الفتح (٤٨): آية ٢٣]</span>\nسُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (٢٣)\nأي سنّة الله خذلانهم ولن تجد لسنة الله تحويلا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3384>[سورة الفتح (٤٨): آية ٢٤]</span>\nوَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٢٤)\nقيل إن سبعين رجلا من أهل مكة هبطوا على رسول الله ﷺ من جبل التنعيم متسلحين يريدون قتله (فأخذناهم سلما فاستحييناهم) فأنزل الله هذه الآية في شأنهم «٤» .\n_________\n(١) مرة أخرى ننبه إلى إضافة هذا الكلام إلى موقف القشيري من الرخصة ومداها.\n(٢) قال ابن عباس: هى أرض فارس والروم وجميع ما فتحه المسلمون. وهو قول الحسن ومقاتل وابن أبى ليل.\n(٣) عن الحسن أيضا وقتادة، وقال عكرمة: حنين.\n(٤) فى ص، وم (فأخذهم سلمان)، وهما خطأ في النسخ، فالرواية عن يزيد بن هارون قال: أخبرنا حماد ابن سلمة عن ثابت عن أنس أن (ثمانين) رجلا من أهل مكة هبطوا على النبي (ص) من جبل التنعيم متسلحين يريدون","vol":"3","page":428},{"text":"وقيل أخذ اثنى عشر رجلا من المشركين- بلا عهد- فمنّ عليهم الرسول ﷺ «١» وقيل: هم أهل الحديبية كانوا قد خرجوا لمنع المسلمين، وحصل ترامى الأحجار بينهم فاضطرهم المسلمون إلى بيوتهم، فأنزل الله هذه الآية يمن عليهم حيث كف أيدى بعضهم عن بعض عن قدرة من المسلمين لا عن عجز فأما الكفار فكفّوا أيديهم رعبا وخوفا وأمّا المسلمون فنهيا من قبل الله، لما في أصلابهم من المؤمنين- أراد الله أن يخرجوا، أو لما علم أن قوما منهم يؤمنون.\nوالإشارة فيه: أن من الغنيمة الباردة والنعم السنية أن يسلم الناس منك، وتسلم منهم.\nوإن الله يفعل بأوليائه ذلك، فلا من أحد عليهم حيف، ولا منهم على أحد حيف ولا حساب ولا مطالبة ولا صلح ولا معاتبة، ولا صداقة ولا عداوة.. وكذا من كان بالحق- وأنشدوا:\nفلم يبق لى وقت لذكر مخالف ... ولم يبق لى قلب لذكر موافق.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3385>[سورة الفتح (٤٨): آية ٢٥]</span>\nهُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابًا أَلِيمًا (٢٥)\n«كَفَرُوا» وجحدوا، «وَصَدُّوكُمْ» ومنعوكم عن المسجد الحرام سنة الحديبية.\n«وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا «٢»»: أي منعوا الهدى أن يبلغ منحره، فمعكوفا حال من الهدى أي محبوسا.\n_________\n- غرة (أن يصيبوه على غفلة) رسول الله ﷺ وأصحابه، فأخذناهم سلما فاستحييناهم. (أي أخذوا قهرا وأسلموا أنفسهم (وقال ابن الأثير) السلم (بكسر السين وفتحها لغتان في الصلح) . وفي رواية قتادة أن النبي سألهم: «هل لكم على ذمة؟ (أي عهد) قالوا: لا، فأرسلهم فنزلت.\nوفي رواية الترمذي أنهم ثمانون رجلا هبطوا عليه عند صلاة الصبح، فأخذهم وأعتقهم. وذكر ابن هشام أنهم يسمّون العتقاء.. ومنهم معاوية وأبوه.\n(١) عن قتادة: أن المشركين رموا رجلا من أصحاب النبي يقال له زنيم بسهم فقتلوه، فبعث النبي خيلا فأتو باثنى عشر فارسا من الكفار، فقال لهم النبي (ص): هل لكم على ذمة؟ ... إلخ. [.....]\n(٢) فى البخاري عن ابن عمر قال: خرجنا مع رسول الله (ص) معتمرين فحال كفار قريش دون البيت فنحر الرسول وحلق رأسه، فنحروا بنحره وحلقوا، وقد غضب الرسول ممن توقف عن ذلك.","vol":"3","page":429},{"text":"وكان النبي ﷺ قد ساق تلك السّنة سبعين بدنة.\nقوله جل ذكره: «وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ «١» فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ» لو تسلطتم عليهم لأصابتهم معرة ومضرّة منكم بغير علم لسلّطناكم عليهم ولأظفرناكم بهم.\nوفي هذا تعريف للعبد بأن أمورا قد تنغلق وتتعسّر فيضيق قلب الإنسان.. ولله في ذلك سرّ، ولا يعدم ما يجرى من الأمر أن يكون خيرا للعبد وهو لا يدرى.. كما قالوا:\nكم مرة حفّت بك المكاره ... خير لك الله.. وأنت كاره\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3386>[سورة الفتح (٤٨): آية ٢٦]</span>\nإِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٢٦)\nيعنى الأنفة «٢» أي دفعتهم أنفة الجاهلية أن يمنعوكم عن المسجد الحرام سنة الحديبية، فأنزل الله سكينته في قلوب المؤمنين حيث لم يقابلوهم بالخلاف والمحاربة، ووقفوا واستقبلوا الأمر بالحلم.\n«وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى» وهي كلمة التوحيد تصدر عن قلب صادق: فكلمة التقوى يكون معها الاتقاء من الشّرك.\n_________\n(١) أن تطئوهم: بالقتل والإيقاع بهم. يقال وطئت القوم: أي أوقعت بهم. فجواب لولا محذوف والمعنى:\nولو أن تطئوا رجالا مؤمنين ونساء مؤمنات لم تعلموهم لأذن الله لكم في دخول مكة، ولسلطكم عليهم، ولكننا صنا من كان فيها يكتم وإيمانه.\n(٢) هكذا في م وهي في ص (الإنية) وقد رجحنا الأولى.","vol":"3","page":430},{"text":"«وَكانُوا أَحَقَّ بِها» حسب سابق حكمه وقديم «١» علمه.. «وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا» ويقال: الإلزام في الآية هو إلزام إكرام ولطف، لا إلزام إكراه وعنف وإلزام برّ لا إلزام جبر..\nوكم باسطين إلى وصلنا ... أكفهمو ... لم ينالوا نصيبا!\nويقال كلمة التقوى: التواصي بينهم بحفظ حق الله.\nويقال: هى أن تكون لك حاجة فتسأل الله ولا تبديها للناس.\nويقال: هى سؤالك من الله أن يحرسك من المطامع.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3387>[سورة الفتح (٤٨): آية ٢٧]</span>\nلَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (٢٧)\nأي صدقه «٢» فى رؤياه ولم يكذبه صدقه فيما أراه «٣» من دخول مكة «آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ» كذلك أراه لما خرج إلى الحديبية وأخبر أصحابه. فوطّن أصحابه نفوسهم على دخول مكة في تلك السنة. فلمّا كان من أمر الحديبية عاد إلى قلوب بعض المسلمين شىء، حتى قيل لهم لم يكن في الرؤيا دخولهم في هذا العام، ثم أذن الله في العام القابل، فأنزل الله:\n«لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ» فكان ذلك تحقيقا لما أراه، فرؤياه صلوات الله عليه حق لأن رؤيا الأنبياء حق\n_________\n(١) هكذا في ص وهي في م (وقدر) وقد رجحنا الأولى.\n(٢) أي على حذف الجار كقوله تعالى: «صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ»\n(٣) إشارة إلى الرؤيا التي أراه إياها من دخوله وصحبه مكة آمنين.","vol":"3","page":431},{"text":"وكان في ذلك نوع امتحان لهم: «فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا» أنتم من الحكمة في التأخير «١» .\nوقوله: «إِنْ شاءَ اللَّهُ» معناه إذ شاء الله كقوله: «إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» وقيل. قالها على جهة تنبيههم إلى التأدّب بتقديم المشيئة في خطابهم «٢» وقيل يرجع تقديم المشيئة إلى: إن شاء الله آمنين أو غير آمنين.\nوقيل. يرجع تقديم المشيئة إلى دخول كلّهم أو دخول بعضهم فإن الدخول كان بعد سنة، ومات منهم قوم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3388>[سورة الفتح (٤٨): آية ٢٨]</span>\nهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٢٨)\nأرسل رسوله محمدا ﷺ بالدين الحنفي، وشريعة الإسلام ليظهره على كل ما هو دين «٣» فما من دين لقوم إلا ومنه في أيدى المسلمين سرّ وللإسلام العزة والغلبة عليه بالحجج والآيات.\nوقيل: ليظهره وقت نزول عيسى ﵇ «٤» .\nوقيل: فى القيامة حيث يظهر الإسلام على كل الأديان.\nوقيل: ليظهره على الدين كله بالحجة والدليل.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3389>[سورة الفتح (٤٨): آية ٢٩]</span>\nمُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانًا سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)\n_________\n(١) قد تكون الحكمة في التأخير هو ما سيحدث لهم من الخير والصلاح والتفوق وكثرة العدد، فإنه ﵇ رجع من هذا الموقف إلى خيبر فافتتحها، ورجع بأموال وعدة ورجال أضعاف ما كان عليه في ذلك العام، وأقبل على مكة في أهبة وعدة. يدلك على ذلك أنهم كانوا عام الحديبية سنة ست عددهم ألف وأربعمائة، وكانوا بعده عشرة آلاف.\n(٢) إشارة إلى قوله تعالى: «وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ» .\n(٣) أي أن (الدين) فى الآية اسم جنس، أو اسم بمعنى المصدر، ويستوى فيه المفرد والجمع.\n(٤) أي عند نزوله لا يبقى على وجه الأرض كافر.","vol":"3","page":432},{"text":"«أَشِدَّاءُ» . جمع شديد، أي فيهم صلابة مع الكفار.\n«رُحَماءُ» . جمع رحيم، وصفهم بالرحمة والتوادّ فيما بينهم.\n«... تَراهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانًا» تراهم راكعين ساجدين يطلبون من الله الفضل والرضوان.\n«... سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ» أي علامة التخشع التي على الصالحين.\nويقال: هى في القيامة يوم تبيضّ وجوه، وأنهم يكونون غدا محجلين.\nوقد قال ﷺ: «من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار» «١» ويقال في التفسير: «مَعَهُ» أبوبكر، و«أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ» عمر و«رُحَماءُ بَيْنَهُمْ»:\nعثمان، و«تَراهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا» عليّ ﵃ «٢» وقيل: الآية عامة في المؤمنين.\n«ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ» .\nهذا مثلهم في التوراة، وأمّا مثلهم في الإنجيل فكزرع «٣» أخرج شطأه أي: فراخه.\n_________\n(١) جاء في سنن ابن ماجة: حدثنا إسماعيل بن محمد الطلحى قال «حدثنا ثابت بن موسى عن شريك عن الأعمش عن أبى سفيان عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: «من كثرت صلاته ...» وقال ابن العربي: هو مدسوس على وجه الغلط.\n(٢) هكذا في م أما في ص فلم يرد ذكر الصحابة رضوان الله عليهم سوى الجزء الأخير الخاص بعلى كرم الله وجهه، وقد يمكن لو تذكرنا ما جاء في هامش ص ٤٢٥- أن نستنبط أن ناسخ ص- الذي هو فارسى الأصل كما قلنا فى مدخل الكتاب- ربما كان شيعيا.\n(٣) فعل هذا يجوز الوقف على (التوراة) ثم يستأنف الكلام فيكون هناك مثلان. وقال مجاهد: هو مثل واحد. وعند النسفي: مكتوب في الإنجيل: سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر (ح ٤ ص ١٦٤) .","vol":"3","page":433},{"text":"يقال: أشطأ الزرع إذا أخرج صغاره على جوانبه. «فَآزَرَهُ» أي عاونه. «فَاسْتَغْلَظَ» أي غلظ واستوى على سوقه وآزرت الصغار الكبار حتى استوى بعضه مع بعض. يعجب هذا الزرع الزرّاع ليغيظ بالمسلمين الكفار شبّه النبي (ﷺ) بالزرع حين تخرج طاقة واحدة ما ينبت حولها فتشتد، كذلك كان وحده في تقوية دينه بمن حوله من المسلمين.\nفمن حمل الآية على الصحابة: فمن أبغضهم دخل في الكفر، لأنه قال: «لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ» أي بأصحابه الكفار. ومن حمله على المسلمين ففيه حجّة على الإجماع، لأنّ من خالف الإجماع- فالله يغايظ به الكفار- فمخالف الإجماع كافر قوله جل ذكره: «وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا» وعد المؤمنين والمؤمنات مغفرة للذنوب، وأجرا عظيما في الجنة فقوله: «مِنْهُمْ» للجنس أو للذين ختم لهم منهم بالإيمان.","vol":"3","page":434},{"text":"بسم الله الرّحمن الرّحيم [«بِسْمِ اللَّهِ»: إخبار عن وجود الحقّ بنعت القدم.\n«الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ»: إخبار عن بقائه بوصف العلاء والكرم.\nكاشف الأرواح بقوله: «بِسْمِ اللَّهِ» فهيمّها.\nوكاشف النفوس بقوله: «الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» فتيّمها فالأرواح دهشى في كشف جلاله، والنفوس عطشى إلى لطف جماله] .\nعبد الكريم القشيري فى بسملة «الشمس»","vol":"3","page":435},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3390>سورة الحجرات</span>\nقوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» «بِسْمِ اللَّهِ» اسم كريم من تنصّل إليه من زلّاته تفضّل عليه بنجاته، ومن توسّل إليه بطاعاته تطوّل عليه بدرجاته.\n«بِسْمِ اللَّهِ» اسم عزيز من تقرّب إليه بمناجاته قابله بلطف أفضاله، ومن تحبّب إليه بإيمانه أقبل عليه بكشف جلاله وجماله.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3391>[سورة الحجرات (٤٩): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١)\n«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا»: شهادة للمنادى بالشّرف.\n«لا تُقَدِّمُوا» أمر بتحمّل الكلف. قدّم الإكرام بالشرف على الإلزام بالكلف أي لا تقدموا بحكمكم «بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ»: أي لا تقضوا أمرا من دون الله ورسوله، أي لا تعملوا من ذات أنفسكم شيئا.\nويقال: قفوا حيثما وقفتم، وافعلوا ما به أمرتم، وكونوا أصحاب الاقتداء والاتّباع ...\nلا أرباب الابتداء والابتداع.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3392>[سورة الحجرات (٤٩): آية ٢]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (٢)","vol":"3","page":437},{"text":"أمرهم بحفظ حرمته، ومراعاة الأدب في خدمته وصحبته، وألّا ينظروا إليه بالعين التي ينظرون بها إلى أمثالهم. وأنه إذا كان بخلقه يلاينهم فينبغى ألا يتبسّطوا معه متجاسرين، ولا يكونوا مع ما يعاشرهم به من تخلّقه عن حدودهم زائدين.\nويقال: لا تبدأوه بحديث حتى يفاتحكم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3393>[سورة الحجرات (٤٩): آية ٣]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٣)\nهم الذين تقع السكينة عليهم من هيبة حضرته، أولئك هم الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى بانتزاع حبّ الشهوات منها، فاتقوا سوء الأخلاق، وراعوا الأدب.\nويقال: هم الذين انسلخوا من عادات البشرية.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3394>[سورة الحجرات (٤٩): الآيات ٤ الى ٥]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (٤) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)\nأي لو عرفوا قدرك لما تركوا حرمتك، والتزموا هيبتك.\nولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم ولم يستعجلوا، ولم يوقظوك وقت القيلولة بمناداتهم لكان خيرا لهم «١» .\nأمّا أصحابه- صلوات الله عليه وسلامه- الذين يعرفون قدره فإنّ أحدهم- كما في الخبر:\n«كأنه يقرع بابه بالأظافر» .\n_________\n(١) يقال: نزلت في قوم من بنى تميم منهم الأقرع بن حابس وسويد بن هاشم، ووكيع بن وكيع، وعيينة ابن حصن، وأن الأقرع نادى النبي (ص) من وراء حجرته أن اخرج إلينا فإن مدحنا زين وذمّنا شين. وكان ذلك وقت الظهيرة والنبي في راحته وبعض شئونه الخاصة. فاستيقظ وخرج لهم. [.....]","vol":"3","page":438},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3395>[سورة الحجرات (٤٩): آية ٦]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ (٦)\nدلّت الآية «١» على ترك السكون إلى خبر الفاسق إلى أن يظهر صدقه.\nوفي الآية إشارة إلى ترك الاستماع إلى كلام الساعي والنمّام والمغتاب للناس.\nوالآية تدلّ على قبول خبر الواحد إذا كان عدلا.\nوالفاسق هو الخارج عن الطاعة «٢» . ويقال هو الخارج عن حدّ المروءة.\nويقال: هو الذي ألقى جلباب الحياء.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3396>[سورة الحجرات (٤٩): الآيات ٧ الى ٨]</span>\nوَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٨)\nأي لو وافقكم محمد رسول الله ﷺ في كثير مما تطلبون منه لوقعتم في العنت- وهو الفساد «٣» . ولو قبل قول واحد (قبل وضوح الأمر) لأصابتكم من ذلك شدة.\nوالرسول صلوات الله عليه لا يطيعكم في أكثر الأمور إذا لم ير في ذلك مصلحة لكم وللدين.\n_________\n(١) يقال: نزلت في الوليد بن عقبة بن أبى معيط.. أرسله النبي (ص) ليجبى الصدقات من بنى المصطلق.\nفلما أبصروه تقدموا نحوه فهابهم فقد كانت بينه وبينهم إحنة.. فعاد من فوره إلى النبي وأخبره أنهم ارتدوا عن الإسلام، فلم يقنع النبي (ص) بما سمع وأرسل إليهم خالد بن الوليد ليتثبت من الأمر فأخبروه أنهم على إسلامهم، وأنهم كانوا خارجين إلى سفير النبي لإكرامه، واستيقن خالد من ذلك حين سمع أذانهم وصلاتهم.. فعاد إلى النبي وجلى حقيقة الأمر.\n(٢) مشتق من فسقت الرطبة أي خرجت من قشرها، والفأرة من جحرها.\n(٣) للعنت معان أخرى: فهو: الفجور والزنا- كما جاء في سورة النساء. وهو: الوقوع في أمر شاق كما جاء فى آخر سورة براءة.","vol":"3","page":439},{"text":"«وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ»: الإسلام والطاعة والتوحيد، وزيّنها في قلوبكم.\n«وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ..»: هذا من تلوين الخطاب.\nوفي الآية دليل على صحة قول أهل الحقّ في القدر «١»، وتخصيص المؤمنين بألطاف لا يشترك فيها الكفار. ولولا أنّه يوفّر الدواعي للطاعات لحصل التفريط والتقصير فى العبادات.\nفَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً: أي فعل هذا بكم فضلا منه ورحمة. والله عليم حكيم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3397>[سورة الحجرات (٤٩): آية ٩]</span>\nوَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩)\n«٢» تدل الآية على أن المؤمن بفسقه- والفسق دون الكفر- لا يخرج عن الإيمان لأن إحدى الطائفتين- لا محالة- فاسقة إذا اقتتلا.\nوتدل الآية على وجوب نصرة المظلوم حيث قال: «فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى ...» .\nوالإشارة فيه: أن النفس إذا ظلمت القلب بدعائه إلى شهواتها، واشتغالها في فسادها فيجب\n_________\n(١) يقصد القشيري أن القائلين بأن الله سبحانه المتفرد بخلق ذوات العباد وخلق أفعالهم وصفاتهم واختلاف ألسنتهم و... على صواب لأن الآية صريحة في خلق الأفعال فهو الذي حبّب إلى الإيمان والعكس.\n(٢) يقال نزلت في ابن أبيّ حين وقف الرسول على مجلس به بعض الأنصار وهو على حمار فقال ابن أبى:\nحلّ سبيل حمارك فقد أذانا، فانبرى له عبد الله بن رواحة قائلا:\nوالله إنّ بول حماره لأطيب من مسكك.\nوبعد أن مضى الرسول (ص) طال الخوض بينهما حتى استبّا وتجالدا، واشتبك الأوس والخزرج وتجالدوا بالعصى. وقيل بالأيدى والنعال والسعف، فرجع الرسول (ص) إليهم فأصلح بينهم.","vol":"3","page":440},{"text":"أن يقاتلها حتى تثخن بالجراحة بسيوف المجاهدة. فإن استجابت إلى الطاعة يعفى عنها لأنها هي المطيّة إلى باب الله.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3398>[سورة الحجرات (٤٩): آية ١٠]</span>\nإِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠)\nإيقاع الصلح بين المتخاصمين من أوكد عزائم الدّين.\nوإذا كان ذلك واجبا فإنه يدل على عظم وزر الواشي والنّمام والمصدر في إفساد ذات البين.\n(ويقال إنما يتم ذلك بتسوية القلب مع الله فإن الله إذا علم صدق همة عبد في إصلاح ذات البين) «١» فإنه يرفع عنهم تلك العصبيّة «٢» .\nفأما شرط الأخوة: فمن حقّ الأخوة في الدّين ألا تحوج أخاك إلى الاستعانة بك أو التماس النصرة عنك، وألا تقصّر في تفقّد أحواله بحيث يشكل عليك موضع حاجته فيحتاج إلى مساءلتك.\nومن حقّه ألا تلجئه إلى الاعتذار لك بل تبسط عذره فإن أشكل عليك وجهه عدت باللائمة على نفسك في خفاء عذره عليك ومن حقه أن تتوب عنه إذا أذنب، وتعوده إذا مرض. وإذا أشار عليك بشىء فلا تطالبه بالدليل عليه وإبراز الحجّة- كما قالوا:\nإذا استنجدوا لم يسألوا من دعاهم ... لأيّة حرب أم لأى مكان\nومن حقّه أن تحفظ عهده القديم، وأن تراعى حقّه في أهله المتصلين به في المشهد والمغيب، وفي حال الحياة وبعد الممات «٣» - كما قيل:\nوخليل إن لم يكن ... منصفا كنت منصفا\n_________\n(١) ما بين القوسين موجود في م وساقط في ص.\n(٢) هكذا في م وهي في ص المعصية ونحن نؤثر الأولى لملاءتها للسياق.\n(٣) فى هذه الفقرة ما يدحض مزاعم الذين يقولون بأن الصوفية قوم انعزاليون، لا يفهمون معنى العلاقات الاجتماعية ولا يقدرونها.","vol":"3","page":441},{"text":"تتحسّى له الأمر ... ين وكن ملاطفا\nإن يقل لك استو احترف ... ت رضى لا تكلّفا\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3399>[سورة الحجرات (٤٩): آية ١١]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١)\nنهى الله﷾- عن ازدراء الناس، وعن الغيبة، وعن الاستهانة بالحقوق، وعن ترك الاحترام.\n«وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ»: أي لا يعيبنّ بعضكم بعضا، كقوله: «وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ» «١» .\nويقال: ما استصغر أحد أحدا إلا سلّط عليه. ولا ينبغى أن يعتبر بظاهر أحوال الناس فإنّ في الزوايا خبايا. والحقّ يستر أولياءه في حجاب الضّعة «٢» وقد جاء في الخبر:\n«ربّ أشعث أغبر ذى طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبرّه» «٣» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3400>[سورة الحجرات (٤٩): آية ١٢]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (١٢)\n_________\n(١) آية ٢٩ سورة النساء.\n(٢) الضعة هنا بمعنى خمول الذكر وانطفاء المنظر.\n(٣) فى بعض الروايات بزيادة: «وإن البراء منهم»، وعند مسلم بلفظ «ربّ أشعث أغبر مدفوع إلى الأبواب لو أقسم على الله لأبرّه» .","vol":"3","page":442},{"text":"النّفس لا تصدق، والقلب لا يكذب. والتمييز بين النفس والقلب مشكل ومن بقيت عليه من حظوظه بقيّة- وإن قلّت- فليس له أن يدّعى بيان القلب بل هو بنفسه مادام عليه شىء من نفسه، ويجب أن يتّهم نفسه في كل ما يقع له من نقصان غيره.. هذا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ قال وهو يخطب. «كلّ الناس أفقه من عمر..\nامرأة أفقه من عمر» .\n«وَلا تَجَسَّسُوا» . والعارف لا يتفرغ من شهود الحقّ إلى شهود الخلق.. فكيف يتفرغ إلى تجسّس أحوالهم؟ وهو لا يتفرغ إلى نفسه فكيف إلى غيره؟ «وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا»: لا تحصل الغيبة للخلق إلّا من الغيبة عن الحقّ.\n«أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا ...» جاء في التفسير أن المقصود بذلك الغيبة، وعلى ذلك يدل ظاهر الآية.. وأخسّ الكفّار وأقلّهم قدرا من يأكل الميتة.. وعزيز رؤية من لا يغتاب أحدا بين يديك.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3401>[سورة الحجرات (٤٩): آية ١٣]</span>\nيا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوبًا وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)\nإنّا خلقناكم أجمعكم من آدم وحواء، ثم جعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا لا لتكاثروا ولا لتنافسوا. فإذا كانت الأصول تربة ونطفة وعلقة ... فالتفاخر بماذا؟ أبا لحمأ المسنون؟ أم بالنطفة في قرار مكين؟ أم بما ينطوى عليه ظاهرك مما تعرفه؟! «١» وقد قيل:\n_________\n(١) ربما نفهم من هذه العبارة ما يقصده القشيري في موضع آخر ماثل من سخرية بالإنسان وتحطيم لتجبره كأن يقول له: من أنت أيها الإنسان؟ أنت كنيف في قميص! ألا ترى إلى ريح إبطك إذا عرقت، وإلى ريح فمك إذا جعت!؟ ... ونحو ذلك.","vol":"3","page":443},{"text":"إنّ آثارنا تدل علينا ... فانظروا بعدنا إلى الآثار\nأم بأفعالك التي هي بالرياء مشوبة؟ أم بأحوالك التي هي بالإعجاب مصحوبة؟ أم بمعاملاتك التي هي ملأى بالخيانة؟\n«إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ؟ أتقاكم أي أبعدكم عن نفسه، فالتقوى هي التحرّر من النفس وأطماعها وحظوظها. فأكرم العباد عند الله من كان أبعد عن نفسه وأقرب إلى الله تعالى.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3402>[سورة الحجرات (٤٩): آية ١٤]</span>\nقالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤)\nالإيمان هو حياة القلب، والقلب لا يحيا إلا بعد ذبح النّفس، والنفوس لا تموت ولكنها تغيب، ومع حضورها لا يتمّ خير، والاستسلام في الظاهر إسلام. وليس كلّ من استسلم ظاهرا مخلص في سرّه.\n«وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ» فى هذا دليل على أن محلّ الإيمان القلب. كما أنه في وصف المنافقين قال تعالى:\n«فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ» ومرض القلب والإيمان ضدان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3403>[سورة الحجرات (٤٩): آية ١٥]</span>\nإِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)\nجعل الله الإيمان مشروطا بخصال ذكرها، ونصّ عليها بلفظ «إِنَّمَا» وهي للتحقيق الذي يقتضى طرد العكس فمن خرج عن هذه الشرائط التي جعلها للإيمان فمردود عليه قوله.\nوالإيمان يوجب للعبد الأمان، فما لم يكن الإيمان موجبا للأمان فصاحبه بغيره أولى.","vol":"3","page":444},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3404>[سورة الحجرات (٤٩): آية ١٦]</span>\nقُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٦)\nتدل الآية على أنّ الوقوف «١» فى المسائل الدينية يعتبر واجبا فالأسامى منه تؤخذ، والأحكام منه تطلب، وأوامره متّيعة «٢» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3405>[سورة الحجرات (٤٩): آية ١٧]</span>\nيَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٧)\nمن لاحظ شيئا من أعماله وأحواله فإن رآها من نفسه كان شركا، وإن رآها لنفسه كان مكرا فكيف يمن العبد بما هو شرك أو بما هو مكر؟! والذي يجب عليه قبول المنّة ... كيف يرى لنفسه على غيره منّة؟! هذا لعمرى فضيحة! بل المنّة لله فهو وليّ النعمة. ولا تكون المنة منة إلا إذا كان العبد صادقا في حاله، فأمّا إذا كان معلو لا في صفة من صفاته فهى محنة لصاحبها لا منّة.\nوالمنّة تكدّر الصنيع إذا كانت من المخلوقين، ولكن بالمنّة تطيب النعمة إذا كانت من قبل الله.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3406>[سورة الحجرات (٤٩): آية ١٨]</span>\nإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٨) .\n_________\n(١) هكذا في م وهي بمعنى (التوقف) (والتوقيف) عند بعض الأمور، ولهذا فما جاء في ص وهو (التوفيق) خطأ في النسخ.\n(٢) فالاتباع واجب والابتداع مرفوض- كما نهنا القشيري من قبل. [.....]","vol":"3","page":445},{"text":"ومن وقف هاهنا تكدّر عليه عيشه إذ ليس يدرى ما غيبه فيه، وفي معنى هذا قول القائل:\nأبكى.. وهل تدرين ما يبكينى؟\nأبكى حذارا أن تفارقينى وتقطعى وصلي وتهجرينى «١»\n_________\n(١) فى (اللمع) للسراج وتقطعى (حبلى) وتهجرينى (اللمع ص ٣٠٥) وكلاهما صحيح في المعنى ملائم للوزن.","vol":"3","page":446},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3407>سورة ق</span>\n«بِسْمِ اللَّهِ» اسم جبر أحوال من رحمه، متجبّر بكبريائه على من أقماه فقهره وحرمه.\n«بِسْمِ اللَّهِ» لطيف يعلم خفايا تصنّع العابدين، غافر لجلائل ذنوب العاصين.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3408>[سورة ق (٥٠): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١)\nق مفتاح أسمائه: «قوى وقادر وقدير وقريب» .. أقسم بهذه الأسماء وبالقرآن المجيد.\nوجواب القسم محذوف ومعناه لتبعثنّ في القيامة.\nويقال جوابه: «قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ» أي لقد علمنا.\nوحذفت اللام لمّا تطاول الخطاب.\nويقال: جوابه قوله: «ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3409>[سورة ق (٥٠): آية ٢]</span>\nبَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ (٢)\n«مُنْذِرٌ مِنْهُمْ»: هو محمد ﷺ والتعجّب نوع من تعبير النّفس عن استبعادها لأمر خارج العادة لم يقع به علم من قبل.\nوقد مضى القول في إنكارهم للبعث واستبعادهم ذلك:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3410>[سورة ق (٥٠): آية ٣]</span>\nأَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُرابًا ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (٣)\nأي يبعد عندنا أن نبعث بعد ما متنا. فقال جل ذكره:","vol":"3","page":447},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3411>[سورة ق (٥٠): آية ٤]</span>\nقَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ (٤)\nفى هذا تسلية للعبد فإنه إذا وسّد التراب، وانصرف عنه الأصحاب، واضطرب لوفاته الأحباب. فمن يتفقّده ومن يتعهّده ... وهو في شفير قبره، وليس لهم منه شىء سوى ذكره، ولا أحد منهم يدرى ما الذي يقاسيه المسكين في حفرته؟ فيقول الحقّ- سبحانه:\n«قَدْ عَلِمْنا ...» ولعلّه يخبر الملائكة قائلا: عبدى الذي أخرجته من دنياه- ماذا بقي بينه من يهواه؟ هذه أجزاؤه قد تفرّقت، وهذه عظامه بليت، وهذه أعضاؤه قد تفتّتت! «وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ»: وهو اللّوح المحفوظ أثبتنا فيه تفصيل أحوال الخلق من غير نسيان، وبيّنّا فيه كلّ ما يحتاج العبد إلى تذكّره.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3412>[سورة ق (٥٠): آية ٥]</span>\nبَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (٥)\n«مَرِيجٍ» أي مختلط وملتبس فهم يتردّدون في ظلمات تحيّرهم، ويضطربون في شكّهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3413>[سورة ق (٥٠): آية ٦]</span>\nأَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ (٦)\nأولم يعتبروا؟ أولم يستدلّوا بما رفعنا فوقهم من السماء، رفعنا سمكها فسوّيناها، وأثبتنا فيها الكواكب وبها زيّناها، وأدرنا فيها شمسها وقمرها؟ أولم يروا كيف جلّسنا عينها ونوّعنا أثرها؟\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3414>[سورة ق (٥٠): آية ٧]</span>\nوَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧)\nوالأرض مددناها فجعلناها لهم مهادا، وجعلنا لها الجبال أوتادا، وأنبتنا فيها أشجارا وأزهارا وأنوارا.. كل ذلك:","vol":"3","page":448},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3415>[سورة ق (٥٠): آية ٨]</span>\nتَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)\nعلامة ودلالة لكل من أناب إلينا، ورجع من شهود أفعالنا إلى رؤية صفاتنا، ومن شهود صفاتنا إلى شهود حقّنا وذاتنا «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3416>[سورة ق (٥٠): آية ٩]</span>\nوَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكًا فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩)\nأنزلنا من السماء ماء مباركا كثير النفع والزيادة، فأنبتنا به «جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ»:\nأي الذي يحصد- كما تقول: مسجد الجامع.\nالأجزاء متجانسة. ولكنّ أوصافها في الطعوم والروائح والألوان والهيئات والمقادير مختلفة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3417>[سورة ق (٥٠): الآيات ١٠ الى ١١]</span>\nوَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبادِ وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذلِكَ الْخُرُوجُ (١١)\nوالنخل باسقات: طويلات، لها طلع منضود بعضه فوق بعض لكثرة الطّلع أو لما فيها من الثمار. وكيف جعلنا بعض الثمار متفرقة كالتفاح والكمثرى وغيرهما، وكيف جعلنا بعضها مجتمعة كالعنب والرطب وغيرهما.. كلّ ذلك جعلناه رزقا للعباد ولكى ينتفعوا به.\n«... وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذلِكَ الْخُرُوجُ» .\nوكما سقنا هذا الماء إلى بلدة جفّ نباتها، وكما فعلنا كلّ هذه الأشياء ونحن قادرون على ذلك- كذلك نجمعكم في الحشر والنشر، فليس بعثكم بأبعد من هذا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3418>[سورة ق (٥٠): الآيات ١٢ الى ١٤]</span>\nكَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (١٢) وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوانُ لُوطٍ (١٣) وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ (١٤)\n_________\n(١) هذا الترتيب في منازل الشهود له أهمية في فهم المعراج الروحي عند هذا الإمام، وواضح منه أن أعلى درجات الشهود شهود الذات ... وذلك بشرائط سبقت الإشارة إليها في غير موضع من الكتاب، ولكننا مع ذلك لا نفسى أن القشيري- كما نعرف من منهجه- يرى الاستشراف من (الذات) من المحال، فقد جلت الصمدية عن الدرك واللحوق.. مهما سما العبد في معراجه الروحي.\nم (٢٩) لطائف الإشارات- ج ٣-","vol":"3","page":449},{"text":"إنّا لم نعجز عن هؤلاء- الذين ذكر أسماءهم- وفيه تهديد لهم وتسلية للرسول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3419>[سورة ق (٥٠): آية ١٥]</span>\nأَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (١٥)\nأي إنّا لم نعجز عن الخلق الأول.. فكيف نعجز عن الخلق الثاني- وهو الإعادة؟ لم يعتص علينا فعل شىء، ولم نتعب من شىء.. فكيف يشق علينا أمر البعث؟ أي ليس كذلك «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3420>[سورة ق (٥٠): آية ١٦]</span>\nوَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦)\nنعلم ما توسوس به نفسه من شهوات تطلب استنفاذها، مثل التصنّع مع الخلق، وسوء الخلق، والحقد.. وغير ذلك من آفات النّفس التي تشوّش على القلب والوقت.\n«وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ» فحبل الوريد أقرب أجزاء نفسه إلى نفسه، والمراد من ذلك العلم والقدرة، وأنه يسمع قولهم، ولا يشكل عليه شىء من أمرهم.\nوفي هذه الآية هيبة وفزع وخوف لقوم، وروح وسكون وأنس قلب لقوم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3421>[سورة ق (٥٠): آية ١٧]</span>\nإِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ (١٧)\nخوّفهم بشهود الملائكة وحضور الحفظة، وبكتابتهم عليهم أعمالهم، فهما قعيدا «٢» كلّ\n_________\n(١) فالاستفهام هنا للإنكار أو للنفى.\n(٢) عبر عن المثنى بالمفرد للدلالة بواحد على الاثنين مثل قول الشاعر:\nرمانى بأمر كنت منه ووالدي ... بريئا ومن أجل العلوي رمانى\nأي رمانى بأمر كنت منه بريثا وكان والدي منه بريثا.","vol":"3","page":450},{"text":"أحد: ويقال: إذا كان العبد قاعدا فواحد عن يمينه يكتب خيراته، وواحد على يساره يكتب معاصيه، وإذا قام فواحد عند رأسه وواحد عند قدمه، وإذا كان ماشيا فواحد قائم بين يديه وآخر خلفه.\nويقال: هما اثنان بالليل لكلّ واحد، واثنان بالنهار.\nويقال: بل الذي يكتب الخيرات اليوم يكون غيره غدا، وأمّا الذي يكتب الشر والمعصية بالأمس فإنه يكون كاتبا للطاعة غدا حتى يشهد طاعتك.\nويقال: بل الذي يكتب المعصية اثنان كل يوم اثنان آخران وكل ليلة اثنان آخران لئلا يعلم من مساويك إلا القليل منها، ويكون علم المعاصي متفرقا فيهم «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3422>[سورة ق (٥٠): آية ١٩]</span>\nوَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (١٩)\nإذا أشرفت النّفس على الخروج من الدنيا فأحوالهم مختلفة فمنهم من يزداد في ذلك الوقت خوفه ولا يتبيّن إلا عند ذهاب الروح حاله. ومنهم من يكاشف قبل خروجه فيسكن روعه، ويحفظ عليه عقله «٢»، ويتم له حضوره وتمييزه، فيسلم الرّوح على مهل من غير استكراه ولا عبوس.. ومنهم، ومنهم.. وفي معناه يقول بعضهم:\nأنا إن متّ- والهوى حشو قلبى- فبداء الهوى يموت الكرام ثم قال جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3423>[سورة ق (٥٠): الآيات ٢٠ الى ٢١]</span>\nوَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (٢٠) وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ (٢١)\nسائق يسوقها إمّا إلى الجنة أو إلى النار، وشهيد يشهد عليها بما فعلت من الخير والشرّ.\n_________\n(١) واضح من ذلك مقدار ما يبعثه الصوفية في نفوس العصاة من تفاؤل ورجاء أملا في فتح باب التوبة\n(٢) سقطت (عقله) من النسخة م، وموجودة في ص.","vol":"3","page":451},{"text":"ويقال له:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3424>[سورة ق (٥٠): آية ٢٢]</span>\nلَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (٢٢)\nالمؤمنون- اليوم بصرهم حديد يبصرون رشدهم ويحذرون شرّهم.\nوالكافر يقال له غدا: «فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ» أي: ها أنت علمت ما كنت فيه من التكذيب فاليوم لا يسمع منك خطاب، ولا يرفع عنك عذاب.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3425>[سورة ق (٥٠): آية ٢٣]</span>\nوَقالَ قَرِينُهُ هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ (٢٣)\nلا يخفى من أحوالهم شىء إلا ذكر، إن كان خيرا يجازون عليه، وإن كان غير خير يحاسبون عليه: إمّا برحمة منه فيغفر لهم وينجون، وإمّا على مقدار جرمهم يعذّبون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3426>[سورة ق (٥٠): آية ٢٥]</span>\nمَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (٢٥)\nمنّاع للزكاة المفروضة.\nويقال: يمنع فضل مائه وفضل كلئه عن المسلمين.\nويقال: يمنع الناس من الخير والإحسان، ويسىء القول فيهما حتى يزهّد الناس فيهما.\nويقال: المناع للخير هو المعوان على الشّرّ.\nويقال: هو الذي قيل فيه: «وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ» «١» .\n«مُرِيبٍ»: أي يشكّك الناس في أمره لأنه غير مخلص، ويلبّس على الناس حاله لأنه منافق.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3427>[سورة ق (٥٠): آية ٢٧]</span>\nقالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ وَلكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (٢٧)\nيقول الملك من الحفظة الموكّل به: ما أعجلته على الزّلّة.\n_________\n(١) آية ٧ سورة الماعون.","vol":"3","page":452},{"text":"وإنما «١» كتبتها بعد ما فعلها- وذلك حين يقول الكافر: لم أفعل هذا، وإنما أعجلنى بالكتابة علىّ، فيقول الملك: ربّنا ما أعجلته..\nويقال: هو الشيطان المقرون به، وحين يلتقيان في جهنم يقول الشيطان: ما أكرهته على كفره، ولكنه فعل- باختياره- ما وسوست به إليه.\nفيقول جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3428>[سورة ق (٥٠): الآيات ٢٨ الى ٣٠]</span>\nقالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (٢٨) ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَما أَنَا بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (٢٩) يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (٣٠)\nلا تختصموا لديّ اليوم وقد أمرتكم بالرّشد ونهيتكم عن الغيّ.\nقوله جل ذكره: «يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ» «٢» «نَقُولُ لِجَهَنَّمَ»، «وَتَقُولُ»: القول هنا على التوسّع لأنه لو كانت جهنم ممن يجيب لقالت ذلك بل يحييها حتى تقول ذلك.\n«هَلْ مِنْ مَزِيدٍ»: على جهة التغليظ، والاستزادة من الكفار.\nويقال: بل تقول «هَلْ مِنْ مَزِيدٍ»: أي ليس فيّ زيادة كقوله ﵇ لمّا قيل له:\nيوم فتح مكة: هل ترجع إلى دارك؟ فقال: وهل ترك لنا عقيل دارا؟! «٣» أي لم يترك، فإن الله- تعالى- يملأ جهنم من الكفار والعصاة، فإذا ما أخرج العصاة من المؤمنين ازداد غيظ الكفار حتى تمتلئ بهم جهنم.\n_________\n(١) هكذا في ص وهي في م (ما) والصواب ما أثبتنا.\n(٢) عن قتادة عن أنس عن النبي (ص) قال: يلقى في النار وتقول هل من مزيد حتى يضع قدمه فتقول قط قط. وفي رواية أبى هريرة: يقال لجهنم هل امتلأت وتقول: هل من مزيد فيضع الرب ﵎ قدمه عليها فتقول: قط قط (البخاري ح ٣ ص ١٢٨) .\n(٣) عن الزهري عن على بن حسين عن عمرو بن عثمان عن أسامة بن زيد أنه قال زمن الفتح: يا رسول الله، أين تنزل غدا؟ قال النبي (ص): وهل ترك لنا عقيل من منزل؟ ثم قال: لا يرث المؤمن الكافر ولا يرث الكافر المؤمن (البخاري ح ٣ ص ٤٢) .","vol":"3","page":453},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3429>[سورة ق (٥٠): آية ٣١]</span>\nوَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (٣١)\nيقال: إنّ الجنّة تقرّب من المتقين، كما أنّ النار تجرّ بالسلاسل إلى المحشر نحو المجرمين.\nويقال: بل تقرب الجنة بأن يسهل على المتقين حشرهم إليها.. وهم خواص الخواص.\nويقال: هم ثلاثة أصناف: قوم يحشرون إلى الجنة مشاة وهم الذين قال فيهم: «وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا «١»» - وهم عوام المؤمنين «٢» وقوم يحشرون إلى الجنة ركبانا على طاعاتهم المصوّرة لهم بصورة حيوان، وهم الذين قال فيهم جلّ وعلا: «يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْدًا» «٣» - وهؤلاء هم الخواص وأمّا خاص الخاص فهم الذين قال عنهم:\n«وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ» أي تقرّب الجنة منهم وقوله: «غَيْرَ بَعِيدٍ» تأكيد لقوله: «وَأُزْلِفَتِ» .\nويقال: «غير بعيد»: من العاصين تطييبا لقلوبهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3430>[سورة ق (٥٠): آية ٣٢]</span>\nهذا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (٣٢)\nالأوّاب: الراجع إلى الله في جميع أحواله.\n«حَفِيظٍ»: أي محافظ على أوقاته، (ويقال محافظ على حواسه في الله حافظ لأنفاسه مع الله) «٤» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3431>[سورة ق (٥٠): آية ٣٣]</span>\nمَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (٣٣)\nالخشية من الرحمن هي الخشية من الفراق. (والخشية من الرحمن تكون مقرونة بالأنس ولذلك لم يقل: من خشى الجبّار ولا من خشى القهّار) «٥» .\n_________\n(١) آية ٧٣ سورة الزمر.\n(٢) ما بين القوسين موجود في م وغير موجود في ص.\n(٣) آية ٨٥ سورة مريم.\n(٤) ما بين القوسين موجود في ص وساقط في م. [.....]\n(٥) ما بين القوسين موجود في ص وساقط في م.","vol":"3","page":454},{"text":"ويقال: الخشية من الله تقتضى العلم بأنه يفعل ما يشاء وأنه لا يسأل عمّا يفعل.\nويقال: الخشية ألطف من الخوف، وكأنها قريبة من الهيبة «١» .\n«وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ»: لم يقل بنفس مطيعة بل قال: بقلب منيب ليكون للعصاة في هذا أمل لأنهم- وإن قصّروا بنفوسهم وليس لهم صدق القدم- فلهم الأسف بقلوبهم وصدق النّدم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3432>[سورة ق (٥٠): آية ٣٤]</span>\nادْخُلُوها بِسَلامٍ ذلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (٣٤)\nأي يقال لهم: ادخلوها بسلامة من كل آفة، ووجود رضوان ولا يسخط عليكم الحقّ أبدا.\nومنهم من يقول له الملك: ادخلوها بسلام، ومنهم من يقول له: لكم ما تشاءون فيها قال تعالى:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3433>[سورة ق (٥٠): آية ٣٥]</span>\nلَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها وَلَدَيْنا مَزِيدٌ (٣٥)\nلم يقل: «لهم ما يسئلون» بل قال: «لَهُمْ ما يَشاؤُنَ»: فكلّ ما يخطر ببالهم فإنّ سؤلهم يتحقق لهم في الوهلة، وإذا كانوا اليوم يقولون: ما يشاء الله فإنّ لهم غدا منه الإحسان.. وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟\n«وَلَدَيْنا مَزِيدٌ»: اتفق أهل التفسير على أنه الرؤية، والنظر إلى الله سبحانه «٢» . وقوم يقولون: المزيد على الثواب في الجنة- ولا منافاة بينهما.\n_________\n(١) يقول الدقاق شيخ القشيري: هي مراتب: الخوف والخشية والهيبة: فالخوف من شرط الإيمان «وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» والخشية من شرط العلم: «إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ» . والهيبة من شرط المعرفة:\n«وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ» . وقال أبو القاسم الحكيم: الخوف على ضربين: رهبة وخشية فصاحب الرهبة يلتجىء إلى الهرب إذا خاف وصاحب الخشية يلتجىء إلى الرب (الرسالة ص ٦٥) .\n(٢) أجمعوا على أن الله تعالى يرى بالأبصار في الآخرة، وأنه يراه المؤمنون دون الكافرين لأن ذلك كرامة من الله تعالى لقوله: «لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ» . وجوزّوا الرؤية بالعقل وأوجبوها بالسمع وإنما جاز في العقل لأنه موجود، وكل موجود تجوز رؤيته إذا وضع الله سبحانه فينا الرؤية له، ولو لم تكن الرؤية جائزة عليه لكان سؤال موسى ﵇: «أرنى أنظر إليك» جهلا وكفرا. وجاء السمع بوجوبه في مثل:","vol":"3","page":455},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3434>[سورة ق (٥٠): آية ٣٦]</span>\nوَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٦)\nأي اعتبروا بالذين تقدّموكم انهمكوا في ضلالتهم، وأصرّوا، ولم يقلعوا.. فأهلكناهم وما أبقينا منهم أحدا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3435>[سورة ق (٥٠): آية ٣٧]</span>\nإِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧)\nقيل: «لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ»: أي من كان له عقل. وقيل: قلب حاضر. ويقال قلب على الإحسان مقبل. ويقال: قلب غير قلّب.\n«أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ»: استمع إلى ما ينادى به ظاهره من الخلق وإلى ما يعود إلى سرّه من الحق «١» . ويقال: لمن كان له قلب صاح لم يسكر «٢» من الغفلة. ويقال: قلب يعد أنفاسه مع الله. ويقال: قلب حيّ بنور الموافقة. ويقال: قلب غير معرض عن الاعتبار والاستبصار.\nويقال: «القلب- كما في الخبر- بين إصبعين من أصابع الرحمن»: أي بين نعمتين وهما ما يدفعه عنه من البلاء، وما ينفعه به من النّعماء، فكلّ قلب منع الحقّ عنه الأوصاف الذميمة وألزمه النعوت الحميدة فهو الذي قال فيه: «إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ» .\nوفي الخبر: «إن لله أوانى ألا وهي القلوب، وأقربها من الله ما رقّ وصفا» شبّه القلوب بالأوانى فقلب الكافر منكوس لا يدخل فيه شىء، وقلب المنافق إناء مكسور، ما يلقى فيه من أوّله يخرج من أسفله، وقلب المؤمن إناء صحيح غير منكوس يدخل فيه الإيمان ويبقى.\n_________\n- «كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ» . و«وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ» .. وقوله «ص» .. «إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته يوم القيامة» . وأجمعوا على أنه لا يرى في الدنيا بالأبصار، ولكن بالقلوب لأن الدنيا دار فناء ولا يرى الباقي في الدار الفانية.. وهي على العموم رؤية بلا كيفية ولا إحاطة.\n(١) هكذا في م وهي في ص (الخلق) وهي خطأ في النسخ.\n(٢) هكذا في م وهي في ص (يسكن) وهي خطأ في النسخ.","vol":"3","page":456},{"text":"ولكنّ هذه القلوب مختلفة فقلب ملطّخ بالانفعالات وفنون الآفات فالشراب الذي يلقى فيه يصحبه أثر، ويتلطخ به.\nوقلب صفا من الكدورات وهو أعلاها قدرا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3436>[سورة ق (٥٠): آية ٣٨]</span>\nوَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨)\nوأنى يمسّه اللّغوب. وهو صمد لا يحدث في ذاته حادث؟! قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3437>[سورة ق (٥٠): آية ٣٩]</span>\nفَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (٣٩)\nإن تأذّ سمعك بما يقولون فيّ من الأشياء التي يتقدّس عنها نعتى فاصبر على ما يقولون، واستروح عن ذلك بتسبيحك لنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3438>[سورة ق (٥٠): آية ٤٠]</span>\nوَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبارَ السُّجُودِ (٤٠)\nفالليل وقت الخلوة- والصفاء في الخلوة أتمّ وأصفى.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3439>[سورة ق (٥٠): الآيات ٤١ الى ٤٢]</span>\nوَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ (٤١) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (٤٢)\nالنداء من الحقّ- سبحانه- وارد عليهم، كما أنّ النجوى تحصل دائما بينهم. والنداء الذي يرد عليهم يكون بغتة ولا يكون للعبد في فعله اختيار.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3440>[سورة ق (٥٠): آية ٤٣]</span>\nإِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (٤٣)\nإلينا مرجع الكلّ ومصيرهم.","vol":"3","page":457},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3441>[سورة ق (٥٠): آية ٤٤]</span>\nيَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِراعًا ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ (٤٤)\nهذا يسير علينا: سواء خلقناهم جملة أو فرادى «١» قال تعالى: «ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ»» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3442>[سورة ق (٥٠): آية ٤٥]</span>\nنَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ (٤٥)\nما أنت عليهم بمتسلّط تكرههم.\nوإنما يؤثّر التخويف والإنذار والتذكير في الخائفين، فأمّا من لا يخاف فلا ينجح فيه التخويف- وطير السماء على ألّافها تقع.\n_________\n(١) هكذا في ص وهي في م (فردا)\n(٢) آية ٢٨ سورة لقمان.","vol":"3","page":458},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3443>سورة الذّاريات</span>\nقوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» بسم الله كلمة عزيزة من ذكرها عزّ لسانه، ومن عرفها اهتزّ بصحبتها جنانه «بِسْمِ اللَّهِ» كلمة للألباب غلّابة، كلمة لأرواح المحبّين سلّابة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3444>[سورة الذاريات (٥١): الآيات ١ الى ٦]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nوَالذَّارِياتِ ذَرْوًا (١) فَالْحامِلاتِ وِقْرًا (٢) فَالْجارِياتِ يُسْرًا (٣) فَالْمُقَسِّماتِ أَمْرًا (٤)\nإِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ (٥) وَإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ (٦)\nوَالذَّارِياتِ: أي الرياح الحاملات «وِقْرًا» أي السحاب «فَالْجارِياتِ» أي السفن.\n«فَالْمُقَسِّماتِ أَمْرًا» أي الملائكة.. أقسم بربّ هذه الأشياء وبقدرته عليها. وجواب القسم:\n«إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ..» والإشارة في هذه الأشياء أن من جملة الرياح. الرياح الصيحية «١» تحمل أنين المشتاقين إلى ساحات العزّة فيأتى نسيم القربة إلى مشامّ أسرار أهل المحبة..\nفعندئذ يجدون راحة من غلبات اللوعة، وفي معناه أنشدوا:\nوإنى لأستهدى الرياح نسيمكم ... إذا أقبلت من أرضكم بهبوب\nوأسألها حمل السلام إليكمو ... فإن هي يوما بلّغت.. فأجيبى\nومن السحاب ما يمطر بعتاب الغيبة، ويؤذن بهواجم النّوى والفرقة. فإذا عنّ لهم من ذلك شىء أبصروا ذلك بنور بصائرهم، فيأخذون في الابتهال، والتضرّع في السؤال استعاذة منها.. كما قالوا:\n_________\n(١) إشارة إلى صيحاتهم عند اشتداد الوجد.","vol":"3","page":459},{"text":"أقول- وقد رأيت لها سحابا ... من الهجران مقبلة إلينا\nوقد سحّت عزاليها «١» ببين ... حوالينا الصدود ولا علينا\nوكما قد يحمل الملّاح بعض الفقراء بلا أجرة طمعا في سلامة السفينة- فهؤلاء «٢» يرجون أن يحملوا في فلك العناية «٣» فى بحار «٤» القدرة عند تلاطم الأمواج حول السفينة.\nومن الملائكة من يتنزّل لتفقد أهل الوصلة، أو لتعزية أهل المصيبة، أو لأنواع من الأمور تتصل بأهل هذه القصة، فهؤلاء القوم يسألونهم عن أحوالهم: هل عندهم خير عن فراقهم ووصالهم- كما قالوا:\nبربّكما يا صاحبيّ قفا بيا ... أسائلكم عن حالهم واسألانيا\n«إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ. وَإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ»: الحقّ- سبحانه- وعد المطيعين بالجنة، والتائبين بالرحمة، والأولياء بالقربة، والعارفين بالوصلة، ووعد أرباب المصائب بقوله:\n«أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ «٥»» وهم يتصدون لاستبطاء حسن الميعاد- والله رءوف بالعباد.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3445>[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٧ الى ٨]</span>\nوَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ (٧) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨)\n«ذاتِ الْحُبُكِ» أي ذات الطرائق الحسنة- وهذا قسم ثان، وجوابه: «إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ» يعنى في أمر محمد ﷺ فأحدهم يقول: إنه ساحر، وآخر يقول:\nمجنون، وثالث يقول: شاعر.. وغير ذلك.\n_________\n(١) الأعزل من السحاب مالا مطر فيه (الوسيط ج ٢ ص ٦٠٥) .\n(٢) يقصد الصوفية.\n(٣) هكذا في ص وهي في م (الكفاية) .\n(٤) هكذا في ص وهي في م (محال) .\n(٥) إشارة إلى الآيتين ١٥٦، ١٥٧ من سورة البقرة.\n«الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ»: «أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ» . [.....]","vol":"3","page":460},{"text":"والإشارة فيه إلى القسم بسماء التوحيد ذات الزينة بشمس العرفان، وقمر المحبة، ونجوم القرب.. إنكم في باب هذه الطريقة لفى قول مختلف فمن منكر يجحد الطريقة، ومن معترض يعترض على أهلها يتوهّم نقصانهم في القيام بحق الشريعة «١»، ومن متعسّف «٢» لا يخرج من ضيق حدود العبودية ولا يعرف خبرا عن تخصيص الحقّ أولياءه بالأحوال السنية، قال قائلهم:\nقد سحب الناس أذيال الظنون بنا ... وفرّق الناس فينا قولهم فرقا\nفكاذب قد رمى بالظنّ غيرتكم ... وصادق ليس يدرى. أنه صدقا\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3446>[سورة الذاريات (٥١): آية ٩]</span>\nيُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (٩)\nأي يصرف عنه من صرف، وذلك أنهم كانوا يصدّون الناس عنه «٣» ويقولون:\nإنه لمجنون.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3447>[سورة الذاريات (٥١): الآيات ١٠ الى ١١]</span>\nقُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (١٠) الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ ساهُونَ (١١)\nلعن الكذّابون الذين هم في غمرة الضلالة وظلمة الجهالة ساهون لاهون.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3448>[سورة الذاريات (٥١): الآيات ١٢ الى ١٤]</span>\nيَسْئَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (١٢) يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣) ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (١٤)\nيسألون أيان يوم القيامة؟ يستعجلون بها، فلأجل تكذيبهم بها كانت نفوسهم لا تسكن\n_________\n(١) نلاحظ هنا حرص الإمام القشيري على أن أرباب الحقيقة لا يتنكرون بحال من الأحوال لأى حق من حقوق الشريعة.\n(٢) هكذا في ص وهي في م (متقشف) التي هي خطأ في النسخ.\n(٣) واضح أن القشيري يرى الضمير فى (عنه) التي في الآية عائدا إلى الرسول (ص) . ويعيده بعض المفسرين إلى القرآن أو إلى الدين أو إلى (ما توعدون) . ومعنى عبارة القشيري أنه يصرف عنه من صرفه في سابق علمه.","vol":"3","page":461},{"text":"إليها. ويوم هم على النار يحرقون ويعذّبون يقال لهم: قاسوا عقوبتكم، هذا الذي كنتم به تستعجلون.\nوالإشارة فيه إلى الذين يكذبون في أعمالهم لما يتداخلهم من الرياء، ويكذبون في أحوالهم لما يتداخلهم من الإعجاب، ويكذبون على الله فيما يدّعونه من الأحوال.. قتلوا ولعنوا.. وسيلقون غبّ تلبيسهم بما يحرمون من اشتمام رائحة الصدق.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3449>[سورة الذاريات (٥١): الآيات ١٥ الى ١٦]</span>\nإِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥) آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ (١٦)\nفى عاجلهم في جنّات وصلهم وفي آجلهم في جنّات فضلهم فغدا درجات ونجاة، واليوم قربات ومناجاة، فما هو مؤجّل حظّ أنفسهم، وما هو معجّل حقّ ربّهم. هم آخذين اليوم ما آتاهم ربهم يأخذون نصيبهم منه بيد الشكر والحمد، وغدا يأخذون ما يعطيهم ربّهم في الجنة من فنون العطاء والرّفد.\nومن كان اليوم آخذه بلا واسطة من حيث الإيمان والإتقان، وملاحظة القسمة في العطاء والحرمان. كان غدا آخذه بلا واسطة في الجنان عند اللقاء والعيان. «إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ» كانوا ولكنهم اليوم بانوا «١» ولكنهم بعد ما أعدناهم حصلوا واستبانوا.. فهم كما في الخبر: «أعبد الله كأنك تراه ...» «٢» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3450>[سورة الذاريات (٥١): الآيات ١٧ الى ١٨]</span>\nكانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨) .\n_________\n(١) العارف كائن بائن (هذا رأى يحيى بن معاذ: رسالة القشيري ص ١٥٧) والمعنى أنه وإن بدا بين الناس يشاركهم ويعاشرهم إلا أنه مشتغل عنهم بمعروفه لا يشغل عنه طرفة عين.\n(٢) جاء في الحلية عن زيد بن أرقم: «أعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه نراك، وأحسب نفسك فى الموتى، واتق دعوة المظلوم» كذلك رواه الطبراني والبيهقي عن معاذ بلفظ: «أعبد الله ولا تشرك به شيئا واعمل كأنك تراه، واعدد نفسك في الموتى» .","vol":"3","page":462},{"text":"المعنى إمّا: كانوا قليلا وكانوا لا ينامون إلا بالليل (كقوله تعالى: «وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ» «١» أو: كان نومهم بالليل قليلا، أو:) «٢» كانوا لا ينامون بالليل قليلا «٣» .\n«وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ»: أخبر عنهم أنهم- مع تهجدهم ودعائهم- ينزلون أنفسهم في الأسحار منزلة العاصين، فيستغفرون استصغارا لقدرهم، واستحقارا لفعلهم.\nوالليل.. للأحباب في أنس المناجاة، وللعصاة في طلب النجاة. والسّهر لهم في لياليهم دائما إمّا لفرط أسف أو لشدّة لهف، وإمّا لاشتياق أو لفراق- كما قالوا:\nكم ليلة فيك لاصباح لها ... أفنيتها قابضا على كبدى\nقد غصّت العين بالدموع وقد ... وضعت خدى على بنان يدى\nوإمّا لكمال أنس وطيب روح- كما قالوا:\nسقى الله عيشا قصيرا مضى ... زمان الهوى في الصبا والمجون\nلياليه تحكى انسداد لحاظ ... لعينى عند ارتداد الجفون\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3451>[سورة الذاريات (٥١): آية ١٩]</span>\nوَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (١٩)\nالسائل هو المتكفّف، والمحروم هو المتعفّف- ويقال هو الذي يحرم نفسه بترك السؤال..\nهؤلاء هم الذين يعطون بشرط العلم «٤»، فأمّا أصحاب المروءة: فغير المستحق لمالهم أولى من المستحق «٥» . وأما أهل الفترة فليس لهم مال حتى تتوجه عليهم مطالبة لأنهم أهل الإيثار- فى الوقت- لكلّ ما يفتح عليهم به.\n_________\n(١) آية ١٣ سورة سبأ.\n(٢) ما بين القوسين موجود في م وسقط في ص.\n(٣) يقول النسفي: ولا يجوز أن تكون ما نافية على معنى أنهم لا يهجعون من الليل قليلا ويحيونه كله لأن ما النافية لا يعمل ما بعدها فيما قبلها فلا تقول: زيدا ما ضربت (النسفي ح ٤ ص ١٨٤) .\n(٤) أي حسب شرائط الشريعة في الزكاة.\n(٥) هكذا في م وهي مشطوبة بخط فوقها في ص ... والعبارة قد تبدو غامضة، وقد يكون مراد القشيري- إن صحت عنه العبارة هكذا- أن اهل المروءة لا يتقيدون في عطائهم بما تفرضه الشريعة للمستحقين وحسب فإن المستحق يأخذ ما هو حق له، وإنما يعطون دائما ويمنحون دائما بغض النظر عن استحقاق أو عدمه.","vol":"3","page":463},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3452>[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٢٠ الى ٢٢]</span>\nوَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ (٢١) وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ (٢٢)\nكما أنّ الأرض تحمل كلّ شىء فكذلك العارف يتحمّل كلّ أحد.\nومن استثقل أحدا أو تبرّم برؤية أحد فلغيبته عن الحقيقة، ولمطالعته الخلق بعين التفرقة- وأهل الحقائق لا يتصفون بهذه الصفة.\nومن الآيات التي في الأرض أنها يلقى عليها كلّ قذارة وقمامة- ومع ذلك تنبت كلّ زهر ونور.. كذلك العارف يتشرب كلّ ما يسقى من الجفاء، ولا يترشح إلّا بكل خلق علىّ وشيمة زكيّة «١» .\nومن الآيات التي في الأرض (أنّ ما كان منها سبخا يترك ولا يعمّر لأنه لا يحتمل العمارة- كذلك الذي لا إيمان له بهذه الطريقة يهمل، فمقابلته بهذه الصفة) «٢» كإلقاء البذر في الأرض السبخة.\n«وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ»: أي وفي أنفسكم أيضا آيات، فمنها وقاحتها في همتها «٣»، ووقاحتها في صفتها، ومنها دعاواها العريضة فيما ترى منها وبها، ومنها أحوالها المريضة حين تزعم أنّ ذرّة أو (...) «٤» بها أو منها.\n«وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ»: أي قسمة أرزاقكم في السماء، فالملائكة الموكّلون بالأرزاق ينزلون من السماء.\nويقال: السماء هاهنا المطر، فبالمطر ينبت الحبّ والمرعى.\n_________\n(١) يقول الجنيد: «الصوفى كالأرض يطرح عليها كل قبيح ولا يخرج منها إلا كل مليح»، وقال أيضا:\n«إنه كالأرض يطؤها البر والفاجر» (الرسالة ص ١٣٩) .\n(٢) ما بين القوسين موجود في م وساقط في ص.\n(٣) هكذا في م وهي في ض (صمتها) ويبدو أن الهاء اشتبهت على الناسخ.\n(٤) مشتبهة في النسختين. [.....]","vol":"3","page":464},{"text":"ويقال: على رب السماء أرزاقكم لأنه ضمنها.\nويقال: قوله: «وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ» وهاهنا وقف ثم تبتدئ: «وَما تُوعَدُونَ» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3453>[سورة الذاريات (٥١): آية ٢٣]</span>\nفَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (٢٣)\nأي: إنّ البعث والنشر لحقّ.\nويقال: إنّ نصرى لمحمد ولدينى، وللذى أتاكم به من الأحكام- لحقّ مثل ما أنّكم تنطقون.\nكما يقال: هذا حقّ مثل ما أنك هاهنا.\nويقال: معناه: «أنّ الله رازقكم» - هذا القول حقّ مثلما أنكم إذا سئلتم:\nمن ربّكم؟ ومن خالقكم؟ قلتم: الله.. فكما أنكم تقولون: إن الله خالق- وهذا حقّ..\nكذلك القول بأنّ الله رازق- هو أيضا حقّ.\nويقال: كما أنّ نطقك لا يتكلم به غيرك فرزقك لا يأكله غيرك.\nويقال: الفائدة والإشارة في هذه الآية أنه حال برزقك على السماء، ولا سبيل لك إلى العروج إلى السماء لتشتغل بما كلفك ولا تتعنّى في طلب مالا تصل إليه.\nويقال: فى السماء رزقكم، وإلى السماء يرفع عملكم.. فإن أردت أن ينزل عليك رزقك فأصعد إلى السماء عملك- ولهذا قالوا: الصلاة قرع باب الرزق، وقال تعالى: «وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ رِزْقًا» «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3454>[سورة الذاريات (٥١): آية ٢٤]</span>\nهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤)\n_________\n(١) آية ١٣٢ سورة طه.\nم (٣٠) لطائف الإشارات- ج ٣","vol":"3","page":465},{"text":"قيل في التفاسير: لم يكن قد أتاه خبرهم قبل نزول هذه الاية.\nوقيل: كان عددهم اثنى عشر ملكا. وقيل: جبريل وكان معه سبعة. وقيل:\nكانوا ثلاثة.\nوقوله: «الْمُكْرَمِينَ» قيل لقيامه﵇- بخدمتهم. وقيل: أكرم الضيف بطلاقة وجهه، والاستبشار بوفودهم.\nوقيل: لم يتكلّف إبراهيم لهم، وما اعتذر إليهم- وهذا هو إكرام الضيف- حتى لا تكون من المضيف عليه منّة فيحتاج الضيف إلى تحملها.\nويقال: سمّاهم مكرمين لأن غير المدعوّ عند الكرام كريم.\nويقال: ضيف الكرام لا يكون إلا كريما.\nويقال: المكرمين عند الله.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3455>[سورة الذاريات (٥١): آية ٢٥]</span>\nإِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٢٥)\nأي سلّمنا عليك (سلاما) فقال إبراهيم: لكم منى (سلام) .\nوقولهم: «سَلامًا» أي لك منّا سلام، لأنّ السلام: الأمان.\n«قَوْمٌ مُنْكَرُونَ»: أي أنتم قوم منكرون لأنه لم يكن يعرف مثلهم في الأضياف.\nويقال: غرباء.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3456>[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٢٦ الى ٢٨]</span>\nفَراغَ إِلى أَهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قالَ أَلا تَأْكُلُونَ (٢٧) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ (٢٨)\nأي عدل إليهم من حيث لا يعلمون «١»، وكذلك يكون الروغان «٢» .\n_________\n(١) أي من حيث لا يعلم الأضياف.\n(٢) وكذلك يكون روغان الكرام: خفية حتى لا يسبب لأضيافه الحرج.","vol":"3","page":466},{"text":"«فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ» فشواه، وقرّبه منهم وقال: «أَلا تَأْكُلُونَ؟» وحين امتنعوا عن الأكل:\nفَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ توهّم أنهم لصوص فقالوا له: «لا تَخَفْ» .\n«وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ»: أي بشّروه بالولد، وببقاء هذا الولد إلى أن يصير عليما والعليم مبالغة من العلم، وإنما يصير عليما بعد كبره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3457>[سورة الذاريات (٥١): آية ٢٩]</span>\nفَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَها وَقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (٢٩)\n«فِي صَرَّةٍ» أي في صيحة شديدة، «فَصَكَّتْ وَجْهَها» أي فضربت وجهها بيدها كفعل النساء «وَقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ»: أي أنا عجوز عقيم. وقيل: إنها يومها كانت ابنة ثمان وتسعين سنة، وكان إبراهيم ابن تسع وتسعين سنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3458>[سورة الذاريات (٥١): آية ٣٠]</span>\nقالُوا كَذلِكَ قالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٣٠)\nأي قلنا لك كما قال ربّك لنا، وأن نخبرك أنّ الله هو المحكم لأفعاله، «الْعَلِيمُ» الذي لا يخفى عليه شىء «١»\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3459>[سورة الذاريات (٥١): آية ٣١]</span>\nقالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٣١)\nسألهم: ما شأنكم؟ وما أمركم؟ وبماذا أرسلتم؟\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3460>[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٣٢ الى ٣٦]</span>\nقالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٣٢) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (٣٤) فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦)\n_________\n(١) روى أن جبريل قال لها حين استبعدت: انظري إلى سقف بيتك، فنظرت فإذا جذوعه مورقة مثمرة.","vol":"3","page":467},{"text":"هم قوم لوط، ولم نجد فيها غير لوط ومن آمن به.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3461>[سورة الذاريات (٥١): آية ٣٧]</span>\nوَتَرَكْنا فِيها آيَةً لِلَّذِينَ يَخافُونَ الْعَذابَ الْأَلِيمَ (٣٧)\nتركنا فيها علامة يعتبر بها الخائفون- دون القاسية قلوبهم «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3462>[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٣٨ الى ٤٧]</span>\nوَفِي مُوسى إِذْ أَرْسَلْناهُ إِلى فِرْعَوْنَ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (٣٨) فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقالَ ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٣٩) فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ (٤٠) وَفِي عادٍ إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (٤١) ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (٤٢)\nوَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ (٤٣) فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٤٤) فَمَا اسْتَطاعُوا مِنْ قِيامٍ وَما كانُوا مُنْتَصِرِينَ (٤٥) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ (٤٦) وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧)\nأي بحجة ظاهرة باهرة «٢» .\n.... إلى قوله: وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ: أي جعلنا بينها وبين الأرض سعة، و«إِنَّا لَقادِرُونَ»: على أن نزيد في تلك «٣» السعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3463>[سورة الذاريات (٥١): آية ٤٨]</span>\nوَالْأَرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ (٤٨)\nأي جعلناها مهادا لكم. ثم أثنى على نفسه قائلا: «فَنِعْمَ الْماهِدُونَ» .\nدلّ بهذا كلّه على كمال قدرته، وعلى تمام فضله ورحمته.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3464>[سورة الذاريات (٥١): آية ٤٩]</span>\nوَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٤٩)\nأي صنفين في الحيوان كالذّكر والأنثى، وفي غير الحيوان كالحركة والسكون، والسواد والبياض، وأصناف المتضادات.\n_________\n(١) قيل هي ماء أسود منتن.\n(٢) هكذا في م وهي في ص (قاهرة) وكلاهما مقبول في السياق.\n(٣) هكذا في م وهي في ص (سلك) والسياق لا يقبل هذه.","vol":"3","page":468},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3465>[سورة الذاريات (٥١): آية ٥٠]</span>\nفَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠)\nأي فارجعوا إلى الله- والإنسان بإحدى حالتين إمّا حالة رغبة في شىء، أو حالة رهبة من شىء، أو حال رجاء، أو حال خوف، أو حال جلب نفع أو رفع ضرّ.. وفي الحالتين ينبغى أن يكون فراره إلى الله فإنّ النافع والضارّ هو الله.\nويقال: من صحّ فراره إلى الله صحّ قراره مع الله.\nويقال: يجب على العبد أن يفرّ من الجهل إلى العلم، ومن الهوى إلى التّقى، ومن الشّكّ إلى اليقين، ومن الشيطان إلى الله.\nويقال: يجب على العبد أن يفرّ من فعله- الذي هو بلاؤه إلى فعله الذي هو كفايته، ومن وصفه الذي هو سخطه إلى وصفه الذي هو رحمته، ومن نفسه- حيث قال: «وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ» إلى نفسه حيث قال: «فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ» «١»:\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3466>[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٥١ الى ٥٣]</span>\nوَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١) كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَواصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ (٥٣)\nأخوّفكم أليم عقوبته إن أشركتم به- فإنّه لا يغفر أن يشرك به.\nثم بيّن أنه على ذلك جرت عادتهم في تكذيب الرّسل، كأنهم قد توصوا فيما بينهم بذلك.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3467>[سورة الذاريات (٥١): آية ٥٤]</span>\nفَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ (٥٤)\nفأعرض عنهم فليست تلحقك- بسوء صنيعهم- ملامة «٢» قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3468>[سورة الذاريات (٥١): آية ٥٥]</span>\nوَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥)\nذكّر العاصين عقوبتى ليرجعوا عن مخالفة أمرى، وذكّر المطيعين جزيل ثوابى ليزدادوا\n_________\n(١) هنا استخدم القشيري ثقافته الكلامية فيما يتصل بصفات (الفعل) وصفات (الذات) (أنظر تقديمنا لكتاب التحبير في التذكير) .\n(٢) هكذا في م وهي في ص (ملايه) وهي خطأ من الناسخ.","vol":"3","page":469},{"text":"طاعة وعبادة، وذكّر العارفين ما صرفت عنهم من بلائي، وذكّر الأغنياء ما أتحت «١» لهم من إحسانى وعطائى، وذكّر الفقراء ما أوجبت لهم من صرف الدنيا عنهم وأعددت لهم من لقائى.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3469>[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٥٦ الى ٥٨]</span>\nوَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ (٥٦) ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)\nالذين اصطفيتهم في آزالى، وخصصتهم- اليوم- بحسن إقبالى، ووعدتهم جزيل أفضالى- ما خلقتهم إلّا ليعبدون.\nوالذين سخطت عليهم في آزالى، وربطتهم- اليوم- بالخذلان فيما كلّفتهم من أعمالى، وخلقت النار لهم- بحكم إلهيتى ووجوب حكمى في سلطانى- ما خلقتهم إلا لعذابى وأنكالى، وما أعددت لهم من سلاسلى وأغلالى.\nما أريد منهم أن يطعموا أو يرزقوا أحدا من عبادى فإنّ الرزّاق أنا.\nوما أريد أن يطعمون فإننى أنا الله «ذُو الْقُوَّةِ»: المتين القوى.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3470>[سورة الذاريات (٥١): آية ٥٩]</span>\nفَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ (٥٩)\nلهم نصيب من العذاب مثل نصيب من سلف من أصحابهم من الكفار فلم استعجال العذاب- والعذاب لن يفوتهم؟.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3471>[سورة الذاريات (٥١): آية ٦٠]</span>\nفَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٦٠)\nوهو يوم القيامة.\n_________\n(١) هكذا في م وهي في ص (الحث) وهي غير ملائمة للسياق.","vol":"3","page":470},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3472>سورة الطّور</span>\nقوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» .\n«بِسْمِ اللَّهِ» كلمة ما استولت على قلب عارف إلّا تيّمته بكشف جلاله، وما استولت على قلب متأفّف إلّا أكرمته بلطف أفضاله.. فهى كلمة قهّارة للقلوب.. ولكن لا لكلّ قلب، مذهبة للكروب.. ولكن لا لكلّ كرب.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3473>[سورة الطور (٥٢): الآيات ١ الى ٣]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nوَالطُّورِ (١) وَكِتابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣)\nأقسم الله بهذه الأشياء (التي في مطلع السورة)، وجواب القسم قوله: «إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ» . والطور هو الجبل الذي كلّم عليه موسى ﵇ لأنه محلّ قدم الأحباب وقت سماع الخطاب. ولأنه الموضع الذي سمع فيه موسى ذكر محمد ﷺ وذكر أمّته حتى نادانا ونحن في أصلاب آبائنا فقال: أعطيتكم قبل أن تسألونى «وَكِتابٍ مَسْطُورٍ»:\nمكتوب في المصاحف، وفي اللوح المحفوظ.\nوقيل: كتاب الملائكة في السماء يقرءون منه ما كان وما يكون.\nويقال: ما كتب على نفسه من الرحمة لعباده.\nويقال ما كتب من قوله: سبقت رحمتى غضبى «١» .\nويقال: هو قوله: «وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ» «٢» .\n_________\n(١) فى الحديث أن الله كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش: «إن رحمتى سبقت غضبى» .\n(٢) آية ١٠٥ سورة الأنبياء.","vol":"3","page":471},{"text":"ويقال: الكتاب المسطور فيه أعمال العباد يعطى لعباده بأيمانهم وشمائلهم يوم القيامة.\n«فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ» «١»: يرجع إلى ما ذكرنا من الكتاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3474>[سورة الطور (٥٢): آية ٤]</span>\nوَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (٤)\nفى السماء الرابعة «٢» . ويقال: هو قلوب العابدين العارفين المعمورة بمحبته ومعرفته. ويقال:\nهى مواضع عباداتهم ومجالس خلواتهم. وقيل: الكعبة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3475>[سورة الطور (٥٢): آية ٥]</span>\nوَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥)\nهى السماء. وقيل سماء هممهم في الملكوت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3476>[سورة الطور (٥٢): الآيات ٦ الى ٧]</span>\nوَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (٦) إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ (٧)\nالبحار المملوءة.\nأقسم بهذه الأشياء: إنّ عذابه لواقع. وعذابه في الظاهر ما توعّد به عباده العاصين، وفي الباطن الحجاب بعد الحضور، والستر بعد الكشف، والردّ بعد القبول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3477>[سورة الطور (٥٢): آية ٨]</span>\nما لَهُ مِنْ دافِعٍ (٨)\nإذا ردّ عبدا أبرم القضاء بردّه:\nإذا انصرفت نفسى عن الشيء لم تكن ... إليه بوجه آخر- الدهر- تقبل\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3478>[سورة الطور (٥٢): الآيات ٩ الى ١٠]</span>\nيَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا (٩) وَتَسِيرُ الْجِبالُ سَيْرًا (١٠)\n«تَمُورُ»: أي تدور بما فيها، وتسير الجبال عن أماكنها، فتسير سيرا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3479>[سورة الطور (٥٢): الآيات ١١ الى ١٢]</span>\nفَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١١) الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ (١٢)\n_________\n(١) الرق هو الصحيفة أو الجلد الذي يكتب فيه، منشور لا ختم عليه أو لائح.\n(٢) يقابل الكعبة معمور بالملائكة. [.....]","vol":"3","page":472},{"text":"الويل كلمة تقولها العرب لمن وقع في الهلاك.\n«فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ»: فى باطل التكذيب يخوضون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3480>[سورة الطور (٥٢): الآيات ١٣ الى ١٥]</span>\nيَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣) هذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ (١٤) أَفَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ (١٥)\nيوم يدفعون إلى النار دفعا، ويقال لهم: هذه هي النار التي كنتم بها تكذّبون..\nثم يسألون: أهذا من قبيل السحر على ما قلتم أم غطّى على أبصاركم؟! قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3481>[سورة الطور (٥٢): آية ١٦]</span>\nاصْلَوْها فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٦)\nوالصبر على الجزاء في العاقبة لا قيمة له، لأنّ عذابهم عقوبة لهم:\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3482>[سورة الطور (٥٢): الآيات ١٧ الى ١٨]</span>\nإِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (١٧) فاكِهِينَ بِما آتاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقاهُمْ رَبُّهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (١٨)\nالمتقون في جنات ونعيم عاجلا وآجلا «١» . «فاكِهِينَ» أي معجبين بما آتاهم ربهم وما أعطاهم.\nويقال: «فاكِهُونَ»: أي ذوو فاكهة: كقولهم رجل تامر أي ذو تمر، ولابن أي ذو لبن.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3483>[سورة الطور (٥٢): آية ١٩]</span>\nكُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٩)\nقوم يصير لهم ذلك هنيئا بطعمه ولذّته، وقوم يصير هنيئا لهم سماع قولهم\n_________\n(١) يشير القشيري إلى النعيم العاجل الذي هو الوصلة والقربة. فمن المعلوم أن الصوفية يسلكون طريقهم فى حياة وسطى فيها قيامة وحشر ونشر وثواب وعذاب، بما يشعرون من هجر ووصل، وخوف ورجاء.\nونحو ذلك من الأحوال.","vol":"3","page":473},{"text":"عنه- سبحانه- هنيئا، وقوم يصير لهم ذلك هنيا ليّنا وهم بمشهد منه:\nفاشرب على وجهها كغرّتها ... مدامة في الكئوس كالشّرر\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3484>[سورة الطور (٥٢): آية ٢٠]</span>\nمُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٢٠)\nيظلّون في سرور وحبور، ونصيب من الأنس موفور.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3485>[سورة الطور (٥٢): آية ٢١]</span>\nوَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ (٢١)\nيكمل عليهم سرورهم بأن يلحق بهم ذرّياتهم فإنّ الانفراد بالنعمة عمّن القلب مشتغل به من الأهل والولد والذرية يوجب تنغص العيش.\nوكذلك كلّ من قلب الولىّ يلاحظه من صديق وقريب، ووليّ وخادم، قال تعالى فى قصة يوسف: «وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ» وفي هذا المعنى قالوا:\nإنّى على جفواتها- فبربّها ... وبكلّ متّصل بها متوسّل\nلأحبها، وأحبّ منزلها الذي ... نزلت به وأحب أهل المنزل\n«وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ» أي ما أنقصنا من أجورهم من شىء بل وفينا ووفّرنا. وفي الابتداء نحن أولينا وزدنا على ما أعطينا.","vol":"3","page":474},{"text":"«كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ» مطالب بعمله، يوفيّ عليه أجره بلا تأخير، وإن كان ذنبا فالكثير منه مغفور، كما أنه اليوم مستور.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3486>[سورة الطور (٥٢): الآيات ٢٢ الى ٢٣]</span>\nوَأَمْدَدْناهُمْ بِفاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢٢) يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ (٢٣)\nأي لا يجرى بينهم باطل ولا يؤثمهم كما يجرى بين الشّرب «١» فى الدنيا، ولا يذهب الشّرب بعقولهم فيجرى بينهم ما يخرجهم عن حدّ الأدب والاستقامة.\nوكيف لا يكون مجلسهم بهذه الصفة ومن المعلوم من يسقيهم، وهم بمشهد منه وعلى رؤية منه؟.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3487>[سورة الطور (٥٢): آية ٢٤]</span>\nوَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ (٢٤)\nوالقوم عن الدار وعمّن في الدار مختطفون لاستيلاء ما يستغرقهم فالشراب يؤنسهم ولكن لا بمن يجانسهم «٢» وإذا كان- اليوم- للعبد وهو في السجن في طول عمره ساعة «٣» امتناع عن سماع خطاب الأغيار، وشهود واحد من المخلوقين- وإن كان ولدا عزيزا، أو أخا شفيقا- فمن المحال أن يظن أنه يردّ من الأعلى إلى الأدنى.. إن كان من أهل القبول والجنة، ومن المحال أن يظن أنه يكون غدا موسوما بالشقاوة.\nوإذا كان العبد في الدنيا يقاسى في غربته من مقاساة اللتيا والتي- فماذا يجب أن يقال إذا\n_________\n(١) الشرب بالفتح القوم يشربون ويجتمعون على الشراب (الوسيط واللسان) .\n(٢) هكذا في م وهي أقرب إلى الصواب مما جاء في ص (يجالسهم) باللام لأن السياق يتدعم بالأولى فالأنس الحاصل يومئذ بالحق لا بالخلق.\n(٣) هذه محاولة طيبة يقدمها التفسير الإشارى عند بحث قضية التنعم في الآخرة ونفى الحسيات عن هذا المتنعم لأنه إذا تصورنا أن العبد في ساعة الفناء يكون محوا فيما يشهد، وأن ذلك يحدث في الدنيا.. فها بالك في الآخرة وهم ناظرون إلى ربهم؟!","vol":"3","page":475},{"text":"رجع إلى منزله؟ أيبقى على ما كان عليه في سفرته؟ أم يلقى غير ما كان يقاسى في سفرته، ويتجرع غير ما كان يسقى من كاسات كربته؟.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3488>[سورة الطور (٥٢): الآيات ٢٥ الى ٢٨]</span>\nوَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (٢٥) قالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ (٢٦) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ (٢٧) إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (٢٨)\nلولا أنهم قالوا: «فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا» لكانوا قد لا حظوا إشفاقهم، ولكن الحقّ- سبحانه- اختطفهم عن شهود إشفاقهم حيث أشهدهم منّته عليهم حتى قالوا: «فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا، وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ، إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3489>[سورة الطور (٥٢): آية ٢٩]</span>\nفَذَكِّرْ فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ (٢٩)\nأي أنهم يعلمون أنك ليست بك كهانة ولا جنون، وإنما قالوا ذلك على جهة التسفيه فالسّفيه يبسط لسانه فيمن يسبّه بما يعلم أنه منه برىء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3490>[سورة الطور (٥٢): الآيات ٣٠ الى ٣١]</span>\nأَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (٣١)\nنتربص به حوادث الأيام فإنّ مثل هذا لايدوم، وسيموت كما مات من قبله كهّان وشعراء.\nويقال: قالوا: إنّ أباه مات شابا، ورجوا أن يموت كما مات أبوه، فقال تعالى:\n«قُلْ تَرَبَّصُوا ...» فإننا منتظرون، وجاء في التفسير أنّ جميعهم ماتوا. فلا ينبغى لأحد أن يؤمّل موت أحد. فقل من تكون هذه صنعته إلّا سبقته المنيّة- دون أن يدرك ما يتمنّاه من الأمنيّة.","vol":"3","page":476},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3491>[سورة الطور (٥٢): آية ٣٢]</span>\nأَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ (٣٢)\nأتأمرهم عقولهم «١» بهذا؟ أم تحملهم مجاوزة الحدّ في ضلالهم وطغيانهم على هذا؟\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3492>[سورة الطور (٥٢): الآيات ٣٣ الى ٣٤]</span>\nأَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ (٣٣) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ (٣٤)\nإذا كانوا يزعمون أنك تقول هذا القول «٢» من ذات نفسك فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين فيما رموك به! قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3493>[سورة الطور (٥٢): الآيات ٣٥ الى ٣٨]</span>\nأَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ (٣٦) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ (٣٧) أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (٣٨)\nكلّا ليس الأمر كذلك، بل الله هو الخالق وهم المخلوقون.\nأم هم الذين خلقوا السماوات والأرض؟ أم عندهم خزائن ربّك.\n- أي خزائن أرزاقه ومقدوراته؟ أم هم المسيطرون المتسلّطون على الناس؟.\nأم لهم سلّم يرتقون فيه فيستمعون ما يجرى في السماوات؟ فليأت مستمعهم بسلطان مبين.\nثم إنه سفّه أحلامهم فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3494>[سورة الطور (٥٢): الآيات ٣٩ الى ٤٣]</span>\nأَمْ لَهُ الْبَناتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ (٣٩) أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٠) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤١) أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ (٤٢) أَمْ لَهُمْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٣)\nأم تسألهم على تبليغ الرسالة أجرا فهم مثقلون من الغرم والإلزام في المال (بحيث يزهدهم ذلك في اتباعك؟.\n_________\n(١) كانت قريش يدعون أهل الأحلام والنّهى- فإسناد الأحلام إلى الكفار في الآية مجاز فيه سخرية منهم.\n(٢) ما بين القوسين إضافة من جانبنا كى يتضح السياق- فالقشيرى كما هو واضح في آخر السورة لا يعطى سوى كلمات مقتضبة، وإنما يهتم بالجانب الإشارى- إن وجد.","vol":"3","page":477},{"text":"أم عندهم علم الغيب فهم يكتبون ذلك؟\nأم يريدون كيدا «١» أي أن يمكروا بك مكرا فالذين كفروا هم المكيدون.\nأم لهم إله غير الله يفعل شيئا مما يفعل الله؟ تنزيها له عن ذلك!.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3495>[سورة الطور (٥٢): آية ٤٤]</span>\nوَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ (٤٤)\nأي إن رأوا قطعة من السماء ساقطة عليهم قالوا: إنه سحاب مركوم «٢» ركم بعضه على بعض والمقصود أنهم مهما رأوا من الآيات لا يؤمنون. ولو فتحنا عليهم بابا من السماء حتى شاهدوا بالعين لقالوا: إنما سكرت أبصارنا، وليس هذا عيانا ولا مشاهدة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3496>[سورة الطور (٥٢): الآيات ٤٥ الى ٤٦]</span>\nفَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (٤٥) يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٦)\nأي فأعرض عنهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يموتون، يوم لا يغنى عنهم كيدهم شيئا، ولا يمنعون من عذابنا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3497>[سورة الطور (٥٢): آية ٤٧]</span>\nوَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذابًا دُونَ ذلِكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٤٧)\nدون يوم القيامة لهم عذاب القتل والسّبى، وما نزل بهم من الهوان والخزي يوم بدر وغيره «٣» .\n«وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ»: أنّ الله ناصر لدينه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3498>[سورة الطور (٥٢): آية ٤٨]</span>\nوَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (٤٨) .\n_________\n(١) يقال هو كيدهم للرسول وللمؤمنين بدار الندوة- وقد يقصد به الكفار أجمعين.\n(٢) فى ص (مكروم) وهي خطأ في النسخ.\n(٣) ويقال عذاب القبر لأنه يسبق القيامة.","vol":"3","page":478},{"text":"أنت بمرأى منّا، وفي نصرة منّا.\n«فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا» «١»: فى هذا تخفيف عليه وهو يقاسى الصبر.\n«وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ» .\nأي تقوم للصلاة المفروضة عليك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3499>[سورة الطور (٥٢): آية ٤٩]</span>\nوَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبارَ النُّجُومِ (٤٩)\nقيل: المغرب والعشاء وركعتا الفجر.\nوفي الآية دليل وإشارة إلى أنه أمره أن يذكره في كلّ وقت، وألا يخلو وقت من ذكره.\nوالصبر لحكم الله شديد، ولكن إذا عرف اطلاع الربّ عليه سهل عليه ذلك وهان.\n_________\n(١) التعبير بالجمع هنا قد يفيد زيادة الرعاية في حق المصطفى صلوات الله عليه، خصوصا إذا تذكرنا أنه سبحانه قال في حق موسى ﵇ «وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي» فالتعبير في هذه الحالة بالمفرد، والله سبحانه أعلم.","vol":"3","page":479},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3500>سورة النّجم</span>\nقوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» .\n«بِسْمِ اللَّهِ» اسم حليم رحيم، يحلم «١» فيما يعلم، ويستر ما يبصر ويغفر «٢»، وعلى العقوبة يقدر، يرى ويخفى، ويعلم ولا يبدى.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3501>[سورة النجم (٥٣): الآيات ١ الى ٢]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nوَالنَّجْمِ إِذا هَوى (١) ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى (٢)\nوالثريا إذا سقط وغرب. ويقال: هو جنس النجوم أقسم بها.\n(ويقال: هى الكواكب) «٣» . ويقال: أقسم بنجوم القرآن على النبي ﷺ ويقال هي الكواكب التي ترمى بها الشياطين.\nويقال أقسم بالنبي ﷺ عند منصرفه من المعراج.\nويقال: أقسم بضياء قلوب العارفين ونجوم عقول الطالبين.\nوجواب القسم قوله: «ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى»: أي ما ضلّ عن التوحيد قط، «وَما غَوى»: الغىّ: نقيض الرّشد.. وفي هذا تخصيص للنبى ﷺ حيث توليّ- سبحانه- الذّبّ عنه فيما رمى به، بخلاف ما قال لنوح ﵇ وأذن له حتى قال: «لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ «٤»»، وهود قال: «لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ «٥»» .. وغير ذلك، وموسى\n_________\n(١) هكذا في م وهي في ص (يكلم) وواضح أنها خطأ من الناسخ.\n(٢) هكذا في م وهي في ص (يضير) وهي خطأ من الناسخ.\n(٣) موجود في م وساقط في ص.\n(٤) آية ٦١ سورة الأعراف. [.....]\n(٥) آية ٦٧ سورة الأعراف.","vol":"3","page":480},{"text":"قال لفرعون: «وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا» «١» . وقال لنبينا ﷺ:\n«ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى»: معناه ما ضلّ صاحبكم، ولا غفل عن الشهود طرفة عين.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3502>[سورة النجم (٥٣): الآيات ٣ الى ٤]</span>\nوَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحى (٤)\nأي ما ينطق بالهوى، وما هذا القرآن إلا وحي يوحى. وفي هذا أيضا تخصيص له بالشهادة إذ قال لداود: «فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى» «٢» .\nوقال في صفة نبيّنا ﷺ: «وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى» .\n(ومتى ينطق عن الهوى وهو في محل النجوى؟ فى الظاهر مزموم بزمام التقوى، وفي السرائر في إيواء المولى، مصفّى عن كدورات البشرية، مرقّى إلى شهود الأحدية، مكاشف بجلال الصمدية، مختطف عنه بالكلّيّة، لم تبق منه إلا للحقّ بالحقّ بقية.. ومن كان بهذا النعت.. متى ينطق عن الهوى؟) «٣» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3503>[سورة النجم (٥٣): الآيات ٥ الى ٧]</span>\nعَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى (٧)\nأي جبريل ﵇. و«ذُو مِرَّةٍ»: أي ذو قوة وهو جبريل. «وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى» أي جبريل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3504>[سورة النجم (٥٣): الآيات ٨ الى ٩]</span>\nثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى (٨) فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى (٩)\nدنا جبريل من محمد ﵇، فتدلّى جبريل: أي نزل من العلوّ إلى محمد.\nوقيل: «فَتَدَلَّى» تفيد الزيادة في القرب، وأنّ محمدا ﵇ هو الذي دنا من ربّه دنوّ كرامة، وأنّ التدلّى هنا معناها السجود.\n_________\n(١) آية ١٠٢ سورة الإسراء.\n(٢) آية ٢٦ سورة ص.\n(٣) كل ما بين القوسين موجود في مكان آخر، وضعناه في مكانه الصحيح حتى يستقيم السياق.","vol":"3","page":481},{"text":"ويقال: دنا محمد من ربّه بما أودع من لطائف المعرفة وزوائدها، فتدلّى بسكون قلبه إلى ما أدناه.\n«فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى»: فكان جبريل- وهو في صورته التي هو عليها- من محمد ﷺ بحيث كان بينهما قدر قوسين أو أدنى.\nويقال: كان بينهﷺ- وبين الله قدر قوسين: أراد به دنوّ كرامة لا دنوّ مسافة.\nويقال: كان من عادتهم إذا أرادوا تحقيق الألفة بينهم إلصاق أحدهم قوسه بقوس صاحبه عبارة عن «١» عقد الموالاة بينهما، وأنزل الله- سبحانه- هذا الخطاب على مقتضى معهودهم. ثم رفع الله هذا فقال: «أَوْ أَدْنى» أي بل أدنى.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3505>[سورة النجم (٥٣): آية ١٠]</span>\nفَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى (١٠)\nأي أوحى الله إلى محمد ما أوحى. ويقال: أحمله أحمالا «٢» لم يطلّع عليها أحد.\nويقال: قال له: ألم أجدك يتيما فآويتك؟ ألم أجدك ضالا فهديتك؟\nألم أجدك عائلا فأغنيتك؟ ألم أشرح لك صدرك؟\nويقال: بشّره بالحوض والكوثر.\nويقال: أوحى إليه أنّ الجنّة محرّمة على الأنبياء حتى تدخلها، وعلى الأمم حتى تدخلها أمتّك. والأولى أن يقال: هذا الذي قالوه كله حسن، وغيره مما لم يطّلع أحد.. كله أيضا كان له في تلك الليلة وحده إذ رقّاه إلى ما رقّاه، ولقّاه بما لقّاه، وأدناه حيث لا دنوّ قبله ولا بعده، وأخذه عنه حيث لا غير، وأصحاه له في عين ما محاه عنه، وقال له ما قال.. دون أن يطّلع أحد على ما كان بينهما من السّرّ «٣» .\n_________\n(١) كما نقول في أسلوبنا الآن (تعبيرا عن..)\n(٢) هكذا في ص وهي أصوب مما جاء في م (أجمله إجمالا) بالجيم فالسياق يرفضهما.\n(٣) هذه الفقرة الأخيرة محاولة من جانب أرباب الحقيقة لفهم بعض جوانب في قصة الإسراء والمعراج.\nومضمون كلام القشيري أننا لو كنا نستسيغ حدوث أحوال الكشوفات والمواصلات التي تتاح للأولياء العارفين..\nفكيف لا نتقبلها بالنسبة للمصطفى عليه صلوات الله وسلامه؟ وبمعنى آخر: نجد التفسير الصوفي يبرز نفسه في قوة ونصاعة لتوضيح قضية من قضايا التدين، كانت موضع جدل في زمانها وبعد زمانها.","vol":"3","page":482},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3506>[سورة النجم (٥٣): آية ١١]</span>\nما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى (١١)\nما كذّب فؤاد محمد ﷺ ما رآه ببصره من الآيات. وكذلك يقال: رأى ربّه تلك الليلة على الوصف الذي علمه قبل أن يراه «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3507>[سورة النجم (٥٣): آية ١٢]</span>\nأَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى (١٢)\nأفتجادلونه على ما يرى؟\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3508>[سورة النجم (٥٣): الآيات ١٣ الى ١٥]</span>\nوَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى (١٤) عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى (١٥)\nأي جبريل رأى الله مرة أخرى حين كان محمد عند سدرة المنتهى وهي شجرة في الجنة، وهي منتهى الملائكة، وقيل: تنتهى إليها أرواح الشهداء. ويقال: تنتهى إليها أرواح الخلق، ولا يعلم ما وراءها إلا الله تعالى- وعندها «جَنَّةُ الْمَأْوى» وهي جنة من الجنان.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3509>[سورة النجم (٥٣): آية ١٦]</span>\nإِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى (١٦)\nيغشاها ما يغشاها من الملائكة ما الله أعلم به.\nوفي خبر: يغشاها رفرف طير خضر.\nويقال: يغشاها فراش من ذهب.\n_________\n(١) يقول القشيري في كتابه المعراج ص ٩٤: «واختلفوا في رؤية الله سبحانه ليلة المعراج فقالت عائشة ﵂: إن النبي (ص) لم ير ربّه ليلة المعراج، ومن زعم أن محمدا رأى ربّه ليلة المعراج فقد أعظم على الله الفرية. وقال ابن عباس: إن نبينا (ص) رأى ربّه ليلة المعراج.\nثم اختلفت الرواية عن ابن عباس ففى رواية أنه رآه بعين رأسه، وفي رواية أنه رآه بقلبه. وقال أهل التحقيق من أهل السّنّة: اختلافهم في هذه المسألة دليل على إجماعهم أن الحق سبحانه يجوز أن يرى لأنه لولا أنّهم كانوا متفقين على جواز الرؤية لم يكن لاختلافهم في الرؤية في تلك الليلة معنى.\nوقد رويت في هذا الباب أخبار، والله أعلم بصحتها، فإن صحّ ذلك فلها وجوه من التأويل، من ذلك ماءروى أنه قال: «رأيت ربى في أحسن صورة» - فهذا الخبر يحتمل وجوها منها: رأيت ربى وأنا في أحسن صورة يعنى في أكمل رتبة وأتم فضيلة، وأقوى ما كنت لم يصحبنى دهش، ولا رهقتنى حيرة.\nويمكن أن تكون الرؤية بمعنى العلم، أي رأيت من قدرة الله تعالى ودلائل حكمته، ولم يشغلنى شهود الصور عن ذكر المصوّر، بل رأيت الفاعل في الفعل.\nوقيل: الصورة بمعنى الصفة، يقال: أرنى صورة هذا الأمر أي: صفته. و«فى» على معنى «على» أي رأيت ربى على أحسن صفة من جلالة وصفه وإفضاله معى.","vol":"3","page":483},{"text":"ويقال: أعطى رسول الله (ص) عندها خواتيم البقرة، وغفر لمن مات من أمّته لا يشرك بالله شيئا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3510>[سورة النجم (٥٣): آية ١٧]</span>\nما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى (١٧)\nما مال- صلوات الله عليه وسلامه- ببصره عمّا أبيح له من النظر إلى الآيات، والاعتبار بدلائلها.\nفما جاوز حدّه، بل راعى شروط الأدب في الحضرة «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3511>[سورة النجم (٥٣): آية ١٨]</span>\nلَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى (١٨)\nأي «الْآيَةَ» الكبرى، وحذف الآية.. وهي تلك التي رآها في هذه الليلة. ويقال:\nهى بقاؤه في حال لقائه ربّه بوصف الصّحو، وحفظه حتى رآه «٢» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3512>[سورة النجم (٥٣): الآيات ١٩ الى ٢٢]</span>\nأَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزى (٢٢)\nهذه أصنام كانت العرب تعبدها فاللات صنم لثقيف، والعزّى شجرة لغطفان، ومناة صخرة لهذيل وخزاعة «٣» .\nومعنى الآية: أخبرونا.. هل لهذه الأصنام التي تعبدونها من دون الله من القدرة أن تفعل بعائذ بها ما فعلنا نحن لمحمد ﷺ من الرّتب والتخصيص؟.\n_________\n(١) قال أبو يزيد البسطامي: حفظ النبي (ص) طرفه في المسرى، فما زاغ البصر وما طغى، لعلمه بما يؤهل له من المشاهدة، فلم يشاهد في ذلك شيئا، ولم ير طرفه أحدا، ثم لما ردّ إلى محل التأديب نظر إلى الجنة والنار، والأنبياء والملائكة للإخبار عنها، وتأديب الخلق بها فالمقام الأول مقام خصوص والمقام الثاني مقام عموم.\nوقال رويم: لما أكرم ﵊ بأعظم الشرف في المسرى عملت همّته عن الالتفات إلى الآيات والكرامات والجنة والنار فما زاغ البصر وما طغى أي ما أعار طرفه شيئا من الأكوان، ومن شاهد البحر استقلّ الأنهار والأودية.\n(٢) سئل الشبلي: «كيف ثبت النبى (ص) فى المعراج للقاء والمخاطبة؟ فقال: إنه هيّىء لأمر فمكّن فيه» ويقارن القشيري في موضع آخر بين موسى ﵇ إذ خرّ صعقا بمجرد سماع النداء وبين نبيّنا ﵊ إذ ثبت في محل المشاهدة، ويضيف: إن موسى في حال التلوين، ومحمد في حال التمكين.\n(٣) هذه الأصنام كلها مؤنثات.. وكانوا يقولون: إن الملائكة وهذه الأصنام بنات الله!","vol":"3","page":484},{"text":"ثم وبّخهم فقال: أرأيتم كيف تختارون لأنفسكم البنين وتنسبون البنات إلى الله؟ تلك إذا قسمة ناقصة! قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3513>[سورة النجم (٥٣): آية ٢٣]</span>\nإِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى (٢٣)\nأنتم ابتدعتم هذه الأسماء من غير أن يكون الله أمركم بهذا، أو أذن لكم به.\nفأنتم تتبعون الظنّ، «وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا» «١» «وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى»: فأعرضوا عنه، وكما أنّ ظنّ الكفار أوجب لهم الجهل والحيرة والحكم بالخطأ- فكذلك في هذه الطريقة «٢»: من عرّج على أوصاف الظنّ لا يحظى «٣» بشىء من الحقيقة فليس في هذا الحديث إلا القطع والتحقّق، فنهارهم قد متع «٤»، وشمسهم قد طلعت، وعلومهم أكثرها صارت ضرورية.\nأمّا الظنّ الجميل بالله فليس من هذا الباب، والتباس عاقبة الرجل عليه ليس «٥» أيضا من هذه الجملة ذات الظن المعلول في الله، وفي صفاته وأحكامه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3514>[سورة النجم (٥٣): آية ٢٤]</span>\nأَمْ لِلْإِنْسانِ ما تَمَنَّى (٢٤)\nأي ليس «٦» للإنسان ما يتمنّاه فإنّه يتمنى طول الحياة والرفاهية وخصب العيش..\nوما لا نهاية له، ولكنّ أحدا لا يبلغ ذلك بتمامه.\n_________\n(١) آية ٢٨ في السورة نفسها.\n(٢) يقصد طريقة الصوفية.\n(٣) فى م (يخطىء) وهي خطأ في النسخ [.....]\n(٤) فى ص (منع) بالنون وهي خطأ، فمتوع النهار من المصطلحات الصوفية التي زادها القشيري على (اللوائح والطوالع واللوامع) كما نوهنا من قبل.\n(٥) هكذا في م وهي في ص (ليبين) وهي خطأ من الناسخ.\n(٦) هى (أم) المنقطعة، ومعنى الهمزة فيها للإنكار، أي للإنسان- يعنى الكافر- ما تمنى من شفاعة الأصنام، وغير ذلك من التمني.","vol":"3","page":485},{"text":"ويقال: ما يتمنّاه الإنسان أن يرتفع مراده واجبا في كل شىء- وأن يرتفع مراد عبد واجبا في كل شىء ليس من صفات الخلق بل هو لله، الذي له ما يشاء:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3515>[سورة النجم (٥٣): آية ٢٥]</span>\nفَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولى (٢٥)\nله الآخرة والأولى خلقا وملكا، فهو الملك المالك صاحب الملك التام. فأمّا المخلوق فالنقص لازم للكلّ.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3516>[سورة النجم (٥٣): آية ٢٦]</span>\nوَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى (٢٦)\nوهذا ردّ عليهم حيث قالوا: إنّ الملائكة شفعاؤنا عند الله «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3517>[سورة النجم (٥٣): الآيات ٢٧ الى ٢٨]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثى (٢٧) وَما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (٢٨)\nهذه التّسمية من عندهم، وهم لا يتبعون فيها علما أو تحقيقا.. بل ظنّا- والظنّ لا يفيد شيئا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3518>[سورة النجم (٥٣): الآيات ٢٩ الى ٣٠]</span>\nفَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَياةَ الدُّنْيا (٢٩) ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى (٣٠)\nأي أعرض عمّن أعرض عن القرآن والإيمان به وتدبّر معانيه، ولم يرد إلا الحياة الدنيا.\n_________\n(١) لا تنفع شفاعة أحد إلا إذا أذن الله.. فإذا كانت الملائكة مع كثرتها وقربها من الله لا تصلح الشفاعة إلا بإذن من الله- فكيف تصلح هذه الأصنام الشفاعة؟!","vol":"3","page":486},{"text":"ذلك مبلغهم من العلم وإنما رضوا بالدنيا لأنهم لم يعلموا حديث الآخرة، وإنّ ربّك عليم بالضالّ، عليم بالمهتدي ... وهو يجازى كلّا بما يستحق.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3519>[سورة النجم (٥٣): آية ٣١]</span>\nوَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١)\nيجزى الذين أساءوا بالعقوبات، ويجزى الذين أحسنوا بالحسنى.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3520>[سورة النجم (٥٣): آية ٣٢]</span>\nالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى (٣٢)\nالذنوب كلّها كبائر لأنها مخالفة لأمر الله، ولكنّ بعضها أكبر من بعض. ولا شىء أعظم من الشّرك. «وَالْفَواحِشَ» المعاصي.\n«إِلَّا اللَّمَمَ»: تكلموا فيه، وقالوا: إنه استثناء منقطع، واللمم ليس بإثم ولا من جملة الفواحش.\nويقال: اللمم من جملة الفواحش ولكن فيها اشتباها- فأخبر أنه يغفرها.\nويقال: اللمم هو أن يأتى المرء ذلك ثم يقلع عنه بالتوبة.\nوقال بعض السّلف: هو الوقعة من الزّنا تحصل مرة ثم لا يعود إليها، وكذلك شرب الخمر، والسرقة.. وغير ذلك، ثم لا يعود إليها.\nويقال: هو أن يهم بالزّلّة ثم لا يفعلها.\nويقال: هو النّظر. ويقال: ما لا حدّ عليه من المعاصي، وتكفّر عنه الصلوات.\n(والأصحّ أنه استثناء منقطع وأن اللمم ليس من جملة المعاصي) «١» .\nقوله جل ذكره: إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى\n_________\n(١) ما بين القوسين موجود في م وغير موجود في ص.","vol":"3","page":487},{"text":"«إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ»: يعنى خلق آدم.\nويقال: تزكية النّفس من علامات كون المرء محجوبا عن الله لأنّ المجذوب إلى الغاية والمستغرق في شهود ربّه لا يزكّى نفسه «١» .\n«هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى»: لأنه أعلم بكم منكم.\nويقال: من اعتقد أنّ على البسيطة أحدا شرّ منه فهو متكبّر.\nويقال: المسلم يجب أن يكون بحيث يرى كلّ مسلم خيرا منه فإن رأى شيخا، قال:\nهو أكثر منّى طاعة وهو أفضل منّى، وإن رأى شابا قال: هو أفضل منى لأنه أقلّ منّى ذنبا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3521>[سورة النجم (٥٣): الآيات ٣٣ الى ٣٤]</span>\nأَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (٣٣) وَأَعْطى قَلِيلًا وَأَكْدى (٣٤)\nأعرض عن الحقّ، وتصدّق بالقليل. «وَأَكْدى» أي قطع عطاءه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3522>[سورة النجم (٥٣): آية ٣٥]</span>\nأَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى (٣٥)\n«فَهُوَ يَرى»: فهو يعلم صحّة ذلك. يقال: هو المنافق الذي يعين على الجهاد قليلا ثم يقطع ذلك:\n«أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ»: فهو يرى حاله في الآخرة؟\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3523>[سورة النجم (٥٣): الآيات ٣٦ الى ٣٧]</span>\nأَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى (٣٦) وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) .\n_________\n(١) قارن ذلك بقول النسفي في ذكر المرء لطاعته: «.. وهذا إذا كان على سبيل الإعجاب أو الرياء لا على سبيل الاعتراف بالنعمة فإنه جائز لأن المسرة بالطاعة طاعة وذكرها شكر» النسفي ج ٤ ص ١٩٨. ونظن أن في عبارة النسفي شيئا يستحق التصويب: فالأولى أن يقال: وهذا إذا كان على سبيل الاعتراف بالنعمة- لا على سبيل الإعجاب أو الرياء- فإنه جائز..","vol":"3","page":488},{"text":"أم لم ينبّأ هذا الكافر بما في صحف موسى، وصحف إبراهيم الذي وفّى أي أتمّ ما طولب به في نفسه وماله وولده.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3524>[سورة النجم (٥٣): الآيات ٣٨ الى ٤١]</span>\nأَلاَّ تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى (٣٨) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاَّ ما سَعى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى (٤٠) ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى (٤١)\nالناس في سعيهم مختلفون فمن كان سعيه في طلب الدنيا خسرت صفقته، ومن كان سعيه في طلب الجنة ربحت صفقته، ومن كان سعيه في رياضة نفسه وصل إلى رضوان الله، ومن كان سعيه في الإرادة شكر الله سعيه ثم هداه إلى نفسه.\nوأمّا المذنب- فإذا كان سعيه في طلب غفرانه، وندم القلب على ما اسودّ من ديوانه، فسوف يجد من الله الثواب والقربة والكرامة والزلفة.\nومن كان سعيه في عدّ أنفاسه مع الله لا يعرّج على تقصير، ولا يفرّط في مأمور فسيرى جزاء سعيه مشكورا في الدنيا والآخرة، ثم يشكره بأن يخاطبه في ذلك المعنى بإسماعه كلامه من غير واسطة: عبدى، سعيك مشكور، عبدى، ذنبك مغفور.\n«ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى»: هو الجزاء الأكبر والأجلّ، جزاء غير مقطوع ولا ممنوع.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3525>[سورة النجم (٥٣): آية ٤٢]</span>\nوَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى (٤٢)\nإليه المرجع والمصير، فابتداء الأشياء من الله خلقا، وانتهاء الأشياء إلى الله مصيرا.\nويقال: إذا انتهى الكلام إلى الله تعالى فاسكتوا.\nويقال: إذا وصل العبد إلى معرفة الله فليس بعده شىء إلا ألطافا من مال أو منال أو تحقيق آمال أو أحوال.. يجريها على مراده- وهي حظوظ للعباد.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3526>[سورة النجم (٥٣): آية ٤٣]</span>\nوَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى (٤٣)\nأراد به الضحك والبكاء المتعارف عليهما بين الناس فهو الذي يجريه ويخلقه.","vol":"3","page":489},{"text":"ويقال: أضحك الأرض بالنبات، وأبكى السماء بالمطر.\nويقال: أضحك أهل الجنة بالجنة، وأبكى أهل النار بالنار.\nويقال: أضحك المؤمن في الآخرة وأبكاه في الدنيا، وأضحك الكافر في الدنيا وأبكاه في الآخرة.\nويقال: أضحكهم في الظاهر، وأبكاهم بقلوبهم.\nويقال: أضحك المؤمن في الآخرة بغفرانه، وأبكى الكافر بهوانه.\nويقال: أضحك قلوب العارفين بالرضا، وأبكى عيونهم بخوف الفراق.\nويقال: أضحكهم برحمته، وأبكى الأعداء بسخطه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3527>[سورة النجم (٥٣): آية ٤٤]</span>\nوَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا (٤٤)\nأماته في الدنيا، وأحياه في القبر فالقبر إما للراحة وإما للإحساس بالعقوبة.\nويقال: أماته في الدنيا، وأحياه في الحشر.\nويقال: أمات نفوس الزاهدين بالمجاهدة، وأحيا قلوب العارفين بالمشاهدة.\nويقال: أمات نفوسهم بالمعاملات، وأحيا قلوبهم بالمواصلات.\nويقال: أماتها بالهيبة، وأحياها بالأنس.\nويقال: بالاستتار، والتجلّى.\nويقال: بالإعراض عنه، والإقبال عليه.\nويقال: بالطاعة، والمعصية.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3528>[سورة النجم (٥٣): آية ٤٥]</span>\nوَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٤٥)\nسماهما زوجين لازدواجهما عند خلقهما من النّطفة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3529>[سورة النجم (٥٣): آية ٤٨]</span>\nوَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى (٤٨)\n«أَغْنى»: أعطى الغنى، «أَقْنى»: أكثر القنية أي المال. وقيل «أَقْنى»:\nأي أحوجه إلى المال- فعلى هذا يكون المعنى: أنه خلق الغنى والفقر.","vol":"3","page":490},{"text":"ويقال: «أَقْنى» أي أرضاه بما أعطاه «١» .\nويقال: «أَغْنى» أي أقنع، «وَأَقْنى»: أي أرضى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3530>[سورة النجم (٥٣): آية ٤٩]</span>\nوَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى (٤٩)\n(الشّعرى: كوكب يطلع بعد الجوزاء في شدة الحر، وكانت خزاعة تعبدها فأعلم الله أنه ربّ معبودهم هذا) «٢» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3531>[سورة النجم (٥٣): الآيات ٥٠ الى ٥٢]</span>\nوَأَنَّهُ أَهْلَكَ عادًا الْأُولى (٥٠) وَثَمُودَ فَما أَبْقى (٥١) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى (٥٢)\nعاد الأولى هم قوم هود، وعاد الأخرى هي إرم ذات العماد، كما أهلك ثمودا فما أبقى منهم أحدا. وأهلك من قبلهم قوم نوح الذين كانوا أظلم من غيرهم وأغوى لطول أعمارهم، وقوة أجسادهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3532>[سورة النجم (٥٣): الآيات ٥٣ الى ٥٤]</span>\nوَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى (٥٣) فَغَشَّاها ما غَشَّى (٥٤)\nأي المخسوف بها، وهي قرى قوم لوط، قلبها جبريل عليهم، فهى مقلوبة معكوسة.\nوقوله: «أَهْوى» أي: أسقطها الله إلى الأرض بعد ما اقتلعها من أصلها، ثم عكسها وألقاها في الأرض، فغشاها ما غشاها من العذاب.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3533>[سورة النجم (٥٣): آية ٥٥]</span>\nفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى (٥٥)\nفبأى آلاء ربك- أيها الإنسان- تتشكك؟ وقد ذكر هذا بعد ما عدّ إنعامه عليهم وإحسانه إليهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3534>[سورة النجم (٥٣): آية ٥٦]</span>\nهذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى (٥٦) .\n_________\n(١) أننى: من معانيها أرضى- كما ورد في أكثر المعاجم.\n(٢) ما بين القوسين إضافة من جانبنا اعتمادا على كتب التفاسير، وهي غير موجودة في نص القشيري.\nولكننا أردنا إضافتها لنلفت النظر إلى خاطرة تراودنا.. أليس هناك ارتباط بين افتتاحية السورة «وَالنَّجْمِ إِذا هَوى» وبين هذه النهاية؟. عابدون ومعبودون يهوون ويتساقطون ويهلكون ... أبعد هذا أيها الإنسان تتشكك في أن هذا النذير صلوات الله عليه لم يأت بدعا؟!","vol":"3","page":491},{"text":"هو محمد ﷺ، أرسلناه نذيرا كما أرسلنا الرّسل الآخرين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3535>[سورة النجم (٥٣): الآيات ٥٧ الى ٥٨]</span>\nأَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧) لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ (٥٨)\nأي قربت القيامة. ولا يقدر أحد على إقامتها إلا الله، وإذا أقامها فلا يقدر أحد على ردّها وكشفها إلا الله.\nويقال: إذا قامت قيامة هذه الطائفة- اليوم- فليس لها كاشف غيره. وقيامتهم تقوم فى اليوم غير مرّة. نقوم بالهجر والنّوى والفراق.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3536>[سورة النجم (٥٣): الآيات ٥٩ الى ٦١]</span>\nأَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ (٦٠) وَأَنْتُمْ سامِدُونَ (٦١)\nأفمن هذا القرآن تعجبون، وتكونون في شكّ، وتستهزئون؟\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3537>[سورة النجم (٥٣): آية ٦٢]</span>\nفَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (٦٢)\n: أي لاهون..\nفَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا: فاسجدوا لله ولا تعبدوا سواه «١» .\n_________\n(١) عن الأسود بن يزيد عن عبد الله قال: «... فسجد رسول الله (ص) وسجد من خلفه إلا رجلا رأيته أخذ كفا من تراب فسجد عليه فرأيته بعد ذلك قتل كافرا وهو أمية بن خلف» (البخاري ج ٣ ص ١٣٠) .","vol":"3","page":492},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3538>سورة القمر</span>\n«١» قوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» «بِسْمِ اللَّهِ»: كلمة بها نور القلوب والأبصار، وبعرفانها يحصل سرور الأرواح والأسرار.\nكلمة تدلّ على جلاله- الذي هو استحقاقه لأوصافه. كلمة تدل على نعته الذي هو غاية أفضاله وألطافه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3539>[سورة القمر (٥٤): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nاقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)\nأجمع أهل التفسير على أنّ القمر قد انشقّ على عهد الرسول ﷺ.\nقال ابن مسعود «٢»: «رأيت حراء بين فلقتى القمر» ولم يوجد لابن مسعود مخالف في ذلك فقد روى أيضا عن أنس وابن عمر وحذيفة وابن عباس وجبير بن مطعم.. كلهم رووا هذا الخبر.\nوفيه إعجاز من وجهين: أحدهما رؤية من رأى ذلك، والثاني خفاء مثل ذلك على من لم يره لأنه لا ينكتم مثله في العادة فإذا خفى كان نقض العادة.\nوأهل مكة رأوا ذلك، وقالوا: إنّ محمدا قد سحر القمر.\nومعنى «اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ»: أي ما بقي من الزمان إلى القيامة إلا قليل بالإضافة إلى ما مضى.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3540>[سورة القمر (٥٤): الآيات ٢ الى ٣]</span>\nوَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ (٣)\n_________\n(١) يسميها البخاري: سورة «اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ» .\n(٢) عن يحيى بن شعبة وسفيان عن الأعمش عن إبراهيم عن أبى معمر عن ابن مسعود قال: انشق القمر على عهد رسول الله (ص) فرقتين: فرقة فوق الجبل، وفرقة دونه. فقال رسول الله (ص): اشهدوا.\nوعن قتادة عن أنس قال: انشق القمر فرقتين.\nوعن مجاهد عن أبى معمر عن عبد الله قال: انشق القمر ونحن مع النبي (ص) فصار فرقتين. فقال لنا: اشهدوا اشهدوا. (البخاري ح ٣ ص ١٣٠) .\nوقد جاء في النسفي: قال ابن مسعود ﵁ «رأيت حراء بين فلقتى القمر» (النسفي ص ٢٠١) .","vol":"3","page":493},{"text":"يعنى أن أهل مكة إذا رأوا آية من الآيات أعرضوا عن النظر فيها، ولو نظروا لحصل لهم العلم واجبا.\n«سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ»: أي دائم قويّ شديد.. (ويقال إنهم قالوا: هذا ذاهب لا تبقى مدته) «١» فاستمر: أي ذهب.\n«وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ»: التكذيب واتباع الهوى قريبان فإذا حصل اتباع الهوى فمن شؤمه يحصل التكذيب لأنّ الله يلبّس على قلب صاحبه حتى لا يستبصر «٢» الرشد.\nأما اتباع الرضا فمقرون بالتصديق لأنّ الله ببركات اتباع الحقّ يفتح عين البصيرة فيحصل التصديق.\nوكلّ امرئ جرت له القسمة والتقدير فلا محالة يستقر له حصول ما قسم وقدّر له.\n«وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ»: يستقر عمل المؤمن فتوجب له الجنة، ويستقر عمل الكافر فيجازى.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3541>[سورة القمر (٥٤): الآيات ٤ الى ٥]</span>\nوَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤) حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ (٥)\nجاءهم من أخبار الأنبياء والأمم الذين من قبلهم والأزمنة الماضية ما يجب أن يحصل به الارتداع، ولكنّ الحقّ- سبحانه- أسبل على بصائرهم سجوف الجهل فعموا عن مواضع الرشد.\n«حِكْمَةٌ بالِغَةٌ..»: بدل من (ما) فيما سبق: (ما فيه مزدجر) .\nوالحكمة البالغة هي الصحيحة الظاهرة الواضحة لمن تفكّر فيها.\n«فَما تُغْنِ النُّذُرُ»: وأي شىء يغنى إنذار النذير وقد سبق التقدير لهم بالشقاء؟\n_________\n(١) ما بين القوسين موجود في م وغير موجود في ص.\n(٢) هكذا في ص. وهي في م (لا يستبشر)، والأصوب ما أثبتنا.","vol":"3","page":494},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3542>[سورة القمر (٥٤): الآيات ٦ الى ٧]</span>\nفَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ (٦) خُشَّعًا أَبْصارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ (٧)\n«فَتَوَلَّ عَنْهُمْ»: هاهنا تمام الكلام- أي فأعرض عنهم، وهذا قبل الأمر بالقتال.\nثم استأنف الكلام: «يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ ...» والجواب: «يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ» - أراد به يوم القيامة.\nومعنى «نُكُرٍ»: أي شىء ينكرونه (بهوله وفظاعته) «١» وهو يوم البعث والحشر.\nوقوله: «خُشَّعًا» منصوب على الحال، أي يخرجون من الأجداث- وهي القبور- خاشعى الأبصار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3543>[سورة القمر (٥٤): آية ٨]</span>\nمُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨)\nكأنهم كالجراد لكثرتهم وتفرقهم، «مُهْطِعِينَ»: أي مديمى النظر إلى الداعي- وهو إسرافيل.\n«يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ»: لتوالى الشدائد التي فيه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3544>[سورة القمر (٥٤): الآيات ٩ الى ١١]</span>\nكَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وَقالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (٩) فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠) فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ (١١)\nكذب قوم نوح نبيّهم، وقالوا: إنه مجنون، وزجروه وشتموه.\nوقيل: «ازْدُجِرَ»: أي استطار عقله، أي قوم نوح قالوا له ذلك.\nفدعا ربّه فقال: إنى مغلوب أي بتسلّط قومى عليّ فلم يكن مغلوبا بالحجّة لأنّ الحجّة كانت عليهم، فقال نوح لله: اللهمّ فانتصر منهم أي انتقم.\n_________\n(١) ما بين القوسين توضيح من جانبنا غير موجود في النص. [.....]","vol":"3","page":495},{"text":"ففتحنا أبواب السماء بماء منصبّ، وشققنا عيونا بالماء، فالتقى ماء السماء وماء الأرض على أمر قد قدّر في اللوح المحفوظ، وقدر عليه بإهلاكهم! وفي التفاسير: أن الماء الذي نبع من الأرض نضب. والماء الذي نزل من السماء هو البخار اليوم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3545>[سورة القمر (٥٤): آية ١٣]</span>\nوَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ (١٣)\nوحملنا نوحا على «ذاتِ أَلْواحٍ» أي سفينة، «وَدُسُرٍ» يعنى المسامير وهي جمع دسار أي مسمار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3546>[سورة القمر (٥٤): آية ١٤]</span>\nتَجْرِي بِأَعْيُنِنا جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ (١٤)\n«بِأَعْيُنِنا»: أي بمرأى منّا. وقيل: تجرى بأوليائنا.\nويقال: بأعين ملائكتنا الذين وكلناهم لحفظهم.\nويقال: بأعين الماء الذي أنبعناه من أوجه الأرض.\n«جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ»: أي الذين كفروا بنوح «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3547>[سورة القمر (٥٤): آية ١٥]</span>\nوَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٥)\nجعلنا أمر السفينة علامة بيّنة لمن يعتبر بها.\n«فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ»: فهل منكم من يعتبر؟. أمرهم بالاعتبار بها «٢» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3548>[سورة القمر (٥٤): آية ١٦]</span>\nفَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (١٦)\nقالها على جهة التعظيم لأمره.\nوقد ذكر قصة نوح هنا على أفصح بيان وأقصر كلام وأتمّ معنى «٣» .\n_________\n(١) يرى بعض المفسرين أن (الذي كفر) هو نوح ﵇ لأنه مكفور به، فكل نبى رحمة لأمته، فكان نوح رحمة مكفورة.\n(٢) أي أن الاستفهام- بلغة البلاغيين- قد خرج عن معناه الأصلى إلى الأمر.\n(٣) كأن القشيري يريد أن يوضح تعليلا (لتكرار) قصة نوح. ونحن نعلم أن القشيري لا يستريج تماما لفكرة القول بالتكرار في القرآن.","vol":"3","page":496},{"text":"وكان نوح﵇- أطول الأنبياء عمرا، وأشدّهم للبلاء مقاساة ثم إن الله- سبحانه- لما نجّى نوحا متّعه بعد هلاك قومه ومتع أولاده، فكلّ من على وجه الأرض من أولاد نوح ﵇. وفي هذا قوة لرجاء أهل الدين، إذا لقوا في دين الله محنة فإنّ الله يهلك- عن قريب- عدوّهم، ويمكّنهم من ديارهم وبلادهم، ويورثهم ما كان إليهم.\nوكذلك كانت قصة موسى ﵇ مع فرعون وقومه، وسنة الله في جميع أهل الضلال أن يعزّ أولياءه بعد أن يزهق أعداءه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3549>[سورة القمر (٥٤): آية ١٧]</span>\nوَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧)\nيسّرنا قراءته على ألسنة الناس، ويسّرنا علمه على قلوب قوم، ويسّرنا فهمه على قلوب قوم، ويسّرنا حفظه على قلوب قوم، وكلّهم أهل القرآن، وكلّهم أهل الله وخاصته.\nويقال: كاشف الأرواح من قوم- بالقرآن- قبل إدخالها في الأجساد.\n«فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ» لهذا العهد الذي جرى لنا معه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3550>[سورة القمر (٥٤): الآيات ١٨ الى ٢٠]</span>\nكَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (١٨) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (١٩) تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠)\nكذّبوا هودا، فأرسلنا عليهم «رِيحًا صَرْصَرًا» أي: باردة شديدة الهبوب، يسمع لها صوت.\n«فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ» أي: فى يوم شؤم استمرّ فيه العذاب بهم، ودام ذلك فيهم ثمانية أيام وسبع ليال. وقيل: دائم الشؤم تنزع رياحه الناس عن حفرهم التي حفروها م (٣٢) لطائف الإشارات- ج ٣-","vol":"3","page":497},{"text":"حتى صاروا كأنهم أسافل نخل منقطع. وقيل: كانت الريح تقتلع رءوسهم عن مناكبهم ثم تلقى بهم كأنهم أصول نخل قطعت رءوسها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3551>[سورة القمر (٥٤): آية ٢٢]</span>\nوَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٢٢)\nهوّنا قراءته وحفظه فليس كتاب من كتب الله تعالى يقرأ ظاهرا إلّا القرآن.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3552>[سورة القمر (٥٤): الآيات ٢٣ الى ٢٤]</span>\nكَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (٢٣) فَقالُوا أَبَشَرًا مِنَّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ (٢٤)\nهم قوم صالح. وقد مضى القول فيه، وما كان من عقرهم للناقة.. إلى أن أرسل الله عليهم صيحة واحدة أوجبت هذا الهلاك، فصيّرهم كالهشيم، وهو اليابس من النبات، «الْمُحْتَظِرِ»: أي: المجعول في الحظيرة، أو الحاصل في الخطيرة «١» ..\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3553>[سورة القمر (٥٤): الآيات ٣٤ الى ٣٧]</span>\nإِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِبًا إِلاَّ آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ (٣٤) نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنا كَذلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (٣٥) وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ (٣٦) وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ (٣٧)\nفأرسلنا عليهم «حاصِبًا»: أي: حجارة رموا بها.\n«كَذلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ»: أي: جعلنا إنجاءهم في إهلاك أعدائهم.\nوهكذا نجزى من شكر فمثل هذا نعامل به من شكر نعمتنا.\nوالشّكر على نعم الدفع أتمّ من الشكر على نعم النفع- ولا يعرف ذلك إلا كلّ موفّق كيّس.\n«فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ»\n_________\n(١) يقصد القشيري أنها قد تقرأ بفتح الظاء وبكسرها.","vol":"3","page":498},{"text":"جاء جبريل ومسح بجناحه على وجوههم فعموا، ولم يهتدوا «١» للخروج- وكذلك أجرى سنّته في أوليائه أن يطمس على قلوب أعدائهم حتى يلبس عليهم كيف يؤذون أولياءه ثم يخلّصهم من كيدهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3554>[سورة القمر (٥٤): آية ٤٥]</span>\nسَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥)\nأخبر أنه يفعل هذا بأعداء الرسول ﷺ، وحقّق ذلك يوم بدر، فصار ذلك من معجزاته صلوات الله عليه وسلامه «٢» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3555>[سورة القمر (٥٤): آية ٤٨]</span>\nيَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨)\nسحبهم على الوجوه أمارة لإذلالهم، ولو كان ذلك مرة واحدة لكانت عظيمة- فكيف وهو التأبيد والتخليد؟!.\nوكما أنّ أمارة الذّلّ تظهر على وجوههم فعلامة إعزاز المؤمنين وإكرامهم تظهر على وجوههم، قال تعالى: «وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ» «٣» . وقال: «تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ «٤»» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3556>[سورة القمر (٥٤): آية ٤٩]</span>\nإِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ (٤٩)\nأي بقدر مكتوب في اللوح المحفوظ.\nويقال: خلقناه بقدر ما علمنا وأردنا وأخبرنا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3557>[سورة القمر (٥٤): آية ٥٠]</span>\nوَما أَمْرُنا إِلاَّ واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)\nأي إذا أردنا خلق شىء لا يتعسّر ولا يتعذّر علينا، نقول له: كن- فيكون\n_________\n(١) هكذا في م وهي في ص (لم يتمكنوا) .\n(٢) عن ابن عباس أن رسول الله (ص) قال وهو في قبة يوم بدر: اللهم إنى أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن تشأ لا تعبد بعد اليوم- فأخذ أبو بكر بيده فقال: حسبك يا رسول الله، ألححت على ربّك فخرج وهو يقول:\nسيهزم الجمع ويولون الدبر (البخاري ج ٣ ص ١٣١) .\n(٣) آية ٢٢ سورة القيامة.\n(٤) آية ٢٤ سورة المطففين.","vol":"3","page":499},{"text":"بقدرتنا. ولا يقتضى هذا استئناف «١» قول في ذلك الوقت ولكن استحقاق أن يقال لقوله القديم أن يكون أمرا لذلك المكون إنما يحصل في ذلك الوقت.\n«كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ»: أي كما أن هذا القدر عندكم (أي قدر ما يلمح أحدكم ببصره) لا تلحقكم به مشقة- كذلك عندنا: إذا أردنا نخلق شيئا- قل أو كثر، صغر أو كبر- لا تلحقنا فيه مشقة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3558>[سورة القمر (٥٤): آية ٥١]</span>\nوَلَقَدْ أَهْلَكْنا أَشْياعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٥١)\nأي أهلكنا القرون التي كانت قبلكم فكلّهم أمثالكم من بنى آدم ...\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3559>[سورة القمر (٥٤): آية ٥٢]</span>\nوَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢)\nفى اللوح المحفوظ مكتوب قبل أن يعمله «٢» . وفي صحيفة الملائكة مكتوب. لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها..\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3560>[سورة القمر (٥٤): آية ٥٣]</span>\nوَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (٥٣)\nكلّ صغير من الخلق، وكلّ كبير من الخلق- تخترمه المنيّة.\nويقال: كلّ صغير من الأعمال وكبير مكتوب في اللوح المحفوظ، وفي ديوان الملائكة.\nوتعريف الناس عما يكتبه الملائكة هو على جهة التخويف لئلا يتجاسر العبد على الزّلّة إذا عرف المحاسبة عليها والمطالبة بها.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3561>[سورة القمر (٥٤): الآيات ٥٤ الى ٥٥]</span>\nإِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥) .\n_________\n(١) هكذا في م- وهى- فى ص (استيفاء) وكلاهما يمكن أن يتقبله السياق. على معنى أن قوله القديم «كُنْ» لا (يستأنف) عند خلق الحدث. وعلى معنى أنّه لا يشترط أن يستوفى خلق الحدث الأمر بكن اكتفاء بقوله القديم- والله أعلم.\n(٢) هكذا في وهى ص أصوب في السياق من (يعلمه) التي جاءت في م لأن ما (فعلوه) التي في الآية تؤدى إلى ذلك.","vol":"3","page":500},{"text":"لهم بساتين وأنهار، والجمع إذا قوبل بالجمع فالآحاد تقابل بالآحاد.\nفظاهر هذا الخطاب يقتضى أن يكون لكل واحد من المتقين جنة ونهر.\n«فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ»: أي في مجلس صدق.\n«عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ»: أراد به عنديّة القربة والزلفة.\nويقال: مقعد الصدق أي مكان الصدق، والصادق في عبادته من لا يتعبّد على ملاحظة الأطماع ومطالعة الأعواض.\nويقال: من طلب الأعواض هتكته الأطماع، ومن صدق في العبوديّة تحرّر عن المقاصد الدّنيّة.\nويقال: من اشتغل بالدنيا حجبته الدنيا عن الآخرة، ومن أسره نعيم الجنة حجب عن القيام بالحقيقة، ومن قام بالحقيقة شغل عن الكون بجملته «١» .\n_________\n(١) أرباب الحقيقة لا تشغلهم فكرة الثواب والعقاب على النحو المألوف عند العابدين بنفوسهم. فجنّتهم الكبرى هي رؤيهم لمحبوبهم، ولهم في ذلك أقوال كثيرة شعر أو نثرا.. من ذلك:\nقول أبى على الروذبارى:\nمن لم يكن بك فانيا عن حبه ... وعن الهوى والأنس بالأحباب\nأو تيمة صبابة جمعت له ... ما كان مفترقا من الأسباب\nفكأنه بين المراتب واقف ... لمنال حظّ أو لحسن مآب\nويقول الجنيد: كل محبة كانت لغرض إذا زال الغرض زالت تلك المحبة. ويقول يحيى بن معاذ:\nإن ذا الحب لمن يفنى له ... لا لدار ذات لهو وطرف\nلا ولا الفردوس- لا يألفها- ... لا ولا الحوراء من فوق غرف\nويقول أحدهم:\nكلهم يعبدون من خوف نار ... ويرون الجنان حظّا جزيلا\nليس لى في الجنان النار رأى ... أنا لا أبتغى بحبي بديلا\n(انظر كتابنا «نشأة التصوف الإسلامى» ط المعارف ص ١٩٥، ص ١٩٦) .","vol":"3","page":501},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3562>سورة الرّحمن</span>\nقوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» «بِسْمِ اللَّهِ»: إخبار عن عزّه وعظمته.\n«الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ»: إخبار عن فضله ورحمته.\nفبشهود عظمته يكمل سرور الأرواح، وبوجود رحمته يحصل نعيم الأشباح. ولولا عظمته لما عبد الرحمن عابد ولولا رحمته لما أحبّ الرحمن واحد.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3563>[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ١ الى ٢]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالرَّحْمنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢)\nأي الرحمن الذي عرفه الموحّدون وجحده الكافرون هو الذي علّم القرآن. ويقال:\nالرحمن الذي رحمهم، وعن الشّرك عصمهم، وبالإيمان أكرمهم، وكلمة التقوى ألزمهم- هو الذي عرّفهم بالقرآن وعلّمهم.\nويقال: انفرد الحقّ بتعليم القرآن لعباده.\nويقال: أجرى الله تعالى سنّته أنه إذا أعطى نبينا ﷺ شيئا «١» أشرك أمّته فيه «٢» على ما يليق بصفاتهم فلمّا قال له - ﷺ -: «وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ»\n«٣» .\nقال لأمته: «الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ» .\nويقال: علّم الله آدم الأسماء كلّها ثم أمره بعرضها على الملائكة وذكر آدم ذلك لهم- قال تعالى: «أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ» يا آدم، وعلّم (نبيّنا ﷺ) «٤»\n_________\n(١) (شيئا) غير موجودة في م. وموجودة في ص- والسياق يقوى بها.\n(٢) هكذا في ص وهي في م (فيه أمته) .\n(٣) «وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ» آية ١١٣ سورة النساء. [.....]\n(٤) ما بين القوسين إضافة من جانبنا ليتضح السياق.","vol":"3","page":502},{"text":"المسلمين «١» القرآن فقال ﷺ: «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، والمصلّى مناج ربّه» قال لآدم: أذكر ما علّمتك للملائكة. وقال لنا: ناجنى يا عبدى بما علّمتك «٢» . وقد يلاطف مع أولاد الخدم بما لا يلاطف به آباؤهم.\nويقال: لمّا علّم آدم أسماء المخلوقات قال له: أخبر الملائكة بذلك، وعلّمنا كلامه وأسماءه فقال: اقرؤوا علىّ وخاطبوا به معى.\nويقال: علّم الأرواح القرآن- قبل تركيبها في الأجساد بلا واسطة «٣»، والصبيان إنما يعلّمون القرآن- فى حال صغرهم- قبل أن عرفت أرواحنا أحدا، أو سمعنا من أحد شيئا.. علّمنا أسماءه:\nأتانى هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلبى فارغا فتمكّنا\nويقال: سقيا لأيام مضت- وهو يعلّمنا القرآن.\nويقال: برحمته علّمهم القرآن فبرحمته وصلوا إلى القرآن- لا بقراءة القرآن يصلون إلى رحمته.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3564>[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٣ الى ٤]</span>\nخَلَقَ الْإِنْسانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيانَ (٤)\n«الْإِنْسانَ»: هاهنا جنس الناس علّمهم البيان حتى صاروا مميّزين «٤» - فانفصلوا بالبيان عن جميع الحيوان. وعلّم كلّ قوم لسانهم الذي يتكلمون ويتخاطبون به.\nوالبيان ما به تبين المعاني- وشرحه في مسائل الأصول.\nويقال: لمّا قال أهل مكة إنما يعلّمه بشر ردّ الله- سبحانه- عليهم وقال: بل علّمه الله فالإنسان على هذا القول هو محمد ﷺ. وقيل هو آدم ﵇.\nويقال: البيان الذي خصّ به الإنسان (عموما) يعرف به كيفية مخاطبة الأغيار من الأمثال والأشكال. وأمّا أهل الإيمان والمعرفة فبيانهم هو علمهم كيفية مخاطبة مولاهم- وبيان\n_________\n(١) هكذا في م وهي في ص (المسلمون) وهي خطأ في النسخ.\n(٢) أنظر كتابنا (البسملة بين أهل العبارة وأهل الإشارة) ورأينا في معنى (الرحمن) .\n(٣) إشارة إلى يوم الذرّ.\n(٤) بتشديد الياء وفتحها على معنى أن البيان علامة تميزهم عن سائر الحيوان، وبكسرها على معنى أن البيان.\nوسيلة انفرد بها الإنسان التعبير عمّا تكنه نفسه للتمييز بين الأشياء.","vol":"3","page":503},{"text":"العبيد مع الحقّ مختلف: فقوم يخاطبونه بلسانهم، وقوم بأنفاسهم، وقوم بدموعهم:\nدموع الفتى عمّا يحسّ تترجم ... وأشواقه تبدين ما هو يكتم\nوقوم بأنينهم وحنينهم:\nقل لى بألسنة التنفّس كيف أنت وكيف حالك؟\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3565>[سورة الرحمن (٥٥): آية ٥]</span>\nالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ (٥)\nيعنى يجرى أمرهما على حدّ معلوم من الحساب في زيادة الليل والنهار، وزيادة القمر ونقصانه، وتعرف بجريانهما الشهور والأيام والسنون والأعوام. وكذلك لهما حساب إذا انتهى ذلك الأجل.. فالشمس تكوّر والقمر ينكدر.\nوكذلك لشمس «١» المعارف وأقمار العلوم- فى طلوعها في أوج «٢» القلوب والأسرار- فى حكمة الله حساب معلوم، يجريها على ما سبق به الحكم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3566>[سورة الرحمن (٥٥): آية ٦]</span>\nوَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ (٦)\nويقال: النجم من الأشجار: ما ليس له ساق «٣»، والشجر: ماله ساق.\nويقال: النجوم الطالعة والأشجار الثابتة «يَسْجُدانِ» سجود دلالة على إثبات الصانع بنعت استحقاقه للجلال.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3567>[سورة الرحمن (٥٥): آية ٧]</span>\nوَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ (٧)\nسمك السماء وأعلاها، وعلى وصف الإتقان والإحكام بناها، والنجوم فيها أجراها، وبثّ فيها كواكبها، وحفظ عن الاختلال مناكبها، وأثبت على ما شاء مشارقها ومغاربها..\nوخلق الميزان بين الناس ليعتبروا الإنصاف في المعاملات بينهم.\nويقال: الميزان العدل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3568>[سورة الرحمن (٥٥): آية ٨]</span>\nأَلاَّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ (٨)\n_________\n(١) هكذا بالمفرد في م وهي في ص بالجمع (شموس) ونرجح أنها بالمفرد حسبما نعرف من أسلوب القشيري فشمس الحقائق واحدة إذا طلعت غطّى نورها أقمار العلوم.\n(٢) هكذا في ص وهي أصوب مما جاء في م (روح) فلا معنى لهاهنا.\n(٣) لأنه ينجم عن الأرض بلا ساق مثل البقول (النسفي ح ٤ ص ٢٠٧) .","vol":"3","page":504},{"text":"احفظوا العدل في جميع الأمور فى حقوق الآدميين وفي حقوق الله، فيعتبر العدل، وترك الحيف ومجاوزة الحدّ في كل شىء ففى الأعمال يعتبر الإخلاص، وفي الأحوال الصدق، وفي الأنفاس الحقائق ومساواة الظاهر والباطن وترك المداهنة والخداع والمكر ودقائق الشّرك وخفايا النفاق وغوامض الجنايات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3569>[سورة الرحمن (٥٥): آية ٩]</span>\nوَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ (٩)\n(وأقيموا الوزن بالمكيال الذي تحبون أن تكالوا به، وعلى الوصف الذي ترجون أن تنالوا به مطعمكم ومشربكم دون تطفيف) «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3570>[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ١٠ الى ١٢]</span>\nوَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ (١٠) فِيها فاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ (١١) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحانُ (١٢)\nخلق الأرض وجعلها مهادا ومثوى للأنام.\nويقال: وضعها على الماء وبسط أقطارها، وأنبت أشجارها وأزهارها، وأجرى أنهارها وأغطش ليلها وأوضح نهارها.\n«فِيها فاكِهَةٌ ...» يعنى ألوان الفاكهة المختلفة في ألوانها وطعومها وروائحها ونفعها وضررها، وحرارتها وبرودتها.. وغير ذلك من اختلاف في حبّها وشجرها، وورقها ونورها.\n«وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ» وأكمام النخل ليفها وما يغطّيها من السّعف.\n«وَالْحَبُّ»: حبّ الحنطة والشعير والعدس وغير ذلك من الحبوب.\n«ذُو الْعَصْفِ»: والعصف ورق الزرع «٢»\n_________\n(١) ما بين القوسين مضطرب في النص حاولنا تنظيمه ليعطى معنى.\n(٢) قال الضحاك: العصف التين، وقال بعضهم العصف هو المأكول من الحب، والريحان النضيج الذي لم يؤكل. وقال أبو مالك: العصف أول ما ينبت تسميه النبط هبورا. وقال بعضهم: العصف ورق الحنطة.\n(البخاري ح ٣ ص ١٣١) . وسميت الرياح عواصف لأنها تأتى بالعصف وهو ورق الزرع وحطامه.","vol":"3","page":505},{"text":"«وَالرَّيْحانُ» الذي يشمّ.. ويقال: الرزق لأن العرب تقول: «خرجنا نطلب ريحان الله» ذكّرهم عظم منّته عليهم مما خلق من هذه الأشياء التي ينتفعون بها من مأكولات ومشمومات وغير ذلك.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3571>[سورة الرحمن (٥٥): آية ١٣]</span>\nفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (١٣)\nفبأى آلاء ربكما تجحدان؟ والآلاء النّعماء.\nوالتثنية في الخطاب للمكلّفين من الجنّ والإنس.\nويقال: هى على عادة العرب في قولهم: خليليّ، وقفا، وأرخلاها باغلام، وأزجراها باغلام.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3572>[سورة الرحمن (٥٥): آية ١٤]</span>\nخَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤)\n«الْإِنْسانَ»: يعنى آدم، والصلصال الطين اليابس الذي إذا حرّك صوّت كالفخار.\nويقال: طين مخلوط بالرمل.\nويقال: منتّن من قولهم صلّ وأصلّ إذا تغيّر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3573>[سورة الرحمن (٥٥): آية ١٥]</span>\nوَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ (١٥)\nالمارج: هو اللهب المختلط بواد النار\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3574>[سورة الرحمن (٥٥): آية ١٦]</span>\nفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (١٦)\nيذكّر الخلق من الجن والإنس كما سبق- وكرّر الله سبحانه هذه الآية في غير موضع على جهة التقرير بالنعمة على التفصيل، أي نعمة بعد نعمة.\nووجه النعمة في خلق آدم من طين أنه رقاه إلى رتبته بعد أن خلقه من طين.\nويقال ذكّر آدم نسبته وذكّرنا نسبتنا لئلا نعجب بأحوالنا.\nويقال عرّفه قدره لئلا يتعدّى «١» طوره.\n_________\n(١) هكذا في ص وهي في م (لا يعدو) .","vol":"3","page":506},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3575>[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ١٧ الى ١٨]</span>\nرَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (١٧) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (١٨)\n«الْمَشْرِقَيْنِ»: مشرق الصيف ومشرق الشتاء وكذلك مغربيهما.\nووجه النعمة في ذلك جريانهما على ترتيب واحد حتى يكمل انتفاع الخلق بهما.\nويقال: مشرق القلب ومغربه، وشوارق القلب وغواربه إنما هي الأنوار والبصائر التي جرى ذكر بعضها فيما مضى.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3576>[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ١٩ الى ٢٠]</span>\nمَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ (١٩) بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ (٢٠)\n«بَرْزَخٌ» أي حاجز بقدرته لئلا يغلب أحدهما الآخر، أراد به البحر العذب والبحر الملح. ويقال: لا يبغيان على الناس ولا يغرقانهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3577>[سورة الرحمن (٥٥): آية ٢٢]</span>\nيَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ (٢٢)\nاللؤلؤ: كبار الدرّ، والمرجان: صغار الدّرّ. ويقال: المرجان النّسل.\nوفي الإشارة: خلق في القلوب بحرين: بحر الخوف وبحر الرجاء. ويقال القبض والبسط وقيل الهيبة «١» والأنس. يخرج منها اللؤلؤ والجواهر وهي الأحوال الصافية واللطائف المتوالية.\nويقال: البحران. إشارة إلى النفس والقلب، فالقلب هو البحر العذب والنفس هي البحر الملح. فمن بحر القلب كلّ جوهر ثمين، وكلّ حالة لطيفة.. ومن النفس كل خلق ذميم «٢» . والدرّ من أحد البحرين يخرج، ومن الثاني لا يكون إلا التمساح مما لا قدر له من سواكن القلب. «بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ»: يصون الحقّ هذا عن هذا، فلا يبغى هذا على هذا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3578>[سورة الرحمن (٥٥): آية ٢٤]</span>\nوَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ (٢٤)\n«الجوارى»: واحدها جارية، وهي السفينة.\n_________\n(١) هكذا في م وهي الصواب أمّا في ص فهى (الهيبط) وهي خطأ في النسخ.\n(٢) النفس عند الصوفية محلّ المملولات والقلب محل المحمودات.","vol":"3","page":507},{"text":"«كَالْأَعْلامِ»: الجبال (له هذه السفن التي أنشئت وخلقت في البحر كأنها الجبال العالية) «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3579>[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٢٦ الى ٢٧]</span>\nكُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ (٢٦) وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ (٢٧)\nكل من على وجه الأرض في حكم الفناء من حيث الجواز. ومن حيث الخبر: ستفنى الدنيا ومن عليها ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام. و«الوجه»: صفة لله- سبحانه- لم يدلّ عليه العقل قطعا ودلّ عليه جوازا، وورد الخبر بكونه قطعا.\nويقال: فى بقاء الوجه بقاء الذات، لأن الصفة لا تقوم بنفسها، ولا محالة شرطها قيامها بنفسه وذاته. وفائدة تخصيص الوجه «٢» بالذكر أن ما عداه يعرف بالعقل، والوجه لا يعلم بالعقل، وإنما يعرف بالنقل والأخبار. و«يَبْقى»: وفي بقائه. سبحانه خلف عن كلّ تلف «٣»، وتسلية للمسلمين عمّا يصيبهم من المصائب، ويفوتهم من المواهب.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3580>[سورة الرحمن (٥٥): آية ٢٩]</span>\nيَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩)\nأهل السماوات يسألون أبدا المغفرة، وأهل الأرض يسألونه الرزق والمغفرة، أي لا بدّ لأحد منه (سبحانه) .\nوفي السماوات والأرض من لا يسأله: وهم من قيل فيهم: من شغله ذكرى عن مسألتى أعطيته أفضل ما أعطى السائلين «٤» .\nويقال: ليس كلّ من في السماوات والأرض يسألونه ممّا في السماوات والأرض ولكن:\nبين المحبين سرّ ليس يغشيه ... قول ولا قلم للخلق يحكيه\n_________\n(١) ما بين القوسين مستدرك في هامش الورقة بالنسخة ص. [.....]\n(٢) سقطت لفظة (الوجه) من النسخة م.\n(٣) هكذا في م وهي في ص (تالف) وهي صحيحة ولكن السياق والموسيقى الداخلية تتأكد ب (تلف) .\n(٤) «من شغله ذكرى عن مسألتى أعطيته أفضل ما أعطى السائلين» رواه البخاري في التاريخ، والبزار فى المسند، والبيهقي في الشعب من حديث عمر بن الخطاب.","vol":"3","page":508},{"text":"«كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ» من إحياء وإماتة، وقبض قوم وبسط قوم.. وغير ذلك من فنون أقسام المخلوقات، وما يجريه عليها من اختلاف الصفات.\nوفي الآية ردّ على اليهود حيث قالوا: إنّ الله يستريح يوم السبت لا يفعل شيئا، فأخبر أنه كل يوم هو في شأن، ولو أخلى العالم لحظة من حفظه لتلاشى وبطل.\n(ومن شأنه أن يغفر ذنبا، ويستر عيبا، ويذهب كربا) «١»، ويطيّب قلبا، ويقصى عبدا ويدنى عبدا ... إلى غير ذلك من فنون الأفعال. وله مع عباده كلّ ساعة برّ جديد، وسرّ «٢» بينه وبين عبده- عن الرقباء- بعيد.\nويقال: كل يوم هو في شأن سوق المقادير إلى أوقاتها.\nويقال: كل يوم هو في شأن إظهار مستور وستر ظاهر، وإحضار غائب وتغييب حاضر.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3581>[سورة الرحمن (٥٥): آية ٣١]</span>\nسَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ (٣١)\n«٣» أي للحساب يوم القيامة- وليس به اشتغال ... تعالى الله عن ذلك.\nومعنى الآية: سنقصد لحسابكم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3582>[سورة الرحمن (٥٥): آية ٣٣]</span>\nيا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطانٍ (٣٣)\nأقطار السماوات والأرض نواحيها. أي إن قدرتم أن تخرجوا من ملكه فاخرجوا.\n_________\n(١) هذا الرأى أيضا لأبى الدرداء (البخاري ح ٣ ص ١٣١) .\n(٢) هكذا في م، أما في ص فهى (يسر) وقد رجحنا الأولى لأن (السر) يكون بعيدا عن الرقباء.\n(٣) (الثقلان) الإنس والجن سميّا بذلك لأنهما ثقلا الأرض.","vol":"3","page":509},{"text":"ثم قال: «لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ» . أي لا تصلون إلى موضع إلا وهناك سلطانى وملكى ولا تنفذون في قطر إلا وهناك عليكم حجة «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3583>[سورة الرحمن (٥٥): آية ٣٥]</span>\nيُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ وَنُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ (٣٥)\nأي فلا تنتقمان. والشواظ: اللهب من النار لا دخان معه. والنحاس: الصّفر «٢» المذاب قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3584>[سورة الرحمن (٥٥): آية ٣٧]</span>\nفَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ (٣٧)\nينفكّ بعضها عن بعض وتصير في لون الورد الأحمر. ويقال: بها الفرش الموردة كالدهان وهو جمع دهن. أي كدهن الزيت وهو دردى الزيت.\nويقال: كما أن الوردة يتلّون لونها إذ تكون في الربيع إلى الصّفرة، فإذا اشتدت الوردة كانت حمراء، وبعد ذلك إلى الغبرة- فكذلك حال السماء تتلون من وصف إلى وصف فى القيامة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3585>[سورة الرحمن (٥٥): آية ٣٩]</span>\nفَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ (٣٩)\nأراد في بعض أحوال «٣» القيامة لا يسألون، ويسألون في البعض ... فيوم القيامة طويل.\nويقال: لمّا كانت لهم يومئذ علامات: فللكفار سواد الوجه وزرقة العين، وللمسلمين بياض الوجه وغير ذلك من العلامات- فالملائكة لا يحتاجون إلى سؤالهم: من أنتم؟ لأنهم يعرفون كلّا بسيماهم.\n_________\n(١) هكذا في م وهي في ص (وجهه) . فإذا قبلنا (حجة) فيكون المعنى أنكم أينما توجهتم في بقاع السماوات والأرض فستجدون دائما برهانا على وحدانية الله، وشاهدا على ربوبيته. وإذا قبلنا (وجهه) فهى على معنى: «فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ (وَجْهُ) اللَّهِ» .\n(٢) الصفر- النحاس الأصفر.\n(٣) أحوال القيامة هنا بمعنى مواطن القيامة في ذلك اليوم الطويل. وربما كانت (أهوال) .","vol":"3","page":510},{"text":"ويقال: لا يسألون سؤالا يكون لهم ويسألون «١» سؤالا يكون عليهم «٢» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3586>[سورة الرحمن (٥٥): آية ٤١]</span>\nيُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ (٤١)\nالمؤمنون غرّ محجّلون، والكفّار سود الوجوه زرق العيون، فيعرف الملائكة هؤلاء فيأخذون بنواصيهم، ويجرّونهم مرة بها ومرة بأقدامهم ثم يلقونهم في النار، ويطرحونهم فى جهنم:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3587>[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٤٣ الى ٤٤]</span>\nهذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (٤٣) يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (٤٤)\nيقال لهم: هذه جهنم التي كنتم بها تكذبون! «حَمِيمٍ»: ماء حارّ. «آنٍ» تناهى في النضج قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3588>[سورة الرحمن (٥٥): آية ٤٦]</span>\nوَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ (٤٦)\nيقال: لمن خاف قرب ربّه منه واطلاعه عليه.\nويقال: لمن خاف وقوفه غدا بين يدى الله- جنتان، ولفظة التثنية هنا على العادة في قولهم:\nخليليّ ونحوه.\nوقيل: بل جنتان على الحقيقة، معجّلة في الدنيا من حلاوة الطاعة وروح «٣» الوقت، ومؤجّلة في الآخرة وهي جنة الثواب. ثم هم مختلفون في جنات الدنيا على مقادير أحوالهم كما يختلفون في الآخرة على حسب درجاتهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3589>[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٤٨ الى ٥٠]</span>\nذَواتا أَفْنانٍ (٤٨) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٩) فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ (٥٠)\nدلّ على أن الجنتين في الآخرة. والأفنان الأغصان. وهي جمع فنن.\n_________\n(١) سقطت (ويسألون) هذه من م وموجودة في ص وهي ضرورية.\n(٢) هذه المحاولات التي بذلها القشيري مقصود منها- حسبما نظن- التوفيق بين هذه الآية وبين آيات أخرى مثل: «فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ» ومثل «وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ» .\nومن قبيل هذه المحاولات قول قتادة: ختم الله على أفواه القوم وتكلمت أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون.\n(٣) هكذا في م وهي في ص (بروح) .","vol":"3","page":511},{"text":"ويقال: ذواتا ألوان من كلّ صنف ولون تشتهيه النّفس والعين- وتكون جمع فن.\n«فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ» إحداهما التسنيم، والأخرى السلسبيل.\nويقال: عينان تجريان غدا لمن كان له- اليوم- عينان تجريان بالدموع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3590>[سورة الرحمن (٥٥): آية ٥٢]</span>\nفِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ (٥٢)\nزوجان أي صنفان وضربان كالرطب واليابس، والعنب والزبيب.\nويقال: إنها في نهاية الحسن والجودة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3591>[سورة الرحمن (٥٥): آية ٥٤]</span>\nمُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ (٥٤)\nبطائنها من إستبرق فكيف بظهائرها؟. «والبطائن»: مايلى الأرض. «والاستبرق»:\nالديباج الغليظ. وإنما خاطبهم على قدر فهمهم إذ يقال إنه ليس في الجنة شىء مما يشبه ما في الدنيا، وإنما الخطاب مع الناس على قدر أفهامهم «١» .\n«وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ»: أي ما يجتنى من ثمرها- إذا أرادوه- دنا إلى أفواههم فتناولوه من غير مشقّة تنالهم. وفي الخبر المسند: «من قال سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر غرس الله له شجرة في الجنة أصلها الذهب وفرعها الدر وطلعها كثدى الأبكار ألين من الزبد وأحلى من العسل، كلما أخذ منها شيئا عاد كما كان» - وذلك قوله: ودنا الجنتين دان.\nويقال: ينالها القائم والقاعد والنائم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3592>[سورة الرحمن (٥٥): آية ٥٦]</span>\nفِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ (٥٦)\nأي في الجنان حور قصرن عيونهن عن غير أزواجهن.\nوإذا كانت الزوجات قاصرات الطّرف عن غير أزواجهن فأولى بالعبد إذ رجا لقاءه- سبحانه- أن يقصر طرفه ويغضّه عن غير مباح.\n_________\n(١) هذا رأى على جانب كبير من الأهمية يوضح مدى تصور القشيري لنعيم الجنة وابتعادها عن المحسات.","vol":"3","page":512},{"text":"بل عن الكلّ ... إلى أن يلقاه.\nويقال: من الأولياء من لا ينظر إليهن- وإن أبيح له ذلك لتحرّره عن الشهوات، ولعلوّ همته عن المخلوقات «١» - وأنشدوا:\nجننّا بليلى وهي جنّت بغيرنا ... وأخرى بنا مجنونة لا نريدها\nويقال: هنّ لمن قصرت يده عن الحرام والشبهة، وطرفه عن الرّيب.\n«لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ»: لم يصحبهن غير الوليّ ولم يحزن غيره، وفي الخبر.\nاشتاقت الجنة لثلاثة «٢» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3593>[سورة الرحمن (٥٥): آية ٥٨]</span>\nكَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ (٥٨)\nأي: فى صفاء الياقوت ولون المرجان.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3594>[سورة الرحمن (٥٥): آية ٦٠]</span>\nهَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلاَّ الْإِحْسانُ (٦٠)\nيقال: الإحسان الأول من الله والثاني من العبد أي: هل جزاء من أحسنّا إليه بالنصرة إلّا أن يحسن لنا بالخدمة؟ وهل جزاء من أحسنّا إليه بالولاء إلا أن يحسن لنا بالوفاء؟.\nويصح أن يكون الإحسان الأول من العبد والثاني من الله أي: هل جزاء من أحسن من حيث الطاعة إلا أن يحسن إليه من حيث القبول والثواب؟.\nوهل جزاء من أحسن من حيث الخدمة إلا أن يحسن إليه من حيث النعمة؟\nويصح أن يكون الإحسانان من الحقّ أي: هل جزاء من أحسنّا إليه في الابتداء إلا أن نحسن إليه في الانتهاء؟ وهل جزاء من فاتحناه باللّطف إلا أن نربى له في الفضل والعطف؟.\n_________\n(١) يضاف هذا الكلام إلى رأى القشيري في موضوع «الرخصة» . [.....]\n(٢) إن الجنة تشتاق إلى ثلاثة: على وعمار وسلمان.\n(الترمذي عن أنس، ورواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير أبى ربيعة الأيادى. وقد حسّن الترمذي حديثه. قاله الحافظ الهيثمي) وترجح أن الموضع الصحيح للخبر هو بعد النص الشعرى السابق، ونرجح أيضا أن السبب في استشهاد القشيري بهذا الخبر هنا هو إثبات اشتياق الجنة لأهل الخصوص، بينما هؤلاء الزهاد الثلاثة لا أرب لهم في الدارين، لأنهم باقون بربّهم.\nم (٣٣) لطائف الإشارات- ج ٣-","vol":"3","page":513},{"text":"ويصحّ أن يكون كلاهما من العبد أي: هل جزاء من آمن بنا إلّا أن يثبت في المستقبل على إيمانه؟ وهل جزاء من عقد معنا عقد الوفاء إلا أن يقوم بما يقتضيه بالتفصيل؟.\nويقال: هل جزاء من بعد عن نفسه إلّا أن نقرّبه منّا؟\nوهل جزاء من فنى عن نفسه إلّا أن يبقى بنا؟.\nوهل جزاء من رفع لنا خطوة إلّا أن نكافئه بكل خطوة ألف حظوة، وهل جزاء من حفظ لنا طرفه إلا أن نكرمه بلقائنا؟.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3595>[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٦٢ الى ٦٤]</span>\nوَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ (٦٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦٣) مُدْهامَّتانِ (٦٤)\nهما جنتان غير هاتين اللتين ذكرتا جنتان أخريان. وليس يريد دونهما في الفضل، ولكن يريد «جَنَّتانِ» سواهما «١» .\n«مُدْهامَّتانِ» أي: خضراوان خضرة تضرب إلى السواد. فالدهمة السواد»\nوالفعل منه ادهامّ والاسم منه مدهامّ، وللمؤنث مدهامّة، ولتثنية المؤنث مدهامتان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3596>[سورة الرحمن (٥٥): آية ٦٦]</span>\nفِيهِما عَيْنانِ نَضَّاخَتانِ (٦٦)\nوالنّضخ فوران العين بالماء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3597>[سورة الرحمن (٥٥): آية ٦٨]</span>\nفِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨)\nالأسماء متشابهة ... والعيون «٣» فلا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3598>[سورة الرحمن (٥٥): آية ٧٠]</span>\nفِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ (٧٠)\n_________\n(١) قارن ذلك برأى النسفي الذي يقول: هما جنتان من دون تينك الجنتين الموعودتين للمقربين وهما لمن دونهم من أصحاب اليمين وفي موضع آخر من الصفحة ذاتها يقول النسفي: وإنما تقاصرت صفات هاتين الجنتين عن الأوليين لأن مدهامتان دون (ذواتا أفنان) ونضاختان دون (تجريان) وفاكهة (دون كل فاكهة) (النسفي ح ٤ ص ٢١٣) .\n(٢) هذا رأى الخليل أيضا.\n(٣) ربما يقصد القشيري (والأعيان) فهذا هو الاصطلاح المألوف استعماله في علمى الفلسفة والكلام- بل إن القشيري نفسه يستعمله في مثل هذا الموضع. والمقصود أن القرآن يتحدث عن نعيم الجنة حسب أفهام الناس، ولكن الأعيان غير الأسماء.","vol":"3","page":514},{"text":"أي: حور خيّرات الأخلاق حسان الوجوه. واحدها خيّرة والجمع خيّرات وهذا هو الأصل ثم خفّف فصارت خيرات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3599>[سورة الرحمن (٥٥): آية ٧٢]</span>\nحُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ (٧٢)\nمحبوسات على أزواجهن. وهنّ لمن هو مقصور الجوارح عن الزّلّات، مقصور القلب عن الغفلات، مقصور السّرّ عن مساكنة الأشكال والأعلال والأشباه والأمثال.\nوفي بعض التفاسير: أن الخيمة من درّة مجوفة فرسخ في فرسخ لها ألف باب «١» .\nويقال: قصرت أنفسهن وقلوبهن وأبصارهن على أزواجهن. وفي الخبر: أنهن يقلن: نحن الناعمات «٢» . فلا نبؤس، الخالدات فلا نبيد، الراضيات فلا نسخط.\nوفي خبر عن عائشة ﵂: أن المؤمنات أجبنهنّ: نحن المصليات وما صلّيتنّ، ونحن الصائمات وما صمتنّ، ونحن المتصدّقات وما تصدّقتنّ، قالت عائشة يغلبهن قوله.\nلَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ «٣» قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3600>[سورة الرحمن (٥٥): آية ٧٦]</span>\nمُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ (٧٦)\nقيل: رياض الجنة، وقيل: المجالس، وقيل: الزرابيّ والوسائد- وهي خضر «وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ»: العبقري عند العرب كلّ ثوب موشّى.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3601>[سورة الرحمن (٥٥): آية ٧٨]</span>\nتَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ (٧٨)\nمضى تفسيره.\n_________\n(١) حدثنا محمد بن المثنى قال: حدثنا عبد العزيز بن عبد الصمد: حدثنا أبو عمران الجونى عن أبى بكر بن عبد الله ابن قيس عن أبيه: أن رسول الله (ص) قال: إن في الجنة خيمة من لؤلؤة مجوفة عرضها ستون ميلا في كل زاوية منها أهل ما يرون الآخرين يطوف عليهم المؤمنون.. البخاري ح ٣ ص ١٣٢. وذكر ابن جرير الطبري أن الخيمة لؤلؤة أربعة فراسخ في أربعة فراسخ لها أربعة آلاف مصراع من ذهب (ح ٢٧ ص ٨٤) .\n(٢) «نحن الناعمات فلا نبؤس أبدا، نحن الخالدات فلا نموت أبدا ...» رواه الترمذي عن على، وقال:\nحديث غريب. ورواه البيهقي وأبو نعيم عن أبى أوفى في صفة الجنة، وذكره السراج في اللمع ص ٣٤٥.\n(٣) الطمث: الجماع بالتدمية.","vol":"3","page":515},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3602>سورة الواقعة</span>\nقوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» .\n«بِسْمِ اللَّهِ»: اسم جبّار من اعتنى بشأنه أحضره بإحسانه، فإن أبى إلّا تماديا في عصيانه حال بينه وبين اختياره «١» بقهر سلطانه، وإن لم يلازم هذه «٢» الطاعة ألجأه بالبلاء فيأتيها باضطراره.\nاسم عزيز أزليّ، جبّار صمديّ، قهّار أحديّ، للمؤمنين وليّ، وبالعاصين حفيّ، ليس لجماله كفيّ، ولا في جلاله سميّ، لكنه «٣» للعصاة من المؤمنين وليّ.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3603>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ١ الى ٢]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nإِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ (١) لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ (٢)\nإذا قامت القيامة لا يردّها شىء.\n«كاذِبَةٌ» هاهنا مصدر: كالعافية، والعاقبة، أي: هى حقّة لا يردها شىء، وليس فى وقوعها كذب.\nويقال: إذا وقعت الواقعة فمن سلك منهاج الصحة والاستقامة وصل إلى السلامة ولقى الكرامة، ومن حاد عن نهج الاستقامة وقع في الندامة والغرامة، وعند وقوعها يتبين الصادق من المماذق:\nإذا اشتبكت دموع في خدود ... تبيّن من بكى ممّن تباكى\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3604>[سورة الواقعة (٥٦): آية ٣]</span>\nخافِضَةٌ رافِعَةٌ (٣)\n_________\n(١) هكذا في ص وهي في م (إحسانه) .\n(٢) هكذا في م وهي في ص (شدة) الطاعة.\n(٣) هكذا في م، وفي ص توجد كلمة غير واضحة الكتابة.","vol":"3","page":516},{"text":"«خافضة»: لأهل الشقاوة، «رافِعَةٌ»: لأهل الوفاق.\n«خافِضَةٌ»: لأصحاب الدعاوى، «رافِعَةٌ»: لأرباب المعاني.\n«خافِضَةٌ»: للنفوس، «رافِعَةٌ»: للقلوب.\n«خافِضَةٌ»: لأهل الشهوة، «رافِعَةٌ»: لأهل الصفوة.\n«خافِضَةٌ»: لمن جحد، «رافِعَةٌ»: لمن وحّد.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3605>[سورة الواقعة (٥٦): آية ٤]</span>\nإِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤)\nحرّكت حركة شديدة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3606>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٥ الى ٦]</span>\nوَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا (٥) فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا (٦)\nفتّتت فكانت كالهباء الذي يقع في الكوّة عند شعاع الشمس.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3607>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٨ الى ١٠]</span>\nفَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠)\n«ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ»؟ على جهة التفخيم لشأنهم والتعظيم لقدرهم، (وهم أصحاب اليمن والبركة والثواب) «١» .\n«ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ»: على جهة التعظيم والمبالغة في ذمّهم، وهم أصحاب الشؤم على أنفسهم ويقال:\nأصحاب الميمنة هم الذين كانوا في جانب اليمين من آدم ﵇ يوم الذّرّ، وأصحاب المشأمة هم الذين كانوا على شماله.\n_________\n(١) موجود في ص وغير موجود في م.","vol":"3","page":517},{"text":"ويقال: الذين يعطون الكتاب بأيمانهم، والذين يعطون الكتاب بشمائلهم.\n(ويقال: هم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين.. إلى الجنة، والذين يؤخذ بهم ذات الشمال..\nإلى النار) «١» .\n«وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ»: وهم الصف الثالث. وهم السابقون إلى الخصال الحميدة، (والأفضال الجميلة) «٢» .\nويقال: السابقون إلى الهجرة. ويقال: إلى الإسلام. ويقال: إلى الصلوات الخمس.\nويقال: السابقون بصدق القدم. ويقال: السابقون بعلوّ الهمم. ويقال: السابقون إلى كل خير. ويقال السابقون المتسارعون إلى التوبة من الذنوب فيتسارعون إلى النّدم إن لم يتسارعوا بصدق القدم.\nويقال: الذين سبقت لهم من الله الحسنى فسبقوا إلى ما سبق إليه:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3608>[سورة الواقعة (٥٦): آية ١١]</span>\nأُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١)\nولم يقل: المتقرّبون، بل قال: أولئك المقرّبون- وهذا عين الجمع، فعلم الكافة أنهم بتقريب ربّهم سبقوا- لا بتقرّبهم «٣» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3609>[سورة الواقعة (٥٦): آية ١٢]</span>\nفِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢)\nأي: فى الجنة «٤» . ويقال: مقربون إلا من الجنة فمحال أن يكونوا في الجنة ثم يقرّبون من الجنة، وإنما يقرّبون إلى غير الجنة: يقرّبون من بساط القربة ...\nوأنّى بالبساط ولا بساط؟! مقربون.. ولكن من حيث الكرامة لا من حيث المسافة مقرّبة نفوسهم من الجنة وقلوبهم إلى الحقّ.\nمقرّبة قلوبهم من بساط المعرفة، وأرواحهم من ساحات الشهود- فالحقّ عزيز..\nلا قرب ولا بعد، ولا فصل ولا وصل.\n_________\n(١) موجودة في م وغير موجود في ص.\n(٢) موجود في م وغير موجود في ص.\n(٣) هذه إشارة إلى أن العمل الإنسانى- وحده- لا يعوّل عليه إذا قيس بالفضل الإلهى. [.....]\n(٤) يتحدث القشيري هنا في ضوء حالى الفرق والجمع.","vol":"3","page":518},{"text":"ويقال: مقربون ولكن من حظوظهم ونصيبهم. وأحوالهم- وإن صفت- فالحقّ وراء الوراء.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3610>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ١٣ الى ١٤]</span>\nثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤)\nالثّلة: الجماعة. ويقال: ثلة من الأولين الذين شاهدوا أنبياءهم وقليل من الآخرين الذين شاهدوا نبيّنا ﷺ.\nويقال: ثلّة من الأولين: من السلف وقليل من المتأخرين: من الأمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3611>[سورة الواقعة (٥٦): آية ١٥] </span>«١»\nعَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (١٥)\nأي منسوجة نسيج الدرع من الذهب. جاء في التفسير: طول كل سرير ثلاثمائة ذراع، إن أراد الجلوس عليه تواضع، وإن استوى عليه ارتفع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3612>[سورة الواقعة (٥٦): آية ١٦]</span>\nمُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ (١٦)\nأي لا يرى بعضهم قفا بعض. وصفهم بصفاء المودة وتهذّب الأخلاق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3613>[سورة الواقعة (٥٦): آية ١٧]</span>\nيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧)\nيطوف عليهم وهم مقيمون لا يبرحون ولدان في سنّ واحدة ... لا يهرمون.\nوقيل: مقرّطون (الخلدة. القرط)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3614>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ١٨ الى ٢٠]</span>\nبِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨) لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ (١٩) وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠)\n«بِأَكْوابٍ» جمع كوب وهي آنية بلا عروة ولا خرطوم، «وَأَبارِيقَ»: جمع إبريق وهو عكس الكوب (أي له خرطوم وعروة) .\nولا صداع لهم في شربهم إياها، كما لا تذهب عقولهم بسببها.\nولهم كذلك فاكهة مما يتخيرون،\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3615>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٢١ الى ٢٤]</span>\nوَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١) وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣) جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤)\nوَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ، وَحُورٌ عِينٌ، كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ، أي: المصون، جزاء بما كانوا يعملون.\n_________\n(١) وضن الثوب نسجه بالجوهر، فهو واضن وهي واضنة والمفعول موضون.","vol":"3","page":519},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3616>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٢٥ الى ٢٦]</span>\nلا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلاَّ قِيلًا سَلامًا سَلامًا (٢٦)\nاللغو: الباطل من القول، والتأثيم: الإثم والهذيان ولا يسمعون إلا قيلا سلاما، وسلاما: نعت للقيل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3617>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٢٧ الى ٢٩]</span>\nوَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ (٢٧) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩)\n«وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ»: لا شوك فيه،\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3618>[سورة الواقعة (٥٦): آية ٣٠]</span>\nوَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠)\n: والطلح شجر الموز، متراكم نضيد بعضه على بعض.\n«وَظِلٍّ مَمْدُودٍ» كما بين الإسفار «١» إلى طلوع الشمس «٢» . وقيل: ممدود أي دائم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3619>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٣١ الى ٣٧]</span>\nوَماءٍ مَسْكُوبٍ (٣١) وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ (٣٣) وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (٣٤) إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً (٣٥)\nفَجَعَلْناهُنَّ أَبْكارًا (٣٦) عُرُبًا أَتْرابًا (٣٧)\n«وَماءٍ مَسْكُوبٍ»: جار لا يتعبون فيه.\n«وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ»: لا مقطوعة عنهم ولا ممنوعة منهم.\n«وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ» لهم. وقيل: أراد بها النساء «٣» .\n«إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكارًا أي الحور العين.\n«عُرُبًا»: جمع عروب «٤» وهي الغنجة المتحببة إلى زوجها. ويقال عربا: أي متشهّيات إلى أزواجهن.\n«أَتْرابًا»: جمع ترب، أي: هنّ على سنّ واحدة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3620>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٣٨ الى ٤٠]</span>\nلِأَصْحابِ الْيَمِينِ (٣٨) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠)\n«لِأَصْحابِ الْيَمِينِ»: أي خلقناهن لأصحاب اليمين.\n«ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ»: أي: ثلة من أولى هذه الأمة، وثلة من أخراها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3621>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٤١ الى ٤٣]</span>\nوَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ (٤١) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣)\n: والسّموم فيح جهنم وحرّها.\nوالحميم: الماء الحار.\n_________\n(١) طلوع الفجر أو الصبح.\n(٢) سقطت (الشمس) من م.\n(٣) لأن المرأة يكنى عنها بالفراش.\n(٤) جاء عند البخاري: عروب مثل: صبور يسميها أهل مكة: العربة وأهل المدينة: الغنجة، وأهل العراق: الشّكلة (البخاري ح ٣ ص ١٣٢) .","vol":"3","page":520},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3622>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٤٤ الى ٤٧]</span>\nلا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ (٤٤) إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُتْرَفِينَ (٤٥) وَكانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (٤٦) وَكانُوا يَقُولُونَ أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُرابًا وَعِظامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٤٧)\n«وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ»، وهو الدّخان الأسود.\n«لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ»: لا بارد: أي لا راحة فيه. ولا كريم: ولا حسن لهم (حيث لا نفع فيه) .\n«إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُتْرَفِينَ»: أي: كانوا في الدنيا ممتّعين.\n«وَكانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ» أي الذّنب العظيم.\n«وَكانُوا يَقُولُونَ أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُرابًا وَعِظامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ؟» أي: أنهم يكذّبون بالبعث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3623>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٥١ الى ٥٢]</span>\nثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢)\nثم يقال لهم: «إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ» اليوم «لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ» وجاء في التفسير: أن الزقوم شجرة في أسفل جهنم إذا طرح الكافر في جهنم لا يصل إليها إلا بعد أربعين خريفا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3624>[سورة الواقعة (٥٦): آية ٥٣]</span>\nفَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3625>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٥٤ الى ٥٥]</span>\nفَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤) فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (٥٥)\n«فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ» شراب لا تهنأون به «فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ»: وهي الإبل العطاش. ويقال: الهيم أي الرّمل ينضب فيه كلّ ما يصبّ عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3626>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٥٦ الى ٥٧]</span>\nهذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (٥٦) نَحْنُ خَلَقْناكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ (٥٧)\n«هذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ»: يوم القيامة.\nقوله جل ذكره: «نَحْنُ خَلَقْناكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ» نحن خلقناكم: يا أهل مكة- فهلّا آمنتم لتتخلصوا؟ توبّخون وتعاتبون ... واليوم تعتذرون! ولكن لا ينفعكم ذلك ولا يسمع منكم شىء.\nوإن أشدّ العقوبات عليهم يومئذ أنهم لا يتفرّغون من آلام نفوسهم وأوجاع أعضائهم إلى التحسّر على مافاتهم في حقّ الله.\nويقال: أشدّ البلاء- اليوم- على قلوب هذه الطائفة «١» خوفهم من أن يشغلهم- غدا- بمقاساة آلامهم عن التحسّر على ما تكدّر عليهم من المشارب في هذا الطريق. وهذه محنة لا شىء أعظم على الأصحاب منها. وإنّ أصحاب القلوب- اليوم- يبتهلون إليه ويقولون: إن\n_________\n(١) يقصد الصوفية.","vol":"3","page":521},{"text":"حرمتنا مشاهد الأنس فلا تشغلنا بلذّات تشغلنا عن التحسّر على ما فاتنا، ولا بآلام تشغلنا عن التأسّف على ما عدمنا منك.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3627>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٥٨ الى ٥٩]</span>\nأَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ (٥٩)\nيقال: منى الرجل وأمنى. والمعنى: هل إذا باشرتم وأنزلتم وانعقد الولد ... أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون؟ والخلق هاهنا: التصوير أي: أأنتم تجمعون صور المولود وتركّبون أعضاءه.. أم نحن؟\nوهم كانوا يقرّون بالنشأة الأولى فاحتجّ بهذا (على جواز النشأة الأخرى عند البعث الذي كانوا ينكرونه. وهذه الآية أصل فى) «١» إثبات الصانع فإن أصل خلقة الإنسان من قطرتين: قطرة من صلب الأب وهو المنى وقطرة من تريبة الأم «٢»، وتجتمع القطرتان في الرّحم فيصير الولد. وينقسم الماء ان المختلطان إلى هذه الأجزاء التي هي أجزاء الإنسان من العظم والعصب والعرق والجلد والشّعر.. ثم يركبها على هذه الصور في الأعضاء الظاهرة وفي الأجزاء الباطنة حيث يشكّل كل عضو بشكل خاص، والعظام بكيفية خاصة.. إلى غير ذلك.\nوليس يخلو: إمّا أن يكون الأبوان يصنعانه- وذلك التقدير محال لتقاصر علمهما وقدرتهما عن ذلك وتمنّيهما الولد ثم لا يكون، وكراهتهما الولد ثم يكون! والنّطفة أو القطرة محال تقدير فعلها في نفسها على هذه الصورة لكونها من الأموات بعد، ولا علم لها ولا قدرة.\nأو من غير صانع.. وبالضرورة يعلم أنه لا يجوز.\nفلم يبق إلّا أن الصانع القديم الملك العليم هو الخالق «٣» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3628>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٦٠ الى ٦١]</span>\nنَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ (٦١) .\n_________\n(١) ما بين القوسين موجود في م وغير موجود في ص.\n(٢) تريبة الأم عظمة الصدر والجمع ترائب.\n(٣) هذا نموذج طيب يصوّر طريقة القشيري متكلما.","vol":"3","page":522},{"text":"يكون الموت في الوقت الذي يريده منكم من يموت طفلا ومنكم من يموت شابّا، ومنكم من يموت كهلا، وبعلل مختلفه وبأسباب متفاوتة وفي أوقات مختلفة.\n«وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ» فى تقديرنا فيقوتنا شىء ولسنا بعاجزين عن أن نخلق أمثالكم، ولا بعاجزين عن تبديل صوركم التي تعلمون إن أردنا مسخكم وتبديل صوركم فلا يمنعنا عن ذلك أحد.\nويقال: وننشئكم فيما لا تعلمون من حكم السعادة والشقاوة «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3629>[سورة الواقعة (٥٦): آية ٦٢]</span>\nوَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ (٦٢)\nأي: أنتم أقررتم بالنشأة الأولى.. فهلّا تذكّرون لتعلموا جواز الإعادة إذ هي في معناها «٢» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3630>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٦٣ الى ٦٤]</span>\nأَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤)\nأي: إذا ألقيتم الحبّ في الأرض.. أأنتم تنبتونه أم نحن المنبتون؟ وكذلك وجوه الحكمة في إنبات الزّرع، وانقسام الحبّة الواحدة على الشجرة النابتة منها (فى قشرها ولحائها وجذعها وأغصانها وأوراقها وثمارها) «٣» - كل هذا:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3631>[سورة الواقعة (٥٦): آية ٦٥]</span>\nلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥)\nلو نشاء لجعلناه حطاما يابسا بعد خضرته، فصرتم تتعجبون وتندمون على تعبكم فيه، وإنفاقكم عليه، ثم تقولون:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3632>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٦٦ الى ٦٧]</span>\nإِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٦٧)\nأي: لملزمون غرامة ما أنفقنا في الزّرع، وقد صار ذلك غرما علينا- فالمغرم من ذهب إنفاقه بغير عوض.\n_________\n(١) وضع هذا السطر في مكان تال بعد (فى معناها) فنقلناه إلى موصعه الصحيح.\n(٢) أي أن الإعادة لا تفترق في شىء عن الخلق الأول.\n(٣) ما بين القوسين موجود في م وغير موجود في ص.","vol":"3","page":523},{"text":"«بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ» بل نحن محرومون بعد أن ضاع منّا الرزق.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3633>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٦٨ الى ٧٠]</span>\nأَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ (٧٠)\nأأنتم أنزلتموه من السحاب.. أم نحن ننزله متى نشاء أنّى نشاء كما نشاء على من نشاء وعلى ما نشاء؟ ونحن الذين نجعله مختلفا في الوقت وفي المقدار وفي الكيفية، فى القلّة وفي الكثرة.\nولو نشاء لجعلناه ملحا.. أفلا تشكرون عظيم نعمة الله- سبحانه- عليكم في تمكينكم من الانتفاع بهذه الأشياء التي خلقها لكم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3634>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٧١ الى ٧٣]</span>\nأَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ (٧٢) نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً وَمَتاعًا لِلْمُقْوِينَ (٧٣)\nورى الزّند يرى فهو وار ... وأوراه يوريه أي يقدحه.\nيعنى: إذا قدحتم الزند.. أرأيتم كيف تظهر النار- فهل أنتم تخلقون ذلك؟\nأأنتم أنشأتم شجرتها- يعنى المرخ والعفار «١» - أم نحن المنشئون؟\n«نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً»: أي يمكن الاستدلال بها.\n«وَمَتاعًا لِلْمُقْوِينَ»: يقال: أقوى الرجل إذا نزل بالقواء أي: الأرض الخالية.\nفالمعنى: أن هذه النار «تَذْكِرَةً» يتذكّر بها الإنسان ما توعده به في الآخرة من نار جهنم، و«مَتاعًا»: يستمتع بها المسافر في سفره في وجوه الانتفاع المختلفة.\n_________\n(١) المرخ: شجر ينفرش ويطول في السماء ليس له ورق ولا شوك، سريع الورى يتقدح به.\nوالعفار: شجيرة من الفصيلة الأريكية لها ثمر لبّى أحمر، ويتخذ منها الزناد فيسرع الورى. وفي أمثال العرب:\n«فى كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار» . [.....]","vol":"3","page":524},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3635>[سورة الواقعة (٥٦): آية ٧٤]</span>\nفَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤)\nأي: اسبح بفكرك في بحار عقلك، وغص بقوة التوحيد فيها تظفر بجواهر العلم، وإيّاك أن تقصّر في الغوص لسبب أو لآخر، وإياك أن تتداخلك الشّبه فيتلف رأس مالك ويخرج من يدك وهو دينك واعتقادك ... وإلّا غرقت في بحار الشّبه، وضللت.\nوهذه الآيات «١» التي عدّها الله- سبحانه- تمهّد لسلوك طريق الاستدلال، فكما فى الخبر «فكر ساعة خير من عبادة سنة» - وقد نبّه الله سبحانه بهذا إلى ضرورة التفكير.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3636>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٧٥ الى ٨٠]</span>\nفَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)\nتَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٨٠)\nقيل: هى مواقع نجوم السماء. ويقال: مواقع نجوم القرآن على قلب الرسول ﷺ.\n«إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ»: والكرم نفى الدناءة- أي: أنه غير مخلوق «٢» ويقال: هو «قرآن كريم»: لأنه يدل على مكارم الأخلاق.\nويقال هو قرآن كريم لأنه من عند ربّ كريم على رسول كريم، على لسان ملك كريم. «فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ»: يقال: فى اللوح المحفوظ. ويقال: فى المصاحف. وهو محفوظ عن التبديل. «لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ» عن الأدناس والعيوب والمعاصي.\n_________\n(١) إذا تدبرنا هذه الآيات ألفينا القرآن يخاطب العقل الإنسانى بالتدبر في ثلاثة أشياء: الغذاء والماء والنار، وبدون الثلاثة لا تقوم الحياة ولا تنتظم.\n(٢) هذه إحدى الأفكار الخطيرة التي اشتجر حولها الخلاف بين الأشاعرة الذين يقولون: (القرآن غير مخلوق) وبين المعتزلة الذي يقولون: إنه مخلوق.","vol":"3","page":525},{"text":"ويقال: هو خبر فيه معنى الأمر: أي لا ينبغى أن يمسّ المصحف إلا من كان متطهرا من الشّرك ومن الأحداث «١» .\nويقال: لا يجد طعمه وبركته إلّا من آمن به.\nويقال: لا يقربه إلّا الموحّدون، فأمّا الكفّار فيكرهون سماعه فلا يقربونه.\nوقرئ المطهّرون: أي الذين يطهّرون نفوسهم عن الذنوب والخلق الدّنيّ.\nويقال: لا يمس خيره إلّا من طهّر يوم القسمة عن الشقاوة.\nويقال: لا يفهم لطائفة إلّا من طهّر سرّه عن الكون «٢» .\nويقال: المطهّرون سرائرهم عن غيره.\nويقال: إلا المحترمون له القائمون بحقّه.\nويقال: إلا من طهّر بماء السعادة ثم بماء الرحمة «تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ»: أي منزّل من قبله- سبحانه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3637>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٨١ الى ٨٢]</span>\nأَفَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)\nأبهذا القرآن أنتم تنافقون، وبه تكذّبون.\n«وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ ...»: كانوا إذ أمطروا يقولون: أمطرنا بنوء كذا.\nيقول: أتجعلون بدل إنعام الله عليكم بالمطر الكفران به، وتتوهمون أن المطر- الذي هو نعمة من الله- من الأنواء والكواكب؟!.\nويقال: أتجعلون حظّكم ونصيبكم من القرآن التكذيب؟.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3638>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٨٣ الى ٨٥]</span>\nفَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ (٨٥) .\n_________\n(١) هى هنا جمع حدث أي النجاسة التي ترتفع بالوضوء أو الغسل أو التيمم.\n(٢) لنتذكر أن هذا الكتاب الذي وضعه القشيري هو لفهم (لطائف الإشارات) القرآنية، ولندرك رأيه فى سمات هذا اللون من التفسير وأهله.","vol":"3","page":526},{"text":"يخاطب أولياء الميت «١» فيقول: هلّا إذا بلغت روحه الحلقوم، وأنتم تنظرون إلى هذا المريض، رجعتم إلى الله تعالى، وتحققتم به؟ فنحن أقرب إليه منكم بالعلم والرؤية والقدرة ...\nولكن لا تبصرون! ويقال: أقرب ما يكون العبد من الحقّ عند ما يتم استيلاء ذكره وشهوده عليه، فينتفى إحساس العبد بغيره، وعلى حسب انتفاء العلم والإحساس بالأغيار- حتى عن نفسه- يكون تحقّق العبد في سرّه حتى لا يرى غير الحقّ.\nفالقرب والبعد معناهما: أنّ العبد في أوان صحوه وأنه لم يؤخذ- بعد- عن نفسه فإذا أخذ عنه فلا يكون إلا الحق ... لأنه حينئذ لا قرب ولا بعد.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3639>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٨٦ الى ٨٧]</span>\nفَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٨٧)\nليس لكم من أمر الموت شىء.\n«تَرْجِعُونَها» أي: تردّون الروح إلى الجسد.\n«إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ»: فى أنه لا بعث «٢» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3640>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٨٨ الى ٨٩]</span>\nفَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ (٨٩)\nالمقرّبون هم الذين قرّبهم الله بفضله، فلهم «فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ» .\nويقال: الرّوح الاستراحة، والريحان الرزق.\nوقيل: الرّوح في القبر، والريحان: فى الجنة.\n_________\n(١) فى م (البيت) وفي ص (الميت) وهذه هي الصواب.\n(٢) نشعر أن تفسير القشيري هنا مقتضب، ويلزم التوضيح: ترتيب الآية هو: فلولا ترجعونها إذا بلغت الحلقوم إن كنتم غير مدينين.. أمّا نحن فنحن أقرب إليه منكم يا أهل الميت بقدرتنا وعلمنا أو بملائكة الموت.\nأمّا أنتم.. فما لكم لا ترجعون الروح إلى البدن بعد بلوغه الحلقوم إن لم يكن ثمة قابض وكنتم صادقين في تعطيلكم وكفركم بالمحيي المميت والمبدئ المعيد؟!","vol":"3","page":527},{"text":"ويقال: لا يخرج مؤمن من الدنيا حتى يؤتى بريحان من رياحين الجنة فيشمه قبل خروج روحه، فالرّوح راحة عند الموت، والريحان في الآخرة.\nوقيل: كانت قراءة النبي (ص) «الروح» بضم الراء أي لهم فيها حياة دائمة.\nويقال: الرّوح لقلوبهم، والريحان لنفوسهم، والجنّة لأبدانهم.\nويقال: روح في الدنيا، وريحان في الجنة، وجنّة نعيم في الآخرة.\nويقال: روح وريحان معجّلان، وجنة نعيم مؤجلة.\nويقال: روح للعابدين، وريحان للعارفين، وجنّة نعيم لعوام المؤمنين.\nويقال: روح نسيم القرب، وريحان كمال البسط، وجنة نعيم في محل المناحاة.\nويقال: روح رؤية الله، وريحان سماع كلامه بلا واسطة، وجنة نعيم أن يدوم هذا ولا ينقطع.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3641>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٩٠ الى ٩١]</span>\nوَأَمَّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ (٩١)\nأن نخبرك بسلامة أحوالهم.\nويقال: سترى فيهم ما تحب من السلامة.\nويقال: أمان لك في بابهم فلهم السلامة. ولا تشغل قلبك بهم ويقال: فسلام لك- أيها الإنسان- إنك من أصحاب اليمين، أو أيها الإنسان الذي من أصحاب اليمين.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3642>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٩٢ الى ٩٤]</span>\nوَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤)\nإن كان من المكذبين لله، الضالّين عن دين الله فله إقامة في الجحيم.","vol":"3","page":528},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3643>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٩٥ الى ٩٦]</span>\nإِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٩٦)\nهذا هو الحق اليقين الذي لا محالة حاصل.\n«فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ» أي قدّس الله عمّا لا يجوز في وصفه.\nويقال: صلّ لله. ويقال: اشكر الله على عصمة أمّتك من الضّلال، وعلى توفيقهم فى اتّباع سنّتك.","vol":"3","page":529},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3644>سورة الحديد</span>\nقوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» .\nسماع بسم الله الرّحمن الرّحيم شراب يسقى به الحقّ﷾- قلوب أحبّائه، فإذا شربوا طربوا، وإذا طربوا انبسطوا «١»، ثم لشهود حقّه «٢» تعرّضوا، وبنسيم قربه استأنسوا «٣»، وعند الإحساس بهم غابوا.. فعقولهم تستغرق «٤» فى لطفه، وقلوبهم تستهلك فى كشفه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3645>[سورة الحديد (٥٧): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nسَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١)\nالتسبيح التقديس والتنزيه، ويكون بمعنى سباحة الأسرار في بحار الإجلال، فيظفرون بجواهر التوحيد وينظمونها في عقود الإيمان، ويرصّعونها في أطواق الوصلة:\nوقوله «ما» فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ المراد به «من» فى السماوات والأرض، يسجدون لله طوعا وكرها طوعا تسبيح طاعة وعبادة، وكرها تسبيح علامة ودلالة.\nوتحمل «ما» على ظاهرها فيكون المعنى: ما من مخلوق من عين أو أثر إلا ويدلّ على الصانع، وعلى إثبات جلاله، وعلى استحقاقه لنعوت كبريائه.\n_________\n(١) انبسطوا أي: ذاقوا حال البسط. ويصل العارف إلى القبض والبسط بعد حال الرجاء والخوف. والمبسوط قد يكون فيه بسط يسع الخلق فلا يستوحش من أكثر الأشياء، ويكون مبسوطا لا يؤثر فيه شىء بحال من الأحوال (الرسالة ص ٣٥) .\n(٢) شهود حق الله لا يتم إلا بعد اختفاء حظوظ العبد.\n(٣) من الأنس. سئل الجنيد عنه فقال: هو ارتفاع الحشمة مع وجود الهيبة. وسئل ذو النون عنه فقال:\nهو انبساط المحب إلى المحبوب.\nوسئل الشبلي عنه فقال: هو حشتك منه (التعرف للكلاباذى ص ١٢٦، ١٢٧) .\n(٤) ضبطناها هكذا مبنية للمجهول لأن المفروض أن شمس الحقيقة يستغرق نورها نجوم العقل.","vol":"3","page":530},{"text":"ويقال: يسبح لله ما في السماوات والأرض، كلّ واقف على الباب بشاهد الطّلب ...\nولكنه- سبحانه عزيز «١» .\nويقال: ما تقلّب أحد من جاحد أو ساجد إلا في قبضة العزيز الواحد، فما يصرّفهم إلا من خلقهم فمن مطيع ألبسه نطاق وفاقه- وذلك فضله، ومن عاص ربطه بمثقلة الخذلان- وذلك عدله.\n«وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ»: العزيز: المعزّ لمن طلب الوصول، بل العزيز: المتقدّس عن كل وصول ... فما وصل من وصل إلا حظّه ونصيبه وصفته على ما يليق به.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3646>[سورة الحديد (٥٧): آية ٢]</span>\nلَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢)\nالملك مبالغة من الملك، وهو القدرة على الإبداع، ولا مالك إلا الله. وإذا قيل لغيره:\nمالك فعلى سبيل المجاز فالأحكام المتعلقة في الشريعة على ملك الناس صحيحة في الشرع، ولكنّ لفظ الملك فيها توسّع كما أن لفظ التيمم في استعمال التراب- عند عدم الماء- فى السفر مجاز، فالمسائل الشرعية في التيمم صحيحة، ولكن لفظ التيمم في ذلك مجاز.\n«يُحْيِي وَيُمِيتُ»: يحيى النفوس ويميتها. ويحيى القلوب بإقباله عليها، ويميتها بإعراضه عنها.\nويقال: يحييها بنظره وتفضّله، ويميتها بقهره وتعزّزه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3647>[سورة الحديد (٥٧): آية ٣]</span>\nهُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣)\n«الْأَوَّلُ»: لاستحقاقه صفة القدم، و«الْآخِرُ» لاستحالة نعت العدم.\nو«الظَّاهِرُ» بالعلو والرفعة، و«الْباطِنُ»: بالعلم والحكمة.\nويقال: «الْأَوَّلُ» فلا افتتاح لوجوده و«الْآخِرُ» فلا انقطاع لثبوته.\n«الظَّاهِرُ» فلا خفاء في جلال عزّه، «الْباطِنُ» فلا سبيل إلى إدراك حقّه.\nويقال «الْأَوَّلُ» بلا ابتداء، و«الْآخِرُ» بلا انتهاء، و«الظَّاهِرُ» بلا خفاء، و«الْباطِنُ» بنعت العلاء وعزّ الكبرياء.\n_________\n(١) أي حلّت الصمدية أن يستشرف من ذاتيتها أحد.. فكل واقف بالباب على البساط.","vol":"3","page":531},{"text":"ويقال «الْأَوَّلُ» بالعناية، و«الْآخِرُ» بالهداية، و«الظَّاهِرُ» بالرعاية، و«الْباطِنُ» بالولاية.\nويقال: «الْأَوَّلُ» بالخلق، و«الْآخِرُ» بالرزق، و«الظَّاهِرُ» بالإحياء، و«الْباطِنُ» بالإماتة والإفناء.\nقال تعالى: «اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ» «١» .\nويقال: «الْأَوَّلُ» لا بزمان، و«الْآخِرُ» لا بأوان، و«الظَّاهِرُ» بلا اقتراب، و«الْباطِنُ» بلا احتجاب.\nويقال: «الْأَوَّلُ» بالوصلة، و«الْآخِرُ» بالخلّة، و«الظَّاهِرُ» بالأدلة، و«الْباطِنُ» بالبعد «٢» عن مشابهة الجملة «٣» .\nويقال: «الْأَوَّلُ» بالتعريف، «وَالْآخِرُ» بالتكليف، «وَالظَّاهِرُ» بالتشريف «وَالْباطِنُ» بالتخفيف «٤» ويقال: «الْأَوَّلُ» بالإعلام، «وَالْآخِرُ» بالإلزام، «وَالظَّاهِرُ» بالإنعام «وَالْباطِنُ» بالإكرام.\nويقال: «الْأَوَّلُ» بأن اصطفاك «وَالْآخِرُ» بأن هداك، «وَالظَّاهِرُ» بأن رعاك، «وَالْباطِنُ» بأن كفاك.\nويقال «٥»: من كان الغالب عليه اسمه «الْأَوَّلُ» كانت فكرته في حديث سابقته: بماذا سمّاه مولاه؟ وما الذي أجرى له في سابق حكمه؟ أبسعادته أم بشقائه؟.\n_________\n(١) آية ٤٠ سورة الروم.\n(٢) سقط- (بالبعد) فى النسخة م وموجودة في ص\n(٣) المقصود (بالجملة) هنا جملة المخلوقات. [.....]\n(٤) هكذا في م وهي في ص (بالتحقيق) وهذه وإن كانت- صحيحة ألا أن السياق الموسيقى الذي جرى عليه المصنف يرجح (بالتخفيف) على معنى أنه علم ضعف عباده فلم يكلفهم فوق طاقتهم.\n(٥) هذه الفقرة هامة في بيان أن الصوفية حينما يتصدون لدراسة الأسماء والصفات يهتمون بالآداب والسلوك وكيف يتخلّق الصوفي بأخلاق الله ويتأدب بأسمائه أنظر مقدمة كتاب التحبير في التذكير تحقيق بسيونى) .","vol":"3","page":532},{"text":"ومن كان الغالب على قلبه اسمه «الْآخِرُ» كانت فكرته فى: بماذا يختم له حاله؟ وإلام يصير ما له؟ أعلى التوحيد يخرج من دنياه أو- والعياذ بالله- فى النار غدا- مثواه؟\nومن كان الغالب على قلبه اسمه «الظَّاهِرُ» فاشتغاله بشكر ما يجرى في الحال من توفيق الإحسان وتحقيق الإيمان وجميل الكفاية وحسن الرعاية.\nومن كان الغالب على قلبه اسمه «الْباطِنُ» كانت فكرته في استبهام أمره عليه فيتعثّر ولا يدرى.. أفضل ما يعامله به ربّه أم مكر ما يستدرجه به ربّه؟\nويقال: «الْأَوَّلُ» علم ما يفعله عباده ولم يمنعه علمه من تعريفهم، «وَالْآخِرُ» رأى ما عملوا ولم يمنعه ذلك من غفرانهم «وَالظَّاهِرُ» ليس يخفى عليه شىء من شأنهم، وليس يدع شيئا من إحسانهم «وَالْباطِنُ» يعلم ما ليس لهم به علم من خسرانهم ونقصانهم فيدفع «١» عنهم فنون محنهم وأحزانهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3648>[سورة الحديد (٥٧): آية ٤]</span>\nهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤)\nمضى الكلام في ذلك.\n«يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ» أي ما يدخل فيها من القطر، والكنوز، والبذور، والأموات الذين يدفنون فيها، «وَما يَخْرُجُ مِنْها» من النبات وانفجار العيون وما يستخرج من المعادن.\n«وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ» .\nمن المطر والأرزاق. أو ما يأتى به الملائكة من القضاء والوحى.\n«وَما يَعْرُجُ فِيها» .\nأي وما يصعد إليها من الملائكة، وطاعات العباد، ودعوات الخلق، وصحف المكلّفين، وأرواح المؤمنين.\n_________\n(١) هنا إشارة لنعم الدفع أو المنع التي لا يفطن إليها الناس.","vol":"3","page":533},{"text":"«وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ» .\n«وَهُوَ مَعَكُمْ» بالعلم والقدرة.\nويقال «١»: «يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ» إذا دفن العبد فالله سبحانه يعلم ما الذي كان فى قلبه من إخلاص في توحيده، ووجوه أحزانه خسرانه، وشكّه وجحوده، وأوصافه المحمودة والمذمومة.. ونحو ذلك مما يخفى عليكم.\n«وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ» على قلوب أوليائه من الألطاف والكشوفات وفنون الأحوال العزيزة.\n«وَما يَعْرُجُ فِيها» من أنفاس الأولياء إذا تصاعدت، وحسراتهم إذا علت.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3649>[سورة الحديد (٥٧): آية ٦]</span>\nيُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٦)\nمضى معناه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3650>[سورة الحديد (٥٧): آية ٧]</span>\nآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (٧)\nصدّقوا بالله ورسوله، وتصدّقوا «مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ» بتمليككم ذلك وتصييره إليكم. والذين آمنوا منكم وتصدّقوا على الوجه الذي أمروا به لهم ثواب عظيم فإنّ ما تحويه الأيدى معرّض للزوال، فالسّعيد من قدّم في دنياه ماله في الآخرة عمارة حاله، والشقيّ من سار فيما له في الآخرة وبال مآله.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3651>[سورة الحديد (٥٧): آية ٨]</span>\nوَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) .\n_________\n(١) هذه الفقرة استدراك أثبته القشيري متأخرا عن موضعه الأصل قليلا.","vol":"3","page":534},{"text":"أي شىء لكم في ترككم الإيمان بالله وبرسوله، وما أتاكم به من الحشر والنشر، وقد أزاح العلّة بأن ألاح لكم الحجّة، وقد أخذ ميثاقكم وقت الذّرّ، وأوجب عليكم ذلك بحكم الشّرع.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3652>[سورة الحديد (٥٧): آية ٩]</span>\nهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٩)\nليخرجكم من ظلمات الجهل إلى نور العلم، ومن ظلمات الشكّ إلى نور اليقين.\nوكذلك يريهم في أنفسهم من الآيات بكشوفات السّرّ وما يحصل به التعريف مما يجدون فيه النفع والخير فيخرجهم من ظلمات التدبير «١» إلى سعة فضاء التفويض، وملاحظة فنون جريان المقادير.\nوكذلك إذا أرادت النّفس الجنوح إلى الرّخص والأخذ بالتخفيف «٢» وما تكون عليه المطالبة بالأشقّ- فإن بادر إلى ما تدعوه الحقيقة إليه وجد في قلبه من النور ما يعلم به ظلمة هواجس النّفس «٣» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3653>[سورة الحديد (٥٧): آية ١٠]</span>\nوَما لَكُمْ أَلاَّ تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا وَكُلًاّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٠)\nما في أيديكم ميراثه لله، وعن قريب سينقل إلى غيركم ولا تبقون بتطاول أحمالكم. وهو بهذا يحثهم على الصدقة والبدار إلى الطاعة وترك الإخلاد إلى الأمل.. ثم قال:\n«لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً\n_________\n(١) أي ظلمات التدبير الإنسانى، والتعويل على النفس، فاعتماد الإنسان على تدبيره مجلبة لشقائه.. وأنيّ للطين أن يكون ذا تدبير؟!\n(٢) هكذا في م وهي الصواب أما (التحقيق) التي في ص فهى خطأ في النسخ لأن الأسير خاص جنوح إلى (التخفيف) كما نعلم\n(٣) يتفق هذا مع قول الرسول الكريم «استفت قلبك ولو أفتاك المفتون» .","vol":"3","page":535},{"text":"مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ» .\nلا يستوى منكم من أنفق قبل فتح مكة والحديبية والذين أنفقوا من بعد ذلك. بل أولئك أعظم ثوابا وأعلى درجة من هؤلاء لأنّ حاجة الناس كانت أكثر إلى ذلك وكان ذلك أشقّ على أصحابه «١» .\nثم قال: «وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى» إلّا أنّ فضيلة السّبق لهم، ولهذا قالوا:\nالسباق السباق قولا وفعلا ... حذّر النّفس حسرة المسبوق\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3654>[سورة الحديد (٥٧): آية ١١]</span>\nمَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١١)\nالمراد بالقرض الصدقة، وإنما ذكرها سبحانه كذلك تطييبا لقلوبهم، فكأن المتصدّق وهو يقرض شيئا كالذى يقطع شيئا من ماله ليدفعه إلى المستقرض.\nويقال «يُقْرِضُ» أي يفعل فعلا حسنا، وأراد بالقرض الحسن هاهنا ما يكون من وجه حلال ثم عن طيب قلب، وصاحبه مخلص فيه، بلا رياء يشوبه، وبلا منّ على الفقير، ولا يكدّره تطويل الوعد، ولا ينتظر عليه كثرة الأعواض.\nويقال: أن تقرضه وتقطع عن قلبك حبّ الدارين «٢»، ففى الخبر: «خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى» «٣» ومن لم يتحرّر من شىء فخروجه عنه تكلّف «٤» .\n_________\n(١) لأن الإسلام لم يكن بعد. قد عز واستمكن وانتشر في الأرجاء.\n(٢) أي دون أن يكون قصدك على ما تفعل عوضا أو عرضا سواء في الدنيا أو في الآخرة إذ يكفى أن تعلم أي شرف لك أن: تقرض الله!!\n(٣) حدث الليث عن عبد الرحمن بن خالد بن مسافر عن ابن شهاب عن ابن المسيب عن أبى هريرة أن رسول الله (ص) قال: «خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى وابدا بمن تعول» البخاري ح ٣ ص ١٩١ (كتاب النفقات) .\n(٤) هكذا في ص وهي في م «تكلف» كما أثبتنا لأن السياق يقتضى ذلك. وتوجد بعد (تكلف) عبارة منبهة فى الخط والمعنى، تشبه أن تكون: (وهو على من يصل إليه ربى به) .","vol":"3","page":536},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3655>[سورة الحديد (٥٧): آية ١٢]</span>\nيَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢)\nوهو نور يعطى للمؤمنين والمؤمنات بقدر أعمالهم الصالحة، ويكون لذلك النور مطارح شعاع يمشون فيها والنور يسعى بين أيديهم، ويحيط جميع جهاتهم.\nويقال: «وَبِأَيْمانِهِمْ» كتبهم.\n«بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ» أي بشارتكم اليوم- من الله جنات. وكما أن لهم في العرضة هذا النور فاليوم لهم في قلوبهم وبواطنهم نور يمشون فيه، ويهتدون به في جميع أحوالهم، قال ﷺ: «المؤمن ينظر بنور الله» وقال تعالى: «فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ «١» .\nوربما ينبسط ذلك النور على من يقرب منهم. وربما يقع من ذلك على القلوب قهرا- ولأوليائه- لا محالة- هذه الخصوصية.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3656>[سورة الحديد (٥٧): آية ١٣]</span>\nيَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ (١٣)\nانتظرونا فنلحق بكم لنقتبس من نوركم. وذلك لأن المؤمنين والمنافقين يعطون كتبهم وهم في النور، فإذا مرّوا ... انطفأ النور أمام المنافقين وسبق المؤمنون، فيقول المنافقون للمؤمنين: انتظرونا حتى نقتبس من نوركم. فيقول المؤمنون:\n«قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا» أي إلى الدنيا وأخلصوا! - تعريفا لهم أنهم كانوا منافقين في الدنيا.\nويقال: ارجعوا إلى حكم الأزل فاطلبوا «٢» هذا من القسمة! - وهذا على جهة ضرب المثل والاستبعاد.\n_________\n(١) آية ٢٢ سورة الزمر.\n(٢) هكذا في ص وهي في م (قاطلعوا) وقد آثرنا الأولى لأنها آكد في الاستبعاد- وهو المقصود.","vol":"3","page":537},{"text":"«فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ» .\n«بسور: وهو جبل أصحاب الأعراف، يستر بينهم وبين المنافقين، فالوجه الذي يلى المؤمن فيه الرحمة وفي الوجه الآخر العذاب.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3657>[سورة الحديد (٥٧): آية ١٤]</span>\nيُنادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قالُوا بَلى وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (١٤)\nألم نكن معكم في الدنيا في أحكام الإيمان في المناكحة والمعاشرة؟.\nقالوا: بلى، ولكنكم فتنتم أنفسكم ...\n«وَتَرَبَّصْتُمْ، وَارْتَبْتُمْ، وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ» .\nتربصتم عن الإخلاص، وشككتم، وغرّكم الشيطان، وركنتم إلى الدنيا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3658>[سورة الحديد (٥٧): آية ١٥]</span>\nفَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْواكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٥)\nالنار مأواكم ومصيركم ومتقلبكم.\nوهى «مَوْلاكُمْ» أي هي أولى بكم، وبئس المصير! ويقال: مخالفة الضمائر والسرائر لا تنكتم بموافقة الظاهر «١»، والأسرار لا تنكتم عند الاختبار قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3659>[سورة الحديد (٥٧): آية ١٦]</span>\nأَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (١٦)\n_________\n(١) السياق حديث عن المنافقين وعن الكفار.. وأراد القشيري أن ينقل هذا السياق إلى الجو الصوفي فوجه تحذيره لأرباب الرياء والدعوى، أولئك الذين يظنون أنهم إن تصاهروا بالقيام بموافقة الشريعة وموافقة القوم فإن الأسرّة سريعا ما تكشف السريرة- على حد تعبير، فى موضع مماثل. [.....]","vol":"3","page":538},{"text":"ألم يحن للذين آمنوا أن تتواضع قلوبهم وتلين لذكر الله وللقرآن وما فيه من العبر؟\nوألا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل؟ وأراد بهم اليهود، وكثير من اليهود فاسقون كافرون.\nوأراد بطول الأمد الفترة التي كانت بين موسى ونبيّنا ﷺ، وفي الخبر:\nأن أصحاب رسول الله ﷺ أصابتهم ملالة فقالوا: لو حدّثتنا.\nفأنزل الله تعالى: «اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ ...» فبعد مدّة قالوا:\nلو قصصت علينا! فأنزل الله تعالى: «نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ ...» فبعد مدة قالوا: لو ذكّرتنا ووعظتنا! فأنزل الله تعالى هذه السورة.\nوفي هذه الآية ما يشبه الاستبطاء.\nوإن قسوة القلب تحصل من اتباع الشهوة، والشهوة والصفوة لا تجتمعان فإذا حصلت الشهوة رحلت الصفوة. وموجب القسوة هو انحراف القلب عن مراقبة الربّ. ويقال: موجب القسوة أوّله خطرة فإن لمّ تتدارك صارت فكرة وإن لّم تتدارك صارت عزيمة، فإن لم تتدارك جرت المخالفة، فإن لم تتدارك بالتلافى صارت قسوة وبعدئذ تصير طبعا ورينا «١» قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3660>[سورة الحديد (٥٧): آية ١٧]</span>\nاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٧)\nيحيى الأرض بعد موتها بإنزال المطر عليها وإخراج النّبت منها.\n_________\n(١) ران الثوب رينا أي تطبع وتدنّس، ورانت النفس أي خبثت وغشت. (الوسيط) .","vol":"3","page":539},{"text":"ويحيى القلوب الميتة- بعد إعراض الحقّ عنها- بحسن إقباله عليها «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3661>[سورة الحديد (٥٧): آية ١٨]</span>\nإِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١٨)\nأي المتصدقين والمتصدقات.\n«وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا»: يعنى في النوافل.\n«يُضاعَفُ لَهُمْ» فى الحسنات، الحسنة بعشر أمثالها.. إلى ما شاء الله «وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ»: ثواب كبير حسن. والثواب الكريم أنّه لا يضن بأقصى الأجر على الطاعة- وإن قلّت.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3662>[سورة الحديد (٥٧): آية ١٩]</span>\nوَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (١٩)\nالصدّيقون: مبالغة في الصدق، والشهداء: الذين استشهدوا في سبيل الله، فالمؤمنون بمنزلة الصديقين والشهداء- لهم أجرهم في الجنة ونورهم في القيامة.\n«وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ» .\nوالصدّيق من استوى ظاهره وباطنه.\nويقال: هو الذي يحمل الأمر على الأشقّ، ولا ينزل إلى الرّخص، ولا يجنح للتأويلات.\nوالشهداء: الذين يشهدون بقلوبهم مواطن الوصلة، ويعتكفون بأسرارهم في أوطان القربة، «وَنُورُهُمْ»: ما كحل الحقّ به بصائرهم من أنوار التوحيد.\n_________\n(١) كان المفروض أن تكون العبارة هكذا.\n(ويحى القلوب الميتة بعد إعراضه عنها) .\nفأستعمال (الحق) فى الإضافة مسألة لهم أرباب القلوب المتحققين الفانين عن الخلق الباقين بالحق.","vol":"3","page":540},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3663>[سورة الحديد (٥٧): آية ٢٠]</span>\nاعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ مَتاعُ الْغُرُورِ (٢٠)\nالحياة الدنيا معرّضة للزوال، غير لابثة ولا ماكثة، وهي في الحال شاغلة عن الله، مطمعة «١» وغير مشبعة، وتجرى على غير سنن الاستقامة كجريان لعب «٢» الصبيان، فهى تلهى عن الصواب واستبصار الحقّ، وهي تفاخر وتكاثر في الأموال والأولاد.\n«كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطامًا» .\nالكفار: الزّرّاع.\nهو في غاية الحسن ثم يهيج فتراه يأخذ في الجفاف، ثم ينتهى إلى أن يتحطّم ويتكسّر.\n«وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ» .\nلأهله من الكفّار.\n«وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ» .\nلأهله من المؤمنين.\n«وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ» .\nالدنيا حقيرة- وأحقر منها قدرا طالبها وأقلّ منه خطرا المزاحم فيها، فما هي إلا جيفة وطالب الجيفة ليس له خطر. وأخس أهل الدنيا من بخل بها.\nوهذه الدنيا المذمومة هي التي تشغل العبد عن الآخرة!\n_________\n(١) ربما كانت- (مطعمة) فى الأصل فقد نبدو الدنيا ذات قيمة ولكنها في الحقيقة عديمة القيمة.\n(٢) فى النسختين (لعاب) الأطفال، ومع ذلك فقد آثرنا أن نثبت هنا (لعب) بالرغم من تحسنا لاستعمال (اللعاب) فى موضع سبق ذلك لأننا نرى إضافة اللعاب إلى الصبيان لا يزيد المعنى تأكيدا، فاللعاب ظاهرة فسيولوجية تجرى على غير نظام- وهذا هو المطلوب- عند الكبار والصفار على حدّ سواء، بينما إضافة اللعب إلى الصبيان تعطى المعنى المطلوب.","vol":"3","page":541},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3664>[سورة الحديد (٥٧): آية ٢١]</span>\nسابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)\nأي سارعوا إلى عمل يوجب لكم مغفرة من ربّكم، وذلك العمل هو التوبة.\n«وَجَنَّةٍ عَرْضُها ...» ذكر عرضها ولم يذكر طولها فالطول على ما يوافيه العرض.\n«أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ»: وفي هذا دليل على أنّ الجنة مخلوقة «١» .\n«ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ» .\nوفي ذلك ردّ على من يقول: «إن الجنة مستحقّة على الطاعات، ويجب على الله إيصال العبد إليها» «٢» .. لأن الفضل لا يكون واجبا.\nويقال: لمّا سمعت أسرار المؤمنين «٣» هذا الخطاب «٤» ابتدرت الأرواح مقتضية المسارعة من الجوارح، وصارت الجوارح مستجيبة للمطالبة، مستبشرة برعاية حقوق الله لأنها علمت أن هذا الاستدعاء من جانب الحقّ سبحانه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3665>[سورة الحديد (٥٧): آية ٢٢]</span>\nما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢)\nالمصيبة حصلة «٥» تقع وتحصل. فيقول تعالى: لا يحصل في الأرض ولا في أنفسكم شىء\n_________\n(١) هكذا أيضا يرى ابن القيم فى (اجتماع الجيوش الإسلامية ص ٥٢) .\nوالأشاعرة والسلف يرون ذلك ويرون أن الجنة والنار مخلوقتان الآن وأنهما باقيتان.\n(٢) هذا رأى المعتزلة الذين اعتبروا ذلك من مقتضيات العدل الإلهي.\n(٣) هكذا في م وهي في ص (الموحدين) .\n(٤) هكذا في ص وهي في م (الخطاة) وواضح فيها خطأ الناسخ لأن الأمر متعلق بالفعل (سابقوا ...)\n(٥) بمعنى حادث يحصل، وهي فى (خصلة) بالخاء والصواب حصلة. (انظر ما يقوله القشيري في سورة التغابن عند «ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ» على معنى: (خصل الهم خصلا وخصلة) أي وقع بلزق الهدف أو أصابه.","vol":"3","page":542},{"text":"إلا وهو مثبت في اللوح المحفوظ على الوجه الذي سبق به العلم، وحقّ فيه الحكم فقبل أن نخلق ذلك أثبتناه في اللوح المحفوظ.\nفكلّ ما حصل في الأرض من خصب أو جدب، من سعة أو ضيق، من فتنة أو استقامة وما حصل في النفوس من حزن أو سرور، من حياة أو موت كلّ ذلك مثبت في اللوح المحفوظ قبل وقوعه بزمان طويل.\nوفي قوله: «مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها» دليل على أن أكساب العباد مخلوقة لله سبحانه. وللعبد فى العلم بأنّ ما يصيبه: من بسط وراحة وغير ذلك من واردات القلوب من الله- أشدّ السرور وأتمّ الأنس حيث علم أنه أفرد بذلك بظهر غيب منه، بل وهو في كنز العدم، ولهذا قالوا:\nسقيا لمعهدك الذي لو لم يكن ... ما كان قلبى للصبابة معهدا «١»\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3666>[سورة الحديد (٥٧): آية ٢٣]</span>\nلِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ (٢٣)\nعدم الفرحة بما آتاهم هو من صفات المتحررين من رقّ النّفس، فقيمة الرجال تتبين بتغيّرهم- فمن لم يتغير بما يرد عليه- مما لا يريده- من جفاء أو مكروه أو محنة فهو كامل، ومن لم يتغيّر بالمسارّ كما لا يتغير بالمضارّ، ولا يسرّه الوجود كما لا يحزنه العدم- فهو سيّد وقته «٢» .\nويقال: إذا أردت أن تعرف الرجل فاطلبه عند الموارد فالتغيّر علامة بقاء النّفس بأيّ وجه كان:\n«وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ» .\n_________\n(١) وهكذا نرى أن الجبرية عند الصوفية ترتبط بالمحبة القديمة، فالله البارئ الخالق للعبد من العدم.. لن يريد به إلا الخير ... وحتى لو أصاب العبد تلف ... فمرحبا به فهو تلف في سبيل المحبوب.\n(٢) التغير من علامات التلوين، والثبات في المسار والمضار- عند تقلب الأحوال على العارف- من علامات التمكين. فسادات الوقت هم أهل التمكين.","vol":"3","page":543},{"text":"فالاختيال من علامات بقاء النفس ورؤيتها «١»، والفخر (ناتج) «٢» عن رؤية ما به يفتخر.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3667>[سورة الحديد (٥٧): آية ٢٤]</span>\nالَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٤)\nبخلوا بكتمان صفة نبيّنا ﷺ وأمروا أتباعهم بذلك، وذلك لمّا خافوا من كساد سوقهم وبطلان رياستهم.\n«ومن يتولّ.. عن الإيمان، أو إعطاء الصّدقة «فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ» .\nوالبخل- على لسان العلم- منع الواجب «٣»، فأمّا على بيان هذه الطائفة «٤» فقد قالوا:\nالبخل رؤية قدر للأشياء، والبخيل الذي يعطى عند السؤال «٥»، وقيل: من كتب على خاتمه اسمه فهو بخيل «٦» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3668>[سورة الحديد (٥٧): آية ٢٥]</span>\nلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٥)\nأي أرسلناهم مؤيّدين بالحجج اللائحة والبراهين الواضحة، وأزحنا العلّة لمن أراد سلوك الحجّة المثلى، ويسّرنا السبيل على من آثر اتّباع الهدى. وأنزلنا معهم الكتب المنزّلة، و«الْمِيزانَ»: أي الحكم بالقرآن، واعتبار العدل والتسوية بين الناس.\n«لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ»: فلا يظلم أحد أحدا.\n_________\n(١) هكذا في ص وهي أصوب من (زينتها) التي في م، فرؤية النفس آفة يحذر منها أرباب الطريق- خاصة أهل الملامة.\n(٢) إضافة من عندنا حتى يتضح السياق.\n(٣) يقصد منع الزكاة المفروضة حسب علوم الشريعة. [.....]\n(٤) يقصد طائفة الصوفية.\n(٥) أي لا ينظر حتى يسأله سائل، وإنما هو يعطى دائما دون انتظار لدعوة داع أو سؤال سائل.\n(٦) لأنه ينبغى أن يكون مستعدا لاعضائه لغيره عند أي ظرف من الظروف، والمقصود أن يكون في العبد إيثار الفتيان (راجع فصل الفتوة في رسالة القشيري) .","vol":"3","page":544},{"text":"قوله جل ذكره: «وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ» .\n«أَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ»: أي خلقنا الحديد.\nونصرة الله هي نصرة دينه، ونصرة الرسول باتّباع سنّته.\n«إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ»: أقوى من أن ينازعه شريك، أو يضارعه في الملك مليك، وأعزّ من أن يحتاج إلى ناصر.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3669>[سورة الحديد (٥٧): آية ٢٦]</span>\nوَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا وَإِبْراهِيمَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (٢٦)\nأي: أرسلنا نوحا، ومن بعده إبراهيم، وجعلنا من نسلهما النبوّة والكتاب.\n«فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ» .\nأي: مستجيب.\n«وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ» .\nخرجوا عن الطاعة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3670>[سورة الحديد (٥٧): آية ٢٧]</span>\nثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا وَقَفَّيْنا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (٢٧)\nأي: أرسلنا بعدهم عيسى ابن مريم.\n«وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ» .\nبيّن أنّه لم يأمرهم بالرهبانيّة «١» بل هم الذين ابتدعوها\n_________\n(١) الرهبانية هى: الفعلة المنسوبة إلى الرّهبان وهو الخائف- صيغة فعلان من رهب مثل خشيان من خشى، وكانوا يفرون إلى الجبال والصحراوات ليخلصوا من الفتنة في دينهم، ويقطعون أنفسهم عن الزواج والنسل.","vol":"3","page":545},{"text":"ثم قال:\n«إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ» .\nهم الذين انفردوا بما عقدوه معنا (أن يقوموا بحقّنا) «١» «فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3671>[سورة الحديد (٥٧): آية ٢٨]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٨)\nنزلت في قوم من أهل الكتاب أسلموا.\n«كِفْلَيْنِ»: أي نصيبين نصيبا على الإيمان بالله، وآخر على تصديقهم وإيمانهم بالرّسل.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3672>[سورة الحديد (٥٧): آية ٢٩]</span>\nلِئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)\nومعناه: يعلم أهل الكتاب، و«لا» صلة. أي: ليعلم أهل الكتاب أنهم لا يقدرون على شىء من فضل الله «٢»، فإن الفضل بيد الله. و«اليد» هنا بمعنى: القدرة، فالفضل بقدرة الله.\n_________\n(١) ما بين القوسين موجود في ص وغير موجود في م.\n(٢) ونظيره قول ابن جنى فى «لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ» أي ليعلموا فهى مؤكدة قائمة مقام إعادة الجملة مرة أخرى. (الإتقان للسيوطى ح ١ ص ١٧١) ط الحلبي.","vol":"3","page":546},{"text":"والإشارة في هذا: اتّقوا الله بحفظ الأدب معه، ولا تأمنوا مكره أن يسلبكم ما وهبكم من أوقاتكم. وكونوا على حذر من بغتات تقديره في تغيير ما أذاقكم من أنس محبته.\nواتّبعوا السّفراء والرّسل، وحافظوا عل اتّباعهم حتى يؤتيكم نصيبين من فضله:\nعصمة ونعمة فالعصمة من البقاء عنه، والنعمة هي البقاء به.\nويقال: يؤتكم نصيبين: نصيبا من التوفيق في طلبه، ونصيبا من التحقيق في وجوده «١»\n_________\n(١) (الوجود) هنا ليس معناه (ضد العدم) بل هو أعلى درجات الشهود، فالتواجد بداية، والوجد واسطة والوجود نهاية (انظر الرسالة ص ٣٧) .","vol":"3","page":547},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3673>سورة المجادلة</span>\nقوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» «بِسْمِ اللَّهِ» كلمة من عرفها بذل الرّوح في طلبها- وإن لم يحظ بوصولها، كلمة من طلبها اكتفى بالطلب من «١» قبولها.\nكلمة جبّارة لا تنظر إلى كلّ أحد، كلمة قهّارة لا يوجد من دونها ملتحد.\nكلمة منها بلاء الأحباب- لكن بها شفاء الأحباب.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3674>[سورة المجادلة (٥٨): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١)\nلمّا صدقت «٢» فى شكواها إلى الله وأيست من استكشاف ضرّها من غير الله أنزل الله في شأنها: «قَدْ سَمِعَ اللَّهُ..» .\nتضرّعت إلى الله، ورفعت قصّتها إلى الله، ونشرت غصّتها «٣» بين يدى الله- فنظر إليها الله، وقال: «قَدْ سَمِعَ اللَّهُ» .\nويقال: صارت فرجة «٤» ورخصة للمسلمين إلى القيامة في مسألة الظّهار «٥»، وليعلم العالمون أنّ أحدا لا يخسر على الله.\nوفي الخبر: أنها قالت: يا رسول الله، إنّ أوسا تزوّجنى شابّة غنية ذات أهل،\n_________\n(١) وتقدير الكلام: اكتفى من القبول بالطلب، أي اكتفى أن يشرف بطلبها وعلى الله إتمام الفضل بالقبول وهذا أساس هام في منهج الطالبين والسالكين.\n(٢) هى خولة بنت ثعلبة امرأة أوس بن الصامت أخى عبادة.\n(٣) هكذا في ص وهي في م (قصتها) وقد آثرنا ما جاء في م لتلوين الكلام وخدمة السياق.\n(٤) فى النسختين (فرحة) ولا بأس بها في المعنى ولكننا نشعر أن (فرجة) تدعم السياق على نحو آكد.\n(٥) ظاهر امرأته ظهارا أي قال لها: أنت عليّ كظهر أمي أي أنت حرام.","vol":"3","page":548},{"text":"ومال كثير، فلما كبرت سنّى «١»، وذهب مالى، وتفرّق أهلى جعلنى عليه كظهر أمّه، وقد ندم وندمت، وإنّ لى منه صبية صغارا إن ضممتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إليّ جاعوا.\nفقال لها الرسول ﷺ- فى رواية-: ما أمرت بشىء في شأنك.\nوفي رواية أخرى أنه قال لها: بنت عنه (أي حرمت عليه) .\nفترددت إلى رسول الله (ص) فى ذلك، وشكت.. إلى أن أنزل الله حكم الظّهار.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3675>[سورة المجادلة (٥٨): آية ٢]</span>\nالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلاَّ اللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٢)\nقول الذين يقولون لنسائهم- جريا على عادة أهل الشّرك- أنت عليّ كظهر أمي ...\nهذا شىء لم يحكم الله به ولا هذا الكلام في نفسه صدق، ولم يثبت فيه شرع، وإنما هو زور محض وكذب صرف.\nفعلم الكافة أن الحقائق بالتلبيس لا تتعزّز «٢» والسّبب إذا لم يكن صحيحا فبالمعاودة لا يثبت فالمرأة لمّا سمعت من رسول الله (ص) قوله: بنت عنه- كان واجبا عليها السكون والصبر ولكنّ الضرورة أنطقتها وحملتها على المعاودة، وحصلت من ذلك مسألة: وهي أن كثيرا من الأشياء يحكم فيها ظاهر العلم بشىء ثم تغيّر الضرورة ذلك الحكم لصاحبها «٣» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3676>[سورة المجادلة (٥٨): آية ٣]</span>\nوَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣)\n_________\n(١) وفي رواية: خلا سنّى ونثرت بطني- أي كثر ولدي.\n(٢) ربما كانت في الأصل (لا تتقرر) ومع ذلك فالمعنى هكذا مقبول. [.....]\n(٣) هذه غمزة رقيقة بأولئك المتشبثين بالظواهر، ودعوة إلى التريث.","vol":"3","page":549},{"text":"الظّهار- وإن لم يكن له في الحقيقة أصل، ولا بتصحيحه نطق أو دلالة شرع، فإنه بعد ما رفع أمره إلى الرسول (ص) ولوّح بشىء ما، وقال فيه حكمه، لم يخل الله ذلك من بيان ساق به شرعه فقضى فيه بما انتظم جوانب الأمر كلّه.\nفارتفاع الأمر حتى وصوله إلى مجلس النبي ﷺ، والتحاكم لديه حمّل المتعدّى عناء فعلته، وأعاد للمرأة حقّها، وكان سبيلا لتحديد المسألة برمّتها.. وهكذا فإنّ كلّ صعب إلى زوال.. وكلّ ليلة- وإن طالت- فإلى إسفار «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3677>[سورة المجادلة (٥٨): آية ٥]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ (٥)\nالذين يخالفون أمر الله ويتركون طاعة رسول الله أذلّوا وخذلوا، كما أذلّ الذين من قبلهم من الكفّار والعصاة.\nوقد أجرى الله سنّته بالانتقام من أهل الإجرام فمن ضيّع للرسول سنّة، وأحدث فى دينه بدعة انخرط في هذا السلك، ووقع في هذا الذّلّ.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3678>[سورة المجادلة (٥٨): آية ٦]</span>\nيَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أَحْصاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٦)\nيقال: إذا حوسب أحد في القيامة على عمله تصور له ما فعله وتذكّره، حتى كأنه قائم فى تلك الحالة عن بساط الزّلّة، فيقع عليه من الخجل والنّدم ما ينسى في جنبه كلّ عقوبة.\n_________\n(١) حدث تدخل من جانبنا في ترميم هذه الفقرة التي جاءت في النسختين منبهمة الكتابة والمعنى.","vol":"3","page":550},{"text":"فسبيل المسلم ألا يحوم حول مخالفة أمر مولاه، فإن جرى المقدور ووقع في هجنة التقصير فلتكن زلّته على بال، وليتضرع إلى الله بحسن الابتهال.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3679>[سورة المجادلة (٥٨): آية ٧]</span>\nأَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧)\nمعيّة الحقّ- سبحانه- وإن كانت على العموم بالعلم والرواية، وعلى الخصوص بالفضل والنصرة- فلهذا الخطاب في قلوب أهل المعرفة أثر عظيم، ولهم إلى أن ينتهى الأمر بهم إلى التولّه «١» فالوله فالهيمان في غمار سماع هذا عيش راغد.\nويقال: أصحاب الكهف- وإن جلّت رتبتهم واختصت من بين الناس مرتبتهم- فالحقّ سبحانه يقول: «سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ» «٢» ولمّا انتهى إلى هذه الآية قال: «ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ ...» فشتّان بين من رابعه كلبه وبين من رابعه ربّه!! ويقال: أهل التوحيد، وأصحاب العقول من أهل الأصول يقولون: الله واحد لا من طريق العدد «٣»، والحقّ يقول: «ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ ...» ويقال: حيثما كنت فأنا معك إن كنت في المسجد فأنا معك، وإن كنت في المصطبة فأنا معك، إن طلب العلماء\n_________\n(١) وردت التأويل في ص والتأول في م والصحيح- فى نظرنا- أن تكون التولّه فهو المنزلة التي تسبق الوله والهيمان.\n(٢) آية ٢٢ سورة الكهف.\n(٣) الواحد على الحقيقة ليس عددا لأن العدد هو ما بلغ نصف مجموع حاشيتيه، وليس قبل الواحد شىء.","vol":"3","page":551},{"text":"التأويل «١» وشوّشوا قلوب أولى المواجيد فلا بأس- فأنا معهم.\nإن حضرت المسجد فأنا معك بإسباغ النعمة ولكن وعدا، وإن أتيت المصطبة فأنا معك بالرحمة وإسبال ستر المغفرة ولكن نقدا.\nهبك تباعدت وخالفتنى ... تقدر أن تخرج عن لطفى؟!\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3680>[سورة المجادلة (٥٨): آية ٨]</span>\nأَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ وَيَتَناجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٨)\nآذوا قلوب المسلمين بما كانوا يتناجون به فيما بينهم «٢»، ولم تكن في تناجيهم فائدة إلا قصدهم بذلك شغل قلوب المؤمنين، ولم ينتهوا عنه لمّا نهوا عنه، وأصرّوا على ذلك ولم ينزجروا، فتوعّدهم الله على ذلك، وتكون عقوبتهم بأن تتغامز الملائكة في بابهم فيما بينهم، وحين يشاهدون ذلك تترجّم ظنونهم، ويتعذّبون بتقسّم قلوبهم، ثم لا ينكشف الحال لهم إلّا بما يزيدهم حزنا على حزن، وأسفا على أسف.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3681>[سورة المجادلة (٥٨): آية ٩]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩)\nإنما قبح ذلك منهم وعظم الخطر لأنه تضمّن إفساد ذات البين، وخير الأمور ما عاد بإصلاح ذات البين، وبعكسه إذا كان الأمر بضدّه.\n_________\n(١) «فإن حجج أهل هذه الطائفة أظهر من حجج كل أحد، وقواعد مذهبهم أقوى من قواعد كل مذهب.\nوالناس: إما أصحاب النقل والأثر، وإما أرباب العقل والفكر ... وشيوخ هذه الطائفة ارتقوا عن هذه الجملة فالذى للناس غيب فهو لهم ظهور، والذي للخلق من المعارف مقصود فلهم من الحق سبحانه موجود، فهم من أهل الوصال والناس أهل الاستدلال» الرسالة القشيرية ص ١٩٨ وانظر تذكرة الحفاظ للذهبى ح ٤ ص ١٥.\n(٢) كان اليهود والمنافقون يتغامزون فيما بينهم وبأينهم إغاظة للمؤمنين، وكانوا إذا أقبلوا على الرسول قالوا له: السام عليك يا محمد ... والسام هو الموت.","vol":"3","page":552},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3682>[سورة المجادلة (٥٨): آية ١٠]</span>\nإِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئًا إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٠)\nالنجوى من تزيين الشيطان ليحزن الذين آمنوا. وإذا كانت المشاهدة غالبة، والقلوب حاضرة، والتوكل صحيحا والنظر من موضعه صائبا فلا تأثير لمثل هذه الحالات، وإنما هذا للضعفاء.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3683>[سورة المجادلة (٥٨): آية ١١]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١)\n«١» لكمال رحمته بهم وتمام رأفته عليهم، علّمهم مراعاة حسن الأدب بينهم فيما كان من أمور العادة (دون أحكام العبادة) «٢» فى التفسّح في المجالس والنظام في حال الزّحمة والكثرة ...\nوأعزز بأقوام أمرهم بدقائق الأشياء بعد قيامهم بأصول الدين وتحقّقهم بأركانه! قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3684>[سورة المجادلة (٥٨): آية ١٢]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢)\n«٣» لمّا كان الإذن في النجوى مقرونا ببذل المال امتنعوا وتركوا، وبذلك ظهرت جواهر\n_________\n(١) (انشزوا) أي: انهضوا للتوسعة على المقبلين، أو انهضوا من مجلسه ﷺ إذا أمرتم بالنهوض عنه، أو انهضوا إلى الصلاة، أو إلى الجهاد، أو إلى أعمال الخير.\n(٢) هذه موجودة في م وغير موجودة في ص.\n(٣) رخّص بعدئذ في المناجاة من غير صدقة. وقيل: كان ذلك عشر ليال ثم نسخ. وقيل: ما كان إلا ساعة من نهار ثم نسخ.. ويحكى: أن عليا كرّم الله وجهه كان يتصدّق بدرهم كلّما ناجى الرسول- فى بداية الأمر ثم توقّف لمّا نسخت الآية، وأزيلت المؤاخذة.","vol":"3","page":553},{"text":"الأخلاق ونقاوة الرجال- ولقد قال تعالى: «وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ» «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3685>[سورة المجادلة (٥٨): الآيات ١٤ الى ١٧]</span>\nأَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ما هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٥) اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (١٦) لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١٧)\nمن وافق مغضوبا عليه أشرك نفسه في استحقاق غضب من هو الغضبان فمن تولّ مغضوبا عليه من قبل الله استوجب غضب الله وكفى بذلك هوانا وخسرانا.\n«وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ» هذا وصف للمنافقين «اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً» أي وقاية وسترا ومن استتر بجنّة طاعته لتسلم له دنياه فإنّ سهام التقدير من ورائه تكشفه من حيث لا يشعر.. فلا دينه يبقى، ولا دنياه تسلم، ولقد قال تعالى: «لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا» «٢» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3686>[سورة المجادلة (٥٨): آية ١٨]</span>\nيَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ (١٨)\nعقوبتهم الكبرى ظنّهم أنّ ما عملوا مع الخلق يتمشّى أيضا في معاملة الحقّ، ففرط الأجنبية وغاية الجهل أكبّتهم على مناخرهم في وهدة ندمهم.\n_________\n(١) آية ٣٧ سورة محمد.\n(٢) آية ١٠ سورة آل عمران.","vol":"3","page":554},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3687>[سورة المجادلة (٥٨): آية ١٩]</span>\nاسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٩)\nإذا استحوذ الشيطان على عبد أنساه ذكر الله.\nوالنّفس إذا استولت على إنسان أنسته الله.\nولقد خسر حزب الشيطان، وأخسر منه من أعان نفسه- التي هي أعدى عدوّه، إلّا بأن يسعى في قهرها لعله ينجو من شرّها.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3688>[سورة المجادلة (٥٨): آية ٢٠]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (٢٠)\nمن أرمته شقوته لم تنعشه قوّته، ومن قصمه التقدير لم يعصمه التدبير، ومن استهان بالدّين انخرط في سلك الأذلّين.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3689>[سورة المجادلة (٥٨): آية ٢١]</span>\nكَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١)\nالذي ليس له إلا التدبير ... كيف تكون له مقاومة مع التقدير؟ «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3690>[سورة المجادلة (٥٨): آية ٢٢]</span>\nلا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٢)\nمن جنح إلى منحرف عن دينه، أو داهن مبتدعا في عهده نزع الله نور التوحيد من قلبه فهو في خيانته جائر على عقيدته، وسيذوق قريبا وبال أمره.\n«أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ» .\nخلق الله الإيمان في قلوب أوليائه وأثبته، ويقال: جعل قلوبهم مطرّزة باسمه ... وأعزز بحلّة لأسرار قوم طرازها اسم «الله» !!\n_________\n(١) التدبير للخلق والتقدير للحق.","vol":"3","page":555},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3691>سورة الحشر</span>\n«١» قوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» .\n«بِسْمِ اللَّهِ» اسم عزيز- الكون بجملته في طلبه.. وهو عزيز.\nالشموس والأقمار والنجوم، والليل والنهار، وجميع ما خلق الله من الأعيان والآثار متنادية على أنفسها: نحن عبيده ... نحن عبيد من لم يزل.. نريد من لم يزل.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3692>[سورة الحشر (٥٩): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nسَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١)\nقدّس الله ونزّهه كلّ شىء خلقه فكلّ ما خلقه جعله على وحدانيته دليلا، ولمن أراد أن يعرف إلهيته طريقا وسبيلا.\nأتقن «٢» كلّ شىء وذلك دليل علمه وحكمته، ورتّب كلّ شىء، وذلك شاهد على مشيئته وإرادته.\n«وَهُوَ الْعَزِيزُ» فلا شبيه يساويه، ولا شريك له في الملك ينازعه ويضاهيه.\n«الْحَكِيمُ» الحاكم الذي لا يوجد في حكمه عيب، ولا يتوجّه عليه عتب «٣» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3693>[سورة الحشر (٥٩): آية ٢]</span>\nهُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ (٢)\nهم أهل النضير، وكانوا قد عاهدوا النبيّ (ص) ألّا يكونوا عليه، ثم بعد أحد نقضوا\n_________\n(١) ويسميها ابن عباس سورة النضير (البخاري ح ٣ ص ١٣٣) . [.....]\n(٢) هكذا في ص وهي في م (أيقن) وهي خطأ في النسخ.\n(٣) هكذا في ص وهي في م (عيب) وهي خطأ في النسخ.","vol":"3","page":556},{"text":"العهد، وبايعوا أبا سفيان وأهل مكة، فأخبر الله تعالى رسوله بذلك، فبعث صلوات الله عليه إليهم محمد بن مسلمة، فأوهم أنه يشكو من الرسول في أخذ الصّدقة. وكان رئيسهم كعب ابن الأشرف فقتله محمد بن مسلمة (غيلة)، وغزاهم «١» رسول الله (ص) وأجلاهم عن حصونهم المنيعة وأخرجهم إلى الشام، وما كان المسلمون يتوقّعون الظّفر عليهم لكثرتهم، ولمنعة حصونهم.\nوظلّوا يهدمون دورهم بأيديهم ينقبون ليخرجوا، ويقطعون أشجارهم ليسدوا النقب، فسمّوا أول الحشر، لأنهم أول من أخرج من جزيرة العرب وحشر إلى الشام.\nقال جل ذكره: «فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ» .\nكيف نصر المسلمين- مع قلّتهم- عليهم- مع كثرتهم. وكيف لم تمنعهم حصونهم إذا كانت الدائرة عليهم. وإذا أراد الله قهر عدوّ استنوق «٢» أسده.\nومن مواضع العبرة في ذلك ما قاله: «ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا» بحيث داخلتكم الرّيبة فى ذلك لفرط قوّتهم- فصانهم بذلك عن الإعجاب.\nومن مواضع العبرة في ذلك أيضا ما قاله «وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ» فلم يكن كما ظنّوه- ومن تقوّ بمخلوق أسلمه ذلك إلى صغاره «٣» ومذلّته.\nومن الدلائل الناطقة ما ألقى في قلوبهم من الخوف والرّعب، ثم تخريبهم بيوتهم بأيديهم علامة ضعف أحوالهم، وبأيدى المؤمنين لقوة أحوالهم، فتمت لهم الغلبة عليهم والاستيلاء على ديارهم وإجلاؤهم.\nهذا كلّه لا بدّ أن يحصل به الاعتبار- والاعتبار أحد قوانين الشّرع.\nومن لم يعتبر بغيره اعتبر به غيره.\n_________\n(١) حاصرهم إحدى وعشرين ليلة وأمر بقطع نخيلهم وأبى عليهم إلا الجلاء على أن يحمل كل ثلاثة أبيات على بعير واحد ما شاءوا من متاعهم فجلوا إلى أريحا وأذرعات بأرض الشام.\n(٢) الألف والسين والتاء فيها للصيرورة أي صار ناقة والمقصود: تخاذل المتجبر وصغر شأنه.\n(٣) الصّغار- الرضى بالمذلة والهوان.","vol":"3","page":557},{"text":"ويقال: يخرّبون بيوتهم بأيديهم، وقلوبهم باتّباع شهوات نفوسهم، ودينهم بما يمزجونه به من البدع.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3694>[سورة الحشر (٥٩): آية ٣]</span>\nوَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ (٣)\nلولا أن قضى الله عليهم أن يخرجوا لعذّبهم الله بالقتل والاستئصال «١»، ثم في الآخرة لهم عذاب النار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3695>[سورة الحشر (٥٩): آية ٤]</span>\nذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٤)\nذلك بأنهم خالفوا أمر الله. والمشاقّة أن يتحول المرء إلى شقّ آخر.\nفالعاصى إذا انتقل من المطيعين إلى العاصين فقد شاقّ الله، ولمن شاقّ الله عذاب النار.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3696>[سورة الحشر (٥٩): آية ٥]</span>\nما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ (٥)\nاللّينة: كلّ نوع من النخيل ما عدا العجوة والبرنيّ «٢» .\nلمّا أمر رسول الله ﷺ بقطع بعض نخيل بنى النضير قالت اليهود:\nما فائدة هذا؟!.\nفبقى المسلمون عن الجواب، فأنزل الله تعالى هذه الآية ليوضّح أن ذلك بإذن الله.\nفانقطع الكلام.\nوفي هذا دليل على أن الشريعة غير معلّلة، وأنّ الأمر الشرعيّ إذا جاء بطل التعليل،\n_________\n(١) هكذا في ص وهي في م (الاستبصار) وهي خطأ في النسخ.\n(٢) واحدته البرنيّة، وهو نوع جيد من التمر مدوّر أحمر مشرب بصفرة. (الوسيط) .","vol":"3","page":558},{"text":"وسكتت الألسنة عن المطالبة ب «لم؟» وخطور الاعتراض أو الاستقباح خروج عن حدّ العرفان. والشيوخ.\nقالوا: من قال لأستاذه وشيخه «١»: «لم؟» لا يفلح. وكلّ مريد يكون لأمثال هذه الخواطر في قلبه جولان لا يجىء منه شىء. ومن لم يتجرّد قلبه من طلب التعليل، ولم يباشر حسن الرضا بكلّ ما يجرى واستحسان ما يبدو من الغيب لسرّه وقلبه- فليس من الله فى شىء.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3697>[سورة الحشر (٥٩): الآيات ٦ الى ٧]</span>\nوَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٧)\nيريد بذلك أموال بنى النضير «٢»، فقد كانت من جملة الفيء لا من الغنيمة فالفىء ما صار إلى المسلمين من أموال الكفّار من غير قتال ولا إيجاف خيل وركاب، وتدخل في جملته أموالهم إذا ماتوا وصارت إلى بيت المال. والغنيمة ما كانت بقتال وإيجاف خيل وركاب.\nوقد خصّ رسول الله (ص) بأموال هؤلاء فقراء المهاجرين، واستأثر لنفسه بما شاء، فطابت نفوس الأنصار بذلك، وشكر الله لهم. ذلك لأن تحرّر القلب من الأعواض والأملاك صفة السادة «٣» والأكابر. ومن أسرته الأخطار وبقي في شحّ نفسه فهو في تضييقه وتدنيقه، وهو فى مصادقته ومعاملته ومطالبته مع الناس دائما يبحث في استيفاء حظوظه- وهذا ليس له من مذاقات هذه الطريقة «٤» شىء.\n_________\n(١) لاحظ كيف يوجّه القشيري إشارته إلى المريدين، وما ينبغى أن تكون عليه علاقتهم بشيوخهم.\n(٢) عن الزهري عن مالك بن أوس عن عمر ﵁ قال: كانت أموال بنى النضير مما أفاء الله على رسوله (ص) مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، فكانت لرسول الله (ص) خاصة ينفق على أهله منها نفقة سنته ثم يجعل ما بقي في السلاح والكراع عدة في سبيل الله (البخاري ح ٣ ص ١٣٣) .\n(٣) هكذا في ص وهي في م (السعادة) وهي خطأ من الناسخ.\n(٤) يقصد طريقة الصوفية.","vol":"3","page":559},{"text":"وأهل الصفاء لم تبق عليهم من هذه الأشياء بقية، وأمّا من بقي عليه منها شىء فمترسّم «١» سوقيّ.. لا متحقّق صوفيّ.\nقوله جل ذكره: «وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ، وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا، وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ» هذا أصل من أصول وجوب متابعته، ولزوم طريقته وسيرته- وفي العلم تفصيله.\nوالواجب على العبد عرض ما وقع له من الخواطر وما يكاشف به من الأحوال على العلم- فما لا يقبله الكتاب والسّنّة فهو في ضلال «٢» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3698>[سورة الحشر (٥٩): آية ٨]</span>\nلِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨)\nيريد أن هذا الفيء لهؤلاء الفقراء الذين كانوا مقدار مائة رجل.\n«يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ» وهو الرزق «وَرِضْوانًا» بالثواب في الآخرة.\nوينصرون دين الله، «أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ»: والفقير الصادق هو الذي يترك كلّ سبب وعلاقة، ويفرغ أوقاته لعبادة الله، ولا يعطف «٣» بقلبه على شىء سوى الله، ويقف مع الحقّ راضيا بجريان حكمه فيه.\n_________\n(١) هكذا في م وهي في ص (متوسّم) . وعلى الأول يكون المعنى أنه شخص تهمه الرسوم والأشكال، أما باطنه وحقيقته فغير رسمه، وعلى الثاني يكون المعنى أنه يكتفى من التصوف بالسّمة أي العلامة كالثوب مثلا.. وباطنه غير سليم. والربط بين الصفاء والتصوف- كما يتضح من العبارة- عنصر أساسى في مذهب القشيري. (انظر الرسالة باب التصوف) .\n(٢) نحسب أنه ليس بعد هذا مجال للتخرص بأن الصوفية يجانبون الشريعة أو يقلّلون من قدرها.\nفمحصول خواطرهم، ومكاشفاتهم من خلال أحوالهم ... كل ذلك ينبغى ألا يكون مرفوضا من الشرع. ومحاولة عقد لقاء بين الحقيقة والشريعة عنصر أساسى آخر في مذهب القشيري﵀.\n(٣) عطف يعطف هنا بمعنى مال وانحنى تجاه ناحية تاركا ناحية أخرى- وهذا هو أصل معنى اللفظة قبل أن تأخذ معانيها التوسعة. [.....]","vol":"3","page":560},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3699>[سورة الحشر (٥٩): آية ٩]</span>\nوَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)\nنزلت هذه الآية في الأنصار. «تَبَوَّؤُا الدَّارَ» أي سكنوا المدينة قبل المهاجرين..\n«يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ» من أهل مكة.\n«وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً» مما خصّص به المهاجرون من الفيء، ولا يحسدونهم على ذلك، ولا يعترضون بقلوبهم على حكم الله بتخصيص المهاجرين، حتى لو كانت بهم حاجة أو اختلال أحوال.\n«وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» .\nقيل نزلت الآية «١» فى رجل منهم أهديت له رأس شاة فطاف على سبعة أبيات حتى انتهى إلى الأول.\nوقيل نزلت في رجل منهم نزل به ضيف فقرّب منه الطعام وأطفأ السراج ليوهم ضيفه أنه يأكل، حتى يؤثر به الضيف على نفسه وعلى عياله، فأنزل الله الآية في شأنه «٢» .\nويقال: الكريم من بنى الدار لضيفانه وإخوانه (واللئيم من بناها لنفسه) «٣» .\nوقيل: لم يقل الله: ومن يتّق شحّ نفسه بل قال: ومن يوق شحّ نفسه «٤» .\nويقال: صاحب الإيثار يؤثر الشبعان على نفسه- وهو جائع.\n_________\n(١) حديث القشيري عنه وفيما بعد عن الإيثار يصلح أن يكون متمما للفصل الذي عقده في رسالته عن الفتوة ص ١١٣.\n(٢) هكذا في رواية أبى هريرة (البخاري ح ٣ ص ١١٣) .\n(٣) ما بين القوسين موجود في ص وغير موجود في م.\n(٤) فتقاه من الله لا من نفسه.","vol":"3","page":561},{"text":"ويقال: من ميّز بين شخص وشخص فليس بصاحب إيثار حتى يؤثر الجميع دون تمييز.\nويقال: الإيثار أن ترى أنّ ما بأيدى الناس لهم، وأن ما يحصل في يدك ليس إلا كالوديعة والأمانة عندك تنتظر الإذن فيها.\nويقال: من رأى لنفسه ملكا فليس من أهل الإيثار.\nويقال: العابد يؤثر بدنياه غيره، والعارف يؤثر بالجنة غيره «١» .\nوعزيز من لا يطلب من الحقّ لنفسه شيئا: لا في الدنيا من جاه أو مال، ولا في الجنّة من الأفضال، ولا منه أيضا ذرّة من الإقبال والوصال وغير ذلك من الأحوال «٢» .\n... وهكذا وصف الفقير يكون بسقوط كلّ أرب.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3700>[سورة الحشر (٥٩): آية ١٠]</span>\nوَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًاّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٠)\nأي والذين هاجروا من بعدهم، ثم أجيال المؤمنين من بعد هؤلاء إلى يوم القيامة..\nكلّهم يترّحمون على السلف من المؤمنين الذين سبقوهم، ويسلكون طريق الشفقة على جميع المسلمين، ويستغفرون لهم، ويستجيرون من الله أن يجعل لأحد من المسلمين في قلوبهم غلّا أي حقدا. ومن «٣» لا شفقة له على جميع المسلمين فليس له نصيب من الدّين.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3701>[سورة الحشر (٥٩): آية ١١]</span>\nأَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١١)\n_________\n(١) ومن قبيل ذلك ما يقوله له الحسين النوري (ت ٢٩٥ هـ):\n«اللهم إن يكن قد سبق في مشيئتك التي لا تتخلف أن تملأ النار من الناس أجمعين فإنك قادر على أن تملأها بي وحدي وأن تذهب بهم إلى الجنة» .\n(٢) لأن الأحوال من الله، فهى من عين الجود، كما أن المقامات ببذل المجهود.\n(٣) سقطت (ومن) من م وهي موجودة في ص، وهي ضرورية للسياق.","vol":"3","page":562},{"text":"يريد بهم منافقى المدينة ظاهروا بنى النضير وقريظة، وعاهدوهم على الموافقة بكلّ وجه، فأخبر الله- سبحانه- أنهم ليسوا كما قالوا وعاهدوا عليه، وأخبر أنّهم لا يتناصرون، وأنّهم يتخاذلون، ولئن ساعدوهم في بعض الحروب فإنهم يتخاذلون إن رأوهم ينهزمون أمام من يجاهدونهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3702>[سورة الحشر (٥٩): آية ١٣]</span>\nلَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (١٣)\nأخبر- سبحانه- أن المسلمين أشدّ رهبة في صدورهم من الله «١»، وذلك لقلّة يقينهم، وإعراض قلوبهم عن الله.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3703>[سورة الحشر (٥٩): آية ١٤]</span>\nلا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلاَّ فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ (١٤)\nأخبر أنهم لا يجسرون على مقاتلة المسلمين إلّا مخاتلة، أو من وراء جدران.\nوإنما يشتدّ بأسهم فيما بينهم، أي إذا حارب بعضهم بعضا، فأمّا معكم ... فلا.\n«تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ» .\nاجتماع النفوس- مع تنافر القلوب واختلافها- أصل كلّ فساد، وموجب كلّ تخاذل، ومقتضى تجاسر العدوّ.\n_________\n(١) والمعنى أنهم بنفاقهم يقولون: نحن نخاف الله، ولكنهم في الحقيقة يخافون منكم خوفا أشدّ من خوفهم من الله، وذلك لقلة يقينهم ... إلخ.","vol":"3","page":563},{"text":"واتفاق القلوب والاشتراك في الهمّة والتساوي في القصد يوجب كلّ ظفر وكلّ سعادة.. ولا يكون ذلك للأعداء قطّ فليس فيهم إلا اختلال كلّ حال، وانتقاض كلّ شمل.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3704>[سورة الحشر (٥٩): آية ١٥]</span>\nكَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٥)\nمثل بنى قريظة كمثل بنى النضير «١» ذاق النضير وبال أمرهم قبل قريظة بسنة «٢» وذاق قريظة بعدهم وبال أمرهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3705>[سورة الحشر (٥٩): آية ١٦]</span>\nكَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ (١٦)\nأي مثل هؤلاء المنافقين مع النضير- فى وعدهم بعضهم لبعض بالتناصر- كمثل الشيطان «إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ ...» .\nوكذلك أرباب الفترة وأصحاب الزّلّة وأصحاب الدعاوى.. هؤلاء كلّهم في درجة واحدة فى هذا الباب- وإن كان بينهم تفاوت- لا تنفع صحبتهم في الله قال تعالى: «الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ» «٣» وكلّ أحد- اليوم- يألف شكله فصاحب الدعوى إلى صاحب الدعوى، وصاحب المعنى إلى صاحب المعنى.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3706>[سورة الحشر (٥٩): آية ١٨]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٨) .\n_________\n(١) يرى النسفي أن: «مثلهم كمثل أهل بدر» (النسفي- ح ٤ ص ٢٤٣) .\n(٢) وكان ذلك عقب مرجع النبي (ص) من الأحزاب ففى رواية عن عائشة ﵂ قالت: لما رجع النبي (ص) من الخندق، ووضع السلاح واغتسل أتاه جبريل فقال: قد وضعت السلاح والله ما وضعناه فاخرج إليهم قال: فإلى أين؟ قال: هاهنا- وأشار إلى بنى قريظة (البخاري ح ٣ ص ٢٣) .\n(٣) آية ٦٧ سورة الزخرف.","vol":"3","page":564},{"text":"التقوى الأولى على ذكر العقوبة في الحال والفكر في العمل خيره وشرّه «١» .\nوالتقوى الثانية تقوى المراقبة والمحاسبة، ومن لا محاسبة له في أعماله ولا مراقبة له في أحواله.. فعن قريب سيفتضح «٢» .\nوعلامة من نظر لغده أن يحسن مراعاة يومه ولا يكون كذلك إلّا إذا فكّر فيما عمله فى أمسه والناس في هذا على أقسام: مفكّر في أمسه: ما الذي قسم له في الأزل؟ وآخر مفكّر فى غده: ما الذي يلقاه؟؟ وثالث مستقل بوقته فيما يلزمه في هذا الوقت فهو مصطلم عن شاهده موصول بربّه، مندرج في مذكوره «٣» لا يتطلّع لماضيه ولا لمستقبله، فتوقيت الوقت يشغله عن وقته «٤» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3707>[سورة الحشر (٥٩): آية ١٩]</span>\nوَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (١٩)\nتركوا طاعته فتركهم في العذاب وهو الخذلال حتى لم يتوبوا.. أولئك هم الفاسقون» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3708>[سورة الحشر (٥٩): آية ٢٠]</span>\nلا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ (٢٠)\nلا يستوى أهل الغفلة مع أهل الوصلة.\nوأصل كلّ آفة نسيان الربّ، ولولا النسيان لما حصل العصيان، والذي نسى أمر نفسه فهو الذي لا يجتهد في تحصيل توبته، ويسوّف فيما يلزمه به الوقت من طاعته.\n_________\n(١) ويكون العبد فيها في مرحلة الغيبة (أي قبل السّكر): فيما دام هناك وارد لثواب أو عقاب أو فكر فى حال أو مآل- فهذه في منازل السالكين دون المرحلة التالية.\n(٢) تفيد هذه الإشارة في توضيح الفرق في الاصطلاح بين: المراقبة والمحاسبة.\n(٣) لأن أقصى درجات الذكر أن يفنى الذاكر في المذكور، وقد اعتبرنا الأوصاف أسماء مفعول تعبيرا عن فناء الإرادة الإنسانية، وتجرد العبد من كل فعل في نفسه ولنفسه. [.....]\n(٤) ولهذا يقولون: الصوفىّ ابن وقته ومعناه أنه مشتغل بما هو أولى به في الحال، قائم بما هو مطالب به فى الحين، مستسلم لما يبدوله من الغيب من غير اختيار له. ومن ساعده الوقت فالوقت له وقت، ومن ناكده الوقت فالوقت عليه مقت. (الرسالة ص ٣٤) .\n(٥) سيعود القشيري لاتمام إشارة هذه الآية بعد الآية التالية.","vol":"3","page":565},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3709>[سورة الحشر (٥٩): آية ٢١]</span>\nلَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٢١)\nأي لو كان للجبل عقل وصلاح فكر وسرّ، وأنزلنا عليه هذا القرآن لخضع وخشع.\nويجوز أن يكون على جهة ضرب المثل كما قال: «تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ» «١» ويدل عليه أيضا قوله:\n«وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ»: ليعقلوا ويهتدوا، أي بذلك أمرناهم، والمقصود بيان قسوة قلوبهم عند سماع القرآن.\nويقال: ليس هذا الخطاب على وجه العتاب معهم، بل هو على سبيل المدح وبيان تخصيصه إيّاهم بالقوة فقال: «لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ» لم يطق ولخشع- وهؤلاء خصصتهم بهذه القوة حتى أطاقوا سماع خطابى «٢» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3710>[سورة الحشر (٥٩): آية ٢٢]</span>\nهُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ (٢٢)\n«الْغَيْبِ»: ما لا يعرف بالضرورة، ولا يعرف بالقياس من المعلومات «٣» . ويقال: هو ما استأثر الحقّ بعلمه، ولم يجعل لأحد سبيلا إليه.\n«وَالشَّهادَةِ»: ما يعرفه الخلق.\nوفي الجملة: لا يعزب عن علمه معلوم.\n_________\n(١) آية ٩٠ سورة مريم.\n(٢) يتصل هذا بموضوع السماع عند الصوفية، وقد عقد السراج له فصلا ممتعا فى «اللمع»، ومن أقواله المتصلة بهذه النقطة الى أثارها القشيري يقول السراج: ألا ترى أحدهم يكون ساكنا فيتحرك ويظهر منه الزفير والشهيق، وقد يكون من هو أقوى منه ساكنا في وجده لا يظهر منه شىء من ذلك (اللمع ص ٣٧٥) ويجيب الجنيد حين سئل عن سكونه وقلة اضطرابه عند السماع: وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب) .\n(٣) أي لا يعرف بالضرورة العقلية ولا بالقياس العقلي لأن العقل يستمد أحكامه من المحسات، والغيب بعيد عن المحسات، فلا سبيل للخلق إليه بوسائلهم المحدودة وحدها.","vol":"3","page":566},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3711>[سورة الحشر (٥٩): آية ٢٣]</span>\nهُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣)\nالملك: ذو القدرة على الإيجاد.\nالقدوس: المنزّه عن الآفة والنقص.\nالسلام: ذو السلامة من النقائص، الذي يسلّم على أوليائه، والذي سلم المؤمنون من عذابه.\nالمؤمن: الذي يصدق عبده في توحيده فيقول له: صدقت يا عبدى.\nوالذي يصدّق نفسه في إخباره أي يعلم أنه صادق.\nويكون بمعنى المصدق لوعده. ويكون بمعنى المخبر لعباده بأنه يؤمّنهم من عقوبته.\nالمهيمن: الشاهد، وبمعنى الأمين، ويقال مؤيمن (مفيعل) من الأمن قلبت همزته هاء وهو من الأمان، ويقال بمعنى المؤمن.\nالعزيز: الغالب الذي لا يغلب، والذي لا مثيل له، والمستحق لأوصاف الجلال، وبمعنى: المعزّ لعباده. والمنيع الذي لا يقدر عليه أحد.\nالجبّار: الذي لا تصل إليه الأيدى. أو بمعنى المصلح لأمورهم من: جبر الكسر. أو بمعنى القادر على تحصيل مراده «١» من خلقه على الوجه الذي يريده من: جبرته على الأمر وأجبرته.\nالمتكبر: المتقدّس عن الآفات.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3712>[سورة الحشر (٥٩): آية ٢٤]</span>\nهُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤) .\n_________\n(١) هكذا في م وهي في ص (مرات) .","vol":"3","page":567},{"text":"هو المنشئ للأعيان والآثار.\n«لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى»: المسمّيات الحسان.\n«وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ»: مضى معناهما، وقد استقصينا الكلام في معانى هذه الأسماء (فى كتابنا المسمّى: «البيان والأدلة في معانى أسماء الله تعالى») «١» .\n_________\n(١) ما بين القوسين غير موجود في م وهو موجود في ص. وهذه أول مرة نعرف للقشيرى كتابا بهذا الاسم فلم يرد ذكره في كتب الفهارس والتراجم. وكنا نعلم حتى هذه اللحظة أن القشيري قد عالج دراسة الأسماء والصفات في كتابين فقط أولهما: التحبير في التذكير تحقيق بسيونى. والثاني: شرح أسماء الله الحسنى تحقيق الحلواني.","vol":"3","page":568},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3713>سورة الممتحنة</span>\nقوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» «بِسْمِ اللَّهِ» اسم ملك لا أصل لملكه عند حدث ولا نسل له، فعنه يرث. ملك لا يستظهر بجيش وعدد، ولا يتعزّز بقوم وعدد. ملك للخلق «١» بأجمعهم- لكنه اختار قوما- لا لينتفع بهم- بل لنفعهم، وردّ آخرين وأذلّهم بمنعهم ووضعهم:\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3714>[سورة الممتحنة (٦٠): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (١)\n«٢» قال ﷺ: «أعدى عدوّك نفسك التي بين جنبيك «٣» وأوحى الله سبحانه إلى داود ﵇: «عاد نفسك فليس لى في المملكة منازع غيرها» . فمن عادى نفسه فقد قام بحقّ الله، ومن لم يعاد نفسه لحقته هذه الوصمة. وأصل الإيمان الموالاة والمعاداة في الله ومن جنح إلى الكفار أو إلى الخارجين عن دائرة الإسلام انحاز إلى جانبهم.\n_________\n(١) هكذا في م وهي الصواب أما في ص فهى (الحق) وهي خطأ من الناسخ.\n(٢) نزلت الآية في حاطب بن أبى بلتعة الذي بعث في السّرّ بكتاب مع امرأة يقال لها سارة إلى أهل مكة يحذّرهم فيه من استعداد النبي لهم والتهيؤ لقتالهم، فوضعت الكتاب في عقاص شعرها. ونزل جبريل على الرسول ليخبره بالأمر، فأرسل في إثرها فرسانه، فانتزعوا الكتاب منها.\nوحينما همّ عمر ﵁ بضرب عنق حاطب قال الرسول: وما يدريك يا عمر لعلّ الله قد اطلع على أهل بدر فقال لهم: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم؟ ففاضت عينا عمر، ونزلت الآية.\n(٣) ينظر الصوفية إلى النفس على أنها محلّ المعلولات (الرسالة ص ٤٨) .","vol":"3","page":569},{"text":"قوله جل ذكره: «وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ» .\nأنا أعلم «بِما أَخْفَيْتُمْ» من دقائق التصنّع وخفيّات الرياء.\n«وَما أَعْلَنْتُمْ» من التزيّن للناس.\n«بِما أَخْفَيْتُمْ» من الاستسرار بالزّلة، «وَما أَعْلَنْتُمْ»، من الطاعة والبرّ.\n«بِما أَخْفَيْتُمْ» من الخيانة «وَما أَعْلَنْتُمْ» من الأمانة.\n«بِما أَخْفَيْتُمْ» من الغلّ والغشّ للناس، «وَما أَعْلَنْتُمْ» من الفضيحة للناس.\n«بِما أَخْفَيْتُمْ» من ارتكاب المحظورات، «وَما أَعْلَنْتُمْ» من الأمر بالمعروف.\n«بِما أَخْفَيْتُمْ» من ترك الحشمة منى وقلة المبالاة باطّلاعى، وما أعلنتم من تعليم الناس ووعظهم.\n«وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ» فقد حاد عن طريق الدين، ووقع فى الكفر.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3715>[سورة الممتحنة (٦٠): الآيات ٢ الى ٣]</span>\nإِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (٢) لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣)\nإن يظفروا بكم وصادفوكم يكونوا لكم أعداء، ولن تسلموا من أيديهم بالسوء ولا من ألسنتهم بالذمّ وذكر القبيح.\n«وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ»: ولن ينفعكم تودّدكم وتقرّبكم إليهم، ولا ما بينكم وبينهم من الأرحام. ثم عقوبة الآخرة تدرككم «١» .\n_________\n(١) لأنكم حينئذ تكونون قد آثرتم قرابتكم بأعدائكم على حقوق الله.","vol":"3","page":570},{"text":"وكذلك صفة المخالف، ولا ينبغى للمرء أن يتعطّش إلى عشيرته- وإن داهنته في قالة، ولا أن ينخدع بتغريرها- وإن لا ينته في حالة قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3716>[سورة الممتحنة (٦٠): آية ٤]</span>\nقَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنا بِكُمْ وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلاَّ قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وَإِلَيْكَ أَنَبْنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٤)\nأي لكم قدوة حسنة بإبراهيم ومن قبله من الأنبياء حيث تبرّءوا من الكفار من أقوامهم فاقتدوا بهم.. إلّا استغفار إبراهيم لأبيه- وهو كافر- فلا تقتدوا به.\nولا تستغفروا للكفار. وكان إبراهيم قد وعده أبوه أنه يؤمن فلذلك كان يستغفر له، فلمّا تبيّن له أنه لن يؤمن تبّرأ منه ويقال: كان منافقا.. ولم يعلم إبراهيم ذلك وقت استغفاره له.\nويقال: يجوز أنه لم يعلم في ذلك الوقت أنّ الله لا يغفر للكفار.\nوالفائدة في هذه الآية تخفيف الأمر على قلب الرسول ﷺ والمؤمنين بتعريفهم أنّ من كانوا قبلهم حين كذّبوا بأنبيائهم أهلكهم الله، وأنهم صبروا، وأنه ينبغى لذلك أن يكون بالصبر أمرهم.\nقوله جل ذكره: «رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وَإِلَيْكَ أَنَبْنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ» .\nأخبر أنهم قالوا ذلك.\nويصحّ أن يكون معناه: قولوا: «رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا» .\nوقد مضى القول في معنى التوكل والإنابة.","vol":"3","page":571},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3717>[سورة الممتحنة (٦٠): آية ٥]</span>\nرَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنا رَبَّنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٥)\nربّنا لا تظفرهم بنا، ولا تقوّهم علينا.\nوالإشارة في الآية: إلى الأمر بسنّة إبراهيم في السخاء وحسن الخلق والإخلاص والصدق والصبر وكلّ خصلة له ذكرها لنا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3718>[سورة الممتحنة (٦٠): آية ٧]</span>\nعَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧)\nوقفهم في مقتضى قوله تعالى: «عَسَى اللَّهُ» عند حدّ التجويز ... لا حكما بالقطع، ولا دفع قلب باليأس.. ثم أمرهم بالاقتصاد في العداوة والولاية معهم بقلوبهم، وعرّفهم بوقوع الأمر حسب تقديره وقدرته، وجريان كلّ شىء على ما يريد لهم، وصدّق هذه الترجية بإيمان من آمن منهم عند فتح مكة، وكيف أسلم كثيرون، وحصل بينهم وبين المسلمين مودة أكيدة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3719>[سورة الممتحنة (٦٠): الآيات ٨ الى ٩]</span>\nلا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨) إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩)\nأمرهم بشدة العداوة مع أعدائهم على الوجه الذي يفعلونه، وأمّا من كان فيهم ذا خلق حسن،","vol":"3","page":572},{"text":"أو كان منه للمسلمين وجه نفع أو رفق- فقد أمرهم بالملاينة معه. والمؤلفة قلوبهم شاهد لهذه الجملة، فإنّ الله يحب الرّفق في جميع الأمور «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3720>[سورة الممتحنة (٦٠): آية ١٠]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ ما أَنْفَقُوا وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا ذلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠)\nكان النبيّ ﷺ يمتحنهن باليمين، فيحلفن إنّهن لم يخرجن إلّا لله، ولم يخرجن مغايظة لأزواجهن، ولم يخرجن طمعا في مال.\nوفي الجملة: الامتحان طريق إلى المعرفة، وجواهر «٢» الناس تتبيّن بالتجربة «٣» . ومن أقدم على شىء من غير تجربة تحسّى كأس الندم.\n«وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ» «٤» .\nلا توافقوا من خالف الحقّ في قليل أو كثير.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3721>[سورة الممتحنة (٦٠): آية ١٢]</span>\nيا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢) .\n_________\n(١) قال ﷺ: «إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطى على الرفق ما لا يعطى على العنف» .\n(٢) هكذا في ص وهي في م (وجوابه) وهي خطأ في النسخ.\n(٣) هكذا في ص وهي في م (المعرفة) . [.....]\n(٤) العصمة: ما يعتصم به من عقد وسبب، والكوافر: جمع كافرة وهي التي بقيت في دار الحرب أو لحقت بدار الحرب مرتدة، أي لا يكن بينكم وبينهن عصمة ولا علقة زوجية.","vol":"3","page":573},{"text":"إذا جاءك النساء يبايعنك على الإسلام فطالبهنّ وشارطهنّ بهذه الأشياء.\nترك الشّرك، وترك السرقة والزنا وقتل الأولاد والافتراء في إلحاق النّسب، وألا يعصينك في معروف فلا يخالفنك فيما تأمرهن به، ويدخل في ذلك ترك النياحة وشقّ الجيوب ونتف الشّعر عند المصيبة وتخميش «١» الوجوه والتبرّج وإظهار الزينة ... وغير ذلك مما هو من شعائر الدّين في الجملة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3722>[سورة الممتحنة (٦٠): آية ١٣]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ (١٣)\nالذين غضب الله عليهم هم الكفار. يئسوا من الآخرة كما يئس أصحاب القبور أن يعودوا إلى الدنيا ويبعثوا (بعد ما تبينوا سوء منقلبهم) .\nويقال: كما يئس الكفار حين اعتقدوا أن الخلق لا يبعثون في القيامة «٢» .\n_________\n(١) خمش. أي جرح بشرته.\n(٢) هكذا في م وهي في ص (الآخرة) وكلاهما صحيح في السياق.","vol":"3","page":574},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3723>سورة الصّف</span>\nقوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» «بِسْمِ اللَّهِ» كلمة من وقفه الله لعرفانها لم يصبر عن ذكرها بلسانه ثم لا يفتر حتى يصل إلى المسمّى بها بجنانه: فى البداية بتأمّل برهانه لمعرفة سلطانه، ثم لا يزال يزيده في إحسانه حتى ينتهى في شأنه بالتحقق مما هو كعيانه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3724>[سورة الصف (٦١): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nسَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١)\nمن أراد أن يصفو له تسبيحه فليصفّ قلبه من آثار نفسه، ومن أراد أن يصفو له في الجنّة عيشه فليصفّ من أوضار ذنبه نفسه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3725>[سورة الصف (٦١): الآيات ٢ الى ٣]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ (٣)\nجاء في التفاسير أنهم قالوا: لو علمنا ما فيه رضا الله لفعلنا ولو فيه كل جهد ... ثم لمّا كان يوم أحد لم يثبتوا، فنزلت هذه الآية في العتاب «١» .\nوفي الجملة: خلف الوعد مع كلّ أحد قبيح، ومع الله أقبح.\nويقال إظهار التجلّد من غير شهود مواضع الفقر إلى الحقّ في كلّ نفس يؤذن بالبقاء عمّا حصل بالدعوى «٢» ... والله يحب التبرّى من الحول والقوة.\n_________\n(١) قال محمد بن كعب: لما أخبر الله تعالى نبيّه (ص) بثواب شهداء بدر قال بعض الصحابة: اللهم اشهد لئن لقينا قتالا لنفرغنّ فيه وسعنا ... ففروا يوم أحد، فعيرهم الله بذلك.\n(٢) أي بدعوى النّفس تسوّل له نفسه أن له في الأمر شيئا، وأن تدبيره هو الذي مكّن له.","vol":"3","page":575},{"text":"ويقال: لم يتوعّد- سبحانه- زلّة بمثل ما على هذا حين قال: «كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ» «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3726>[سورة الصف (٦١): آية ٤]</span>\nإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ (٤)\nالمحبة توجب الإثار، وتقديم مراد حبيبك على مراد نفسك، وتقديم محبوب حبيبك على محبوب نفسك. فإذا كان الحقّ تعالى يحبّ من العبد أن يقاتل على الوجه الذي ذكره فمن لم يؤثر محبوب الله على محبوب نفسه- أي على سلامته- انسلخ من محبته لربّه، ومن خلا من محبة الله وقع في الشقّ الآخر، فى خسرانه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3727>[سورة الصف (٦١): آية ٥]</span>\nوَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٥)\nلمّا زاغوا بترك الحدّ أزاغ الله قلوبهم بنقض العهد.\nويقال: لمّا زاغوا عن طريق الرّشد أزاغ الله قلوبهم بالصدّ والردّ والبعد عن الودّ.\nويقال: لمّا زاغوا بظواهرهم أزاغ الله سرائرهم.\nويقال: لمّا زاغوا عن خدمة الباب أزاغ الله قلوبهم عن التشوّق إلى البساط.\nويقال: لمّا زاغوا عن العبادة أزاغ الله قلوبهم عن الإرادة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3728>[سورة الصف (٦١): آية ٦]</span>\nوَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (٦)\n_________\n(١) عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله (ص): «أتيت ليلة أسرى بي على قوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار كلما قرضت وقت (تمت وطالت)» قلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: «هؤلاء خطباء أمتك الذين يقولون ولا يفعلون، ويقرمون كتاب الله ولا يعلمون» . (ابو نعيم من حديث مالك بن دنيار عن ثمامة) .","vol":"3","page":576},{"text":"بشّر كلّ نبيّ قومه بنبيّنا ﷺ، وأفرد الله- سبحانه- عيسى بالذّكر فى هذا الموضع لأنه آخر نبيّ قبل نبيّنا ﷺ: فبيّن بذلك أن البشارة به عمّت جميع الأنبياء واحدا بعد واحد حتى انتهت بعيسى ﵇.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3729>[سورة الصف (٦١): آية ٨]</span>\nيُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (٨)\n«١» فمن احتال لوهنه، أو رام وهيه انعكس عليه كيده، وانتقض عليه تدبيره.\n«وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ»: كما قالوا:\nولله سرّ في علاه وإنما ... كلام العدى ضرب من الهذيان\nكأنه قال: من تمنّى أن يطفئ نور الإسلام بكيده كمن يحتال ويزاول إطفاء شعاع الشمس بنفثه ونفخه فيه- وذلك من المحال.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3730>[سورة الصف (٦١): آية ٩]</span>\nهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٩)\nلمّا تقاعد قومه عن نصرته، وانبرى أعداؤه لتكذيبه، وجحدوا ما شاهدوه من صدقه قيّض الله له أنصارا من أمته هم: نزّاع القبائل، والآحاد الأفاضل، والسادات الأماثل، وأفراد المناقب- فبذلوا في إعانته ونصرة دينه مهجهم، ولم يؤثروا عليه شيئا من كرائمهم، ووقوه\n_________\n(١) حكى عطاء عن ابن عباس: أن الوحى حين أبطا على رسول الله (ص) أربعين يوما قال كعب بن الأشرف:\nيا معشر اليهود: أبشروا! فقد أطفأ الله نور محمد فيما كان ينزل عليه، وما كان ليتم أمره فحزن النبي (ص) فأنزل الله تعالى هذه الآية واتصل الوحى بعدها.","vol":"3","page":577},{"text":"بأرواحهم، (وأمدّهم الله سبحانه بتوفيقه كى ينصروا دينه، أولئك أقوام عجن الله بماء السعادة طينتهم، وخلق من نور التوحيد أرواحهم) «١» وأهلّهم يوم القيامة للسيادة على أضرابهم.\nولقد أرسل الله نبيّه لدينه موضّحا، وبالحقّ مفصحا، ولتوحيده معلنا، ولجهده فى الدعاء إليه مستفرغا.. فأقرع بنصحه قلوبا نكرا، وبصّر بنور تبليغه عيونا عميا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3731>[سورة الصف (٦١): الآيات ١٠ الى ١١]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١)\nسمّى الإيمان والجهاد تجارة لما في التجارة من الرّبح والخسران ونوع تكسّب من التاجر- وكذلك: فى الإيمان والجهاد ربح الجنّة وفي ذلك يجتهد العبد، وخسرانها إذا كان الأمر بالضّدّ.\nوقوله: «تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ...» أي في ذلك جهادكم وإيمانكم واجتهادكم، وهو خير لكم.\nثم بيّن الربح على تلك التجارة ما هو فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3732>[سورة الصف (٦١): آية ١٢]</span>\nيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢)\n_________\n(١) حا بين القوسين ورد في م وسقط في ص.","vol":"3","page":578},{"text":"قدّم ذكر أهمّ الأشياء- وهو المغفرة. ثم إذا فرغت القلوب عن العقوبة قال:\n«وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ ...» فبعد ما ذكر الجنّة ونعيمها قال: «وَمَساكِنَ طَيِّبَةً»، وبماذا تطيب تلك المساكن؟ لا تطيب إلّا برؤية الحقّ سبحانه، ولذلك قالوا:\nأجيراننا ما أوحش الدار بعدكم ... إذا غبتمو عنها ونحن حضور!\nنحن في أكمل السرور ولكن ... ليس إلا بكم يتمّ السرور\nعيب ما نحن فيه يا أهل ودّى ... أنكم غيّب ونحن حضور\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3733>[سورة الصف (٦١): آية ١٣]</span>\nوَأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١٣)\nأي ولكم نعمة أخرى تحبونها: نصر من الله اليوم حفظ الإيمان وتثبيت الأقدام على صراط الاستقامة، وغدا على صراط القيامة.\n«وَفَتْحٌ قَرِيبٌ»: الرؤية والزلفة. ويقال الشهود. ويقال: الوجود «١» أبد الأبد.\n«وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ»: بأنهم لا يبقون عنك في هذا التواصل.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3734>[سورة الصف (٦١): آية ١٤]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللَّهِ كَما قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ وَكَفَرَتْ طائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ (١٤)\n_________\n(١) لفظة (الوجود) بالمعنى الصوفي مقبولة هنا، ولكننا في ذات الوقت لا نستبعد أن تكون (الخلود) إشارة إلى قوله تعالى: «خالِدِينَ فِيها أَبَدًا» .","vol":"3","page":579},{"text":"أي كونوا أنصارا لدينه ورسوله كما أنّ عيسى لمّا استعان واستنصر الحواريين نصروه ...\nفانصروا محمدا إذا استنصركم.\nثم أخبر أنّ طائفة من بنى إسرائيل آمنوا بعيسى فأكرموا، وطائفة كفروا فأذلّوا، وأظفر أولياء على أعدائه ... لكى يعرف الرسول ﷺ أنّ الله سبحانه يظفر أولياءه على أعدائه.","vol":"3","page":580},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3735>سورة الجمعة</span>\nقوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» .\n«بِسْمِ اللَّهِ» اسم عزيز إذا تجلّى لقلب عبد بوصف جماله تجمعت أفكاره على بساط جوده فلم يتفرّق بسواه «١» .\nومن تجلّى لسرّه بنعت جلاله اندرجت جملته، واستهلك في وجوده فلم يشعر بكرائم دنياه ولا بعظائم عقباه..\nوكم له من إنعام! وكم له من إحسان! وكما في أمثالهم: «جرى الوادي فطمّ على القريّ» «٢» قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3736>[سورة الجمعة (٦٢): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nيُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١)\nتسبح في بحار توحيد الحقّ أسرار أهل التحقيق، وبحرهم بلا شاطىء فبعد ما حصلوا فيها فلا خروج ولا براح، فحازت أيديهم جواهر التفريد فرصّعوها في تاج العرفان كى يلبسوه يوم اللّقاء.\n«الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ» .\n«الْمَلِكِ»: الملك المتفرّد باستحقاق الجبروت.\n«الْقُدُّوسِ»: المنزّه عن الدرك والوصول: فليس بيد الخلق إلّا عرفان الحقائق بنعت التعالي، والتأمل في شهود أفعاله، فأمّا الوقوف على حقيقة إنّيته- فقد جلّت الصمدية عن\n_________\n(١) لاحظ هنا دقة استعمال الاصطلاحين (الجمع والفرق) .\n(٢) القرى- مجرى الماء في الروضة والجمع: أقرية وأقراء وقريان، ويضرب المثل عند تجاوز الشيء حدّه.","vol":"3","page":581},{"text":"إشراف عليه، أو طمع إدراك في حال رؤيته، أو جواز إحاطة في العلم به ... فليس إلا قالة بلسان مستنطق، وحالة بشهود حقّ مستغرق «١»:\nوقلن لنا: نحن الأهلّة إنما ... نضىء لمن يسرى بليل ولا نقرى «٢»\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3737>[سورة الجمعة (٦٢): آية ٢]</span>\nهُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢)\nجرّده عن كلّ تكلّف لتعلّم، وعن الاتصاف بتطلّب «٣» .. ثم بعثه فيهم وأظهر عليه من الأوصاف ما فاق الجميع.\nفكما أيتمه في الابتداء عن أبيه وأمّه، ثم آواه بلطفه- وكان ذلك أبلغ وأتمّ- فإنه كذلك أفرده عن تكلّفه العلم- ولكن قال: «وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ»\n«٤» .\nوقال: «ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا» «٥» ألبسه لباس العزّة، وتوّجه بتاج الكرامة، وخلع عليه حسن التولّى ... لتكون آثار البشرية عنه مندرجة «٦»، وأنوار الحقائق عليه لائحة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3738>[سورة الجمعة (٦٢): آية ٣]</span>\nوَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣)\n_________\n(١) هذه الفقرة التي كتبها القشيري عن (القدوس) على جانب كبير من الأهمية إذ هي توضح: أن الصوفي مهما ارتفع في معراجه الروحي لا يستشرف من (الذات) فقد جلّت الصمدية عن ذلك، وإنما هو يتحقق من شهود (الفعل) .. ولا شكّ أن أهل السنة المتشددين سيجدون في هذا النصّ ما يعطفهم نحو التصوف وأهله.\n(٢) أي ولا نستضيف ... والمقصود أن السالكين طريق الله دائما على الدرب سائرون وأن الحق سبحانه لا وقوف على كنهه.\n(٣) حتى ينتفى عنه سوء الظن في تعلّمه شيئا من الكتب السابقة، وأن ما يدعو إليه ثمرة قراءته. [.....]\n(٤) آية ١١٣ سورة النساء.\n(٥) آية ٥٢ سورة الشورى.\n(٦) هى هكذا في ص وفي م مشتبهة، والمقصود لتنطوى عنه آثار البشرية- لا البشرية نفسها- وتلوح عليه أنوار الحقائق.","vol":"3","page":582},{"text":"أي بعثه في الأميين، وفي آخرين منهم وهم العجم، ومن يأتى.. إلى يوم القيامة فهو ﷺ مبعوث إلى الناس كافّة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3739>[سورة الجمعة (٦٢): آية ٤]</span>\nذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)\nيقصد به هنا النبوة، ويؤتيها «مَنْ يَشاءُ» وفي ذلك ردّ على من قال: إنها تستحقّ لكثرة طاعة الرسول- وردّ على من قال: إنها لتخصيصهم بطينتهم فالفضل ما لا يكون مستحقّا، والاستحقاق فرض «١» لا فضل.\nويقال: «فَضْلُ اللَّهِ» هنا هو التوفيق حتى يؤمنوا به.\nويقال: هو الأنس بالله، والعبد ينسى كلّ شىء إذا وجد الأنس.\nويقال: قطع الأسباب، - بالجملة- فى استحقاق الفضل، إذ أحاله على المشيئة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3740>[سورة الجمعة (٦٢): آية ٥]</span>\nمَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥)\n«ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها»: ثم لم يعملوا بها.\nويلحق بهؤلاء «٢» فى الوعيد- من حيث الإشارة- الموسومون «٣» بالتقليد في أي\n_________\n(١) هكذا في ص وهي في م (فرد) وهي خطأ في النسخ إذ المقصود أنه منحه الاستحقاق فضلا منه لا (فرضا) عليه فلا وجوب على الله- كما نعرف من مذهب القشيري.\n(٢) أي باليهود الذين لا فائدة لهم فيما يحملون من الكتب، فهى تبشر بمحمد، وهم يجحدون به.\n(٣) هكذا في ص وهي في م (المؤمنون) .","vol":"3","page":583},{"text":"معنى شئت: فى علم الأصول، وممّا طريقه أدلة العقول، وفي هذه الطريقة «١» ممّا طريقه المنازلات.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3741>[سورة الجمعة (٦٢): الآيات ٦ الى ٧]</span>\nقُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٦) وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٧)\n«٢» هذا من جملة معجزاته ﷺ، فصرف قلوبهم عن تمنّى الموت إلى هذه المدة دلّ على صدقه صلوات الله عليه «٣» .\nويقال: من علامات المحبة الاشتياق إلى المحبوب فإذا كان لا يصل إلى لقائه إلا بالموت فتمنّيه- لا محالة- شرط، فأخبر أنهم لا يتنمونه أبدا.. وكان كما أخبر.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3742>[سورة الجمعة (٦٢): آية ٨]</span>\nقُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨)\nالموت حتم مقضيّ. وفي الخبر: «من كره لقاء الله كره الله لقاءه» . والموت جسر والمقصد عند الله.. ومن لم يعش عفيفا فليمت ظريفا «٤» .\n_________\n(١) يقصد طريقة الصوفية.\n(٢) أخطأ الناسخ في م وجعلها (آمنوا) .\n(٣) والآية تؤكّد هذا مرتين باستعمال أسلوب إنشائى (فتمنوا) وأسلوب خبرى (ولا يتمنونه أبدا) .\n(٤) سئل الجنيد عن الظرف فقال: «اجتناب كل خلق دنى واستعمال كل خلق سنى وأن تعمل لله ثم لا ترى أنك عملت» (اللمع للسراج ص ٩٦٢) .","vol":"3","page":584},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3743>[سورة الجمعة (٦٢): آية ٩]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩)\nأوجب السّعى يوم الجمعة إذا نودى لها، وأمر بترك البيع «١» .\nومنهم من يحمله على الظاهر أي ترك المعاملة مع الخلق «٢»، ومنهم من يحمله عليه وعلى معنى آخر: هو ترك الاشتغال بملاحظة الأعراض «٣»، والتناسى عن جميع الأغراض إلا معانقة الأمر فمنهم من يسعى إلى ذكر الله، ومنهم من يسعى إلى الله، بل يسعون إلى ذكر الله جهرا بجهر، ويسعون إلى الله تعالى سرّا بسرّ.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3744>[سورة الجمعة (٦٢): آية ١٠]</span>\nفَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠)\nإنما ينصرف من كان له جمع يرجع إليه، أو شغل يقصده ويشتغل به- ولكن ...\nمن لا شغل له ولا مأوى.. فإلى أين يرجع؟ وإنما يقال: «وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ» إذا كان له أرب.. فأمّا من سكن عن المطالبات، وكفى داء الطّلب.. فما له وابتغاء ما ليس يريده ولا هو في رقّه؟! قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3745>[سورة الجمعة (٦٢): آية ١١]</span>\nوَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِمًا قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١)\n_________\n(١) هكذا في ص وهي الصواب حسب الآية، ولكنها في م (الجميع) .\n(٢) هكذا في ص وهي في م (الحق) وهي خطأ في النسخ.\n(٣) جمع (عرض) الحياة الدنيا.","vol":"3","page":585},{"text":"من أسرته أخطار الأشياء استجاب لكلّ داع جرّه إليه لهو أو حمله عليه سهو ومن ملكه سلطان الحقيقة لم ينحرف عن الحضور، ولم يلتفت في حال الشهود. «قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ» وما عند الله للعبّاد والزّهّاد- غدا «١» - خير مما «٢» نالوه فى الدنيا نقدا. وما عند الله للعارفين- نقدا- من واردات القلوب وبواده «٣» الحقيقة خير مما يؤمّل المستأنف «٤» فى الدنيا والعقبى.\n_________\n(١) ويجوز أنها في الأصل «وعدا» لتقابل «نقدا» فهذا نمط في تعبير القشيري مألوف، ومع ذلك فالوعد (غدا) . [.....]\n(٢) هكذا في ص وهي في م (ممن) والصواب (مما) .\n(٣) البواده ما يفجأ قلبك من الغيب على سبيل الوهلة، وهي إما موجبات فرح أو موجبات ترح، وسادات الوقت لا تغيّرهم البواده، لأنهم فوق ما يفجؤهم حالا وقوة (الرسالة- ص ٤٤) .\n(٤) موجودة في ص وغير موجودة في م وهي ضرورية للسياق، والمستأنف: هو المريد المبتدئ الذي مازال يفكّر في الثواب الآجل والثواب العاجل.","vol":"3","page":586},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3746>سورة المنافقون</span>\nقوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» «بِسْمِ اللَّهِ» اسم من تحقّق به صدق في أقواله، ثم صدق في أعماله، ثم صدق في أخلاقه ثم صدق في أحواله، ثم صدق في أنفاسه «١» .. فصدقه في القول ألّا يقول إلّا عن برهان، وصدقه في العمل ألا يكون للبدعة عليه سلطان، وصدقه في الأخلاق ألّا يلاحظ إحسانه مع الكافّة بعين النقصان، وصدقه في الأحوال أن يكون على كشف وبيان، وصدقه في الأنفاس ألا يتنفّس إلا على وجود كالعيان «٢» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3747>[سورة المنافقون (٦٣): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nإِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ (١)\nكذّبهم فيما قالوا وأظهروا، ولكنهم لم يشهدوا عن بصيرة ولم يعتقدوا تصديقك، فهم لم يكذبوا في الشهادة «٣» ولكنّ كذبهم في قولهم: إنّهم مخلصون لك، مصدّقون لك.\nفصدق القالة لا ينفع مع قبح الحالة.\n_________\n(١) هكذا في ص وهي في م (انعامه) والصواب ما أثبتنا بدليل ما بعده.\n(٢) لا حظ هنا كيف تتفق إشارة البسملة مع السياق العام للسورة.\n(٣) أي تقريرهم بأن محمدا رسول الله حقيقة ليس فيها كذب، فمن حيث الظاهر فقد نطقت ألسنتهم بالصدق، ولكن الكذب كامن في القلب.","vol":"3","page":587},{"text":"ويقال: الإيمان ما يوجب الأمان فالإيمان يوجب للمؤمن إذا كان عاصيا خلاصه من العذاب أكثره وأقلّه ... إلّا ما ينقله من (أعلى) «١» جهنم إلى أسفلها.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3748>[سورة المنافقون (٦٣): آية ٢]</span>\nاتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢)\nتستّروا بإقرارهم، وتكشّفوا بنفاقهم عن أستارهم فافتضحوا، وذاقوا وبال أحوالهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3749>[سورة المنافقون (٦٣): آية ٣]</span>\nذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ (٣)\nاستضاءوا بنور الإجابة فلم ينبسط عليهم شعاع السعادة، فانطفأ نورهم بقهر الحرمان، وبقوا في ظلمات القسمة السابقة بحكم الشقاوة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3750>[سورة المنافقون (٦٣): آية ٤]</span>\nوَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٤)\nأي هم أشباح وقوالب وليس وراءهم ألباب وحقائق- فالجوز «٢» الفارغ مزيّن ظاهره ولكنه للعب الصبيان «٣» .\n«يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ ...» وذلك لجبنهم إذ ليس لهم انتعاش بربّهم، ولا استقلال بغيرهم.\n_________\n(١) سقطت (أعلى) من الناسخ في م وهي موجودة في ص.\n(٢) هكذا في م وهي في ص «الحوض» وقد رجحنا الأولى.\n(٣) فى هذه الإشارة تنبيه إلى قاعدة صوفية: أن العبرة بحقائق الأرواح لا بمظاهر الأشباح (أي الأجساد) .","vol":"3","page":588},{"text":"«هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ» هم عدوّ لك- يا محمد- فاحذرهم، ولا يغرّنك تبسّطهم فى الكلام على وجه التودّد والتقرّب.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3751>[سورة المنافقون (٦٣): آية ٥]</span>\nوَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٥)\nسمعوا إلى ما يقال لهم على وجه التكبّر، وإظهار الاستغناء عن استغفارك لهم ... فخلّ سبيلهم فليس للنّصح فيهم مساغ، ولن يصحيهم من سكرتهم إلّا حرّ ما سيلقونه من العقوبة، فما دام الإصرار من جانبهم فإنهم:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3752>[سورة المنافقون (٦٣): آية ٦]</span>\nسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٦)\nفقد سبق العلم بذلك:\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3753>[سورة المنافقون (٦٣): آية ٧]</span>\nهُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ (٧)\n«١» كأنهم مربوطون بالأسباب، محجوبون عن شهود التقدير، غير متحققّين بتصريف الأيام، فأنطقهم بما خامر قلوبهم من تمنّى انطفاء نور رسول الله، وانتكاث شملهم، فتواصوا فيما بينهم بقولهم: «لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ» فقال تعالى «وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ ...» .\nوليس استقلالك- يا محمد- ولا استقلال أصحابك بالمرزوقين.. بل بالرازق فهو الذي يمسككم.\n_________\n(١) «وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ» بهذا أجاب كثيرون من أرباب الطريق كحاتم الأصم والجنيد والشبل عند ما كانوا يسأل أحدهم: من أين تأكل؟","vol":"3","page":589},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3754>[سورة المنافقون (٦٣): آية ٨]</span>\nيَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ (٨)\nإنما وقع لهم الغلط في تعيين الأعزّ والأذلّ فتوهّموا أنّ الأعزّ هم المنافقون، والأذلّ هم المسلمون، ولكن الأمر بالعكس، فلا جرم غلب الرسول ﷺ والمسلمون، وأذلّ المنافقون بقوله: «وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ»: لله عزّ الإلهية، وللرسول عزّ النبوّة، وللمؤمنين عزّ الولاية.. وجميع ذلك لله فعزّة القديم صفته، وعزّ الرسول وعزّ المؤمنين له فعلا ومنّة وفضلا، فإذا لله العزّة جميعا.\nويقال: كما أنّ عزّة الله- سبحانه- لا زوال لها فعزّة الأنبياء بأن لا عزل لهم، وعزّة المؤمنين بألا يبقى منهم مخلّد في النار.\nويقال: من كان إيمانه حقيقيا فلا زوال له.\nويقال: من تعزّز بالله لم يلحقه تغيّر عن حاله بغير الله.\nويقال: لا عزّ إلّا في طاعة الله، ولا ذلّ إلّا في معصية الله ... وما سوى هذا فلا أصل له.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3755>[سورة المنافقون (٦٣): آية ٩]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٩)\nلا تضيّعوا أمور دينكم بسبب أموالكم وأولادكم بل آثروا حقّ الله، واشتغلوا به يكفكم أمور دنياكم وأولادكم فإذا كنت لله كان الله لك «١» .\n_________\n(١) لنتذكر ما قلناه في مدخل هذا الكتاب بأن القشيري نفسه قد ضرب المثل على ذلك حين هاجر من بلده تاركا أهله في رعاية الله حينما تعرّضت عقيدته للمحنة.","vol":"3","page":590},{"text":"ويقال: حقّ الله مما ألزمك القيام به، وحقّك ضمن لك القيام به فاشتغل بما كلّفت لا بما كفيت.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3756>[سورة المنافقون (٦٣): آية ١٠]</span>\nوَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠)\nلا تغترّوا بسلامة أوقاتكم، وترقّبوا بغتات آجالكم، وتأهّبوا لما بين أيديكم من الرحيل، ولا تعرّجوا في أوطان التسويف.","vol":"3","page":591},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3757>سورة التّغابن</span>\nقوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» «بِسْمِ اللَّهِ ...» كلمة عزيزة من ذكرها يحتاج إلى لسان عزيز في الغيبة لا يبتذل، وفي ذكر الأغيار لا يستعمل. ومن عرفها يحتاج إلى قلب عزيز ليس في كلّ ناحية منه خليط، ولا في كلّ زاوية زبيط.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3758>[سورة التغابن (٦٤): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nيُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)\nالمخلوقات كلّها بجملتها لله سبحانه مسبّحة ... ولكن لا يسمع تسبيحها من به طرش النكرة.\nويقال: الذي طرأ صممه فقد يرجى زواله بنوع معالجة، أمّا من يولد أصمّ فلا حيلة فى تحصيل سماعه. قال تعالى: «فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى» «١» وقال تعالى: «وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ» «٢» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3759>[سورة التغابن (٦٤): آية ٢]</span>\nهُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢)\nمنكم كافر في سابق حكمه سمّاه كافرا، وعلم أنه يكفرو أراد به الكفر ... وكذلك\n_________\n(١) آية ٥٢ سورة الروم.\n(٢) آية ٢٣ سورة الأنفال.","vol":"3","page":592},{"text":"كانوا. ومنكم مؤمن في سابق حكمه سمّاه مؤمنا، وعلم في آزاله أنه يؤمن وخلقه مؤمنا، وأراده مؤمنا ... والله بما تعملون بصير.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3760>[سورة التغابن (٦٤): آية ٣]</span>\nخَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣)\n«خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ»: أي وهو محقّ في خلقه.\n«وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ» لم يقل لشىء من المخلوقات هذا الذي قال لنا، صوّر الظاهر وصوّر الباطن فالظاهر شاهد على كمال قدرته، والباطن شاهد على جلال قربته «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3761>[سورة التغابن (٦٤): آية ٤]</span>\nيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٤)\nقصّروا حيلكم عن مطلوبكم، فهو تتقاصر عنه علومكم، وأنا أعلم ذلك دونكم ...\nفاطلبوا منّى، فأنا بذلك أعلم، وعليه أقدر.\nويقال: «وَيَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ» . فاحذروا دقيق الرياء، وخفيّ ذات الصدور «وَما تُعْلِنُونَ»:\nفاحذروا أن يخالف ظاهركم باطنكم.\nفى قوله «ما تُسِرُّونَ» أمر بالمراقبة بين العبد وربه.\nوفي قوله «ما تُعْلِنُونَ» أمر بالصدق في المعاملة والمحاسبة مع الخلق «٢» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3762>[سورة التغابن (٦٤): الآيات ٥ الى ٦]</span>\nأَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٥) ذلِكَ بِأَنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٦)\n_________\n(١) القربة هنا إشارة إلى تميز الإنسان من بين المخلوقات بقيام المحبة بمعناها الخاص بينه وبين الحق سبحانه، وقد سبق بيان ذلك في مواضع مختلفة. [.....]\n(٢) مرة أخرى ننبه إلى ضرورة فهم الفرق بين اصطلاحى: المراقبة والمحاسبة- حسب المنهج القشيري.","vol":"3","page":593},{"text":"المراد من ذلك هو الاعتبار بمن سلف، ومن لم يعتبر عثر في مهواة من الأمل، ثم لا ينتعش إلّا بعد فوات الأمر من يده.\n«ذلِكَ بِأَنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ ...» . شاهدوا الأمر من حيث الخلق فتطوّحوا فى متاهات الإشكال المختلفة الأحوال. ولو نظروا بعين الحقيقة لتخلّصوا من تفرقة الأباطيل، واستراحوا بشهود «١» التقدير من اختلاف الأحوال ذات «٢» التغيير.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3763>[سورة التغابن (٦٤): آية ٧]</span>\nزَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وَذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧)\nالموت نوعان: موت نفس، وموت قلب ففى القيامة يبعثون من موت النّفس، وأمّا موت القلب فلا بعث منه- عند كثير من مخلصى هذه الطائفة، قال تعالى مخبرا عنهم: «قالُوا يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا؟» «٣» فلو عرفوه لما قالوا ذلك فموت قلوبهم مسرمد إلى أن تصير معارفهم ضرورية، فهذا الوقت وقت موت قلوبهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3764>[سورة التغابن (٦٤): آية ٨]</span>\nفَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٨)\n«النُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا»: القرآن. ويجوز أن يكون ما أنزل في قلوب أوليائه من السكينة وفنون الألطاف.\n_________\n(١) هكذا في ص وهي في م (من شهود) وهي خطأ من الناسخ.\n(٢) فى النسختين (ذوى) وقد رأينا أن تكون (ذات) أو (ذوات) .\n(٣) آية ٥٢ سورة يس، والفرق واضح بين هذه القالة وبين ما قاله أصحاب الكهف المؤمنون.","vol":"3","page":594},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3765>[سورة التغابن (٦٤): آية ٩]</span>\nيَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩)\nالمطيع- يومئذ- فى غبن لأنه لم يستكثر من الطاعة، والعاصي في غبن لأنه استكثر من الزلّة «١» .\nوليس كلّ الغبن في تفاوت الدرجات قلّة وكثرة، فالغبن في الأحوال أكثر.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3766>[سورة التغابن (٦٤): آية ١١]</span>\nما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)\nأيّ حصلة حصلت فمن قبله خلقا، وبعلمه وإرادته حكما.\nومن يؤمن بالله يهد قلبه حتى يهتدى إلى الله في السّرّاء والضّراء- اليوم- وفي الآخرة يهديه إلى الجنة.\nويقال: «يَهْدِ قَلْبَهُ» للأخلاق السنيّة، والتنقّى من شحّ النّفس.\nويقال: «يَهْدِ قَلْبَهُ» لاتّباع السّنّة واجتناب البدعة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3767>[سورة التغابن (٦٤): آية ١٢]</span>\nوَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (١٢) .\n_________\n(١) قال بعض الصوفية: إن الله كتب الغبن على الخلق أجمعين، فلا يلقى أحد ربّه إلا مغبونا لأنه لا يمكنه الاستيفاء للعمل حتى يحصل له استيفاء الثواب، وفي الأثر قال النبي (ص): «لا يلقى الله أحد إلا نادما إن كان مسيئا إن لم يحسن، وإن كان محسنا إن لم يزدد» القرطبي ح ١٨ ص ١٣٨.","vol":"3","page":595},{"text":"طاعة الله واجبة، وطاعة الرّسل- الذين هم سفراء بينه وبين الخلق- واجبة كذلك. والأنوار التي تظهر عليك «١» وتطالب بمقتضياتها كلّها حقّ، ومن الحقّ.. فتجب طاعتها أيضا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3768>[سورة التغابن (٦٤): آية ١٤]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤)\nإذا دعوك لتجمع لهم الدنيا فهم عدوّ لك، أمّا إذا أخذتم منها على وجه العفاف «٢» فليسوا لكم أعداء.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3769>[سورة التغابن (٦٤): آية ١٥]</span>\nإِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٥)\nِتْنَةٌ»\n: لأنهم يشغلونكم عن أداء حقّ الله فما تبق عن الله مشغولا بجمعه فهو غير ميمون عليك.\nويقال: إذا جمعتم الدنيا لغير وجهه فإنكم تشغلون بذلك عن أداء حقّ مولاكم، وتشغلكم أولادكم، فتبقون بهم عن طاعة الله- وتلك فتنة لكم ... ترومون إصلاحهم.\nفتفسدون أنتم وهم لا يصلحون!.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3770>[سورة التغابن (٦٤): آية ١٦]</span>\nفَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦) .\n_________\n(١) الخطاب هنا موجعّه إلى صاحب الأحوال والكشوفات.\n(٢) عف عفعّة وعفافا أي كفّ عما لا يحل ولا يجمل. ويقال: هم أعفّة الفقر، أي: إذا افتقروا لا يسألون.\n(الوسيط) .","vol":"3","page":596},{"text":"أي ما دمتم في الجملة مستطيعين ويتوجه عليكم التكليف فاتقوا الله. والتقوى عن شهود التقوى بعد ألا يكون تقصير في التقوى غاية التقوى.\n«وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ» حتى ترتفع الأخطار «١» عن قلبه، ويتحرّر من رقّ المكونات، فأولئك هم المفلحون.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3771>[سورة التغابن (٦٤): الآيات ١٧ الى ١٨]</span>\nإِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (١٧) عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)\nيتوجّه بهذا الخطاب إلى الأغنياء لبذل أموالهم، وللفقراء في إخلاء أيامهم وأوقاتهم من مراداتهم وإيثار مراد الحقّ على مراد أنفسهم.\nفالغنىّ يقال له: آثر حكمى على مرادك في مالك، والفقير يقال له: آثر حكمى فى نفسك وقلبك ووقتك وزمانك.\n«عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» جلّ شأنه.\n_________\n(١) المقصود بالأخطار هنا: حسبان أن للشىء أهمية وشأنا.","vol":"3","page":597},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3772>سورة الطّلاق</span>\nقوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» «بِسْمِ اللَّهِ» اسم من لا سبيل إلى وصاله، ولا غنية- فى غيره- عن فعاله، اسم من علمه وقع في كل سكون وراحة، اسم من عرفه وقع في كل اضطراب وإطاحة «١»، العلماء بسراب علمهم استقلوا فاستراحوا، والعارفون بسلطان حكمه اصطلموا عن شواهدهم..\nفبادوا وطاحوا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3773>[سورة الطلاق (٦٥): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nيا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْرًا (١)\nالطلاق- وإن كان فراقا- فلم يجعله الحقّ محظورا ... وإن كان من وجه مكروها.\nوللطلاق وقتية «٢»: سنّية وبدعية، ومباحة، لا سنية ولا بدعية فالسنية: أن تطلّق في طهر لم تباشر فيه طلقة واحدة، والبدعية: فى حال الحيض وطهر جومعت فيه، والمباحة:\nفى طهر بعد حيض ثم يطلقها من قبل أن يجامعها «٣» - والطلاق أكثر من واحدة.\n_________\n(١) أطاحه إطاحة أي أفناه وأذهبه.\n(٢) أي وجوه مرتبطة بأوقات خاصة. روى الدارقطني عن ابن عباس قال: الطلاق على أربعة وجوه:\nوجهان حلالان ووجهان حرامان: فأما الحلال فأن يطلقها طاهرا من غير جماع، وأن يطلقها حاملا مستبينا حملها.\nوأما الحرام فأن يطلقها وهي حائض، أو يطلقها حين يجامعها لا تدرى اشتمل الرّحم على ولد أم لا.\n(٣) قال السّدىّ: نزلت في عبد الله بن عمر طلّق امرأته حائضا تطليقة واحدة، فأمره رسول الله (ص) بأن يراجعها ثم يمسكها حتى تطهر وتحيض ثم تطهر، فإذا أراد أن يطلقها فليطلقها حين تطهر- من قبل أن يجامعها.\nويقال: إنها نزلت في أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية.. فلم يكن قبلها للمطلقة عدّة، وحين طلقت على عهد النبي (ص) طلقت بالعدة (هكذا في كتاب أبى داود) .","vol":"3","page":598},{"text":"والعدّة- وإن كانت في الشريعة لتحصين ماء الزوج (محاماة على الأنساب) «١» لئلا يدخل على ماء الزوج ماء آخر- فالغالب والأقوى في معناها أنها للوفاء للصحبة الماضية في وصلة النكاح «٢» .\nوالإشارة في الآيات التالية إلى أنه بعد أن انتهت الوصلة فلا أقلّ من الوفاء مدة لهذه الصغيرة التي لم تحض، وهذه الآيسة من الحيض، وتلك التي انقطع حيضها، والحبلى حتى تلد ... كل ذلك مراعاة للحرمة: وعدّة الوفاة تشهد على هذه الجملة في كونها أطول لأن حرمة الميت أعظم «٣» وكذلك الإمداد في أيام العدّة ... المعنى فيه ما ذكرنا من مراعاة الوفاء والحرمة.\nقوله جل ذكره: «وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ» .\nالعبودية: الوقوف عند الحدّ، لا بالنقصان عنه ولا بالزيادة عليه، ومن راعى مع الله حدّه أخلص الله له عهده ...\n«لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْرًا» .\nقالوا: أراد ندما، وقيل: ولدا، وقيل: ميلا إليها، أولها إليه فإن القلوب تتقلب:\nوالإشارة في إباحة الطلاق إلى أنه إذا كان الصبر مع الأشكال حقّا للحرمة المتقدمة فالخلاص من مساكنة الأمثال، والتجرّد لعبادة الله تعالى أولى وأحقّ.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3774>[سورة الطلاق (٦٥): الآيات ٢ الى ٣]</span>\nفَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ ذلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)\n_________\n(١) موجودة في ص وغير موجودة في م.\n(٢) القشيري يركز جهده في استخراج إشارات في الصحبة والصاحب وغير ذلك من المعاني من آيات الطلاق غير مهم بتفاصيل هذا الموضوع الواسع الذي تعنى به كتب الفقه المتخصصة.\n(٣) يقول القشيري في الصفحة ١٨٨ من المجلد الأول من هذا الكتاب: كانت عدّة الوفاة في ابتداء الإسلام سنة مستديمة كقول العرب وفعلهم، ثم نسخ ذلك إلى أربعة أشهر وعشرة أيام إذ لا بدّ من انتهاء مدة الحداد.\n«وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ» والإشارة فيه ألا تجمعوا عليهن الفراق والحرمان فيتضاعف عليهن البلاء. [.....]","vol":"3","page":599},{"text":"إذا صدق العبد في تقواه أخرجه من بين أشغاله كالشعرة تخرج من بين العجين لا يعلق بها شىء. ويضرب الله تعالى على المتّقى سرادقات عنايته، ويدخله في كنف الإيواء، ويصرف الأشغال عن قلبه، ويخرجه من ظلمات تدبيره، ويجرّده من كل أمر، وينقله إلى شهود فضاء تقديره.\nقوله جل ذكره: «وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ» .\nلم يقل: ومن يتوكل على الله فتوكّله حسبه، بل قال: فهو حسبه أي فالله حسبه أي كافيه.\n«إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا» .\nإذا سبق له شىء من التقدير فلا محالة يكون، وبتوكّله لا يتغير المقدور ولا يستأخر، ولكنّ التوكّل بنيانه على أن يكون العبد مروّح القلب غير كاره.. وهذا من أجلّ النّعم.\nقوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3775>[سورة الطلاق (٦٥): آية ٤]</span>\nوَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (٤)\nالتوكل: شهود نفسك خارجا عن المنّة «١» تجرى عليك أحكام التقدير من غير تدبير منك ولا اطّلاع لك على حكمه، وسبيل العبد الخمود والرضا دون استعلام الأمر، وفي الخبر:\n«أعوذ بك من علم لا ينفع»: ومن العلم الذي لا ينفع- ويجب أن تستعيذ منه- أن يكون لك شغل أو يستقبلك مهمّ من الأمر ويشتبه عليك وجه التدبير فيه، وتكون مطالبا بالتفويض- فطلبك العلم وتمنّيك أن تعرف متى يصلح هذا الأمر؟ ولأى سبب؟ ومن أيّ وجه؟ وعلى يد من؟ ... كل هذا تخليط، وغير مسلّم شىء منه للأكابر.\nفيجب عليك السكون، وحسن الرضا. حتى إذا جاء وقت الكشف فسترى صورة الحال وتعرفه، وربما ينتظر العبد في هذه الحالة تعريفا في المنام أو ينظر فى (...) «٢» من الجامع،\n_________\n(١) المنة بضم الميم هي ما في إمكان الإنسان وحيلته واستطاعته.\n(٢) مشتبهة في النسختين.","vol":"3","page":600},{"text":"أو يرجو بيان حاله بأن يجرى على لسان مستنطق في الوقت.. كلّ هذا ترك للأدب، والله لا يرضى بذلك من أوليائه، بل الواجب السكون.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3776>[سورة الطلاق (٦٥): آية ٧]</span>\nلِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ ما آتاها سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (٧)\nإذا اتسع رزق العبد فعلى قدر المكنة يطالب بالإعطاء والنفقة فمن قدر عليه رزقه- أي ضيّق- فلينفق مما آتاه الله أي من متاع البيت، ومن رأس المال- إن لم يكن من الربح، ومن ثمن الضيعة- إن لم يكن من الغلّة.\nومن ملك ما يكفيه الوقت، ثم اهتمّ بالزيادة للغد فذلك اهتمام غير مرضيّ «١» عنه، وصاحبه غير معان. فأمّا إذا حصل العجز بكلّ وجه، فإن الله تعالى: لا يكلف نفسا إلّا ما آتاها، وسيجعل الله بعد عسر يسرا. هذا من أصحاب المواعيد- وتصديقه على حسب الإيمان، وذاك على قدر اليقين- ويقينه على حسب القسمة. وانتظار اليسر «٢» من الله صفة المتوسطين فى الأحوال، الذين انحطّوا عن حدّ «٣» الرضا واستواء وجود السبب وفقده، وارتقوا عن حدّ اليأس والقنوط، وعاشوا في أفياء «٤» الرجال يعلّلون «٥» بحسن المواعيد.. وأبدا هذه حالتهم وهي كما قلنا «٦»:\nإن نابك الدهر بمكروهه ... قعش بتهوين تصانيفه\nفعن قريب ينجلى غيمه ... وتنقضى كلّ تصاريفه\n_________\n(١) هكذا في ص وهي في م (مرحوم) .\n(٢) هكذا في م وهي في ص. (البرّ) وقد آثرنا الأولى نظرا لسياق الآية ذاتها.\n(٣) هكذا في م وهي في ص (درجة) وقد آثرنا الأولى بدليل ورودها فيما بعد.\n(٤) هكذا في ص ولكنها في م (إفناء) والصواب الأولى.\n(٥) أي يملّلون النفس.\n(٦) أي أن النص الشعرى القشيري نفسه. (انظر القشيري الشاعر في كتابنا: الإمام القشيري) .","vol":"3","page":601},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3777>[سورة الطلاق (٦٥): الآيات ٨ الى ٩]</span>\nوَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها وَرُسُلِهِ فَحاسَبْناها حِسابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْناها عَذابًا نُكْرًا (٨) فَذاقَتْ وَبالَ أَمْرِها وَكانَ عاقِبَةُ أَمْرِها خُسْرًا (٩)\nمن زرع الشوك لم يجن الورد، ومن أضاع حقّ الله لا يطاع في حظّ نفسه «١» . ومن اجترأ «٢» بمخالفة أمر الله فليصبر على مقاساة عقوبة الله.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3778>[سورة الطلاق (٦٥): الآيات ١٠ الى ١١]</span>\nأَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذابًا شَدِيدًا فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (١٠) رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللَّهِ مُبَيِّناتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا (١١)\nإنّ كتاب الله فيه تبيان لكلّ شىء.. فمن استضاء بنوره اهتدى، ومن لجأ إلى سعة فنائه وصل من داء الجهل إلى شفائه «٣» .\nومن يؤمن بالله، ويعمل صالحا لله، وفي الله، فله دوام النّعمى من الله.. قال تعالى:\n«قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا» .\nوالرزق الحسن ما كان على حدّ الكفاية لا نقصان فيه تتعطّل الأمور بسببه، ولا زيادة فيه تشغله عن الاستمتاع بما رزق لحرصه.\nكذلك أرزاق القلوب. أحسنها أن يكون له من الأحوال ما يشتغل به في الوقت من غير\n_________\n(١) هكذا في ص وهي أصوب مما في م (حق نفسه) فالحقوق لله والحظوظ للعبد.\n(٢) هكذا في ص وهي أصوب مما في م (احترق) فسياق الآية يوحى بذلك.\n(٣) أصل الجملة (وصل إلى شفائه من داء الجهل) .. ولكن حرص القشيري على التركيب الموسيقى دفعه إلى هذه الصياغة.","vol":"3","page":602},{"text":"نقصان يجعله يتعذّب بتعطّشه، ولا تكون فيه زيادة فيكون على خطر من مغاليط لا يخرج منها إلّا بتأييد سماويّ من الله «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3779>[سورة الطلاق (٦٥): آية ١٢]</span>\nاللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)\nخلق سبع سموات، وخلق ما خلق وهو محقّ فيما خلق وأمر، حتى نعلم استحقاق جلاله وكمال صفاته، وأنه أمضى فيما قضى حكما، وأنه أحاط بكل شىء علما.\n_________\n(١) رأى القشيري فى «الرزق الحسن» مفيد في دراسة الجانب النفسي عند الصوفية، والحدود التي يبدأ عندها الصراع الداخلى، وآفات ذلك، وعلاجه.","vol":"3","page":603},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3780>سورة التّحريم</span>\nقوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» .\n«بِسْمِ اللَّهِ» . اسم عزيز يمهل من عصاه، فإذا رجع وناداه.. أجابه ولبّاه «١» فإن لم يتوسّل بصدق قدمه في ابتداء أمره ثم تنصّل بصدق ندمه في آخر عمره أوسعه غفرا «٢»، وقبل منه عذرا، وأكمل له ذخرا، وأجزل له برّا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3781>[سورة التحريم (٦٦): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nيا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١)\nجاء في القصة: أن النبي ﷺ حرّم على نفسه مارية القبطية، وفي الحال حلف ألّا يطأها شهرا مراعاة لقلب حفصة حيث رأت النبي ﷺ معها في يومها «٣» .\nوقيل: حرّم على نفسه شرب العسل لمّا قالت له زوجاته، إنّا نشم منك ريح المغافير! - والمغافير صمغ في البادية كريه الرائحة، ويقال: بقلة كريهة الرائحة ... فعاتبه الله على ذلك.\nوهي صغيرة منه على مذهب من جوّز الصغائر عليه، وترك للأولى على مذهب من لم يجوّز.\n_________\n(١) هكذا في م وهي في ص (أبكاه) وهي خطأ في النسخ.\n(٢) هكذا في م وهي في ص (عفوا) وهي وإن كانت مقبولة إلا أن التركيب الموسيقى يجعلنا نؤثر (غفرا) . [.....]\n(٣) الدارقطني عن ابن عباس عن عمر قال: دخل الرسول (ص) بأم ولده مارية في بيت حفصة وكانت حفصة غابت إلى بيت أبيها فقالت: تدخلها بيتي! ما صنعت بي هذا من بين نسائك إلا من هوانى عليك فقال لها:\nلا تذكرى هذا لعائشة فهى حرام علىّ إن قربتها.","vol":"3","page":604},{"text":"وقيل: إنه طلّق حفصة طلقة واحدة، فأمره الله بمراجعتها، وقال له جبريل: إنها صوّامة قوّامة وقيل: لم يطلقها ولكن همّ بتطليقها فمنعه الله عن ذلك.\nوقيل: لمّا رأته حفصة مع مارية في يومها قال لها: إنّى مسرّ إليك سرّا فلا تخبري أحدا: إنّ هذا الأمر يكون بعدي لأبى بكر ولأبيك.\nولكن حفصة ذكرت هذا لعائشة، وأوحى الله له بذلك، فسأل النبيّ حفصة: لم أخبرت عائشة بما قلت؟.\nفقالت له: ومن أخبرك بذلك؟ قال أخبرنى الله، وعرّف حفصة بعض ما قالت، ولم يصرّح لها بجميع ما قالت، قال تعالى: «عَرَّفَ «١» بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ»، فعاتبها على بعض وأعرض عن بعض- على عادة الكرام.\nويقال: إن النبيﷺ- لمّا نزلت هذه الآية كان كثيرا ما يقول:\n«اللهم إنى أعوذ بك من كل قاطع يقطعنى عنك» .\nوظاهر هذا الخطاب «٢» عتاب على أنّه مراعاة لقلب امرأته حرّم على نفسه ما أحلّ الله له.\nوالإشارة فيه: وجوب تقديم حقّ الله- سبحانه- على كل شىء في كل وقت.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3782>[سورة التحريم (٦٦): الآيات ٢ الى ٣]</span>\nقَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٢) وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَها بِهِ قالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هذا قالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (٣)\nأنزل الله ذلك عناية بأمره ﵇، وتجاوزا عنه. وقيل: إنه كفّر بعتق رقبة، وعاود مارية.\n_________\n(١) وفي قراءة «عرف» بدون التشديد: أي غضب فيه وجازى عليه، وهو كقولك لمن أساء إليك: لأعرفن لك ما فعلت أي: لأجازينّك عليه، وجازاها النبي بأن طلقها طلقة واحدة. وكان أبو عبد الرحمن السلمى يحصب بالحجارة من يقرأها مشددة.\n(٢) أي «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ..»","vol":"3","page":605},{"text":"والله- سبحانه- أجرى سنّته بأنه إذا ساكن عبد بقلبه إلى أحد شوّش على خواصّه محلّ مساكنته غيرة على قلبه إلى أن يعاود ربّه، ثم يكفيه ذلك- ولكن بعد تطويل مدة، وأنشدوا في معناه:\nإذا علّقت روحى حبيبا تعلّقت ... به غير الأيام كى تسلبنّيه\nوقد ألقى الله في قلب رسوله ﷺ تناسيا بينه وبين زوجاته فاعتزلهن «١»، وما كان من حديث طلاق حفصة، وما عاد إلى قلب أبيها، وحديث الكفاية، وإمساكه عن وطء مارية تسعا وعشرين ليلة ... كل ذلك غيرة من الحق عليه، وإرادته- سبحانه- تشويش قلوبهم حتى يكون رجوعهم كلّهم إلى الله تعالى بقلوبهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3783>[سورة التحريم (٦٦): آية ٤]</span>\nإِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ (٤)\nعاتبهما على السير من خطرات القلب، ثم قال: «وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ ...» .\n«صالِحُ الْمُؤْمِنِينَ» من لم يكن منهم في قلبه نفاق، مثل أبى بكر وعمر ﵄.\nوجاء: أن عمر بن الخطاب لما سمع شيئا من ذلك قال لرسول الله:\nلو أمرتنى لأضربنّ عنقها! «٢»\n_________\n(١) دخل عليه عمر في المشربة فإذا هو مضطجع على حصير قد أثّر في جنبه، وبجواره قبضة من شعير وتكاد خزانته تخلو من كل شىء فبكى عمر وقال: يا نبيّ الله.. أنت رسول الله.. وذاك قيصر وكسرى في الثمار والأنهار، فقال النبي: يا بن الخطاب ألا ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا؟ فقال عمر: إن كان يشق عليك من أمر النساء.. فإن كنت طلقتهن فإن الله معك وملائكته، وأنا وأبو بكر والمؤمنون! ولم يزل يحدثه حتى تبسّم صلوات الله عليه وخرجا إلى الناس.\n(٢) لما سمع عمر الناس بالمسجد يقولون: لقد طلق الرسول نساءه! غضب وذهب إلى بيت النبي ليعلم الأمر فذهب أولا إلى عائشة وقال: يا بنة أبى بكر أقد بلغ من شأنك أن تؤذى رسول الله؟ فقالت: يا بن الخطاب عليك بعيبتك، فاتجه إلى حفصة وقال: والله لقد علمت أن رسول الله لايحبك ولولا أنا لطلقك.. فبكت بكاء شديدا.\nوذهب إلى رسول الله قائلا: والله لئن أمر في رسول الله بضرب عنق ابنتي لفعلت.","vol":"3","page":606},{"text":"والعتاب في الآية مع عائشة وحفصة ﵄ إذ تكلمتا في أمر مارية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3784>[سورة التحريم (٦٦): الآيات ٥ الى ٦]</span>\nعَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ ثَيِّباتٍ وَأَبْكارًا (٥) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ (٦)\nثم قال تعالى زيادة في العتاب وبيان القصة:\nقوله جل ذكره: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ» أي: فقّهوهم، وأدّبوهم، وادعوهم إلى طاعة الله، وامنعوهم عن استحقاق العقوبة بإرشادهم وتعليمهم.\nودلّت الآية: على وجوب الأمر بالمعروف في الدّين للأقرب فالأقرب.\nوقيل: أظهروا من أنفسكم العبادات ليتعلّموا منكم، ويعتادوا كعادتكم.\nويقال: دلّو هم على السّنّة والجماعة.\nويقال: علّموهم الأخلاق الحسان.\nويقال: مروهم بقبول النصيحة.\n«وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ»: الوقود: الحطب.\nويقال: أمر الناس يصلح بحجرة أو مدرة، فإن أصل الإنسان مدرة، ولو أنه أقام حجرة مقام مدرة فلا غرو من فضل الله.\nاللهمّ فألق فيها بدلنا حجرا وخلّصنا منها.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3785>[سورة التحريم (٦٦): آية ٧]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧)\nإذا فات الوقت استفحل الأمر، وانغلق الباب، وسقطت الحيل.. فالواجب البدار والفرار لتصل إلى روح القرار.","vol":"3","page":607},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3786>[سورة التحريم (٦٦): آية ٨]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا وَاغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٨)\nالتوبة النصوح: هى التي لا يعقبها نقض.\nويقال: هى التي لا تراها من نفسك، ولا ترى نجاتك بها، وإنما تراها بربّك.\nويقال: هى أن تجد المرارة في قلبك عند ذكر الزّلّة كما كنت تجد الراحة لنفسك عند فعلها.\nقوله جل ذكره: «يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ يَقُولُونَ: رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا وَاغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» .\nلا يخزى الله النبيّ بترك شفاعته، والذين آمنوا معه بافتضاحهم بعد ما قبل فيهم شفاعته.\n«نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ» عبّر بذلك عن أنّ الإيمان من جميع جهاتهم.\nويقال: بأيمانهم كتاب نجاتهم: أراد نور توحيدهم ونور معرفتهم ونور إيمانهم، وما يخصّهم الله به من الأنوار في ذلك اليوم.\n«يَقُولُونَ: رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا»: يستديمون التضرّع والابتهال في السؤال «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3787>[سورة التحريم (٦٦): آية ٩]</span>\nيا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٩)\nأمره بالملاينة في وقت الدعوة، وقال: «وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ» «٢» ثم لمّا أصرّوا- بعد بيان الحجّة- قال: «وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ»: لأن هذا في حال إصرارهم، وزوال أعذارهم.\n_________\n(١) هذه الإشارة موجهة إلى الصوفية من بعيد كى لا يكفوا عن التضرع والابتهال قط فإن خير العمل أدومه فالاستدامة شرط أساسى لأن الطريق الصوفي طويل وشاق.\n(٢) آية ١٢٥ سورة النحل.","vol":"3","page":608},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3788>[سورة التحريم (٦٦): آية ١٠]</span>\nضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (١٠)\nلمّا سبقت لهما الفرقة يوم القسمة لم تنفعهما القربة يوم العقوبة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3789>[سورة التحريم (٦٦): آية ١١]</span>\nوَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١١)\nقالوا: صغرت همّتها حيث طلبت بيتا في الجنة، وكان من حقّها أن تطلب الكثير.. ولا كما توهّموا: فإنها قالت: ربّ ابن لى عندك، فطلبت جوار القربة، ولبيت في الجوار أفضل من ألف قصر في غير الجوار. ومن المعلوم أنّ العنديّة هنا عنديّة القربة والكرامة.. ولكنه على كل حال بيت له مزية على غيره، وله خصوصية. وفي معناه أنشدوا:\nإنى لأحسد جاركم لجواركم ... طوبى لمن أضحى لدارك جارا\nيا ليت جارك باعني من داره ... شبرا لأعطيه بشبر دارا\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3790>[سورة التحريم (٦٦): آية ١٢]</span>\nوَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ (١٢)\nختم السورة بذكرها بعد ما ذكر امرأة فرعون، وهما من جملة النساء، ولمّا كثر في هذه السورة ذكر النساء أراد الله سبحانه ألّا يخلى السورة من ذكرها تخصيصا لقدرها «١»\n_________\n(١) هكذا في ص وهي في م (لذكرها) والصواب ما أثبتنا. وجميل من القشيري أن يلفت نظرنا إلى هذا الملحظ- الذي فظن- والله أعلم- أن فيه تنبيها لنساء النبي بعرض نموذجين لامرأتين صالحتين عزفتا عن الدنيا.","vol":"3","page":609},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3791>سورة الملك</span>\n«١» قوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» .\n«بِسْمِ اللَّهِ» اسم من لم تتعطّر القلوب إلّا بنسيم إقباله، ولم تتقطّر الدموع إلّا للوعة فراقه أو روح وصاله فدموعهم في كلتا الحالتين منسكبة، وقلوبهم في عموم أحوالهم ملتهبة وعقولهم في غالب أوقاتهم منتهبة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3792>[سورة الملك (٦٧): الآيات ١ الى ٣]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nتَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (٢) الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ (٣)\nتقدّس وتعالى، من إحسانه تواتر وتوالى، فهو المتكّبر في جلال كبريائه، المتجرّد فى علاء بهائه ودوام سنائه.\n«بِيَدِهِ الْمُلْكُ»: بقدرته إظهار ما يريد، وهو على كل شىء قدير.\n«الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ» خلق الموت والحياة، ابتلاء للخلق، يختبرهم ليظهر له شكرانهم وكفرانهم، كيف يكونان عند المحنة في الصبر وعند النعمة في الشكر- وهو العزيز الغفور.\n«الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ؟»\n_________\n(١) قال ﷺ بشأن هذه السورة: «هى المانعة هي المنجية تنجيكم من عذاب القبر» .","vol":"3","page":610},{"text":"عرّفهم كمال قدرته بدلالات خلقه، فسمك السماء وأمسكها بلا عمد، وركّب أجزاءها غير مستعين بأحد في خلقها، وبالنجوم زيّنها، ومن استراق سمع الشياطين حصّنها، وبغير تعليم معلّم أحكمها وأتقنها.\n«ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ، فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ؟»: لا ترى فيما خلق تفاوتا ينافى آثار الحكمة ولا يدل على كمال القدرة.\nويقال: ما ترى فيها تفاوتا، فى استغنائه عن الجميع.. ما ترى فيها تفاوتا في الخلق فخلق الكثير واليسير عنده سيّان، فلا يسهل عنده القليل ولا يشقّ عليه الكثير لأنه متنزّه عن السهولة عليه ولحوق المشقة به.\nفأنعم النظر، وكرّر السّبر والفكر.. فلن تجد فيها عيبا «١» ولا في عزّه قصورا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3793>[سورة الملك (٦٧): آية ٥]</span>\nوَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ وَأَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابَ السَّعِيرِ (٥)\nزيّن السماء بالكواكب والنجوم، وزيّن قلوب أوليائه بأنواع من الأنوار والنجوم فالمؤمنون قلوبهم مزيّنة بالتصديق والإيمان ثم بالتحقيق بتأمّل البرهان، ثم بالتوفيق لطلب البيان. والعارفون قلوبهم مزيّنة بشمس التوحيد، وأرواحهم مزيّنة بأنوار التفريد، وأسرارهم مزينة بآثار التجريد «٢» .. وعلى القياس: لكلّ طائفة أنوار.\n«وَجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ»: فمن النجوم ما هو للشياطين رجوم، ومنها ما هو للاهتداء به معلوم.. فأخبر أن هذا القدر من العقوبة بواسطة الرجوم لا يكفى، وإنما يعذّبهم مؤبّدين في السعير.\n_________\n(١) هكذا في م وهي في ص (عبثا) .\n(٢) يميز الكلاباذى بين التفريد والتجريد فيقول (ملخصا):\nالتجريد: أن يتجرد بظاهره عن الأعراض وبباطنه عن الأعواض، يفعل ذلك لوجوب حقّ الله تعالى لا لعلة غيره ولا لسبب سواه، ويتجرد بسره عن المقامات والأحوال التي ينازلها.\nوالتفريد: أن ينفرد عن الأشكال، وينفرد في الأحوال، ويتوحد في الأفعال ويغيب عن رؤية أحواله برؤية محوّلها ولا بأنس بأشكاله ولا يستوحش (التعرف ص ١٣٣) .","vol":"3","page":611},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3794>[سورة الملك (٦٧): الآيات ٦ الى ١١]</span>\nوَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٦) إِذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ (٧) تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وَقُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ (٩) وَقالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ (١٠)\nفَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحابِ السَّعِيرِ (١١)\nأخبر: أنهم يحتجّ عليهم بإرسال الرسل، فتقول لهم الملائكة: ألم يأتكم نذير؟\n«قالُوا: بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وَقُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ وَقالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ» «وَقالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ...» فأخبر أنهم لم يكن لهم سمع قبول، فاستوجبوا العقوبة لأجله «١»، لم يسمعوا نصيحة الناصحين ولا وعظ الواعظين، ولا ما فيه لقلوبهم حياة.\nوفي الآية للمؤمنين بشارة لأنهم يسمعون ويعقلون ما يسمعون فإنّ من سمع بالحقّ سمع كل ما يقال عن الحق من كل من يقول عن الحق، فيحصل له الفهم لما يسمع، لأنه إذا كان من أهل الحقائق يكون سمعه من الله وبالله وفي الله.\nقوله جل ذكره: «فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحابِ السَّعِيرِ» اعترفوا بذنبهم ولكن في غير وقت الاعتراف.. فلا جرم يقال لهم: «فَسُحْقًا لِأَصْحابِ السَّعِيرِ» .\n_________\n(١) من الآية ومن إشارتها يتضح: أن العقوبة لا تكون إلا بعد إرسال الرسل الذين يبسطون الحجة ويسقطون العذر.","vol":"3","page":612},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3795>[سورة الملك (٦٧): الآيات ١٢ الى ١٥]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢) وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤) هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥)\nالخشية توجب عدم القرار «١» فيكون العبد أبدا- لانزعاجه- كالحبّ على المقلى لا يقرّ ليله أو نهاره، يتوقّع العقوبات مع مجارى الأنفاس، وكلّما ازداد في الله طاعة ازداد لله خشية.\nقوله جل ذكره: «وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ» خوّفهم بعلمه، وندبهم إلى مراقبته، لأنه يعلم السّرّ وأخفى، ويسمع الجهر والنجوى ...\nثم قال مبيّنا:\n«أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ» وفي كل جزء من خلقه- من الأعيان والآثار- أدلة على علمه وحكمه.\nقوله جل ذكره: «هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ» أي إذا أردتم أن تضربوا في الأرض سهّل عليكم ذلك.\nكذلك جعل النّفس ذلولا فلو طالبتها بالوفاق وجدتها مساعدة موافقة، متابعة مسابقة ... وقد قيل في صفتها:\nهى النّفس ما عوّدتها تتعود ... وللدهر أيام تذمّ وتحمد\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3796>[سورة الملك (٦٧): الآيات ١٦ الى ٢٠]</span>\nأَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (١٧) وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (١٨) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرَّحْمنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ (١٩) أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ إِنِ الْكافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُورٍ (٢٠)\n_________\n(١) هكذا في ص وهي في م (الفراق) والصواب ما أثبتنا- بدليل ما بعدها.","vol":"3","page":613},{"text":"«مَنْ فِي السَّماءِ» أراد بهم الملائكة الذين يسكنون السماء، فهم موكّلون بالعذاب.\nوخوّفهم بالملائكة أن ينزلوا عليهم العقوبة من السماء، أو يخسفوا بهم الأرض، وكذلك خوّفهم أن يرسلوا عليهم حجارة كما أرسلوا على قوم لوط. وبيّن أنّ من كذّب قبل هؤلاء رسلهم كيف كانت عقوبتهم، ثم زاد في البيان وقال:\n«أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ» أولم يروا كيف خلق الطيور على اختلاف أجناسها، واختصاصها بالطيران لأن لها أجنحة- بخلاف الأجسام «١» الأخر ... من الذي يمسكهن ويحفظهن وهن يقبضن ويبسطن أجنحتهن فى الفضاء؟ وما الذي يوجبه العقل حفظ هذه الطيور أم بقية الأجسام الأخر؟.\n«أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ إِنِ الْكافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ» إن أراد الرحمن بك سوءا.. فمن الذي يوسّع عليكم ما قبضه، أو يمحو ما أثبته، أو يقدّم ما أخّره، أو يؤخّر ما قدّمه؟.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3797>[سورة الملك (٦٧): الآيات ٢٢ الى ٣٠]</span>\nأَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٢) قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ (٢٣) قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٥) قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٦)\nفَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ (٢٧) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنا فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (٢٨) قُلْ هُوَ الرَّحْمنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ (٣٠)\n_________\n(١) هكذا في م وهي في ص (الأصنام) والصواب ما أثبتناه، لأن المقصود المقارنة بين الطيور وغيرها من (الأجسام) بصفة عامة. [.....]","vol":"3","page":614},{"text":"وخصّكم بالسمع والبصر والأفئدة، وأنتم لا تشكرون عظيم نعمه.\n«وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ؟» وأجاب عنه حيث قال: لا تستعجلوا العذاب، وبيّن أنهم إذا رأوه كيف يخافون وكيف يندمون.\nقوله جل ذكره: «قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنا فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ قُلْ هُوَ الرَّحْمنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا ...»\nوإليه أمورنا- جملة- فوّضنا.\n«قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ» من الذي يأتيكم بالماء إذا صار غائرا في الأرض لا تناله الأيدى.\nوهذه الآيات جميعها على وجه الاحتجاج عليهم.. ولم يكن لواحد عن ذلك جواب.","vol":"3","page":615},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3798>سورة القلم</span>\n«١» قوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» «بِسْمِ اللَّهِ» اسم كريم من شهد لطفه لم يتذلّل بعده لمخلوق، ولم يستعن فيما نابه من ضرّ أصابه أو خير أراده بمحدث مرزوق.\nإن أعطاه قابله بالشّكر، وإن منعه استجابه بجميل الحمد «٢» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3799>[سورة القلم (٦٨): الآيات ١ الى ٤]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ (١) ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣) وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)\n«ن» قيل: الحوت الذي على ظهره الكون، ويقال: هى الدواة.\nويقال: مفتاح اسمه ناصر واسمه نور.\nويقال: إنه أقسم بنصرة الله تعالى لعباده المؤمنين.\nوأقسم بالقلم- وجواب القسم قوله:\n«ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ» ما أوجب لصدره من الوحشة من قول الأعداء عنه:\nإنه مجنون، أزاله عنه بنفيه، ومحقّقا ذلك بالقسم عليه ... وهذه سنّة الله تعالى مع رسوله ﷺ فما يقوله الأعداء فيه يردّه- سبحانه- عليهم بخطابه وعنه ينفيه.\n_________\n(١) هكذا في ص، وفي م سورة ن والقلم.\n(٢) يمكن أن يفيد ذلك في التمييز بين الشكر والحمد- كما يرى القشيري.","vol":"3","page":616},{"text":"«وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ»: أي غير منقوص.. لمّا سمت همّته ﷺ عن طلب الأعواض أثبت الله له الأجر، فقال له: إن لك لأجرا غير منقوص- وإن كنت لا تريده.\nومن ذلك الأجر العظيم هذا الخلق، فأنت لست تريد الأجر- وبنا لست تريد فلولا أن خصصناك بهذا التحرّر لكنت كأمثالك في أنهم في أسر الأعواض.\nقوله جل ذكره: «وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ» كما عرّفه الله سبحانه أخبار من قبله من الأنبياء عرّفه أنه اجتمعت فيه متفرقات أخلاقهم فقال له: إنك لعلى خلق عظيم.\nويقال: إنه عرض عليه مفاتيح الأرض فلم يقبلها، ورقّاه ليلة المعراج، وأراه جميع الملكة والجنة فلم يلتفت إليها، قال تعالى: «ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى» فما التفت يمينا ولا شمالا، ولهذا قال تعالى: «وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ» .. ويقال: «لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ»:\nلا بالبلاء تنحرف، ولا بالعطاء تنصرف احتمل صلوات الله عليه في الأذى شجّ رأسه وثغره، وكان يقول:\n«اللهم اغفر لقومى فإنهم لا يعلمون» . وغدا كلّ يقول: نفسى نفسى وهو صلوات الله عليه يقول: أمتى أمتى.\nويقال: علّمه محاسن الأخلاق بقوله: «خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ» «١» .\nسأل صلوات الله عليه جبريل: بماذا يأمرنى ربى؟ قال: يأمرك بمحاسن الأخلاق يقول لك: صل من قطعك وأعط من حرمك واعف عمّن ظلمك، فتأدّب بهذا فأثنى عليه وقال: «وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3800>[سورة القلم (٦٨): الآيات ٦ الى ١٦]</span>\nبِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٧) فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (٨) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩) وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَهِينٍ (١٠)\nهَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ (١٣) أَنْ كانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ (١٤) إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٥)\nسَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦)\n_________\n(١) آية ١٩٩ سورة الأعراف.","vol":"3","page":617},{"text":"المفتون: المجنون لأنه فتن أي محن بالجنون.\n«فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ» معبودك واحد فليكن مقصودك واحدا ... وإذا شهدت مقصودك واحدا فليكن مشهودك واحدا..\n«وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ» من أصبح عليلا تمنّى أن يكون الناس كلّهم مرضى.. وكذا من وسم بكيّ الهجران ودّ أن يشاركه فيه من عاداه.\n«وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ» وهو الذي سقط من عيننا، وأقميناه بالبعد عنا.\n«هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ» محجوب عنّا معذّب بخذلان الوقيعة في أوليائنا.\n«مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ» «١» مهان بالشّحّ، مسلوب التوفيق.\n«مُعْتَدٍ أَثِيمٍ» ممنوع الحياء، مشتّت في أودية الحرمان.\n«عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ» لئيم الأصل، عديم الفضل، شديد الخصومة بباطله، غير راجع في شىء من الخير إلى حاصله.\n«أَنْ كانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ»\n_________\n(١) عند الجمهور- هو الوليد بن المغيرة، وكان يقول لبنيه العشرة: من أسلم منكم منعته رفدى.","vol":"3","page":618},{"text":"(أي: لا تطعه لأن كان ذا مال وبنين ... ثم استأنف الكلام فقال) «١»: إذا تتلى ... قابلها بالتكذيب، وحكم أنّ القرآن من الأساطير.\n«سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ» أي سنجعل له في القيامة على أنفه نشويها لصورته كى يعرف بها.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3801>[سورة القلم (٦٨): الآيات ١٧ الى ٣٠]</span>\nإِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ (١٧) وَلا يَسْتَثْنُونَ (١٨) فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ (١٩) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠) فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ (٢١)\nأَنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ (٢٢) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخافَتُونَ (٢٣) أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (٢٤) وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ (٢٥) فَلَمَّا رَأَوْها قالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (٢٦)\nبَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٢٧) قالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ (٢٨) قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (٢٩) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ (٣٠)\nأي امتحنّاهم «٢» .. حين دعا عليهم النبي ﷺ، فابتلاهم الله بالجوع، حتى أكلوا الجيف- كما بلونا أصحاب الجنة، قيل: إن رجلا من أهل اليمن كانت له جنة مثمرة وكان له ثلاثة بنين، وكان للمساكين كل ما تعدّاه المنجل فلم يجذه من الكرم، فإذا طرح على البساط فكل شىء سقط عن البساط فهو أيضا للمساكين، فما أخطأه القطاف من نخله وكرمه يدعه للمساكين. وكان يجتمع منه مال، فلما مات هو قال ورثته: إنّ هذا المال تفرّق فينا، وليس يمكننا أن نفعل ما كان يفعله أبونا، وأقسموا ألا يعطوا للفقراء شيئا، فأهلك الله جنّتهم فندمو وتابوا.\nوقيل: أبدلهم الله جنة حسنة، فأقسموا ليصرمنّ جنّتهم وقت الصبح قبل أن تفطن المساكين، ولم يقولوا: إن شاء الله:\n«فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ» أرسل عليها من السماء آفة فأحرقت ثمارهم. وأصبحت «كَالصَّرِيمِ» أي كالليل المسودّ، فنادى بعضهم بعضا وقت الصبح: أن اغدوا على حرثكم إن أردتم الصرام، فانطلقوا\n_________\n(١) ما بين القوسين موجود في ص وغير موجود في م.. والمعنى: لا تطعه- مع هذه النقائص والمنالب- ليساره وحظه من الدنيا وكثرة أولاده.\n(٢) يقصد أهل مكة حين دعا عليهم الرسول: اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسنى يوسف.","vol":"3","page":619},{"text":"لا يرفعون أصواتهم فيما بينهم لئلا يسمعهم أحد. وقصدوا إلى الصرام «عَلى حَرْدٍ» أي:\nقادرين عند أنفسهم، ويقال: على غضب منهم على المساكين.\nفلمّا رأوا الجنة وقد استؤصلت قالوا: ليست هذه جنتنا!! ثم قالوا: بل هذه جنّتنا ... ولكنّا حرمنا خيرها.\nقال أوسطهم: أي أعدلهم طريقة وأحسنهم قولا:\n«أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ؟» أي: تستثنون وتقولون: إن شاء الله «١» .\n«قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ» ثم أقبل بعضهم على بعض يتلاومون، ويقولون:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3802>[سورة القلم (٦٨): آية ٣٣]</span>\nكَذلِكَ الْعَذابُ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٣٣)\nقال تعالى: «كَذلِكَ الْعَذابُ» لأهل مكة «وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ»:\nوهكذا «٢» تكون حال من له بداية حسنة ويجد التوفيق على التوالي، ويجتنب المعاصي، فيعوضه الله في الوقت نشاطا، وتلوح في باطنه الأحوال. فإذا بدر منه سوء دعوى أو ترك أدب من آداب الخدمة تنسدّ عليه تلك الأحوال ويقع في قره «٣» من الأعمال. فإذا حصل منه بالعبادات إخلال، ولبعض الفرائض إهمال- انقلب حاله، وردّ من الوصال إلى البعاد، ومن الاقتراب إلى الاغتراب عن الباب، فصارت صفوته قسوة. وإن كان له بعد ذلك توبة، وعلى ما سلف منه ندامة- فقد فات الأمر من يده، وقلمّا يصل إلى حاله.\n_________\n(١) هذا أيضا رأى مجاهد، فجعل قول: إن شاء الله من التسبيح، وهذه هي حقيقة تقديم المشيئة، فهى تنزيه لله بأن لا شىء إلا بمشيئته.\n(٢) هذه الإشارة موجهة إلى أرباب السلوك يقصد بها إلى التوضيح أن العبرة بالخواتيم، وينبغى الاهتمام بهذه الفقرة كلها عند بحثنا عن «وصايا القشيرى للمريدين» .\n(٣) جمع أقره وهو ما اسودّ من الجلد وتقشّر.","vol":"3","page":620},{"text":"ولا يبعد أن ينظر إليه الحقّ بأفضاله، فيقبله بعد ذلك رعاية لما سلف في بدايته من أحواله ... فإنّ الله تعالى رءوف بعباده.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3803>[سورة القلم (٦٨): الآيات ٣٤ الى ٣٧]</span>\nإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٣٤) أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦) أَمْ لَكُمْ كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (٣٧)\nالذين يتقون الشّرك والكفر، ثم المعاصي والفسق، لهم عند الله الثواب والأجر.\nقوله جل ذكره: «أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ؟ ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ؟! أَمْ لَكُمْ كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ؟» كيف تحكمون؟ هل لديكم حجة؟ أم لكم كتاب فيه تدرسون؟ أم لكم منا عهود فيها تحكمون؟ والمقصود من هذه الأسئلة نفى ذلك.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3804>[سورة القلم (٦٨): الآيات ٤٢ الى ٤٣]</span>\nيَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سالِمُونَ (٤٣)\n«عَنْ ساقٍ»: أي عن شدّة يوم القيامة.\nويقال في التفسير: عن ساق العرش.\nيؤمرون بالسجود فأمّا المؤمنون فيسجدون، وأمّا الكفار فتشدّ أصلابهم فلا تنحنى.\nوقيل: يكشف المريض عن ساقه- وقت التوفّى- ليبصر ضعفه، ويقول المؤذّن:\nحيّ على الصلاة- فلا يستطيع.\nوعلى الجملة فقد خوّفهم بهذه القالة: إمّا عند انتهائهم في الدنيا أو ابتدائهم في الآخرة.\n«... وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سالِمُونَ» يذكّرهم بذلك ليزدادوا حسرة، ولتكون الحجة عليهم أبلغ.","vol":"3","page":621},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3805>[سورة القلم (٦٨): الآيات ٤٤ الى ٤٧]</span>\nفَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (٤٤) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (٤٥) أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٦) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤٧)\nسنقرّبهم من العقوبة بحيث لا يشعرون.\nوالاستدراج: أن يريد الشيء ويطوى عن صاحبه وجه القصد فيه، ويدرجه إليه شيئا بعد شىء، حتى يأخذه بغتة.\nويقال: الاستدراج: التمكين من النّعم مقرونا بنسيان الشكر «١» .\nويقال: الاستدراج: أنهم كلما ازدادوا معصية زادهم نعمة.\nويقال: ألّا يعاقبه في حال الزّلّة، وإنما يؤخّر العقوبة إلى ما بعدها.\nويقال: هو الاشتغال بالنعمة مع نسيان المنعم.\nويقال: الاغترار بطول الإمهال.\nويقال: ظاهر مغبوط وباطن مشوّش.\nقوله جل ذكره: «وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ» أمهلهم.. ثم إذا أخذتهم فأخذى أليم شديد.\nقوله جل ذكره: «أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ» أي: ليس عليهم كلفة مقابل ما تدعوهم إليه، وليست عليهم غرامة إن هم اتبعوك.. فأنت لا تسأل أجرا.. فما موجبات التأخّر وترك الاستجابة؟\n«أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ؟» أَمْ عِنْدَهُمُ شىء من الغيب انفردوا به وأوجب لهم أن لا يستجيبوا؟» .\n_________\n(١) فى النسختين (بلسان) وهي خطأ قطعا، فقد اشتهت على كلا الناسخين. ويؤيد رأينا قول سفيان الثوري فى «سَنَسْتَدْرِجُهُمْ» نسبغ عليهم النعم وننسيهم الشكر (القرطبي ح ١٨ ص ٢٥١) .","vol":"3","page":622},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3806>[سورة القلم (٦٨): الآيات ٤٨ الى ٥٢]</span>\nفَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ (٤٨) لَوْلا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (٤٩) فَاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٥٠) وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (٥١) وَما هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٥٢)\nصاحب الحوت: هو يونس ﵇، نادى وهو مكظوم: مملوء بالغيظ على قومه.\nفلا تستعجل- يا محمد- بعقوبة قومك كما استعجل يونس فلقى ما لقى، وتثبّت عند جريان حكمنا، ولا تعارض تقديرنا.\n«لَوْلا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ» أي: لولا أنّ الله رحمه بفضله لطرح بالفضاء وهو مذموم ولكن:\n«فَاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ» فاصطفاه واختاره، وجعله من الصالحين بأن أرسله إلى مائة ألف أو يزيدون.\nقوله جل ذكره: «وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ» كانوا إذا أرادوا أن يصيبوا شيئا بأعينهم جاعوا ثلاثة أيام، ثم جاعوا ونظروا إلى ذلك الشيء قائلين: ما أحسنه من شىء! فكان يسقط المنظور في الوقت. وقد فعلوا ذلك بالنبي صلوات الله عليه، فقالوا: ما أفصحه من رجل! ولكنّ الله سبحانه حفظه، ومن بذكره عليه «١» .\n_________\n(١) ننبه إلى نقطة هامة.. ورود اسم القشيري عند القرطبي لا يعنى أنه إمامنا عبد الكريم القشيري صاحب هذا الكتاب، بل ربما كان أحد أبنائه الستة.. فكلهم أئمة. وربما كان ابنه أبا نصر عبد الرحمن (انظر القرطبي الجزء العشرين ص ٥٤) وليس أدل على ذلك من المقارنة بين قول القشيري هنا وما جاء عند القرطبي في ح ١٨ ص ٢٥٥ (قال القشيري: وفي هذا نظر لأن الإصابة بالعين إنما تكون مع الاستحسان والإعجاب لا مع الكراهية والبغض، ولهذا قال: ويقولون إنه لمجنون) أي ينسبونك إلى الجنون إذا رأوك تقرأ القرآن.","vol":"3","page":623},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3807>سورة الحاقّة</span>\nقوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» .\n«بِسْمِ اللَّهِ» كلمة عزيزة تحتاج في سماعها إلى سمع عزيز لم يستعمل في سماع الغيبة، وتحتاج فى معرفتها إلى قلب عزيز لم يتبذّل في الغفلة والغيبة، لم ينظر صاحبه بعينه إلى ما فيه رتبة، ولم تتبع نفسه اللّبس «١» والطّبّة «٢» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3808>[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ١ الى ٤]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢) وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ (٣) كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ (٤)\n«الْحَاقَّةُ»: اسم للقيامة لأنها تحقّ «٣» كلّ إنسان بعمله خيره وشرّه.\n«وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ؟»: استفهام يفيد التعظيم لأمرها، والتفخيم لشأنها.\nقوله جل ذكره: «كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ» ذكر في هذه السورة: الذين كذّبوا رسلهم من الأمم، وأصرّوا على كفرهم، ولم يقبلوا النصيحة من أنبيائهم، فأهلكهم، وانتقم لأنبيائه منهم.\nوالفائدة في ذكرهم: الاعتبار بهم، والتحرّر عمّا فعلوا لئلا يصيبهم ما أصابهم.\nوعقوبة هذه الأمة مؤجّلة مؤخّرة إلى القيامة، ولكنّ خواصّهم عقوبتهم معجّلة فقوم\n_________\n(١) هكذا في ص أما في م فهى (اللهو) .\n(٢) هكذا في ص وهي في م (الطيبة) وقد رجحنا- وهو ترجيح بعيد- أنها قد تكون (الطّيّبة) بمعنى الحذق والمهارة الناتجين عن الحيلة والتدبير، وربما كانت (ولم يتبع مع نفسه اللين والطيبة فالنفس أعدى الأعداء) .\n(٣) لأنها تحق كل محاق في دين الله أي كل مخاصم (وهو قول الأزهرى) . وحاقّه أي خاصمه وادعى كل واحد منهما الحق (الصحاح) . [.....]","vol":"3","page":624},{"text":"من هذه الطائفة إذا أشاعوا سرّا، أو أضاعوا أدبا يعاقبهم برياح الحجبة «١»، فلا يبقى في قلوبهم أثر من الاحتشام للدّين، ولا ممّا كان لهم من الأوقات، ويصيرون على خطر في أحوالهم بأن يمتحنوا (بالاعتراض على التقدير) «٢» والقسمة.\nوأمّا فرعون وقومه فكان عذابهم بالغرق.. كذلك من كان له وقت فارغ وهو بطاعة ربّه مشتغل، والحقّ عليه مقبل- فإذا لم يشكر النعمة، وأساء أدبه، ولم يعرف قدر ما أنعم الله به عليه ردّه الحقّ إلى أسباب التفرقة، ثم أغرقه في بحار الاشتغال فيتكدر مشربه، ويصير على خطر بأن يدركه سخط الحقّ وغضبه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3809>[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ١١ الى ١٣]</span>\nإِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ (١١) لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ (١٢) فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ (١٣)\nوكذلك تكون منّته على خواصّ أوليائه حين يسلمهم في سفينة العافية، والكون يتلاطم فى أمواج بحار الاشتغال على اختلاف أوصافها، فيكونون بوصف السلامة، لا منازعة ولا محاسبة لهم مع أحد، ولا توقع شىء من أحد سالمون من الناس، والناس منهم سالمون.\nقوله جل ذكره: «فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ....»\nبدأ في وصف القيامة والحساب..\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3810>[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ١٨ الى ٢١]</span>\nيَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ (١٨) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ (٢٠) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ (٢١)\nوفي كلّ نفس مع هؤلاء القوم «٣» محاسبة ومطالبة، منهم من يستحق المعاتبة، ومنهم من يستحق المعاقبة.\n_________\n(١) فى الإشارة قياس على الرياح التي أهلكت عادا.\n(٢) موجود في ص أما في م فهى (الإعراض) فقط.\n(٣) يقصد أهل المجاهدات والمذاقات.","vol":"3","page":625},{"text":"قوله جل ذكره: «فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ» يسلم له السرور بنعمة الله، ويأخذ في الحمد والمدح.\n«فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ» القوم- غدا- فى عيشة راضية أي مرضيّة لهم، وهؤلاء القوم- اليوم- فى عيشة راضية، والفرق بينهما أنهم- غدا- فى عيشة راضية لأنه قد قضيت أوطارهم، وارتفعت مآربهم، وحصلت حاجاتهم، وهم- اليوم- فى عيشة راضية إذ كفّوا مآربهم فدفع عن قلوبهم حوائجهم فليس لهم إرادة شىء، ولا تمسّهم حاجة. وإنما هم في روح الرضا..\nفعيش أولئك في العطاء، وعيش هؤلاء في الرضاء لأنه إذا بدا علم من الحقيقة أو معنى من معانيها فلا يكون ثمة حاجة ولا سؤال. ويقال لأولئك غدا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3811>[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ٢٤ الى ٢٧]</span>\nكُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ (٢٤) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ (٢٦) يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ (٢٧)\nويقال لهؤلاء: اسمعوا واشهدوا ... اسمعوا منّا.. وانظروا إلينا، واستأنسوا بقربنا، وطالعوا جمالنا وجلالنا.. فأنتم بنا ولنا.\nقوله جل ذكره: «وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ: يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ» هناك- اليوم- أقوام مهجورون تتصاعد حسراتهم، ويتضاعف أنينهم- ليلهم ونهارهم- فليلهم ويل ونهارهم بعاد تكدّرت مشاربهم، وخربت أوطان أنسهم، ولا بكاؤهم يرحم، ولا أنينهم يسمع.. فعندهم أنهم مبعدون ... وهم في الحقيقة من الله مرحومون، أسبل عليهم الستر فصغّرهم في أعينهم- وهم أكرم أهل القصة! كما قالوا:","vol":"3","page":626},{"text":"لا تنكرن جحدى هواك فإنما ... ذاك الجحود عليك ستر مسبل\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3812>[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ٣٨ الى ٤٦]</span>\nفَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ (٣٨) وَما لا تُبْصِرُونَ (٣٩) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ (٤٢)\nتَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٣) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦)\n«لا»: صلة والمعنى: أقسم كأنه قال: أقسم بجميع الأشياء، لأنه لا ثالث لما يبصرون وما لا يبصرون. وجواب القسم:\n«إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ» أي وجيه عند الله. وقول الرسول الكريم هو القرآن أو قراءة القرآن.\nوما هو بقول شاعر ولا بقول كاهن أي أن محمدا ليس شاعرا ولا كاهنا بل هو:\n«تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ» .\nقوله جل ذكره: «وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ» أي لو كان محمد يكذب علينا لمنعناه منه وعصمناه عنه، ولو تعمّد لعذّبناه. والقول بعصمة الأنبياء واجب. ثم كان لا ناصر له منكم ولا من غيركم، وهذا القرآن:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3813>[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ٤٨ الى ٥١]</span>\nوَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (٤٩) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكافِرِينَ (٥٠) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (٥١)\nحقّ اليقين هو اليقين فالإضافة هكذا إلى نفس الشيء «١» .\nوعلوم الناس تختلف في الطرق إلى اليقين خفاء وجلاء فما يقال عن الفرق بين علم اليقين وعين اليقين وحقّ اليقين يرجع إلى كثرة البراهين، وخفاء الطريق وجلائه، ثم إلى كون بعضه ضروريا وإلى بعضه كسبيا، ثم ما يكون مع الإدراكات «٢» .\n_________\n(١) لو كان اليقين نعتا لم يجز أن يضاف إليه كما لا تقول: هذا ورد الأحمر، فالإضافة هنا- كما يرى القشيري- إلى الشيء نفسه. فإن القرآن حق يقين ويقين حقّ.\n(٢) انظر محاولة القشيري التفرقة بين معانيها في رسالته ص ٤٧.","vol":"3","page":627},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3814>سورة المعارج</span>\nقوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» «بِسْمِ اللَّهِ» كلمة من قالها وجد جمالها، ومن شهدها شهد جلالها.\nوليس كلّ من قالها نالها، ولا كلّ من احتالها «١» عرف جلالها.\nكلمة رفيعة عن إدراك الألباب منيعة، كلمة على الحقيقة الصمدية دالّة، كلمة لا بدّ للعبد من ذكرها في كل حالة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3815>[سورة المعارج (٧٠): الآيات ١ الى ٤]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nسَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ (١) لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ (٢) مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعارِجِ (٣) تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤)\nالباء في «بِعَذابٍ» بمعنى عن، أي سأل سائل «٢» عن هذا العذاب لمن هو؟\nفقال تعالى:\n«لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعارِجِ» هذا العذاب للكافرين ليس له دافع من الله ذى المعارج فهذا العذاب من الله.\nومعنى «ذِي الْمَعارِجِ» ذى الفضل ومعالى الدرجات التي يبلغ إليها أولياءه.\nقوله جل ذكره: «تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ» .\n_________\n(١) هكذا في النسختين، ولو صحّ أنها هكذا في الأصل فربما كان المعنى: ليس كلّ من ادّعى أنه بحيلته وتدبيره ومهارته وحذقه وصل إليها قد عرف أسرارها.\n(٢) هو النضر بن الحارث قال: إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم. وربما تكون سأل بمعنى دعا، ويكون السائل هو النبي (ص) .","vol":"3","page":628},{"text":"«الرُّوحُ» أي جبريل، فى يوم كان مقداره خمسين ألف سنة من أيام الدنيا يعنى به يوم القيامة.\nويقال: معناه يحاسب الخلق في يوم قصير ووقت يسير ما لو كان الناس يشتغلون به لكان ذلك خمسين ألف سنة، والله يجرى ذلك ويمضيه في يوم واحد.\nويقال: من أسفل المخلوقات إلى أعلاها مسيرة خمسين ألف سنة للناس فالملائكة تعرج فيه من أسفله إلى أعلاه في يوم واحد.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3816>[سورة المعارج (٧٠): الآيات ٥ الى ١٠]</span>\nفَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (٥) إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَراهُ قَرِيبًا (٧) يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ (٨) وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ (٩)\nوَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (١٠)\nفاصبر- يا محمد «١» - على مقاساة أذاهم صبرا جميلا. والصبر الجميل ما لا شكوى فيه.\nويقال: الصبر الجميل ألا تستثقل الصبر بل تستعذبه.\nويقال: الصبر الجميل ما لا ينتظر العبد الخروج منه، ويكون ساكنا راضيا.\nويقال: الصبر الجميل أن يكون على شهود المبلى.\nويقال: الصبر الجميل ما تجرّد عن الشكوى والدّعوى.\nقوله جل ذكره: «إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا وَنَراهُ قَرِيبًا» إنّ ما هو آت فقريب، وما استبعد من يستبعد إلّا لأنّه مرتاب فأمّا الواثق بالشيء فهو غير مستبعد له.\nقوله جل ذكره: «يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ» الإشارة فيه أنه في ذلك اليوم من كان في سموّ نخوته ونبوّ صولته يلين ويستكين ويضعف من كان يشرف، ويذلّ من كان يذلّ.\nقوله جل ذكره: «وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا» لا يتفرّغ قريب إلى قريب فلكلّ امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه.\n_________\n(١) هكذا في ص وهي في م (بالحمد) وواضح فيها أنها اشتبهت على الناسخ.","vol":"3","page":629},{"text":"ولا يتعهّد المساكين- فى ذلك اليوم- إلا الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3817>[سورة المعارج (٧٠): الآيات ١١ الى ١٩]</span>\nيُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (١١) وَصاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (١٢) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (١٣) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ (١٤) كَلاَّ إِنَّها لَظى (١٥)\nنَزَّاعَةً لِلشَّوى (١٦) تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (١٧) وَجَمَعَ فَأَوْعى (١٨) إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩)\n«يُبَصَّرُونَهُمْ» أي يعرفون أقاربهم، ولكن لا ترقّ قلوب بعضهم على بعض.\nويتمنّى المجرم يومئذ أن يفتدى من عذاب جهنم بأعز من كان عليه في الدنيا من قريب ونسيب وحميم وولد، وبكلّ من في الأرض حتى يخلص من العذاب.\n«كَلَّا إِنَّها لَظى» اسم من أسماء جهنم.\n«نَزَّاعَةً لِلشَّوى» «١» قلّاعة للأطراف. تكشط الجلد عن الوجه وعن العظم.\nقوله جل ذكره: «تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى» تقول جهنم للكافر والمنافق: يا فلان ... إليّ إليّ.\nوالإشارة فيه: أنّ جهنم الدنيا تعلق بقلب المرء فتدعوه بكلاب الحرص إلى نفسه وتجرّه إلى جمعها حتى يؤثرها على نفسه وكلّ أحد له حتى لقد يبخل بدنياه على أولاده وأعزّته ...\nوقليل من نجا من مكر الدنيا وتسويلاتها.\nقوله جل ذكره: «إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا» .\n_________\n(١) والشّوى جمع شواة وهي جلدة الرأس، قال الأعشى:\nقالت قتيلة: ماله ... قد جللت شيبا شواته\nوجاء في الصحاح: الشوى جمع شواة وهي جلدة الرأس. وهي اليدان والرجلان والرأس من الآدميين، وكل ما ليس مقتلا. يقال: رماه فأشواه أي لم يصب المقتل.\nوقال الضحاك: تفرى الجلد واللحم عن العظم حتى لا تترك منه شيئا. ونرى أن المقصود- والله أعلم.\nأن العذاب لا يقضى عليهم، حتى يستمر واقعا بهم إلى الأبد.","vol":"3","page":630},{"text":"وتفسيره ما يتلوه:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3818>[سورة المعارج (٧٠): الآيات ٢٠ الى ٢٥]</span>\nإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١) إِلاَّ الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ (٢٣) وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤)\nلِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥)\nوالهلع شدّة الحرص مع الجزع. ويقال هلوعا: متقلّبا في غمرات الشهوات.\nويقال: يرضيه القليل ويسخطه اليسير.\nويقال: عند المحنة يدعو، وعند النعمة ينسى ويسهو.\n«إِلَّا الْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ» استثنى منهم المصلين- وهم الذين يلازمون أبدا مواطن الافتقار من صلى بالمكان «١» .\n«وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ» وهو المتكفّف والمتعفّف.\nوهم على أقسام: منهم من يؤثر بجميع ماله فأموالهم لكلّ من قصد، لا يخصّون سائلا من عائل. ومنهم من يعطى ويمسك- وهؤلاء «٢» منهم- ومنهم من يرى يده يد الأمانة فلا يتكلّف باختياره، وإنما ينتظر ما يشار عليه به من الأمر إمّا بالإمساك فيقف أو ببذل الكلّ أو البعض فيستجيب على ما يطالب به وما يقتضيه حكم الوقت ...\nوهؤلاء أتمّهم.\n_________\n(١) صليت الناقة أو الحامل ونحوهما استرخى صلاها لقرب نتاجها (الوسيط) .\n(٢) أي الذين تتحدث عنهم الآية.","vol":"3","page":631},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3819>[سورة المعارج (٧٠): الآيات ٢٦ الى ٣٣]</span>\nوَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (٢٦) وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٢٧) إِنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (٢٨) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٢٩) إِلاَّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٣٠)\nفَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ (٣١) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ (٣٢) وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ (٣٣)\nوأمارتهم الاستعداد للموت قبل نزوله، وأن يكونوا كما قيل:\nمستوفزون على رجل كأنهمو ... فقد يريدون أن يمضوا فيرتحلوا\nقوله جل ذكره: «وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ» وإنما تكون صحبتهم مع أزواجهم للتّعفّف وصون النّفس، ثم لابتغاء أن يكون له ولد من صلبه يذكر الله. وشرط هذه الصحبة: أن يعيش معها على ما يهون، وألا يجرّها إلى هوى نفسه ويحملها على مراده وهواه.\nقوله جل ذكره: «وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ» يحفظون الأمانات التي عندهم للخلق ولا يخونون فيها. وأمانات الحق التي عندهم أعضاؤهم الظاهرة- فلا يدنّسونها بالخطايا فالمعرفة التي في قلوبهم أمانة عندهم من الحق، والأسرار التي بينهم وبين الله أمانات عندهم. والفرائض واللوازم والتوحيد.. كل ذلك أمانات.\nويقال: من الأمانات إقرارهم وقت الذّرّ. ويقال: من الأمانات عند العبد تلك المحبة التي أودعها الله في قلبه.\nقوله جل ذكره: «وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ» شهادتهم لله بالوحدانية، وفيما بينهم لبعضهم عند بعض- يقومون بحقوق ذلك كله.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3820>[سورة المعارج (٧٠): الآيات ٣٦ الى ٤٣]</span>\nفَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (٣٦) عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ (٣٧) أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (٣٨) كَلاَّ إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ (٣٩) فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ إِنَّا لَقادِرُونَ (٤٠)\nعَلى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٤١) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٤٢) يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعًا كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (٤٣)\nوالإهطاع أن يقبل ببصره إلى الشيء فلا يرفعه عنه، وكذلك كانوا يفعلون عند النبي ﷺ و«عِزِينَ»: أي خلقا خلقا، وجماعة جماعة.","vol":"3","page":632},{"text":"«أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ؟» كلا.. إنك لا تدعو عن هذا! وليس هذا بصواب فإنهم- اليوم- كفار، وغدا يعاملون بما يستوجبون.\n«فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ..» لا- هنا صلة، والمعنى أقسم. وقد مضى القول فى المشارق والمغارب- «إِنَّا لَقادِرُونَ» على ذلك.\n«فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا» غاية التهديد والتوبيخ لهم.\n«يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعًا» كأنهم يسرعون إلى أصنامهم، شبّه إسراعهم حين قاموا من القبور بإسراعهم إلى النّصب- اليوم- كى يقوموا بعبادتهم إياها.","vol":"3","page":633},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3821>سورة نوح</span>\nقوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» «بِسْمِ اللَّهِ» اسم لمن قامت السماوات والأرض بقدرته، واستقامت الأسرار والقلوب بنصرته.. دلّت الأفعال على جلال شانه، وذلّت الرّقاب عند شهود سلطانه. أشرقت الأقطار بنوره في العقبى، وأشرقت الأسرار بظهوره في الدنيا، فهو المقدّس بالوصف الأعلى.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3822>[سورة نوح (٧١): الآيات ١ الى ٢]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nإِنَّا أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١) قالَ يا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢)\nأرسلنا نوحا بالنبوّة والرسالة. «أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ» أي بأن أنذرهم وإرسال الرّسل من الله فضل «١»، وله بحق ملكه أن يفعل ما أراد، ولم يجب عليه إرسال الرّسل لأن حقيقته لا تقبل الوجوب.\nوإرسال الرسل إلى من علم أنه لا يقبل جائز «٢»، وتكليفهم من ناحية العقل جائز «٣» فنوح- علم منهم أنهم لا يقبلون.. ومع ذلك بلّغ الرسالة وقال لهم: إنى لكم نذير مبين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3823>[سورة نوح (٧١): الآيات ٤ الى ٧]</span>\nيَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤) قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهارًا (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلاَّ فِرارًا (٦) وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبارًا (٧)\n_________\n(١) فى النسختين (فعل) وهي صواب بدليل قوله فيما بعد: (أن يفعل) ما أراد ولكننا رجحنا (فضل) لأن القشيري يستحسن استعمال (الفضل) عند ما يتحدث عن نفى (الوجوب) على الله.\n(٢) كى يكون ذلك عليهم حجة، قال تعالى: «رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ» .\n(٣) ولكن لا عقاب إلا بعد إرسال الرسل لأن العقل وحده غير كاف في قطع المعذرة (قارن ذلك بآراء المعتزلة) . [.....]","vol":"3","page":634},{"text":"يغفر لكم «مِنْ» ذنوبكم: من هنا للجنس لا للتبعيض كقوله تعالى:\n«فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ» .\nويقال: ما عملوه دون ما هو معلوم أنهم سيفعلونه لأنه لو أخبرهم بأنه غفر لهم ذلك كان إغراء لهم.. وذلك لا يجوز. فأبوا أن يقبلوا منه، فقال:\n«قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهارًا فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِرارًا» بيّن أنّ الهداية ليست إليه، وقال: إن أردت إيمانهم فقلوبهم بقدرتك- سبحانك.\nقوله جل ذكره: «وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبارًا» وإنّى ما ازددت لهم دعاء إلا ازدادوا إصرارا واستكبارا.\nويقال: لمّا دام بينهم إصرارهم تولّد من الإصرار استكبارهم، قال تعالى:\n«فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ» «١» قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3824>[سورة نوح (٧١): الآيات ٨ الى ١١]</span>\nثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهارًا (٨) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرارًا (٩) فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْرارًا (١١)\n_________\n(١) آية ١٦ سورة الحديد.","vol":"3","page":635},{"text":"ليعلم العالمون: أنّ الاستغفار قرع أبواب النعمة، فمن وقعت له إلى الله حاجة فلن يصل إلى مراده إلّا بتقديم الاستغفار.\nويقال: من أراد التّفضّل فعليه بالعذر والتنصّل.\nقوله: «يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ ...»: كان نوح ﵇ كلّما ازداد في بيان وجوه الخير والإحسان زادوا هم في الكفر والنسيان.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3825>[سورة نوح (٧١): آية ١٣]</span>\nما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقارًا (١٣)\nما لكم لا تخافون لله عظمة؟ وما لكم لا ترجون ولا تؤمّلون على توقيركم للأمر من الله لطفا ونعمة؟.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3826>[سورة نوح (٧١): الآيات ١٥ الى ٢١]</span>\nأَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجًا (١٦) وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتًا (١٧) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها وَيُخْرِجُكُمْ إِخْراجًا (١٨) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطًا (١٩)\nلِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلًا فِجاجًا (٢٠) قالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسارًا (٢١)\nثم نبّههم إلى خلق السماوات والأرض وما فيهما من الدلالات على أنها مخلوقة، وعلى أنّ خالقها يستحقّ صفات العلوّ والعزّة.\nثم شكا نوح إلى الله وقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3827>[سورة نوح (٧١): آية ٢٢]</span>\nوَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (٢٢)\nيعنى كبراءهم وأغنياءهم الذين ضلّوا في الدنيا وهلكوا في الآخرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3828>[سورة نوح (٧١): آية ٢٦]</span>\nوَقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦)\nوذلك بتعريف الله تعالى إيّاه أنّه لن يؤمن من قومك إلّا من قد آمن. فاستجاب الله فيهم دعاءه وأهلكهم.","vol":"3","page":636},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3829>سورة الجنّ</span>\n«١» قوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» «بِسْمِ اللَّهِ» اسم عزيز به أقرّ من أقرّ بربوبيته، وبه أصرّ من أصرّ على معرفته، وبه استقرّ من استقرّ من خليقته، وبه ظهر ما ظهر من مقدوراته، وبه بطن ما بطن من مخلوقاته «٢» فمن جحد فبخذلانه «٣» وحرمانه، ومن وحد «٤» فبإحسانه وامتنانه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3830>[سورة الجن (٧٢): الآيات ١ الى ١٦]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nقُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَدًا (٢) وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَدًا (٣) وَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا (٤)\nوَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (٥) وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقًا (٦) وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا (٧) وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (٨) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا (٩)\nوَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (١٠) وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ كُنَّا طَرائِقَ قِدَدًا (١١) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا (١٢) وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْسًا وَلا رَهَقًا (١٣) وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا (١٤)\nوَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (١٥) وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقًا (١٦)\nقيل: إن الجنّ كانوا يأتون السماء فيستمعون إلى قول الملائكة، فيحفظونه، ثم يلقونه إلى الكهنة، فيزيدون فيه وينقصون.. وكذلك كانوا في الفترة التي بين نبيّنا ﷺ وبين عيسى ﵇. فلمّا بعث نبيّنا ﷺ ورجموا بالشّهب علم إبليس أنه وقع شىء «٥» ففرّ جنوده، فأتى تسعة منهم إلى بطن نخلة واستمعوا قراءته ﷺ فآمنوا، ثم آتوا قومهم وقالوا: إنّا سمعنا قرآنا عجبا يهدى إلى الرشد فآمنا به ...\nإلى آخر الآيات.\n(وجاءه سبعون منهم وأسلموا وذلك قوله تعالى: «وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ..») «٦»\n_________\n(١) أخطأ الناسخ في ص وجعلها (سورة المزمل) بينما التفسير جار لسورة الجن.\n(٢) إشارة إلى الجن.. وهنا نوع من الترابط بين إيحاءات البسملة والسورة.\n(٣) الباء هنا معناها (بسبب) أي أن الجاحد جحد بسبب خذلان الله له في القسمة.\n(٤) هكذا في ص وهي الصواب بينما هي في م (قصد) ونحن نعلم أن القشيري يستعمل (جحد) و(وحد) متقابلين.\n(٥) «حدث شىء في الأرض» (الترمذي) .\n(٦) ما بين القوسين ورد في م ولم يرد في ص، والآية هي رقم ٢٩ سورة الأحقاف.","vol":"3","page":637},{"text":"قوله جل ذكره: «وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَدًا» الجدّ العظمة، والعظمة استحقاق نعوت الجلال.\n«وَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا» أراد بالسفيه الجاهل بالله يعنى إبليس. والشطط السّرف.\n«وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا» فى كفرهم وكلمتهم بالشّرك.\n«وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقًا» أي ذلة وصغار فالجنّ زادوا للانس ذلّة ورهقا «١» (فكانوا إذا نزلوا يقولون: نعوذ بربّ هذا الوادي فيتوهم الجنّ أنهم على شىء فزادوهم رهقا) «٢» حيث استعاذوا بهم.\nقوله جل ذكره: «وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا» أي ظنّوا كما ظنّ الكفار من الجن ألّا بعث ولا نشور- كما ظننتم أيها الإنس.\n«وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا» يعنى حين منعوا عن الاستماع.\n«وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا» .\n_________\n(١) أي أن الجن زادوا الإنس رهقا وهو الخطيئة والإثم حين استعاذوا بغير الله.\nوقال مجاهد: زاد الإنس الجنّ رهقا أي طغيانا بهذا التعوذ حتّى قالت الجن: سدنا الإنس والجن.\n(٢) ما بين القوسين موجود في ص وغير موجود في م.","vol":"3","page":638},{"text":"فالآن قد منعنا.\n«وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقًا» الاستقامة على الطريقة تقتضى إكمال النعمة وإكثار الراحة. والإعراض عن الله يوجب تنغص العيش ودوام العقوبة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3831>[سورة الجن (٧٢): الآيات ١٨ الى ١٩]</span>\nوَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨) وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (١٩)\nللمسجد فضيلة، ولهذا خصّه الله سبحانه وأفرده بالذكر من بين البقاع فهو محلّ العبادة..\nوكيف يحلّ العابد عنده إذا حلّ محلّ قدمه «١»؟!.\nويقال: أراد بالمساجد الأعضاء التي يسجد عليها، أخبر أنها لله، فلا تعبدوا بما لله غير الله.\nقوله جل ذكره: «وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا» لما قام عبد الله يعنى محمدا ﵇ يدعو الخلق إلى الله كاد الجنّ والإنس يكونون مجتمعين عليه، يمنعونه عن التبليغ، قل يا محمد:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3832>[سورة الجن (٧٢): الآيات ٢١ الى ٢٣]</span>\nقُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا (٢١) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٢) إِلاَّ بَلاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسالاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا (٢٣)\nلا أقدر أن أدفع عنكم ضرّا، أو أسوق لكم خيرا.. فكلّ شىء من الله. ولن أجد من دونه ملتجأ إلا:\n_________\n(١) العبارة غامضة وتحتاج إلى توضيح.. وربما قصد القشيري إلى أنه إذا كان المسجد وهو محل قدم العابد مكرما ... فما بالك بالعابد نفسه، ومحله عند الله؟.","vol":"3","page":639},{"text":"«إِلَّا بَلاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسالاتِهِ» فلن ينجّينى من الله إلا تبليغى رسالاته بأمره.\n«وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3833>[سورة الجن (٧٢): الآيات ٢٥ الى ٢٨]</span>\nقُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا (٢٥) عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلاَّ مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (٢٨)\nأي: لا أدرى ما توعدون من العقوبة، ومن قيام الساعة أقريب أم بعيد؟ فكونوا على حذر. ويجب أن يتوقّع العبد العقوبات أبدا مع مجارى الأنفاس ليسلم من العقوبة.\nقوله جل ذكره: «عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ» فيطلعه بقدر ما يريده.\n«لِيَعْلَمَ «١» أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا» أرسل مع الوحى ملائكة قدّامه وخلفه.. هم ملائكة حفظة، يحفظون الوحى من الكهنة والشياطين، حتى لا يزيدوا أو ينقصوا الرسالات التي يحملها ... والله يعلم ذلك، وأحاط علمه به.\n_________\n(١) قرأ ابن عباس (ليعلم) أي ليعلم الناس أن الرسل قد أبلغوا رسالات ربهم.","vol":"3","page":640},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3834>سورة المزمّل</span>\nقوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» .\n«بِسْمِ اللَّهِ»: الحادثات بالله حصلت، فقلوب العارفين بالله عرفت ما عرفت وأرواح الصّديقين بالله ألفت من ألفت وفهوم الموحّدين بساحات جلاله وقفت، ونفوس العابدين بالعجز عن استحقاق عبادته اتّصفت وعقول الأولين والآخرين بالعجز عن معرفة جلاله اعترفت.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3835>[سورة المزمل (٧٣): الآيات ١ الى ٥]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nيا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤)\nإِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥)\nأي: المتزمل المتلفّف في ثيابه. وفي الخبر: أنه كان عند نزول هذه الآية عليه مرطّ من شعر ووبر، وقالت عائشة ﵂: كان نصفه عليّ وأنا نائمة، ونصفه على رسول الله وهو يصلّى، وطول المرط أربعة عشر ذراعا «١» .\n«نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا» قم الليل إلا قليلا، نصفه بدل منه أي: قم نصف الليل، وأنقص من النصف إلى الثلث أو زد على الثلث، فكان ﵊ في وجوب قيام الليل مخيّرا ما بين ثلث الليل إلى النصف وما بين النصف إلى الثلث. وكان ذلك قبل فرض الصلوات الخمس، ثم نسخ بعد وجوبها على الأمة- وإن كانت بقيت واجبة على الرسول ﷺ.\nويقال: يا أيها المتزمّل بأعباء النبوّة ... قم الليل.\n_________\n(١) معنى هذا: أن السورة مدنية وليست مكية، لأن النبي لم يبن بعائشة إلا في المدينة.","vol":"3","page":641},{"text":"ويقال: يا أيها الذي يخفى ما خصصناه به قم فأنذر ... فإنّا نصرناك «١» .\nويقال: قم بنا ... يا من جعلنا الليل ليسكن فيه كلّ الناس ... قم أنت فليسكن الكلّ ... ولتقم أنت.\nويقال: لمّا فرض عليه القيام بالليل أخبر عن نفسه لأجل أمّته وإكراما لشأنه وقدره.\nوفي الخبر: «أنه ينزل كلّ ليلة إلى السماء الدنيا ...» ولا يدرى التأويل للخبر «٢»، أو أنّ التأويل معلوم ... وإلى أن ينتهى إلى التأويل فللأحباب راحات كثيرة، ووجوه من الإحسان موفورة.\nقوله جل ذكره: «وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا» ارتع بسرّك في فهمه، وتأنّ بلسانك في قراءته.\n«إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا» قيل: هو القرآن. وقيل: كلمة لا إله إلا الله.\nويقال: الوحى وسمّاه ثقيلا أي خفيفا على اللسان ثقيلا في الميزان.\nويقال: ثقيل أي: له وزن وخطر. وفي الخبر: كان إذا نزل عليه القرآن- وهو على ناقته- وضعت جرانها «٣»، ولا تكاد تتحرك حتى يسرّى عنه.\nوروى ابن عباس: أنّ سورة الأنعام نزلت مرة واحدة فبركت ناقة رسول الله ﷺ من ثقل القرآن وهيبته.\nويقال «ثَقِيلًا» سماعه على من جحده\n_________\n(١) هذان تخريجان مجازيان للفظة (المزمل) .\n(٢) هذا الخبر فعلا كان موضع نظر فقد روى عن طريقين عن أبى هريرة على الشك، ففى صحيح مسلم عن أبى هريرة قال: قال رسول الله (ص): «إذا مضى شطر الليل- أو ثلثاه ينزل الله ﷿ إلى سماء الدنيا» وفي رواية أخرى: «ينزل الله ﷿ إلى سماء الدنيا كل ليلة حين يمضى ثلث الليل الأول فيقول: أنا الملك، أنا الملك من ذا الذي يدعونى فأستجيب له؟ من ذا الذي يسألنى فأعطيه؟ من ذا الذي يستغفرنى فأغفر له؟ فلا يزال كذلك حتى يضىء الفجر» . وخرجه ابن ماجه من حديث ابن شهاب عن أبى سلمة عن أبى هريرة أن الرسول (ص) قال: «ينزل ربنا ﵎ حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول ...» وهكذا انتظم الحديث والقرآن. [.....]\n(٣) أي: صدرها.","vol":"3","page":642},{"text":"ويقال: «ثقيلا بعبئه- إلّا على من أيّد بقوة سماوية، وربّى في حجر التقريب» قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3836>[سورة المزمل (٧٣): الآيات ٦ الى ٩]</span>\nإِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (٦) إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحًا طَوِيلًا (٧) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (٨) رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (٩)\nأي: ساعات الليل، فكلّ ساعة تحدث فهى ناشئة «١»، وهي أشد وطئا أي: موطّأة أي: هى أشدّ موافقة للسان والقلب، وأشدّ نشاطا.\nويحتمل: هى أشدّ وأغلظ على الإنسان من القيام بالنهار.\n«وَأَقْوَمُ قِيلًا» أي: أبين قولا.\nويقال: هى أشدّ مواطأة للقلب وأقوم قيلا لأنها أبعد من الرياء، ويكون فيها حضور القلب وسكون السّرّ أبلغ وأتمّ.\nقوله جل ذكره: «إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحًا طَوِيلًا» أي: سبحا في أعمالك، والسبح: الذهاب والسرعة، ومنه السباحة في الماء.\nفالمعنى: مذاهبك في النهار فيما يشغلك كثيرة- والليل أخلى لك.\nقوله جل ذكره: «وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا» أي: انقطع إليه انقطاعا تاما.\n«رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا» الوكيل من توكل إليه الأمور أي: توكّل عليه وكل أمورك إليه، وثق به.\nويقال: إنك إذا اتخذت من المخلوقين وكيلا اختزلوا مالك وطالبوك بالأجرة، وإذا اتخذتني وكيلا أوفّر عليك مالك وأعطيك الأجر.\n_________\n(١) قال ابن مسعود: الحبشة يقولون: نشأ أي قام.\nفكأن ناشئة الليل مصدر بمعنى قيام الليل ... مثل خاطئة وكاذبة ... فإذا افترضنا أنها كلمة شائعة الاستعمال عند الحبشة بهذا المعنى فإنها ذات أصل عربى أيضا.","vol":"3","page":643},{"text":"ويقال: وكيلك ينفق عليك من مالك، وأنا أرزقك وأنفق عليك من مالى.\nويقال: وكيلك من هو في القدر دونك، وأنت تترفّع أن تكلّمه كثيرا ... وأنا ربّك وسيّدك وأحبّ أن تكلمنى وأكلّمك.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3837>[سورة المزمل (٧٣): الآيات ١٠ الى ١٣]</span>\nوَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (١٠) وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (١١) إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالًا وَجَحِيمًا (١٢) وَطَعامًا ذا غُصَّةٍ وَعَذابًا أَلِيمًا (١٣)\nالهجر الجميل: أن تعاشرهم بظاهرك وتباينهم بسرّك وقلبك.\nويقال: الهجر الجميل ما يكون لحقّ ربّك لا لحظّ نفسك.\nويقال: الهجر الجميل ألا تكلّمهم، وتكلمنى لأجلهم بالدعاء لهم.\nوهذه الآية منسوخة بآية القتال «١» .\nقوله جل ذكره: «وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا» أي: أولى التّنعّم «٢»، وأنظرهم قليلا، ولا تهتم بشأنهم، فإنى أكفيك أمرهم.\nقوله جل ذكره: «إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالًا وَجَحِيمًا وَطَعامًا ذا غُصَّةٍ وَعَذابًا أَلِيمًا» ثم ذكر وصف القيامة فقال:\n«يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيبًا مَهِيلًا» .\n_________\n(١) قال قتادة: كان هذا قبل الأمر بالقتال، ثم أمر بعد بقتالهم وقتلهم فنسخت آية القتال ما كان قبلها من الترك. (القرطبي) ح ١٩ ص ٤٥) .\n(٢) هم صناديد قريش، ورؤساء مكة من المستهزئين.\nوقال يحيى بنى سلام: إنهم بنو المغيرة.\nوقالت عائشة: لما نزلت هذه الآية لم يكن إلا يسيرا حتى وقعت وقعة بدر.","vol":"3","page":644},{"text":"ثم قال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3838>[سورة المزمل (٧٣): الآيات ٢٠ الى ١٥]</span>\nيعنى: أرسلنا إليكم محمدا ﷺ شاهدا عليكم «كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا»، «فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْناهُ أَخْذًا وَبِيلًا» ثقيلا.\n«فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا» من هوله يصير الولدان شيبا- وهذا على ضرب المثل.\n«السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ» أي بذلك: اليوم لهوله «١» .\nويقال: منفطر بالله أي: بأمره.\n«كانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا»: فما وعد الله سيصدقه.\n«إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ»: يعنى: هذه السورة، أو هذه الآيات موعظة فمن اتعظ بها سعد.\n«إِنَّ رَبَّكَ» يا محمد «يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ» من المؤمنين.\n«وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ» فهو خالقهما «عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ» وتطيعوه.\n«فَتابَ عَلَيْكُمْ» أي: خفّف عنكم «٢»، «فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ» من خمس آيات إلى مازاد. ويقال: من عشر آيات إلى ما يزيد «٣» .\n_________\n(١) هكذا في م وهي في ص (لقوله) والصواب ما جاء في م كما هو واضح من السياق.\n(٢) كان الرجل لا يدرى متى نصف الليل من ثلثه فيقوم حتى يصبح مخافة أن يخطىء فانتفخت أقدامهم، وانتقعت ألوانهم، فرحمهم الله وخفف عنهم (مقاتل) .\n(٣) قال الحسن: من قرأ مائة آية في ليلة لم يحاجه القرآن، وقال كعب: كتب من القانتين.\nوفي حديث مسند عن عبد الله بن عمرو: أن النبي (ص) قال: «من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين، ومن قام بمائة آية كتب من القانتين، ومن قام بألف آية كتب من المقنطرين (- أعطى من الأجر قنطارا)» خرّجه أبو داود الطيالسي في مسنده.","vol":"3","page":645},{"text":"«عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ» يسافرون، ويعلم أصحاب الأعذار، فنسخ عنهم قيام الليل.\n«وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ» المفروضة.\n«وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا» مضى معناه.\n«وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ» أي: ما تقدّموا من طاعة تجدوها عند الله ثوابا هو خير لكم من كلّ متاع الدنيا.","vol":"3","page":646},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3839>سورة المدّثر</span>\nقوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» .\n«بِسْمِ اللَّهِ» كلمة سماعها نزهة قلوب الفقراء، كلمة سماعها بهجة أسرار الضعفاء، راحة أرواح الأحبّاء، قوة قلوب الأولياء، سلوة صدور الأصفياء، قرّة عيون أهل البلاء.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3840>[سورة المدثر (٧٤): الآيات ٧ الى ١]</span>\nيا أيها المتدثر بثوبه.\nوهذه السورة من أول ما أنزل من القرآن. قيل: إنّ رسول الله ﷺ ذهب إلى حراء قبل النّبوة، فبدا له جبريل في الهواء، فرجع الرسول إلى بيت خديجة وهو يقول «دثّرونى دثّرونى» فدثّر بثوب فنزل عليه جبريل وقال: «يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنْذِرْ» «١» .\nوقيل: أيها الطالب صرف الأذى عنك بالدثار اطلبه بالإنذار.\nويقال: قم بنا، وأسقط عنك ما سوانا، وأنذر عبادنا فلقد أقمناك بأشرف المواقف، ووقفناك بأعلى المقامات.\nويقال: لمّا سكن إلى قوله: «قُمْ» وقام قطع سرّه عن السّكون إلى قيامه، ومن الطمأنينة في قيامه.\nقوله جل ذكره: «وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ» .\n_________\n(١) حدّث جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله (ص): جاورت بحراء شهرا، فلما قضيت جوارى نزلت فاستبطنت بطن الوادي، فنوديت، فنظرت أمامى وخلفى وعن يمينى وعن شمالى فلم أر أحدا، ثم نوديت فنظرت فلم أر أحدا، ثم نوديت فرفعت رأسى فإذا جبريل على عرش في الهواء فأخذتنى رجفة شديدة فأتيت خديجة فقلت:\nدثرونى. فصبوا على ماء. رواه البخاري بهذه النهاية: دثرونى وصبوا على ماء باردا فدثرونى وصبوا عليّ ماء باردا فنزلت: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ» .","vol":"3","page":647},{"text":"كبّره عن كلّ طلب، ووصل وفصل، وعلّة وخلق.\n«وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ» طهّر قلبك عن الخلائق أجمع، وعن كلّ صفة مذمومة.\nوطهّر نفسك عن الزّلّات، وقلبك عن المخالفات، وسرّك عن الالتفاتات.\nويقال: أهلك طهّرهم بالوعظ قال تعالى: «هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ» «١»، فيعبر عنهن- أحيانا- بالثياب والّلباس.\nقوله جل ذكره: «وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ» أي: المعاصي. ويقال: الشيطان. ويقال: طهّر قلبك من الخطايا وأشغال الدنيا.\nويقال: من لا يصحّ جسمه لا يجد شهوة الطعام كذلك من لا يصحّ قلبه لا يجد حلاوة الطاعة.\n«وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ» لا تعط عطاء تطلب به زيادة على ما تعطيه.\nويقال: لا تستكثر الطاعة من نفسك.\nويقال: لا تمنن بعملك فتستكثر عملك، وتعجب به.\n«وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ» أي: أنت تؤذى في الله. فاصبر على مقاساة أذاهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3841>[سورة المدثر (٧٤): الآيات ٨ الى ١٧]</span>\nفَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠) ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُودًا (١٢)\nوَبَنِينَ شُهُودًا (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (١٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلاَّ إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيدًا (١٦) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧)\nيعنى: إذا قامت القيامة، فذلك يوم عسير على الكافرين غير هيّن.\nقوله جل ذكره: «ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا» .\n_________\n(١) آية ١٨٧ سورة البقرة.","vol":"3","page":648},{"text":"أي: لا تهتم بشأنهم، ولا تحتفل فإنّى أكفيك أمرهم.\nإنّى خلقته وحدي لم يشاركنى في خلقى إيّاه أحد.\nويحتمل: خلقته وحده لا ناصر له.\nقوله جل ذكره: «وَجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُودًا وَبَنِينَ شُهُودًا» حضورا معه لا يحتاجون إلى السّفر.\n«وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا» أراد: تسهيل التصرّف، أي: مكّنته من التصرّف في الأمور «١» .\n«ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ» يطمع أن أزيده في النعمة:\n«كَلَّا، إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيدًا» جحودا.\n«سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا» سأحمله على مشقّة من العذاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3842>[سورة المدثر (٧٤): الآيات ١٨ الى ٢٠]</span>\nإِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠)\nأي: لعن كيف فكّر، وكيف قدّر، ويعنى به: الوليد بن المغيرة «٢» الذي قال في النبي ﷺ: إنّه ليس بشاعر ولا بمجنون ولا بكذّاب، وإنه ليس إلا ساحر، وما يأتى به ليس إلا سحر يروى:\n_________\n(١) واضح من هذا أن القشيري يؤمن بحرية الإنسان، وأن الجبرية عنده ليست مطلقة.\n(٢) كان الوليد يدعى ريحانة قريش فلما سمعت منه واصفا القرآن: «والله إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أعلاه لمثمن، وإن أسفله لمغدق ...» قالت قريش: صبأ الوليد لتصبون قريش كلها، فلما ذهب إليه أبو جهل ليتحرى. قال له بعد أن فنّد مزاعمهم: ما هو إلا ساحر! أما رأيتموه يفرق بين الرجل وأهله وولده ومواليه؟","vol":"3","page":649},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3843>[سورة المدثر (٧٤): الآيات ٢٨ الى ٣٠]</span>\nلا تُبْقِي وَلا تَذَرُ (٢٨) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩) عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠)\n«١» لا تبقى لحما، ولا تذر عظما، تحرق بشرة الوجه وتسوّدها، من لاحته الشمس ولوّحته.\n«عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ» قال المشركون: نحن جمع كثير ... فما يفعل بنا تسعة عشر؟! فأنزل الله سبحانه:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3844>[سورة المدثر (٧٤): الآيات ٣١ الى ٣٩]</span>\nوَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلاَّ مَلائِكَةً وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمانًا وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكافِرُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ وَما هِيَ إِلاَّ ذِكْرى لِلْبَشَرِ (٣١) كَلاَّ وَالْقَمَرِ (٣٢) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣) وَالصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ (٣٤) إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ (٣٥)\nنَذِيرًا لِلْبَشَرِ (٣٦) لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (٣٧) كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلاَّ أَصْحابَ الْيَمِينِ (٣٩)\nفيزداد المؤمنون إيمانا، ويقول هؤلاء: أي فائدة في هذا القدر؟ فقال تعالى:\n«كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ» .\nثم قال:\n«وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَما هِيَ إِلَّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ» .\nأي: تقاصرت علوم الخلق فلم تتعلّق إلا بمقدار دون مقدار، والذي أحاط بكل شىء علما.\nهو الله- سبحانه.\n_________\n(١) بسر أي كلح وجهه وتغير لونه.","vol":"3","page":650},{"text":"«كَلَّا وَالْقَمَرِ» كلّا- حرف ردع وتنبيه أي: ارتدعوا عما أنتم عليه، وانتبهوا لغيره وأقسم بهذه الأشياء «كَلَّا وَالْقَمَرِ»: أي بالقمر، أو بقدرته على القمر.\nوبالليل إذا أدبر ... وقرىء «ودبر» أي: مضى، «وَالصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ» أي: تجلّى «إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ» .\nأي: النار لإحدى الدواهي الكبر.\nويقال في «كَلَّا وَالْقَمَرِ» إشارة إلى أقمار العلوم إذا أخذ هلالها في الزيادة بزيادة البراهين، فإنها تزداد، ثم إذا صارت إلى حدّ التمام في العلم وبلغت الغاية تبدو أعلام المعرفة، فالعلم يأخذ فى النقصان، وتطلع شمس المعرفة، فكما أنه إذا قرب القمر من الشمس يزداد نقصانه حتى إذا قرب من الشمس تماما صار محاقا- كذلك إذا ظهر سلطان العرفان تأخذ أقمار العلوم فى النقصان لزيادة المعارف كالسراج في ضوء الشمس وضياء النهار. «وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ» أي إذا انكشفت ظلم البواطن، «وَالصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ» وتجلّت أنوار الحقائق في السرائر ... إنها لإحدى العظائم! وذلك من باب التخويف من عودة الظّلم إلى القلوب «١» .\n«نَذِيرًا لِلْبَشَرِ» فى هذا تحذير من الشواغل التي هي قواطع عن الحقيقة، فيحذروا المساكنة والملاحظة إلى الطاعات والموافقات ... فإنّها- فى الحقيقة- لا خطر لها «٢» .\n«لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ» عن الطاعات ... وهذا على جهة التهديد.\nقوله جل ذكره: «كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ» أي: مرتهنة بما عملت، ثم استثنى:\n«إِلَّا أَصْحابَ الْيَمِينِ» .\n_________\n(١) من خصائص أسلوب القشيري- كما أوضحنا ذلك في كتابنا عنه- أنه كثيرا ما يستعين بمظاهر الطبيعة: الليل والنهار- والقمر والشمس والجبال والمطر والبحار وغير ذلك كى يوضح عن طريق ذلك دقائق العلم الصوفي.\n(٢) يقصد أن نظرة الإنسان إلى عمله، وإعطاء هذا العمل قيمة ... من قبيل دعوى النفس ... المهم في الطريق فضل الله واجتباه الله. [.....]","vol":"3","page":651},{"text":"فقال: إنهم غير مرتهنين بأعمالهم، ويقال: هم الذين قال الله تعالى في شأنهم: «هؤلاء فى الجنة ولا أبالى» !.\nوقيل: أطفال للمؤمنين «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3845>[سورة المدثر (٧٤): الآيات ٤٠ الى ٥٦]</span>\nفِي جَنَّاتٍ يَتَساءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤)\nوَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ (٤٧) فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨) فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩)\nكَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (٥١) بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً (٥٢) كَلاَّ بَلْ لا يَخافُونَ الْآخِرَةَ (٥٣) كَلاَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (٥٤)\nفَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ (٥٥) وَما يَذْكُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (٥٦)\nهؤلاء يتساءلون عن المجرمين، ويقولون لأهل النار إذا حصل لهم إشراف عليهم:\nما سلككم في سقر؟ قالوا: ألم نك من المصلين؟ ألم نك نطعم المسكين؟.\nوهذا يدل على أنّ الكفار مخاطبون بتفصيل الشرائع.\n«وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ»: نشرع في الباطل، ونكذّب بيوم الدين.\n«حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ» وهو معاينة القيامة.\n«فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ» أي: لا تنالهم شفاعة من يشفع.\n«فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ» «٢» والتذكرة: القرآن:\n«كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ» .\n_________\n(١) قال ابن عباس: هم الملائكة. وقال على بن أبى طالب: هم أولاد المؤمنين لم يكتسبوا فيرتهنوا بكسبهم.\nوقال الضحاك: الذين سبقت لهم من الله الحسنى. وقال مقاتل: هم الذين كانوا على يمين آدم يوم الذر. والله أعلم.\n(٢) معرضين منصوب على الحال من الهاء والميم في (لهم)، وفي اللام معنى الفعل فانتصاب الحال على معنى الفعل.","vol":"3","page":652},{"text":"كأنهم حمر نافرة فرّت من أسد «١» «بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً» بل يريد كلّ منهم أن يعطى كتابا منشورا.\n«كَلَّا بَلْ لا يَخافُونَ الْآخِرَةَ» أي: كلّا لا يعطون ما يتمنّون لأنهم لا يخافون الآخرة.\n«كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ» إلّا أن يشاء الله- لا أن تشاءوا «هُوَ أَهْلُ التَّقْوى» .\nأهل لأن يتّقى.\n«وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ» .\nوأهل لأن يغفر لمن يتّقى- إن شاء.\n_________\n(١) القسورة بلسان العرب: الأسد، أو أول الليل، أو الشديد. وبلسان الحبشة: الرماة.","vol":"3","page":653},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3846>سورة القيامة</span>\nقوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» «بِسْمِ اللَّهِ» كلمة عزيزة من سمعها بشاهد العلم استبصر، ومن سمعها بشاهد المعرفة تحيّر..\nفالعلماء في سكون برهانه، والعارفون في دهش سلطانه.. أولئك في نجوم علومهم، فأحوالهم صحو في صحو، وهؤلاء في شموس معارفهم: فأوقاتهم محو في محو.. فشتان ما هما!! قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3847>[سورة القيامة (٧٥): الآيات ٤ الى ١]</span>\nأي: أقسم بيوم القيامة «وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ» أي: أقسم بالنفس اللّوّامة، وهي النّفس التي تلوم صاحبها، وتعرف نقصان حالها.\nويقال: غدا.. كلّ نفس تلوم نفسها: إمّا على كفرها، وإمّا على تقصيرها- وعلى هذا فالقسم يكون بإضمار «الرّب» أي: أقسم بربّ النفس اللوامة. وليس للوم النّفس في القيامة خطر- وإن حمل على الكلّ «١» ولكنّ الفائدة فيه بيان أنّ كلّ النفوس غدا- ستكون على هذه الجملة. وجواب القسم قوله: بلى ...\nقوله جل ذكره: «أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ؟» أيظن أنّا لن نبعثه بعد موته؟\n«بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ» «قادِرِينَ» نصب على الحال أي بلى، نسوى بنانه في الوقت قادرين، ونقدر أي نجعل\n_________\n(١) هكذا في م وهي الصواب أما في ص فهى (الاكل) وهي خطأ قطعا.","vol":"3","page":654},{"text":"أصابع يديه ورجليه شيئا واحدا كخفّ البعير وظلف الشاة ... فكيف لا نقدر على إعادته؟!\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3848>[سورة القيامة (٧٥): الآيات ٥ الى ١٠]</span>\nبَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ (٥) يَسْئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ (٦) فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩)\nيَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠)\nيقدّم الزّلّة ويؤخر التوبة. ويقول: سوف أتوب، ثم يموت ولا يتوب. ويقال: يعزم «١» على ألا يستكثر من معاصيه في مستأنف «٢» وقته، وبهذا لا تنحلّ- فى الوقت- عقدة الإصرار من قلبه، وبذلك لا تصحّ توبته لأن التوبة من شرطها العزم على ألا يعود إلى مثل ما عمل. فإذا كان استحلاء الزلّة في قلبه، ويفكر في الرجوع إلى مثلها- فلا تصح ندامته.\nقوله جل ذكره: «يَسْئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ؟» على جهة الاستبعاد، فقال تعالى:\n«فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ وَخَسَفَ الْقَمَرُ وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ؟» «برق» بكسر الراء معناها تحيّر، «وبرق» بفتح الراء شخص (فلا يطرف) من البريق، وذلك حين يقاد إلى جهنم بسبعين ألف سلسلة، كل سلسلة بيد سبعين ألف ملك، لها زفير وشهيق، فلا يبقى ملك ولا رسول إلّا وهو يقول: نفسى نفسى! «وَخَسَفَ الْقَمَرُ وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ» كأنهما ثوران عقيران «٣» .\nويقال: يجمع بينهما في ألّا نور لهما.\n_________\n(١) هكذا في م وهي الصواب أما في ص فهى (يزعم) وهي خطأ قطعا بدليل ما بعدها.. من شرطها (العزم) .\n(٢) أي: فى المستقبل.\n(٣) قال ابن عباس وابن مسعود: جمع بينهما أي قرن بينهما في طلوعهما من المغرب أسودين مكورين مظلمين مقرنين كأنهما ثوران عقيران.\nوفي مسند أبى داود الطيالسي عن يزيد الرقاشي عن أنس يرفعه إلى النبي (ص) قال: قال رسول الله ص «إن الشمس والقمر ثوران عقيران في النار» .","vol":"3","page":655},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3849>[سورة القيامة (٧٥): الآيات ١١ الى ١٥]</span>\nكَلاَّ لا وَزَرَ (١١) إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (١٢) يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣) بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ (١٥)\nوالمفرّ موضع الفرار إليه، فيقال لهم:\n«كَلَّا لا وَزَرَ» اليوم، ولا مهرب من قضاء الله «١» .\n«إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ»\nأي: لا محيد عن حكمه.\n«يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ»\nأي: يعرف ما أسلفه «٢» من ذنوب أحصاها الله- وإن كان العبد نسيها.\n«بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ»\nللإنسان على نفسه دليل علامة وشاهد فأعضاؤه تشهد عليه بما عمله.\nويقال: هو بصيرة وحجّة على نفسه في إنكار البعث.\nويقال: إنه يعلم أنه كان جاحدا كافرا، ولو أتى بكلّ حجة فلن تسمع منه ولن تنفعه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3850>[سورة القيامة (٧٥): الآيات ١٦ الى ١٩]</span>\nلا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ (١٩)\nلا تستعجل في تلقّف القرآن على جبريل، فإنّ علينا جمعه في قلبك وحفظه، وكذلك علينا تيسير قراءته على لسانك، فإذا قرأناه أي: جمعناه في قلبك وحفظك فاتبع بإقرائك جمعه.\n«ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ» نبيّن لك ما فيه من أحكام الحلال والحرام وغيرها. وكان رسول الله ﷺ يستعجل في التلقف مخافة النسيان، فنهى عن ذلك، وضمن الله له التيسير والتسهيل.\n_________\n(١) الوزر في اللغة ما يلجأ إليه من حصن أو جبل أو نحوهما: قال الشاعر:\nلعمرى ما للفتى من وزر ... من الموت يدركه والكبر\n(٢) هكذا في م وهي في ص (أسفله) وهي خطأ من الناسخ.","vol":"3","page":656},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3851>[سورة القيامة (٧٥): الآيات ٢٠ الى ٢٣]</span>\nكَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ (٢٠) وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ (٢١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ (٢٢) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ (٢٣)\nأي: إنما يحملهم على التكذيب للقيامة والنشر أنهم يحبون العاجلة في الدنيا، أي: يحبون البقاء في الدنيا.\n«وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ»: أي: تتركون العمل للآخرة. ويقال: تكفرون بها.\nقوله جل ذكره: «وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ» «ناضِرَةٌ»: أي مشرقة حسنة، وهي مشرقة لأنها إِلى رَبِّها «ناظِرَةٌ» أي رائية لله.\nوالنظر المقرون ب «إِلى» مضافا إلى الوجه «١» لا يكون إلّا الرؤية، فالله تعالى يخلق الرؤية فى وجوههم في الجنة على قلب العادة، فالوجوه ناظرة إلى الله تعالى.\nويقال: العين من جملة الوجه (فاسم الوجه) «٢» يتناوله.\nويقال: الوجه لا ينظر ولكنّ العين في الوجه هي التي تنظر كما أنّ النهر لا يجرى ولكنّ الماء في النهر هو الذي يجرى، قال تعالى: «جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ» .\nويقال: فى قوله: «وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ» دليل على أنهم بصفة الصحو، ولا تتداخلهم حيرة ولا دهش فالنضرة من أمارات البسط لأن البقاء في حال اللقاء أتمّ من اللقاء.\nوالرؤية عند أهل التحقيق تقتضى بقاء الرائي، وعندهم استهلاك العبد في وجود الحقّ أتمّ فالذين أشاروا إلى الوجود رأوا الوجود أعلى من الرؤية.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3852>[سورة القيامة (٧٥): الآيات ٢٤ الى ٣٠]</span>\nوَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ (٢٤) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ (٢٥) كَلاَّ إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ (٢٦) وَقِيلَ مَنْ راقٍ (٢٧) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ (٢٨)\nوَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩) إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ (٣٠)\n_________\n(١) (مضافا إلى) معناها (منسوبا إلى) .\n(٢) ما بين القوسين وارد في ص ولم يرد في م وهو هام في توضيح السياق.","vol":"3","page":657},{"text":"«باسِرَةٌ»: أي كالحة عابسة. «فاقِرَةٌ» أي: داهية «١» وهي بقاؤهم في النار على التأييد.\n(تظن أن يخلق في وجوههم النظر) «٢» .\nويحتمل أن يكون معنى «تَظُنُّ»: أي يخلق ظنّا في قلوبهم يظهر أثره على وجوههم.\n«كَلَّا إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ وَقِيلَ مَنْ راقٍ وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ» أي ليس الأمر على ما يظنون بل إذا بلغت نفوسهم التراقيّ «٣»، وقيل: من راق؟\nأي يقول من حوله: هل أحد يرقيه؟ هل طبيب يداويه؟ هل دواء يشفيه؟ «٤» .\nويقال: من حوله من الملائكة يقولون: من الذي يرقى بروحه أملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب؟.\n«وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ»: وعلم الميت أنه الموت!.\n«وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ»: ساقا الميت. فتقترن شدّة آخر الدنيا بشدّة أوّل الآخرة.\n«إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ» أي الملائكة يسوقون روحه إلى الله حيث يأمرهم بأن يحملوها إليه: إمّا إلى عليين ثم لها تفاوت درجات، وإمّا إلى سجّين- ولها تفاوت دركات.\nويقال: الناس يكفّنون بدن الميت ويغسلونه ويصلّون عليه.. والحقّ سبحانه يلبس روحه ما تستحق من الحلل، ويغسله بماء الرحمة، ويصلى عليه وملائكته.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3853>[سورة القيامة (٧٥): الآيات ٣١ الى ٣٦]</span>\nفَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى (٣١) وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٣٢) ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (٣٣) أَوْلى لَكَ فَأَوْلى (٣٤) ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى (٣٥)\nأَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً (٣٦)\n_________\n(١) الفاقرة لها معان كثيرة منها: الداهية، والأمر العظيم، والشر، والهلاك، ودخول النار. وهي فى الأصل: الوسم على أنف البعير بحديدة أو نار حتى يخلص إلى العظم.\n(٢) العبارة هكذا في م أما في ص فهى (... الظن) بدلا من (النظر)، ويمكن قبول عبارة م على أساس ن (النظر) أمر عظيم- وهو أحد معانى (الفاقرة) كما قلنا.. ولكننا نرجح- والله أعلم- أن العبارة ربما كانت فى الأصل على هذا النحو: [تظن: (أي) يخلق في وجوههم (الظن)] فحتى هذا الظن مخلوق في وجوههم من قبل الله..\nوربما يتأيد ما ذهبنا إليه بما جاء بعدها مباشرة.\n(٣) جمع (ترقوة): العظام التي تكتنف مقدم الحلق من أعلى الصدر، وهي موضع الحشرجة. [.....]\n(٤) معروف ألا رقية ولا دواء للموت ... ولكنهم يتساءلون هكذا على وجه التحير عند الإشفاء على الموت.","vol":"3","page":658},{"text":"يعنى: الكافر ما صدّق الله ولا صلّى له، ولكن كذّب وتولّى عن الإيمان. وتدل الآية على أنّ الكفار مخاطبون بتفصيل الشرائع.\n«ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى» أي: يتبختر ويختال.\n«أَوْلى لَكَ فَأَوْلى» العرب إذا دعت على أحد بالمكروه قالوا: أولى لك! وهنا أتبع اللفظ اللفظ على سبيل المبالغة.\nويقال: معناه الويل لك يوم تحيا، والويل لك يوم تموت، والويل لك يوم تبعث، والويل لك يوم تدخل النار «١» .\n«أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً» مهملا لا يكلّف!؟. ليس كذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3854>[سورة القيامة (٧٥): الآيات ٣٧ الى ٤٠]</span>\nأَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى (٣٧) ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٣٩) أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى (٤٠)\n«مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى» أي تلقى في الرّحم، ثم كان علقة أي: دما عبيطا «٢»، فسوّى أعضاءه فى بطن أمه، وركّب أجزاءه على ما هو عليه في الخلقة، وجعل منه الزوجين: إن شاء خلق الذّكر، وإن شاء خلق الأنثى، وإن شاء كليهما.\n«أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى؟» أليس الذي قدر على هذا كلّه بقادر على إحياء الموتى؟ فهو استفهام في معنى التقرير «٣» .\n_________\n(١) فى معنى «الويل لك» تقول الخنساء:\nهممت بنفسي كل الهموم ... فأولى لنفسى أولى لها\nسأحمل نفسى على آلة ... فإما عليها وإما لها\nويقال: إن الرسول هدد أبا جهل بهاتين الآيتين.. حتى إذا كان يوم بدر، ضرب الله عنقه وقتل شر قتله.\n(٢) اللحم العبيط: الطريّ الذي لم ينضج (الوسيط) .\n(٣) هكذا في م وهي الصواب أما في ص فهى (التقدير) بالدال وهي خطأ.","vol":"3","page":659},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3855>سورة الإنسان</span>\nقوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» .\n«بِسْمِ اللَّهِ» اسم جبّار توحّد في آزاله بوصف جبروته، وتفرّد في آباده بنعت ملكوته فأزله أبده، وأبده أزله، وجبروته ملكوته، وملكوته جبروته.\nأحديّ الوصف، صمديّ الذات، مقدّس النّعت، واحد الجلال، فرد التعالي، دائم العزّ، قديم البقاء.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3856>[سورة الإنسان (٧٦): الآيات ١ الى ٣]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nهَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (١) إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)\nفى التفسير: قد أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا له خطر ومقدار. قيل:\nكان آدم ﵇ أربعين سنة مطروحا جسده بين مكة والطائف. ثم من صلصال أربعين سنة، ثم من حمإ مسنون أربعين سنة، فتمّ خلقه بعد مائة وعشرين سنة «١» .\nويقال: «هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ ...»: أي لم يأت عليه وقت إلا كان مذكورا إليّ.\nويقال: هل غفلت ساعة عن حفظك؟ هل ألقيت- لحظة- حبلك على غاربك؟\nهل أخليتك- ساعة- من رعاية جديدة وحماية مزيدة.\nقوله جل ذكره: «إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا» .\n_________\n(١) وزاد ابن مسعود أربعين سنة فقال: وأقام وهو من تراب أربعين سنة فتم خلقه بعد مائة وستين سنة ثم نفخ فيه الروح (حكاه الماوردي) .","vol":"3","page":660},{"text":"«مِنْ نُطْفَةٍ»: أي من قطرة ماء، «أَمْشاجٍ»: أخلاط من بين الرجل والمرأة.\nويقال: طورا نطفة، وطورا علقة، وطورا عظما، وطورا لحما.\n«نَبْتَلِيهِ»: نمتحنه ونختبره. وقد مضى معناه. «فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا» .\n«إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا» أي: عرّفناه الطريق أي طريق الخير والشرّ.\nوقيل: إمّا للشقاوة، وإمّا للسعادة، إمّا شاكرا من أوليائنا، وإما أن يكون كافرا من أعدائنا فإن شكر فبالتوفيق، وإن كفر فبالخذلان.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3857>[سورة الإنسان (٧٦): الآيات ٤ الى ٥]</span>\nإِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وَأَغْلالًا وَسَعِيرًا (٤) إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُورًا (٥)\nأي: هيّأنا لهم سلاسل يسحبون فيها، وأغلالا لأعناقهم يهانون بها، «وَسَعِيرًا»:\nنارا مستعرة.\n«إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُورًا» قيل: البرّ: الذي لايضمر الشّرّ، ولا يؤذى الذّرّ.\nوقيل: الأبرار: هم الذين سمت همّتهم عن المستحقرات، وظهرت في قلوبهم ينابيع الحكمة فاتّقوا عن مساكنة الدنيا.\nيشربون «١» من كأس رائحتها كرائحة الكافور، أو ممزوجة بالكافور.\nويقال: اختلفت مشاربهم في الآخرة فكلّ يسقى ما يليق بحاله ... وكذلك في الدنيا مشاربهم مختلفة فمنهم من يسقى مزجا، ومنهم من يسقى صرفا، ومنهم من يسقى على\n_________\n(١) يتحدث القشيري في هذه السورة عن الشراب على نحو تفصيلى يستحق التأمل، وينبغى أن يضاف إلى حديثه عنه في رسالته عند بحث هذا الموضوع عند هذا الصوفي السنّى الجليل.","vol":"3","page":661},{"text":"النّوب، ومنهم من يسقى بالنّجب ومنهم من يسقى وحده ولا يسقى مما يسقى غيره، ومنهم من يسقى هو والقوم شرابا واحدا.. وقالوا:\nإن كنت من ندماى فبالأكبر اسقني ... ولا تسقنى بالأصغر المتثلم\nوفائدة الشراب- اليوم- أن يشغلهم عن كل شىء فيريحهم عن الإحساس، ويأخذهم عن قضايا العقل.. كذلك قضايا الشراب في الآخرة، فيها زوال الأرب، وسقوط الطلب، ودوام الطّرب، وذهاب الحرب، والغفلة عن كلّ سبب.\nولقد قالوا:\nعاقر عقارك واصطبح ... واقدح سرورك بالقدح\nواخلع عذارك في الهوى ... وأرح عذولك واسترح\nوافرح بوقتك إنما ... عمر الفتى وقت الفرح\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3858>[سورة الإنسان (٧٦): الآيات ٦ الى ١٠]</span>\nعَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيرًا (٦) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخافُونَ يَوْمًا كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧) وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُورًا (٩) إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (١٠)\nيشقّقونها تشقيقا، ومعناه أن تلك العيون تجرى في منازلهم وقصورهم على ما يريدون.\nواليوم- لهم عيون في أسرارهم من عين المحبة، وعين الصفاء، وعين الوفاء، وعين البسط، وعين الروح.. وغير ذلك، وغدا لهم عيون.\n«يُوفُونَ بِالنَّذْرِ» ثم ذكر أحوالهم في الدنيا فقال: يوفون بالعهد القديم الذي بينهم وبين الله على وجه مخصوص.","vol":"3","page":662},{"text":"«وَيَخافُونَ يَوْمًا كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا» .\nقاسيا، منتشرا، ممتدا.\n«وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا» أي: على حبّهم للطعام لحاجتهم إليه. ويقال: على حبّ الله، ولذلك يطعمون.\nويقال: على حبّ الإطعام.\nوجاء في التفسير: أن الأسير كان كافرا- لأنّ المسلم ما كان يستأسر في عهده- فطاف على بيت فاطمة ﵂ «١» وقال: تأسروننا ولا تطعموننا «٢» ! «إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُورًا» إنما نطعمكم ابتغاء مرضاة الله، لا نريد من قبلكم جزاء ولا شكرا.\nويقال: إنهم لم يذكروا هذا بألسنتهم، ولكن كان ذلك بضمائرهم.\n«إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا» أي: يوم القيامة\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3859>[سورة الإنسان (٧٦): الآيات ١١ الى ١٧]</span>\nفَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (١١) وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (١٢) مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ لا يَرَوْنَ فِيها شَمْسًا وَلا زَمْهَرِيرًا (١٣) وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا (١٤) وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرَا (١٥)\nقَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيرًا (١٦) وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْسًا كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا (١٧)\n_________\n(١) هكذا في م، وفي ص (صلى الله عليها) .\n(٢) قال الأسير وهو واقف بالباب: «السلام عليكم أهل بيت محمد، تأسروننا وتشدوننا ولا تطعموننا! أطعمونى فإنى أسير محمد» . فأعطوه الطعام ومكثوا ثلاثة أيام ولياليها لم يذوقوا شيئا إلا الماء القراح.. حتى لصق بطن فاطمة بظهرها وغارت عيناها من شدة الجوع» . فلما رآها النبي (ص) وعرف المجاعة في وجهها بكى وقال:\n«واغوثاه يا ألله! أهل بيت محمد يموتون جوعا» فنزلت الآية. ولكن بعض رجال الحديث يطعنون في هذا الخبر.\nيقول الترمذي الحكيم في نوادر الأصول: «هو حديث مزوق مزيف لأن الله تعالى يقول: يسألونك ماذا ينفقون قل العفو»، والنبي يقول: «خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى» .","vol":"3","page":663},{"text":"«وَلَقَّاهُمْ» أي: أعطاهم «نَضْرَةً وَسُرُورًا» .\n«وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا» كافأهم على ما صبروا من الجوع ومقاساته جنّة وحريرا «مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ» واحدها أريكة، وهي السرير في الحجال «١» .\n«لا يَرَوْنَ فِيها شَمْسًا وَلا زَمْهَرِيرًا» أي: لا يتأذّون فيها بحرّ ولا برد.\n«وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا» يتمكنون من قطافها على الوجه الذي هم فيه من غير مشقة فإن كانوا قعودا تدّلى لهم، وإن كانوا قياما- وهي على الأرض- ارتقت إليهم.\n«وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ» الاسم فضة، والعين لا تشبه العين «٢» «وَأَكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرَا قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيرًا» أي: فى صفاء القوارير وبياض الفضة.. قدّر ذلك على مقدار إرادتهم.\n«وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْسًا كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا» المقصود منه الطّيب، فقد كانوا (أي العرب) يستطيبون الزنجبيل، ويستلذون نكهته،\n_________\n(١) جمع حجلة وهي ستر يضرب على سرير العروس كالقبة.\n(٢) من هذا يتضح أن القشيري برى أن الجنة وصفت بما يمكن أن يكون منتهى تصوراتهم الدنيوية لمجالات النعمة ... فالألفاظ هي الألفاظ ولكن الحقائق شىء آخر.","vol":"3","page":664},{"text":"وبه يشبّهون الفاكهة، ولا يريدون به ما يقرص اللسان «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3860>[سورة الإنسان (٧٦): الآيات ١٨ الى ٢١]</span>\nعَيْنًا فِيها تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا (١٨) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا (١٩) وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (٢٠) عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَرابًا طَهُورًا (٢١)\nأي: يسقون من عين- أثبت السقيّ وأجمل من يسقيهم لأنّ منهم من يسقيه الحقّ- سبحانه- بلا واسطة.\nقوله جل ذكره: «وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا» أي: يخدمهم ولدان مخلدون (وصفا لا يجوز واحد منهم حدّ الوصائف) «٢» .\nوجاء في التفسير: لا يهرمون ولا يموتون. وجاء مقرّطون.\nإذا رأيتهم حسبتهم من صفاء ألوانهم لؤلؤا منثورا «٣» .\nوفي التفسير: ما من إنسان من أهل الجنة إلا ويخدمه ألف غلام.\nقوله جل ذكره: «وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا» «ثَمَّ»: أي في الجنة.\n«مُلْكًا كَبِيرًا»: فى التفاسير أن الملائكة تستأذن عليهم بالدخول.\nوقيل: هو قوله: «لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها» «٤» ويقال: أي لا زوال له.\n_________\n(١) من ذلك قول المسيب بن علس يصف ثغر المرأة:\nوكأن طعم الزنجبيل به ... إذ ذقته وسلافة الخمر\nوقال الأعشى:\nكأن القرنفل والزنجبي ... ل باما بفيها وأريا مشورا\n(والأرى- هو العسل) .\n(٢) هكذا في النسختين وفيها شىء من غموض.\n(٣) قيل: إنما شبههم باللؤلؤ المنثور لأنهم سراع في الخدمة، بخلاف الحور العين إذ شبههن باللؤلؤ المكنون المخزون لأنهن لا يمتهنّ بالخدمة (القرطبي ح ١٩ ص ١٤٤) .\n(٤) آية ٣٥ سورة ق. [.....]","vol":"3","page":665},{"text":"«عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَرابًا طَهُورًا» يحتمل أن يكون هذا الوصف للأبرار. ويصح أن يكون للولدان وهو أولى، والاسم يوافق الاسم دون العين «١» .\n«شَرابًا طَهُورًا»: الشراب الطهور هو الطاهر في نفسه المطهّر لغيره.\nفالشراب يكون طهورا في الجنة- وإن لم يحصل به التطهير لأن الجنة لا يحتاج فيها إلى التطهير.\nولكنه- سبحانه- لمّا ذكر الشراب- وهو اليوم في الشاهد نجس- أخبر أنّ ذلك الشراب غدا طاهر، ومع ذلك مطهّر يطهّرهم عن محبة الأغيار، فمن يحتس من ذلك الشراب شيئا طهّره عن محبة جميع المخلوقين والمخلوقات.\nويقال: يطهّر صدورهم من الغلّ والغشّ، ولا يبقى لبعضهم مع بعض خصيمة (ولا عداوة) «٢» ولا دعوى ولا شىء.\nويقال: يطهّر قلوبهم عن محبة الحور العين.\nويقال: إن الملائكة تعرض عليهم الشراب فيأبون قبوله منهم، ويقولون:\nلقد طال أخذنا من هؤلاء، فإذا هم بكاسات تلاقى أفواههم بغير أكفّ من غيب إلى عبد.\nويقال: اليوم شراب وغدا شراب ... اليوم شراب الإيناس «٣» وغدا شراب الكأس، اليوم شراب من الّلطف وغدا شراب يدار على الكفّ.\n_________\n(١) أرأيت كيف يلمح القشيري على هذا المعنى؟\n(٢) غير موجودة في م وموجودة في ص.\n(٣) هكذا في ص وهي في م (الأنفاس)، والصواب ما أثبتنا كما يتضح فيما بعد (آنسه) .","vol":"3","page":666},{"text":"ويقال: من سقاه اليوم شراب محبّته آنسه وشجّعه فلا يستوحش في وقته من شىء، ولا يضنّ بروحه عن بذل. ومن مقتضى شربه بكأس محبته أن يجود على كلّ أحد بالكونين من غير تمييز، ولا يبقى على قلبه أثر للأخطار.\nومن آثار شربه تذلّله لكلّ أحد لأجل محبوبه، فيكون لأصغر الخدم تراب القدم، لا يتحرّك فيه للتكبّر عرق.\nوقد يكون من مقتضى ذلك الشراب أيضا في بعض الأحايين أن يتيه على أهل الدارين.\nومن مقتضى ذلك الشراب أيضا أن يملكه سرور ولا يتمالك معه من خلع العذار وإلقاء قناع الحياء «١» ويظهر ما هو به من المواجيد:\nيخلع فيك العذار قوم ... فكيف من ماله عذار؟\nومن موجبات ذلك الشراب سقوط الحشمة، فيتكلم بمقتضى البسط، أو بموجب لفظ الشكوى، وبما لا يستخرج منه- فى حال صحوه- سفيه بالمناقيش «٢» ... وعلى هذا حملوا قول موسى: «رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ» «٣» فقالوا: سكر من سماع كلامه «٤»، فنطق بذلك لسانه. وأمّا من يسقيهم شراب التوحيد فينفى عنهم شهود كلّ غير فيهيمون في أودية العزّ، ويتيهون في مفاوز الكبرياء، وتتلاشى\n_________\n(١) هكذا في م وهي في ص (الحياة)، والملائم لخلع العذار إلقاء قناع (الحياء) . والمقصود بهما تجاوز حد الصبر على المكتوم من الحب، ونطق العبد وهو في غلبات الشهود بشطحات ظاهرها مستشنع وإن كان باطنها فى غاية السلامة (انظر تعريف السراج للشطح في اللمع) .\n(٢) المناقيش جمع منقاش، ويقال في المثل: استخرجت منه حقى بالمناقيش أي تعبت كثيرا حتى استخرجت منه حقى (الوسيط) .\n(٣) آية ١٤٣ سورة الأعراف.\n(٤) الضمير فى (كلامه) يعود على الرب سبحانه حينما قال: «إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ»، وفي موضع آخر يصف القشيري موسى ﵇ بأنه كان في حال التلوين فظهر عليه ما ظهر، بينما المصطفى (ص) ليلة المعراج كان فى حال التمكين فما زاغ بصره وما طغى.","vol":"3","page":667},{"text":"جملتهم في هواء الفردانية.. فلا عقل ولا تمييز ولا فهم ولا إدراك.. فكلّ هذه المعاني ساقطة.\nفالعبد يكون في ابتداء الكشف مستوعبا ثم يصير مستغرقا ثم يصير مستهلكا..\n«وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى» «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3861>[سورة الإنسان (٧٦): الآيات ٢٢ الى ٢٧]</span>\nإِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا (٢٢) إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (٢٣) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا (٢٤) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٢٥) وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا (٢٦)\nإِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا (٢٧)\nيقال لهم: هذا جزاء لكم، «مَشْكُورًا»: وشكره لسعيهم تكثير الثواب على القليل من العمل- هذا على طريقة العلماء، وعند قوم شكرهم جزاؤهم على شكرهم.\nويقال: شكره لهم ثناؤه عليهم بذكر إحسانهم على وجه الإكرام.\nقوله جل ذكره: «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا» فى مدّة «٢» سنين.\n«فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا» أي: ارض بقضائه، واستسلم لحكمه.\n«وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا»: أي: ولا كفورا، وهذا أمر له بإفراد ربّه بطاعته.\n«وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا» الفرض في الأول، ثم النّفل «٣» «إِنَّ هؤُلاءِ ...»\n_________\n(١) آية ٤٢ سورة النجم.\n(٢) هكذا في النسختين ولا نستبعد أنها في الأصل (عدة) وكلاهما صحيح في السياق.\n(٣) فالصلاة جاءت في الأول (بكرة وأصيلا) صلاة الصبح ثم الظهر والعصر (ومن الليل) المغرب والعشاء ثم من بعد ذلك النفل وهو (وسبحه ليلا طويلا): لأنه تطوع، قيل: هو منسوخ بالصلوات الخمس، وقيل: هو خاص بالنبي (ص) وحده.","vol":"3","page":668},{"text":"أي كفّار قريش.\n«يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا» .\nأي: لا يعملون ليوم القيامة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3862>[سورة الإنسان (٧٦): الآيات ٢٨ الى ٣١]</span>\nنَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ وَإِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلًا (٢٨) إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٩) وَما تَشاؤُنَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠) يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذابًا أَلِيمًا (٣١)\nأعدمناهم، وخلقنا غيرهم بدلا عنهم. ويقال: أخذنا عنهم الميثاق «١» .\n«إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ ...»\nأي: القرآن تذكرة.\n«فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا» .\nبطاعته.\n«وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذابًا أَلِيمًا» أي: عذابا أليما موجعا يخلص وجعه إلى قلوبهم.\n_________\n(١) تأخرت هذه العبارة عن موضعها، فأرجعناها إلى مكانها.","vol":"3","page":669},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3863>سورة المرسلات</span>\nقوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» «بِسْمِ اللَّهِ» كلمة من سمعها بسمع الوجد وفي له فلم ينظر إلى أحد، ومن سمعها بسمع العلم جادله فلم يبخل بروحه على أحد.\nومن سمعها بسمع التوحيد جرّد سرّه عن إيثار «١» ما سواه في الدنيا والعقبى عينا وأثرا فما كان هذا كله إلا حاصلا به كائنا منه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3864>[سورة المرسلات (٧٧): الآيات ١ الى ١٥]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nوَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا (١) فَالْعاصِفاتِ عَصْفًا (٢) وَالنَّاشِراتِ نَشْرًا (٣) فَالْفارِقاتِ فَرْقًا (٤)\nفَالْمُلْقِياتِ ذِكْرًا (٥) عُذْرًا أَوْ نُذْرًا (٦) إِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ (٧) فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (٨) وَإِذَا السَّماءُ فُرِجَتْ (٩)\nوَإِذَا الْجِبالُ نُسِفَتْ (١٠) وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (١١) لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢) لِيَوْمِ الْفَصْلِ (١٣) وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ (١٤)\nوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٥)\n«الْمُرْسَلاتِ»: الملائكة، «عُرْفًا» أي: أرسلوا بالمعروف من الأمر، أو كثيرين كعرف الفرس.\n«فَالْعاصِفاتِ عَصْفًا» الرياح الشديدة (العواصف تأتى بالعصف وهو ورق الزرع وحطامه) .\n«وَالنَّاشِراتِ نَشْرًا» الأمطار (لأنها تنشر النبات. فالنشر بمعنى الإحياء) . ويقال: السّحب تنشر الغيث.\nويقال: الملائكة.\n«فَالْفارِقاتِ فَرْقًا» الملائكة تفرق بين الحلال والحرام.\n«فَالْمُلْقِياتِ ذِكْرًا عُذْرًا أَوْ نُذْرًا» .\n_________\n(١) هكذا في ص وهي في م (ثياب) وهي خطأ من الناسخ.","vol":"3","page":670},{"text":"الملائكة: تلقى الوحى على الأنبياء ﵈ إعذارا وإنذارا..\nوجواب القسم:\n«إِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ» فأقسم بهذه الأشياء: إنّ القيامة لحقّ.\nقوله جل ذكره: «فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ» إنما تكون هذه القيامة. و«طُمِسَتْ»: ذهب ضوؤها.\n«وَإِذَا الْجِبالُ نُسِفَتْ» ذهب بها كلّها بسرعة، حتى لا يبقى لها أثر.\n«وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ لِيَوْمِ الْفَصْلِ» أي: جعل لها وقتا وأجلا لفصل القضاء يوم القيامة.\nويقال: أرسلت لأوقات معلومة.\n«وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ» على جهة التعظيم له.\n«وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ» مضى تفسير معنى الويل.\nويقال في الإشارات: فإذا نجوم المعارف طمست بوقوع الغيبة.\nوإذا الجبال نسفت: القلوب الساكنة بيقين الشهود حرّكت عقوبة على ما همّت بالذي لا يجوز. فويل يومئذ لأرباب الدعاوى الباطلة الحاصلة من ذوى القلوب المطبقة الخالية من المعاني.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3865>[سورة المرسلات (٧٧): الآيات ١٦ الى ٢٠]</span>\nأَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (١٦) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (١٧) كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (١٨) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٩) أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ (٢٠)\nالذين كذّبوا رسلهم، وجحدوا آياتنا فمثلما أهلكنا الأولين كذلك نفعل بالمجرمين إذا فعلوا مثل فعلهم.","vol":"3","page":671},{"text":"«وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ» الذين لا يستوى ظاهرهم وباطنهم في التصديق.\nوهكذا كان المتقدمون من أهل الزّلّة والفترة في الطريقة، والخيانة في أحكام المحبة فعذّبوا بالحرمان في عاجلهم، ولم يذوقوا من المعاني شيئا.\nقوله جل ذكره: «أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ»؟.\nأي: حقير. وإذ قد علمتم ذلك فلم لم تقيسوا أمر البعث عليه؟\nويقال: ذكّرهم أصل خلقتهم لئلا يعجبوا بأحوالهم فإنه لا جنس من المخلوقين والمخلوقات أشدّ دعوى من بنى آدم. فمن الواجب أن يتفكّر الإنسان في أصله ... كان نطفة وفي انتهائه يكون جيفة، وفي وسائط حاله كنيف في قميص!! فبالحريّ ألّا يدلّ ولا يفتخر:\nكيف يزهو من رجيعه ... أبد الدهر ضجيعه\nفهو منه وإليه ... وأخوه ورضيعه\nوهو يدعوه إلى الحشّ «١» ... بصغر فيطيعه؟!!\nويقال: يذكّرهم أصلهم.. كيف كان كذلك.. ومع ذلك فقد نقلهم إلى أحسن صورة، قال تعالى:\n«وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ»، والذي يفعل ذلك قادر على أن يرقّيك من الأحوال الخسيسة إلى تلك المنازل الشريفة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3866>[سورة المرسلات (٧٧): الآيات ٢٥ الى ٣١]</span>\nأَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتًا (٢٥) أَحْياءً وَأَمْواتًا (٢٦) وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتًا (٢٧) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٨) انْطَلِقُوا إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٩)\nانْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ (٣٠) لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (٣١)\n«كِفاتًا» أي: ذات جمع فالأرض تضمهم وتجمعهم أحياء وأمواتا فهم يعيشون على ظهرها، ويودعون بعد الموت في بطنها..\n«وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتًا» .\n_________\n(١) الحش بفتح الحاء وضمها- الكنيف.\nوالمقصود: كيف ترهو أيها الإنسان، وإن ما يقذفه جسمك من فضلات ملازم لك حياتك: ليلك ونهارك، وأنت تطيعه صاغرا إذا أمرك ودعاك بالذهاب إلى الحش؟","vol":"3","page":672},{"text":"أي: جبالا مرتفعات، وجعلنا بها الماء سقيا لكم. يذكّرهم عظيم منّته بذلك عليهم.\nوالإشارة فيه إلى عظيم منّته أنّه لم يخسف بكم الأرض- وإن عملتم ما عملتم.\n«انْطَلِقُوا إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ» يقال لهم: انطلقوا إلى النار التي كذّبتم بها.\n«انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ» كذلك إذا لم يعرف العبد قدر انفتاح طريقه إلى الله بقلبه، وتعزّزه بتوكله.. فإذا رجع إلى الخلق عند استيلاء الغفلة نزع الله عن قلبه الرحمة، وانسدّت عليه طرق رشده، فيتردد من هذا إلى هذا إلى هذا.\nويقال لهم: انطلقوا إلى ما كنتم به تكذّبون. والاستقلال بالله جنّة المأوى، والرجوع إلى الخلق قرع باب جهنم ... وفي معناه أنشدوا:\nولم أر قبلى من يفارق جنّة ... ويقرع بالتطفيل باب جهنم\nثم يقال لهم إذا أخذوا في التنصّل والاعتذار:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3867>[سورة المرسلات (٧٧): الآيات ٣٥ الى ٣٨]</span>\nهذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٧) هذا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (٣٨)\nفإلى أن تنتهى مدّة العقوبة فحينئذ: ان استأنفت وقتا استؤنف لك وقت. فأمّا الآن ...\nفصبرا حتى تنقضى أيام العقاب.\n«هذا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ» فعلنا بكم ما فعلنا بهم في الدنيا من الخذلان، كذلك اليوم سنفعل بكم ما نفعل بهم من دخول النيران قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3868>[سورة المرسلات (٧٧): الآيات ٤١ الى ٤٨]</span>\nإِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ (٤١) وَفَواكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٤٢) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣) إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٤٤) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٥)\nكُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ (٤٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٧) وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ (٤٨)","vol":"3","page":673},{"text":"اليوم ... فى ظلال العناية والحماية، وغدا ... هم في ظلال الرحمة والكلاءة.\nاليوم.. فى ظلال التوحيد، وغدا.. فى ظلال حسن المزيد.\nاليوم.. فى ظلال المعارف، وغدا.. فى ظلال اللطائف.\nاليوم.. فى ظلال التعريف، وغدا.. فى ظلال التشريف.\n«كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» اليوم تشربون على ذكره.. وغدا تشربون على شهوده، اليوم تشربون بكاسات الصفاء وغدا تشربون بكاسات الولاء.\n«إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ» والإحسان من العبد ترك الكلّ لأجله! كذلك غدا: يجازيك بترك كلّ الحاصل عليك لأجلك.\nقوله جل ذكره: «كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ» هذا خطاب للكفار، وهذا تهديد ووعيد، والويل يومئذ لكم.\nقوله جل ذكره: «وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ» كانوا يصروّن على الإباء والاستكبار فسوف يقاسون البلاء العظيم «١» .\n[ذكر في التفسير: أن المتقين دائما في ظلال الأشجار، وقصور الدرّ مع الأبرار، وعيون جارية وأنهار.، وألوان من الفاكهة والثمار ... من كل ما يريدون من الملك الجبّار. ويقال لهم في الجنة: كلوا من ثمار الجنات، واشربوا شرابا سليمان من الآفات. «بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» من الطاعات. «كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ» من الكرامات. قيل: كُلُوا وَاشْرَبُوا «هَنِيئًا»:\nلا تبعة عليكم من جهة الخصومات، ولا أذيّة في المأكولات والمشروبات.\nوقيل: الهنيء الذي لا تبعة فيه على صاحبه، ولا أذيّة فيه من مكروه لغيره.]\n_________\n(١) إلى هنا انتهى تفسير السورة في م النسخة ص. وكل ما بين القوسين الكبيرين موجود في النسخة م. [.....]","vol":"3","page":674},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3869>سورة النّبإ</span>\n«١» قوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» .\n«بِسْمِ اللَّهِ» اسم ملك تجمّل عباده بطاعته، وتزيّن خدمه بعبادته، وهو سبحانه لا يتجمّل بطاعة المطيعين، ولا يتزيّن بخدمة العابدين فزينة العابدين صدار طاعتهم، وزينة العارفين حلّة معرفتهم، وزينة المحبّين تاج ولايتهم.. وزينة المذنبين غسل وجوههم بصوب «٢» عبرتهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3870>[سورة النبإ (٧٨): الآيات ١ الى ١٧]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nعَمَّ يَتَساءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (٣) كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ (٤)\nثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ (٥) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهادًا (٦) وَالْجِبالَ أَوْتادًا (٧) وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجًا (٨) وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتًا (٩)\nوَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشًا (١١) وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدادًا (١٢) وَجَعَلْنا سِراجًا وَهَّاجًا (١٣) وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجًا (١٤)\nلِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتًا (١٥) وَجَنَّاتٍ أَلْفافًا (١٦) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتًا (١٧)\nمختلفون بشدة إنكارهم أمر البعث، ولا لتباس ذلك عليهم، وكثرة مساءلتهم عنه، وكثرة مراجعتهم إلى الرسول ﷺ في معناه.\nتكرّر من الله إنزال أمر البعث، وكم استدلّ عليهم في جوازه بوجوه من الأمثلة ...\nفهذا من ذلك، يقول: «عَمَّ يَتَساءَلُونَ. عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ»: عن الخبر العظيم «الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ» قال الله تعالى على جهة الاحتجاج عليهم:\n«أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهادًا؟» ذلّلناهم لهم حتى سكنوها «وَالْجِبالَ أَوْتادًا؟» .\n_________\n(١) هذا هو اسم السورة كما جاء في ص أما في م فعنوانها (سورة عم يتساءلون) .\n(٢) هى في م (بضرب) وهي في ص (بصوت) وكلاهما غير مقبول في السياق، وقد رجحنا أن تكون فى الأصل (بصوب) على أساس أن القشيري يستعمل الفعل (تتقطر) مع (العبرة) فى مواضع مماثلة، كما أنها أقرب في الرسم.","vol":"3","page":675},{"text":"أوتادا للأرض حتى تميد بهم.\n«وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجًا» ذكرا وأنثى، وحسنا وقبيحا.. وغير ذلك «وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتًا» أي راحة لكم، لتنقطعوا عن حركاتكم التي تعبتم بها في نهاركم.\n«وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباسًا» تغطّى ظلمته كلّ شىء فتسكنوا فيه.\n«وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشًا» أي وقت معاشكم.\n«وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدادًا» أي سبع سموات.\n«وَجَعَلْنا سِراجًا وَهَّاجًا» أي الشمس، جعلناها سراجا وقّادا مشتعلا.\n«وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجًا» «الْمُعْصِراتِ» الرياح التي تعصر السحاب «١» .\n«ماءً ثَجَّاجًا» مطرا صبّابا.\n«لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتًا وَجَنَّاتٍ أَلْفافًا» «حَبًّا» كالحنطة والشعير، «وَجَنَّاتٍ أَلْفافًا» بساتين يلتفّ بعضها ببعض.\nوإذا قد علمتم ذلك فهلّا علمتم أنّى قادر على أن أعيد الخلق وأقيم القيامة؟\n_________\n(١) والمعصرات أيضا السحائب تعتصر بالمطر، وأعصر القوم أي: أمطروا، وسنه «وَفِيهِ يَعْصِرُونَ» والمعصر الجارية أول ما أدركت الحيض. فالمعصر السحابة التي حان لها أن تمطر (الصحاح) .","vol":"3","page":676},{"text":"فبعد أن عدّ عليهم بعض وجوه إنعامه، وتمكينهم من منافعهم.. قال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3871>[سورة النبإ (٧٨): الآيات ١٨ الى ٣٠]</span>\nيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجًا (١٨) وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْوابًا (١٩) وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَرابًا (٢٠) إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصادًا (٢١) لِلطَّاغِينَ مَآبًا (٢٢)\nلابِثِينَ فِيها أَحْقابًا (٢٣) لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا وَلا شَرابًا (٢٤) إِلاَّ حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (٢٥) جَزاءً وِفاقًا (٢٦) إِنَّهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ حِسابًا (٢٧)\nوَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّابًا (٢٨) وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتابًا (٢٩) فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذابًا (٣٠)\nمضى معناه «يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجًا» أي في ذلك اليوم تأتون زمرا وجماعات.\n«وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْوابًا» أي: تشقّقت وانفطرت.\n«وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَرابًا» أي كالسراب.\n«إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصادًا» أي ممرا. ويقال: ذات ارتقاب لأهلها.\n«لِلطَّاغِينَ مَآبًا» أي مرجعا.\n«لابِثِينَ فِيها أَحْقابًا» أي دهورا، والمعنى مؤبّدين «لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا وَلا شَرابًا إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا» مضى معناه. ثم يعذّبون بعد ذلك بأنواع أخر من العذاب.\n«جَزاءً وِفاقًا» أي: جوزوا على وفق أعمالهم. ويقال: على وفق ما سبق به التقدير، وجرى به الحكم.\n«إِنَّهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ حِسابًا»","vol":"3","page":677},{"text":"لا يؤمنون فيرجون الثواب ويخافون العقاب.\n«وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّابًا» «١» أي: تكذيبا.\n«وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتابًا» أي: كتبناه كتابا، وعلمناه علما.\nوالمسبّح الزاهد يحصى تسبيحه، والمهجور البائس يحصى أيام هجرانه، والذي هو صاحب وصال لا يتفرّغ من وصله إلى تذكّر أيامه في العدد، أو الطول والقصر.\nوالملائكة يحصون زلّات العاصين، ويكتبونها في صحائفهم. والحق سبحانه يقول:\n«وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتابًا» فكما أحصى زلّات العاصين وطاعات المطيعين فكذلك أحصى أيام هجران المهجورين وأيام محن الممتحنين، وإنّ لهم في ذلك لسلوة ونفسا:\nثمان قد مضين بلا تلاق ... وما في الصبر فضل عن ثمان\nوكم من أقوام جاوزت أيام فترتهم الحدّ! وأربت أوقات هجرانهم على الحصر! قوله جل ذكره: «فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذابًا» يا أيها المنعّمون في الجنة.. افرحوا وتمتعوا فلن نزيدكم إلا ثوابا.\nأيها الكافرون.. احترقوا في النار.. ولن نزيدكم إلا عذابا «٢» ويا أيها المطيعون.. افرحوا وارتعوا فلن نزيدكم إلا فضلا على فضل.\nيا أيها المساكين.. ابكوا واجزعوا فلن نزيدكم إلّا عزلا على عزل.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3872>[سورة النبإ (٧٨): الآيات ٣١ الى ٣٨]</span>\nإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازًا (٣١) حَدائِقَ وَأَعْنابًا (٣٢) وَكَواعِبَ أَتْرابًا (٣٣) وَكَأْسًا دِهاقًا (٣٤) لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا وَلا كِذَّابًا (٣٥)\nجَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِسابًا (٣٦) رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطابًا (٣٧) يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَوابًا (٣٨)\n_________\n(١) فى «كِذَّابًا» يقول الفراء: هى لعة يمانية فسيحة يقولون: كذبت به كذابا وخرقت القميص خرّاقا.\nفكل فعل في وزن (فعّل) مصدره فعال مشددة في لغتهم.\n(٢) قال أبو برزة: سألت النبي (ص) عن أشد آية في القرآن فقال: قوله تعالى: «فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذابًا» أي: «كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُودًا غَيْرَها» و«كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيرًا» .","vol":"3","page":678},{"text":"مسلّم للمتقين ما وعدناهم به.. فهنيئا لهم ما أعددنا لهم من الفوز بالبغية والظّفر بالسّؤل والمنية: من حدائق وأعناب، ومن كواعب أتراب وغير ذلك.\nفيا أيها المهيّمون المتيّمون هنيئا لكم ما أنتم فيه اليوم في سبيل مولاكم من تجرّد وفقر، وما كلّفكم به من توكل وصبر، وما تجرعتم من صدّ وهجر.\nأحرى الملابس ما تلقى الحبيب به ... يوم التزاور «١» فى الثوب الذي خلعا\nقوله: «لا يَسْمَعُونَ فِيها ...» آذانهم مصونة عن سماع الأغيار، وأبصارهم محفوظة عن ملاحظة الرسوم والآثار.\nقوله جل ذكره: «رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطابًا» وكيف تكون للمكوّن المخلوق الفقير المسكين مكنة أن يملك منه خطابا؟ أو يتنفّس بدونه نفسا؟ كلّا.. بل هو الله الواحد الجبّار.\nقوله جل ذكره: «يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَوابًا» إنما تظهر الهيبة على العموم لأهل الجمع في ذلك اليوم، وأمّا الخواص وأصحاب الحضور فهم أبدا بمشهد العزّ بنعت الهيبة، لا نفس «٢» لهم ولا راحة أحاط بهم سرادقها واستولت عليهم حقائقها.\n_________\n(١) هكذا في م وهي في ص (التزاول) وهي خطأ من الناسخ، والمقصود من النص الشعرى: أن الله يحب أن يرى على الفقراء ثياب التجرد لأنها الثياب التي خلعها عليهم بنفسه حينما آثروا حقه على حظوظهم.\n(٢) هكذا في ص وهي في م (لا نفر لهم ولا فرحة) وربما كانت (فرجة) بالجيم.","vol":"3","page":679},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3873>[سورة النبإ (٧٨): الآيات ٣٩ الى ٤٠]</span>\nذلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مَآبًا (٣٩) إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا (٤٠)\nهم بمشهد الحقّ، والحكم عليهم الحقّ، حكم عليهم بالحق، وهم مجذوبون بالحقّ للحقّ.\nقوله جل ذكره: ِنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذابًا قَرِيبًا»\nوهو عند أهل الغفلة بعيد، ولكنّه في التحقيق قريب.\nَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ وَيَقُولُ الْكافِرُ\n«١» الَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا» .\nمضوا في ذلّ الاختيار والتعنّى «٢»، وبعثوا في حسرة التمنّى، ولو أنهم رضوا بالتقدير لتخلّصوا «٣» عن التمنّى.\n_________\n(١) قيل: يراد بالكافر هنا أبى بن خلف أو عقبة بن أبى معيط. ويرى أبو نصر عبد الرحمن بن عبد الكريم القشيري- صاحب هذا الكتاب: هو إبليس، يقول: يا ليتنى خلقت كآدم من تراب ولم أقل أنا خير منه لأنى من نار. (القرطبي ح ١٩ ص ١٨٩) .\n(٢) وردت في النسختين (التمني) وهي مقبولة، ولكننا نرجح أنها ربما كانت في الأصل (التعنى) لأن الاختيار. كان في الدنيا، واختيار المرء- حسب نظرية القشيري- مجلبة لعنائه وشقائه.. هذا فضلا عن أن إثبات (التعنى) يزيد المعنى- نظرا لتلون الفاصلة- قوة وجمالا.\n(٣) هكذا في م وهي في ص (لتحصلوا) وواضح فيها خطأ الناسخ.","vol":"3","page":680},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3874>سورة النّازعات</span>\n«١» قوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» .\n«بِسْمِ اللَّهِ» اسم عزيز لربّ عزيز، سماعه يحتاج إلى سمع عزيز، وذكره يحتاج إلى وقت عزيز، وفهمه يحتاج إلى قلب عزيز.\nوأنّى لصاحب سمع بالغيبة مبتذل، ووقت معطّل في الخسائس مستغرق، وقلب فى الاشتغال بالأغيار مستعمل.. أنّى له أن يصلح لسماع هذا الاسم؟!.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3875>[سورة النازعات (٧٩): الآيات ١ الى ١٢]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nوَالنَّازِعاتِ غَرْقًا (١) وَالنَّاشِطاتِ نَشْطًا (٢) وَالسَّابِحاتِ سَبْحًا (٣) فَالسَّابِقاتِ سَبْقًا (٤)\nفَالْمُدَبِّراتِ أَمْرًا (٥) يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ (٨) أَبْصارُها خاشِعَةٌ (٩)\nيَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ (١٠) أَإِذا كُنَّا عِظامًا نَخِرَةً (١١) قالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خاسِرَةٌ (١٢)\nأي الملائكة تنزع أرواح الكفّار من أبدانهم.\n«غَرْقًا»: أي إغراقا كالمغرق في قوسه «٢» .\nويقال: هى النجوم تنزع من مكان إلى مكان.\n«وَالنَّاشِطاتِ نَشْطًا» هى أنفس المؤمنين تنشط للخروج عند الموت.\nويقال: هى الملائكة تنشط أرواح الكفّار، وتنزعها فيشتدّ عليهم خروجها.\nويقال: هى الوحوش تنشط من بلد إلى بلد.\nويقال: هى الأوهاق «٣» .\n_________\n(١) هكذا في ص وهي في م (سورة والنازعات) بإثبات الواو.\n(٢) إغراق النازع في القوس أن يبلغ مداها ويستوفى شدها.\n(٣) هكذا في م وهي فى (ص الارهاق) بالراء وهي خطأ في النسخ، والأوهاق جمع وهق بحركتين وقد يسكن: الحبل تشد به الإبل والخيل حتى تؤخذ وفي طرفه أنشوطة. وأوهق الدابة أي طرح في عنقها الوهق، وعن عكرمة وعطاء: الأوهاق تنشط السهام.","vol":"3","page":681},{"text":"ويقال: هى النجوم تنشط من المشارق إلى المغارب ومن المغارب إلى المشارق.\n«وَالسَّابِحاتِ سَبْحًا» الملائكة تسبح في نزولها.\nويقال: هى النجوم تسبح في أفلاكها.\nويقال: هى السفن في البحار.\nويقال: هى أرواح المؤمنين تخرج بسهولة لشوقها إلى الله.\n«فَالسَّابِقاتِ سَبْقًا» الملائكة يسبقون إلى الخير والبركة، أو لأنها تسبق الشياطين عند نزول الوحى، أو لأنها تسبق بأرواح الكفار إلى النار.\nويقال: هى النجوم يسبق بعضها بعضا في الأفول.\n«فَالْمُدَبِّراتِ أَمْرًا» الملائكة تنزل بالحرام والحلال.\nويقال: جبريل بالوحى، وميكائيل بالقطر والنبات، وإسرافيل بالصّور، وملك الموت يقبض الأرواح.. ﵈.\nوجواب القسم قوله: «إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى» «١» قوله جل ذكره: «يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ» تتحرك الأرض حركة شديدة.\n«تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ» النفخة الأولى في الصّور. وقيل: الراجفة النفخة الأولى والرادفة النفخة الثانية.\n_________\n(١) هذه هي الآية رقم ٢٦ بالسورة وهو اختيار الترمذي أيضا.. وهي كما ترى متأخرة جدا. ويرى بعض المفسرين أن جواب القسم مضمر لأنه لا يخفى على السامع، ويرى آخرون- كالفراء- أنه البعث بدليل «أَإِذا كُنَّا عِظامًا نَخِرَةً» .\nويرى القرطبي: أنه قسم جوابه: إن القيامة حق. [.....]","vol":"3","page":682},{"text":"«قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ» خائفة.\n«يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ» «١» أي إلى أول أمرنا وحالنا، يعنى أئذا متنا نبعث ونردّ إلى الدنيا (ونمشى على الأرض بأقدامنا)؟. قالوه على جهة الاستبعاد.\n«أَإِذا كُنَّا عِظامًا نَخِرَةً» أي بالية.\n«تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خاسِرَةٌ» رجعة ذات خسران (مادام المصير إلى النار) .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3876>[سورة النازعات (٧٩): الآيات ١٣ الى ١٩]</span>\nفَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ (١٣) فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤) هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى (١٥) إِذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً (١٦) اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (١٧)\nفَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى (١٩)\n«٢» جاء في التفسير إنها أرض المحشر، ويقال: إنها أرض بيضاء لم يعص الله فيها «٣» ويقال: الساهرة نفخة الصّور تذهب بنومهم وتسهرهم.\nقوله جل ذكره: «هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى إِذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً» أي الأرض المطهرة المباركة. «طُوىً» اسم الوادي هناك.\n«اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى» .\n_________\n(١) سميت الأرض الحافرة لأنها مستقر الحوافر.\n(٢) سميت الأرض بالساهرة لأن فيها نوم الحيوان وسهره (الفراء)، وقال أبو كبير الهذلي:\nيرتدن ساهرة كأن جميعها ... وعميمها أسداف ليل مظلم\n(٣) هذا رأى ابن عباس.","vol":"3","page":683},{"text":"قلنا له: اذهب إلى فرعون إنه طغى، فقل له: هل يقع لك أن تؤمن وتتطهر من ذنوبك.\nوفي التفسير: لو قلت لا إله إلا الله فلك ملك لا يزول، وشبابك لا يهرم، وتعيش أربعمائة سنة في السرور والنعمة.. ثم لك الجنة في الآخرة.\n«وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى» أقرّر لك بالآيات صحّة ما أقول، وأعرفك صحة الدين.. فهل لك ذلك؟ فلم يقبل.\nويقال: أظهر له كل هذا التلطّف ولكنه في خفيّ سرّه وواجب مكره به أنه صرف قلبه عن إرادة هذه الأشياء، وإيثار مراده على مراد ربّه، وألقى في قلبه الامتناع، وترك قبول النّصح.. وأيّ قلب يسمع هذا الخطاب فلا ينقطع لعذوبة هذا اللفظ؟ وأيّ كبد تعرف هذا فلا تتشقّق لصعوبة هذا المكر؟\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3877>[سورة النازعات (٧٩): الآيات ٢٠ الى ٢٤]</span>\nفَأَراهُ الْآيَةَ الْكُبْرى (٢٠) فَكَذَّبَ وَعَصى (٢١) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعى (٢٢) فَحَشَرَ فَنادى (٢٣) فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى (٢٤)\nجاء في التفسير: هى إخراج يده بيضاء لها شعاع كشعاع الشمس. فقال فرعون: حتى أشاور هامان «١»، فشاوره، فقال له هامان: أبعد ما كنت ربّا تكون مربوبا؟! وبعد ما كنت ملكا تكون مملوكا؟\nفكذّب فرعون عند ذلك، وعصى، وجمع السّحرة، ونادى:\n«فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى» ويقال: إنّ إبليس لمّا سمع هذا الخطاب فرّ وقال: لا أطيق هذا! ويقال قال: أنا ادّعيت الخيرية على آدم فلقيت ما لقيت.. وهذا يقول:\nأنا ربّكم الأعلى.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3878>[سورة النازعات (٧٩): الآيات ٢٦ الى ٤١]</span>\nإِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى (٢٦) أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّماءُ بَناها (٢٧) رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها (٣٠)\nأَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها (٣١) وَالْجِبالَ أَرْساها (٣٢) مَتاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ (٣٣) فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى (٣٤) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ ما سَعى (٣٥)\nوَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى (٣٦) فَأَمَّا مَنْ طَغى (٣٧) وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى (٣٩) وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى (٤٠)\nفَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى (٤١)\n_________\n(١) يقصد القشيري من بعيد إلى شيئين: أو لهما أن فساد الملوك قد يكون بسبب وزرائهم وحاشيتهم.. ولعلنا نذكر ما قلناه في المدخل عن أن أشد المحنة التي ألمت بالقشيري كانت بسبب الكندري وزير السلطان طغرل.\nوثانيهما أن الصحبة السيئة قد تؤدى إلى هلاك الصاحب والمصحوب، وفي هذا تحذير لأرباب الطريق (راجع باب الصحبة في الرسالة ص ١٤٥) .","vol":"3","page":684},{"text":"أي في إهلاكنا فرعون لعبرة لمن يخشى.\nقوله جل ذكره: «أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّماءُ بَناها رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها» «فَسَوَّاها» جعلها مستوية. «وَأَغْطَشَ لَيْلَها» أظلم ليلها. «ضُحاها» ضوؤها ونهارها.\n«دَحاها» بسطها ومدّها.\n«أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها» أخرج من الأرض العيون المتفجرة بالماء، وأخرج النبات..\n«وَالْجِبالَ أَرْساها» أثبتها أوتادا للأرض.\n«مَتاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ» أي أخرجنا النبات ليكون لكم به استمتاع، وكذلك لأنعامكم.\n«فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى» الداهية العظمى ... وهي القيامة.\n«يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ ما سَعى» وبرزت الجحيم لمن يرى، فأمّا من طغى وكفر وآثر الحياة الدنيا فإنّ الجحيم له المأوى والمستقرّ والمثوى.\n«وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى» «مَقامَ رَبِّهِ»: وقوفه غدا في محل الحساب. ويقال: إقبال الله عليه وأنّه راء له.. وهذا عين المراقبة، والآخر محلّ المحاسبة.","vol":"3","page":685},{"text":"«وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى» أي لم يتابع هواه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3879>[سورة النازعات (٧٩): الآيات ٤٢ الى ٤٦]</span>\nيَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها (٤٣) إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها (٤٤) إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها (٤٥) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها (٤٦)\nأي متى تقوم؟\n«فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها» من أين لك علمها ولم نعلمك ذلك «١» .\n«إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها» أي إنما يعلم ذلك ربّك.\n«إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها» أي تخوّف، فيقبل تخويفك من يخشاها ويؤمن.\n«كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها» كأنهم يوم يرون القيامة لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها فلشدة ما يرون تقل عندهم كثرة ما لبثوا تحت الأرض.\n_________\n(١) روى الإمام البخاري في نهاية حديثه عن هذه السورة قال: حدثنا أحمد بن المقدام حدثنا الفضيل بن سليمان حدثنا أبو حازم حدثنا سهل بن سعد ﵁ قال: رأيت رسول الله (ص) قال بأصبعيه هكذا بالوسطى والتي تلى الإبهام بعثت والساعة كهاتين.» (البخاري ح ٣ ص ١٤٢) .","vol":"3","page":686},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3880>سورة عبس</span>\n«١» قوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» .\n«بِسْمِ اللَّهِ» .. اسم كريم بسط للمؤمنين بساط جوده، اسم عزيز انسدّ على الأولين والآخرين طريق وجوده.. وأنّى بذلك ولا حدّ له؟ من الذي يدركه بالزمان والزمان خلقه؟\nومن الذي يحسبه في المكان والمكان فعله؟ ومن الذي يعرفه- إلّا وبه يعرفه؟ ومن الذي يذكره «٢» - إلا وبه يذكره؟\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3881>[سورة عبس (٨٠): الآيات ١ الى ٣]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nعَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى (٢) وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣)\nنزلت في ابن أمّ مكتوم، وكان ضريرا.. أتى النبيّ ﷺ وكان عنده العباس ابن عبد المطلب وأمية بن خلف الجمحىّ «٣» - يرجو الرسول ﷺ إيمانهما، فكره أن يقطع حديثه معهما، فأعرض عن ابن أمّ مكتوم، وعبس وجهه، فأنزل الله هذه الآية.\nوجاء في التفسير: أن النبيّ ﷺ خرج على أثره، وأمر بطلبه، وكان بعد ذلك يبرّه ويكرمه، فاستخلفه على المدينة مرتين.\nوجاء في التفسير: أنه ﷺ لم يعبس- بعد هذا- فى وجه فقير قط، ولم يعرض عنه.\n_________\n(١) هكذا في م وهي في ص (سورة الأعمى)\n(٢) هكذا في ص. هى في نظرنا أصوب من (يدركه) التي في م لأن السياق بعدها سيكون: (إلا وبه يدركه) والله سبحانه منزه عن الدرك واللحوق كما نعرف من مذهب القشيري. أما الذكر فهذا مقبول على حد تعبير. ذى النون المصري: (لا أعرفك إلا بك ولا أذكرك إلا بك) .\n(٣) يقول ابن العربي: غير صحيح أن أمية هذا كان في هذا المجلس، فقد كان بمكة وابن أم مكتوم كان بالمدينة وكان موته كافرا، ولم يقصد المدينة، ولا اجتمع بالنبي.","vol":"3","page":687},{"text":"ويقال: فى الخطاب لطف.. وهو أنه لم يواجهه بل قاله على الكناية «١»، ثم بعده قال:\n«وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى» أي يتذكر بما يتعلم منك أو.\n«أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3882>[سورة عبس (٨٠): الآيات ٥ الى ٨]</span>\nأَمَّا مَنِ اسْتَغْنى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَما عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى (٨)\nأمّا من استغنى عن نفسه فإنه استغنى عن الله.\nويقال: استغنى بماله فأنت له تصدّى، أي تقبل عليه بوجهك.\n«وَما عَلَيْكَ..» فأنت لا تؤاحذ بألا يتزكّى هو فإنما عليك البلاغ.\n«وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى» لطلب العلم، ويخشى الله فأنت عنه تتلهّى، وتتشاغل ... وهذا كله من قبيل العتاب معه لأجل الفقراء.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3883>[سورة عبس (٨٠): الآيات ١١ الى ١٢]</span>\nكَلاَّ إِنَّها تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ (١٢)\nالقرآن تذكرة فمن شاء الله أن يذكره ذكره، ومن شاء الله ألا يذكره لم يذكّره أي بذلك جرى القضاء، فلا يكون إلا ما شاء الله.\nويقال: الكلام على جهة التهديد ومعناه: فمن أراد أن يذكره فليذكره، ومن شاء ألا يذكره فلا يذكره! كقوله «فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ» «٢» .\nوقال سبحانه: «ذَكَرَهُ» ولم يقل «ذكرها» لأنه أراد به القرآن.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3884>[سورة عبس (٨٠): الآيات ١٣ الى ٢٣]</span>\nفِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرامٍ بَرَرَةٍ (١٦) قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ (١٧)\nمِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢)\nكَلاَّ لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ (٢٣)\n_________\n(١) أي تحدث عن عبوس الوجه بضمير الغائب، ثم جاء العتاب بضمير الخطاب.\n(٢) آية ٢٩ سورة الكهف.","vol":"3","page":688},{"text":"أي صحف إبراهيم وموسى وما قبل ذلك، وفي اللوح المحفوظ.\n«مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ» مرفوعة في القدر والرتبة، مطهرة من التناقض والكذب.\n«بِأَيْدِي سَفَرَةٍ» أي: الملائكة الكتبة.\n«كِرامٍ بَرَرَةٍ» كرام عند الله بررة.\nقوله جل ذكره: «قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ!» لعن الإنسان ما أعظم كفره!.\n«مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ» خلقه وصوّره وقدّره أطوارا: من نطفة، ثم علقة، ثم طورا بعد طور.\nقوله جل ذكره: «ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ» يسّر عليه السبيل في الخير والشرّ، وألهمه كيف التصرّف.\nويقال: يسّر عليه الخروج من بطن أمّه يخرج أولا رأسه منكوسا.\n«ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ» أي: جعل له قبرا لئلا تفترسه السّباع والطيور ولئلا يفتضح.\n«ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ» بعثه من قبره.\n«كَلَّا لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ» أي: عصى وخالف ما أمر به.","vol":"3","page":689},{"text":"ويقال: لم يقض الله له ما أمره به، ولو قضى عليه وله ما أمره به لما عصاه «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3885>[سورة عبس (٨٠): الآيات ٢٥ الى ٣٧]</span>\nأَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩)\nوَحَدائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ (٣٢) فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤)\nوَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧)\nفى الإشارة: صببنا ماء الرحمة على القلوب القاسية فلانت للتوبة، وصببنا ماء التعريف على القلوب فنبتت فيها أزهار التوحيد وأنوار التجريد.\n«وَقَضْبًا» أي القت «٢» .\n«وَحَدائِقَ غُلْبًا» متكائفة غلاظا.\n«وَفاكِهَةً وَأَبًّا» الفاكهة: جميع الفواكه، و«أَبًّا»: المرعى.\n«مَتاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ ...»\n«فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ» أي: القيامة فيومئذ يفر المرء من أخيه، وأمه وأبيه، ثم بيّن ما سبب ذلك فقال:\n«لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ» لا يتفرّغ إلى ذاك، ولا ذاك إلى هذه. كذلك قالوا: الاستقامة أن تشهد الوقت\n_________\n(١) أي: كلّا لم يقض الله لهذا الكافر ما أمره به من الإيمان، بل أمره بما لم يقض له- وهذا الرأى للإمام ابن فورك شيخ القشيري.\n(٢) سمىّ القت قضبا لأنه يقضب، أي يقطع بعد ظهوره مرة بعد مرة (الحسن) ويرى ابن عباس أنه الرطب لأنه يقضب من النخل، ولأنه ذكر العنب قبله.","vol":"3","page":690},{"text":"قيامة، فما من وليّ ولا عارف إلّا وهو- اليوم- بقلبه يفرّ من أخيه وأمه وأبيه، وصاحبته وبنيه.\nفالعارف مع الخلق ولكنه يفارقهم بقلبه- قالوا:\nفلقد جعلتك في الفؤاد محدّثى ... وأبحت جسمى من أراد جاوسى «١»\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3886>[سورة عبس (٨٠): الآيات ٣٨ الى ٤١]</span>\nوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُها قَتَرَةٌ (٤١)\nوسبب استبشارهم مختلف فمنهم من استبشاره لوصوله إلى جنّته، ومنهم لوصوله إلى الحور العين من حظيته.. ومنهم ومنهم، وبعضهم لأنه نظر إلى ربّه فرآه.\n«وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ تَرْهَقُها قَتَرَةٌ أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ» وهي غبرة الفسّاق. «تَرْهَقُها قَتَرَةٌ» . وهي ذلّ الحجاب.\n_________\n(١) أحد بيتين ينسبان إلى رابعة العدوية، والثاني:\nفالجسم منى للجليس مؤانس ... وحبيب قلبى في الفؤاد أنيسى\n(نشأة التصوف الإسلامى ص ١٩١ ط المعارف تأليف بسيونى) .","vol":"3","page":691},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3887>سورة التّكوير</span>\nقوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» .\n«بِسْمِ اللَّهِ» كلمة أثلجت من قوم قلوبا، وأوهجت من آخرين قلوبا من المطيعين أثلجتها، ومن العاصين أوهجتها، ومن المريدين أبهجتها، ومن العارفين أزعجتها.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3888>[سورة التكوير (٨١): الآيات ١ الى ١٤]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nإِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢) وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ (٤)\nوَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥) وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ (٦) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧) وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩)\nوَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠) وَإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ (١١) وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (١٣) عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ (١٤)\nذهب ضوؤها.\n«وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ» تناثرت وسقطت على الأرض.\nقوله جل ذكره: «وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ» «١» أزيلت عنها مناكبها.\n«وَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ» وهي النّوق الحوامل التي أتى حملها عشرة أشهر.. أهملت في ذلك اليوم لشدة أهواله، (واشتغال الناس بأنفسهم عنها) .\n«وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ» أحييت، وجمعت في القيامة ليقتصّ لبعضها من بعض فيقتصّ للجمّاء من القرناء «٢» - وهذا على جهة ضرب المثل إذ لا تكليف عليها.\n_________\n(١) تأخرت هذه الآية بعد آية (العشار) فى م فوضعناها في مكانها الصحيح. [.....]\n(٢) هذا رأى ابن عباس كما رواه عنه عكرمة، والجماء: ما ليس لها قرن، وفي أمثالهم «عند النطاح يغلب الكبش الأجم» .","vol":"3","page":692},{"text":"ولا يبعد أن يكون بإيصال منافع إلى ما وصل إليه الألم- اليوم- على العوض..\nجوازا لا وجوبا على ما قاله أهل البدع.\n«وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ» أو قدت- من سجرت التنور أسجره سجرا، أي: أحميته.\n«وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ» «١» بالأزواج.\n«وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ» نشرت، أي: بسطت.\n«وَإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ» أي: نزعت وطويت.\n«وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ» أوقدت.\n«وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ» أي: قرّبت من المتقين.\nقوله جل ذكره: «عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ» هو جواب لهذه الأشياء، وهذه الأشياء تحصل عند قيام القيامة.\nوفي قيام قيامة هذه الطائفة (يقصد الصوفية) عند استيلاء هذه الأحوال عليهم، وتجلّى هذه المعاني لقلوبهم توجد هذه الأشياء.\n_________\n(١) قرنت بأشكالها في الجنة والنار، قال تعالى: «احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ» . وقال ﷺ: «يقرن كل رجل مع كل قوم كانوا يعملون كعمله» .","vol":"3","page":693},{"text":"فمن اختلاف أحوالهم: أنّ لشموسهم في بعض الأحيان كسوفا وذلك عند ما يردّون «١» .\nونجوم علومهم قد تنكدر لاستيلاء الهوى على المريدين في بعض الأحوال، فعند ذلك «عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3889>[سورة التكوير (٨١): الآيات ١٥ الى ٢٤]</span>\nفَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوارِ الْكُنَّسِ (١٦) وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ (١٨) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩)\nذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١) وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢) وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣) وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (٢٤)\nأي: أقسم، والخنّس والكنّس هي النجوم إذا غربت «٢» .\nويقال: البقر الوحشي «٣» .\nقوله جل ذكره: «وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ» عسعس: أي جاء وأقبل. «تَنَفَّسَ»: خرج من جوف الليل.\nأقسم بهذه الأشياء، وجواب القسم:\n«إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ» .\nإن هذا القرآن لقول رسول كريم، يعنى به جبريل ﵇.\n«ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ» «مَكِينٍ» من المكانة، وقد بلغ من قوته أنه قلع قرية آل لوط وقلبها.\n«وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ» وهذا أيضا من جواب القسم.\n«وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ» رأى محمد جبريل ﵇ بالأفق المبين ليلة المعراج.\n_________\n(١) «عند ما يردّون» فى أحوال القبض بعد البسط والهجر بعد الوصل، والخوف بعد الرجاء والفرق بعد الجمع.. ونحو ذلك.\n(٢) قيل هي الكواكب الخمسة الدراري: زحل، والمشترى، وعطارد، والمريخ، والزّهرة (فى رواية عن على ابن أبى طالب) .\n(٣) فسرت هكذا في رواية عن عبد الله بن مسعود، وأخرى عن ابن عباس.","vol":"3","page":694},{"text":"ويقال: رأى ربّه وكان ﷺ بالأفق المبين.\n«وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ» بمتّهم «١» قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3890>[سورة التكوير (٨١): الآيات ٢٦ الى ٢٩]</span>\nفَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (٢٦) إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَما تَشاؤُنَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٢٩)\nإلى متى تتطوحون في أودية الظنون والحسبان؟\nوإلى أين تذهبون عن شهود مواضع الحقيقة؟\nوهلّا رجعتم إلى مولاكم فيما سرّكم أو أساءكم؟\n«إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ» ما هذا القرآن إلّا ذكرى لمن شاء منكم أن يستقيم ... وقد مضى القول فى الاستقامة.\n«وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ» أن يشاءوا «٢» .\n_________\n(١) لا تكون بهذا المعنى إلا إذا قرئت (بظنين) بالظاء، وهي قراءة ابن كثير، وأبى عمرو والكسائي.\nوالآخرين بالضاد فيكون المعنى (ببخيل) أي لا يبخل عليكم بما يعلم من أخبار السماء.\n(٢) كنا ننتظر من القشيري الذي ينادى بأن كل شىء من الله وإلى الله حتى أكساب العباد أن يفيض في توضيح هذه الآية أكثر من ذلك لأنها ناصعة صريحة في نسبة المشيئة- كل المشيئة- لله، وأن الإنسان إذا وصف بالمشيئة فهى مرتبطة بالمشيئة الإلهية.","vol":"3","page":695},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3891>سورة الانفطار</span>\nقوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» «بِسْمِ اللَّهِ» كلمة منيعة ليس يسمو إلى فهمها كلّ خاطر فإذا كان الخاطر غير عاطر فهو عن علم حقيقتها متقاصر.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3892>[سورة الانفطار (٨٢): الآيات ١ الى ٦]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nإِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ (٢) وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤)\nعَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (٥) يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦)\nأي: انشقت.\n«وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ» تساقطت وتهافتت.\n«وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ» أي: فتح بعضها على بعض.\n«وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ» أي: قلب ترابها، وبعث الموتى الذين فيها، وأخرج ما فيها من كنوز وموتى.\n«عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ» جواب لهذه الأمور أي إذا كانت هذه الأشياء: علمت كلّ نفس ما قدّمت من خيرها وشرّها.\nقوله جل ذكره: «يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ»","vol":"3","page":696},{"text":"أي: ما خدعك وما سوّل لك حتى عملت «١» بمعاصيه؟\nويقال: سأله وكأنما في نفس السؤال لقّنه الجواب يقول: غرّنى كرمك بي، ولولا كرمك لما فعلت لأنّك رأيت فسترت، وقدّرت فأمهلت.\nويقال: إن المؤمن «٢» وثق بحسن إفضاله فاغترّ بطول إمهاله فلم يرتكب الزلّة لاستحلاله، ولكنّ طول حلمه عنه حمله على سوء خصاله، وكما قلت «٣»:\nيقول مولاى: أما تستحى ... مما أرى من سوء أفعالك\nقلت: يا مولاى رفقا فقد ... جرّأنى «٤» كثرة أفضالك\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3893>[سورة الانفطار (٨٢): الآيات ٧ الى ١٢]</span>\nالَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ (٨) كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ (١٠) كِرامًا كاتِبِينَ (١١)\nيَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ (١٢)\nأي: ركّب أعضاءك على الوجوه الحكميّة «٥» فى أي صورة ماشاء، من الحسن والقبح، والطول والقصر. ويصح أن تكون الصورة هنا بمعنى الصّفة، و«فِي» بمعنى «على» فيكون معناه: على أي صفة شاء ركّبك من السعادة أو الشقاوة، والإيمان أو المعصية..\nقوله جل ذكره: «كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ» أي: القيامة «٦» .\n«وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ كِرامًا كاتِبِينَ يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ» هم الملائكة الذين يكتبون الأعمال. وقد خوّفهم برؤية الملائكة وكتابتهم الأعمال لتقاصر\n_________\n(١) هكذا في ص وهي في م (علمت) وهي خطأ في النسخ.\n(٢) يقصد القشيري هنا (المؤمن العاصي) .. المنزلة بين المنزلتين (بين المؤمن والكافر) .\n(٣) ينبغى ملاحظة ذلك إذا أردنا أن ندرس (القشيري الشاعر): أنظر هذه الدراسة في كتابنا عن (الإمام القشيري) .\n(٤) هكذا في م وهي في ص (أفسدنى) وكلاهما صحيح.\n(٥) هكذا في النسختين، وقد كنا نريد أن نظن أنها ربما كانت (الحكيمة)، ولكن ارتباط السياق بالمشيئة (.. ما شاء ركّبك) جعلنا نحجم عن هذا الظن.\n(٦) بدليل قوله تعالى فيما بعد (يصلونها يوم الدين) .","vol":"3","page":697},{"text":"حشمتهم من اطّلاع الحق، ولو علموا ذلك حقّ العلم لكان توقّيهم عن المخالفات لرؤيته- سبحانه، واستحياؤهم من اطّلاعه- أتمّ من رؤية الملائكة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3894>[سورة الانفطار (٨٢): الآيات ١٣ الى ١٩]</span>\nإِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤) يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ (١٥) وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ (١٦) وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (١٧)\nثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩)\n«الْأَبْرارَ»: هم المؤمنون اليوم في نعمة العصمة، وغداهم في الكرامة والنعمة «الْفُجَّارَ»: اليوم في جهنم باستحقاق اللعنة والإصرار على الشّرك الموجب للفرقة، وغدا فى النار على وجه التخليد والتأييد.\nويقال: «إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ» . فى روح الذّكر، وفي الأنس في أوان خلوتهم.\n«وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ» . فى ضيق قلوبهم وتسخّطهم على التقدير، وفي ظلمات تدبيرهم، وضيق اختيارهم.\n«يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ» «يَصْلَوْنَها» أي النار. «يَوْمَ الدِّينِ» . يوم القيامة.\n«وَما هُمْ عَنْها» عن النار. «وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ؟» قالها على جهة التهويل.\n«يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ» الأمر لله يومئذ، ولله من قبله ومن بعده، ولكن «يَوْمَئِذٍ» تنقطع الدعاوى، إذ يتضح الأمر وتصير المعارف ضرورية.","vol":"3","page":698},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3895>سورة المطفّفين</span>\nقوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» .\n«بِسْمِ اللَّهِ» اسم عزيز رداؤه كبرياؤه، وسناؤه علاؤه، وعلاؤه بهاؤه، وجلاله جماله، وجماله جلاله. الوجود له غير مستفتح، والموجود منه غير مستقبح. المعهود منه لطفه، المأمول منه لطفه.. كيفما قسم للعبد فالعبد عبده إن أقصاه فالحكم حكمه، وإن أدناه فالأمر أمره «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3896>[سورة المطففين (٨٣): الآيات ١ الى ٩]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nوَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣) أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤)\nلِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (٦) كَلاَّ إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧) وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ (٨) كِتابٌ مَرْقُومٌ (٩)\n«وَيْلٌ»: الويل كلمة تذكر عند وقوع البلاء، فيقال: ويل لك، وويل عليك! و«المطفّف» . الذي ينقص الكيل والوزن، وأراد بهذا الذين يعاملون الناس فإذا أخذوا لأنفسهم استوفوا، وإذا دفعوا إلى من يعاملهم نقصوا، ويتجلّى ذلك فى: الوزن والكيل، وفي إظهار العيب، وفي القضاء والأداء والاقتضاء فمن لم يرض لأخيه المسلم ما لا يرضاه لنفسه\n_________\n(١) هذا هو نصر تفسير البسملة كما جاء في م أمّا في ص فهى على النحو التالي: -[بسم الله: اسم جليل جلاله لا بالأشكال، وجماله لا على احتذاء أمثال، وأفعاله لا بأغواض وأعلال، وقدرته لا باجتلاب ولا احتيال، وعلمه لا بضرورة ولا استدلال، فهو الذي لم يزل ولا يزال، ولا يجوز عليه فناء ولا زوال] .\nوهذا هو تفسير بسملة سورة الانشقاق كما جاء في م وكما سنرى، ومعنى هذا أن اضطرابا حدث في الأمر.\nوما دمنا نعرف أن القشيري لا يستوحى إشارته من كل بسملة بطريقة عفوية، ولكن على أساس المغزى العام للسورة.. فقد اخترنا أن تكون بسملة «المطففين» هى هذه على أساس أن قسمة الله للعبد قسمة عادله لبس فيها (تطفيف)، وأن ما أوجده الله من وجود (غير مستقبح) . [.....]","vol":"3","page":699},{"text":"فليس بمنصف. وأمّا الصّدّيقون فإنهم كما ينظرون للمسلمين فإنهم ينظرون لكلّ من لهم معهم معاملة- والصدق عزيز، وكذلك أحوالهم في الصّحبة والمعاشرة.. فالذى يرى عيب الناس ولا يرى عيب نفسه فهو من هذه الجملة- جملة المطففين- كما قيل:\nوتبصر في العين منّى القذى ... وفي عينك الجذع لا تبصر\nومن اقتضى حقّ نفسه- دون أن يقضى حقوق غيره مثلما يقتضيها لنفسه- فهو من جملة المطففين.\nوالفتى من يقضى حقوق الناس ولا يقتضى من أحد لنفسه حقّا.\nقوله جل ذكره: «أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ؟ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ» أي: ألا يستيقن هؤلاء أنهم محاسبون غدا، وأنهم مطالبون بحقوق الناس؟.\nويقال: من لم يذكر- فى حال معاملة الناس- معاينة القيامة ومحاسبتها فهو فى خسران في معاملته.\nويقال: من كان صاحب مراقبة لله ربّ العالمين استشعر الهيبة في عاجله، كما يكون حال الناس في المحشر لأنّ اطلاع الحقّ اليوم كاطلاعه غدا.\nقوله جل ذكره: «كَلَّا إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ؟ كِتابٌ مَرْقُومٌ» «سِجِّينٍ «١»» قيل: هى الأرض السابعة، وهي الأرض السفلى، يوضع كتاب أعمال الكفار هنالك إذلالا لهم وإهانة، ثم تحمل أرواحهم إلى ما هنالك.\n_________\n(١) فى رواية عن أنس أنه قال: قال ﷺ: «سجّين أسفل الأرض السابعة» .","vol":"3","page":700},{"text":"ويقال: «السّجين» جبّ في جهنم. وقيل: صخرة في الأرض السفلى، وفي اللغة السّجين: فعيل من السجن.\n«وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ» . استفهام على جهة التهويل «كِتابٌ مَرْقُومٌ» . أي مكتوب كتب الله فيه ما هم عاملون، وما هم إليه صائرون.\nوإنما المكتوب على بنى آدم في الخير والشر، والشقاوة والسعادة فهو على ما تعلّق به علمه وإرادته، وإنما أخبر على الوجه الذي علم أن يكون أو لا يكون، وكما علم أنه يكون أو لا يكون أراد أن يكون أو لا يكون. ثم إنه سبحانه لم يطلع أحدا على أسرار خلقه إلّا من شاء من المقربين بالقدر الذي أراده فإنه يجرى عليهم في دائم أوقاتهم ما سبق لهم به التقدير.\nثم قال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3897>[سورة المطففين (٨٣): الآيات ١٠ الى ٢١]</span>\nوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (١١) وَما يُكَذِّبُ بِهِ إِلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣) كَلاَّ بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)\nكَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ (١٦) ثُمَّ يُقالُ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (١٧) كَلاَّ إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨) وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ (١٩)\nكِتابٌ مَرْقُومٌ (٢٠) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (٢١)\nويل للذين لا يصدّقون بيوم الدين، وما يكذّب به إلا كل مجاوز للحدّ الذي وضع له إذا يتلى عليه القرآن كفر به.\n«كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ» أي: غطّى على قلوبهم ما كانوا يكسبون من المعاصي.. وكما أنهم- اليوم- ممنوعون عن معرفته فهم غدا ممنوعون عن رؤيته. ودليل الخطاب يوجب أن يكون المؤمنون يرونه غدا كما يعرفونه اليوم.\nقوله جل ذكره: «كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ» «عِلِّيِّينَ» أعلى الأمكنة، تحمل إليه أرواح الأبرار تشريفا لهم وإجلالا.","vol":"3","page":701},{"text":"ويقال: إنها سدرة المنتهى. ويقال: فوق السماء السابعة. كتاب مرقوم فيه أعمالهم مكتوبة يشهده المقربون «١» من الملائكة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3898>[سورة المطففين (٨٣): الآيات ٢٢ الى ٢٤]</span>\nإِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢) عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤)\nاليوم وغدا: اليوم في روح العرفان، وراحة الطاعة والإحسان، ونعمة الرضا وأنس القربة وبسط الوصلة. وغدا- فى الجنة وما وعدوا به من فنون الزلفة والقربة.\nقوله تعالى: «عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ» أثبت النظر ولم يبيّن المنظور إليه لاختلافهم في أحوالهم فمنهم من ينظر إلى قصوره.\nومنهم من ينظر إلى حوره، ومنهم ومنهم.. ومنهم الخواصّ فهم على دوام الأوقات إلى الله- سبحانه- ينظرون.\nقوله جل ذكره: «تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ» من نظر إليهم علم أنّ أثر نظره إلى مولاه ما يلوح على وجهه من النعيم فأحوال المحبّ شهود عليه أبدا. فإن كان الوقت وقت وصال فاختياله ودلاله، وسروره وحبوره، ونشاطه وانبساطه. وإن كان الوقت وقت غيبة وفراق فالشهود عليه نحوله وذبوله، وحنينه وأنينه، ودموعه وهجوعه.. وفي معناه قلت «٢» .\nيا من تغيّر صورتى لمّا بدا ... - لجميع ما ظنوا بنا- تحقيق\n_________\n(١) هكذا في ص وفي م (يشهد) بدون ضمير غائب، وحسب النسخة الأولى تكون عودة الضمير على الكتاب المرقوم، وحسب النسخة الثانية يكون الكلام مستمرا خصوصا ولم يبدأ كالعادة بعلامة نشعر ببدء الآية مثل:\nقوله تعالى أو قوله جل ذكره.. أي: يشهد المقربون أن الأبرار لفى نعيم، ويتقوّى الرأى الأول بما قاله القشيري منذ قليل: إن الله يطلع بعض المقربين على أسرار خلقه بالقدر الذي يريده سبحانه، كذلك فإن السياق- على الفهم الثاني- يقتضى فتح همزة (إن الأبرار ...) ولكنها مكسورة مما يدل على أن الكلام مستأنف- اللهم إلا إذا كانت يشهد بمعنى يقسم- فالشهادة ترد بمعنى القسم- كما مرّ من قبل ... وهمزة إن تكسر بعد القسم.\n(٢) نسعد كثيرا جدا بهذا الشعر الذي صاغه القشيري، فهو شاعر مقلّ، ولكنه- كما هو واضح- رقيق دقيق.\nوربما كان معنى النص الأول على هذا الترتيب: يا من تغيّر صورتى- لمّا بدا- تحقيق لجميع ما ظنوا بنا أي أن ما ظهر على أسرّتى من أشياء حاولت كتمانها قد حقّق ظنون الواشين والعاذلين.. فلا فائدة.. فالصبّ تفضحه عيونه! ونحسب أن ما قبل النص، وما يقصده النص الثاني يؤيدان تذوقنا على هذا النحو.","vol":"3","page":702},{"text":"وقلت:\nولمّا أتى الواشين أنّى زرتها ... جحدت حذارا أن تشيع السرائر\nفقالوا: نرى في وجهك اليوم نضرة ... كست محيّاك «١» .. وهاذاك ظاهر!\nوبردك لا ذاك الذي كان قبله ... به طيب نشر لم تشعه المجامر\nفما كان منّى من بيان أقيمه ... وهيهات أن يخفى مريب مساتر!\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3899>[سورة المطففين (٨٣): الآيات ٢٥ الى ٢٨]</span>\nيُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ (٢٦) وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (٢٨)\n«مَخْتُومٍ» أي رحيق لا غشّ فيه.\nويقال: عتيق طيّب.\nويقال: إنهم يشربون شرابا آخره مسك.\nويقال: بل هو مختوم قبل حضورهم.\nويقال: «خِتامُهُ مِسْكٌ» . ممنوع من كلّ أحد، معدّ مدّخر لكلّ أحد باسمه.\n«وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ» . وتنافسهم فيه بالمبادرة إلى الأعمال الصالحة، والسباق إلى القرب، وتعليق القلب بالله، والانسلاخ عن الأخلاق الدّنيّة، وجولان الهمم فى الملكوت «٢»، واستدامة المناجاة.\nقوله جل ذكره: «وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ» «تَسْنِيمٍ» أي: عين تسنّم عليهم من علوّ.\nوقيل: ميزاب ينصبّ عليهم من فوقهم.\nويقال: سمّى تسنيما لأن ماءه يجرى في الهواء متسنّما فينصبّ في أوانى أهل الجنة\n_________\n(١) كذا بالأصل ولعلّها (بدت في محياك) كى يستقيم الوزن.\n(٢) هكذا في ص وهي أصح مما في م (المكتوب) فهى مشتبهة على الناسخ.","vol":"3","page":703},{"text":"فمنهم من يسقى مزجا، ومنهم من يسقى صرفا.. الأولياء يسقون مزجا، والخواص يسقون صرفا «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3900>[سورة المطففين (٨٣): الآيات ٢٩ الى ٣٦]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ (٣٠) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١) وَإِذا رَأَوْهُمْ قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ (٣٢) وَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ (٣٣)\nفَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦)\nكانوا يضحكون استهزاء بهم.. فاليوم.. الذين آمنوا من الكفار يضحكون! «فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ؟» «هَلْ ...» استفهام يراد منه التقرير.\nويقال: إذا رأوا أهل النار في النار يعذّبون لا تأخذهم بهم رأفة، ولا ترقّ لهم قلوبهم، بل يضحكون ويستهزئون ويعيّرونهم.\n_________\n(١) نفهم من هذا أن الخواص أعلى درجة من الأولياء.","vol":"3","page":704},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3901>سورة الانشقاق</span>\nقوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» «١» «بِسْمِ اللَّهِ»: اسم جليل جلاله لا بالأشكال، وجماله لا على احتذاء أمثال، وأفعاله لا بأغراض وأعلال، وقدرته لا باجتلاب ولا احتيال، وعلمه لا بضرورة ولا استدلال، فهو الذي لم يزل ولا يزال، ولا يجوز عليه فناء ولا زوال.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3902>[سورة الانشقاق (٨٤): الآيات ١ الى ١٨]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nإِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ (٤)\nوَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ (٥) يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ (٦) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (٩)\nوَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُورًا (١١) وَيَصْلى سَعِيرًا (١٢) إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا (١٣) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (١٤)\nبَلى إِنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا (١٥) فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (١٦) وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ (١٧) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (١٨)\n«انْشَقَّتْ»: انصدعت.\n«وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ» أي قابلت أمر ربّها بالسمع والطاعة.. وحقّ لها أن تفعل ذلك.\n«وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ» بسطت باندكاك آكامها وجبالها حتى صارت ملساء، وألقت ما فيها من الموتى والكنوز وتخلّت عنها.. وقابلت أمر ربها بالسمع والطاعة.\nوجواب هذه الأشياء في قوله: «فَمُلاقِيهِ» أي يلقى الإنسان ما يستحقه على أعماله. «٢»\nقوله جل ذكره: «يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ» .\n_________\n(١) نعيد إلى الذاكرة ما قلناه من قبل من حدوث افتراق بين النسختين بين تفسير بسملتى «المطففين» و«الانشقاق» .\n(٢) يرى الكسائي- ويوافقه أبو جعفر النحاس وغيره- أن جواب القسم هو: «فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ ...» أي: إذا انشقت السماء فمن أوتى كتابه بيمينه فحكمه كذا..","vol":"3","page":705},{"text":"«يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ»: يا أيها المكلّف.. إنّك ساع بما لك سعيا ستلقى جزاءه بالخير خيرا وبالشّرّ شرّا.\n«فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ» وهو المؤمن المحسن.\n«فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا» أي حسابا لا مشقّة فيه. ويقال: «حِسابًا يَسِيرًا» أي يسمعه كلامه- سبحانه- بلا واسطة، فيخفّف سماع خطابه ما في الحساب من عناء.\nويقال: «حِسابًا يَسِيرًا»: لا يذكّره ذنوبه. ويقال: يقول: ألم أفعل كذا؟ وألم أفعل كذا؟ يعدّ عليه إحسانه.. ولا يقول: ألم تفعل كذا؟ لا يذكّره عصيانه.\n«وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُورًا» أي بالنجاة والدرجات، وما وجد من المناجاة، وقبول الطاعات، وغفران الزّلّات.\nويقال: بأن يشفّعه فيمن يتعلّق به قلبه. ويقال: بألا يفضحه.\nويقال: بأن يلقى ربّه ويكلّمه قبل أن يدخله الجنة فيلقى حظيّته من الحور العين.\nقوله جل ذكره: «وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ» وهو الكافر.\n«فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُورًا» ..\nأي ويلا.\n«وَيَصْلى سَعِيرًا» جهنم.\n«إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا»","vol":"3","page":706},{"text":"من البطر «١» والمدح.\n«إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ» أنه لن يرجع إلينا، ولن يبعث.\nقوله جل ذكره: «فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ» بالحمرة التي تعقب غروب الشمس.\n«وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ» وما جمع وضمّ.\n«وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ» تمّ واستوى واجتمع.\nويقال: الشّفق حين غربت شمس وصالهم، وأذيقوا الفراق في بعض أحوالهم، وذلك زمان قبض بعد بسط، وأوان فرق عقيب جمع «٢» . «وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ»: ليالى غيبتهم وهم بوصف الاستياق أو ليالى وصالهم وهم في روح التلاقي، أو ليالى طلبهم وهم بنعت القلق والاحتراق.\n«وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ»: إذا ظهر سلطان العرفان على القلوب فلا بخس ولا نقصان.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3903>[سورة الانشقاق (٨٤): الآيات ١٩ الى ٢٥]</span>\nلَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩) فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ (٢١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (٢٢) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُوعُونَ (٢٣)\nفَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٢٤) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٢٥)\nأي حالا بعد حال. وقيل: من أطباق السماء. ويقال: شدّة بعد شدّة.\nويقال: تارات الإنسان طفلا ثم شابا ثم كهلا ثم شيخا.\nويقال: طالبا ثم واصلا ثم متّصلا.\nويقال: حالا بعد حال، من الفقر والغنى، والصحة والسّقم.\nويقال: حالا بعد حال في الآخرة.\n_________\n(١) هكذا في ص وهي في م (النظر) والسياق يقتضى (البطر) فهو من أشد آفات الطريق خطرا- كما نعرف من مذهب القشيري.\n(٢) فى م (وأوان فراق بعد جمع) والاصطلاحان الصوفيان الملائمان هما (الفرق والجمع) .","vol":"3","page":707},{"text":"قوله جل ذكره: «فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ؟» أي فما لكفّار أمّتك لا يصدّقون.. وقد ظهرت البراهين؟\n«وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُوعُونَ» «يُوعُونَ» أي تنطوى عليه قلوبهم- من أوعيت المتاع في الظّرف أي جعلته فيه.\n«فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ» «إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ» فإنهم ليسوا منهم، ولهم أجر غير مقطوع.","vol":"3","page":708},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3904>سورة البروج</span>\nقوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» .\n«بِسْمِ اللَّهِ»: اسم من لا عقل يكتنهه «١»، اسم من لا مثل يشبهه، اسم من لا فهم «٢» يرتقى إليه بالتصوير، اسم من لا علم ينتهى إليه بالتقدير «٣»، اسم من لم يره بصر إلّا واحد- وهو أيضا مختلف فيه «٤»، اسم من لا يجسر أحد أن يتكلّم بغير ما إذن فيه، اسم من لا قطر يحويه، ولا سرّ يخفيه، ولا أحد يصل إلى معرفته إلّا من يرتضيه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3905>[سورة البروج (٨٥): الآيات ١ الى ٧]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nوَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ (١) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢) وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (٣) قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ (٤)\nالنَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ (٥) إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ (٦) وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٧)\nأراد البروج الاثني عشر «٥» .\n«وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ» يوم القيامة.\nوجواب القسم قوله: «إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ» .\nقوله جل ذكره: «وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ» يقال: الشاهد الله، والمشهود الخلق.\n_________\n(١) أي يدرك كنهه.\n(٢) هكذا في النسختين، ومع ذلك فإننا نرجح أنها ربما كانت في الأصل (من لا وهم ...) فمن أقوال ذى النون: (كل ما تصور في وهمك فالله بخلاف ذلك) الرسالة ص ٤.\n(٣) نعرف في الاصطلاح أن (التقدير) لله و(التدبير) للإنسان، ولكن (التقدير) مستعمل هنا خاصا بالإنسان أي أن أحدا لا يستطيع أن (يقدر) الله حق قدره.\n(٤) يشير بذلك إلى اختلاف الآراء حول رؤية النبي (ص) ربه ليلة المعراج رؤية بصرية (الرسالة ص ١٧٥) . [.....]\n(٥) وهي التي تسير الشمس في كل منها شهرا، وهى: الحمل والثور والجوزاء والسرطان والأسد والسنبلة والميزان والعقرب والقوس والجدى والدلو والحوت.","vol":"3","page":709},{"text":"ويقال: الشاهد الخلق، والمشهود الله يشهدونه اليوم بقلوبهم، وغدا بأبصارهم.\nويقال: الشاهد محمد ﷺ، والمشهود القيامة، قال تعالى: «وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيدًا» «١»، وقال في القيامة: «ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ» «٢» .\nوقيل: الشاهد يوم الجمعة «٣»، والمشهود يوم عرفة.\nويقال: الشاهد الملك الذي يكتب العمل، والشاهد الإنسان يشهد على نفسه، وأعضاؤه تشهد عليه فهو شاهد وهو مشهود.\nويقال: الشاهد يوم القيامة، والمشهود الناس.\nويقال: المشهود هم الأمة لأنه ﷺ يشهد لهم وعليهم.\nويقال: الشاهد هذه الأمة، والمشهود سائر الأمم.\nويقال: الشاهد الحجر الأسود لأنّ فيه كتاب العهد.\nويقال: الشاهد جميع الخلق يشهدون لله بالوحدانية، والمشهود الله.\nويقال: الشاهد الله شهد لنفسه بالوحدانية، والمشهود هو لأنه شهد لنفسه.\nقوله جل ذكره: «قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ» أي لعنوا. والأخدود: الحفرة في الأرض إذا كانت مستطيلة، وقصتهم في التفسير معلومة «٤» و«الْوَقُودِ» الحطب.\nوهم أقوام كتموا إيمانهم فلمّا علم ملكهم بذلك أضرم عليهم نارا عظيمة، وألقاهم فيها.\n_________\n(١) آية ٤١ سورة النساء.\n(٢) آية ١٠٣ سورة هود.\n(٣) خرّج ابن ماجة وغيره رواية عن أبى الدرداء قوله: قال رسول الله (ص): «أكثروا من الصلاة عليّ يوم الجمعة فإنه يوم مشهود تشهده الملائكة» .\n(٤) قيل هم من السجستان، وقيل من نجران، وقيل من القسطنطينية، وقيل: هم من المجوس. وقيل من اليهود، وقيل من النصارى.","vol":"3","page":710},{"text":"وآخر من دخلها امرأة كان معها رضيع، وهمّت أن ترجع، فقال لها الولد: قفى واصبري..\nفأنت على الحقّ.\nوألقوها في النار، واقتحمتها، وبينما كان أصحاب الملك قعودا حوله يشهدون ما يحدث ارتفعت النار من الأخدود وأحرقتهم جميعا، ونجا من كان في النار من المؤمنين وسلموا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3906>[سورة البروج (٨٥): الآيات ٨ الى ١٣]</span>\nوَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٩) إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ (١٠) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ (١١) إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢)\nإِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (١٣)\nما غضبوا منهم إلّا لإيمانهم.\nقوله جل ذكره: «إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ» أي أحرقوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا عن كفرهم «فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ»: نوع من العذاب، «وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ»: نوع آخر «١» .\nقوله جل ذكره: «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ» «ذلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ»: النجاة العظيمة.\n«إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ» البطش الأخذ بالشدة.\n«إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ» يبدئ الخلق ثم يعيدهم بعد البعث.\n_________\n(١) قد يكون العذاب الأول بالزمهرير في جهنم، والثاني بنار الحريق فكأنهم يعذبون ببردها وحرها والله أعلم.","vol":"3","page":711},{"text":"ويقال: يبدئ بالعذاب ثم يعيد، وبالثواب ثم يعيد.\nويقال: يبدئ على حكم العداوة والشقاوة ثم يعيد عليه، ويبدئ على الضعف ويعيدهم إلى الضعف.\nويقال: يبدى الأحوال السّنيّة فإذا وقعت حجبة يعيد ثانية.\nويقال: يبدى بالخذلان أمورا قبيحة ثم يتوب عليه، فإذا نقض توبته فلأنه أعاد له من مقتضى الخذلان ما أجراه في أول حاله.\nويقال: يبدى لطائف تعريفه ثم يعيد لتبقى تلك الأنوار أبدا لائحة، فلا يزال يبدى ويعيد إلى آخر العمر.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3907>[سورة البروج (٨٥): الآيات ١٤ الى ٢٢]</span>\nوَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ (١٦) هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (١٧) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (١٨)\nبَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (١٩) وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ (٢٠) بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (٢٢)\n«الْغَفُورُ» كثير المغفرة، «الْوَدُودُ» مبالغة من الوادّ، ويكون بمعنى المودود فهو يغفر لهم كثيرا لأنه يودّهم، ويغفر لهم كثيرا لأنهم يودّونه.\nقوله جل ذكره: «ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ» ذو الملك الرفيع، والمجد الشريف.\n«فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ» لأنه مالك على الإطلاق فلا حجر عليه ولا حظر.\nقوله جل ذكره: «هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ» الجموع من الكفار.\n«فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ» وقد تقدم ذكر شأنهما.\n«بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ» «الَّذِينَ كَفَرُوا» يعنى مشركى مكة «فِي تَكْذِيبٍ» للبعث والنشر.\n«وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ»","vol":"3","page":712},{"text":"عالم بهم.\n«بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ» «فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ» مكتوب فيه. وجاء في التفسير: أنّ اللوح المحفوظ خلق من درّة بيضاء، دفّتاه من ياقوتة حمراء عرضها بين السماء والأرض، وأعلاه متعلّق بالعرش، وأسفله فى حجر ملك كريم.\nوالقرآن كما هو محفوظ في اللوح كذلك محفوظ في قلوب المؤمنين، قال تعالى: «بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ» فهو في اللوح مكتوب، وفي القلوب محفوظ.","vol":"3","page":713},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3908>سورة الطارق</span>\nقوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» «بِسْمِ اللَّهِ»: اسم عزيز إذا أراد إعزاز عبد وفّقه لعرفانه، ثم زيّنه بإحسانه، ثم استخلصه بامتنانه فعصمه من عصيانه، وقام بحسن التولّى- فى جميع أحواله- بشانه، ثم قبضه على إيمانه، ثم بوّأه في جنانه، وأكرمه برضوانه، ثم أكمل عليه نعمته برؤيته وعيانه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3909>[سورة الطارق (٨٦): الآيات ١ الى ١٧]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nوَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ (١) وَما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ (٢) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (٣) إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ (٤)\nفَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ (٧) إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ (٨) يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ (٩)\nفَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا ناصِرٍ (١٠) وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ (١١) وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ (١٢) إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (١٣) وَما هُوَ بِالْهَزْلِ (١٤)\nإِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا (١٦) فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (١٧)\nأقسم بالسماء، وبالنجم الذي يطرق ليلا.\n«وَما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ؟» استفهام يراد منه تفخيم شأن هذا النجم.\n«النَّجْمُ الثَّاقِبُ» المضيء العالي. وقيل: الذي ترمى به الشياطين.\nويقال: هى «١» نجوم المعرفة التي تدل على التوحيد يستضىء بنورها ويهتدى بها أولو البصائر.\n«إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ» ما من نفس إلا عليها حافظ من الملائكة، يحفظ عليه عمله ورزقه وأجله، ويحمله على دوام التيقّظ وجميل التحفّظ.\nقوله جل ذكره: «فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ\n_________\n(١) هكذا في م وهي في ص (هو نجم المعرفة ... إلخ) .","vol":"3","page":714},{"text":"مِنْ ماءٍ دافِقٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ» يخرج من صلب الأب، وتريبة الأم.\nوهو بذلك يحثّه على النّظر والاستدلال حتى يعرف كمال قدرته وعلمه وإرادته- سبحانه.\n«إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ» إنه على بعثه، وخلقه مرة أخرى لقادر لأنه قادر على الكمال- والقدرة على الشيء تقتضى القدرة على مثله، والإعادة في معنى الابتداء.\n«يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ» يوم تمتحن الضمائر.\n«فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا ناصِرٍ» أي ما لهذا الإنسان- يومئذ- من معين يدفع عنه حكم الله.\n«وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ» أي المطر.\n«وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ» «الصَّدْعِ»: الانشقاق بالنبات للزرع والشجر.\n«إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ» أي: إن القرآن لقول جزم.\n«وَما هُوَ بِالْهَزْلِ» الهزل ضد الجدّ، فليس القرآن بباطل ولا لعب.\nقوله جل ذكره: «إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا»","vol":"3","page":715},{"text":"أي يحتالون حيلة.\n«وَأَكِيدُ كَيْدًا» هم يحتالون حيلة، ونحن نحكم فعلا ونبرم خلقا، ونجازيهم على كيدهم، بما نعاملهم به من الاستدراج والإمهال.\n«فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا» أي أنظرهم، وأمهلهم قليلا، وأرودهم رويدا.","vol":"3","page":716},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3910>سورة الأعلى</span>\nقوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» «بِسْمِ اللَّهِ»: اسم عزيز من قصده وجده، ومن استسعفه حمده. من طلبه عرفه، ومن عرفه لاطفه، فإذا وجد لطفه ألفه، وإذا ألفه أنف أن يخالفه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3911>[سورة الأعلى (٨٧): الآيات ١ الى ٩]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى (٤)\nفَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى (٥) سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى (٦) إِلاَّ ما شاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى (٧) وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى (٨) فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى (٩)\nأي سبّح ربّك بمعرفة أسمائه، واسبح بسرّك في بحار علائه، واستخرج من جواهر علوّه وسنائه ما ترصّع به عقد مدحه وثنائه.\n«الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى» خلق كلّ ذى روح فسوّى أجزاءه، وركّب أعضاءه على ما خصّه به من النظم العجيب والتركيب البديع.\n«وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى» أي قدّر ما خلقه، فجعله على مقدار ما أراده، وهدى كلّ حيوان إلى ما فيه رشده من المنافع، فيأخذ ما يصلحه ويترك ما يضره- بحكم الإلهام.\nويقال: هدى قلوب الغافلين إلى طلب الدنيا فعمروها، وهدى قلوب العابدين إلى طلب العقبى فآثروها. وهدى قلوب الزاهدين إلى فناء الدنيا فرفضوها، وهدى قلوب العلماء إلى النظر في آياته والاستدلال بمصنوعاته فعرفوا تلك الآيات ولازموها.\n(وهدى قلوب المريدين إلى عزّ وصفه فآثروه، واستفرغوا جهدهم فطلبوه) «١»، وهدى\n_________\n(١) ما بين القوسين موجود في ص وغير موجود في م.","vol":"3","page":717},{"text":"العارفين إلى قدس نعته فراقبوه ثم شاهدوه، وهدى الموحّدين إلى علاء سلطانه في توحد كبريائه فتركوا ما سواه وهجروه، وخرجوا عن كلّ مألوف لهم ومعهود «١» حتى قصدوه.\nفلمّا ارتقوا عن حدّ البرهان ثم عن حدّ البيان ثم عمّا كالعيان علموا أنّه عزيز، وأنّه وراء كلّ فصل ووصل، فرجعوا إلى موطن العجز فتوسّدوه.\n«وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى» أي النبات.\n«فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى» جعله هشيما كالغثاء، وهو الذي يقذفه السيل. و«أَحْوى» أسود.\n«سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى» «٢» سنجمع القرآن في قلبك- يا محمد- حفظا حتى لا تنسى لأنا نحفظه عليك.\n«إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى» مما لا يدخل تحت التكليف فتنساه قبل التبليغ ولم يجب عليه أداؤه.\nوهو- سبحانه- يعلم السّرّ والعلن.\nقوله جل ذكره: «فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى» والذّكرى تنفع لا محالة «٣»، ولكن لمن وفّقه الله للاتعاظ بها، أمّا من كان المعلوم من حاله الكفر والإعراض فهو كما قيل:\n_________\n(١) هكذا في م وهي في ص (معبود) وقد رجحنا (معهود) لتلاؤمها مع (مألوف) . ولكن إذا تذكرنا أن الصوفية يرون الانسياق وراء الهوى نوعا من الشرك الخفي- قال تعالى: «أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ» - فيمكن في ضوء ذلك قبول (معبود) أيضا.\n(٢) يرى الجنيد أن المعنى «فلا تنسى العمل به»، وهذا من الآراء الحسنة التي يتمشى معها رأى القشيري فى «إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ» .\n(٣) ولهذا تفسر (إن) فى الآية على معنى (ما): أي فذكر ما نفعت الذكرى، ولا يكون لها حينئذ معنى الشرط، وتفسر على معنى (إذ) مثل: «وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ»، وعلى معنى (قد) .","vol":"3","page":718},{"text":"وما انتفاع أخى الدنيا بمقلته ... إذا استوت عنده الأنوار والظّلم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3912>[سورة الأعلى (٨٧): الآيات ١٠ الى ١٩]</span>\nسَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى (١٠) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى (١٢) ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى (١٣) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤)\nوَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى (١٧) إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى (١٨) صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى (١٩)\nالذي يخشى الله ويخشى عقوبته.\n«وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى» أي يتجنّب الذّكر الأشقى الذي يصلى النار الكبرى، ثم لا يموت فيها موتا يريحه، ولا يحيا حياة تلذّ له.\nقوله جل ذكره: «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى» من تطهّر من الذنوب والعيوب، ومشاهدة الخلق وأدّى الزكاة- وجد النجاة، والظّفر بالبغية، والفوز بالطّلبة.\n«وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى» ذكر اسم ربّه في صلاته. ويقال: ذكره بالوحدانية وصلّى له.\n«بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا» تميلون إليها فتقدّمون حظوظكم منها على حقوق الله تعالى.\n[«وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى» والآخرة للمؤمنين خير وأبقى- من الدنيا- لطلّابها.] «١»\nقوله جل ذكره: «إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى» إن هذا الوعظ لفى الصحف المتقدمة، وكذلك في صحف إبراهيم وموسى وغيرهما لأنّ التوحيد، والوعد والوعيد.. لا تختلف باختلاف الشرائع.\n_________\n(١) ما بين القوسين موجود في م وغير موجود في ص.","vol":"3","page":719},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3913>سورة الغاشية</span>\nقوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» .\n«بِسْمِ اللَّهِ»: كلمة من سمعها وفي قلبه عرفانه تلألأت أنوار قلبه، وتفرّقت أنواع كربه، وتضاعفت في جماله طوارق حبّه، وتحيّرت في جلاله شوارق لبّه.\nكلمة من عرفها- وفي قلبه إيمانه- أحبّها من داخل الفؤاد، وهجر- فى طلبها- الرّقاد، وترك- لأجلها- كلّ همّ ومراد.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3914>[سورة الغاشية (٨٨): الآيات ١ الى ١٢]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ (١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ (٢) عامِلَةٌ ناصِبَةٌ (٣) تَصْلى نارًا حامِيَةً (٤)\nتُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (٥) لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلاَّ مِنْ ضَرِيعٍ (٦) لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (٧) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ (٨) لِسَعْيِها راضِيَةٌ (٩)\nفِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ (١٠) لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً (١١) فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ (١٢)\n«الْغاشِيَةِ» المجلّلة، يريد بها القيامة تغشى الخلق، تغشى وجوه الكفّار.\n«وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ عامِلَةٌ ناصِبَةٌ تَصْلى نارًا حامِيَةً» وجوه- إذا جاءت القيامة- خاشعة أي ذليلة. عاملة ناصبة: النّصب التعب.\nجاء في التفسير: أنهم يجرّون على وجوههم.\n«تَصْلى نارًا حامِيَةً» تلزم نارا شديدة الحرّ.\nويقال: «عامِلَةٌ» فى الدنيا بالمعاصي، «ناصِبَةٌ» فى الآخرة بالعذاب.\nويقال: «ناصِبَةٌ» فى الدنيا «عامِلَةٌ» لكن من غير إخلاص كعمل الرهبان «١»، وفي معناه عمل أهل النفاق.\n_________\n(١) روى الضحاك عن ابن عباس قوله: «هم الذين أنصبوا أنفسهم في الدنيا على معصية الله ﷿، وعلى الكفر، مثل عبدة الأوثان، وكفار أهل الكتاب مثل الرهبان وغيرهم، لا يقبل الله- جل ثناؤه- منهم إلا ما كان خالصا» .","vol":"3","page":720},{"text":"«تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ» تناهى حرّها.\nَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ»\nنبت ينمو بالحجاز له شوك، وهو سمّ لا تأكله الدواب، فإذا أكلوا ذلك في النار يغصّون، فيسقون الزقّوم.\nوإن اتصاف الأبدان- اليوم- بصورة الطاعات مع فقد الأرواح وجدان المكاشفات (وفقد) «١» الأسرار أنوار المشاهدات، (وفقد) القلب الإخلاص والصدق في الاعتقادات لا يجدى خيرا، ولا ينفع شيئا- وإنما هي كما قال: «عامِلَةٌ ناصِبَةٌ» قوله جل ذكره: «وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ» أي: متنعّمة، ذات نعمة ونضارة.\n«لِسَعْيِها راضِيَةٌ» حين وجدت الثواب على سعيها، والقبول لها.\n«فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ» عالية في درجتها ومنزلتها وشرفها. هم بأبدانهم في درجاتهم، ولكن بأرواحهم مع الله فى عزيز مناجاتهم.\n«لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً» لأنهم يسمعون بالله فليس فيها كلمة لغو.\nقوم يسمعون بالله، وقوم يسمعون لله، وقوم يسمعون من الله، وفي الخبر: «كنت له سمعا وبصرا فبى يسمع وبى يبصر «٢» .\n_________\n(١) ما بين القوسين إضافة من جانبنا كى يكون السياق أكثر وضوحا. [.....]\n(٢) «ما يزال عبدى يتقرب إلىّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت عينه التي يبعسر بها، وسمعه الذي يسمع به، ويده التي يبطش بها» أورده السراج في لمعه ص ٨٨. وهو حديث قدسى رواه البخاري عن أبى هريرة وأحمد عن عائشة، والطبراني في الكبير عن أبى أمامة، وابن السنى عن ميمون.","vol":"3","page":721},{"text":"«فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ» أراد عيونا لأن العين اسم جنس، والعيون الجارية هنالك كثيرة ومختلفة.\nويقال: تلك العيون الجارية غدا لمن له- اليوم- عيون جارية بالبكاء «١»، وغدا لهم عيون ناظرة بحكم اللقاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3915>[سورة الغاشية (٨٨): الآيات ١٧ الى ١٥]</span>\nالنمارق المصفوفة في التفسير: الطنافس المبسوطة.\nالزرابي المبثوثة في التفسير: البسط المتفرقة.\nوإنما خاطبهم على مقادير فهو مهم «٢» .\nقوله جل ذكره: «أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ؟» لمّا ذكر وصف تلك السّرر المرفوعة المشيّدة قالوا: كيف يصعدها المؤمن؟ فقال:\nأفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت؟ كيف إذا أرادوا الحمل عليها أو ركوبها تنزل؟\nفكذلك تلك السّرر تتطامن حتى يركبها الوليّ.\nوإنما أنزلت هذه الآيات على وجه التنبيه، والاستدلال بالمخلوقات على كمال قدرته سبحانه.\nفالقوم كانوا أصحاب البوادي لا يرون شيئا إلا السماء والأرض والجبال والجمال ...\nفأمرهم بالنظر في هذه الأشياء.\n_________\n(١) منذ عهد مبكر ظهرت طائفة البكّائين في صفوف الزهاد، وإن كان بعض الصوفية لا يتحمس البكاء إمّا لأن الدموع علامة شكوى، وهم لا يحبون أن يشكوا، وإمّا لأنها تنم عن ضعف الحال، وهم يتمنون أن يكونوا راسخين كالجبال.\n(٢) يتبع هذا فكرة القشيري الأساسية عن وصف الآخرة: الأسماء أسماء، والأعيان بخلاف ذلك.","vol":"3","page":722},{"text":"وفي الإبل خصائص تدل على كمال قدرته وإنعامه جل شأنه منها: ما في إمكانهم من الانتفاع بظهورها للحمل والركوب، ثم بنسلها، ثم بلحمها ولبنها ووبرها ... ثم من سهولة تسخيرها لهم، حتى ليستطيع الصبيّ أن يأخذ بزمامها، فتنجرّ وراءه. والإبل تصبر على مقاساة العطش في الأسفار الطويلة، وهي تقوى على أن تحمل فوق ظهورها الكثير من الحمولات..\nثم حرانها إذا حقدت، واسترواحها إلى صوت من يحدوها عند الإعياء والتعب، ثم ما يعلّل المرء بما يناط بها من برّها «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3916>[سورة الغاشية (٨٨): الآيات ٢٦ الى ٢١]</span>\n«٢» لست عليهم بمسلّط فذكّر- يا محمد- بما أمرناك به، فبذلك أمرناك «٣» .\n«إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذابَ الْأَكْبَرَ» إلا من تولّى عن الإيمان وكفر فيعذبه الله بالخلود في النار.\n«إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ» إن إلينا رجوعهم، ثم نجازيهم على الخير والشرّ.\n_________\n(١) إشارة القشيري الخاصة بالإبل استوفت المراد، فمن المعلوم أن ضروب الحيوان المختلفة لا تخرج عن أربعة:\nحدوبة، وركوبة، وأكولة، وحمولة. وقد استطاع القشيري أن يقنع أن الإبل جمعت كل هذه المنافع.\n(٢) بمصيطر ومسيطر، أي بالصاد والسين (الصحاح) .\n(٣) لم يقع القشيري فيما وقع فيه بعض المفسرين حين قالوا: «إن في الآية نسخا بآيات القتال والجهاد» ...\nفالعذاب الأكبر في الآخرة لا ينفى تعذيب الكفار بشتى ألوان التعذيب في الدنيا، ومنها القتل والأسر.","vol":"3","page":723},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3917>سورة الفجر</span>\nقوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» .\nبسم الله كلمة ما استولت على قلب فقير فأقلقته، وما تمكّنت من سرّ متيّم فشتّته، وما استولت على روح محبّ فرحمته «١» . كلمة قهّارة للقلوب.. ولكن لا لكلّ قلب، كلمة لا سبيل لها لكلّ عقل، كلمة تكتفى من العابدين بقراءتهم لها، ولكنها لا ترضى من المحبين إلا ببذل أرواحهم فيها.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3918>[سورة الفجر (٨٩): الآيات ١ الى ١٣]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nوَالْفَجْرِ (١) وَلَيالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣) وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ (٤)\nهَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (٥) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ (٦) إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ (٨) وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ (٩)\nوَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ (١٠) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ (١١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ (١٢) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ (١٣)\nالفجر انفجار الصّبح وهو اثنان: مستطيل وقصير «٢» ففى التفسير: إنه فجر المحرّم لأنه ابتداء السنة كلها، وقيل: فجر ذى الحجة.\nويقال: هو الصخور ينفجر منها الماء.\nويقال: أقسم به لأنّه وقت عبادة الأولياء عند افتتاحهم النهار.\n«وَلَيالٍ عَشْرٍ» قيل: هى عشر ذى الحجة، ويقال: عشر المحرم لأن آخرها عاشوراء.\nويقال: العشر الأخيرة من رمضان.\nويقال: هى العشر التي ذكرها الله في قصة موسى ﵇ تمّ به ميعاده بقوله:\nوَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ» .\n_________\n(١) هكذا في النسختين، ولا نستبعد أنها في الأصل: (فأراحته) ذلك لأن رحمة الله عامة، للخاصة والكافة، أما محبته- التي هي رحمة خاصة بالخواص- فهى المقصودة هنا (الرسالة ص ١٥٨) وهذه المحبة إذا استولت على روح محب أزعجته وما (أراحته) لأنها تتطلب بذل الروح، واسترخاص المهجة.\n(٢) فى النسختين (مستطيل ومستطير) ولم نفهم المقصود، فوضعنا (قصير) محل مستطير كى يكون هناك بين فجر لعام كامل. وفجر ليوم واحد- والله ﷾ أعلم.","vol":"3","page":724},{"text":"ويقال: هو «فجر» قلوب العارفين إذا ارتقوا عن حدّ العلم، وأسفر صبح معارفهم، فاستغنوا عن ظلمة طلب البرهان «١» بما تجلّى في قلوبهم من البيان.\n«وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ» جاء في التفاسير: الشفع يوم النّحر، والوتر يوم عرفة «٢» .\nويقال: آدم كان وترا فشفع بزوجته حواء.\nوفي خبر: إنها الصلوات منها وتر (كصلاة المغرب) ومنها شفع كصلاة الصّبح.\nويقال: الشفع الزوج من العدد، والوتر الفرد من العدد.\nويقال: الشفع تضادّ أوصاف الخلق: كالعلم والجهل، والقدرة والعجز، والحياة والموت. والوتر انفراد صفات الله سبحانه عمّا يضادّها علم بلا جهل، وقدرة بلا عجز، وحياة بلا موت.\nويقال: الشفع الإرادة والنية، والوتر الهمّة لا تكتفى بالمخلوق ولا سبيل لها إلى الله- لتقدّسه عن الوصل والفصل. فبقيت الهمّة غريبة.\nويقال: الشفع الزاهد والعابد، لأن لكل منهما شكلا وقرينا، والوتر المريد فهو كما قيل:\nفريد من الخلّان في كل بلدة ... إذا عظم المطلوب قلّ المساعد\n«وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ» «يسرى» يمضى.\nقوله جل ذكره: «هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ؟» «حِجْرٍ» . لبّ. وجواب القسم: «إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ» .\n_________\n(١) أي عن النطاق العقلي.. والعقل- فى نظر الصوفية- مصاب بآفات التجويز والتحير والارتباط بالمحسات.\n(٢) يوم عرفة وتر، لأنه تاسع الأيام العشرة، ويوم النحر شفع لأنه عاشرها.. وقد روى حديث بهذا المعنى عن جابر بن عبد الله.","vol":"3","page":725},{"text":"«أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ ...»\nذكر قصص هؤلاء المتقدمين.. إلى قوله: «فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ» أي: شدة العذاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3919>[سورة الفجر (٨٩): الآيات ١٤ الى ١٧]</span>\nإِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ (١٤) فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ (١٦) كَلاَّ بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧)\nلا يفوته شىء.\nقوله جل ذكره: «فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ» «فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ»: أي: شكره.\n«فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ» . أي: ضيّق، «فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ» . أي: أذلّنى. كلا.. ليس الإذلال بالفقر إنما الإذلال بالخذلان للعصيان «١» .\nقوله جل ذكره: «كَلَّا بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ» أي: أنتم تستحقون الإهانة على هذه الخصال المذمومة فلا تكرمون اليتيم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3920>[سورة الفجر (٨٩): الآيات ١٩ الى ٢٥]</span>\nوَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلًا لَمًّا (١٩) وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠) كَلاَّ إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى (٢٣)\nيَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي (٢٤) فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ (٢٥)\nلمّا. أي شديدا.\n«وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا» جمّا أي كثيرا.\n_________\n(١) كما نعرف من مذهب القشيري، أقصى درجات الغضب: الخذلان للعصيان وأقصى درجات الرضا:\nالتوفيق الطاعة.. وكلاهما من الله.","vol":"3","page":726},{"text":"قوله جل ذكره: «كَلَّا إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا» أي: قامت القيامة.\n«وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا» «وَجاءَ رَبُّكَ» أي الملائكة بأمره «١» .\nويقال: يفعل فعلا فيسميه مجيئا.\n«وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى؟!» يقال: تقاد جهنم بسبعين ألف زمام»\nوفي ذلك اليوم يتذكر الإنسان.. ولا ينفعه التذكّر، ولا يقبل منه العذر.\n«يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي» أي: أطعت ربّى ونظرت لنفسى.\n«فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ» أي: لا يعذّب في الدنيا أحد مثلما يعذّبه الله في ذلك اليوم.. إذا قرئت الذال بالكسر.\nأما إذا قرئت بالفتح «٣» «لا يُعَذِّبُ» فالمعنى: لا يعذّب أحد مثلما يعذّب هذا الكافر «٤» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3921>[سورة الفجر (٨٩): الآيات ٢٧ الى ٣٠]</span>\nيا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)\n_________\n(١) أي: جاءهم ربّك. أي: ظهرت آياته، وأزيل الشك، وصارت المعارف ضرورية، وظهرت القدرة الإلهية. والمقصود نفى التحول من مكان إلى مكان عن الله، فقد جلّت الصمدية عن الارتباط بالتحول الحركى والتقيد الزمانى والمكاني.\n(٢) «... كل زمام بيد سبعين ألف ملك، لها تغيظ وزفير، حتى تنصب عن يسار العرش» (ابن مسعود) وفي صحيح مسلم حديث يرويه ابن مسعود بهذا المعنى.\n(٣) بالفتح قراءة الكسائي «لا يُعَذِّبُ» «وَلا يُوثِقُ» . [.....]\n(٤) قيل: هو إبليس لأنه أشد المخلوقات عذابا، وقيل «هو أمية بن خلف لتناهيه في كفره وعناده.","vol":"3","page":727},{"text":"الروح المطمئنة إلى النفس.\nويقال: المطمئنة بالمعرفة: ويقال: المطمئنة بذكر الله.\nويقال: بالبشارة بالجنة. ويقال: النفس المطمئنة: الروح الساكنة «١» «ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً» راضية «٢» عن الله، مرضية من قبل الله.\n«فَادْخُلِي فِي عِبادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي» أي: فى عبادى الصالحين.\n_________\n(١) تأخرت هذه العبارة الأخيرة إلى نهاية السورة في النسختين فنقلناها إلى موضعها.\n(٢) وردت (من) ولكننا وجدنا أن المعنى حينئذ لن يتغير فيما بين اسم الفاعل واسم المفعول، فوضعنا (عن) بدلا من (من) مسترشدين بقوله تعالى: «رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ» . وإن كنا لا نستبعد أن (من) تؤدى معنى صوفيا: هو أنه حتى رضاهم عن الله (من) الله، فليس للعبد حول ولا طول حتى يرضى أو يسخط ... إلا إذا كان ثمة فضل إلهى (من) الله.","vol":"3","page":728},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3922>سورة البلد</span>\nقوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» «١» «بِسْمِ اللَّهِ» كلمة تخبر عن جلال أزليّ، وجمال سرمديّ، جلال ليس له زوال، وجمال ليس له انتقال، جلال لا بأغيار «٢» وأمثال، جمال لا بصورة ومثال، وجلال هو استحقاقه لجبروته وجمال هو استيجابه لملكوته، جلال من كاشفه به فأوصافه فناء في فناء، وجمال من لاطفه به فأحواله بقاء في بقاء.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3923>[سورة البلد (٩٠): الآيات ١ الى ١٠]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nلا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ (٢) وَوالِدٍ وَما وَلَدَ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ (٤)\nأَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (٥) يَقُولُ أَهْلَكْتُ مالًا لُبَدًا (٦) أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (٧) أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (٨) وَلِسانًا وَشَفَتَيْنِ (٩)\nوَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ (١٠)\nأي: أقسم بهذا البلد، وهو مكة.\n«وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ» وإنما أحلّت له ساعة واحدة «٣» .\n«وَوالِدٍ وَما وَلَدَ» كلّ والد وكلّ مولود. وقيل: آدم وأولاده وجواب القسم: «لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ» .\nويقال: أقسم بهذا البلد لأنك حلّ به.. وبلد الحبيب حبيب.\n«لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ»\n_________\n(١) مرة أخرى حدث اضطراب.. فتفسير البسملة هنا كما جاء في م موضوع في ص في أول السورة القادمة:\nسورة الشمس.. والعكس في م.\n(٢) هكذا في م وهي في ص (باعتبار) والصحيح ما أثبتنا.\n(٣) عن ابن عباس قال: «أحلّت له ساعة من نهار ثم أطبقت وحرّمت إلى القيامة وذلك يوم فتح مكة.\nوثبت أن النبي (ص) قال: «إن الله حرّم مكة يوم خلق السماوات والأرض، فهى حرام إلى أن تقوم الساعة، فلم تحل لأحد قبلى، ولا تحل لأحد بعدى، ولم تحل لى إلا ساعة من نهار» .","vol":"3","page":729},{"text":"أي: فى مشقة فهو يقاسى شدائد الدنيا والآخرة.\nويقال: خلقه في بطن أمه (منتصبا رأسه) فإذا أذن الله أن يخرج من بطن أمّه تنكّس رأسه عند خروجه، ثم في القماط وشدّ الرّباط ... ثم إلى الصّراط هو في الهياط والمياط «١» .\nقوله جل ذكره: «أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ» أي: لقوّته وشجاعته عند نفسه يقول:\n«يَقُولُ أَهْلَكْتُ مالًا لُبَدًا» «لُبَدًا» كثيرا، فى عداوة محمد ﷺ. «٢»\n«أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ» أليس يعلم أنّ الله يراه، وأنه مطّلع عليه؟\nقوله جل ذكره: «أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ وَلِسانًا وَشَفَتَيْنِ؟» أي: ألم نخلقه سميعا بصيرا متكلّما.\n«وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ» ألهمناه طريق الخير والشّر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3924>[سورة البلد (٩٠): الآيات ١١ الى ٢٠]</span>\nفَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ (١٥)\nأَوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ (١٦) ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧) أُولئِكَ أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ (١٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا هُمْ أَصْحابُ الْمَشْأَمَةِ (١٩) عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ (٢٠)\nأي: فهلّا اقتحم العقبة. «وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ؟ استفهام على التفخيم لشأنها.\nويقال: هى عقبة بين الجنة والنار يجاوزها من فعل ما قاله: وهو فكّ رقبة: أي: إعتاق مملوك، والفكّ الإزالة. وأطعم في يوم ذى مجاعة وقحط وشدّة يتيما ذا قرابة، أو «مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ»: لا شىء له حتى كأنه قد التصق بالتراب من الجوع.\n_________\n(١) يقال: هم في هياط ومياط أي في شر وجلبة، وقيل: فى دنو وتباعد (الوسيط) .\n(٢) يقال: نزلت في رجل من بنى جمح كان يقال له: أبو الأشدين، وكان من أشد أعداء النبي (ص) .\n(قاله الكلبي) .","vol":"3","page":730},{"text":"قوله جل ذكره: «ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ» أي: من الذين يرحم بعضهم بعضا.\n«أُولئِكَ أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ» أي: أصحاب اليمن والبركة.\n«وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا هُمْ أَصْحابُ الْمَشْأَمَةِ عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ» هم المشائيم على أنفسهم، عليهم نار مطبقة يعنى أبواب النيران (عليهم مغلقة) .\nوالعقبة التي يجب على الإنسان اقتحامها: نفسه وهواه، وما لم يجز تلك العقبة لا يفلح و«فَكُّ رَقَبَةٍ» هو إعتاق نفسه من رقّ الأغراض والأشخاص.\nويكون فك الرقبة بأن يهدى من يفكّه- من رق هواه ونفسه- إلى سلامته من شحّ نفسه، ويرجعه إليه، ويخرجه من ذلّه.\nويكون فكّ الرقبة بالتّحرّز من التدبير، والخروج من ظلمات الاختيار إلى سعة الرضاء.\nويقال: يطعم من كان في متربة ويكون هو في مسغبة.\n«ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ...» أي تكون خاتمته على ذلك «١» .\n_________\n(١) أي يبقى على ذلك حتى الوفاة.","vol":"3","page":731},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3925>سورة الشمس</span>\nقوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» .\n«بِسْمِ اللَّهِ» إخبار عن وجود الحقّ بنعت القدم. «الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ»: إخبار عن بقائه بوصف العلاء والكرم.\nكاشف الأرواح بقوله: «بِسْمِ اللَّهِ» فهيّمها، وكاشف النفوس بقوله: «الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» فتيمّها فالأرواح دهشى في كشف جلاله، والنفوس عطشى إلى لطف جماله «١» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3926>[سورة الشمس (٩١): الآيات ١ الى ٨]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nوَالشَّمْسِ وَضُحاها (١) وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها (٢) وَالنَّهارِ إِذا جَلاَّها (٣) وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها (٤)\nوَالسَّماءِ وَما بَناها (٥) وَالْأَرْضِ وَما طَحاها (٦) وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها (٧) فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها (٨)\nضحا الشمس صدر وقت طلوعها.\n«وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها» أي: تبعها وذل في النصف الأول من الشهر.\n«وَالنَّهارِ إِذا جَلَّاها» إذا جلّى الشمس وكشفها.\n«وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها» أي: يغشى الشمس (فيذهب بضوئها) .\n«وَالسَّماءِ وَما بَناها» أي وبنائها. ويقال: ومن بناها «٢»\n_________\n(١) نذكر بما قلناه آنفا عن تعاكس وضع تفسيرى البسملة فيما بين «البلد» و«الشمس» فى النسختين م، وص.\n(٢) هذا القول الأخير اختاره الطبري، وقاله الحسن ومجاهد. وأهل الحجاز يقولون: سبحان (ما) سبّحت له.\nأي سبحان من سبحت له.","vol":"3","page":732},{"text":"«وَالْأَرْضِ وَما طَحاها» أي: وطحوها. ويقال: ومن طحاها (أي بسطها أو قسمها أو خلقها) .\n«وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها» ومن سوّى أجزاءها وأعضاءها.\n«فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها» أي: بأن خذلها ووفّقها.\nويقال: فجورها: حركتها في طلب الرزق، وتقواها: سكونها بحكم القدير.\nوقيل: طريق الخير والشر.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3927>[سورة الشمس (٩١): الآيات ٩ الى ١٥]</span>\nقَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها (٩) وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها (١٠) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها (١١) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها (١٢) فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ناقَةَ اللَّهِ وَسُقْياها (١٣)\nفَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاها (١٤) وَلا يَخافُ عُقْباها (١٥)\nهذا جواب القسم. أي: «لقد أفلح من زكّاها» .\nويقال: من زكّاها الله ﷿.\n«وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها» أي: دسّاها الله. وقيل: دسّها «١» فى جملة الصالحين وليس منهم.\nوقيل: خاب من دسّ نفسه بمعصية الله. وقيل دسّاها: جعلها خسيسة حقيرة.\nوأصل الكلمة دسسها «٢» قوله جل ذكره: «كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها» «بِطَغْواها»: لطغيانها، وقيل: إن صالحا قد مات، فكفر قومه، فأحياه الله، فدعاهم إلى الإيمان، فكذّبوه، وسألوه علامة وهي الناقة، فأتاهم صالح بما سألوا.\n«إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها» .\n_________\n(١) أي دسها صاحبها.\n(٢) من التدسيس، وهو إخفاء الشيء في الشيء، فأبدلت سينه ياء كما يقال: قصّيت أظفارى والأصل قصصت، ومثله قولهم في تضّض: تقضّى.","vol":"3","page":733},{"text":"«أَشْقاها» عاقرها.\n«فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ناقَةَ اللَّهِ وَسُقْياها» أي: احذروا ناقة الله، واحذروا سقياها: أي: لا تتعرّضوا لها.\n«فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها ...»\nأي كذّبوا صالحا، فعقروا الناقة.\n«... فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاها» .\nأي: أهلكهم بجرمهم، «فَسَوَّاها»: أي أطبق عليهم العذاب «١» .\nويقال: سوّى بينهم ربّهم في العذاب لأنهم كلهم رضوا بعقر الناقة.\nقوله جل ذكره: «وَلا يَخافُ عُقْباها» أي: أن الله لا يخاف عاقبة ما فعل بهم من العقوبة.\nويقال: قد أفلح «٢» من داوم على العبادة، وخاب من قصّر فيها.\nوفائدة السورة: أنه أفلح من طهّر نفسه عن الذنوب والعيوب، ثم عن الأطماع في الأعواض والأغراض، ثم أبعد نفسه عن الاعتراض على الأقسام، وعن ارتكاب الحرام.\nوقد خاب من خان نفسه، وأهملها عن المراعاة، ودنّسها بالمخالفات فلم يرض بعدم المعاني حتى ضمّ إلى فقرها منها الدعاوى المظلمة ... فغرقت في بحر الشقاء سفينته.\n_________\n(١) بأن سوى عليهم الأرض. [.....]\n(٢) هكذا في ص وهي في م (أصلح) وقد رجّحنا ما أثبتنا، فهكذا الآية، ثم ما تلا هذه العبارة.","vol":"3","page":734},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3928>سورة اللّيل</span>\nقوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» بسم الله كلمة تخبر عن إلهية الله وهي استحقاقه لنعوت المجد والتوحّد، وصفات العزّ والتفرّد فمن تجرّد في طلبه عن الكسل، ولم يستوطن مركب العجز والفشل، ووضع النظر موضعه وصل بدليل العقل إلى عرفانه، ومن بذل روحه ونفسه وودّع في الطلب راحته وأنسه، ولم يعرّج في أوطان الوقفة ظفر بحكم الوصل إلى شهود سلطانه، والناس فيه بين موفّق ومخذول، أو مؤيّد ومردود.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3929>[سورة الليل (٩٢): الآيات ١ الى ١٠]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nوَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى (١) وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى (٢) وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٣) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤)\nفَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى (٩)\nفَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى (١٠)\nيغشى الأفق، وما بين السماء والأرض فيستره بظلمته.\nوالليل لأصحاب التحيّر يستغرق جميع أقطار أفكارهم فلا يهتدون الرشد.\n«وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى» أنار وظهر، ووضح وأسفر.\nونهار أهل العرفان بضياء قلوبهم وأسرارهم، حتى لا يخفى عليهم شىء، فسكنوا بطلوع الشمس «١» عن تكلّف إيقاد السراج «٢» «وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى» أي: «من» خلق الذكر والأنثى وهو الله سبحانه:\n«إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى» هذا جواب القسم، والمعنى: إنّ عملكم لمختلف فمنكم: من سعيه في طلب دنياه، ومنكم من سعيه في شهوات نفسه واتباع هواه، ومنكم من في طلب جاهه ومناه، وآخر في طلب عقباه،\n_________\n(١) يقصد شمس التوحيد.\n(٢) إذا طلعت شمس التوحيد لم تغن محاولات العقل، لأن نورها يطغى على كل الأنوار.","vol":"3","page":735},{"text":"وآخر في تصحيح تقواه، وآخر في تصفية ذكراه، وآخر في القيام بحسن رضاه، وآخر في طلب مولاه.\nومنكم: من يجمع بين سعى النّفس بالطاعة، وسعى القلب بالإخلاص، وسعى البدن بالقرب، وسعى اللسان بذكر الله، والقول الحسن للناس، ودعاء الخلق إلى الله والنصيحة لهم.\nومنهم من سعيه في هلاك نفسه وما فيه هلاك دنياه ... ومنهم.. ومنهم.\nقوله جل ذكره: «فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى» «فَأَمَّا مَنْ أَعْطى» من ماله، «وَاتَّقى» مخالفة ربّه ...\nويقال: «أَعْطى» الإنصاف من نفسه، «وَاتَّقى» طلب الإنصاف لنفسه «١» ...\nويقال: «اتَّقى» مساخط الله. «وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى»: بالجنة، أو بالكرّة الآخرة، وبالمغفرة لأهل الكبائر، وبالشفاعة من جهة الرسول ﷺ، وبالخلف «٢» من قبل الله ... فسنيسّره لليسرى: أي نسهّل عليه الطاعات، ونكرّه إليه المخالفات، ونشهّى إليه القرب، ونحبّب إليه الإيمان، ونزيّن في قلبه الإحسان.\nويقال: الإقامة على طاعته والعود إلى ما عمله من عبادته.\n«وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى» أما من منع الواجب، واستغنى في اعتقاده، وكذّب بالحسنى: أي بما ذكرنا، فسنيسره للعسرى فيقع في المعصية ولم يدبّرها، ونوقف «٣» له أسباب المخالفة.\nويقال «أَعْطى» أعرض عن الدارين، «وَاتَّقى» أن يجعل لهما في نفسه مقدارا. «٤»\n_________\n(١) من الفتوة أن تتحلّى بالإنصاف وأن تتخلّى عن الانتصاف.. هكذا قال الشيوخ.\n(٢) (الخلف) بالمعنى العام: إن الله يرث الأرض ومن عليها، وبالمعنى الصوفي: «فالذين يهبهم- فى حال لفناء والحق- فهو عنهم خلف (انظر بسملة الأحقاف من هذا المجلد) .\n(٣) هكذا في ص وهي في م (ونوفّق) وهي مقبولة أيضا (فالتوفيق) العسرى هو التيسير لها كما في الآية..\nبل لعلّها أقرب إلى السياق مما في ص.\n(٤) حتى يبتعد عن الأعواض والأغراض، وينقى قلبه لله وحده.","vol":"3","page":736},{"text":"قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3930>[سورة الليل (٩٢): الآيات ١١ الى ٢١]</span>\nوَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدَّى (١١) إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى (١٢) وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى (١٣) فَأَنْذَرْتُكُمْ نارًا تَلَظَّى (١٤) لا يَصْلاها إِلاَّ الْأَشْقَى (١٥)\nالَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى (١٨) وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى (١٩) إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى (٢٠)\nوَلَسَوْفَ يَرْضى (٢١)\nيعنى: إذا مات.. فما الذي يغنى عنه ماله بعد موته؟\nقوله جل ذكره: «إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى» لأوليائنا، الذين أرشدناهم. ويقال: «إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى» بنصيب الدلائل.\n«وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى» ملكا، نعطيه من نشاء.\n«فَأَنْذَرْتُكُمْ نارًا تَلَظَّى» أي: تتلظّى.\n«لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى» أي: لا يعذّب بها إلّا الأشقى، وهو:\n«الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى» يعنى: كفر.\n«وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى» يعطى الزكاة المفروضة.\nويقال يتطهّر من الذنوب.\nونزلت الآية فى (أبى بكر) «١» ﵁. والآية عامة.\n_________\n(١) ما بين القوسين غير موجود في م، ويوجد فقط «﵁» وفي م: يوجد فقط (والآية عامة) فأكملنا السياق.\nويروى: أن النبي (ص) مر ببلال وهو يعذب في الله ويقول:\nأحد أحد، فلما نقل ذلك إلى أبى بكر، عرف أبوبكر ما يريده النبي، فذهب إلى أمية بن خلف، واشترى بلالا وأعتقه، فلما قال المشركون: ما أعتقه أبوبكر إلا ليد كانت له عنده، نزل قوله تعالى: «وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى. إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى» .","vol":"3","page":737},{"text":"«وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى» حتى تكون هذه مكافأة له. ولا يفعل هذا ليتّخذ عند أحد يدا، ولا يطلب منه مكافأة:\n«إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى» أي: ليتقرّب بها إلى الله.\n«وَلَسَوْفَ يَرْضى» يرضى الله عنه، ويرضى هو بما يعطيه.","vol":"3","page":738},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3931>سورة الضّحى</span>\nقوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» «بِسْمِ اللَّهِ» اسم لا يشبهه كفو «١» فى ذاته وصفاته، ولا يستفزّه «٢» لهو في إثبات مصنوعاته، ولا يعتريه سهو في علمه وحكمته، ولا يعترضه لغو في قوله وكلمته.\nفهو حكيم لا يلهو، وعليم لا يسهو، وحليم يثبت ويمحو فالصدق قوله، والحقّ حكمه، والخلق خلقه والملك ملكه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3932>[سورة الضحى (٩٣): الآيات ١ الى ٦]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nوَالضُّحى (١) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى (٢) ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى (٣) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى (٤)\nوَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى (٥) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى (٦)\n«وَالضُّحى»: ساعة من النهار. أو النهار كلّه يسمّى ضحى. ويقال: أقسم بصلاة الضّحى.\nويقال: الضحى الساعة التي كلّم فيها موسى ﵇.\n«وَاللَّيْلِ إِذا سَجى» أي: ليلة المعراج، و«سَجى»: أي سكن، ويقال: هو عامّ فى جنس الليل.\nويقال: «الضُّحى» وقت الشهود. «وَاللَّيْلِ إِذا سَجى» الذي قال: إنه ليغانّ على قلبى «٣» ...»\n_________\n(١) أصلها «كفؤ» أي مماثل، أو قوى قادر على تصريف العمل.\nويقرأ بضم الفاء وسكونها، فإن كل اسم على ثلاثة أحرف أوله مضموم فإنه يجوز في عينه الضم والإسكان إلا قوله تعالى «وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءًا» (آية ١٥ سورة الزخرف) .\n(٢) استفزه الشيء- استخفه، واستفزه فلان- أثاره وأزعجه.\n(٣) عن أغر مزينة قال: قال رسول الله (ص): إنه ليغان على قلبى حتى أستغفر الله في اليوم والليلة مائة مرة» أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي. وفي رواية لمسلم: «توبوا إلى ربكم، فو الله إنى لأتوب إلى ربى ﵎ في اليوم مائة مرة» .","vol":"3","page":739},{"text":"ويقال: «اللَّيْلِ إِذا سَجى» حين ينزل الله فيه إلى السماء الدنيا- على التأويل الذي يصحّ في وصفه «١» .\n«ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى» ما قطع عنك الوحى وما أبغضك «٢» .\nوكان ذلك حين تأخّر جبريل﵇- عنه أياما «٣»، فقال أهل مكة: إن محمدا قد قلاه ربّه. ثم أنزل الله هذه السورة.\nوقيل: احتبس عنه جبريل أربعين يوما، وقيل: اثنى عشر يوما، وقيل: خمسة وعشرين يوما.\nويقال: سبب احتباسه أن يهوديا سأله عن قصة ذى القرنين وأصحاب الكهف، فوعد الجواب ولم يقل: إن شاء الله» .\n«وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى» أي: ما يعطيك في الآخرة خير لك مما يعطيك في الدنيا.\nويقال: ما أعطاك من الشفاعة والحوض، وما يلبسك من لباس التوحيد- غدا- خير مما أعطاك اليوم.\n«وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى» قيل: أفترضى بالعطاء عن المعطى؟ قال: لا.\nقوله جل ذكره: «أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى؟»\n_________\n(١) تقدّم التعليق على هذا الخبر في هامش سبق.\n(٢) هكذا في ص وهي في م (يغضبك) .\n(٣) فى البخاري عن جندب بن سفيان قال: اشتكى رسول الله (ص) فلم يقم ليلتين أو ثلاثا فجاءت امرأة (هى العوراء بنت حرب أخت أبى سفيان، وهي حمالة الحطب، زوج أبى لهب) فقالت: يا محمد، إنى لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك، لم أره قربك منذ ليلتين أو ثلاث، فأنزل الله ﷿ «والضحى» . [.....]\n(٤) يقال: إن جروا دخل تحت السرير في حجرته ومات، فلما تغيب الوحى سأل خادمه خولة: يا خولة ما حدث في بيتي؟ ما لجبريل لا يأتينى؟ فلما قامت إلى البيت فكنسته وأخبرته بما وجدت ... فلما عاده الوحى سأله عن سرّ تأخره فقال جبريل: أما علمت أنا لا ندخل بيتا فيه كلب ولا صورة؟","vol":"3","page":740},{"text":"قيل: إلى عمّه أبى طالب.\nويقال: بل آواه إلى كنف ظلّه، وربّاه بلطف رعايته.\nويقال: فآواك إلى بساط القربة بحيث انفردت بمقامك، فلم يشاركك فيه أحد\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3933>[سورة الضحى (٩٣): الآيات ٧ الى ١١]</span>\nوَوَجَدَكَ ضَالًاّ فَهَدى (٧) وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى (٨) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (١٠) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)\nأي: ضللت في شعاب مكة، فهدى إليك عمّك أبا طالب في حال صباك.\nويقال: «ضَالًّا» فينا متحيّزا ... فهديناك بنا إلينا.\nويقال: «ضَالًّا» عن تفصيل الشرائع فهديناك إليها بأن عرّفناك تفصيلها.\nويقال: فيما بين الأقوام ضلال فهداهم بك.\nوقيل: «ضَالًّا» للاستنشاء «١» فهداك لذلك.\nويقال «ضَالًّا» فى محبتنا، فهديناك بنور القربة إلينا.\nويقال: «ضَالًّا» عن محبتى لك فعرّفتك أنّى أحبّك.\nويقال: جاهلا بمحلّ شرفك، فعرّفتك قدرك.\nويقال: مستترا في أهل مكة لا يعرفك أحد فهديناهم إليك حتى عرفوك «٢» «وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى» فى التفسير: فأغناك بمال خديجة.\nويقال: أغناك عن الإرادة والطلب بأن أرضاك بالفقد «٣» ويقال: أغناك بالنبوّة والكتاب. ويقال: أغناك بالله.\n_________\n(١) الكلمة غير واضحة الرسم في النسختين، وقد رجحنا هذه الكلمة لأنها أقرب إلى ما في م، ولأن من القصص السابقة ما يشير إلى أنه لم يقدم المشيئة فعوتب في ذلك «وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ»\n(٢) ربما تتفق هذه الإشارة مع ما جرت عليه العرب في وصف الشجرة المنفردة في الفلاة لا شجر معها بأنها ضالة يهتدى بها إلى الطريق لأنها علامة مميزة، فهى معروفة لذاتها، ولأنها علامة على الطريق هادية إليه.\n(٣) هكذا في م، وهي في ص (بالعقل)، ولكننا نرجح ما جاء في م، ولا نستبعد أنها في الأصل (الفقر) .. فالرضا في حال الفقر أو (الفقد) أتم في النعمة من الرضا في حال الغنى ... وهل أعظم من الغنى بالله؟!","vol":"3","page":741},{"text":"ويقال: أغناك عن السؤال حينما أعطاك ابتداء بلا سؤال منك.\nقوله جل ذكره: «فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ» فلا تخفه، وارفق به، وقرّبه.\n«وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ» أي: إمّا أن تعطيه.. أو تردّه برفق، أو وعد.\nويقال: السائل عنّا، والسائل المتحيّر فينا- لا تنهرهم، فإنّا نهديهم، ونكشف مواضع سؤالهم عليهم.. فلاطفهم أنت في القول.\n«وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ» فاشكر، وصرّح بإحسانه إليك، وإنعامه عليك.","vol":"3","page":742},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3934>سورة ألم نشرح</span>\nقوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» «بِسْمِ اللَّهِ» اسم عزيز عزّ من التجأ إليه، وجلّ من توكّل عليه، وفاز في الدنيا والعقبى من توسّل به إليه فمن تقرّب منه قرّبه ومن شكا إليه حقّق له مطلبه، ومن رفع قصّته إليه قضى مأربه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3935>[سورة الشرح (٩٤): الآيات ١ الى ٨]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nأَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ (٤)\nفَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦) فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨)\nألم نوسّع قلبك للإسلام؟ ألم نليّنه للإيمان؟\nويقال: ألم نوسع صدرك بنور الرسالة؟ ألم نوسّع صدرك لقبول ما نورد عليك.\n«وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ» أي: إثمك قبل النبوّة.\nويقال: عصمناك عن ارتكاب الوزر فوضعه عنه بأنّه لم يستوجبه قطّ.\nويقال: خفضنا عنك أعباء النبوّة وجعلناك محمولا لا متحمّلا «١» .\nويقال: قويناك على التحمّل من الخلق، وقوّيناك لمشاهدتنا، وحفظنا عليك ما استحفظت «٢»، وحرسناك عن ملاحظة الخلق فيما شرّفناك به.\n_________\n(١) وهذه أقصى درجات الحب، وقد مر بنا كيف قارن القشيري بين مواقف موسى، ومواقف المصطفى صلوات الله عليهما، وكيف أوضح لنا أن موسى كان متحملا بينما كان نبيا محمولا.\n(٢) إشارة إلى القرآن، الذي حفظ من التغيير والتحريف.. إلى الأبد.","vol":"3","page":743},{"text":"«الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ»: أي: أثقله، ولولا حملنا عنك لكسر.\n«وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ» بذكرنا فكما لا تصحّ كلمة الشهادة إلا بي، فإنها لا تصحّ إلا بك. «١»\nويقال: رفعنا لك ذكرك بقول الناس: محمد رسول الله! ويقال: أثبتنا لك شرف الرسالة.\n«فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا» وفي الخبر: «لن يغلب عسر يسرين» «٢» ومعناه: أن العسر بالألف واللام في الموضعين للعهد- فهو واحد، واليسر منكّر في الموضعين فهما شيئان. والعسر الواحد: ما كان في الدنيا، واليسران: أحدهما في الدنيا من الخصب، وزوال البلاء، والثاني في الآخرة من الجزاء وإذا فعسر جميع المؤمنين واحد- وهو ما نابهم من شدائد الدنيا، ويسرهم اثنان: اليوم بالكشف والصّرف «٣»، وغدا بالجزاء.\nقوله جل ذكره: «فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ» فإذا فرغت من الصلاة المفروضة عليك فانصب في الدعاء.\nويقال: فإذا فرغت من العبادة فانصب في الشفاعة.\nويقال: فإذا فرغت من عبادة نفسك فانصب بقلبك.\n«وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ» فى جميع الأحوال.\nويقال: فإذا فرغت من تبليغ الرسالة فارغب في الشفاعة.\n_________\n(١) فلا تصح الشهادة شرعا إلا إذا قلنا: ... وأن محمدا رسول الله.\n(٢) البخاري ص ١٤٥ ح ٣.\n(٣) (الكشف) هنا ليس كما قد نفهم من قبيل المصطلح الصوفي، بل هو كشف الغمة وصرف المحنة، فهى لفظة عامة في هذا السياق.","vol":"3","page":744},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3936>سورة التّين</span>\nقوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» اسم «اللَّهِ» يدلّ على جلال من لم يزل، ويخبر عن جمال من لم يزل، ينبه على إقبال من لم يزل، يشير إلى إفضال من لم يزل فالعارف شهد «١» جلاله فطاش، والصفىّ شهد جماله فعاش، والوليّ شهد إقباله فارتاش، والمريد يشهد إفضاله فلا يطلب مع كفايته المعاش.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3937>[سورة التين (٩٥): الآيات ١ الى ٧]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nوَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤)\nثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ (٥) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦) فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (٧)\nأقسم بالتين لما به من عظيم المنّة على الخلق حيث لم يجعل فيه النّوى، وخلّصه من شائب التنغيص، وجعله على مقدار اللّقمة لتكمل به اللذّة. وجعل فى «الزَّيْتُونِ» من المنافع مثل الاستصباح والتأدّم والاصطباغ به.\n«وَطُورِ سِينِينَ» الجبل الذي كلّم الله موسى عليه. ولموضع قدم الأحباب حرمة.\n«وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ» يعنى: مكة، ولهذا البلد شرف كبير، فهى بلد الحبيب، وفيها البيت ولبيت الحبيب وبلد الحبيب قدر ومنزلة. «٢»\n_________\n(١) من هنا يبدأ في النسخة بياض في النسخة ص يتلوه. سقوط حتى بداية سورة العاديات. ولهذا نعتمد فيما بين الموضعين على النسخة م وحدها.\n(٢) بما ذهب المفسرون في تفسير: التين والزيتون وطور سنين، والبلد الأمين قول بعضهم: إن التين إشارة إلى جبل دمشق وهو مأوى عيسى ﵇، وبالزيتون جبل بيت المقدس فهو مقام الأنبياء جميعهم، وطور سينين إشارة إلى موسى كليم الله، والبلد الأمين إشارة إلى أن مكة بها بيت إبراهيم وبها دار محمد ﷺ..\nفكأن مطالع السورة تشير إلى النبوات البارزة.","vol":"3","page":745},{"text":"قوله جل ذكره: «لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ» فى اعتدال قامته، وحسن تركيب أعضائه. وهذا يدل على أنّ الحقّ- سبحانه- ليس له صورة ولا هيئة لأنّ كلّ صفة اشترك فيها الخلق والحقّ فالمبالغة للحقّ ... كالعلم، فالأعلم الله، والقدرة: فالأقدر الله فلو اشترك الخلق والخالق في التركيب والصورة لكان الأحسن في الصورة الله ... فلمّا قال: «لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ» علم أنّ الحقّ- سبحانه- منزّه عن التقويم وعن الصورة. «١»\nقوله جل ذكره: «ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ» أي: إلى أرذل العمر وهو حال الخرف «٢» والهرم.\nويقال: «أَسْفَلَ سافِلِينَ»: إلى النار والهاوية في أقبح صورة فيكون أوّل الآية عامّا وآخرها خاصّا بالكفّار ... كما أنّ التأويل الأول- الذي هو حال الهرم- خاصّ في البعض إذ ليس كلّ الناس يبلغون حال الهرم.\n«إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ» أي: غير منقوص.\nويقال: «ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ» أي: إلى حال الشقاوة والكفر إلّا المؤمنين.\nقوله جل ذكره: «فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ» أيها الإنسان.. مع كل هذا البرهان والبيان؟\n«أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ»؟\n_________\n(١) فى هذا ردّ جميل مقنع على المشبهة، وعلى كل ذى تصور وهمي للألوهية.\n(٢) الخرف- فساد العقل بسبب كبر السنّ.","vol":"3","page":746},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3938>سورة العلق</span>\nقوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» «بِسْمِ اللَّهِ» كلمة سماعها يوجب أحد أمرين: «إمّا صحوا وإمّا محوا صحوا لمن سمعها بشاهد العلم فيستبصر بواضح برهانه، أو محوا لمن سمعها بشاهد المعرفة لأنه يتحيّر في جلال سلطانه.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3939>[سورة العلق (٩٦): الآيات ١ الى ٥]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nاقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤)\nعَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (٥)\nهذه السورة من أوّل ما نزل على المصطفى ﷺ لما تعرّض له جبريل فى الهواء، ونزل عليه فقال: «اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ» . فالناس كلّهم مريدون وهو ﷺ كان مرادا. فاستقبل الأمر بقوله: «ما أنا بقارئ، فقال له: اقرأ، فقال: ما أنا بقارئ، فقال له: اقرأ كما أقول لك اقرأ باسم ربك الذي خلق. أي خلقهم على ما هم به.\n«خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ» العلق جمع علقة كشجر وشجرة ... (والعلقة الدم الجامد فاذا جرى فهو المسفوح) .\n«اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ» «الْأَكْرَمُ»: أي الكريم.\nويقال: الأكرم من كلّ كريم.\n«الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ» علّمهم ما لم يعلموا: الضروريّ، والكسبيّ.","vol":"3","page":747},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3940>[سورة العلق (٩٦): الآيات ٦ الى ١٦]</span>\nكَلاَّ إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى (٧) إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى (٨) أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى (٩) عَبْدًا إِذا صَلَّى (١٠)\nأَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى (١٤) كَلاَّ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥)\nناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ (١٦)\n«١»\nأي: يتجاوز جدّه إذا رأى في نفسه أنه استغنى لأنه يعمى عن مواضع افتقاره.\nولم يقل: إن استغنى بل قال: «أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى» فإذا لم يكن معجبا بنفسه، وكان مشاهدا لمحلّ افتقاره- لم يكن طاغيا «٢» .\nقوله جل ذكره: «إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى»\nأي: الرجوع يوم القيامة.\nقوله جل ذكره: «أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْدًا إِذا صَلَّى» أليس لو لم يفعل هذا كان خيرا له؟ ففى الآية هذا الإضمار.\n«أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى» لكان خيرا له؟\n«أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى» كذّب بالدّين، وتولّى عن الهداية.\nقوله جل ذكره: «أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى»؟\nأي: ما الذي يستحقّه من هذه صفته؟\nوالتخويف برؤية الله تنبيه على المراقبة- ومن لم يبلغ حال المراقبة لم يرتق منه إلى حال المشاهدة.\nقوله جل ذكره: «كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ»\n_________\n(١) قيل نزلت في أبى جهل حين نهى النبي «ص» عن الصلاة، فأمر الله نبيه أن يصلى في المسجد ويقرأ باسم الرب ...\nوالذين يرون ذلك يرون أن السورة ليست من أوائل ما نزل من القرآن. أو يجوزون أن تكون أوائل السورة كذلك وأن بقيّتها في شأن أبى جهل- أي متأخرة.\nروى البخاري عن ابن عباس: قال أبو جهل: لئن رأيت محمدا يصلى عند الكعبة لأطأن على عنقه، فبلغ النبي ذلك فقال: لو فعل لأخذته الملائكة. (البخاري ح ٣ ص ١٤٦) . [.....]\n(٢) من أشد آفات الطريق خطرا ملاحظة النفس، وناهيك بدعاواها.","vol":"3","page":748},{"text":"لنأخذنّ بناصيته (وهي شعر مقدّم الرأس) أخذ إذلال. ومعناه لنسوّدنّ وجهه.\nوقوله: «ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ» بدل من قوله: «لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ» «١»\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3941>[سورة العلق (٩٦): الآيات ١٧ الى ١٩]</span>\nفَلْيَدْعُ نادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ (١٨) كَلاَّ لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (١٩)\nفليدع أهل ناديه وأهل مجلسه، وسندعو الزبانية ونأمرهم بإهلاكه.\nقوله جل ذكره: أي: اقترب من شهود الربوبية بقلبك، وقف على بساط العبودية بنفسك.\nويقال: فاسجد بنفسك، واقترب بسرّك «٢» .\n_________\n(١) نسبة الكذب والخطيئة إلى الناصية يقصد بها صاحب الناصية كقولهم: نهاره صائم وليله قائم، أي هو صائم في نهاره وقائم في ليله.\n(٢) السجود عبادة الظواهر، ولهذا ربطها القشيري بالنفس، فكل ما يتصل بالظاهر يرتبط- عنده- بالنفس، وأمّا الاقتراب «فهو عبادة الباطن المرتبطة بالسرّ.","vol":"3","page":749},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3942>سورة القدر</span>\nقوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» «بِسْمِ اللَّهِ» كلمة تحضر قلوب العلماء لتأمّل الشواهد، وتسكر قلوب العارفين إذا وردوا المشاهد ... فهؤلاء أحضرهم فبصّرهم، وعلى استدلالهم نصرهم.\nوهؤلاء بشراب محابّه أسكرهم، وفي شهود جلاله حيّرهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3943>[سورة القدر (٩٧): الآيات ١ الى ٥]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nإِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤)\nسَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥)\nفى ليلة قدّر فيها الرحمة لأوليائه، فى ليلة يجد فيها العابدون قدر نفوسهم، ويشهد فيها\nالعارفون قدر معبودهم.. وشتان بين وجود قدر ... وشهود قدر! فلهؤلاء وجود قدر\nولكن قدر أنفسهم، ولهؤلاء شهود قدر ولكن قدر معبودهم.\n«وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ»؟\nاستفهام على جهة التفخيم لشأن تلك الليلة.\n«لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ» أي: هى خير من ألف شهر ليست فيها ليلة القدر. هى ليلة قصيرة على الأحباب لأنهم فيها فى مسامرة وخطاب.. كما قيل:\nيا ليلة من ليالى الدهر ... قابلت فيها بدرها ببدر\nولم تكن عن شفق وفجر ... حتى تولّت وهي بكر الدهر","vol":"3","page":750},{"text":"قوله جل ذكره: «تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ» «الرُّوحُ فِيها»: قيل جبريل. وقيل: ملك عظيم «بِإِذْنِ رَبِّهِمْ»: أي بأمر ربهم.\n«مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلامٌ»: أي مع كل مأمور منهم سلامى على أوليائى «١» .\n«هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ»: أي هي باقية إلى أن يطلع الفجر.\n_________\n(١) قد يتأيه رأى القشيري في اختيار هذا النسق الذي يتم به الكلام بما يرويه أنس- قال: قال رسول الله (ص):\nإذا كانت ليلة القدر نزل جبريل في كبكبة (جماعة) من الملائكة، يصلون ويسلمون على كل عبد قائم أو قاعد يذكر الله تعالى.","vol":"3","page":751},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3944>سورة لم يكن</span>\nقوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» «بِسْمِ اللَّهِ»: اسم عزيز تنصّل إليه المذنبون فغفر لهم وجبرهم «١» وتوسّل إليه المطيعون فوصلهم ونصرهم.\nتعرّف إليه العالمون فبصّرهم، وتقرّب منه العارفون فقرّبهم ... لكنه- سبحانه- فى جلاله حيّرهم «٢» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3945>[سورة البينة (٩٨): الآيات ١ الى ٥]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nلَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١) رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفًا مُطَهَّرَةً (٢) فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣) وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤)\nوَما أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)\n«مُنْفَكِّينَ»: منّتهين عن كفرهم حتى تأتيهم البيّنة: وهي رسول الله ﷺ، أي لم يزالوا مجتمعين على تصديقه لما وجدوه في كسب إلى أن بعثه الله تعالى.\nفلمّا بعثه حسدوه وكفروا.\n«رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفًا مُطَهَّرَةً فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ» .\n_________\n(١) فى النسخة م توجد بعد هذا الموضع العبارة التالية «وتوكّل إليه العارفون فجبرهم» . ونستبعد وجودها فى الأصل لأن ترتيب العارفين لا يأتى بين المذنبين والمطيعين، وإنما يأتى بعد «العالمين»، كما هو ثابت فى النسخة على هذا النحو الذي أثبتناه هنا. كما أنّ «جبرهم» فعل يتصل بالزلّات والذنوب ... فيبدو أن العبارة متصلة بالمذنبين، ويتأيد ما اخترناه بالسياق الذي نألفه في أسلوب البسملة عند الشيخ، فضلا عن خدمته للموسيقى والمعنى ... وهما العنصران الأساسيان في نسيج البسملة عنده.\n(٢) التحيّر في الجلال صفة مدح، ولذا يقول يحيى بن معاذ: يا دليل المتحيرين زدنى تحيرا.. لأنه غرق فى بحر الوجود عند الشهود.","vol":"3","page":752},{"text":"أي حتى يأتيهم رسول من الله يقرأ كتبا مطهّرة عن تبديل الكفار.\n«فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ» «١»: مستوية ليس فيها اعوجاج.\nقوله جل ذكره: «وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ» يعنى: القرآن.\nقوله جل ذكره: «وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ» «مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ» أي موحّدين لا يشركون بالله شيئا فالإخلاص ألّا يكون شىء من حركاتك وسكناتك إلّا لله.\nويقال: الإخلاص تصفية العمل من الخلل.\n«حُنَفاءَ»: مائلين إلى الحقّ، عادلين عن الباطل «٢» .\n«وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ.. وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ»: أي دين الملّة القيمة، والأمة القيّمة، والشريعة القيّمة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3946>[سورة البينة (٩٨): الآيات ٦ الى ٨]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨)\n«خالِدِينَ فِيها»: مقيمين. «الْبَرِيَّةِ»: الخليقة.\n«إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ» .\n_________\n(١) يرى القرطبي: أن «كتبا» هنا بمعنى الأحكام لأن كتب بمعنى حكم، قال تعالى: «كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ» سورة المجادلة.\n(٢) كلمة «حنيف» من الأضداد، فهى تحمل معنى (الميل) عن الباطل و(الاستقامة) فى طريق الحق.","vol":"3","page":753},{"text":"أي: خير الخلق، وهذا يدل على أنهم أفضل من الملائكة.\nقوله جل ذكره: «جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا» «جَزاؤُهُمْ»: أي ثوابهم في الآخرة على طاعاتهم.\n«تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ» أي: من تحت أشجارها الأنهار.\n«رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ» .\nفلم تبق لهم مطالبة إلّا حقّقها لهم.\n«ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ» .\nأي: خافه في الدنيا.\nوالرضا سرور القلب بمرّ القضا.\nويقال: هو سكون القلب تحت جريان الحكم.","vol":"3","page":754},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3947>سورة الزّلزلة</span>\nقوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» .\n«بِسْمِ اللَّهِ» كلمة من تأمّلها بمعانيها ووقف على ما أودع فيها رتعت أسراره في رياض من الأنس مونقة، وأينعت أفكاره بلوائح من اليقين مشرقة، فهى على جلال الحقّ شاهدة، وهي على ما يحيط به الذّكر ويأتى عليه الحصر زائدة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3948>[سورة الزلزلة (٩٩): الآيات ١ الى ٨]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nإِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها (٢) وَقالَ الْإِنْسانُ ما لَها (٣) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها (٤)\nبِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها (٥) يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتًا لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)\nأي: أمواتها، وما فيها من الكنوز والدفائن.\n«وَقالَ الْإِنْسانُ ما لَها»؟\nيعنى الكافر الذي لا يؤمن بها أي بالبعث «١» .\n«يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها» يومئذ تخبّر الأرض:\n«بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها» أي: إنما تفعل ذلك بأمر الله.\n_________\n(١) روى الضحاك عن ابن عباس أنه قال: «هو الأسود بن عبد الأسد» ويرى بعض المفسرين: أن الإنسان هنا هو كل إنسان من مؤمن وكافر لأن الجميع لا يعلمون أشراط الساعة في ابتداء أمرها إلى أن يتحققوا عمومها، ولذا يسأل بعضهم بعضا.\nأمّا القشيري فقد نظر إليها من ناحية الاعتراف وجعل من يسأل عنها كافرا بها جاحدا لها. أمّا المؤمن فلا حاجة له في السؤال.","vol":"3","page":755},{"text":"«يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتًا لِيُرَوْا «١» أَعْمالَهُمْ» «أَشْتاتًا»: متفرّقين. «لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ» ليحاسبوا.\nقوله جل ذكره: «فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ» فيقاسى عناءه.\n_________\n(١) هذه قراءة العامة. وقرأ الحسن والزهري وقتادة والأعرج وابن عاصم وطلحة بفتحها: «لِيُرَوْا» .","vol":"3","page":756},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3949>سورة العاديات</span>\nقوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» .\n«بِسْمِ اللَّهِ» كلمة غيور لا يصلح لذكرها إلّا لسان مصون «١»، عن اللّغو والغيبة، ولا يصلح لمعرفتها إلّا قلب محروس عن الغفلة والغيبة «٢»، ولا يصلح لمحبتها إلّا روح محفوظة عن العلاقة والحجبة.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3950>[سورة العاديات (١٠٠): الآيات ١ الى ١١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nوَالْعادِياتِ ضَبْحًا (١) فَالْمُورِياتِ قَدْحًا (٢) فَالْمُغِيراتِ صُبْحًا (٣) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (٤)\nفَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا (٥) إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ (٧) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨) أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ (٩)\nوَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ (١٠) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (١١)\n«الْعادِياتِ»: الخيل التي تعدو «٣» .\n«ضَبْحًا» أي إذا ضبحن ضبحا، والضبح: هو صوت أجوافها إذا عدون. ويقال:\nضبحها هو شدة نفسها عند العدو.\nوقيل: «الْعادِياتِ» الإبل «٤» .\nوقيل: أقسم الله بأفراس الغزاة «٥» .\n«فَالْمُورِياتِ قَدْحًا» تورى بحوافرها النار إذا عدت وأصابت سنابكها الحجارة بالليل.\n_________\n(١) من هذا الموضع تبدأ النسخة ص بعد البياض والسقوط اللذين أشرنا إليهما من قبل.\n(٢) الغيبة المتصلة باللسان هي الكلام في حقّ الغائب، والغيبة المتصلة بالقلب هي ورود وارد من أي نوع يعطّل الاتجاه الكامل نحو المحبوب، كالتفكير في الثواب أو الخوف من العقاب، أو الطمع في الأعواض، أو استعجال شىء.. ونحو ذلك مما يشوب كأس المحبة من غيرية ...\n(٣) العدو: هو تباعد الأرجل في سرعة المشي.\n(٤) هكذا في ص وهي في م (الليل) وهي خطأ في النسخ والفعل المستعمل مع الإبل هو (ضبع) فتكون (ضبحا) هنا بحاء مبدلة عن عين (القرطبي ح ٢٠ ص ١٥٦) [.....]\n(٥) فى الخبر: «من لم يعرف حرمة فرس الغازى ففيه شعبة من النفاق» .","vol":"3","page":757},{"text":"ويقال: الذين يورون النار بعد انصرافهم من الحرب.\nويقال: هى الأسنّة.\n«فَالْمُغِيراتِ صُبْحًا» تغير على العدوّ صباحا.\n«فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا» أي: هيّجن به غبارا.\n«فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا» أي: توسّطن المكان، أي: تتوسط الخيل بفوارسها جمع العدوّ.\n«إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ» هذا هو جواب القسم.\n«لَكَنُودٌ»: أي لكفور بالنعمة «١» .\n«وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ» أي: وإنه على كنوده لشهيد «وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ» أي: وإنه لبخيل لأجل حبّ المال «٢» .\nقوله جل ذكره: «أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ» أي: بعث الموتى.\n«وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ» بيّن ما في القلوب من الخير والشرّ.\n«إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ» .\n_________\n(١) روى عن ابن عباس: أن الكنود بلسان كندة وحضرموت: العاصي، وبلسان ربيعة ومضر: الكفور، بلسان كنانة: البخيل السيّء الملكة.\n(٢) قال تعالى: «إِنْ تَرَكَ خَيْرًا» آية ١٨٠ سورة البقرة.","vol":"3","page":758},{"text":"أفلا يعلم أن الله يجازيهم- ذلك اليوم- على ما أسلفوا، ثم قال على الاستئناف:\n«إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ» .\nويقال في معنى الكنود «١»: هو الذي يرى ما إليه من البلوى، ولا يرى ما هو به من النّعمى.\nويقال: هو الذي رأسه على وسادة النعمة، وقلبه في ميدان الغفلة.\nويقال: الكنود: الذي ينسى النّعم ويعدّ المصائب.\nوقوله: «وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ»، يحتمل: وإنّ الله على حاله لشهيد.\n_________\n(١) لعل القشيري هنا مستفيد من قول ذى النون المصري: الكنود: هو الذي إذا مسته الشر جزوع، وإذا مسسّه الخير منوع. يجزع من البلوى، ويمنع الشكر على النعمى.","vol":"3","page":759},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3951>سورة القارعة</span>\nقوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» «بِسْمِ اللَّهِ» كلمة إذا سمعها العاصون نسوا زلّتهم في جنب رحمته، وإذا سمعها العابدون نسوا صولتهم في جنب إلهيته.\nكلمة من سمعها ما غادرت له شغلا إلّا كفته، ولا أمرا إلّا أصلحته، ولا ذنبا إلّا غفرته، ولا أربا إلّا قضته.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3952>[سورة القارعة (١٠١): الآيات ١ الى ١١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالْقارِعَةُ (١) مَا الْقارِعَةُ (٢) وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ (٣) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ (٤)\nوَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥) فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ (٩)\nوَما أَدْراكَ ما هِيَهْ (١٠) نارٌ حامِيَةٌ (١١)\nالقارعة: اسم من أسماء القيامة، وهي صيغة «فاعلة» من القرع، وهو الضرب بشدّة.\nسمّيت قارعة لأنها تقرعهم.\n«وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ»؟.\nتهويلا لها.\n«يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ» أي: المتفرّق ... وعند إعادتهم يركب بعضهم بعضا.\n«وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ» أي: كالصوف المصبوغ.\nوالمعنى فيه: أن أصحاب الدعاوى «١» وأرباب القوة في الدنيا يكونون- فى القيامة إذا\n_________\n(١) هكذا في ص وهي في م (الدواعي) وهي خطأ من الناسخ، وقد وردت صحيحة فيما بعد فالمقصود دعوى النفس.","vol":"3","page":760},{"text":"بعثوا- أضعف من كلّ ضعيف لأن القوى هنالك تسقط، والدعاوى تبطل.\nقوله جل ذكره: «فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ» من ثقلت موازينه بالخيرات فهو في عيشة راضية أي مرضية.\nووزن الأعمال يومئذ يكون بوزن الصحف. ويقال: يخلق بدل كلّ جزء من أفعاله جوهرا، وتوزن الجواهر ويكون ذلك وزن الأعمال.\n«وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ» من خفّت موازينه من الطاعات- وهم الكفار- فمأواه هاوية.\n«وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ؟ نارٌ حامِيَةٌ» سؤال على جهة التهويل «١» . ولم يرد الخبر بأن الأحوال توزن، ولكن يجازى كلّ بحالة مما هو كسب له، أو وصل إلى أسبابها بكسب منه. «٢»\n_________\n(١) هكذا في م وهي في ص (التحويل) وهي خطأ من الناسخ.\n(٢) بعد أن تحدث عن ميزان الأعمال تحدث عن ميزان الأحوال ... ومن المعلوم أن الأعمال جهود كسبية، والأحوال مواهب فيضية ... ولكن قد يكون فيها شىء من الكسب فمثلا: إذا رضى العبد بالقبض أنعم الحقّ عليه بالبسط، وإذا راعى حدود الوقت ظفر بمقضيات الوقت وإلا.. كان الوقت عليه مقتا والإنسان لا يحاسب إلا على ما كسب.","vol":"3","page":761},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3953>سورة التكاثر</span>\nقوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» «بِسْمِ اللَّهِ»: اسم عزيز تقدّس في آزاله عن كل مكان، ولم يحتج في آباده إلى زمان أو إلى مكان لا يقطعه حدّ فأنّى يجوز في وصفه المكان؟ ولا يقطعه عدّ فأنّى تجوز في وصفه الزيادة والنقصان؟ «١» قوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3954>[سورة التكاثر (١٠٢): الآيات ١ الى ٨]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nأَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ (٢) كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤)\nكَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ (٧) ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)\nأي: شغلكم تفاخركم فيما بينكم إلى آخر أعماركم إلى أن متّم.\nويقال: كانوا يفتخرون بآبائهم وأسلافهم فكانوا يشيدون بذكر الأحياء، وبمن مضى من أسلافهم.\nفقال لهم: شغلكم تفاخركم فيما بينكم حتى عددتم أمواتكم مع أحيائكم. وأنساكم تكاثركم بالأموال والأولاد طاعة الله.\n«كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ» على جهة التهويل.\n«كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ» أي: لو علمتم حقّ اليقين لارتدعتم عمّا أنتم فيه من التكذيب.\n_________\n(١) واضح مدى ارتباط اتجاه القشيري في إشارة البسملة بالجوّ العام للسورة الذي ينبنى على اتخاذ الزيادة والنقصان مقياسا للتفاخر والادعاء.","vol":"3","page":762},{"text":"«لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ» أراد جميع ما أعطاهم الله من النعمة، وطالبهم بالشكر عليها.\nومن النعيم الذي يسأل عنه العبد تخفيف الشرائع والرّخص في العبادات.\nويقال: الماء الحار في الشتاء، والماء البارد في الصيف.\nويقال: منه الصحّة في الجسد، والفراغ. «١»\nويقال: الرضاء بالقضاء. ويقال: القناعة في المعيشة.\nويقال: هو المصطفى ﷺ.\n_________\n(١) في البخاري وفي سنن ابن ماجه: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ» .\nومعنى الغبن: أنهما نعمتان ولكن غالب الناس يصرفهما في غير محالهما.","vol":"3","page":763},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3955>سورة العصر</span>\nقوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» كلمة من سمعها لم يدّخر عنها «١» ماله لأنّه علم أنه- سبحانه- يحسن مآله، ومن عرفها لم يؤثر عليها نفسه لأنّه لم يجد بدونها أنسه.\nكلمة من صحبها لم يمنع عنها روحه إذ وجد الحياة الأبدية له ممنوحة. «٢»\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3956>[سورة العصر (١٠٣): الآيات ١ الى ٣]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nوَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)\n«الْعَصْرِ»: الدهر- أقسم به ويقال: أراد به صلاة العصر. ويقال: هو العشيّ.\n«الْإِنْسانَ»: أراد به جنس الإنسان. و«الخسر»: الخسران.\nوالمعنى: إن الإنسان لفى عقوبة من ذنوبه. ثم استثنى المؤمنين فقال:\n«إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ» الذين أخلصوا في العبادة وتواصوا بما هو حقّ، وتواصوا بما هو حسن وجميل، وتواصوا بالصبر.\nوفي بعض التفاسير: قوله: «الَّذِينَ آمَنُوا» يعنى أبابكر، «وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ»: يعنى عمر\n_________\n(١) هكذا في ص وهي في م (عنة) .\n(٢) هكذا في م وهي في ص (مفتوحة) وإن كانت هناك زيادة كالميم تتلو الميم الأولى.","vol":"3","page":764},{"text":"و«وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ» يعنى عثمان، و«وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ» يعنى عليّارضي الله عنهم أجمعين. «١»\nوالخسران الذي يلحق الإنسان على قسمين: فى الأعمال ويتبيّن ذلك في المآل، وفي الأحوال ويتبيّن ذلك في الوقت والحال وهو القبض بعد البسط، والحجبة بعد القربة، والرجوع إلى الرّخص بعد إيثار الأشقّ والأولى.\n«وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ»: وهو الإيثار مع الخلق، والصدق مع الحقّ.\n«وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ»: على العافية ... فلا صبر أتمّ منه.\nويقال: بالصبر مع الله ... وهو أشدّ أقسام الصبر «٢»\n_________\n(١) تنسب هذه الرواية إلى أبيّ بن كعب الذي قال: قرأت على رسول الله (ص) «وَالْعَصْرِ» ثم قلت:\nما تفسيرها يا نبيّ الله؟ فقال: «وَالْعَصْرِ» قسم من الله، أقسم ربكم بآخر النهار «إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ»:\nأبو جهل ... إلى آخر الرواية كما نقلها القشيري.\n(٢) انظر «الرسالة» باب الصبر ص ٩٢.","vol":"3","page":765},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3957>سورة الهمزة</span>\nقوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» «بِسْمِ اللَّهِ»: اسم من لا غرض له في أفعاله، اسم من لا عوض عنه في جلاله وجماله.\nاسم من لا يصبر العبد عنه مختارا، اسم من لا يجد الفقير «١» من دونه قرارا، اسم من لا يجد أحد من حكمه فرارا.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3958>[سورة الهمزة (١٠٤): الآيات ١ الى ٩]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nوَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١) الَّذِي جَمَعَ مالًا وَعَدَّدَهُ (٢) يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ (٣) كَلاَّ لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (٤)\nوَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ (٥) نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧) إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (٩)\nيقال: رجل همزة لمزة: أي كثير الهمز والّلمز للناس وهو العيب والغيبة.\nويقال: الهمزة الذي يقول في الوجه، والّلمزة الذي يقول من خلفه.\nويقال: الهمز الإشارة بالرأس والجفن وغيره، واللّمز باللسان.\nويقال: الهمزة الذي يقول ما في الإنسان، واللّمزة الذي يقول ما ليس فيه.\nقوله جل ذكره: «الَّذِي جَمَعَ مالًا وَعَدَّدَهُ» «جمّع» بالتشديد «٢» على التكثير، وبالتخفيف.\n«يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ» أي: يبقيه في الدنيا.. كلّا ليس كذلك:\n_________\n(١) الفقير هنا المقصود به الصوفيّ المفتقر إلى الله، انظر آخر السورة. [.....]\n(٢) هكذا في م وهي في ص غير موجودة، مما قد يشعر باحتمال انصراف الكلام إلى «عَدَّدَهُ» فهى أيضا تقرأ على التشديد والتخفيف.","vol":"3","page":766},{"text":"«كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ» ليطرحنّ في جهنّم. «وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ»؟ على جهة التهويل لها.\nفهم في نار الله الموقدة التي يبلغ ألمها الفؤاد.\n«إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ» مطبقة.\n«فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ» «عَمَدٍ»: جمع عماد. وقيل: إنها عمد من نار تمدّد وتضرب عليهم كقوله:\n«أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها» «١» ويقال: الغنى بغير الله فقر، والأنس بغيره وحشة، والعزّ بغيره ذلّ.\nويقال: الفقير من استغنى بماله، والحقير: من استغنى بجاهه، والمفلس: من استغنى بطاعته، والذليل: من استغنى بغير الله، والجليل: من استغنى بالله.\nويقال: بيّن أن المعرفة إذا اتّقدت في قلب المؤمن أحرقت كلّ سؤل وأرب فيه، ولذلك تقول جهنّم- غدا- للمؤمن: «جز، يا مؤمن ... فإنّ نورك قد أطفأ لهبى» !\n_________\n(١) آية ٢٩ سورة الكهف.","vol":"3","page":767},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3959>سورة الفيل</span>\nقوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» .\n«بِسْمِ اللَّهِ»: اسم غنيّ من أطاعه أغناه، ومن خالفه أضلّه وأعماه.\nاسم عزيز من وافقه رقّاه إلى الرتبة العليا، ومن خالفه ألقاه في المحنة الكبرى.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3960>[سورة الفيل (١٠٥): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nأَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ (١)\nألم ينته إليك فيما أنزل عليك علم ما فعل ربّك بأصحاب الفيل؟.\nوفي قصة أصحاب الفيل دلالة على تخصيص الله البيت العتيق بالحفظ والكلاءة.\nوذلك: أنّ أبرهة- ملك اليمن- كان نصرانيا، وبنى بيعة لهم بصنعاء، وأراد هدم الكعبة ليصرف الحجّ إلى بيعتهم.\nوقيل: نزل جماعة من العرب ببلاد النجاشي، وأوقدوا نارا لحاجة لهم، ثم تغافلوا عنها ولم يطفئوها، فهبّت الريح وحملت النار إلى الكنيسة وأحرقتها، فقصد أبرهة الكعبة ليهدمها بجيشه.\nفلمّا قرب من مكة أصاب مائتى جمل لعبد المطلب، فلمّا أخبر بذلك ركب إليهم، فعرفه رجلان، فقالا له:\nارجع.. فإن الملك غضبان.","vol":"3","page":768},{"text":"فقال: واللات والعزّى لا أرجع إلّا بإبلى.\nفقيل لأبرهة: هذا سيّد قريش ببابك فأذن له، وسأله عن حاجته فأجاب أبرهة: إنها لك غدا، إذا تقدّمت إلى البيت «١» .\nفعاذ عبد المطلب إلى قريش، وأخبرهم بما حدث، ثم قام وأخذ بحلقة باب الكعبة وهو يقول:\nلا همّ إنّ العبد ... يمنع رحله فامنع حلالك\nلا يغلبنّ صليبهم ... ومحالهم عدوا محالك\nإن يدخلوا البلد الحرا ... م فأمر ما بدا لك «٢»\nفأرسل الله عليهم طيرا أخضر «٣» من جهة البحر طوال الأعناق، فى منقار كل طائر حجر وفي مخلبه حجران.\nقيل: الحجرة منها فوق العدس دون الحمص.\nوقيل: فوق الحمص دون الفستق، مكتوب على كل واحدة اسم صاحبها.\nوقيل: مخطّطة بالسّواد. فأمطرت عليهم، وماتوا كلّهم.\nوقيل: كان الفيل ثمانية وقيل: كان فيلا واحدا.\nوفي رواية: إنه كان قبل مولده ﷺ بأربعين سنة.\nوقيل: بثلاثة وعشرين سنة. وفي رواية «ولدت عام الفيل» «٤» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3961>[سورة الفيل (١٠٥): الآيات ٢ الى ٥]</span>\nأَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥)\nأي: مكرهم في إبطال.\n_________\n(١) قيل: إن النجاشي قال له: لقد أعجبتنى حين رأيتك، ولكنى زهدت فيك حين كلمتنى.. أتكلمنى في بعير أصبتها لك وتترك بيتا هو دينك ودين آبائك قد جئت لهدمه؟ فقال له عبد المطلب: أنا رب الإبل ...\nأما البيت فله رب سيمسكه.\n(٢) الحلال جمع حل. والمحال: القوة. والعدو بالعين المهملة: الاعتداء.\n(٣) قال سعيد بن جبير: هى طير خضر لها مناقير صفر.\n(٤) وفي رواية: «ولدت يوم الفيل» . وقال قيس بن مخرمة: «ولدت أنا ورسول الله (ص) عام الفيل» .\nم (٤٩) لطائف الإشارات- ج ٣-","vol":"3","page":769},{"text":"«وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبابِيلَ» «أَبابِيلَ»: مجتمعة ومتفرّقة.\n«تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ» قيل بالفارسية: سنگك أو گل- أي طين طبخ بالنار كالآجر «١» .\n«فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ» «كَعَصْفٍ»: كأطراف الزرع قبل أن يدرك. «مَأْكُولٍ» أي ثمره مأكول.\nويقال: إذا كان عبد المطلب- وهو كافر- أخلص في التجائه إلى الله في استدفاع البلاء عن البيت- فالله لم يخيّب رجاءه ...، وسمع دعاءه ... فالمؤمن المخلص إذا دعا ربّه لا يردّه خائبا.\nويقال: إنما أجيب لأنّه لم يسأل الله لنفسه، وإنما لأجل البيت.. وما كان لله لا يضيع.\n_________\n(١) أخرج الفريابي عن مجاهد قال: سجيل بالفارسية أولها حجارة وآخرها طين. (نقله السيوطي في إتقانه ح ١ ص ١٣٨ في باب ما وقع في القرآن بغير لغة العرب.","vol":"3","page":770},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3962>سورة قريش</span>\nقوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» .\n«بِسْمِ»: الباء فى «بِسْمِ» تشير إلى براءة سرّ الموحّدين عن حسبان الحدثان، وعن كلّ شىء ممّا لم يكن فكان، وتشير إلى الانقطاع إلى الله في السّرّاء والضرّاء، والشّدّة والرخاء.\nوالسين تشير إلى سكونهم في جميع أحوالهم تحت جريان ما يبدو من الغيب بشرط مراعاة الأدب.\nوالميم تشير إلى منّة الله عليهم بالتوفيق «١» لما تحقّقوا به من معرفته، وتخلّقوا به من طاعته «٢» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3963>[سورة قريش (١٠٦): الآيات ١ الى ٤]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nلِإِيلافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤)\n«الإيلاف»: مصدر آلف، إذا جعلته يألف ... وهو ألف إلفا «٣» .\nوالمعنى: جعلهم كعصف مأكول لإيلاف قريش، أي ليألفوا رحلتهم في الشتاء والصيف.\nوكانت لهم رحلتان للامتيار «٤»: رحلة إلى الشام في القيظ، ورحلة إلى اليمن في الشتاء.\n_________\n(١) هكذا في ص وهي في م (بالتحقيق) .\n(٢) يستطيع القارئ أن يربط بين فحوى البسملة كما يتذوقها القشيري هنا وبين الجو العام للسورة.\n(٣) عند هذه النقطة تنتهى النسخة (ص) ونعتمد فيما بقي من الكتاب على النسخة م.\n(٤) الامتيار طلب السيرة وجمعها.","vol":"3","page":771},{"text":"والمعنى: أنعم الله عليهم بإهلاك عدوّهم ليؤلّفهم رحلتيهم.\nوقيل: فليعبدوا ربّ هذا البيت لإيلاف قريش، كأنه أعظم المنّة عليهم. وأمرهم بالعبادة:\n«فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ» فليعبدوه لما أنعم به عليهم.\nوقيل: فليعبدوا ربّ هذا البيت الذي أطعمهم من جوع بعد ما أصابهم من القحط حينما دعا عليهم الرسول ﷺ «١» .\n«وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ» .\nحين جعل الحرم آمنا، وأجارهم من عدوّهم.\nويقال: أنعم عليهم بأن كفاهم الرحلتين بجلب الناس الميرة إليهم من الشام ومن اليمن.\nووجه المنّة في الإطعام والأمان هو أن يتفرّغوا إلى عبادة الله فإنّ من لم يكن مكفىّ الأمور لا يتفرّغ إلى الطاعة، ولا تساعده القوة ولا القلب- إلّا عند السلامة بكلّ وجه وقد قال تعالى.\n«وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ «٢»» فقدّم الخوف على جميع أنواع البلاء.\n_________\n(١) دعا عليهم الرسول (ص) لمّا كذّبوه وقال: «اللهم اجعلها عليهم سنين كسنى يوسف» فاشتد القحط، فقالوا: يا محمد ادع الله لنا فإنّا مؤمنون، فدعا فأخصبت الأرض، وحملوا الطعام إلى سائر البلدان.\n(٢) آية ١٥٥ سورة البقرة.","vol":"3","page":772},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3964>سورة الدّين</span>\n«١» قوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» .\n«بِسْمِ اللَّهِ» كلمة سماعها غذاء أرواح المحبين، ضياء أسرار الواجدين، شفاء قلوب المتيّمين بلاء مهج المساكين، دواء كلّ فقير مسكين «٢» .\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3965>[سورة الماعون (١٠٧): الآيات ١ الى ٧]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nأَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢) وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (٣) فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤)\nالَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ (٧)\nنزلت الآية على جهة التوبيخ، والتعجّب من شأن تظلّم اليتيم من الكفار.\nفقال: أرأيت الذي يكذّب بالدين، وبالحساب والجزاء؟\n«فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ» يدفعه بجفوة، ويقال: يدفعه عن حقّه «٣» .\n«وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ» أي: لا يحثّ على إطعام المسكين، وإنما يدعّ اليتيم لأنّ الله تعالى قد نزع الرحمة من قلبه، ولا تنزع الرحمة إلّا من قلب شقيّ.\nوهو لا يحث على طعام المسكين، لأنه في شحّ نفسه وأمر بخله.\nقوله جل ذكره: «فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ»\n_________\n(١) يقول السيوطي في إتقانه: تسمى سورة أرأيت، وسورة الدين، وسورة الماعون (الإتقان ح ١ ص ٥٥) [.....]\n(٢) مرة أخرى نلفت النظر إلى ما بين إشارات البسملة والجو العام للسورة.\n(٣) قال ابن جريح: نزلت في أبى سفيان، وكان ينحر في كل أسبوع جزورا فطلب منه يتيم شيئا، فقرعه بعصاه.","vol":"3","page":773},{"text":"السّاهى عن الصبرة الذي لا يصلّى. ولم يقل: الذين هم في صلاتهم ساهون.. ولو قال ذلك لكان الأمر عظيما.\n«الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ»: أي يصلون ويفعلون ذلك على رؤية الناس- لا إخلاص لهم «وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ» الماعون. مثل الماء، والنار، والكلأ، والفأس، والقدر وغير ذلك من آلة البيت، ويدخل في هذا: البخل، والشّحّ بما ينفع الخلق مما هو ممكن ومستطاع.","vol":"3","page":774},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3966>سورة الكوثر</span>\nقوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» .\n«بِسْمِ اللَّهِ» اسم يجلّ العبد بإجلاله ولا يجل هو إلا باستحقاق علوّه في آزاله.\nاسم عزيز أعزّ من شاء بأفضاله وإقباله وأذلّ أعداءه بسلاسله وأغلاله، والتخليد فى جحيمه وأنكاله.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3967>[سورة الكوثر (١٠٨): الآيات ١ الى ٣]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nإِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)\n«الْكَوْثَرَ»: أي الخير الكثير. ويقال: هو نهر في الجنة.\nويقال: النبوّة والكتاب. وقيل: تخفيف الشريعة.\nويقال: كثرة أمّته.\nويقال: الأصحاب والأشياع. ويقال: نور في قلبه.\nويقال: معرفته بربوبيته.\n«فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ» أي صلّ صلاة العيد «وَانْحَرْ» النّسك «١» ويقال: جمع له في الأمر بين: العبادة البدنية، والمالية.\nويقال «وَانْحَرْ» أي استقبل القبلة بنحرك. أو ارفع يديك في صلاتك إلى نحرك «٢»\n_________\n(١) فى البخاري وغيره: قال رسول الله (ص) «أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلّى، ثم نرجع فننحر، من فعل فقد أصاب نسكنا، ومن ذبح قبل فإنما هو لحم قدّمه لأهله، ليس من النّسك في شىء لأن ترتيب الآية: صلاة ثم نحر. وقال أنس: كان النبي (ص) ينحر ثم يصلى حتى نزلت.\n(٢) عن على ﵁: لمّا نزلت الآية سأل النبيّ جبريل: ما هذه النحيرة التي أمرنى الله بها؟\nقال: ليست بنحيرة ولكنه يأمرك إذا تحرّمت للصلاة أن ترفع يديك إذا كبّرت.. فزينة الصلاة رفع اليدين عند كل تكبيره.","vol":"3","page":775},{"text":"ويقال: ضع يمينك على يسارك في الصلاة واجعلها تحت نحرك.\n«إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ» أي: لا يذكر بخير، منقطع عنه كل خير. «١»\n_________\n(١) قيل: هو العاص، وقيل: هو أبو جهل، وقيل: هو عقبة بن أبى معيط. والأبتر من الرجال:\nمن لا ولد له، أو مات أبناؤه وبقيت بناته.","vol":"3","page":776},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3968>سورة الكافرون</span>\n«١» قوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» «بِسْمِ اللَّهِ» كلمة من آمن بها أمن من زوال النّعمى، وحظى بنعيم الدنيا والعقبى، وسعد سعادة لا يشقى، ووجد ملكا لا يفنى، وبقي في العزّ والعلى.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3969>[سورة الكافرون (١٠٩): الآيات ١ الى ٦]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nقُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ (١) لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ (٢) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ (٣) وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ (٤)\nوَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)\nمن أصنامكم.\n«وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ» «ما» أعبد أي «من» أعبد.\n«وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ» فى زمانكم.\n«وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ» كرّر اللفظ على جهة التأكيد.\n«لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ» أي: لكم جزاؤكم على دينكم، ولى الجزاء على دينى.\n_________\n(١) من أسمائها: سورة العبادة، والمقشقشة.","vol":"3","page":777},{"text":"والعبودية «١» القيام بأمره على الوجه الذي به أمر، وبالقدر الذي به أمر، وفي الوقت الذي فيه أمر.\nويقال: صدق العبودية في ترك الاختيار، ويظهر ذلك في السكون تحت تصاريف الأقدار من غير انكسار.\nويقال: العبودية انتفاء الكراهية بكلّ وجه من القلب كيفما صرّفك مولاك.\n_________\n(١) واضح أن إشارة القشيري تستند إلى «العبودية» بينما الآيات تتحدث عن «العبادة» ولكن الصلة وثيقة بين كليهما وبين «العبودة»: ارجع في ذلك إلى رسالة القشيري ص ٩٩.","vol":"3","page":778},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3970>سورة النّصر</span>\nقوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» .\n«بِسْمِ اللَّهِ»: اسم كريم يبصر ويستر، ويعلم ويحلم «١»، ويمدح ولا يفضح، ويعفو عن جميع ما يجترم العبد ويصفح يعصى العبد على التوالي، ويغفر الحقّ ولا يبالى.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3971>[سورة النصر (١١٠): الآيات ١ الى ٣]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nإِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّابًا (٣)\nالنصر الظّفر بالعدوّ، و«الْفَتْحُ» فتح مكة.\n«وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجًا» يسلمون جماعات جماعات.\n«فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ» أكثر حمد ربّك، وصلّ له، وقدّسه.\nويقال: صلّ شكرا لهذه النعمة.\n«وَاسْتَغْفِرْهُ» وسل مغفرته.\n«إِنَّهُ كانَ تَوَّابًا» .\nلمن تاب فإنه يقبل توبته.\nويقال: نصرة الله- سبحانه- له بأن أفناه عن نفسه، وأبعد عنه أحكام البشرية، وصفّاه من الكدورات النفسانية. وأمّا «الْفَتْحُ»: فهو أن رقّاه إلى محلّ الدنوّ، واستخلصه بخصائص الزلفة، وألبسه لباس الجمع، واصطلمه عنه، وكان له عنه، ولنفسه- سبحانه- منه، وأظهر عليه ما كان مستورا من قبل من أسرار الحقّ، وعرّفه- من كمال معرفته به- ما كان جميع الخلق متعطشا إليه «٢» .\n_________\n(١) فى ص (يحكم) ولكننا آثرنا أن تكون (يحلم) مرجحين أن ذلك أقرب إلى الأصل لأن الحلم هنا أقرب إلى السياق.\n(٢) تعبر هذه الفقرة تعبيرا صادقا عن مدى نظرة الصوفية إلى المصطفى على أنه «الصوفيّ الأول» .","vol":"3","page":779},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3972>سورة أبى لهب</span>\nقوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» .\n«بِسْمِ اللَّهِ» كلمة جبّارة للمذنبين، تجبر أعمالهم، وتحقّق آمالهم، وهي للعارفين تصغر فى أعينهم أحوالهم، وتكمّل- عن شواهدهم- امتحاءهم «١» واستئصالهم، وتحقّق لهم- بعد فنائهم عنهم- وصالهم.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3973>[سورة المسد (١١١): الآيات ١ الى ٥]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nتَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ (٢) سَيَصْلى نارًا ذاتَ لَهَبٍ (٣) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤)\nفِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (٥)\nأي: خسرت يداه.\n«ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ» ما أغنى عنه ماله ولا كسبه الخبيث- شيئا.\nوقيل: «ما كَسَبَ»: ولده «٢» .\nقوله جل ذكره: «سَيَصْلى نارًا ذاتَ لَهَبٍ وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ «٣» الْحَطَبِ» يلزمها إذا دخلها فلا براح له منها. وامرأته أيضا ستصلى النار معه.\n«فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ» .\n_________\n(١) فى ص (امتحانهم) والصواب أن تكون (امتحاءهم) أي حصول «المحو» لهم.\n(٢) حين قال أبو لهب: «إن كان ما يقوله ابن أخى حقا فإنى أفدى نفسى بما لى وولدى» فنزل: «ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ» .\n(٣) وعلى الرفع قراءة نافع. وقرأ عاصم بالنصب على الذمّ كأنها اشتهرت بذلك- كقوله تعالى: «مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا» آية ٦١ سورة الأحزاب.","vol":"3","page":780},{"text":"«مَسَدٍ» شىء مفتول، وكانت تحمل الشوك وتنقله وتبثه في طريق رسول الله ﵊.\nويقال: سحقا لمن لا يعرف قدرك- يا محمد. وبعدا لمن لم يشهد ما خصصناك به من رفع محلّك، وإكبار شأنك ... ومن ناصبك كيف ينفعه ماله؟ والذي أقميناه لأجلك وقد (أساء) «١» أعماله.. فإنّ إلى الهوان والخزي مآله، وإنّ على أقبح حال حال امرأته وحاله.\n_________\n(١) ما بين القوسين من عندنا فهى في النسخة م مشتبهة.","vol":"3","page":781},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3974>سورة الإخلاص</span>\nقوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» «بِسْمِ اللَّهِ» كلمة عزيزة عزّ لسان ذكرها، وأعزّ منه قلب عرفها، وأعزّ من هذا روح أحبّها، وأعزّ من هذا سرّ شهدها.\nليس كلّ من قصدها وجدها، ولا كلّ من وجدها بقي معها.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3975>[سورة الإخلاص (١١٢): الآيات ١ الى ٤]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)\nلمّا قال المشركون: أنسب لنا ربّك. أنزل الله تعالى: «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ» «١» فمعنى «هُوَ» أي: الذي سألتم عنه «هُوَ» الله. ومعنى «أَحَدٌ» أي: هو أحد.\nويقال: «هُوَ» مبتدأ، و«اللَّهُ» خبره و«أَحَدٌ» خبر ثان كقولهم:\nهذا حلو حامض.\n«اللَّهُ الصَّمَدُ» «الصَّمَدُ»: السيّد الذي يصمد إليه في الحوائج، ويقصد إليه في المطالب. ويقال:\nالكامل في استحقاق صفات المدح.\nويرجّح تحقيق قول من قال: إنه الذي لا جوف له إلى أنه واحد لا (...) «٢»\nفى ذاته.\n_________\n(١) روى الترمذي ذلك عن أبى العالية. وقيل: الآية جواب لسؤال المشركين: صف لنا ربّك ...\nأمن ذهب هو أم من نحاس أم من صفر؟ [.....]\n(٢) مشتبهة.","vol":"3","page":782},{"text":"«لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ» ليس بوالد ولا مولود.\n«وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ» تقديره. لم يكن أحد كفوا له.\nو«أَحَدٌ» أصله وحد، ووحد، وواحد بمعنى، وكونه واحدا: أنه لا قسيم له ولا شبيه له ولا شريك له.\nويقال: السورة بعضها تفسير لبعض من هو الله؟ هو الله. من الله؟ الأحد، من الأحد؟\nالصمد، من الصمد؟ الذي لم يلد ولم يولد، من الذي لم يلد ولم يولد؟ الذي لم يكن له كفوا أحد.\nويقال: كاشف الأسرار بقوله: «هُوَ» . وكاشف الأرواح بقوله: «اللَّهُ» وكاشف القلوب بقوله: «أَحَدٌ»: وكاشف نفوس المؤمنين بباقي السورة.\nويقال: كاشف الوالهين بقوله: «هُوَ»، والموحّدين بقوله: «اللَّهُ» والعارفين بقوله:\n«أَحَدٌ» والعلماء بقوله: «الصَّمَدُ» والعقلاء بقوله: «لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ» ... إلى آخره.\nويقال: لمّا بسطوا لسان الذمّ في الله أمر نبيّنا بأن يردّ عليهم فقال: «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ»:\nأي ذبّ عنى ما قالوا، فأنت أولى بذلك. وحينما بسطوا لسان الذمّ في النبيّ ﷺ تولّى الحقّ الردّ عليهم، فقال: «ن. وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ. ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ» وقال:\n«وَالنَّجْمِ إِذا هَوى. ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى» أي أنا أذبّ عنك فأنا أولى بذلك منك.\nويقال: خاطب الذين هم خاص الخواص بقوله: «هُوَ» فاستقلوا، ثم زاد لمن نزل عنهم فقال: «اللَّهُ»، ثم زاد في البيان لمن نزل عنهم.\nفقال: «أَحَدٌ» ثم لمن نزل عنهم فقال: «الصَّمَدُ» .\nويقال: الصّمد الذي ليس عند الخلق منه إلا الاسم والصفة","vol":"3","page":783},{"text":"ويقال: الصمد الذي تقدّس عن إحاطة علم المخلوق به وعن إدراك بصرهم له، وعن إشراف معارفهم عليه.\nويقال: تقدّس بصمديته عن وقوف المعارف عليه.\nويقال: تنزّه عن وقوف العقول عليه.","vol":"3","page":784},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3976>سورة الفلق</span>\nقوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» .\n«بِسْمِ اللَّهِ»: اسم عزيز إذا تجلّى لقلب فإن لاطفه بجماله أحياه، وإن كاشفه بجلاله أباده وأفناه فالعبد في حالتى: بقاء وفناء، ومحو وإثبات، ووجد وفقد.\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3977>[سورة الفلق (١١٣): الآيات ١ الى ٥]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ (٣) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ (٤)\nوَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ (٥)\nأي أمتنع وأعتصم بربّ الفلق. والفلق الصّبح.\nويقال: هو الخلق كلّهم «١» . وقيل الفلق واد في جهنم «٢» .\n«مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ» أي من الشرور كلّها.\n«وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ» قيل: الليل إذا دخل. وفي خبر. أنه ﷺ أخذ بيد عائشة ونظر إلى القمر فقال: «يا عائشة، تعوّذى بالله من شرّ هذا فإنه الغاسق إذا وقب «٣»» .\n«وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ» وهن السواحر اللواتى ينفخن في عقد الخيط (عند الرّقية) ويوهمنّ إدخال الضرر بذلك.\n_________\n(١) أي هو كل ما انفلق من حيوان وصبح ونوى وحسب ونبات وغيره..\n(٢) تأخر وضع هذه العبارة قليلا فأثبتناه في موضعه.\n(٣) رواه الترمذي. وقال أبو عيسى: هو حديث صحيح.\nلطائف الإشارات- ج ٣-","vol":"3","page":785},{"text":"«وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ» والحسد شرّ الأخلاق.\nوفي السورة تعليم استدفاع الشرور من الله. ومن صحّ توكّله على الله فهو الذي صحّ تحقّقه بالله، فإذا توكّل لم يوفّقه الله للتوكّل إلّا والمعلوم من حاله أنه يكفيه ما توكّل به عليه وإنّ العبد به حاجة إلى دفع البلاء عنه- فإن أخذ في التحرّز من «١» تدبيره وحوله وقوّته، وفهمه وبصيرته في كلّ وقت استراح من تعب تردّد القلب في التدبير، وعن قريب يرقّى إلى حالة الرضا.. كفى مراده أم لا. وعند ذلك الملك الأعظم، فهو بظاهره لا يفتر عن الاستعاذة، وبقلبه لا يخلو من التسليم والرضا. «٢»\n_________\n(١) بعد (من) كلمة مبهمة في الرسم أقرب ما تكون إلى (جيلته) .\n(٢) معنى هذا أن تمام التوكّل على الله أعظم مانع للعبد من أن يلم به مكروه نتيجة سحر أو حسد ونحوهما، فلن يصيب العبد إلا ما كتبه الله له.","vol":"3","page":786},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3978>سورة الناس</span>\nقوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» بسم الله الذي قصرت عنه العقول فوقفت، وعجزت العلوم فتحيّرت، وتقاصره المعاوف فخجلت، وانقطعت الفهوم فدهشت.. وهو بنعت علائه ووصف سنائه وبهائه وكبريائه يعلم ولكنّ الإحاطة في العلم به محال، ويرى ولكنّ الإدراك في وصفه مستحيل ويعرف ولكنّ الإشراف في نعته غير صحيح. «١»\nقوله جل ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3979>[سورة الناس (١١٤): الآيات ١ الى ٦]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلهِ النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ (٤)\nالَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)\nأعتصم بربّ الناس خالقهم وسيّدهم.\n«مَلِكِ النَّاسِ» أي مالكهم جميعهم.\n«إِلهِ النَّاسِ» القادر على إيجادهم.\n«مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ» من حديث النّفس بما هو كالصوت الخفىّ.\nويقال: من شرّ ذى الوسواس.\nويقال: من شرّ الوسوسة التي تكون بين الجنّة والناس.\n_________\n(١) فقد جلّت الصمدية أن يستشرف منها عالم بعلمه أو واهم بوهمه، أو عارف بمعرفته.. وكلّ ما هنالك هو شهود (الفعل) الإلهى لا (الذات) الإلهية.","vol":"3","page":787},{"text":"و«الْخَنَّاسِ» الذي يغيب ويخنس عن ذكر الله. وهو من أوصاف الشيطان.\n«الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ» قيل: «النَّاسِ» يقع لفظها على الجنّ والإنس جميعا- كما قال تعالى:\n«وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ» «١» فسمّاهم نفرا، وكما قال:\n«يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ» «٢» فسمّاهم رجالا.. فعلى هذا استعاذ من الشيطان الذي يوسوس في صدور الناس، والشيطان الذي له تسلّط على الناس كالوسواس فللنّفس من قبل العبد هواجس، وهواجس النّفس ووساوس الشيطان يتقاربان إذ أن ما يدعو إلى متابعة الشهوة أو الضلالة في الدين أو إلى ارتكاب المعصية، أو إلى الخصال الذميمة- فهو نتيجة الوساوس والهواجس.\nوبالعلم يميّز «٣» بين الإلهام وبين الخواطر الصحيحة وبين الوساوس «٤» .\n(ومما تجب معرفته) «٥» أن الشيطان إذا دعا إلى محظور فإن خالفته يدع ذلك (ثم) يدعوك إلى معصية أخرى إذ لا غرض له إلا الإقامة على دعائك (... «٦») غير مختلفة.\n_________\n(١) آية ٢٩ سورة الأحقاف.\n(٢) آية ٦ سورة الجن.\n(٣) فى النص كلمة منبهمة اخترنا (يميز) طبقا لرأى القشيري كما سيتضح من الهامش التالي.\n(٤) «الخاطر خطاب يرد على الضمائر وقد يكون بإلقاء الشيطان وقد يكون من أحاديث النفس أو من قبل الحق فإذا كان من الملك فهو الإلهام، وإذا كان من قبل النفس قيل له: الهواجس، وإذا كان من قبل الشيطان فهو الوسواس، وإذا كان من قبل الله- سبحانه- وإلقائه في القلب فهو خاطر حقّ.. وإذا كان من قبل الملك فإنما يعلم صدقه بموافقة العلم ...» رساله القشيري ص ٤٦ و٤٧.\n(٥) هذه إضافة من جانبنا ليتماسك السياق ويتضح.\n(٦) مشتهة.","vol":"3","page":788},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3980>خاتمة الكتاب</span>\nبعونه تعالى انتهى تحقيق كتاب «لطائف الإشارات» للإمام القشيري في غرّة رجب من عام ١٣٩٠ هـ وقد استغرق هذا العمل نحو خمس سنوات كوامل، قطعنا فيها رحلة أضنت الجسم والبصر والفكر، ولكنها أمتعت القلب، وأيقظت الروح، وأنعشت السّرّ.\nولست أحبّ- متأثرا الصوفية- أن أحدّث القارئ عن مقدار ما لقيت من متاعب.. فهذا ضرب من دعوى النفس. وإنما أترك ذلك للقارئ. وقبل كل شىء أضرع إلى الله- وحده- أن يحتسب هذا العمل لى ذخرا عنده، وأن يمحو- إن شاء- من ديوانى بعض خطاياى.\nكما أدعو الله أن ينفع به كافة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها بمقدار ما له من قيمة علمية نادرة، وبمقدار ما لصاحبهرضي الله عنه- من قدر جليل في تراثنا العظيم.\nوالواقع.. أنّ أعظم ما يفعمنى بالسعادة من دواع هو هذا الاستقبال الذي حظى به الكتاب، فقد وصلتني رسائل عديدة من أقطار شتّى، ومن علماء أجلاء من نواح نائية كلها تحثّ على المسير، وتغذّى العزم، وتلهم الصبر على إتمام هذا العمل الشاق.\nولا أحب أن أختم كلمتى قبل أن أعتذر للقارئ عما قد يكون في الكتاب من قصور أو تقصير، ترجع أسباب بعضه لى، وتقع تبعته عليّ، ويعود بعضه إلى المطبعة- فنحن شريكان فيه كما يرجع الكثير منها إلى النّسّاخ..\nولا عجب في ذلك فالرحلة طويلة، ودروبها متشعبة. ولكننا نعد- إذا شاء الله وظهرت للكتاب طبعات أخرى- أن نتحاشى قدر الوسع كل هذه الوجوه. وأكون","vol":"3","page":789},{"text":"سعيدا لو أشرك القرّاء أنفسهم معى في ذلك فبعثوا إليّ بملاحظهم، فلم يعد الكتاب منذ الآن قاصرا عليّ وحدي.\nكما أعد- إن شاء الله- بتدارك ما جاء في الكتاب من عيوب الشعر التي حالت الظروف القاهرة دون تداركها.\nلقد كان رائدنا في هذه المرحلة من التحقيق أن يصل المتن الصوفيّ للناس، ولكننا فى المراحل التالية سننهض- بحول الله وقوته- بكثير من الأعمال التي تتصل بالشروح، وبالمصطلحات، وبالقضايا الأساسية التي نهض بها الكتاب.. فليس «لطائف الإشارات» بأقلّ من «الرسالة» التي حظيت باهتمام الأجيال المتعاقبة.\nوأخيرا، فإنى أتمنى أن أكون بإخراج هذا الكتاب قد وفيت بعض الّذين الذي فى عنقى للإمام الجليل عبد الكريم القشيريرضي الله عنه وأرضاه.\nوفقنا الله جميعا إلى الخير.\nدكتور إبراهيم بسيونى أستاذ بكلية الألسن- الزيتون- القاهرة","vol":"3","page":790},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3981>الفهرس</span>\nاسم السورة الصفحة الشعراء ٥ النمل ٢٣ القصص ٥٣ العنكبوت ٨٦ الروم ١٠٧ لقمان ١٢٧ السجدة ١٣٨ الأحزاب ١٤٩ سبأ ١٧٥ فاطر ١٩٠ يس ٢١١ الصافات ٢٢٧ ص ٢٤٥ الزمر ٢٦٦ المؤمن (غافر) ٢٩٤ فصلت ٣١٩ الشورى ٣٤١ الزخرف ٣٦١ الدخان ٣٧٩ الجاثية ٣٨٨","vol":"3","page":791},{"text":"الأحقاف ٣٩٥ محمد (ﷺ) ٤٠٣ الفتح ٤١٧ الحجرات ٤٣٧ ق ٤٤٧ الذاريات ٤٥٩ الطور ٤٧١ النجم ٤٨٠ القمر ٤٩٣ الرحمن ٥٠٢ الواقعة ٥١٦ الحديد ٥٣٠ المجادلة ٥٤٨ الحشر ٥٥٦ الممتحنة ٥٦٩ الصف ٥٧٥ الجمعة ٥٨١ المنافقون ٥٨٧ التغابن ٥٩٢ الطلاق ٥٩٨ التحريم ٦٠٤ الملك ٦١٠ القلم ٦١٦ الحاقة ٦٢٤ المعارج ٦٢٨ نوح ٦٣٤ الجن ٦٣٧ المزمل ٦٤١ المدثر ٦٤٧ القيامة ٦٥٤","vol":"3","page":792},{"text":"الإنسان ٦٦٠ المرسلات ٦٧٠ النبأ ٦٧٥ النازعات ٦٨١ عبث ٦٨٧ التكوير ٦٩٢ الإنفطار ٦٩٦ المطففين ٦٩٩ الإنشقاق ٧٠٥ البروج ٧٠٩ الطارق ٧١٤ الأعلى ٧١٧ الغاشية ٧٢٠ الفجر ٧٢٤ البلد ٧٢٩ الشمس ٧٣٢ الليل ٧٣٥ الضحى ٧٣٩ ألم نشرح ٧٤٣ التين ٧٤٥ العلق ٧٤٧ القدر ٧٥٠ لم يكن ٧٥٢ الزلزلة ٧٥٥ العاديات ٧٥٧ القارعة ٧٦٠ التكاثر ٧٦٢ العصر ٧٦٤","vol":"3","page":793},{"text":"الهمزة ٧٦٦ الفيل ٧٦٨ قريش ٧٧١ الدين ٧٧٣ الكوثر ٧٧٥ الكافرون ٧٧٧ النصر ٧٧٩ أبا لهب ٧٨٠ الإخلاص ٧٨٢ الفلق ٧٨٥ الناس ٧٨٧ خاتمة الكتاب ٧٨٩ انتهى","vol":"3","page":794}]}